Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الأطعمة
1- باب ما جاء في إجابة الدعوة
3730 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنْ نَافِعٍ عنْ عبد الله بنِ عُمَرَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا دُعِيَ أحَدُكُم إلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا".
ـــــــ
"أول كتاب الأطعمة"
"باب ما جاء في إجابة الدعوة"
"إذا دعي" بصيغة المجهول "أحدكم إلى الوليمة" هي الطعام الذي يصنع عند العرس "فليأتها" أي فليأت مكانها. والتقدير إذا دعي إلى مكان وليمة فليأتها، ولا يضر إعاده الضمير مؤنثاً. قاله الحافظ. قال النووي: في الحديث الأمر بحضورها، ولا خلاف في أنه مأمور به، ولكن هل هو أمر إيجاب أو ندب، فيه خلاف الأصح في مذهبنا أنه فرض عين على كل من دعى، لكن يسقط بأعذار سنذكرها، والثاني أنه فرض كفاية، والثالث مندوب. هذا مذهبنا في وليمة العرس. وأما غيرها ففيها وجهان الأصحابنا: أحدهما أنها كوليمة العرس، والثاني أن الإجابة إليها ندب وإن كانت في العرس واجبة. ونقل القاضي اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس، قال: واختلفوا فيما سواها، فقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها، وقال أهل الظاهر: تجب الإجابة إلى كل دعوة من عرس وغيره، وبه قال بعض السلف. وأما الأعذار التي يسقط بها وجوب إجابة الدعوة أو ندبها فمنها أن يكون في الطعام شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شره أو لطمع في جاهه، أو ليعاونه على باطل، وأن لا يكون هناك منكر من خمر أو لهو أو فرش حرير أو صور حيوان غير مفروشة، أو آنية ذهب أو فضة. فكل هذه أعذار في ترك الإجابة ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه ولو دعاه ذمي لم تجب إجابته على الأصح،

(10/145)


3731 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ قالَ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عنْ عبيد الله عنْ نَافِعٍ عنْ ابنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: بمَعْناهُ. زَادَ: " فإنْ كانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ وَإنْ كانَ صائِماً فَلْيَدَعْ ".
3732 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ قالَ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ قالَ أخبرنا مَعْمَرٌ عنْ أيّوبَ عنْ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا دَعا أحَدُكُم أخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْساً كانَ أوْ نَحْوَهُ" .
ـــــــ
ولو كانت الدعوة ثلاثة أيام، فالأول تجب الإجابة فيه، والثاني تستحب، والثالث تكره انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"بمعناه" أي بمعنى الحديث المذكور "زاد" أي عبيد الله الراوي عن نافع "فإن كان" أي المدعو "مفطراً فليطعم" ظاهره وجوب الأكل على المدعو وقد اختلف العلماء في ذلك والأصح عند الشافعية أنه لا يجب الأكل في طعام الوليمة ولا غيرها.
وقيل: يجب لظاهر الأمر وأقله لقمة. وقال من لم يوجب الأكل الأمر للندب، والقرينة الصارفة إليه حديث جابر الآتي في هذا الباب "وإن كان صائماً فليدع" أي لأهل الطعام بالمغفرة والبركة. وفيه دليل على أنه يجب الحضور على الصائم ولا يجب عليه الأكل.
قال النووي: لا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل، لكن إن كان صومه فرضاً لم يجز له الأكل لأن الفرض لا يجوز الخروج منه وإن كان نفلاً جاز الفطر وتركه، فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر، وإلا فإتمام الصوم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه وفي حديثهما وليمة عرس وليس في حديثهما الزيادة.
"إذا دعا أحدكم أخاه فليجب" أي أخوه المدعو دعوة أخيه الداعي "عرساً" بضم العين المهملة وإسكان الراء وضمها لغتان مشهورتان "كان أو نحوه" كالعقيقة. وقد احتج بهذا من ذهب إلى أنه يجب الإجابة إلى الدعوة مطلقاً. وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين. ومنهم من فرق بين وليمة العرس وغيرها كما تقدم. قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(10/146)


3733 - حدثنا ابنُ المُصَفّى قالَ أخبرنا بَقِيّةُ قالَ أخبرنا الزّبَيْدِيّ عن نَافِعٍ بإِسْنَادِ أيّوبَ وَمَعْنَاهُ.
3734 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ قالَ أنبأنا سُفْيَانُ عنْ أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ دُعِيَ فَلْيُجِبْ، فإنّ شَاءَ طَعِمَ، وَإنْ شَاءَ تَرَكَ" .
3735 - حدثنا مُسَدّدٌ قال: أخبرنا دُرُسْتُ بنُ زِيَادٍ عن أبَانَ بنِ طَارِقٍ عن نَافِعٍ قال: قال عبد الله بنُ عُمَرَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ دُعِيَ فلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقاً وَخَرَجَ مُغِيراً" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: أبَانُ بنُ طَارِقٍ مَجْهُولٌ.
ـــــــ
"حدثنا ابن المصفى" هو محمد بن المصفى بن بهلول القرشي صدوق له أوهام وكان يدلس "أخبرنا الزبيدي" بالزاي والموحدة مصغراً هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي ثقة ثبت "بإسناد أيوب ومعناه" أي معنى حديثه.
"فإن شاء طعم" بفتح الطاء وكسر العين أي أكل "وإن شاء ترك" فيه دليل على أن نفس الأكل لا يجب على المدعو في عرس أو غيره وإنما الواجب الحضور وهو مستند من لم يوجب الأكل على المدعو، وقال الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم فإن كان مفطراً فليطعم للندب.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
-"أخبرنا درست" بضم الدال والراء المهملتين وسكون السين المهملة بعدها مثناة ضعيف من الثامنة "فقد عصى الله ورسوله" احتج بهذا من قال بوجوب الإجابة إلى الدعوة لأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب "ومن دخل على غير دعوة" أي للمضيف إياه "دخل سارقاً وخرج مغيراً" بضم الميم وكسر الغين المعجمة اسم فاعل من أغار يغير إذا نهب مال غيره، فكأنه شبه دخوله على الطعام الذي لم يدع إليه بدخول السارق الذي يدخل بغير إرادة المالك، لأنه اختفى بين الداخلين، وشبه خروجه بخروج من نهب قوماً وخرج ظاهراً بعد ما أكل بخلاف الدخول فإنه دخل مختفياً خوفاً من أن يمنع، وبعد الخروج قد قضى حاجته فلم يبق له حاجة إلى التستر.
وقال في المرقاة: والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم علم أمته مكارم الأخلاق البهية ونهاهم عن الشمائل الدنية، فإن عدم إجابة الدعوة من غير حصول المعذرة يدل على تكبر النفس والرعونة وعدم

(10/147)


3736 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن الأعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أنّهُ كَانَ يَقُولُ: شَرّ الطّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَها الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ المَسَاكِينُ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ.
ـــــــ
الألفة والمحبة. والدخول من غير دعوة يشير إلى حرص النفس ودناءة الهمة وحصول المهانة والمذلة. فالخلق الحسن هو الاعتدال بين الخلقين المذمومين انتهى.
وقال الشيخ عبدالحق الدهلوي: دخل سارقاً لدخوله بغير إذن صاحب البيت، فكأنه دخل خفية وخرج مغيراً من الإغارة إن أكل أو حمل شيئاً معه، لأنه لما كان بغير إذن المالك كان في حكم الغصب والغارة انتهى.
قال المنذري: في إسناده أبان بن طارق البصري، سئل عنه أبو زرعة الرازي فقال شيخ مجهول، وقال أبو أحمد بن عدي وأبان بن طارق لا يعرف إلا بهذا الحديث، وهذا الحديث معروف به وليس له أنكر من هذا الحديث. وفي إسناده أيضاً درست بن زياد ولا يحتج بحديثه، ويقال هو درست بن همزة وقيل بل هما اثنان ضعيفان.
-الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء، ويترك المساكين" الجملة صفة الوليمة.
قال القاضي: وإنما سماه شراً لما ذكر عقيبه فإنه الغالب فيها، فكأنه قال شر الطعام طعام الوليمة التي من شأنها هذا، فاللفظ وإن أطلق فالمراد به التقييد بما ذكر عقيبه.
قال الطيبي: اللام في الوليمة للعهد الخارجي، وكان من عادتهم مراعاة الأغنياء فيها فيدعوا الأغنياء ويتركوا الفقراء. وقوله يدعي إلخ استئناف بيان لكونها شر الطعام "ومن لم يأت الدعوة" أي من غير معذرة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي موقوفاً أيضاً وأخرجه مسلم من حديث ابن عياض عن أبي هريرة انتهى.
قلت: أخرج مسلم من طريق ثابت بن عياض الأعرج أنه يحدث عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعي إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله عز وجل ورسوله" انتهى.
وقد تقرر أن الحديث إذا روى موقوفاً ومرفوعاً حكم برفعه على المذهب الصحيح والله أعلم.

(10/148)


2- باب في استحباب الوليمة للنكاح
3737 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالا أخبرنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ قال: ذُكِرَ تَزْوِيجُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْش عِنْدَ أنَسِ بنِ مَالِكٍ فقالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَوْلَمَ عَلَى أحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَيْهَا أَوْلَمَ بِشَاةٍ.
3738 - حدثنا حَامِدُ بنُ يَحْيَى قال أخبرنا سُفْيَانُ قال أخبرنا وَائِلُ بنُ دَاوُدَ عن ابْنِهِ بَكْرِ بنِ وَائِلٍ عن الزّهْرِيّ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أوْلَمَ عَلَى صَفِيّةَ بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ.
ـــــــ
"باب في استحباب الوليمة عند النكاح"
قد اختلف السلف في وقتها هل هو عند العقد أو عقبه أو عند الدخول أو عقبه أو يوسع من ابتدء العقد إلى انتهاء الدخول على أقوال.
قال النووي: اختلفوا، فحكى القاضي عياض أن الأصح عند المالكية استحبابها بعد الدخول، وعن جماعة منهم عند العقد، وعن ابن جندب عند العقد وبعد الدخول.
قال السبكي: والمنقول من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنها بعد الدخول انتهى. وفي حديث أنس عند البخاري وغيره التصريح بأنها بعد الدخول لقوله "أصبح عروساً بزينب فدعا القوم" كذا في النيل. قلت: قال الحافظ: وقد ترجم عليه البيهقي في وقت الوليمة.
"قال ذكر" بصيغة المجهول "فقال" أي أنس "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم على أحد من نسائه ما أولم عليها" أي زينب يعني مثل ما أو قدر ما أولم وما إما مصدرية أو موصولة، والمعنى أولم على زينب أكثر مما أولم على نسائه شكراً لنعمة الله إذ زوجه إياها بالوحي كما قاله الكرماني، أو وقع اتفاقاً لا قصداً كما قاله ابن بطال، أو ليبين الجواز كما قاله غيره "أولم بشاة" استئناف بيان أو فيه معنى التعليل.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"أولم على صفية بسويق وتمر" وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بالحيس المتخذ من التمر والأقط والسمن".
قال في المرقاة: وجمع بأنه كان في الوليمة كلاهما فأخبر كل راو بما كان عنده. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي غريب.

(10/149)


3- باب في كم تستحب الوليمة
3739 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى قال أخبرنا عَفّانُ بنُ مُسْلِمِ قال حدثنا هَمّامُ قال أخبرنا قَتَادَةُ عن الْحَسَنِ عن عبد الله بنِ عُثْمانَ الثّقَفِيّ عن رَجُلٍ أعْوَرَ مِنْ ثَقِيفٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ مَعْرُوفاً، أي يُثْنَى عَلَيْهِ خَيْراً إنْ لَمْ يَكُنْ اسْمُهُ زُهَيْرُ بنُ عُثْمانَ فَلاَ أدْرِي مَا اسْمُهُ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الْوَلِيمَةَ أوّلُ يَوْمٍ حَقّ، وَالثّانِي مَعْرُوفٌ، وَالْيَومُ الثّالِثُ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ" .
قال قَتَادَةُ: وحدّثني رَجُلٌ أنّ سَعِيدَ بنَ المُسَيّبِ دُعِيَ أوّلَ يَوْمٍ فأَجَابَ وَدُعِيَ الْيَوْمَ الثّاني فأجَابَ، وَدُعِيَ الْيَوْمَ الثّالِثَ فَلمْ يُجِبْ وَقالَ: أهْلُ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ.
ـــــــ
"باب في كم تستحب الوليمة"
أي في كم يوماً يستحب الوليمة.
"يقال له معروفاً" ليس المراد أنه يدعي باسم معروف كما هو المتبادر ولذا فسره بقوله أي يثني عليه خيراً.
قال السندي: قوله معروفاً الظاهر الرفع أي يقال في شأنه كلام معروف. انتهى. وقال في الخلاصة: زهير بن عثمان الثقفي صحابي له حديث، وعنه الحسن البصري وغيره: قال البخاري لا تصح صحبته انتهى.
وفي التقريب: زهير بن عثمان الثقفي صحابي له حديث في الوليمة انتهى "الوليمة أول يوم حتى" أي ثابت ولازم فعله وإجابته أو واجب، وهذا عند من ذهب إلى أن الوليمة واجبة أو سنة مؤكدة فإنها في معنى الواجب قاله القاري "والثاني معروف" أي الوليمة اليوم الثاني معروف، وفي رواية الترمذي: "طعام يوم الثاني سنة" "واليوم الثالث سمعة" بضم السين "ورياء" بكسر الراء أي ليسمع الناس وليرائيهم.
وفي الحديث دليل على مشروعية الوليمة اليوم الأول وهو من متمسكات من قال بالوجوب، وعدم كراهتها في اليوم الثاني لأنها معروف والمعروف ليس بمنكر ولا مكروه وكراهتها في اليوم الثالث لأن الشيء إذا كان للسمعة والرياء لم يكن حلالاً "دعى أول يوم فأجاب" لأن الوليمة أول يوم حق "ودعى اليوم الثاني فأجاب" لأن الوليمة اليوم الثاني معروف وسنة "وقال أهل سمعة ورياء" بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي الداعون اليوم الثالث أهل سمعة ورياء.

(10/150)


3740 - حدثنا مُسْلِمٌ بنُ إِبراهِيمَ قال أخبرنا هِشَامٌ عن قَتَادَةَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ بِهَذِهِ الْقِصّةِ قال: فَدُعِيَ الْيَوْمَ الثّالِثَ فلَمْ يُجِبْ، وَحَصّبَ الرّسُولَ.
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي مسنداً ومرسلاً.
"فلم يجب وحصب الرسول" أي رماه بالحصى. قال السندي: أي رجمه بالحصباء.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين قالت: "لما تزوج أبي دعا الصحابة سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار دعا أُبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما فكان أُبي صائماً فلما طعموا دعا أُبي".
وأخرجه عبدالرزاق وقال فيه ثمانية أيام. وقد ذهب إلى استحباب الدعوة إلى سبعة أيام عند المالكية كما حكى ذلك القاضي عياض عنهم.
وقد أشار البخاري إلى ترجيح هذا المذهب فقال باب إجابة الوليمة والدعوة ومن أولم سبعة أيام، ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ولا يومين انتهى كذا في النيل.
قال الحافظ في الفتح: وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد فذكرها ثم قال: وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلاً.
وقد وقع في رواية أبي داوود والدارمي في آخر حديث زهير بن عثمان قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيب أنه دعى أول يوم إلخ قال فكأنه بلغه الحديث فعمل بظاهره إن ثبت ذلك عنه، وقد عمل به الشافعية والحنابلة.
قال النووي: قال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم لزهير بن عثمان غير هذا. وقال أبو عمر النمري: في إسناده نظر يقال إنه مرسل وليس له غيره. وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه الكبير في ترجمة زهير بن عثمان وقال ولا يصح إسناده ولا نعرف له صحبة.
وقال ابن عمر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها" وهذا أصح.
وقال ابن سيرين عن أبيه لما بنى بأهله أولم سبعة أيام ودعى في ذلك أُبيّ ابن كعب فأجابه.

(10/151)


4- باب الإطعام عند القدوم من السفر
3741 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال أخبرنا وَكِيعٌ عن شُعْبَةَ عن مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ عن جَابِرٍ قال: لَمّا قَدِمَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ نَحَرَ جَزُوْرَا أوْ بَقَرَةً.
ـــــــ
"باب الإطعام عند القدوم من السفر"
"لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نحر جزوراً" الجزور البعير ذكراً أو أنثى واللفظ مؤنث "أو بقرة" شك من الراوي. والحديث يدل على مشروعية الدعوة عند القدوم من السفر، ويقال لهذه الدعوة النقيعة مشتقة من النقع وهو الغبار. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/152)


5- باب ما جاء في الضيافة
3742 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن سَعِيدٍ المَقْبِريّ عن أبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيّ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، الضّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أيّامٍ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلا يَحِلّ لَهُ أنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتّى يُحْرِجَهُ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في الضيافة"
"فليكرم ضيفه" الضيف القادم من السفر النازل عند المقيم، وهو يطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى "جائزته يومه وليلته الضيافة ثلاثة أيام" قال السهيلي: روى جائزته بالرفع على الابتداء وهو واضح وبالنصب على بدل الاشتمال أي يكرم جائزته يوماً وليلة كذا في الفتح.
قال في النهاية: أي يضاف ثلاثة أيام فيتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وألطاف، ويقدم له في اليوم الثاني والثالث ما حضر ولا يزيد على عادته ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة وتسمى الجيزة وهو قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل "وما بعد ذلك فهو صدقة" أي معروف إن شاء فعل وإلا فلا "ولا يحل له" أي للضيف "أن يثوى" بفتح أوله وسكون المثلثة وكسر الواو من الثواء وهو الإقامة أي لا يحل للضيف أن يقيم "عنده" أي عند مضيفه "حتى يحرجه" بتشديد الراء أي يضيق صدره ويوقعه في الحرج والمفهوم من الطيبي أنه بتخفيف الراء حيث قال والإحراج التضييق على المضيف بأن يطيل الإقامة عنده حتى يصيق عليه.

(10/152)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِىءَ عَلَى الْحَارِثِ بنِ مَسْكِينٍ وَأَنَا شَاهِدٌ أُخْبَرَكم أَشْهَبُ قال: وَسُئِلَ مَالِكٌ عن قَوْلِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ" ، قال [فقال] يُكْرِمُهُ وَيُتْحِفُهُ وَيَحْفَظُهُ يَوْماً وَلَيْلَةً [يوم وليلة] وَثَلاَثَةُ أيّامٍ ضِيَافَةٌ.
3743 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ وَ مُحمّدُ بنُ مَحْبُوبٍ قالا أخبرنا حَمّادٌ عن عَاصِمٍ عن أبي صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الضّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أيّامٍ فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ" .
3744 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ خَلَفُ بنُ هِشَامٍ قالا حدثنا أبُو عَوَانَةَ عن مَنْصُورٍ عن عَامِرٍ عن أبي كَرِيمَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْلَةُ الضّيْفِ حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أصْبَحَ بِفِنَائِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، إنْ شَاءَ اقْتَضَى، وَإنْ شَاء تَرَكَ" .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
وروى أبو داوود أنه سئل مالك عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: جائزته يوم وليلة، فقال يكرمه ويتحفه ويحفظه يوم وليلة وثلاثة أيام ضيافة. هذا آخر كلامه.
وفيها للعلماء تأويلان آخران أحدهما يعطيه ما يجوز به ويكفيه في سفره يوم وليلة يستقبلها بعد ضيافته، والثاني جائزته يوم وليلة إذا اجتاز به وثلاثة أيام إذا قصده انتهى كلام المنذري "فقال يكرمه" قيل إكرامه تلقيه بطلاقة الوجه وتعجيل قراه والقيام بنفسه في خدمته "ويحتفه" بضم أوله من باب الافعال والتحفة بضم التاء وسكون الحاء وبضم الحاء أيضاً البر واللطف وجمعه تحف، وقد أتحتفه تحفة وأصلها وحفة. كذا في القاموس "وثلاثة أيام ضيافة" واختلفوا هل الثلاث غير الأول أو يعد منها وقد بسط الكلام فيه الحافظ ابن حجر في الفتح من شاء الاطلاع فليراجع إليه.
"فما سوى ذلك فهو صدقة" استدل بجعل ما زاد على الثلاث صدقة على الذي قبلها واجب فإن المراد بتسميته صدقة التنفير عنه لأن كثيراً من الناس خصوصاً الأغنياء يأنفون غالباً من أكل الصدقة انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"ليلة الضيف حق على كل مسلم" وفي رواية أحمد "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم "فمن أصبح بفنائه" بكسر الفاء وتخفيف النون ممدوداً وهو المتسع أمام الدار، وقيل ما امتد من جوانب الدار جمعه أفنية أي فالذي أصبح الضيف بفنائه "فهو عليه" الضمير المجرور يرجع إلى

(10/153)


3745 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن شُعْبَةَ حدّثني أبُو الْجُودِيّ عن سَعِيدِ بنِ أبي المُهَاجِرِ عن المِقْدَامِ أبِي كَرِيمَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أيّمَا رَجُلٍ أضَافَ قَوْماً فأصْبَحَ الضّيْفُ مَحْرُوماً فإنّ نَصْرَهُ حَقّ علَى كُلّ مُسْلِمٍ حَتّى يَأْخُذَ بِقِرَى [بقراءة] لَيْلَةٍ [الليلة] مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ" .
ـــــــ
من وهو صاحب الدار، وضمير هو يرجع إلى قرى المفهوم من المقام "إن شاء" أي الضيف "اقتضى" أي طلب حقه.
قال السيوطي: أمثال هذا الحديث كانت في أول الإسلام حين كانت الضيافة واجبة وقد نسخ وجوبها، وأشار إليه أبو داوود بالباب الذي عقده بعد هذا. انتهى.
قال الإمام الخطابي: وجه ذلك أنه رآها حقاً من طريق المعروف والعادة المحمودة ولم يزل قرى الضيف وحسن القيام عليه من شيم الكرام وعادات الصالحين ومنع القرى مذموم على الألسن وصحابه ملوم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"حدثني أبو الجودي" بضم الجيم وسكون الواو مشهور بكنيته واسمه الحارث بن عمير ثقة "أيما رجل ضاف قوماً" أي نزل عليهم ضيفاً. وفي بعض النسخ أضاف من باب الأفعال "فأصبح" أي صار "الضيف محروماً" الضيف مظهر أقيم مقام المضمر اشعاراً بأن المسلم الذي ضاف قوماً يستحق لذاته أن يقري فمن منع حقه فقد ظلمه، فحق لغيره من المسلمين نصره قاله الطيبي "حتى يأخذ بقرى ليلة" بكسر القاف أي بقدر أن يصرف في ضيافته في ليلة في المصباح: قربت الضيف أقريه من باب رمى قرِاً بالكسر والقصر والاسم القراه بالفتح والمد انتهى.
وفي مجمع البحار قِرا بكسر القاف مقصوراً ما يصنع للضيف من مأكول أو مشروب. والقراء بالمد وفتح القاف طعام تضيفه به انتهى "من ذرعه وماله" توحيد الضمير مع ذكر القوم باعتبار المنزل عليه أو المضيف وهو واحد. قال الإمام الحافظ الخطابي: يشبه أن يكون هذا في المضطر الذي لا يجد ما يطعمه ويخاف التلف على نفسه من الجوع، فإذا فعل ذلك فقد اختلف الناس فيما يلزم له، فذهب بعضهم إلى أنه يؤدي إليه قيمته، وهذا أشبه بمذهب الشافعي.
وقال آخرون لا يلزمه له قيمة، وذهب إلى هذا القول نفر من أصحاب الحديث واحتجوا

(10/154)


3746 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال أخبرنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبِي حَبِببٍ عن أبي الْخَيْرِ عن عُقْبَةَ ابنِ عَامِرٍ أنّهُ قال: قُلْنَا: يَارَسُولَ الله إنّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلاَ [فما] يَقْرُونَنَا، فمَا تَرَى؟ فقال لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضّيْفِ فاقْبَلُوا فإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقّ الضّيْفِ الّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذِهِ حُجّةٌ لِلرّجُلِ يَأْخُذُ الشّيْءَ إذَا كَانَ لَهُ حَقّا.
ـــــــ
بأن أبا بكر الصديق حلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبناً من غنم لرجل من قريش له فيها عبد يرعاها وصاحبها غائب فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في مخرجه من مكة إلى المدينة. واحتجوا أيضاً بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من دخل حائطاً فليأكل منه ولا يأخذ منه خبنة".
وعن الحسن أنه قال "إذا مر الرجل بالإبل وهو عطشان صاح برب الإبل ثلاثاً فإن أجاب وإلا حلب وشرب".
وقال زيد بن أسلم: "ذكروا الرجل يضطر إلى الميتة وإلى مال المسلم فقال يأكل الميتة" وقال عبد الله بن دينار "يأكل الرجل مال الرجل المسلم فقال سعيد ما أحب أن الميتة تحل إذا اضطر إليها ولا يحل له مال المسلم" انتهى كلامه. قال المنذري: ذكر البخاري أن سعيد ابن المهاجر سمع المقدام انتهى.
-"إنك تبعثنا" أي وفداً أو غزاة "فلا يقروننا" بفتح الياء أي لا يضيفوننا "فما ترى" من الرأي أي فما تقول في أمرنا "بما ينبغي للضيف" أي من الإكرام بما لا بد منه من طعام وشراب وما يلتحق بهما "فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" أي للضيف وهو يطلق على الواحد والجمع والموصول صفة للحق قال النووي: حمل أحمد والليث الحديث على ظاهره وتأوله الجمهور على وجوه أحدها أنه محمول على المضطربين فان ضيافتهم واجبة وثانيها أن معناه أن لكم أن تأخذوا من أعراضكم بألسنتكم وتذكروا للناس لومهم قلت: وما أبعد هذا التأويل عن سواء السبيل قال: وثالثها أن هذا التأويل باطل لأن الذي ادعاه المأول لا يعرف قائله، ورابعها أنه محمول على من مر بأهل الذمة الذي شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وهذا أيضاً ضعيف لأنه إنما صار هذا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كذا في المرقاة. قلت: التأويل الأول أيضاً ضعيف لأنه مما لم يقم عليه دليل ولا دعت إليه حاجة. ولبطلان التأويل الثالث وجه آخر وهو أن تخصيص ما شرعه صلى الله عليه وسلم لأمته بزمن من الأزمان أو حال من الأحوال لا يقبل إلا بدليل ولم يقم ها هنا دليل على تخصيص هذا الحكم بزمن النبوة، وليس فيه

(10/155)


............................
ـــــــ
مخالفة للقواعد الشرعية، لأن مؤنة الضيافة بعد شرعتها قد صارت لازمة للمضيف لكل نازل عليه، فللنازل المطالبة بهذا الحق الثابت شرعا كالمطالبة بسائر الحقوق فإذا أساء إليه واعتدى عليه بإهمال حقه كان له مكافأته بما أباحه له الشارع في هذا الحديث {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} .
واعلم أن الضيافة ليست بواجبة عند جمهور العلماء. لكن ذهب البعض إلى وجوبها لأمور، الأول إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب، والثاني قوله "فما سوى ذلك صدقة" فإنه صريح أن ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعاً، والثالث قوله صلى الله عليه وسلم "ليلة الضيف حق" وفي رواية "ليلة الضيافة واجبة" فهذا التصريح بالوجوب، والرابع قوله صلى الله عليه وسلم "فإن نصره حق كل مسلم" فإن هذا وجوب النصرة وذلك فرع وجوب الضيافة وهذه الدلائل تقوى مذهب ذلك البعض وكانت أحاديث الضيافة مخصصة لأحاديث حرمة الأموال إلا بطيئة الأنفس والتفصيل في النيل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه وأخرجه الترمذي من حديث ابن لهيعة وقال حسن.

(10/156)


6- باب نسخ الضيف في الأكل من مال غيره
3747 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ المروَزِيّ قال حدّثني عَلِيّ بنُ حُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ عن أبِيهِ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرِمَةَ ابنِ عَبّاسٍ قال: {لاَ تَأْكُلُوا أمْوَالَكُم بَيْنَكُم
ـــــــ
"باب نسخ الضيف"
أي نسخ حرمة الضيافة، فإن الضيف كما جاء صفة جاء مصدراً أيضاً. قال في القاموس ضفته أضيفه ضيفاً وضيافة بالكسر نزلت عليه ضيفاً "في الأكل من مال غيره" أي هذا الباب منعقد لإثبات أن الضيافة في الأكل من مال غيره التي كانت محرمة بآية النساء الآتي ذكرها قد صارت منسوخة بآية النور واعلم أنها هنا أربعة نسخ أحدها هي التي مرّ ذكرها والثانية باب نسخ الضيف يأكل من مال غيره، وهذه النسخة والنسخة الأولى متقاربان، والثالثة باب ما جاء في نسخ الضيف في الأكل من مال غيره إلا بتجارة، وهكذا في نسخة الخطابي من رواية ابن داسة، فقوله في نسخ الضيف أي في نسخ حرمة الضيافة وقوله إلا بتجارة وإن لم تذكر في النخستين السابقتين لكنها مرادة بلا شبهة، فالنسخ الثلاث في المال واحد والنسخة الرابعة باب نسخ الضيق في الأكل من مال غيره، والمراد بالضيق الحرمة لأنها سبب الضيق على المكلفين كما أن الإباحة سعة لأنها سبب السعة عليهم، وهذه النسخة أعم من النسخ الثلاث

(10/156)


...................................
ـــــــ
السابقة لأن الحرمة في هذه النسخة مطلقة غير مقيدة بالضيافة بخلاف النسخ المتقدمة فإن الحرمة في جميعها مقيدة بالضيافة، وهذه النسخة هي التي ينطبق عليها حديث الباب انطباقاً تاماً بخلاف سائر النسخ السابقة كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، فهذه النسخة أولى النسخ المذكورة كلها. كذا أفاد بعض الأماجد في تعليقات السنن.
وقال بعض الأعاظم: وأما قوله: "باب نسخ الضيف في الأكل من مال غيره"، ففيه حذف المضاف وهو الحكم فحق العبارة باب نسخ حكم الضيف في الأكل من مال غيره وهو المنع المستفاد من قوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} لأن الآية عند ابن عباس ومن تبعه تدل على أن أكل مال الغير لا يجوز بوجه من الوجوه إلا أن تكون تجارة عن تراض منهم، فالتجارة بالتراضي هي الصورة المستثناة غير منهى عنها خاصة لا غيرها فدخل في الأكل المنهى عنه أكل الضيف والغنى من بيوت الغير من دون التجارة فنسخ الله عز وجل ذلك الحكم بقوله تعالى: {وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ- إلى قوله: أَشْتَاتاً} فرخص لهم في الأكل في هذه الصور المذكورة في الآية التي ليست فيها تجارة. هذا إن صح هذه النسخة وإلا الضيق في الأكل من مال غيره كما في بعض النسخ وهو الذي لا غبار عليه والله أعلم انتهى.
"قال" ابن عباس في تفسير قوله تعالى الذي في النساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} يعني بالحرام الذي لا يحل في الشرع كالربا والقمار والغضب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة ونحو ذلك، وإنما خص الأكل بالذكر ونهى عنه تنبيهاً على غيره من جميع التصرفات الواقعة على وجه الباطل لأن معظم المقصود من المال الأكل. وقيل يدخل فيه أكل مال نفسه بالباطل ومال غيره. أما أكل ماله بالباطل فهو إنفاقه في المعاصي وأما أكل مال غيره فقد تقدم معناه وقيل يدخل في أكل المال بالباطل جميع العقود الفاسدة، قاله الخازن.
قال السيوطي في الدر المنثور: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} قال "أنها محملة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة". وأخرج ابن جرير وابن حاتم عن السدي في الآية قال "أما أكلهم أموالهم بينهم بالباطل فالزنا والقمار والبخس والظلم إلا أن تكون تجارة فليرب الدرهم ألفاً إن استطاع" وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن في الآية قال كان الرجل يتحرج

(10/157)


بالْبَاطِلِ إلاّ أنْ تَكُونَ تَجِارَةً عن تَرَاضٍ مِنْكُم} فَكَانَ الرّجُلُ يُحْرَجُ أنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ بَعْدَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية، فَنَسَخَ ذَلِكَ الآية الّتي في النّورِ، فقالَ: {لَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُم - إلَى قَوْلِهِ - أشْتَاتاً} كَانَ الرّجُلُ - يَعْنِي
ـــــــ
أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية فنسخ ذلك ذلك بالآية التي في النور ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم الآية انتهى كلام السيوطي.
وفي الخازن: قيل لما نزلت {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} قالوا لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فأنزل الله تعالى {وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} أي إلا أن تكون التجارة قاله النسفي {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} هذا الاستثناء منقطع، لأن التجارة عن تراضي ليست من جنس أكل المال بالباطل فكأن إلا ها هنا بمعنى لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض، يعني بطيبة نفس كل واحد منكم وقيل هو أن يخبر كل واحد من المتابعين صاحبه بعد البيع فيلزم وإلا فلهما الخيار ما لم يتفرقا والله أعلم.
وبيان مقصود الباب أنه لما نزل قوله تعالى {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} حرم بذلك أكل الرجل من مال غيره مطلقاً إلا بتجارة صادرة عن تراض، فقد وقع بسبب تلك الحرمة ضيق على المكلفين في الأكل من مال غيره قال ابن عباس "فكان الرجل يخرج" من باب التفعيل أي يحسب الرجل الوقوع في الحرج والإثم وكان يجتنب "أن يأكل عند أحد من الناس" سواء كان مسلماً أو كتابياً أو غيرهما وسواء كان ذلك الطعام مما ذكر عليه اسم الله أو لم يكن.
وذلك "بعد ما نزلت هذه الآية" الكريمة التي في النساء وهي قوله تعالى {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} الآية لأنها حرمت الأكل من مال الغير إلا بتجارة عن تراض. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال "لما نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} قال المسلمون إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو من أفضل الأموال فلا يحل لأحد منا أن يأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو من أفضل الأموال فلا يحل لأحد منا أن يأكل من عند أحد، فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ} الآية" انتهى "فنسخ ذلك" أي الحكم الذي فهمه المسلمون وقالوا لا يحل لأحد منا أن يأكل من عند أحدٍ ونسخ ذلك أي الضيق الذي كان قد حصل في الأكل من مال غيره بسبب نزول الآية المذكورة "الآية" بالرفع فاعل نسخ "التي في النور فقال" الله تعالى في تلك الآية التي في النور {لَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُم - إلَى قَوْلِهِ - أشْتَاتاً} ليست التلاوة هكذا، فهذا النقل الذي في الكتاب إنما هو نقلٌ بالمعنى لا باللفظ،

(10/158)


الْغَنِيّ - يَدْعُو الرّجُلَ مِنْ أهْلِهِ إلَى الطّعَامِ، قال: إنّي لأجّنّحُ أنْ آكُلَ مِنْهُ، وَالتّجَنّحُ
ـــــــ
وتمام الآية مع تفسيرها هكذا {وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} أي لا حرج عليكم {أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} أي بيوت أولادكم لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه، ولذا لم يذكر الأولاد في الآية، وثبت في الحديث "أنت ومالك لأبيك" أو بيوت أزواجكم لأن الزوجين صارا كنفس واحدة فصار بيت المرأة كبيت الزوج {أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} .
قال ابن عباس عني بذلك وكيل الرجل وقيّمه في ضيعته وماشيته لا بأس عليه أن يأكل من ثمرة ضيعته ويشرب من لبن ماشيته ولا يحمل ولا يدخر "أو صديقك" الصديق هو الذي صدقك في المودة.
قال ابن عباس: نزلت في الحارث بن عمرو خرج غازياً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله فقال: تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
والمعنى أنه ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا من غير أن تتزودوا وتحملوا {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً} أي مجتمعين {أَوْ أَشْتَاتاً} أي متفرقين نزلت في بني ليث بن عمرو وهم حي من كنانة، كان الرجل منهم لا يأكل وحده حتى يجد ضيفاً يأكل معه، فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يأتي من يشاربه فإذا أمسى ولم يجد أحداً أكل.
وقال ابن عباس: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه فيقول والله لأجنّح أي أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير فنزلت هذه الآية.
وقيل: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين أو متفرقين، قاله العلامة الخازن في تفسيره.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة وأبي صالح قالا: كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون معه حتى يأكل معهم الضيف فنزلت رخصة لهم انتهى.
قال ابن عباس "كان الرجل يعني الغني" الداعي قبل ما نزلت آية النور وبعد ما نزلت آية النساء "يدعو الرجل" الغني المدعو "من أهله إلى الطعام قال" ذلك الرجل الغني المدعو "إني

(10/159)


الْحَرَجُ. وَيَقُولُ المِسْكِينُ أحَقّ بِهِ مِنّي فأُحِلّ في ذَلِكَ أنْ يَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ، وَأُحِلّ طَعَامُ أهْلِ الْكِتَابِ.
ـــــــ
لأجنح" بتشديد الجيم والنون أصله أتجنح تفَعّل من الجناح أي أرى الأكل منه جناحاً وإثماً "أن آكل منه" أي أرى الأكل من طعامك جناحاً وإثماً، وذلك لأجل آية النساء "والتجنح الحرج" هذا تفسير من المؤلف أو من بعض الرواة والحرج الضيق، والمراد به خوف الوقوع في الضيق أي الحرمة والإثم "ويقول" ذلك الرجل المدعو للرجل الغني الداعي أيضاً "المسكين أحق به" أي بهذا الطعام "مني" فأعطه المسكين "فأحل" بصيغة المجهول "في ذلك" أي في قوله تعالى الذي في النور "أي يأكلوا" من مال غيرهم إذا كان الغير ممن ذكر في هذه الآية حال كون ذلك المال "مما ذكر اسم الله عليه" بخلاف ما لم يذكر اسم الله عليه فإنه لم يدخل في الحل لكونه باقياً على حرمته كما كان "وأحل" في ذلك "طعام أهل الكتاب" أيضاً أن يؤكل كما أحل في ذلك طعام المسلمين أن يؤكل لكون الآية عامة غير مختصة بأحد الفريقين، فإن آبائكم وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم وأعمامكم وعماتكم وأخوالكم وخالاتكم وما ملكتم مفاتحه وصديقكم المذكورة في هذه الآية كلها عامة شاملة للمفريقين غير مختصة بأحدما وكذا لفظ كم في بيوتكم الذي أريد به بيوت أولادكم.
فهذا الباب من متممات الباب الأول ومؤيد لمعناه لأن ظاهر آية النساء يدل على نسخ أكل الضيافة على ما قاله ابن عباس فأثبت المؤلف رحمه الله حكم جواز الضيافة بآية النور وجعل حكم آية النساء منسوخاً بآية النور فثبت بذلك حكم جواز الضيافة ونسخُ عدم جوازها، فقول العلامة السيوطي في مرقاة الصعود تحت باب ما جاء في الضيافة، وقد نسخ وجوب الضيافة وأشار إليه أبو داوود في الباب الذي عقده بعدها انتهى لم يظهر لي معنى كلامه ولم يتضح لي كيف يكون الباب الثاني ناسخاً لحكم الباب الأول إلا أن يقال إن الباب الأول فيه حكم وجوب الضيافة والباب الثاني فيه نفي الحرج والإثم عن الضيافة فالأمر الواجب ليس من شأنه أن يقال له أن فعله ليس بإثم ولا حرج فثبت بذلك نسخ للوجوب، وفي هذا الكلام بُعد والله أعلم.
قال المنذري: في إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال انتهى.

(10/160)


7- باب في طعام المتباريين
3748 - حدثنا هَارُونُ بنُ زَيْدِ بنِ أبي الزّرْقَاءِ قال أخبرنا أبِي قال أخبرنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عن الزّبَيْرِ بنِ خِرّيتٍ قال سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ كَانَ ابنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ طَعَامِ المُتَبَارِيَيْنِ أنْ يُؤْكَلَ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: أكْثَرُ مَنْ رَوَاهُ عن جَرِيرٍ لا يَذْكُرُ فيهِ ابنَ عَبّاسٍ. وَهَارُونُ النّحْوِيّ ذَكَرَ فيهِ ابنَ عَبّاسٍ أيْضاً. وَحَمّادُ بنُ زَيْدٍ لَمْ يَذْكُرْ ابنَ عَبّاسٍ.
ـــــــ
"باب في طعام المتباريين"
"نهى عن طعام المتباريين" بفتح الياء الأولى بصيغة التثنية أي المتفاخرين. قال الخطابي: المتباريان هما المتعارضان بفعليهما يقال تبارى الرجلان إذا فعل كل واحد منهما مثل فعل صاحبه ليرى أيهما يغلب صاحبه، وإنما كره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة ولأنه داخل في جملة ما نهى عنه من أكل المال بالباطل "أن يؤكل" في حالة الجر لأنه بدل اشتمال من طعام المتباريين "قال أبو داوود أكثر من رواه إلخ" حاصله أن أكثر أصحاب جرير بن حازم لا يذكرون في الحديث ابنَ عباس بل يروونه مرسلاً، وكذا لم يذكر حمادُ بن زيد بنَ عباس، لكن هارون بن موسى الأزدي البصري النحوي ذكر ابن عباس كما ذكره زيد بن أبي الزرقاء، فروايتهما متصلة مرفوعة. وقال محي السنة صاحب المصابيح: والصحيح أنه عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
قال المنذري: قال أبو داوود: أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس يريد أن أكثر الرواة أرسلوه.

(10/161)


8- باب الرجل يدعى فيرى مكروها
3749 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال أخبرنا حَمّادٌ عن سَعِيدِ بنِ جُمْهَانَ عن سَفِينَةَ أبِي عَبْدِالرّحْمَنِ: أنّ رَجُلاً أضَافَ عَلَيّ بنَ أبي طَالِبٍ فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً،
ـــــــ
"باب الرجل يدعى فيرى مكروها"
هكذا في بعض النسخ وفي بعضها باب الرجل يدعى فيرى مكروهاً.
"أن رجلاً ضاف علي بن أبي طالب" أي صار ضيفاً له يقال ضافه ضيف أي نزل به ضيف

(10/161)


فقالَتْ فَاطِمَةُ: لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَكَلَ مَعَنَا، فَدَعَوْهُ فَجَاءَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عِضَادَتَي الْبَابِ فَرَأَى الْقِرَامَ قَدْ ضُرِبَ بِهِ في نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَرَجَعَ، فقالَتْ فَاطِمَةُ لِعَلِيّ: الْحَقْهُ أُنْظُرْ [فانظر] مَا رَجَعَهُ [ما أرجعه] فَتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله مَا رَدّكَ؟ فقال: "إنّهُ لَيْسَ لِي أوْ لِنَبِيّ أنْ يَدْخُلَ بَيْتاً مُزَوّقاً" .
ـــــــ
"فصنع" أي على "له" أي للضيف، وفي بعض النسخ أن رجلاً أضاف أي بزيادة الألف. قال في المصباح: ضافه ضيفاً إذا نزل به وأنت ضيف عنده وأضفتُه بالألف إذا أنزلتَه عليك ضيفاً انتهى. وفي النهاية: ضفت الرجل إذا نزلت به في ضيافته، وأضفته إذا أنزلته انتهى.
والمعنى أي صنع الرجل طعاماً وأهدى إلى علي و لا أنه دعا عليّاً إلى بيته، ذكره الطيبي "لو دعونا رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي لكان أحسن وأبرك أو لو للتمني "على عضادتي الباب" بكسر العين وهما الخشبتان المنصوبتان على جبنتيه "فرأى القرام" بكسر القاف وهو ثوب رقيق من صوف فيه ألوان من العهون ورقوم ونقوش يتخذ ستراً يغشى به الأقمشة والهوادج، كذا في المرقاة.
وفي المصباح: القرام مثل كتاب الستر الرقيق، وبعضهم يزيد وفيه رقم ونقوش انتهى "قد ضرب" أي نصب "ما أرجعه" كذا في النسخ من أرجع الشيء رجعاً أي ما رده، وفي بعض النسخ ما رجعه من رجع رجعاً أي صرف ورد.
قال في القاموس: رجع رجوعاً انصرف والشيء عن الشيء وإليه رجعا صرفه ورده كأرجعه انتهى.
وفي المصباح: رجع من سفره وعن الأمر يرجع رجعاً ورجوعاً ورجعي بضم وسكون هو نقيض الذهاب، ويتعدى بنفسه في اللغة الفصحى فيقال رجعت عن الشيء وإليه، ورجعت الكلام وغيره أي رددته وبها جاء القرآن. قال تعالى {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} وهذيل تعديه بالألف انتهى "فتبعته" إلتفات من الغيبة إلى التكلم.
وعند أحمد قالت فاطمة فتبعته "فقال إنه" أي الشأن "بيتاً مزوقاً" بتشديد الواو المفتوحة أي مزيناً بالنقوش. وأصل التزويق التمويه.
قال الخطابي: وتبعه ابن الملك: كان ذلك مزيناً منقشاً. وقيل لم يكن منقشاً ولكن

(10/162)


...............................................
ـــــــ
ضرب مثل حجلة العروس ستر به الجدار، وهو رعونة بشبه أفعال الجبابرة، وفيه تصريح بأنه لا يجاب دعوة فيها منكر، كذا في المرقاة.
وقال الحافظ في الفتح: ويفهم من الحديث أن وجود المنكر في البيت مانع عن الدخول فيه.
قال ابن بطال: فيه أن لا يجوز الدخول في الدعوة يكون فيها منكر مما نهى الله ورسوله عنه لما في ذلك من إظهار الرضى بها، ونقل مذاهب القدماء في ذلك، وحاصله إن كان هناك محرم وقدر على إزالته فأزالته فلا بأس، وإن لم يقدر فيرجع.
وقال صاحب الهداية من الحنفية: لا بأس أن يقعد ويأكل إذا لم يكن يقتدي به، فإن كان ولم يقدر على منعهم فليخرج لما فيه من شين الدين، وفتح باب المعصية. قال وهذا كله بعد الحضور، وإن علم قبله لم يلزمه الإجابة. انتهى مختصراً.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وفي إسناده سعيد بن جمهان أبو حفص الأسلمي البصري قال يحيى بن معين ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج بحديثه.

(10/163)


9- باب إذا اجتمع داعيان أيهما أحق
3750 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن عَبْدِ السّلاَمِ بنِ حرْبٍ عن أبي خَالِدٍ الدّالانِيّ عن أبي الْعَلاَءِ الأَوْدِيّ عن حُمَيْدِ بنِ عبد الرحمن الْحِمْيَريّ عن رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إذَا اجْتَمَعَ الدّاعِيَانِ فأَجِبْ أقْرَبَهُمَا بَاباً، فإنْ أقْرَبَهُمَا بَاباً أقْرَبَهُمَا جَوَاراً، وَإن سَبَقَ أحَدُهُمَا فأَجِبِ الّذِي سَبَقَ" .
ـــــــ
"باب إذا اجتمع الداعيان أيهما أحق"
"إذا اجتمع الداعيان" أي معاً "فإن أقربهما باباً أقربهما جواراً" هذا دليل لما قبله "وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق" لسبق تعلق حقه.
قال العلقمي: فيه دليل أنه إذا دعا الإنسان رجلان ولم يسبق أحدهما الآخر أجاب أقربهما منه باباً، فإذا استويا أجاب أكثرهما علماً وديناً وصلاحاً، فإن استويا أقرع انتهى.
قال المنذري: في إسناده أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن المعروف بالدالاني وقد وثقه أبو حاتم الرازي. وقال الإمام أحمد لا بأس به، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم

(10/163)


.............................
ـــــــ
ومحمد بن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، وقال ابن عدي: وفي حديثه لين إلا أنه يكتب حديثه، وحكى عن شريك أنه قال كان مرجئاً.

(10/164)


10- باب إذا حضرت الصلاة والعشاء
3751 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَ مُسَدّدٌ المَعنى قال أَحْمَدُ حدّثني يَحْيَى الْقَطّانُ عن عبيد الله قال حدّثني نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا وُضِعَ عَشَاءُ أحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصّلاَةُ فَلاَ يَقُومُ حَتّى يَفْرُغَ" . زَادَ مُسَدّدٌ: وكَانَ عبد الله إذَا وُضِعَ عَشَاؤُهُ أوْ حَضَرَ عشَاؤُهُ لَمْ يَقُمْ حَتّى يَفْرُغَ وَإنْ سَمِعَ الإقَامَةَ وَإنْ سَمِعَ قِرَاءَةَ الإمَامِ.
3752 - حدثنا مُحمّدُ بنُ حَاتِمٍ بنِ بَزِيعٍ قال أخبرنا مُعَلّى - يَعني ابنَ مَنْصُورٍ - عن مُحمّدِ بنِ مَيْمُونٍ عن جَعْفَرِ بنِ مُحمّدٍ عن أبِيهِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ
ـــــــ
"باب إذا حضرت الصلاة والعشاء"
بفتح العين طعام آخر النهار. قال في القاموس: هو طعام العشي، وهو ممدود كسماء.
"إذا وضع على البناء للمجهول" عشاء أحدكم بفتح العين هو طعام يؤكل عند العشي كما تقدم "فلا يقوم حتى يفرغ" أي من أكل العشاء.
وفي رواية البخاري: "فابدأوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه". قال الحافظ في الفتح: حمل الجمهور هذا الأمر على الندب، ثم اختلفوا فمنهم من قيده بمن إذا كان محتاجاً إلى الأكل وهو المشهور عند الشافعية، وزاد الغزالي: ما إذا خشى فساد المأكول، ومنهم من لم يقيده، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، وعليه يدل فعل ابن عمر الآتي.
وأفرط ابن حزم فقال تبطل الصلاة. ومنهم من اختار البداءة بالصلاة إلا إن كان الطعام خفيفاً. نقله ابن المنذر عن مالك. وعند أصحابه تفصيل قالوا يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل أو كان متعلقاً به لكن لا يعجله عن صلاته، فإن كان يجعله عن صلاته بدأ بالطعام واستحبت له الإعادة انتهى "زاد مسدد" أي في روايته "وكان عبد الله" أي ابن عمر رضي الله عنهما وهو موصول عطفاً على المرفوع "وإن سمع الإقامة" كلمة إن وصلية وكذا في قوله وإن سمع قراءة الإمام.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي، وليس في حديث مسلم فعل ابن عمر.

(10/164)


قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُؤَخّرُ الصّلاَةُ لِطَعَامٍ وَلا لِغَيْرِهِ" .
3753 - حدثنا عَلِيّ بنُ مُسْلِمٍ الطّوسِيّ قال أخبرنا أبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيّ قال أخبرنا الضّحّاكُ بنُ عُثْمانَ عن عبد الله بنِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ قال: كُنْتُ مَعَ أبي في زَمَانِ ابنِ الزّبَيْرِ إلَى جَنْبِ عبد الله بنِ عُمَرَ، فقالَ عَبّادُ بنُ عبد الله بنِ الزّبَيْرِ: إنّا سَمِعْنَا أنّهُ يُبْدَأُ بالْعَشَاءِ قَبْلَ الصّلاَةِ، فقال عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ: وَيْحَكَ مَا كَانَ عَشَاؤُهُمْ أتُرَاهُ مِثْلَ عَشَاءِ أبِيكَ.
ـــــــ
"لا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره" قال الخطابي: وجه الجمع بين الخبرين أي بين هذا الخبر والذي قبله أن حديث ابن عمر إنما جاء فيمن كانت نفسه تنازعه شهوة الطعام لتسكن شهوة نفسه فلا يمنعه عن توفية الصلاة حقها، وكان الأمر يخف عنهم في الطعام ويقرب مدة الفراغ منه إذا كانوا لا يستكثرون منه ولا ينصبون الموائد ولا يتناولون الألوان وإنما هو مذقة من لبن أو شربة من سويق أو كف من تمر أو نحو ذلك، ومثل هذا لا يؤخر الصلاة عن زمانها ولا يخرجها عن وقتها، وأما حديث جابر فهو فيما كان بخلاف ذلك من حال المصلي وصفة الطعام ووقت الصلاة، وإذا كان الطعام لم يوضع وكان الإنسان متماسكاً في نفسه وحضرت الصلاة وجب أي يبدأ بها ويؤخر الطعام وهذا وجه بناء أحد الحديثين على الآخر والله أعلم انتهى كلام الخطابي.
قال المنذري: في إسناده محمد بن ميمون أبو النضر الكوفي الزعفراني المفلوج قال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال الدارقطني: ليس به بأس، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو زرعة الرازي: كوفي لين، وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً لا يجوز الاحتجاج به إذا وفق الثقات بالأشياء المستقيمة فيكف إذا انفرد بأوابده.
"قال كنت مع أبي" أي عبيد بن عمير "في زمان ابن الزبير" هو عبد الله ابن الزبير بن العوام أبو خبيث المسكي ثم المدني أول مولود في الإسلام وفارس قريش شهد اليرمرك وبويع بعد موت يزيد وغلب على اليمن والحجاز والعراق وخراسان وكان دولته تسع سنين "فقال عباد بن عبد الله بن الزبير" قال الحافظ: كان قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج ثقة من الثالثة "إنا سمعنا أنه" أي الشأن يبدأ على البناء للمفعول بالعشاء أي بطعام العشي، ولعله والله أعلم استبعد أنه كيف يبدأ بالعشاء قبل الصلاة فإنه إذا يؤكل الطعام قدر الحاجة من الأكل بكماله يقع التأخير في أداء الصلاة "فقال عبد الله بن عمر ويحك" قال في المجمع: ويح لمن ينكر عليه

(10/165)


...........................
ـــــــ
فعله مع ترفق وترحم في حال الشفقة، وويل لمن ينكر عليه مع غضب "أتراه" بضم التاء أي أتظن عشاءهم "كان مثل عشاء أبيك" أي ابن الزبير والمعنى أن عشاءهم لم يكن مختلف الألوان كثير التكلف والاهتمام مثل عشاء أبيك، فهم كانوا يفرغون عن أكل العشاء بالعجلة ولم يكن في أداء الصلاة تأخير يعتد به والله تعالى أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/166)


11- باب في غسل اليدين عند الطعام
3754 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ قال أخبرنا أيّوبُ عن عبد الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عن عبد الله بنِ عَبّاسٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنَ الْخَلاَءِ فَقُدّمَ إلَيْهِ طَعَامٌ فقالُوا: "ألاَ نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ"؟ فقالَ: "إنّمَا أُمِرْتُ بالْوُضُوءِ إذَا قُمْتُ إلَى الصّلاَةِ".
ـــــــ
"باب في غسل اليدين عند الطعام"
"خرج من الخلاء" بفتح الخاء ممدود المكان الخالي وهو هنا كناية عن موضع قضاء الحاجة "فقالوا" أي بعض الصحابة رضي الله عنهم "ألا نأتيك بوضوء" بفتح الواو أي ماء يتوضأ به، ومعنى الاستفهام على العرض نحو ألا تنزل عندنا "فقال إنما أمرت" أي وجوباً "بالوضوء" أي بعد الحدث "إذا قمت إلى الصلاة" أي أردت القيام لها وهذا باعتبار الأعم الأغلب، وإلا فيجب الوضوء عند سجدة التلاوة ومس المصحف وحال الطواف، وكأنه صلى الله عليه وسلم علم من المسائل أنه اعتقد أن الوضوء الشرعي قبل الطعام واجب مأمور به، فنفاه على طريق الأبلغ حيث أتى بأداة الحصر وأسند الأمر لله تعالى، وهو لا ينافى جوازه بل استحبابه فضلاً عن استحباب الوضوء العرفي، سواء غسل يديه عند شروعه في الأكل أم لا، والأظهر أنه ما غسلهما لبيان
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
في هذه المسألة قولان لأهل العلم أحدهما: يستحب غسل اليدين قبل الطعام.
والثاني: لا يستحب وهما في مذهب أحمد وغيره والصحيح أنه لا يستحب.
وقال النسائي في كتابه الكبير باب ترك غسل اليدين قبل الطعام ثم ذكر من حديث ابن جريج عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرز ثم خرج فطعم ولم يمس ماء وإسناده صحيح:
ثم قال: باب غسل الجنب يده إذا طعم وساق من حديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة وإذا أراد أن يأكل غسل يديه.

(10/166)


.................................................
ـــــــ
الجواز، مع أنه أكد لنفي الوجوب المفهوم من جوابه صلى الله عليه وسلم. وفي الجملة لا يتم استدلال من احتج به على نفي الوضوء مطلقاً قبل الطعام مع أن في نفس السؤال إشعاراً بأنه كان الوضوء عند الطعام من دأبه عليه السلام وإنما نفى الوضوء الشرعي فبقى العرفي على حاله، ويؤيده المفهوم أيضاً فمع وجود الاحتمال سقط الاستدلال والله أعلم بالحال. كذا قال علي القاري في المرقاة، وفي بعض كلامه خفاء كما لا يخفى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن.
ـــــــ
وهذا التبويب والتفصيل في المسألة هو الصواب.
وقال الخلال في الجامع: عن مهنا قال سألت أحمد عن حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم بركة الطعام الوضوء قبله وبعده فقال لي أبو عبد الله هو منكر فقلت ما حدث بهذا إلا قيس بن الربيع قال لا وسألت يحيى بن معين وذكرت له حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان الحديث فقال لي يحيى بن معين ما أحسن الوضوء قبل الطعام وبعده قلت له بلغني عن سفيان الثوري أنه كان يكره الوضوء قبل الطعام وقال مهنا سألت أحمد قلت بلغني عن يحيى بن سعيد أنه قال كان سفيان يكره غسل اليد عند الطعام قلت لم كره سفيان ذلك قال لأنه من زي العجم وضعف أحمد حديث قيس بن الربيع.

(10/167)


12- باب في غسل اليد قبل الطعام
3755 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ أخبرنا قَيْسٌ عن أبي هَاشِمٍ عن زَاذَانَ عن سَلْمَانَ قال: قَرَأْتُ في التّوْرَاةِ أنّ بَرَكَةَ الطّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: "بَرَكَةُ الطّعَامِ الْوُضُوءُ قبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ" ، وكَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ الْوُضُوءَ قَبْلَ الطّعَامِ.
ـــــــ
"باب في غسل اليد قبل الطعام"
ليس هذا الباب في كثير من النسخ وإنما وجد في بعضها وإسقاطه أولى. والله أعلم.
"عن سلمان" أي الفارسي "قرأت في التوراة" أي قبل الإسلام "أن بركة الطعام" بفتح أن ويجوز كسرها "الوضوء" أي غسل اليدين والفم من الزهومة إطلاقاً للكل على الجزء مجازاً أو بناء على المعنى اللغوي والعراقي "قبله" أي قبل أكل الطعام "فذكرت ذلك" أي المقروء المذكور "فقال بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده" قيل: الحكمة في الوضوء قبل الطعام

(10/167)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ.
ـــــــ
أن الأكل بعد غسل اليدين يكون أهنأ وأمرأ، ولأن اليد لا تخلو عن تلوث في تعاطي الأعمال فغلسها أقرب إلى النظافة والنزاهة. والمراد من الوضوء بعد الطعام غسل اليدين والفم من الدسومات. قال صلى الله عليه وسلم "من بات وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه" أخرجه ابن ماجه وأبو داوود وبسند صحيح على شرط مسلم. ومعنى "بركة الطعام من الوضوء قبله" النمو والزيادة فيه نفسه وبعده النمو الزيادة في فوائدها وآثارها بأن يكون سبباً لسكون النفس وقرارها وسبباً للطاعات وتقوية للعبادات وجعله نفس البركة وإلا فالمراد أنها تنشأ عنه. هذا تلخيص كلام القاري "وكان سفيان" أي الثوري "يكره الوضوء قبل الطعام" لعل مستنده حديث ابن عباس المذكور قبل هذا الباب. وقال الترمذي في جامعه باب في ترك الوضوء قبل الطعام ثم أورد حديث ابن عباس ثم قال: قال علي بن المديني قال يحيى بن سعيد كان سفيان الثوري يكره غسل اليد قبل الطعام، وكان يكره أن يوضع الرغيف تحت القصعة. انتهى.
قال ابن القيم في حاشية السنن: في هذه المسألة قولان لأهل العلم، أحدهما يستحب غسل اليدين عند الطعام والثاني لا يستحب وهما في مذهب أحمد وغيره الصحيح أنه لا يستحب.
وقال الشافعي في كتابه الكبير: بات ترك غسل اليدين قبل الطعام، ثم ذكر من حديث ابن جريج عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرز ثم خرج فطعم ولم يمس ماء" وإسناده صحيح. ثم قال: غسل الجنب يده إذا طعم وساق من حديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة وإذا أراد أن يأكل غسل يديه" وهذا التبويب والتفصيل في المسألة هو الصواب.
وقال الخلال في الجامع عن مهنا قال: سألت أحمد عن حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان فذكر الحديث، فقال لي أبو عبد الله هو منكر، فقلت ما حدث هذا إلا قيس بن الربيع. قال: لا. وسألت يحيى ابن معين وذكرت له حديث قيس بن الربيع، فقال لي يحيى بن معين ما أحسن الوضوء قبل الطعام وبعده. فقلت له: بلغني عن سفيان الثوري أنه كان يكره الوضوء قبل الطعام.
ـــــــ
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء.

(10/168)


..................................
ـــــــ
قال مهنا: سألت أحمد قلت: بلغني عن يحيى بن سعيد أنه قال كان سفيان يكره غسل اليد عند الطعام. قلت: لم كره سفيان ذلك؟ قال: لأنه من زيْ العجم، وضعف أحمد حديث قيس بن الربيع.
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروزي قال: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي، وقال: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع وقيس بن الربيع يضعف في الحديث.

(10/169)


13- باب في طعام الفجأة [الفجاءة]
3756 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قال حدثنا عَمّي - يعني سَعِيدَ بنَ الْحَكَمِ - قال أخبرنا [حدثنا] اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ قال أخبرني خَالِدُ بنُ يَزِيدَ عن أبِي الزّبَيْرِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله أنّهُ قال: أقْبَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ شِعْبٍ مِنَ الْجَبَلِ وَقَدْ قَضَى حَاجَتَهُ وَبَيْنَ أيْدِينَا تَمْرٌ عَلَى تُرْسٍ أوْ جَحَفَةٍ، فَدَعَوْنَاهُ فأَكَلَ مَعَنَا وَمَا مَسّ مَاءً.
ـــــــ
"باب في طعام الفجأة"
بفتح فاء وسكون جيم فهمزة أو بضم فاء فجيم فألف فهمزة، يقال: فجأة كسمعه ومنعه، فجأة وفجاءة هجم عليه وجاء بغتة من غير تقدم سبب.
"من شعب من الجبل" الشعب بالكسر الطريق في الجبل "على ترس أو جحفة" شك من الراوي، والجحفة بتقديم الحاء على الجيم المفتوحتين بمعنى الترس "فدعوناه فأكل معنا".
قال الخطابي: فيه دليل أن طعام الفجأة غير مكروه إذا كان الآكل يعلم أن صاحب الطعام قد يسره مساعدته إياه على أكله ومعلوم أن القوم كانوا يفرحون بمساعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم ويتبركون بمؤاكلته، وإنما جاءت الكراهة إذا كان لا يؤمن أن يسوء ذلك صاحب الطعام ويشق عليه. انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/169)


14- باب في كراهية ذم الطعام
3757 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن الأعْمَشِ عن أبي حَازِمٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: مَا عَابَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم طَعَاماً قَطّ، إنِ اشْتَهَاهُ أكَلَهُ، وَإنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ.
ـــــــ
"باب في كراهية ذم الطعام"
"ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط" أي طعاماً مباحاً، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهي عنه. وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره، لأن صنعة الله لا تعاب وصنعة الآدميين تعاب.
قال الحافظ: والذي يظهر التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع. قال النووي: من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب، كقوله مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج، ونحو ذلك "وإن كرهه تركه" قال ابن بطال: هذا من حسن الأدب، لأن المرء قد لا يشتهي الشيء ويشتهيهة غيره وكل مأذون في أكله من قبل الشرع ليس فيه عيب.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.

(10/170)


15- باب في الاجتماع على الطعام
3758 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ قال أخبرنا [حدثنا] الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قال حدّثني وَحْشِيّ بنُ حَرْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: "أنّ أصْحَابَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالُوا: يَارَسُولَ الله إنّا نَأْكُلُ وَلا نَشْبَعُ، قال: "فَلَعَلّكُم تَفْتَرِقُونَ"؟ قالُوا: نَعَمْ، قال: "فاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُم وَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُم فِيهِ" .
ـــــــ
"باب في الاجتماع على الطعام"
"إنا نأكل ولا نشبع" معناه بالفارسية: بتحقيق مامي خوريم وسيرنمي شويم والشبع نقيض الجوع وبابه سمع يسمع "تفترقون" أي حال الأكل بأن كل واحد من أهل البيت يأكل وحده "واذكروا اسم الله عليه" أي في ابتداء أكلكم "يبارك لكم فيه" أي في الطعام، فقد روى أبو يعلى في مسنده وابن حبان والبيهقي والضياء عن جابر مرفوعاً "أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي" وروى الطبراني عن ابن عمر موقوفاً "طعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام

(10/170)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: إذَا كُنْتَ في وَلِيمَةٍ فَوُضِعَ الْعَشَاءُ فَلاَ تَأْكُلْ حَتّى يَأْذَنَ لَكَ صَاحِبُ الدّارِ.
ـــــــ
الأربعة يكفي الثمانية، فاجتمعوا عليه ولا تفرقوا" وأما قوله تعالى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} فمحمول على الرخصة أو دفعاً للحرج على الشخص إذا كان وحده "إذا كنت في وليمة إلخ" ليست هذه العبارة في بعض النسخ.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وذكر عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: وحشى بن حرب شامي تابعي لا بأس به، وذكر عن صدقة بن خالد أنه قال: لا تشتغل به ولا بأبيه.

(10/171)


16- باب التسمية على الطعام
3759 - حدثنا يَحْيَى بنُ خَلَفٍ قال أخبرنا أبُو عَاصِمٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله أنّهُ سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إذَا دَخَلَ الرّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ الله [فذكر اسم الله] عِنْدَ دَخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قال الشّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُم وَلاَ عَشَاءَ، وَإذَا دَخَلَ فَلمْ يَذْكُرِ الله عِنْدَ دُخُولِهِ قال الشّيْطَانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، فإذَا لَمْ يَذْكُرِ الله عِنْدَ طَعَامِهِ قال: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالْعَشَاءِ" .
3760 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ عن خَيْثَمَةَ عن أبي حُذَيْفَةَ عن حُذَيْفَةَ قال: كُنّا إذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم طَعَاماً لَمْ
ـــــــ
"باب التسمية على الطعام"
"قال الشيطان" أي لإخوانه وأعوانه ورفقته "لا مبيت لكم" أي لا موضع بيتوتة لكم "ولا عشاء" بفتح العين والمد هو الطعام الذي يؤكل في العشية وهي من صلاة المغرب إلى العشاء بكسر العين، أي لا يحصل لكم مسكن وطعام بل صرتم محرومين بسبب التسمية "قال أدركتم المبيت والعشاء" لتركه ذكر الله عند الدخول وعند الطعام. وتخصيص المبيت والعشاء فلغالب الأحوال لأن ذلك صادق في عموم الأفعال ذكره الطيبي.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.

(10/171)


يَضَعْ أحَدُنَا يَدَهُ حَتّى يَبْدَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَإنّا حَضَرْنَا مَعَهُ طَعَاماً فَجَاءَ أعْرَابِيّ كَأَنّمَا يُدْفَعُ، فَذَهَبَ لِيَضَعَ يَدَهُ في الطّعَامِ، فأخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، ثُمّ جَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنّمَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا في الطّعَامِ، قال: فأخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدِهَا وَقال: "إنّ الشّيْطَانَ لَيَسْتَحِلّ الطّعَامَ الّذِي لَمْ يُذْكَرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ، وَإِنّهُ جَاءَ بِهَذَا الأعْرَابِيّ لِيَسْتَحِلّ [يستحل] بِهِ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَجَاء بِهَذِهِ الْجَارِيَةَ لِيَسْتَحِلّ بِهَا فأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّ يَدَهُ لَفِي يَدِي مَعَ أيْدِيهِمَا" .
3761 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ هِشَامٍ قال أخبرنا إِسْمَاعِيلُ عن هِشَامٍ - يَعْنِي ابنَ أبي عبد الله الدّسْتُوَانِيّ - عن بُدَيْلٍ عن عبد الله بنِ عُبَيْدٍ عن امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا أُمّ كُلْثُومٍ عن عَائِشَةَ أنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ الله فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ اسْمَ الله في أوّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ الله أوّلَهُ وَآخِرَهُ" .
ـــــــ
"لم يضع أحدنا يده" أي في الطعام "حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم" فيه بيان هذا الأدب، وهو أنه يبدأ الكبير والفاضل في غسل اليد للطعام وفي الأكل "كأنما يدفع" بصيغة المجهول يعني لشدة سرعته كأنه مدفوع "فذهب" أي أراد الأعرابي وشرع "ليضع يده في الطعام" أي قبلنا "ثم جاءت جارية" أي بنت صغيرة "إن الشيطان ليستحل الطعام" أي يتمكن من أكل ذلك الطعام. والمعنى أنه يتمكن من أكل الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله تعالى. وإما إذا لم يشرع فيه أحد فلا يتمكن وإن كان جماعة، فذكر اسم الله بعضهم دون بعض لم يتمكن منه، قاله النووي "إن يده لفي يدي مع أيديهما" أي إن يد الشيطان مع يد الرجل والجارية في يدي. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"حدثنا مؤمل" على وزن محمد ثقة "عن بديل" بالتصغير "فإن نسى" بفتح النون وكسر السين "فليقل بسم الله أوله وآخره" بنصبهما على الظرفية أي في أوله وآخره أو على نزع الخافض أي على أوله وآخره والمعنى على جميع أجزائه كما يشهد له المعنى الذي قصد به التسمية، فلا يقال ذكرهما يخرج الوسط فهو كقوله تعالى {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} مع قوله عز وجل {أُكُلُهَا دَائِمٌ} ويمكن أن يقال المراد بأوله النصف الأول وبآخره النصف الثاني، فيحصل الإستيفاء والاستيعاب والله أعلم بالصواب قاله القاري.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، ولم يقل الترمذي عن امرأة منهم إنما قال

(10/172)


3762 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ الْحَرّانِيّ قال أخبرنا عِيسَى - يَعني ابنَ يُونُسَ - قال أخبرنا جَابِرُ بنُ صُبْحٍ قال أخبرنا المُثَنّى بنُ عبد الرحمن الْخُزَاعِيّ عن عَمّهِ أُمَيّةَ بنِ مَخْشِيَ - وكَانَ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم - قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِساً وَرَجُلٌ يَأْكُلُ فلَمْ يُسَمّ حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إلاّ لُقْمَةٌ، فلَمّا رَفَعَهَا إلَى فِيهِ قال بِسْمِ الله أوّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثُمّ قال: "مَا زَالَ الشّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فلَمّا ذَكَرَ اسْمَ الله اسْتَقَاءَ مَا في بَطْنِهِ" .
ـــــــ
عن أم كلثوم، وقال الترمذي: وبهذا الإسناد عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل طعاماً في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنه لو سمى لكفي لكم" وقال حسن صحيح ووقع في بعض روايات الترمذي أم كلثوم الليثية وهو الأشبه لأن عبيد بن عمير ليثي، ومثل بنت أبي بكر لا يكني عنها بامرأة ولا سيما مع قوله منهم، وقد سقط هذا من بعض نسخ الترمذي وسقوطه الصواب والله عز وجل أعلم.
وقد ذكر الحافظ أبو القاسم الدمشقي في أطرافه لأم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة أحاديث، وذكر بعدها أم كلثوم الليثية ويقال المكية وذكر لها هذا الحديث وقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث في مسنده عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة ولم يذكر فيه أم كلثوم انتهى كلام المنذري.
-"أخبرنا جابر بن صبح" بضم الصاد وسكون الموحدة "من عمه أمية" بالتصغير "بن مخشى" بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء "إلا لقمة" بالرفع على الفاعلية "إلى فيه" إي إلى فمه "فضحك النبي صلى الله عليه وسلم" أي تعجباً لما كشف له ذلك "استقاء" أي الشيطان "ما في بطنه" أي مما أكله، والاستقاء استفعال من القيء بمعنى الاستفراغ وهو محمول على الحقيقة، أو المراد البركة الذاهبة بترك التسمية كأنها كانت في جوف الشيطان أمانة فلما سمى رجعت إلى الطعام.
قال التوربشتي: أي صار ما كان له وبالا عليه مستلباً عنه بالتسمية. قال الطيبي: وهذا التأويل محمول على ماله حظ من تطيير البركة من الطعام. وأحاديث الباب تدل على مشروعية التسمية للأكل وأن الناسي يقول في أثنائه بسم الله أوله وآخره قال في الهدى. والصحيح وجوب التسمية عند الأكل وهو أحد لإجماع يسوغ مخالفتها ويخرجها عن ظاهرها، وتاركها يشركه الشيطان في طعامه وشرابه انتهى.

(10/173)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: جَابِرُ بنُ صُبْحٍ جَدّ سُلَيْمانَ بنِ حِرْبٍ مِنْ قِبَلِ أُمّهِ.
ـــــــ
قال في النيل: والذي عليه الجمهور من السلف والخلف من المحدثين وغيرهم أن أكل الشيطان محمول على ظاهره، وأن للشيطان يدين ورجلين، وفيهم ذكر وأنثى، وأنه يأكل شم واسترواح، ولا ملجىء إلى شيء من ذلك.
وقد ثبت في الصحيح أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله. وروى عن وهب بن منبه أنه قال الشياطين أجناس، فخالص الجن لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون وهم ريح، ومنهم جنس يفعلون ذلك كله ويتوالدون وهم السعالي والغيلان ونحوهم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وقال الدارقطني لم يسند أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث، تفرد به جابر بن الصبح عن المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي عن جده أمية. هذا آخر كلامه. وقال يحيى ابن معين: جابر بن صبح ثقة، وقال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم روى إلا هذا الحديث. وقال أبو عمر النمري: له حديث واحد في التسمية على الأكل.

(10/174)


17- باب في الأكل متكئا
3763 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا [أنبأنا] سُفْيَانُ عن عَلِيّ بنِ الأقْمَرِ قال سَمِعْتُ أبَا جُحَيْفَةَ قالَ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ آكُلُ مُتّكِئاً" .
ـــــــ
"باب في الأكل متكئا"
"قال النبي صلى الله عليه وسلم لا آكل متكئاً" قال الحافظ: اختلف في صفة الاتكاء، فقيل أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي صفة كان، وقيل أن يميل على أحد شقيه، وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض قال الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه وليس كذلك بل هو المعتمد على الوطأ الذي تحته. قال ومعنى الحديث أني لا أقعد متكئاً على الوطأ عند الأكل فعل من يستكثر من الطعام فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزاً. وفي حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم أكل تمراً وهو مقع، وفي رواية وهو محتفز، والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن. وأخرج ابن عدي بسند ضعيف زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل. قال مالك هو نوع من الاتكاء قلت: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الأكل فيه متكئاً ولا يختص بصفة بعينها. وجزم ابن الجوزي في تفسير الإتكاء بأنه الميل على أحد الشقين ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك. وحكى ابن الأثير في النهاية أن من

(10/174)


3764 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ قال أخبرنا وَكِيعٌ عن مُصْعَبِ بنِ سُلَيْمٍ قال سَمِعْتُ أنَساً يَقُولُ: بَعَثَنِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَرَجَعْتُ إلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ يَأْكُلُ تَمْراً وَهُوَ مُقْعٍ.
3765 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال أخبرنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ عن شُعَيْبِ بنِ عبد الله بنِ عَمْرٍو عن أبِيهِ قال: مَا رُؤيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ مُتّكِئاً قَطّ وَلا يَطَأُ عَقِبِهِ رِجْلاَنِ.
ـــــــ
فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطب بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلاً ولا يسيغه هنيئاً وربما تأذى به.
قال الحافظ: وإذا ثبت كونه مكروهاً أو خلاف الأولى فالمستحب في صفة الجلوس للأكل أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى انتهى. وقال القاري في المرقاة: نقل في الشفاء عن المحققين أنهم فسروه بالتمكن للأكل والقعود في الجلوس كالمتربع المعتمد على وطاء تحته لأن هذه الهيئة تستدعي كثرة الأكل وتقتضي الكبر انتهى.
وقال الخطابي في المعالم: يحسب أكثر العامة أن المتكىء هو المائل المعتمد على أحد شقيه لا يعرفون غيره. وكان بعضهم يتأول هذا الكلام على مذهب الطب ودفع الضرر عن البدن إذا كان معلوماً أن الأكل مائلاً على أحد شقيه لا يسهل نزوله إلى معدته. قال الخطابي: وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه وإنما المتكىء ها هنا هو المعتمد على الوطأ الذي تحته، وكل من استوى هل وطأ فهو متكىء، والاتكاء مأخوذ من الوكاء ووزنه الافتعال، فالمتكىء هو الذي أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطأ الذي تحته.
والمعنى أني إذا أكلت لم أقعد متكأ من الأرض على الأوطية والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة ويتوسع في الألوان انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث علي بن الأقمر.
"بعثني النبي صلى الله عليه وسلم" أي لحاجة "وهو مقع" اسم فاعل من الأقعاء. قال النووي: أي جالساً على اليتيه ناصباً ساقيه. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"مارؤي" على البناء للمفعول "رسول الله صلى الله عليه وسلم" بالرفع "يأكل متكئاً" قال الحافظ اختلف

(10/175)


................................
ـــــــ
السلف في حكم الأكل متكئاً، فزعم ابن القاص أن ذلك من الخصائص النبوية، وتعقبه البيهقي فقال قد يكره لغيره أيضاً لأنه من فعل المتعظمين، وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه الأكل إلا متكئاً لم يكن في ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة وفي الحمل نظر انتهى "ولا يطأ عقبه رجلان" أي لا يطأ الأرض خلفه رجلان. والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم لا يمشي قدام القوم بل يمشي في وسط الجمع أو في آخرهم تواضعاً. قال الطيبي: التثنية في رجلان لا تساعد هذا التأويل، ولعله كناية عن تواضعه وأنه لم يكن يمشي مشي الجبابرة مع الأتباع والخدم، ولا يخفي أن ما ذكره لا ينافى قول غيره وفائدة التثنية أنه قد يكون واحد من الخدام وراءة كأنس وغيره لمكان الحاجة به وهو لا ينافى التواضع كذا في المرقاة. وقال في فتح الودود: الرجلان بفتح الراء وضم الجيم هذا هو المشهور، ويحتمل كسر الراء وسكون الجيم أي القدمان، والمعنى لا يمشي خلفه أحد ذو رجلين انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وشعيب هذا هو والد عمرو بن شعيب. ووقع هنا وفي كتاب ابن ماجه شعيب بن عبد الله بن عمرو عن أبيه وهو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو قال: كان ثابت البناني ينسبه إلى جده حين حدث عنه وذلك شائع، وإن أراد بأبيه جده عبد الله فيكون مسنداً، وشعيب قد سمع من عبد الله بن عمرو والله عز وجل أعلم.

(10/176)


18- باب في الأكل من أعلى الصحفة
3766 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ قال أخبرنا شُعْبَةُ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا أكَلَ أحَدُكُم طَعَاماً فَلاَ يَأْكُلْ مِنْ أعْلَى الصّحْفَةِ وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْ أسْفَلِهَا فإنّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أعْلاَهَا".
ـــــــ
"باب في الأكل من أعلى الصحفة"
هي إناء كالقصعة المبسوطة وجمعها صحاف
"ولكن يأكل من أسفلها" أي من جانبه الذي يليه "فإن البركة تنزل من أعلاها" وفي رواية الترمذي وابن ماجه وأحمد "فإن البركة تنزل في وسطها" قال القاري: والوسط أعدل المواضع فكان أحق بنزول البركة فيه.
وفي الحديث مشروعية الأكل من جوانب الطعام قبل وسطه. قال الرافعي وغيره: يكره

(10/176)


3767 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ الْحِمْصِيّ قالَ أخبرنا أبي أخبرنا مُحمّدُ بنُ عبد الرحمن بنِ عِرْقٍ أخبرنا عبد الله بنُ بُسْرٍ قالَ: كَانَ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم قَصْعَةٌ يَحْمِلُهَا أرْبَعَةُ رِجَالٍ يُقالُ لَهَا الْغَرّاءُ [قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال] فَلَمّا أضْحَوْا وَسَجَدُوا الضّحَى أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ يَعْنِي وَقَدْ ثُرّدَ فِيهَا فالْتفّوْا [فالتقوا] عَلَيْهَا، فَلَمّا كَثُرُوا جَثَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أعْرَابِيّ مَا هَذِهِ الْجَلْسَةُ؟ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله تَعَالَى
ـــــــ
أن يأكل من أعلى الثريد ووسط القصعة، وأن يأكل مما يلي أكيله، ولا بأس بذلك في الفواكه، وتعقبه الأسنوي بأن الشافعي نص على التحريم. قال الغزالي: وكذا لا يأكل من وسط الرغيف بل من استدارته إلا إذا قل الخبز فليكسر الخبز. والعلة في ذلك ما في الحديث من كون البركة تنزل في وسط الطعام.
وقال الخطابي: وفيه وجه آخر وهو أن يكون النهي إنما وقع عنه إذا أكل مع غيره، وذلك أن وجه الطعام هو أفضله وأطيبه، فإذا كان قصده بالأكل كان مستأثراً به على أصحابه. وفيه من ترك الأدب وسوء العشرة ما لا خفاء به، فأما إذا أكل وحده فلا بأس به انتهى.
قلت: هذا وجه ضعيف لا يقبل والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه محمد والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح إنما يعرفون من حديث عطاء بن السائب، وقد تقدم الخلاف في عطاء بن السائب، وإذا أكل معه غيره، ووجه الطعام أفضل وأطيبه فإذا قصده بالأكل كان مستأثراً به على أصحابه، وفيه ترك الأدب ما لا يخفي فإذا أكل وحده فلا بأس قاله بعضهم.
-"أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن عرق" بكسر المهملة وسكون الراء بعدها قاف صدوق من الخامسة "أخبرنا عبد الله بن بسر" بضم الموحدة وسكون المهلمة صحابي صغير ولأبيه صحبة "كان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة" أي صحفة كبيرة "يقال لها الغراء" تأنيث الأغر بمعنى الأبيض الأنور "فلما أضحوا" بسكون الضاد المعجمة وفتح الحاء المهملة أي دخلوا في الضحى "وسجدوا الضحى" بسكون الضاد المعجمة وفتح الحاء المهملة أي دخلوا في الضحى "وسجدوا الضحى" أي صلوها "أتى بتلك القصعة" أي جيء بها "وقد ثرد" بضم مثلثة وكسر راء مشددة "فيها" أي في القصعة "فالتفوا" بتشديد الفاء المضمومة أي اجتمعوا "عليها" أي حولها "فلما كثروا" بضم المثلثة "جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي من جهة ضيق المكان توسعة على الإخوان.
وفي القاموس: كدعا ورمى جثوا وجثيا بضمهما جلس على ركبتيه "ما هذه الجلسة"

(10/177)


جَعَلَنِي عَبْداً كَرِيماً وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً عَنِيداً" ، ثُمّ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا" .
ـــــــ
بكسر الجيم. قال الطيبي: هذه نحوها في قوله تعالى {َمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} كأنه استحقرها ورفع منزاته عن مثلها "إن شاء الله تعالى جعلني عبداً كريماً" أي متواضعاً سخياً، وهذه الجلسة أقرب إلى التواضع وأنا عبد والتواضع بالعبد أليق. قال الطيبي: أي هذه جلسة تواضع لا حقارة ولذلك وصف عبداً بقوله كريماً "ولم يجعلني جباراً" أي متكبر متمرداً "عنيداً" أي معاند جائراً عن القصد وأداء الحق مع علمه به "كلوا من حواليها" مقابلة الجمع بالجمع أي ليأكل كل واحد مما يليه من أطراف القصعة "ودعوا" أي اتركوا "ذروتها" بتثليث - "بضم" - الذال المعجمة والكسر أصح أي وسطها وأعلاها "يبارك" بالجزم على جواب الأمر.
قال القاري: وفي نسخة بالرفع أي هو سبب أن تكثر البركة "فيها" أي في القصعة بخلاف ما إذا أكل من أعلاها انقطع البركة من أسفلها.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وبسر بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها راء مهملة.

(10/178)


19- باب الجلوس على مائدة عليها بعض ما يكره
3768 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قالَ أخبرنا كَثِيرُ بنُ هِشَامٍ عنْ جَعْفَرِ بنِ بُرْقَانَ عنِ الزّهْرِيّ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ مَطْعَمَيْنِ عنِ الْجُلُوسِ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ، وَأنْ يَأْكُلَ الرّجُلُ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى بَطْنِهِ [وجهه] .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَسْمَعْهُ جَعْفَرٌ عنِ الزّهْرِيّ وَهُوَ مُنْكَرٌ.
ـــــــ
"باب الجلوس على مائدة عليها بعض ما يكره"
"وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه" أي واقع على بطنه ووجهه، يقال بطحه كمنعه ألقاه على وجهه فانبطح. والحديث يدل على أنه لا يجوز الجلوس على مائدة يكون عليها ما يكره شرعاً كشرب الخمر وغير ذلك لما في ذلك من إظهار الرضي به، وعلى أنه لا يجوز الأكل منبطحاً.
قال المنذري: وأخرجه النسائي. وقال أبو داوود: وهذا الحديث لم يسمعه جعفر يعني

(10/178)


3769 - حدثنا هَارُونُ بنُ زَيْدِ بنِ أبِي الزّرْقَاءِ قالَ أخبرنا أبِي قال أخبرنا جَعْفَرٌ أنّهُ بَلَغَهُ عنِ الزّهْرِيّ هَذَا الْحَدِيثَ.
ـــــــ
ابن برقان من الزهري وهو منكر، وذكر ما يدل على ذلك. وذكر النسائي أيضاً ما يدل على أن جعفر بن برقان لم يسمعه من الزهري.

(10/179)


20- باب الأكل باليمين
3770 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ قال أخبرني أبُو بَكْرِ بنُ عبيد الله ابنِ عبد الله بنِ عُمَرَ عن جَدّهِ ابنِ عُمَرَ أنّ [عن] النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فإنّ الشّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ" .
3771 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ لُوَيْنٌ عن سُلَيْمانَ بنِ بِلاَلٍ عن أبِي وَجْزَةَ عن عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ قالَ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "ادنُ بُنَيّ فَسَمّ الله وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمّا يَلِيكَ" .
ـــــــ
"باب الأكل باليمين"
"إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه" ظاهر الأمر فيهما للوجوب كما ذهب إليه بعضهم، ويؤيده ما في صحيح مسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يأكل بشماله فقال له: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، فقال: لا استطعت، فما رفعها إلى فيه بعد "فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" فيه إشارة إلى أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشيطان، وأن للشيطان يدين، وأنه يأكل ويشرب، وقد تقدم أنه محمول على الحقيقة.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"أدن" أي أقرب من الدنو "بني" أي يا بني "فسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" أي مما يقربك لا من كل جانب.
قال النووي: وفي هذا الحديث بيان ثلاث سنن من سنن الأكل، وهي التسمية، والأكل باليمين، والأكل مما يليه، لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة فقد يتقذره صاحبه لا سيما في الأمراق وشبهها، وهذا في الثريد والأمراق وشبههما، فإن كان تمراً وأجناساً

(10/179)


.............................
ـــــــ
فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه. والذي ينبغي تعميم النهي حملاً للنهي على عمومه حتى يثبت دليل مخصص انتهى.
قال القاري: سيأتي حديث الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال في أكل التمر: "يا عكراش كل من حيث شئت فإنه من غير لون واحد" .
قال المنذري: وذكر الترمذي أنه روى عن أبي وجزة عن رجل من مزينة عن عمر بن أبي سلمة، وأخرجه النسائي أي كما ذكره الترمذي، وقال النسائي: هذا هو الصواب عندي والله أعلم. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث أبي نعيم وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة بنحوه، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديثه عن عروة بن الزبير عن عمر بن أبي سلمة.

(10/180)


21- باب في أكل اللحم
3772 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ قال أخبرنا أبُو مَعْشَرٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقْطَعُوا اللّحْمَ بالسّكّينِ فإنّهُ مِنْ صَنِيعِ الأعَاجِمِ وَانْهَسُوهُ [نهشوه] فإنّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ" .
ـــــــ
"باب في أكل اللحم"
"لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه" أي قطعه بالسكين ولو كان منضوجاً "من صنيع الأعاجم" أي من دأب أهل فارس المتكبرين المترفهين، فالنهي عنه لأن فيه تكبراً وأمراً عبثاً بخلاف ما إذا احتاج قطع اللحم إلى السكين لكونه غير نضيج تام، فلا يعارض خبر الشيخين أنه صلى الله عليه وسلم كان يحتز بالسكين، أو المراد بالنهي التنزيه وفعله لبيان الجواز، كذا قال القاري "وانهسوه" بالسين المهملة، وفي بعض النسخ وانهشوه بالشين المعجمة والنهس بالمهملة أخذ اللحم بأطراف الأسنان وبالمعجمة الأخذ بجميعها، أي كلوه بأطراف الأسنان "فإنه" أي النهس "أهنأ وأمرأ" أي أشد هنأ ومراءة، يقال هنىء صار هنيئاً ومرىء صار مريئاً، وهو أن لا يثقل على المعدة وينهضم عنها.
والمعنى لا تجعلوا القطع بالسكين دأبكم وعادتكم كالأعاجم، بل إذا كان نضيجاً فانهسوه، وإذا لم يكن نضيجاً فخزوه بالسكين. ويؤيده قول البيهقي النهي عن قطع اللحم

(10/180)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هُوَ بالْقَوِيّ.
3773 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى [موسى بن عيسى] حدثنا ابنُ عُلَيّةَ عن عبد الرحمن بنِ إسْحَاقَ عن عبد الرحمن بنِ مُعَاوِيَةَ عن عُثْمانَ بنِ أبي سُلَيْمانَ عن صَفْوانَ بنِ أُمَيّةَ قال: كُنْتُ آكُلُ مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فآخُذُ اللّحْمَ بِيَدِي مِنَ الْعَظْمِ، فقال: "أدْنِ الْعَظْمَ مِنْ فِيكَ فإنّهُ أهْنَأُ وَأَمْرَأُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: عُثْمانُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ صَفْوانَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.
3774 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله قالَ أخبرنا أبُو دَاوُدَ قال أخبرنا زُهَيْرٌ عن أبي إسْحَاقَ عن سَعْدِ بنِ عِيَاضٍ عن عبد الله بنِ مَسْعُودٍ قال: كَانَ أحَبّ الْعُرَاقِ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عُرَاقُ الشّاةِ.
ـــــــ
بالسكين في لحم قد تكامل نضجه، كذا في المرقاة "وليس هو بالقوي" فلا يكون مقاوماً لحديث الصحيحين المذكور.
قال المنذري: في إسناده أبو معشر السدي المدني واسمه نجيح، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه ويستضعفه جداً ويضحك إذا ذكره غيره وتكلم فيه غير واحد من الأئمة.
وقال أبو عبد الرحمَن النسائي: أبو معشر له أحاديث مناكير منها هذا، ومنها عن أبي هريرة ما بين المشرق والمغرب قبلة. انتهى.
-"محمد بن عيسى" هكذا في أكثر النسخ. وقال المزي في الأطراف: محمد بن عيسى بن الطباع، وهكذا نسبته في جميع كتب الرجال، وفي بعض النسخ موسى بن عيسى وهو غلط "فقال إدن العظم" أمر من الإدناء أي أقرب العظم "من فيك" أي من فمك، والمعنى لا تأخذ اللحم من العظم باليد بل خذه منه بالفم "قال أبو داوود: عثمان لم يسمع من صفوان وهو مرسل" أي منقطع، وهذه العبارة لم توجد في بعض النسخ.
قال المنذري: عثمان لم يسمع من صفوان فهو منقطع، وفي إسناده: من فيه مقال.
-"كان أحب العراق" بضم العين جمع عرق بالسكون وهو العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، قال في النهاية: العرق بالسكون العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، وجمعه عراق وهو جمع نادر. وقال في القاموس: العرق وكغراب العظم أكل لحمه جمعه ككتاب وغراب نادراً. والعرق العظم بلحمه فإذا أكل لحمه فعراق أو كلاهما لكليهما.

(10/181)


3775 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارِ قال أخبرنا أبُو دَاوُدَ بِهَذَا اْلإسْنَادِ قال: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ الذّرَاعُ، قال وَسُمّ في الذّرَاعِ، وَكَانَ يَرَى أنّ الْيَهُودَ هُمْ سَمّوهُ.
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"يعجبه الذراع" أي ذراع الغنم قال في القاموس الذراع بالكسر هو من يدي البقر والغنم فوق الكراع، ومن يد البعير فوق الوطيف ووجه إعجابه أنه يكون أسرع نضجاً وألذ طعماً وأبعد عن موضع الأذى "وسم" على البناء للمفعول أي جُعِلَ السم "وكان يرى أن اليهود هم سموه" قال في القاموس: سَمّه سقاه السم والطعام جعله فيه.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي، وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه الذراع وكان يعجبه" الحديث.

(10/182)


22- باب في أكل الدباء
3776 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن إسْحَاقَ بنِ عبد الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إنّ خَيّاطاً دَعَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قال أنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إلَى ذَلِكَ الطّعَامِ، فَقَرّبَ إلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خُبْزاً مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقاً فِيهِ دُبّاءٌ وَقَدِيدٌ، قال أنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَتَبّعُ [يتَّبَّع - يتَّبع] الدّبّاء مِنْ حَوَالَىْ الصّحْفَةِ، فلَمْ أَزَلْ أُحِبّ الدّبّاءَ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ.
ـــــــ
"باب في أكل الدباء"
"الطعام" أي إلى طعام أو لأجل طعام "قال أنس فذهبت" وذهابه إما بطلب مخصوص أو بالتبعية له صلى الله عليه وسلم لكونه خادماً له عملاً بالرضى العرفي "ومرقاً" بفتحتين "فيه دباء" بضم الدال وتشديد الموحدة والمد، وقد يقصر القرع والواحدة دباءة "وقديد" أي لحم مملوح مجفف في الشمس فعيل بمعنى مفعول، والقد القطع طولاً "يتتبع" أي يتطلب "من حوالي الصحفة" أي جوانبها وهو بفتح اللام وسكون الياء وإنما كسر هنا لالتقاء الساكنين، يقال رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه واللام مفتوحة في الجميع ولا يجوز كسرها على ما في الصحاح، وتقول حوالي الدار قيل كأنه في الأصل حوالين كقولك جانبين فسقطت النون للإضافة والصحيح هو الأول، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "اللهم حوالينا ولا علينا" قال النووي: تتبع الدباء من حوالي الصحفة يحتمل وجهين أحدهما من حوالي جانبه وناحيته من الصحفة لا من حوالي جميع جوانبها فقد أمر

(10/182)


............................
ـــــــ
بالأكل ما يلي الإنسان والثاني أن يكون من جميع جوانبها وإنما نهى عن ذلك لئلا يتقذره جليسه ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقذره أحد بل يتبركون بآثاره صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يتبركون ببصاقه ونخامته ويدلكون بذلك وجوههم، وشرب بعضهم بوله، وبعضهم دمه، وغير ذلك "فلم أزل أحب الدباء بعد يومئذ" وفي رواية لمسلم منذ يومئذ. قال الطيبي: يحتمل أن يكون بعد مضافاً إلى ما بعده كما جاء في شرح السنة بعد ذلك اليوم، وأن يكون مقطوعاً عن الإضافة، وقوله يومئذ بيان للمضاف إليه المحذوف انتهى. قلت: فعلى الاحتمال الأول يكون دال بعد مفتوحة وميم يومئذ مفتوحة ومكسورة، وعلى الاحتمال الثاني تكون دال بعد مضمومة وميم يومئذ مفتوحة، وهذا مأخوذ من المرقاة. وفي الحديث فضيلة أكل الدباء وأنه يستحب أن يحب الدباء وكذلك كل شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه وأنه يحرص على تحصيل ذلك.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(10/183)


23- باب في أكل الثريد
3777 - حدثنا مُحمّدُ بنُ حَسّانَ السّمْتِيّ قال أخبرنا المُبَارَكُ بنُ سَعِيدِ عن عَمْرِو بنِ سَعِيدِ عن رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الْبَصْرَةِ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "َانَ أَحَبّ الطّعَامِ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الثّرِيدُ مِنَ الْخُبْزِ، وَالثّرِيدُ مِنَ الْحَيْسِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ.
ـــــــ
"باب في أكل الثريد"
"كان أحب الطعام" يجوز رفعه والنصب أولى لأن المناسب بالوصف أن يكون هو الخبر المحكوم به، وأفعل هنا بمعنى المفعول ويتعلق به قوله "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقوله "الثريد" مرفوع ويجوز نصبه عكس ما تقدم، فإنه المبتدأ المحكوم عليه في المعنى ثم بينه بقوله "من الخبز" وكذا قوله "والثريد من الحيس" وهو بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية فسين مهملة تمر يخلط بأقط وسمن.
قال في المصباح: الثريد فعيل بمعنى مفعول، يقال ثردت الخبز ثرداً من باب قتل وهو أن تفتّه ثم تبلّه بمرق انتهى.
وفي النهاية الحيس هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن أو الدقيق أو فتيت بدل أقط انتهى. وقال ابن رسلان: وصفته أن يؤخذ التمر أو العجوة فينزع منه النوى ويعجن بالسمن

(10/183)


...............................
ـــــــ
أو نحوه ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد، وربما جعل معه سويق انتهى. والمراد من الثريد من الخبز هو المفتت بمرق اللحم وقد يكون معه اللحم والثريد من الحيس الخبر المفتت في التمر والعسل والأقط ونحوها. قال المنذري: في إسناده رجل مجهول.

(10/184)


24- باب كراهية التقذر للطعام
3778 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ قال أخبرنا زُهَيْرٌ قال أخبرنا سِمَاكُ بنُ حَرْبٍ قال أخبرنا [حدثني] قَبِيصَةُ بنُ هُلْبٍ عن أبِيهِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فقال: إنّ مِنَ الطّعَامِ طَعَاماً أتَحَرّجُ مِنْهُ، فقال: "لا يَتَخَلّجَنّ {يتحلّجنّ] في نَفْسِكَ [في صدرك] شَيْءٌ ضَارَعْتَ فِيهِ النّصْرَانِيّةَ" .
ـــــــ
"باب كراهية التقذر للطعام"
"فقال لا يتخلجن" بالخاء المعجمة من التخلج وهو التحرك والاضطراب أي لا يتحركن وفي بعض النسخ وقع بالحاء المهملة وعليه شرح الخطابي حيث قال في المعالم السنن: معناه لا يقعن في نفسك ريبة. وأصله من الحلج وهو الحركة والاضطراب ومنه حلج القطن انتهى.
وفي النهاية: لا يدخل قلبك شيء منه فإنه نظيف فلا ترتابنّ فيه أي في الدجاجة وأصله من الحلج وهو الحركة والاضطراب ويروي بخاء معجمة بمعناه انتهى "في نفسك" وفي بعض النسخ في صدرك "شيء" أي شيء من الشك "ضارعت فيه النصرانية" جواب شرط محذوف أي إن شككت شابهت فيه الرهبانية، والجملة الشرطية مستأنفة لبيان سبب النهي. والمعنى لا يدخل في قلبك ضيق وحرج لأنك على الحنيفة السهلة، فإذا شككت وشددت على نفسك بمثل هذا شابهت فيه الرهبانية. كذا في فتح الودود.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن وهلب بضم الهاء وسكون اللام وباء بواحدة، ويقال هلب بفتح الهاء وكسر اللام وصوبه بعضهم وهو لقب له واسمه يزيد بن قنافة، وقيل يزيد بن عدي بن قنافة طائي نزل الكوفة، وقيل بل هو هلب بن يزيد وذكر أبو القاسم البغوي رضي الله عنه أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وهو أقرع فمسح رأسه فنبت شعره فسمي الهلب الطائي.

(10/184)


25- باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها
3779 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال أخبرنا عَبْدَةُ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ أكْلِ الْجَلاّلَةِ وألْبَانِهَا .
3780 - حدثنا ابنُ المُثَنّى قال حدّثني أبُو عَامِرٍ قال أخبرنا هِشَامٌ عن قَتَادَةَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن لَبَنِ الْجَلاّلَةِ.
ـــــــ
"باب في النهي عن أكل الجلالة وألبانها"
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة" بفتح الجيم وتشديد اللام وهي الدابة التي تأكل العذرة من الجلة وهي البعرة، وسواء في الجلالة البقر والغنم والإبل وغيرها كالدجاج والأوز وغيرهما وادعى ابن حزم أنها لا تقع إلا على ذات الأربع خاصة ثم قيل إن كان أكثر علفها النجاسة فهي جلالة، وإن كان أكثر علفها الطاهر فليست جلالة، وجزم به النووي في تصحيح التنبيه وقال في الروضة تبعاً للرافعي: الصحيح أنه لا اعتداد بالكثرة بل بالرائحة والنتن، فإن تغير ريح مرقها أو لحمها أو طعمها أو لونها فهي جلالة "وألبانها" أي وعن شرب ألبانها.
قال الخطابي: واختلف الناس في أكل لحوم الجلالة وألبانها، فكره ذلك أصحاب الرأي والشافعي وأحمد بن حنبل وقالوا لا يؤكل حتى تحبس أياماً وتعلف علفاً غيرها، فإذا طاب لحمها فلا بأس بأكله. وقد روى في حديث أن البقر تعلف أربعين يوماً ثم يؤكل لحمها وكان ابن عمر تحبس الدجاجة ثلاثة أيام ثم تذبح. وقال إسحاق بن راهويه: لا بأس أن يؤكل لحمها بعد أن يغسل غسلاً جيداً وكان الحسن البصري لا يرى بأساً بأكل لحوم الجلالة، وكذلك قال مالك بن أنس انتهى. وقال ابن رسلان في شرح السنن: وليس للحبس مدة مقدرة وعن بعضهم في الإبل والبقر أربعين يوماً، وفي الغنم سبعة أيام، وفي الدجاج ثلاثة، واختاره في المهذب والتحرير.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن غريب هذا آخر كلامه: وفي إسناده محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح. وذكر الترمذي أن سفيان الثوري رواه عن ابن نجيح عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
-"نهى عن لبن الجلالة" قد اختلف في طهارة لبن الجلالة، فالجمهور على الطهارة، لأن النجاسة تستحيل في باطنها فيطهر بالاستحالة، كالدم يستحيل في أعضاء الحيوانات لحماً ويصير لبناً.

(10/185)


3781 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي سُرَيْجٍ قال أخبرني عَبْدُ الله بنُ جَهْمٍ قال حدثنا عَمْرُو بنُ أبي قَيْسٍ عن أَيّوبَ السّخْتِيَانِيّ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الْجَلاّلَةِ في اْلإبِلِ أنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا، أوْ يُشْرَبَ مِنْ ألْبَانِهَا .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها" علة النهي أن تعرق فتلوث ما عليها بعرقها، وهذا ما لم تحبس، فإذا حبست جاز ركوبها عند الجميع، كذا في شرح السنن. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/186)


26- باب في أكل لحوم الخيل
3782 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالَ أخبرنا حَمّادٌ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن مُحمّدِ بنِ عَلِيّ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ: نَهَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ عنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَأذِنَ لَنَا فِي لُحُومِ [لحم] الْخَيْلِ .
ـــــــ
"باب في أكل لحوم الخيل"
"عن محمد بن علي" أي ابن الحسين بن علي وهو الباقر أبو جعفر "يوم خيبر عن لحوم الحمر" زاد مسلم في روايته الأهلية "وأذن لنا في لحوم الخيل" قال النووي: اختلف العلماء في إباحة لحوم الخيل، فمذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه مباح لا كراهية فيه، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وجماهير المحدثين، وكرهها طائفة منهم ابن عباس والحكم ومالك وأبو حنيفة واحتجوا بقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} ولم يذكر الأكل، وذكر الأكل من الأنعام في الآية التي قبلها وبحديث صالح بن يحيى ابن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الخيل" الحديث.
قلت: وهو الحديث الآتي في آخر الباب، ويأتي الكلام عليه. قال: واحتج الجمهور بأحاديث الإباحة التي ذكرها مسلم وغيره، وهي صحيحة صريحة، وبأحاديث أخرى صحيحه جاءت بالإباحة، ولم يثبت في النهي حديث. واتفق العلماء من أئمة الحديث على أن حديث صالح بن يحيى بن المقدام ضعفيف، وقال بعضهم هو منسوخ.

(10/186)


3783 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا حَمّادٌ عنْ أبي الزّبَيْرِ عنْ جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ: ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الْبِغَالِ وَالْحَمَيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ .
3784 - حدثنا سَعِيدُ بنُ شَبِيبٍ وَ حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيّ قَالَ حَيْوَةُ أخبرنا بِقَيّةُ عن ثَوْرِ بنِ يَزِيدَ عنْ صَالِحِ بنِ يَحْيَى بنِ المِقْدَامِ بنِ مَعْدِي كَرِبَ عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ عنْ خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ أكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ . زَادَ حَيْوَةُ وَكُلّ ذِي نَابٍ مِنَ السّبَاعِ.
ـــــــ
وأما الآية فأجابوا عنها بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتهما مختصة بذلك، وإنما خص هذان بالذكر لأنهما معظم المقصود من الخيل، كقوله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير} فذكر اللحم لأنه أعظم المقصود وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه، قالوا: ولهذا سكت عن ذكر حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} ولم يلزم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل انتهى مختصراً.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وقال: وما أعلم أحداً وافق حماد بن زيد علي محمد بن علي.
"فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني "وأمر بلحوم الخيل" قال الطحاوي: وذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، ولو كان ذلك مأخوذاً من طريق النظر لما كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار إذا صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال بها مما يوجبه النظر، ولا سيما وقد أخبر جابر أنه صلى الله عليه وسلم أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر، فدل ذلك على اختلاف حكمها. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم بمعناه.
"نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير" احتج بهذا الحديث من قال بكراهة أكل لحوم الخيل. والحديث ضعيف ضفعه أحمد والبخاري وموسى ابن هارون والدارقطني الخطابي وابن عبدالبر وعبدالحق وآخرون.

(10/187)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: لاَ بَأْسَ بِلُحُومِ الْخَيْلِ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مَنْسُوخٌ قَدْ أكَلَ لُحُومَ الْخَيْلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ ابنُ الزّبَيْرِ وَفَضَالَةُ بنُ عُبَيْدٍ وَأنَسُ بنُ مَالِكٍ وَأسْمَاءُ بِنْتُ أبي بَكْرٍ وَسُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ وَعَلْقَمَةُ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَذْبَحُها.
ـــــــ
كذا قال الحافظ "زاد حيوة" هو ابن شريح "وكل ذي ناب من السباع" عطف على قوله على الخيل أي ونهى عن أكل لحوم كل ذي ناب من السباع وسيأتي الكلام عليه في باب ما جاء في أكل السباع "قال أبو داوود وهو" أي ما يدل عليه الحديث من كراهة أكل لحوم الخيل أو تحريمه "قول مالك" قال الحافظ: قال الفاكهي: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم "لا بأس بلحوم الخيل" لورود الأحاديث الصحيحة في إباحتها "وليس العمل عليه" أي على حديث النهي المذكور "قال أبو داوود هذا" أي حديث النهي المذكور "منسوخ" قد قرر الحازمي النسخ بأنه قد وردت في حديث جابر لفظة "أذن" وفي بعض روايته "رخص" ويظهر بذلك أن المنع كان سابقاً والإذن متأخر فيتعين المصير إليه. قال: ولو لم ترد هذه اللفظة لكانت دعوى النسخ مردودة لعدم معرفة التاريخ، وللحافظ في هذا التقرير كلام "قد أكل لحوم الخيل جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ" قال الحافظ: وقد نقل الحل بعض التابعين عن الصحابة من غير استثناء أحد. فأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عطاء قال "لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال نعم" انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. قال أبو داوود: هذا منسوخ قد أكل لحوم الخيل جماعة إلخ. قال: والحديث ضعيف وسيأتي الكلام عليه مستوفي في باب أكل السباع إن شاء الله تعالى انتهى كلام المنذري.

(10/188)


27- باب في أكل الأرنب
3785 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ أخبرنا حَمّادٌ عنْ هِشَامِ بن زَيْدٍ عنْ
ـــــــ
"باب في أكل الأرنب"
هو دويبة معروفة تشبه العناق لكن في رجليها طول بخلاف يديها، ويقال له بالفارسية: خركَوش.

(10/188)


أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: "كُنْتُ غُلاَماً حَزَوّراً فَاصّدْتُ [فصدت] [وصدت] أرْنَبَاً فَشَوَيْتُهَا، فَبَعَثَ مَعِي أبُو طَلَحْةَ بِعَجُزِهَا إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَبِلَهَا.
3786 - حدثنا يَحْيَى بنُ خَلَفٍ قالَ أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ قالَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ خَالِدِ قالَ سَمِعْتُ أبي خَالِدَ بنَ الْحُوَيْرِثِ يَقُولُ: إنّ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍو كَانَ بالصّفَاحِ قالَ مُحمّدٌ مَكَانٌ بِمَكّةَ، وَإنّ رَجُلاً جَاء بِأَرْنَبِ قَدْ صَادَهَا فَقَالَ يَا عَبْدَ الله بنَ عَمْرِو مَا تَقُولُ؟: قالَ قَدْ جِيءَ بِهَا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأنَا جَالِسٌ فَلَمْ يَأْكُلْهَا وَلَمْ يَنْهَ عَنْ أكْلِهَا وَزَعَمَ أنّهَا تَحِيضُ.
ـــــــ
"كنت غلاماً حزوراً" بفتح المهملة والزاي والواو المشددة بعدها راء، ويجوز سكون الزاي وتخفيف الواو وهو المراهق "فأصدت" بتشديد الصاد المهملة كان أصله اصطيدت، وفي بعض النسخ فصدت "بعجزها" أي يعجز الأرنب وهو مؤخر الشيء، وفي رواية للبخاري بوركيها، أو قال بفخذيها "فقبلها" فيه جواز أكل الأرنب وهو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمر من الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء. ذكره الحافظ.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، بنحوه.
-"خالد بن الحويرث" بالنصب بدل من قوله أبي "بالصفاح" بكسر الصاد المهملة وخفة الفاء "قال محمد" هو ابن خالد أي قال في تفسير الصفاح "فلم يأكلها ولم ينه إلخ" احتج بهذا من قال بكراهة أكل الأرنب، والحديث ضعيف، ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة.
قال المنذري: قال عثمان بن سعيد: سألت يحيى بن معين عن خالد بن الحويرث فقال لا أعرفه. وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي، وخالد هذا كما قال ابن معين لا يعرف وأنا لا أعرفه أيضاً، وعثمان بن سعيد هذا كثير ما سأل يحيى عن قوم فكان جوابه أن قال لا أعرفهم، فإذا كان مثل يحيى لا يعرفه لا تكون له شهرة ويعرف.

(10/189)


28- باب في أكل الضب
3787 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قالَ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ أبي بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ
ـــــــ
"باب في أكل الضب"
هو دويبة تشبه الحرذون ولكنه أكبر منه قليلاً، ويقال للأنثى ضبة، قال ابن خالويه: إنه

(10/189)


جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ: أنّ خَالَتَهُ أهْدَتْ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَمْناً وأضُبّا وَأقِطّاً، فَأَكَلَ مِنَ السّمْنِ وَمِنَ اْلأقِطّ وَتَرَكَ الأضُبّ تَقَذّراً، وأُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ كَانَ حَرَاماً مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
3788 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ عنْ عبد الله ابنِ عَبّاسٍ عنْ خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ: أنّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النّسْوَةِ اللاّتِي في بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أخْبِرُوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَا يُرِيدْ أنْ يَأْكُلَ مِنْهُ فَقَالُوا: هُوَ ضَبّ فَرَفَعُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَهُ قالَ فَقُلْتُ أحَرَامٌ يَارَسُولَ الله؟ قالَ: "لاَ وَلَكِنّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أعَافُهُ" . قالَ خَالِدٌ: فاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ.
ـــــــ
يعيش سبعمائة سنة وإنه لا يشرب الماء، ويبول في كل أربعين يوماً قطرة ولا يسقط له سن، ويقال بل أسنانه قطعة واحدة.
"أن خالته" أن خالة ابن عباس وهي ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم "وأضبا" جمع ضب "وأقطا" هو لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به "تقذراً" أي كراهة "وأكل" بصيغة المجهول "ولو كان حراماً إلخ" فيه دليل إباحة أكل الضب.
قال النووي: أجمع المسلمون على الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكى عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا هو حرام، وما أظنه يصح عن أحد، وإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله انتهى. قال الحافظ متعقباً على النووي: قد نقله ابن المنذر عن علي فأي إجماع يكون مع مخالفته. ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
-"أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة" أي زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالة خالد بن الوليد وابن عباس رضي الله عنهما كما في رواية عند الشيخين "محنوذ" أي مشوي، وقيل هو ما شوى بالرضف وهي الحجارة المحماة "فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده" أي أمال يده إليه ليأخذه فيأكله "فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده" أي عن الضب "قال" أي خالد "أحرام هو" أي الضب "قال لا" أي ليس بحرام "ولكنه لم يكن بأرض قومي" أي مكة أصلاً، أو لم يكن مشهوراً كثيراً فلم

(10/190)


3789 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قالَ أخبرنا خَالِدٌ عنْ حُصَيْنٍ عنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عنْ ثَابِتِ بنِ وَدِيعَةَ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي جَيْشٍ فَأَصَبْنَا ضِبَاباً قالَ فَشَوَيْتُ مِنْهَا ضَبّا فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَوَضعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قالَ فَأَخَذَ عُوداً فَعَدّ بِهِ أصَابِعَهُ ثُمّ قالَ: "إنّ أُمّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابّا [دوابّ] فِي الأرْضِ وَإِنّي لاَ أدْرِي أيّ الدّوَابّ هِيَ؟" قالَ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَنْهَ.
ـــــــ
يأكلوه "فأجدني أعافه" بعين مهملة وفاء خفيفة أي أكره أكله طبعاً لا شرعاً، يقال عفت الشيء أعافه "فاجتررته" أي جذبته "ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر" جملة حالية.
والحديث يدل على أن الضب حلال. وأصرح منه حديث مسلم بلفظ "كلوه فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي" قال القاري الحنفي في المرقاة: أغرب ابن الملك حيث خالف مذهبه وقال فيه إباحة أكل الضب وبه قال جمع إذ لو حرم لما أكل بين يديه انتهى.
قلت: وكذلك أغرب الإمام الطحاوي الحنفي حيث خالف مذهبه وقال في كتابه معاني الآثار بعد البحث: فثبت بهذه الآثار أنه لا بأس بأكل الضب وبه أقول انتهى. لكن عند المحقق المنصب ليس في غرابة، فقد ثبت في إباحة أكل الضب أحاديث صحيحة صريحة، ولا مذهب للمسلم إلا مذهب رسوله صلى الله عليه وسلم نعم. عند المقلدين الذين يظنون أن لا مذهب لهم غير مذهب إمامهم فيه غرابة بلا مرية.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
-"عن ثابت بن وديعة" قال البيهقي في سننه قيل وديعة اسم أمه واسم أبيه يزيد، كذا في مرقاة الصعود "ضباباً" بكسر الضاد المعجمة جمع ضب "فأخذ" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "عوداً" أي خشباً "به" أي بذلك العود "أصابه" أي أصابع الضب، وفي رواية للنسائي فجعل ينظر إليه ويقلبه "مسخت" بصيغة المجهول، والمسخ قلب الحقيقة من شيء إلى شيء آخر "دواباً" وفي بعض النسخ دواب غير منون وهو الظاهر لأنه غير منصرف. قال في مرقاة الصعود: قال الشيخ عز الدين عبدالسلام: كيف يجمع بين هذا وبين ما ورد أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام ولا يعقب، والجواب أنه صلى الله عليه وسلم كان يخبر بأشياء مجملة ثم يتبين له كما قال في الدجال "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه" ثم أعلم بعد ذلك أنه لا يخرج إلا في آخر الزمان قبل نزول عيسى عليه السلام، فأخبر أصحابه بذلك على وجهه، فكذلك هذا علم صلى الله عليه وسلم بالمسخ ولم يعلم أن الممسوخ لا يعيش ولا يعقب له فكان في الظن والحساب على حسب القرائن الظاهرة انتهى "فلم يأكل ولم ينه" أي عن أكله.

(10/191)


3790 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَوْفٍ الطّائِيّ أنّ الْحَكَم بنَ نَافِعٍ حدّثَهُمْ قالَ أخبرنا ابنُ عَيّاشٍ عنْ ضَمْضَمِ بنِ زُرْعَةَ عنْ شُرَيْحٍ بنِ عُبَيْدِ عنْ أبي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيّ عنْ عبد الرحمن بنِ شِبْلٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ أكْلِ لَحْمِ الضّبّ .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. ويقال فيه ثابت بن زيد بن وديعة وكنيته أبو سعيد. وقال أبو عيسى الترمذي: يزيد أبوه ووديعة أمه وقال أبو عمر النمري: حديثه في الضب يختلفون فيه اختلافاً كثيراً. وذكر البخاري في تاريخه الكبير حديث الحمر وحديث الضب في ترجمة ثابت هذا وذكر اضطراب الرواة في ذلك وكأنه عنده حديث واحد اختلف الرواة فيه. وذكره من حديث عبد الرحمن بن حسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وحديث ثابت أصح وفي نفس الحديث نظر. وذكر الدارقطني حديث الضب وقال غريب من حديث الأعمش عن زيد بن وهب عنه تفرد به أبو بكر بن عياش عن الأعمش.
"عن أبي راشد الحبراني" بضم المهملة وسكون الموحدة الشامي قيل اسمه أخضر، وقيل النعمان ثقة من الثالثة "عن عبد الرحمن بن شبل" بكسر المعجمة وسكون الموحدة "نهى عن أكل لحم الضب".
قال الحافظ في الفتح: أخرجه أبو داوود بسند حسن فإنه من رواية إسماعيل ابن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل. وحديث ابن عياش عن الشاميين قوي وهولاء شاميون ثقات، ولا يغتر بقول الخطابي ليس إسناده بذلك، وقول ابن حازم فيه ضعفاء ومجهولون، وقول البيهقي تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة، وقول ابن الجوزي لا يصح، ففي كل ذلك تساهل لا يخفي، فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاري، وقد صحح الترمذي بعضها، قال والأحاديث الماضية وإن دلت على الحل تصريحاً وتلويحاً نصاً وتقريراً فالجمع بينها وبين هذا حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له، ثم بعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه، وأكل على مائدته، فدل على الإباحة، وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يقتدره، تحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره ولا يلزم من ذلك أنه يكره مطلقاً انتهى.
قال المنذري: في إسناد إسماعيل بن عياش وضمضم بن زرعة وفيهما مقال. وقال الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقال البيهقي: وحديث عبد الرحمن بن شبل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى

(10/192)


..............................
ـــــــ
عن أكل الضب لم يثبت إسناده إنما تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة.

(10/193)


29- باب في أكل لحم الحبارى
3791 - حدثنا الْفَضْلُ بنُ سَهْلٍ قالَ حدّثني إِبراهِيمُ بنُ عبد الرحمن بنِ مَهْدِيَ قالَ حدّثني بُرَيْهُ ابنُ عُمَرَ بنِ سَفِينَةَ عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ قالَ: أكَلْتُ مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَحْمَ حُبَارَى.
ـــــــ
"باب في أكل لحم الحبارى"
بضم الحاء وفتح الراء المهملتين مقصوراً طائر معروف يقع على الذكر والأنثى واحدها وجمعها سواء وألفه ليست للتأنيث ولا للالحاق وهي من أشد الطير طيراناً وأبعدها شوطاً، وهو طائر كبير العنق رمادي اللون لحمه بين لحم دجاج ولحم بط
"حدثني بريه" بالتصغير "أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم لحم حباري" فيه أن حباري حلال.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. هذا آخر كلامه وبريه بضم الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة وهاء هو إبراهيم بن عمر بن سفينة، قال البخاري: عمر ابن سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه بإسناد مجهول، وقال أيضاً في ترجمة بريه: إسناد مجهول. وقال ابن حبان في إبراهيم بن عمر يخالف الثقات في الروايات، يروي عن أبيه ما لا يتابع عليه من روايات الأثبات فلا يحل الاحتجاج بخبره بحال. وذكر له هذا الحديث وغيره وضعفه الدارقطني.

(10/193)


30- باب في أكل حشرات الأرض
3792 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ أخبرنا غَالِبُ بنُ حَجْرَةَ قالَ حدّثني مِلْقَامُ بنُ تَلِبَ عنْ أبِيهِ قالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَلَمْ أسْمَعْ لِحَشَرَاتِ [لحشرة] الأرْضِ تَحْرِيماً.
ـــــــ
"باب في أكل حشرات الأرض"
هي صغار دواب الأرض كاليرابيع والضباب والقناقذ ونحوها، كذا قال الخطابي. وقال ابن رسلان: إن حشرات الأرض كالضب والقنقذ واليربوع وما أشبهها وأطال في ذلك
"حدثني ملقام" بكسر أوله وسكون اللام ثم قاف "بن تلب" بفتح المثناة وكسر اللام

(10/193)


31- باب ما لم يذكر تحريمه
3794 - حدثنا مُحمّدُ بنُ صُبَيْحٍ قالَ حدثنا الْفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ قالَ حدثنا مُحمّدٌ يَعْنِي ابنَ شَرِيكٍ المَكّيّ عنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عنْ أبي الشّعْثَاءِ عنْ ابنِ عَبّاسٍ قَالَ: كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيّةِ يَأْكُلُونَ أشْيَاءَ وَيَتْرُكونَ أشْيَاءَ تَقَذّراً، فَبَعَثَ الله نَبِيّهُ صلى الله عليه وسلم وَأنْزَلَ كِتَابَهُ وَأحَلّ حَلاَلَهُ وَحَرّمَ حَرَامَهُ، فَمَا أحَلّ فَهُوَ حَلاَلٌ وَمَا حَرّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ وَتَلاَ: { قُلْ لاَ أجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيّ مُحَرّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} " إلى آخِرِ الآية.
ـــــــ
"باب ما لم يذكر تحريمه"
"كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء" أي بمقتضى طباعهم وشهواتهم "ويتركون أشياء" أي لا يأكلونها "تقذراً" أي كراهة ويعدونها من القاذورات "وأحل حلاله" أي ما أراد الله أن يكون حلالاً بإباحة قال الطيبي: حلاله مصدر وضع موضع المفعول أي أظهر الله بالبعث والإنزال ما أحله الله تعالى "وحرم حرامه" أي بالمنع عن أكله "فما أحل" أي ما بين إحلاله "فهو حلال" أي لا غير "وما سكت عنه" أي لم يبين حكمه "فهو عفو" أي متجاوز عنه لا تؤاخذون به "وتلا" أي ابن عباس رداً لفعلهم وأكلهم يشتهونه وتركهم يكرهونه تقذراً {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} أي في القرآن أو في ما أوحى إلى مطلقاً. وفيه تنبيه على أن التحريم إنما يعلم بالوحي لا بالهوى {مُحَرَّماً} أي طعاماً محرماً. والحديث يدل على أن الأشياء أصلها على الإباحة وقد تقدم الاختلاف فيه. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/195)


32- باب في أكل الضبع
3795 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عبد الله الْخُزَاعِيّ قالَ أخبرنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عنْ عبد الله بنِ عُبَيْدٍ عنْ عبد الرحمن بنِ أبِي عَمّارٍ عنْ جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عنْ الضّبُعِ فقالَ: "هُوَ صَيْدٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ [كبشا] إذَا صَادَهُ المُحَرّمُ" .
ـــــــ
"باب في أكل الضبع"
هو الواحد الذكر والأنثى الضبعان ولا يقال ضبعة، ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكراً وسنة أنثى فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الإنوثة وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بنى آدم كذا في النيل. ويقال للضبع في الفارسية كفتار.
-"فقال هو صيد" قال الخطابي: إذا كان قد جعلة صيداً ورأى فيه الفداء فقد أباح أكله كالضباء والحمر الوحشي وغيرها من أنواع صيد البر، وإنما أسقط الفداء في قتل مالا يؤكل فقال "خمس لا جناح على من قتلهن في الحل والحرم" الحديث "ويجعل" بصيغة المجهول "فيه" أي في الضبع "كبش" وفي بعض النسخ كبشاً بالنصب، وعلى هذا يكون يجعل على البناء للمعلوم.
وفيه دليل على أن الكبش مثل الضبع، وفيه أن المعتبر في المثلية بالتقريب في الصورة لا بالقيمة، ففي الضبع الكبش سواء كان مثله في القيمة أو أقل أو أكثر.
والحديث يدل على جواز أكل الضبع، وإليه ذهب الشافعي وأحمد قال الشافعي: مازال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير، ولأن العرب تستطيبه وتمدحه وذهب أكثر العلماء إلى التحريم واحتجبوا بأنها سبع وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل ذي ناب من السباع، ويجاب بأن حديث الباب خاص فيقدم على حديث كل ذي ناب، واحتجوا أيضاً بما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء قال "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال أو يأكل الضبع أحد" فيجاب بأن هذا الحديث ضعيف لأن في إسناده عبدالكريم بن أمية وهو متفق على ضعفه، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف.
قال الخطابي في المعالم: وقد اختلف الناس في أكل الضبع، فروى عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضبع، وروى عن ابن عباس إباحة لحم الضبع، وأباح أكلها عطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وكرهه الثوري وأصحاب الرأي ومالك، وروى ذلك عن

(10/196)


................................
ـــــــ
سعيد بن المسيب، واحتجوا بأنها سبع، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع. قال الخطابي: وقد يقوم دليل الخصوص فينزع الشيء من الجملة، وخبر جابر خاص وخبر تحريم السباع عام انتهى.
وقال الحافظ ابن القيم في أعلام الموقعين: والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصاً لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما حتى قالوا ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضبع، وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن يخصص مثلاً على مثل من كل وجه من غير فرق بينهما، ومن تأمل ألفاظه صلى الله عليه وسلم الكريمة تبين له اندفاع هذا السؤال، فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين أن يكون له ناب وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد، وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفاً انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.

(10/197)


33- باب ما جاء في أكل السباع
[باب النهي عن أكل السباع]
3796 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عنْ أبي إدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيّ عنْ أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشْنِيّ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ أكْلِ كُلّ ذِي نَابٍ مِنَ السّبُعِ .
ـــــــ
"باب ما جاء في أكل السباع"
"نهى عن أكل كل ذي ناب من السبع" الناب الذي خلف الرباعية جمعه أنياب، وذو الناب من السباع كالأسد والذئب والنمر والفيل والقرد وكل ماله ناب يتقوى به ويصطاد. قال في النهاية: وهو ما يفترس الحيوان ويأكل قسراً كالأسد والنمر والذئب ونحوها وقال في القاموس: والسبع بضم الباء وفتحها المفترس من الحيوان، ووقع الخلاف في جنس السباع المحرمة، فقال أبو حنيفة كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضب واليربوع والسنور، وقال الشافعي: يحرم من السباع ما يعد وعلى الناس كالأسد والنمر والذئب، وأما الضبع والثعلب فيحلان عنده لأنهما لا يعدوان. كذا في النيل.

(10/197)


3797 - حدثنا مُسَدّدٌ قال أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بَشْرٍ عنْ مَيْمُونِ بنِ مِهْرَانٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ أكْلِ كُلّ ذِي نَابٍ مِنَ السّبُعِ وَعنْ كُلّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطّيْرِ .
3798 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُصَفّى الْحِمْصِيّ قالَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ حَرْبٍ عنِ الزّبَيْدِيّ عنْ مَرْوَانَ بنِ رُؤْبَةَ التّغْلُبِيّ عنْ عبد الرحمن بنِ أبِي عَوْفٍ عن المِقْدَامِ بنِ مَعْدِيكَرِبَ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "ألاَ لاَ يَحِلّ ذُو نَابٍ مِنَ السّبَاعِ وَلاَ الْحِمَارُ الأَهْلِيّ وَلاَ اللّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهِدٍ إلاّ أنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا. وَأَيّمَا رَجُلٍ ضَافَ [أضاف] قَوْماً فَلَمْ يَقْرُوهُ، فَإنّ لَهُ أنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ" .
3799 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ عنْ ابنِ أبِي عَدِيَ عن ابنِ أبِي عَرُوبَةَ عنْ عَلِيَ بنِ الْحَكَمِ عنْ مَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ عنْ أكْلِ كُلّ ذِي نَابٍ مِنَ السّبَاعِ وَعنْ كُلّ ذِي مِخْلَبِ مِنَ الطّيْرِ .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"وعن كل ذي مخلب من الطير" المخلب بكسر الميم وفتح اللام. قال أهل اللغة: المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للأنسان.
قال في شرح السنة: أراد بكل ذي ناب ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم كالذئب والأسد والكلب ونحوها. وأراد بذي مخلب ما يقطع ويشق بمخلبه كالنسر والصقر والبازي ونحوها.
قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"ولا اللقطة" بضم اللام وفتح القاف ما يلتقط مما ضاع من شخص بسقوط أو غفلة "من مال معاهد" أي كافر بينه وبين المسلمين عهد بأمان، وتخصيصة لزيادة الاهتمام "إلا أن يستغني عنها" أي يتركها لمن أخذها استغناء عنها "وأيما رجل ضاف قوماً" أي نزل فيهم ضيفاً "فلم يقروه" بفتح الياء وضم الراء أي لم يضيفوه، من قريت الضيف قرى بالكسر والقصر، وقراء بالفتح والمد إذا أحسنت إليه "فإن له" أي فللنازل "أن يعقبهم" من الإعقاب بأن يتبعهم "بمثل قراه" أي فله أن يأخذ منهم عوضاً عما حرموه من القرى، وقد سبق الكلام فيه. قال المنذري: ذكره الدارقطني مختصراً وأشار إلى غرابته.
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر الحديث".

(10/198)


3800 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ قالَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدّثني أبُو سَلَمَةَ سُلَيْمانُ بنُ سُلَيْمٍ عنْ صَالِحِ بنِ يَحْيَى بنِ المِقْدَامِ عنْ جَدّهِ المِقْدَامِ بنِ مَعْدِي كَرِبَ عنْ خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ فَأَتَتِ الْيَهُودُ فَشَكَوْا أنّ النّاسَ قَدْ أسْرَعُوا إلَى حَظَائِرِهِمْ، فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ألاَ لاَ تَحِلّ أمْوَالُ الْمُعَاهِدِينَ إلاّ بِحَقّهَا، وَحَرَامٌ عَلَيْكُم حُمُرُ [حمير] الأهْلِيّةِ وَخَيْلُهَا وَبِغَالُهَا وَكُلّ ذِي نَابٍ مِنَ السّبَاعِ وَكُلّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطّيْرِ" .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"أن الناس" أي المسلمين "قد أسرعوا إلى حظائرهم" جمع حظيرة بفتح الحاء المهلمة وكسر الظاء المعجمة وهي الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم والبقر يقيه البرد والريح، كذا في النهاية.
وقال في فتح الودود: المراد به أرادوا أخذ غنائمنا وإبلنا، فنهى عنه صلى الله عليه وسلم. وضبطها القاري في المرقاة بالخاء والضاد المعجمتين، وقال هي النخلة التي ينتشر بسرها وهي أخضر أي أسرعوا إلى أخذ ثمار نخيل اليهود الذين دخلوا في العهد انتهى "ألا" للتنبيه "لا تحل أموال المعاهدين" بكسر الهاء، وقيل بفتحها أي أهل العهد والذمة "إلا بحقها" أي إلا بحق تلك الأموال فإن حق مال المعاهد إن كان ذمياً فالجزية، وإن كان مستأمناً وماله للتجارة فالعشر "وحرام عليكم حمر الأهلية وخيلها وبغالها" فيه دليل لمن قال بتحريم الخيل. ولكن الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، وقد سبق الكلام على إباحة الخيل والجواب عن تمسكات من حرمها.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقال أبو داوود: هذا منسوخ وقال الإمام أحمد: هذا حديث منكر. وقال النسائي: الذي قبله يعنى حديث جابر أصح من هذا، ويشبه إن كان هذا صحيحاً أن يكون منسوخاً، لأن قوله أذن في لحوم الخيل دليل على ذلك. وقال النسائي أيضاً: لا أعلمه رواه غير بقية. وقال البخاري: صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب الكندي الشامي من أبيه فيه نظر. وذكر الخطابي أن حديث جابر إسناده جيد. قال: وأما حديث خالد بن الوليد ففي إسناده نظر، وصالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه جده لا يعرف سماع بعضهم عن بعضهم. وقال موسى بن هارون الحافظ: لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده. وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف. وقال الدارقطني أيضاً: هذا إسناد مضطرب. وقال الواقدي: لا يصح هذا لأن خالداً أسلم بعد فتح مكة. وقال البخاري: خالد

(10/199)


3801 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَمُحمّدُ بنُ عَبْدِالمَلِكِ قالا حدثنا عَبْدُالرّزّاقِ عنْ عُمَرَ بنِ زَيْدِ الصّنْعَانِيّ: أنّهُ سَمِعَ أبَا الزّبَيْرِ عنْ جَابِرِ بنِ عبد الله أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ ثَمَنِ الْهِرّ.
قالَ ابنُ عَبْدِ المَلِكِ: عنْ أكْلِ الْهِرّ وَأكْلِ ثَمَنِهَا.
ـــــــ
لم يشهد خيبر، وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل: لم يشهد خيبر إنما أسلم بعد الفتح. وقال أبو عمر النمري: ولا يصح لخالد بن الوليد مشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفتح. وقال البيهقي: إسناده مضطرب ومع اضطرابه مخالف لحديث الثقات. هذا آخر كلامه، وحديث جابر الذي أشار إليه النسائي والخطابي، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما ولفظ مسلم "وأذن في لحوم الخيل" ولفظ البخاري "رخص في لحوم الخيل" وقد تقدم ذكره "قال ابن عبدالملك" أي في روايته.
-"عن أكل الهر وأكل ثمنها" فيه أن الهر حرام، وظاهره عدم الفرق بين الوحشي والأهلي، ويؤيد التحريم أنه من ذوات الأنياب.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وفي إسناده عمر بن زيد الصنعاني ولا يحتج به.
وقد تقدم الكلام في كتاب البيوع وأن مسلماً أخرج في صحيحه من حديث أبي الزبير قال "سألت جابراً عن ثمن الكلب والسنور، قال زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك".

(10/200)


34- باب في أكل لحوم الحمر الأهلية
3802 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ أبي زِيَادٍ قالَ أخبرنا عبيد الله عنْ إسْرَائِيلَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ عُبَيْدٍ أبي الْحَسَنِ عنْ عبد الرحمن عنْ غَالِبِ بنِ أَبْجَرَ قالَ: أصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ في مَالِي شَيْءٌ أُطْعِمُ أهْلِي إلاّ شَيْءٌ مِنْ حُمُرٍ وَقَدْ كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَرّمَ لُحُومَ
ـــــــ
"باب في أكل لحوم الحمر الأهلية"
"أصابتنا سنة" أي قحط "أطعم" من الإطعام "سمان حمر" إضافة الصفة إلى الموصوف
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
أحاديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله والبراء بن عازب وابن أبي أوفى وأنس بن مالك والعرباض بن سارية وأبو ثعلبة الخشني وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري وسلمة بن الأكوع والحكم بن عمرو الغفاري،

(10/200)


الْحُمُرِ الأهْلِيّةِ، فَأَتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله أصابَتْنَا السّنَةُ، وَلمْ يَكُنْ في مَالِي مَا أُطْعِمُ أهْلِي إلاّ سِمَانُ حُمُرٍ وَإِنّكَ حَرّمْتَ لُحُومَ الْحُمُرِ الأهْلِيّةِ؟ فقالَ: "أطْعِمْ أهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ فَإِنّمَا حَرّمْتُهَا مِنْ أجْلِ جَوّالِ الْقَرْيَةِ يَعْنِي الْجَلاّلَةَ" .
ـــــــ
أي حمر سمان. وسمان ككتاب جمع سمين "من أجل جوال القري" جوال بتشديد اللام جمع جالة. وهي التي تأكل الجلة وهي العذرة. يقال: جلت الدابة الجلة واجتلتها فهي جالة وجلالة إذا التقطتها. قال الخطابي: هذا لا يثبت، وقد ثبت أنه إنما نهى عن لحومها لأنها رجس.
ـــــــ
والمقدام بن معد يكرب وأبو أمامة الباهلي وعبد الله بن عباس وثابت بن وديعة وأبو سليك البدري وعبد الله بن عمرو وزاهر الأسلمي وأبو هريرة وخالد بن الوليد.
فأما حديث علي: فمتفق عليه من حديث الزهري عن الحسن بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن علي.
وأما حديث جابر: فمتفق عليه أيضا من رواية عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن الحسين عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل وهو لمسلم أيضا من رواية أبي الزبير عنه.
وأما حديث البراء بن عازب: فمتفق عليه أيضا من طريق شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأصبنا حمرا فطبخناها فأمر مناديا ينادي أن أكفئوا القدور.
وأما حديث ابن أبي أوفى فمتفق عليه أيضا من حديث سليمان الشيباني عنه أصابتنا مجاعة ليالي خيبر فلما كان يوم خيبر وقعنا في لحوم الحمر الأهلية فانتحرناها فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحم الحمر شيئا.
وعند النسائي فيه فأتانا منادي النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم لحم الحمر فأكفئوا القدور بما فيها فكفأناها.
وأما حديث أنس: فمتفق عليه أيضا من رواية محمد بن سيرين عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جاء فقال أكلت الحمر ثم جاءه جاء فقال أفنيت الحمر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فنادى إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فأنها ركس فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم.
وفي مسلم إنها رجس من عمل الشيطان.
قلت: وكان المنادي: أبا طلحة الأنصاري قاله يزيد بن زريع عن هشام.
وأما حديث العرباض بن سارية فرواه الترمذي من حديث أم حبيبة بنت العرباض بن سارية عن

(10/201)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: عَبْدُ الرّحْمَنِ هَذَا هُوَ ابنُ مَعْقِلٍ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عنْ عُبَيْدٍ أبِي الْحَسَنِ عنْ عبد الرحمن بنِ مَعْقِلٍ عنْ عبد الرحمن بنِ بِشْرٍ عنْ نَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أنّ سَيّدَ مُزَيْنَةَ أَبْجَرُ أو ابنُ أبْجَرَ سَأَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
وقال النووي: هو حديث مضطرب مختلف الإسناد شديد الاختلاف، ولو صح يحمل على الأكل منها حال الاضطرار والله أعلم بالصواب.
قال المنذري: اختلف في إسناده اختلافاً كثيراً، وقد ثبت التحريم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وذكر البيهقي أن إسناده مضطرب "قال أبو داوود عبد الرحمن هذا" أي المذكور في الإسناد بغير نسب.
"قال أبو داوود: روى شعبة هذا الحديث إلى قوله: قال مسعر أرى غالباً الذي أتى
ـــــــ
أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير وعن لحوم الحمر الأهلية وعن المجثمة.
وأما حديث أبي ثعلبة الخشني: فمتفق عليه من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة قال حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم الحمر ولحم كل ذي ناب من السباع لفظ البخاري.
ولفظ مسلم حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية.
ورواه النسائي من حديث بقية عن بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن أبي ثعلبة أنهم غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر والناس جياع فوجدوا فيها حمرا من حمر الإنس فذبح الناس منها فحدث بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر عبد الرحمن بن عوف فأذن في الناس: "ألا إن لحوم الحمر الإنسية لا تحل لمن يشهد إني رسول الله".
وأما حديث عبد الله بن عمر فمتفق عليه من حديث نافع وسالم عنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية زاد مسلم يوم خيبر.
وأما حديث أبي سعيد الخدري فرواه عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك حدثنا يونس بن أبي إسحاق حدثني أبو الوداك حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالقدور وهي تغلي فقال: "ما هذا اللحم؟" فقالوا: لحوم الحمر الأهلية فقال: "أو وحشية" قلنا: بل أهلية فقال لنا: "أكفئوها فكفأناها وإنا لجياع نشتهيها" احتج البخاري بنعيم بن حماد ومسلم بأبي الوداك جبر بن نوف فالإسناد صحيح.

(10/202)


3803 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ حدثنا أبُو نُعَيْمٍ عنْ مِسْعَرٍ عن ابن [أبي] عُبَيْدٍ عن ابنِ مَعْقِلٍ عنْ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أحَدُهُمَا عنِ الآخر أحَدُهُما عبد الله بنُ عَمْرِو بنِ عَوِيمٍ [عويمر] والآخر غَالِبُ بنُ الأبْجَرِ قالَ مِسْعَرٌ: أرَى غَالِباً الّذِي أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْحَدِيثِ.
3804 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ الْحَسَنِ المِصّيْصِيّ قالَ أخبرنا حَجّاجٌ عنْ ابنِ جُرَيْجٍ قالَ أخبرني عَمْرُو بنُ دِينَارٍ قالَ أخبرني رَجُلٌ عنْ جَابِرِ بنِ عبد الله قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ عنْ أنْ نَأْكُلَ لُحُومَ الْحُمُرِ وَأمَرَ أنْ نَأْكُلَ لُحُومَ الْخَيْلِ .
قَالَ عَمْرِوٌ: فَأَخْبَرْتُ هذَا الخَبَرَ أَبَا الشّعْثَاءِ فَقَالَ قَدْ كَانَ الحَكَمُ الغِفَارِيّ فِينَا يقولُ هَذَا وأَبَى ذلك البَحْرُ يُريدُ ابنَ عَباسٍ.
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث" غرض المؤلف من ذكر كلامه هذا بيان الاختلاف في إسناد هذا الحديث، ولو تأملت في هذين الإسنادين والإسناد المذكور أو لا ظهر لك كثرة الاختلاف في الإسناد كما قال المنذري. وهذه العبارة لم توجد في عامة النسخ. وإنما وجدت في نسختين من السنن، وكذا في نسخة المعالم للخطابي. وحديث محمد بن سليمان ليس من رواية اللؤلؤي.
-"أخبرني رجل" قال الخطابي: هو محمد بن علي أي ابن الحسين بن علي وهو الباقر أبو جعفر "عن أن نأكل لحوم الحمر" أي الأهلية "قال عمرو" هو ابن دينار "فأخبرت هذا الخبر أبا الشعثاء" هو جابر بن زيد الأزدى البصري الفقيه أحد الأئمة "قد كان الحكم الغفارى فينا يقول هذا" في رواية البخاري: قد كان يقول دلك الحكم بن عمرو الغفارى عندنا بالبصرة "وأبي"
ـــــــ
وأما حديث سلمة بن الأكوع: فرواه البخاري وهو من ثلاثياته حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال لما أمسوا يوم خيبر أوقدوا النيران فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "علام أوقدتم هذه النيران" قالوا على لحوم الحمر الإنسية، قال: "أهريقوا ما فيها واكسروا قدورها" فقام رجل من القوم فقال نهريق ما فيها ونغسلها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوذا" ورواه مسلم.
وهو صريح في أن ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة وأنها لا تعمل فيه شيئا:
وأما حديث الحكم بن عمرو: فرواه البخاري من حديث عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى: عن الحمر الأهلية فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس وقرأ: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} الآية.

(10/203)


3805 - حدثنا سَهْلُ بنُ بَكّارٍ قالَ أخبرنا وُهَيْبٌ عن ابنِ طَاووسٍ عنْ عَمْرِو بنِ
ـــــــ
من الإباء أي امتنع "ذلك البحر" البحر صفة لابن عباس، قيل له لسعة علمه، وزاد في رواية البهاري وقرأ {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً}
قال الخطابي: لحوم الحمر الأهلية محرم في قول عامة العلماء، وإنما رويت الرخصة فيها عن ابن عباس، لعل الحديث في تحريمها لم يبلغه انتهى.
قلت: واستدلالة بالآية إنما في الأشياء التي لم يرد النص بتحريمها، وأما الحمر الأهلية فقد تواترت النصوص على ذلك، والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس، وأيضاً الآية مكية وخبر التحريم متأخر جداً فهو مقدم، وأيضاً فنص الآية خبر عن حكم الموجود عند نزولها، فإنه حينئذ لم يكن نزل في تحريم المأكول إلا ما ذكر فيها، ليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها كالخمر في آية المائدة.
ـــــــ
وأما حديث المقدام بن معد يكرب فرواه عثمان الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح المصري أن معاوية بن صالح حدثه قال: حدثني الحسن بن جابر أنه سمع المقدام بن معد يكرب يقول: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي وقال يوشك رجل متكىء على أريكته يحدث بحديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال أحللناه ومن حرام حرمناه ألا وإن مما حرم رسول الله لحوم الحمر الأهلية ولحم كل ذي ناب من السباع.
وعبد الله بن صالح من شيوخ البخاري والحسن بن جابر وثقه ابن حبان ولم يتكلم فيه ورواه أبو اليمان عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام وفيه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع وهذا إسناد صحيح.
وأما حديث أبي أمامة: فرواه الدارمي أيضا حدثنا عبد الله بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني القاسم ومكحول عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل الحمار الأهلي وعن أكل كل ذي ناب من السبع وهذا إسناد صحيح فإن مكحولا قد أدرك أبا أمامة وسمع منه.
وفي حديث القاسم من رواية علي بن يزيد عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: "أذن في الناس أنه لا يحل لكم لحوم الحمر الأهلية ولا لحم كل ذي ناب من السباع ولا كل ذي مخلب من الطير وأن الجنة لا تحل لعاص".
وأما حديث ابن عباس فقال الدارمي: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبيد الله بن موسى عن

(10/204)


شُعَيْبٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ عنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأهْلِيّةِ وَعنِ الجَلاّلَةِ عنْ رُكُوبِهَا وَأكْلِ لَحْمِهَا.
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري من حديث عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء وليس فيه عن رجل.
"وعن الجلالة" هي التي تأكل الجلة أي القذرة، وقد تقدم الكلام على الجلالة.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وقد تقدم الكلام على حديث عمرو بن شعيب.
ـــــــ
سنان عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وهذا الإسناد على شرط الشيخين.
وفي الصحيحين عن الشعبي عن ابن عباس قال: لا أدري أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنها كانت حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم أو حرمه في يوم خيبر يعني الحمر الأهلية.
وهذا يدل على أن ابن عباس بلغة النهي ولكن تأوله.

(10/205)


35- باب في أكل الجراد
3806 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمَرِيّ قالَ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ أبِي يَعْفُورَ قالَ: سَمِعْتُ ابنَ أبي أوْفَى، وَسَأَلْتُهُ عن الْجَرَادِ فَقالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سِتّ أوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ فَكُنّا نَأْكُلُهُ مَعَهُ.
ـــــــ
"باب في أكل الجراد"
بفتح الجيم وتخفيف الراء معروف، والواحدة جرادة والذكر والأنثى سواء كالحمامة، ويقال أنه مشتق من الجرد لأنه لا ينزل على شيء إلا جرده.
"فكنا نأكله معه" أي نأكل الجراد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ: يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو دون ما تبعه من أكل الجراد ويحتمل أن يريد مع أكله ويدل على الثاني أنه وقع في رواية أبي نعيم في الطب ويأكل معنا انتهى. قال النووي: أجمع المسلمون على إباحة أكل الجراد ثم قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والجماهير يحل سواء مات بذكوة أو باصطياد مسلم أو مجوسي أو مات حتف أنفه، سواء قطع بعضه أو أحدث فيه سبب وقال مالك في المشهور عنه وأحمد في رواية لا يحل إلا إذا مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يسلق أو يلقي في النار حياً أو يشوي، فان مات حتف أنفه أو في وعاء لم يحل والله أعلم انتهى.

(10/205)


3807 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْفَرَجِ الْبَغْدَادِيّ قالَ أخبرنا ابنُ الزّبْرِقَانِ قالَ أخبرنا سُلَيْمانُ التّيْمِيّ عنْ أبي عُثْمانَ النّهْدِيّ عنْ سَلْمَانَ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الْجَرَادِ فَقالَ: "أكْثَرُ جُنُودِ الله لا آكُلُهُ وَلاَ أُحَرّمُهُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ المُعْتَمِرُ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي عُثْمانَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَذْكُرْ سَلْمَانَ.
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"فقال أكثر جنود الله" أي هو أكثر جنوده تعالى من الطيور، فإذا غضب على قوم أرسل عليهم الجراد ليأكل زرعهم وأشجارهم ويظهر فيهم القحط إلى أن يأكل بعضهم بعضاً فيفنى الكل وإلا فالملائكة أكثر الخلائق على ما ثبت في الأحاديث وقد قال عزوجل في حقهم، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} كذا قال القاري "لا آكله" فيه أنه صلى الله عليه وسلم عاف الجراد كما عاف الضب، ولكم الحديث مرسل على الصواب كما قال الحافظ وقد تقدم رواية أبي نعيم بلفظ ويأكل معنا "رواه المعتمر عن أبيه" سليمان التيمي "لم يذكر سلمان" فصارت رواية المعتمر مرسله، والرواية المرسلة هي الصواب على ما قال الحافظ: قال المنذري ابن ماجه. مسنداً:
ـــــــ
والتحقيق: أن ابن عباس أباحها أولا حيث لم يبلغه النهي فسمع ذلك منه جماعة منهم أبو الشعثاء وغيره فرووا ما سمعوه ثم بلغه النهي عنها فتوقف هل هو للتحريم أو لأجل كونها حمولة فروى ذلك عنه الشعبي وغيره ثم لما ناظره علي بن أبي طالب جزم بالتحريم كما رواه عنه مجاهد.
وأما حديث ثابت بن وديعة: فرواه الدارمي أيضا حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا أبو عوانة عن حصين بن زيد بن وهب عن ثابت بن وديعة قال أصبنا حمرا أهلية يوم خيبر فطبخ الناس فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدور تغلي فقال أكفئوها فكفأناها وهذاإسناد صحيح رواته كلهم ثقات.
وأما حديث أبي سليك البدري فرواه الدارمي أيضا حدثنا عبد الله بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عمرو بن ضمرة عن عبد الله بن أبي سليك عن أبيه وكان بدريا قال أتانا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الحمر وإن القدور لتغلي بها فكفأناها على وجهها.
وأما حديث عبد الله بن عمرو فرواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهو في الأصل.
وأما حديث زاهر الأسلمي: فرواه الدارمي عن يحيى الحماني حدثنا شريك عن مجزأة بن زاهر عن أبيه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم والقدور تغلي فسأل عنها فقالوا الحمر الأهلية فأمر بها فكفئت.

(10/206)


3808 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ وَ عَلِيّ بنُ عبد الله قالا أخبرنا زَكَرِيّا بنُ يَحْيَى بنِ عُمَارَةَ عنْ أبي الْعَوّامِ الْجَزّارِ عنْ أبي عُثْمانَ النّهْدِيّ عنْ سَلْمَانَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ فَقَالَ مِثْلَهُ قالَ: "أكْثَرُ جُنْدِ [جنود] الله" .
قال عَلِيّ اسْمُهُ فَائِدٌ يَعْنِي أَبَا الْعَوّامِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عنْ أبي الْعَوّامِ عنْ أبِي عُثْمانَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يَذْكُرْ سَلْمَانَ.
ـــــــ
"عن أبي العوام الجزار" بالجيم المفتوحة وتشديد الزاى وبعدها راء مهملة أي القصاب "قال على" هو ابن عبد الله "اسمه" الضمير المجرور يرجع إلى أبي العوام "يعني أبا العوام" هذا تفسير للضمير المجرور في قوله اسمه.
ـــــــ
وهذا الإسناد على رسم الشيخين.
وأما حديث أبي هريرة فرواه الترمذي من حديث زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع والمجثمة والحمار الإنسي قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأما حديث خالد بن الوليد: فقد تقدم في الباب الذي قبل هذا.
وقد اختلف في سبب النهي عن الحمر على أربعة أقوال وهي في الصحيح.
أحدها: لأنها كانت جوال القرية كما في حديث غالب هذا وهذا قد جاء في بعض طرق حديث عبد الله بن أبي أوفى أصابتنا مجاعة ليالي خيبر فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا فقال أناس إنما نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها لم تخمس وقال آخرون: نهى عنها البتة.
وقال البخاري في بعض طرقه: نهى عنها البتة لأنها كانت تأكل العذرة فهاتان علتان:
العلة الثالثة: حاجتهم إليها فنهاهم عنها إبقاء لها كما في حديث ابن عمر المتفق عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية زاد في طريق أخرى وكان الناس قد احتاجوا إليها.
العلة الرابعة: أنه إنما حرمها لأنها رجس في نفسها وهذا أصح العلل فإنها هي التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظه كما في الصحيحين عن أنس قال لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أصبنا حمرا خارجة من القرية وطبخناها فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها فإنها رجس من عمل الشيطان فهذا نص في سبب التحريم وما عدا هذه من العلل فإنما هي حدس وظن ممن قاله.

(10/207)


36- باب في أكل الطافي من السمك
3809 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ قالَ أخبرنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ الطّائِفِيّ قالَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ أُمَيّةَ عنْ أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا ألْقَى الْبَحْرُ أوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا فَلاَ تَأْكُلُوهُ" .
ـــــــ
"باب في أكل الطافي من السمك"
الطافي بغير همز من طفا إذا علا على الماء ولم يرسب، والسمك الطافي هو الدي يموت في البحر بلا سبب قاله النووي.
"ما ألقى البحر" أي كل ما قذفه إلى الساحل "أو جزر عنه" بجيم ثم زاي أي انكشف عنه الماء وذهب، والجزر رجوع الماء خلفه، وهو ضد المد، ومنه الجزيرة. والمعنى وما انكشف عنه الماء من حيوان البحر "وما مات فيه وطفا" أي ارتفع فوق الماء بعد أن مات "فلا تأكلوه" استدل بهذا من ذهب إلى كراهة السمك الطافي.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
قال عبدالحق: هذا الحديث إنما يرويه الثقات من قول جابر وإنما أسند من وجه ضعيف من حديث يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر ومن حديث عبدالعزيز بن عبد الله بن حمزة بن صهيب وهو ضعيف لم يرو عنه إلا إسماعيل بن عياش.
وقال ابن القطان: يحيى بن سليم وثقه ابن معين وتكلم فيه غيره من أجل حفظه والناس رووه موقوفا غير يحيى.
وذكر أبو داود هذا الحديث وقال رواه الثوري وحماد عن أبي الزبير وقفاه على جابر وقد أسند من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر.
قال ابن القطان: فإن كان عبدالحق ضعف المرفوع لكونه من رواية أبي الزبير فقد تناقض لتصحيحه الموقوف وهو عنه وإن عنى به ضعف يحيى بن سليم ناقض أيضا فكم من حديث صححه من روايته ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلا من هو دونه وهو إسماعيل بن عياش وأما إسماعيل بن أمية فلا يسأل عن مثله وهذا تعنت من ابن القطان.
والحديث إنما ضعف لأن الناس رووه موقوفا على جابر وانفرد برفعه يحيى بن أبي سليم وهو مع سوء حفظه قد خالف الثقات وانفرد عنهم ومثل هذا لا يحتج به أهل الحديث فهذا هو الذي أراده أبو داود وغيره من تضعيف الحديث.

(10/208)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وَأيّوبُ وَحَمّادٌ عنْ أبي الزّبَيْرِ
ـــــــ
قال الخطابي: قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قد أباح الطافي من السمك ثبت ذلك عن أبي بكر الصديق وأبي أيوب الأنصارى، وإليه ذهب ابن أبي رباح ونكحول وابراهيم النخعي، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور. وروي عن جابر وابن عباس أنهما كرها الطافي من السمك، وإليه ذهب جابر بن زيد، وطاووس، وبه قال أصحاب الرأي انتهى. قلت: يدل على
ـــــــ
وأما تصحيحه حديث يحيى بن أبي سليم في غير هذا فلا إنكار عليه فيه فهذه طريقة أئمة الحديث العالمين بعلله يصححون حديث الرجل ثم يضعفونه بعينه في حديث آخر إذا انفرد أو خالف الثقات.
ومن تأمل هذا وتتبعه رأى منه الكثير فإنهم يصححون حديثه لمتابعة غيره له أو لأنه معروف الرواية صحيح الحديث عن شيخ بعينه ضعيفها في غيره.
وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفتين من الناس:
طائفة تجد الرجل قد خرج حديثه في الصحيح وقد احتج به فيه فحيث وجدوه في حديث قالوا هذا على شرط الصحيح وأصحاب الصحيح يكونون قد انتقوا حديثه ورووا له ما تابعه فيه الثقات ولم يكن معلولا ويتركون من حديثه المعلول وما شذ فيه وانفرد به عن الناس وخالف فيه الثقات أو رواه عن غير معروف بالرواية عنه ولا سيما إذا لم يجدوا حديثه عند أصحابه المختصين به فإن لهم في هذا نظرا واعتبارا اختصوا به عمن لم يشاركهم فيه فلا يلزم حيث وجد حديث مثل هذا أن يكون صحيحا ولهذا كثيرا ما يعلل البخاري ونظراؤه حديث الثقة بأنه لا يتابع عليه.
والطائفة الثانية: يرون الرجل قد تكلم فيه بسبب حديث رواه وضعف من أجله فيجعلون هذا سببا لتضعيف حديثه أين وجدوه فيضعفون من حديثه ما يجزم أهل المعرفة بالحديث بصحته.
وهذا باب قد اشتبه كثيرا على غير النقاد.
والصواب: ما اعتمده أئمة الحديث ونقاده من تنقية حديث الرجل وتصحيحه والاحتجاج به في موضع وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر.
وهذا فيما إذا تعددت شيوخ الرجل ظاهر كإسماعيل بن عياش في غير الشاميين وسفيان بن حسين في غير الزهري ونظائرهما متعددة.
وإنما النقد الخفي: إذا كان شيخه واحدا كحديث العلاء بن عبدالرحمن مثلا عن أبيه عن أبي هريرة فإن مسلما يصحح هذا الإسناد ويحتج بالعلاء وأعرض عن حديثه في الصيام بعد انتصاف شعبان وهو من روايته على شرطه في الظاهر ولم ير إخراجه لكلام الناس في هذا الحديث وتفرده وحده به.
وهذا أيضا كثير يعرفه من له عناية بعلم النقد ومعرفة العلل.

(10/209)


أوْقَفُوهُ عَلَى جَابِرٍ. وَقَدْ أُسْنِدَ هَذَا الْحَدِيثُ أيْضاً منْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ عن ابنِ أبي ذِئْبٍ عنْ أبي الزّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
إباحة السمك الطافي حديث جابر قال "غزونا جيش الخبط وأميرنا أبو عبيدة فجعنا جوعاً شديداً فألقى البحر حوتاً ميتاً لم نر مثله يقال له العنبر فأكلنا منه نصف شهر" الحديث وفي أخره "فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال كلوا رزقا أخرجه الله عزوجل لكم أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بشيء فأكله" أخرجه البخاري ومسلم وسيأتي في هذا الكتاب أيضاً. فهذا الحديث يدل على إباحة ميتة البحر سواء في ذلك ما مات بنفسه أو بالاصطياد. وقد تبين من آخر الحديث أن جهة كونها حلالا ليست سبب الاضطرار بل كونها من صيد البحر لأنه صلى الله عليه وسلم أكل منها ولم يكن مضطراً. وأما حديث الباب فهو موقوف. قال الحافظ: وإذا لم يصح إلا موقوفاً فقد عارضه قول أبي بكر وغيره والقياس يقتضي حله لأنه سمك لو مات في البر لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء أو قتله سمكة أخرى فمات لأكل فكدلك إذا مات وهو في البحر انتهى.
قلت: قول أبي بكر الذي أشار إليه الحافظ رواه البخاري معلقاً بلفظ قال أبو بكر الطافي حلال، ووصله أبو بكر بن شيبة والطحاوي والدارقطنى من رواية عبدالملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال أشهد على أبي بكر أنه قال السمكة الطافية حلال "وقد أسند هذا الحديث" أي رُوِيَ مرفوعاً.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
ـــــــ
وهذا إمام الحديث البخاري يعلل حديث الرجل بأنه لا يتابع عليه ويحتج به في صحيحه ولا تناقض منه في ذلك.

(10/210)


37 باب فيمن اضطر إلى الميتة
[باب في المضطر إلى الميتة]
3810 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ أخبرنا حَمّادٌ عنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ: أنّ رَجُلاً نَزَلَ الْحَرّةَ وَمَعَهُ أهْلُهُ وَوَلَدُهُ فَقَالَ رَجُلٌ إنّ نَاقَةً لِي ضَلّتْ فَإِنْ
ـــــــ
"باب فيمن اضطر إلى الميتة"
"أن وجلا نزل الحرة" بفتح الحاء والراء المشددة مهملتين أرض بظاهر المدينة بها
ـــــــ
وهذا إمام الحديث البخاري يعلل حديث الرجل بأنه لا يتابع عليه ويحتج به في صحيحه ولا تناقض منه في ذلك.

(10/210)


وَجَدْتَهَا فَأَمْسِكْهَا. فَوَجَدَهَا فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا، فَمَرِضَتْ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ انْحَرْهَا فَأَبَى فَنَفَقَتْ فَقَالَتْ اسْلُخْهَا حَتّى نُقَدّدَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا وَنَأْكُلُهُ فَقَالَ حَتّى أسْأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ"؟ قالَ: لاَ قالَ:"فَكُلُوهَا" ، قالَ: فَجَاءَ صَاحِبُهَا، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: هَلاّ كُنْتَ نَحَرْتَهَا؟ قالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْكَ.
3811 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله قالَ أخبرنا الْفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ قَالَ أخبرنا عَقْبَةُ بنُ وَهْبٍ بنِ عُقْبَةَ الْعَامِرِيّ قالَ سَمِعْتُ أبي يُحَدّثُ عنِ الْفُجَيْعِ الْعَامِريّ أنّهُ أتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقالَ: ما يَحِلّ [تحل] لَنَا مِنَ الْمَيْتَةِ؟ قالَ: "ما طَعَامُكُم"؟ قُلْنَا نَغْتَبِقُ وَنَصْطَبِحُ قالَ أبُو نُعَيْمٍ: فَسّرَهُ لِي عُقْبَةُ قَدَحٌ غُدْوَةٌ وَقَدَحٌ عَشِيّةٌ. قالَ ذَلِكَ [ذاك] وَأبِي الْجُوعُ فَأَحَلّ لَهُمُ المَيْتَةَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ.
ـــــــ
حجارة سود "ومعه" أي مع الرجل "فقال رجل" أي آخر غير الذي نزل "فإن وجدتها" أي الناقة الضالة والخطاب لنازل الحرة "فوجدها" أي فوجد الرجل النازل الناقة "صاحبها" أي صاحب الناقة ومالكها "فمرضت" أي الناقة "فأبي" من الإباء امتنع من النحر "فنفقت" أي ماتت، يقال نفقت الدابة نفوقاً مثل قعدت المرأة قعوداً إذا ماتت "إسلخها" انزع جلدها "حتى نقدد شحمها ولحمها" أي نجعله قديداً "هل عندك غنى يغنيك" أي تستغني به ويكفيك ويكفي أهلك وولدك عنها "فكلوها" أي الناقة الميتة. وعند أحمد في مسنده عن حابر بن سمرة "أن أهل بيت كانوا بالحرة محتاجين قال فماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكلها" انتهى.
قال في المنتقى وهو دليل على إمساك الميتة للمضطر انتهى. والحديث سكت عنه المندري.
قال العلامة الشوكاني: وليس في إسناده مطعن انتهى.
-"عن الفجيع" بجيم مصغراً بن عبد الله العامري صحابي نزل الكوفة له حديث واحد كذا في التقريب "قلنا نغتبق" أي نشرب قدحاً من اللبن مساء "ونصطبح" أي نشرب قدحاً صباحاً قال أبو نعيم هو كنية الفضل بن دكين "فسره" الضمير المنصوب يرجع إلى قوله نغتبق ونصطبح "قدح غدوة" هذا تفسير للاغتباق وقدح عشية هذا تفسير للاصطباح "قال ذلك وأبي الواو للقسم "الجوع" بالرفع يعني هذا القدر لا يكفي من الجوع بل يبقى الجوع على حاله "فأحل لهم الميتة على هذه الحال" أي المذكوره.

(10/211)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: الْغَبُوقُ مِنْ آخِرِ النّهَارِ، وَالصّبُوحُ مِنْ أوّلِ النّهَارِ.
ـــــــ
قال الخطابي: القدح من اللبن بالغداة والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس وإن كان لا يغذو البدن ولا يشبع الشبع التام، وقد أباح لهم مع ذلك تناول الميتة، فكان دلالته أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي في أحد قوليه انتهى.
قال العلامة الشوكاني: والقول الراجح عند الشافعي هو الأقتصار على سد الرمق كما نقله المزنى وصححه الرافعي والنووي، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك. ويدل عليه قوله هل عندك غنى يغنيك إذا كان يقال لمن وجد سد رمقه مستغنياً لغة أو شرعاً. واستدل به بعضهم على القول الأول قال لأنه سأله عن الغنى ولم يسأله عن خوفه على نفسه، والآية الكريمة قد دلت على تحريم الميتة واستثنى ما وقع الاِضطرار إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل كحالة الابتداء ولا شك أن سد الرمق يدفع الضرورة، وقيل إنه يجوز أكل المعتاد للمضطر في أيام عدم الاضطرار.
قال الحافظ: وهو الراجح لإطلاق الآية. واختلفوا في الحالة التي يصح فيها الوصف بالاضطرار ويباح عندها الأكل فذهب الجمهور إلى أنها الحالة التي يصل به الجوع فيها إلى حد الهلاك أو إلى مرض يقضي إليه وعن بعض المالكية تحديد ذلك بثلاثة أيام، كذا في النيل.
قال المنذري: في إسناده عقبة بن وهب "قال ابن معين صالح، وقال ابن المدينى قلت لسفيان بن عيينة عقبة بن وهب" فقال ما كان ذاك فندرى ما هذا الأمر ولا كان من شأن يعني الحديث.

(10/212)


38- باب في الجمع بين لونين من الطعام
3812 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بنِ أبِي رِزْمَةَ قال أخبرنا الْفَضْلُ بنُ مُوسَى عن حُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " وَدِدْتُ أنّ عِنْدِي خُبْزَةً بَيْضَاءَ مِنْ بَرّةٍ سَمْرَاءَ مُلَبّقَةً بِسَمْنٍ وَلَبَنٍ" ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ
ـــــــ
"باب في الجمع بين لونين من الطعام"
"حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة" بكسر الراء المهملة وسكون الزاي المعجمة "وددت" بكسر الدال أي تمنيت وأحببت "من برة سمراء" أي حنطة فيها سواد خفي، فهي

(10/212)


فَاتّخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ، فقال: "في أيّ شَيْء كَانَ هَذَا"؟ قال: في عُكّةِ ضَبَ. قال: "ارْفَعْهُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَيّوبُ لَيْسَ هُوَ السّخْتِيَانيّ.
ـــــــ
وصف لبرة، ولعل المراد بها أن تكون مقمرة فإنه أبلغ في اللذة، ولئلا يحصل التناقض بين البيضاء والسمراء. واختار بعض الشراح أن السمراء هي الحنطة فهي بدل من برة. قال القاضي: السمراء من الصفات الغالبة غلبت على الحنطة فاستعملها هنا على الأصل، وقيل: هي نوع من الحنطة فيها سواد خفي ولعله أحمد الأنواع عندهم، كذا في المرقاة "ملبقة بسمن ولبن" بتشديد الموحدة المفتوحة وهي منصوبة على أنها صفة خبزة وهو الظاهر، ويحتمل بجرها على أنها صفة برة، والمعنى مبلولة مخلوطة خلطاً شديداً بسمن ولبن والملبقة اسم مفعول من التلبيق وهو التليين.
وفي القاموس: لبقة لينة، وثريد ملبق ملين بالدسم "فاتخذه" أي صنع ما ذكر "في أي شيء كان هذا" أي سمنه ولعله صلى الله عليه وسلم وجد فيه رائحة كريهة "في عكة ضب" العكة بالضم آنية السمن، وقيل وعاء مستدير للسمن والعسل، وقيل العكة القربة الصغيرة، والمعنى أنه كان في وعاء مأخوذ من جلد ضب "ارفعه" قال الطيبي: وإنما أمر برفعه لتنفر طبعه عن الضب لأنه لم يكن بأرض قومه كما دل عليه حديث خالد، لا لنجاسة جلده وإلا لأمره بطرحه ونهاه عن تناوله.
"قال أبو داوود هذا حديث منكر" المنكر حديث من فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه على ما في شرح النخبة قال الطيبي: هذا الحديث مخالف لما كان عليه من شيمته صلى الله عليه وسلم، كيف وقد أخرج التمني ومن ثم صرح أبو داوود بكونه منكراً، ذكره القاري "وأيوب" أي المذكور في الإسناد وهذه العبارة أي قوله قال أبو داوود إلى قوله ليس هو السختياني ليست في بعض النسخ، ولم ينبه عليها المزي في الأطراف بل أورد الحديث في ترجمة أيوب السختياني ورقم عليه علامة أبي داوود وابن ماجه، وكذا لم يذكرها المنذري في مختصره، ففي ثبوت هذه الزيادة في نفسى شيء. وأيوب هذا الذي في الإسناد روى عن نافع وروى عنه حسين بن واقد.
والراوي عن نافع الذي اسمه أيوب هو ثلاثة رجال: الإول: أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، وروى عن نافع، وعنه شعبة والسفيانان والحمادان هو ثقة ثبت حجة.
والثاني: أيوب بن موسى بن عمرو الأموي الفقيه، روى عن نافع، عنه شعبة والليث وعبدالوارث وغيرهم هو ثقة.

(10/213)


..................................................
ـــــــ
والثالث: أيوب بن وائل روى عن نافع، وعنه حماد بن زيد وأبو هلال. قال الأزدي: مجهول، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(10/214)


39- باب في أكل الجبن
3813 - حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى الْبَلْخِيّ قال أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بنِ مَنْصُورٍ عن الشّعْبِيّ عن ابنِ عُمَرَ قال: أُتِيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِجُبْنَةٍ في تَبُوكَ، فَدَعَا بِسِكّينٍ فَسَمّى وَقَطَعَ .
ـــــــ
"باب في أكل الجبن"
في القاموس: الجبن بالضم وبضمتين وكعُتُلّ معروف والمراد بقوله كعتل أي بضمتين وتشديد النون على وزن عتُلً، والجبن في الفارسية بنير.
"بجبنة" قال القاري: أي القرص من الجبن، كذا قيل، والظاهر أن المراد بها قطعة من الحبن "في تبوك" بغير صرف وقد يصرف "فسمى وقطع" بتخفيف الطاء ويجوز تشديدها. قال الطيبي: فيه دليل على طهارة الأنفحة لأنها لو كانت نجسة لكان الجبن نجساً لأنه لا يحصل إلا بها.
قال المنذري: قال أبو حاتم الرازي: الشعبي لم يسمع من ابن عمر، وذكر غير واحد أنه سمع من سمع من ابن عمر أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما حديث الشعبي عن ابن عمرو فيه قاعدت ابن عمر سنتين أو سنة ونصفاً، وفي إسناد حديث بن عمر في الجبنة إبراهيم بن عيينة أخو سفيان بن عيينة. قال أبو حاتم الرازي: شيخ يأتي بالمناكير. وسئل أبو داوود السحستاني عن إبراهيم بن عيينة وعمران ابن عيينة ومحمد بن عيينة فقال كلهم صالح وحديثهم قريب من قريب.

(10/214)


40- باب في الخل
3814 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قال أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ قال حدّثني سُفْيَانُ عن مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ عن جَابِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "نِعْمَ الإدَامُ [الأدم] الْخَلّ" .
ـــــــ
"باب في الخل"
"نعم الإدام الخل" في بعض النسخ "نعم الأدم قال النووي: الإدام بكسر الهمزة ما

(10/214)


41- باب في أكل الثوم
3816 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ قال أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قالَ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قال حدّثني عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ أنّ جَابِرَ بنَ عبد الله قال: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أكَلَ ثُوماً أوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا أوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ في بَيْتِهِ، وَإنّهُ أُتِيَ بِبَدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنَ الْبُقُولِ فَوَجَدَ لَها رِيحاً فَسَأَلَ فأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ
ـــــــ
"باب في أكل الثوم".
"من أكل ثوماً أو بصلاً" أي غير مطبوخين "فليعتزلنا" أي ليبعد عنا "أو ليعتزل مسجدنا" فإنه مع أنه مجمع المسلمين فهو مهبط الملائكة المقربين والشك من الراوي. قال بعض العلماء: النهي عن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وحجة الجمهور رواية فلا يقربن مساجدنا فإنه صريح في العموم "وإنه أتى ببدر" بفتح الموحدة وهو الطبق سمى بذلك لاستدارته تشبيهاً له بالقمر عند كماله، وفسره به ابن وهب راوى الحديث كما في آخر الحديث "فيه خضرات" بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين جمع خضرة، ويروي بضم الخاء وفتح الضاد جمع خضرة "من

(10/215)


الْبُقُولِ، فقال: "قَرّبُوهَا" - إلَى بَعْضِ أصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ - فَلمّا رَآهُ كَرِهَ أكْلَهَا. قال: "كُلْ فإنّي أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي" .
قال أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ بِبَدْرٍ فَسّرَهُ ابنُ وَهْبٍ طَبْق.
3817 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ قال أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرني عَمْرٌو أنّ بَكْرَ بنَ سَوَادَةَ حَدّثَهُ أنّ أبَا النّجِيبِ مَوْلَى عبد الله بنِ سَعْدِ حَدّثَهُ أنّ أبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ حَدّثَهُ: أنّهُ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الثّومُ وَالْبَصَلُ، وَقِيلَ: يَارَسُولَ الله وَأَشَدّ ذَلِكَ كُلّهُ الثّومُ أفَتُحَرّمُهُ؟ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "كُلُوهُ وَمَنْ أكَلَهُ مِنْكُم فَلاَ يَقْرَبْ هَذَا المَسْجِدَ حَتّى يَذْهَبَ مِنْهُ رِيحُهُ".
3818 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال أخبرنا جَرِيرٌ عن الشّيْبَانِيّ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ عن زِرّ بنِ حُبَيْشٍ عن حُذَيْفَةَ أَظُنّهُ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تَفِلَ تِجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَمَنْ أكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الْخَبِيثَةِ فَلاَ يَقْرَبَنّ مَسْجِدَنَا ثَلاَثاً" .
ـــــــ
البقول" من للبيان "قربوها" أي الخضرات "إلى بعض أصحابه" قال الكرماني: فيه النقل بالمعنى إذاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقله بهذا اللفظ بل قال قربوها إلى فلان مثلا، أو فيه حذف، أي قال قربوها مشيراً أو أشار إلى أصحابه، والمراد بالبعض أبو أيوب الإنصارى. ففي صحيح مسلم من حديث أبي أيوب في قصة نزول النبي صلى الله عليه وسلم قال "فكان يصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً فإذا جيء به إليه أي بعد أن يأكل النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فصنع ذلك مرة فقيل له لم يأكل وكان الطعام فيه ثوم فقال أحرام هو يارسول الله؟ قال لا ولكن أكرهه" "كان" أي البعض "معه" أي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت "فإني أناجي من لا تناجي" أي الملائكة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"أشد ذلك كله الثوم" أي في الريح والنتن "كلوه ومن أكله الخ" فيه جواز أكل الثوم والبصل إلا أن من أكله يكره له حضور المسجد.والحديث سكت عنه المنذري.
"عن زر بن حبيش" بكسر الزاي وتشديد الراء، وحبيش بمهملة وموحدة مصغراً "من تفل" بمثتاة وفاء أي بصق "تجاه القبلة" أي جانب القبلة. في القاموس: وجاهك تجاهك مثلثين تلقاء وجهك "تفله" بفتح المثناة وسكون الفاء أي بصاقه، والجملة حالية "من هذه البقلة الخبيثة" أي الثوم والبصل والكراث، وخبثها من كراهة طعمها ورائحتها، لأنها طاهرة، قاله في المجمع "فلا يقربن مسجدنا ثلاثاً" أي قال هذه الكلمة ثلاثاً. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/216)


3819 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قال أخبرنا يَحْيَى عن عبيد الله عن نَافِعٍ عنْ ابنِ عُمَرَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أكَلَ مِنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبَنّ المَسَاجِدَ" .
3820 - حدثنا شَيْبَانُ بنُ فَرّوخٍ قال أخبرنا أبُو هِلاَلٍ قال أخبرنا حُمَيْدُ بنُ هِلاَل عن أبي بُرْدَةَ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قال: أكَلْتُ ثُوماً فأَتَيْتُ مُصَلّى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَقَدْ سُبِقْتُ بِرَكْعَةٍ، فَلمّا دَخَلْتُ المَسْجِدَ وَجَدَ رَسُولُ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم رِيحَ الثّومِ، فلَمّا قَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاَتَهُ قال: "مَنْ أكَلَ مِنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبْنَا حَتّى يَذْهَبَ رِيحُهَا أوْ رِيحُهُ"، فلَمّا قُضِيَتِ الصّلاَةُ جِئْتُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ : يَارَسُولَ الله وَالله لَتُعْطِيَنّي يَدَكَ. قال: فأَدْخَلْتُ يَدَهُ في كُمّ قَمِيصِي إلَى صَدْرِي فإذَا أنَا مَعْصُوبُ الصّدْرِ. قال: "إنّ لَكَ عُذْراً" .
ـــــــ
"فلا يقربن المساجد" فيه دليل على أن النهى عام لكل مسجد وليس خاصاً بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث سكت عنه المنذري.
-"وقد سبقت" على البناء للمجهول "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا" ليس في هذا تقييد النهى بالمسجد، فيستدل بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجد كمصلى العيد والجنازة ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس والتمسك بهذا العموم أولى، لكن قد علل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة وترك أذى المسلمين فإن كان كل منهما جزء علة اختص النهي بالمساجد وما في معناها، وهذا هو الأظهر وإلا لعم النهي كل مجمع كالأسواق، ويؤيد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: "من أكل من هذه الشجرة شيئاً فلا يقربنا في المسجد".
قال القاضي ابن العربي: ذكر الصفة في الحيكم يدل على التعليل بها، ومن ثم رد على المازي حيث قال لو أن جماعة مسجد أكلوا كلهم ما له رائحة كريهة لم يمنعوا منه بخلاف ما إذا أكل بعضهم لأن المنع لم يختص بهم بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنع من تناول شيئاً من ذلك، ودخل المسجد مطلقاً ولو كان وحده، كذا أفاد الحافظ في الفتح "في كم قميص" الكم بالضم وتشديد الميم مدخل اليد ومخرجها من الثوب "فإذا أنا معصوب الصدر" كان من عادتهم إذا جاع أحدهم أن يشد جوفه بعصابة، وربما جعل تحتها حجراً. كذا في النهاية.
قال المنذري: في إسناده أبو هلال محمد بن سليم المعروف بالراسبي، وقد تكلم فيه غير واحد.

(10/217)


3821 - حدثنا عَبّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ قال أخبرنا أبُو عَامِرٍ عَبْدُالمَلِكِ بنُ عَمْرٍو قال أخبرنا خالِدُ بنُ مَيْسَرَةَ - يَعني الْعَطّارَ - عن مُعَاوِيَةَ بنِ قُرّةَ عن أبِيهِ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ هَاتَيْنِ الشّجَرَتَيْنِ وَقال: "مَنْ أكَلَهُمَا فَلاَ يَقْرَبَنّ مَسْجِدَنَا "، وَقال: "إنْ كُنْتُمْ لاَ بُدّ آكِلُوهَا [آكليهما] فأَمِيتُوهُما طَبْخاً" قال: يَعْني الْبَصَلَ وَالثّومَ.
3822 - حدثنا مُسَدّدٌ قال أخبرنا الْجَرّاحُ أبُو وَكِيعٍ عن أبِي إسْحَاقَ عن شَرِيكٍ عن عَلِيّ قال: نُهِيَ عَنْ أكْلِ الثّومِ إلاّ مَطْبُوخاً.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: شَرِيكُ بنُ حَنْبَلٍ.
3823 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا ح. وحدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ قال أخبرنا بَقِيّةُ عن بَحِيرٍ عن خَالِدٍ عن أبِي زِيَادٍ خِيَارِ بنِ سَلَمَةَ: أنّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عن الْبَصَلِ قالَتْ [فقالت] إنّ آخِرَ طَعَامٍ أكَلَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم طَعَامٌ فِيهِ بَصَلٌ.
ـــــــ
"إن كنتم لا بد آكلوهما" وفي بعض النسخ "آكليهما" وهو الظاهر لأنه خبر كنتم. قال في القاموس: بَدّدَه تبديداً فرقة ولا بد لا فراق ولا محالة، انتهى. وخبر لا محذوف والجملة معترضة "فأميتوهما طبخاً" أي أزيلوا رائحتهما بالطبخ. والحديث سكت عنه المنذري.
-"نهى" بصيغة المجهول "عن أكل الثوم إلا مطبوخاً" قال القاري: هذا الحديث يفيد تقييد ما ورد من الأحاديث المطلقة في النهي "قال أبو داوود: شريك ابن حنبل" أي شريك المذكور في الإسناد هو ابن حنبل.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي، قال: وقد روى هذا عن على قوله وقال ليس إسناده بذاك القوى. قال أخبرنا أي بقية بن الوليد والمعنى أن إبراهيم بن موسى قال أخبرنا بقية وقال حيوة حدثنا بقية.
-"إن آخر طعام أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام فيه بصل" أي مطبوخ بشهادة الطعام لأنه الغالب فيه، قال ابن الملك: قيل إنما أكل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في آخر عمره ليعلم أن النهي للتنزية لا للتحريم، ذكره القاري. وأحاديث الباب تدل على جواز أكل الثوم والبصل مطبوخاً، كان أو غير مطبوخ لمن قعد في بيته وكراهة حضور المسجد وريحه موجود لئلا يؤذي بذلك من يحضره من الملائكة وبني آدم، وقد ألحق الفقهاء بالثوم والبصل ما في معناهما من البقول الكريهة الرائحة كالفجل. قال الحافظ: وقد ورد فيه حديث في الطبراني.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال.

(10/218)


42- باب في التمر
3824 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله أخبرنا عُمَرُ بنُ حَفْص أخبرنا أبِي عنْ مُحمّدِ بنِ أبِي يحيى عن يَزِيدَ الأعْوَرِ عنْ يُوسُفَ بنِ عبد الله بنِ سَلاَمٍ قالَ: " رَأَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً وَقالَ هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ".
3825 - حدثنا الْوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ قالَ أخبرنا مَرْوَانُ بنُ مُحمّدٍ قالَ أخبرنا سُلَيْمانُ بنُ بِلاَلٍ قالَ حدّثني هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "بَيْتٌ لاَ تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أهْلُهُ" .
ـــــــ
"باب في التمر"
"أخذ كسرة" بكسر فسكون أي قطعة "وقال هذه" أي التمرة "إدام هذه" أي الكسرة. قال الطيبي: لما كان التمر طعاماً مستقلا ولم يكن متعارفا بالأدومة أخبر أنه صالح لها.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي. وقد اختلف في يوسف هذا فقال البخاري: له صحبة، وقال أبو حاتم الرازي: ليست له صحبة له روية، وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري. ومن التابعين المخضرمين طبقة ولدوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمعوا منه، منهم يوسف بن عبد الله بن سلام انتهى، وفي أسماء رجال المشكاة: ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل إليه وأقعده في حجره وسماه يوسف ومسح رأسه، ومنهم من يقول: له روية ولا رواية له، عداده في أهل المدينة. انتهى.
قال بعض العلماء: وإطلاق رواية أبي داوود من غير أن يقول مرسلا يدل على أن له رواية مع أن مرسل الصحابي حجة إجماعاً والله أعلم.
"بيت لا تمر فيه جياع أهله" جياع بكسر الجيم جمع جائع. قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: لأن التمر كان قوتهم، فإذا خلا منه البيت جاع أهله، وأهل كل بلدة بالنظر إلى قوتهم يقولون كذلك. وقال الطيبي: لعله حث على القناعة في بلاد كثر فيها التمر، أي من قنع به لا يحوع، وقيل هو تفضيل للتمر، والله تعالى أعلم. كذا في فتح الودود.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.

(10/219)


43- باب في تفتيش التمر المسوس عند الأكل
3826 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَمْرِو بنِ جَبَلَةَ قالَ أخبرنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ أبُو قُتَيْبَةَ عنْ هَمّامٍ عنْ إسْحَاقَ بنِ عبد الله بنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مَالِكِ قالَ: أُتِيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِتَمْرِ عَتِيقٍ فَجَعَلَ يُفَتّشُهُ يُخْرِجُ السّوسَ مِنْهُ.
3827 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ قالَ أخبرنا هَمّامٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عبد الله بنِ أبي طَلْحَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُؤْتَى بالتّمْرِ فِيهِ دُودٌ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
ـــــــ
"باب في تفتيش التمر المسوس عند الأكل"
المسوس اسم مفعول من ساس الطعام يساس سوسا بالفتح أي وقع فيه السوس بالضم، وهو دود يقع في الصوف والطعام.
"أتى" على البناء للمجهول "بتمر عتيق" أي قديم "فجعل يفتشه يخرج السوس منه" فيه كراهة أكل ما يظن فيه الدود بلا تفتيش، قاله في فتح الودود وفيه أن الطعام لا ينجس بوقوع الدود فيه ولا يحرم أكله. قال القاري: وروى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عمر مرفوعاً"نهى أن يفتش التمر عما فيه"فالنهى محمول على التمر الجديد دفعاً للوسوسة أو فعله محمول على بيان الجواز، وأن النهى للتنزية.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"كان يؤتي بالتمر فيه دود فذكر معناه" أي معنى الحديث المذكور.
قال المنذري: هذا مرسل.

(10/220)


44- باب الإقران في التمر عند الأكل.
3828 - حدثنا وَاصِلُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى قالَ حدثنا ابنُ فُضَيْلٍ عنْ أبي إسْحَاقَ
ـــــــ
"باب الإقران في التمر عند الأكل"
الإقران ضم تمرة إلى تمرة لمن أكل مع جماعة.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وهذه الكلمة وهي "الاستئذان" قد قيل: إنها مدرجة من كلام ابن عمر قال شعبة لا أرى هذه الكلمة إلا من كلام ابن عمر يعني "الاستئذان" ذكره البخاري في الصحيح.

(10/220)


عن جَبَلَةَ بنِ سُحَيْمٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الإقْرَانِ إلاّ أنْ تَسْتَأْذِنَ أصحَابَكَ .
ـــــــ
"عن جبلة" بفتح الجيم والموحدة الخفيفة "بن سحيم" بمهملتين مصغراً "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإقران" قال الحافظ في فتح الباري: قال النووي: اختلفوا في أن هذا النهى على التحريم أو على الكراهة والأدب والصواب التفصيل فإن كان الطعام مشتركا بينهم فالقران حرام إلا برضاهم، ويحصل الرضى بتصريحهم به، أو بما يقوم مقامة من قرينة حال بحيث يغلب على الظن ذلك، فإن كان الطعام لغيرهم حرم، وإن كان لأحدهم وأذن لهم في أكل اشترط رضاه ويحرم لغيره ويجوز له هو إلا أنه يستحب أن يستأذن الآكلين معه. وحسن للمضيف أن لا يقرن ليساوي ضيفه إلا إن كان الشيء كثيراً يفضل عنهم معن أن الأدب في الأكل مطلقاً ترك ما يقتضي الشره إلا أن يكون مستعجلا يريد الإسراع لشغل آخر. وذكر الخطابي أن شرط هذا الاستئذان إنما كان في زمنهم حيث كانوا في قلة من الشيء، فأما اليوم مع اتساع الحال فلا يحتاج إلى استئذان وتعقبه النووي بأن الصواب التفصيلي لأن العيرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كيف وهو غير ثابت. وقد أخرج ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ وهو في مسند البزار من طريق ابن بريدة عن أبيه رفعة "كنت نهيتكم عن القران في التمر وأن الله وسع عليكم فأقرنوا" فلعل النووي أشار إلى هذا الحديث فإن في إسناده ضعفاً. قال الحازمي حديث النهي أصح وأشهر انتهى مختصراً "إلا أن تستأذن أصحابك" مفعول أي الذين اشتركوا معك في ذلك الثمر فإذا أذنوا جاز لك الإقران وفي رواية الشيخين عن طريق شعبة إلا أن يستأذن الرجل أخاه. قال شعبة: لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر يعني الاستئذان.
ـــــــ
وقد روى الطبراني في المعجم من حديث يزيد بن زريع عن أبي خالد عن عطاء الخراساني عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن الإقران وإن الله قد أوسع الخير فأقرنوا".
فذهبت طائفة منهم الحازمي في ذلك إلى النسخ وادعوا أن حديث بريدة ناسخ لحديث ابن عمر.
قالوا: وكان النهي حيث كان العيش زهيدا والقوت متعذرا مراعاة لجانب الضعفاء والمساكين وحثا على الإيثار والمواساة ورغبة في تعاطي أسباب العدالة حالة الاجتماع والاشتراك فلما وسع الله الخير وعم العيش الغني والفقير قال: "فشأنكم إذن".
وهذا الذي قالوه إنما يصح أن لو ثبت حديث بريدة ولا يثبت مثله فإن الطبراني رواه من حديث محمد بن سهل حدثنا سهل بن عثمان حدثنا محبوب العطار عن يزيد بن زريع فذكره.

(10/221)


..................................................
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(10/222)


45- باب في الجمع بين اللونين عند الأكل
3829 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمَرِيّ قالَ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ عنْ عبد الله بنِ جَعْفَرٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْكُلُ الْقِثّاءَ بالرّطَبِ.
3830 - حدثنا سَعِيدُ بنُ نُصَيْرٍ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ حدثنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ الْبِطّيخَ [الطبيخ] بالرّطَبِ فَيَقُولُ: "نَكْسِرُ حَرّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدَ هَذَا بِحْرّ هَذَا".
ـــــــ
"باب في الجمع بين اللونين عند الأكل"
"كان يأكل القثاء بالرطب" قال في المصباح: القثاء بكسر القاف وتشيد الثاء المثلثة ويجوز ضم القاف، وهو اسم جنس لما يقوله الناس الخيار، وبعض الناس يطلق القثاء على نوع يشبه الخيار وهو مطابق لقول الفقهاء لو حلف لا يأكل الفاكهة حنث بالقثاء والخيار، وهو يقتضي أن يكون نوعا غيره، فتفسير القثاء بالخيار تسامح انتهى. ووقع في رواية الطبراني كيفية أكله لهما، فأخرج الأوسط من حديث عبد الله بن جعفر، قال "رأيت في يمين النبي صلى الله عليه وسلم قثاء وفي شماله رطبا وهو يأكل من ذا مرةّ ومن ذا مرةّ" وفي سنده ضعف كذا في فتح الباري. قال النووي: فيه جواز أكلهما معاً والتوسع في الأطعمة ولا خلاف بين العلماء في جوار هذا وما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمحمول على كراهة اعتياد التوسع والترفه والإكثار منه لغير مصلحة دينيه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
-"سعيد بن نصير" بضم النون مصغراً "يأكل البطيخ" وفي بعض النسخ الطبيخ بتقديم الطاء على الموحدة. قال الخطابي: هي لغة في البطيخ "فيقول نكسر حر هذا" أي الرطب "ببرد هذا" أي البطيخ "وبرد هذا" أي البطيخ "بحر هذا" أي الرطب. قال بعض العلماء: المراد بالبطيخ في الحديث الأخضر واعتل بأن في الاصفر حرارة كما في الرطب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفىء حرارة الآخر. وقال الحافظ ابن حجر المراد به الأصفة بدليل ورود الحديث بلفظ الخربز، قال وكان يكثر وجوده بأرض الحجاز بخلاف البطيخ الأخضر، وأجاب عما قال البعض بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة.
والحديث الذي أشار اليه الحافظ أخرجه النسائي بسند صحيح عن حميد عن أنس

(10/222)


3831 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْوَزِيرِ حدثنا الْوَلِيدُ بنُ مَزْيَدَ قالَ سَمِعْتُ ابنَ جَابِرٍ قالَ حدثني سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ عن ابْنَيْ بُسْرِ السّلَمِيّيْنِ قالا: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَدّمْنَا زُبْداً وَتَمْراً، وَكَانَ يُحِبّ الزّبْدَ وَالتّمْرَ.
ـــــــ
"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرطب والخربز" وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها زاي نوع من البطيخ الأصفر قاله الحافظ.
قال الخطابي: فيه إثبات الطب والعلاج ومقابلة الشيء الضار بالشيء المضاد له في طبعه على مذهب الطب والعلاج انتهى.
قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: جاء في البطيخ عدة أحاديث لا يصح منها شيء غير هذا الحديث الواحد.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي مختصراً وقال الترمذي حسن غريب.
-"وليد بن مزيد" بفتح وسكون الزاي وفتح التحتانية "حدثني سليم بن عامر" بالتصغير "عن ابني بسر السلميين" بضم السين المهملة وفتح اللام المخففة وكسر الميم وفتح الياء الأولى المشددة وسكون الثانية المخففة وهما عطية وعبد الله واسم أبيهما بسر بضم الموحدة وسكون السين "فقدمنا زيداً وتمراً" أي قربناهما إليه. قال في المصباح: زبد على وزن قفل ما يستخرج بالمخض من لبن البقر والغنم، وأما لبن الإبل فلا يسمى ما يستخرج منه زبداً بل يقال له جناب، والزبدة أخص من الزبد انتهى. وفي الصراح: زبد بالضم كفك وسرشير زبدة مسكه.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وذكر عن محمد بن عوف أنهما عبد الله وعطية.

(10/223)


46- باب في استعمال آنية أهل الكتاب
[باب الأكل في آنية أهل الكتاب]
3832 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قالَ أخبرنا عَبْدُ الأعْلَى وَ إِسْمَاعِيلُ عنْ بُرْدِ بنِ سِنَانٍ عنْ عَطَاءً عن جَابِرٍ قالَ: كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ المُشْرِكِينَ وَأسْقِيَتِهِمْ، فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلاَ يَعيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
ـــــــ
"باب في استعمال آنية أهل الكتاب"
"عن برد بن سنان" بضم الموحدة وسكون الراء "فلا يعيب" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ذلك"

(10/223)


3833 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَاصِمٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ شُعَيْبٍ قال أنبأنا عبد الله بنُ الْعَلاَءِ بنِ زَبْرٍ عن أبي عبيد الله مُسْلِمِ بنِ مِشْكَمٍ عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ أنّهُ سَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّا نُجَاوِزُ [نجاور] أهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ في قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ في آنِيَتِهِم الْخَمْرَ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا وإنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فارْحَضُوهَا بالمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا" .
ـــــــ
أي استمتاعنا بآنية المشركين وأسقيتهم "عليهم" فيه التفات أي علينا: قال الخطابي ظاهر هذا يبيح استعمال آنية المشركين على الإطلاق من غير غسل لها وتنظيف، وهذه الإباحة مقيده بالشرط الذي هو مذكور في الحديث الذي يليه من هذا الباب انتهى. قلت: الحديث رواه البزار أيضاً، وفي روايته "فنغسلها ونأكل فيها" ذكره الحافظ في الفتح.
والحديث سكت عنه المنذري.
-"أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زبر" بفتح الزاي وسكون الوحدة "مسلم ابن مشكم" بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وهو بدل من أبي عبيد الله "إنا نجاوز" بالزاي المعجمة أي نمر، وفي بعض النسخ بالراء المهملة "فأرحضوها" أي اغسلوها قال الخطابي: الرحض الغسل والأصل في هذا أنه إذا كان معلوما من حال المشركين أنهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد الغسل والتنظيف فأما ثيابهم ومياههم فإنها على الطهارة كمياه المسلمين وثيابهم إلا أن يكونوا من قوم لا يتحاشون النجاسات، أو كان من عاداتهم استعمال الأبوال في طهورهم، فإن استعمال ثيابهم غير جائز إلا أن يعلم أنها لم يصبها شيء من النجاسات انتهى كلام الخطابي.
وقال المنذري: وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم أهل الكتاب تأكلون في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها" الحديث وأخرجه أيضاً الترمذي وابن ماجه بنحوه.

(10/224)


47- باب في دوابّ البحر
3834 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ قال حدثنا زُهَيْرٌ أخبرنا أبُو الزّبَيْرِ عن
ـــــــ
"باب في دوابّ البحر"
جمع دابة.

(10/224)


جَابِرٍ قال: بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأمّرَ عَلَيْنَا أبَا عُبَيْدَةَ بنَ الْجَرّاحِ نَتَلَقّى عِيراً لِقُرَيْشٍ وَزَوّدَنَا جِرَاباً مِنْ تَمْرٍ لَمْ نَجِدْ لَهُ [لنا] غَيْرَهُ، فَكَانَ أبُو عُبَيْدَةَ بنُ الْجَرّاحِ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً كنّا نمُصّهَا كَمَا يَمُصّ الصّبِيّ، ثُمّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنْ مَاءٍ [الماء] فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إلَى اللّيْلِ، وكُنّا نَضْرِبُ بِعِصِيّنَا الْخَبَطَ، ثُمّ نَبُلّهُ بالمَاءِ فَنَأْكُلُهُ. قالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضّخْمِ، فأَتَيْنَاهُ فإذَا هُوَ دَابّةٌ تُدْعَى الْعنْبَرَةَ. فقال أبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ وَلا تَحِلّ لَنَا، ثُمّ قال لاَ بَلَ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَفي سَبِيلِ الله وَقَد اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ فكُلُوا، فأقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً وَنَحْنُ ثَلاَثُمِائَةٍ حَتّى سَمِنّا، فلَمّا قَدِمْنَا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فقال: "هُوَ رِزْقٌ أخْرَجَهُ الله لَكُم فَهَلْ مَعَكُم مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا مِنْهُ"؟ فأرْسَلْنَا مِنْهُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فأَكَلَ .
ـــــــ
نتلقى عيرا بكسر العين هي الإبل التي تحمل الطعام وغيره زودنا أي جعل زادنا جرابا بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح وعاء من جلد كنا نمصها بفتح الميم وضمها والفتح أفصح بعصينا بكسر المهملتين وتشديد الياء جمع عصا الخبط بفتحتين ينوي الشجر الساقط بمعنى المخبوط ثم نبله أي الخبط كهيئة الكثيب بالثاء المثلثة وهو الرمل المستطيل المحدوب الضخم أي العظيم تدعى العنبر هي سمكة كبيرة يتخذ من جلدها الترس فقال أبو عبيدة ميتة أي هذه ميتة ثم قال لا إلخ المعنى أن أبا عبيدة رضي الله عنه قال أولا باجتهاده إن هذا ميتة والميتة حرام فلا يحل أكلها ثم تغير اجتهاده فقال بل هو حلال لكم وإن كان ميتة لأنكم في سبيل الله وقد اضطررتم وقد أباح الله تعالى الميتة لمن كان مضطرا فكلوا فأكلوا وأما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من لحمه وأكله ذلك فإنما أراد به المبالغة في تطييب نفوسهم في حله وأنه لا شك في إباحته وأنه يرتضيه لنفسه أو أنه قصد التبرك به لكونه طعمة من الله تعالى خارقة للعادة كرمهم الله بها قال الإمام الخطابي في معالم السنن فيه دليل على أن دواب البحر كلها مباحة وأن ميتتها حلال ألا تراه يقول فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا فأرسلنا إليه فأكل وهذا حال رفاهية لا حال ضرورة وقد روي عن أبي بكر الصديق أنه قال كل دابة في البحر فقد ذبحها الله لكم وذكاها لكم وقد روي عن محمد بن على أنه قال كل ما في البحر ذكي وكان الأوزاعي يقول كل شيء كان عيشه في الماء فهو حلال قيل فالتمساح قال نعم وغالب مذهب الشافعي إباحة دواب البحر كلها إلا الضفدع لما جاء في النهي عن قتلها وكان أبو ثور

(10/225)


...........................
ـــــــ
يقول: جميع ما يأوي إلى الماء فهو حلال فما كان منه يذكى لم يحل إلا بذكاة وما كان منه لا يذكى مثل السمك حل حيا وميتا وكره أبو حنيفة دواب البحر كلها إلا السمك وقال سفيان الثوري أرجو أن لا يكون بالسرطان بأس وقال ابن وهب سألت الليث بن سعد عن أكل خنزير الماء وكلب الماء وإنسان الماء ودواب الماء كلها فقال أما إنسان الماء فلا يؤكل على شيء من الحالات والخنزير إذا سماه الناس خنزيرا فلا يؤكل وقد حرم الله تعالى الخنزير وأما الكلاب فليس بها بأس في البحر والبر
قال الخطابي لم يختلفوا أن المارما هي مباح أكله وهو يشبه الحيات وتسمى أيضا حية البحر فدل ذلك على بطلان اعتبار معنى الأسماء والأشباه في حيوان البحر وإنما هي كلها سموك وإن اختلفت أشكالها وصورها وقد قال الله سبحانه وتعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} فدخل فيه ما يصاد من حيوانه لأنه لا يخص منه شيء إلا بدليل وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال: "طهور ماؤه حلال ميتته" فلم يستثن شيئا منها دون شيء فقضية العموم توجب فيها الإباحة إلا ما استثناه الدليل انتهى كلام الخطابي قال المنذري وأخرجه مسلم.

(10/226)


48- باب في الفأرة تقع في السمن
3835 - حدثنا مُسَدّدٌ قال أخبرنا سُفْيَانُ قال أخبرنا الزّهْرِيّ عن عبيد الله بنِ عبد الله عن ابنِ عَبّاسٍ عن مَيْمُونَةَ: أنّ فَأْرَةَ وَقَعَتْ في سَمْنٍ فأُخْبِرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: "ألْقُوا مَا حَوْلَها وَكُلُوا" .
ـــــــ
"باب في الفأرة تقع في السمن"
"أخبرنا سفيان" هو ابن عيينة وهكذا أي ألقوا ما حولها وكلوا أورده أكثر أصحاب ابن عيينة عنه كالحميدي ومسدد وغيرهما. ووقع في مسند إسحاق ابن راهويه ومن طريقة أخرجه ابن حبان بلفظ "إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوه وإن كان ذائباً فلا تقربوه".
قال في الفتح: وهذه الزيادة في رواية ابن عيينة غريبة انتهى "ألقوا ما حولها" أي ما حول الفأرة، قيل: هذا إنما يكون إذا كان جامداً، وأما في المذاب فالكل حولها.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديث الفأرة تقع في السمن قد اختلف فيه إسنادا ومتنا والحديث من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة ولفظه: أن فأرة وقعت في سمن

(10/226)


...................................
ـــــــ
قال الحافظ: وقد تمسك ابن العربي بقوله وما حولها على أنه كان جامداً. قال لأنه لو كان مائعاً لم يكن له حول لأنه لو نقل من أي جانب مهما نقل لخلفه غيره في الحال فيصير مما حولها فيحتاج إلى إلقائه كله. قال: وقد وقع عند الدارقطني من رواية يحيى القطان عن مالك في هذا الحديث "فأمر أن يقور ما حولها فيرمي به" وهذا أظهر في كونه جامداً من قوله وما حولها، فيقوي ما تمسك به ابن العربي.
ـــــــ
فماتت فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه" رواه الناس عن الزهري بهذا المتن والإسناد ومتنه خرجه البخاري في صحيحه والترمذي والنسائي وأصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك.
وخالفهم معمر في إسناده ومتنه فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه" .
ولما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة صحح الحديث جماعة وقالوا هو على شرط الشيخين وحكي عن محمد بن يحيى الذهلي تصحيحه.
ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه ولم يروه صحيحا بل رأوه خطأ محضا.
قال الترمذي في جامعه: سمعت محمد بن إسماعيل يقول حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب في هذا خطأ وقد أشار أيضا إلى علة حديث معمر من وجوه.
فقال: باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب ثم ذكر حديث ميمونة.
وقال عقبة: قيل لسفيان فإن معمرا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن الميسب عن أبي هريرة قال ما سمعت الزهري يقوله إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقد سمعته منه مرارا.
ثم قال: حدثنا عبدان حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري سئل عن الدابة تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد الفأرة أو غيرها قال بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح ثم أكل.
فذكر البخاري فتوى الزهري في الدابة تموت في السمن وغيره الجامد والذائب: أنه يؤكل.
واحتجاجه بالحديث من غير تفصيل: دليل على أن المحفوظ من رواية الزهري إنما هو الحديث المطلق الذي لا تفصيل فيه وأنه مذهبه فهو رأيه وروايته ولو كان عنده حديث التفصيل بين الجامد والمائع لأفتى به واحتج به فحيث أفتى بحديث الإطلاق واحتج به دل على أن معمرا غلط عليه في الحديث إسنادا ومتنا.

(10/227)


...................................
ـــــــ
واستدل بحديث الباب لإحدى الروايتين عن أحمد أن المائع إذا حلت فيه النجاسة لا ينجس إلا بالتغيير، وهو اختيار البخاري وقول ابن نافع من المالكية وحكى عن مالك. وقد أخرج أحمد إسماعيل بن علية عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة أن ابن عباس "سئل عن فأرة ماتت في سمن، قال: تؤخذ الفأرة وما حولها، فقلت: إن أثرها كان في السمن كله، قال: إنما كان وهي حية وإنما ماتت حيث وجدت" ورجاله رجال الصحيح.
وأخرجه أحمد من وجه آخر وقال فيه "عن جرفيه زيت وقع فيه جرز" وفيه "أليس جال في
ـــــــ
ثم قد اضطرب حديث معمر فقال عبد الرزاق عنه فلا تقربوه وقال عبدالواحد بن زيادة عنه وإن كان ذائبا أو مائعا لم يؤكل.
وقال البيهقي: وعبدالواحد بن زياد أحفظ منه يعني من عبدالرزاق.
وفي بعض طرقه فاستصبحوا به وكل هذا غير محفوظ في حديث الزهري فإن قيل فقد رواه أبو حاتم البستي في صححيه من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوه وإن كان ذائبا فلا تقربوه" رواه عن عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا سفيان عن الزهري وكذلك هو في مسند إسحاق.
فالجواب: أن كثيرا من أهل الحديث جعلوا هذه الرواية موهومة معلولة فإن الناس إنما رووه عن سفيان عن الزهري مثل ما رواه سائر الناس عنه كما لك وغيره من غير تفصيل كما رواه البخاري وغيره.
وقد رد أبو حاتم البستي هذا وزعم أن رواية إسحاق هذه ليست موهومة برواية معمر عن الزهري فقال ذكر خبر أوهم بعض من لم يطلب العلم من مظانه أن رواية ابن عيينة هذه معلولة أو موهومة ثم ساق من طريق عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة الحديث: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه".
وهذا يدل على أن حديث إسحاق محفوظ فإن رواية معمر هذه خطأ كما قاله البخاري وغيره والخطأ لا يحتج به على ثبوت حديث معلول فكلاهما وهم.
ثم قال أبو حاتم: ذكر الخبر الدال على أن الطريقين جميعا محفوظان حدثنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكره قال: " إن كان جامدا ألق ما حولها وكله وإن كان مائعا لم تقربه ".
قال عبدالرزاق: وأخبرني عبدالرحمن بن بوذويه أن معمرا كان يذكر أيضا عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

(10/228)


3836 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ وَ الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ - وَاللّفْظُ لِلْحَسَنِ - قالا أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنبأنا [أخبرنا] مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ في السّمْنِ، فإنْ كَانَ جَامِداً فأَلْقُوهَا وَما حَوْلَها، وَإنْ كَانَ مَائِعاً فَلاَ تَقْرَبُوهُ" .
قال الْحَسَنُ: قال عَبْدُ الرّزّاقِ: وَرُبّمَا حَدّثَ بِهِ مَعْمرٌ عن الزّهْرِيّ عن عبيد الله بنِ عبد الله عن ابنِ عَبّاسٍ عن مَيْمُونَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
الجر كله، قال: إنما جال وفيه الروح ثم استقر حيث مات" وفرق الجمهور بين المائع والجامد، كذا قال الحافظ. وأطال الكلام في الفتح. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"وإن كان مائعاً فلا تقربوه" به أخذ في الجامد والمائع أن المائع ينجس كله دون الجامد، وخالف في المائع جمع منهم الزهري والأوزاعي.
ـــــــ
فهذه مثل رواية سفيان عن الزهري عن عبيد الله بالتفصيل.
فتصير وجوه الحديث أربعة.
وجهان عن معمر وهما:
أحدهما : عبدالرزاق عنه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بذكر التفصيل.
الثاني : عبدالرحمن بن بوذويه عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة بالتفصيل أيضا.
ووجهان عن سفيان.
أحدهما : رواية الأكثرين عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة بالإطلاق من غير تفصيل.
والثاني : رواية إسحاق عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة بالتفصيل.
وأما رواية معمر: فإنه خالف أصحاب الزهري في حديثه المفصل في إسناده ومتنه في حديث أبي هريرة وخالف أصحاب الزهري في المتن في حديث عبيد الله عن ابن عباس ووافقهم في الإسناد.
وهذا يدل على غلطه فيه وأنه لم يحفظه كما حفظ مالك وسفيان وغيرهما من أصحاب الزهري.

(10/229)


3837 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالْحٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ قال أنبأنا عبد الرحمن بنُ بُوذَوَيْهِ عن مَعْمرٍ عن الزّهْرِيّ عن عبيد الله بنِ عبد الله عن ابنِ عَبّاسٍ عن مَيْمُونَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ حَدْيثِ الزّهْرِيّ عن ابنِ المُسَيّبِ.
ـــــــ
قال الخطابي: اختلف الناس في الزيت إذا وقعت فيه نجاسة، فذهب نفر من أصحاب الحديث إلى أنه لا ينتفع به على وجه من الوجوه كلها لقوله "فلا تقربوه" واستدلوا فيه أيضاً بماروى في بعض الأخبار أنه قال "أريقوه" وقال أبو حنيفة: هو نجس لا يجوز أكله وشربه ويجوز بيعه والاستصباح به. قال الشافعي: لا يجوز أكله ولا بيعه ويجوز الاستصباح به.
قال المنذري: وذكر الترمذي معلقا وقال وهو حديث غير محفوظ، سمعت محمد بن
ـــــــ
وأما حديث سفيان: فالمعروف عن الناس منه ما رواه البخاري في صحيحه عن الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عباس عن ميمونة فذكره من غير تفصيل وكذلك رواه سعيد بن عبدالرحمن وأبو عمار عن سفيان.
قال البخاري في صحيحه: باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه" قيل لسفيان: فإن معمرا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال ما سمعت الزهري يقوله إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقد سمعته منه مرارا.
حدثنا عبدان حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري سئل عن الدابة تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد الفأرة أو غيرها قال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح ثم أكل كذا من حديث عبيد الله بن عبد الله.
حدثنا عبدالعزيز بن عبد الله حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن فأرة سقطت في سمن فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه". هذا آخر كلام البخاري.
وأما الحديث الذي رواه ابن وهب عن عبدالجبار بن عمر عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: "ألقوها وما حولها وكلوا ما بقي" فقيل يانبي الله أرأيت إن كان السمن مائعا؟ قال: "انتفعوا به ولا تأكلوه" فعبدالجبار بن عمر ضعيف لا يحتج به.
وروي من وجه آخر ضعيف عن ابن جريج عن ابن شهاب.

(10/230)


.............................
ـــــــ
إسماعيل يعني البخاري يقول هذا خطأ، قال: والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة يعني الحديث الذي قبله.
ـــــــ
قال البيهقي: والصحيح عن ابن عمر من قوله في فأرة وقعت في زيت قال استصبحوا به وادهنوا به أدمكم.
وقد روي هذا الحديث عن أبي هرون العبدي عن أبي سعيد ولكن الصواب أنه موقوف عليه ذكره البيهقي.

(10/231)


49- باب في الذباب يقع في الطعام
3838 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قال أخبرنا بِشْرٌ - يَعني ابنَ المُفَضّلِ - عن ابنِ عَجْلاَنَ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا وَقَعَ الذّبَابُ في إنَاءِ أحَدِكُم فامْقُلُوهُ فإنّ في أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفي الآخر شِفَاءً، وَإنّهُ يَتّقِي بِجَنَاحِهِ الّذِي فِيهِ الدّاءُ فَلْيَغْمِسُهُ كُلّهُ" .
ـــــــ
"باب في الذباب يقع في الطعام"
-"إذا وقع الذباب" قيل سمي به لأنه كلما ذب آب "فامقلوه" بضم القاف أي اغموه في الطعام أو الشراب، والمقل الغمس "وفي الآخر شفاء" بكسر الشين وفي بعض النسخ مكانه دواء "وإنه يتقي بجناحه الذي فيها الداء" أي إنه يقدم بجناحه، يقال اتقي بحق عمر إذا استقبله به وقدمه اليه ويجوز أن يكون معناه إنه يحفظ نفسه بتقديم ذلك الجناح من أذية تلحقه من حرارة ذلك الطعام، ذكره ابن الملك "فليغمسه" أي كل الذباب ليتعادل داؤه ودواؤه والحديث دليل طاهر على جواز قتله دفعاً لضرره، وأنه يطرح ولا يؤكل، وأن الذباب إذا مات في ماء فإنه لا ينجسه لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بغمسه، ومعلوم أنه يموت من ذلك ولا سيما إذا كان الطعام حاراً، فلو كان ينجسه لكان أمراً بإفساد الطعام وهو صلى الله عليه وسلم إثماً أمر بإصلاحه، ثم أدى هذا الحكم إلى كل مالا نفس له سائلة كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك.
قال المنذري: وأخرجه البخاري وابن ماجه بنحوه من حديث عبيد بن حنين عن أبي هريرة، وأخرجه النسائي وابن ماجه. من حديث أبي سعيد الخدري.

(10/231)


50- باب في اللقمة تسقط
3839 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال أخبرنا حَمّادٌ عن ثابِتٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أكَلَ طَعَاماً لَعِقَ أصَابِعَهُ الثّلاَثَ وَقال: "إذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أحَدِكُم فَلْيُمِطْ عَنْهَا الأذَى وَلَيَأْكُلْهَا وَلا يَدَعْهَا لِلشّيْطَانِ"، وَأمَرَنَا أنْ نَسْلُتَ الصّحْفَةَ وَقال: "إنّ أحَدَكُم لا يَدْرِي في أيّ طَعَامِهِ يُبَارَكُ لَهُ ".
ـــــــ
"باب وفي اللقمة تسقط"
"لعق أصابعه الثلاث" فيه استحباب لعق الأصابع محافظة على بركة الطعام وتنظيفا لها "فليمط" من الإماطة أي فليزل "عنها" أي اللقمة "الأذى" أي المستقذر من غبار وتراب وقذى ونحو ذلك "وليأكلها ولا يدعها للشيطان" فيه استحباب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها، هذا إذا لم تقع على موضع نجاسة، فإن وقعت على موضع نجس تنجست ولا بد من غسلها إن أمكن فإن تعذر أطعمها حيوانا ولا يتركها للشيطان "وأمرنا أن نسلت الصحفة" أي نمسحها ونتتبع ما بقي فيها من الطعام يقال سلت الصحفة يسلتها من باب نصر ينصر إذا تتبع ما بقي فيها من الطعام ومسحها بالأصبع ونحوها "إن أحدكم لا يدري في أي طعامه يبارك له" أي أن الطعام الذي يحضر الأنسان فيه بركة ولا يدري أن تلك البركة فيما أكل أن فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي في أسفل القصعة أو في اللقمة الساقطة فينبغي أو يحافظ على هذا كله لتحصل البركة وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والإمتناع به. قال النووي: والمراد هنا والله أعلم ما تحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى ويقوى على طاعة الله وغير ذلك. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(10/232)


51- باب في الخادم يأكل مع المولى
3840 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ قالَ أخبرنا دَاوُدُ بنُ قَيْسِ عنْ مُوسَى بنِ يَسَارٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا صَنَعَ لأحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَاماً ثُمّ جَاءَهُ بِهِ وَقَدْ وَلِيَ
ـــــــ
"باب في الخادم يأكل مع المولى"
"إذا صنع" أي طبخ "خادمه" أي عبده أو أمته أو مطلقاً "به" أي بالطعام "وقد ولى" بكسر

(10/232)


حَرّهُ وَدُخَانَهُ، فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ، فَلْيَأْكُلْ [وليأكل] فإنْ كانَ الطّعَامُ مَشْفُوهاً فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أَكْلَةً أوْ أَكْلَتَيْنِ"
ـــــــ
اللام المخففة أي والحال أنه قد تولى أو قرب "حره" أي ناره أو تعبه "ودخانه" تخصيص بعد تعميم أو الأول مخصوص ببعض الجوارح والثاني ببعض آخر "فليقعده معه" أمر من الإقعاد للاستحباب "فليأكل" أي معه ولا يستنكف كما هو دأب الجبابرة فإنه أخوه. والمعنى أنه قاسي كلفة اتخاذه وحملها عنك فينبغي أن تشاركه في الحظ منه "فإن كان الطعام مشفوها" أي قليلاً. قال الخطابي المشفوه القليل، وقيل له مشفوه لكثرة الشفاه التي تجتمع على أكله "فليضع" أي المخدوم "في يده" أي يد الخادم "منه" أي من الطعام "أكلة أو أكلتين" أو للتنويع أو بمعنى بل وسببه أن لا يصير محروماً فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله والأكلة بضم الهمزة ما يؤكل دفعة وهو اللقمة في القاموس. والنهاية الأكلة بالضم اللقمة المأكولة وبالفتح المرة من الأكل وفي الحديث الحث على مكارم الأخلاق والمواساة في الطعام لا سيما في حق من صنعه أو حمله لأنه ولي حره ودخانه وتعلقت به نفسه وشم رائحته، وهذا كله محمول على الاستحباب. قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(10/233)


52- باب في المنديل
3841 - حدثنا مُسَدّدٌ قالَ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أكَلَ أحَدُكُم فَلاَ يَمْسَحَنّ يَدَهُ بالْمِنْدِيلِ حَتّى يَلْعَقَهَا أوْ يُلْعِقَهَا" .
ـــــــ
"باب في المنديل"
بكسر الميم ما يحمل في اليد للوسخ والامتهان.
"حتى يلعقها" بفتح الياء والعين أي يلعقها هو "أو يلعقها" بضم الياء وكسر العين أي يلعقها غيره ممن لم يتقذره كالزوجة والجارية والولد والخادم لأنهم يتلذذون بذلك وفي معناهم التلميذ ومن يعتقد التبرك بلعقها ذكره النووي.
وفي الحديث جواز مسح اليد بالمنديل لكن السنة أن يكون بعد لعقها.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، وليس في حديثهم ذكر المنديل وأخرج مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر "ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه".

(10/233)


3842 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن عبد الرحمن بنِ سَعْدٍ عن ابنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عنْ أبِيهِ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَأْكُلُ بِثَلاَثِ أصَابِعَ وَلاَ يَمْسَحُ يَدَهُ حَتّى يَلْعَقَهَا .
ـــــــ
"كان يأكل بثلاث أصابع" فيه أن ألسنة الأكل بثلاث أصابع ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر، بأن يكون مرقاً وغيره مما لا يمكن بثلاث، قاله النووي: وقال الحافظ: يؤخذ من حديث كعب بن مالك أن السنة الأكل بثلاث أصابع وإن كان الأكل بأكثر منها جائزاً.
وقد أخرج سعيد بن منصور من مرسل ابن شهاب "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل أكل بخمس فيجمع بينه وبين حديث كعب باختلاف الحال انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وفي بعض طرق مسلم أن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أو عبد الله بن كعب بن مالك أخبره عن أبيه.

(10/234)


53- باب ما يقول الرجل إذا طعم
3843 - حدثنا مُسَدّدٌ قالَ أخبرنا يَحْيَى عنْ ثَوْرٍ عنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عنْ أبِي أُمَامَةَ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا رُفِعَتِ المَائِدَةُ قالَ: "الْحَمْدُ لله كَثِيراً طَيّباً مُبَارَكاً فِيهِ
ـــــــ
"باب ما يقول الرجل إذا طعم"
أي إذا فرغ من الطعام. قال ابن بطال: اتفقوا على استحباب الحمد بعد الطعام ووردت في ذلك أنواع يعني لا يتعين شيء منها.
"إذا رفعت المائدة" أي من بين يديه، وقد ثبت في الحديث الصحيح برواية أنس رضي الله عنه إنه صلى الله عليه وسلم لم يأكل على خوان قط، والمائدة هي خوان عليه طعام، فأجاب بعضهم بأن أنساً ما رأى ذلك ورآه غيره والمثبت يقدم على النافي. قال في الفتح: وقد تطلق المائدة ويراد بها نفس الطعام. وقد نقل عن البخاري أنه قال إذا أكل الطعام على شيء ثم رفع قيل رفعت المائدة انتهى.
قلت: والتحقيق في ذلك أن المائدة هي ما يبسط للطعام سواء كان من ثوب أو جلد أو حصير أو خشب أو غير ذلك، فالمائدة عام لها أنواع منها السفرة ومنها الخوان وغيره فالخوان بضم الخاء يكون من خشب وتكون تحته قوائم من كل جانب والأكل عليه من دأب المترفين لئلا يفتقر إلى التطاطؤ والانحناء، فالذي نفي بحديث أنس هو الخوان، الذي أُثبت هو نحو السفرة وغيره والله أعلم.

(10/234)


غَيْرَ مَكْفِيَ وَلاَ مُوَدّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبّنَا" .
3844 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ قالَ أخبرنا وَكِيعٌ عنْ سُفْيَانَ عنْ أبي هَاشِمٍ الْوَاسِطِيّ عنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ رَبَاحٍ عنْ أبِيهِ أوْ غَيْرِهِ عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قالَ: "الْحمدُ لله الّذِي أطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ [من المسلمين]" .
ـــــــ
"طيباً" أي خالصاً من الرياء والسمعة "مباركاً" بفتح الراء هو وما قبله صفات لحمداً مقدراً "فيه" الضمير راجع إلى الحمد أي حمداً ذا بركة دائماً لا ينقطع لأن نعمة لا تنقطع عنا فينبغي أن يكون حمدنا غير منقطع أيضاً ولو نية واعتقاداً "غير مكفى" بنصب غير ورفعه ومكفى بفتح الميم وسكون الكاف وتشديد التحتية من كفأت أي غير مردود ولا مقلوب، والضمير راجع إلى الطعام الدال عليه السياق أو هو من الكفاية فيكون من المعتل يعني أنه تعالى هو المطعم لعباده والكافي لهم فالضمير راجع إلى الله تعالى.
قال العيني: هو من الكفاية وهو اسم مفعول أصله مكفوى على وزن مفعول فلما اجتمعت الواو والياء قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء ثم أبدلت ضمة الفاء كسرة لأجل الياء، والمعنى هذا الذي أكلناه ليس فيه كفاية عما بعده بحيث ينقطع بل نعمك مستمرة لنا طول أعمارنا غير منقطعة وقيل الضمير راجع إلى الحمد أي أن الحمد غير مكفى الخ كذا قال القسطلاني في شرح البخاري "ولا مودع" بفتح الدال الثقيلة أي غير متروك ويحتمل كسرها على أنه حال من القائل أي غير تارك "ولا مستغنى عنه" بفتح النون وبالتنوين أي غير مطروح ولا معرض عنه بل محتاج إليه "ربنا" بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ربنا أو على أنه مبتدأ وخبر مقدم عليه ويجوز النصب على المدح أو الاختصاص أو إضماراً عني. قال ابن التين: ويجوز الجر على أنه بدل من الضمير في عنه وقال غيره على البدل من الاسم في قوله الحمدلله. وقال ابن الجوزى: ربنا بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن أبيه غيره" شك من الراوي "وجعلنا مسلمين" أي موحدين منقادين لجميع أمور الدين. وفائدة الحمد بعد الطعام أداء شكر المنعم وطلب زيادة النعمة لقوله تعالى {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} وفيه استحباب تجديد حمد الله عند تجدد النعمة من حصول ما كان الإنسان يتوقع حصوله واندفاع ما كان يخاف وقوعه. ثم لما كان الباعث هنا هو الطعام ذكره أولا لزيادة الاهتمام به، وكان السقي من تتمته لكونه مقارناً له في التحقيق غالباً ثم استطرد من ذكر

(10/235)


3845 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ قَالَ حدثنا ابنُ وَهْبٍ قالَ أخبرني سَعيدُ بنُ أبِي أيّوبَ عن أبي عَقِيلٍ الْقُرَشِيّ عنْ أبي عبد الرحمن الْحُبُلِيّ عن أبي أيّوبَ الأنْصَارِيّ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا أكَلَ أوْ شَرِبَ قالَ: "الْحمدُ لله الّذِي أطْعَمَ وَسَقَى وَسَوّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجاً" .
ـــــــ
النعمة الظاهرة إلى النعم الباطنة فذكر ما هو أشرفها، وختم به لأن المدار على حسن الخاتمة مع مافيه من الإشارة إلى كما الانقياد في الأكل والشرب وغيرهما قدراً ووصفاً ووقتاً، احتياجاً واستغناء بحسب ما قدره وقضاه، كذا قال القاري في المرقاة.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وذكره البخاري في تاريخه الكبير وساق اختلاف الرواة فيه.
-"عن أبي عبد الرحمن الحبل" بضم المهملة والموحدة اسمه عبد الله بن يزيد وثقة ابن معين "إذا أكل وشرب" قال القاري في شرح المشكاة: الظاهر أن أو بمعنى الواو كما نسخه أي إذا جمع بينهما "قال الحمدالله الذي أطعم وسقى" لعل حذف المفعول لإفادة العموم "وسوغه" بتشديد الواو أي سهل دخول كل من الطعام والشراب في الحلق "وجعل له" أي لكل منهما "مخرجاً" أي من السبيلين فتخرج منهما الفضلة، فإنه تعالى جعل للطعام مقاماً في المعدة زمانا كي تنقسم مضاره ومنافعه فيبقى ما يتعلق باللحم والدم والشحم ويندفع باقيه وذلك من عجائب مصنوعاته، ومن كمال فضله ولطفه بمخلوقاته، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقال الطيبي رحمه الله: ذكر ها هنا نعماً أربعاً، الإطعام والسقي والتسويغ وهو تسهيل الدخول في الحلق فإنه خلق الأنسان للمضغ والريق للبلع وجعل المعدة مقسما للطعام لها مخارج، فالصالح منه ينبعث إلى الكبد وغيره يندفع من طريق الأمعاء، كل ذلك فضل من الله الكريم ونعمة يجب القيام بمواجبها من الشكر بالجنان، والبث باللسان، والعمل بالأركان. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(10/236)


54 - باب في غسل اليد من الطعام
3846 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ قالَ أخبرنا زُهَيْرٌ قالَ أخبرنا سُهَيْلُ بنُ أبي صَالِحٍ عنْ أبِيهِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَامَ وَفي يَدِهِ غَمَرٌ وَلَمْ يَغْسِلْهُ
ـــــــ
"باب في غسل اليد من الطعام"
"وفي يده غمر" بفتحتين أي دسم ووسخ وزهومة من اللحم "ولم يغسله" أي ذلك الغمر

(10/236)


فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلاَ يَلُومَنّ إلاّ نَفْسَهُ" .
ـــــــ
"فأصابه شيء" أي وصله شيء من إيذاء الهوام، وقيل أو من الجان لأن الهوام وذوات السموم ربما تقصده في المنام لرائحة الطعام في يده فتؤذيه، وقيل من البرص ونحوه، لأن اليد حينئذ إذا وصلت إلى شيء من بدنه بعد عرقه فربما أورث ذلك "فلا يلومن إلا نفسه" لأنه مقعر في حقه.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه الترمذي معلقاً، وأخرجه أيضاً من حديث سعيد المقبرى عن أبي هريرة وقال غريب، وأخرجه أيضاً من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وقال حسن غريب.

(10/237)


55- باب في الدعاء لرب الطعام إذا أكل عنده
3847 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قال أخبرنا أبُو أَحْمَدَ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن يَزِيدَ أبي خَالِدٍ الدّالانِيّ عن رَجُلٍ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: صَنَعَ أبُو الْهَيْثَمِ بنُ التّيّهَانِ لِلنبيّ صلى الله عليه وسلم طَعَاماً، فَدَعَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابَهُ، فَلمّا فَرَغُوا قال: "أثِيبُوا أخَاكُمُ". قالُوا: يَارَسُولَ الله وَمَا إثابَتُهُ؟ قال: "إنّ الرّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيْتُهُ فأَكِلَ طَعَامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ فَدَعَوْا لَهُ فَذَلِكَ إثَابَتُهُ" .
3848 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خالِدٍ قال أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ عن ثَابِتٍ
ـــــــ
"باب في الدعاء لرب الطعام إذا أكل عنده"
"فلما فرغوا" أي من أكل الطعام "قال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "أثيبوا أخاكم" من أثاب يثيب إثابة، والاسم الثواب، ويكون في الخير والشر، والأول أكثر أي جازوه على صنيعة وكافئوه "إن الرجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه" بالبناء للمفعول في الإفعال الثلاثة "فدعواله" أي دعا له الآكلون "فذلك" أي الدعاء له "إثابتة" أي ثوابه وجزاؤه. والحديث يدل على أنه يستحب للمدعو للداعي بعد الفراغ من الطعام.
قال المنذري: وفيه رجل مجهول، وفيه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد المعروف بالدلاني وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه بعضهم.

(10/237)


عن أنَسٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جَاءَ إلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فأَكَلَ، ثُمّ قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: " أفْطَرَ عِنْدَكُم الصّائِمُونَ، وَأكَلَ طَعَامَكُم اْلأبْرَارُ، وَصَلّتْ عَلَيْكُم المَلاَئِكَةُ".
آخر كتاب الأطعمة
ـــــــ
"فجاء" أي سعد بن عبادة "فأكل" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "وأكل طعامكم الأبرار" أي الأتقياء الصالحون "وصلت عليكم" أي دعت لكم والحديث سكت عنه المنذري. وهذا آخر كتاب الأطعمة.

(10/238)