Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

كتاب العتق
باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب العتق
1-باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت
3919 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله قال أخبرنا أبُو بَدْرٍ قال حدّثني أبُو عُتْبَةَ إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ قال حدّثني سُلَيْمانُ بنُ سُلَيْمٍ عن عَمَرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ ".
ـــــــ
"أول كتاب العتق"
بكسر المهملة إزالة الملك يقال عتق يعتق عتقاً بكسر أوله وتفتح وعتاقاً وعتاقة. قال الأزهري: مستق من قولهم عتق الفرس إذا سبق وعتق الفرخ إذا طار لأن الرقيق يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء. ذكره الزرقاني.
"باب في المكاتب"
بالفتح من تقع عليه الكتابة وبالكسر من تقع منه وكاف الكتابة تفتح وتكسر. قال الراغب: اشتقاقها من كتب بمعنى أوجب ومنه قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} أو بمعنى جمع وضم ومنه كتب على الخط. فعلى الأول تكون مأخوذة من معنى الالتزام، وعلى الثاني مأخوذة من الخط لوجوده عند عقدها غالباً. قال ابن التين: كانت الكتابة متعارفة قبل الإسلام فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم "يؤدي" من الأداء "بعض كتابته فيعجز" أي عن أداء بعضها "أو يموت" قبل أداء البعض.
"عبد" أي تجري عليه الرق "ما بقي" ما دائمة "من كتابته درهم" وأخرجه ابن حبان من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاصي في أثناء حديث وأخرج مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء. مالك أنه بلغه أن عروة بن الزبير وسليمان بن يسار كانا يقولان المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء. وقد روى ابن

(10/303)


3920 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى حدّثني عَبْدُ الصّمَدِ أخبرنا هَمّامٌ أخبرنا عَبّاسٌ
ـــــــ
أبي شيبة وابن سعد عن سليمان بن يسار قال استأذنت على عائشة فعرفت صوتي فقالت سليمان فقلت سليمان فقالت أديت ما بقي عليك من كتابتك قلت نعم إلا شيئاً يسيراً قالت أدخل فإنك عبد ما بقي عليك شيء.
وروى الشافعي وسعيد بن منصور عن زيد بن ثابت المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. قال مالك بن أنس وهو رأيي. قلت: وبه قال أكثر الأئمة وكان فيه خلاف عن السلف، فعن عليّ إذا أدى الشطر فهو غريم، وعنه يعتق منه بقدر ما أدى.
ـــــــ
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله:
قال الشافعي: روينا عن زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة أنه عبد ما بقي عليه شيء.
قال البيهقي: وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
وذكر الشافعي عن الشعبي: أن عليا قال في المكاتب: يعتق منه بحساب ما أدى.
وعن الحرث الأعور عنه: يعتق منه بقدر ما أدى ويرث بقدر ما أدى.
قال البيهقي: وقد روى حماد بن سلمة عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه وأقيم عليه الحد بحساب ما عتق منه.
وبهذا الإسناد قال يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي دية عبد.
وفي المسند لأحمد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يؤدي المكاتب بقدر ما أدى".
وقد روي هذا موقوفا عليه.
ورواه الترمذي أتم من هذا عن ابن عباس :قال إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه ويؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي دية عبد.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قال البيهقي: ورواه وهيب عن أيوب عن عكرمة مرفوعا يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي دية عبد.
قال: ورواية عكرمة عن علي مرسلة.
ورواه حماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
وروى عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا في الدية واختلف فيه على

(10/304)


الْجَرِيرِيّ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أيّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ
ـــــــ
وعن ابن مسعود: لو كاتبه على مائتين وقيمته مائة فأدى المائة عتق.
وعن عطاء: إذا أدى المكاتب ثلاثة أرباع كتابته عتق. وروى النسائي عن ابن عباس مرفوعاً "المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى" ورجال إسناده ثقات لكن اختلف في إرساله ووصله. وحجة الجمهور حديث عائشة الآتي وهو أقوى ووجه الدلالة منه أن بريرة بِيعَتْ بعد أن كُوتِبَتْ ولولا أن المكاتب يصير بنفس الكتابة حرّاً لمنع بيعها. وقد ناظر زيد بن ثابت عليّاً رضي الله عنه
ـــــــ
هشام الدستوائي عن يحيى فرفعه عنه جماعة ووقفه بعضهم على ابن عباس ورواه علي بن المبارك عن يحيى مرفوعا ثم قال يحيى: قال عكرمة عن ابن عباس: "يقام عليه حد المملوك".
وهذا يخالف رواية حماد بن سلمة في النص.
والرواية المرفوعة هي القياس.
ولهذا الاضطراب والله أعلم ترك الإمام أحمد القول به.
فإنه سئل عن هذا الحديث فقال: أنا أذهب إلى حديث بريرة أن النبي أمر بشرائها يعني أنها بقيت على الرق حتى أمر بشرائها.
واختلف الناس في هذه المسألة على مذاهب.
أحدها : أنه لا يعتق منه شيء ما دام عليه شيء من كتابته وهذا قول الأكثرين.
ويروى عن عمر وزيد وابن عمر وعائشة وأم سلمة وجماعة من التابعين.
وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وإسحاق.
وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي قلابة قال: كن أزواج النبي لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار.
وذكر سعيد في سننه أيضا عن عطاء أن ابن عمر كاتب غلاما على ألف دينار فأدى إليه تسعمائة دينار وعجز عن مائة فرده ابن عمر رضي الله عنهما في الرق.
قالوا: وهذا هو مقتضى أصول الشريعة فإن عتقه مشروط بأداء جميع العوض فلا يقع شيء منه قبل أدائه كما لو علق طلاقها على عوض فأدت بعضه ولأنه لو عتق منه شيء لكان هو السبب في إعتاقه فكان يسري إلى باقية إذا كان موسرا كما لو باشره بالعتق.
وهذا باطل قطعا فإنه لا يبقى للكتابة معنى فأنه يؤدي درهما مثلا ويتنجز عتقه وهذا لم يقل به أحد وذلك أن العتق لا يتبعض في ملك الإنسان فلو عتق منه شيء بالأداء يسري إلى باقية ولا سراية فلا عتق.

(10/305)


عَلَى مِائَةِ أُوْقِيّةِ فأَدّاهَا إلاّ عَشْرَةَ أوَاقٍ فَهُوَ عَبْدٌ، وَأَيّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فأَدّاهَا إلاّ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ" .
ـــــــ
فقال أترجمه لوزني أو تجيز شهادته إن شهد؟ فقال عليّ لا، فقال زيد فهو عبد ما بقي عليه شيء. ذكره الزرقاني.
وقال الخطابي: هذا حجة لمن رأى أن بيع المكاتب جائز لأنه إذا كان عبداً فهو مملوك، وإذا كان باقياً على أصل ملكه ولم يحدث لغيره فيه ملك كان غير ممنوع من بيعه. وفيه دليل على أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي نجومه بكمالها لم يكن محكوماً بعتقه وإن ترك وفاءَ لأنه إذا مات وهو عبد لم يصر حُرّاً بعد الموت ويأخذ المال سيده ويكون أولاده رقيقاً له.
وقد روى هذا عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل انتهى.
وقال الأردبيلي في الأزهار: قال الأكثرون إذا مات المكاتب قبل أداء النجوم أو بعضها مات رقيقاً قل الباقي أو كثر، ترك وفاءَ أو لم يترك، خلّفَ ولداً أو لم يخلف لهذا الحديث.
وقال أبو حنيفة: إن ترك وفاء عتق أو لم يترك فلا. وقال مالك: إن خلف ولداً عتق وإلا فلا. وفيه دليل على أن المكاتب لا يعتق إلا بأداء جميع النجوم وبه قال الأكثرون من الصحابة والتابعين وغيرهم انتهى.
قال المنذري: وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب، وفيه أيضاً إسماعيل ابن عياش وفيه مقال انتهى.
"على مائة أوقية" بضم الهمزة وبتشديد الياء أربعون درهماً وجمعها أواقي بفتح الهمزة
ـــــــ
المذهب الثاني: أنه يعتق منه بقدر ما أدى وكلما أدى شيئا عتق منه بقدره.
وهذا مذهب رابع الخلفاء الراشدين وأحد الأئمة المهديين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحجة هذا القول حديث ابن عباس المتقدم وهو حديث حسن قد روي من وجوه متعددة ورواية أئمة ثقات لا مطعن فيهم ولا تعاق عليهم في الحديث سوى الوقف أو الإرسال وقد روي موقوفا ومرفوعا ومرسلا ومسندا والذين رفعوه ثقات والذين وقفوه ثقات.
وقد أعله قوم بتفرد حماد بن سلمة به وليس كذلك فقد رواه وهيب وحماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم عن أيوب وله طرق قد ذكرنا بعضها.
المذهب الثالث: أنه إذا أدى شطر الكتابة فلا رق عليه ويلزم بأداء الباقي.

(10/306)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ عَبّاسٌ الْجَرِيرِيّ، قالُوا: هُوَ وَهْمٌ، وَلَكِنّهُ هُوَ شَيْخٌ آخَرُ.
ـــــــ
وتشديد الياء ويجوز تخفيفها، وروى بمد الألف بلا ياء أي أواق وهو لحن، كذا في الأزهار "أواق" قال في النهاية: هي الأواقي جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء والجمع يشدد ويخفف، وكانت الأوقية قديماً عبارة عن أربعين درهماً انتهى.
وقال في مادة وقا: الأُوقية بضم الهمزة وتشديد الياء اسم لأربعين درهماً وزنه أُفْعُولة والألف زائدة، وفي بعض الروايات وَقِيّة بغير ألف وهي لغة عامية والجمع الأواقي مشدداً وقد يخفف انتهى "فهو عبد" وفي بعض روايات السنن فهو رقيق. وفيه أيضاً دليل على جواز بيع المكاتب لأنه رق مملوك وكل مملوك يجوز بيعه وهبته والوصية به كما قال به الأكثرون خلافاً لعلى رضي الله عنه وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما وآخرين. قاله الأردبيلي.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: غريب، هذا آخر كلامه. وقال الشافعي رضي الله عنه: ولم أجد أحداً روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمرو وعلى هذا فتيا المفتين "قال أبو داوود ليس هو عباس الجريري قالوا هو وهم ولكنه هو شيخ آخر" وجدت هذه العبارة في نسخة واحدة، وجميع النسخ عنها خال ولم يذكر هذا القول عن
ـــــــ
وهذا يروى عن عمر بن الخطاب وعن علي أيضا وهو قول إبراهيم النخعي.
المذهب الرابع: أنه إذا أدى قيمته فهو حر.
قال الشافعي عن حماد بن خالد الخياط عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله "إذا أدى المكاتب قيمته فهو حر".
المذهب الخامس: أنه إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة وعجز عن ربعها عتق وهذا قول أبي بكر عبدالعزيز والقاضي وأبي الخطاب بناء منهم على وجوب رد ربع كتابته إليه فلا يرد إلى الرق بعجزه عن أداء شيء يجب رده إليه وهو حقه لا حق للسيد فيه.
المذهب السادس: أنه إذا ملك ما يؤدي عتق بنفس ملكه قبل أدائه وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وعلى هذا إذا ملك ما يؤدي به ثم مات قبل الأداء مات حرا يدفع إلى سيده مقدار كتابته والباقي لورثته.
واحتج لهذا المذهب. بما رواه نبهان مكاتب لأم سلمة قال سمعت أم سلمة تقول قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان لأحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب عنه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن صحيح.

(10/307)


...................................
ـــــــ
أبي داود الحافظ ابن حجر في الفتح والتلخيص، ولا العلامة الزيلعي في تخريجه ولا غيرهما من العلماء.
ـــــــ
قال الشافعي في القديم: ولم أحفظ عن سفيان أن الزهري سمعه من نبهان ولم أر من رضيت من أهل الحديث يثبت واحدا من هذين الحديثين والله أعلم.
قال البيهقي: أراد هذا وحديث عمرو بن شعيب المكاتب عبد ما بقي عليه درهم قال وحديث عمرو بن شعيب قد رويناه موصولا وحديث نبهان قد ذكر فيه معمر سماع الزهري من نبهان إلا أن صاحبي الصحيح لم يخرجاه إما لأنهما لم يجدا ثقة يروي عنه غير الزهري فهو عندهما لا يرتفع عنه اسم الجهالة برواية واحد عنه أو لأنهما لم يثبت عندهما من عدالته ومعرفته ما يوجب قبول خبره هذا آخر كلامه.
وقد ذكر عبدالرحمن بن أبي حاتم في موضعين من كتابه أن محمد بن عبدالرحمن مولى طلحة روى عن نبهان ومحمد بن عبدالرحمن هذا ثقة احتج به مسلم في الصحيح.
قال الشافعي: وقد يجوز أن يكون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة إن كان أمرها بالحجاب من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدي على ما عظم الله به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين وخصهن منه وفرق بينهن وبين النساء: {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} ثم تلا الآيات في اختصاصهن بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها ثم ساق الكلام إلى أن قال ومع هذا فإن احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم يعني سودة أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها وذلك يشبه أن يكون للاحتياط وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح والله أعلم.
فأما حديث أم سلمة: فليس صريحا في أنه يعتق بملك الأداء إنما فيه أمر نسائه أو أمر النساء عامة باحتجابهن من مكاتيبهن إذا كان عندهم ما يؤدون وهذا لأنهم بملك الأداء قد شارفوا العتق وقوي سبب الأجنبية بينهم وبين ساداتهم واحتجاب النساء عن عبيدهن أحوط والعبد ليس بمحرم لسيدته في أحد القولين وفي الآخر هو محرم لسيدته لحاجة كل منهما إلى ذلك وكثرة دخوله وخروجه عليها وملكها منافعه واستخدامه وبالكتابة لم يتحقق زوال هذا المعنى فإذا ملك ما يؤدي وقد ملك منافعه بالكتابة ولم يبق في عوده إلى الرق مطمع غالبا قوي جانب الحرية فيه وتأكد بسبب الاحتجاب مع أن حديث أم سلمة في سياقه ما يدل على أنها قد احتجبت منه بعد إذنها في دفع ما عليه لأخيها.
قال الشافعي رحمه الله: حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يذكر عن نبهان مولى أم سلمة زوج

(10/308)


3921 - حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن نَبْهَانَ مُكَاتَبٍ لأُمّ [أم] سَلَمَةَ قال سَمِعْتُ أُمّ سَلَمَةَ تَقُولُ: قالَ لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان
ـــــــ
وأخرج الدارقطني في سننه حديث عمرو بن شعيب من طريق عبدالصمد ابن عبدالوارث أخبرنا همام أخبرنا عباس الجريري فذكره ثم قال: وقال المقري وعمرو بن عاصم عن همام عن عباس الجريري انتهى. وإني لم أر هذه العبارة محفوظة والله أعلم.
"عن نبهان" بتقديم النون على الموحدة "إذا كان لإحداكن" وعند الترمذي إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء "فلتحتجب" أي إحداكن وهي سيدته "منه" أي من المكاتب فإن ملكه قريب الزوال وما قارب الشيء يعطي حكمه والمعنى أنه لا يدخل عليها.
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان معها وأنها سألته كم بقي عليك من كتابتك فذكر شيئا قد سماه وأنه عنده فأمرته أن يعطيه أخاها أو ابن أخيها وألقت الحجاب واستترت منه وقالت عليك السلام وذكرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا كان لأحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه" .
فهذا السياق يدل على ما ذكرنا إلا أن المرفوع منه دليل على الاحتجاب بنفس ملك الأداء وهذا وجهه والله أعلم ماتقدم.
وإنما البيان في حديث عمرو بن شعيب وحديث ابن عباس وفي تقديم أحدهما على الآخر.
وفي معارضة الإمام أحمد لحديث ابن عباس بحديث بريرة نظر فأنه لا تعارض بينهما فإن بريرة لم تكن قضت من كتابتها شيئا هكذا في الصحيحين عن عائشة ولو أدى المكاتب من كتابته شيئا جاز بيعه وبقي عند المشتري كما كان عند البائع فإذا أدى إليه ما بقي عليه من الكتابة عتق فلم يتضمن بيعه إبطال ما فيه من الحرية أو سببها ولكن حديث ابن عباس يرويه عنه عكرمة.
[قال الشيخ ابن القيم]: وقد اضطرب فيه اضطرابا كثيرا.
فمرة يرويه عنه قوله.
ومرة يرويه عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يذكر ابن عباس.
ومرة يقول: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يقام عليه الحد بحساب ما عتق منه.
ومرة يرويه عن علي موقوفا.
وهذا الاضطراب يوجب التوقف في الحديث.
وحديث عمرو بن شعيب سالم من مثل هذا الاضطراب ومعه فتاوى من ذكرنا من الصحابة وعليه العمل.
فهذا ما أدى إليه الجهد في هذه المسألة وفوق كل ذي علم عليم.

(10/309)


لإحْدَاكُنّ مُكَاتَبٌ فَكَانَ عِنْدَه مَا يُؤَدّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ" .
ـــــــ
قال في السبل: وهو دليل على مسألتين الأولى أن المكاتب إذا صار معه جميع مال المكاتبة فقد صار له ما للأحرار فتحتجب منه سيدته إذا كان مملوكاً لامرأة وإن لم يكن قد سلم ذلك وهو معارض بحديث عمرو بن شفيب.
وقد جمع بينهما الشافعي فقال هذا خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو احتجابهن عن المكاتب، وإن لم يكن قد سلم مال الكتابة إذا كان واجداً له منع من ذلك كما منع سودة من نظر ابن زمعة إليها، مع أنه قد قال الولد للفراش.
قلت: ولك أن تجمع بين الحديثين أن المراد أنه قن إذا لم يجد ما بقي عليه ولو كان درهماً، وحديت أم سلمة في مكاتب واجد الجميع مال الكتابة ولكنه لم يكن قد سلمه.
وأما حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "إذا كاتبت إحداكن عبدها فليرها ما بقي عليه شيء من كتابته فإذا قضاها فلا تكلمه إلا من وراء حجاب" . فأخرجه البيهقي، وقال كذا رواه عبد الله بن زياد بن سمعان وهو ضعيف، ورواية الثقات عن الزهري بخلافه انتهى، فهذه الرواية لا تقاوم حديث الكتاب.
المسألة الثانية دل يمفهومه أنه يجوز لمملوك المرأة النظر اليها ما لم يكاتبها ويجد مال الكتابة وهو الذي دل له منطوق قوله تعالى {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} ويدل له أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة وضي الله عنها لما تقنعت بثوب وكانت إذا قنعت رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك" أخرجه أبو داوود وإلى هذا ذهب أكثر العلماء من السلف وهو قول الشافعي.
وذهب أبو حنيفة إلى أن المملوك كالأجنبي قالوا يدل له صحة تزويجها إياه بعد العتق وأجابوا عن الحديث بأنه مفهوم لا يعمل به ولا يخفى ضعف هذا والحق بالاتباع أولى انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح انتهى.
قالن البيهقي في السنن الكبرى: قال الشافعي في القديم: لم أحفظ عن سفيان أن الزهري سمعه من نبهان، ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبت هذا الحديث.
قال البيهقي: ورواه معمر عن الزهري حدثني نبهان فذكر سماع الزهري من نبهان إلا أن البخاري ومسلماً لم يخرجا حديثه في الصحيح، وكأنه لم يثبت عدالته عندهما أو لم يخرج

(10/310)


.................................
ـــــــ
عن حد الجهالة برواية عدل عنه، وقد رواه غير الزهري عنه إن كان محفوظاً وهو فيما رواه قبيصة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن مكاتب مولى أم سلمة يقال له نبهان فذكر هذا الحديث. هكذا قاله ابن خزيمة عن قبيصة. وذكر محمد بن يحيى الذهلي أن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة روى عن الزهري قال كان لأم سلمة مكاتب يقال له نبهان.

(10/311)


2- باب في بيع المكاتب إذا فسخت المكاتبة
3922 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَ عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قالا أخبرنا اللّيْثُ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ أنّ عَائِشَةَ أخْبَرَتْهُ: أنّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا في كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئاً، فقالَتْ لَها عَائِشَةُ: ارْجِعِي إلَى أهْلِكِ، فإنْ أحَبّوا أنْ أقَضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكونُ وَلاَؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا، فأَبَوْا وَقالُوا: إنْ شَاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ لَنَا وَلاَؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالَ لَها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ابْتَاعِي فأَعْتِقِي فإنّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أعْتَقَ" . ثُمّ قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"باب في بيع المكاتب"
بفتح التاء "إذا فسخت" بصيغة المجهول "المكاتبة" وبوب البخاري باب بيع المكاتب إذا رضي.
"في كتابتها" أي في مال كتابتها "إلى أهلك" أي ساداتك "ويكون" بالنصب عطف على المنصوب السابق "ولاؤك" أي ولا العتق لي وهو إذا مات المعتق بفتح التاء ورثه معتقه بكسر التاء أو ورثه معتقه والولاء كالنسب فلا يزول بالإزالة كذا في النهاية.
قال مالك: إذا كاتب المكاتب فعتق فإنما يرثه أولى الناس ممن كاتبه من الرجال يوم توفي المكاتب من ولد أو عصبة انتهى "فعلت" وهذا جواب الشرط. وظاهره أن عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا أدت جميع مال الكتابة وليس ذلك مراداً، وكيف تطلب ولاء من أعتقه غيرها وقد أزال هذا الإشكال ما وقع في الحديث الآتي من طريق هشام حيث قال أن أعدّها عدة واحدة وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلتُ، فتبين أن غرضها أن تشتريها شراء صحيحاً ثم تعتقها إذ العتق فرع ثبوت الملك "فذكرت ذلك" الذي قالته عائشة "فأبوا" أي امتنعوا أي يكون الولاء لعائشة "إن شاءت" عائشة "أن تحتسب" الأجر "عليك" عند الله "ويكون" بالنصب عطف على أن تحتسب "لنا ولاؤك" لا لها "فذكرت" عائشة "ابتاعي" أي ابتاعيها "فأعتقي" أي فأعتقيها بهمزة قطع، قاله القسطلاني.
قال السندي: أي اشترى مع ذلك الشرط قالوا إنما كان خصوصيته ليظهر لهم إبطال

(10/311)


فقالَ: "مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ في كِتَابِ الله، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ في كِتَابِ الله فَلَيْسَ لَهُ وَإنْ شَرَطَهُ مِائَةَ مَرّةٍ شَرْطُ الله أحَقّ وَأوْثَقُ" .
3923 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ تَسْتَعِينُ [لتستعين] في مُكَاتَبَتِهَا، فقالَتْ: إنّي كَاتَبْتُ أهْلِي عَلَى تِسْعِ أوَاقٍ في كُلّ عَامٍ أُوْقِيّةٌ فأَعِينينِي، فقالَتْ: إنْ أحَبّ أهْلُكِ أنْ أعُدّهَا عَدّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقُكِ وَيكُونَ وَلاَؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ إلَى أهْلِهَا وَسَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ
ـــــــ
الشروط الفاسدة وأنها لا تنفع أصلا انتهى "ما بال" أي ما حال "ليست في كتاب الله" أي في حكم الله الذي كتبه على عباده وشرعه لهم. قال أبو خزيمة: أي ليس في حكم الله جوازها أو وجوبها لا أن كل من شرط شرطاً لم ينطق به الكتاب باطل لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط ويشترط في الثمن شروط من أوصافه أو نجومه ونحو ذلك فلا يبطل، فالشروط المشروعة صحيحة وغيرها باطل "أحق وأوثق" ليس أفعل التفضيل فيهما على بابه، فالمراد أن شرط الله هو الحق والقوى وما سواه باطل.
قال القسطلاني: وظاهر هذا الحديث جواز بيع رقبة المكاتب إذا رضي بذلك ولو لم يعجز نفسه واختاره البخاري، وهو مذهب الإمام أحمد، ومنعه أبو حنيفة والشافعي في الأصح وبعض المالكية، وأجابوا عن قصة بريرة بأنها عجزت نفسها لأنها استعانت بعائشة في ذلك. وعورض بأنه ليس في استعانتها ما يستلزم العجز ولا سيما مع القول بجواز كتابة من لا مال عنده ولا حرفة له.
قال ابن عبدالبر: ليس في شيء من طرق حديث بريرة أنها عجزت عن أداء النجوم ولا أخبرت بأنها قد حل عليها شيء، ولم يرد في شيء من طرقه استفصال النبي صلى الله عليه وسلم لها عن شيء من ذلك انتهى.
لكن قال البيهقي في المعرفة قال الشافعي إذا رضي أهلها بالبيع ورضيت المكاتبة بالبيع فإن ذلك ترك للكتابة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"أوقية" بضم الهمزة المضمومة وهي أربعون درهماً "فأعينيني" بصيغة الأمر للمؤنث من الإعانة هكذا في النسخ، وكذا في رواية للبخاري رحمه الله "أن اعدّها" أي الأواقي "وأعتقك" بالنصب عطف على أعدها "وساق" أي هشام "الحديث نحو الزهري" ولفظ البخاري من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه "فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها فقالت إني قد عرضت

(10/312)


الزّهْرِيّ. زَادَ في كَلاَمِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في آخِرِهِ: "مَا بَالُ رِجَالٍ يَقُولُ أحَدُهُمْ: أعْتِقْ يَافُلاَنُ وَالْوَلاَءُ لِي إنّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أعْتَقَ" .
3924 - حدثنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ يَحْيَى أبُو الإصْبغِ الْحَرّانيّ قال حدّثني مُحمّدٌ - يَعني ابنَ سَلَمَةَ - عن ابنِ إسْحَاقَ عن مُحمّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزّبَيْرِ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: وَقَعَتْ جُوَيْرِيةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بنِ المُصْطَلِقِ في سَهْمِ ثَابِتِ بنِ قَيْسِ بنِ شَمّاسٍ، أو ابنِ عَمَ لَهُ، فَكَاتَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً
ـــــــ
ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألني فأخبرته فقال خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق. قالت عائشة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق يافلان ولي الولاء إنما الولاء لمن أعتق" انتهى.
"إنما الولاء لمن أعتق" ويستفاد من التعبير بإنما إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه فلا ولاء لمن أسلم على يديه رجل. وفيه جواز سعي المكاتب وسؤاله واكتسابه وتمكين السيد له من ذلك لكن محل الجواز إذا عرفت جهة حل كسبه وأن للمكاتب أن يسأل من حين الكتابة ولا يشترط في ذلك عجزه خلافاً لمن شرطه وأنه لا بأس بتعجيل مال الكتابة.
قال الخطابي: في خبر بريرة دليل على أن بيع المكاتب جائز لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن لعائشة في ابتياعها بعد أن جاءتها تستعين بها في ذلك ولا دلالة في الحديث على أنها قد عجزت عن أداء نجومها.
وتأول الخبر من منع من بيع المكاتب. وفيه دليل على أنه لا ولاء لغير المعتق وأن من أسلم على يد رجل لم يكن له ولاؤه لأنه غير معتق. وكلمة إنما تعمل في الإيجاب والسلب جميعاً انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"عن ابن إسحاق" هو محمد بن إسحاق بن يسار وروايته عند المؤلف بالعنعنة وروى يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن جعفر كذا في أسد الغابة وهكذا في الإصابة عن المغاري لإبن إسحاق "وقعت جويرية" بضم الجيم مصغراً وكانت تحت مسافع بن صفوان "بنت الحارث بن المصطلق" بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء وكسر اللام وكان الحارث سيد قومه "شماس" بمعجمة مفتوحة وميم مشددة فألف فمهملة وكان ثابت

(10/313)


مَلاّحَةً تَأْخُذُهَا الْعَيْنُ. قالَتْ عَائِشَةُ: فَجَاءَتْ تَسْأَلُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في كِتَابَتِهَا، فلَمّا قَامَتْ عَلَى الْبَابِ فَرَأَيْتُهَا كَرِهْتُ مَكَانَها وَعَرَفْتُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ الّذِي رَأَيْتُ، فقالَتْ: يَارَسُولَ الله أنا جُوَيْرِيةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَإنّمَا [وأنا] كَانَ مِنْ أمْرِي ما لا يَخْفَى عَلَيْكَ، وَإنّي وَقَعْتُ في سَهْمِ ثَابِتِ بنِ قَيْسٍ بنِ شَمّاسٍ، وَإِنّي كَاتَبْتُ عَلَى نَفْسِي فَجِئْتُكَ أسْأَلُكَ في كِتَابَتِي، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فَهَلْ لَكِ إلَى ما هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ"؟ قالتْ: وَما هُوَ يَارَسُولَ الله؟ قال: "أُؤَدّي عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوّجُكِ". قالتْ: قَدْ فَعَلْتُ .
ـــــــ
خطيب الأنصار من كبار الصحابة بشرة صلى الله عليه وسلم بالجنة. وعند ابن إسحاق في المغازي لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس "أو ابن عم له" أي لثابت هكذا بأو التي للشك عند المؤلف، وكذا في المغازي، وذكره الواقدي بالواو للشركة وأنه خلصها من ابن عمه بنخلات له بالمدينة وسيجيء لفظه "على نفسها" بتسع أواق من ذهب كما ذكره الواقدي "وكانت امرأة ملاحة" أي مليحة. قال الخطابي: فعال يجيء في النعوت بمعنى التوكيد فإذا شددوا كان أبلغ في التوكيد انتهى.
وفي شرح المواهب: ملاحة بفتح الميم مصدر ملح بضم اللام أي ذات بهجة وحسن منظر انتهى.
وقال الإمام ابن الأثير في النهاية: امرأة مُلاَحَةٌ أي شديدة المَلاَحة وهو من أبنية المبالغة. وفي كتاب الزمخشري: وكانت امرأة مُلاَحَة أي ذات مَلاَحة وفُعَالٌ مبالغة في فعيل نحو كريم وكُرَام وكبير وكُبَار وفُعّال مشدد أبلغ منه انتهى "تأخذها العين" وعند ابن إسحاق وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه "في كتابتها" أي تستعينه في كتابتها "كرهت مكانها" خوفاً أن يرغب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فينكحها لحسنها وجمالها وكانت ابنة عشرين سنة "الذي رأيت" من حسنها وملاحتها "يارسول الله" زاد الواقدي: إني امرأة مسلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله "بنت الحارث" سيد قومه "مالا يخفي عليك" وعند ابن إسحاق وقد أصابني من البلايا ما لم يخف عليك "وإني كاتبت على نفسي" وللواقدي ووقعت في سهم ثابت وابن عم له فخلصني منه بنخلات له بالمدينة فكاتبني على مالا طاقة لي به ولا يدان لي ولا قدرة عليه وهو تسع أواق من الذهب وما أكرهني على ذلك إلا أني رجوتك "فهل لك" ميل "خير منه" أي مما تسألين "وأتزوجك" قال الشامي نظرها صلى الله عليه وسلم حتى عرف حسنها لأنها كانت أمة، ولو كانت حرة ما ملأ عينه منها لأنه لا يكره النظر إلى الإماء أو لأن مراده نكاحها "قالت" نعم يارسول الله "قد فعلت" زاد الواقدي، فأرسل إلى ثابت بن قيس فطلبها منه، فقال ثابت هي لك يا

(10/314)


قالتْ: فَتَسَامَعَ - تَعْنِي - النّاسُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قدْ تَزَوّجَ جُوَيْرِيةَ فأَرْسَلُوا ما في أيْدِيهِمْ مِنَ السّبْيِ فأَعْتَقُوهُمْ وَقالُوا أصْهَارُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فمَا رَأَيْنَا امْرَأَةً كَانَتْ أعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا، أُعْتِقَ في سَبَبِها [سبيها] مِائَةُ أهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي المُصْطَلِقِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذا حُجّةٌ في أنّ الْوَلِيّ هُوَ يُزَوّجُ نَفْسَهُ.
ـــــــ
رسول الله بأبي وأمي. فأدى صلى الله عليه وسلم ما كان من كتابتها وأعتقها وتزوجها "فتسامع تعني الناس" هذا تفسير من بعض الرواة.
قال في تاج العروس: تَسَامَع به الناسُ أي عندهم "ما في أيديهم من السبي" الباقي بأيديهم بلا فداء على ما ذكره الواقدي أنهم ورجعوا بهم إلى بلادهم فيكون معناه فدوا جملة منهم وأعتق المسلمون الباقي لما تزوج جويرية كذا في شرح المواهب "وقالوا" هم "أصهار" أو بالنصب بتقدير أرسلوا أو أعتقوا أصهار "في سبيها" وفي بعض النسخ بسبيها "مائة أهل بيت" بالاضافة أي مائة طائفة كل واحدة منهن أهل بيت ولم تقل مائة هم أهل بيت لإيهام أنهم مائة نفس كلهم أهل بيت وليس مراداً وقد روى أنهم كانوا أكثر من سبعمائة قاله الزرقاني.
وفي أسد الغابة: ولما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجبها وقسم لها وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية. رواه شعبة ومسعر وابن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس انتهى. قال المنذري: وفيه محمد بن إسحاق بن يسار انتهى.
قلت: وقد صرح بالتحديث في رواية يونس بن بكير عنه وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده "قال داوود هذا" الحديث "حجة في أن الولي هو يزوج" ولو "نفسه" المرأة التي هو وليها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان سلطانا ولا ولي لها والسلطان ولي من لاولي له أخرجه أبو داوود والترمذي وحسنه وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
وأيضاً كان صلى الله عليه وسلم مولى العتاقة لها ومولى العتاقة ولي لمعتقه لكونه عصبة له فلما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان ولياً لها وقد زوجها نفسَه الكريمة فقد ثبت أن الولي يزوج نفسَه.
وموضع الاستدلال هو قوله صلى الله عليه وسلم وأتزوجك.
فإن قلت: قد روى ابن سعد في مرسل أبي قلابة قال "سبي صلى الله عليه وسلم جويرية يعني وتزوجها فجاء أبوها فقال إن ابنتي لا يسبي مثلها فخل سبيلها فقال أرأيت إن خَيّرتها أليس قد أحسنت؟ قال بلى، فأتاها أبوها فقال إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا، قالت فإني أختار

(10/315)


............................
ـــــــ
الله ورسوله وسنده صحيح، كذا في الإصابة وشرح المواهب، ففيه أن أباها كان حاضراً وَقت التزويج.
قلت: أبوها وإن أسلم لكن لم يثبت إسلامه قبل هذا التزويج فكانت كمن لا ولي لها، بل يعلم مما ذكره الحافظ في الاصابة في ترجمة الحارث بن أبي ضرار أبي جويرية رضي الله عنه إن إسلامه بعد هذا التزويج والله أعلم.
وقال ابن هشام: ويقال اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثابت بن قيس وأعتقها وأصدقها أربعمائة درهم انتهى.

(10/316)


3- باب في العتق على شرط
3925 - حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ قال أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن سَعِيدِ بنِ جُمْهَانَ عن سَفِينَةَ قال: كُنْتُ مَمْلُوكاً لأُمّ سَلَمَةَ فقالتْ: أُعْتِقُكَ وَأشْتَرِطُ عَلَيْكَ أنْ تَخْدِمَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ما عِشْتَ فَقُلْتُ: وَإنْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَيّ ما فَارَقْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ما عِشْتُ. فأعْتَقَتْنِي وَاشَتَرَطَتْ عَلَيّ.
ـــــــ
"باب في العتق على شرط"
وفي نسخة على الشرط وبوب ابن تيمية في المنتقي من أعتق عبداً وشرط عليه خدمة.
"أعتقك" أي أريد أن أعتقك "أن تخدم" تضم الدال المهملة "ما عشت" أي ما دمت تعيش في الدنيا "ما فارقت" أي لم أفارق "ما عشت" أي مدة حياتي "واشترطت" أم سلمة "على" ولفظ أحمد وابن ماجه عن سفينة أبي عبد الرحمن قال أعتقتني أم سلمة وشرطت على أن أخدم النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الخطابي: هذا وعد عبر عنه بإسم الشرط ولا يلزم الوفاء به وأكثر الفقهاء لا يصححون إيقاع الشرط بعد العتق لأنه شرط لا يلاقي ملكا ومنافع الحر لا يملكها غيره إلا في الإجارة أو في معناها انتهى.
وفي شرح السنة لو قال رجل لعبده أعتقك على أن تخدمني شهراً فقبل عتق في الحال وعليه خدمة شهر، ولو قال على أن تخدمني أبدا أو مطلقاً فقبل عتق في الحال وعليه قيمة رقبته للمولى، وهذا الشرط إن كان مقروناً بالعتق فعلى العبد القيمة ولا خدمة، وإن كان بعد العتق فلا يلزم الشرط ولا شيء على العبد عند أكثر الفقهاء انتهى.

(10/316)


................................
ـــــــ
وفي النيل وقد استدل بهذا الحديث على صحة العتق المعلق على شرط. قال ابن رشد ولم يختلفوا أن العبد إذا اعتقه سيده على أن يخدمه سنين أنه لا يتم عتقه إلا بخدمته.
قال ابن رسلان في شرح السنن. وقد اختلفوا في هذا فكان ابن سيرين يثبت الشرط في مثل هذا وسئل عنه أحمد فقال يشتري هذه الخدمة من صاحبه الذي اشترط له قيل له يشتري بالدرهم قال نعم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وقال النسائي لا يأس بأسناده. هذا آخر كلامه وسعيد بن جمهان أبو حفص الأسلمي البصري وثقة يحيى بن معين وأبو داوود السجستاني وقال أبو حاتم الرازي شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به انتهى.

(10/317)


4- باب فيمن أعتق نصيباً له من مملوك
3926 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ قال أخبرنا هَمّامٌ ح. وأخبرنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ المَعْنى قال أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن أبي المَلِيحِ. قال أبُو دَاوُدَ قالَ أبُو الْوَلِيدِ عنْ أبِيهِ: أنّ رَجُلاً أعْتَقَ شِقْصاً [شقيصا] لَهُ مِنْ غُلاَمٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: "لَيْسَ لله شَرِيكٌ" . زَادَ ابنُ كَثِيرٍ في حَدِيثِهِ فَأَجَازَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عِتْقَهُ.
ـــــــ
"باب فيمن أعتق نصيبا له من مملوك"
"أبو الوليد" الطيالسي في إسناده "عن أبيه" وروى محمد بن كثير مرسلا "شقصا" بكسر أوله أي سهماً ونصيباً مبهماً أو معينا: قال السيوطي: شقصا أو شقيصاً كلاهما بمعنى وهو النصيب في العين المشتركة من كل شيء "فذكر" بصيغة المجهول "ذلك" أي ما ذكر من إعتاق شقص "ليس لله شريك" أي العتق لله فينبغي أن يعتق كله ولا يجعل نفسه شريكاً لله تعالى "فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم عتقه" أي حكم بعتقه كله. قال الطيبي: إن السيد والمملوك في كونهما مخلوقين سواء إلا أن الله تعالى فضّل بعضهم على بعض في الرزق وجعله تحت تصرفه تمتيعاً فإذا رجع بعضه إلى الأصل سري بالغلبة في البعض الآخر إذ ليس لله شريك ما في شيء من الأشياء انتهى.
وقال بعضهم: ينبغي أن يعتق جميع عبده فإن العتق لله سبحانه فإن أعتق بعضه فيكون أمر سيده نافذاً فيه بعد فهو كشريك له تعالى صورة كذا في المرقاة. ولفظ أحمد في مسنده عن أبي المليح عن أبيه أن رجلا من قومنا أعتق شقصاً له من مملوكة فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل خلاصة عليه في ماله وقال ليس لله عزوجل شريك. وفي لفظ له هو حر كله ليس لله شريك انتهى.

(10/317)


3927 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ قالَ أخبرنا هَمّامٌ عنْ قَتَادَةَ عن النّضْرِ بن أنَسٍ عنْ بَشِيرِ بنِ نَهيكٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أنّ رَجُلاً أعْتَقَ شَقِيصاً [شقصا] لَهُ مِنْ غُلاَمِ فَأَجَازَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عِتْقَهُ وَغَرّمَهُ بَقِيّةَ ثَمَنِهِ .
3928 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى قالَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بنُ عَلِيّ بنِ سُوَيْدٍ قالَ أخبرنا رَوْحٌ قالا أخبرنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أعْتَقَ مَمْلُوكاً بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ فَعَلَيْهِ خَلاَصُهُ" وَهَذَا لَفْظُ ابنِ سُوَيْدٍ.
3929 - حدثنا ابنُ المُثَنّى قالَ أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ قالَ حدّثني أبي ح. وحدثنا أَحْمَدُ بنُ عَلِيّ بنِ سُوَيْدٍ قالَ أخبرنا رَوْحٌ قالَ أخبرنا هِشَامُ بنُ أبي عبد الله عنْ قَتَادَةَ
ـــــــ
قال الخطابي: والحديث فيه دليل على أن المملوك يعتق كله إذا أعتق الشقص منه ولا يتوقف على عتق الشريك الآخر وأداء القيمة ولا على الاستسعاء ألا تراه يقول وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم عتقه وقال ليس لله شريك، فنفي أن يقارن الملك العتق وأن يجتمعا في شخص واحد. وهذا إذا كان المعتق موسراً فإذا كان معسراً كان الحكم بخلاف على ما ورد بيانه في السنة انتهى. وسيأتي بيانه مفصلا. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
وقال النسائي أرسله سعيد بن أبي عروبة وهشام بن أبي عبد الله وساقه عنهما مرسلا، وقال هشام وسعيد أثبت من همام في قتادة وحديثهما أولى بالصواب هذا آخر كلامه. وأبو المليح اسمه عامر ويقال عمرو يقال زيد وهو ثقة محتج بحديثه في الصحيحين وأبوه أسامة بن عمير هذلي بصري له صحبة ولا يعلم أن أحداً روى عنه غير ابنه أبي المليح انتهى.
وقال في الفتح: حديث أبي المليح عند أبي داوود والنسائي بإسناد قوي. وأخرجه أحمد بإسناد حسن من حديث سمرة أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو كله فليس لله شريك انتهى.
"شقيصا" بفتح الشين وكسر القاف فالشقص والشقيص مثل النصف والنصف وهو القليل من كل شيء وقيل هو النصيب قليلا كان أو كثيراً. وقال الداوودي: الشقص والسهم والنصيب والحظ كله واحد قاله العيني، وقد تقدم بعض بيانه "غرمه" من باب التفعيل، والغرامة ما يلزم أداؤه والضمير المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمنصوب إلى الرجل المعتق بكسر التاء "بقية ثمنه" أي ثمن العبد لشريكه غير المعتق أي جعل النبي صلى الله عليه وسلم غرامة الشريك لبقية ثمن العبد على المعتق. "فعليه خلاصة" أي فعلى المعتق خلاص العبد كله من الرق. "عتق" أي العبد

(10/318)


بِإِسْنَادِهِ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: " مَنْ أعْتَقَ نَصِيباً لَهُ في مَمْلُوكٍ عَتَقَ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ" وَلَمْ يَذْكُرِ ابنُ المُثَنّى النّضْرَ بنَ أنَسٍ وَهَذَا لَفْظُ ابن سُوَيْدٍ.
ـــــــ
"من ماله" أي المعتق بأن يؤدي قيمة الباقي من حصة العبد من ماله "إن كان له مال" أي يبلغ قيمة باقية.
وأما وجه الجمع بين خبر أبي المليح عن أبيه وبين خبر أبي هريرة هذا فقد تقدم من كلام الخطابي.
وقال في الفتح: ويمكن حمل حديث أبي هريرة على ما إذا كان المعتق غنياً، أو ما إذا كان جميعه له فأعتق بعضه وسيجيء بيانه بأتم وجه مع ذكر المذاهب.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.

(10/319)


5- باب من ذكر السعاية في هذا الحديث
3930 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ قالَ أخبرنا أبَانُ يَعْني الْعَطّارّ قال أخبرنا قَتَادَةُ عن النّضْرِ بنِ أنَسٍ عنْ بَشِيرِ بن نَهِيكٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أعْتَقَ
ـــــــ
"باب من ذكر السعاية في هذا الحديث"
ولما اختلف على قتادة بذكر السعاية في حديث أبي هريرة فمنهم من روى ذكر السعاية عن قتادة بإسناده إلى أبي هريرة من قول النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من رواه عن قتادة من قوله فلذا عقد المؤلف هذا الباب.
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقال الإمام أحمد: ليس في الاستسعاء حديث يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروبة وأما شعبة وهشام الدستوائي فلم يذكراه وحدث به معمر ولم يذكر فيه السعاية.
وقال أبو بكر المروزي: ضعف أبو عبد الله حديث سعيد.
وقال الأثرم: طعن سليمان بن حرب في هذا الحديث وضعفه.
وقال ابن المنذر: لا يصح حديث الاستسعاء.
وذكر همام: أن ذكر الاستسعاء من فتيا قتادة وفرق بين الكلامين الذي هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي هو من قول قتادة وقال بعد ذلك: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعى العبد.

(10/319)


شَقِيصاً في مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ أنْ يُعْتِقَهُ كُلّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإلاّ اسْتَسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ" .
ـــــــ
"في مملوكه" بينه وبين غيره "فعليه" أي على المعتق "أن يعتقه" أي مملوكا "إن كان له" أي للمعتق "مال" يبلغ فيمة بقية العبد "وإلا" بأن لم يكن للذي أعتق مال "استسعى" بضم تاء الاستفعال مبنياً للمفعول أي ألزم ومعنى الاستسعاء أن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه عتق هكذا فسره الجمهور. قاله النووي "العبد" السعي في تحصيل القدر الذي يخلص به باقية من الرق حال كونه "غير مشقوق عليه" في الاكتساب إذا عجز.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
وقال ابن المنذر أيضا: حديث أبي هريرة يدور على قتادة.
وقد اتفق شعبة وهشام وهمام على ترك ذكره وهم الحجة في قتادة والقول قولهم فيه عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم غيرهم.
وقال الشافعي: سمعت بعض أهل النظر والقياس منهم والعلم بالحديث يقول لو كان حديث سعيد بن أبي عروبة في الاستسعاء منفردا لا يخالفه غيره ما كان ثابتا يعني فكيف وقد خالفه شعبة وهشام؟.
قال الشافعي: وقد أنكر الناس حفظ سعيد.
قال البهيقي: وهذا كما قال فقد اختلط سعيد بن أبي عروبة في آخر عمره حتى أنكروا حفظه.
وقال يحيى بن سعيد القطان: شعبة أعلم الناس بحديث قتادة ما سمع منه وما لم يسمع وهشام مع فضل حفظه وهمام مع صحة كتابته وزيادة معرفته بما ليس من الحديث على خلاف ابن أبي عروبة ومن تابعه في إدراج السعاية في الحديث.
وفي هذا ما يضعف ثبوت الاستسعاء بالحديث.
فهذا كلام هؤلاء الأئمة الأعلام في حديث السعاية.
وقال آخرون: الحديث صحيح وترك ذكر شعبة وهشام للاستسعاء لا يقدح في رواية من ذكرها وهو سعيد بن أبي عروبة ولا سيما فأنه أكبر أصحاب قتادة ومن أخصهم به وعنده عن قتادة ما ليس عند غيره من أصحابه ولهذا أخرجه أصحاب الصحيحين في صحيحيهما ولم يلتفتا إلى ما ذكر في تعليله.
وأما الطعن في رواية سعيد عن قتادة ولو لم يخالف فطعن ضعيف لأن سعيدا عن قتادة حجة

(10/320)


3931 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ قالَ حدثنا يَزِيدُ يَعْنِي ابنَ زُرَيْعٍ ح. وأخبرنا عَلِيّ بنُ عبد الله قال حدثنا مُحمّدُ بنُ بِشْرٍ وَهَذَا لَفْظُهُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن النّضْرِ بنِ أنَسٍ عنْ بَشِيرِ بنِ نَهيِكٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أعْتَقَ شِقْصاً لَهُ أوْ شَقِيصاً لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَخَلاَصُهُ عَلَيْهِ في مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ قُوّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمّ اسْتُسْعِيَ لِصَاحِبِهِ فِي قِيمَتِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ" .
ـــــــ
"فخلاصة" كله من الرق "في ماله" بأن يؤدي قيمة باقية من ماله "قوم" بضم القاف مبنياً للمفعول "قيمة عدل" بأن لا يزاد قيمته ولا ينقص "ثم استسعى" أي ألزم العبد "لصاحبه" أي لسيد العبد الذي هو غير معتق لحصته "في قمته" العبد "غير مشقوق" في الاكتساب إذا عجز "عليه" أي على العبد.
قال العيني: أي غير مكلف عليه في الا كتساب بل يكلف العبد بالإستسعاء قدر نصيب الشريك الآخر بلا تشديد فإذا دفعه إليه عتق انتهى. والحديث أخرجه الأئمة الستة.
وفي الحديث دليل على الأخذ بالإستسعاء إذا كان المعتق معسراً.
ـــــــ
بالاتفاق وهو من أصح الأسانيد المتلقاة بالقبول التي أكثرمن أصحاب الصحيحين وغيرهم فكيف ولم ينفرد سعيد عن قتادة بالاستسعاء بل قد رواه عن قتادة جرير بن حازم وناهيك به.
قال البخاري في صحيحه: "باب إذا أعتق نصيبا في عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة" حدثني أحمد بن أبي رجاء حدثنا يحيى بن آدم حدثنا جرير بن حازم قال سمعت قتادة قال حدثني النضر بن أنس بن مالك عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شقيصا من عبد".
وحدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق نصيبا أو شقيصا في مملوك فخلاصة عليه في ماله إن كان له مال وإلا قوم عليه فاستسعى غير مشقوق عليه" .
قال البخاري: وتابعه حجاج بن حجاج وأبان وموسى بن خلف عن قتادة واختصره شعبة.
وقال النسائي في سننه: حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا أبو هشام حدثنا أبان حدثنا قتادة حدثنا النضر بن أنس عن بشير عن نهيك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق شقيصا له في عبد فإن عليه أن يعتق بقيته إن كان له مال وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه".
فقد برىء سعيد من عهدة التفرد به.

(10/321)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: فِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعاً فاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقِ عَلَيْهِ. وِهَذَا لَفْظُ عَلِيّ.
3932 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قالَ أخبرنا يَحْيَى وَ ابنُ أبي عَدِيّ عنْ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.
ـــــــ
قال في الفتح: وقد ذهب إلى الأخذ بالإستسعاء إذا كان المعتق معسراً أبو حنيفة وصاحباه والأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد في رواية وآخرون ثم اختلفوا فقال الأكثر يعتق جميعه في الحال ويستسعى العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك. وزاد ابن أبي ليلى فقال ثم يرجع العبد على المعتق الأول بما أداه للشريك.
وقال أبو حنيفة وحده يتخير الشريك بين الإستسعاء وبين عتق نصيبه، وهذا يدل على أنه لا يعتق عنده ابتداء إلا النصيب الأول فقط، وهو موافق لما جنح إليه البخاري من أنه يصير كالمكاتب انتهى.
وقال العيني في شرح البخاري: وعند أبي حنيفة إذا كان المعتق موسراً فالشريك بالخيار إن شاء أعتق والولاء بينهما نصفان وإن شاء استسعى العبد في نصف القيمة فإذا أدّاها عتق والولاء بينهما نصفان وإن شاء ضمن المعتق نصف القيمة فإذا أداها عتق ورجع بها المضمن على العبد فاستسعاء فيها وكان الولاء للمعتق، وإن كان المعتق معسراً فالشريك بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء استسعى العبد في نصف فيمته فإنهما فعل فالولاء بينهما نصفان. وحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يرى بتجزيء العتق وأن يسار المعتق لا يمنع السعاية انتهى.
"قال أبو داوود في حديثهما جميعاً" أي في حديث يزيد بني زريع ومحمد بن بشر كليهما عن سعيد بن أبي عروبة ذكر الاستسعاء.
"أخبرنا يحيى" هو ابن سعيد ذكره المزي. وفي رواية الطحاوي حدثنا يزيد بن سنان حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن
ـــــــ
فهؤلاء خمسة رووه عن قتادة سعيد وجرير بن حازم وأبان وحجاج بن حجاج وموسى بن خلف.
ثم لو قدر تفرد سعيد به لم يضره وسعيد وإن كان قد اختلط في آخر عمره فهذا الحديث من رواية يزيد بن زريع وعبدة وإسماعيل والجلة عن سعيد وهؤلاء أعلم بحديثه ولم يرووا عنه إلا ما كان قبل اختلاطه ولهذا أخرج أصحاب الصحيح حديثهم عنه.
فالحديث صحيح محفوظ بلا شك.

(10/322)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ لَمْ يَذْكُرِ السّعَايَةَ.
ـــــــ
بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أعتق نصيباً أو شركا له في مملوك فعليه خلاصة كله في ماله، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه" "وابن أبي عدي" زريع ومحمد بن بشر العبدي ويحيى بن سعيد القطان وابن أبي عدي فهؤلاء كلهم رووه عن سعيد بن أبي عروبة بذكر الاستسعاء، بل روى بذكره عبد الله بن المبارك وحديثه عند البخاري وإسماعيل بن إبراهيم وعلي بن مسهر وحديثهما عند مسلم. وعيسى بن يونس وحديثه عند مسلم. وعبدة بن سليمان وحديثه عند النسائي. وروح بن عباده وحديثه عند الطحاوي كلهم عن ابن أبي عروبة.
وقال صاحب الاستذكار: وممن رواه عن سعيد بن أبي عروبة بذكر السعاية محمد بن بكر وذكر جماعة "رواه روح بن عيادة عن سعيد بن أبي عروبة لم يذكر السعاية" هكذا ذكره المؤلف. وعند الطحاوي من رواية روح عن ابن أبي عروبة بذكر السعاية وكذا ذكره ابن عبدالبر والله أعلم.
ـــــــ
وقد رواه مسلم في صحيحه كما ذكره البخاري من رواية جرير بن حازم وأما تعليله برواية همام وأنه ميز كلام قتادة من المرفوع قال أبو بكر الخطيب في كتاب الفصل له: رواه أبو عبدالرحمن المقري عن همام وزاد فيه ذكر الاستسعاء وجعله من قول قتادة وميزه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا علة لو كان الذي رفعه دون همام وأما إذا كان مثله وأكثر عددا منه فالحكم لهم والله تعالى أعلم.
وقد عورض حديث أبي هريرة في السعاية بحديث عمران بن حصين وحديث ابن عمر.
أما حديث عمران: فقال الشافعي في مناظرته لبعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة وصح حديث نافع عن ابن عمر وحديث عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء ومراده بذلك أن الرجل في حديث عمران بن حصين لما أعتق الستة المملوكين لم يكمل النبي صلى الله عليه وسلم عتقهم بالسعاية بل أعتق ثلثهم ولم يستسع باقيهم.
وهذا لا يعارض حديث الاستسعاء فإن الرجل أعتق العبيد وهم كل التركة وإنما يملك التبرع في ثلثها فكمل النبي صلى الله عليه وسلم الحرية في عبدين مقدار الثلث وكأنهما هما اللذان باشرهما بالعتق والشارع حجر عليه ومنعه من تبعيض الحرية في جميعهم وكملها في اثنين.
فأي منافاة في هذا لحديث السعاية بل هو حجة على من يبعض العتق في جميعهم فإنه لم

(10/323)


وَرَوَاهُ جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ وَمُوسَى بنُ خَلَفٍ جَمِيعاً عنْ قَتَادَةَ بِإسْنَادِ يَزِيدَ بنِ زُرَيْعٍ وَمَعْنَاهُ وَذَكَرَ فِيهِ السّعَايَةَ.
ـــــــ
"ورواه جرير بن حازم" وحديثه عند البخاري في باب الشركة في الرقيق من كتاب الشركة بلفظ حدثنا أبو النعمان حدثنا جرير بن حازم عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من أعتق شقصاً في عبد أعتق كله إن كان له مال وإلا استسعى غير مشقوق عليه".
وأخرجه أيضاً في كتاب العتق، وأخرجه أيضاً مسلم بنحوه، وأخرجه الإسماعيلي من طريق بشر بن السري ويحيى بن بكير جميعاً عن جرير بن حازم بلفظ "من أعتق شقصاً من غلام وكان للذي أعتقه من المال ما يبلغ قيمة العبد أعتق في ماله وإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه" كذا في الفتح "وموسى بن خلف" بالخاء واللام المفتوحتين العمى قاله العين.
ـــــــ
يقل بالسعاية بعض أصله وإن قال بها وأعتق الجميع: ناقض الحديث صريحا ولا اعتراض بمناقضته على حديث أبي هريرة في السعاية.
وأما حديث ابن عمر فهو الذي نذكره في هذا الباب.
ذكر المنذري حديث وإلا فقد عتق منه ما عتق إلى قوله ويحيى بن أيوب احتج به مسلم واستشهد به البخاري.
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى:
قالوا وقد قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر.
وقال أيوب السختياني: كانت لمالك حلقة في حياة نافع.
وقال ابن المديني: كان عبدالرحمن بن مهدي لا يقدم على مالك أحدا.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين مالك أحب إليك من نافع أو عبيد الله بن عمر قال: مالك فقلت: فأيوب السختياني قال: مالك.
وقال الإمام أحمد ويحيى بن معين: كان مالك من أثبت الناس في حديثه.
قال الشافعي لمناظره في المسألة وقد احتج عليه بحديث أبي هريرة في الاستسعاء وعلينا أن نصير إلى أثبت الحديثين قال نعم قلت فمع حديث نافع حديث عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء.
فقال بعضهم نناظرك في قولنا وقولك.

(10/324)


..................................................
ـــــــ
قال الحافظ: وأما رواية موسى بن خلف فوصلها الخطيب في كتاب الفصل والوصل من طريق أبي ظفر عبدالسلام بن مطهر عنه عن قتادة عن النضر ولفظه "من أعتق شقصاً له في مملوك فعليه خلاصة إن كان له مال فإن لم يكن له مال استسعى غير مشقوق عليه" انتهى.
قال المنذري: قال أبو داوود ورواه روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة لم يذكر السعاية. وقال أبو داوود يحيى بن سعيد وابن أبي عدى عن سعيد بن أبي عروبة لم يذكر فيه السعاية. ورواه يزيد بن زريع عن سعيد فذكر فيه السعاية.
وقال الخطابي: اضطرب سعيد بن أبي عروبة في السعاية مرة يذكرها ومرة لا يذكرها فدل على أنها ليس من متن الحديث عنده وإنما هو من كلام قتادة وتفسيره على ما ذكره همام وبينه ويدل على صحة ذلك حديث ابن حديث ابن عمر وقد ذكره أبو داوود في الباب الذي يليه وقال الترمذي روى شعبة هذا الحديث عن قتادة ولم يذكر فيه السعاية. وقال أبو عبد الرحمن النسائي أثبت أصحاب قتادة شعبة وهشام على خلاف سعيد بن أبي عروبة وروايتهما والله أعلم أشبه
ـــــــ
فقلت: أو للمناظرة موضع مع ثبوت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرح الاستسعاء في حديث نافع وعمران.
قال: إنا نقول: إن أيوب قال إنما قال نافع فقد عتق منه ما عتق وربما لم يقله وأكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه.
فذكر ما تقدم من حفظ مالك وترجيح حديثه على أيوب.
قال أصحاب السعاية: مالك ومن معه رووا الحديث كما سمعوه ولا ريب أن نافعا كان يذكر هذه الزيادة متصلة بالحديث فأداه أصحابه كما سمعوه يذكرها.
وأما أيوب فاطلع على زيادة علم لم يذكروها ولا نفوها وإنما أدوا لفظ نافع كما سمعوه يسوق الحديث سياقة واحدة فأدوا ما حفظوه وأيوب اطلع على تفصيل وتمييز في الحديث فكلهم صادق في روايته والحكم لمن فصل وميز وهذا الشك منه هو عين الحفظ فإنه سمع كما سمعه الجماعة وفصل الزيادة وميزها فقال أكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه وسمعه مرة أو مرارا يذكره متصلا بالحديث فشك هل هو من قوله أو من قول النبي صلى الله عليه وسلم؟.
وإنما يفيد تقديم عبيد الله ومالك عليه في الحفظ أن لو خالفهم فإذا أدى ما أدوه وروى ما رووه بعينه واطلع على زيادة لم يذكروها كان الأخذ بروايته أولى لأنهم لم يقولوا قال نافع: قال

(10/325)


...........................
ـــــــ
بالصواب عندنا. وقد بلغني أن هماما روى هذا الحديث عن قتادة فجعل الكلام الأخير قوله وإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه قول قتادة والله أعلم.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره لأنه كتبها إملاء.
وقال الدارقطني: روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة وهما أثبت فلم يذكرا فيه الإستسعاء ووافقها هما وفصل الإستسعاء من الحديث فجعله من رأى قتادة. وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول ما أحسن ما رواه همام وضبطه وفصل بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وبين قول قتادة. وقال أبو عمر يوسف ابن عبدالبر والذين لم يذكرو السعاية أثبت ممن ذكرها.
وقال أبو محمد الأصيلي وأبو الحسن بن القصار وغيرهما. من أسقط السعاية أولى ممن ذكرها. وقال البيهقي: فقد اجتمع هاهنا شعبة مع فضل حفظه وعلمه بما سمع قتادة وما لم يسمع وهشام مع فضل حفيظه وهمام مع صحة كتابة وزيادة معرفته بما ليس من الحديث على خلاف ابن أبي عروبة ومن تابعه في إدراج السعاية في الحديث، وفي هذا ما يضعف ثبوت الإستسعاء بالحديث.
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" وإنما أدرجوها في الحديث إدراجا كما سمعوه وفصل أيوب هذا الإدراج فحفظ شيئا لم يحفظوه.
قالوا: وعلى تقدير الجزم بأنها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا تناقض حديث الاستسعاء فإن قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" معناه: وإن لم يكن لمعتق البعض مال يبلغ ثمن باقيه عتق من العبد بإعتاقه القدر الذي أعتقه وأما الجزء الباقي فمسكوت عنه لم يذكر حكمه فجاء بيان ذكر حكمه في حديث أبي هريرة فتضمن حديث أبي هريرة ما في منطوق حديث ابن عمر وزياد بيان ما سكت عنه ولا تنافي بين الحديثين وهذا ظاهر على أحد القولين لأن باب السعاية أنه لا يعتق بعتق الشريك وإنما يعتق بعد الأداء بالسعاية بخلاف الجزء الذي قد أعتقه فإنه قد تنجز عتقه وعتق الجزء الآخر منتظر موقوف على أداء ما استسعى عليه كالكتابة.
ومعلوم أن قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" لا ينافي عتقه بالسعاية على هذا الوجه.
فغاية حديث ابن عمر: أن يدل بمفهومه.
فإن قوله: "عتق ما عتق" منطوقه: وقوع العتق في الجزء المباشر به ومفهومه انتفاء هذا العتق عن الجزء الآخر والمفهوم قد يكون فيه تفصيل فيعتق في حال ولا يعتق في حال.
وكذا يقول أصحاب السعاية في أحد قوليهم: يعتق بأداء السعاية ولا يتنجز عتقه قبلها.

(10/326)


.................................................
ـــــــ
وذكر أبو بكر بن الخطيب أن أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقري قال رواه همام وزاد فيه ذكر الإستسعاء وجعله من قول قتادة وميزه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم انتهى كلام المنذري.
وفي فتح الباري قال ابن العربي اتفقوا على أن ذكر الإستسعاء ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول قتادة.
ونقل الخلال في العلل عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد في الإستسعاء. وضعفها أيضاً الأثرم عن سليمان بن حرب انتهى.
وقال الإسماعيلي: قوله تم استسعى العبد ليس في الخبر مسنداً وإنما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام.
وقال ابن المنذر والخطابي: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن انتهى.
وفي عمدة القاري قال أبو عمر بن عبدالبر: روى أبو هريرة هذا الحديث على خلاف ما
ـــــــ
قالوا: وعلى هذا فقد وفينا جميع الأحاديث مقتضاها وعملنا بها كلها ولم نترك بعضها لبعض.
قالوا: وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى امتناع الشركة بين الله وعبده في رقبة المملوك بقوله: "ليس لله شريك" وهذا تعليل لتكميل الحرية ولهذا أخرج الحر المملوك عن مالكه قهرا إذا كان الشريك المعتق موسرا لرغبته في تكميل الحرية المنافية للشركة بين الله وعبده في رقبة المملوك.
فإيجاب السعاية على العبد لتكميل حريته إذا كان قادرا عليها أولى لأن الشارع إذا أوجب على غير مالكه أن يفك بقية رقبته من الرق الذي هو أثر الكفر فلأن يوجب على العبد أن يفتك بقية رقبته مع كسبه وقدرته على تخليص نفسه أولى وأحرى.
وهذا غاية الوضوح وهو يشبه الأسير إذا قدر على تخليص نفسه من الأسر بل هذا أولى لأنه قد صار فيه جزء لله لا يملكه أحد وقد أمكنه أن يصير نفسه عبدا محضا لله.
والشارع متطلع إلى تكميل الأملاك للمالك الواحد ورفع ضرر الشركة ولهذا جوز للشريك انتزاع الشقص المشفوع من المشتري قهرا ليكمل الملك له ويزول عنه ضرر الشركة مع تساوي المالكين فما الظن إذا كان الخالق سبحانه هو مالك الشقص والمخلوق مالك البقية أليس هذا أولى بانتزاع ملك المخلوق وتعويضه منه ليكمل ملك المالك الحق ولا سبيل إلى إبطال الجزء الذي هو ملك الله فتعين انتزاع حصة العبد وتعويضه عنها.
فهذا مأخذ الفريقين في المسألة من جهة الأثر والنظر والله الموفق للصواب.

(10/327)


.................................................
ـــــــ
رواه ابن عمر واختلف في حديثه وهو حديث يدور على قتادة عن النصر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة. واختلف أصحاب قتادة عليه في الاستسعاء وهو الموضِع المخالف لحديث ابن عمر من رواية مالك وغيره، واتفق شعبة وهمام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث والقول قولهم في قتادة عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم في قتادة غيرهم وأصحاب قتادة الذين هم حجة فيه هؤلاء الثلاثة، فإن اتفق هؤلاء الثلاثة لم يعرج على من خالفهم في قتادة، وإن اختلفوا نظر، فإن اتفق منهم إثنان وانفرد واحد فالقول قول الاثنين لا سيما إذا كان أحدهما شعبة وليس أحد بالجملة في قتادة مثل شعبة لأنه كان يوقفه على الإسناد والسماع، وقد اتفق شعبة وهشام في هذا الحديث على سقوط ذكر الاستسعاء فيه وتابعهما همام وفي هذا تقوية لحديث ابن عمر وهو حديث مدني صحيح لايقاس به غيره وهو أولى ما قيل في هذا الباب انتهى.
وقال البيهقي: ضعف الشافعي السعاية بوجوه ثم ذكر مثل ما تقدم.
وقال الخطابي: لا يثبته أهل النقل مسنداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أنه من قول قتادة انتهى.
قلت: كما نقل المنذري قول أبي داوود هكذا قال الخطابي في المعالم وهذا لفظه قال أبو داوود ورواه يحيى بن سعيد وابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة ولم يذكرا فيه السعاية.
لكن هذه العبارة التي نقلها الخطابي والمنذري عن الؤلف أبي داوود لم توجد في نسخة واحدة من نسخ السنن وكذا لم يذكرها المزي في الأطراف، والذي أظنه أن الخطابي فهم هذا المعنى الذي ذكره من قول أبي داوود عن سعيد بإسناده ومعناه، والمنذري قد تبع الخطابي في هذا، فإن كان كذلك فهذا وهم من الإمامين الخطابي والمنذري لأن أبا داوود روى حديث يحيى بن سعيد وابن أبي عدي جميعاً عن سعيد ولم يسق لفظه بل أحال على ما قبله وفيه ذكر الإستسعاء وساق الطحاوي لفظ يحيى القطان عن سعيد وفيه ذكر الإستسعاء. وأورد الحافظ المزي في الأطراف إسناد حديث أبان بن يزيد عن قتادة عن النصر بن أنس عن بشير بن نهيك. وإسناد حديث محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد وابن أبي عدي كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر ثم قال المزي وفي حديث أبان وابن أبي عروبة ذكر الاستسعاء انتهى.
ويحتمل أن مراد المؤلف أبي داوود بقوله بإسناده ومعناه يعني بغير ذكر الاستسعاء فحينئذ

(10/328)


.............................
ـــــــ
القول ما قال الخطابي والمنذري وحمها الله، لكن هذا المعنى غير ظاهر من اللفظ والله أعلم.
قال الفقير عفا عنه: هكذا جزم هؤلاء الأئمة بأن ذكر الإستسعاء مدرج من قول قتادة رحمه الله وأبى ذلك آخرون من الأئمة منهم صاحبا الصحيح محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج فصححا كون الجميع مرفوعاً أي رواية سعيد أبي عروبة للسعاية ورفعها وأخرجاه في صحيحهما وهو الذي رجحه الطحاوي وابن حزم وابن المواق وابن دقيق العيد وابن حجر العسقلاني وجماعة لأن سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره وهشام وشعبة وإن كان أحفظ من سعيد لكنهما لم ينافيا ما رواه وإنما اقتصر من الحديث على بعضه، وليس المجلس متحداً حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره وهذا كله لو انفرد وسعيد لم ينفرد.
وقد قال النسائي هشام وسعيد أثبت في قتادة من همام، وما أعل به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرد به مردود لأنه في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع، ووافق سعيداً على ذلك جماعة منهم جرير بن حازم وهم عند البخاري وأبان بن يزيد العطار وهو عند أبي داوود والنسائي وحجاج بن حجاج وهو عند أحمد بن حفص أحد شيوخ البخاري عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج بن حجاج عن قتادة وفيها ذكر السعاية وحجاج بن أرطاة عن قتادة وهو عند الطحاوي وموسى بن خلف وهو عند الخطيب ويحيى بن صبيح وهو عند الطحاوي من طريق سفيان بن عيينة عن سعيد بن أبي عروبة ويحيى بن صبيح كلاهما عن قتادة، فهؤلاء ستة أنفس كلهم تابعوا سعيد بن أبي عروبة ووافقوه على روايتهم عن قتادة بذكر الإستسعاء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه هكذا عن سعيد بن أبي عروبة جماعة كيزيد بن زريع وعبد الله بن المبارك وعيسى بن يونس وإسماعيل بن إبراهيم وعليّ بن مسهر ويحيى بن سعيد القطان ومحمد بن بشر العبدي وابن أبي عدي وعبدة بن سليمان وروح بن عبادة ومحمد بن بكر البرساني وهم ثقات حفاظ وعبدة بن سليمان فيهم هو أثبت الناس سماعاً من ابن أبي عروبة، ولذا قال ابن حزم هذا خبر في غاية الصحة، فلا يجوز الخروج عن الزيادة التي فيه، وعلى ثبوت الاستسعاء ثلاثون صحابياً. انتهى كلامه.
فإذا سكت شعبة عن الاستسعاء وكذا هشام سكت عنه مرة وجعله مرة من قول قتادة لم

(10/329)


..................................................
ـــــــ
يكن ذلك حجة على سعيد بن أبي عروبة لأنه ثقة حافظ قد زاد عليهما شيئاً فالقول قوله كيف وقد وافقة على ذلك جماعة من الحفاظ المتقين.
قال في الفتح: وهمام هو الذي انفرد بالتفصيل وهو الذي خالف الجميع في القدر المتفق على رفعه فدل على أن هماماً لم يضبطه كما ينبغي.
والعجب ممن طعن في رفع الإستسعاء بكون همام جعله من قول قتادة ولم يطعن فيما يدل على ترك الإستسعاء وهو قوله في حديث ابن عمر الآتي وإلا فقد عتق منه ما عتق بكون أيوب جعله من قول نافع ففصل قول نافع من الحديث وميزه كما صنع همام سواء فلم يجعلوه مدرجاً كما جعلوا حديث همام مدرجاً مع كون يحيى بن سعيد وافق أيوب في ذلك وهمام لم يوافقه أحد. وقد جزم بكون حديث نافع مدرجاً محمد بن وضاح وآخرون.
والذي يظهر أن الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقاً لعمل صاحبي الصحيح. وقال ابن المواق والإنصاف أن لا نوهم الجماعة بقول واحد مع احتمال أن يكون سمع قتادة يفتي به فليس بين تحديثه به مرة وفتياه به أخرى منافاة.
قال الحافظ: ويؤيد ذلك أن البيهقي أخرج من طريق الأوزاعي عن قتادة أنه أفتى بذلك، والجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة ممكن بخلاف ما جزم به الإسماعيلي.
قال ابن دقيق العيد: حسبك بما اتفق عليه الشيخان فإنه أعلى درجات الصحيح. والذين لم يقولوا بالإستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعليلات لا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الإستدلال فيها بأحاديث يرد عليها مثل تلك التعليلات.
وكأن البخاري إمام الصنعة خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة فأشار إلى ثبوتها بإشارات خفية كعادته وأراد الرد على من زعم أن الإستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ وأن سعيداً تفرد به، فإن البخاري أخرجه أولا من رواية يزيد بن زريع عن سعيد وهو من أثبت الناس فيه وسمع من قبل الاختلاط ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته وموافقته لينفي عنه التفرد، ثم ذكر ثلاثة تابعوهما على ذكرها وهو حجاج بن حجاج وأبان وموسى بن خلف جميعاً عن قتادة، ثم قال البخاري واختصره شعبة وكأنه جواب عن سؤال مقدر وهو أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة فكيف لم يذكر الاستسعاء فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفاً لأنه أورده مختصراً وغيره ساقه بتمامه والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد.
قال الحافظ: وقد وقع ذكر الاستسعاء في غير حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني من

(10/330)


.............................
ـــــــ
حديث جابر، وأخرجه البيهقي من طريق خالد بن أبي قلابة عن رجل من بني عذرة والله أعلم.

(10/331)


6- باب فيمن روى أنه لا يستسعى
[باب فيمن روى إن لم يكن له يستسعى]
3933 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنْ نَافِعِ عنْ عبد الله بنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي مَمْلُوكٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ فَأُعْطِيَ شُرَكاءَهُ حِصَصُهُمْ وَأعْتِقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإلاّ فَقَدْ أُعْتِقَ مِنْهُ مَا أُعْتِقَ [فقد عتق منه ما عتق]" .
ـــــــ
"باب فيمن روى"
بصيغة المعروف "أنه" أي العبد "لا يستسعى" كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم فإنهم قالوا ينفذ العتق في نصيب المعتق فقط ولا يطالب المعتق بشيء ولا يستسعى العبد بل يبقى نصيب الشريك رقيقا كما كان، وهذا إذا كان المعتق معسراً حال الإعتاق. وهذا الباب هكذا في جميع النسخ الصحيحة وهو الصحيح، وفي نسخة واحدة باب فيمن روى إن لم يكن له مال يستسعى.
"أقيم عليه" ولفظ الموطأ قوم عليه، وهكذا عند الشيخين "قيمة العدل" بأن لا يزاد على قيمته ولا ينقص عنها "فأعطى" بصيغة المعروف "شركاءه" بالنصب هكذا رواه الأكثر، ولبعضهم فأعطى على البناء للمفعول ورفع شركاءه قاله الحافظ "حصصهم" أي قيمة حصصهم فإن كان الشريك واحداً أعطاء جميع الباقي اتفاقا، فلو كان مشتركا بين ثلاثة فأعتق أحدهم حصته وهي الثلث والثاني حصته وهي السدس فهل يقوم عليهما نصيب صاحب النصف بالسوية، أو على قدر الحصص الجمهور على الثاني، وعند المالكية والحنابلة خلاف كالخلاف في الشفعة إذا كانت لإثنين هل يأخذان بالسوية أو على قدر الملك "وأعتق" بضم الهمزة "عليه العبد" بعد إعطاء القيمة على ظاهره، فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه "وإلا" أي وإن لم يكن له مال "فقد أعتق منه ما أعتق" بضم الهمزتين في الموضعين أي وإن لم يكن المعتق موسراً فقد أعتق منه حصته وهي ما أعتق.
قال العيني في شرح البخاري: احتج مالك والشافعي بهذا الحديث أنه إذا كان عبد بين إثنين فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان له مال غرم نصيب صاحبه وعتق العبد من ماله، وإن لم يكن له مال عتق من العبد ما عتق ولا يستسعى.
قال الترمذي: وهذا قول أهل المدينة. وعند أبي حنيفة أن شريكه مخير إما أنه يعتق

(10/331)


3934 - حدثنا مُؤَمّلُ قالَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ عنْ أيّوبَ عنْ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ قالَ: وَكَانَ نَافِعُ رُبّمَا قالَ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ وَرُبّمَا لَمْ يَقُلْهُ.
3935 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ أخبرنا حَمّادٌ يَعْني ابنَ زَيْدٍ عنْ أيّوبَ عنْ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْحَدِيثِ.
ـــــــ
نصيبه أو يستسعى العبد والولاء في الوجهين لهما أو يضمن المعتق قيمة نصيبه لو كان موسراً أو يرجع بالذي ضمن على العبد ويكون الولاء للمعتق.
وعند أبي يوسف ومحمد ليس له إلا الضمان مع اليسار أو السعاية مع الإعسار ولا يرجع المعتق على العبد بشيء والولاء للمعتق في الوجهين.
ثم قال العيني: ومذهب مالك أن المعتق إذا كان موسراً قوّم عليه حصص شركائه وأغرمها لهم وأعتق كله بعد التقويم لا قبله، وإن شاء الشريك أن يعتق حصته فله ذلك معسراً فقد عتق ما أعتق والباقي رقيق يبيعه الذي هو له إن شاء أو يمسكه وقيقاً أو يكاتبه أو يهبه أو يدبره، وسواء أيسر المعتق بعد عتقه أو لم يوسر.
ومذهب الشافعي في قول وأحمد وإسحاق أن الذي أعتق إن كان موسراً قوم عليه حصة من شركه وهو حر كله حين أعتق الذي أعتق نصيبه وليس لمن يشركه أن يعتقه ولا أن يمسكه، وإن كان معسراً فقد عتق ما عتق وبقي سائره مملوكاً يتصرف فيه مالكه كيف شاء.
واحتج به أيضاً مالك والثوري والشافعي وغيرهم على أن وجوب الضمان على الموسر خاصة دون المعسر، يدل عليه قوله وإلا فقد أعتق منه ما أعتق.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
-"بمعناه" أي بمعنى حديث مالك "عتق منه ما عتق" بفتح العين في الموضعين.
قال في المغرب: وقد يقام العتق مقام الإعتاق.
وقال ابن الأثير: يقال أعتق العبد أعتقه عتقاً وعتاقه فهو معتق وأنا معتق وعتق فهو عتيق أي حررته وصار حراً.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(10/332)


قالَ أيّوبُ: فَلاَ أدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أوْ شَيْءٌ قالَهُ نافِعٌ وَإلاّ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ.
3936 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ قالَ أنبأنا عِيسَى بنُ يُونُسَ قالَ أخبرنا عبيد الله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أعْتَقَ شِرْكاً مِنْ مَمْلُوكٍ لَهُ
ـــــــ
"قال أيوب فلا أدري" قال في الفتح: هذا شك من أيوب في هذه الزيادة المتعلقة بحكم المعسر هل هي موصولة مرفوعة أو منقطعة مقطوعة.
وقد رواه عبدالوهاب عن أيوب فقال في آخره وربما قال وإن لم يكن له مال فقد عتق منه ما عتق وربما لم يقله وأكثر ظني أنه شيء يقوله نافع من قبله أخرجه النسائي وقد وافق أيوب على الشك في رفع هذه الزيادة يحيى بن سعيد عن نافع أخرجه مسلم والنسائي، ولفظ النسائي وكان نافع يقول قال يحيى لا أدري أشيء كان من قبله يقوله أم شيء في الحديث، فإن لم يكن عنده فقد جاز ما صنع ورواها من وجه آخر عن يحيى فجزم بأنها عن نافع وأدرجها في المرفوع من وجه آخر وجزم مسلم بأن أيوب ويحيى قالا لا ندري أهو في الحديث أو شيء قاله نافع من قبله، ولم يختلف عن مالك في وصلها ولا عن عبيد الله بن عمر لكن اختلف في إثباتها وحذفها. قال الإسماعيلي: عامة الكوفيين رووا عن عبيد الله بن عمر في هذا الحديث حكم الموسر والمعسر معاً.
والبصريون لم يذكروا إلا حكم الموسر فقط.
قال الحافظ: فمن الكوفيين أبو أسامة عند البخاري وابن تمير عند مسلم، وزهير عند النسائي، وعيسى بن يونس عند أبي داوود، ومحمد بن عبيد عند أبي عوانة وأحمد، ومن البصريين بشر بن المفضل عند البخاري وخالد بن الحارث، ويحيى القطان عند النسائي وعبدالأعلى فيما ذكر الإسماعيلي، لكن رواه النسائي من طريق زائدة عن عبيد الله، وقال في آخره فإن لم يكن له مال عتق معه ما عتق، وزائدة كوفي لكنه وافق البصريين. والذين أثبتوها حفاظ فإثباتها عن عبيد الله مقدم. وأثبتها أيضاً جرير بن حازم كما عند البخاري وإسماعيل بن أمية عند الدارقطني وقد رجح الأئمة رواية م أثبت هذه الزيادة مرفوعة. قال الشافعي: لا أحسب عالماً بالحديث يشك في أن مالكا أحفظ لحديث نافع من أيوب لأنه كان ألزم له منه حتى ولو أستويا فشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه كانت الحجة مع من لم يشك، ويؤيد ذلك قول عثمان الدارمي. قلت لإبن معين: مالك في نافع أحب إليك أو أيوب؟ قال: مالك انتهى.
"شركا" بكسر المعجمة وسكون الراء، وفي رواية أيوب عن نافع شقصاً، وفي أخرى

(10/333)


فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلّهُ إنْ كَانَ لَهُ ما [مال] يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ نَصِيبَهُ" .
3937 - حدثنا مَخُلَدُ بنُ خَالِدٍ قالَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ قال أنبأنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَى إِبراهِيمَ بنِ مُوسَى.
3938 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدِ ابنِ أسْمَاءَ قالَ أخبرَتنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَى مَالِكٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "وَإلاّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" . انْتَهَى حَدِيثُهُ إلَى - وَأُعْتِقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ عَلَى مَعْنَاهُ.
3939 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ قالَ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ قالَ أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ
ـــــــ
عن أيوب أيضاً وكلاهما في البخاري عن نافع نصيباً والكل بمعنى والشرك في الأصل مصدر أطلق على متعلقة وهو العبد المشترك، قاله الزرقاني "فعليه" أي من أعتق نصيباً له "عتقه" أي عتق المملوك "كله" بالجر لأنه تأكيد لقوله في مملوك. قاله العيني "إن كان له ما" بلا لام أي شيء، وفي بعض النسخ مال هو ما يتمول، والمراد به هنا ما يسع نصيب الشريك، ويباع عليه في ذلك ما يباع على المفلس، قاله عياض "بيلغ ثمنه" أي ثمن العبد أي ثمن بقيته لأنه موسر بحصته والمراد قيمته لأن الثمن ما اشترى به واللازم ها هنا القيمة لا الثمن. وقد بين المراد في رواية النسائي عن عبيد الله بن عمر وعمر نافع ومحمد ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر بلفظ وله مال يبلغ قيمة أنصباء شركائه فإنه يضمن لشركائه أنصباءهم ويعتق العبد.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"بمعنى" حديث "إبراهيم بن موسى" الرازي.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وذكره البخاري تعليقاً. وفي حديث النسائي قال يحيى لا أدري شيئاً كان من قبله يقوله أم شيئاً في الحديث. وذكره مسلم أيضاً عن يحيى نحوه.
"جويرية" هو ابن أسماء "بمعنى" حديث "مالك" عن نافع "ولم يذكر" أي جويرية هذه الجملة "وإلا فقد عتق منه ما عتق" كما ذكره مالك "انتهى حديثه" أي جويرية "إلى" قوله "وأعتق عليه العبد" قال البخاري في صحيحه: ورواه الليث وابن ذئب وابن إسحاق وجويرية ويحيى بن سعيد وإسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مختصراً انتهى. يعني لم يذكروا الجملة الأخيرة في حق المعسر وهي قوله فقد عتق منه ما عتق. والحديث أخرجه البخاري. قال الإمام الشافعي: لا أحسب عالماً بالحديث ورواته يشك في أن مالكا أحفظ

(10/334)


الزّهْرِيّ عنْ سَالِمٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ في عَبْدٍ عَتَقَ مِنْهُ مَا بَقَيَ فِي مَالِهِ إذَا كَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ [له مال ما يبلغ] ثَمَنَ الْعَبْدِ" .
3940 - حدثنا أَحْمَدُ بنَ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أحَدُهُما نَصِيبَهُ فَإنْ كَانَ مُوسِراً يُقَوّمُ عَلَيْهِ قِيمَةً لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ ثُمّ يُعْتَقُ" .
ـــــــ
لحديث نافع ولمالك فضل لحديث أصحابه. وقال البيهقي: وقد تابع مالكا على روايته عن نافع أثبت ابني عمر في زمانه وأحفظهم عبيد الله بن عمر ابن حفص.
"عن سالم عن ابن عمر".
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي. وفي رواية النسائي: أقيم ما بقي في ماله. قال الزهري إن كان له مال يبلغ ثمنه. وذكر أبو بكر الخطيب أن الإمام أحمد رضي الله عنه رواه عن عبدالرزاق ثم قال لا أدري قوله إذا كان له ما يبلغ ثمن العبد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء قاله الزهري وكان موسى بن عقية يقول للزهري أفضل كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يحدث من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخلطه بكلامه انتهى.
"يقوّم" بصيغة المجهول "لا وكس" بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مهملة بمعنى النقص أي لا نقص "ولا شطط" بمعجمة ثم مهملة مكررة والفتح أي لا جور ولا ظلم "ثم يعتق" بصيغة المجهول. ولفظ مسلم ثم أعتق عليه من ماله إن كان موسراً. قال الحافظ: واتفق من قال من العلماء على أنه يباع عليه في حصة شريكة جميع ما يباع عليه في الدين على اختلاف عندهم في ذلك، ولو كان عليه دين بقدر ما يملكه كان في حكم الموسر على أصح قولي العلماء وهو كالخلاف في أن الدين هل يمنع الزكاة أم لا انتهى.
وأخرج البخاري من حديث موسى بن عقبة أخبرني نافع عن ابن عمر أنه كان يفتي في العبد أو الأمة يكون بين الشركاء فيعتق أحدهم نصيبه منه يقول قد وجب عليه عتقه كله إذا كان الذي أعتق من المال ما يبلغ يقوّم من ماله قيمة العدل ويدفع إلى الشركاء أنصباؤهم ويخلي سبيل المعتق يخبر ذلك ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا دليل على أن الموسر إذا أعتق نصيبه من مملوك عتق كله.
قال الحافظ ابن عبدالبر: لا خلاف في أن التقويم لا يكون إلا على الموسر، ثم اختلفوا في وقت العتق فقال الجمهور والشافعي في الأصح وبعض المالكية أنه يعتق في الحال. وقال

(10/335)


...................................
ـــــــ
بعض الشافعية لو أعتق الشريك نصيبه بالتقويم كان لغواً ويغرم المعتق حصة نصيبه بالتقويم، وحجتهم رواية أيوب عند البخاري حيث قال من أعتق نصيباً وكان له من المال ما يبلغ قيمته فهو عتيق وأوضح من ذلك رواية النسائي وابن حبان وغيرهما من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر بلفظ من أعتق عبداً وله فيه شركاء وله وفاء فهو حر ويضمن نصيب شركائه بقيمته. وللطحاوي من طريق ابن أبي ذئب عن نافع فكان للذي يعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه فهو كله حتى لو أعسر الموسر المعتق بعد ذلك استمر العتق وبقي ذلك ديناً في ذمته ولو مات أخذ من تركته فإن لم يخلف شيئاً لم يكن للشريك شيء واستمر العتق. والمشهور عند المالكية أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه وهو أحد أقوال الشافعي، وحجتهم رواية سالم عند البخاري حيث قال: فإن كان موسراً قوّم عليه ثم يعتق. والجواب أنه لا يلزم من ترتيب العتق على التقويم ترتيبه على أداء القيمة، فإن التقويم يفيد معرفة القيمة وأما الدفع فقدر زائد على ذلك، وأما رواية مالك التي فيها فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد فلا تقتضي ترتيبا لسياقها بالواو انتهى.
وقال النووي: إن من أعتق نصيبه من عبد مشترك قوم عليه باقيه إذا كان موسراً بقيمة عدل سواء كان العبد مسلماً أو كافراً وسواء كان الشريك مسلماً أو كافراً وسواء كان العتيق عبداً أو أمة، ولا خيار للشريك في هذا ولا للعبد ولا للمعتق، بل ينفذ هذا الحكم وإن كرهه كلهم مراعاة لحق الله تعالى في الحرية.
وأجمع العلماء على أن نصيب المعتق بنفس الإعتاق إلا ما حكاه القاضي عن ربيعة أنه قال لا يعتق نصيب المعتق موسراً كان أو معسراً، وهذا مذهب باطل مخالف للأحاديث الصحيحة كلها والإجماع.
وأما نصيب الشريك فإختلفوا في حكمه إذا كان المعتق موسراً على مذاهب أحدها وهو الصحيح في مذهب الشافعي، وبه قال ابن شبرمة والأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وإسحاق وبعض المالكية أنه عتق بنفس الإعتاق ويقوم عليه نصيب شريكه بقيمة يوم الإعتاق ويكون ولاء جميعه للمعتق، وحكمه من حين الإعتاق حكم الأحرار في الميراث وغيره، وليس للشريك إلا المطالبة بقيمة نصيبه كما لو قتله قال هؤلاء ولو أعسر المعتق بعد ذلك استمر نفوذ العتق وكانت القيمة ديناً في ذمته، ولو مات أخذت من تركته، فإن لم تكن له تركة ضاعت القيمة واستمر عتق جميعه. قالوا ولو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول نصيبه كان إعتاقه لغواً. لأنه قد صار كله حراً.

(10/336)


...................................
ـــــــ
والمذهب الثاني أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، وهو المشهور من مذهب مالك، وبه قال أهل الظاهر، وهو قول للشافعي.
والثالث مذهب أبي حنيفة للشريك الخيار إن شاء استسعى العبد في نصف قيمته وإن شاء أعتق نصيبه والولاء بينهما وإن شاء قوم نصيبه على شريكة المعتق ثم يرجع المعتق بما دفع إلى شريكه على العبد يستسعيه في ذلك والولاء كله للمعتق قال والعبد في مدة السعاية بمنزلة المكاتب في كل أحكامه. هذا كله فيما إذا كان المعتق لنصيبه موسراً.
فأما إذا كان معسراً حال الإعتاق ففيه مذاهب أيضاً أحدها مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد وموافقيهم ينفذ العتق في نصيب المعتق فقط ولا يطالب المعتق بشيء ولا يستسعى العبد بل يبقى نصيب الشريك رقيقاً كما كان، وبهذا قال جمهور علماء الحجاز لحديث ابن عمر.
المذهب الثاني مذهب ابن شبرمة والأوزاعي وأبي حنيفة وابن أبي ليلى وسائر الكوفيين وإسحاق يستسعى العبد في حصة الشريك، واختلف هؤلاء في رجوع العبد بما أدى في سعايته على معتقه فقال ابن أبي ليلى يرجع عليه وقال أبو حنيفة وصاحباه لا يرجع، ثم هو عند أبي حنيفة في مدة السعاية بمنزلة المكاتب وعند الآخرين هو حربا لسراية ثم ذكر النووي باقي المذاهب ثم قال أما إذا ملك الإنسان عبداً بكماله فأعتق بعضه فيعتق كله في الحال بغير استسعاء هذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد والعلماء كافة وانفرد أبو حنيفة فقال يستسعى في بقيته لمولاه وخالفه أصحابه في ذلك فقالوا بقول الجمهور وحكى القاضي أنه روى عن طاوس وربيعة وحماد ورواية عن الحسن كقول أبي حنيفة وقاله أهل الظاهرو عن الشعبي وعبيد الله بن الحسن العنبري أن للرجل أن يعتق من عبده ما شاء انتهى.
فإن قلت: حديث أبي هريرة المذكور يدل على ثبوت الإستسعاء وحديث عبد الله بن عمر يدل على تركه فكيف التوفيق بينهما.
قلت: إن الحديثين صحيحان لا يشك في صحتهما واتفق على اخراجهما الشيخان البخاري ومسلم. وقد جمع بين الحديثين الأئمة الحذاق منهما البخاري والطحاوي والبيهقي وغيرهم.
قال البخاري في صحيحه بعد إخراج حديث عبد الله بن عمر من طرق شتى: باب إذا أعتق نصيباً في عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة انتهى.

(10/337)


...............................................
ـــــــ
فأشار البخاري بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله في حديث ابن عمر وإلا فقد عتق منه ما عتق أي وإلا فإن كان المعتق لا مال له يبلغ قيمة بقية بقية العبد فقد تنجز عتق الجزء الذي كان يملكه وبقي الجزء الذي لشريكه على ما كان عليه أولا إلى أن يستسعى العبد في تحصيل القدر الذي يخلص به باقية من الرق إن قوي على ذلك، فإن عجز نفسه استمرت حصة الشريك موقوفة، وهو مصير من البخاري إلى القول بصحة الحديثين جميعاً والحكم برفع الزيادتين معاً وهما قوله في حديث ابن عمر وإلا فقد عتق منه ما عتق، وقوله في حديث أبي هريرة فاستسعى به غير مشقوق عليه. قاله الحافظ في الفتح.
وأما الطحاوي فإنه أخرج أولا حديث ابن عمر ثم قال فثبت أن ما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك إنما هو في الموسر خاصة فأردنا أن ننظر في حكم عتاق المعسر كيف هو فقال قائلون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فقد عتق منه ما عتق دليل أن ما بقي من العبد لم يدخله عتاق فهو رقيق للذي لم يعتق على حاله وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا بل يسعى العبد في نصف قيمته للذي لم يعتقه، وكان من الحجة لهم في ذلك أن أبا هريرة رضي الله عنه قد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن عمر وزاد عليه شيئاً بين به كيف حكم ما بقي من العبد بعد نصيب المعتق ثم ساق حديث أبي هريرة وقال بعد ذلك فكان هذا الحديث فيه ما في حديث ابن عمر فيه وجوب السعاية على العبد إذا كان معتقه معسراً، ثم روى حديث أبي المليح عن أبيه وقال بعد ذلك: فدل قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس لله شريك على أن العتاق إذا وجب ببعض العبد لله انتفي أن يكون لغيره على بقيته ملك، فثبت بذلك أن إعتاق الموسر والمعسر جميعاً يبرئان العبد من الرق، فقد وافق حديث أبي المليح أيضاً حديث أبي هريرة، وزاد حديث أبي هريرة على حديث أبي المليح وعلى حديث ابن عمر وجوب السعاية للشريك الذي لم يعتق إذا كان المعتق معسراً. فتصحيح هذه الآثار يوجب العمل بذلك ويوجب الضمان على المعتق الموسر لشريكه الذي لم يعتق ولا يوجب الضمان على المعتق المعسر، ولكن العبد يسعى في ذلك لم يعتق. وهذا قول أبي يوسف ومحمد وبه نأخذ انتهى.
وفي فتح الباري: وعمدة من ضعف حديث الإستسعاء في حديث ابن عمر قوله وإلا فقد عتق منه ما عتق، وقد تقدم أنه في حق المعسر وأن المفهوم من ذلك أن الجزء الذي لشريك المعتق باق على حكمه الأول وليس فيه التصريح بأن يستمر رقيقاً ولا فيه التصريح بأنه يعتق كله.
فللذي صحح رفع الإستسعاء أن يقول معنى الحديثين أن المعسر إذا أعتق حصته لم يسر

(10/338)


3941 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قال أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال أخبرنا شُعْبَةُ عن خَالِدٍ عن أبي بِشْرٍ الْعَنْبَرِيّ عن ابنِ الثّلِبّ عن أبِيهِ: أنّ رَجُلاً أعْتَقَ نَصِيباً لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ فلَمْ يُضَمّنْهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
العتق في حصة شريكه بل تبقى حصة شريكه على حالها وهي الرق ثم يستسعى في عتق بقيته فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده ويدفعه إليه ويعتق، وجعلوه في ذلك كالمكاتب وهو الذي جزم به البخاري. والذي يظهر أنه في ذلك باختياره لقوله غير مشقوق عليه، فلو كان ذلك على سبيل اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتي يحصل ذلك لحصل له بذلك غاية المشقة وهو لا يلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور لأنها غير واجهة فهذه مثلها وإلى هذا الجمع مال البيهقي وقال لا يبقى بين الحديثين معارضة أصلا، وهو كما قال إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة الشريك إذا لم يختر العبد الإستسعاء فيعارضه حديث أبي المليح عن أبيه أخرجه أبو داوود والنسائي.
وحديث سمرة عند أحمد بلفظ: أن رجلا أعتق شقصاً له في مملوك فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو كله فليس لله شريك، ويمكن حمله على ما إذا كان المعتق غنياً أو على ما إذا كان جميعه له فأعتق بعضه، فقد روى أبو داوود من طريق ملقام بن التلب عن أبيه أن رجلا أعتق نصيبه م مملوك فلم يضمنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو محمول على المعسر وإلا لتعارضا انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"عن ابن التلب" اسمه ملقام. قال في التقريب ملقام بكسر أوله وسكون اللام ثم قاف ويقال بالهاء بدل الميم ابن الميم ابن التلب بفتح المثناة وكسر اللام وتشديد الموحدة التميمي العنبري مستور من الخامسة انتهى.
قال المنذري: وابن التلب اسمه ملقام ويقال فيه هلقام وأبوه يكني أبل الملقام قال النسائي ينبغي أن يكون ملقام بن التلب ليس بالمشهور وقال البيهقي إسناده غير قوي انتهى.
وفي الإصابة التلب بن ثعلبة له صحبة وأحاديث روى له أبو داوود والنسائي وقد استغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وهو بفتح المثناة وكسر اللام بعدها موحدة حفيفة وقيل ثقيلة انتهى وحسن إسناده في الفتح "عن أبيه" التلب بن ثعلبة بن ربيعة "فلم يضمنه" قال الخطابي: هذا غير مخالف للأحاديث المتقدمة وذلك أنه إذا كان معسراً لم يضمن وبقي الشقص مملوكاً انتهى وتقدم من قول الحافظ أيضاً أنه محمول على المعسر.

(10/339)


قال أَحْمَدُ: إنّمَا هُوَ - بالتّاءِ - يَعني التّلِبّ، وَكَانَ شُعْبَةُ ألْثَغُ لَمْ يُبَيّنِ التّاءِ مِنَ الثّاءِ.
ـــــــ
وما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما قال يضمن انتهى فهو محمول على على الموسر والله أعلم "قال أحمد" بن حنبل "إنما هو" التلب "بالتاء" المثناة الفوقانية "وكان شعبة" بن الحجاج "ألثغ" هو من لا يقدر على أداء بعض الحروف كالراء والسين والغين ونحوها.
قال في المصباح: اللثغة على وزن غرفة حبسة في اللسان حتى تصير الراء لاماً أو غيناً أو السين ثاء ونحو ذلك.
قال الأزهري: اللثغة أن يعدل بحرف إلى حرف ولثغ لثغاً من باب تعب فهو ألثغ انتهى "لم يبين" شعبة للثغته "التاء" المثناة الفوقانية "من الثاء" المثلثة.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال أبو القاسم البغوي: وبلغني أن شعبة كان ألثغ وكان يقول الثلب وإنما هو التلب.

(10/340)


7- باب فيمن ملك ذا رحم محرم
3942 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ وَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَقال مُوسَى في مَوْضِعٍ آخَرَ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ فِيمَا يَحْسِبُ حَمّادٌ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مُحْرِمٍ فَهُوَ حُرّ" .
ـــــــ
"باب فيمن ملك ذا رحم محرم"
"من ملك ذا رحم" بفتح الراء وكسر الحاء وأصله موضع تكوين الولد ثم استعمل للقرابة فيقع على كل من بينك وبينه نسب يوجب تحريم النكاح "محرم" احترزا عن غيره وهو بالجمر وكان القياس أن يكون بالنصب لأنه صفة ذا رحم لا نعت رحم ولعله من باب جر الجوار كقوله
ـــــــ
ذكر كلام المنذري على حديث "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" إلى آخره.
ثم قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
هذا الحديث له خمس علل.
إحداها : تفرد حماد بن سلمة به فإنه لم يحدث به غيره.

(10/340)


...................................
ـــــــ
بيت ضب خرب وماء شن بارد، ولو روى مرفوعاً لكان له وجه كذا في المرقاة بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الراء المخففة، ويقال محرم بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الراء المفتوحة.
قال في النهاية ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء يقال ذو رحم محرم ومحرم وهم من لا يحل نكاحه كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة "فهو حر" يعني يعتق عليه بدخوله في ملكه.
قال ابن الأثير: والذي ذهب إليه أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد أن م ملك ذا رحم محرم عتق عليه ذكراً كان أو أنثى.
وذهب الشافعي وغيره من الأئمة والصحابة والتابعين إلى أنه يعتق عليه الأولاد والآباء
ـــــــ
العلة الثانية : أنه قد اختلف فيه حماد وشعبة عن قتادة فشعبة أرسله وحماد وصله وشعبة هو شعبة.
العلة الثالثة : أن سعيد بن أبي عروبة خالفهما فرواه عن قتادة عن عمر بن الخطاب: قوله.
العلة الرابعة : أن محمد بن يسار رواه عن معاذ عن أبيه عن قتادة عن الحسن قوله وقد ذكر أبو داود هذين الأثرين.
العلة الخامسة : الاختلاف في سماع الحسن من سمرة.
ذكر حديث النسائي كما ذكره المنذري إلى آخر الباب.
ثم زاد الشيخ ابن القيم رحمه الله:
وقال الإمام أحمد عن ضمرة: إنه ثقة إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل أحدهما هذا الحديث.
وقد روى البيهقي وغيره من حديث أبي صالح عن ابن عباس قال جاء رجل يقال له صالح بأخيه فقال يارسول الله إني أريد أن أعتق أخي هذا فقال: "إن الله أعتقه حين ملكته" .
ولكن في هذا الحديث بليتان عظيمتان العرزمي وهو عبدالرحمن بن محمد عن الكلبي كسير عن عوير.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" وهذا مشترك الدلالة.

(10/341)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى مُحمّدُ بنُ بَكْرٍ البرْسَانِيّ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن قَتَادَةَ وَعَاصِمٍ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يُحَدّثْ هَذَا الْحَدِيثَ إلاّ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ، وَقَدْ شَكّ فِيهِ.
3943 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ الأَنْبَارِيّ قال أخبرنا عَبْدُالْوَهّابِ عن سَعِيدٍ
ـــــــ
والأمهات ولا يعتق عليه غيرهم من ذوي قرابته. وذهب مالك إلى أنه يعتق عليه الولد والولدان والأخوة ولا يعتق غيرهم انتهى.
قال النووي: اختلفوا في عتق الأقارب إذا ملكوا، فقال أهل الظاهر: لا يعتق أحد منهم بمجرد الملك سواء الولد والولد وغيرهما بل لا بد من إنشاء عتق، واحتجوا بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجزي ولد، عن والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه" رواه مسلم وأصحاب السنن وقال الجمهور: يحصل العتق في الأصول وإن علوا وفي الفروع وإن سفلوا بمجرد الملك، واختلفوا فيما وراءهما فقال الشافعي وأصحابه لا يعتق غيرهما بالملك، وقال مالك يعتق الأخوة أيضاً.
وقال أبو حنيفة: يعتق جميع ذوي الأرحام المحرمة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقد تقدم اختلاف الأئمة في سماع الحسن من سمرة.
وقال أبو داوود لم يحدث هذا الحديث إلا حماد بن سلمة وقد شك فيه. وقال أبو داوود من هذا أن الحديث ليس بمرفوع أو ليس بمتصل إنما هو عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الترمذي هذا الحديث لا نعرفه مسنداً إلا من حديث حماد بن سلمة. وقال البيهقي: والحديث إذا تفرد حماد بن سلمة لم يشك فيه ثم يخالفه فيه من هو أحفظ منه وجب التوقف فيه.
وقد أشار البخاري إلى تضعيف هذا الحديث وقال على بن المديني هذا عندي منكر انتهى.
"روى محمد بن بكر" هذه العبارة أي من قوله روى محمد بن بكر البرساني إلى قوله وقد شك فيه ليست من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكرها المنذري. قال المزي في الأطراف: حديث أبي بكر البرساني في رواية أبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم انتهى.
"عن قتادة أن

(10/342)


عن قَتَادَةَ أنّ عُمَرَ ابنَ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ قال: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مُحْرِمٍ فَهُوَ حُرّ".
3944 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ أخبرنا عَبْدُ الْوَهّابِ عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ قالَ: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مُحْرِمٍ فَهُوَ حُرّ".
3945 - حدثنا أبُو بَكْرٍ بنُ أبي شَيْبَةَ قال أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ عن جَابِرِ بنِ زَيْدٍ وَ الْحَسَنِ مِثْلَهُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: سَعِيدٌ أَحْفَظُ مِنْ حَمّادٍ.
ـــــــ
عمر بن الخطاب" قال المنذري: وأخرجه النسائي وهو موقوف وقتادة لم يسمع من عمر فإن مولده بعد وفاة عمر بنيف وثلاثين سنة.
"قتادة عن الحسن" قال المنذري: وأخرجه النسائي وهو مرسل.
"عن قتادة عن جابر بن زيد والحسن" قال المنذري: وأخرجه النسائي وهو أيضاً مرسل. وقد أخرج النسائي وابن ماجه في سننهما من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ملك ذا رحم محرم عتق" ولفظ ابن ماجه " من ملك ذا رحم محرم فهو حر".
وقال النسائي: هذا حديث منكر ولا نعلم أحداً رواه عن سفيان غير ضمرة وقال الترمذي: ولم يتابع ضمرة بن ربيعة على هذا الحديث وهو حديث خطأ عند أهل الحديث.
وذكر البيهقي أنه وهم فاحش والمحفوظ بهذا الإسناد حديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، وضمرة بن ربيعة لم يحتج به صاحبا الصحيح. هذا آخر كلامه وضمرة بن ربيعة هو أبو عبد الله الفلسطيني وثقه يحيى بن معين وغيره ولم يخرج البخاري ومسلم من حديثه شيئاً كما ذكر والوهم حصل له في هذا الحديث كما ذكر الأئمة انتهى.
"سعيد أحفظ من حماد" لم توجد هذه العبارة في بعض النسخ والله أعلم.

(10/343)


8- باب في عتق أمهات الأولاد
3946 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدِ بنِ
ـــــــ
"باب في عتق أمهات الأولاد"
هل هي معتقة بعد موت سيدها أو يجوز بيعها لوارثه، ولم يذكر الحكم ما هو، فكأنه تركه

(10/343)


إسْحَاقَ عن خَطّابِ بنِ صَالحٍ مَوْلَى الأنْصَارِ عن أُمّهِ عن سَلاَمَةَ بِنْتِ مَعْقِلٍ - امْرَأَةٍ مِنْ
ـــــــ
للخلاف فيه قال الحافظ أبو عمر اختلف السلف والخلف من العلماء في عتق أم الولد وفي جواز بيعها، فالثابت عن عمر رضي الله عنه عدم جواز بيعها، وروي مثل ذلك عن عثمان وعمر بن عبدالعزير وهو قول أكثر التابعين منهم الحسن وعطاء ومجاهد وسالم وابن شهاب وإبراهيم وإلى ذلك ذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة والشافعي في أكثر كتبه وقد أجاز بيعها في بعض كتبه. وقال المزني: قطع في أربعة عشر موضعاً من كتبه بأن لاتباع وهو الصحيح من مذهبه وعليه جمهور أصحابه، وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وكان أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن الزبير وجابر وأبو سعيد الخدري يجيزون بيع أم الولد وبه قال داوود. قاله العيني في شرح البخاري. وقال ابن الهمام في شرح الهداية أم الولد هي الأمة التي يثبت نسب ولدها من مالك كلها أو بعضها ولا يجوز بيعها ولا تمليكها ولا هبتها بل إذا مات سيدها ولم ينجز عتقها تعتق بموته من جميع المال ولا تسعى لغريم وإن كان السيد مديوناً مستغرقاً وهذا مذهب جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء إلا من لا يعتد به كبشر المريسي وبعض الظاهرية فقالوا يجوز بيعها، واحتجوا بحديث جابر الآتي. ونقل هذا المذهب عن الصديق وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وابن الزبير لكن عن ابن مسعود بسند صحيح وابن عباس يعتق من نصيب ولدها، ذكره ابن قدامة فهذا يصرح برجوعهما على تقدير صحة الرواية الأولى عنهما انتهى.
"عن خطاب بن صالح" هو المدني معدود في الثقات وثقه البخاري "عن أمه" قال في التقريب: أم خطاب لا تعرف "عن سلامة" بفتح السين وتخفيف اللام "بنت معقل" قال في الإصابة وفي تاريخ البخاري نقل الخلاف في ضبطه هل هو بالعين المهملة والقاف أو المعجمة والفاء الثقيلة ذكره يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق بالغين المعجمة، وعن
ـــــــ
ذكر كلام المنذري على الحديث إلى قوله وقال البيهقي: إنه أحسن شيء روي في الباب قال الشيخ ابن القيم رحمه الله:
ولكن هذا على جواز بيعهن أدل منه على عدمه ولا يخفى ذلك.
ورواه أحمد في مسنده وزاد في آخره "فاختلفوا فيما بينهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قوم: أم الولد مملوكة لولا ذلك لم يعوضكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم هي حرة أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي هذا كان الاختلاف.

(10/344)


خَارِجَةَ قَيْسِ عَيْلاَنَ - قالَتْ: قَدِمَ بِي عَمّي في الْجَاهِلِيّةِ، فَبَاعَنِي مِنَ الْحُبَابِ بنِ عَمْرٍو أخِي أبِي الْيَسَرِ بنِ عَمْرٍو، فَوَلَدْتُ لَهُ عبد الرحمن بنَ الْحُبَابِ ثُمّ هَلَكَ، فقالَتِ امْرَأَتُهُ: الآن وَالله تُبَاعِينَ في دَيْنِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله إنّي امْرَأَةٌ مِنْ خَارِجَةَ قَيْسِ عَيْلاَنَ [غيلان] قَدِمَ بِي عَمّي المَدِينَةَ في الْجَاهِلِيّةِ فَبَاعَنِي مِنَ الْحُبَابِ بنِ عَمْرٍو أخِي أبي اليُسَرِ بنِ عَمْرٍو فَوَلَدْتُ لَهُ عبد الرحمن بنَ الْحُبَابِ، فقالَتِ امْرَأَتُهُ: الآن والله تُبَاعِينَ في دَيْنِهِ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَلِيّ الْحُبَابِ"؟ قِيلَ: أخُوهُ أبُو الْيَسَرِ بنُ عَمْرٍو، فَبَعَثَ إلَيْهِ فقال: "أعْتِقُوهَا فإذَا سَمِعْتُمْ بِرَقِيقٍ قَدِمَ عَلَيّ فائْتُونِي أعَوّضْكُم مِنْهَا ". قالَتْ: فأعْتَقُونِي وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَقِيقٌ فَعَوّضَهُمْ مِنّي غُلاَماً.
ـــــــ
محمد بن سلمة ويونس ابن بكير بالعين المهملة انتهى "امرأة من خارجة قيس عيلان" بالعين المهملة قال في القاموس وشرحه: أم خارجة هي امرأة من بجيلة ولدت كثيراً من القبائل وخارجة ابنها ولا يُعْلم ممن هو أو خارجة بن بكر بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان ويقال خارجة بن عيلان انتهى "من الحباب" بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة "أبي اليسر" بفتح التحتية والسين المهملة اسمه كعب يعد في أهل المدينة وهو صحابي أنصاري بدري "ثم هلك" أي الحباب بن عمرو "فقالت امرأته" أي الحباب "والله تباعين في دينه" أي لأجل قضاء دينه الذي كان عليه "من وليّ الحباب" ولفظ أحمد في مسنده "فقال من صاحب تركة الحباب بن عمرو؟ قالوا أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو فدعاه فقال: لاتبيعوها وأعتقوها فإذا سمعتم برقيق قد جاءني فائتوني أعوضكم ففعلوا فاختلفوا فيما بينهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيّ كان الاختلاف" انتهى "أعتقوها" ظاهره أن أم الولد لا تعتق بمجرد موت سيدها حتى يعتق ورثته لكن قال البيهقي: إن المراد بأعتقوها خلوا سبيلها. قلت: ويدل على هذا المعنى روايات أخرى وستأتي وهي صريحة في أنها تعتق بمجرد موت سيدها ولا تتوقف على عتق ورثته والله أعلم.
"قالت فأعتقوني" والحديث فيه دلالة على عدم جواز بيع أم الولد لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن البيع وأمرهم بالإعتاق وتعويضهم عنها ليس فيه دليل على أنه كان يجوز بيعها لاحتمال أنه عوضهم لما رأى من احتياجهم، أو أن العوض من باب الفضل منه صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وطىء أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه" رواه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي وله طرق.

(10/345)


3947 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن قَيْسٍ عن عَطَاءٍ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: بِعْنَا أُمّهَاتِ الأوْلاَدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأبي بَكْرٍ، فلَمّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا فانْتَهَيْنَا.
ـــــــ
وفي لفظ "أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه أو قال من بعده" رواه أحمد والدارمي.
وعن ابن عباس قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أعتقها ولدها" رواه ابن ماجه والدارقطني. وفي حديثي ابن عباس الحسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف وروى القاسم بن أصبغ في كتابه بسند ليس فيه الحسين عن ابن عباس قال: لما ولدت مارية إبراهيم قال صلى الله عليه وسلم: "أعتقها ولدها" قال ابن القطان سنده جيد.
وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن يستمتع بها السيد ما دام حياً وإذا مات فهي حرة" رواه الدارقطني والبيهقي مرفوعاً وموقوفاً وقال الصحيح وقفه على عمر وكذا قال عبدالحق. وقال صاحب الإلمام: المعروف فيه الوقف والذي رفعه ثقة.
ورواه مالك في الموطأ والدارقطني من طريق آخر عن ابن عمر عن عمر من قوله قال في المنتقي وهو أصح. قال ابن القطان: وعندي أن الذي أسنده خير ممن وقفه. وقد حكى ابن قدامة إجماع الصحابة على عدم الجواز ولا يقدح في صحة هذه الحكاية ما روي عن علي وابن عباس وابن الزبير من الجواز لأنه قد روى عنهم الرجوع عن المخالفة كما حكى ذلك ابن رسلان في شرح السنن.
وأخرج عبدالرزاق عن علي بإسناد صحيح أنه رجع عن رأيه الآخر إلى قول جمهور الصحابة. وأخرج أيضاً عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني قال سمعت علياً يقول اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن ثم رأيت بعد أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إليّ من رأيك وحدك في الفرقة. وهذا الإسناد معدود في أصح الأسانيد. قاله الشوكاني.
قال المنذري: والحديث في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه.
وقال الخطابي: ليس إسناده بذاك. وذكر البيهقي أنه أحسن شيء روى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا بعد أن ذكر أحاديث في أسانيدها مقال انتهى.
"عن عطاء" هو ابن أبي رباح "فلما كان عمر" أي صار خليفة "نهانا" عن بيع أمهات

(10/346)


...................................
ـــــــ
الأولاد "فانتهينا" وأخرج أحمد وابن ماجه عن أبي الزبير عن جابر أنه سمعه يقول كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا والنبي صلى الله عليه وسلم فينا حي لا نرى بذلك بأساً. قال البيهقي: وليس في شيء من الطرق أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك يعني بيع أمهات الأولاد وأقرهم عليه انتهى.
وأيضاً قول جابر لا نرى بذلك بأساً الرواية فيه بالنون التي للجماعة ولو كانت بالياء التحتية لكان دلالة على التقرير لكن قال الحافظ في الفتح أنه روى ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق أبي سلمة عن جابر ما يدل على ذلك يعني الإطلاع والتقرير، كذا في النيل. قلت: ستجيء الرواية بالياء التحتية أيضاً في كلام المنذري.
,اما قول الصحابي: كنا نفعل فمحمول على الرفع على الصحيح وعليه جرى عمل الشيخين.
ـــــــ
ذكر حديث جابر إلى قول المنذري وزيد العمي ضعيف ثم قال الشيخ ابن القيم رحمه الله.
وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد قال جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله إنا نصيب سبيا فنحب الأثمان.
فكيف ترى في العزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنكم تفعلون لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا وهي خارجة".
وهذا لا يدل على منع بيعهن لوجهين.
أحدهما: أن الحمل يؤخر بيعها فيفوته غرضه من تعجيل البيع.
الثاني: أنها إذا صارت أم ولد آثر إمساكها لتربية ولده فلم يبعها لتضرر الولد بذلك.
وقد احتج على منع البيع بحجج كلها ضعيفة.
منها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وطىء أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه".
وفي لفظ أيما امرأة علقت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه أو قال من بعده وفي لفظ فهي حرة من بعد موته.
وهذا الحديث مداره على حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس وهو ضعيف الحديث ضعفه الأئمة.
وكذلك حديث ابن عباس الآخر ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أعتقها ولدها" رواه ابن ماجه.

(10/347)


...................................
ـــــــ
وأخرج عبدالرزاق أنبأنا ابن جريج أنبأنا عبد الرحمن بن الوليد أن أبا إسحاق الهمداني أخبره أن أبا بكر الصديق كان يبيع أمهات الأولاد في إمارته وعمر في نصف إمارته.
قال المنذري: وأخرج النسائي وابن ماجه من حديث أبي الزبير عن جابر قال كنا نبيع أمهات الأولاد والنبي صلى الله عليه وسلم حي ما يرى بأساً وهو حديث حسن. وأخرج النسائي من حديث زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد في أمهات الأولاد وقال كنا نبيعهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أن زيد العمي لا يحتج بحديثه قال بعض أهل العلم: يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يشعر بذلك أنه أمر يقع نادراً أو ليست أمهات الأولاد كسائر الرقيق التي يتداولها الأملاك فيكثر بيعهن فلا يخفى الأمر على الخاصة والعامة. وقد يحتمل أن يكون ذلك مباحاً في العصر الأول ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولم يعلم
ـــــــ
وهو أيضا من رواية حسين.
وكذلك حديث ابن عباس الآخر يرفعه أم الولد حرة وإن كان سقطا ذكره الدارقطني وهو من رواية الحسين بن عيسى الحنفي وهو منكر الحديث ضعيفه والمحفوظ فيه رواية سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن عمر أنه قال في أم الولد أعتقها ولدها وإن كان سقطا وكذلك رواه ابن عيينة عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن عمر ورواه خصيف الجزري عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر فعاد الحديث إلى عمر.
قال البيهقي: وهو الأصل في ذلك.
ومنها: ما رواه الدارقطني من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال لا تبعن ولا توهبن ولا تورثن يستمتع بها سيدها ما دام حيا فإذا مات فهي حرة.
وهذا لا يصح رفعه بل الصواب فيه ما رواه مالك في الموطأ عن ابن عمر عن عمر قوله هكذا رواه عن نافع عبيد الله ومالك والناس.
وكذلك رواه الثوري وسليمان بن بلال وغيرهما عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال البيهقي وغلط فيه بعض الرواة فقال فيه عن عبد الله بن دينار فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو وهم لا تحل روايته.
ومنها: ما رواه البيهقي وغيره عن سعيد بن المسيب أن عمر أعتق أمهات الأولاد وقال أعتقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف.
قال البيهقي: تفرد به عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي عن مسلم بن يسار عن ابن المسيب قال والإفريقي غير محتج به.

(10/348)


.........................................
ـــــــ
به أبو بكر لأن ذلك لم يحدث في أيامه لقصر مدتها أو لاشتغاله بأمور الدين ومحاربة أهل الردة ثم نهى عنه عمر رضي الله عنه حين بلغه ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنتهوا عنه انتهى.
وقال في المنتقى: إنما وجه هذا أن يكون ذلك مباحاً ثم نهي عنه ولم يظهر النهي لمن باعها ولا علم أبو بكر بمن باع في زمانه لقصر مدته واشتغاله بأهم أمور الدين ثم ظهر ذلك زمن عمر فأظهر النهي والمنع. وهذا مثل حديث جابر أيضاً في المتعة قال كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهانا عنه عمر في شأن عمرو بن حريث رواه مسلم وإنما وجهه ما سبق لامتناع النسخ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.
وقال التوربشتي: يحتمل أن النسخ لم يبلغ العموم في عهد الرسالة ويحتمل أن بيعهم في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل النسخ وهذا أولى التأويلين وأما بيعهم في خلافة أبي بكر فلعل ذلك
ـــــــ
ومنها: ما رواه البيقهي وغيره من حديث خوات بن جبير أن رجلا أوصى إليه وكان فيما ترك أم ولد له وامرأة حرة فوقع بين المرأة وبين أم الولد بعض الشيء فأرسلت إليها الحرة لتباعن رقبتك يالكع فرفع ذلك خوات بن جبير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تباع" وأمر بها فأعتقت.
قال البيهقي: وهذا مما تفرد بإسناده رشدين بن سعد وابن لهيعة وهما غير محتج بهما.
وأحسن شيء روى فيه فذكر حديث سلامة بنت معقل وقد تقدم وذكرنا أنه لا دلالة فيه.
وقد ثبت عن عبيدة السلماني قال قال علي استشارتي عمر في بيع أمهات الأولاد فرأيت أنا وهو أنها عتيقة فقضى به عمر حياته وعثمان بعده فلما وليت رأيت أنها رقيق.
وعن عبيدة قال: قال علي اجتمع رأيي ورأي عمر على عتق أمهات الأولاد ثم رأيت بعد أن أرقهن في كذا وكذا قال فقلت رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة وفي لفظ: في الفتنة.
فهذا يدل على أن منع بيعهن إنما هو رأي رآه عمر ووافقه عليه علي وغيره ولو كان عند الصحابة سنة من النبي صلى الله عليه وسلم بمنع بيعهن لم يعزم علي على خلافها ولم يقل له عبيدة رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا وأقره علي على أن ذلك رأي.
وقال الشافعي: ولا يجوز لسيدها بيعها ولا إخراجها من ملكه بشيء غير العتق وإنها حرة إذا مات من رأس المال ثم ساق الكلام إلى أن قال:
وهو تقليد لعمر بن الخطاب.

(10/349)


............................
ـــــــ
كان في فرد قضية فلم يعلم به أبو بكر رضي الله عنه ولا من كان عنده علم بذلك، فحسب جابر أن الناس كانوا على تجويزه فحدث ما تقرر عنده في أول الأمر، فلما اشتهر نسخة في زمان عمر رضي الله عنه عاد إلى قول الجماعة، يدل عليه قوله فلما كان عمر نهانا عنه فانتهينا انتهى.
ـــــــ
وقد سلك طائفة في تحريم بيعهن مسلكا لا يصح فادعوا الإجماع السابق قبل الاختلاف الحادث.
وليس في ذلك إجماع بوجه.
قال سعيد بن منصور في سننه حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس في أم الولد قال بعها كما تبيع شاتك أو بعيرك.
وباعهن علي وأباح ابن الزبير بيعهن.
وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي إلى أي شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد قال أكرهه وقد باعهن علي بن أبي طالب.
وقال في رواية إسحاق بن منصور: لا يعجبني بيعهن.
فاختلف أصحابه على طريقتين.
إحداهما : أن عنه في المسألة روايتين وهذه طريقة أبي الخطاب وغيره.
والثانية : أنها رواية واحدة وأحمد أطلق الكراهة على التحريم وهذه طريقة الشيخ أبي محمد بن قدامة المقدسي صاحب المغني وغيره.
وقول علي: أقضوا كما كنتم تقضون فأني أكره الاختلاف ليس صريحا في الرجوع عن قوله رأيت أن أرقهن والله أعلم.

(10/350)


9- باب في بيع المدبر
3948 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قال أخبرنا هُشَيْمٌ عن عَبْدِالمَلِكِ بنِ أبي سُلَيْمانَ عن عَطَاءٍ وَ إِسْمَاعِيلَ بنِ أبي خَالِدٍ عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ عن عَطَاءٍ عن جَابِرِ بنِ
ـــــــ
"باب في بيع المدبر"
بصيغة المجهول من باب التغليل وهو الذي علق سيده عتقه على موته، سمي به لأن الموت دبر الحياة ودبر كل شيء ما وراءه، وقيل لأن السيد دبر أمر دنياه باستخدامه واسترقاقه وأمر آخرته بإعتاقه، أي هذا باب في جواز بيع المدبر.
"عن عطاء" هو ابن أبي رباح "وإسماعيل بن أبي خالد" معطوف على عبدالملك بن أبي سليمان، فهشيم يروي من طريقين: الأولى عن عبدالملك عن عطاء.

(10/350)


عَبْدِالله: أنّ رَجُلاً أعْتَقَ غُلاَماً لَهُ عن دُبُرٍ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَأَمَرَ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَبِيعَ بِسَبْعِمِائَةِ أوْ بِتِسْعِمِائَةٍ.
3949 - حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ قال أخبرنا بِشْرُ بنُ بَكْرٍ قال أخبرنا الأوْزَاعِيّ قال حدّثني عَطَاءُ ابنُ أبِي رَبَاحٍ قال حدّثني جَابِرُ بنُ عبد الله بِهَذَا. زَادَ: وَقال - يَعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم - " أنْتَ أحَقّ بِثَمَنِهِ، وَالله أغْنَى عَنْهُ" .
3950 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قال أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبراهِيمَ قال أخبرنا أيّوبُ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ: أنّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أبُو مَذْكُورٍ أعْتَقَ غُلاَماً لَهُ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ عن دُبُرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَدَعَا بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: مَنْ يَشْتَرِيِهِ؟
ـــــــ
والثانية عن إسماعيل بن أبي خالد عن سلمة بن كهيل عن عطاء بن أبي رباح عن جابر. وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق إسماعيل وسلمة وعطاء، فإسماعيل وسلمة قرينان من صغار التابعين وعطاء من أوساطهم، قاله الحافظ "عن دبر منه" بضم الدال المهملة والموحدة وسكونها أيضاً أي بعد موته، يقال دبرت العبد إذا علقت عتقه بموتك وهو التدبير كما مر أي أنه يعتق بعد ما يدبر سيده ويموت "ولم يكن له مال غيره" استدل به على جواز البيع إذا احتاج صاحبه إليه "فأمر به" أي بالغلام "فبيع بسبعمائة أو بتسع مائة" قال في الفتح اتفقت الطرق على أن ثمنه ثمان مائة درهم إلا ما أخرجه أبو داوود من طريق هشيم عن إسماعيل قال سبعمائة أو تسعمائة انتهى.
وأخرج البخاري في الأحكام ولفظه "بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أصحابه أعتق غلاماً له عن دبر لم يكن له مال غيره فباعه بثمان مائة درهم ثم أرسل بثمنه إليه" ولفظ الإسماعيلي "رجل أعتق غلاماً له عن دبر وعليه دين فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمان مائة درهم".
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولا.
-"أنت أحق بثمنه" أي بثمن العبد لأجل احتياجك وفقرك أو الدين الذي عليك "والله أغنى" أي عن عتق هذا العبد مع احتياجك.
"أبو مذكور" وفيب رواية لمسلم أعتق رجل من بني عذرة يقال له أبو مذكور، وكذا وقع بكنيه عند مسلم والمؤلف والنسائي. وقال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة أبو مذكور الصحابي أعتق غلاماً له عن دبر "يعقوب" القبطي مولى أبي مذكور من الأنصار "عن دبر" بأن قال أنت حر بعد موتي "ولم يكن له مال غيره فدعا به" وعند البخاري في باب بيع المزايدة أعتق

(10/351)


فاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بنُ عبد الله بنِ النّحّامِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمّ قال: إذَا
ـــــــ
غلاماً له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم "من يشتريه" أي هذا الغلام مني "نعيم" بضم النون مصغراً "عبد الله بن النحام" بفتح النون وتشديد الحاء المهملة "فدفعها إليه" أي دفع النبي صلى الله عليه وسلم تلك الدراهم إلى أبي مذكور الأنصاري.
وفي رواية البخاري المذكور بيان سبب بيعه وهو الاحتياج إلى ثمنه. وعند النسائي من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل بلفظ أن رجلا من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر وكان محتاجاً وكان عليه دين فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمان مائة درهم فأعطاه وقال اقض دينك، فاتفقت هذه الروايات على أن بيع المدبر كان في حياة الذي دبره إلا ما رواه شريك عن سلمة بن كهيل بهذا الإسناد أن رجلا مات وترك مدبراً وديناً فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فباعه في دينه. أخرجه الدارقطني. ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوري أن شريكا أخطأ فيه والصحيح ما رواه الأعمش وغيره عن سلمة، وفيه ودفع ثمنه إليه قاله الحافظ.
قال صاحب التلويح: اختلف العلماء هل المدبر يباع أم لا، فذهب أبو حنيفة ومالك وجماعة من أهل الكوفة إلى أنه ليس للسيد أن يبيع مدبره. وأجازه الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأهل الظاهر، وهو قول عائشة ومجاهد والحسن وطاووس، وكرهه ابن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن سيرين وابن المسيب والزهري والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى والليث بن سعد. وعن الأوزاعي لا يباع إلا من رجل يريد عتقه. وجوز أحمد بيعه بشرط أن يكون على السيد دين. وعن مالك يجوز بيعه عند الموت ولا يجوز في حال الحياة وكذا ذكره ابن الجوزي عنه. وحكى مالك إجماع أهل المدينة على بيع المدبر أو هبته انتهى.
قال العيني: وعند الحنيفة المدبر على نوعين مدبر مطلق نحو ما إذا قال لعبده إذا متّ فأنت حر أو أنت حر يوم أموت، أو أنت حر عن دبر مني، أو أنت مدبر أو دبرتك، فحكم هذا أنه لا يباع ولا يوهب ويستخدم ويؤجر، وتوطأ المدبرة وتنكح، وبموت المولى يعتق المدبر من ثلث ماله ويسعى في ثلثيه أي ثلثي قيمته إن كان المولى فقيراً ولم يكن له مال غيره، ويسعى في كل قيمته لو كان مديوناً بدين مستغرق جميع ماله.
النوع الثاني: مدبر مقيد نحو قوله إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا فأنت حر أو قال إن مت إلى عشر سنين أو بعد موت فلان ويعتق إن وجد الشرط وإلا فيجوز بيعه انتهى.
قال النووي: في هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يجوز بيع المدبر قبل موت سيده لهذا الحديث وقياساً على الموصي يعتقه فإنه يجوز بيعه بالإجماع. وممن جوزه

(10/352)


كَانَ أحَدُكُم فَقِيراً فَلْيَبْدَأْ بنَفْسِهِ، فإنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ، فإنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى ذِي قَرَابَتِهِ، أوْ قالَ عَلَى ذِي رَحِمِهِ، وَإنْ كَانَ فَضْلاً فَهَهُنَا وَهَهُنَا" .
ـــــــ
عائشة وطاووس وعطاء والحسن ومجاهد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداوود رحمه الله: وقال أبو حنيفة ومالك رحمه الله وجمهور العلماء والسلف من الحجازيين والشاميين والكوفيين رحمهم الله تعالى لا يجوز بيع المدبر قالوا وإنما باعه النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على سيده. وقد جاء في رواية للنسائي والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: اقض به دينك قالوا وإنما دفع إليه ثمنه ليقضي به دينه وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره فرد تصرفه قال هذا القائل وكذلك يرد تصرف من تصدق بكل ماله وهذا ضعيف باطل، والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله: وقال القاضي عياض: الأشبه عندي أنه فعل ذلك نظراً له إذ لم يترك لنفسه مالا. والصحيح ما قدمناه أن الحديث على ظاهره وأنه يجوز بيع المدبر بكل حال ما لم يمت السيد. وأجمع المسلمون على صحة التدبير، ثم مذهب الشافعي ومالك والجمهور أنه يحسب عتقه من الثلث. وقال الليث وزفر رحمهما الله تعالى هو من رأس المال. وفي هذا الحديث نظر الإمام في مصالح رعيته وأمره إياهم بما فيه الرفق بهم وبإبطالهم ما يضرهم من تصرفاتهم التي يمكن فسخها والله أعلم انتهى.
وقال القسطلاني: واختلف في بيع المدبر على مذاهب أحدها الجواز مطلقاً، وهو مذهب الشافعي والمشهور من مذهب أحمد، وحكاه الشافعي عن التابعين وأكثر الفقهاء، كما نقله عنه البيهقي في معرفة الآثار لهذا الحديث لأن الأصل عدم الاختصاص بهذا الرجل.
الثاني المنع مطلقاً وهو مذهب الحنفية، وحكاه النووي عن جمهور العلماء وتأولوا الحديث بأنه لم يبع رقبته وإنما باع خدمته، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، وتمسكوا بما روي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال إنما باع رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمة المدبر وهذا مرسل لا حجة فيه، وروي عنه موصولاً ولا يصح. وأما ما عند الدارقطني عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث فهو حديث ضعيف لا يحتج بمثله.
الثالث المنع من بيعه إلا أن يكون على السيد دين مستغرق فيباع في حياته وبعد مماته، وهذا مذهب المالكية لزيادة في الحديث عند النسائي وهي وكان عليه دين وفيه فأعطاه وقال اقض دينك، وعورض بما عند مسلم ابدأ بنفسك فتصدق عليها إذ ظاهره أنه أعطاه الثمن لا نفاقه لا لوفاء دين له.

(10/353)


...........................................
ـــــــ
الرابع تخصيصه بالمدبر فلا يجوز في المدبرة وهو رواية عن أحمد، وجزم به ابن حزم عنه وقال هذا تفريق لا برهان على صحته والقياس الجلي يقتضي عدم الفرق.
الخامس بيعه إذا احتاج صاحبه إليه. وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: من منع بيعه مطلقاً فالحديث حجة عليه لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي، ومن أجاز بيعه في بعض الصور يقول أنا أقول بالحديث في صورة كذا فالواقعة واقعة حال لا عموم لها فلا تقوم عليّ الحجة في المنع من بيعه في غيرها كما يقول مالك في بيع الدين انتهى.
وملخص الكلام أن أصحاب أبي حنيفة حملوا الحديث على المدبر المقيد وهو عندهم يجوز بيعه، وأصحاب مالك على أنه كان مديوناً حين دبر ومثله يجوز إبطال تدبيره عندهم، وأما الشافعي ومن وافقه فأخذوا بظاهر الحديث وجوزوا بيع المدبر مطلقاً "ثم قال" النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الأنصاري المدبر بكسر الباء "أحدكم فقيراً" أي لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من كفايته "فليبدأ بنفسه" أي في الأموال بعد الإنفاق على نفسه "فضل" بسكون الضاد أي زيادة والمعنى فإن فضل بعد كفاية مؤنة نفسه فضل "فعلى عياله" أي الذين يعولهم وتلزمه نفقتهم "فههنا وههنا" أي فيرده على من عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه من الفقراء يقدم الأحوج فالأحوج ويعتق ويدبر يفعل ما يشاء.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(10/354)


10- باب فيمن أعتق عبيداً له لم يبلغهم الثلث
3951 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قال أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ عن أبي المُهَلّبِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنّ رَجُلاً أعْتَقَ سِتّة أعْبَدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ لَهُ قَوْلاَ شَدِيداً، ثُمّ دَعَاهُمْ فَجَزّأَهُمْ ثَلاَثَةَ أجْزَاء فأقْرَعَ بَيْنَهُمْ فأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأرَقّ أرْبَعَةً .
ـــــــ
"باب فيمن أعتق عبيداً له"
العبد خلاف الحر واستعمل له جموع كثيرة والأشهر منها أعبد وعبيد وعباد كذا في المصباح "لم يبلغهم الثلث" فاعل يبلغ أي لم يتناولهم الثلث ولم يشملهم بل زادوا على الثلث فماذا حكمه.
"ستة أعبد" وعند مسلم ستة مملوكين له عند موته "فقال له" في شأنه "قولا شديداً" أي

(10/354)


3952 - حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا عبد العزيز يَعْنِي ابنَ المُخْتَارِ أخبرنا خَالِدٌ عن أبي قِلاَبَةَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ وَلَمْ يَقُلْ: فَقَالَ لَهُ قَوْلاً شَدِيداً.
3953 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ قالَ حدثنا خَالِدُ بنُ عبد الله هُوَ الطّحّانُ عنْ خَالِدٍ عنْ أبي قِلاَبَةَ عنْ أبي زَيْدٍ أنّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ بِمَعْنَاهُ وَقالَ يَعْني النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ شَهِدْتُهُ قَبْلَ أنْ يُدْفَنَ لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ" .
ـــــــ
كراهية لفعله وتغليظا عليه: وبيان هذا القول الشديد سيأتي في متن الحديث "فجزأهم" بتشديد الزاي. قال النووي بتشديد الزاي وتخفيفها لغتان مشهورتان ذكرهما ابن السكيت وغيره أي فقسمهم "وأرق أربعة" أي أبقى حكم الرق على الأربعة قال في شرح السنة فيه دليل على أن العتق المنجز في مرض الموت كالمعلق بالموت في الاعتبار من الثلث وكذلك التبرع المنجز في مرض الموت انتهى.
قال النووي: في هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداوود وابن جرير والجمهور في إثبات القرعة في العتق ونحوه وأنه إذا أعتق عبيداً في مرض موته أو أوصى بعتقهم ولا يخرجون من الثلث أقرع بينهم فيعتق ثلثهم بالقرعة: وقال أبو حنيفة القرعة باطلة لا مدخل لها في ذلك بل يعتق من كل واحد قسطه ويستسعى في الباقي لأنها خطر وهذا مردود بهذا الحديث الصحيح وأحاديث كثيرة. وقوله في الحديث فأعتق اثنين وأرق أربعة صريح بالرد على أبي حنيفة. وقد قال بقول أبي حنيفة الشعبي والنخعي وشريح والحسن وحكي أيضاً عن ابن المسيب انتهى.
قلت: وأحتج من أبطل الاستسعاء بحديث عمران بن حصين هذا، ووجه الدلالة منه أن الاستسعاء لو كان مشروعاً لنجز من كل واحد منهم عتق ثلثه وأمره بالاستسعاء في بقية قيمته لورثة الميت، وأجاب من أثبت الاستسعاء بأنها واقعة عين فيحتمل أن يكون قبل مشروعية الاستسعاء ويحتمل أن يكون الاستسعاء مشروعاً إلا في هذه الصورة وهي ما إذا أعتق جميع ما ليس له أن يعتقه كذا في الفتح.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن خالد" وهو الحذاء "لو شهدته" أي ذلك الرجل المعتق "لم يدفن" بصيغة المجهول "في مقابر المسلمين" وعند النسائي ولقد هممت أن لا أصلي عليه قال النووي: وهذا محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم وحده كان يترك الصلاة عليه تغليظا وزجراً لغيره على مثل فعله وأما أصل الصلاة عليه فلا بد من وجودها من بعض الصحابة انتهى.

(10/355)


3954 - حدثنا مُسَدّدٌ قالَ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ يَحْيَى بنِ عَتِيقٍ وَ أيّوبَ عنْ مُحمّدِ بنِ سِيرِينَ عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنّ رَجُلاً أعْتَقَ سِتّةَ أعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَبَلغَ ذَلِكَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقّ أرْبَعَةً .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال هذا خطأ والصواب رواية أيوب يعني السختياني وأيوب أثبت من خالد يعني الحذاء يريد أن الصواب حديث أبي المهلب الذي قبل هذا.
"عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين" هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم فقال لم يسمعه ابن سيرين من عمران فيما يقال وإنما سمعه عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران قاله ابن المديني.
قال النووي: وليس في هذا تصريح بأن ابن سيرين لم يسمع من عمران ولو ثبت عدم سماعه منه لم يقدح ذلك في صحة هذا الحديث ولم يتوجه على الإمام مسلم فيه عتب لأنه إنما ذكره متابعة بعد ذكره الطرق الصحيحة الواضحة.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(10/356)


11- باب في من أعتق عبداً وله مال
3955 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ قالَ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ قالَ أخبرني ابنُ لَهِيعَةَ
ـــــــ
"باب من أعتق عبدا وله مال"
"وله مال" أي في يد العبد أو حصل بكسبه مال "فمال العبد" قال القاضي إضافته إلى العبد إضافة الاختصاص دون التمليك انتهى.
ـــــــ
ذكر حديث من أعتق عبدا وله مال ثم قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال المنذري في المختصر وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
وهذا وهم منه فلم يخرج أحد من أصحاب الصحيحين حديث العتق هذا أصلا ولا تعرضا له وإنما رواه النسائي في سننه كما رواه أبو داود من حديث عبيد الله بن أبي جعفر عن نافع عن ابن عمر ورواه من حديث عبيد الله بن أبي جعفر عن نافع عن ابن عمر ورواه من حديث عبيد الله بن أبي جعفر أيضا عن بكير عن نافع عن ابن عمر ولفظه من أعتق عبدا وله مال فماله له إلا أن يستثنيه السيد.

(10/356)


وَ اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن عبيد الله بنِ أبي جَعْفَرٍ عنْ بُكَيْرِ بنِ الأشَجّ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أعْتَقَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فَمالُ الْعَبْدِ لَهُ إلاّ أنْ يَشْتَرِطَهُ [يشترط] السّيّدُ" .
ـــــــ
وفي اللمعات: إضافة المال إلى العبد ليست باعتبار الملك بل باعتبار اليد أي ما في يده وحصل بكسبه "له" أي لمن أعتق واختلف في مرجع هذا الضمير، فبعضهم أرجع إلى العبد وأكثرهم إلى السيد المعتق والله أعلم "إلا أن يشترطه السيد" أي للعبد، والمعنى أي يعطيه العبد فيكون منحة وتصدقاً.
ولفظ ابن ماجه من طريق الليث إلا أن يشترط السيد ماله فيكون له. وقال ابن لهيعة إلا أن يستثنيه السيد.
قال السندي: إلا أن يشترط السيد أي للعبد فيكون منحة من السيد للعبد وأنت خبير ببعد هذا المعنى عن لفظ الإشتراط جداً، بل اللائق حينئذ أن يقال إلا أن يترك له السيد أو يعطيه انتهى.
قال الأردبيلي في الأزهار: احتج مالك وداوود بهذا الحديث على أن العبد يملك بتمليك السيد، وبه قال الشافعي في القديم.
ـــــــ
وهذا الحديث يعد في إفراد عبيد الله هذا وقد أنكره عليه الأئمة.
قال الإمام أحمد وقد سئل عنه يرويه عبيد الله بن أبي جعفر من أهل مصر وهو ضعيف في الحديث كان صاحب فقه وأما في الحديث: فليس هو فيه بالقوي.
وقال أبو الوليد: هذا الحديث خطأ.
وهذا كما قاله الأئمة فإن الحديث المحفوظ عن سالم إنما هو في البيع من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع هذا هو المحفوظ عنه.
وقد تقدم اختلاف سالم ونافع فيه وأن سالما رفعه وكان البخاري يصححه ونافع وقفه على عمر وكان مسلم والنسائي وغيره يحكمون له.
وأما قصة العتق: فإنها وهم من ابن أبي جعفر خالف فيها الناس.
قال البيهقي: في روايته وهي خلاف رواية الجماعة.
وقد روى البيهقي والأثرم وغيرهما عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير مالك فإني أريد أن أعتقك وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أعتق عبدا فماله للذي أعتقه".

(10/357)


............................
ـــــــ
وقال الأكثرون لا يملك بتمليك السيد، وبه قال الشافعي في الجديد وهو الأصح للحديث "من ابتاع عبداً وله مال فماله للبايع إلا أن يشترط المبتاع". وقال الخطابي في المعالم: حكى حمدان بن سهل عن إبراهيم النخعي أنه كان يرى المال للعبد إذا أعتقه السيد لهذا الحديث، وإليه يذهب حمدان قولا بظاهر هذا الحديث.
وأجيب بجوابين أحدهما أن الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم فمال العبد له يرجع إلى من وهو السيد إلا أن يشترط السيد للعبد فيكون منحة منه إلى العبد والثاني: لاخلاف بين العلماء أن العبد لا يرث من غير، والميراث أصح وجوه الملك وأقواها وهو لا يرثه ولا يملكه فما عدى ذلك أولى بأن لا يملكه ويحمل ذلك على المنحة والمواساة. وقد جرت العادة من السادة بالإحسان إلى المماليك عند إعتاقهم ويكون مال العبد له مواساة ومسامحة إلا أن يشترط السيد لنفسه فيكون له كما كان ولا مواساة انتهى كلام الأردبيلي.
وقال صاحب الهداية: لا ملك للمملوك.
قال ابن الهمام: وعلى هذا فمال العبد لمولاه بعد العتق وهو مذهب الجمهور وعند الظاهرية للعبد، وبه قال الحسن وعطاء والنخعي ومالك لما عن ابن عمر أنه عليه السلام قال "من أعتق عبداً وله مال فالمال للعبد" رواه أحمد وكان عمر إذا أعتق عبداً له لم بتعرض لماله. قيل الحديث خطأ وفعل عمر رضي الله عنه من باب الفضل.
وللجمهور ما عن ابن مسعود أنه قال لعبده يا عُمَير إني أريد أن أعتقك عتقاً هنيئاً فأخبرني
ـــــــ
ولفظ الأثرم أيما رجل أعتق عبده أو غلامه فلم يخبره بماله فماله لسيده.
قال البيهقي: وهذا أصح وهذا قول أنس والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وأصحابهم والثوري.
وقال الحسن والشعبي وعطاء والنخعي وأهل المدينة مع مالك: المال للعبد إلا أن يشترطه السيد.
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روي الترمذي عن سالم بن أبي الجعد عن أبي وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرىء مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار يجزي كل عضو عضوا منه" قال الترمذي: حسن صحيح.

(10/358)


.........................................
ـــــــ
بمالك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أيما رجل أعتق عبده أو غلامه فلم يجزه بماله فهو لسيده" رواه الأثرم انتهى.
وفي سنن ابن ماجه ما لفظه يقول "أنما رجل أعتق غلاماً ولم يسم ماله فالمال له" انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقد أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه وقد تقدم في كتاب البيوع.

(10/359)


12- باب في عتق ولد الزنا
3956 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى قالَ أخبرنا جَرِيرٌ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عنْ أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَلَدُ الزّنَا شَرّ الثّلاَثَةِ" أبُو هُرَيْرَةَ لأنْ أُمَتّعَ بِسَوْطٍ فِي سَبِيلِ الله أحَبّ إلَيّ مِنْ أنْ أَعْتَقَ وَلَدَ زِنْيَةِ.
ـــــــ
"باب في عتق ولد الزنا"
"ولد الزنا شر الثلاثة" أي الزانيان وولدهما.
قال الخطابي: اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما جاء في رجل بعينه كان معروفاً "موسوما" بالشر.
وقال بعضهم: إنما صار ولد الزنا شراً من والديه لأن الحد قد يقام عليهما فيكون العقوبة مختصة بهما، وهذا من علم الله لا يدري ما يصنع به وما يفعل في ذنوبه.
وقال عبدالرزاق عن ابن جريج عن عبدالكريم قال: كان أبو ولد الزنا يكثر أن يمر بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقولون هو رجل سوء يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول صلى الله عليه وسلم هو شر الثلاثة يعني الأب، قال فحول الناس الولد شر الثلاثة وكان ابن عمر إذا قيل ولد الزنا شر الثلاثة قال بل هو خير الثلاثة.
قال الخطابي: هذا الذي تأوله عبدالكريم أمر مظنون لا يدري صحته والذي جاء في الحديث إنما هو ولد الزنا شر الثلاثة فهو على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قال بعض أهل العلم إنه شر الثلاثة أصلا وعنصراً ونسباً ومولداً. وذلك أنه خلق من ماء الزاني والزانية وهو ماء خبيث.
وقد روى "العرق دساس" فلا يؤمن أن يؤثر ذلك الخبث فيه ويدب في عروقه فيحمله على الشر ويدعوه إلى الخبث، وقد قال الله تعالى في قصة مريم: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} فقضوا بفساد الأصل على فساد الفرع.

(10/359)


...................................
ـــــــ
وقد روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص في قوله تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ} قال ولد الزنا مما ذرىء لجهنم وكذا عن سعيد بن جبير.
وعن أبي حنيفة أن من ابتاع غلاماً فوجده ولد زنا فإن له أن يرده بالعيب فأما قول ابن عمر أنه خير الثلاثة فإنما وجهه أن لا إثم له في الذنب باشره والداه فهو خير منهما لبراءته من ذنوبهما.
وفي المستدرك من طريق عروة قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ولد الزنا شر الثلاثة" قالت كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من يعذرني من فلان فقيل يارسول الله إنه مع ما به ولد زنا، فقال هو شر الثلاثة" والله تعالى يقول: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .
وفي سنن البيهقي من طريق زيد بن معاوية بن صالح قال حدثني السفر بن بشير الأسدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال ولد الزنا شر الثلاثة أن أبويه أسلما ولم يسلم هو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو شر الثلاثة" . قال البيهقي وهذا مرسل.
وفي مسند أحمد من طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل عمل أبويه" . وفي معجم الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً مثله. وفي سننن البيهقي عن الحسن قال إنما سمى ولد الزنا شر الثلاثة أن امرأة قالت له لست لأبيك الذي تدعى له فقتلها فسمي شر الثلاثة قاله السيوطي في مرقاة الصعود.
"لأن أمتع" صيغة المتكلم المعروف من التفعيل يقال متعته بالتثقيل أي أعطيته، ومنه في الحديث أن عبد الرحمن طلق امرأته فمتع بوليدة أي أعطاها أمة والمعنى أي لأن أعطى بسوط "أن أعتق ولد زنية" بكسر الزاي وسكون النون وفتح الزاي أيضاً لغة. قال في المصباح: زنية بالكسر والفتح لغة وهو خلاف قولهم هو ولد رشدة أي بكسر الراء. قال ابن السكيت: زنية وغية بالكسر والفتح والزنا بالقصر انتهى.
قال في النهاية: ويقال للولد إذا كان من زنا هو لزنية وعند ابن ماجه مرفوعاً بسند فيه ضعف عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ولد الزنا فقال نعلان أجاهد فيهما خير من أعتق ولد الزنا انتهى.
وكأن المراد أن أجر إعتاقه قليل ولعل ذلك لأن الغالب عليه الشر عادة فالإحسان إليه قليل الأجر كالإحسان إلى غير أهله، وهذا هو مراد أبي هريرة رضي الله عنه.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(10/360)


13- باب في ثواب العتق
3957 - حدثنا عِيسَى بنُ مُحمّدٍ الرّمْلِيّ قالَ: أَخبرنا ضَمْرَةُ عن إِبْرَاهِيمَ بنِ أَبي عَبْلَةَ عن الغَرِيفِ بنِ الدّيْلَميّ قال: أَتَيْنَا وَاثِلَةَ بنَ الأَسْقَعِ فَقلْنَا لَهُ حدّثْنَا حَدِيثاً لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ وَلاَ نُقْصَانٌ. فَغَضِبَ وَقال إنّ أحَدَكُم لَيَقْرَأُ وَمُصْحَفُهُ مُعَلّقٌ فِي بَيْتِهِ فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ قُلْنَا إنّمَا أرَدْنَا حَدِيثاً سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال أتَيْنَا النّبيّ [رسول الله] صلى الله عليه وسلم في صاحِبٍ لَنَا أوْجَبَ يَعني النّارَ بِالْقَتْلِ فَقالَ: "أَعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقُ الله بِكُلّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنْهُ مِنَ النّارِ" .
ـــــــ
"باب في ثواب العتق"
"إبراهيم بن أبي عبلة" بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة ثقة شامي "عن الغريف" بفتح الغين المعجمة وكسر الراء "ابن الديلمي" بفتح الدال. قال الحاكم في المستدرك: الغريف هذا لقب لعبد الله بن الديلمي ذكره السيوطي. وفي التقريب: الغريف بفتح أوله ابن عياش بتحتانية ومعجمة ابن فيروز الديلمي وقد ينسب إلى جده مقبول. وفي جامع الأصول هو الغريف بن عياش الديلمي انتهى "واثلة بن الأسقع" كان من أهل الصفة وخدم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين "ليقرأ" أي القرآن "ومصحفه معلق في بيته" جملة حالية تفيد أنه يقدر على مراجعته اليه عند وقوع التردد عليه. وقال الطيبي هي مؤكدة المضمون ما سبق "فيزيد" أي ومع هذا فقد يزيد "وينقص" أي في قراءته سهواً وغلطاً. قال الطيبي: فيه مبالغة لا أنه تجوز الزيادة والنقصان في المقروء.
وفيه جواز رواية الحديث بالمعنى ونقصان الألفاظ وزيادتها مع رعاية المعنى والمقصد منه "إنما أردنا حديثا سمعته" أي ما أردنا بقولنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان ما عنيت به من اتقاء الزيادة والنقصان في الألفاظ وإنما أردنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم "في صاحب لنا" أي في شأن صاحب لنا مات وأوجب على نفسه النار.
وعند ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك عن واثلة قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فإذا نفر من بني سليم فقالوا إن صاحبنا قد أوجب الحديث "أوجب" أي من وصفه أنه استحق لولا الغفران "يعني" هذا كلام الغريف يريد أن واثلة يريد بالمفعول المحذوف في أوجب "النار" وقوله "بالقتل" متعلق بأوجب من تتمة كلام واثلة، فجملة يعني النار معترضة للبيان "أعتقوا عنه" أي عن قتله وعوضه "بكل عضو منه" أي من العبد المعتق بفتح التاء "عضواً

(10/361)


................................................
ـــــــ
منه" أي من القاتل "من النار" متعلق بيعتق ولعل المقتول كان من المعاهدين وقد قتله خطأ وظنوا أن الخطأ موجب للنار لما فيه من نوع تقصير حيث لم يذهب طريق الحزم والاحتياط كذا في المرقاة.
قال الخطابي: كان بعض أهل العلم يستجب أن يكون العبد المعتق غير خصي لئلا يكون ناقص العضو ليكون المُعْتِق قد نال الموعود في عتق أعضائه كلها من النار. قال الحاكم: والحديث صحيح على شرط الشيخين.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(10/362)


14- باب أي الرقاب أفضل
3958 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى قالَ أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ قالَ حدّثني أبِي عنْ قَتَادَةَ عنْ سَالِمٍ بنِ أبي الْجَعْدِ عنْ مَعْدَانَ بنِ أبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيّ عنْ أبي نَجِيحٍ السّلَمِيّ قالَ حَاصَرْنَا [حضرنا] مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِقَصْرِ الطّائِفِ. قالَ مُعَاذٌ: سَمِعْتُ أبي يَقُولُ بِقَصْرِ الطّائِفِ بِحِصْنِ الطّائِفِ كُلّ ذَلِكَ فَسَمِعْتُ [سمعت] رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ الله فَلَهُ دَرَجَةٌ" وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أيّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلاً مُسْلِماً فَإنّ الله جَاعِلُ وِقَاءَ كُلّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ عَظْماً مِنْ عِظَامٍ مُحَرّرَهِ مِنَ النّارِ، وَأَيّمَا امْرَأَةٍ أعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً فإنّ
ـــــــ
"باب أي الرقاب "
جمع رقبة وهي في الأصل العنق فجعلت كناية عن جميع ذات الإنسان تسمية للشيء ببعضه، فإذا قال أعتق رقبة فكأنه قال أعتق عبداً أو أمة كذا في النهاية "أفضل" في العتق.
"عن أبي نجيح" بفتح النون وكسر الجيم قال المنذري في الترغيب: هو عمرو بن عبسة "السلمي" بضم السين وفتح اللام "قال حاصرنا" من المحاصرة أي الإحاطة والمنع من المضي للأمر "قال معاذ" الراوي "سمعت أبي" هشاما "يقول بقصر الطائف بحصن الطائف" أي مرة قال كذا ومرة كذا وكل ذلك بمعنى "من بلغ بسهم" أي في جسد الكافر "في سبيل الله فله درجة" وتمام الحديث عند النسائي ولفظه من بلغ بسهم فهو له درجة في الجنة فبلغت يومئذ ستة عشر سهماً "أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلماً" وفي تقييد الرقبة المعتقة بالإسلام دليل على أن هذه الفضيلة لا تنال إلا بعتق المسلمة وإن كان في عتق الرقبة الكافرة فضل لكن لا يبلغ ما وعد به هنا من الأجر

(10/362)


الله جَاعِلٌ وَقِاءَ كُلّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا عَظْماً مِنْ عِظَامِ مُحَرّرِهَا مِنَ النّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةٍ" .
3959 - حدثنا عَبْدُ الْوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ قال أخبرنا بَقِيّةُ قال أخبرنا صَفْوانُ بنُ عَمْرِو قال حدّثني سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ عن شُرَحْبِيلَ بنِ السّمْطِ أنّهُ قالَ لِعَمْرِو بنِ عَبْسَةَ حدّثْنَا حَدِيثاً سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَتْ فِدَاءَهُ مِنَ النّارِ" .
3960 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال أخبرنا شُعْبَةُ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن سَالِمِ بنِ أبي الْجَعْدِ عن شُرَحْبِيلَ بنِ السّمْطِ أنّهُ قال لِ كَعْبِ بنِ مُرّةَ أوْ مُرّةَ بنِ كَعْبٍ حدثْنا حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ مَعْنَى مُعَاذٍ إلَى قَوْلِهِ: " وَأَيّمَا امْرِىءٍ أعْتَقَ مُسْلِماً، وَأَيّمَا امْرَأَةٍ أعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً" . وَزَادَ: "وأيّمَا رَجُلٍ أعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ إلاّ كَانَتَا
ـــــــ
"وقاء كل عظم" بإضافة الوقاء إلى كل عظم. والوقاء بكسر الواو وتخفيف القاف ممدوداً ما يتقى به وما يستر الشيء عما يؤذيه. وفي الحديث أن الأفضل للرجل أن يعتق رجلا وللمرأة امرأة كما في جزاء الصيد. قاله العلقمي "من عظامه" أي المعتق بكسر التاء "عظما من عظام محرره" بضم الميم وفتح الراء المشددة أي من عظام القن الذي حرره. قاله المناري والعلقمي والعزيزي "من النار" جزاء وفاقا.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وحديثهم مختصر في ذكر الرمي. وفي طريق النسائي ذكر السبب. وقال الترمذي حسن صحيح وأبو نجيح هو عمرو بن عبسة السلمي.
"سليم بن عامر)بضم السين مصغراً "ابن السمط" بكسر السين المهملة وسكون الميم "لعمرو بن عبسة" بالعين المهملة والباء الموحدة المفتوحتين "من أعتق رقبة مؤمنة" هو موضع ترجمة الباب "كانت" تلك الرقبة "فداءه" أي المعتق بكسر التاء.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده بقية بن الوليد. وفيه مقال. وقد أخرجه النسائي بطرق أخرى وفيها ما إسناده حسن.
"لكعب بن مرة أو مرة بن كعب" قال المزي: كعب بن مرة ويقال مرة بن كعب البهزي وهو بهز بن الحارث بن سليم بن منصور سكن البصرة ثم سكن الأردن من الشام انتهى "فذكر معنى" حديث "معاذ" بن هشام "وزاد" الراوي في هذا الحديث على حديث معاذ "وأيما رجل أعتق امرأتين مسلمتين إلا كانتا فكاكه" بفتح الفاء وكسرها لغة أي كانتا خلاص المعتق بكسر

(10/363)


فِكَاكَهُ مِنَ النّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلّ عَظْمَيْنِ مِنْهُمَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: سَالِمٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ شُرَحْبِيلَ، مَاتَ شُرَحَبِيلُ بِصِفّينَ.
ـــــــ
التاء "من النار" فعتقهما سبب لخلاصه من نار جهنم "يجزى" بضم الياء التحتانية وفتح الزاي غير مهموز أي يقضي وينوب ومنه قوله تعالى {يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} قال العلقمي والمناوي وغيرهما "منهما" أي من امرأتين مسلمتين "من عظامه" أي المعتق بكسر التاء.
وللترمذي وصححه عن أبي أمامة "وأيما امرىء مسلم اعتق امرأتين كانتا فكاكه من النار" انتهى فعتق المرأة أجره على النصف من عتق الذكر فالرجل إذا أعتق امرأة كانت فكاك نصفه من النار والمرأة إذا أعتقت الأمة كانت فكاكها من النار. وقد استدل به من قال عتق الذكر أفضل.
قال المناوي: فعتق الذكر يعدل عتق الأنثيين ولهذا كان أكثر عتقاء النبي صلى الله عليه وسلم ذكوراً.
وقال العلقمي: اختلف العلماء هل الأفضل عتق الإناث أم الذكور، فقال بعضهم الإناث لأنها إذا أعتقت كان ولدها حراً سواء تزوجها حر أو عبد.
قلت: ومجرد هذه المناسبة لا يصلح لمعارضة ما وقع التصريح به في الأحاديث من فكاك المعتق إما رجل أو امرأتين، وأيضاً عتق الأنثى ربما أفضى في الغالب إلى ضياعها لعدم قدرتها على التكسب بخلاف الذكر ذكره الشوكاني.
قال العلقمي: وقال آخرون عتق الذكور أفضل لما في الذكر من المعاني العامة التي لا توجد في الإناث كالقضاء والجهاد ولأن من الإناث من إذا أعتقت تضيع بخلاف العبيد وهذا القول هو الصحيح انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"قال أبو داوود سالم لم يسمع من شرحبيل. مات شرحبيل بصفين" هذه العبارة لم توجد إلا في نسخة واحدة ولم يذكرها المنذري في مختصره ولا الحافظ المزي في الأطراف.

(10/364)


15- باب في فضل العتق في الصحة
3961 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أنبأنا [حدثنا] سُفْيَانُ عن أبي إسْحَاقَ عن أبي حَبِيبَةً الطّائِيّ عن أبِي الدّرْدَاءِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مِثْلُ الّذِي يُعْتِقُ عِنْدَ المَوْتِ كَمَثَلِ الّذِي يُهْدِي إذَا شَبِعَ" .
آخر كتاب العتاق
ـــــــ
"باب في فضل العتق في الصحة"
"مثل الذي يعتق" وزاد في رواية البيهقي ويتصدق "عند الموت" أي عند احتضاره "يهدي" من الإهداء "إذا شبع" لأن أفضل الصدقة إنما هي عند الطمع في الدنيا والحرص على المال فيكون مؤئراً لاَخرته على دنياه صادراً فعله عن قلب سليم ونية مخلصة فإذا أخر فعل ذلك حتى حضره الموت كان استيثاراً دون الورثة وتقديماً لنفسه في وقت لا ينتفع به في دنياه فينقص حظه.
قال المناوي في فتح القدير: والحديث صححه الحاكم وأقره الذهبي. وقال ابن حجر: إسناده حسن، وصححه ابن حبان، ورواه البيهقي بزيادة الصدقة، فقال "مثل الذي يتصدق عند موته أو يعتق كالذي يهدي إذا شبع" انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال حسن صحيح
تم- بحمد الله – الجزء العاشر ويليه الجزء الحادي عشر وأوله
"كتاب الحروف والقراءات"

(10/365)