Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

أول كتاب اللباس
باب اللباس
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب اللباس :
4016 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا ابنُ المُبَارَكِ عن الجُرَيْرِيّ عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا اسْتَجَدَ ثَوْباً سمّاهُ بِاسْمِهِ، إمّا قَمِيصاً أوْ عِمَامَةً، ثُمّ يَقُولُ: "اللّهُمّ لَكَ الْحَمدُ، أنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّهِ وَشَرّ مَا صُنِعَ لَهُ" .
ـــــــ
أول كتاب اللباس
في القاموس: لبس الثوب كسمع لُبساً بالضم، واللباس بالكسر، وأما لبس كضرب لبساً بالفتح فمعناه خلط، ومنه قوله تعالى {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} .
"عن الجريري" بضم الجيم هو سعيد بن إياس البصري ثقة من الخامسة واختلط قبل موته بثلاث سنين "إذا استجد ثوباً" أي لبس ثوباً جديداً وأصله على ما في القاموس صير ثوبه جديداً، وأغرب من قال: معناه طلب ثوباً جديداً "سماه" أي الثوب المراد به الجنس "باسمه" أي المتعارف المتعين المشخص الموضوع له "إما قميصاً أو عمامة" أي أو غيرهما كالإزار والرداء ونحوهما، والمقصود التعميم فالتخصيص للتمثيل.
وصورة التسمية باسمه بأن يقول رزقني الله أو أعطاني أو كساني هذه العمامة أو القميص أو يقول هذا قميص أو عمامة والأول أظهر والفائدة به أتم وأكثر وهو قول المظهر، والثاني مختار الطيبي فتدبر "أسألك من خيره" ولفظ الترمذي أسألك خيره بحذف كلمة من وهو أعم وأجمع، ولفظ المؤلف أنسب لما فيه من المطابقة لقوله في آخر الحديث وأعوذ بك من شره "وخير ما صنع له" هو استعماله في طاعة الله تعالى وعبادته ليكون عونا له عليها "وشر ما صنع له" هو استعماله في معصية الله ومخالفة أمره.
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وروى أبو بكر بن عاصم في فوائده من حيث عنبة بن عبد الرحمن عن رجل عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذ استجد ثوبا لبسه يوم الجمعة.

(11/43)


قالَ أبُو نَضْرَةَ: "وكَانَ أصْحَابُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا لَبِسَ أحَدُهُمْ ثَوْباً جَدِيداً قِيلَ لَهُ: تُبْلِي وَيُخْلِفُ الله تَعَالَى".
4014 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عن الْجُرَيْرِيّ بِإسْنَادِهِ نَحْوَهُ.
4015 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ دِينَارٍ عن الْجُرَيْرِيّ بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَعَبْدُ الْوَهّابِ الثّقَفِيّ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أبَا سَعِيدٍ وَحَمّادُ بنُ سَلَمَةَ قالَ عن الْجُرَيْرِيّ عن أبي الْعَلاَءِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ وَالثّقَفِيّ سَمَاعُهُمَا وَاحِدٌ.
ـــــــ
وقال: القاري ناقلاً عن ميرك خير الثوب بقاؤه ونقاؤه وكونه ملبوساً للضرورة والحاجة، وخير ما صنع له هو الضرورات التي من أجلها يصنع اللباس من الحر والبرد وستر العورة والمراد سؤال الخير في هذه الأمور وأن يكون مبلغاً إلى المطلوب الذي صنع لأجله الثوب من العون على العبادة والطاعة لمولاه، وفي الشر عكس هذه المذكورات، وهو كونه حراماً ونجساً ولا يبقى زماناً طويلاً، أو يكون سبباً للمعاصي والشرور والانتحار والعجب والغرور وعدم القناعة بثوب الدون وأمثال ذلك انتهى. والحديث يدل على استحباب حمد الله تعالى عند لبس الثوب الجديد "قال أبو نضرة" هو موصول بالسند المذكور "قيل له تبلى" من الابلاء بمعنى الإخلاق، وهذا دعاء اللابس بأن يعمر ويلبس ذلك الثوب حتى يبلى ويصير خلقاً "ويخلف الله تعالى" عطف على تبلى من أخلف الله عليه أي أبدلهما ذهب عنه وعوضه عنه، والمقصود الدعاء بطول الحياة.
قال المنذري: وأخرج الترمذي والنسائي المسند منه فقط، وقال الترمذي: حديث حسن.
"وعبد الوهاب الثقفي" أي رواه عبد الوهاب الثقفي، وهكذا وقع في بعض النسخ "لم يذكر فيه أبا سعيد" أي الخدري الصحابي فروايته مرسلة "وحماد بن سلمة قال عن الجريري" أي روى الحديث حماد بن سلمة أيضاً ولم يذكر فيه أبا سعيد فصارت روايته أيضاً مرسلة "عن أبي العلاء" هو يزيد بن عبد الله بن الشخير البصري.
قال المنذري بعد قوله قال أبو داوود وعبد الوهاب الثقفي الخ يعني أنهما أرسلاه.

(11/44)


4016 - حدثنا نُصَيْرُ بنُ الْفَرَجِ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ أخبرنا سَعِيدٌ - يَعني ابنَ أبي أيّوبَ عن أبي مَرْحُومٍ عن سَهْلِ بنِ مُعَاذِ بنِ أنَسِ عن أبِيهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أكَلَ طَعَاماً ثُمّ قال الْحَمدُ لله الّذِي أطْعَمَنِي هَذَا الطّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنّي وَلا قُوّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخّرَ" . قالَ: "وَمَنْ لَبسَ ثَوْباً فقالَ: الحَمدُ لله الّذِي كَسَانِي هَذَا الثّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنّي وَلاَ قُوّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخّرَ" .
ـــــــ
"نصير بن الفرج" بضم النون وفتح المهملة الأسلمي أبو حمزة الثغري "من أكل طعاماً ثم قال إلى قوله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" كذا وقع في بعض النسخ وليس في بعضها ها هنا لفظ وما تأخر وكذا وقع هذا الحديث في المشكاة بحذف لفظ وما تأخر من هذا الموضع. قال القارىء قال الطيبي ليس هنا لفظ وما تأخر في الترمذي وأبي داوود. وقد ألحق في بعض نسخ المصابيح توهماً من القرينة الأخيرة انتهى "ومن لبس ثوباً إلى قوله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" كذا وقع هنا في جميع النسخ بزيادة لفظ وما تأخر.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن غريب، وليس في حديثهما "وما تأخر" وسهل بن معاذ مصري ضعيف والراوي عنه أبو مرحوم عبد الرحيم ابن ميمون مصري أيضاً لا يحتج به.

(11/45)


1- باب في ما يدعى لمن لبس ثوباً جديدا :
4017 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ الْجَرّاحِ الأذَنِيّ أخبرنا أبُو النّضْرِ أخبرنا إسْحَاقُ بنُ سَعِيدٍ عن أبِيهِ عن أُمّ خَالِدٍ بِنْتِ خِالِدِ بنِ سَعِيدِ بنِ الْعَاصِ :" أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أُتِى بِكِسْوَةٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ صَغِيرَةٌ، فقال مَنْ تَرَوْنَ أحَقّ بِهَذِهِ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فقال: ائْتُونِي
ـــــــ
"باب في ما يدعى"
بصيغة المجهول من الدعاء لمن لبس ثوباً جديدا.
"إسحاق بن الجراح الأذني" بفتحتين مخفف صدوق قاله الحافظ: "أتى" بضم الهمزة مبنياً للمفعول "فيها خميصة" :بالخاء المفتوحة والميم المكسورة والتحتية الساكنة والصاد المهملة ثوب من حرير أو صوف معلم أو كساء مربع له غلمان أو كساء رقيق من أي لون كان أو لا تكون خميصة إلا إذا كانت سوداء معلمة كذا قال القسطلاني: "من ترون" بفتح التاء والراء "أحق" بالنصب على أنه مفعول ثان لقوله ترون ومفعوله الأول محذوف أي من

(11/45)


بِأُمّ خَالِدٍ، فأَتِيَ بِهَا فألْبَسَهَا إيّاهَا ثُمّ قال: أبْلِي وَأخْلِقِي مَرّتَينِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى عَلَمٍ في الْخَمِيصَةِ أحْمَرَ أوْ أصْفَرَ وَيَقُولُ: سَنَاه سَنَاه يَا أُمّ خِالِدٍ، وَسَنَاه في كَلاَمِ الْحَبَشَةِ الْحَسَنُ" .
ـــــــ
ترونه أحق بهذه الخميصة. وفي رواية للبخاري من ترون نكسوا هذه الخميصة "فأتى بها" فيه التفات.
وفي رواية للبخاري فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم "فألبسها" أي أم خالد "إياها" أي الخميصة وفي بعض النسخ إياه بالتذكير بتأويل الثوب "ثم قال أبلى وأخلقي" قال الحافظ في الفتح أبلى بفتح الهمزة وسكون الموحدة وكسر اللام أمر بالإبلاء، وكذا قوله أخلقي بالمعجمة والقاف أمر بالإخلاق وهما بمعنى، والعرب تطلق ذلك وتريد الدعاء. بطول البقاء للمخاطب بذلك، أي أنها تطول حياتها حتى يبلى الثوب ويخلق قال الخليل أبل وأخلق معناه عش وأخرق ثيابك وأرقعها. قال ووقع في رواية أبي المروزي عن الفربري وأخلقى بالفاء وهي أوجه من التي بالقاف لأن الأولى تستلزم التأكيد إذا الإبلاء والإخلاق بمعنى لكن جاز العطف لتغاير اللفظين، والثانية تفيد معنى زائداً وهو أنها إذا أبلته أخلقت غيره، ويؤيدها ما أخرجه أبو داوود بسند صحيح عن أبي نطرة قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لبس أحدهم الخ انتهى.
"أحمر أو أصفر" وفي رواية البخاري أخضر بدل أحمر والشك من الراوي، "ويقول" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "سناه سناه" بفتح السين المهملة والنون وبعد الألف هاء ساكنة أي حسن حسن. وفي رواية البخاري هذا سناه والمشار إليه علم الخميصة "وسناه في كلام الحبشة الحسن" قال القسطلاني: وكلمها عليه الصلاة والسلام بلسان الحبشة لأنها ولدت بأرض الحبشة انتهى.
قال السيوطي: قال الشيخ تقي الدين بن الصلاح: قد استخرج بعض المشائخ للبس الخرقة أصلاً من هذا الحديث، وقد أشار بذلك إلى السهروردى فإنه ذكره في عوارف المعارف فقال وأصل لبس الخرفة هذا الحديث قال: ولبس الخرفة ارتباط بين الشيخ والمريد فيكون لبس الخرفة علامة للتفويض والتسليم في حكم الله ورسوله وإحياء سنة المبايعة ثم قال: ولا خفاء في أن لبس الخرقة على الهيئة التي يعتمدها الشيوخ في هذا الزمان لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم، وقد رأينا من المشائخ من لا يلبس الخرفة وكان طبقة من السلف الصالحين لا يعرفون الخرقة ولا يلبسون المريدين فمن يلبسها فله مقصد صحيح ومن لم يلبسها فله رأيه وكل تصاريف المشائخ محمولة على السداد والصواب ولا تخلو عن نية صالحة.
قال السيوطي: وقد استنبطت للخرقة أصلاً أوضح من هذا الحديث وهو ما أخرجه

(11/46)


باب ماجاء في القميص
...
2- باب ما جاء في القميص :
4018 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى أنبأنا الْفَضْلُ بنُ مُوسَى عن عَبْدِ المُؤْمِنِ بنِ خَالِدٍ الْحَنَفِيّ عن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: كَانَ أحَبّ الثّيَابِ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الْقَمِيصُ.
ـــــــ
البيهقي في شعب الإيمان من طريق عطاء الخراساني أن رجلاً أتى ابن عمر فسأله عن إرخاء طرف العمامة فقال له عبد الله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وأمر عليها عبد الرحمن بن عوف وعقد لواء وعلى عبد الرحمن بن عوف عمامة من كرابيس مصبوغة بسواد فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحل عمامته فعممه بيده وأفضل من عمامته موضع أربعة أصابع أو نحوه فقال هكذا فاعتم فهو أحسن وأجمل، فهذا أوضح في كونه أصلاً للبس الخرفة من وجهين الأول أن الصوفية إنما يلبسون طاقية على رأس لا ثوباً عاماً لكل بدنه الثاني أن حديث أم عطية في اللباس غطاء وقسمة وكسوة وهذا بالرأس تشريف وهو السبب للبس الخرقة، ووجه ثالث أن لبس الخرقة نوع من المبايعة كما أشار له السهروردى وأم خالد كانت صغيرة لا تصلح للمبايعة بخلاد حديث عبد الرحمن بن عوف انتهى كلام السيوطي.
قال المنذري: وأخرجه البخاري.
"باب ما جاء في القميص"
"كان أحب الثياب" بالرفع والنصب والأول أظهر وأشهر ولذا لم يتأخر والثوب اسم لما يستر به الشخص نفسه مخيطاً كان أو غيره، وأحب أفعل بمعنى المفعول أي أفضلها "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص" بالنصب أو الرفع على ما تقدم على أن الأول اسم كان والثاني خبرها أو بالعكس. والقميص اسم لما يلبس من المخيط الذي له كمان وجيب، هذا وقد قال ميرك في شرح الشمائل نصب القميص هو المشهور في الرواية ويجوز أن يكون القميص مرفوعاً بالأسمية وأحب منصوباً بالخيرية، ونقل غيره من الشراح أنهما روايتان كذا في المرقاة.
وقال العلامة العزيزي أي كانت نفسه تميل إلى لبسه أكثر من غيره من نحو رداء أو ازار لأنه أستر منهما ولأنهما يحتاجان إلى الربط والامساك بخلاف القميص، لأنه يستر عورته، ويباشر جسمه، بخلاف ما يلبس فوقه من الدثار انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن غريب إنما نعرفه من حديث عبد المؤمن بن خالد تفرد به وهو مروزي.
وروى بعضهم هذا الحديث عن أبي تميلة عن عبد المؤمن بن خالد بن عبد الله بن

(11/47)


4019 - حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ أخبرنا أبُو تُمَيْلَةَ قال حدّثني عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بنُ خَالِدٍ عن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أُمّهِ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ ثَوْبٌ أحَبّ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ قَمِيصٍ.
4020 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ إِبراهِيمَ الْحَنْظَلِيّ أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ عن أبِيهِ عن بُدْيْلِ بنِ مَيْسَرَةَ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن أسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: كَانَتْ يَدُكُمّ قِمِيصِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إلَى الرّسْغِ.
ـــــــ
بريدة عن أمه عن أم سلمة وقال سمعت محمد بن إسماعيل يقول حديث عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة أصح هذا آخر كلامه وعبد المؤمن هذا قاضي مرو لا بأس به، وأبو تميلة يحيى بن واضح أدخله البخاري في الضعفاء.
وقال أبو حاتم الرازي يحول من هناك، ووثقه يحيى بن معين. انتهى كلام المنذري.
"أخبرنا أبو تميلة" بمثناة مصغراً هو يحيى بن واضح الأنصاري المروزي. قال ابن خراش صدوق، وقال أحمد ويحيى ليس به بأس. وقال أبو حاتم ثقة يحول من كتاب الضعفاء للبخاري.
قال الذهبي: ليس ذكره في الضعفاء "لم يكن ثوب أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قميص" قيل وجه أحبية القميص إليه صلى الله عليه وسلم أنه أستر للأعضاء عن الإزار والرداء ولأنه أقل مؤنة وأخف على البدن ولابسه أكثر تواضعاً. وحديث زياد بن أيوب ليس من رواية اللؤلؤى.
قال الحافظ المزي في الأطراف: حديث أبي داوود عن زياد بن أيوب في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم انتهى.
"كانت يدكم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية الترمذي كان كم يد قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلى الرسغ" بالسين وفي بعض النسخ بالصاد المهملة.
قال التوربشتي: هو بالسين المهملة والصادلغة فيه، وكذا في النهاية هو بالسين المهملة والصادلغة فيه، وهو مفصل ما بين الكف والساعد ذكره القاري وفي القاموس الرسغ بالضم وبضمتين ثم قال: الرصغ بالضم الرسغ. والحديث يدل على أن السنة في الأكمام أن لا تجاوز الرسغ.
قال الحافظ ابن القيم في الهدى: وأما الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة وهي خالفة لسنته وفي جوازها نظر فإنها من جنس الخيلاء انتهى.

(11/48)


..................
ـــــــ
وقال الجزري: فيه دليل على أن السنة أن لا يتجاوز كم القميص الرسغ وأما غير القميص فقالوا: السنة فيه أن لا يتجاوز رؤوس الأصابع من جبة وغيرها ونقل في شرح السنة أن أبا الشيخ بن حبان أخرج بهذا الإسناد بلفظ "كان يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل من الرسغ.
وأخرج ابن حبان أيضاً من طريق مسلم بن يسار عن مجاهد عن ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس قميصاً فوق الكعبين مستوى الكمين بأطراف أصابعه".
وفي الجامع الصغير برواية الحاكم عن ابن عباس "كان قميصه فوق الكعبين وكان كمه مع الأصابع" قال العزيزي: أي مساوياً لها. قال قال الشيخ: حديث صحيح.
قلت: ويجمع بين هذه الروايات وبين حديث الكتاب إما بالحمل على تعدد القميص أو بحمل رواية الكتاب على رواية التخمين، أو بحمل الرسغ على بيان الأفضل وحمل الرؤوس على بيان الجواز، وقيل: يحتمل أن يكون الاختلاف باختلاف أحوال الكم فعقيب غسل الكم لم يكن فيه تثن فيكون أطول، وإذا بعد عن الغسل ووقع فيه التثني كان أقصر والله تعالى أعلم.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حسن غريب هذا آخر كلامه. وقد تقدم الكلام في الاختلاف في شهر بن حوشب.

(11/49)


3- باب ما جاء في الأقبية :
4021 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَ يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ بنِ مَوْهِبٍ المَعْنى أنّ اللّيْثَ - يَعني ابنَ سَعْدٍ - حَدّثَهُمْ عن عَبْدِ الله بنِ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي مُلَيْكَةَ عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ أنّهُ قال: قَسَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئاً، فقال مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيّ
ـــــــ
"باب ما جاء في الأقبية"
جمع القباء بفتح القاف والموحدة المخففة ممدوداً فارسي معرب، وقيل عربي اشتقاقه من القبو وهو الضم.
"عن المسور":بكسر الميم وسكون المهملة له صحبة وكان فقيهاً ولد بعد الهجرة بسنتين "بن مخرمة" بفتح الميمين بينهما معجمة ساكنة ثم راء مفتوحة ابن نوفل الزهري شهد حنيناً وأسلم يوم الفتح "ولم يعط مخرمة شيئاً" أي في حال تلك القسمة.
وفي رواية البخاري في الخمس أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم أقبية من ديباج مزررة بالذهب

(11/49)


انْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فانْطَلَقَتُ مَعَهُ، قال: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي قال فَدَعَوْتُهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ قِبَاءٌ مِنْهَا، فقال: خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، قال: فَنَظَرَ إلَيْهِ. زَادَ ابنُ مَوْهَب: مَخْرَمَةُ، ثُمّ اتّفَقَا، قال رَضِيَ مَخْرَمَةُ قال قُتَيْبَةُ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ لَمْ يُسَمّهِ.
ـــــــ
فقسمها في ناس من أصحابه وعزل منها واحداً لمخرمة قال: أي مخرمة "أدخل فادعه" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال" أي المسور "فدعوته فخرج" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "وعليه" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "قباء منها" أي من الأقبية "فقال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "خبأت" أي أخفيت "قال" أي المسور "فنظر إليه" أي إلى القباء "زاد ابن موهب مخرمة" أي زاد يزيد بن خالد بن موهب في روايته بعد قوله فنظر إليه لفظ مخرمة بأن قال: فنظر إليه مخرمة "ثم اتفقا" أي قتيبة ويزيد "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جزم به الداوودي أو مخرمة كما رجحه الحافظ ابن حجر "قال قتيبة" أي في روايته "عن ابن أبي مليكة لم يسمه" أي لم يذكر اسم ابن أبي مليكة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(11/50)


4 - باب في لبس الشهرة :
4022 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا أبُو عَوَانَةَ ح. وحدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى عن شَرِيكٍ عن عُثْمانَ بنِ أبِي زُرْعَةَ عن المُهَاجِرِ الشّامِيّ عن ابنِ عُمَرَ قال في حَدِيثِ شَرِيكٍ يَرْفَعُهُ قال: "مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ ألْبَسَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةَ ثَوْباً مِثْلَهُ" . زَادَ عن أبِي عَوَانَةَ: "ثمّ تُلَهّبُ فِيهِ النّارُ" .
ـــــــ
"باب في لبس الشهرة"
"عن عثمان بن أبي زرعة" هو عثمان بن المغيرة الثقفي فأبو عوانة وشريك كلاهما يرويان عن عثمان بن أبي زرعة "قال في حديث شريك يرفعه" حاصله أنه وقع في رواية شريك بعد قوله عن ابن عمر لفظ يرفعه والضمير المرفوع يرجع إلى ابن عمر والمنصوب إلى الحديث وقال المنذري: أي ولم يرفعه أبو عوانة انتهى. وما قاله المنذري: فيه نظر لما سيأتي.
ولفظ ابن ماجه من طريق يزيد بن هارون أنبأنا شريك عن عثمان بن أبي زرعة عن مهاجر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة" " من لبس ثوب شهرة" قال ابن الأثير: الشهرة ظهور الشيء والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم فيرفع الناس إليه أبصارهم ويختال عليهم بالعجب والتكبر كذا في النيل "ثوباً مثله" أي في شهرته بين الناس.

(11/50)


4023 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ قال: ثَوْبَ مَذَلّةٍ.
4024 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا أبُو النّضْرِ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ ثَابِتٍ أخبرنا حَسّانُ بنُ عَطِيّةَ عن أبِي مُنِيبٍ الْجُرَشِيّ عن ابنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَشَبّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" .
ـــــــ
قال ابن رسلان: لأنه لبس الشهرة في الدنيا ليعز به ويفتخر على غيره ويلبسه الله يوم القيامة ثوباً يشتهر مذلته واحتقاره بينهم عقوبة له والعقوبة من جنس العمل انتهى "زاد" أي محمد بن عيسى في روايته "ثم تلهب" أي تشتعل "فيه" أي في الثوب الذي ألبسه الله يوم القيامة "قال ثوب مذلة" أي ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة والمراد به ثوب يوجب ذلته يوم القيامة كما لبس في الدنيا ثوباً يتعزز به على الناس ويترفع به عليهم.
والحديث أخرجه ابن ماجه بتمامه ولفظه حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا أبو عوانة عن عثمان بن المغيرة عن المهاجر عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة" .
والحديث يدل على تحريم لبس ثوب الشهرة، وليس هذا الحديث مختصاً بنفيس الثياب بل قد يحصل ذلك لمن يلبس ثوباً يخالف ملبوس الناس من الفقراء ليراه الناس فيتعجبوا من لباسه ويعتقدوه قاله ابن رسلان.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"عن أبي منيب الجرشي" بضم الجيم وفتح الراء بعدها معجمة الدمشقي ثقة من الرابعة "من تشبه بقوم" قال المناوي والعلقمي: أي تزيى في ظاهره بزيهم، وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم انتهى.
وقال القاري: أي من شبه نفسه بالكفار مثلاً من اللباس وغيره، أو بالفساق أو الفجار أو بأهل التصوف والصلحاء الأبرار "فهو منهم" أي في الإثم والخير قاله القاري.
قال العلقمي: أي من تشبه بالصالحين يكرم كما يكرمون، ومن تشبه بالفساق لم يكرم ومن وضع عليه علامة الشرفاء أكرم وإن لم يتحقق شرفه انتهى.
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وأخرجه الإمام أحمد في المسند أتم منه ولفظه "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم" .

(11/51)


...................................
ـــــــ
قال شيخ الأسلام ابن تيمية في الصراط المستقيم: وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث، وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم كما في قوله {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وهو نظير قول عبد الله بن عمرو أنه قال: من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فأنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي يشابههم فيه، فإن كان كفراً أو معصية أو شعاراً لها كان حكمه كذلك. وقد روى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بالأعاجم، وقال: "من تشبه بقوم فهو منهم" وذكره القاضي أبو يعلى.
وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير المسلمين وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من تشبه بغيرنا" انتهى كلامه مختصراً.
وقد أشبع الكلام في ذلك الإمام ابن تيمية في الصراط المستقيم والعلامة المناوي في فتح القدير ثم شيخنا القاضي بشير الدين القنوجي في مؤلفاته.
قال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وهو ضعيف انتهى وقال المناوي في الفتح: حديث ابن عمر أخرجه أبو داوود في اللباس.
قال السخاوي: فيه ضعف لكن له شواهد، وقال ابن تيمية: سنده جيد، وقال ابن حجر في الفتح: سنده حسن.
وأخرجه الطبراني في الأوسط عن حذيفة بن اليمان قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه علي بن غراب وثقه غير واحد وضعفه جمع وبقية رجاله ثقات انتهى. وبه عرف أن سند الطبراني أمثل من طريق أبي داوود انتهى كلام المناوي.
-وقال ابن تيمية في الصراط المستقيم: بعد ما ساق رواية سنن أبي داوود وهذا إسناد جيد فإن ابن أبي شيبة وأبا النضر وحسان بن عطية مشاهير أجلاء من رجال الصحيحين وهم أجل من أن يحتاج أن يقال هم من رجال الصحيحين وأما عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فقال يحيى بن معين وأبو زرعة وأحمد بن عبد الله ليس فيه بأس. وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم هو ثقة وقال أبو حاتم هو مستقيم الحديث. وأما أبو منيب الجرشي فقال فيه أحمد بن عبد الله العجلي هو ثقة، وما علمت أحداً ذكره بسوء، وقد سمع منه حسان بن عطية انتهى كلامه.

(11/52)


5 - باب في لبس الصوف والشعر :
4025 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَوْهِبٍ الرّمْلِيّ بنُ عَلِيّ قالا أخبرنا ابنُ أبي زَائِدَةَ عن أبِيهِ عن مُصْعَبِ بنِ شَيْبَةَ عن صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةً عن عَائِشَةَ قالَتْ: "خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحّلٌ مِنْ شَعْرٍ أسْوَدَ" .
وقال حُسَيْنٌ حدثنا يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا.
4026 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ الْعَلاَءِ الزّبَيْدِيّ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ عن عَقِيلِ بنِ مُدْرِكٍ عن لُقْمَانَ بنِ عَامِرٍ عن عُتْبَةَ بنِ عَبْدِ السّلَمِيّ قال: "اسْتَكْسَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَكَسَانِي خَيْشَتَيْنِ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا أكْسَى أصْحَابِي" .
ـــــــ
باب في لبس الصوف والشعر
"وعليه مرط" بكسر الميم وإسكان الراء هو كساء يكون تارة من صوف وتارة من شعر أو كتان أو خز.
قال الخطابي: هو كساء يؤتزر به "مرحل" بميم مضمومة وراء مهملة مفتوحة وحاء مهملة مشددة ولام كمعظم.
قال النووي: هو بفتح الراء وفتح الحاء المهملة المشددة هذا هوالصواب الذي رواه الجمهور وضبطه المتقنون. وحكى القاضي أن بعضهم رواه بالجيم أي عليه صور الرجال والصواب الأول ومعناه عليه صورة رحال الإبل، ولا بأس بهذه الصور وإنما يحرم تصوير الحيوان انتهى.
قال الخطابي: المرحل هو الذي فيه خطوط ويقال إنما سمى مرحلاً لأن عليه تصاوير رحل أو ما يشبهه "وقال حسين حدثنا يحيى بن زكريا" قال: في التقريب يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني ثقة متقن انتهى أي قال: حسين بن علي في روايته حدثنا يحيى بن زكريا مكان ابن أبي زائدة. وأما يزيد فقال: في روايته حدثنا ابن أبي زائدة ولم يسمه.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.
"عقيل بن مدرك" بقتح السين وكسر القاف السلمي أو الخولاني أبو الأزهر الشامي مقبول من السابعة "استكسيت رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي طلبت الكسوة منه صلى الله عليه وسلم "فكساني خيشتين" في القاموس الخيش ثياب في نسجها رقة وخيوطها غلاظ من مشاق الكتان أو من أغلط العصب.

(11/53)


4027- حدثنا عمرو بن عون أخبرنا أبو عوانة عن قتادة عن أبي بردة قال: قال لي أبي: يا بني لو رأيتنا ونحن مع نبينا صلى الله عليه وسلم وقد أصابتنا السماء حسبت أن ريحنا ريح الضأن.
ـــــــ
وقال في فتح الودود: عن ثياب من أردأ الكتان وفي الصراح خيش كتان خشك "وأنا أكسى أصحابي" أكسى أفعل التفضيل أي وأنا أفضلهم كسوة قال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال.
"يا بني" بضم الباء وفتح النون وشدة الياء "لو رأيتنا إلى قوله قد أصابتنا السماء" أي لو رأيتنا حال كوننا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال كوننا قد أصابتنا السماء، فالجملتان وقعتا حالين مترادفين أو متداخلين "حسبت أن ريحنا ريح الضأن" أي لما علينا من ثياب الصوف وأحاديث الباب تدل على جواز لبس الصوف والشعر.
قال الحافظ في الفتح قال ابن بطال: كره مالك لبس الصوف لمن يجد غيره لما فيه من الشهرة بالزهد لأن إخفاء العمل أولى. قال: ولم ينحصر التواضع في لبسه بل في القطن وغيره ما هو بدون ثمنه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: صحيح.

(11/54)


6- باب لبس المرتفع :
4028 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنِ أنبأنا عُمَارَةُ بنُ زَاذَانَ عن [أظنه عن] ثَابِتٍ عن أنَسٍ بنِ مَالِكٍ :"أنّ مَلِكَ ذِي يَزَنٍ أهْدَى إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حُلّةً أخَذَهَا بِثَلاَثَةٍ وَثَلاَثِينَ بَعِيراً، أوْ ثَلاَثِ وَثَلاَثِينَ نَاقَةً فقَبِلَهَا" .
4029 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن إسْحَاقَ بنِ
ـــــــ
"باب لبس المرتفع"
أي الرفيع من الثياب.
"أن ملك ذي يزن" في القاموس يزن محركة واد ويمنع لوزن الفعل والتعريف وأصله يزان وبطن من حمير، وذو يزن ملك لحمير لأنه حمي ذلك الوادي "أخذها" الضمير المرفوع يرجع إلى ملك ذي يزن والمنصوب إلى الحلة "فقبلها" أي فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحلة.
قال المنذري: في إسناده عمارة بن زاذان أبو سلمة، وقد تكلم فيه غير واحد.

(11/54)


عَبْدِ الله بنِ الحارِث: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى حُلّةً بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِيْنَ قَلُوصاً فأَهْداهَا إلَى ذِي يَزَنَ" .
ـــــــ
"اشترى حلة ببضعة وعشرين قلوصاً" بفتح القاف. قال في القاموس: القلوص من لإبل الشابة، أو الباقية على السير، أو أول ما يركب من إناثها إلى أن تثنى.
قال المنذري: وهذا مرسل، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، ولا يحتج بحديثه.

(11/55)


باب لبس الغليظ
...
7 - باب لباس الغليظ :
4030 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ ح. وأخبرنا مُوسَى أخبرنا سُلَيْمانُ - يَعني ابنَ المُغِيرَةَ - المَعْنى عن حُمَيْدٍ بنِ هِلاَلٍ عن أبي بُرْدَةَ قال: "دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فأَخْرَجَتْ إلَيْنَا إزَاراً غَلِيظاً مِمّا يُصْنَعُ بالْيَمَنِ، وَكِسَاءَ مِنَ الّتي يُسَمّونَهَا المُلَبّدَةَ، فأَقْسَمَتْ بالله أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قُبِضَ في هَذَيْنِ الثّوْبَيْنِ" .
4031 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ خَالِدٍ أبُو ثَوْرٍ الْكَلْبِيّ أخبرنا عُمَرُ بنُ يُونُسَ بنِ الْقَاسِمِ الْيَمَامِيّ أخبرنا عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ أخبرنا أبُو زُمَيْلٍ حدّثني عَبْدُ الله بنُ عَبّاسٍ قال: لَمّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيّةُ أتَيْتُ عَلِيّا فقال: ائْتِ هَؤلاَء الْقَوْمَ، فَلَبِسْتُ أحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ. قال أبُو زُمَيْل: وَكَانَ ابنُ عَبّاسٍ رَجُلاً جَمِيلاً جَهِيراً. قال ابنُ
ـــــــ
"باب لباس الغليظ"
"وكساء من التي يسمونها الملبدة" قال الحافظ: اسم مفعول من التلبيد وقال ثعلب: يقال للرقعة التي يرقع بها القميص لبدة، وقال غيره: التي ضرب بعضها في بعض حتى تتراكب وتجتمع انتهى.
وقال النووي: قال العلماء: الملبد هو المرقع، يقال لبدت القميص ألبده بالتخفيف فيها، ولبدته ألبده بالتشديد، وقيل هو الذي ثخن وسطه حتى صار كاللبد انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
"أخبرنا أبو زميل" بضم الزاي مصغراً "لما خرجت" أي على علي رضي الله عنه "الحرورية" هم طائفة من الخوارج نسبوا إلى حرورا بالمد والقصر وهو موضع قريب من الكوفة كان أول مجمعهم وتحكيمهم فيه وهو أحد الخوارج الذين قاتلهم علي رضي الله عنه "وكان ابن عباس رجلاً جميلاً جهيراً" بفتح الجيم وكسر الهاء أي ذا منظر بهى.
قال في النهاية: رجل جهير أي ذو منظر. وقال في القاموس: الجهر بالضم هيئة

(11/55)


عَبّاسٍ: فأَتَيْتُهُمْ فقالُوا: مَرْحَباً بِكَ يَا ابْنَ عَبّاسٍ مَا هَذِهِ الْحُلّةُ؟ قال: مَا تَعِيبُونَ عَلَيّ لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحُلَلِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: اسْمُ أبِي زُمَيْلٍ سِمَاكُ بنُ الْوَلِيدِ الحنَفِيّ.
ـــــــ
الرجل وحسن منظره "مرحباً بك" أي لقيت رحباً وسعة "لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل" وأعلم أنه كان هديه صلى الله عليه وسلم كما قال الحافظ: ابن القيم أن يلبس ما تيسر من اللباس الصوف تارة والقطن أخرى والكتان تارة ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر ولبس الجبة والقباء والقميص إلى أن قال: فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهداً وتعبداً بإزائهم طائفة قابلوهم فلم يلبسوا إلا أشرف الثياب ولم يأكلوا إلا أطيب وألين الطعام فلم يروا لبس الخشن ولا أكله تكبراً وتجبراً، وكلا الطائفتين مخالف لهدى النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.
وقال الشوكاني في النيل: إن الأعمال بالنيات، فلبس المنخفض من الثياب تواضعاً وكسراً لثورة النفس التي لا يؤمن عليها من التكبر إن لبست غالي الثياب من المقاصد الصالحة الموجبات للمثوبة من الله ولبس الغالي من الثياب عند الأمن على النفس من التسامي المشوب بنوع من التكبر لقصد التوصل بذلك إلى تمام المطالب الدينية من أمر بمعروف أو نهي عن منكر عند من لا يلتفت إلا إلى ذوي الهيئات كما هو الغالب على عوام زماننا وبعض خواصه لا شك أنه من الموجبات للأجر لكنه لا بد من تقييد ذلك بما يحل لبسه شرعاً. انتهى والحديث سكت عنه المنذري.

(11/56)


باب ماجاء في الخز
...
8 - باب ما جاء في الخز :
4032 - حدثنا عُثْمانُ بنُ مُحمّدٍ الأَنْمَاطِيّ الْبَصْرِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَبْدِ
ـــــــ
"باب ما جاء في الخز"
بفتح المعجمة وتشديد الزاي.
قال ابن الأثير: الخز ثياب تنسج من صوف وإبريسم، وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون.
وقال غيره: الخز اسم دابة ثم أطلق على الثوب المتخذ من وبرها، وقال المنذري: أصله من وبر الأرنب ويسمى ذكره الخز، وقيل إن الخز ضرب من ثياب الإبريسم.
وفي النهاية ما معناه أن الخز الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مخلوط من صوف وحرير.

(11/56)


الله الرّازِيّ ح. وأخبرنا أحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الرّازِيّ أخبرنا أبِي قالَ أخبرني أبِي عَبْدُ الله بنُ سَعْدٍ عن أبِيهِ سَعْدٍ قال: "رَأَيْتُ رَجُلاً بِبُخَارَى عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ خَزَ سَوْدَاء فقال: كَسَانِيهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم هَذَا لَفْظُ عُثْمانَ وَالإخْبَارُ في حَدِيثِهِ" .
ـــــــ
وقال عياض في المشارق: إن الخز ما خلط من الحرير والوبر، وذكر أنه من وبر الأرنب ثم قال: تسمى ما خالط الحرير من سائر الأوبار خزا كذا في النيل "أخبرني أبي عبد الله بن سعد" بضم دال عبد الله فإنه بدل من أبي "قال رأيت رجلاً" وأخرج الحاكم من طريق عبد الله بن سعد عن أبيه قال: رأيت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ببخاري، عليه عمامة خز سوداء هو يقول كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عبد الله بن خازم انتهى. وقال: في الأطراف قيل إن هذا الرجل ابد الله بن خازم السلمي أمير خراسان "عليه" أي على الرجل "فقال كسانيهارسول الله صلى الله عليه وسلم" قد استدل بهذا على جواز لبس الخز وأنت خبير بأن غاية ما في الحديث أنه أخبر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساه عمامة الخز، وذلك لا يستلزم جواز اللبس وقد ثبت من حديث علي رضي الله عنه عند البخاري قال: كساني النبي صلى الله عليه وسلم حملة سيراء فخرجت فيها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي، فلم يلزم من قول علي رضي الله عنه جواز اللبس، وهكذا قال: عمر رضي الله عنه لما بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم بحلة سيراء يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت:، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لم أكسكها لتلبسها هذا لفظ أبي داوود.
وبهذا يتبين لك أنه لا يلزم من قوله كساني حواز اللبس والله تعالى أعلم.
وقال الزيلعي: والحديث ذكره عند الحق في أحكامه من جهة أبي داوود وسكت عنه، وتعقبه ابن القطان فقال عبد الله بن سعد وأبوه والرجل الذي ادعى الصحبة كلهم لا يعرفون أما سعد والد عبد الله فلا يعرف روى عنه غير ابنه عبد الله هذا الحديث الواحد.
وأما ابنه عبد الله فقد روى عنه جماعة وله ابن يقال له عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي مروزي صدوق وله ابن اسمه أحمد ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد وهو شيخ لأبي داوود. وعنه يروى هذا الحديث انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال النسائي: وقال: بعضهم إن هذا الرجل عبد الله بن خازم السلمي أمير خراسان. هذا آخر كلامه. وعبد الله بن خازم هذا بالخاء المعجمة والزاي كنيته أبو صالح ذكر بعضهم أن له صحبة وأنكرها بعضهم وذكر البخاري هذا الحديث في التاريخ الكبير ورواه عن مخلد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي وقال عبد الرحمن: نراه ابن خازم السلمي. وقال البخاري: ابن خازم ما أرى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهذا شيخ آخر.

(11/57)


4033 - حدثنا عَبْدُ الْوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ أخبرنا بِشْرُ بنُ بَكْرٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ قالَ أخبرنا عَطِيّةُ بنُ قَيْسٍ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ غَنْمٍ اْلأشْعَرِيّ حدّثني أبُو عَامِرٍ، أوْ أَبُو مَالِكٍ، وَالله يَمِينٌ أخْرَى مَا كَذّبَنِي أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَيَكُونَنّ مِنْ أُمّتي أقْوَامٌ يَسْتَحِلّونَ الْخَزّ وَالحرِيرَ" وَذَكَرَ كَلاَماً قال: "يَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" .
ـــــــ
أخبرنا عبد الرحمن بن غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون "حدثني أبو عامر أو أبو مالك" بالشك والشك في اسم الصحابي لا يضر. وقال البخاري: بعد أن رواه على الشك أيضاً وإنما يعرف هذا عن أبي مالك الأشعري. كذا قال القسطلاني: قلت: هكذا بالشك في نسخ الكتاب وكذا في المنذري.
وقال الشوكاني في رسالته إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع رواه أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي مالك بغير شك، ورواه أبو داوود من حديث أبي عامر وأبي مالك وهي رواية ابن داسة عن أبي داوود وفي رواية الرملي عنه بالشك. وفي رواية ابن حبان سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعري انتهى "والله يمين أخرى ما كذبني" بتخفيف المعجمة وهو مبالغة في كمال صدقه "يستحلون الخز" بالخاء المعجمة والزاي وهو الذي نص عليه الحميدي وابن الأثير، وذكره أبو موسى في باب الحاء والراء المهملتين وهو الفرج، وكذلك ابن رسلان في شرح السنن ضبطه بالمهملتين. قال وأصله حرح فحذف أحد الحائين وجمعه أحراح كفرخ وأفراخ، ومنهم من شدد الراء وليس بجيد يريد أنه يكثر فيهم الزنا. قال في النهاية والمشهور الأول كذا في النيل، وقد تقدم تفسير الخز والحديث رواه البخاري تعليقاً بلفظ ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر وللمعارف الحديث "والحرير" :أي ويستحلون الحرير ومعنى استحلالها أنهم يعتقدون حلهما أو هو مجاز عن الاسترسال أي يسترسلون فيهما كالاسترسال في الحلال "وذكر كلاما":هو ما ذكره البخاري بلفظ ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولون ارجع إلينا غداً فيبيتهم الله ويضع العلم عليهم انتهى. وقوله إلى جنب علم بفتحتين هو الجبل العالي وقيل رأس الجبل، وقوله يروح عليهم أي الراعي وقوله بسارحة بمهملتين أي الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها. وقوله فيبيتهم الله أي يهلكهم الله ليلاً. وقوله يضع العلم أي يوقعه عليهم "قال يمسخ منهم آخرين" :كذا في جميع النسخ.
وقال الشوكاني وفي رواية آخرون "قردة" بكسر القاف وفتح الراء جمع قرد. وفي ذلك.

(11/58)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَعِشْرُونَ نَفْساً مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أوْ أكْثَرَ لَبِسُوا الْخَزّ، مِنْهُمْ أنَسٌ وَالْبَرَاءُ بنُ عَازب.
ـــــــ
دليل على أن المسخ واقع في هذه الأمة كما وقع لبعض الأمم السالفة وقيل هو كناية عن تبدل أخلاقهم.
قال الحافظ والأول أليق بالسياق. والحديث يدل على تحريم الخز، وكذلك يدل على تحريمه حديث معاوية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تركبوا الخز ولا النمار" رواه أبو داوود ورجال إسناده ثقات. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الملاهي عن أبي هريرة مرفوعاً "يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير، فقالوا يا رسول الله أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال بلى ويصومون ويصلون ويحجون، قالوا فما بالهم؟ قال اتخذوا المعازف والدفوف والقينات فباتوا على شربهم ولهوهم فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير وليمرن الرجل على الرجل في حانوته يبيع فيرجع إليه وقد مسخ قرداً أو خنزيراً" قال أبو هريرة لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان في الأمر فيمسخ أحدهما قرداً أو خنزيراً ولا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه حتى يقضي شهوته. قاله الشوكاني.
قال المنذري وأخرجه البخاري تعليقاً "قال أبو داوود وعشرون نفساً الخ" لم توجد هذه العبارة في عامة النسخ وكذا ليست في أطراف المزي وكذا في مختصر المنذري، وإنما وجدت في بعض النسخ من السنن.
قال في منتقى الأخبار: وقد صح لبسه عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم قال الشوكاني تحت هذا القول لا يخفاك أنه لا حجة في فعل بعض الصحابة وإن كانوا عدداً كثيراً، والحجة إنما هي في إجماعهم عند القائلين بحجية الاجماع، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه سيكون من أمته أقوام يستحلون الخز والحرير وذكر الوعيد الشديد في آخر هذا الحديث من المسخ إلى القردة والخنازير انتهى.
وفي فتح الباري: وقد ثبت لبس الخز عن جماعة من الصحابة وغيرهم قال أبو داوود لبسه عشرون نفساً من الصحابة وأكثر.
وأورده ابن أبي شيبة عن جمع منهم وعن طائفة من التابعين بأسانيد جياد. وأعلى ما ورد في ذلك ما أخرجه أبو داوود والنسائي من طريق عبد الله بن سعد الدشتكي عن أبيه قال "رأيت رجلاً على بغلة وعليه عمامة خز سوداء وهو يقول كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمار بن أبي عمار قال: أتت مروان بن الحكم مطارف خز فكساها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأصح في تفسير الخزانة ثياب سداها من حرير ولحمتها

(11/59)


...............
ـــــــ
من غيره، وقيل تنسج مخلوطة من حرير وصوف أو نحوه، وقيل أصله اسم دابة يقال لها الخز سمي الثوب المتخذ من وبره خزاً لنعومته ثم أطلق على ما يخلط بالحرير لنعومة الحرير. وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بلبسه على جواز لبس ما يخالطه الحرير ما لم يتحقق أن الخز الذي لبسه السلف كان من المخلوط بالحرير.
وأجاز الحنفية والحنابلة لبس الخز ما لم يكن فيه شهرة. وعن مالك الكراهة وهذا كله في الخز انتهى كلام الحافظ.

(11/60)


باب ماجاء في لبس الحرير
...
9 - باب ما جاء في لبس الحرير :
4034 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نافِعٍ عن عَبْدِ الله بن عُمَرَ: "أنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ رَأَى حُلّةً سِيرَاءَ عِنْدَ بِابِ المَسْجِدِ تُبَاعُ فقال يَا رَسُولَ الله لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوفُودِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاَقَ لَهُ في الآخرة، ثُمّ جَاءَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مِنْهَا حُلَلٌ فأَعْطَى عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ مِنْهَا حُلّةً، فقال عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ: يَا رَسُولَ الله كَسَوتنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ في
ـــــــ
"باب ما جاء في لبس الحرير"
"رأي حلة سيراء" بسين مهملة مكسورة ثم ياء مثناة من تحت مفتوحة ثم راء ثم ألف ممدودة. قال النووي: ضبطوا الحلة هاهنا بالتنوين على أن سيراء صفة وبغير تنوين على الإضافة وهما وجهان مشهوران، والمحققون ومتقنوا العربية يختارون الاضافة. قال سيبوبه لم تأت فعلاء صفة وأكثر المحدثين ينونون. قالوا هي برود يخالطها حرير وهي مضلعة بالحرير، وكذا قاله الخليل والأصمعي وآخرون قالوا كأنها شبهت خطوطها بالسيور. وقال ابن شهاب: مضلعة بالقز وقيل إنها حرير محض. وقد ذكر مسلم في الرواية الأخرى حلة من استبرق وفي الأخرى من ديباج أو حرير، وفي رواية حلة سندس، فهذه الألفاظ تبين أن الحلة كانت حريراً محضاً وهو الصحيح الذي يتعين القول به في هذا الحديث جمعاً بين الروايات، والحلة لا تكون إلا ثوبين وتكون غالباً إزاراً ورداء انتهى باختصار يسير.
"عند باب المسجد تباع" وكانت تلك الحلة لعطارد التميمي كساه إياها كسرى "وللوفود" وفي رواية عند مسلم لوفود العرب. قال الحافظ: وكأنه خصه بالعرب لأنهم كانوا إذ ذاك الوفود في الغالب لأن مكة لما فتحت بادر العرب بإسلامهم فكان كل قبيلة ترسل كبراءها ليسلموا ويتعلموا ويرجعوا إلى قومهم فيدعوهم إلى الإسلام ويعلموهم "من لا خلاق له" أي لاحظ له أو لا نصيب له" ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم" بالنصب "منها حلل" بالرفع على الفاعلية "فأعطى" أي

(11/60)


حُلّةٍ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنّي لَمْ أكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، فكَسَاهَا عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ أخاً لَهُ مُشْرِكاً بِمَكّةَ" .
4035 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ وَ عمْرُو بنُ الْحَارِثِ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عن أبِيهِ بِهذِهِ الْقِصّةِ قال: حُلّةَ اسْتَبْرِقٍ، وَقال فِيهِ: ثُمّ أرْسَلَ إلَيْهِ بِجُبّةِ دِيبَاجٍ. وَقال تَبِيعُهَا وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ.
4036 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا عَاصِمٌ الأحْوَلُ عن أبِي عُثْمانَ النّهْدِيّ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلَى عُتْبَةَ بنِ فَرْقَدٍ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الْحَرِيرِ إلاّ مَا كَانَ هَكَذَا وهَكَذَا، إصْبَعَيْنِ وَثَلاَثَةً وَأرْبَعَةً" .
4037 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن أبِي عَوْنٍ قالَ سَمِعْتُ أبَا
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم "وقد قلت في حلة عطارد" هو صاحب الحلة ابن حاجب التميمي "ما قلت" ما موصولة، وجملة وقد قلت حالية "أخاله مشركاً بمكة" وعند النسائي أخاله من أمه، وسماه ابن بشكوال عثمان بن حكيم قاله القسطلاني.
والحديث يدل على تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء وجواز إهداء المسلم إلى المشرك ثوباً وغيره.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وهذا الأخ الذي كساه عمر كان أخاه من أمه وقد جاء ذلك مبيناً في كتاب النسائي، وقيل إن اسمه عثمان بن حكيم، فأما أخوه زيد بن الخطاب، فإنه أسلم قبل عمر رضي الله عنهما "حلة إستبرق" بكسر الهمزة هو ما غلظ من الحرير"ثم أرسل إليه" أي إلى عمر رضي الله عنه"بجبة ديباج" بكسر الدال هو ما رق من الحرير"وتصيب بها أي تصيب بثمنها".
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي "إلى عتبة ابن فرقد" صحابي مشهور سمي أبوه باسم النجم وكان عتبة أميراً لعمر في فتوح بلاد الجزيرة "إلا ما كان هكذا وهكذا إصبعين وثلاثة وأربعة" فيه دليل على أنه يحل من الحرير مقدار أربع أصابع كالطراز والسجاف من غير فرق بين المركب على الثوب والمنسوج والمعمول بالإبرة، والترقيع كالتطريز، ويحرم الزائد على الأربع من الحرير ومن الذهب بالأولى، وهذا مذهب الجمهور وقد أغرب بعض المالكية فقال يجوز العلم وإن زاد على الأربع. وروى عن مالك القول بالمنع من المقدار المستثنى في الحديث. قال الشوكاني ولا أظن ذلك يصح عنه.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه.

(11/61)


صَالِحٍ يُحَدّثُ عن عَلِيّ قال :"أهْدِيَتْ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حُلة سِيَرَاءُ، فأَرْسَلَ بِهَا إلَيّ فَلَبِسْتُهَا فأَتَيْتُهُ فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ في وَجْهِهِ، فقالَ إنّي لَمْ أُرْسِلْ بِهَا إلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، فأمَرَنِي فأَطَرْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي" .
ـــــــ
"أهديت" بالبناء للمفعول أهداها له أكيدر دومة كما في رواية مسلم "إني لم أرسل إليك لتلبسها" زاد مسلم في رواية أبي صالح إنما بعثت بها لتشققها خمراً بين النساء، وله في أخرى شققه خمراً بين الفواطم "فأمرني فأطرتها" أي قسمتها "بين نسائي" بأن شققتها وجعلت لكل واحدة منهن شقة، يقال طار لفلان في القسمة سهم كذا أي طار له ووقع في حصته. قال الشاعر:
فما طار لي في القسم إلا ثمينها
قاله الخطابي والمراد بقوله نسائي ما فسره في رواية أبي صالح حيث قال بين الفواطم، والمراد بالفواطم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وفاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنه، والثالثة قيل هي فاطمة بنت حمزة وذكرت لهن رابعة وهي فاطمة امرأة عقيل بن أبي طالب وقوله خمراً بضم الخاء المعجمة والميم جمع خمار بكسر أوله والتخفيف ما تغطي به المرأة رأسها.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(11/62)


10 - باب من كرهه :
4038 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن إِبراهِيمَ بنِ عَبْدِ الله بنِ حُنَيْنٍ عن أبِيهِ عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ لُبْسِ الْقَسّيّ وَعنْ لُبْسِ المُعَصْفَرِ وَعنْ تَخَتمِ الذّهَبِ وَعن الْقِرَاءَةِ فِي الرّكُوعِ" .
ـــــــ
"باب من كرهه"
أي لبس الحرير. قال الحافظقال ابن بطال: اختلف في الحرير فقال قوم يحرم لبسه في كل الأحوال حتى على النساء. نقل ذلك عن علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين. وقال قوم يجوز لبسه مطلقاً وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه على من لبسه خيلاء أو على التنزيه.
قلت: وهذا الثاني ساقط لثبوت الوعيد على لبسه انتهى.
"نهى" وفي رواية مسلم نهاني "عن لبس القسي" بفتح القاف وتشديد السين المهملة بعدها ياء نسبة. وذكر أبو عبيد في غريب الحديث أن أهل الحديث يقولونه بكسر القاف وأهل مصر يفتحونها وهي نسبة إلى بلد يقال لها القس، قاله الحافظ. والقسى ثياب يؤتى بها من مصر

(11/62)


4039 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدِ المروَزِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن إِبراهِيمَ بنِ عَبْدِ الله بنِ حُنَيْنٍ عن أبِيهِ عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهذا قالَ عن الْقِرَاءَةِ في الرّكُوعِ وَالسّجُودِ.
4040 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرِو عن إِبراهِيمَ بنِ عَبْدِ الله بِهَذا. زَادَ: "وَلاَ أقُولُ نَهَاكُم" .
ـــــــ
أو الشام مضلعة فيها حرير فيها أمثال الأترج، وهذا التفسير رواه البخاري عن علي معلقاً ورواه مسلم موصولاً باختلاف بعض الألفاظ. ومعنى قوله مضلعة أي فيها خطوط عريضة كالأضلاع وقوله فيها أمثال الأترج أي أن الأضلاع التي فيها غليظة معوجة. وقوله فيها حرير يشعر بأنها ليست حريراً صرفاً. وحكى النووي عن العلماء أنها ثياب مخلوطة بالحرير وقيل من الخز وهو ردي الحرير "عن لبس المعصفر" هو المصبوغ بالعصفر "وعن تختم الذهب" قال النووي: أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء وأجمعوا على تحريمه للرجال "وعن القراءة في الركوع" وزاد في الرواية الآتية والسجود، وفيه دليل على تحريم القراءة في هذين المحلين لأن وظيفتهما إنما هي التسبيح والدعاء لما في صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم "نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء" والحديث فيه دليل على تحريم الأشياء المذكورة فيه.
قال الخطابي: إنما حرمت هذه الأشياء على الرجال دون النساء. قال وقد كره للنساء أن تتختم بالفضة لأن ذلك من زي الرجال، فإذا لم يجدن ذهباً فليصفرنه بزعفران أو نحوه.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً "بهذا" أي بهذا الحديث المذكور.
"زاد" أي محمد بن عمرو في روايته "ولا أقول نهاكم" أي قال علي رضي الله عنه "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول نهاكم" قد استدل بهذه الرواية من لم يقل بتحريم لبس المعصفر وظن أن النهي مختص بعلي رضي الله عنه كما تفيد هذه الرواية، والجواب أن النهي ليس بمختص بعلي رضي الله عنه بل يعم جميع الناس، يدل عليه حديث عبد الله بن العاص عند مسلم قال "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها" وقد قال البيهقي رادّا لقول الشافعي إنه لم يحك أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن المعصفر إلا ما قال على نهاني ولا أقول نهاكم أن الأحاديث تدل على أن النهي على العموم، ثم ذكر أحاديث ثم قال بعد ذلك ولو بلغت هذه الأحاديث للشافعي رحمه الله لقال بها ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعي أنه قال إذا صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث.

(11/63)


4041 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكِ: "أنّ مَلِكَ الرّومِ أهْدَى إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُسْتَقَةً مِنْ سُنْدُسٍ فَلَبِسَهَا فكَأَنّي أنْظُرُ إلَى يَدَيْهِ تَذَبْذَبَانِ ثُمّ بَعَثَ بِهَا إلَى جَعْفَرٍ فَلَبِسَهَا، ثُمّ جَاءَهُ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا. قال: فَمَا أصْنَعُ بِهَا؟ قال: أرْسَلْ بِهَا إلَى أخِيكَ النّجَاشِيّ" .
ـــــــ
"مستقة" بضم الميم وسكون السين المهملة ومثناه فوقية وقاف. قال الأصمعي: المساتق فراء طوال الأكمام واحدها مستقة قال وأصلها في الفارسية مشته فعربت كذا في معالم السنن "من سندس" قال الخطابي: يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس لأن نفس الفروة لا تكون سندساً انتهى. وفي النهاية مستقة بضم التاء وفتحها فرو طويل الكمين وهي تعريب مُشْعَه وقوله من سندس يشبه أنها كانت مكففة بالسندس وهو الرفيع من الحرير والديباج لأن نفس الفرو لا يكون سندساً وجمعها مساتق انتهى "فلبسها" أي المستقة قبل التحريم، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك "أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس أو ديباج قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها فتعجب الناس منها، فقال والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها.
وأخرج الشيخان عن عقبة بن عامر قال "أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فروج حرير فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعاً عنيفاً شديداً كالكاره له ثم قال لا ينبغي هذا للمتقين" .
وأخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله يقول "لبس النبي صلى الله عليه وسلم يوماً قباء من ديباج أهدى له ثم أوشك أن ينزعه، فأرسل به إلى عمر بن الخطاب فقيل قد أوشك ما نزعته يا رسول الله، فقال نهاني عنه جبرئيل عليه الصلاة والسلام، فجاءه عمر يبكي، فقال يا رسول الله كرهت أمراً وأعطيتيه فمالي فقال إني لم أعطكه لتلبسه إنما أعطيتك تبيعه فباعه بألفي درهم" وهذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس الحرير ثم كان التحريم آخر الأمرين "فكأني أنظر إلى يديه تذبذبان" .
قال الخطابي: معناه تتحركان وتضطربان يريد الكمين "ثم بعث بها" أي بالمستقة "إلى جعفر" بن أبي طالب "فلبسها" جعفر "إلى أخيك النجاشي" ملك الحبشة مكافأة لإحسانه وبدلا للصنيع المعروف الذي فعله بك، فهذه هدية ملك الروم لائق بحال ملك الحبشة.
وفيه توجيه آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس المستقة بعد تحريم الحرير لكونها مكففة بالسندس وليس جميعها حريراً خالصاً، لأن نفس الفروة لا تكون سندساً ومع ذلك ترك لبسها على الورع والتقوى، وعلى هذا التوجيه يطابق الحديث بالباب.
ويحتمل أن يكون عطاؤها لجعفر بعد التحريم، وكان قدر ما كف هنا أكثر من القدر المرخص ثم إهداءها لملك الحبشة لينتفع بها بأن يكسوها النساء والله أعلم.

(11/64)


4042 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا رَوْحٌ أخبرنا سَعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ أنّ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا أرْكَبُ الأرْجُوَانَ وَلا ألْبَسُ الْقَمِيصَ المُكَفّفَ بالْحَرِيرِ" .
قال: وَأَوْمأَ الْحَسَنُ إلَى جَيْبِ قَمِيصِهِ. قالَ وَقالَ: ألاَ وَطِيبُ الرّجَالِ رِيحٌ لا لَوْنَ لَهُ، ألاَ وَطِيبُ النّسَاءِ لَوْنٌ لاَ رِيحَ لَهُ. قال سَعِيدٌ: أرَاهُ قالَ: إنّمَا حَمَلُوا قَوْلَهُ في طِيبٍ النّسَاءِ، عَلَى أنّهَا إذَا خَرَجَتْ، فأمّا إذَا كَانَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا فَلْتَطّيّبْ بِمَا شَاءتْ.
ـــــــ
قال المنذري: وعلي بن زيد بن جدعان القرشي التيمي مكي نزل البصرة ولا يحتج بحديثه.
"ولا أركب الأرجوان" بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو خفيفة.
قال الخطابي في المعالم: الأرجوان الأحمر وأراه أراد به المياثر الحمر وقد تتخذ من ديباج وحرير وقد ورد فيه النهي لما في ذلك من السرف وليست من لباس الرجال "ولا ألبس المعصفر" أي المصبوغ بالعصفر قال القاري: وهو بإطلاقه يشمل ما صبغ بعد النسج وقبله. فقول الخطابي ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل يحتاج إلى دليل من خارج "ولا ألبس القميص المكفف بالحرير" المكفف بفتح الفاء الأولى المشددة. قال في النهاية: أي الذي عمل على ذيله وأكمامه وجيبه كفاف من حرير، وكفة كل شيء بالضم طرفه وحاشيته وكل مستدير كفة بالكسر ككفة الميزان وكل مستطيل كفة ككفة الثوب.
قال القاضي: وهذا لا يعارض حديث أسماء: "لها لبة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج" وقالت هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم لأنه ربما لم يلبس القميص المكفف بالحرير لأن فيه مزيد تجمل وترفه وربما لبس الجبة المكففة.
قال القاري: والأظهر في التوفيق بينهما أن قدر ما كف هنا أكثر من القدر المرخص ثمة وهو أربع أصابع أو يحمل هذا على الورع والتقوى وذاك على الرخصة وبيان الجواز والفتوى، وقبل هذا متقدم على لبس الجبة والله أعلم "وأومأ" أي أشار "الحسن" هو البصري "إلى جيب قميصه" الجيب بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها موحدة هو ما يقطع من الثوب ليخرج منه الرأس أو اليد أو غير ذلك "قال" أي عمران بن حصين "وقال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا" للتنبيه "وطيب الرجال" أي المأذون فيه "ريح" أي ما فيه ريح " لا لون له" كمسك وكافور وعود "وطيب النساء لون لا ريح له" كالزعفران والخلوق "قال سيد" أي ابن أبي عروبة "أراه" بضم الهمزة أي أظنه "قال إنما حملوا" أي العلماء "قوله" صلى الله عليه وسلم "في طيب النساء" يعني وطيب النساء لون لا ريح له "إذا خرجت" أي من بيتها فلا يجوز لها التطيب بما له رائحة طيبة عند الخروج من بيوتها "بما شاءت" أي بما له رائحة طيبة أو لا.

(11/65)


4043 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَوْهِبٍ الْهَمْدَانِيّ أنبأنا المُفَضّلُ - يَعني ابنَ فَضَالَةَ - عن عَيّاشِ بنِ عَيّاشِ القَتَبَانِيّ عن أبي الْحُصَيْنِ - يَعني الْهَيْثَمَ بنَ شَفِيَ - قالَ: خَرَجْتُ أنَا وَصَاحِبٌ لِي يُكْنَى أبَا عَامِرٍ - رَجُلِ مِنَ المَعَافِرِ - لِنُصَلّيَ بإيلِيَا وكَانَ قَاصّهُمْ رَجُلٌ مِنَ الأزْدِ يُقَالُ لَهُ أبُو رَيْحَانَةَ مِنَ الصّحَابَةِ. قالَ أبُو الْحُصَيْنِ: فَسَبَقنِي صَاحِبي إلَى المَسْجِدِ، ثُمّ جِئْتُ فَجَلَسْتُ إلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلَنِي: هَلْ أدْرَكْتَ قَصَصَ أبِي رَيْحَانَةَ. قُلْتُ: لاَ. قال: سَمِعْتُهُ يقولُ: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ عَشْرٍ: عن الْوَشْرِ وَالْوَشْمِ وَالنّتْفِ، وَعن مُكَامَعَةِ الرّجُلِ الرّجُلَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَعن مُكَامَعَةِ المْرْأَةِ المَرْأَةَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَأنْ يَجْعَلَ الرّجُلُ في أسْفَلِ ثِيَابِهِ حَرِيراً مِثْلَ الأعَاجِمِ، أوْ يَجْعَلَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَرِيراً مِثْلَ الأعَاجِمِ، وَعن النّهْبَي وَرُكُوبِ النّمُورِ وَلُبُوسِ الْخَاتَمِ إلاّ لِذِي سُلْطَانٍ" .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرج الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن خير طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه ونهى عن ميثرة الأرجوان" وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه. هذا آخر كلامه والحسن لم يسمع من عمران بن حصين.
"يعني الهيثم بن شفي" بمعجمة وفاء بوزن على في الأصح قاله الحافظ "من المعافر" في القاموس: معافر بلد وأبو حي من حمدان والظاهر أن المراد هنا هو الأول "لنصلى" علة لقوله خرجت "بإبلياء" على وزن كيميا بالمد والقصر مدينة بيت المقدس "وكان قاصهم" بالنصب خبر كان، والقاص من يأتي بالقصة والمراد من قاصهم وأعظمهم "رجل" اسم كان "إلى جنبه" أي إلى جنب صاحبي "أدركت قصص أبي ريحانة" أي وعظة وبيانه "عن عشر" أي عشر خصال "عن الوشر" بواو مفتوحة فمعجمة ساكنة فراء وهو على ما في النهاية تحديد الأسنان وترقيق أطرافها تفعله المرأة تتشبه بالشواب، وإنما نهى عنه لما فيه من التغرير وتغيير خلق الله "والوشم" وهو أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل فيزرق أثره أو يخضر "والنتف" أي وعن نتق النساء الشعور من وجوههن، أو نتف اللحية أو الحاجب، بأن ينتف البياض منهما، أو نتف الشعر عند المصيبة "وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار" بكسر أوله أي ثوب يتصل بشعر البدن. قال في النهاية: هو أن يضاجع الرجل صاحبه. في ثوب واحد لا حاجز بينهما. وقال الخطابي: المكامعة هي المضاجعة. وروى أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال المكامعة مضاجعة العراة المحرمين "وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه" أي في ذيلها وأطرافها "حريراً" أي كثيراً زائداً على أربع أصابع لما مر من جوازه، وبدل عليه تقييده بقوله "مثل الأعاجم" أي مثل ثيابهم في تكثير سجافها، ولعلهم كانوا يفعلونها أيضاً على ظهارة ثيابهم تكبراً وافتخاراً.

(11/66)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: الّذِي تَفَرّدَ بِهِ مِنْ هَذا الحديثِ خَبَرُ الْخَاتَمِ.
4044 - حدثنا يَحْيَى بنُ حَبيبٍ أخبرنا رَوْحٌ أخبرنا هِشَامٌ عن مُحمّدِ عن عُبَيْدَةَ عن عَلِيّ أنّهُ قال: نَهَى عنْ مَيَاثِرِ اْلأرْجُوَانِ.
ـــــــ
قال المظهر يعني لبس الحرير حرام على الرجال سواء كانت تحت الثياب أو فوقها وعادة جهال العجم أن يلبسوا تحت الثياب ثوباً قصيراً من الحرير ليلين أعضاءهم وكذا قوله "أو يجعل على منكبيه حريراً" أي علماً من حرير زائدا على قدر أربع أصابع "وعن النهبي" بضم فسكون مصدر بمعنى النهب والإغارة وقد يكون أسماً لما ينهب، والمراد النهي عن إغارة المسلمين "وركوب النمور" بضمتين جمع نمر أي جلودها قيل لأنها من زي الأعاجم "ولبوس الخاتم" بضم اللام مصدر كالدخول والخاتم بكسر التاء ويفتح "إلا لذي سلطان" .
قال الخطابي: ويشبه أن يكون إثماً كره الخاتم لغير ذي سلطان لأنه حينئذ يكون زينة محضة لا لحاجة ولا لإرب غير الزينة.
قال الحافظ في الفتح قال الطحاوي بعد أن أخرج حديث أبي ريحانة: ذهب قوم إلى كراهة لبس الخاتم إلا لذي سلطان، وخالفهم آخرون فأباحوه، ومن حجتهم حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ألقى خاتمه ألقى الناس خواتيمهم، فإنه يدل على أنه كان يلبس الخاتم في العهد النبوي من ليس ذا سلطان. قان قيل هو منسوخ، قلنا الذي نسخ منه خاتم الذهب، ثم أورد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يلبسون الخواتم ممن ليس له سلطان انتهى. ولم يجب عن حديث أبي ريحانة، والذي يظهر أن لبسه لغير ذي سلطان خلاف الأولى لأنه ضرب من التزين واللائق بالرجال خلافة، وتكون الأدلة الدالة على الجواز هي الصارفة للنهي عن التحريم، ويؤيده أن في بعض طرقه نهى عن الزينة والخاتم الحديث، ويمكن أن يكون المراد بالسلطان من له سلطنة على شيء ما يحتاج إلى الختم عليه لا السلطان الأكبر خاصة، والمراد بالخاتم ما يختم به فيكون لبسه عبثاً، وأما من لبس الخاتم الذي لا يختم به وكان من الفضة للزينة فلا يدخل في النهي، وعلى ذلك يحمل حال من لبسه. وقد سئل مالك عن حديث أبي ريحانة فضعفه انتهى كلام الحافظ باختصار.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وفيه مقال وأبو ريحانة هذا اسمه شمعون بالشين المعجمة والعين المهملة ويقال شمغون بالشين والغين المعجمتين، ورجحة بعضهم وهو أنصاري وقيل قرشي، ويقال له مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم بصرة وروى عنه من أهلها غير واحد.
"قال نهى" قال في الفتح وقد أخرج أحمد والنسائي وأصله عند أبي داوود بسند صحيح

(11/67)


4045 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ وَ مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ قالا أخبرنا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحَاقَ عنْ هُبَيْرَةَ عن عَلِيّ قالَ: "نَهَانِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن خَاتَمِ الذّهَبِ وَعن لُبْسِ الْقَسّيّ وَالمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ" .
4046 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ أخبرنا بنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، صَلّى في خَمِيصَةٍ لَهَا أعْلاَمٌ
ـــــــ
عن علي قال نهى عن مياثر الأرجوان هكذا عندهم بلفظ نهى على البناء للمجهول وهو محمول على الرفع انتهى "عن مياثر الأرجوان" جمع ميثرة بالكسر وهي مفعلة من الوثارة بالمثلثة وكان أصلها مؤثرة قلبت الواو ياء كميزان.
قال إمام المحدثين البخاري في صحيحه: الميثرة كانت النساء يصنعنه لبعولتهن أمثال القطائف يصفونها. قال الحافظ معنى يصفونها أي يجعلونها كالصفة. وقال الزبيدي: والميثرة مرفقة كصفة السرج. وقال الطبري هو وطأ يوضع على سرج الفرس أو رحل البعير كانت النساء تصنعه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر ومن الديباج وكانت مراكب العجم انتهى. والأرجوان بضم الهمزة والجيم هو الصوف الأحمر كذا قال ابن رسلان، وقيل الأرجوان الحمرة، وقيل الشديد الحمرة، وقيل الصباغ الأحمر. ذكره في النيل. وقال السيوطي الأرجوان صبغ أحمر ويتخذ كالفراش الصغير ويحشى بقطن يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال ويدخل فيه مياثر السرج، لأن النهي يشمل كل ميثرة حمراء كانت على رحل أو سرج انتهى. وليس هذا الحديث في نسخة المنذري ولكن وجد في عامة نسخ السنن.
وقال المزي في الأطراف: حديث نهى عن مياثر الأرجوان أخرجه أبو داوود في اللباس عن يحيى بن حبيب عن روح بن عبادة عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة بن عمر والسلماني عن علي انتهى.
"عن لبس القسى" تقدم ضبطه وتفسيره "والميثرة الحمراء" قال في المرقاة: الميثرة هي وسادة صغيرة حمراء يجعلها الراكب تحته والنهي إذا كانت من حرير قال: ويحتمل أن يكون النهي لما فيه من الترفه والتنعم نهى تنزيه ولكونها من مراكب العجم. والمفهوم من كلام بعضهم أن الميثرة لا تكون إلا حمراء فالتقييد إما للتأكيد أو بناء على التجريد.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح.
"صلى في خميصة" بفتح المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة. قال في المصباح: الخميصة كساء أسود معلم الطرفين ويكون من خز أو صوف فإن لم يكن معلماً فليس مخميصة انتهى. وفي النهاية: هي ثوب خز أو صوف معلم، وقيل لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء

(11/68)


فَنَظَرَ إلَى أعْلاَمِهَا، فَلَمّا سَلَمَ قالَ اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أبي جَهْمٍ، فَإِنّهَا ألْهَتْنِي آنِفاً في صَلاَتِي، وَائْتُونِي بأَنْبَجَانَيَتِهِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: أبُو جَهْمِ بنُ حُذَيْفَةَ مِنْ بَنِي عَدِيّ بنِ كَعْبِ بنِ غَانِمٍ.
4047 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ في آخَرِينَ قالُوا أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عنْ عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ نَحْوَهُ وَالأوّلُ أشْبَعُ.
ـــــــ
معلمة وكانت من لباس الناس قديماً انتهى "إلى أبي جهم" هو عبيد ويقال عامر بن حذيفة القرشي العدوي صحابي مشهور، وإنما خصه صلى الله عليه وسلم بإرسال الخميصة لأنه كان أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم كما رواه مالك في الموطأ "فإنها ألهتنى" أي شغلتني يقال لهى بالكسر إذا غفل ولهى بالفتح إذا لعب "آنفاً" أي قريباً وهو مأخوذ من ائتناف الشيء أي ابتدائه "في صلاتي" أي عن كمال الحضور فيها "وائتوني بأنبجانيته" بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء النسبة كساء غليظ لا علم له، ولعله أراد بذلك تطييب خاطره لئلا ينكسر ويرى أن هديته رد عليه "أخبرنا سفيان" هو ابن عيينة ذكره المزي "والأول أشبع" أي الحديث الأول أتم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وأبو جهم اسمه عامر وقيل عبيد.

(11/69)


11 - باب الرخصة في العلم وخيط الحرير :
4048 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا المُغِيرَةُ بنُ زِيَادٍ أخبرنا عَبْدُ الله أبُو عُمَرَ مَوْلَى أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَ: رَأَيْتُ ابنَ عُمَرَ في السّوقِ اشْتَرَى ثَوْباً شَامِيّا فَرَأَى فِيهِ خَيْطَاً أحْمَرَ فَرَدّهُ، فَأَتَيْتُ أسْمَاءَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا، فقَالَتْ يَا جَارِيَةُ نَاوِلِينِي جُبّةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَخْرَجْتُ جُبّةَ طَيَالِسَةَ مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدّيبَاجِ.
ـــــــ
"باب الرخصة في العلم وخيط الحرير"
العلم محركة رسم الثوب ورقمه قاله في القاموس وذلك كالطراز والسجاف "اشترى ثوباً شافياً فرأى فيه خيطاً أحمر" والظاهر أن الخيط كان من الحرير "فرده" أي ذلك الثوب وفي رواية ابن ماجه اشترى عمامة لها علم فدعا بالقلمين فقصه ولعلهما قصتان "فذكرت ذلك" أي اشتراء ابن عمر الثوب ورده بعد ما رأى فيه الخيط الأحمر "لها" أي لأسماء رضي الله عنها "ناوليني" أي أعطيني "فأخرجت جبة طيالسة" بإضافة جبة إلى طيالسة كما ذكره ابن رسلان في شرح السنن. والطيالسة جمع طيلسان وهو كساء غليظ والمراد أن الجبة غليظة كأنها من

(11/69)


4049 - حدثنا ابنُ نُفَيْلٍ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا خُصَيْفٌ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاس قالَ: "إنّمَا نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الثّوْبِ المُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيرِ، فَأَمّا الْعَلَمُ مِنَ الْحَرِيرِ وَسَدَى الثّوْبِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ" .
ـــــــ
طيلسان "مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج" أي مرقع جيبها وكماها وفرجاها بشيء من الديباج، والكف عطف أطراف الثوب. وقال النووي: أي جعل لها كفة بضم الكاف هو ما يكف به جوانبها ويعطف عليها ويكون ذلك في الذيل وفي الفرجين وفي الكمين. قال: وأما اخراج أسماء جبة النبي صلى الله عليه وسلم فقصدت بها بيان أن هذا ليس محرماً. وهكذا الحكم عند الشافعي وغيره أن الثوب والجبة والعمامة ونحوها إذا كان مكفوف الطرف بالحرير جازماً لم يزد على أربع أصابع فإن زاد فهو حرام لحديث عمر يعني ما مر في باب ما جاء في لبس الحرير عن أبي عثمان النهدي، قال كتب عمر إلى عتبة ابن فرقد الحديث. قال وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم، وفيه جواز لباس الجبة ولباس ماله فرجان وأنه لا كراهة فيه انتهى. واعلم أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان يكره العلم من الحرير في الثوب ويقول إني سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إنما يلبس الحرير من لا خلاق له فخفت أن يكون العلم منه" رواه مسلم. وحديث الباب وحديث عمر المذكور يدلان على الجواز إذا لم يزد على أربع أصابع كما لا يخفي وهو مذهب الجمهور.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه نحوه مختصراً.
"عن الثوب المصمت" بضم الميم الأولى وفتح الثانية المخففة وهو الذي جميعه حرير لا يخالطه قطن ولا غيره، قاله ابن رسلان. وقال الطيبي: هو الثوب الذي يكون سداه ولحمته من الحرير لا شيء غيره، ومفاد العبارتين واحد "وسدى الثوب" بفتح السين والدال بوزن الحصى، ويقال ستى بمثناة من فوق بدل الدال لغتان بمعنى واحد وهو خلاف اللحمة وهي التي تنسج من العرض وذاك من الطول، والحاصل أنه إذا كان السدى من الحرير واللحمة من غيره كالقطن والصوف "فلا بأس" لأن تمام الثوب لا يكون إلا بلحمته.
والحديث بدل على جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير الأغلب وهو مذهب الجمهور. وذهب بعض الصحابة كابن عمر والتابعين كابن سيرين إلى تحريمه واستدلوا بحديث عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القسى الحديث لتفسير القسى بأنه ما خالط غير الحرير فيه الحرير كما مر.
قال الحافظ: الذي يظهر من سياق طرق الحديث في تفسير القسى أنه الذي يخالطه الحرير لا أنه الحرير الصرف.
ومن أدلة الجمهور الرخصة في العلم من الحرير في الثوب قالوا إذا جاز الحرير الخالص

(11/70)


...................................
ـــــــ
قدر أربع أصابع فما يمنع من الجواز إذا كان ذلك المقدار مفرقاً كما في الثوب المختلط. قال ابن دقيق العيد: وهو قياس في معنى الأصل لكن لا يلزم من جواز ذلك جواز كل مختلط وإنما يجوز منه ما كان مجموع الحرير فيه قدر أربع أصابع لو كانت منفردة بالنسبة لجميع الثوب فيكون المنع من لبس الحرير شاملاً للخالص والمختلط وبعد الاستثناء يقتصر على القدر المستثنى وهو أربع أصابع إذا كانت منفردة، ويلتحق بها في المعنى ما إذا كانت مختلطة. واستدل ابن العربي للجواز أيضاً بأن النهي عن الحرير حقيلة في الخالص والإذن في القطن ونحوه صريح، فإذا خلطا بحيث لا يسمى حريراً بحيث لا يتناوله الاسم ولا تشمله علة التحريم خرج عن الممنوع فجاز.
ومن أدلة الجمهور أنه ثبت لبس الخز عن جماعة من الصحابة كما مر، والأصح في تفسير الخز أنه ثياب سداها من حرير ولحمتها من غيره. وفيه أن هذا أحد تفاسير الخز، وقد سلف الاختلاف في تفسيره فما لم يتحقق أن الخز الذي لبسه الصحابة كان من المخلوط بالحرير لا يصح الاستدلال بلبسه على جواز لبس ما يخالطه الحرير، كذا قرر الحافظ. قلت: قال النهاية ما معناه إن الخز الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مخلوط من صوف وحرير ولكن قد ظهر لك مما سلف أن الخز حرام وأنه لا يثبت من لبس بعض الصحابة إباحته فما لم يتحقق أن لبس الخز مباح لا يصح الاستدلال بمجرد لبس بعض الصحابة إياه على إباحة لبس ما يخالطه الحرير.
فإن قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلة السيراء "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة" كما مر في حديث عمر وقد رأى عليّ الغضب في وجهه صلى الله عليه وسلم حين أتاه لابساً لها كما سلف في حديث علي، فهذان الحديثان يدلان على تحريم المختلط، لأن السيراء عند أهل اللغة هي التي يخالطها الحرير.
قلت: قال الحافظ الذي يتبين أن السيراء قد تكون حريراً صرفاً وقد غير محض، فالتي في قصة عمر جاء التصريح بأنها كانت من حرير محض، ولهذا وقع في حديثه "إنما يلبس هذه من لا خلاق له" والتي في قصة علي لم تكن حريراً صرفاً، لما روى ابن أبي شيبة عن علي قال أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة مسيرة بحرير إما سداها أو لحمتها فأرسل بها إلى فقلت ما أصنع بها ألبسها قال لا أرضي لك إلا ما أرضي لنفسي ولكن اجعلها خمراً بين الفواطم قال ولم يقع في قصة علي وعيد على لبسها كما وقع في قصة عمر، بل لا أرضي لك إلا ما أرضي لنفسي. قال ولا ريب أن ترك لبس ما خالطه الحرير أولى من لبسه عند من يقول بجوازه انتهى كلام الحافظ ملخصاً.
قال المنذري: في إسناده خصيف بن عبد الرحمن، وقد ضعفه غير واحد انتهى كلام المنذري.

(11/71)


................
ـــــــ
قلت: وفي التقريب ما لفظه صدوق سيىء الحفظ خلط بآخره، ورمى بالإرجاء انتهى.
وفي الخلاصة: ضعفه أحمد ووثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال ابن عدي إذا حدث عنه يقة فلا بأس به انتهى.
وقال الحافظ في الفتح: والحديث أخرجه الطبراني بسند حسن، وأخرجه الحاكم بسند صحيح.

(11/72)


12 - باب في لبس الحرير لعذر :
4050 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا عِيسَى يَعْنِي ابنَ يُونُسَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي عَرُوبَةَ عنْ قَتَادَةَ عن أنَسِ قالَ: "رَخّصَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِعَبْدِ الرّحْمَنِ بن عَوْفٍ وَلِلزّبَيْرِ بن الْعَوّامِ فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي السّفَرِ مِنْ حِكّةٍ كَانَتْ بِهِمَا" .
ـــــــ
"باب في لبس الحرير لعذر"
"في قمص الحرير" بضم القاف والميم جمع قميص، وفي نسخة بالافراد "من حكة" بكسر الحاء وتشديد الكاف. قال الجوهري هي الجرب وقيل هي غيره.
والحديث يدل على أنه يجوز للرجل لبس الحرير إذا كانت به حكة وهكذا يجوز لبسه للقمل لما في رواية مسلم أنهما شكوا القمل، فرخص لهما في قميص الحرير، وهو مذهب الجمهور، وقد خالف في ذلك مالك، والحديث حجة عليه ويقاس غيرهما من الأعذار عليهما، والتقييد بالسفر بيان للحال الذي كانا عليه لا للتقييد، وقد جعل السفر بعض الشافعية قيداً في الترخيص وضعفه النووي.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكر السفر عبد مسلم وحده، وأخرج البخاري من حديث أنس أن عبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم القمل فرخص لها في قمص الحرير في غزاة لها.

(11/72)


13 - باب في الحرير للنساء :
4051 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبي حِبيبٍ عن أبي أفْلَحَ الْهَمَدَانِيّ عن عَبْدِ الله بنِ زُرَيْرٍ - يَعني الْغَافِقيّ - أنّهُ سَمِعَ عَلِيّ بنَ أبِي طَالِبٍ يَقُولُ:
ـــــــ
"باب في الحرير للنساء"
"عن عبد الله بن زرير" بضم الزاى مصغراً "إن هذين حرام" قال الخطابي إشارة إلى جنسهما لا إلى عينهما.

(11/72)


14 - باب في لبس الحبرة :
4054 - حدثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ الأزْدِيّ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ قال: قُلْنَا لأنَسٍ - يَعنِي ابنَ مَالِكٍ - أيّ اللّبَاسِ كَانَ أحَبّ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أوْ أعْجَبَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: الْحِبَرَةُ.
ـــــــ
"باب في لبس الحبرة"
بكسر المهملة وفتح الموحدة.
قال الجوهري: الحبرة بوزن عتبة: برديمان.
وقال الهروي: هوشية مخططة.
وقال الداوودي: لونها أخضر لأنها لباس أهل الجنة. كذا قال.
وقال ابن بطال: هي من برود اليمن، تصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب عندهم.
وقال القرطبي: سميت حبرة لإنها تحبر أي تزين والتحبير والتزيين والتحسين كذا في فتح الباري.
"أو أعجب" شك من الراوي "قال الحبرة" لأنه ليس فيها كثير زينة، ولأنها أكثر احتمالاً للوسخ من غيرها.

(11/74)


15 - باب في البياض :
4055 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ عُثْمانَ بنِ خُثَيْمٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكم الْبِيضَ [البياض] فإنّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُم، وَكَفّنوا فِيهَا مَوْتَاكُم، وَإنّ خَيْرَ أكْحَالِكُم الإثْمِدَ، يَجْلُو الْبَصَرَ وَيَنْبِتُ الشّعْرَ" .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"باب في البياض"
"أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خثيم" بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة مصغراً "البسوا من ثيابكم البيض" جمع الأبيض وأصله فعل بضم أوله كحمر وصفر وسود فكان القياس بوض لكن كسر أوله إبقاء على أصل الياء فيه "فإنها من خير ثيابكم" لدلالته غالباً على التواضع وعدم الكبر والخيلاء والعجب وسائر الأخلاق الطيبة، وبين في كونها من خير الثياب وجوه أخر "وكفنوا فيها موتاكم" عطف على البسوا أي البسوها في حياتكم وكفنوا فيها موتاكم "وإن خير أحكالكم الإثمد" بكسر الهمزة والميم بينهما مثلثه ساكنة، وحكى فيه بضم الهمزة حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون ببلاد الحجاز وأجوده يؤتى به من أصبهان "يجلو البصر" من الجلاء أي يحسن النظر ويزيد نور العين بدفعه المواد الرديئة المنحدرة من الرأس "وينبت الشعر" من الإنبات والمراد بالشعر هنا الهدب وهو بالفارسية مثره وهو الذي ينبت على أشفار العين.
والحديث يدل على استحباب لبس البيض من الثياب وتكفين الموتى بها.
قال في النيل: والأمر في الحديث ليس للوجوب، أما في اللباس فلما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من لبس غيره وإلباس جماعة من الصحابة ثياباً غير بيض وتقريره لجماعة منهم على غير لبس البياض، وأما في الكفن فلما ثبت عند أبي داوود قال الحافظ بإسناد حسن من حديث جابر مرفوعاً إذا توفي أحدكم فوجد شيئاً فليكفن في ثوب حبرة انتهى. قال المنذري وأخرجه الترمذي وابن ماجه مختصراً وقال الترمذي حسن صحيح.

(11/75)


16 - باب في الخلقان وفي غسل الثياب:
باب في غسل الثوب وفي الخلقان
4056 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مِسْكِينٌ عن الأوْزَاعِيّ ح. وأخبرنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ عن وَكِيعٍ عن اْلأوْزَاعِيّ نَحْوَهُ عن حَسّانَ بنِ عَطِيّةَ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قالا: " أتَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَرَأَى رَجُلاً شَعِثاً قَدْ تَفَرّقَ شَعْرُهُ فقالَ: أمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَا يُسَكّنُ بِهِ شَعْرَهُ، وَرَأَى رَجُلاً آخَرَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ فقال: أمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ" .
4057 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أبُو إسْحَاقَ عن أبي الأحْوَصِ عن أبِيهِ قال: "أتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في ثَوْبِ دُونِ فقالَ: ألَكَ مَالٌ؟ قال: نَعَمْ، قال: مِنْ أيّ الْمَالِ؟ قال: قَدْ أتَاني الله مِنْ الإبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرّقِيقِ، قال: فإذَا أتَاكَ الله مَالاً فَلْيُرَ أثْرُ نِعْمَةِ الله عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ" .
ـــــــ
"باب في الخلقان وفي غسل الثوب "
الخلقان بضم فسكون جمع خلق بفتحتين يقال: ثوب خلق أي بال [في الفارسية كهنة].
"شعثاً" بفتح فكسر في الفارسية برا كنده موى "قد تفرق شعره" هذا تفسير لقوله شعثاً "أما كان" ما نافية أي ألم يكن "هذا" يعني الرجل الشعث "ما يسكن به شعره" أي ما يلم شعثه ويجمع تفرقه فعبر بالتسكين عنه "وعليه ثياب وسخة" بفتح فكسر. قال في القاموس: وسخ الثوب كوجل يوسخ وياسخ وبيسخ واستوسخ وتوسخ واتسخ علاه الدرن "ما يغسل به ثوبه" أي من الصابون أو الأشنان أو نفس الماء. وفي بعض النسخ ماء يغسل به ثوبه بالمد والتنوين. وفي الحديث استحباب تنظيف شعر الرأس بالغسل والرجيل بالزيت ونحوه. وفيه طلب النظافة من الأوساخ الظاهرة على الثوب والبدن. قال الشافعي رضي الله عنه: من نظف ثوبه قل همه. وفيه الأمر بغسل الثوب ولو بماء فقط، كذا قال العلامة العزيزي في السراج المنير.
قال المنذري: وأخرجه النسائي "في ثوب دون" أي دنىء غير لائق بحالي من الغنى. ففي القاموس دون بمعنى الشريف والخسيس ضد "قال من أي المال" أي من أي صنف من جنس الأموال "قد أتاني" بالمد أي أعطاني - "والرقيق" أي من المماليك من نوع الإنسان "فلير" بصيغة المجهول أي فليبصر ولينظر " أثر نعمة الله عليك وكرامته" أي الظاهرة والمعنى

(11/76)


17 - باب في المصبوغ بالصفرة :
4058 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ أخبرنا عبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي بن مُحمّدٍ عن زَيْدٍ - يَعنِي ابنَ أسْلَمَ: أنّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبِغُ لِحْيَتَهُ بالصّفْرَةِ حَتّى تَمْتَلِىء ثِيَابُهُ مِنَ الصّفْرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَصْبِغُ بالصّفْرَةِ؟ فقال: إنّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَصْبَغُ بِهَا، وَلَمْ
ـــــــ
البس ثوباً جيداً ليعرف الناس أنك غنى وأن الله أنعم عليك بأنواع النعم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"باب في المصبوغ بالصفرة"
ليس في بعض النسخ لفظ بالصفرة.
"كان يصبغ" بضم الموحدة ويفتح ويكسر "لحيته بالصفرة" أي بالورس وهو نبت يشبه الزعفران وقد يخلط به "حتى تمتلىء ثيابه" أي من القناع أو غيره من أعاليه "فقيل له لم تصبغ" أي والحال أن غيرك لم يصبغ "فقال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها" أي بالصفرة.
قال المنذري: واختلف الناس في ذلك، فقال بعضهم أراد الخضاب للحيته بالصفرة، وقال آخرون أراد كان يصفر ثيابه ويلبس ثياباً صفراً انتهى.
قال الشوكاني في النيل: ويؤيد القول الثاني تلك الزيادة التي أخرجها أبو داوود والنسائي انتهى. والزيادة التي أشار اليها هي قوله "وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته" وهذه الزيادة ليست في رواية الشيخين.
وقال في فتح الودود: الظاهر أن المراد يصبغ بها الشعر، وأما الثياب فذكر صبغها في ما بعد، ولعله كان يصبغ بالورس فقد جاء ذلك، وجاء أنه لبس ملحفة ورسية رواه ابن سعد فلا ينافي نهى التزعفر، وجاء أن الملائكة لا تحضر جنازة المتضمخ بالزعفران، لكن يشكل عليه ما جاء أنه يصبغ بالورس والزعفران ثيابه حتى عمامته.
وفي المواهب جاء ذلك من حديث زيد بن أسلم وأم سلمة وابن عمر أجيب لعله يصبغ بالزعفران بعض الثوب، والنهي عن استيعاب الثوب بالصبغ كذا ذكره في حاشية المواهب.
وأجاب ابن بطال وابن التين بأن النهي عن التزعفر مخصوص بالجسد ومحمول على الكراهة لأن تزعفر الجسد من الرفاهية التي نهى الشارع عنها دون التحريم لحديث عبد الرحمن أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه أثر صفرة أي زعفران كما في رواية فلم ينكر عليه

(11/77)


يَكُنْ شَيْء أحَبّ إلَيْهِ مِنْهَا. وَقَدْ كَانَ يَصْبِغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلّهَا حَتّى عِمَامَتَهُ.
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمره بغسلها انتهى "ولم يكن شيء أحب إليه" أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم "منها" أي من الصفرة "وقد كان" قال على القارى في المرقاة أي ابن عمر، فأرجع الضمير إلى بن عمر والصواب أن الضمير يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو الظاهر من عبارتي النيل وفتح الودود المذكورتين "حتى عمامته" بالنصب.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده اختلاف، وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبيد بن جريج عن ابن عمر قال: وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها.

(11/78)


18 - باب في الخضرة :
4059 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا عُبَيْدُ الله - يَعني ابنَ إيَادٍ - أخبرنا إيَادٌ عن أبي رِمْثَةَ قال: "انْطَلَقْتُ مَعَ أبِي نَحْوَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدَيْنِ أخْضَرَيْنِ" .
ـــــــ
"باب في الخضرة"
"يعني ابن إياد" بكسر الهمزة وفتح التحتية المخففة "عن أبي رمثة" بكسر راء فسكون ميم ممثلثة اسمه رفاعة بن يثربي. كذا قال صاحب التقريب، وقال الترمذي: اسمه حبيب بن وهب "نحو النبي صلى الله عليه وسلم" أي إليه صلى الله عليه وسلم "فرأيت عليه بردين أخضرين" أي مصبوغين بلون الخضرة وهو أكثر لباس أهل الجنة كما ورد به الإخبار، وقد قال تعالى "عاليهم ثياب سندس خضر" وهو أيضاً من أنفع الألوان للأبصار ومن أجملها في أعين الناظرين. والظاهر أنهما كانا أخضرين بحتين.
وقال القارى: ويحتمل أنهما كانا مخوطين بخطوط خضر لأن البرود تكون غالباً ذوات الخطوط.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن إياد وهذا آخر كلامه. وعبيد الله وأبوه ثقتان، وإياد بكسر الهمزة وفتح الياء آخر الحروف، وبعد الألف دال مهملة.

(11/78)


19- باب في الحمرة :
4060 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا هِشَامُ بنُ الْغَارِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال: "هَبَطْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ ثَنِيّةٍ فالْتَفَتَ إلَيّ وَعَليّ رَيْطَةٌ مُضَرّجَةٌ بالْعُصْفَرِ فقال مَا هَذِهِ الرّيْطَةُ عَلَيْكَ؟ فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ، فأَتَيْتُ أهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُون تَنّوراً لَهُمْ فَقَذَفْتُهَا فِيهِ ثُمّ أتَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ، فقال: يَا عَبْدَ الله مَا فَعَلْتَ الرّيْطَةَ، فأَخْبَرْتُهُ، فقال: أفَلاَ كَسَوْتَهَ بَعْضَ أهْلِكَ فإنّهُ لا بَأْس بِهِ لِلنّسَاءِ" .
ـــــــ
" باب في الحمرة"
"هبطنا" أي نزلنا "من ثنية" هي الطريقة في الجبل، وفي رواية ابن ماجه من ثنيه أذاخر وهو على وزن أفاعل ثنية بين مكة والمدينة "وعلى ريطة" بفتح الراء المهملة وسكون التحتية ثم طاء مهملة ويقال رائطة.
قال المنذري: جاءت الرواية بهما وهي كل ملاءة منسوجة بنسخ واحد وقيل كل ثوب رقيق لين والجمع ريط ورياط "مضرجة" بفتح الراء المشددة أي الملطخة وقال في المجمع: ريطة مضرجة أي ليس صبغها بالمشبع "يسجرون" أي يوقدون والسجر في الفارسية تافتن تنور "فقذفها" أي ألقيت الريطة "فيه" أي في التنور.
والحديث يدل على جواز لبس المعصفر للنساء وعدم جوازه للرجال، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب.
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لباس القسي والمعصفر وعن تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع" وقد تقدم.
وروى أيضا في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبين معصفرين فقال: "أمك أمرتك بهذا. قلت: أغسلهما؟ قال: بل أحرقهما" .
وروى أيضا في صحيحه عن عبد الله بن عمرو أيضا قال رأى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من لباس الكفار، فلا تلبسها" وهذه الأحاديث صريحة في التحريم لا معارض لها فالعجب ممن تركها.
وقد عارضها بعض الناس بحديث البراء بن عازب قال " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه" متفق عليه.

(11/79)


4061 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ الْحِمْصِيّ أخبرنا الْوَلِيدِ قالَ قالَ هِشَامٌ - يَعني ابنَ الْغَازِ: المُضَرّجَةُ الّتي لَيْسَتْ بِمُشَبّعَةٍ وَلاَ المَوَرّدَةُ.
4062- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُثْمانَ الدّمَشْقِيّ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ عن شُرَحْبِيلَ بنِ مُسْلِمٍ عن شُفْعَةَ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ قال: "رَآنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ أبُو عَلِيَ الّلؤلُؤيّ أُرَاهُ وَعَلَيّ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ بِعُصْفُرٍ مُوَرّداً، فقالَ: مَا هَذَا؟ فانْطَلْقْتُ فأَحْرَقْتُهُ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: مَا صَنَعْتَ بِثَوْبِكَ؟ فَقُلْتُ: أحْرَقْتُهُ، قالَ: أفَلاَ كَسَوْتَهُ بَعْضَ أهْلِكَ" .
ـــــــ
"قال هشام يعني ابن الغاز المضرجة التي ليست بمشبعة" بتشديد الباء المفتوحة "ولا الموردة" بتشديد الراء المفتوحة وفي بعض النسخ ولا بموردة وفي بعضها ليست بالمشبعة ولا الموردة ومعنى مشبعة وافرة ما يكون صبغة وافراً تاماً - والمورد ما صبغ على لون الورد، والمعنى أن المضرجة هي التي ليس صبغها مشبعاً ولا مورداً بل دون المشبع وفوق المورد.
قال المنذري: وقال غيره أي غير هشام وضرجت الثوب إذا صبغته بالحمرة وهودون المشبع وهو المورد انتهى.
"عن شفعة" بضم أوله السهمي الحمصي عن عبد الله بن عمرو وعنه شرحبيل بن مسلم وثقه ابن حبان كذا في الخلاصة "قال أبو علي الؤلؤي" هو صاحب أبي داوود المؤلف "أراه" بضم الهمزة أي أظن أنه قال "مورداً" بتشديد الراء المفتوحة.
قال التوربشتي: أي صعباً مورداً أقام الوصف مقام المصدر الموصوف، والمورد ما صبغ على لون الورد انتهى. ذكره القارى، ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير في مصبوغ "أفلا كسوته بعض أهلك" يعني زوجته أو بعض نساء محارمة وأقاربه.
ـــــــ
وكان بعض المنتسبين إلى العلم يخرج إلى أصحابه في الثوب المصبغ حمرة ويزعم أنه يقصد اتباع هذا الحديث وهذا وهم وغلط بين.
فإن الحلة هي البرود التي قد صبغ غزلها ونسج الأحمر مع غيره فهي برد فيه أسود وأحمر وهي معروفة عند أهل اليمن قديما وحديثا. والحلة إزار ورداء مجموعهما يسمى حلة. فإذا كان البرد فيه أحمر وأسود قيل: برد أحمر، وحلة حمراء. فهذا غير المضرج المصبغ حمرة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي إنما هو عن المعصفر: خاصة. فأما المصبوغ بغير العصفر من الأصباغ التي تحمر الثوب كالمدر والمغرة. فلا بأس به.
قال الترمذي في حديث النهي عن المعصفر: معناه عند أهل الحديث: أنه كره المعصفر.
قال: ورأوا أن ما صبغ بالحمرة من مدر أو غيره فلا بأس به ما لم يكن معصفرا.

(11/80)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ثَوْرٌ عن خَالِدٍ فقالَ مُوَرّدٌ وَطَاؤسٌ قال مُعَصْفَرٌ.
4063 - حدثنا مُحمّدُ بنُ حُزَابَةَ أخبرنا إسْحَاقُ - يَعني ابنَ مَنْصُورٍ - أخبرنا إسْرَائِيلُ عن أبي يَحْيَى عن مُجاهِدٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو قال: "مَرّ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانَ أحْمَرَانِ فَسَلّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم" .
ـــــــ
"قال أبو داوود رواه ثور" بن يزيد "عن خالد" بن معدان أحد علماء - التابعين "فقال" في روايته وعلى ثوب "مورد".
وعند مسلم في صحيحه من طريق محمد بن إبراهيم بن الحارث عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير أن عبد الله بن عمرو بن العاص أخبره قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها" "وطاوس قال معصفر" أخرج مسلم من طريق سليمان الأحول عن طاوس عن عبد الله بن عمرو وقال رأى النبي صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين الحديث.
قال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال، وفيه أيضاً شرحبيل بن مسلم الخولاني وقد ضعفه يحيى بن معين.
"حدثنا محمد بن حزابة" بضم المهملة ثم الزاى وبعد الألف موحدة المروزي ثم البغدادي وثقه الخطيب "مرّ على النبي صلى الله عليه وسلم رجل الحديث" احتج بهذا الحديث القائلون بكراهة لبس الأحمر، وأجاب المبيحون عنه بأنه لا ينتهض للاستدلال به في مقابلة الأحاديث القاضية بالإباحة لما فيه من المقال وبأنه واقعة عين فيحتمل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر كذا قال المبيحون وفي الحديث جواز ترك الرد على من سلم، وهو مرتكب لمنهى عنه، ردعاً له وزجراً على معصيته.
قال ابن رسلان: ويستحب أن يقول المسلم عليه أنا لم أرد عليك لأنك - مرتكب لمنهى عنه وكذلك يستحب ترك السلام على أهل البدع والمعاصي الظاهرة تحقيراً لهم وزجراً، ولذلك قال كعب بن مالك فسلمت عليه فوالله ما رد السلام عليّ.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب من هذا الوجه. هذا آخر كلامه. وفي إسناده أبو يحيى القتات. وقد اختلف في اسمه فقيل عبد الرحمن بن دينار، ويقال اسمه زاذان، ويقال عمران، ويقال مسلم، ويقال زياد ويقال يزيد، وهو كوفي ولا يحتج بحديثه، وهو منسوب إلى بيع القت.
وقال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بها اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو

(11/81)


4064 - حدثنا محمّد بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا أبُو أسَامَةَ عن الْوَلِيدِ - يَعني ابنَ كَثِيرٍ - عن مُحمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَطَاءٍ عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ عن رَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ قال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في سفَرٍ فَرَأَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى رَوَاحِلِنَا وَعَلَى إبِلِنَا أكْسِيَةً فِيهَا خُيُوطُ عِهْنٍ حُمْرٌ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ألاَ أرَى هذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُم، فَقُمْنَا سِرَاعاً لِقَوْلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى نَفَرَ بَعْضُ إبِلِنَا، فأَخَذْنَا الأكْسِيَةَ فَنَزَعْنَاهَا عَنْهَا" .
4065 - حدثنا ابنُ عَوْفٍ الصّائِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ حدّثني أبِي قالَ ابنُ
ـــــــ
ولا نعلم له طريقاً إلا هذا الطريق، ولا نعلم رواه عن إسرائيل إلا إسحاق بن منصور انتهى كلام المنذري.
وقال الحافظ في الفتح: وهو حديث ضعيف الإسناد، وإن وقع في نسخ الترمذي أنه حسن إنتهى.
"على رواحلنا وعلى إبلنا" هكذا في أكثر النسخ فقوله "على إبلنا" عطف تفسيري لقوله "على رواحلنا" وهي جمع راحلة.
قال أصحاب اللغة: الراحلة النجيب الصالح لأن يُرْحَلَ من الإبل والقوى على الأسفار والأحمال للذكر والإنثي، والهاء للمبالغة.
وفي المصباح: الراحلة المركب من الابل ذلكراً كان أو أنثى، وبعضهم بقول الراحلة الناقة التي تصلح أن تُرْحَل وجمعها رواحل.
والرحل مركب للبعير وحلس ورسن وجمعه أرحل ورحال مثل أفلس وسهام، ورحلت البعير رحلا من باب نفع شددت عليه رحله انتهى.
وفي بعض نسخ الكتاب "وعلى رواحلنا وهي على إبلنا" وهذا ليس بواضح لأن مركب البعير يقال له الرحل وجمعه أرحل ورحال، ولو كان كذا لقال الرواي وعلى رحالنا وهي على إبلنا والله أعلم.
"أكسية" جمع كساء بالكسر والمد "خيوط عهن" بكسر العين المهملة وسكون الهاء هو الصوف مطلقاً أو مصبوغاً "حمر" بالرفع صفة لخيوط "قد علتكم" أي غلبتكم "فقمنا سراعاً" بكسر السين جمع سريع أي مسرعين حال من ضمير قمنا "حتى نفر بعض إبلنا" أي لشدة إسراعنا "فنزعناها" أي الأكسية "عنها" أي عن الرواحل والإبل. والحديث من أدلة القائلين بكراهة لبس الأحمر ولكنه لا تقوم به حجة لأن في إسناده رجلاً مجهولاً. قال المنذري: في إسناده رجل مجهول.

(11/82)


عَوْفٍ الطّائِيّ، وَقَرَأَتُ في أصْلِ إِسْمَاعِيلَ قالَ حدّثني ضَمْضَمٌ - يَعنِي ابنَ زُرْعَةَ - عن شُرَيْجِ بنِ عُبَيْدِ عن حَبِيبٍ بنِ عُبَيْدٍ عن حُرَيْثِ بنِ الأبَجّ [الأبلج - الأبح] السّلِيحِيّ [عن حديث حبيب بن عبيد عن حديث ابن الأبح] أنّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أسَدٍ قالَتْ: "كُنْتُ يَوْماً عِنْدَ زَيْنَبَ امْرَأَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نَصْبِغُ ثِيَاباً لَها بِمَغْرَةَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَلمّا رَأَى المَغَرَةَ رَجَعَ، فلَمّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبَ عَلِمَتْ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ كَرِهَ مَا فَعَلَتْ، فأَخَذَتْ فَغَسَلَتْ ثيَابَهَا وَوَارَتْ كُلّ حُمْرَةٍ، ثُمّ إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَجَعَ فاطّلَعَ، فلَمّا لَمْ يَرَ شَيْئاً دَخَلَ" .
ـــــــ
"ابن عوف الطائي" هو محمد بن عوف "محمد بن إسماعيل" بن عياش "حدثني أبي" إسماعيل بن عياش الحمصي "عن حريث بن الأبج السليحي" - بفتح المهملة وكسر اللام وسكون الياء بعدها مهملة شامي مجهول كذا في التقريب ووقع في بعض النسخ عن حريث بن الأبلج بزيادة اللام بين الموحدة والجيم وكذا وقع في التقريب والخلاصة، ولكن قال في هامش الخلاصة كذا في أخرى.
وفي التهذيب والميزان الإبج انتهى وحريث بضم الحاء وفتح الراء المهملتين وآخره مثلثة "بمغرة" بسكون غين وقد يحرك. قال في القاموس: المغرة طين أحمر، وقال في المجمع: هو المدر الأحمر الذي يصبغ به الثياب "ووارت " أي أخفت وسترت. وفي الحديث دلالة على كداهة لبس الثوب الأحمر لكنه ضعيف.
قال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وابنه محمد بن إسماعيل بن عياش وفيهما قال، وهكذا وقع في أصل سماعنا وفي غيره عن حبيب بن عبيد عن حريث بن الأبلج السليحي، ووقع عند غير واحد عن حبيب بن عبيد عن عبيد بن الأبج السليحي، ولم يذكر الحافظ أبو القاسم الدمشقي في الأشراف سواه وسماه عبيد بن الأبج، والنفس لما قاله أميل انتهى.
وقال المزي في الأطراف: حريث بن الأبج السليحيى عن امرأة من بني أسد - عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثه أخرجه أبو داوود في اللباس، وهكذا هو في الأصول القديمة الصحيحة من سنن أبي داوود، حريث بن الأبج، وفي حديث أبي القاسم عبيد الله بن الأبج وهو وهم انتهى.

(11/83)


20 - باب في الرخصة في ذلك :
4066 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمَرِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عنِ أبي إسْحَاقَ عن الْبَرَاءِ قالَ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، وَرَأَيْتُهُ في حُلّةٍ حَمْرَاءِ لَمْ أرَ شَيْئاً قَطّ مِنْهُ" .
4067 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن هِلاَلِ بنِ عَامِرٍ عن أبِيهِ قالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بِمِنًى يَخْطُبُ عَلَى بَغْلَةٍ وَعَلَيْهِ بُرْدُ أحْمَرُ وَعَلِيّ أمَامَهُ يُعَبّرُ عَنْهُ" .
ـــــــ
"باب في الرخصة في ذلك"
أي في الحمرة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له شعر يبلغ شحمة أذنيه" شحمة الأذن هي اللين من الأذن في أسفلها وهو معلق القرط منها "ورأيته" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "في حلة حمراء" في القاموس: الحلة بالضم إزار ورداء برد أو غيره ولا يكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة انتهى.
وقال النووي: الحلة هي ثوبان إزار ورداء. قال أهل اللغة: لا تكون إلا ثوبين سميت بذلك لأن أحدهما يحل على الآخر، وقيل لا تكون الحلة إلا الثوب الجديد الذي يحل من طيه انتهى.
قال الحافظ ابن القيم: وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتا لا يخالطها غيرها، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود كسائر البرود اليمانية وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط، وإنما وقعت شبهة من لفظ الحلة الحمراء انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي بمعناه.
"بمنى" بالألف منصرف ويكتب بالياء ويمنع عن الصرف. قاله القارى "وعليه برد أحمر" وفي بعض النسخ رداء مكان برد "وعلي" أي ابن أبي طالب "أمامه" بفتح الهمزة منصوب على الظرف أي قدامه "يعبر عنه" أي يبلغ عنه الكلام إلى الناس لاجتماعهم واردحامهم وذلك لأن القول لم يكن ليبلغ أهل الموسم ويسمع سائرهم الصوت الواحد لما فيهم من الكثرة.
واحتج بحديثي الباب من قال بجواز لبس الأحمر وهم الشافعية والمالكية وغيرهم، وذهبت الحنفية إلى كراهة ذلك، واستدلوا بنوعين من الأحاديث:
الأول: ما ورد في تحريم لبس المصبوغ بالعصفر قالوا: لأن العصفر يصبغ صباغاً أحر.
والثاني: ما جاء في النهي عن لبس مطلق الأحمر.

(11/84)


...................................
ـــــــ
أما استدلالهم بالنوع الأول أعني الأحاديث التي وردت في تحريم لبس المصبوغ بالعصفر فغير صحيح، لأن تلك الأحاديث أخص من الدعوى، وقد عرفت فيما سبق أن الحق أن المصبوغ بالعصفر لا يحل لبسه.
وأما النوع الثاني فمنه حديث عبد الله بن عمرو وحديث رافع بن خديج، وحديث حريث بن الابج، وهذه الأحاديث الثلاثة تقدمت في باب الحمرة، وقد عرفت أن واحداً منها لا يصلح للاحتجاج لما في أسانيدها من المقال الذي ذكرنا ومنه ما في صحيح البخاري وغيره من النهي عن المياثر الحمر، ولكنه لا يخفي عليك أن هذا الدليل أخص من الدعوى، وغاية ما في ذلك تحريم الميثر الحمراء - فما الدليل على تحريم ما عداها مع ثبوت لبس النبي صلى الله عليه وسلم للحلة الحمراة في غير مرة ومنه حديث رافع بن برداً ورافع ابن خديج بلفظ "إن الشيطان يحب الحمرة فإياكم والحمرة" الحديث أخرجه الحاكم في الكني وأبو نعيم في المعرفة وغيرهما، والحديث على ما قال الشوكاني ضعيف لا يصلح للحجية.
وقد بسط في النيل في عدم حجيته رواية ودرابةً فليراجع إليه قال وقد زعم بن القيم أن الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود وغلط من قال أنها كانت حمراء بحتاً قال وهي معروفة بهذا الاسم ولا يخفاك أن الصحابي قد وصفها بأنها حمراء وهو من أهل اللسان، والواجب الحمل على المعنى الحقيقي وهو الحمراء البحت، والمصير إلى المجاز أعني كون بعضها أحمر دون بعض لا يحمل ذلك الوصف عليه إلا لموجب فإن أراد أن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك، وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعية فيها فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى، والواجب حمل مقالة ذلك الصحابي على لغة العرب لأنها لسانه ولسان قومه انتهى. وقد وقد أطال الكلام في هذه المسئلة الحافظ الناقد ابن حجر في فتح الباري والعلامة العيني في عمدة القاري. والصواب أن لبس الثوب المشبع بالحمرة يكره للرجال دون ما كان صبغه خفيفاً والله أعلم. وحديث هلال بن عامر عن أبيه.
قال المنذري اختلف في إسناده، فقيل انفرد بحديثه أبو معاوية الضرير، وقيل إنه أخطأ فيه لأن يعلى بن عبيد قال فيه عن هلال بن عمرو عن أبيه، وصوب بعضهم الأول. وعمرو هذا هو ابن رافع المزني مذكور في الصحابة وذكر له هذا الحديث، وقال بعضهم فيه عن عمرو بن أبي رافع عن أبيه.

(11/85)


21 - باب في السواد :
4068- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِير أنبأنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن مُطَرّفٍ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "صَبَغْتُ [صنعت] للنّبيّ صلى الله عليه وسلم بُرْدَةً سَوْدَاء فَلَبِسَهَا، فَلَمّا عَرَقَ فِيهَا وَجَدَ رِيحَ الصّوفِ، فَقَذَفَهَا، قال: وَأَحْسِبُهُ قال: وكَانَ يُعْجِبُهُ الرّيحُ الطّيّبَةُ [الطيب]" .
ـــــــ
"باب في السواد"
"صبغت" بالصاد المهملة والموحدة والغين المعجمة قد ضبط بالقلم في بعض النسخ بسكون التاء على صيغة المجهول وفي بعضها بضم التاء على صيغة المتكلم وفي بعض النسخ بالصاد المهملة والنون والعين المهملة، وعلى هذه النسخة ليس هو إلا على صيغة المجهول "بردة" بالنصب أو الرفع على أنه مفعول أو نائب الفاعل "فقذفها" أي أخرجها وطرحها. والحديث يدل على مشروعية لبس السواد وأنه لا كراهة فيه. قال المنذري: وأخرجه النسائي مسنداً ومرسلاً.

(11/86)


22 - باب في الهدب :
4069 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُحمّدٍ الْقُرَشِيّ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ أنبأنا يُونُسُ بنُ عُبيْدٍ عن عُبَيْدَةَ أبِي خِدَاش عن أبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيّ عن جَابِرٍ - يَعني ابنَ سُلَيْمٍ - قال: "أتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْتَبٍ بِشَمْلَةٍ وَقَدْ وَقَعَ هُدْبُهَا عَلَى قَدَمَيْهِ" .
ـــــــ
"باب في الهدب"
في القاموس: الهدب بالضم وبضمتين شعر أشفار العين، وخمل الثوب واحدتهما بهاء. وقال الحافظ هي أطراف من سدى بغير لحمة ربما قصد بها التجمل وقد تفتل صيانة لها من الفساد وقال الداوودي: هي ما يبقى من الخيوط - من أطراف الأردية "وهو محتب بشملة" بفتح المعجمة وسكون الميم ما يشتمل به من الأكسية أي يلتحف، ومحتب اسم فاعل من الاحتباء. والمعنى أنه كان جالساً على هيئة الاحتباء وألقى شملته خلف ركبتيه وأخذ بكل يد طرفاً من تلك الشملة ليكون كالمتكىء على شيء، وهذا عادة العرب إذا لم يتكئوا على شيء. كذا في المرقاة. وقال في المجمع: الاحتباء هو أن يضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعها به مع ظهره ويشده عليها وقد يكون باليدين انّتهى. والنهي عن الاحتباء في ثوب واحد إنما هو إذا لم يكن على فرجه منه شيء "وقد وقع هدبها على قدميه" أي على قدمي النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث يدل على مشروعية استعمال الثوب المهدب. وقد ترجم البخاري باب الإزار المهدب وأورد

(11/86)


........................
ـــــــ
فيه حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة القرظي وفيه "والله ما معه يا رسول الله إلا مثل الهدبة وأخذت هدبة من جلبابها.
وقال العلامة الأردييلي في شرح المصابيح: حديث جابر فيه مسائل الأولى في بيان الحديث هذا حديث رواه النسائي وأبو داوود، مسنداً إلى جابر، الثانية في اللفظ الشملة الكساء الكبير الذي يشمل البدن والهدب الحاشية الثالثة فيه جواز الاحتباء والاشتمال بالكساء ونحوة بلا كراهة انتهى.
ولقد سقط الحديث من نسخة المنذري ولعله من سهو الكاتب والله أعلم.

(11/87)


23- باب في العمائم :
4070- حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ وَ مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ وَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالُوا أخبرنا حَمّادٌ عن أبِي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مَكّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ" .
4071 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ علِيّ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عن مُسَاوِرِ الْوَرّاقِ عن جَعْفَرٍ بنِ عَمْرو بنِ حُرَيْثٍ عن أبيه. قال: "رَأَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ" .
4072 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيد الثّقَفِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ رَبِيَعَةَ أخبرنا أبُو الْحَسَنِ
ـــــــ
"باب في العمائم"
جمع العمامة يكسر العين. قال القارى: وقول العصام بفتحها على وزن الغمامة هو سهو قلم من العلامة.
"وعليه عمامة سوداء" قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: لم يذكر في حديث جابر يعني هذا الحديث ذؤابة فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائماً بين كتفيه انتهى وفيه نظر إذ لا يلزم من عدم ذكر الذؤابة في هذا الحديث عدمها في الواقع حتى يستدل به على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يرخى الذؤابة دائماً. والحديث يدل على استحباب لبس العمامة السوداء.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه.
"قد أرخى" أي أرسل "طرفها" وفي بعض النسخ ظرفيها بالتثنية والحديث يدل على استحباب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين.
وقال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(11/87)


الْعَسْقَلاَنِيّ عن أبِي جَعْفَرِ بنِ مُحمّدِ بنِ علِيّ بنِ رُكَانَةَ عن أبِيهِ: أنّ رُكَانَةَ صَارَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَصَرَعَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ رُكَانَةُ: وَسَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلاَنِسِ" .
4073 - حدثنا مُحمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ أخبرنا عُثْمانُ بنُ عُثْمانَ الْغَطَفَانيّ أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ خَرّبُوذَ حدثنا شَيْخٌ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ قالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ يَقُولُ: "عَمّمَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَسَدَلهَا بَيْنَ يَدَيّ وَمِنْ خَلْفِي" .
ـــــــ
"الصرع" الطرح على الأرض والمفاعلة للمشاركة، والمصارعة بالفارسية كشتى كرفتن والضمير المرفوع يرجع إلى ركانة النبي "صلى الله عليه وسلم" بالنصب "فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم" أي غلبه في الصرع، ففيه المغالبة وعلى ذكر فعل بعد المفاعلة لإظهار غلبه أحد الطرفين المتغالبين "فرق ما بيننا وبين المشركين" أي الفارق فيما بيننا معشر المسلمين وبين المشركين "العمائم" جمع العمامة أي لبس العمائم "على القلانس" بفتح القاف وكسر النون جمع قلنسوة. قال العزيزي فالمسلمون يلبسون القلنسوة وفوقها العمامة، ولبس القلنسوة وحدها زى المشركين انتهى. وكذا نقل الجزري عن بعض العلماء، وبه صرح القاضي أبو بكر في شرح الترمذي.
وقيل أي نحن نتعمم على القلانس وهم يكتفون بالعمائم ذكره الطيبي وغيره من الشراح وتبعهما ابن الملك كذا قال القاري في المرقاة، وقال روى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس القلانس تحت العمائم ويلبس العمائم بغير القلانس، ولم يرو أنه صلى الله عليه وسلم لبس القلنسوة بغير العمائم، فيتعين أن يكون هذا زي المشركين انتهى.
قلت: قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: وكان يلبسها يعثى العمامة ويلبس تحتها القلنسوة، وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة ويلبس العمامة بغير قلنسوة انتهى. وفي الجامع الصغير برواية الطبراني عن ابن عباس قال كان يلبس قلنسوة بيضاء.
قال العزيزي إسناده حسن. وفيه برواية الروياني وابن عساكر عن ابن عباس كان يلبس القلانس تحت العمائم وبغير العمائم ويلبس العمائم بغي القلانس، وكان يلبس القلانس اليمانية وهن البيض المضربة ويلبس القلانس ذوات الآذان في الحرب، وكان ربما نزع قلنسوة فجعلها سترة بين يديه وهو يصلي الحديث.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حديث غريب وإسناده ليس بالقائم ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني ولا ابن ركانة.
"أخبرنا سليمان بن خربوذ" بفتح المعجمة وتشديد الراء بعد هاء موحدة مضمومة مجهول كذا في التقريب "عممني" بممين أي لف عمامتي على رأسي "فسد لها بين يدي ومن

(11/88)


..................
ـــــــ
خلفي" أي أرسل لعمامتي طرفين أحدهما على صدري والآخر من خلفي. والحديث ضعيف، فالأولى أن يرسل طرف العمامة الذي يسمى العلامة والعذبة والذبابة بين الكتفين كما يدل عليه حديث عمرو بن حريث المذكور وهو حديث صحيح. وفي جامع الترمذي عن ابن عمر قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه" قال نافع وكان ابن عمر يسدل عمامته بين كتفيه. قال عبيد الله: ورأيت القاسم وسالماً يفعلان ذلك. قال في السبل: من آداب العمامة تقصير العذبة فلا تطول طولا فاحشاً وإرسالها بين الكتفين ويجوز تركها بالأصالة. وقال النووي في شرح المهذب: يجوز لبس العمامة بإرسال طرفها وبغير إرساله ولا كراهة في واحد منهما ولم يصح في - النهي عن ترك إرسالها شيء، وإرسالها إرسالاً فاحشاً كإرسال الثوب يحرم للخيلاء ويكره لغيره انتهى.
وقد أخرج ابن أبي شيبة أن عبد الله بن الزبير كان يعتم بعمامة سوداء قد أرخاها من خلفه نحواً من ذراع. وروى سعد بن سعيد عن رشدين قال رأيت عبد الله بن الزبير يعتم بعمامة سوداء ويرخيها شبراً أو أقل من شبر.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عمم عبد الرحمن بن عوف فأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوها ثم قال هكذا فاعتم فانه أعرب "وأحسن" قال السيوطي: وإسناده حسن. وفي المرقاة قال الجزري في تصحيح المصابيح: قد تتبعت الكتب وتطلبت من السير والتواريخ لأقف على قدر عمامة النبي صلى الله عليه وسلم فلم أقف على شيء حتى أخبرني من أثق به أنه وقف على شيء من كلام النووي ذكر فيه أنه كان له صلى الله عليه وسلم عمامة قصيرة وعمامة طويلة وأن القصيرة كانت سبعة أذرع والطويلة اثني عشر ذراعا. ذكره القاري وقال وظاهر كلام المدخل أن عمامته كانت سبعة أذرع مطلقاً من غير تقييد بالقصير والطويل انتهى.
وفي النيل قال ابن رسلان في شرح السنن عند ذكر حديث عبد الرحمن وهي التي صارت شعار الصالحين المتمسكين بالسنة يعني إرسال العلامة على الصدر انتهى والله تعالى أعلم وعلمه أتم.
قال المنذري شيخ من أهل اليمن مجهول.

(11/89)


24- باب في لبسة الصماء :
4074- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعمَشِ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ لِبْسَتَيْنِ: أنْ يَحْتَبِيَ الرّجُلُ مُقْضِيَاً بِفَرْجِهِ
ـــــــ
"باب في لبسة الصماء"
بالصاد المهملة وتشديد الميم وبالمد "عن لبستين" بصيغة التثنية وهو بكسر اللام لأن

(11/89)


إلَى السّمَاءِ وَيَلْبَسَ ثَوْبَهُ وَأحَدُ جَانِبَيْهِ خَارِجٌ وَيُلْقِي ثَوْبَهُ عَلَى عَاتِقِهِ" .
4075 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الصّمّاءِ وعن الاحْتِبَاءِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ" .
ـــــــ
المراد بالنهي الهيئة المخصوصة لا المرة الواحدة من اللبس "أن يحتبي الرجل" الاحتباء أن يقعد على إليتيه وينصب ساقيه ويلف عليه ثوباً ويقال له الحبوة وكانت من شأن العرب "مفضيا بفرجه إلى السماء" أي لم يكن بين فرجه وبين السماء شيء يواريه، فالنهي عن الاحتباء إنما هو بقيد كشف الفرج وإلا فهو جائز "ويلبس ثوبه الخ" عطف على قوله يحتبي وهذا هو اللبسة الثانية وهو الصماء، والمعنى ويلبس الرجل ثوبه ويلقيه على أحد عاتقيه فيخرج أحد جانبيه عن الثوب ويبدو. وجاءً تفسير الصماء في رواية البخاري بلفظ "والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب" .
قال المنذري: وقد أخرج البخاري والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد وليس على فرجه منه شيء" "عن جابر" هو ابن عبد الله - رضي الله عنهما "عن الصماء" قال أهل اللغة: هو أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه جانباً ولا يبقى ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة سميت صماء لأنه يسد المنافذ كلها فتصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق. وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيصير فرجه بادياً.
قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهاً لئلا يعرض له حاجة فيتعسر عليه إخراج يده فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرم لأجل انكشاف العورة. قال الحافظ: ظاهر سياق المصنف يعني البخاري من رواية يونس في اللباس أن التفسير المذكور فيها مرفوع وهو موافق لما قال الفقهاء، وعلى تقدير أن يكون موقوفاً فهو حجة على الصحيح لأنه تفسير من الراوي لا يخالف الخبر انتهى.
قلت: التفسير المذكور في حديث أبي هريرة المذكور مرفوع بلا شك وهو موافق للتفسير المذكور في رواية يونس عند البخاري فهو المعتمد "وعن الاحتباء في ثوب واحد" تقدم معنى الاحتباء والمطلق ههنا محمول على المقيد في الحديث الذي قبله.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(11/90)


25- باب في حل الأزرار :
4076- حدثنا النّفَيْلِيّ وَ أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ قالا أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا عَرْوَةُ بنُ عَبْدِ الله، قال ابنُ نُفَيْلٍ بنِ قُشَيْرٍ أبُو مَهَلٍ الْجُعْفِيّ أخبرنا مُعَاوِيَةُ ابنُ قُرّةَ أخبرنا أبِي قال: أتَيْتُ رَسُولَ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم في رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَبَايَعْنَاهُ وَإِنّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقُ الأزْرَارِ قالَ فَبَايَعْنَاهُ [فبايعته] ثُمّ أدْخَلْتُ يَدِي في جَيْبِ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ، قالَ عُرْوَةُ: فمَا رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ وَلاَ ابْنَهُ قَطّ إلاّ مُطْلِقي أزْرَارِهمَا في شِتَاء وَلاَ حَرَ، وَلاَ يُزَرّرَان أزْرَارَهُمَا أبَداً [قط].
ـــــــ
"باب في حل الأزرار"
جمع زر بكسر الزاي وتشديد الراء هو الذي يوضع في القميص قال في القاموس وقال في الصراح: زر بالكسر كوبك كربيان وجزآن ويقال له بالهندية كهندي "حدثنا النفيلي" هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل بنون وفاء مصغراً. "قال ابن نفيل" هو النفيلي المذكور أي قال النفيلي في روايته بعد قوله عروة بن عبد الله "ابن قشير" بالقاف والمعجمة مصغراً "أبو مهل" لفتح الميم والهاء وتخفيف اللام "الجعفي" بضم الجيم والحاصل أن النفلي قال أخبرنا عروة بن عبد الله بن قشير أبو مهل الجعفي، وأما أحمد بن يونس فقال في روايته أخبرنا عروة بن عبد الله فقط "أخبرنا معاوية بن قرة" بضم قاف وتشديد راء "في رهط"أي مع طائفة، وفي تأتي بمعنى كما في قوله تعالى: {ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} والرهط بسكون الهاء ويحرك قوم الرجل وقبيلته أو من ثلاثة إلى عشرة كذا في القاموس وقيل إلى الأربعين على ما في النهاية "من مزينة" بالتصغير قبيلة من مضر والجار صفة لرهط "وإن قميصه لمطلق الأزرار" جمع زر القميص، وفي بعض النسخ: وإن قميصه لمطلق بغير ذكر الأزرار، وفي رواية الترمذي في شمائله وإن قميصه لمطلق أو قال زر قميصه مطلق.
قال القاري: مفسراً لقوله لطلق الأزرار، أي محلولها أو متروكها مركبة. قال ميرك: أي غير مشدود الأزرار، وقال العسقلاني: أي غير مزرور. قال ولعل هذا الاختلاف مبني على ما في الشمائل، ثم نقل رواية الشمائل إلى قوله وإن قميصه لمطلق أو قال زر قميصه مطلق وقال أي غير مركبة بزرار أو غير بوطء، والشك من شيخ الترمذي انتهى "في جيب قميصه" بفتح الجيم وسكون التحتية بعدها موحدة ما يقطع من الثوب ليخرج الرأس أو اليد أو غير ذلك.
قال الحافظ في الفتح: قوله أدخلت يدي الخ يقتضي أن جيب قميصه كان في صدره لما في صدر الحديث أنه رؤى مطلق القميص أي غير مزرور انتهى. "فمسست" بكسر السين الأولى ويفتح والأولى هي اللغة الفصيحة أي لمست "الخاتم" بفتح التاء وبكسر أي خاتم النبوة

(11/91)


.............................
ـــــــ
"إلا مطلقي أزرارها" بفتح القاف وسكون التحتية على صيغة التثنية سقطت النون بالإضافة "ولا يزرران أزرارهما أبداً" وفي بعض النسخ ولا يزران من الثلائي.
في الصراح زر بالفتح كوبك يستن بيراهن رابرخود من باب نصر. وإنما تركا الزرّ لشدة اتباعهما لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك كان ابن عمر رضي الله عنه يكون محلول الأزرار وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم محلول الأزرار. رواه البزار بسند حسن.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. ووالد معاوية هو قرة بن إياس المزني له صحبة، وكنيته أبو معاوية، وهو جد إياس بن معاوية بن قرة قاضي البصرة.
وذكر الدارقطني أن هذا الحديث تفرد به.
وذكر أبو عمر النمري أن قرة بن إياس لم يرو عنه غير ابنه معاوية بن قرة هذا آخر كلامه. وأبو مهل بفتح الميم وبعدها هاء مفتوحة ولام مخففة ابن عبد الله بن بشير جعفي كوفي وثقه أبو زرعة الرازي رضي الله عنهم.

(11/92)


26- باب في التقنع
4077 - حدثنا مُحمّدُ بنُ دَاوُدَ بنِ سُفْيَانَ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ قالَ قالَ الزّهْرِيّ قالَ عُرْوَةُ قالَتْ عَائِشَةُ: "بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ في بَيْتِنَا في نَحْرِ الظّهِيرَةِ قالَ قائِلٌ لأبي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُقْبِلاً مُتَقَنّعاً [مقبل متقنع] في سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَجَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فاسْتَأْذَنَ فأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ" .
ـــــــ
"باب في التقنع"
بقاف ونون ثقيلة هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
"بينا نحن" أي آل أبي بكر "جلوس" أي جالسون "في بيتنا" أي بمكة "في نحر الظهيرة" بفتح الظاء المعجمة وكسر الهاء المهملة أي أول الهاجرة.
وقال في النهاية: أي حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع كأنها وصلت إلى النحر وهو أعلى الصدر، ونحر الشيء أوله "مقبلا" أي متوجهاً "متقنعاً" بكسر النون المشددة أي مغطياً رأسه بالقناع أي بطرف ردائه على ما هو عادة العرب لحر الظهيرة، ويمكن أنه أراد به التستر لكيلا يعرفه كل أحد "، وهما حالان مترادفان أو متداخلان والعامل معنى اسم الإشارة.
والحديث طويل في شأن الهجرة أتى أبو داوود بطرف منه، وفيه دلالة على مشروعية التقنع.
قال المنذري: وأخرجه البخاري بنحوه في الحديث الطويل في الهجرة.

(11/92)


باب ماجاء في إسبال الإزار
...
27- باب ما جاء في إسبال الإزار :
4078 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن أبي غِفَارٍ أخبرنا أبُو تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيّ، وَ أبُو تَمِيمَةَ اسْمُهُ طَرِيفُ بنُ مُجَالِدٍ عن أبي جُرَىَ جَابِرِ بنِ سُلَيْمٍ قالَ: "رَأَيْتُ رَجُلاً يَصْدُرُ النّاسُ عن رَأْيِهِ لا يَقُولُ شَيْئاً إلاّ صَدَرُوا عَنْهُ قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالُوا: هَذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: عَلَيْكَ السّلاَمُ يَا رَسُولَ الله مَرّتَيْنِ، قال: لا تَقُلْ عَلَيْكَ السّلاَمُ فإنّ عَلَيْكَ السّلاَمُ تَحيّةُ المَيّتِ، قُلِ السّلاَمُ عَلَيْكَ. قالَ قُلْتُ: أنْتَ رَسُولُ الله؟ قالَ:
ـــــــ
"باب ما جاء في إسبال الإزار"
أي في إرساله وإرخائه "الهجيمي" بضم الهاء وفتح الجيم "وأبو تميمة اسمه طريف بن مجالد" أبو تميمة مبتدأ وقوله اسمه طريف بن مجالد خبره "عن أبي جري" بضم الجيم وفتح الراء وتشديد الياء مصغراً "جابر بن سليم" بالجر بدل من أبي جري "يصدر الناس عن رأيه" أي يرجعون عن قبول قوله، يعني يقبلون قوله.
قال في المجمع شبه المنصرفين عنه صلى الله عليه وسلم بعد توجههم إليه لسؤال معادهم ومعاشهم بواردة صدروا عن المنهل بعد الري أي ينصرفون عما يراه ويستصوبونه ويعملون به "لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه" قال في فتح الودود: أي يأخذون منه كل ما حكم به ويقبلون حكمه "قال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت" قال الخطابي: هذا يوهم أن السنة في تحية
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديثا فيه "وسلام عليك تحية الموتي" وكلام المنذري إلى آخره ثم قال:
وهذا الفرق إن صح فهو دليل على التسوية بين الأحياء والأموات في السلام فإن المسلم على أخيه الميت يتوقع جوابه أيضا.
قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من رجل يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام" .
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفيه أيضا نكتة حسنة وهي أن الدعاء بالسلام دعاء بخير والأحسن في دعاء الخير أن يقدم الدعاء على المدعوا له كقوله تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} وقوله: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ} وقوله: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} .
وأما الدعاء بالشر: فيقدم المدعو عليه على الدعاء غالبا كقوله لإبليس: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي} وقوله: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ} وقوله: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} وقوله: {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} .
وسر هذا: أن في الدعاء بالخير يقدم اسم الدعاء المحبوب المطلوب الذي تشتهيه النفوس فيبده

(11/93)


أنَا رَسُولُ الله الّذِي إذَا أصَابَكَ ضُرّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإنْ أصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أنْبَتَهَا لَكَ، وَإذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أوْ فَلاَةٍ فَضَلّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدّهَا عَلَيْكَ. قالَ قُلْتُ: اعْهَدْ إلَيّ. قال: لا تَسُبّنّ أحَداً. قال: فمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرّا وَلا عَبْداً وَلا بَعِيراً وَلا شَاةٍ. قال: وَلا تَحْقرَنّ شَيْئاً مِنَ المَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ إِنّ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ وَارْفَعْ إزَارَكَ إلَى نِصْفِ السّاقِ، فإنْ أبَيْتَ فإلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإيّاكَ وَإسْبَالَ الإزَارِ فإنّهَا مِنَ المَخِيلَةِ وَإنّ الله لا يُحِبّ المَخِيلَةَ، وَإنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلاَ تُعَيّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ فإنّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ" .
ـــــــ
الميت أن يقال له عليك السلام كما يفعله كثير من العامة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل المقبرة فقال السلام عليكم أهل دا قوم مؤمنين، فقدم الدعاء على اسم المدعو له كهو في تحية الأحياء، وإنما كان ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة منهم في تحية الأموات إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء وهو مذكور في أشعارهم كقول الشاعر عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته إن شاء أن يترحما وكقول الشماخ، عليك سلام من أمير وباركت، يد الله في ذاك الأديم الممزق.
والسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات بدليل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه والله أعلم انتهى.
"الذي إذا أصابك الخ" صفة لله عز وجل "فدعوته" بصيغة الخطاب "كشفه عنك" أي دفه عنك " عام سنة" أي قحط وجدب "أنبتها لك" أي صيرها ذات نبات أي بدلها خصباً "بأرض قفر" بفتح القاف وسكون الفاء أي خالية عن الماء والشجر "أوفلاة" أي مفازة "فضلت راحلتك" أي ضاعت وغابت عنك "إعهد إليّ" أي أوصني بما أنفع به "إن ذلك" أي كلامك على الوجه المذكور "وإياك وإسبال الإزار" أي أحذر إرسال الإزار وإرخاءه من الكعبين "فإنها" أي إسبال الإزار "من المخيلة" بوزن عظيمة وهي بمعنى الخيلاء والتكبر "فلا تعيرة" من التعيير وهو التوبيخ والتعييب على ذنب سبق لأحد من قديم العهد سواء علم توبته منه أم لا وأما التعيير
ـــــــ
القلب والسمع ذكر اسم المحبوب للمطلوب ثم يتبعه بذكر المدعو له وأما في الدعاء عليه ففي تقديم المدعو عليه إيدان باختصاصه بذلك الدعاء كأنه قيل له هذا لك وحدك لا يشركك فيه الداعي ولا غيره بخلاف الدعاء بالخير فإن المطلوب عمومه وكلما عمم بع الداعي كان أفضل فلما كان التقديم مؤذنا بالاختصاص ترك ولهذا يقدم إذا أريد الاختصاص كقوله: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} والله أعلم.

(11/94)


4079- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عن أبِيهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَرّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ الله إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ، فقالَ أبُو بَكْرٍ: إنّ أحَدَ جَانِبَيْ إزَارِي يَسْتَرْخِي [ليسترخي] إنّي لأتَعَاهَدُ [إلا أن أتعاهد] ذَلِكَ مِنْهُ. قال: لَسْتَ مِمّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاَءَ.
ـــــــ
في حال المباشرة أو بعيده قبل ظهور التوبة فواجب لمن قدر عليه، وربما يجب الحد أو التعزير، فهو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال القاري. والحديث يدل على أن القدر المستحب فيما ينزل إليه الإزار هو نصف الساقين والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين وما نزل بحيث يغطي الكعبين فهو حرام.
وأخرج النسائي من حديث حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "موضع الإزار إلى أنصاف الساقين والعضلة، فإن أبيت فأسفل فإن أبيت فمن وراء الساق ولا حق للكعبين في الإزار" .
وقال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي مختصراً وقال الترمذي حسن صحيح انتهى.
وقال النووي في رياض الصالحين: رواه أبو داوود، والترمذي بالإسناد الصحيح انتهى.
"من جر ثوبه خيلاء" بضم الخاء المعجمة وفتح التحتية وبالمد. قال النووي: هو والمخيلة والبطر والكبير والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد "لم ينظر الله إليه يوم القيامة" النظر حقيقة في إدراك العين للمرئي وهو هنا مجاز عن الرحمة أي لا يرحمه الله لا متناع حقيقة النظر في حقه تعالى، والعلاقة هي السببية، فإن نظر إلى غيره وهو في حالة ممتهنة رحمه. وقال العراقي في شرح الترمذي: عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر كذا في النيل "إن أحد جانبي إزاري" بفتح الباء وسكون الياء بصيغة التثنية سقطت النون بالإضافة "يسترخي" بالخاء المعجمة وكانت سبب استرخائه نحافة جسم أبي بكر رضي الله عنه "إني لأتعاهد ذلك منه" من التعاهد وهو بمعنى الحفظ والرعاية. وفي بعض النسخ إلا أن أتعاهد ذلك منه، وكذلك في
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديث "لا يقبل الله صلاة رجل مسبل" ثم قال:
ووجه هذا الحديث والله أعلم إن إسبال الإزار معصية وكل من واقع معصية فإنه يؤمر بالوضوء والصلاة فإن الوضوء يطفيء حريق المعصية.
وأحسن ما حمل عليه حديث الأمر بالوضوء من القهقة في الصلاة هذا الوجه فإن القهقهة في الصلاة معصية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من فعلها بأن يحدث وضوءا يمحو به أثرها.
ومنه حديث علي عن أبي بكر "ما من مسلم يذنب ذنبا يتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له ذنبه" .

(11/95)


4080- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا أبَانُ أخبرنا يَحْيَى عن أبِي جَعْفَرٍ عن
ـــــــ
رواية الشيخين ومعناه أنه كان يسترخى أحد جانبي إزاره إذا تحرك يمشي أو غيره بغير اختياره فإذا كان محافظاً عليه لا يسترخي لأنه كلما كاد يسترخي شده "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنك لست ممن يفعله خيلاء" قال القاري: المعنى أن استرخاءه من غير قصد لا يضر لا سيما ممن لا يكون من شيمته الخيلاء ولكن الأفضل هو المتابعة وبه يظهر أن سبب الحرمة في جر الإزار هو الخيلاء كما هو مقيد في الشرطية من الحديث المصدر به انتهى.
والحديث يدل على تحريم جر الثوب خيلاء والمراد بجره هو جره على وجه الأرض وهو الموافق لقوله صلى الله عليه وسلم "ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار" كما سيأتي. وظاهر الحديث أن الإسبال محرم على الرجال والنساء لما في صيغة من في قوله من جر من العموم ولكنه قد أجمع المسلمون على جواز الإسبال للنساء كما صرح بذلك ابن رسلان في شرح السنن. وظاهر التقييد بقوله خيلاء يدل بمفهومه أن جر الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلاً في هذا الوعيد. قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجار لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا أنه مذموم وقال النووي لا يجوز الإسبال تحت الكعبين إن كان للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه.
قال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أجره خيلاء لإن النهي قد تناوله لفظاً ولا يجوز تناوله لفظاً أن يخالفه إذ صار حكمه أن يقول لا أمتثله لأن تلك العلة ليست فيّ فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالة ذيله دالة على تكبره انتهى. وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده اللابس. ويدل على عدم اعتبار التقييد بالخيلاء قوله صلى الله عليه وسلم "إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة" كما سبق في حديث جابر بن سليم وحديث أبي أمامة قال "بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحلقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل فجعل صلى الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله عز وجل ويقول عبدك وابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو فقال يا رسول الله أني أحمش الساقين، فقال يا عمرو إن الله تعالى أحسن كل شيء خلقه يا عمرو أن الله لا يحب المسبل" أخرجه الطبراني ورجاله ثقات. قال الشوكاني في النيل إن قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر "إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء" تصريح بأن مناط التحريم الخيلاء وأن الإسبال قد يكون للخيلاء وقد يكون لغيره، فلا بد من حمل قوله فانها من المخيلة في حديث جابر بن سليم على أنه خرج مخرج الغالب، فيكون الوعيد المذكور في حديث ابن عمر متوجهاً إلى من فعل ذلك اختيالاً. والقول بأن كل إسبال من المخيلة أخذاً بظاهر حديث جابر ترده الضرورة، فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور الخيلاء بباله، ويرده ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لما عرفت، وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح به في الصحيحين قال وأما حديث أبي أمامة فغاية ما فيه التصريح بأن الله لا يحب المسبل وحديث ابن عمر مقيد

(11/96)


عَطَاء بنِ يَسَارٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصَلّي مُسْبِلاً إزَارَهُ فقالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: اذْهَبْ فَتَوَضّأْ، فَذَهَبَ فَتَوَضّأَ، ثُمّ جَاء فقالَ: اذْهَبْ فَتَوَضّأْ، فقالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله مالَكَ أمَرْتَهُ أنْ يَتَوَضّأَ ثُمّ سَكَتّ عَنْهُ؟ قال: إنّهُ كَانَ يُصَلّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إزَارَهُ وَإنّ الله تَعَالَى لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ" .
4081- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَلِيّ بنِ مُدْرِكٍ عن أبي زُرْعَةَ بنِ عَمْرِو بنِ جَرِيرِ عن خَرَشَةَ بنِ الْحِرّ عن أبي ذَرّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "ثَلاَثَةٌ لا يُكَلّمُهُم الله وَلا يَنْظُرُ إليْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ. قُلْتُ: مَنْ هُمْ
ـــــــ
بالخيلاء. وحمل المطلق على المقيد واجب، وأما كون الظاهر من عمرو أنه لم يقصد الخيلاء فما بمثل هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة انتهى كلام الشوكاني وهو قول ضعيف والصحيح أن كل إسبال من الخيلة إن فعله قصداً. وقد أشبع الكلام الحافظ بن حجر رحمه الله في الفتح فأجاد وأصاب والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"مسبلا إزاره" أي مرسلاً إزاره تحت الكعبين "اذهب فتوضأ" قيل إنما أمره بالوضوء ليعلم أنه مرتكب معصية لما استقر في نفوسهم أن الوضوء يكفر الخطايا ويزيل أسبابها كالغضب ونحوه. وقال الطيبي: لعل السر في أمره بالتوضي وهو طاهر أن يتفكر الرجل في سبب ذلك الأمر فيقف على شناعة ما ارتكبه وأن الله تعالى ببركة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بطهارة الظاهر يطهر باطنه من التكبر والخيلاء لأن الطهارة الظاهرة مؤثرة في طهارة الباطن "مالك أمرته أن يتوضأ" أي والحال أنه طاهر. والحديث يدل على تشديد أمر الإسبال وأن الله تعالى لا يقبل صلاة المسبل وأن عليه أن يعيد الوضوء والصلاة.
قال المنذري: وفي إسناده أبو جعفر رجل من أهل المدينة لا يعرف اسمه انتهى.
قلت: والحديث سنده حسن وتقدم الكلام فيه في باب من قال يتزر به إذا كان ضيقاً من كتاب الصلوة.
وقال النووي في رياض الصالحين: رواه أبو داوود، بإسناد صحيح على شرط مسلم انتهى.
"عن علي بن مدرك" بضم الميم وإسكان الدال المهملة وكسر الراء المهملة "عن خرشة" بخاء معجمة ثم راء مفتوحتين ثم شين معجمة "لا يكلمهم الله" أي لا يكلمهم بكلام أهل الخير وبإظهار الرضي بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل المراد الإعراض عنهم. وقال جمهور المفسرين لا يكلمهم كلاماً ينفعهم ويسرهم "ولا ينظر إليهم" أي يعرض عنهم

(11/97)


يَا رَسُولَ الله قَدْ خَابُوا وَخَسِرُوا، فأَعَادَهَا ثَلاَثاً. قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله خَابُوا وَخَسِرُوا. قالَ [فقال]: المُسْبِلُ، وَالمَنّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالْحَلِفِ الْكَاذِبِ أو الْفَاجِرِ" .
4082- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عنْ سُفْيَانَ عن الأعمَشِ عنْ سُلَيْمانَ بن مِسْهَرٍ عنْ خَرَشَةَ بنِ الْحِرّ عنْ أبِي ذَرّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا وَاْلأوّلُ أتَمّ قالَ: "المَنّانُ الّذِي لاَ يُعْطِي شَيْئاً إلاّ مَنّةً" .
4083- حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا أبُو عَامِرٍ يَعْنِي عَبْدَ المَلِكِ ابنَ عَمْرٍو أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ عنْ قَيْسِ بن بِشْرٍ التّغْلَبيّ قالَ أخبرني أبِي وَكَانَ جَلِيساً لأبِي الدّرْدَاءِ قالَ: "كَانَ بِدِمَشْقَ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْحَنْظَلِيّةِ، وَكَانَ رَجُلاً مُتَوَحّداً قَلّعَا يُجَالِسُ النّاسَ إنّمَا هُوَ صَلاَةٌ، فَإِذَا فَرَغَ فَإِنّمَا هُوَ تَسْبِيحٌ
ـــــــ
ونظره تعالى لعباده رحمته ولطفه بهم "ولا يزكيهم" أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم "أليم" أي مؤلم "قد خابوا" أي حرموا من الخير "وخسروا" أي أنفسهم وأهليهم "المسبل" أي إزاره عن كعبيه كبرا واختيالا "والمنان" أي الذي إذا أعطى منّ، وقيل الذي إذا كال أو وزن نقص "والمنفق" قال القاري بالتشديد في أصولنا.
وقال الطيبي رحمه الله بالتخفيف أي المروج "بالحلف" بكسر اللام وإسكانها قاله النووي "الكاذب أو الفاجر" شك من الراوي. والمراد من الفاجر الكاذب وفي الحديث دلاله على أن الإسبال من أشد الذنوب.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"بهذا" أي بهذا الحديث المذكور "والأول" أي الحديث الأول المذكور "قال" أي سليمان بن مسهر "المنان الذي لا يعطي شيئاً إلا منه" قال الخطابي في المعالم: المنان يتأول على وجهين:
أحدهما من المنة وهي إن وقعت الصدقة أبطلت الأجر وإن كانت في المعروف كدرت الصنيعة وأفسدتها.
والوجه الآخر أن يراد بالمن النقص يريد النقص من الحق والخيانة في الوزن والكيل ونحوهما ومن هذا قال الله سبحانه: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي غير منقوص، قالوا ومن ذلك يسمى الموت منوناً لأنه ينقص الأعداد ويقطع الأعمار انتهى.
"وكان رجلاً متوحداً" أي منفرداً عن الناس معتزلاً منهم "إنما هو" أي شغله "صلاة فإذا

(11/98)


وَتَكْبِيرٌ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ. قالَ فَمَرّ بِنَا وَنَحْنُ عِنْدَ أبي الدّرْدَاءِ فَقَالَ لَهُ أبُو الدّرْدَاءَ كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلاَ تَضَرّكَ. قالَ بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيّةً فَقَدِمَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَلَسَ في الْمَجْلِسِ الّذِي يَجْلِسُ فِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِرَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ: لَوْ رَأَيْتَنَا حِينَ الْتَقَيْنَا نَحْنُ وَالْعَدُوَ فَحَمَلَ فُلاَنٌ فَطَعَنَ فَقَالَ خُذْهَا مِنّي وَأَنَا الْغُلاَمُ الْغِفَارِيّ كَيْفَ تَرَى فِي قَوْلِهِ قالَ مَا أُرَاهُ إلاّ قَدْ بَطَلَ أجْرُهُ فَسَمِعَ بِذَلِكَ آخَرُ فَقَالَ مَا أرَى بِذَلِكَ بَأْساً فَتَنَازَعَا حَتّى سَمِعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ سُبْحَانَ الله لاَ بَأْسَ أنْ يُؤجَرَ وَيَحْمَدَ فَرَأَيْتُ أبَا الدّرْدَاء سُرّ بِذَلِكَ فَجَعَلَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَيْهِ، وَيَقُولُ أنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُ نَعَمْ فَمَا زَالَ يُعِيدُ عَلَيْهِ حتّى أَنّي لأَقُولُ لَيَبْرُكَنّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ. قالَ فَمَرّ بِنَا يَوْماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أبُو الدّرْدَاءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلاَ تَضُرّكَ، قالَ قالَ لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: المنْفِقُ
ـــــــ
فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير" المعنى إنما شغله عن مجالسة الناس الصلاة، فإذا فرغ عن الصلاة شغله التسبيح والتكبير.
وعن أحمد في مسنده قال كان بدمشق رجل يقال له ابن الحنظلية متوحداً لا يكاد يكلم أحداً إنما هو في صلاة فإذا فرغ يسبح ويكبر ويهلل حتى يرجع إلى أهله انتهى "قال فمر بنا" أي قال أبي فمر ابن الحنظلية بنا "ونحن عند أبي الدرداء" جملة حالية "فقال له" أي لابن الحنظلية "كلمة" بالنصب أي قل لنا كلمة "سرية" هي طائفة من جيش أقصاها أربع مائة تبعث إلى العدو، وجمعها السرايا سموا به لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري أي النفيس "فحمل فلان" أي على العدو "فطعن" أي بالرمح "فقال" ذلك فلان وكان من بني الغفار للعدو "خذها" أي الطعنة بالرمح "منى وأنا الغلام الغفاري" قاله ذلك ليحمده الناس على ذلك الفعل "كيف ترى" الخطاب للرجل الذي كان إلى جنب الرجل القائل "قوله" المذكور وهو خذها منى وأنا الغلام الغفاري "قال ما أراه" بضم الهمزة أي ما أظنه "لا بأس أن يؤجر" أي من الله تعالى على نبيه "ويحمد" أي من الناس "سر" على البناء للمجهول من السرور "فما زال يعيد" أبو الدرداء "عليه" أي علي بن الحنظلية تلك المقالة أي أنت سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليبركن" بلام التأكد والنون الثقلية أي أبو الدرداء "على ركبتيه" أي ابن الحنظلية.
والمعنى أن أبا الدرداء قد بالغ في السؤال عن ابن الحنظلية وقرب منه قربة شديدة حتى أنى لأقول: ليبركن أبو الدرداء على ركبتي ابن الحنظلية من شدة المقاربة.
وفي رواية لأحمد: فسر بذلك أبو الدرداء حتى همّ أن يبحثو على ركبتيه، فقال أنت سمعته مراراً. إنتهى والله أعلم.

(11/99)


عَلَى الْخَيْلِ كَالْبَاسِطِ يَدَيْهِ بالصّدَقَةِ لاَ يَقْبِضْهُمَا ثُمّ مَرّ بِنَا يَوْماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أبُو الدّرْدَاءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلاَ تَضُرّكَ، قالَ قالَ لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نِعْمَ الرّجُلُ خُرَيْمٌ الأسَدِيّ لَوْلاَ طُولُ جُمّتِهِ وَإسْبَالُ إزَارِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْماً فَعَجِلَ فَأَخَذَ شَفْرَةً فَقَطَعَ بِهَا جُمّتَهُ إلَى أُذُنَيْهِ وَرَفَعَ إزَارَهُ إلَى أنْصَافِ سَاقَيْهِ ثُمّ مَرّ بِنَا يَوْماً آخُرَ فَقالَ لَهُ أبُو الدّرْدَاءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلاَ تَضُرّكَ. فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنّكُمْ قادِمُونَ عَلَى إخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ، حَتّى تَكُونُوا كَأَنّكُمْ شَامَةٌ فِي النّاسِ فَإِنّ الله تَعَالَى لاَ يُحِبّ الْفُحْشَ وَلاَ التّفَحّشَ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قالَ أبُو نُعَيْمٍ عنْ هِشَامٍ قالَ: "حَتّى تَكُونوا كالشّامَةِ فِي النّاسِ".
ـــــــ
"المنفق على الخيل" أي إذا كان ربطه بقصد الجهاد في سبيل الله "نعم الرجل خريم" بضم الخاء المعجمة وفتح الراء مصغراً "لولا طول جمته" بضم الجيم وتشديد الميم هو من شعر الرأس ما سقط على المنكبين "وإسبال إزاره" أي عن الكعبين.
وفيه جواز ذكر المسلم أخاه الغائب بما فيه من مكروه شرعاً إذا علم أنه يرتدع عنه ويتركه عند سماعه "فأخذ شفرة" بفتح فسكون أي سكيناً "إنكم قادمون على إخوانكم" أي داخلون عليهم، الظاهر أنه قال حين دخولهم بلادهم من السفر "كأنكم شامة" بتخفيف الميم وهي الخال أي كالأمر المتبين الذي يعرفه كل من يقصده إذ العادة دخول الإخوان على القادم قصداً لزيارته "فإن الله تعالى لا يحب الفحش" قال في النهاية هو كل ما يشتد قبحه من ذنوب ومعاصي ويكثر وروده في الزنا وكل خصلة قبيحة فاحشة من الأقوال والأفعال "ولا التفحش" هو تكلف الفحش وتعمده. فالهيئة الردية والحالة الكثيفة داخلة أيضاً تحت الفحش والتفحش وإن الله جميل يحب الجمال.
قال المنذري: وابن الحنظلية هو سهل بن الربيع بن عمرو ويقال سهل بن عمرو أنصاري حارثي سكن الشام والحنظلية أمه وقيل هي أم جده وهي من بني حنظلة بن تميم انتهى. قال النووي في رياض الصالحين: رواه أبو داوود بإسناد حسن إلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثيقه وتضعيفه وقد روى له مسلم "وكذلك" أي كما روى عبد الملك بن عمر وعن هشام "قال أبو نعيم" الفضل بن دكين ""عن هشام: بن سعد القرشي بإسناده "قال حتى تكونوا كالشامة في الناس" واعلم أن هذا الحديث روى عن هشام بن سعد أبو عامر عبد الملك بن عمرو. وأبو نعيم كما عند المؤلف. ووكيع كما عند أحمد في رواية له وكلهم أي عبد الملك، وأبو نعيم ووكيع روى عن هشام هذه الجملة أي حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، لكن عبد الملك

(11/100)


....................
ـــــــ
اختلف عليه، فروى عنه هارون بن عبد الله هذه الجملة كما عند المؤلف ولم يذكر أحمد بن حنبل عن عبد الملك هذه الجملة فأراد تقوية رواية من رواه بإثباتها وأن أبا نعيم قد تابع عبد الملك وكذلك تابعه وكيع ثم إن عبد الملك قد رواها عنه هارون بن عبد الله وإن لم يروها أحمد بن حنبل عن عبد الملك فالاعتبار لمن حفظها لا لمن لم يحفظها وأما أحمد بن حنبل عن وكيع فرواه بإثبات هذه الجملة والله أعلم.

(11/101)


باب ماجاء في الكبر
...
28- باب ما جاء في الكبر :
4084- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ ح وَأخبرنا هَنّادٌ يَعْني ابنَ السّرِيّ عن أبي الأحْوَصِ المَعْنَى عنْ عَطَاء بنِ السّائِبِ قالَ مُوسَى عن سَلْمَانَ الأغَرّ وَقالَ هَنّادٌ عن الأغَرّ أبي مُسْلِمٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ هَنّادٌ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ الله تَعالَى: [عز وجل] "الْكِبْرِياء رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذفْتُهُ فِي النّارِ" .
4085- حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا أبُو بَكْرٍ يَعني ابنَ عَيّاشٍ عن الأعْمَشِ عنْ إِبراهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِن كِبْرٍ، وَلاَ يَدْخُلُ النّارَ مَنْ كانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ خَرْدَلٍ [خردلة] مِنْ إيمَانٍ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في الكبر"
"الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" قال الخطابي: معنى هذا الكلام أن الكبرياء والعظمة صفتان لله سبحانه واختص بهما لا يشركه أحد فيهما ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل. وضرب الردار والإزار مثلاً في ذلك يقول والله أعلم كما لا يشرك الانسان في ردائه وإزاره فكذلك لا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق "فمن نازعني واحداً منهما" أي من الوصفين. ومعنى نازعني تخلق بذلك فيصير في معنى المشارك "قذفته" أي رميته من غير مبالاة به.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه وفيه عذبته مكان قذفته في النار "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة" أي مقدار وزن حبة "من خردل" قيل إنه الحبة السوداء وهو تمثيل للقلة كما جاء مثقال ذرة "من كبر" قال الخطابي: هذا يتأول على وجهين أحدهما أن يكون أراد به كبر الكفر والشرك ألا ترى أنه قد قابله في نقيضه بالإيمان، والوجه الآخر أن الله سبحانه إذا أراد أن يدخله

(11/101)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَواهُ الْقَسْمَلِيّ عن الأعمَشِ مِثْلَهُ.
4086- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى أبو مُوسَى أخبرنا عَبْدُ الْوَهّابِ أخبرنا هِشَامٌ عنْ مُحمّدٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ: أنّ رَجُلاً أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ رَجُلاً جَمِيلاً فَقالَ يَا رَسُولَ الله إنّي رَجُلٌ حُبّبَ إلَيّ الْجَمَالُ وَأُعْطِيتُ مِنْهُ مَا تَرَاهُ حَتّى ما أحِبّ أنْ يَفُوقَنِي أحَدٌ - إمّا قالَ - بِشِرَاكٍ نعْلِي - وَإِمّا قالَ - بِشِسْعِ نَعْلِي أفَمِنَ الْكِبْرِ ذَلِكَ؟ قالَ لاَ وَلَكِنّ "الْكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الْحَقّ وَغَمِطَ النّاسَ" .
ـــــــ
الجنة نزع ما في قلبه من الكبر حتى يدخلها بلا كبر ولا غل في قلبه كقوله سبحانه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} انتهى. قال النووي في هذين التأويلين بعد فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخلها دون مجازاة إن جازاه، وقيل هذا جزاؤه لو جازاه وقد تكرم بأنه لا يجازيه بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة إما أولا وإما ثانياً بعد تعذيب أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها وقيل لا يدخلها مع المتقين أول وهلة "ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردل من إيمان" وقال الخطابي: معناه أنه لا يدخلها دخول تخليد وتأبيد. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"إني رجل حبب" بصيغة المجهول من التحبيب "إلى" بتشديد الياء "إما قال بشراك نعلى" بكسر الشين بالفارسية بند نعل ازدوال "وإما قال بشسع نعلى" بكسر الشين هو بالفارسية دوال نعل "ولكن الكبر من بطراً الحق" بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة أي تضييعه من قولهم ذهب دم فلان بطرأى هدراً يعني الكبر هو تضييع الحق من أوامر الله تعالى ونواهيه وعدم التفاته. كذا قال ابن مالك.
وقال النووي: بطر الحق هو دفعه وإنكاره ترفعاً وتجبراً "وغمط الناس" بفتح الغين المعجمة وفتح الميم وكسرها وبالطاء المهملة أي استحقارهم وتعييبهم.
قال المنذري: وأخرج مسلم في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة، قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس" .

(11/102)


29- باب في قدر موضع الإزار :
4087- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن الْعَلاَء بن عَبْدِ الرّحْمَنِ عنْ أبِيهِ قالَ: سَأَلْتُ أبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عن الإزَارِ فَقالَ عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُزْرَةُ المُسْلِمِ إلَى نِصْفِ السّاقِ وَلاَ حَرَجَ أوْ لاَ جُنَاحَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ مَا كَانَ أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النّارِ مَنْ جَرّ إزَارَهُ بَطَراً لَمْ يَنْظُرِ الله إلَيْهِ" .
4088 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أخبرنا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيّ عنْ عبْدِ الْعَزِيزِ بنِ أبِي رَوّادٍ عنْ سَالِمٍ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ عنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الإسْبَالُ فِي الإزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ. مَنْ جَرّ مِنْهَا شَيْئاً خُيَلاَءِ لَمْ يَنْظُرِ الله إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .
ـــــــ
"باب في قدر موضع الإزار"
"على الخبير سقطت" أي على العارف به وقعت وهو مثل "إزرة المسلم" الإزرة بكسر همز وسكون زاي الحالة وهيئة الاتزار مثل الركبة والجلسة كذا في النهاية "إلى نصف الساق" أي منتهية إليه يعني الحالة والهيئة التي يرتضى منها المؤمن في الاتزار هي أن يكون على هذه الصفة "ولا حرج أو لاجناح" شك من الراوي أي لا إثم على المسلم "فيما بينه" أي بين نصف الساق "ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار" أي صاحبه في النار.
قال الخطابي: قوله فهو في النار يتأول على وجهين أحدهما أن ما دون الكعبين من قدم صاحبه في النار عقوبة له على فعله، والوجه الآخر أن يكون معناه أن صنيعه ذلك وفعله الذي فعله في النار على معنى أنه معدود ومحسوب من أفعال أهل النار انتهى "من جر إزاره" على وجه الأرض "بطراً" بفتحتين أي تكبراً أو فرحاً وطغياناً بالغنى "لم ينظر الله إليه" تقدم معناه.
والحديث فيه دلالة على أن المستحب أن يكون إزار المسلم إلى نصف الساق والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو حرام وممنوع.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه انتهى.
وقال النووي في رياض الصالحين: رواه أبو داوود بإسناد صحيح "الإسبال في الإزار والقميص الخ" في هذا الحديث دلالة على عدم اختصاص الإسبال بالإزار بل يكون في القميص والعمامة كما في الحديث.
قال ابن رسلان: والطيلسان والرداء والشملة.
قال ابن بطال: وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائداً على ما جرت به العادة انتهى. وتطويل أكمام القميص تطويلاً زائداً على المعتاد من الإسبال. وقد نقل القاضي

(11/103)


4089- حدثنا هَنّادٌ حدثنا ابنُ المُبَارَكِ عنْ أبي الصّبَاحِ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي سُمَيّةَ قال سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: مَا قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الإزَارِ فَهُوَ في الْقَمِيصِ.
4090- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن مُحمّدِ بنِ أبِي يَحْيَى حدّثني عِكْرِمَةُ: أنّهُ رَأى ابنَ عَبّاسٍ يَأْتَزِرُ فَيَضَعُ حَاشِيَةَ إزَارِهِ مِنْ مُقَدّمِهِ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ وَيَرْفَعُ مِنْ مُؤَخّرِهِ. قُلْتُ: لِمَ تَأْتَزِرُ هَذِهِ الإزْرَةَ؟ قال: رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَأْتَزِرُهَا.
ـــــــ
عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على المعتاد في اللباس في الطول والسعة كذا في النيل.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وفي إسناده عبد العزيز بن أبي رواد وقد تكلم فيه غير واحد.
وقال ابن ماجه قال أبو بكر يعني ابن أبي شيبة ما أعرفه انتهى.
وقال النووي في رياض الصالحين: رواه أبو داوود والنسائي بإسناد صحيح انتهى.
"ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص" أي ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار من حكم الإسبال فهو في القميص أيضاً وليس بمختص بالإزار كما يدل عليه حديث ابن عمر المرفوع المذكور آنفاً واعلم أن أكثر الأحاديث إنما ورد بذكر إسبال الإزار وحده لأن أكثر الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس القميص والدراريع كان حكمها الإزار في النهي، كذا قال الطبري والحديث سكت عنه المنذري.
"أنه رأى ابن عتاس يأتزر" أي يلبس الإزار ثم بين كيفية ائتزاره فقال "فيضع حاشية إزاره" أي طرفه الأسفل "على ظهر قدمه" أي نازلاً وواقعاً على ظهر قدمه "ويرفع من مؤخره" أي من جهة القفا بحيث لا يبلغ الكعبين بأن يكون منتهاه إلى نصف الساق كما تقدم قريباً في حديث أبي سعيد الخدري. قال في فتح الودود لعله وقت الركوع انتهى.
قلت: نشأ هذا القول من قلة التدبر في ألفاظ الحديث كما لا يخفى "قلت" أي لابن عباس "لم تأتزر هذه الإزرة" بكسر الهمزة وسكون الزاى وهي للحالة كالجلسة والركبة كما تقدم أي لم تأتزر على هذه الهيئة التي رأيتها منك "قال" أي ابن عباس مجيباً لعكرمة عن وجه ائتزاره بالهيئة المذكورة "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتزرها" الضمير يرجع إلى الإزرة أي يلبس إزارة على الهيئة التي رأيتها منى بأن يكون طرفه الأسفل من مقدمة على ظهر قدمه ومن جهة مؤخره مرفوعاً بحيث لا يبلغ الكعبين.
والحديث يدل على أن الائتزار بهذه الهيئة ليس بداخل في الإسبال المحرم. وفي الجامع الصغير للسيوطي: كان يرخي الإزار من بين يديه ويرفعه من ورائه رواه ابن سعد عن يزيد بن أبي حبيب.

(11/104)


.........................
ـــــــ
قلت: قد تكلم الناس في معنى هذا الحديث بأنواع الكلام لا تطمئن به القلب، وهذا الذي قلت به هو من أحسن المعاني ورضى به شيخنا حسين بن محسن اليماني وإليه جنح الشيخ عبد الحق الدهلوى في شرح المشكاة والله أعلم. وحديث ابن عباس سكت عنه المنذري.

(11/105)


30 - باب في لباس النساء :
4091 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ لَعَنَ المُتَشَبّهَاتِ مِنَ النّسَاء بالرّجَالِ، وَالمُتَشَبّهِينَ مِنَ الرّجَالِ بالنّسَاء" .
4092 - حدثنا حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا أبُو عَامِرٍ عن سُلَيْمَانُ بنِ بِلاَلٍ عن سُهَيْلٍ عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: "لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الرّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالمَرْأةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرّجُلِ" .
4093 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ لَوَيْنُ وَبَعْضُهُ قَرَأْتُ [قراءة - قرأته] عَلَيْهِ عن
ـــــــ
"باب في لباس النساء"
"أنه لعن المتشبهات من النساء بالرجال الخ" قال الطبري: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس.
قال الحافظ: وكذا في الكلام والمشي فأماهيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضى به وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين.
وأما إطلاق من أطلق كالنووي أن المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثنى والتكسر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك وإلا متى كان ترك ذلك ممكناً ولو بالتدريج فتركه بغير عذر لحقه اللوم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة" بكسر اللام والجملة صفة أو حال كقوله تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} "والمرأة" بالنصب عطف على الرجل أي ولعن المرأة.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"لوين" بالتصغير هو لقب محمد بن سليمان "أن امرأة تلبس النعل" أي التي يختص

(11/105)


سُفْيَانَ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ قال: "قِيلَ لِعَائِشَةَ إنّ امْرَأَةً "الْمَرْأَةَ" تَلْبَسُ النّعْلَ، فقالَتْ: لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الرّجُلَةَ مِنَ النّسَاء" .
ـــــــ
بالرجال فما حكمها "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجلة" بفتح الراء وضم الجيم وفتح اللام "من النساء" بيان للرجلة.
قال في النهاية: إنه لعن المترجلات من النساء يعني اللاتي يتشبهن بالرجال في زيهم وهيأتهم فأما في العلم والرأي فمحمود، وفي رواية لعن الرجلة من النساء بمعنى المترجلة. ويقال امرأة رجلة إذا شبهت بالرجال في الرأي والمعرفة انتهى.
وفي المرقاة: والتاء في الرجلة للوصفية في الكلام واللباس بالرجال انتهى.
قال السندي: الرجلة تأنيث الرجل أي المتشبهة انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(11/106)


باب ماجاء في قوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن)
...
31 - باب في قول الله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}
4094 - حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن إِبراهِيمَ بنِ مُهَاجِرٍ عن صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عن عَائِشَةَ: أنّهَا ذَكَرَتْ نِسَاءَ الأنْصَارِ، فأَثْنَتْ عَلَيْهِنّ وَقَالَتْ لَهُنّ مَعْرُوفاً وَقَالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ النّورِ عَمَدْنَ إلَى حُجُورٍ أوْ حُجُوزٍ - شَكّ أبُو كَامِلٍ - فَشَقَقْنَهُنّ فاتّخَذْنَهُ [فاتخذنهن] خُمُراً.
ـــــــ
"باب في قول الله تعالى : {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} "
الآية بتمامها في الأحزاب هكذا {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} وقوله: {جَلابِيبِهِنَّ} جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عيناً واحدة كذا في الجلالين.
وقال في جامع البيان: الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل، يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن انتهى {ذَلِكَ أَدْنَى} أقرب إلى {أَنْ يُعْرَفْنَ} بأنهن حرائر {فَلا يُؤْذَيْنَ} بالتعرض لهن بخلاف الإماء فلا يغطين وجوههن، وكان المنافقون يتعرضون لهن.
قال السيوطي: هذه آية الحجاب في حق سائر النساء ففيها وجوب ستر الرأس. والوجه عليهن "لما نزلت سورة النور عمدن" أي قصدن "إلى حجور" بالراء المهملة "أو حجوز" بالزاء المعجمة.

(11/106)


4095- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا ابنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ عن ابنِ خُثَيْمٍ عن صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} خَرَجَ نِسَاءُ الأنْصَارِ كَأَنّ عَلَى رُؤسِهِنّ الْغِرْبَانَ مِنَ الأكْسِيَةِ.
ـــــــ
قال الخطابي في المعالم: الحجور لا معنى له ههنا وإنما هي بالزاى المعجمة هكذا حدثني عبد الله بن أحمد المسيكي قال حدثنا علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد عن عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عوانة فذكر الحديث قال عمدن إلى حجز أو حجوز مناطقهن فشققنهن والحجز جمع الحجزة وأصل الحجزة موضع ملاث الإزار ثم قيل للازار الحجزة، وأما الحجوز فهو جمع الجمع ويقال احتجز الرجل بالإزار إذا شده على وسطه انتهى "فشققنهن" أي الحجوز "فاتخذنه" وفي بعض النسخ فاتخذنهن "خمراً" بضمتين جمع خمار بكسر أوله وهو المقنعة ونصبه على الحال كقوله خطته قميصاً.
قال المنذري: في إسناده إبراهيم بن مهاجر بن جابر أبو إسحاق البجلى الكوفي وقد تكلم فيه غير واحد.
"ابن ثور" هو محمد بن ثور قال المزي "كأن على رؤوسهن الغربان" جمع غراب "من الأكسية" جمع كساء شبهت الخمر في سوادها بالغراب. والحديث سكت عنه المنذري.

(11/107)


باب ماجاء في قوله تعالى (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)
...
32 - باب في قول الله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}
4096 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ ح. وأخبرنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ وَ ابنُ السّرْحِ وَأَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانيّ قالُوا أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني قُرّةُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ المَعَافِريّ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ أنّهَا قالَتْ: يَرْحَمُ الله نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأوَلَ، لَمّا أنْزَلَ الله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شَقَقْنَ أكْنَفَ [شققن أكثف].
ـــــــ
"باب في قول الله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} "
أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع
"يرحم الله نساء المهاجرات" إضافة الموصوف إلى الصفة "الأول" بضم الهمزة وفتح الواو جمع الأولى أي السابقات من المهاجرات "لما أنزل الله {وَلْيَضْرِبْنَ} الخ" هذه الآية في

(11/107)


قالَ ابنُ صالحٍ: "أكْثَفَ [قال ابن صالح: أكنف] مُرُوطِهِنّ فاخْتَمَرْنَ بِهَا".
4097 - حدثنا ابن السرح قال: رأيتُ في كتاب خالي عن عقيلٍ عن ابنِ شهاب بإسناده ومعناه.
ـــــــ
سورة النور "شققن أكثف" بالنون بعد الكاف "قال ابن صالح" هو أحمد "أكثف مروطهن" بالثاء المثلثة بعد الكاف، ومروط جمع مرط وهو كساء يتزر به أي قال سليمان بن داوود وابن السرح، وأحمد بن سعيد في رواياتهم شققن أكنف مروطهن بالنون أي الأستر والأصفق منها، ومن هذا قيل للوعاء الذي يحرر فيه الشيء كنف وللبناء الساتر لما رواه كنف قاله الخطابي.
وقال أحمد بن صالح في روايته: شققن أكنف مروطهن بالمثلثة أي أغلظها وأثخنها "فاختمرن بها" أي تقنعن بها.
قال المنذري: في إسناده قرة بن عبد الرحمن بن حيويل المعافري المصري قال الإمام أحمد: منكر الحديث جداً.
"حدثنا ابن السرح" هو أحمد بن عمرو بن السرح "قال رأيت في كتاب خالى" قال المزي: اسم خاله عبد الرحمن عبد الحميد بن سالم "عن عقيل" ابن خالد "عن ابن شهاب" عن عروة عن عائشة الحديث فقرة بن عبد الرحمن وعقيل بن خالد كلاهما يرويان عن الزهرى، ونظير هذا الإسناد ما أخرجه النسائي في الصوم عن أحمد بن عمرو بن السرح قال وجدت في كتاب خالي عن عقيل عن الزهرى عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم انتهى والله أعلم.

(11/108)


33 - باب فيما تبدي المرأة من زينتها :
4098 - حدثنا يَعْقُوبُ بنُ كَعْبٍ الأنْطَاكِيّ وَ مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ الْحَرّانِيّ قالا أخبرنا الْوَلِيدُ عن سَعيدِ بنِ بَشِيرٍ عن قَتَادَةَ عن خَالِدٍ قالَ يَعْقُوبُ بنُ دُرَيْكٍ عن عَائِشَةَ: "أنّ أسْمَاءَ بِنْتَ أبي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ،
ـــــــ
"باب فيما تبدي المرأة من زينتها"
هي ما تتزين به المرأة من حلى أو كحل أو خضاب والمراد مواضعها.
"قال يعقوب بن دريك" أي قال يعقوب بن كعب في روايته عن خالد ابن دريك بزيادة لفظ ابن دريك بعد خالد، ودريك بضم الدال وفتح الراء مصغراً "وعليها ثياب رقاق" بكسر

(11/108)


فأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا أسْمَاءُ إنّ الْمَرْأةَ إذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ لَها أنْ يُرَى مِنْهَا إلاّ هَذَا وَهَذَا، وَأشَارَ إلى وَجْهِهِ وَكَفّيْهِ".
قالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا مُرْسَلٌ خَالِدُ بنُ دُرَيْكٍ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ.
ـــــــ
الراء جمع رقيق "فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال" أي حال كونه معرضاً "إذا بلغت المحيض" أي زمان البلوغ، وخص المحيض للغالب "لم يصح" بفتح الياء وضم اللام "أي يرى" بصيغة المجهول أي يبصر "منها" أي من بدنها وأعضائها.
والحديث فيه دلالة على أنه ليس الوجه والكعبان من العورة، فيجوز لللأجنبي أن ينظر إلى وجه المرأة الأجنبية وكفيها عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه.
أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة، ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق قاله ابن رسلان.
ويدل على أن الوجه والكفين ليستا من العورة قوله تعالى في سورة النور: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} .
قال في تفسير الجلالين وهو يعني ما ظهر منها الوجه والكفان فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد الوجهين [أي للشافعية، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله].
والثاني يحرم لأنه مظنه الفتنة ورجح حسما للباب انتهى.
وقد جاء تفسير قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بالوجه والكفين عن ابن عباس رضي الله عنه أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي وأخرجه إسماعيل القاضي عن ابن عباس مرفوعاً بسند جيد.
قال المنذري: في إسناده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن النصري، نزيل دمشق مولى بني نصر وقد تكلم فيه غير واحد.
وذكر الحافظ أبو بكر أحمد الجرجاني هذا الحديث، وقال لا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال مرة فيه عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة.

(11/109)


34- باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته :
4099- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ موْهِبٍ قالا أخبرنا اللّيْثُ عن أبي الزّبَيْرِ عن
ـــــــ
"باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته"
أي هل يجوز ذلك له أم لا؟

(11/109)


جَابِرٍ: "أنّ أُمّ سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَتِ النّبيّ [رسول الله] صلى الله عليه وسلم في الْحِجَامَةِ، فأَمَرَ أبَا طَيْبَةَ أنْ يَحْجُمَهَا. قالَ: حَسِبْتُ أنّهُ قالَ: كَانَ أخَاهَا مِنَ الرّضَاعةِ أوْ غُلاَماً لَمْ يَحْتَلِمْ" .
4100- حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا أبُو جُمَيْعٍ سَالِمُ بنُ دِينَارٍ عن ثَابِتٍ عن
ـــــــ
"استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم الخ" الحديث لا يطابق الباب صريحاً إلا أن يقال إن المؤلف الإمام قاس العبد على الغلام الذي لم يحتلم فإن حكمهما واحد فكما جاز للغلام الدخول على المرأة الأجنبية من غير الأستئذان في غير الأوقات الثلاثة المذكورة في القرآن جاز أيضاً للعبد الدخول على سيدته سواء، لأن الله تبارك وتعالى قرن العبد والغلام في هذا الحكم وجعل لهما حكماً واحداً كما قال في سورة النور {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} الآية.
فالله تعالى خاطب الرجال والنساء جميعاً بهذا الحكم وقال ليس على العبيد وعلى الصبيان الذين لم يبلغوا من الأحرار بأس أن يدخلوا عليكم أيها الرجال والنساء أي وقت من الأوقات شاءوا، ولا حاجة لهم إلى الاستئذان إلا أنه لا بد عليهم أن يستأذنوا منكم وقت الدخول عليكم ثلاث مرات في اليوم والليلة مرة من قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة، ومرة حين تضعون ثيابكم من الظهيرة للقيلولة، ومرة بعد صلاة العشاء لأنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف، وقال ثلاث عورات لكم أي هي ثلاثة أوقات يختل [يحتمل] فيها تستركم وليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن أي بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان وليس فيه ما ينافي آية الاستئذان فينسخها لأنه في الصبيان ومماليك المدخول عليه وتلك في الأحرار البالغين. قاله البيضاوي في تفسيره وقوله: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} أي هم طوافون عليكم، وهذا بيان للعذر المرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة وكثرة المداخلة قاله البيضاوي.
فلما أذن للعبد الدخول على سيدته، فكيف يمكن التحرز عن نظره إلى شعر مولاته فإن غالب الأحوال أن المرأة تكشف الرأس في بيتها عند ضرورة الحر أو غيره والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه وأبوطيبة بفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف بعدها باء بواحدة مفتوحة وتاء تأنيث اسمه دينار وقيل نافع وقيل ميسرة وهو مولى لبني حارثة.
"أخبرنا أبو جميع" بضم الجيم وفتح الميم مصغراً "سالم بن دينار" بالرفع بدل من أبو

(11/110)


أنَسٍ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدِ قَدْ وَهَبَةُ لَها. قالَ: وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ إذَا قَنّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإذَا غَطّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلمّا رَأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما تَلْقَى قال إنّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ إنّمَا هُوَ أبُوكِ وَغُلاَمُكِ" .
ـــــــ
جميع "أتى فاطمة بعبد" أي مصاحباً به "وعلى فاطمة ثوب" أي قصير "إذا قنعت" أي سترت "فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى" أي ما تلقاه فاطمة من التحير والخجل وتحمل المشقة في التستر من جر الثوب من رجلها إلى رأسها من رأسها إلى رجلها حياء أو تنزهاً "قال إنه" الضمير للشأن "إنما هو" أي من استحييت منه "أبوك وغلامك" أي عبدك.
والحديث فيه دليل على أنه يجوز للعبد النظر إلى سيدته وأنه من محارمها يخلو بها ويسافر معها وينظر منها ما ينتظر إليه محارمها، وإلى ذلك ذهبت عائشة وسعيد بن المسيب والشافعي في أحد قوليه وأصحابه وهو قول أكثر السلف، وذهب الجمهور إلى أن المملوك كالأجنبي بدليل صحة تزوجها إياه بعد العتق وحمل الشيخ أبو حامد هذا الحديث على أن العبد كان صغيراً لإطلاق لفظ الغلام ولأنها واقعة حال.
واحتج أهل القول الأول أيضاً بحديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه" رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي وبقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وأجاب الجمهور عن الآية بما روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا تغرنكم آية النور فالمراد بها الإماء.
قال المنذري: في إسناده أبو جميع سالم بن دينار ألهجيمى البصري. قال ابن معين ثقة، وقال أبو زرعة الرازي بصرى لين الحديث وهوسالم بن أبي راشد.

(11/111)


35- باب في قوله تعالى: {غير أُولِي الْأِرْبَةِ}
4101 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ حدثنا مُحمّدُ بنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ و هشام بنِ عُرْوَةَ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُخَنّثٌ
ـــــــ
"باب في قوله تعالى: {غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ} "
الإربة والإرب الحاجة والشهوة، والمراد من غير أولى الإربة الذين ليس لهم حاجة إلى النساء لكبر أو تخنيث أو عنة.
"عن معمر" بن راشد "عن الزهري وهشام بن عروة" فمعمر يروي عن شيخين الزهري وهشام وهما يرويان عن عروة بن الزبير "كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث" بفتح النون

(11/111)


فَكَانُوا يَعُدّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْماً وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً، فقالَ: إنّهَا إذَا أقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ، وَإذَا أدْبَرَتْ أدْبَرَتْ بِثَمانٍ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ألاَ أرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَهُنَا لاَ يَدْخُلَنّ عَلَيْكُنّ هَذَا فَحَجَبُوهُ" .
4102 - حدثنا مُحمّدُ بنُ دَاوُدَ بنِ سُفْيَانَ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ بِمَعْنَاهُ.
4103 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ
ـــــــ
وكسرها والفتح المشهور، وهو الذي يلين في قوله ويتكسر في مشيته وينثنى فيها كالنساء، وقد يكون خلقة وقد يكون تصنعاً من الفسقة، ومن كان ذلك فيه خلقة فالغالب من حاله أنه لا إرب له في النساء، ولذلك كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يعددن هذا المخنث من غير أولى الإربة وكن لا يحجبنه إلى أن ظهر منه ما ظهر من هذا الكلام "إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان" المراد بالأربع هي العكن جمع عكنة وهي الطية التي تكون في البطن من كثرة السمن يقال تعكن البطن إذا صار ذلك فيه ولكل عكنة طرفان فإذا رآهن الرائي من جهة البطن وجدهن أربعاً وإذا رآهن من جهة الظهر وجدهن ثمانياً، وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث يكون لبطنها عكن وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء وجرت عادة الرجال غالباً في الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة "هذا" أي المخنث "فحجبوه" أي منعوه.
قال النووي: في الحديث منع المخنث من الدخول على النساء ومنعهن من الظهور عليه وبيان أن له حكم الرجال الفحول الراغبين في النساء في هذا المعنى، وكذا حكم الخصى والمجبوب ذكره انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي انتهى.
وقال المزي: حديث كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث الحديث أخرجه مسلم في الاستئذان عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر ابن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة.
وأبو داوود في اللباس عن محمد بن داوود بن سفيان عن عبد الرزاق عن معمر به.
وعن محمد بن عبيد عن محمد بن ثور عن معمر به.
والنسائي في عشرة النساء عن محمد بن يحيى بن عبد الله عن عبد الرزاق به.
وعن نوح بن حبيب عن إبراهيم بن خالد عن رباح بن زيد عن معمر به.
ورواه معمر أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
ورواه حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن سلمة.

(11/112)


عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ بِهذَا الحديثِ. زَادَ: "وَأخْرَجَهُ فَكَانَ بالْبَيْدَاء يَدْخُلُ كُلّ جُمُعَةٍ يَسْتَطْعِمُ".
4104 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا عُمَرُ عن الأوزَاعِيّ في هَذِهِ الْقِصّةِ: "فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله إذَا يَمُوتُ مِنَ الْجُوعِ، فأذِنَ لَهُ أنْ يَدْخُلَ في كُلّ جُمُعَةٍ مَرّتَيْنِ فَيَسْأَلُ ثُمّ يَرْجِعُ" .
ـــــــ
ورواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة انتهى كلام المزي.
"زاد" أي يونس في روايته "وأخرجه" أي أخرج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المخنث "فكان" أي المخنث "بالبيداء " بالمد القفر وكل صحراء فهي بيداء كأنها تبيد سالكها أي تكاد تهلكه "يستطعم" أي يطلب الطعام وهو حال من ضمير يدخل، وفيه دليل على جواز العقوبة بالإخراج من الوطن لما يخاف من الفساد والفسق.
"إنه" أي ذلك المخنث "إذا يموت من الجوع" أي بسببه "فيسأل ثم يرجع" أي يسأل الناس شيئاً ثم يرجع إلى البيداء.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث زينب بنت أم سلمة عن أمها أم سلمة وأخرجه أبو داوود كذلك في كتاب الأدب وسيأتي إن شاء الله تعالى.

(11/113)


36- باب في قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}
4105 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ المَرْوَزِيّ أخبرنا عَلِيّ بنُ الْحُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ عن أبِيهِ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} الآية، فَنُسِخَ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً} الآية".
ـــــــ
"باب في قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} "
في القاموس: غضن طرفه خفضه
"فنسخ واستثنى من ذلك" أي المذكور وهو قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ} الآية. والفعلان على البناء للمفعول ونائب فاعلهما هو قوله القواعد من النساء الخ "القواعد من النساء" أي اللاَتي قعدن عن الحيض والولد لكبرهن "اللاتى لا يرجون نكاحاً الآية" وتمام الآية

(11/113)


4106 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عن يُونُسَ عن الزّهْرِيّ قالَ حدّثني نَبْهَانُ مَوْلَى أُمّ سَلَمَةَ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: "كُنْتُ عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةَ، فأَقْبَلَ ابنُ أُمّ مَكْتُومٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أنْ أُمِرْنَا بالْحِجَابِ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: احْتَجِبَا مِنْهُ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله ألَيْسَ أعْمَى لا يُبْصِرُنَا وَلاَ يَعْرِفُنَا؟ فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَفَعَمْيَاوَانِ أنْتُمَا؟ ألَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لأزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خَاصّةً، ألاَ تَرَى إلَى اعْتِدَادٍ فَاطِمَةَ بِنْتِ
ـــــــ
{فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} والحاصل أن الآية الأولى بعمومها كانت شاملة للقواعد من النساء أيضاً، فلما نزلت الآية الثانية خرجن من حكم الآية الأولى، فلهن أن لا يغن من أبصارهن.
قال المنذري: في إسناده على بن الحسين بن واقد وفيه مقال.
"حدثني نبهان" بنون مفتوحة ثم موحدة ساكنة "احتجبا" الخطاب لأم سلمة وميمونة رضي الله عنهما "منه" أي من ابن أم مكتوم "أفعمياوان" تثنية عمياء تأنيث أعمى. وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة، وهو أحد قول الشافعي وأحمد قال النووي: وهو الأصح ولقوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} ولأن النساء أحد نوعي الآدميين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياساً على الرجال ويحققه أن المعنى المحرم للنظر هو خوف الفتنة وهذا في المرأة أبلغ فإنها أشد شهوة وأقل عقلاً فتسارع إليها الفتنة أكثر من الرجل.
واحتج من قال بالجواز فيما عدا ما بين سرته وركبته بحديث عائشة قالت "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأمه فأقد وأقدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو" رواه الشيخان.
ويجاب عنه بأن عائشة كانت يومئذ غير مكلفة على ما تقتضي به عبارة الحديث. وقد جزم النووي بأن عائشة كانت صغيرة دون البلوغ أو كان ذلك قبل الحجاب. وتعقبه الحافظ بأن في بعض طرق الحديث أن ذلك كان بعد قدوم وفد الحبشة وأن قدومهم كان سنة سبع ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة. واحتجوا أيضاً بحديث فاطمة بنت قيس المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم وقال إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده ويجاب بأنه يمكن ذلك مع غض البصر منها ولا ملازمة بين الاجتماع في البيت والنظر.
"قال أبو داوود هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة إلخ" أي حديث أم سلمة مختص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث فاطمة بنت قيس لجميع النساء هكذا جمع المؤلف أبو داوود بين الأحاديث.

(11/114)


قَيْسٍ عِنْدَ ابنِ أُمّ مَكْتُومٍ قَدْ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِفَاطِمَةَ بِنْتٍ قَيْس: "اعْتَدّي عِنْدَ ابنِ أُمّ مَكْتُومٍ فإنّهُ رَجُلٌ أعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ" .
4107 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ الْمَيْمُونِ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا الأوْزَاعِيّ عن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا زَوّجَ أحَدُكُمْ عَبْدَهُ أُمَتَهُ فَلاَ يَنْظُرْ إلَى عَوْرَتِهَا" .
4108 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا وَكِيعٌ حدّثني دَاوُدُ بنُ سوّارٍ المُزَنِيّ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا زَوّجَ أحَدُكُم خَادِمَهُ عَبْدَهُ أوْ أجِيرَهُ فَلاَ يَنْظُرْ إلَى مَا دُونَ السّرّةِ وَفَوْقَ الرّكْبَةِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَصَوَابُهُ سَوّارُ بنُ دَاوُدَ المُزَنِيّ الصّيْرَفِيّ، وَهَمِ فِيهِ وَكِيعٌ.
ـــــــ
قال الحافظ في التخليص: قلت: وهذا جمع حسن وبه جمع المنذري في حواشية واستحسنه شيخنا انتهى. وجمع في الفتح بأن الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم لعله لكون الأعمى مظنة أن ينكشف منه شيء ولا يشعر به فلا يستلزم عدم جواز النظر مطلقاً. قال ويؤيد الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال ولم يؤمر الرجال قط بالإنتقاب لئلا يراهم النساء، فدل على مغايرة الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتج الغزالى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي حسن صحيح.
"إذا زوج أحدكم عبده أمته" أي مملوكته "فلا ينظر إلى عورتها" لأنها حرمت عليه، ويجيء تفسير العورة في الحديث الذي بعده.
قال المنذري: وقد تقدم الكلام في الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب.
"إذا زوج أحدكم خادمة" أي أمته وفي بعض النسخ خادمته "فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" هذا تفسير العورة وظاهر الحديث أن السرة والركبة كلتاهما ليست بعورة وكذا ما وقع في بعض الأحاديث ما بين السرة والركبة، قال في المرقاة: ذكر في كتاب الرحمة في اختلاف الأمة اتفقوا على أن السرة من الرجل ليست بعورة وأما الركبة فقال مالك والشافعي وأحمد ليست من العورة، وقال أبو حنيفة رسول الله وبعض أصحاب الشافعي إنها منها وأما عورة الأمة فقال مالك والشافعي هي كعورة الرجل، زاد أبو حنيفة بطنها وظهرها انتهى "وصوابه" الضمير يرجع إلى داوود بن سوار المذكور في الإسناد "سوار بن داوود" لا داوود بن سوار كما وهم وكيع.

(11/115)


37 - باب كيف الاختمار :
4109- حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا عَبْدُ الرّحمَنِ ح. وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ عن حَبِيبِ بنِ أبي ثَابِتٍ عن وَهْبٍ مَوْلَى أبِي أَحْمَدَ عن أُمّ سَلَمَةَ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَخْتَمِرُ فقالَ: لَيّةً لا لَيّتَيْنِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: مَعْنَى قَوْلِه لَيّةً لاَ لَيّتَيْنِ يَقُولُ: لاَ تَعْتَمّ [تعتم] مِثْلَ الرّجُلِ لا تُكْرّرْهُ طَاقاً أوْ طَاقَتَيْنِ [طاقا وطاقين].
ـــــــ
"باب كيف الاختمار"
"وهي تختمر" الواو للحال والتقدير دخل عليها حال كونها تلبس خمارها يقال اختمرت المرأة وتخمرت إذا لبست الخمار كما قال اعتم وتعمم إذا لبس العمامة. والخمار بالكسر المقنعة "فقال لية" بفتح اللام وتشديد الياء والنصب على المصدر والناصب فعل مقدر أي لَوّيْه ليةً "لا ليتين" أمرها أن تلوي خمارها على رأسها وتدير مرة واحدة لا مرتين لئلا يشبه اختمارها تدوير عمائم الرجال إذا اعتموا فيكون ذلك من التشبيه المحرم، كذا في النهاية وغيره.
وقال القاضي: أمرها بأن تجعل الخمار على رأسها وتحت حنكها عطفة واحدة لا عطفتين حذراً عن الإسراف أو التشبه بالمتعممين انتهى "لا تكرره" أي لا تكرر الليّ أو الخمار "طاقاً أو طاقين" ومعنى الطاق في الهندية بيج وته، وفي الصحاح، ويقال طاق نعل، وجاء في الهداية لفظ طاق في محل حيث قال القرطق الذي ذو طاق انتهى.
قال العيني في شرحه: هو تعريب كرته يكتاهي انتهى.
والمعنى لا تكرر الليّ بل تقتصر على الليّ مرة واحدة، وتكرار الليّ إنما يحصل بفعله مرتين فإن تكرار الشيء هو فعله مرة بعد أخرى، فإن فعل أحد شيئاً مرة فقط لم يكن ذلك تكراراً. نعم إن فعله مرتين أي مرة بعد أخرى كان ذلك تكراراً واحداً، وإن فعله ثلاث مرار كان ذلك تكرارين، وإن فعله أربع مرات كان ذلك ثلاث تكرارت وهكذا، فإذا فعل اليّ مرة واحدة لم يكن ذلك تكراراً له وكان هذا جائزاً، وإذا فعل مرتين كان ذلك تكراراً له واحدّ ولم يكن هذا جائز، وكذلك إن فعل ثلاث مراراً وأكثر من ذلك وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله لا تكرره طاقاً أو طاقين أي لا تكرر الليّ سواء كان ذلك التكرار مرة أو مرتين أي لا تكرر الليّ أصلا، وإنما اقتصر المؤلف على ذكر التكرار مرة أو مرتين تنبيهاً على أنه ل يجز مرة أو مرتين فعدم جوازه أكثر من ذلك أولى لا لأنه إذا كان أكثر من ذلك كان جائزاً، والحاصل لا تكرر ليّ الخمار مرة أي مرتين والله أعلم.
قال المنذري: وهب هذا يشبه المجهول انتهى. وفي الخلاصة: وثقة ابن حبان.

(11/116)


38 - باب في لبس القباطي للنساء :
4110- حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ وَ أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيّ قالا أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ عن مُوسَى بنِ جُبَيْرٍ أنّ عُبَيْدَ الله ابنَ عَبّاسٍ حَدّثَه عن خَالِدِ بنِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ عن دِحْيَةَ بنِ خَلِيفَةَ الكَلْبيّ أنّهُ قالَ: " أُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقَبَاطِيَ فَأَعْطَانِي مِنْهَا قُبِطْيّةَ فقَالَ اصْدَعْهَا صِدْعَيْنِ فَاقْطَعَ أحَدَهُمَا قَمِيصاً وَاعْطِ الآخر امْرَأَتَكَ تَخْتَمِرْ بِهِ، فَلَمّا أدْبَرَ قالَ وَأْمُرْ امْرَأَتَكَ أنْ تَجْعَلَ تَحْتَهُ ثَوْباً لاَ يَصِفُهَا" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يَحْيَى بنُ أيّوبَ فقَالَ عَبّاسُ بنُ عُبَيْدِ الله بنِ عَبّاسٍ.
ـــــــ
"باب في لبس القباطي للنساء"
القباطي بفتح القاف وموحدة وكسر طاء مهملة وتحتية مشددة جمع قبطية وهي على ما في النهاية ثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء كأنه منسوب إلى القبط وهم أهل مصر وضم القاف من تغيير النسب، وهذا في الثياب، فأما في الناس فقبطي بالكسر. وفي المصباح والقبطي ثوب من كتان رقيق يعمل بمصر نسبة إلى القبط انتهى.
"عن دحية" يكسر الدال المهملة ويفتح وسكون الحاء المهملة فتحتية من كبار الصحابة شهد أحداً وما بعدها من المشاهد وهو الذي كان ينزل جبريل في صورته، روى عنه نفر من التابعين "أتى" بصيغة المجهول أي جيء "بقباطي" غير منصرف كأماني "فأعطاني منها قبطية" بضم القاف ويكسر "أصدعها" بفتح الدال المهملة أي شقها "صدعين" بفتح أوله مصدر وبكسره اسم، والمعنى إقطعها نصفين "تختمر به" أي بالآخر وهو مرفوع للاستئناف أو مجزوم جواباً للطلب كذا قوله لا يصفها "فلما أدبر" أي دحية، ففيه التفات أو نقل بالمعنى صلى الله عليه وسلم "وأمر" أمر من الأمر "لا يصفها" أي لا ينعتها ولا يبين لون بشرتها لكون ذلك القبطي رقيقاً. ولعل وجه تخصيصها بهذا اهتماماً بحالها ولأنها قد تسامح في لبسها بخلاف الرجل فإنه غالباً يلبس القميص فوق السراويل والإزار.
قال المنذري: في إسناده عبد الله بن لهيعة ولا يحتج بحديثه، وقد تابع ابن لهيعة على روايته هذه أبو العباس يحيى بن أيوب المصري وفيه مقال وقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري "رواه يحيى بن أيوب" المصري عن موسى بن جبير "فقال عباس بن عبيد الله بن عباس" أي مكان عبيد الله بن عباس.

(11/117)


39- باب في قدر الذيل :
4111 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن أبِي بَكْرٍ بنِ نَافِعٍ عن أبِيهِ عن صَفِيّةَ بِنْتِ أبِي عُبَيْدٍ أنّهَا أخْبَرَتْهُ: "أنّ أُمّ سَلَمَةَ زَوْجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ ذَكَرَ الإزَارَ: فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ تُرْخِي شِبْراً قالَتْ أُمّ سَلَمَةَ: إذاً يَنْكَشِفُ عَنْهَا. قالَ: فَذِرَاعٌ [فذراعا] لاَ يَزِيدُ عَلَيْهِ" .
4112- حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنا عِيسَى عن عُبَيْدِ الله عن نَافِعٍ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عن أُمّ سَلَمَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْحَدِيثِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابنُ إسْحَاقَ وَأَيّوبُ بنُ مُوسَى عن نَافِعٍ عن صَفِيّةَ.
4113 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن سُفْيَانَ أخْبَرَنِي زَيْدٌ العَمّيّ عن
ـــــــ
"باب في قدر الذيل"
"حين ذكر الإزار" أي ذم إسباله "فالمرأة يا رسول الله" عطف على الكلام المقدر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولعل المقدر قوله إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه أي فما تصنع المرأة أو فالمرأة ما حكمها؟ كذا قال القاري في المرقاة "قال ترخي" بضم أوله أي ترسل المرأة من ثوبها "شبراً" أي من نصف الساقين "قالت أم سلمة إذاً" بالتنوين "ينكشف" وفي بعض النسخ تنكشف أي القدم "عنها" أي المرأة إذا مشت "فذراع" أي فالقدر المأذون فيه ذراع وفي بعض النسخ فذراعاً أي فترخى ذراعاً "لا تزيد" أي المرأة "عليه" أي على قدر الذراع.
قال الطيبي: المراد به الذراع الشرعي إذ هو أقصر من العرفي.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"حدثنا إبراهيم بن موسى الخ" المقصود من هذه الرواية بيان الاختلاف على نافع، فروى أبو بكر عن نافع عن صفية عن أم سلمة كما في رواية الأولى، وروى عبيد الله عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة كما في هذه الرواية، وروى ابن إسحاق وأيوب بن موسى عن نافع عن صفية عن أم سلمة مثل رواية أبي بكر كما أشار إليه المؤلف بقوله قال أبو داوود الخ والحديث أخرجه النسائي من رواية يحيى بن أبي كثير عن نافع عن أم سلمة نفسها.
قال الحافظ وفيه اختلافات أخرى ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أبو داوود من رواية أبي الصديق عن ابن عمر انتهى. وحديث ابن عمر الذي أشار إليه الحافظ هو الحديث الآتي في الباب.
"أخبرني زيد العمي" بفتح العين وتشديد الميم "فزادهن شبراً" أي شبراً آخر فصار ذراعاً.

(11/118)


أبِي الصّدّيقٍ النَاجِيّ عن ابنِ عُمَرَ قال: "رَخّصَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأمّهَاتِ المُؤْمِنِينَ في الذّيْلِ شِبْراً ثُمّ اسْتَزَدْتَهُ فَزَادَهُنّ شِبْراً فَكُنّ يُرْسِلْنَ إلَيْنَا فَنَذْرَعُ لَهُنّ ذِرَاعاً" .
ـــــــ
قال الحافظ: أفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة "فنذرع لهن ذراعاً" وفي رواية ابن ماجه: فنذرع لهن بالقصب ذراعاً.
قال ابن رسلان: الظاهر أن المراد بالشبر والذراع أن يكون هذا القدر زائداً على قميص الرجل لا أنه زائد على الأرض انتهى.
وقال الحافظ في فتح الباري ما لفظه: إن للرجال حالين حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع، ويؤيد هذا التفصيل في حق النساء ما أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق معتمر عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة من عقبها وقال هذا ذيل المرأة.
وأخرجه أبو يعلى بلفظ شبر من ذيلها شبراً أو شبرين وقال لا تزدن على هذا ولم يسم فاطمة.
قال الطبراني: تفرد به معتمر عن حميد.
قال الحافظ وأوشك من الراوي، والذي جزم بالشبر هو المعتمد ويأيده ما أخرجه الترمذي من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة شبراً انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأخرجه النسائي من حديث ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وفي إسناد الحديثين زيد العمي وهو أبو الحواري زيد بن الحواري العمي البصري قاضي هراة لا يحتج بحديثه، وقيل له العمي لأنه كلما سئل عن شيء قال حتى أسأل عمي، والعمي أيضاً منسوب إلى العم بطن من بني تميم منهم غير واحد من الرواة، فأما أبو محمد عبد الرحمن بن محمود العمي فقيل له هذا لأنه كان يعرف بابن العم وهو من أهل مرو.

(11/119)


40 - باب في أهب الميتة :
4114 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ وَهْبُ بنُ بَيَانِ وَ عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ وَ ابنُ أبِي خَلَفٍ قَالُوا
ـــــــ
"باب في أهب الميتة"
بفتح الهمزة والهاء وبضمها لغتان جمع إهاب بكس الهمزة.
قال النووي: اختلف أهل اللغة في الأهاب، فقيل هو الجلد مطلقاً، وقيل هو الجلد قبل

(11/119)


أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ مُسَدّدٌ وَ وَهْبٌ عن مَيْمُونَةَ قَالَتْ: "أُهْدِيَ لِمَوْلاَةٍ لَنَا شَاةٌ مِنَ الصّدَقَةِ فَمَاتَتْ فَمَرّ بِهَا النّبيّ [رسول الله] صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ألاَ دَبَغْتُمْ إهَابَهَا فَاسْتَمْتَعْتُمْ [واستمعتم] [واستنفعتم] بِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ الله إنّهَا مَيْتَةٌ قالَ إنّمَا حُرّمَ أكْلُهَا" .
ـــــــ
الدباغ، قال يسمى إهاباً انتهى. وسيجيء عن النضر بن شميل أنه فأما بعده فلا يسمى إهاباً لم يدبغ فإذا دبغ لا يقال له إهاب.
"قال مسدد ووهب عن ميمونة" أي فالا في روايتهما عن ابن عباس عن ميمونة بزيادة واسطة ميمونة.
وأما عثمان وابن أبي خلف فلم يذكرا ميمونة "أهدي" بصيغة المجهول "ألا" هو للتحضيض "فاستمتعتم" أي استنفعتم "به" أي بإهابها "إنما حرم أكلها" يؤخذ منه جواز تخصيص الكتاب بالسنة لأن لفظ القرآن {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وهو شامل لجميع أجزائها في كل حال فخصت السنة ذلك بالأكل.
والحديث يدل على أن الدباغ مطهر لجلود الميتة. واختلف العلماء في المسئلة على سبعة مذاهب: أحدها مذهب الشافعي أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وغيره ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وروى هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.
والمذهب الثاني لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ وروى هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة رضي الله عنهم وهو أشهر الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين عن مالك.
والمذهب الثالث يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم ولا يطهر غيره وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهوية والمذهب الرابع يطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزيز وهو مذهب أبي حنيفة.
والمذهب الخامس يطهر الجميع إلا أنه يطهر ظاهر لا دون باطنه ويستعمل في اليابسات دون المائعات ويصلي عليه لا فيه، وهذا مذهب مالك المشهور في حكاية أصحابنا عنه. والمذهب السادس يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهراً وباطناً وهو مذهب داوود، وأهل الظاهر وحكى عن أبي يوسف. والمذهب السابع أنه ينتفع جلود الميتة وإن لم تدبغ ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات وهو مذهب الزهري وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا لا تفريع ولا التفات إليه. كذا في النووي في شرح مسلم.

(11/120)


4115- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَزِيدُ أخبرنا مَعْمرٌ عن الزّهْرِيّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرْ مَيْمُونَةَ قالَ فَقَالَ: "ألاَ انْتَفَعْتُمْ بِإهَابِهَا" ثُمّ ذَكَرَ مَعْنَاهُ لَمْ يَذْكُرِ الدّبَاغَ.
4116 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنُ فَارِسَ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ قالَ قالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ الزّهْرِيّ يُنْكِرُ الدّبَاغَ، وَيَقُولُ: يُسْتَمْتَعُ بِهِ عَلَى كُلّ حَالٍ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرِ الأوْزَاعِيّ، وَيُونُسُ، وَعُقَيْلٌ في حَدِيثِ الزّهْرِيّ الدّبَاغَ.
وَذَكَرَهُ الزّبَيْدِيّ، وَسَعِيدُ بنُ عبْدِ الْعَزِيزِ، وَحَفْصُ بنُ الْوَلِيدِ ذَكَرُوا الدّبَاغَ.
4117 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ وَعْلَةَ عن ابنِ عَبّاسِ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إذَا دُبِغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهُرَ" .
ـــــــ
قال المنذري: وحديث ميمونة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه، وحديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأخرجه مسلم من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس وفيه فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هلا أخذتم إهابها فد بغتموه الحديث انتهى.
"أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الحديث" أي المذكور "لم يذكر ميمونة" أي لم يذكر معمر في روايته ميمونة.
قال الحافظ في الفتح: الراجح عند الحافظ في حديث الزهري ليس فيه ميمونة. نعم أخرج مسلم والنسائي من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أن ميمونة أخبرته "لم يذكر الدباغ" أي لم يذكر معمر قوله ألا دبغتم إهابها.
"وكان الزهري ينكر الدباغ ويقول يستمتع به على كل حال" هذا هو المشهور من مذهب الزهري أنه يقول ينتفع بجلود الميتة على كل حال دبغت أو لم تدبغ، وتمسك بالرواية التي ليس فيها ذكر الدباغ، ويجاب بأنها مطلقة وجاءت الروايات الباقية ببيان الدباغ وأن دباغه طهوره.
"عن عبد الرحمن بن وعلة" بفتح الواو وسكون المهملة "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" بفتح الهاء وضمها والفتح أفصح قاله النووي. ولفظ الترمذي وغيره بهذا الوجه "أيما إهاب دبغ فقد طهر" والحديث دليل لمن قال إن الدباغ مطهر لجلد ميتة كل حيوان كما يفيده لفظ عموم كلمة "أيما" وكذلك لفظ "الإهاب" يشمل بعمومة جلد المأكول اللحم وغيره.
قال الخطابي: وزعم قوم أن جلد ما لا يؤكل لحمه لا يسمى إهاباً وذهبوا إلى أن الدباغ

(11/121)


4118- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ يَزِيدَ بنِ عَبْدَ الله بنِ قُسَيْطٍ عنْ مُحمّدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ ثَوْبَانَ عنْ أُمّهِ عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أمَرَ أنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ المَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ" .
4119- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ وَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالا أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عنِ الْحَسَنِ عنْ جَوْنِ بنِ قَتَادَةَ عنْ سَلَمَةَ بنِ المُحَبّقِ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أتَى عَلَى بَيْتٍ فَإذَا قِرْبَةٌ مُعَلّقَةٌ فَسَأَلَ المَاء فَقَالُوا يَا رَسُولَ الله إنّهَا مَيْتَةٌ فقَالَ [قال] دِبَاغُهَا طُهُورُهَا" .
ـــــــ
لا يعمل من الميتة إلا في جلد الجنس المأكول اللحم. ومما يدل على أن اسم الإهاب يتناول جلد ما لا يؤكل لحمه كتناوله جلد المأكول اللحم قول عائشة حين وصفت أباها وحقن الدماء في أهبها تريد به الناس، وقد قال ذو الرمة يصف كلبين:
لا يذخران من الإبغال باقية ... حتى يكاد تفرى عنهما الأهب
انتهى ملخصاً.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"قسيط" بالقاف والسين المهملة والتحتية والطاء المهملة مصغراً "أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت" هذا الحديث أيضاً يدل على أن جلود الميتة كلها طاهرة بعد الدباغ يحل الاستمتاع بها.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، وأم محمد بن عبد الرحمن لم تنسب ولم تسم.
"عن جون بن قتادة" يفتح الجيم وسكون الواو وبعدها نون "عن سلمة بن المحبق" ويجيء ضبط في كلام المنذري "فسأل" أي طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنها ميتة" المعنى أن القربة من جلد الميتة "فقال دباغها طهورها" أي طهارتها.
قال الخطابي في المعالم: هذا يدل على بطلان قول من زعم أن إهاب الميتة إذا مسه الماء بعد الدباغ ينجس ويبين أنه طاهر كطهارة المذكى وأنه إذا بسط وصلى عليه أو خرز منه خف فصلى فيه جاز انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وسئل أحمد بن حنبل عن جون بن قتادة فقال لا نعرف هذا آخر كلامه. وجون بفتح الجيم وسكون الواو بعدها نون. وسلمة بن المحبق له صحبة وهو هذلى سكن البصرة كنيته أبو سنان، واسم المحبق صخر وهو بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعدها باء موحدة وقاف وأصحاب الحديث يفتحون الباء

(11/122)


4120- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا [أنبأنا] ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌو يَعْنِي ابنَ الحَارِثِ عنْ كَثِيرِ بنِ فَرْقَدٍ عنْ [أن] عَبْدَ الله بنَ مَالِكٍ بنِ حُذَافَةَ حَدّثَهُ عنْ أُمّهِ الْعَالِيَةِ بِنْتِ سُبَيْعٍ أنّهَا قالَتْ: "كَانَ لِي غَنَمٌ بِأُحُدٍ فَوَقَعَ فِيهَا المَوْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا فَقالَتْ لِي مَيْمُونَةُ لَوْ أخَذْتُ جُلودَهَا فانْتَفَعْتِ بِهَا. فقَالَتْ أوَ يَحِلّ ذَلِكَ؟ قالَتْ نَعَمْ مَرّ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رِجَالٌ مِنْ قرَيْشٍ يَجُرّونَ شَاةً لَهمْ مِثْلَ الْحِمَارِ فقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَوْ أخَذْتُمْ إهَابَهَا قالُوا إنّهَا مَيْتَةٌ؟ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُطَهّرُهَا المَاءُ وَالْقَرَظُ" .
ـــــــ
ويقول بعض أهل اللغة هي مكسورة وإنما سماه أبو المحبق تفاؤلا بشجاعته أنه يضرط أعداءه.
"عن أمه العالية" بالجر بدل من أمه "فقالت أو يحل ذلك" الانتفاع بجلودها "مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال الخ" هذا تعليل لقولها نعم "مثل الحمار" أي مثل جره أو كونها ميتة منتفخة "يطهرها الماء والقرظ" بفتحتين.
قال الخطابي: القرظ شجر يدبغ به الأهب وهو لما فيه من العفوصة والقبض ينشف الملة ويذهب الرخاوة ويجفف الجلد ويصحله ويطيبه فكل شيء عَمِلَ عملَ القرظ كان حكمه في التطهير حكمه. وذكر الماء مع القرظ قد يحتمل أن يكون إنما أراد بذلك أن القرظ يختلط به حين يستعمل في الجلد ويحتمل أن يكون إنما أراد أن الجلد إذا خرج من الدباغ غسل بالماء حتى يزول عنه ما خالطه من وضر الدبغ ودرنه، وفيه حجة لمن ذهب إلى أن غير الماء لا يزيل النجاسة ولا يطهرها في حال من الأحوال انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديث ابن عكيم وكلام المنذري ثم قال:
وقال أبو الفرج بن الجوزي: حديث بن عكيم مضطرب جدا فلا يقاوم الأول واختلف مالك والفقهاء في حديث ابن عكيم وأحاديث الدباغ.

(11/123)


41- باب من روى أن لا يستنفع بإهاب الميتة :
4121 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن الْحَكَمِ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عنْ عَبْدِ الله بنِ عُكَيْمٍ قالَ: "قُرِىءَ غَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ
ـــــــ
"باب من روى أن لا يستنفع بإهاب الميتة"
"عن عبيد الله بن عكيم" بالتصغير "قال قرىء" بصيغة المجهول "أن لا تستمتعوا" أن

(11/123)


وَأَنَا غُلاَمٌ شَابّ أنْ لاَ تَسْتَمُتِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِاهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ" .
4122- حدثنا مُحمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قالَ أخبرنا الثّقَفِيّ عنْ خَالِدٍ عن الْحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ: أنّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ مَعَهُ إلَى عَبْدِ الله بنِ عُكَيْمٍ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ قالَ الْحَكَمُ: فَدَخَلُوا وَقَعَدْتُ عَلَى الْبَابِ فَخَرَجُوا إلَيّ فَأَخْبَرُونِي أنّ عَبْدَ الله بنَ عُكَيْمٍ أخْبَرَهُمْ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرَيْنِ لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبِ.
ـــــــ
مفسرة أو مخففة "بإهاب ولا عصب" بفتحتين هو إطناب مفاصل الحيوان، والحديث سكت عنه المنذري.
"رجل من جهينة" بالجر بدل من عبد الله بن عكيم "كتب إلى جهينة قبل موته" الضمير المجرور يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث تمسك به من ذهب إلى أنه لا ينتفع من الميتة بشيء سواء دبغ الجلد أو لم يدبغ وزعم أن هذا الحديث ناسخ لسائر الأحاديث وأجيب عن هذا الحديث بأجوبة فصلها العلامة الشوكاني في النيل وقال بعد تفصيلها: ومحصل الأجوبة على هذا الحديث الإرسال لعدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي صلى الله عليه وسلم ثم الانقطاع لعدم سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عبد الله بن عكيم ثم الاضطراب في سنده، فإنه تارة قال عن كتاب
ـــــــ
فطائفة قدمت أحاديث الدباغ عليه لصحتها وسلامتها من الاضطراب وطعنوا في حديث ابن عكيم بالاضطراب في إسناده.
وطائفة قدمت حديث ابن عكيم لتأخره وثقة رواته ورأو أن هذا الاضطراب لا يمنع الاحتجاج به.
وقد رواه شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبيد الله بن عكيم.
فالحديث محفوظ.
قالوا: ويؤيده: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن افتراش جلود السباع والنمور كما سيأتي.
وطائفة عمات بالاحاديث كلها ورأت أنه لا تعارض بينها فحديث ابن عكيم إنما فيه النهي عن الانتفاع بإهاب الميتة والإهاب هو الجلد الذي لم يدبغ كما قاله النضر بن شميل وقال الجوهري الإهاب الجلد ما لم يدبغ والجمع أهب وأحاديث الدباغ تدل على الاستمتاع بها بعد الدباغ فلا تنافي بينها.
وهذه الطريقة حسنة لولا أن قوله في الحديث ابن عكيم "كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا أتاكم كتابي فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" والذي كان رخص فيه هو المدبوغ بدليل حديث ميمونة.
وقد يجاب عن هذا من وجهين.

(11/124)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: قالَ النّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ يُسَمّى إهَاباً مَا لَمْ يُدْبَغْ فَإذَا دُبِغَ لاَ يُقَالُ لَهُ إهَابٌ إنّمَا يُسَمّى شَنّا [شن] وَقِرْبَةً.
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم وتارة عن مشيخة من جهينة وتارة عمن قرأ الكتاب، ثم الاضطراب في متنه فرواه الأكثر من غير تقييد ومنهم من رواه بتقييد شهر أو شهرين أو أربعين يوماً أو ثلاثة أيام، ثم الترجيح بالمعارضة بأن أحاديث الدباغ أصح، ثم القول بموجبه بأن الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ لا بعده، حمله على ذلك ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما انتهى.
وقال الحافظ في الفتح بعد ما تكلم على بعض الأجوبة وأقوى ما تمسك به من لم يأخذ بظاهر الحديث معارضة الأحاديث الصحيحة له وأنها عن سماع وهذا عن كتابة وأنها أصح مخارج وأقوى من ذلك الجمع بين الحديثين بحمل الإهاب على الجلد قبل الدباغ وأنه بعد الدباغ لا يسمى إهاباً إنما يسمى قربة وغير ذلك، وقد نقل ذلك عن أئمة اللغة كالنضر بن شميل انتهى. وقد وقع في نسخة بعد تمام الحديث. قال أبو داوود وإليه ذهب أحمد أي ذهب الأمام أحمد بن حنبل إلى ما يدل عليه حديث عبد الله بن عكيم من أنه لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب ولكن ثم ترك الحديث للاضطراب في الإسناد كما قال الترمذي ويجيء قول الترمذي في عبارة المنذري "إنما يسمى شنا" بفتح الشين المعجمة بعدها نون أي قربة خلقة.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي هذا حديث حسن ويروي عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ له هذا الحديث، وقال الترمذي أيضاً وسمعت أحمد بن الحسن يقول كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهر وكان يقول كان هذا آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده، وقال أبو بكر بن حازم الحافظ وقد حكى الخلال في كتابه أن أحمد توقف في حديث
ـــــــ
أحدهما: أن هذه الزيادة لم يذكرها أحد من أهل السنن في هذا الحديث وإنما ذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنتفعوا من الميتة – الحديث" وإنما ذكرها الدارقطني وقد رواه خالد الحذاء وشعبة عن الحكم فلم يذكرا "كنت رخصت لكم" فهذه اللفظة في ثبوتها شيء.
والوجه الثاني: أن الرخصة كانت مطلقة غير مقيدة بالدباغ وليس في حديث الزهري ذكر الدباغ ولهذا كان ينكره ويقول: "نستمتع بالجلد على كل حال" فهذا هو الذي نهى عنه أخيرا وأحاديث الدباغ قسم آخر لم يتناولها النهي وليست بناسخة وهذه أحسن الطرق.
ولا يعارض من ذلك نهية عن جلود السباع فإنه نهى عن ملابستها بالبس والافتراش كما نهى عن أكل لحومها لما في أكلها ولبس جلودها من المفسدة وهذا حكم ليس بمنسوخ ولا ناسخ أيضا وإنما هو حكم ابتدائي رافع لحكم الاستصحاب الأصلي وبهذه الطريقة تأتلف السنن وتستقر كل سنة منها في مستقرها وبالله التوفيق.

(11/125)


........................
ـــــــ
ابن عكيم لما رأى تزلزل الرواة فيه، وقال بعضهم رجع عنه. وقال أبو الفرج عبد الرحمن بن علي في الناسخ والمنسوخ تصنيفه وحديث ابن عكيم مضطرب جداً فلا يقاوم الأول لأنه في الصحيحين يعني حديث ميمونة وقال أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب السنن: أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دبغت حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة والله أعلم انتهى كلام المنذري.

(11/126)


42 - باب في جلود النمور والسباع :
4123- حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عنْ وَكِيعِ عنْ أبي المُعْتَمِرِ عن ابنِ سِيرينَ عنْ مُعَاوِيَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَرْكَبُوا الْخَزّ وَلا النّمارَ" .
قالَ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ لاَ يُتّهَمُ فِي حَدِيثٍ [الحديث عن] رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
4124 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا أبُو دَاوُدَ قال أخبرنا عِمْرَانَ عن قَتَادَةَ عن زُرَارَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا تَصْحَبُ المَلاَئِكَةُ رِفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ" .
ـــــــ
"باب في جلود النمور والسباع"
جمع نمر بفتح النون وكسر الميم ويجوز التخفيف بكسر النون وسكون الميم وهو سبع أجرأ وأخبث من الأسد وهو منقط الجلد نقط سود وبيض وفيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه ورائحة فمه طيبة بخلاف الأسد وبينه وبين الأسد عداوة وهو بعيد الوثبة فر بما وثب أربعين ذراعاً.
"لا تركبوا الخز ولا النمار" جمع نمر، والنمر ككتف وبالكسر سبع معروف جمعه أنمر وأنمار ونمار ونمارة ونمورة وإنما نهى عن استعمال جلوده لما فيها من الزينة والخيلاء ولأنه زي العجم، وعموم النهي شامل للمذكى وغيره والكلام على الخزّ تفسيراً وحكما قد تقدم.
قال في النهاية: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمار وفي رواية النمور أي جلود النمور وهي السباع المعروفة واحدها نمر إنما نهى عن استعمالها لما فيها من الزينة والخيلاء ولأنه زي الأعاجم أو لأن شعره لا يقبل الدباغ عند أحد الأئمة إذا كان غير زكي ولعل أكثر ما كانوا يأخذون جلود النمور إذا ماتت لأن اصطيادها عسير انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه ولفظه "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن ركوب النمور" .
"لا تصحب الملائكة رفقة" بضم الراء وكسرها جماعة ترافقهم في سفرك "فيها" أي في الرفقة والحديث فيه يكره اتّخاذ جلود النمور واستصحابها في السفر وإدخالها البيوت لأن

(11/126)


4125 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ بنِ سَعِيدِ الْحِمْصِيّ أخبرنا بَقِيّةُ عن بَحِيرٍ عن خَالِدٍ قالَ: وَفَدَ المِقْدَامُ بنُ مَعْدِيكَرِبَ وعَمْرُو بنُ الأسْوَدِ وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أسَدٍ مِنْ أهْلِ قِنّسْرِينَ إلَى مُعَاوِيَةَ بنِ أبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةَ لِلْمَقْدَامِ: أُعْلِمْتُ أنّ الْحَسَنَ بنَ عَلِيَ تُوُفّيَ فَرَجّعَ المِقْدَامُ، فقالَ لَهُ فُلاَنٌ [رجل]: أتَعُدّهَا [أتراها] مُصِيبَةً؟ فقالَ [قال] لَهُ:
ـــــــ
مفارقة الملائكة للرفقة التي فيها جلد نمر تدل على أنها لا تجامع جماعة أو منزلاً وجد فيه ذلك ولا يكون إلا لعدم جواز استعمالها كما ورد أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تصاوير، وجعل ذلك من أدلة تحريم التصاوير وجعلها في البيوت كذا في النيل.
قال المنذري: في إسناده أبو العوام عمران بن داور القطان وثقة عفان بن مسلم واستشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد، وداور آخره راء مهملة.
"وفد المقدام" أي قدم. قال في القاموس: وفد إليه وعليه يفد وفدا وقدم وورد انتهى. والمقدام بن معد يكرب هو ابن عمرو الكندي الصحابي المشهور نزل الشام "وعمرو بن الأسود" العنسى حمصي مخضرم ثقة عابد "ورجل من بني أسد من أهل قنسرين" بكسر القاف وفتح النون المشددة وكسر الراء المهملة كورة بالشام "إلى معاوية بن أبي سفيان" حين إمارته "أعلمت" بضم التاء على البناء للمفعول من الإعلام أي أخبرت أو بفتح التاء بصيغة المعلوم من الثلاثي المجرد وبهمزة الإستفهام "توفي" بصيغة المجهول أي مات وكان الحسن رضي الله عنه ولى الخلافة بعد قتل أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان مستحقاً للخلافة وبايعه أكثر من أربيعن ألفاً ثم جرى ما جرى بين الحسن بن علي وبين معاوية رضي الله عنهم وسار إليه معاوية من الشام إلى العراق، وسار هو إلى معاوية فلما تقاربا رأي الحسن رضي الله عنه الفتنة وأن الأمر عظيم تراق فيه الدماء ورأى اختلاف أهل العراق، وعلم الحسن رضي الله عنه أنه لن تغلب إحدى الطائفتين حتى يقتل أكثر الأخرى فأرسل إلى معاوية يسلم له أمر الخلافة وعاد إلى المدينة، فظهرت المعجزة في قوله صلى الله عليه وسلم "إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين" وأيّ شرف أعظم من شرف من سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيداً.
وكان وفاة الحسن رضي الله عنه مسموماً سمته زوجته جعدة بإشارة يزيد بن معاوية سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين أو بعدها وكانت مدة خلافته ستة أشهر وشيئا وعلى قول نحو ثمانية أشهر رضي الله تعالى عنه وعن جميع أهل البيت "فرجع" من الترجيع أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون "فقال له فلان" وفي بعض النسخ وقع رجل مكان فلان، والمراد بفلان هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، والمؤلف لم يصرح باسمه وهذا دأبه في مثل ذلك.
وقد أخرج أحمد في مسنده من طريق حيوة بن شريح حدثنا بقية حدثنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان قال وفد المقدام بن معد يكرب وفيه فقال له معاوية أيراها مصيبة الحديث

(11/127)


وَلِمَ لا أرَاهَا مُصِيبَةً وَقَدْ وَصَفَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في حِجرِهِ، فقال: هَذَا مِنّي وَحُسَيْنٌ مِنْ عَلِيَ، فقالَ الأَسَدِيّ: جَمْرَةٌ أطْفَأَهَا الله. قالَ فقالَ المِقْدَامُ: أمّا أنَا فَلاَ أبْرَحُ الْيَوْمَ حَتّى أُغَيّظَكَ وَأُسْمِعَكَ مَا تَكْرَهُ، ثُمّ قال: يَا مُعَاوِيَةُ إنْ أنَا صَدَقْتُ قَصَدّقْنِي، وَإِنْ أنَا كَذَبْتُ فكَذّبْنِي. قال: أَفْعَلُ. قال: فأَنْشُدُكَ بالله هَلْ سَمِعتَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن
ـــــــ
"أتعدها" وفي بعض النسخ أتراها أي أنعد يا أيها المقدام حادثة موت الحسن رضي الله تعالى عنه مصيبة والعجب كل العجب من معاوية فانه ما عرف قدر أهل البيت حتى قال ما قال، فإن موت الحسن بن علي رضي الله عنه من أعظم المصائب وجزى الله المقدام ورضي عنه فإنه ما سكت عن تكلم الحق حتى أظهره، وهكذا شأن المؤمن الكامل المخلص "فقال" أي المقدام "له" أي لذلك الفلان وهو معاوية رضي الله عنه "وقد وضعه" أي الحسن رضي الله عنه والواو للحال "فقال هذا" أي الحسن "منى وحسين من علي" أي الحسن يشبهني والحسين يشبه علياً، وكان الغالب على الحسن الحلم والأناة كالنبي صلى الله عليه وسلم وعلى الحسين الشدة كعلي. قاله في شرح الجامع الصغير.
"فقال الأسدي" أي طلباً لرضاء معاوية وتقرباً إليه "جمرة" قال في المصباح جمرة النار القطعة المتلهبة. وفي القاموس النار المتقدة "أطفأها الله" أي خمد الله تعالى تلك الجمرة وأماتها فلم يبق منها شيء ومعنى قوله والعياذ بالله أن حياة الحسن رضي الله عنه كانت فتنة فلما توفاه الله تعالى سكنت الفتنة، فاستعار من الجمرة بحياة الحسن ومن إطفائها بموته رضي الله عنه، وإنما قال الأسدي ذلك القول الشديد السخيف لأن معاوية رضي الله عنه كان يخاف على نفسه من زوال الخلافة عنه وخروج الحسن رضي الله عنه عليه وكذا خروج الحسين رضي الله عنه، ولذا خطب مرة فقال مخاطباً لابنه يزيد وإني لست أخاف عليك أن يناز عنك في هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال الأسدي ذلك القول ليرضى به معاوية ويفرح به "قال" خالد بن الوليد "فقال المقدام" مخاطباً لمعاوية "أما أنا" فلا أقول قولاً باطلاً الذي يسخط به الرب كما قال الأسدي طلباً للدنيا وتقرباً إليك ومريداً لرضاك بل أقول كلاماً صحيحاً وقولا حقاً "فلا أبرح" أي فلا أزال "اليوم حتى أغيظك" من باب التفعيل أي أغضبك وأسخطك "وأسمعك" من باب الأفعال "ما تكره" من القول فإني لا أبالي بسخطك وغضبك وإني جريء على إظهار الحق فأقول عندك ما هو الحق وإن كنت تكره وتغضب عليّ "ثم قال" المقدام "يا معاوية" اسمع مني ما أقول "إن أنا صدقت" في كلامي "فصدقني" فيه وهو أمر من التفعيل "وإن أنا كذبت" في كلامي "فكذبني" فيه "قال" معاوية "افعل" كذلك "فأنشدك بالله" أي أسألك به وأذكرك إياه

(11/128)


لُبْسِ الذّهَبِ؟ قال: نَعَمْ. قال: فأَنْشُدُكَ بالله هَلْ تَعْلَمُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن لُبْسِ الْحَرِيرِ؟ قال: نَعَمْ. قال: فأَنْشُدُكَ بالله هَلْ تَعْلَمُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ لُبْسِ جُلُودِ السّبَاعِ وَالرّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قال: نَعَمْ. قال: فَوَالله لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا كُلّهُ في بَيْتِكَ يَا مُعَاوِيَةُ، فقالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْكَ يَا مِقْدَامُ. قال خَالِدٌ: فأَمَرَ لَهُ مُعَاوِيَةَ بِمَا لَمْ يَأْمُرْ لِصَاحِبَيْهِ وَفَرَضَ لابْنِهِ في الْمِائَتَيْنِ فَفَرّقَهَا المِقْدَامُ عَلَى أصْحَابِهِ، قال: وَلَمْ يُعْطِ الأسَدِيّ أحَداً شَيْئاً مِمّا أخَذَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فقال: أمّا المِقْدَامُ فَرَجُلٌ كَرِيمٌ بَسَطَ يَدَهُ، وَأَمّا الأسَدِيّ فَرَجُلٌ حَسَنُ الإمْسَاكِ لِشَيْئِهِ.
4126 - حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ أنّ إِسْمَاعِيلَ بنَ إِبراهِيمَ وَ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ حَدّثَاهُمْ المَعْنَى عن سَعِيدِ بنِ أبِي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن أبي المَلِيحِ ابنِ أُسَامَةَ عن أبِيهِ
ـــــــ
"فوالله لقد رأيت هذا" المذكور من لبس الذهب والحرير ولبس جلود السباع والركوب عليها "كله" بالنصب تأكيد "في بيتك يا معاوية" فان أبناءك ومن تقدر عليه لا يحترزون عن استعمالها وأنت لا تنكر عليهم وتطعن في الحسن بن علي "أني لن أنجو منك" لأن كلامك حق صحيح "فأمر له" أي للمقدام من العطاء والإنعام "بما لم يأمر لصاحبيه" وهما عمرو بن الأسود والرجل الأسدي "وفرض لابنه" أي لابن المقدام "في المائتين" أي قدر هذا المقدار من بيت المال رزقاً له، وفي بعض النسخ في المئين فكان المائتين "ففرقها" من التفريق أي قسم العطية التي أعطاها معاوية على أصحابه وأعطاهم. والحديث يدل على النهي عن لبس الذهب والحرير، وقد تقدم أن النهي خاص بالرجال، وعلى النهي عن لبس جلود السباع والركوب عليها، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث.
وأخرج أيضاً أحمد في مسنده من طريق بقية عن المقدام بن معدى كرب قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب وعن مياثر النمور "لشيئه" هكذا في أكثر النسخ، أي حسن الإمساك لما له ومتاعه.
قال في المصباح: الشىء في اللغة عبارة عن كل موجود إما حسّاً كالأجسام أو حكماً كالأقوال نحو قلت شيئا وجمع الشيء أشياء. وفي بعض نسخ الكتاب حسن الأمساك كسبه فالكسب مفعول للامساك. قال في المجمع: من أطيب كسبكم أي من أطيب ما وجد بتوسط سعيكم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي مختصراً وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال انتهى.
قلت: وفي إسناد مسند أحمد صرح بقية بن الوليد بالتحديث.

(11/129)


"أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ جُلُودِ السّبَاعِ" .
ـــــــ
"نهى عن جلود السباع" قد استدل به على أن جلود السباع لا يجوز الانتفاع بها. وقد اختلف في حكمه النهي فقال البيهقي يحتمل أن النهي وقع لما يبقى عليها من الشعر لأن الدباغ لا يؤثر فيه. وقال غيره يحتمل أن النهي عما لم يدبغ منها لأجل النجاسة أو أن النهي لأجل أنها مراكب أهل السرف والخيلاء. قال الشوكاني ما محصلة: إن الاستدلال بحديث النهي عن جلود السباع وما في معناه على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع بناء على أنه مخصص للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم غير ظاهر لأن غاية ما فيه مجرد النهي عن الإنتفاع بها ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة كما لا ملازمة بين النهي عن الذهب والحرير ونجاستهما انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وزاد الترمذي أن تفترش وقال لا نعلم أحداً قال عن أبي المليح عن أبيه غير سعيد بن أبي عروبة. وأخرجه عن أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً وقال هذا أصح.

(11/130)


43 - باب في الانتعال [النعال] :
4127 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا ابنُ أبِي الزّنَادِ عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قالَ: كُنّا مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فقالَ: "أكْثِرُوا مِنَ النّعَالِ فإنّ الرّجُلَ لا يَزَالُ رَاكِباً مَا انْتَعَلَ" .
4128 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ: "أنّ نَعْلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَها قِبَالانِ" .
ـــــــ
"باب في الانتعال"
"أكثروا من النعال" وفي رواية مسلم استكثروا أي اتخذوا كثيراً "فإن الرجل لا يزال راكباً ما انتعل" أي ما دام الرجل لابس النعل يكون كالراكب. قال النووي معناه أنه شبيه بالراكب في خفة المشقة عليه وقلة تعبه وسلامة رجله ما يلقى في الطريق من خشونة وشوك وأذى، وفيه استحباب الاستظهار في السفر بالنعال وغيرها مما يحتاج إليه المسافر.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"أن نعل النبي صلى الله عليه وسلم كان لها قبالان" القبال بكسر القاف وتخفيف الموحدة وآخره لام هو الزمام وهو السير الذي يعقد فيه الشسع الذي يكون بين أصبعي الرجل والمعنى أنه كان لنعله زمامان يجعلان بين أصابع الرجلين والمراد بالإصبعين الوسطى والتي تليها. وقال الجزري:

(11/130)


4129- حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الرّحِيمِ أبُو يَحْيَى قال أنبأنا أبُو أحْمَدَ الزّبَيْرِيّ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَنْتَعِلَ الرّجُلُ قائماً" .
4130 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن أبِي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَمْشِي أحَدُكُم في النّعْلِ الْوَاحِدَةِ، لِيَتْنَعِلْهُمَا جَمِيعاً أوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيَعاً" .
4131 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أبُو الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أحَدِكُم فَلاَ يَمْشِي [يمش] في نَعْلٍ وَاحِدَةٍ
ـــــــ
كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيران يضع أحدهما بين إبهام رجله والتي تليها ويضع الآخر بين الوسطى والتى تليها ومجمع السيرين إلى السير الذي على وجه قدمه صلى الله عليه وسلم وهوالشراك. كذا في المرقاة. وفي الصحاح للجوهري: قبال النعل الزمام الذي يكون بين الأصبع الوسطى والتي تليها انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتعل الرجل قائماً" من باب الافتعال أي يلبس النعل. قال الخطابي: إنما نهى عن لبس النعل قائماً لأن لبسها قاعداً أسهل عليه وأمكن له وربما كان ذلك سبباً لانقلابه إذا لبسها قائماً فأمر بالقعود له والاستعانة باليد فيه ليأمن غائلته انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"لا يمشي أحدكم في النعل الواحدة" نفى بمعنى النهي، وفي رواية البخاري لا يمش "لينتعلهما جميعاً أو ليخلعهما جميعاً" أي ليلبسهما جميعاً أو لينتزعهما جميعاً. قال الحافظ في الفتح قال الخطابي: الحكمة في النهي أن النعل شرعت وقاية الرجل عما يكون في الأرض من شوك أو نحوه فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى لأخرى فيخرج بذلك عن سجية مشيه ولا يأمن مع ذلك من العثار. وقيل لأنه لم يعدل بين جوارحه وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي أو ضعفه. وقال البيهقي: الكراهة فيه للشهرة فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه. وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس فكل شيء صير صاحبه سهرة فحقه أن يجتنب انتهى باختصار. قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"إذا انقطع شسع أحدكم" بكسر معجمة وسكون مهملة. قال في النهاية: هو أحد سيور النعل وهو الذي يدخل بين الإصبعين ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود

(11/131)


[واحد] حَتّى يُصْلِحَ شِسْعَةُ وَلا يَمْشِي [يمش] في خُفَ وَاحِدٍ وَلا يَأْكُلْ بِشِمَالِهِ" .
4132 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا صَفْوَانُ بنُ عِيسَى أخبرنا عَبْدُ الله بنُ هَارونَ عن زِيَادِ بنِ سَعْدٍ عن أبِي نَهِيكٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "مِنَ السّنّةِ إذَا جَلَسَ الرّجُلُ أنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ فَيَضَعَهُمَا بِجَنْبِهِ" .
4133 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن أبِي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا انْتَعَلَ أحَدُكُم فَلْيَبْدَأْ بالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بالشّمَالِ، وَلْتَكُنِ الْيَمِينُ أوّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ" .
ـــــــ
في الزمام، والزمام السير الذي يعقد فيه الشسع "فلا يمشي" وفي بعض النسخ فلا يمش، وكذا اختلف النسخ في الفعلين الآتيين، ففي بعضها بالنفي وفي بعضها بالنهي "حتى يصلح شسعه" قال الطيبي ومعنى حتى إنه لا يمشي في نعل واحدة إذا قطع شسع نعله الأخرى حتى يصلح شسعه فيمشي بالنعلين انتهى. قال الحافظ ما محصله: إن الحديث لا مفهوم له حتى يدل على الإذن في غير هذه الصورة وإنما هو تصوير خرج مخرج الغالب، ويمكن أن يكون من مفهوم الموافقة وهو التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا منع مع الاحتجاج فمع عدم الاحتجاج أولى قال وهو دال على ضعف ما أخرجه الترمذي عن عائشة قالت "ربما انقطع شسع نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى في النعل الواحدة حتى يصلحها" وقد رجح البخاري وغير واحد وقفه على عائشة. وقال وقد ورد عن علي وابن عمر أيضاً أنهما فعلا ذلك وهو إما أن يكون بلغهما النهي فحملاه على التنزيه أو كان زمن فعلهما يسيرا بحيث يؤمن معه المحذور، أو لم يبلغهما النهي انتهى "ولا يمشي في خف واحد" قد ألحق بعضهم بالمشي في النعل الواحدة والخف الواحد إخراج أحد اليدين من الكم وإلقاء الرداء على أحد المنكبين والله تعالى أعلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"من السنة" خبر مقدم "إذا جلس الرجل" ظرف للمبتدأ وهو قوله "أن يخلع نعليه فيضعهما بجنبه" أي الأيسر تعظيماً للأيمن، ولا يضع قدامه تعظيماً للقبلة ولا وراءه خوفاً من السرقة، كذا قال القاري. قال المنذري: أبو نهيك لا يعرف اسمه سمع من عبد الله بن عباس وأبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري، روى عنه قتادة بن دعامة وزياد بن سعد والحسين بن واقد وهو بفتح النون وكسر الهاء وسكون الياء وبعدها كاف.
"إذا انتعل أحدكم" أي أراد لبس النعل "فليبدأ باليمين وإذا نزع فليبدأ بالشمال" قال الحافظ: نقل عياض وغيره الإجماع على أن الأمر فيه للاستحباب "ولتكن اليمين أولهما تنعل وآخرهما تنزع" الفعلان مبنيان للمفعول. قال الحافظ: زعم ابن وضاح فيما حكاه ابن التين أن

(11/132)


4134 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ وَ مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن الأشْعَثِ بنِ سُلَيْمٍ عن أبِيهِ عن مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُحِبّ التّيْمّنَ مَا اسْتَطَاعَ في شَأْنِهِ كُلّهِ في طُهُورِهِ وَتَرَجّلِهِ وَنَعْلِهِ" .
قالَ مُسْلِمٌ: وَسِوَاكِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ في شَأْنِهِ كُلّهِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عن شُعْبَةُ مُعَاذٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ "سِوَاكَهُ".
ـــــــ
هذا القدر مدرج وأن المرفوع انتهى عند قوله بالشمال وضبط أولهما وآخرهما بالنصب على أنه خبر كان أو على الحال والخبر تنعل وتنزع، وضبطاً بمثناتين فوقاً نيتين وتحتانيتين مذكرين باعتبار النعل والخلع انتهى.
قال الخطابي: الحذاء كرامة للرجل حيث أنه وقاية من الأذى، وإذا كانت اليمنى أفضل من اليسرى استحب التبدئة بها في لبس النعل والتأخير في نزعه ليتوفر بدوام لبسها حظها من الكرامة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي. وأخرج مسلم من حديث محمد بن زياد الجمحى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا خلع فليبدأ بالشمال" وأخرجه ابن ماجه بنحوه.
"يحب التيمن" أي الشروع باليمين، قيل لأنه كان يحب الفال الحسن إذ أصحاب اليمين أهل الجنة "ما استطاع" فيه إشارة إلى شدة المحافظة على التيمن "في شأنه" أي أمره "كله" بالجر تأكيد "وترجله" أي ترجيل شعره وهو تسريحه ودهنه. قال في المشارق: رجل شعره إذا مشطه بماء أو دهن ليلين ويرسل الثائر ويمد المنقبض قاله الحافظ "ونعله" أي لبس نعله "قال مسلم وسواكه" ولم يذكر في شأن كله أي زاد مسلم بن إبراهيم في روايته لفظ وسواكه ولم يذكر قوله "في شأنه كله".
قال النووي: هذه قاعدة مستمرة في الشرع هي أن ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه، وأما ما كان بضده كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها والله أعلم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(11/133)


4135 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا الأعمَشُ عنْ أبِي صَالِحٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضّأْتُمْ فَابْدَأُوا بأَيَامِنِكُمْ [بميامنكم]" .
ـــــــ
"فابدأوا بأيامنكم" وفي بعض النسخ بميامنكم. والحديث فيه دليل على البداءة بالميامن عند لبس الثياب والوضوء.
قال النووي: أجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة لو خالفها فاته الفضل وصح وضوءه. وقالت الشيعة: هو واجب ولا اعتداد بخلاف الشيعة. قال ثم أعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يستجب فيه التيامن وهو الأذنان والكفان والخدان بل يطهران دفعة فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي وقد روى غير واحد هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد عن أبي هريرة موقوفاً فلا نعلم أحداً رفعه غير عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة.

(11/134)


44- باب في الفرش :
4136- حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ الْهَمَدَانِيّ الرّمْلِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عنْ أَبي هَانِىء عنْ أبي عَبْدِ الرّحْمَنِ الحُبُلِيّ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قالَ: "ذَكَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْفُرُشَ فَقَالَ فِرَاشٌ لِلرّجُلِ وَفِرَاشٌ لِلْمَرْأَةِ وَفِرَاشٌ لِلضّيْفِ وَالرّابعُ لِلشّيْطَانِ" .
ـــــــ
"باب في الفرش"
بضمتين جمع فراش
"فراش للرجل" أي فراش واحد كاف للرجل "والرابع للشيطان" قال النووي: معناه أن ما زاد على الحاجة فاتخاذه إنما هو للمباهاة والالتهاء بزينة الدنيا، وما كان بهذه الصفة فهو مذموم وكل مذموم يضاف إلى الشيطان لأنه يرتضيه ويحسنه وقيل إنه على ظاهره وأنه إذا كان لغير حاجة كان للشيطان عليه مبيت ومقيل. وأما تعديد الفراش للزوج والزوجة فلا بأس به لأنه قد يحتاج كل واحد منهما إلى فراش عند المرض ونحوه وغير ذلك. واستدل بعضهم بهذا على أنه لا يلزمه النوم مع امرأته وأن له الانفراد عنها بفراش، والاستدلال به في هذا ضعيف لأن المراد بهذا وقت الحاجة بالمرض وغيره وإن كان النوم مع الزوجة ليس واجباً لكنه بدليل آخر والصواب في النوم مع الزوجة أنه إذا لم يكن لواحد منهما عذر في الانفراد فاجتماعهما في

(11/134)


4137- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا وَكِيعٌ ح وَأخبرنا عَبْدُ الله بنُ الْجَرّاحِ عنْ وَكِيعٍ عنْ إسْرَائِيلَ عنْ سِمَاكٍ عنْ جَابِرٍ بنِ سَمُرَةَ قالَ: "دَخَلْتُ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهِ فَرَأَيْتُهُ مُتّكِئاً عَلَى وِسَادَةٍ زَادَ ابنُ الْجَرّاحِ: عَلَى يَسَارِهِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ عنْ إسْرَائِيلَ أيْضاً: "عَلَى يَسَارِهِ".
4138- حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عنْ وَكِيعٍ عنْ إسْحَاقَ بنِ سَعِيدٍ ابن عَمْرٍو الْقُرَشِيّ عنْ أبِيهِ عن ابنِ عُمَرَ: أنّهُ رَأَى رُفْقَةً مِنْ أهْلِ الْيَمَنِ رِحَالُهُمْ الأدَمُ فقَالَ مَنْ أحَبّ أنْ يَنْظُرَ إلَى أشْبَهِ رُفْقِةٍ كَانُوا بِأَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَلْيَنْظُرْ إلَى هَؤلاَءِ.
ـــــــ
فرش واحد أفضل وهو ظاهر فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي واظب عليه مع مواظبته صلى الله عليه وسلم على قيام النيل فينام معها، فإذا أراد القيام لوظيفته قام وتركها فيجمع بين وظيفته وقضاء حقها المندوب وعشرتها بالمعروف، لاسيما إن عرف من حالها حرصها على هذا، ثم إنه لا يلزم من النوم معها الجماع انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"فرأيته متكئاً على وسادة" بكسر الواو "زاد ابن الجراح على يساره أي" زاد عبد الله بن الجراح في روايته لفظ على يساره بعد قوله على وسادة وتابعه على ذلك إسحاق بن منصور. قال لمزي في الأطراف: حديث إسرائيل بن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي عن سماك عن جابر بن سمرة قال: "دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته فرأيته متكئاً على وسادة" أخرجه أبو داوود في اللباس عن أحمد بن حنبل وعبد الله بن الجراح، وأخرجه الترمذي في الاستئذان عن يوسف بن عيسى ثلاثتهم عن وكيع وعن عباس بن محمد الدوري عن إسحاق بن منصور كلاهما عن إسرائيل به وفي حديث إسحاق على يساره. قال الترمذي هكذا روى غير واحد عن إسرائيل نحو رواية وكيع ولا نعلم أحداً ذكر فيه عن يساره إلا ما روى إسحاق بن منصور عن إسرائيل انتهى كلام المزي.
"أنه رأى رفقة" بضم الراء وكسرها جماعة ترافقك في السفر "رحالهم" قال في الصحاح: رحل البعير هو أصغر من القتب والجمع الرحال انتهى. وفي الفارسية بالان شتر "الآدم" بفتحتين جمع أديم بمعنى الجلد المدبوغ "من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقه" بضم الراء وكسرها أي إلى رفقة هم أشبه "كانوا" لفظ كانوا زائدة كما في قول الشاعر:
جياد ابني أبي بكر تسامى ... على كان المسوّمة العراب
"بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" متعلق بأشبه فهؤلاء الرفقة هم أشبه بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالهم "فلينظر إلى هؤلاء" أي إلى الرفقة الذين هم من أهل اليمن الذين رآهم ابن عمر

(11/135)


4139 - حدثنا ابنُ السّرْحِ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ المُنْكَدِرِ عنْ جَابِرٍ قالَ: "قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أتّخَذْتُمْ أنْمَاطاً؟ قُلْتُ وَأَنّي لَنَا الأنْمَاطُ؟ فقالَ أمَا إنّهَا سَتَكُونُ لَكُم أنْمَاطٌ" .
4140 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ قالا خبرنا أبو مُعاويَةَ عن هِشامِ بن عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن عائشةَ قالتْ: "كَانَ وسَادَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ ابنُ مَنِيعٍ الّذِي [التي] يَنَامُ عَلَيْهِ [عليها] باللّيْلِ، ثُمّ اتّفَقَا: مِنْ أدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ" .
4141- حدثنا أبو توبة حدثنا سليمان يعني بن حيان عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كانت ضجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من آدم حشوها ليف" .
ـــــــ
رضي الله عنه، ويجوز أن لا تكون زائدة فالمعنى من أحب أن ينظر إلى رفقة كانوا هم أشبه بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هؤلاء كذا قاله بعض الأماجد في تعليقات السن والله أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.
"اتخذتم" بفتح الهمزة حذف منه همزة الوصل استغناء بهمزة الاستفهام "أنماطاً" بفتح الهمزة جمع نمط بفتح النون والميم وهو ظهارة الفراش وقيل ظهر الفراش ويطلق أيضاً على بساط لطيف له خمل يجعل على الهودج وقد يجعل ستراً، والمراد في الحديث هو النوع الأول "فقال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما" بالتخفيف للتنبيه "إنها" الضمير للقصة "ستكون" تامة. قال النووي: وفي الحديث جواز اتخاذ الأنماط إذا لم تكن من حرير فيه معجزة ظاهرة بإخبار بها وكانت كما أخبر انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
وفي لفظ لمسلم قال جابر: "وعند امرأتي نمط فأنا أقول نحيه عني وتقول فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها ستكون" ، وفي البخاري والترمذي نحوه.
"كان وسادة رسول الله صلى الله عليه وسلم" الوسادة بكسر الواو المتكأ والمخدة "الذي ينام عليه بالليل" أي يتوسد عليه عند النوم، وفي بعض النسخ التي ينام عليها وهو الظاهر "من أدم حشوها ليف" في القاموس: ليف النخل الكسر معروف انتهى. وفي الصراح ليف بوست درخت خرما.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي بمعناه.
"كان ضجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم" بكسر الضاد للمعجمة من اضطجاع وهو النوم كالجلسة من الجلوس وبفتحها المرة وأراد ما كان يضطجع به فحذف مضاف أي كانت ذات ضجعته. كذا في المجمع.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه بنحوه.

(11/136)


4142 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا خَالِدٌ الْحَذّاءُ عنْ أبِي قِلاَبَةَ عنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ عنْ أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: كَانَ فِرَاشُهَا حِيَالَ مَسْجِدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"حيال مسجد النبي صلى الله عليه وسلم" بكسر مهملة وفتح تحتية خفيفة أي بجنب مصلاه.
وأحاديث الباب تدل على جواز اتخاذ الفرش والوسائد والنوم عليها والارتفاق بها وجواز المحشو وجواز اتخاذ ذلك من الجلود والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وقال عن أم سلمة.

(11/137)


45 - باب في اتخاذ الستور :
4143- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ نُمَيْرٍ أخبرنا فَضَيْلُ بنُ غَزْوَانَ عن نَافِعٍ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أتَى فَاطِمَةَ فَوَجَدَ عَلَى بَابِهَا سِتْراً فَلَمْ يَدْخُلْ - قَالَ وَقَلّ ما كانَ يَدْخُلُ إلاّ بَدَأَ بِهَا - فَجَاءَ عَلِيّ فَرَآهَا مُهْتَمّةً فقالَ مَالَكٍ؟ قالَتْ جَاءَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلَيّ فَلَمْ يَدْخُلْ. فَأَتَاهُ عَلِيّ فقالَ يَا رَسُولَ الله إنّ فَاطِمَةَ اشْتَدّ عَلَيْهَا أنّكَ جِئْتَها فَلَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهَا؟ قالَ وَما أنَا وَالدّنْيَا وَمَا أنَا والرّقْمُ، فَذَهَبَ إلَى فَاطِمَةَ وَأخْبَرَهَا [فأخبرها] بِقَوْلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَتْ قُلْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَا تَأْمُرُنِي [يأمرني] بِهِ، قَالَ قُلَ لَهَا فَلْتُرْسِلْ بِهِ إلَى بَنِي فُلاَنٍ" .
ـــــــ
"باب في اتخاذ الستور"
جمع ستر بكسر السين
"فوجد على بابها ستراً" أي موشياً كما في الرواية الآتية "إلا بدأ بها" أي بفاطمة "فرآها مهتمة" أي ذات هم "أنك جئتها فلم تدخل عليها" في محل الرفع فاعل لاشتد "وما أنا والدنيا" أي ليس لي ألفة مع الدنيا ولا للدنيا ألفة ومحبة معي حتى أرغب إليها وأبسط عليها أو استفهامية أي أي ألفة ومحبة مع الدنيا "وما أنا والرقم" بفتح فسكون النقش والوشى.
قال الخطابي: أصل الرقم الكتابة قال الشاعر:
سأرقم في الماء القراح إليكم ... على بعدكم إن كان للماء راقم
"ما تأمرني به" أي بذلك الستر أي ما أفعل به "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "قل" أي يا علي "لها" أي لفاطمة "فلترسل به إلى بني فلان" يكونون فقراء وذوي الحاجة إلى لبسه. والحديث سكت عنه المنذري.

(11/37)


باب ماجاء في الصليب في الثوب
...
46 - باب ما جاء في الصليب في الثوب :
4145 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا أبَانٌ أخبرنا يَحْيَى أخبرنا عِمْرَانُ بنُ حِطّانَ عنْ عَائِشَةَ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كان لاَ يَتْرُكُ في بَيْتِهِ شَيْئاً فِيهِ تَصْلِيبٌ إلاّ قَضَبَهُ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في الصليب في الثوب"
أي صورة الصليب فيه والصليب بفتح الصاد وكسر اللام هو الذي للنصارى وصورته أن توضع خشبة على أخرى على صورة التقاطع يحدث منه المثلثان على صورة المصلوب، وأصله أن النصارى يزعمون أن اليهود صلبوا عيسى عليه السلام فحفظوا هذا الشكل تذكراً لتلك الصورة الغريبة الفظيعة وتحسراً عليها وعبدوه وفي الصراح الصليب جليباى ترسايان.
"أخبرنا عمران بن حطان" بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين "فيه تصليب" وفي رواية البخاري تصاليب.
قال الحافظ: وفي رواية الكشميهني تصاوير تصاليب. قال ورواية الجماعة أثبت فقد أخرجه النسائي من وجه آخر عن هشام فقال تصاليب وكذا أخرجه أبو داوود من رواية أبان عن يحيى انتهى.
والمراد من تصليب ما فيه صورة الصليب وقيل بل المراد مطلق التصوير كما في رواية والله تعالى أعلم "إلا قضبه" بالقاف والضاد المعجمة والموحدة أي قطعه وأزاله، وفي رواية البخاري نقضه مكان قضبه.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(11/138)


47 - باب في الصور :
4146- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ عَلِيّ بنِ مُدْرِكٍ عن أبي زُرْعَةَ
ـــــــ
"باب في الصور"
بضم الصاد المهملة وفتح الواو جمع الصورة.

(11/138)