Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

المجلد الثاني عشر
أول كتاب الحدود
باب الحكم فيمن ارتد
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الحدود :
1- باب الحكم فيمن ارتد
4341- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ بنِ حَنْبَلٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبراهِيمَ أنبأنا أيّوبُ عن عِكْرِمَةَ: "أنّ عَلِيّا أحْرَقَ نَاساً ارْتَدّوا عن الإسْلاَمِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابنَ عَبّاسٍ فقالَ: لَمْ أكُنْ لأحْرِقَهُمْ بالنّارِ، إنّ [لأن] رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: لا تُعَذّبُوا بِعَذَابِ الله وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ [لقول] رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ بَدّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيّا فقالَ: وَيْحَ ابنَ عَبّاسٍ [أم ابن عباس - ابن أم عباس]" .
ـــــــ
"أول كتاب الحدود"
جمع حد وهو الحاجز بين الشيئين يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، وحد الزنا والخمر سمي به لكونه مانعاً لمتعاطيه عن معاودة مثله مانعاً لغيره أن يسلك مسلكه. قاله القسطلاني.
"باب الحكم فيمن ارتد"
"أن علياً" هو ابن أبي طالب "أحرق ناساً ارتدوا عن الإسلام" وعند الاسماعيلي من حديث عكرمة أن علياً أتى بقوم قد ارتدوا عن الإسلام أو قال بزنادقة ومعهم كتب لهم فأمر بنار فأنضجت ورماهم فيها "فبلغ ذلك" أي الإحراق ابن عباس وكان حينئذ أميراً على البصرة من قبل علي رضي الله عنه. قاله الحافظ "وكنت" عطف على لم أكن "قاتلهم" أي المرتدين عن الإسلام "فبلغ ذلك" أي قول ابن عباس رضي الله عنه "فقال" أي علي رضي الله عنه "ويح ابن عباس" وفي بعض النسخ أم ابن عباس بزيادة لفظ أم، وفي نسخة ابن أم عباس بزيادة لفظ أم بين لفظ ابن وعباس، والظاهر أنه سهو من الكاتب. قال الحافظ في الفتح: زاد إسماعيل بن علية في روايته فبلغ ذلك علياً فقال ويح أم ابن عباس، كذا عند أبي داوود، وعند الدارقطني بحذف أم وهو محتمل أنه لم يرض بما اعترض به ورأى أن النهي للتنزيه، وهذا بناء على تفسير ويح بأنها كلمة رحمة فتوجع له لكونه حمل النهي على ظاهره فاعتقد التحريم مطلقاً فأنكر، ويحتمل أن يكون قالها رضاً بما قال، وأنه حفظ ما نسيه بناء على أحد ما قيل في تفسير ويح إنها

(12/3)


4342- حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا أَبو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ عن عَبْدِ الله بنِ مُرّةَ عن مَسْرُوقٍ عن عَبْدِ الله قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أن لا إلَهَ إلاّ الله وَأَنّي رَسُولُ الله إلاّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثّيّبُ الزّانِي، وَالنّفْسُ بالنّفْسِ، وَالتّارِكُ لِدينِهِ، المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ [الجماعة]" .
ـــــــ
تقال بمعنى المدح والتعجب كما حكاه في النهاية، وكأنه أخذه من قول الخليل هي في موضع رأفة واستملاح كقولك للصبي ويحه ما أحسنه انتهى.
وقال القاري: وأكثر أهل العلم على أن هذا القول ورد مورد المدح والإعجاب بقوله، وينصره ما جاء في رواية أخرى عن شرح السنة فبلغ ذلك علياً فقال صدق ابن عباس انتهى.
وقال الخطابي: لفظه لفظ الدعاء عليه، ومعناه المدح له والإعجاب بقوله، وهذا كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبي بصير: ويل أمه مسعر حرب انتهى.
والحديث استدل به على قتل المرتدة كالمرتد، وخصه الحنفية بالذكر وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء، وحمل الجمهور النهي على الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال ولا القتل لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى المرأة مقتولة ما كانت هذه لتقاتل ثم نهى عن قتل النساء وقد وقع في حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها" وسنده حسن، وهو نص في موضع النزاع فيجب المصير إليه كذا في فتح الباري.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً.
"عن عبد الله" هو ابن مسعود رضي الله عنه "دم رجل" أي إراقته، والمراد برجل الإنسان فإن الحكم شامل للرجال والنسوان "مسلم" هو صفة مقيدة لرجل "يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" قال الطيبي: الظاهر أن يشهد حال جيء بها مقيدة للموصوف مع صفته إشعاراً بأن الشهادتين هما العمدة في حقن الدم، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة كيف تصنع بلا إله إلا الله "إلا بإحدى ثلاث" أي خصال ثلاث "الثيب الزاني" أي زنا الثيب الزاني، والمراد بالثيب المحصن وهو الحر المكلف الذي أصاب في نكاح صحيح ثم زنى فإن للإمام رجمه.
قال النووي: فيه إثبات قتل الزاني المحصن، والمراد رجمه بالحجارة حتى يموت وهذا بإجماع المسلمين "والنفس بالنفس" أي قتل النفس بالنفس. قال النووي: المراد به القصاص بشرطه وقد يستدل به أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه في قولهم يقتل المسلم بالذمي ويقتل الحر بالعبد، وجمهور العلماء على خلافه، منهم مالك والشافعي والليث وأحمد انتهى "التارك

(12/4)


4343- حدثنا مُحمّدُ بنُ سِنَانٍ الْبَاهِلِيّ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عن عبْدِ الْعَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ عن عَائِشَةَ قالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أن لا إلَه إلاّ الله وَأَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله إلاّ في إحْدَى [بإحدى] ثَلاَثٍ: رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ فإنّهُ يُرْجَمُ، وَرَجُلٌ خَرَجَ مُحَارِباً بالله [لله] وَرَسُولِهِ فإنّهُ يُقْتَلُ أوْ يُصَلّبُ أوْ يُنْفَى مِنَ الأرْضِ، أوْ يَقْتُلُ نَفْساً فَيُقْتَلُ بِهَا" .
ـــــــ
لدينه المفارق للجماعة " أي الذي ترك جماعة المسلمين وخرج من جملتهم وانفرد عن أمرهم بالردة. فقوله: المفارق للجماعة صفة مؤكدة للتارك لدينه. قال النووي: هو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام. قال العلماء: ويتناول أيضاً كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما، وكذا الخوارج. واعلم أن هذا عام يخص منه الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع. وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله قصداً إلا في هؤلاء الثلاثة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"لا يحل دم امرىء" أي إراقة دم شخص "يشهد" الظاهر أنه صفة كاشفة لامرىء.
وقال الطيبي: صفة مميزة لا كاشفة يعني إظهاره الشهادتين كاف في حقن دمه "إلا في إحدى ثلاث" أي خصال "رجل زنى بعد إحصان" أي زنا رجل زان محصن "فإنه يرجم" أي يقتل يرجم الحجارة "ورجل" أي وخروج رجل "خرج" أي على المسلمين حال كونه "محارباً بالله" الباء زائدة في المفعول كقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} والمراد به قاطع الطريق أو الباغي قاله القاري، وفي بعض النسخ محارباً بالله باللام "فإنه يقتل" أي إن قتل نفساً بلا أخذ مال. كذا قيده القاري. فعلى هذا أو للتفصيل، وإذا جعل أو للتخيير فلا حاجة إلى هذا القيد كما هو مذهب ابن عباس رضي الله عنه وغيره "أو يصلب" أي حياً ويطعن حياً حتى يموت، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: ومن تبعه إنه يقتل ويصلب نكالاً لغيره إن قتل وأخذ المال "أو ينفى من الأرض" أي يخرج من البلد إلى البلد لا يزال يطالب وهو هارب وعليه الشافعي، وقيل: ينفى من بلده ويحبس حتى تظهر توبته، وهذا مختار ابن جرير. قال القاري: بعد ذكر هذا والصحيح من مذهبنا أنه يحبس إن لم يزد على الإخافة، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وكان الظاهر أن يقال أو تقطع يده ورجله من خلاف قبل قوله أو ينفى من الأرض، ليكون الحديث على طبق الآية مستوعباً، ولعل حذفه وقع من الراوي نسياناً أو اختصاراً: قال وأو في الآية والحديث على ما قررناه للتفصيل، وقيل إنه للتخيير، والإمام مخير

(12/5)


4344- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَ مُسَدّدٌ قالا أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قالَ مُسَدّدٌ أخبرنا قُرّةُ بنُ خَالِدٍ [قال مسدد عن قرة وقال أحمد قال أخبرنا قرة بن خالد] أخبرنا حُمَيْدُ ابنُ هِلاَلٍ أخبرنا أبُو بُرْدَةَ قالَ: قالَ أبُو مُوسَى "أقْبَلْتُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَمَعِي رَجُلاَنِ مِنَ الأشْعَرِيّينَ أحَدُهُمَا عنْ يَمِينِي والآخر عنْ يَسَارِي، فكِلاَهُمَا سَأَلاَ [سأل] الْعَمَلَ وَالنّبيّ صلى الله عليه وسلم سَاكِتٌ، فقالَ: مَا تَقُولُ يَا أبَا مُوسَى أوْ يَا عَبْدَ الله بنَ قَيْسِ؟ قُلْتُ: وَالّذِي بَعَثَكَ بالْحَقّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا في أنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أنّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ. قالَ: وَكَأَنّي أنْظُرُ إلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ. قالَ: لَنْ نَسْتَعْمِلَ أوْ لا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أرَادَهُ، وَلَكِن اذْهَبْ أنْتَ يَا أبَا مُوسَى، أوْ يَا عَبْدَ الله بنَ قَيْسٍ، فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمّ أتْبَعَهُ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ. قالَ: فَلمّا قَدِمَ عَلَيْهِ مُعَاذٌ قالَ: انْزِلْ وَأَلْقَى لَهُ
ـــــــ
بين هذه العقوبات الأربعة في كل قاطع. وروى ابن جرير هذا القول عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري والنخعي والضحاك "ويقتل نفساً" بصيغة الفاعل، وأو بمعنى الواو عطفاً على رجل خرج والتقدير قتل رجل نفساً "فيقتل بها" بصيغة المجهول.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"قال أبو موسى" أي عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه "ومعي رجلان" وفي مسلم رجلان من بني عمي "فكلاهما سألا" وفي بعض النسخ سأل بصيغة الإفراد وكلاهما صحيح "العمل" ولمسلم أمّرْنا على بعض ما ولاك الله "أو يا عبد الله بن قيس" شك من الراوي بأيهما خاطبه "ما أطلعاني على ما في أنفسهما" أي داعية الاستعمال "وما شعرت" أي ما علمت "إلى سواكه" صلى الله عليه وسلم "قلصت" بفتح القاف واللام المخففة والصاد المهملة انزوت أو ارتفعت. قاله القسطلاني، وهو حال بتقدير قد "أو لا نستعمل" شك من الراوي "فبعثه" أي أبا موسى "على اليمن" أي عاملاً عليها "ثم أتبعه" بهمزة ثم مثناة ساكنة "معاذ بن جبل" بالنصب أي بعثه بعده، وظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه "عليه" أي على أبي موسى. وفي رواية البخاري في المغازي أن كلا منهما كان على عمل مستقل وأن كلا منهما إذا سار في أرضه فقرب من صاحبه أحدث به عهداً. وفي رواية له في المغازي فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى وفي رواية له فضرب فسطاطاً "وألقى" أي أبو موسى "له" لمعاذ "وسادة" قال الحافظ: معنى ألقى له وسادة فرشها له ليجلس عليها. وقد ذكر الباجي والأصيلي فيما نقله عياض عنهما أن المراد بقول ابن عباس فاضطجعت في عرض الوسادة الفراش، ورده النووي فقال هذا ضعيف أو باطل وإنما المراد بالوسادة ما يجعل تحت رأس النائم وهو كما قال. قال: وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته مبالغة في إكرامه. قال ولم أر في شيء من كتب اللغة أن الفراش يسمى

(12/6)


وِسَادَةً فإذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ. قالَ: مَا هَذَا؟ قالَ: هَذَا كَانَ يَهُودِيّا فأَسْلَمَ، ثُمّ رَاجَعَ دِينَهُ، دِينَ السّوءِ. قالَ: لاَ أجْلِسُ حَتّى يُقْتَلَ قَضَاءُ الله وَرَسُولِهِ. قالَ: اجْلِسْ نَعَمْ. قال: لاَ أجْلِسُ حَتّى يُقْتَلَ قَضَاءُ الله وَرَسُولِهِ - ثَلاَثَ مِرَارٍ - فأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللّيْلِ، فقال أحَدُهُمَا مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: أمّا أنَا فَأَنَامُ وَأقُومُ، أوْ أقُومُ وَأَنَامُ، وَأَرْجُو في نَوْمَتِي مَا أرْجُو في قَوْمَتِي" .
4345- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا الْحِمّانِيّ - يَعْني عَبْدَ الْحَمِيدِ بنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن طَلْحَةَ بنِ يَحْيَى وَ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عن أبي بُرْدَةَ عن أبي مُوسَى قالَ: قَدِمَ عَلَيّ مُعَاذُ وَأَنَا بالْيَمَنِ وَرَجُلٌ كَانَ يَهُودِيّا فأَسْلَمَ فَارْتَدّ عن الإسْلاَمِ، فَلمّا قَدِمَ مُعَاذٌ قالَ: لا أنْزِلُ عنْ دابّتِي حَتّى يُقْتَلَ فَقُتِلَ. قالَ أحَدُهُمَا: وكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ.
ـــــــ
وسادة انتهى "موثق" بضم الميم وسكون الواو وفتح المثلثة أي مربوط بقيد "قال" أي معاذ "ما هذا" أي ما هذا الرجل الموثق "ثم راجع دينه" أي رجع إلى دينه "دين السوء" بدل من دينه، وفي رواية البخاري كان يهودياً فأسلم ثم تهود "قضاء الله ورسوله" بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هذا حكمهما أي من ارتد وجب قتله "ثلاث مرار" يعني أنهما كررا القول أبو موسى يقول اجلس ومعاذ يقول لا أجلس فهو من كلام الراوي لا تتمة كلام معاذ "فأمر" أي أبو موسى "به" أي بقتل الرجل الموثق "ثم تذاكرا" أي معاذ وأبو موسى "معاذ بن جبل" بدل من أحدهما "وأقوم" أي أصلي متهجداً "أو أقوم وأنام" شك من الداوي "وأرجو في نومتي" أي لترويح نفسه بالنوم ليكون أنشط له عند القيام "ما" أي الذي "أرجو" من الأجر "في قومتي" بفتح القاف وسكون الواو أي في قيامي بالليل. هذا قول معاذ رضي الله عنه ولم يذكر في هذه الرواية قول أبي موسى. قال الحافظ: وفي رواية سعيد بن أبي بردة فقال أبو موسى أقرؤه قائماً وقاعداً وعلى راحلتي وأتفوقه تفوقاً بفاء وقاف بينهما واو ثقيلة أي أُلازم قراءته في جميع الأحوال. والحديث فيه إكرام الضيف والمبادرة إلى إنكار المنكر وإقامة الحد على من وجب عليه وأن المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة أو تكميلاً لشيء منهما.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"قال أحدهما" أي طلحة أو بريد "وكان" أي ذلك الرجل الموثق المرتد "قد استتيب" أي عرض عليه التوبة فيه دليل على استتابة المرتد وهو قول الجمهور.

(12/7)


4346- حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا حَفْصٌ أخبرنا الشّيْبَانِيّ عن أبي بُرْدَةَ بِهَذِهِ الْقِصّةِ قالَ: فأَتَى أبو مُوسى بِرَجُلٍ قد ارْتَدّ عن الإسلامِ فَدَعَاهُ عِشرِين لَيْلةً قَرِيباً مِنْهَا فَجَاءَ مُعَاذُ فَدَعَاهُ فأَبَى فَضُرِبَ عُنُقَهُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ عن أبي بُرْدَةَ، لَمْ يَذْكُرْ الاسْتِتَابَةَ. وَرَوَاهُ ابنُ فُضَيْلٍ عن الشّيْبَانيّ عن سَعِيدِ بنِ أبي بُرْدَةَ عن أبِيهِ عن أبي مُوسَى، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الاسْتِتَابَةَ.
4347- حدثنا ابنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي أخبرنا المَسْعُودِيّ عن الْقَاسِمِ بِهَذِهِ الْقِصّةِ قالَ: فلَمْ يَنْزِلْ حَتّى ضُرِبَ عُنُقُهُ وَمَا اسْتَتَابَهُ.
ـــــــ
قال ابن بطال: اختلف في استتابة المرتد فقيل يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهو قول الجمهور، وقيل يجب قتله في الحال، جاء ذلك عن الحسن وطاوس وبه قال أهل الظاهر. قال الحافظ: واستدل ابن القصار لقول الجمهور بالإجماع يعني السكوتي لأن عمر كتب في أمر المرتد هلا حبستموه ثلاثة أيام وأطعمتموه في كل يوم رغيفاً لعله يتوب فيتوب الله عليه. قال ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة كأنهم فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم "من بدل دينه فاقتلوه" أي إن لم يرجع، وقد قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} واختلف القائلون بالاستتابة هل يكتفي بالمرة أو لا بد من ثلاث، وهل الثلاث في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام، وعن علي يستتاب شهراً، وعن النخعي يستتاب أبداً. كذا نقل عنه مطلقاً. والتحقيق أنه فيمن تكررت منه الردة انتهى.
قال المنذري: قوله قال أحدهما يريد طلحة بن يحيى ويريد عبد الله بن أبي بردة. وطلحة هذا هو ابن يحيى بن عبيد الله القرشي التيمي الكوفي وهو مدني الأصل، وبريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها دال مهملة.
"أخبرنا الشيباني" هو أبو إسحاق "فدعاه" أي دعا أبو موسى ذلك المرتد إلى الإسلام "فدعاه فأبى" أي دعاه معاذ أيضاً إلى الإسلام فامتنع عنه "فضرب" ضبط بصيغة المجهول والمعروف "عنقه" بالرفع والنصب "قال أبو داوود رواه عبد الملك إلخ" حاصله أنه روى هذا الحديث عبد الملك عن أبي بردة وكذلك رواه ابن فضيل عن الشيباني عن سعيد عنه لكنهما لم يذكرا في روايتهما الاستتابة "وما استتابه" قال الحافظ في الفتح بعد ذكر رواية المسعودي هذه: وهذا يعارضه الرواية المثبتة لأن معاذاً استتابه وهي أقوى من هذه والروايات الساكتة عنها لا تعارضها وعلى تقدير ترجيح رواية المسعودي فلا حجة فيه لمن قال يقتل المرتد بلا استتابة لأن معاذاً يكون اكتفى بما تقدم من استتابة أبي موسى انتهى.

(12/8)


4348- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ المَرْوَزِيّ أخبرنا عَلِيّ بنُ الْحُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ عن أبِيهِ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "كَانَ عَبْدُ الله بنُ سَعْدِ بنِ أبي السّرْحِ [سرح] يَكْتُبُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فأَزَلّهُ الشّيْطَانُ فَلَحِقَ بالْكُفّارِ، فأَمَرَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بنُ عَفّانَ، فأَجَارَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم" .
4349- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أَحْمَدُ بنُ المُفَضّلِ أخبرنا أسْبَاطُ بنُ نَصْرٍ قالَ زَعَمَ السّدّيّ عن مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ عن سَعْدٍ قالَ: "لَمّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكّةَ اخْتَبَأَ عَبْدُ الله ابنُ سَعْدِ بنِ أبي سَرْحٍ عِنْدَ عُثْمانَ بنَ عَفّانَ، فَجَاءَ بِهِ حَتّى أوْقَفَهُ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يَا رَسُولَ الله بَايِعْ عَبْدَ الله، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاَثاً، كُلّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلاَثٍ، ثُمّ أقْبَلَ عَلَى أصْحَابِهِ فقالَ: أمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إلَى هَذَا حِينَ [حيث] رَآنِي كَفَفْتُ يَدَيّ عنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ، فقالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ الله مَا في نَفْسِكَ ألاّ أوْمَأْتَ إلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ قال: إنّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبيّ أنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأعْيُنِ" .
ـــــــ
قال المنذري: المسعودي هذا هو عبد الرحمَن بن عبيد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي المعروف بالمسعودي، وقد تكلم فيه غير واحد وتغير بآخره، واستشهد به البخاري. والقاسم هذا هو أبو عبد الرحمَن بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي وهو ثقة.
"فأزله الشيطان" أي حمله على الزلل وأضله "فاستجار له" أي طلب له الأمان "فأجاره" أي أعطاه الأمان من الإجارة بمعنى الأمن.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال، وقد تابعه عليه علي بن الحسين بن شقيق وهو من الثقات.
"زعم السدي" هو إسماعيل بن عبد الرحمَن السدي "اختبأ" أي اختفى "أوقفه" أي أقامه "فرفع" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأسه" الشريف "إليه" أي إلى عبد الله "يأبى" أي يمتنع من المبايعة "أما كان" بهمزة الاستفهام وحرف النفي "رجل رشيد" أي فطن لصواب الحكم، وفيه أن التوبة عن الكفر في حياته صلى الله عليه وسلم كانت موقوفة على رضاه صلى الله عليه وسلم وأن الذي ارتد وآذاه صلى الله عليه وسلم إذا أمن سقط قتله، وهذا ربما يؤيد القول أن قتل الساب للارتداد لا للحد والله تعالى أعلم. قاله السندي "إلى هذا" أي عبد الله "كففت" أي أمسكت "ألا" بالتشديد حرف التحضيض "أومأت" أي أشرت من الإيماء "إنه" أي الشأن "خائنة الأعين" أي خيانتها. قال الخطابي هو أن يضمر في

(12/9)


4350- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أبِيهِ عنْ أبِي إسْحَاقَ عن الشّعْبِيّ عن جَرِيرٍ قالَ سَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إذَا أبَقَ الْعَبْدُ إلَى الشّرْكِ فَقَدْ حَلّ دَمُهُ" .
ـــــــ
قلبه غير ما يظهره للناس فإذا كف لسانه وأومأ بعينه إلى ذلك فقد خان، وقد كان ظهور تلك الخيانة من قبيل عينه فسميت خائنة الأعين انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده إسماعيل بن عبد الرحمَن السدي وقد أخرج له مسلم ووثقه الإمام أحمد وتكلم فيه غير واحد.
"عن جرير" هو ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه "إذا أبق العبد" بفتح الموحدة. وفي المصباح: أبق كفرح وضرب ونصر فماضيه مثنى ومضارعه مثلث والمعنى إذا هرب مملوك "إلى الشرك" أي دار الحرب "فقد حل دمه" أي لا شيء على قاتله وإن ارتد مع ذلك كان أولى بذلك. قال الطيبي هذا وإن لم يرتد عن دينه فقد فعل ما يهدر به دمه من جوار المشركين وترك دار الإسلام، وقد سبق أنه لا يتراءى ناراهما انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي ولفظ مسلم "أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة" وفي لفظ "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة" وفي لفظ "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم" ، وأخرجه النسائي باللفظ الذي ذكره أبو داوود، وفي لفظ له "إذا أبق من مواليه العبد لم تقبل له صلاة وإن مات مات كافراً، فأبق غلام لجرير فأخذه فضرب عنقه" وفي لفظ "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة حتى يرجع إلى مواليه" .

(12/10)


2- باب الحكم فيمن سبّ النبي صلى الله عليه وسلم :
4351- حدثنا عَبّادُ بنُ مُوسَى الْخُتّلِي أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرِ المدَنِيّ عنْ إسْرَائِيلَ عنْ عُثْمانَ الشّحّامِ عنْ عِكْرِمَةَ قالَ أخْبَرَنَا ابنُ عَبّاسٍ: "أنّ أعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمّ وَلَدٍ تَشْتِمُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلا تَنْتَهِي وَيَزْجُرُهَا فَلاَ تَنْزَجِرُ قالَ فَلَمّا كَانَتْ
ـــــــ
"باب الحكم فيمن سبّ النبي صلى الله عليه وسلم"
"الختلي" بضم الخاء المعجمة وتشديد المثناة المفتوحة ثقة من العاشرة "عن عثمان الشحام" ضبط بتشديد الحاء. قال الحافظ يقال اسم أبيه ميمون أو عبد الله لا بأس به من السادسة "أم ولد" أي غير مسلمة ولذلك كانت تجترىء على ذلك الأمر الشنيع "وتقع فيه" يقال وقع فيه إذا عابه وذمه "ويزجرها" أي يمنعها "فلا تنزجر" أي فلا تمتنع "فلما كانت ذات ليلة" قال

(12/10)


ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَتَشْتِمُهُ، فَأَخَذَ المِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدّمِ فَلَمّا أصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم فَجَمَعَ النّاسَ فَقَالَ: أنْشُدُ الله رَجُلاَ فَعَل مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقّ إلاّ قامَ قالَ فَقَامَ الأعْمَى يَتَخَطّى النّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ يَا رَسُولَ الله أنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتِمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاها فَلاَ تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلاَ تَنْزَجِرُ وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلَ اللّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتِمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ المِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ألاَ اشْهَدُوا إنّ دَمَهَا هَدْرٌ" .
4352- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ عَبْدُ الله بنُ الْجَرّاحِ عنْ جَرِيرٍ عنْ مُغِيرَةَ عن الشّعْبِيّ عنْ عَلِيّ: "أنّ يَهُودِيّةً كَانَتْ تَشْتِمُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتّى مَاتَتْ فأَبْطَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم دَمَهَا" .
ـــــــ
السندي: يمكن رفعه على أنه اسم كان ونصبه على أنه خبر كان أي كان الزمان أو الوقت ذات ليلة، وقيل يجوز نصبه على الظرفية أي كان الأمر في ذات ليلة ثم ذات ليلة قيل معناه ساعة من ليلة وقيل معناه ليلة من الليالي والذات مقحمة "فأخذ" أي الأعمى "المغول" بكسر ميم وسكون غين معجمة وفتح واو مثل سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطيه، وقيل حديدة دقيقة لها حد ماض، وقيل هو سوط في جوفه سيف دقيق يشده الفاتك على وسطه ليغتال به الناس "واتكأ عليها" أي تحامل عليها "فوقع بين رجليها طفل" لعله كان ولداً لها والظاهر أنه لم يمت "فلطخت" أي لوّثت "ما هناك" من الفراش ذكر بصيغة المجهول "ذلك" أي القتل "فقال أنشد الله رجلاً" أي أسأله بالله واقسم عليه "فعل ما فعل" صفة لرجل وما موصولة "لي عليه حق" صفة ثانية لرجل أي مسلماً يجب عليه طاعتي وإجابة دعوتي "يتزلزل" أي يتحرك "بين يدي النبي" أي قدامه صلى الله عليه وسلم "مثل اللؤلؤتين" أي في الحسن والبهاء وصفاء اللون "ألا" بالتخفيف "إن دمها هدر" لعله صلى الله عليه وسلم علم بالوحي صدق قوله، وفيه دليل على أن الذمي إذا لم يكف لسانه عن الله ورسوله فلا ذمة له فيحل قتله، قاله السندي.
قال المنذري: وأخرجه النسائي فيه أن ساب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل وقد قيل أنه لا خلاف في أن سابه من المسلمين يجب قتله وإنما الخلاف إذا كان ذمياً، فقال الشافعي يقتل وتبرأ منه الذمة، وقال أبو حنيفة لا يقتل ما هم عليه من الشرك أعظم، وقال مالك من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم انتهى كلام المنذري.
"فخنقها" أي عصر حلقها " فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها" فيه دليل على أنه يقتل من شتم

(12/11)


4353- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ عنْ يُونُسَ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلاَلٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ح وَأخبرنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله وَ نُصَيْرُ بنُ الْفَرَجِ قالا أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عنْ يَزِيدَ بنِ زُرَيْعٍ عنْ يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلاَلٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُطَرّفٍ عنْ أبِي بَرْزَةَ قالَ: " كُنْتُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ فَتَغَيّظَ عَلَى رَجُلٍ فاشْتَدّ عَلَيْهِ فَقُلْتُ تَأْذَنُ لِي يَا خَلِيفَةَ
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم. وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم صريحاً وجب قتله. وقال الخطابي لا أعلم خلافاً في وجوب قتله إذا كان مسلماً. وقال ابن بطال: اختلف العلماء في من سب النبي صلى الله عليه وسلم، فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك يقتل من سبه صلى الله عليه وسلم منهم إلا أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه، وروى عن الأوزاعي ومالك في المسلم أنها ردة يستتاب منها. وعن الكوفيين إن كان ذمياً عزر وإن كان مسلماً فهي ردة. وحكى عياض خلافاً هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلحة التأليف ونقل عن بعض المالكية أنه إنما لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون له السام عليك لأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه، وقيل إنهم لما لم يظهروه ولووة بألسنتهم ترك قتلهم. وقيل إنه لم يحمل ذلك منهم على السب بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه ولذلك قال في الرد عليهم وعليكم أي الموت نازل علينا وعليكم فلا معنى للدعاء به كذا في النيل.
قال المنذري: ذكر بعضهم أن الشعبي سمع من علي بن أبي طالب وقال غيره إنه رآه.
"حماد" هو ابن سلمة قاله المزي في الأطراف. وفي الخلاصة ناقلاً عن أبي الحجاج المزي موسى بن إسماعيل انفرد عن حماد بن سلمة انتهى أي لم يرو عن حماد بن زيد "عن يونس" بن عبيد "عن حميد بن هلال" العدوي البصري من أجلة التابعين الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم أي في حكم هدر دم القاتل لمن سبّ النبي صلى الله عليه وسلم هكذا يفهم من سياق المقام. وحديث حميد بن هلال هذا أورده المزي في الأطراف في ترجمة نضلة فقال نضلة بن عبيد أبو برزة الأسلمي وله صحبة عن أبي بكر حديث "كنت عند أبي بكر فتغيظ على رجل فاشتد عليه" أخرجه أبو داوود في الحدود عن هارون بن عبد الله ونصير بن الفرج كلاهما عن أبي أسامة عن يزيد بن زريع عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة به، وعن موسى عن حماد بن سلمة عن يونس عن حميد بن هلال عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وأخرجه النسائي في المحاربة انتهى. وأورده المزي أيضاً في المراسيل فقال في ترجمة حميد بن هلال العدوي حديث د مثل حديث قبله عن أبي برزة قال كنت عند أبي بكر فتغيظ على رجل في ترجمة أبي برزة عن أبي بكر انتهى. قلت حماد بن سلمة وهم في هذا الحديث في الموضعين الأول أسقط واسطتين عبد الله بن مطرف وأبا برزة، والثاني جعله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو

(12/12)


رَسُولِ الله أضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قالَ فَأَذْهَبَتْ كَلِمَتِي غَضَبَهُ، فَقَامَ فَدَخَلَ فَأَرْسَلَ إلَيّ فَقَالَ مَا الّذِي قُلْتُ آنِفاً؟ قُلْتُ ائْذَنْ لِي أضْرِبْ عُنُقَهُ. قالَ: أكُنْتَ فَاعِلاً لَو أمَرْتُكَ؟ قُلْتُ نَعَمْ؟ قالَ: لاَ وَالله مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحمّدٍ صلى الله عليه وسلم" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُ يَزِيدَ.
قالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: أيْ لَمْ يَكُنْ لأبي بَكْرٍ أنْ يَقْتُلَ رَجُلاً إلاّ بِأْحْدَى الثّلاثِ الّتي قالَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " كُفْرٌ بَعْدَ إيْمَانٍ أوْ زِناً بَعْدَ إحْصَانٍ، أوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْر نَفْسٍ، وَكَانَ لِلنبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَقْتُلَ" .
ـــــــ
متصل الإسناد بذكر عبد الله بن مطرف وأبي برزة من كلام أبي بكر رضي الله عنه دون النبي صلى الله عليه وسلم كما عند المؤلف بعد هذا وكذا عند أحمد في مسنده وقال النسائي هذا الحديث أحسن الأحاديث وأجودها. وروى عن أبي برزة الأسلمي جماعة من التابعين كعبد الله بن قدامة بن عنزة وسالم بن أبي الجعد وأبي البختري وكلهم أسندوه وجعلوه من كلام أبي بكر رضي الله عنه وأحاديث هؤلاء عند النسائي في المحاربة وحماد بن سلمة ثقة أثبت الناس في ثابت البناني دون غيره وتغير حفظه بآخره كذا قال الذهبي وابن حجر "فتغيظ على رجل" قيل لأنه سب أبا بكر رضي الله عنه وعند أحمد والنسائي أغلظ رجل لأبي بكر رضي الله عنه "فأذهبت كلمتي غضبه" هذا من قول أبي برزة أي أن كلامي قد عظم عند أبي بكر حتى زال بسببه غضبه "فقام" أي أبو بكر "فدخل" أي بيته " فأرسل إلي" أي رجلاً "فقال" أي فجئته فقال لي "ما الذي قلت آنفاً" أي عند اشتداد غضبي على الرجل "لو أمرتك" أي بضرب عنقه "وهذا لفظ يزيد" أي قوله عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة قال كنت عند أبي بكر إلخ هذا لفظ يزيد بن زريع، وأما حماد بن سلمة فإنه قال عن يونس عن حميد بن هلال عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم "قال أحمد بن حنبل إلخ" أي في شرح قول أبي بكر رضي الله عنه وهذه العبارة لم توجد في بعض النسخ.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(12/13)


3- باب ما جاء في المحاربة :
4354- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادٌ عنْ أيّوبَ عنْ أبي قِلاَبَةَ عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ: "أنّ قَوْماً مِنْ عُكْلٍ أوْ قالَ مِنْ عُرْيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَاجْتَوُوا
ـــــــ
"باب ما جاء في المحاربة"
"أن قوماً من عكل أو قال من عرينة" قال الحافظ في الفتح في شرح باب أبوال الإبل

(12/13)


المَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِلقَاحٍ وَأَمَرَهُمْ أنْ يَشْرَبُوا مِنْ أبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا فَلَمّا صَحّوا قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَاسْتَاقُوا النّعَمَ، فَبَلَغَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خَبَرُهُمْ مِنْ أوّلِ النّهَارِ، فَأَرْسَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فِي آثَارِهِمْ، فمَا ارْتَفَعَ النّهارُ حَتّى جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمّرَ أعْيُنُهُمْ وَأُلْقُوا فِي الْحَرّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ" .
ـــــــ
والدواب ما محصله إنه اختلفت الروايات ففي بعضها من عكل أو عرينة على الشك وفي بعضها من عكل وفي بعضها من عرينة وفي بعضها من عكل وعرينة بواو العطف وهو الصواب. وروى أبو عوانة والطبراني عن أنس أنهم كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل قال وعكل بضم المهملة وإسكان الكاف قبيلة تيم الرباب، وعرينة بضم العين والراء المهملتين والنون مصغراً حي من قضاعة وحي من بجيلة والمراد هنا الثاني "فاجتووا المدينة من الاجتواء" أي كرهوا هواء المدينة وماءها واستوخموها ولم يوافقهم المقام بها وأصابهم الجواء "بلقاح" أي أمرهم أن يلقحوا بها، واللقاح باللام المكسورة والقاف وآخره مهملة النوق ذوات الألبان واحدها لقحة بكسر اللام وإسكان القاف قاله الحافظ "وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها" احتج به من قال بطهارة بول مأكول اللحم كمالك وأحمد وطائفة من السلف، وذهب أبو حنيفة والشافعي وجماعة إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة "فلما صحوا" في السياق حذف تقديره فشربوا من أبوالها وألبانها، وقد ثبت ذلك في بعض الروايات كما قال الحافظ "واستاقوا النعم" من السوق وهو السير العنيف والنعم بفتح النون والعين واحد الأنعام أي الإبل "فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم" لم يذكر المفعول في هذه.
قال الحافظ: زاد في رواية الأوزاعي "الطلب" وفي حديث سلمة بن الأكوع خيلاً من المسلمين أميرهم كرز بن جابر الفهري "في آثارهم" أي عقبهم "فقطعت أيديهم وأرجلهم" قال الداوودي: يعني قطع يدي كل واحد ورجليه. قال الحافظ: ترده رواية الترمذي من خلاف "وسمر أعينهم" ضبط في بعض النسخ بتشديد الميم من التسمير. وقال الحافظ في الفتح بتشديد الميم، وفي رواية أبي رجاء بتخفيف الميم انتهى. والمعنى كحلوا بأميال قد أحميت وقال الخطابي: يريد أنه أكحلهم بمسامير محماة.
قال: والمشهور في أكثر الروايات: سمل أي وفقأ أعينهم كذا في مرقاة الصعود "وألقوا" بصيغة المجهول أي رموا "في الحرة" هي أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة وإنما ألقوا فيها لأنها أقرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا "يستسقون" أي يطلبون الماء أي من شدة العطش الناشىء من حرارة الشمس "فلا يسقون" بصيغة المجهول أي فلا يعطون الماء.
واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للاجماع على أن من وجب عليه القتل

(12/14)


قالَ أبُو قِلاَبَةَ فَهَؤُلاَءِ قَوْمٌ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ.
4355- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ عنْ أيّوبَ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قالَ فِيهِ: "فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ وَقَطَعَ أيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَمَا حَسَمَهُمْ" .
ـــــــ
فاستسقى لا يمنع، وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا وقع منه نهي عن سقيهم انتهى.
قال الحافظ وهو ضعيف جداً لأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وسكوته كاف في ثبوت الحكم، وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيمم بل يستعمله ولو مات المرتد عطشاً.
وقال الخطابي: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم ذلك لأنه أراد بهم الموت بذلك.
وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالعطش على من عطش آل بيته في قصة رواها النسائي، فيحتمل أن يكونوا في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من لقاحه في كل ليلة، كما ذكر ذلك ابن سعد. انتهى كلام الحافظ.
قال في فتح الودود: وقيل فعل ذلك قصاصاً لأنهم فعلوا بالراعي مثل ذلك وقيل بل لشدة جنايتهم كما يشير إليه كلام أبي قتادة انتهى "قال أبو قلابة" أي راوي الحديث "فهؤلاء قوم سرقوا" أي لأنهم أخذوا اللقاح من حرز مثلها، وهذا قاله أبو قلابة استنباطاً كذا في الفتح "وقتلوا" أي الراعي "وكفروا" قال الحافظ في الفتح هو في رواية سعيد عن قتادة عن أنس في المغازي وكذا في رواية وهيب عن أيوب في الجهاد في أصل الحديث وليس موقوفاً على أبي قلابة كما توهمه بعضهم، وكذا قوله وحاربوا ثبت عند أحمد في أصل الحديث انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"بمسامير" جمع مسمار وتد من حديد يشد به "فأحميت" بالنار يقال أحميت الحديد إذا أدخلته النار لتحمي "فكحلهم" أي بتلك المسامير المحماة "وما حسمهم" الحسم الكي بالنار لقطع الدم أي لم يكو مواضع القطع لينقطع الدم، بل تركهم.
قال الداوودي: الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حار.

(12/15)


4356- حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ بنِ سُفْيَانَ أنبأنا ح وَأخبرنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ حدثنا الْوَلِيدُ عن الأوْزَاعِيّ عن يَحْيَى يَعْنِي ابنَ أبي كَثِيرٍ عنْ أبي قِلاَبَةَ عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قالَ فِيهِ: " فَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في طَلَبِهِمْ قَافَةً فَأُتِيَ بِهِمْ فَأَنْزَلَ الله فِي ذَلِكَ : {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً} الآية.
ـــــــ
قال الحافظ: وهذا من صور الحسم وليس محصوراً فيه.
قال ابن بطال: إنما ترك حسمهم لأنه أراد إهلاكهم، فأما من قطع من سرقة مثلاً فإنه يجب حسمه لأنه لا يؤمن معه التلف غالباً بنزف الدم "قافة" جمع قائف.
وفي رواية لمسلم: وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفاً يقتص أثرهم.
قال النووي: القائف: هو الذي يتتبع الآثار ويميزها.
وقال السيوطي: هو من يتبع أثراً ويطلب ضالة وهارباً {الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال القسطلاني: يحاربون الله أي يحاربون رسول الله ومحاربة المسلمين في حكم محاربته، أي المراد الإخبار بأنهم يحاربون أولياءه. كذا قرره الجمهور.
وقال الزمخشري: يحاربون رسول الله، وإنما ذكر اسم الله تعالى تعظيماً وتفخيماً لمن يحارب {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً} مصدر واقع موقع الحال أي يسعون في الأرض مفسدين، أو مفعول من أجله أي يحاربون ويسعون لأجل الفساد، وتمام الآية مع تفسيرها هكذا {أَنْ يُقَتَّلُوا} هذا خبر لقوله جزاء الذين أي قصاصاً من غير صلب إن أفردوا القتل {أَوْ يُصَلَّبُوا} أي مع القتل إن جمعوا بين القتل وأخذ المال وهل يقتل ويصلب أو يصلب حياً وينزل ويطعن حتى يموت خلاف {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ} إن أخذوا المال ولم يقتلوا {مِنْ خِلافٍ} حال من الأيدي والأرجل أي مختلفة، فتقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} اختلفوا في المراد بالنفي في الآية، فقال مالك والشافعي يخرج من بلد الجناية إلى بلدة أخرى.
زاد مالك: فيحبس فيها، وعن أبي حنيفة بل يحبس في بلده، وتعقب بأن الاستمرار في البلد ولو كان مع الحبس إقامه فهو ضد النفي، فإن حقيقة النفي الإخراج من البلد، وحجته أنه لا يؤمن منه استمرار المحاربة في البلدة الأخرى فانفصل عنه مالك بأنه يحبس بها.
وقال الشافعي: يكفيه مفارقة الوطن والعشيرة خذلاناً وذلاً { ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أشكل هذا مع حديث عبادة الدال على أن من أقيم عليه الحد

(12/16)


4357- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ أنبأنا ثَابِتٌ وَ قَتَادَةُ وَ حُمَيْدٌ عنْ أنَسِ ابنِ مَالِكٍ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ. قالَ أنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمْ يَكْدِمُ الأرْضَ بِفِيهِ عَطَشاً حَتى مَاتُوا.
4358- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا ابنُ أبي عَدِيّ عنْ هِشَامٍ عن قَتَادَةَ عنْ أنَسِ ابنِ مَالِكٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَهُ. زَادَ: "ثُمّ نَهَى عنِ المُثْلَةِ" وَلَمْ يَذْكُرْ: "مِنْ خِلاَفٍ".
ـــــــ
في الدنيا كان له كفارة، والجواب أن حديث عبادة مخصوص بالمسلمين. كذا في فتح الباري.
واعلم أن هذه الرواية وكذا بعض الروايات الآتية في الباب تدل على أن هذه الآية نزلت في القوم المذكورين من عكل وعرينة، وممن قال ذلك الحسن وعطاء والضحاك والزهري.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت في من خرج من المسلمين يسعى في الأرض بالفساد ويقطع الطريق، وهو قول مالك والشافعي والكوفيين. قاله ابن بطال.
قال الحافظ المعتمد أن الآية نزلت أولاً فيهم وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق لكن عقوبة الفريقين مختلفة فإن كانوا كفاراً يخير الإمام فيهم إذا ظفر بهم، وإن كانوا مسلمين فعلى قولين أحدهما وهو قول الشافعي والكوفيين ينظر في الجناية، فمن قتل قتل، ومن أخذ المال قطع، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي، وجعلوا أو للتنويع.
وقال مالك: بل هي للتخيير فيتخير الإمام في المحارب المسلم بين الأمور الثلاثة ورجح الطبري الأول انتهى.
"عن أنس بن مالك ذكر هذا الحديث" وقع بعد هذا في بعض النسخ قال فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وقال في أوله استاقوا الإبل وارتدوا عن الإسلام "يكدم الأرض" قال السيوطي: بضم الدال وكسرها يتناولها بفمه، ويعض عليها بأسنانه انتهى.
وفي القاموس: كدمه يكدمه ويكدمه عضه بأدنى فمه أو أثر فيه بحديدة "بفيه" أي بفمه "عطشاً" أي لأجل العطش.
قال المنذري: وأخرجه مسلم من حديث حميد وعبد العزيز بن صهيب عن أنس، وأخرجه البخاري تعليقاً من حديث قتادة عن أنس، وأخرجه الترمذي عن ثلاثتهم، وأخرجه النسائي من حديث قتادة عن أنس، وأخرجه ابن ماجه من حديث حميد.
"ثم نهى عن المثلة" يقال مثلت بالحيوان مثلاً إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه، والإسم المثلة. كذا في المجمع.

(12/17)


وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ وَسَلاّمِ بنِ مِسْكِينٍ عنْ ثَابِتٍ جَمِيعاً عنْ أنَسِ لَمْ يَذْكُرَا: مِنْ خِلاَفٍ وَلَمْ أجِدْ فِي حَدِيثِ أحَدٍ "قَطْعَ أيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ" إلاّ في حَدِيثِ حَمّادِ ابنِ سَلَمَةَ.
4359- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌو عنْ سَعِيدِ ابنِ أبِي هِلاَلٍ عنْ أبي الزّنَادِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُبَيْدِ الله قالَ أحْمَدُ هُوَ يَعْنِي عَبْدُ الله بنُ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ عنِ ابنِ عُمَر: "أنّ أُنَاساً أغَارُوا عَلَى إبِلِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَاقُوهَا [فاستاقوها] وَارْتَدّوا عنِ الإسْلاَمِ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ الله [نبي الله صلى الله عليه وسلم] صلى الله عليه وسلم مُؤْمِناً، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، فَقَطَعَ أيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أعْيُنَهُمْ. قالَ وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ المُحَارَبَةِ، وَهُمُ الّذِينَ أخْبَرَ عَنْهُمْ أنَسُ بنُ مَالِكٍ الْحَجّاجَ حِينَ سَأَلَهُ" .
ـــــــ
والحديث دليل على أن فعل المثلة منسوخ "ولم يذكر من خلاف" إلا قوله إلا في حديث حماد بن سلمة" هذه العبارة لم توجد إلا في بعض النسخ، ولفظ من خلاف ثبت في رواية الترمذي وغيره أيضاً كما صرح به الحافظ.
"أغاروا على إبل النبي صلى الله عليه وسلم" أي نهبوها "مؤمناً" حال من راعي النبي صلى الله عليه وسلم وكان اسمه يسار "وسمل أعينهم" قال النووي: معنى سمل باللام فقأها وأذهب ما فيها، ومعنى سمر كحلها بمسامير محمية، وقيل هما بمعنى انتهى.
قلت: رواية السمل لا يخالف رواية السمر لأن معنى السمل على ما قال الخطابي هو فقأ العين بأي شيء كان، فإذا سمل العين بالمسمار المحمي يصدق عليه السمل والسمر كلاهما كما لا يخفي "وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك الخ" وأخرج ابن جرير عن يزيد ابن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر من العرنيين وهم من بجيلة.
قال أنس: فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل وأصابوا
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قد ذكر مسلم في صحيحه عن أنس قال: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء.
وذكر ابن إسحاق: أن هؤلاء كانوا قد مثلوا بالراعي فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا الشوك في عينيه فأدخل المدينة ميتا على هذه الصفة.

(12/18)


4360- حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عنْ مُحمّدِ بنِ عَجْلاَنَ عنْ أبي الزّنَادِ: " أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا قَطَعَ الّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحَهُ وَسَمَلَ أعْيُنَهُمْ بِالنّارِ عَاتَبَهُ الله فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ الله {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} الآية.
4361- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا وأخبرنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ أنبأنا هَمّامٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ مُحمّدِ بنِ سِيرِينَ قالَ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ يَعْنِي حَدِيثَ أنَسٍ.
ـــــــ
الفرج الحرام، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب فقال من سرق وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"عاتبه الله في ذلك" وأخرج ابن جرير عن الوليد بن مسلم قال: ذكرت لليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك حسمهم حتى ماتوا، فقال سمعت محمد ابن عجلان يقول أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك وعلمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي ولم يسمل بعدهم غيرهم. قال وكان هذا القول ذكر لابن عمر، فأنكر أن تكون نزلت معاتبة وقال بل كانت عقوبة ذلك النفر بأعيانهم ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنه السمل انتهى.
قال المنذري: حديث أبي الزناد هذا مرسل وأخرجه النسائي مرسلاً.
"كان هذا قبل أن تنزل الحدود" قال النووي قال القاضي عياض رحمه الله واختلف العلماء في معنى حديث العرنيين هذا، فقال بعض السلف كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة وهو منسوخ وقيل ليس بمنسوخ، وفيهم نزلت آية المحاربة، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم ما فعل قصاصاً لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك.
وقد رواه مسلم في بعض طرقه ورواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأهل السير والترمذي، وقال بعضهم النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام انتهى. "يعني حديث أنس" هذا تفسير لقوله هذا من بعض الرواة. والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
وترجمة البخاري في صحيحه تدل على ذلك فإنه ساقه في باب "إذا حرق المسلم، هل يحرق؟" فذكره.
وذكر البخاري أيضا أنهم كانوا من أهل الصفة وذكر أنه لم يحسمهم حتى ماتوا.

(12/19)


4362- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بن ثَابِتٍ حدثنا عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ عنْ أبِيهِ عنْ يَزِيدَ النّحْوِيّ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ - إلَى قَوْلِهِ - غَفُورٌ رَحِيمٌ} نَزَلَتْ هَذِهِ الآية فِي المُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدّ الّذِي أصَابَ [أصابه].
ـــــــ
"عن ابن عباس قال: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ} الخ " تقدم تفسير هذه الآية في هذا الباب "فمن تاب منهم" أي من المؤمنين، وظاهر اللفظ يوهم أن الضمير المجرور في منهم يرجع إلى المشركين وليس كذلك، يبينه رواية النسائي ففيها نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل وليست هذه الآية للرجل المسلم فمن قتل وأفسد في الأرض وحارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصاب "قبل أن يقدر" بصيغة المجهول وهذا التفصيل مذهب ابن عباس، وظاهر الآية شامل للكافر والمسلم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وغيرهما عن الشعبي قال كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض وحارب وكلم رجالاً من قريش أن يستأمنوا له علياً فأبوا، فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فأتى علياً فقال يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً؟ قال: أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ثم قال إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فقال سعيد وإن كان حارثة ابن بدر، فقال هذا حارثة ابن بدر قد جاء تائباً فهو آمن قال نعم، قال فجاء به إليه فبايعه وقبل ذلك منه وكتب له أماناً.
وأخرج أيضاً ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الأشعث عن رجل قال صلى رجل مع أبي موسى الأشعري الغداة ثم قال هذا مقام العائد التائب أنا فلان بن فلان أنا كنت ممن حارب الله ورسوله وجئت تائباً من قبل أن يقدر على، فقال أبو موسى إن فلان بن فلان كان ممن حارب الله ورسوله وجاء تائباً من قبل أن يقدر عليه فلا يعرض له أحد إلا بخير فإن يك صادقاً فسبيلي ذلك، وإن يك كاذباً فلعل الله أن يأخذه بذنبه انتهى.
قال المنذري: في إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال.

(12/20)


4- باب في الحد يشفع فيه :
4363- حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَوْهِبٍ الْهَمْدَانِيّ قالَ حدّثني ح وَأخبرنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ الثّقَفِيّ أخبرنا اللّيْثُ عن ابن شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ: "أنّ قُرَيْشاً أهَمّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةٍ المَخْزُومِيّةِ الّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا مَنْ يُكَلّمُ فِيهَا يَعْنِي [تعني] رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالُوا [فقالوا] وَمَنْ يَجْتَرِىءُ إلاّ أسَامَةُ بنُ زَيْدٍ حِبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَكَلّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يَا أُسَامَةُ أتَشْفَعُ فِي حَدٍ مِنْ حُدُودِ الله تَعَالَى؟ ثُمّ قَامَ فاخْتَطَبَ فَقَالَ: "إنّمَا هَلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أنّهُمْ كَانَوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدّ، وَايْمُ الله لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" .
ـــــــ
"باب في الحد يشفع فيه"
"إن قريشاً أهمهم" أي أحزنهم وأوقعهم في الهم خوفاً من لحوق العار، وافتضاحهم بها بين القبائل "شأن المرأة المخزومية" أي المنسوبة إلى بني مخزوم قبيلة كبيرة من قريش وهي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل الذي كان زوج أم سلمة أم المؤمنين قتل أبوها كافراً يوم بدر قتله حمزة "التي سرقت" أي وكانت تستعير المتاع وتجحده أيضاً كما في الرواية الآتية "فقالوا" أي أهلها "من يكلم فيها" أي من يشفع أن لا تقطع إما عفواً أو بفداء "ومن يجترىء" أي يتجاسر عليه صلى الله عليه وسلم بطريق الإدلال قاله النووي "إلا أسامة بن زيد حب النبي صلى الله عليه وسلم" بكسر الحاء أي محبوبه وهو بالرفع عطف بيان أو بدل من أسامة "أتشفع في حد" أي في تركه والاستفهام للتوبيخ "فاختطب" قال القاري أي بالغ في خطبته أو أظهر خطبته وهو أحسن من قول الشارح أي خطب انتهى.
قلت: وفي رواية للبخاري خطب "إنما هلك الذين من قبلكم" وفي رواية سفيان عند النسائي: إنما هلك بنو إسرائيل "أنهم" أي لأجل أنهم "كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه" فلا يحدونه "وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد" قال ابن دقيق العيد: الظاهر أن هذا الحصر ليس عاماً، فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصوص وهو الإهلاك بسبب المحاباة في الحدود فلا ينحصر في حد السرقة "لو أن فاطمة" رضي الله عنها "بنت محمد" صلى الله عليه وسلم "سرقت لقطعت يدها" وعند ابن ماجه عن محمد بن رمح شيخه في هذا الحديث سمعت الليث يقول عقب هذا الحديث قد أعاذها الله من أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول مثل هذا، فينبغي أن لا يذكر هذا الحديث في الاستدلال

(12/21)


4364- حدثنا عَبّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ وَ مُحمّدُ بنُ يَحْيَى قالا أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عنِ الزّهْرِيّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: "كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيّةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِقَطْعِ يَدِهَا - وَقَصّ نَحْوَ حَدِيثِ الّليْثِ قالَ - فَقَطَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَدَهَا" .
ـــــــ
ونحوه إلا بهذه الزيادة، وإنما خص صلى الله عليه وسلم فاطمة بالذكر لأنها أعز أهله عنده، فأراد المبالغة في تثبيت إقامة الحد على كل مكلف وترك المحاباة في ذلك. وفي الحديث منع الشفاعة في الحدود وهو مقيد بما إذا رفع إلى السلطان.
وعند الدارقطني من حديث الزبير مرفوعاً: "إشفعوا ما لم يصل إلى الوالي فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه".
قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان، وأن على السلطان إذا بلغته أن يقيمها. كذا في إرشاد الساري.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها" قال النووي: قال العلماء المراد أنها قطعت بالسرقة وإنما ذكرت العارية تعريفاً لها ووصفاً لها لا أنها سبب القطع.
قال: وقد ذكر مسلم هذا الحديث في سائر الطرق المصرحة بأنها سرقت وقطعت بسبب
ـــــــ
ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله حديث المخزومية ثم قال:
وهذا الحديث قد ذهب إليه الإمام أحمد وإسحاق.
وأعل بعض الناس الحديث بأن معمرا تفرد من بين سائر الرواة بذكر "العارية" في هذا الحديث. وأن الليث ويونس وأيوب بن موسى رووه عن الزهري، وقالوا "سرقت" ومعمر لا يقاومهم.
قالوا: ولو ثبت فذكر وصف العارية إنما هو للتعريف المجرد لا أنه سبب القطع فأما تعليله بما ذكر: فباطل.
فقد رواه أبو مالك عمرو بن هاشم الجنبي الكوفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "أن امرأة كانت تستعير الحلى للناس ثم تمسكه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتب هذه المرأة إلى الله ورسوله وترد ما تأخذ على القوم" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها" ذكره النسائي ورواه شعيب بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع بنحوه سواء ذكره النسائي أيضا وقال فيه: "لتتب هذه المرأة ولتؤدي ما عندها" مرارا فلم تفعل فأمر بها فقطعت.
وهو يبطل قول من قال: إن ذكر هذا الوصف للتعريف المجرد.
ورواه سفيان عن أيوب بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كانت مخزومية

(12/22)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوى ابنُ وَهْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ عنْ يُونُسَ عن الزّهْرِيّ وَقَالَ فِيهِ كَمَا قالَ اللّيْثُ إنّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ.
ـــــــ
السرقة فيتعين حمل هذه الرواية على ذلك جمعاً بين الروايات، فإنها قضية واحدة، مع أن جماعة من الأئمة قالوا هذه الرواية شاذة فإنها مخالفة لجماهير الرواة والشاذة لا يعمل بها.
قال العلماء: وإنما لم يذكر السرقة في هذه الرواية لأن المقصود منها عند الراوي ذكر منع الشفاعة في الحدود لا الإخبار عن السرقة. قال جماهير العلماء وفقهاء الأمصار لا قطع على من جحد العارية، وتأولوا هذا الحديث بنحو ما ذكرته.
وقال أحمد وإسحاق: يجب القطع في ذلك انتهى "وقص" أي ذكر وبين "نحو حديث الليث" يعني الحديث الذي قبله "فقطع النبي صلى الله عليه وسلم يدها" وفي رواية للبخاري ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها.
وفي حديث ابن عمر عند النسائي: قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها. ففي رواية ابي داوود مجاز.
قال المنذري: وأخرجه مسلم "وقال فيه كما قال الليث إن امرأة سرقت الخ" حاصله أن ابن وهب روى هذا الحديث وذكر فيه السرقة دون الاستعارة مثل رواية الليث المتقدمة "في غزوة الفتح" أي فتح مكة.
ـــــــ
تستعير متاعا وتجحده فرفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلم فيها فقال: "لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" ذكره النسائي.
ورواه بشر بن شعيب: أخبرني أبي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت استعارت امرأة على ألسنة أناس يعرفون وهي لا تعرف حليا فباعته وأخذت ثمنه فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وقال في آخره ثم قطع تلك المرأة ذكره النسائي أيضا.
ورواه هشام عن قتادة عن سعيد بن يزيد عن سعيد بن المسيب أن امرأة من بني مخزوم استعارت حليا على لسان أناس فجحدته فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت ذكره النسائي أيضا.
فقد صح الحديث ولله الحمد ولا تنافي بين ذكر جحد العارية وبين السرقة فإن ذلك داخل في اسم السرقة.
فإن هؤلاء الذين قالوا: إنها جحدت العارية وذكروا أن قطعها لهذا السبب قالوا إنها سرقت فأطلقوا على ذلك اسم السرقة.
فثبت لغة أن فاعل ذلك سارق وثبت شرعا أن حده قطع اليد.
وهذه الطريقة أولى من سلوك طريقة القياس في اللغة فيثبت كون الخائن سارقا لغة قياسا على السارق ثم يثبت الحكم فيه.

(12/23)


وَرَوَاهُ الليْثُ عنْ يُونُسَ عن ابنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ قالَ اسْتَعَارَتِ امْرَأَةٌ. وَرَوَى [رواه] مَسْعُودُ بنُ الأسْوَدِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ قالَ: "سَرَقَتْ قَطِيفَةً مِنْ بَيْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أبُو الزّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ: أنّ امْرَأَةً سَرَقَتْ، فَعَاذَتْ بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
قال المنذري: وحديث ابن وهب هذا الذي علقه أبو داوود أخرجه البخاري ومسلم والنسائي "ورواه الليث عن يونس عن ابن شهاب بإسناده قال استعارت امرأة".
قال المنذري: وهذا الذي علقه أيضاً قد ذكره البخاري تعليقاً ولم يذكر لفظه "سرقت قطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم" وعند ابن سعد من مرسل حبيب بن أبي ثابت أنها سرقت حلياً، وجمع بينهما بأن الحلي كان في القطيفة، والقطيفة هي كساء له خمل.
قال المنذري: وهذا الذي علقه أيضاً قد أخرجه ابن ماجه في سننه وفي إسناده محمد ابن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه "فعاذت بزينب" أي التجأت بها قال المنذري: وذكر
ـــــــ
وعلى ما ذكرناه يكون تناول اسم السارق للجاحد لغة بدليل تسمية الصحابة له سارقا.
ونظير هذا سواء: ما تقدم من تسمية نبيذ التمر وغيره خمرا، لغة لا قياسا.
وكذلك تسمية النباش سارقا.
وأما قولهم: إن ذكر جحد العارية للتعريف لا أنه المؤثر فكلام في غاية الفساد لو صح مثله وحاشى وكلا لذهب من أيدينا عامة الأحكام المترتبة على الأوصاف وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم ولا يردون بمثلها السنن وإنما يسلكها بعض المقلدين من الأتباع.
ولو ثبت أن جاحد العارية لا يسمي سارقا لكان قطعه بهذا الحديث جاريا على وفق القياس فإن ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر إذ يمكن الاحتراز من السارق بالإحراز والحفظ وأما العارية فالحاجة الشديدة التي تبلغ الضرورة ماسة إليها وحاجة الناس فيما بينهم إليها من أشد الحاجات ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى وجوبها وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين وأحد القولين في مذهب أحمد.
فترتيب القطع على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس وترك الباب هذا المعروف مفتوحا.
وأما إذا علم أن الجاحد لا يقطع فإنه يفضي إلى سد باب العارية في الغالب.
وسر المسألة: أن السارق إنما قطع دون المنتهب والمختلس لأنه لا يمكن التحرز منه بخلاف المنتهب والمختلس فإنه إنما يفعل ذلك عند عدم احتراز المالك.
وقد ذكرنا أن العارية فيما بين الناس أمر تدعو إليه الحاجة فلا يمكن سده والاحتراز منه فكان قطع اليد في جنايته كقطعها في جناية السرقة وبالله التوفيق.

(12/24)


وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ أيّوبَ بنِ مُوسَى عنِ الزّهْرِيّ عنْ عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ. وَاخْتَلَفَ عَلَى سفْيَانَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ تَسْتَعِيرُ وَقالَ بَعْضُهُمْ سَرَقَتْ وَقالَ شُعَيْبٌ عنِ الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ اسْتَعَارَتِ امْرَأَةٌ الْحَدِيث. وَقالَ إِسْمَاعِيلُ بنُ أُمَيّةَ وَإِسْحَاقُ بنُ رَاشدٍ جَمِيعاً عنِ الزّهْرِيّ: سَرَقَتْ مِنْ بَيْتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَسَاقَ نَحْوَهُ.
4365- حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ وَ مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ الأنْبَارِيّ قالا أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ زَيْدٍ نَسَبَهُ جَعْفَرٌ إلَى سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ بنِ عَمْرٍو بنِ نُفَيْلٍ عنْ مُحمّدِ ابنِ أبي بَكْرٍ عنْ عَمْرَةَ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلاّ الْحُدُودَ" .
ـــــــ
مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي الزبير عن جابر أن امرأة سرقت فعاذت بأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون عاذت بهما، فذكر الراوي مرة إحداهما ومرة الأخرى، والله عز وجل أعلم.
"ورواه سفيان بن عيينة" وهذه العبارة أي من قوله "ورواه سفيان بن عيينة" إلى قوله "سرقت من بيت النبي صلى الله عليه وسلم وساق نحوه، ليست في عامة النسخ من رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكرها المنذري، وإنما وجدت في بعض نسخ الكتاب.
قلت: حديث سفيان أخرجه البخاري في فضل أسامة وأخرجه النسائي في القطع وحديث شعيب بن أبي حمزة أخرجه النسائي في القطع عن عمران بن بكار عن بشر بن شعيب عن أبيه عن الزهري، وحديث إسماعيل بن أمية وإسحاق بن راشد عن الزهري أخرجه النسائي في القطع. قاله المزي في الأطراف.
"نسبه" أي عبد الملك بن زيد "جعفر" أي ابن مسافر "إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل" والحاصل أن جعفر بن مسافر قال في روايته هكذا عن عبد الملك بن زيد بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
وأما محمد بن سليمان فلم يقل هكذا بل قال عن عبد الملك بن زيد ولم ينسبه إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل "أقيلوا" أمر من الإقاله أي اعفوا "ذوي الهيئات" أي أصحاب المروءات والخصال الحميدة.
قال ابن الملك: الهيئة الحالة التي يكون عليها الإنسان من الأخلاق المرضية "عثراتهم" بفتحتين أي زلاتهم "إلا الحدود" أي إلا ما يوجب الحدود، والخطاب مع الأئمة وغيرهم من ذوي الحقوق ممن يستحق المؤاخذة والتأديب عليها، وأراد من العثرات ما يتوجب فيه التعزير

(12/25)


..............................
ـــــــ
لإضاعة حق من حقوق الله، ومنها ما يطالب به من جهة العبد فأمر الفريقين بذلك ندب واستحباب بالتجافي عن زلاتهم، ثم إن أريد بالعثرات الصغائر وما يندر عنهم من الخطايا فالاستثناء منقطع أو الذنوب مطلقاً وبالحدود ما يوجبها من الذنوب فهو متصل قاله القاري.
قال في مرقاة الصعود: هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني، وكانت انتهت إليه رياسة معرفة الحديث ببغداد على المصابيح للبغوي وزعم أنها موضوعة، فرد عليه الحافظ ابن حجر في كراسة.
وقال ابن عدي: هذا الحديث منكر بهذا الإسناد ولم يروه غير عبد الملك وقال المنذري: عبد الملك ضعيف.
قال الحافظ ابن حجر لم ينفرد به بل روى من حديث غيره أخرجه النسائي من طريق عطاف بن خالد عن عبد الرحمَن بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة، وعطاف فيه ضعف لكنه ليس بمتروك، فيتقوى أحد الطريقين بالآخر، وقد رواه النسائي من طريق آخر عن عمرة، وفيها اختلاف في الوصل والإرسال، وبدون هذا يرتفع الحديث عن أن يكون متروكاً فضلاَ عن أن يكون موضوعاً.
وقال الحافظ صلاح الدين العلائي: عبد الملك بن زيد هذا قال فيه النسائي لا بأس به ووثقه ابن حبان، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى لا سيما مع إخراج النسائي له، فإنه لم يخرج في كتابه منكراً ولا واهياً ولا عن رجل متروك.
قال الحافظ سعد الدين الزنجاني: إن لأبي عبد الرحمَن شرطاً في الرجال، أشد من شرط البخاري ومسلم فلا يجوز نسبة هذا الحديث إلى الوضع انتهى. وقال البيضاوي: المراد بذوي الهيئات أصحاب المروءات والخصال الحميدة، وقيل ذوو الوجوه من الناس. انتهى ما في مرقاة الصعود.
قال المنذري: وفي إسناده عبد الملك بن زيد العدوي وهو ضعيف الحديث وذكر ابن عدي أن هذا الحديث منكر بهذا الإسناد لم يروه غير عبد الملك بن زيد.
قلت: وقد روي هذا الحديث من وجه آخر ليس منها شيء يثبت انتهى كلام المنذري.

(12/26)


5- باب يعفى عن الحدود ما لم تبلغ السلطان :
4366- حدثنا سُليْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ قالَ سَمِعْتُ ابنَ جُرَيْجٍ
ـــــــ
"باب يعفى عن الحدود"
"تعافوا" أمر من التعافي، والخطاب لغير الأئمة "الحدود" أي تجاوزوا عنها ولا ترفعوها

(12/26)


يُحَدّثُ عنْ عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ [العاصي] أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "تَعَافُوْا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدَ فَقَدْ وَجَبَ" .
ـــــــ
إلي فإني متى علمتها أقمتها. قاله السيوطي "فما بلغني من حد فقد وجب" أي فقد وجب علي إقامته. وفيه أن الإمام لا يجوز له العفو عن حدود الله إذا رفع الأمر إليه، وهو بإطلاقه يدل على أن ليس للمالك أن يجري الحد على مملوكه بل يعفو عنه أو يرفع إلى الحاكم أمره فإنه داخل تحت هذا الأمر، وهو الاستحباب قاله القاري.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب.

(12/27)


6- باب الستر على أهل الحدود :
4367- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عنْ سُفْيَانَ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ يَزِيدَ بنِ نُعَيْمٍ عنْ أبِيهِ: " أنّ مَاعِزاً أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَقَرّ عِنْدَهُ أرْبَعَ مَرّاتٍ فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ، وَقالَ لِهَزّالٍ لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْراً لَكَ" .
4368- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ المُنْكَدِرِ: أنّ هَزّالاً أمَرَ مَاعِزاً أنْ يَأْتِيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَيُخْبِرَهُ.
ـــــــ
"باب الستر على أهل الحدود"
"عن يزيد بن نعيم" بالتصغير "عن أبيه" أي نعيم "أن ماعزاً " بن مالك الأسلمي "فأمر برجمه" أي فرجم "وقال" صلى الله عليه وسلم "لهزال" بتشديد الزاي، وهو اسم والد نعيم، وكان أمر ماعزاً أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره بما وقع منه "لو سترته" أي أمرته بالستر.
قال المنذري: وأخرجه النسائي. ونعيم هو ابن هزال الأسلمي، وقد قيل لا صحبة له، وإنما الصحبة لأبيه وصوبه بعضهم، وقد قيل: إن ماعزاً لقب واسمه عريب.
"عن ابن المنكدر" هو محمد "فيخبره" أي بما صنع، وإنما أمره بذلك رجاء أن يكون له مخرجاً كما في رواية عند المؤلف.
قال المنذري: هكذا ذكره أبو داوود عن ابن المنكدر عن هزال، وبعضهم يقول أن بين هزال وبين ابن المنكدر نعيم بن هزال.
وذكر النمري أن هزالاً روى عنه ابنه ومحمد بن المنكدر حديثاً واحداً قال ما أظن له غيره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا هزال لو سترته بردائك" وقال أبو القاسم البغوي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً، وذكر له هذا الحديث.

(12/27)


باب في صاحب الحد يجئ فيقر
...
7- باب في صاحب الحد يجيء فيقر :
4369- حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا الْفِرْيَابِيّ أخبرنا إسْرَائِيلُ أخبرنا سِمَاكُ بنُ حَرْبٍ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ وَائِلٍ عنْ أبِيهِ: "أنّ امْرَأَةً خَرَجَتْ عَلَى عَهْدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تُرِيدُ الصّلاَةَ فَتَلَقّاهَا رَجُلٌ فَتَجَلّلَها فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا فَصَاحَتْ وَانْطَلَقَ، وَمَرّ [فمر] عَلَيْهَا رَجُلٌ [رجل آخر] فَقالَتْ إنّ ذَاكَ [ذلك] فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، وَمَرّتْ عِصَابَةٌ منَ المُهَاجِرِينَ فَقَالَتْ إنّ ذَاكَ [ذلك] الرّجُلُ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، فَانْطَلَقُوا فَأَخَذُوا الرّجُلَ الذِي ظَنّتْ أنّهُ وَقَع عَلَيْهَا، فَأَتَوْهَا بِهِ فَقَالَتْ نَعَمْ هُوَ هَذَا فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم فَلَمّا أمَرَ بِهِ قامَ صَاحِبُهَا الّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا فقالَ يَا رَسُولَ الله أنَا صَاحِبُهَا، فَقالَ لَهَا اذْهَبِي فَقَدْ غَفَرَ الله لَكِ، وَقالَ لِلرّجُلِ قَوْلاً حَسَناً" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي الرّجُلَ المَأْخُوذَ، فَقَالَ لِلرّجُلِ الّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا ارْجُمُوهُ، فقَالَ لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أهْلُ المَدِينَةِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ.
ـــــــ
"باب في صاحب الحد يجيء فيقر"
"تريد الصلاة" حال أو استئناف تعليل "فتجللها" بالجيم فهو كناية عن الجماع قاله السيوطي.
وقال القاري أي فغشيها بثوبه فصار كالجل عليه "فقضى حاجته منها" قال القاضي أي غشيها وجامعها كنى به عن الوطء كما كنى عنه بالغشيان "وانطلق" ذلك الرجل الذي جللها "ومر عليها رجل" أي آخر "فقالت إن ذاك" أي الرجل الآخر "كذا وكذا" أي من الغشيان وقضاء الحاجة "عصابة" بكسر أوله أي جماعة "فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها" والحال أنه لم يقع عليها وكان ظنها غلطاً "فلما أمر به" أي بإقامة الحد عليه.
زاد في رواية الترمذي ليرجم، ولا يخفى أنه بظاهره مشكل إذ لا يستقيم الأمر بالرجم من غير إقرار ولا بينة، وقول المرأة لا يصلح بينه بل هي التي تستحق أن تحد حد القذف فلعل المراد فلما قارب أن يأمر به وذلك قاله الراوي نظراً إلى ظاهر الأمر حيث أنهم أحضروه في المحكم عند الإمام والإمام اشتغل بالتفتيش عن حاله والله تعالى أعلم. كذا في فتح الودود "أنا صاحبها" أي أنا الذي جللتها وقضيت حاجتي منها لا الذي أتوا به "فقال" صلى الله عليه وسلم "لها" أي للمرأة "فقد غفر الله لك" لكونها مكرهة "وقال للرجل" أي الذي أتوا به "يعني الرجل المأخوذ" والمراد بالرجل الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً حسناً هو الرجل المأخوذ الذي أتوا به "ارجموه" أي فرجموه لكونه محصناً "لقد تاب توبة" أي باعترافه أو بإجراء حده "لو تابها" أي لو تاب مثل توبته

(12/28)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أسْبَاطُ بنُ نَصْرِ أيْضاً عنْ سِمَاكٍ.
ـــــــ
"أهل المدينة" أي أهل بلد فيهم عشار وغيره من الظلمة قاله القاري "لقبل منهم" وقال ابن الملك لو قسم هذا المقدار من التوبة على أهل المدينة لكفاهم انتهى.
قال القاري: ولا يخفى أنه ليس تحته شيء من المعنى، فإن التوبة غير قابلة للقسمة والتجزئة، فأما ما ورد استغفروا لماعز بن مالك لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم فلعله محمول على المبالغة، أو على التأويل الذي ذكرنا انتهى.
قلت: ما قال ابن الملك هو الظاهر، ويؤيده ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في ماعز: "لقد تاب توبة لو قسمت" الخ، وأما ما زعم القاري من أن التوبة غير قابلة للقمسة ففيه نظر كما لا يخفى على المتأمل، ولا حاجة إلى التأويل مع استقامة المعنى الظاهر من الحديث، والله تعالى أعلم وعلمه أتم "رواه أسباط بن نصر أيضاً" أي كما رواه إسرائيل "عن سماك" أي ابن حرب.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن صحيح غريب وعلقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه بنحوه مختصراً، وقال الترمذي غريب، وليس إسناده بمتصل، وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه، وقال سمعت محمداً يعني البخاري يقول عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه ولا أدركه يقال أنه ولد بعد موت أبيه بأشهر.

(12/29)


8- باب في التلقين في الحد :
4370- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أبي المُنْذِرِ مَوْلَى أبي ذَرّ عنْ أبي أُمَيّةَ المَخْزُومِيّ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلُصَ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافاً وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتاعٌ، فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ؟ قالَ
ـــــــ
"باب في التلقين في الحد"
يقال لقنه الكلام فهمه إياه وقال له من فيه مشافهة.
"أتى" بصيغة المجهول "بلص" بتشديد الصاد. قال في القاموس: أي جيء بسارق "اعترف اعترافاً" أي أقر إقراراً صحيحاً "ولم يوجد معه متاع" أي من المسروق منه "ما إخالك" بكسر الهمزة وفتحها والكسر هو الأفصح وأصله الفتح قلبت الفتحة بالكسرة على خلاف القياس ولا يفتح همزتها إلا بنو أسد فإنهم يجرونها على القياس وهو من خال يخال أي ما أظنك "سرقت" قاله دراً للقطع.
قال في فتح الودود قيل أراد صلى الله عليه وسلم بذلك تلقين الرجوع عن الاعتراف "بلى" أي سرقت

(12/29)


بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ أوْ ثَلاَثاً، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ اسْتَغْفِرِ الله وَتُبْ إلَيْهِ، فَقَالَ: أسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إلَيْهِ. فَقَالَ: اللّهُمّ تُبْ عَلَيْهِ ثَلاَثاً" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَمْرُو بنُ عَاصِمٍ عنْ هَمّامٍ عنْ إسْحَاقَ بن عَبْدِ الله، قالَ: عنْ أبي أُمَيّةَ - رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ - عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"مرتين أو ثلاثاً" شك من الراوي "وجيء به" أي بالسارق "فقال" صلى الله عليه وسلم "استغفر الله" أي اطلب المغفرة من الله "اللهم تب عليه" أي اقبل توبته أو ثبته عليها.
قال الشوكاني في النيل: فيه دليل على مشروعية أمر المحدود بالاستغفار والدعاء له بالتوبة بعد استغفاره. قال وفيه دليل على أنه يستحب تلقين ما يسقط الحد.
"عن أبي أمية رجل من الأنصار" رجل بالجر بدل من أبي أمية. ومقصود المؤلف أنه روى حماد عن إسحاق بلفظ عن أبي أمية المخزومي وروى همام عن إسحاق بلفظ عن أبي أمية رجل من الأنصار.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وذكر الخطابي أن في إسناد هذا الحديث مقالاً، والحديث إذا رواه رجل مجهول لم يكن حجة، ولم يجب الحكم به. هذا آخر كلامه، فكأنه يشير إلى أن أبا المنذر مولى أبي ذر لم يرو عنه إلا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة من رواية حماد بن مسلمة عنه.

(12/30)


9- باب في الرجل يعترف بحد ولا يسميه :
4371- حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عنِ الأوْزَاعِيّ قالَ حدّثني أبُو عَمّارٍ قالَ حدّثني أبُو أُمَامَةَ: "أنّ رَجُلاً أتَى رَسُولَ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم فقالَ: يَا رَسُولَ الله إنّي أصَبْتُ حَدّا فأَقِمْهُ عَلَيّ. قالَ: تَوَضّأْتَ حِينَ أقْبَلْتَ؟ قالَ: نَعَمْ،
ـــــــ
"باب في الرجل يعترف بحد ولا يسميه"
أي لا يبينه أي حد هو مثلاً أن يقول إني أصبت حداً لو وجب على حد أو نحو ذلك من غير أن يصرح باسم ذلك الحد.
"حدثني أبو أمامة" هو صدى بن عجلان الباهلي رضي الله عنه "أن رجلاً" هو أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري كما سيظهر لك في كلام المنذري "إني أصبت حداً" قال العلماء: هذا الرجل لم يفصح بما يوجب الحد ولعله كان بعض الصغائر فظن بأنه يوجب الحد عليه،

(12/30)


قَالَ: هَلْ صَلّيْتَ مَعَنَا حِينَ صَلّيْنَا؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: اذْهَبْ فإنّ الله قَدْ عَفَا عَنْكَ" .
ـــــــ
فلم يكشفه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى التعرض عنه لإقامة الحد عليه توبة، وفيه ما يضاهي قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} في قوله صليت معنا.
ولفظ رواية البخاري "أليس قد صليت معنا" قاله السيوطي "توضأت" بحذف حرف الاستفهام "حين أقبلت" أي إلى "قال" ذلك الرجل "نعم" أي توضأت حين أقبلت "فإن الله قد عفا عنك" أي لأن الحسنات يذهبن السيئات.
قال القسطلاني: ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم اطلع بالوحي على أن الله تعالى قد غفر له لكونها واقعة عين، وإلا لكان يستفسره عن الحد ويقيم عليه. قاله الخطابي.
وجزم النووي وجماعة أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر بدليل قوله: إنه كفرته الصلاة بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي مختصراً ومطولاً، وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود، وسيأتي في الجزء الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى وهذا الرجل هو أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري السلمي، قيل يحتمل أن يكون ذكر الحد ها هنا عبارة عن الذنب لا على حقيقة ما فيه حد من الكبائر إذ أجمع العلماء أن التوبة لا يسقط حداً من حدود الله إلا المحاربة فلما لم يحده النبي صلى الله عليه وسلم دل على أنه كان مما لا حد فيه لأن الصلاة إنما تكفر غير الكبائر، وقيل هو على وجهه وإنما لم يحده لأنه لم يفسر الحد فيما لزمه فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستفسره لئلا يجب عليه الحد. قالوا وفيه حجة على ترك الاستفسار وأنه لا يلزم الإمام إذا كان محتملاً، بل قد يبه النبي صلى الله عليه وسلم المقر في غير هذا الحديث على الرجوع بقوله صلى الله عليه وسلم "لعلك لمست أو قبلت" مبالغة في الستر على المسلمين انتهى كلام المنذري.

(12/31)


10- باب في الامتحان بالضرب :
4372- حدثنا عَبْدُ الْوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ أخبرنا بَقِيّةُ أخبرنا صَفْوَانُ أخبرنا أزْهَرُ بنُ عَبْدِ الله الْحَرَازِيّ: "أنّ قَوْماً مِنَ الْكَلاَعِيّينَ سُرِقَ لَهُمْ مَتَاعٌ فَاتّهَمُوا أُنَاساً [ناسا] مِنَ
ـــــــ
"باب في الامتحان بالضرب"
أي امتحان السارق "أزهر بن عبد الله الحرازي" بفتح الحاء المهملة وخفة الراء وبزاي بعد الألف منسوب إلى حراز بن عوف "أن قوماً من الكلاعيين" نسبة إلى ذي كلاع بفتح كاف وخفة لام قبيلة من اليمن قاله السندي "سرق" بصيغة المجهول "من الحاكة" جمع حائك قال الجوهري: حاك الثوب يحوكه حوكاً وحياكة نسجه فهو حائك، وقوم حاكة وحَوَكة أيضاً

(12/31)


الْحَاكَةِ، فَأَتَوُا النّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ صَاحِبَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَحَبَسَهُمْ أيّاماً ثُمّ خَلّى سَبِيلُهُمْ، فَأَتَوُا النّعْمَانَ فقالُوا: خَلّيْتَ سَبِيلَهُمْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلاَ امْتِحَانِ، فقالَ النّعْمَانُ: مَا شِئْتُمْ إنْ شِئْتُمْ أنْ أضْرِبَهُمْ، فإنْ خَرَجَ مَتَاعُكُمْ فَذَاكَ وَإِلاّ أخَذْتُ مِنْ ظُهُورِكُم [أخذت حدا من ظهوركم] مِثْلَ مَا أخَذْتُ مِنْ ظُهُورِهِمْ، فقالُوا: هَذَا حُكْمُكَ؟ فقالَ: هَذَا حُكْمُ الله وَحُكْمُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: إنّمَا أرْهَبَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ، أي لا يَجِبُ الضّرْبُ إلاّ بَعْدَ الاعْتِرَافِ.
ـــــــ
"فحبسهم" أي الحاكةَ، والحبس للتهمة جائز وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه حبس رجلاً في تهمة قاله السندي.
والحديث الذي أشار إليه هو في سنن النسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس ناساً في تهمة ومن طريق أخرى حبس رجلاً في تهمة ثم خلى سبيله "فأتوا" أي القوم من الكلاعيين "ولا امتحان" عطف تفسير لغير ضرب "ما شئتم" أي أيّ شيء شئتم "وإلا" أي وإن لم يخرج متاعكم بعد الضرب "أخذت من ظهوركم" أي قصاصاً "من ظهورهم" أي الحاكة "قال أبو داوود الخ" هذه العبارة لم توجد إلا في بعض النسخ "إنما أرهبهم" أي أخاف النعمان الكلاعيين "بهذا القول" أي بقوله إن شئتم أن أضربهم إلخ "أي لا يجب الضرب إلا بعد الاعتراف" أي بعد إقرار السرقة وأما قبل الإقرار فلا، بل يحبس، قال السندي بعد ذكر قول أبي داوود هذا كني به أنه لا يحل ضربهم فإنه لو جاز لجاز ضربكم أيضاً قصاصاً انتهى. والحديث فيه دليل على أنه لا يجوز امتحان السارق بالضرب بل يحبس.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال.

(12/32)


11- باب ما يقطع فيه السارق :
4373- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ قالَ سَمِعْتُهُ
ـــــــ
باب ما يقطع فيه السارق
أي باب بيان القدر الذي يقطع فيه السارق.
واعلم أن إيجاب قطع يد السارق ثابت بالقرآن ولم يذكر في القرآن نصاب ما يقطع فيه، فاختلف العلماء، فذهب الجمهور إلى اشتراطه مستدلين بأحاديث الباب ونحوها، وذهب الحسن والظاهرية والخوارج إلى أنه لا يشترط بل يقطع في القليل والكثير لإطلاق قوله تعالى:

(12/32)


مِنْهُ عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْطَعُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً" .
4374- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ وَ وَهْبُ بنُ بَيَانٍ قالا أخبرنا ح. وأخبرنا ابنُ السّرْحِ قالَ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ قالَ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ وَ عَمْرَةَ عن
ـــــــ
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} الآية. وأجيب بأن الآية مطلق في جنس المسروق وقدره والحديث بيان لها، واستدلوا أيضاً ببعض الأحاديث التي لا يثبت منها عدم اشتراط النصاب البتة. والحق هو مذهب الجمهور، واختلفوا بعد اشتراطهم له على أقوال بلغت إلى عشرين قولاً، والذي قام الدليل عليه منها قولان: الأول: أن النصاب الذي تقطع به ربع دينار من الذهب وثلاثة دراهم من الفضة وهذا مذهب فقهاء الحجاز والشافعي وغيرهم. والثاني: أنه عشرة دراهم وهذا مذهب أكثر أهل العراق، والراجح من هذين القولين هو القول الأول، هذا تلخيص ما قاله صاحب السبل. قلت: وقد بين الحافظ في الفتح جميع الأقوال المختلفة في قدر النصاب بالتفصيل من أراد الاطلاع فليرجع إليه.
وقال النووي: واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره فقال أهل الظاهر: لا يشترط نصاب بل يقطع في القليل والكثير، وقال جماهير العلماء لا تقطع إلا في نصاب، ثم اختلفوا في قدر النصاب، فقال الشافعي النصاب ربع دينار ذهباً أو ما قيمته ربع دينار سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم أو أقل أو أكثر ولا يقطع في أقل منه، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث وأبي ثور وإسحاق وغيرهم، وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية: تقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما ولا قطع في ما دون ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تقطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك والصحيح ما قاله الشافعي وموافقوه لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح ببيان النصاب في هذه الأحاديث أي أحاديث مسلم من لفظه وأنه ربع دينار، وأما باقي التقديرات فمردودة لا أصل لها مع مخالفتها لصريح هذه الأحاديث، وأما ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت قطع في مجن قيمته عشرة دراهم فهي رواية ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة في التقدير بربع دينار، مع أنه يمكن حملها على أنه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقاً لا أنه شرط ذلك في قطع السارق انتهى ملخصا.
"عن عمرة" أي بنت عبد الرحمَن "كان يقطع" أي يد السارق "في ربع دينار فصاعداً" قال صاحب المحكم يختص هذا بالفاء ويجوز ثم بدلها، ولا تجوز الواو. وقال ابن جني هو منصوب على الحال المؤكدة أي ولو زاد، ومن المعلوم أنه إذا زاد لم يكن إلا صاعداً. والحديث دليل صريح لما ذهب إليه فقهاء الحجاز والشافعي وغيرهم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(12/33)


عَائِشَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً" .
قالَ أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: الْقَطْعُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً.
4375- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَطَعَ في مِجَنَ ثَمَنُهُ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ" .
4376- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرني
ـــــــ
"تقطع" بصيغة المجهول "يد السارق" أي جنسه فيشمل السارقة أو يعرف حكمها بنص الآية والمقايسة والمراد يمينه لقراءة ابن مسعود "فاقطعوا أيمانهما" والمراد إلى الرسغ. والسرقة هي أخذ مال خفية ليس للاَخذ أخذه من حرز مثله فلا يقطع مختلس ومنتهب وجاحد لنحو وديعة. وعند الترمذي مما صححه "ليس على المختلس والمنتهب والخائن قطع" "في ربع دينار" بضم الباء ويسكن "فصاعداً" أي فما فوقه. والحديث حجة للشافعي وغيره.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي "قال أحمد بن صالح" شيخ أبي داوود في روايته بلفظ "القطع في ربع دينار" قال الخطابي أي القطع الذي أوجبه بالسرقة فلذلك عرفه بأل ليعرف أنه إشارة لمعهود انتهى.
وحاصله أن الألف واللام في القطع للعهد.
"قطع في مجن" بكسر ميم وفتح جيم وتشديد النون وهي الجُنّةُ والترس مفعل من الاجتنان وهو الاستتار مما يحاذره المستتر وكسرت ميمه لأنه آلة "ثمنه ثلاثة دراهم" قال في النيل: رواية الربع دينار موافقة لرواية الثلاثة دراهم التي هي ثمن المجن كما في رواية النسائي أن تمن المجن كان ربع دينار وكما في رواية أحمد أنه كان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم. قال الشافعي: وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم، وذلك أن الصرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إثنا عشر درهماً بدينار وكان كذلك بعده. قال الشوكاني: وقد تقدم أن عمر فرض الدية على أهل الورق اثني عشر ألف درهم وعلى أهل الذهب ألف دينار. وأخرج ابن المنذر أنه أتى عثمان بسارق سرق اترجة فقومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع. قال وقد ذهب إلى ما تقتضيه أحاديث الباب من ثبوت القطع في ثلاثة دراهم أو ربع دينار الجمهور من السلف والخلف ومنهم الخلفاء الأربعة، واختلفوا فيما يقوّم به ما كان من غير الذهب والفضة، فذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يكون التقويم بالدراهم لا بربع الدينار إذا كان الصرف مختلفاً. وقال الشافعي الأصل في تقويم الأشياء هو الذهب لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها حتى قال إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(12/34)


إِسْمَاعِيلُ ابن أُمَيّةَ أنّ نَافِعاً مَوْلَى عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ حَدّثَهُ أنّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ حَدّثَهُمْ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ سَرَقَ تُرْساً مِنْ صُفّةِ النّسَاءِ ثَمَنُهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ" .
4377- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ مُحمّدُ بنُ أبي السّرِيّ الْعَسْقَلاَنِيّ وَهَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ أتَمّ، قالا أخبرنا ابنُ نُمَيْرٍ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن أيّوبَ بنِ مُوسَى عن عَطَاء عن ابنِ عَبّاسِ قالَ: "قَطَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَ رَجُلٍ في مِجَنَ قِيمَتُهُ دِينَارٌ أوْ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ وَسَعْدَانُ بنُ يَحْيَى عن ابنِ إسْحَاقَ بإسْنَادِهِ.
ـــــــ
"أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع" قال الحافظ معناه أمر لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يباشر القطع بنفسه. قال وقد تقدم أن بلالاً هو الذي باشر قطع يد المخزومية فيحتمل أن يكون هو الذي كان موكلاً بذلك ويحتمل غيره انتهى "سرق ترساً" بضم المثناة الفوقية وسكون الراء وهو المجن، وفي رواية أحمد برنساً بدل ترساً والبرنس قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه مُلْتَزِق به من دُرّاعة أو جبة أو غيره "من صفة النساء" بضم الصاد وتشديد الفاء أي الموضع المختص بهن من المسجد. وصفة المسجد موضع مظلل منه قاله الشوكاني.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي بمعناه.
"وهذا لفظه" أي محمد بن أبي السرى "وهو أتم" أي لفظ رواية محمد بن أبي السرى أتم من لفظ رواية عثمان بن أبي شيبة "قيمته دينار أو عشرة دراهم" احتج به أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه وسائر فقهاء العراق على أن النصاب الموجب للقطع هو عشرة دراهم ولا قطع في أقل من ذلك. وأخرجه البيهقي والطحاوي بلفظ "كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم عشرة دراهم" وأخرجه نحو ذلك النسائي. وأخرج البيهقي عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم" وأخرج النسائي عن عطاء مرسلاً "أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن قال وثمنه عشرة دراهم" قالوا وهذه الرواية في تقدير ثمن المجن أرجح من الروايات التي فيها ربع دينار أو ثلاثة دراهم وإن كانت أكثر وأصح ولكن هذه أحوط والحدود تدفع بالشبهات، فهذه الروايات كأنها شبهة في العمل بما دونها وروي نحو ذلك عن ابن العربي قال وإليه ذهب سفيان مع جلالته، ويجاب بأن الروايات المرويه عن ابن عباس وابن عمرو بن العاص في إسنادها جميعاً محمد بن إسحاق وقد عنعن ولا يحتج بمثله إذا جاء بالحديث معنعناً فلا يصلح لمعارضة ما في الصحيحين عن ابن عمر وعائشة. وقد تعسف الطحاوي فزعم أن حديث عائشة مضطرب ثم بين الاضطراب بما يفيد بطلان قوله، وقد استوفى صاحب الفتح الرد عليه. وأيضاً حديث ابن عمر حجة

(12/35)


..................................
ـــــــ
مستقلة، ولو سلمنا صلاحية روايات تقدير ثمن المجن بعشرة دراهم لمعارضة الروايات الصحيحة لم يكن ذلك مفيداً للمطلوب أعني عدم ثبوت القطع فيما دون ذلك لما في الباب من إثبات القطع في ربع الدينار وهو دون عشرة دراهم، فيرجع إلى هذه الروايات ويتعين طرح الروايات المتعارضة في ثمن المجن، وبهذا يلوح لك عدم صحة الاستدلال بروايات العشر الدراهم عن بعض الصحابة على سقوط القطع فيما دونها وجعلها شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات لما سلف كذا في النيل.
قال المنذري: وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه.

(12/36)


12- باب ما لا قطع فيه :
4378- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكِ بنِ أنَس عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن مُحمّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبّانَ: "أنّ عَبْداً سَرَقَ وَدِيّا مِنْ حَائِطٍ رَجُلٍ فَغَرَسَهُ في حَائِطِ سَيّدِهِ فَخَرَجَ صَاحِبُ الْوَدِيّ يَلْتَمِسُ وَدِيّهُ فَوَجَدَهُ، فَاسْتَعْدَى عَلَى الْعَبْدِ مَرْوَانَ بنَ الْحَكَمِ وَهُوَ أمِيرُ المَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ فَسَجَنَ مَرْوَانُ الْعَبْدَ وَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ فَانْطَلَقَ سَيّدُ الْعَبْدِ إلَى رَافِعِ بن خَدَيْجٍ فَسَأَلَهُ عنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لاَ قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ. فَقَالَ الرّجُلُ إنّ مَرْوَانَ أخَذَ غُلاَمِي وَهُوَ يُرِيدُ قَطْعَ يَدِهِ وَأَنَا أُحِبّ أنْ تَمْشِيَ مَعَي إلَيْهِ فَتُخْبِرَهُ بِالّذِي سَمِعْتَ [سمعته] مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَمَشَى مَعَهُ رَافِعُ بنُ
ـــــــ
"باب ما لا قطع فيه"
"أن عبداً سرق ودياً" بفتح الواو وكسر الدال وتشديد الياء ما يخرج من أصل النخل فيقطع من محله ويغرس في محل آخر "من حائط رجل" أي بستانه "يلتمس" أي يطلب "فاستعدى على العبد مروان بن الحكم" يقال إستعدى فلان الأمير على فلان أي استعان فأعداه عليه أي نصره، والاستعداء طلب المعونة كذا في المغرب "وهو" أي مروان "أمير المدينة" أي من جهة معاوية رضي الله عنه "فسجن" أي حبس "إلى رافع بن خديج" بفتح الخاء وكسر الدال صحابي مشهور "فأخبره" أي أخبر رافعٌ سَيّدَ العبد "أنه" أي رافع "لا قطع في ثمر" بفتحتين. قال الخطابي قال الشافعي ما علق بالنخل قبل جذه وحرزه. قال القاري: هو يطلق على الثمار كلها ويغلب عندهم على ثمر النخل وهو الرطب ما دام على رأس النخل. وقال في النهاية الثمر الرطب ما دام على رأس النخل فإذا قطع فهو الرطب فإذا كنز فهو التمر "ولا كثر" بفتحتين الجمار بضم الجيم وتشديد الميم في آخره راء مهملة. قال الجوهري هو شحم النخل "فقال الرجل" أي سيد العبد "وهو يريد قطع يده" أي بسبب سرقته "إليه" أي إلى مروان

(12/36)


خَدِيجٍ حَتّى أتَى مَرْوَانَ بنَ الْحَكَمِ فقَالَ لَهُ رَافِعٌ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ، فَأَمَرَ مَرْوَانُ بالْعَبْدِ فَأُرْسِلَ" . قالَ أبُو دَاوُدَ: الْكَثَرُ الْجُمّارُ.
4379- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا يَحْيَى عنْ مُحمّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبّانِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قالَ: فَجَلَدَهُ مَرْوَانُ جَلَدَاتٍ، وَخَلّى سَبِيلَهُ.
4380- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عنِ ابنِ عَجْلاَنَ عنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ سُئِلَ عنْ التّمْر المُعَلّقِ فقَالَ: مَنْ أصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتّخِذٍ خُبْنَةً فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْء مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ [مثله] وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئاً بَعْدَ أنْ
ـــــــ
"فأرسل" أي أطلق من السجن "قال أبو داوود الكثر الجمار" وهو شحمه الذي في وسط النخلة وهو يؤكل، وقيل هو الطلع أول ما يبدو وهو يؤكل أيضاً. قال في شرح السنة: ذهب أبو حنيفة إلى ظاهر هذا الحديث فلم يوجب القطع في سرقة شيء من الفواكه الرطبة سواء كانت محرزة أو غير محرزة وقاس عليه اللحوم والألبان والأشربة، وأوجب الآخرون القطع في جميعها إذا كان محرزاً، وهو قول مالك والشافعي، وتأول الشافعي على الثمار المعلقة غير المحرزة وقال نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها، والدليل عليه حديث عمرو بن شعيب، وفيه دليل على أن ما كان منها محرزاً يجب القطع بسرقته انتهى. قلت: ويجيء بعض الكلام في هذه المسألة في حديث عمرو بن شعيب الآتي.
"فجلده مروان جلدات" أي تعزيراً وتأديباً "وخلى سبيله" أي أطلقه وأرسله.
قال المنذري: وأخرجه النسائي مختصراً. وذكر الشافعي رضي الله عنه في القديم أنه مرسل يعني بين محمد بن يحيى ورافع بن خديج، وحدث به الإمام الشافعي عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم موصولاً وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة موصولا مختصراً كذلك، وذُكر الترمذي أن الإمام مالك بن أنس وغيره رضي الله عنهم لم يذكروا عن واسع بن حبان، وحبان بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف نون "عمرو بن شعيب" بن محمد بن عبد الله بن عمرو "عن أبيه" شعيب "عن جده" أي جد شعيب "عبد الله بن عمرو" بدل من جده "من أصاب بفيه" أي بفمه "غير متخذ خبنة" بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة بعدها نون. قال في النهاية: الخبنة معطف الإزار وطرف الثوب أي لا يأخذ منه في ثوبه، يقال أخبن الرجل إذا أخبأ شيئاً في خبنة ثوبه أو سراويله انتهى "ومن خرج بشيء" الباء للتعدية "منه" أي من الثمر المعلق "فعليه غرامة مثليه" بصيغة التثنية وفي بعض النسخ "مثله"

(12/37)


يُؤْوِيَهُ الْجَرِينَ فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: الْجَرينُ الْجُوخَانُ.
ـــــــ
بالإفراد "والعقوبة" عطف على غرامة ولم يفسر العقوبة في هذه الرواية لكن جاء في روايات أخرى تفسيرها، ففي رواية أحمد والنسائي "ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال" وزاد النسائي في آخره "وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال" وكذلك في رواية البيهقي "بعد أن يؤويه الجرين" بفتح الجيم وكسر الراء موضع مجمع فيه التمر للتجفيف وهو له كالبيدر للحنطة "ومن سرق دون ذلك إلخ" أي دون بلوغ ثمن المجن وهذه العبارة لم توجد في بعض النسخ "قال أبو داوود، الجرين الجوخان" قال الجوهري الجوخان الجرين بلغة أهل البصرة انتهى قال الطيبي: فإن قلت كيف طابق هذا جواباً عن سؤاله عن التمر المعلق فإنه سئل هل يقطع في سرقة التمر المعلق وكان ظاهر الجواب أن يقال لا، فلم أطنب ذلك الإطناب؟ قلت ليجيب عنه معللاً كأنه قيل لا يقطع لأنه لم يسرق من الحرز وهو أن يؤويه الجرين. ذكره القاري.
قال في السبل: وفي الحديث مسائل الأولى أنه إذا أخذ المحتاج بفيه لسد فاقته فإنه مباح له، والثانية أنه يحرم عليه الخروج بشيء منه فإن خرج بشيء منه فلا يخلو أن يكون قبل أن يجذ ويأويه الجرين أو بعده، فإن كان قبل الجذ فعليه الغرامة والعقوبة وإن كان بعد القطع وإيواء الجرين فعليه القطع مع بلوغ المأخوذ النصاب لقوله صلى الله عليه وسلم فبلغ ثمن المجن إلى أن قال: والرابعة أخذ منه اشتراط الحرز في وجوب القطع لقوله صلى الله عليه وسلم بعد أن يأويه الجرين انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه، وقال الترمذي حسن، وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب، وقد تقدم الكلام على العقوبة في الأموال في كتاب الزكاة.

(12/38)


13- باب القطع في الخلسة والخيانة :
4381- حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ بَكْرٍ أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ قالَ قالَ أبُو
ـــــــ
"باب القطع في الخلسة"
بضم الخاء وسكون اللام. قال في القاموس الخلس السلب كالخليسي والاختلاس والاسم منه الخلسة بالضم انتهى. والاختلاس أخذ الشيء من ظاهر بسرعة ليلاً كان أو نهاراً.
وفي النهاية الخلسة ما يؤخذ سلباً ومكابرة انتهى "والخيانة" وهو أخذ المال خفية وإظهار النصح للمالك.

(12/38)


الزّبَيْرِ قالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ الله قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى المُنْتَهِبِ قَطْعٌ وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً مَشْهُورَةً فَلَيْسَ منّا" .
وَبِهَذَا الإسْنَادِ قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ" .
4382- حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أنبأنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عن ابن جُرَيْجٍ عنْ أبي الزّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ زَادَ: "وَلاَ عَلَى المُخْتَلِسِ قَطْعٌ".
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَمْ يَسْمَعْهُمَا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ أبي الزّبَيْرِ وَبَلَغَنِي
ـــــــ
وقال في المرقاة هو أن يؤتمن على شيء بطريق العارية والوديعة، فيأخذه ويدعي ضياعه أو ينكر أنه كان عنده وديعة أو عارية.
"ليس على المنتهب" النهب هو الأخذ على وجه العلانية قهراً "قطع" والنهب وإن كان أقبح من الأخذ سراً، لكن ليس عليه قطع لعدم إطلاق السرقة عليه "ومن انتهب نهبة" بضم النون المال الذي ينهب ويجوز أن يكون بالفتح ويراد بها المصدر "مشهورة" أي ظاهرة غير مخفية صفة كاشفة "فليس منا" أي من أهل طريقتنا أو من أهل ملتنا زجراً "وبهذا الإسناد" أي المذكور "ليس على الخائن قطع" الخيانة الأخذ مما في يده على وجه الأمانة.
قال في القاموس: الخون أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح، خانه خوناً وخيانة ومخانة واختانه فهو خائن."بمثله" أي بمثل الحديث السابق "ولا على المختلس" الاختلاس هو أخذ الشيء من ظاهر بسرعة.
والحديث دليل على أنه لا يقطع المنتهب والخائن والمختلس. قال ابن الهمام من الحنفية في شرح الهدايه وهو مذهبنا وعليه باقي الأئمة الثلاثة، وهو مذهب عمر وابن مسعود وعائشة، ومن العلماء من حكى الإجماع على هذه الجملة، لكن مذهب إسحاق بن راهويه ورواية عن أحمد في جاحد العارية أنه يقطع انتهى.
قال النووي: قال القاضي عياض: شرع الله تعالى إيجاب القطع على السارق ولم يجعل ذلك في غيرها كالاختلاس والانتهاب والغصب لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستغاثة إلى ولاة الأمور وتسهيل إقامة البينة عليه بخلافها، فيعظم أمرها، واشتدت عقوبتها، ليكون أبلغ في الزجر عنها.
"هذان الحديثان" أي حديث محمد بن بكر وحديث عيسى بن يونس "لم يسمعهما ابن جريج عن أبي الزبير الخ" وفي رواية لابن حبان عن ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير عن جابر وليس فيه ذكر الخائن.

(12/39)


عنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ أنّهُ قالَ إنّمَا سَمِعَهُمَا ابنُ جُرَيْجٍ مِنْ يَاسِينَ الزّيّاتِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَوَاهُمَا المُغِيرَةُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ أبي الزّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
ورواه ابن الجوزي في العلل من طريق مكي بن إبراهيم عن ابن جريج وقال لم يذكر فيه الخائن غير مكي.
قال الحافظ قد رواه ابن حبان من غير طريقه أخرجه من حديث سفيان عن أبي الزبير عن جابر بلفظ "ليس على المختلس ولا على الخائن قطع" .
وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه لم يسمعه ابن جريج من أبي الزبير إنما سمعه من ياسين الزيات وهو ضعيف.
وكذا قال أبو داوود وزاد وقد رواه المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر وأسنده النسائي من حديث المغيرة.
ورواه عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير وأعله ابن القطان بأنه من معنعن أبي الزبير عن جابر وهو غير قادح فقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج، وفيه التصريح بسماع أبي الزبير له من جابر، وله شاهد من حديث عبد الرحمَن بن عوف رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وآخر من رواية الزهري عن أنس أخرجه الطبراني في الأوسط في ترجمة أحمد بن القاسم، ورواه ابن الجوزي في العلل من حديث ابن عباس وضعفه. قاله الحافظ في التلخيص.
وقال الشوكاني وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً ولاسيما بعد تصحيح الترمذي وابن حبان لحديث الباب.
قال المنذري: وحديث المغيرة بن مسلم الذي ذكره أبو داوود معلقاً قد أخرجه النسائي في سننه مسنداً وياسين الزيات هو أبو خلف ياسين بن معاذ الكوفي وأصله يمامي لا يحتج بحديثه. والمغيرة بن مسلم هو السراج خراساني كنيته أبو سلمة قال ابن معين صالح الحديث صدوق، وقال أبو داوود الطيالسي أخبرنا المغيرة بن مسلم وكان صدوقاً مسلماً. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح.
ولفظ الترمذي والنسائي "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع" .
ولفظ ابن ماجه في موضع: "من انتهب نهبة مشهورة فليس منا" .
وفي موضع: "لا يقطع الخائن ولا المنتهب ولا المختلس" .

(12/40)


........................
ـــــــ
قال أبو عبد الرحمَن النسائي: وقد روى هذا الحديث عن ابن جريج عيسى بن يونس والفضل بن موسى وابن وهب ومحمد بن ربيعة ومخلد بن يزيد وسلمة بن سعيد فلم يقل أحد منهم فيه حدثني أبو الزبير ولا أحسبه سمعه من أبي الزبير والله أعلم. هذا آخر كلامه.
وقد صححه الترمذي من حديث ابن جريج عن أبي الزبير وهذا يدل على أنه تحقق اتصاله وقد حدث به عن أبي الزبير المغيرة بن مسلم وأشار إليه أيضاً الترمذي. والمغيرة ابن مسلم صدوق. انتهى كلام المنذري.

(12/41)


14- باب في من سرق من حرز :
4383- حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ حدثنا عَمْرُو بنُ حَمّادِ بنِ طَلْحَةَ أخبرنا أسْبَاطٌ عنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عنْ حُمَيْدٍ بنِ أخْتِ صَفْوَانَ عنْ صَفْوَانَ بنِ أُمَيّةَ قالَ: "كُنْتُ نَائِماً فِي المَسْجِدِ عَلَى خَمِيصَةٍ لِي ثَمَنُ ثَلاَثِينَ دِرْهَما فَجَاءَ رَجُلٌ فَاخْتَلَسَها
ـــــــ
"باب في من سرق من حرز"
واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية أن يكون السرقة في حرز، فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى أنه لا يشترط، وذهب الجمهور إلى اشتراطه وقال ابن بطال: الحرز مأخوذ في مفهوم السرقة لغة.
وقال صاحب القاموس: السرقة والاستراق المجيء مستتراً لأخذ مال غيره من حرز.
"عن حميد" هو ابن حجير بضم الحاء المهملة في كليهما "ابن أخت صفوان" بن أمية بن خلف القرشي المكي.
قال الزيلعي: وحميد هذا لم يرو عنه إلا سماك ولم ينبه عليه المنذري.
وقال الحافظ عبد الحق في أحكامه: رواه سماك بن حرب عن حميد بن أخت صفوان عن صفوان بن أمية، ورواه عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن صفوان ورواه أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه عمرو بن دينار عن طاوس عن صفوان، ذكر هذه الطرق النسائي، ورواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد الله بن صفوان أن صفوان روى من غير هذا الوصف ولا أعلمه يتصل من وجه صحيح انتهى.
وقال ابن القطان في كتابه: حديث سماك فضعيف بحميد المذكور، فإنه لا يعرف في غير هذا، وقد ذكره ابن أبي حاتم بذلك ولم يزد عليه، وذكره البخاري فقال إنه حميد بن حجير ابن أخت صفوان بن أمية ثم ساق له هذا الحديث وهو كما قلنا مجهول الحال انتهى "كنت نائماً في المسجد على خميصة لي" وفي الرواية الآتية فنام في المسجد وتوسد رداءه.

(12/41)


مِنّي، فَأُخِذَ الرّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأُمِرَ بِهِ لِيُقْطَعَ قالَ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ أتَقْطَعُهُ مِنْ أجْلِ ثَلاَثِينَ دِرْهماً؟ أنَا أبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا قالَ: فَهَلاّ كَانَ هَذَا قَبْلَ أنْ تَأْتِينِي [يأتيني] بِهِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ زَائِدَة عنْ سِمَاكٍ عنْ جُعَيْدِ بنِ حُجَيْرٍ قالَ نَامَ صَفْوَانُ. وَرَوَاهُ
ـــــــ
قال في القاموس: الخميصة كساء أسود مربع له علمان "فاختلسها" أي سلبها بسرعة "فأخذ" بصيغة المجهول "الرجل" أي السارق "فأمر به ليقطع" أي بعد إقراره بالسرقة أو ثبوتها بالبينة "أبيعه" وفي بعض الروايات أنا أهبها له أو أبيعها له، وفي بعض الروايات يا رسول الله إني لم أرد هذا هو عليه صدقة "وأنسئه ثمنها" من الإنساء أي أبيع منه نسئة فيرتفع مسمى السرقة "قال" صلى الله عليه وسلم: "فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به" أي لم لا بعته قبل إتيانك به إلي، وأما الآن فقطعه واجب ولا حق لك فيه بل هو من الحقوق الخالصة للشرع ولا سبيل فيها إلى الترك. وفيه أن العفو جائز قبل أن يرفع إلى الحاكم. كذا ذكره الطيبي وتبعه ابن الملك.
وقال ابن الهمام: إذا قضى على رجل بالقطع في سرقة فوهبها له المالك وسلمها إليه أو باعها منه لا يقطع.
وقال زفر والشافعي وأحمد يقطع وهو رواية عن أبي يوسف لأن السرقة قد تمت انعقاداً بفعلها بلا شبهة وظهوراً عند الحاكم، وقضي عليه بالقطع ويؤيده حديث صفوان انتهى.
قال الشوكاني: وقد استدل بحديث صفوان هذا من قال بعدم اشتراط الحرز ويرد بأن المسجد حرز لما داخله من آلته وغيرها ولاسيما بعد أن جعل صفوان خميصته تحت رأسه، وأما جعل المسجد حرزاً لاَلته فقط فخلاف الظاهر ولو سلم ذلك كان غايته تخصيص الحرز بمثل المسجد ونحوه مما يستوي الناس فيه لما في ترك القطع في ذلك من المفسدة.
قال وأما التمسك بعموم آية السرقة أي على عدم اشتراط الحرز فلا ينتهض للاستدلال به لأنه عموم مخصوص بالأحاديث القاضية باعتبار الحرز انتهى. "قال أبو داوود" مقصود المؤلف من هذا الكلام بيان أمرين الأول بيان الاختلاف في بعض ألفاظ المتن، والثاني ذكر اختلاف الأسانيد، فمنهم من رواه متصلاً ومنهم من رواه مرسلاً "عن جعيد" بالجيم ثم العين المهملة ثم الياء التحتية مصغراً "ابن حجير" بتقديم الحاء المهملة على الجيم مصغراً.
قال الحافظ في التقريب: حميد بن أخت صفوان وقيل اسمه جعيد مقبول، وفيه أيضاً حميد بن حجير بالتصغير هو ابن أخت صفوان انتهى "نام صفوان" بن أمية بن خلف الجمحي القرشي المكي صحابي من مسلمة الفتح.
والحاصل أن أسباط بن نصر الهمداني روى عن سماك بن حرب فقال عن حميد ابن

(12/42)


طَاوُسُ وَمُجَاهِدٌ: "أنّهُ كَانَ نَائِماً فَجَاءَ سَارِقٌ فَسَرَقَ خَمِيصَةً مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ" وَرَوَاهُ أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ قالَ: "فَاسْتَلّهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَاسْتَيْقَظَ فَصَاحَ بِهِ فَأُخِذَ" .
وَرَوَاهُ الزّهْرِيّ عنْ صَفْوَانَ بنِ عَبْدِ الله قالَ: "فَنَامَ فِي المَسْجِد وَتَوَسّدَ رِدَاءَهُ فَجَاءَ سَارِقٌ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَ السّارِقَ فَجَاءَ [فجيء] بِهِ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم" .
ـــــــ
أخت صفوان عن صفوان متصلاً، ورواه زائدة عن سماك فقال عن جعيد قال نام صفوان مرسلاً "ورواه طاوس" ورواية طاوس أخرجها النسائي من طريق حماد بن سلمة عن عمرو ابن دينار عن طاوس عن صفوان بن أمية: أنه سرقت خميصة من تحت رأسه وهو نائم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ اللص فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقطعه الحديث.
قال الإمام الحافظ بن القطان طريق عمرو بن دينار يشبه أنها متصلة.
قال ابن عبد البر: سماع طاوس من صفوان ممكن لأنه أدرك زمان عثمان.
وذكر يحيى القطان عن زهير عن ليث عن طاوس قال: أدركت سبعين شيخاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. كذا في نصب الراية.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص: طريق طاوس عن صفوان رجحها ابن عبد البر وقال: إن سماع طاوس من صفوان ممكن لأنه أدرك زمن عثمان.
وقال البيهقي: روي عن طاوس عن ابن عباس وليس بصحيح. انتهى.
"فاستله" من الاستلال، أي استخرجه بتأن وتدريج "ورواه الزهري عن صفوان بن عبد الله" بن صفوان بن أمية التابعي الثقة. وفي بعض نسخ الكتاب: صفوان عن عبد الله، وهو غلط. قال الحافظ المزي في الأطراف: رواه الزهري عن صفوان بن عبد الله قال: فنام في المسجد وتوسد رداءه. الحديث. والمحفوظ حديث مالك عن الزهري عن صفوان بن عبد الله وكذلك هو في الموطأ. انتهى.
قلت: لفظ الموطأ مالك عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد الله بن صفوان أن صفوان ابن أمية قيل له إنه من لم يهاجر هلك فقدم صفوان بن أمية المدينة فنام في المسجد النبوي وتوسد رداءه فجاء سارق فأخذ رداءه. الحديث.
قال الحافظ ابن عبد البر: رواه جمهور أصحاب مالك مرسلاً، ورواه أبو عاصم النبيل وحده عن مالك عن الزهري عن صفوان بن عبد الله عن جده فوصله، ورواه شبابة بن سوار عن مالك عن الزهري عن عبد الله بن صفوان عن أبيه. انتهى.
قلت: أخرجه ابن ماجه من طريق شبابة بن سوار عن مالك.
وقال الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق: حديث صفوان حديث

(12/43)


............................
ـــــــ
صحيح رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده من غير وجه عنه. انتهى.
"وتوسد رداءه" أي جعله وسادة بأن جعله تحت رأسه.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.

(12/44)


15- باب في القطع في العارية إذا جحدت :
84- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ وَ مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ المَعْنَى قالا أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ قالَ مَخْلَدٌ عنْ مَعْمَرٍ عنْ أيّوبَ عنْ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: "نّ امْرَأَةً مَخْزُومِيّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَا فَقُطِعَتْ يَدُهَا"
ـــــــ
"باب في القطع في العارية إذا جحدت"
بصيغة المجهول، أي فهل فيها القطع أم لا.
"أن امرأة مخزومية كانت.. الخ" وأخرجه مسلم عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. وأخرجه البخاري ومسلم عن يونس عن الزهري به أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح إلى أن قال: ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. وأخرجه الأئمة الستة عن الليث بن سعد عن الزهري به بهذا اللفظ. وأخرجه النسائي عن إسحاق بن راشد وإسماعيل بن أمية وابن عيينة وأيوب بن موسى كلهم عن الزهري به بهذا اللفظ، ولفظ العارية ليست عند البخاري قاله عبد الحق في الجمع بين الصحيحين.
وقال في أحكامه: قد اختلفت الرواية في قصة هذه المرأة، والذين قالوا سرقت أكثر من الذين قالوا استعارت. انتهى.
وأخرجه مسلم عن جابر "أن امرأة من بني مخزوم سرقت فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فعاذت بأم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "لو كانت فاطمة لقطعت يدها" فقطعت انتهى. وتقدم بعض البيان في باب الحد يشفع فيه.
قال الزيلعي: وذكر بعضهم أن معمر بن راشد تفرد بذكر العارية في هذا الحديث من بين سائر الرواة وأن الليث راوي السرقة تابعه عليها جماعة منهم يونس بن يزيد وأيوب بن موسى وسفيان بن عيينة وغيرهم فرووه عن الزهري كرواية الليث. وذكر أن بعضهم وافق معمراً في رواية العارية لكن لا يقاوم من ذكر، فظهر ان ذكر العارية إنما كان تعريفاً لها بخاص صفتها، إذ كانت كثيرة الاستعارة حتى عرفت بذلك كما عرفت بأنها مخزومية، واستمر بها هذا الصنيع حتى سرقت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعها.

(12/44)


...................................
ـــــــ
ومما يدل على صحة ذلك ما رواه ابن ماجه عن عائشة بنت مسعود بن الأسود عن أبيها قال: "لما سرقت المرأة تلك القطيعة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اعظمنا ذلك، وكانت امرأة من قريش، فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم نكلمه، إلى أن قال: أتينا أسامة فقلنا: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قام خطيباً فقال: "ما إكثاركم عليّ في حد من حدود الله وقع على أمة من إماء الله" الحديث، ولكن يخالفه ما سيأتي عند المؤلف من رواية الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: كان عروة يحدث، فذكر الحديث.
وقال الإمام الحافظ أبو محمد القاسم بن ثابت في كتابه غريب الحديث: عندي أن رواية معمر صحيحة لأنه حفظ ما لم يحفظ أصحابه ولموافقته حديث صفية بنت أبي عبيد، فذكره، والله أعلم.
"فقطعت يدها" فيه دليل على أنه يقطع جاحد العارية، وإليه ذهب من لم يشترط في القطع أن يكون من حرز وهو أحمد وإسحاق وانتصر له ابن حزم وذهب الجمهور إلى عدم وجوب القطع لمن جحد العارية، واستدلوا على ذلك بأن القرآن والسنة أوجبا القطع على السارق، والجاحد للوديعة ليس بسارق، ورد بأن الجحد داخل في اسم السرقة لأنه هو والسارق لا يمكن الاحتراز منهما بخلاف المختلس والمنتهب. كذا قال ابن القيم. ويجاب عن ذلك بأن الخائن لا يمكن الاحتراز عنه لأنه آخذ المال خفية مع إظهار النصح كما سلف، وقد دل الدليل على أنه لا يقطع.
وأجاب الجمهور عن هذا الحديث وعن مثله مما فيه ذكر الجحد دون السرقة بأن الجحد للعارية، وإن كان مروياً من طريق عائشة وابن عمر وغيرهما لكن ورد التصريح في الصحيحين وغيرهما بذكر السرقة، وقد سبق في رواية لأبي داوود أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقرر أن المذكورة قد وقع منها السرق، فذكر جحد العارية لا يدل على أن القطع كان له فقط، ويمكن أن يكون ذكر الجحد لقصد التعريف بحالها، وأنها كانت مشتهرة بذلك الوصف والقطع كان للسرقة. كذا قال الخطابي وتبعه البيهقي والنووي وغيرهما.
ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم في رواية عائشة المذكورة في باب الحد يشفع فيه: "إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف" الخ، فإن ذكر هذا عقب ذكر المرأة المذكورة يدل على أنه قد وقع منها السرق.
قال الشوكاني: ويمكن أن يجاب عن هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم نزل ذلك الجحد منزلة السرق فيكون دليلاً لمن قال إنه يصدق اسم السرق على جحد الوديعة. قال: ولا يخفى أن الظاهر من قوله في حديث ابن عمر بعد وصف القصة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يدها أن القطع كان

(12/45)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ جُوَيْرِيةُ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أوْ عنْ صَفِيّةَ بِنْتِ أبي عُبَيْدٍ. زَادَ فِيهِ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَامَ خَطِيباً فقَالَ هَلْ مِن امْرَأَةٍ تَائبَةٍ إلَى الله وَرَسُولِهِ ثَلاَثَ مَرّاتٍ وَتلْكَ شَاهِدَةٌ فَلَمْ تَقُمْ وَلَمْ تَكَلّم [تتكلم]" .
الَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابنُ غَنَجٍ عنْ نَافِعٍ عن صَفِيّةَ بِنْتِ أبي عُبَيْدٍ قالَ فِيهِ: "فَشَهِدَ عَلَيْهَا" .
4385- حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا أبُو صَالحٍ عن اللّيْثِ قالَ
ـــــــ
لأجل ذلك الجحد، ولا ينافي ذلك وصف المرأة في بعض الروايات بأنها سرقت فإنه يصدق على جاحد الوديعة بأنه سارق: قال: فالحق قطع جاحد الوديعة. انتهى ملخصاً. وقد سبق كلام النووي في هذه المسألة في الباب المذكور فتذكر، وعندي الراجح قول الجمهور. والله تعالى أعلم بالصواب.
"عن ابن عمر أو عن صفية بنت أبي عبيد" قال في التقريب: صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفية زوج ابن عمر، قيل لها أدراك وأنكره الدارقطني، وقال العجلي ثقة فهي من الثانية "هل من امرأة تائبة إلى الله ورسوله" قال في فتح الودود: هذا يقتضي أن جحد العارية دون السرقة فيقبل فيها التوبة "وتلك" أي المرأة المخزومية "شاهدة" أي حاضرة "ولم تكلم" بحذف إحدى التاءين وتمام الحديث على ما ذكره الإمام: أبو محمد القاسم بن ثابت في كتابه غريب الحديث عن صفية بنت أبي عبيد " أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الناس على المنبر والمرأة في المسجد، فقال صلى الله عليه وسلم: هل من امرأة تائبة إلى الله ورسول الله، فلم تقم تلك المرأة ولم تتكلم، فقال صلى الله عليه وسلم قم يا فلان فاقطع يدها لتلك المرأة فقطعها" .
قال الإمام أبو محمد وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم له ما ليس لغيره فيمن عصاه ورغب عن أمره انتهى. ذكره الزيلعي "رواه ابن غنج" بفتح المعجمة والنون بعدها جيم هو محمد بن عبد الرحمَن بن غنج المدني نزيل مصر مقبول من السابعة كذا في التقريب.
قال المنذري: قال البيهقي: والحديث الذي يروى عن نافع في هذه القصة كما روى معمر مختلف فيه عن نافع فقيل عنه عن ابن عمر أو عن صفية بنت أبي عبيد وقيل عنه عن صفية بنت أبي عبيد، وحديث الليث عن الزهري أولى بالصحة لما ذكرنا من توابعه والله أعلم يريد بحديث الليث الذي تقدم وفيه اليّ سرقت، ويريد بحديث معمر هذا الذي في أول هذا الباب وقد تقدم أيضاً. ويريد بتوابعه الأحاديث التي جاءت مصرحاً فيها بالسرقة وقد تقدم ذلك في باب الحد يشفع فيه والله أعلم.

(12/46)


حدّثني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قالَ: كَانَ عُرْوَةُ يُحَدّثُ أنّ عَائِشَةَ قَالَتْ: "اسْتَعَارَتِ امْرَأَةٌ - يَعني [تعني] حُلِيّا - عَلَى ألْسِنَةِ أُنَاسٍ يُعْرَفُونَ وَلاَ تُعْرَفُ هِيَ، فَبَاعَتْهُ فأُخِذَتْ فأُتِيَ بِهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا، وَهِيَ الّتِي شَفَعَ فيهَا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ فقالَ [وقال] فيهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ" .
4386- حدثنا عَبّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ وَ مُحمّدُ بنُ يَحْيَى قالا أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيّةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فأَمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِقَطْعِ يَدِهَا" ، وَقَصّ نَحْوَ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ عن اللّيْثِ عن ابنِ شِهَابٍ، زَادَ قالَ: "فَقَطَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَدَهَا" .
ـــــــ
"على ألسنة أناس يعرفون" بصيغة المجهول "ولا تعرف هي" بصيغة المجهول والمعنى أن امرأة استعارت على لسان أناس معروفين بين الناس وهي غير معروفة "فقال فيها" أي في شأنها "ما قال" ما موصولة يعني أتشفع في حد من حدود الله.
قال المنذري:وأخرجه النسائي.
"وقص نحو حديث قتيبة عن الليث" وحديث قتيبة هذا قد مر في باب الحد يشفع فيه.
قال المنذري: وقد تقدم.

(12/47)


16- باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا :
4387- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا [أنبأنا] حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن حَمّادٍ عن إِبراهِيمَ عن الأسْوَدِ عن عَائِشَةَ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثَلاَثَةٍ: عن النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وَعن المُبْتَلَى حَتّى يَبْرَأَ، وَعن الصّبِيّ حَتّى يَكْبُرَ" .
ـــــــ
"باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا"
"عن حماد" هو ابن أبي سليمان "رفع القلم عن ثلاثة" قال السيوطي نقلاً عن السبكي وقوله رفع القلم هل هو حقيقة أو مجاز فيه احتمالان، الأول وهو المنقول المشهور أنه مجاز لم يرد فيه حقيقة القلم ولا الرفع وإنما هو كناية عن عدم التكليف، ووجه الكناية فيه أن التكليف يلزم منه الكتابة كقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} وغير ذلك، ويلزم من الكتابة القلم لأنه آلة الكتابة فالقلم لازم للتكليف، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء ملزومه، فلذلك كنى بنفي القلم عن نفي الكتابة وهي من أحسن الكنايات وأتى بلفظ الرفع إشعاراً بأن التكليف

(12/47)


4388- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعمَشِ عن أبي ظَبْيَانَ
ـــــــ
لازم لبني آدم إلا هؤلاء الثلاثة وأن صفة الوضع ثابت للقلم لا ينفك عنه عن غير الثلاثة موضوعاً عليه.
والاحتمال الثاني أن يراد حقيقة القلم الذي ورد فيه الحديث "أول ما خلق الله القلم فقال له أكتب فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" . فأفعال العباد كلها حسنها وسيئها يجري به ذلك القلم ويكتبه حقيقة، وثواب الطاعات وعقاب السيئات يكتبه حقيقة، وقد خلق الله ذلك وأمر بكتبه وصار موضوعاً على اللوح المحفوظ ليكتب ذلك فيه جارياً إلى يوم القيامة. وقد كتب ذلك وفرغ منه وحفظ. وفعل الصبي والمجنون والنائم لا إثم فيه فلا يكتب القلم إثمه ولا التكليف به، فحكم الله بأن القلم لا يكتب ذلك من بين سائر الأشياء رفع للقلم الموضوع للكتابة والرفع فعل الله تعالى فالرفع نفسه حقيقة والمجاز في شيء واحد وهو أن القلم لم يكن موضوعاً على هؤلاء الثلاثة إلا بالقوة والنهي لأن يكتب ما صدر منهم، فسمى منعه من ذلك رفعاً، فمن هذا الوجه يشارك هذا الاحتمال الأول وفيما قبله يفارقه "حتى يستيقظ" قال السبكي: هو وقوله حتى يبرأ وحتى يكبر غايات مستقبلة والفعل المغيا بها قوله رفع ماض والماضي لا يجوز أن تكون غايته مستقبلة فلا تقول سرت أمس حتى تطلع الشمس غداً. قال: وجوابه بالتزام حذف أو مجاز حتى يصح الكلام فيحتمل أن يقدر رفع القلم عن الصبي فلا يزال مرتفعاً حتى يبلغ، أو فهو مرتفع حتى يبلغ، فيبقى الفعل الماضي على حقيقته، والمغيا محذوف به ينتظم الكلام، ويحتمل أن يقال ذلك في الغاية، وهي قوله حتى يبلغ أي إلى بلوغه فيشمل ذلك من كان صبياً فبلغ في ماض ومن هو صبي الآن ويبلغ في مستقبل ومن يصير صبياً ويبلغ بعد ذلك، فهذه الحالات كلها في التقدير أما في التجوز في الفعل الثاني أو الفعل الأول أو الحذف راجعة إلى معنى واحد وهو الحكم برفع القلم للغاية المذكورة.
وفي ابن ماجه يرفع بلفظ الآتي فلا يرد السؤال على هذه الرواية.
قال السيوطي وأفضل من هذا الطول والتكلف كله أن رفع بمعنى يرفع من وضع الماضي موضع الآتي وهو كثير كقوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} "وعن المبتلي" وفي الرواية الآتية عن المجنون فالمراد بالمبتلي المبتلي بالجنون "حتى يبرأ" وفي الرواية الآتية حتى يفيق "وعن الصبي" قال السبكي: الصبي الغلام، وقال غيره الولد في بطن أمه يسمى جنيناً فإذا ولد فصبي فإذا فطم فغلام إلى سبع ثم يصير يافعاً إلى عشر ثم حزوراً إلى خمس عشرة. والذي يقطع به أنه يسمى صبياً في هذه الأحوال كلها قاله السيوطي "حتى يكبر" قال السبكي: ليس فيها من البيان ولا في قوله حتى يبلغ ما في الرواية الثالثة حتى يحتلم، فالتمسك بها أولى لبيانها وصحة سندها.

(12/48)


عن ابنِ عَبّاسِ قال: "أُتِيَ عُمَرُ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ فاسْتَشَارَ فيهَا أُنَاساً، فأَمَرَ بِهَا عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ أنْ تُرْجَمَ، فَمَرّ بِهَا عَلِيّ بنُ أبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ الله عَلْيهِ [فمر بها على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه] فقالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قالُوا: مَجْنُونَةُ بَنِي فُلاَنٍ زَنَتْ فأَمَرَ بِهَا عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ أنْ تُرْجَمَ. قالَ فقالَ: ارْجِعُوا بِهَا. ثُمّ أتَاهُ فقالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أمَا عَلِمْتَ أنْ الْقَلَمَ رُفِعَ [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - أن القلم قد رفع] عن ثَلاَثَةٍ: عن المَجْنُونِ حَتّى يْبَرَأَ، وَعن النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ وَعن الصّبِيّ حَتّى يَعْقِلَ؟ قالَ: بَلَى. قالَ: فَمَا بَالُ هَذِهِ تُرْجَمُ؟ قالَ: لاَ شَيْءَ قالَ: فأَرْسِلْهَا. قالَ: فأَرْسَلَهَا. قالَ: فَجَعَلَ يُكْبّرُ" .
ـــــــ
وقوله حتى يبلغ مطلق والاحتلام مقيد فيحمل عليه فإن الاحتلام بلوغ خمس عشرة ليس ببلوغ قطعاً وعدم بلوغ قطعاً. قال وشرط هذا الحمل ثبوت اللفظين عنه صلى الله عليه وسلم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"أتى عمر بمجنونة" بصيغة المجهول أي أتاه الناس بمجنونة "قد زنت" حال "فاستشار" أي طلب المشورة "فيها" في شأن تلك المجنونة هل ترجم أم لا "قال" أي ابن عباس "فقال" أي علي رضي الله عنه "ارجعوا بها" أي بهذه المجنونة والخطاب لمن كان عندها "ثم أتاه" أي أتى علي رضي الله عنه عمر رضي الله عنه "فقال" أي علي رضي الله عنه "أما علمت" بهمزة الاستفهام على حرف النفي "حتى يعقل" أي يصير ذا عقل والمراد منه البلوغ "قال" أي عمر "بلى" حرف إيجاب "قال" علي بن أبي طالب "فما بال" أي فما حال "هذه" المرأة "ترجم" بصيغة المجهول أي مع كونها مجنونة "قال" عمر "لا شيء" عليها الآن "قال" علي رضي الله عنه "فأرسلها" بصيغة الأمر أي قال علي لعمر رضي الله عنهما فأطلق هذه المجنونة "قال" أي ابن عباس "فأرسلها" أي عمر رضي الله عنه "فجعل يكبر" أي فجعل عمر رضي الله عنه يكبر، وعادة العرب أنهم يكبرون على أمر عظيم وشأن فخيم، وكان عمر رضي الله عنه علم عدم صواب رأيه، وظن على نفسه وقوع الخطأ برجم المرأة المجنونة إن لم يراجعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال الحافظ في الفتح بعد ذكر طرق متعددة من هذا الحديث: وقد أخذ الفقهاء بمقتضى هذه الأحاديث، لكن ذكر ابن حبان أن المراد برفع القلم ترك كتابة الشر عنهم دون الخير.
وقال شيخنا في شرح الترمذي هو ظاهر في الصبي دون المجنون والنائم، لأنهما في حيز من ليس قابلاً لصحة العبادة منه لزوال الشعور.

(12/49)


4389- حدثنا يُوسُف بنُ مُوسَى أخبرنا وَكِيعٌ عن الأعمَشِ نَحْوَهُ وقالَ أيْضاً: حَتّى يَعْقِلَ، وقالَ: " وَعن المَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ. قالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يُكَبّرُ" .
4390- حدثنا ابنُ السّرْحِ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عن سُلَيْمانَ بنِ مَهْرَانَ عن أبي ظَبْيَانَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "مُرّ عَلَى عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ بِمَعْنَى عُثْمانَ، قالَ: أوَمَا تَذْكُرُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثَلاَثَةٍ: عن المَجْنُونِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتّى يَفِيقَ، وَعن النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ وَعن الصّبِيّ حَتّى يَحْتَلِمَ. قالَ: صَدَقْتَ. قال: فَخَلّى عَنْهَا سَبِيلَهَا" .
4391- حدثنا هَنّادٌ عن أبي الأحْوَصِ ح. وأخبرنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ المَعْنَى عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن أبي ظَبْيَانَ، قالَ هَنّادٌ الْجَنْبِيّ قالَ: "أُتِيَ عُمَرُ بِامْرَأَةٍ قَدْ فَجَرَتْ فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا، فَمَرّ عَلِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ [كرم الله وجهه] فَأَخَذَهَا فَخَلّى
ـــــــ
وحكى ابن العربي أن بعض الفقهاء سئل عن إسلام الصبي فقال لا يصح، واستدل بهذا الحديث فعورض بأن الذي ارتفع عنه قلم المؤاخذة وأما قلم الثواب فلا لقوله للمرأة لما سألته ألهذا حج قال نعم، ولقوله مروهم بالصلاة، فإذا جرى له قلم الثواب فكلمة الإسلام أجل أنواع الثواب، فكيف يقال إنها تقع لغواً ويعتد بحجه وصلاته، واستدل بقوله حتى يحتلم على أنه لا يؤاخذ قبل ذلك. واحتج من قال يؤاخذ قبل ذلك بالردة، وكذا من قال من المالكية يقام الحد على المراهق ويعتبر طلاقه لقوله في الطريق الأخرى حتى يكبر، والأخرى حتى يشب وتعقبه ابن العربي بأن الرواية بلفظ حتى يحتلم هي العلامة المحققة فيتعين اعتبارها وحمل باقي الروايات عليها انتهى.
"وقال أيضاً حتى يعقل" أي قال وكيع في روايته أيضاً لفظ حتى يعقل كما قاله جرير في روايته "وقال" وكيع "وعن المجنون حتى يفيق" وفي رواية جرير المتقدمة حتى يبرأ وهما بمعنى واحد.
"مر على علي بن أبي طالب" بصيغة المجهول "بمعنى عثمان" أي بمعنى حديث عثمان "قال أوما تذكر" بهمزة الاستفهام على الواو العاطفة والمعطوف عليه محذوف أي أتأمر بالرجم وما تذكر "فخلى عنها سبيلها" أي أطلقها وتركها. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"قال هناد الجنبي" أي زاد هناد في روايته بعد أبي ظبيان لفظ الجنبي بأن قال عن أبي ظبيان الجنبي، وأما عثمان بن أبي شيبة فلم يزد في روايته هذا اللفظ وهو بفتح جيم وسكون نون وبموحدة منسوب إلى جنب بن صعب "قد فجرت" أي زنت "فأخذها" أي أخذ علي

(12/50)


سَبِيلَهَا، فأُخْبِرَ عُمَرُ فقال: ادْعُوا لِي عَلِيّا، فَجَاءَ عَلِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ [كرم الله وجهه] فقال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَقَدْ عَلِمْتُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثَلاَثَةٍ: عن الصّبيّ حَتّى يَبْلُغَ، وَعن النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وَعن المَعْتُوهِ حَتّى يَبْرَأَ"، وَإنّ هَذِهِ مَعْتُوهَةُ بَنِي فُلاَنٍ، لَعَلّ الّذِي أتَاهَا أتاها وَهَيَ في بَلائِهَا. قالَ فقالَ عُمَرُ: لاَ أدْرِي، فقالَ عَلِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ [كرم الله وجهه]: وَأَنَا لاَ أدْري" .
4392- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ عن خَالِدٍ عن أبِي الضّحَى عن عَلِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "رُفِعَ الْقَلمُ عن ثَلاَثَةٍ: عن النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وَعن الصّبِيّ حتّى يَحْتَلِمَ، وَعن المَجْنُونِ حَتّى يَعْقِلَ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابنُ جُرَيْجٍ عن الْقَاسِمِ بنِ يَزِيدَ عن عَلِيَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، زَادَ فِيهِ "والْخَرِفِ".
ـــــــ
المجنونة "فخلى سبيلها" أي أطلقها "وعن المعتوه" هو المجنون المصاب بعقله قاله في المجمع "لعل الذي أتاها" أي زناها "وهي في بلائها" أي في جنونها والجملة حالية "فقال عمر لا أدري" أي إتيانه في حالة جنونها "فقال علي رضي الله عنه وأنا لا أدري" أي إتيانه في حالة عدم جنونها ولعل المرأة المجنونة لم يصاحبها الجنون دائماً بل أصابها مرة وتفيق مرة، فلذا قال عمر رضي الله عنه لا أدري إتيانه في حالة جنونها فأجاب عنه علي رضي الله عنه وأنا لا أدري في حالة إتيانه عدم جنونها. والحاصل أن الحال مشتبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده عطاء بن السائب، قال أيوب هو ثقة، وقال يحيى بن معين لا يحتج به، له حديث مقرون بابي بشر جعفر بن أبي وحشية وقال يحيى بن معين لا يحتج بحديثه وقال الإمام أحمد من سمع منه قديماً فهو صحيح ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيء، ووافق الإمام أحمد على هذا ابن معين، وسمع منه قديماً شعبة وسفيان، وسمع منه حديثاً جرير بن عبد الحميد وغيره. وهذا الحديث من رواية جرير عنه، وأخرجه النسائي من حديث أبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي عن أبي ظبيان عن علي قوله وقال وهذا أولى بالصواب من حديث عطاء بن السائب. وأبو حصين أثبت من عطاء بن السائب انتهى كلام المنذري.
"حتى يعقل" قال المنذري: هذا منقطع أبو الضحى لم يدرك علي بن أبي طالب "قال أبو داوود رواه ابن جريج عن القاسم بن يزيد عن علي" قال السبكي هذه رواية معلقة منقطعة وقد رواها ابن ماجه قال أخبرنا محمد بن بشار أخبرنا روح بن عبادة أخبرنا ابن جريج أنبأنا

(12/51)


.............................
ـــــــ
القاسم بن يزيد عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يرفع القلم عن الصغير وعن المجنون وعن النائم" فانقطع لأن القاسم بن يزيد لم يدرك علياً "زاد فيه والخرف" بفتح معجمة وكسر راء من الخرف بفتحتين فساد العقل من الكبر قال السبكي يقتضي أنه زائد على الثلاثة وهذا صحيح والمراد به الشيخ الكبير الذي زال عقله من كبر فإن الشيخ الكبير قد يعرض له اختلاط عقل يمنعه من التمييز ويخرجه عن أهلية التكليف ولا يسمى جنوناً، لأن الجنون يعرض من أمراض سوداوية ويقبل العلاج والخرف بخلاف ذلك، ولهذا لم يقل في الحديث حتى يعقل لأن الغالب أنه لا يبرأ منه إلى الموت، ولو برء في بعض الأوقات برجوع عقله تعلق به التكليف فسكوته عن الغاية فيه لا يضر كما سكت عنها في بعض الروايات في المجنون. وهذا الحديث وإن كان منقطعاً لكنه في معنى المجنون كما أن المغمى عليه في معنى النائم فلا يفوت الحصر بذلك إذا نظرنا إلى المعنى، فهم في الصورة خمسة الصبي والنائم والمغمى عليه والمجنون والخرف وفي المعنى ثلاثة. ولما لم يكن النائم في معنى المجنون لأن الجنون يفسد العقل بالكلية والنوم شاغل له فقط فبينهما تباين كبير لم يجعل في معناه وأحكامهما مختلفة بخلاف الخرف والجنون فإن أحكامهما واحدة وبينهما تقارب، ويظهر أن الخرف رتبة متوسطة بين الإغماء والجنون وهي إلى الإغماء أقرب انتهى.
قال المنذري: هذا الذي ذكره معلقاً أخرجه ابن ماجه مسنداً وهو أيضاً منقطع. القاسم بن يزيد لم يدرك علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(12/52)


17- باب في الغلام يصيب الحد :
4393- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ أخبرنا [أنبأنا] عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ حدّثني عَطِيّةُ الْقُرَظِيّ قال: كُنْتُ مِنْ سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ، فَمَنْ أنْبَتَ الشّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ.
ـــــــ
"باب في الغلام يصيب الحد"
هل يقام عليه أم لا
"القرظي" بضم القاف وفتح الراء "من سبي بني قريظة" أي من أسرائهم "فكانوا" أي الصحابة رضي الله عنهم "ينظرون" أي في صبيان السبي "فمن أنبت الشعر" أي شعر العانة "قتل" فإن إنبات الشعر من علامات البلوغ فيكون من المقاتلة "ومن لم ينبت لم يقتل" لأنه من الذرية يشبه أن يكون المعنى عند من فرق بين أهل الإسلام وبين أهل الكفر حين جعل الإنبات في الكفار بلوغاً ولم يعتبره في المسلمين هو أن أهل الكفر لا يوقف على بلوغهم من جهة السن ولا يمكن الرجوع إلى قولهم لأنهم متهمون في ذلك لدفع القتل عن أنفسهم ولأن أخبارهم غير

(12/52)


4394- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قال: فَكَشَفُوا عَانَتِي فَوَجَدُوهَا لَمْ تَنْبُتْ فَجَعَلُونِي في السّبْيِ.
4395- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى عن عُبَيْدِ الله أخبرني نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عُرِضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ [أربعة عشر] سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ، وَعُرِضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ" .
4396- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ قالَ قالَ نَافِعٌ: حَدّثْتُ بِهَذَا الحديثِ عُمَرَ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ فقَالَ: إنّ هَذَا الَحَدّ [هذا الحد] بَيْنَ الصّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.
ـــــــ
مقبولة، فأما المسلمون وأولادهم فقد يمكن الوقوف على مقادير أسنانهم لأن أسنانهم محفوظة وأوقات مواليدهم مؤرخة معلومة وأخبارهم في ذلك مقبولة، فلهذا اعتبر في المشركين الإنبات والله أعلم قاله الخطابي وقال التوربشتي: وإنما اعتبر الإنبات في حقهم لمكان الضرورة إذ لو سألوا عن الاحتلام أو مبلغ سنهم لم يكونوا يتحدثون بالصدق إذ رأوا فيه الهلاك انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح "أخبرنا أبو عوانة" اسمه وضاح بتشديد الضاد المعجمة وفي آخره مهملة.
"عرضه" بصيغة المجهول من عرض الأمير الجند اختبر حالهم "فلم يجزه" من الإجازة وهي الإنفاذ "وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه" قال السيوطي: قال الشيخ ولي الدين العراقي في مجموع له ومن خطه نقلت قال البيهقي أن الأحكام إنما نيطت بخمسة عشر سنة من عام الخندق وكانت قبل ذلك تتعلق بالتمييز قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه "فقال" أي عمر بن عبد العزيز. "إن هذا" أي بلوغ خمس عشرة سنة "لحد" بلام التأكيد وفي بعض النسخ الحد معرفاً باللام "بين الصغير والكبير" فمن بلغ خمس عشرة سنة فهو كبير، ومن كان دون ذلك فهو صغير. قال في فتح الودود: وعليه غالب الفقهاء فيما لم يبلغ بالاحتلام ونحوه انتهى. وقال الخطابي في معالم السنن: اختلف أهل العلم في حد البلوغ الذي إذا بلغه الصبي أقيم عليه الحد، قال الشافعي إذا احتلم الغلام أو بلغ خمس عشرة سنة كان حكمه حكم البالغين في إقامة الحدود عليه وكذلك الجارية إذا بلغت خمس عشرة سنة أو حاضت، وأما الإنبات فإنه لا يكون حداً للبلوغ وإنما يفصل به بين أهل الشرك انتهى مختصراً. قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه، وفي حديث البخاري ومسلم والترمذي "وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة" وعند مسلم "وما

(12/53)


...................
ـــــــ
كان دون ذلك فاجعلوه في العيال" وذكر الترمذي أن في حديث ابن عيينة هذا حد بين الذرية والمقاتلة.

(12/54)


18- باب السارق يسرق في الغزو أيقطع؟ :
7- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ عنْ عَيّاشٍ ابنِ عَبّاسٍ الْقِتْبَانِيّ عنْ شُيَيْمِ بنِ بَيْتَانَ وَ يَزِيدَ بنِ صُبْحِ الأصْبَحِيّ عنْ جُنَادَةَ بنِ أبي أُمَيّةَ قال: كُنّا مَعَ بُسْرِ بنِ أرْطَاةَ في الْبَحْرِ، فَأُتِيَ بِسَارِقٍ يُقَالُ لَهُ مِصْدَرٌ قَدْ سَرَقَ بُخْتِيّةً فقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ تُقْطَعُ الأيْدِي فِي السّفَرِ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ [ذاك] لَقَطَعْتُهُ" .
ـــــــ
"باب السارق يسرق في الغزو أيقطع"
"عن عياش" بالتحتية المشددة وفي آخره معجمة "ابن عباس" بموحدة ومهملة "القتباني" بكسر القاف وسكون المثناة "عن شييم" بتحتانيتين مصغراً كذا في الخلاصة. وقال الحافظ في التقريب بكسر أوله وفتح التحتانية وسكون مثلها بعدها "ابن بيتان" بفتح موحدة وسكون ياء ثم فوقية بلفظ التثنية "ويزيد بن صبح" بضم المهملة وسكون الموحدة مقبول من الثالثة "عن جنادة" بضم الجيم "مع بسر" بضم الموحدة وسكون السين "بن أرطاة" بفتح الهمزة "يقال له مصدر" بكسر الميم وسكون الصاد المهملة هكذا ضبط في النسختين الصحيحين والله أعلم "قد سرق بختية" قال في القاموس البخت بالضم الإبل الخرسانية كالبختية والجمع بخاتىً وبخاتَى وبخات. وقال في المجمع سرق بختية أي الأنثى من الجمال طوال الأعناق والذكر بختي والجمع بخت وبخاتي "لا تقطع الأيدي في السفر" وفي رواية الترمذي والدارمي في الغزو بدل السفر كما في المشكاة. قال الطيبي: السفر المذكور في الرواية الأخرى مطلق يحمل على المقيد انتهى. وقال العزيزي في شرح الجامع الصغير: قوله في السفر أي في سفر الغزو مخافة أن يلحق المقطوع بالعدو فإذا رجعوا قطع وبه قال الأوزاعي قال وهذا لا يختص بحد السرقة بل يجري حكمه في ما في معناه من حد الزنا وحد القذف وغير ذلك والجمهور على خلافه انتهى. وقال القاري: قال التوربشتي ولعل الأوزاعي رأى فيه احتمال افتتان المقطوع بأن يلحق بدار الحرب أو رأى أنه إذا قطعت يده والأمير متوجه إلى الغزو لم يتمكن من الدفع ولا يغني عنا فيترك إلى أن يقفل الجيش، قال وقال القاضي ولعله عليه الصلاة والسلام أراد به المنع من القطع في ما يؤخذ من الغنائم انتهى. قلت: ويشهد لما ذهب إليه الجمهور حديث عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جاهدوا الناس في الله القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر" ، رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه كذا في المنتقى. قال في

(12/54)


..................................
ـــــــ
النيل: وحديث عبادة بن الصامت أخرج أوله الطبراني في الأوسط والكبير. قال في مجمع الزوائد وأسانيد أحمد وغيره ثقات يشهد لصحته عمومات الكتاب والسنة وإطلاقاتهما لعدم الفرق فيها بين القريب والبعيد والمقيم والمسافر انتهى "ولولا ذلك" أي استماعي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور "لقطعته" أي لقطعت يد السارق.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي غريب، وقال فيه عن بسر بن أرطاة قال ويقال بسر ابن أبي أرطاة أيضاً. هذا آخر كلامه، وبسر هذا بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها راء مهملة قرشي عامري كنيته أبو عبد الرحمَن اختلف في صحبته فقيل له صحبة وقيل لا صحبة له وأن مولده قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنين وله أخبار مشهورة، وكان يحيى بن معين لا يحسن الثناء عليه وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له والله عز وجل أعلم، وغمزه الدارقطني انتهى كلام المنذري.

(12/55)


19- باب في قطع النباش :
4398- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أبِي عِمْرَانَ عن المُشَعّثِ بنِ طَرِيفٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ الصّامِتِ عنْ أبي ذَرّ قال: : قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يَا أبَا ذرَ. قُلْتُ لَبّيْكَ يَا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ قالَ: كَيْفَ أنْتَ إذا أصَابَ النّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بالْوَصِيفِ يَعْنِي الْقَبْرَ؟ قُلْتُ الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ أوْ مَا خَارَ الله لِي وَرَسُولُهُ. قالَ: عَلَيْكَ بالصّبْرِ أوْ قَالَ تَصْبِرُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قالَ حَمّادُ بنُ أبي سُلَيْمانَ: يُقْطَعُ النّبّاشُ لأنّهُ دَخَلَ عَلَى المَيّتِ بَيْتَهُ.
ـــــــ
"باب في قطع النباش"
هو الذي يسرق أكفان الموتى بعد الدفن.
"قلت لبيك يا رسول الله وسعديك" أي أجبت لك مرة بعد أخرى وطلبت السعادة لإجابتك في الأولى والأخرى "كيف أنت" أي كيف حالك "إذا أصاب الناس موت" أي وباء عظيم "يكون البيت" أي بيت الموت أو الميت وهو القبر "فيه" أي في وقت إصابتهم "بالوصيف" أي مقابل به قال في النهاية الوصيف العبد يريد أنه يكثر الموت حتى يصير موضع قبر يشتري بعبد من كثرة الموتى "يعني القبر" أي يريد النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت القبر وهو جملة معترضة من أبي ذر أو غيره من الرواة "أو ما خار الله" أي اختار "عليك بالصبر" أي الزم الصبر "أو قال تصبر" شك من الراوي "حماد بن أبي سليمان" هو شيخ أبي حنيفة رحمه الله "يقطع" بصيغة

(12/55)


.............................
ـــــــ
المجهول "النباش" أي يده "لأنه" أي النباش "دخل على الميت بيته" بالنصب. قال الطيبي يجوز أن يكون مجروراً على البدل من الميت ومنصوباً على التفسير والتمييز كقوله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} أو على تقدير أعني واستدل حماد بتسمية القبر البيت على أن القبر حرز للميت فتقطع يد النباش. قال القاري: وفيه أنه لا يلزم من جواز إطلاق البيت عليه حقيقة أو حكماً كونه حرزاً، ألا ترى أنه لو أخذ أحد شيئاً من بيت لم يكن له باب مغلق أو حارس لم يقطع بلا خلاف اللهم إلا أن يقال حرز كل شيء بحسب ما يعده العرف حرزاً. ولذا اختلف العلماء في قطعه. قال ابن الهمام ولا قطع على نباش وهو الذي يسرق أكفان الموتى بعد الدفن هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف وباقي الأئمة الثلاثة عليه القطع، وهو مذهب عمر وابن مسعود وعائشة، ومن العلماء أبو ثور والحسن والشافعي والشعبي والنخعي وقتادة وحماد وعمر بن عبد العزيز، وقول أبي حنيفة قول ابن عباس والثوري والأوزاعي والزهري انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وقد تقدم أتم من هذا في أوائل الجزء السابع والعشرين. قال أبو داوود قال حماد بن أبي سليمان قال يقطع النباش لأنه دخل على الميت بيته استدل أبو داوود من الحديث أنه يسمى القبر بيتاً والبيت حرز والسارق من الحرز مقطوع إذا بلغت سرقته مبلغ ما يقطع فيه اليد انتهى. قلت: قد تقدم شرح هذا الحديث بابسط مما هنا.

(12/56)


20- باب السارق يسرق مرارا :
99- حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الله بن عُبَيْدٍ بنِ عُقَيْلٍ الْهِلاَلِيّ أخبرنا جَدّي عنْ مُصْعَبِ بنِ ثَابِتِ بنِ عَبْدِ الله بن الزّبَيْرِ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قالَ: "جِيءَ بِسَارِقٍ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقَالَ اقْتُلُوهُ. فقَالُوا يَا رَسُولَ الله إنّمَا سَرَقَ فقَالَ اقْطَعُوهُ، قالَ فَقُطِعَ، ثُمّ جِيءَ بِهِ الثّانِيَةَ فقَالَ اقْتُلُوهُ. فقَالُوا يَا رَسُولَ الله إنّمَا سَرَقَ فقَالَ اقطَعُوهُ.
ـــــــ
"باب السارق يسرق مرارا"
"فقالوا" أي الصحابة "اقطعوه" أي يده "ثم جيء به" أي بذلك السارق "فانطلقنا به
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله: حديث "فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" وكلام المنذري إلى قوله: والإجماع من الأمة على أنه لا يقتل ثم قال:
وهذا المعنى قد رواه النسائي من حديث مصعب بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن جابر وهو المتقدم ورواه من حديث النضر بن شميل حدثنا حماد حدثنا يوسف عن الحرث بن حاطب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بلص" فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال: "اقطعوا يده" قال: ثم سرق فقطعت رجله ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا الخامسة، فقال:

(12/56)


قالَ فَقُطِعَ ثُمّ جِيءَ بِهِ الثّالِثَةَ فقَالَ اقْتُلُوهُ. فقَالُوا يَا رَسُولَ الله إنّمَا سَرَقَ فقَالَ اقْطَعُوهُ. ثُمّ أُتِيَ بِهِ الرّابِعَةَ فقَالَ اقْتُلُوهُ فقَالُوا يَا رَسُولَ الله إنّمَا سَرَقَ قَالَ اقطَعُوهُ. فَأُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ فقَالَ اقْتُلُوهُ قَالَ جَابِرٌ فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ، ثُمّ اجْتَررْنَاهُ فَأَلْقَيْناهُ فِي بِئْرٍ وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ" .
ـــــــ
فقتلناه ثم اجتررناه الخ" قال الطيبي فيه دلالة على أن قتله هذا للإهانة والصغار لا يليق بحال المسلم وإن ارتكب الكبائر فإنه قد يعزر ويصلى عليه لا سيما بعد إقامة الحد وتطهيره فلعله ارتد ووقف صلى الله عليه وسلم على ارتداده كما فعل بالعرنيين من المثلة والعقوبة الشديدة، ولعل الرجل بعد القطع تكلم بما يوجب قتله انتهى. ذكره القاري قال الخطابي: لا أعلم أحداً من الفقهاء يبيح
ـــــــ
أبو بكر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال: اقتلوه ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال أمروني عليكم فأمروه عليهم فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه.
قال النسائي: ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا.
وأما ما ذكره من قتل شارب الخمر بعد الرابعة: فقد قال طائفة من العلماء إن الأمر بقتله في الرابعة متروك بالإجماع وهذا هو الذي ذكره الترمذي وغيره.
وقيل: هو منسوخ بحديث عبد الله بن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتله في الرابعة.
وقال الإمام أحمد وقد قيل له: لم تركته فقال لحديث عثمان "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث" .
وفي ذلك كله نظر.
أما دعوى الإجماع على خلافه: فلا إجماع.
قال عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله.
وهذا مذهب بعض السلف.
وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار فإنما يتم بثبوت تأخره والإتيان به بعد الرابعة ومنافاته للأمر بقتله.
وأما دعوى نسخه بحديث: "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث" فلا يصح لأنه عام وحديث القتل خاص.
والذي يقتضيه الدليل: أن الأمر بقتله ليس حتما ولكنه تعزيز بحسب المصلحة فإذا أكثر الناس من الخمر ولم ينزجروا بالحد فرأى الإمام أن يقتل فيه قتل ولهذا كان عمر رضي الله عنه ينفي فيه مرة ويحلق فيه الرأس مرة وجلد فيه ثمانين وقد جلد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أربعين.
فقتله في الرابعة: ليس حدا وإنما هو تعزيز بحسب المصلحة وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل السارق إن صح والله أعلم.

(12/57)


.........................
ـــــــ
دم السارق وإن تكررت منه السرقة، وقد يخرج على مذهب مالك وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض فإن للإمام أن يجتهد في عقوبته وإن زاد على مقدار الحد وإن رأى أن يقتل قتل انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وهذا حديث منكر ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث هذا آخر كلامه. ومصعب بن ثابت هذا هو أبو عبد الله مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي العدوي المدني وقد ضعفه غير واحد من الأئمة، وقال محمد بن المنكدر لما حدث بحديث القتل في الرابعة وقد ترك ذلك قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بابن النعيمان فجلده ثلاثاً ثم أتى به الرابعة فجلده ولم يزد. وقال الشافعي والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره وهذا ما لا اختلاف فيه عند أحد من أهل العلم علمته يريد حديث قبيصة بن ذؤيب وفيه ووضع القتل فكانت رخصة. وقال الشافعي أيضاً في موضع آخر ثم حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم جلد الشارب العدد الذي قال يقتل بعده ثم جيء به فجلده ورفع القتل وصارت رخصة. وقال بعضهم يحتمل أن يكون ما فعله إن صح الحديث فإنما فعله بوحي من الله سبحانه فيكون معنى الحديث خاصاً فيه والله أعلم وقال وقد تخرج على مذاهب بعض الفقهاء أنه يباح دمه وهو أن يكون من المفسدين في الأرض فإن للإمام أن يجتهد في تعزيره وإن زاد على مقدار الحد وإن رأى أن يقتل قتل. وقد يدل على ذلك من الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتله لما جيء به أول مرة فيحتمل أن يكون هذا مشهوراً بالفساد معلوماً من أمره أنه سيعود إلى سوء فعله فلا ينتهي حتى تنتهي حياته هذا آخر كلامه والحديث لا يثبت والسنة مصرحة بالناسخ والإجماع من الأمة على أنه لا يقتل والله عز وجل أعلم انتهى كلام المنذري.

(12/58)


21- باب في السارق تعلق يده في عنقه :
4400- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدِ أخبرنا عُمَرُ بنُ عَلِيّ أخبرنا حَجّاجُ عنْ مَكْحُولٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ مُحَيْرِيز قالَ: "سَأَلْنَا فُضَالَةَ بنَ عُبَيْدٍ عنْ تَعْلِيقِ الْيَدِ فِي الْعُنُقِ لِلسّارقِ أمِنَ السّنّةِ هُوَ؟ قَالَ أُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمّ أمِرَ بِهَا فَعُلّقَتْ فِي عُنُقِهِ" .
ـــــــ
"باب في السارق تعلق يده في عنقه"
"سألنا فضالة" بفتح الفاء "بن عبيد" بالتصغير "أمن السنة" بهمزة الاستفهام "أتى" بصيغة المجهول "ثم أمر بها" أي بيده "فعلقت" بصيغة المجهول من التعليق "في عنقه" ليكون عبرة ونكالاً قال في النيل: فيه دليل على مشروعية تعليق يد السارق في عنقه لأن في ذلك من الزجر ما لا مزيد عليه، فإن السارق ينظر إليها مقطوعة معلقة فيتذكر السبب لذلك وماجر إليه ذلك الأمر من الخسار بمفارقة ذلك العضو النفيس، وكذلك الغير يحصل له بمشاهدة اليد على تلك الصورة

(12/58)


...........................
ـــــــ
من الإنزجار ما تنقطع به وساوسه الرديئة وأخرج البيهقي أن علياً رضي الله عنه قطع سارقاً فمروا به ويده معلقة في عنقه انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن علي المقدمي عن الحجاج بن أرطاة. وعبد الرحمَن بن محيريز شامي. وقال النسائي الحجاج بن أرطاة ضعيف لا يحتج بحديثه هذا آخر كلامه والحجاج ابن أرطاة هو النخعي الكوفي كنيته أبو طاهر وهو الذي قاله النسائي فيه قاله غير واحد من الأئمة، قال بعضهم وكأنه من باب التخويف والإشارة ليروع به ولو ثبت لكان حسناً صحيحاً ولكنه لم يثبت انتهى كلام المنذري.

(12/59)


22- باب بيع المملوك إذا سرق :
4401- حدثنا مُوسَى يَعْنِي ابنَ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن عُمَرَ بنِ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِيهِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا سَرَقَ المَمْلُوكُ فَبِعْهُ وَلَوْ بِنَشّ" .
ـــــــ
"باب بيع المملوك إذا سرق"
"فبعه ولو بنش" بفتح نون وتشديد شين معجمة أي عشرين درهماً نصف أوقية، والمعنى بعه ولو بثمن بخس. قال القاري: قال في شرح السنة قالوا العبد إذا سرق قطع آبقاً كان أو غير آبق يروى عن ابن عمر أن عبداً له سرق وكان آبقاً فأرسل به إلى سعيد بن العاص ليقطع يده فأبى سعيد وقال لا تقطع يد الآبق إذا سرق فقال عبد الله في أي كتاب وجدت هذا فأمر به عبد الله فقطعت يده. وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه أمر به، وهو قول مالك والشافعي وعامة أهل العلم انتهى قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقال النسائي عمر بن أبي سلمة ليس بالقوي في الحديث هذا آخر كلامه وعمر بن أبي سلمة هو عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمَن بن عوف الزهري وقد ضعفه شعبة ويحيى ابن معين وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به.

(12/59)


23- باب في الرجم :
4402- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ ثابِتٍ المَرْوَزِيّ حدّثِني عَلِيّ بنُ الْحُسَيْنِ عنْ
ـــــــ
"باب في الرجم"
قال ابن بطال أجمع الصحابة وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامداً عالماً مختاراً فعليه الرجم ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة واعتلوا بأن الرجم لم يذكر في

(12/59)


24- باب رجم ماعز بن مالك :
4408- حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ الأنْبَارِيّ أخبرنا وَكِيعٌ عن هِشَامِ بنِ سَعْدٍ قال حدّثني [حدثنا] يَزِيدُ بنُ نُعَيْمِ بنِ هَزّالٍ عن أَبِيهِ قال: "كَانَ مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ يَتِيماً في حِجْرِ أَبِي فأَصَابَ جَارِيَةً مِنَ الْحَيّ فقالَ لَهُ أَبِي: ائْتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْتَ لَعَلّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ، وَإنّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ رَجَاء أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجاً. قال: فأَتَاهُ فقالَ يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم إنّي زَنَيْتُ فأقِمْ عَلَيّ كِتَابَ الله، فأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ فقالَ يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم إنّي
ـــــــ
"باب رجم ماعز بن مالك"
"عن هشام بن سعد" هو القرشي ضعفه ابن معين والنسائي وابن عدي "عن أبيه" أي نعيم "في حجر أبي" بفتح الحاء ويكسر أي في تربية أبي هزال "فأصاب جارية" أي جامع مملوكة "من الحي" أي القبيلة "فقال له أبي" أي هزال "ائت" أمر من الإتيان أي احضر وإنما يريد بذلك أي بما ذكر من الإتيان والإخبار "رجاء أن يكون له مخرجاً" أي عن الذنب.
قال الطيبي: اسم كان يرجع إلى المذكور وخبره مخرجاً وله ظرف لغو كما في قوله

(12/65)


زَنَيْتُ فأَقِمْ عَلَيّ كِتَابَ الله، فأَعْرَضَ عَنْهُ، فعادَ يا رسول الله إني زَنَيْتُ فَأَقِمْ عليّ كتابَ الله، حَتّى قالهَا أَرْبَعَ مَرّاتٍ [مرار] فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرّاتٍ فَبِمَنْ؟ قال: بِفُلاَنَةَ. قال: هَلْ ضَاجَعْتَهَا؟ قال: نَعَمْ. قال: هَلْ بَاشَرْتَهَا؟ قال: نَعَمْ. قال: هَلْ جَامَعْتَهَا؟ قال: نَعَمْ. قال: فأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فأُخْرِجَ بِهِ إلَى الْحَرّةِ، فَلمّا رُجِمَ فَوَجَدَ مَسّ الحِجَارَةِ فَجَزِعَ [جزع] فَخَرَجَ يَشْتَدّ فَلَقِيَهُ عَبْدُ الله بنُ أُنَيْسٍ وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ، فنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمّ أَتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ [ذلك له] فقال: هَلاّ تَرَكْتُمُوهُ لَعَلّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبُ الله عَلَيْهِ" .
ـــــــ
تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} والمعنى يكون إتيانك وإخبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم مخرجاً لك "فأقم على كتاب الله" أي حكمه "فأعرض" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "عنه" أي عن ماعز "فعاد" أي فرجع بعدما غاب. قاله القاري "قالها" أي هذه الكلمات "فبمن" أي فبمن زنيت.
قال الطيبي: الفاء في قوله فبمن جزاء شرط محذوف أي إذا كان كما قلت فبمن زنيت "هل باشرتها" أي وصل بشرتك بشرتها، وقد يكنى بالمباشرة عن المجامعة. قال تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} "فأمر به أن يرجم" بدل اشتمال من الضمير المجرور في به "فأخرج" بصيغة المجهول "به" قال الطيبي: وعدي أخرج بالهمزة والياء تأكيداً كما في قوله تعالى: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} قاله الحريري في درة الغواص "إلى الحرة" قال في المجمع هي أرض ذات حجارة سود وفي رواية أبي سعيد الآتية في الباب من طريق أبي نضرة: خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما أوثقناه ولا حفرنا له ولكنه قام لنا.
قال أبو كامل قال فرميناه بالعظام والمدر والخزف فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة.
قال أبن الهمام في الحديث الصحيح فرجمناه يعني ماعزاً بالمصلى، وفي مسلم وأبي داوود فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد والمصلى كان به لأن المراد مصلى الجنائز، فيتفق الحديثان.
وأما ما في الترمذي من قوله فأمر به في الرابعة فأخرج إلى الحرة فرجم بالحجارة فإن لم يتأول على أنه اتبع حين هرب حتى أخرج إلى الحرة وإلا فهو غلط لأن الصحاح والحسان متظافرة على أنه إنما صار إليها هارباً لا أنه ذهب به إليها ابتداء ليرجم بها "مس الحجارة" أي ألم أصابتها "فجزع" أي فلم يصبر "فخرج" أي من مكانه الذي يرجم فيه "يشتد" أي يسعى ويعدو حال "فلقيه عبد الله بن أنيس" بالتصغير "أصحابه" أي أصحاب عبد الله أو أصحاب ماعز الذين يرجمونه والجملة حال "بوظيف بعير" الوظيف على ما في القاموس مستدق الذارع

(12/66)


4409- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عن مُحّمدِ بنِ إسْحَاقَ قال: "ذَكَرْتُ لِعَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ قِصّةَ مَاعِزِ بنِ مَالِكٍ فقال لِي: حدّثني حَسَنُ بنُ مُحمّدِ بنِ عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قال حدّثني ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "فَهَلاّ تَرَكْتُمُوهُ" مَنْ شِئْتُمْ مِنْ رِجَالِ أسْلَمَ مِمّنْ لا أتّهِمُ. قال: وَلَمْ
ـــــــ
والساق من الخيل والإبل وغيرهما، وفي المغرب وظيف البعير ما فوق الرسغ من الساق "ثم أتى" أي جاء ابن أنيس "فذكر له ذلك" أي جزعه وهربه "هلا تركتموه" جمع الخطاب ليشمله وغيره "لعله أن يتوب" أي يرجع عن إقراره "فيتوب الله عليه" أي فيقبل الله توبته، ويكفر عنه سيئته من غير رجمه.
قال القاري: قال الطيبي الفاآت المذكورة بعد لما في قوله فلما رجم إلى قوله فقتله كل واحدة تصلح للعطف إما على الشرط أو على الجزاء إلا قوله فوجد فإنه لا يصلح لأن يكون عطفاً على الجزاء، وقوله فهلا تركتموه يصلح للجزاء، وفيه إشكال لأن جواب لما لا يدخله الفاء على اللغة الفصيحة، وقد يجوز أن يقدر الجزاء ويقال تقديره لما رجم فكان كيت فكيت علمنا حكم الرجم وما يترتب عليه، وعلى هذا الفاآت كلها لا تحتمل إلا العطف على الشرط انتهى.
قلت: في بعض النسخ الموجودة جزع بغير الفاء، فعلى هذا الظاهر أنه هو جواب لما وبقية الفاآت للعطف على الجزاء.
وفي قوله: هلا تركتموه الخ دليل على أن المقر إذا فر يترك فإن صرح بالرجوع فذاك وإلا اتبع ورجم، وهو قول الشافعي وأحمد، وعند المالكية في المشهور لا يترك إذا هرب، وقيل يشترط أن يؤخذ على الفور فإن لم يؤخذ ترك وعن ابن عيينة إن أخذ في الحال كمل عليه الحد وإن أخذ بعد أيام ترك. وعن أشهب إن ذكر عذراً يقبل ترك وإلا فلا، ونقله القعنبي عن مالك.
وفي الحديث فوائد مما يتعلق بالرجم بسطها الحافظ في الفتح.
قال المنذري: وقد تقدم الكلام على الاختلاف في صحبة يزيد، وصحبة نعيم بن هزال.
"قصة ماعز بن مالك" أي المذكورة في الحديث المتقدم. وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: هلا تركتموه "فقال" أي عاصم بن عمر "حدثني حسن بن محمد بن علي" هو أبو محمد المدني، وأبوه ابن الحنفية الفقيه موثق "قال" أي حسن بن محمد "ذلك" مفعول حدثني وفاعله من شئتم "من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم" من بيانية "فهلا تركتموه" بدل من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من رجال أسلم" بفتح الهمزة قبيلة "ممن لا أتهم" أي رجال أسلم الذين حدثوني القول المذكور غير متهمين عندي "قال" أي حسن ابن محمد "ولم أعرف هذا الحديث" أي مع القول المذكور وهو هلا تركتموه أو

(12/67)


أعْرِفْ هَذَا الْحَدِيثَ. قال: فَجِئْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله فَقُلْتُ: إنّ رِجَالاً مِنْ أسْلَمَ يُحَدّثُونَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لَهُمْ حِينَ ذَكَرُوا لَهُ جَزَعَ مَاعِزٍ مِنَ الْحِجَارَةِ حِينَ أصَابَتْهُ: "ألاَ تَرَكْتُمُوهُ" وَمَا أعْرِفُ الحدِيثَ. قال: يَا ابنَ أخِي أنَا أعْلَمُ النّاسِ بِهذَا الحدِيثِ، كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَ الرّجُلَ "إنّا لَمّا خَرَجْنَا بِهِ فَرَجَمْنَاهُ فَوَجَدَ مَسّ الحِجَارَةِ صَرَخَ بِنَا: يَا قُومِ رُدّونِي إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فإنّ قَوْمِي قَتَلُونِي وَغَرّونِي مِنْ نَفْسِي وَأَخْبَرُونِي أنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم غَيْرُ قَاتِلِي. فَلْم نَنْزِعْ عَنْهُ حَتّى قَتَلْنَاهُ، فَلمّا رَجَعْنَا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَخْبَرْنَاهُ قال: فَهَلاّ تَرَكْتُمُوهُ وَجِئْتُمُونِي بِهِ لِيَسْتَثْبِتَ [ليستتيب] رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْهُ، فأَمّا لِتَرْكِ حَدّ فَلاَ" . قال: فَعَرَفْتُ وَجْهَ الحدِيثِ.
4410- حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ أخبرنا خَالِدٌ - يَعنِي الْحذّاءَ - عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: "أنّ مَاعِزَ بنَ مَالِكٍ أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال إنّهُ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِراراً فأَعْرَضَ عَنْهُ فَسَأَلَ قَوْمَهُ: أمَجْنُونٌ هُوَ؟ قالُوا: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. قال: أفَعَلْتَ بِهَا؟ قال: نَعَمْ. فأَمَرَ بِهِ أنْ يُرْجَمَ. فانْطُلِقَ بِهِ فَرُجِمَ وَلَمْ يُصَلّ عَلَيْهِ" .
ـــــــ
المراد من هذا الحديث القول المذكور فقط "كنت في من رجم الرجل" أي ماعز بن مالك "صرخ" أي صاح "ردوني" أي ارجعوني "وغروني" أي خدعوني "وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي" هذا بيان وتفسير لقوله قتلوني وغروني "فلم ننزع عنه" أي لم ننته عنه قال في القاموس نزع عن الأمور انتهى عنها "ليستثبت الخ" وفي بعض النسخ ليستتيب وهذا من قول جابر رضي الله عنه، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال كذلك لأجل الاستيتاب أو لأجل الاستثبات والاستفصال فإن وجد شبهة يسقط بها الحد أسقطه لأجلها وإن لم يجد شبهة كذلك أقام عليه الحد، وليس المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يدعوه، وأن هرب المحدود من الحد من جملة المسقطات، ولهذا قال فهلا تركتموه وجئتموني به "فأما" بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف الشرط "لترك حد فلا" أي إنما قال صلى الله عليه وسلم فهلا تركتموه الخ للاستثبات وأما قوله لترك الحد فلا "قال" أي حسن بن محمد وقد تقدم الاختلاف في أن المقر إن فر في أثناء إقامة الحد هل يترك أم يتبع فيقام عليه الحد. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم اختلاف الأئمة في الاحتجاج به، وأخرج البخاري ومسلم والترمذي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمَن عن جابر طرفاً منه بنحوه "فسأل قومه أمجنون هو" وفي حديث جابر من طريق الزهري عن أبي سلمة عنه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "أبك جنون" ويجمع بينهما بأنه سأله ثم سأل عنه قومه احتياطاً فإن فائدة سؤاله أنه لو ادعي الجنون لكان في ذلك دفع لإقامة الحد عليه حتى يظهر خلاف دعواه، فلما أجاب بأنه لا جنون به سأل عنه قومه لاحتمال أن يكون كذلك ولا يعتد

(12/68)


4411- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن سِمَاكٍ عن جَابِرٍ بنِ سَمُرَةَ قال: "رَأَيْتُ مَاعِزَ بنَ مَالِكٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَجلٌ قَصِيرٌ [رجلا قصيرا] أعْضَلُ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءُ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ أنّهُ قَدْ زَنَى، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: فَلَعَلّكَ قَبّلْتَهَا؟ قال: لاَ وَالله إنّه قَدْ زَنَى الآخر. قال. فَرَجَمَهُ ثُمّ خَطَبَ فقال: ألاَ كُلّمَا نَفَرْنَا في سَبِيلِ الله خَلَفَ أحَدُهُمْ لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التّيْسِ يَمْنَحُ إحْدَاهُنّ الْكُثْبَةَ، أمَا إنّ الله إنْ يُمَكّنْنِي مِنْ أحدٍ مِنْهُمْ إلاّ نَكَلْتُهُ عَنْهُنّ" .
ـــــــ
بقوله كذا جمع الحافظ بين الروايتين "فانطلق" بصيغة المجهول "به" الباء للتعدية "فلم يصل" أي النبي صلى الله عليه وسلم "عليه" أي على ماعز وسيجيء في هذا الباب تحقيق أنه صلى الله عليه وسلم أم لا قال المنذري وأخرجه النسائي مرسلاً "أعضل" بالضاد المعجمة أي مشتد الخلق قاله النووي وقال الحافظ وفي لفظ ذو عضلات بفتح المهملة ثم المعجمة قال أبو عبيدة العضلة ما اجتمع من اللحم في أعلى باطن الساق. وقال الأصمعي كل عصبة مع لحم فهي عضلة. وقال ابن القطاع العضلة لحم الساق والذراع وكل لحمة مستديرة في البدن، والأعضل الشديد الخلق، ومنه أعضل الأمر إذا اشتد لكن دلت الرواية الأخرى على أن المراد به هنا كثير العضلات انتهى "فشهد على نفسه أربع مرات" احتج به من قال إن الإقرار بالزنا لا يثبت حتى يقر أربع مرات "قبلتها" من التقبيل "إنه قد زنى الآخر" بهمزة مقصورة وخاء مكسورة معناه الأرذل والأبعد والأدنى، وقيل اللئيم، وقيل الشقي وكله متقارب، ومراده نفسه فحقرها وعابها لاسيما وقد فعل هذه الفاحشة قاله النووي وقال السيوطي الآخر بوزن الكبد أي الأبعد المتأخر عن الخير "فرجمه" أي أمر برجمه "ألا" بالتخفيف حرف التنبيه "كلما نفرنا في سبيل الله" وفي رواية لمسلم كلما نفرنا غازين في سبيل الله "خلف أحدهم" أي بقي خلف الغزاة خليفة لهم في أهاليهم ويخون في نسائهم "له" أي للرجل الخليفة "نبيب" بنون ثم موحدة ثم ياء تحتية ثم موحدة على وزن الأمير هو صوت التيس عند السفاد "كنبيب التيس" في القاموس التيس الذكر من الظباء والمعز "يمنح" أي يعطي "إحداهن الكثبة" بضم الكاف وإسكان المثلثة القليل من اللبن وغيره قاله النووي. وفي النهاية الكثبة كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ذلك والجمع كثب. والمعنى أي يعمد أحدكم إلى المغيبة فيخدعها بالقليل من اللبن وغيره فيجامع معها "إن يمكنني من أحد منهم" كلمة إن نافية "إلا نكلته" أي عذبته بالرجم أو الجلد. وعند مسلم "أما والله إن يمكنني من أحد لأنكلنه عنه" وفي رواية له "إن الله لا يمكنني من أحد منهم إلا جعلته نكالاً" وفي رواية له "على أن لا أوتي برجل فعل ذلك إلا نكلت به" قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي، وحكى أبو داوود عن شعبة أنه قال سألت سماكاً عن الكثبة فقال اللبن

(12/69)


4412- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى عن مُحمّدِ بنِ جَعْفَرٍ عن شُعْبَةَ عن سِمَاكٍ قال: سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ سَمُرَةَ بِهذا الحدِيثِ وَالأَوّلُ أتَمّ. قالَ: فَرَدّهُ مَرّتَيْنِ. قال سِمَاكٌ: فَحَدّثْتُ بِهِ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ فقال: إنّهُ رَدّهُ أرْبَعَ مَرّاتٍ.
4413- حدثنا عَبْدُ الْغَنِيّ بنُ أبي عَقِيلٍ المِصْرِيّ أخبرنا خَالِدٌ - يَعني ابنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ - قالَ قالَ شُعْبَةُ: فَسَأَلْتُ سِمَاكاً عن الْكُثْبَةِ، فقالَ: اللّبَنُ الْقَلِيلُ.
4414- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ "قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ: أحَقّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟ قالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنّي؟ قالَ: بَلَغَنِي عَنْكَ أنّكَ وَقَعْتَ عَلَى جَارِيَةِ بَنِي فُلاَنٍ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَهِدَ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ. قال: فأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ" .
ـــــــ
القليل "والأول أتم" المراد من الأول الحديث المتقدم "قال فرده مرتين" أي رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك مرتين "فقال إنه رده أربع مرات" قال الحافظ وأخرجه مسلم من طريق شعبة عن سماك قال فرده مرتين وفي أخرى مرتين أو ثلاثاً. قال شعبة قال سماك فذكرته لسعيد بن جبير فقال إنه رده أربع مرات. ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم أيضاً فاعترف بالزنا ثلاث مرات. والجمع بينها أما رواية مرتين فتحمل على أنه اعترف مرتين في يوم ومرتين في يوم آخر لما يشعر به قول بريدة فلما كان من الغد فاقتصر الراوي على إحداهما أو مراده اعترف مرتين في يومين فيكون من ضرب اثنين في اثنين. وقد وقع عند أبي داوود من طريق إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا مرتين فطرده ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين. وأما رواية الثلاث فكان المراد الاقتصار على المرات التي رده فيها. وأما الرابعة فإنه لم يرده بل استثبت فيه وسأل عن عقله، لكن وقع في حديث أبي هريرة عند أبي داوود من طريق عبد الرحمَن بن الصامت ما يدل على أن الاستثبات فيه إنما وقع بعد الرابعة ولفظه جاء الأسلمي فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراماً أربع مرات كل ذلك يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل في الخامسة فقال تدري ما الزاني إلى آخره. والمراد بالخامسة الصفة التي وقعت منه عند السؤال والاستثبات لأن صفة الإعراض وقعت أربع مرات وصفة الإقبال عليه للسؤال وقع بعدها انتهى "أحق" بهمزة الاستفهام أي أثابت "ما بلغني عنك" ما موصولة أي الخبر الذي وصل إلي في شأنك هل هو حق ثابت "قال" ماعز "فشهد أربع شهادات" أي أقر أربع مرات "فأمر به" أي برجمه. فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث الذي يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان عارفاً بزنا ماعز فاستنطقه ليقر به ليقيم عليه الحد وبين الأحاديث الأخرى التي تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن عارفاً به فجاء ماعز فأقر فأعرض عنه مراراً قلت: في هذا الحديث اختصار

(12/70)


4415- حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أنبأنا أبُو أحْمَدَ أنبأنا إسْرَائِيلُ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: " جَاءَ مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَاعْتَرَفَ بالزّنَا مَرّتَيْنِ فَطَرَدَهُ، ثُمّ جَاء فَاعْتَرَفَ بالزّنَا مَرّتَيْنِ، فقالَ: شَهِدْتَ عَلَى نَفْسِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ" .
4416- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا جَرِيرٌ حدّثني يَعْلَى عن عِكْرِمَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ح. وأخبرنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ وَ عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ قالا أخبرنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ أخبرنا أبِي قال سَمِعْتُ يَعْلَى - يَعني ابنَ حَكِيمٍ - يحَدّثُ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: " أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ: لَعَلَكَ قَبّلْتَ أوْ غَمَزْتَ أوْ نَظَرْتَ، قال: لاَ، قال: أفَنِكْتَهَا؟ قال: نَعْمْ، قال: فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِرَجْمِهِ" وَلَمْ يَذْكُرْ مُوسَى عن ابنِ عَبّاسٍ، وَهَذَا لَفْظُ وَهْبٍ.
ـــــــ
وذلك لأنه لا يبعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه حديث ماعز فأحضره بين يديه فاستنطقه لينكر ما نسب إليه لدرء الحد فلما أقر أعرض عنه مراراً وكل ذلك ليرجع عما أقر، فلما لم يجد فيه ذلك فقال أبه جنون الخ. هذا تلخيص ما قاله الطيبي. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي "فطرده" قال الجوهري الطرد الإبعاد "اذهبوا به فارجموه" فيه دليل على أنه لا يجب أن يكون الإمام أول من يرجم والحديث سكت عنه المنذري.
"حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا جرير حدثني يعلى عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم" هذه الرواية مرسلة ورواية وهب بن جرير موصولة قال الحافظ لم يذكر موسى في روايته ابن عباس بل أرسله، وأشار إلى ذلك أبو داوود وكأن البخاري لم يعتبر هذه العلة لأن وهب بن جرير وصله وهو أخبر بحديث أبيه من غيره ولأنه ليس دون موسى في الحفظ، ولأن أصل الحديث معروف عن ابن عباس فقد أخرجه أحمد وأبو داوود، ومن رواية خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس انتهى "لعلك قبلت" من التقبيل حذف المفعول للعلم به أي المرأة المذكورة ولم يعين محل التقبيل "أو غمزت" أي لمست كما في رواية من غمزت الشيء بيدي أي لمست بها أو أشرت إليه بها قاله القاري. قلت والرواية التي أشار إليها هي عند الإسماعيلي بلفظ: لعلك قبلت أو لمست ذكرها الحافظ. وقال في القاموس غمزه بيده شبه نخسه، وبالعين والجفن والحاجب أشار "أو نظرت" أي فأطلقت على أي واحدة فعلت من الثلاث زنا، المراد لعلك وقع منك هذه المقدمات فتجوزت بإطلاق لفظ الزنا عليها، ففيه إشارة إلى الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة "العين تزني وزناها النظر" وفي بعض طرقه

(12/71)


4417- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن ابنِ جُرَيْجٍ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ أنّ عَبْدَ الرّحْمَنِ بنَ الصّامِتِ ابنِ عَمّ أَبي هُرَيْرَةَ أخْبَرَهُ أنّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: "جَاءَ الأسْلَمِيّ إلَى نَبِيّ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أنّهُ أصَابَ امْرَأَةً حَرَاماً أرْبَعَ مَرّاتٍ، كُلّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ في الْخَامِسَةِ فقال: أنِكْتَهَا؟ قال: نَعَمْ قال: حَتّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ في ذَلِكَ مِنْهَا؟ قال: نَعَمْ، قال: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ في المِكْحَلَةِ وَالرّشَاءُ في الْبِئْرِ؟ قال: نَعَمْ، قال: هَلْ تَدْرِي مَا الزّنَا؟ قال: نَعَمْ أتَيْتُ مِنْهَا حَرَاماً ما يَأْتِي الرّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلاَلاً. قال: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ قال: أُرِيدُ أنْ تُطَهّرَنِي، فأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَسَمِعَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَابِهِ يَقُولُ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ إلَى هَذَا الّذِي سَتَرَ الله عَلَيْهِ فلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا، ثُمّ سَارَ سَاعَةً حَتّى مَرّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ [شائل] بِرِجْلِهِ، فقال: أيْنَ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فقالا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ الله، فقال: انْزِلاَ فَكُلاَ مِنْ جِيْفَةِ هَذَا الْحِمَارِ،
ـــــــ
عندهما أو عند أحدهما ذكر اللسان واليد والرجل والأذن قاله الحافظ "أفنكتها" بكسر النون وسكون الكاف على وزن بعت أي أفجامعتها، يقال ناكها ينيكها جامعها. قال المنذري: وأخرجه أيضاً مرسلاً وأخرجه البخاري والنسائي مسنداً.
"جاء الأسلمي" يعني ماعز بن مالك "حتى غاب ذلك منك" أي الذكر "في ذلك منها" أي في فرجها. وعند النسائي على ما قال الحافظ "هل أدخلته وأخرجته؟ قال نعم" "كما يغيب المرود" بكسر الميم الميل "في المكحلة" قال في القاموس المكحلة ما فيه الكحل وهو أحد ما جاء من الأدوات بالضم "والرشاء" بكسر الراء قال في القاموس الرشاء ككساء الحبل وفي هذا من المبالغة في الاستثبات والاستفصال ما ليس بعده في تطلب بيان حقيقة الحال فلم يكتف بإقرار المقر بالزنا بل استفهمه بلفظ لا أصرح منه في المطلوب وهو لفظ النيك الذي كان صلى الله عليه وسلم يتحاشى عن التكلم به في جميع حالاته ولم يسمع منه إلا في هذا الموطن ثم لم يكتف بذلك بل صوره تصويراً حسياً، ولا شك أن تصوير الشيء بأمر محسوس أبلغ في الاستفصال من تسميته بأصرح أسمائه وأدلها عليه "أنظر إلى هذا" أي ماعز "فلم تدعه" من ودع أي فلم تتركه "رجم الكلب" مفعول له للنوع "فسكت" رسول الله صلى الله عليه وسلم "عنهما" ولم يقل لهما شيئاً "شائل برجله" الباء للتعدية أي رافع رجله من شدة الانتفاخ كذا في فتح الودود وقال في القاموس شالت الناقة بذنبها شولاً وشولاناً وأشالته رفعته فشال الذنب نفسه لازم ومتعد "نحن ذان" تثنية ذا أي نحن هذان موجودان وحاضران "فقال انزلا" لعلهما كانا على المركب أو كانت جيفة الحمار

(12/72)


فقالا: يَا نِبيّ الله مَنْ يَأَكُلُ مِنْ هَذَا؟ قال: فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أخِيكُمَا آنِفَاً أشَدّ مِنْ أكْلِ مِنْهُ، وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّهُ الآن لَفِي أنْهَارِ الْجَنّةِ يَنْغَمِسُ [ينقمس] فيهَا" .
4418- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ قال أخبرنا أبُو الزّبَيْرِ عن ابنِ عَمّ أَبي هُرَيْرَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ، زَادَ: وَاخْتَلَفُوا عَلَيّ فقال بَعَضُهُمْ: رُبِطَ إلَى شَجَرَةٍ، وقال بَعْضُهُمْ: وَقَفَ.
4419- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُتَوَكّلِ الْعَسْقَلاَنِيّ وَ الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ قالا أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله: "أنّ رَجُلاً مِنْ أسْلَمَ جَاءَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَاعْتَرَفَ بالزّنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمّ اعْتَرَفَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتِ، فقال لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أبِكَ جُنُونٌ؟ قال: لاَ. قال: أحْصَنْتَ؟ قال: نَعَمْ. قال: فأَمَرَ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَ في المُصَلّى فلَمّا أذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ
ـــــــ
في مكان أسفل والله تعالى أعلم "فما نلتما من عرض أخيكما" قال في القاموس: نال من عرضه سبه "أشد من أكل منه" أي من الحمار "إنه" أي ماعزاً "ينغمس فيها" أي في أنهار الجنة. وفي بعض النسخ ينقمس بالقاف. قال الخطابي: معناه ينغمس ويغوص فيها.
والقاموس معظم الماء. وقال في النهاية قمسه في الماء فانقمس أي غمسه وغطه ويروى بالصاد وهو بمعناه كذا في مرقاة الصعود.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال فيه أنكحتها. قلت: عبد الرحمَن يقال فيه ابن الصامت كما تقدم ويقال فيه ابن هصاص وابن الهصهاص وصحح بعضهم ابن الهصهاص، وذكر البخاري في تاريخه وحكى الخلاف فيه وذكر له هذا الحديث وقال حديثه في أهل الحجاز ليس يعرف إلا بهذا الواحد.
"حدثنا الحسن بن علي أخبرنا أبو عاصم الخ" هذا الحديث ليس في نسخة اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري، وأورد المزي في الأطراف ثم قال حديث الحسن بن علي عن أبي عاصم في رواية أبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم "زاد" أي حسن بن علي "واختلفوا عليّ" بتشديد الياء "فقال بعضهم ربط" بصيغة المجهول والضمير لماعز، والظاهر أن هذه الزيادة بعد قوله فأمر به فيكون لفظ الحديث هكذا فأمر به فربط إلى شجرة فرجم والله تعالى أعلم "وقال بعضهم وقف" أي مكان ربط.
"أن رجلا" هو ماعز بن مالك "قال أحصنت" بحذف حرف الاستفهام أي أتزوجت ودخلت بها وأصبتها "فرجم في المصلى" أي عنده والمراد به المكان الذي كان يصلي عنده

(12/73)


فَرّ فأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتّى مَاتَ. فقال لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خَيْراً وَلَمْ يُصَلّ عَلَيْهِ" .
4420- حدثنا أبو كَامِلٍ أخبرنا يَزِيدٌ - يَعني ابنَ زُرَيْعٍ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ عن يَحْيَى بنِ زَكَريّا وَهَذَا لَفْظُهُ عن دَاوُدَ عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سَعِيدٍ قال: لَمّا أمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِ مَاعِزِ بنِ مَالِكٍ خَرَجْنَا بِهِ إلَى الْبَقِيعِ، فَوَالله مَا أوْثَقْنَاهُ وَلا حَفَرْنَا لَهُ
ـــــــ
العيد والجنائز وهو من ناحية بقيع الغرقد. وقد وقع في حديث أبي سعيد عند مسلم "فأمرنا أن نرجمه فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد" قاله الحافظ "فلما أذلقته الحجارة" بالذال المعجمة والقاف أي أوْجَعَتْه "فَرّ" بالفاء وتشديد الراء أي هرب "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيراً" أي ذكره بخير. وتقدم في الرواية المتقدمة "إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" "ولم يصلّ عليه" وفي رواية البخاري "وصلى عليه" وقد أخرج عبد الرزاق أيضاً وهو في السنن لأبي قرة من وجه آخر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة ماعز قال: "فقيل يا رسول الله أتصلي عليه؟ قال لا، قال فلما كان من الغد قال صلوا على صاحبكم فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس" فهذا الخبر يجمع الاختلاف فتحمل رواية النفي على أنه لم يصلّ عليه حين رجم، ورواية الإثبات على أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه في اليوم الثاني. وكذا طريق الجمع لما أخرجه أبو داوود عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالصلاة على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه، وبتأيد بما أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة الجهنية التي زنت ورجمت "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليها، فقال له عمر: أتصلي عليها وقد زنت، فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين لوسعتهم" قاله الحافظ في الفتح: وقال بعد ذلك وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فقال مالك يأمر الإمام بالرجم ولا يتولاه بنفسه ولا يرفع عنه حتى يموت ويخلي بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه، ولا يصلى عليه الإمام ردعاً لأهل المعاصي إذا علموا أنه ممن لا يصلي عليه، ولئلا يجترىء الناس على مثل فعله. وعن بعض المالكية يجوز للإمام أن يصلي عليه وبه قال الجمهور، والمعروف عن مالك أنه يكره للإمام وأهل الفضل الصلاة على المرجوم، وهو قول أحمد وعن الشافعي لا يكره وهو قول الجمهور. وعن الزهري لا يصلى على المرجوم ولا على قاتل نفسه. وعن قتادة لا يصلى على المولود من الزنا. وأطلق عياض فقال لم يختلف العلماء في الصلاة على أهل الفسق والمعاصي والمقتولين في الحدود وإن كره بعضهم ذلك لأهل الفضل، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة في المحاربين، وما ذهب إليه الحسن في الميتة من نفاس الزنا، وما ذهب إليه الزهري وقتادة. قال وحديث الباب في صفة الغامدية حجة للجمهور انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. وفي حديث البخاري "فصلى عليه" وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الجنائز في الجزء العشرين.
"إلى البقيع" أي بقيع الغرقد وكذلك في رواية مسلم "ما أوثقناه" قال النووي هكذا

(12/74)


وَلكِنّهُ قامَ لَنا. قال أبُو كَامِلٍ: قال فَرَمَيْنَاهُ بالْعِظَامِ وَالمَدَرِ وَالْخَزَفِ، فاشْتَدّ وَاشْتَدَدْنَا
ـــــــ
الحكم عند الفقهاء "ولا حفرنا له" وفي رواية أخرى لمسلم فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم.
قال النووي: وأما الحفر للمرجوم وللمرجومة ففيه مذاهب للعلماء، قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهم لا يحفر لواحد منهما، وقال قتادة وأبو ثور وأبو يوسف وأبو حنيفة في رواية يحفر لهما، وقال بعض المالكية يحفر لمن يرجم بالبينة لا لمن يرجم بالإقرار. وأما أصحابنا فقالوا لا يحفر للرجل سواء ثبت زناه بالبينة أم بالإقرار، وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها يستحب الحفر لها إلى صدرها ليكون أستر، والثاني لا يستحب ولا يكره بل هو إلى خيرة الإمام، والثالث وهو الأصح إن ثبت زناها بالبينة استحب وإن ثبت بالإقرار فلا ليمكنها الهرب إن رجعت. فالقائل بالحفر لهما احتج بأنه حفر للغامدية ولماعز في رواية، وأجابوا عن رواية ولا حفرنا له أن المراد حفيرة عظيمة. وأما القائل بعدم الحفر فاحتج برواية ولا حفرنا له، وهذا المذهب ضعيف لأنه منابذ لحديث الغامدية ولرواية الحفر لماعز. وأما من قال بالتخيير فظاهر. وأما من فرق بين الرجل والمرأة فيحمل رواية الحفر لماعز على أنه لبيان الجواز انتهى "والمدر" بفتح الميم والدال هو الطين المجتمع الصلب "والخزف" بفتح الخاء والزاي آخره فاء وهي
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
في حديث أبي سعيد: وقد اختلف في حديث ماعز هل حفر له أم لا؟.
ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرجم ماعز بن مالك خرجنا به إلى البقيع فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكن قام لنا فرميناه بالعظام والخزف فاشتكى فخرج يشتد حتى انتصب لنا في عرض الحرة الحديث.
وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن بريدة قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني زنيت فأريد أن تطهرني فرده.
فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إني قد زنيت فرده الثانية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: "هل تعلمون بعقله بأسا هل تنكرون منه شيئا" فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم فذكر الحديث.
وهذا الحديث فيه أمران سائر طرق حديث مالك تدل على خلافهما.
أحدهما: أن الإقرار منه وترديد النبي صلى الله عليه وسلم كان في مجالس متعددة وسائر الأحاديث تدل على أن ذلك كان في مجلس واحد.
الثاني: ذكر الحفر فيه والصحيح في حديثه: أنه لم يحفر له والحفر وهم ويدل عليه أنه هرب وتبعوه.

(12/75)


خَلْفَهُ حَتّى أتَى عُرْضَ الْحَرّةِ فانْتَصَبَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِجَلاَمِيدِ الْحَرّةِ حتّى سَكَتَ. قال: فما اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلا سَبّهُ.
4421- حدثنا مُؤَمّلُ بنُ هِشَامٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ عن الْجُرَيْرِيّ عن أبي نَضْرَةَ قال: "جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ قال: ذَهَبُوا يَسُبّونَهُ فَنَهاهُمْ، قال: ذَهَبُوا يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ فَنَهَاهُمْ، قال: هُوَ رَجُلٌ أصَابَ ذَنْبَاً حَسِيبُهُ الله" .
4422 - حدثنا مُحمّدُ بنُ أبي بَكْرِ بنِ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَحْيَى بنُ يَعْلَى بنِ الْحَارِثِ أخبرنا أبِي عنْ غَيْلاَنَ عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اسْتَنْكَهَ مَاعِزاً" .
ـــــــ
أكْسارُ الأواني المصنوعة من المدر وفيه دليل على أن الحجارة لا تتعين للرجم وعليه اتفاق العلماء "فاشتد" أي عدا عدواً شديداً "عرض الحرة" بضم العين المهملة وسكون الراء أي جانبها، والحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وهي أرض ذات حجارة سود "فانتصب" أي قام "بجلاميد الحرة" أي الحجارة الكبار واحدها جلمد بفتج الجيم والميم وجلمود بضم الجيم "حتى سكت" هو بالتاء في آخره. قال النووي: وهذا هو المشهور في الروايات. قال القاضي: ورواه بعضهم سكن بالنون والأول أصوب ومعناهما مات انتهى "فما استغفر له ولا سبّه" أما عدم السب فلأن الحد كفارة له مطهرة له من معصية، وأما عدم الاستغفار فلئلا يغتر غيره فيقع في الزنا اتكالاً على استغفاره صلى الله عليه وسلم قاله النووي.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي بمعناه.
"جاء رجل" وهو ماعز "نحوه" أي نحو الحديث السابق "وليس بتمامه" أي ليس هذا الحديث تاماً مثل الحديث السابق "ذهبوا يسبّونه" أي جعلوا يسبونه.
قال المنذري: هذا مرسل.
"استنكه ماعزاً" من النكهة وهي ريح الفم أي شم ريح فمه لعله يكون شرب خمراً. قال الخطابي: كأنه ارتاب بأمره هل هو سكران انتهى.
وقد روى مسلم هذا الحديث مطولاً وفيه "فقال أشرب خمراً فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر" قال النووي: مذهبنا المشهور الصحيح صحة إقرار السكران ونفوذ أقواله فيما له وعليه، والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكران لم يقم عليه
وهذا - والله أعلم - من سوء حفظ بشير بن مهاجر وقد تقدم قول الإمام أحمد إن ترديده إنما كان في مجلس واحد إلا ذلك الشيخ ابن مهاجر.

(12/76)


4423 - حدثنا أَحْمَدُ بن إسْحَاقَ الأهْوَازِيّ أخبرنا أبُو أَحْمَدَ أخبرنا بَشِيرُ بنُ مُهَاجِرٍ حدّثني عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عنْ أبِيهِ قالَ: كُنّا أصْحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نَتَحَدّثُ أنّ الْغَامِدِيّةَ وَمَاعِزَ بنَ مَالِكٍ لَوْ رَجَعَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِمَا أوْ قالَ لَوْ لَمْ يَرْجِعَا بَعْدَ اعْتِرَافِهمَا لَمْ يَطْلُبْهُمَا وَإِنّمَا رَجَمَهُمَا عِنْدَ الرّابِعَةِ.
4424- حدثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله وَمُحمّدُ بنُ دَاوُدَ بن صُبَيْحٍ قالَ عَبْدَةُ أنبأنا حَرَمِيّ ابنُ حَفْصِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الله بن عُلاَثَةَ أخبرنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عُمَرَ بنُ عبدِ العزيزِ أنّ خَالِدَ بن اللّجْلاَجِ حَدّثَهُ أنّ اللّجْلاَجَ أبَاهُ أخْبَرَهُ "أنّهُ كَانَ قاعِداً يَعْتَمِلُ في السّوقِ فَمَرّتِ امْرَأَةٌ تَحْمِلُ صَبِيّا فَثَارَ النّاسُ مَعَهَا وَثِرْتُ فِيمَنْ ثَارَ وَانْتَهَيْتُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ مَنْ أبُو هَذَا مَعَكِ؟ فَسَكَتَتْ، فقالَ شَابّ حَذْوَهَا أنَا أبُوهُ يَا رَسُولَ الله. فَأَقْبَلَ
ـــــــ
الحد. قال واحتج به أصحاب مالك وجمهور الحجازيين على أنه يحد من وجد منه ريح الخمر وإن لم تقم عليه بينة بشربها ولا أقر به ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما لا يحد بمجرد ريحها بل لا بد من بينة على شربه أو إقراره، وليس في هذا الحديث دلالة لأصحاب مالك انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم بطوله وفيه "فقام رجل فاستنكهه".
"أن الغامدية" هي امرأة من غامد رجمت بإقرارها بالزنا وسيجيء حديثها "لو رجعا" أي إلى رحالهما، ويحتمل أنه أراد الرجوع عن الإقرار ولكن الظاهر الأول لقوله أو قال لو لم يرجعا، فإن المراد به لم يرجعا إليه صلى الله عليه وسلم، فيكون معنى الحديث لو رجعا إلى رحالهما ولم يرجعا إليه صلى الله عليه وسلم بعد كمال الإقرار لم يرجمهما. قاله الشوكاني رحمه الله.
قال المنذري: وأخرجه النسائي بنحوه وفي إسناده بشير بن مهاجر الكوفي وسيجيء الكلام عليه.
"أن اللجلاج" بفتح اللام وسكون الجيم وآخره جيم أيضاً بوزن تكرار "أباه" بدل من اللجلاج "أخبره" أي خالداً أنه أي اللجلاج "يعتمل" قال في القاموس اعتمل عمل بنفسه "تحمل صبياً" صفة لامرأة "فثار الناس" أي وثبوا "معها" أي مع تلك المرأة "وهو" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم والواو حالية "من أبو هذا" أي هذا الصبي "معك" بكسر الكاف. والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم قال لتلك المرأة من الذي تولد هذا الصبي من زناه بك فصار هو أباً لهذا الصبي "فسكتت" تلك المرأة ولم تجب شيئاً "فقال شاب حذوها" بالفتح وبالنصب أي قال شاب كائن حذاء تلك المرأة. قال في القاموس: داري حذوة داره وحذتها وحذفوها بالفتح مرفوعاً ومنصوباً

(12/77)


عَلَيْهَا فقالَ مَنْ أبُو هَذَا مَعَكِ؟ فقالَ الْفَتَى أنَا أبُوهُ يَا رَسُولَ الله، فَنَظَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى بَعْضِ مَنْ حَوْلَهُ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ فقالُوا مَا عَلِمْنَا إلاّ خَيْراً، فقالَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أحْصَنْتَ؟ قالَ نَعَمْ فأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ قالَ فَخَرَجْنَا بِهِ فَحَفَرْنَا لَهُ حَتّى أمْكَنّا [أمكناه] ثُمّ رَمَيْنَاهُ بالحِجَارَةِ حَتّى هَدَأَ فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ عَنِ المَرْجُومِ فانْطَلَقْنَا بِهِ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا هَذَا جَاءَ يَسْأَلُ عن الْخَبِيثِ فقالَ صلى الله عليه وسلم لَهُوَ أطْيَبُ عِنْدَ الله عَزّ وَجلّ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، فَإِذَا هُوَ أبُوهُ فَأَعَنّاهُ عَلَى غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ وَمَا أدْرَي قالَ وَالصّلاَةِ عَلَيْهِ أمْ لاَ" وَهَذَا حَدِيثُ عَبْدَةَ وَهُوَ أتَمّ.
4425- حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ أخبرنا صَدَقَةُ بنُ خَالِدٍ ح وَأخبرنا نَصْرُ بنُ عَاصِمٍ الأنْطَاكِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ جَمِيعاً قالا أخبرنا مُحمّدُ وَقالَ هِشَامٌ مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الله الشّعَيثِيّ عنْ مَسْلَمَةَ بنِ عَبْدِ الله الْجُهَنِيّ عنْ خَالِدِ بنِ الّلجْلاَجِ عنْ أبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِبَعْضِ هَذَا الْحَدِيثِ.
4426- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدّثنا طَلْقُ بنُ غَنّامٍ حدثنا عَبْدُ السّلاَمِ بنُ حَفْصٍ حدثنا أبُو حَازِمٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّ رَجُلاً أتَاهُ فَأَقَرّ عِنْدَهُ أنّهُ زَنَى بامْرَأَةٍ سَمّاهَا لَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى المْرَأَةِ فَسَأَلَها عنْ ذَلِكَ فأَنْكَرَتْ أنْ تَكُونَ زَنَتْ فَجَلَدَهُ الْحَدّ وَتَرَكَهَا" .
4427- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدثنا ح وَأخبرنا ابنُ السّرْحِ المَعْنَى أنبأنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ عن ابن جُرَيْجٍ عن أبي الزّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ: "أنّ رَجُلاً زَنَى بامْرَأَةٍ فَأَمَرَ بِهِ
ـــــــ
إزائها "أنا أبوه" أي أنا الذي زنيت بأمه "إلى بعض من حوله" أي حول ذلك الشاب "فحفرنا له" فيه دليل لمن قال بالحفر للمرجوم وتقدم الاختلاف في هذا "حتى هذا" أي سكن "فانطلقنا به" أي بذلك الرجل "فإذا هو أبوه" أي فكان ذلك الرجل أباً للمرجوم "فأعناه" من الإعانة. قال المنذري: وأخرجه النسائي. واللجلاج هذا له صحبة أسلم وهو ابن خمسين سنة وهو بفتح اللام وسكون الجيم وآخره جيم أيضاً وهو عامري كنيته أبو العلاء عاش مائة وعشرين سنة رضي الله عنه "حدثنا عثمان بن أبي شيبة الخ" هذا الحديث في بعض النسخ في هذا المحل، وفي أكثر النسخ في باب إذا أقر الرجل بالزنا ولم تقر المرأة وسيأتي وهو الصحيح والله أعلم "فجلده الحد" لإقراره "وتركها" لإنكارها.
"أنبأنا عبد الله بن وهب" فقتيبة بن سعيد وابن السرح كلاهما يرويان عن عبد الله بن

(12/78)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَجُلِدَ الحَدّ ثُمّ أخْبَرَ أنّهُ مُحْصَنٌ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحمّدُ بنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيّ عن ابنِ جُرَيْجٍ مَوْقُوفاً عَلَى جَابِرٍ وَرَوَاهُ أبُو عَاصِمٍ عن ابن جُرَيْجٍ بِنَحْوِ ابنِ وَهْبٍ لَمْ يَذْكُرْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم. قالَ: إنّ رَجُلاً زَنَى فَلَمْ يُعْلَمْ بإِحْصَانِهِ فَجُلِدَ ثُمّ عُلِمَ بِإِحْصَانِهِ فَرُجِمَ.
4428- حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الرّحِيمِ أبُو يَحْيَى الْبَزّازُ قالَ أنبأنا [أخبرنا] أبُو عَاصِمٍ عن ابن جُرَيْجٍ عن أبي الزّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ: أنّ رَجُلاً زَنَى بامْرَأَةٍ فَلَمْ يُعْلَمْ بإحْصَانِهِ فَجُلِدَ ثُمّ عُلِمَ بإحْصَانِهِ فَرُجِمَ.
ـــــــ
وهب "فجلد" بصيغة المجهول أي فضرب "الحد" بالنصب على أنه مفعول مطلق "ثم أخبر" بصيغة المجهول أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه" أي الرجل محصن بفتح الصاد ويكسر "فأمر به فرجم" فيه دليل على أن الإمام إذا أمر بشي من الحدود ثم بان له أن الواجب غيره عليه المصير إلى الواجب الشرعي. والحديث سكت عنه المنذري.
"قال أبو داوود الخ" ليست هذه العبارة في عامة النسخ "روى هذا الحديث" أي الذي قبله "محمد بن بكر البرساني" بضم الموحدة وسكون الراء ثم مهملة أبو عثمان البصري صدوق يخطىء قاله الحافظ "موقوفاً على جابر" أي روى قوله ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم "ورواه" أي هذا الحديث "أبو عاصم عن ابن جريج بنحو ابن وهب" أي بنحو لفظ حديث عبد الله بن وهب المتقدم "فلم يعلم بإحصانه" تقدم معنى الإحصان فتذكروا الحديث سكت عنه المنذري.

(12/79)


25- باب في المرأة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها من جهينة :
4429- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أنّ هِشَاماً الدّسْتَوَائِيّ وَ أَبَانَ بنَ يَزِيدَ حَدّثَاهُمُ المَعْنَى عنْ يَحْيَى عنْ أبي قِلاَبَةَ عنْ أبِي المُهَلّبِ عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: "أنّ امْرَأَةً - قالَ فِي حَدِيثِ أبَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ - أتَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَتْ إنّهَا زَنَتْ وَهِيَ حُبْلَى، فَدَعَ ا
ـــــــ
"باب في المرأة التي الخ"
"حدثاهم" أي مسلم بن إبراهيم وغيره "المعنى" أي معنى حديثهما واحد وألفاظ حديثهما مختلفة "قال في حديث أبان من جهينة" أي زاد بعد قوله امرأة لفظ من جهينة بأن قال إن امرأة من جهينة، وأما حديث هشام فليس فيه هذا اللفظ، وجهينة بالتصغير قبيلة "وهي

(12/79)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلِيّا لهَا فقالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أحْسِنْ إلَيْهَا، فَإذَا وَضَعَتْ فَجِىءْ بِهَا، فَلَمّا أنْ وَضَعَتْ جَاءَ بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَشُكّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا ثُمّ أُمِرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمّ أمَرَهُمْ فَصَلّوا عَلَيْهَا، فقالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ الله تُصَلّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ؟ فقالَ [قال] وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ أفْضَلَ مِنْ أنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا".
لَمْ يَقُلْ عنْ أبَانَ "فَشُكّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ".
4430- حدثنا مُحمّدُ بنُ الوَزِيرِ الدّمَشْقِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ عن الأوْزَاعِيّ قالَ: فَشُكتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا يَعْنِي فَشُدّتْ.
4431- حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أخبرنا عِيسَى يَعْني ابنَ يونُسَ عنْ بَشِيرٍ بنِ المهَاجِرِ قال أخبرنا عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ: "أنّ امْرَأَةً يَعْني مِنْ غَامِدَ أتَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقَالَتْ: إنّي قَدْ فَجَرْتُ فقالَ ارْجِعِي فَرَجِعَتْ فَلَمّا أنْ كَانَ الْغَدُ أتَتْهُ فَقالَتْ لَعَلّكَ أنْ تُرَدّدَنِي [تردني] كَما رَدَدْتَ ماعِزَ بنَ مَالِكٍ فَوَالله إنّي لَحُبْلَى، فَقالَ لَها
ـــــــ
حبلى" أي وأقرت أنها حبلى من الزنا "أحسن إليها" إنما أمره بذلك لأن سائر قرابتها ربما حملتهم الغيرة وحمية الجاهلية على أن يفعلوا بها ما يؤذيها فأمره بالإحسان تحذيراً من ذلك "فإذا وضعت" أي حملها "فشكت عليها ثيابها" شكت بوزن شدت ومعناه. قال في النيل: والغرض من ذلك أن لا تنكشف عند وقوع الرجم عليها لما جرت به العادة من الاضطراب عند نزول الموت وعدم المبالاة بما يبدو من الإنسان، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن المرأة ترجم قاعدة والرجل قائماً لما في ظهور عورة المرأة من الشناعة وقد زعم النووي أنه اتفق العلماء على أن المرأة ترجم قاعدة وليس في الأحاديث ما يدل على ذلك ولا شك أنه أقرب إلى الستر انتهى "يا رسول الله تصلي عليها" بالتاء بصيغة الحاضر المعروف وكذلك في رواية مسلم، وفي نسختين بالياء بصيغة المجهول، وفي نسخة بالنون بصيغة المتكلم والنسخة الأولى صريحة في أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليها وتقدم الاختلاف في هذا "لوسعتهم" بكسر السين أي لكفتهم يعني تابت توبة تستوجب مغفرة ورحمة تستوعبان سبعين من أهل المدينة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وحكى أبو داوود، عن الأوزاعي قال فشكت عليها ثيابها يعني فشدت "أن امرأة يعني من غامد" بغين معجمة ودال مهملة هي بطن من جهينة قاله النووي: وفي الرواية المتقدمة امرأة من جهينة وهي هذه "إني قد فجرت" أي زنيت "فوالله إني لحبلى" أي حالي ليس كحال ماعز إني غير متمكنة من الإنكار بعد الإقرار لظهور الحبل بخلافه

(12/80)


ارْجِعِي فَرَجِعَتْ، فَلَمّا كَانَ الْغَدُ أتَتْهُ، فقالَ لَها ارجِعِي حَتّى تَلِدِي، فَرَجِعَتْ فَلَمّا وَلَدَتْ أتَتْهُ بالصّبيّ فقالَتْ هَذَا قَدْ وَلَدْتْهُ، فقالَ ارْجِعِي فَأَرْضِعِيهِ حَتّى تَفْطِمِيهِ، فَجَاءَتْ بِهِ وَقَدْ فَطَمَتْهُ وَفي يَدِهِ شَيْءُ يَأْكُلُهُ، فَأَمَرَ بالصّبيّ فَدُفِعَ إلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأَمَرَ [وأمر] بِهَا فَحُفِرَ لَها، وَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، وَكَانَ خَالِدٌ فِيمَنْ يَرْجُمها فَرَجَمَهَا بِحَجَرٍ فَوَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دَمِهَا عَلَى وَجْنَتِهِ فَسَبّهَا، فقالَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: مَهْلاً يَا خَالِدُ، فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ ثَابَها صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لهُ، وَأَمَرَ بِهَا فَصُلّيَ عَلَيْهَا فَدُفِنَتْ" .
ـــــــ
"ارجعي حتى تلدي" قال النووي: فيه أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع سواء كان حملها من زنا أو غيره، وهذا مجمع عليه لئلا يقتل جنينها، وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل لم تجلد بالإجماع حتى تضع، وفيه أن المرأة ترجم إذا زنت وهي محصنة كما يرجم الرجل، وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع متطابقان على أنه لا يرجم غير المحصن "حتى تفطميه" بفتح التاء وكسر الطاء وسكون الياء أي تفصلينه من الرضاع كذا ضبطه القاري وفي القاموس فطمه يفطمه قطعه، والصبي فصله، عن الرضاع فهو مفطوم وفطيم انتهى. وضبط في بعض النسخ بضم التاء والظاهر أنه غلط "وقد فطمته" جملة حالية "وفي يده" أي في يد الصبي "شي يأكله" أي يأكل الصبي ذلك الشيء، وفي رواية مسلم "وفي يده كسرة خبز" "فأمر" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فدفع" بصيغة المجهول "فأمر بها" أي برجمها "فحفر لها" بصيغة المجهول، وفي رواية مسلم "فحفر لها إلى صدرها" .
واعلم أن هذه الرواية تخالف الرواية السابقة فإن هذه صريحة في أن رجمها كان بعد فطامه وأكله الخبز والرواية السابقة ظاهرها أن رجمها كان عقيب الولادة فالواجب تأويل السابقة وحملها على هذه الرواية لأنها قضية واحدة والروايتان صحيحتان، وهذه الرواية صريحة لا يمكن تأويلها والسابقة ليست بصريحة فيتعين تأويل السابقة. هذا خلاصة ما قاله النووي. وقيل يحتمل أن يكونا مرأتين ووقع في الرواية السابقة امرأة من جهينة وفي هذه الرواية امرأة من غامد قلت هذا الاحتمال ضعيف "على وجنته" الوجنة أعلى الخد، وفي رواية مسلم فتنضح الدم على وجه خالد "فسبها" أي فشمتها "مهلاً" أي أمهل مهلاً وأرفق رفقاً فإنها مغفورة فلا تسبها "لو تابها صاحب مكس" قال في النيل: بفتح الميم وسكون الكاف بعدها مهملة هو من يتولى الضرائب التي تؤخذ من الناس بغير حق انتهى.
وقال النووي: فيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده، وتكرر ذلك منه وانتهاكه للناس وأخذ أموالهم بغير حقها وصرفها في غير وجهها "فصلى عليها" ضبط بصيغة المجهول.

(12/81)


4432- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعُ بنُ الْجَرّاحِ عن زَكَرِيّا أبي عِمْرَانَ قالَ سَمِعْتُ شَيْخَاً يُحَدّثُ عن ابنِ أبي بَكْرَةَ عنْ أبِيهِ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَجَمَ امْرَأَةً فَحَفَرَ لَها إلَى الثّنْدَوَةِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: أفْهَمَنِي رَجُلٌ عنْ عُثْمانَ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قالَ الْغَسّانِيّ جُهَيْنَةَ وَغَامِدُ وَبَارِقُ وَاحِدٌ.
ـــــــ
قال النووي: قال القاضي عياض رحمه الله هي بفتح الصاد واللام عند جماهير رواة صحيح مسلم، قال وعند الطبري بضم الصاد وقال وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داوود، قال وفي رواية لأبي داوود ثم أمرهم أن يصلوا عليها انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وحديث مسلم أتم من هذا، وحديث النسائي مختصر كالذي ها هنا وفي إسناده بشير بن المهاجر الغنوي الكوفي وليس له في صحيح مسلم سوى هذا الحديث وقد وثقه يحيى بن معين. وقال الإمام أحمد منكر الحديث يجيء بالعجائب مرجىء متهم.
وقال في أحاديث ماعز كلها إن ترديده إنما كان في مجلس واحد إلا ذاك الشيخ بشير ابن المهاجر وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديث ماعز وأتى به آخراً ليبيّن اطلاعه على طرق الحديث والله عز وجل أعلم. وذكر بعضهم أن حديث عمران بن الحصين فيه أنه أمر برجمها حين وضعت ولم يُسْتَانَ بها، وكذا روي عن علي عليه السلام أنه فعل بشراحة رجمها لما وضعت. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أحمد وإسحاق تترك حتى تضع ما في بطنها ثم تترك حولين حتى تطعمه، ويشبه أن يكونا ذهبا إلى هذا الحديث وحديث عمران أجود وهذا الحديث رواية بشير بن المهاجر وقد تقدم الكلام عليه. وقال بعضهم: يحتمل أن تكونا امرأتين وجد لولد إحداهما كفيل وقبلها والأخرى لم يوجد لولدها كفيل ولم يقبل فوجب إمهالها حتى يستغني عنها لئلا يهلك بهلاكها، ويكون الحديث محمولاً على حالتين ويرتفع الخلاف. انتهى كلام المنذري.
"أبي عمران" بدل من زكريا "إلى الثندوة" قال في النهاية: الثّنْدُوَتان للرجل كالثديين للمرأة فمن ضم الثاء همز ومن فتحها لم يهمز انتهى. قال في فتح الودود: والمراد ها هنا إلى صدرها، ويحتمل أن المراد إلى صدر الرجل فيكون حقيقة فتأمل انتهى "قال أبو داوود أفهمني رجل عن عثمان" يشبه أن يكون المعنى أن حديث عثمان بن أبي شيبة لم أفهم معناه ولم أضبط ألفاظه كما ينبغي وقت الدرس والمجالسة مع عثمان حتى أفهمني رجل كان معي ومشاركاً لي لفظ عثمان وحديثه "قال أبو داوود قال الغساني جهينة وغامد وبارق واحد" هذه العبارة ليست في

(12/82)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: حُدّثْتُ عن عَبْدِ الصّمَدِ بنِ عَبْدِ الْوَارِثِ قال أخبرنا زَكَرِيّا بنُ سُلَيْمٍ بإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ، زَادَ: " ثُمّ رَمَاهَا بِحَصَاةٍ مِثْلَ الْحُمّصَةِ ثُمّ قال: ارْمُوا وَاتّقُوا الْوَجْهَ، فَلَمّا طَفِئَتْ أخْرَجَها فَصَلّى عَلَيْهَا" وقالَ في التّوْبَةِ نَحْوَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ.
4433- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ وَ زَيْدٍ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ أنّهُمَا أخْبَرَاهُ: "أنّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالَ أحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ الله اقْضِ بَيْنَنَا بِكَتَابِ
ـــــــ
بعض النسخ. وقال في القاموس بارق لقب سعد بن عدي أبي قبيلة باليمن. ومقصود المؤلف أن المرأة التي قصتها مذكورة في هذه الأحاديث قد نُسبت إلى جهينة وقد نسبت إلى غامد فهما ليستا مرأتين بل هما واحدة لأن جهينة وغامد وكذا بارق ليست قبائل متبائنة، لأن غامد لقب رجل هو أبو قبيلة من اليمن وهم بطن من جهينة.
وأما الغساني فهو أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي وقد ينسب إلى جده ضعيف "قال أبو داوود حدثت" بصيغة المجهول "مثل الحمصة" قال في منتهى الأرب حمص كجِلّقٍ وقِنّبٍ نخود يعني رماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصاة صغيرة مثل الحمصة "واتقوا الوجه" أي عن رجمه "فلما طفئت" أي ماتت "فصلى عليها" ضبط في بعض النسخ بصيغة المعلوم والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم "وقال في التوبة نحو حديث بريدة" أي السابقة. واستدل بهذا الحديث من ذهب إلى أنه وجب أن يكون الإمام أوّل من يرجم أو مأموره، ويجاب بأن الحديث ليس فيه دلالة على الوجوب، وأما الاستحباب فقد حكى ابن دقيق العيد أن الفقهاء استحبوا أن يبدأ الإمام بالرجم إذا ثبت الزنا بالإقرار وتبدأ الشهود به إذا ثبت بالبينة. قاله في النيل.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وسمى في حديثه ابن أبي بكرة عبد الرحمَن والراوي عن ابن أبي بكرة في روايتهما مجهول. وقال أبو داوود أيضاً حدثت عن عبد الصمد رواية عن مجهول.
"إن رجلين اختصما" أي ترافعا للخصومة "اقض" أي احكم "بيننا بكتاب الله" قال الطيبي: أي بحكمه إذ ليس في القرآن الرجم. قال تعالى: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ} أي الحكم بأن لا يؤاخذ على جهالة. ويحتمل أن يراد به القرآن وكان ذلك قبل أن تنسخ آية الرجم لفظاً "وكان أفقههما" يحتمل أن يكون الراوي كان عارفاً بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول مطلقاً، أو في هذه القضية الخاصة، أو استدل بحسن أدبه في استئذانه أولاً وترك رفع صوته إن كان الأول رفعه. كذا في إرشاد الساري "أجل" بفتحتين

(12/83)


الله، وقالَ الآخر - وَكَانَ أفْقَهَهُمَا - أجَلْ يَا رَسُولَ الله فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكَتَابِ الله وَائْذَنْ لِي أنْ أتَكَلّمَ، قال: تَكَلّمْ، قال: إنّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذَا. وَالْعَسِيفُ: الأجِيرُ، فَزَنَى بامْرَأَتِهِ، فأَخْبَرُونِي أنّ عَلَى ابْني الرّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمَائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي ثُمّ إنّي سَأَلْتُ أهْلَ الْعِلْمِ فأَخْبَرُونِي أنّ عَلَى ابْني جَلْدُ مَائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَإِنّمَا الرّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أمَا وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأقْضِيَنّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله تَعَالَى، أمّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدّ إلَيْكَ، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرّبَهُ عَاماً وَأَمَرَ أُنَيْساً الأسْلَمِيّ أنْ يَأْتِي امْرَأَةَ الآخر فإنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، فاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا" .
ـــــــ
وسكون اللام أي نعم "فاقض بيننا بكتاب الله" وإنما سألا أن يحكم بينهما بحكم الله وهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله ليفصل بينهما بالحكم الصرف لا بالتصالح والترغيب فيما هو الأرفق بهما إذ للحاكم أن يفعل ذلك ولكن برضا الخصمين "عسيفاً" بفتح العين وكسر السين المهملتين وبالفاء أي أجيراً "على هذا" أي عنده أو على بمعنى اللام قاله القسطلاني "والعسيف الأجير" هذا التفسير مدرج من بعض الرواة "فأخبروني" أي بعض العلماء "فافتديت منه" أي من ولدي قاله القاري.
وقال القسطلاني: أي من الرجم وكلاهما صحيح "بمائة شاة وبجارية لي" أي أعطيتهما فداء وبدلاً عن رجم ولدي "ثم إني سألت أهل العلم" أي كبراءهم وفضلاءهم "أنما على ابني جلد مائة" بفتح الجيم أي ضرب مائة جلدة لكونه غير محصن "وتغريب عام" أي إخراجه عن البلد سنَة "وإنما الرجم على امرأته" أي لأنها محصنة "أما" بتخفيف الميم بمعنى ألا للتنبيه "فرد إليك" أي مردود إليك، وفيه دليل على أن المأخوذ بالعقود الفاسدة كما في هذا الصلح الفاسد لا يملك بل يجب رده على صاحبه "وجلد ابنه" قال في القاموس جلده ضربه بالسوط "وغربه عاماً" أي أخرجه من البلد سنة.
قال في النيل: فيه دليل على ثبوت التغريب ووجوبه على من كان غير محصن وقد ادعى محمد بن نصر في كتاب الإجماع الاتفاق على نفي الزاني البكر إلا عن الكوفيين. وقال ابن المنذر: أقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله تعالى ثم قال إن عليه جلد مائة وتغريب عام وهو المبين لكتاب الله تعالى وخطب عمر بذلك على رؤس المنابر وعمل به الخلفاء الراشدون ولم ينكره أحد فكان إجماعاً انتهى "وأمر أنيساً" بضم الهمزة وفتح النون وآخره سين مهملة مصغراً هو ابن الضحاك الأسلمي على الأصح "فإن اعترفت" أي بالزنا "فرجمها" أي أنيس تلك المرأة.
قال القسطلاني: وإنما بعثه لإعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفها بابنه، فلها عليه حد القذف فتطالبه به أو تعفو إلا أن تعترف بالزنا فلا يجب عليه حد القذف بل عليها حد الزنا وهو الرجم لأنها كانت محصنة، فذهب إليها أنيس فاعترفت به فأمر صلى الله عليه وسلم برجمها فرجمت قال

(12/84)


............................
ـــــــ
النووي: كذا أوله العلماء من أصحابنا وغيرهم ولا بد منه لأن ظاهره أنه بعث لطلب إقامة حد الزنا وهو غير مراد لأن حد الزنا لا يتجسس له بل يستحب تلقين المقر به الرجوع فيتعين التأويل المذكور انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وفي حديث الترمذي والنسائي وابن ماجه ذكر شبل مع أبي هريرة وزيد بن خالد وقد قيل أن شبلاً هذا لا صحبة له ويشبه أن يكون البخاري ومسلم تركاه لذلك، وقيل لا ذكر له في الصحابة إلا في رواية ابن عيينة ولم يتابع عليها. وقال يحيى بن معين: ليست لشبل صحبة ويقال إنه شبل بن معبد ويقال ابن خليد ويقال ابن حامد، وصوب بعضهم ابن معبد، وأما أهل مصر فيقولون شبل بن حامد عن عبد الله بن مالك الأويسي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحيى وهذا عندي أشبه لأن شبلاً ليست له صحبة.
وقال أبو حاتم الرازي: ليس لشبل معنى في حديث الزهري. هذا آخر كلامه وأنيس بضم الهمزة وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وسين مهملة قيل هو أبو الضحاك الأسلمي يعد في الشاميين ويخرج حديثه عنهم، وقد حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(12/85)


26- باب في رجم اليهوديين :
4434- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بنِ أنَسٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّهُ قال: "إنّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ أنّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فقالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَا تَجِدُونَ في التّوْرَاةِ في شَأْنِ الزّنَا؟ قالُوا: نَفْضَحُهُمْ
ـــــــ
"باب في رجم اليهوديين"
"إن اليهود" أي طائفة منهم وهم من أهل خيبر "جاؤوا" في السنة الرابعة في ذي القعدة قاله القسطلاني "أن رجلاً" لم يسم وفتحت أن لسدها مسداً المفعول "منهم" أي اليهود "وأمرأة" أي منهم، وفي الرواية الآتية من طريق ابن إسحاق عن الزهري زنى رجل وامرأة من اليهود.
وقال في الفتح إن اسم المرأة بسرة بضم الموحدة وسكون المهملة ولم يسم الرجل "زنيا" أي وكانا محصنين "ما تجدون في التوراة في شأن الزنا" استفهام أي أي شيء تجدونه مذكوراً. قال الباجي: يحتمل أن يكون علم بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شرع لم يلحقه تبديل، ويحتمل أن يكون علم ذلك بإخبار عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم منهم على وجه حصل له به العلم بصحة نقلهم "قالوا نفضحهم" بفتح أوله وثالثه من الفضيحة ووقع تفسير الفضيحة في رواية أبي هريرة الآتية يحمم ويجبه ويأتي هناك تفسير التجبيه.

(12/85)


وَيُجْلَدُونَ، فقالَ عَبْدُ الله بنُ سَلاَمٍ: كَذَبْتُمْ إنّ فِيهَا الرّجْمَ، فَأَتَوْا بالتّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَجَعَلَ أحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرّجْمِ ثُمّ جَعَلَ يَقْرَأُ ما قَبْلَهَا وَما بعْدَهَا، فقالَ له عَبْدُ الله بنُ سَلاَمٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَهَا فإذَا فِيهِ آيَةُ الرّجْمِ، فقالَ: صَدَقَ يَا مُحمّدُ فِيهَا آيَةُ الرّجْمِ، فأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَا" . قالَ [فقال] عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرّجُلَ يَحْنِي [يجنأ] عَلَى المَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ.
ـــــــ
وقال الحافظ: في رواية أيوب عن نافع في التوحيد أي من البخاري قالوا نسخم وجوههما ونخزيهما. وفي رواية عبد الله عمر قالوا نسود وجوههما ونحممهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما "ويجلدون" بصيغة المجهول. قال الطيبي أي لا نجد في التوراة حكم الرجم بل نجد أن نفضحهم ويجلدون وإنما أتى أحد الفعلين مجهولاً والآخر معروفاً ليشعر أن الفضيحة موكولة إليهم وإلى اجتهادهم إن شاؤوا سخموا وجه الزاني بالفحم أو عزروه، والجلد لم يكن كذلك، كذا في المرقاة "فقال عبد الله بن سلام" بتخفيف اللام وكان من علماء يهود وكان قد أسلم "إن فيها" أي في التوراة "فأتوا بالتوراة" بصيغة الماضي أي قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتُوا بالتوراة فأَتَوْا بالتوراة "فنشروها" أي فتحوها وبسطوها "فجعل" أي وضع "أحدهم" هو عبد الله بن صوريا "يقرأ ما قبلها" أي ما قبل آية الرجم "فقالوا" أي اليهود "صدق" أي عبد الله بن سلام "فأمر بهما" أي برجمهما "فرأيت الرجل يحني" بفتح التحتية وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية أي يعطف عليها والرؤية بصرية فيكون يحني في موضع الحال "يقيها الحجارة" قال القسطلاني: يحتمل أن تكون الجملة بدلاً من يحني أو حالاً أخرى وال في الحجارة للعهد أي حجارة الرمي انتهى.
وقال الحافظ: تفسير لقوله يحني، ولابن ماجه من هذا الوجه يسترها، وفي بعض النسخ يجنأ بجيم بدل الحاء المهملة وفتح النون بعدها همزة وكذلك في بعض نسخ البخاري. قال ابن دقيق العيد أنه الراجح في الرواية أي أكب عليها.
والحديث دليل على أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان وإلا لم يرجم اليهوديين، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. وقال المالكية ومعظم الحنفية شرط الإحصان الإسلام وأجابوا عن هذا الحديث بأنه صلى الله عليه وسلم إنما رجمهما بحكم التوراة وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن وأجيب بأنه كيف يحكم عليهم بما لم يكن في شرعه مع قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، وفي قولهم وإن في التوراة الرجم على من لم يحصن نظر، لما وقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية أبي هريرة ولفظه "المحصن والمحصنة إذا زنيا فقامت عليهما

(12/86)


4435- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ عن الأعمَشِ عن عَبْدِ الله بنِ مُرّةَ عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: "مَرّوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِيَهُودِيَ قَدْ حُمّمَ وَجْهُهُ وَهُوَ يُطَافُ بِهِ فَنَاشَدَهُمْ مَا حَدّ الزّانِي في كِتَابِهِمْ؟ قال: فَأَحْالُوهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَنَشَدَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَا حَدّ الزّانِي في كِتَابِكُم، فقالَ: الرّجْمُ وَلكِنْ ظَهَرَ الزّنَا في أشْرَافِنَا فَكَرِهْنَا أنْ نَتْرُكَ الشّرِيفَ وَيُقَامُ عَلَى مَنْ دُونَهُ فَوَضَعْنَا هَذَا عَنّا، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَ ثُمّ قال: اللّهُمّ إنّي أوّلُ مَنْ أحْيَى ما أماتُوا مِنْ كِتَابِكَ" .
4436- حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ عن عَبْدِ الله بنِ مُرّةَ عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: "مُرّ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِيَهُودِيَ مُحَمّمٍ مَجْلُودٍ، فَدَعَاهُمْ فقالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدّ الزّانِي؟ قالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلاً مِنْ عُلَمَائِهِمْ قال
ـــــــ
البينة رجماً وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها" رواه الطبراني وغيره كذا في إرشاد الساري والفتح.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"حدثنا مسدد أخبرنا عبد الواحد بن زياد الخ" هذا الحديث ليس في نسخة اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري. قال في الأطراف: حديث مسدد في رواية أبي سعيد بن الأعرابي وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم "قد حمم وجهه" من التحميم أي سود وجهه بالحمم بضم الحاء وفتح الميم وهو الفحم "فناشدهم" أي سألهم وأقسم عليهم "ما حد الزاني في كتابهم" قال النووي: قال العلماء هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم فإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم ولعله صلى الله عليه وسلم قد أوحي إليه أن الرجل في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه أو أخبره من أسلم منهم "على رجل منهم" وهو عبد الله بن صوريا "فنشده" أي فسأله "فكرهنا أن نترك الشريف" أي لم نقم عليه الحد "فوضعنا هذا عنا" أي أسقطنا الرجم عنا "اللهم" أصله يا ألله حذفت ياء حرف النداء وعوض منها الميم المشددة "إني أول من أحيى ما أماتوا من كتابك" أي أول من أظهر وأشاع ما تركوا من كتابك التوراة من حكم الرجم.
"مر" بصيغة المجهول "محمم" بالتشديد اسم مفعول من التحميم بمعنى التسويد أي مسود وجهه بالحمم "مجلود" من الجلد بالجيم "فدعاهم" أي اليهود "فقال هكذا تجدون حد الزاني قالوا نعم" هذا يخالف حديث ابن عمر المذكور من حيث أن فيه أنهم ابتدؤوا السؤال قبل إقامة الحد، وفي هذا أنهم أقاموا الحد قبل السؤال. قال الحافظ: ويمكن الجمع بالتعدد بأن يكون اللذين سألوا عنهما غير الذي جلدوه، ويحتمل أن يكون بادروا فجلدوه ثم بدا لهم فسألوا فاتفق المرور بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك فأمرهم بإحضارهما فوقع ما وقع والعلم عند

(12/87)


لَهُ: نَشَدْتُكَ بالله الّذِي أنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: أهَكَذَا تَجِدُونَ حَدّ الزّانِي في كِتَابِكُم؟ فقالَ: الّلهُمّ لاَ وَلَوْلاَ أنّكَ نَشَدْتَني بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدّ الزّانِي في كِتَابِنَا الرّجْمَ وَلكِنّهُ كَثُرَ في أشْرَافِنَا فكُنّا إذَا أخَذْنَا الرّجُلَ الشّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أخَذْنَا الضّعِيفَ أقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدّ فَقُلْنَا: تَعالَوْا فَنَجْتَمِعَ عَلى شَيْء نُقِيمُهُ على الشّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فاجْتَمَعْنَا على التّحْمِيمِ وَالْجَلدِ وَتَرَكْنَا الرّجْمَ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: الّلهمّ إنّي أوّلُ مَنْ أحْيىء أمْرَكَ إذْ أمَاتُوهُ، فأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فأَنْزَلَ الله تعَالَى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ - إلَى قَوْلِهِ - يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا - إلى قَوْلِهِ - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} - في الْيَهُودِ
ـــــــ
الله ويؤيد الجمع ما وقع عند الطبراني من حديث ابن عباس أن رهطاً من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ومعهم امرأة فقالوا يا محمد ما أنزل عليك في الزنا، فيتجه أنهم جلدوا الرجل ثم بدا لهم أن يسألوا عن الحكم فأحضروا المرأة وذكروا القصة والسؤال انتهى "فدعا رجلاً" هو عبد الله بن صوريا "نشدتك بالله" يقال نشدتك الله وأنشدتك الله وبالله وناشدتك الله وبالله أي سألتك وأقسمت عليك، ونشدته نشدة ونشداناً ومناشدة وتعديته إلى مفعولين لأنه كدعوت زيداً وبزيداً ولأنه ضمن معنى ذكرت، وأنشدت بالله خطأ انتهى كذا في المجمع "ولكنه" أي الزنا "في أشرافنا" جمع شريف "تركناه" أي لم نقم عليه الحد "فاجتمعنا على التحميم" أي تسويد الوجه بالحمم وهو الفحم {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} أي في موالاة الكفار فإنهم لن يعجزوا الله تعالى أو لا يحزنك الذين يقعون في الكفر بسرعة وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهياً للكفرة عن أن يحزنوه ولكنه في الحقيقة نهي له عن التأثر من ذلك والمبالاة به على أبلغ وجه وأوكده فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه نهي عنه بالطريق البرهاني وقطع له من أصله.
واقرؤا هذه الآية إلى قوله تعالى: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} ولفظ مسلم في تفسير هذا القول يقول أيتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا انتهى. أي يقول المرسلون وهم يهود خيبر وفدك لمن أرسلوهم وهم يهود المدينة إيتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فإن أوتيتم هذا أي الحكم المحرف وهو التحميم والجلد وترك الرجم، أي فإن أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بذلك الحكم فخذوه أي فاقبلوه واعملوا به، وإن لم تؤتوه أي الحكم المحرف المذكور بل أفتاكم بالرجم فاحذورا من قبوله والعمل به. وهذا القول أعني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} "إلى قوله" تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} نزل "في اليهود" في قصة رجم اليهوديين اللذين زنيا المذكورة في هذا الحديث.

(12/88)


إلى قَوْلِهِ - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - في الْيَهُودِ إلى قَوْلِهِ - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
قال: هِيَ في الْكُفّارِ كُلّهَا - يَعني هَذِهِ الآية.
4437- حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ حدّثني هِشَامُ بنُ سَعْدٍ أنّ زَيْدَ بنَ أسْلَمَ حَدّثَهُ عن ابن عُمَرَ قال: "أَتَى نَفْرٌ مِنْ يَهُودَ فَدَعُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم إلَى الْقُفّ، فأتَاهُمْ في بَيْتِ المِدْرَاسِ، فقالُوا: يَا أبَا الْقَاسِمِ إنّ رَجُلاً مِنّا زَنَى بامْرَأَةٍ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ، فَوَضَعُوا لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا ثُمّ قالَ: ائْتُونِي بالتّوْرَاةِ، فأُتِيَ بِهَا، فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ وَوَضَعَ التّوْرَاةَ عَلَيْهَا وقالَ: آمَنْتُ بِكَ وَبِمَنْ أنْزَلَكَ،
ـــــــ
وكذلك قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} "إلى قوله" تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} نزل "في اليهود" أي يهود المدينة وهم قريظة والنضير، فإن النضير قد قاتلت قريظة في الجاهلية وقهرتهم فكان إذا قتل النضيري القرظي لا يقتل به بل يفادى بماته وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضيري قتل فإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعفي دية القرظي فغيروا بذلك حكم الله تعالى في التوراة.
والحاصل أن هذه الآية والتي تقدمت نزلت في اليهود.
وأما الآية التالية أعني {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} "إلى قوله" تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} قال فنزلت "هي في الكفار كلها" تأكيداً للكفار و"يعني" بقوله هي "هذه الآية" التالية ولفظ مسلم فأنزل الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} في الكفار كلها انتهى. ولا اختلاف بين هذه الرواية وبين رواية الكتاب بحسب الحقيقة، فإن هذه الآيات كلها نزلت في اليهود ولكن حكمها غير مختص بهم بل هو عام فيهم وفي غيرهم، فرواية مسلم ناظرة إلى الحكم ورواية الكتاب في الآيتين الأوليين ناظرة إلى سبب النزول، وأما الآية الأخيرة فهي أيضاً ناظرة إلى الحكم كذا أفاده بعض الأماجد والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه بنحوه انتهى.
"إلى القف" بضم القاف وتشديد الفاء اسم واد بالمدينة "فأتاهم في بيت المدراس" قال في النهاية: هو البيت الذي يدرسون فيه، ومفعال غريب في المكان انتهى "ووضع التوراة عليها" أي على الوسادة والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم وضع التوراة على الوسادة تكريماً لها، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم آمنت بك وبمن أنزلك "آمنت بك" الخطاب للتوراة "بفتى شاب" هو عبد الله بن صوريا "ثم

(12/89)


ثُمّ قال: ائْتُوني بأعْلَمِكُم، فأُتِيَ بِفَتًى شَابَ" ثُمّ ذَكَرَ قِصّةَ الرّجْمِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ عن نَافِعٍ.
4438- حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ قالَ أخبرنا رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ ح وَأخبرنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَنْبَسَةُ أخبرنا يُونُسُ قالَ قال مُحمّدُ ابنُ مُسْلِمٍ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنْ مُزَيْنَةَ مِمّنْ يَتّبِعُ الْعِلْمَ وَيَعِيهِ ثُمّ اتّفَقَا وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ فَحَدّثَنَا عنْ أَبي هُرَيْرَةَ وَهَذَا حَدِيثُ مَعْمَرٍ وَهُوَ أتَمّ قالَ: "زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَامْرَأَةٌ، فقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ اذْهَبُوا بِنَا إلَى هَذَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّهُ نَبيّ بُعِثَ بالتّخْفِيفِ فإنْ أفْتَاناً بِفُتْيَا دُونَ الرّجْمِ قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِها عِنْدَ الله، قُلْنَا فُتْيَا نَبِيَ مِنْ أنْبيَائِكَ قالَ فأَتَوَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ فِي أصْحَابِهِ فقالُوا يَا أبَا الْقَاسِمِ مَا تَرَى في رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَلَمْ يُكَلّمْهُمْ كَلِمَةً حتى أتَى بَيْتَ مِدْرَاسِهِمْ فقَامَ عَلَى الْباب فقَالَ أنْشُدُكُمْ بالله الّذِي أنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى. مَا تَجِدُونَ في التّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أُحْصِنَ؟ قالُوا يُحَمّمُ وَيُجَبّهُ وَيُجْلَدُ، وَالتّجْبِيَةُ أنْ يُحْمَلَ الزّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ وَيُقَابَلُ أقْفِيَتَهُمَا وَيُطَافُ بِهِمَا. قالَ وَسَكَتَ شَابّ مِنْهُمْ، فَلمّا رَآهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سَكَتَ ألَظّ بِهِ
ـــــــ
ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك عن نافع" قال المنذري: وحديث مالك عن نافع بعض الحديث المذكور في أول هذا الباب.
"قال قال محمد بن مسلم" هو الزهري "رجلاً من مزينة ممن يتبع العلم" أي يطلبه "ويعيه" أي يحفظه "ثم اتفقا" أي معمر ويونس وحاصل الاختلاف الذي قبل هذا الاتفاق أن معمراً قال في روايته عن الزهري قال أخبرنا رجل من مزينة ولم يزد على هذا وأما يونس فقال في روايته قال محمد بن مسلم سمعت رجلاً من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه، فزاد لفظ ممن يتبع العلم ويعيه "ونحن عند سعيد بن المسيب" جملة حالية، يعني قال الزهري سمعت رجلاً من مزينة، والحال أننا كنا عند سعيد بن المسيب "وهذا حديث معمر" أي هذا الحديث الذي ذكر في الكتاب هو حديث معمر "وهو أتم" أي من حديث يونس "دون الرجم" أي سوى الرجم "قلنا فتيا نبي من أنبيائك" هذا بيان صورة الاحتجاج عند الله "حتى أتى بيت مدراسهم" أي بيتاً يدرسون فيه "على الباب" أي على باب بيت المدراس "أنشدكم بالله" أي أسألكم وأقسمت عليكم بالله "إذا أحصن" ضبط بصيغة المعروف والمجهول "قالوا يحمم" بصيغة المجهول أي يسود وجه الزاني بالفحم "ويجبه" بضم التحتيه وفتح الجيم وتشديد الموحدة وبالهاء بصيغة المجهول من باب التفعيل "والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار ويقابل" كلا الفعلين على البناء للمفعول "أقفيتهما" جمع قفا ومعناه وراء العنق. وتفسير التجبية هذا على ما قال الحافظ في الفتح من كلام الزهري.

(12/90)


النّشْدَةَ فقالَ: الّلهُمّ إذْ نَشَدْتَنا فإنّا نَجِدُ في التّوْرَاةِ الرّجْمَ، فَقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَما أوّلُ ما ارْتَخَصْتُمْ أمْرَ الله؟ قالَ زَنَى ذُو قَرَابَةٍ مِنْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا فأَخّرَ عَنْهُ الرّجْمَ ثُمّ زنَى رَجُلٌ في أُسْرَةٍ مِنَ النّاسِ فأَرَادَ رَجْمَهُ فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقالُوا لا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ، فأَصْلَحُوا [فاصطلحوا] عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَةِ بَيْنَهُمْ، فَقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّي أحْكُم بِمَا في التّوْرَاةِ فأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا" .
قالَ الزّهْرِيّ فَبَلَغَنَا أنّ هَذِهِ الآية نَزَلَتْ [أنزلت] فِيهِمْ {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ.
ـــــــ
وقال في النهاية: أصل التجبية أن يُحْمل اثنان على دابة ويُجعل قفا أحدهما إلى قفا الآخر، والقياس أن يُقابل بين وجوههما لأنه مأخوذ من الجبهة والتجبية أيضاً أن يُنكّس رأسه فيحتمل أن يكون المحمول على الدابة إذا فعل به ذلك نكس رأسه فسمي ذلك الفعل تجبيهاً، ويحتمل أن يكون من الجبه وهو الاستقبال بالمكروه وأصله من إصابة الجبهة يقال جَبَهْته إذا أصبت جَبهتَه انتهى "ألظ" بفتح الهمزة واللام وتشديد الظاء المعجمة المفتوحة "به النشدة" بكسر النون وسكون الشين. قال السيوطي: أي ألزمه القسم وألح عليه في ذلك "فقال" أي الشاب وهو عبد الله بن صوريا "إذ نشدتنا" أي أقسمتنا " فما أول ما ارتخصتم" أي جعلتموه رخيصاً وسهلاً "فأخر" أي الملك "عنه" أي عن ذي القرابة "في أسرة" بضم الهمزة وسكون السين.
قال في النهاية: الأسرة عشيرة الرجل وأهل بيته لأنه يتقوى بهم انتهى. وقال السندي: رهطه الأقربون "فحال قومه" أي قوم الرجل الزاني "دونه" أي دون الملك أي حجزوه ومنعوه من الرجم "حتى تجيء بصاحبك" أي قريبك الذي زنى وأخّرْت عنه الرجم "فأصلحوا على هذه العقوبة" وفي بعض النسخ فاصطلحوا وهو الظاهر، والمعنى فاصطلح الملك وجميع رعيته على هذه العقوبة أي التحميم والتجبية والجلد واختاروها وتركوا الرجم "أن هذه الآية" الآتي ذكرها "نزلت فيهم" أي في اليهود في قصة رجم اليهوديين الزانيين المذكورين والمراد بهذه الآية هي قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} أي يحكمون بأحكامها ويحملون الناس عليها، والمراد بالنبيين الذين بعثوا بعد موسى عليه السلام، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفاً من الأنبياء ليس معهم كتاب إنما بعثوا بإقامة التوراة وأحكامها وحمل الناس عليها {الَّذِينَ أَسْلَمُوا} انقادوا لله تعالى، وهذه صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح فإن النبوة أعظم من الإسلام قطعاً، وفيه رفع لشأن المسلمين وتعريض باليهود المعاصرين له صلى الله عليه وسلم بأن أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام الذي دان به محمد صلى الله عليه وسلم واليهود

(12/91)


4439- حدثنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ يَحْيَى أبُو الأصْبَغِ الْحَرّانِي قالَ حدّثني مُحمّدُ يَعْني ابنَ سَلَمَةَ عنْ مُحمّدِ بن إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنْ مُزَيْنَةَ يُحَدّثُ سَعِيدَ بنَ المُسَيّبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "زَنَى رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَقَدْ أُحْصِنَا حِينَ قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَقَدْ كَانَ الرّجْمُ مَكْتُوباً عَلَيْهِمْ في التّوْرَاةِ فَتَرَكُوهُ وَأَخَذُوا بالتّجْبيَةِ يُضْرَبُ مائَةً بِحَبْلٍ مُطْلَى بِقَارٍ وَيُحْمَلُ عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِمّا يَلِي دُبُرَ الْحِمَارِ فَاجْتَمَعَ أحْبَارٌ مِنْ أحْبَارِهِمْ فَبَعَثُوا قَوْماً آخَرِينَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا سَلُوهُ عنْ حَدّ الزّانِي - وَسَاقَ الْحَدِيثَ قالَ فِيهِ - قالَ وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ أهْلِ دِينِهِ فَيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَخُيّرَ في ذَلِكَ قالَ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} .
ـــــــ
بمعزل من الإسلام والاقتداء بدين الأنبياء عليهم السلام "كان النبي صلى الله عليه وسلم منهم" أي من النبيين الذين أسلموا وحكموا بالتوراة فإنه صلى الله عليه وسلم قد حكم بالتوراة. قال فإني أحكم بما في التوراة كما في الحديث والله أعلم.
قال المنذري: فيه رجل من مزينة وهو مجهول.
"حين قدم" ظرف لقوله زنى "رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة" ليس أنه وقع واقعة الزنا حين قدم صلى الله عليه وسلم المدينة على الفور لما في الروايات الصحيحة على ما قال الحافظ أنهم تحاكموا إليه وهو في المسجد بين أصحابه والمسجد لم يكن بناؤه إلا بعد مدة من دخوله صلى الله عليه وسلم "بحبل مطلي" اسم مفعول بوزن مرمي أي بحبل ملطخ "بقار" قال في القاموس: القير بالكسر والقار شيء أسود يطلى به السفن والإبل أو هما الزفت انتهى "فاجتمع أحبار" جمع حبر بمعنى العالم أي علماء من علمائهم "فقالوا" أي الأحبار للذين بعثوهم "ولم يكونوا من أهل دينه" صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يهود "فخير" بصيغة المجهول من التخيير "في ذلك" أي في الحكم "قال" أي أبو هريرة أو دونه قال الله تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ} أي جاءك اليهود وتحاكموا إليك {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ} أي اقض بينهم {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي عن الحكم والقضاء بينهم. وفيه تخيير لرسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم وبين الإعراض عنهم.
وقد استدل به على أن حكام المسلمين مخيرون بين الأمرين.
وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم، واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم، فذهب قوم إلى التخيير، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي والزهري وبه قال أحمد.
وذهب آخرون إلى الوجوب وقالوا إن هذه الآية منسوخة بقوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا

(12/92)


4440- حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى الْبَلَخِيّ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ قالَ مُجَالِدٌ أنبأنا عنْ عَامِرٍ عنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله قالَ: "جَاءَتِ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا، قالَ ائْتُونِي بِأَعْلَمَ رَجُلَيْنِ مِنْكُم فأَتَوْهُ بابنَي صُورِيا فَنَشَدَهُمَا كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هَذَيْنِ في التّوْرَاةِ؟ قالا نَجِدُ في التّوْرَاةِ إذَا شَهِدَ أرْبَعَةٌ أنّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ في فَرْجِهَا مِثْلَ المِيلِ في المُكْحَلَة رُجِمَا. قالَ فما يَمْنَعُكُما أنْ تَرْجُمُوهُما؟ قالا ذَهَبَ سُلْطَانُنَا، فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ، فَدَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالشّهُودِ فَجَاءُوا بِأَرْبَعَةِ [أربعة] فَشَهِدُوا أنّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ في فَرْجِها مِثْلَ المِيلِ فِي المُكْحَلَةِ، فَأَمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِهَما" .
ـــــــ
أَنْزَلَ اللَّهُ} وبه قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي وهو الصحيح من قولي الشافعي وحكاه القرطبي عن أكثر العلماء وليس في هذه السورة منسوخ إلا هذا وقوله {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ} انتهى.
قال المنذري: وفيه أيضاً مجهول.
"زنيا" صفة رجل وامرأة "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "ائتوني بأعلم رجلين منكم" زاد الطبري في حديث ابن عباس " ائتوني برجلين من علماء بني إسرائيل فأتوه برجلين أحدهما شاب والآخر شيخ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر" ذكره الحافظ في الفتح "بابني صوريا" بصيغة التثنية في الابن وبضم الصاد وسكون الواو "هذين" أي الزانيين "إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجماً" زاد البزار من هذا الوجه "فإن وجدوا الرجل مع المرأة في بيت أو في ثوبها أو على بطنها فهي ريبة وفيها عقوبة" ذكره الحافظ "ذهب سلطاننا" أي غلبتنا وملكنا من الأرض "فكرهنا القتل" أي خوفاً من أن نقِلّ "فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاءوا بأربعة" فيه قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض. وزعم ابن العربي أن معنى قوله في حديث جابر "فدعا بالشهود" أي شهود الإسلام على اعترافهما. وقوله فرجمهما بشهادة الشهود أي البينة على اعترافهما ورد هذا التأويل بقوله في نفس الحديث أنهم رأوا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة وهو صريح في أن الشهادة بالمشاهدة لا بالاعتراف.
وقال القرطبي الجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم ولا كافر لا في حد ولا في غيره ولا فرق بين السفر والحضر في ذلك. وقبل شهادتهم جماعة من التابعين وبعض الفقهاء إذا لم يوجد مسلم. واستثنى أحمد حالة السفر إذا لم يوجد مسلم. وأجاب القرطبي عن الجمهور عن واقعة اليهود أنه صلى الله عليه وسلم نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به إظهاراً لتحريفهم كتابهم وتغييرهم حكمه أو كان ذلك خاصاً بهذه الواقعة كذا قال. والثاني مردود.
وقال النووي: الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر فلعل الشهود كانوا

(12/93)


4441- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن هُشَيْمٍ عن مُغِيرَةَ [المغيرة] عن إِبراهِيمَ و الشّعْبِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ لَمْ يَذْكُر فَدَعَا بالشّهُودِ فَشَهِدُوا.
4442- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن هُشَيْمٍ عن ابنِ شُبْرُمَةَ عن الشّعْبِيّ بِنَحْوٍ مِنْهُ.
4443- حدثنا إِبراهِيمُ بنُ الْحَسَنِ المصّيْصِيّ أخبرنا حَجّاجُ بنُ مُحمّدِ قالَ ابنُ جُرَيْجٍ أنّهُ سَمِعَ أبَا الزّبَيْرِ سَمِعَ جَابِرَ بن عَبْدِ الله يَقُولُ: " رَجَمَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ وَامْرَأَةً زَنَيَا" .
ـــــــ
مسلمين وإلا فلا عبرة بشهادتهم ويتعين أنهما أقرا بالزنا. قال الحافظ: بعد ذكر هذا كله لم يثبت أنهم كانوا مسلمين، ويحتمل أن يكون الشهود أخبروا بذلك السؤال بقية اليهود لهم فسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامهم ولم يحكم فيهم إلا مستنداً لما أطلعه الله تعالى فحكم في ذلك بالوحي وألزمهم الحجة بينهم، كما قال تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} أو أن شهودهم شهدوا عليهم عند أحبارهم بما ذكر فلما رفعوا الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم استعلم القصة على وجهها، فذكر كل من حضره من الرواة ما حفظه في ذلك ولم يكن مستند حكم النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما أطلعه الله عليه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه مختصراً وفي إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف.
"حدثنا وهب بن بقية الخ".
قال المنذري: هذا مرسل، وعن الشعبي بنحوه وهذا أيضاً مرسل انتهى كلام المنذري.
"حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي" بكسر ميم وشدة صاد مهملة أولى ويقال بفتح ميم وخفة صاد نسبة إلى مصيصة بلد في الشام كذا في المغني. وهذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري.
وقال المزي في الأطراف: حديث رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم ورجلاً من اليهود وامرأة عند مسلم في الحدود وأبي داوود فيه وحديث أبي داوود من رواية ابن الأعرابي وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم.

(12/94)


27- باب في الرجل يزني بحريمه :
4444 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا خَالِدُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا مُطَرّفٌ عن أبي الْجَهْمِ عن الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ قالَ: بَيْنَمَا [بينا] أنَا أطُوفُ عَلَى إبِلِ لِي ضَلّتْ إذْ أقْبَلَ رَكْبٌ أوْ
ـــــــ
"باب في الرجل يزني بحريمه"
أي التي لم يحل له نكاحها "بينما أنا أطوف على إبل لي" أي لطلب إبل لي "ضلت"

(12/94)


فَوَارِسُ مَعَهُمْ لِوَاءٌ فَجَعَلَ الأعْرَابَ يُطِيفُونَ بِي لِمَنْزِلَتِي مِنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا [إذ] أتَوْا قُبّةً فَاسْتَخْرُجُوا مِنْهَا رَجُلاً فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَذَكَرُوا أنّهُ أعْرَسَ بامْرَأَةِ أبِيهِ.
4445- حدثنا عَمْرُو بنُ قُسَيْطٍ الرّقّيّ أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ عَمْرٍو عنْ زَيْدِ بنِ أبي أنَيْسَةَ عنْ عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ عنْ يَزِيدَ بن الْبَرَاءِ عنْ أبِيهِ قالَ: "لَقِيتُ عَمّي وَمَعَهُ رَايَةٌ فَقُلْتُ
ـــــــ
صفة إبل أي ضاعت وغابت "ركب" جماعة الركبان "أو فوارس" جمع فارس بمعنى راكب الفرس "فجعل الأعراب يطيفون بي" الظاهر أنه من باب الأفعال. وقال في المجمع طاف به وأطاف بمعنى "لمنزلتي من النبي صلى الله عليه وسلم" أي لقرب درجتي عنده صلى الله عليه وسلم "إذا أتوا" أي الركب "قبة" قال في المصباح: القبة من البنيان معروفة وتطلق على البيت المدور "فاستخرجوا منها" أي أخرجوا منها "فسألت عنه" أي عن حال المقتول وسبب قتله "أعرس بامرأة أبيه" أي نكحها على قواعد الجاهلية وعد ذلك حلالاً فصار مرتداً. قاله في فتح الودود والحديث سكت عنه المنذري.
"لقيت عمي" وفي رواية ابن ماجه مربي خالي سماه هشيم في حديثه الحارث بن عمرو "ومعه راية" وفي رواية ابن ماجه "وقد عقد له النبي صلى الله عليه وسلم لواء" .
واللواء هو الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش، وإنما عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء
ـــــــ
ساق الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله كلام المنذري إلى آخر الباب ثم قال: وهذا كله يدل على أن الحديث محفوظ ولا يوجب هذا تركه بوجه.
فإن البراء بن عازب حدث به عن أبي بردة بن نيار واسمه الحارث بن عمرو وأبو بردة كنيته وهو عمه وخاله وهذا واقع في النسب وكان معه رهط فاقتصر على ذكر الرهط مرة وعين من بينهم أبا بردة بن نيار باسمه مرة وبكنيته أخرى وبالعمومة تارة وبالخؤولة أخرى.
فأي علة في هذا توجب ترك الحديث، والله الموفق للصواب.
والحديث له طرق حسان يؤيد بعضها بعضا.
منها: مطرف عن أبي الجهم عن البراء.
ومنها: شعبة عن الركين بن الربيع عن عدي بن ثابت عن البراء.
ومنها: الحسن بن صالح عن السدي عن عدي عن البراء.
ومنها: معمر عن أشعث عن عدي عن يزيد بن البراء عن أبيه.
وذكر النسائي في سننه من حديث عبد الله بن إدريس حدثنا خالد بن أبي كريمة عن معاوية بن قرة عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله" .

(12/95)


لَهُ أيْنَ تُرِيدُ؟ فقَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى رَجُلٍ نكَحَ امْرَأَةَ أبِيهِ فَأَمَرَنِي أنْ أضْرِبَ عُنُقَهُ وَآخُذَ مَالَهُ" .
ـــــــ
ليكون علامة على كونه مبعوثاً من جهته صلى الله عليه وسلم "إلى رجل نكح امرأة أبيه" قال السندي أي نكحها على قواعد الجاهلية فإنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم يعدون ذلك من باب الإرث ولذلك ذكر الله تعالى النهي عن ذلك بخصوصه بقوله: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} مبالغة في الزجر عن ذلك، فالرجل سلك مسلكهم في عد ذلك حلالاً فصار مرتداً فقتل لذلك، وهذا تأويل الحديث من يقول بظاهره انتهى "فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله" قال في النيل: فيه دليل على أنه يجوز للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعياً من قطعيات الشريعة كهذه المسألة، فإن الله تعالى يقول: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ولكنه لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذي أمر صلى الله عليه وسلم بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلاً وذلك من موجبات الكفر والمرتد يقتل. وفيه أيضاً متمسك لقول مالك أنه يجوز التعزير بالقتل وفيه دليل أيضاً على أنه يجوز أخذ مال من ارتكب معصية مستحلاً لها بعد إراقة دمه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن غريب. هذا آخر كلامه.
وقد اختلف في هذا اختلافاً كثيراً فروي عن البراء كما تقدم وروى عنه عن عمه كما ذكرنا أيضاً وروى عنه قال مربي خالي أبو بردة بن نيار ومعه لواء وهذا لفظ الترمذي فيه، وروى عنه عن خاله وسماه هشيم في حديثه الحارث بن عمرو وهذا لفظ ابن ماجه فيه، وروى عنه قال مر بنا ناس ينطلقون، وروى عنه إني لأطوف على إبل ضلت في تلك الأحياء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم رهط معهم لواء وهذا لفظ النسائي انتهى كلام المنذري.

(12/96)


28- باب في الرجل يزني بجارية امرأته :
4446- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا أبَانُ أخبرنا قَتَادَةُ عن خَالِدِ بن عُرْفُطَةَ عنْ حُبَيْبِ بن سَالِمٍ: أنّ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ حُنَيْنٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ فَرُفِعَ إلَى النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ وَهْوَ أمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ فقالَ لاَءَقْضِيَنّ فِيكَ بَقَضِيّةِ
ـــــــ
"باب في الرجل يزني بجارية امرأته"
"عن خالد بن عرفطة" بضم عين وسكون راء وضم فاء وفتح طاء "يقال له عبد الرحمَن بن حنين" بالتصغير "فرفع إلى النعمان بن بشير" الأنصاري الخزرجي له ولأبويه صحبة ثم سكن الشام ثم ولي امرة الكوفة ثم قتل بحمص رضي الله عنهم "لأقضين فيك"

(12/96)


رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، إنْ كَانَتْ أحَلّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مَائَةً وَإنْ لَمْ تَكُنْ أحَلّتْهَا لَكَ رَجَمْتُكَ بِالْحِجَارَةِ فَوَجَدُوهُ قَدْ أحَلّتْهَا لَهُ فَجَلَدَهُ مَائَةً.
قالَ قَتَادَةُ: كْتَبْتُ إلَى حَبِيبِ بنِ سَالِمٍ فَكَتَبَ إلَيّ بِهَذَا.
4447- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ أبي بِشْرٍ عنْ خَالِدِ بنِ عُرْفُطَةَ عنْ حَبِيبٍ بن سَالِمٍ عن النّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم فِي الرّجُلِ يَأْتِي جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ قالَ: " إنْ كَانَتْ أحَلّتْهَا لَهُ جُلِدَ مَائَةً، وَإنْ لَمْ تَكُنْ أحَلَتْهَا لَهُ رَجَمْتُهُ" .
ـــــــ
الخطاب لذلك الرجل الذي وقع على جارية امرأته "إن كانت" أي امرأته "أحلتها" أي جعلت جاريتها حلالاً لك وأذنت لك فيها "جلدتك مائة" قال ابن العربي: يعني أدبته، تعزيراً وأبلغ به الحد تنكيلاً لا أنه رأى حده بالجلد حداً له. قال السندي بعد ذكر كلام ابن العربي هذا لأن المحصن حده الرجم لا الجلد، ولعل سبب ذلك أن المرأة إذا أحللت جاريتها لزوجها فهو إعارة الفروج فلا يصح لكن العارية تصير شبهة ضعيفة فيعزر صاحبها. قال الخطابي: هذا الحديث غير متصل وليس العمل عليه انتهى "فجلده مائة" أي مائة جلدة "قال قتادة كتبت إلى حبيب بن سالم" أي بعدما حدثني هذا الحديث خالد بن عرفطة عنه "فكتب" أي حبيب بن سالم "إليّ" بشدة الياء "بهذا" أي بهذا الحديث فصار الحديث عنده من حبيب بن سالم حينئذ بغير واسطة.
وقد اختلف أهل العلم في الرجل يقع على جارية امرأته، فقال الترمذي روي عن غير واحد من الصحابة منهم أمير المؤمنين علي وابن عمر أن عليه الرجم. وقال ابن مسعود ليس عليه حد ولكن يعزر. وذهب أحمد وإسحاق إلى ما رواه النعمان بن بشير انتهى.
قال الشوكاني وهذا هو الراجح لأن الحديث وإن كان فيه المقال فأقل أحواله أن يكون شبهة يدرأ بها الحد.
قال المنذري: وحنين بضم الحاء المهملة وفتح النون وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة ونون أيضاً.
"في الرجل يأتي جارية امرأته الخ".
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
وقال الترمذي: حديث النعمان في إسناده اضطراب سمعت محمداً يعني البخاري يقول لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث إنما رواه عن خالد بن عرفطة.

(12/97)


4448- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن قَبِيصَةَ بنِ حُرَيْثٍ عن سَلَمَةَ بنِ المُحَبّقِ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى في رَجُلٍ وَقَعَ عَلى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرّةٌ وَعَلَيْهِ لِسَيّدَتِهَا مِثْلُهَا، وَإنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ لِسَيّدَتِهَا مِثْلُهَا" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ وَعَمْرُو بنُ دِينَارٍ وَمَنْصُورُ بنُ زَاذَانَ وَسَلاّمٌ عن الْحَسَنِ هَذَا الحديثَ بمَعْنَاهُ، لَمْ يَذْكُرْ يُونُسُ وَمَنْصُورٌ قَبِيصَةَ.
4449- حدثنا عَلِيّ بنُ حُسَيْنِ الدّرْهَمِيّ أخبرنا عَبْدُ الأعْلَى عن سَعِيدِ عن قَتَادَةَ
ـــــــ
وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا الحديث أيضاً إنما رواه عن خالد بن عرفطة هذا آخر كلامه. وخالد بن عرفطة قال أبو حاتم الرازي هو مجهول وقال الترمذي أيضاً سألت محمد بن إسماعيل عنه فقال أنا أتقي هذا الحديث. وقال النسائي أحاديث النعمان كلها مضطربة. وقال الخطابي هذا الحديث غير متصل وليس العمل عليه هذا آخر كلامه. وعرفطة بضم العين وسكون الراء المهملتين وضم الفاء وبعدها طاء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث.
"عن سلمة بن المحبق" بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعدها باء موحدة مشددة مفتوحة ومن أهل اللغة من يكسرها، والمحبق لقب واسمه صخر بن عبيد قاله في النيل "استكرهها" أي أكرهها وألجأها "فهي" أي الجارية "وعليه" أي الرجل الواقع "مثلها" أي مثل الجارية "وإن كانت" الجارية "طاوعته" أي وافقته وتابعته "فهي" أي الجارية "له" أي للرجل. قال الخطابي: لا أعلم أحداً من الفقهاء يقول به وخليق أن يكون منسوخاً. وقال البيهقي في سننه: حصول الإجماع من فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول به دليل على أنه إن ثبت صار منسوخاً بما ورد من الأخبار في الحدود ثم أخرج عن أشعث قال بلغني أن هذا كان قبل الحدود والله أعلم كذا في فتح الودود.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال لا تصح هذه الأحاديث. وقال البيهقي وقبيصة ابن حريث غير معروف وقد روينا عن أبي داوود، أنه قال سمعت أحمد بن حنبل يقول الذي رواه عن سلمة بن المحبق شيخ لا يعرف لا يحدث عنه غير الحسن يعني قبيصة بن حريث. وقال البخاري في التاريخ: قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق في حديثه نظر.
وقال ابن المنذر: لا يثبت حديث سلمة بن المحبق وقال الخطابي: هذا حديث منكر، وقبيصة بن حريث غير معروف والحجة لا تقوم بمثله. وكان الحسن لا يبالي أن يروي هذا الحديث ممن سمع. وقال بعضهم هذا كان قبل الحدود انتهى كلام المنذري "عن الحسن" هو البصري قاله المنذري "نحوه" أي نحو الحديث المتقدم.

(12/98)


عن الْحَسَنِ عن سَلَمَةَ بنِ المُحَبّقِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ إلاّ أنّهُ قال: "وإنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ وَمِثْلُهَا مِنْ مَالِهِ لِسَيّدَتِهَا" .
ـــــــ
"إلا أنه قال وإن كانت" أي الجارية "طاوعته" أي وافقته وتابعته "فهي ومثلها من ماله لسيدتها" هذا يخالف لما في الرواية المتقدمة من أنها إن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقد اختلف في هذا الحديث عن الحسن فقيل عنه عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق، وقيل عنه عن سلمة من غير ذكر قبيصة، وقيل عنه عن جون بن قتادة عن سلمة.
وجون بن قتادة قال الإمام أحمد لا يعرف، والمحبق بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعدها باء بواحدة مشددة مفتوحة، ومن أهل اللغة من يكسرها، والمحبق لقب واسمه صخر بن عبيد وسلمة له صحبة سكن البصرة كنيته أبو سنان. كني بابنه سنان وذكر أبو عبد الله بن منده أن لابنه سنان صحبة أيضاً. وجون بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها نون.

(12/99)


29- باب فيمن عمل عمل قوم لوط :
4450- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدِ بنِ عَلِيّ النّفَيْلِيّ أخبرنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ عن عَمْرِو بنِ أبي عَمْرِو عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَجَدْتُموهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالمَفْعُولِ بِهِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سُلَيْمانُ بنُ بِلاَلٍ عن عَمْرِو بنِ أبي عَمْرٍو مِثْلَهُ، وَرَوَاهُ
ـــــــ
"باب فيمن عمل عمل قوم لوط"
المراد من عمل قوم لوط اللواطة "من وجدتموه" أي علمتوه "فاقتلوا الفاعل والمفعول به" في شرح السنة: اختلفوا في حد اللوطي، فذهب الشافعي في أظهر قوليه وأبو يوسف ومحمد إلى أن حد الفاعل حد الزنا أي إن كان محصناً يرجم وإن لم يكن محصناً يجلد مائة، وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مائة وتغريب عام رجلاً كان أو امرأة محصناً كان أو غير محصن. وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم محصناً كان أو غير محصن، وبه قال مالك وأحمد، والقول الآخر للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به كما هو ظاهر الحديث وقد قيل في كيفية قتلهما هدم بناء عليهما، وقيل رميهما من شاهق كما فعل بقوم لوط. وعند أبي حنيفة يعزر ولا يحد انتهى "قال أبو داوود رواه سليمان بن بلال" التيمي أحد الحفاظ "عن عمرو بن أبي عمرو مثله" أي مثل رواية عبد العزيز الدراوردي فقال في روايته عن عمرو بن

(12/99)


عَبّادُ بنُ مَنْصُورٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ رَفَعَهُ، وَرَوَاهُ ابنُ جُرَيْجٍ عن إِبراهِيمَ عن دَاوُدَ بنِ الْحُصَيْنِ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ رَفَعَهُ.
4451- حدثنا إسْحَاقُ بنُ إِبراهِيمَ بنِ رَاهَوَيْهِ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا ابنُ
ـــــــ
أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ورواه عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس رفعه" أي لم يقل في حديثه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال رفعه قال الزيلعي: وأخرج الحاكم عن عبادة بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الذي يأتي البهيمة "اقتلوا الفاعل والمفعول به" . وسكت عنه.
وأخرجه أحمد في مسنده أعني حديث عباد بن منصور انتهى "ورواه ابن جريج عن إبراهيم" هو ابن إسماعيل بن أبي حبيبة كما في سنن ابن ماجه وسنن الدارقطني.
أو هو ابن محمد بن أبي يحيى كما عند عبد الرزاق وكلاهما يرويان عن داوود بن الحصين "عن عكرمة عن ابن عباس رفعه" فابن جريج أيضاً قال في روايته عن ابن عباس رفعه ولم يقل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما ابن أبي فديك فروى عن إبراهيم بن إسماعيل عن داوود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن ماجه والدارقطني.
ثم اعلم أن مفاد قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله رفعه واحد، غير أن المحدثين لهم اعتناء في أداء ألفاظ الحديث فلذا نبه عليه المؤلف رحمه الله تعالى والله أعلم.
ورأيت بخط بعض القدماء على هامش السنن ما نصه رواه إسماعيل بن إسحاق في كتاب الفوائد أخبرنا إسحاق بن محمد قال أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل عن داوود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس فذكر معناه، وإبراهيم هذا هو ابن أبي حبيبة. قال البخاري منكر الحديث انتهى.
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وفي لفظ النسائي لعن الله من عمل عمل قوم لوط وقال الترمذي وإنما يعرف هذا الحديث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الوجه. وروى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عمرو بن أبي عمرو فقال "من عمل عمل قوم لوط" ولم يذكر القتل هذا آخر كلامه وقد أخرجه النسائي بلفظ اللعنة كما قدمناه من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، وقال عمرو ليس بالقوي هذا آخر كلامه. وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي المدني كنيته أبو عثمان، واسم أبي عمرو ميسرة قد احتج به البخاري ومسلم وروى عنه عن الإمام مالك وتكلم فيه غير واحد. وقال يحيى بن معين عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ثقة ينكر عليه حديث

(12/100)


جُرَيْجٍ أخبرني ابنُ خُثَيْمٍ قالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ وَ مُجَاهِداً يحَدّثَانِ عن ابنِ عَبّاسٍ: في الْبِكْرِ يُوجَدُ على اللّوطِيّةِ قال يُرْجَمُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ عَاصِمٍ يُضَعّفُ حَدِيثَ عَمْرِو بنِ أبي عَمْرٍو.
ـــــــ
عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به". انتهى كلام المنذري.
"يوجد على اللوطية" أي اللواطة "قال أبو داوود، حديث عاصم يضعف" بصيغة المعروف من التضعيف "حديث عمرو بن أبي عمرو" مفعول يضعف.
قال المنذري: يريد حديث عاصم بن أبي النجود الذي يأتي بعد انتهى. قلت: قد وقع هذه العبارة في أكثر النسخ في هذا المقام وفي آخر الباب الآتي أيضاً. وفي بعض النسخ وجد ههنا ولم يوجد في آخر الباب الآتي والظاهر أن موقعها في آخر الباب الآتي كما لا يخفى على المتأمل.
قال في فتح الودود: حديث عاصم يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو كأنه بشير إلى حديث عاصم في الباب الآتي لكن حديث عاصم إنما هو في إتيان البهيمة لا في عمل قوم لوط فلو أخره إلى هناك لكان أتم إلا أن يكون قصد القياس، ثم رأيته في نسخة مذكوراً في الباب الآتي ولعله أليق انتهى. قلت: لا شك في كونه أليق بل هو الصواب، ومراد المؤلف تضعيف حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتى بهيمة" الحديث بحديث عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين عن ابن عباس قال: "ليس على الذي يأتي البهيمة حد".
قال الزيلعي: وضعف أبو داوود هذا الحديث بحديث أخرجه عن عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين عن ابن عباس موقوفاً. وكذلك أخرجه الترمذي والنسائي قال الترمذي وهذا أصح من الأول ولفظه "من أتى بهيمة فلا شيء عليه".
وقال البيهقي: وقد رويناه من أوجه عن عكرمة ولا أرى عمرو بن أبي عمرو يقصر عن عاصم بن بهدلة في الحفظ، كيف وقد تابعه جماعة، وعكرمة عند أكثر الأئمة من الثقات الأثبات انتهى.
وأخرجه الحاكم في المستدرك عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به، ومن وجدتموه يأتي بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه" وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد في ذكر البهيمة انتهى والله تعالى أعلم.

(12/101)


30- باب فيمن أتى بهيمة :
4452- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ حدثنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ حدّثني عَمْرُو بنُ أبي عَمْرُو عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أتَى بَهِيمَةً فاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ" . قال قُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةَ؟ قال: ما أرَاهُ قالَ ذَلِكَ إلاّ أنّهُ كَرِهُ أنْ يُؤُكَلَ لَحْمُهَا وَقَدْ عُمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْعَمَلُ.
ـــــــ
"باب فيمن أتى بهيمة"
أي جامعها.
"من أتى بهيمة فاقتلوه" أي الآتي "واقتلوها" أي البهيمة "معه" أي مع الآتي. قال في اللمعات: ذهب الأئمة الأربع إلى أن من أتى بهيمة يعزر ولا يقتل والحديث محمول على الزجر والتشديد انتهى "قال" أي عكرمة "قلت له" أي لابن عباس "ما شأن البهيمة" أي أنها لا عقل لها ولا تكليف عليها فما بالها تقتل "قال" أي ابن عباس "ما أراه" بضم الهمزة بصيغة المجهول أي ما أظن النبي صلى الله عليه وسلم "وقد عمل بها" أي بتلك البهيمة "ذلك العمل" أي القبيح الشنيع. والجملة حالية. وقال السندي نقلاً عن السيوطي: قيل حكمة قتلها خوف أن تأتي بصورة قبيحة يشبه بعضها الآدمي وبعضها البهيمة. وأكثر الفقهاء كما حكاه الخطابي على عدم العمل بهذا الحديث فلا يقتل البهيمة ومن وقع عليها، وإنما عليه التعزير ترجيحاً لما رواه الترمذي عن ابن عباس قال "من أتى بهيمة فلا حد عليه" قال الترمذي: هذا أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم انتهى.
وقال الحافظ في التلخيص: حديث "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" رواه أحمد وأبو داوود واللفظ له والترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي من حديث عكرمة عن ابن عباس واستنكره النسائي، ورواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة وإسناده أضعف من الأول بكثير.
وقال ابن الطلاع في أحكامه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط ولا أنه حكم فيه وثبت عنه أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به" رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة وفي حديث أبي هريرة "أحصنا أم لم يحصنا" كذا قال. وحديث أبي هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من طريق عاصم بن عمر العمري عن سهيل عن أبيه عنه، وعاصم متروك، وقد رواه ابن ماجه من طريقه بلفظ "فارجموا الأعلى والأسفل" وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته.
وأما حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى بهيمة فاقتلوه" الحديث ففي إسناد هذا الحديث كلام رواه أحمد وأصحاب السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو وغيره عن

(12/102)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هَذَا بالْقَوِيّ.
4453- حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أنّ شَرِيكاً وَ أَبَا الأحْوَصِ وَ أَبَا بَكْرِ ابنَ عَيّاشٍ حَدّثُوهُمْ عن عَاصِمٍ عن أبي رَزِين عن ابن عَبّاسٍ قال: لَيْسَ عَلَى الّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ حَدّ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَا قال عَطَاءٌ، وقال الْحَكَمُ: أرَى أنْ يُجْلَدَ وَلا يُبْلَغُ بِهِ الْحَدّ، وقال الْحَسَنُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الزّانِي.
ـــــــ
عكرمة عن ابن عباس. وعند البيهقي بلفظ "ملعون من وقع على بهيمة" وقال " اقتلوه واقتلوها لئلا يقال هذه التي فعل بها كذا وكذا" قال أبو داوود: وفي رواية عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس "ليس على الذي يأتي البهيمة حد" فهذا يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو. وقال الترمذي حديث عاصم أصح ولما رواه الشافعي في كتاب اختلاف علي وعبد الله من جهة عمرو بن أبي عمرو قال إن صح قلت به.
ومال البيهقي إلى تصحيحه لما عضد طريق عمرو بن أبي عمرو عنده من رواية عباد ابن منصور عن عكرمة، وكذا أخرجه عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن داوود بن الحصين عن عكرمة. ويقال إن أحاديث عباد بن منصور عن عكرمة إنما سمعها من إبراهيم بن أبي يحيى عن داوود عن عكرمة فكان يدلسها بإسقاط رجلين، وإبراهيم ضعيف عندهم وإن كان الشافعي يقوي أمره انتهى "قال أبو داوود ليس هذا بالقوي" ليست هذه العبارة في أكثر النسخ.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وقال البخاري عمرو صدوق ولكنه روى عن عكرمة مناكير.
وقال أيضاً ويروي عمرو عن عكرمة في قصة البهيمة فلا أدري سمع أم لا. وأخرج هذا الحديث ابن ماجه في سننه من حديث إبراهيم بن إسماعيل عن داوود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من وقع على ذات محرم فاقتلوه ومن وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة" وإبراهيم بن إسماعيل هذا هو أبو حبيبة الأنصارية مولاهم المدني كنيته أبو إسماعيل. قال الإمام أحمد ثقة: وقال البخاري منكر الحديث وضعفه غير واحد من الحفاظ.
"حدثوهم" أي أحمد بن يونس وغيره "عن عاصم" هو ابن أبي النجود "عن أبي رزين" هو مسعود بن مالك الأسدي "ليس على الذي يأتي البهيمة حد" قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم "وكذا" أي مثل قول ابن عباس "قال عطاء" تابعي جليل مشهور "وقال الحكم" بن عتيبة الكوفي أحد الأئمة الفقهاء "وقال الحسن" هو البصري "هو بمنزله الزاني" أي فإن كان

(12/103)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ عَاصِمٍ يُضَعّفُ حَدِيثَ عَمْرِو بنِ أبي عَمْرو.
ـــــــ
محصناً يرجم وإن لم يكن محصناً يجلد. وذكر الإمام الخطابي الاختلاف في هذا الفعل ثم قال وأكثر الفقهاء على أنه يعزر، وكذلك قال عطاء والنخعي، وبه قال مالك والثوري وأحمد وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله انتهى مختصراً.
واستدل الإمام أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن على أن اللواط زنا وفيه الحد بأن الله تعالى سماه في القرآن فاحشة فقال: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} وفي حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري جاء رجل يقال له ماعز فقال "يا رسول الله إني أصبت فاحشة فطهرني" الحديث قال أهل اللغة: الفاحشة الزنا ذكره في الصحاح وغيره. وقال إبراهيم الحربي في كتاب غريب الحديث في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} أجمع المفسرون أنه الزنا انتهى.
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن القاسم بن الوليد عن يزيد بن قيس أن علياً رجم لوطياً.
وأخرج البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال: أتى ابن الزبير بسبعة في لواطة أربعة منهم قد أحصنوا وثلاثة لم يحصنوا فأمر بالأربعة فرضخوا بالحجارة وأمر بالثلاثة فضربوا الحد وابن عباس وابن عمر في المسجد ذكره الزيلعي "قال أبو داوود حديث عاصم يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو" المقصود أنه يظهر من حديث عاصم الذي هو موقوف على ابن عباس ضعف حديث عمرو بن أبي عمرو المرفوع لأنه لو كان صحيحاً لم يقل ابن عباس خلافه البتة.
قال الخطابي: يريد أن ابن عباس لو كان عنده في هذا الباب حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لما يخالفه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وهذا هو حديث عاصم الذي أشار إليه أبو داوود في الباب الذي قبله. وعاصم هو ابن أبي النجود وأبو رزين هو مسعود بن مالك الأسدي مولاهم الكوفي انتهى كلام المنذري.

(12/104)


31- باب إذا أقر الرجل بالزنا ولم تقر المرأة :
4454- حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا طَلْقُ بنُ غَنّامٍ أخبرنا عَبْدُ السّلاَمِ بنُ حَفْصٍ أخبرنا أبُو حَازِمٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّ رَجُلاً أتَاهُ فأَقَرّ عِنْدَهُ أنّهُ
ـــــــ
"باب إذا أقر الرجل بالزنا ولم تقر المرأة"
"أن رجلاً أتاه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فبعث " أي أحداً عن ذلك أي عما أقر ذلك الرجل من

(12/104)


زَنَى بامْرَأَةٍ سَمّاهَا [فسماها] لَهُ فَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى المَرْأَةِ فَسَأَلَها عنْ ذَلِكَ فأَنْكَرَتْ أنْ تَكُونَ زَنَتْ، فَجَلَدَهُ الْحَدّ وَتَرَكَهَا" .
4455- حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فارِس أخبرنا مُوسَى بنُ هَارُونَ الْبُرْدِيّ أخبرنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ عن الْقَاسِمِ بنِ فَيّاضٍ الأبْنَاوِيّ [الأنباري] عن خَلاّدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن ابنِ المُسَيّبِ عن ابنِ عَبّاسٍ: "أنّ رَجُلاً مِنْ بَكْرِ بنِ لَيْثٍ أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأَقَرّ أنّهُ زَنَى بامْرَأَةٍ أرْبَعَ مَرّاتٍ فَجَلَدَهُ مَائَةً وكَانَ بِكْراً، ثُمّ سَأَلَهُ الْبَيّنَةَ عَلَى المَرْأَةِ فقالَتْ: كَذَبَ وَالله يَا رَسُولَ الله، فَجَلَدَهُ حَدّ الْفِرْيَةِ ثمَانِينَ" .
ـــــــ
الزنا بها "فجلده الحد" أي جلده حد الزنا وهو مائة جلدة فظهر من هذا أنه كان غير محصن "وتركها" أي المرأة لأنها أنكرت وتقدم هذا الحديث في أول باب الرجم على ما في بعض النسخ.
وأما في عامة النسخ فهذا الحديث في هذا المحل وهو الصواب والله أعلم.
قال المنذري: في إسناده عبد الله بن سلام بن حفص أبو مصعب المدني. قال ابن معين ثقة، وقال أبو حاتم الرازي ليس بمعروف.
"أخبرنا موسى بن هارون البردي" بضم الموحدة صدوق ربما أخطأ. قاله الحافظ "عن القاسم بن فياض الأبناوي" بفتح الهمزة بعدها موحدة ساكنة ثم نون الصنعاني مجهول قاله الحافظ. وفي هامش الخلاصة منسوب إلى ابنى بضم الهمزة وسكون الموحدة بوزن لبنى. قال في القاموس موضع انتهى. وقد وقع في بعض النسخ الأنباري والظاهر أنه غلط والله تعالى أعلم "أربع مرات" أي أقر أربع مرات "فجلده مائة" أي حد الزنا وكان ذلك الرجل المقر "ثم سأله البينة على المرأة" أي على أنها زنت به لأنه إذا أقر أنه زنى بها فقذفها بأنها زنت به واتهمها به "فقالت" المرأة بعد عجز الرجل عن البينة "كذب" أي الرجل "فجلده" أي ثمانين جلدة "حد الفرية" بكسر الفاء وسكون الراء أي الكذب والبهتان. وقد استدل بحديث سهل بن سعد المذكور مالك والشافعي فقالا يحد من أقر بالزنا بامرأة معينة للزنا لا للقذف. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة يحد للقذف فقط، قالا لأن إنكارها شبهة وأجيب بأنه لا يبطل به إقراره. وذهب محمد وروي عن الشافعي وغيره إلى أنه يحد للزنا والقذف، واستدلوا بحديث ابن عباس هذا. قال الشوكاني: هذا هو الظاهر لوجهين:
الأول: أن غاية ما في حديث سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد ذلك الرجل للقذف، وذلك لا ينتهض للاستدلال به على السقوط لاحتمال أن يكون ذلك لعدم الطلب من المرأة أو لوجود مسقط بخلاف حديث ابن عباس فإن فيه أنه أقام الحد عليه.

(12/105)


...................
ـــــــ
الوجه الثاني: أن ظاهر أدلة القذف العموم فلا يخرج من ذلك إلا ما خرج بدليل وقد صدق على من كان كذلك أنه قاذف انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال هذا حديث منكر هذا آخر كلامه، وفي إسناده القاسم بن فياض الأنباري الصنعاني تكلم فيه غير واحد، وقال ابن حبان بطل الاحتجاج به.

(12/106)


32- باب في الرجل يصيب من المرأة ما دون الجماع فيتوب قبل أن يأخذه الإمام :
4456- حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ أخبرنا سِمَاكٌ عن إِبراهِيمَ عن عَلْقَمَةَ وَ الأسْوَدِ قالا قالَ عَبْدُ الله: " جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: إنّي عَالَجْتُ امْرَأَةً مِنْ أقْصَى المَدِينَةِ فأَصْبَتُ مِنْهَا ما دُونَ أنْ أمَسّهَا فأَنَا هَذَا فأَقِمْ عَلَيّ ما شِئْتَ، فقالَ عُمَرُ: قَدْ سَتَرَ الله عَلَيْكَ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ، فلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم شَيْئاً، فانْطَلَقَ الرّجُلُ فأَتْبَعَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً فَدَعَاهُ فَتَلاَ عَلَيْهِ: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ
ـــــــ
"باب في الرجل يصيب من المرأة ما دون الجماع الخ"
"قال عبد الله" هو ابن مسعود رضي الله عنه "جاء رجل" هو أبو اليسر بفتح المثناة التحتية والسين المهملة كعب بن عمرو الأنصاري، وقيل نبهان التمار وقيل عمرو بن غزية "إني عالجت امرأة" أي داعبتها وزاولت منها ما يكون بين الرجل والمرأة غير أني ما جامعتها قاله الطيبي.
وقال النووي: معنى عالجها أي تناولها واستمتع بها، والمراد بالمس الجماع، ومعناه استمتعت بها بالقبلة والمعانقة وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع إلا الجماع "من أقصى المدينة" أي أسفلها وأبعدها عن المسجد لأظفر منها بجماعها "فأصبت منها ما دون أن أمسها" ما موصولة أي الذي تجاوز المس أي الجماع "فأنا هذا" أي حاضر بين يديك "فأقم عليّ ما شئت" أي أردته مما يجب علي كناية عن غاية التسليم والانقياد إلى حكم الله ورسوله "لو سترت على نفسك" أي لكان حسناً "فلم يرد عليه" أي على الرجل أو على عمر "شيئاً" من الكلام وصلى الرجل مع النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس ذكره القسطلاني "فانطلق الرجل" أي ذهب "فأتبعه" أي أرسل عقبه "فتلا" أي قرأ "عليه" أي على الرجل السائل {وَأَقِمِ الصَّلاةَ} المفروضة {طَرَفَيِ النَّهَارِ} ظرف لأقم {وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ} عطف على طرفي فينتصب على الظرف إذ المراد به ساعات الليل القريبة من النهار.
واختلف في طرفي النهار وزلف الليل فقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والعصر،

(12/106)


اللَّيْلِ} إلَى آخِرِ الآية، فقالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ الله ألَهُ خَاصّةً أمْ لِلنّاسِ؟ فقالَ: للنّاسِ كَافّةً" .
ـــــــ
والزلف المغرب والعشاء، وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول بل في غيرها.
وقيل الطرفان الصبح والمغرب، وقيل غير ذلك وأحسنها الأول. قاله القسطلاني "إلى آخر الآية" وتمام الآية مع تفسيرها هكذا: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} أي تكفرها، والمراد من السيئات الصغائر أن الصلاة إلى الصلاة مكفرات ما بينهما ما اجتنبت الكبائر {ذَلِكَ} أي ما ذكر في هذه الآية {ذِكْرَى} أي تذكير وموعظة {لِلذَّاكِرِينَ} أي لنعمة الله أو للمتعظين "أله خاصة" بهمزة الاستفهام أي أهذا الحكم للسائل يخصه خصوصاً أم للناس عامة "فقال للناس كافة" أي يعمهم جميعاً وهو منهم.
قال النووي: هكذا تستعمل كافة حالاً أي كلهم، ولا يضاف فيقال كافة الناس ولا الكافة بالألف واللام، وهو معدود في تصحيف العوام ومن أشبههم انتهى.
والحديث دليل ظاهر لما ترجم له المؤلف رحمه الله.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وهذا الرجل هو أبو اليسر كعب بن عمرو وقيل غير ذلك.

(12/107)


33- باب في الأمة تزني ولم تحصن :
4457- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله بن عُتْبَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ وَ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الأمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ. قال: إنْ زَنَتْ فاجلِدُوهَا، ثُمّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُهَا، ثُمّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوهَا ثُمّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بَضَفِيرٍ" .
ـــــــ
"باب في الأمة تزني ولم تحصن"
"سئل عن الأمة إذا زنت" أي تحد أم لا "ولم تحصن" بفتح الصاد حال من فاعل زنت، وتقييد حدها بالإحصان ليس بقيد وإنما هو حكاية حال، والمراد بالإحصان هنا ما هي عليه من عفة وحرية لا الإحصان بالتزويج لأن حدها الجلد سواء تزوجت أم لا قاله القسطلاني "قال إن زنت فاجلدوها" قيل أعاد الزنا في الجواب غير مقيد بالإحصان للتنبيه على أنه لا أثر له وأن موجب الحد في الأمة مطلق الزنا. ومعنى اجلدوها الحد اللائق بها المبين في الآية وهو نصف ما على الحرة قاله الحافظ.

(12/107)


قال ابنُ شِهَابٍ: لاَ أدْرِي في الثّالِثَةِ أو الرّابِعَةِ. وَالضّفِيرُ: الحبْلُ.
4458- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن عُبَيْدِ الله حدثني سَعِيدُ بنُ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُريّ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا زَنَتْ أمَةُ أحَدكُم فَلْيُحِدّهَا وَلاَ يُعَيّرْهَا
ـــــــ
وقال القسطلاني: والخطاب في فاجلدوها لملاك الأمة، فيدل على أن السيد يقيم على عبده وأمته الحد ويسمع البينة عليهما، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم خلافاً لأبي حنيفة في آخرين واستثنى مالك القطع في السرقة لأن في القطع مثلة فلا يؤمن السيد أن يريد أن يمثل بعبده فيخشى أن يتصل الأمر بمن يعتقد أنه يعتق بذلك، فيمنع من مباشرته القطع سداً للذريعة "ولو بضفير" بالضاد المعجمة فعيل بمعنى مفعول وهو الحبل المضفور، وعبر بالحبل للمبالغة في التنفير عنها وعن مثلها لما في ذلك من الفساد "قال ابن شهاب لا أدري في الثالثة أو الرابعة" أي لا أدري هل يجلدها ثم يبيعها ولو بضفير بعد الزنية الثالثة أو الرابعة قاله القسطلاني.
قال النووي ما محصله إنه قال الطحاوي لم يذكر في هذه الرواية قوله ولم تحصن غير مالك وأشار بذلك إلى تضعيفها وأنكر الحفاظ هذا على الطحاوي قالوا بل روى هذه اللفظة أيضاً ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما قال مالك، فهذه اللفظة صحيحة وليس فيها حكم مخالف لأن الأمة تجلد نصف جلد الحرة سواء كانت الأمة محصنة بالتزويج أم لا.
وفي هذا الحديث بيان لمن لم يحصن وفي قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} بيان من أحصنت فحصل من الآية.
والحديث بيان أن الأمة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد وهو معنى ما قال علي رضي الله عنه: "يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن.
والحكمة في التقييد في الآية بقوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} التنبيه على أن الأمة وإن كانت مزوجة لا يجب عليها إلا نصف جلد الحرة لأنه الذي ينتصف، وأما الرجم فلا ينتصف، فليس مراداً في الآية بلا شك وهذا هو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء.
وقال جماعة من السلف لا حد على من لم تكن مزوجة من الإماء والعبيد وممن قاله ابن عباس وطاوس وعطاء وابن جريج وأبو عبيد انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"فليحدها" أي الحد الواجب المعروف من صريح الآية: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} "ولا يعيرها" من التعيير، وهو التوبيخ واللوم والتثريب.

(12/108)


ثَلاَثَ مِرَارٍ، فَإِنْ عادَتْ في الرّابِعَةِ فَلْيَجْلِدْهَا وَلْيَبِعْهَا بضَفِيرٍ أوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ" .
4459- حدثنا ابنُ نُفَيْلٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدِ بن إسْحَاقَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدِ المَقْبُريّ عنْ أبِيهِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْحَدِيثِ. قالَ فِي كُلّ مَرّةٍ: "فَلْيَضْرِبْهَا كِتَابُ الله وَلاَ يَثْرّبْ عَلَيْهَا. وَقالَ في الرّابِعَةِ: فإنْ عادَتْ فَلْيَضْرِبهَا كِتَابُ الله ثُمّ لْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ" .
ـــــــ
قال البيضاوي: كان تأديب الزناة قبل مشروعية الحد التثريب وحده، فأمرهم بالحد، ونهاهم عن الاقتصار على التثريب. وقيل المراد به النهي عن التثريب بعد الجلد، فإنه كفارة لما ارتكبته فلا يجمع عليها العقوبة بالحد والتعيير انتهى.
قال النووي: فيه دليل على أن السيد يقيم الحد على عبده وأمته وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
وقال أبو حنيفة في طائفة ليس له ذلك، وهذا الحديث صريح في الدلالة للجمهور انتهى "ثلاث مرار" أي قال صلى الله عليه وسلم قوله إذا زنت الخ ثلاث مرات "وليبعها" قال النووي: هذا البيع المأمور به مستحب عندنا وعند الجمهور.
وقال داوود وأهل الظاهر هو واجب "بضفير أو بحبل من شعر" شك من الراوي. وفي رواية البخاري ولو بحبل من شعر.
قال القسطلاني: قيد بالشعر لأنه كان الأكثر في حبالهم.
قال الحافظ: واستشكل الأمر ببيع الرقيق إذا زنى، مع أن كل مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، ومن لازم البيع أن يوافق أخاه المؤمن على أن يقتني ما لا يرضى اقتناؤه لنفسه. وأجيب بأن السبب الذي باعه لأجله ليس محقق الوقوع عند المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج، فإن الإخراج من الوطن المألوف شاق، ولجواز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره.
قال ابن العربي: يرجى عند تبديل المحل تبديل الحال. ومن المعلوم أن للمجاورة تأثيراً في الطاعة وفي المعصية انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه وأخرجه البخاري تعليقاً.
"فليضربها كتاب الله" وفي رواية للنسائي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة "فليجلدها بكتاب الله" والمقصود من هذين اللفظين فليجلدها الحد المذكور في كتاب

(12/109)


..................
ـــــــ
الله وهو قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} "ولا يثرب عليها" التثريب التعيير أي لا يجمع عليها العقوبة بالجلد وبالتعيير. وقيل المراد لا يقتنع بالتوبيخ دون الجلد.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه وأخرجه مسلم وأبو داوود والنسائي من حديث محمد بن إسحاق عن سعيد، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث الليث بن سعد عن سعد.

(12/110)


34- باب في إقامة الحد على المريض :
4460- حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الهَمَدْانيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ أخبرني أبُو أُمَامَةَ بنُ سَهْلِ بن حُنَيْفٍ: " أنّهُ أخْبَرَهُ بَعْضُ أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الأنْصَارِ أنّهُ اشْتَكَى رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتى أُضْنِيَ فَعَادَ جِلْدَةً لا عَلَى عَظْمٍ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ فَهَشّ لَها فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ وَقالَ اسْتَفْتُوا لِي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فإنّي قَدْ وَقَعْتُ عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيّ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَقالُوا: مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنَ النّاسِ مِنَ الضّرّ مِثْلَ الّذِي هُوَ بِهِ لَوْ حَمَلْنَاه إلَيْكَ لَتَفَسّخَتْ عِظَامُهُ، ما هُوَ إلاّ جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَأْخُذُوا لَهُ مَائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا [فيضربونها] ضَرْبَةً وَاحِدَةً" .
ـــــــ
"باب في إقامة الحد على المريض"
"اشتكى رجل" أي مرض "حتى أضني" بصيغة المجهول. قال الخطابي أي أصابه الضنا وهو شدة المرض وسوء الحال حتى ينحل بدنه ويهزل، ويقال إن الضنا انتكاس العلة انتهى. وفي القاموس: ضنى كرضى ضنى مرض مرضاً مخاطراً كلما ظُن برؤه نكس وأضناه المرض "فعاد" أي صار "جلدة على عظم" أي لم يبق شيء من اللحم بل بقي عظم عليه جلدة "فهش" أي ارتاح وخف "لها" أي لتلك الجارية. قال في القاموس: الهشاشة والهشاش الارتياح والخفة والنشاط والفعل كدب ومل انتهى وفي النهاية يقال هش لهذا الأمر يهش هشاشة إذا فرح به واستسر وارتاح له وخف ومنه حديث عمر هششت يوماً فقبلت وأنا صائم انتهى "فوقع عليها" أي جامعها "يعودونه" من العيادة والجملة حالية "أخبرهم بذلك" أي وقوعه على تلك الجارية والجماع بها "من الضر" أي المرض "مثل الذي هو" أي الضر "به" أي بذلك الرجل المريض الواقع على تلك الجارية "لتفسخت عظامه" أي تكسرت وتفرقت "أن يأخذوا له مائة شمراخ" بكسر أوله وفي رواية شرح السنة على ما في المشكاة خذوا له عثكالاً فيه مائة شمراخ. قاله

(12/110)


4461- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا إسْرائِيلُ أخبرنا عَبْدُ الأعْلَى عنْ أبي جَمِيلَةَ عنْ عَلِيّ قالَ: "فَجَرَتْ جَارِيَةٌ لاَلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَ يَا عَلِيّ انْطَلِقْ فأَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدّ، فانْطَلَقْتُ فإذَا بِهَا دَمٌ يَسِيلُ لَمْ يَنْقَطِعْ فأَتَيْتُهُ فقَالَ يَا عَلِيّ أفَرَغْتَ؟ فَقُلْتُ أتَيْتُهَا وَدَمُهَا يَسِيلُ، فقَالَ دَعْهَا حتّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا ثُمّ أقِمْ عَلَيْهَا الْحَدّ وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أيْمَانُكْم" .
ـــــــ
الطيبي: العثكال الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان صغار ويسمى كل واحد من تلك الأغصان شمراخاً انتهى. وقال في النهاية: العثكال العذق وكل غصن من أغصانه شمراخ وهو الذي عليه البسر "فيضربوه بها" عطف على يأخذوا. وفي بعض النسخ فيضربونها والضمير المجرور لمائة شمراخ "ضربة واحدة" أي مرة واحدة.
والحديث دليل على أن المريض إذا لم يحتمل الجلد ضرب بعثكال فيه مائة شمراخ أو ما يشابهه ويشترط أن تباشره جميع الشماريخ، وقيل يكفي الاعتماد، وهذا العمل من الحيل الجائزة شرعاً، وقد جوز الله مثله في قوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} الآية قاله الشوكاني.
وقال ابن الهمام: وإذا زنى المريض وحده الرجم بأن كان محصناً حد لأن المستحق قتله، ورجمه في هذه الحالة أقرب إليه: وإن كان حده الجلد لا يجلد حتى يبرأ لأن جلده في هذه الحالة قد يؤدي إلى هلاكه وهو غير المستحق عليه. ولو كان المرض لا يرجى زواله كالسل أو كان خداجاً ضعيف الخلقة فعندنا وعند الشافعي يضرب بعثكال فيه مائة شمراخ فيضرب به دفعة، ولا بد من وصول كل شمراخ إلى بدنه، ولذا قيل لا بد حينئذ أن تكون مبسوطة انتهى. قال المنذري: وقد روي عن أبي أمامة عن أبيه وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي أمامة عن سعيد بن سعيد عن عبادة، وروي أيضاً عن أبي حازم عن سهل بن سعد انتهى كلام المنذري.
"عن أبي جميلة" قال المنذري: اسمه ميسرة الطهوي الكوفي "فجرت" أي زنت "جارية لاَل رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية مسلم "أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت" "فإذا" هي للمفاجأة "دم" أي دم النفاس "يسيل" أي يجري. وفي رواية مسلم "فإذا هي حديثه عهد بنفاس" "أفرغت" بهمزة الاستفهام أي أفرغت عن إقامة الحد عليها "دعها" أي اتركها "حتى ينقطع دمها" أي دم نفاسها "ثم أقم عليها الحد" فيه دليل على أن المريض يمهل حتى يبرأ.
وظاهر الحديث الأول أنه لا يمهل، والجمع أن من يرجى برؤه يمهل ومن لا يرجى برؤه لا يؤخر والله تعالى أعلم "وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" فيه دليل على أن السيد يقيم الحد على مملوكه وتقدم الاختلاف فيه.

(12/111)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أبُو الأحْوَصِ عنْ عَبْدِ الأعْلَى وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ الأعْلَى فقَالَ [وقال] فيهِ: "قالَ لاَ تَضْرِبْهَا حتّى تَضَعَ" وَالأوّلُ أصَحّ.
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي باللفظ الأول واللفظ الثاني وفي إسناده عبد الأعلى ابن عامر الثعلبي ولا يحتج به وهو كوفي. وأبو الأحوص هو سلام بن سليم الحنفي الكوفي ثقة. والثعلبي بالثاء المثلثة والعين المهملة. وأبو الأحوص بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وبعد الواو المفتوحة صاد مهملة. وأبو جميلة بفتح الجيم وكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وبعد اللام المفتوحة تاء تأنيث. والطهوي بضم الطاء وفتح الهاء وكسر الواو منسوب إلى طهية بنت عبسمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم وفي النسبة إلى طهية لغات منها ما ذكرناه والثانية بفتح الطاء وفتح الهاء معاً والثالثة بفتح الطاء وسكون الهاء، والرابعة بضم الطاء وسكون الهاء وعبسمس هذا بفتح العين المهملة وفتح الباء الموحدة ومنهم من يسكنها. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي عبد الرحمَن السلمي عبد الله بن حبيب قال خطب علي رضي الله عنه فقال: "يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمر بي أن أجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أحسنت" وأخرجه الترمذي وفي رواية لمسلم "اتركها حتى تماثل" ولم يذكر من أحصن منهم ومن لم يحصن انتهى كلام المنذري.

(12/112)


35- باب في حد القاذف [القذف] :
4462 - حدثنا قتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ الثّقَفِيّ وَ مَالِكُ بنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ المِسْمَعِيّ وَهَذَا حَدِيثُهُ أنّ ابنَ أبِي عَدِيّ حَدّثَهُمْ عنْ مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عنْ عَبْدِ الله بن أبي بَكْرٍ عنْ عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ [ذاك] وَتَلاَ - تَعْنِي الْقُرْآنَ - فَلَمّا نَزَلَ مِنَ المِنْبَرِ أمَرَ بالرّجُلَيْنِ وَالمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدّهُمْ" .
ـــــــ
"باب في حد القاذف"
وفي بعض النسخ حد القذف.
وهو الرمي بالزنا والاتهام به، وحده ثمانون جلدة "لما نزل عذري" أي الآيات الدالة على براءتها شبهتها بالعذر الذي يبرىء المعذور من الجرم ذكره القاضي وغيره "فذكر ذلك" أي عذري "تلا" أي قرأ "تعني" أي تريد عائشة رضي الله عنها "القرآن" بالنصب مفعول تلا، وهذا تفسير من بعض الرواة لمفعول تلا المحذوف، والمراد من القرآن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا

(12/112)


4463- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدِ [حماد] بنِ إسْحَاقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ قالَ فأَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ مِمّنْ تَكَلّمْ بالْفَاحِشَةِ حَسّانُ بنُ ثَابِتٍ وَمِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ. قالَ النّفَيْلِيّ وَيَقُولُونَ المَرْأَةُ [إن المرأة] حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
ـــــــ
بِالْأِفْكِ} إلى آخر الآيات "أمر بالرجلين" أي بحدهما أو بإحضارهما وهما حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة "والمرأة" بالجر أي وبالمرأة وهي حمنة بنت جحش "فضربوا" بصيغة المجهول "حدهم" أي حد المفترين وهو مفعول مطلق أي فحد واحدهم "ولم يذكر" أي النفيلي "ممن تكلم بالفاحشة" أي القذف "حسان بن ثابت" بفتح الحاء والسين المشددة الصحابي الأنصاري شاعر رسول الله الذي صلى الله عليه وسلم الذي قال صلى الله عليه وسلم: في شأنه: "إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" "ومسطح بن أثاثة" بكسر الميم وسكون السين المهملة وبضم الهمزة في أثاثة "يقولون" أي المحدثون "المرأة" أي المذكورة في الحديث هي "حمنة بنت جحش" أي أخت زينب رضي الله عنها.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق هذا آخر كلامه. وقد أسنده ابن إسحاق مرة وأرسله أخرى. وقد تقدم الكلام على الاحتجاج بحديث محمد بن إسحاق.

(12/113)


36- باب في الحد في الخمر :
4464- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ وَ مُحمّدُ بنُ المُثَنّى وهَذا حَدِيثُهُ قالا أخبرنا أبُو عَاصِمٍ عن ابن جُرَيْجٍ عنْ مُحمّدِ بنِ عَلِيّ بنِ رُكَانَةَ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقِتْ [لم يوقت] في الْخَمْرِ حَدّا" .
ـــــــ
"باب في الحد في الخمر"
قال العيني: الحد المنع لغة، يقال للبواب حداد لمنعه الناس عن الدخول. وفي الشرع الحد عقوبة مقدرة لله تعالى.
"عن محمد بن علي" بن يزيد بن ركانة المطلبي عن عكرمة وعنه ابن جريج وثقه ابن حبان "لم يقت في الخمر" أي لم يوقت ولم يعين يقال وقت بالتخفيف يقت فهو موقوت، وليس المراد أنه ما قرر حداً أصلاً حتى يقال لا تثبت بالرأي فكيف أثبت الناس في الخمر حداً بل معناه أنه لم يعين فيه قدراً معيناً بل كان يضرب فيه ما بين أربعين إلى ثمانين وعلى هذا فحين شاور عمر الصحابة اتفق رأيهم على تقرير أقصى المراتب. قيل سببه أنه كتب إليه خالد بن الوليد أن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة فاندفع توهم أنهم كيف زادوا في حد من

(12/113)


وَقالَ ابنُ عَبّاسٍ: شَرِبَ رَجُلٌ فَسَكِرَ فَلُقِيَ يَمِيلُ في الَفَجّ فانْطُلِقَ بِهِ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلَمّا حَاذَى بِدَارِ الْعَبّاسِ انْفلَتَ فَدَخَلَ عَلَى الْعَبّاسِ فالْتَزَمَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَضَحِكَ وَقالَ أفَعَلَهَا؟ وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مِمّا تَفَرّدَ بِهِ أهْلُ المَدِينَةِ، حَدِيثُ الْحَسَنِ بنِ عَليَ هَذَا.
4465- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا أبُو ضَمْرَةَ عنْ يَزِيدَ بنِ الْهَادِ عن مُحمّدِ بن إِبراهِيمَ عن أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُل قَدْ شَرِبَ فقَالَ اضْرِبُوهُ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فمِنّا الضّارِبُ بِيَدِهِ والضّاِربُ بِنَعْلِهِ وَالضّارِبُ بِثَوْبِهِ فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ بَعْضُ الْقَوْمِ أخْزَاكَ الله، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: لا تَقُولُوا هَكَذَا، لاَ تُعِينُوا عَلَيْهِ الشْيطَانَ" .
ـــــــ
حدود الله مع عدم جواز الزيادة في الحد والله أعلم، كذا في فتح الودود "فسكر" بكسر الكاف "فلقي" بصيغة المجهول أي رؤي "يميل" حال من المستسكن في لقي أي مائلاً "في الفج" بفتح الفاء وتشديد الجيم أي الطريق الواسع بين الجبلين "فانطلق به" بصيغة المفعول أي فأخذ وأريد أن يذهب بالرجل "فلما حاذى" أي قابل الشارب "انفلت" أي تخلص وفر "فالتزمه" أي التجأ الشارب إلى العباس وتمسك به أو اعتنقه متشفعاً لديه "فذكر ذلك" بالبناء للمجهول أي فحكى ما ذكر "وقال" النبي صلى الله عليه وسلم "أفعلها" بهمزة الاستفهام التعجبي الضمير للمذكورات من الانفلات والدخول والالتزام، ويجوز أن يكون للمصدر أي أفعل الفعلة "ولم يأمر فيه بشيء" قال الخطابي: هذا دليل على أن حد الخمر أخف الحدود وأن الخطر فيه أيسر منه في سائر الفواحش. ويحتمل أن يكون إنما لم يعرض له بعد دخوله دار العباس من أجل أنه لم يكن ثبت عليه الحد بإقرار منه أو شهادة عدول، وإنما لقي في الطريق يميل فظن به السكر فلم يكشف عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه على ذلك "قال أبو داوود هذا مما تفرد به إلخ" يشبه أن يكون المعنى أن حديث الحسن بن علي الخلال هذا تفرد به عكرمة عن ابن عباس وعكرمة مولى ابن عباس معدود في أهل المدينة، وما روى هذا الحديث غير أهل المدينة والله أعلم.
والحديث سكت عنه المنذري.
"قد شرب" أي الخمر "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "اضربوه" أي الشارب ولم يعين فيه العدد لأنه لم يكن موقتاً حينئذ "الضارب بيده" أي بكفه "والضارب بثوبه" أي بعد فتله للأيلام "فلما انصرف" من الضرب "قال بعض القوم" قيل إنه عمر رضي الله عنه "أخزاك الله" أي أذلك الله "لا تقولوا هكذا" أي لا تدعوا عليه بالخزي وهو الذل والهوان "لا تعينوا عليه" أي على الشارب "الشيطان" لأن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية أن يحصل له الخزي فإذا دعوا عليه بالخزي

(12/114)


4466- حدثنا مُحمّدُ بنُ دَاوُدَ بنِ أبِي نَاجِيَةَ الإسْكَنْدَرَانِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يَحْيَى بنُ أيّوبَ وَ حَيْوَةُ بنُ شُرَيْجٍ وَ ابنُ لَهِيعَةَ عن ابن الْهَادِ بإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قالَ فِيهِ بَعْدَ الضّرْبِ: " ثُمّ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصْحَابِهِ بَكّتُوهُ، فأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ مَا اتّقَيْتَ الله مَا خَشِيتَ الله، وَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ أرْسَلُوهُ. وَقالَ في آخِرِهِ: وَلَكِنْ قُولُوا اللّهُمّ اغْفِرْ لَهُ، اللّهُمّ ارْحَمْهُ، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ الْكَلِمَةَ وَنَحْوَهَا" .
4467- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ ح وَأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ المَعْنَى عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بن مَالِكٍ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جَلَدَ في الْخَمْرِ بالْجَرِيدِ وَالنّعَالِ، وَجَلَدَ أبُو بَكْرِ أرْبَعِينَ فَلمّا وُلّيَ عُمَرُ دَعَا النّاسَ فقَالَ لَهُمْ إنّ النّاسَ قَدْ دَنَوْا
ـــــــ
فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان. وقال البيضاوي: لا تدعوا عليه بهذا الدعاء فإن الله إذا أخزاه استحوذ عليه الشيطان، أو لأنه إذا سمع منكم انهمك في المعاصي وحمله اللجاج والغضب على الإصرار فيصير الدعاء وصلة ومعونة في إغوائه وتسويله قاله القسطلاني ويستفاد من هذا الحديث منع الدعاء على العاصي بالإبعاد عن رحمة الله كاللعن. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري.
"بإسناده" السابق "ومعناه" أي الحديث السابق "قال" الراوي "فيه" أي في هذا الحديث "بكتوه" بتشديد الكاف من التبكيت وهو التوبيخ والتعيير باللسان وقد فسر في الحديث بقوله "فأقبلوا عليه" بفتح الهمزة والموحدة ماض من الإقبال أي توجهوا إليه "ما اتقيت الله" أي مخالفته "ما خشيت الله" أي ما لاحظت عظمته أو ما خفت عقوبته "وما استحييت من رسول الله" أي من ترك متابعته أو مواجهته ومقابلته "ثم أرسلوه" أي الشارب "وقال" الراوي "في آخره" أي الحديث "اللهم اغفر له" أي بمحو المعصية "اللهم ارحمه" أي بتوفيق الطاعة أو اغفر له في الدنيا وارحمه في العقبى "وبعضهم" أي بعض الرواة "يزيد الكلمة" في حديثه "ونحوها" أي نحو هذه الكلمة وهي اللهم اغفر له وهو معطوف على قوله اللهم اغفر له. والحديث سكت عنه المنذري.
"أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد" لعل فيه تجريداً أي أمر بالضرب "في الخمر" أي في شاربها أو التقدير جلد شارب الخمر لأجل شربها "بالجريد" وهو جمع جريدة وهي السعفة سميت بها لكونها مجردة عن الخوص وهو ورق النخل "والنعال" بكسر أوله جمع النعل وهو ما يلبس في الرجل، والمعنى أنه ضربه ضرباً من غير تعيين عدد وهذا مجمل بينته الرواية الآتية التي رواها ابن أبي عروبة عن قتادة "وجلد" أي ضرب "أبو بكر أربعين" أي جلدة أو ضربة. قال السندي: أي كانوا يكتفون على أربعين أيضاً في زمانهما إلا أنهم ما كانوا يزيدون عليه قط انتهى.

(12/115)


مِنَ الرّيفِ، وَقالَ مُسَدّدٌ: مِنَ الْقُرَى وَالرّيفِ فما تَرَوْنَ في حَدّ الْخَمْرِ؟ فقَالَ لَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ: نَرَى أنْ تَجْعَلَهُ كأخَفّ الْحُدُودِ فَجَلَدَ فِيهِ ثَمَانِينَ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابنُ أبي عَرُوبَةَ عنْ قَتَادَةَ: "عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ جَلَدَ بالْجَرِيدِ وَالنّعَالِ أرْبَعِينَ" وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عن أنَسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: "ضَرَبَ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أرْبَعِينَ [الأربعين]".
ـــــــ
قال العيني: احتج به الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر على أن حد السكران أربعون سوطاً. وقال ابن حزم وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن بن علي وعبد الله بن جعفر رضي الله عنه وبه يقول الشافعي وأبو سليمان وأصحابنا. وقال الحسن البصري والشعبي وأبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية ثمانون سوطاً. وروي ذلك عن علي وخالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان انتهى. قال في الفتح: وقد استقر الإجماع على ثبوت حد الخمر وأن لاقتل فيه، واستمر الاختلاف في الأربعين والثمانين وذلك خاص بالحر المسلم وأما الذمي فلا يحد فيه "فلما ولى عمر" بتشديد اللام على صيغة المجهول وبتخفيف اللام المكسورة على صيغة المعروف من الولاية أي ملك أمر الناس وقام به "دعا الناس" أي الصحابة "قد دنوا من الريف" في النهاية: الريف كل أرض فيها زرع ونخل، وقيل هو ما قارب الماء من أرض العرب ومن غيرها انتهى. وقال النووي: الريف المواضع التي فيها المياه أو هي قرية منها، ومعناه لما كان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتحت الشام والعراق وسكن الناس في الدق ومواضع الخصب وسعة العيش وكثرة الأعناب والثمار أكثروا من شرب الخمر فزاد عمر في حد الخمر تغليظاً عليهم وزجراً لهم عنها "فقال له" أي لعمر "نرى أن تجعله" أي حد الخمر: "كأخف الحدود" يعني المنصوص عليها في القرآن وهي حد السرقة بقطع اليد، وحد الزنا جلد مائة، وحد القذف ثمانون وهو أخف الحدود. قال النووي: هكذا هو في مسلم وغيره أن عبد الرحمَن بن عوف هو الذي أشار بهذا. وفي الموطأ وغيره أنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكلاهما صحيح وأشارا جميعاً، ولعل عبد الرحمَن بدأ بهذا القول فوافقه علي وغيره فنسب ذلك في رواية إلى عبد الرحمَن رضي الله عنه لسبقه به، ونسب في رواية إلى علي رضي الله عنه لفضيلته وكثرة علمه ورجحانه على عبد الرحمَن رضي الله عنه، وفي هذا جواز القياس واستحباب مشاورة القاضي والمفتي أصحابه وحاضري مجلسه في الأحكام "فجلد" عمر "فيه" أي في حد الخمر. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم بتمامه. وأخرج البخاري المسند وفعل الصديق فقط وأخرج ابن ماجه المسند منه فقط "أنه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "جلد بالجريد" معناه بالفارسية شاخ خرماً "ضرب بجريدتين نحو أربعين" قال النووي: اختلفوا في معناه، فأصحابنا يقولون معناه أن الجريدتين كانتا مفردتين جلد بكل واحدة منهما عدداً حتى كمل من

(12/116)


4468- حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ وَ موسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ المَعْنى قالا أخبرنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ المُخْتَارِ أخبرنا عَبْدُ الله الدّانَاجُ حدّثني حُصَيْنُ بنُ المُنْذِرِ الرّقَاشِيّ هُوَ أبُو سَاسَانَ قالَ شَهِدْتُ عُثْمانَ بنَ عَفّانَ وَأُتِيَ بالْوَليدِ بن عُقْبَةَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ وَرَجُلٌ آخَرُ فَشَهِدَ أحَدُهُما أنّهُ رَآهُ شَرِبَهَا يَعْني الْخَمْرَ وَشَهِدَ الآخر أنّهُ رَآهُ يَتَقَيّأَهَا فقَالَ عُثْمانُ إنّهُ لَمْ يَتَقَيّأْهَا حَتّى شَرِبَهَا فقَالَ لِعَلِيَ أقْمِ عَلَيْهِ الْحَدّ، فقَالَ عَلِيّ لِلْحَسَن أقْمِ عَلَيْهِ الْحَدّ، فقَالَ الْحَسَنُ وَلّ حَارّهَا مَنْ تَوَلّى قارّهَا، فقَالَ عَلِيّ لِعَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ أقْمِ
ـــــــ
الجميع أربعون وقال آخرون ممن يقول جلد الخمر ثمانون معناه أنه جمعهما فجلده بهما أربعين جلدة فيكون المبلغ ثمانين انتهى.
قال المنذري: وحديث شعبة الذي علقه أبو داوود أخرجه مسلم والترمذي وأخرجه البخاري ولم يذكر فيه اللفظ.
"عبد الله الداناج" هو بالدال المهملة والنون والجيم ويقال له أيضاً الدانا بحذف الجيم والداناه بالهاء ومعناه بالفارسية العالم قاله النووي "حدثني حضين" بمهملة وضاد معجمة مصغراً قاله في الفتح "شهدت" أي حضرت "عثمان بن عفان" أي عنده "وأتي" بضم الهمزة "فشهد عليه" أي على الوليد "حمران" بضم أوله ابن أبان مولى عثمان بن عفان اشتراه في زمن أبي بكر الصديق ثقة "أنه رآه" أي الوليد "وشهد الآخر أنه رآه" أي الوليد "يتقيأها" أي الخمر "إنه" الوليد "لم يتقيأها" أي الخمر "حتى شربها" أي الخمر "فقال" عثمان "لعلي" بن أبي طالب "أقم عليه" أي على الوليد "الحد".
قال النووي: هذا دليل لمالك وموافقيه في أنه من تقيأ الخمر يحد حد الشارب "فقال علي للحسن" بن علي، معناه أنه لما ثبت الحد على الوليد بن عقبة قال عثمان رضي الله عنه وهو الإمام لعلي على سبيل التكرمة له وتفويض الأمر إليه في استيفاء الحد قم فاجلده أي أقم عليه الحد بأن تأمر من ترى بذلك فقبل علي رضي الله عنه ذلك فقال للحسن قم فاجلده فامتنع الحسن فقال لابن جعفر فقبل فجلده، وكان علي مأذوناً له في التفويض إلى من رأى قاله النووي "ول" أمر من التولية "حارها" أي الخلافة والولاية الحار الشديد المكروه "من تولى قارها" أي الخلافة والولاية، القار البارد والهنيء الطيب، وهذا مثل من أمثال العرب.
قال الأصمعي وغيره معناه ول شدتها وأوساخها من تولى هنيئها ولذاتها أي كما أن عثمان وأقاربه يتولون هنيء الخلافة ويختصون به يتولون نكدها وقاذوراتها ومعناه ليتولى هذا الجلد عثمان بنفسه أو بعض خاصة أقاربه الأدنين.
قال الخطابي: هذا مثل يقول ول العقوبة والضرب من توليه العمل والنفع انتهى

(12/117)


عَلَيْهِ الْحدّ، فأَخَذَ السّوْطَ فَجَلَدَهُ وَعَلِيّ يَعُدّ، فَلَمّا بَلَغَ أرْبَعينَ قالَ حَسْبُكَ، جَلَدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أرْبَعِينَ، أحْسِبُهُ قَالَ وَجَلَدَ أبُو بَكْرٍ أرْبعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌ سُنّةٌ وَهَذَا أحَبّ إلَيّ.
ـــــــ
"لعبد الله بن جعفر" الطيار "أقم عليه" أي على الوليد "فأخذ" عبد الله "السوط فجلده" أي الوليد "وعلي يعد" ضربات السوط "فلما بلغ" الجلاد "أربعين" سوطاً "قال" علي مخاطباً لعبد الله "حسبك" وفي رواية لمسلم فقال أمسك "وكل سنة" أي كل واحد من الأربعين والثمانين سنة.
وقال الخطابي: وقوله وكل سنة يقول إن الأربعين سنة قد عمل بها النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه، والثمانين سنة قد عمل بها عمر رضي الله عنه في زمانه انتهى.
وقال في الفتح: وأما قول على وكل سنة فمعناه أن الاقتصار على الأربعين سنة النبي صلى الله عليه وسلم فصار إليه أبو بكر والوصول إلى الثمانين سنة عمر ردعاً للشاربين الذين احتقروا العقوبة الأولى انتهى.
وقال النووي: معناه أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر سنة يعمل بها وكذا فعل عمر ولكن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر أحب إلي "وهذا أحب إلى" إشارة إلى الأربعين التي كان جلدها وقال لجلاد حسبك، ومعناه هذا الذي قد جلدته وهو الأربعون أحب إلي من الثمانين.
قال في الفتح: قال صاحب المفهم وحاصل ما وقع من استنباط الصحابة أنهم أقاموا السكر مقام القذف لأنه لا يخلو عنه غالباً فأعطوه حكمه، وهو من أقوى حجج القائلين بالقياس، فقد اشتهرت هذه القصة ولم ينكرها في ذلك الزمان منكر انتهى.
وتمسك من قال لا يزاد على الأربعين بأن أبا بكر تحرى ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فوجده أربعين فعمل به، ولا يعلم له في زمنه مخالف، فإن كان السكوت إجماعاً فهذا الإجماع سابق على ما وقع في عهد عمر والتمسك به أولى لأن مستنده فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم رجع إليه علي ففعله في زمن عثمان بحضرته وبحضرة من كان عنده من الصحابة منهم عبد الله بن جعفر الذي باشر ذلك والحسن بن علي، فإن كان السكوت إجماعاً فهذا هو الأخير فينبغي ترجيحه، وتمسك من قال بجواز الزيادة بما صنع في عهد عمر من الزيادة، ومنهم من أجاب عن الأربعين بأن المضروب كان عبداً وهو بعيد، فاحتمل الأمرين أن يكون حداً أو تعزيراً.
وتمسك من قال بجواز الزيادة على الثمانين تعزيراً بما تقدم في الصيام أن عمر حد الشارب في رمضان ثم نفاه إلى الشام، وبما أخرجه ابن أبي شيبة أن علياً جلد النجاشي الشاعر ثمانين، ثم أصبح فجلده عشرين بجراءته بالشرب في رمضان انتهى.

(12/118)


4469- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ أبِي عَرُوبَةَ عن الدّاناجِ عنْ حُضَيْنِ بن المُنْذِرِ عنْ عَلِيّ قاَلَ: "جَلَدَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الْخَمْرِ وَأَبُو بَكْرٍ أرْبَعِينَ وَكَمّلَهَا عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌ سُنّةٌ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقالَ الأصْمَعِيّ: وَلّ حَارّهَا مَنْ تَوَلّى قَارّهَا" وَلّ شَدِيدَهَا مَنْ تَوَلّى هَيّنَهَا.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا كَانَ سَيّدُ قَوْمِهِ حُضَيْنُ بنُ المُنْذِرِ أبو سَاسَان.
ـــــــ
قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم وابن ماجه.
"جلد" أي ضرب "في الخمر" أي في شرب الخمر "وأبو بكر أربعين" جلدة أو ضربة " وكملها" من التكميل أي عقوبة حد الخمر "ول شديدها" تفسير لقوله ول حارها "من تولى هينها" أي سهلها ولينها وهو تفسير لقوله من تولى قارها. والحديث سكت عنه المنذري.

(12/119)


37 - باب إذا تتابع في شرب الخمر :
4470- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا أبَانُ عنْ عَاصِمٍ عنْ أبي صَالِحٍ ذِكْوَانِ عنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أبِي سُفْيَانَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا شَرِبُوا الْخَمْرَ فاجْلِدُوهُمْ، ثُمّ إنْ شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمّ إِنْ شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمّ إنْ شَرِبُوا فاقْتُلُوهُمْ".
ـــــــ
"باب إذا تتابع في شرب الخمر"
أي توالى في شربها. ومقصود المصنف أنه إذا شرب رجل الخمر مرة فجلد ثم شرب فجلد وهكذا فعل مراراً فما حكمه، هل يجلد كل مرة أم له حكم آخر. وفي بعض النسخ تتايع بالتحتية وهو أيضاً صحيح، فإن التتايع الإسراع في الشر واللجاجة.
"ذكوان" بدل من أبي صالح وهو السمان الزيات المدني ثقة ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة قاله الحافظ "ثم إن شربوا فاقتلوهم" .
قال الترمذي في كتاب العلل: أجمع الناس على تركه أي أنه منسوخ وقيل مؤول بالضرب الشديد.
وقال الزيلعي قال ابن حبان في صحيحه: معناه إذا استحل ولم يقبل التحريم انتهى. وبسط السيوطي الكلام في حاشية الترمذي وقصد به إثبات أنه ينبغي العمل به كذا قال العلامة السندي في حاشية ابن ماجه.

(12/119)


...................................
ـــــــ
قلت: قال السيوطي فيها بعد الإشارة إلى عدة أحاديث هكذا فهذه بضعة عشر حديثاً كلها صحيحة صريحة في قتله بالرابعة وليس لها معارض صريح، وقول من قال بالنسخ لا يعضده دليل.
وقولهم إنه صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب بالرابعة فضربه ولم يقتله لا يصلح لرد هذه الأحاديث لوجوه، الأول أنه مرسل إذ رواية قبيصة ولد يوم الفتح فكان عمره عند موته صلى الله عليه وسلم سنتين وأشهراً فلم يدرك شيئاً يرويه.
الثاني: أنه لو كان متصلاً صحيحاً لكانت تلك الأحاديث مقدمة عليه لأنها أصح وأكثر.
الثالث: أن هذه واقعة عين لا عموم لها.
والرابع: أن هذا فعل والقول مقدم عليه لأن القول تشريع عام والفعل قد يكون خاصاً.
الخامس: أن الصحابة خصوا في ترك الحدود بما لم يخص به غيرهم فلأجل ذلك لا يفسقون بما يفسق به غيرهم خصوصية لهم، وقد ورد بقصة نعمان لما قال عمر أخزاه الله ما أكثر ما يؤتي به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تطعنه فإنه يحب الله ورسوله، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم من باطنه صدق محبته لله ورسوله فأكرمه بترك القتل، فله صلى الله عليه وسلم أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام فلا أقبل هذا الحديث إلا بنص صريح من قوله صلى الله عليه وسلم وهو لا يوجد.
وقد ترك عمر إقامة حد الخمر على فلان لأنه من أهل بدر، وقد ورد فيهم: "إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وترك سعد بن أبي وقاص إقامته على أبي محجن لحسن بلائه في قتال الكفار فالصحابة رضي الله عنهم جميعاً جديرون بالرخصة إذا بدت من أحدهم زلة.
وأما هؤلاء المدمنون للخمر الفسقة المعروفون بأنواع الفساد، وظلم العباد، وترك الصلاة، ومجاوزة الأحكام الشريعة، وإطلاق أنفسهم بحال سكرهم بالكفريات وما قاربها فإنهم يقتلون بالرابعة لا شك فيه ولا ارتياب.
وقول المصنف لا نعلم خلافاً رده حق بأن الخلاف ثابت محكي عن طائفة، فروى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاصي فقال ائتوني برجل أقيم عليه حد الخمر فإن لم أقتله فأنا كذاب.
ومن وجه آخر عنه: ائتوني بمن شرب خمراً في الرابعة ولكم علي أن أقتله انتهى كلام السيوطي.
قال الزيلعي قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث أبي صالح عن

(12/120)


4471- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن حُمَيْدِ بنِ يَزِيدَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ بِهَذا المَعْنَى قالَ: "وَأَحْسِبُهُ قالَ في الْخَامِسَةِ إنْ شَرِبَهَا فاقْتُلُوهُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَا في حَدِيثِ أبي غُطَيْفٍ في الْخَامِسَةِ.
ـــــــ
معاوية أصح من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وسكت عنه.
وقال الذهبي في مختصره هو صحيح وأخرجه النسائي في سننه الكبرى انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وذكر الترمذي أنه روي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال سمعت محمداً يعني البخاري يقول حديث أبي صالح عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ هذا "بهذا المعنى" أي بمعنى حديث معاوية رضي الله عنه المذكور "قال" أي موسى بن إسماعيل "وأحسبه" أي أظنه، والظاهر أن الضمير المنصوب راجع إلى حماد "إن شربها" أو الخمر والخمر مؤنث. وأخرج النسائي في الأشربة من حديث مغيرة عن عبد الرحمَن بن أبي نعم عن ابن عمر ونفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاقتلوه" انتهى ففيه ذكر القتل في الرابعة وعبد الرحمَن هذا ضعيف ضعفه ابن معين قاله ابن القطان وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ذكره الزيلعي "وكذا في حديث أبي غطيف" بالتصغير الهذلي مجهول من الثالثة، وقيل هو غطيف أو غضيف بالضاد المعجمة كذا في التقريب، وحديث أبي غطيف أخرجه الطبراني وابن مندة في المعرفة صرح به الحافظ السيوطي في حاشيته على جامع الترمذي "في الخامسة" بيان لقوله كذا وعند الأكثر ذكر القتل في الرابعة كما سيظهر لك. وقال الحافظ في الإصابة غطيف بن الحارث الكندي والد عياض، قال أبو نعيم له صحبة وأخرج له ابن السكن والطبراني من طريق إسماعيل بن عياش عن سعيد بن سالم الكندي عن معاوية بن عياض بن غطيف عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه" وأخرجه ابن شاهين وابن أبي خيثمة من طريق إسماعيل المذكور انتهى. فذكر القتل في الثالثة.
وأخرج البزار في مسنده من طريق إسماعيل المذكور وفيه "من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه ثم إن عاد فاجلدوه" ولم يذكر فيه القتل قال البزار: لا نعلم روى غطيف غير هذا الحديث، كذا في نصب الراية للزيلعي.
قال المنذري: وأبو غطيف هذا لا يعرف اسمه وهو هذلي وغطيف بضم الغين المعجمة وبعدها طاء مهملة مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة.

(12/121)


4472- حدثنا نَصْرُ بنُ عَاصِمٍ الأنْطَاكِيّ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ الْوَاسِطِيّ أخبرنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عن الْحَارِثِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أبي سَلمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا سَكَرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمّ إنْ سَكَرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمّ إنْ سَكَرَ فَاجْلِدُوهُ، فإنْ عَادَ الرّابِعَةَ [في الرابعة] فَاقْتُلُوهُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَا حَدِيثُ عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فإنْ عَادَ الرّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَا حَدِيثُ سُهَيْلٍ عن أبي صَالِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنْ شَرِبُوا الرّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُمْ" .
وكَذَا حَدِيثُ ابنُ أبِي نُعْمٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
وكَذَلِكَ [وكذا] حَدِيثُ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَالشّرِيدِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
وفي حَدِيثِ الْجَدْلِيّ عن مُعَاوِيَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "فإنْ عَادَ في الثّالِثَةِ أو الرّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ" .
ـــــــ
"إذا سكر" أي من الشراب. قال في أقرب الموارد: سكر من الشراب سكراً نقيض صحاً "فإن عاد الرابعة فاقتلوه" فيه دليل ظاهر لمن قال إن الشارب يقتل بعد الرابعة وهم بعض أهل الظاهر ونصره ابن حزم وقواه السيوطي أيضاً كما تقدم، ويجيء بعض الكلام في هذا قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه انتهى وقال الزيلعي وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه انتهى. "قال أبو داوود وكذا حديث عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه" قال المنذري: وعمر بن أبي سلمة هذا هو ابن عبد الرحمَن بن عوف القرشي الزهري مدني لا يحتج بحديثه، وقع لنا حديثه هذا من رواية أبي عوانة "وكذا حديث سهيل".
قال المنذري: هذا وقع من حديث عبد الرزاق عن معمر عن سهيل وفيه قال فحدثت به ابن المنكدر قال قد ترك ذلك قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن النعمان فجلده ثلاثاً ثم أتى به الرابعة فجلده ولم يزد انتهى. قال الزيلعي: ورواه عبد الرزاق في مصنفه حدثنا معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً "من شرب الخمر فاجلدوه" الحديث. وعن عبد الرزاق رواه أحمد في مسنده "وكذا حديث ابن أبي نعم الخ".

(12/122)


4473- حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ أخبرنا سُفْيَانُ قال الزّهْرِيّ أخبرنا عنْ قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فإنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فإنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فإنْ عَادَ في الثّالِثَةِ أو الرّابِعَةِ فاقْتُلُوهُ" فأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ، ثُمّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ ثُمّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ ثُمّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ وَرَفَعَ الْقَتْلَ فَكَانَتْ رُخْصَةً.
ـــــــ
قال المنذري: فأما حديث ابن أبي نعم وهو عبد الرحمن البجلي الكوفي فأخرجه النسائي في سننه، وأما حديث عبد الله بن عمرو فوقع لنا من حديث الحسن البصري عنه وهو منقطع. قال علي بن المديني: الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو شيئاً. وأما حديث الجدلي هذا عبد بن عبد ويقال عبد الرحمن بن عبد وكنيته أبو عبد الله وقد تقدم حديث أبي صالح ذكوان عن معاوية انتهى.
قلت: حديث عبد الله بن عمر من طريق عبد الرحمن بن أبي نعم تقدم آنفاً من رواية النسائي.
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن راهويه أنبأ معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً فذكره وسكت عنه.
ورواه عبد الرزاق في مصنفه حدثنا وكيع عن قرة عن الحسن عن عبد الله بن عمرو.
ورواه أحمد في مسنده حدثنا عفان حدثنا همام حدثنا قتادة عن شهر بن حوشب به.
ورواه ابن راهويه في مسنده حدثنا النضر بن شميل حدثنا قرة بن خالد عن الحسن به وزاد "فكان عبد الله بن عمرو يقول ائتوني برجل شرب الخمر أربع مرات فلكم على أن أضرب عنقه".
وكذلك لفظ عبد الرزاق "ائتوني برجل قد جلد فيه ثلاثاً فلكم عليّ" الحديث. ومن طريق ابن راهويه رواه الطبراني في معجمه.
وأما حديث الشريد فأخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن إسحاق عن الزهري عن عمرو بن الشريد عن أبيه الشريد بن سويد مرفوعاً فذكره وقال صحيح على شرط مسلم انتهى. ذكره الإمام الزيلعي.
"قال الزهري أخبرنا عن قبيصة بن ذؤيب" بضم الذال المعجمة مصغراً والضمير في قال لسفيان وفي أخبرنا للزهري أي قال سفيان أخبرنا الزهري عن قبيصة "فإن عاد في الثالثة أو الرابعة" شك من الراوي.

(12/123)


قال سُفْيَانُ: حَدّثَ الزّهْرِيّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَعِنْدَهُ مَنْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ وَمُخَوّلُ بنُ رَاشِدٍ فقالَ لَهُمَا: كُونَا وَافِدَي أهْلِ الْعِرَاقِ بِهَذا الحديثِ.
ـــــــ
"فأتي" بصيغة المجهول "قد شرب الخمر" والجملة حال من رجل "ورفع القتل" أي رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل عن ذلك الرجل أي لم يقتله وفي رواية الترمذي من طريق جابر "ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله" "فكانت رخصة" هذا دليل ظاهر على أن القتل بشرب الخمر في الرابعة منسوخ إن ثبت الحديث وسيظهر لك حاله في كلام المنذري.
قال الطيبي: هذا أي قوله لم يقتله قرينة ناهضة على أن قوله فاقتلوه مجاز عن الضرب المبرح مبالغة لما عتا وتمرد، ولا يبعد أن عمر رضي الله عنه أخذ جلد ثمانين من هذا المعنى انتهى "وعنده" أي الزهري والواو للحال "منصور بن المعتمر" أحد الأعلام المشهور الكوفي "ومخول" بضم أوله وفتح المعجمة كمُعَظّم "ابن راشد" النهدي مولاهم أبو راشد الكوفي "فقال" الزهري "كونا" أمر من الكون بصيغة التثنية "وافدى أهل العراق بهذا الحديث" وافدي بصيغة التثنية سقطت النون للاضافة. قال في القاموس: وفد إليه وعليه قدم وورد.
والمقصود أن منصور بن المعتمر ومخول بن راشد لما كانا من أهل العراق قال الزهري لهما بعدما حدثهما هذا الحديث اذهبا بهذا الحديث إلى أهل العراق وأخبراهم به ليعلموا أن القتل بشرب الخمر في الرابعة منسوخ وأن الناسخ له هو هذا الحديث والله تعالى أعلم.
قال المنذري: قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره. وقال غيره: قد يراد الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل وإنما يقصد به الردع والتحذير، وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجباً ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل. هذا آخر كلامه. وقال غيره: أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر وأجمعوا على أنه لا يقتل إذا تكرر منه إلا طائفة شاذة قالت يقتل بعد حده أربع مرات للحديث وهو عند الكافة منسوخ. هذا آخر كلامه. وقبيصة بن ذؤيب ولد عام الفتح وقيل إنه ولد أول سنة من الهجرة ولم يذكر له سماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعده الأئمة من التابعين وذكروا أنه سمع من الصحابة فإذا ثبت أن مولده في أول سنة من الهجرة أمكن أن يكون سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قيل إنه أُتي به النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام يدعو له. وذكر عن الزهري أنه كان إذا ذكر قبيصة بن ذؤيب قال: كان من علماء هذه الأمة وأما أبوه ذؤيب بن حلحلة فله صحبة. انتهى كلام المنذري.
وأخرج النسائي في السنن الكبرى عن محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعاً "من شرب الخمر فاجلدوه" إلى آخره، قال "ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر في الرابعة فجلده ولم يقتله" ورواه البزار في مسنده عن محمد بن إسحاق به "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى

(12/124)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الحديثَ الشّريدُ بنُ سُوَيْدٍ وَشُرَحْبِيلُ بنُ أوْسٍ وَعَبْدُ الله بنُ عَمْرٍو وَعَبْدُ الله بنُ عُمَرَ وَأبُو غُطَيْفٍ الْكِنْدِيّ وَأبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أَبي هُرَيْرَةَ.
4474- حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ مُوسَى الْفَزَارِيّ أخبرنا شَرِيكٌ عن أبِي حُصَيْنٍ عن عُمَيْرٍ بنِ سَعِيدٍ عن عَلِيّ قال: "لاَ أدِي أوْ ما كُنْتُ أدِي مَنْ أقَمْتُ عَلَيْهِ حَدّا إلاّ شَارِبَ الْخَمْرِ، فإنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسُنّ فِيهِ شَيْئاً إنّمَا هُوَ شَيْءُ قُلْنَاهُ نَحْنُ.
ـــــــ
بالنعمان قد شرب الخمر ثلاثاً فأمر بضربه فلما كان في الرابعة أمر به فجلد الحد فكان نسخاً" انتهى "قال أبو داوود الخ" هذه العبارة إلى قوله عن أبي هريرة ليست في عامة النسخ "روى هذا الحديث" أي حديث القتل في الرابعة "وشرحبيل بن أوس" وحديثه عند الطبراني والحاكم.
ومقصود المؤلف أن جماعة من الصحابة رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالقتل في الرابعة، وأما قبيصة فروى عنه صلى الله عليه وسلم رخصة في ذلك والله أعلم.
"قال لا أدي" من الدية كذا في أكثر النسخ وهو الصحيح والصواب، وفي بعض النسخ لا أدري وهو غلط "أو ما كنت أدي" شك من الراوي أي ما كنت أغرم الدية "من أقمت عليه حداً" أي فمات "إلا شارب الخمر" الاستثناء منقطع أي لكن وديت شارب الخمر لو أقمت عليه الحد فمات.
وفي رواية النسائي، وابن ماجه من طريق أخرى من أقمنا عليه حداً فمات فلا دية له إلا من ضربناه في الخمر "لم يسن" بفتح فضم فنون مشددة مفتوحة "فيه شيئاً" أي لم يقدر فيه حداً مضبوطاً معيناً "إنما هو" أي الحد الذي نقيم على الشارب "شيء قلناه نحن" أي ولم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ: اتفقوا على أن من مات من الضرب في الحد لا ضمان على قاتله إلا في حد الخمر، فعن على ما تقدم.
وقال الشافعي: إن ضرب بغير السوط فلا ضمان وإن جلد بالسوط ضمن، قيل الدية وقيل قدر تفاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره. والدية في ذلك على عاقلة الإمام وكذلك لو مات في ما زاد على الأربعين انتهى. فإن قلت كيف الجمع بين حديث علي هذا وبين حديثه المتقدم من طريق أبي ساسان المصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين، قلت جمع الحافظ بينهما بأن يحمل النفي على أنه لم يحد الثمانين أي لم يسن شيئاً زائداً على الأربعين، ويؤيده قوله وإنما هو شيء صنعناه نحن يشير إلى ما أشار به على عمر وعلى هذا فقوله لو مات لوديته أي في الأربعين

(12/125)


4475- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ المِصْرِيّ بنُ أخِي رِشْدِينَ ابنِ سَعْدٍ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني أُسَامَةَ بنُ زَيْدٍ أنّ ابنَ شِهَابٍ حَدّثَهُ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أزْهَرَ قال: "كَأَنّي أنْظُرُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الآن وَهُوَ في الرّحَالِ يَلْتَمِسُ رَحْلَ خَالِدِ بنِ
ـــــــ
الزائدة، وبذلك جزم البيهقي وابن حزم ويحتمل أن يكون قوله لم يسنه أي الثمانين لقوله في الرواية الأخرى وإنما هو شيء صنعناه، فكأنه خاف من الذي صنعوه باجتهادهم أن لا يكون مطابقاً. واختص هو بذلك لكونه الذي كان أشار بذلك واستدل له ثم ظهر له أن الوقوف عندما كان الأمر عليه أولاً أولى فرجع إلى ترجيحه وأخبر بأنه لو أقام الحد ثمانين فمات المضروب وداه للعلة المذكورة. ويحتمل أن يكون الضمير في قوله لم يسنه لصفة الضرب وكونها بسوط الجلد أي لم يسن الجلد بالسوط وإنما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها مما تقدم ذكره، أشار إلى ذلك البيهقي.
وقال ابن حزم أيضاً: لو جاء عن غير علي من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون وأنه غير مسنون لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه الآخر فضلاً عن علي مع سعة علمه وقوة فهمه، وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد وخبر أبي ساسان فخبر أبي ساسان أولى بالقبول لأنه مصرح فيه برفع الحديث، وإذا تعارض المرفوع والموقوف قدم المرفوع.
وأما دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة والجمع أولى مهما أمكن من توهين الأخبار الصحيحة. وعلى تقدير أن تكون إحدى الروايتين وهماً، فرواية الإثبات مقدمة على رواية النفي وقد ساعدتها رواية أنس انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه بنحوه.
قال بعضهم: لم يختلف العلماء في من مات من ضرب حد وجب عليه أنه لا دية فيه على الإمام ولا على بيت المال، واختلفوا في من مات من التعزير، فقال الشافعي عقله على عاقلة الإمام وعليه الكفارة، وقيل على بيت المال، وجمهور العلماء أنه لا شيء عليه. هذا آخر كلامه.
فإذا ضرب الإمام شارب الخمر الحد أربعين ومات لم يضمنه، ومن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية، فإن جلده واحداً وأربعين ومات ضمن نصف الدية وقيل يضمن جزءاً من أحد وأربعين جزءاً من الدية انتهى كلام المنذري.
"عن عبد الرحمَن بن أزهر" أي القرشي وهو ابن أخي عبد الرحمَن بن عوف شهد حنيناً روى عنه ابنه عبد الحميد وغيره مات بالحرة ذكره صاحب المشكاة في الأكمال في الصحابة "كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن" المقصود بيان استحضار القصة كالعيان "وهو" أي

(12/126)


الْوَلِيدِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فقالَ لِلنّاسِ: اضْرِبُوهُ فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بالنّعَالٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بالْعَصَا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بالمِيتَخَةِ. قال ابنُ وَهْبٍ: الجَرِيدَةُ الرّطْبَةُ، ثُمّ أخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم تُرَاباً مِنَ الأرْضِ فَرَمَى بِهِ وَجْهَهُ" .
4476- حدثنا ابنُ السّرْحِ قالَ وَجَدْتُ في كِتَابِ خَالِي عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عن عُقَيْلٍ أنّ ابنَ شِهَابٍ أخْبَرَهُ أنّ عَبْدَ الله بنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ الأزْهَرِ أخْبَرَهُ عن أبِيهِ قال: "أُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِشَارِبٍ وَهُوَ بِحُنَيْنٍ فَحَثَى في وَجْهِهِ التّرَابَ، ثُمّ أمَرَ أصْحَابَهُ فَضَرَبُوهُ بِنِعَالِهِمْ وَما كَانَ في أيْدِيهِمْ حَتّى قالَ لَهُمْ: ارْفَعُوا، فَرَفَعُوا، فَتُوُفّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ جَلَدَ أبُو بَكْر في الخَمْرِ أرْبَعِينَ، ثُمّ جَلَدَ عُمَرُ أرْبَعِينَ صَدْراً مِنْ إمَارَتِهِ ثُمّ جَلَدَ ثَمَانِينَ في آخِرِ خِلاَفَتِهِ، ثُمّ جَلدَ عُثْمانُ الْحَدّيْنِ كِلَيْهِمَا ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِينَ، ثُمّ أثْبَتَ مُعَاوِيَةُ الْحَدّ ثَمَانِينَ" .
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم "في الرحال" بكسر الراء جمع رحل بالفتح بمعنى المنزل والمسكن "يلتمس" أي يطلب "ومنهم من ضربه بالميتخة" بكسر الميم وسكون التحتية وبعدها تاء مثناة فوقية ثم خاء معجمة كذا ضبط في النسخ. وقال في النهاية قد اختلف في ضبطها فقيل هي بكسر الميم وتشديد التاء وبفتح الميم مع التشديد وكسر الميم وسكون التاء قبل الياء وبكسر الميم وتقديم الياء الساكنة على التاء قال الأزهري وهذه كلها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون، وقيل هي اسم للعصا وقيل القضيب الدقيق اللين، وقيل كل ما ضرب به من جريد أو عصا أو درة وغير ذلك وأصلها فيما قيل من متخ الله رقبته بالسهم إذا ضربه، وقيل من تيخه العذاب وطيخه إذا ألح عليه فأبدلت التاء من الطاء انتهى "قال ابن وهب الجريدة الرطبة" الجريدة هي السعفة سميت بها لسكونها مجردة عن الخوص وهو ورق النخل أي قال ابن وهب في تفسير الميتخة الجريدة الرطبة، وفي المشكاة قال ابن وهب يعني الجريدة الرطبة بزيادة لفظ يعني "فرمى به" أي بالتراب والباء للتعدية أي رماه في وجهه قال الطيبي رمى به إرغاماً له واستهجاناً لما ارتكبه. والحديث سكت عنه المنذري.
"وهو بحنين" كزبير موضع بين الطائف ومكة "فحثى في وجهه التراب" أي رمى به "وما كان في أيديهم" عطف على نعالهم أي ضربوه بنعالهم وما كان في أيديهم من العصا والقضيب وغيرهما "حتى قال لهم ارفعوا" أي كفوا عن ضربه "صدر من إمارته" أي في أول خلافته "ثم جلد ثمانين في آخر خلافته" أي إذا عتوا وفسقوا كما في رواية البخاري "ثمانين وأربعين" بدل من الحدين، أي جلد عثمان مرة ثمانين ومرة أربعين "ثم أثبت معاوية" أي ابن أبي سفيان "الحد ثمانين" أي عينه وأقره.
قال المنذري: في هذه الطرق انقطاع.

(12/127)


4477- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ أخبرنا أُسَامَةُ ابنُ زَيْدٍ عن الزّهْرِيّ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أزْهَرَ قال: " رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ الْفَتْحِ وَأَنَا غُلاَمٌ شَابّ، يَتَخَلّلُ النّاسَ يَسْأَلُ عنْ مَنْزِلِ خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ فأَتِيَ بِشَارِبٍ فأَمَرَهُمْ فَضَرَبُوهُ بما في أيْدِيهِمْ، فمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بالسّوْطِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِعَصًا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِنَعْلِهِ، وَحَثَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم التّرَابَ، فلَمّا كَانَ أبُو بَكْرٍ أُتِيَ بَشَارِبٍ فَسَأَلَهُمْ عنْ ضَرْبِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الّذِي ضَرَبَ، فَحَزَرُوهُ أرْبَعِينَ فَضَرَبَ أبُو بَكْرٍ أرْبَعِينَ، فَلَمّا كَانَ عُمَرُ كَتَبَ إلَيْهِ خَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ أنّ النّاسَ قَدْ انْهَمَكُوا في الشّرْبِ وَتَحَاقَرُوا الحدّ وَالْعُقُوبَةَ، قال: هُمْ عِنْدَكَ فَسَلْهُمْ - وَعِنْدَهُ المُهَاجِرُونَ الأوّلُونَ - فَسَأَلَهُمْ فأَجْمَعُوا عَلَى أنْ يَضْرِبَ ثَمَانِينَ. قالَ وقالَ عَلِيّ: إنّ الرّجُلَ إذَا شَرِبَ افْتَرَى فأَرَى أنْ يَجْعَلَهُ كَحَدّ الْفِرْيَةِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: أدْخَلَ عُقَيْلُ بنُ خَالِدٍ بَيْنَ الزّهْرِيّ وَبَيْنَ ابن الأزْهَرِ في هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدَ الله بنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بن الأزْهَرِ عنْ أبِيهِ.
ـــــــ
"قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ" حديث الحسن بن علي إلى آخر قول أبي داوود ليس من رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكره المنذري في مختصره.
وقال الحافظ في التلخيص: رواه أبو داوود والنسائي من طرق والحاكم.
وقال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عنه وأبا زرعة فقالا لم يسمعه الزهري من عبد الرحمَن بن أزهر انتهى.
وقال المزي في الأطراف: حديث عبد الرحمَن بن الأزهر أخرجه أبو داوود والنسائي في الحدود.
فحديث الحسن بن علي في رواية أبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم، وحديث النسائي في رواية ابن الأحمر ولم يذكره أبو القاسم انتهى "فحرزوه" أي حفظوه أربعين، يقال أحرزت الشيء أحرزه إحرازاً إذا حفظته وضممته وصنته عن الأخذ. كذا في النهاية "كحد الفرية" أي كحد القذف، وهو ثمانون سوطاً.
والفرية بكسر الفاء الاسم يقال افترى عليه كذباً أي اختلقه كذا في المصباح "أدخل عقيل بن خالد الخ" فصار الحديث متصلاً.
وعقيل بن خالد هذا بضم العين ثبت ثقة حجة روى عن الزهري وقاسم وسالم، وعنه الليث ويحيى بن أيوب وثقه أحمد، وقال أبو حاتم أثبت من معمر والله أعلم.

(12/128)


38- باب في إقامة الحد في المسجد :
4478- حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ أخبرنا صَدَقَةُ يَعْنِي ابنَ خَالِدٍ أخبرنا الشّعَيْثِيّ عنْ زُفَرَ بن وَثِيمَةَ عنْ حَكِيمِ بن حِزَامٍ أنّهُ قالَ: " نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُسْتَقَادَ في المَسْجِدِ، وَأنْ تُنْشَدَ فِيهِ الأشْعَارُ وَأنْ تُقَامَ فِيهِ الحُدُودُ" .
ـــــــ
"باب في إقامة الحد في المسجد"
أي هل يجوز أم لا.
"أخبرنا الشعيثي" بالمعجمة ثم المهملة ثم المثلثة مصغراً صدوق من السابعة واسمه محمد بن عبد الله بن المهاجر "عن زفر بن وثيمة" بفتح أوله وكسر المثلثة مقبول من الثالثة "عن حكيم بن حزام" بن خويلد المكي ابن أخي خديجة أم المؤمنين أسلم يوم الفتح وصحب وله أربع وسبعون سنة ثم عاش إلى سنة أربع وخمسين أو بعدها قاله الحافظ "أن يستقاد" أي يطلب القود أي القصاص وقتل القاتل بدل القتيل أي يقتص "في المسجد" لئلا يقطر الدم فيه كذا قيل.
قلت: ولأن المسجد لم يبن لهذا "وأن تنشد" بصيغة المجهول أي تقرأ "فيه" أي المسجد "الأشعار" أي المذمومة "وأن تقام فيه الحدود" أي سائرها أي تعميم بعد تخصيص أي الحدود المتعلقة بالله أو بالآدمي لأن في ذلك نوع هتك لحرمته، ولاحتمال تلوثه بجرح أو حدث. قاله القاري، ولأنه إنما بني المسجد للصلاة والذكر لا لإقامة الحدود. والحديث دليل ظاهر لما بوب له المصنف رحمه الله.
قال المنذري: في إسناده محمد بن عبد الله بن مهاجر الشعيثي النصري الدمشقي وقد وثقه غير واحد. وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه ولا يحتج به هذا آخر كلامه.
والشعيثي بضم الشين المعجمة وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها ثاء مثلثة. والنصري بفتح النون وسكون الصاد المهملة ويقال فيه أيضاً العقيلي انتهى كلام المنذري.

(12/129)


39- باب في ضرب الوجه في الحد :
4479- حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عنْ عُمَرَ يَعْنِي ابنَ أبي سَلَمَةَ عنْ أبِيهِ
ـــــــ
"باب في ضرب الوجه في الحد"
هذا الباب مع حديثه "أي حديث أبي كامل" قد وقع في بعض النسخ ههنا، وقد وقع

(12/129)


عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا ضَرَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَتّقِ الْوَجْهَ" .
ـــــــ
حديثه في آخر باب التعزير أيضاً لكن بدون ذكر هذا الباب وليس في بعض النسخ ههنا هذا الباب ولا حديثه، لكن وقع حديثه في آخر باب التعزير.
"فليتق الوجه" أي فليجتنب عن ضرب الوجه فإنه أشرف أعضاء الإنسان ومعدن جماله ومنبع حواسه فلا بد أن يحترز عن ضربه وتجريحه وتقبيحه.
قال المنذري: فيه تشريف هذه الصورة عن الشين سريعاً ولأن فيه أعضاء نفيسة وفيها المحاسن وأكثر الإدراكات، وقد يبطلها بفعله، والشين فيه أشد منه في غيرها سيما الأسنان والبادي منه وهو الصورة التي خلقها الله تعالى وكرم بها بني آدم، وفي إسناده عمر ابن أبي سلمة وقد تقدم أنه يحتج بحديثه.
وقد أخرجه مسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة وأخرجه أيضاً من طرق بمعناه أتم منه.

(12/130)


40- باب في التعزير :
4480- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عنْ يَزِيدَ بن أبي حَبِيبٍ عنْ بُكَيْرِ بنِ عَبْدِ الله بن الأشَجّ عنْ سُلَيْمانَ بن يَسَارٍ عنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ جَابِرِ بن عَبْدِ الله عنْ أَبي بُرْدَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: "لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلْدَاتٍ إلاّ في حَدّ مِنْ حُدُودِ الله" .
ـــــــ
"باب في التعزير"
التعزير مصدر عزر. قال في الصحاح: التعزير التأديب ومنه سمي الضرب دون الحد تعزيراً.
وقال في المدارك: وأصل العزر المنع، ومنه التعزير لأنه منع عن معاودة القبيح انتهى. ومنه عزره القاضي أي أدبه لئلا يعود إلى القبيح، ويكون بالقول والفعل بحسب ما يليق به. كذا في إرشاد الساري.
"لا يجلد" بصيغة المجهول من الجلد أي لا يجلد أحد "فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله" الاستثناء مفرغ.
قال في الفتح: ظاهره أن المراد بالحد ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو الضرب مخصوص أو عقوبة مخصوصة، والمتفق عليه من ذلك أصل الزنا والسرقة وشرب المسكر

(12/130)


4481- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌو أنّ بُكَيْرَ بنَ الأشَجّ حَدّثَهُ عنْ سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ حدّثني عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ جَابِرٍ أنّ أبَاهُ حَدّثَهُ أنّهُ سَمِعَ أبَا بُرْدَةَ الأنْصَارِيّ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
4482- حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عنْ عُمَرَ يَعْنِي ابنَ أبي سَلَمَةَ عنْ أبِيهِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا ضَرَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَتّقِ الْوَجْهَ" .
آخر كتاب الحدود
ـــــــ
والحرابة والقذف بالزنا والقتل والقصاص في النفس والأطراف والقتل في الارتداد، واختلف في تسمية الأخيرين حداً، واختلف في مدلول هذا الحديث فأخذ بظاهره الإمام أحمد في المشهور عنه وبعض الشافعية وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة تجوز الزيادة على العشرة ثم اختلفوا فقال الشافعي: لا يبلغ أدنى الحدود وهل الاعتبار بحد الحر أو العبد قولان. وقال الآخرون هو إلى رأي الإمام بالغاً ما بلغ، وأجابوا عن ظاهر الحديث بوجوه منها الطعن فيه، وتعقب بأنه اتفق الشيخان على تصحيحه وهما العمدة في التصحيح، ومنها أن عمل الصحابة بخلافه يقتضي نسخه، فقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن لا تبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطاً. وعن عثمان ثلاثين. وضرب عمر أكثر من الحد أو من مائة وأقره الصحابة.
وأجيب بأنه لا يلزم في مثل ذلك النسخ. ومنها حمله على واقعة عين بذنب معين أو رجل معين قاله الماوردي وفيه نظر ذكره القسطلاني.
قلت: ومن وجوه الجواب قصره على الجلد، وأما الضرب بالعصا مثلاً وباليد فتجوز الزيادة، لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الاصطخري من الشافعية.
قال الحافظ: كأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب انتهى. وليس في أيدي الذين ليسوا بقائلين بظاهر الحديث جواب شاف.
قال في النيل: قال البيهقي: عن الصحابة آثار مختلفة في مقدار التعزير، وأحسن ما يصار إليه في هذا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر حديث أبي بردة المذكور.
قال الحافظ: فتبين بما نقله البيهقي عن الصحابة أن لا اتفاق على عمل في ذلك، فكيف يدعي نسخ الحديث الثابت ويصار إلى ما يخالفه من غير برهان انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"فذكر معناه" قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"حدثنا أبو كامل" تقدم هذا الحديث مع شرحه قريباً.

(12/131)