Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

أول كتاب الديات
باب النفس بالنفس
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الديات :
1- باب النفس بالنفس
[باب تفسير قوله تعالى: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}]
4483 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَء أخبرنا عُبَيْدُ الله يَعْنِي ابنَ مُوسَى عنْ عَلِيّ بنِ صَالِحٍ عنْ سِمَاكِ بن حَرْبٍ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ قالَ: "كَانَ قُرَيْظَةُ والنّضِيرَ وكان النّضِيرُ أشرفُ مِنْ قُرَيْظَةَ فكانَ إذَا قَتَلَ رجلٌ من قُرَيْظَةَ رَجُلاً مِنَ النّضِيرِ قُتِلَ بِهِ وَإذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النّضِيرِ رَجُلاً مِنَ قُرَيْظَةَ فُودِيَ [يودى] بِمَائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، فَلَمّا بُعِثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النّضِيرِ رجلاً مِنْ قُرَيْظَةَ فقَالُوا ادْفَعُوهُ إلَيْنَا نَقْتُلُهُ فقَالُوا بَيْنَنَا
ـــــــ
"أول كتاب الديات"
بتخفيف التحتانية جمع دية مثل عداة وعدة، وأصلها ودية بفتح الواو وسكون الدال تقول ودي القتيل يديه إذا أعطى وليه ديته، وهي ما جعل في مقابلة النفس وسمي دية تسمية بالمصدر وفاؤها محذوفة والهاء عوض وفي الأمرد القتيل بدال مكسورة حسب فإن وَقفت قلت ده. قاله في الفتح.
"باب النفس بالنفس"
أي هذا باب في بيان أن النفس مأخوذة بالنفس مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق.
"كان قريظة" بالتصغير "والنضير" كالأمير وهما قبيلتان وخبر كان محذوف أي في المدينة أو بينهما فرق في الشرف ونحو ذلك "قتل" بصيغة المجهول أي رجل من قريظة "به" أي بسبب قتله رجلاً من النضير "فودي" أي ولي المقتول الذي كان من قريظة على صيغة المجهول من الفداء.
قال في النهاية: الفداء بالكسر والمد والفتح مع القصر فكاك الأسير، يقال فداه يفديه فداء وفدى وفاداه يفاديه مفاداه إذا أعطى فداءه وأنقذه "بمائة وسق" بفتح واو وسكون سين وكسر

(12/132)


وَبَيْنَكُمْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَتُوْهُ فَنَزَلَتْ: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} وَالْقِسْطُ النّفْسُ بالنّفْسِ، ثُمّ نَزَلَتْ: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرَيْظَةَ وَالنّضِيرُ جَمِيعاً مِنْ وَلَدِ هَارُونَ النّبيّ عَلَيْهِ السّلاَمُ.
ـــــــ
الواو لغة ستون صاعاً "فقالوا" أي بنو قريظة "ادفعوه" أي القاتل من النضير "نقتله" أي القاتل "فقالوا بيننا وبينكم" أي قالت القريظة ذاك حين أبي النضير دفع القاتل إليهم جرياً على العادة السالفة "فأتوه" أي بنو قريظة والنضير عند النبي صلى الله عليه وسلم "فنزلت" هذه الآية "بالقسط" أي العدل "والقسط النفس بالنفس" وهذا تفسير من ابن عباس، أي قتل النفس بدل قتل النفس. وأخرج الطبراني وغيره كما في الدر المنثور عن عكرمة عن ابن عباس أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ - إلى قوله - الْمُقْسِطِينَ} إنما نزلت في الدية من بني النضير وقريظة، وذلك أن قتلي بني النضير كان لهم شرف يريدون الدية كاملة وأن بني قريظة كانوا يريدون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق فجعل الدية سواء.
وأخرج عبد الرزاق عن الزهري في الآية قال مضت السنة أن يردوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم إلا أن يأتوا راغبين في حد يحكم بينهم فيه فيحكم بينهم بكتاب الله وقد قال لرسوله {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} انتهى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} أي أفحكم الجاهلية يطلب هؤلاء اليهود. قال النسفي: بنو النضير يطلبون تفاضلهم على بني قريظة وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القتلى سواء، فقال بنو النضير نحن لا نرضى بذلك فنزلت انتهى.
وفي الخازن: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضيري ودم النضيري وفاء من دم القرظي ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة فغضبت بنو النضير وقالوا لا نرضى بحكمك فأنزل الله {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.

(12/133)


2- باب لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه أو أخيه :
4484- حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا عُبَيْدُ الله يَعْنِي ابنَ إيَادٍ حدثنا إيَادٍ عنْ أبِي
ـــــــ
"باب لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه أو أخيه"
قال في النهاية: الجريرة الجناية والذنب.
"حدثنا إياد" بكسر الهمزة ابن لقيط السدوسي الكوفي "عن أبي رمثة" بكسر الراء

(12/133)


رِمْثَةَ قالَ: "انْطَلَقْتُ مَعَ أبي نَحْوَ النّبيّ [رسول الله ] صلى الله عليه وسلم ثُمّ إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لأبِي: آبْنُكَ هَذَا؟ قالَ إي وَرَبّ الْكَعْبَةِ، قالَ حَقّا قالَ أشْهَدُ بِهِ، قالَ فَتَبَسّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ضَاحِكاً مِنْ ثَبْتِ شَبَهِي في أبِي وَمِنْ حَلْفِ أبي عَلَيّ، ثُمّ قالَ أمَا إنّهُ لاَ يَجْنِي عَلَيْكَ وَلاَ تَجْنِي عَلَيْهِ، وَقَرَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ".
ـــــــ
المهملة وبعدها ميم ساكنة وثاء مثلثه مفتوحة وتاء تأنيث. قال في أسد الغابه: أبو رمثة التيمي من تميم بن عبد مناة بن أدوهم تيم الرباب ويقال التميمي من ولد امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم، وقد اختلف في اسم أبي رمثة كثيراً قاله أبو عمرو.
قال الترمذي: أبو رمثه التيمي اسمه حبيب بن حيان وقيل رفاعة بن يثربي انتهى "آبنك" بالمد لأنها همزتان الأولى همزة الاستفهام والثانية همزة لفظة ابنك وهو مرفوع بالابتداء "قال" أبي "إي" من حروف الإيجاب "قال" أبي حقاً أن نقول حقاً إنه ولدي "قال" أبي "أشهد به" بهمزة وصل وفتح هاء أي كن شاهداً بأنه ابني من صلبي وبصيغة المتكلم أيضاً وهو تقرير أنه ابنه، والمقصود التزام ضمان الجنايات عنه على ما كانوا عليه في الجاهلية من مؤاخذة كل من الوالد والولد بجناية الآخر "قال" أي أبو رمثة "فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي ابتداء "ضاحكاً" أي انتهاء "من ثبت شبهي" أي من أجل ثبوت مشابهتي في أبي بحيث يغني ذلك عن الحلف ومع ذلك حلف أبي "عليّ" بتشديد الياء "ثم قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم رداً لزعمه "أما" بالتخفيف للتنبيه "إنه" للشأن أو الابن "لا يجني عليك" أي لا يؤاخذ بذنبك كذا في المرقاة.
وقال السندي: أي جناية كل منهما قاصرة عليه لا تتعداه إلى غيره، ولعل المراد الإثم وإلا فالدية متعدية انتهى "ولا تجني عليه" أي لا تؤاخذ بذنبه. قال في النهاية: الجناية الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا و الآخرة. والمعنى أنه لا يطالب بجناية غيره من أقاربه وأباعده فإذا جنى أحدهما جناية لا يعاقب بها الآخر "وقرأ" استشهاداً {وَلا تَزِرُ} أي لا تحمل نفس {وَازِرَةٌ} آثمة {وِزْرَ} إثم نفس {أُخْرَى}.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي مختصراً ومطولاً، وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن إياد.

(12/134)


3- باب الإمام يأمر بالعفو في الدم :
4485- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادُ أنبأنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ عنْ
ـــــــ
"باب الإمام يأمر بالعفو في الدم"
"عن أبي شريح" بضم الشين المعجمة وفتح الراء المهملة وسكون الياء آخر الحروف

(12/134)


الحَارِثِ بنِ فُضَيْلٍ عنْ سُفْيَانَ بنِ أبِي الْعَوْجَاءِ عنْ أبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أُصِيبَ بِقَتْلِ أوْ خَبْلٍ فَإنّهُ يَخْتَارُ إحْدَى ثَلاَثٍ: إمّا أنْ يَقْتَصّ وَإمّا أنْ يَعْفُو وَإِمّا أنْ يَأْخُذَ الدّيَةَ، فَإنْ أرَادَ الرّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، وَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ ألِيمٌ" .
4486- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ بَكْرِ بنِ عَبْدِ الله المُزَنِيّ عنْ عَطَاءِ بنِ أبِي مَيْمُونَةَ عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إلاّ أمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ" .
ـــــــ
وبعدها حاء مهملة اسمه خويلد بن عمرو ويقال كعب بن عمرو ويقال هاني ويقال عبد الرحمَن بن عمرو وقيل غير ذلك والأول المشهور قاله المنذري "الخزاعي" بضم أولى المعجمتين "من أصيب بقتل" أي ابتلي بقتل نفس محرمة ممن يرثه "أو خبل" بفتح الخاء المعجمة وسكون الموحدة، والخبل الجرح بضم الجيم قاله القاري. وقال في النهاية: الخبل بسكون الباء فساد الأعضاء يقال خبل الحب قلبه إذا أفسده يخبِلُه ويخبُلُه خبلاً، ورجل خبل ومختبل أي من أصيب بقتل نفس أو قطع عضو، يقال بنو فلان يطالبون بدماء وخبل أي بقطع يد أو رجل "فإنه" أي المصاب الذي أصابته المصيبة وهو الوارث قاله القاري "إحدى ثلاث" أي خصال "إما أن يقتص " أي يقتاد من خصمه "وإما أن يعفو" عنه "فإن أراد" أي المصاب "الرابعة" أي الزائدة على الثلاث "فخذوا على يديه" أي امنعوه عنها "ومن اعتدى" أي إلى الرابعة "بعد ذلك" أي بعد بلوغ هذا البيان أو بعد منع الناس إياه والأول أحسن قاله في فتح الودود. أو أن من اعتدى إلى الرابعة أي تجاوز الثلاث وطلب شيئاً آخر بأن قتل القاتل بعد ذلك أي بعد العفو أو أخذ الدية أو بأن عفا ثم طلب الدية "فله" أي للمعتدي "عذاب أليم" أي موجع شديد.
قال الحافظ في الفتح: إن المخير في القود أو أخذ الدية هو الولي وهو قول الجمهور وقرره الخطابي، وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى أن الخيار في القصاص أو الدية للقاتل انتهى. وأطال الحافظ الكلام في ذلك في باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين فليرجع إليه.
قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه وفي إسناده أيضاً سفيان بن أبي العوجاء السلمي قال أبو حاتم الرازي ليس بالمشهور انتهى. قلت: وأخرجه الدارمي بتغيير يسير.
"إلا أمر" رسول الله صلى الله عليه وسلم "فيه" أي في القصاص "بالعفو" قال في النيل: والترغيب في

(12/135)


4487- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ أخبرنا الأعمَشُ عنْ أبي صَالِحٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَدَفَعَهُ إلَى وَلِيّ المَقْتُولِ، فقالَ الْقَاتِلُ: يَا رَسُولَ الله والله مَا أرَدْتُ قَتْلَهُ. قالَ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِلْوَلِيّ: أمَا إنّهُ إنْ كَانَ صَادِقاً ثُمّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النّار. قالَ: فَخَلّى سَبِيلَهُ. قالَ: وكَانَ مَكْتُوفاً بِنِسْعَةٍ، فَخَرَجَ يَجُرّ نِسْعَتَهُ، فَسُمّيَ ذَا النّسْعَةِ" .
4488- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ الْجُشَمِيّ أخبرنا يَحْيَى ابنُ سَعِيدٍ عن عَوْفٍ أخبرنا حَمْزَةُ أبُو عُمَرَ الْعَائِذِيّ حدّثني عَلْقَمَةُ بنُ وَائِلٍ قال حدّثني وَائِلُ بنُ حُجْرٍ قال: "كُنْتُ عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذْ جِيءَ بِرَجُلٍ قَاتِلٍ في عُنُقِهِ النّسْعَةُ، قال: فَدَعا وَلِيّ المَقْتُولِ فقال: أتَعَفُوا؟ قال: لاَ، قال: أفَتَأْخُذُ الدّيَةَ؟ قال: لاَ، قال: أفَتَقْتُلُ؟ قال: نَعَمْ، قال: اذْهَبْ بِهِ، فلَمّا وَلّى قال: أتَعَفُو؟ قال: لاَ، قال: أفَتَأْخُذُ الدّيَةَ؟ قال: لاَ، قال: أفَتَقْتُلُ؟ قال: نَعَمْ، قال: اذْهَبْ بِهِ، فلَمّا كَانَ في الرّابِعَةِ قال: أمَا إنّكَ إنْ
ـــــــ
العفو ثابت بالأحاديث الصحيحة ونصوص القرآن الكريم، ولا خلاف في مشروعية العفو في الجملة، وإنما وقع الخلاف فيما هو الأولى للمظلوم هل العفو عن ظالمه أو ترك العفو.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.
"فرفع" على صيغة المجهول "ذلك" الأمر "فدفعه" أي دفع النبي صلى الله عليه وسلم القاتل "ما أردت قتله" أي ما كان القتل عمداً "قال" أبو هريرة "أما" بالتخفيف للتنبيه "إنه" أي القاتل "إن كان صادقاً" يفيد أن ما كان ظاهره العمد لا يسمع فيه كلام القاتل أنه ليس بعمد في الحكم، نعم ينبغي لولي المقتول أن لا يقتله خوفاً من لحوق الإثم به على تقدير صدق دعوى القاتل "فخلى سبيله" أي ترك ولي المقتول القاتل "وكان" أي القاتل "مكتوفاً" قال في النهاية: المكتوف الذي شدت يداه من خلفه "بنسعة" بكسر نون قطعة جلد تجعل زماماً للبعير وغيره قاله السندي. وفي النهاية: النسعة بالكسر سير مضفور يجعل زماماً للبعير وغيره وقد تنسج عريضة تجعل على صدر البعير "فخرج" القاتل "فسمي" على صيغة المجهول أي القاتل.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح.
"الجشمي" بضم الجيم وفتح الشين منسوب إلى قبيلة "العائذي" منسوب إلى قبيلة "برجل قاتل" بالكسر صفة لرجل "قال" وائل "فدعا" النبي صلى الله عليه وسلم "وليّ المقتول" بفتح الياء "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم لولي المقتول "أتعفو" عنه "قال" النبي صلى الله عليه وسلم للولي "اذهب به" أي القاتل "فلما ولي"

(12/136)


عَفَوْتَ عَنْهُ يَبُوءُ بإثْمِهِ وَإِثْمِ صَاحِبِهِ، قال: فَعَفَا عَنْهُ، قال: فأنَا رَأَيْتُهُ يَجُرّ النّسْعَةَ" .
ـــــــ
وأدبر الولي "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "إن عفوت" خطاب للولي "عنه" أي عن القاتل "يبوء" بهمزة بعد الواو أي يلتزم ويرجع القاتل "بإثمه" أي القاتل "وإثم صاحبه" يعني المقتول. قال في النهاية: أصل البواء اللزوم ومعنى يبوء الخ أي كان عليه عقوبة ذنبه وعقوبة قتل صاحبه فأضاف الإثم إلى صاحبه لأن قتله سبب لإثمة انتهى.
قال الخطابي: معناه أنه يتحمل إثمه في قتل صاحبه فأضاف الإثم إلى صاحبه إذ صار بكونه محلاً للقتل سبباً لإثمه وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} فأضاف الرسول إليهم وإنما هو في الحقيقة رسول الله أرسله إليهم، وأما الإثم المذكور ثانياً فهو إثمه فيما قارفه من الذنوب التي بينه وبين الله سوى الإثم الذي قارفه من القتل، فهو يبوء به إذا عفا عن القتيل ولو قتل لكان كفارة له انتهى.
وقال السندي في حاشية النسائي، وقيل في تأويله أي يرجع ملتسباً بإثمه السابق وبالإثم الحاصل له بقتل صاحبه، فأضيف إلى الصاحب لأدنى ملابسة بخلاف ما لو قتل فإن القتل يكون كفارة له عن إثم القتل انتهى.
وفي رواية لمسلم والنسائي: "أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك".
قال النووي: معناه يتحمل إثم المقتول لإتلافه مهجته، وإثم الولي لكونه فجعه في أخيه، ويكون قد أوحى إليه صلى الله عليه وسلم بذلك في هذا الرجل خاصة، ويحتمل أن معناه يكون عفوك عنه سبباً لسقوط إثمك وإثم أخيك المقتول والمراد إثمهما السابق بمعاص لهما متقدمة لا تعلق لها بهذا القاتل، فيكون معنى يبوء يسقط، وأطلق هذا اللفظ عليه مجازاً انتهى.
قال السندي: لعل الوجه في هذا الحديث أن يقال المراد برجوعه بإثمهما هو رجوعه ملتبساً بزوال إثمهما عنهما، ويحتمل أنه تعالى يرضى بعفو الولي فيغفر له ولمقتوله فيرجع القاتل وقد أزيل عنهما إثمهما بالمغفرة "قال" وائل "فعفا" أي الولي "عنه" عن القاتل.
قال الخطابي: فيه من الفقه أن الولي مخير بين القصاص وأخذ الدية، وفيه دليل على أن دية العمد تجب حالة في مال الجاني، وفيه دليل على أن الإمام يشفع إلى ولي الدم في العفو بعد وجوب القصاص، وفيه إباحة الاستيثاق بالشد والرباط ممن يجب عليه القصاص إذا خشي انفلاته وذهابه وفيه جواز إقرار من جيء به في حبل أو رباط وفيه دليل على أن القاتل إذا عفي عنه لم يلزمه تعزير ويحكى عن مالك بن أنس أنه قال يضرب بعد العفو مائة سوط ويحبس سنة انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.

(12/137)


4489- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ حدّثني جَامِعُ بنُ مَطَرٍ قال حدّثني عَلْقَمَةُ بنُ وَائِلٍ بإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.
4490- حدثنا مُحمّدُ بنُ عَوْفٍ الطّائِيّ أخبرنا عَبْدُ الْقُدّوسِ بنُ الْحَجّاجِ أخبرنا يَزِيدُ بنُ عَطَاء الْوَاسِطِيّ عن سِمَاكٍ عن عَلْقَمَةَ بنِ وَائِلٍ عن أبِيهِ قال: "جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِحَبَشِيَ فقالَ: إنّ هَذَا قَتَلَ ابنَ أخِي، قال: كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قال: ضَرَبْتُ رَأْسَهُ بالْفَأْسِ وَلَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ، قال: هَلْ لَكَ مَالٌ تُؤَدّي دِيَتَهُ؟ قالَ: لاَ، قال: أفَرَأَيْتَ إنْ أرْسَلْتُكَ تَسْأَلُ النّاسَ تَجْمَعُ دِيَتَهُ؟ قال: لاَ، قال: فَمَوالِيكَ يُعْطُونَكَ دِيَتَهُ؟ قال: لاَ، قال لِلرّجُلِ: خُذْهُ، فَخَرَجَ بِهِ لِيَقْتُلَهُ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أمَا إنّهُ إنْ قَتَلَهُ
ـــــــ
"بإسناده" السابق "ومعناه" أي الحديث السابق.
"فقال" الرجل "إن هذا" أي الحبشي "قال" النبي صلى الله عليه وسلم للحبشي "بالفأس" آلة ذات هراوة قصيرة يقطع بها الخشب وغيره "ولم أرد قتله" أي ما كان القتل عمداً "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "ديته" أي المقتول وفي رواية مسلم "قال كيف قتلته"؟ قال كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟ قال ما لي مال إلا كسائي وفأسي، قال فترى قومك يشترونك؟ قال أنا أهون على قومي من ذاك" الحديث "أفرأيت" أي أخبرني "فمواليك" الموالي جمع المولى والمراد به ههنا السيد.
قال في النهاية المولى اسم يقع على جماعة كثيرة فهو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتق والمنعم عليه وأكثرها قد جاءت في الحديث، فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه، وكل من ولي أمراً وقام به فهو مولاه ووليه وقد تختلف مصادر هذه الأسماء، فالولاية بالفتح في النسب والنصرة والعتق، والولاية بالكسر في الإمارة والولاء في المعتق والموالاة من والى القوم "ديته" أي المقتول "خذه" أي القاتل "فخرج" الرجل "به" أي بالقاتل "ليقتله" أي القاتل "أما إنه" أي ولي المقتول "إن قتله" أي القاتل "كان" ولي المقتول "مثله" أي القاتل.
قال النووي: فالصحيح في تأويله أنه مثله في أنه لا فضل ولا منة لأحدهما على الآخر لأنه استوفى حقه منه بخلاف ما لو عفا عنه، فإنه كان له الفضل والمنة وجزيل ثواب الآخرة وجميل الثناء في الدنيا، وقيل فهو مثله في أنه قاتل وإن اختلفا في التحريم والإباحة لكنهما استويا في طاعتهما الغضب ومتابعة الهوى لاسيما وقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم منه العفو انتهى.
قال الخطابي: يحتمل وجهين أحدهما أنه لم ير لصاحب الدم أن يقتله لأنه ادعى أن قتله

(12/138)


كَانَ مِثْلَهُ. فَبَلَغَ بِهِ الرّجُلُ حَيْثُ يَسْمَعُ قَوْلَهُ فقالَ: هُوَ ذَا فَمُرْ فِيهِ مَا شِئْتَ. فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أرْسِلْهُ - قال مَرّةً دَعْهُ - يَبُوءُ بإثْمِ صَاحِبهِ وَإِثْمِهِ فَيَكُونَ مِنْ أصْحَابِ النّارِ. قالَ: فأرْسَلَهُ" .
4491- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن أبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ قال: "كُنّا مَعَ عُثْمانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ في الدّارِ وكَانَ في الدّارٍ مَدْخَلٌ مَنْ دَخَلَهُ سَمِعَ كَلاَمَ مَنْ عَلَى الْبَلاَطِ، فَدَخَلَهُ عُثْمانُ فَخَرَجَ إلَيْنَا وَهُوَ مُتَغَيّرٌ لَوْنُهُ فقالَ:
ـــــــ
كان خطأ أو شبه العمد فأورث ذلك شبهة في وجوب القتل، والأخرى أن يكون معناه أنه إذا قتله كان مثله في حكم البواء فصارا متساويين لا فضل للمقتص إذا استوفي حقه على المقتص منه انتهى "فبلغ به" أي بالقاتل والباء للتعدية "الرجل" فاعل بلغ، والمراد بالرجل ولي المقتول، والمعنى فأبلغ الرجل الذي هو ولي المقتول القاتل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم "حيث" أي حين "يسمع" ولي المقتول "قوله" أي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إما بلا واسطة أو بواسطة رجل آخر وهذا هو الصحيح كما في رواية مسلم ونصه: "فرجع فقال يا رسول الله بلغني أنك قلت إن قتله فهو مثله" .
وفي لفظ له قال: فأتى رجل الرجل فقال له مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم" "فقال" الرجل "هو" أي القاتل "ذا" أي حاضر "فمر فيه" أي القاتل "أرسله" أي القاتل "فيكون" أي القاتل "من أصحاب النار" أي إن مات بلا توبة ولم يغفر له تفضلاً، أو المعنى فيكون منهم جزاء واستحقاقاً، وأما وصول الجزاء إليه فموقوف على عدم التوبة وعدم عفو الرب الكريم، وعند أحدهما يرتفع هذا الجزاء قاله في فتح الودود "قال" وائل "فأرسله" أي أرسل الرجل الذي هو ولي المقتول القاتل.
قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي.
"وهو محصور في الدار" أي محبوس فيها، يقال حصره إذا حبسه فهو محصور كذا في النهاية "وكان في الدار مدخل" هو اسم كان، ومدخل البيت بفتح الميم لموضع الدخول إليه "من" بفتح الميم "دخله" أي ذلك المدخل "سمع" أي الداخل "كلام" بفتح الميم مفعول لسمع مضاف إلى "من" بفتح الميم "على البلاط".
قال في النهاية: البلاط ضرب من الحجارة تفرش به الأرض ثم سمي المكان بلاطاً اتساعاً وهو موضع معروف بالمدينة انتهى.
قلت: وهو المراد ههنا "فدخله" وفي رواية لأحمد "فدخل ذلك المدخل" "عثمان" ليسمع كلام الناس الذين كانوا عند البلاط "فخرج" عثمان "إلينا" من المدخل "و" الواو للحال

(12/139)


إنّهُمْ لَيَتَوَاعَدُونَنِي بالْقَتْلِ آنِفاً قالَ قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ الله يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قالَ: وَلِمَ يَقْتُلُونَنِي؟ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لاَ يَحِلّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إلاّ بإحْدَى ثَلاَثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إسْلاَمٍ، أوْ زِناً بَعْدَ إحْصَانِ، أوْ قَتَلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ. فَوَالله مَا زَنَيْتُ في جَاهِلِيّةِ وَلاَ في إسْلاَمٍ قَطّ وَلاَ أحْبَبْتُ أنّ لِي بِدِينِي بَدَلاً مُنْذُ هَدَانِيَ الله، وَلاَ قَتَلْتُ نَفْساً فَبِمَ يَقْتُلُونَنِي" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: عُثْمانُ وَأبُو بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا تَرَكَا الْخَمْرَ في الْجَاهِلِيّة.
4492- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ قالَ أخبرنا مُحمّدٌ - يَعْني ابنَ إسْحَاقَ - فحدّثَنِي مُحمّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزّبَيْرِ قالَ سَمِعْتُ زِيَادَ بنَ ضُمَيْرَةَ الضّمَرِيّ ح. وأخبرنا وَهْبُ بنُ بَيَانَ وَ أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيّ قالا أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ أبي الزّنَادِ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ الْحَارِثِ عنْ مُحمّدِ بنِ جَعْفَرٍ أنّهُ سَمِعَ
ـــــــ
"إنهم" أي الذين كانوا عند البلاط "قال" أبو أمامة "يكفيكهم الله" أي يكفي الله ويرفع ويمنع عنك شرهم "قال" عثمان "إلا بإحدى ثلاث" أي من الخصال "بعد إحصان" أي بعد تزويج "ولا أحببت أن لي بديني" وفي لفظ لأحمد "ولا تمنيت بدلاً بديني" "ولا قتلت نفساً" أي بغير حق "فبم يقتلونني" أي فبأي سبب يريدون قتلي.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن عثمان رضي الله عنه كان مظلوماً فقال لهم: لم أردتم قتلي؟ إني ما صنعت شيئاً قط يوجب القتل فقال ما زنيت الخ، فاعتذر بهذه الكلمات وطلب عنهم العفو والصفح إن صدرت منه زلة.
والحديث ليس من رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكره المنذري.
وقال المزي في الأطراف: والحديث أخرجه أبو داوود في الديات والترمذي في الفتن والنسائي في المحاربة وابن ماجه في الحدود، وحديث أبي داوود في رواية أبي بكر بن داسة وغيره ولم يذكره أبو القاسم انتهى.
قال صاحب المشكاة: رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وللدارمي لفظ الحديث.
"زياد بن ضميرة" بضم الضاد المعجمة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث. قاله المنذري: "عبد الرحمَن بن أبي الزناد".
قال المنذري: وقد وثقه الإمام مالك واستشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد "زياد بن سعد ابن ضميرة السلمي" قال في التقريب: زياد ويقال زيد بن سعد بن ضميرة ويقال زياد بن

(12/140)


زَيَادَ بنَ سَعْدِ بنِ ضُمَيْرَةَ السّلَمِيّ وَهَذَا حَدِيثُ وَهْبٍ وَهُوَ أتَمّ يُحَدّثُ عُرْوَةَ بنَ الزّبَيْرِ عن أبِيهِ قال مُوسَى وَ جَدّهِ وكَانَا شَهِدَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حُنَيْناً، ثُمّ رَجَعْنَا إلَى حَدِيثِ وَهْبٍ: " أنّ مُحَلّمَ بنَ جَثّامَةَ الّليْثِيّ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ أشْجَعَ في الإسْلاَمِ وَذَلِكَ أوّلُ غِيَرٍ قَضَى بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَتَكَلّمَ عُيَيْنَةُ في قَتْلِ الأشْجَعِيّ لأنّهُ مِنْ غَطْفَانَ، وَتَكَلّمَ الأقْرَعُ بنُ حَابِسٍ دُونَ مُحَلّمِ لأَنّهُ مِنْ خِنْدَفَ، فارْتَفَعَتِ الأصْوَاتُ وَكَثُرَتِ الْخُصُومَةُ
ـــــــ
ضميرة بن سعد مقبول من الرابعة "وهو أتم" أي حديث وهب "يحدث" أي زياد ابن سعد "عروة" بفتح التاء مفعول يحدث "عن" أبيه أي ناقلاً عن أبيه وهو سعد " قال موسى" بن إسماعيل "وجده" بكسر الدال أي يحدث زياد عن أبيه سعد وعن جده ضميرة "وكانا" أي سعد وضميرة "أن محلم" بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد اللام وكسرها وبعدها ميم قاله المنذري "ابن جثامة" بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة وفتحها وبعد الألف ميم مفتوحة وتاء تأنيث قاله المنذري "من أشجع" بسكون الشين المعجمة وبعدها جيم مفتوحة وعين مهملة هو ابن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بطن، وقال الجوهري: قبيلة من غطفان وريث بفتح الراء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها ثاء مثلثة قاله المنذري "أول غير" الغير بكسر الغين المعجمة وفتح المثناة التحتية وراء الدية قيل هي جمع غيرة وقيل مفرد جمعها أغيار كضلع وأضلاع وأصلها من المغايرة لأنها بدل من القتل كذا في مرقاة الصعود "قضى به" أي بالغير "فتكلم عيينة في قتل الأشجعي" قال في أسد الغابة: الأشجعي هو عامر بن الأضبط الأشجعي الذي قتلته سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم متعوذاً بالشهادة انتهى.
وفي رواية لابن إسحاق في المغازي يقول حدثني أبي وجدي وكانا شهدا حنيناً مع النبي صلى الله عليه وسلم قالا صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر يوم حنين ثم جلس إلى ظل شجرة فقام إليه الأقرع ابن حابس وعيينة بن حصن وعيينة يومئذ يطلب بدم عامر بن الأضبط المقتول الحديث "لأنه" أي الأشجعي "من غطفان" وعيينة أيضاً كان من غطفان. قال في أسد الغابة عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جويرية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان الفزاري انتهى فكانا من قبيلة واحدة "دون محلم" بن جثامة أي من جانبه وفي رواية ابن إسحاق في المغازي والأقرع بدافع عن محلم بن جثامة القاتل. "لأنه" أي محلماً "من خندف" وأقرع بن حابس أيضاً من خندف وهي بكسر الخاء المعجمة وسكون النون وبعدها الدال المهملة المكسورة وهي زوج الياس بن مضر واسمها ليلى انتسب إليها ولد الياس بن مضر وهي أمهم، وكان سبب تلقبها بذلك أن إلياس بن مضر خرج منتجعاً [قال في المصباح انتجع القوم إذا ذهبوا لطب الكلاء منه] فنفرت إبله من أرنب فطلبها ابنه عمرو بن إلياس فأدركها فسمي مدركة، وخرج عامر بن إلياس في طلبها فأخذها

(12/141)


وَاللّغَطُ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يَا عُيَيْنَةُ ألاَ تَقْبَلُ الْغِيَرَ، فقالَ عُيَيْنَةُ: لاَ وَالله حَتّى أُدْخِلَ عَلَى نِسَائِهِ مِنَ الحرْبِ وَالحَزَنِ ما أدْخَلَ عَلَى نِسَائِي، قال: ثُمّ ارْتَفَعَتِ الأصْوَاتُ وَكَثُرَتِ الخُصُومَةُ وَاللغَطُ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يَا عُيَيْنَةُ ألاَ تَقْبَلُ الْغِيَرَ؟ فقالَ عُيَيْنَةُ مِثْلَ ذَلِكَ أيْضاً، إلَى أنْ قَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ مُكَيْتِلٌ عَلَيْهِ شِكّةٌ وَفي يَدِهِ دِرِقَةٌ فقالَ: يَا رَسُولَ الله إنّي لَمْ أجِدْ لِمَا فَعَلَ هَذَا في غُرّةِ الإسْلاَمِ مَثَلاً إلاّ غَنَماً وَرَدَتْ فَرُمِيَ أوّلُها فَنَفَرَ آخرُهَا، اسْنُنِ الْيَوْمَ وَغَيّز غَداً، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: خَمْسُونَ في
ـــــــ
فطبخها فسمي طابخة، وانقمع عمير بن إلياس في الخباء فلم يخرج فسمي قمعة فخرجت أمه ليلى تنظر مشي الخندفة - وهو ضرب من المشي فيه تبختر - فقال لها إلياس أين تخندفين وقد ردت الإبل فسميت خندفاً قاله المنذري.
"واللغط" بفتحتين قال في النهاية: اللغط صوت وضجة لا يفهم معناها "أ" همزة الاستفهام "لا تقبل الغير" أي الدية والاستفهام للتقرير "لا والله" أي لا أقبل والواو للقسم "حتى أدخل" من الإدخال "على نسائه" أي القاتل "من الحرب" بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين أي المقاتلة "والحزن" بفتح الحاء المهملة وفتح الزاي المعجمة وبضم الحاء وسكون الزاي "ما" موصولة "أدخل" أي القاتل "قال" أي سعداً وضميرة "مثل ذلك" أي القول السابق "مكيتل" بمثناة مصغر وقيل بكسر المثلثة وآخره راء الليثي قاله في الإصابة "عليه شكة" بكسر الشين المعجمة السلاح "وفي يده" أي مكيتل "درقة" الدرقة الحجفة وهي الترس من جلود ليس فيها خشب ولا عصب "فقال" مكيتل "لما فعل هذا" أي محلم "في غرة الإسلام" قال في النهاية: غرة الإسلام أوله وغرة كل شيء أوله "إلا غنماً وردت" على الماء للشرب "فرمي" بصيغة المجهول أي بالنبل أو الحجارة لقتلها أو لطردها "أولها" أي الغنم "فنفر آخرها" أي بقية الغنم لخوف القتل فكذلك ينبغي لك أن تقتل هذا الأول حتى يكون قتله عظة وعبرة للاَخرين قاله السندي "اسنن اليوم" صيغة أمر من سن سنة من باب نصر "وغير غداً" صيغة أمر من التغيير، وهذا مثل ثان ضربه لترك القتل كما أن الأول ضربه للقتل ولذلك ترك العطف، أي وإلا قولهم هذا ومعناه وقرر حكمك اليوم وغيره غداً أي إن تركت القصاص اليوم في أول ما شرع واكتفيت بالدية ثم أجريت القصاص على أحد يصير ذلك كهذا المثل والحاصل إن قتلت اليوم يصير مثله كمثل غنم وإن تركت اليوم يصير مثله كهذا المثل قاله السندي.
وقال الإمام ابن الأثير في النهاية: أسنن اليوم وغير غداً أي اعمل بسنتك التي سننتها في القصاص ثم بعد ذلك إذا شئت أن تغير فغير أي تغير ما سننت، وقيل تغير من أخذ الغير وهي الدية انتهى.

(12/142)


فَوْرِنَا هَذَا، وَخَمْسُونَ إذَا رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ، وَذَلِكَ في بَعْضِ أسْفَارِهِ وَمُحَلّمٌ رَجُلٌ طوِيلٌ آدَمُ وَهُوَ في طَرَفِ النّاسِ، فَلَمْ يَزَالُوا حَتّى تخَلّصَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ، فقالَ: يَا رَسُولَ الله إنّي قدْ فعَلْتُ الّذِي بَلَغَكَ، وَإِنّي أتُوبُ إلَى الله، فاسْتَغْفِرِ الله لِي يَا رَسُولَ الله، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أقَتَلْتَهُ بِسِلاَحِكَ في غُرّةِ الإسْلاَمِ، اللّهُمّ لا تَغْفِرْ لِمُحَلّمٍ بِصَوْتٍ عَالٍ. زَادَ أبُو سَلَمَةَ: فَقَامَ وَإِنّهُ لَيَتَلّقَى دُمُوعَهُ بِطَرْفِ رِدَائِهِ" .
قالَ ابنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ قَوْمُهُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قالَ النّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: الْغِيَرُ الدّيَةُ.
ـــــــ
وقال الخطابي: هذا مثل يقول إن لم تقتص منه اليوم لم تثبت سنتك غداً ولم ينفاه حكمك بعدك أو إن لم تفعل ذلك وجد القاتل سبيلاً إلى أن يقول مثل هذا القول أعني قوله اسنن اليوم وغير غداً فتتغير لذلك سنتك وتبدل أحكامها انتهى. وقال السيوطي في مرقاة الصعود: إن مثل محلم في قتله الرجل وطلبه أن لا يقتص منه وتؤخذ منه الدية والوقت أول الإسلام وصدره كمثل هذه الغنم النافرة، يعني إن جرى الأمر مع أولياء هذا القتيل على ما يريد محلم ثبط الناس عن الدخول في الإسلام، معرفتهم أن القود يغير بالدية والعوض خصوصاً وهم حراص على درك الأوثار وفيهم الأنفة من قبول الديات، ثم حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإقادة منه بقوله اسنن اليوم وغير غداً يريد إن لم تقتص منه غيرت سنتك ولكنه أخرج الكلام على الوجه الذي يهيج المخاطب ويحثه على الإقدام والجرأة على المطلوب منه.
"خمسون" أي إبلاً لولي المقتول "في فورنا هذا" أي على الوقت الحاضر لا تأخير فيه "وخمسون" إبلاً والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم رضي بالدية بدل القصاص فقال إن على القاتل مائة إبل في الدية لولي المقتول خمسون إبلاً في الوقت الحاضر وخمسون إبلاً بعد الرجوع إلى المدينة "وذلك" أي القتل والقصة كان "طويل آدم" أي أسمر اللون "وهو" أي محلم جالس "في طرف الناس" أي في جانبهم "فلم يزالوا" أي معاونون لمحلم انتصروا له "حتى تخلص" بفتح الخاء وشدة اللام بصيغة الماضي أي نجا محلم من القتل "وعيناه" أي محلم "تدمعان" أي تسيلان الدمع وهو ماء العين "بصوت عال" أي قال النبي صلى الله عليه وسلم هذه الجملة اللهم الخ بصوت عال "فقام" محلم "وإنه" أي محلماً "ليتلقى" أي ليأخذ ويمسح. قال في لسان العرب: وتلقاه أي استقبله، وأما قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} فمعناه أنه أخذها عنه انتهى "فزعم قومه" أي محلم "استغفر له" أي لمحلم مطابقة الحديث للترجمة من حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر عيينة بأخذ الدية عوض القصاص فهو أمر بالعفو. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس

(12/143)


............................
ـــــــ
رضي الله عنه قال "كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فقال الله لهذه الأمة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} إلى هذه الآية {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} قال ابن عباس فالعفو أن يقبل الدية في العمد.
قال المنذري والحديث أخرجه ابن ماجه مختصراً وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه انتهى كلامه.

(12/144)


4- باب ولي العمد يأخذ الدية :
93- حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ أخبرنا ابنُ أبي ذِئْبٍ حدّثني سَعِيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ قالَ سَمِعْتُ أبَا شُرَيْحٍ الْكَعْبِيّ يَقُولُ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ إنّكُم يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ وَإِنّي عَاقِلُهُ، فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: بَيْنَ أنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ أوْ يَقْتُلُوا"
ـــــــ
"باب ولي العمد يأخذ الدية"
أي هذا باب في بيان أن ولي المقتول بالقتل العمد يأخذ الدية ويرضى بها.
"سمعت أبا شريح" بالتصغير "الكعبي" هو أبو شريح خويلد بن عمرو الكعبي العدوي الخزاعي أسلم قبل الفتح ومات بالمدينة سنه ثمان وستين روى عنه جماعة وهو مشهور يكنيته "ألا" بفتح الهمزة واللام المخففة وهي كلمة تنبيه تدل على تحقق ما بعدها وتأتي لمعان آخر "خزاعة" بضم الخاء المعجمة وبالزاي وهي قبيلة كانوا غلبوا على مكة وحكموا فيها ثم أخرجوا منها فصاروا في ظاهرها وهذا من تتمة خطبته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وكانت خزاعة قتلوا في تلك الأيام رجلاً من قبيلة بني هذيل بقتيل لهم في الجاهلية، فأدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ديته لإطفاء الفتنة بين الفئتين "هذا القتيل" أي المقتول "من هذيل" بالتصغير "وإني عاقله" أي مؤد ديته من العقل وهو الدية سميت به لأن إبلها تعقل بفناء ولي الدم أو لأنها تعقل أي تمنع دم القاتل عن السفك "فأهله" أي وارث القتيل "بين خيرتين" بكسر ففتح ويسكن أي اختيارين، والمعنى مخير بين أمرين. وقال بعض شراح المصابيح: الخيرة الإثم من الاختيار "بين أن يأخذوا" أي أولياء المقتول "العقل" أي الدية من عاقلة القاتل "أو يقتلوا" أي قاتله.
قال الخطابي: فيه بيان أن الخيرة إلى ولي الدم في القصاص وأخذ الدية، وأن القاتل إذا قال لأعطينكم المال فاستفيدوا مني واختار أولياء الدم المال كان لهم مطالبته به، ولو قتله جماعة كان لولي الدم أن يقتل منهم من شاء ويطالب بالدية من شاء، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق.

(12/144)


4494- حدثنا عَبّاسُ بنُ الْوَلِيدِ بنِ مَزْيَدٍ أخبرني أبِي أخبرنا الأوْزَاعِيّ حدّثني يَحْيَى ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بنُ إِبراهِيمَ حدّثني أبُو دَاوُدَ أخبرنا حَرْبُ بنُ شَدّادٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ حدّثني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ أخبرنا أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: "لَمّا فُتِحَتْ مَكّةُ قامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النّظرَيْنَ: إمّا أنْ يُودَى، وَإمّا أنْ يُقَادَ، فقامَ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أبُو شَاةٍ فقالَ يَا رَسُولَ الله اكْتُبْ لِي، قالَ الْعَبّاسُ: اكْتُبُوا لِي، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: اكْتُبُوا لأبِي شَاةٍ" وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ أحْمَدَ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: اكْتُبُوا لِي - يَعْني خُطْبَةَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
4495- حدثنا مُسْلِمٌ أخبرنا مُحمّدُ بنُ رَاشِدٍ أخبرنا سُلَيْمانُ ابنُ مُوسَى عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيِهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمّداً دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ فإنْ شاءُوا قَتَلُوهُ وَإنْ شاءوا أَخَذُوا الدّيةَ" .
ـــــــ
وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي وابن سيرين وعطاء وقتادة. وقال الحسن والنخعي ليس لأولياء الدم إلا الدم إلا أن يشاء القاتل أن يعطي الدية انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح.
"من قتل له قتيل" أي القتيل بهذا القتل لا بقتل سابق لأن قتل القتيل محال. قال في العمدة: قتيل فعيل بمعنى مفعول سمي بما آل إليه حاله وهو في الأصل صفة لمحذوف أي لولي قتيل ويحتمل أن يضمن قتل معنى وجد له قتيل، قال ولا يصح هذا التقدير في قوله عليه السلام "من قتل قتيلاً فله سلبه" ، والأول من قبيل تسمية العصير خمراً وجواب من الشرطية قوله "فهو" أي ولي القتيل "بخير النظرين" وهما الدية والقصاص "إما أن يؤدي" بضم التحتية وسكون الواو وفتح الدال المهملة أي يعطي القاتل أو أولياءه لأولياء المقتول الدية "وإما أن يقاد" بضم أوله من القود وهو القصاص أي يُقتص من القاتل يعني يُقتل القاتل به "أبو شاه" بالهاء لا غير على المشهور، وقيل بالتاء، قاله العيني "قال العباس" هو ابن الوليد في حديثه "اكتبوا لي" بصيغة الجمع.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً.
"لا يقتل مؤمن بكافر" قال في الفتح، وأما ترك قتل المسلم بالكافر فأخذ به الجمهور إلا أنه يلزم من قول مالك في قاطع الطريق ومن في معناه إذا قتل غيلة أن يقتل ولو كان المقتول ذمياً

(12/145)


............................
ـــــــ
استثناء هذه الصورة من منع قتل المسلم بالكافر، وهي لا تستثنى في الحقيقة لأن فيه معنى آخر وهو الفساد في الأرض، وخالف الحنفية فقالوا: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق ولا يقتل بالمستأمن. وعن الشعبي والنخعي يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي "دفع" بصيغة المجهول أي القاتل "فإن شاءوا" أي أولياء المقتول "قتلوه" أي القاتل "وإن شاءوا" أي أولياء المقتول. والحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري.
وقال المزي في الأطراف: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه أبو داوود في الديات، وكذا الترمذي وابن ماجه فيه، وقال الترمذي: حسن غريب، وحديث أبي داوود في رواية ابن الأعرابي وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم انتهى.

(12/146)


5- باب من قتل بعد أخذ الدية :
[باب هل يقتل بعد أن أخذ الدية]
4496- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ أخبرنا مَطَرٌ الْوَرّاقُ وَ أَحْسَبُهُ عن الْحَسَنِ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ أُعْفِيَ مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدّيَةِ" .
ـــــــ
"باب من قتل بعد أخذ الدية"
"مطر الوراق" قال المنذري: مطر بن طهمان الوراق ضعفه غير واحد ولم يجزم [لم يخرج] سماعه من الحسن، وقد روي هذا عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً "عن الحسن".
قال المنذري: الحسن هذا هو البصري ولم يسمع من جابر بن عبد الله فهو منقطع "لا أعفي" قال في النهاية: هذا دعاء عليه أي لا كثر ماله ولا استغنى انتهى.
قال السندي: وهذا يدل على أن أُعفى ماض مبني للمفعول وهو كذلك في نسخ صحيحة وفي بعض النسخ والأصول الصحيحة بضم الهمز وكسر الفاء أي بصيغة المتكلم من الإعفاء لغة في العفو أي لا أدع ولا أتركه بل أقتص منه ويؤيده ما أخرجه أبو داوود الطيالسي بلفظ "لا أعافي أحداً قتل بعد أخذ الدية" انتهى. وكان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبول الدية ثم يظفر به فيقتله فيرد الدية فزجر عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

(12/146)


باب فيمن سقى رجلا سما أو أطعمه فمات ، أيقاد منه
...
6- باب فيمن سقى رجلاً سماً أو أطعمه فمات، أيقاذ منه :
4497- حدثنا يَحْيَى بنُ حَبِيبِ بنِ عرَبِيّ أخبرنا خاَلِدُ بنُ الْحَارِثِ أخبرنا شُعْبَةُ عن هِشامِ بنِ زَيْدٍ عن أَنَسِ بنِ مَالكٍ "أَنّ امْرَأَةً يَهُودِيةً أَتَتْ رَسوُلَ الله صلى الله عليه وسلم بشاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فجيءَ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلهَا عن ذَلِكَ فقالَتْ: أرَدْتُ لأَقْتُلَكَ فَقَالَ: مَا كَانَ الله ليُسَلّطَكِ عَلَى ذَلِكِ، أو قالَ عَلَىّ. قالَ فقالوُا: ألاَ نَقْتُلُهَا؟ قال: لاَ، فما زِلْتُ أعْرِفُها في لَهَوَاتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم" .
4498- حدثنا دَاوُدُ بنُ رُشَيْدٍ أخبرنا عَبّادُ بنُ الْعَوّامِ ح وأخبرنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ أخبرنا عَبّادٌ عن سُفْيَانَ بنِ حُسَيْنٍ عن الزّهْرِيّ عن
ـــــــ
"باب فيمن سقى رجلاً سماً"
قال النووي: أما السم فبفتح السين وضمها وكسرها ثلاث لغات الفتح أفصح جمعه سمام وسموم، أو أطعمه فمات، أي الرجل، أيقاد أي أيقتص منه، أي من الساقي.
"أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم" في خيبر "بشاة مسمومة" وأكثرت من السم في الذراع لما قيل لها إنه عليه الصلاة والسلام يحبها "فأكل" أي النبي صلى الله عليه وسلم "منها" أي من الشاة وأكل معه بشر بن البراء ثم قال لأصحابه امسكوا فإنها مسمومة "فجيء بها" أي باليهودية "فسألها" أي اليهودية "عن ذلك" الأمر "فقالت" اليهودية "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "ليسلطك" بكسر الكاف "على ذلك" أي على قتلي، فيه بيان عصمته صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم كما قال الله {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} وهي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سلامته من السم المهلك لغيره، وفي إعلام الله تعالى بأنها مسمومة، وكلام عضو ميت له، كما جاء في الرواية الآتية أنه صلى الله عليه وسلم قال "إن الذراع تخبرني أنها مسمومة" "أو قال عليّ" شك من الراوي "قال" أي أنس "فقالوا" أي الصحابة "ألا نقتلها" أي اليهودية بهمزة الاستفهام والاستفهام للتقرير "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "لا" لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم مات بشر فقتلها به قصاصاً "فما زلت" قول أنس "أعرفها" أي العلامة كأنه بقي للسم علامة وأثر من سواد أو غيره "في لهوات" بفتح اللام والهاء والواو جمع لهاة وهي اللحمة المعلقة في أصل الحنك، وقيل هي ما بين منقطع اللسان إلى منقطع أصل الفم ومراد أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتريه المرض من تلك الأكلة أحياناً ويحتمل أنه كان يعرف ذلك في اللهوات بتغير لونها أو بنتو فيها أو تحفير قاله القسطلاني.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم.
"سفيان بن حسين" قال المنذري: هو أبو محمد السلمي الواسطي، وقد استشهد به

(12/147)


سَعِيدٍ وَ أبي سَلَمَةَ قالَ هَارُونُ عن أَبي هُرَيْرَةَ: " أنّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ أَهْدَتْ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم شَاةً مَسْمُومَةً. قالَ: فمَا عَرَضَ لَها النّبيّ صلى الله عليه وسلم" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذِهِ أُخْتُ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيّةُ الّتي سَمّتْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
4499- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أخبرنا ابن وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قالَ: "كَانَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ الله يُحَدِثُ أَنّ يَهُودِيّةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ سَمّتْ شَاةً مُصْلِيَةً ثُمّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فأَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الذّرَاعَ فأَكَلَ مِنْها وَأَكَلَ رَهْطٌ مِنْ أَصحَابِهِ مَعَهُ، ثُمّ قالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ارْفَعُوا أَيْدِيكُم، وَأَرْسَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى الْيَهُودِيّةِ فَدَعَاهَا فقالَ لَها: أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشّاةَ؟ قالَتْ الْيَهُودِيّةُ مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قالَ: أَخْبَرَتْنِي هَذِهِ في يَدِي الذّرَاعُ. قالَتْ: نَعَمْ. قالَ: فمَا أَرَدْتِ إلَى ذَلِكَ؟ قالَتْ قُلْتُ: إنْ كَانَ نَبِيّاً فَلمْ يَضُرّهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيّاً اسْتَرَحْنَا مِنْهُ، فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يُعَاقِبْهَا، وَتُوفّيَ بَعْضُ أَصحَابِهِ الذّيِنَ أَكَلُوا مِنَ الشّاةِ وَاحْتَجَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى
ـــــــ
البخاري وأخرج له مسلم في المقدمة وتكلم فيه غير واحد "قال" أبو هريرة "فما عرض" بتخفيف الراء، ما نافية أي ما تعرض "لها" أي لليهودية بشيء أي في أول الأمر، فلما مات بشر الذي أكل مع النبي صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة، فقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودية قصاصاً.
"قال أبو داوود هذه أخت مرحب".
قال المنذري: وقد ذكر غيره أنها ابنة أخي مرحب وأن اسمها زينب بنت الحارث، وذكر الزهري أنها أسلمت.
"شاة مصلية" أي مشوية "ثم أهدتها" أي الشاة المسمومة "فأكل منها" أي من الذراع "وأكل رهط" أي جماعة "معه" صلى الله عليه وسلم "ثم قال لهم" أي لأصحابه الآكلين "ارفعوا أيديكم" ولا تأكلوا منها "وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم" رجلاً "فدعاها" أي دعا الرجل اليهودية فجاءت "أسممت هذه الشاة" بهمزة الاستفهام أي أجعلت فيها السم "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "هذه في يدي الذراع" بضم العين بدل من هذه "قالت" اليهود "قلت" أي في نفسي "إن كان" أي محمد "نبياً" ويأكل الشاة المسمومة "فلم يضره" صلى الله عليه وسلم أكل السم "وإن لم يكن" أي محمد "نبياً" فيأكله فيموت "استرحنا منه" أي من محمد صلى الله عليه وسلم "فعفا عنها" أي عن اليهودية "ولم يعاقبها" أي لم يؤاخذ النبي صلى الله عليه وسلم اليهودية بهذا الفعل.
قال في مرقاة الصعود: وفي الحديث الذي يليه فأمر بقتلها فقتلت.
قال الواقدي: الثابت عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها وأمر بلحم الشاة فأحرق.

(12/148)


كَاهِلِهِ مِنْ أجْلِ الّذِي أكَلَ مِنَ الشّاةِ حَجَمَهُ أبُو هِنْدٍ بالْقَرْنِ وَالشّفْرَةِ - وَهُوَ مَوْلَى لِبَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الأنْصَارِ"
4500- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ أخبرنا خَالِدٌ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو عن أبي سَلَمَةَ:
ـــــــ
وقال البيهقي في سننه: اختلفت الروايات في قتلها وما روي عن أنس أصح، قال ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم في الابتداء لم يعاقبها حين لم يمت أحد من الصحابة ممن أكل فلما مات بشر بن البراء أمر بقتلها، فروى كل واحد من الرواة ما شاهد انتهى.
قال النووي: قال القاضي عياض: واختلف الآثار والعلماء هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أم لا، فوقع في صحيح مسلم أنهم قالوا ألا نقتلها؟ قال لا، ومثله عن أبي هريرة وجابر، وعن جابر من رواية أبي سلمة أنه صلى الله عليه وسلم قتلها، وفي رواية ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور وكان أكل منها فمات بها فقتلوها.
وقال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها.
قال القاضي عياض: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولاً حين أطلع على سمها، وقيل له اقتلها فقال لا، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصاً، فيصح قولهم لم يقتلها أي في الحال، ويصح قولهم قتلها أي بعد ذلك والله أعلم انتهى "على كاهله" قال في المصباح: الكاهل مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق، وقال أبو زيد: الكاهل من الإنسان خاصة ويستعار لغيره وهو ما بين كتفيه "حجمه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "بالقرن" قال في النهاية: وهو اسم موضع فإما هو الميقات أو غيره، وقيل هو قرن ثور جعل كالمحجمة انتهى، وبالفارسية شاخ كاو "والشفرة" قال في النهاية الشفرة السكين العريضة "وهو" أي أبو هند "مولى لبني بياضة من الأنصار"
قال المنذري: هذا الحديث منقطع، الزهري لم يسمع من جابر بن عبد الله، وذكر بعضهم أنه ليس في الحديث أكثر من أن اليهودية أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعثتها إليه فصارت ملكاً له، وكان أصحابه أضيافاً له ولم تكن هي قدمتها إليه وإليهم، وما كان هذا سبيله فالقود فيه ساقط لما ذكرنا من علة المباشرة وتقديمها على السبب. وأشار إلى أن حديث أبي سلمة مرسل وحديث جابر منقطع كما ذكرنا "عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم" مرسلاً، وفي بعض النسخ زيادة أبي هريرة بعد أبي سلمة وهو غلط لأن هذا الحديث من هذه الطريق مرسل ذكره المنذري.
وقال المزي في الأطراف: رواه أبو داوود عن وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله الطحان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية شاة الحديث.

(12/149)


"أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَةٌ بِخَيْبَرَ بِشَاةٍ مَصْلِيّةٍ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ قالَ: فمَاتَ بِشْرُ بنُ الْبَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ الأنْصَارِيّ، فأَرْسَلَ إلَى الْيَهُودِيّةِ: مَا حَمَلَكِ عَلَى الّذِي صَنَعْتِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرِ، فأَمَرَ بِهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقُتِلَتْ، وَلَمْ يَذْكُرْ أمْرَ الْحِجَامَةِ" .
4501- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرِو عن أبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقَبَلُ الهَدِيّةَ وَلاَ يَأْكُلُ الصّدَقَةَ" . وأخبرنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ في مَوْضِعٍ آخَرَ عن خَالِدٍ عن مُحمّدٍ بنِ عَمْرٍو عن أبي سَلَمَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ أبَا هُرَيْرَةَ قالَ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ الْهَدِيّةَ وَلاَ يَأْكُلُ الصّدَقَةَ. زَادَ: فأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيّةً سَمّتْهَا، فأَكَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْهَا وأكَلَ الْقَوْمُ، فقالَ: ارْفَعَوا أيْدِيكُم فإنّهَا أخْبَرَتْنِي أنّهَا مَسْمُومَةٌ، فمَاتَ بِشْرُ بنُ الْبَرَاءِ بنِ مَعَرُورٍ الأنْصَارِيّ، فأَرْسَلَ إلى الْيَهُودِيَةِ: مَا حَمَلَكِ عَلَى الّذِي صَنَعْتِ؟ قالَتْ: إنْ كُنْتَ نَبِيّا لَمْ يَضَرّكِ الّذِي صَنَعْتُ، وإنْ كُنْتَ مَلِكاً أرَحْتُ النّاسَ مِنْكَ، فأَمَرَ بِهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقُتِلَتْ، ثُمّ قال في وَجَعِهِ الّذِي مَاتَ فِيهِ: مَا زِلْتُ أجِدُ مِنَ الأكْلَةِ الّتِي أكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أوَانُ قَطْعِ أبهَرَيّ" .
ـــــــ
وقال في كتاب المراسيل من الأطراف: محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية الحديث انتهى "أهدت له" أي للنبي صلى الله عليه وسلم "مصلية" أي مشوية "نحو حديث جابر" السابق "قال" الراوي "فأرسل" أي النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً "فأمر بها" أي باليهودية "فقتلت" قصاصاً من بشر. قال الخطابي: وقد اختلف الناس فيما يجب على من جعل في طعام رجل سماً فأكله فمات، فقال مالك عليه القود، وأوجبه الشافعي في أحد قوليه إذا جعل في طعامه سماً وأطعمه إياه وفي شرابه فسقاه ولم يعلمه أن فيه سماً فمات. قال الشافعي: ولو خلطه بطعام فوضعه ولم يقل له كله فأكله أو شربه فمات فلا قود عليه "ولم يذكر" الراوي "أمر الحجامة" قال المنذري: وهذا مرسل، ورويناه عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وقال البيهقي أيضاً: ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها والله عز وجل أعلم.
"حدثنا وهب بن بقية عن خالد" الحديث ليس من رواية اللؤلؤي وإنما هو في رواية ابن داسة هكذا مختصراً، وأما في رواية ابن الأعرابي فهو أتم من هذا والله أعلم.
"وإن كنت" بالخطاب "ملكاً" من الملوك "فأمر بها" أي باليهودية "ثم قال" النبي صلى الله عليه وسلم "في

(12/150)


4502- حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ قال أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن ابنِ كَعْبٍ بنِ مَالِكٍ عن أبِيهِ: "أنّ أُمّ مُبَشّرٍ قالَتْ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم في مَرِضِهِ الّذِي مَاتَ فِيهِ: مَا يُتّهَمُ [ماتتهم] بِكَ يَا رَسُولَ الله فإنّي لاَ أتّهِمُ بابنِي شَيْئاً إلاّ الشّاةَ المَسْمُومَةَ الّتي أكَلَ مَعَكَ بِخَيْبَرَ، وقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: وَأَنَا لاَ أتّهمُ بِنَفْسِيَ إلاّ ذَلِكَ فَهَذَا أوَانُ قَطْعِ أبْهَريّ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُبّمَا حَدّثَ عَبْدُ الرّزّاقِ بِهَذَا الحديثِ مُرْسلاً عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَرُبّمَا حَدّثَ بِهِ عن الزّهْرِيّ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ كَعْبٍ بنِ مَالِكٍ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ أنّ مَعْمراً كَانَ يُحَدّثُهُمْ بالْحَدِيثِ مَرّةً مُرْسلاً فَيَكْتُبُونَهُ، وَيُحَدّثُهُمْ مَرّةً بِهِ فَيُسْنِدُهُ فَيَكْتُبُونَهُ، وَكُلّ صحيحٌ عِنْدَنا. قالَ عَبْدُ الرّزّاقِ: فَلَمّا قَدِمَ ابنُ المُبَارَكِ عَلَى مَعْمَرٍ أسْنَدَ لَهُ مَعْمَرٌ أحَادِيثَ كَانَ يُوقفُهَا.
ـــــــ
وجعه" أي مرضه "مازلت أجد" أي ألماً "من الأكلة" الأكلة بالفتح المرة وبالضم اللقمة وهي المراد ههنا "فهذا أوان" قال في المصباح: الأوان بفتح الهمزة وكسرها لغة الحين والزمان انتهى.
وفي النهاية: ويجوز في أوان الضم والفتح فالضم لأنه خبر المبتدأ والفتح على البناء لإضافته إلى مبني "قطعت أبهري" قال في النهاية: الأبهر عرق في الظهر وهما أبهران، وقيل هما الأكحلان اللذان في الذراعين، وقيل هو عرق مستبطن القلب فإذا انقطع لم تبق معه حياة انتهى. هذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري.
وقال المزي في الأطراف: حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فأهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية الحديث أخرجه أبو داوود في الديات عن وهب ابن بقية عن خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. قال وهب في موضع آخر عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أبا هريرة [أي بذكر أبي هريرة] هكذا وقع هذا الحديث في رواية أبي سعيد بن الأعرابي عن أبي داوود، وعند باقي الرواة عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه أبو هريرة وقد جوده ابن الأعرابي عن أبي داوود ولم يذكره أبو القاسم "ما يتهم بك" على صيغة المجهول وما استفهامية أي أي شيء من المرض يظن بك. قال في المصباح اتهمته بالتثقيل أي ظننت به سوء "فإني لا أتهم" أي لا أظن "بابني شيئاً" من المرض "وأنا" أيضاً "لا أتهم" أي لا أظن "بنفسي" من المرض "إلا ذلك" أي أثر السم. هذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري.

(12/151)


4503- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ خَالِدٍ قال أخبرنا رَبَاحٌ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عن أُمّهِ أُمّ مُبَشّرٍ. قال أبُو سَعِيدِ بنِ الأعْرَابِيّ كَذَا قالَ عنْ أُمّهِ وَ الصّوَابُ عن أبِيهِ عن أُمّ مُبَشّرٍ دَخَلَتْ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ مَعْنَى حَديثِ مَخْلدٍ بنِ خَالِدٍ نحوَ حَديثِ جَابِرٍ قالَ: "فَمَاتَ بِشْرُ بنُ الْبَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ، فأَرْسَلَ إلى الْيَهُودِيّةِ فقالَ: مَا حَمَلَكُ عَلَى الّذِي صَنَعْتِ؟ فذكَرَ نحوَ حديثِ جابِرٍ، فأَمَرَ بِهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقُتِلَتْ" وَلَمْ يَذْكُر الْحِجَامَةَ.
ـــــــ
وقال المزي في الأطراف: حديث أم مبشر أخرجه أبو داوود في الديات عن مخلد بن خالد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه به. وعن أحمد ابن حنبل عن إبراهيم بن خالد عن رباح عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمَن بن عبد الله ابن كعب بن مالك "أن أم مبشر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم" فذكر معنى حديث مخلد بن خالد. قال أبو سعيد ابن الأعرابي كذا قال عن أمه والصواب عن أبيه عن أم مبشر. وهذا الحديث في رواية أبي سعيد بن الأعرابي وأبي بكر بن داسة عن أبي داوود ولم يذكره أبو القاسم انتهى.

(12/152)


7- باب من قتل عبده أو مثل به، أيقاد منه؟ :
4504- حدثنا عَلِيّ بنُ الْجَعْدِ حدثنا شُعْبَةُ ح. وأخبرنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ" .
ـــــــ
"باب من قتل عبده أو مثل به، أيقاد منه"
"حدثنا حماد" فشعبة وحماد يرويان عن قتادة "عن الحسن" هو البصري "عن سمرة" بن جندب "من قتل عبده قتلناه".
قال الترمذي: قد ذهب بعض أهل العلم من التابعين منهم إبراهيم النخعي إلى هذا. وقال بعض أهل العلم منهم الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ليس بين الحر والعبد قصاص في النفس ولا في دون النفس، وهو قول أحمد وإسحاق. وقال بعضهم إذا قتل عبده لا يقتل به وإذا قتل عبد غيره قتل به، وهو قول سفيان الثوري انتهى.
وقال القاري: قال الخطابي: هذا زجر ليرتدعوا فلا يقدموا على ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم في شارب الخمر "إذا شرب فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه ثم قال في الرابعة أو الخامسة فإن عاد فاقتلوه" ثم لم يقتله حين جيء به وقد شرب رابعاً أو خامساً وقد تأوله بعضهم على أنه إنما جاء

(12/152)


4505- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ حدّثني أبِي عن قَتَادَةَ بإسْنَادِهِ مِثْلَهُ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ" ثُمّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَحَمّادٍ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أبُو دَاوُدَ الطّيَالِسيّ عن هِشَامٍ مِثْلَ حَدِيثِ مُعَاذٍ.
4506- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا سَعِيدُ بنُ عَامِرٍ عن ابنِ أبي عَرُوبَةَ عن
ـــــــ
في عبد كان يملكه فزال عنه ملكه فصار كفؤاً له بالحرية. وذهب بعضهم إلى أن الحديث منسوخ بقوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ - إلى - وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} انتهى. ومذهب أصحاب أبي حنيفة أن الحر يقتل بعبد غيره دون عبد نفسه. وذهب الشافعي ومالك أنه لا يقتل الحر بالعبد وإن كان عبد غيره. وذهب إبراهيم النخعي وسفيان الثوري إلى أنه يقتل بالعبد وإن كان عبد نفسه "ومن جدع" بفتح الدال المهلمة "عبده" أي قطع أطرافه "جدعناه" قال في النهاية الجدع قطع الأنف والأذن والشفة وهو بالأنف أخص فإذا أطلق غلب عليه، يقال رجل أجدع ومجدوع إذا كان مقطوع الأنف انتهى. وفي شرح السنة: ذهب عامة أهل العلم إلى أن طرف الحر لا يقطع بطرف العبد، فثبت بهذا الاتفاق أن الحديث محمول على الزجر والردع أو هو منسوخ انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن غريب، وقد تقدم الكلام في سماع الحسن من سمرة.
"بإسناده" أي الحديث السابق "خصيناه" في المصباح: خصيت العبد أخصيه خصاء بالكسر والمد سللت خصييه وقد مر تأويله في الحديث الذي قبله.
قال السندي: المراد بقوله قتلناه وأمثاله عاقبناه وجازيناه على سوء صنيعه إلا أنه عبر بلفظ القتل ونحوه للمشاكلة كما في قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وفائدة هذا التعبير الزجر والردع وليس المراد أنه تكلم بهذه الكلمة لمجرد الزجر من غير أن يريد به معنى أو أنه أراد حقيقته لقصد الزجر، فإن الأول يقتضي أن تكون هذه الكلمة مهملة، والثاني يؤدي إلى الكذب لمصلحة الزجر، وكل ذلك لا يجوز، وكذا كل ما جاء في كلامهم من نحو قولهم هذا وارد على سبيل التغليظ والتشديد، فمرادهم أن اللفظ يحمل على معنى مجازي مناسب للمقام انتهى "ثم ذكر مثل حديث شعبة" ولفظ النسائي من طريق محمد بن بشار عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال "من خصى عبده خصيناه ومن جدع عبده جدعناه" انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.

(12/153)


قَتَادَةَ بإسْنَادِ شُعْبَةَ مِثْلَهُ. زَادَ: ثُمّ إنّ الْحَسَنَ نَسِيَ هَذَا الحديثَ فَكَانَ يَقُولُ: "لاَ يُقْتَلُ حُرّ بِعَبْدٍ" .
4507- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ قال: "لاَ يُقَادُ الْحُرّ بالْعَبَدِ" .
4508- حدثنا مُحمّدُ بنُ الْحَسَنِ بنِ تَسْنِيمِ الْعَتَكِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ بَكْرٍ أنبأنا سَوّارٌ أبُو حَمْزَةَ حدثنا عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قالَ: "جَاءَ رَجُلٌ مُسْتَصْرِخٌ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: جَارِيَةٌ لَهُ [لي] يَا رَسُولَ الله، فقالَ: وَيْحَكَ مَالَكَ؟ فقالَ: شَرّ أبْصَرَ [شرا أبصر] لِسَيّدِهِ جَارِيَةً لَهُ فَغَارَ فَجَبّ مَذَاكِيرَهُ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيّ بالرّجُلِ،
ـــــــ
"بإسناد شعبة مثله" أي مثل حديث شعبة. ولفظ ابن ماجه من طريق وكيع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه" انتهى " نسي هذا الحديث" أي حديث سمرة "من قتل عبده قتلناه" قال الخطابي: يحتمل أنه لم ينس الحديث ولكنه كان يتأوله على غير معنى الإيجاب ويراه نوعاً من الزجر ليرتدعوا فلا يقدموا على ذلك. وذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث سمرة منسوخ.
"لا يقاد الحر بالعبد" أي لا يقتص من الحر إذا قتل الحر العبد.
"محمد بن الحسن بن تسنيم" قال في التقريب: محمد بن الحسن بن تسنيم بفتح المثناة وسكون المهملة وكسر النون بعدها تحتانية ساكنة الأزدي العتكي بفتح المهملة والمثناة البصري نزيل الكوفة صدوق انتهى "حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده".
قال المنذري: وقد تقدم الكلام على اختلاف الأئمة في حديث عمرو بن شعيب "جاء رجل" أي عبد "مستصرخ" أي مستغيث. في النهاية الاستصراخ الاستغاثة "فقال" أي المستصرخ: هذه "جارية له" أي لفلان يعني لسيدي وقد أوجعني السيد من أجلها "فقال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "ويحك" في النهاية: ويح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر وقد ترفع وتضاف ولا تضاف يقال ويح زيد وويحاً له وويح له "فقال" العبد المستصرخ "شر" أي حصل شر "أبصر" بيان للشر أي نظر العبد "لسيده جارية له" أي للسيد أي نظر العبد جارية لسيده وفي رواية ابن ماجه "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم صارخاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك قال سيدي رآني أقبل جارية له فجب مذاكيري" الحديث "فغار" من الغيرة وهي الحمية والأنفة يقال رجل غيور وامرأة غيور

(12/154)


فَطُلِبَ فلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: اذْهَبْ فأنْتَ حُرّ، فقالَ: يَا رَسُولَ الله عَلَى مَنْ نُصْرَتِي؟ قالَ: عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ، أوْ قالَ عَلَى كُلّ مُؤْمِنٍ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: الّذِي عُتِقَ كَانَ اسْمُهُ رَوْحُ بنُ دِينَارٍ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: الّذِي جَبّهُ زِنْبَاعٌ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا زِنْبَاعٌ أبُو رَوْحٍ كَانَ مَوَلَى الْعَبْدِ.
ـــــــ
أي غار السيد عليه "فجب مذاكيره" أي قطع السيد ذكر عبده "علي" أي ائتوني "بالرجل" أي السيد "فطلب" على بناء المفعول أي السيد "فلم يقدر عليه" على صيغة المجهول أي لم يتمكن منه. وفي المصباح قدرت على الشيء قويت عليه وتمكنت منه "اذهب" للعبد المقطوع مذاكيره "فأنت حر" كأنه صلى الله عليه وسلم اعتق عليه لئلا يجترىء الناس على مثله. قاله السندي في حاشية ابن ماجه. والصحيح أن من يفعل ذلك الفعل الشنيع بعبده يعتق عليه العبد ويصير حراً وبوب ابن ماجه باب من مثل بعبده فهو حراً انتهى. والأمر كما قال والله أعلم "فقال" العبد "على من نصرتي" وفي رواية لابن ماجه "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب فأنت حر، قال على من نصرتي يا رسول الله قال يقول أرأيت إن استرقني مولاي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل مؤمن أو مسلم "أو قال" شك من الراوي "قال على أبو داوود الذي عتق كان اسمه إلخ" هذه العبارة إلى آخرها وجدت في بعض النسخ.
وأخرج ابن ماجه من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن سلمة بن روح بن زنباع عن جده أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخصى غلاماً له فأعتقه النبي صلى الله عليه وسلم بالمثلة انتهى.

(12/155)


8- باب القسامة :
4509- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ وَ مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ المَعْنَى قالا أنبأنا
ـــــــ
"باب القسامة"
بفتح القاف وتخفيف المهملة مصدر أقسم وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم أو على المدعى عليهم الدم. وخص القسم على الدم بالقسامة. وقد حكى إمام الحرمين أن القسامة عند الفقهاء اسم للأيمان. وعند أهل اللغة اسم للحالفين. وقد صرح بذلك في القاموس. قال النووي قال القاضي عياض: حديث القسامة أصل من أصول الشرع وقاعدة من أحكام الدين وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به.

(12/155)


حَمّادُ ابنُ زَيْدٍ عن يَحْيَى بنِ سَعْيدٍ عن بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ وَ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ: "أنّ مُحَيّصَةَ بنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ الله بنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ فَتَفَرّقَا في النّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ الله بنُ سَهْلٍ فاتّهَمُوا الْيَهُودَ، فَجَاءَ أخُوهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ سَهْلٍ وَابْنَا عَمّهِ حُوَيّصَةُ وَمُحَيّصَةُ، فأَتُوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَتَكَلّمَ عَبْدُ الرّحْمَنِ في أمْرِ أخِيهِ وَهُوَ أصْغَرُهُمْ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: الْكُبْرَ الْكُبْرَ، أوْ قال: لِيَبْدَأ الأكْبَرُ، فَتَكَلّمَا في أمْرِ صَاحِبِهِمَا، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مُنْهُمْ فَلَيُدْفَعْ بِرُمّتِهِ.
ـــــــ
وروي عن جماعة: إبطال القسامة، واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمداً هل يجب القصاص بها أم لا، فقال جماعة من العلماء يجب وهو قول مالك وأحمد وإسحاق وقول الشافعي في القديم. وقال الكوفيون والشافعي في أصح قوليه لا يجب بل تجب الدية. واختلفوا فيمن يحلف في القسامة، فقال مالك والشافعي والجمهور يحلف الورثة ويجب الحق بحلفهم.
وقال أصحاب أبي حنيفة يستحلف خمسون من أهل المدينة ويتحراهم الولي يحلفون بالله ما قتلناه وما علمنا قاتله فإذا حلفوا قضى عليهم وعلى أهل المحلة وعلى عاقلتهم بالدية انتهى.
"بشير بن يسار" بالتصغير "عن سهل بن أبي حثمة" بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة "ورافع بن خديج" بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة والجيم "أن محيصة" بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الياء المشددة وفتح الصاد المهملة وقد يسكن الياء وكذلك حويصة الآتي ذكره، وقال في القاموس: حويصة ومحيصة ابنا مسعود مشددتي الصاد صحابيان، ولا شك أن تشديد الصاد إنما يكون عند سكون الياء "1" "قبل خيبر" بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى خيبر "في النخل" اسم جنس بمعنى النخيل "فقتل" بصيغة المجهول "فجاء أخوه" أي أخو عبد الله بن سهيل "عبد الرحمَن بن سهل" بدل من أخوه "وابنا عمه" الضمير المجرور لعبد الله "حويصة ومحيصة" بالرفع فيهما على البدلية من ابنا عمه "في أمر أخيه" أي المقتول "وهو" أي عبد الرحمَن "أصغرهم" أي أصغر من الثلاثة "الكبر الكبر" بضم فسكون وبالنصب فيهما على الإغراء أي ليبدأ الأكبر بالكلام أو قدموا الأكبر إرشاداً إلى الأدب في تقديم الأسن والتكرير للتأكيد "أو" للشك "فتكلما" أي حويصة ومحيصة "في أمر صاحبهما" أي المقتول "خمسون" أي رجلاً "على رجل منهم" أي من اليهود "فليدفع" بصيغة المجهول "برمته" بضم الراء وتشديد الميم الحبل والمراد ها هنا الحبل الذي يربط في ربقة القاتل ويسلم فيه إلى ولي القتيل.

(12/156)


قالُوا: أمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قال: فَتُبَرّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ. قالُوا: يَا رَسُولَ الله قَوْمٌ كُفّارٌ. قالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم منْ قِبلِهِ. قالَ قالَ سَهْلٌ: دَخَلْتُ مِرْبَداً لَهُمْ يَوْماً فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الإبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا" . قالَ حَمّادٌ هَذَا أوْ نَحْوَهُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ وَمَالِكٌ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قالَ فِيهِ: "أتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً وَتَسْتَحِقّونَ دمَ صَاحِبِكُم أوْ قَاتِلِكُمْ" . وَلَمْ يَذْكُرْ بِشْرٌ دَمَ. وقالَ
ـــــــ
وفيه دليل لمن قال إن القسامة يثبت فيها القصاص وقد سبق بيان مذهب العلماء فيه وتأول القائلون بعدم القصاص فيها بأن المراد أن يسلم ليستوفي منه الدية لكونها ثبتت عليه "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم" أي تبرأ إليكم من دعوا كم بخمسين يميناً.
وقيل: معناه يخلصونكم من اليمين بأن يحلفوا فإذا حلفوا انتهت الخصومة ولم يثبت عليهم شيء وخلصتم أنتم من اليمين. كذا قال النووي "قوم كفار" أي هم قوم كفار لا تقبل أيمانهم أو كيف نعتبر أيمانهم "فوداه" بتخفيف الدال أي أعطى دية القتيل "من قبله" بكسر ففتح أي من عنده وإنما وداه صلى الله عليه وسلم من عنده قطعاً للنزاع وإصلاحاً لذات البين فإن أهل القتيل لا يستحقون إلا أن يحلفوا أو يستحلفوا المدعى عليهم وقد امتنعوا من الأمرين وهم مكسورون بقتل صاحبهم، فأراد صلى الله عليه وسلم جبرهم وقطع المنازعة بدفع ديته من عنده "قال سهل" أي ابن أبي حثمة "مربداً" بكسر الميم وفتح الباء وهو الموضع الذي يحبس فيه الإبل والغنم والذي يجعل فيه التمر ليجف "فركضتني" أي ضربتني بالرجل والركض الضرب بالرجل.
وأراد بهذا الكلام أنه ضبط الحديث وحفظه حفظاً بليغاً "قال حماد" أي ابن زيد "هذا أو نحوه" أي هذا الحديث هكذا كما رويناه أو فيه تغير بعض الألفاظ مع اتحاد المعنى والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"أتحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم" أي يثبت حقكم على من حلفتم عليه وهل ذلك الحق قصاص أو دية فيه الخلاف السابق. وكلمة أو للشك. ثم اعلم أن حكم القسامة مخالف لسائر الدعاوي من جهة أن اليمين على المدعي وأنها خمسون يميناً وهو يخص قوله صلى الله عليه وسلم "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" "ولم يذكر بشر دم" بفتح الميم من غير تنوين على الحكاية.
وفي بعض النسخ دماً بالتنوين أي قال بشر في روايته تستحقون صاحبكم بحذف لفظة دم

(12/157)


عَبْدَةُ عن يَحْيَى كَمَا قالَ حَمّادٌ. وَرَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ عن يَحْيَى فَبَدَأَ بِقَوْلِهِ: "تُبَرّئُكُم يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِيناً يَحْلِفُونَ" وَلَمْ يَذْكُر الاسْتِحْقَاقَ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا وَهْمٌ مِنَ ابنِ عُيَيْنَةَ.
4510- حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني مَالِكٌ عن أبي لَيْلَى بنِ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ سَهْلٍ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ أنّهُ أخْبَرَهُ هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ كُبَراءِ قَوْمِهِ: "أنّ عَبْدَ الله بنَ سَهْلٍ وَمُحَيّصَةَ خَرَجا إلى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أصَابَهَمْ فأُتِيَ مُحَيّصَةُ فأُخْبِرَ أنّ عَبْدَ الله بنَ سَهْل قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ في فَقِير أوْ عَيْن، فأَتَى يَهُودَ فقالَ: أنْتُمْ وَالله قَتَلْتُمُوهُ. قالُوا: وَالله مَا قَتَلْنَاهُ. فأَقْبَلَ حَتّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمّ أقْبَلَ هُوَ وَأخُوهُ حُوَيّصَةَ وَهُوَ أكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ
ـــــــ
"وقال عبدة عن يحيى" هو ابن سعيد أي في روايته "كما قال حماد" أي ابن زيد في روايته المذكورة "ولم يذكر الاستحقاق" أي لم يذكر ابن عيينة قوله وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم "وهذا وهم من ابن عيينة" المشار إليه هو بداءته بقوله تبرئكم يهود بخمسين يميناً يحلفون.
ووقع في بعض نسخ الكتاب هذه العبارة: قال أبو عيسى بلغني عن أبي داوود أنه قال هذا الحديث وهم من ابن عيينة يعني التبدئة انتهى. وأبو عيسى هذا هو الرملي أحد رواة أبي داود.
قال المنذري: قال الشافعي رضي الله عنه إلا أن ابن عيينة لا يثبت أقدم [إقدام] النبي صلى الله عليه وسلم الأنصاريين في الأيمان أو يهود، فيقال في الحديث إنه قدم الأنصاريين فيقول هو ذلك وما أشبهه هذا، وحديث الإمام الشافعي أيضاً عن ابن عيينة أنه بدأ بالأنصار وقال وكان سفيان يحدثه هكذا وربما قال لا أدري أبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار في أمر يهودي فيقال له إن الناس يحدثون أنه بدأ بالأنصار قال فهو ذاك وربما حدثه ولم يشك وذكر البيهقي أن البخاري ومسلماً أخرجا هذا الحديث من حديث الليث بن سعد وحماد بن زيد وبشر بن المفضل عن يحيى بن سعيد واتفقوا كلهم على البداءة بالأنصار.
"أنه أخبره" أي أن سهل بن أبي حثمة أخبر أبا ليلى "هو" تأكيد للضمير المرفوع في أخبر "ورجال من كبراء قومه" الضمير لسهل بن أبي حثمة "من جهد" بفتح الجيم وضمه أي قحط وفقر ومشقة "فأتى محيصة" بصيغة المجهول وكذا ما بعده "في فقير" بفاء ثم قاف هو البير القريبة القعر الواسعة الفم، وقيل الحفرة التي تكون حول النخل "أو عين" شك من الراوي "فأتى" أي محيصة "يهود" بالنصب وهو غير منصرف لأنه اسم للقبيلة ففيه التأنيث والعلمية "حتى قدم" أي في المدينة "فذكر لهم ذلك" أي ما جرى له "ثم أقبل هو" أي محيصة "وهو" أي

(12/158)


مُحَيْصَةُ لِيَتَكَلّمَ وَهُوَ الذي كَانَ بِخَيْبَرَ، فقالَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: كَبّرْ - كَبّرْ - يُرِيدُ السّنّ - فَتَكَلّمَ حُوَيّصَةُ ثُمّ تَكَلّمَ مُحَيّصَةُ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إمّا أنْ يَدُوا صَاحِبَكُم، وَإمّا أنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إنّا وَالله مَا قَتَلْنَاهُ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِحُوَيّصَةَ وَمُحَيّصَةَ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ: أتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقّونَ دمَ صَاحِبِكُم؟ قالُوا: لاَ، قالَ: فَتَحْلِفُ لَكُم يَهُودُ؟ قالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إلَيْهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَائَةِ نَاقَةٍ حَتّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدّارَ. قال سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ" .
4511- حدثنا مَحمُودُ بنُ خَالِدٍ و كَثِيرُ بنُ عُبَيْدٍ قالا أخبرنا ح. وأخبرنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ بنِ سُفْيَانَ أنبأنا الْوَلِيدُ عن أبِي عَمْرِو عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ قَتَلَ بالْقَسَامَةِ رَجُلاً مِنْ بَنِي نَصْرِ بنِ مَالِكٍ بِبَحْرَةِ الرّغَاءِ عَلَى شَطّ لِيّةِ الْبَحْرَةِ قال:
ـــــــ
حويصة "أكبر منه" أي من محيصة "وعبد الرحمَن بن سهل" هو أخو المقتول "فذهب محيصة ليتكلم" وإنما بدر لكونه حاضراً في الوقعة "كبر كبر" أي عظم من هو أكبر منك وقدمه في التكلم "يريد السن" أي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله كبر كبر كبير السن، وفيه إرشاد إلى الأدب يعني أنه ينبغي أن يتكلم الأكبر سناً أولا "إما أن يدوا صاحبكم" بفتح الياء وضم الدال المخففة من ودى يدي دية كوعد يعد عدة أي إما أن يعطوا دية صاحبكم المقتول "وإما أن يؤذنوا" أي يخبروا ويعلموا "بحرب" أي من الله ورسوله والضميران لليهود "إليهم" أي إلى يهود خيبر "ليسوا مسلمين" أي فكيف نقبل أيمانهم "فوداه" أي أعطى ديته "حتى أدخلت" بصيغة المجهول والضمير للناقة "لقد ركضتني" أي ضربتني برجلها.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"حدثنا محمود بن خالد الخ" قال المزي في الأطراف: هذا الحديث أخرجه أبو داوود في المراسيل عن محمود بن خالد وكثير بن عبيد ومحمد بن الصباح بن سفيان ثلاثتهم عن الوليد عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو ابن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى " من بني نصر بن مالك" بالصاد المهملة. وفي بعض النسخ بالضاد المعجمة. وروى ابن عبد البر عن عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن الزبير أنهما قضيا بذلك. ذكره الزرقاني في شرح الموطأ "ببحرة الرغاء" في القاموس: بحرة الرغاء بالضم موضع بلية الطائف بنى بها النبي صلى الله عليه وسلم مسجداً وإلى اليوم عامر يزار. وفي المعالم للخطابي: البحرة البلدة تقول العرب هذه بحرتنا أي بلدتنا قال الشاعر:
كأن بقاياه ببحرة مالك ... بقية سحق من رداء محبر

(12/159)


الْقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ مِنْهُمْ" وَهَذَا لَفْظُ مَحْمودٍ أقَامَهُ مَحمُودٌ بِبَحْرَةٍ وَحْدَهُ عَلَى شَطّ لِيّةَ.
ـــــــ
"على شط لية البحرة" الشط شاطىء النهر، ولية بالكسر واد لثقيف أو جبل بالطائف أعلاه لثقيف وأسلفه لنصر بن معاوية، والبحرة البلدة والمنخفض من الأرض والروضة العظيمة ومستنقع الماء واسم مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وقرية بالبحرين وكل قرية لها نهر جار وماء ناقع كذا في القاموس "قال" أي محمود بن خالد في روايته دون كثير ومحمد "القاتل والمقتول منهم" أي من بني نصر بن مالك "وهذا لفظ محمود" بن خالد "ببحرة" أي قال محمود في روايته ببحرة الرغاء على شط لية البحرة وزاد فيه القاتل والمقتول منهم.
وأما كثير بن عبيد ومحمد فقالا في روايتهما إنه قتل بالقسامة رجلاً من بني نصر بن مالك بالرغاء ولم يذكر القاتل والمقتول منهم.
وعبارة الكتاب فيها تقديم وتأخير وقع من النساخ، وحق العبارة هكذا، وهذا لفظ محمود ببحرة الرغاء على شط لية البحرة الخ.
فقوله ببحرة بدل من قوله هذا لفظ محمود وأما قوله أقامه محمود وحده فمعناه كما قاله المزي في الأطراف أي محمود أقومهم بهذا الحديث انتهى.
ولفظ أبي داوود في كتاب المراسيل من هذا الوجه عن عمرو بن شعيب أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قتل بالقسامة رجلا من بني نصر بن مالك ببحرة الرغاء. قال محمود على شط لية القاتل والمقتول منهم، وقال كثير الرغاء انتهى.
قال المنذري: هذا معضل، وعمرو بن شعيب اختلف في الاحتجاج بحديثه انتهى.

(12/160)


9- باب في ترك القود بالقسامة :
4512- حدثنا الْحَسَنُ بنُ مُحمّدِ بنِ الصّبّاحِ الزّعْفَرَانِيّ أخبرنا أبُو نَعِيمٍ أخبرنا سَعِيدُ بنُ عُبَيْدٍ الطّائِيّ عنْ بُشِيرِ بنِ يَسَارٍ: "زَعَمَ أنّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ أخْبَرَهُ أنّ نَفَراً مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إلَى خَيْبَرَ فَتَفَرّقُوا فِيهَا فَوَجَدُوا أحَدَهُمْ قَتِيلاً،
ـــــــ
"باب في ترك القود بالقسامة"
القود القصاص وقتل القاتل بدل القتيل.
"فتفرقوا فيها" أي في خيبر "فوجدوا أحدهم" أي أحداً من النفر الذين انطلقوا إلى خيبر
ـــــــ
ساق الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله كلام المنذري: على حديث بشير بن يسار إلى قوله: ولم يذكر مسلم لفظ الحديث ثم قال:
وذكر النسائي من حديث عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن ابن

(12/160)


فقَالُوا لِلّذِينَ وَجَدُوهُ عِنْدَهُمْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا؟ فَقَالُوا مَا قَتَلْنَاهُ وَلاَ عَلِمْنَا قَاتِلاً، فانْطَلَقْنَا إلَى نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم قال فقَالَ لَهُمْ تَأْتُونِي بالْبَيّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ هَذَا، قالُوا مَا لَنَا بَيّنَةٌ [ببينة] قالَ فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ؟ قالُوا لاَ نَرْضَى بِأيْمَانٍ الْيَهُودِ، فَكَرِهَ رَسُولُ الله [نبي] صلى الله عليه وسلم أنْ يُبْطِلَ دَمَهُ فَوَدَاهُ مَائَةً [بمائة] مَنْ إبِلِ الصّدَقَةِ" .
4513- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ بنِ رَاشِدٍ أنبأنا هُشَيْمٌ عن أبِي حَيّانَ التّيْمِيّ أخبرنا عَبَايَةُ بنُ رِفَاعَةَ عنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قالَ: "أصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ مَقْتُولاً بِخَيْبَرَ
ـــــــ
"فقالوا للذين وجدوه" أي القتيل "عندهم" وهم يهود خيبر "من إبل الصدقة" وتقدم في الروايات المتقدمة أنه صلى الله عليه وسلم وداه من عنده، وجمع باحتمال أنه اشتراها من إبل الصدقة.
وقال في المفهم: رواية من عنده أصح.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي، ولم يذكر مسلم لفظ الحديث. وبشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وراء مهملة. ويسار بياء مفتوحة، وسين مهملة مفتوحة، وبعد الألف راء مهملة.
"أصبح رجل من الأنصار" وهو عبد الله بن سهل "لم يكن ثم" بفتح المثلثة أي هناك
ـــــــ
محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليك برمته" قال يا رسول: الله أين أصيب شاهدين وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم قال: "فتحلف خمسين قسامة" قال يا رسول الله فكيف أحلف على ما لا أعلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فتستحلف منهم خمسين قسامة" فقال يا رسول الله كيف نستحلفهم وهم اليهود فقسم رسول الله ديته عليهم وأعانهم بنصفها" .
قال النسائي: لا نعلم أحدا تابع عمرو بن شعيب على هذه الرواية ولا سعيد بن عبيد على روايته عن بشير بن يسار والله أعلم.
وقال مسلم: رواية سعيد بن عبيد غلط ويحيى بن سعيد أحفظ منه.
وقال البيهقي: هذا يحتمل أن لا يخالف رواية يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار وكأنه أراد بالبينة هنا أيمان المدعين مع اللوث كما فسره يحيى بن سعيد أو طالبهم بالبينة كما في رواية سعيد بن عبيد فلما لم يكن عندهم بينة عرض عليهم الأيمان كما في رواية يحيى بن سعيد فلما لم يحلفوا ردها على اليهود كما في الروايتين جميعا.
ويدل على ما ذكره البيهقي حديث النسائي عن عمرو بن شعيب.
والصواب رواية الجماعة الذين هم أئمة أثبات أنه بدأ بأيمان المدعين فلما لم يحلفوا ثني بأيمان اليهود.
وهذا هو المحفوظ في هذه القصة وما سواه وهم وبالله التوفيق.

(12/161)


[بخيبر مقتولا] فَانْطَلَقَ أوْلِيَاؤُهُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فقَالَ لَكُمْ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَتْلِ صَاحِبِكُمْ؟ قالُوا يَا رَسُولَ الله لَمْ يَكُنْ ثَمّ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَإِنّمَا هُمْ يَهُودُ وَقَدْ يَجْتَرِئُونَ [يجترون] عَلَى أعْظَمَ مِنْ هَذَا قالَ فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَاسْتَحْلِفُوهُمْ [فاستحلفهم] فأَبَوْا فَوَدَاهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِهِ" .
4514- حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ يَحْيَى الْحَرّانِيّ أخبرنا [حدثني] مُحمّدُ يَعْني ابنَ سَلَمَةَ عنْ مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عنْ مُحمّدِ بنِ إِبراهِيمَ بنِ الْحَارِثِ عنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ بُجَيْدٍ قالَ: "إنّ سَهْلاً وَالله أَوْهَمَ الحَدِيثَ إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلَى يَهُودَ أنّهُ قَدْ وُجِدَ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ قَتِيلٌ فَدُوهُ، فَكَتَبُوا يَحْلِفُونَ بالله خَمْسِينَ يَمِينا مَا قَتَلْنَاهُ وَمَا عَلِمْنَا قاتِلاً قالَ فَوَدَاهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِهِ مَائَةَ نَاقَةٍ" .
ـــــــ
وهو موضع القتل "وقد يجترئون على أعظم من هذا" أي من النفاق ومخادعة الله ورسوله وقتل الأنبياء بغير حق وتحريف الكلم عن مواضعه "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فاستحلفوهم" بكسر اللام وهو وما قبله أمران "فأبوا" أي أولياء المقتول عن اسحتلاف اليهود. والحديث دليل لمن ذهب إلى أن المدعى عليهم يبدءون في القسامة.
قال المنذري: عباية بفتح العين المهملة وبعدها باء موحدة مفتوحة وبعد الألف ياء آخر الحروف وتاء تأنيث.
"عن عبد الرحمَن بن بجيد" بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون الياء وبعدها دال مهملة "قال" أي محمد بن إبراهيم وليست هذه المقولة لعبد الرحمَن بن بجيد "إن سهلا" يعني ابن أبي حثمة "أوهم الحديث" أي وهم فيه.
قال الحافظ في الإصابة: قد أخرج أبو داوود وابن مندة وقاسم بن أصبغ حديث القسامة من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمَن بن بجيد أنه حدثه، قال محمد بن إبراهيم وما كان سهل بن أبي حثمة بأكثر منه علماً ولكنه كان أسن منه انتهى "فدوه" أمر من الدية "فكتبوا" أي يهود.
قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه.
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه فقال قائل ما منعك أن تأخذ بحديث ابن بجيد؟ قلت لا أعلم ابن بجيد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن سمع منه فهو مرسل فلسنا وإياك نثبت المرسل، وقد علمت سهل صحب النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه وساق الحديث سياقاً يثبت به الإثبات فأخذت به لما وصفت انتهى كلام المنذري.

(12/162)


4515- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيَ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عنِ الزّهْرِيّ عنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ وَ سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ عنْ رِجَالٍ [رجل] مِنَ الأنْصَارِ: " أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لِلْيَهُودِ - وَبَدَأَ بِهِمْ - يَحْلِفُ مِنْكُم خَمْسُونَ رَجُلاً فأَبَوْا فقَالَ لِلأنْصَارِ اسْتَحِقّوا، فقَالُوا نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُولَ الله؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم دِيَةً عَلَى يَهُود لأنّهُ وُجِدَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ" .
ـــــــ
وفي الإصابة في ترجمة عبد الرحمَن بن بجيد قال أبو بكر بن أبي داوود له صحبة. وقال ابن أبي حاتم روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جدته. وقال ابن حبان يقال له صحبة ثم ذكره في ثقات التابعين. وقال البغوي لا أدري له صحبة أم لا.
وقال أبو عمر أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه في ما أحسب وفي صحبته نظر، إلا أنه روى، فمنهم من يقول إن حديثه مرسل، وكان يذكر بالعلم انتهى.
"فقال للأنصار استحقوا" في القاموس استحقه استوجبه والمراد ههنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأنصار بأن يستوجبوا الحق الذي يدعونه على اليهود بأيمانهم فأجابوا بأنهم لا يحلفون على الغيب "دية على يهود" وفي رواية سهل بن أبي حثمة المتقدمة أنه صلى الله عليه وسلم وداه من عنده.
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
كلام المنذري على حديث الزهري عن أبي سلمة إلى قول الشافعي رحمه الله وكله عندنا بنعمة الله ثقة ثم قال وهذا الحديث له علة وهي أن معمرا انفرد به عن الزهري وخالفه ابن جريج وغيره فرووه عن الزهري بهذا الإسناد بعينه عن أبي سلمة وسليمان عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود" ذكره البيهقي.
والقسامة في الجاهلية: كانت قسامة الدم.
وفي قول الشافعي: إن حديث ابن شهاب مرسل نظر والرجال من الأنصار لا يمتنع أن يكونوا صحابة.
فإن أبا سلمة وسليمان كل منهما من التابعين قد لقي جماعة من الصحابة إلا أن الحديث غير مجزوم باتصاله لاحتمال كون الأنصاريين من التابعين والله أعلم.
قال البيهقي: وأصح ما روى في القتل بالقسامة وأعلاه بعد حديث سهل ما رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال قتل رجل من الأنصار وهو سكران رجلا آخر من الأنصار من بني النجار في عهد معاوية ولم يكن على ذلك شهادة إلا لطيخ وشبهة قال فاجتمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه قال خارجة بن زيد فركبنا إلى

(12/163)


...................................
ـــــــ
ورواية سهل في الصحيحين، فإن أمكن حمل ذلك على قصتين فلا إشكال وإن لم يمكن وكان المخرج متحداً فالمصير إلى ما في الصحيحين هو المتعين. قال الخطابي في المعالم: في الحديث حجة لمن رأى أن اليمين على المدعى عليهم، إلا أن أسانيد الأحاديث المتقدمة أحسن اتصالاً وأصح متوناً.
ـــــــ
معاوية وقصصنا عليه القصة فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص فذكر الحديث وفيه فقال سعيد أنا منفذ كتاب أمير المؤمنين فاغدوا على بركة الله فغدونا عليه فأسلمه إلينا سعيد بعد أن حلفنا عليه خمسين يمينا.
وفي بعض طرقه وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن فقهاء الناس ما لا يحصى وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا فحلفوا خمسين يمينا وقتلوا وكانوا يخبرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالقسامة.
وأما حديث محمد بن راشد المكحولي عن مكحول "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقض في القسامة بقود" فمنقطع.
وأما ما رواه الثوري في جامعه عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب قال القسامة توجب العقل ولا تشيط الدم فمنقطع موقوف.
وأما حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه استحلف اليهود خمسين يمينا ثم جعل عليهم الدية" .
فلا يحل لأحد معارضة رواية الأئمة الثقات بالكلبي وأمثاله.
وأما حديث عمر بن صبيح عن مقاتل بن حيان عن صفوان عن ابن المسيب عن عمر في قضائه بذلك وقوله "إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم صلى الله عليه وسلم" .
فلا يجوز أيضا معارضة الأحاديث الثابتة من قد أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به وهو ابن صبيح الذي لم يسفر صباح صدقه في الرواية.
وأما حديث سفيان بن عيينة عن منصور عن الشعبي أن عمر بن الخطاب كتب في قتيل وجد بين جيزان ووادعة أن يقاس ما بين الفريقين فإلى أيهما كان أقرب أخرج منهم خمسين رجلا حتى يوافوه بمكة فأدخلهم الحجر ثم قضى عليهم بالدية فقالوا ما وقت أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا فقال عمر كذلك الأمر.
وفي لفظ قال عمر: حقنت بأيمانكم دمائكم ولا يطل دم امرىء مسلم.
فقال الشافعي وقد قيل له: هذا ثابت عندك قال لا إنما رواه الشعبي عن الحارث الأعور والحارث مجهول ونحن نروي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإسناد الثابت أنه بدأ بالمدعين فلما لم يحلفوا قال "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا" وإذا قال: "فتبرئكم" لم يكن عليهم غرامة ولما لم يقبل الأنصار أيمانهم وداه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجعل على يهود شيئا والقتيل بين أظهرهم.

(12/164)


..................................
ـــــــ
وقد روى ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بدأ في اليمين بالمدعين سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج وسويد بن النعمان.
وقال الشافعي: لا يحلف في القسامة إلا وارث لأنه لا يملك بها إلا دية القتيل ولا يحلف الإنسان إلا على ما يستحقه، والورثة يقتسمون على قدر مواريثهم انتهى.
ـــــــ
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة عن ابن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول سافرت إلى جيزان ووداعة ثلاثا وعشرين سفرة أسألهم عن حكم عمر بن الخطاب في القتيل وأحكي لهم ما روى عنه فقالوا: "إن هذا لشيء ما كان ببلدنا قط".
قال الشافعي: والعرب أحفظ شيء لأمر كان.
وأما حديث أبي سعيد الخدري أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاس إلى أيهما أقرب فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشير فألقى ديته عليهم فرواه أحمد في مسنده وهو من رواية أبي إسرائيل الملائي عن عطية العوفي وكلاهما فيه ضعيف.
ومع هذا فليس فيه ما يضاد حديث القسامة.
وقد ذهب إليه أحمد في رواية حكاه في كتاب الورع عنه.
وأما حديث ابن عباس: "لو يعطي الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعي عليه" .
فهذا إنما يدل على أنه لا يعطي أحد بمجرد دعواه دم رجل ولا ماله.
وأما في القسامة فلم يعط الأولياء فيها بمجرد دعواهم بل بالمبينة وهي ظهور اللوث وأيمان خمسين لا بمجرد الدعوى وظهور اللوث وحلف خمسين بينة بمنزلة الشهادة أو أقوى.
وقاعدة الشرع: أن اليمين تكون في جانبه أقوى المتداعيين ولهذا يقضي للمدعي بيمينه إذا نكل المدعى عليه كما حكم به الصحابة لقوة جانبه بنكول الخصم المدعي عليه ولهذا يحكم له بيمينه إذا أقام شاهدا واحدا لقوة جانبه بالشاهد فالقضاء بها في القسامة مع قوة جانب المدعين باللوث الظاهر أولى وأحرى.
وطرد هذا القضاء بها في باب اللعان: إذا لاعن الزوج ونكلت المرأة فإن الذي يقوم عليه الدليل أن الزوجة تحد وتكون أيمان الزوج بمنزلة الشهود كما قاله مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة لا تقبل في الموضعين.
وقال مالك: تقبل في الموضعين.
وقال أحمد: تقبل في القسامة دون اللعان.
وقال الشافعي: تقبل في اللعان دون القسامة.
وقول مالك أرجح وعليه تدل الأدلة.

(12/165)


.....................
ـــــــ
قال المنذري: قال بعضهم وهذا حديث ضعيف لا يلتفت إليه. وقد قيل للإمام الشافعي رضي الله عنه ما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب فقال مرسل والقتيل أنصاري والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم إذ كان كل ثقة وكل عندنا بنعمة الله ثقة. قال البيهقي رضي الله عنه: وأظنه أراد بحديث الزهري ما روى عنه معمر عن أبي سلمة وسليمان ابن يسار عن رجال من الأنصار وذكر هذا الحديث.

(12/166)


10- باب يقاد من القاتل :
[باب أيقاد من القاتل بحجر أو بمثل ما قتل]
4516- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا هَمّامٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ: " أنّ جَارِيَةً وُجِدَتْ قَدْ رُضّ رَأْسُهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا أفُلاَنٌ أفُلاَنٌ حَتّى سُمّيَ الْيَهُودِيّ فَأَوْمَتْ [فأومأت] بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُرَضّ رَأْسُهُ بالْحِجَارَةِ" .
4517- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا [عن] مَعْمَرٌ عنْ أيّوبَ
ـــــــ
"باب يقاد من القاتل"
وفي بعض النسخ أيقاد من القاتل بحجر أو بمثل ما قتل وهذا أنسب "أن جارية" أي بنتاً، والجارية من النساء ما لم تبلغ "وجدت" بصيغة المجهول "قد رض" على البناء للمفعول أي كسر ودق "من فعل بك هذا" أي الرض "أفلان" أي فعل بك كناية عن أسماء بعضهم "حتى سمي" بصيغة المجهول "فأومت" من الإيماء. وفي بعض النسخ فأومأت أي أشارت "برأسها" أي قالت نعم "أن يرض" بصيغة المجهول.
وفي هذا الحديث فوائد: منها قتل الرجل بالمرأة وهو إجماع من يعتد به ومنها أن الجاني عمداً يقتل قصاصاً على الصفة التي قتل فإن قتل بسيف قتل هو بالسيف وإن قتل بحجر أو خشب أو نحوهما قتل بمثله لأن اليهودي رضخها فرضخ هو. ومنها ثبوت القصاص في القتل بالمثقلات ولا يختص بالمحددات، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء.
وقال أبو حنيفة رحمه الله لا قصاص إلا في القتل بمحدد من حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفاً بقتل الناس بالمنجنيق وبالإلقاء في النار، كذا قال النووي.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي [ومسلم والنسائي] وابن ماجه. وفي بعض طرق البخاري فرض رأسه بالحجر الذي رض به بعد أن وضع رأسه على الآخر.

(12/166)


عنْ أبِي قِلاَبَةَ عن أنَسٍ: "أنّ يَهُودِيّا قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأنْصَارِ عَلَى حُلِيَ لَهَا ثُمّ ألْقَاهَا في قَلِيبٍ وَرَضَخَ [ورض] رَأْسَهَا بالْحِجَارَةِ فَأُخِذَ فأُتِيَ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ بِهِ أنْ يُرْجَمَ حَتّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتّى مَاتَ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابنُ جُرَيْجٍ عن أيّوبَ نَحْوَهُ.
4518- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ عن شُعْبَةَ عنْ هِشَامِ بنِ زَيْدٍ عنْ جَدّهِ أنَسٍ: " أنّ جَارِيَةً كَانَ عَلَيْهَا أوْضَاحٌ لَهَا فَرَضَخَ رَأْسَهَا يَهُودِيّ بِحَجَرٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَبِهَا رَمَقٌ، فقَالَ لَهَا: مَنْ قَتَلَكِ: فُلاَنٌ قَتَلَكِ؟ فقَالَتْ: لاَ بِرَأْسِهَا. قال: مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلاَنٌ قَتَلَكِ؟ قالَتْ ٌ[فقالت]: لاَ بِرَأْسِهَا. قالَ: فُلاَنٌ [حتى قال فلان] قَتَلَكِ؟ قالَتْ نَعَمْ بِرَأْسِهَا. فأَمَرَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقُتِلَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ" .
ـــــــ
"على حلي لها" بضم الحاء المهملة وكسر اللام وتشديد التحتية جمع حلية "في قليب" أي بير "فأخذ" بصيغة المجهول أي اليهودي "فأتي" على البناء للمفعول "أن يرجم" أي يكسر ويدق رأسه.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي. قيل إن هذا لا يخالف الأحاديث التي ذكرنا فيها الرضخ والرض لأن الرجم والرضخ والرض كله عبارة عن الضرب بالحجارة. ثم بين قتادة الموضع الذي ضرب عليه ولم يبينه أبو قلابة فيؤخذ بالبيان وقيل رماه [رميه] بالحجر الأعلى أو الحجارة ورأسه على آخر رجم بالحجارة وقد يكون رجمه أنواعاً مما فعل بها لما جاء في الحديث الآخر ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة، وهذا رجم لا يشك فيه. وقال بعضهم: قيل إن هذا كان الحكم أول الإسلام يقبل قول القتيل وأن هذا معنى الحديث وما جاء من اعترافه، وإنما جاء من رواية قتادة ولم يقله غيره وهو مما عد عليه وفيما قاله نظر، فإن لفظة الاعتراف قد أخرجها البخاري في صحيحه وأبو داوود والترمذي. وفي صحيح مسلم "فأخذ اليهودي فأقر " وفي لفظ البخاري "فلم يزل به حتى أقر" وقال البيهقي: ولا يجوز دعوى النسخ فيه لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة إذ ليس فيه تاريخ ولا سبب يدل على النسخ ولكن [يمكن] الجمع بينهما بأنه إنما نهى عن المثلة فيمن وجب قتله ابتداء لا على طريق المكافأة والمجازاة. انتهى كلام المنذري.
"كان عليها أوضاح لها" جمع وضح بفتحتين. قال الخطابي: يريد حلياً لها. وفي النهاية: هي نوع من الحلى يعمل من الفضة سميت بها لبياضها واحدها وضح "وبها رمق" بفتحتين هو بقية الحياة والروح "فقالت لا برأسها" وفي رواية مسلم "فأشارت برأسها أن لا" .

(12/167)


.......................
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. فيه دليل على قتل الرجل بالمرأة وقال به أئمة الأمصار إلا الحسن البصري وعطاء وما روي عن علي. وفيه صحة القصاص بالمثقل. وفيه بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل اليهودي بأيمان المدعي أو بقوله وقتله باعترافه بالحجر على أنه أراد الحجر الذي رماها به بعد أن وضع رأسه على الآخر.

(12/168)


11- باب أيقاد المسلم من الكافر :
4519- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَ مُسَدّدٌ قالا أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ أخبرنا سَعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ أخبرنا قَتَادَةُ عن الْحَسَنِ عن قَيْسِ بنِ عُبَادٍ قالَ: "انْطَلَقْتُ أنَا وَالأشْتَرُ إلَى عَلِيَ فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إلَيْكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً لَمْ يَعْهَدْهُ إلَى النّاسِ عَامّةً؟ فقالَ: لاَ، إلاّ مَا فِي كِتَابِي هَذَا. قالَ مُسَدّدٌ قالَ: فأَخْرَجَ كِتَاباً، وقالَ أحْمَدُ: كِتَاباً مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فإذَا فِيهِ: المُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أدْنَاهُمْ. ألاَ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، مَنْ أحْدَثَ حَدَثاً فَعَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ
ـــــــ
"باب أيقاد المسلم من الكافر"
"عن قيس بن عباد" بضم العين وتخفيف الموحدة مخضرم "والأشتر" بالمعجمة الساكنة والمثناة المفتوحة كذا ضبطه الحافظ وهو مالك بن الحارث "إلى علي" أي ابن أبي طالب رضي الله عنه "هل عهد إليك" أي أوصاك "فأخرج كتاباً" وليس يخفى أن ما في كتابه ما كان من الأمور المخصوصة "وقال أحمد كتاباً من قراب سيفه" أي زاد أحمد بن حنبل في روايته بعد قوله كتاباً لفظ "من قراب سيفه" والقراب بكسر القاف وعاء من جلد شبه الجراب يطرح فيه الراكب سيفه بغمده وسوطه "فإذا فيه" أي في الكتاب "المؤمنون تكافأ" بحذف إحدى التاءين أي تتساوى "دماؤهم" أي في الديات والقصاص. في شرح السنة يريد به أن دماء المسلمين متساوية في القصاص يقاد الشريف منهم بالوضيع والكبير بالصغير والعالم بالجاهل والمرأة بالرجل وإن كان المقتول شريفاً أو عالماً والقاتل وضيعاً أو جاهلاً، ولا يقتل به غير قاتله على خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية وكانوا لا يرضون في دم الشريف بالاستقادة من قاتله الوضيع حتى يقتلوا عدة من قبيلة القاتل "وهم" أي المؤمنون "يد" أي كأنهم يد واحدة في التعاون والتناصر "على من سواهم" قال أبو عبيدة: أي المسلمون لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضاً على جميع الأديان والملل "ويسعى بذمتهم أدناهم" الذمة الأمان ومنها سمي المعاهد ذمياً لأنه أومن على ماله ودمه للجزية. ومعنى أن واحداً من المسلمين إذا أمن كافراً حرم على عامة المسلمين دمه وإن كان هذا المجير أدناهم مثل أن يكون عبداً أو امرأة أو عسيفاً تابعاً أو نحو ذلك فلا يخفر ذمته "ألا" بالتخفيف للتنبيه "لا يقتل مؤمن بكافر" .

(12/168)


أحْدَثَ حَدَثاً أوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَة الله وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنّاسِ أجْمَعِينَ" .
قال مُسَدّدٌ عن ابنِ أبي عَرُوبَةَ: فأَخْرَجَ كِتَاباً.
4520- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ أخبرنا هُشَيْمٌ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن عَمْرِو بنِ
ـــــــ
قال الخطابي: فيه بيان واضح أن المسلم لا يقتل بأحد من الكفار سواء كان المقتول منهم ذمياً أو مستأمناً أو غير ذلك لأنه نفي عن نكرة فاشتمل على جنس الكفار عموماً "ولا ذو عهد في عهده" قال القاضي: أي لا يقتل لكفره ما دام معاهداً غير ناقض. وقال ابن الملك: أي لا يجوز قتله ابتداء ما دام في العهد.
وفي الحديث دليل على أن المسلم لا يقاد بالكافر أما الكافر الحربي فذلك إجماع، وأما الذمي فذهب إليه الجمهور لصدق اسم الكافر عليه، وذهب الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يقتل المسلم بالذمي، وقالوا: إن قوله ولا ذو عهد في عهده معطوف على قوله مؤمن فيكون التقدير ولا ذو عهد في عهده بكافر كما في المعطوف عليه والمراد بالكافر المذكور في المعطوف هو الحربي فقط بدليل جعله مقابلاً للمعاهد، لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهداً مثله من الذميين إجماعاً، فيلزم أن يقيد الكافر في المعطوف عليه بالحربي كما قيد في المعطوف، فيكون التقدير لا يقتل مؤمن بكافر حربي ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي. وهو يدل بمفهومه على أن المسلم يقتل بالكافر الذمي ويجاب بأن هذا مفهوم صفة وفي العمل به خلاف مشهور، والحنفية ليسوا بقائلين به وبأن الجملة المعطوفة أعنى قوله ولا ذو عهد في عهده لمجرد النهي عن قتل المعاهد فلا تقدير فيها أصلاً. وبأن الصحيح المعلوم من كلام المحققين من النحاة وهو الذي نص علي الرضى أنه لا يلزم اشتراك المعطوف والمعطوف عليه إلا في الحكم الذي لأجله وقع العطف وهو هاهنا النهي عن القتل مطلقاً من غير نظر إلى كونه قصاصاً أو غير قصاص، فلا يستلزم كون إحدى الجملتين في القصاص أن تكون الأخرى مثلها حتى يثبت ذلك التقدير المدعى "من أحدث حدثاً فعلى نفسه" أي من جنى جناية كان مأخوذاً بها ولا يؤخذ بجرم غيره، وهذا في العمد الذي يلزمه في ماله دون الخطأ الذي يلزم عاقلته قاله الخطابي "أو آوى محدثاً" أي آوى جانياً أو أجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه.
قال المنذري: وأخرجه النسائي. وقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: "سألت علياً هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر" وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله آخر الباب:
وأما الحديث الذي ذكره أبو داود في كتاب المراسيل عن عبد الله بن عبد العزيز الحضرمي قال:

(12/169)


شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَلِيّ، زَادَ فِيهِ: "وَيُجِيْرُ عَلَيْهِمْ أقْصَاهُمْ، وَيَرُدّ مُشِدّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهمْ وَمُتَسَرّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ" .
ـــــــ
"ويجير" من الإجارة أي يعطى الأمان "أقصاهم" أي أبعدهم "ويرد مشدهم" أي قويهم "على مضعفهم" أي ضعيفهم.
قال في النهاية: المشد الذي دوابه شديدة قوية، والمُضْعف الذي دوابه ضعيفة يريد أن القوي من الغزاة يساهم الضعيف فيما يكسبه من الغنيمة انتهى "ومتسريهم" أي الخارج من الجيش إلى القتال "على قاعدهم" أي بشرط كونه في الجيش، قاله السندي. وقال الإمام ابن الأثير في النهاية في مادة سرى: يرد متسريهم على قاعدهم المتسري الذي يخرج في السرية وهي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تُبْعث إلى العدو وجمعها السرايا سُموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس. وقيل: سُموا بذلك لأنهم ينفذون سراً وخفية وليس بالوجه لأن لام السر راء وهذه ياء. ومعنى الحديث أن الإمام أو أمير الجيش يبعثهم وهو خارج إلى بلاد العدو فإذا غنموا شيئاً كان بينهم وبين الجيش عامة لأنهم ردء لهم وفئة، فإذا بعثهم وهو مقيم فإن القاعدين معه لا يشاركونهم في المغنم، فإن كان جعل لهم نَفَلاً من الغنيمة لم يشركهم غيرهم في شيء منه على الوجهين معاً. انتهى كلامه.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
ـــــــ
قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر مسلما بكافر قتله غيلة وقال: "أنا أولى وأحق من أوفى بذمته" فمرسل لا يثبت.
ورواه أيضا من حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلماني ولا يصح من الوجهين الإرسال وابن البيلماني.
وقد أسنده بعضهم من حديث ابن البيلماني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح.
وهذا الحديث مداره على ابن البيلماني والبلية فيه منه وهو مجمع على ترك الاحتجاج به فضلا عن تقديم روايته على أحاديث الثقات الأئمة المخرجة في الصحاح كلها.

(12/170)


12- باب فيمن وجد مع أهله رجلا، أيقتله؟ :
4521- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الْوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيّ المَعْنَى وَاحِدٌ قالا أخبرنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ عن سُهَيْلٍ عن أبِيهِ عن أبِي هُرَيْرَةَ: "أنّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ
ـــــــ
"باب فيمن وجد مع أهله رجلا، أيقتله؟"
"وعبد الوهاب بن نجدة" بفتح النون وسكون الجيم "الحوطي" بفتح المهملة بعدها واو

(12/170)


قالَ: يَا رَسُولَ الله الرّجُلُ يَجِدُ مَعَ أهْلِهِ رَجُلاً أيَقْتُلُهُ؟ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: لاَ. قالَ سَعْدٌ: بَلَى وَالّذِي أكْرَمَكَ بالْحَقّ. قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: اسْمَعُوا إلَى مَا يَقُولُ سَيّدُكُم" .
قالَ عَبْدُ الْوَهّابِ: "إلَى مَا يَقُولُ سَعْدٌ".
4522- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن سُهَيْلٍ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ: "أنّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ قالَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: أرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً أمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قالَ: نَعَمْ" .
ـــــــ
ساكنة "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا" أي لا يقتل "قال سعد بلى والذي أكرمك بالحق" الواو للقسم، وليس هو رداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم ومخالفة لأمره وإنما معناه الإخبار عن حالة الإنسان عند رؤيته الرجل عند امرأته واستيلاء الغضب عليه فإنه حينئذ يعالجه بالسيف "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم" عدي السمع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء.
زاد مسلم في رواية بعد هذا "إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني" .
قال القاري: وفيه اعتذار منه صلى الله عليه وسلم لسعد وأن ما قاله سعد قاله لغيرته "قال عبد الوهاب الخ" أي قال عبد الوهاب في روايته سعد مكان سيدكم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه.
"أرأيت" أي أخبرني وليس هذا اللفظ في بعض النسخ "رجلاً" أي أجنبياً "حتى أتى" بهمزة ممدودة وكسر الفوقية أي أجيء "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم" أي يمهله ويأتي بأربعة شهداء.
قال النووي: اختلف العلماء فيمن قتل رجلاً وزعم أنه وجده قد زنى بامرأته، فقال جمهورهم لا يقبل قوله بل يلزمه القصاص إلا أن تقوم بذلك بينة أو يعترف به ورثة القتيل، والبينة أربعة من عدول الرجال يشهدون على نفس الزنا ويكون القتيل محصناً وأما فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كان صادقاً فلا شيء عليه.
وقال بعض أصحابنا: يجب على كل من قتل زانياً محصناً القصاص ما لم يأمر السلطان بقتله والصواب الأول.
وجاء عن بعض السلف تصديقه في أنه زنى بإمرأته وقتله بذلك انتهى قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(12/171)


13- باب العامل يصاب على يديه خطأ :
4523- حدثنا مُحمّدُ بنُ دَاوُدَ بنِ سُفْيَانَ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عَرْوَةَ عن عائشةَ "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بَعثَ أبَا جَهْمِ بنَ حُذَيْفَةَ مُصَدّقاً فَلاَجّهُ رَجُلٌ في صَدَقَتِهِ فَضَرَبَهُ أبُو جَهْمٍ فَشَجّهُ، فأَتَوْا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالُوا: الْقَوَدَ يَا رَسُولَ الله، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لَكُمْ كَذَا وكَذا، فَلَمْ يَرْضُوا، فقالَ لَكُمْ كَذا وَكذَا، فلَمْ يَرْضَوْا، فقالَ: لَكُم كَذا وكَذا، فَرَضُوا، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّي خاطِبٌ العَيْشيّةَ على الناس وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ، فقالوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: إنّ هَؤُلاَءِ اللّيْثِيّينَ أتَوْني يُرِيدُونَ الْقَوَدَ فَعَرَضَتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وكذَا فَرَضُوا، أرَضَيْتُمْ؟ قالُوا: لاَ، فَهَمّ المُهَاجِرُونَ بِهِمْ، فأَمَرَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَكُفّوا عَنْهُمْ، فَكَفّوا، ثُمّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ فقالَ: أرَضيْتُمْ، فقَالُوا: نَعَمْ، فقالَ: إِنّي خاطِبٌ على الناسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ فقالوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرَضِيتُمْ؟ قالُوا: نَعَمْ" .
ـــــــ
"باب العامل"
أي عامل الصدقة يصاب أحد على يديه خطأ فهل فيه قود.
"فلاجة" نازعه وخاصمه من اللجاج. وفي نسخة الخطابي فلاحاه بالحاء المهملة منقوصاً وهما بمعنى "فشجه" جرح رأسه وشقه، والشج ضرب الرأس خاصة وجرحه وشقه "فأتوا" أي أهل الرجل المشجوج "فقالوا القود" بالنصب بفعل مقدر أي نحن نريد القصاص ونطلبه "لكم كذا وكذا" أي من المال والمعنى اتركوا القصاص واعفوا عنه، وخذوا في عوضه كذا وكذا من المال "إني خاطب" من الخطبة بالضم "العشية" أي في وقتها، وهي ما بعد الزوال "فهم المهاجرون بهم" أي قصدوا زجرهم.
قال الخطابي في المعالم: في هذا الحديث من الفقه وجوب الإفادة من الوالي والعامل إذا تناول دماً بغير حق كوجوبها على من ليس بوال، وجواز إرضاء المشجوج بأكثر من الدية في دية الشجة إذا طلب المشجوج القصاص. وأن القول في الصدقة قول رب المال وليس للساعي ضربه وإكراهه على ما لم يظهر له من ماله.
وقوله: "فلا حاه" معناه نازعه وخاصمه. وفي بعض الأمثال: عاداك من لاحاك.
وروي عن أبي بكر وعمر أقادا من العمال، وممن رأى عليهم القود الشافعي وأحمد وإسحاق انتهى ملخصاً.

(12/172)


..........................
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، ورواه يونس بن يزيد عن الزهري منقطعاً.
قال البيهقي: ومعمر بن راشد حافظ قد أقام إسناده فقامت به الحجة.

(12/173)


14- باب القود بغير حديد :
4524- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ: "أنّ جَارِيَةً وُجِدَتْ قَدْ رُضّ رَأْسُهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ فُلاَنٌ أفُلاَنٌ حَتّى سُمّيَ الْيَهُودِيّ، فأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيّ فاعْتَرَفَ فأَمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُرَضّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ" .
ـــــــ
"باب القود بغير حديد"
قد وجد هذا الباب مع حديثه في نسخة واحدة، وقد تقدم حديث الباب في باب يقاد من القاتل بهذا الإسناد واللفظ.
قد وجدنا هذا الباب مع حديثه في نسخة واحدة، وقد تقدم حديث الباب - في باب يقاد من القاتل بهذا الإسناد واللفظ.

(12/173)


15- باب القود من الضربة وقص الأمير من نفسه :
4525- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن عَمْرٍو - يَعني ابنَ الْحَارِثِ - عن بُكَيْرٍ بنِ الأشَجّ عن عُبَيْدَةَ بنِ مُسَافِعٍ عن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: "بَيْنَمَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ قَسَماً أقْبَلَ رَجُلٌ فَأَكَبّ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ فَجُرِحَ بِوَجْهِهِ، فقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم تَعَالَ فَاسْتَقِدْ، قالَ بَلْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ الله" .
ـــــــ
"باب القود من الضربة وقص الأمير من نفسه"
وسيجيء معنى القص "عن بكير" بالتصغير "فأكب عليه" في القاموس أكب عليه أقبل ولزم "فطعنه" أي ضربه ووخزه "بالعرجون" بضم العين وسكون الراء المهملتين وضم الجيم هو عود أصفر فيه شماريخ العذق "فاستقد" أي خذ القصاص مني.
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقال الشافعي في رواية الربيع: وروى من حديث عمر أنه قال رأيت رسول الله يعطي القود من نفسه وأبا بكر يعطي القود من نفسه وأنا أعطي القود من نفسي احتج به الشافعي في القصاص فيما دون النفس.
وقد تقدم حديث النعمان بن بشير وقوله لمدعي السرقة إن شئتم أن أضربهم فإن خرج منه علم

(12/173)


16- باب عفو النساء عن الدم :
4527- حدثنا دَاوُدُ بنُ رُشَيْدٍ أخبرنا الْوَلِيدُ عن الأوْزَاعِيّ أنّهُ سَمِعَ حِصْناً أنّهُ
ـــــــ
"باب عفو النساء عن الدم"
"داوود بن رشيد" بالتصغير "سمع حصناً" بكسر ثم مهملة ساكنة ثم نون ابن عبد الرحمن
ـــــــ
والمقصود: أن القياس والنص يدلان على أنه يفعل به كما فعل وقد تقدم أن النبي رضخ رأس اليهودي كما رضخ رأس الجارية وأن ذلك لم يكن لنقض العهد ولا للحرابة لأن الواجب في ذلك القتل بالسيف وعن أحمد في ذلك أربع روايات.
إحداهن: أنه لا يستوفي في القود إلا بالسيف في العنق وهذا مذهب أبي حنيفة.
والثانية: أنه يفعل به كما فعل إذا لم يكن محرما لحق الله تعالى وهذا مذهب مالك والشافعي.
والثالثة: إن كان الفعل أو الجرح مرهقا فعل به نظيره وإلا فلا.
والرابعة: إن كان الجرح أو القطع موجبا للقود لو انفرد فعل به نظيره وإلا فلا.
وعلى الأقوال كلها: إن لم يمت بذلك قتل.
وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يمثلوا بالكفار إذا مثلوا بهم وإن كانت المثلة منهيا عنها فقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وهذا دليل على أن العقوبة بجدع الأنف وقطع الأذن وبقر البطن ونحو ذلك هي عقوبة بالمثل ليست بعدوان والمثل هو العدل.
وأما كون المثلة منهيا عنها: فلما روى أحمد في مسنده من حديث سمرة بن جندب وعمران بن حصين قال: "ما خطبنا رسول الله خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة" .
فإن قيل: فلو لم يمت إذ فعل به نظير ما فعل فأنتم تقتلونه وذلك زيادة على ما فعل فأين المماثلة.
قيل: هذا ينتقض بالقتل بالسيف فإنه لو ضربه في العنق ولم يوجبه كان لنا أن نضربه ثانية وثالثة حتى يوجبه اتفاقا وإن كان الأول إذا ضربه ضربة واحدة.
واعتبار المماثلة له طريقان:
إحداهما: اعتبار الشيء بنظيره ومثله وهو قياس العلة الذي يلحق فيه الشيء بنظيره.
والثاني: قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلة ولازمها فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظي كان من أقوى الأدلة لاجتماع العمومين اللفظي والمعنوي وتضافر الدليلين: السمعي والاعتباري.
فيكون موجب الكتاب والميزان والقصاص في مسألتنا: هو من هذا الباب كما تقدم تقريره وهذا واضح لا خفاء به ولله الحمد والمنة.
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديث "على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول" وكلام المنذري إلى آخره ثم قال:

(12/180)


سَمِعَ أبَا سَلَمَةَ يُخْبِرُ عنْ عَائِشَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "عَلَى المُقْتَتِلِينَ أنْ يَنْحَجِزُوا الأوّلُ فَالأوّلُ وَإنْ كَانَتِ امْرَأَةً" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: يَنْحَجِزُوا يَكُفّوا عنِ الْقَوَدِ.
[قالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي أنّ عَفْوَ النّسَاءِ في الْقَتْلِ جَائِزٌ إذَا كَانَتْ إحْدَى الأوْلِيَاء وَبَلَغَنِي عنْ أبي عُبَيْدٍ قالَ يَنْحَجِزُوا: يَكُفّوا عنِ الْقَوَدِ].
ـــــــ
أو ابن محصن مقبول قاله الحافظ في التقريب "على المقتتلين" أي أولياء المقتول الطالبين القود وهو على صيغة اسم فاعل، وإنما سماهم مقتتلين لما ذكره الخطابي فقال يشبه أن يكون معنى المقتتلين ههنا أن يطلب أولياء القتيل القود فيمتنع القتلة فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك، فجعلهم مقتتلين لما ذكرنا.
قال: ويحتمل أن تكون الرواية بنصب التاءين، يقال اقتتل فهو مقتتل غير أن هذا يستعمل أكثره فيمن قتله الحب "أن ينحجزوا" بحاء مهملة ثم جيم ثم زاي أي يمتنعوا ويكفوا عن القود بعفو أحدهم "الأول فالأول" أي الأقرب فالأقرب "وإن كانت امرأة" كلمة إن وصلية.
قال الخطابي تفسيره أن يقتل رجل وله ورثة رجال ونساء فأيهم عفا، وإن كان امرأة سقط القود وصار دية.
قال وقد اختلف الناس في عفو النساء فقال أكثر أهل العلم: عفو النساء عن الدم جائز كعفو الرجال.
ـــــــ
وليس في شيء من هذا ما يبين وجه الحديث.
وقد روى "الأول فالأول" وروى "الأولى فالأولى" بفتح الهمزة أي الأقرب فالأقرب وهو أولى وبه يتبين معنى الحديث.
وأصل الحجز: المنع ومنه الحاجز بين الشيئين "وينحجزوا" مطاوع حجزته فانحجز وهو يدل على حاجز بينهم وهو عفو من له الدم فإنه إذا عفا وجب عليهم أن ينحجزوا لأن صاحب الدم قد عفا وهذا العفو لحق يستحقه الأولى فالأولى من المقتول وإن كان امرأة فإذا عفت وهي أولى بالمقتول فقد حجز عفوها بينهم ولا يجوز للرجال الأباعد بعد ذلك الطلب بدمه وقد عفا عنه الأولى منهم.
فقد اتضح بحمد الله وجهه وأسفر صبح معناه.
وعلى هذا: فيكون "الأولى فالأولى" فاعل فعل دل عليه المذكور أي يحجز بينهم الأولى فالأولى وإن كان امرأة.
وترجمة أبي داود تشعر بهذا والله أعلم.

(12/181)


....................
ـــــــ
وقال الأوزاعي وابن شبرمة ليس للنساء عفو وعن الحسن وإبراهيم النخعي ليس للزوج ولا للمرأة عفو في الدم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي. وحصن هذا قال أبو حاتم الرازي لا أعلم روى عنه غير الأوزاعي ولا أعلم أحداً نسبه وقال غيره حصن بن عبد الرحمن ويقال ابن محصن أبو حذيفة التراغمي من أهل دمشق روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن روى عنه الأوزاعي وذكر له هذا الحديث.

(12/182)


17- باب من قتل في عميا بين قوم :
4528- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادٌ ح. وَأخبرنا ابنُ السّرْحِ أخبرنا سُفْيَانُ وَهَذَا حَدِيثُهُ عنْ عَمْرٍو عنْ طَاوُسٍ قالَ: مَنْ قُتِلَ وَقال ابنُ عُبَيْدٍ قالَ "قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ قُتِلَ في عِمّيَا في رَمْيٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِحِجَارَةٍ أوْ بالسّيَاطِ أوْ ضُرِبَ بِعَصَا فَهُوَ خَطَأٌ وَعَقْلَهُ عَقْلُ الْخَطَإِ. وَمَنْ قُتِلَ عَمْداً فَهُوَ قَوّدٌ. وَقالَ ابنُ عُبَيْدٍ: قَوَدُ يَدٍ ثُمّ اتّفَقَا وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَغَضَبُهُ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرَفٌ وَلاَ عَدْلٌ" وَحَدِيثُ سُفْيَانَ أتَمّ.
ـــــــ
"باب من قتل في عميا بين قوم"
هذا الباب إنما وقع ههنا في نسخة وسائر النسخ خالية منه.
"عن طاوس قال من قتل" هذا لفظ رواية ابن السرح فلم يرفع الحديث، وأما محمد بن عبيد فرفعه كما قال المؤلف. وقال ابن عبيد الخ "من قتل في عميا" بكسر عين وتشديد ميم مكسورة وقصر فعيلا من العمي كالرميا من الرمي أي من قتل في حال يعمى أمره فلا يتبين قاتله ولا حال قتله "في رمي يكون بينهم" هذا بيان لما قبله أي ترامي القوم فوجد بينهم قتيل "فهو خطأ" أي حكمه حكم الخطأ حيث يجب الدية لا القصاص "وعقله عقل الخطأ" أي ديته دية الخطأ "فهو قود" بفتحتين أي فحكمه القصاص "وقال ابن عبيد قود يد" أي زاد في روايته لفظ يد بعد قود.
قال في فتح الودود أي فحكم قتله قود نفسه وعبر عن النفس باليد مجازاً "ثم اتفقا" أي محمد بن عبيد وابن السرح "ومن حال دونه" أي صار حائلاً ومانعاً من الإقتصاص "لا يقبل منه صرف ولا عدل" .
قال الخطابي: فسروا العدل الفريضة والصرف التطوع انتهى. وقيل الصرف التوبة والعدل الفدية.

(12/182)


4529- حدثنا مُحمّدُ بنُ أبي غَالِبٍ أخبرنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ عنْ سُلَيْمَانَ بنِ كَثِيرٍ أخبرنا عَمْرُو بنُ دِينَارٍ عن طَاوُسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ.
ـــــــ
قال في المعالم: وقد اختلف العلماء فيمن تلزمه دية هذا القتيل، فقال مالك ابن أنس ديته على الذين نازعوهم، وقال أحمد بن حنبل: ديته على عواقل الآخرين إلا أن يدعوا على رجل بعينه فيكون قسامة، وكذلك قال إسحاق. وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: ديته على عاقلة الفريقين الذين اقتتلوا معاً. وقال الأوزاعي عقله على الفريقين جميعاً إلا أن تقوم بينة من غير الفريقين أن فلاناً قتله فعليه القود والقصاص.
وقال الشافعي: هو قسامة إن ادعوه على رجل بعينه أو طائفة بعينها، وإلا فلا عقل ولا قود.
وقال أبو حنيفة: هو على عاقلة القبيلة التي وجد فيهم إن لم يدع أولياء القتيل على غيرهم انتهى.
"فذكر معنى حديث سفيان" قال المنذري: يعني ابن عيينة يعني الحديث المرسل الذي قبله. وأخرجه النسائي وابن ماجه مرفوعاً. وقال البيهقي وقوله خطأ وعقله عقل الخطأ يشبه أن يكون المراد به هو شبه خطأ لا يجب فيه القود كالحديث الأول والله أعلم، يريد الحديث الذي فيه إلا أن قتيل الخطأ وسيأتي إن شاء الله تعالى.

(12/183)


18- باب الدية كم هي :
4530- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ قالَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ رَاشِدٍ ح. وَأخبرنا
ـــــــ
"باب الدية كم هي"
الدية مصدر ودى القاتل المقتول إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس ثم قيل لذلك المال الدية تسمية بالمصدر.
واعلم أن القتل على ثلاثة أضرب عمد وخطأ وشبه عمد، وإليه ذهب الشافعية والحنفية والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فجعلوا في العمد القصاص، وفي الخطأ الدية، وفي شبه العمد الدية مغلظة، ويأتي تفصيل الدية وبيان تغليظها في الباب.
قال في الهداية: العمد ما تعمد ضربه بسلاح أو ما أجري مجري السلاح كالمحدد من

(12/183)


هَارُونُ ابنُ زَيْدِ بنِ أبي الزّرْقَاءِ أخبرنا أبِي أخبرنا مُحمّدُ بنُ رَاشِدٍ عنْ سُلَيْمانَ بنِ مُوسَى عنْ عَمْرِو ابنِ شُعَيْبٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى: أنّ مَنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ ثَلاَثُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَثَلاثُونَ بِنْتُ لَبُونِ وَثَلاَثُونَ حِقّةٌ. وَعَشْرُ [عشرة] بَنِي لَبُونٍ ذَكَرٍ" .
4531- حدثنا يَحْيَى بنُ حَكِيمٍ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عُثْمان أخبرنا حُسَيْنُ بنُ المُعَلّمِ عنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ قالَ: كَانَتْ قِيمَةُ الدّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثَمَانَ مِائَةِ دِينَارٍ وَثَمَانِيَةَ آلافَ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النّصْفُ [على النصف] مِنْ دِيَةِ المُسْلِمِينَ. قالَ: فَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ، فقَامَ خَطِيباً فقالَ: ألاَ إنّ الإبِلَ قَدْ غَلَتْ. قالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أهْلِ الذّهَبِ ألْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أهْلِ الْوَرَقِ اثْنَيْ عَشْرَ ألْفاً، وَعَلَى أهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أهْلِ الشّاءِ ألْفَيْ
ـــــــ
الخشب وليطه القصب، وشبه العمد عند أبي حنيفة رحمه الله أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجرى مجرى السلاح.
وقال أبو يوسف ومحمد، وهو قول الشافعي رحمه الله: إذا ضربه بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة فهو عمد، وشبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبا.
"حدثنا مسلم بن إبراهيم" حديث هارون بن زيد في رواية اللؤلؤى.
وأما حديث مسلم بن إبراهيم ففي رواية ابن الأعرابي وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم ذكره المزي في الأطراف "قضى أن من قتل خطأ الخ" قال الخطابي في المعالم: لا أعرف أحداً قال بهذا الحديث من الفقهاء "ثلاثون بنت مخاض" وهي التي طعنت في الثانية، سميت بها لأن أمها صارت ذات مخاض بأخرى "بنت لبون" وهي التي طعنت في الثالثة، سميت بها لأن أمها تلد أخرى وتكون ذات لبن "حقة" وهي التي طعنت في الرابعة وحق لها أن تركب وتحمل.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب ثم ذكر قول الخطابي وسكت عنه.
"قيمة الدية" أي قيمة الإبل التي هي الأصل في الدية "النصف" بالنصب على أنه خبر كان وبالرفع على أنه خبر المبتدأ "من دية المسلمين" من تبعيضية متعلقة بالنصف "قال" أي جده "حتى استخلف عمر" بصيغة المجهول أي جعل خليفة "فقام" أي عمر "ألا" بالتخفيف للتنبيه "قد غلت" من الغلاء وهو ارتفاع الثمن أي ازدادت قيمتها "قال" أي جده "ففرضها" أي قدر الدية "وعلى أهل الورق" بكسر الراء ويسكن أي أهل الفضة "اثني عشر الفاً" أي من

(12/184)


شَاةٍ، وَعَلَى أهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلّةٍ. قالَ: وَتَرَكَ دِيَةَ أهْلِ الذّمّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدّيَةِ.
4532- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ عن عطَاءَ ابنِ أبِي رَبَاحٍ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي الدّيَةِ عَلَى أهْلِ الإبِلِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وَعَلَى أهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أهْلِ الشّاءِ ألْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أهْلِ الحُلَلِ مِائَتَيْ حُلّةٍ، وَعَلَى أهْلِ الْقَمْحِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ مُحمّدٌ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بنِ يَعْقُوبَ الطّالَقَانِيّ قالَ أخبرنا أبُو تُمَيْلَةَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ قالَ: ذَكَرَ عَطَاءٌ عن جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله قال: "فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم" وَذَكَرَ مِثْلَ حَديثِ مُوسَى وقالَ: "وَعَلَى أهلِ الطّعَامِ شَيْئاً لاَ أَحْفَظُهُ" .
ـــــــ
الدراهم "وعلى أهل الشاء" بالهمز في آخره اسم جنس "ألفي شاة" بالتاء لواحدة من الجنس "وعلى أهل الحلل" بضم ففتح جمع حلة، وهي إزار ورداء من أي نوع من أنواع الثياب، وقيل الحلل برود اليمن، ولا يسمى حلة حتى يكون ثوبين "قال" أي جده "وترك دية أهل الذمة" أي وترك عمر دية أهل الذمة على ما كان عليه في عهده صلى الله عليه وسلم.
قال الطيبي: يعني لما كانت قيمة دية المسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية آلاف درهم مثلا وقيمة دية أهل الذمة نصفه أربعة آلاف درهم، فلما رفع عمر دية المسلم إلى اثني عشر ألفاً وقرر دية الذمى على ما كان عليه من أربعة آلاف درهم صار دية الذمي كثلث دية المسلم مطلقاً. ولعل من أوجب الثلث نظر إلى هذا انتهى.
وقال الخطابي: وإنما قومها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل القرى لعزة الإبل عندهم فبلغت القيمة في زمانه من الذهب ثماني مائة دينار ومن الورق ثمانية آلاف درهم، فجرى الأمر كذلك إلى أن كان عمر، وعزت الإبل في زمانه، فبلغ بقيمتها من الذهب ألف دينار ومن الورق اثنا عشر ألفاً، وعلى هذا بنى الشافعي أصل قوله في دية العمد فأوجب فيه الإبل وإن كان لا يصار إلى النقود إلا عند إعواز الإبل، فإذا أعوزت كانت فيها قيمتها ما بلغت ولم تعتبر فيها قيمة عمر التى قومها في زمانه لأن كانت قيمة تعديل في ذلك الوقت والقيم تختلف فتزيد وتنقص باختلاف الأزمنة وهذا على قوله الجديد.
وقال في قوله القديم بقيمة عمر رضي الله عنه وهو اثنا عشر ألفاً أو ألف دينار، وقد روي مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الورق انتهى والحديث سكت عنه المنذري.
"وعلى أهل القمح" بفتح فسكون البر "لم يحفظه محمد" أي ابن إسحاق.

(12/185)


4533- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ أخبرنا الْحَجّاجُ عن زَيْدِ بنِ جُبَيْرٍ عن خِشْفِ بنِ مَالِكٍ الطّائِيّ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فِي دِيَةِ الْخَطَإِ عِشْرُونَ حِقّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُرٌ [ذكورا]" وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الله.
ـــــــ
قال المنذري: هذا مرسل وفيه محمد يعني ابن إسحاق "وذكر مثل حديث موسى" يعني المرسل الذي قبله.
والحديث استدل به من قال إن الدية من الإبل مائة، ومن البقر مائتان ومن الشاة ألفان، ومن الحلل مائتان كل حلة إزار ورداء وقميص وسراويل. وفيه رد على من قال إن الأصل في الدية الإبل وبقية الأصناف مصالحه لا تقدير شرعي كذا في النيل.
قال المنذري: وهذا منقطع لم يذكر فيه من حدثه عن عطاء فهو رواية عن مجهول.
"عن خشف" بكسر الخاء وسكون الشين المعجمة وبالفاء "جذعة" وهي التي طعنت في الخامسة وهي أكبر سن يؤخذ في الزكاة "وعشرون بني مخاض ذكر" بضمتين لعله تخفيف ذكور وفي بعض النسخ ذكوراً "وهو قول عبد الله" أي ابن مسعود وبه قال أبو حنيفة رحمه الله.
وذهب الليث ومالك والشافعي إلى أن دية الخطأ عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وهذا الحديث قد رواه إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "في الخطأ أخماسا عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات لبون وعشرون بنات مخاض وعشرون بني مخاض" ذكره البيهقي.
قال: وكذلك رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله وعن منصور عن إبراهيم عن عبد الله، وكذلك رواه أبو مجلز عن أبي عبيدة عن عبد الله.
قال البيهقي: فهذا الذي قاله عبد الله بن مسعود في السن أقل مما حكاه الشافعي عن بعض التابعين واسم الإبل يقع عليه وهو قول صحابي فقيه فهو أولى بالأتباع.
قال: ومن رغب عنه احتج بحديث سهل بن أبي حثمة في القسامة: "فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من إبل الصدقة" وليس لبني المخاض مدخل في فرائض الصدقات.
قال: وحديث القسامة وأن كان في قتل العمد ونحن نتكلم في دية الخطأ فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يثبت القتل عليهم وداه بدية الخطأ متبرعا بذلك.
وعلل حديث ابن مسعود بأنه منقطع لأن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة.

(12/186)


...................................
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. وقد روي عن عبد الله مرفوعاً.
وقال أبو بكر البزار وهذا الحديث لا نعلمه روي عن عبد الله مرفوعاً إلا بهذا الإسناد هذا آخر كلامه.
وذكر الخطابي أن خشف بن مالك مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث. وعدل الشافعي
ـــــــ
قال يعقوب بن سفيان: حدثنا بندار حدثنا أمية بن خالد حدثنا شعبة قال: كنت عند أبي إسحاق الهمداني فقيل له: إن شعبة يقول: إنك لم تسمع من علقمة شيئا فقال صدق.
وأما أبو عبيدة فلم يسمع من أبيه قال شعبة عن عمرو بن مرة سألت أبا عبيدة تحفظ من أبيك شيئا قال لا.
ثم ذكر تعليل حديث خشف بن مالك المرفوع.
ومراد البيهقي يقول: إن ما في حديث ابن مسعود أقل مما حكاه الشافعي عن بعض التابعين والأخذ به أولى أن الشافعي قال في رواية الربيع وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في قتل عمد الخطأ مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها" ففي ذلك دليل على أن دية الخطأ الذي لا يخالطه عمد مخالفة لهذه الدية وقد اختلف الناس فيها فألزم القاتل مائة من الإبل بالسنة ثم ما لم يختلفوا فيه فلا ألزمه من أسنان الإبل إلا اقل ما قالوا يلزمه لأن اسم الإبل يلزم الصغار والكبار فدية الخطأ أخماس عشرون ابنة مخاض وعشرون ابنة لبون وعشرون بني لبون ذكور وعشرون حقة وعشرون جذعة.
أخبرنا مالك عن ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن وبلغه عن سليمان بن يسار أنهم كانوا يقولون ذلك.
فهذا الذي ألزمه البيهقي لأجله أن يقول بما قاله ابن مسعود لوجهين.
أحدهما: أنه أقل مما قاله هؤلاء.
والثاني: أنه قول صحابي من فقهاء الصحابة فالأخذ به أولى من قول التابعين.
وأما تعليله بما ذكر: فضعيف فإنه قد روي من وجوه متعددة عن ابن مسعود إذ أجمع بعضها إلى بعض قوي مجموعها على دفع العلة التي علل بها.
وقد ثبت عن إبراهيم أنه قال: إذا قلت قال عبد الله فهو ما حدثني به جماعة عنه وإذا قلت حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي سميت.
وأبو عبيدة شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه وعنده في ذلك من العلم ما ليس عند غيره.
وأبو إسحاق وإن لم يسمع من علقمة فإمامته وجلالته وعدم شهرته بالتدليس تمنع أن يكون سمعه من غير ثقة فيعد إسقاطه تدليسا للحديث.
وبعد: ففي المسألة مذهبان آخران.
أحدهما: أنها خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة

(12/187)


4534- حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الأنْبَارِيّ أخبرنا زَيْدُ بنُ الْحُباب عن مُحمّدِ بنِ مُسْلِمٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: "أنّ رَجُلاً مِنْ بَنِي عَدِيّ قُتِلَ فَجَعَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَاً" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، لَمْ يَذْكُرْ ابنَ عبّاسٍ.
ـــــــ
عن القول به لما ذكرنا من العلة في رواته ولأن فيه بني مخاض ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان الصدقات.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة القسامة أنه ودى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض. وقال الدارقطني هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث وبسط الكلام في ذلك وقال لا نعلمه رواه إلا خشف بن مالك عن ابن مسعود وهو رجل مجهول لم يرو عنه إلا زيد بن جبير ثم قال لا نعلم أحداً رواه عن زيد بن جبير إلا حجاج بن أرطاة والحجاج رجل مشهور بالتدليس وبأنه يحدث عن من لم يلقه ولم يسمع منه، ثم ذكر أنه قد اختلف فيه على الحجاج بن أرطاة.
وقال البيهقي: وخشف بن مالك مجهول، وقال الموصلي: خشف بن مالك ليس بذالك وذكر له هذا الحديث. وخشف بكسر الخاء وسكون الشين المعجمة وفاء واختلف على الحجاج بن أرطاة والحجاج غير محتج به والله أعلم.
"أن رجلاً من بني عدي قتل" بصيغة المجهول "ديته اثني عشر ألفاً" أي من الدراهم "رواه ابن عيينة الخ" حاصلة أن الحديث رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة مرسلا فإنه لم يذكر ابن عباس.
وفي الحديث دليل على أن الدية من الفضة اثنا عشر ألف درهم.
قال الخطابي: قال مالك وأحمد وإسحاق أن الدية إذا كانت نقداً فمن الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألفاً، وروي ذلك عن الحسن البصري وعروة بن الزبير، وعند أبي
ـــــــ
وخمسة وعشرون بنت لبون أرباعا حكاه الشافعي فيما بلغه عن ابن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق بن ضمرة عن علي.
الثاني: أنها ثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون ذكر رواه البيهقي عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت.
وكل هذا يدل على أنه ليس في الأسنان شيء مقدر عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.

(12/188)


......................................
ـــــــ
حنيفة من الذهب ألف دينار ومن الدراهم عشرة آلاف، وكذلك قال سفيان الثوري، وحكي ذلك عن ابن شبرمة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي مرفوعاً ومرسلا وأرسله النسائي وابن ماجه مرفوعاً، وقال الترمذي: ولا نعلم أحداً يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم. هذا آخر كلامه. ومحمد بن مسلم هذا هو الطائفي وقد أخرج له البخاري في المتابعة ومسلم في الاستشهاد. وقال يحيى بن معين ثقة وقال مرة إذا حدث من حفظه يخطىء وأذا حدث من كتابه فليس به بأس، وضعفه الإمام أحمد بن حنبل، وذكر أبو داوود أن ابن عيينة لم يذكر ابن عباس. وذكر الترمذي أنه لا يعلم أحداً ذكر ابن عباس في هذا الحديث غير محمد بن مسلم. وقد أخرج النسائي عن محمد بن ميمون عن ابن عيينة وقال فيه سمعناه مرة يقول عن ابن عباس. وأخرجه الدارقطني في سننه عن أبي محمد بن صاعد عن محمد بن ميمون وقال فيه عن ابن عباس. وقال الدارقطني: قال ابن ميمون وإنما قال لنا فيه عن ابن عباس مرة واحدة وأكثر ذلك كان يقول عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذكره البيهقي من حديث الطائفي موصولا وقال ورواه أيضاً سفيان عن عمرو بن دينار موصولا. ومحمد بن ميمون هذا هو أبو عبد الله المكي الخياط روى عن ابن عيينة وغيره. قال النسائي صالح وقال أبو حاتم الرزي كان أمياً مغفلاً ذكر لي أنه روى عن أبي سعيد مولى بني هاسم عن شعبة حديثاً باطلا وما أبعد أن يكون وضع للشيخ فإنه كان أمياً انتهى كلام المنذري.

(12/189)


19- باب في دية الخطأ شبه العمد :
4535- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَ مُسَدّدٌ المَعْنَى قالا أخبرنا حَمّادٌ عن خَالِدٍ عنْ الْقَاسِمِ بنِ رَبِيعَةَ عن عُقْبَةَ بنِ أوْسٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم - قال مُسَدّدٌ - خَطَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكّةَ فكَبّرَ ثَلاَثاً ثُمّ قالَ: لاَ إِلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ - إلَى هَهُنَا حَفِظْتُهُ مِنْ مُسَدّدٍ - ثُمّ اتّفَقَا ألاَ إنّ كُلّ
ـــــــ
"باب في دية الخطأ شبه العمد"
تكرر هذا الباب في بعض النسخ وقع ها هنا وبعد باب فيمن تطبب الخ ولم يقع في بعض النسخ إلا بعد الباب المذكور والله أعلم.
"فكبر" أي قال الله أكبر "وهزم الأحزاب وحده" قال في المجمع: أي من غير قتال من

(12/189)


مَأْثَرَةٍ كَانَتْ في الْجَاهِليّةِ تُذْكَرُ وَتُدْعَى مِنْ دَمٍ أوْ مَالٍ تَحْتَ قَدَمَيّ إلاّ مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الْحَاجّ وَسِدَانةِ الْبَيْتِ. ثُمّ قالَ: ألاَ إنّ دِيَةَ الْخَطَإِشِبْهِ الْعَمْدِ - مَا كَانَ بالسّوْطِ وَالْعَصَا - مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ مِنْهَا أرْبَعُونَ في بُطُونِهَا أوْلاَدُهَا" وَحَدِيثُ مُسَدّدٍ أتَمّ.
4536- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ عن خَالِدٍ بِهَذا الإسْنَادِ نَحْوَ مَعْنَاهُ.
4537- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن الْقَاسِمِ بنِ رَبِيعَةَ
ـــــــ
الآدميين بأن أرسل ريحاً وجنوداً وهم أحزاب اجتمعوا يوم الخندق، ويحتمل أحزاب الكفار في جميع الدهر والمواطن "إلى ها هنا حفظته من مسدد" أي إلى هذا الموضع من الحديث حدثني مسدد وحده وحفظته منه، ومن بعد هذا الموضع إلى آخر الحديث قد حدثني سليمان ومسدد كلاهما "ثم اتفقا" أي سليمان ومسدد "ألا إن كل مأثرة" المأثرة هي ما يؤثر ويذكر من مكارم أهل الجاهلية ومفاخرهم "تحت قدمي" خبر أن أي باطل وساقط.
قال الخطابي: معناه إبطالها وإسقاطها "إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت" بكسر السين وبالدال المهملة وهي خدمته والقيام بأمره أي فهما باقيان على ما كانا. قال الخطابي: وكانت الحجابة في الجاهلية في بني عبد الدار والسقاية في بني هاشم فأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار بنو شيبة يحجبون البيت وبنو العباس يسقون الحجيج "ثم قال ألا" بالتخفيف للتنبيه "شبه العمد" بدل من الخطأ "ما كان بالسوط والعصا" بدل من البدل "مائة" خبر "في بطونها أولادها" يعني الحوامل. قال الخطابي: في الحديث إثبات قتل شبه العمد، وقد زعم بعض أهل العلم أن ليس القتل إلا العمد المحض أو الخطأ المحض، وفيه بيان أن دية شبه العمد مغلظة على العاقلة. واختلف الناس في دية شبه العمد فقال بظاهر الحديث عطاء والشافعي، وإليه ذهب محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد وإسحاق هي أرباع. وقال أبو ثور دية شبه العمد أخماس. وقال مالك بن أنس: ليس في كتاب الله عز وجل إلا الخطأ والعمد وأما شبه العمد فلا نعرفه. ويشبه أن يكون الشافعي إنما جعل الدية في العمد أثلاثاً بهذا الحديث، وذلك أنه ليس في العمد حديث مفسر أو الدية في العمد مغلظة وفي شبه العمد كذلك فحمل أحدهما على الآخر، وهذه الدية تلزم العاقلة عند الشافعي لما فيه من شبه الخطأ كدية الجنين انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير وساق اختلاف الرواة فيه، وأخرجه الدارقطني في سننه وساق أيضاً اختلاف الرواة فيه.

(12/190)


عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ قال: "خَطَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ أوْ فَتْحَ مَكّةَ عَلَى دَرَجَةِ الْبَيْتِ أو الْكَعْبَةِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذا رَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ أيْضاً عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن الْقَاسِمِ بنِ رَبِيعَةَ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وَرَوَاهُ أيّوبُ السّخْتِيَانِيّ عن الْقَاسِمِ بنِ رَبِيعَةَ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو مِثْلَ حَدِيثِ خَالِدٍ وَرَوَاهُ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن يَعْقُوبَ السّدُوسِيّ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَقَوْلِ زَيْدٍ وَأبِي مُوسَى مِثْلَ حَدِيثِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَحَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ.
4538- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ قال:
ـــــــ
"على درجة البيت" قال في المجمع: الدرجة المرقاة "أو الكعبة" شك من الراوي "قال أبو داوود كذا رواه ابن عيينة إلى قوله عن يعقوب السدوسي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم" غرض المؤلف من ذكر هذه الأسانيد بيان اختلاف الرواة، وحاصلة أن القاسم بن ربيعة يقول مرة عن عبد الله بن عمرو أي ابن العاص ومرة عن عبد الله بن عمر، ثم هو قد يذكر بينه وبين عبد الله بن عمرو بن العاص واسطة عقبة بن أوس كما في رواية خالد وقد لا يذكر كما في رواية أيوب. وقد أشار المنذري إلى وجه الجمع "وقول زيد" أي ابن ثابت "وأبي موسى" أي الأشعري "مثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم وحديث عمر رضي الله عنه" بالجر عطف على حديث النبي أي مذهب زيد وأبي موسى ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وفي حديث عمر.
وحديث عمر هو مذكور بعد هذا.
قال المنذري: وحديث القاسم بن ربيعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه النسائي وابن ماجه. وعلي بن زيد هذا هو ابن جدعان القرشي التيمي المكي نزل البصرة ولا يحتج بحديثه ويعقوب السدوسي هو عقبة بن أوس الذي تقدم في الحديث قبله، يقال فيه عقبة بن أوس ويعقوب بن أوس. وأراد أن مذهب زيد بن ثابت وأبي موسى الأشعري ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وفي حديث عمر رضي الله عنه وحديث عمر الذي أشار إليه أبو داوود وهو الذي ذكره بعد هذا.
وقد قيل يحتمل أن يكون القاسم بن ربيعة سمعه من عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص فروى عن هذا مرة وعن هذا مرة وأما رواية خالد الحذاء عن عبد الله بن عمرو وسمعه من عبد الله بن عمرو فرواه مرة عن عقبة ومرة عن عبد الله بن عمرو. انتهى كلام المنذري.

(12/191)


قَضَى عُمَرُ في شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلاَثِينَ حِقّةً وَثَلاَثِينَ جَذْعَةَ وَأرْبَعِينَ خَلِفَةً مَا بَيْنَ ثَنِيّةٍ إلَى بَازِلِ عَامِهَا.
4539- حدثنا هَنّادٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ عن أبي إسْحَاقَ عن عَاصِمِ بنِ ضَمْرَةَ عن عَلِيّ أنّهُ قالَ: في شِبْهِ الْعَمْدِ أثَلاَثاً [أثلاث] ثَلاَثٌ وَثَلاَثُونَ حِقّةً وَثَلاَثٌ وَثَلاَثُونَ جَذَعَةً وَأرْبَعُ وَثَلاَثُونَ ثَنِيّةً إلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلّها خَلِفَةٌ.
4540- حدثنا هَنّادٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ عن سُفْيَانَ عن أبِي إسْحَاقَ عن عَاصِمٍ بنِ ضَمْرَةَ قالَ قالَ عَلِيّ: في الْخَطَإِ أرْبَاعاً، خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ.
4541- حدثنا هَنّادٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ عن أبِي إسْحَاقَ عن عَلْقَمَةَ وَ الأسْوَدِ: قالَ عَبْدُ الله في شِبْهِ الْعَمْدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقّةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعةً، وَخُمْسٌ
ـــــــ
"خلفة" بفتح فكسر أي حامله. قال في المصباح: الخلفة بكسر اللام هي الحامل من الإبل وجمعها مخاض من غير لفظها كما تجمع المرأة على النساء من غير لفظها "ما بين ثنية" الثني الجمل يدخل في السنة السادسة والناقة ثنية.
ولفظ كتاب الخراج لأبي يوسف القاضي قال عمر بن الخطاب في شبه العمد ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة "إلى بازل عامها" متعلق بثنية. في القاموس: بزل ناب البعير بزلا وبزولا طلع. وذلك في ابتداء السنة التاسعة وليس بعده سن يسمى انتهى. وإليه ذهب الشافعي رحمه الله وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى حديث عبد الله بن مسعود الآتي.
قال المنذري: مجاهد لم يسمع من عمر فهو منقطع.
"قال في شبه العمد" أي في دية شبه العمد "أثلاثاً" حال أو تمييز، وفي بعض النسخ أثلاث بالرفع "كلها" أي جميع الأربع والثلاثين "خلفة" هي الناقة الحاملة إلى نصف أجلها ثم هي عشار.
قال المنذري: عاصم بن ضمرة تكلم فيه غير واحد وقد تقدم الكلام عليه.
"قال علي في الخطأ" أي الخطأ المحض كما هو الظاهر، وإلى هذا ذهب الحسن البصري والشعبي في دية الخطأ المحض. والحديث سكت عنه المنذري ولكنه قد تكلم في عاصم بن ضمرة كما مر آنفاً.
"قال عبد الله في شبه العمد الخ" هو ابن مسعود. قال في اللمعات: والتغليظ في شبه

(12/192)


وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ.
4542- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الله حدثنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن عَبْدِ رَبّهِ عن أبي عِيَاضٍ عن عُثْمانَ بنَ عَفّانَ وَ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ: في المُغَلّظَةِ أرْبَعُونَ جَذَعةً خَلِفَةً وَثَلاَثُونَ حِقّةً وَثَلاَثُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وفي الْخَطَإِ ثَلاَثُونَ حِقّةً وَثَلاَثُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَعِشْرونَ بَنُو لَبُونٍ ذُكُورٍ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ.
4543- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ في الدّيَةِ المُغَلّظَةِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءٍ.
ـــــــ
العمد عنه ابن مسعود رضي الله عنه وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأحمد أن يوجب الإبل أرباعاً خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة والتغليظ عند الشافعي ومحمد بأن يوجب ثلاثين جذعة وثلاثين حقة وأربعين ثنية كلها خلفات، وأما الخطأ المحض فلا تغليظ فيه بالاتفاق انتهى.
والحديث سكت عنه المنذري.
"عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت في المغلظة" وهي دية شبه العمد.
قال المنذري: أبو عياض هذا يقال كنيته أبو عبد الرحمن واسمه عمرو بن الأسود ويقال عمر بن الأسود ويقال قيس بن ثعلبة عنسي بالنون حمصي سكن داران أدرك الجاهلية وسمع من غير واحد من الصحابة وهو ثقة وقد احتج البخاري به في صحيحه وتوفي وهو صائم رضي الله عنه.

(12/193)


20- باب أسنان الإبل :
قالَ أبُو دَاوُدَ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ وَ [عن] غَيْرُ وَاحِدٍ: إذَا دَخَلَتِ النّاقَةُ في السّنَةِ الرّابِعَةِ فَهُوَ [فهي] حِقّ وَاْلأنْثَى حِقّةٌ لأنّهُ يَسْتَحِقّ أنْ يُرْكَبَ عَلَيْهِ [عليها] وَيُحْمَلَ، فإذَا دَخَلَتْ [دخل] في الْخَامِسَةِ فَهُوَ جَذَعٌ وَجَذَعَةٌ، فإذَا دَخَلَ في السّادِسَةِ وَألْقَى ثَنِيّتَهُ فَهُوَ ثَنِيّ
ـــــــ
"باب أسنان الإبل"
"قال أبو عبيد" القاسم بن سلام البغدادي "وغير واحد" من أهل اللغة "فهو حق" بالكسر، سمي بذلك لاستحقاقه أن يحمل عليه وأن ينتفع به "وألقى" أي طرح، يقال ألقيت الشيء طرحته، واللقى على وزن عصا الشيء الملقى المطروح، كذا في المصباح "ثنية" الثنية واحدة الثنايا من السن. قال ابن سيدة: وللانسان والخف والسبع ثنيتان من فوق وثنيتان من

(12/193)


وَثَنِيّةٌ، فُإذَا دَخَلَ في السّابِعَةِ فَهُوَ رَبَاعٌ وَرَبَاعِيَةٌ، فإذَا دَخَلَ في الثّامِنَةِ وَألقَى السّنّ الّذِي [التي] بَعْدَ الرّبَاعِيَةِ فَهُوَ سَدِيسٌ وَسَدَسٌ، فإذَا دَخَلَ في التّاسِعَةِ وَفَطَرَ نَابُهُ وَطَلَع فَهُوَ بَازِلٌ، فإذَا دَخَلَ في الْعَاشِرَةِ فَهُوَ مُخْلِفٌ ثُمّ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ وَلكِنْ يُقَالُ بَازِلُ عَامٍ وَبَازِلُ عَامَيْنِ، وَمُخْلِفُ عَامٍ وَمُخْلِفُ عَامَيْنِ إلَى مَا زَادَ.
وقالَ النّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: بِنْتُ مَخَاضٍ لِسَنَةٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ لِسَنَتَيْنِ، وَحِقّةٌ لِثَلاَثٍ، وَجَذَعَةٌ لأرْبَعٍ، وَثَنِيّ لِخَمْسٍ، وَرَبَاعٌ لِسِتَ، وَسَدَيْسٌ لسَبْعٍ، وَبَازِلٌ لِثَمَانٍ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قال أبُو حَاتِمٍ وَالأصْمَعِيّ: وَالْجَذُوعَةُ وَقْتٌ وَلَيْسَ بِسِنّ.
قال أبُو حَاتِمٍ قال بَعْضُهُمْ: فإذَا ألْقَى رَبَاعِيَتَهُ فَهُوَ رَبَاعٌ، وَإذَا ألْقَى ثَنِيّتَهُ فَهُوَ ثَنِيّ.
وقال أبو عُبَيْد: إذَا أُلْقِحَتْ فَهِيَ خَلِفَةٌ فَلاَ تَزَالُ خَلِفَةً إلَى عَشْرَةِ أشْهُرِ فإذَا بَلَغَ
ـــــــ
أسفل، والثني من الإبل الذي يلقى ثنيته وذلك في السادسة. وإنما سمي البعير ثنياً لأنه ألقى ثنيته انتهى "بعد الرباعية" الرباعية مثل الثمانية إحدى الأسنان الأربعة التي تلي الثنايا بين الثنية والناب تكون للإنسان وغيره والجمع رباعيات كذا في اللسان "فهو سديس" بفتح السين وكسر الدال "وسدس" بفتح السين وفتح الدال المهملتين. ولفظ المؤلف في كتاب الزكاة فإذا دخل في الثامنة وألقى السن السديس الذي بعد الرباعية فهو سديس وسدس إلى تمام الثامنة انتهى. قال في اللسان: السن السديس هوالسن التي بعد الرباعية والسديس والسدس من الإبل والغنم الملقى سديسه، وقد أسدس البعير إذا ألقى السن بعد الرباعية وذلك في السنة الثامنة "وفطر" أي ظهر وطلع "نابه" هي السن التي خلف الرباعية "وطلع" عطف تفسير لفطر "فهو بازل" وكذلك الأنثى بغير هاء، وجمل بازل وناقة بازل وهو أقصى أسنان البعير "فهو مخلف" بضم الميم وسكون الخاء وكسر اللام. وفي اللسان: والاخلاف أن يأتي على البعير البازل سنة بعد بزوله يقال بعير مخلف والمخلف من الإبل الذي جاز البازل "بازل عام" بالإضافة "وبازل عامين" قال في شرح القاموس: وقولهم بازل عام وبازل عامين إذا مضى له بعد البزول عام أو عامان انتهى.
وكذا معنى قولهم: مخلف عام ومخلف عامين ومخلف ثلاثة أعوام إلى خمس سنين إذا مضى له بعد الإخلاف عام أو عامان أو ثلاثة أعوام إلى خمس سنين "والجذوعة وقت وليس بسن" قال في اللسان: الجذع اسم له في زمن ليس بسن تنبت ولا تسقط وتعاقبها أخرى "ألقحت" بصيغة المجهول أي أحبلت "فهي خلفة" بفتح الخاء وكسر اللام الحامل من النوق

(12/194)


عَشْرَةَ أشْهُرٍ فَهِيَ عُشَرَاءُ.
قال أبُو حَاتِمٍ: إذا ألقَى ثَنِيّتَهُ فَهُوَ ثَنِيّ وَإذا ألقَى رَبَاعِيَتَهُ فَهُوَ رَبَاعٌ.
ـــــــ
وتجمع على الخلفات "فهي عشراء" بضم العين وفتح الشين، يقال عشرت الناقة بالتثقيل فهي عشراء أتى على حملها عشرة أشهر كذا في المصباح. وقد مر تفسير هذا الباب مفصلاً في كتاب الزكاة فليراجع إليه.

(12/195)


21- باب ديات الأعضاء :
44- حدثنا إسْحَاقُ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا عَبْدَةُ - يَعني ابنَ سُلَيْمانَ - أخبرنا سَعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ عن غَالِبٍ التّمّارِ عن حُمَيْدِ بنِ هِلاَلٍ عن مَسْرُوقِ بنِ أوْسٍ عن أبي مُوسَى عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الأصَابِعُ سَوَاءٌ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ" .
4545- حدثنا أبُو الْوَلِيدِ أخبرنا شُعْبَةُ عن غَالِبٍ التّمّارِ عن مَسْرُوقِ بنِ أوْسٍ عن الأشْعَرِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الأصَابِعُ سَواءٌ". قُلْتُ: عَشْرٌ عَشْرٌ؟ قال: نَعَمْ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عن شُعْبَةَ عن غَالِبٍ قال سَمِعْتُ مَسْرُوقَ بنَ أوْسٍ. وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ قالَ حدّثني غَالِبٌ التّمّارُ بإسْنَادِ أبِي الْوَلِيدِ. وَرَوَاهُ حَنْظَلَةُ بنُ أبي صَفِيّةَ عن غَالِبٍ بإسْنَادِ إِسْمَاعِيلَ.
ـــــــ
"باب ديات الأعضاء"
"الأصابع سواء" أي حتى الإبهام والخنصر، وإن كانا مختلفين في المفاصل "عشر عشر من الإبل" أي في كل إصبع من الأصابع عشر من الإبل، وأصابع الرجل واليد في ذلك سواء. والحديث سكت عنه المنذري.
"قلت عشر عشر" أي هل في كل إصبع عشر من الإبل "قال أبو داوود رواه محمد بن جعفر الخ" المقصود من هذا الكلام بيان اختلاف ألفاظ الرواية، ففي رواية محمد بن جعفر روى غالب عن مسروق بلفظ السماع، وفي رواية أبي الوليد المذكورة بالعنعنة ولم يجعل شعبة وإسماعيل بين غالب ومسروق واسطة وجعل سعيد بن أبي عروبة بينهما واسطة حميد بن هلال، ثم روى سعيد وشعبة عن غالب بالعنعنة، وروى إسماعيل وحنظلة عن غالب بالتحديث والله تعالى أعلم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.

(12/195)


4546- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى ح. وأخبرنا ابنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي ح. وأخبرنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أنبأنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ كُلّهُمْ عن شُعْبَةَ عن قَتَادَةَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ" . قال: يَعْنِي الإبْهَامَ وَالْخِنْصَرَ.
4547- حدثنا عَبّاسٌ الْعَنْبَرِيّ أخبرنا عَبْدُ الْصّمَدِ بنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حدّثني شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأصَابِعُ سَوَاءٌ وَاْلأسْنَانُ سَوَاءٌ الثّنِيّةُ وَالضّرْسُ سَوَاءٌ هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ النّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ عن شُعْبَةَ بَمَعْنَى عَبْدِ الصّمَدِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدّثَناهُ الدّارِميّ عن النّضْرِ.
4548- حدثنا مُحمّدُ بنُ حَاتِمٍ بنِ بَزِيعٍ أخبرنا عَلِيّ بنُ الْحَسَنِ أنبأنا أبُو حَمْزَةَ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الأسْنَانُ سَوَاءُ وَالأصَابِعُ سَوَاءٌ" .
4549- حدثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مُحمّدِ بنِ أبَانَ أخبرنا أبُو تُمَيْلَةَ عن حُسَيْنِ
ـــــــ
"هذه وهذه سواء قال يعني الإبهام والخنصر"
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"والأسنان سواء" ففي كل سن خمس من الإبل "الثنية والضرس سواء" الثنية واحدة الثنايا وهي الأسنان المتقدمة اثنتان فوق واثنتان أسفل، والضرس واحد الأضراس وهي ما سوى الثنايا من الأسنان، يعني أن الأسنان كلها سواء لا تفاوت فيما ظهر منها وما بطن وما يفتقر إليها كل الافتقار وما ليس كذلك "هذه وهذه سواء" يعني الإبهام والخنصر "حدثناه الدارمي عن النضر" أي ابن شميل، والضمير المنصوب في حدثناه يرجع إلى ما رواه النضر بن شميل.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي ولفظه "دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشرة من الإبل لكل إصبع" وقال حسن صحيح غريب.
وأخرجه ابن ماجه ولفظه " الأسنان سواء الثنية والضرس سواء في لفظه أنه قضى في السن خمساً من الإبل" .
"الأسنان سواء والأصابع سواء" الحديث سكت عنه المنذري.

(12/196)


المُعَلّم عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ قال: "جَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أصَابِعَ الْيَدَيْنِ وَالرّجْلَيْنِ سَوَاءً" .
4550- حدثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا هَمّامٌ أخبرنا [أنبأنا] حُسَيْنُ المُعَلّمُ عن عَمْرِو ابنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ في خُطْبَتِهِ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلى الْكَعْبَةِ: "في الأصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ" .
4551- حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أبُو خَيْثَمَةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا حُسَيْنُ المُعَلّمُ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "في الأسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَجَدْتُ في كِتَابِي عن شَيْبَانَ وَلَمْ أسْمَعْهُ [أسمع] مِنْهُ فحدّثَنَاهُ أبُو بَكْرٍ - صَاحِبٌ لَنَا ثِقَةٌ - قالَ أخبرنا شَيْبَانُ أخبرنا مُحمّدٌ - يَعني ابنَ رَاشِدٍ - عن [أخبرنا] سُلَيْمانَ - يَعني ابنَ مُوسَى - عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قالَ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُقَوّمُ دِيَةَ الْخَطَإِ عَلَى أهْلِ الْقُرَى أرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ أوْ عَدْلَها مِنَ الْوَرَقِ وَيُقَوّمُهَا عَلَى أثْمَانِ الإبِلِ، فإذا غَلَتْ رَفَعَ في قِيمَتِهَا، وَإذا هَاجَتْ رُخْصاً نَقَصَ
ـــــــ
"جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ" الحديث سكت عنه المنذري.
"وهو مسند ظهره إلى الكعبة" الجملة حالية. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"قال في الأسنان خمس خمس" قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"قال أبو داوود وجدت" أي حديث عمرو بن شعيب المذكور بعد هذا المصدر بقوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم دية الخطأ "ولم أسمعه منه" أي من شيبان "صاحب لنا" أي تلميذ لنا وهو بدل من أبو بكر "ثقة" صفة لصاحب "يقوم دية الخطأ الخ" من التقويم أي يجعل قيمة دية الخطأ "على أهل القرى" جمع قرية "أو عدلها" بفتح أوله ويكسر، قيل العدل بالفتح مثل الشيء في القيمة وبالكسر مثله في المنظر.
وقال الفراء بالفتح ما عدل الشيء من غير جنسه وبالكسر من جنسه.
قال الحافظ ابن حجر في هذه الرواية للأكثر بالفتح فالمعنى أو مثلها في القيمة "من الورق" بكسر الراء ويسكن أي الفضة "ويقومها" أي وكان يقوم دية الخطأ "على أثمان الإبل" جمع ثمن بفتحتين، وهذه الجملة بيان لقوله يقوم دية الخطأ يعني أن المراد من تقويم دية الخطأ

(12/197)


مِنْ قِيمَتِهَا، وَبَلَغَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَا بَيْنَ أرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ إلَى ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ أوْ [و] عِدْلُهَا مِنَ الْوَرَقِ ثَمَانِيَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ قالَ: وَقَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَمَنْ كَانَ دِيَةُ عَقْلِهِ في الشّاءِ فَأَلْفَيُ [فألفا] شَاةٍ. قالَ وقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى قَرَابَتِهِمْ فَمَا فَضَلَ فَلِلْعَصْبَةِ. قالَ: وَقَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الأنْفِ إذَا جُدِعَ الدّيَةَ كَامِلَةً وَإنْ جُدِعَتْ ثُنْدُؤَتُهُ فَنِصْفُ الْعَقْلِ خَمْسُونَ مِنَ الإبِلِ أوْ عَدْلُها مِنَ الذّهَبِ أو الْوَرَقِ أوْ مِائَةُ بَقَرَةٍ أوْ ألْفُ شَاةٍ، وفي الْيَدِ إذَا قُطِعَتْ نِصْفُ الْعَقْلِ، وفي الرّجْلِ نِصْفُ الْعَقْلِ، وفي المَأْمُومَةِ ثلُثُ الْعَقْلِ ثَلاَثٌ وَثَلاثُونَ مِنَ اْلإبِلِ، وَثُلُثٌ أوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذّهَبِ أو الْوَرِقِ أو الْبَقَرِ أو الشّاء، وَالْجَائِفَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَفي الأصَابِعِ في كُلّ إصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الإبلِ، وَفي الأسْنَانِ في كُلّ سِنَ خَمْسٌ مِنَ الإبلِ. وَقَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنّ عَقْلَ المَرْأَةِ بَيْنَ عَصْبَتِهَا مَنْ كَانُوا لاَ يَرِثُونَ مِنْهَا شَيْئاً إلاّ مَا فَضَلَ عنْ وَرَثَتِهَا، فإنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا وَهُمْ يَقْتُلُونَ قاتِلَهُمْ.
ـــــــ
تقويم إبلها "فإذا غلت" أي الإبل يعني زاد ثمنها "رفع في قيمتها" أي زاد في قيمة الدية "وإذا هاجت" من هاج إذا ثار أي ظهرت قيمتها "رخصاً" :بضم فسكون ضد الغلاء حال والمعنى إذا رخصت ونقصت قيمتها "نقص" أي النبي صلى الله عليه وسلم "من قيمتها" أي قيمة الدية "وبلغت" أي قيمة الدية للخطأ "ومن كان دية عقله" وفي بعض الروايات كما في المشكاة وعلى أهل الشاة ألفي شاة "في الشاء" جمع شاة "إن العقل" أي الدية "ميراث بين ورثة القتيل على قرابتهم" معناه أن دية القتيل تركة يقسم بين ورثته كسائر تركته "فما فضل" أي من سهام أصحاب الفرائض وهم الذين لهم سهام ومقدرة في كتاب الله تعالى "فللعصبة" العصبة كل من يأخذ من التركة ما أبقته أصحاب الفرائض وعند الانفراد يحرز جميع المال "إذا جدع" أي قطع والمراد إذا استوعب في القطع "الدية" بالنصب على المفعولية "كاملة" حال من الدية "وإن جدعت ثندؤته" بضم مثلثة مهموزاً وفتحها بلا همز وبعد المثلثة نون والمراد بها ههنا أرنبة الأنف أي طرفه ومقدمه كذا في فتح الودود "خمسون من الإبل" بيان النصف "أو عدلها" بالرفع عطف على خمسون "وفي المأمومة" أي الشجة التي تصل إلى جلدة تسمى أم الدماغ واشتقاق المأمومة منه "ثلاث وثلاثون من الإبل" بيان ثلث العقل "وثلث" أي ثلث قيمة إبل "والجائفة" أي وفي الجائفة وهي الطعنة التي تصل إلى جوف الرأس أو البطن أو الظهر.
قال الخطابي: فإن نفذت الجائفة حتى خرجت من الجانب الآخر فإن فيها ثلثي الدية لأنهما حينئذ جائفتان "أن عقل المرأة" أي الدية التي وجبت بسبب جنايتها "بين عصبتها " أي هم يتحملونها "من كانوا لا يرثون منها" أي من المرأة وهذه صفة كاشفة للعصبة أي دية المرأة القاتلة يتحملها عصبتها الذين لا يرثون منها "إلا ما فضل عن ورثتها" أي ذوي الفرائض.

(12/198)


وقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَوَارِثُهُ أقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ وَلا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئاً" .
قالَ مُحمّدُ: هَذَا كُلّهُ حدّثنِي بِهِ سُلَيْمانُ بنُ مُوسَى عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
قال الخطابي: يقول إن العصبة يتحملون عقلها كما يتحملون عن الرجل وأنها ليست كالعبد الذي لا يحمل العاقلة جنايته وإنما هي في رقبته. وفيه دليل على أن الأب والجد لا يدخلان في العاقلة لأنه يسهم لهما السدس وإنما العاقلة الأعمام وأبناء العمومة ومن كان في معناهم من العصبة انتهى "فإن قتلت" بصيغة المجهول أي المرأة "فعقلها" أي ديتها "بين ورثتها" أي سواء كانوا أصحاب الفرائض أو عصبة، فإن دية المرأة المقتولة كسائر تركتها فلا تختص بالعصبة بل تقسم أولاً بين أصحاب الفرائض فإن فضل منها شيء يقسم بين العصبة. بخلاف دية المرأة القاتلة التي وجبت عليها بسبب قتلها فإن العصبة يتحملونها خاصة دون أصحاب الفرائض.
قال الخطابي: يريد أن الدية موروثة كسائر الأموال التي تملكها أيام حياتها يرثها زوجها. وقد ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها "وهم" أي ورثتها "يقتلون قاتلهم" الظاهر أن يكون قاتلها أي قاتل المرأة ولكن أضيف القاتل إلى الورثة لأنهم هم المستحقون بقتله، فالإضافة لأدنى مناسبة. والمعنى أن الورثة يرثون دية المرأة المقتولة ويأخذونها وهم يقتلون قاتلها فهم مختارون إن شاؤوا أخذوا الدية ولم يقتلوا قاتلها وإن شاؤا قتلوا قاتلها وليس لغيرهم حق في واحد من هذين الأمرين "ليس للقاتل شيء" أي من دية المقتول ولا من تركته "وإن لم يكن له" أي للمقتول "وارث" أي سوى القاتل "فوارثه أقرب الناس إليه" أي إلى المقتول.
قال الخطابي: معنى قوله فإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إليه أن بعض الورثة إذا قتل المورث حرم ميراثه وورثه من لم يقتل من سائر الورثة.
وإن لم يكن له وارث إلا القاتل فإنه يحرم الميراث وتدفع تركته إلى أقرب الناس من بعد القاتل، وهذا كالرجل يقتله ابنه وليس له وارث غير ابنه القاتل وللقاتل إبن فإن ميراث المقتول يدفع إلى ابن القاتل ويحرم القاتل انتهى.
وقيل: المراد من قوله وارث ذو فرض، والمعنى وإن لم يكن للمقتول ذو فرض فوارثه أقرب الناس إليه من العصابات كذا قيل.
قلت: هذا غير ظاهر بل ليس بصحيح والظاهر هو ما قال الإمام الخطابي فتدبر "قال

(12/199)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: مُحمّدُ بنُ رَاشِدٍ مِنْ أهْلِ دِمَشْقَ، هَرَبَ إلَى الْبَصْرَةِ مِنَ الْقَتْلِ.
4552- حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ بَكّارِ بنِ بِلاَلٍ الْعَامِليّ أنبأنا مُحمّدٌ - يَعني ابنَ رَاشِدٍ - عن سُلَيْمانَ - يَعني ابنَ مُوسَى عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "عَقْلُ شِبْهُ الْعَمْدِ مُغَلّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ وَلا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ" .
قال: وَزَادَنَا خَلِيلٌ عن ابنِ رَاشِدٍ: وَذَلِكَ أنْ يَنْزُوَ الشّيْطَانُ بَيْنَ النّاسِ فَتَكُونَ دِمَاءٌ في عِمّيّا في غَيْرِ ضَغِينَةٍ وَلا حَمْلِ سِلاَحٍ.
ـــــــ
محمد" يعني ابن راشد وهذه مقولة شيبان "هذا كله" أي كل حديث رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في هذا المتن الطويل المتقدم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد.
"عقل شبه العمد مغلظ" قد مر بحثه "ولا يقتل صاحبه" أي صاحب شبه العمد وهو القاتل سماه صاحبه لصدور القتل عنه، وإنما قال صلى الله عليه وسلم هذا دفعاً لتوهم جواز الاقتصاص في شبه العمد حيث جعله كالعمد المحض في العقل "قال" هذا مقول أبي داوود المؤلف والقائل هو محمد بن يحيى بن فارس شيخه ذكره المزي "وزادنا خليل" بن زياد المحاربي روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم الرازي ولفظ أحمد في مسنده حدثنا أبو النضر وعبد الصمد قالا حدثنا محمد يعني ابن راشد حدثنا سليمان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس" قال أبو النضر فيكون رمياً في عمياً في غير فتنة ولا حمل سلاح "وذلك" أي قتل شبه العمد الذي لا يقتل صاحبه "أن ينزو الشيطان بين الناس" النزو الوثوب والتسرع إلى الشر "فتكون دماء" ضبط بضم الهمزة في نسخة شيخنا العلامة الدهلوي. وكذلك ضبط في بعض النسخ الأخر أي فتوجد دماء فكلمة تكون تامة.
وفي بعض النسخ فيكون دماً بالإفراد والنصب ولا يظهر وجهه اللهم إلا أن يقال إن ضمير يكون راجع إلى نزو الشيطان وهو اسمه ودما خبره، والمعنى يكون نزو الشيطان بين الناس دما أي سبب دم وفيه تكلف كما لا يخفى "في عمياً" بكسر العين والميم المشددة وتشديد الياء أي في حال يعمى أمره فلا يتبين قاتله ولا حال قتله وقد تقدم ضبطه ومعناه "في غير ضغينة" الضغينة الحقد والعداوة والبغضاء.

(12/200)


4553- حدثنا أبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بنُ حُسَيْنٍ أنّ خَالِدَ بنَ الْحارِثِ حَدّثَهُمْ قالَ أخبرنا حُسَيْنُ - يَعني المُعَلّمُ - عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ أنّ أبَاهُ أخْبَرَهُ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "في المَوَاضِحِ خَمْسٌ" .
4554- حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ السّلَمِيّ أخبرنا مَرْوَانُ - يَعنِي ابنَ مُحمّدٍ - أخبرنا الْهَيْثَمُ بنُ حُمَيْدٍ حدّثني الْعَلاَءُ بنُ الْحَارِثِ حدّثني عَمْرُو بنُ شُعْيَبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال: "قَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السّادّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلُثٍ الدّيَةِ" .
ـــــــ
والحاصل أن قتل شبه العمد يحصل بسبب وثوب الشيطان بين الناس فيكون القتال بينهم من غير حقد وعداوة ولا حمل سلاح بل في حال يعمى أمره ولا يتبين قاتله ولا حال قتله، ففي مثل هذه الصورة لا يقتل القاتل بل عليه دية مغلظة مثل دية قتل العمد.
قال المنذري: وخليل هذا لم ينسب وقد تقدم الكلام على محمد بن راشد وعمرو بن شعيب انتهى.
وفي التهذيب: خليل غير منسوب عن محمد بن راشد في ترجمة الخليل بن زياد المحاربي انتهى.
"فضيل" بالتصغير اسم أبي كامل "في المواضح خمس" جمع موضحة بكسر الضاد أي الجراحة التي ترفع اللحم من العظم وتوضحه أي في كل موضحة خمس من الإبل كذا في المرقاة وفي المجمع، والوضح البياض من كل شيء ومنه الحديث "أمر بصيام الأواضح" أي أيام الليالي الأواضح أي البيض جمع واضحة والموضحة التي تبدي وضح. العظم أي بياضه وجمعه المواضح انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن.
"في العين القائمة السادة لمكانها" بتشديد الدال المهملة أي الباقية في مكانها صحيحة لكن ذهب نظرها وإبصارها. وقال التوربشتي: أراد بها العين التي لم تخرج من الحدقة ولم يخل موضعها فبقيت في رأى العين على ما كانت لم يشوه خلقتها ولم يذهب بها جنال الوجه "بثلث الدية" وإنما وجب فيها ثلث دية العين الصحيحة لأنها كانت بعد ذهاب بصرها باقية الجمال فإذا قلعت أو فقئت ذهب ذلك. قال ابن الملك: عمل بظاهر الحديث إسحاق وأوجب الثلث في العين المذكورة وعامة العلماء أوجبوا حكومة العدل لأن المنفعة لم تفت بكمالها فصارت كالسن إذا سودت بالضرب، وحملوا الحديث على معنى الحكومة إذ الحكومة بلغت ثلث الدية.

(12/201)


...............................
ـــــــ
وفي الطيبي: وكان ذلك بطريق الحكومة وإلا فاللازم في ذهاب ضوئهما الدية، وفي ذهاب ضوء إحداهما نصف الدية عند الفقهاء.
وفي شرح السنة: معنى الحكومة أن يقال لو كان هذا المجروح عبداً كم كان ينتقص بهذه الجراحة من قيمته فيجب من ديته بذلك القدر، وحكومة كل عضو لا تبلغ فيه المقدرة حتى لو جرح رأسه جراحة دون الموضحة لا تبلغ حكومتها أرش الموضحة وإن قبح شينها.
وقال الشمني: حكومة العدل هي أن يقوم المجني عليه عبداً بلا هذا الأثر ثم يقوم عبداً مع هذا الأثر فقدر التفاوت بين القيمتين من الدية، هو هي أي ذلك القدر هي حكومة العدل، وهذا تفسير الحكومة عند الطحاوي وبه أخذ الحلواني، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وكل من يحفظ عنه العلم، كذا قال ابن المنذر ذكره في المرقاة وفي فتح الودود، وقد عمل بظاهره بعض العلماء لكن عامتهم أوجبوا فيها حكومة عدل وحملوا الحديث على أن الحكومة في تلك الواقعة بلغت هذا القدر لا أنه شرع الثلث في الدية على الإطلاق انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وزاد "وفي اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها وفي السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها" .

(12/202)


22- باب دية الجنين :
4555- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمِرِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن مَنْصُورٍ عن إِبراهِيمَ عن عُبَيْدِ بنِ نَضْلَةَ [نضيلة] عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ: " أنّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الأخْرَى بِعَمُودٍ فَقَتَلَتْهَا [وجنينها] فَاخْتَصَمَا [فاختصموا] إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم: فقالَ أحَدُ الرّجُلَيْنِ: كَيْفَ نَدِي مَنْ لا صَاحَ وَلا أكَلَ، وَلا شَرِبَ وَلا
ـــــــ
"باب دية الجنين"
الجنين على وزن عظيم هو حمل المرأة ما دام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره فإن خرج حياً فهو ولد أو ميتاً فهو سقط، وقد يطلق عليه جنين "عن عبيد بن نضلة" بفتح النون وسكون المعجمة الخزاعي أبو معاوية الكوفي ثقة كذا في التقريب. وفي نسخ الصحيح لمسلم نضيلة مصغراً، وكذا ذكره مصغراً الذهبي في كتاب المشتبه. وقال عبيد بن نضيلة: الخزاعي المقري أحد التابعين بالكوفة انتهى.
ونقل بعض العلماء عن ابن حبان أنه قال نضلة وقيل نضيلة انتهى والله أعلم "من هذيل" بالتصغير قبيلة "بعمود" بفتح العين أي خشب "فقتلتها" وفي بعض النسخ "فقتلتها وجنينها" "فاختصما" أي ولي القاتلة والمقتولة، وفي بعض النسخ "فاختصموا" أي أولياؤهما "فقال أحد الرجلين" وهو ولي القاتلة "كيف ندي" ودي يدي دية "من لا صاح" أي ما صرخ "ولا أكل"

(12/202)


اسْتَهَلّ، فقالَ: أسَجْعٌ كَسَجْعِ الأعْرَابِ، وَقَضَى فِيهِ بِغُرّةٍ وَجَعَلهُ علَى عَاقِلَةِ المَرْأَةِ" .
4556- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ بإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ وَزَادَ قالَ: " فَجَعَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دِيَةَ المَقْتُولَةِ علَى عَصْبَةِ الْقَاتِلَةِ وَغُرّةً لِمَا في بَطْنِهَا" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَكَمُ عن مُجَاهِدٍ عن المُغِيرَةِ.
4557- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ هَارُونُ بنُ عَبّادٍ الأزْدِيّ المَعنى قالا أخبرنا وَكِيعٌ عن هِشَامٍ عن عُرْوَةَ عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ: أنّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النّاسَ في إمْلاَصِ المَرْأَةِ، فَقالَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ: "شَهِدْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى فِيهَا بِغُرّةِ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ"، فَقالَ: ائْتِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ. قال: فأَتَاهُ بِمُحَمّدِ بنِ مَسْلَمَةَ. زَادَ هَارُونُ: فَشَهِدَ لَهُ - يَعني: ضَرَبَ الرّجُلُ بَطْنَ امْرَأَتِهِ.
ـــــــ
يوقف عليه بالسكون مراعاة للسجع الآتي "ولا شرب ولا استهل" بتشديد اللام من الاستهلال وهو رفع الصوت والمعنى كيف نعطي دية الجنين الذي لم يظهر منه شيء مما يلزم الأحياء من الصياح والأكل وغيرهما "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أسجع كسجع الأعراب" أي أهل البوادي، والسجع الكلام المقفى والهمزة للإنكار، وإنما أنكره وذمه صلى الله عليه وسلم لأنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله ولأنه تكلفه في مخاطبته "وقضى فيه" أي في الجنين "بغرة" بضم الغين المعجمة وشدة الراء وأصلها البياض في وجه الفرس والمراد هاهنا العبد أو الأمة كما فسر بهما في الروايات الآتية "وجعله" أي العقل "على عاقلة المرأة" أي القاتلة. ولم يذكر في هذا الحديث دية المرأة المقتولة ويأتي ذكرها في الرواية الآتية.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"وكذلك" أي بذكر دية المقتولة على عصبة القاتلة وبذكر غرة لما في بطنها رواه الحكم بن عتيبة عن مجاهد عن المغيرة كما رواه جرير عن منصور بذكر الجملتين فهذه متابعة لمنصور.
وأما شعبة عن منصور فلم يذكر دية المرأة المقتولة كما صرح به مسلم في صحيحه وأشار إليه المؤلف. وتابع جريراً بذكر الجملتين مفضل وسفيان كما عند مسلم وغيره.
وشعبة قد تفرد بين أصحاب منصور بعدم ذكر الجملة المذكورة والله أعلم "استشار الناس في إملاص المرأة" أي إسقاطها الولد. قال النووي: أمصلت المرأة بالولد إذا وضعته قبل أوانه وكل ما زلق من اليد فقد مَلِص بفتح الميم وكسر اللام وأملص أيضاً لغتان "قضى فيها" أي في إملاص المرأة "بغرة عبد أو أمة" قال النووي: الرواية فيه غرة بالتنوين وما بعده بدل منه ورواه بعضهم بالإضافة والأول أوجه، وأو في قوله أو أمة للتقسيم لا للشك "يعني ضرب الرجل

(12/203)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: بَلَغَنِي عن أبي عُبَيْدٍ إنّمَا سُمّيَ إمْلاَصاً لأنّ المَرْأَةَ تَزْلِقُهُ قَبْلَ وَقْتِ الْوِلاَدَةِ وَكَذَلِكَ كُلّ مَا زَلَقَ مِنَ الْيَدِ وَغَيْرِهِ فَقَدْ مَلِصَ.
4558- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ عنْ هِشَامٍ عن أبِيهِ عن المُغِيرَةِ عنْ عُمَرَ بِمَعْنَاهُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَمّادُ بنُ زَيْدٍ وَحَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عنْ هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ أنّ عُمَرَ قالَ.
4559- حدثنا مُحمّدُ بنُ مَسْعُودٍ المِصّيْصِيّ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ قالَ أخبرني عَمْرُو بنُ دِينَارٍ أنّهُ سَمِعَ طَاوُساً عن ابنِ عَبّاسٍ عنْ عُمَرَ أنّهُ سَأَلَ عنْ قَضِيّةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في ذَلِكَ، فَقَامَ حَمَلُ بنُ مَالِكٍ بنِ النّابِغَةِ، فقَالَ: "كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الأخْرَى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في جَنِينِهَا بِغُرّةٍ وَأَنْ تُقْتَلَ" .
ـــــــ
بطن امرأته" هذا تفسير الإملاص من أحد الرواة ووقع تفسيره في الاعتصام من البخاري رحمه الله هو أن تضرب المرأة في بطنها فتلقي جنينها "لأن المرأة تزلقه" بكسر اللام في القاموس زلقه عن مكانه يُزْلقه بَعْدّه ونحاه "فقد ملص" بفتح الميم وكسر اللام.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه. وقد قيل إن عمر لما جاءه خلاف ما يعلم في الديات أراد التثبت لا أنه يرد خبر الواحد. وقيل كان يفعل ذلك مع الصحابة حتى يبالغ غيرهم في التثبت فيما يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه يفعل ذلك مع الصحابة.
"أخبرنا وهيب" بالتصغير هو ابن خالد البصري وهكذا في كتاب الديات من صحيح البخاري. وفي بعض النسخ وهب وهو غلط "عن عمر بمعناه" قال المنذري: وأخرجه البخاري.
"أنه سأل" أي الناس "في ذلك" زاد في رواية ابن ماجه يعني في الجنين "فقام حمل" بفتح الحاء المهملة والميم "بن مالك بن النابغة" بالموحدة المكسورة وبالغين المعجمة "كنت بين امرأتين" زاد في رواية ابن ماجه "لي" "بمسطح" بكسر الميم أي عود من أعواد الخباء "بغرة" أي عبد أو أمة "وأن تقتل" بصيغة المجهول أي القاتلة قصاصاً.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقوله "وأن تقتل" لم يذكر في غير هذه

(12/204)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: قالَ النّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ المِسْطَحُ هُوَ الصّوْبجُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقالَ أبُو عُبَيْدٍ المِسْطَحُ عُودٌ مِنْ أعْوَادِ الْخِبَاءِ.
4560- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ الزّهْرِيّ أخبرنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍو عنْ طَاوُسٍ قالَ: قامَ عُمَرُ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَأَنْ تَقْتَلَ. زَادَ بِغُرّةِ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ قالَ: فقَالَ عُمَرُ الله أكْبَرُ لَوْ لَمْ أسْمَعْ بِهَذَا لَقَضَيْنَا بِغَيْرِ هَذَا.
4561- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ التّمّارِ: أنّ عَمْرَو بنَ طَلْحَةَ حَدّثَهُمْ قالَ أخبرنا أسْبَاطُ عنْ سِمَاكٍ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ فِي قِصّةِ حَمَلٍ بنِ مَالِكٍ قالَ: "فَأَسْقَطَتْ غُلاَماً قَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ مَيّتاً وَمَاتَتِ المَرْأَةُ فَقَضَى عَلَى الْعَاقِلَةِ الدّيَةَ، فقَالَ عَمّهَا إنّهَا قَدْ أسْقَطَتْ يَا نَبِيّ الله غُلاَماً قَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ، فقَالَ أبُو الْقَاتِلَةِ: إنّهُ كَاذِبٌ إنّهُ وَالله مَا اسْتَهَلّ وَلاَ شَرِبَ وَلاَ أكَلَ، فَمِثْلُهُ يُطَلّ [بطل] فقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أسَجْعُ الْجَاهِلِيّةِ وَكَهَانَتُهَا؟ أدّ فِي الصّبيّ غُرّةً" .
قالَ ابنُ عَبّاسٍ: كَانَ اسْمُ إحْدَاهُمَا مُلَيْكَةُ وَالأخْرَى أمّ غُطَيْفٍ.
ـــــــ
الرواية. وقد روى عن ابن دينار أنه شك في قتل المرأة بالمرأة "هو الصوبج" بفتح الصاد ويضم الذي يخبز به معرب كذا في القاموس "عود من أعواد الخباء" بكسر الخاء المعجمة والمد هو الخيمة.
"ولم يذكر وأن تقتل" أي لم يذكر سفيان في روايته لفظ "وأن تقتل" كما ذكره ابن جريج في روايته المذكورة "زاد بغرة عبد أو أمة" أي زاد سفيان بعد غرة لفظ عبد أو أمة بخلاف رواية ابن جريج المذكورة فإنه اقتصر فيها على قوله غرة "لو لم أسمع بهذا" أي بما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي هذا منقطع طاوس لم يسمع من عمر.
"قد نبت شعره" صفة أولى لقوله غلاماً "ميتاً" صفة ثانية له "فقال عمها" أي عم المقتولة "فقال أبو القاتلة" وفي بعض الروايات الآتية فقال حمل بن مالك بن النابغة وهو زوج القاتلة وفي رواية للطبراني " فقال أخوها العلاء بن مسروح" ويجمع بين الروايات بأن كل واحد من أبيها وأخيها وزوجها قال ذلك والله تعالى أعلم. "ما استهل" أي ما صاح "فمثله يطل" بصيغة المضارع المجهول من طل دمه إذا أهدر. وفي بعض النسخ "بطل" بصيغة الماضي المعلوم من البطلان قال الخطابي: يروى هذا الحرف على وجهين أحدهما بطل على وزن الفعل الماضي من البطلان، والثاني على وزن الفعل الغابر من قولهم طل دمه إذا أهدر "وكهانتها" بالنصب عطف على سجع الجاهلية "أد" أمر من التأدية "قال ابن عباس كان اسم إحداهما إلخ".

(12/205)


4562- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا يُونُسُ بنُ مُحمّدٍ أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا مُجَالِدٌ حدثني [حدثنا] الشّعْبِيّ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله: "أنّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ قَتَلَتْ إحْدَاهُمَا الأخْرَى وَلِكُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ قالَ فَجَعَلَ النّبيّ [رسول الله] صلى الله عليه وسلم دِيَةَ المَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ، وَبَرّأَ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا. قالَ فقَالَ عَاقِلَةُ المَقْتُولَةِ مِيرَاثُهَا لَنَا؟ قالَ فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: لاَ. مِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا" .
4563- حدثنا وَهْبُ بنُ بَيَانٍ وَ ابْنُ السّرْحِ قالا أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ وَ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الأخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا فاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم دِيَةَ جَنِينِهَا غُرّةُ عَبْدٍ أوْ وَلِيدَةٍ [أو أمة] وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فقَالَ حَمَلُ بنُ مَالِكٍ بنِ النّابِغَةِ الهُذَلِيّ يَا رَسُولَ الله كَيْفَ أغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لاَ شَرِبَ وَلاَ أكَلَ، وَنَطَقَ وَلاَ اسْتَهَلّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلّ [بطل]، فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إنّمَا هَذَا مِنْ إخْوَانِ الْكُهّانِ. مِنْ أجْلِ سَجْعِهِ الّذِي سَجَعَ" .
ـــــــ
قال المنذري: غطيف بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفاء آخره، ومليكة بضم الميم وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وكاف مفتوحة وتاء تأنيث.
"وبرأ زوجها وولدها" أي برأهما من تحمل الدية. وفيه دليل على أن الزوج والولد ليسا من العاقلة وإليه ذهب مالك والشافعي "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا" أي ليس ميراثها لكم بل "ميراثها لزوجها وولدها" كان تخصيص التوريث بين زوجها وولدها لأجل أنهم هم كانوا من الورثة في الواقع وإلا فالظاهر أن ميراثها لورثتها أياماً كان كما قال في الرواية الآتية وورثها ولدها ومن معهم. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه مختصراً وفي إسناده مجالد بن سعيد وقد تكلم فيه غير واحد.
"وقضى بدية المرأة" أي المقتولة "على عاقلتها" أي عاقلة القاتلة "وورثها" أي الدية "ولدها ومن معهم" الضمير للولد لأنه جنس يطلق على الواحد والجمع "كيف أغرم" بفتح الراء أي أضمن "إنما هذا" أي القائل أو القائل هذا "من إخوان الكهان" بضم كاف وتشديدهاء جمع كاهن وكانوا يروجون مزخرفاتهم بالأسجاع ويزرقون أكاذيبهم بها في الأسماع "من أجل سجعه" أي قاله صلى الله عليه وسلم من أجل سجعه. قال الطيبي: ولم يعبه بمجرد السجع دون ما تضمن سجعه من الباطل، أما إذا وضع السجع في مواضعه من الكلام فلا ذم فيه، وكيف يذم وقد جاء

(12/206)


4564- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا اللّيْثُ عن ابنِ شِهَابٍ عن ابنِ المُسَيّبِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ قالَ: "ثُمّ إنّ المَرْأَةَ الّتِي قَضَى عَلَيْهَا بالغُرّةِ تُوُفّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بأنّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَأَنّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا" .
4565- حدثنا عَبّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى أخبرنا يُوسُفُ بنُ صُهَيْبٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ أبِيهِ: "أنّ امْرَأَةً حَذَفَتْ [خذفت] امْرَأَةً فأَسْقَطَتْ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ فِي وَلَدِهَا خَمْسَ مَائَةِ شَاةٍ، وَنَهَى يَوْمَئِذٍ عن الْحَذْفِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا الْحَدِيثَ خَمْسَ مَائَةِ شَاةٍ وَالصّوَابُ مَائَةُ شَاةٍ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا قالَ عَبّاسٌ وَهُوَ وَهْمٌ.
ـــــــ
في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً قلت: ومنه ما ورد "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع، ومن هؤلاء الأربع" .
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي "ثم إن المرأة التي قضى عليها إلخ" قال النووي: قال العلماء هذا الكلام قد يوهم خلاف مراده، فالصواب أن المرأة التي ماتت هي المجني عليها أم الجنين لا الجانية، وقد صرح به في حديث آخر بقوله "فقتلتها وما في بطنها" فيكون المراد بقوله "التي قضى عليها" أي التي قضى لها فعبر بعليها عن لها. وأما قوله "والعقل على عصبتها" فالمراد القاتلة أي على عصبة القاتلة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"حذفت امرأة" بالحاء المهملة والذال المعجمة أي رمتها، وفي بعض النسخ خذفت بالخاء المعجمة قال في المجمع: الخذف هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها، أو تتخذ مخذفة "مخذفة بالكسر فلاخن" من خشب ثم ترمي بها الحصاة بين إبهامك والسبابة انتهى "فأسقطت" أي حملها "فرفع" بصيغة المجهول "ونهى يومئذ عن الحذف" أي الرمي بالحجر والعصا ونحوهما. وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة "كذا الحديث خمس مائة شاة الخ" أي وقع في هذا الحديث لفظ خمس مائة شاة وهو وهم والصواب مائة شاة.
قال المنذري: وأخرجه النسائي مسنداً ومرسلاً وقال هذا وهم. وينبغي أن يكون أراد مائة من الغنم. وقد روي النهي عن الحذف عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل. هذا آخر كلامه. وحديث عبد الله بن مغفل الذي أشار إليه النسائي أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(12/207)


4566- حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أخبرنا عِيسَى عنْ مُحمّدٍ يَعني ابنَ عُمَرَ وَعنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "قَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنِينِ بِغُرّةِ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ أوْ فَرَسٍ أوْ بَغْلٍ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عنْ مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ وَخَالِدُ بنُ عَبْدِ الله [عن محمد بن عمرو] وَلَمْ يَذْكُرَا فَرساً وَلاَ بَغْلاً [فرس أو بغل].
4567- حدثنا مُحمّدُ بنُ سِنَانٍ الْعَوْقِيّ قالَ أخبرنا شَرِيكٌ عنْ مُغِيرَةَ عن إِبراهِيمَ وَ جَابِرٍ عن الشّعْبِيّ قالَ: الْغُرّةُ خَمْسُ مَائَةٍ يَعْنِي دِرْهَمٌ [درهما].
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قالَ رَبِيعَةُ: "الْغُرّةُ خَمْسُونَ دِينَاراً".
ـــــــ
"قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل" قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وليس في حديثهما أو فرس أو بغل وقال الترمذي: "قال أبو داوود روى" بصيغة الماضي المعلوم وفاعله حماد بن سلمة وخالد بن عبد الله "عن محمد بن عمرو" بفتح العين وبالتنوين "لم يذكرا" أي حماد بن سلمة وخالد بن عبد الله. قال الخطابي في المعالم: يقال أن عيسى بن يونس قد وهم فيه وهو يغلط أحياناً فيما يرويه إلا أنه قد روى عن عطاء وطاوس ومجاهد وعروة بن الزبير أنهم قالوا الغرة عبد أو أمة أو فرس فيشبه أن يكون الأصل عندهم فيما ذهبوا إليه حديث أبي هريرة والله أعلم وأما البغل فأمره أعجب، وقد يحتمل أن تكون هذه الزيادة إنما جاءت من قبل بعض الرواة على سبيل القيمة إذا عدمت الغرة من الرقاب والله أعلم انتهى.
قال المنذري: قال الخطابي: يقال إن عيسى بن يونس قد وهم فيه وقد يغلط أحياناً فيما يروي. قال البيهقي ذكر البغل والفرس غير محفوظ، وروي من وجه آخر ضعيف ومرسل وهو تفسير طاوس.
"حدثنا محمد بن سنان" بكسر السين "العوقي" بفتح المهملة والواو بعدها قاف "عن إبراهيم" هو ابن يزيد النخعي "قال ربيعة" هو ابن أبي عبد الرحمن وهذان الأثران سكت عنهما المنذري. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن إسماعيل بن عياش عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قوم لغرة خمسين ديناراً وأخرج البزار في مسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة حذفت امرأة فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ولدها بخمس مائة ونهى عن الحذف كذا في تخريج الهداية.

(12/208)


23- باب في دية المكاتب :
4568- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا يَعْلَى بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَجّاجٌ الصّوّافُ عنْ يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ قالَ: "قَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي دِيَةِ المُكَاتِبِ يُقْتَلُ يُؤْدَى مَا أدّى مِنْ مُكَاتَبَتِهِ [كتابته] دِيَةَ الْحُرّ وَمَا بَقِيَ دِيَةَ المَمْلُوكِ" .
4569- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عنْ أيّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبّاسِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا أصَابَ المُكَاتَبُ حَدّا أوْ وَرِثَ مِيرَاثاً يَرِثُ عَلَى قَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ" .
ـــــــ
"باب في دية المكاتب"
"حدثنا عثمان بن أبي شيبة" من عثمان إلى قوله عن يحيى بن أبي كثير في عامة النسخ ومنها نسخة صحيحة لشيخنا الدهلوي، وأما في بعض النسخ فهكذا حدثنا مسدد أخبرنا يحيى بن سعيد وإسماعيل عن هشام وحدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا يعلى ابن عبيد أخبرنا حجاج الصواف جميعاً عن يحيى بن أبي كثير لكن ما وجدنا إسناد مسدد عن يحيى بن سعيد وإسماعيل عن هشام عن يحيى ابن أبي كثير في أطراف المزي والله أعلم "يقتل" بصيغة المجهول حال من المكاتب، أي قضى صلى الله عليه وسلم في دية المكاتب حال كونه مقتولاً "يؤدى" بتخفيف الدال مضارع مجهول من ودى يدي دية أي يعطي دية المكاتب "ما أدى" بفتح الهمزة وتشديد الدال أي قضى ووفى "من مكاتبته" أي من مال الكتابة "دية الحر" بالنصب، والمعنى أن المكاتب إذا قتل يعطى دية حر بقدر ما أدى من مال الكتابة ويعطى دية عبد بقدر ما بقي، فإن أدى نصفه مثلاً فيعطى نصف دية الحر ونصف دية العبد قال الخطابي: أجمع عامة الفقهاء على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في جنايته والجناية عليه، ولم يذهب إلى هذا الحديث أحد من العلماء فيما بلغنا إلا إبراهيم النخعي، وقد روي في ذلك أيضاً شيء عن علي بن أبي طالب وإذا صح الحديث وجب القول به إذا لم يكن منسوخاً أو معارضاً بما هو أولى منه والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي مسنداً ومرسلاً.
"إذا أصاب المكاتب حداً" أي استحق دية "أو ورث" بفتح فكسر راء مخفف "يرث على قدر ما عتق منه" أي بحسبه ومقداره، والمعنى إذا ثبت للمكاتب دية أو ميراث ثبت له من الدية والميراث بحسب ما عتق منه، كما لو أدى نصف كتابته ثم مات أبوه وهو حر ولم يخلف غيره فإنه يرث منه نصف ماله أو كما إذا جنى على المكاتب جناية وقد أدى بعض كتابته فإن الجاني عليه يدفع إلى ورثته بقدر ما أدى من كتابته دية حر ويدفع إلى مولاه بقدر ما بقي من كتابته دية عبد

(12/209)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وُهَيْبٌ عنْ أيّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عنْ عَلِيَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَأرْسَلَهُ حَمّادُ بنُ زَيْدٍ وَإِسْمَاعِيلُ عن أيّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَجَعَلَهُ إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيّةَ قَوْلَ عِكْرِمَةَ.
ـــــــ
مثلاً إذا كاتبه على ألف وقيمته مائة فأدى خمس مائة ثم قتل فلورثة العبد خمس مائة من ألف نصف دية حر ولمولاه خمسون نصف قيمته كذا في المرقاة.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن.

(12/210)


24- باب في دية الذمي :
4570- حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهَبٍ الرّمْلِيّ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عنْ مُحمّدٍ ابنِ إسْحَاقَ عنْ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "دِيَةُ المُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرّ" .
ـــــــ
"باب في دية الذمي"
"دية المعاهد" بكسر الهاء وقيل بفتحها أي الذمي "نصف دية الحر" أي المسلم قال الخطابي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وهو قول مالك بن أنس وابن شبرمة وأحمد بن حنبل، غير أن أحمد قال إذا كان
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله أول حديث عن عمرو بن شعيب، ثم قال:
هذا الحديث صحيح إلى عمرو بن شعيب والجمهور يحتجون به وقد احتج به الشافعي في غير موضع واحتج به الأئمة كلهم في الديات.
قال الشافعي: قضى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم وقضى عمر في دية المجوسي بثمانمائة درهم ولم يعلم أن أحدا قال في حياتهم أقل من هذا.
وقد قيل: إن دياتهم أكثر من هذا فألزمنا قائل كل واحد من هؤلاء الأقل مما أجمعوا عليه.
قال البيهقي: حديث عمرو بن شعيب قد رواه حسين المعلم عن عمرو عن أبيه عن جده. قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار ثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين قال فكان ذلك حتى استخلف عمر فذكر خطبته ورفع الدية حتى غلت الإبل قال وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية قال فسببه والله أعلم أن يكون على قوله على النصف من دية المسلمين راجعا إلى ثمانية آلاف درهم.

(12/210)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ الّليْثِيّ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ الْحَارِثِ عنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ مِثْلَهُ.
ـــــــ
القتل خطأ فإن كان عمداً لم يقد به ويضاعف عليه باثني عشر ألفاً. وقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري ديته دية المسلم، وهو قول الشعبي والنخعي ومجاهد، ويروى ذلك عن عمر وابن مسعود. وقال الشافعي وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ديته الثلث من دية المسلم، وهو قول ابن المسيب والحسن وعكرمة، وروي ذلك أيضاً عن عمر خلاف الرواية الأولى وكذلك قال عثمان بن عفان. قال الخطابي: وقول رسول الله أولى ولا بأس بإسناده، وقد قال به أحمد، ويعضده حديث آخر، وقد رويناه فيما تقدم من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان مائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف انتهى.
ـــــــ
فتكون ديتهم في روايته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم ثم لم يرفعها عمر فيما رفع من الدية فكأنه علم أنها في أهل الكتاب توقيف وفي أهل الإسلام تقويم.
قال: والذي يؤكد ما قلنا حديث جعفر بن عون عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم قتل رجلا من أهل الكتاب أربعة آلاف" وليس في شيء من هذا ما يوجب ترك القول بحديث عمرو بن شعيب.
أما المأخذ الأول وهو الأخذ بأقل ما قيل فالشافعي رحمه الله كثيرا ما يعتمده لأنه هو المجمع عليه ولكن إنما يكون دليلا عند انتفاء ما هو أولى منه وهنا النص أولى بالأتباع.
وأما المأخذ الثاني فضعيف جدا فإن حديث ابن جريج وحسينا المعلم وغيرهما عن عمرو صريحة في التنصيف ففي أحدهما قال: "نصف دية المسلم" والآخر قال: "أربعة آلاف" مع قوله: "كانت دية المسلم ثمانية آلاف".
فالروايتان صريحتان في أن تنصيفها توقيف وسنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يترك ذلك باجتهاد عمر رضي الله عنه في رفع دية المسلم ثم إن عمر لم يرفع الدية في القدر وإنما رفع قيمة الإبل لما غلت فهو رضي الله عنه رأى أن الإبل هي الأصل في الدية فلما غلت ارتفعت قيمتها فزاد مقدار الدية من الورق زيادة تقويم لا زيادة قدر في أصل الدية.
ومعلوم أن هذا لا يبطل تنصيف دية الكافر على دية المسلم بل أقرها أربعة آلاف كما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكانت الأربعة الآلاف حينئذ هي نصف الدية.
وقوله: علم أنها في أهل الكتاب توقيف فهو توقيف تنصيف كما صرحت به الرواية.
فعمر أداه اجتهاده إلى ترك الأربعة الآلاف كما كانت فصارت ثلثا برفعه دية المسلم لا بالنص والتوقيف وهذا ظاهر جدا والحجة إنما هي في النص.
واختلف الفقهاء في هذه المسألة.

(12/211)


...................................
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن ولفظه "دية عقل الكافر نصف عقل المؤمن" ولفظ النسائي نحوه،ولفظ ابن ماجه "قضى أن عقل الكتابين نصف عقل المسلمين" وهم اليهود والنصارى وقد تقدم الكلام على الاختلاف بحديث عمرو بن شعيب.
ـــــــ
فقال الشافعي: دية الكتابي على الثلث من دية المسلم في الخطأ والعمد.
وقال أبو حنيفة. ديته مثل دية المسلم في العمد والخطأ.
وقال مالك: ديته نصف دية المسلم في العمد والخطأ.
وقال أحمد: إن قتله عمدا فديته مثل دية المسلم وإن قتله خطأ فعنه فيه روايتان:
إحداهما: أنها النصف وهي الرواية الصحيحة في مذهبه.
والثانية: أنها الثلث وإن قتله من هو على دينه عمدا فعنه فيه أيضا روايتان.
إحداهما: أنها نصف دية المسلم.
والثانية: ثلثها.
وأما حديث أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال "جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية العامريين دية الحر المسلم وكان لهم عهد" .
فقال الشافعي: لا يثبت مثله وقال البيهقي ينفرد به أبو سعد سعيد بن المرزباني البقال وأهل العلم لا يحتجون بحديثه.
وأما حديث أبي كرز الفهري عن نافع عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى ذميا دية مسلم" .
فقال الدارقطني والبيهقي: أبو كرز هذا متروك الحديث لم يروه عن نافع غيره.
زاد الإمام ابن القيم هذين البابين التاليين وإن لم يردا في سنن الإمام أبي داود عقب شرحه لباب دية الذمي وهما:
باب لا يقتص من الجرح قبل الاندمال
عن جابر: "أن رجلا جرح فأراد أن يستقيد فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح" رواه الدارقطني.
وذكر أيضا من حديث مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من الجرح حتى ينتهي" .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقدني فقال: "حتى تبرأ" ثم جاء إليه فقال أقدني فأقاده ثم جاء إليه فقال يا رسول الله عرجت فقال: "قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطلى عرجك" ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه" رواه الإمام أحمد.

(12/212)


25- باب في الرجل يقاتل الرجل فيدفعه عن نفسه :
4571- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ قالَ أخبرني عَطَاءٌ عنْ صَفْوَانَ بنِ يَعْلَى عنْ أبِيهِ قالَ: "قاتَلَ أجِيرٌ لِي رَجُلاً فَعَضّ يَدَهُ فَانْتَزَعَهَا فَنَدَرَتْ ثَنِيّتُهُ فَأَتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَهْدَرَهَا، وَقالَ أتُرِيدُ أنْ يَضَعَ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضِمُهَا كَالْفَحْلِ؟" قالَ وَأخبرني ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ جَدّهِ أنّ أبَا بَكرٍ أهْدَرَهَا، وَقَالَ بَعِدَتْ سِنّهُ [نفذت سنة].
ـــــــ
"باب في الرجل يقاتل الرجل فيدفعه عن نفسه"
"فعض" العض بالفارسية كزيدن والضمير المرفوع للأجير "يده" أي يد الرجل "فانتزعها" أي جذب الرجل يده "فندرت" بالنون والدال المهملة أي سقطت "ثنيته" أي ثنية الأجير والثنية وحدة الثنايا وهي الأسنان المتقدمة اثنتان فوق واثنتان أسفل "فأتى" الأجير العاض طالباً قصاص ثنيته "فأهدرها" أي أبطلها أي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يوجب فيها شيئاً "أن يضع" أي الرجل "تقضمها" بفتح الضاد المعجمة ويكسر من قضم كفرح أكل بأطراف أسنانه "كالفحل" أي كقضم الفحل وهو الذكر من كل حيوان والمراد ههنا الذكر من الإبل "قال" أي عطاء "وأخبرني ابن ابي مليكة" هو عبد الله بن عبيد الله بن زهير وهو أبو مليكة بن عبد الله بن جدعان "عن جده" زهير بن عبد الله بن جدعان صحابي مدني "أن أبا بكر أهدرها" أي الثنية "وقال بعدت سنه" هكذا في أكثر النسخ بعدت من البعد وسنه أي سن العاض التي عض بها وهذا دعاء عليه.
ـــــــ
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية عن أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر "أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ليستقيد فقيل له حتى تبرأ فأبى وعجل واستقاد فيبست رجله وبرئت رجل المستقاد منه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ليس لك شيء إنك أبيت" .
ولكن لهذا الحديث علة وهي أن أبان وسفيان روياه عن عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره مرسلا.
قال عبد الحق: وهو عندهم أصح على أن الذي أسنده ثقة جليل وهو إسماعيل بن علية.
باب من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم
عن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدري يرجل به رأسه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك إنما جعل الإذن من أجل البصر" أخرجاه.
وعن أنس: "أن رجلا اطلع في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص أو بمشاقص فكأني أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه" أخرجاه أيضا.

(12/213)


4572- حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا حَجّاج وَ عَبْدُ المَلِكِ عنْ عَطَاءُ عنْ يَعْلَى بنِ أُمَيّةَ بِهَذَا زَادَ: "ثُمّ قالَ - يَعْنِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم - لِلْعَاضّ إنْ شِئْتَ أنْ تُمَكّنَهُ مِنْ يَدِكَ فَيَعَضّهَا ثُمّ تَنْزِعَهَا مِنْ فِيهِ، وَأَبْطَلَ دِيَةَ أسْنَانِهِ" .
ـــــــ
وفي بعض النسخ نفذت سنه أي هكذا جرت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في حق العاض ولم يوجب له شيئاً والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي، وليس فيه قصة أبي بكر وأخرجه ابن ماجه من حديث محمد بن إسحاق وقال فيه يعلى وسلمة ابني أمية "إن شئت أن تمكنه من يدك" من التمكين، والضمير المنصوب للرجل المعضوض. قال في القاموس: مكنته من الشيء وأمكنته منه فتمكن واستمكن وحديث الباب يدل على أن هذه الجناية التي وقعت لأجل الدفع عن الضرر تهدر ولا دية على الجاني، وإلى هذا ذهب الجمهور وقالوا: لا يلزمه شيء لأنه في حكم الصائل. وروي عن مالك أنه يجب الضمان في مثل ذلك وهو محجوج بالحديث الصحيح. قال المنذري: وقد صح من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قاتل يعلى بن أمية أو أمية رجلاً فعض أحدهما صاحبه، قال بعضهم المعروف أنه لأجير يعلى لا ليعلى انتهى.
ـــــــ
وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح" .
وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه" رواه مسلم.
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له ولا قصاص" . رواه النسائي.
"انتهى شرح البابين"

(12/214)


26- باب فيمن تطبب ولا يعلم منه طب فأعنت :
[باب فيمن تطبب بغير علم]
4573- حدثنا نَصْرُ بنُ عَاصِمٍ الأنْطَاكِيّ وَ مُحمّدُ بنُ الصّباحِ بنِ سُفْيَانَ أنّ
ـــــــ
"باب فيمن تطبب ولا يعلم منه طب فأعنت"
أي أضر بالمريض.

(12/214)


الْوَلِيدَ بنَ مُسْلِمٍ أخْبَرَهُمْ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ تَطَبّبَ وَلاَ يُعْلَمُ مِنْهُ طِبّ فَهُوَ ضَامِنٌ" .
قالَ نَصْرٌ قال حدّثني ابنُ جُرَيْجٍ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لَمْ يَرْوِهِ إلاّ الْوَلِيدُ لاَ نَدْرِي أصْحِيحٌ هُوَ أمْ لاَ [هو صحيح أم لا].
4574- حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا حَفْصٌ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حدّثني بَعْضُ الْوَفْدِ الّذِينَ قَدِمُوا عَلَى أبِي قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أيّمَا طَبِيبٍ تَطَبّبَ عَلَى قَوْمٍ لا يُعْرَفُ لَهُ تَطَبّبٌ قَبْلَ ذَلِكَ فأَعْنَتَ فَهُوَ ضَامِنٌ" . قال عبْدُ الْعَزِيزِ: أمَا إنّهُ لَيْسَ بالنّعْتِ إنّمَا هُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ وَالْبَطّ وَالْكَيّ.
ـــــــ
"من تطبب" بتشديد الموحدة الأولى أي تعاطى علم الطب وعالج مريضاً "ولا يعلم منه طب" أي معالجة صحيحة غالبة على الخطأ فأخطأ في طبه وأتلف شيئاً من المريض "فهو ضامن" لأنه تولد من فعله الهلاك وهو متعد فيه أذ لا يعرف ذلك فتكون جنايته مضمونة على عاقلته.
قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعد فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط القود عنه لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض. وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته انتهى. "قال نصر" بن عاصم في روايته عن الوليد بن مسلم حدثني ابن جريج، وأما محمد بن الصباح فقال عن ابن جريج "لم يروه" أي الحديث مسنداً "إلا الوليد" بن مسلم "لا ندري أصحيح هو أم لا" أي لا ندري هو صحيح مسند أم لا. ورواه الدارقطني من طريقين عن عبد الله بن عمرو وقال لم يسنده عن ابن جريج غير الوليد بن مسلم وغيره يرويه مرسلاً. وأخرجه الحاكم في المستدرك في الطب وقال صحيح. وأقره الذهبي، قاله المناوي. قال المنذري: وأخرجه النسائي مسنداً ومنقطعاً وأخرجه ابن ماجه انتهى.
"فأعنت" أي أضر بالمريض وأفسده "فهو ضامن" أي لمن طبه بالدية على عاقلته إن مات بسببه لهوره بالإقدام على ما يقتل بغير معرفة، وأما من سبق له بذلك تجارب فهو حقيق بالصواب وإن أخطأ فعن بذل الجهد الصناعي أو قصور الصناعة وعند ذلك لا يكون ملوماً كذا قال العلامة العلقمي "قال عبد العزيز" أي الراوي المذكور "أما" بالتخفيف للتنبيه "إنه" أي الطبيب "إنما هو قطع العروق" أي الفصد "والبط" أي الشق يقال: بططت القرحة شققتها "والكي" قال في القاموس: كواه يكويه كياً أحرق جلده بحديدة ونحوها. ومراد عبد العزيز والله أعلم بمراده

(12/215)


..............................
ـــــــ
أن لفظ الطبيب الواقع في الحديث ليس المقصود منه معناه الوصفي العام الشامل لكل من يعالج بل المقصود منه قاطع العروق والباط الكاوي، ولكن أنت تعلم أن لفظ الطبيب في اللغة عام لكل من يعالج الجسم فلا بد للتخصيص ببعض الأنواع من دليل.
قال المنذري: بعض الوفد مجهول ولا يعلم هل له صحبة أم لا انتهى. وقال المزي في الأطراف: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان عن بعض من قدم على أبيه ولا يعلم هل له صحبة أم لا انتهى.
وعبد العزيز بن عمر من طبقة تبع التابعين، لم يلق أحداً من الصحابة، والله أعلم.

(12/216)


27- باب في دية الخطأ شبه العمد :
4575- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَ مُسَدّدٌ المَعْنَى قالا حدثنا حَمّادٌ عن خَالِدٍ عن الْقَاسِمِ بنِ رَبِيعَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ أوْسٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ مُسَدّدٌ: خَطَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ - ثُمّ اتّفَقَا - فقالَ: "ألاَ إنّ كُلّ مَأْثَرَةٍ كَانَتْ في الْجَاهِلِيّةِ مِنْ دَمٍ أوْ مالٍ تُذْكَر وَتُدْعَى تَحْتَ قَدَمَيّ إلاّ مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الْحَاجّ وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ، ثُمّ قالَ: ألاَ إنّ دِيَةَ الْخُطإِ شِبْهِ الْعَمْدِ - مَا كَانَ بالسّوْطِ وَالْعَصَا - مِائَةٌ مِنَ اْلإبِلِ مِنْها أرْبَعُونَ في بُطُونِهَا أوْلاَدُهَا" .
4576- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا وُهَيْبٌ عن خَالِدٍ بهذا الإسْنادِ نَحْوَ مَعْنَاهُ.
ـــــــ
"باب في دية الخطأ شبه العمد"
هذا الباب مع هذا الحديث ثابت في بعض النسخ في هذا المحل، وكذا ثابت في مختصر المنذري. ثمقال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجة، وتقدم في باب الدية كم هي وذكر اختلاف الرواة فيه انتهى. وأما في أكثر النسخ فهذا الباب مع هذا الحديث ساقط من هذا المحل وتقدم بيان ذلك مشروحاً في باب الدية كم هي فليرجع إليه والله أعلم.

(12/216)


28- باب القصاص من السن :
4577- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا المُعْتَمِرُ عن حُمَيْدٍ الطّوِيلِ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: "كَسَرَتِ الرّبَيّعُ أُخْتُ أنَسِ بنِ النّضْرِ ثَنِيّةَ امْرَأَةٍ، فأَتَوْا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَضَى بِكِتَابِ
ـــــــ
"باب القصاص من السن"
"كسرت الربيع" بضم راء وفتح موحدة وتشديد تحتية مكسورة هي عمة أنس بن مالك

(12/216)


29- باب في الدابة تنفح برجلها :
4578- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ يَزِيدَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "الرّجْلُ جُبَارٌ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: الدّابَةُ تَضْرِبُ بِرِجْلِهَا وَهُوَ رَاكِبٌ.
ـــــــ
"باب في الدابة تنفح برجلها"
يقال: نفحت الدابة أي ضربت برجلها.
"الرجل جبار" بضم الجيم أي هدر أي ما أصابته الدابة برجلها فلا قود على صاحبها.
قال الخطابي: قد تكلم الناس في هذا الحديث، وقيل إنه غير محفوظ، وسفيان بن حسين معروف بسوء الحفظ. قالوا وإنما هو العجماء جرحها جبار ولو صح الحديث كان القول به واجباً، وقد قال به أصحاب الرأي، وذهبوا إلى أن الراكب إذا رمحت دابته إنساناً برجلها فهو هدر، وإن نفتحه بيدها فهو ضامن، وذلك أن الراكب يملك تصريفها من قدامها ولا يملك ذلك منها فيما ورائها انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.وقال الدارقطني: لم يروه غير سفيان بن حسين، وخالفه الحفاظ عن الزهري منهم مالك وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل وليث بن سعد وغيرهم كلهم رووه عن الزهري فقالوا العجماء جبار والبير جبار والمعدن جبار ولم يذكروا الرجل وهو الصواب. ثم ذكر المنذري بعد هذا عبارة الخطابي المذكورة بحروفها ثم قال: وذكر غيرة أن أبا صالح السمان وعبد الرحمن الأعرج ومحمد بن سيرين ومحمد بن زياد لم يذكروا الرجل وهو المحفوظ عن أبي هريرة. وروى آدم بن أبي إياس عن شعيبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "الرجل جبار" وقال الدارقطني تفرد به آدم بن أبي إياس عن شعبة. هذا آخر كلامه. وسفيان بن حسين هو أبو محمد السلمي الوسطي استشهد به البخاري وأخرج له مسلم في المقدمة ولم يحتج به واحد منهما وتكلم فيه غير واحد انتهى كلام المنذري.

(12/218)


30- باب العجماء والمعدن والبئر جبار :
4579- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ وَأبي
ـــــــ
"باب العجماء والمعدن والبئر جبار"
"العجماء" أي البهيمة والدابة وسميت بها لعجمتها وكل من لم يقدر على الكلام فهو

(12/218)


سَلَمَةَ سَمِعَا أبَا هُرَيْرَةَ يُحَدّثُ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْعَجْماءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ وَالمَعْدَنُ جُبَارٌ وَالْبئْرُ جُبَارٌ وَفي الرّكَازِ الْخُمُسُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: الْعَجْمَاءُ المُنْفَلِتَةُ الّتي لا يَكُونُ مَعَهَا أحَدٌ وَتَكُونُ بالنّهَارِ لا تَكُونُ باللّيْلِ.
ـــــــ
أعجمي "جرحها" بفتح الجيم على المصدر لاغير قالة الأزهري، وأما بالضم فهو الاسم كذا في النهاية والقاموس "جبار" بضم الجيم أي هدر. قال الخطابي: وإنما يكون جرحها هدراً إذا كانت منفلتة عائرة على وجهها ليس لها قائد ولا سائق ولا عليها راكب "والمعدن" بكسر الدال "جبار" معناه أن الرجل يحفر المعدن في ملكه أو في موات فيمر بها مار فيسقط فيها فيموت، أو يستأجر أجراء يعملون فيها فيقع عليهم فيموتون فلا ضمان في ذلك وكذا قوله "والبئر جبار" معناه أنه يحفرها في ملكه أو في موات فيقع فيها إنسان أو غيره ويتلف فلا ضمان، وكذا لو استأجره لحفرها فوقعت عليه فمات فلا ضمان "وفي الركاز الخمس" قال النووي: فيه تصريح بوجوب الخمس في الركاز وهو دفين الجاهلية وهذا مذهبنا ومذهب أهل الحجاز وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة وغيره من أهل العراق هو المعدن وهما عندهم لفظان مترادفان، وهذا الحديث يرد عليهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما وعطف أحدهما على الآخر انتهى "قال أبو داوود: العجماء" أي التي يكون جرحها جباراً "المنفلتة" أي المسرحة "التي لا يكون معها" أي العجماء "أحد" أي من القائد والسائق والراكب "وتكون بالنهار لا تكون بالليل" قال النووي: أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها، فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته، وأما إذا أتلفت ليلا فقال مالك يضمن صاحبها ما أتلفته: وقال الشافعي وأصحابه يضمن إن فرط في حفظها وإلا فلا انتهى مختصراً.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.

(12/219)


31- باب في النار تعدّى :
4580- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُتَوَكّلِ الْعَسْقَلاَنِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ ح وأخبرنا جَعْفَرُ ابنُ مُسَافِرٍ التّنّيسِيّ أخبرنا زَيْدُ بنُ المُبَارَكِ أخبرنا عَبْدُ المَلِكِ الصّنْعَانيّ كِلاَهُمَا عن مَعْمَرٍ عن هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "النّارُ جُبَارٌ" .
ـــــــ
"باب في النار تعدّى"
بحذف أحدى التاءين "النار جبار" قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجة. قال

(12/219)


...........................
ـــــــ
الخطابي: لم أزل أسمع أصحاب الحديث يقولون غلط فيه عبد الرزاق إنما هو البئر جبار حتى وجدته لأبي داوود عن عبد الملك الصنعاني عن معمر، فدل على أن الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق. هذا آخر كلامه. وعبد الملك الصنعاني ضعفه هشام بن يوسف وأبو الفتح الأزدي. وقال بعضهم هو تصحيف البئر فإن أهل اليمن يميلون النار ويكسرون النون فسمعة بعضهم على الإمالة فكتبه بالياء فنقلوه مصحفاً. فعلى هذا الذي ذكره هو على العكس مما قاله. فإن صح نقله فهي النار يوقدها الرجل في ملكه لإرب له فيها فتطيرها الريح فتشتعلها في مال أو متاع لغيره بحيث لا يملك ردها فيكون هدراً انتهى كلام المنذري.

(12/220)


32- باب جناية العبد يكون للفقراء :
4581- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ حدّثني أبِي عن قَتَادَةَ عن أبي نَضْرَةَ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: "أنّ غُلاَماً لأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلاَمٍ لأُنَاسٍ أغْنِيَاء، فأَتَى أهْلُهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالُوا: يَا رَسُولَ الله إنّا نَاسٌ [أناس] فُقَرَاءُ، فلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ [عليهم] شَيْئاً" .
ـــــــ
"باب جناية العبد يكون للفقراء"
"فأتى أهله" أي أهل الغلام القاطع "النبي" بالنصب "فلم يجعل عليه" وفي بعض النسخ عليهم قال الخطابي معنى هذا أن الغلام الجاني كان جراً وكانت جنايته خطأ وكانت عاقلته فقراء وإنما تواسى العاقلة عن وجد وسعة ولا شيء على الفقير منهم ويشبه أن الغلام المجني عليه أيضاً كان حراً لأنه لو كان عبداً لم يكن لاعتذار أهله بالفقر معنى لأن العاقلة لا تحمل عبداً كما لا تحمل عمداً ولا اعترافاً وذلك في قول أكثر أهل العلم فأما الغلام المملوك إذا جنى على عبد أو حر فجنايته في رقبته في قول عامة أهل العلم انتهى قال المنذري وأخرجه النسائي.

(12/220)


33- باب فيمن قتل في عميا بين قوم :
4582- قالَ أبُو دَاوُدَ: حُدّثْتُ [حدثنا] عن سَعِيدِ بنِ سُلَيْمَانَ عن سُلَيْمانُ بنِ كَثِيرٍ
ـــــــ
"باب فيمن قتل الخ"
وقد تقدم هذا الباب مع حديثه وقد مر الكلام عليه هناك. قال المنذري: وأخرجه

(12/220)