Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب السنة :
[باب شرح السنة]
4583- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو عن أبِي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إحْدَى أوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفَرّقَتِ النّصَارَى عَلَى إحْدَى أوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفْتَرِقُ أُمّتِي علَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً" .
ـــــــ
"أول كتاب السنة"
"افترقت اليهود الخ" هذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن غيب وقع. قال العلقمي: قال شيخنا ألف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في شرح هذا الحديث كتاباً قال فيه قد علم أصحاب المقاولات أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقة من أبواب الحلال والحرام وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد، وفي تقدير الخير والشر وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة وماجرى مجرى هذه الأبواب لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضاً بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهني وأتباعه، ثم حدث الخلاف بعد
ـــــــ
ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله أحاديث الباب وزاد:
ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو يرفعه "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمة علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله قال: "ما أنا عليه وأصحابي" قال الترمذي حديث حسن غريب مفسر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه وفيه الأفريقي عبد الرحمن بن زياد وقال وفي الباب عن سعد وعوف بن مالك وعبد الله بن عمرو.
وحديث عوف الذي أشار الترمذي إليه: هو حديث نعيم بن حماد عن عيسى ابن يونس عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف وهو الذي تكلم فيه نعيم لأجله.

(12/222)


4584- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَ مُحمّدُ بنُ يَحْيَى قالا أخبرنا أبُو المُغِيرَةِ أخبرنا صَفْوَانُ ح وأخبرنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ حدثنا بَقِيّةُ حدّثني صَفْوَانُ نَحْوَهُ قالَ حدّثني أزْهَرُ بنُ عَبْدِ الله الْحَرَازِيّ عنْ أبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيّ عنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أبِي سُفْيَانَ أنّهُ قامَ فِينَا فقَالَ: ألاَ إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَامَ فِينَا فقَالَ: "ألاَ إنّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ افترَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلّةً، وَإِنّ هَذِهِ المِلّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ: ثنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الجنة وهي الْجَمَاعَةُ" - زَادَ ابنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو فِي حَدِيثِهِمَا - "وَإِنّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمّتِي أقْوَامٌ تَجَارَي بِهِمْ تِلْكَ الأهْوَاءُ كَما يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ. وَقالَ عَمْرِو: الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ لاَ يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلاَ مفْصِلٌ إلاّ دَخَلَهُ" .
ـــــــ
ذلك شيئاً فشيئاً إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنين وسبعين فرقة، والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية انتهى باختصار يسير.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجة، وحديث ابن ماجة مختصر، وقال الترمذي حسن صحيح.
"الحرازي" قال في المغني: الحرازي بمفتوحة وخفة راء وبزاي بعد ألف منسوب إلى حراز بن عوف وقيل هو حران بشدة راء وبنون منه أزهر بن عبد الله انتهى "الهوزني" بمفتوحة وسكون واو وبزاي ونون نسبة إلى هوزن بن عوف كذا في المغني "فقال ألا" بالتخفيف للتنبيه "وإن هذه الملة" يعني أمته صلى الله عليه وسلم "وهي" أي الواحدة التي في الجنة "الجماعة" أي أهل القرآن والحديث والفقه والعلم الذين اجتمعوا على اتباع آثاره صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال كلها ولم يبتدعوا بالتخريف والتغ ولم يبدلوا بالآراء الفاسدة "تجاري" بحذف إحدى التاءين أي تدخل وتسري "تلك الأهواء" أي البدع "كمايتجارى الكلب" بالكاف واللام المفتوحتين داء يعرض للإنسان من عض الكلب الكلب وهو داء يصيب الكلب فيصيبه شبه الجنون فلا يعض أحد إلا كلب ويعرض له أعراض ردية، ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشاً كذا في النهاية "قال عمرو الكلب بصاحبه" أي قال عمرو بن عثمان بصاحبه بالموحدة وأما ابن يحيى فقال بالام "منه" أي من صاحبه "عرق" بكسر العين والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
وفي الباب أيضا حديث أنس بن مالك يرفعه "إن بني إسرائيل تفرقت على إحدى وسبعين فرقة وإن امتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قال: وهي الجماعة" رواه أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن عبد الله بن غزوان عن عمرو بن سعد عن يزيد.

(12/223)


1- باب النهي عن الجدال واتباع المتشابه من القرآن :
4585- حدثنا الْقَعْنَبِيّ أخبرنا يَزِيدُ بنُ إِبراهِيمَ التّسْتُرِيّ عن عبدِ الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عن الْقَاسِمِ بنِ مُحمّدٍ عنْ عَائِشَةَ قالَتَ: قَرَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآية : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ - إلَى - أُولُو الْأَلْبَابِ} قالَتْ: قالَ
ـــــــ
"باب النهي عن الجدال واتباع المتشابه من القرآن"
"عن عبد الله بن أبي مليكة عن القاسم بن محمد" قال الحافظ ابن كثير: أخرج أحمد في مسنده حدثنا إسماعيل حدثنا يعقوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة قالت: "قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي" الحديث، هكذا وقع هذا الحديث في سنة الإمام أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها ليس بينهما أحد.
وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن أيوب به.
ورواه أبو بكر بن المنذر في تفسيره من طريقين عن أبي النعمان محمد بن الفضل السدوسي حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة به، وتابع أيوب أبو عامر الخزاز وغيره عن ابن أبي مليكة، فرواه الترمذي عن بندار عن أبي داوود الطيالسي عن أبي عامر الخزاز فذكره، ورواه سعيد بن منصور في سننه عن حماد بن يحيى عن عبد الله بن أبي ملكية عن عائشة ورواه ابن جرير من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي كلاهما عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة حدثتني عائشة فذكره.
وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر من صحيحه، وأبو داوود في السنة من سننه ثلاثتهم عن القعنبي عن يزيد بن إبراهيم التستري عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية" الحديث، وكذا رواه الترمذي أيضاً عن بندار عن أبي داوود الطيالسي عن يزيد بن إبراهيم به وقال حسن صحيح وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة عن عائشة ولم يذكر القاسم كذا قال.
وقد رواه ابن أبي حاتم فقال حدثنا أبي حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة فذكره انتهى كلامه.
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} يعني القرآن {آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} قال الخازن في

(12/224)


[فقال] رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: فَإِذَا رَأَيْتُمُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الّذِينَ سَمّى الله فَاحْذَرُوهُمْ" .
ـــــــ
تفسيره يعني مبينات مفصلات أحكمت عبارتها من احتمال التأويل والاشتباه، سميت محكمة من الإحكام، كأنه تعالى أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها إلى {أُولِي الْأَلْبَابِ} وتمام الآية مع تفسيرها هكذا {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} يعني هن أصل الكتاب الذي يعوّل عليه في الأحكام ويعمل به في الحلال والحرام.
فإن قلت: كيف قال هن أم الكتاب ولم يقل أمهات الكتاب، قلت لأن الآيات في اجتماعها وتكاملها كالآية الواحدة وكلام الله كله شيء واحد، وقيل إن كل آية منهن أم الكتاب كما قال: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} يعني أن كل واحد منهما آية {وَأُخَرُ} جمع أخرى {مُتَشَابِهَاتٌ} يعني أن لفظة يشبه لفظ غيره ومعناه يخالف معناه.
فإن قلت: قد جعله هنا محكماً ومتشابهاً وجعله في موضع آخر كله محكما فقال في أول هود {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} وجعله في موضع آخر كله متشابهاً فقال تعالى في الزمر {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً} فكيف الجمع بين هذه الآيات.
قلت: حيث جعله كله محكما أراد أنه كله حق وصدق ليس فيه عبث ولا هزل، وحيث جعله كله متشابهاً أراد أن بعضه يشبه بعضاً في الحسن والحق والصدق، وحيث جعله هنا بعضه محكما وبعضه متشابهاً فقد اختلفت عبارات العلماء فيه، فقال ابن عباس رضي الله عنه إن الآيات المحكمة هي الناسخ والمتشابهات هي الآيات المنسوخة، وبه قال ابن مسعود وقتادة والسدي.
وقيل: إن المحكمات ما فيه أحكام الحلال والحرام، والمتشابهات ما سوى ذلك يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً.
وقيل: إن المحكمات ما أطلع الله عباده على معناه، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه فلا سبيل لأحد إلى معرفته، نحو الخبر عن أشراط الساعة مثل الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها وفناء الدنيا وقيام الساعة، فجميع هذا مما استأثر الله بعلمه.
وقيل: إن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما يحتمل أوجهاً، وروي ذلك عن الشافعي.
وقيل: إن المحكم سائر القرآن والمتشابه هي الحروف المقطعة في أوائل السور.
قال ابن عباس: إن رهطاً من اليهود منهم حيى بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما

(12/225)


...................................
ـــــــ
"أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حيى بلغنا أنك أنزل عليك ألم فأنشدك الله أأنزلت عليك؟ قال نعم. قال إن كان ذلك حقاً فإني أعلم مدة ملك أمتك هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال نعم المص، قال فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال نعم الر، قال هذه أكثر هي مائتان وإحدى وثلاثون سنة فهل من غيرها؟ قال نعم المر، قال هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة ولقد اختلط علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا، فأنزل الله هذه الآية قوله تعالى : {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} " قاله الخازن في تفسيره.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه، فروى عن السلف عبارات كثيرة، وأحسن ما قيل فيه هو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار حيث قال: منه آيات محكمات فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. قال والمتشابهات في الصدق ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق، ولهذا قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال تعالى: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أي الإضلال لأتباعهم، أما إنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما قالوا: احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الاحتجاج بقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} وبقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله تعالى وعبد ورسول من رسل الله انتهى.
{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي ميل عن الحق. قال الإمام الراغب في مفردات القرآن الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين انتهى. واختلفوا في المشار إليهم فقيل هم وفد نجران الذين خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام وقالوا ألست تزعم أن عيسى روح الله وكلمته؟ قال بلى، قالوا حسبنا فأنزل الله هذه الآية. وقيل هم اليهود لأنهم طلبوا معرفة مدة بقاء هذه الأمة. قاله الخازن.
{فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} أي يحيلون المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم، وهذه الآية تعم كل طائفة من الطوائف الخارجة عن الحق من طوائف البدعة، فإنهم يتلاعبون

(12/226)


...................................
ـــــــ
بكتاب الله تلاعباً شديداً ويوردون منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة في شيء {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أي طلبا منهم لفتنة الناس في دينهم والتلبس عليهم وإفساد ذوات بينهم لا تحرياً للحق {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} أي تفسيره على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة. قال الزجاج: المعنى أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم فأعلم الله عز وجل أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله "وما يعلم تأويله إلا الله" يعني تأويل المتشابه، وقيل لا يعلم انقضاء ملك هذه الأمة إلا الله تعالى لأن انقضاء ملكها مع قيام الساعة ولا يعلم ذلك إلا الله. وقيل يجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثره الله بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، كعلم قيام الساعة ووقت طلوع الشمس من مغربها وخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم وعلم الحروف المقطعة وأشباه ذلك مما استأثر الله بعلمه، فالإيمان به واجب وحقائق علومه مفوضة إلى الله تعالى، وهذا قول أكثر المفسرين، وهو مذهب عبد الله بن مسعود وابن عباس في رواية عنه وأبيّ بن كعب وعائشة وأكثر التابعين فعلى هذا القول تم الكلام عند قوله: {إِلَّا اللَّهُ} فيوقف عليه قاله الخازن {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} أي الثابتون في العلم وهم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في علمهم شك {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} يعني المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وما علمنا منه وما لم نعلم، ونحن معتمدون في المتشابه بالإيمان به ونكل معرفته إلى الله تعالى وفي المحكم يجب علينا الإيمان به والعمل بمقتضاه {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} أي وما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول، وهذا ثناء من الله تعالى على الذين قالوا آمنا به كل من عند ربنا.
وقال النووي: اختلف المفسرون والأصوليون وغيرهم في المحكم والمتشابه اختلافاً كثيراً. قال الغزالي في المستصفي: الصحيح أن المحكم يرجع إلى معنيين: أحدهما المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال، والمتشابه ما يتعارض فيه الاحتمال، والثاني أن المحكم ما انتظم ترتيبه مفيداً إما ظاهراً وإما بتأويل، وأما المتشابه فالأسماء المشتركة كالقرء فإنه متردد بين الحيض والطهر انتهى ملخصاً.
"يتبعون ما تشابه منه" : أي من الكتاب يعني يبحثون في الآيات المتشابهة لطلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم "فأولئك الذين سمى الله" كلا مفعوليه محذوفان أي سماهم الله أهل الزيغ، كذا قال ابن الملك في المبارق صلى الله عليه وسلم "فاحذروهم" يعني لا تجالسوهم ولا تكالموهم فإنهم أهل الزيغ والبدع. وفي الصحيحين عن عائشة قالت "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} إلى قوله: {أُولُو الْأَلْبَابِ} قالت: قال إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم" وفي لفظ "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه أولئك سماهم الله فاحذروهم" هذا لفظ البخاري.
ولفظ ابن جرير وغيره "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فلا تجالسوهم.

(12/227)


...................
ـــــــ
وأخرج الطبراني وأحمد والبيهقي وغيرهم عن أبي أمامة عنه صلى الله عليه وسلم قال هم الخوارج.
قال ابن القيم في اعلام الموقعين: إذا سئل أحد عن تفسير آية من كتاب الله تعالى أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه، وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الكلام قديماً وحديثاً.
وقال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية: ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأينا وندين الله به اتباع سلف الأمة، وقد درج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض بمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام، وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه ومنها ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محبوباً لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعاً بأنه الوجه المتبع، فحق على ذى الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات وبكل معناها إلى الرب تعالى انتهى. كذا في فتح البيان، والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(12/228)


2- باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم :
4586- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا خَالِدُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا يَزِيدُ بنُ أبِي زِيَادٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ رَجُلٍ عنْ أبِي ذَرّ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أفْضَلُ الأعْمَالِ الْحُبّ فِي الله وَالْبُغْضُ فِي الله" .
ـــــــ
"باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم"
"أفضل الأعمال الحب في الله" أي لأجله لا لغرض آخر كميل وإحسان. ومن لازم الحب في الله حب أوليائه وأصفيائه، ومن شرط محبتهم اقتفاء آثارهم وطاعتهم "والبغض في الله" أي لأمر يسوغ له البغض كالفسقة والظلمة وأرباب المعاصي.
قال ابن رسلان في شرح السنن: فيه دليل على أنه يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء يحبهم في الله، بيانه أنك إذا أحببت إنساناً لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص لله وممقوت عند الله فمن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده وهذان وصفان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر وهو مطرد في الحب والبغض في العادات انتهى. وأخرج الطبراني في الكبير مرفوعاً عن ابن عباس: "أوثق

(12/228)


4587- حدثنا ابنُ السّرْحِ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قالَ فَأَخْبَرَنِي [وأخبرني] عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَبْدِ الله بن كَعْبٍ بنِ مَالِكٍ أنّ عبد الله بن كَعبِ بنِ مالكٍ - وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ - قَالَ: "سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ، وَذَكَرَ ابنُ السّرْحِ قِصّةَ تَخَلّفِهِ عنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ قالَ: وَنَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المُسْلِمِينَ عنْ كَلاَمِنَا أيّهَا الثّلاَثَةِ حَتّى إذَا طَالَ عَلَيّ تَسَوّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابنُ عَمّي فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ فَوَالله مَا رَدّ عَلَيّ السّلاَمَ ثُمّ سَاقَ خَبَرَ تَنْزِيلِ تَوْبَتِهِ" .
ـــــــ
عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله عز وجل" انتهى. قال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد الكوفي ولا يحتج بحديثه وقد أخرج له مسلم متابعة وفيه أيضاً رجل مجهول "وكان" أي عبد الله "قائد كعب" خبر كان "من بنيه" بفتح الموحدة وكسر النون وسكون التحتية جمع ابن أي من بينهم "حين عمي" أي كعب وكان أبناؤه أربعة عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وعبيد الله، وجملة كان معترضة بين اسم أن وهو عبد الله وخبرها وهو قال "قصة تخلفه" أي كعب "أيها الثلاثة" هو من باب الاختصاص المشابه للنداء لفظاً لا معنى "حتى إذا طال" أي المكث "عليّ" بتشديد الياء "تسورت" أي ارتقيت "جدار حائط أبي قتادة" الحائط البستان "وهو" أي أبو قتادة "ثم ساق" أي ابن السرح "خبر تنزيل توبته" أي كعب وخبره طويل أورده المؤلف ههنا مختصراً مقتصراً على المحتاج منه.
قال الخطابي: فيه أن تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث إنما هو فيما يكون بينهما من قبل عتب وموجدة أو لتقصير يقع في حقوق العشرة ونحوها دون ما كان ذلك من حق الدين، فإن هجرة أهل الهواء والبدعة دائمة على ممر الأوقات والأزمان، ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي مطولاً ومختصراً.

(12/229)


3- باب ترك السلام على أهل الأهواء :
4588- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ أنبأنا عَطَاءُ الخُرَاسَانِيّ عنْ يَحْيَى ابنِ يَعْمَرَ عنْ عَمّارِ بنِ يَاسِرٍ قالَ: "قَدِمْتُ عَلَى أهْلِي وَقَدْ تَشَقّقَتْ يَدَايَ، فَخَلّقُونِي
ـــــــ
"باب ترك السلام على أهل الأهواء"
قال في المصباح: الهوى مقصور مصدر ميل النفس وانحرافها نحو الشيء، ثم استعمل في ميل مذموم فيقال اتبع هواه وهي من أهل الأهواء انتهى.
"حدثنا موسى بن إسماعيل الخ" الحديث قد مر شرحه في باب الترجل، والمقصود من

(12/229)


بِزَعْفَرَانٍ، فَغَدَوْتُ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدّ عَلَيّ، وَقالَ اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ" .
4589- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ عنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيّ عنْ سُمَيّةَ عنْ عَائِشَةَ: " أنّهُ اعْتَلّ بَعِيرٌ لِصَفِيّةَ بِنْتِ حُيَيّ وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِزَيْنَبَ أعْطِيهَا بَعِيراً، فقَالَتْ أنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيّةَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجّةَ وَالمُحَرّمَ وَبَعْضَ صَفَرٍ" .
ـــــــ
إيراده ههنا قوله "فسلمت عليه فلم يرد علي" قال المنذري: وقد تقدم في كتاب الترجل أتم من هذا.
"عن سمية" مصغراً هي البصرية وحديثها عند المؤلف والنسائي وابن ماجه قال الحافظ: هي مقبولة "اعتل بعير" أي حصل له علة "لصفية بنت حيي" بالتصغير وهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم "وعند زينب" أي بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها "فضل ظهر" أي مركب فاضل عن حاجتها "فقالت" أي زينب "تلك اليهودية" تعني صفية وكانت من ولد هارون عليه السلام "فهجرها ذا الحجة الخ" أي ترك صحبتها هذه المدة.
قال المنذري: سمية لم تنسب.

(12/230)


4- باب النهي عن الجدال في القرآن :
4590- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ قالَ أنبأنا مُحمّدُ بنُ عَمْرٍو عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "المِرَاءُ في الْقُرْآنِ كُفْرٌ" .
ـــــــ
"باب النهي عن الجدال في القرآن"
"المراء" بكسر الميم والمد "في القرآن كفر" قال المناوي: أي الشك في كونه كلام الله،
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله حديث المراء في القرآن، ثم قال:
حديث حسن.
وفي الصحيحين من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم عنه فقوموا" .
وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"، ثم تلا تلك الآية: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} .

(12/230)


................................
ـــــــ
أو أراد الخوض فيه بأنه محدث أو قديم، أو المجادلة في الآي المتشابهة وذلك يؤدي إلى الجحود فسماه كفراً باسم ما يخاف عاقبته انتهى. وقال الإمام ابن الأثير في النهاية: المراء الجدال والتماري، والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضرع.
قال أبو عبيد: ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل ولكنه على الاختلاف في اللفظ وهو أن يقول الرجل على حرف، فيقول الآخر ليس هو هكذا ولكنه على خلافه وكلاهما منزل مقروء به، فإذا جحد كل واحد منهما قراءة صاحبه لم يؤمن أن يكون ذلك يخرجه إلى الكفر لأنه نفى حرفاً أنزله الله على نبيه. وقيل إنما جاء هذا في الجدال والمراء في الآيات التي فيها ذكر القَدَر ونحوه من المعاني على مذهب أهل الكلام وأصحاب الأهواء والآراء دون ما تضمنته من الأحكام وأبواب الحلال والحرام، فإن ذلك قد جرى بين الصحابة فمن بعدهم من العلماء وذلك فيما يكون الغرض منه والباعث عليه ظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجيز انتهى كلامه.
وقال الطيبي: هو أن يروم تكذيب القرآن بالقرآن ليدفع بعضه ببعض فينبغي أن يجتهد في التوفيق بين المتخالفين على وجه يوافق عقيدة السلف، فإن لم يتيسر له فليكله إلى الله تعالى، وقيل هو المجادلة فيه وإنكار بعضها انتهى.

(12/231)


5- باب في لزوم السنة :
4591- حدثنا عَبْدُ الوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ أخبرنا أبو عَمْرِو بنِ كَثِيرِ بنِ دِينَارٍ عنْ حَرِيز ابنِ عُثْمانَ عنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أبِي عَوْفٍ عنِ المِقْدَامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "ألاَ إنّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ألاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ
ـــــــ
"باب في لزوم السنة"
"عن حريز" بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وآخره زاي "ابن عثمان" الرحبي الحمصي، وفي بعض نسخ الكتاب جرير بالجيم وهو غلط فإن جرير بن عثمان بالجيم ليس في الكتب الستة أحداً من الرواة والله أعلم.
والحديث سكت عنه المنذري "أوتيت الكتاب" أي القرآن "ومثله معه" أي الوحي الباطن غير المتلو أو تأويل الوحي الظاهر وبيانه بتعميم وتخصيص وزيادة ونقص، أو أحكاماً ومواعظ وأمثالاً تماثل القرآن في وجوب العمل، أو في المقدار. قال البيهقي: هذا الحديث يحتمل وجهين أحدهما أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أوتي من الظاهر المتلو، والثاني أن معناه أنه أوتي الكتاب وحياً يتلى، وأوتي مثله من البيان أي أذن له أن يبين ما في الكتاب

(12/231)


عَلَى أرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرّمُوهُ. ألاَ لاَ يَحِلّ لَكُم الْحِمَارُ الأهْلِيّ وَلاَ كُلّ ذِي نَابٍ مِنَ السّبُعٍ وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إلاّ أنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أنْ يَعْقُبَهُمْ بِمِثْلَ قِرَاهُ" .
4592- حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بن حَنْبَلٍ وَ عَبْدُ الله بنُ مُحمّدِ النّفَيْلِيّ قالا
ـــــــ
فيعم ويخص وأن يزيد عليه فيشرع ما ليس في الكتاب له ذكر فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن "ألا يوشك" قال الخطابي: يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج والروافض من الفرق الضالة فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا انتهى "رجل شبعان" هو كناية عن البلادة وسوء الفهم الناشىء عن الشبع أو عن الحماقة اللازمة للتنعم والغرور بالمال والجاه "على أريكته" أي سريره المزين بالحلل والأثواب، وأراد بهذه الصفة أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه "فأحلوه" أي اعتقدوه حلالاً "فحرموه" أي اعتقدوه حراماً واجتنبوه "ألا لا يحل لكم" بيان للقسم الذي ثبت بالسنة وليس له ذكر في القرآن "ولا لقطة" بضم اللام وفتح القاف ما يلتقط مما ضاع من شخص بسقوط أو غفلة "معاهد" أي كافر بينه وبين المسلمين عهد بأمان، وهذا تخصيص بالإضافة، ويثبت الحكم في لقطة المسلم بالطريق الأولى "إلا أن يستغني عنها صاحبها" أي يتركها لمن أخذها استغناء عنها "فعليهم أن يقروه" بفتح الياء وضم الراء أي يضيفوه من قريث الضيف إذا أحسنت إليه "فله أن يعقبهم" من الإعقاب بأن يتبعهم ويجازيهم من صنيعه. يقال أعقبه بطاعته إذا جازاه وروي بالتشديد يقال عقبهم مشددا ومخففا وأعقبهم إذا أخذ منهم عقبى وعقبة وهو أن يأخذ منهم بدلا عما فاته، كذا في المرقاة "بمثل قراه" بالكسر والقصر أي فله أن يأخذ منهم عوضا عما حرموه من القرى. قيل هذا في المضطر أو هو منسوخ وقد سبق الكلام عليه في كتاب الأطعمة.
قال الخطابي: في الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب وأنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء كان حجة بنفسه فأما ما رواه بعضهم أنه قال إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه فإنه حديث باطل لا أصل له. وقد حكى زكريا الساجي عن يحيى بن معين أنه قال هذا حديث وضعته الزنادقة.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن غريب من هذا الوجه، وحديث أبي داوود أتم من حديثهما.

(12/232)


أخبرنا سُفْيَانُ [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي وابن كثير قالوا حدثنا سفيان] عنْ أبي النّضْرِ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبي رَافِعٍ عنْ أبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ ألْفِيَنّ أحَدَكُمْ مُتّكِئاً عَلَى أرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأمْرُ مِنْ أمْرِي مِمّا أمَرْتُ بِهِ أوْ نَهَيْتُ عَنْهُ قَيَقُولُ لاَ نَدْرِي مَا وَجَدْنَا في كِتَابِ الله اتّبَعْنَاهُ" .
4593- حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ ح. وَأخبرنا مُحمّدُ ابنُ عِيسَى قالَ أخبرنا عَبْدُالله بنُ جَعْفَر المَخْرَمِيّ وَ إِبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ سَعْدِ بنِ إِبراهِيمَ عن الْقَاسِمِ بنِ مُحمّدٍ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أحْدَثَ في أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ [منه] فَهُوَ رَدّ" .
ـــــــ
"لا ألفين" أي لا أجدن من ألفيته وجدته "متكثاً" حال "على أريكته" أي سريره المزين "يأتيه الأمر" أي الشأن من شؤون الدين "من أمري" بيان الأمر، وقيل اللازم في الأمر زائدة ومعناه أمر من أمري "مما أمرت به أو نهيت عنه" بيان أمري "لا ندري" أي لا نعلم غير القرآن ولا أتبع غيره "ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ما موصولة أي الذي وجدناه في القرآن اتبعناه وعملنا به. ولقد ظهرت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم ووقع بما أخبر به، فإن رجلا خرج من الفنجاب من إقليم الهند وانتسب نفسه بأهل القرآن وشتان بينه وبين أهل القرآن بل هو من أهل الإلحاد والمرتدين، وكان قبل ذلك من الصالحين فأضله الشيطان وأغواه وأبعده عن الصراط المستقيم، فتفوه بما لا يتكلم به أهل الإسلام، فأطال لسانه في إهانة النبي صلى الله عليه وسلم، ورد الأحاديث الصحيحة بأسرها وقال هذه كلها مكذوبة ومفتريات على الله تعالى، وإنما يجب العمل على القرآن العظيم فقط دون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت صحيحة متواترة، ومن عمل على غير القرآن فهو داخل تحت قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وغير ذلك من أقواله الكفرية، وتبعه على ذلك كثير من الجهال وجعله إماماً، وقد أفتى علماء العصر بكفره وإلحاده وخروجه عن دائرة الإسلام، والامر كما قالوا والله أعلم. وأيضاً في الحديثين توبيخ من غضب عظيم على من ترك السنة استغناء عنها بالكتاب فكيف بمن رجح الرأي عليها أو قال لا عليّ أن أعمل بها فإن لي مذهباً أتبعه.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلاً.
"عن القاسم بن محمد" أي ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه "من أحدث" أي أتى بأمر جديد "في أمرنا هذا" أي في دين الإسلام "ما ليس فيه" أي شيئاً لم يكن له سند ظاهر أو خفي من الكتاب والسنة "فهو" أي الذي أحدثه "رد" أي مردود وباطل.

(12/233)


قالَ ابنُ عِيسَى: قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَنَعَ أمْراً عَلَى غَيْرِ أمْرِنَا فَهُوَ رَدّ" .
4594- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ أخبرنا ثَوْرُ بنُ يَزِيدَ حدّثني خَالِدُ بنُ مَعْدَانَ حدّثني عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَمْرٍو السّلَمِيّ وَحُجْرُ بنُ حُجْرٍ قالا: "أتَيْنَا الْعِرْبَاضَ بنَ سَارِيَةَ، وَهُوَ مِمّنْ نَزَلَ فِيهِ: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} فَسَلّمْنَا وَقُلْنَا أتَيْنَاكَ زَائِرِينَ وَعَائِدِينَ وَمُقْتَبِسينَ، فقَالَ الْعِرْبَاضُ صَلّى بِنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمّ أقَبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ الله كَأَنّ هَذِهِ [هذا] مَوْعِظَةُ مُوَدّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إلَيْنَا [علينا] فقَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله وَالسّمْعِ وَالطّاعَةِ وَإِنْ عَبْداً حَبَشِيّا [وإن عبد حبشي] فَإِنّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُم
ـــــــ
قال الخطابي: في هذا الحديث بيان أن كل شيء نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عقد نكاح وبيع وغيرهما من العقود فإنه منقوض مردود لأن قوله "فهو رد" يوجب ظاهرة إفساده وإبطاله إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير الظاهر فينزل الكلام عليه لقيام الدليل فيه انتهى "قال ابن عيسى" هو محمد "من صنع أمراً" أي عمل عملاً "على غير أمرنا" أي ليس في ديننا. عبر عن الدين به تنبيهاً على أن الدين هو أمرنا الذي نشتغل به.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة بنحوه.
"وهو" أي العرباض {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} أي معك إلى الغزو، والمعنى لا حرج عليهم في التخلف عن الجهاد {قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} حال من الكاف في أتوك بتقدير قد، ويجوز أن يكون استئنافاً كأنه قيل ما بالهم توالوا. قلت لا أجد، وتمام الآية {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} وقوله: {تَوَلَّوْا} جواب إذاً ومعناه انصرفوا "فسلمنا" أي على العرباض "زائرين" من الزيارة "وعائدين" من العيادة "ومقتبسين" أي محصلين العلم منك "ذرفت" أي دمعت "ووجلت" بكسر الجيم أي خافت "كأن هذه موعظة مودع" بالإضافة، فإن المودع بكسر الدال عند الوداع لا يترك شيئاً مما يهم المودع بفتح الدال، أي كأنك تودعنا بها لمارأى من مبالغته صلى الله عليه وسلم في الموعظة "فماذا تعهد" أي توصى "وإن عبداً حبشياً" أي وإن كان المطاع عبداً حبشياً.
قال الخطابي: يريد به طاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبداً حبشياً، ولم يرد بذلك أن يكون الإمام عبداً حبشياً وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الأئمة من قريش" وقد يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يصح في الوجود كقوله صلى الله عليه وسلم: "من بنى لله مسجداًولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة" وقدر مفحص القطاة لا يكون مسجداً لشخص آدمي، ونظائر هذا الكلام كثير

(12/234)


بِسُنّتِي وَسُنّةِ الْخُلَفَاء الرّاشِدِينَ المَهْدِيّينَ [المهديين الراشدين] تَمَسّكُوا بِهَا، وَعَضّوا عَلَيْهَا بِالنّوَاجِذِ، وَإِيّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ، فَإِنّ كُلّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكلّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ" .
4595- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عنِ ابنِ جُرَيْجٍ حدّثني سُلَيْمانُ يَعْنِي ابنَ عَتِيقٍ عنْ طَلْقِ بنِ حَبِيبٍ عنِ الأحْنَفِ بنِ قَيْسٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "ألاَ هَلَكَ المُتَنَطّعونَ ثَلاَثَ مَرّاتٍ" .
ـــــــ
"وعضوا عليها بالنواجذ" جمع ناجذة بالذال المعجمة، قيل هو الضرس الأخير، وقيل هو مرادف السن وهو كناية عن شدة ملازمة السنة والتمسك بها.
وقال الخطابي: وقد يكون معناه أيضاً الأمر بالصبر على ما يصيبه من الم في ذات الله كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه "وإياكم ومحدثات الامور الخ" قال الحافظ ابن رجب في كتاب جامع العلوم والحكم: فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله "كل بدعة ضلالة" والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة، فقوله صلى الله عليه وسلم "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين. وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه في التراويح "نعمت البدعة هذه" وروى عنه أنه قال "إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة" ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه وأقره علي واستمر عمل المسلمين عليه. وروي عن ابن عمر أنه قال: "هو بدعة" ولعله أراد، ما أراد أبوه في التراويح انتهى ملخصاً.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجة وليس في حديثهما ذكر حجر بن حجر، غير أن الترمذي أشار إليه تعليقاً. وقال الترمذي حسن صحيح هذا آخر كلامه. والخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وقال صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" فخص اثنين وقال: "فإن لم تجديني فآتى أبا بكر" فخصه، فإذا قال أحدهم قولاً وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قوله أولى. والمحدث على قسمين محدث ليس له أصل إلا الشهرة [الشهوة] والعمل بالإرادة فهذا باطل، وما كان على قواعد الأصول أو مردود إليها فليس ببدعة ولا ضلالة انتهى كلام المنذري.
"ألا" بالتخفيف للتنبيه "هلك المتنطعون" أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم قاله النووي.
قال الخطابي: المتنطع المتعمق في الشيء المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل

(12/235)


.........................
ـــــــ
الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم، وفيه دليل على أن الحكم بظاهر الكلام وأنه لا يترك الظاهر إلى غيره ما كان له مساغ وأمكن فيه الاستعمال انتهى "ثلاث مرات" أي قال هذه الكلمة ثلاث مرات.
قال المقذري: وأخرجه مسلم.

(12/236)


6- باب من دعا إلى السنة :
[باب لزوم السنة]
4596- حدثنا يَحْيَى بنُ أيّوبَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابنَ جَعْفَرٍ أخبرني الْعَلاَءُ يَعْنِي ابنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ عنْ أبِيهِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ دَعَا إلى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أجُور مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً" .
4597- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن عَامِرِ بنِ سَعْدٍ عن أبِيهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُزماً مَنْ سَأَلَ عنْ أمْرٍ لَمْ يُحَرّمْ فَحُرّمَ عَلَى النّاسِ مِنْ أجْلِ مَسْأَلَتِهِ" .
ـــــــ
"باب من دعا إلى السنة"
"من دعا إلى هدى" أي إلى ما يهتدى به من الأعمال الصالحة "كان له من الأجر مثل أجور من تبعه" إنما استحق الداعي إلى الهدى ذلك الأجر لكون الدعاء إلى الهدى خصلة من خصال الأنبياء "لا ينقص" بضم القاف "ذلك" أي الأجر، وقيل هو إشارة إلى مصدر كان "من أجورهم شيئاً" هذا دفع لما يتوهم أن أجر الداعي إنما يكون مثلا بالتنقيص من أجر التابع وبضم أجر التابع إلى أجر الداعي وضمير الجمع في أجورهم راجع إلى من باعتبار المعنى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً" الجار والمجرور حال جرماً معناه أن أعظم من أجرم جرماً كائناً في حق المسلمين "من سأل عن أمر الخ" اعلم أن المسألة على نوعين:
أحدهما: ما كان على وجه التبيين فيما يحتاج إليه من أمر الدين وذلك جائز كسؤال عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة في أمر الخمر حتى حرمت بعدما كانت حلالا، لأن الحاجة دعت إليه.

(12/236)


4598- حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَوْهَبٍ الهَمْدَانِيّ أخبرنا اللّيْثُ عن عُقَيْلٍ عن ابنِ شِهَابٍ أنّ أبَا إدْرِيسَ الْخَولاَنيّ عَائِذَ الله أخْبَرَهُ أنّ يَزِيدَ بنَ عَمِيرَةَ - وكَانَ مِنْ أصْحَابِ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ - أخْبَرَهُ قال: كَانَ لاَ يَجْلِسُ مَجْلِساً لِلذّكْرِ حِينَ يَجْلِسُ إلاّ قال: الله حَكَمٌ قِسْطٌ هَلَكَ المُرْتَابُونَ، فقالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ يَوْماً: إنّ مِنْ وَرَائِكُم فِتَناً يَكْثُرُ فيهَا المَالُ وَيُفْتَحُ فيهَا الْقُرْآنُ حَتّى يَأْخُذَهُ المُؤْمِنُ وَالمُنَافِقُ وَالرّجُلُ وَالْمَرأَةُ وَالصّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْعْبَدُ وَالْحُرّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أنْ يَقُولَ: مَا لِلنّاسِ لاَ يَتّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ مَا هُمْ بِمُتّبِعِيّ حَتّى أبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، فإيّاكُم وَمَا ابْتَدعَ، فإنّ ما ابْتُدعَ ضَلاَلَةٌ، وَأُحَذّرُكُم زَيْغَةَ الْحَكِيمِ فإنّ الشّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضّلاَلَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ المُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقّ. قالَ قُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِينِي رَحِمَكَ الله [يرحمك الله] أنّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضّلاَلَةِ وأَنّ المُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقّ.
ـــــــ
وثانيهما: ما كان على وجه التعنت وهو السؤال عما لم يقع ولا دعت إليه حاجة، فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا عن جوابه ردع لسائله، وإن أجاب عنه كان تغليظ له فيكون بسببه تغليظ على غيره، وإنما كان هذا من أعظم الكبائر لتعدي جنايته إلى جميع المسلمين ولا كذلك غيره. كذا قال ابن الملك في المبارق.
قال المنذري:وأخرجه البخاري ومسلم.
"عائذ الله" بالنصب اسم أبي إدريس "أن يزيد بن عميرة" بفتح العين وكسر الميم وخبر أن قوله أخبره، وقوله وكان من أصحاب معاذ بن جبل جملة معترضة بين اسم أن وخبرها "قال كان" أي معاذ بن جبل "للذكر" أي الوعظ "الله حكم قسط" أي حاكم عادل "هلك المرتابون" أي الشاكون "إن من ورائكم" أي بعدكم "فتناً" بكسر ففتح جمع فتنة وهي الامتحان والاختبار بالبلية "ويفتح" بصيغة المجهول وهو كناية عن شيوع إقراء القرآن وقراءته وكثرة تلاوته لأن من لازم شيوع الإقراء والقراءة وكثرة التلاوة أن يُفْتَح القرآن. والمعنى أن في أيام هذه الفتن يشيع إقراء القرآن وقراءته ويروج تلاوته بحيث يقرؤه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والكبير والصغير والعبد والحر "حتى أبتدع لهم" أي أخترع لهم البدعة "غيره" أي غير القرآن ويقول ذلك لما رآهم يتركون القرآن والسنة ويتبعون الشيطان والبدعة "فإياكم وما ابتدع" أي احذروا من بدعته "فإن ما ابتدع" بصيغة المجهول أو المعلوم "زيغة الحكيم" أي انحراف العالم عن الحق. والمعنى أحذركم مما صدر من لسان العلماء من الزيغة والزلة وخلاف الحق فلا تتبعوه "قال قلت" ضمير قال راجع إلى يزيد "ما يدريني" بضم التحتية وكسر الراء أي أيّ شيء يُعْلمني "رحمك الله" جملة معترضة دعائية "أن الحكيم" بفتح الهمزة مفعول ثان ليدريني "قال" أي

(12/237)


قالَ: بَلَى اجْتَنِبْ مِنْ كَلاَمِ الْحَكِيمِ المُشْتَهِرَاتِ الّتي يُقَالُ لَها مَا هَذِهِ وَلا يَثْنِيَنّكَ ذَلِكَ عَنْهُ فإنّهُ لَعَلّهُ أنْ يُرَاجِعَ وَتَلَقّ الْحَقّ إذَا سَمِعْتَهُ فإنّ عَلَى الْحَقّ نُوراً.
قالَ أَبُو دَاوُدَ قالَ مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ في هَذَا الحدِيثِ: وَلا يُنْئِيَنّكَ ذَلِكَ عَنْهُ مَكَانَ يَثْنِيَنّكَ. وقالَ صَالحُ بنُ كَيْسَانَ عن الزّهْرِيّ في هَذَا الحدِيثِ بالمُشْتَبِهَاتِ [بالمشبهات] مَكَانَ المُشْتَهِرَاتِ، وقال لا يَثْنِيَنّكَ كَمَا قالَ عُقَيْلٌ وقالَ ابنُ إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ قالَ بَلَى مَا تَشَابَهَ عَلَيْكَ مِنْ قَوْلِ الْحَكِيمِ حَتّى تَقُولَ ما أرَادَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ.
4599- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ قالَ أنبأنا سُفْيَانُ قالَ: كَتَبَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عن الْقَدَرِ ح. وأخبرنا الرّبِيعُ بنُ سُلَيْمانُ المُؤَذّنُ قالَ أخبرنا أسَدُ بنُ مُوسَى قالَ أخبرنا حَمّادُ بنُ دُلَيْلٍ قالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ يحَدّثُنَا عن النّضْرِ ح. وأخبرنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن قَبِيصَةَ قالا أخبرنا أبُو رَجَاء عن أبي الصّلْتِ - وَهَذَا لَفْظُ حَديثِ ابنِ كَثِيرٍ وَمَعْنَاهُمْ قالَ: كَتَبَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عن الْقَدَرِ، فكَتَبَ: أمّا بَعْدُ، أُوصِيكَ بِتَقْوَى الله وَالاقْتِصَادِ في أمْرِهِ وَاتّبَاعِ سُنّةِ نَبِيّهِ [رسوله] صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
معاذ رضي الله عنه "بلى" أي قد يقول الحكيم كلمة الضلالة والمنافق كلمة الحق "اجتنب" بصيغة الأمر "من كلام الحكيم المشتهرات" أي الكلمات المشتهرات بالبطلان "التي يقال لها ما هذه" أي يقول الناس إنكاراً في شأن تلك المشتهرات ما هذه "ولا ينئينك" أي لا يصرفنك عن الصراط المستقيم "ذلك" المذكور من مشتهرات الحكيم "عنه" أي عن الحكيم "فإنه لعله" أي الحكيم "أن يراجع" أي يرجع عن المشتهرات "وتلق الحق" أي خذه "فإن على الحق نوراً" أي فلا يخفى عليك كلمة الحق وإن سمعتها من المنافق لما عليها من النور والضياء وكذلك كلمات الحكيم الباطلة لا تخفى عليك لأن الناس إذا يسمعونها ينكرونها لما عليها من ظلام البدعة والبطلان ويقولون إنكاراً ما هذه ووتشتهر تلك الكلمات بين الناس بالبطلان، فعليك أن تجتنب من كلمات الحكيم المنكرة الباطلة، ولكن لا تترك صحبة الحكيم فإنه لعله يرجع عنها "ولا ينئينك" بضم الياء وسكون النون وكسر الهمزة أي لا يباعدنك، ففي القاموس نأيته وعنه كسعيت بعدت وأنأينة فانتأى.
قال المنذري: وهذا موقوف.
"يسأله عن القدر" بفتحتين هو المشهور وقد يسكن الدال "أخبرنا حماد بن دليل" بالتصغير "فكتب" أي عمر بن عبد العزيز "أما بعد أوصيك" أيها المخاطب الذي سألتني عن القدر "بتقوى الله والاقتصاد" أي التوسيط بين الإفراط والتفريط "في أمره" أي أمر الله أو

(12/238)


وَتَرْكِ ما أحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ ما جَرَتْ بِهِ سُنّتُةُ وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السّنّةِ فإنّهَا لَكَ بإذْنِ الله عِصْمَةٌ، ثُمّ اعْلَمْ أنّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النّاسُ بِدْعَةً إلاّ قَدْ مَضَى قَبْلَهَا ما هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا أوْ عِبْرَةٌ فيهَا [وعبرة ما فيها] فإنّ السّنّةَ إنّما سَنّهَا مَنْ قدْ عَلِمَ ما في خِلاَفِهَا. وَلَمْ يَقُلْ ابنُ كَثِيرٍ: مَنْ قدْ عَلِمَ من الْخَطَإِ وَالزّلَلِ وَالْحُمقِ وَالتّعَمّقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ ما
ـــــــ
الاستقامة في أمره "و" أوصيك "اتباع" أي باتباع "سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وترك ما أحدث المحدثون" بكسر الدال أي ابتدع المبتدعون.
والحاصل أنه أوصاه بأمور أربعة: أن يتقي الله تعالى، وأن يقتصد أي يتوسط بين الإفراط والتفريط في أمر الله أي فيما أمره الله تعالى لا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، وأن يستقيم فيما أمره الله تعالى لا يرغب عنه إلى اليمين ولا إلى اليسار، وأن يتبع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وطريقته، وأن يترك ما ابتدعه المبتدعون "بعدما جرت به سنته وكفوا مؤنته" ظرف لأحدث، وقوله كفوا بصيغة الماضي المجهول من الكفاية، والمؤنة الثقل، يقال كفى فلاناً مؤنته أي قام بها دونه فأغناه عن القيام بها.
فمعنى كفوا مؤنته أي كفاهم الله تعالى مؤنة ما أحدثوا أي أغناهم الله تعالى عن أن يحملوا على ظهورهم ثقل الإحداث والابتداع، فإنه تعالى قد أكمل لعباده دينهم وأتم عليهم نعمته ورضي لهم الإسلام ديناً فلم يترك إليهم حاجة للعباد في أن يحدثوا لهم في دينهم أي يزيدوا عليه شيئاً أو ينقصوا منه شيئاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "شر الأمور محدثاتها" "فعليك" أيها المخاطب "بلزوم السنة" أي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته "فإنها" أي السنة أي لزومها "لك بإذن الله عصمة" من الضلالة والمهلكات وعذاب الله تعالى ونقمته "ثم اعلم" أيها المخاطب "أنه لم يبتدع الناس بدعه إلا قد مضى" في الكتاب أو السنة "قبلها" أي قبل تلك البدعة "ما هو دليل عليها" أي على تلك البدعة أي على أنها بدعة وضلالة "أو" مضى في الكتاب أو السنة قبلها ما هو "عبرة فيها" أي في تلك البدعة أي في أنها بدعة وضلالة.
والدليل على ذلك ما ذكره بقوله "فإن السنة إنما سنها" أي وضعها "من" هو الله تعالى، أو النبي صلى الله عليه وسلم "قد علم ما في خلافها" أي خلاف السنة أي البدعة "ولم يقل ابن كثير" هو محمد أحد شيوخ المؤلف في هذا الحديث لفظ "من قد علم" وإنما قاله الربيع وهناد، وأما محمد بن كثير فقال مكانه لفظاً آخر بمعناه ولم يذكر المؤلف ذلك اللفظ والله أعلم "من الخطأ والزلل والحمق والتعمق" بيان لما في خلافها، فإذا كانت السنة إنما سنها ووضعها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق وهو الله تعالى أو النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يترك بيان ما في خلافها في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم هذا مما لايصح. والتعمق المبالغة في الأمر.

(12/239)


رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ لأنْفُسِهِمْ فإنّهُمْ عَلَى [عن] عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفّوا، وَلَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأمُورِ كَانُوا أقْوَى، وَبِفَضْلِ ما كَانُوا فِيهِ أوْلَى، فإنْ كَانَ الْهُدَى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إلَيْهِ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ إنّ ما حَدَثَ بَعْدَهُمْ ما أحْدَثَهُ إلاّ مَنْ اتّبعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ، فإنّهُمْ هُمْ السّابِقُونَ فَقَدْ تَكَلّمُوا فيهِ بِمَا يَكْفِي وَوَصَفُوا مِنْهُ ما
ـــــــ
قال في النهاية: المتعمق المبالغ في الأمر المتشدد فيه الذي يطلب أقصى غايته. انتهى "فارض لنفسك ما رضي به القوم" أي الطريقة التي رضي بها السلف الصالحون أي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه "لأنفسهم" على ما ورد في حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين ملة ما أنا عليه وأصحابي، وعلله بقوله "فإنهم" أي القوم المذكورين "على علم" عظيم على ما يفيده التنكير متعلق بقوله "وقفوا" أي اطلعوا. وقوله "ببصر نافذ" أي ماض في الأمور متعلق بقوله "كفواً" بصيغة المعروف من باب نصر أي منعوا عما منعوا من الإحداث والابتداع "ولهم" بفتح لام الابتداء للتأكيد والضمير للسلف الصالحين "على كشف الأمور" أي أمور الدين متعلق بقوله "أقوى" قدم عليه للاهتمام أي هم أشد قوة على كشف أمور الدين من الخلف وكذا قوله "وبفضل ما كانوا" أي السلف الصالحون "فيه" من أمر الدين متعلق بقوله "أولى" قدم عليه لما ذكر أي هم أحق بفضل ما كانوا فيه من الخلف.
وإذا كان الأمر كذلك فاختر لنفسك ما اختاروا لأنفسهم فإنهم كانوا على الطريق القويم "فإن كان الهدى ما أنتم عليه" أي الطريقة التي أنتم عليها أيها المحدثون المبتدعون "لقد سبقتموهم إليه" أي إلى الهدى وتقدمتموهم وخلفتموهم وهذا صريح البطلان، فإن السلف الصالحين هم الذين سبقوكم إلى الهدى لا أنتم سبقتموهم إليه، فثبت أن الهدى ليس ما أنتم عليه.
وقوله لقد سبقتموهم إليه جواب القسم المقدر، وذلك لأنه إذا تقدم القسم أول الكلام ظاهراً أو مقدراً وبعده كلمة الشرط فالأكثر والأولى اعتبار القسم دون الشرط فيجعل الجواب للقسم ويستغنى عن جواب الشرط لقيام جواب القسم مقامه، كقوله تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ} وقوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} "ولئن قلتم" أيها المحدثون المبتدعون فيما حدث بعد السلف الصالحين "إن ما حدث" ما موصوله أي الشيء الذي حدث "بعدهم" أي بعد السلف الصالحين "ما أحدثه" ما نافية أي لم يحدث ذلك الشيء "إلا من اتبع غير سبيلهم" أي سبيل السلف الصالحين "ورغب بنفسه عنهم" أي عن السلف الصالحين وهو معطوف على اتبع، أي فضل نفسه عليهم.
والحاصل أنكم إن قلتم إن الحادث بعد السلف الصالحين ليس بضلال بل هو الهدى وإن كان ذلك مخالفاً لسبيلهم. وجواب الشرط محذوف تقديره فذلك باطل غير صحيح. وقوله

(12/240)


يَشْفِي، فمَا دُونَهُمْ منْ مُقَصّرٍ وَما فَوْقَهُمْ منْ مَحْسَرٍ، وَقدْ قَصّرَ قَوْمٌ دُونَهُمْ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ أقْوَامٌ فَغَلَوْا، وَإِنّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ.
كتَبْتَ تَسْأَلُ عن الإقْرَارِ بالقَدَرِ فَعَلَى الْخَبِيرِ بإذْنِ الله وَقَعْتَ، ما أعْلَمُ ما أحْدَثَ النّاسُ مِنْ مُحْدِثَةٍ، وَلاَ ابْتَدَعُوا مِنْ بِدْعَةٍ هِيَ أبْيَنُ أثَراً وَلا أثْبَتُ أمْراً مِنَ الإقْرَارِ بالْقَدَرِ،
ـــــــ
"فإنهم" أي السلف "هم السابقون" إلى الهدى علة للجواب المحذوف قائمة مقامه. ولا يجوز أن يكون هذا جواباً للشرط، فإن كون السلف هم السابقين متحقق المضي والجزاء لا يكون إلا مستقبلا "فقد تكلموا" أي السلف "فيه" أي فيما يحتاج إليه من أمر الدين "بما يكفى" للخلف "ووصفوا" أي بينوا السلف "منه" أي مما يحتاج إليه من أمر الدين "ما يشفي" للخلف "فما دونهم" إي فليس دون السلف الصالحين أن تحتهم أي تحت قصرهم "من مقصر" مصدر ميمي أو اسم طرف، أي حبس أو محل حبس من قصر الشيء قصراً أي حبسه "وما فوقهم" أي وليس فوقهم أي فوق حسرهم "من محسر" مصدر ميمي أو اسم ظرف أيضاً، أي كشف أو محل كشف من حسر الشيء حسراً أي كشفة، يقال حسر كمه من ذراعه أي كشفها، وحسرت الجارية خمارها من وجهها أي كشفته.
وحاصله أن السلف الصالحين قد حبسوا أنفسهم عن كشف ما لم يحتج إلى كشفه من أمر الدين حبساً لا مزيد عليه، وكذلك كشفوا ما احتيج إلى كشفه من أمر الدين كشفاً لا مزيد عليه "وقد قصر" من التقصير "قوم دونهم" أي دون قصر السلف الصالحين، أي قصروا قصراً أزيد من قصرهم "فجفوا" أي لم يلزموا مكانهم الواجب قيامهم فيه، من جفا جفاء إذا لم يلزم مكانه، أي انحدروا وانحطوا من علو إلى سفل بهذا الفعل وهو زيادة القصر "وطمح" أي ارتفع من طمح بصره إذا ارتفع وكل مرتفع طامح "عنهم" أي السلف "أقوام" أي ارتفعوا عنهم في الكشف، أي كشفوا كشفاً أزيد من كشفهم "فغلوا" في الكشف أي شددوا حتى جاوزوا فيه الحد، فهؤلاء قد أفرطوا وأسرفوا في الكشف كما أن أولئك قد فرطوا وقتروا فيه "وإنهم" أي السلف "بين ذلك" أي بين القصر والطمح أي بين الإفراط والتفريط "لعلى هدى مستقيم" يعني أن السلف لعلى طريق مستقيم، وهو الاقتصاد والتوسط بين الإفراط والتفريط، ليسوا بمفرطين كالقوم القاصرين دونهم ولا بمفرطين، كالأقوام الطامحين عنهم.
"كتبت تسأل" أيها المخاطب "عن الإقرار بالقدر" هل هو سنة أو بدعة "فعلى الخبير" أي العارف بخبره "بإذن الله" تعالى "وقعت" أي سألت باذن الله تعالى عن ذلك الإقرار من هو عارف بخبر ذلك الإقرار، يريد بذلك نفسه "ما أعلم ما أحدث الناس" مفعول أول لأعلم "من محدثة" بيان لما أحدثه الناس "ولا ابتدعوا من بدعة" عطف تفسير على أحدث الناس من محدثة "هي"

(12/241)


لقَدْ كَانَ ذَكرَهُ في الْجَاهِليّةِ الْجُهَلاَءُ يَتَكَلّمُونَ بِهِ في كَلاَمِهمْ وفي شِعْرِهِمْ يُعَزّونَ بِهِ أنْفُسَهِمْ عَلَى ما فَاتَهُمْ، ثُمّ لَمْ يَزِدْهُ الإسْلاَمُ بَعْدُ إلاّ شِدّةً، وَلَقَدْ ذَكَرَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في غَيْرِ حَدِيثٍ وَلا حَدِيثَيْنِ، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ المُسْلِمُونَ فَتَكلّمُوا بِهِ في حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ يَقِيناً وَتَسْلِيماً لِدَيّهِمْ وَتَضْعِيفاً لأنْفُسِهِمْ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهُ ولمْ يُحْصِهِ كِتَابُهُ ولمْ يَمْضِ فِيهِ قَدَرُهُ وإنّهُ مَعَ ذَلِكَ لِفَي مُحْكَمِ كِتابِهِ مِنْهُ اقْتَبَسُوهُ وَمِنْهُ تَعَلّمُوهُ.
ـــــــ
فصل بين مفعولي أعلم "أبين أثراً" مفعول ثان له "ولا أثبت أمراً" عطف على أبين أثراً "من الإقرار بالقدر" متعلق بابين وأثبت على التنازع.
يقول: إن الإقرار بالقدر هو أبين أثراً وأثبت أمراً في علمي من كل ما أحدثه الناس من محدثة وابتدعوه من بدعة لا أعلم شيئاً مما أحدثوه وابتدعوه أبين أثراً وأثبت أمراً منه، أي من الإقرار بالقدر، وإنما سمي الإقرار بالقدر محدثاً وبدعة لغة نظراً إلى تأليفه وتدوينه فإن تأليفه وتدوينه محدث وبدعة لغة بلا ريب. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدونه ولا أحد من أصحابه ولم يسمه محدثاً وبدعة باعتبار نفسه وذاته، فإنه باعتبار نفسه وذاته سنة ثابتة ليس ببدعة أصلا كما صرح به فيما بعد "لقد كان ذكره" أي الإقرار بالقدر "في الجاهلية" أي قبل الإسلام "الجهلاء" بالرفع فاعل ذكر "يتكلمون به" أي بالإقرار بالقدر "في كلامهم" المنثور "وفي شعرهم" أي كلامهم المنظوم "يعزون" من التعزية وهو التسلية والتصبير أي يسلون ويصيرون "به" أي بالإقرار بالقدر "أنفسهم على ما فاتهم" في نعمة "ثم لم يزده" أي الأقرار بالقدر "الإسلام بعد" مبني على الضم أي بعد الجاهلية "إلا شدة" وإحكاماً حيث فرضه على العباد "ولقد ذكره" أي الإقرار بالقدر "رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير حديث ولا حديثين" بل في أحاديث كثيرة "وقد سمعه" أي الإقرار بالقدر "منه" صلى الله عليه وآله وسلم "المسلمون" أي الصحابة رضي الله عنهم "فتكلموا" أي الصحابة رضي الله عنهم "به" أي بالإقرار بالقدر "في حياته وبعد وفاته" صلى الله عليه وآله وسلم "يقيناً وتسليماً لربهم وتضعيفاً لأنفسهم" قال في القاموس: ضعفه تضعيفاً عدة تضعيفاً "أن يكون شيء" من الأشياء لم يحط من الإحاطة "به" أي بذلك الشيء "علمه" أي علم الله تعالى "ولم يحصه" أي ذلك الشيء من الإحصاء وهو العد والضبط أي لم يضبطه "كتابه" أي كتاب الله تعالى وهو اللوح المحفوظ "ولم يمض" أي لم ينفذ "فيه" أي في ذلك الشيء "قدره" أي قدر الله تعالى.
والحاصل أن المسلمين أي الصحابة رضي الله عنهم أقروا بالقدر وتيقنوا به وسلموا ذلك لربهم وضعفوا أنفسهم أي استحالوا أن يكون شيء من الأشياء مما عزب وغاب عن علمه تعالى لم يحط به علمه تعالى ولم يضبطه كتابه ولم ينفذ فيه أمره "وإنه" أي الإقرار بالقدر "مع ذلك" أي مع كونه مما ذكره الجهلاء في الجاهلية وذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة وأقر به الصحابة وتيقنوا به وسلموه واستماله نفيه "لفي محكم كتابه" أي لمذكور في القرآن المجيد

(12/242)


ولئِنْ قُلْتُمْ لِمَ أنْزَلَ الله آيَةَ كَذا ولِمَ قالَ كذَا، لقَدْ قَرَأُوا مِنْهُ ما قَرَأْتُمْ، وَعَلِمُوا مِنْ تَأْوِيلِهِ ما جَهِلْتُمْ وَقَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ كُلّهِ بِكِتَابِ وَقَدَرٍ، وَكُتِبَتِ الشّقَاوَةُ، وَمَا يُقْدَرُ يَكُنْ [يكون] وَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلاَ نَمْلِكُ لأنْفُسِنَا [ضرا ولا] نَفْعاً وَلاَ ضَرّا ثُمّ رَغَبُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَرَهَبُوا.
4600- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قالَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قالَ أخبرنا سَعِيدُ يَعْنِي ابنَ أبي أيّوبَ قالَ أخبرني [حدثني] أبُو صَخْرٍ عنْ نَافِعٍ قالَ: كَانَ لابْنِ عُمَرَ
ـــــــ
"منه" أي من محكم كتابه لا من غيره "اقتبسوه" أي اقتبس الإقرار بالقدر واستفاده السلف الصالحون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه "ومنه" أي من محكم كتابه لا من غيره "تعلموه" أي تعلموا الإقرار بالقدر "ولئن قلتم" أيها المبتدعون "لم أنزل الله آية كذا ولم قال كذا" في شأن الآيات التي ظاهرها يخالف القدر "لقد قرأوا" أي السلف "منه" من كتابه المحكم "ما قرأتم وعلموا" أي السلف "من تأويله" أي تأويل محكم كتابه "ما جهلتم وقالوا" أي السلف أي أقروا "بعد ذلك كله" أي بعد ما قرأوا من محكم كتابه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم "بكتاب وقدر" أي أقروا بكتاب وقدر أي بأن الله تعالى كتب كل شيء وقدره قبل أن يخلق السموات والأرض بمدة طويلة "و" أقروا بأن "ما يقدر" بصيغة المجهول وما شرطية "يكن و" أقروا بأن "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن و" بأنا "لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً ثم رغبوا" أي السلف الصالحون "بعد ذلك" أي بعد الإقرار بالقدر في الأعمال الصالحة ولم يمنعهم هذا الإقرار عن الرغبة فيها "ورهبوا" الأعمال السيئة أي خافوها واتقوها. وقوله لقد فرأوا الخ جواب القسم المقدر، واستغنى عن جواب الشرط لقيامه مقامه كما تقدم هكذا أفاده بعض الأعلام في تعليقات السنن.
ثم اعلم أن البدعة هي عمل على غير مثل سبق.
قال في القاموس: هي الحدث في الدين بعد الإكمال، والبدعة أصغر من الكفر وأكبر من الفسق، وكل بدعة تخالف دليلاً يوجب العلم والعمل به فهي كفر، وكل بدعة تخالف دليلاً يوجب العمل ظاهراً، فهي ضلالة وليست بكفر.
قال السيد في التعريفات: البدعة هي الفعلة المخالفة للسنة، سميت بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير مثال انتهى. وهذه فائدة جليلة فاحفظها.
والحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري، وذكره المزي في الأطراف في المراسيل وعزاه لأبي داوود، ثم قال في رواية ابن الأعرابي وأبي بكر بن داسة انتهى.
"أخبرني أبو صخر" هو حميد ين زياد "كان لابن عمر صديق" بفتح الصاد وكسر الدال

(12/243)


صَدِيقٌ مِنْ أهْلِ الشّامِ يُكَاتِبُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ أنّهُ بَلَغَنِي أنّكَ تَكَلّمْتَ في شَيْء مِنَ الْقَدَرِ فَإِيّاكَ أنْ تَكْتُبَ إلَيّ فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّهُ سَيَكُونُ فِي أمّتِي أقْوَامٌ يُكَذّبُونَ بالْقَدَرِ" .
4601- حدثنا عَبْدُ الله بنُ الْجَرّاحِ قالَ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ خَالِدِ الْحَذّاءِ قالَ قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أبَا سَعِيدٍ أخْبِرْنِي عنْ آدَمَ ألِلسّمَاءِ خُلِقَ أمْ لِلأرْضِ؟ قالَ لاَ بَلْ لِلأرْضِ، قُلْتُ أرَأَيْتَ لَوِ اعْتَصَمَ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الشّجَرَةِ؟ قالَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ بُدّ، قُلْتُ أخْبِرْنِي عَنْ قوله تعالى: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} قالَ إنّ الشّيَاطِينَ لاَ يَفْتِنُونَ بِضَلاَلَتِهِمْ إلاّ مَنْ أوْجَبَ الله عَلَيْهِ الْجَحِيمَ.
4602- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا خَالِدٌ الحَذّاءُ عن الْحَسَن في قوله تعالى: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قالَ: "خَلَقَ هَؤُلاَءِ لِهَذِهِ وَهَؤُلاَءِ لِهَذِه".
ـــــــ
المخففة على وزن أمير أي حبيب من الصداقة وهي المحبة "فإياك أن تكتب إليّ" أي فاحذر عن الكتابة إليّ لأني تركت حبك والمكاتبة إليك.
قال المزي في الأطراف: هو في رواية ابن الأعرابي وأبي بكر بن داسة انتهى.
"قلت للحسن" أي البصري. قال في فتح الودود: سأله عن بعض فروع مسألة القدر ليعرف عقيدته فيها لأن الناس كانوا يتهمونه قدرياً إما لأن بعض تلامذته مال إلى ذلك أو لأنه قد تكلم بكلام اشتبه على الناس تأويله فظنوا أنه قاله لاعتقاده مذهب القدرية فإن المسئلة من مظان الاشتباه انتهى "أخبرني عن آدم" هو أبو البشر على نبينا وعليه الصلاة والسلام "للسماء" أي لأن يسكن ويعيش في الجنة "أرأيت" أي أخبرني "لو اعتصم" أي لم يذنب ولم يأثم "لم يكن له" أي لاَدم "منه" أي من أكلها أخبرني عن قوله تعالى: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} الآية وقبله {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} والخطاب للمشركين والضمير المجرور في عليه راجع إلى ما تعبدون، والمعنى فإنكم أيها المشركون والذي تعبدونه من الأصنام ما أنتم على عبادة الأصنام بمضلين أحداً إلا أصحاب النار في علمه تعالى وقيل الضمير في علية لله تعالى، والمعنى لستم تضلون أحداً على الله إلا أصحاب النار في علمه تعالى.
قال المزي: الحديث في رواية ابن الأعرابي وابن داسة {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} وقبله { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي أهل دين واحد {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} أي في الدين {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} أي أراد لهم الخير فلا يختلفون فيه {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} أي أهل الاختلاف له وأهل الرحمة لها كذا في تفسير الجلالين.

(12/244)


4603- حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ أنبأنا [أخبرنا] خَالِدُ الْحَذّاءُ قالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} قالَ إلاّ مَنْ أوْجَبَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ أنّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ.
4604- حدثنا هِلاَلُ بنُ بِشْرٍ قالَ أخبرنا حَمّادٌ قالَ أخبرني [أنبأنا] حُمَيْدٌ قالَ: كَانُ الْحَسَنُ يَقُولُ لأنْ يُسْقَطَ مِنَ السّمَاءِ إلَى الأرْضِ أحَبّ إلَيْهِ مِنْ أنْ يَقُولَ الأمْرُ بِيَدِي.
4605- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا حُمَيْدٌ قالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا الْحَسَنُ مَكّةَ، فَكَلّمَنِي فُقَهَاءُ أهْلِ مَكّةَ أنْ أُكَلّمَهُ في أنْ يَجْلِسَ لَهُمْ يَوْماً يَعِظُهُمْ [يخطبهم] فِيهِ، فقَالَ نَعَمْ، فاجْتَمَعُوا فَخَطَبَهُمْ ٌ[فخطب] فَمَا رَأَيْتُ أخْطَبَ مِنْهُ، فقَالَ رَجُلٌ يَا أبَا سَعِيدٍ مَنْ خَلَقَ الشّيْطَانَ؟ فقَالَ سُبْحَانَ الله هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله، خَلَقَ الله الشّيْطَانَ وَخَلَقَ الْخَيْرَ وَخَلَقَ الشّرّ، قالَ الرّجُلُ: قاتَلَهُمُ الله كَيْفَ يَكْذِبُونَ عَلَى هَذَا الشّيْخِ.
4606- حدثنا ابنُ كَثِيرٍ قالَ أنبأنا [أخبرنا] سُفْيَانُ عنْ حُمَيْدٍ الطّوِيلِ عن الْحَسَنِ {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} قالَ الشّرْكُ.
ـــــــ
"قال" أي الحسن البصري في تفسير قوله تعالى: المذكور "خلق" أي الله تعالى "هؤلاء لهذه" أي للجنة "وهؤلاء لهذه" أي للنار.
قال المزي: الحديث في رواية ابن الأعرابي وابن داسة انتهى.
"قلت للحسن {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أي قلت له ما تقول في تفسير قوله تعالى: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} الخ {إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} أي داخلها.
"حماد" هو ابن زيد نسبه المزي في الأطراف "أخبرني حميد" هو ابن أبي حميد الطويل "أن يقول الأمر بيدي" أي يقول بنفي القدر.
"قال أخبرنا حماد" هو ابن سلمة هكذا نسبه المزي "قدم علينا الحسن" أي البصري "أن أكلمه" أي الحسن "فما رأيت أخطب" أي أحسن خطبة ووعظاً "منه" أي من الحسن "على هذا الشيخ" أي الحسن البصري.
{كَذَلِكَ} أي مثل إدخالنا التكذيب في قلوب الأولين {نَسْلُكُهُ} أي ندخل التكذيب

(12/245)


4607- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ قالَ أنبأنا سُفْيَانُ عنْ رَجُلٍ قَدْ سَمّاهُ غَيْرِ ابنِ كَثِيرٍ عنْ سُفْيَانَ عنْ عُبْيَدٍ الصّيدِ عنِ الْحَسَنِ في قَوْلِ الله عَزّ وَجلّ: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} قالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الإيْمَانِ.
4608- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا سُلَيْمٌ عن ابنِ عَوْنٍ قالَ: كُنْتُ أسِيرُ بالشّامِ فَنَادَانِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي فَالْتَفَتّ، فَإِذَا رَجَاءُ بنُ حَيْوَةَ فقَالَ يَا أبَا عَوْنٍ مَا هَذَا الّذِي يَذْكُرُونَ عَنِ الْحَسَنِ؟ قالَ قُلْتُ إنّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى الحَسَنِ كَثِيراً.
4609- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالَ أخبرنا حَمّادٌ قالَ سَمِعْتُ أيّوبَ يَقُولُ: كَذَبَ عَلَى الْحَسَنِ ضَرْبَانِ مِنَ النّاسِ: قَوْمٌ الْقَدْرُ رَأْيُهُمْ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أنْ يُنَفّقُوا بِذَلِكَ رَأْيَهُمْ، وَقَوْمٌ لَهُ في قُلُوبِهِمْ شِنَانٌ وَبُغْضٌ يَقُولُونَ ألَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ كَذَا ألَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ كَذَا.
ـــــــ
{فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} أي كفار مكة. كذا في تفسير الجلالين "قال" أي الحسن "الشرك" أي أن المراد من الضمير المنصوب في نسلكه الشرك.
"عن عبيد الصيد" بكسر الصاد المهملة وسكون التحتانية هو عبيد بن عبد الرحمن المزني يعرف بالصيد، قاله الحافظ {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ} أي بين الكفار {وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} من الإيمان وذلك عند البعث حين يفزعون ويقولون آمنا به إذ محل الإيمان هو الدنيا لا الآخرة "قال" الحسن "بينهم وبين الإيمان" يعني أن المراد بما الموصولة الإيمان والحائل هو القدر الذي كتب الله لهم، والذي أحاله بينهم وبين الإيمان هو الله تعالى. وقوله تعالى: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} أي بأن القدر الذي كتب الله لهم قد حيل بينهم وبين الإيمان، وتمام الآية هكذا {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} .
وحاصل معنى الآية الكريمة أن تناوشهم وقولهم في ذلك الوقت أن آمنا به لا يفيدهم ولا يغنيهم من إيمانهم لأنهم في الدنيا قد كفروا به ويقذفون بالغيب والقدر الذي كتب الله لهم بكفرهم كان في الدنيا حائلاً بينهم وبين الإيمان الذي يشتهونه في الآخرة كما حال القدر بين أشياعهم وبين الإيمان فكفروا، وكانوا في شك من هذا اليوم.
"سليم" مصغراً هو ابن أخضر قاله المزي.
"ضربان" أي قسمان "قوم القدر رأيهم" أي رأيهم وعقيدتهم نفي القدر وهم القدرية "أن ينفقوا" من التنفيق أي يروجوا "وقوم له" أي للحسن "شنآن" أي عداوة.

(12/246)


4610- حدثنا ابنُ المُثَنّى أنّ يَحْيَى بنَ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيّ حَدّثَهُمْ قالَ: كَانَ قُرّةُ بنُ خَالِدٍ يَقُولُ لَنَا يَا فِتْيَانُ: لاَ تُغْلَبُوا عَلَى الْحَسَنِ فَإِنّهُ كانَ رَأْيُهُ السّنّةَ وَالصّوَابَ.
4611- حدثنا ابنُ المُثَنّى وَ ابنُ بَشّارٍ قالا أخبرنا مُؤَمّلُ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ ابنُ زَيْدٍ عن ابنِ عَوْنٍ قالَ: لَوْ عَلِمْنَا أنّ كَلِمَةَ الْحَسَنِ تَبْلُغُ مَا [الذي] بَلَغَتْ لَكَتَبْنَا بِرُجُوعِهِ كِتَاباً وَأَشْهَدْنَا عَلَيْهِ شُهوداً وَلَكِنّا قُلْنَا: كَلِمَةٌ خَرَجَتْ لاَ تُحْمَلْ.
4612- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالَ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيّوبَ قالَ: قالَ لِيَ الْحَسَنُ مَا أنَا بِعَائِدٍ إلَى شَيْء مِنْهُ أبَداً.
4613- حدثنا هِلاَلُ بنُ بِشْرٍ قالَ أخبرنا عُثْمانُ بنُ عُثْمانَ عنْ عُثْمانَ الْبَتّيّ قالَ: مَا فَسّرَ الْحَسَنُ آيَةً قَطّ إلاّ عَلَى [عن] اْلإثْبَاتِ.
ـــــــ
"يا فتيان" جمع فتى "لا تغلبوا" بصيغة المجهول أي لا يغلبنكم القدرية في أن الحسن منهم قاله السندي.
"إن كلمة الحسن" البصري التي قالها وحملها بعض السامعين على نفي القدر "تبلغ" تلك الكلمة "ما بلغت" أي تبلغ في المحل الذي بلغت وشاعت بين الناس على خلاف ما أراد به الحسن البصري رحمه الله تعالى "لكتبنا برجوعه" أي برجوع الحسن عن تلك المقالة "وأشهدنا عليه" أي ذلك الرجوع "لكنا قلنا" هي "كلمة خرجت" من لسان الحسن البصري "لا تحمل" بصيغة المجهول أي تلك الكلمة على ذلك المعنى الذي اشتهر بين الناس.
"ما أنا بعائد" من العود "إلى شيء منه" أي من الكلام الذي يوهم إلى نفي القدر.
"عن عثمان البتي" بفتح الموحدة وتشديد المثناة المكسورة "إلا على الإثبات" أي على إثبات القدر، وفي بعض النسخ عن مكان على.
واعلم أن هذه الروايات كلها أي من حديث أبي كامل عن إسماعيل إلى حديث هلال بن بشر عن عثمان بن عثمان وهو أحد عشر حديثاً ليست من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكرها المنذري، بل هذه كلها من رواية ابن الأعرابي وأبي بكر بن داسة. ذكره الحافظ جمال الدين المزي في الأطراف والله أعلم.

(12/247)


7- باب في التفضيل :
4614- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدثنا أسْوَدُ بنُ عَامِرٍ حدثنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ عن عُبَيْدِ الله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: كُنّا نَقُولُ في زَمَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا نَعْدِلُ بابي بَكْرٍ أحَداً ثُمّ عُمَرَ ثُمّ عُثْمانَ ثُمّ نَتْرُكُ أصْحَابَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، لا تَفَاضُلَ [لا نفاضل] بَيْنَهُمْ.
4615- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ حدثنا عَنْبَسَةُ حدثنا يُونُسُ عن ابن شِهَابٍ قالَ: قالَ سَالِمُ بنُ عَبْدِ الله أنّ ابنَ عُمَرَ قال: "كُنّا نَقُولُ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَيّ أفْضَلُ أُمّةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَهُ أبُو بَكْرٍ ثُمّ عُمَرُ ثُمّ عُثْمانُ رَضِيَ الله عَنْهُمْ" .
ـــــــ
"باب في التفضيل"
"لا نعدل" أي لا نساوي "بابي بكر أحداً" أي من الصحابة بل نفضله على غيره "ثم عمر ثم عثمان" أي ثم لانعدل بهما أحداً أو ثم نفضلهما على غيرهما "لا تفاضل بينهم" كذا في بعض النسخ، وفي بعضها لا نفاضل بصيغة المتكلم أي لا نوقع المفاضلة بينهم. والمعنى لا نفضل بعضهم على بعض.
قال الخطابي في المعالم: وجه ذلك والله أعلم أنه أراد به الشيوخ وذوي الأسنان منهم الذين كان رسول الله إذا حز به أمر شاورهم فيه، وكان رسول الله عنه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث السن ولم يرد ابن عمر الإذرراء بعلي ولا تأخيره ودفعه عن الفضيلة بعد عثمان وفضله مشهور ولا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة، وإنما اختلفوا في تقديم عثمان عليه، فذهب الجمهور من السلف إلى تقديم عثمان عليه، وذهب أهل الكوفة إلى تقديم علي على عثمان. قال وللمتأخرين في هذا مذاهب منهم من قال بتقديم أبي بكر من جهة الصحابة وبتقديم علي من وجهة القرابة، وقال قوم لا يقدم بعضهم على بعض. وكان بعض مشائخنا يقول أبو بكر خير وعلي أفضل. قال وباب الخيرية غير باب الفضيلة، وهذا كما يقول إن الحر الهاشمي أفضل من العبد الرومي والحبشي، وقد يكون العبد الحبشي خير من هاشمي في معنى الطاعة لله والمنفعة للناس، فباب الخيرية متعد وباب الفضيلة لازم، وقد ثبت عن علي أنه قال "خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر فقال ابنه محمد بن الحنفية ثم أنت يا أبت. فكان يقول ما أبوك إلا رجل من المسلمين" انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي.
"كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي" الواو للحال "بعده" قال القاري: أي بعد النبي وأمثاله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو بعد وجوده انتهى.

(12/248)


4616- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ حدثنا سُفْيَانُ حدثنا جامِعُ بنُ أبي رَاشِدٍ حدثنا أبُو يَعْلَى عن مُحمّدِ بنِ الْحَنَفِيّةِ قالَ: قُلْتُ لأبِي: أيّ النّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبُو بَكْرٍ، قال قُلْتُ: ثُمّ مَنْ؟ قال: ثُمّ عُمَرُ، قال: ثُمّ خَشِيتُ أنْ أقُولَ ثُمّ مَنْ، فَيَقُولُ عُثْمانُ، فَقُلْتُ: ثُمّ أنْتَ يَا أبَةِ، قال: مَا أنَا إلاّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.
4617- حدثنا مُحمّدُ بنُ مِسْكِينٍ حدثنا مُحمّدٌ - يَعني الْفِرْيَابيّ - قالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أنّ عَلِيّا رَضِيَ الله عَنْهُ كَانَ أحَقّ بالْوِلاَيَةِ منْهُمَا فَقَدْ خَطّأَ أبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارَ رَضِيَ الله عَنْ جَمِيعِهِمْ وَمَا أُرَاهُ يَرْتَفِعُ لَهُ مَعَ هَذَا عَمَلٌ إلَى السّمَاءِ.
4618- حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ حدثنا [حدثني] قَبِيصَةُ حدثنا عَبّادٌ السّمّاكُ قال سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ يَقُولُ: الْخُلَفَاءُ خَمْسَةُ: أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمانُ وَعَلِيّ وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ الله عَنْهُمْ.
ـــــــ
والحديث سكت عنه المنذري.
"عن محمد بن الحنفية" هو ابن أبي طالب والحنفية أمة "قلت لأبي" أي لعلي بن أبي طالب "قال" أي علي "أبو بكر" أي هو أبو بكر أو أبو بكر هو الخير "ما أنا إلا رجل من المسلمين" وهذا على سبيل التواضع منه مع العلم بأنه حين المسألة خير الناس بلا نزاع، لأنه بعد قتل عثمان رضي الله عنهم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري.
"قال سمعت سفيان" هو الثوري قاله المزي "من زعم" كما تزعم الشيعة "منهما" أي من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما "فقد خطأ" من التفعيل "يرفع له" أي لهذا الزاعم "مع هذا" الزعم والعقيدة الفاسدة "عمل" صالح "إلى السماء" كما في قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} والحديث سكت عنه المنذري.
"الخلفاء" الراشدون القائمون بأمر الله. والحديث سكت عنه المنذري.

(12/249)


8- باب في الخلفاء :
[باب ما قيل في الخلفاء]
4619- حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ قالَ مُحمّدٌ كَتَبْتُهُ مِنْ كِتَابِهِ قالَ أنبأنا [أخبرنا] مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "كَانَ أبُو هُرَيْرَةَ يُحَدّثُ أنّ رَجُلاً أتَى إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَ: إنّي أرَى اللّيْلَةَ ظُلّةً يَنْطِفُ مِنْهَا السّمْنُ وَالْعَسَلُ فَأَرَى النّاسَ يَتَكَفّفُونَ بأَيْدِيهِمْ فالمُسْتَكْثِرُ وَالمُسْتَقِلّ وَأُرَى سَبَباً وَاصِلاً مِنَ السّماءِ إلَى الأرْضِ فأَرَاكَ يَا رَسُولَ الله أخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ثُمّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرَ فَعَلاَ بِهِ، ثُمّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرَ فَعَلاَ بِهِ، ثُمّ أخَذَ بِهِ رَجُل آخَرَ فانْقَطَعَ ثُمّ وُصِلَ فَعَلاَ بِهِ. قال أبُو بَكْرٍ: بابي وَأُمّي لَتَدَعَنّي فَلأعْبُرَنّهَا، فقَالَ: اعْبُرْهَا، فقال: أما الظّلّةُ فَظُلّةُ الإسْلاَمِ، وأمّا مَا يَنْطِفُ مِنَ السّمْنِ وَالْعَسَلِ فَهُوَ الْقُرْآنُ لِينُهُ وَحَلاَوَتُهُ، وَأمّا المُسْتَكْثِرُ وَالمُسْتَقِلّ فَهُوَ المُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالمُسْتَقِلّ مِنْهُ، وَأمّا
ـــــــ
"باب في الخلفاء"
"ظلة" بضم الظاء المعجمة أي سحابة لها ظل، وكل ما أظل من سقيفة ونحوها يسمى ظلة "ينطف" بنون وطاء مكسورة ويجوز ضمها أي يقطر "يتكففون" أي يأخذون بأكفهم. قال الخليل: تكفف بسط كفه ليأخذ "فالمستكثر والمستقل" أي فمنهم الآخذ كثيرا ومنهم الآخذ قليلا "سببا" أي حبلا "واصلا" أي موصولا فاعل بمعنى مفعول قاله الخطابي "أخذت به" أي بذلك السبب "ثم وصل" بصيغة المجهول "قال أبو بكر بابي وأمي" أي أنت مفدى بابي وأمي "لتدعني" بفتح اللام للتأكيد والدال والعين وكسر النون المشددة أي لتتركني "فلا أعبرنها" بضم
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديث رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم السمن والعسل وتعبير الصديق رضي الله عنه وكلام المنذري ثم قال: وهذا يشكل عليه شيئان.
وأحدهما: أن في نفس الرؤيا "ثم وصل له فعلا به" فتفسير الصديق لذلك مطابق لنفس الرؤيا.
والثاني: أن قتل عثمان رضي الله عنه لا يمنع أن يوصل له بدليل أن عمر قد قتل ومع هذا فأخذ به وعلا به ولم يكن قتله مانعا من علوه به.
وقد يجاب عنهما.
أما الأول فلفظه "ثم وصل له" لم يذكر هذا البخاري ولفظ حديثه "ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به ثم وصل" فقط وهذا لا يقتضي أن يوصل له بعد انقطاعه به وقال الصديق في تفسيره في

(12/250)


السّبَبُ الْوَاصِلُ مَنَ السّمَاءِ إلَى الأرْضِ فَهُوَ الْحَقّ الّذِي أنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ الله ثُمّ يَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلٌ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ ثُمّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، أي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَتُحَدّثَنّي أصْبَتُ أمْ أخْطَأْتُ؟ فقَالَ أصَبْتَ بَعَضاً وأخْطَأْتَ بَعْضاً، فقَالَ أقْسَمْتُ يَا رَسُولَ الله لَتُحَدّثَنّي ما الّذِي أخْطَأَتُ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لا تُقْسِمْ" .
ـــــــ
الموحدة من عبرت الرؤيا بالخفة إذا فسرتها "فيعليك الله" أي يرفعك "ثم يأخذ به بعدك رجل" هو أبو بكر رضي الله عنه "ثم يأخذ به رجل آخر" هو عمر رضي الله عنه "ثم يأخذ به رجل آخر" هو عثمان رضي الله عنه "فينقطع ثم يوصل له فيعلو به" يعني أن عثمان كاد أن ينقطع عن اللحاق بصاحبيه بسبب ما وقع له من تلك القضايا التي أنكروها فعبر عنها بانقطاع الحبل ثم وقعت له الشهادة فاتصل فالتحق بهم قاله القسطاني "أي رسول الله" أي حرف نداء "أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً" اختلف العلماء في تعيين موضع الخطأ فقيل أخطأ لكونه عبر السمن والعسل بالقرآن فقط وهما شيئان وكان من حقه أن يعبرهما بالقرآن والسنة، وقيل غير ذلك، والأولى السكوت في تعيين موضع الخطأ بل هو الواجب، لأنه صلى الله عليه وسلم سكت عن بيان ذلك مع سؤال أبي بكر رضي الله عنه "لا يقسم" قال الداوودي: أي لا تكرر يمينك فإني لا أخبرك، وقيل معناه إنك إذا تفكرت فيما أخطأت به علمته.
قال النووي: قيل إنما لم يبر النبي صلى الله عليه وسلم قسم أبي بكر لأن إبرار القسم مخصوص بما إذا
ـــــــ
نفس حديث البخاري "فينقطع به ثم يوصل له" فهذا موضع الغلط وهذا مما يبين فضل صدق معرفة البخاري وغور علمه في إعراضه عن لفظه "له" في الأول وإنما انفرد بها مسلم.
وأما الثاني: فيجاب عنه بأن عمر رضي الله عنه لم ينقطع به السبب من حيث علا به وإنما انقطع به بالأجل المحتوم كما ينقطع الأجل بالسم وغيره وأما عثمان فانقطع به من حيث وصل له من الجهة التي علا بها وهي الخلافة فإنه إنما أريد منه أن يخلع نفسه وإنما قتلوه لعدم إجابتهم إلى خلع نفسه فخلعوه هم بالقتل ظلما وعدوانا فانقطع به من الجهة التي أخذ به منها ثم وصل لغيره رضي الله عنه وهذا سر سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن تعيين موضع خطأ الصديق.
فإن قيل: فلم تكلفتم أنتم بيانه وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم الصديق من تعرفه والسؤال عنه.
قيل: منعه من هذا ما ذكرناه من تعلق ذلك بأمر الخلافة وما يحصل للرابع من المحنة وانقطاع السبب به فأما وقد حدث ذلك ووقع فالكلام فيه كالكلام في غيره من الوقائع التي يحذر الكلام فيها قبل وقوعها سدا للذريعة ودرءا للمفسدة فإذا وقعت زال المعنى الذي سكت عنها لأجله.

(12/251)


4620- حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثْيرٍ حدثنا سُلَيْمانُ بنُ كَثِيرٍ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذِهِ الْقِصّةَ قال: "فأَبَى أنْ يُخْبِرَهُ" .
4621- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيّ حدثنا الأشْعَثُ عن الْحَسَنِ عن أبي بَكْرَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ ذَاتَ يَوْمٍ: "مَنْ رَأَى مِنِكُم رُؤْيَا؟ فقَالَ رَجُلٌ: أنَا رَأَيْتُ كَأَنّ مِيزَاناً نَزَلَ مِنَ السّمَاءِ فَوُزِنْتَ أنْتَ وَأبُو بَكْرٍ، فَرُجِحْتَ [فرجحت] أنْتَ بابي بَكْرٍ، وَوُزِنَ [ثم وزن] أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرُجِحَ [فرجح] أبُو بَكْرٍ وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمانُ فَرَجَحَ عُمَرُ، ثُمّ رُفِعَ المِيزَانُ فَرَأَيْنَا الْكَراهِيَةَ في وَجْهِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم" .
ـــــــ
لم يكن هناك مفسدة ولا مشقة ظاهرة، قال ولعل المفسدة في ذلك ما علمه من انقطاع السبب بعثمان وهو قتله وتلك الحروب والفتن المريبة فكره ذكرها خوف شيوعها انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم الترمذي وابن ماجه.
قوله ثم يأخذ بعدك به بعدك رجل هو أبو بكر ثم يأخذ به رجل آخر هو عمر، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع هو عثمان.
فإن قيل لو كان معنى فينقطع قتل لكان سبب عمر مقطوعاً أيضاً، قيل لم ينقطع سبب عمر لأجل العلو إنما هو قطع لعداوة مخصوصة، وأما قتل عثمان من الجهة التي علا بها وهي الولاية فجعل قتله قطعاً، وقوله ثم وصل يعني بولاية علي، وقيل إن معنى كتمان النبي صلى الله عليه وسلم موضع الخطأ لئلا يحزن الناس بالعارض لعثمان، وفيه جواز سكوت العابر وكتمه عبارة الرؤيا إذا كان فيها ما يكره وفي السكوت عنها مصلحة انتهى كلام المنذري.
"فأبى أن يخبره" أي امتنع صلى الله عليه وسلم أن يخبر أبا بكر بما أخطأ قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"ذات يوم" أي يوماً ولفظة ذات لدفع توهم التجوز بأن يراد باليوم مطلق الزمان لا النهار، وقيل ذات مقحم قاله القارى "كان" حرف مشبه بالفعل "فوزنت" بصيغة المجهول المخاطب "أنت" ضمير فصل وتأكيد لتصحيح العطف "فرجحت" ضبط بالقلم في بعض النسخ بضم الراء وكسر الجيم وفي بعضها بفتح الراء والجيم "ثم رفع الميزان" .
قال القارى: فيه إيماء إلى وجه ما اختلف في تفضيل علي وعثمان "فرأينا الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم" وذلك لما علم صلى الله عليه وسلم من أن تأويل رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور وظهور الفتن بعد خلافة عمر، ومعنى رجحان كل من الآخر أن الراجح أفضل من المرجوح.

(12/252)


4622- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أبي بَكَرَةَ عن أبِيهِ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ ذَاتَ يَوْمٍ: "أيّكُمْ رَأَى رُؤْيَا، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَرَاهِيَةَ قال فاسْتَاءَ لَها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم - يَعني فَسَاءَهُ ذَلِكَ - فقالَ: خِلاَفَةُ نُبُوّةٍ ثُمّ يُؤْتِيَ الله المُلْكَ مَنْ يَشاءُ" .
4623- حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ حدثنا مُحمّدُ بنُ حَرْبٍ عن الزّبَيْدِيّ عن ابنِ شِهَابٍ عن عَمْرِو بنِ أبَانَ بنِ عُثْمانَ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله أنّهُ كَانَ يُحَدّثُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "أُرِيَ اللّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ أنْ أبَا بَكْرٍ نِيطَ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَنِيطَ عُمَرُ
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن.
قيل: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كره وقوف التخبير، وحصر درجات الفضائل في ثلاثة ورجا أن يكون في أكثر من ذلك فأعلمه الله أن التفضيل انتهى إلى المذكور فيه فساءه ذلك انتهى كلام المنذري.
"فذكر معناه" أي معنى الحديث السابق "فاستاء" أي حزن وانختم وهو افتعل من السوء "لها" أي للرؤيا.
قال الخطابي: معناه كرهها حتى تبينت المساءة في وجهه "يعني" هذا قول الراوي "فساءه" أي فأحزن النبي صلى الله عليه وسلم "ذلك" أي ما ذكره الرجل من رؤياه "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "خلافة نبوة" بالإضافة ورفع خلافة على الخبر، أي الذي رأيته خلافة نبوة، وقيل التقدير هذه خلافة "ثم يؤتي الله الملك من يشاء" وقيل أي انقضت خلافة النبوة يعني هذه الرؤيا دالة على أن الخلافة بالحق تنقضي حقيقتها وتنتهي بانقضاء خلافة عمر رضي الله عنه كذا في المرقاة.
قال الطيبي: دل إضافة الخلافة إلى النبوة على أن لا ثبوت فيها من طلب الملك والمنازعة فيه لأحد وكانت خلافة الشيخين رضي الله عنهما على هذا وكون المرجوحية انتهت إلى عثمان رضي الله عنه دل على حصول المنازعة فيها، وأن الخلاقة في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما مشوبة بالملك، فأما بعدهما فكانت ملكاً عضوضاً انتهى.
وقد بسط الكلام فيما يتعلق بالخلافة الذي لا مزيد عليه الشيخ الأجل المحدث ولي الله الدهلوي في إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء، وهو كتاب لم يؤلف مثله في هذا الباب، وفي كتابه: قرة العينين في تفضيل الشيخين، والله أعلم.
قال المنذري: في إسناده علي بن زيد بن جدعان القرشي التيمي، ولا يحتج بحديثه.
"أرى" بضم الهمزة وكسر الراء وفتح الياء أي أبصر في منامه "نيط" بكسر أوله أي علق.

(12/253)


بابي بَكْرٍ وَنِيطَ عُثْمانُ بِعُمَرَ. قالَ جَابِرٌ: فلَمّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قُلْنَا: أمّا الرّجُلُ الصّالِحُ فَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَأَمّا تَنوّطُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَهُمْ وُلاَةُ هَذَا الأمْرِ الّذِي بَعَثَ الله بِهِ نَبِيّهُ صلى الله عليه وسلم" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يُونُسُ وَشُعَيْبٌ لَمْ يَذْكُرَا عَمْراً.
4624- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا عَفّانُ بنُ مُسْلِمٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أشْعَثَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أبِيهِ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ: أنّ رَجُلاً قالَ: "يَا رَسُولَ الله إنّي رأَيْتُ كَأَنّ دَلْواً دُلّيَ مِنَ السّمَاءِ فَجَاءَ أبُو بَكْرٍ فأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ شُرْباً ضَعِيفاً، ثُمّ جَاءَ عُمَرُ فأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتّى تَضَلّعَ، ثُمّ جَاءَ عُثْمانُ فأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتّى تَضَلّعَ، ثُمّ جَاءَ عَلِيّ فأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فانْتَشَطَتْ وَانْتَضَحَ عَلَيْهِ منْهَا شَيْءٌ" .
4625- حدثنا عَلِيّ بنُ سَهْلٍ الرّمْلِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
ـــــــ
قال الخطابي: النوط التعليق والتنوط التعلق.
قال الطيبي: كان من الظاهر أن يقول رأيت نفسي الليلة وأبو بكر نيط بي فجرد منه صلى الله عليه وسلم لكونه رسول الله وحبيبه رجلاً صالحاً، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع رجلاً تفخيماً غب تفخيم انتهى "وأما تنوط بعضهم ببعض" أي تعلقهم واتصالهم "فهم ولاة هذا الأمر" أي أمر الدين "قال أبو داوود رواه يونس وشعيب" يعني عن الزهري "لم يذكرا عمراً" أي عمرو بن أبان.
قال المنذري: فعلى ما ذكره أبو داوود عنهما يكون الحديث منقطعاً. لأن الزهري لم يسمع من جابر بن عبد الله.
"رأيت" أي في المنام "دلى" بصيغة المجهول من التدلية أي أرسل "فأخذ بعراقيها" قال الخطابي هي أعواد تخالف بينها ثم تشد في عرى الدلو وتعلق بها الحبل واحدتها عرقوة "حتى تضلع" أي شرب وافراً حتى روي فتمدد جنب وضلوعه "فانتشطت" قال الخطابي: انتشاط الدلو اضطرابها حتى ينتضح ماؤها "وانتضح عليه" أي على علي "منها" أي من الدلو "شيء" أي شيء من الماء.
قال الخطابي: وأما قوله في أبي بكر فشرب شرباً ضعيفاً، فإنما هو إشارة إلى قصر مدة أمر ولايته وذلك أنه لم يعش بعد الخلافة أكثر من سنتين وشيء وبقي عمر عشر سنين وشيئاً، فذلك معنى تضلعه والله أعلم. الحديث سكت عنه المنذري.

(12/254)


عن مَكْحُولٍ قال: لَتَمْخُرَنّ الرّومُ الشّامَ أرْبَعِينَ صَبَاحاً لا يَمْتَنِعُ مِنْهَا إلاّ دِمَشْقَ وَعَمّانَ.
4626- حدثنا مُوسَى بنُ عَامِرٍ المُرّيّ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ الْعَلاَءِ أنّهُ سَمِعَ أبَا الأعْبَسِ عَبْدَ الرّحْمَنِ بنَ سَلْمَانَ يَقُولُ: سَيَأْتِي مَلِكٌ مِنْ ملوكِ الْعَجَمِ يَظْهَرُ عَلَى المَدَائِنِ كُلّهَا إلاّ دِمَشْقَ.
4627- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا بُرْدٌ أبُو الْعَلاَءِ عن مَكْحُولٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَوْضِعُ فُسْطَاطِ المُسْلِمِينَ في المَلاَحِمِ أرْضٌ يُقَالُ لَها الْغُوطَةُ" .
ـــــــ
"لتمخرن" بالنون المثقلة من مخرت السفينة وتمخر كيمنع وينصر إذا جرت تشق الماء مع صوت. وكأن مراده بهذه الآثار في هذا الباب بيان انقضاء الخلافة وظهور الفتن بعد زمان الخلفاء الراشدين، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم كذا في فتح الودود "الروم" فاعل "الشام" مفعول، والمعنى تدخل الروم الشام وتخوضه وتجوس خلاله، فشبهها بمخر السفينة البحر "لا يمتنع منها إلا دمشق وعمان" قال في القاموس: عمان كغراب بلد باليمن ويصرف وكشداد بلد بالشام. وهذا الحديث ليس في نسخة المنذري، وأورده المزي في المراسيل وقال أخرجه أبو داوود ولم ينسبه إلى أحد من الرواة.
"أنه سمع أبا الأعيس" بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء التحتية "يظهر على المدائن" أي يغلب عليها. وهذا الحديث ايضاً ليس في نسخة المنذري.
وقال المزي في المراسيل وقيل إنه في رواية اللؤلؤى وحده انتهى.
"موضع فسطاط المسلمين" الفسطاط بضم الفاء وسكون السين وبطاءين مهملتين الخباء من شعر أو غيره "في الملاحم " جمع ملحمة وهي الحرب وموضع القتال "أرض يقال لها الغوطة" بضم الغين المعجمة: اسم البساتين والمياه حول دمشق.
والمعنى ينزل جيش المسلمين ويجتمعون هناك. وهذا الحديث أيضاً ليس في نسخة المنذري.
قال المزي في كتاب المراسيل من الأطراف أخرجه أبو داوود وقيل إنه في رواية اللؤلؤى فقط انتهى.
وتقدم الحديث متصلاً مرفوعاً من حديث أبي الدرداء أتم من هذا في باب المعقل من الملاحم.

(12/255)


4628- حدثنا أبُو ظَفِرٍ عَبْدُ السّلاَمِ أخبرنا جَعْفَرٌ عن عَوْفٍ قال: سَمِعْتُ الْحَجّاجَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: إنّ مَثَلَ عُثْمانَ عِنْدَ الله كَمَثَلِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ، ثُمّ قَرَأَ هَذِهِ الآية يَقْرَؤهَا وَيُفَسّرُهَا: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} يُشِيرُ إلَيْنَا بِيَدِهِ وَإلَى أهْلِ الشّامِ.
4629- حدثنا إسْحَاقُ بنُ إِسْمَاعِيلَ الطّالَقَانِيّ أخبرنا جَرِيرٌ ح. وأخبرنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قالا أخبرنا جَرِيرٌ عن المُغِيرَةِ عن الرّبِيعِ بنِ خَالِدٍ الضّبّيّ قال: سَمِعْتُ الْحَجّاجَ يَخْطُبُ فقالَ في خُطْبَتِهِ: رَسُولُ أحَدِكُمْ في حَاجَتِهِ أكْرَمُ عَلَيْهِ أمْ خَلِيفَتُهُ في
ـــــــ
"إن مثل عثمان" بن عفان {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} وتمام الآية هكذا {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} "يشير" أي الحجاج عند قراءة قوله تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} "إلينا" أي إلى أهل العراق "بيده" الضمير للحجاج، وهذا مقول عوف بن أبي جميلة وهو بصري "وإلى أهل الشام" عطف على قوله إلينا.
ومقصود الحجاج من تمثيل عثمان رضي الله عنه بعيسى عليه السلام إظهار عظمة الشأن لعثمان ومن تبعه من أمراء بني أمية ومن تبعهم الذين كانوا في الشام والعراق وتنقيص غيرهم، يعني مثل عثمان كمثل عيسى عليه السلام ومثل متبعيه كمثل متبعيه، فكما أن الله تعالى جعل متبعي عيسى عليه السلام فوق الذين كفروا كذلك جعل متبعي عثمان رضي الله عنه من أهل الشام وأهل العراق فوق غيرهم، بحيث جعل فيهم الخلافة ورفعها عن غيرهم فصاروا غالبين على غيرهم.
قال السندي: لعله أشار بهذه الإشارة عند قوله تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ} وأراد بهذا أن أهل الشام تبعوا عثمان فرفعهم ووضع فيهم الخلافة، وغيرهم اتبعوا علياً فأذلهم الله ورفع عنهم الخلافة انتهى. وهذا الأثر أيضاً ليس في نسخة المنذري.
وقال المزي في الأطراف في كتاب المراسيل: أخرجه أبو داوود في السنة عن أبي ظفر عبد السلام بن مطهر عن جعفر بن سليمان عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي وهو في رواية ابن داسة وغيره انتهى.
"رسول أحدكم في حاجته" صفة رسول أي الذي أرسله في حاجته "أكرم عليه" الضمير المجرور لأحدكم "أم خليفته في أهله" أي خليفته الذي استخلفه في أهله.
وحاصله أن خليفة الرجل الذي استخلفه في أهله يكون أكرم عنده وأحب وأفضل من رسوله الذي أرسله في حاجته.

(12/256)


أهْلِهِ؟ فقُلْتُ في نَفْسِي: لله عَلَيّ ألاَ أصَلّيَ خَلْفَكَ صَلاَةً أبداً وإِنْ وَجَدْتُ قَوْماً يُجَاهِدُونَكَ لأجَاهِدَنّكَ مَعَهُمْ. زَادَ إسْحَاقُ في حَدِيثِهِ قال: فَقَاتَلَ في الْجَمَاجِمِ حَتّى قُتِلَ.
4630- حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا أبُو بَكْرٍ عن عَاصِمٍ قال: سَمِعْتُ الْحَجّاجَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: اتّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ لَيْسَ فيهَا مَثْنَوِيّةُ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لَيْسَ فيهَا مَثْنُوَيّةٌ لأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَبْدِ المَلِكِ وَالله لَوْ أمَرْتُ النّاسَ أنْ يَخْرُجُوا مِنْ باب مِنَ المَسْجِدِ فَخَرَجُوا مِنْ باب آخَرَ لَحَلّتْ لِي دِمَاؤهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَالله لوْ
ـــــــ
والظاهر أن مقصود الحجاج الظالم عن هذا الكلام الاستدلال على تفضيل عبد الملك بن مروان وغيره من أمراء بني أمية على الأنبياء عليهم السلام بأن الأنبياء أنما كانوا رسلاً من الله تعالى ومبلغين أحكامه فحسب، وأما عبد الملك وغيره من أمراء بني أمية فهم خلفاء الله تعالى، ورتبة الخلفاء يكون أعلى من الرسل، فإن كان مراد الحجاج هذا كما هو الظاهر وليس إرادته هذا ببعيد منه كما لا يخفى على من اطلع على تفاصيل حالاته فهذه مغالطة منه شنيعة تكفره بلا مرية، ألم يعلم الحجاج أن جميع الرسل خلفاء الله تعالى في الأرض، ولم يعلم يعلم أن جميع الأنبياء أكرم عند الله من سائر الناس ولم أن سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم عليه السلام ويلزم على كلامه هذا ما يلزم فنعوذ بالله من أمثال هذا الكلام.
قال السندي: وكأنه أراد نعوذ بالله تعالى من ذلك - تفضيل المروانيين على الأنبياء بأنهم خلفاء الله - فإن أراد ذلك فقد كفر حينئذ. وما أبعده عن الحق وأضله، نسأل الله العفو والعافية وإلا فلا يظهر لكلامه معنى انتهى "فقاتل" أي الربيع بن خالد "في الجماجم" قال في النهاية: الجمجمة قدح من خشب والجمع الجماجم وبه سمي دير الجماجم وهو الذي كانت به وقعة عبد الرحمن بن الأشعث مع الحجاج بالعراق لأنه كان يعمل به أقداح من خشب.
وفي حديث طلحة أنه رأى رجلاً يضحك فقال إن هذا يشهد الجماجم، يريد وقعة دير الجماجم أي أنه لو رأى كثرة من قتل به من قراء المسلمين وساداتهم لم يضحك انتهى. وهذا الأثر أيضاً ليس في نسخة المنذري.
وقال المزي في الأطراف: قيل إنه في رواية اللؤلؤى وحده انتهى.
"قال سمعت الحجاج" وكان والياً من جانب عبد الملك بن مروان "ليس فيها" أي في هذه الآية "منثويه" بفتح الميم وسكون المثلثة المثلية وفتح النون وكسر الواو وتشديد الياء أي استثناء "لأمير المؤمنين" متعلق باسمعوا وأطيعوا "عبد الملك" بدل من أمير المؤمنين "والله لو أخذت ربيعة بمضر" أي بجريرتهم يريد أن الأحكام مفوضة إلى آراء الأمراء والسلاطين.

(12/257)


أخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ لَكَانَ ذَلِكَ لِي مَنْ الله حَلاَلٌ [حلالا] وَيَا عَذِيرِي مِنْ عَبْدِ هُذَيْلٍ يَزْعَمُ أنّ قِرَاءَتَهُ مِنْ عِنْدِ الله، وَالله ما هِيَ إلاّ رَجَزٌ مِنْ رَجَزِ الأعْرَابِ ما أنْزَلَها الله عَلَى نَبِيّهِ عَلَيْهِ السّلاَمُ، وَعَذِيرِي مِنْ هَذِهِ الْحَمْرَاءِ يَزْعَمُ أحَدُهُمْ أنّهُ يَرْمِي بالْحَجَرِ فَيَقُولُ إلَى أنْ يَقَعَ الْحَجَرُ قَدْ حَدَثَ أمْرٌ، فَوَالله لأدَعَنّهُمْ كَالأمْسِ الدّابِرِ. قال فَذَكَرْتُهُ لْلأعْمَشِ فقالَ: أنَا وَالله سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
4631- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ عن الأعمَشِ قال: سَمِعْتُ الْحَجّاجَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: هَذِهِ الْحَمْرَاءُ هَبْرٌ هَبْرٌ، أمَا وَالله لَوُ قَدْ قَرَعْتُ عَصاً
ـــــــ
وكلامه هذا مردود باطل مخالف للشريعة "ويا عذيري من عبد هذيل" أراد به عبد الله بن مسعود الهذلي أي من الذي يعذرني في أمره ولا يلومني. قاله السندي "والله" الواو للقسم "ما هي" أي ليس قراءته "إلا رجز من رجز الإعراب" الرجز بحر من بحور الشعر معروف ونوع من أنواعه يكون كل مصراع منه مفرداً وتسمى قصائدة أراجيز واحدها أرجوزة، فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر كذا في النهاية "ما أنزلها الله" أي القراءة التي يقرأها عبد هذيل ويزعم أنها من عند الله ما أنزلها الله تعالى أي ليست تلك القراءة بقرآن منزل من الله تعالى بل هي رجز من أراجيز العرب.
وما قاله الحجاج كذب صريح وافتراء قبيح على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ولا ريب في أن قراءة ابن مسعود كانت مما أنزلها الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم "إستقرؤوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل" رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو.
قال السندي: وأراد به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لكونه ثبت على قراءته وما رجع إلى مصحف عثمان رضي الله عنه "من هذه الحمراء" يعني العجم والعرب تسمى الموالي الحمراء "يزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول إلى أن يقع الحجر" أي على الأرض "قد حدث أمر" هذا مفعول يقول لعل مراد الحجاج أن الموالي يوقعون الفساد والشر والفتنة ويقولون عقيب إيقاع الشر والفساد قد حدث أمر ويزعمون أنهم يرمون الحجارة "فوالله لأدعنهم" أي لأتركنهم "كالأمس الدابر" أي كاليوم الماضي أي أتركهم معدومين هالكين.
قال المزي: أثر عاصم بن أبي النجود وأثران للأعمش قيل من رواية اللؤلؤى وحده عن أبي داوود انتهى، ولم يذكره المنذري في مختصره.
"هذه الحمراء" أي الموالي "هبر هبر" الهبر الضرب والقطع أي هذه الموالي يستحقون القطع والضرب "أما" بالتخفيف حرف تنبيه "لو قد قرعت عصا بعصا" أي ضربت العصا بالعصا

(12/258)


بِعَصاً لأذَرَنّهُمْ كَالأمْسِ الذّاهِبِ - يَعْنِي المَوَالِي.
4632- حدثنا قَطَنُ بنُ نُسَيْرٍ أخبرنا جَعْفَرٌ - يَعْني ابنَ سُلَيْمانَ - أخبرنا دَاوُدُ بنُ سُلَيْمانَ عن شَرِيكٍ عن سُلَيْمانَ الأعمَشِ قال: جَمّعْتُ مَعَ الْحَجّاجِ فَخَطَبَ فَذَكَرَ حَدِيثَ أبي بَكْرٍ بنِ عَيّاشٍ قال فيهَا [فيه]: فاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِخَلِيفَةَ الله وَصَفِيّهِ [لصفيه] عَبْدِ المَلِكِ ابنِ مَرْوَانَ" وَسَاقَ الحديثَ قال وَلَوْ أخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصّةَ الْحَمْرَاءِ.
4633- حدثنا سَوّارُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ عن سَعِيدِ بنِ جُمْهَانَ عن سَفِينَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " خِلاَفَةُ النّبُوّةِ ثَلاَثُونَ سَنَةً ثُمّ يُؤْتِي الله المُلْكَ أوْ مُلْكَهَ مَنْ يَشَاءُ" .
ـــــــ
والمعنى لو أريد قتلهم وهلاكهم "لأذرنهم" أي لأتركنهم وأجعلنهم معدومين "يعني الموالي" هذا تفسير للحمراء من بعض الرواة.
"قطن بن نسير" بنون ومهملة مصغراً "قال جمعت" بتشديد الجيم أي صليت الجمعة. وهذه آثار الحجاج ليست في أكثر النسخ الموجودة، وكذا ليست في مختصر المنذري.
وهذه الآثار لا تستحق أن توضع في كتاب السنة. وإنما ساق المؤلف الإمام آثار هذا الرجل الفاسق لإظهار جوره وفسقه ولبيان أن أمراء بني أمية وإن صاروا خلفاء متغلبين لكن ليسو أهلاً لها، وإنما هم الأمراء الظالمون لا الخلفاء العادلون والله أعلم.
"عن سفينة" مولى النبي صلى الله عليه وسلم أو مولى أم سلمة وهي أعتقته "خلافة النبوة ثلاثون سنة" قال العلقمي: قال شيخنا: لم يكن في الثلاثين بعده صلى الله عليه وسلم إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن.
قلت: بل الثلاثون سنة هي مدة الخلفاء الأربعة كما حررته فمدة خلافة أبي بكر سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام، ومدة عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، ومدة عثمان أحد عشر سنة وأحد عشر شهراً وتسعة أيام ومدة خلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام. هذا هو التحرير فلعلهم ألغوا الأيام وبعض الشهور.
وقال النووي في تهذيب الأسماء: مدة خلافة عمر عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين يوماً، وعثمان ثنتي عشرة سنة إلا ست ليال، وعلي خمس سنين وقيل خمس سنين إلا أشهراً، والحسن نحو سبعة أشهر انتهى كلام النووي والأمر في ذلك سهل. هذا آخر كلام العلقمي.

(12/259)


قال سَعِيدٌ قال [لي] سَفِينَةُ: أمْسِكْ عَلَيْكَ أبَا بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَعُمَرَ عَشْراً، وَعُثْمانَ اثْنَيْ عَشَر [اثنتي عشرة]، وَعَلَى كَذَا قال سَعِيدٌ. قُلْتُ لِسَفِينَةَ: إنّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أنّ عَلِيّا لَمْ يَكُنْ بخَلِيفَةٍ، قال: كَذَبَتْ أسَتَاهُ بَنِي الزّرْقَاء - يَعْنِي بَنِي مَرْوَانَ ح. وأخبرنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أخبرنا هُشَيْمٌ عن الْعَوّامِ بنِ حَوْشَبٍ المَعْنَى جَمِيعاً عن
ـــــــ
"ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء" شك من الراوي. وعند أحمد في مسنده من حديث سفينة "الخلافة في أمتي ثلاثون سنه ثم ملكا بعد ذلك . قال المناوي: أي بعد انقضاء زمان خلافة النبوة يكون ملكاً لأن اسم الخلافة إنما هو لمن صدق عليه هذا الأسم بعمله للسنة والمخالفون ملوك لا خلفاء، وإنما تسموا بالخلفاء لخلفهم الماضي.
وأخرج البيهقي في المدخل عن سفينة: "أن أول الملوك معاوية رضي الله عنه" والمراد بخلافة النبوة هي الخلافة الكاملة وهي منحصرة في الخمسة فلا يعارض الحديث "لا يزال هذا الدين قائماً حتى يملك إثني عشر خليفة" لأن المراد به مطلق الخلافة والله أعلم. انتهى كلامه بتغير "أمسك عليك أبا بكر سنتين" أي عده واحسب مدة خلافته "وعلى كذا" أي كذا عد خلافته وكان هو من الخلفاء الراشدين، ولم يذكر سفينة مدة خلافة على رضي الله عنه. وتقدم ذكر مدة الخلافة لهؤلاء الخلفاء والله أعلم.
ولفظ أحمد في مسنده من حديث حماد بن سلمة وعبد الصمد كلاهما عن سعيد بن جمهان. قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر رضي الله عنه سنتين، وخلافة عمر رضي الله عنه عشر سنين وخلافة عثمان رضي الله عنه اثني عشر سنة وخلافة علي رضي الله عنه ست سنين "إن هؤلاء" أي بني مروان "كذبت أستاه بني الزرقاء" الأستاه جمع أست وهو العجز ويطلق على حلقة الدبر وأصله سته بفتحتين والجمع أستاه، والمراد أنه كلمة خرجت من دبرهم، والزرقاء امرأة من أمهات بني أمية، كذا في فتح الودود.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديث سعيد. هذا آخر كلامه. وسعيد بن جمهان وثقة يحيى بن معين وأبو داوود السجستاني. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. هذا آخر كلامه.
وجمهان بضم الجيم وسكون الميم وهاء مفتوحة وبعد الألف نون. وسفينة لقب واسمه مهران وقيل رومان وقيل نجران وقيل قيس وقيل عمير، وقيل غير ذلك، وكنيته أبو عبد الرحمن وقيل أبو البختري والأول أشهر، وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل مولى أم سلمة رضي الله عنها ح "أخبرنا عمرو بن عون" قال المزي في الأطراف: حديث عمرو بن عون في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم انتهى.

(12/260)


سَعِيدِ بنِ جُمْهَانَ عن سَفِينَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خِلاَفَةُ النّبُوّةِ ثَلاَثُونَ سَنَةً ثُمّ يُؤْتِي الله المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، أوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ" .
4634- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ عن ابنِ إدْرِيسَ أنبأنا حُصَيْنٌ عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عن عَبْدِ الله بنِ ظَالِمٍ المَازِنيّ وَ سُفْيَانَ عن مَنْصُورٍ عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عن عَبْدِ الله بنِ ظالم المَازِنيّ قالَ: ذَكَرَ سُفْيَانُ رَجُلاً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الله بنِ ظَالِمٍ المَازِنيّ قال سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ زَيْدٍ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ قال: لَمّا قَدِمَ فُلاَنٌ إلَى الْكُوفَةِ أقَامَ فُلاَنٌ خَطِيباً فأَخَذَ بِيَدِي سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ فقَالَ: ألاَ تَرَى إلَى هَذَا الظّالِمِ فأشْهَدُ عَلَى التّسْعَةِ أنّهُمْ في الْجَنّةِ وَلَوْ شَهِدْتُ عَلَى الْعَاشِرِ لَمْ أيْثَمْ. قال ابنُ إدْرِيسَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ آثَمْ. قُلْتُ وَمَنِ التّسْعَةُ؟ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى حِرَاءٍ: "أثْبُتْ حِرَاءُ إنّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلاّ نِبيّ أوْ صَدّيقٌ أوْ شَهِيدٌ قُلْتُ: وَمَنِ التّسْعَةُ؟ قال: رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمانُ وَعَلِيّ وَطَلْحَةُ وَالزّبَيْرُ وَسَعْدُ بنُ أبي وَقّاصٍ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَوْفِ قُلْتُ: وَمَنْ الْعَاشِرُ؟ فَتَلَكّأَ هُنَيّةً ثُمّ قال: أنَا" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الأشْجَعِيّ عن سُفْيَانَ عن مَنْصُورٍ عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عن ابنِ حَيّانَ عن عَبْدِ الله بنِ ظَالِمٍ بإسْنَادِهِ نَحْوَهُ.
ـــــــ
"عن ابن أدريس" هو عبد الله "وسفيان" هو ابن عيينة أو الثوري وهو معطوف على ابن إدريس أي محمد بن العلاء يروي عن عبد الله بن إدريس وسفيان بن عيينه "قال" أي محمد بن العلاء "فيما بينه" أي بين هلال بن يساف "سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل" هو أحد العشرة المبشرة بالجنة "لما قدم فلان إلى الكوفة أقام فلان خطيباً" قال في فتح الودود: ولقد أحسن أبو داوود في الكناية عن اسم معاوية ومغيرة بفلان ستراً عليهما في مثل هذا المحل لكونهما صاحبيين "فأخذ بيدي سعيد بن زيد" هذا مقول عبد الله بن ظالم "فقال" أي سعيد "إلى هذا الظالم" يعني الخطيب. قال بعض العلماء: كان في الخطبة تعريضاً بسبب علي رضي الله عنه أو بتفضيل معاوية رضي الله عنه عليه ونحوه ولذلك قال سعيد ما قال انتهى "لم أيثم" بالإمالة أي لم آثم. قال الخطابي: لم أيثم لغة لبعض العرب يقولون أيثم مكان آثم "قلت ومن التسعة" من استفهامية "وهو على حراء" بكسر الحاء وبالمد جبل بمكة.
قال النووي: الصحيح أنه مذكر ممدود مصروف "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي قال سعيد بن زيد: أحدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "فتلكأ" أي تأخر "هنية" أي ساعة يسيرة "رواه الأشجعي" هو

(12/261)


4635- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمَرِيّ [النميري] أخبرنا شُعْبَةُ عن الْحُرّ بنِ الصّيّاحِ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ الأخْنَسِ: "أنّهُ كَانَ في المَسْجِدِ فَذَكَرَ رَجُلٌ عَلِيّا فَقَامَ سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ فقَالَ: أشْهَدُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: عَشْرَةٌ في الْجَنّةِ: النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الْجَنّةِ، وَأبُو بَكْرٍ في الْجَنّةِ، وَعُمَرُ في الْجَنّةِ، وَعُثْمانُ فِي الْجَنّةِ، وَعَلِيّ في الْجَنّةِ، وَطَلْحَةُ في الْجَنّةِ، وَالزّبَيْرُ بنُ الْعَوّامِ في الْجَنّةِ، وَسعْدُ بنُ مَالِكٍ في الْجَنّةِ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ في الْجَنّةِ، وَلَوْ شِئْتَ لَسَمّيْتُ الْعَاشِرَ. قال فقالُوا: مَنْ هُوَ؟ فَسَكَتَ. قال فقالُوا: مَنْ هُوَ؟ قال [فقال]: هُوَ سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ" .
4636- حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا صَدَقَةُ بنُ المُثَنّى النّخَعِيّ حدّثني جَدّي رِيَاحُ بنُ الحارِثِ قالَ: كُنْتُ قاعِداً عِنْدَ فُلاَنٍ في مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَعِنْدَهُ أهْلُ الْكُوفَةِ فَجَاءَ سَعِيدُ بنُ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ فَرَحّبَ بِهِ وَحَيّاهُ وَأقْعَدَهُ عِنْدَ رِجْلِهِ عَلَى السّرِيرِ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ قَيْسُ بنُ عَلْقَمَةَ فَاسْتَقْبَلَهُ وَسَبّ
ـــــــ
عبيد الله بن عبد الرحمن. قال الحافظ ثقة مأمون أثبت الناس كتاباً في الثوري انتهى. وزاد الأشجعي في روايته بين هلال بن يساف وبين عبد الله بن ظالم، واسطة ابن حيان.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة. وقال الترمذي: حسن صحيح وقد أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.
"حدثنا حفص بن عمر النمري" بفتح النون والميم قال الحافظ: ثقة ثبت عيب بأخذ الأجرة على الحديث "عن الحر" بضم الحاء وتشديد الراء "بن الصياح" بمهملة ثم تحتانية وآخرة مهملة "وسعد بن مالك في الجنة" هو سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك "قال فقالوا من هو" أي قال عبد الرحمن بن الأخنس فقال الناس من العاشر "فسكت" أي سعيد بن زيد "قال هو" أي العاشر "سعيد بن زيد" يعني نفسه.
قال المنذري:وأخرجه الترمذي النسائي.
"رياح بن الحارث" بكسر الراء ثم التحتانية وهو بدل من جدي "عند فلان" قال في فتح الودود: هو المغيرة بن شعبة "فرحب به" قال في المصباح: رحب به بالتشديد قال له مرحباً أي قال مغيرة بن شعبة لسعيد بن زيد مرحباً "وحياه" بتشديد الياء في المصباح، وحياه تحية أصله الدعاء بالحياة ثم كثر حتى استعمل في مطلق الدعاء، ثم استعمله الشرع في دعاء مخصوص، وهو سلام عليك انتهى.

(12/262)


فَسَبّ [وسب فسب] فقَالَ سَعِيدٌ: مَنْ يَسُبّ هَذَا الرّجُلُ؟ قال: يَسُبّ عَلِيّا. قال: لا أرَى أصْحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يُسَبّونَ عِنْدَكَ ثُمّ لا تُنْكِرُ وَلا تُغَيّرُ أنَا سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، وَإنّي لَغَنِيّ أنْ أقُولَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ فَيْسَأَلُنِي عَنْهُ غَداً إذَا لَقِيتُهُ، أبُو بَكْرٍ في الْجَنّةِ وَعُمَرُ في الْجَنّةِ، وَسَاقَ مَعْنَاهُ، ثُمّ قال: لَمَشْهَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَغْبَرّ فِيهِ وَجْهُهُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أحَدِكُمْ عُمُرَهُ وَلَوْ عُمّرَ عُمْرَ نُوحٍ.
4637- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ ح. وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى المَعْنَى قالا أخبرنا سَعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ أنّ أنَسَ بنَ مَالِكٍ حَدّثَهُمْ: "أنّ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم صَعِدَ أُحُداً فَتَبِعَهُ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَضَرَبَهُ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم بِرِجْلِهِ وَقال: اثْبُتْ أُحُدُ نَبِيّ وَصِدّيْقٌ وَشَهِيدَانَ" .
4638- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَ يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ الرّمْلِي أنّ اللّيْثَ حَدّثَهُمْ عن أبي
ـــــــ
"وأقعده" الضمير المنصوب إلى سعيد بن زيد "فاستقبله" أي استقبل مغيرة قيساً "يسبون" بصيغة المجهول "إني لغني أن أقول عليه" أي على النبي صلى الله عليه وسلم "ما لم يقل" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فيسألني عنه" الضمير المجرور يرجع إلى ما "غدا إذا لقيته" أي يوم القيامة والواو في قوله وإني للحال والجملة حال وقعت بين قوله يقول ومقولته وهو أبو بكر في الجنة الخ "وساق معناه" أي معنى الحديث السابق "قال لمشهد" اللام للتأكيد ومشهد مضاف إلى رجل. في المصباح: المشهد المحضر وزناً ومعنى انتهى وجمعه مشاهد وفي المجمع المغاووي المشاهد لأنها موضع الشهادة "منهم" من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "يغبر فيه" أي في ذلك المشهد "وجهه" فاعل يغبر والمعنى أن حضور رجل من الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع الغزو لأجل الجهاد حال كون الرجل يصيب التراب في وجهه هو خير من عمل أحدكم ما دام عمره "ولو عمر عمر نوح" بصيغة المجهول أعطى عمر نوح.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"صعد" بكسر العين أي طلع "أحداً" أي جبل أحد "فتبعه" أي النبي صلى الله عليه وسلم في الصعود "فرجف" أي تحرك جبل أحد "فضربه" أي أحداً "وقال اثبت أحد" بالضم حذف عنه حرف النداء "نبي وصديق وشهيدان" أي عليك نبي وصديق وهو أبو بكر رضي الله عنه وشهيدان أي عمر وعثمان رضي الله عنهما. وتحرك أحد كان من المباهاة.
قال المزي في الأطراف: الحديث أخرجه البخاري في فضل أبي بكر وفي فضل عمر وأبو داوود في السنة، والترمذي في المناقب وقال حسن صحيح وأخرجه النسائي انتهى.

(12/263)


الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قال: "لاَ يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ مِمّنْ بَايَعَ [لا يدخل النار من بايع] تَحْتَ الشّجَرَةِ" .
4639- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ ح وحدثنا أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا [أنبأنا] حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن عَاصِمٍ عن أبِي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرةَ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قال مُوسَى فَلَعَلّ الله، وقال ابنُ سِنَانٍ: اطّلَعَ الله عَلَى أهْلِ بَدْرٍ فقَالَ اعمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" .
4640- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أنّ مُحمّدَ بنَ ثَوْرٍ حَدّثَهُمْ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ قال: خَرَجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم زَمَنَ الْحُدَيْبِيّةِ فَذَكَرَ الحدِيثَ قال: فأَتَاهُ - يَعني عُرْوَةَ بنَ مَسْعُودٍ - فَجَعَلَ يُكَلّمُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فكلّمَا كَلّمَهُ أخَذ
ـــــــ
"لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة" وهم أهل بيعة الرضوان.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح هذا آخر كلامه. وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله عن أم مبشر أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عنه حفصة "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها" وذكر قصة حفصة بنت عمر رضي الله عنهما. انتهى كلام المنذري.
"قال موسى" هو ابن إسماعيل "فلعل الله" أي اطلع على أهل بدر الحديث "وقال ابن سنان" هو أحمد "اطلع الله" أي لم يقل ابن سنان في روايته لفظ فلعل الله كما قال موسى بل بدأ الحديث من قوله اطلع الله. ومعنى اطلع أقبل أي لعل الله أقبل على أهل بدر ونظر إليهم نظر الرحمة والمغفرة "فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" هذا كناية عن كمال الرضى وصلاح الحال وتوفيقهم للخير لا الترخص لهم في كل فعل.
قيل: ذكر لعل لئلا يتكل من شهد بدر على ذلك وينقطع عن العمل بقوله اعملوا ما شئتم.
قال النووي: معناه الغفران لهم في الآخرة وإلا فإن توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا. ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد وأقامة عمر على بعضهم. قال وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مسطحاً الحد وكان بدرياً.
قال المنذري: وهذا الفصل قد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي في الحديث الطويل من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
"فكلما كلمه أخذ بلحيته" أي بلحية النبي صلى الله عليه وسلم "قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم" فيه جواز القيام

(12/264)


بِلِحْيَتِهِ وَالمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ قائِمٌ عَلَى رَأْسِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ السّيْفُ وَعَلَيْهِ المِغْفَرُ فَضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السّيْفِ وَقال: أخّرْ يَدَكَ عن لِحْيَتِهِ فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فقالُوا [قالوا]: المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ.
4641- حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ مُحمّدٍ المحَارِبِيّ عن عَبْدِ السّلاَمِ بنِ حَرْبٍ عن أبي خَالِدٍ الدّالانِيّ عن أبي خَالِدٍ مَوْلَى آلِ جَعْدَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أتَانِي جِبْرَائِلُ [جبريل] عَلَيْهِ السّلاَمُ فأَخَذَ بِيَدِي فأَرَاني باب الْجَنّةِ الّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمّتِي، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ الله وَدِدْتُ أنّي كُنْتُ مَعَكَ حَتّى أنْظُرَ إلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أمَا إنّكَ يا أبَا بَكْرٍ أوّلُ مَنْ يَدْخلُ الْجَنّةَ مِنْ أُمّتِي" .
ـــــــ
على رأس الأمير بالسيف بقصد الحراسة ونحوها من ترهيب العدو، ولا يعارضه النهي عن القيام على رأس الجالس لأن محله ما إذا كان على وجه العظمة والكبر "بنعل السيف" هو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها "أخر" فعل أمر من التأخير وكانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية من يكلمه ولا سيما عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضي لعورة عن ذلك استمالة له وتأليفاً، والمغيرة يمنعه إجلالاً للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماً قاله الحافظ.
قال المنذري: وأخرجه البخاري مطولاً.
"أتاني جبرائيل عليه السلام فأخذ بيدي الخ" وذلك إما في ليلة المعراج أو في وقت آخر "وددت" بكسر الدال أي أحببت "حتى أنظر إليه" أي إلى باب الجنة "أما" بالتخفيف للتنبيه "إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي" قال الطيبي: لما تمنى رضي الله عنه بقوله
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديث "أما إنك يا أبا بكر لأول من يدخل الجنة من أمتي" وكلام المنذري عن ابن حبان في أبي خالد الدالاني إلى قوله فكيف إذا انفرد بالمعضلات ثم زاد ابن القيم:
وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث داود بن عطاء المديني عن صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول من يصافحه الحق عمر وأول من يسلم عليه وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة" .
وداود بن عطاء هذا ضعيف عندهم.
وإن صح فلا تعارض بينهما لأن الأولية في حق الصديق مطلقة والأولية في حق عمر مقيدة بهذه الأمور في الحديث.

(12/265)


4642- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أبُو عُمَرَ الضّرِيرُ حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ أنّ سَعِيدَ بنَ أيَاسٍ الْجُرَيْرِيّ أخبرَهُمْ عن عَبْدِ الله بنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيّ عن الأقْرَعِ مؤَذّنِ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ قالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ إلَى الأسْقُفّ فَدَعَوْتُهُ فقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَهْل تَجِدُنِي في الْكِتابِ؟ قال: نَعَمْ. قال: كَيْفَ تَجِدُنِي؟ قال: أجِدُكَ قَرْناً. قال: فَرَفَعَ عَلَيْهِ الدّرّةَ. فقالَ: قَرْنٌ مَهْ؟ فقالَ [فقال: قرن؟ قال: مه مه. قال] قَرْنٌ حَدِيدٌ أمِينٌ شَدِيدٌ. قال [فقال] كَيْفَ تَجِدُ الّذِي يَجِيءُ مِنْ بَعْدِي؟ فقالَ: أجِدُهُ خَلِيفَةً صَالحاً غَيْرَ أنّهُ يُؤْثِرُ قَرَابَتَهُ، فقالَ عُمَرُ: يَرْحَمُ الله عُثْمانَ ثَلاَثاً، فقالَ [قال] كَيْفَ تَجِدُ الّذِي بَعْدَهُ؟ قال: أجِدُهُ صَدَاء حَدِيدٍ. قال: فَوَضَعَ عُمَرُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فقالَ: يا دَفْراهُ يَا دفْرَاهُ. فقالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنّهُ خَلِيفَةٌ صَالحٌ وَلكِنّهُ يُسْتَخْلَفُ حِينَ يُسْتَخْلَفُ وَالسّيْفُ مَسْلُولٌ وَالدّمُ مُهْرَاقٌ.
ـــــــ
وددت، والتمني إنما يستعمل فيما لا يستدعي إمكان حصوله قيل له لا تتمن النظر إلى الباب فإن لك ما هو أعلى منه وأجل وهو دخولك فيه أول أمتي، وحرف التنبيه ينبهك على الرمزة التي لوحنا بها.
قال المنذري: أبو خالد الدالاني بن عبد الرحمن وثقه أبو حاتم الرازي وقال ابن معين ليس به بأس وعن الإمام أحمد نحوه. وقال ابن: حبان لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات.
"العقيلي" بالتصغير "بعثني عمر إلى الأسقف" بضم همزة وقاف وبينهما سين ساكنة وآخره فاء مشددة ويجىء مخففة عالم النصارى ورئيسهم "قال أجدك قرناً" قال في المجمع وحديث عمر والأسقف أجدك قرناً هو بفتح قاف الحصن وجمعه قرون ولذا قيل لها صياصي انتهى "فقال" أي عمر رضي الله عنه "قرن مه" أي ما تريد بالقرن "يؤثر" بضم الياء وكسر المثلثة أي يختار "قال أجده صداء حديد" صداء الحديد بفتح الصاد وسخه والمراد أنه لكثرة مباشرته بالسيف ومحاربته به يتوسخ به بدنه ويداه حتى يصير كأنه عين الصداء، وبالنظر إلى ظاهره قال عمر ما قال ففسر له الأسقف ما هو المراد والله تعالى أعلم كذا في فتح الودود "فقال يا دفراه يا دفراه" قال الخطابي: الدفر بفتح الدال المهملة وسكون الفاء النتن، ومنه قيل للدنيا أم دفر "فقال" أي الأسقف "إنه" أي علي رضي الله عنه "والدم مهراق" أي مصبوب من أهرقه يهريقه صبه، وكان أصله أراقه يريقه كذا في القاموس. وهذا الحديث ليس في نسخة المنذري وإنما هو من رواية أبي بكر بن داسة ولذا أورده الخطابي في المعالم. وقال المزي في الأطراف بعد أن عزاه بهذا السند لأبي داوود لم يذكره أبو القاسم وهو في الرواية انتهى.

(12/266)


باب في فصل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
...
9- باب في فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
4643- حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قالَ أخبرنا [أنبأنا] ح وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن قَتَادَةَ عن زُرَارَةَ بنِ أوْفَى عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ أُمّتِي الْقَرْنُ الّذِين بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَالله أعْلَمُ أذَكَرَ
ـــــــ
"باب في فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"
"خير أمتى القرن الذي بعثت فيهم" وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين "ثم الذين يلونهم" أي يقربونهم في الرتبة أو يتبعونهم في الإيمان والإيقان وهم التابعون "ثم الذين يلونهم" وهم أتباع التابعين. والقرن أهل كل زمان وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان، وقيل القرن أربعون سنة، وقيل ثمانون وقيل مائة سنة. قال السيوطي: والأصح أنه لا ينضبط بمدة. فقرنه صلى الله عليه وسلم هم الصحابة وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرين سنة، وقرن التابعين من مائة سنة إلى نحو سبعين، وقرن أتباع التابعين من ثم إلى نحو العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشياً وأطلقت المعتزلة ألسنتها،
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
الحديث الذي في الباب ثم ذيل عليه قال الشيخ:
هذا الحديث قد روى من حديث عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وعائشة والنعمان بن بشير.
فأما حديث عمران: فمتفق عليه واختلف في لفظه فأكثر الروايات: أنه ذكر بعد قرنه قرنين ووقع في بعض طرقه في الصحيح "ثم الذين يلونهم" ثلاث مرات ولعل هذا غير محفوظ فإن عمران قد سئل فيه فقال: لا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه: مرتين أو ثلاثا.
وأما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجاه في الصحيحين ولفظه: "خير أمتي: القرن الذين يلونني ثم الذي يلونهم ثم يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه. ويمينه شهادته" .
وفي لفظ لهما سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس خير قال: "قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" فلم يختلف في عليه ذكر "الذين يلونهم" مرتين.
وأما حديث أبي هريرة: فرواه مسلم في صحيحه ولفظه "خير أمتي الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم" والله أعلم: أذكر الثالث أم لا قال: "ثم يخلف قوم يحبون الشماتة يشهدون قبل أن يستشهدوا" .
فهذا فيه قرن واحد بعد قرنه وشك في الثالث وقد حفظه عبد الله بن مسعود وعمران وعائشة.

(12/267)


الثّالِثَ أمْ لاَ، ثُمّ يَظْهَرُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ ولا يُوفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَفْشُو فِيهِمْ السّمَنُ" .
ـــــــ
ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن وتغيرت الأحوال تغيراً شديداً ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم ثم يفشو الكذب "والله أعلم أذكر" أي النبي صلى الله عليه وسلم "الثالث" وهو قوله ثم الذين يلونهم المذكور مرة ثالثة "أم لا" أي أم لم يذكر "يشهدون ولا يستشهدون" أي والحال أنه لا يطلب منهم الشهادة ولا يبعد أن نكون الواو عاطفة. والجمع بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم "خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يطلب" أن الذم في حق من بادر بالشهادة لمن هو عالم بها قبل الطلب، والمدح فيمن كانت عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها، فيخبره بها ليستشهد عند القاضي "وينذرون" بضم الذال ويكسر أي يوجبون على أنفسهم أشياء "ولا يوفون" أي لا يقومون بالخروج عن عهدتها ولا يبالون بتركها "ويخونون ولا يؤتمنون" قال النووي: معنى الجمع في قوله يخونون ولا يؤتمنون أنهم يخونون خيانة ظاهرة
ـــــــ
وأما حديث عائشة فرواه مسلم أيضا عنها قالت سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس خير قال: "القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث" .
وأما حديث النعمان بن بشير: فرواه ابن حبان في صحيحه ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم وشهادتهم أيمانهم" .
فقد اتفقت الأحاديث على قرنين بعد قرنه صلى الله عليه وسلم إلا حديث أبي هريرة فإنه شك فيه.
وأما ذكر القرن الرابع: فلم يذكر إلا في رواية في حديث عمران لكن في الصحيحين له شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون نعم فيفتح لهم" .
فهذا فيه ذكر قرنين بعده. كما في الأحاديث المتقدمة.
ورواه مسلم. فذكر ثلاثة بعده ولفظه "يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون انظروا هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوجد الرجل فيفتح لهم به ثم يبعث البعث الثاني فيقولون هل فيكم من رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفتح لهم ثم يبعث البعث الثالث فيقال انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفتح لهم ثم يكون البعث الرابع فيقال انظروا هل ترون فيهم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيوجد الرجل فيفتح له" .

(12/268)


........................
ـــــــ
بحيث لا يبقى معها ثقة بخلاف من خان حقيراً مرة فإنه لا يخرج به عن أن يكون مؤتمناً في بعض المواطن "ويفشو فيهم السمن" بكسر السين وفتح الميم أي يظهر فيهم السمن بالتوسع في المآ كل والمشارب: قيل كنى به عن الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الدين، فإن الغالب على ذوي السمانة أن لا يهتموا بارتياض النفوس بل معظم همتهم تناول الحظوظ والتفرغ للدعة والنوم. قيل: والمذموم من السمن ما يستكسب لا ما هو خلقه.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي، وقد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث زهدم بن مضرب عن عمران بن حصين.

(12/269)


10- باب في النهي عن سبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
4644- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأَعمَشِ عن أبي صَالحٍ عن أبِي سَعِيدٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَسُبّوا أصْحَابِي، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنْفَقَ أحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبَاً مَا بَلَغَ مُدّ أحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ" .
[قال أبو سعيد حدثنا العطاردي أخبرنا أبو معاوية وذكر الحديث].
4645- حدثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زَائِدَةُ بنُ قُدَامَةَ الثّقَفِيّ أخبرنا عُمَرُ بنُ قَيْسٍ الْمَاصِرُ [الماص] عن عَمْرِو بنِ أبي قُرّةَ قال: "كَانَ حُذَيْفَةُ بالمَدَائِنِ فَكَانَ يَذْكُرُ
ـــــــ
"باب في النهي عن سبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم"
"لا تسبوا أصحابي" وقع في رواية جرير ومحاضر عن الأعمش ذكر سبب لهذا الحديث وهو ما وقع في أوله قال كان بين خالد بن الوليد عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فذكر الحديث. كذا في فتح الباري.
فعلم أن المراد بأصحابي أصحاب مخصوصون وهم السابقون على المخاطبين في الإسلام وقيل نزل الساب منهم لتعاطيه ما لا يليق به من السب منزلة غيرهم، فخاطبه خطاب غير الصحابة. ذكره السيوطي "ولا نصيفه" النصيف بمعنى النصف. والمعنى لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهباً من الأجر والفضل ما ينال أحدكم بإنفاق مد طعام أو نصفه لما يقارنه من مزيد الإخلاص وصدق النيه مع ما كانوا من القلة وكثرة الحاجة والضرورة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم الترمذي والنسائي وابن ماجه.
"أخبرنا عمر بن قيس الماصر" بكسر المهملة وتخفيف الراء، وفي بعض النسخ

(12/269)


أشْيَاءَ قالَها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأنَاسٍ مِنْ أصْحَابِهِ في الْغَضَبِ، فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ حُذَيْفَةَ فَيَأْتُونَ سَلْمَانَ وَيَذْكُرُونَ [فيذكرون] لَهُ قَوْلَ حُذَيْفَةَ، فَيَقُولُ سَلْمَانُ: حُذَيْفَةُ أعْلَمُ بِمَا يَقُولُ، فَيَرْجِعُونَ إلَى حُذَيْفَةَ فَيَقُولُونَ لَهُ: قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَكَ لِسَلْمَانَ فمَا صَدّقَكَ وَلا كَذّبَكَ، فأَتَى حُذَيْفَةُ سَلْمانَ وَهُوَ في مَبْقَلَةٍ فقالَ سَلْمَانُ: مَا يَمْنَعَكَ أنْ تُصَدّقَنِي بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالَ سَلْمَانُ: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَغْضَبُ فَيَقُولُ في الْغَضَبِ لِنَاسٍ مِنْ أصْحَابِهِ وَيَرْضَى فَيَقُولُ في الرّضَا لِنَاس مِنْ أصْحَابِهِ: أمَا تَنْتَهِي حَتّى تُوَرّثَ رِجَالاً حُبّ رِجَالٍ، وَرِجَالاً بُغْضَ رِجَالٍ وَحَتّى تُوقِعَ اخْتِلاَفاً وَفُرْقَةً، وَلَقَدْ عَلِمْتَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَطَبَ فقالَ: أيّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمّتِي سَبَبْتُهُ سَبّةً أوْ لَعَنْتَهُ لَعْنَةً في غَضَبِي فإنّمَا أنَا مِنْ وَلْدِ آدَمَ أغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ وَإِنّمَا بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ صَلاَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ]. وَالله لَتَنْتَهِيَنّ [لينتهين]
ـــــــ
الماصري وفي التقريب والخلاصة عمر بن قيس بن الماصر الكوفي. قال في الخلاصة وثقة ابن معين، وقال في التقريب صدوق وربما وهم ورمى بالإرجاء "فكان يذكر" أي حذيفة "قالها" صفة أشياء "فينطلق ناس ممن سمع ذلك" أي ما ذكر من الأشياء التى قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن بعض الصحابة في حالة الغضب "وهو في مبقلة" أي في أرض ذات بقل "أما تنتهى" أي ألا تمتنع عما تذكر، هذه مقولة سلمان الفارسي قالها لحذيفة "حتى تورث رجالاً حب رجال ورجالا بغض رجال" المعنى: حتى تدخل في قلوب بعض الرجال محبة بعض الرجال وفي قلوب بعضهم بغض بعضهم "فاجعلها" بصيغة الأمر أي فاجعل يا الله تلك اللعنة "صلاة" أي رحمة كما في رواية مسلم والصلاة من الله تعالى الرحمة.
وأخرج مسلم في باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبه من كتاب الأدب عن عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم "أو ما علمت ما شارطت عليه ربي، قلت اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً" .
وأخرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة" وفي لفظ له عن أبي هريرة قال "اللهم إني أتخذ عندك عهداً لن تخلفنيه فإنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة" .
وفي لفظ له "اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عند الله عهداً" فذكره.
وفي لفظ له "فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة" .

(12/270)


أوْ لأكْتُبَنّ إلَى عُمَرَ [فَتَحَمّلَ عَلَيْهِ بِرِجَالٍ فَكَفّرَ يَمِينَهُ وَلَمْ يَكْتُبْ إلَى عُمَرَ وَكَفَرَ قَبْلَ الْحَنْثِ" . قال أبُو دَاوُدَ: قَبْل وَبَعْدُ كُلّهُ جَائِزٌ].
ـــــــ
وأخرج عن جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إنما أنا بشر وإني اشترطت على ربي أي عبد من المسلمين سببته أو شتمته أن يكون ذلك له زكاة وأجراً" .
وأخرج عن أم سليم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهوراً وزكاة وقربة تقربه بها منه يوم القيامة" انتهى.
والمعنى إنما وقع من سبه ودعائه صلى الله عليه وسلم على أحد ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به العادة فخاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه سبحانه ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهوراً وأجراً، وإنما كان يقع هذا منه صلى الله عليه وسلم نادراً لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشاً ولا لعاناً والله أعلم "والله لتنتهين" والحاصل أن سلمان رضي الله عنه ما رضى بإظهار ما صدر في شأن الصحابة لأنه ربما يخل بالتعظيم الواجب في شأنهم بما لهم من الصحبة قاله السندي.
قال المنذري: وهذا الفصل الأخيرة قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما مؤمن سببته" قد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.

(12/271)


11- باب في استخلاف أبي بكر رضي الله عنه :
4646- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدٍ بنِ إسْحَاقَ قال حدّثني الزّهْرِيّ قال حدّثني عَبْدُ المَلِكِ بنُ أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ عن أبِيهِ عن عَبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ قال: "لَمّا اسْتُعِزّ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنا عِنْدَهُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ دَعَاهُ بِلاَلٌ إلَى الصّلاَةِ فقَالَ [قال] مُرُوا مَنْ يُصَلّي لِلنّاسِ، فَخَرَجَ عَبْدُ الله بنُ زَمْعَةَ فإذَا عُمَرُ في النّاسِ، وكَانَ أبُو بَكْرٍ غَائِباً، فقُلْتُ: يَا عُمَرُ قُمْ فَصَلّ بالنّاسِ، فَتَقَدّمَ فكَبّرَ، فلَمّا سَمِعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَوْتَهُ - وكَانَ عُمَرُ رَجُلاً
ـــــــ
"باب في استخلاف أبي بكر رضي الله عنه"
"لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم" بصيغة المجهول أي اشتد به المرض.
قال في فتح الودود: استعز بالعليل اشتد وجعه وغلب على عقله انتهى. وأصله من العز

(12/271)


مُجْهِراً - قال: فأَيْنَ أبو بَكْرٍ؟ يَأْبَى الله ذَلِكَ وَالمُسْلِمونَ، يَأْبَى الله ذَلِكَ وَالمُسْلِمونَ، فَبَعَثَ إلَى أبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أنْ صَلّى عُمَرُ تِلْكَ الصّلاَةَ فَصَلّى بالنّاسِ" .
4647- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ أخبرنا [حدثني] مُوسَى بنُ يَعْقُوبَ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ إسْحَاقَ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنّ عَبْدَ الله بنَ زَمْعَةَ أخْبَرَهُ بِهَذَا الْخَبَرِ قالَ: "لَمّا سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَوْتَ عُمَرَ، قال ابنُ زَمْعَةَ: خَرَجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَتّى أطْلَعَ رَأْسَهُ مِنْ حُجْرَتِهِ ثُمّ قال: لاَ لاَ لاَ لِيُصَلّ لِلنّاسِ ابنُ أبي قُحَافَةَ، يَقُولُ ذَلِكَ مُغْضَباً" .
ـــــــ
وهو الغلبة والاستيلاء على الشيء "وكان عمر رجلاً مجهراً" قال في فتح الودود: إجهار الكلام إعلانه ورجل مجهر بكسر الميم وفتح الهاء إذا كان من عادته أن يجهر بكلامه وهو الوجه ههنا. وقد ضبط بعضهم على اسم الفاعل من الإجهار وهو ممكن على بعد انتهى.
وقال الخطابي: أي صاحب جهر ورفع بصوته ويقال جهر الرجل صوته ورجل جهير الصوت وأجهر إذا عرف بشدة جهر الصوت فهو مجهر "يأبى الله ذلك" أي تقدم غير أبي بكر.
قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الاختلاف فيه انتهى. قلت: هو صرح بالتحديث.
"حتى أطلع رأسه" أي أخرجه "ثم قال لا لا لا" أي لا يصلى عمر رضي الله عنه بالناس "ليصل للناس ابن أبي قحافة" هو أبو بكر رضي الله عنه "يقول ذلك" أي الكلام المذكور.
وفي الحديث دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن قوله يأبى الله ذلك والمسلمون معقول منه أنه لم يرد به نفي جواز الصلاة خلف عمر رضي الله عنه، فإن الصلاة خلف عمر ومن دونه من المسلمين جائزة، وإنما أراد به الإمامة التي دليل الخلافة والنيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القيام بأمر الأمة قال الخطابي في المعالم.
قلت: حديث محمد بن إسحاق عن الزهري فيه أن الصلاة التي صليت خلف عمر رضي الله عنه أعيدت بعد مجيء أبي بكر رضي الله عنه، فصلى الناس ثانياً خلف أبي بكر.
ولفظ أحمد في مسنده حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن إسحاق قال وقال ابن شهاب الزهري حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد قال "لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده في نفر من المسلمين قال دعا بلال للصلاة فقال مروا من يصلي بالناس قال فخرحت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائباً فقال قم يا عمر فصل بالناس قال فقام فلما كبر عمر سمع

(12/272)


...............................
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته وكان عمر رجلا مجهراً قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون يأبى الله ذلك والمسلمون قال فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس قال وقال عبد الله بن زمعة قال لي عمر ويحك ماذا صنعت بي يا ابن زمعة والله ماظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك ولولا ذلك ما صليت بالناس. قال قلت والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة" انتهى.
وليست هذه الزيادة أي ذكر إعادة الصلاة في حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري وإن صحت هذه الزيادة ولم تكن شاذة فيكون المعنى ما قاله الخطابي وما قاله حسن جداً والله أعلم.
قال المنذري: في إسناده موسى بن نعقوب الزمعي قال النسائي ليس بالقوى وفي إسناده أيضاً عبد الرحمن بن إسحاق، ويقال عباد بن إسحاق، وقد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم واستشهد به البخاري.

(12/273)


12- باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة :
4648- حدثنا مُسَدّدٌ وَ مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ قالا أخبرنا حَمّادٌ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن الْحَسَنِ عنْ أبِي بَكْرَةَ وَنَحْوَهُ وَحدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَبْد الله الأنْصَارِيّ قالَ أخبرنا الأشْعَثُ عنِ الْحَسَنِ عنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِلْحَسَنِ بنِ عَلِيَ: "إنّ ابْنِي هَذَا سَيّدٌ وَإِنّي أرْجُو أنْ يُصْلِحَ الله بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ أُمّتِي" . وَقالَ عنْ حَمّادٍ [في حديث حماد] " وَلَعَلّ الله أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ" .
ـــــــ
"باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة"
وفي نسخة الخطابي: في الفتنة الأولى.
"إن ابني هذا سيد" أي حليم كريم متجمل "بين فئتين من أمتي" هما طائفة الحسن وطائفة معاوية وكان الحسن رضي الله عنه حليماً فاضلاً ورعاً دعاه ورعه إلى أن ترك الملك رغبة فيما عند الله تعالى لا لقلة ولا لعلة، فإنه لما قتل علي رضي الله عنه بايعه أكثر من أربعين ألفاً فبقى خليفة بالعراق وما وراءها من خراسان ستة أشهر وأياماً ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز وسار إليه معاوية في أهل الشام، فلما التقى الجمعان بمنزل من أرض الكوفة وأرسل إليه معاوية في الصلح أجاب على شروط منها أن يكون له الأمر بعده، وأن يكون له من المال ما يكفيه في كل عام كذا في السراج المنير "وقال عن حماد" وفي بعض النسخ في حديث حماد

(12/273)


4649- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَزِيدُ أنبأنا هِشَامٌ عنْ مُحمّدٍ قالَ قالَ حُذَيْفَةُ: "مَا أحَدٌ مِنَ النّاسِ تُدْرِكُهُ الْفِتْنَةُ إلاّ أنَا أخَافُهَا عَلَيْهِ إلاّ مُحمّدُ بنُ مَسْلَمَةَ فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لاَ تَضُرّكَ الْفِتنَةُ" .
4650- حدثنا عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن الأشْعَثِ بن سُلَيْمٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عن ثَعْلَبَةَ بنِ ضُبَيْعَةَ قالَ: دَخَلْنَا عَلَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ إنّي لأعْرِفُ رَجُلاً لاَ تَضُرّهُ الْفِتَنُ شَيْئاً، قالَ فَخَرَجْنَا فَإِذَا فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ، فَدَخَلْنَا فَإذَا فِيهِ مُحمّدُ بنُ مَسْلَمَةَ فَسَأَلْنَاهُ عنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا أُرِيدُ أنْ يَشْتَمِلَ عَلَيّ شَيْءٌ مِنْ أمْصَارِكُمْ حَتّى تَنْجَلِيَ عَمّا انْجَلَتْ.
ـــــــ
مكان عن حماد "ولعل الله أن يصلح به" أي بسبب تكرمه وعزله نفسه عن الأمر وتركه لمعاوية اختياراً "بين فئتني من المسلمين عظيمتين" فيه دليل على أن واحداً من الفريقين لم يخرج بما كان منه في تلك الفتنة من قول أو فعل عن ملة الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلهم كلهم مسلمين مع كون إحدى الطائفتين مصيبة والأخرى مخطئة، وهكذا سبيل كل متأول فيما يتعاطاه من رأى ومذهب إذا كان له فيما تناوله شبهة، وإن كان مخطئاً في ذلك.
واختار السلف ترك الكلام في الفتنة الأولى وقالوا تلك دماء طهر الله عنها أيدينا فلا نلوث به ألسنتنا كذا في المرقاة نقلا عن شرح السنة.
قال المنذري: وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان رواه عن الحسن البصري ولا يحتج به وإخرجه أبو داوود والترمذي من حديث سعيد بن عبد الملك الحمراني عن الحسن وقد استشهد به البخاري ووثقه غير واحد، وأخرجه البخاري والنسائي من حديث أبي موسى إسرائيل بن موسى عن الحسن.
"عن محمد" هو ابن سيرين "إلا أنا أخافها عليه" أي أخاف مضرة تلك الفتنة عليه "إلا محمد بن مسلمة" هو من أكابر الصحابة شهد بدراً والمشاهد كلها استوطن المدينة واعتزل الفتنة كذا في الخلاصة، والحديث سكت عنه المنذري.
"عن ثعلبة بن ضبيعة" بالتصغير "فإذا فسطاط" بالضم أي خباء "فأذا فيه" أي في الفسطاط "فسألناه عن ذلك" أي عن سبب خروجه وإقامته في الفسطاط "فقال" أي محمد بن مسلمة "ما أريد أن يشتمل على" بتشديد الياء "شيء" فاعل يشتمل "من أمصاركم" المعنى لا أريد أن أسكن وأقيم في أمصاركم "حتى تنجلي" أي تنكشف وتزول بقال انجلى الظلام إذا كشف "عما" ما مصدرية "انجلت" أي تجلت وتبينت، يقال للشمس إذا خرجت من الكسوف تجلت وانجلت وهو انفعال من التجلية، والتجلية التبيين.

(12/274)


4651- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أشْعَثَ بنِ سُلَيْمٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ ضُبَيْعَةَ ابنِ حُصَيْنٍ الثّعْلبيّ بِمَعْنَاهُ.
4652- حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبراهِيمَ الْهُذَلِيّ أخبرنا ابنُ عُلَيّةَ عنْ يُونُسَ عنِ الْحَسَنِ عنْ قَيْسِ بنِ عُبَادٍ قالَ: "قُلْتُ لِعَلِيَ أخبرنا عنْ مَسِيرِكَ هَذَا أعَهْدٌ عَهِدَهُ إلَيْكَ
ـــــــ
قال الزجاج في قوله تعالى: {إِذَا جَلَّاهَا} إذا بين الشمس فكأن المعنى حتى تزول الفتن عن تبينها وظهورها.
ويمكن أن يكون ما موصولة والمراد من المصر، وانجلت بمعنى تجلت على ما تقدم، والتجلى يجىء بمعنى التغطية أيضاً كما في حديث الكسوف فقمت حتى تجلاني الغشى أي غطاني. فانجلت ههنا بمعنى غطت، والضمير المرفوع راجع إلى الفتن والضمير المنصوب الذي يعود إلى ما الموصولة محذوف، فيكون معنى الحديث حتى تنكشف الفتن عن الأمصار الذي غطته الفتن.
ويمكن أن لا يقال انجلت الذي هو من اللازم بمعنى غطت الذي هو من باب التعدية، بل يقال بمعنى تغطت من اللازم والضمير راجع إلى ما الموصولة والمراد منه الأمصار لا المصر، فيكون المعنى حتى تنكشف الفتن عن الأمصار التى تغطت أي بالفتن لكن أظهر المعاني هو الأول والله أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.
"عن ضبيعة بن حصين الثعلبي بمعناه" أي بمعنى الحديث السابق.
قال في التقريب: ضبيعة بالتصغير ابن حصين الثعلبي، ويقال ثعلتة بن ضبيعة مقبول من الثالثة.
قال المنذري: وفي كلام البخاري ما يدل على أن ثعلبة وضبيعة واحد اختلف فيه.
"قلت لعلي" أي ابن أبي طالب رضي الله عنه "عن مسيرك هذا" أي إلى بلاد العراق لقتال معاوية أو مسيرك إلى البصرة لقتال الزبير رضي الله عنهم، وبيانه كما قال ابن سعد أن علياً رضي الله عنه بويع بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة فبايعه جميع من كان بها من الصحابة رضي الله عنهم، ويقال إن طلحة رضي الله عنه والزبير رضي الله بايعاً كارهين غير طائعين ثم خرجا إلى مكة وعائشة رضي الله عنها بها فأخذاها وخرجا بها إلى البصرة، فبلغ ذلك علياً فخرج إلى العراق فلقي بالبصرة طلحة والزبير وعائشة ومن معهم وهي وقعة الجمل وكانت في جمادى الاخرة سنة ست وثلاثين، وقتل بها طلحة والزبير وغيرهما، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفاً، وقام علي بالبصرة خمس عشرة ليلة، ثم انصرف إلى الكوفة ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام فبلغ علياً فسار فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين ودام القتال بها

(12/275)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أمْ رَأَيٌ رَأَيْتَهُ؟ قال ما عَهِدَ إليّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِشَيْءٍ، لكنّهُ رأيٌ رَأَيْتُهُ" .
4653- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا الْقَاسِمُ بنُ الْفَضْلِ عنْ أبِي نَضْرَةَ عنْ أبي سَعِيدٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا [تقتلها] أوْلَى الطائِفَتَيْنِ بالْحَقّ" .
ـــــــ
أياماً انتهى مختصراً من تاريخ الخلفاء "رأى رأيته" ولما منع الحسن بن علي أباه علياً عن هذا العزم أجابه على: إنك لا تزال تخن خنين الجارية وأنا مقاتل من خالفني بمن أطاعني كذا في الكامل. والحديث سكت عنه المنذري.
"تمرق" كتخرج وزناً ومعنى "مارقة" يعني الخوارج قال في جامع الأصول من مرق السهم في الهدف إذا نفذ فيه وخرج، والمراد أن يخرج طائفة من المسلمين فيحاربهم.
وجاء في بعض الروايات "يكون أمتي فرقتين فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق" .
قال الطيبي: قوله يلي صفة مارقة أي يباشره قتل الخوارج أولى أمتي بالحق. قال الخطابي: اجمعوا أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من المسلمين يجوز مناكحتهم وذبحهم وشهادتهم كذا في المجمع "عند فرقة من المسلمين" أي عند افتراق المسلمين واختلافهم فيما بينهم.
وقد وقع الأمر كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لأن في سنة ست وثلاثين وسبع وثلاثين وقعت المقاتلة بين على والزبير وطلحة وبين علي ومعاوية رضي الله عنهم، وكان علي أماماً حقاً فخرجت الخوارج من نهروان وكان إمامهم ذا الثدية الخارجي فقاتل علي رضي الله عنه معهم "يقتلها" أي المارقة وهي الخوارج "أولى الطائفتين بالحق" متعلق بأولى أي أقرب الطائفتين بالحق والصواب، وهو علي رضي الله عنه ومن كان معه من الصحابة والتابعين.
وهذا يدل على أن الطائفة الأخرى من الصحابة ومن كان معها التي قاتلت علياً ما كانت على الحق. وأما المارقة إنما كانت من الفرق الباطلة لا منهما، والله أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.

(12/276)


باب في التخيير بين الأنبياء عليهم السلام
...
مُوسَى بَاطِشٌ في جَانِبِ الْعَرْشِ فَلاَ أدْرِي أكَانَ مِمّنْ صعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أمْ [أو] كَانَ مِمّنْ اسْتَثْنَى الله تَعَالَى" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَديثُ ابنِ يَحْيَى أتَمّ.
4656- حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ أخبرنا الْوَلِيدُ عنِ الأوْزَاعِيّ عنْ أبي عَمّارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ فَرّوخٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَوّلُ مَنْ تَنْشَقّ عَنْهُ الأرْضُ وَأَوّلُ شَافِعٍ، وأَوّلُ مُشَفّعٍ" .
4657- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَر أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أبي الْعَالِيَةَ عن ابنِ
ـــــــ
الإفاقة إنما تستعمل في الغشي والبعث في الموت "فإذا موسى باطش" أي آخذ بقوة والبطش الأخذ بقوة "في جانب العرش" أي بشيء منه "فلا أدري أكان" أي موسى "أم كان ممن استثنى الله تعالى" أي في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} قال الحافظ يعني فإن كان أفاق قبلى فهي فضيلة ظاهرة وإن كان ممن استثنى الله فلم يصعق فهي فضيلة أيضاً "وحديث ابن يحيى" هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"أنا سيد ولد آدم" قال النووي: قال الهروي السيد هو الذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم "وأول شافع وأول مشفع" بتشديد الفاء أي مقبول الشفاعة. قال النووي: في الحديث دليل لتفضيله صلى الله عليه وسلم على الخلق كلهم، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة وهو صلى الله عليه وسلم أفضل من الآدميين وغيرهم. وأما الحديث الآخر "لا تفضلوا بين الأنبياء" فجوابه من خمسة أوجه:
الأول: أنه صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم فلما علم أخبر به.
والثاني: قاله أدباً وتواضعاً، وذكر باقي الأجوبة من شاء الاطلاع فليرجع إلى شرح صحيح مسلم له.
قال المنذري: وأخرجه مسلم ويجمع بينه وبين حديث أبي هريرة بأن يكون قوله فلا أدري قبل أن يعلم أنه من تنشق الأرض عنه إن حمل اللفظ على ظاهره وانفراده بذلك، أو يحمل على أنه من الزمرة الذين هم أول من تنشق عنهم الأرض لا سيما على رواية من روى أو من أول من يبعث فيكون موسى أيضاً من تلك الزمرة وهي والله أعلم زمرة الأنبياء. انتهى كلام المنذري.

(12/278)


عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ إنّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتّى" .
4658- حدثنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ يَحْيَى الْحَرّانِيّ أخبرنا [حدثني] مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن إِسْمَاعِيلَ بنِ أبِي حَكِيمٍ عن الْقَاسِمِ بنِ مُحمّدٍ عن
ـــــــ
"ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى" بفتح الميم وتشديد المثناة الفوقية المقصورة وهو اسم والد يونس وقيل هو اسم أمه والصحيح الأول وإنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعا إن كان قاله بعد أن أعلم أنه أفضل الخلق، وإن كان قاله قبل علمه بذلك فلا إشكال وإنما خص يونس عليه السلام بالذكر لما قص الله في كتابه من أمر يونس وتوليه عن قومه وضجرته عن تثبطهم في الإجابة وقلة الاحتمال عنهم والاحتفال بهم حين راموا التنصل فقال تعالى: {وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} وقال: {وَهُوَ مُلِيمٌ} فلم يأمن صلى الله عليه وسلم أن يقع تنقيص له في نفس من سمع قصته فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة قاله القاري.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"عن إسماعيل بن أبي حكيم" هكذا في بعض النسخ إسماعيل بن أبي حكيم وهذا هو
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديث ابن عباس "ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" ثم قال: وفي حديث ابن عباس في بعض طرق البخاري فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: "لا ينبغي لعبد" الحديث ورواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعني الله عز وجل: "لا ينبغي لعبد لي أن يقول أنا خير من يونس بن متى" .
وفي رواية "لعبدي" .
وفي حديث ابن عباس نسبه إلى أبيه.
وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقولن أحدكم إني خير من يونس ابن متى" .
وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما ينبغي لعبد أن يكون خيرا من يونس بن متى" .
وفي لفظ آخر "أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" ذكره البخاري أيضا.
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن أسحاق بن إبراهيم" ونحوه في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
وأخرج البخاري أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابة فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل إلا من عمل يده" .
والمراد بالقرآن ههنا: الزبور كما أريد بالزبور القرآن في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} .

(12/279)


عَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيَ أنْ يَقُولَ إنّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتّى" .
4659- حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ إدْرِيسَ عن مُخْتَارِ بنِ فُلْفُلٍ يَذْكُرُ عن أنَسٍ قال: "قالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: يَا خَيْرَ الْبَرِيّةِ، فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ذَاكَ إِبراهِيمُ عَلَيْهِ السّلاَمُ" .
4660- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُتَوَكّلِ الْعَسْقَلاَنِيّ وَ مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ الشّعِيريّ المَعْنى قالا أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن ابنِ أبي ذِئْبٍ عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " مَا أدْرِي أتُبّعٌ لَعِينٌ [تبع ألعين] هُوَ أمْ لاَ، وَما أدْرِي أعُزَيرٌ نَبِيّ هُوَ أمْ لاَ" .
ـــــــ
الصواب كما يظهر من التقريب والخلاصة، وفي بعض النسخ إسماعيل بن حكيم والله أعلم "ما ينبغي لنبي" الحديث.
قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار.
"ذاك إبراهيم عليه السلام" أي المشار إليه الموصوف بخير البرية هو إبراهيم عليه السلام.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي. قيل يحتمل أنه قاله قبل أن يوحى إليه بأنه خير منه، أو يكون على جهة التواضع وكره إظهار المطاولة على الأنبياء انتهى كلام المنذري.
"ما أدري أتبع لعين هو أم لا" هذا قبل أن يوحى إليه شأن تبع. وقد روى أحمد من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم" وروى الطبراني من حديث ابن عباس مثله. وروى ابن مردويه من حديث أبي هريرة مثله كذا في مرقاة الصعود "وما أدري أعزير نبي هو أم لا" قال الحافظ أبو الفضل العراقي في أماليه في رواية الحاكم في المستدرك بدله "وما أدري ذا القرنين نبياً كان أم لا" وزاد فيه "وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا" ورويناه بتمامه بذكر تبع وعزير وذى القرنين والخدود في تفسير ابن مردوية من رواية محمد بن أبي السرى عن عبد الرزاق قال ثم أعلم الله نبيه أن الحدود كفارات وأن تبعا أسلم. كذا في مرقاة الصعود.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الدخان: أخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما أدري الحدود طهارة لأهلها أو لا، ولا أدري تبع لعيناً كان أم لا، ولا أدري ذو القرنين

(12/280)


4661- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ حدثني ونس أخبرني بنُ شِهَابٍ أنّ أبَا سَلَمَةَ ابنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ أخْبَرَهُ أنّ أبَا هُرَيْرَةَ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أنَا أوْلَى النّاسِ بابنِ مَرْيَمَ، الأنْبِيَاءُ أوْلاَدُ عَلاّتٍ وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيّ" .
ـــــــ
نبياً كان أم ملكا" وقال غيره "عزيراً كان نبياً أم لا" كذا رواه ابن أبي حاتم عن محمد ابن حماد الظهراني عن عبد الرزاق.
قال الدارقطني: تفرد به عبد الرزاق.
ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً "عزير لا أدري أنبياً أم لا، ولا أدري ألعن تبعاً أم لا" ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته.
وقال قتادة: ذكر لنا أن كعباً كان يقول في تبع الرجل الصالح ذم الله تعالى قومه ولم يذمه. قال وكانت عائشة رضي الله عنها تقول "لا تسبوا تبعاً فإنه قد كان رجلا صالحاً" .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي زرعة يعني عمرو بن جابر الحضرمي قال سمعت سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا تبعاً فإنه قد كان أسلم" ورواه الأمام أحمد في مسنده عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة به.
وقال الطبراني حدثنا أحمد بن علي الأبار حدثنا أحمد بن محمد بن أبي برزة حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا سفيان عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم" .
وقال عبد الرزاق أيضاً أخبرنا معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أدري تبع نبياً كان أم غير نبي" وتقدم بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم كما أورده ابن عساكر "لا أدري تبع كان لعيناً أم لا" .
ورواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى المدني عن عكرمة عن ابن عباس موقوفاً.
وقال عبد الرزاق أخبرنا عمران أبو الهذيل أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال قال عطاء بن أبي رباح "لا تسبوا تبعاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن سبه" انتهى كلامه والحديث سكت عنه المنذري.
"أنا أولى الناس بابن مريم" أي أخص الناس به وأقربهم إليه لأنه بشر بأنه يأتي من بعده "الأنبياء أولاد علات" بفتح فتشديد أي هم إخوة من أب واحد، فإن العلة الضرة وبنو العلات أولاد الرجل من نسوة شتى.

(12/281)


.......................
ـــــــ
والمعنى أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وفروع الشرائع مختلفة، وقيل المراد أن أزمنتهم مختلفة "وليس بيني وبينه نبي" قال الحافظ هذا أورده كالشاهد لقوله إنه أقرب الناس إليه.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(12/282)


14- باب في رد الإرجاء :
4662- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا سُهَيْلُ بنُ أبِي صَالْحٍ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عن أبي صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الإيْمَانُ بِضْعٌ [بضعة] وَسَبْعُونَ أفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إلَهَ إلاّ الله وَأدْنَاهَا إمَاطَةُ الْعَظْمِ [الأذى] عن الطّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيْمَانِ" .
ـــــــ
"باب في رد الإرجاء"
وفي نسخة الخطابي باب الرد على المرجئة.
قال في النهاية: المرجئة فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي أي أخره عنهم والمرجئة تهمز ولا تهمز وكلاهما بمعنى التأخير. كذا في السراج المنير.
"الإيمان بضع وسبعون" أي شعبة، والبضع بكسر الموحدة وفتحها هو عدد مبهم مقيد بما بين الثلاث إلى التسع، هذا هو الأشهر، وقيل إلى العشرة، وقيل من الواحد إلى تسعة، وقيل من اثنين ألى عشرة، وعن الخليل البضع السبع "وأدناها" أي أدونها مقداراً "إماطة العظم" أي إزالته، وفي بعض النسخ "إماطة الأذى" والأذى ما يؤذى كشوك وحجر "والحياء شعبة من الإيمان" الحياء بالمد وهو في اللغة تغير وانكسار يتعرى الإنسان من خوف ما يعاب به، وفي
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: حديث "الإيمان بضع وسبعون" ثم قال:
ولفظ مسلم "الإيمان بضع وسبعون شعبة" وفي كتاب البخاري "بضع وستون" وفي بعض رواياته "بضع وسبعون" .
والمعروف "ستون" وقد رواه مسلم بالوجهين على الشك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة" .
وحديث "الحياء شعبة من الإيمان" رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر وأبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري وعمران بن حصين.
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه في سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فقال: "أن تشهد أن

(12/282)


...................................
ـــــــ
الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، وإنما أفرده بالذكر لأنه كالداعي إلى باقي الشعب إذا الحيى يخاف فضيحة الدنيا و الآخرة فيأتمر وينزجر.
قال الخطابي في المعلم: في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم بمعنى ذى شعب وأجزاء لها أعلى وأدنى، وأقوال وأفعال، وزيادة ونقصان، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها، وتستوفي جملة أجزائها كالصلاة الشرعية لها شعب وأحزاء، والإسم يتعلق ببعضها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها، ويدل على
ـــــــ
لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" .
وفي الصحيحين من حديث طلحة بن عبيد الله جاء رجل من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوى صوته ولا نفقة ما يقول حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات في اليوم والليلة" الحديث.
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" .
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" .
وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقال مسلم حتى يحب لجاره أو قال لأخيه.
وفي الصحيحين عن أنس أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" وقال مسلم "من أهله وماله والناس أجمعين" .
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" .
وفي صحيح مسلم أيضا عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" .
وفي الترمذي عن أبي مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل إيمانه" وأبو مرحوم وسهل: قد ضعفا.

(12/283)


4663- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ حدّثني يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن شُعْبَةَ حدّثني أبُو جَمْرَةَ قال سَمِعْتُ ابنَ عَبّاسٍ قال: "إنّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أمَرَهُمْ باْلإيْمانِ بالله، قالَ: أتَدْرُونَ مَا الإيْمَانُ بالله؟ قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قال: شَهَادَةُ أنْ لاَ إلَهَ إلاّ الله وأنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصّلاَةِ، وَإيْتاءِ الزّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وأنْ تُعْطُوا الْخُمْسَ مِنَ المَغْنَمِ" .
4664- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن أبِي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصّلاَةِ" .
ـــــــ
صحة ذلك قوله "الحياء شعبة من الإيمان" فأخبر أن الحياء أحد الشعب، وفيه إثبات التفاصيل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاتهم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"إن وفد عبد القيس" الوفد جمع وافد، وهو الذي أتى إلى الأمير برسالة من قوم، مقيل رهط كرام، وعبد القيس أبو قبيلة عظيمة تنتهي إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان "لما قدموا" أي أتوا "وأن تعطوا الخمس" بصم الميم وسكونها "من المغنم" بفتح الميم والنون أي الغنيمة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" مبتدأ والظرف خبره ومتعلقة محذوف تقديره ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر. والمعنى يوصله إليه. وبهذا التقدير زال الإشكال، فإن المتبادر أن الحاجز بين الإيمان والكفر فعل الصلاة لا تركها قاله العزيزي.
واختلف في تكفير تارك الصلاة الفرض عمداً، قال عمر رضي الله عنه: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقال ابن مسعود: تركها كفر، وقال عبد الله بن شقيق كان أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.
وقال بعض العلماء: الحديث محمول على تركها جحوداً أو على الزجر والوعيد.
وقال حماد بن زيد ومكحول ومالك والشافعي تارك الصلاة كالمرتد ولا يخرج من الدين.
وقال صاحب الرأي: لا يقتل بل يحبس حتى يصلي، وبه قال الزهري، كذا في المرقاة نقلاً عن شرح السنة.
وقد أطال الكلام في هذه المسألة الإمام ابن القيم في كتاب الصلاة له فأطاب وأحسن وأجاد.

(12/284)


...................................
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه ولفظ مسلم "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة.

(12/285)


15- باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه :
65- حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ الأنْبَارِيّ وَ عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قالا أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "لَمّا تَوَجّهَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلَى الْكَعْبَةِ قالُوا: يَا رَسُولَ الله فكَيْفَ الّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلّونَ إلَى بَيْتِ المَقْدِس؟ فأنْزَلَ الله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} .
4666- حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ شُعَيْبٍ بنِ شَابُور عن يَحْيَى بنِ الْحارِثِ عن الْقَاسِمِ عن أبي أُمَامَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قال: "مَنْ أحَبّ لله، وَأبْغَضَ لله، وأعْطَى لله، وَمَنَعَ لله فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الإيْمَانَ" .
ـــــــ
"باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه"
وقد وقع هذا الباب في بعض النسخ بعد حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه. قال الحافظ: ذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين وقالوا متى قبل ذلك كان شكا. وقال الشيخ محي الدين: والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، وهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره لا يعتريه الشهبة، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى أنه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقيناً وإخلاصاً وتوكلا منه في بعضها وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها انتهى.
"لما توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة" أي توجه للصلاة إلى جهة الكعبة بعد تحويل القبلة من بيت المقدس {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي صلاتكم. قال في فتح الودود: فسميت الصلاة إيماناً فعلم أنها من الإيمان بمكان انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح.
"أخبرنا محمد بن شعيب بن شابور" بالمعجمة والموحدة "عن أبي أمامة" وهو الباهلي صدى بن عجلان رضي الله عنه "من أحب" أي شيئاً أو شخصياً فخذف المفعول "لله" أي لأجله ولوجهه مخلصاً لا لميل قلبه ولا لهواة "وأبغض لله" لا لإيذاء من أبغضه له بل لكفره وعصيانه "وأعطى لله" أي لثوابه ورضاه لا لنحو رياء "ومنع لله" أي لأمر الله، كأن لم يصرف الزكاة لكافر لخسته ولا لهاشمي لشرفة بل لمنع الله لهما منها. قاله المناوي "فقد استكمل الإيمان" بالنصب أي أكمله وقيل بالرفع أي تكمل إيمانه.

(12/285)


4667- حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمرِو بنِ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن بَكْرِ بنِ مُضَرَ عن ابنِ الْهَادِ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَلاَ دِينٍ أغْلَبَ لِذِي لَبَ مِنْكُنّ. قالَتْ: وَما نُقصَانُ الْعَقْلِ والدّينِ؟ قال: أمّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ [شهادة] رَجُلٍ، وَأَمّا نُقْصَانُ الدّينِ فإنّ إحْدَاكُنّ تُفْطِرُ رَمَضَانَ وَتُقِيمُ أيّاماً لا تُصَلّي" .
4668- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنبَلٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو عن أبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إيْمَاناً أحْسَنُهُمْ خُلُقاً" .
ـــــــ
قال المنذري: في إسناده القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الشامي وقد تكلم فيه واحد.
"لذي لب" بضم اللام وتشديد الموحدة بمعنى العقل "قالت" أي امرأة من النساء التي خاطبهن النبي صلى الله عليه وسلم "فشهادة امرأتين بشهادة رجل" أي تعدل بشهادة رجل "وتقيم أياماً" أي أيام الحيض والنقاس "لا تصلي" أي في تلك الأيام.
قال النووي: وصفه صلى الله عليه وسلم النساء نقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض قد يستشكل معناه وليس بمشكل بل هو ظاهر، فإن الدين والإيمان مشتركة في معنى واحد، وقد قدمنا أن الطاعات تسمى إيماناً وديناً، وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه، ثم نقص الدين قد يكون على وجه يأثم به كمن ترك الصلاة أو غيرها من العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه لا إثم فيه كمن ترك الجمعة أو غيرها مما لا يجب عليه العذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم. انتهى كلام النووي. وبهذا الكلام ظهر أيضاً وجه مناسبة الحديث بالباب.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه وأخرجه البخاري ومسلم من حديث عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري.
"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" بضم اللام. قال ابن رسلان: وهو عبارة عن أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي منقسمة إلى محمودة ومذمومة، فالمحمودة منها صفات الأنبياء والأولياء والصالحين كالصبر عند المكارة والحمل عند الجفا وحمل الأذى والإحسان للناس والتودد إليهم والرحمة بهم والشفقة عليهم، واللين في القول ومجانبة المفاسد والشرور وغير ذلك. قال الحسن البصري: حقيقة حسن الخلق بذل المعروف، وكف الأذى وطلاقة الوجه.

(12/286)


4669- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ ح. وأخبرنا إِبراهِيمُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا سُفْيَانُ المَعْنَى قالا أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عَامِرِ بنِ سَعْدٍ عن أبِيهِ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَسَمَ بَيْنَ النّاسِ قَسَماً فَقُلْتُ: أعْطِ فُلاَناً فإنّهُ مُؤْمِنٌ، قال: أوْ مُسْلِمٌ، إنّي لأُعْطِي الرّجُلَ الْعَطَاء وَغَيْرُهُ أحَبّ إلَيّ مِنْهُ مَخَافَةَ أنْ يُكِبّ عَلَى وَجْهِهِ" .
4670- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا مُحمّد بنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ قال وَأخبرني الزّهْرِيّ عنْ عَامِرٍ بنِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ عنْ أبِيهِ قالَ "أعْطَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رِجَالاً وَلَمْ يُعْطِ رَجُلاً مِنْهُمْ شَيْئاً، فَقالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ الله أعْطَيْتَ فُلاَناً وَفُلاناً وَلَمْ تُعْطِ فُلاَناً شَيْئاً وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أوْ مُسْلِمٌ حَتّى أعَادَهَا سَعْدٌ ثَلاَثاً، وَالنّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ أوْ مُسْلِمٌ، ثُمّ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّي أُعْطِي رِجَالاً وَأَدَعُ مَنْ هُوَ أحَبّ إلَيّ مِنْهُمْ لاَ أُعْطِيهِ شَيْئاً مَخَافَةَ أنْ يُكِبّوا فِي النّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ" .
4671- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا أبو ثَوْرٍ عنْ مَعْمَرٍ قالَ وقالَ الزّهْرِيّ {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} قالَ نَرَى أنّ الإسْلاَمَ الْكَلِمَةُ، وَالإيْمَانَ الْعَمَلُ [العمل به].
ـــــــ
قال المنذري: وقال حسن صحيح، وزاد في آخره "وخياركم خياركم لنسائهم".
"قال أو مسلم" قال في فتح الباري: بإسكان الواو لا بفتحها. وفي رواية ابن الأعرابي في هذا الحديث فقال لا تقل مؤمن بل مسلم، فوضح أنها للاضراب وليس معناه الإنكار بل المعنى أن إطلاق المسلم على من يختبر حاله الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن، لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر انتهى مخلصاً "مخافة أن يكب" ضبط في بعض النسخ بضم الياء وكسر الكاف من الإكباب. قال الحافظ: أكب الرجل إذا أطرق وكبه غيره إذا قبله، وهذا على خلاف القياس، لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة وهذا زيدت عليه الهمزة فقصر انتهى. والمعنى مخافة أن يقع في النار على وجهه إن لم يعط لكونه من المألفة قلوبهم. ويحتمل أن يكون بصيغة المجهول من المجرد. وهذا الحديث وقع في نسخة المنذري بعد الحديث الذي يليه فقال وهو طرف من الذي قبله. "حتى أعادها" أي هذه الكلمة "ثلاثاً" أي ثلاث مرات "وأدع" بفتح الدال أي أترك "مخافة أن يكبوا" بصيغة المعلوم من باب الأفعال أو بصيغة المجهول من المجرد.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"قال" أي الزهري "نرى" بضم النون وبفتح "أن الإسلام الكلمة" أي كلمة الشهادة "والإيمان العمل" أي الصالح.

(12/287)


4672- حدثنا أبو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا شُعْبَةُ قالَ وَاقِدُ بنُ عَبْدِ الله أخبرني عن أبِيهِ أنّهُ سَمِعَ ابنَ عُمَرَ يُحَدّثُ عنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْضٍ" .
4673- حدثنا عُثْمانُ بن أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عنْ فُضَيْلِ بنِ غَزْوَانَ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أيّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أكْفَرَ رَجُلاً مُسْلِماً، فَإنْ كان كَافِراً وَإلاّ كَانَ هُوَ الْكَافِرُ" .
ـــــــ
قال الخطابي في المعالم: ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة، فأما الزهري فقد ذهب إلى ما حكاه معمر عنه واحتج بالآية، وذهب غيره إلى أن الإيمان والإسلام شيء واحد واحتج بقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} قال فدل ذلك على أن المسلمين هم المؤمنون إذ كان الله سبحانه قد وعد أن يخلص المؤمنين من قوم لوط وأن يخرجهم من بين ظهرانى من وجب عليه العذاب منهم، ثم أخبر أنه قد فعل ذلك بمن وجده فيهم من المسلمين إنجازاً للوعد، فثبت أن المسلمين هم المؤمنون. قال والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق على أحد الوجهين، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال ولا يكون مؤمناً في بعضها والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً. فإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف شيء منها. وأصل الإيمان التصديق وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد، وقد يكون المرء مستسلماً في الظاهر غير مننقاد في الباطن ولا مصدق، وقد يكون صادق الباطن غير منقاد في الظاهر انتهى. وحاصل ما صححه الخطابي أن النسبة بين المؤمن والمسلم عموم وخصوص مطلق.
والحديث سكت عنه المنذري.
"لا ترجعوا بعدي كفاراً الخ" قال الخطابي: هذا يتأول على وجهين أحدهما أن يكون معنى الكفار المتكفرين بالسلاح، يقال تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه فكفر نفسه أي سترها، وأصل الكفر الستر. وقال بعضهم: معناه لا ترجعوا بعدي فرقاً مختلفين يضرب بعضكم رقاب بعض فتكونوا في ذلك مضاهين للكفار، فإن الكفار متعادون يضرب بعضهم رقاب بعض والمسلمون متواخون يحقن بعضهم دم بعض. وأخبرني إبراهيم بن فراس قال: سألت موسى بن هارون عن هذا فقال هؤلاء أهل الردة قتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً "أكفر رجلا مسلماً" أي نسبة إلى الكفر "فإن كان" الرجل الذي نسب إليه الكفر "كافراً" فلا شيء

(12/288)


4674- حدثنا أبُو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ أخبرنا الأعْمَشُ عن عَبْدِ الله بنِ مُرّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " أرْبَعٌ مَنْ كُنّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ خَالِصٌ، وَمَنْ كَانَتْ [كان] فِيهِ خَلّةٌ مِنْهُنّ كَانَ [كانت] فِيهِ خَلّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتّى يَدَعَهَا: إذَا حَدّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ [عهد] غَدَرَ، وَإذَا خَاصَمَ فَجَرَ" .
ـــــــ
على المناسب "وإلا" أي لم يكن هو كافراً "كان هو" أي الناسب "الكافر" أي يخاف عليه شؤم كلامه. قاله السندي والحديث سكت عنه المنذري.
"أربع" أي خصال أربع أو أربع من الخصال فساغ الابتداء به "من كن" أي تلك الأربع "فيه" الضمير لمن "فهو منافق خالص" قال العلقمي: أي في هذه الخصال فقط لا في غيرها، أو شديد الشبه بالمنافقين، ووصفه بالخلوص يؤيد قول من قال: إن المراد بالنفاق العملي دون الإيماني أن النفاق العرفي لا الشرعي، لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقى في الدرك الأسفل من النار "حتى يدعها" أي إلى أن يتركها "إذا حدث كذب" أي عمدا بغير عذر "وإذا وعد أخلف" أي إذا وعد بالخير في المستقبل لم يف بذلك "وإذا عاهد غدر" أي نقض العهد وترك الوفاء بماعاهد عليه. وأما الفرق بين الوعد والعهد فلم أر من ذكر الفرق بين الوعد والعهد صريحاً.
والظاهر من صفيع الإمام البخاري رحمه الله أنه لا فرق بينهما بل همامتر ادفان فإنه قال في كتاب الشهادات من صحيحه باب من أمر بإنجاز الوعد، ثم استدل على مضمون الباب بأربعة أحاديث أولها حديث أبي سفيان بن حرب في قصة هرقل أورد منه طرفاً وهو أن هرقل قال له سألتك ماذا يأمركم. فزعمت أنه أمركم باصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد الحديث.
ولولا أن الوعد والعهد متحدان لما تم هذا الاستدلال، فثبت من صنيعه هذا أنهما متحدان. والظاهر من كلام الحافظ رحمه الله في الفتح أن بينهما فرقاً فإنه قال إن معناهما قد يتحد ونصه في شرح باب علامات المنافق من كتاب الإيمان قال القرطبي والنووي: حصل في مجموع الروايتين خمس خصال لأنهما تواردتا على الكذب في الحديث والخيانة في الأمانة وزاد الأول الخلف في الوعد والثاني العذر في المعاهدة والفجور في الخصومة.
قلت: وفي رواية مسلم الثاني بدل الغدر في المعاهدة الخلف في الوعد كما في الأول، فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه لأن معناهما قد يتحد الخ. فلفظه قد تدل دلالة ظاهرة على أن بينهما فرقاً، ولكن لم يبين أنه أيّ فرق بينهما، ولعل الفرق هو أن الوعد أعم من العهد مطلقاً، فإن العهد هو الوعد الموثق فأينما وجد العهد وجد الوعد، من غير عكس. لجواز أن يوجد الوعد من غير توثيق.

(12/289)


4675- حدثنا أبُو صَالِحٍ الأنْطَاكِيّ أخبرنا أبُو إسْحَاقَ الفَزَارِيّ عن الأعمَشِ عنْ أبي صَالِحٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ" .
ـــــــ
ويمكن أن يكون بينهما عموم وخصوص من وجه، فالوعد أعم من العهد، بأن العهد لا يطلق إلا إذا كان الوعد موثقاً والوعد أعم من أن يكون موثقاً أو لا يكون كذلك، ويشهد على ذلك لفظ الحديث لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق على إخلاف الوعد لفظ الإخلاف، وعلى إخلاف العهد لفظ الغدر، ولا شك أن الغدر أشد من الإخلاف، فعلم أن العهد أشد وأوثق من الوعد. ويؤيده قول الله عز وجل: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} الآية. وأما العهد أعم من الوعد فبأن الوعد لا يطلق إلا على ما يكون لشخص آخر، والعهد يطلق على ما يكون لشخص آخر أو لنفسه كما لا يخفي. قال الله عز وجل: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} فههنا عهدهم ليس إلا على أنفسهم بالإيمان وقال الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} الآية فههنا معاهدة المؤمنين لا على أنفسهم بل من المشركين.
وأما الوعد فلا يوجد في كلام العرب إلا لرجل آخر، كما قال الله عز وجل في القرآن {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} الآية. وقال الله تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} الآية. وقال تعالى: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ} الآية، وغير ذلك من الآيات والأحاديث وكلام أهل العرب. فلعل مراد البخاري ثم الحافظ بأتحاد الوعد والعهد اجتماعهما في مادة الوعد من غير نظر إلى الوثوق وغير الوثوق، وكذلك إلى أنه لرجل آخر أو لنفسه والله تعالى أعلم "وإذا خاصم فجر" أي شتم ورمى بالأشياء القبيحة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
"يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الواو للحال أي والحال أنه مؤمن كامل، أو
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله حديث "لا يزاني الزاني" ثم قال:
وفي لفظ في الصحيحين "ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" - وزاد مسلم – "ولا يغل حين يغل وهو مؤمن فاياكم إياكم" .
وزاد أبو بكر البزار فيه في المسند "ينزع الإيمان من قلبه فإن تاب تاب الله عليه" .
وأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني

(12/290)


...................................
ـــــــ
محمول على المستحل مع العلم بالتحريم، أو هو خبر بمعنى النهي أو أنه شابه الكافر في عمله، وموقع التشبيه أنه مثله في جواز قتاله في تلك الحالة ليكف عن المعصية ولو أدى إلى قتله قاله القسطلاني.
قال النووي: والصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وأنما تأولناه لحديث أبي ذر "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق" الخ
ـــــــ
العبد حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن" قال عكهمة قلت لابن عباس كيف ينزع الإيمان منه قال هكذا وشبك بين أصابعه ثم أخرجها فإن تاب عاد إليه هكذا وشبك بين أصابعه.
وروى ابن صخر في الفوائد من حديث محمد بن خالد المخزومي عن سفيان الثوري عن زبيد اليامي عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اليقين الإيمان كله" وذكره البخاري في صحيحه موقوفا على ابن مسعود.
وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فيهم فذكر الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال" الحديث.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال: "الإيمان بالله" قال ثم ماذا قال: "الجهاد في سبيل الله" قال: ثم ماذا قال: "حج مبرور" .
وفي لفظ "إيمان بالله ورسوله" وترجم عليه البخاري "باب من قال: إن الإيمان هو العمل" لقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} : عن قول "لا إله إلا الله" .
وفي الصحيحين عن أبي ذر الغفاري قال: قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيله" الحديث.
وروى البزار في مسنده من حديث عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من جمهعن فقد جمع الإيمان الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والانفاق من الاقتار" .
وذكره البخاري في صحيحه عن عائشة من قولها.
وقال البخاري قال معاذ "اجلس بنا نؤمن ساعة" وقال البخاري في الصحيح باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي صلى الله عليه وسلم له ثم قال: "جاء جبريل يعلمكم دينكم" فجعل ذلك كله دينا.
وما بين النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس من الإيمان وقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} وفي حديث الشفاعة المتفق على صحته "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" وفي لفظ "مثقال دينار من إيمان" وفي لفظ: "مثقال شعيرة من إيمان" وفي لفظ: "مثقال خردلة من إيمان" وفي لفظ: "انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان" وفي لفظ: "إذا

(12/291)


...................................
ـــــــ
وإن شئت الوقوف على تمام كلامه فارجع إلى شرح صحيح مسلم له "والتوبة معروضة" أي على فاعلها "بعد" بالضم أي بعد ذلك. قال النووي: قد أجمع العلماء على قبول التوبة ما لم يغرغر، كما جاء في الحديث.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
ـــــــ
كان يوم القيامة شفعت فقلت يا رب أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة من إيمان فيدخلون ثم أقول أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء قال أنس كأني أنظر إلى أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم" .
وفي لفظ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة" . ثم قال: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة. ثم يخرج من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة" .
وترجم البخاري على هذا الحديث "باب زيادة الإيمان ونقصانه" وقوله تعالى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدىً} وقال: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} وقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص.
وكل هذه الألفاظ التي ذكرناها في الصحيحين أو أحدهما.
والمراد بالخير في حديث أنس: الإيمان فإنه هو الذي يخرج به من النار وكل هذه النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل في أن نفس الإيمان القائم بالقلب يقبل الزيادة والنقصان وبعضهم أرجح من بعض.
وقال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي ملكية أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم من أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
وقال البخاري أيضا "باب الصلاة من الإيمان" وقوله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} يعني صلاتكم عند البيت ثم ذكر حديث تحويل القبلة.
وأقدم من روى عنه زيادة الإيمان ونقصانه من الصحابة عمير بن حبيب الخطمي.
قال الامام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن أبيه عن جده عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص قيل وما زيادته ونقصانه قال إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه.
وقال أحمد: حدثنا يزيد بن هرون أخبرنا محمد بن طلحة عن زبيد عن ذر قال كان عمر ابن الخطاب يقول لأصحابه هلموا نزدد إيمانا فيذكرون الله تعالى وقال أحمد حدثنا وكيع عن شريك عن هلال عن عبد الله بن عكيم قال سمعت عبد الله ابن مسعود يقول في دعائه "اللهم زدني إيمانا ويقينا وفقها" أو قال "فهما" وقال أحمد في رواية المروزي أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام حدثنا علي بن مدرك عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: "الإيمان بر فمن زنا فارقه الأيمان فإن لام نفسه ورجع راجعه الإيمان".

(12/292)


...................................
ـــــــ
وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ} قال: "إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة فلما صدقوا بها زادهم الصيام فلما صدقوا به زادهم الزكاة فلما صدقوا بها زادهم الحج فلما صدقوا به زادهم الجهاد ثم أكمل لهم دينهم فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} .
وقال إسماعيل بن عياش: حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي عن أبي هريرة قال: "الإيمان يزداد وينقص".
وقال إسماعيل أيضا: عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن أبي هريرة وابن عباس قالا: "الإيمان يزداد وينقص".
وقال الإمام أحمد في رواية المروزي: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا جرير بن حازم عن فضيل بن يسار قال قال محمد بن علي هذا الاسلام ودور دائرة ودور في وسطها أخرى وقال هذا الإيمان الذي في وسطها مقصور في الاسلام وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزاني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق هو مؤمن" قال: قال "يخرج من الإسلام فإذا تاب تاب الله عليه فرجع إلى الإيمان".
وقال أحمد في رواية المروزي: حدثنا يحيى بن سعيد عن أشعت عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ينزع منه الايمان فإن تاب أعيد إليه" .
ورواه يحيى بن سعيد عن عوف عن الحسن: من قوله وهو أشبه.
وقال محمد بن سليمان لوين: سمعت سفيان بن عيينة غير مرة يقول: الايمان قول وعمل وأخذناه ممن قبلنا. قيل له يزيد وينقص قال فأي شيء إذن.
وقال مرة: وسئل "الايمان يزيد وينقص" قال أليس تقرءون القرآن {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} في غير موضع قيل ينقص قال ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص.
وقال عبد الرزاق: سمعت سفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن جريج ومعمرا يقولون: "الايمان قول وعمل يزيد وينقص".
وقال الحميدي: سمعت ابن عيينة يقول: "الايمان قول وعمل يزيد وينقص" فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة يا أبا محمد لا تقل يزيد وينقص فغضب وقال اسكت يا صبي بلى حتى لا يبقى منه شيء.
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص".
وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: "الايمان قول وعمل يزيد وينقص" ذكره الحاكم في مناقبه.
وقال أبو عمر بن عبد البر النمري: قال رجل للشافعي أي الأعمال عند الله أفضل قال ما لا يقبل عمل إلا به قال وما ذاك قال الإيمان بالله هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها

(12/293)


...................................
ـــــــ
حظا قال الرجل: ألا تخبرني عن الايمان قول وعمل أو قول بلا عمل قال الشافعي الايمان عمل لله والقول بعض ذلك ثم العمل احتج عليه ذكره الحاكم عنه.
وقال أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "ما نقصت أمانة عبد إلا نقص إيمانه".
وقال وكيع: حدثنا إسرائيل عن أبي الهيثم عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} قال: ليزداد إيمانا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد "أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الايمان فقرأ عليه: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} حتى ختم الآية" .
احتج به أحمد في كتاب الرد على المرجئة ورواه جعفر بن عوف عن المسعودي عن القاسم عن أبي ذر بمثله.
وقال يحيى بن سليم الطائفي قال هشام عن الحسن الايمان قول وعمل فقلت لهشام فما تقول أنت فقال: قول وعمل.
وقال الحميدي: سمعت وكيعا يقول وأهل السنة يقولون الايمان قول وعمل والمرجئة يقولون الايمان قول والجهمية يقولون الايمان المعرفة.
وصح عن الحسن أنه قال: "ليس الايمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل" ونحوه عن سفيان الثوري.
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم العمل تصديقا في قوله حديث زني العين والجوارح "الفرج يصدق ذلك أو يكذبه" .
وأما الحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه من حديث عبد السلام بن صالح عن علي بن مرسي الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسن عن أبيه عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان" قال عبد السلام بن صالح: لو قرىء هذا الاسناد على مجنون لبرأ.
فهذا حديث موضوع ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال بعض أئمة الحديث: لو قرىء هذا على مجنون لبرأ: لو سلم من عبد السلام وهو المتهم به وفي الحق ما يغني عن الباطل ولو كنا ممن يحتج بالباطل ويستحله لروجنا هذا الحديث وذكرنا بعض من أثنى على عبد السلام ولكن نعوذ بالله من هذه الطريقة كما نعوذ به من طريقة تضعيف الحديث الثابت وتعليله إذا خالف قول إمام معين وبالله التوفيق.

(12/294)


4676- حدثنا إسْحَاقُ بنُ سُوَيْدٍ الرّمْلِيّ أخبرنا ابنُ مَرْيَمَ أنبأنا نَافِعٌ يَعْني ابنَ يَزِيدَ حدّثني ابنُ الْهَادِ أنّ سَعِيدَ بنَ أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ حَدّثَهُ أنّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا زَنَى الرّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ [عنه] اْلإيْمَانُ كَانَ عَلَيْهِ كَالظّلّةِ، فإذَا انْقَلَعَ [أقلع] رَجَعَ إلَيْهِ اْلإيْمَانُ" .
ـــــــ
"كأن" أي الإيمان "عليه كالظلة" أي كالسحابة "فإذا انقلع" أي فرغ من فعله وفي بعض النسخ أقلع. قال في القاموس الإقلاع عن الأمر الكف واعلم أن العلماء قد بينوا للحديث السابق تأويلات كثيرة وهذه إحداها وهو أنه يُسلَب الإيمان حال تلبس الرجال بالزنا، فإذا فارقه عاد إليه.
وفي رواية البخاري في باب إثم الزنا من كتاب المحاربين قال عكرمة: "قلت لابن عباس كيف ينزع منه الإيمان؟ قال هكذا وشبك بين أصابعه ثم أخرجها فاذا تاب عاد إليه هكذا وشبك بين أصابعه" وأخرج الحاكم من طريق ابن حجيرة أنه سمع أبا هريرة يقول "من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه" كذا في فتح الباري. والحديث سكت عنه المنذري.

(12/295)


16- باب في القدر :
4677- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ أبِي حَازِمٍ قالَ حدثني بِمِنًى عنْ أبِيهِ عن ابْنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الْقَدَرِيّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأمّةِ، إنْ مَرِضُوا فَلاَ تَعُودُوهُمْ، وَإنْ مَاتُوا فَلاَ تَشْهَدُوهُمْ" .
ـــــــ
"باب في القدر"
بفتح الدال ويسكن.
قال في شرح السنة: الإيمان بالقدر فرض لازم وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن خلقهم، والكل بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب والقدر سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل بل يجب أن يعتقد أن الله تعالى خلق الخلق فجعلهم فرقتين فرقة خلقهم للنعيم فضلاً وفرقة للجحيم عدلا.
"القدرية مجوس هذه الأمة" قال الخطابي في المعالم: إنما جعلهم مجوساً لمضاهاة

(12/295)


4678- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عنْ عُمَرَ بن مُحمّدٍ عنْ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ عنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ عنْ حُذَيْفَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لِكُلّ أُمّةٍ مَجُوسٌ وَمَجُوسُ هَذِهِ الأمّةِ الّذِينَ يَقُولُونَ لاَ قَدَرَ. مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَلاَ تَشْهَدُوا جَنَازَتَهُ،
ـــــــ
مذهبهم مذاهب المجوس في قولهم بالأصلين وهما النور والظلمة يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره، والله سبحانه خالق الخير والشر لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته. وخلقه الشر شراً في الحكمة كخلقه الخير خيراً، فإن الأمرين جميعاً مضافان إليه خلقاً وإيجاداً، وإلى الفاعلين لهما فعلاً واكتساباً انتهى "وإن ماتوا فلا تشهدوهم" أي لا تحضروا جنازتهم.
قال المنذري: هذا منقطع. أبو حازم سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر، وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن عمر ليس منها شيء مثبت انتهى.
وقال السيوطي في مرقاة الصعود: هذا أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح وزعم أنه موضوع.
وقال الحافظ ابن حجر فيما تعقبه عليه: هذا الحديث حسنه الترمذي وصححه الحاكم ورجاله من رجال الصحيح إلا أن له علتين:
الأولى: الاختلاف في بعض رواته عن عبد العزيز بن أبي حازم وهو زكريا بن منظور فرواه عن عبد العزيز بن أبي حازم فقال عن نافع عن ابن عمر.
والأخرى ما ذكره المنذري وغيره من أن سنده منقطع لأن أبا حاتم لم يسمع من ابن عمر فالجواب عن الثانية أن أبا الحسن بن القطان القابسي الحافظ صحح سنده فقال إن أبا حازم عاصر ابن عمر فكان معه بالمدينة، ومسلم يكتفي في الاتصال بالمعاصرة فهو صحيح على شرطه.
وعن الأولى بأن زكريا وصف بالوهم فلعله وهم فأبدل راوياً بآخر، وعلى تقدير أن لا يكون وهم فيكون لعبد العزيز فيه شيخان وإذا تقرر هذا لا يسوغ الحكم بأنه موضوع، ولعل مستند من أطلق عليه الوضع تسميتهم المجوس وهم مسلمون.
وجوابه أن المراد أنهم كالمجوس في إثبات فاعلين لا في جميع معتقد المجوس ومن ثم ساغت أضافتهم إلى هذه انتهى.
"مولى غفرة" بضم المعجمة وسكون الفاء "ويقولون لا قدر" يعني ينفون القدر "وهم
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: حديث " لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر" ثم قال:

(12/296)


وَمَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ فَلاَ تَعُودُوهُمْ وَهُمْ شِيعَةُ الدّجّالِ وَحَقّ عَلَى الله أنْ يُلْحِقَهُمْ بالدّجّالِ" .
4679- حدثنا مُسَدّدٌ أنّ يَزِيدَ بنَ زُرَيْعٍ وَ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ حَدّثَاهُمْ قالا أخبرنا عَوْفٌ أخبرنا قَسَامَةُ بنُ زُهَيْرِ أخبرنا أبُو مُوسَى الأشْعَرِيّ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله خَلقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدَرِ الأرْضِ جَاءَ
ـــــــ
شيعة الدجال" أي أولياؤه وأنصاره، وأصله الفرقة من الناس ويقع على الواحد وغيره بلفظ واحد وغلب على كل من تولى علياً وأهل بيته حتى اختص به، وجمعه شيع من المشايعة المتابعة والمطاوعة "أن يلحقهم" بضم الياء وكسر الحاء.
قال المنذري: عمر مولى غفرة لا يحتج بحديثه ورجل من الأنصار مجهول، وقد روي من طرق أخر عن حذيفة ولا يثبت.
"خلق آدم من قبضة" القبضة بالضم ملأ الكف وربما جاء بفتح القاف، كذا في الصحاح.
وقال في النهاية: القبض الأخذ بجميع الكف والقبضة المرة منه وبالضم الاسم منه "قبضها من جميع الأرض" أي من جميع أجزائها "فجاء بنو آدم على قدر الأرض" أي مبلغها من
ـــــــ
هذا المعنى قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وحذيفة وابن عباس وجابر ابن عبد الله وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ورافع بن خديج.
فأما حديث ابن عمر وحذيفة: فلهما طرق وقد ضعفت.
وأما حديث ابن عباس: فرواه الترمذي من حديث القاسم بن حبيب وعلي بن نزار عن نزار عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أمتي ليس لهما في الاسلام نصيب القدرية والمرجئة" . قال هذا حديث حسن غريب.
ورواه من حديث محمد بن بشر أخبرنا سلام بن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما حديث جابر: فرواه ابن ماجه في سننه عن محمد بن المصفى عن الأوزاعي عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر يرفعه نحو حديث ابن عمر. فلو قال بقية: حدثنا الأوزاعي مشى حال الحديث ولكن عنعنه مع كثرة تدليسه.
وأما حديث أبي هريرة: فروى عبد الأعلى بن حماد حدثنا معتمر بن سليمان سمعت أبي يحدث عن مكحول عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره رواه عن عبد الأعلى جماعة. وله علتان.
إحداهما: أن المعتمر بن سليمان رواه عن أبي الحر حدثني جعفر بن الحارث عن يزيد بن ميسرة عن عطاء الخراساني عن مكحول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والعلة الثانية: أن مكحولا لم يسمع من أبي هريرة.

(12/297)


مِنْهُمُ الأحْمَرُ وَالأبْيَضُ وَالأسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطّيّبُ" . زَادَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى: وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالإخْبَارِ في حَدِيثِ يَزِيدَ.
ـــــــ
الألوان والطباع "جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود" بحسب ترابهم وهذه الثلاثة هي أصول الألوان وما عداها مركب منها وهو المراد بقوله "وبين ذلك" أي بين الأحمر والأبيض والأسود باعتبار أجزاء أرضه قاله القاري "والسهل" أي ومنهم السهل أي اللين المنقاد "والحزن" بفتح الحاء وسكون الزاي أي الغليظ الطبع "والخبيث" أي خبيث الخصال "والطيب" قال الطيبي: أراد بالخبيث من الأرض الخبيثة السبخة، ومن بني آدم الكافر، وبالطيب من الأرض العذبة، ومن بني آدم المؤمن. ذكره العزيزي "زاد في حديث يحي" هو ابن سعيد "وبين ذلك" أي بين السهل والحزن والخبيث والطيب.
ـــــــ
وأما حديث عبد الله بن عمرو فيرويه عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز عن يحيى بن القاسم عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو يرفعه "ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله عز وجل وما أشركت قط إلا كان بدء إشراكها التكذيب بالقدر" .
وهذا الاسناد لا يحتج به.
وأجود ما في الباب: حديث حيوة بن شريح أخبرني ابن صخر حدثني نافع أن ابن عمر جاءه رجل فقال إن فلانا يقرأ عليك السلام فقال إنه قد بلغني أنه قد أحدث فإن كان قد أحدث فلا تقرأه مني السلام فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون في هذه الأمة أو أمتي الشك منه خسف ومسخ أو قذف في أهل القدر" قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
والذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ذمهم من طوائف أهل البدع هم الخوارج فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح لأن مقالتهم حدثت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكلمة رئيسهم.
وأما الارجاء والرفض والقدر والتجهم والحلول وغيرها من البدع فإنها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة.
وبدعة القدر: أدركت آخر عصر الصحابة فأنكرها من كان منهم حيا كعبد الله بن عمر وابن عباس وأمثالهما رضي الله عنهم وأكثر ما يجىء من ذمتهم فإنما هو موقوف على الصحابة من قولهم فيه.
ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة فتكلم فيها كبار التابعين الذين أدركوها كما حكيناه عنهم ثم حدثت بدعة التجهم بعد إنقراض عصر التابعين واستفحل أمرها واستطار شرها في زمن الأئمة كالامام أحمد.
وذويه ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول وظهر أمرها في زمن الحسين الحلاج.
وكلما أظهر الشيطان بدعة من هذه البدع وغيرها: أقام الله لها من حزبه وجنده من يردها ويحذر

(12/298)


4680- حدّثنا مُسَدّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا المُعْتَمِرُ قالَ سَمِعْتُ مَنْصُورَ بنَ المُعْتَمِرِ يُحَدّثُ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ حَبِيبٍ أبي عَبْدِ الرّحْمَنِ السّلَمِيّ عنْ عَلِيّ قالَ: "كُنّا فِي جَنَازَةٍ فِيهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِبَقيعِ الْغَرْقَدِ، فَجَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَجَلَسَ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بالمِخْصَرَةِ فِي الأرْضِ، ثُمّ رَفَعَ رَأْسَهُ فقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ ما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاّ قَدْ كَتَبَ الله مَكَانَهَا [كتب مكانها] مِنَ النّارِ أوْ مِنَ الْجَنّةِ إلاّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيّةً أوْ سَعِيدَةً [سعيدة أو شقية]. قالَ فقالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ يَا نَبِيّ الله أفَلاَ نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كانَ مِنْ أهْلِ السّعَادَةِ لَيَكُونَنّ إلَى السّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنّا مِنْ أهْلِ الشّقْوَةِ [الشقاوة] لَيَكُونَنّ إلَى الشّقْوَةِ، فقَالَ اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ [فكل ميسر لما خلق له] أمّا أهْلُ السّعَادَةِ فَيُيَسّرُونَ لِلسّعَادَةِ، وَأَمّا أهْلُ الشّقْوَةِ
ـــــــ
قال العزيزي: يحتمل أن المراد به المؤمن المرتكب المعاصي.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح.
"ببقيع الغرقد" هو مقبرة أهل المدينة، والغرقد نوع من الشجر وكان بالبقيع فأضيف إليه "ومعه مخصرة" بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الصاد المهملة هي عصا أو قضيب يمسكه الرئيس ليتوكأ عليه ويدفع به عنه ويشير به لما يريد وسميت بذلك لأنها تحمل تحت الخصر غالباً للإتكاء عليها قاله الحافظ "فجعل ينسكت" بفتح الياء وضم الكاف وآخره تاء مثناة فوق أي يخط بالمخصرة خطاً يسيراً مرة بعد مرة، وهذا فعل المفكر المهموم "ما من نفس منفوسة" أي مولودة وهو بدل من قوله ما منكم من أحد "أو من الجنة" أو للتنويع "إلا قد كتبت شقية أو سعيدة" بدل من قوله إلا قد كتب الله مكانها الخ، والضمير في كتبت للنفس "قال" أي علي بن أبي طالب رضي الله عنه "أفلا نمكث على كتابنا" أي أفلا نعتمد على المقدر لنا في الأزل "وندع العمل" أي نتركه "فمن كان من أهل السعادة" أي في علم الله تعالى "ليكونن" أي ليصيرن "إلى السعادة" أي إلى عمل السعادة "من أهل الشقوة" بكسر الشين بمعنى الشقاوة وهي ضد السعادة "اعملوا فكل ميسر" أي لما خلق له "فييسرون للسعادة" بصيغة المجهول أي يسهلون
ـــــــ
المسلمين منها نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأهل الإسلام وجعله ميراثا يعرف به حزب رسول الله صلى الله عليه وسلم وولى سننه من حزب البدعة وناصرها.
وقد جاء في أثر لا يحضرني إسناده "إن لله عند كل بدعة يكاد بها الإسلام وليا ينطق بعلاماته".
فأغتنموا تلك المجالس وتوكلوا على الله فإن الرحمة تنزل عليهم نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم وأن يلحقنا بهم وأن يجعلنا لهم خلفا كما جعلهم لنا سلفا بمنه وكرمه.

(12/299)


فَيُيَسّرُونَ لِلشّقْوَةِ، ثُمّ قالَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} " .
4681- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبي أخبرنا كَهْمَسٌ عنِ ابنِ بُرَيْدَةَ عنْ يَحْيَى ابنِ يَعْمَرَ قالَ: "كَانَ أوّلُ مَنْ قالَ [تكلم] فِي الْقَدَرِ بالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيّ فانْطَلَقْتُ أنَا وَحْمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْحِميرِيّ حَاجّيْنِ أوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أحَداً مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْنَاهُ عَمّا يَقُولُ هَؤُلاَءِ فِي الْقَدَرِ فَوَفّقَ الله تَعَالَى لَنَا عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ
ـــــــ
ويهيئون. وحاصل السؤال ألا نترك مشقة العمل فإنا سنصير إلى ما قدر علينا. وحاصل الجواب لا مشقة لأن كل أحد ميسر لما خلق له وهو يسير على من يسره الله.
قال الطيبي: الجواب من الأسلوب الحكيم منعهم عن ترك العمل وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية وزجرهم عن التصرف في الأمور المغيبة فلا يجعلوا العبادة وتركها سبباً مستقلاً لدخول الجنة والنار بل هي علامات فقط {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} أي حق الله من المال أو الامتثال {وَاتَّقَى} أي خاف مخالفته أو عقوبته واجتنب معصيته {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} أي بكلمة لا إله إلا الله {فَسَنُيَسِّرُهُ} أي نهيئه في الدنيا {لِلْيُسْرَى} أي للخلة اليسرى وهو العمل بما يرضاه {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ} أي بالنفقة في الخير {وَاسْتَغْنَى} أي بشهوات الدنيا عن نعيم العقبي {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} أي بكلمة لا إله إلا الله {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} أي للخلة المؤدية إلى العسر والشدة وهي خلاف اليسرى. وفي الكشاف: سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبته اليسر، وطريقة الشر بالعسرى لأن عاقبته العسر.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
"أخبرنا كهمس" بفتح الكاف وسكون الهاء وفتح الميم وبالسين المهملة هو ابن الحسن أبو الحسن التميمي البصري "عن يحيى بن يعمر" بفتح الميم ويقال بضمها وهو غير منصرف لوزن الفعل والعلمية "أول من قال في القدر" أي بنفي القدر "معبد الجهني" بضم الجيم نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة "وحميد بن عبد الرحمن الحميري" بكسر الحاء وسكون الميم وفتح الياء وكسر الراء وبياء النسبة "فوفق الله تعالى لنا عبد الله بن عمر" وفي رواية مسلم فوفق لنا عبد الله بن عمر.
قال النووي: هو بضم الواو وكسر الفاء المشددة. قال صاحب التحرير: معناه جعل وفقاً لنا وهو من الموافقة التي هي كالالتحام، يقال أتاناً لميفاق الهلال وميفاقه أي حين أهل لا قبله ولا بعده، وهي لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام. وفي مسند أبي يعلى الموصلي فوافق

(12/300)


دَاخِلاً فِي المَسْجِدِ فَاكْتَنَفْتُهُ أنَا وَصَاحِبِي، فَظَنَنْتُ أنّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلاَمَ إلَيّ، فَقُلْتُ أبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ إنّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا أنَاسٌ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفّرُونَ [يتفقرون] الْعِلْمَ يَزْعَمُونَ أنْ لاَ قَدَرَ وَالأمْرُ أنُفٌ؟ فقَالَ إذَا لَقِيتَ أُوْلَئِكَ فَاخْبِرْهُمْ أنّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَهُمْ بُرَآءُ مِنّي وَالّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ لَوْ أنّ لأحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً [ذهبا مثل أحد] فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَهُ الله مِنْهُ حَتّى يُؤْمِنَ بالْقَدَرِ ثُمّ قالَ حدّثني عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ قالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشّعْرِ لاَ يُرَى عَلَيْهِ [لا نرى منه] أثَرُ السّفَرِ وَلاَ نَعْرِفُهُ حَتّى جَلَسَ إلَى رَسُولِ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ فقَالَ يَا مُحمّدُ أخْبِرْنِي عنِ الإسْلاَمُ؟ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: الإسْلاَمُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لاَ إلَهَ إلاّ الله وأنّ مُحمّداً رَسُولُ الله وَتُقِيمَ الصّلاَةَ وَتُؤْتِي الزّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلاً. قالَ صَدَقْتَ. قالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدّقُهُ. قالَ فَأَخْبِرْنِي عنِ الإيْمَانِ؟ قالَ أنْ تُؤْمِنَ بالله
ـــــــ
لنا بزيادة الألف والموافقة المصادفة انتهى كلام النووي "داخلاً" حال من المفعول "فاكتنفته أنا وصاحبي" أي صرنا في ناحيته وأحطنا به وجلسنا حوله يقال اكتنفه الناس وتكنفوه أي أحاطوا به من جوانبه "فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي" أي يسكت ويفرضه إلى لإقدامي وجرأتي وبسطة لساني، فقد جاء عنه في رواية لأني كنت أبسط لساناً. قاله النووي "فقلت أبا عبد الرحمن" بحذف حرف النداء وهو كنية عبد الله بن عمر رضي الله عنه "إنه" أي الشأن "قد ظهر قبلنا" بكسر القاف وفتح الموحدة "ويتقفرون العلم" بتقديم القاف على الفاء أي يطلبونه ويتتبعونه، وفي بعض النسخ بتقديم الفاء.
قال النووي: وهو صحيح أيضاً معناه يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفية "والأمر أنف" بضم الهمزة والنون أي مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله وإنما يعلمه بعد وقوعه "والذي يحلف به" الواو للقسم "فأنفقه" أي في سبيل الله أي طاعته "إذ طلع" أي ظهر "علينا رجل" أي ملك في صورة رجل "شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر" صفة رجل، واللام في الموضعين عوض عن المضاف إليه العائد إلى الرجل أي شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره "لا يرى" بصيغة المجهول الغائب، وفي بعض النسخ لا نرى بصيغة المتكلم المعلوم "أثر السفر" من ظهور التعب والتغير والغبار "فأسند ركبتيه" إلى ركبتيه أي ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ووضع كفيه على فخذيه" أي فخذي النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في رواية النسائي وغيره "قال فعجبنا له" أي للسائل "يسأله ويصدقه" وجه التعجب السؤال أن يقتضي الجهل غالباً بالمسئول عنه، والتصديق يقتضي علم السائل به، لأن صدقت إنما يقال إذا عرف السائل أن المسؤول طابق ما

(12/301)


وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَومِ الآخر وَتُؤْمِنَ بالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرّهِ. قالَ صَدَقْتَ. قالَ فأَخْبِرْنِي عنِ الإحْسَانِ؟ قالَ أنْ تَعْبُدَ الله كَأَنّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنّهُ يَرَاكَ. قَالَ فَأَخْبِرْنِي عنِ السّاعَةِ؟ قالَ مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السّائِلِ. قالَ فَأَخْبِرْنِي عنْ أمَارَاتِهَا؟ قالَ أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبّتَهَا، وَأنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي
ـــــــ
عنده جملة وتفصيلاً وهذا خلاف عادة السائل ومما يزيد التعجب أن ما أجابه صلى الله عليه وسلم لا يعرف إلا من جهته وليس هذا الرجل ممن عرف بلقائه صلى الله عليه وسلم فضلاً عن سماعه منه "وتؤمن بالقدر خيره وشره" والمراد بالقدر أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته "قال فأخبرني عن الإحسان" قال الحافظ: تقول أحسنت كذا إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع والأول هو المراد، لأن المقصود إتقان العبادة. قال وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود. وأشار في الجواب إلى حالتين أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه بعينيه وهو قوله "كأنك تراه" أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل ما يعمل وهو قوله "فإنه يراك" وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته انتهى ملخصاً.
"فأخبرني عن الساعة" أي عن وقت قيامها "ما المسئول عنها" أي ليس الذي سئل عن القيامة "بأعلم من السائل" هذا وإن كان مشعراً بالتساوي في العلم لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها، وعدل عن قوله لست بأعلم بها منك إلى لفظ يشعر بالتعميم تعريضاً للسامعين أي أن كل سائل وكل مسئول فهو كذلك. قاله الحافظ "عن أماراتها" بفتح الهمزة جمع أمارة بمعنى العلامة "أن تلد الأمة ربتها" أي سيدتها ومالكتها.
ـــــــ
ثم ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله حديث جبريل إلى قول المنذري علقمة بن حارثة اتفقا على الاحتجاج بحديثه: ثم قال:
ورواه أبو جعفر العقيلي من طريقه وقال فيه "فما شرائع الإسلام قال تقيم الصلاة" الحديث وتابعه على هذا اللفظ مرجىء آخر وهو جراح بن الضحاك.
قال العقيلي: وهذه زيادة مرجىء تفرد بها عن الثقات الأئمة فلا تقبل.
ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث سليمان التيمي عن يحيى بن يعمر فذكر فيه ألفاظا لم يذكرها غيره فقال في الاسلام "وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وأن تتم الوضوء" وقال فيه: " فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم قال نعم" وقال في الايمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالجنة والنار والميزان وذكر البعث والقدر ثم قال فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن قال نعم" وقال في

(12/302)


الْبُنْيَانِ. قالَ ثُمّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ ثَلاَثاً [مليا] ثُمّ قالَ يَا عُمَرُ هَلْ تُدْرِي [أتدري] مَنِ السّائِلُ؟ قُلْتُ الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ فإنّهُ جِبْرِيلُ أتَاكُمْ يُعَلّمُكُمْ دِينَكُم" .
4682- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عنْ عُثْمانَ بنِ غِيَاثٍ حدّثني عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ وَحْمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ قالا: لَقِينَا عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ فَذَكَرْنَا لَهُ الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. زَادَ قالَ: "وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ أوْ جُهَيْنَةَ فقَالَ يَا رَسُولَ الله فِيمَا نَعْمَلُ أفِي شَيْءٍ قَدْ خَلاَ أوْ [و] مَضَى أوْ فِي شَيْء يُسْتَأْنَفُ الآن؟ قالَ فِي شَيْء قَدْ خَلاَ وَمَضَى، فقَالَ الرّجُلُ أوَ بَعْضُ القَوْمِ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قالَ إنّ أهْلَ الْجَنّةِ مُيَسّرُونَ [ييسرون] لِعَمَلِ أهْلِ الْجَنّةِ وَإِنّ أهْلَ النّارِ مُيَسّرُونَ [ييسرون] لِعَمَلِ أهْلِ النّارِ" .
ـــــــ
قال الخطابي: معناه أن يتسع الإسلام ويكثر السبي ويستولد الناس أمهات الأولاد فتكون ابنة الرجل من أمته في معنى السيدة لأمها، إذ كانت مملوكة لأبيها وملك الأب راجع في التقدير إلى الوالد انتهى. وقيل تحكم البنت على الأم من كثرة العقوق حكم السيدة على أمتها. وقد جاء وجوه أخر في معناه "وأن ترى الحفاة" بضم الحاء جمع الحافي وهو من لا نعل له "العراة" جمع العاري وهو صادق على من يكون بعض بدنه مكشوفاً مما يحسن وينبغي أن يكون ملبوساً "العالة" جمع عائل وهو الفقير من عال يعيل إذا افتقر أو من عال يعول إذا افتقر وكثر عياله "رعاة الشاء" بكسر الراء والمد جمع راع، والشاة جمع شاة، والأظهر أنه اسم جنس "يتطاولون في البنيان" أي يتفاخرون في تطويل البنيان ويتكاثرون به. قال النووي: معناه أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان "ثم انطلق" أي ذلك الرجل السائل "فلبثت ثلاثاً" أي ثلاث ليال "هل تدري" أي تعلم "أتأكم يعلمكم دينكم" فيه أن الإيمان والإسلام والإخلاص يسمى كلها ديناً.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"فذكر نحوه" أي نحو الحديث السابق "من مزينة أو جهينة" بالتصغير فيهما وهما قبيلتان، وأو للشك "فيما نعمل" ما استفهامية "أو في شيء يستأنف الآن" بصيغة المجهول، أي لم يتقدم به علم من الله وقدره. والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
الاحسان: "وإذا فعلت ذلك فأنا محسن قال نعم" وقال في آخره "هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم خذوا عنه" .
قال أبو حاتم: تفرد سليمان التيمي بهذه الألفاظ.

(12/303)


4683- حدثنا مَحمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا الْفِرْيَابِيّ عنْ سُفْيَانَ قالَ أخبرنا عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ عنْ سُلَيْمانَ بنِ بُرَيْدَةَ عن ابن يَعْمُرَ [يحيى بن يعمر] بِهَذَا الحَدِيثِ يُزِيدُ وَيَنْقُصُ: "قالَ فَما اْلإسْلاَمُ؟ قال إقَامُ الصّلاَةِ وَإِيْتَاءُ الزّكَاةِ وَحَجّ الْبَيْتِ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ والاغْتِسَالُ مِنَ الْجَنَابَةِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: عَلْقَمَةُ مُرْجِىءٌ.
4684- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عنْ أبي فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيّ عنْ أبي زُرْعَةَ بنِ عَمْرِو بن جَرِيرٍ عنْ أبِي ذَرّ وَ أَبي هُرَيْرَةَ قالا: " كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَيْ أصْحَابِهِ فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلاَ يَدْرِي أيّهُمْ هُوَ حَتّى يَسْأَلَ، فَطَلَبْنَا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْ نَجْعَلَ [يجعل] لَهُ مَجْلِساً يَعْرِفْهُ الْغَرِيبُ إذَا أتاهُ. قالَ فَبَنَيْنَا لَهُ دُكّاناً مِنْ طِينٍ فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَكُنّا نَجْلِسُ بِجَنْبَتَيْهِ وَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ. فَأَقْبَلَ رَجُلٌ وَذَكَرَ هَيْئَتَهُ حَتّى سَلّمَ مِنْ طَرْفِ السّماطِ فقَالَ السّلاَمُ عَلَيْكَ يَا مُحمّدُ. قالَ فَرَدّ عَلَيْهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم" .
ـــــــ
"أخبرنا الفريابي" بكسر الفاء هو محمد بن يوسف "يزيد وينقص" أي في ألفاظ الحديث والضمير فيهما لعلقمة بن مرثد "قال أبو داوود علقمة مرجيء" قال الحافظ في مقدمة فتح الباري: إلا رجاء بمعنى التأخير وهو عندهم على قسمين منهم من أراد به تأخير القول في تصويب أحد الطائفتين اللذين تقاتلوا بعد عثمان ومنهم من أراد تأخير القول في الحكم على من أتى الكبائر وترك الفرائض بالنار، لأن الإيمان عندهم الإقرار والاعتقاد ولا يضر العمل مع ذلك. انتهى. قال المنذري: وعلقمة هذا هو راوي هذا الحديث وهو علقمة بن مرثد بن يزيد الحضرمي الكوفي، وقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه.
"بين ظهري أصحابه" وفي رواية النسائي "بين ظهراني أصحابه" قال في القاموس: وهو بين ظهريهم وظهرانيهم ولا تكسر النون وبين أظهرهم أي وسطهم وفي معظمهم "فيجيء الغريب" أي المسافر "فلا يدري أيهم هو" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "فبنينا له دكاناً" بضم الدال وشدة الكاف. قال في مجمع البحار: الدكان الدكة وقيل نونه زائدة انتهى.
وقال في القاموس بالفتح والدكان بالضم بناء يسطح أعلاه للمقعد "بجنبتيه" أي بجانبيه "وذكر هيئته" أي ذكر الراوي هيئة الرجل المقبل "حتى سلم" أي ذلك الرجل "من طرف السماط" بكسر أوله أي الجماعة يعني الجماعة الذين كانوا جلوساً عن جانبيه "فرد عليه" أي السلام.

(12/304)


4685- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عنْ أبِي سِنَانٍ عنْ وَهْبِ بن خَالِدٍ الْحِمْصِيّ عن ابنِ الدّيْلَمِيّ قالَ: أتَيْتُ أُبَيّ بنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ لَهُ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ الْقَدَرِ فَحَدّثْنِي بِشَيء لَعَلّ الله تَعَالَى أن يُذْهِبَهُ مَنْ قَلْبِي فقَالَ [قال] لَوْ أنّ الله تَعَالَى عذّبَ أهْلَ سَمَواتِهِ وَأَهْلَ أرْضِهِ عَذّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ [إياهم خيرا] خَيْراً لَهُمْ مِنْ أعْمَالِهِمْ. وَلَوْ أنْفقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبَاً في سَبِيلِ الله تَعَالَى مَا قَبِلَهُ الله تَعَالَى مِنْكَ حَتّى تُؤْمِنَ بالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أنّ مَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنّ مَا أخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النّارَ. قال: ثُمّ أتَيْتُ عَبْدَ الله بنَ مَسْعُودٍ فقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. قال: ثُمّ أتَيْتُ حُذَيْفَةَ بنَ الْيَمَانِ فقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. قال: ثُمّ أتَيْتُ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ فَحَدّثَنِي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ.
4686- حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ الْهُذَلِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ رَبَاحٍ عن إِبراهِيمَ بنِ أبِي عَبْلَةَ عن أبي حَفْصَةَ قالَ قالَ عُبَادَةُ بنُ الصّامِتِ لابْنِهِ: "يَا بُنَيّ
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي مختصراً وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه بتمامه من حديث أبي هريرة وحده.
"عن ابن الديلمي" هو أبو بسر بالسين المهملة والباء المضمومة. ويقال بشر بالشين المعجمة وكسر الباء والأول أصح، واسمه عبد الله بن فيروز. قاله المنذري "وقع في نفسي شيء من القدر" أي من بعض شبه القدر التي ربما تؤدي إلى الشك فيه "فحدثني بشيء" أي بحديث "فقال" أي أبي بن كعب "وهو غير ظالم لهم" لأنه مالك الجميع فله أن يتصرف كيف شاء ولا ظلم أصلاً. والجملة حال "كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم" أي الصالحة إشارة إلى أن رحمته ليست بسبب من الأعمال، كيف وهي من جملة رحمته بهم، فرحمته إياهم محض فضل منه تعالى، فلو رحم الجميع فله ذلك "مثل أحد" بضمتين جبل عظيم قريب المدينة المعظمة "ذهباً" تمييز "ما قبله" أي ذلك الإنفاق، أو مثل ذلك الجبل "ما اصابك" من النعمة والبلية أو الطاعة والمعصية مما قدره الله لك أو عليك "لم يكن ليخطئك" أي يجاوزك "وأن ما أخطأك" أي من الخير والشر "على غير هذا" أي على اعتقاد غير هذا الذي ذكرت لك من الإيمان بالقدر "قال" أي ابن الديلمي "فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك" فصار الحديث مرفوعاً. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وفي إسناده أبو سنان سعيد بن سنان الشيباني وثقه يحيى بن معين وغيره وتكلم فيه الإمام أحمد وغيره.
"عن إبراهيم بن أبي عبلة" بسكون الموحدة ثقة كذا في التقريب "يا بني" بالتصغير

(12/305)


إنّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإيْمَانِ حَتّى تَعْلَمَ أنّ مَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَما أخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنّ أوّلَ مَا خَلَقَ الله تَعَالَى الْقَلَمَ فقال لَه: اْكْتُبْ، فقَالَ: رَبّ وَمَاذَا أكْتُبُ؟ قال: اْكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلّ شَيْء حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يَا بُنَيّ إنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنّي" .
4687- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ المَعْنَى قال أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ سَمِعَ طَاوُساً يَقُولُ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "احْتَجّ آدَمُ وَمُوسَى، فقالَ مُوسَى: يا آدَمُ أنْتَ [إنك] أبُونَا خَيّبّنَا وَأخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنّةِ، فقالَ آدَمُ: أنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ الله بِكَلاَمِهِ وَخَطّ لَكَ التّوْرَاةَ بِيَدِهِ [بيده التوراة] تَلُومُنِي عَلَى أمْرٍ قَدّرَهُ عَلَيّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنِي بَأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجّ آدَمُ مُوسَى" .
ـــــــ
"القلم" بالرفع "وماذا أكتب" أي ما الذي أكتب "أكتب مقادير كل شيء" جمع مقدار وهو الشيء الذي يعرف به قدر الشيء وكميته كالمكيال والميزان، وقد يستعمل بمعنى القدر نفسه وهو الكمية والكيفية "على غير هذا" أي على غير هذا الاعتقاد المذكور في الحديث.
والحديث سكت عنه المنذري.
"احتج آدم وموسى" أي عند ربهما كما في رواية مسلم، أي طلب كل منهما الحجة من صاحبه على ما يقول "خيبتنا" أي أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان والخسران "وأخرجتنا من الجنة" أي بخطيئتك التي صدرت منك وهي أكلك من الشجرة "اصطفاك الله" أي اختارك "تلومني" بحذف همزة الاستفهام "على أمر قدره عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة" قال النووي: المراد بالتقدير هنا الكتابة في اللوح المحفوظ أو في صحف التوراة وألواحها، أي كتبه عليّ قبل خلقي بأربعين سنة. ولا يجوز أن يراد به حقيقة القدر، فإن علم الله تعالى وما قدره على عباده وأراد من خلقه أزلي لا أول له انتهى ملخصاً. "فحج آدم موسى" برفع آدم وهو فاعل أي غلبه بالحجة وظهر عليه بها.
فإن قيل: فالعاصي منا لو قال: هذه المعصية قدرها الله عليّ لم يسقط عنه اللوم والعقوبة بذلك وإن كان صادقاً فيما قاله. فالجواب أن هذا العاصي باق في دار التكليف جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم والتوبيخ وغيرها، وفي لومه وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل وهو محتاج إلى الزجر ما لم يمت، فأما آدم فميت خارج عن دار التكليف وعن الحاجة إلى الزجر فلم يكن في القول المذكور له فائدة بل فيه إيذاء وتخجيل. قاله النووي: "قال

(12/306)


قالَ أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ عن [قال] عَمْرٍو عن طَاوُسٍ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ.
4688- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني هِشَامُ بنُ سَعْدٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن أبِيهِ أنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ مُوسَى قالَ: يَا رَبّ أرِنَا آدَمَ الّذِي أخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنّةِ، فَأَرَاهُ الله آدَمَ فقالَ: أنْتَ أبُونَا آدَمُ؟ فقالَ لَهُ آدَمُ: نَعَمْ. قال: أنْتَ الّذِي نَفَخَ الله فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَعَلّمَكَ الأسْمَاءَ كُلّهَا وَأَمَرَ المَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ؟ فقالَ [قال] نَعَمْ. قال: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أنْ أخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنّةِ؟ قالَ لَهُ آدَمُ: وَمَنْ أنْتَ؟ قال: أنَا مُوسَى. قال: أنْتَ نَبِيّ بَنِي إسْرَائِيلَ الّذِي كَلّمَكَ الله مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولاً مِنْ خَلْقِهِ؟ قال: نَعَمْ. قال: أفَما وَجَدْتَ أنّ ذَلِكَ كَانَ في كِتَابِ الله قَبْلَ أنْ أُخْلَقَ؟ قال: نَعَمْ. قال: فَفِيمَ تَلُومُنِي في شَيْء سَبَقَ مِنَ الله تَعَالَى فِيهِ الْقَضَاءُ قَبْلِي. قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: فَحَجّ آدَمُ مُوسَى، عَلَيْهِمَا السّلاَمُ" .
4689- حدثنا عَبْدُ الله الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن زَيْدِ بنِ أبي أُنَيْسَةَ أنّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ زَيْدٍ أخْبَرَهُ عن مُسْلِمِ بنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيّ: أنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ سُئِلَ عن هَذِهِ الآية {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} قالَ: قَرَأَ الْقَعْنَبِيّ الآية فقالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ: "سَمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ [يسأل] عَنْهَا،
ـــــــ
أحمد بن صالح عن عمرو عن طاوس" وأما مسدد فقال عن عمرو بن دينار سمع طاوسا. ففي رواية أحمد بالعنعنة وفي رواية مسدد بلفظ السماع. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"ونفسه" بالنصب عطف على الضمير المنصوب في أخرجنا "من روحه" الإضافة للتشريف والتخصيص أي من الروح الذي هو مخلوق ولا بد لأحد فيه "لم يجعل بينك وبينه رسولاً" أي لا ملكاً ولا غيره "أفما وجدت أن ذلك" أي خروجنا من الجنة "قبل أن أخلق" بصيغة المجهول. والحديث سكت عنه المنذري.
"عن زيد بن أبي أنيسة" بالتصغير "سئل عن هذه الآية" أي عن كيفية أخذ الله ذرية بني آدم من ظهورهم المذكور في الآية {وَإِذْ أَخَذَ} أي أخرج {مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} قيل إنه بدل البعض وقيل أنه بدل الاشتمال "قال قرأ القعنبي الآية" أي بتمامها. والقعبني هو عبد الله

(12/307)


فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله خَلَقَ آدَمَ ثُمّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِيّةً فقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاَء لِلْجَنّةِ وَبِعَمَلِ أهْلِ الْجَنّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِيّةً فقالَ: خَلَقْتَ هَؤُلاَء لِلنّارِ وَبِعْمَلِ أهْلِ النارِ يَعْمَلُونَ فقالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إنّ الله تَعَالَى إذَا خَلَقَ الْعَبْدَ للْجَنّةِ اْسَتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الْجَنّةِ حَتّى يمُوتَ عَلىَ عَمَلٍ مِنْ أعْمَالِ أهْلِ الْجنّةِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ للنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ علَى عَمَلٍ مِنْ أعمَالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النّارَ" .
4690- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُصَفّى أخبرنا بَقِيّةُ حدّثني عُمَرُ بنُ جُعْثُمَ الْقَرَشِيّ حدّثني زَيْدُ بنُ أبي أُنَيْسَةَ عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن مُسْلِمِ بنِ يَسَارٍ عن
ـــــــ
شيخ أبي داود "ثم مسح ظهره" أي ظهر آدم "ففيم العمل" أي إذا كان كما ذكرت يا رسول الله من سبق القدر ففي أي شيء يفيد العمل، أو بأي شيء يتعلق العمل، أو فلأي شيء أمرنا بالعمل "استعمله بعمل أهل الجنة" أي جعله عاملا به ووفقه للعمل "حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة" إشارة إلى أن المدار على عمل مقارن بالموت.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي هذا حديث حسن. ومسلم بن يسار لم يسمع من عمرو. قال ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلاً. وقال أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني لم يسمع مسلم بن يسار هذا من عمر رواه عن نعيم عن عمرو. قال ابن الحذاء وقال أهل العلم بالحديث أن مسلم بن يسار لم يسمعه من عمر بن الخطاب إنما يرويه عن نعيم بن ربيعة عن عمر يشيرون إلى الحديث الذي بعده. وقال ابن أبي خيثمة قرأت على ابن معين حديث مالك هذا عن زيد بن أبي أنيسة فكتب بيده على مسلم بن يسار لا يعرف وقال أبو عمر النمري هذا حديث منقطع بهذا الإسناد، لأن مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر بن الخطاب وبينهما في هذا الحديث نعيم بن ربيعة، وهذا أيضاً مع الإسناد لا تقوم به حجة، ومسلم بن يسار هذا مجهول. قيل إنه مدني وليس بمسلم بن يسار البصري وقال أيضاً وجملة القول في هذا الحديث إنه حديث ليس إسناده بالقائم، لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعاً غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره انتهىكلام المنذري.
"حدثني عمر بن جعثم" بضم الجيم وسكون المهملة وضم المثلثة كذا ضبطه الحافظ

(12/308)


نُعَيْمِ بنِ رَبِيعَةَ قال: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ أتَمّ.
4691- حدثنا الْقَعْنَبِيّ أخبرنا المُعْتَمِرُ عن أبِيهِ عن رَقَبَةَ بنِ مَصْقَلَةَ عن أبي إسْحَاقَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْغُلاَمُ الّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِراً وَلَوْ عَاشَ لأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيَاناً وَكفْراً" .
4692- حدثنا مَحمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا الْفِرْيَابِيّ عن إسْرَائِيلَ أخبرنا أبُو إسْحَاقَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ أخبرنا أُبَيّ بنُ كَعْبٍ قالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ في قَوْلِهِ: {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} وكَانَ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِراً" .
4693- حدثنا مُحمّدُ بنُ مِهْرَانٍ الرّازِيّ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْرٍو عن سَعِيدٍ ابنِ جُبَيْرٍ قالَ قالَ ابنُ عَبّاسٍ حدّثني أُبيّ بن كَعْبٍ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "أبْصَرَ الْخَضِرُ غُلاَماً يَلْعَبُ مَعَ الصّبْيَانِ فَتَنَاوَلَ رَأْسَهُ فَقَلَعَهُ، فقَالَ مُوسَى أقْتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً [زكية]" الآية.
ـــــــ
في التقريب، وفي بعض النسخ عمر بن جعفر وهو غلط وليس في التقريب ولا في الخلاصة ذكر عمر بن جعفر "وحديث مالك" أي الذي قبله"أتم" أي من حديث عمر بن جعثم.
"طبع كافراً" أي خلق على أنه لو عاش يصير كافراً، كذا في فتح الودود "لأرهق أبويه طغياناً وكفراً" أي حملهما عليهما وألحقهما بهما. والمراد بالطغيان ها هنا الزيادة في الضلال قاله النووي. وقال السندي: أي كلفهما الطغيان وحملهما عليه وعلى الكفر أي ما تركهما على الإيمان انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلمم والترمذي.
"يقول في قوله" أي في قول الله تعالى "وكان طبع يوم طبع كافراً" هذا مقول لقول يقول أي كان خلق يوم خلق كافراً. والحديث سكت عنه المنذري.
"أبصر الخضر" أي رأى "فتناول رأسه" أي أخذ رأسه "فقلعه" قال في القاموس: قلعه كمنعه انتزعه من أصله "أقتلت نفساً زاكية" وفي بعض النسخ زكية. قال النووي: قرىء في السبع زاكية زكية، قالو ومعناه طاهرة من الذنوب انتهى.
قال المنذري: وهذا الفصل قد يكون في أثناء الحديث الطويل، وقد أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(12/309)


4694- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمَرِيّ أخبرنا شُعْبَةُ ح وَأخبرنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ المَعْنَى وَاحِدٌ وَالإخْبَارُ في حَدِيثِ سُفْيَانَ عن الأعْمَشِ قالَ أخبرنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ قالَ حدثنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصّادِقُ المَصْدُوقُ: "أنّ خَلْقَ أحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمّهِ أرْبَعِينَ يَوْماً ثُمّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمّ يَبْعَثُ الله إلَيْهِ مَلَكاً [يبعث إليه ملك] فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ، ثُمّ يُكتَبُ شَقِيّ أوْ سَعِيدٌ ثُمّ يُنْفَخُ فِيهِ الرّوْحُ، فَإنّ أحدَكُمْ لَيَعْمَلُ عَمَلِ أهْلِ الْجَنّةِ حَتّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلاّ ذِرَاعٌ أوْ قِيدُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ
ـــــــ
"المعنى واحد والإخبار في حديث سفيان" الإخبار بالكسر مصدر والمراد أن حديث شعبة وسفيان واحد لا يختلفان إلا في بعض ألفاظ المتن، وأما معناهما فواحد وأما في السند فبينهما فرق يسير وهو أن سفيان يروي بصيغة الإخبار دون العنعنة كما قال حدثنا زيد بن وهب حدثنا عبد الله حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعبة لم يرو بالإخبار والتحديث بل بالعنعنة، هذا معنى قول المؤلف لكن هذا في رواية حفص بن عمر عن شعبة فقط.
وأما في رواية غير حفص كما عند البخاري فرواه شعبة أيضا بالإخبار وقيل في معنى هذا المراد بالإخبار الألفاظ، أي معنى حديث شعبة وحديث سفيان واحد وأما ألفاظهما فمختلفة، والألفاظ التي نذكر هي ألفاظ حديث سفيان لا ألفاظ حديث شعبة "وهو الصادق المصدوق" قال الطيبي: يحتمل أن تكون الجملة حالية ويحتمل أن تكون اعتراضية وهو أولى لتعم الأحوال كلها. والصادق معناه المخبر بالقول الحق ويطلق على الفعل يقال صدق القتال وهو صادق فيه، والمصدوق معناه الذي يصدق له في القول، يقال صدقته الحديث إذا أخبرته به إخباراً جازما أو معناه صدقه الله تعالى وعده كذا في فتح البارى "أن خلق أحدكم" أي مادة خلق أحدكم أو ما يخلق منه أحدكم "يجمع في بطن أمه" أي يقرر ويحرز في رحمها. وقال في النهاية: ويجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم "ثم يكون علقة" أي دما غليظا جامدا "مثل ذلك" أي مثل ذلك الزمان يعني أربعين يوما "ثم يكون مضغة" أي قطعة لحم قدر ما يمضغ "ثم يبعث الله إليه" أي إلى خلق أحدكم أو إلى أحدكم يعني في الطور الرابع حين ما يتكامل بنيانه ويتشكل أعضاؤه "بأربع كلمات" أي بكتابتها "فيكتب رزقه وأجله وعمله" المراد بكتابة الرزق تقديره قليلاً أو كثيراً، وصفته حلالاً أو حراماً، وبالأجل هل هو طويل أو قصير، وبالعمل هو صالح أو فاسد "ثم يكتب شقي أو سعيد" أي هو شقي أو سعيد، والمراد أنه يكتب لكل أحد إما السعادة وإما الشقاوة ولا يكتبهما لواحد معا فلذلك اقتصر على أربع.
قال الطيبي: كان من حق الظاهر أن يقول وشقاوته وسعادته ليوافق ما قبله فعدل عنه حكاية لصورة ما يكتبه الملك، كذا في مبارق الازهار "حتى ما يكون بينه وبينها" أي بين الرجل

(12/310)


عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإنّ أحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمِلِ أهْلِ النّارِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلاّ ذِرَاعٌ أوْ قَيْدُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيُعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الْجَنّةِ فَيَدْخُلَهَا" .
4695- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ يَزِيدَ الرّشْكِ أخبرنا مُطَرّفٌ عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قالَ: "قِيلَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَا رَسُولَ الله أعُلِمَ أهْلُ الْجَنّةِ مِنْ أهْلِ النّارِ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قالَ كُلّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" .
ـــــــ
وبين الجنة "إلا ذراع" تمثيل لغاية قربها "أو قيد ذراع" بكسر القاف أي قدرها "فيسبق عليه الكتاب" أي كتاب الشقاوة.
قال المنذري: واخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه. قيد بكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف وبعدها دال مهملة أي قدر وكذلك قاد وقدى بكسر القاف وقدة وقيس وقاب.
"عن يزيد الرشك" بكسر الراء وسكون المعجمة. قال بعض الأئمة: كان يزيد كبير اللحية فلقب الرشك وهو بالفارسية كما زعم أبو علي الغساني، وجزم به ابن الجوزي الكبير اللحية انتهى. وقيل هو بمعنى القسّام في لغة أهل البصرة "أعلم" بهمزة الاستفهام وبصيغة المجهول "قال ففيم يعمل العاملون" المعنى إذا سبق القلم بذلك فلا يحتاج العامل إلى العمل لأنه سيصير إلى ما قدر له "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "كل ميسر لما خلق له" إشارة إلى أن المآل محجوب عن المكلف فعليه أن يجتهد في عمل ما أمر به ولا يترك وكولا إلى ما يؤول إليه أمره فيلام على ترك المأمور ويستحق العقوبة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: حديث "كل ميسر لما خلق له" ثم قال:
وقد روى مسلم في صحيحه عن حذيفة يبلغ به النبي قال: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تكتب الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص" .
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ورفع الحديث قال: "إن الله قد وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال الملك أي رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب ذلك في بطن أمه" .
وهذا مثل حديث ابن مسعود حديث الصادق المصدوق "أن كتابة الأجل والشقاوة والسعادة والرزق في الطور الرابع" .

(12/311)


4696- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقْرِىءُ أبُو عَبْدِ الرّحْمَنِ حدّثني سَعِيدُ بنُ أبي أيّوبَ حدّثني عَطَاءُ بنُ دِينَارٍ عنْ حَكِيمِ بنِ شَرِيكٍ الْهُذَلِيّ عنْ يَحْيَى ابنِ مَيْمُونٍ الْحَضْرَمِيّ عنْ رَبِيْعَةَ الْجُرَشِيّ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عنْ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تُجَالِسُوا أهْلَ الْقَدَرِ وَلاَ تُفَاتِحُوهُمْ" .
ـــــــ
"لا تجالسوا أهل القدر" قال المناوي: فإنه لا يؤمن أن يغمسوكم في ضلالتهم "ولا تفاتحوهم" قال العلقمي: أي لا تحاكموهم يعني لا ترفعوا الأمر إلى حكامهم، وقيل لا
ـــــــ
وحديث حذيفة بن أسيد يدل على أن الكتابة في الطور الأول.
وقد روي حديث حذيفة بلفظ أخر يتبين المراد منه وأن الحديثين واحد وأنهما متصادقان لا متعارضان.
فروى مسلم في صحيحه عن عامر بن واثلة: أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقى في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره فأتى رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال وكيف يشقى بغير عمل فقال الرجل العجب من ذلك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص" .
وفي لفظ آخر عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدنى هاتين يقول: "إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتصور عليها الملك" قال زهير بن معاوية حسبته قال: "الذي يخلقها" فيقول: "يا رب أذكر أم أنثى فيجعله الله ذكرا أو أنثى ثم يقول يا رب أسوي أو غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول يا رب مارزقه ما أجله ما خلقه ثم يجعله شقيا أو سعيدا" .
وفي لفظ آخر: " أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة" ثم ذكر نحوه.
فدل حديث حذيفة على أن الكتابة المذكورة وقت تصويره وخلق جلده ولحمه وعظمه وهذا مطابق لحديث ابن مسعود.
فإن هذا التخليق هو في الطور الرابع وفيه وقعت الكتابة.
فإن قيل: فما تصنع بالتوقيت فيه بأربعين ليلة؟.
قلت: التوقيت فيه بيان أنها قبل ذلك لا يتعرض لها ولا يتعلق بها تخليق ولا كتابة فإذا بلغت الوقت المحدود وجاوزت الأربعين وقعت في أطوار التخليق طبقا بعد طبق ووقع حينئذ التقدير والكتابة وحديث ابن مسعود صريح في أن وقوع ذلك بعد كونه مضغة بعد الأربعين الثالثة وحديث حذيفة فيه أن ذلك بعد الأربعين ولم يوقت البعدية بل أطلقها ووقتها في حديث ابن مسعود.

(12/312)


...................................
ـــــــ
تبتدئوهم بالمجادلة والمناظرة في الاعتقاديات لئلا يقع أحدكم في شك فإن لهم قدرة على المجادلة بغير الحق والأول أظهر لقوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} وقيل لا
ـــــــ
وقد ذكرنا أن حديث حذيفة دال أيضا على ذلك.
ويحتمل وجها آخر: وهو أن تكون الأربعون المذكورة في حديث حذيفة هي الأربعين الثالثة وسمي الحمل فيها نطفة إذ هي مبدؤه الأول.
وفيه بعد وألفاظ الحديث تأباه.
ويحتمل وجها آخر: وهو أن التقدير والكتابة تقديران وكتابتان.
فالأول منهما: عند ابتداء تعلق التحويل والتخليق في النطفة وهو إذا مضى عليها أربعون ودخلت في طور العلقة وهذا أول تخليقه.
والتقدير الثاني والكتابة الثانية: إذا كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكرا أو أنثى من الخارج فتكتب مع ذلك عمله ورزقه وأجله وشقاوته وسعادته.
فلا تنافي بين الحديثين والحمد لله رب العالمين.
ويكون التقدير الأول: تقديرا لما يكون للنطفة بعد الأربعين فيقدر معه السعادة والشقاوة والرزق والعمل والتقدير الثاني تقديرا لما يكون للجنين بعد تصويره فيقدر معه ذلك ويكتب أيضا وهذا التقدير أخص من الأول.
ونظير هذا: أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ثم يقدر ليلة القدر ما يكون في العام لمثله وهذا أخص من التقدير الأول العام كما أن تقدير أمر النطفة وشأنها يقع بعد تعلقها بالرحم وقد قدر أمرها قبل خلق السموات والأرض.
ونظير هذا: رفع الأعمال وعرضها على الله تعالى فإن عمل العام يرفع في شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق "أنه شهر ترفع فيه الأعمال فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" ويعرض عمل الأسبوع: يوم الاثنين والخميس، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم وعمل اليوم: يرفع في آخره قبل الليل، وعمل الليل في آخره قبل النهار. فهذا الرفع في اليوم والليلة أخص من الرفع في العام وإذا انقضى الأجل رفع عمل العمر كله. وطويت صحيفة العمل.
وهذه المسائل من أسرار مسائل القضاء والقدر.
فصلوات الله وسلامه على هادى الأمة وكاشف الغمة الذي أوضح الله به المحجة واقام به الحجة وأنار به السبيل وأوضح به الدليل ولله در القائل:
أحيا القلوب محمد لما أتى ... ومضى فناءت بعده أمناؤه
كالورد راقك ريحه فشممته ... وإذا تولى ناب عنه ماؤه
وقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" قال: "وعرشه على الماء" .

(12/313)


...................................
ـــــــ
تبتدئوهم بالسلام كذا في السراج المنير والحديث سكت عنه المنذري. وهذا منه توثيق لحكيم بن شريك الهذلي البصري، وقد وثقه ابن حبان البستي أيضاً. وقال الذهبي: لا يعرف، قاله العلقمي. وقال ابن حجر مجهول، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك بهذا الإسناد. وفي ميزان الاعتدال: قواه ابن حبان وقال أبو حاتم مجهول انتهى.
ـــــــ
وفي صحيحه أيضا عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" .
وفي صحيحه أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز" وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس: تمنى وتشتهي والفرج: يصدق ذلك أو يكذبه" .
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما استخلف الله خليفة إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصم الله" .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن "لو" تفتح عمل الشيطان" .
وفي صحيحه أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قالت أم حبيبة اللهم متعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك سألت الله لآجال مضروبة وآثار موطوءة وأرزاق مقسومة لا يعجل منها شيء قبل حله ولا يؤخر منها شيء بعد حله ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر كان خيرا لك" . وفي سنن ابن ماجه من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن الشعبي قال: لما قدم عدي بن حاتم الكوفة أتيناه في نفر من فقهاء أهل الكوفة فقلنا له: حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم قلت وما الإسلام قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها" .
وفي سننه أيضا من حديث مجاهد عن سراقة بن جعشم قال: قلت: يا رسول الله أنعمل فيما جف به القلم وجرت به المقادير أم في أمر مستقبل قال: "بل فيما جف به القلم وجرت به المقادير وكل ميسر لما خلق له" .
وفي صحيح البخاري عن الحسن قال حدثنا عمرو بن تغلب قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم مال، فأعطى

(12/314)


...................................
ـــــــ
قوما ومنع آخرين فبلغه أنهم عيبوا فقال إني أعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إلى من الذي أعطى أعطى أقواما لما في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن تغلب فقال عمرو ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم" .
وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين قال: إني عند النبي إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا بشرتنا فأعطنا فدخل ناس من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذا لم يقبلها بنو تميم"، قالوا: قبلنا جئناك نتفقه في الدين، ونسألك عن أول هذا الأمر ما كان قال: "كان الله ولم يكن شيء من قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء" الحديث.
وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس رضي الله عنه "إن فيك لخلتين يحبهما الله الحلم والأناة" قال يا رسول الله خلتين تخلقت بهما أم جبلت عليهما؟ قال: "الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله" .
وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "جف القلم بما أنت لاق" رواه البخاري تعليقا.
وفي صحيح مسلم عن طاوس قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز" .
وذكر البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} قال: "سبقت لهم السعادة".
وفي الصحيحين: عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قد قدرته ولكن يلقيه القدر وقد قدرته له أستخرج به من البخيل" .
وفي لفظ للبخاري: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قدر له ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له فيستخرج الله به من البخيل فيؤتي عليه ما لم يكن يؤتى عليه من قبل" .
وفي لفظ في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج" .
هذه الأحاديث في النذر والقدر أدخلها البخاري في كتاب القدر وهو إنما يدل على القدر الذي لا يتعلق بقدرة العبد ومشيئته.
والكلام فيه إنما هو من غلاة القدرية المنكرين لتقدم العلم والكتاب.
وأما القدرية المنكرون لخلق الأفعال فلا يحتج عليهم بذلك والله أعلم.
وقد نظرت في أدلة إثبات القدر والرد على القدرية المجوسية فإذا هي تقارب خمسمائة دليل وإن قدر الله تعالى أفردت لها مصنفا مستقلا وبالله عز وجل التوفيق.

(12/315)


17- باب في ذراري المشركين :
4697- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عنْ أوْلاَدِ المُشْرِكينَ قالَ الله أعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" .
ـــــــ
"باب في ذراري المشركين"
أي أطفالهم إذا ماتوا قبل البلوغ. وذراري جمع ذرية وهي نسل الأنس والجن. قال النووي: في أطفال المشركين ثلاثة مذاهب. قال الأكثرون هم في النار تبعاً لاَبائهم، وتوقفت طائفة فيهم، والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة.
"والله أعلم بما كانوا عاملين" أي بما هم صائرون إليه من دخول الجنة أو النار أو الترك بين المنزلتين قاله القاري. وقال الخطابي: ظاهر هذا الكلام يوهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يفت السائل عنهم، وأنه رد الأمر في ذلك إلى علم الله من غير أن يكون قد جعلهم من المسلمين أو ألحقهم بالكافرين، وليس هذا وجه الحديث وإنما معناه أنهم كفار ملحقون بابائهم لأن الله سبحانه قد علم لو بقوا أحياء حتى يكبروا لكانوا يعملون عمل الكفار، يدل على صحة هذا التأويل حديث عائشة المذكور بعده انتهى.
ـــــــ
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: حديث عائشة "هم من آبائهم" ثم قال: حديث عائشة "قلت يا رسول لله" من رواية عبد الله بن أبي قيس مولى غطيف عنها.
وليس بذاك المشهور ورواه عمر بن ذر عن يزيد بن أبي أمية أن البراء بن عازب أرسل إلى عائشة يسألها عن الأطفال فقالت الحديث هكذا قال مسلم بن قتيبة عن عمر وقال غيره عن عمر بن ذر عن يزيد عن رجل عن البراء.
وأما ما رواه أبو عقيل عن أبي المتوكل الناجي عن بهية عنها "أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المسلمين أين هم قال: "في الجنة" وسألته عن أولاد المشركين أين هم يوم القيامة قال: "في النار" فقلت: لم يدركوا الأعمال ولم نجز عليهم الأقلام قال: "ربك أعلم بما كانوا عاملين والذي نفسي بيده لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" .
فحديث واه يعرف به واه وهو أبو عقيل.
ثم ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: أحاديث الباب إلى آخره ثم قال:
هذا ما ذكره أبو داود وفي الباب حديث: "كل مولود يولد على الفطرة" لفظ الصحيحين فيه "ما من مولود إلا يولد على الفطرة وأبواه يهودانه" الحديث.
وفي لفظ آخر "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه" فقال آخر أرأيت يا رسول الله لو مات قبل ذلك قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" .

(12/316)


4698- حدثنا عَبْدُ الوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ أخبرنا بَقِيّةُ ح وَأخبرنا مُوسَى بنُ مَرْوَانَ الرّقّيّ وَ كَثِيرُ بنُ عُبَيْدٍ المَذْحِجِيّ قالا أخبرنا مُحمّدُ بنُ حَرْبٍ المَعْنَى عنْ مُحمّدِ بنِ زِيَادٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَيْسٍ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ الله ذَرَارِيّ المُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ هُمْ مِنْ آبائِهِمْ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله بِلاَ عَمَلٍ؟ قالَ الله أعْلَمُ بِما كَانُوا عَامِلِينَ، قُلْتُ يَا رَسُولَ الله فَذَرَارِيّ المُشْرِكِينَ؟ قالَ مِنْ آبائِهِمْ، قُلْتُ بِلاَ عَمَلٍ؟ قالَ الله أعْلمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" .
4699- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن طَلْحَةَ بنِ يَحْيَى عن عَائِشَةَ بِنْتِ
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"المذحجي" بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة ثم جيم "قلت يا رسول الله ذراري المؤمنين" أي ما حكمهم أهم في الجنة أم في النار "فقال هم من آبائهم" فلهم حكمهم "فقلت يا رسول الله بلا عمل" أي أيدخلون الجنة بلا عمل، وهذا وارد منها على سبيل التعجب "قال الله أعلم بما كانوا عاملين" أي لو بلغوا رداً لتعجبها وإشارة إلى القدر.
والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
وفي لفظ آخر "ما من مولود يولد إلا وهو على الملة" .
وفي لفظ آخر على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه.
وفي لفظ آخر "ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يعبر عنه لسانه" وفي لفظ آخر "ما من مولود يولد إلا على الفطرة" .
وفي لفظ آخر "كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم" .
وهذه الألفاظ كلها في الصحيحين إلا لفظ "الملة" فهو لمسلم.
وكذا لفظ "يشركانه" فله أيضا.
وكذا قوله: "حتى يعبر عنه لسانه" .
وكذا لفظ "فإن كانا مسلمين فمسلم" لمسلم وحده.
وإنما سقنا هذه الألفاظ لنبين بها أن الكلام جملتان لا جملة واحدة وأن قوله: "كل مولود يولد على الفطرة" جملة مستقلة، وقوله: "أبواه يهودانه" - إلى آخره جملة أخرى.
وهو يبين غلط من زعم أن الكلام جملة واحدة وأن المعنى كل مولود يولد بهذه الصفة فأبواه يهودانه وجعل الخبر عند قوله: "يهوانه إلى آخره".
وألفاظ الحديث تدل على خطأ هذا القائل.

(12/317)


طَحْلَةَ عن عَائِشَةَ أُمّ المُؤمِنِينَ قالَتْ: "أُتِيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِصَبِيّ مِنَ الأنْصَارِ يُصَلّي عَلَيْهِ، قالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم طُوبَى لِهَذَا، لَمْ يَعْمَلْ شَرّاً وَلَمْ يَدْرِ بِهِ [ولم يدريه] فقالَ: أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ؟ إنّ الله خَلَقَ الْجَنّةَ وَخَلَقَ لَها أَهْلاً وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ في أَصْلاَبِ آبَائهِمْ، وَخَلَقَ النّارَ وَخَلَقَ لهَا أَهْلاً وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ في أَصْلاَبِ آبَائِهمْ" .
ـــــــ
"أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصبي" أي بجنازة صبي "يصلي عليه" أي ليصلي عليه صلاة الجنازة "طوبى لهذا" طوبى فعلى من طاب يطيب قلبت الياء واواً أي الراحة وطيب العيش حاصل لهذا الصبي "ولم يدر به" من الدراية والباء للتعدية قاله في فتح الودود "أو غير ذلك" بفتح الواو وضم الراء وكسر الكاف هو الصحيح المشهور من الروايات. والتقدير أتعتقدين ما قلت والحق غير ذلك وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنة، فالواو للحال كذا قال القاري في المرقاة. وذكر في قوله أو غير ذلك وجوهاً أخر "وخلق لها" أي للجنة "أهلاً" أي يدخلونها ويتنعمون بها "وخلقها لهم" أي خلق الجنة لأهلها "وهم في أصلاب آبائهم" الجملة حال.
قال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال
ـــــــ
ويدل أيضا على أن الفطرة هي فطرة الإسلام ليست الفطرة العامة التي فطر عليها من الشقاوة والسعادة لقوله: "على هذه الفطرة" وقوله: "على هذه الملة" .
وسياقه أيضا يدل على أنها هي المرادة لإخباره بأن الأبوين هما اللذان يغيرانها ولو كانت الفطرة هي فطرة الشقاوة والسعادة لقوله: "على هذه الفطرة" لكان الأبوان مقدرين لها ولأن قراءة قوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} عقب الحديث: صريح في أن المراد بها فطرة الإسلام ولأن تشبيه المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء وهي الكاملة الخلق ثم تشبيهه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جدعها أهلها فقطعوا أذنها دليل على أن الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة وما يطرأ على المولود من التهويد والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير في ولد البهيمة ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقة معرفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام وهي الفطرة الممدوحة ولهذا جاء في حديث الإسراء "لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم اللبن قيل له أصبت الفطرة" ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن يقول الله أكبر الله أكبر قال: "على الفطرة" وحيث جاءت الفطرة في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد بها فطرة الإسلام لا غير ولم يجيء قط في كلامه مرادا بها فطرة الشقاوة وابتداء الخلقة في موضع واحد.
ولفظ الحديث يدل على أنه غير منسوخ وأنه يستحيل فيه النسخ كما قال بعضهم لأنه خبر محض وليس حكما يدخل تحت الأمر والنهي فلا يدخله النسخ وأما حديث عائشة في قصة الصبي من الأنصار فرده الإمام أحمد وطعن فيه وقال من يشك أن أولاد المسلمين في الجنة وقال أيضا إنهم لا اختلاف فيهم.

(12/318)


4700- حدثنا الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن أَبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فأَبَوَاهُ يُهَوّدَانِهِ وَيُنَصّرَانِهِ كَمَا تَنَاتَجُ الإبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسّ مِنْ جَدْعَاءَ؟ قالُوا: يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَفَرَأيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قال: الله أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" .
ـــــــ
المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ليس مكلفاً، وتوقف فيه بعض من لا يعتد به لحديث عائشة هذا، وأجاب العلماء بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"كل مولود" أي من بني آدم "يولد على الفطرة" اختلف السلف في المراد بالفطرة على أقوال كثيرة، وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام. قال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف "يهودانه" أي يعلمانه اليهودية ويجعلانه يهودياً "وينصرانه" أي يعلمانه النصرانية ويجعلانه نصرانياً "كما تناتج الإبل" أي تلد "جمعاء" أي سليمة الأعضاء كاماتها "هل تحس" بضم التاء وكسر الحاء وقيل بفتح التاء وضم الحاء أي هل تدرك. قال الطيبي: هو في موضع الحال أي سليمة مقولاً في حقها ذلك "في جدعاء" أي مقطوعة الأذن. والمعنى أن البهيمة أول
ـــــــ
وأما مسلم: فأورده في صحيحه كما تقدم.
ومن انتصر للحديث وصحيحه يقول: الإنكار من النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة إنما كان لشهادتها للطفل المعين بأنه في الجنة كالشهادة للمسلم المعين فإن الطفل تبع لأبويه فإذا كان أبواه لا يشهد لهما بالجنة فكيف يشهد للطفل التابع لهما.
والإجماع إنما هو على أن أطفال المسلمين من حيث الجملة مع آبائهم فيجب الفرق بين المعين والمطلق.
وفي صحيح أبي حاتم من حديث عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذراري المؤمنين يكلفهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم في الجنة" .
وقد روى البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا" قال فيقص عليه من شاء الله أن يقص وأنه قال لنا ذات غداة أتاني الليلة آتيان فذكر حديث الرؤيا بطوله إلى أن قال فأتينا على روضة معتمة من كل لون الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء وإذا حول الرجل أكثر ولدان رأيتهم قط وقال فيه: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة" قال: فقال بعض المسلمين يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأولاد المشركين" .

(12/319)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِىء عَلَى الْحَارِثِ بنِ مِسْكينٍ وَأَنَا شَاهِدٌ [وأنا أسمع] أَخْبَرَكَ يُوسُفُ بنُ عَمْرٍو قال أنبأنا ابنُ وَهْبٍ قال سَمِعْتُ مَالِكاً قِيلَ لَهُ: إنّ أَهْلَ الأهْوَاءِ يَحْتَجّونَ عَلَيْنَا بِهذَا الْحَديثِ. قال مَالِكٌ: احْتَجّ عَلَيْهِمْ بآخِرِهِ. قالُوا: أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قال: "الله أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلينَ" .
ـــــــ
ما تولد تكون سليمة من الجدع غير ذلك من العيوب حتى يحدث فيها أربابها النقائص، كذلك الطفل يولد على الفطرة ولو ترك عليها لسلم من الآفات إلا أن والديه يزينان له الكفر ويحملانه عليه قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمَن عن أبي هريرة "إن أهل الأهواء" المراد بهم ها هنا القدرية "قال مالك احتج" بصيغة الأمر من الاحتجاج "عليهم" أي على أهل الأهواء "بآخره" أي بآخر الحديث "قالوا أرأيت الخ" هذا بيان لاَخر الحديث.
ـــــــ
وفي الصحيحين عن ابن عباس "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم" .
وفي الصحيحين عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا" .
وفي الصحيحين عن الصعب بن جثامة قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدار من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: "هم منهم" .
وفي لفظ لهما "هم من آبائهم" .
وهذه الأحاديث لا تناقض بينها بل يصدق بعضها بعضا.
وقد اختلف العلماء في الأطفال على ثمانية أقوال.
أحدها: الوقف فيهم وترك الكلام في مستقرهم ويوكل علمهم إلى الله تعالى.
قال هؤلاء: وظواهر السنن وأجوبة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم يدل على ذلك إذ وكل علمهم إلى الله وقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" .
قالوا: وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث جرير بن حازم قال سمعت أبا رجاء العطاردي قال سمعت ابن عباس يقول وهو على المنبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال أمر هذه الأمة قواما أو مقاربا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر" .
قال أبو حاتم الولدان أراد بهم أطفال المشركين.
وفيما استدلت به هذه الطائفة نظر والنبي صلى الله عليه وسلم لم يجب فيهم بالوقف وإنما وكل علم ما كانوا يعملونه لو عاشوا إلى الله وهذا جواب عن سؤالهم "كيف يكونون مع آبائهم بغير عمل" وهو طرف من الحديث.

(12/320)


4701- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا الْحَجّاجُ بنُ المِنْهَالِ قال سَمِعْتُ حَمّادَ بنَ سَلَمَةَ يُفَسّرُ حَدِيثَ: "كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ" قالَ: هَذَا عِنْدنَا حَيْثُ أَخَذَ الله الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ [عليهم العهد] في أَصْلاَبِ آبَائِهمْ حَيْثُ قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} .
ـــــــ
قال شمس الدين ابن القيم: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك، لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية، لأن قوله فأبواه يهودانه الخ محمول على أن يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث "الله أعلم بما كانوا عاملين" كذا في فتح الباري.
والحديث سكت عنه المنذري.
"قال هذا عندنا حيث أخذ الله العهد الخ" حاصله أن المراد بالفطرة عند حماد بن سلمة الإقرار الذي كان يوم الميثاق.
والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
ويدل عليه حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في أول باب والنبي صلى الله عليه وسلم وكل العلم يعلمهم إلى الله ولم يقل "الله أعلم حيث يستقرون أو أين يكونون" .
فالدليل غير مطابق لمذهب هذه الطائفة.
وأما حديث أبي رجاء عن ابن عباس في المنع من الكلام فيهم ففي القلب من رفعه شيء.
وبالجملة فإنما يدل على ذم من تكلم فيهم بغير علم أو ضرب الأحاديث فيهم بعضها ببعض كما فعل مع الذين أنكر عليهم كلامهم في القدر وأما من تكلم فيهم بعلم وحق فلا يذم.
القول الثاني: أن أطفال المشركين في النار وهذا مذهب طائفة وحكاه القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد قال شيخنا وهو غلط منه على أحمد وسبب غلطة أن أحمد سئل عنهم فقال هم على الحديث قال القاضي أراد حديث خديجة إذ سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أولادها الذين ماتوا قبل الإسلام فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" .
قال شيخنا: وهذا حديث موضوع وأحمد أجل من أن يحتج بمثله وإنما أراد حديث عائشة "الله أعلم بما كانوا عاملين" .
والقول الثالث: أنهم في الجنة واحتج هؤلاء بحديث سمرة الذي رواه البخاري واحتجوا بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وبقوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ

(12/321)


4702 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أخبرنا ابنُ أَبي زَائدَةَ حدّثني أَبِي عن عَامِرٍ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْوَائِدَةُ وَالمَوؤُودةُ في النّارِ" .
قال يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا قال أَبي فحدّثَني أَبُو إسْحَاقَ أَنّ عَامِراً حَدّثَهُ بِذَلِكَ عن عَلْقَمَةَ عن ابنِ مَسْعُودٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"الوائدة والموءودة في النار" وأد بنته يئدها وأداً فهي موءودة إذا دفنها في القبر وهي حية. وهذا كان من عادة العرب في الجاهلية خوفاً من الفقر أو فراراً من العار. قال القاضي: كانت العرب في جاهليتهم يدفنون البنات حية، فالوائدة في النار لكفرها وفعلها، والمؤدة فيها لكفرها. وفي الحديث دليل على تعذيب أطفال المشركين، وقد تؤول الوائدة بالقابلة لرضاها به، والموؤدة بالموؤدة لها وهي أم الطفل فحذفت الصلة، كذا في المرقاة. وقال في السراج المنبرما محصله: إن سبب هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن امرأة وأدت بنتاً لها فقال "الوائدة والموؤدة في النار" فلا يجوز الحكم على أطفال الكفار بأن يكونوا من أهل النار بهذا الحديث لأن هذه واقعة عين في شخص معين انتهى "قال يحيى بن زكريا" أي ابن أبي زائدة "فحدثني أبو إسحاق" يعني السبيعي "بذلك" أي الحديث المذكور.
والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} فهذا دليل على أن كل فوج يلقى في النار لا بد وأن يكونوا قد جاءهم النذير وكذبوه وهذا ممتنع في حق الأطفال.
واحتجوا بقوله تعالى لإبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} .
قالوا: فإذا امتلأت منه ومن أتباعه لم يبق فيها موضع لغيرهم.
واحتجوا بقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} .
قالوا: فالله تعالى لا يعذب أحدا إلا بذنبه فالنار دار عدله لا يدخلها أحد إلا بعمل وأما الجنة فدار فضله يدخلها بغير عمل ولهذا ينشيء للفضل الذي يبقى فيها أقواما يسكنهموه.
وأما الحديث الذي ورد في بعض طرق البخاري: "وأما النار فينشيء الله لها خلقا يسكنهم إياها" فغلط من الراوي انقلب عليه لفظه وإنما هو "وأما الجنة فإن الله ينشيء لها خلقا" وقد ذكره البخاري وسياق الحديث يدل على ذلك.
قالوا: وأما حديث عائشة والأسود بن سريع فليس فيه أنهم في النار وإنما فيه "أنهم من آبائهم تبع لهم في الحكم" وأنهم إذا أصيبوا في البينات لم يضمنوا بدية ولا كفارة وهذا ظاهر في حديث الأسود.
وأما حديث عائشة فقد ضعفه غير واحد.
قالوا: وحديث خديجة باطل لا يصح.

(12/322)


4703- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ أَنّ رَجُلاً قال: "يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَيْنَ أَبِي؟ قال: أَبُوكَ في النّارِ، فَلمّا قَفّي قال: إنّ أَبِي وَأَبَاكَ في النّارِ" .
ـــــــ
"فلما قفى" أي ولي قفاه منصرفاً "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أبي وأباك في النار" قال النووي: فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء
ـــــــ
والقول الرابع: أنهم بين الجنة والنار إذ لا معصية لهم توجب دخول النار ولا إسلام يوجب لهم دخول الجنة.
وهذا أيضا ليس بشيء فإنه لا دار للقرار إلا الجنة والنار وأما الأعراف فإن مآل أصحابها إلى الجنة كما قاله الصحابة.
والقول الخامس: أنهم تحت المشيئة يجوز أن يعذبهم وأن ينعمهم وأن يعذب بعضا وهذا قول كثير من المثبتين للقدر وقول الجبرية ونفاة التعليل والحكم.
والقول السادس: أنهم ولدان أهل الجنة وخدمهم وقد روى في ذلك حديث لا يثبت.
والقول السابع: أن حكمهم حكم الآباء في الدنيا والآخرة فلا حكم لهم غير حكم آبائهم فكما هم تبع لأبائهم في الدنيا كذلك هم لهم تبع في الآخرة.
والقول الثامن: أنهم يمتحنون في الآخرة فمن أطاع منهم أدخله الله الجنة ومن عصى عذبه وقد روى في هذا من حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة وغيرهما وهي أحاديث يشد بعضها بعضا.
وهذا أعدل الأقوال وبه يجتمع شمل الأدلة وتتفق الأحاديث في هذا الباب.
وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة كما في حديث سمرة وبعضهم في النار كما دل عليه حديث عائشة وجواب النبي صلى الله عليه وسلم يدل على هذا فإنه قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم" .
ومعلوم أن الله لا يعذبهم بعلمه فيهم ما لم يقع معلومه فهو إنما يعذب من يستحق العذاب على معلومه وهو متعلق علمه السابق فيه لا على علمه المجدد وهذا العلم يظهر معلومه في الدار الآخرة.
وفي قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم مما كانوا عاملين لو عاشوا وأن من يطيعه وقت الامتحان كان ممن يطيعه لو عاش في الدنيا ومن يعصيه حينئذ كان ممن يعصيه لو عاش في الدنيا فهو دليل على تعلق علمه بما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
وقيل: إنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلمه الله بمصيرهم ومستقرهم.
وليس بشيء فإنه لا تعرض في هذا المستقر كما تقدم.
وقيل معناه الله أعلم على أي دين يميتهم لو عاشوا وبلغوا العمل فأما إذا عدم فيهم العمل فهم في رحمة الله وهذا بعيد من دلالة اللفظ عليه والله أعلم.

(12/323)


4704- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشّيْطَانَ يجْرِي مِنْ ابنِ آدَمَ مَجْرَى الدّمِ" .
ـــــــ
صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين. وكل ما ورد بإحياء والديه صلى الله عليه وسلم وإيمانهما ونجاتهما أكثره موضوع مكذوب مفتري، وبعضه ضعيف جداً لا يصح بحال لاتفاق أئمة الحديث على وضعه كالدارقطني والجوزقاني وابن شاهين والخطيب وابن عساكر وابنناصر وابن الجوزي والسهيلي والقرطبي والمحب الطبري وفتح الدين بن سيد الناس وإبراهيم الحلبي وجماعة.
وقد بسط الكلام في عدم نجاة الوالدين العلامة إبراهيم الحلبي في رسالة مستقلة، والعلامة على القاري في شرح الفقه الأكبر وفي رسالة مستقلة، ويشهد لصحة هذا المسلك هذا الحديث الصحيح.
والشيخ جلال الدين السيوطي قد خالف الحافظ والعلماء المحققين وأثبت لهما الإيمان والنجاة فصنف الرسائل العديدة في ذلك، منها رسالة التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله في الجنة.
قلت: العلامة السيوطي متساهل جداً لا عبرة بكلامه في هذا الباب ما لم يوافقه كلام الأئمة النقاد.
وقال السندي: من يقول بنجاة والديه صلى الله عليه وسلم يحمله على العم فإن اسم الأب يطلق على العم مع أن أبا طالب قد ربّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستحق إطلاق اسم الأب من تلك الجهة انتهى. وهذا أيضاً كلام ضعيف باطل.
وقد ملأ مؤلف تفسير روح البيان تفسيره بهذه الأحاديث الموضوعة المكذوبة كما هو دأبه في كل موضع من تفسيره بإيراده للروايات المكذوبة فصار تفسيره مخزن الأحاديث الموضوعة.
وقال بعض العلماء: التوقف في الباب هو الأسلم وهو كلام حسن والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم. وهذا الرجل هو حصين بن عبيد والد عمران ابن حصين، وقيل هو أبو رزين لقيط بن عامر العقيلي. وقفي بفتح القاف وتشديد الفاء وفتحها ولي قفاه منصرفاً.
"إن الشيطان يجري الخ" قال القاضي وغيره: قيل هو على ظاهره وأن الله تعالى جعل له قوة وقدرة على الجري في باطن الإنسان مجاري دمه، وقيل هو على الاستعارة لكثرة إغوائه ووسوسته فكأنه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دمه، كذا في شرح مسلم للنووي.

(12/324)


4705- حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني أخبرنا ابن وهب ابن لهيعة و عمرو بن الحارث و سعيد بن أبي أيوب عن عطاء بن دينار عن حكيم بن قريك الهذلي عن يحيى بن ميمون عن ربيعة الجرشي عن أبي هريرة عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم" الحديث.
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث صفية بنت حي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في كتاب الصيام.
"لا تجالسوا أهل القدر إلخ" تقدم شرح هذا الحديث في آخر باب القدر.
قال المنذري: وقد تقدم
تم بحمد الله الجزء الثاني عشر
ويليه
الجزء الثالث عشر
وأوله
باب في الجهيمة

(12/325)