Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

المجلد الثالث عشر
تابع لكتاب السنة
باب في الجهمية والمعتزلة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
18- باب في الجهمية
[باب في الجهمية والمعتزلة]
4706- حدثنا هَارونُ بنُ مَعْرُوفٍ أخبرنا سُفيْانُ عن هِشَامِ عن أبِيهِ عن أبي
__________
باب في الجهمية
أي في الرد عليهم. وفي بعض النسخ باب في الجهمية والمعتزلة.
والجهمية فرقة من المبتدعة ينفون صفات الله التي أثبتها الكتاب والسنة، ويقولون القرآن مخلوق.
والمعتزلة أيضاً فرقة من المبتدعة قد سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفي الصفات الإلهية لاعتقادهم أن إثباتها يستلزم التشبيه ومن شبه الله بخلقه أشرك، وهم في النفي موافقون للجهمية. قال السيد مرتضى الزبيدي: الجهمية طائفة من الخوارج نسبوا إلى جهم بن صفوان الذي قتل في آخر دولة بني أمية انتهى.
وفي ميزان الذهبي: جهم بن صفوان السمرقندي الضال المبتدع رأس الجهمية هلك في زمان صغار التابعين زرع شراً عطيماً انتهى.
والمعتزلة فرقة القدرية زعموا أنهم اعتزلوا فئتي الضلالة عندهم أي أهل السنة والجماعة والخوارج أو سماهم به الحسن البصري لما اعتزله واصل بن عطاء وكان من قبل يختلف إليه وكذا أصحابه، منهم عمرو بن عبيد وغيره فشرع واصل يقرر القول بالمنزلة بين المنزلتين، وأن صاحب الكبيرة لا مؤمن مطلق ولا كافر مطلق بل هو بين المنزلتين، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسموا المعتزلة لذلك.
وقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر فخرج واصل من الفريقين. كذا في شرح القاموس.

(13/3)


هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَزَالُ النّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتّى يُقَالَ هَذَا: خَلَقَ الله الخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ الله، فَمنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً آمَنْتُ بالله".
4707- حدثنا مُحَمّد بن عَمْرٍو أخبرنا سَلَمَةُ - يَعني ابنَ الْفَضْلِ - حدّثني مُحَمّدٌ - يَعني ابنَ إِسْحَاقَ - حدّثني عُتْبَةُ بنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ عن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ قال: "فإِذَا قالُوا ذَلِكَ فقُولُوا: قل الله أَحَدٌ الله الصّمَدُ لَمْ يلِدِ وَلَمْ يُولَدْ وَلَم يَكُنْ لَهُ كُفْواً أَحَدٌ، ثُمّ لْيَتْفُلْ عن يَسَارِهِ ثَلاَثاً وَلْيَسْتَعِذْ [ويستعيذ] مِنَ الشّيْطَانِ".
4708- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ أَبي ثَوْر عن سِمَاكٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَمَيرَةَ عن الأحْنَفِ بنِ قَيْسٍ عن الْعَبّاسِ بنِ عَبْدِ المُطّلِبِ قالَ: كُنْتُ
__________
"يتساءلون" أي يسأل بعضهم بعضاً "حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله" قيل لفظ هذا مع عطف بيانه المحذوف وهو المقول مفعول يقال أقيم مقام الفاعل وخلق الله تفسير لهذا، أو بيان أو بدل، وقيل مبتدأ حذف خبره أي هذا القول أو قولك هذا خلق الله الخلق معلوم مشهور فمن خلق الله، والجملة أقيمت مقام فاعل يقال "فمن وجد من ذلك شيئاً" إشارة إلى القول المذكور "فليقل آمنت بالله" وفي رواية للشيخين فليقل "آمنت بالله ورسوله".
قال النووي: معناه الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والإلتجاء إلى الله تعالى في إذهابه انبهى. وقال القاري: أي آمنت بالذي قال الله ورسله من وصفه تعالى بالتوحيد والقدم.
وقوله سبحانه وإجماع الرسل هو الصدق والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"فذكر نحوه" أي نحو الحديث السابق "فإذا قالوا ذلك" أي ذلك القول يعني هذا خلق الله الخلق الخ "فقولوا" أي في رد هذه المقاله أو الوسوسة "الله أحد" الأحد هو الذي لا ثاني له في الذات ولا في الصفات "الله الصمد" أي المرجع في الحوائج المستغني عن كل أحد "ولم يكن له كفواً" أي مكافياً ومماثلا "أحد" بضم الفاء ويكسر أبي ليبصق "ثلاثاً" أي ليلق البزاق من الفم ثلاث مرات وهو عبارة عن كراهة الشيء والنفور عنه "وليستعذ من الشيطان" الإستعاذة طلب المعاونة على دفع الشيطان. قال المنذري: وأخرجه النسائي، وفي إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم لكلام عليه وفي إسناده أيضاً سلمة بن الفضل قاضي الري ولا يحتج به.
"عن عبد الله بن عميرة" بفتح العين وكسر الميم "في البطحاء" أي في المحصب وهو

(13/4)


في الْبَطْحَاءِ في عِصَابَةِ فِيهمْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَمّرتْ بِهمْ سَحَابَةٌ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فقالَ: "ما تُسَمّونَ هَذِهِ"؟ قالُوا: السّحَابَ. قال: "وَالمُزْنَ"؟ قالُوا: وَالمُزْنَ. قال: "وَالعَنَانَ"؟ قالُوا: وَالْعَنَانَ.
__________
موضع معروف بمكة فوق مقبرة المعلا، وقد تطلق على مكة وأصل البطحاء على ما في القاموس مسيل واسع فيه دقاق الحصى "في عصابة" بكسر أوله أي جماعة "فنظر إليها" أي نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحابة "ما تسمون" ما استفهامية "هذه" أي السحابة "قالوا السحاب" بالنصت أي نسميه السحاب، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي السحاب "قال والمزن" بضم الميم وسكون النون وتسمونها أيضاً المزن "قالوا والمزن" أي نسميها أيضاً. ففي النهاية هو الغيم والسحاب واحدته مزنة وقيل: هي السحابة البيضاء "قال والعنان"
__________
ذكر الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله حديث العباس الذي فيه ذكر بعد ما بين سماء وسماء ثم قال قد رد هذا الحديث بشيئين.
أحدهما" بأن فيه الوليد بن أبي ثور ولا يحتج به.
والثاني" بما رواه الترمذي من حديث قتادة عن الحسن عن أبي هريرة قال بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هل تدرون ما هذا" قالوا الله ورسوله أعلم قال "هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" ثم قال "هل تدرون ما فوقكم" قالوا الله ورسوله أعلم قال "إنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف" ثم قال "هل تدرون كم بينكم وبينها" قالوا الله ورسوله أعلم قال "بينكم وبينها خمسمائة سنة" ثم قال "هل تدرون ما فوق ذلك" قالوا الله ورسوله أعلم قال "فإن فوق ذلك سماءين ما بينهما خمسمائة سنة حتى عد سبع سموات ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض" ثم قال "هل تدرون ما فوق ذلك" قالوا الله ورسوله أعلم قال "فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السمائين" ثم قال "هل تدرون ما الذي تحتكم" قالوا الله ورسوله أعلم قال "فإنها الأرض" ثم قال "هل تدرون ما الذي تحت ذلك" قالوا الله ورسوله أعلم قال "فإن تحتها أرض أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة" ثم قال "والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلي لهبط على الله" ثم قرأ {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
قالوا هذا خلاف حديث العباس في موضعين في ذكر بعد المسافة بين السموات وفي نفي اختصاص الرب بالفوقية.
قالوا المثبتون أما رد الحديث الأول بالوليد بن أبي ثور ففاسد فإن الوليد لم ينفرد به بل تابعه عليه إبراهيم بن طهمان كلاهما عن سماك ومن طريقه رواه أبو داود ورواه أيضا عمرو بن أبي

(13/5)


قال أبُو دَاوُدَ: لَمْ أُتْقِنِ الْعَنَانَ جَيّداً، قال: هَلْ تَدْرُونَ ما بُعْدُ ما بَيْنَ السّمَاءِ وَالأرْضِ؟ قالُوا: لا نَدْرِي: قال: إِنّ بُعْدَ ما بَيْنَهُمَا إِمّا وَاحِدَةٌ أوْ ثِنْتَانِ أوْ ثَلاَثٌ وَسَبْعُونَ[سبعين] سَنَةَ ثُمّ السّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ حَتّى عَدّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ثُمَ فَوْقَ السّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاَهُ مِثْلُ ما بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ ثُمّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْ عَالٍ بَيْنَ أَظْلاَفِهِمْ وَرُكَبِهِمْ مِثْلُ ما بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ ثُمّ عَلَى ظُهُورِهِمْ الْعَرْشُ بَيْنَ[مابين] أَسْفَلِهِ وَأعْلاَهُ مِثْلَ ما بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ ثُمّ الله تعالى فَوْقَ ذَلِكَ".
__________
كسحاب وزناً ومعنى "ما بعد ما بين السماء والأرض" أي ما مقدار بعد مسافة ما بينهما "إما واحدة أو ثنتان أو ثلاث وسبعون سنة" الشك من الراوي، كذا قيل. وقال الأردبلي: الرواية في خمس مائة أكثر وأشهر، فإن ثبت هذا فيحتمل أن يقال: إن ذلك باختلاف قوة الملك وضعفه وخفته وثقله فيكون بسير القوى أقل وبسير الضعيف أكثر وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم إما واحدة، وإما اثنتان وإما ثلاث وسبعون سنة انتهى. قال الطيبي: والمراد بالسبعون في الحديث التكثير لا التحديد لما ورد من أن ما بين السماء والأرض وبين سماء وسماء مسيرة خمس مائة عام أي سنة، والتكثير هنا أبلغ والمقام أدعى "ثم السماء فوقها" أي فوق سماء الدنيا "كذلك" أي في البعد "حتى عد سبع سموات" أي على هذه الهيئات "ثم فوق ذلك" أي البحر "ثمانية أوعال" جمع وعل وهو العنز الوحشي ويقال له تيس شاة الجبل، والمراد ملائكة على صورة الأوعال "بين أظلافهم" جمع ظلف بكسر الظاء المعجمة للبقر والشاة والظبي بمنزلة الحافر للدابة والخف للبعير "وركبهم" جمع ركبة "بين أسفله" أي العرش "ثم الله تعالى فوق ذلك" أي فوق العرش.
قيس عن سماك ومن حديثه رواه الترمذي عن عبد بن حميد حدثنا عبد الرحمن بن سعد عن عمرو بن قيس قال الترمذي قال عبد بن حميد سمعت يحيى بن معين يقول ألا تريدون ابن عبد الرحمن بن سعد أن يحج حتى نسمع منه هذا الحديث ورواه الوليد بن أبي ثور عن سماك ومن حديثة رواه ابن ماجه في سننه.
فأي ذنب للوليد في هذا وأي تعلق عليه وإنما ذنبه راويته ما يخالف قول الجهمية وهي علته المؤثرة عند القوم.
وأما معارضته لحديث الحسن عن أبي هريرة ففاسدة أيضا فإن الترمذي ضعف حديث الحسن هذا وقال فيه غريب فقط قال ويروى عن أيوب ويونس ابن عبيد وعلي بن زيد قالوا لم يسمع الحسن من أبي هريرة.
قال الترمذي فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا إنما معناه هبط على علم الله

(13/6)


4709- حدثنا أَحْمَدُ بنُ أَبي سُرَيْجٍ أنبأنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَبْدِ الله ابنِ سَعْدٍ وَ مُحَمّدُ بنُ سَعِيدٍ قالا أنبأنا عَمْرُو بنُ أَبي قَيْسٍ عن سَمَاكٍ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.
__________
وهذا الحديث يدل على أن الله تعالى فوق العرش، وهذا هو الحق وعليه يدل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهو مذهب السلف الصالحين من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم رضوان الله عليهم أجمعين، قالوا: إن الله تعالى استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والإستواء معلوم والكيف مجهول.
والجهمية قد أنكروا العرش وأن يكون الله فوقه وقالوا إنه في كل مكان ولهم مقالات قبيحة باطلة وإن شئت الوقوف على دلائل مذهب السلف والاطلاع على رد مقالات الجهمية الباطلة، فعليك أن تطالع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي وكتاب أفعال العباد للبخاري، وكتاب العلو للذهبي والقصيدة النونية لابن القيم، وجيوش الإسلامية لابن القيم رحمهم الله تعالى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك فوقفه. هذا آخر كلامه، وفي إسناده الوليد بن أبي ثور ولا يحتج بحديثه.
"أحمد بن أبي سريج" هو أحمد بن الصباح بن أبي سريج بجيم مصغر الرازي وثقة
وقدرته وسلطانه وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه وهذا التفسير الذي ذكره الترمذي يشبه التفسير الذي حكاه البيهقي عن أبي حنيفة رحمه الله في قوله تعالى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} فإنه قال أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أخبرنا أبو محمد بن الحباب أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر حدثنا يحيى بن يعلى قال سمعت نعيم بن حماد يقول سمعت نوح بن أبي مريم يقول كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهما فدخلت الكوفة فأظنني أول ما رأيت غليها عشرة الآلاف من الناس يدعون إلى رأيها فقيل لها إن ههنا رجلا نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة فأتته فقالت أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك أين إلهك الذي تعبده فسكت عنها ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها ثم خرج إلينا وقد وضع كتابا إن الله تعالى في السماء دون الأرض فقال له رجل أرأيت قول الله تعالى وهو معكم قال هو كما تكتب إلى الرجل إني معك وأنت غائب عنه.
قال البيهقي فقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله فيما نفى عن الله تعالى من الكون في الأرض وفيما ذكر من تأويل الآية تبع مطلق السمع في قوله إن الله عز وجل في السماء.
هذا لفظه في كتاب الأسماء والصفات.
قالوا وأما اختلاف مقدار المسافة في حديثي العباس وأبي هريرة فهو مما يشهد بتصديق كل

(13/7)


4710- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَفْصٍ حدّثني أَبِي حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عن سِمَاكٍ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَى هَذَا الحْدِيثِ الطّوِيلِ.
4711- حدثنا عَبْدُ الأعْلَى بنُ حَمّادٍ وَ مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى وَ مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ وَ أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الرّبَاطِيّ قالُوا أخبرنا وَهْبُ بنُ جَرِيرِ قالَ أحْمَدُ كَتَبْنَاهُ من نُسْخَتِهِ وَهَذَا لَفْظُهُ قالَ حدثنا أَبِي قالَ سَمِعْتُ مُحَمّدَ بنَ إسْحَاقَ يُحَدّثُ عن يَعْقُوبَ بنِ عُتْبَةَ عن جُبَيْرِ بنِ مُحَمّدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ قالَ: أَتَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَعْرَابِيٌ فقالَ يَا رَسُولَ الله جُهِدَتِ الأنْفُسُ وَضَاعَتِ الْعِيَالُ وَنُهِكَتِ [نهبت] الأمْوَالُ وَهَلَكَتِ الأنْعَامُ فَاسْتَسْقِ الله لَنَا فإِنّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله وَنَسْتَشْفِعُ بالله عَلَيْكَ. قالَ
__________
النسائي وهذا سند قوي جيد الإسناد، وكذا إسناد أحمد بن حفص الآتي قوي أيضاً. وقال الحافظ ابن القيم في تعليقات سنن أبي داوود، أما رد الحديث بالوليد بن أبي ثور ففاسد، فإن الوليد لم ينفرد به بل تابعه عليه إبراهيم بن طهمان كلاهما عن سماك، ومن طريقه رواه أبو داوود ورواه أيضاً عمرو بن أبي قيس عن سماك، ومن حديثه رواه الترمذي عن عبد بن حميد أخبرنا عبد الرحمن ابن سعد عن عمرو بن أبي قيس انتهى. ورواه ابن ماجه من حديث الوليد ابن أبي ثور عن سماك، وأي ذنب للوليد في هذا وأي تعلق عليه، وإنما ذنبه روايته ما يخالف قول الجهمية وهي علته المؤثرة عند القوم انتهى كلامه مختصراً.
-قلت: وحديث إبراهيم بن طهمان أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات والله أعلم.
"قال أحمد" هو ابن سعيد "كتبناه" أي الحديث "من نسخته" أي من نسخة وهب بن جرير "وهذا لفظه" أي لفظ أحمد "عن أبيه" هو محمد بن جبير "عن جده" هو جبير بن مطعم "جهدت" بصيغة المجهول أي أوقعت في المشقة "وضاعت العيال" عيال الرجل بالكسر من يعوله ويمونه من الزوجة والأولاد والعبيد وغير ذلك "ونهكت" بصيغة المجهول أي نقصت "وهلكت الأنعام" جمع نعم محركة الإبل والبقر والغنم "فاستسقِ الله لنا" أي اطلب لنا الّسقيا من الله تعالى "فإنا نستشفع" أي يطلب الشفاعة "بك" أي بوجودك وحرمتك وبعظمتك
منهما للآخر فإن المسافة يختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها فسير البريد مثلا يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات وهذا معلوم بالواقع فما تسيره الإبل سيرا قاصدا في عشرين يوما يقطعه البريد في ثلاثة فحيث قدر النبي صلى الله عليه وسلم بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد وحيث قدر بالخمسمائة أراد به السير الذي يعرفونه سير الإبل والركاب فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.

(13/8)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا تَقُولُ" وَسَبّحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَمَا زَالَ يُسَبّحُ حَتّى عُرِفَ ذَلِكَ في وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمّ قالَ: "وَيْحَكَ إِنّهُ لا يُسْتَشْفَعُ بالله عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ شَأْنُ الله أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْري مَا الله؟ إِنّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ لَهَكَذَا" وَقالَ
__________
"ويحك" بمعنى ويلك إلا أن الأول فيه معنى الشفقة عن المزلة والمزلقة والثاني دعاء عليه بالهلكة والعقوبة قاله القاري "وسبح" أي قال سبحان الله قال الأردبيلي: فيه دلالة على جواز أن يقال سبحان الله أو لا إله إلا الله على وجه التعجب والإنكار ولا كراهة فيه انتهى "حتى عرف ذلك" بصيغة المجهول أي حتى تبين أثر ذلك التغير "في وجوه أصحابه" لأنهم فهموا من تكرير تسبيحه أنه صلى الله عليه وسلم غضب من ذلك فخافوا من غضبه فتغيرت وجوههم خوفاً من الله تعالى "إنه" أي الشأن "لا يستشفع" بصيغة المجهول "شأن الله أعظم من ذلك" أي من أن يستشفع به على أحد.
ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله حديث ابن إسحاق الذي فيه وإن عرشه فوق سماواته كالقبة وتعليل المنذري له ثم قال:
قال أهل الإثبات ليس في شيء من هذا مستراح لكم في رد الحديث.
أما حملكم فيه على ابن إسحاق فجوابه أن ابن إسحاق بالموضع الذي جعله الله من العلم والأمانة قال علي بن المديني حديثه عندي صحيح وقال شعبة ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث وقال أيضا هو صدوق وقال علي بن المديني أيضا لم أجد له سوى حديثين منكرين.
وهذا في غاية الثناء والمدح إذ لم يجد له عل كثرة ما روى إلا حديثين منكرين.
وقال علي أيضا سمعت ابن عيينة يقول ما سمعت أحدا يتكلم في ابن إسحاق إلا في قوله القدر ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعدهم.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يفول قال الزهري لا يزال بهذه الحرة علم ما دام بها ذلك الأحول يريد ابن إسحاق.
وقال يعقوب بن شيبة سألت يحيى بن معين كيف ابن إسحاق قال ليس بذاك قلت ففي نفسك من حديثه شيء قال لا كان صدوقا.
وقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول لو كان لي سلطان لأمرت ابن إسحاق على المحدثين.
وقال ابن عدي قد فتشت أحاديث ابن إسحاق الكبير فلم أجد في حديثه ما يتهيأ أن نقطع عليه بالضعف وربما أخطأ أو وهم كما يخطيء غيره ولم يتخلف في الرواية عند الثقات والأئمة وهو لا بأس به.

(13/9)


بأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبّةِ عَلَيْهِ، "وَإِنّهُ لَيَئِط بِهِ أطِيطَ الرّحْلِ بالرّاكِبِ". قال ابنُ بَشّارٍ في
__________
قال الطيبي: استشفعت بفلان على فلان ليشفع لي إليه فشفعه أجاب شفاعته ولما قيل إن الشفاعة هي الإنضمام إلى آخر ناصراً له وسائلاً عنه إلى ذي سلطان عظيم منع صلى الله عليه وسلم أن يستشفع بالله على أحد، وقوله ذلك إشارة إلى أثر هيبة أو خوف استشعر من قوله سبحان الله تنزيهاً عما نسب إلى الله تعالى من الإستشفاع به على أحد وتكراره مراراً "إن عرشه على سماواته" قال الأردبيلي: هذا يدل على أن السماوات واقفة غير متحركة ولا دائرة كما قال المسلمون وأهل الكتاب خلافاً للمنجمين والفلاسفة انتهى "لهكذا" بفتح اللام الابتدائية دخلت على خبر إن تأكيداً للحكم "وقال بأصابعه" أي أشار بها "مثل القبة عليه" قال القاري: حال من العرش أي مماثلاً لها على ما في جوفها.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي ابن إسحاق ثقة.
وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث ذكرها لابن إسحاق في صحيحه.
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن إسحاق حدثنا سعيد بن عبيد ابن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال كنت ألقي من المذي شدة فأكثر الاغتسال منه الحديث.
قال الترمذي هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق فهذا حكم قد تفرد به ابن إسحاق في الدنيا وقد صححه الترمذي.
فإن قيل فقد كذبه مالك فقال أبو قلابة الرقاشي حدثني أبو داود سليمان ابن داود قال قال يحيى بن القطان أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب.
قلت وما يدريك قال قال لي وهب فقلت لوهب وما يدريك قال قال لي مالك بن أنس فقلت لمالك وما يدريك قال قال لي هشام بن عروة قال قلت لهشام وما يدريك قال حدث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر وأدخلت عليها وهي بنت تسع وما رآها رجل حتى لقيت الله قيل هذه الحكاية وأمثالها هي التي غرت من اتهمه بالكذب.
وجوابها من وجوه:
أحدها: أن سليمان بن داود راويها عن يحيى هو الشاذكوني وقد اتهم بالكذب فلا يجوز القدح في الرجل بمثل رواية الشاذكوني.
الثاني: أن في الحكاية ما يدل على أنها كذب فإنه قال أدخلت فاطمة علي وهي بنت تسع وفاطمة أكبر من هشام بثلاث عشر سنة ولعلها لم تزف إليه إلا وقد زادت على العشرين ولما أخذ عنها ابن إسحاق كان لها نحو بضع وخمسين سنة.
الثالث: أن هشاما إنما نفى رؤيته لها ولم ينف سماعه منها ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء

(13/10)


حَدِيثِهِ: إِنّ الله فَوْقَ عَرْشِهِ، وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وقالَ عَبْدُ الأعْلَى وَابنُ المَثَنّى وَابنُ بَشّارٍ عن يَعْقُوبَ بنِ عُتْبَةَ وَجُبَيْرِ بنِ مُحمّدِ بنِ جُبَيْرٍ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ.
__________
قال الطيبي: هو حال من المشار به، وفي قال معنى الإشارة أي أشار بأصابعه إلى مشابهة هذه الهيئة وهي الهيئة الحاصلة للأصابع الموضوعة على الكف مثل حالة الإشارة انتهى "وإنه" أي العرش "ليئط" بكسر الهمزة وتشديد المهملة أي يصوت "به" أي بالله تعالى "أطيط الرحل" أي كصوته، والرجل كور الناقة "بالراكب" أي الثقيل.
وفي النهاية: أي إن العرش ليعجز عن حمله وعظمته إذ كان معلوماً أن أطيط الرجل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه وعجزه عن احتماله انتهى.
وقال الخطابي: هذا الكلام إذا أجرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية والكيفية عن الله تعالى وعن صفاته منفية، فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظامة الله وجلاله جل جلاله سبحانه وإنما قصد به إفهام السائل من حيث ادركه فهمه إذا كان أعرابياً جلفاً لا علم له لمعاني ما دق من الكلام وما لطف منه عن درك الأفهام. وفي الكلام حذف وإضمار، فمعنى قوله أتدري ما الله فمعناه أتدري ما عظمته وجلاله.
وقوله إنه ليئط به معناه أنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلوماً أن أطيط الرجل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه ولعجزه عن احتماله. فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى
الرؤية انتفاء السماع قال الإمام أحمد لعله سمع منها في المسجد أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب فأي شيء في هذا فقد كانت امرأة كبرت وأسنت.
وقال يعقوب بن شيبة سألت ابن المديني عن ابن إسحاق فقال حديثه عندي صحيح.
قلت فكلام مالك فيه قال مالك لم يجالسه ولم يعرف وأي شيء حدث بالمدينة قلت فهشام بن عروة قد تكلم فيه قال الذي قال هشام ليس بحجة لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها فإن حديثه ليتبين فيه الصدق يروي مرة يقول حدثني أبو الزناد ومرة يقول ذكر أبو الزناد ويقول حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب في سلف وبيع وهو أروى الناس عن عمرو بن شعيب.
فصل
وأما قولكم إنه لم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة فعلى تقدير العلم بهذا النفي لا يخرج

(13/11)


قال أبُو دَاوُدَ: والْحَدِيثُ بإِسْنَادِ أحْمَدَ بنِ سَعِيدٍ هُوَ الصّحِيحُ وَوَافَقَهُ عَليْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ يَحْيَى بنُ مَعِينٍ وَعَلِيّ بنُ المَدِينِيّ. وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عن ابنِ إِسْحَاقَ كَمَا قَالَ أحْمَدُ أَيْضاً، وكَانَ سَمَاعُ عَبْدِ الأعْلَى وَابنُ المُثَنّى وَابنُ بَشّارٍ مِنْ نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا بَلَغَنِي.
__________
عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه ليعلم أن الموصوف بعلو الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر لا يجعل شفيعاً إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله أن يكون مشبهاً بشيء أو مكيفاً بصورة خلق أو مدركاً بحس ليس كمثله شيء وهو السميع البصير انتهى.
قلت: كلام الإمام الخطابي فيه تأويل بعيد خلاف للظاهر لا حاجة إليه وإنما الصحيح المعتمد في أحاديث الصفات إمرارها على ظاهرها من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل كما عليه السلف الصالحون والله أعلم.
"وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد ابن جبير" أي قالوا في روايتهم بالواو بين يعقوب وجبير، وأما أحمد بن سعيد فقال في روايته بِعَنْ بينهما كما مر "وافقه عليه" أي وافق أحمد بن سعيد على إسناده "وكان سماع عبد الأعلى الخ" أي فلأجل ذلك اتفق هؤلاء الثلاثة كلهم على ما هو غير الصحيح حيث قالوا عن يعقوب بن عتبة
الحديث عن كونه حسنا فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه وفي الصحيح قطعة من الاحتجاج بعنعنة المدلس كأبي الزبير عن جابر وسفيان عن عمرو بن دينار ونظائر كثيرة لذلك.
وأما قولكم تفرد به يعقوب بن عتبة ولم يرو عنه كحد من أصحاب الصحيح فهذا ليس بعلة باتفاق المحدثين فإن يعقوب لم يضعفه أحد وكم من ثقة قد احتجوا به وهو غير مخرج عنه في الصحيحين؟
وهذا هو الجواب عن تفرد محمد بن جبير عنه فإنه ثقة.
وأما قولكم إن ابن إسحاق اضطرب فيه إلى آخره فقد اتفق ثلاثة من الحفاظ وهم عبد الأعلى وابن المثنى وابن يسار على وهب ابن جرير عن أبيه عن ابن إسحاق أنه حدث به عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد عن أبيه وخالفهم أحمد بن سعيد الدمياطي فقال عن وهب بن جرير عن أبيه سمعت محمد ابن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير فإما أن يكون الثلاثة أولى وإما أن يكون يعقوب رواه عن جبير بن محمد فسمعه منه ابن إسحاق ثم سمعه من جبير نفسه فحدث به على الوجهين وقد قيل إن الواو غلط وأن الصواب عن يعقوب ابن عتبة عن جبير بن محمد عن أبيه والله أعلم.
وأما قولكم إنه اختلف في لفظه فبعضهم قال ليئط به وبعضهم لم يذكر لفظة به فليس في

(13/12)


وجبير بن محمد الخ بالواو قال المنذري: قال أبو بكر البزار وهذا الحديث لا نعلمه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة من الوجوه إلا من هذا الوجه، ولم يقل فيه محمد بن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة. هذا آخر كلامه. ومحمد بن إسحاق مدلس وإذا قال المدلس عن فلان ولم يقل حدثنا أو سمعت أو أخبرنا لا يحتج بحديثه وإلى هذا أشار البزار مع ابن إسحاق إذا صرح بالسماع اختلف الحفاظ في الإحتجاج بحديثه فكيف إذا لم يصرح به، وقد رواه يحيى بن معين وغيره فلم يذكر فيه لفظة: به. وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي: وقد تفرد به يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي الأخنسي عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم القرشي النوفلي وليس لهما في صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري رواية، وانفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب وابن إسحاق لا يحتج بحديثه وقد طعن فيه غير واحد من الأئمة وكذبه جماعة منهم. وقال أبو بكر البيهقي: التشبيه بالقبة إنما وقع على العرش وهذا حديث ينفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب بن عتبة وصاحبا الحديث الصحيح لم يحتجابهما. هذا آخر كلامه وقد تأوله الأئمة على تقدير صحته فقال الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك، وذلك لا يرجع إلى العرش وليس فيه ما يدل على أن الله تعالى مماس له مماسة الراكب الرحل، بل فائدته أنه يسمع للعرش أطيط فضُرِب كأطيط الرجل إذا ركب، ويحتمل تأويلاً آخر أيضاً وهو أن يقول معناه أطيط الملائكة وضجتهم بالتسبيح حول العرش، والمراد به الطائفون به وهذا شائع كما قال:
هذا اختلاف يوجب رد الحديث فإذا زاد بعض الحفاظ لفظة لم ينفها غيره ولم يرو ما يخالفا فإنها لا تكون موجبة لرد الحديث فهذا جواب المنتصرين لهذا الحديث.
قالوا: وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير حديث ابن إسحاق فقال محمد بن عبد الله الكوفي المعروف بمطين حدثنا عبد الله ابن الحكم وعثمان قالا حدثنا يحيى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر قال أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم أمر الرب ثم قال "إن كرسيه فوق السموات والأرض وإنه يقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع" ثم قال بأصابعه فجمعها "وإن له أطيطا كأطيط الرحل" الحديث فإن قيل عبد الله بن الحكم وعثمان لا يعرفان قيل بل هما ثقتان مشهوران عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الحكم القطواني وهما من رجال الصحيح.
وفي الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق عرشه إن رحمتي غلبت غضبي".
وفي لفظ البخاري "وهو وضع عنده على العرش".
وفي لفظ له أيضا "فهو مكتوب فوق العرش".

(13/13)


واستب بعدك يا كليب المجلس
إنما للمراد أهل المجلس، وكذلك تقول العرب اجتمعت اليمامة والمراد أهلها وكذلك يقولون بنو فلان هم الطريق والمراد به الواطئون الطريق.
قال الخطابي: فمعنى قوله "أتدري ما الله" معناه: أتدري ما عظمة الله وجلاله، وأشار إلى أن ظاهر الحديث فيه نوع من الكيفية والكيفية عن الله وعن صفاته منفية وإنما هو كلام تقريب أريد به تقريب عظمة الله وجلاله سبحانه.
وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات: هذا حديث ينفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب بن عتبة، وصاحبا الصحيح لم يحتجا به، إنما استشهد مسلم بن الحجاج بمحمد بن إسحاق في أحاديث معدودة أظنهن خمسة قد رواهن غيره، وذكر البخاري في الشواهد ذكراً من غير رواية، وكان مالك بن أنس لا يرضاه، ويحيى بن سعيد القطان لا يروى عنه، ويحيى بن معين يقول ليس هو بحجة، وأحمد بن حنبل يقول يكتب عنه هذه الأحاديث يعني المغازي ونحوها فإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا يريد أقوى منه، فإذا كان لا
ووضع بمعنى موضوع مصدر بمعنى المفعول كنظائره.
وفي صحيح البخاري أيضا من حديث حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أنس قال كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات. وفي لفظ للبخاري كانت تقول أنكحني الله في السماء.
وفي الصحيحين من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" لفظ البخاري.
وفي الصحيحين من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ورواه البيهقي بإسناد الصحيح وقال ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم" وقال أخرجاه في الصحيح.

(13/14)


يحتج به في الحلال والحرام فأولى أن يحتج به في صفات الله سبحانه وتعالى وإنما نقموا عليه في روايته عن أهل الكتاب ثم عن ضعفاء الناس وتدليسه أساميهم، فإذا روى عن ثقة وبين سماعه منه فجماعة من الأئمة لم يروا به بأساً. وهو إنما روى هذا الحديث عن يعقوب بن عتبة وبعضهم يقول عنه وعن جبير بن محمد بن جبير ولم يبين سماعه منها واختلف عليه في لفظه.
وقد جعله أبو سليمان الخطابي ثابتاً واشتغل بتأويله انتهى كلام البيهقي. ثم ذكر البيهقي كلام الخطابي الذي تقدم آنفاً.
وقال بعض العلماء ممن ذهب إلى تأويل أحاديث الصفات: حديث العباس ضعيف من وجوه ومعارض بالإجماع والأحاديث، أما الضعف فمن جهة محمد بن إسحاق، وأما الإجماع فإنه مخالف لما عليه المفسرون في المساحة والمسافة وفي صفة حملة العرش، وأما الأحاديث فإنها جاءت في مسيرة خمس مائة واشتهرت عن أبي ذر وأبي سعيد وأبي بردة وغيرهم انتهى.
وأما قولهم إنه معارض للاجماع الذي عليه المفسرون فهذه دعوى من غير بينة، فإن المفسرين بأجمعهم لم يجمعوا على خلاف معنى حديث العباس رضي الله عنه وذهاب بعض المفسرين المتأخرين بل من المتقدمين أيضاً إلى خلاف ذلك لا يفيد الإجماع، وقد جمع بين الروايتين أي رواية المسافة بقدر مسيرة خمس مائة عام كما في حديث أبي هريرة وغيره وبين
وفي الصحيحين قصة سعد بن معاذ وحكمه في بني قريظة وقول النبي صلى الله عليه وسلم "لقد حكمت فيهم بحكم الملك" ورواه البيهقي من حديث سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لقد حكم فيهم اليوم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات".
وقال ابن إسحاق في حديثه لقد حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبعة أرقعة والرقيع من أسماء السماء وقد تقدم.
وروى الترمذي والإمام أحمد من حديث الحسن عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي "يا حصين كم تعبد اليوم إلها" قال أبي سبعة ستة في الأرض وواحدا في السماء قال "فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك" قال الذي في السماء قال "يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك" قال فلما أسلم حصين قال يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني قال "قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي".
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شهد للجارية بالإيمان حيث أقرت بأن الله في السماء وحديثها في صحيح مسلم.

(13/15)


رواية العباس هذه الحافظ البيهقي في كتاب الأسماء والصفات، فقال بعد إخراج رواية أبي هريرة ما نصه: هذه الرواية في مسيرة خمسمائة عام اشتهر فيما بين الناس وروينا عن ابن مسعود من قولها مثلها ويحتمل أن يختلف ذلك باختلاف قوة السير وضعفه وخفته وثقله فيكون بسير القوى أقل وبسير الضعيف أكثر انتهى.
وقال ابن القيم: وأما اختلاف مقدار المسافة في حديثي العباس وأبي هريرة فهو مما يشهد بتصديق كل منهما للاَخر وأن المسافة تختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها، فسير البريد مثلا يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات وهذا معلوم بالواقع.
وثبت عنه في الصحيح أنه جعل يشير بأصبعه إلى السماء في خطبته في حجة الوداع وينكسها إلى الناس ويقول اللهم أشهد وكان مستشهدا بالله حينئذ لم يكن داعيا حتى يقال السماء قبلة الدعاء.
وفي الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبي نعيم قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر والأقرع ابن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه كنا أحق بهذا من هؤلاء فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال "ألا تؤمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء".
وسيأتي إن شاء الله حديث أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء" الحديث رواه أبو داود في الطب.
وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى لعبد اللهابن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وسيأتي في كتاب الأدب.
وفي صحيح ابن حبان عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا".
وقد روى الترمذي والبيهقي من حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا تبارك وتعالى قبل أن يخلق السموات والأرض قال "كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق العرش ثم استوى عليه" هذا لفظ البيهقي وهذا الإسناد صححه الترمذي في موضع وحسنه في موضع.
فصححه في الرؤيا أخبرنا الحسن بن علي الخلال حدثنا يزيد بن هارون حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رؤيا المؤمن جزء

(13/16)


فما يسيره الإبل سيراً قاصداً في عشرين يوماً يقطعه البريد في ثلاثة. فحيث قدر النبي صلى الله عليه وسلم بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد وحيث قدر بالخمس مائة أراد به الذي يعرفونه سير الإبل والركاب فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} انتهى. وقد جاءت في صفة حملة العرش ألوان ذكرها البيهقي فأنى يصح الإجماع والله أعلم.
قال الحافظ ابن القيم في تهذيب السنن: أما حملكم فيه على ابن إسحاق فجوابه أن ابن إسحاق بالموضع الذي جعله الله من العلم والأمانة. قال علي بن المديني حديثه عندي صحيح، وقال شعبة ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وقال أيضاً هو صدوق.
ـــــــ
من أربعين جزءا من النبوة وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت قال وأحسبه قال لا تحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
قال ابن القطان فيلزمه تصحيح الحديث الأول أو الاقتصار على تحسين الثاني يعني لأن الإسناد واحد. قال فإن قيل لعله حسن الأول لأنه من رواية حماد بن سلمة وصحح الثاني لأنه من رواية شعبة وفضل ما بينهما في الحفظ بين.
قلنا قد صحح من أحاديث حماد بن سلمة مالا يحصى وهو موضع لا نظر فيه عنده ولا عند أحد من أهل العلم فإنه إمام وكان عند شعبة من تعظيمه وإجلاله ما هو معلوم وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا جرير بن حازم عن أبي يزيد المديني أن عمر بن الخطاب مر في ناس من أصحابه فلقيته عجوز واستوقفته فوقف عليها فوضع يده على منكبيها حتى قضت حاجتها فلما فرغت قال له رجل حبست رجالات قريش على هذه العجوز قال ويحك تدري من هذه هذه عجوز سمع الله عز وجل شكواها من فوق سبع سموات والله لو استوقفتني إلى الليل لوقفت عليها إلا أن آتي صلاة ثم أعود عليها.
قال البيهقي وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الجوهري حدثنا إبراهيم بن الهيثم حدثنا محمد بن كثير المصيصي قال سمعت الأوزاعي يقول كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.
وقال البخاري في الصحيح قال أبو العالية استوى إلى السماء ارتفع فسوى خلقهن.
وقال مجاهد استوى علا.
وقال أبو الحسن علي بن محمد الطبري من كبار أصحاب أبي الحسن الأشعري والله في السماء فوق كل شيء مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه ومعنى الاستواء الاعتلاء كما تقول:

(13/17)


وقال علي أيضاً سمعت ابن عيينة يقول ما سمعت أحداً يتكلم في ابن إسحاق إلا في قوله في القدر، ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعدهم.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول: قال الزهري لا يزال بهذه الحرّة علم ما دام بها ذلك الأحول يريد ابن إسحاق.
وقال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين كيف ابن إسحاق قال ليس بذاك، قلت: ففي نفسك من حديثه شيء؟ قال لا كان صدوقاً.
وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول لو كان لي سلطان لأمّرت ابن إسحاق على المحدثين.
وقال ابن عدي: قد فتشت أحاديث ابن إسحاق الكثير فلم أجد في أحاديثه شيئاً أن يقطع
ـــــــ
استويت على ظهر الدابة واستويت على السطح بمعنى علوته واستوت الشمس على رأسى واستوى الطير على قمة رأسي بمعنى علا يعني علا في الجو فوجد فوق رأسي فالقديم سبحانه عال على عرشه لا قاعد ولا قائم ولا مماس ولا مباين عن العرش هذا كلامه حكاه عنه البيهقي.
قال وروى الحسن بن محمد الطبري عن أبي عبد الله نفطويه النحوي قال أخبرني أبو سليمان قال كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله ما معنى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال إنه مستو على عرشه كما أخبر فقال الرجل إنما معنى استوى استولى فقال له ابن الأعرابي ما يدريك العرب لا تقول استولى فلان على الشيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب قيل قد استولى عليه والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر.
وقال يحيى بن إبراهيم الطليطلي في كتاب سير الفقهاء حدثني عبد الملك بن حبيب عن عبد الله بن المغيرة عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم قال كانوا يكرهون قول الرجل يا خيبة الدهر وكانوا يقولون الله هو الدهر وكانو يكرهون قول الرجل رغم أنفي لله وإنما يرغم أنف الكافر قال وكانو يكرهون قول الرجل لا والذي خاتمه على فمي أنما يختم على الكافر وكانوا يكرهون قول الرجل والله حيث كان أو إن الله بكل مكان قال أصبغ وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته.
وقال ابن عبد البر في التمهيد والاستذكار قال مالك الله في السماء وعلمه في كل مكان.
وقال القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري في رسالته المشهورة التي سماها رسالة الجيدة وأن الله سبحانه شاء مريد كما قال تعالى {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} وقال {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وإن الله مستو على عرشه ومستول على جميع خلقه كما قال تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة.

(13/18)


عليه بالضعف وربما أخطأ أو وهم كما يخطىء غيره، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة وهو لا بأس به. وقال أحمد بن عبد الله العجلي ابن إسحاق ثقة.
وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث ذكرها لابن إسحاق في صحيحه.
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن إسحاق حدثنا سعيد بن عبيد ابن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال كنت ألقى من المذي شدة فأكثر الاغتسال منه الحديث. قال الترمذي: هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق، فهذا حكم قد تفرد به ابن إسحاق في الدنيا وقد صححه الترمذي.
فإن قيل فقد كذبه مالك فقال أبو قلابة الرقاشي حدثني أبو داوود سليمان ابن داوود قال: قال يحيى بن القطان: أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب، قلت: وما يدريك؟ قال: قال لي وهيب، فقلت لوهيب: وما يدريك؟ قال: قال لي مالك بن أنس فقلت لمالك وما يدريك؟
ـــــــ
وقال حافظ المغرب إمام السنة في وقته أبو عمر يوسف بن عبد البر في كتابيه التمهيد والاستذكار في شرح حديث مالك عن ابن شهاب عن الأغر وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا" الحديث.
قال أبو عمر وهذا لفظه في الاستذكار فيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزله والجهمية في قولهم إن الله تعالى في كل مكان وليس على العرش والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك قول الله عز وجل {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقوله {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} وقوله تعالى {إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً} وقوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وقوله {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} وقال {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} وقال {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وهذا من العلو وكذلك قوله {الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} و {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} و {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} وقال جل ذكره {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} وقوله {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} وقوله لعيسي {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} وقوله {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} وقال {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} وقال {وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} وقال {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} فمعناه من على السماء يعني على العرش وقد تكون في بمعنى على ألا ترى إلى قوله تعالى {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} أي على الأرض وكذلك قوله {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي على جذوع النخل.

(13/19)


قال: قال لي هشام بن عروة، قال قلت لهشام وما يدريك؟ قال حدث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر ودخلت عليها "أُدخلت عليّ" وهي بنت تسع وما رآها رجل حتى لقيت الله. قيل هذه الحكاية وأمثالها هي التي غرّت من اتهمه بالكذب، وجوابها من وجوه أحدها أن سليمان بن داوود راويها عن يحيى هو الشاذكوني وقد اتهم بالكذب فلا يجوز القدح في الرجل بمثل رواية الشاذكوني.
الثاني في الحكاية ما يدل على أنها كذب فإنه قال أدخلت علي وهي بنت تسع وفاطمة أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة ولعلها لم تزف إليه إلا وقد زادت على العشرين ولما أخذ عنها ابن إسحاق كان لها نحو بضع وخمسين سنة الثالث أن هشاماً إنما نفى رؤيته لها ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع.
قال الإمام أحمد: لعله سمع منها في المسجد أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب فأي شيء في هذا وقد كانت امرأة قد كبرت وأسنت.
ـــــــ
وهذا كله يعضده قوله تعالى {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب.
فهذه الآيات وغيرها كلها واضحة في إبطال قول المعتزلة.
وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم استوى بمعنى استولى فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة والله لا يغلبه ولا يعلوه أحد وهو الواحد الصمد ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى يكون اتفاق من الأمة أنه أريد به المجاز إذا لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم.
ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات وجل الله أن يخاطب عباده في كتابه العربي إلا بما يفهمه العرب في معهود مخاطبتها مما يصح معناه عند السامعين.
والاستواء في اللغة معلوم مفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه قال أبو عبيدة في قوله تعالى {اسْتَوَى} قال علا وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت.
قال أبو عمرو الاستقرار في العلو.
وبهذا خاطبنا عز وجل في كتابه فقال {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} وقال {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ } وقال {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} وقال
الشاعر:

(13/20)


وقال يعقوب بن شيبة: سألت ابن المديني عن ابن إسحاق قال حديثه عندي صحيح، قلت فكلام مالك فيه؟ قال مالك لم يجالسه ولم يعرفه وأي شيء حدث بالمدينة. قلت: فهشام بن عروة قد تكلم فيه قال الذي قال هشام ليس بحجة لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها فإن حديثه يستبين فيه الصدق يروي مرة حدثني أبو الزناد ومرة ذكر أبو الزناد ويقول حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب في سلف وبيع وهو أروى الناس عن عمرو بن شعيب.
وأما قولكم إنه لم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة فعلى تقدير ثبوب العلم بهذا النفي لا يخرج الحديث عن كونه حسناً، فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه وفي الصحيح قطعة من الإحتجاج بعنعنة المدلس كأبي الزبير عن جابر وسفيان عن عمرو بن دينار ونظائره كثيرة لذلك.
ـــــــ
فأوردتهم مأسفا قعره ... وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد أن معناه استولى لأن النجم لا يستولي.
وقد ذكر النضر بن شميل وكان ثقة مأمونا جليلا في علم الديانة واللغة قال حدثني الخليل وحسبك بالخليل قال أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا استووا فبقينا متحيرين ولم ندرك ما قال فقال لنا أعرابي إلى جنبه أمركم أن ترتفعوا قال الخليل هو من قول الله عز وجل {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} فصعدنا إليه.
وأما من نزع منهم بحديث عبد الله بن واقد الواسطي بإسناده عن ابن عباس {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان فالجواب أن هذا حديث منكر ونقلته مجهولون ضعفاء وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث لو عقلوا أو أنصفوا أما سمعوا الله عز وجل يقول {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً} فدل على أن موسى كان يقول إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبا وقال أمية بن أبي الصلت:
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد
قال أبو عمر بن عبد البر وإن احتجوا بقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} وتقوله {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} وبقوله {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية.
قيل لهم لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه سبحانه ليس في الأرض دون السماء فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجمع عليه وذلك أنه سبحانه في السماء إله معبود من

(13/21)


وأما قولكم تفرد به يعقوب بن عتبة ولم يرو عنه أحد من أصحاب الصحيح فهذا ليس بعلة باتفاق المحدثين، فإن يعقوب ثقة لم يضعفه أحد، وكم من ثقة قد احتج به وهو غير مخرج عنه في الصحيحين، وهذا الجواب عن تفرد محمد ابن جبير عنه فإنه ثقة.
وأما قولكم أن ابن إسحاق أضطرب فيه فقد اتفق ثلاثة من الحفاظ عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار على وهب بن جرير عن أبيه عن ابن إسحاق أنه حدث به عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد عن أبيه، وخالفهم أحمد بن سعيد الدمياطي فقال عن وهب بن جرير عن أبيه سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير، فإما أن تكون الثلاثة أولى، وإما أن يكون يعقوب رواه عن جبير بن محمد فسمعه منه ابن إسحاق ثم سمعه من جبير نفسه فحدث به على الوجهين.
وقد قيل إن الواو غلط وأن الصواب عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد عن أبيه.
ـــــــ
أهل السماء وأنه سبحانه في الأرض إله معبود مستحق للعبادة من أهل الأرض وكذلك قال أهل العلم بالتفسير وظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش والاختلاف في ذلك ساقط وأسعد الناس به من ساعده الظاهر.
وأما قوله {وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} فالاجماع والاتفاق قدبين المراد أنه معبود من أهل الأرض فتدبر هذا فإنه قاطع.
ومن الحجة أيضا على أنه تبارك وتعالى على العرش فوق السموات أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر ونزلت بهم شدة رفعوا أيديهم ووجوههم إلى السماء فيستغيثون ربهم تبارك وتعالى وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأمة التي أراد مولاها عتقها فاختبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم إن كانت مؤمنة أم لا فقال لها "أين الله" فأشارت إلى السماء ثم قال لها "من أنا" قالت رسول الله قال "اعتقها فإنها مؤمنة".
فاكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم برفعها رأسها إلى السماء واستغنى بذلك عما سواه.
هذا لفظ أبي عمر في الاستذكار وذكره في التمهيد أطول منه.
وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هرون بن سليمان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله قال "بين سماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام والكرسي فوق الماء والله عز وجل فوق الكرسي ويعلم ما أنتم عليه".

(13/22)


وأما قولكم إنه اختلف لفظه فبعضهم قال ليئط به وبعضهم لم يذكر لفظة به، فليس في هذا اختلاف يوجب رد الحديث، فإذا زاد بعض الحفاظ لفظة لم ينفها غيره ولم يرو ما يخالفها فإنها لا تكون موجبة لرد الحديث، فهذا جواب المنتصرين لهذا الحديث.
__________
قال ورواه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال "ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام ثم بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام ثم ما بين السماء السابعة وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام والكرسي فوق الماء والله فوق العرش ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم".
وقال الشافعي في كتاب الأم ورويناه في مسنده أخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثني موسى بن عبيد قال حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبيد الله بن عبيد بن عمير أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بمرآة بيضاء فيها نكتة فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ما هذه" فقال هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك والناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يا جبريل وما يوم المزيد" فقال إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثيب من مسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله تبارك وتعالى ما شاء من ملائكته وحوله منابر من نور عليها مقاعد للنبيين وحف تلك المنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون فجلسوا من ورائهم على تلك الكثبان فيقول الله عز وجل أنا ربكم صدقتكم وعدي فسلوني أعطكم فيقولون ربنا نسألك رضوانك فيقول قد رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير وهو اليوم الذي استوى فيه ربك تبارك وتعالى على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة.
قال الشافعي وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد عن أنس بن مالك شبيها به.
احتج به الشافعي في فضل الجمعة وكان حسن القول في إبراهيم بن محمد شيخه والحديث له طرق عديدة.
ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا صفوان قال قال أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتاني جبريل" فذكره
ورواه محمد بن شعيب عن عمر مولى عفرة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه أبو طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(13/23)


قالوا: وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير حديث ابن إسحاق فقال محمد بن عبد الله الكوفي المعروف بمطين حدثنا عبد الله بن الحكم وعثمان قالا حدثنا يحيى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم أمر الرب ثم قال "إن كرسيه فوق السماوات والأرض وإنه يقعد عليه فما يفصل منه مقدار أربع أصابع" ثم قال بأصابعه فجمعها، "وإن له أطيطاً كأطيط الرحل" الحديث.
__________
وقد جمع أبو بكر بن أبي داود طرقه وقال أبو طيبة اسمه رجاء بن الحرث ثقة وعثمان بن عمير يكنى أبا اليقظان.
وقد تواترت الأحاديث الصحيحة التي أجمعت الأمة على صحتها وقبولها بأن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به إلى ربه وأنه جاوز السموات السبع وأنه تردد بين موسى وبين الله عز وجل مرارا في شأن الصلاة وتخفيفها وهذا من أعظم الحجج على الجهمية فإنهم لا يقولون عرج به إلى ربه وإنما يقولون عرج به إلى السماء.
وقد تواترت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم "بأن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له" رواه بضعة وعشرون صحابيا.
وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه من حديث محمد بن المنكدر عن جابر ابن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة قال وذلك قوله تعالى {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم".
وفي الصحيحين عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
قال أبو عبد الله الحاكم في علوم الحديث في النوع العشرين سمعت محمد بن صالح ابن هانيء يقول سمعت أبا بكر بن إسحاق بن خزيمة يقول من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سمواته فهو كافر به يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن ريح جيفته وكان ماله فيئا لا يرثه أحد من المسلمين إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن الضحاك في قوله تعالى {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} قالهو الله عز وجل على العرش وعلمه معهم ذكره البيهقي.

(13/24)


فإن قيل عبد الله بن الحكم وعثمان لا يعرفان قيل بل هما ثقتان مشهوران عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الحكم القطواني وهما من رجال الصحيح.
وفي الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق عرشه إن رحمتي غلبت غضبي".
وفي لفظ البخاري "وهو وضع عنده على العرش".
وفي لفظ له أيضاً: "فهو مكتوب فوق العرش" ووضع بمعنى موضوع مصدر بمعنى المفعول كنظائره انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
__________
وبهذا الإسناد قال مقاتل بن حيان بلغنا والله أعلم في قوله عز وجل {هُوَ الْأَوَّلُ} قبل كل شيء {وَالْآخِرُ} بعد كل شيء {وَالظَّاهِرُ} فوق كل شيء {وَالْبَاطِنُ} أقرب من كل شيء وإنما يعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ذكره البيهقي أيضا.
قال وبهذا الإسناد عن مقاتل بن حيان في قوله {إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} يقول علمه وذلك قوله {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيعلم نجواهم ويسمع كلامهم ثم ينبئهم يوم القيامة بكل شيء وهو فوق عرشه وعلمه معهم.
وقال الحاكم سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانيء يقول سمعت محمد بن نعيم يقول سمعت الحسن بن الصباح البزار يقول سمعت علي بن الحسن بن شقيق يقول سألت عبد الله بن المبارك قلت كيف نعرف ربنا قال في السماء السابعة على عرشه.
قال الحاكم وأخبرنا أبو بكر محمد بن داود الزاهد حدثنا محمد بن عبد الرحمن الشامي حدثني عبد الله بن أحمد بن سيبويه المروزي قال سمعت علي بن الحسن بن شقيق يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول نعرف ربنا فوق سبع سموات على العرش استوى بائن من خلقه ولا نقول كما قالت الجهمية إنه ها هنا وأشار إلى الأرض.
وقال عبد الله بن سعيد بن كلاب فيما حكاه عنه أبو بكر بن فورك وأخرج من النظر والخبر قول من قال لا هو داخل العالم ولا خارجه فنفاه نفيا مستويا لأنه لو قيل له صفه بالعدم ما قدر أن يقول فيه أكثر منه ورد أخبار الله نصا وقال في ذلك بما لا يجوز في خبر ولا معقول وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص والنفي الخالص عندهم والإثبات الخالص وهم عند أنفسهم قياسون هذا حكاية لفظه.
وقال الخطابي في كتاب شعار الدين القول في أن الله تعالى مستو على العرش.
هذه المسألة سبيلها التوقيف المحض ولا يصل إليها الدليل من غير هذا الوجه وقد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة فقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب

(13/25)


4712- حدثنا أحْمَدُ بنُ حَفْصِ بنِ عَبْدِ الله أخبرنا أَبِي حدّثني إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عن مُحَمّد بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله عن رَسُولِ الله[النبي] صلى الله عليه وسلم قال: "أُذِنَ لِي أَنْ أحَدّثَ عن مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَةِ الله تعالى مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمَائَةِ عَامٍ".
__________
وقد أطال الكلام في ترجمة محمد بن إسحاق الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال والحافظ فتح الدين بن سيد الناس اليعمري في عيون الأثر في المغازي والسير فعليك بمراجعتهما.
"أذن لي" بالبناء للمفعول، والاذن له هو الله "أن أحدث" أصحابي أو الناس "عن ملك" أي عن شأنه أو عن عظم خلقه "إلى عاتقه" هو ما بين المنكبين إلى أصل العنق "مسيرة سبع مائة عام" أي بالفرس الجواد كما في خبر آخر فما ظنك بطوله وعظم جثته، والمراد بالسبعين التكثير لا التحديد. والحديث إسناده صحيح قاله المناوي في التيسير.
__________
الكيفية غير جائز وقد قال مالك الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
فمن التوقيف الذي جاء به الكتاب قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقال {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} وقال {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} وقال {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} وقال {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} وقال {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} وقال {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وقال حكاية عن فرعون أنه قال {يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} فوقع قصد الكافر إلى الجهة التي أخبره موسى عنها ولذلك لم يطلبه في طول الأرض ولا عرضها ولم ينزل إلى طبقات الأرض السفلي.
فدل ما تلوناه من هذه الآي على أن الله سبحانه في السماء مستو على العرش ولو كان بكل مكان لم يكن لهذا التخصيص معنى ولا فيه فائدة وقد جرت عادة المسلمين خاصتهم وعامتهم بأن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم إلى السماء وذلك لاستفاضة العلم عندهم بأن ربهم المدعو في السماء سبحانه.
ثم ذكر قول من فسر الاستواء بالاستيلاء وبين فساده.
وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات المصلين له في باب ترجمته باب اختلافهم في الباري هل هو مكان دون مكان أم ليس في مكان أم في كل مكان وهل حملة العرش ثمانية أملام أم ثمانية أصناف من الملائكة.
اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة.

(13/26)


4713- حدثنا عَلِيّ بنُ نَصْرٍ وَ مُحمّدُ بنُ يُونُسَ النّسَائِيّ المَعْنَى قالا أنبأنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقْرِيّ أخبرنا حَرْمَلَةُ - يَعني ابنَ عِمْرَانَ - حدّثني أَبُو يُونُسَ سُلَيْمُ بنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى أَبي هُرَيْرَةَ قال: "سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآية {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} - إِلَى قوله تعالى: {سَمِيعاً بَصِيراً} قال: رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالّتي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ[عيينة] قال أَبُو هُرَيْرَةُ: رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُهَا وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ[إصبعه]. قال ابنُ يُونُسَ قال المُقْرِيّ: يَعني أَنّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ - يَعني أَنّ الله سَمْعاً وَبَصَراً".
[قال يونس قال المقري: وَهَذَا رَدّ عَلَى الْجَهْمِيّةِ].
قال أبُو دَاوُدَ: وَهَذَا رَدّ عَلَى الْجَهْمِيّةِ.
__________
والحديث أخرجه أيضاً الضياء المقدسي في المختارة والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات وسكت عنه المنذري.
"والتي تليها" أي تلى الابهام يعني السبابة "قال ابن يونس" هو محمد "قال المقري" هو عبد الله بن يزيد "وهذا" أي هذا الحديث "رد على الجهمية" لأنه يثبت منه صفة السمع والبصر لله تعالى .
قال الإمام الخطابي في معالم السنن: وضعه إصبعيه على أذنه وعينه عند قراءته سميعاً
__________
ثم قال وقال أهل السنة والحديث ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
فلا نتقدم بين يدي الله في القول بلا نقول استوى بلا كيف.
وأن له وجها كما قال {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}.
وأن له يدين كما قال {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}.
وأن له عينين كما قال {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}.
وأنه يجيء يوم القيامة ملائكته كما قال {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}.
وإنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث.
ولم يقولوا شيئا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت المعتزلة إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى. وقال بعد ذلك في حكاية قول أهل السنة والحديث هذه حكاية قول جملة أصحاب الحديث وأهل السنة.

(13/27)


بصيراً معناه إثبات صفة السمع والبصر لله سبحانه لا إثبات العين والأذن لأنهما جارحتان والله سبحانه موصوف بصفاته منفياً عنه ما لا يليق به من صفات الآدميين ونعوتهم، ليس بذي جوارح ولا بذي أجزاء وأبعاض {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} انتهى.
ورد عليه بعض العلماء فقال قوله لا إثبات العين والأذن الخ ليس من كلام أهل التحقيق وأهل التحقيق يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ولا يبتدعون لله وصفاً لم يرد به كتاب ولا سنة، وقد قال تعالى {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} وقال {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}.
وقوله ليس بذي جوارح ولا بذي أجزاء وأبعاض كلام مبتدع مخترع لم يقله أحد من السلف لا نفياً ولا إثباتاً بل يصفون الله بما وصف به نفسه ويسكتون عما سكت عنه ولا يكيفون ولا يمثلون ولا يشبهون الله بخلقه فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله تشبيهاً. وإثبات صفة السمع والبصر لله حق كما قرره الشيخ انتهى كلامه.
قلت: ما قاله هو الحق وما قال الخطابي فهو ليس من كلام أهل التحقيق.
وعليك أن تطالع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، وإعلام الموقعين، واجتماع الجيوش، والكافية الشافية، والصواعق المرسلة، وتهذيب السنن كلها لابن القيم رحمه الله، وكتاب العلو للذهبي، وغير ذلك من كتب المتقدمين والمتأخرين والحديث سكت عنه المنذري.
__________
جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وماجاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئا.
وأنه تعالى إله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
وأن محمدا عبده ورسوله.
وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
وأن الله تعالى على عرشه كما قال {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}
وأن له يدين بلا كيف كما قال {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}.
وأن له عينين بلا كيف كما قال {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}
وأن له وجها كما قال {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ}
ثم ذكر مذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب فقال:
وكان يقول إن القرآن كلام الله وساقه إلى أن قال وأنه مستو على عرشه كما قال وأنه تعالى فوق كل شيء هذا كله لفظه في المقالات.
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله أيضا في كتاب الموجز:

(13/28)


فائدة
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن أم سلمة أنها قالت الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود به كفر.
ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل كيف استوى على العرش فقال "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول وعلى الله الرسالة وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم" وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي قال كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.
وأخرج الثعلبي من وجه آخر الأوزاعي أنه سئل عن قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فقال هو كما وصف نفسه.
وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب قال كنا عند مالك فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى فأطرق مالك فأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال الرحمن على العرش استوى كما وصف به نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع وما أراك إلا صاحب بدعة أخرجوه.
__________
وإن قالوا أفتزعمون أن الله في السماء قيل له قد نقول إن الله عال فوق العرش مستو عليه والعرش فوق السماء ولا نصفه بالدخول في الأمكنة ولا المباينة لها.
وأما قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} فإن معناه أنه إله أهل الأرض وإله أهل السماء.
وقد جاءت الأخبار أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة فكيف يكون فيها وهو ينزل إليها كما جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا". فهذا الذي استقر عليه مذهب أبي الحسن في كل كتبه كالموجز والمقالات والمسائل ورسالته إلى أهل الثغر والإبانة أن الله فوق عرشه مستو عليه ولا يطلق عليه لفظ المباينة لأنها عنده من لوازم الجسم والله تعالى منزه عن الجسمية.
فظن بعض أتباعه أن نفيه للمباينة نفي للعلو والاستواء بطريق اللزوم فنسبه إليه وقال عليه ما هو قائل بخلافه وهذا بين لكل منصف تأمل كلامه وطالع كتبه.
وفي كتاب السنة لعبد الله بن أحمد من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله فإن بين السموات السبع إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك.

(13/29)


وفي رواية عن مالك والإقرار به واجب والسؤال عنه بدعة.
وأخرج البيهقي من طريق أبي داوود الطيالسي قال كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحددون ولا يشبهون ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف قال أبو داوود وهو قولنا. قال البيهقي وعلى هذا معنى أكابرنا.
وأسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسر شيئاً منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفارق الجماعة لأنه وصف الرب بصفة لا شيء.
ومن طريق الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي ومالكا والثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشافعي يقول لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
وأسند البيهقي عن أبي بكر الضبعي قال: مذهب أهل السنة في قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى
__________
وفي مسند الحسن بن سفيان من حديث ابن أبي مليكة عن ذكوان قال استأذن ابن عباس على عائشة فقالت لا حاجة لي بتزكيته فقال عبد الرحمن بن أبي بكر يا أختاه إن ابن عباس من صالحي بنيك جاء يعودك قالت فائذن له فدخل عليها فقال يا أماه أبشري فوالله ما بينك وبين أن تلقي محمدا والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك كنت أحب نساء النبي صلى الله عليه وسلم إليه ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا قالت وأيضا قال هلكت قلادتك بالأبواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقطها فلم يجدوا ماء فأنزل الله عز وجل {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} وكان ذلك بسببك وبركتك فأنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخص في التيمم وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سموات فليس مسجد يذكر الله فية إلا وبراءتك تتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار.
وقال أبو عمر بن عبد البر روينا من وجوه صحاح أن عبد الله بن رواحة مشي ليلة إلى أمة له فنالها فرأته امرأته فلامته فجحدها فقالت إن كنت صادقا فاقرأ القرآن فإن الجنب لا يقرأ القرآن فقال:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرين
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين
فقالت امرأته آمنت بالله وكذبت عيني وكانت لا تحفظ القرآن.

(13/30)


الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال بلا كيف. والآثار فيه عن السلف كثيرة. وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل.
وقال الترمذي: في الجامع عقب حديث أبي هريرة في النزول وهو على العرش كما وصف به نفسه في كتابه، كذا قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات.
وقال في باب فضل الصدقة: قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال كيف كذا جاء عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم أمروها بلا كيف، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية فأنكروها وقالوا هذا تشبيه. وقال إسحق بن راهوية إنما يكون التشبيه لو قيل يد كيد وسمع كسمع.
وقال في تفسير المائدة: قال الأئمة نؤمن بهذه الأحاديث من غير تفسير، منهم الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك.
وقال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئاً منها، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فقالوا من أقربها فهو مشبه. وقال إمام الحرمين: اخبلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلا الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتعويض معانيها إلى الله تعالى، والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتماً
__________
وفي تاريخ البخاري حدثنا محمد بن فضيل عن فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل أبو بكر فأكب عليه وقبل جبهته وقال بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا وقال من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت.
وفي مغازي الأموي عن البكائي عن ابن إسحاق حدثني يزيد بن سنان عن سعيد بن الأجرد عن العرس بن قيس الكندي عن عدي بن عميرة قال خرجت مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا طويلا وفيه فإذا هو ومن معه يسجدون على وجوههم ويزعمون أن إلههم في السماء فأسلمت وتبعته.
وفي مسند أحمد عن يزيد بن هارون حدثنا المسعودي عن عون بن عبد الله عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية فقال يا رسول الله إن على رقبة مؤمنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أين الله" فأشارت بأصبعها إلى السماء فقال لها "من أنا" فأشارت بأصبعها إلى رسول الله وإلى السماء تعني أنت رسول الله فقال "أعتقها".

(13/31)


لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع انتهى.
وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث وهم فقهاء الأمصار كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم وكذا من أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة انتهى كلام الحافظ رحمه الله.
__________
وهذه غير قصة معاوية بن الحكم التي في صحيح مسلم.
فقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان لمن شهد أن الله في السماء وشهد عليه الجهمية بالكفر.
وقال أحمد في مسنده حدثنا حسين بن محمد حدثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها النفس المطمئنة اخرجي حميدة وابشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقال فلان بأحب أسمائه فيقولون مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله" وذكر الحديث.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها".
وفي مسند الحارث بن أبي أسامة من حديث عبد الرحمن بن نسى عن عبادة ابن تميم عن معاذ بن جبل يرفعه إن الله ليكره في السماء أن يخطأ أبو بكر في الأرض.
ولا تعارض بين هذا وبين تخطئة النبي صلى الله عليه وسلم له في بعض تعبيره الرؤيا لوجهين.
أحدهما: أن الله يكره تخطئة غيره من آحاد الأمة له لا تخطئة الرسول له في أمر ما فإن الصواب والحق مع الرسول صلى الله عليه وسلم قطعا بخلاف غيره من الأمة فإنه إذا خطأ الصديق لم يتحقق أن الصواب معه بل ما تنازع الصديق وغيره في أمر إلا كان الصواب مع الصديق.
الثاني: أن التخطئة هنا مرة منسوبة إلى الخطأ الذي هو الإثم دون الخطأ الذي هو ضد التعمد والله أعلم.
وروى شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس يرفعه إن العبد ليشرف على حاجة من حاجات الدنيا فيذكره الله من فوق سبع سموات فيقول ملائكتي إن عبدي هذا قد أشرف على حاجة من حاجات الدنيا فإن فتحتها له فتحت له بابا من أبواب النار ولكن ازووها عنه فيصبح العبد عاضا على أنامله يقول من دهاني من سبني وما هي إلا رحمة رحمه الله بها ذكره أبو نعيم.

(13/32)


وفي التعقبات من حديث جابر بن سليم أبي جرى قال ركبت قعودا لي فأتيت المدينة فأنخت بباب المسجد فذكر حديثا طويلا وفيه فقال رجل يا رسول الله ذكرت إسبال الإزار فقد يكون بالرجل العرج أو الشيء فيستخفى منه قال "لا بأس إلى نصف الساق أو إلى الكعبين إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردين فتبختر فيهما فنظر إليه الرب من فوق عرشه فمقته فأمر الأرض فأخذتة فهو يتجلجل في الأرض فاحذروا وقائع الله".
وقال ابن شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن أبي جناد عن حبيب بن أبي ثابت أن حسان بن ثابت أنشد النبي صلى الله عليه وسلم:
شهدت بإذن الله أن محمدا ... رسول الذي فوق السموات من عل
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ... له عمل في دينه متقبل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يقول بذات الله فيهم ويعدل
وفي حديث الشفاعة الطويل من رواية زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه فأدخل على ربي عز وجل وهو على عرشه.
وفي لفظ للبخاري فأستأذن على ربي في داره.
وفي لفظ آخر "فآتي تحت العرش فأخر ساجدا لربي".
وفي حديث عبد الله بن أنيس الذي رحل إليه جابر شهرا حتى سمعه منه في القصاص ثم يناديهم الله تعالى وهو قائم على عرشه وذكر الحديث واستشهد البخاري ببعضه.
وفي سنن ابن ماجه ومسند أحمد من حديث الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذا سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة قال وذلك قوله {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} قال فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم". وروى الوليد بن القاسم عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا إلا صعدت لا يردها حجاب فإذا وصلت إلى الله نظر إلى قائلها وحق على الله أن لا ينظر إلى موحد إلا رحمه".
وفي مسند الحسن بن سفيان من حديث أبي جعفر الرازي عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار قال اللهم أنت واحد في السماء وأنا في الأرض واحد عبدك".
ولما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعر أمية بن أبي الصلت:
مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا

(13/33)


بالبناء الأعلى الذي سبق الخل ... ق وسوى فوق السماء سريرا
شرجع ما يناله بصر الع ... ين ترى دونه الملائك صورا
قال النبي صلى الله عليه وسلم "آمن شعره وكفر قلبه".
وروى عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال ما بين السماء القصوى وبين الكرسي إلى قوله والله فوق ذلك وقد تقدم.
وقال إسحاق بن راهوية حدثنا بن حكيم حدثني أبان عن أبيه عن عكرمة في قوله تعالى {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} قال لم يستطع أن يقول من فوقهم علم أن الله من فوقهم.
وقال علي بن الأقمر كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيب حبيب الله المبرأة من فوق سبع سموات.
وقال سلمة بن شبيب حدثنا إبراهيم بن حكيم حدثني أبي عن عكرمة قال بينما رجل مستلق على مثلته في الجنة فقال في نفسه لم يحرك شفتيه لو أن الله يأذن لي لزرعت في الجنة فلم يعلم إلا والملائكة على أبواب الجنة قابضين على أكفهم فيقولون سلام عليك فاستوى فقالوا له يقول لك ربك تمنيت شيئا في نفسك فقد علمته وقد بعث معنا هذا البذور يقول ابذر فألقى يمينا وشمالا وبين يديه وخلفه فخرج أمثال الجبال على ما كان تمنى وأراد فقال له الرب سبحانه وتعالى من فوق عرشه كل يا ابن آدم فإن ابن آدم لا يشبع.
وأصله في صحيح البخاري.
وفي تفسير سنيد شيخ البخاري عن مقاتل بن حيان عن الضحاك في قوله تعالى {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} قال هو على عرشه وعلمه معهم أينما كانوا.
وفي تاريخ ابن أبي خيثمة حدثنا هارون بن معروف حدثنا ضمرة عن صدقة التيمي قال سمعت سليمان التيمي يقول لو سئلت أين الله لقلت في السماء.
وقال حنبل قلت لأبي عبد الله ما معنى قوله {وَهُوَ مَعَهُمْ} قال هو رابعهم {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} علمه محيط بكل شيء يعلم الغيب وهو على العرش.
وقال يوسف بن موسى قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه بكل مكان قال نعم الله على العرش وعلمه لا يخلو منه مكان.
وقال الأثرم حدثني محمد بن إبراهيم القيسي قلت لأحمد بن حنبل يحكى عن ابن المبارك أنه قيل له كيف نعرف ربنا قال في السماء السابعة على عرشك قال أحمد هكذا هو عندنا.
وذكر أبو عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب السنة عن الإمام أبي عبد الله الشافعي قدس الله

(13/34)


روحه ورضي عنه قال السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا أهل الحديث الذين رأيتهم عليها فأحلف عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف يشاء وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء وذكر كلاما طويلا وقال عبد الرحمن أيضا سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا السلف عليه وما يعتقدون من ذلك فقالا أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا فكان مذهبهم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته والقدر خيره وشره من الله وأن الله تعالى على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف أحاط بكل شيء علما و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
وقال أبو القاسم الطبري في كتاب شرح السنة له وجدت في كتاب أبي حاتم الرازي مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين من بعدهم والتمسك بمذاهب أهل الأثر مثل أبي عبد الله أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبي عبيد القاسم بن سلام والشافعي رحمهم الله ولزوم الكتاب والسنة.
ونعتقد أن الله عز وجل على عرشه بائن من خلق {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
وفي كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري رحمه الله الذي ذكره أبو القاسم بن عساكر وعده من كتبه وحكى كلامه فيه مبينا عقيدته والذب عنه قال.
ذكر الاستواء على العرش
إن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟
قال نقول له إن الله مستو على عرشه كما قال {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقال {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وقال {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} وقال حكاية عن فرعون {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً} كذب فرعون موسى في قوله إن الله عز وجل فوق السموات وقال الله {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلى السموات.
وليس إذا قال {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} أنه يعني جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السموات فقال {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض.

(13/35)


ثم قال
فصل
وقد قال قائلون من المعتزله والجهمية والحرورية إن معنى قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أنه استولى وملك وقهر وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة.
ولو كان هذا كما قالوا لكان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم فالله تعالى لو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء فهو علا وعز مستو على الأشياء كلها على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش وعلى الأقذار تعالى الله لأنه قادر على الأشياء كلها مستول عليها وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء على العرش معنى يختص العرش دون الأشياء كلها.
ثم ذكر دلالات القرآن والحديث والعقل والإجماع.
وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري في كتاب الإبانة له أيضا فإن قال قائل أتقولون إنه في كل مكان.
قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقال {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وقال {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ}.
قال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها مالم يكن وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان ويصح أن نرغب إلى الله نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه. وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في عقيدته طريقتنا طريقة المتبعين لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة فيما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله تعالى يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه وليس هو حال فيهم ولا ممتزج فيهم وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه.
وقد تقدم حكاية كلام أبي عمر بن عبد البر في كتاب الاستذكار.
وقال في التمهيد لما ذكر حديث النزول هذا حديث ثابت النقل من جهة الإسناد ولم يختلف.

(13/36)


19- باب في الرؤية
4714- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرُ وَ وَكِيعٌ وَ أَبُو أُسَامَةَ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أَبي خَالِدٍ عن قَيْسِ بنِ أَبي حَازِمٍ عن جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله قال: كُنّا مَعَ
__________
باب في الرؤية
أي في رؤية تعالى في دار الآخرة للمسلمين. قال ابن بطال: ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله تعالى في الآخرة، ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة.
وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثاً، وحالا في مكان، وأولوا قوله تعالى {نَاظِرَةٌ} بمنتظره وهو خطأ.
وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود، والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم، فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي.
__________
أهل الحديث في صحته وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قال الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن الله بكل مكان.
ثم ذكر الاحتجاج لقول الجماعة وأطال.
وفي كتاب السنة لعبد الرحمن بن أبي حاتم عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا من شيوخ الإمام أحمد أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم شر قولا من اليهود والنصارى قد أجمع اليهود والنصارى مع المسلمين أن الله على العرش وقالوا هم ليس على العرش شيء.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم أيضا في كتاب الرد على الجهمية قال عبد الرحمن ابن مهدي أصحاب جهم يعتقدون أن الله لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا ليس في السماء شيء وأن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا.
وحكي عن عاصم بن علي شيخ الإمام أحمد والبخاري قال ناظرت جهميا فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربا.
ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله الأحاديث في الرؤية إلى حديث وضع الأصبع ثم قال:
قد أخرجاه في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن".

(13/37)


رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم جُلُوساً فَنَظَرَ إلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ، فقالَ: "إِنّكُم سَتَرُوْنَ رَبّكُم كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لا تُضَامّونَ في رُؤْيَتِهِ، فإِن اسْتَطَعْتُمْ أَن لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ
__________
قال: وتعلقوا بقوله تعالى {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} وبقوله تعالى لموسى {لَنْ تَرَانِي} والجواب عن الأول أنه لا تدركه الأبصار في الدنيا جمعاً بين دليلي الآيتين، وبأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته.
وعن الثاني المراد لن تراني في الدنيا جمعاً أيضاً، ولأن نفي الشيء لا يقتضي إحالته مع ما جاء من الأحاديث الثابتة على وفق الآية، وقد تلقاها المسلمون بالقبول من لدن الصحابة والتابعين حتى حدث من أنكر الرؤية وخالف السلف كذا في فتح الباري. وقد أورد الإمام البخاري في صحيحه لإثباتها أحد عشر حديثا.
"جلوساً" بالضم أي جالسين "ليلة أربع عشرة" بدل من ما قبله "إنكم سترون ربكم" أي يوم القيامة "كما ترون هذا" أي القمر "لا تضامون" قال الخطابي في المعالم: هو من الانضمام
__________
وفي صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل" ثم تلا هذه الآية {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن ناسا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل تضارون في القمر ليلة البدر" قالوا لا يا رسول الله قال "هل تضارون في الشمس ليس دونها حجاب" قالوا لا يا رسول الله قال "فإنكم ترونه كذلك".
وفي الصحيحين مثله من حديث أبي سعيد.
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث إسرائيل عن ثوير قال سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جناته وأزواجه وخدمة وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيه" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وقال هذا حديث حسن غريب وقد روى غير واحد مثل هذا عن إسرائيل مرفوعا وروى عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر قوله ولم يرفعه.
وروى عبد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر من قوله لم يرفعه وقد روى أحاديث الرؤية عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه منهم جرير بن عبد الله وأبو رزين العقيلي وأبو هريرة وأبو سعيد وصهيب وجابر وأبو موسى وعبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وعدي بن حاتم وعمار بن ياسر وعمرو بن ثابت الأنصاري وابن عمر رضي الله عنهم.

(13/38)


طُلوعِ الشّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فافْعَلُوا" ثُمّ قَرَأَ هَذِهِ الآية: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}.
4715- حدثنا إسْحَاقُ بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا سُفْيَانُ عن سُهَيْلِ بنِ أَبِي صَالحٍ عن أَبِيهِ أَنّهُ سَمِعَهُ يُحَدّثُ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ نَاسٌ: يَا رَسُولَ الله أَنرَى رَبّنَا عَزّ
__________
يريد إنكم لا تختلفون في رؤيته حتى تجتمعوا للنظر وينضم بعضكم إلى بعض فيقول واحد هو ذاك ويقول آخر ليس بذلك على ما جرت به عادة الناس عند النظر إلى الهلال أول ليلة من الشهر ووزنه تفاعلون وأصله تتضامنون حذفت منه إحدى التائين، وقد رواه بعضهم لا تضامون بضم التاء وتخفيف الميم فيكون معناه على هذه الرواية أنه لا يلحقكم ضيم ولا مشقة في رؤيته "فإن استطعتم أن لا تغلبوا" بصيغة المجهول أي لا تصيروا مغلوبين "على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" يعني الفجر والعصر، وخص بالمحافظة على هاتين الصلاتين الصبح والعصر لتعاقب الملائكة في وقتهما ولأن وقت صلاة الصبح وقت النوم وصلاة العصر وقت الفراغ من الصناعات وإتمام الوظائف فالقيام فيهما أشق على النفس "فافعلوا" أي عدم المغلوبية بقطع الأسباب المنافية للاستطاعة كنوم ونحوه قاله القسطلاني وقال السندي: أي لا يغلبنكم الشيطان حتى تتركوهما أو تؤخروهما عن أول وقت الاستحباب انتهى.
__________
وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق في قول الله عز وجل {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال الزيادة النظر إلى الله عز وجل ورواه أبو إسحاق عن مسلم بن يزيد عن حذيفة.
قال الحاكم أبو عبد الله وتفسير الصحابي عندنا مرفوع.
وقال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد قال سمعته وبلغه عن رجل أنه قال إن الله لا يرى في الآخرة فغضب غضبا شديدا ثم قال من قال إن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر فعليه لعنة الله وغضبه من كان من الناس أليس الله عز وجل يقول {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وقال {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} فهذا دليل على أن المؤمنين يرون الله.
وقال حنبل بن إسحاق سمعت أبا عبد الله يقول قالت الجهمية إن الله لا يرى في الآخرة وقال الله عز وجل {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} فلا يكون هذا إلا إن الله عز وجل يرى وقال {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} فهذا النظر إلى الله والأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم "إنكم ترون ربكم" صحيحة وأسانيدها غير مدفوعة والقرآن شاهد أن الله يرى في الآخرة.
وقال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل وقد ذكر عنده شيء في الرؤية فغضب وقال من قال إن الله لايرى فهو كافر.

(13/39)


وَجَلّ يَوْمَ الْقِيَامةِ؟ قال: "هَلْ تَضَارّونَ في رُؤْيَةِ الشّمْسِ في الظّهِيرَةِ لَيْسَتْ في سَحَابَةٍ"؟ قالُوا: لاَ، قال: "هَلْ تَضَارّونَ في رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ في سَحَابَةٍ"؟ قالُوا: لاَ، قال: "وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تُضَارّونَ في رُؤْيَتِهِ إلا كَمَا تُضَارّونَ في رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا".
4716- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ ح وأخبرنا عُبَيْدُ الله ابنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبي أخبرنا شُعْبَةُ المَعْنى عن يَعْلَى بنِ عَطَاءِ عن وَكِيعٍ[وكيع بن عدس] قال مُوسَى بنُ حُدُسٍ عن أَبي رَزِينٍ قال مُوسَى الْعُقَيْلِيّ قال قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَكُلّنَا يَرَى رَبّهُ؟ قال ابنُ مُعَاذٍ: مُخْلِياً بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ في خَلْقِهِ؟ قالَ: "يَا أَبَا
__________
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"هل تضارون" أي هل يحصل لكم تزاحم وتنازع يتضرر به بعضكم من بعض قال الخطابي في المعالم: هذا والأول سواء في إدغام أحد الحرفين في الآخر وفتح التاء من أوله ووزنه تفاعلون من الضرار والضرار أن يتضار الرجلان عند الاختلاف في الشيء فيضار هذا ذاك وذاك هذا، فيقال قد وقع الضرار بينهما أي الاختلاف انتهى "في الظهيرة" هي نصف النهار وهو وقت ارتفاعها وظهورها وانتشار ضوءها في العالم كله "ليست" أي الشمس "في سحابة" أي غيم يحجبها "إلا كما تضارون الخ" قال الطيبي: أي لا تشكون فيه إلا كما تشكون في رؤية القمرين وليس في رؤيتهما شك فلا تشكون فيها البتة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"قال موسى" هو ابن إسماعيل "ابن حدس" أي قال موسى في روايته عن وكيع بن حدس قال الحافظ في التقريب: وكيع بن عدس بمهملات وضم أوله وثانيه وقد يفتح ثانيه ويقال بدل العين "قال موسى العقيلي" أي قال موسى في روايه عن أبي رزين العقيلي والعقيلي هو التصغير "قال ابن معاذ" هو عبيد الله "مخلياً به" بميم مضمومة فخاء معجمة ساكنة
__________
وقال عباس الدوري سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول وذكر عنده هذه الأحاديث في الرؤية فقال هذه عندنا حق نقلها الناس بعضهم عن بعض.
وقال عبد الله بن وهب قال مالك بن أنس الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم.
وقال المزني سمعت ابن هرم القرشي يقول سمعت الشافعي يقول في قول الله عز وجل {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} قال فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا قال فقال له أبو النجم القزويني يا أبا إبراهيم به تقول قال نعم وبه أدين الله فقام إليه عصام فقبل رأسه وقال يا سيد الشافعيين اليوم بيضت وجوهنا.

(13/40)


رَزِينٍ أَلَيْسَ كُلّكُم يَرَى الْقَمَرَ" قالَ ابنُ مُعَاذٍ: لَيْلَةَ الْبَدْرِ مُخْلِياً بِهِ - ثُمّ اتّفَقَا - قُلْتُ: بَلَى. قال: "فالله أَعْظَمُ" قال ابنُ مُعَاذٍ قال: فإِنّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله، الله أَجَلّ وَأَعْظَمُ.
__________
فلام مكسورة فتحتية مخففة أي خالياً بربه بحيث لا يزاحمه شيء في الرؤية، وقيل بفتح ميم وتشديد تحتية وأصله مخلوي والمعنى منفرداً به، ففي النهاية يقال خلوت به ومعه وإليه اختليت به إذا انفردت به أي كلكم يراه منفرداً بنفسه كذا في المرقاة "وما آية ذلك" أي ما علامة ذلك "ثم اتفقا" أي موسى وابن معاذ "فإنما هو" أي القمر "خلق من خلق الله" أي ويراه كلنا "فالله أجل وأعظم" أي فهو أولى بالرؤية.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأبو رزين العقيلي له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعداده من أهل الطائف هو لقيط بن عامر ويقال لقيط بن صبره هكذا ذكره البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما، وقيل هما اثنان ولقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة والصحيح الأول وقال النمري فيمن قال لقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة نسبة إلى جده وهو لقيط بن عامر بن صبرة.

(13/41)


20- باب في الرد على الجهميه
4717- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ وَ مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أَنّ أَبَا أُسَامَةَ أَخْبَركُمْ عن عُمَرَ بنِ حَمْزَةَ قالَ قالَ سَالِمٌ أخبرني عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ."يَطْوي الله تعالى السّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثمّ يَأْخُذُهُنّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ
__________
باب في الرد على الجهميه
وجد هذا الباب في نسخة واحدة صحيحة وليس في سائر النسخ، فعلى تقدير إثبات الباب فيه تكرار لأن هذا الباب تقدم قبل باب الرؤية، وعلى حذفه ليس لحديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة تعلق بباب الرؤية، فالأشبه كون هذين الحديثين قبل باب الرؤية وتحت باب الجهمية، فإدخالهما في باب الرؤية من تصرف النساخ والله أعلم
"يطوي الله تعالى" من الطي الذي هو ضد النشر.
وأخرج البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله تبارك وتعالى يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك".
وعند أحمد من طريق عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الاية ذات يوم على المنبر {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ

(13/41)


أَيْنَ الْجَبّارُونَ أَيْنَ المُتَكَبّرُون ثُمّ يَطْوِي الأرَضِينَ[يطوي الله الأرضين] ثُمّ يَأْخُذُهُنّ" قال ابنُ الْعَلاَءِ: بِيَدِهِ الأخْرَى ثُمّ يَقُولُ: "أَنَا المَلِكُ أَيْنَ الْجَبّارُونَ أَيْنَ المُتَكَبّرُونَ".
4718- حدثنا الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن أَبي سَلَمَةَ ابنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ وَعنْ أبي عَبْدِ الله الأغَرّ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "يَنْزِلُ رَبّنَا عَزّ وَجَلّ كُلّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ الّليْلِ الآخر فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسأَلني فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُني فأَغْفرَ لَهُ".
__________
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدير يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم فذكره. ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا الحديث "يأخذ الله تبارك وتعالى سمواته وأرضيه بيده ويقول أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم".
وعند الشيخين من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض".
قال الحافظ ابن كثير وقد ورد أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف "ثم يقول أنا الملك" أي لا ملك إلا لي "أين الجبارون" أي الظلمة القهارون "أين المتكبرون" أي بما لهم وجاههم "ثم يطوي الأرضيين" جمع أرض.
قال المنذري: وأخرجه مسلم البخاري تعليقاً.
"فيقول من يدعوني فأستجيب" بالنصب على جواب الأستفهام والسين ليست للطلب بل أستجيب بمعنى أجيب "فأعطيه" أي سؤله "فأغفر له" أي ذنوبه، وتقدم الكلام في مثل هذه الأحاديث هو إمرارها على ظاهرها من غير تأويل ولا تشبيه ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح هذا الحديث كتاب سماه بشرح حديث النزول وهو كتاب مملوء من تحقيقات عجيبة فعلى طالب الحق مطالعته فإنه عديم النظير في بابه والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(13/42)


21 - باب في القرآن
4719- حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا إِسْرَائِيلُ أخبرنا عُثْمانُ بنُ المُغِيرَةِ عن سَالِمٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النّاسِ بالمَوْقِفِ[في الموقف] فقالَ: "أَلا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فإِنّ قُرَيْشاً قَدْ مَنَعُوني أَنْ أُبَلّغَ كَلاَمَ رَبّي".
4720- حدثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عُمَرَ أنبأنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنا[أنبأنا] ابنُ أَبي زَائِدَةَ عن مُجَالِدٍ عن عَامِرٍ - يَعْنِي الشّعْبيّ - عن عَامِرِ بنِ شَهْرٍ قال: كُنْتُ عِنْدَ النّجَاشِيّ فَقَرَأَ ابْنٌ لَهُ آيَةً مِنَ الإنْجِيلِ فَضَحِكْتُ فقالَ: أَتَضْحَك مِنْ كَلاَم الله تعالى .
__________
باب في القرآن
قال في فتح الودود أي في أنه كلام الله لا أنه كلام خلقه الله تعالى في بعض الأجسام. واستدل على ذلك بالأحاديث التي وقع فيها إضافة الكلام إلى الله تعالى أو التكلم أو الكلمات.
"ألا" بلا النهي مع همزة الاستفهام "يحملني إلى قومه" أي يذهب بي إلى قومه "كلام ربي" ولنعم ما قيل وما القرآن مخلوقاً تعالى كلام الرب من جنس المقال قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
"عن عامر بن شهر" قال في الإصابة: عامر بن شهر صحابي أخرج حديثه أبو يعلى مطولا وله في أبي داوود حديث من رواية الشعبي، وروى له حديثاً آخر قال كنت عند النجاشي فقرأ ابن له آية من الإنجيل وهو طرف من الحديث الطويل. وكان عامر بن شهر أحد عمال النبي صلى الله عليه وسلم على اليمن انتهى.
"كنت عند النجاشي" اسم ملك الحبشة.
__________
ذكره الحاكم في مناقب الشافعي.
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفي لفظ لمسلم فيه "ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حتى يمضي ثلث الليل الأول فيقول أنا الملك وأنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر".
وفي لفظ آخر لمسلم إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه "ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فيقول هل من سائل يعطي هل من داع فيستجاب له هل من مستغفر فيغفر له حتى ينفجر الصبح".

(13/43)


4721- حدثنا سُلَيْمان بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنا عَبْدُ الله بنُ وَهبٍ أخبرني يُونُس بنُ يَزِيدَ عن ابنِ شَهَابٍ أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزّبَيْرِ وَ سَعِيدُ ابنُ المُسَيّبِ وَ عَلْقَمَةُ بنُ وَقّاصٍ وَ عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عن حَدِيثِ عَائِشَةَ وكُلّ حدّثني طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ قالَتْ: وَلَشَأْنِي في نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلّمَ الله فيّ بأَمْرٍ يُتْلَى.
__________
قال المنذري: في إسناده مجالد بن سعيد ولا يحتج به، وعامر بن شهر همداني ناعطي وقيل إنه من بكيل وكلاهما من همدان يعد في الكوفيين كنيته أبو الكنود ويقال أبو شهر روى عنه الشعبي وقيل إنه لم يرو عنه غيره. وشهر بفتح المعجمة وسكون الهاء وراء مهملة، وناعط بفتح النون وبعد الألف عين مهملة مكسورة وطاء مهملة، وإنما قيل له ناعط لأنه نزل جبلا يقال له ناعط فسمي به وغلب عليه. وبكيل بفتح الباء الموحدة وكسر الكاف وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة ولام.
"وكل حدثني طائفة من الحديث" أي قال الزهري كل من الأئمة المذكورين حدثني بعضاً من حديث الإفك "ولشأني" بفتح اللام "من أن يتكلم الله في" بتشديد التحتية أي في شأني وتزكية نفسي وإبراء ذمتي قال في الفتح. قال الداوودي فيه أن الله تكلم ببراءة عائشة رضي الله عنها حين أنزل براءتها بخلاف قول بعض الناس إنه لم يتكلم انتهى.
__________
وفي لفظ آخر لمسلم من يدعوني فأستجيب له أو يسألني فأعطيه ثم يقول من يقرض غير عديم ولا ظلوم.
وفي لفظ آخر له ثم يبسط يديه تبارك وتعالى من يقرض غير عديم ولا ظلوم.
وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من مستغفر هل من تائب هل من سائل هل من داع حتى ينفجر الفجر".
ورواه الترمذي ثم قال وفي الباب عن علي وأبي سعيد ورفاعة الجهني وجبير بن مطعم وابن مسعود وأبي الدرداء وعثمان بن أبي العاص وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي عنه أنه قال ينزل الله عز وجل حين يبقى ثلث الليل الآخر وهو أصح الروايات هذا آخر كلامه.

(13/44)


4722- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن المِنْهَالِ بنِ عَمْرٍو عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يُعَوّذُ الْحَسَنَ والْحُسَيْنَ: "أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ الله التّامةِ مِنْ كُلّ شَيْطَانٍ وَهَامّةٍ، وَمِنْ كُلّ عَيْنٍ لاَمّةٍ". ثُمّ يَقُولُ: كَانَ أَبُوكُم يُعَوّذُ بِهِمَا[بها] إسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ".
قال أبُو دَاوُدَ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بمَخْلوقٍ.
__________
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي مطولا ومختصراً.
"كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ" بضم الياء وكسر الواو الثقيلة وذال معجمة أي يطلب من الله عصمة "بكلمات الله التامة" أي الخالية عن العيوب أو الوافية في دفع ما يتعوذ منه "وهامة" بتشديد الميم وهي كل ذات سم "ومن كل عين لامة" أي ذات لمم وهو القرب من الشيء "أبوكم" أي إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنه أبو العرب "بهما" كذا في بعض النسخ وفي بعضها بها بضمير الواحد المؤنث وكذلك في رواية البخاري وهو الظاهر أي يعوذ بهذه الكلمات المذكورة "قال أبو داوود هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق" قال الخطابي في المعالم: وكان أحمد بن حنبل يستدل بقوله بكلمات الله التامة على أن القرآن غير مخلوق وما من كلام مخلوق إلا وفيه نقص، فالموصوف منه بالتمام هو غير مخلوق وهو كلام الله سبحانه انتهى.
__________
وفي الباب عن عبادة بن الصامت... قال عباد بن العوام قدم علينا شريك واسط فقلنا له إن عندنا قوم ينكرون هذه الأحاديث إن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا فقال شريك إنما جاءنا بهذه الأحاديث من جاءنا بالسنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام والزكاة والحج وإنما عرفنا الله عز وجل بهذه الأحاديث.
قال الشافعي في رواية الربيع وليس ينبغي في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اتباعها بفرض الله عز وجل والمسألة بكيف في شيء قد ثبتت فيه السنة مما لا يسع عالما.
وقال مطرف سمعت مالكا يقول إذا ذكر عنده الزائغون في الدين-:
قال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور بعده سننا الأخذ بها اتباع لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد بن حنبل ينزل ربنا كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا أليس تقول بهذه الأحاديث ويرى أهل الجنة ربهم ولا تقبحوا الوجه واشتكت النار إلى ربها وأن موسى لطم عين ملك الموت فقال أحمد هذا كله صحيح.

(13/45)


قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال استدل البخاري بقوله تعالى {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ} على أنّ قول الله قديم لأنه قائم بصفاته لم يزل موجوداً به ولا يزال كلامه لا يشبه المخلوقين خلافاً للمعتزلة التي نفت كلام الله تعالى .
وقال البيهقي: في كتاب الاعتقاد: القرآن كلام الله وكلام الله صفة من صفات ذاته وليس شيء من صفات ذاته مخلوقاً ولا محدثاً ولا حدثاً، قال تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فلو كان القرآن مخلوقاً لكان مخلوقاً بكن ويستحيل أن يكون قول الله لشيء بقول لأنه يوجب قولا ثانياً وثالثاً فيتسلسل وهو فاسد وقال الله تعالى {الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْأِنْسَانَ} فخص القرآن بالتعليم لأنه كلامه وصفته، وخص الإنسان بالتخليق لأنه خلقه ومصنوعه، ولولا ذلك لقال خلق القرآن والإنسان.
وقال الله تعالى {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم قائماً بغيره.
وقال تعالى {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً} الآية، فلو كان لا يوجد إلا مخلوقاً في شيء مخلوق لم يكن لاشتراط الوجوه المذكورة في الآية معنى لاستواء جميع الخلق في سماعه من غير الله فبطل قول الجهمية أنه مخلوق في غير الله، ويلزمهم في قولهم إن الله خلق كلاماً في شجرة كلم به موسى أن يكون من سمع كلام الله من ملك أو نبي أفضل في سماع الكلام من موسى يلزمهم أن تكون الشجرة هي المتكلمة بما ذكر الله أنه كلم به موسى وهو قوله {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} وقد أنكر الله تعالى قول المشركين { إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ
__________
قال إسحاق ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي.
فإن قيل فكيف تصنعون فيما رواه النسائي أخبرني إبراهيم بن يعقوب حدثني عمر بن حفص بن غياث حدثنا الأعمش حدثنا أبي حدثنا أبو إسحاق حدثنا مسلم الأغر قال سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري رضي الله عنهما يقولان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا ينادي ويقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى" وهذا الإسناد ثقات كلهم.
قلنا وأي منافاة بين قوله ينزل ربنا فيقول وهل يسوغ أن يقال إن المنادى يقول أنا الملك ويقول لا أسأل عن عبادي غيري ويقول من يستغفرني فأغفر له وأي بعد في أن يأمر مناديا ينادي هل من سائل فيستجاب له ثم يقول هو سبحانه من يسألني فأستجيب له وهل هذا إلا أبلغ في الكرم والأحسان أن يأمر مناديه يقول ذلك ويقوله سبحانه بنفسه وتتصادق الروايات كلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نصدق بعضها ونكذب ما هو أصح منه وبالله تعالى التوفيق.

(13/46)


4723- حدثنا أحْمَدُ بنُ أَبي سُرَيْجٍ الرّازِيّ وَ عَلِيّ بنُ الْحُسَيْنِ بنِ إبْرَاهِيمَ وَ عَلِيّ بنُ مُسْلِمٍ قالُوا أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ أنبأنا[أخبرنا] الأعمَشُ عن مُسْلِمٍ عن سَسْرُوقٍ عن عَبْدِ الله قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَكَلّمَ الله تعالى بالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السّماءِ لِلسّماءِ صَلْصَلَةً كَجَرّ السّلْسِلَةِ عَلَى الصّفَا فَيُصْعَقُونَ فَلاَيَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتّى
__________
الْبَشَرِ} ولا يعترض بقوله تعالى {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} لأن معناه قول تلقاه عن رسول كريم كقوله تعالى {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} ولا بقوله {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} لأن معناه سميناه قرآناً وهو كقوله {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} وقوله {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} وقوله {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} فالمراد تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه. وبهذا احتج الإمام أحمد، ثم ساق البيهقي حديث نيار بكسر النون وتخفيف التحتانية ابن مكرم أن أبا بكر قرأ عليهم سورة الروم فقالوا هذا كلامك أو كلام صاحبك؟ قال ليس كلامي ولاكلام صاحبي ولكنه كلام الله. وأصل هذا الحديث أخرجه الترمذي مصححاً.
وقال ابن حزم في الملل والنحل: أجمع أهل الإسلام على أن الله تعالى كلم موسى وعلى أن القرآن كلام الله وكذا غيره من الكتب المنزلة والصحف.
قال الحافظ بعد ما أطال الكلام: والمحفوظ عن جمهور السلف ترك الخوض في ذلك والتعمق فيه والاقتصار على القول بأن القرآن كلام الله وأنه غير مخلوق ثم السكوت عما وراء ذلك.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"أحمد بن أبي سريج" بالسين المهملة والجيم "عن مسلم" هو ابن صبيح كما عند البيهقي في كتاب الصفات "صلصلة" هي صوت وقوع الحديد بعضه على بعض "كجر السلسلة على الصفا" جمع صفاة وهي الصخرة والحجر الأملس. وفي صحيح البخاري تعليقاً من قول عبد الله بن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئاً فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق انتهى: ووصله البيهقي في كتاب الصفات موقوفاً وكذا البخاري في خلق أفعال العباد.
قال البيهقي: ورواه أحمد بن أبي سريج الرازي وعلي بن اشكاب وعلى بن مسلم ثلاثتهم عن أبي معاوية مرفوعاً.
قال في فتح الباري في رواية أبي داوود وغيره "سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا" ولبعضهم الصفوان بدل الصفا وفي رواية الثوري الحديد بدل السلسلة وفي رواية شيبان بن عبد الرحمن عن منصور عند ابن حاتم مثل صوت السلسلة، وعنده من

(13/47)


يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ حَتّى إِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزّعَ عن قُلُوبِهِمْ، قال فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ مَاذَا قَالَ رَبّكَ فَيَقُولُ: الْحَقّ، فَيَقُولُونَ: الْحَقّ الْحّقّ".
__________
رواية عامر الشعبي عن ابن مسعود "سمع من دونه صوتاً كجر السلسلة" ووقع في حديث النواس بن سمعان عند ابن أبي حاتم إذا تكلم الله بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة من خوف الله تعالى ، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجداً انتهى "فيصعقون" أي يغشى عليهم "فلا يزالون كذلك" أي مغشياً عليهم "فزع" بصيغة المجهول أي كشف وأزيل "فيقول" أي جبرائيل "الحق" أي قال الحق. قال بعض العلماء: والمعنى أن الله تبارك وتعالى إذا تكلم بالوحي أرعد أهل السموات من الهيبة فيلحقهم كالغشي فإذا جلى عن قلوبهم سأل بعضهم بعضاً ماذا قال ربكم؟ قالوا القول الحق أي المطابق للواقع يعني أخبر بعضهم بعضاً بما قال الله تعالى من غير زيادة ونقصان انتهى.
قال المنذري: وقد أخرج البخاري والترمذي وابن ماجه نحوه من حديث عكرمة مولى ابن عباس عن أبي هريرة وقد تقدم في كتاب الحروف أنتهى.
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
ورواه البخاري والترمذي أيضا من حديث الحميدي عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فاذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا ماذا قال ربكم قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير فسمعها مسترقوا السمع ومسترقوا السمع هكذا بعضهم فوق بعض" وذكر الحديث.
وقد رواه أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن عبد الله من قوله إن الله إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفافيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم.
قال فيقولون يا جبريل ماذا قال ربك فيقول الحق قال فينادون الحق الحق.
وقد روى هذا مرفوعا وليس فيه سمع أهل السماء للسماء وهو الحديث الذي ذكره أبو داود وروى البيهقي من حديث نعيم بن حماد حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن يزيد بن جابر عن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله أن يوحى بأمره تكلم بالوحي وإذا تكلم بالوحي أخذت السموات رجفة أو قال رعدة شديدة خوفا من الله عز وجل فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فيمضي جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل فيقول جبريل قال الحق وهو العلي الكبير قال فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيت أمره الله سبحانه من السماء والأرض".

(13/48)


22- باب ذكر البعث والصور
4724- حدثنا مُسَدَدّ أخبرنا مُعْتَمِرٌ قال سَمِعْتُ أَبِي قال أخبرنا أَسْلَمُ عن بِشْرِ بنِ شَغَافٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو[ابن عمرو أو عمر- عمر] عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "الصّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ".
__________
باب ذكر البعث
بفتح الباء وسكون العين. قال في اللسان: البعث الإحياء من الله للموتى ومنه قوله تعالى {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} أي أحييناكم. وبعث الموتى نشرهم ليوم البعث. وفتح العين في البعث لغة ومن أسمائه تعالى الباعث هو الذي يبعث الخلق أي يحييهم بعد الموت يوم القيامة انتهى "والصور" بضم أوله وهو قرن ينفخ فيه، والمراد به النفخة الثانية كذا في المرقاة.
وفي النهاية: الصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام عند بعث الموتى إلى المحشر. وقال بعضهم إن الصور جمع صُوْرة يربد صُوَر الموتى ينفخ فيها الأرواح، والصحيح الأول، لأن الأحاديث تعاضدت عليه تارة بالصور وتارة بالقرن انتهى.
"عن بشر بن شغاف" بفتح المعجمتين "عن عبد الله بن عمرو" بالواو وفي بعض النسخ بغير الواو وفي بعضها عن عبد الله بن عمرو أو عمر "الصور قرن ينفخ فيه" بصيغة المجهول أي ينفخ فيه إسرافيل النفختين.
__________
وقال أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن أبي صالح عن العلاء بن الحارث عن زيد بن أرطاة عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه" يعني القرآن قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد وقد رواه عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن زيد بن أرطاة عن جبير بن نفير عن عقبة ابن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي يحتمل أن يكون جبير بن نفير رواه عنهما جميعا.
وروى علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خيركم من تعلم القرآن وعلمه وفضل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه وذلك أنه منه" رواه البيهقي من طريقين.
أحدهما: من حديث الحماني عن إسحاق بن سليمان الرازي حدثنا الجراح عن علقمة.
والثاني: من حديث يعلى بن المنهال السكوني عن إسحاق بن سليمان به.

(13/49)


4725- حدثنا الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن أَبِي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم قال: "كُلّ ابنِ آدَمَ تَأْكُلُ الأرْضُ إِلا عَجْبَ الذّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكّبُ".
__________
قال الأردبيلي: قال مجاهد وغيره: الصور على هيئة البوق يجعل الأرواح فيه وينفخ انتهى.
وقال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن، وقد رواه غير واحد عن سليمان يعني التيمي ولا نعرفه إلا من حديث أسلم يعني العجلي، هكذا ذكره الحافظ أبو القاسم الدمشقي في الاشراف، والذي شاهدناه في غير نسخة ولا نعرفه إلا من حديثه فظاهره أنه يعود على سليمان التيمي.
"كل ابن آدم" بالنصب مفعول مقدم أي جميع جسده "إلا عجب الذنب" بفتح العين وسكون الجيم العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز "منه" أي من عجب الذنب "خلق" بصيغة المجهول أي ابتديء منه خلق الإنسان أولا "وفيه" أي ومنه، وفي تأتي مرادفه لمن "يركب" بصيغة المجهول أي في الخلق الثاني.
قال النووي في شرح مسلم: عجب الذنب هو بفتح العين وإسكان الجيم أي العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب وهو أول ما يخلق من الآدمي وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه، وهذا مخصوص فيخص منه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فإن الله حرم على الأرض أجسادهم انتهى.
وأخرج البخاري في التفسير ومسلم في الفتن عن أبي معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما بين النفختين أربعون، قالوا يا أبا هريرة أربعين يوماً؟ قال أبيت، قالوا أربعين شهراً؟ قال أبيت، قالوا أربعين سنة؟ قال أبيت ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل قال وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً هو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة" واللفظ لمسلم.
وعند مسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب".
وعنده من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة قالوا أيّ عظم هو يا رسول الله؟ قال عجب الذنب" انتهى.
__________
والجراح هو الجراح بن الضحاك الكندي.
ورواه أيضا من حديث حامد بن محمود عن إسحاق به.
ورواه يحيى بن أبي طالب عن إسحاق بن سليمان فجعل آخره من قول أبي عبد الرحمن مبينا وتابعه على ذلك غيره
وقد روى عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ثواب السائلين وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه".
وقد روى هذا المعنى وهو فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه من حديث أبي هريرة ولكن في إسناده عمر الأبح وقد ضعف.

(13/50)


23- باب في الشفاعة
4726- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَربٍ أخبرنا بَسْطَامُ بنُ حُرَيْثٍ عن أَشْعَثَ الْحُذّانيّ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "شَفَاعَتِي لأهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمّتِي".
__________
باب في الشفاعة
"أخبرنا بسطام" بكسر الموحدة "الحداني" بمهملتين مضمومة ثم مشددة قاله الحافظ "شفاعتي" قال ابن رسلان: لعل هذه الإضافة بمعنى ال التي للعهد، والتقدير الشفاعة التي أعطانيها الله تعالى ووعدني بها لأمتي ادخرتها "لأهل - الكبائر من أمتي" أي الذين استوجبوا النار بذنوبهم الكبائر فلا يدخلون بها النار، وأخرج بها من أدخلته كبائر ذنوبه النار ممن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. كذا في السراج المنير.
__________
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله:
ورواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي".
وقد وردت أحاديث الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس وأبي سعيد وجابر وأبي هريرة،

(13/51)


4727- حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا يَحْيَى عن الْحَسَنِ بنِ ذِكْوَانٍ قال أخبرنا أَبُو رَجَاءِ قالَ حدّثني عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمّدٍ فَيَدْخُلونَ الْجَنّةَ وَيُسَمّوْنَ الْجَهَنّمِيّينَ[الجهنميون]".
__________
وقال الطيبي: أي شفاعتي التي تنجي الهالكين مختصة بأهل الكبائر.
قال النووي: قال القاضي عياض رحمه الله مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها سمعاً لصريح قوله تعالى {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر لصحة الشفاعة في الآخرة، وأجمع السلف الصالحون ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار بقوله تعالى {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} وبقوله سبحانه {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} ، وأجيب بأن الآيتين في الكفار، والمراد بالظلم الشرك. وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل، وألفاظ الأحاديث صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير بالإسناد الذي أخرجه أبو داوود، ووقع لنا من حديث زياد النميري عن أنس، وزياد لا يحتج بحديثه، والمشهور فيه حديث أشعث عن أنس. وأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني البصري الأعمى وثقة يحيى بن معين. وقال الإمام أحمد: ما به بأس. وقال أبو حاتم الرازي شيخ. وقال أبو جعفر العقيلي في حديثه وهم وهذا آخر كلامه. وهو منسوب إلى حدان بضم الحاء المهملة وبعدها دال مهملة مفتوحة مشددة وبعدها ألف ونون بطن من الأرد."ويسمون الجهنميين" ليس التسمية بها تنقنصاً لهم بل
__________
وعوف بن مالك الأشجعي وأبي ذر وابن الجدعاء ويقال ابن أبي الجدعاء وعتبة بن عبد السلمي وعمران بن حصين وحذيفة وكلها في الصحيح.
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لكل نبي دعوة دعاها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا" ولفظه لمسلم ورواه مسلم من حديث جابر بنحوه.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله من قبل نفسه".

(13/52)


4728- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعمَشِ عن أَبي سُفْيَانَ عن جَابِرٍ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله[النبي] صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنّ أَهْلَ الْجَنّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ".
__________
استذكاراً ليزدادوا فرحاً لكونهم عتقاء الله تعالى كذا في مجمع البحار وفي بعض النسخ الجهنميون بالواو فقيل إنه علم لهم فلم يغير.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه.
"إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون" والحديث ليس له تعلق بباب الشفاعة وإنما هو من متعلقاتها.
__________
وفي صحيح البخاري عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا كان يوم القيامة شفعت فقلت يا رب أدخل الجنة من في قلبه خردلة فيدخلون ثم أقول يا رب أدخل الجنة من في قلبه أدنى شيء" قال أنس كأني أنظر إلى أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين".
وفي الصحيحين عن حماد بن زيد قال قلت لعمرو بن دينار أسمعت جابر بن عبد الله يحدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يخرج قوما من النار بالشفاعة قال نعم".
وفي الصحيحين عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا" فذكر الحديث وفيه "ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلوهم الجنة ثم أعود فأقع ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال لي ارفع رأسك يا محمد قل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فارفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة" وذكر باقي الحديث.
وفي الصحيحين أيضا من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم" وذكر الحديث وقال فأقول "يا رب أمتي أمتي فقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فافعل ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال لي أنطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من أيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي: يا

(13/53)


قال النووي: مذهب أهل السنة وعامة المسلمين أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويتنعمون بذلك وبغيره من ملاذها وأنواع نعيمها تنعماً دائماً لا آخر له ولا انقطاع أبداً وأنهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبصقون. وقد دلت دلائل القرآن والسنة في الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره أن نعيم الجنة دائم لا انقطاع له أبداً انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم أتم منه. هذا مذهب أهل السنة وكافة المسلمين أن نعيم أهل الجنة وملاذها كأجناس نعيم الدنيا إلا ما بينهما من الفرق الذي لا يكاد يتناسب وإن ذلك على الدوام لا آخر له خلافاً للمبتدعة.
__________
محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك سل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك ولكن وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فذكر الحديث إلى أن قال "فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي ثم قال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه اشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لاحساب عليه من باب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب".
وفي صحيح مسلم عن حذيفة وأبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزدلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك" فذكر الحديث إلى أن قال " فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له ويرسل الأمانة والرحم" الحديث.

(13/54)


24- باب في خلق الجنة والنار
4729- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرٍو عن أَبِي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَمّا خَلَقَ الله الْجَنّةَ قالَ لِجِبْرِيل: اذْهَبْ فانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبّ وَعِزّتِكَ لا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلاّ
__________
باب في خلق الجنة والنار
أي أنهما مخلوقتان، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنهما لا توجدان في يوم القيامة "يسمع بها أحد إلا دخلها" أي طمع في دخولها وجاهد في حصولها ولا يهتم إلا

(13/54)


دَخَلَهَا ثُمّ حَفّهَا بالمَكَارِهِ. ثُمّ قال: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثَمّ جَاء فقَالَ: أَيْ رَبّ وَعِزّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أْنْ لا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قالَ: فَلمّا خَلَقَ الله تعالى النّارَ قال: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فانْظُرْ إِلَيْهاَ، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمّ جَاءَ فقَالَ: أَيْ رَبّ وَعِزّتِكَ لا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفّهَا بالشّهَوَاتِ. ثُمّ قال: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمّ جَاءَ فقَالَ: أَيْ رَبّ وَعِزّتِكَ وَجَلاَلِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لا يَبْقَى أَحَدُ إِلاّ دَخَلَهَا".
__________
بشأنها لحسنها وبهجتها "ثم حفها" أي أحاطها الله "بالمكاره" جمع كره وهو المشقة والشدة على غير قياس، والمراد بها التكاليف الشرعية التي هي مكروهة على النفوس الإنسانية "وعزتك" الواو للقسم "لقد خشيت أن لا يدخلها أحد" قال الطيبي رحمه الله: أي لوجود المكاره من التكاليف الشاقة ومخالفة النفس وكسر الشهوات "لا يسمع بها أحد فيدخلها" أي لا يسمع بها أحد إلا فزع منها واحترز فلا يدخلها "لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها" أي لميلان النفس إلى الشهوات وحب اللذات وكسلها عن الطاعات.
__________
وفي صحيح مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا أول الناس يشفع في الجنة" الحديث.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه" وفي الصحيحين عن العباس بن عبد المطلب أنه قال يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغب لك قال "نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار".
فقد تضمنت هذه الأحاديث خمسة أنواع من الشفاعة.
أحدها: الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس إلى الأنبياء نبيا بعد نبي حتى يريحهم الله من مقامهم.
النوع الثاني: الشفاعة في فتح الجنة لأهلها.
النوع الثالث: الشفاعة في دخول من لاحساب عليهم الجنة.
النوع الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار.
النوع الخامس: في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار.
ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس.
أحدهما: في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها. وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه.

(13/55)


قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" وأخرجه أيضاً من حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، ذكر بعضهم أن هذا من بديع الكلام وجوامعه الذي أوتيه صلى الله عليه وسلم من التمثيل الحسن، فإن حفاف الشيء جانباه فكأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يوصل إلى الجنة إلا بتخطي المكاره، وكذلك الشهوات وما تميل إليه النفوس، وأن اتباع الشهوات يلقى في النار ويدخلها، فإنه لا ينجو منها إلا من تجنب الشهوات وفيه تنبيه على اجتنابها.
__________
وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون فلم أظفر فيه بنص.
والنوع الثاني: شفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب ورفعة الدرجات وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة وقوله "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين".
وقوله في حديث أبي موسى "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك".
وفي قوله في حديث أبي هريرة أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله سر من أسرار التوحيد وهو أن الشفاعة إنما تنال بتجريد التوحيد فمن كان أكمل توحيدا كان أحرى بالشفاعة لا أنها تنال بالشرك بالشفيع كما عليه أكثر المشركين وبالله التوفيق.
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله:

(13/56)


ٍ25- باب في الحوض
4730- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَ مُسَدَدّ قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ أَمَامَكُمْ حَوْضاً مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ".
__________
باب في الحوض
"إن أمامكم" بفتح الهمزة أي قدامكم يوم القيامة "ما بين ناحيتيه" أي طرفيه "كما بين جرباء" بفتح جيم وسكون راء وموحدة ممدودة "وأذرح" بفتح همز وسكون ذال معجمة وضم
__________
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله:
وقد روى أحاديث الحوض أربعون من الصحابة وكثير منها وأكثرها في الصحيح عمر بن الخطاب وأنس وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعقبة بن عامر وكعب بن عجرة وحارثة ابن رهب الخزاعي والمستورد بن شداد وأبو برزة الأسلمي

(13/56)


4731- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمْرِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن أَبي
__________
راء وبحاء مهملة. قال في المرقاة قال صاحب القاموس: الجرباء قرية بجنب أذرح، وغلط من قال بينهما ثلاثة أيام وإنما الوهم من رواة الحديث من إسقاط زيادة ذكرها الدارقطني وهي ما بين ناحيتي حوضي كما بين المدينة وجرباء وأذرح. قال ابن الأثير في النهاية: وفي حديث الحوض ما بين جنبيه كما بين جرباء وأذرح هما قريتان بالشام بينهما ثلاث ليال انتهى.
وفي رواية لمسلم إن أمامكم حوضاً كما بين جرباء وأذرح. قال عبيد الله أحد الرواة فقال فسألته فقال قريتين بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال. وفي رواية له إن أمامكم حوضاً كما بين جرباء وأذرح فيه أباريق كنجوم السماءُ من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبداً انتهى.
قال السندي: وقد جاءَ في تحديد الحوض حدود مختلفة، ووجه التوفيق أن تحمل على بيان تطويل المسافة لا تحديدها والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم.
__________
وحذيفة بن اليمان وحذيفة ابن أسيد وأبو أمامة الباهلي وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت و عبد الله بن مسعود وعبد الله بن زيد وسهل بن سعد وسويد بن جبلة وأبو سعيد الخدري و وعبد الله الصنابجي وأبو هريرة وأبو الدرداء وأبو بكرة والبراء بن عازب وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو وأبو ذر وثوبان وأبي بن كعب ومعاذ ابن جبل وسمرة العدوى وجندب بن سفيان وعائشة وأم سلمة وأسماء بنت أبي بكر وخولة بنت قيس والعرباض بن سارية ولقيط بن صبرة وعتبة بن عبد السلمي ورواه غيرهم أيضا.
وهل الحوض مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم أم لكل نبي حوض فالحوض الأعظم مختص به لا يشركه فيه نبي غيره.
وأما سائر الأنبياء فقد قال الترمذي في الجامع حدثنا أحمد بن محمد بن نيزك البغدادي حدثنا محمد بن بكار الدمشقي حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لكل نبي حوضا وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإني لأرجوا أن أكون أكثرهم واردة" وقال الترمذي هذا حديث غريب وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح.
وفي مسند البزار من حديث وعبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لي حوضا ما بين بيت المقدس إلى الكعبة أبيض من اللبن فيه عدد الكواكب آنية وأنا فرطكم على الحوض ولكل نبي حوض وكل نبي يدعو أمته فمنهم من يرد عليه فئام من الناس ومنهم من يرد عليه ما هو دون ذلك ومنهم من يرد عليه العصابة ومنهم من يرد عليه الرجلان والرجل ومنهم من لا يرد عليه أحد فيقول اللهم قد بلغت اللهم قد بلغت ثلاثا" وذكر الحديث.

(13/57)


حَمْزَةَ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ قال: "كُنّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً قالَ[فقال]: "ما أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مَائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمّنْ يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ". قالَ قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: سَبْعُمِائَةٍ أَوْ ثَمَانِمِائَةٍ".
4732- حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن المُخْتَارِ ابنِ فُلْفُلٍ قال سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَغْفَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِغْفَاءَةً، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسّماً، فإِمّا قالَ لَهُمْ وَإِمّا قالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ الله لِمَ ضَحِكْتَ؟ فقَالَ: "إِنّهُ أُنْزِلَتْ عَلَىّ آنِفاً سُورَةٌ،" فَقَرَأَ: {بِسْمِ الله الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إِنّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} حَتّى خَتَمَهَا، فَلمّا قَرَأَهَا قال: "هَلْ تَدْرُونَ ما الْكَوْثَرُ؟" قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: "فإِنّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبّي عَزّ وَجَلّ في الْجَنّةِ وَعَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، عَلَيْهِ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَد الْكَوَاكِبِ".
4733- حدثنا عَاصِمُ النّضْرِ أخبرنا المُعْتَمِرُ قال سَمِعْتُ أَبي قال أخبرنا قَتَادَةُ عن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ قال: "لَمّا عُرِجَ نَبيّ الله[بنبي الله] صلى الله عليه وسلم في الْجَنّةِ، أَو كَمَا قالَ عُرِضَ لَهُ نَهْرٌ حَافَتَاهُ الْيَاقُوتُ المُجَيّبُ، أَو قالَ المُجَوّفُ، فَضَرَبَ المَلَكُ الّذِي مَعَهُ يَدَهُ
__________
"كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي في السفر "ما أنتم" أي أيها الصحابة الحاضرون "جزء" بالرفع في النسخ الحاضرة، وقال ابن الملك رحمه الله يجوز نصب جزء على لغة أهل الحجاز بإعمال ما وإجرائه مجرى ليس، ويجوز رفعه على لغة بني تميم "من مائة ألف جزء ممن يرد عن الحوض" يريد به كثرة من آمن به وصدقه من الإنس والجن "قال" أي أبو حمزة "كم كنتم" كم استفهامية أي كم رجلا أو عدداً كنتم "يومئذ" أي حين إذ كنتم معه صلى الله عليه وسلم في السفر "قال" أي زيد بن أرقم "سبع مائة" بالرفع أي كان عددنا سبع مائة ويجوز نصبه أي كنا سبع مائة "أو ثمان مائة" الظاهر أنه هو شك من زيد بن أرقم كما هو مقرر في باب التخمين.
والحديث سكت عنه المنذري.
"أغفى" أي نام. وقال في فتح الودود: الإغفاء بغين معجمة وفاء النوم الخفيف وهي حالة الوحي غالباً "آنفاً" بالمد أي قريباً. وتقدم شرح هذا الحديث في كتاب الصلاة.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وقد تقدم في كتاب الصلاة.
"لما عرج نبي الله" وفي النسخ بنبي الله بزيادة الباء "عرض" بصيغة المجهول "خافتاه" بفتح الفاء أي جانباه وطرفاه "الياقوت المجيب" بجيم وبفتح تحتانية مشددة الأجوف.
قال الخطابي في المعالم: المُجَيّب هو وأصله من جُبت الشيء إذا قطعته

(13/58)


فاسْتَخْرَجَ مِسْكاً فقَالَ مُحَمّدٌ صلى الله عليه وسلم لِلْمَلَكِ الّذِي مَعَهُ: "مَا هَذَا"؟ قال: هَذَا الْكَوْثَرُ الّذِي أَعْطَاكَ الله عَزّ وَجَلّ.
4734- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمِ أخبرنا عَبْدُ السّلاَمِ بنُ أَبي حَازِمٍ أَبُو طَالُوتَ قالَ: شَهِدْتُ أَبَا بَرْزَةَ دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ الله بنِ زِيَادٍ فَحدّثني فُلاَنٌ بإِسْمِهِ سَمّاهُ مُسْلِمْ وَكَانَ في السّمَاطِ، قال: فُلمّا رَآهُ عُبَيْدُ الله قالَ: إِنّ مُحَمّدِيّكُمْ[محدثكم] هَذَا
__________
فالشيء مجوب ومَجِيت كما قالوا مشين ومشوب، وانقلاب الياء عن الواو في كلامهم كثير "أو قال المجوف" شك من الراوي، والمجوف الذي له جوف وفي وسطه خلاء. وقال ابن الأثير في النهاية في مادة جيب في صفة نهر الجنة: حافتاه الياقوت المُجَيّب الذي جاء في كتاب البخاري اللؤلؤ المجوف وهو معروف والذي جاء في سنن أبي داوود المجّيب أو المجوف بالشك، والذي جاء في معالم السنن المُجَيّب أو المُجوّب بالباء فيهما على الشك، قال معناه الأجوف وأصله من جُبْتُ الشيء إذا قطعته والشيء مَجِيبٌ أو مَجوبٌ كما قالوا مَشِيب ومشوب وانقلاب الواو عن الياء كثير في كلامهم، فأما مُجَيّب مشدداً فهو من قولهم جيب فهو مجيب أي مقور وكذلك بالواو انتهى كلامه "فضرب الملك الذي معه" أي مع النبي صلى الله عليه وسلم "يده" أي في ذلك النهر "فاستخرج" أي من طينه كما في بعض الروايات "هذا الكوثر الذي أعطاك الله عز وجل" إشارة إلى قوله تعالى {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح.
"عبد السلام بن أبي حازم أبو طالوت" البصري. قال في الخلاصة: روى عن أبي برزة وثقة ابن معين، وفي التقريب هو من الطبقة الرابعة وهي طبقة صغار التابعين. وقال المزي في الأطراف: عبد السلام بن أبي حازم أبو طالوت البصري عن أبي برزة حديث شهدت أبا برزة دخل على عبيد الله بن زياد فحدثني فلان سماه مسلم وكان في السماط في ذكر الحوض أخرجه أبو داوود في السنة عن مسلم بن إبراهيم عن عبد السلام بن أبي حازم أبي طالوت قال شهدت أبا برزة فذكره، ففي هذه الأقوال دلالة على أن عبد السلام قد أخذ وروى عن أبي برزة الصحابي بلا واسطة "قال" عبد السلام "شهدت أبا برزة دخل على عبيد الله ابن زياد" الذي اعان على قتل الحسين رضي الله عنه وما استحيى من الله وكان والياً على الكوفة من جهة يزيد، والمعنى أني أشهد على أبي برزة أنه دخل على أمير الكوفة عبيد الله بن زياد "فحدثني فلان" هذه مقولة عبد السلام ولم يكن عبد السلام حاضراً مع أبي برزة فلم يسمع من أبي برزة نفسه ما جرى بين أبي برزة وبين عُبيد الله بن زياد "باسمه سماه مسلم" أي ابن إبراهيم شيخ المؤلف وهذا مقول المؤلف، أي ذكر لي مسلم بن إبراهيم اسم فلان "وكان" فلان "في السماط" بكسر أوله أي الجماعة من الناس. قاله السندي.

(13/59)


الدّحْدَاحُ، فَفَهِمَهَا الشّيْخُ فقال: ما كُنْتُ أَحْسَبُ أَنّي أَبْقَى في قَوْمٍ يُعَيّرُونِي يِصُحْبَةِ مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم، فقالَ لَهُ عُبِيْدُ الله: إِنّ صُحْبَةَ مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم لَكَ زَيْنٌ غَيْرُ شَيْنٍ، ثُمّ قالَ: إِنّمَا بُعِثْتُ إِلَيْكَ لأسْأَلَكَ عن الْحَوْضِ، سَمِعْتُ رِسُولَ الله يَذْكُرُ فِيهِ شَيْئاً. قال أَبُو بَزْزَةَ: نَعَمْ لامَرّةً وَلا اثِنْبَيْنِ وَلا ثَلاَثاً وَلا أَرْبَعاً وَلا خَمْساً، فَمنْ كَذّبَ بِهِ فَلاسَقَاهُ الله مِنْهُ ثُمّ خَرَجَ مُغْضَباً.
__________
وفي المجمع وفي الحديث: حتى سلّم من طرف السماط هي جماعة من الناس والمراد جماعة كانوا جلوساً عن جانبيه، ويقال بين السماطين أي الصفين.
وقوله كان في السماط أي الصف من الناس انتهى.
وأخرج أحمد في مسنده حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد السلام أبو طالوت حدثنا العباس الجريري أن عبيد الله بن زياد قال لأبي برزة هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ذكره قط يعني الحوض؟ قال نعم لا مرة ولا مرتين فمن كذّب به فلا سقاه الله منه انتهى، فيشبه أن الفلان هو العباس الجريري.
وأخرج أحمد أيضاً حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن مطر عن عبد الله ابن بريدة الأسلمي قال شك عبيد الله بن زياد في الحوض فأرسل إلى أبي برزة الأسلمي فأتاه فقال له جلساء عبيد الله إنما أرسل إليك الأمير ليسألك عن الحوض فهل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً؟ قال نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره فمن كذب به فلا سقاه الله منه. وفي رواية عند أحمد من طريق يزيد بن هارون وفيه سمعت أبا برزة وخرج من عند عبيد الله بن زياد وهو مغضب فقال ما كنت أظن أني أعيش حتى أخلف في قوم يعيروني بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا إن محمديكم هذا الدحداح سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحوض فمن كذب فلا سقاه الله تبارك وتعالى منه انتهى "فلما رآه" أي أبا برزة "قال" أي عبيد الله "إن محمديكم" وهكذا في رواية لأحمد أي بالياء المشددة للنسبة كذا في فتح الودود أي منسوب إلى محمد صلى الله عليه وسلم . والمعنى أن صحابة محمدكم وفي بعض النسخ أن محدثكم بالمثلثة وليس هو بمحفوظ "هذا الدحداح" أي القصير السمين وهو خبر إن "ففهمها" أي هذه المقولة "الشيخ" أي أبو برزة "يعيروني" أي ينسبونني إلى العار "زين" أي زينة "غير شين" الشين ضد الزين "يذكر فيه" أي في شأن الحوض "لا مرة ولا ثنتين الخ" أي ما سمعته مرة ومرتين الخ بل سمعته كثيراً "فمن كذب" من التكذيب "به" أي بحديث الحوض الذي أخبرت به "فلا سقاه الله" دعاء عليه "منه" أي من الحوض.
قال المنذري: في إسناده رجل مجهول.

(13/60)


26- باب المسألة في القبر وعذاب القبر
4735- حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَلْقَمةَ بنِ مَرْثَدٍ عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنّ المُسْلِمَ إِذَا سُئِلَ في الْقَبْرِ فَشَهِدَ أَن لا إِلَهَ إِلا الله وَأَنّ مُحَمّداً رَسُولُ الله فَذَلِكَ قَوْلُ الله تعالى : {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}.
4736- حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمانَ الأنْبَارِيّ أخبرنا عَبْدُ الْوَهّابِ بنُ عَطَاءِ الْخَفّافُ أَبُو نَصْرٍ عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ نَخْلاً لِبَنِي النّجّارِ فَسَمِعَ صَوْتاً فَفَزِعَ فقالَ: "مَنْ أَصْحَابُ هَذِهِ الْقُبُورِ؟" قالُوا: يا رَسُولَ الله نَاسٌ مَاتُوا في الْجَاهِليّةِ فقالَ: "تَعَوّذوا بالله مِنْ عَذَابِ النّارِ[القبر] وَمِنْ فِتْنَةِ الدّجّالِ". قالُوا: وَمِمّ ذَاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قال: "إِنّ المُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَقُولُ لَهُ: ما كُنْتَ
__________
باب المسألة في القبر وعذاب القبر
"إذا سئل في القبر" التخصيص للعادة أو كل موضع فيه مقره فهو قبره، والمسئول عنه محذوف أي سئل عن ربه ودينه ونبيه لما ثبت في الأحاديث الأخر "فذلك" أي فمصداق ذلك الحكم {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} أي يجري لسانهم {بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} وهو كلمة الشهادة. وعند الشيخين عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت نزلت في عذاب القبر يقال له من ربك فيقول ربي الله ونبيي محمد" انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
"ففزع" أي خاف "تعوذوا بالله من عذاب النار" أي اطلبوا منه أن يدفع عنكم عذابها. وفي بعض النسخ: من عذاب القبر مكان من عذاب النار "ومن فتنة الدجال" الفتنة الامتحان وتستعمل في المكر والبلاء، وفتنة الدجال أكبر الفتن حيث يجر إلى الكفر "إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك" قال القرطبي في التذكرة: جاء هذا الحديث سؤال ملك واحد وفي غيره سؤال ملكين ولا تعارض في ذلك بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص فرب شخص يأتيانه جميعاً ويسألانه جميعاً في حال واحد عند انصراف الناس عنه ليكون السؤال أهول والفتنة في حقه أشد وأعظم، وذلك بحسب ما اقترفه من الآثام واجترح من سيء الأعمال، وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه، وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك

(13/61)


تَعْبُدُ؟ فإِنّ الله تعالى هَدَاهُ، قال: كُنْتُ أَعْبُدُ الله، فَيُقَالُ: ما كُنْتَ تَقُولُ في هَذَا الرّجُلِ، فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، فَمَا يُسْأَلُ عن شَيْءِ غَيْرَهَا[غيرهما] فَيُنطَلَقُ بِهِ إِلَى بَيْتِ كَانَ لَهُ في النّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا بَيْتُكَ كَانَ لَكَ في النّارِ، وَلكِنّ الله عَصَمَكَ وَرَحِمَكَ فأَبْدَلَكَ بِهِ بَيْتاً في الْجَنّةِ، فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتّى أَذْهَبَ فأُبَشّرَ أَهْلِي فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ. وَإِنّ الْكَافِر إِذَا وُضِعَ في قَبْرِه أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَنْتَهِرُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: ما كُنْتَ تَعْبُدُ: فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، فَيُقَالَ لَهُ لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا[فما] كُنْتَ تَقُولُ في هَذَا الرّجُلِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ أَقولُ ما يَقُولُ النّاسُ، فَيَضْرِبُهُ بمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا الَخْلْقُ غَيْرُ الثّقَلَيْنِ".
4737- حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمانَ أخبرنا عَبْدُ الوَهّابِ بمِثْلِ هَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ قالَ: "إِنّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ وَتَوَلّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ أَنّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، فَيأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيَقُولاَنِ لَهُ، فَذَكَرَ قَرِيباً مِنْ حَدِيثِ[حديثه] الأوّلِ قالَ فِيهِ: وَأَمّا الْكَافِرُ وَالمُنَافِقُ فَيَقُولاَنِ لَهُ، زَادَ المُنَافِقَ، يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرُ الثّقَلَيْنِ".
__________
أخف في السؤال لما عمله من صالح الأعمال، كذا في مرقاة الصعود "فإن الله تعالى " إن شرطية "هداه" أي في الدنيا أو في تلك الحالة "قال كنت أعبد الله" جزاء الشرط "ما كنت تقول في هذا الرجل" عبر بذلك امتحاناً لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة القائل، قيل يكشف للميت حتى يرى النبي صلى الله عليه وسلم وهي بشرى عظيمة للمؤمن إن صح ذلك ولا نعلم حديثاً صحيحاً مروياً في ذلك، والقائل به إنما استند لمجرد أن الإشارة لا تكون إلا لحاضر، لكن يحتمل أن تكون الإشارة لما في الذهن فيكون مجازاً، قاله القسطلاني "فما يسأل عن شيء غيرها" أي غير هذه الخصلة المذكورة وفي بعض النسخ غيرهما "فينطلق به" بصيغة المجهول "فينتهره" أي ينكر عليه فعله وقوله تشديداً في السؤال "لادريت" أي علمت ما هو الحق والصواب "ولا تليت" أي ولا قرأت الكتاب.
قال في القاموس: تلوته كدعوته ورميته تبعته والقرآن أو كل كلام قرأته وقيل أصله تلوت قلبت الواو ياء للازدواج، ويجوز أن يكون معناه ولا اتبعت أهل الحق أي ما كنت محققاً للأمر ولا مقلداً لأهله "بمطراق" الطرق الضرب والمطراق آلته "غير الثقلين" أي الإنس والجن.
قال المنذري: وأخرج مسلم والنسائي طرفاً منه بنحوه، وقد تقدم في كتاب الجنائز.
"وتولى عنه" أي أدبر وانصرف "إنه ليسمع" بفتح اللام للتأكيد "قرع نعالهم"، بكسر النون جمع نعل أي صوت دقها "من يليه" أي يقرب منه من الدواب والملائكة، وعبر بمن تغليباً

(13/62)


4738- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ ح وأخبرنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ قالَ أخبرنا مُعَاوِيَةُ - وَهَذَا لَفْظُ هَنّادٍ عن الأعمَشِ - عن المِنْهَالِ عن زَاذَان عنْ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في جَنَازَةِ رَجُلِ مِنَ الأنْصَارِ فانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمّا يُلْحَدُ فَجَلَسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَجَلَسْنَا حَوْلَةُ كَأَنّمَا عَلَى رُؤوسِنَا الطّيْرُ وفي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ في الأرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فقالَ: "اسْتَعِيذُوا بالله مِنْ عذَابِ الْقَبْرِ مَرّتَيْنِ أَو ثَلاِثاً". زَادَ في حَدِيثِ جَرِيرٍ هَهُنَا، وقالَ: "وَإِنّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ: يَا هَذَا مَنْ رَبّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيّكَ". قالَ هَنّادٌ قالَ: "وَيأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَنْ رَبّكَ؟ فَيقُول: رَبّيَ الله، فَيقُولاَنِ لَهُ: مَا دِينُكَ"؟ فَيقُولُ: دِينِي الإسْلاَمُ، فَيقُولاَنِ لَهُ: مَا هَذَا الرّجُلُ الّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ قالَ فَيقُولُ: هُوَ
__________
للملائكة لشرفهم، ولا يذهب فيه إلى المفهوم من أن من بعد لا يسمع لما في الحديث الذي يليه من أنه يسمعها ما بين المشرق والمغرب، والمفهوم لا يعارض المنطوق.
قال النووي: مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر وقد تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسنة انتهى.
"فانتهينا إلى القبر" أي وصلنا إليه "ولما يلحد" لما جازمة بمعنى لم "كأنما على رؤوسنا الطير" كناية عن غاية السكون أي لا يتحرك منا أحد توقيراً لمجلسه صلى الله عليه وسلم "ينكت به في الأرض" أي يضرب بطرفه الأرض، وذلك فعل المفكر المفكر المهموم "مرتين أو ثلاثاً" أي قاله مرتين أو ثلاثاً "وإنه" أي الميت "ليسمع خفق نعالهم" بفتح الخاء المعجمة وسكون الفاء أي صوت نعالهم "حين يقال له" ظرف لقوله ليسمع "ما هذا الرجل الذي بعث فيكم" أي ما وصفه أرسول
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقال أبو حاتم البستي خبر الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء سمعه الأعمش عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو وزاذان لم يسمع من البراء فلذلك لم أخرجه.
فذكر له علتين انقطاعه بين زاذان والبراء ودخول الحسن بن عمارة بين الأعمش والمنهال.
وقال أبو محمد بن حزم ولم يرو أحد في عذاب القبر أن الروح ترد إلى الجسد إلا المنهال بن عمرو وليس بالقوي وقد قال تعالى {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} فصح أنهما حياتان وموتتان فقط ولا ترد الروح إلا لمن كان ذلك آية له كمن أحياه عيسى عليه السلام وكل من جاء فيه نص بذلك ولم أعلم أحدا طعن في هذا الحديث إلا أبا حاتم البستي وابن حزم ومجموع ما ذكراه ثلاث إحداها ضعف المنهال.
والثانية أن الأعمش لم يسمعه من المنهال.

(13/63)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَيقُولاَنِ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ الله فآمَنْتُ بِهِ وَصَدّقْتُ. زَادَ في حَدِيثِ جَرِيرٍ: فَذَلِكَ قَوْلُ الله تعالى: {يُثَبّتُ الله الّذِينَ آمَنُوا بالْقَوْلِ الثّابِتِ في الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفي الآخرة} الآية - ثُمّ اتّفَقَا - قالَ فيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السّماءِ أَنْ قدْ صَدَقَ عَبْدِي فأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجنّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَاباً إِلَى الْجَنّةِ. قالَ: فَيأْتِيهِ مِنْ رُوحِهَا وَطِيْبِهَا. قالَ: وَيُفْتَحُ لَهُ فيهَا مَدّ بَصَرِهِ. قالَ: وَإِنّ الْكَافِرَ فَذَكَرَ مَوْتَهُ. قالَ: وَتُعَادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ وَيأْتِيهِ مَلَكَانِ
__________
هو أو ما اعتقادك فيه، كذا قيل وقال القاري الأظهر أن بما معنى من ليوافق بقيه الروايات بلفظ من نبيك "وما يدريك" أي أي شيء أخبرك وأعلمك بما تقول من الربوبية والإسلام والرسالة "قرأت كتاب الله" أي القرآن "فأمنت به" أي بالقرآن أو بالنبي أنه حق "وصدقت" أي وصدقته بما قال أو صدقت بما في القرآن "فذلك قول الله تعالى " أي جريان لسانه بالجواب المذكور هو التثبيت الذي تضمنه قوله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} الآية "ثم اتفقا" أي عثمان وهناد "أن قد صدق عبدي" أن مفسرة للنداء لأنه في معنى القول "فأفرشوه من الجنة" بهمزة القطع قال في القاموس: أفرش فلانا بساطاً بسطه له كفرشه فرشاً وفرشه تفريشاً كذا في المرقاة "من روحها" الروح بالفتح الراحة والنسيم "ويفتح له فيها" أي في تربته وهي قبره، ويدل عليه مقابله الاتي ويضيق عليه قبره "مد بصره" أي منتهى بصره "فذكر موته" أي حال موت الكافر وشدته
__________
والثالثة أن زاذان لم يسمعه من البراء.
وهذه علل واهية جدا.
فأما المنهال بن عمرو فروى له البخاري في صحيحه وقال يحيى بن معين والنسائي المنهال ثقة وقال الدارقطني صدوق وذكره ابن حبان في الثقات.
والذي اعتمده أبو محمد بن حزم في تضعيفه أن ابن أبي حاتم حكى عن شعبة أنه تركه وحكاه أحمد عن شعبة وهذا لو لم نذكر سبب تركه لم يكن موجبا لتضعيفه لأن مجرد ترك شعبة له لا يدل على ضعفه فكيف وقد قال ابن أبي حاتم إنما تركه شعبة لأنه سمع في داره صوت قراءة بالتطريب وروى عن شعبة قال أتيت منزل المنهال فسمعت صوت الطبور فرجعت فهذا سبب جرحه.
ومعلوم أن شيئا من هذا لا يقدح في روايته لأن غايته أن يكون عالما به مختارا له ولعله متأول فيه فكيف وقد يمكن أن لا يكون ذلك بحضوره ولا إذنه ولا علمه.
وبالجملة فلا يرد حديث الثقات بهذا وأمثاله.
وأما العلة الثانية وهي أن بين الأعمش فيه وبين المنهال الحسن بن عمارة فجوابها أنه قد رواه عن المنهال جماعة كما قاله ابن عدي فرواه عبد الرزاق عن معمر عن يونس بن حباب عن

(13/64)


فيُجْلِسَانِهِ، فَيقُولاَن لَهُ: مَنْ رَبّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَادِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا هَذَا الرّجُلُ الذي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي؟ فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السّماءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوهُ مِنَ النّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَاباً إِلَى النّارِ: قال: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرّهَا وَسَمُومِهَا. قال: وَيُضَيّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتّى تَخْتَلِفَ فيهِ أَضْلاَعُهُ. زَادَ في حَدِيثِ جَرِيرٍ قالَ: ثُمّ يُقَيّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمَ مَعَهُ مِرْزَبَةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَاباً. قالَ: فَيَضْرِبُهُ بها ضَرْبَةَ يَسْمَعُهَا ما بَيْنَ المَشْرقِ وَالمَغْرِبِ إِلا الثّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَاباً. قالَ: ثُمّ تُعَادُ فيهِ الرّوحُ".
__________
"هاه هاه" بسكون الهاء فيهما بعد الألف كلمة يقولها المتحير الذي لايقدر من حيرته للخوف أو لعدم الفصاحة أن يستعمل لسانه في فيه "لا أدري" أي شيئاً ما أو ما أجيب به وهذا كأنه بيان لقوله هاه هاه "من حرها" أي حر النار وهو تأثيرها "وسمومها" وهي الريح الحارة "ويضيق" بصيغة المجهول من التضييق "حتى تختلف فيه أضلاعه" بفتح الهمزة جمع ضلع وهو عظم الجنب أي حتى يدخل بعضها في بعض من شدة والتضييق والضغطة "تم يقيض" أي يسلط ويوكل "أعمى" أي زبانية أعمى كيلا يرحم عليه. "معه مرزبة" قال في النهاية: المرزبة بالتخفيف المطرقة الكبيرة التي تكون للحداد ويقال لها الارزبة بالهمزة والتشديد انتهى.
__________
المنهال ورواه حماد بن سلمة عن يونس عن المنهال فبطلت العلة من جهةالحسن بن عمارة ولم يضر دخول الحسن شيئا.
وأما العلة الثالثة: وهي أن زاذان لم يسمعه من البراء فجوابها من وجهين.
أحدهما: أن أبا عوانة الإسفراييني رواه في صحيحه وصرح فيه بسماع زاذان له من البراء فقال سمعت البراء بن عازب فذكره.
والثاني: أن ابن منده رواه عن الأصم حدثنا الصنعاني أخبرنا أبو النضر عيسى ابن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء فذكره.
فهذا عدي بن ثابت قد تابع زاذان.
قال ابن مندة ورواه أحمد بن حنبل ومحمود بن غيلان وغيرهما عن أبي النضر ورواه ابن منده أيضا من طريق محمد بن سلمة عن خصيف الجزري عن مجاهد عن البراء.
قال أبو موسى الأصبهاني هذا حديث حسن مشهور بالمنهال عن زاذان وشجعه أبو نعيم والحاكم وغيرهما.
وأما ما ظنه أبو محمد بن حزم من معارضة هذا الحديث لقوله تعالى {كََيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} الآية وأنهما حياتان وموتتان لا غير.

(13/65)


4729- حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ أخبرنا الأعمَشُ أخبرنا المِنْهَالُ عن أَبي عُمَرَ زَاذَانَ قالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
__________
وقال القاري: المسموع في الحديث تشديد الباء وأهل اللغة يخففونها وهي التي يدق بها المدر ويكسر.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه مختصراً، وقد تقدم في كتاب الجنائز مختصراً، وفي إسناده المنهال بن عمرو قد أخرج له البخاري في صحيحه حديثاً واحداً، وقال يحيى بن معين ثقة، وقال الإمام أحمد تركه شبعة على عمد وغمزه يحيى بن سعيد، وحكى عن شعبة أنه تركه، وقال ابن عدي والمنهال بن عمرو هو صاحب حديث القبر الحديث الطويل رواه عن زاذان عن البراء ورواه عن منهال جماعة وذكر أبو موسى الأصبهاني أنه حديث حسن مشهور بالمنهال عن زاذان وللمنهال حديث واحد في كتاب البخاري حسب، ولزاذان في كتاب مسلم حديثان."عن أبي عمر" كنيته زاذان.
__________
فجوابه أنه ليس في الحديث أنه يحيا حياة مستقرة في قبره والحياتان المذكورتان في الآية هما اللتان ذكرا في قوله تعالى {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} وهاتان حياتان مستقرتان وأما رد الروح أليه في البرزخ للسؤال فرد عارض لايتصل به حياة بعد حياة ثالثة فلا معارضة بين الحديث والقرآن بوجه من الوجوه وبالله التوفيق.
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة".
وفي صحيح مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر".
وفي صحيحه أيضا عن زيد بن ثابت قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه اذ حادت به فكادت تلقيه وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال "من يعرف أصحاب هذه الأقبر" فقال رجل أنا فقال "فمتى مات هؤلاء" قال ماتوا في الإشراك فقال "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله عز وجل أن يسمعكم عذاب القبر الذي أسمع منه" ثم أقبل علينا بوجهه فقال "تعوذوا بالله من عذاب النار" فقالوا نعوذ بالله من عذاب النار قال "تعوذوا بالله من عذاب القبر" قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر قال "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن" قالوا نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قال "تعوذوا بالله من فتنة الدجال" قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال.

(13/66)


وفي الصحيحين عن أبي أيوب قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما غربت الشمس فسمع صوتا فقال يهود تعذب في قبورها.
وفي صحيح مسلم عن أم خالد أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتعوذ من عذاب القبر.
وقد تقدم حديث أبي هريرة المتفق عليه إذا تشهد أحدكم في صلاته فليتعوذ بالله من أربع من عذاب القبر وعذاب جهنم الحديث.
وفي الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال "إنهما ليعذبان" الحديث.
وفي الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذه الدعوات اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار وفتنة القبر وعذاب القبر الحديث.
وفي الصحيحين عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر ومن شر فتنة المحيا والممات".
وفي الصحيحين عن عمرة أن يهودية أتت عائشة تسألها فقالت أعاذك الله من عذاب القبر قالت عائشة فقلت يا رسول الله يعذب الناس في القبور قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عائذا بالله" فذكر الحديث.
وفيه ثم رفع وقد تجلت الشمس فقال إني رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال فكنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يتعوذ من عذاب النار وعذاب القبر.
وفي لفظ للبخاري فرجع ضحى فقال ما شاء الله أن يقول ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر.
وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر قالت خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت على عائشة وهي تصلي فقلت ما شأن الناس يصلون فأشارت برأسها إلى السماء فقلت آية قالت نعم فأطال رسول الله صلى الله عليه وسلم القيام جدا حتى تجلاني الغشي فأخذت قربة من ماء فجعلت أصب على رأسي أو على وجهي من الماء قالت فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تجلت الشمس فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد "ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار وإنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم قريبا أو مثل فتنة المسيح الدجال" لا أدري أي ذلك قالت أسماء فيأتي أحدهم فيقال "ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن" لا أدري أي ذلك قالت أسماء فيقول "هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وأطعنا ثلاث مرات فيقال له قد نعلم أنك تؤمن به فنم صالحا وأما المنافق أو المرتاب" لا أدري أي ذلك قالت أسماء فيقول "لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلت

(13/67)


وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فتاني القبر فقال عمر رضي الله عنه أترد علينا عقولنا يا رسول الله فقال "نعم كهيئتكم اليوم" قال بفيه الحجر.
وفي صحيحه أيضا من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد صلى الله عليه وسلم فهو قائل ما كان يقول فإن كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقولان له إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا وينور له فيه فيقال له نم نومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقا قال لا أدري كنت أسمع الناس يقولون شيئا فكنت أقوله فيقولان له إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه فلا يزال معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".
وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} قال "عذاب القبر".
وفي صحيحه أيضا عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا دخل الميت القبر مثلت له الشمس عند غروبها فيقول دعوني أصلي".
وفي صحيحه أيضا عن أم مبشر قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في حائط من حوائط بني النجار فيه قبور منهم وهو يقول "استعيذوا بالله من عذاب القبر" فقلت يا رسول الله وللقبر عذاب قال "وإنهم ليعذبون في قبورهم تسمعه البهائم".
وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن المؤمن في قبره لفي روضة خضراء ويرحب له في قبره سبعين ذراعا وينور له كالقمر ليلة البدر أتدرون فيما أنزلت هذه الآية {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} أتدرون ما المعيشة الضنك" قالوا الله ورسوله أعلم قال "عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا أتدرون ما التنين سبعون حية لكل حية تسع رؤوس يلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون".
فيه دراج أبو السمح عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة.
وذكر أبو حاتم أيضا قصة التسعة والتسعين تنينا من حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي صحيحه أيضا من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الميت إذا وضع في قبره إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه فان كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل ثم

(13/68)


يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس ما قبلي مدخل فيقول له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد أدنيت للغروب فيقال له أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وماذا تشهد به عليه فيقول دعوني حتى أصلي فيقولون إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وماذا شهدت عليه قال فيقول محمد أشهد أنه رسول الله وأنه جاء بالحق من عند الله فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ويعاد الجسد لما بديء منه فيجعل نسمته في النسيم الطيب وهي طير تعلق في شجرة الجنة قال فذلك قوله {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}" قال "وإن الكافر إذا أتى من قبل رأسه لم يوجد شيء ثم أوتي عن يمينه فلا يوجد شيء ثم أوتي عن شماله فلا يوجد شيء ثم أوتي من قبل رجليه فلا يوجد شيء فيقال له اجلس خائفا مرعوبا فيقال له أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد به عليه فيقول أي رجل فيقال الذي كان فيكم فلا يهتدي لاسمه حتى يقال له محمد فيقول ما أدري سمعت الناس قالوا قولا فقلت كما قال الناس فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له هذا مقعدك من النار وما أعد الله لك فيها فيزداد حسرة وثبورا ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له ذلك مقعدك من الجنة وما أعد الله لك فيها لو أطعته فيزداد حسرة وثبورا ثم يضيق عليه قبرة حتى تختلف فيه أضلاعه وتلك المعيشة الضنك التي قال الله عز وجل {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}.

(13/69)


27- باب في ذكر الميزان
4740- حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ وَ حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ أَنّ إسْمَاعِيلَ ابنَ إبْرَاهِيمَ حَدّثَهُمْ قالَ أخبرنا يونُسُ عن الْحَسَنِ عن عَائِشَةَ: أَنّها ذَكَرَتِ النّارَ فَبَكَتْ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما يُبْكِيكِ؟" قالَتْ: ذَكَرْتُ النّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَمّا في ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَداً عِنْدَ المِيزَانِ حَتّى يَعْلَمَ أَيَخِفّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ هَاؤُمُ أَقْرَأُوا كِتَابِيَهْ حَتّى يَعْلَمَ
__________
باب في ذكر الميزان
قال أهل الحق الميزان حق. قال تعالى {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} يوضع ميزان يوم القيامة يوزن به الصحائف التي يكون مكتوباً فيها أعمال العباد، وله كفتان إحداهما للحسنات والأخرى للسيئات. وعن الحسن له كفتان ولسان ذكره الطيبي كذا في المرقاة هاؤم

(13/69)


أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ، أَفِي يَمِينِهِ أَمْ في شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَى[ظهراني] جَهَنّمَ".
قالَ يَعْقُوبُ عن يُونُسَ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِهِ.
__________
أي خذوا "اقرأوا كتابيه" تنازع فيه الفعلان والهاء للسكت لبيان ياء الإضافة "أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره" هكذا في النسخ الحاضرة. وفي المشكاة أفي يمينه أم في شماله من وراء ظهره. "قال القاري" في المرقاة تحت هذا اللفظ كذا في سنن أبي داوود وبعض نسخ المصابيح وفي أكثرها أو من وراء ظهره وفي جامع الأصول أم بدل أو والأول أولى وأوفق للجمع بين معنى الآيتين فأما من أوتى كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً ويصلى سعيراً "بين ظهري جهنم" أي وسطها وفوقها "قال يعقوب عن يونس" وأما حميد فقال في روايته أخبرنا يونس كما مر والحديث سكت عنه المنذري.
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم".
وفي جامع الترمذي من حديث النضر بن أنس بن مالك عن أبيه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال "أنا فاعل" قال قلت يا رسول الله فأين أطلبك قال "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط" قال قلت فان لم ألقك على الصراط قال "فاطلبني عند الميزان" قال قلت فان لم ألقك عند الميزان قال "فاطلبني عند الحوض فاني لا أخطيء هذه الثلاث المواطن" قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وروى الليث بن سعد عن عامر بن يحيى المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي أنه قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ثم يقول الله تبارك وتعالى له أتنكر من هذا شيئا فيقول لا يا رب فيقول عز وجل بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله محمدا عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" قال حمرة الكناني لا أعلم روى هذا الحديث غير الليث بن سعد وهو من أحسن الحديث.
قال أبو طاهر السلفي أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن محمد الحراني قال أنا حضرت رجلا في المجلس وقد زعق عند هذا الحديث ومات وشهدت جنازته وصليت عليه.

(13/70)


قال أبو القاسم الطبراني لا يروى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد تفرد به عامر بن يحيى آخر كلامه.
ورواه أبو عبد الرحمن المقري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو ورواه عن المقري جماعة والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه والترمذي وقال حديث حسن غريب.
وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش أن عبد الله بن مسعود كان يجذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكا من أراك وكان في ساقيه دقة فضحك القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ما يضحككم من دقة ساقيه والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من أحد" رواه أبو حاتم في صحيحه.

(13/71)


28- باب في الدجال
4741- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن خَالِدٍ الْحَذّاءِ عن عَبْدِ الله بنِ سُرَاقَةَ عن أَبي عُبَيْدَةَ بنِ الْجَرّاحِ قالَ سَمِعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيّ بَعْدَ نُوحٍ إِلا وَقَدْ أَنْذَرَ الدّجّالَ قَوْمَهُ وَإِنّي أُنْذِرُكُمُوهُ" ، فَوَصَفَهُ لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وقالَ: "لَعَلّهُ سَيُدْرِكُهُ مَنْ قَدْ رَآنِي وَسَمِعَ كَلاَمِي" قالُوا: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ قُلُوبُنَا يَوْمَئذٍ، أَمِثلها الْيَوْمَ. قالَ: "أَوْ خَيْر[وخير- أوأخيرٌ]".
__________
(باب في الدجال)
"إنه" أي الشأن "لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر الدجال قومه" أي خوفهم به وقدم المفعول الثاني الاهتمام بذكره. قال في فتح الودود: لعل إنذار من بعد نوح أشد وأكثر انتهى. قلت: إنما قال صاحب فتح الودود هذا لما في الحديث الذي يليه من قوله: "لقد أنذره نوح قومه" وقال القاري قوله بعد نوح ليس للاحتراز "فوصفه لنا" أي ببعض أوصافه "لعله سيدركه من قد رآني وسمع كلامي" كذا في جميع النسخ الحاضرة. قال في فتح الودود وفي رواية الترمذي أو في سمع كلامي بأو فيحتمل أن يكون الواو في رواية المصنف بمعنى أو فيمكن أن يحمل على سماعه أعم من أن يكون بلا واسطة أو بواسطة فيكون المراد بقاء كلامه صلى الله عليه وسلم إلى حين ظهور الدجال وحمله بعضهم على خضر عليه السلام "أمثلها" بهمزة الاستفهام والضمير للقلوب "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أو خير" وفي بعض النسخ أو أخير وفي بعضها وخير بالواو.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب من حديث أبي عبيدة ابن الجراح لا نعرفه إلا من حديث خالد الحذاء هذا آخر كلامه. وذكر البخاري إن عبد الله بن سراقة لا يعرف له سماع من أبي عبيدة.

(13/71)


4742- حدثنا مُخَلّدُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أَبِيهِ قالَ: قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في النّاسِ فأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، فذكَر الدّجّالَ فقَالَ: "أَنّي لأنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبيّ إِلا قَدْ أَنذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاَ لَمْ يَقُلْهُ نَبيّ لِقَوْمِهِ، تَعْلَمُونَ أَنّهُ أَعْوَرُ، وَإِنّ الله لَيْسَ بِأَعْوَرَ".
__________
"تعلمون" خبر بمعنى الأمر أي اعلموا، ليس هذا اللفظ في بعض النسخ قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي وسالم هو ابن عبد الله بن عمر ابن خطاب.

(13/72)


29- باب في الخوارج
[باب في قتل الخوارج]
4743- حدثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ وَأَبُو بَكْرِ بنُ عَيّاشٍ وَ مَنْدَلٌ عن مُطَرّفٍ عن أَبي جَهْمٍ عن خَالِدِ بنِ وَهْبَانَ عن أَبي ذَرّ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ فَارَقَ الجَماعَةَ قِيدَ شِبْرٍ[شبرا] فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلاَمِ مِنْ عُنْقِهِ".
__________
باب في الخوارج
وهي فرقة من أهل الباطل خرجوا على علي رضي الله عنه، ولهم عقائد فاسدة من بغض عثمان وعلي وعائشة ومن وقع بينهم الحرب من الصحابة، ويكفرون من ارتكب الكبيرة قاتلهم علي ومعاوية رضي الله عنهما
"من فارق الجماعة قيد شبر" بكسر القاف أي قدر شبر "فقد خلع" أي نزع "ربقة الإسلام من عنقه" قال الخطابي: الربقة ما يجعل في عنق الدابة كالطوق يمسكها لئلا تشرد،
ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله أحاديث الباب إلى آخرها ثم ذيل عليها بقوله:
وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة منصرفة من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطي الناس فقال يا محمد اعدل فقال "ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خسرت وخبت إن لم أكن أعدل" فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعني يا رسول الله أقتل هذا المنافق فقال "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية".
وروى البخاري هذا الحديث مختصرا قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل اعدل فقال "لقد شقيت إن لم أعدل".

(13/72)


يقول من خرج من طاعة إمام الجماعة أو فارقهم في الأمر المجتمع عليه فقد ضل وهلك وكان كالدابة إذا خلعت الربقة التي هي محفوظة بها فإنها لا يؤمن عليها عند ذلك الهلاك والضياع انتهى.
والحديث سكت عنه المنذري.
__________
والصواب في هذا فتح التاء من خبت وخسرت.
والمعنى أنك إذن خائب خاسر إن كنت تقتدي في دينك بمن لا يعدل وتجعل بينك وبين الله ثم تزعم أنه ظالم غير عادل.
ومن رواه بضم التاء لم يفهم معناه هذا.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ويلك من يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أعدل" فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء وهو القدح ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس" قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي ابن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت.
زاد البخاري فنزلت {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}.
وفي رواية المستملي على خير فرقة من الناس وفي الصحيحين عن أبي سعيد أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق قال "هم شر الناس أو شر الخلق يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم مثلا أو قال قولا "الرجل يرمي الرمية" أو قال "الغرض فينظر في النصل فلا يرى بصيرة وينظر في النضي فلا يرى بصيرة وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة".
وفي لفظ آخر عنه في هذا الحديث "يكون في أمتي فرقتان فتخرج بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق".
وفي أخرى "تمرق مارقة في فرقة من الناس يلي قتلهم أولى الطافئتين بالحق".
وفي أخرى "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق".
وفي أخرى "يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق".

(13/73)


4744- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ حدثنا زُهَيْرٌ أخبرنا مُطَرّفُ ابنُ طَرِيفِ عن أَبي الْجَهْمِ عن خَالِدِ بنِ وَهْبَانَ عن أَبي ذَرّ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ أَنْتُمْ وَأَئِمّةٌ مِنْ بَعْدِي يَسْتَأْثِرُونَ بِهَذا الْفَيءِ" قُلْتُ: أَمَا[إذن- إذا] وَالذِي بَعَثَكَ بالْحَقّ أَضَعُ
__________
"كيف أنتم" أي كيف تصنعون أتصبرون أم تقاتلون "وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء" أي ينفردون به ويختارونه ولا يعطون المستحقين منه.
وفي صحيح البخاري عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يخرج ناس من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه" قيل فما سيماهم قال "التحليق" أو قال "التسبيل".
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبيد الله بن أبي رافع أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب قالوا لا حكم إلا لله قال علي كلمة حق أريد بها باطل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لايجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طي شاة أو حلمة ثدي فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه قال عبيد الله وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن بعدي من أمتي أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة" فقال ابن الصامت فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري قلت ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا فذكرت له هذا الحديث فقال وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي الصحيحين عن أسير بن عمرو قال سألت سهيل بن حنيف سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج فقال سمعته يقول وأشار بيده إلى المشرق "قوم يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
وفي لفظ آخر عنه "يتيه قوم من قبل المشرق محلقه رؤوسهم".
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر وذكر الحرورية فقال قال النبي صلى الله عليه وسلم "يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية".
قال الإمام أحمد صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج من عشرة أوجه وهذه هي العشرة التي ذكرناها وقد استوعبها مسلم في صحيحه والله أعلم.

(13/74)


سَيْفِي عَلَى عَاتِقِي ثمّ أَضْرِبُ بِهِ حَتّى أَلْقَاكَ أَوْ أَلْحَقَكَ. قالَ: "أَوَلاَ أَدُلّكَ عَلَى خَيْرِ مِنْ ذَلِكَ تَصْبِرُ حَتّى تَلْقَانِي".
4745- حدثنا مُسْدَدٌ وَ سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَعْنى قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن المُعَلّى بنِ زِيَادٍ وَ هِشَامِ بنِ حَسّانَ عن الْحَسَنِ عن ضَبّةِ بنِ مِحْصَنٍ عن أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبي صلى الله عليه وسلم قالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَةٌ تَعْرِفُونَ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ" قال أبُو دَاوُدَ قالَ هِشَامٌ "بِلِسَانِهِ فَقَدْ بَرِيءَ، وَمَنْ كَرِهَ[أنكر] بِقَلْبِهِ فقَدْ سَلِمَ"[ومن كره بقلبه فقد برىء، ومن كره فقد سلم] وَلكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، يَا رَسُولَ الله أَفَلاَ نَقْتُلُهُمْ؟ قال أبُو دَاوُدَ: أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؟ قالَ: "لاَ مَا صَلّوْا".
4746- حدثنا ابنُ بَشّارٍ أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامِ حدّثني أَبِي عن قَتَادَةَ أخبرنا الْحَسَنُ عن ضَبّةَ بنِ مُحْصَنٍ الْعَنَزِيّ عن أُمّ سَلَمةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ قال: "فَمنْ كَرِهَ فقَد بَرِيءَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فقَدْ سَلِمَ". قال قَتَادَةُ: يَعْني مَنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ وَمَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ".
__________
والفيء ما نيل من المشركين بعد وضع الحرب أوزارها وهو لكافة المسلمين ولا يخمس، والغنيمة ما نيل منهم عنوة والحرب قائمة وهي تخمس وسائر ما بعد الخمس للغانمين خاصة، والواو في قوله وأئمة للحال "أما" بالتخفيف بمعنى ألا للتنبيه "ثم أضرب به" أي أحاربهم "حتى ألقاك أو ألحقك" شك من الراوي أي حتى أموت شهيداً وأصل إليك "أولا أدلك" بواو العطف بين همزة الاستفهام ولا النافية أي أتفعل هذا ولا أدلك "تصبر" خبر بمعنى الأمر أي أصبر على ظلمهم.
والحديث سكت عنه المنذري.
"تعرفون منهم" أي بعض أفعالهم "وتنكرون" أي بعضها "قال هشام" ابن حسان في روايته "بلسانه" أي أنكر بلسانه، وأما المعلى بن زياد فلم يقل لفظة بلسانه بل قال أنكر فقط "فقد بريء" أي من المداهنة والنفاق "ومن كره بقلبه فقد سلم" أي من مشاركتهم في الوزر "ولكن من رضي" أي بقلبه بفعلهم "وتابع" أي تابعهم في العمل والخبر محذوف أي فهو الذي شاركهم في العصيان "قال لا" أي لا تقاتلوهم "ما صلوا" أي ما داموا يصلون.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.
"العنزي" بمهملة ثم نون معجمة "قال قتادة" أي في تفسير قوله فمن أنكر الخ.
قال المنذري: وهو طرف من الذي قبله.

(13/75)


4747- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن شُعْبَةَ عن زِيَادٍ بنِ عَلاَقَةَ عن عَرْقَحَةَ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "سَتَكُونُ فِي أُمّتِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرّق أَمْرَ المُسْلِمِينَ وَهُمْ جمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بالسّيْفِ كَائِناً مَنْ[ما] كَانَ".
__________
"عن عرفجة" وهو ابن شريح ويقال ضريح الأشجعي، قاله المنذري "هنات وهنات وهنات" بفتح أوله قال في النهاية أي شرور وفساد، يقال في فلان هنات أي خصال شر ولا يقال في الخير، واحدها هنت وقد تجمع على هنوات. وقال النووي: والمراد بها ههنا الفتن والأمور الحادثة "وهم جميع" أي والحال أن المسلمين جميع وكلمتهم واحدة "كائناً من كان" قال القاري: أي سواء كان من أقاربي أو غيرهم بشرط أن يكون الأول أهلا للامامة وهي الخلافة قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي. وليس لعرفجة في كتبهم سوى هذا الحديث. وضريح بضم الضاد المعجمة وفتح الراء المهملة وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة وحاء مهملة.

(13/76)


30- باب في قتل الخوارج
4748- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ وَ مُحَمّدُ بنُ عِيسَى المَعْنى قالا أخبرنا حَمّادٌ عنْ أَيّوبَ عن مُحَمّدٍ عنْ عَبِيْدَةَ: أَنّ عَلِياّ ذَكَرَ أَهْلَ النّهْرَوَانِ فَقالَ فِيهِمْ رَجُلٌ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مُخْدَجُ الْيَدِ أَوْ مَثْدُونَ الْيَدِ: لَوْلاَ أَنْ تَبْطَرُوا لَنَبّأْتُكُم مَا وَعَدَ الله الّذِين يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم قال قُلْتُ أَنْتَ[آنت] [أأنت] سَمِعْتَ هَذَا مِنْهُ؟ قالَ إِي وَرَبّ الْكَعْبَةِ.
__________
باب في قتل الخوارج
"عن عبيدة" بفتح العين هو السلماني "ذكر أهل النهروان" قال في شرح القاموس: النهروان بفتح النون وتثليث الراء وبضمتها ثلاث قرى أعلى وأوسط وأسفل هن بين واسط وبغداد وكان بها وقعة لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه مع الخوارج انتهى "مودن اليد" بضم الميم وإسكان الواو وفتح الدال ويقال بالهمز وبتركه أي ناقص اليد "أو مخدج اليد" هو على وزن ما قبله ومعناه "أو مثدون اليد" بفتح الميم وثاء مثلثة ساكنة وهو صغير اليد مجتمعها كشندوة الثدي وكان أصله مثنود فقدمت الدال على النون كما قالوا جبذ وجذب كذا قال النووي. وكلمة للشك "لولا أن تبطروا" من البطر وهو شدة الفرح أو الطغيان عند النعمة أي لولا خوف البطر منكم بسبب الثواب الذي أعد لقاتليهم فتعجبوا بأنفسكم خبرتكم "لنبأتكم" أي أخبرتكم "على لسان محمد" متعلق بوعد "قلت أنت" أي يا علي "منه" أي من محمد صلى الله عليه وسلم . قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه. وعبيد بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة

(13/76)


4749- حدثنا مُحَمّدُ بن كَثِيرٍ قال أخبرنا[أنبأنا] سُفْيَانُ عن أَبِيهِ عنِ ابنِ أَبِي نعْمٍ عنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: بَعَثَ عَلِيّ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا فَقَسّمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ بَيْنَ الأقْرَعِ بنِ حَابِسِ الحنظلي ثُمّ المَجَاشِعِيّ وَبَيْن عُيَيْنَةَ بنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ وَبَيْنَ زَيْدٍ الْخَيْلِ[الخير] الطائِيّ ثُمّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بنِ عُلاَثَةَ الْعَامِرِيّ، ثُمّ أَحَدِ بِني كِلاَبٍ، قالَ فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالأنْصَارُ وَقالَتْ يُعْطِي[تعطى] صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا[وتدعنا] فقَالَ "إِنّمَا أَتَأَلّفُهُمْ قالَ فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَينِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَينِ نَاتيءُ الْجَبِينِ كَثّ الّلحْيَةِ مَحْلُوقٌ قالَ اتّقِ الله يَا مُحَمّدُ، فقالَ "مَنْ يُطِعِ الله إِذَا عَصَيتُهُ أَيَأْمَنُنِي الله عَلَى أَهْلِ الأرْضِ؟ ولاً تَأْمَنُوّني؟" قال فَسَأَلَ رَجُلٌ قَتْلَهُ - أَحْسِبُهُ خَالدُ بنُ الْوَليد - قالَ فَمَنَعَهُ قالَ فَلَمّا وَلّى قالَ "إِنّ مِنْ ضِئْضِىءِ هَذَا" أَوْ "في عَقِبِ هَذَا قَوْمٌ يَقْرَؤُنَ الْقُرْآنَ لاَ يُحَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلاَمِ مُرُوقَ السّهْمِ
__________
والسلماني بفتح السين المهملة وسكون للام وفتح الميم وبعد الألف نون وياء النسب منسوب إلى سلمان بطن من مراد، ومنهم من يجر اللام وفي العرب سلمان غير هذا.
"بذهيبة" تصغير ذهبة أي قطعة من الذهب "في تربتها" صفة ذهيبة أي كائنة في ترابها غير مميزة عنه "فقسمها" أي قسم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الذهيبة "وبين زيد الخيل" باللام وفي بعض النسخ الخير بالراء المهملة. قال النووي كلاهما صحيح يقال بالوجهين كان يقال في الجاهلية زيد الخيل فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام زيد الخير "الطائي" عامة "ثم أحد بني نبهان" أي خاصة وهو صفة زيد. وفي أسد الغابة زيد بن مهلهل بن زيد إلى أن قال ابن نابل بن نبهان الطائي النبهاني المعروف بزيد الخيل "العامري" عامة "ثم أحدبني كلاب" خاصة وهو صفة علقمة.
وفي أسد الغابة علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر العامري الكلابي انتهى "صناديد أهل نجد" أي ساداتهم جمع صنديد بكسر الصاد "ويدعنا" بفتح الدال أي يتركنا "فأقبل رجل غائر العينين" اسم فاعل من الغور أي غارت عيناه ودخلتا في رأسه "مشرف الوجنتين" أي عالي الخدين "ناتيء الجبين" بكسر الفوقية بعدها همزة أي مرتفعها "كث اللحية" بفتح فتشديد مثلثة أي كثيفها "قال اتق الله يا محمد" أي في القسمة "فقال من يطع الله إذا عصيته" أي مع عصمتي وثبوت نبوتي "أيأمنني الله" أي يجعلني أميناً "ولا تأمنوني" بتشديد النون ويخفف "فلما ولى" أي أدبر "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من ضئضئي هذا" بكسر معجمتين وبهمزتين يبدل أولاهما أي من أصله. قال الخطابي: الضئضئي الأصل يريد أنه يخرج من نسله الذين هو أصلهم أو يخرج من أصحابه وأتباعه الذين يقتدون به ويبنون رأيهم ومذهبهم على أصل قوله "أو في عقب هذا" شك من الراوي "لا يجاوز حناجرهم" أي

(13/77)


مِنَ الرّمِيّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأوْثَانِ لَئِنْ أَنَا وَالله أَدْرَكْتُهُمْ لأقْتُلَنّهُمْ[قتلتهم] قَتْلَ عادٍ".
4750- حدثنا نَصْرُ بنُ عَاصِمٍ الأنْطَاكِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ وَ مُبَشّرٌ يَعْنِي ابنَ إسْمَاعِيلَ الْحَلَبِيّ عنْ أَبي عَمْرٍو قالَ يَعْنى الْوَلِيدَ حدثنا أَبُو عَمْرٍ وقالَ حدثني قَتَادَةُ عنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ وَ أَنَسِ بنِ مالِكٍ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "سَيَكُونُ فِي أُمّتِي اخْتِلاَفٌ وَفُرْقَةٌ قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لاَ يجاوِزُ تَرَاقِيهِمْ يُمْرُقُونَ مِنَ الدّينِ مُرُوقَ السّهْمِ مِنَ الرّمِيّةِ لاَ يَرْجِعُونَ حَتّى يَرتَدّ
__________
حلوقهم. قال في النهاية الحنجرة رأس العلصمة حيث تراه ناتئاً من خارج الخلق والجمع: الحناجر "يمرقون" أي يخرجون "مروق السهم" أي كخروجه "من الرمية" بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتية. قال في النهاية الرمية الصيد الذي ترميه وتقصده يريد أن دخولهم في الدين وخروجهم منه ولم يتمسكوا منه بشيء كالسهم الذي دخل في الرمية ثم يقدها ويخرج منها ولم يعلق به منها شيء "يقتلون أهل الإسلام" لتكفيرهم إياهم بسبب الكبائر "ويدعون أهل الأوثان" بفتح الدال أي يتركون أهل عبادة الأصنام وغيرهم من الكفار "لأقتلنهم قتل عاد" أراد بقتل عاد استيصالهم بالهلاك. فإن عاداً لم تقتل وإنما أهلكت بالريح واستؤصلت بالإهلاك. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"ومبشر" بكسر المعجمة الثقيلة "بإسناده" ليس هذا اللفظ في بعض النسخ "قال يعني الوليد حدثنا أبو عمرو" أي قال الوليد في روايته حدثنا أبو عمرو قال مبشر في روايته عن أبي عمرو "اختلاف وفرقة" أي أهل اختلاف وافتراق وقوله "قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل" بدل منه وموضع له وقوله "يقرؤن القرآن" استئناف بيان أو المراد نفس الاختلاف أي سيحدث فيهم اختلاف وتفرق فيفترقون فرقتين فرقة حق وفرقة باطل، فعلى هذا قوم مبتدأ موصوف بما بعده والخبر قوله: "يقرؤون القرآن" وهو بيان لإحدى الفرقتين وتركت الثانية للظهور. هذا تلخيص ما قال القاري في هذا المقام وقوله: "القيل" معناه القول يقال قلت قولا وقيلا "لا يجاوز" أي قرآنهم أو قراءتهم "تراقيهم" بفتح أوله وكسر القاف. ونصب الياء على المفعولية جمع ترقوة وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق وهما ترقوتان من الجانبين ويقال لها بالفارسية جنبر كردن والمعنى لا يتجاوز أثر قراءتهم عن مخارج الحروف والأصوات ولا يتعدى إلى القلوب أو المعنى إن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها فكأنها لم تتجاوز حلوقهم "لا يرجعون" أي إلى الدين لإصرارهم على بطلانهم "حتى يرتد" أي يرجع السهم "على فوقه" بضم الفاء موضع الوتر من السهم، وهذا تعليق بالمحال فإن ارتداد السهم على الفوق محال

(13/78)


عَلَى فُوقِهِ هُمْ شَرّ الْخَلْقِ وَالْخَلِقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ الله وَلَيْسُوا مِنْهُ في شَيْءِ، مَنْ قاتَلَهُمْ[قتلهم] كَانَ أَوْلَى بالله تعالى مِنْهُمْ" ، قالُوا يَا رَسُولَ الله مَا سِيَماهُمْ قال "التّحْلِيقُ".
4751- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ قالَ: "سِيمَاهُمُ التّحْلِيقُ وَالتْسْمِيدُ[والتسبيد] فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُم فَأَنِيمُوهُمْ".
قال أبُو دَاوُدَ: التّسْبِيدُ: اسْتِئْصَالُ الشّعْرِ.
__________
فرجوعهم إلى الدين أيضاً محال "هم شر الخلق والخليقة" قال في النهاية الخلق الناس والخليقة البهائم وقيل هما بمعنى واحد ويريد بهما جميع الخلائق "طوبى لمن قتلهم" فإنه يصير غازياً "وقتلوه" أي ولمن قتلوه فإنه يصير شهيداً وفيه دليل على جواز حذف الموصول أو الواو لمجرد التشريك، والتقدير طوبى لمن جمع بين الأمرين قتله إياهم وقتلهم إياه قاله القاري "وليسوا منه" أي من كتاب "في شيء" في شيء معتد به "من قاتلهم" أي من أمتي "كان أولى بالله تعالى منهم" أي من باقي أمتي ويحتمل أن تكون من تعليلية أي من أجل قتالهم قاله القاري "ما سيماهم" أي علامتهم "قال التحليق" أي علامتهم التحليق وهو حلق الرأس واستصال الشعر.
قال النووي: استدل به بعض الناس على كراهة حلق الرأس ولا دلاله فيه وإنما هو علامة لهم والعلامة قد تكون بحرام وقد تكون بمباح كما قال صلى الله عليه وسلم "آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة" ومعلوم أن هذا ليس بحرام. وقد ثبت في سنن أبي داوود، بإسناد على شرط البخاري ومسلم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى صبياً قد حلق بعض رأسه فقال احلقوه كله أو اتركوه كله" وهذا صريح في إباحة حلق الرأس لا يحتمل تأويلا. قال العلماء: حلق الرأس جائز بكل حال لكن إن شق عليه تعهده بالدهن والتسريح استحب حلقه وإن لم يشق استحب تركه انتهى كلامه.
قال المنذري: قتادة لم يسمع من أبي سعيد الخدري وسمع أنس بن مالك.
"والتسميد" ووقع في بعض النسخ التسبيد بالموحدة قال في القاموس: السبد حلق الرأس كالإسباد والتسبيد وقال فيه سمد الشعر استأصله "فأنيموهم" أي اقتلوهم. قال ابن الأثير: يقال نامت الشاة وغيرها إذا ماتت والنائمة الميتة. وفي حديث غزوة الفتح فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه أي قتلوه ومنه حديث علي رضي الله عنه حث على قتال الخوارج. فقال إذا رأيتموهم فأنيموهم انتهى "قال أبو داوود التسبيد الخ" لم يوجد هذه العبارة في بعض النسخ. "فلأن أخر"

(13/79)


4752- حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا[أنبأنا] سُفْيَانُ أخبرنا الأعمَشُ عنْ خَيْثَمَةَ عنْ سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ قالَ قالَ عَلِيّ إذَا حَدّثْتُكمْ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَدِيثاً فَلأنْ أَخِرّ مِنَ السّماءِ أَحَبّ إِلَيّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدّثْتُكُم فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُم فَإِنّمَا الْحَرْبُ خَدْعَةٌ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَأْتِي في آخِرِ الزّمَانِ قَوْمٌ حُدَثاءُ الأسْنانِ سُفَهاءُ الأحْلاَمِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيّةِ[من قول خير البرية] يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلاَمِ كما يَمْرُقُ السّهْمُ مِنَ الرّمِيّةِ لاَ يُجَاوِزُ إِيمانُهُمْ حَناجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
4753- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عنْ عَبْدِ المَلِكِ ابنِ أَبِي سُلَيْمانَ عنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ قال أخبرني زَيْدُ بنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيّ أَنّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الّذِين[الذي] كَانوا مَعَ عَلِيَ الّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ فقَالَ عَلِيّ: أَيّهَا النّاسُ إِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمّتي يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَيْسَتْ قِرَاءَتُكُم إِلَى قِرَاءَتِهِمْ شَيْئاً، وَلاَ صَلاَتُكُم إِلَى صَلاَتِهِمْ شَيْئاً، وَلاَ صِيامُكُم إلى صِيَامِهِمْ شَيْئاً يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ يَحْسَبُونَ أَنّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لاَ تُجَاوِزُ صَلاَتُهُمْ تَرَاقِيهِمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السّهْمُ مِنَ الرّمِيّةِ،" لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيّهِمْ صلى الله عليه وسلم لاَ تّكَلُوا عَلَى الْعَمَلِ[ليكلوا على العمل] وَآيَةُ ذلِكَ أَنّ فِيهِمْ رَجُلاَ
__________
أي أسقط. قال في النهاية خر يخر بالضم والكسر إذا سقط من علو انتهى "فإنما الحرب خدعة" بفتح الخاء وإسكان الدال ويقال بضم الخاء وفتح الدال. قال النووي: معناه أجتهد رأيي.
قال القاضي: وفيه جواز التورية والتعريض في الحرب، فكأنه تأول الحديث على هذا "حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام" أي صغار الأسنان ضعاف العقول. قال في النهاية: حداثة السن كناية عن الشباب "يقولون من خير قول البرية" أي خير ما يتكلم به الخلائق، وقيل أراد بخير قول البرية القرآن، وفي بعض النسخ من قول خير البرية. والظاهر أن المراد بخير البرية النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
قلت: المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وغفلة بفتح الغين المعجمة وبعد فاء ولام مفتوحتان وتاء تأنيث.
"يصيبونهم" أي يقتلون ذلك الخوارج "ما" مصدرية "قضي" بصيغة المجهول "لهم" أي لذلك الجيش. والجملة مفعول يعلم "على لسان نبيهم" من البشارة العظمى لقاتليهم "لا تكلوا

(13/80)


لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْستْ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ"، أَفَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشّامِ وَتَتْرُكُونَ هؤُلاَءِ يَخْلُفُونَكُم إِلَى[في] ذَرَارِيّكمْ
__________
على العمل" كذا في أكثر النسخ. وهكذا في رواية مسلم وهو افتعلوا من الوكل يقال اتكل عليه إذا اعتمد عليه ووثق به والمعنى اعتمدوا على ذلك العمل وهو قتالهم لما فيه من الأجر العظيم واكتفوا به دون غيره من الأعمال الصالحة. وفي بعض نسخ الكتاب لنكلوا عن العمل من النكل وهو التأخر أي تأخروا عن العمل الآخر والله أعلم.
"له عضد" العضد ما بين المرفق إلى الكتف كذا في المصباح "وليست له ذراع" هي من المرفق إلى أطراف الأصابع كذا في المصباح، وكأن هذا وصفه من كثرة لحمه وشحمه "على عضده" وفي رواية مسلم على رأس عضده "مثل حلمة الثدي" بفتح الحاء واللام أي مثل رأسه "أفتذهبون إلى معاوية وأهل الشام" وقصته على ما ذكره المؤرخ الثقة ابن سعد ونقل عنه السيوطي أن علياً رضي الله عنه بويع بالخلافة الغد من قتل عثمان رضي الله عنه بالمدينة فبايعه جميع من كان بها من الصحابة رضي الله عنهم، ويقال إن طلحة والزبير بايعا كارهين غير طائعين ثم خرجا إلى مكة وعائشة رضي الله عنها بها فأخذاها وخرجا بها إلى البصرة يطالبون بدم عثمان، وبلغ ذلك علياً فخرج إلى العراق فلقي بالبصرة طلحة والزبير وعائشة ومن معهم وهي وقعة الجمل وكانت في جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير وغيرهما، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفاً وأقام على بالبصرة خمس عشرة ليلة ثم انصرف إلى الكوفة، ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام فبلغ علياً فسار إليه فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين ودام القتل بها أياماً فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها مكيدة من عمرو بن العاص فكره الناس الحرب وتداعوا إلى الصلح وحكموا الحكمين، فحكم على أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص وكتبوا بينهم كتاباً على أن يوافقوا رأس الحول بأذرح فينظروا في أمر الأمة، فافترق الناس ورجع معاوية إلى الشام وعلي إلى الكوفة فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا لا حكم إلا لله، وعسكروا بحروراء، فبعث إليهم ابن عباس فخاصمهم وحجهم، فرجع منهم قوم كثير وثبت قوم وساروا إلى النهروان فعرضوا للسبيل فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان وقتل منهم ذا الثدية وذلك سنة ثمان وثلاثين، واجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة وحضرها سعداً ابن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة، فقدم عمر وأبا موسى الأشعري مكيدة منه فتكلم فخلع علياً وتكلم عمرو فأقر معاوية وبايع له فتفرق الناس على هذا وصار علي في خلاف من أصحابه حتى صار يعض على إصبعه ويقول أُعصى ويطاع معاوية، وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن ابن ملجم المرادي والبرك بن عبد الله التميمي وعمرو بن بكير التميمي فاجتمعوا بمكة

(13/81)


وَأمْوَالِكُم؟ وَالله إِني لأرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ فَأَنّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا في سْرحِ النّاسِ فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ الله قالَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ: فَنَزّلَنِي زَيْدُ بنُ وَهْبٍ مَنْزِلاً مَنْزِلاً حَتّى مَرَرْنَا[مرّ بنا] عَلَى قَنْطَرَةٍ. قالَ: فَلمّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ الرّاسِيّ، فقالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرّمَاحَ وَسُلّوا السّيُوفَ منْ جُفُونِهَا فإِنّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ. قالَ: فَوَحّشُوا بِرِمَاحِهِمْ وَاسْتَلّوا
__________
وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ويريحوا العباد منهم، فقال ابن ملجم أنا لكم بعلي وقال البرك أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير أنا أكفيكم عمرو بن العاص. هذا كلام ابن سعد وقد أحسن في تلخيصه هذه الوقائع ولم يوسع فيها الكلام كما صنع غيره لأن هذا هو اللائق بهذا المقام قال صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أصحابي فأمسكوا. قاله السيوطي.
قال وتتركون هؤلاء: الخوارج "يخلفونكم إلى ذراريكم" جمع ذرية أي فينهبونها "وأموالكم" أي ينفونكم إلى أموالكم فيفسدونها "إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء" أي المذكورون في الحديث "القوم" بالفتح خبر يكون أي هذا القوم "في سرج الناس" أي مواشيهم السائمة "فسيروا" أي إليهم "فنزلني" من التنزيل "زيد بن وهب منزلا منزلا" هكذا في بعض النسخ مرتين وفي بعض النسخ مرة واحدة.
قال النووي في شرح مسلم: فنزلني زيد بن وهب منزلا هكذا في معظم نسخ صحيح مسلم مرة واحدة وفي نادر منها منزلا منزلا مرتين، وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين وهو وجه الكلام أي ذكر لي مراحلهم بالجيش منزلا منزلا "حتى مررنا" وفي رواية مسلم حتى قال مررنا بزيادة لفظ قال، وفي بعض نسخ سنن أبي داوود مر بنا مكان مررنا "على قنطرة" بفتح القاف أي حتى بلغ القنطرة التي كان القتال عندها وهي قنطرة الدبرجان كذا جاء مبيناً في سنن النسائي وهناك خطبهم علي رضي الله عنه وروى لهم هذه الأحاديث "قال" أي زيد بن وهب "فلما التقينا" أي نحن والخوارج "وعلى الخوارج عبد الله بن وهب" أي كان أميرهم "سلوا" بضم السين أمر من سل يسل "من جفونها" أي من أغمدتها "فإني أخاف أن يناشدوكم" أي يطلبوكم الصلح بالإيمان لو تقاتلون بالرمح من بعيد، فألقوا الرماح وادخلوا فيهم بالسيوف حتى لا يجدوا فرصة فدبروا تدبيراً قادهم إلى التدمير. كذا في مجمع البحار "فوحشوا برماحهم" أي رموا بها عن بعد قاله النووي، وهو من باب التفعيل أي التوحيش قاله في الصراح. قال الجوهري في الصحاح: وحّش الرجل إذا رخى بثوبه وسلاحه مخافة أن يلحق. قال الشاعر:

(13/82)


السّيُوفَ وَشَجَرَهُمُ النّاسُ بِرِمَاحِهِمْ. قال: وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ. قال: وَمَا أُصِيبَ مِنَ النّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلا رَجُلاَنِ، فقالَ عَلِيّ: الْتَمِسُوا فِيهِمْ المُخْدَجَ، فَلمْ يَجِدُوا. قالَ: فَقَامَ عَلِيّ بِنَفْسِهِ حَتّى أَتَى نَاساً قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فقالَ أَخْرِجُوهُم، فَوَجَدُوهُ مِمّا يَلِي الأرْضَ، فكَبّرَ وقالَ: صَدَقَ الله وَبَلّغَ رَسُولُهُ، فقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السّلْمَانيّ فقالَ: يا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ الله[والله] الّذِي لا إِلَهِ إِلا هُوَ لَقَدْ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالَ[فقال]: إي وَالله الّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، حَتّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلاَثاً وَهُوَ يَحْلِفُ".
[قال أبُو دَاوُدَ: قالَ مَالِكّ: ذَلّ لِلْعِلْمِ أَن يجيبَ الْعَالِمُ كُلّ مَنْ سَأَلَهُ].
__________
فذروا السلاح ووحشوا بالابرق
"واستلوا" بصيغة الماضي "وشجرهم الناس برماحهم" قال الجوهري في الصحاح: شجره بالرمح أي طعنه وشجر بيته أي عمده بعمود انتهى.
وفي النهاية: وفي الحديث شجرناهم بالرماح أي طعناهم انتهى، أي مدوها إليهم وطاعنوهم بها قاله النووي "وقتلوا بعضهم" أي بعض الخوارج "وما أصيب من الناس" أي الذين مع علي رضي الله عنه "المخدج" بضم الميم وسكون الخاء وفتح الدال. قال الجوهري: يقال أخدجت الناقة إذا جاءت بوالدها ناقص الخلق فولد مخدج. ومنه حديث علي رضي الله عنه في ذي الثدية اليد: أي ناقص اليد انتهى "حتى أتى ناساً" أي من الخوارج "فوجدوه" أي المخدج الخارجي "فكبر" علي رضي الله عنه "وقال صدق الله وبلغ رسوله" رسالته. ففي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " "فقام إليه عبيدة" حاصله أنه استحلف علياً ثلاثاً وإنما استحلفه ليسمع الحاضرين ويؤكد ذلك عندهم ويظهر لهم المعجزة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظهر أن علياً وأصحابه أولى الطائفتين بالحق وأنهم محقون في قتالهم وغير ذلك مما في هذه الأحاديث من الفوائد. قاله النووي.
"السلماني" بإسكان اللام منسوب إلى سلمان جد قبيلة معروفة وهم بطن من مراد أسلم عبيدة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وسلم بسنتين ولم يره وسمع عمر وعلياً وابن مسعود وغيرهم من الصحابة.
قال المنذري: وأخرجه مسلم انتهى. أي في كتاب الزكاة في باب إعطاء المؤلفة قلوبهم.

(13/83)


4754- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن جَمِيلِ بنِ مُرّةَ قالَ أخبرنا أَبُو الْوَضِيءِ قالَ: قالَ عَلِيّ: اطْلُبُوا المُخْدَجَ فذكَرَ الْحَدِيثَ، فاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ تَحْتِ الْقَتْلَى في طِينٍ. قال أَبُو الْوَضِيءِ: فكَأَنّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَبَشِيّ عَلَيْهِ قُرَيْطَقٌ لَهُ، إِحْدَى يَدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ عَلَيْهَا شَعِيرَاتٍ مِثْلُ شَعِيرَاتِ الّتي تَكُونُ عَلَى ذَنَبِ الْيَرْبُوعِ.
4755- حدثنا بِشْرُ بنُ خَالِدٍ قالَ أخبرنا شَبَابَةٌ بنُ سَوّارٍ عن نُعَيْمِ بنِ حَكِيمٍ عن أَبي مَرْيَمَ قال: إِنْ كَانَ ذَلِكَ المُخْدَجَ لَمَعَنَا يَوْمَئِذٍ في المَسْجِدِ يُجَالِسُهُ[نجالسه] بالّليْلِ وَالنّهَارِ وكَانَ فَقِيراً وَرَأَيْتُهُ مَعَ المَسَاكِينِ يَشْهَدُ طَعَامَ عَلِيّ عليه السلام مَعَ النّاسِ وَقَدْ كَسَوْتُهُ بُرْنُساً لِي. قالَ أَبُو مَرْيَمَ: وكَانَ المُخْدَجُ يُسَمّى نَافِعاً ذَا الثّدْيَةِ، وكَانَ في يَدِهِ مِثْلَ ثَدْي المَرْأَةِ عَلَى رَأْسِهِ حَلَمَةٌ مِثْلُ حَلَمَةِ الثّدْيِ عَلَيْهِ شُعَيْرَاتٌ مِثْلُ سِبَالَةِ السّنّوْرِ.
قال أبُو دَاوُدَ: هُوَ عِنْدَ النّاسِ اسْمُهُ حَرْقوسُ.
ـــــــ
"عن جميل بن مرة" بفتح الجيم وكسر الميم "أخبرنا أبو الوضيء" بفتح الواو وكسر المعجمة اسمه عباد بن نسيب "عليه قريطق" تصغير قرطق وهو معرب كرته كذا في النهاية "على ذنب اليربوع" هو بالفارسية كلاكموش كذا في الصراح أي موش دشتي. وقال الدميري في حياة الحيوان: اليربوع بفتح الياء المثناة حيوان طويل الرجلين قصير اليدين جداً وله ذنب كذنب الجرذ ويسكن بطن الأرض لتقوم رطوبتها مقام الماء. قال الجاحظ والقزويني: اليربوع من نوع الفأر انتهى.
والحديث سكت عنه المنذري.
"أخبرنا شبابة" على وزن سحابة "إن كان" إن مخففة من المثقله "يجالسه" وفي بعض النسخ نجالسه "مثل سبالة" بكسر السين قيل السبلة بفتحتين الشارب وجمعه السبال. قاله السندي. والحديث سكت عنه المنذري.

(13/84)


31- باب في قتال اللصوص
4756- حدثنا مُسَدَدّ أخبرنا يَحْيى عن سُفْيَانَ حدّثني عَبْدُ الله بنُ حَسَنٍ قال حدّثني عَمّي إبْرَاهِيمُ بنُ مُحَمّدِ بنِ طَلْحَةَ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقَ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهيدٌ".
4757- حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا أبُو دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ وَ سُلَيْمانُ ابنُ دَاوُدَ - يَعني أَبَا أَيُوبَ الْهاشِميّ - عن إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ عن أَبِيهِ عن أَبِي عُبَيْدَةَ بنِ مُحَمّدٍ بنِ عَمّارِ بنِ يَاسِرٍ عن طَلْحَةَ بنِ عَبْدِ الله بنِ عَوْفٍ عن سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ".
آخر كتاب السنة
__________
باب في قتال اللصوص
جمع اللص بالكسر وهو السارق
"من أريد ماله" أي أخذ ماله "فقاتل" أي في الدفع عنه "فهو شهيد" أي من شهداء الآخرة بمعنى أن له أجر شهيد.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه البخاري في صحيحه من حديث عكرمة مولى عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عمرو ولفظه "من قتل دون ماله فهو شهيد" وخالف البخاري في حديث عبد الله بن عمرو غير واحد من الأثبات وقالوا فيه فله الجنة، وزاد فيه مظلوماً انتهى.
"من قتل دون ماله" قال العلقمي أي من قاتل على الصائل ماله حيوان كان أو غير فقتل في المدافعة فهو شهيد أي في حكم الآخرة لا في الدنيا أي له ثواب شهيد "ومن قتل دون أهله" أي في الدفع عن بضع حليلته أو قريبته "أو دون دمه" قال العلقمي: أي في نصرة دين الله تعالى والذب عنه وفي قتال المرتدين عن الدين قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح انتهى.
آخر كتاب السنة
هذه العبارة قد وقعت في عامة النسخ الحاضرة، وكذا في نسخة المنذري وقد وجد في النسختين من السنن بعد قوله آخر كتاب السنة، وقبل قوله أول كتاب الأدب ثلاثة أحاديث وبعض العبارات في حق بعض الرواة.

(13/85)


4758- حدثنا أَبُو دَاوُدَ حدثنا عَبْدُ الله بنُ قُرَيْشٍ الْبُخَارِيّ قالَ سَمِعْتُ نُعَيْمَ بنَ حَمّادٍ يَقُولُ لِلْمُعْتَزِلَةِ: تَرُدّونَ أَلفَيْ حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِ النبي صلى الله عليه وسلم، أَوْ نَحْوَ أَلْفَيْ حَدِيثٍ.
4759- حدثنا أَبُو ظَفَرٍ عَبْدُ السّلاَمِ أخبرنا جَعْفَرٌ عن عَوْفٍ قالَ سَمِعْتُ الْحَجّاجَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: إِنّ مَثَلَ عُثْمانَ عِنْدَ الله كَمَثَلِ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ، ثُمّ قَرَأَ هَذِهِ الآية يَقْرَأُهَا وَيُفَسّرُهَا: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ وإِلَى أَهْلِ الشّامِ.
4760- حدثنا أحْمَدُ ابنُ صَالحٍ وَ أحْمَدُ بنُ عَمْرٍو بنِ السّرْحِ قالا أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْرٍو بنِ دِينَارٍ عن وَهْبٍ بنِ مُنَبّهٍ عن أَخِيهِ عن مُعَاوِيةَ[قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشفعوا تحبّوا] اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا فإِنّي لأرِيدُ فأُؤَخّرُهُ كَيْمَا تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا، فإِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا".
4761- حدثنا أَبُو مَعْمَرِ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن بُرَيْدٍ عن أَبي بُرْدَةَ عن أَبي مُوسَى عن النبي صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
قال أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ قالَ عَفّانُ: كَانَ يَحْيَى لا يُحَدّثُ عن هَمّامٍ.
__________
الأول: أثر الحجاج في حق عثمان رضي الله عنه الذي تقدم في باب الخلفاء.
والثاني: حديث معاوية مرفوعاً اشفعوا.
والثالث: حديث أبي موسى مرفوعاً، وهذان الحديثان يأتيان في كتاب الأدب في باب الشافعة وإني تركتها لأجل التكرار وهي مع كونها مكررة ليس لها ربط وتعلق في هذا المحل وكذا لم توجد في مختصرة المنذري.
-وأما بعض العبارات المذكورة فهي أيضاً غير مربوط بما قبلها لكن أثبتناها لتكميل الفائدة والعبارة المذكورة هي قوله: "قال أبو داوود سمعت أحمد بن حنبل يقول" في حق همام بن يحيى البصري "قال عفان" يعني ابن مسلم الأنصاري البصري "كان يحيى" بن

(13/86)


الَ أحْمَدُ قالَ عَفّانُ: فَلمّا قَدِمَ مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ وَافَقَ هَمّاماً في أَحَادِيثَ كَانَ يَحْيَى رُبّمَا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ قالَ هَمّامٌ فِي هَذَا.
قال أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أحْمَدَ يَقُولُ: سَمَاعُ هَؤُلاَءِ عَفّانَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ هَمّامٍ أَصْلَحُ مِنْ سَمَاعِ عَبْدِ الرّحْمَن وكَانَ يَتَعَاهَدُ كُتُبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ[بعد].
4762- حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَفّانُ إِنْ شَاءَ الله تعالى قالَ قالَ لِي هَمّامٌ: كُنْتُ أُخطِيءُ وَلاَ أَرْجِعُ وَأَسْتَغْفِرُ الله[فاستغفر الله] تعالى.
قال أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ عَلِيّ بنَ عَبْدَ الله يَقُولُ: أَعْلَمُهُمْ بِإِعَادَةِ مَا يَسْمَعُ مِمّا لَمْ يَسْمَعْ شُعْبَةٌ وَأَرْوَاهُمْ وَأَحْفَظُهُمْ سَعِيدُ بنُ أَبي عَرُوبَةَ.
__________
سعيد القطان الإمام الحافظ "لا يحدث عن همام: ابن يحيى الأزدي البصري لأن في حفظه شيئاً وإن كان أحد علماء البصرة قومن ثقاتها كما قال أبُو حاتم: إنه ثقة في حفظه شيء، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يركن إلى حفظه ولا إلى كتابه ولا يحدث عنه أولا "فلما قدم معاذ بن هشام" الدستوائي البصري إلى البصرة "وافق" أي معاذ بن هشام "هماماً في أحاديث" كان يرويها وكان يحيى بن سعيد القطان ينكرها عليه أولا ثم "كان يحيى" بن سعيد القطان لما رأى موافقة معاذ بن هشام لهمام في تلك الأحاديث "ربما قال بعد ذلك" أي بعد أن عرف موافقة معاذ بن هشام له فيها "كيف قال همام في هذا" أي فيما روى أولا من الأحاديث عن همام أي فإني الآن علمت صحتها وقبولها لاعتضادها بموافقة معاذ بن هشام له فيها.
والمعنى أن يحيى بن سعيد القطان أولا كان ينكر على همام أحاديثه ولا يقبلها فلما قدم معاذ البصرة ورأى أن معاذاً روى الأحاديث التي كان ينكرها عليه، ولا يقبلها فوافق هماماً على رواية هذه الأحاديث ورجع عن الإنكار على همام، وصار يسأل عن أحاديثه ويقبلها. وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري "سمعت أحمد يقول سماع هؤلاء" الرواة يعني "عفان" بن مسلم "وأصحابه" أي الآخذين مثله "من همام" بن يحيى "أصلح" أي أصح "من سماع عبد الرحمن" بن مهدي، وليس المراد أن عفان أوثق وأحفظ الرواية همام من عبد الرحمن بن مهدي، بل المراد أن سماع بان مهدي منه قديماً وعفان وأصحابه سمعوا منه أخيراً، وهمام كان أولا يحدث من حفظه فيخطىء ولا يراجع كتبه ثم "كان يتعاهد كتبه بعد ذلك" أي بعد أن تركها أولا وكان لا يراجعها فكان سوء حفظه لعدم مراجعة كتبه لأنه لم يكن حافظاً حفظ صدر والقوم كانوا يتفاوتون في الحفظ فمن كان حفظه حفظ صدر حفظاً ثابتاً قائماً فهو في الدرجة العليا، ويليهم في الدرجة بعدهم من كان يراجع كتبه.
"قال أبو داوود سمعت علي بن عبد الله يقول" في ذكر أصحاب قتادة "أعلمهم بإعادة ما يسمع" من قتادة "مما لم يسمع" منه "شعبة" وعبارة الحافظ في المقدمة وكان شعبة أعلمهم بما

(13/87)


قال أبُو دَاوُدَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأحْمَدَ فقالَ سَعِيدُ بنُ أَبي عَرُوبَةَ في قِصّةِ هِشَامٍ: هَذَا كُلّهُ يَحْكُونَهُ عن مُعَاذِ بنِ هِشَامٍ، أَيْنَ كَانَ يَقعُ هِشَامٌ مِنْ سَعِيدٍ لَوْ بَرَزَ لَهُ.
__________
سمع من قتادة مما لم يسمع انتهى. أي أقدر على التمييز بما سمع منه مما لم يسمع منه "وأرواهم" أي أكثرهم رواية "هشام وأحفظهم سعيد بن أبي عروبة" ولم يكن همام عندي بدون القوم في قتادة ذكره الحافظ ابن حجر فيالمقدمة تحت قول علي بن المديني المذكور آنفاً وما ذكره الحافظ ابن حجر في المقدمة أليق بالمقام ليوافق المضمون للمضمون السابق "فقال" الإمام أحمد متعجباً من كون علي بن المديني جعل هشاماً مساوياً لابن أبي عروبة فقال كيف ذكر علي بن المديني "سعيد بن أبي عروبة في قصة هشام" أي في حكايته من كونه مساوياً لابن أبي عروبة، ثم الإمام أحمد عن علي بن المديني بأن قال "هذا كله" أي من يذكر المساواة بين هشام وسعيد بن أبي عروبة ليس ذلك من ابن المديني من قبل نفسه بل إنهم "يحكونه" أي ما يذكر من المساواة أي يحكيه بعض بعضهم "عن معاذ بن هشام" فإنه أي معاذ بن هشام ساوى بينهما فلم يسلم الإمام تلك المساواة بينهما بل صرح بالفرق بينهما وأن سعيد بن أبي عروبة أعلى وأرفع من هشام فقال "أين كان يقع هشام من سعيد لو برز له" أي لو قابله وناظره في علمه وحفظه فإنه مع ذلك يعرف فضل سعيد بن أبي عروبة وكونه مرتبة وأحفظ وأوثق من هشام، فأين درجة هشام من سعيد بن أبي عروبة قاله شيخنا القاضي حسين بن محسن الأنصاري في بعض تعليقاته على السنن.

(13/88)