Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

أول كتاب الأدب
باب في الحلم وأخلاق (وحسن الخلق ــ وحسن الهدي) النبي صلى الله عليه وسلم
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الأدب
1- باب في الحلم وأخلاق [وحسن الخلق- وحسن الهدي]
النبي صلى الله عليه وسلم
4763- حدثنا مخلد بن خالد الشعيري ثنا عمر بن يونس ثنا عكرمة يعني بن عمار قال حدثني إسحاق يعني بن عبد الله بن أبي طلحة قال قال أنس: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا فأرسلني يوما لحاجة فقلت والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم قال فخرجت حتى أمر على
__________
أول كتاب الأدب
الأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا، وقيل الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك، وقيل: إنه مأخوذ من المأدبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سمي بذلك لأنه يدعى إليه.
باب في الحلم وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم
"فقلت والله لا أذهب" قال في فتح الودود: ظاهره أنساً قال له صلى الله عليه وسلم وعليه حمله شراح الحديث ويرد عليه أنه كيف خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً وكيف خلف بالله كاذباً، وكيف حمله النبي صلى الله عليه وسلم على الذهاب بعد الحلف، وأجاب في بعض الشروح عن بعض هذه الإيرادات بجواب يصلح جواباً عن الكل فقال إن هذا القول صدر عن أنس في صغره وهو غير مكلف
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس قال "كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء".

(13/89)


صبيان وهم يلعبون في السوق فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قابض بقفاي من ورائي فنظرت إليه وهو يضحك فقال "يا أنيس اذهب حيث أمرتك" قلت نعم أنا أذهب يا رسول الله قال أنس والله لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين ما علمت قال لشيء صنعت لم فعلت كذا وكذا ولا لشيء تركت هلا فعلت كذا وكذا.
__________
انتهى "فخرجت حتى أمر على صبيان" أي فخرجت أذهب إلى أن مررت على صبيان وجاء بصيغة المضارع استحضاراً لتلك الحالة "وهم يلعبون في السوق" حال من صبيان "فإذا" للمفاجأة "قابض" أي آخذ "بقفاي" بفتح ياء المتكلم، والقفا مؤخر العنق "فنظرت إليه" إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "وهو يضحك" حل من الضمير المجرور "فقال يا أُنيس" تصغير أنس "اذهب" وفي رواية مسلم أذهبت "سبع سنين أو تسع سنين" شك من الراوي، وفي رواية مسلم تسع سنين بغير الشك "هلا فعلت" هلا بتشديد اللام ومعناها إذا دخلت على الماضي التوبيخ أو اللوم على ترك الفعل. والمعنى لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لشيء صنعته لم صنعته ولا شيء لم أصنعه وكنت مأموراً به لم لا صنعته.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال "لا تغضب" فردد مرارا قال "لا تغضب".
وفي الصحيحين عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الحياء لا يأتي إلا بخير".
وفيهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الحياء شعبة من الإيمان".
__________
وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه.
وزاد الترمذي "وإن الله يبغض الفاحش البذي".
وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم قال "البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
وروى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال "الفم والفرج" وقال حديث حسن صحيح.
وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خيركم لنسائهم" رواه الترمذي وقال حسن صحيح.
وفي الترمذي أيضا عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم

(13/90)


4764- حدثنا عبد الله بن مسلمة أخبرنا سليمان- يعني يحيى ابن المغيرة- عن ثابت عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين بالمدينة وأنا غلام ليس كل أمري كما
__________
قال المنذري: وأخرجه مسلم وفيه تسع سنين من غير شك.
"خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين" وفي الرواية المتقدمة تسع سنين فمعناه أنها تسع سنين وأشهر فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة عشر سنين وخدمه أنس في أثناء السنة الأولى ففي رواية التسع لم يحسب الكسر وفي راية العشر حبها سنة كاملة وكلاهما صحيح كذا قال النووي
__________
القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون" قال يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفهقون قال "المتكبرون" قال الترمذي حديث حسن.
والثرثار هو الكثير الكلام بتكلف والمتشدق المتطاول على الناس بكلامه الذي يتكلم بملء فيه تفاخما وتعظيما لكلامه والمتفيهق أصله من الفهق وهو الامتلاء وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه تكثرا وارتفاعا وإظهارا لفضله على غيره قال الترمذي قال عبد الله بن المبارك حسن الخلق طلاقة الوجه وبذل المعروف وكف الأذى.
وقال غيره حسن الخلق خمسان أحدهما مع الله عز وجل وهو أن يعلم أن كل ما يكون منك يوجب عذرا وكل ما يأتي من الله يوجب شكرا فلا تزال شاكرا له معتذرا إليه سائرا إليه بين مطالعه وشهود عيب نفسك وأعمالك.
والقسم الثاني حسن الخلق مع الناس.
وجماعة أمران" بذل المعروف قولا وفعلا وكف الأذى قولا وفعلا.
وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم والجود والصبر وطيب العود وصحة الإسلام.
أما العلم فلأنه يعرف معاني الأخلاق وسفسافها فيمكنه أن يتصف بهذا ويتحلى به ويترك هذا ويتخلى عنه.
وأما الجود فسماحة نفسه وبذلها وانقيادها لذلك إذا أراده منها.
وأما الصبر فلأنه إن لم يصبر على احتمال ذلك والقيام بأعبائها لم يتهيأ له.
وأما طيب العود فأن يكون الله تعالى خلقه على طبيعة منقادة سهلة القياد وسريعة الاستجابة لداعي الخيرات.
والطبائع ثلاثة: طبيعة حجرية صلبة قاسية لا تلين ولا تنقاد وطبيعة مائية هوائية سريعة الانقياد مستجيبة لكل داع كالغصن أي نسيم مر يعصفه وهاتان منحرفتان الأولى لا تقبل والثانية لا تحفظ وطبيعة قد جمعت اللين والصلابة والصفاء فهي تقبل بلينها وتحفظ بصلابتها وتدرك حقائق الأمور بصفائها فهذه الطبيعة الكاملة التي ينشأ عنها كل خلق صحيح.

(13/91)


يشتهي صاحبي أن أكون[أكون] عليه ما قال لي فيها أف قط وما قال لي لم فعلت هذا أو ألا فعلت هذا.
4765-حدثنا هارون بن عبد الله ثنا أبو عامر ثنا محمد بن هلال سمع أباه يحدث قال قال أبو هريرة وهو يحدثنا ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس معنا في المسجد[المجلس] يحدثنا فإذا قام قمنا قياما حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه فحدثنا يوما فقمنا حين[حتى] قام فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه فجبذه بردائه فحمر رقبته قال أبو هريرة وكان رداء خشنا فالتفت فقال له الأعرابي احمل لي[احملني] على بعيري هذين فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا وأستغفر الله لا وأستغفر الله لا وأستغفر الله لا أحملك [لا أحمل لك]
__________
"ليس كل امريء" أي ليس كل خدمة من خدماتي التي خدمت بها النبي صلى الله عليه وسلم "كما يشتهي صاحبي" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أن يكون" أي أمري عليه أي على ما يشتهي أي مما يكون موافقاً لما يشتهيه صاحبي، يريد به النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان منها ما يكون مخالفاً لما يشتهيه صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يقل في شيء مما خالف ما يشتهيه في مدة الخدمة وهي عشر سنين كلمة أف قط، وهذا من كمال خلقه الجميل "ما قال لي فيها" أي في مدة خدمتي وهي عشر سنين "أف" قال الحافظ: الأف كل مستقذر من وسخ كقلامة الظفر وما يجري مجراها، ويقال ذلك لكل مستخف به، ويقال أيضاً عند تكره الشيء وعند التضجر من الشيء. وفي أف عدة لغات الحركات الثلاث بغير تنوين وبالتنوين وهذا كله مع ضم الهمزة والتشديد. قال وفيها لغات كثيرة "أم" بفتح الهمزة وسكون الميم بمعنى أو "ألا" بفتح الهمزة والتشديد بمعنى هلا. والحديث سكت عنه المنذري.
"فإذا قام قمنا" أي لا نفضاض المجلس لا للتعظيم لأنهم ما كانوا يقومون له مقبلا فكيف يقومون له مدبراً "قياماً" أي وقوفاً ممتداً "حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه" ولعلهم كانوا ينتظرون رجاء أن يظهر له حاجة إلى أحد معهم أو يعرض له رجوع إلى الجلوس معهم، فإذا أيسوا تفرقوا ولم يقعدوا لعدم حلاوة الجلوس بعده صلى الله عليه وسلم "فجبذه" أي جذبه "بردائه" أي ردائه صلى الله عليه وسلم "فحمر" من التحمير، وهذا من عادة جفاة العرب وخشونتهم وعدم تهذيب أخلاقهم.
وقيل لعله كان من المؤلفة ولهذا قال ما قال "فالتفت" أي النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأعرابي: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا" أي لا أحمل لك من مالي "وأستغفر الله" أي إن كان الأمر على خلاف ذلك. قال
__________
وأما صحة الإسلام فهو جماع ذلك والمصحح لكل خلق حسن فإنه بحسب قو إيمانه وتصديقه بالجزاء وحسن موعود الله وثوابه يسهل عليه تحمل ذلك له الاتصاف به والله الموفق المعين.

(13/92)


حتى تقيدني من جبذتك التي جبذتني" فكل ذلك يقول له الأعرابي والله لا أقيدكها فذكر الحديث قال ثم دعا رجلا فقال له "أحمل له على بعيريه هذين على بعير شعيرا وعلى الآخر تمرا ثم التفت إلينا فقال انصرفوا على بركة الله تعالى".
__________
السيوطي في مرقاة الصعود: وهذا من حسن العبارة لأن حذف الواو يوهم نفي الاستغفار وقال الفخر الرازي: روى عن أبي بكر الصديق أنه دخل السوق فقال لبياع أتبيع هذا الثوب فقال لا عافاك الله قال له أبو بكر لو علمتم قل لا وعافاك الله. وهذا من لطائف النحو لأنه عند حذفها يوهم كونه دعاء عليه وعند الواو لا يبقى الإحتمال انتهى "حتى تقيدني" من الإقادة "فكل ذلك يقول له الأعرابي والله لا أقيدكما" أي الجبذة وكأنه أراد لكمال كرمه صلى الله عليه وسلم أنه يعفو البتة. وفي رواية النسائي بعد قوله ولا من مال أبيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا وأستغفر الله لا أحمل لك حتى تقيدني مما جبذت برقبتي"، فقال الأعرابي لا والله لا أقيدك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات كل ذلك يقول لا والله لا أقيدك" "فذكر الحديث":
وقد ذكر النسائي ما حذفه المؤلف ففيه "فلما سمعت قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعاً فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عزمت فلي من سمع كلامي أن لا يبرح مقامه حتى آذن له" "ثم دعا" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث بيان كمال خلقه صلى الله عليه وسلم وحمله وصفحه.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وقال الدارقطني تفرد به محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وسئل الإمام أحمد عن محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة فقال ثقة وقال مرة ليس به بأس قيل أبوه قال لا أعرفه. وسئل أبو حاتم الرازي عن محمد بن هلال قال صالح وأبوه ليس بالمشهور.

(13/93)


2- باب في الوقار
4766- حدثنا النفيلي ثنا زهير ثنا قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه ثنا عبد الله بن عباس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الهدي الصالح والسمت
__________
باب في الوقار
بفتح الواو. في القاموس: الوقار كسحاب الرزانة انتهى، وفي المصباح: الوقار الحلم والرزانة وهو مصدر وقر بالضم مثل جمل جمالا، والوقار العظمة، أيضاً ووقر وقراً من باب وعد جلس بوقار انتهى.

(13/93)


الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة".
__________
"إن الهدى الصالح" بفتح الهاء وسكون الدال المهملة أي الطريقة الصالحة "والسمت الصالح" بفتح السين المهملة وسكون الميم هو حسن الهيئة والمنظر وأصله الطريق المنقاد. وفي النهاية أي حسن هيئته ومنظره في الدين وليس من الحسن والجمال انتهى "والاقتصاد" أي سلوك القصد في الأمور القولية والفعلية والدخول فيها برفق على سبيل يمكن الدوام عليه "جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة" أي إن هذه الخصال منحها الله تعالى أنبياءه فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها وليس معنى الحديث أن النبوة تتجزأ أو لا أن من جمع هذه الخصال كان فيه جزء من النبوة، فإن النبوة غير مكتسبة بالأسباب وإنما هي كرامة من الله تعالى لمن أراد إكرامه بها من عباده، وقد ختمت بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقال العلقمي: وقد يحتمل وجها آخر وهو أن من اجتمعت له هذه الخصال تلقته الناس بالتعظيم والتبجيل والتوقير وألبسه الله عز وجل لباس التقوى الذي تلبسه أنبياؤه، فكأنها جزء من النبوة كذا في السراج المنير للعزيزي.
وقال السيوطي: وفي رواية الطبراني جزء من خمسة وأربعين جزءاً وفي رواية أخرى له جزء من سبعين جزءاً قال الخطابي: هدى الرجل حاله ومذهبه وكذلك سمته، وأصل السمت الطريق المنقاد والاقتصاد سلوك القصد في الأمر والدخول فيث برفق وعلى سبيل يمكن الدوام عليه، يريد أن هذه الخلال من شمائل الأنبياء ومن الخصال المعدودة من خصائلهم وأثها جزء من أجزاء خصائلهم فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها انتهى.
قال المنذري: في إسناده قابوس بن أبي ظبيان حصين بن جندب الجنبي كوفي لا يحتج بحديثه، وجنب بطن من مذحج وهو بفتح الجيم وسكون النون وبعدها باء موحدة. وظبيان بفتح الظاء المعجمة وكسرها وبعدها باء بواحدة ساكنة وياء آخر الحروف مفتوحة وبعد الألف نون.

(13/94)


3 - باب من كظم غيظا[في كظم الغيظ]
4767- حدثنا ابنُ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن سَعِيدٍ - يَعْني ابنَ أَبِي أَيّوبَ عن أَبي مَرْحُومٍ عن سَهْلِ بنِ مُعَاذٍ عن أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظاً
__________
باب من كظم غيظا
قال في النهاية: كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه
"من كظم غيظاً" أي اجترع غضباً كامناً فيه "أن ينفذه" من التنفيذ والإنفاذ أي يمضيه

(13/94)


وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤوسِ الْخَلاَئِقِ[على رؤوس الخلائق يوم القيامة] حَتّى يُخْيّرَهُ مِنْ أَيّ الْحُورِ الْعِينِ شَاءَ[من الحور ما شاء]-[من الحور العين ما شاء الله]".
قال أبُو دَاوُدَ: اسْمُ أَبِي مَرْحُومٍ عَبْدُ الرّحْمَن بنُ مَيْمُونٍ.
4768- حدثنا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ- يَعْني ابنَ مَهْدِيَ عن بِشْرٍ- يَعْني ابنَ مَنْصُورٍ- عن مُحَمّدِ بنِ عَجْلاَنَ عن سُوَيْدِ ابن وَهْبٍ عنْ رَجُلٍ مِنْ أبْنَاءِ أَصحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم عنْ أَبِيهِ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ قالَ: "مَلأهُ الله أَمْناً وَإِيمَاناً" لَمْ يَذْكُرْ قِصّةَ: دَعَاهُ الله. زَادَ: "وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ - قالَ بِشْرٌ: أَحْسِبُهُ قالَ تَوَاضُعاً - كَسَاهُ. حُلّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ زَوّجَ لله تَوّجَهُ لله تَاجَ المُلْكِ".
__________
"دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق" أي شهره بين الناس وأثنى عليه وتباهى به، ويقال في حقه هذا الذي صدرت منه هذه الخصلة العظيمة "حتى يخيره" أي يجعله مخيراً "من أي الحور العين شاء" أي في أخذ أيهن، وهو كناية عن إدخاله الجنة المنيعة وإيصاله الدرجة الرفيعة.
قال الطيبي: وإنما حمد الكظم لأنه قهر للنفس الأمارة بالسوء، ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن غريب هذا آخر كلامه وسهل بن معاذ بن أنس الجهني ضعيف، والذي روى عنه هذا الحديث أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون الليثي مولاهم المصري ولا يحتج بحديثه.
"حدثنا عقبر بن مكرم" بمضمومة وسكون كاف وفتح راء "نحوه" أي نحو الحديث المذكور "قال ملأه الله أمناً وإيماناً لم يذكر قصة دعاه الله" أي قال ملأه أمناً وإيماناً مكان دعاه الله الخ "ثوب جمال" أي زينة "قال بشر" يعني ابن منصور "أحسبه" أي محمد بن عجلان "تواضعاً" وهو مفعول له لترك أي أحسب وأظن أن محمد بن عجلان قال بعد قوله وهو يقدر عليه لفظ تواضعاً ولكن لا أجزمه "كساه الله حلة الكرامة" أي أكرمه الله وألبسه من ثياب الجنة "ومن زوج" مفعوله محذوف أي من يحتاج إلى الزواج "لله" أي ابتغاء لمرضاته، وقيل من زوج كريمته لله تعالى ، وقيل من أعطى لله اثنين من الأشياء وفي المشكاة "من تزوج لله" بزيادة التاء. قال القاري: في المرقاة أي بأن ينزل عن درجته فيتزوج من هي أدنى مرتبة منه ابتغاء لمرضاة ربه. أو أراد بالتزوج صيانة دينه وحفظ نسله "توجه الله" بتشديد الواو أي ألبسه وهو كناية عن إجلاله وتوقيره أو أعطى تاجاً ومملكة في الجنة.

(13/95)


4769- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن إبْرَاهِيمَ التّيْمِيّ عن الْحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ عن عَبْدِ الله قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا تَعُدون الصّرَعَةَ فِيكُم"؟ قالُوا: الّذي لا يَصْرِعُهُ الرّجَالُ. قالَ: "لاَ وَلكِنّهُ الّذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ".
__________
قال المنذري: فيه رواية مجهول.
"ما تعدون الصرعة" بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن همزة ولمزة من يصرع الناس.
قال العلقمي: بضم الصاد المهملة وفتح الراء الذي يصرع الناس كثيراً بقوته والهاء للمبالغة في الصفة. والصرعة بضم الصاد وسكون الراء بالعكس وهو من يصرعه غيره كثيراً انتهى "قالوا" أي الصحابة رضي الله عنهم "ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب" أي عند ثورانه فيقهر نفسه ويكظم غضبه. قال المنذري:وأخرجه مسلم أتم منه.

(13/96)


4- باب ما يقال عند الغضب
4770- حدثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى أخبرنا جُرِيرُ بنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عن عَبْدِ المَلِك بنِ عُمَيْرٍ عن عَبْدِ الرّحْمَن بنِ أَبي لَيْلَى عن مُعَادِ بنِ جَبَلٍ قالَ: "اسْتَبّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النبي صلى الله عليه وسلم، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا غَضَباً شَدِيداً حَتّى خُيّلَ إِلَىّ أَنّ أَنْفَهُ يَتَمَزّعُ مِنْ شِدّةِ غَضَبِهِ، فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنّي لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَها لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ مِنَ الْغَضَبِ"، فقالَ مَا هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ يَقُولُ: "الّلهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ" قالَ: فَجَعَلَ مُعَاذُ يَأْمُرُهُ فأَبَى وَمَحِكَ وَجَعَلَ يَزْدَادُ غَضَباّ.
__________
باب ما يقال عند الغضب
"استب رجلان" أي سب أحدهما الآخر "حتى خيل" بصيغة المجهول من التخييل "إلى" بتشديد التحتية "أن أنفه يتمزع" أي يتشقق ويتقطع، والمزعة هي القطعة من الشيء قاله الخطابي "فقال ما هي" أي قال معاذ ما تلك الكلمة "فجعل معاذ يأمره" أي الرجل الغضبان بقول تلك الكلمة "ومحك" بالحاء المهملة من باب علم ومنع أي لج في الخصومة. وفي الحديث أنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ فيقول: أعوذ من الشيطان الرجيم، وأنه سبب لزوال الغضب.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي هذا حديث مرسل

(13/96)


4771- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا أَبو مُعَاوِيةَ عن الأعمَشِ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ عن سُلَيْمانَ بنِ صُرَدَ قالَ: اسْتَبّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النبي صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ[تنفخ] أَوْدَاجُهُ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّي لأعْرِفُ كَلِمَةُ لَوْ قَالَها هَذَ لَذَهَبَ عَنْهُ الّذي يَجِدُ: أَعُوذُ بالله مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ،" فقالَ الرّجُلُ: هَل تَرَى بِي مِنْ جُنُونِ.
4772- حدثنا أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيةَ أخبرنا دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ عن أَبي حَرْبِ بنِ أَبِي الأسْوَدِ عن أَبي ذَرّ قال: إِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لَنَا: "إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمُ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسُ، فإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلاّ فَلْيَضْطَجِعْ".
4773- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدِ عن دَاوُدَ عن بَكْرِ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا ذَرَ بِهَذَا الحدِيثَ.
__________
عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل مات معاذ في خلافة عمر ابن الخطاب، وقتل عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام ابن ست سنين، وما قاله الترمذي ظاهر جداً فإن البخاري ذكر ما يدل على أن مولد عبد الرحمن سنة سبع عشرة، وذكر غير واحد أن معاذ بن جبل توفي في الطاعون سنة ثماني عشرة وقيل سبع عشرة. وقد أخرج النسائي هذا الحديث من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب وهذا متصل.
"وتنتفخ أوداجه" هي ما أحاط بالعنق من عروق يقطعها الذابح جمع ودج بالحركة، وقيل هما عرقان غليظان عن جانبي نقرة النحر "لو قالها هذا" أي الذيا احمّرت عيناه وانتفخت أوداجه من شدة الغضب "لذهب عنه الذي يجد" أي من الغضب "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" بدل من كلمة "هل ترى بي من جنون" قال قال النووي: هو كلام من لم يفقه في دين الله ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالجنون، ولم يعلم أن الغضب من نزعات الشيطان، ويحتمل أن هذا القائل كان من المنافقين أو من جفاة الأعراب انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"فإن ذهب عنه الغضب" أي فيها "وإلا فليضطجع" قال الخطابي: القائم متهيء للحركة والبطش والقاعد دونه في هذا المعنى والمضطجع ممنوع منهما فيشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بالقعود والاضطجاع لئلا يبدر منه في حال قيامه وقعوده بادرة يندم عليها في ما بعد انتهى. والحديث تكلم عليه المنذري وأبو داوود بعد الحديث الآتي.
"عن داوود" هو ابن أبي هند "بعث أبا ذر" أي لحاجة من حاجاته ثم قال له "بهذا

(13/97)


قال أبُو دَاوُدَ: وَهَذَا أَصَحّ الحدِيثَيْنِ.
4774- حدثنا بَكْرُ بنُ خَلَفٍ وَ الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ المَعْنَى قالا أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنَ خَالِدٍ أخبرنا أَبُو وَائِلِ الْقَاصّ قالَ: "دخَلْنَا عَلَى عُرْوَةَ بنِ مُحَمّدِ ابنِ السّعْدِيّ فَكَلّمَهُ رَجُلٌ فأَغْضَبَهُ فَقَامَ فَتَوَضّأَ ثمّ رَجَعَ وَقَدْ تَوَضّأَ فقالَ حدّثنِي أَبِي عن جَدّي عَطِيّة قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الْغَضَبَ مِنَ الشّيْطَانِ، وَإِنّ الشّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النّارِ، وَإِنّمَا تُطْفَأُ النّارُ بالمَاءِ، فإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُم فَلْيَتَوَضّأْ".
__________
الحديث" أي المذكور "وهذا أصح الحديثين" يعني أن حديث وهب ابن بقية أصح من حديث أحمد بن حنبل.
قال المنذري: يريد أن المرسل أصح، وقال غيره إنما يروى أبو حرب بن أبي الأسود عن عمه عن أبي ذر ولا يحفظ له سماع من أبي ذر انتهى.
وقال المزي في الأطراف: إنما يروي أبو حرب عن عمه عن أبي ذر ولا يحفظ له سماع عن أبي ذر، ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه بإسناده، ورواه فيه عن أبي الأسود انتهى.
"فكلمه" أي عروة بن محمد "فأغضبه" أي أغضب الرجل عروة "فقام" أي عروة "إن الغضب من الشيطان" أي من أثر وسوسته "وإن الشيطان خلق" بصيغة المجهول "من النار" قال تعالى {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} وقال {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ} وهذا دليل على أنه من الجن لأن الملائكة خلقوا من النور قاله القاري "وإنما تطفأ" بصيغة المجهول مهموزاً أي تدفع "فليتوضأ" أي وضوءه للصلاة وإن كان على وضوء.
قال المنذري: عطية هذا هو ابن سعد ويقال ابن قيس ويقال ابن عمرو بن عروة سعدى من بني بكر بن هوزان ونزل الشام وكان مولده بالبلقا وله صحبة وكنيته أبو محمد.

(13/98)


5- باب في التجاوز في الأمر
[باب في العفو والتجاوز]
4775- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمةَ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ أَنّهَا قَالَتْ: "مَا خُيّرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في أَمْرَيْنِ إِلاّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا ما لَمْ يَكُنْ
__________
باب في التجاوز في الأمر
"ما خير" بصيغة المجهول من التخيير "إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً" فيه

(13/98)


إِثْماً، فإِنْ كَانَ إِثْماً كَانَ أَبْعَدَ النّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ، إِلاّ أَنْ يُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمُ لله بِهَا".
4776- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وسلم خَادِماً وَلاَ امْرَأَةَ قَطّ".
4777- حدثنا يَعْقُوبْ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الطّفَاوِيّ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن عَبْدِ الله - يَعني ابنَ الزّبَيْرِ - في قوله {خُذِ الْعَفْوَ} قالَ: أُمِرَ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاَقِ النّاسِ.
__________
استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراماً أو مكروهاً.
قال القاضي: ويحتمل أن يكون تخييره صلى الله عليه وسلم ها هنا من الله تعالى فيخيره فيما فيه عقوبتان أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة أو الاقتصاد وكان يختار الأيسر في كل هذا. قال وأما قولها ما لم يكن إثماً فيتصور إذا خيره الكفار والمنافقون، فأما إن كان التخيير من الله تعالى أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعاً كذا في شرح مسلم للنووي "فإن كان" أي أيسر الأمرين "إثماً كان" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "منه" أي من أيسرهما كالذي يكون إثماً "إلا أن ينتهك حرمه الله" انتهاك حرمة الله تعالى ارتكاب ما حرمه والاستثناء منقطع أي لكن إذا انتهكت حرمة الله انتصر الله تعالى وانتقم ممن ارتكب ذلك.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"ما ضرب الخ" فيه أن ضرب الزوجة والخادم والدابة وإن كان مباحاً للأدب فتركه أفضل. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"في قوله" أي في تفسير قوله تعالى {خُذِ الْعَفْوَ} : لما عدد الله تعالى من أحوال المشركين ما عدده وتسفيه رأيهم وضلال سعيهم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ العفو من أخلاقهم، يقال أخذت حقي عفواً أي سهلاً، وهذا نوع من التيسير الذي كان يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح أنه كان يقول "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا". والمراد بالعفو هنا ضد الجهد، والعفو التساهل في كل شيء كذا في بعض التفاسير.
وفي جامع البيان: خذ العفو من أخلاق الناس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم انتهى.

(13/99)


وفي تفسير الخازن: المعنى اقبل الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص عليهم فيستعصوا عليك فتتولد منه العداوة والبغضاء.
وقال مجاهد: يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس وذلك مثل قبول الاعتذار منهم وترك البحث عن الأشياء. وأخرج البخاري عن عبد الله بن الزبير قال ما نزلت {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} إلا في أخلاق الناس. وفي رواية قال أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أقوال الناس وكذا في جامع الأصول. وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي قال أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أقوال الناس أو كما قال انتهى كلام الخازن.
وفي الدر المنثور: وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري وأبو داوود والنسائي والطبراني والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن الزبير قال ما نزلت هذه الآية إلا في أخلاق الناس {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} وفي لفظ أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر في قوله تعالى {خُذِ الْعَفْوَ} قال أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(13/100)


6 - باب في حسن العشرة
4778- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا عَبْدُ الْحمِيدِ - يَعني الْحِمّانِيّ - أخبرنا الأعمَشُ عن مُسْلِمٍ عن مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم إِذَا بَلَغَهُ عن الرّجُلِ الشّيْءَ لَمْ يَقلْ مَا بَالُ فُلاَنٍ يَقُولُ وَلكِنْ يَقُولُ "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذا وكَذا".
4779- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ أخبرنا سَلْمٌ الْعَلَوِيّ عن أَنَسٍ: أَنّ رَجُلاً دَخَلَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، وَكَانَ
__________
باب في حسن العشرة
بكسر العين أي المعاشر "إذا بلغه عن الرجل الشيء" أي المكروه "لم يقل ما بال فلان" أي ما حاله وشأنه، يعني لم يصرح باسمه "ولكن يقول ما بال أقوام يقولون كذا وكذا" احترازاً عن المواجهة بالمكروه مع حصول المقصود بدونه.
قال المنذري: وأخرجه النسائي بمعناه.
"أخبرنا سلم" بفتح السين وإسكان اللام "وعليه أثر صفرة" أي على جسده أو على

(13/100)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَلّ مَا يُوَاجِهُ رَجُلا في وَجْهِهِ بِشَيْءِ يَكْرَهُهُ، فَلمّا خَرَجَ قالَ: "لَوْ أَمَرْتُمْ هَذا أَنْ يَغْسِلَ ذَا عَنْهُ".
قال أبُو دَاوُدَ: سَلْمٌ لَيْسَ هُوَ عَلَوِياّ[علوي] كانَ يُبْصِرُ في النّجُومِ وَشَهِدَ عِنْدَ عَدِيّ بنِ أَرْطَاةَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلاَلِ فَلمْ يُجِزْ شَهَادَتُهُ.
4780- حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أخبرني أَبُو أحْمَدَ أخبرنا سُفْيَانُ عن الْحَجّاجِ بنِ فَرَافِضَةَ عن رَجُلٍ عن أَبي سَلَمةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ ح، وأخبرنا مُحَمّدُ بنُ المُتَوَكّلِ الْعَسْقَلاَنيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا بِشْرُ بنُ رَافِعٍ عن يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ عن أَبِي سَلَمةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ رَفَعَاهُ جَمِيعاً قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المُؤْمِنُ غِرّ كَرِيمٌ، وَالْفاجِرُ خَبّ لَئِيمٌ".
__________
ثوبه أثر الزعفران "فلما خرج" أي الرجل "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو أمرتم" الخطاب للحاضرين من الصحابة رضي الله عنهم "هذا" أي الرجل "أن يغسل ذا" أي الأثر "عنه" أي عن جسده أو ثوبه "ليس هو علوياً" أي لم يكن من أولاد علي رضي الله عنه بل كان يبصر في النجوم أي يبصر في العلو، لأن النجوم في العلو فنسب إليه "فلم يجز شهادته" بضم التحتية وكسر الجيم أي لم يقبل ابن أرطاة شهادة سلم.
قال في الخلاصة: ضعفه ابن معين، وقال شعبة ذاك الذي يرى الهلال قبل الناس بليلتين.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وسلم هذا هو ابن قيس بصري لا يحتج بحديثه.
"الحجاج بن فرافصة" بضم الفاء وفتح الراء وكسر الفاء الثانية بعدها صاد مهملة "رفعاه" أي نصر بن علي ومحمد بن المتوكل، والضمير المنصوب للحديث يعني روياه مرفوعاً "المؤمن غر" بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء "كريم" أي موصوف بالوصفين أي له الاغترار لكرمه "والفاجر" أي الفاسق "خب" بفتح خاء معجمة وتكسر وتشديد موحدة أي يسعى بين الناس بالفساد، والتخبب إفساد زوجة الغير أو عبده "لئيم" أي بخيل لجوج سيء الخلق وفي، كل منهما الوصف الثاني سبب للأول وهو نتيجة الثاني، فكلاهما من باب التذييل والتكميل قاله القاري.
قال الخطابي في المعالم: معنى هذا الكلام أن المؤمن المحمود هو من كان طبعه وشيمته الغرارة وقلة الفطنة للشر وترك البحث عنه، وأن ذلك ليس منه جهلا لكنه كرم وحسن

(13/101)


4781- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ المُنْكَدِرِ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَة قالَتْ: اسْتَأَذَنَ رَجُلٌ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم فقالَ: "بِئْسَ ابنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ،
__________
خلق، وأن الفاجر هو من كانت عادته الخب والدهاء والوغول في معرفة الشر وليس ذلك منه عقلا ولكنه خب ولؤم انتهى.
وقال ابن الأثير: المؤمن غر كريم أي ليس بذي مكر فهو ينخدع لا نقياده ولينه وهو ضد الخب، يقال فتى غر وفتاة غر انتهى.
قال السيوطي: هذا أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح وزعم أنه موضوع وقال الحافظ ابن حجر في رده عليه قد أخرجه الحاكم من طريق عيسى بن يونس عن سفيان الثوري عن حجاج بن فرافصة عن يحيى بن أبي كثير به موصولا. وقال أسنده المتقدمون من أصحاب الثوري. وحجاج قال ابن معين لا بأس به، قال ولم يحتج الشيخان ببشر ولا بحجاج. قال الحافظ بل الحجاج ضعفه الجمهور وبشر بن رافع أضعف منه ومع ذلك لا يتجه الحكم عليه بالوضع لفقد شرط الحاكم في ذلك انتهى.
وقال الحافظ صلاح الدين العلائي بشر بن رافع هذا ضعفه أحمد بن حنبل، وقال ابن معين لا بأس به، وقال ابن عدي لم أجد له حديثاً منكراً، وأخرجه البيهقي من طريق أبي داوود الثانية، فقال عن حجاج بن فرافصة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة به فتعين المبهم أنه يحيى بن أبي كثير، وحجاج هذا قال فيه ابن معين لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال أبو حاتم هو شيخ صالح متعبد، وقال أبو زرعة ليس بالقوي، وتوثيق الأولين مقدم على هذا الكلام، وحصلت برواية حجاج هذا المتابعة لبشر بن رافع في الحديث وخرج به عن الغرابة، فالحديث بروايتهما لا ينزل عن درجة الحسن انتهى كلام السيوطي ملخصاً.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. هذا اخر كلامه وفي إسناده بشر بن رافع الحارثي اليمامي ولا يحتج بحديثه.
"استأذن رجل" أي طلب الإذن "على النبي صلى الله عليه وسلم " أي في الدخول عليه "بئس ابن العشيرة أو بئس رجل العشيرة" أو للشك من بعض الرواة أي بئس هو من قومه.
قال الطيبي: العشيرة القبيلة أي بئس هذا الرجل من هذه العشيرة كما يقال يا أخا العرب لرجل منهم.
قال القاضي: هذا الرجل هو عيينة بن حصن ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر

(13/102)


ثَمّ قالَ: "ائْذَنُوا لَه"ُ، فَلمّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ القَوْلَ، فقالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ الله أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ وَقَدْ قلْتَ لَهُ مَا قُلْتَ، قالَ: "إِنّ شَرّ النّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النّاسُ لاتّقَاءِ فُحْشِهِ".
4782- حدثنا عَبّاسُ الْعَنْبَرِيّ أخبرنا أَسْوَدُ بنُ عَامِرٍ أخبرنا شَرِيكٌ عن الأعمَشِ عن مُجَاهِدٍ عن عَائِشَةَ في هَذِهِ الْقِصّةِ قالَتْ فقالَ - تَعني النبي صلى الله عليه وسلم: "يَاعَائِشَةُ إِنّ مِنْ شِرَارِ النّاسِ الّذِينَ يُكْرَمُونَ اتّقَاءَ أَلْسِنَتِهِمْ".
4783- حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أخبرنا أَبُو قَطَنٍ أنبأنا مُبَارَكٌ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ
__________
الإسلام، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف حاله. قال وكان منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ما دل على ضعف إيمانه وارتد مع المرتدين وجيء به أسيراً إلى أبي بكر رضي الله عنه "ثم قال ائذنوا" بهمزة ساكنة وصلا أي اعطوا الإذن "ألان له القول" أي قال له قولا ليناً "من ودعه أو تركه الناس" شك من الراوي، ومعنى الفعلين واحد "لاتقاء فحشه" أي لأجل قبيح قوله وفعله. وفي رواية للبخاري اتقاء شره.
قال القرطبي: في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى . ثم قال والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو هما معاً وهي مباحة وربما استحبت والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكاملته ومع ذلك فلم يمدحه بقول فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه حق وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى كذا في فتح الباري.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي. وهذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقيل هو مخرمة بن نوفل الزهري والد المسور بن مخرمة رضي الله عنه.
"الذين يكرمون" بصيغة المجهول من الإكرام أي يكرمهم الناس ويوقرونهم "اتقاء ألسنتهم" بالنصب مفعول له ليكرمون، أي لأجل اتقاء ألسنتهم.
قال المنذري: ذكر يحيى بن سعيد القطان أن مجاهداً لم يسمع من عائشة. وأخرج البخاري ومسلم في صحيحهما حديث مجاهد عن عائشة.

(13/103)


قالَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلاً الْتَقَمَ أُذُنَ النبي[رسول الله] صلى الله عليه وسلم فَيُنَحّي رَأْسَهُ حَتّى يَكُونَ الرّجُلُ هُوَ الّذِي يُنَحّي رَأْسَهُ، وَمَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتّى يَكونَ الرّجُلُ هُوَ الّذِي يَدَعُ يَدَهُ.
4784- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرٍو عن أَبِي سَلَمةَ عن عَائِشةَ: "أَنّ رَجُلاً أْسْتَأْذَنَ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ"، فَلمّا دَخَلَ انْبَسَطَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وكَلّمَهُ، فَلمّا خَرَجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لَمّا اسْتَأْذَنَ قُلْتَ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، فَلمّا دَخَلَ انْبَسَطْتَ إِلَيْهِ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا عَائِشَةُ إِنّ الله لا يُحِبّ الفَاحِشَ المُتَفَحّش".
[سُئِلَ أَبُو دَاوُدَ عن مَعْنَى قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، فقَالَ: ذَلِكَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم خَاصّةً].
__________
"التقم أذن النبي صلى الله عليه وسلم " أي وضع فمه على أذنه صلى الله عليه وسلم للتناجي "فينحي رأسه" الضميران للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال المنذري: في إسناده مبارك بن فضالة أبو فضالة القرشي العدوي مولاهم البصري. قال عفان بن مسلم ثقة، وضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين والنسائي.
"انبسط إليه" أي تبسم له وألان القول له، وقيل أي جعله قريباً من نفسه كذا في المرقاة "إن الله لا يحب الفاحش المتفحش" قال الخطابي: أصل الفحش زيادة الشيء على مقداره، يقول صلى الله عليه وسلم "إن استقبال المرء صاحبه بعيوبه إفحاش والله لا يحب الفحش" ، ولكن الواجب أن يتأنى به ويرفق به ويكني في القول ويوري ولا يصرح. وقال في النهاية: الفاحش والفحش في كلامه وفعاله، والمتفحش الذي يتكلف ذلك ويتعمده.
والحديث سكت عنه المنذري.

(13/104)


7- باب في الحياء
4785- حدثنا الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عن ابنِ
__________
باب في الحياء
بالمد وهو في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به. وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. كذا
قال الحافظ.

(13/104)


عُمَرَ: إِنّ النبي صلى الله عليه وسلم مَرّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الأنْصَارَ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ في الْحَيَاءِ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "دَعْهُ فإِنّ الْحَيَاءَ مِنَ الإيمانِ".
4786 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادٌ عن إِسْحَاقَ بنِ سُوَيْدٍ عن أَبِي قَتَادَةَ قالَ: كُنّا مَعَ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وَثَمّ بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ فَحَدّثَ عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلّهُ - أَوْ قالَ: الْحَيَاءُ كُلّهُ خَيْرٌ" - فقَالَ بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ: إِنّا نَجِدُ في بَعْضِ الْكُتُبِ أَنّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَاراً وَمِنْهُ ضَعْفاً[ضعف] فأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، فأَعَادَ[وأعاد] بُشَيْرٌ الْكَلاَمَ. قالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتّى احْمَرّتْ عَيْنَاهُ
__________
"وهو يعظ أخاه في الحياء" قال النووي: أي ينهاه عنه ويقبح له فعله ويزجره عن كثرته. وقال الحافظ أي ينصحه أو يخوفه أو يذكره. كذا شرحوه والأولى أن يشرح بما جاء عند البخاري في الأدب ولفظه يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك لتستحي حتى كأنه يقول قد أضرّ بك "دعه" أي اتركه على حاله "فإن الحياء من الإيمان" أي من شعبة. قالوا. إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن أبي قتادة" هو تميم بن نذير العدوي البصري. وقيل في اسمه غير ذلك، والأول أشهر رضي الله عنه. ونذير بضم النون وفتح الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وراء مهملة قاله المنذري "وثم" بفتح المثلثة وتشديد الميم المفتوحة ظرف مكان، وفي رواية مسلم وفينا بشير بن كعب "بشير" بالتصغير تابعي جليل "الحياء خير كله أو قال الحياء كله خير" أو للشك.
قال الحافظ: أشكل حمله على العموم لأنه قد يصد صاحبه عن مواجهة من يرتكب المنكرات ويحمله على الإخلال ببعض الحقوق.
والجواب: أن المراد بالحياء في هذه الأحاديث ما يكون شرعياً، والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياء شرعياً بل هو عجز ومهانة وإنما يطلق عليه حياء لمشابهته للحياء الشرعي وهو خلق يبعث على ترك القبيح انتهى "أن منه" أي من الحياء، ومن للتبعيض "سكينة ووقاراً" قال القرطبي: معنى كلام بشير أن من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار بأن يوقر غيره ويتوقر هو في نفسه، ومنه ما يحمله على أن يسكن عن كثير مما يتحرك الناس فيه من الأمور التي لا تليق بذي المرؤة "ومنه ضعفاً" بفتح الضاد وضمها لغتان أي كالحياء الذي يمنع عن طلب العلم ونحوه "فغضب عمران" وسبب غضبه وإنكاره على بشير لكونه قال ومنه ضعفاً بعد سماعه قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه خير كله وقيل إنما أنكره عليه من حيث ساقه في معرض من يعارض كلام

(13/105)


وقالَ: أَلاَ أَرَانِي أُحَدّثُكَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَتُحَدّثَنِي عن كُتُبِكَ. قالَ قُلْنَا: يَا أَبَا نُجَيْدِ إِيهِ إِيهِ[إنه إنه، أي صادق- إنه إنه].
4787- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمةَ أخبرنا شُعْبَةُ عن مَنْصُورٍ عن رِبْعِيّ بنِ حِرَاشٍ عن أَبي مَسْعُودٍ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ مِمّا ادْرَكَ النّاسُ مِنْ كَلاَمِ النّبُوّةِ الأولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِي[تستح] فاصْنَعْ[فافعل- فاعمل] مَا شِئْتَ".
[سُئِلَ أَبُو دَاوُدَ: أَعِنْدَ الْقَعْنَبيّ عن شُعْتَةَ غَيْرُ هَذَا الحدِيثِ؟ قالَ: لاَ].
__________
الرسول بكلام غيره "يا أبا نجيد" بضم النون وفتح الجيم وآخره دال مهملة وهو كنية عمران بن حصين "إيه إيه" قال في القاموس: إيِ بكسر الهمزة وإسكان الهاء زجر بمعنى حسبك، وإيه مبنية على الكسر فإذا وصلت نونت، وأيها بالنصب والفتح أمر بالسكوت. والمعنى والله أعلم يا أبا نجيد حسبك ما صدر منك من الغضب والإنكار على بشير فإنه منا ولا بأس به فاسكت ولا تزدد غضباً وإنكاراً. وفي بعض النسخ انه انه أي صادق، وفي بعضها انه انه، وفي رواية مسلم يا أبا نجيد انه لا بأس به.
قال النووي: معناه ليس هو مما يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به هل الاستقامة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم بمعناه.
"عن ربعي" بكسر أوله وسكون الموحدة "بن حراش" بكسر المهملة وآخره معجمة "إن مما أدرك الناس" أي أهل الجاهلية، والناس يجوز فيه الرفع والعائد على ما محذوف ويجوز النصب والعائد ضمير الفاعل وأدرك بمعنى بلغ وإذا لم تستحي اسم إن بتأويل هذا القول "من كلام النبوة الأولى" قال العزيزي أي نبوة آدم: وقال القاري: من تبعيضية. والمعنى إن من جملة أخبار أصحاب النبوة السابقة من الأنبياء والمرسلين.
قال الخطابي في المعالم: معناه أن الحياء لم يزل أمره ثابتاً واستعماله واجباً منذ زمان النبوة الأولى فإنه ما من نبي إلا وقد ندب إلى الحياء وبعث عليه وأنه لم ي فيما نسخ نسخ من شرائعهم وذلك أنه أمر قد علم صوابه وبان فضله واتفقت العقول على حسنه وما كانت هذه صفته لم يجر عليه النسخ والتبديل "إذا لم تستحي" بسكون الحاء وكسر الياء وحذف الثانية للجزم "فاصنع ما شئت" قال في شرح السنة فيه أقاويل:
أحدها: أن معناه الخبر وإن كان لفظه لفظ الأمر كأنه يقول إذا لم يمنعك الحياء فعلت ما شئت مما تدعوك إليه نفسك من القبيح وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيد.

(13/106)


وثانيها: أن معناه الوعيد كقوله تعالى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} أي اصنع ما شئت فإن الله يجازيك، وإليه ذهب أبو العباس.
وثالثها: معناه ينبغي أن تنظر إلى ما تريد أن تفعله فإن كان ذلك مما لا يستحي منه فافعله، وإن كان مما لا يستحي منه فدعه، وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي.
قال المنذري: وأخرجه البخاري وابن ماجه.

(13/107)


8- باب في حسن الخلق
4788- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا يَعْقوبْ - يَعني الإسكَنْدَرَانيّ - عن عَمْرٍو عن المُطّلِب عن عَائِشةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "إِنّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ الْقَائِمِ".
4789- حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسيّ وَ حَفْصُ بنُ عُمَرَ قالا أخبرنا ح وأخبرنا كثِيرٍ أنبأنا شُعْبَةُ عن الْقَاسِمِ بنِ أَبي بَزّةَ عن عَطَاءِ الْكَيْخَارَانيّ عن أُمّ دَاءِ عن أَبي
__________
باب في حسن الخلق
"بحسن خلقه" بضم اللام ويجوز سكونها "درجة الصائم القائم" أي قائم الليل في الطاعة وإنما أعطى صاحب الخلق الحسن هذا الفضل العظيم لأن الصائم والمصلي في الليل يجاهدان أنفسهما في مخالفة حظهما، وأما من يحسن خلقه مع الناس مع تباين طبائعهم وأخلاقهم فكأنه يجاهد نفوساً كثيرة فأدرك ما أدركه الصائم القائم فاستويا في الدرجة بل ربما زاد.
والحديث سكت عنه المنذري.
وقال في كتاب الترغيب: ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما ولفظه "إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار".
ورواه الطبراني في الأوسط وقال صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ليبلغ العبد بحسن خلقه درجة الصوم والصلاة".
"أنبأنا شعبة" قال المزي في الأطراف: حديث أبي الدرداء أخرجه أبو داوود في الأدب عن أبي الوليد الطيالسي وحفص بن عمر ومحمد بن كثير ثلاثتهم عن شعبة عن القاسم بن أبي بزة انتهى "عن القاسم بن أبي بزة" بفتح الموحدة وتشديد الزاي "الكيخاراني" بفتح الكاف

(13/107)


الدرْداءِ رَضِيَ الله عَنْهُ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَا مِنْ شَيءٍ أثْقَلُ في المِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ"
قال أَبُو الْوَلِيدِ قال سَمِعْتُ عَطَاءً الْكَيْخَارَانيّ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَهُوَ عَطَاءُ بنُ يَعْقُوبَ، وَهُو خَالُ إِبْرَاهِيم بنِ نَافِعٍ يُقَالُ: كَيْخَارَانيّ وكَوْخَارَانيّ.
4790- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُثْمانَ الدّمَشْقِيّ أَبُو الْجَماهِرِ قالَ أخبرنا أَبُو كَعْبِ أَيّوبُ بنُ مُحَمّدٍ السّعْدِيّ حدّثني سُلَيْمَانُ بنُ حَبِيبِ المُحَارِبي عن أَبي أُمَامَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقاّ، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الْجَنّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كان مَازِحاً، وَبِبَيْتٍ في أعْلَى الْجَنّةِ لِمَنْ حَسّنَ خُلُقَهُ".
4791- حدثنا أَبُو بَكْرٍ وَ عُثْمانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قالا أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن مَعْبِدِ بنِ خَالِدٍ عن حَارِثَةَ بنِ وَهْبٍ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَدْخُلُ الْجَنّةَ الْجَوّاظُ وَلاَ الْجَعْظَرِيّ".
قالَ: وَالْجَوّاظُ: الْغَلِيظُ الْفَظّ.
__________
وسكون التحتانية بعدها خاء معجمة "من حسن الخلق" أي من ثوابه وصحيفته أو من عينه المجسد "قال أبو الوليد الخ" أي ذكر أبو الوليد في روايته لفظ السماع بين القاسم وعطاء بأن قال عن القاسم بن أبي بزة قال سمعت عطاءاً وأما ابن كثير فذكر لفظ عن كما في إسناده المذكور "قال أبو داوود وهو" أي عطاء الكيخاراني المذكور.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح.
"أنا زعيم" أي ضامن وكفيل "ببيت" قال الخطابي: البيت ههنا القصر يقال هذا بيت فلان أي قصره "في ربض الجنة" بفتحتين أي ما حولها خارجاً عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع، كذا في النهاية "المراء" أي الجدال كسراً لنفسه كيلا يرفع نفسه على خصمه بظهور فضله. والحديث سكت عنه المنذري.
"لا يدخل الجنة الجواظ" بفتح جيم وتشديد واو وظاء معجمة "ولا الجعظري" بفتح جيم وسكون عين مهملة وفتح ظاء معجمة فراء فتحتية مشددة ويأتي معناهما في كلام المنذري "قال" أي قال الراوي "الجواظ الغليظ الفظ" بتشديد الظاء أي سيء الخلق.

(13/108)


قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه أتم منه وليس في حديثهما الجعظري. وقد قيل الجواظ كثير اللحم المختال في مشيه وقيل الجموع المنفع، وقيل القصير البطي الجافي القلب، وقيل الفاجر، وقيل الأكول، والجعظري الفظ الغليظ المتكبر، وقيل هو الذي لا يصدع رأسه، وقيل هو الذي يتمدح وينفخ بما ليس عنده وفيه قصر.

(13/109)


9- باب في كراهية الرفعة في الأمور
4792- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن ثَابِتِ عن أَنَسٍ قال: كَانَتْ الْعَضْبَاءُ لا تُسْبَقُ فَجَاءَ أَعْرَابيّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَابَقَهَا[يسابقها] فَسَبَقَهَا الأعْرَابيّ فَكَأَنّ ذَلِكَ شَقّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُوله الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: "حقّ عَلَى الله أَنْ لا يَرْفَعَ شَيْئاً[لايرفع شيء] مِنَ الدّنْيا إِلاّ وَضَعَهُ".
4793- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيرٌ أخبرنا حُمَيْدٌ عن أَنَسٍ بِهَذِهِ الْقِصّةِ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنّ حَقاً عَلَى الله تعالى أَنّ لا يُرْفَعَ[يرتفع] شَيْءٌ مِنَ الدّنْياَ إِلاّ وَضَعَهُ".
__________
باب في كراهية الرفعة في الأمور
"كانت العضباء" بفتح المهملة وسكون المعضمة فموحدة ممدوداً ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهي القصواء أو غيرها قولان. قال في النهاية: هو علم لها من قولهم ناقة عضباء أي مشقوقة الأذن ولم تكن مشقوقة الأذن. وقال بعضهم إنها كانت مشقوقة الأذن والأول أكثر "لا تسبق" بصيغة المجهول أي لا تسبق عنها إبل قط "على قعود له" بفتح القاف وضم العين.
قال في النهاية: القعود من الدواب ما يقتعده الرجل للركوب والحمل ولا يكون إلا ذكراً وقيل القعود ذكر والأنثى قعودة، والقعود من الإبل ما أمكن أن يركب وأدناه أن يكون له سنتان ثم هو قعود إلى السنة السادسة ثم هو جمل "فسبقها الأعرابي" أي غلب في السبق ففيه خاصة المغالبة "فكأن" بفتح الهمزة والنون المشددة المفتوحة "ذلك" أي سبقه إياها "حق على الله" أي جرت عادته غالباً "أن لا يرفع شيئاً من الدنيا" أي من أمر الدنيا "إلا وضعه" أي حطه وطرحه.
قال المنذري: وأخرجه البخاري تعليقاً.
"إن حقاً على الله تعالى " أي أمراً ثابتاً عليه "أن لا يرفع" بصيغة المجهول وفي الحديث جواز المسابقة بالخيل والإبل، وفيه التزهيد في الدنيا للارشاد إلى أن كل شيء منها لا يرتفع إلا اتضع.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي. وقال بعضهم فيه بيان مكارم الدنيا [أي

(13/109)


قدرها ومنزلتها] عند الله من الهوان والضيعة، ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم: "إن حقاً على الله أن لا يرفع شيئاً إلا وضعه" فنبه بذلك أمته صلى الله عليه وسلم على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا وإن كان ما عند الله في منزلة الضعف فحق على ذي دين وعقل الزهد فيه وترك الترفع بنيله لأن المتاع به قليل والحساب عليه طويل انتهى كلام المنذري.

(13/110)


10- باب في كراهية التمادح
4794- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ عنْ[أخبرنا] سُفْيَانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ هَمّامٍ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَى عُثْمانَ في وَجْهِهِ، فَأَخَذَ المِقْدَادُ بنُ الأسْوَدِ تُرَاباً فَحَثَا في وَجْهِهِ، وَقالَ وقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا لَقِيتُمُ المَدّاحِينَ فَاحْثُوا في وُجُوهِهِمْ التّرَابَ".
4795- حدثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا أبُو شِهابٍ عنْ خَالِدٍ الْحَذّاءِ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أَبي بَكْرَةَ عنْ أَبِيهِ: أَنّ رَجُلاً أَثْنى عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ "لَهُ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ثَلاَثَ مَرّاتٍ"، ثُمّ قالَ "إِذَا مَدَحَ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ
__________
باب في كراهية التمادح
"فحثا في وجهه" أي رمى التراب في وجه الرجل المثنى "إذا لقيتم المداحين" قال الخطابي: المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه، فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن ترغيباً له في أمثاله وتحريضاً للناس على الإقتداء به في أشباهه، فليس بمداح "فاحثوا" أي القوا وارموا.
في القاموس: حثا التراب عليه يحثوه ويحثيه حثواً وحثياً، وقد حمل المقداد الحديث على ظاهره ووافقه طائفة.
وقال آخرون: معناه خيبوهم فلا تعطوهم شيئاً لمدحهم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"قطعت عنق صاحبك" أي أهلكته، لأن من يقطع عنقه يهلك.
قال النووي: لكن هلاك هذا الممدوج في دينه، وقد يكون من جهة الدنيا لما يشتبه عليه من حاله بالإعجاب "ثلاث مرات" أي قال ذلك ثلاث مرات.
قال النووي في شرح مسلم: وردت الأحاديث في النهي عن المدح، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه.
قال العلماء ووجه الجمع بينهما أن النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة في

(13/110)


إِنّي أَحْسِبُهُ كما يُرِيدُ أَنْ يقُولَ وَلاَ أُزَكّيهِ[يزكيه] عَلَى الله تعالى".
4796- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بَشْرٌ يَعْنِي ابنَ المُفَضّلِ أخبرنا أَبُو سَلَمَةَ سَعِيدُ بنُ يَزِيدَ عنْ أَبي نَضْرَةَ عن مُطَرّفٍ قالَ قالَ أَبِي: انْطَلَقْتُ في وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلنا أَنْتَ سَيّدُنا فقَالَ "السّيّدُ الله"، قُلْنا وَأَفْضَلُنا فَضْلاً وَأَعْظَمُنَا طَوْلاً فَقَالَ "قُولُوا بِقَوْلِكم أَوْ بَعْضِ قَوْلِكمُ وَلاَ يَسْتَجْرِيَنّكمْ الشّيْطَانُ".
__________
الأوصاف أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح، وأما من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير أو الازدياد منه أو الدوام عليه أو الاقتداء به كان مستحباً انتهى "لا محالة: بفتح الميم أي لابد "فليقل إني أحسبه" أي أظنه "كما يريد" أي المادح "أن يقول" في حق الممدوح.
والمعنى أن المدح الذي يريد المادح أن يقول في حق الممدوح فلا يقطع في حقه بل يقول إني أظنه كذا وكذا.
ولفظ الشيخين: "إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله" "لا أزكيه على الله تعالى " أي لا أقطع على عاقبته ولا على ما في ضميره لأن ذلك مغيب عني، ولكن أحسب وأظن لوجود الظاهر المقتضى لذلك.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.
"قال قال أبي" هو عبد الله بن الشخير "فقال السيد الله" أي هو الحقيق بهذا الاسم.
قال القاري: أي الذي يملك نواصي الخلق ويتولاهم هو الله سبحانه وهذا لا ينافي سيادته الإضافية المخصوصة بالإفراد الأنسانية حيث قال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أي لا أقول افتخاراً بل تحدثاً بنعمة الله وإلا فقد روى البخاري عن جابر أن عمر كان يقول أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالاً" أنتهى وهو بالنسبة إلى بلال تواضع. انتهى كلام القاري "وأفضلنا فضلاً" أي مزية ومرتبة ونصبه على التمييز "وأعظمنا طولاً" أي عطاء الأحباء وعلواً على الأعداء "فقال قولوا بقولكم" أي مجموع ما قلتم أو هذا القول ونحوه "أو بعض قولكم" أي اقتصروا على إحدى الكلمتين من غير حاجة إلى المبالغة بهما. ويمكن أن تكون أو بمعنى بل أي بل قولوا بعض ما قلتم مبالغة في التواضع،وقيل قولوا قولكم الذي جئتم لأجله ويدعوا غيركم مما لا يعنيكم "ولا يستجرينكم الشيطان" أي لا يتخذنكم جرياً بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتية أي كثير الجري في طريقه ومتابعة خطواته. وقيل هو من الجراءة بالهمزة أي لا يجعلنكم ذوي شجاعة على التكلم بما لا يجوز.

(13/111)


وفي النهاية أي لا يغلبنكم فيتخذكم جرياً أي رسولا ووكيلا، وذلك أنهم كانوا مدحوه فكره لهم المبالغة في المدح فنهاهم عنه.
والمعنى تكلموا بما يحضركم من القول، ولا تتكلفوه كأنكم وكلاء الشيطان ورسله تنطقون على لسانه كذا في المرقاة.
قال السيوطي قال الخطابي: قوله صلى الله عليه وسلم "السيد الله" أي السؤدد كله حقيقة لله عز وجل وأن الخلق كلهم عبيد الله وإنما منعهم أن يدعوه سيداً قوله "أنا سيد ولد آدم" لأنهم قوم حديث عهد بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا. وكان لهم رؤساء يعظمونهم وينقادون لأمرهم وقوله: "قولوا بقولكم" أي قولوا بقول أهل دينكم وملتكم وادعوني نبياً ورسولاً كما سماني الله تعالى في كتابه ولا تسموني سيداً كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم، ولا تجعلوني مثلهم فإني لست كأحدهم إذا كانوا ليسو دونكم في أسباب الدنيا وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة فسموني نبياً ورسولاً.
وقوله: "بعض قولكم" فيه حذف واختصار، ومعناه دعوا بعض قولكم واتركوه واقتصدوا فيه بلا إفراط أو دعوا سيداً وقولوا نبياً ورسولاً.
وقوله: "لا يستجرينكم الشيطان" معناه لا يتخذنكم جرياً والجري الوكيل، ويقال الأجير انتهى كلام السيوطي.
قال السندي: أي لا يستعملنكم الشيطان فيما يريد من التعظيم للمخلوق بمقدار لا يجوز انتهى، وحديث عبد الله بن الشخير إسناده صحيح، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده.

(13/112)


11- باب في الرفق
4797- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عنْ يُونُسَ وَ حُمَيْدٍ عن الْحَسَنِ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُغَفّلٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنّ الله رَفِيقٌ يُحِبّ الرّفْقَ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مالا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ".
__________
باب في الرفق
بالكسر ضد العنف وهو المداراة مع الرفقاء ولين الجانب واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها.
"إن الله رفيق" أي لطيف بعباده يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فلا يكلفهم فوق طاقتهم "ويعطي عليه" أي في الدنيا من الثناء الجميل ونيل المطالب وتسهيل المقاصد، وفي الآخرة من الثواب الجزيل "ما لا يعطي على العنف" بالضم وفي القاموس مثلثة العين ضد الرفق.

(13/112)


4798- حدثنا عُثْمانُ وَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبي شَيْبَةَ وَ مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ قالُوا أخبرنا شَرِيكٌ عن المِقْدَمِ بن شُرَيحٍ عنْ أَبِيهِ قالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن الْبَدَاوَةِ فقَالَتْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَبْدُو إِلَى هَذِهِ التّلاَعِ وَإِنّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ مَرّةً فَأَرْسَلَ إِلَيّ نَاقَةً مُحَرّمَةَ مِنْ إِبِلِ الصّدَقَةِ فقَالَ لِي "يَا عَائِشَةُ ارْفَقِي فَإِنّ الرّفْقَ لَمْ يَكُنْ في شَيْءِ قَطّ إِلاّ زَانَهُ وَلاَ نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ قَطّ إِلاّ شَانَهُ".
قالَ ابنُ الصّبّاحِ في حَدِيثِهِ مُحَرّمَةٌ يَعْنِي لَمْ تُرْكَبْ.
4799- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَ وَكِيعٌ عن الأعمَشِ عنْ تَمِيمِ بنِ سَلَمَةَ عنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ هِلاَلٍ عنْ جَرِيرٍ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يُحْرَمِ الرّفْقَ يُحْرَمِ الخَيْرَ كُلّهُ".
4800- حدثنا الْحَسَنُ بنُ مُحَمّدِ بنِ الصّبّاحِ أخبرنا عَفّانُ أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ أخبرنا سُلَيْمانُ الأعمَشُ عنْ مَالِكِ بنِ الْحَارِثِ قالَ الأعمَشُ وَقَدْ سَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَ عنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ عنْ أَبِيهِ قالَ الأعمَشُ وَلاَ أَعْلَمُهُ إِلاّ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "التّؤَدَةُ
__________
قال المنذري: وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث عمرة عن عائشة. ومغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء وفتحها ولام.
"عن البداوة" بفتح الباء وكسرها لغتان أي الخروج الى البادية والمقام فيها "بيدو" أي يخرج "إلى هذه التلاع" بكسر التاء أي مجاري الماء من فوق إلى أسفل واحدتها تلعة "محرمة" بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة أي غير مستعملة في الركوب "لم يكن" أي لم يوجد "إلا زانه" أي زينه وكمله "ولا نزع" بصيغة المجهول أي لم يفقد ولم يعدم "إلا شانه" أي عيبه ونقصه "قال ابن الصباح الخ" أي ذكر بعد قوله محرمة تفسيره بقوله يعني لم تركب، وأما عثمان وأبو بكر يذكرا التفسير.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وقد تقدم في كتاب الجهاد.
"من يحرم" بصيغة المجهول مجزوماً وقيل مرفوعاً "الرفق" بالنصب على أنه مفعول ثان أي من يصر محروماً منه.
وفي الحديث فضل الرفق وأنه سبب كل خير والحديث سكت عنه المنذري.
"قال الأعمش وقد سمعتهم" أن مالك بن الحارث وغيره من أقرانه "يذكرون" كلهم هذا الحديث "عن مصعب بن سعد" بن أبي وقاص "عن أبيه" سعد بن أبي وقاص.

(13/113)


في كُلّ شَيْءِ إِلا في عَمَلَ الآخرة".
__________
ولم يذكر الأعمش أن مالك بن الحارث وأقرانه عمن يروون هذا الحديث فالواسطة بين مالك ومصعب غير مذكوره "ولا أعلمه" أي قال الأعمش لا أعلم الحديث إلا رواية عنه صلى الله عليه وسلم ومرفوعاً إليه "قال التؤدة" بضم التاء وفتح الهمزة التأني "في كل شيء" أي من الأعمال أي خير "إلا في عمل الآخرة" لأن في تأخير الخيرات آفات.
قال المنذري: لم يذكر الأعمش فيه من حدثه ولم يجزم برفعه. وذكر محمد ابن طاهر الحافظ هذا الحديث بهذا الإسناد وقال في روايته انقطاع وشك انتهى وقال المناوي في فتح القدير: حديث سعد أخرجه أبو داوود في الأدب والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرطهما والبيهقي انتهى.

(13/114)


12- باب في شكر المعروف
4801- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا الرّبيعُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ مُحَمّدِ بنِ زِيَادٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لاَيَشْكُرُ الله مَنْ لاَ يَشْكُرُ النّاسَ[من لا يشكر الله لا يشكر الناس]".
4802- حدثنا مُوسَى بنَ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عنْ ثَابِتٍ عن أَنَسٍ: أَنّ المُهَاجِرِينَ قالُوا يَا رَسُولَ الله ذَهَبَتِ الأنْصَارُ بالأجْرِ كُلّهِ قالَ "لاَ مَادَعَوْتُمُ الله لَهُم وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ.
4803- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بَشْرُ أخبرنا عَمَارَةُ بنُ غَزِيّةَ حدّثني رَجُلٌ مِنْ قَوْمي
__________
باب في شكر المعروف
هو اسم جامع لكل ما عرف منة طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" قال الخطابي:هذا يتأول على وجهين أحدهما أن من كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله تعالى وترك الشكر له. والوجه الاخر: أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالاخر. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال صحيح.
"إن المهاجرين قالوا إلخ" قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"حدثني رجل" هو شرحبيل كما بينه المؤلف في الرواية الآتية "من أعطى" بالبناء

(13/114)


عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَعْطَى عَطَاءَ فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ، فَمَنْ أَثْنى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ".
قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يَحْيَى بنُ أَيّوبَ عن عُمَارَةَ بنِ غَزِيّةَ عن شُرَحْبِيل عن جَابِرٍ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَهُوَ شُرَحْبِيلُ يَعْني رَجُلاً مِن قوْمِي كَأَنّهُمْ كَرِهُوهُ فَلمْ يُسَمّوهُ.
4804- حدثنا عَبْدُ الله بنُ الجَرّاحِ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعمَشِ عنْ أَبي سُفْيَانَ عنْ جَابِرٍ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أَبْلَي بَلاَءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ وَإِنْ كَتَمَهُ فقَدْ كَفَرَهُ".
__________
للمفعول "فوجد" أي مالا يكافيء به "فليجز به" مكافأة على الصنيعة "فإن لم يجد" أي مالا يكافىء به "فليثن به" أي على المعطى ولا يجوز له كتمان نعمته "فقد كفره" أي كفر نعمته "قال أبو داوود وهو" أي الرجل المذكور في الإسناد "يعني رجلاً من قومي" هذا بيان مرجع هو.
قال المنذري: وهو شرحبيل بن سعد الأنصاري الخطمي مولاهم المدني كنيته أبو سعد وقد ضعفه غير واحد من الأئمة وغزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها وتاء تأنيث.
"من أبلى بلاء" بصيغة المجهول أي أعطى عطاء، والبلاء يستعمل في الخير والشر لكن أصله الاختبار والمحنة، وأكثر ما يستعمل في الخير: قال الله تعالى {بَلاءً حَسَناً} "فذكره فقد شكره" من آداب النعمة أن يذكر المعطي فإذا ذكره فقد شكره ومع الذكر يشكره ويثني عليه "وإن كتمه فقد كفره" أي ستر نعمة العطاء، والكفر في اللغة الغطاء.
والحديث سكت عنه المنذري.

(13/115)


13- باب في الجلوس بالطرقات[في الطرقات]
هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس
4805 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا عَبْدُ العَزِيز يَعْنِي ابنَ مُحَمّدٍ عنْ زَيْدٍ يَعْنِي ابنَ أسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِيّاكُمْ وَالجلُوسَ بالطّرُقَاتِ"، فقَالُوا يَا رَسُولَ الله مَا بُدّ لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدّثُ فيهَا،
__________
باب في الجلوس بالطرقات
"إياكم والجلوس بالطرقات" يعني احذروا عن الجلوس فيها "ما بدلنا من مجالسنا" البد بضم الموحدة وتشديد الدال بمعنى الفرقة أي ما لنا فراق منها. والمعي أن الضرورة قد تلجئنا إلى ذلك فلا مندوحة لنا عنه "نتحدث فيها" أي

(13/115)


فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنْ أَبَيْتُمْ فأَعْطُوا الطّرِيقَ حَقّهُ" قالُوا وَمَا حَقّ الطّرِيقِ يَا رَسُولَ الله قالَ "غَضّ الْبَصَرِ، وَكَفّ الأذَى وَرَدّ السّلاَمِ وَالأمْرُ بالمَعْرُوفِ وَالنّهْيُ عنِ المُنْكَرِ".
4806- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بِشْرٌ يَعْنِي ابنِ المُفضّلِ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ إسْحَاقَ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ الْقِصّةِ قالَ: "وَ إِرْشَادُ السّبيلِ".
4807- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عِيسَى النّيْسَابورِيّ أنبأنا ابنُ المَبارَكِ أخبرنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عن إسْحَاقَ بنِ سُوَيْدٍ عنِ ابنِ حُجَيْرٍ الْعَدَوِيّ قال سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ عن النبي صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ الْقِصّةِ قالَ: "وَ تُغيِثُوا المَلْهُوفَ وَتَهْدُوا الضّالّ".
4808- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى بنِ الطّبّاعِ وَ كَثِيرُ بنُ عُبَيْدٍ قالا أخبرنا مَرْوَانُ قالَ ابنُ عِيسَى قالَ أخبرنا حَمَيْدٌ عن أَنَسٍ قالَ: "جَاءَتِ امْرَأَةٌ لِلنّبيّ[إلى رسول الله] صلى الله عليه وسلم، فقَالتْ يَا رَسُولَ الله إِنّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، فقَالَ "لَهَا يَا أُمّ
__________
يحدث بعضنا بعضاً "إن أبيتم" أي امتنعتم عن يرك الجلوس بالطريق "غض البصر" أي كفه عن النظر إلى المحرم "وكف الأذى" أي الامتناع عما يؤذي المارين. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"في هذه القصة" أي المذكورة في الحديث السابق "قال" أي أبو هريرة مرفوعاً زيادة على مروي أبي سعيد "وإرشاد السبيل" بالرفع عطفاً على قوله والنهي عن المنكر.
"عن ابن حجير" بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون التحتية "في هذه القصة قال" أي عمر مرفوعاً زيادة على الخدري، وهو الظاهر المتبادر أو على أبي هريرة أيضاً. قاله القاري "وتغيثوا الملهوف" من الإغاثة بالغين المعجمة والثاء المثلثة بمعنى الإعانة. والملهوف المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر وحذف النون بتقديران لأنه عطف على المصدر "وتهدوا الضال" بفتح التاء أي ترشدوه إلى الطريق، وإرشاد السبيل أعم من هداية الضال.
قال المنذري: ابن حجير العدوى مجهول. ويقال فيه ابن حجيرة وهو بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وتكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث.
وقال البزار: هذا الحديث لا يعلم أسنده إلا جرير بن حازم عن إسحاق بن سويد ولا رواه عن جرير مسنداً إلا ابن المبارك. وروى هذا الحديث حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد مرسلاً.

(13/116)


اجْلِسِي فِي أَيّ نَوَاحِي السّكَكِ شِئْتِ حتى أَجْلِس إِلَيْكِ" قالَ فَجَلَسَ النبي صلى الله عليه وسلم حَتّى قَضَتْ حَاجَتَهَا، وَقالَ كَثِيرٌ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ.
4809- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا يَزيدُ بنُ هَارُونَ حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عنْ ثَابِتٍ عنْ أَنَسٍ: أَنّ امْرَأَةً كَانَ في عَقْلِهَا شَيْءٌ بِمَعْنَاهُ.
__________
"في أي نواحي السكك" بكسر ففتح جمع سكة وهي الزقاق أي في أي جوانبها "وقال كثير عن حميد عن أنس" وأما محمد بن عيسى فقال أخبرنا حميد عن أنس كما في الإسناد المذكور. وفي الحديث غاية تواضعه صلى الله عليه وسلم.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي.
"كان في عقلها شيء"أي من الفتور والنقصان، بيان للواقع وإشارة إلى سبب شفقته صلى الله عليه وسلم ورعاية جانبها أو إلى علة جرأتها على ذلك القول، كذا في اللمعات "بمعناه" أي بمعنى الحديث السابق، قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(13/117)


14- باب في سعة المجلس
جمع الطرق بضمتين جمع الطريق
4810- حدثنا الْقَعْنَبيّ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ أَبي المَوَالِ[الموالي] عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أَبي عَمْرَةَ الأنْصَارِيّ عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "خَيْرُ المَجَالِسِ أَوْسَعُهَا".
قال أبُو دَاوُدَ: هُوَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَمْرِو بنِ أَبي عَمْرَةَ الأنْصَارِيّ.
__________
باب في سعة المجلس
"خير المجالس أوسعها" أي بالنسبة لأهلها لأن غيره قد يحصل منه الضرر "قال أبو داوود هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرة" ففي الإسناد المذكور نسب إلى جده. والحديث سكت عنه المنذري.

(13/117)


15- باب في الجلوس بين الشمس والظل
[بين الظل والشمس]
4811- حدثنا ابنُ السّرْحِ وَ مَخْلَدُ بنُ خَالِدِ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن مُحَمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قالَ حدّثنِي مَنْ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قالَ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُم في الشّمْسِ - وقالَ مَخْلَدٌ في الْفَيْءِ - فَقَلَصَ عَنْهُ الظّلّ وَصَارَ[فصار] بَعْضُهُ في الشّمْسِ وَبَعْضُهُ في الظّلّ فَلْيَقُمْ".
4812- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن إِسْمَاعِيلَ قالَ: حدّثني قَيْسٌ عن أَبِيهِ أَنّهُ جَاءَ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَامَ في الشّمْسِ، فأَمَرَ بِهِ فَحُوّلَ إِلَى الظّلّ.
__________
باب في الجلوس بين الشمس والظل
"وقال مخلد في الفيء" أي مكان في الشمس "فقلص" أي ارتفع "فليقم" أي فليتحول منه إلى مكان آخر يكون كله ظلا أو شمساً لأن الإنسان إذا قعد ذلك المقعد فسد مزاجه لاختلاف حال البدن من المؤثرين المتضادين كذا قيل. والأولى أن يعلل بما علله الشارع بأنه مجلس الشيطان. قال المنذري: فيه رواية مجهول.
"حدثني قيس" هو ابن أبي حازم "عن أبيه" وهو عبد عوف بن الحرث وقيل عوف بن عبد الحرث البجلي رضي الله عنهما "أنه" أي أبا حازم "ورسول الله صلى الله عليه وسلم" الواو للحال.
وفي أسد الغابة من رواية أبي داوود الطيالسي حدثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فرأى الشمس فأمره أو فأومأ إليه أن ادن إلى الظل انتهى. قال المنذري: في اسم والد قيس بن أبي حازم خلاف مشهور.

(13/118)


16- باب في التحلق
4813- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن الأعمَشِ حدّثني المسَيّبُ بنُ رَافِعٍ عن تَمِيمِ بنِ طَرَفَةَ عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قال: "دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المَسْجِدَ وَهُمْ حِلَقٌ فقَالَ: مَالِي أَرَاكُم عِزِينَ".
__________
باب في التحليق
أي الجلوس حلقة حلقة "تميم بن طرفة" بفتحات "وهم حلق" بكسر حاء وفتح لام جمع الحلقة مثل القصعة وهي الجماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب وغيره. قاله في المجمع

(13/118)


4814- حدثنا وَاصِلُ بنُ عَبْدِ الأعْلَى عن ابنِ فُضَيْلٍ عن الأعمَشِ بِهَذَا قالَ: كَأَنّهُ يُحِبّ الْجَمَاعَةَ.
4815- حدثنا مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ الْوَركَانيّ وَ هَنّادٌ أَنّ شَرِيكاً أخبرهم عن سِمَاكٍ عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قالَ: كُنّا إِذَا أَتَيْنَا النبي صلى الله عليه وسلم جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي.
__________
"فقال ما لي أراكم عزين" بكسر العين والزاي أي متفرقين قال الخطابي: يريد فرقاً مختلفين لا يجمعكم مجلس واحد. وواحدة العزين عزة، يقال عزة وعزون كما يقال ثبة وثبون، ويقال أيضاً ثبات وهي الجماعات المتميزة بعضها من بعض انتهى.
وفي النهاية: عزين جمع عزة وهي الحلقة المجتمعة من الناس، وأصلها عزوة فحذفت الواو وجمعت جمع السلامة على غير قياس، كثبين وبرين في جمع ثبة وبرة. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم بمعناه وأتم منه انتهى. وقال المزي في الأطراف حديث "خرج علينا فرآنا حلقاً" وفي لفظ "دخل وهم حلق فقال ما لي أراكم عزين" أخرجه مسلم في الصلاة وأبو داوود في الأدب والنسائي في التفسير، وحديث النسائي لم يذكره أبو القاسم انتهى.
"جلس أحدنا حيث ينتهي" أي يصل. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن غريب هذا آخر كلامه. وفي إسناده شريك ابن عبد الله القاضي وفيه مقال.

(13/119)


17- باب الجلوس وسط الحلقه
4816- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا أَبَانُ أخبرنا قَتَادَةُ حدّثني أَبُو مْجِلَزٍ عن حُذَيْفَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم "لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ".
__________
باب الجلوس وسط الحلقة
بسكون السين ولام الحلقة
"لعن من جلس وسط الحلقة" قال الخطابي: هذا يتأول فيمن يأتي حلقة قوم فيتخطى رقابهم ويقعد وسطها ولا يقعد حيث ينتهي به المجلس فلعن للاذى وقد يكون في ذلك أنه إذا قعد وسط الحلقة حال بين الوجوه فحجب بعضهم عن بعض فيتضررون بمكانه وبمقعده هناك والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.

(13/119)


18- باب في الرجل يقوم للرجل من[عن] مجلسه
4817- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدثنا شُعْبَةُ عن عَبْد رَبّهِ بنِ سَعِيدٍ عن أَبِي عَبْدِ الله مَوْلَى لاَلِ أَبي بُرْدَةَ عن سَعِيدِ بنِ أَبِي الْحَسَنِ قالَ: جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ في شَهَادَةٍ فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فأَبُى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ وقالَ: إِنّ النبي صلى الله عليه وسلم "نَهَى عنْ ذَا، وَنَهَى النبي صلى الله عليه وسلم أَنْ يَمْسَحَ الرّجُلُ يَدَهُ بِثَوبِ مَنْ لَمْ يَكْسُهُ".
__________
باب في الرجل يقوم للرجل من مجلسه
"جاءنا أبو بكرة" أي الثقفي صاحبي جليل "في شهادة" أي لأداء شهادة كانت عنده "فقام له رجل من مجلسه" أي ليجلس هو فيه "فأبى" أي أبو بكرة "فيه" أي في ذلك المجلس "نهي عن ذا" أي أن يقوم أحد ليجلس غيره في مجلسه ذكره الطيبي. وقال القاري: والأظهر أن يكون إشارة إلى الجلوس في موضع يقوم منه أحد "أن يمسح الرجل يده" أي إذا كانت ملوثة بطعام مثلاً "بثوب من لم يكسه" بفتح الياء وضم السين أي بثوب شخص لم يلبسه ذلك الرجل الثوب. والمراد منه النهي عن التصرف في مال الغير والتحكم على من لا ولاية له عليه.
والظاهر أن صاحب الثوب إذا كان راضياً يجوز له ذلك، وكذلك إذا علم أن الشخص قام عن المجلس بطيب خاطره فلا بأس بجلوسه، كما يستفاد من قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} ومما يدل عليه حديث صدر الدابة أحق بصاحبها إلا إذا أذن وأمثال لك كثير في الفروع.
وفي الحديث دلالة على أنه لا بأس أن يمسح الرجل يده بثوب ابنه أو غلامه وغيرهما ممن ألبسه الثوب.
قال المنذري: قال أبو بكر البزار، وهذا الحديث لا نعلم أحداً يرويه إلا أبو بكرة ولا نعلم له طريقاً إلا هذا الطريق، ولا نعلم أحداً سمى هذا الرجل نعني أبا عبد الله مولى قريش وإنما ذكرنا ما فيه لأنه لا يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه. هذا آخر كلامه. وقال فيه مولى قريش ووقع هنا مولى لاَل أبي بردة. وقال أبو أحمد الكرابيسي: مولى أبي موسى الأشعري. وإذا قيل فيه مولى آل أبي بردة ومولى أبي موسى الأشعري فهو الصحيح لأن أبا بردة إما أن يكون أخا أبي موسى أو ولد أبي موسى، وأيما كان فهو صحيح، فإذا قيل فيه مولى قريش فلا يصح إلا أن يكون الولاء انجر إليه والله عز وجل أعلم. وذكر الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي هذا الحديث. وقال رواه أبو عبد الله مولى لاَل أبي بردة عن سعيد وهو غير معروف.

(13/120)


4818- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أَنّ مُحَمّدَ بنَ جَعْفَرٍ حَدّثَهُمْ عن شُعْبَةَ عن عَقِيلِ بنِ طَلْحَةَ قالَ سَمِعْتُ أَبَا الْخَصِيبِ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: " جاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فقَامَ لَهُ رَجُلٌ عنْ مَجْلِسِهِ فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فِيهِ، فَنَهَاهُ النبي صلى الله عليه وسلم".
قال أبُو دَاوُدَ: أَبُو الْخَصِيبِ اسْمُهُ زِيَادُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ.
__________
"عن عقيل" بفتح العين وكسر القاف "سمعت أبا الخصيب" بفتح الخاء المعجمة على وزن عظيم قاله الحافظ "فقام له" أي للرجل الجائي ليجلس هو في مكانه "فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم " أي عن الجلوس في ذلك المجلس. وأخرج البخاري في الصحيح من طريق سفيان الثوري عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر". وأخرجه البخاري في الأدب المفرد بلفظ "وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه" وكذا أخرجه مسلم من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
قال ابن بطال: اختلف في النهي فقيل للأدب وإلا فالذي يجب للعالم أن يليه أهل الفهم والنهي، وقيل: هو على ظاهره ولا يجوز لمن سبق إلى مجلس مباح أن يقام منه، واحتجوا بحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة رفعه "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به" قالوا فلما كان أحق به بعد رجوعه ثبت أنه حقه قبل أن يقوم. ويتأيد ذلك بفعل ابن عمر المذكور فإنه راوي الحديث وهو أعلم بالمراد منه. وقال القرطبي في المفهم: هذا الحديث يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه وما احتج به من حمله - على الأدب لكونه ليس ملكاً له لا قبل ولا بعد ليس بحجة لأنا نسلم أنه غير ملك له لكن يختص به إلى أن يفرغ غرضه فصار كأنه ملك منفعته فلا يزاحمه غيره عليه انتهى.كذا في فتح الباري وأطال الحافظ الكلام فيه "قال أبو داوود أبو الخصيب الخ".
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد أخرج الترمذي من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه" قال وكان الرجل يقوم لابن عمر فما يجلس. قال هذا حديث حسن صحيح.
وحديث ابن عمر هذا في الصحيحين ولفظه "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا".
وفي صحيح مسلم عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده ولكن ليقل افسحوا".
قال المنذري: وهو بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء بواحدة.

(13/121)


19- باب من يؤمر أن يجالس
4819- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا أَبَانُ عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ المُؤْمِنِ الّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأتْرَجّةِ رِيحُهَا طَيّبٌ وَطَعْمُهَا طَيّبٌ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ[كمثل] التّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيّبٌ وَلا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرّيْحَانَةِ رِبْحُهَا طَيّبٌ وَطَعْمُهَا مُرّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلةِ طعْمُهَا مُرّ وَلا رِيحَ لَها، وَمَثَلُ جَلِيسِ[الجليس] الصّالِحِ كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ أَنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْهُ شَيْء أَصَابَكَ مِنْ رِيحِهِ، وَمَثَلُ جَلِيسِ السّوءِ كَمَثَلِ صَاحِب الكِبرِ إِنْ لَمْ يُصِبُكَ مِنْ سَوَادِهِ[شراره] أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ".
4820- حدثنا مُسَدَدّ حدثنا يَحْيَى المَعْنَى ح. وأخبرنا ابنُ مُعَاذٍ أخبرنا أَبِي قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ عن أَبي مُوسَى عن النبي صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الكَلاَمِ الأوّلِ إِلَى قَوْلِهِ: "وَطَعْمُهَا مُرّ". وَزَادَ ابنُ مُعَاذٍ قالَ قالَ أَنَسٌ: وَكُنّا نَتَحَدّثُ أَنّ مَثَلَ جَلِيسِ [الجليس]الصّالحِ وَسَاقَ بَقِيّةَ الحدِيثِ.
__________
باب من يؤمر أن يجالس
"مثل الأترجة" بضم الهمزة والراء وتشديد الجيم وقد تخفف ثمر معروف يقال لها ترنج جامع لطيب الطعم والرائحة وحسن اللون ومنافع كثيرة. والمقصود بضرب المثل بيان علو شأن المؤمن وارتفاع عمله وانحطاط شأن الفاجر وإحباط عمله "ومثل جليس السوء" بفتح السين ويضم "كمثل صاحب الكير" بكسر الكاف زق ينفخ فيه الحداد وأما المبني من الطين فكور كذا في القاموس أي كمثل نافخه. وفي الحديث إرشاد إلى الرغبة في صحبة الصلحاء والعلماء ومجالستهم فإنها تنفع في الدنيا و الآخرة، وإلى الاجتناب عن صحبة الأشرار والفساق فإنها تضر ديناً ودنيا.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"بهذا الكلام الاول" أي المذكور في الحديث السابق "وساق بقية الحديث" أي إلى قوله أصابك من دخانه.

(13/122)


4821- حدثنا عَبْدُ الله بنُ الصّبّاحِ الْعَطّارُ أخبرنا سَعِيدُ بنُ عَامِرٍ عن شُبَيْلِ بنِ عَزْرَةَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصّالحِ" فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
4822- حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنِ أنبأنا ابنُ المُبَارَكِ عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ عن سَالِمِ بنِ غَيْلاَنَ عن الوَلِيدِ بنِ قَيْسٍ عن أَبي سَعِيدٍ، أَوْ عن أَبي الْهَيْثَمِ، عن أَبي سَعِيدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا تُصَاحِبْ إِلاّ مُؤْمِناً وَلاَ يَأْكُلُ طَعَامَكَ إِلاّ تَقِيّ".
4823- حدثنا ابنُ بَشّارِ أخبرنا أَبُو عَامِرٍ وَ أَبُو دَاوُدَ قالا أخبرنا زُهَيْرُ بنُ مُحَمّدٍ حدّثني مُوسَى بنُ وَرْدَانَ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "الرّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ".
__________
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وليس فيه كلام أنس.
"عن شبيل" بالتصغير "بن عزرة" بفتح العين المهملة بعدها زاي ساكنة ثم راء "قال مثل الجليس الصالح فذكره نحوه" والحديث سكت عنه المنذري.
"لا تصاحب إلا مومناً" أي كاملاً، أو المراد النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين لأن مصاحبتهم مضرة في الدين، فالمراد بالمؤمن جنس المؤمنين "ولا يأكل طعامك إلا تقي" أي متورع. والأكل وإن نسب إلى التقي فقي الحقيقة مسند إلى صاحب الطعام، فالمعنى لا تطعم طعامك إلا تقياً.
قال الخطابي: إنما جاء هذا في طعام الدعوة دون طعام الحاجة، وذلك أن الله سبحانه قال {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} ومعلوم أن أسراءهم كانوا كفاراً غير مؤمنين ولا أتقياء، وإنما حذر عليه السلام من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته، فإن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال إنما نعرفه من هذا الوجه.
"الرجل" يعني الإنسان "على دين خليله" أي على عادة صاحبه وطريقته وسيرته "فلينظر" أي يتأمل ويتدبر "من يخالل" فمن رضي دينه وخلقه خالله ومن لا تجنبه فإن الطباع سراقة.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب. هذا آخر كلامه. وفي إسناده موسى بن وردان وقد ضعفه بعضهم، وقال بعضهم لا بأس به ورجح بعضهم في هذا الحديث الإرسال.

(13/123)


4824- حدثنا هَارُوُنُ بنُ زَيْدِبنِ أَبي الزّرْقَاءِ أخبرنا أَبِي أخبرنا جَعْفَرٌ - يَعْني ابنَ بَرْقَانَ عن يَزِيدَ يَعني ابنَ الأصَمّ - عن أَبي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قالَ: "الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اُخْتَلَفَ".
__________
"الأرواح" أي أرواح الإنسان "جنود" جمع جند أي جموع "مجندة" بفتح النون المشددة متقابلة أو مختلطة، منها حزب الله ومنها حزب الشيطان "فما تعارف منها" التعارف جريان المعرفة بين اثنين والتناكر ضده أي فما تعرف بعضها من بعض قبل حلولها في الأبدان "ائتلف" أي حصل بينهما الألفة والرأفة حال اجتماعهما بالأجساد في الدنيا "وما تناكر منها" أي في عالم الأرواح "اختلف" أي في عالم الأشباح.
قال النووي: معنى قوله "الأرواح جنود مجندة" جموع مجتمعة أو أنواع مختلفة. وأما تعارفها فهو لأمر جعلها الله عليه وقيل إنها موافقة صفاتها التي جعلها الله عليها وتناسبها في شيمها. وقيل لأنها خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسادها فمن وافق بشيمه ألفه ومن باعده نافره وخالفه.
وقال الخطابي وغيره: تآلفها هو ما خلقها الله عليه من السعادة أو الشقاوة في المبتدأ وكانت الأرواح قسمين متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسب ما خلقت عليه فيميل الأخيار إلى الأخيار والأشرار إلى الأشرار انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم أيضاً من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة.

(13/124)


20- باب في كراهية المراء
4825- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو أُسَامَةَ أخبرنا بُرَبْدُ ابنُ عَبْدِ الله عن جَدّهِ أَبي بُرْدَةَ عن أَبِي مُوسَى قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا بَعَثَ أَحَداً مِنْ أَصحَابِهِ في بَعْضِ أَمْرِهِ قالَ: "بَشّرُوا وَلاَ تُنَفّرُوا، وَيَسّروُا، وَلاَ تُعَسّرُوا".
__________
باب في كراهية المراء
بكسر الميم الجدال
"في بعض أمره" أي من أمر الحكومة "بشروا" أي الناس بقبول الله الطاعات وإثابته عليها وتوفيقه للتوبة من المعاصي وعفوه ومغفرته "ولا تنفروا" بتشديد الفاء المكسورة أي لا تخوّفوهم بالمبالغة في إنذارهم حتى تجعلوهم قانطين من رحمة الله بذنوبهم وأوزارهم "ويسّروا" أي سهّلو عليهم الأمور من أخذ الزكاة باللطف منهم "ولا تحسروا" أي بالصعوبة عليهم بأن تأخذوا أكثر مما يجب عليهم أو أحسن منه أو بتتبع عوراتهم وتجسس حالاتهم.

(13/124)


4826- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ حدّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُهَاجِرِ عن مُجَاهِدٍ عن قَائِدِ السّائِبِ عن السّائِبِ قال: أَتَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيّ وَيَذْكُرُونّي، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَنَا أَعْلَمُكُمْ" - يَعْني بِهِ - قُلْتُ: صَدَقْتَ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي كُنْتَ شَرِيكِي فَنِعْمَ الشّرِيكُ، كُنْتَ لا تُدَارِي وَلا تُمَارِي.
__________
قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"فجعلوا يثنون" بضم التحتية من الإثناء "يعني به" أي بالسائب "بأبي أنت وأمي" قال في النهاية: الباء متعلقة بمحذوف قيل هو اسم فيكون ما بعده مرفوعاً تقديره أنت مفدى بأبي وأمي، وقيل هو فعل وما بعده منصوب أي فديتك بأبي وأمي، وحذف هذا المقدر تخفيفاً لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به انتهى "لا تداري ولا تماري" قال الخطابي: يريد لا تخالف ولا تمانع، وأصل الدرء الدفع ومنه قوله تعالى {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} يصفه صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق والسهولة في المعاملة وقوله لا تماري يريد المراء والخصومة انتهى.
قال الحافظ في الإصابة: السائب بن أبي السائب واسمه ضيفي والد عبد الله ابن السائب روى له أبو داوود والنسائي من طريق مجاهد عن قائد السائب عن السائب وقيل عن مجاهد عن السائب بلا واسطة، وروى ابن أبي شيبة من طريق يونس بن خباب عن مجاهد كنت أقود بالسائب فيقول لي يا مجاهد أدلكت الشمس فإذا قلت نعم صلى الظهر انتهى.
وقال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. والسائب هذا قد ذكر بعضهم أنه قتل كافراً يوم بدر قتله الزبير بن العوام، وذكر بعضهم أن لا صحبة لأبيه وذكر بعضهم أنه أسلم وحسن إسلامه وهذا هو المعول عليه وقد ذكره غير واحد في كتب الصحابة رضي الله عنهم. وهذا الحديث اختلف في إسناده اختلافاً كثيراً وذكر أبو عمر النمري أن هذا الحديث مضطرب جداً، منهم من يجعله للسائب بن أبي السائب، ومنهم من يجعله لعبد الله بن السائب، وهذا اضطراب لا يقوم به حجة. والسائب بن أبي السائب من المؤلفة قلوبهم.

(13/125)


21- باب الهدى في الكلام
4827- حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ يَحْيَى الْحَرّانيّ حدّثني مُحَمّدٌ - يَعْني ابنَ سَلَمةَ - عن مُحَمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن يَعْقُوبَ بنِ عُتْبَةَ عن عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ عن يُوسُفَ بنِ
__________
باب الهدي في الكلام
الهدى بفتح الهاء وسكون الدال السيرة والطريقة الصالحة

(13/125)


عَبْدِ الله بنِ سَلاَمٍ عن أَبِيهِ قالَ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا جَلَسَ يَتَحَدّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرَفَهُ إِلَى السّماءِ".
4828- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ بِشْرٍ عن مِسْعَرٍ قالَ سَمِعْتُ شَيْخاً في المَسْجِدِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: "كَانَ في كَلاَمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ترْتِيلٌ أَوْ[و] تَرْسِيلٌ".
4829- حدثنا عُثْمانُ وَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبي شَيْبَةَ قالا أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن أُسَامَةَ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشةَ قالَتْ: "كَانَ كَلاَمُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم كَلاَماً فَصْلاً [كلام فضل]يَفْهَمُهُ كُلّ مَنْ سَمِعَهُ".
4830- حدثنا أَبُو تَوْبَةَ قالَ زَعَمَ الْوَلِيدُ عن الأوْزَاعِيّ عن قُرّةَ عن الزّهْرِيّ عن أَبي سَلَمةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "كُلّ كَلاَمٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ الله[بالحمد لله] فَهُوَ أَجْذَمُ".
__________
"يكثر" من الإكثار "أن يرفع طرفه" بسكون الراء أي نظره "إلى السماء" انتظاراً لما يوحى إليه وشوقاً إلى الملأ الأعلى.
قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الاختلاف فيه. وسلام بفتح المهملة وتخفيف اللام.
"ترتيل" أي تأن وتمهل مع تبيين الحروف والحركات بحيث يتمكن السامع من عدها "أو ترسيل" شك من الراوي. ومعنى الترتيل والترسيل واحد، وفي بعض النسخ بالواو فهو عطف تفسير.
قال المنذري: الراوي عن جابر مجهول.
"كلاماً فصلاً" أي مفصولاً بين أجزائه وواضحاً.
والحديث سكت عنه المنذري.
"كل كلام" وفي رواية ابن ماجه "كل أمر ذي بال" قال في النهاية: أمر ذو بال أي شريف يحتفل به ويهتم "فهو" أي ذلك الكلام "أجذم" قال الخطابي: معناه المنقطع الأبتر الذي لا
ثم ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله حديث كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم ثم قال:
وأخرجه ابن حبان في صحيحه.

(13/126)


قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يُونُسُ وَعُقَيْلٌ وَشُعَيْبٌ وَسَعِيدُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ عن الزّهْرِيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
__________
نظام له. وفسره أبو عبيد فقال الأجذم المقطوع اليد انتهى. وفي رواية ابن ماجه: أقطع أي مقطوع البركة على وجه المبالغة أي أقطع من كل مقطوع.
قال المنذري: قال فيه زعم الوليد عن الأوزاعي وذكر أن جماعة رووه عن الزهري مرسلاً وأخرجه النسائي مسنداً ومرسلاً وأخرجه ابن ماجه. وقال فيه أقطع وفي إسناده قرة وهو ابن عبد الرحمن بن حيويل المعافري المصري كنيته أبو محمد ويقال أبو حيويل قال الإمام أحمد: منكر الحديث.

(13/127)


22- باب في الخطبة
4831- حدثنا مُسَدّدٌ وَ مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قالا أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ابنُ زِيَادٍ أخبرنا عَاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ عن أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "كُلّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهّدٌ فَهِيَ كالْيَدِ الْجَذْمَاَءِ".
__________
باب في الخطبة
"كل خطبة" بضم الخاء، وقال القاري بكسر الخاء، وهي التزوج والظاهر هو الأول "ليس فيها تشهد" وفي رواية شهادة، وأراد الشهادتين من إطلاق الجزء على الكل قاله المناوي. وقال القاري أي حمد وثناء على الله. ونقل عن التوربشتي أن أصل التشهد قولك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله "فهي كاليد الجذماء" أي المقطوعة التي لا فائدة فيها لصاحبها. والجذم سرعة القطع، وقيل الجذماء من الجذام وهو داء معروف تنفر عنه الطباع.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب. انتهى.
فائدة: اعلم أن السنة في ابتداء جميع الأمور الحسنة أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع" وهو حديث حسن كما ستقف عليه ولا يقتصر على بسم الله إلا في المواضع التي ثبت فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقتصار على بسم الله، فالسنة في هذه المواضع الاقتصار على لفظ بسم الله.
وفي الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما أكرم شاب شيخا بشيبة إلا قيض الله له من يكرمه عند سنة" قال هذا حديث غريب.

(13/127)


والتفصيل أن الأحاديث الواردة في التسمية على أربعة أقسام.
الأول. ما وقع فيه بسم الله الرحمن الرحيم تاماً كحديث علي رضي الله عنه مرفوعاً "إذا وقعت في ورطة فقل بسم الله الرحمن الرحيم" رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة. وكحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال مرضت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذني فعوذني يوماً فقال "بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد" الحديث رواه ابن السني، وكحديث أبي هريرة الذي رواه النسائي وابن خزيمة والسراج وابن حبان وغيرهم من طريق سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين. فقال آمين وقال الناس آمين الحديث وفي آخره إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره الحافظ في الفتح.
والقسم الثاني: ما وقع فيه لفظ بسم الله فقط من غير زيادة عليه، كحديث عبد الرحمن بن جبير أنه حدثه رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم ثماني سنين أنه كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرب إليه طعاماً يقول بسم الله فإذا فرغ من طعامه قال "اللهم أطعمت وسقيت" الحديث رواه ابن السني. قال النووي في الأذكار بإسناد حسن. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لربيبه عمر بن أبي سلمة "قل بسم الله وكل بيمينك" الحديث رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم لأسامة بن عمير "لا تقل هكذا "أي تعس الشيطان" فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت ولكن قل بسم الله فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة" رواه النسائي في اليوم والليلة، وابن مردويه في تفسيره. كذا في تفسير ابن كثير رحمه الله.
والقسم الثالث: ما وقع فيه بسم الله مع زيادة معه غير لفظ الرحمن الرحيم كحديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً "إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا بسم الله وعلى ملة رسول الله" رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والطبراني في لكبير والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن.
وكحديث عثمان رضي الله عنه مرفوعاً "ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء" الحديث رواه الترمذي وابن ماجه وأبو داوود.
وكحديث ابن عباس مرفوعاً "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا" الحديث رواه الشيخان.
وكحديث أنس رضي الله عنه قال "ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر قال رأيته واضعاً قدمه على صفاحهما ويقول بسم الله والله أكبر" رواه الشيخان.

(13/128)


والقسم الرابع ما وقع فيه ذكر اسم الله من غير تصريح بلفظ بسم الله الرحمن الرحيم ولا بلفظ بسم الله كحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً "إذا أكل أحدكم طعاماً فليذكر اسم الله" الحديث رواه أبو داوود والترمذي.
وكحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجه والدارقطني وابن السكن والحاكم والبيهقي قاله الحافظ.
وكحديث جابر "إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله من الشيطان واذكروا اسم الله عليها" رواه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد وأبو داوود في سننه وابن حيان في صحيحه والحاكم في المستدرك وغير ذلك من الأحاديث.
ففي المواضع التي ثبت فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول ببسم الله الرحمن الرحيم بتمامه لا يحصل السنة إلا بقوله تاماً وكاملاً، وإن اقتصر في تلك المواضع على بسم الله أو على بسم الله الرحمن لا يحصل السنة البتة.
وفي المواضع التي ثبت فيها الاقتصار على لفظ بسم الله من غير زيادة عليه فالمسنون في تلك المواضع القصر يفعل النبي صلى الله عليه وسلم والتكميل بقوله صلى الله عليه وسلم لأن هذه المواضع داخلة تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع".
فكيف يكون من قال في هذه المواضع بسم الله الرحمن الرحيم تاماً وكاملاً مبتدعاً، وكيف يكون قوله بدعة بل يكون سنة قولياً.
وفي الاختيارات العلمية في اختيارات الشيخ ابن تيمية ويقول عند الأكل بسم الله الرحمن الرحيم كاملاً فإنه أكمل بخلاف الذبح انتهى.
وأما المواضع التي ورد فيها بسم الله مع زيادة عليه غير لفظ الرحمن الرحيم فالمسنون فيها أن يقتصر على بسم الله مع تلك الزيادة، وليس لأحد أن يزيد بين بسم الله وبين تلك الزيادة لفظ الرحمن الرحيم، لأن مجموع بسم الله وتلك الزيادة دعاء واحداً وذكر واحد ولم يثبت جواز زيادة بين كلمات دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لأحد أن يقول عند الذبح بسم الله الرحمن الرحيم والله أكبر.
وأما المواضع التي جاء فيها ذكر اسم الله من غير تصريح ببسم الله الرحمن الرحيم أو ببسم الله فالأفضل أن يقول فيها بسم الله الرحمن الرحيم بتمامه من ثلاثة وجوه:
الأول: أنه إذا أتى في هذه المواضع ببسم الله الرحمن الرحيم بتمامه كان مُحْرزاً ما ورد في القول ببسم الله الرحمن الرحيم بتمامه من الفضيلة.

(13/129)


والوجه الثاني: أنه إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم بتمامه فقد أتى بما هو المراد من ذكر اسم الله بيقين وأما إذا أتى ببسم الله فقط أو بلفظ آخر مثلا بالرب أو بالخالق فلا شك أنه أتى بذكر اسم الله لكن فيه احتمال أن يكون المراد من ذكر اسم الله هو القول ببسم الله الرحمن الرحيم بتمامه وكماله كما هو المعهود في كثير من المواضع.
والوجه الثالث: عموم قوله صلى الله عليه وسلم "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمَن الرحيم أقطع" وهو حديث حسن.
قال النووي في الأذكار: وروينا في سنن أبي داوود وابن ماجه ومسند أبي عوانه الاسفرايني المخرج على صحيح مسلم رحمهم الله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع" وفي رواية "بحمد الله" وفي رواية "بالحمد فهو أقطع" وفي رواية "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" وفي رواية "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع" روينا هذه الألفاظ كلها في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي وهو حديث حسن، وقد روى موصولاً كما ذكرنا وروى مرسلاً، ورواية الموصل جيدة الإسناد، وإذا روى الحديث موصولاً ومرسلاً فالحكم للاتصال عند جمهور العلماء لأنها زيادة ثقة وهي مقبولة عند الجماهير انتهى.
وقال في شرح صحيح مسلم: وإنما بدأ بالحمد لله لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع" وفي رواية "بحمد الله" وفي رواية "بالحمد فهو أقطع" وفي رواية "أجذم" وفي رواية "لا يبدأ فيه بذكر الله تعالى" وفي رواية "ببسم الله الرحمن الرحيم" روينا كل هذه في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي بسماعنا من صاحبه الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن سالم الأنباري عنه ورويناه فيه أيضاً من رواية كعب بن مالك الصحابي رضي الله عنه، والمشهور ورواية أبي هريرة وهذا الحديث حسن رواه أبو داوود وابن ماجه في سننهما، ورواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة، وروى موصولاً ومرسلاً، ورواية الموصول إسنادها جيد انتهى.
وفي فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ابتدأ كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز وعملاً بحديث "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع" أخرجه ابن حيان من طريقين.
قال ابن الصلاح: والحديث حسن. ولأبي داوود وابن ماجه "كل ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع" ولأحمد "كل أمر ذي بال لا يفتتح الله فهو أبتر وأقطع" انتهى.

(13/130)


فالحاصل أن هذه الوجوه تدل على أن في هذه المواضع الأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم بتمامه، وإن قال بسم الله فقط فقد ذكر اسم الله بلا شبهة وكفاه، ولذلك قال النووي في الأذكار: من أهم ما ينبغي أن يعرف صفة التسمية وقدر المجزيء منها فاعلم أن الأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنة، وسواء في هذا الجنب والحائض وغيرهما انتهى. وأما تعقب الحافظ بن حجر على كلام النووي هذا في فتح الباري بقوله: وأما قول النووي في أدب الأكل من الأذكار صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنة، فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلاً خاصاً انتهى. فمتعقب، كيف وقد رأيت وجوهاً ثلاثة للأفضلية. هذا عندي والله تعالى أعلم.

(13/131)


23- باب في تنزيل الناس منازلهم
4832- حدثنا يَحْيَى بنُ إسْمَاعِيل و ابنُ أَبي خَلَفٍ أنّ يَحْيَى بنَ الْيَمَانِ أَخْبَرَهُمْ عن سُفْيَانَ عن حَبِيب بنِ أَبي ثَابِتٍ عن مَيْمُونِ بنِ أَبي شَبِيبٍ: أَنّ عائِشَة مَرّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةٍ، وَمَرّ بِهَا[عليها] رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فأَقْعَدَتْهُ فأَكَلَ، فَقِيلَ لَها في ذَلِكَ، فقالَتْ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "أَنْزِلُوا النّاسَ مَنَازِلَهُمْ".
قال أبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ يَحْيَى مُخْتَصَرٌ.
قال أبُو دَاوُدَ: مَيْمُونٌ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ.
__________
باب في تنزيل الناس منازلهم
"فأعطته كسرة" بكسر أوله أي قطعة من خبز ونحوه "فقيل لها" أي لعائشة "في ذلك" أي المذكور من صنيعها بالمارّين بها. والمعنى قيل لعائشة لم فرقت بينهما حيث أعطيت الأول كسرة وأقعدت الثاني وأطعمته "أنزلوا الناس منازلهم" أي عاملوا كل أحد بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف.
قال العزيزي: والمراد بالحديث الحض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفي القيام وغير ذلك من الحقوق.
"قال أبو داوود ميمون لم يدرك عائشة".
قال المنذري: وقيل لأبي حاتم الرازي ميمون بن أبي شبيب عن عائشة متصل قال لا. انتهى كلام المنذري.
وقال النووي في مقدمة شرح صحيح مسلم في فصل التعليق: وأما قول مسلم في خطبة

(13/131)


4833- حدثنا إِسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الصّوّافُ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ حُمْرَانٍ أخبرنا عَوْفُ بنُ أَبي جَمِيلَةَ عن زِيَادِ بنِ مِخْرَاقٍ عن أَبي كِنَانَةَ عن أَبي موسَى الأشْعَرِيّ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ مِنْ إِجْلاَلِ الله إِكْرَامَ ذِي الشّيْبَةِ المُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السّلْطَانِ المُقْسِطِ".
__________
كتابه وقد ذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم" فهذا بالنظر إلى إن لفظه ليس جازماً لا يقتضي حكمه بصحته وبالنظر إلى أنه احتج به وأورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد يقتضي حكمه بصحته، ومع ذلك فقد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه كتاب معرفة علوم الحديث بصحته وأخرجه أبو داوود في سننه بإسناده منفرداً به، وذكر أن الراوي له عن عائشة ميمون بن أبي شبيب ولم يدركها. قال الشيخ ابن الصلاح وفيما قاله أبو داوود نظر، فإنه كوفي متقدم قد أدرك المغيرة ابن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كاف في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال لم ألق عائشة استقام لأبي داوود الجزم بعدم إدراكه وهيهات ذلك انتهى.
قال النووي: وحديث عائشة هذا قد رواه البزار في مسنده وقال هذا الحديث لا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه، وقد روى عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفاً انتهى.
"أخبرنا عبد الله بن حمران" بضم الحاء المهملة "عن زياد بن مخراق" بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة "إن من إجلال الله" أي تبجيله وتعظيمه "إكرام ذي الشيبة المسلم" أي تعظيم الشيخ الكبير في الإسلام بتوقيره في المجالس والرفق به والشفقة عليه ونحو ذلك، كل هذا من كمال تعظيم الله لحرمته عند الله "وحامل القرآن" أي وإكرام حافظه وسماه حاملاً له لما يحمل لمشاقٍ كثيرة تزيد على الأحمال الثقيلة قاله العزيزي. وقال القاري: أي وإكرام قارئه وحافظه ومفسره "غير الغالي" بالجر "فيه" أي في القرآن.
والغلو التشديد ومجاوزة الحد، يعني غير المتجاوز الحد في العمل به وتتبع ما خفي منه واشتبه عليه من معانية وفي حدود قراءته ومخارج حروفه قاله العزيزي "والجافي عنه" أي وغير المتباعد عنه المعرض عن تلاوته وإحكام قراءته وإتقان معانيه والعمل بما فيه. وقيل الغلو المبالغة في التجويد أو الإسراع في القراءة بحيث يمنعه عن تدبر المعنى. والجفاء أن يتركه بعد ما علمه لا سيما إذا كان نسيه فإنه عد من الكبائر، قال في النهاية: ومنه الحديث "اقرؤا القرآن ولا تجفوا عنه" أي تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته بأن تتركوا قراءته وتشتغلوا بتفسيره وتأويله ولذا قيل اشتغل بالعلم بحيث لا يمنعك عن العمل واشتغل بالعمل بحيث لا يمنعك عن العلم، وحاصله أن كلا من طرفي الإفراط والتفريط مذموم، والمحمود هو الوسط العدل المطابق لحاله
صلى الله عليه وسلم في جميع الأقوال والأفعال، كذا في المرقاة شرح المشكاة "وإكرام ذي السلطان المقسط" بضم الميم أي العادل.
قال المنذري: أبو كنانة هذا هو القرشي ذكر غير واحد أنه سمع من أبي موسى.

(13/132)


24- باب في الرجل يجلس بين الرجلين بغير إذنهما
4834- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدِ وَ أحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ المَعْنَى قالا أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا عَامِرٌ الأحْوَلُ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ قال ابنُ عَبْدَةَ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَجلِسْ بَينَ رَجُلَيْنِ إِلاّ بِإِذْنِهِمَا".
4835- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنِي أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ الّليْثِيّ عن عَمْرٍو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَحِلّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلاّ بِإِذْنِهِمَا".
__________
باب في الرجل يجلس بين الرجلين بغير إذنهما
"لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما" كذا في جميع النسخ الحاضرة لا يجلس بالتحتية وضبط في بعضها بالقلم بفتح التحتية. وقال العلقمي: بضم أوله بالبناء للمجهول. وفي المشكاة: لا تجلس بالمثناة.
والحديث قال المنذري، وأشار إليه الترمذي.
"لا يحل لرجل أن يفرق" بتشديد الراء "بين اثنين" بأن يجلس بينهما "إلا بإذنهما" لأنه قد يكون بينهما محبة ومودة وجريان سر وأمانة فيشق عليهما التفريق بجلوسه بينهما.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن، وقد تقدم الإختلاف في الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب.

(13/133)


25- باب في جلوس الرجل
4836- حدثنا سَلَمةُ بنُ شَبَيبٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ إبْرَاهِيمَ حدّثني إِسْحَاقُ بنُ مُحَمّدٍ الأنْصَاريّ عن رُبَيْحِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا جَلَسَ احْتَبَى بِيَدِهِ[بيديه]".
__________
باب في جلوس الرجل
"عن ربيح" بالتصغير "احتبي بيده" زاد البزار "ونصب ركبتيه" أي جمع ساقيه إلى بطنه

(13/133)


قال أبُو دَاوُدَ: عَبْدُ الله بنُ إبْرَاهِيمَ شَيْخٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
4837- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ وَ مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قالا أخبرنا عَبْدُ الله ابنُ حَسّانَ العَنْبَرِيّ قالا حَدّثَتْنِي جَدّتَايَ صَفِيّةُ وَ دُحَيْبَةُ ابْنَتَا عُلَيْبَةَ قالَ مُوسَى: بِنْتِ حَرْمَلَةَ وكانَتَا رَبِيبَتَي قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمةَ وكانَتْ جَدّةَ أَبِيهِمَا أَنّهَا أَخْبَرَتْهُمَا: أَنّهَا رَأَتِ النبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءِ، فَلمّا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم المُخْتَشِعَ، وقال مُوسَى المُتَخَشّعَ في الْجَلْسَةِ أُرْعِدْتُ مِنَ الْفَرَقِ.
__________
مع ظهره بيديه عوضاً عن جمعهما بثوب، فالإحتباء باليدين غير منهي عنه إلا إذا كان ينتظر الصلاة كما في حديث كذا في السراج المنير "قال أبو داوود عبد الله بن إبراهيم شيخ منكر الحديث".
قال المنذري: وفي إسناده إيضاً ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، قال الإمام أحمد: ربيح ليس بمعروف.
"صفية ودحيبة" بضم الدال وفتح الحاء المهملتين وسكون التحتانية "ابنتا عليبة" بالتصغير "قال موسى بنت حرملة" أي قال موسى في روايته ابنتا عليبة بنت حرملة فنسبها إلى أبيها حرملة وهو ابن عبد الله العنبري "وكانتا" أي صفية ودحيبة "قيلة" بفتح القاف وسكون الياء "وكانت" أي قيلة "جدة أبيهما" ضمير التثنية لصفية ودحيبة "أنها" أي قيلة "وهو قاعد القرفصاء" بالنصب على أنه مفعول مطلق بضم القاف وسكون الراء وضم الفاء وفتحها ممدوداً.
قال الخطابي: هو جلسة المحتبي وليس هو المحتبي بثوبه ولكنه الذي يحتبي بيديه انتهى.
وفي القاموس القرفصى مثلثة القاف والفاء مقصورة، والقرفصاء بالضم، والقرفصاء بضم القاف والراء على الاتباع أن يجلس على إليتيه ويلصق فخديه ببطنه ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه أو يجلس على ركبتيه منكباً ويلصق بطنه بفخديه ويتأبط كفيه انتهى "المختشع وقال موسى المتخشع" الأول من باب الافتعال والثاني من باب التفعل أي الخاشع الخاضع المتواضع، والظاهر أنه حال على مجاوزة الكوفيون في قول لبيد:
وأرسلها العزاك ولم يذدها مع أن تأويل البصريين قد يأتي هنا أيضاً بأنه معرفة موضوعة موضع النكرة، وقيل إنه صفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم "أرعدت" بصيغة المجهول أي أخذتني الرعدة والاضطراب والحركة "من الفرق" بفتحتين أي من أجل الخوف والمعنى هبته مع خضوعه وخشوعه.

(13/134)


قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن حسان. هذا آخر كلامه. وعبد الله بن حسان كنيته أبو الحسد تميمي غنوى حديثه في البصريين ودحيبة بضم الدال وفتح الحاء المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء بواحدة مفتوحة وتاء تأنيث. وعليبة بضم العين المهملة وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء بواحدة مفتوحة وتاء تأنيث. وقد مر طرف من هذا الحديث في كتاب الخراج وهو حديث طويل وذكر أبو عمر النمري قيلة بنت مخرمة، وقد شرح حديثها أهل العلم بالغريب، وهو حديث حسن.

(13/135)


26- باب في الجلسة المكروهة
4838- حدثنا عَلِيّ بنُ بَحْرٍ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ عن إبْرَاهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ عن عَمْرٍو بنِ الشّرِيدِ عن أَبِيهِ الشّرِيدِ بنِ سُوَيْدٍ قالَ: مَرّ بِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا جَالِسٌ هَكذَا وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتّكَأَتُ[اتكيت] عَلَى أُلْيَةِ يَدِيَ، فقَالَ: "أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ".
__________
باب في الجلسة المكروهة
"وأنا جالس هكذا" المشار إليه مفسر بقوله "وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي" أي اليمنى والألية بفتح الهمزة اللحمة التي في أصل الإبهام "فقال: أتقعد قعدة المغضوب عليهم" القعدة بالكسر للنوع والهيئة.
قال الطيبي: والمراد بالمغضوب عليهم اليهود.
قال القاري في كونهم هم المراد من المغضوب عليهم ههنا محل بحث. وتتوقف صحته على أن يكون هذا شعارهم، والأظهر أن يراد بالمغضوب عليهم أعم من الكفار والفجار المتكبرين المتجبرين ممن تظهر آثار العجب والكبر عليهم من قعودهم ومشيهم ونحوها، نعم ورد في حديث صحيح أن المغضوب عليهم في سورة الفاتحة هم اليهود انتهى.
والحديث سكت عنه المنذري.

(13/135)


27- باب في السمر بعد العشاء
[باب النهي عن السمر بعد العشاء]
4839- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن عَوْفٍ قال حدّثني أَبُو المِنْهَالِ عن أَبِي
__________
باب في السمر بعد العشاء
السمر بفتحتين من المسامرة الحديث بالليل، وبسكون الميم مصدر، وأصل السمر لون

(13/135)


28- باب في الرجل يجلس متربعا
4840- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيّ أخبرنا سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن جَابِرٍ بنِ سَمْرَةَ قالَ: "كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلّى الْفَجْرَ تَرَبّعَ في مَجْلِسِهِ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ حَسْنَاءَ[حسنا]".
__________
باب في الرجل يجلس متربعا
هو أن يقعد على وركيه ويمد ركبته اليمنى إلى جانب يمينه وقدمه اليمنى إلى جانب يساره واليسرى بالعكس
"تربع في مجلسه" أي جلس مربعاً واستمر عليه "حتى تطلع الشمس حسناء" على وزنه فعلاء حال من الشمس أي نقية بيضاء زائلة عنها الصفرة التي تتخيل عند الطلوع، وفي بعض النسخ بفتحتين وبالتنوين فهو مفعول مطلق أي طلوعاً ظاهراً بيناً.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(13/136)


29- باب في التناجي
4841- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ ح. وحدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونْسَ أخبرنا الأعمَشُ عن شَقِيقٍ - يَعني ابنَ سَلَمَةَ - عن عَبْدِ الله قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لايَنْتَجِي اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا[الثالث] فإِنّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ".
__________
باب في التناجي
"لا ينتجي اثنان" أي لا يتكلما بالسر، يقال انتجى القوم وتناجوا أي سار بعضهم بعضاً "دون صاحبهما" أي مجاوزين عنه، غير مشاركين له "فإن ذلك" أي التناجي "يحزنه" بضم أوله وكسر ثالثه.

(13/136)


30- باب إذا قام من مجلسه[مجلس] ثم رجع
4843- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن سُهَيْلِ بنِ أَبِي صَالحٍ قالَ: "كُنتُ عِنْدَ أَبي جَالِساً وَعِنْدَهُ غُلاَمٌ، فَقَامَ ثُمّ رَجَعَ فَحَدّثَ أَبِي عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا قَامَ الرّجُلُ مِنْ مَجْلِسٍ[مجلسه] ثُمّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقّ بِهِ".
4844- حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أخبرنا مُبَشّرٌ الْحَلَبِيّ عن تَمّامِ بنِ نَجِيحٍ عن كَعْبٍ الإيَادِيّ قال: كُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى أَبِي الدّرْدَاءِ فقَالَ أَبُو الدّرْدَاءِ: كَانَ
__________
باب إذا قام من مجلسه ثم رجع
"وعنده" أي عند أبي "فقام" أي الغلام "إذا قام الرجل من مجلس الخ" قال النووي ما ملخصه إن هذا الحديث فيمن جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلاً ثم فارقه ليعود بأن فارقه ليتوضأ أو يقضي شغلاً يسيراً ثم يعود لم يبطل اختصاصه بل إذا رجع فهو أحق به في تلك الصلاة وله أن يقييم من قعد فيه ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا، فهذا أحق به في الحالين، وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه.
"أخبرنا مبشر" بكسر الشين المعجمة الثقيلة "كنت أختلف إلى أبي الدرداء" أي أتردد

(13/137)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا جَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ فَأَرَادَ الرّجُوعَ نَزَعَ نَعْلَيْهِ أَوْ بَعْضَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ، فَيَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَيَثْبُتُونَ.
__________
إليه، والاختلاف بالفارسية امد وشدداشتن "فقام" عطف على جلس "نزع نعليه" خلعهما وتركهما هناك وهو جواب الشرط "أو بعض ما يكون عليه" أي من رداء أو عمامة أو غيرهما "فيعرف ذلك" أي إرادة رجوعه "فيثبتون" أي في مكانهم ولا يتفرقون عنه.
قال المنذري: في إسناده تمام بن نجيح الأسدي، وقيل إنه دمشقي، وقيل مولده بملطية وسكن حلباً.
"قال في القاموس: بفتح الميم واللام وسكون الطاء مخففة بلد كثير الفواكه شديد البرد".
قال يحيى بن معين ثقة، قال ابن عدي غير ثقة وعامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه، وقال أبو حاتم الرازي منكر الحديث ذاهب، وقال ابن حبان منكر الحديث جداً يروي أشياء موضوعة من الثقات كأنه المتعمد لها، وانتقد عليه أحاديث هذا من جملتها.

(13/138)


31- باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله
4845- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيّا عن سُهَيْلِ بنِ أَبي صَالحٍ عن أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرونَ الله فِيهِ إِلاّ قَامُوا عنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وكَانَ لَهُمْ[عليهم] حَسْرَةً".
4846- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا الّليْثُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ: "مَنْ قَعَدَ مَقْعَداً لَمْ يَذْكُرِ الله فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ
__________
باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله
"إلا قاموا عن مثل جيفة حمار" أي مثلها في النتن والقذارة. وذلك لما يخوضون من الكلام في أعراض الناس وغير ذلك "وكان" أي ذلك المجلس "لهم" وفي بعض النسخ عليهم "حسرة" يوم القيامة أي ندامة لازمة لهم لأجل ما فرطوا في مجلسهم ذلك من ذكر الله تعالى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(13/138)


مِنَ الله تِرَةً، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجِعاً]مضطجعا] لا يَذْكُرُ الله فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الله تِرَةً".
__________
"كانت عليه من الله ترة" على وزن عدة أي حسرة ونقصاناً وهو منصوب على الخبرية وضمير كانت راجعة إلى القعدة.
قال الخطابي: أصل الترة النقص ومعناها ههنا التبعة يقال وترت الرجل ترة على وزن وعدته عدة انتهى.
وفي النهاية ترة أي نقصاناً والهاء فيه عوض من الواو المحذوفة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي. وفي إسناده محمد بن عجلان وفيه مقال.

(13/139)


32- باب في كفارة المجلس
4847- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌو أَنّ سَعِيدَ بن أَبي هِلاَلِ حَدّثَهُ أَنّ سَعِيدَ بنَ أَبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ حَدّثَهُ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ أَنّهُ قال: كَلِمَاتٌ لا يتَكَلّمُ بِهِنّ أَحَدٌ في مَجْلِسِهِ عِندَ قِيَامِهِ ثَلاَثَ مَرّاتٍ إِلاّ كُفّرَ بِهِنّ عَنْهُ، وَلا يَقُولُهُنّ في مَجْلِسِ خَيْرٍ وَمَجْلِسِ ذِكْرٍ إِلاّ خُتِمَ لَهُ بِهنّ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ بالْخَاتَمِ عَلَى الصّحِيفَةِ: "سُبْحَانَكَ الّلهَمّ وَبِحَمْدِكَ، لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ".
4848- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قالَ قالَ عَمْرٌو وَحدّثني بِنَحْوِ ذَلِكَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ أَبي عَمْرٍو عن المَقْبُريّ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم نَحْوَ ذَلِكَ[مثله].
__________
باب في كفارة المجلس
"عند قيامه" أي من ذلك المجلس "إلا كفر" بالبناء للمفعول "بهن" أي بسبب تلك الكلمات "عنه" أي ما وقع فيه من اللغو "إلا ختم" بصيغة المجهول "له" أي للمتكلم "عليه" أي على الخير. والمعنى أن تلك الكلمات تكون موجبة لأحكام ذلك الخير والذكر "سبحانك اللهم الخ" بدل من كلمات والحديث سكت عنه المنذري.
"نحو ذلك" قال المنذري: وقد أخرجه الترمذي والنسائي من حديث سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه لا يعرف من حديث سهيل إلا من هذا الوجه.

(13/139)


4849- حدثنا مُحَمّدُ بنُ حَاتِمٍ الْجَرْجَرَائِيّ وَ عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ المَعْنَى أَنّ عَبْدَةَ بنَ سُلَيْمانَ أَخْبَرَهُمْ عن الْحَجّاجِ بنِ دِينَارٍ عن أَبِي هَاشِمٍ عن أَبِي الْعَالِيَةِ عن أَبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيّ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بِأَخَرَةٍ إِذَا أَرادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ
__________
"يقول بأخرة" بفتح الهمزة والخاء أي في آخر جلوسه أو في آخر عمره
قال الشيخ شمس الدين القيم رحمه الله:
هذه ثلاثة أحاديث ذكرها أبو داود في كفارة المجلس.
فأما حديث عبد الله بن عمر فموقوف عليه.
وأما حديث أبي هريرة فهو معروف بموسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال الحاكم أبو عبد الله هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح وله علة فاحشة حدثني أبو نصر الوراق قال سمعت أبا أحمد القصار يقول سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن اسماعيل البخاري فقبل بين عينه وقال دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وطيب الحديث في علله حدثنا محمد بن سلام حدثنا محمد بن سلام حدثنا مخلد بن يزيد الحراني أخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبي أبيه عن هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة المجلس فما علته.
قال محمد بن إسماعيل هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عوف بن عبد الله من قوله.
قال محمد بن إسماعيل هذا أولى فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل. وأما الحديث الذي رواه أبو داود من حديث أبي برزة الأسلمي فإسناده حسن رواه عن عثمان بن أبي شيبة وأخرجه عن عبدة بن سليمان عن الحجاج بن دينار عن أبي هاشم عن أبي العالية عن أبي برزة والحجاج بن دينار صدوق وثقة غير واحد وأبو هاشم هو الرماني من رجال الصحيحين.
وفي الباب حديث عائشة رواه الليث عن ابن الهاد عن يحيى بن سعيد عن زرارة عن عائشة قالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس إلا قال "لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك" فقلت يا رسول الله ما أكثر ما تقول هؤلاء الكلمات إذا قمت فقال "إنه لا يقولهن أحد حين يقوم من مجلسه إلا غفر له ما كان في ذلك المجلس" رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد. ورواه النسائي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعبة عنه.
ولهذا الحديث أيضا علة وهي أن قتيبة خالف شعيبا فيه فقال عن الليث عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري عن رجل من أهل الشام عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من

(13/140)


المَجْلِسِ: "سُبْحَانَكَ الّلهُمّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ أَلَيْكَ". فقالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله إِنّكَ لَتَقُولُ قَوْلاً مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى. قال: "كَفّارَةٌ لِمَا يَكُونُ في المَجْلِسِ".
__________
"فيما مضى" أي من مدة عمرك "كفارة" أي هذا القول كفارة "لما يكون في المجلس" أي من اللغو.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(13/141)


33- باب في رفع الحديث من المجلس
4850- حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا الْفِريَابيّ عن إِسْرَائِيلَ عن الْوَلِيدِ وَنَسَبَهُ لَنَا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ عن حُسَيْنِ بنِ مُحَمّدٍ عن إِسْرَائِيلَ في هَذَا الحدِيثِ قال الْوَلِيدُ بنُ أَبي هِشَامٍ عن زَيْدِ بنِ زَائِدٍ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لايُبْلِغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابي عَنْ أَحَدٍ شَيْئاً فإِنّي أُحِبّ أنْ أخْرُجَ إِلَيْكُم وَأَنَا سَلِيمُ الصّدّرِ".
__________
باب في رفع الحديث من المجلس
أي نقل الحديث إلى الغير."ونسبه لنا زهير بن حرب" يعني نسب زهير بن حرب الوليد إلى أبيه أبي هشام وهذا مقول المؤلف "قال" أي زهير بن حرب "الوليد بن أبي هشام" هذا بيان لقوله نسبه لنا زهير بن حرب "لا يبلغني" بتشديد اللام ويخفف أي لا يوصلني "عن أحد" أي عن قبل أحد "شيئاً" أي مما أكرهه وأغضب عليه "فإني أحب أن أخرج إليكم" أي من البيت وألاقيكم "وأنا سليم الصدر" أي من مساويكم جملة حالية.
مجلس يكثر من أن يقول "سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت " وساق الحديث ذكره النسائي.
ورواه من حديث خالد بن أبي عمران عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس مجلسا أو صلى صلاة تكلم بكلمات فسألت عائشة عن الكلمات فقالت إن تكلم بخير كان طابعا عليهن إلى يوم القيامة وإن تكلم بغير ذلك كان كفارة له "سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك" رواه عن أبي بكر بن إسحاق حدثنا أبو سلمة الخزاعي عن خالد به.
ورواه الطبراني في الكبير من حديث خالد بن أبي عمران أيضا عن عائشة قالت ما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قط ولا تلا قرآنا ولا صلى إلا ختم ذلك بكلمات قال نعم من قال خيرا ختم له طابع على ذلك الخير ومن قال شرا كن له كفارة "سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك".

(13/141)


قال ابن الملك: والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يخرج من الدنيا وقلبه راض عن أصحابه من غير سخط على أحد منهم، وهذا تعليم للأمة أو من مقتضيات البشرية انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال غريب من هذا الوجه. هذا آخر كلامه، وفي إسناده الوليد بن أبي هشام. قال أبو حاتم الرازي: ليس بالمشهور.

(13/142)


34 - باب في الحذر من الناس
4851- حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا نُوحُ بنُ يَزِيدَ بنِ سَيّارٍ المُؤدّبُ أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قال حَدّثَنِيهِ ابنُ إِسْحَاقَ عن عِيسَى ابنِ مَعْمَرٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْفَغوَاءِ الْخُزَاعِيّ عن أبِيهِ قالَ: دَعَاني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أرَادَ أنْ يَبْعَثَنِي بِمَالٍ إِلَى أبِي سُفْيَانَ يَقْسِمُهُ في قُرَيْشٍ بِمَكّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ فقَال: "الْتَمِسْ صَاحِباً". قالَ:
__________
باب في الحذر من الناس
"عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء" بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة والمد هكذا في أكثر النسخ، وكذا ضبطه الحافظ في الإصابة، وهكذا في التقريب وهو الصحيح.
وفي بعض النسخ بالعين المهملة وهكذا في الخلاصة.
والحديث أخرجه أيضاً أحمد في مسنده من طريق نوح بن يزبد مثله فقال فيه عبد الله بن عمرو بن الفغواء كما عند المؤلف، وهكذا رواه يحيى بن معين عن نوح بن يزيد، فقال فيه عبد الله بن عمروا بن الفغواء: أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب.
وأما عمر بن شبة والبغوي فأخرجاه من طريق محمد بن إسحاق عن عيسى ابن معمر فقال فيه عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه فذكر الحديث.
قال الحافظ في الإصابة: علقمة بن الفغواء الخزاعي قال ابن حبان وابن الكلبي له صحبة ثم ساق هذا الحديث من روايته ثم قال وهو عند أبي داوود وغيره من طريق ابن إسحاق، لكن قال عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء عن أبيه ولعلقمة حديث آخر.
وقال في ترجمة عمرو بن الفغواء هو أخو علقمة: قال ابن السكن له صحبة. وأخرج له أبو داوود حديثاً تقدم في ترجمة أخيه علقمة انتهى.
"يقسمه في قريش بمكة" ولفظ عمر بن شبة والبغوي كما في الإصابة بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال إلى أبي سفيان بن حرب في فقراء قريش وهم مشركون يتألفهم "إلتمس صاحباً" أي رفيقاً لأجل السفر "إذا هبطت" أي نزلت "بلاد قومه" الضمير لعمرو بن أمية.

(13/142)


فَجَاءَني عَمْرُو بنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ فقَال: بَلَغَنِي أنّكَ تُرِيدُ الْخُرُوجَ وَتَلْتَمِسُ صَاحِباً. قال قُلْتُ: أجَلْ. قال: فَأَنا لَكَ صاحِبْ وقال فَجِئْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: قَدْ وَجَدْتُ صَاحِباً. قالَ فقَالَ: "مَنْ" ؟ قُلْتُ: عَمْرَو بنَ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ. قال: "إِذَا هَبَطْتَ بِلاَدَ قَوْمِهِ فاحْذَرْهُ فإِنّهُ قدْ قالَ الْقَائِلُ: أخُوكَ الْبَكْرِيّ فَلا تَأْمَنْهُ". فَخَرَجْنَا حَتّى إِذَا كُنْتُ بالأبْوَاءِ قال: إِنّي أُرِيدُ حَاجَةٍ إلَى قَوْمِي بِوَدّانَ فَتَلْبَثُ لِي؟ قُلْتُ رَاشِداً. فَلمّا وَلّى ذَكَرْتُ قَوْلَ النبي صلى الله عليه وسلم فَشَدَدْتُ عَلَى بَعِيرِي حَتّى خَرَجْتُ أُوضِعَهُ حَتّى إذَا كُنْتُ
__________
ولفظ ابن شبة: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لي "دونه يا علقمة إذا بلغت بلاد بني ضمرة فكن من أخيك من حذر، فإني قد سمعت قول القائل أخوك البكري لا تأمنه "فاحذره" أي خَفْه يشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاف من عمرو بن أمية ولم يأمن منه من أن يخبر قومه بالمال الذي مع عمرو ابن الفغواء ويشيرهم بأخذ المال فيقطعون الطريق ويجادلون عمرو بن الفغواء ويغلبونه ويأخذون المال عنه بالقهر والظلم، ولعل هذا الخوف من عمرو بن أمية وعدم الطمأنينة كان في أول الإسلام ثم صار بعد ذلك من خيار الصحابة وأجلائهم والله أعلم "فإنه" أي الشأن "أخوك البكري" بكسر الباء أول ولد الأبوين أي أخوك شقيقك احذره "فلا تأمنه" فضلاً عن الأجنبي، فأخوك مبتدأ والبكري نعته والخبر محذوف تقديره يخاف منه، والقصد التحذير من الناس حتى الأقرب كذا في السراج المنير.
قال الخطابي: هذا مثل مشهور للعرب وفيه إثبات الحذر واستعمال سوء الظن وأن ذلك إذا كان على وجه طلب السلامة من شر الناس لم يأثم به صاحبه انتهى.
والحاصل أنه لا ينبغي أن يعتمد حق الاعتماد في السفر على كل أحد من الناس لأن النية قد تتبدل بأدنى أحوال وتتغير بأقل شيء فلا يعتبر بها، بل لا بد لكل عابري سبيل أن يراعى حاله ويحفظ متاعه ولا يتكل على غيره.
"فخرجنا حتى إذا كنت بالأبواء" بفتح الهمزة وسكون الباء والمد جبل بين مكة والمدينة وعنده بلد ينسب إليه كذا في النهاية. وفي مراصد الاطلاع: الأبواء قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، وقيل جبل عن يمين المصعد إلى مكة من المدينة انتهى "قال" أي عمرو بن أمية "إني أريد حاجة إلى قومي" والظاهر أن عمراً ليس له حاجة إلى قومه إلا إخباره لقومه بالمال "بودّان" بفتح الواو وتشديد الدال قرية جامعة قريباً من الجحفة "فتلبث" أي تمكث وتقف "قلت راشداً" أي سر راشداً. قال في المصباح الرشد الصلاح وهو خلاف الغي والضلال وهو إصابة الصواب انتهى "فلما ولى" أي أدبر عمرو بن أمية وذهب إلى قومه "ذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم " أي إذا هبطت بلاد قومه فاحذره

(13/143)


بالأصَافِرِ[بلأظافر- بلأضافر] إِذَا هُوَ يُعَارِضُنِي في رَهْطٍ. قال: وَأوْضَعْتُ[أوضعته] فَسَبَقْتُهُ، فَلمّا رَأى[رآني] أنْ قَدْ فُتّهُ انْصَرَفُوا وَجَاءَنِي فقَالَ: كانَتْ لِي إلَى قَوْمِي حَاجةٌ. قال قُلْتُ: أجَلْ. وَمَضَيْنَا حَتّى قَدِمْنَا مَكّةَ فَدَفَعْتُ الْمَالَ إلَى أبِي سُفْيَانَ".
__________
"فشددت على بعيري" أي أسرعت السير راكباً على بعيري. قال في لسان العرب شَدّ في العدو شداّ، واشتد أسرع وعداً "حتى خرجت" أي من الأبواء "أوضعه" بصيغة المضارع المتكلم من الإيضاع أي أسرع البعير وأحمله على العَدْو. قال في لسان العرب: وضع البعير إذا عدا وأوضعته إذا حملته عليه.
وقال الخطابي: الإيضاع الإسراع في السير، والجملة حال من ضمير خرجت أي حتى خرجت من الأبواء مسرعاً بعيري وحاملاً إياه على العدو "حتى إذا كنت بالأصافر" قال في مراصد الاطلاع: الأصافر جمع أصفر ثنايا سلكها النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى بدر، وقيل الأصافر جبال مجموعة تسمى بهذا انتهى "إذاً" للمفاجأة "هو" أي عمرو بن أمية "يعارضني" قال في لسان العرب: عارض الشيء بالشءء معارضة قابله، وفلان يعارضني أي يباريني. وقال في منتهى الأرب: باراه مباراة برابري ونبرد نمود باوي دركاري.
والمعنى حتى إذا وصلت بالأصافر فإذا عمرو بن أمية موجود حال كونه يقابلني ويباريني ليقطع الطريق ويأخذ المال الذي معي "في رهط" حال من فاعل يعارض أي كائناً في رهط.
والرهط عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة، وبعض يقول من سبعة إلى عشرة وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، وقيل الرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة كذا في اللسان "وأوضعت" أي البعير وحملته على العدو، وهذا الإيضاع من عمرو بن الفغواء كان لأجل أن يسبق عمرو بن أمية ورهطه ولا يلحقوه وكان شده على بعيره من الأبواء لكي يخرج منه ولا يلاقيه عمرو ابن أمية بعد رجوعه من قومه "فسبقته" الضمير المنصوب لعمرو بن أمية أي سبقت عمرو بن أمية ورهطه ولم يجدوني "فلما رأى" أي عمرو بن أمية "أي قد فته" بصيغة المتكلم من فات يفوت "انصرفوا" أي رهطُ عمرو بن أمية.
والمعنى لما رأى عمرو بن أمية ورهطه أني تجاوزت عنهم ويئسوا مما أرادوا رجع رهط عمرو "و" لكن عمرو "جاءني" أي لم يرجع بل سار حتى جاءني "فقال كانت لي إلى قومي حاجة" إنما قال عمرو بن أمية هذا لئلا يطلع عمرو بن الفغواء على ما أراد من قطع الطريق وأخذ المال ولكن قد كان هو مطلعاً على هذا من قبل لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا هبطت بلاد قومه فاحذره" "قلت أجل" أي نعم كان لك إلى قومك حاجة، وإنما قال هذا على حسب الظاهر وإلا فقد كان واقفاً على ما ذهب عمرو بن أمية إلى قومه لأجله "ومضينا" أي سرنا.

(13/144)


4852- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا لَيْثٌ عن عُقَيْلٍ عن الزهْرِيّ عن سَعِيدٍ بنِ المُسَيّبِ عن أبِي هُريْرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّهُ قال: "لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرّتَيْنِ".
__________
قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه.
"لا يلدغ" بصيغة المجهول. واللدغ بالفارسية كزيدن ماروكردم "من جحر" بضم جيم وسكون حاء أي ثقب وخرق "مرتين" أي مرة بعد أخرى.
قال الخطابي في المعالم: هذا يروي على وجهين من الإعراب أحدهما بضم اللين على الخبر معناه أن المؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذي لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى وهو لا يفطن لذلك ولا يشعر به وقد قيل إنه عليه السلام أراد به الخداع في أمر الآخرة دون أمر الدنيا. والوجه الآخر أن تكون الرواية بكسر الغين على النهي يقول عليه السلام لا يخدعن المؤمن ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه أو شر وهو لا يشعر وليكن حذراً مستيقظاً، وهذا قد يصلح أن يكون في أمر الدنيا و الآخرة انتهى.
والحديث ورد حين أسر النبي صلى الله عليه وسلم أبا غرة الشاعر يوم بدر فمن عليه وعاهده أن لا يحرض عليه ولا يهجوه وأطلقه فلحق بقومه ثم رجع إلى التحريض والهجاء ثم أسره يوم أحد فسأله المن فقاله.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.

(13/145)


35- باب في هدى الرجل
4853- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ أنبأنا خَالِدٌ عن حُمَيدٍ عن أنَسٍ قال: "كَانَ
__________
باب في هدي الرجل
بفتح الراء المهملة وسكون الجيم جمع راجل وهو خلاف الفارس. والهدى السيرة أي هذا باب في سيرة الماشين على القدمين. ويحتمل أن يكون الرّجل بفتح الراء وضم الجيم ولكن ليس المراد منه ههنا معناه المعروف، أعني الذكر من نوع الإنسان خلاف المرأة، بل المراد منه هو الراجل خلاف الفارس، لأن الرجل قد يطلق على الراجل.
قال في لسان العرب: قد يأتي رجل بمعنى راجل، قال الزبرقان بن بدر:
آليت لله حجاً حافياً رَجلاً ... إن جاوز النخل يمشي وهو مندفع
وقال في المصباح المنير: ويطلق الرجل على الراجل وهو خلاف الفارس وجمع الراجل مثل رجل صاحب وصحب انتهى.

(13/145)


النبي صلى الله عليه وسلم إِذَا مَشَى كَأَنّهُ يَتَوَكّأُ".
4854- حدثنا حُسَيْنُ بنُ مُعَاذِ بنِ خُلَيْفٍ أخبرنا عَبْدُ الأعْلَى أخبرنا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيّ عن أَبي الطّفَيْلِ قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: كَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قال: كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحاً، إِذَا مَشَى كَأَنّمَا يَهْوِي في صَبُوُبٍ".
__________
"كأنه يتوكأ" قال الأزهري: الاتكاء في كلام العرب يكون بمعنى السعي الشديد، كذا في السراج المنير.
وقال في فتح الودود: أي يميل إلى قدام. والحديث سكت عنه المنذري.
"كأنما يهوي في صبوب" أي ينزل في موضع منخفض.
قال الخطابي في ملخصه: إن الصبوب بفتح الصاد اسم لما يصب على الإنسان من ماء ونحوه، ومن رواه الصبوب بضم الصاد على أنه جمع الصبب وما انحدر من الأرض فقد خالف القياس لأن باب فعل لا يجمع على فعول بل على أفعال كسبب وأسباب، وقد جاء في أكثر الروايات كأنما يمشي في صبب وهو المحفوظ انتهى. وفي النهاية: وفي صفته صلى الله عليه وسلم إذا مسى كأنما ينحط في صبب أي في موضع منحدر. وفي رواية كأنما يهوى من صبوب يروي بالفتح والضم، فالفتح اسم لما يُصَب على الإنسان من ماء وغيره كالطَهور والغَسول، والضم جمع صبب انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي بنحوه.

(13/146)


36- باب في الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى
4855- حدثنا قُتَيْتَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا الّليْثُ ح. وأخبرنا مُوسَى ابنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن أَبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَضَعَ، وقالَ قُتَيْبَةُ: يَرْفَعَ الرّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأخْرَى.زَادَ قُتَيْبَةُ: وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ".
__________
باب في الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى
"أخبرنا حماد" هو ابن سلمة فحماد والليث كلاهما يرويان عن أبي الزبير "وقال قتيبة يرفع" أي مكان يضع "وهو مستلق على ظهره" الواو للحال أي حال كونه مضطجعاً على ظهره.
__________
قال الشيخ سمش الدين ابن القيم رحمه الله:
وأما الحديث الذي رواه الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصفاني عن إبراهيم ابن المنذر الخرامي عن محمد بن فليح عن أبيه عن سعيد بن الحارث عن عبيد بن حنين قال بينما أنا

(13/146)


4856- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مَالِكٌ ح. وأخبرنا الْقَعْنَبيّ عن مَالَكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عَبّادِ بنِ تَمِيمٍ عن عَمّهِ: أَنّهُ رَأَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَلْقِياً، قال الْقَعْنَبيّ: في المَسْجِدِ، وَاضِعاً إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأخْرَى.
__________
قال الخطابي: إنما نهى عن ذلك من أجل انكشاف العورة إذ كان لباسهم الأزر دون السراويلات، والغالب أن أزرهم غير سابغة، والمستلقي إذا رفع إحدى رجليه على الأخرى مع ضيق الإزار لم يسلم أن ينكشف شيء من فخذه والفخذ هو عورة. فأما إذا كان الإزار سابغاً أو كان لابسه عن التكشف متوقياً فلا بأس به، وهو وجه الجمع بين الخبرين أي بين هذا الخبر والخبر الآتي.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي مختصراً ومطولاً.
"عن عمه" وهو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني "قال القعنبي في المسجد" وأما النفيلي فلم يقل في روايته لفظ في المسجد "واضعاً" حال متداخلة أو مترادفة، وقد تقدم وجه الجمع بين هذا الحديث والحديث السابق، وقد قيل إن وضع إحدى الرجلين على الأخرى يكون على نوعين، أن تكون رجلاه ممدودتين إحداهما فوق الأخرى ولا بأس بهذا فإنه لا ينكشف من العورة بهذه الهيئة، وأن يكون ناصباً ساق إحدى الرجلين ويضع الرجل الأخرى على الركبة المنصوبة، وعلى هذا فإن لم يكن انكشاف العورة جاز وإلا فلا.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
__________
جالس في المسجد إذ جاءه قتادة بن النعمان فجلس فتحدث فثاب إليه أناس ثم قال انطلق بنا إلى أبي سعيد الخدري فإني قد أخبرت أنه قد اشتكى فانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد الخدري فوجدناه مستلقيا واضعا رجله اليمنى على اليسرى فسلمنا وجلسنا فرفع قتادة يده إلى رجل أبي سعيد الخدري فقرصها قرصة شديدة فقال أبو سعيد سبحان الله يا ابن أم أو جعتني قال ذلك أردت فذكر حديث الاستلقاء وقال فيه لا ينبغي لأحد من خلقي أن يفعل مثل هذا.
فهذا الحديث له علتان.
إحداهما: انفراد فليح بن سليمان به وقد قال عباس الدوري سمعت يحيى بن معين يقول فليح بن سليمان لا يحتج بحديثه وقال في رواية عثمان الدارمي فليح بن سليمان ضعيف وقال النسائي ليس بالقوي.
والعلة الثانية: أنه حديث منقطع فإن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر وصلى عليه عمر وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة وله خمس وسبعون سنة في قول الواقدي وابن بكير فتكون روايته عن قتادة بن النعمان منقطعة والله أعلم.

(13/147)


4857- حدثنا الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ: أَنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ وَعُثْمانَ بنَ عَفّانَ كَانَا يَفْعَلاَنِ ذَلِكَ.
__________
"يفعلان ذلك" المذكور من وضع إحدى الرجلين على الأخرى حال الاستلقاء.
قال المنذري: وذكره البخاري في عقب حديث عباد بن تميم فقال وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال كان عمر وعثمان يفعلان ذلك. هذا آخر كلامه وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر وأدرك عثمان ولايحفظ له عنه رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(13/148)


37- باب في نقل الحديث
4858- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا ابنُ أَبي ذِئْبٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَطَاءِ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ جَابِرٍ بنِ عَتِيْكٍ عن جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا حَدّثَ الرَجُلُ بالْحدِيثِ ثُمّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمانَةٌ".
4859- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحٍ قال قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الله بنِ نَافِعٍ قالَ أخبرني ابنُ أَبي ذِئْبٍ عن ابنِ أَخِي جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُمَا قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المَجَالِسُ بِالأمَانَةِ إِلاّ ثَلاَثَةَ مَجَالِسَ: سَفْكْ دَمِ
__________
باب في نقل الحديث
"إذا حدث الرجل" أي عند أحد "بالحديث" أي الذي يريد إخفاءه "ثم التفت" أي يميناً وشمالاً احتياطاً "فهي" أي ذلك الحديث، وأنت باعتبار خبره، وقيل لأن الحديث بمعنى الحكاية "أمانة" أي عند من حدثه أي حكمه حكم الأمانة فلا يجوز إضاعتها بإشاعتها. قال ابن رسلان: لأن التفاته إعلام لمن يحدثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد وأنه قد خصه سره، فكان الالتفات قائماً مقام اكتم هذا عني أي خذه عني واكتمه وهو عندك أمانة انتهى.
وقال: العلقمي أي إذا حدث أحد عندك بحديث ثم غاب صار حديثه أمانة عندك ولا يجوز إضاعتها، ففسر التفت بغاب والظاهر هو الأول.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن إنما نعرفه من حديث ابن أبي ذئب. هذا آخر كلامه. وفي إسناده عبد الرحمن بن عطاء المدني قال البخاري عنده منا كير، وقال أبو حاتم الرازي شيخ قيل له أدخله البخاري في كتب الضعفاء قال يحول من ههنا. وقال الموصلي عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر لا يصح.
"المجالس بالأمانة" قال ابن رسلان الباء تتعلق بمحذوف والتقدير تحسن المجالس أو

(13/148)


حَرَامِ أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ أَو اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقَ".
4860- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ و إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ قالا أخبرنا[أنبأنا] أَبُو أُسَامَةَ عن عُمَرَ، قالَ إبْرَاهِيمُ: "هُوَ عُمَرُ بنُ حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ الله الْعُمَرِيّ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ سَعْدَ قالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ يَقُولُ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ مِنْ أَعْظَمِ الأمَانَةِ عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرّجُلِ يِفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمّ يَنْشُرُ سِرّهَا".
__________
حسن المجالس وشرفها بأمانة حاضرها لما يحصل في المجالس ويقع في الأقوال والأفعال، فكأن المعنى ليكن صاحب المجلس أميناً لما يسمعه أو يراه انتهى ملخصاً "إلا ثلاثة مجالس" قال المناوي: هو استثناء منقطع.
وقال في المرقاة: أي إحدى الثلاثة من المجالس والمعنى ينبغي للمؤمن إذا رأى أهل مجلس على منكر أن لا يشيع ما رأى منهم إلا ثلاثة مجالس انتهى "سفك دم" يجوز فيه النصب على البدل والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أحدها سفك دم أي مجلس إراقة دم "حرام" بالجر صفة دم أي دم حرام سفكه أو دم محترم في الشرع "أو فرج حرام" عطف على سفك دم أي وطئه على وجه الزنا "بغير حق" متعلق بالاقتطاع فمن قال في مجلس أريد قتل فلان أو الزنا بفلانة أو أخذ مال فلان فلا يجوز للمستمع كتمه بل عليه إفشاؤه دفعاً للمفسد.
قال المنذري: ابن أخي جابر مجهول وفي إسناده عبد الله بن نافع الصائغ مولى بني مخزوم مدني كنيته أبو محمد وفيه مقال انتهى. وقال المناوي: إسناده حسن.
"إن من أعظم الأمانة" أي من أعظم خيانة الأمانة "الرجل" بالنصب اسم إن على حذف مضاف أي خيانة الرجل "يفضي إلى امرأته" أي يصل إليها ويباشرها "ثم ينشر" بفتح الياء وضم الشين أي يظهر "سرها" أي ماجرى بينه وبينها من أمور الاستمتاع. والمعنى أن نشر الرجل وإفشاءه ما جرى بينه وبين امرأته حال الاستماع بها من أعظم خيانة الأمانة.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وفي لفظ لمسلم "إن من شر الناس عند الله منزله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها".

(13/149)


38- باب في القتات
4861- حدثنا مُسْدّدٌ وَ أَبُو بَكْرٍ بنِ أَبِي شَيْبَةَ قالا أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن
__________
باب في القتات
بفتح القاف وتشديد التاء النمام، والنميمة نقل الكلام على وجه الفساد

(13/149)


الأعمَشِ عن إبْرَاهِيمَ عن هَمّامٍ عن حُذَيْفَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَدْخُلِ الْجَنّةَ قَتّاتٌ".
__________
"لا يدخل الجنة" أي في أول وهلة كما في نظائره "قتات" ووقع في رواية لمسلم بلفظ "نمام" وهما بمعنى. وقيل الفرق بين القتات والنمام أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يتسمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

(13/150)


39- باب في ذي الوجهين
4862- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن أَبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مِنْ شَرّ النّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ".
4863- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا شَرِيكٌ عن الرّكَيْنَ ابنِ الرّبِيعِ عن نُعَيْمِ بنِ حَنْظَلَة عن عَمّارٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ في الدّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ".
__________
باب في ذي الوجهين
"الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" أي آخر وهو تفسير لذي الوجهين.
قال النووي: هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة. قال فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الناس فهو محمود انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة
"عن الركين" بالتصغير "من كان له وجهان الخ" قال العلقمي: معناه أنه لما كان يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه على وجه الإفساد جعل له لسانان من نار كما كان له في الدنيا لسانان عند كل طائفة انتهى.
قال المنذري: في إسناده شريك القاضي وفيه مقال.

(13/150)


40- باب في الغيبة
4864- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبيّ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابنَ مُحَمّدٍ - عن الْعَلاَءِ عن أَبِيهِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ الله مَا الْغَيْبَةُ؟ قال: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ"، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كانَ في أَخِي مَا أَقُولُ؟ قال: "فإِنْ[إن] كانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتّهُ".
4865 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفَيان حدّثني عَلِيّ بنُ الأَقْمَرِ عن أَبِي حُذَيْفَةَ عن عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِلنّبِيّ صلى الله عليه وسلم: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيّةَ كَذَا وَكَذَا، قال غَيْرُ مُسَدّدٍ: تَعْني قَصِيرَةً، فقَالَ: "لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بِهَا الْبَحْرُ[لو مزجت بماء البحر] لَمَزَجَتْهُ"، قال[قالت] وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَاناً، فقالَ: " مَا أُحِبّ أَنّي حَكَيْتُ إِنْسَاناً وَإِنّ لِي كَذَا وكَذَا".
__________
باب في الغيبة
"قيل" أي قال بعض الصحابة "ما الغيبة" بكسر الغين "ذكرك" أي أيها المخاطب خطاباً عاماً "أخاك" أي المسلم "بما يكره" أي بما لو سمعه لكرهه "أفرأيت" أي فأخبرني "إن كان في أخي" أي موجوداً "ما أقول" أي من المنقصة. والمعنى أيكون حينئذ ذكره بها أيضاً غيبة كما هو المتبادر من عموم ذكره بما يكره "فإن كان فيه ما تقول فقد اغتبته" أي لا معنى للغيبة إلا هذا وهو أن تكون المنقصة فيه "فقد بهته" بفتح الهاء المخففة وتشديد التاء على الخطاب أي قلت عليه النهتان وهو كذب عظيم يبهت فيه من يقال في حقه.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"حسبك من صفية" أي من عيوبها البدنية "كذا وكذا" كناية عن ذكر بعضها "تعني" أي تريد عائشة بقولها كذا وكذا "قصيرة" أي كونها قصيرة "فقال" أي صلى الله عليه وسلم "لو مزج" بصيغة المجهول أي لو خلط "بها" أي على فرض تجسيدها وتقدير كونها مائعاً "البحر" أي ماؤه "لمزجته" أي غلبته وغيرته وأفسدته "قالت" أي عائشة "وحكيت له" للنبي صلى الله عليه وسلم "إنساناً" أي فعلت مثل فعله تحقيراً له، يقال حكاه وحاكاه، وأكثر ما يستعمل في القبيح المحاكاة "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "ما أحب أني حكيت إنساناً" أي ما يسرني أن أتحدث بعيبه، أو ما يسرني أن أحاكيه بأن أفعل مثل قوله على وجه التنقيص "وإن لي كذا وكذا" أي ولو أعطت كذا وكذا من الدنيا أي شيئاً كثيراً على ذلك.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح. هذا آخر كلامه.

(13/151)


4866- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَوْفٍ أخبرنا أَبُو الْيَمَانِ أخبرنا شُعَيْبٌ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ أبي حُسَيْنِ أخبرنا نَوْفَلُ بنُ مُسَاحِقِ عن سَعيدِ بنِ زَيْدٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنّ مِنْ أَرْبَى الرّبَا الاسْتِطَالَةَ في عِرْضٍ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقَ".
4867- حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ أخبرنا عَمْرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ قالَ أخبرنا زُهَيْرٌ عن الْعَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ مِنْ أكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةَ المَرْء في عَرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقَ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ السّبّتَانِ بالسّبّةِ".
4868- حدثنا ابنُ المُصَفّى أخبرنا بَقِيّةُ وَ أبُو المُغِيرَةِ قالا حدثنا صَفْوَانُ قالَ حدّثني رَاشِدُ بنُ سَعْدٍ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ جُبَيْرٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "لَمّا عُرِجَ بِي[عرج بي ربي] مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ
__________
وأبو حذيفة هو سلمة بن صهيبة بضم الصاد المهملة وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء بواحدة وتاء تأنيث انتهى كلام المنذري.
"إن من أربى الربا" أي أكثره وبالا وأشده تحريماً "الاستطالة" أي إطالة اللسان "في عرض المسلم" أي احتقاره والترفع عليه، والوقيعة فيه بنحو قذف أو سب، وإنما يكون هذا أشدها تحريماً لأن العرض أعز على النفس من المال "بغير حق" فيه تنبيه على أن العرض ربما تجوز استباحته في بعض الأحوال، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم "لي الواجد يحل عرضه" فيجوز لصاحب الحق أن يقول فيه إنه ظالم وانه متعد ونحو ذلك، ومثله ذكر مساوي الخاطب والمبتدعة والفسقة على قصد التحذير.
قال الطيبي: أدخل المرض في جنس المال على سبيل المبالغة وجعل الربا نوعين متعارف، وهو ما يؤخذ من الزيادة على ماله من المديون، وغير متعارف وهو استطالة الرجل اللسان في عرض صاحبه ثم فضل أحد النوعين على الآخر. انتهى والحديث سكت عنه المنذري.
"إن من أكبر الكبائر الخ" هذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤى ولذا لم يذكره المنذري.
وقال المزي في الأطراف: هذا الحديث في رواية ابن العبد وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم انتهى "السبتان بالسبة" أي سبتان عوض سبة واحدة. مثلاً قال رجل لاَخر يا خبيث فأجابه يا خبيث يا ملعون.
"لما عرج بي" بصيغة المجهول أي أسرى بي "يخمشون" بكسر الميم أي يخدشون

(13/152)


يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ"؟ قال: هَؤُلاَءِ الّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ وَيَقَعُونَ في أَعْراضِهِمْ".
قال أبُو دَاوُدَ: وَحَدّثَنَاهُ[حدّثنا] يَحْيَى بنُ عُثْمانَ عن بَقِيّةَ، لَيْسَ فِيهِ أَنَسٌ.
4869- حدثنا عِيسَى السّيْلَحِينِيّ[السيليحيّ] عن أَبي المُغِيرَةِ كَمَا قَالَ ابنُ المُصَفّى.
4870- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا أَسْوَدُ[الأسود] بنُ عَامِرٍ أخبرنا أَبُو بَكْرِ بنِ عَيّاشٍ عن الأعمَشِ عن سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ جُرَيْجِ عن أَبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيّ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا مَعْشَرُ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإيمَانُ قَلْبَهُ لا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ وَلا تَتّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فإِنّهُ مَنْ اتّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتّبِعِ الله عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتّبعِ الله عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ في بَيْتِهِ".
__________
ففي المصباح خمشت المرأة كضرب وجهها بظفر جرحت ظاهر البشرة "يأكلون لحوم الناس" أي يغتابون المسلمين.
قال الطيبي: لما كان خمش الوجه والصد من صفات النساء النائحات جعلهما جزاء من يغتاب ويفري في أعراض المسلمين إشعاراً بأنهما ليستا من صفات الرجال بل هما من صفات النساء في أقبح حالة وأشوه صورة والحديث سكت عنه المنذري "وحدثناه يحيى بن عثمان عن بقية ليس فيه أنس" فهذه الرواية مرسلة.
"السلحي" بفتح السين المهملة وكسر اللام ومهملة كذا في التقريب وفي تاج العروس سليح كجريح قبيلة باليمن هو سليح بن حلوان انتهى.
وفي بعض نسخ الكتاب السيلحين. قال في المراصد السيلحين قرية قرب بغداد بينهما مقدار ثلاثة فراسخ انتهى "كما قال ابن المصفي" أي بذكر أنس، وجعله متصلاً.
"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه" فيه تنبيه على أن غيبه المسلم من شعار المنافق لا المؤمن "ولا يتبعوا عوراتهم" أي لا تجسسوا عيوبهم ومساويهم "فإنه" أي الشأن "يتبع الله عورته" ذكره على سبيل المشاكلة أي يكشف عيوبه وهذا في الآخرة. وقيل معناه يجازيه بسوء صنيعه "يفضحه" من فضح كمنع أي يكشف مساويه "في بيته" أي ولو كان في بيته مخفياً من الناس.
قال المنذري: سعيد بن عبد الله بن جريج مولى أبي برزة بصري. قال أبو حاتم

(13/153)


4871- حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ المِصْرِيّ الْحِمْصِيّ أخبرنا بَقِيّةُ عن ابنِ ثَوْبَانَ عن أَبِيهِ عن مَكْحُولٍ عن وَقّاصِ بنِ رَبِيعَةَ عن المُسْتَوْرِدِ أَنّهُ حَدّثَهُ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَكَل بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً فإِنّ الله يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا منْ جَهَنّمَ، وَمنْ كُسِيَ ثَوْباً بِرَجُلِ مُسْلِمٍ فإِنّ الله يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنّمَ، وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ فإِنّ الله يَقُومُ بِهِ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
4872- حدثنا وَاصِلُ بنُ عَبْدِ الأعْلَى أخبرنا أَسْبَاطُ بنُ مُحَمّدٍ عن هِشَامِ بنِ سَعْدٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن أَبي صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كُلّ
__________
الرازي: هو مجهول قال ابن معين: ما سمعت أحداً روى عنه إلا الأعمش من رواية أبي بكر بن عياش.
"من أكل برجل مسلم" أي بسبب اغتيابه والوقيعة فيه أو بتعرضه له بالأذية عند من يعاديه "أكلة" بالضم أي لقمة أو بالفتح أي مرة من الأكل "من جهنم" أي من نارها أو من عذابها "ومن كسى" بصيغة المجهول "ثوباً برجل مسلم" أي بسبب إهانته.
قال في النهاية: معناه الرجل يكون صديقاً ثم يذهب إلى عدوه فيتكلم فيه بغير الجميل ليجيزه عليه بجائزة فلا يبارك الله له فيها انتهى "ومن قال برجل الخ" قال في اللمعات: ذكروا له معنيين أحدهما أن الباء للتعدية أي أقام رجلا مقام سمعة ورياء ووصفه بالصلاح والتقوى والكرامات وشهره بها، وجعله وسيلة إلى تحصيل أغراض نفسه وحطام الدنيا فإن الله يقوم به أي بعذابه وتشهيره أنه كان كذاباً، وثانيهما أن الباء للسببية، وقيل هو أقوى وأنسب أي من قام بسبب رجل من العظماء من أهل المال والجاه مقاماً يتظاهر فيه بالصلاح والتقوى ليعتقد فيه ويصير إليه المال والجاه أقامه الله مقام المرائين ويفضحه ويعذب عذاب المرائين انتهى.
وفي المرقاة: الباء في برجل يحتمل أن تكون للتعدية وللسببية، فإن كانت للتعدية يكون معناه من أقام رجلاً مقام سمعة ورياء يعني من أظهر رجلاً بالصلاح والتقوى ليعتقد الناس فيه اعتقاداً حسناً ويعزونه ويخدمونه لينال بسببه المال والجاه، فإن الله يقوم له مقام سمعة ورياء بأن يأمر ملائكته بأن يفعلوا معه مثل فعله ويظهروا أنه كذاب.
وإن كانت للسببية فمعناه أن من قام وأظهر من نفسه الصلاح والتقوى لأجل أن يعتقد فيه رجل عظيم القدر كثير المال ليحصل له مال وجاه انتهى.
قال المنذري: في إسناده بقية بن الوليد وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وهما ضعيفان.

(13/154)


المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، مَالُهُ وَعِرْضُهُ وَدَمُهُ، حَسْبُ امْرِىءٍ مِنَ الشّرّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ".
__________
"حسب امرىء من الشر الخ" أي حسبه وكافيه من خلال الشر ورذائل الأخلاق احتقار أخيه المسلم واستصغاره. وقوله أن يحقر بفتح الياء وكسر القاف قال في تاج المصادر: الحقر خوارداشتن من حد ضرب والحقارة حقير شدن من حد كرم.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب هذا آخر كلامه، وقد أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد مولى عامر بن كريز عن أبي هريرة.

(13/155)


41- باب الرجل يذب عن عرض أخيه
[باب من رد عن مسلم غيبة]
4873- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدِ بنِ أَسْمَاءَ بنِ عُبَيْدٍ أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عن يَحْيَى بنِ أَيُوبَ عن عَبْدِ الله بنِ سُلَيْمانَ عن إسْمَاعِيلَ بنِ يَحْيَى المعَافرِيّ عن سَهْلِ بنِ مُعَادٍ بنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيَ عن أَبِيهِ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَمَى مُؤْمِناً مِنْ مُنَافِقٍ" أُرَاهُ قال "بَعَثَ الله مَلكاً يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ جَهَنّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِماً بِشَيْءِ يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ حَبَسَهُ الله عَلَى جِسْرِ جَهَنّمَ حَتّى يَخْرُجَ مِمّا قالَ".
__________
باب الرجل يذب عن عرض أخيه
معنى يذب يدفع.
"من حمى" من الحماية أي حرس وحفظ "مؤمناً" أي عرضه "من منافق" أي مغتاب، وإنما سمي منافقاً لأنه لا يظهر عيب أخيه عنده ليتدارك بل يظهر عنده خلاف ذلك، أو لأنه يظهر النصيحة ويبطن الفضيحة "يحمي لحمه" أي لحم سامي المؤمن "ومن رمى مسلماً" أي قذفه "بشيء" أي من العيوب "يريد شينه" أي عيبه "به" أي بذلك الشيء، والجملة حال من الضمير للاحتراز عمن يريد به زجره أو احتراس غيره عنه ونحو ذلك من المجوزات الشرعية "حبسه الله" أو وقفه "حتى نخرج مما قال" أي من عهدته. والمعنى حتى ينقي من ذنبه ذلك بإرضاء خصمه أو بشفاعة أو بتعذيبه بقدر ذنبه.
قال المنذري: سهل بن معاذ يكنى أبا أنس مصري ضعيف. وأخرج هذا الحديث أبو سعيد بن يونس في تاريخ المصريين من رواية عبد الله بن المبارك عن يحيى بن أيوب وقال بن يونس ليس هذا الحديث فيما أعلم بمصر.

(13/155)


4874- حدثنا إِسْحَاقُ بنُ الصّبّاحِ أخبرنا ابنُ أبي مَرْيَمَ أنبأنا[أخبرنا] الّليْثُ حدّثني يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ أَنّهُ سَمِعَ إسْمَاعِيلَ بنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله وَ أَبَا طَلْحَةَ بنَ سَهْلٍ الأنْصَارِيّ يَقُولاَنِ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ امْرِىءٍ يَخْذُلُ امْراً مُسْلِماً في مَوَاضعٍ يُنْتَهَكُ[تنتهك] فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلاّ خَذَلَهُ الله في مَوْطِنٍ يُحِبّ فِيهِ نُصْرَتُهُ، وَمَا مِن امْرِىءٍ[امرىء مسلم] يَنْصُرُ مُسْلِماً في مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلاّ نَصَرَهُ الله في مَوْطِنٍ يُحِبّ نُصْرَتَهُ".
قال يَحْيَى: وَحَدّثَنِيهِ عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنُ عُمَرَ وَعُقْبَةُ بنُ شَدّادٍ.
قال أبُو دَاوُدَ: يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ هَذَا هُوَ ابنُ زَيْدٍ مَوْلَى النبي صلى الله عليه وسلم، وإسْمَاعِيلُ بنُ بَشِيرٍ مَوْلَى بَنِي مَغَالَةَ، وَقد قِيلَ عُتْبَةُ بنُ شَدّادٍ مَوْضِعَ عُقْبَةَ.
__________
"ما من امريء يخذل امرأ مسلماً" يخذل بضم الذال. قال في النهاية: الخذل ترك الإعانة والنصرة "في موضع ينتهك" بصيغة المجهول أي يتناول بما لا يحل "فيه" أي في ذلك الموضع "حرمته" أي احترامه وبعض إكرامه "وينتقص" بصيغة المجهول من الانتقاص وهو لازم ومتعد "فيه من عرضه" بكسر العين وهو محل الذم والمدح من الإنسان.
والمعنى ليس أحد يترك نصرة مسلم مع وجود القدرة عليه بالقول أو الفعل عند حضور غيبته أو إهانته أو ضربه أو قبله أو نحوها "يحب" أي ذلك الخاذل "فيه" أي في ذلك الموطن "نصرته" أي إعانته سبحانه. ويجوز أن تكون إضافته إلى المفعول وذلك شامل لمواطن الدنيا ومواقف الآخرة.
والحديث سكت عنه المنذري "قال يحيى" هو ابن سليم "وحدثنيه" أي الحديث السابق. فالحديث عند يحيى من ثلاثة شيوخ "قال أبو داوود يحيى ابن سليم هذا هو ابن زيد" أي يحيى بن سليم المذكور في الإسناد هو يحيى بن سليم بن زيد بن حارثة وسليم بن زيد بن حارثه وسليم أخو أسامة بن زيد "مولى النبي صلى الله عليه وسلم " صفة لزيد "وإسماعيل بن بشير" أي هذا هو "مولى بني مغالة" بفتح الميم والمعجمة وإسماعيل هذا مجهول قاله في التقريب "وقد قيل عتبة" أي بالمثناة الفوقية بعد العين المهملة مكان عقبة بالقاف.

(13/156)


42- باب من ليست له غيبة
4875- حدثنا عَلِيّ بنُ نَصْرٍ أخبرنا[أنبأنا] عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الْوَارِثِ مِنْ كِتَابِهِ قال حدّثني أَبِي قال أخبرنا الْجُرَيْرِيّ عن أَبي عَبْدِ الله الْجُشَمِيّ قال أخبرنا حُنْدُبٌ قال: جَاءَ أَعْرَابِيّ فأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمّ عَقَلَهَا ثُمّ دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلّى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلمّا سَلّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَتَى رَاحِلَتَهُ فأَطْلَقَهَا ثُمّ رَكِبَ ثُمّ نَادَى:
__________
باب من ليست له غيبة
"من كتابه" أي حدثنا عبد الصمد من كتابه "أخبرنا الجريري" بضم الجيم وفتح الراء وسكون التحتية "الجشمي" بضم الجيم وفتح المعجمة "أخبرنا جندب" وهو ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه "فأناج راحلته" أي أبركها "ثم عقلها" أي قيدها "فلما سلم" أي من الصلاة "أتى" أي الأعرابي "ثم نادى" أي رفع صوته "أتقولون" في النهاية أي أتظنون "هو
__________
قال الشيخ شمس الدين القيم رحمه الله:
وإدخال أبي داود هذا الحديث هنا يريد به أن ذكر الرجل بما فيه في موضع الحاجة ليس بغيبة مثل هذا ونظيره ما تقدم من حديث عائشة المتفق عليه ائذنوا له فبئس أخو العشيرة بوب عليه البخاري
باب غيبة أهل الفساد والريب وذكر في الباب عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا".
وفي الباب حديث فاطمة بنت قيس لما خطبها معاوية وأبو جهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أما معاوية فصعلوك وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه".
وقالت هند للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح.
وقال الأشعث بن قيس للنبي صلى الله عليه وسلم في خصمه إنه امرؤ فاجر.
وقال الحضرمي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصمه إنه رجل فاجر لا يبالي ما حلف عليه وليس يتورع من شيء رواه مسلم.
وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم غيبة مالك بن الدخشم وقال للقائل إنه منافق لا يحب الله ورسوله "لا تقل ذاك".
ورد معاذ بن جبل غيبة كعب بن مالك لما قال الرجل فيه عند النبي صلى الله عليه وسلم حبسه النظر في برديه النظر في عطفيه فقال معاذ بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديثان متفق عليهما.
وقد أخرج الترمذي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" وقال هذا حديث حسن.

(13/157)


الّلهُمّ ارْحَمْنِي وَمُحَمّداً وَلا تُشْرِكْ في رَحْمَتِنَا أَحَداً، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "أَتَقُولُونَ هُوَ أَضَلّ أَمْ بَعِيرُه، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى ما قالَ" قالُوا: بَلَى.
__________
أضل" أي أجهل نسب إليه الضلالة. والمراد به الجهل لأنه ضيق رحمة الله الواسعة "ألم تسمعوا إلى ما قال" فيه تنبيه على أنه يستحق أن يقال في حق ذلك الأعرابي ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.
قال المنذري: أبو عبد الله هو عباد الجشمي ذكره النسائي في كتاب الكبائر وقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه نحواً منه عن حديث أبي هريرة وليس فيه الفصل الأخير، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك، وقد تقدم في الطهارة.

(13/158)


43- باب ما جاء في الرجل يحل[يحلل] الرجل قد اغتابه
4876- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا ابنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ عن قَتَادَةَ قال: "أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمُ أَنْ يَكُونَ مِثلَ أَبي ضَيْغَمٍ أَوْ ضَمضَمٍ - شَكّ ابنُ عُبَيْدٍ - كَانَ إِذَا أَصْبَحَ" قال: الّلهُمّ إِنّي قدْ تَصَدّقْتُ بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِكَ.
4877- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَجْلاَنَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَيَعْجَزُ أَحَدُكُم أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبي ضَمْضَمٍ"، قالُوا:
__________
باب ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه
وفي نسخة يحلل من التحليل، أي يجعل الرجل المغتاب في حل من قبله. وهذا الباب مع أحاديثه لم يوجد إلا في نسختين من النسخ الحاضرة وليست من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكرها المنذري. وقال المزي في الأطراف في مسند أنس بن مالك في ترجمة محمد بن عبد الله العمي عن ثابت عن أنس حديث: أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم أخرجه أبو داوود في الأدب عن محمد بن عبيد بن حساب عن محمد بن ثور عن معمر عن قتادة قوله وعن موسى بن إسماعيل عن حماد عن ثابت عن عبد الرحمن بن عجلان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو داوود، ورواه هاشم بن القاسم عن محمد بن عبد الله العمي عن ثابت حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو داوود وحديث حماد أصح رواه شعيب بن بيان عن أبي العوام عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أبي داوود في رواية أبي الحسن بن العبد عن أبي داوود ولم يذكره أبو القاسم انتهى.
"اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك" أي فلو انتقص أحد منهم من عرضي فليس لي عليه من دعوى الانتصار.

(13/158)


وَمَنْ أَبُو ضَمْضَمٍ؟ قال: "رَجُلٌ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمُ" بِمَعْنَاهُ قال: عِرْضِي لِمَنْ شَتَمَنِي".
قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هَاشِمُ بنُ الْقَاسِمِ، قال عنْ مُحَمّدِ بنِ عَبْدِ الله الْعَمّي عن ثَابِبٍ قال أخبرنا أَنَسٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ حَمّادٍ أصَحّ.
__________
عرضي لمن شتمني أي متصدق لمن شتمني.

(13/159)


باب في التجسس (باب في النهي عن التجسس).
...
44- باب في التجسس [باب النهي عن التجسس]
4878- حدثنا عِيسَى بنُ مُحَمّدٍ الرّمْلِيّ وَ ابنُ عَوْفٍ - وَهَذَا لَفْظُهُ - قالا أخبرنا الْفِرْيَابِيّ عن سُفْيَانَ عن ثَوْرٍ عن رَاشِدِ بنِ سَعَدٍ عن مُعَاوِيَةَ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "إِنّكَ إِنِ اتّبَعْتَ عَوْرَاتِ النّاسِ أَفْسَدتَهُمْ أو كِدتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ"، فقَالَ أَبُو الدّرْدَاءِ: كَلِمَةُ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نَفَعَهُ الله بِهَا".
4879- حدثنا سَعِيدُ بنُ عَمْرِو الْحِمْصِيّ[الحضرمي] أخبرنا إسْمَاعِيل ابنُ عَيّاشٍ أخبرنا ضَمْضَمْ بنُ زُرْعَةَ عن شُرَيْحِ بنِ عُبَيْدٍ عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ و كَثِيرُ بنُ مُرّةَ وَ عَمْرُو بنُ الأسْوَدِ وَ المِقْدَامُ بنِ مَعْدِيكَرِبَ وَ أَبي أُمَامَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنّ الأمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرّيبَةَ في النّاسِ أَفْسَدَهُمْ".
__________
باب في التجسس
أي في النهي عنه كما في نسخة، وهو بالجيم معناه التفتيش عن بواطن الأمور في الشر غالباً. وقيل هو البحث عن العورات
"عن معاوية" أي ابن أبي سفيان "إن اتبعت الخ" قال في فتح الودود: أي إذا بحثت عن معائبهم وجاهرتهم بذلك، فإنه يؤدي إلى قلة حيائهم عنك فيجترئون على ارتكاب أمثالها مجاهرة انتهى "أو كدت الخ" شك من الراوي. والحديث سكت عنه المنذري.
"إن الأمير إذا ابتغى الريبة الخ" الريبة بالكسر أي طلب أن يعاملهم بالتهمة والظن السوء ويجاهرهم بذلك. قال في النهاية: أي إذا اتهمهم وجاهرهم بسوء الظن فيهم أداهم ذلك إلى ارتكاب ما ظن بهم ففسدوا انتهى.
قال المناوي: ومقصود الحديث حث الإمام على التغافل وعدم تتبع العورات. قال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال. وشريح بن عبيد حضرمي شامي كنيته أبو

(13/159)


4880- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ عن زَيْدِ بنِ وَهْبِ قال: أُتِيَ ابنُ مَسْعُودٍ فَقِيلَ هَذَا فُلاَنٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْراً، فقَال عَبْدُ الله: إِنّا قَدْ نُهِينَا عن التّجَسّسِ وَلكِنْ إِنْ يَظْهَرُ لَنَا شَيْءٌ[شيئا] نَأَخُذْ بِهِ".
__________
الصلت سمع معاوية بن أبي سفيان. وجبير بن نفير أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وقيل إنه أسلم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وهو معدود في التابعين. وكثير بن مرة ذكره عبدان في الصحابة وذكر له حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل، والذي نص عليه الأئمة أنه تابعي. وعمرو بن الأسود عنسي حمصي أدرك الجاهلية وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره، كنيته أبو عياض ويقال أبو عبد الرحمن والمقدام وأبو أمامة صحبتهما مشهورة.
"أتى ابن مسعود" بصيغة المجهول أي أتى برجل "إنا قد نهينا" بصيغة المجهول. والحديث سكت عنه المنذري.

(13/160)


45- باب في الستر على المسلم
4881- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن إبْرَاهِيمَ بنِ نَشِيطٍ عن كَعْبٍ بنِ عَلْقَمةَ عن أَبي الْهَيْثَمِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمنْ أَحْيَى مَوْءُودَةَ".
4882- حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى حدثنا ابنُ أَبي مَرْيَمَ أنبأنا الّليْثُ قال حدّثني إبْرَاهِيمُ بنُ نَشِيطٍ عن كَعْبِ بنِ عَلْقَمَةَ أَنّهُ سَمِعَ أَبَا الْهَيْثَمِ يَذْكُرُ أَنّهُ سَمِعَ دُخَيْناً كَاتِبَ
__________
باب في الستر على المسلم
"من رأى عورة" وهي ما يكره الإنسان ظهوره. فالمعنى من علم عيباً أو أمراً قبيحاً في مسلم، وقال العزيزي أي خصلة قبيحة من أخيه المؤمن ولو معصية قد انقضت ولم يتجاهر بفعلها "كان كمن أحيى" أي كان ثوابه كثواب من أحيى "موءودة" بأن رأى أحداً يريد وأدينت فمنع أو سعى في خلاصها ولو بحيلة. وقيل بأن رأى حياً مدفوناً في قبر فأخرج ذلك المدفون من القبر كيلا يموت.
قال المناوي: وجه الشبه أن الساتر دفع عن المستور الفضيحة بين الناس التي هي كالموت فكأنه أحياه كما دفع الموت عن الموؤدة من أخرجها من القبر قبل أن تموت انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"إبراهيم بن نشيط" بفتح النون وكسر المعجمة "دخينا" بالتصغير "كان لنا جيران" بكسر

(13/160)


عُقْبَةَ بنِ عَامِرِ قال: كانَ لَنَا جِيرَانٌ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَنَهَيْتُهُمْ فَلمْ يَنْتَهُوا، فقُلْتُ لِعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ: إنّ جِيرَانَنَا هَؤُلاءِ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَإِنّي نَهِيتُهُمْ فَلمْ يَنْتَهُوا وَأَنَا دَاعٍ لَهُم السّرَطَ، فقالَ دَعْهُمْ، ثُمّ رَجَعْتُ إِلى عُقْبَةَ مَرّةً أُخْرَى فقُلْتُ: إِنّ جِيرَانَنَا قَدْ أَبَوُا أَنْ يَنْتَهُوْا عن شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَنَا دَاعٍ لَهُم الشّرَطَ. قال: وَيْحَكَ، دَعْهُمْ فإِنّي سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ.
قال أبُو دَاوُدَ: قال هَاشِمُ بنُ الْقَاسِمِ عن لَيْثٍ في هَذَا الْحَدِيثِ قال: لا تَفْعَلْ وَلكِنْ عِظْهُمْ وَتَهَدّدْهُمْ.
__________
الجيم جمع جار "وأنا داع لهم الشرط" قال في المجمع: هي جمع شرطة وشرطي وهم أعوان السلطان لتتبع أحوال الناس وحفظهم ولإقامة الحدود. وقال في فتح الودود: الشرط على وزن صرد من نصبه الإمام لتنفيذ الأوامر وما يتعلق به من حبس وضرب وأخذ بمن يستحقه "قال ويحك" ويح كلمة يقال لمن ينكر عليه فعله مع ترفق وترحم في حال الشفقة "فذكر معنى حديث مسلم" يعني ابن إبراهيم الذي قبل هذا "ولكن عظهم" أمر من الوعظ "وتهددهم" كذا في النسخ، والظاهر أن يكون هددهم، قال في القاموس: هدده خوفه والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
قال ابن شاهين: غريب من حديث إبراهيم بن نشيط، وذكر أبو سعيد ابن يونس أنه حديث معلول. هذا آخر كلامه. وقد اختلف فيه على إبراهيم ابن نشيط اختلافاً كثيراً، فروى عنه عن كعب بن علقمة عن أبي الهيثم كثير ابن عقبة وروى عنه عن كعب بن علقمة عن أبي الهيثم عن دخين عن عقبة كما تقدم، وروى عنه عن كعب بن علقمة عن عقبة وهو منقطع كعب لم يسمع من عقبة، وريى عنه عن كعب بن علقمة عن أبي الهيثم كثير عن مولى لعقبة عن عقبة.

(13/161)


46- باب المؤاخاة
4883- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا الّليْثُ عن عُقَيْلٍ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمَ عن أَبِيهِ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ في
__________
باب في المواخاة
أي اتخاذ الرجل الرجل أخاً في الله
"عن سالم" هو ابن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم "ولا يسلمه" بضم أوله وكسر اللام

(13/161)


حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ[فإن] الله في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةَ فَرّجَ الله عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
__________
أي لا يخذله بل ينصره. قال في النهاية: يقال أسلم فلان فلاناً إذا ألقاه إلى التهلكة ولم يحمه من عدوه. وقال بعضهم: الهمزة فيه للسلب أي لا يزيل سلمه وهو بكسر السين وفتحها الصلح "من كان في حاجة أخيه" أي ساعياً في قضائها "ومن فرج" بتشديد الراء ويخفف أي أزال وكشف "عن مسلم كربة" أي من كرب الدنيا. والكربة بضم الكاف فعلة من الكرب وهي الخصلة التي يحزن بها وجمعها كرب بضم ففتح والتنوين فيها للافراد والتحقير أي هما واحداً أي هّمٍ كان "ومن ستر مسلماً" أي بدنه أو عيبه بعدم الغيبة له والذب عن معائبه، وهذا بالنسبة إلى من ليس معروفاً بالفساد وإلا فيستحب أن ترفع قصته إلى الوالي، فإذا رآه في معصية فينكرها بحسب القدرة وإن عجز يرفعها إلى الحاكم إذا لم يترتب عليه مفسدة، كذا قال النووي.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بعضه بمعناه.
بتشديد الموحدة تثنية اسم الفاعل من الافتعال أي اللذان يسب كل منهما الآخر

(13/162)


47- باب المستبان
[باب الاستباب]- [باب في السباب]
4884- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابنَ مُحَمّدٍ - عن الْعَلاَءِ عَنْ أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "المُسْتَبّانِ مَا قالا، فَعَلَى الْبَادِي مِنْهُمَا مَا لَمْ يَعْتْدِ المَظْلُومُ".
__________
باب في المستبان
"المستبان" المتشاتمان اللذان يسب كل منهما الآخر. وقوله المستبان مبتدأ أول "ما قالا" أي إثم قولهما من السب والشتم وهو مبتدأ ثان "فعلى البادي منهما" خبر مبتدأ الثاني أي على الذي بدأ في السب لأنه السبب لتلك المخاصمة قال في اللمعات: أما إثم ما قاله البادي فظاهر، وأما إثم الآخر فلكونه الذي حمله على السب وظلمه انتهى. قال القاري: والفاء إما لكون ما شرطية أو لأنها موصوله متضمنة للشرط "ما لم يعتد المظلوم" أي الحد بأن سبه أكثر وأفحش منه أما إذا اعتدى كان إثم ما اعتدى عليه والباقي على البادي كذا في اللمعات. والحاصل إذا سب كل واحد الآخر فإثم ما قالا على الذي بدأ في السب، وهذا لم يتعد ويتجاوز المظلوم الحد والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.

(13/162)


48- باب في التواضع
4885- حدثنا أحْمَدُ بنُ حَفْصِ حدّثني أبي إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عن الْحَجّاجِ عن قَتَادَةَ عن يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الله عن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ أَنّهُ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله أَوْحَى إِلَيّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتّى لا يَبْغِي أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ".
__________
باب في التواضع
"عن عياض بن حمار" بكسر أولهما "أن تواضعوا" أن هذه مفسرة لما في الإيحاء من معنى القول. وتواضعوا أمر من الضعة وهي الذل والهوان والدناة. قال العزيزي: التواضع الاستسلام للحق وترك الإعراض عن الحكم من الحاكم وقيل هو خفض الجناح للخلق ولين الجانب. وقيل الحق ممن كان كبيراً أو صغيراً شريفاً أو وضيعاً "حتى لا يبغي" بكسر الغين أي لا يظلم "ولا يفخر" بفتح الخاء، والفخر ادعاء العظمة والكبرياء والشرف.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(13/163)


49- باب في الانتصار
4886- حدثنا عِيسَى بنُ حَمّادٍ أنبأنا الّليْثُ عن سَعِيدٍ المَقْبِريّ عن بَشِيرِ بنِ المُحَرّرِ عن سَعِيد بنِ المُسَيّبِ أَنّهُ قال: بَيْنَمَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَعَ رجُلٌ بِأَبي بَكْرٍ فآذَاهُ، فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمّ آذَاهُ الثّانِيَةَ، فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمّ آذَاهُ الثّالِثَةَ فانْتَصَرَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ انْتَصَرَ أَبُو بَكْرٍ فقَالَ أَبُو بَكْر:
__________
باب في الانتصار
أي الانتقام، يقال انتصر منه أي انتقم.
"وقع رجل بأبي بكر" يقال وقعت به إذا لمته ووقعت فيه إذا غبته وذممته والمراد ههنا من الوقوع به سبه كما في الرواية الآتية "فانتصر منه أبو بكر" أي عملاً بالرخصة المجوزة للعوام وتركأ للعزيمة المناسبة لمرتبة الخواص. قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ. وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} وقال عز وجل {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} هو رضي الله عنه وإن كان

(13/163)


أَوَجَدْتَ عَلَيّ يَا رَسُولَ الله؟ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السّماءِ يُكَذّبُهُ بِمَا قَالَ لَكَ، فَلمّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشّيْطَانُ فَلمْ أَكُنْ لأجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشّيْطَانُ".
4887- حدثنا عَبْدُ الأعْلَى بنُ حَمّادٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن سَعِيدِ بنِ أَبي سَعِيدٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَجُلاً كَانَ يَسُبّ أَبَا بَكْر وَسَاقَ نَحْوَهُ.
قال أبُو دَاوُدَ: وكَذَلِكَ رَوَاهُ صَفْوَانُ بنُ عِيسَى عن ابنِ عَجْلاَنَ كَمَا قَالَ سُفْيَانُ.
4888- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أَبي ح وحدثنا عُبَيْدُ الله ابنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ أخبرنا مُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ المَعْنَى وَاحِدٌ أخبرنا ابنُ عَوْنٍ قال: كُنْتُ أَسْأَلُ عن الانْتِصَارِ {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} فحدّثني عَلِيّ بنُ زَيْدِ بنِ جُدْعَانَ عن أُمّ مُحَمّدٍ امْرَأَةِ أَبِيهِ، قال ابنُ عَوْنٍ وَزَعَمُوا أَنّهَا كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أُمّ المُؤْمِنِينَ قال[قالت] قالَتْ أُمّ المُؤْمِنِينَ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَنَا زَيْنَتُ بِنْتُ جَحشٍ فَجَعَلَ يَصْنَعُ شَيْئاً بِيَدِهِ فَقُلْتُ بِيَدِهِ حَتّى فَطَنْتُهُ لَهَا، فأَمْسَكَ وَأَقْبَلَتْ زَيْنَبُ تَقْحَمُ لِعَائِشَةَ فَنَهَاهَا فَأَبَتْ أَنْ تَنْتَهِي فقَالَ[قال] "لِعَائِشَةَ سُبّيهَا" فَسَبّتْهَا فَغَلَبَتْهَا، فانْطَلَقَتْ
__________
جمع بين الانتقام عن بعض حقه وبين الصبر عن بعضه، لكن لما كان المطلوب منه الكمال المناسب لمرتبته من الصديقية ما استحسنه صلى الله عليه وسلم، كذا في المرقاة "أوجدت علي" بهمزة الاستفهمام أي أغضبت علي يقال وجد عليه أي غضب "يكذبه" أي الرجل الذي وقع بك وآذاك.
قال المنذري: هذا مرسل.
"عن سعيد بن أبي سعيد" هو المقبري "وساق نحوه" أي نحو الحديث السابق.
قال المنذري: في إسناده محمد بن عجلان وفيه مقال. وذكر البخاري في تاريخه المرسل. وذكر المسند بعده وقال والأول أصح.
- {وَلَمَنِ انْتَصَرَ} أي انتقم {بعد ظلمه} أي ظلم الظالم إياه {فَأُولَئِكَ}: أي المنتصرون {مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} أي مؤاخذة "كانت تدخل على أم المؤمنين" أي عائشة رضي الله عنها "وعندنا زينب بنت جحش" أي زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي أسدية من أسد بن خزيمة وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم "فجعل يصنع" أي النبي صلى الله عليه وسلم "شيئاً بيده" أي من المس ونحوه مما يجري بين الزوج والزوجة "فقلت" أي أشرت "حتى فطنته لها" من التفطين أي أعلمته بوجود زينب "وأقبلت زينب تقحم لعائشة" قال الخطابي: معناه تتعرض لشتمها وتتدخل عليها، ومنه

(13/164)


زَيْنَبُ إِلَى عَلِيّ فَقَالَتْ إِنّ عَائِشَةَ وَقَعَتْ بِكُمْ وَفَعَلَتْ فَجَاءَتْ فاطِمَةُ فقَالَ لَهَا "إِنّها حِبّةُ أَبِيكِ وَرَبّ الْكَعْبَةِ" فَانْصَرَفَتْ فقَالتْ لَهُمْ إِنّي قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، فقَالَ لِي كَذَا وَكَذَا. قالَ وَجَاءَ عَلِيّ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَكَلّمَهُ في ذَلِكَ.
__________
قوله فلان يتقحم في الأمور إذا كان يقع فيها من غير تثبت ولا روية "إن عائشة وقعت بكم" أي في بني هاشم لأن أم زينب كانت هاشمية "فجاءت فاطمة" أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "لها" أي لفاطمة "إنها" أي عائشة "حبة أبيك" أي حبيبته فلا تقولي لها شيئاً وإن وقعت في بني هاشم "فانصرفت" أي فاطمة "فقالت" أي فاطمة "لهم" لبني هاشم "إني قلت له" أي للنبي صلى الله عليه وسلم "فكلمه" أي كلم علي بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم "في ذلك" الأمر أي في واقعة عائشة وزينب رضي الله عنهم:
قال المنذري: علي بن زيد بن جدعان لا يحتج بحديثه وأم ابن جدعان هذه مجهولة.

(13/165)


50- باب في النهي عن سب الموتى
4889- حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قالَتَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُم فَدَعُوهُ وَلاَ تَقَعُوا فِيهِ".
4890- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنبأنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عنْ عِمْرَانَ ابنِ أَنَسٍ
__________
باب في النهي عن سب الموتى
"إذا مات صاحبكم" أي المؤمن الذي كنتم تجتمعون به وتصاحبونه "فدعوه" أي اتركوه من الكلام فيه بما يؤذيه لو كان حياً "ولا تقعوا فيه" أي لا تتكلموا في عرضه بسوء فإنه قد أفضى إلى ما قدم، وغيبة الميت أفحش من غيبة الحي وأشد لأن عفو الحي واستحلاله ممكن بخلاف الميت. والحديث سكت عنه المنذري.
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا".
وأخرج النسائي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا" وفي الحديث قصة وقد تقدم والله أعلم.

(13/165)


المَكيّ عنْ عَطَاءِ عن ابن عُمَرَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُم وَكُفّوا عن مَسَاوِيهِمْ".
__________
"اذكروا" أي أيها المؤمنون "محاسن موتاكم" جمع حسن على غير القياس وموتى جمع ميت "وكفوا" أي امتنعوا "عن مساويهم" جمع سوء على غير القياس وقيل جمع مسوى بفتح الميم والواو. والمعنى لا تذكروهم إلا بخير. قال العلقمي: قال شيخ شيوخنا والأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساويهم للتحذير منهم. وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتاً انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال غريب سمعت محمداً يعني البخاري يقول عمران بن أنس المكي مفكر الحديث. هذا آخر كلامه. وقال أبو جعفر العقيلي لا يتابع على حديثه وذكر له حديث الربا. وقال أبو أحمد الكرابيسي حديثه ليس بالمعروف وذكر له حديث الربا وقال لا يتابع عليه.

(13/166)


51- باب في النهي عن البغي
4891- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ بنُ سُفْيِانَ أخبرنا عَلِيّ بنُ ثَابِتٍ عن عِكْرِمَةَ بنِ عَمّارٍ قالَ حدّثني ضَمْضَمُ بنُ جوْسٍ[جوش] قالَ قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "كَانَ رَجُلاَنِ في بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ فكانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ والآخر مُجْتَهِدٌ في الْعِبَادَةِ، فكانَ لاَ يَزَالُ المُجْتَهِدُ يَرَى الآخر عَلَى الذّنْبِ فَيَقُولُ أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يُوْماً عَلَى ذَنْبٍ فقَالَ لَهُ أَقْصِرْ، فقَالَ خَلّنِي وَرَبّي أَبُعِثْتَ عَلَيّ رَقِيباً؟ فقَالَ والله لاَ يَغْفِرُ الله لَكَ أَوْ[و] لاَ يُدْخِلُكَ الله الْجَنّةَ، فَقُبِضَ أَرْوَاحُهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبّ الْعَالَمِينَ، فقَالَ لِهَذَا المُجْتَهِدِ أَكُنْتَ بِي عَالِماً أَوْ كُنْتَ عَلَى مَافي يَدِي قادِراً،
__________
باب في النهي عن البغي
قال في القاموس: بغى عليه يبغي بغياً عدا وظلم وعدل عن الحق واستطال وكذب
"حدثني ضمضم بن جوس" بالسين المهملة وفي بعض النسخ بالمعجمة، وضبطه الحافظ في التقريب ضمضم بن جوس بفتح الجيم وسكون الواو ثم مهملة. وقال في الخلاصة ضمضم بن جوس بجيم ومعجمة "متواخيين" أي متقابلين في القصد والسعي فهذا كان قاصداً وساعياً في الخير وهذا كان قاصداً وساعياً في الشر "اقصر" من الإقصار وهو الكف عن الشيء

(13/166)


وَقالَ للْمُذْنِبِ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنّةَ بِرَحْمَتِي، وَقالَ لِلاَخَرِ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النّارِ". قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْ بَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.
4892- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا ابن عُلَيّةَ عنْ عُيَيْنَةَ ابنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبي بَكْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجّلَ الله تعالى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدّنْيَا مَعَ مَا يَدّخِرُ لَهُ فِي الآخرة مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةُ الرّحِمِ".
__________
مع القدرة عليه "أبعثت" بهمزة الاستفهام وبصيغة المجهول "أو بقت دنياه وآخرته" في القاموس: أوبقه أهلكه أي أهلكت تلك الكلمة ما سعى في الدنيا وحظ الآخرة.
قال المنذري: في إسناده على بن ثابت الجزري. قال الأزدي: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم يكتب حديثه، وقال ابن معين ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة لا بأس به.
"ما من ذنب أجدر" بالجيم أي أحق وأولى "لصاحبه" أي لمرتكب الذنب "العقوبة" مفعول يعجل "مع ما يدخر" بتشديد الدال المهملة وكسر الخاء المعجمة أي مع ما يؤجل من العقوبة "له" أي لصاحب الذنب "مثل البغى" أي بغي الباغي وهو الظلم أو الخروج على السلطان أو الكبر "وقطيعة الرحم" أي ومن قطع صلة ذوي الأرحام.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: صحيح.

(13/167)


52- باب في الحسد
4893- حدثنا عُثْمانُ بنُ صَالِحٍ الْبَغْدَادِيّ أنبأنا أَبُو عَامِرٍ يَعْنِي عَبْدَ المَلِكِ بنِ عَمْرٍو أخبرنا سُلَيْمانُ بنُ بِلاَلٍ عنْ إبْرَاهِيمَ بنِ أَبِي أُسَيْدٍ عنْ جَدّهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ
__________
باب في الحسد
"عن إبراهيم بن أسيد" بفتح الهمزة قاله الحافظ "عن جده عن أبي هريرة" قال المزي في الأطراف. جد إبراهيم بن أبي أسيد البراد عن أبي هريرة، قال أبو القاسم أظنه سالماً، ثم ذكر المزي حديث أبي داوود مع إسناده ثم قال المزي: وروى أحمد بن صالح عن أبي ضمرة وأنس بن عياض عن إبراهيم بن أبي أسيد عن جده أبي أسيد عن أبي هريرة حديث "إياكم أن ترجعوا بعدي كفاراً" الحديث هكذا قال عن إبراهيم بن أبي أسيد عن جده أبي أسيد وكأنه نسبة إلى جده ولم يسم أباه انتهى.
وقال الحافظ: جد إبراهيم بن أبي أسيد لا يعرف انتهى.
وقال في الخلاصة: إبراهيم بن أبي أسيد يروى عن جده لأمه أبي هريرة. انتهى. وظاهر

(13/167)


النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِيَاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كما تَأْكُلُ النّارُ الْحَطَبَ،أَوْ قالَ الْعُشْبَ".
4894- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحِ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ أخبرني سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بن أَبِي الْعِمّيَاءِ أَنّ سَهْلَ بنَ أَبِي أُمَامَةَ حَدّثَهُ أَنّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ بالْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بنِ عبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ فَإِذَا هُوَ يُصَلّي
__________
عبارته يوهم أن أبا هريرة هو جد إبراهيم لأمه، والأمر ليس كذلك كما عرفت، فلعل العبارة هكذا: عن جده لأمه عن أبي هريرة والله أعلم "إياكم والحسد" أي احذروا الحسد في مال أو جاه دنيوي فإنه مذموم بخلاف الغبطة في الأمر الأخروي "فإن الحسد يأكل الحسنات" أي يفنى ويذهبَ طاعات الحاسد "كما تأكل النار الحطب" لأن الحسد يفضي بصاحبه إلى اغتياب المحسود ونحوه فيذهب حسناته في عرض ذلك المحسود فيزيد المحسود نعمة على نعمة والحاسد حسرة على حسرة. فهو كما قال تعالى {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} "أوائل العشب" بالضم الكلأ الرطب وهو شك من الراوي.
والحديث سكت عنه المنذري.
"أنه دخل هو" أي سهل "وأبوه" أي أبو أمامة "وهو أمير المدينة" أي وكان أنس أمير
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي الزناد عن أنس أن رسول الله عليه وسلم قال "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار والصلاة نور المؤمن والصيام جنة من النار".
ولما كان الحاسد يكره نعمة الله على عباده والمتصدق ينعم عليهم كانت صدقة هذا ونعمته تطفيء خطيئته وتذهبها وحسد هذا وكراهته نعمة الله على عباده تذهب حسناته.
ولما كانت الصلاة مركز الإيمان وأصل الإسلام ورأس العبودية ومحل المناجاة والقربة إلى الله وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو مصل وأقرب ما يكون منه في صلاته وهو ساجد كانت الصلاة نور المسلم.
ولما كان الصوم يسد عليه باب الشهوات ويضيق مجاري الشيطان ولا سيما باب الأخوفين الفم والفرج اللذين ينشأ عنهما معظم الشهوات كان كالجنة من النار فإنه يتترس به من سهام إبليس.
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله أن النبي قال "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث".

(13/168)


صَلاَةً خَفِيفَةً دَقِيقَةً كَأَنّهَا صَلاَةُ مُسَافِرٍ أَوْ قَرِيباً مِنْهَا فَلَمّا سَلّمَ قالَ أَبِي: يَرْحَمُكَ الله أَرَأَيْتَ هَذِهِ الصّلاَةَ المَكْتُوبَةَ أَوْ[أم] شَيْءٌ تَنَفّلْتَهُ؟ قالَ إِنّهَا المَكْتُوبَةُ[للمكتوبة] وَإنّهَا لَصَلاَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَا أَخْطَأْتُ إِلاّ شَيْئاً سَهَوْتُ عَنْهُ، فقَالَ إِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ "لا تُشَدّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُم فَيُشَدّدَ[فيشدد الله] عَلَيْكُم، فَإِنّ قَوْماً شَدّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدّدَ الله[فشدد] عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ في الصّوَامِعِ وَالدّيَارِ رَهْبَانِيّةَ
__________
المدينة من قبل عمر بن عبد العزيز "فإذا هو" أي أنس "يصلي صلاة خفيفة دقيقة" بدال مهملة وقافين بينهما تحتية ساكنة. وفي نسخة الخطابي: ذفيفة بذال معجمة وفاءين بينهما تحتية ساكنة.
وقال في المعالم: معنى الذفيفة الخفيفة، يقال رجل خفيف ذفيف وخفاف وذفاف بمعنى واحد انتهى.
وفي القاموس: خفيف ذفيف وخفاف ذفاف بالضم اتباع وليعلم أنه ليس المراد أنه رضي الله عنه كان بخل بالصلاة ويترك سنة القراءة والتسبيحات ويتهاون في أدائها بل المراد أنه كان يقتصر على قدر الكفاية في ذلك فكان يكتفي على قراءة السورة القصيرة وعلى ثلاث مرات من التسبيح مع رعاية القومة والجلسة واعتدال سائر الأركان والظاهر أنه كان إماماً يصلي بالناس لأنه كان أميراً فخفف اتباعاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أم أحدكم الناس فليخفف" الحديث رواه الشيخان.
وأما سؤال أبي أمامة بقوله: أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أو شيء تنفلته وتشبيهها بصلاة المسافر من أجل التخفيف فلعله لم يستحضر له إذ ذاك حديث التخفيف، ويحتمل أن يكون أبو أمامة حمل حديث التخفيف على تخفيف دون التخفيف الذي حمله عليه أنس رضي الله عنه فلأجل ذلك قال أبو أمامة ما قال ومن قوله في زمان عمر بن عبد العزيز إلى قوله ما أخطأت إلا شيئاً سهوت عنه يوجد في بعض النسخ ولم يوجد في بعضها. وكذا ليس في مختصر المنذري. والله أعلم.
"كأنها" أي صلاة أنس باعتبار التخفيف فيها "فلما سلم" أي أنس من صلاته "قال أبي" أي أبو أمامة "أرأيت" أي أخبرني "هذه الصلاة" أي التي صليتها الآن "المكتوبة أو شيء تنفلته" أي فريضة أو نافله "ما أخطأت" أي ما تعمدت الخطأ في هذه الصلاة "لا تشددوا على أنفسكم" أي بالأعمال الشاقة كصوم الدهر وإحياء الليل كله واعتزال النساء "فيشدد عليكم" بالنصب جواب النهي أي يفرضها عليكم، فتقعوا في الشدة أو بأن يفوت عنكم بعض ما وجب عليكم بسبب ضعفكم من تحمل المشاق "في الصوامع" جمع صومعة وهي موضع عبادة الرهبان

(13/169)


ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ثُمّ غَدَا مِنَ الْغَدِ فقَالَ أَلاَ تَرْكَبُ لِتَنْظُرَ وَلِتَعْتَبِرَ[فتعتبر] قالَ نَعَمْ فَرَكِبُوا جَمِيعاً فَإِذَا هُمْ بِدِيَار بَادَ أَهْلُهَا وَانْقَضَوْا وَقَتّوا[فنوا] خَاوِيَةَ عَلَى عُرُوشِهَا، فقَالَ أَتَعْرِفُ هَذِهِ الدّيَارَ؟ فقَالَ مَا أَعْرَفَنِي بِهَا وَبِأَهْلِهَا، هَذِهِ دِيَارُ قَوْمٍ أَهْلَكَهُمُ الْبَغْيُ والْحَسَدُ، إِنّ الْحَسَدَ يُطْفِيّ نُورَ الْحَسَنَاتِ، وَالبَغْيُ يُصَدّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذّبُهُ، وَالْعَيْنُ تَزْنِي وَالْكَفّ وَالْقَدَمُ وَالْجَسَدُ وَالّلسَانُ وَالْفَرْجُ يُصَدّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذّبُهُ".
__________
"رهبانية" نصب بفعل يفسره ما بعده، أي ابتدعوا رهبانية "ما كتبناها عليهم" أي ما فرضنا تلك الرهبانية "ثم غدا" أي خرج أبو أمامة غدوة "فقال" أي أنس "باد" أي هلك "وقتوا" بالقاف والتاء المشددة. وفي بعض النسخ فنوا من الفناء ومعناه ظاهر وهو المراد من قتوا. قال في القاموس: اقتته استأصله "خاوية على عروشها" أي ساقطة على سقوفها، والظاهر أنه صفة ثانية لديار وصفته الأولى هي قوله باد أهلها "فقال أتعرف هذه الديار" الظاهر أن الضمير في قال راجع إلى أنس رضي الله عنه أي قال أنس لأبي أمامة هل تعرف هذه الديار البائدة "فقال" أي أبو أمامة "ما أعرفني بها وبأهلها" أي أيّ شيء أعرفني بهذه الديار وأهلها الذين كانوا فيها يعني لا أعرفها ولا أهلها فما استفهامية والاستفهام الانكار "هذه ديار قوم الخ" هذا مقول أنس أي قال أنس هذه ديار قوم. فلفظ قال هذه الجملة مقدر هذا هو الظاهر.
ويحتمل أن يكون الضمير في فقال الأول راجعاً إلى أبي أمامة، وفي فقال الثاني إلى أنس أي فقال أبو أمامة لأنس هل تعرف هذه الديار؟ فقال أنس: ما أعرفني بها وبأهلها الخ. وعلى هذا التقدير يكون قوله ما أعرفني بها وبأهلها صيغة التعجب، ويكون حاصل المعنى قال أنس أعرف هذه الديار وأهلها حق المعرفة، وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير لفظ قال قبل قوله هذه ديار قوم. ومن قوله ثم غدا من الغد إلى قوله "والفرج بصدق ذلك أو يكذبه" يوجد في بعض النسخ ولم يوجد في بعضها وكذا ليس في مختصر المنذري والله أعلم.
ثم ظفرت على كلام للحافظ ابن القيم تكلم به في كتاب الصلاة له على هذا الحديث وهو حسن نافع جداً فأنا أنقله بعينه ههنا قال.
وأما حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء ودخول سهل بن أبي أمامة عن أنس بن مالك فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر فقال: إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا مما تفرد به ابن أبي العمياء وهو شبه المجهول، والأحاديث الصحيحة عن أنس كلها تخالفه فكيف يقول أنس هذا وهو القائل: إن شبه من رأى صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز وكان يسبح عشراً عشراً وهو الذي كان يرفع رأسه من الركوع حتى يقال قد نسي وكذلك من بين السجدتين ويقول ما آلوا أن أصلي لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يبكي على إضاعتهم الصلاة. ويكفي في رد حديث ابن أبي العمياء ما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة التي

(13/170)


لا مطعن في سندها ولا شبهة في دلالتها. فلو صح حديث ابن أبي العمياء وهو بعيد عن الصحة لوجب حمله على أن تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم للسنة الراتبة كسنة الفجر والمغرب والعشاء وتحية المسجد ونحوها لا أن تلك صلاته التي كان يصليها بأصحابه دائماً، وهذا مما يقطع ببطلانه وترده سائر الأحاديث الصحيحة الصريحة. ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخفف بعض الصلاة كما كان يخفف سنة الفجر حتى تقول عائشة أم المؤمنين هل قرأ فيها بأم القرآن وكان يخفف الصلاة في السفر حتى كان ربما قرأ في الفجر بالمعوذتين، وكان يخفف إذا سمع بكاء الصبي. فالسنة التخفيف حيث خفف والتطويل حيث أطال والتوسط غالباً. فالذي أنكره أنس هو التشديد الذي لا يخفف صاحبه على نفسه مع حاجته إلى التخفيف، ولا ريب أن هذا خلاف سنته وهدية. انتهى كلام ابن القيم.
قلت: أخرج أبو داوود والنسائي عن ابن جبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول "ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز قال فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات" وإلى هذا الحديث أشار ابن القيم بقوله وهو القائل إن أشبه من رأي الخ.
والحديث سكت عنه المنذري.

(13/171)


53- باب في اللعن
4895- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ رَبَاحِ قالَ سَمِعْتُ نِمْرَانَ يَذْكُرُ عن أُمّ الدّرْدَاءِ قالَتْ سَمِعْتُ أَبَا الدّرْدَاء يَقُولُ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئاً صُعِدَتِ الّلعْنَةُ إِلَى السّماءِ فَتُغْلَقُ أَبُوَابُ السّماءِ دُونَهَا، ثُمّ تَهْبِطُ إِلَى الأرْضِ فَتُغْلَقُ أَبُوَابُهَا دُونَهَا، ثُمّ تَأْخُذُ يَمِيناً وَشِمَالاٍ فَإِذَا لَم تَجِدْ
__________
باب في اللعن
"قال سمعت نمران" بكسر أوله وسكون ثانيه ابن عتبة الذماري "صعدت" بكسر العين أي طلعت اللعنة وكأنها تتجسد "فتغلق" بصيغة المجهول من الإغلاق "دونها" أي قدام اللعنة "ثم تهبط" بكسر الموحدة أي تنزل "فتغلق أبوابها" أي أبواب الأرض ويفهم منه أن للأرض أيضاً أبواباً كما للسماء "دونها" أي عندها، ودون يجيء بمعنى أمام ووراء "ثم تأخذ يميناً
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفي الصحيحين عن ثابت بن الضحاك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعن المؤمن كقتله".
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا".

(13/171)


مَسَاغاً رَجَعَتْ إِلَى الذِي لُعِنَ فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلاً وَإِلاّ رَجَعَتْ إِلَى قائِلِهَا".
قال أبُو دَاوُدَ: قالَ مَرْوَانُ بنُ مُحَمّدٍ: هُوَ رَبَاحُ بنُ الْوَليدِ سَمِعَ مِنْهُ وَذَكَرَ أَنّ يَحْيَى بنَ حَسّانَ وَهِمَ فِيهِ.
4896- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ أخبرنا قَتَادَةُ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تَلاَعَنُوا بِلَعْنَةِ الله وَلاَ بِغَضبِ الله وَلاَ بالنّارِ".
4897- حدثنا هَارُونُ بنُ زَيْدِ بنِ أَبِي الزّرْقاءِ أخبرنا أَبِي أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ
__________
وشمالاً" أي تميل إلى جهتي اليمين والشمال "مساغاً" بفتح الميم أي مدخلاً وطريقاً "إلى الذي لعن" بصيغة المجهول "فإن كان" أي الملعون "لذلك" أي لما ذكر من اللعنة أو جزاء الشرط محذوف تقديره لحقته ونفذت فيه "وإلا" أي وإن لم يكن أهلاً لذلك "رجعت" أي اللعنة "إلى قائلها" فإنه حينئذ هو أهلها "قال مروان بن محمد" أي الوليد بن رباح المذكور في الإسناد "رباح بن الوليد سمع منه" أي من نمران "وذكرا" أي مروان "أن يحيى بن حسان وهم فيه" حيث سماه الوليد بن رباح.
قلت: ورواه أبو داوود في كتاب الجهاد حديث "يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته" بهذا الإسناد عن أحمد بن صالح عن يحيى بن حسان عن الوليد ابن رباح الذماري حدثني عمي نمران بن عتبة قال دخلنا على أم الدرداء فذكره لكن روى يحيى بن حسان على الصواب أيضاً.
قال المزي: روى حديث شفاعة الشهيد وحديث اللعنة أبو القاسم الطبراني عن عبيد بن زحال وأحمد بن محمد بن رشدين عن أحمد بن صالح عن يحيى بن حسان عن رباح بن الوليد على الصواب انتهى.
والحديث سكت عنه المنذري.
"لا تلاعنوا" بحذف إحدى التائين "بلعنة الله" أي لا يلعن بعضكم بعضاً فلا يقل أحد لمسلم معين عليك لعنة الله مثلاً "ولا بغضب الله" بأن يقول غضب الله عليك "ولا بالنار" بأن يقول أدخلك الله النار مثلاً، وهذا مختص بمعين لأنه يجوز اللعن بالوصف الأعم، كقوله لعنة الله على الكافرين، أو بالأخص كقوله لعنة الله على اليهود، أو على كافر معين مات على الكفر كفرعون وأبي جهل قاله القاري.
__________
وفي الترمذي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذي" وقال حديث حسن.

(13/172)


عن أَبِي حَازِمٍ وَ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ أَنّ أُمّ الدّرْدَاءِ قالَتْ سَمِعْتُ أَبَا الدّرْدَاءِ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ يَكُونُ الّلعّانُونَ شُفَعَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ[شهداء ةلا شفعاء]".
4898- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا أَبانُ ح وَأخبرنا زَيْدُ بنُ أَخْزَمَ الطّائِيّ أخبرنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ أخبرنا أَبَانُ بنُ يَزِيدَ الْعَطّارُ أخبرنا قَتَادَةُ عنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قالَ زَيْدٌ عنِ عَبّاسٍ أَنّ رَجُلاً لَعَنَ الرّيحَ، وَقال مُسْلِمٌ: "إِنّ رَجُلاً نَازَعَتْهُ الرّيحُ رِدَاءَهُ عَلَى عَهْدِ النبي صلى الله عليه وسلم فَلَعَنَهَا، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَلْعَنْهَا فإِنهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئاً لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ الّلعْنَةُ عَلَيْهِ".
__________
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وقد تقدم اختلاف الأئمة في سماع الحسن من سمرة.
"لا يكون اللعانون شفعاء" معناه لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار "ولا شهداء" فيه ثلاثة أقوال أصحها وأشهرها لا يكونون شهداء يوم القيامة على الامم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات، والثاني لا يكونون شهداء في الدنيا أي لا تقبل شهادتهم بفسقهم، والثالث لا يرزقون الشهادة فهي القتل في سبيل الله كذا قال النووي.
قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"وقال مسلم" هو ابن إبراهيم "نازعته الريح" أي جاذبته "فلعنها" أي الريح وهي مؤنثة "فإنها مأمورة" أي بأمر ما، والمنازعة من خاصيتها ولوازم وجودها عادة، أو فإنها مأمورة حتى بهذه المنازعة أيضاً ابتلاء لعباده، وهو الأظهر قاله القاري "وإنه" أي الشأن "ليس له بأهل" أي ليس ذلك الشيء للعن بمستحق "عليه" أي على اللاعن.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال غريب لا نعلم أحداً أسنده غير بشر ابن عمر هذا آخر كلامه. وبشر بن عمر هذا، هو الزهراني احتج به البخاري ومسلم.

(13/173)


54- باب فيمن دعا على من ظلمه
4899- حدثنا ابنُ مُعَاذٍ أخبرنا أَبِي أخبرنا سُفْيَانُ عنْ حَبيبٍ عن عَطَاءِ عن عائِشَةَ قالَتْ: "سُرِقَ لَهَا شَيْءٌ فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ، فقالَ لَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "لاَ تُسَبّخِي عَنْهُ".
__________
باب فيمن دعا على من ظلمه
"سرق" بصيغة المجهول "عليه" أي على السارق "لا تسبخي عنه" بتشديد الموحدة

(13/173)


بعدها خاء معجمة أي لا تخفي إثم السرقة عنه أو العقوبة بدعائك عليه. زاد أحمد "ودعيه" وكأنه صلى الله عليه وسلم رآها وهي في الغضب فأشار إلى أن مقتضي الغضب تتميم العقوبة له والدعاء عليه يخفف العقوبة عنه فاللائق بذلك ترك الدعاء، ومراده صلى الله عليه وسلم أن تترك الدعاء لا أن تتم له العقوبة كذا في فتح الودود.
قال في النهاية: لا تسبخي عنه بدعائك عليه أي لا تخففي عنه الإثم الذي استحقه بالسرقة انتهى.
قال الخطابي: ومن هذا سبائخ القطن وهي القطع المتطايرة عند الندف.
قال المنذري: وقد تقدم في كتاب الصلاة.

(13/174)


55- باب في هجرة الرجل أخاه
[باب فيمن يهجر أخاه المسلم]
4900- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ لله إِخْوَاناً، وَلاَ يَحِلّ لِمُسلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ".
4901- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ الّليْثِيّ عن أَبِي أَيُوبَ الأنْصَارِيّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الّذِي يَبْدَأَ بالسّلاَمِ".
__________
باب في هجرة الرجل أخاه
"لا تباغضوا" أي لا تتعاطوا أسباب البغض لأن البغض لا يكتسب ابتداء "ولا تحاسدوا" أي لا يتمنى بعضكم زوال نعمة بعض سواء أرادها لنفسه أو لا "ولا تدابروا" بحذف إحدى التائين فيه وفيما قبله من الفعلين، أي لا تقاطعوا ولا تولوا ظهوركم عن إخوانكم ولا تعرضوا عنهم، مأخوذ من الدبر لأن كلا من المتقاطعين يولي دبره صاحبه "فوق ثلاث ليال" أي بأيامها، وإنما جاز الهجر في ثلاث وما دونه لما جبل عليه الآدمي من الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع فيها ويزول ذلك العرض ولا يجوز فوقها، وهذا فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة دون ما كان من ذلك في جانب الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع واجبة على مر الأوقات ما لم يظهر منه التوبة والرجوع إلى الحق.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"يلتقيان" أي يتلاقيان، وهو استئناف لبيان كيفية الهجران "فيعرض" عطف على يلتقيان

(13/174)


4902- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ وَ أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ السّرْخَسِيّ أَنّ أَبَا عَامِرٍ أخبرهُم قالَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ هِلاَلٍ قالَ حدّثني أَبِي عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَحِلّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرُ مُؤْمِناً فَوْقَ ثَلاَثٍ، فإِنْ مَرّتْ بِهِ ثَلاَثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلّمْ عَلَيْهِ، فإِنْ رَدّ عليه السلام فَقَدِ اشْتَرَكَا في الأجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بالأثْمِ. زَادَ أحْمَدُ: وَخَرَجَ المُسَلّمُ مِنَ الْهِجْرَةِ".
4903- حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا مُحَمّدُ بنُ خَالِدِ بنِ عِثْمَةَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُنِيبٍ - يَعْنِي المَدَنِيّ - قالَ أخبرني هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن عُرْوَةَ عن عَائِشةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يَكُونُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِماً فَوْقَ ثَلاَثَةٍ، فإِذَا لَقِيَهُ سَلّمَ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ[مرات] كُلّ ذَلِكَ لا يَرُدّ عَلَيْهِ، فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ".
__________
"وخيرهما" أي أفضلهما عطف على لا يحل، وإنما يكون الباديء خيرهما لدلالة فعله على أنه أقرب إلى التواضع وأنسب إلى الصفاء وحسن الخلق، وللاشعار بأنه معترف بالتقصير.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"فإن مرت به ثلاث" أي ثلاث ليال مع أيامها "فقد اشتركا في الأجر" أي في أجر السلام أو في أجر ترك الهجر أو فيهما "فقد باء بالإثم" أي رجع بإثم الهجران، كذا قيل. وقال القاري: الأظهر أنه بإثم الهجر وبإثم ترك السلام فاللام للجنس أو عوض عن المضاف إليه أي بإثم الأمرين "زاد أحمد" هو ابن سعيد "وخرج المسلم" بتشديد اللام المكسورة "من الهجرة" أي من إثم الهجران.
قال المنذري: رواه عن أبي هريرة هلال بن أبي مولى بني كعب مديني. قال الإمام احمد لا أعرفه. قال أبو حاتم الرازي ليس بالمشهور.
"لا يكون لمسلم" أي ثلاثة أيام "فإذا لقيه" أي المسلم المسلم بعد ثلاثة أيام "سلم عليه" حال من فاعل لقيه أو بدل من لقيه "ثلاث مرار" أي إن لم يرد عليه في الأولى والثانية أو ثلاث دفعات من الملاقاة "كل ذلك" بالرفع مبتدأ وخبره قوله "لا يرد عليه" والجملة صفة ثلاث مرار والعائد محذوف أي لا يرد فيها أي في المرار. قال في المرقاة وفي نسخه بالنصب فهو ظرف لا يرد "فقد باء بإثمه" قال الطيبي: هو جواب إذاً، والضمير في بإثمه يحتمل أن يكون للثاني أي لمن لم يرد، فالمعنى أن المسلم خرج من إثم الهجران وبقي الإثم على الذي لم يرد السلام أي فهو قد باء بإثم هجرانه، ويحتمل أن يكون للمسلم، والمعنى أنه ضم إثم هجرانه وباء لأن التهاجر يعد منه وبسببه.

(13/175)


4904- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا[أنبأنا] سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عن مَنْصُورٍ عن أَبِي حَازِمٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَمنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النّارَ".
4905- حدثنا ابنُ السّرْحِ حدثنا ابنُ وَهْبٍ عن حَيْوَةَ عن أَبِي عُثْمانَ الْوَلِيدِ بنِ أَبِي الوَلِيدِ عن عِمْرَانَ بنِ أَبِي أَنَسٍ عن أَبِي خِرَاشٍ السّلَمِيّ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةَ فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ".
4906- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أَبُو عَوَانَةَ عن سُهَيْلِ بنِ أَبِي صَالحٍ عن أَبِيهِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنّةِ كُلّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ فَيُغْفَرُ في ذَلِكَ الْيَوْمَيْنِ لِكُلّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بالله شَيْئاً إِلاّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَذَيْنِ حَتّى يَصْطَلِحَا".
قال أبُو دَاوُدَ: النبي صلى الله عليه وسلم هَجَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَابنُ عُمَرَ هَجَرَ ابْناً لَهُ[حتى] إِلَى أَنْ مَاتَ.
__________
والحديث سكت عنه المنذري.
"فمات" أي على تلك الحالة من غير توبة "دخل النار" أي استوجب دخول النار. وفائدة التعبير التغليظ.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"أبي خراش" بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الراء وبالشين المعجمة "السلمي" بضم ففتح. قال الحافظ في الأصابة: كذا وقع في هذه الرواية السلمي وإنما هو الأسلمي، ويقال حدرد بن أبي حدرد "من هجر أخاه" أي في الدين "فهو كسفك دمه" أي كإراقة دمه في استحقاق مزيد الإثم لا في قدره.
قال المنذري: أبو خراش بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة وبعد الألف شين معجمة اسمه حدرد بن أبي حدرد، ويقال فيه الأسلمي أيضاً، فيعد في المدنيين، حديثه عند أهل مصر.
"تفتح" بصيغة المجهول "لا يشرك بالله شيئاً" أي من الأشياء "شحناء" فعلاء من الشحن أي عداوة تملاء القلب "انظروا" بقطع الهمزة وكسر الظاء أي امهلوا "حتى يصطلحا" أي يتصالحا ويزول عنهما الشحناء "قال أبو داوود النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله مات" هذه العبارة لم توجد في

(13/176)


قال أبُو دَاوُدَ: إِذَا كانَتْ الْهِجْرَةُ لله فَلَيْسَ مِنْ هَذَا بِشَيْءِ، وَإِنّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَطّى وَجْهَهُ عنْ رَجُلٍ.
__________
أكثر النسخ "إذا كانت الهجرة لله" أي هجران المسلم لرعاية حق من حقوق الله "فليس" ذلك الهجرة "من هذا" أي الوعيد المذكور في الحديث.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.

(13/177)


56- باب في الظن
4907- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن أَبِي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِيّاكُمْ وَالظّنّ فإِنّ الظّنّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلا تَحَسّسُوا وَلا تَجَسّسُوا".
__________
باب في الظن
"إياكم والظن" أي احذروا اتباع الظن أو احذروا سوء الظن، والظن تهمة تقع في القلب بلا دليل وليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالباً، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به "أكذب الحديث" أي حديث النفس لأنه يكون بإلقاء الشيطان في نفس الإنسان. ووصف الظن بالحديث مجار فإنه ناشيء عنه "ولا تحسسوا" بحاء مهملة وحذف إحدى التائين. قال المناوي: أي لا تطلبوا الشيء بالحاسة كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية "لا تجسسوا" بجيم وحذف إحدى التائين، أي لا تتعرفوا خبر الناس بلطف كما يفعل الجاسوس.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

(13/177)


57- باب في النصيحة والحياطة
4908- حدثنا الرّبِيعُ بنُ سُلَيْمانَ المُؤْذّنُ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن سُلَيْمانَ - يَعْني ابنَ بِلاَلٍ - عن كَثِيرِ بنِ زَيْدٍ عن الْوَلِيدِ بنِ رَبَاحٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "المُؤْمِنُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ، وَالمُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ يَكُفّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ[يحفظه] مِنْ وَرَائِهِ".
__________
باب في النصيحة والحياطة
بكسر الحاء المهملة بمعنى الحفاظة والصيانة
"المؤمن مرآة المؤمن" بكسر ميم ومد همز أي آله لإراءة محاسن أخيه ومعائبه لكن بينه

(13/177)


58- باب في إصلاح ذات البين
4909- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ الأعمَشِ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن سَالِمٍ عن أُمّ الدّرْدَاءِ عن أَبِي الدّرْدَاءِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ أُخِبْرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصّيَامِ وَالصّلاَةِ وَالصّدَقَةِ: قالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قالَ: إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ".
4910- حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أنبأنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ ح وَأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا إسْمَاعِيلُ ح وأخبرنا أحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ شَبّويَةَ المَرْوَزِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا
__________
باب في إصلاح ذات البين
"إلا أخبركم بأفضل" أي بعمل أفضل درجة "قالوا بلى يا رسول الله" أي أخبرنا "قال إصلاح ذات البين" أي أحوال بينكم يعني ما بينكم من الأحوال ألفة ومحبة كقوله تعالى {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} : وهي مضمراتها. وقيل: المراد بذات البين المخاصمة والمهاجرة بين اثنين بحيث يحصل بينهما بين فرقة، والبين من الأضداد الوصل والفرق "وفساد ذات البين الحالقة" أي هي الخصلة التي من شأنها أن تحلق الدين وتستأصله كما يستأصل الموسى الشعر. وفي الحديث حث وترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب عن الأفساد فيها، لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، وفساد ذات البين ثلمة في الدين تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة فوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال: صحيح، وقال أيضاً ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين".
"أحمد بن محمد بن شبوية" بمعجمة مفتوحة بعدها باء موحدة ثقيلة مضمومة "عن أمه"

(13/178)


[أنبأنا]مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أُمّهِ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَمْ يَكْذِبْ مَنْ نَمَى بَيْنَ اثْنَيْنِ لِيُصْلِحَ"، وقالَ أحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ مُسَدّدٌ: "لَيْسَ بالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النّاسِ فقَالَ خَيْراً أَوْ نَمَى خَيْراً".
4911- حدثنا الرّبِيعُ بنُ سُلَيْمانَ الْجِيزِيّ أخبرنا أَبُو الأسْوَدِ عن نَافِعٍ - يَعْني ابنَ يَزِيدَ - عن ابنِ الْهَادِ[الهادي] أَنّ عَبْدَ الْوَهّابِ بنَ أَبِي بَكْرٍ حَدّثَهُ عن ابنِ شِهَابٍ عن حُميْدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أُمّهِ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ قَالتْ: "مَا سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُرَخّصُ في شَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ إِلاّ في ثَلاَثٍ، كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :" لا أَعُدّهُ كَاذِباً الرّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، يَقُولُ الْقَوْلَ وَلا يُرِيدُ بِهِ إِلاّ الإصْلاَحَ، وَالرّجُلُ يَقَولُ في الْحَرْبِ، وَالرّجُلُ يُحَدّثُ امْرَأَتَهُ وَالمَرْأَةُ تُحَدّثُ زَوْجَهَا".
__________
وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط القرشية الأموية قاله المنذري "لم يكذب من نمى" بالتخفيف أي رفع الحديث للخير والإصلاح، يقال نميت الحديث بتخفيف الميم إذا رفعه للخير "بين اثنين ليصلح" أي بينهما يعني لا إثم عليه في الكذب بقصد الإصلاح بينهما "فقال خيراً" يعني كلام خير أو قول خير أي لكل من المتخاصمين ما يفيد النصيحة المقتضية إلى الخير أو يقول كلام خير الذي ربما سمعه منه ويدع شره عنه "أو نمى خيراً" أي بلغة لهما ما لم يسمعه منهما من الخير، بأن يقول فلان يسلم عليك ويحبك وما يقول فيك إلا خيراً، ونحو ذلك.
والحديث سكت عنه المنذري.
"والرجل يقول في الحرب" قيل الكذب في الحرب كأن يقول في جيش المسلمين كثرة وجاءهم مدد كثير، أو يقول انظر إلى خلفك فإن فلاناً قد أتاك من ورائك ليضربك. وقال الخطابي: الكذب في الحرب أن يظهر من نفسه قوة ويتحدث بما يقوي به أصحابه ويكيد به عدوه "والرجل يحدث إلخ" أي فيما يتعلق بأمر المعاشرة وحصول الألفة بينهما. قال الخطابي: كذب الرجل زوجته أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه يستديم بذلك صحبتها ويصلح به خلقها.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مختصراً ومطولاً.

(13/179)


59 - باب في الغناء
[باب النهي عن الغناء]
4912- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بِشْرٌ عن خَالِدِ بن ذَكْوَانَ عنِ الرّبَيْعِ بِنْتِ مُعَوّذِ بنِ عَفْرَاءَ قالَتْ: جَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ عَلَيّ صُبَيْحَةَ بُنِيَ بي فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنّي فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِدُفَ لَهُنّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ إِلَى أَنْ قالَتْ إِحْدَاهُنّ: وَفِينَا نَبِيّ يَعْلَمُ مَا في غَدٍ، فقَالَ "دَعِي هَذَا[هذه] وَقُولِي الّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ".
4917- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ مَعمَرٌ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ لِقُدُومِهِ فَرَحاً بِذَلِكَ لَعِبُوا بِحِرَابِهِمْ.
__________
باب في الغناء
بالكسر والمد أي التغني. قال في القاموس: الغناء ككساء من الصوت ما طرب به.
"عن الربيع" بضم الراء وفتح الموحده وتشديد الياء المكسورة "بنت معوذ" بضم الميم وكسر الواو الثقيلة "بن عفران" اسم الأم "صبيحة بني بي" بصيغة المجهول والبناء الدخول بالزوجة "كمجلسك مني" بكسر اللام أي مكانك وجوز الكرماني أن تكون الرواية كمجلسك بفتح اللام أي جلوسك "فجعلت" أي شرعت "جويربات" بالتصغير، قيل المراد بهن بنات الأنصار لا المملوكات يضربن بدف بضم الدال وهو أشهر وأفصح، ويروى بالفتح أيضاً "ويندبن" بضم الدال من الندبة بضما النون وهي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه وتعديد محاسنة بالكرم والشجاعة ونحوها "فقال دعي هذا" أي اتركي ما يتعلق بمدحي الذي فيه الإطراء المنهي عنه "وقولي الذي كنت تقولين":أي من ذكر المقتولين ونحوه. قال المهلب: في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه والربيع بضم الراء المهملة وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف وكسرها وعين مهملة.
"لعبوا حرابهم" أي برماح صغيرة جمع حربة.
والحديث سكت عنه المنذري.
قال الحافظ ابن القيم في إغاثة اللهفان: وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش

(13/180)


وحول وجهه ودخل أبي بكر فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "دعها" ، فلما فرغا غمزتهما فخرجتا" فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر تسمية الغناء مزمار الشيطان وأقرهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب، وكان اليوم يوم عيد فتوسع حزب الشيطان في ذلك إلى صوت امرأة أجنبية أو صبي أمرد صوته وصورته يغني بما يدعو إلى الزنا والفجور وشرب الخمور من آلات اللهو التي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث مع التصفيق والرقص وتلك الهيئة المنكرة التي لا يستحلها أحد، ويحتجون بغناء جويريتين غير مكلفتين بغير شبابة ولا دف ولا رقص ولا تصفيق ويدعون المحكم الصريح لهذا المتشابه وهذا شأن كل مبطل. نعم لا نحرم ولا يكره مثل ما كان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الوجه وإنما نحرم نحن وأهل العلم السماع المخالف لذلك انتهى.

(13/181)


60- باب كراهية الغناء والزمر
4914- حدثنا أحْمَدُ بنُ عُبَيْدِالله[عبد الله] الْغُدَانِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ ابنُ مُسْلِمٍ أخبرنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عنْ سُلَيْمانَ بنِ مُوسَى عنْ نَافِعٍ قالَ: سَمِعَ ابنُ عُمَرَ مِزْمَاراً قالَ فَوَضَعَ إِصْبَعَيِهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَنَأَى عَنِ الطّرِيقِ وَقالَ لِي يَا نَافِعُ هَلْ تَسْمَعُ شَيْئاً قالَ فَقُلْتُ لاَ قالَ فَرَفَعَ إِصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ وَقالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ الله[النبي] صلى الله عليه وسلم،
__________
باب كراهية الغناء والزمر
في القاموس: زمر يزمر زمراً وزمر تزميراً غنى في القصب وهي زامرة وهو زمار وزامر قليل وفعلهما الزمارة كالكتابة، ومزامير داوود ما كان يتغنى به من الزبور وضروب الدعاء جمع مزمار ومزمور، والزمارة كجبانة ما يزمر به كالمزمار
"أحمد بن عبيد الله" بن سهل أبو عبد الله البصري. قال أبو حاتم صدوق "الغداني" بضم المعجمة وفتح المهملة مخففة آخره نون نسبة إلى غدانة بن يربوع ابن حنظلة "أخبرنا الوليد بن مسلم" أبو العباس الدمشقي من رجال الكتب الستة، روى عنه أحمد وإسحاق وابن المديني وأبو خيثمة قال ابن مسهر: يدلس وكان من ثقاة أصحابنا، ووثقه الغجلي ويعقوب بن شيبة. وقد صرح بالتحديث "أخبرنا سعيد بن عبد العزيز" أبو محمد الدمشقي وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي. وقال الحاكم هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة "عن سليمان بن موسى" الزهري الكوفي نزيل دمشق. قال أبو حاتم: محله الصدق صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقاة والله أعلم "فوضع" أي ابن عمر رضي الله عنه "ونأى" أي بعد "وقال لي يا نافع هل تسمع شيئاً فقلت لا" وفي رواية أحمد: يا نافع أتسمع؟ فأقول نعم فيمضي حتى قلت: لا

(13/181)


فَسَمِعَ مِثْلَ هَذَا فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا.
قال أبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
[قال أبو علي اللؤلؤيّ سمعت أبا داود يقول: وهو حديث منكر].
4915- حدثنا مَحَمودُ بنُ خَالِدِ أنبأنا[أخبرنا] أَبي أخبرنا مُطْعِمُ ابنُ المِقْدَامِ
__________
"فصنع مثل هذا" فيه دليل على أن المشروع لمن سمع الزمارة أن يصنع كذلك. واستشكل إذن ابن عمر لنافع بالسماع ويمكن أنه إذا ذاك لم يبلغ الحلم قاله الشوكاني.
قال الخطابي في المعالم: المزمار الذي سمعه ابن عمر هو صفارة الرعاء وقد جاء ذلك مذكوراً في هذا الحديث من غير هذه الرواية، وهذا وإن كان مكروهاً فقد دل هذا الصنع على أنه ليس في غلظ الحرمة كسائر الزمور والمزاهر والملاهي التي يستعملها أهل الخلاعة والمجون ولو كان كذلك لأشبه أن لا يقتصر في ذلك على سد المسامع فقط دون أن يبلغ فيه من النكر مبلغ الردع والتنكيل. انتهى "قال أبو داوود هذا حديث منكر" هكذا قاله أبو داوود ولا يعلم وجه النكارة فإن هذا الحديث رواته كلهم ثقاة وليس بمخالف لرواية أوثق الناس.
وقد قال السيوطي: قال الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي هذا حديث ضعفه محمد بن طاهر وتعلق علي سليمان بن موسى وقد تفرد به وليس كما قال فسليمان حسن الحديث وثقة غير واحد من الأئمة، وتابعه ميمون بن مهران عن نافع وروايته في مسند أبي يعلى ومطعم بن المقدام الصنعاني عن نافع وروايته عند الطبراني، فهذان متابعان لسليمان بن موسى.
واعترض ابن طاهر على الحديث بتقريره صلى الله عليه وسلم على الراعي وبأن ابن عمر لم ينه نافعاً وهذا لا يدل على إباحة لأن المحظور هو قصد الاستماع لا مجرد إدراك الصوت لأنه لا يدخل تحت تكليف، فهو كشم محرم طبياً فإنما يحرم عله قصده لا ما جاءت به ريح لشمه، وكنظر فجأة بخلاف تتابع نظره فمحرم. وتقرير الراعي لا يدل على إباحة لأنها قضية عين فلعله سمعه بلا رؤيته أو بعيداً منه على رأس جبل أو مكان لا يمكن الوصول إليه أو لعل الراعي لم يكن مكلفاً فلم يتعين الإنكار عليه انتهى كلام السيوطي من مرقاة الصعود.
قلت: ورواية ميمون بن مهران ومطعم بن المقدام كلاهما عن نافع هي موجودة عند أبي داوود لكن من رواية ابن داسة وابن الأعرابي وأبي الحسن ابن العبد عن أبي داوود دون رواية اللؤلؤي كما سيجيء.
"حدثنا محمود بن خالد" بن يزيد الدمشقي السلمي وثقة النسائي "أخبرنا أبي" خالد بن

(13/182)


قالَ أخبرنا نَافِعٌ قالَ: كُنْتُ رِدْفَ ابن عمَرَ، إِذْ مَرّ بِرَاعٍ يَزْمُرُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قال أبُو دَاوُدَ: أَدْخِلَ بَيْنَ مُطْعِمٍ وَنَافِعٌ سُلَيْمانُ بنُ مُوسَى.
4916- حدثنا أحْمَدُ بنُ إبْرَاهِيمَ قالَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ الرّقّيّ قالَ أخبرنا أَبُو المَلِيحِ عنْ مَيْمُونٍ عنْ نَافِعٌ قالَ: كُنّا مَعَ ابنِ عُمَرَ، فَسَمِعَ صَوْتَ زَامِرٍ فذكر نَحوَهُ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَهَذَا أنْكَرَهَا.
4917- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قالَ أخبرنا سَلاَمُ بنُ مِسْكِينٍ عن شَيْخٍ شَهِدَ أَبَا وَائِلٍ في وَلِيمَةٍ، فَجَعَلوا يَلْعَبُونَ يَتَلَعّبُونَ يَغنّونَ فَحَلّ أَبُو وَائِلٍ حُبْوَتَهُ، وَقالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ "إِنّ الْغِنَاءَ يُنْبِتُ النّفَاقَ في الْقَلْبِ".
__________
يزيد السلمي الدمشقي وثقة ابن حبان "أخبرنا مطعم بن المقدام" الشامي الصنعاني وثقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وهذا حديث سنده قوي جيد. والحديث ليس من رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكره المنذري في مختصره.
وقال المزي في الأطراف: هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وابن الأعرابي وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم انتهى "أدخل" بصيغة المجهول أي أدخل بعض الرواة بين مطعم ونافع سليمان بن موسى.
قلت: لا مانع أن مطعماً رواه عن سليمان عن نافع ثم رواه عن نافع نفسه.
"حدثنا أحمد بن إبراهيم" بن كثير البغدادي وثقه صالح جزرة وقال أبو حاتم صدوق "قال أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي" أبو عبد الرحمن من رجال الكتب الستة وثقه أبو حاتم "قال أخبرنا أبو المليح" الحسن بن عمرو الرقي قال أحمد ثقة ضابط "عن ميمون" بن مهران الرقي وثقة أحمد والنسائي والعجلي وابن سعد وهذا سند جيد قوي. قال المزي: الحديث من رواية ابن العبد وابن الأعرابي وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم "قال أبو داوود وهذا" الحديث "أنكرها" أي أنكر الرواية.
قلت: ولا يعلم وجه النكارة بل إسناده قوي وليس بمخالف لرواية الثقاة.
"فحل" يقال حللت العقدة حلا من باب قتل "حبوته" أي احتباه. قال في النهاية: يقال احتبى يحتبي احتباء والاسم الحبوة بالكسر والضم ومنه الحديث أنه نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب انتهى "إن الغناء ينبت النفاق في القلب"

(13/183)


قال ابن القيم: أما تسميته منبت النفاق فثبت عن ابن مسعود أنه قال "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع" وقد رواه ابن أبي الدنيا عنه مرفوعاً في كتاب ذم الملاهي والموقوف أصح. وهذا أدل دليل على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأدوائها وأدويتها وأنهم أطباء القلوب.
واعلم أن للغناء خواص فمنها أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب لما بينهما من التضاد، فالقرآن ينهي عن اتباع الهوى ويأمر بالعفة ومجانبة الشهوات وأسباب الغي، والغناء يأمر بضد يأمر بضد ذلك ويحسنه ويهيج النفوس إلى شهوات الغي.
قال بعض العارفين: السماع يورث بعض النفاق في قوم والعناد في قوم والتكذيب في قوم والفجور في قوم، وأكثر ما يورث عشق الصور واستحسان الفواحش وإدمانه يثقل القرآن على القلب ويكرهه على السمع.
وسر المسألة أن الغناء قرآن الشيطان، فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب وهذا معنى النفاق. وأيضاً فإن أساس النفاق أن يخالف الظاهر الباطن، وصاحب الغناء بين أمرين إما أن ينتهك فيكون فاجراً أو يظهر النسك فيكون منافقاً، فإنه يظهر الرغبة في الله والدار الآخرة وقلبه يغلي بالشهوات ومحبة ما ينافي الدين من اللهو والآلات.
وأيضاً فمن النفاق قلة ذكر الله والكسل عند القيام إلى الصلاة ونقر الصلاة، وهذه صفة المفتونين بالغناء.
وأيضاً المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح كما أخبر الله عن المنافقين، وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث أنه يصلحه. والمغني يدعو القلب إلى فتنة الشهوات والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات.
قال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده بلغني عن الثقاة أن صوت المعازف واستماع الأغاني ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب على الماء انتهى كلامه مختصراً من الإغاثة.
وحديث عبد الله بن مسعود ليم من رواية اللؤلؤي. وقال المزي في الأطراف: لم يذكره أبو القاسم وهو في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره انتهى.
قال الشوكاني: قد اختلف في الغناء مع آلة من آلات الملاهي وبدونها، فذهب الجمهور إلى التحريم، وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر وجماعة من الصوفية

(13/184)


إلى الترخيص في السماع ولو مع العود واليراع. كذا قال الشوكاني في النيل، وقد أشبع الكلام في هذه المسألة في ذلك الكتاب إشباعاً حسناً وقال في آخر كلامه: وإذا تقرر جميع ما حررناه من حجج الفريقين فلا يخفى على الناظر أن محل النزاع خرج عن دائرة الحرام لم يخرج عن دائرة الاشتباه، والمؤمنون وقافون عند الشبهات كما صرح به الحديث الصحيح، ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولا سيما إذا كان مشتملاً على ذكر القدود والخدود والجمال والدلال والهجر والوصال فإن سامع ما كان كذلك لا يخلو عن بلية وإن كان من التصلب في ذات الله على حد يقصر عنه الوصف. وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول نسأل الله السداد والثبات.
قلت: وأخرج البخاري في كتاب الأشربة عن عبد الرحمن بن غنم قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول "ليكونن من أمتي أقوام يستحلّون الحر والحرير والخمر والمعازف".
وأخرج ابن ماجه في كتاب الفتن بإسناده صححه ابن القيم عن أبي مالك الأشعري قال: قال الله "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير" انتهى.
والمعازف جمع معزفة وهي آلات الملاهي. ونقل القرطبي عن الجوهري أن المعازف الغناء والذي في صحاحه أنها اللهو وقيل صوت الملاهي. وفي حواشي الدمياطي المعازف الدفوف وغيرها مما يضرب به. ويطلق على الغناء عرف وعلى كل لعب عزف.
وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغببراء وكل مسكر حرام" انتهى.
والكوبة هي الطبل كما رواه البيهقي من حديث ابن عباس.
والغبيراء اختلف في تفسيرها فقيل الطنبور، وقيل العود، وقيل البربط قال ابن الأعرابي الكوبة النرد.
وأخرج الترمذي عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور" رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب.
وأخرج أحمد عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات يعني البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية" والحديث فيه ضعف.

(13/185)


قال ابن القيم في الإغاثة: وتسمية الغناء بالصوت الأحمق والصوت الفاجر فهي تسمية الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم . أخرج الترمذي من حديث ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر قال "خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن عوف إلى النخل فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه فوضعه في حجره ففاضت عيناه فقال عبد الرحمن أتبكي وأنت تنهي الناس؟ قال "إني لم أنه عن البكاء وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة" الحديث قال الترمذي: حديث حسن.
فانظر إلى النهي المؤكد تسمية الغناء صوتاً أحمقاً ولم يقتصر على ذلك حتى سماه مزامير الشيطان. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على تسمية الغناء مزمور الشيطان.
قال ابن القيم رحمه الله: ومن مكائد عدو الله التي كاد بها هو قل نصيبه من العلم والعقل والدين وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين سماع المكاء والتصدية والغناء حتى كانت مزامير الشيطان أحب إليهم من آيات القرآن، وبلغ منهم أمله من الفسوق والعصيان ولم يزل أنصار الإسلام وطوائف الهدى يحذرون من هؤلاء واقتفاء سبيلهم والمشي على طريقتهم المخالفة لإجماع أئمة الدين كما ذكره الإمام أبو بكر الطرطوشي في خطبة كتابه تحريم السماع قال أما مالك فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال إذا اشترى جارية فوجدها مغنية فله أن يردها بالعيب. وسئل عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.
وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب، وكذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم، ولا نعلم خلافاً بين أهل البصرة أيضاً في المنع منه.
وأبو حنيفة أشد الأئمة قولاً فيه ومذهبه فيه أغلظ المذاهب، قد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها المزمار والدف حتى الضرب بالقضيب وأنه معصية يوجب الفسق وترد به الشهادة، بل قالوا التلذذ به كفر. هذا لفظهم. قالوا: ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره.
وقال أبو يوسف في دار يسمع فيها صوت المعازف والملاهي أدخل فيها بغير إذنهم لأن النهي عن المنكر فرض فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض.
وأما الشافعي فقال في كتاب القضاء: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله، كالقاضي أبي الديب الطبري وابن الصباغ. قال الشيخ أبو إسحاق في التنبيه ولا تصح الإجازة على منفعة محرمة كالغناء والزمر وحمل الخمر ولم يذكر فيه خلافاً

(13/186)


وأما الإمام أحمد فقال عبد الله ابنه سألت أبي عن الغناء فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك إنما يفعله عندنا الفساق.
قال عبد الله: وسمعت أبي يقول: سمعت القطان يقول: لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في السماع وأهل مكة في المتعة لكان فاسقاً.
قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله انتهى كلام ابن القيم من الإغاثة مختصراً. وقد أطال الكلام فيه وأجاد.
وفي تفسير الإمام ابن كثير تحت قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} الآية لما ذكر الله تعالى حال السعداء وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب.
أخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن أبي الصهباء أنه سمع عبد الله ابن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} فقال عبد الله بن مسعود الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وعمرو ابن شعيب وعلي بن بذيمة.
وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} في الغناء والمزامير انتهى كلامه مختصراً.
وفي كتاب المستطرف في مادة عجل: نقل القرطبي عن سيدي أبي بكر الطرطوشي رحمها الله تعالى أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان فيقرؤن من القرآن ثم ينشد لهم الشعر فيرقصون ويطربون ثم يضرب لهم بعد ذلك بالدف والشبابة هل الحضور معهم حلال أم حرام؟ فقال: مذهب الصوفية أن هذه بطالة وجهالة وضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذوا العجل، فهذه الحالة هي عبادة العجل، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في جلوسهم كأنما على رؤسهم الطير مع الوقار والسكينة، فينبغي لولاة الأمر وفقهاء الإسلام أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم. هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى انتهى.

(13/187)


61- باب الحكم في المخنثين
4918- حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله وَ مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أَنّ أَبَا أُسَامَةَ أَخْبَرَهُمْ عن مُفَضّلِ بنِ يُونُسَ عنِ الأوْزَاعِيّ عن أَبِي يَسَارٍ الْقُرَشِيّ عن أَبِي هَاشِمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم أُتيَ بِمُخَنّثٍ قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بالْحِنّاءِ، فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم "مَا بَالُ هَذَا"؟ فَقِيلَ يَا رَسُولَ الله يَتَشَبّهُ بالنّسَاءِ، فَأُمِرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النّقِيعِ قالُوا[فقالوا] يَا رَسُولَ الله أَلاَ نَقْتُلُهُ قال:[فقال]: "إِنّي نُهِيتُ عنْ قَتْلِ المُصَلّينَ".
قالَ أَبو أُسَامَةَ وَالنّقِيعُ نَاحِيَةٌ عن المَدِينَةِ وَلَيْسَ بالْبَقِيعِ.
4919- حدثنا أَبُو بَكُرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ عن هِشَامِ ابنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ عنْ أُمّ سَلَمَةَ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا[هم] مُخَنّثٌ وَهُوَ يَقُولُ لِعَبْدِ الله أَخِيهَا: إِنْ يَفْتَحِ الله الطّائِفَ غَداً دَلَلْتُكَ عَلَى امْرَأَةٍ تُقْبِلُ بِأَرْبعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فقَالَ النبي ّصلى الله عليه وسلم "أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ".
__________
باب الحكم في المخنثين
المخنث بكسر النون وفتحها من يشبه النساء في أخلاقه وكلامه وحركاته، فإن كان من أصل الخلقة لم يكن عليه لوم وعليه أن يتكلف إزالة ذلك وإن كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم
"أتي" بصيغة المجهول "فنفى" بالبناء للمفعول أي أخرج "إلى النقيع" بالنون مفتوحة ثم قاف مكسورة موضع ببلاد مزينة على ليلتين من المدينة وهو نقيع الخضمات الذي حماه عمراً ومتغايران كذا في القاموس "إني نهيب عن قتل المصلين" قال المناوي: يعني المؤمنين سماهم به لأن الصلاة أظهر الأفعال الدالة على الإيمان "وليس بالبقيع" أي بالموحدة.
قال المنذري: في إسناده أبو يسار القرشي سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال مجهول، وأبو هاشم قيل هو ابن عم أبي هريرة.
"إن يفتح الله الطائف" أي حصنه "دللتك" وفي رواية البخاري ومسلم: أدلك "على امرأة تقبل بأربع وتدبر بثمان" أي أربع عكن وثمان عكن معناه أن لها أربع عكن تقبل بهن من كل ناحية ثنتان ولكل واحدة طرفان فإذا أدبرت صارت الأطراف ثمانية "أخرجوهم" أي المخنثين "من بيوتكم" قال القاري: الخطاب بالجمع المذكر تعظيماً لأمهات المؤمنين "قال أبو داوود"

(13/188)


قال أبُو دَاوُدَ: المَرْأَةُ كانَ لَهَا أَرْبَعُ عُكَنٍ في بَطْنِهَا.
4920- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم لَعَنَ المُخَنّثِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالمُترَجّلاَتِ مِنَ النّسَاءِ قالَ "وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُم وَأَخْرِجُوا فُلاَناً وَفُلاَناً يَعْنِي المّخَنّثِينَ".
__________
أي مفسراً لقوله تقبل بأربع الخ "كان لها أربع عكن" جمع عكنة بالضم وهو ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمناً.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
والمخنث اسمه هيت بكسر الهاء وسكون الياء آخر الحروف وبعدها تاء ثالث الحروف، هكذا ذكره البخاري وغيره، وقيل اسمه ماتع وقيل إنه هنب بالهاء وبعدها نون ساكنة وباء موحدة وذكر بعضهم أن هيتاً وهنباً وماتعاً أسماء لثلاثة من المخنثين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يُزَنّونَ "يتهمون" بالفاحشة الكبرى إنما كان تأنيثهم ليناً في القول وخضاباً في الأيدي والأرجل كخضاب النساء ولعباً كلعبهم.
والمرأة بادية بباء موحدة وبعد الألف دال مهملة وياء آخر الحروف مفتوحة وتاء تأنيث وقيل فيها بادنة بعد الدال المهملة نون والشهورة بالياء وأبو غيلان ابن سلمة الثفقي الذي وتحته عشر نسوة.
"والمترجلات من النساء" أي المتشبهات بهم زياً وهيئة ومشية ورفع صوت ونحوها لا رأياً وعلماً فإن التشبه بهم محمد، كما روى أن عائشة رضي الله عنها كانت رجلة الرأي أي رأيها كرأي الرجال على ما في النهاية "قال" أي خطاباً عاماً "وأخرجوهم من بيوتكم" قال القاري أي مساكنكم أو بلدكم.
وفي أحاديث الباب منع المخنث من الدخول على النساء ومنعهن من الظهور عليه، وبيان أن له حكم الرجال الفحول الراغبين في النساء في هذا المعنى، وكذا حكم الخصي والمجبوب ذكره.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه. وقد تقدم في كتاب اللباس.

(13/189)


62- باب اللعب بالبنات
4921- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلعَبُ بالْبَنَاتِ فَرُبّمَا دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي الْجَوَارِي فَإِذَا دَخَلَ خَرَجْنَ وَإِذَا خَرَجَ دَخَلْنَ.
4922- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَوْفٍ أخبرنا سَعِيدُ بنُ أَبِي مَرْيَمَ أنبأنا يَحْيَى بنُ أَيّوبَ قالَ حدّثني عُمَارَةُ بنُ غَزِيّةَ أَنّ مُحَمّدَ بنَ إبْرَاهِيمَ حَدّثَهُ عنْ أبِي سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ فَهَبّتِ الرّيحُ[ريح] فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السّتْرِ عنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فقَالَ "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ"؟ قالَتْ بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنّ فَرَسَا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فقَالَ "مَا هَذَا الّذِي أَرَى وَسْطَهُنّ" ؟ قَالَتْ فَرَسٌ، قَالَ "وَمَا هَذَا الّذِي عَلَيْهِ" ؟ قُلْتُ[قالت] جَنَاحَانِ،
__________
باب اللعب بالبنات
جمع البنت والمراد بها اللعب التي تلعب بها الصبية
"كنت ألعب بالبنات" أي باللعب "وعندي الجواري" جمع جارية "فإذا دخل خرجن" أي إذا دخل صلى الله عليه وسلم خرجت تلك الجواري حياء منه وهيبة.
قيل معنى الحديث اللعب مع البنات أي الجواري والباء بمعنى مع.
قال الحافظ: ويرده ما أخرجه ابن عيينة في الجامع في هذا الحديث "وكن جواري يأتين فيلعبن بها معي".
وفي رواية جرير عن هشام "كنت ألعب بالبنات وهن اللعب" أخرجه أبو عوانة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"أو خيبر" شك من الراوي "وفي سهوتها" بفتح السين المهملة أي صفتها قدام البيت وقيل بيت صغير منحدر في الأرض قليلاً شبيه بالمخدع، وقيل هو شبيه بالرف والطاق بوضع فيه الشيء كذا في النهاية "فكشفت" أي أظهرت "ناحية الستر" أي طرفه "لعب" بضم ففتح بدل من بنات أو بيان "ورأى" أي النبي صلى الله عليه وسلم "بينهن" أي بين البنات "له" أي للفرس "من رقاع" بكسر الراء جمع رقعة وهي الخرقة وما يكتب عليه "وسطهن" بالسكون.

(13/190)


قَالَ "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟" قَالَتْ أمَا سَمِعْتَ أَنّ لِسُلَيْمانَ خَيْلاً لَهَا أَجْنِحَةٌ، قَالَتْ: فَضَحِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ.
__________
قال في المصباح: الوسط بالسكون بمعنى بين نحو جلست وسط القوم أي بينهم "قال فرس له جناحان" بحذف الاستفهام "حتى رأيت نواجذه" أي أواخر أسنانه.
واستدل بهذا الحديث والذي قبله على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع لعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن. قال وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ. كذا في فتح الباري.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(13/191)


63- باب في الأرجوحة
4923- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ ح وَأخبرنا بِشْرُ ابنُ خَالِدِ أخبرنا أَبُو أُسَامَةَ قالا أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: إِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَزَوّجَنِي وَأَنا بِنْتُ سَبْعٍ أَوْ سِتٍ فَلَمّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ أَتَيْنَ نِسْوَةٌ، وَقالَ بِشْرٌ فَأَتَتْنِي أُمّ رُومَانَ وَأَنَا عَلَى أَرْجُوحَةٍ فَذَهَبْنَ بِي وَهَيّأْنَنِي وَصَنَعْنَنِي فَأَتَى بِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَبَنَى بِي وَأَنَا ابْنَةُ تِسْعٍ فَوَقَفَتْ بِي عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ هِيهْ هِيهْ.
__________
باب في الأرجوحة
بضم الهمزة هي خشبة يلعب عليها الصبيان والجواري الصغار يكون وسطها على مكان مرتفع ويجلسون على طرفيها ويحركونها، فيرتفع جانب منها وينزل جانب. قاله النووي:
وفي المجمع الأرجوحة حبل يشد طرفاه في موضع عال، ثم يركبه الإنسان ويحرك وهو فيه.
"أخبرنا حماد" هو ابن سلمة "وأخبرنا بشر بن خالد" العسكري "أخبرنا أبو أسامة" هو حماد بن أسامه "فأتتني أم رومان" بضم الراء وسكون الواو هي أم عائشة رضي الله عنهما "فهيأنني وصنعنني" وفي رواية مسلم وكذا في الرواية الآتية فغسلن رأسي وأصلحنني وضمير الجمع يرجع إلى النسوة "فبنى بي" أي دخل بي "وأنا ابنة تسع" الواو للحال "فوقفت بي" الباء للتعدية أي أوقفتني أم رومان "فقلت هيه هيه" وفي رواية مسلم فقلت هه هه حتى ذهب نفسي.
قال النووي: بإسكان الهاء الثانية وهي كلمة يقولها المبهور حتى يتراجع إلى حال سكونه.

(13/191)


قال أبُو دَاوُدَ: أَيْ تَنَفّسْتُ، فَأُدْخِلْتُ[فأدخلنني] بَيْتاً فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأنْصَارِ فَقُلْنَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ. دَخَلَ حدِيثُ أَحَدِهِما في الآخر.
4924- حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا أُبو أُسَامَةَ مِثْلَهُ قالَ: عَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَسَلّمَتْنِي إِلَيْهِنّ فَغَسَلْنَ رَأْسِي وَأَصْلَحْنَنِي، فَلَمْ يَرَعْنِي إِلاّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ضُحىً فَأَسْلَمْنَنِي إِليْهِ.
4925- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: فَلمّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ جَاءَنِي نِسْوَةٌ وَأَنَا أَلْعَبُ عَلَى أُرْجُوحَةِ وَأَنَا مُجَمّعَةٌ فَذَهَبْنَ بِي فَهَيّأْنَنِي وَصَنّعْنَنِي ثُمّ أَتَيْنَ بِي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ[ابنة] تِسْعِ سِنِينَ.
4926- حدثنا بِشْرُ بنُ خَالِدٍ حدّثْني[أنبأنا- أخبرني] أَبُو أُسَامَةَ أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ بإِسْنَادِهِ في هَذَا الْحَدِيثِ قالَتْ: وَأَنَا عَلَى الأرْجُوحَةِ وَمَعِيَ صَوَاحِبَاتِي، فأَدْخَلْنَنِي بَيْتاً فإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأنْصَارِ فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ.
4927- حدثنا عُبَيْد الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا مُحَمّدٌ - يَعْني ابنَ عَمْرٍو عن يَحْيَى - يَعْني ابنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ حَاطِبٍ - قالَ قالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا[قدمنا] المَدِينَةَ فَنَزَلْنَا في بَنِي الْحَارِثِ بنِ الْخَزْرَجِ، قَالَتْ: فَوَالله إِنّي لَعَلَى أُرْجُوحَةٍ بَيْنَ
__________
"قال أبو داوود" أي مفسراً لقولها فقلت هيه هيه "فأدخلت" أي أم رومان "فقلن" أي لأم رومان ومن معها وللعروس "على الخير والبركة" أي قدمتن "دخل حديث أحدهما" ضمير التثنية يرجع إلى موسى بن إسماعيل وبشر بن خالد.
"على خير طائر" الطائر الحظ أي على أفضل حظ "فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي لم يفجأني ويأتني بغتة إلا هذا "ضحى" أي في وقت الضحى.
قال المزي: هذا الحديث أخرجه أبو داوود في الأدب عن بشر بن خالد العسكري وإبراهيم بن سعيد الجوهري كلاهما عن أبي أسامة حماد بن أسامة وحديث إبراهيم بن سعيد في رواية أبي سعيد بن الأعرابي وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم انتهى.
"وأنا مجممة" أي وكان لي جمة وهي الشعر النازل إلى الأذنين ونحوهما.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه مختصراً ومطولاً وقد تقدم في كتاب النكاح مختصراً.

(13/192)


عِذْقَيْنِ فَجَاءَتْنِي أُمّي فأَنْزَلَتْنِي وَلِي جُمَيْمَةٌ" وَسَاقَ الحدِيثَ.
__________
"بين عذقين" أي بين نخلتين.
قال الخطابي: العذق بفتح العين النخلة والعذق بكسرها الكباسة "الكباسة بالكسر العذق كذا في القاموس" "ولي جميمة" تصغير الجمة من الشعر أي صار إلى حد الجمة بعد أن كان قد ذهب بالمرض "وساق الحديث" أي السابق.
والحديث سكت عنه المنذري. وأحاديث الباب تدل على جواز اللعب على الأرجوحة للصبيان والجواري.

(13/193)


64- باب في النهي اللعب بالنرد
4928- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن مُوسَى بنِ مَيْسَرَةَ عن سَعِيدٍ بنِ أَبِي هِنْدٍ عن أَبِي مُوسَى الاشْعَرِيّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ لَعِبَ بالنّرْدِ فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ".
4929- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ عن أَبِيهِ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ لَعِبَ بالنّرْدَشِيرِ فكَأَنّمَا غَمَسَ يَدَهُ في لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ".
__________
باب في النهي عن اللعب بالنرد
بفتح النون وسكون الراء لعب معروف ويسمى الكعاب والنردشير
"من لعب بالنرد الخ" فاللعب به حرام.
قال العزيزي: لأن التعويل فيه على ما يخرجه الكعبان أي الحصا ونحوه فهو كالأزلام.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"من لعب بالنردشير" بكسر الشين وسكون التحتية بعدها راء.
قال النووي: النردشير هو النرد، فالنرد عجمي معرب، وشير معناه حلو.
"فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه" أي أدخلها فيهما.
وفي رواية مسلم "صبغ مكان غمس".
قال النووي: أي في حال أكله منهما، وهو تشبيه لتحريم اللعب بالنرد بتحريم أكلهما.
قال: والحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد، وأما الشطرنج فمذهبنا أنه مكروه ليس بحرام وهو مروي عن جماعة من التابعين.
وقال مالك وأحمد حرام. قال مالك هو شر من النرد وألهى عن الخير.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه.

(13/193)


65- باب في اللعب بالحمام
4930- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن مُحَمّد بن عَمْرٍو عن أَبِي سَلَمَةَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلاً يَتْبَعُ حَمَامَةً فقَالَ: "شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً".
__________
باب في اللعب بالحمام
بالفتح والتخفيف يقال له يقع على الذكر والأنثى والهاء فيه على أنه واحد من جنس لا للتأنيث كذا في الصراع بالفارسية كبوتر "يتبع حمامة" أي يقفو أثرها لاعباً بها "فقال الشيطان يتبع شيطانه" إنما سماه شيطاناً لمباعدته عن الحق واشتغاله بما لا يعنيه وسماها شيطانة لأنها أورثته الغفلة عن ذكر الله.
قال النووي: اتخاذ الحمام للفرخ والبيض أو الأنس أو حمل الكتب جائز بلا كراهة، وأما اللعب بها للتطير فالصحيح أنه مكروه، فإن انضم إليه قمار ونحوه ردت الشهادة كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وفي إسناده محمد بن علقمة الليثي وقد استشهد به مسلم وثقة يحيى بن معين ومحمد بن يحيى وقال ابن معين مرة ما زال الناس يتقون حديثه وقال السعدي ليس بالقوى وغمزه الإمام مالك. وقال ابن المديني سألت يحيى يعني القطان عن محمد بن عمرو بن علقمة كيف هو قال تريد العفو أو تشدد؟ قلت بل أتشدد قال فليس هو ممن تريد.

(13/194)


66- باب في الرحمة
4931- حدثنا مُسَدّدٌ وَ أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ المَعْنَى قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن عمْرٍو عن أَبِي قَابُوسَ مَوْلَى لِعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو يَبْلُغُ بِهِ النبي صلى الله عليه وسلم: "الرّاحِمُونَ يَرْحُمُهُمُ الرّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الأرْضِ يَرْحَمُكُم مَنْ في السّماءِ" لَمْ يَقُلْ
__________
باب في الرحمة
"عن أبي قابوس" غير منصرف للمعجمة والعلمية قطع بهذا غير واحد ممن يعتمد عليه كذا في مرقاة الصعود "الراحمون" أي لمن في الأرض من آدمي وحيوان لم يؤمر بقتله بالشفقة عليهم والإحسان إليهم "يرحمهم الرحمن" أي يحسن إليهم ويتفضل عليهم. والرحمة مقيدة

(13/194)


مُسَدّدٌ مَوْلَى عَبْدِ الله ابنِ عَمْرٍو، وقالَ قالَ النبي صلى الله عليه وسلم.
4932- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قالَ أخبرنا ح وأخبرنا ابنُ كَثِيرٍ أنبأنا شُعْبَةُ[قال: أخبرنا شعبة ح وأخبرنا ابن كثير أنبأنا شعبة] قال: كَتَبَ إِلَيّ مَنْصُورٌ قالَ ابنُ كَثِيرٍ في حَدِيثِهِ وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ أَقُولُهُ حدّثني مَنْصُورٌ فقَالَ إِذَا قَرَأْتَهُ عَلَيّ فَقَدْ حَدّثْتُكَ بِهِ ثُمّ اتّفَقَا عن أَبِي عُثْمانَ مَوْلَى المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم الصّادِقَ المَصْدُوقَ صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ يقُولُ: "لاتُنْزَعُ الرّحْمَةُ إِلاّ مِنْ شَقِيّ".
__________
باتباع الكتاب والسنة، فإقامة الحدود والانتقام لحرمة الله تعالى لا ينافي كل منهما الرحمة "ارحموا أهل الأرض يرحمكم" بالجزم جواب الأمر "من في السماء" هو الله تعالى . وفي السراج المنير وقد روى بلفظ ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والمراد بأهل السماء الملائكة ومعنى رحمتهم لأهل الأرض دعاؤهم لهم بالرحمة والمغفرة كما قال تعالى {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} "وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أي لم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أبو بكر في روايته بل قال مكانه قال النبي صلى الله عليه وسلم واعلم أن هذا الحديث المسلسل بالأولية قال ابن الصلاح في مقدمته: قلما تسلم المسلسلات من ضعف أعني في وصف التسلسل لافي أصل المتن، ومن المسلسل ما ينقطع تسلسله في وسط إسناده وذلك نقص فيه وهو كالمسلسل بأول حديث سمعته على ما هو الصحيح في ذلك انتهى. قال المنذري:وأخرجه الترمذي أتم منه وقال حسن صحيح.
"قال" أي شعبة "كتب إلى منصور" هذا الحديث "قال ابن كثير في حديثه" عن شعبة أي بعد قوله كتب إلى منصور "وقرأته" أي الحديث أي بعد ما كتب إلى "عليه" أي على منصور "قلت" هذه مقولة شعبة ولفظ الترمذي في كتاب البر والصلة حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داوود، حدثنا شعبة قال كتب به إلى منصور وقرأته عليه سمع أبا عثمان مولى المغيرة بن شعبة عن أبي هريرة الحديث "أقوله حدثني منصور" بحذف الاستفهام أي قلت لمنصور هل أقول فيما قرأته عليك لفظة حدثني منصور "فقال" أي منصور "إذا قرأته" بصيغة الخطاب "على فقد حدثتك" بصيغة المتكلم.
واعلم أن القراءة على الشيخ أحد وجوه التحمل عند الجمهور، ورجحها بعضهم على السماع من لفظ الشيخ، وذهب جمع جم منهم البخاري وحكاه في أوائل صحيحه عن جماعة من الأئمة إلى أن السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه يعني في الصحة والقوة سواء "ثم اتفقا" أي حفص وابن كثير "الصادق" أي في أقواله وأفعاله "المصدوق" أي المشهود بصدقه في قوله

(13/195)


4933- حدثنا أَبُو بَكْرٍ بنُ شَيْبَةَ وَ ابنُ السّرْحِ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ أَبِي نَجِيحِ عن ابنِ عَامِرٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو يَروِيهِ قالَ ابنُ السّرْحِ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنّا".
__________
تعالى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} "لا تنزع" بصيغة المجهول أي لا تسلب الشفقة على خلق الله ومنهم نفسه التي هي أولى بالشفقة والمرحمة عليها من غيرها، بل فائدة شفقته على غيره راجعة إليها لقوله تعالى {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ} "إلا من شقي" أي كافر أو فاجر يتعب في الدنيا ويعاقب في العقبى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن وأبو عثمان لا نعرف اسمه وقال هو والد موسى ابن أبي عثمان الذي روى عنه أبو الزناد انتهى.
وقال المزي وابن حجر أبو عثمان مولى المغيرة بن شعبه هو سعيد التبان انتهى.
"ويعرف" بالجزم "حق كبيرنا" أي بما يستحقه من التعظيم والتبجيل "فليس منا" أي من أهل سنتنا، وقيل أي من خواصنا وهو كناية عن التبرئة.
قال المنذري: قال الحافظ أبو القاسم الدمشقي أظنه عبيد بن عامر أخا عروة ابن عامر.

(13/196)


67- باب في النصيحة
4934- حدثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ حدثنا سُهَيْلُ بنُ أَبِي صَالحٍ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ عن تَمِيمٍ الدّارِيّ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الدّينَ النّصِيحَةُ، إِنّ الدّينَ النّصِيْحةُ، إِنّ الدّينَ النّصِيحَةُ" قالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: "لله وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَأَئِمّةِ المُؤْمِنِينَ وَعَامّتِهِمْ، أَوأَئِمّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامّتِهِمْ".
__________
باب في النصيحة
"إن الدين النصيحة الحديث" قال الخطابي في المعالم: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة يحصرها ويجمع معناها غيرها. وأصل النصيحة في اللغة الخلوص، يقال نصحت العسل إذا أخلصته من الشمع، فمعنى نصيحة الله عز وجل الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتاب الإيمان به والعمل بما فيه، والنصيحة لرسوله عليه السلام التصديق بنبوته، وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه، والنصيحة لأئمة المسلمين أن يطيعهم في الحق وأن لا يرى الخروج عليهم بالسيف إذا جاروا، والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم، وإرادة الخير لهم "أو أئمة المسلمين" شك من الراوي.

(13/196)


4935- حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنِ أخبرنا خَالِدٌ عن يُونُسَ عن عَمْرِو ابنِ سَعِيدٍ عن أَبِي زُرْعَةَ بنِ عَمْرِو بنِ جَرِيرٍ عن جَرِيرٍ قالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ وَأَنْ أَنْصَحَ لِكُلّ مُسْلِمٍ قالَ فَكَانَ[وكان] إِذَا بَاعَ الشّيْءَ أَوْ اشْتَرَاهُ قالَ: "أَمَا إِنّ الّذِي أَخَذْنَا مِنْكَ أَجَبّ إِلَيْنَا مِمّا أَعْطَيْنَاكَ فَاخْتَرُ".
__________
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"وأن أنصح" بصيغة المتكلم أي وعلى النصح لكل مسلم "قال" أي أبو زرعة "فكان" أي جرير "إذا باع الشيء الخ" قال الحافظ: وروى الطبراني في ترجمته يعني جريراً أن غرمه اشترى له فرساً بثلاث مائة، فلما رآه جاء إلى صاحبه فقال: إن فرسك خير من ثلاث مائة فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمان مائة.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي المسند منه من حديث عامر الشعبي عن جرير.

(13/197)


68- باب في المعونة للمسلم
4936- حدثنا أَبُو بَكْرٍ وَ عُثْمانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ المَعْنَى قالا أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ قالَ عُثْمانُ وَ جَرِيرٌ الرّازِيّ ح وأخبرنا وَاصِلُ بنُ عَبْدِ الأعْلَى أخبرنا أَسْبَاطٌ عن الأعمَشِ عن أَبِي صَالحٍ وَقالَ وَاصِلٌ قال: حُدّثْتُ عن أَبِي صَالحٍ ثُمّ اتّفَقُوا عن أَبِي
__________
باب في المعونة للمسلم
"أخبرنا أبو معاوية" الضرير محمد بن خازم "قال عثمان" بن أبي شيبة "وجرير الرازي" أي حدثنا أبو معاوية وجرير بن عبد الحميد الرازي، وأما أبو بكر فقد اقتصر على رواية أبي معاوية فقط "ثم اتفقوا" أي أبو معاوية الضرير وجرير بن عبد الحميد وأسباط بن محمد.
والحاصل أن أبا بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.
وقال عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية وجرير كلاهما عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وقال واصل بن عبد الأعلى أخبرنا أسباط عن الأعمش قال حدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة.
قلت: قال الترمذي في كتاب الحدود حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة فذكره

(13/197)


هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ نَفّسَ عنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبَ الدّنْيَا نَفّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسّرَ الله عَلَيْهِ في الدّنْيا وَ الآخرة، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ الله عَلَيْهِ في الدّنْيا وَ الآخرة، وَالله في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ".
قال أبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرْ عُثْمانُ عن أَبِي مُعَاوِيَةَ "وَمَنْ يَسّرَ عَلَى مُعْسِرٍ".
4937- حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن أَبِي مَالِكٍ الأشْجَعِيّ عن رِبْعِيّ بنِ حِرَاشٍ عن حُذَيْفةَ قالَ قالَ نَبِيّكُم صلى الله عليه وسلم: "كُلّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ".
__________
قال الترمذي: هكذا روى غير واحد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو رواية أبي عوانة وروى أسباط ابن محمد عن الأعمش قال حدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. حدثنا بذلك عبيد بن أسباط بن محمد قال حدثني أبي عن الأعمش بهذا الحديث انتهى.
وأخرج مسلم في كتاب الدعوات والأذكار من صحيحه عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة طرق متصلاً ومن غير طريق أبي معاوية أيضاً والله أعلم "من نفس" بتشديد الفاء أي أزال وكشف "كربة" بضم الكاف وسكون الراء أي الخصلة التي يحزن بها، وجمعها كرب بضم ففتح "ومن ستر على مسلم" أي بدنه أو عيبة بعدم الغيبة له، والذب عن معائبه.
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وليس في حديث مسلم قوله: "ومن ستر على مسلم".
"كل معروف صدقة" أي كل ما يفعل من أعمال الخير والبر فثوابه كثواب من تصدق بالمال والحديث سكت عنه المنذري.

(13/198)


69- باب في تغيير الأسْماء
4938- حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قالَ أنبأنا ح وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا هُشَيْمٌ عن دَاوُدَ بنِ عمْرٍو عن عَبْدِ الله بنِ أَبِي زَكَرِيّا عن أَبِي الدّرْدَاءِ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّكُم تُدْعَونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُم وَأَسْمَاءِ آبَائِكُم فأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُم".
__________
باب في تغيير الأسماء
"إنكم تدعون" بصيغة المجهول أي تنادون "باسمائكم وأسماء ابائكم" وروى الطبراني

(13/198)


قال أبُو دَاوُدَ: ابنُ أَبِي زَكَرِيّا لَمْ يَدْرِكْ أَبَا الدّرْدَاءِ.
4939- حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ زِيَادٍ سَبَلاَنَ أخبرنا عَبّادُ بنُ عَبّادٍ عن عُبَيْدِ الله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَحَبّ الأسْمَاءِ إِلَى الله عَزّ وَجَلّ عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرّحْمَنِ".
__________
بسند ضعيف كما قاله ابن القيم في حاشية السنن عن ابن عباس أن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً منه على عباده.
قال العلقمي: ويمكن الجمع بأن حديث الباب فيمن هو صحيح النسب وحديث الطبراني في غيره، أو يقال: تدعي طائفة بأسماء الآباء، وطائفة بأسماء الأمهات "فأحسنوا أسمائكم" أي أسماء أولادكم وأقاربكم وخدمكم.
قال المنذري: عبد الله بن أبي زكريا كنيته أبو يحيى خزاعي دمشق ثقة عابد لم يسمع من أبي الدرداء. فالحديث منقطع، وأبوه أبو زكريا إسمه إياس ابن مرئد.
"إبراهيم بن زياد سبلان" قال في التقريب: إبراهيم بن زياد البغدادي المعروف بسبلان بفتح المهملة والموحدة ثقة "أحب الأسماء الحديث" فيه التسمية بهذين الإسمين وتفضيلهما على سائر ما يسمى به.
__________
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وفي هذا الحديث رد على من قال إن الناس يوم القيامة إنما يدعون بأمهاتهم لا آبائهم وقد ترجم البخاري في صحيحه لذلك فقال باب يدعى الناس بآبائهم وذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الغادر يرفع له لواء يوم القيامة يقال له هذه غدرة فلان بن فلان".
واحتج من قال بالأول بما رواه الطبراني في معجمه من حديث سعيد بن عبد الله الأودي قال شهدت أبا أمامة وهو في النزع قال إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيبه ثم يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا رحمك الله" فذكر الحديث وفيه فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه قال "فلينسبه إلى أمه حواء فلان بن حواء".
ولكن هذا الحديث متفق على ضعفه فلا تقوم به حجة فضلا عن أن يعارض به ما هو أصح منه وفي الصحيحين عن أبي موسى قال ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة.
زاد البخاري "ودعا له بالبركة ودفعه إلى وكان أكبر ولد أبي موسى".

(13/199)


4940- حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعِيدٍ الطّالَقَانِيّ أخبرنا[أنبأنا] مُحَمّدُ بنُ المُهَاجِرِ الأنْصَارِيّ قالَ حدّثني عَقِيلُ بنُ شَبِيبٍ عن أَبي وَهْبٍ الْجُشَمِيّ - وكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قالَ قالَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: "تَسَمّوا بِأَسُمَاءِ الأنْبِيَاءِ، وَأَحَبّ الأسْمَاءِ إِلَى الله عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرّحْمَنِ وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرّةَ".
4941- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ قالَ: "ذَهَبْتُ بِعَبْدَ الله بنِ أَبِي طَلْحَةَ أَلَى النبي صلى الله عليه وسلم حِينَ وُلِدَ وَالنبي صلى الله عليه وسلم في عَبَاءَةٍ يَهْنَأُ بَعِيراً لَهُ، قالَ: "هَلْ مَعَكَ تَمَرْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَنَاوَلْتُهُ تَمَرَاتٍ فأَلْقَاهُنّ في فِيهِ فَلاَكَهُنّ ثُمّ فَغَرَفَاهُ فأَوْجَزَهُنّ إِيّاهُ فَجَعَلَ الصّبِيّ يَتَلَمّظُ، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "حُبّ الأنْصَارِ التّمْرَ وَسَمّاهُ عَبْدُ الله".
__________
قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"حدثني عقيل بن شبيب" بفتح العين وثقة ابن حبان "وأصدقها حارث وهمام" فإن الأول بمعنى الكاسب والثاني فعال من هم يهم فلا يخلو إنسان عن كسب وهم بل عن هموم "وأقبحها حرب ومرة" لما في حرب من البشاعة وفي مرة من المرارة. وكان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن والإسم الحسن.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"في عباءة" أي كان لابسها "يهنأ" أي أعطيته "في فيه" أي في فمه الشريف "فلا كهن" أي مضغهن، واللوك مضغ الشيء الصلب "ثم فغر" بالفاء والغين المعجمة أي فتح "فاه" أي فم عبد الله "فأوجرهن إياه" أي أدخل التمرات الملوكة في فمه "يتلمظ" أي يحرك لسانه ويدير في فيه ليتتبع ما فيه من آثار التمر "حب الأنصار التمر" قال النووي: روى بضم الحاء وكسرها فالكسر بمعنى المحبوب وعلى هذا هو مبتدأ وخبر، والضم بمعنى المصدر وعلى هذا ففي إعرابه وجهان النصب في اللفظين وهو الأشهر أي انظروا حب الأنصار التمر، والرفع في الأول والنصب في الثاني، أي حب الأنصار التمر لازم أو عادة من صغرهم. انتهى ملخصاً.
وفي الحديث فوائد منها تسمية المولود بعبد الله، وتحنيكه عند ولادته وهو سنة بالإجماع.
قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(13/200)


70- باب في تغيير الاسم القبيح
4942- حدثنا أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَ مُسَدّدٌ قالا أخبرنا يَحْيَى عن عُبَيْدِ الله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم غَيّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وقالَ: "أَنْتِ جَمِيلَةٌ".
4943- حدثنا عِيسَى بنُ حَمّادٍ أنبأنا الّليْثُ عن يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبٍ عن مُحَمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَطَاءٍ: أَنّ زيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ سَأَلَتْهُ: مَا سَمّيْتَ ابْنَتَكَ؟ قالَ: سَمّيْتُهَا بَرّةَ، فقالَتْ: إِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ هَذَا الاسْمِ، سُمّيتُ بَرّةَ فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تُزَكّوا أَنْفُسَكُم، الله أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرّ مِنْكُم" ، فقَالَ: ما نُسَمّيهَا؟ قالَ: "سَمّوهَا زَيْنَبُ".
4944- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بِشْرٌ - يَعني ابنَ المُفَضّلِ - حدّثني بَشِيرُ بنُ مَيْمُونٍ عن عَمّهِ أُسَامَةَ بنِ أُخْدَريّ: "أَنّ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ كَانَ في النّفَرِ الّذِينَ أَتُوْا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا اسْمُكَ" ؟ قالَ: أَنَا أَصْرَمُ، قالَ. "بَلْ أَنْتَ زُرْعَةَ".
__________
باب في تغيير الاسم القبيح
"غير اسم عاصية الخ" قيل كانوا يسمون بالعاص والعاصية ذهاباً إلى معنى الإباء عن قبول النقائص والرضا بالضيم " يعني العيب والنقص" فلما جاء الإسلام نهوا عنه، ولعله لم يسمها مطيعة مع أنها ضد العاصية مخافة التزكية.
وقال في النهاية: إنما غيره لأن شعار المؤمن الطاعة والعصيان ضدها انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"إن زينب" هي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم "سألته" أي محمد بن عمرو "سميت" بصيغة المجهول أي سماني أهلي "برة" بفتح الموحدة والراء المشددة من البر "لا تزكوا أنفسكم" تزكية الرجل نفسه ثناؤه عليها "الله أعلم بأهل البر منكم" البراسم لكل فعل مرضي "قال سموها زينب" في القاموس زنب كفرح سمن والازنب السمين وبه سمين وبه سميت المرأة زيب، أو من الزيب لشجر حسن المنظر طيب الرائحة أو أصلها زين اب.
قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"حدثني بشير بن ميمون" بفتح الموحدة وكسر المعجمة "أسامة بن أخدري" بفتح همزة وسكون خاء وفتح دال مهملة وكسر راء وياء مسددة "قال أنا أصرم" من الصرم بمعنى

(13/201)


4945- حدثنا الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ عن يَزِيدَ - يَعني ابنَ المِقْدَامِ ابنِ شُرَيْحٍ - عن أَبِيهِ عن جَدّهِ شُرَيْحٍ عن أَبِيهِ هَانِيءِ: أَنّهُ لَمّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ فَدَعَاهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: "إِنّ الله هُوَ الْحَكَمْ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ"؟ فقالَ: إِنّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا في شَيْءِ أَتُوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَا أَحْسَنَ هَذَا فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ"؟ قالَ: لِي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ الله. قالَ: "فَمنْ أَكْبَرّهُمْ"؟ قالَ قُلْتُ: شُرَيْحٌ قالَ: "فأَنْتَ أَبُو شُرَيْحِ".
[قال أبو داود: شريح هذا هو الذي كسر السلسلة، وهو ممن دخل تستر.
قال أبو داود: وبلغني أن شريحا كسر باب تستر، وذلك أنه دخل من سرب].
__________
القطع "بل أنت زرعة" بضم زاء وسكون راء مأخوذ من الزرع، وهو مستحسن بخلاف أصرم، لأنه منبيء عن انقطاع الخير والبركة، فبادله به.
قال المنذري: قال أبو القاسم البغوي: أسامة بن أخدري سكن البصرة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً. هذا آخر كلامه.
وأخدري بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وبعدها دال مهملة مفتوحة وراء مهملة مكسورة وياء النسب. والأخدري: الحمار الوحشي، ويشبه أن يكون سمي به.
"شريح" بالتصغير "هانيء" بكسر النون بعدها همزة "وفد" أي جاء "سمعهم" أي سمع صلى الله عليه وسلم قوم هانيء "يكنونه" بتشديد النون مع ضم أوله وتخفيف مع فتح أوله "بأبي الحكم" بفتحتين بمعنى الحاكم "فدعاه" أي هانئاً "إن الله هو الحكم وإليه الحكم" أي منه يبتدأ الحكم وإليه ينتهي الحكم، وفي إطلاق أبي الحكم على غيره يوهم الإشتراك في وصفه على الجملة وإن لم يطلق عليه سبحانه أبو الحكم كذا في المرقاة.
وفي شرح السنة: الحكم هو الحاكم الذي إذا حكم لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله تعالى ومن أسمائه الحكم "فقال إن قومي" استئناف تعليل "ما أحسن هذا" أي الذي ذكرته من وجه التكنية وأتى بصيغة التعجب مبالغة في حسنة لكن لما كان فيه من الإيهام ما سبق أراد تحويل كنيته إلى ما يناسبه فقال فمالك الخ "فأنت أبو شريح" أي رعاية الأكبر سناً، وفيه أن الأولى أن يكنى الرجل بنية.
قال القاري: فصار ببركته صلى الله عليه وسلم أكبر رتبة وأكثر فضلاً، فإنه من أجلة أصحاب علي رضي الله عنه قاضياً وخالفه في قبول شهادة الحسن له. والقضية مشهورة انتهى.

(13/202)


4946- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِي عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم: قالَ :"ما اسمك"؟ قال: حَزْنٌ. قالَ: "أَنْتَ سَهْلٌ". قالَ: لاَ. السّهْلُ يُوطَأُ وَيُمْتَهَنُ. قالَ "سَعِيدٌ" فَظَنَنْتُ أَنّهُ سَيُصِيبُنَا بَعْدَهَ حُزُونَهٌ.
قال أبُو دَاوُدَ: وغيّرَ النبي صلى الله عليه وسلم اسْمَ الْعَاصِ وَعَزِيزٍ وَعَتَلَةَ وَشَيْطَانٍ وَالْحَكَمِ وَغُرَابٍ وحُبابٍ وَشِهَابٍ فَسَمّاهُ هِشَاماً، وَسَمّى حَرْباً سَلْماً وَسَمّى المُضْطَجِعَ المُنْبَعِثُ، وَأَرْضاً تُسَمّى عَفِرَةَ سَمّاها خَضِرةَ، وشَعْبَ الضّلالَةِ سَمّاهُ شَعْبَ الهُدى وبنو الزّيْنَةِ سَمّاهُمْ بَنِي الرّشْدَةِ، وَسَمّى بَنِي مُغْوِيَةَ بَنِي رِشْدَةَ.
__________
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"قال حزن" بفتح المهملة وسكون الزاي أي اسمي حزن.
قال في القاموس: الحزن ما غلط من الأرض، والسهل من الأرض ضد الحزن انتهى.
قال الحافظ: واستعمل في الخلق يقال في فلان حزونة أي في خلقه غلظة وقساوة "قال لا" وفي رواية البخاري لا أغير إسماً سمانيه أبي "السهل يوطأ" أي يداس بالأقدام "ويمتهن" أي يهان "سيصيبنا بعده حزونة" أي صعوبة الخلق على ما ذكره السيوطي.
قال المنذري: وأخرجه البخاري وفيه قال ابن المسيب فما زالت الحزونة فينا بعد وجده هو حزن أبي وهب القرشي المخزومي له صحبة.
"قال أبو داوود وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص" لأنه من العصيان والمفهوم من القاموس، أنه معتل العين، فلعل التغيير لأجل الاشتباه اللفظي "والحكم" فمن الله هو الحكم "وغراب" لأن معناه البعد وقيل لأنه أخبث الطيور لوقوعه على الجيف وبحثه عن النجاشات "وحباب" بضم المهملة والموحدتين لأنه اسم الشيطان ويقع على الحية أو نوع منها "وشهاب" بكسر الشين لأنه شعلة نار ساقطة.
قال القاري: والظاهر أنه إذا أضيف إلى الدين مثلاً لا يكون مكروهاً "فسماه" أي الشهاب "وأرضاً تسمى عفرة" بفتح عين وكسر فاء وهي من الأرض ما لا تنبت شيئاً، وفي بعض النسخ عقرة بالقاف "وبنو الزنية" بكسر الزاي وسكون النون بمعنى الزنا.

(13/203)


قال أبُو دَاوُدَ: تَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا لِلاخْتِصَارِ.
4947- حدثنا أَبُو بَكْرٍ - يَعْني ابنَ أَبِي شَيْبَةَ - أخبرنا هَاشِمُ بنُ الْقَاسِمِ أخبرنا أَبُو عَقِيلِ أخبرنا مُجَالِدُ بنُ سَعِيدٍ عن الشّعْبِيّ عن مَسْرُوقٍ قال: لَقِيتُ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ فقالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ[فقلت]: مَسْرُوقُ ابنُ الأجْدّعِ، فقالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الأجْدَعُ شَيْطَانٌ".
4948- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا مَنْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عن رَبِيعِ بنِ عُمَيْلَةَ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُسَمّيَنّ غُلاَمَكَ يَسَاراً وَلا رَبَاحاً[رباحا ولا يسارا] وَلا نَجِيحاً وَلا أَفْلَحَ، فإِنّكَ تَقُولُ: أَثَمّ هُوَ، فَيَقُولُ: لا إِنّمَا هُنّ أَربَعٌ فَلاَ تَزِيدَنّ عَلَيّ".
4949- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا المُعْتَمِرُ قالَ سَمِعْتُ الرّكَيْنَ يُحَدّثُ عن أَبِيهِ عن سَمُرَةَ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نُسَمّيَ[يسمى] دَقِيقَنَا أَرْبَعَةَ أَسْمَاءِ: أَفْلَحَ وَيَسَاراً وَنَافِعاً وَرَبَاحاً.
4950- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ عن الأعمَشِ عن أَبِي سُفْيَانَ عن جَابِرٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ الله تعالى أَنْهَى [أن
__________
"الأجدع شيطان" أي اسم شيطان من الشياطين.
قال المنذري: في إسناده مجالد بن سعيد وفيه مقال.
"لا تسمين" الخطاب عام لكل من يصلح "غلامك" ولدك أو عبدك "يساراً" من اليسر ضد العسر "ولا رباحاً" من الربح ضد الخسارة "ولا نجيحاً" من النجح وهو الظفر "ولا أفلح" من الفلاح وهو الفوز "أثم هو" أي أهناك المسمى بأحد هذه الأسماء المذكورة "فيقول" أي المجيب "لا" أي ليس هناك يسار أو لا رباح عندنا مثلاً، فلا يحسن مثل هذا التفاؤل "إنما هن أربع الخ" هذا قول سمرة يقول هذه الأسماء أربع فلا تزد عليها افتراء علي.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسمي رقيقنا الخ" قد سبق علة النهي في الحديث السابق.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه.
"إن عشت الحديث" ولفظ مسلم أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهي عن أن يسمى بيعلى وببركة وبأفلح وبيسار وبنافع ونحو ذلك ثم رأيته سكت بعد عنها ثم قبض ولم ينه عن ذلك.

(13/204)


أنهى]أُمّتِي أَنْ يُسَمّوا نَافِعاً وَأَفْلَحَ وَبَرَكَةَ. قال الأعمَشُ: وَلا أَدْرِي أَذَكَرَ نَافِعاً أَمْ لاَ، فإِنّ الرّجُلَ يَقُولُ: إِذَا جَاءَ أَثَمَ بَرَكَةٌ، فَيَقُولُونَ لاَ".
قال أبُو دَاوُدَ: رَوَى أَبُو الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ، لَمْ يَذْكُرُ بَرْكَةَ".
4951- حدثنا أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أَبِي الزّنادِ عن الأعْرَجِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيامَةِ رَجُلٌ يُسَمّى[تسمى] بِمَلِكِ[ملك] الأمْلاَكِ". قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ شُعَيْبُ بنُ أَبِي حَمْزَةَ عن أَبِي الزّنادِ بإِسناده قال: أَخْنَى اسمٍ.
__________
قال النووي: معناه أراد أن ينهى عنها نهي تحريم، وأما النهي الذي هو بكراهة التنزيه فقد نهى عنه في الأحاديث الباقية انتهى. ووقال الطيبي: كأنه أي أمارات وسمع ما يشعر بالنهي ولم يقف على النهي صريحاً فلذا قال ذلك وقد نهاه صلى الله عليه وسلم كما في حديث سمرة "قال أبو داوود روى أبو الزبير عن جابر نحوه لم يذكر بركة" قال المنذري: والذي قاله أبو داوود رضي الله عنه في حديث أبي الزبير فيه نظر، فقد أخرج مسلم الحديث في صحيحه من حديث ابن جريج عن أبي الزبير وفيه أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهي أن يسمي الغلام بمقبل وبركة الحديث.
"أخنع اسم" أي أذله وأوضعه من الخنوع وهو الذل "رجل" أي اسم رجل "يسمى" بصيغة المجهول من التسمية وفي بعض النسخ تسمى بصيغة الماضي المعلوم من التسمي مصدر من باب التفعل أي سمى نفسه أو سمي بذلك فرضي به واستمر عليه "بملك الأملاك" جمع ملك كالملوك وقد فسره سفيان الثوري بشاهان شاه "قال أخني اسم" أي أفحشه وأقبحه من الخنا بمعنى الفحش.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي. وحديث شعيب هذا الذي علقه أبو داوود قد أخرجه البخاري في صحيحه مسنداً فرواه عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب.

(13/205)


71 - باب في الألقاب
4952- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ عن دَاوُدَ عن عَامِرٍ قال:
__________
باب في الألقاب
قال علماء العربية: العلم إما أن يكون مشعراً بمدح أو ذم وهو اللقب وإما أن لا يكون، فإما يصدر بأب أو ابن وهو الكنية أولا وهو الاسم.

(13/205)


حدّثني أَبُو جُبَيْرَةَ بنُ الضّحّاكِ قال: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية، في بَنِي سَلَمَةَ: {وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ} قال: قَدِمَ عَليْنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ مِنّا رَجُلٌ إِلاّ وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يا فُلاَنُ"، فيَقولُونَ: مَهْ يا رَسُولَ الله إِنّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا الاسْمِ، فأُنْزِلَتْ[فنزلت] هَذِهِ الآية: {وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}.
__________
"في بني سلمة" بدل من فينا "ولا تنابزوا بالألقاب" أي لا يدعو بعضكم بعضاً بلقب يكرهه "بئس الاسم" أي المذكور قبل من السخرية اللمز والتنابز "الفسوق بعد الإيمان" بدل من الاسم "وليس منا رجل" الواو للحال "إلا وله اسمان أو ثلاثة" أو للتنويع "يقول يا فلان" أي بأحد أسمائه "فيقولون مه" بفتح الميم وسكون الهاء اكفف.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن. هذا آخر كلامه. وأبو جبيرة هذا لا يعرف له اسم، وقد اختلف العلماء في صحبته، فقال بعضهم له صحبة، وقال بعضهم ليست له صحبة، وهو أخو ثابت بن الضحاك وجبيرة بفتح الجيم وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة وتاء تأنيث.

(13/206)


72- باب فيمن يتكنى بأبي عيسى
4953- حدثنا هَارُونُ بنُ زَيْدِ بنِ أَبِي الزّرْقاءِ أخبرنا أَبِي أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن أَبِيهِ: "أَنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ ضَرَبَ ابْناً لَهُ تَكَنّى أَبا عِيسَى، وَأَنّ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ تَكَنّى بِأَبِي عِيسَى، فقالَ لَهُ عُمَرُ: أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ تُكَنّى بِأَبِي عَبْدِ الله، فقالَ: إِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم:كَنّانِي، فقالَ إِن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: قَد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَما تأَخّرَ وَأنا في جَلْجَتِنَا[جلجبيتنا- جلجلتنا] فَلَمْ يَزَلْ يُكْنَى بِأَبِي عَبْدِ الله حَتّى هَلَكَ".
__________
باب فيمن يتكنى بأبي عيسى
"إن عمر بن الخطاب ضرب ابناً له تكنى أبا عيسى" كره رضي الله عنه التكني بأبي عيسى لما فيه من إيهام أب عيسى عليه السلام كذا في فتح الودود "أن تكنى" بحذف إحدى التائين "فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني" أي بأبي عيسى "فقال" أي عمر رضي الله عنه زعماً منه أن ذلك من خصوصياته صلى الله عليه وسلم "وإنا في جلجتنا" أي في عدد من أمثالنا من المسلمين لا ندري ما يصنع بنا، كذا في المجمع. وقال في النهاية: لما نزلت {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً

(13/206)


ِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} قالت الصحابة بقينا نحن في جَلَجٍ لا ندري ما يصنع بنا. قال أبو حاتم سألت الأصمعي عنه فلم يعرفه. وقال ابن الأعرابي الجلج رؤوس الناس واحدتها جلجة. المعنى أنا بقينا في عدد رؤوس كثيرة من المسلمين. وقال ابن قتيبة: معناه نحن في عدد من أمثالنا من المسلمين لا ندري ما يصنع بنا. وقيل الجلج في لغة أهل اليمامة جِباب الماء كأنه يريد تركنا في أمر ضيق كضيق الجباب انتهى "حتى هلك" أي مات المغيرة. والحديث سكت عنه المنذري.

(13/207)


باب في الرجل يقول لابن غيره: يا بني
...
73- باب في الرجل يقول لإبن غيره: يابني
4954- حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قال أنبأنا ح وأخبرنا مُسَدّدٌ وَ مُحَمّدُ ابنُ مَحْبُوبٍ قالُوا أخبرنا أَبُو عَوَانَةَ عن أَبِي عُثْمانَ وَ سَمّاهُ ابنُ مَحْبُوبٍ الْجعْدَ عن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ: "يَا بُنَيّ".
قال أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِينٍ يُثْنِي عَلَى مُحَمّدِ بنِ مَحْبُوبٍ وَيَقُولُ: كَثِيرَ الحدِيثِ.
__________
باب في الرجل يقول لابن غيره يابني
"وسماه" أي أبا عثمان "ابن محبوب" فاعل "الجعد" مفعول ثان "قال له يا بني" فيه جواز قول الإنسان لغير ابنه ممن هو أصغر سناً منه يا بني مصغراً ويا بني ويا ولدي ومعناه تلطف وأنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة.
قال المنذري: وأخرجه مسلم، وأخرجه الترمذي وقال غريب من هذا الوجه، وقد روى من غير هذا الوجه عن أنس وأبو عثمان هذا شيخ ثقة وهو الجعد بن عثمان ويقال ابن دينار وهو بصري، وقد روى عنه يونس بن عبيد وغير واحد من الأئمة. هذا آخر كلامه. وقد أخرج مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أي بني.

(13/207)


74- باب في الرجل يتكنى بأبي القاسم
4955- حدثنا مُسَدّدٌ وَ أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن أَيّوبَ السّخْتِيَانِيّ عن مُحَمّدِ بنِ سِيرِينَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَسَمّوا بِاسْمِي وَلا تُكَنّوْا[ولا تكتنوا] بِكُنْيَتِي".
__________
باب في الرجل يتكنى بأبي القاسم
"تسموا باسمي" أمر من التسمي "ولا تكنوا" بفتح الكاف وتشديد النون وعلى حذف

(13/207)


قال أبُو دَاوُدَ: وكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو صَالحٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ، وكَذَلِكَ رِوَايةُ أَبِي سُفْيَانَ عن جَابِرٍ وَسَالِمِ بنِ أَبِي الْجَعْدِ عن جَابِرٍ وَسُلَيْمانَ الْيَشْكَرِيّ عن جَابِرٍ وَابنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرٍ نَحْوَهُمْ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ.
75- باب فيمن رأى أن لا يجمع بينهما
4956- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ عن أَبِي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ تَسَمّى بِاسْمِي فَلاَ يُكْنَى[يتكنى] بِكُنْيَتِي، وَمَنْ اكْتَنَى[تكنى] بِكُنْيَتِي فَلاَ يَتَسَمّى بِاسْمِي".
قال أبُو دَاوُدَ: رَوَى بِهَذَا[هذا] المَعْنَى ابنُ عَجْلاَنَ عن أَبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
__________
إحدى التاءين من التكني، وفي بعض النسخ لا تكتنوا قال في المبارق شرح المشارق: النهي للتنزيه وقيل للتحريم والظاهر من الحديث أن المنهي هو التكني بكنيته مطلقاً، وقيل هو الجمع بين إسمه وكنيته ويمكن أن يقال مجرد التكني بكنيته مكروه والجمع بين اسمه وكنيته أشد كراهة.
قال مالك: هذا الحكم كان مختصاً بحياته وقال الشافعي بل باق بعده انتهى. وتحقيق هذه المسألة بالبسط والتفصيل في فتح الباري من شاء الاطلاع عليه، فليراجع إليه.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.
"قال أبو داوود وكذالك" أي بهذه الجملة تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي "وأنس بن مالك" أي وأذلك رواية أنس.
قال المنذري: وحديث أبي صالح عن أبي هريرة أخرجه البخاري وحديث محمد بن المنكدر عن جابر أخرجه البخاري ومسلم بنحوه وحديث سالم بن أبي الجعد عن جابر أخرجه البخاري ومسلم، وحديث أبي سفيان طلحة ابن نافع عن جابر أخرجه البخاري ومسلم، وحديث أنس أخرجه الترمذي وابن ماجه.
باب فيمن رأى أن لا يجمع بينهما
"من تسمى باسمي فلا يكنى" من التكنية وفي بعض النسخ يتكنى من التكني. والحديث تمسك به من نهي عن الجمع بين اسمه صلى الله عليه وسلم وكنيته.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب "وروى بهذا المعنى ابن عجلان"

(13/208)


وَرُوِيَ عن أَبِي زُرْعَةَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَلِفاً عَلَى الرّوَايَتَيْنِ، وكَذَلِكَ رِوَايةُ عَبْدِ الرّحْمَن بنِ أَبِي عَمْرَةَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ اخْتَلَفَ فِيهِ رَوَاهُ الثّوْرِيّ وَابنُ جُرَيْجِ عَلَى ما قالَ أَبُو الزّبَيْرِ، وَرَوَاهُ مَعْقَلُ بنُ عُبَيْدِ الله عَلَى ما قالَ ابنُ سِيرِينَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى
__________
هو محمد بن عجلان القرشي أبو عبد الله المدني وثقة أحمد وابن معين "عن أبيه" عجلان المدني مولى فاطمة بنت عتبة قال النسائي: لا بأس به "عن أبي هريرة" وحديث ابن عجلان عند الترمذي بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجمع بين اسمه وكنيته ويسمى محمداً أبا القاسم قال الترمذي حسن صحيح.
ولفظ البخاري في الأدب المفرد حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين اسمه وكنيته وقال أنا أبو القاسم" "وروى" بصيغة المجهول "عن أبي زرعة" بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجيلي وثقه ابن معين وابن خراش "عن ابي هريرة مختلفاً" بصيغة المجهول "على الروايتين" المذكورتين أي مثل رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة ومثل رواية أبي الزبير عن جابر.
وروى أحمد في مسنده من حديث أبي زرعة من كلا اللفظين ما نصه حدثنا يحيى بن آدم حدثنا شريك عن سلم بن عبد الرحمن النخمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من تسمى باسمي فلا يكنى بكنيتي ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" رواه أحمد.
حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت عبد الله بن يزيد النخعي قال سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" رواه أحمد.
قال عبد الله بن أحمد قال أبي شعبة يخطىء في القول عبد الله بن يزيد وإنما هو سلم بن عبد الرحمن النخعي "وكذلك" أي باختلاف اللفظتين "رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة" الأنصاري النجاري المدني القص.
قال ابن سعيد كثير الحديث "عن أبي هريرة اختلف" بصيغة المجهول أي اختلف على عبد الرحمن "فيه" في هذا الحديث "رواه الثوري وابن جريج" كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي عمرة "على ما قال أبو الزبير" عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من تسمى باسمي فلا يكنى بكنيتي ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمى" "ورواه معقل بن عبيد الله" العبسي وثقة أحمد والنسائي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة "على ما قال ابن سيرين" هو محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي".

(13/209)


مُوسَى بنِ يَسَارٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضاً عَلَى الْقَوْلَيْنِ، اخْتَلَفَ فِيهِ حَمّادُ بنُ خَالِدٍ وَابنُ أَبِي فُدَيْكٍ.
__________
وأخرج أحمد في مسنده حدثنا روح حدثنا ابن جريج أخبرني عبد الكريم ابن مالك أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة أخبره عن عمه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يكنى بكنيته.
وروى سليم بن حيان عن أبيه عن ابي هريرة وكذا خالد عن أبي هريرة مثل رواية محمد بن سيرين.
وأخرج أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثني سليم بن حيان عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي".
حدثنا محبوب بن الحسن عن خالد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" انتهى "واختلف" بصيغة المجهول "فيه" أي في هذا الحديث "على موسى بن يسار" المطلبي وثقه ابن معين "عن أبي هريرة أيضاً على القولين" أي مثل رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة ومثل رواية الزبير عن جابر "اختلف فيه حماد بن خالد" القرشي المدني ثم البصري وثقه ابن معين وابن المديني والنسائي "وابن أبي فديك" هو محمد ابن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك المدني قال النسائي ليس به بأس فخماد وابن أبي فديك كلاهما يرويان عن موسى ابن يسار عن أبي هريرة على الاختلاف. وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأحمد في مسنده واللفظ للبخاري حدثنا أبو نعيم حدثنا داوود بن قيس حدثني موسى بن يسار سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي فإني أنا أبو القاسم" انتهى. والحاصل أن أبا هريرة رضي الله عنه روى عنه الحديث من كلا اللفظين مثل لفظ محمد بن سيرين عن أبي هريرة ومثل لفظ أبي الزبير عن جابر وبين كلتا الروايتين فرق المغنى، فإن رواية جابر تدل على جواز التكني بكنية النبي، والتسمي باسم النبي صلى الله عليه وسلم على الانفراد وعلى عدم الجواز على سبيل الاجتماع، ورواية ابن سيرين تدل على جواز التسمي باسم النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عدم جواز التكني بكنية النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
قال المنذري: وحذيث ابن عجلان الذي أشار إليه أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح، وحديث محمد بن سيرين تقدم، وحديث أبي الزبير هو الذي ذكره في هذا الباب.

(13/210)


76- باب في الرخصة في الجمع بينهما
4957- حدثنا عُثْمانُ وَ أَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيْبةَ قالا أخبرنا أَبُو أُسَامَةَ عن فِطْرٍ عن مُنْذِرٍ عن مُحَمّدِ بنِ الْحَنَفِيّةِ قال قال عَلِيّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنْ وُلِدَ لِي مِنْ بَعْدِكَ وَلَدٌ أُسَمّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكْنِيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قال: "نَعَمْ" وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ قال قال عَلِيّ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم.
4958- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنَ عِمْرَانَ الْحَجْبِيّ عن جَدّتِهِ صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عن عَائِشةَ قالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النبي[رسول الله] صلى الله عليه وسلم فقالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنّي قَدْ وَلَدْتُ غُلاَماً فَسَمّيْتُهُ[وسميته] مُحَمّداً وَكُنْيَتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ، فَذُكِرَ لِي أَنّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ، فقَالَ: "ما الّذِي أَحَلّ اسْمِي وَحَرّمَ كُنْيَتِي، أَوْ ما الّذِي حَرّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلّ اسمي".
__________
باب في الرخصة في الجمع بينهما
"عن محمد بن الحنيفة" هو محمد بن علي بن أبي طالب يكنى أبا القاسم وأمه خولة بنت جعفر الحنفية "قال قال علي" هو ابن أبي طالب كرم الله وجهه "إن ولد لي من بعدك ولد الخ" فيه أن النهي مقصور على زمانه صلى الله عليه وسلم فيجوز الجمع بينهما بعده، وبه قال مالك.
قال المنذري:وأخرجه الترمذي وقال صحيح.
"فذكر لي" بصيغة المجهول "أنك تكره" أي كراهة تحريم كما يدل عليه ما أجاب "ذلك" أي الجمع "فقال ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي" قاله بالاستفهام الإنكاري "أو ما الذي حرم الخ" شك من أحد الرواة.
وفي الحديث دلالة على أن الجمع بين اسمه صلى الله عليه وسلم وكنيته ليس بمحرم ولا مكروه.
قال المنذري: غريب انتهى.
وفي فتح الباري ذكر الطبراني في الأوسط أن محمد بن عمران الحجبي تفرد به عن صفية شيبة ومحمد المذكور مجهول انتهى.
وقال الذهبي في الميزان: محمد بن عمران الحجي له حديث وهو منكر وما رأيت لهم فيه جرحاً ولا تعديلاً انتهى.

(13/211)


77 - باب في الرجل يتكنى وليس له ولد
4959- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا[أخبرنا] ثَابِتٌ عن أَنْسِ بنِ مَالِكٍ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَلِي أَخٌ صَغِيرٌ يُكْنَى أَبَا عُمَيْرٍ وكَانَ لَهُ نُغَرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ النبي صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَرَآهُ حَزِيناً فقَالَ: "مَا شَأْنُهُ" ؟ فقالُوا[قالوا] مَاتَ نُغَرُهُ، فقَالَ "أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النّغَيْرُ".
__________
باب في الرجل يتكنى وليس له ولد
"يكنى أبا عمير" بالتصغير "وكان له نغر" بضم النون وفتح الغين المعجمة طائر ييشبه العصفور أحمرالمنقار، وقيل هو العصفور وقيل هو الصعو صغير المنقار أحمر الرأس، وقيل: أهل المدينة يسمونه البلبل قالله القاري "فمات" أي النغر "قرآة" أي أخا أنس "فقال ما شأنك" أي ما حاله، وما وجه كونه حزينا "مافعل"بصيغة الفاعل أي ما صنع "النغير" تصغير النغر، والمعنى ما جرى له حيث لم أره معك.
وفي الحديث جواز تكنية من ليس له ولد وتكنية الطفل وأنه ليس كذبا.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة من حدبث ابي التياح يزيد بن حميد الضبعي عن أنس بن مالك.

(13/212)


78- باب في المرأة تكنى
4960- حدثنا مسدد وسليمان بن حرب المعنى قالا ثنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت يا رسول الله كل صواحبي لهن كني قال: "فاكتني بابنك عبد الله" يعني ابن أختها قال مسدد عبد الله بن الزبير قال فكانت تكنى بأم[أم] عبد الله.
قال أبو داود وهكذا [قال] قران بن تمام ومعمر جميعا عن هشام نحوه ورواه أبو أسامة عن هشام عن عباد بن حمزة وكذلك حماد بن سلمة ومسلمة بن قعنب عن هشام كما قال أبو أسامة.
__________
باب في المرأة تكنى
"قالا أخبرنا حماد" هو ابن زيد "يعني ابن أختها" أي أسماء بنت أبي بكر "هكذا" أي بإسناده هشام بن

(13/212)


عروة عن أبيه عن عائشة "رواه قران" بضم القاف وتشديد الراء "عن هشام" بن عروة عن أبيه عن عائشة "نحوه" أي نحو رواية حماد بن زيد "ورواه أبو أسامة عن هشام عن عباد بن حمزة" بن عبد الله ابن الزبير عن عائشة.
والحاصل أن حماد بن زيد وقران بن تمام ومعمراً هؤلاء الثلاثة رووه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وأما أبو أسامة وحماد بن سلمة ومسلمة بن قعنب فرووه عن هشام بن عروة عن عباد بن حمزة عن عائشة.
قلت: وقد تابع أبا أسامة وحماداً ومسلمة وهيب عن هشام أخرج البخاري في الأدب المفرد حدثنا موسى حدثنا وهيب حدثنا هشام عن عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت يا نبي الله ألا تكنني فقال: "اكتني بابنك" يعني عبد الله بن الزبير فكانت تكنى أم عبد الله انتهى.
والحديث سكت عنه المنذري.

(13/213)


79- باب في المعاريض
4961- حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيّ إِمَامَ مَسْجِدِ حِمْصٍ أخبرنا بَقِيَة بنُ الْوَلِيدِ عن ضُبَارَةَ بنِ مَالِكِ الْحَضْرَمِيّ عن أَبِيهِ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن أَبِيهِ عن سُفْيَانَ بنِ أَسِيدٍ الْحَضْرَمِيّ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدّثَ أَخَاكَ حَدِيثاً هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ".
__________
باب في المعاريض
جمع معراض من التعريض بالقول. قال الجوهري: هو خلاف التصريح، وهو التورية بالشيء عن الشيء. وقال الراغب: التعريض كلام له وجهان في صدق وكذب أو باطن وظاهر
"عن ضبارة" بضم الضاد المعجمة وبالموحدة ابن عبد الله بن مالك مجهول "كبرت" بفتح فضم أي عظمت "خيانة" تمييز "أن تحدث أخاك" فاعل كبرت "هو لك به مصدق" أي أخوك مصدق لك بذلك الحديث "وأنت له" أي لأخيك "به" أي بذلك الحديث "كاذب" لأنه ائتمنك فيما تحدثه به فإذا كذبت فقد خنت أمانته وخنت أمانة الإيمان، فيما أوجب من نصيحة الإخوان. قال المناوي: أن تحدث أخاك فاعل كبرت وأنت الفعل له باعتبار التمييز لأن نفس الخيانة هي الكبيرة وفيه معنى التعجب كما في {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ} والمراد خيانة عظيمة منك إذا حدثت أخاك المسلم بحديث وهو يعتمد عليك اعتماداً على أنك مسلم لا تكذب فيصدقك والحال أنك كاذب.
قال النووي: والتورية والتعريض إطلاق لفظ هو ظاهر في معنى، ويريد معنى آخر يتناوله اللفظ لكنه خلاف ظاهره، وهو ضرب من التغرير والخداع فإن دعت إليه مصلحة شرعية

(13/213)


راجحة على خداع المخاطب أو حاجة لا محيص عنها إلا به فلا بأس وإلا كره، فإن توصل به إلى أخذ باطل أو دفع حق، حرم عليه. انتهى.
قال النووي في الأذكار: هذا الحديث فيه ضعف. قال المناوي: لكن وضع أبو داوود في كتابه فاقتضى كونه حسناً عنده. والحديث أخرجه أحمد والطبراني في الكبير عن النواس بن سمعان.
قال المنذري: رواه أحمد عن شيخه عمر بن هارون وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.
وقال الهيثمي: فيه شيخ الإمام أحمد عمر بن هارون ضعيف، وبقية رجاله ثقات. وقال شيخه العراقي في حديث سفيان: ضعفه ابن عدي وحديث النواس سنده جيد. انتهى كلام المناوي.
قال المنذري: في إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال. وذكر أبو القاسم البغوي سفيان بن أسيد هذا وقال: لا أعلم روى غير هذا الحديث. هذا آخر كلامه. وأسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف ودال مهملة ويقال فيه ابن أسيد أيضاً. قال النمري: حديثه من حديث الحمصيين حدث عنه بقية.

(13/214)


80- باب في زعموا
[باب في قول الرجل زعموا- في الرجل يقول زعموا]
4962- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْتةَ أخبرنا وَكِيعٌ عن الأوْزَاعِيّ عن يَحْيَى عن أَبِي قِلاَبَةَ قال قال أبو مَسْعُود لأبِي عَبْدِ الله أَوْ قال أَبُو عَبْدِ الله لأبِي مسعود: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ في زَعَمُوا؟ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "بِئْسَ مَطِيّةُ الرّجُلِ زَعَمُوا".
قال أبُو دَاوُدَ: أَبُو عَبْدِ الله هَذَا[هو] حُذَيْفَةُ.
__________
باب في زعموا
أي في بنان ما ورد في هذه الكلمة. قال في القاموس: الزعم مثلثه القول الحق والباطل والكذب ضد وأكثر ما يقال فيما يشك فيه
"أو قال أبو عبد الله" شك من الراوي "ما سمعت" أي شيء سمعته "يقول في زعموا" أي في حق هذا اللفظ "بئس مطية الرجل" المطية بفتح الميم وكسر الطاء المهملة وتشديد التحتية بمعنى المركوب "زعموا" في النهاية: الزعم بالضم والفتح قريب من الظن أي أسوأ عادة للرجل أن يتخذ لفظ زعموا مركباً إلى مقاصده فيخبر عن أمر تقليداً من غير تثبت فيخطيء

(13/214)


ويجرب عليه الكذب قاله المناوي. وفي اللمعات يعني أن ما زعموا بئس مطيته يجعل المتكلم مقدمة كلامه والمقصود أن الإخبار بخبر مبناه على الشك والتخمين دون الجزم واليقين قبيح بل ينبغي أن يكون لخبره سند وثبوت ويكون على ثقة من ذلك لا مجرد حكاية على ظن وحسبان. وفي المثل زعموا مطية الكذب انتهى.
قال الخطابي في المعالم: أصل هذا أن الرجل إذا أراد المسير إلى بلد ركب مطية وسار حتى يبلغ حاجته فشبّه النبي صلى الله عليه وسلم ما يقدمه الرجل أمام كلامه ويتوصل به إلى حاجته من قولهم زعموا كذا وكذا بالمطية التي يتوصل بها إلى الموضع الذي يقصده وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه وإنما هو شيء حكي عن الألسن على سبيل البلاغ فذم النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث ما كان هذا سبيله وأمر بالتثبت فيه والتوثق لما يحكيه من ذلك، فلا يروونه حتى يكون معزياً ثبت ومروياً عن ثقة انتهى.
قال المنذري: أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري، ذكر الحافظ أبو مسعود الدمشقي في الأطراف: أنه لم يسمع منهما يعني حذيفة وأبا مسعود رضي الله عنهم.

(13/215)


81- باب في الرجل يقول في خطبته: أما بعد
4963- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن أَبِي حَيّانَ عن يَزِيدَ بنِ حَيّانَ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم خَطَبَهُمْ فقَالَ: "أَمّا بَعْدُ".
__________
باب في الرجل يقول في خطبته أما بعد
"فقال أما بعد" مبني على الضم لأنه من الظروف المقطوعة عن الإضافة. وقد ثبت استعمال هذه الكلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطب في كثير من الأحاديث، فينبغي للخطباء أن يستعملوها تأسياً واتباعاً.
قال المنذري: وأخرجه مسلم في أثناء الحديث الطويل في فضائل أهل البيت.

(13/215)


82- باب في الكرم وحفظ المنطق
4964- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ أخبرنا[انبانا] ابنُ وَهْبٍ أخبرني الّليْثُ بنُ سَعْدٍ
__________
باب في الكرم
الكرم بسكون الراء وفتحها مصدر كرم يكرم يوصف به مبالغه على طريق رجل عدل
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
العرب تسمي شجر العنب كرما لكرمه والكرم كثرة الخير والمنافع والفوائد لسهولة تناولها من

(13/215)


83- باب لا يقول المملوك ربي وربتي
4965- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّاد عن أَيّوبَ وَ حَبِيبِ ابنِ الشّهِيدِ وَ هِشَامٌ عن مُحَمّدٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَقُولَنّ أَحَدُكُم عَبْدِي
__________
باب لا يقول المملوك ربي وربتي
"لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي" لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى فكلكم

(13/218)


وَأَمَتِي، وَلا يَقُولَنّ[يقول] المَمْلُوكَ رَبّي وَرَبّتِي وَلْيَقُلِ الْمَالِكُ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَلْيَقُلِ المَمْلُوكُ سَيّدِي وَسَيّدَتي فإِنّكُم المَمْلُوكُونَ وَالرّبّ الله تعالى".
4966- حدثنا ابنُ السّرْحِ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ أَنّ أَبَا يُونُسَ حَدّثَهُ عن أَبِي هُريْرَةَ في هَذَا الْخبَرِ وَلَمْ يَذْكُرِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وَلْيَقُلْ سَيّدِي وَمَوْلاَيَ".
__________
عبيد الله وكل نسائكم إماء الله "ولا يقولن المملوك: ربي وربتي" : لأن الربوبية إنما حقيقتها لله تعالى ، لأن الرب هو المالك أو القائم بالشيء ولا يوجد حقيقة هذا إلا في الله تعالى "وليقل المالك فتاي وفتاتي" : هما بمعنى الشاب والشابة بناء على الغالب في الخدم، أو القوي والقوية ولو باعتبار ما كان "وليقل المملوك سيدي وسيدتي" لأن لفظة السيد غير مختصة بالله تعالى اختصاص الرب ولا مستعملة فيه كاستعمالها حتى كره مالك الدعاء بسيدي، ولم يأت تسميته تعالى بالسيد في القرآن ولا في حديث متواتر قاله النووي "والرب الله" مبتدأ وخبر.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"إن أبا يونس" هو سليمان بن جبير مولى أبي هريرة "في هذا الخبر" أي السابق ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أي لم يرفع الحديث "وليقل سيدي ومولاي" أي مكان قوله سيدي وسيدتي وقد عقد الإمام البخاري باباً في جواز إطلاق السيد والعبد من أبواب المظالم فقال باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي وأمتي إلى آخره، وأورد فيه سبعة أحاديث كله يدل على الجواز. قال في فتح الباري: قوله "وليقل سيدي ومولاي". وفيه جواز إطلاق العبد على مالكه سيدي. قال القرطبي وغيره: إنما فرق بين الرب والسيد لأن الرب من أسماء الله تعالى اتفاقاً.
واختلف في السيد ولم يرد في القرآن أنه من أسماء الله تعالى فإن قلنا إنه ليس من أسماء الله تعالى فالفرق ظاهر ولا التباس وإن قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الرب فيحصل الفرق بذلك أيضاً. وقد روى أبو داوود والنسائي وأحمد والمصنف في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن الشخير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "السيد الله".
وقال الخطابي: إنما أطلقه لأن مرجع السيادة إلى معنى الرياسة على تحت يده والسياسة له وحسن التدبير لأمره، ولذلك سمي الزوج سيداً. قال وأما المولى فكثير التصرف في الوجوه المختلفة من ولى وناصر وغير ذلك، ولكن لا يقال السيد ولا المولى على الإطلاق من غير إضافة إلا في صفة الله تعالى انتهى.

(13/219)


4967- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامِ حدّثني أَبِي
__________
وفي الحديث جواز إطلاق مولاي أيضاً.
وأما ما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في هذا الحديث نحوه وزاد "ولا يقل أحدكم مولاي فإن مولاكم الله ولكن ليقل سيدي" فقد بين مسلم الاختلاف في ذلك على الأعمش وأن منهم من ذكر هذه الزيادة ومنهم من حذفها وقال عياض حذفها أصح وقال القرطبي المشهور حذفها. قال وإنما صرنا إلى الترجيح للتعارض مع تعذر الجمع وعدم العلم بالتاريخ انتهى.
ومقتضى ظاهر هذه الزيادة أن إطلاق السيد أسهل من إطلاق المولى وهو خلاف المتعارف، فإن المولى يطلق على أوجه متعددة منها الأسهل والأعلى والسيد لا يطلق إلا على الأعلى، فكان إطلاق المولى أسهل وأقرب إلى عدم الكراهة والله تعالى أعلم.
وقد رواه محمد بن سيرين عن أبي هريرة فلم يتعرض للفظ المولى إثباتاً ولا نفياً أخرجه أبو داوود والنسائي والمصنف في الأدب المفرد بلفظ "لا يقولن أحدكم عبد ولا أمتي ولا يقل المملوك ربي وربتي ولكن ليقل المالك فتاي وفتاتي والمملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملوكون والرب الله تعالى " ويحتمل أن يكون المراد النهي عن الإطلاق كما تقدم من كلام الخطابي ويؤكد كلامه حديث ابن الشخير المذكور والله أعلم. وعن مالك تخصيص الكراهة بالنداء فيكره أن يقول يا سيدي ولا يكره في غير النداء انتهى.
قلت: حديث عبد الله بن الشخير رواه أحمد وأبو داوود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد واللفظ للبخاري حدثنا مسدد قال حدثنا بشر بن المفضل حدثنا أبو مسلمة عن أبي نضرة عن مطرف قال قال أبي "انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالو أنت سيدنا قال "السيد الله" قالو وأفضلنا فضلاً وأعظمناً طولاً قال فقال "قولوا بقولكم ولا يستجرينكم" "أي لا يتخذكم وكلاء" انتهى.
قال الحافظ رجاله ثقات. وقد صححه غير واحد ويمكن الجمع بأن يحمل النهي عن ذلك على إطلاقه على غير المالك والإذن بإطلاقه على المالك. وقد كان بعض أكابر العلماء يأخذ بهذا ويكره أن يخاطب أحداً بلفظه أو كتابته بالسيد ويتأكد هذا إذا كان المخاطب غير تقي لحديث بربدة مرفوعاً "لا تقولوا للمنافق سيداً" الحديث أخرجه أبو داوود وغيره انتهى كلامه.
قلت: هذا الجمع والتوفيق ليس بقوي وفيه وجوه أخر فيطلب من غاية المقصود شرح سنن أبي داوود والله أعلم.

(13/220)


عن قَتَادَةَ عن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أَبِيهِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيّدٌ[سيدا] فإِنّهُ أَنْ يَكُ سَيّداً فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبّكُم عَزّ وَجَلّ".
__________
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة بمعناه.
"لا تقولوا للمنافق سيد" وفي بعض النسخ سيداً بالنصب "فإنه إن يك سيداً" أي سيد قوم أو صاحب عبيد وإماء وأموال "فقد أسخطتم ربكم عز وجل" أي أغضبتموه لأنه يكون تعظيماً له وهو ممن لا يستحق التعظيم فكيف إن لم يكن سيداً بأحد من المعاني فإنه يكون مع ذلك كذاباً ونفاقاً وقيل معناه إن يك سيداً لكم فتجب عليكم طاعته فإذا أطعمتموه فقد أسخطم ربكم أو لا تقولوا لمنافق سيد فإنكم إن قلتم ذلك فقد أسخطتم ربكم، فوضع الكون موضع القول تحقيقاً له كذا في المرقاة ملخصاً، وقال ابن الأثير: لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن كان سيدكم وهو منافق، فحالكم دون حاله، والله لا يرضى لكم ذلك. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(13/221)


باب لا يقال (يقول) حبثت نفسي
...
84 - باب لا يقال[يقول] خبثت نفسي
4968 - حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ عن أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ عن أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَقُولَنّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي".
4969- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ
__________
باب لا يقال خبثت نفسي
بفتح الخاء المعجمة وضم الموحدة. والخبث يطلق على الباطل في الاعتقاد والكذب في المقال والقبيح في الفعال وعلى الحرام والصفات المذمومة القولية والفعلية.
"وليقل لقست نفسي" بكسر القاف. قال الخطابي في المعالم: لقسمت نفسي وخبثت بمعنى واحد وإنما كره عليه السلام من ذلك لفظ الخبث لشفاعة الاسم وعلمهم الأدب في المنطق وأرشدهم إلى استعمال الحسن وهجران القبيح منه.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم

(13/221)


عن عَائِشةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَقُولَنّ أَحدُكُمْ جَاشَتْ نَفْسِي وَلكِنْ لِيقلْ لَقِستْ نَفْسِي".
__________
"جاشت نفسي" قال في القاموس: جاش النفس غثت أو دارت الغثيان وفي اللسان: جاشت نفسي جيشاً وجيشاناً غثت أو دارت للغثيان، وجاشت القدر تجيش جيشاً وجيشاناً غلت وكذلك الصدر إذا لم يقدر صاحبه على حبس ما فيه. قال في التهذيب: وكل شيء يغلي فهو يجيش حتى الهم والغصة في الصدر انتهى كلامه "ولكن ليقل لقست نفسي" قال في القاموس: لقست نفسه إلى الشيء كفرح نازعته إليه ومنه غثت وخبثت. وإنما كره صلى الله عليه وسلم لفظ خبثت لقبحه ولئلا ينسب الخبيث إلى نفسه انتهى.
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وقالوا خبثت.

(13/222)


85 - باب
4970- حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن مَنْصُورٍ عن عَبْدِ الله بنِ يَسَارٍ عن حُذَيْفَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا تَقولُوا مَا شَاءَ الله وَشَاءَ فُلاَنٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ الله ثُمّ شَاءَ فُلاَنٌ".
__________
باب
"لا تقولوا ما شاء الله الخ" إنما كره ذلك لأن الواو حرف الجمع والتشريك وثم حرف النسق بشرط التراخي، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأدب في تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة من سواه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(13/222)


86- باب
4971- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ بنِ سَعِيدٍ حدّثني عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ رُفَيْعٍ عن تَمِيمِ الطّائِيّ عن عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ: "أَنّ خَطِيباً خَطَبَ عِنْدَ النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ: "مَنْ
__________
باب
كذا ثبت ههنا لفظ باب في بعض النسخ.

(13/222)


87- باب في صلاة العتمة
4974- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ أَبِي لَبِيدٍ عن أَبِي سَلَمةَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَغْلِبَنّكُم الأعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاَتِكُم أَلاَ وَإِنّهَا الْعِشَاءُ وَلكِنّهُمْ يَعْتِمُونَ بالإبِلِ".
__________
باب في صلاة العتمة
أي في تسمية صلاة العشاء صلاة العتمة
"لا تغلبنكم الأعراب" قال الشيخ عز الدين: جرت العادة أن العظماء إذا سموا شيئاً باسم فلا يليق العدول عنه إلى غيره لأن ذلك تنقيص لهم ورغبة عن صنيعهم وترجيح لغيره عليه وذلك لا يليق، والله سبحانه قد سماها في كتابه العشاء في قوله ومن بعد صلاة العشاء فيقبح بعد تسمية ذي الجلال والإكرام العدول عنه إلى غيره قاله السيوطي.
وقال السندي: إن الأعراب يسمونها العتمة لأنهم يعتمون الإبل من اعتم إذا دخل في
__________
ذكر حديث لا تغلبنكم وذكر التأويلين اللذين ذكرهما المنذري ثم زاد الشيخ ابن القيم رحمه الله:
وسلكت طائفة مسلكا آخر فقالت النهي صريح لا يمكن فيه رواية بالمعنى.
وأما حديث "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة" فيجوز أن يكون تغييرا من الراوي عنها باسم العتمة ولم يعلم بالنهي فرواه بمعناه وهذا الاحتمال لا يتطرق إلى حديث النهي.

(13/224)


4975- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا مِسْعَرُ بنُ كِدَامٍ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن سَالِمِ بنِ أَبِي الْجَعْدِ قال قال رَجُلٌ قال مِسْعَرٌ: أُراهُ مِنْ خُزَاعَةَ: لَيْتَنِي صَلّيْتُ فاسْتَرَحْتُ، فكَأَنَهُمْ عَابُوا ذَلكَ عَلَيْهِ[عليه ذلك]، فقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يا بِلاَلُ أَقِمِ الصّلاَةَ أَرِحْنَا بِهَا".
4976- حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا إِسْرَائِيلُ حدثنا عُثْمانُ بنُ المُغِيرَةِ عن سَالمِ بنِ أَبِي الْجَعْدِ عن عَبْدِ الله بنِ مُحَمّدِ بنِ الْحَنَفِيّةِ قال: انْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبِي إِلَى
__________
العتمة وهي الظلمة فلا تكثر استعمال ذلك الاسم لما فيه من غلبة الأعراب عليكم بل أكثروا استعمال اسم العشاء موافقة للقرآن. فالمراد النهي عن إكثار اسم العتمة لا عن استعماله وإلا فقد جاء في الأحاديث إطلاق هذا الاسم أيضاً انتهى "ولكنهم يعتمون بالإبل" من اعتم إذا دخل في العتمة وهي الظلمة قال النووي: معناه أن الأعراب يسمونها العتمة لكونهم يعتمون بحلاب الإبل أي يؤخرونه إلى شدة الظلام وإنما اسمها في كتاب الله العشاء فينبغي لكم أن تسموها العشاء وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تسميتها بالعتمة والجواب أن استعمل لبيان الجواز والنهي عن العتمة للتنزيه انتهى ملخصاً ومختصراً.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"قال مسعر أراه" بضم الهمزة أي أظن الرجل "من خزاعة" بضم الخاء المعجمة بالزاي قبيلة "فاسترحت" أي بالاشتغال بالصلاة لكونه مناجاة مع الرب تعالى أو بالفراغ لاشتغال الذمة بها قبل الفراغ عنها "يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها" قال في النهاية: أي نستريح بأدائها من شغل القلب بها، وقيل كان اشتغاله بالصلاة راحة له فإنه كان نعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعباً فكان يستريح بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالى ، ولهذا قال "وجعلت قرة عيني في الصلاة" وما أقرب الراحة من قرة العين، كذا في مرقاة الصعود.
قلت: هذا الحديث وكذا حديث علي رضي الله عنه الذي بعده ليس فيها دلالة ظاهرة على ترجمة الباب والله أعلم بمراد المؤلف.
والحديث سكت عنه المنذري.
"عن عبد الله بن محمد بن الحنفية" هو عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب أبو
__________
وقالت طائفة النهي إنما هو من غلبة الأعراب على اسم العشاء بحيث يهجر بالكلية كما دل عليه قوله لا يغلبنكم فأما إذا سميت بالعشاء تسمية غالبة على العتمة لم يمتنع أن يسمى بالعتمة أحيانا وهذا أظهر الأقوال.

(13/225)


صِهْرٍ لَنا مِنَ الأنْصَارِ نَعُودُهُ فحضَرَتِ الصّلاَةُ، فقَالَ لِبَعْضِ أَهْلِهِ: يا جارِيَةُ ائْتُونِي بِوُضُوءٍ لَعَلّي أُصَلّي فأَسْتَرِيحَ، قال: فأَنْكَرْنا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "قُمْ يا بِلاَلُ فأَرِحْنَا بالصّلاَةِ[يا بلال قم فأرحنا بالصلاة]".
4977- حدثنا هَارُونُ بنُ زَيْدِ بنِ أَبِي الزّرْقاءِ أخبرنا أَبِي أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ عن زَيْدٍ بنِ أَسْلَمَ عن عَائِشةَ قالَتْ: "ما سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْسُبُ أحَداً إِلاّ إِلَى الدّينِ".
__________
هاشم المدني والحنفية هي أم محمد "إلى صهر لنا" في القاموس: الصهر بالكسر القرابة وحرمة الختونة والختن وزوج بنت الرجل وزوج أخته "نعوده" من العيادة "بوضوء" بفتح الواو أي بماء الوضوء "فقال" أي علي بن أبي طالب.
والحديث سكت عنه المنذري.
"ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسب أحداً إلا إلى الدين" قال في فتح الودود: كأن المراد أنه لا يعتبر بالنسبة إلى الأجداد ولا يهتم بها بل ينسب الناس إلى الدين وما يتعلق به من هجرة ونصرة انتهى.
قال المنذري: ويشبه أن يكون أبو داوود رضي الله عنه أدخل هذا الحديث في الباب أنه صلى الله عليه وسلم لا ينسب أحداً إلا إلى الدين ليرشدهم بذلك إلى استعمال الألفاظ الواردة في الكتاب الكريم والسنة النبوية ويصرفهم عن عبارات الجاهلية كما فعل في العتمة، وهذا منقطع. زيد بن أسلم لم يسمع عائشة والله عز وجل أعلم انتهى كلام المنذري.
__________
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
لم يذكر أبو داود في هذا الباب إلا هذا الحديث ولا تعلق له في تسميته العشاء عتمة وإنما
قلت: ما في هذا الاستدلال من تكلف فظاهر والأوضح في الاستدلال ما أخرجه الشيخان من طريق مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه "ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا".
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

(13/226)


88- باب فيما روى من الرخصة
[يروي في الترخيص] في ذلك
4978- حدثنا عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ أنبأنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ قال: "كَانَ فَزَعٌ بالمَدِينَةِ فَرَكِبَ النبي صلى الله عليه وسلم فَرَساً لأبِي طَلْحَةَ فقالَ: ما رأيْنَا شَيْئاً، أَوْ ما رَأيْنَا مِنْ فَزَعٍ،
__________
باب فيما روي من الرخصة في ذلك
"كان فزع" بفتحتين أي خوف وصياح"بالمدينة" بأن جيش الكفار وصلوا إلى قربها

(13/226)


وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً".
__________
"وإن وجدناه" أي الفرس، وإن مخففة من مثقلة "لبحراً" أي وجدنا جريه كجري البحر.
قال الخطابي: في هذا بيان إباحة التوسع في الكلام في تشبيه الشيء بالشيء الذي له تعلق ببعض معانيه وإن لم يستوف أوصافه كلها. وقال إبراهيم بن محمد ابن عرفة النحوي: إنما شبه الفرس بالبحر لأنه عليه السلام أراد أن جريه كجري ماء البحر أو لأنه يسبح في جريه كالبحر إذا ماج فعلاً بعض مائة فوق بعض انتهى كلامه. فكما جاز التوسع في الكلام في تشبيه الشيء بالشيء الذي له تعلق ببعض معانيه ولذا جاز تشبيه الفرس بالبحر، فهكذا جاز تشبيه صلاة العشاء بالعتمة لأن العتمة هي الظلمة وصلاة العشاء لا تصلى إلا في الظلمة.
__________
تعلقه بالتوسع في العبارة واستعارة اسم البحر للفرس الجواد الكثير الجري فكأنه راجع إلى قوله باب في حفظ المنطق.

(13/227)


89- باب التشديد في الكذب
4979- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا الأعمَشُ ح وَأخبرنا مُسَدَدّ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ دَاوُدَ أخبرنا الأعمَشُ عنْ أَبِي وَائِلٍ عنْ عَبْدِ الله قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِيّاكُم وَالْكَذِبِ فإِنّ الْكَذِبِ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النّارِ، وَإِنّ الرّجُلَ لَيَكْذِبُ وَيَتَحرّى الْكَذِبِ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذّاباً، وَعَلَيْكُمْ بالصّدْقِ فَإِنّ الصّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرّ وَإِنّ الْبِرّ يَهْدِي إِلى الْجَنّةِ، وَإِنّ الرّجُلَ لَيَصْدُقُ
__________
باب التشديد في الكذب
"إياكم والكذب" بفتح فكسر أو بكسر فسكون والأول هو الأفصح أي احذروا الكذب "إلى الفجور" بضم الفاء أي الميل عن الصدق والحق والانبعاث في المعاصي "ويتحرى الكذب" أي يبالغ ويجتهد فيه "حتى يكتب عند الله كذاباً" بصيغة المجهول أي يحكم له بذلك ويستحق الوصف به "وعليكم بالصدق" أي الزموا الصدق وهو الإخبار على وفق ما في الواقع "فإن الصدق يهدي إلى البر" قال النووي: معناه أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص

(13/227)


وَيَتَحَرّى الصّدْقَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدّيقاً".
4980- حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا يَحْيَى عنْ بَهْزِ بن حَكِيم قالَ حدّثني أَبِي عنْ أَبِيهِ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "وَيْلٌ لِلّذِي يُحَدّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ[فيضحك] بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ".
4981- حدثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا الّليْثُ عنِ ابنِ عَجْلاَنَ أَنّ رَجُلاً مِنْ مَوَالِي عَبْدِ الله بنِ عَامِرِ بن رَبِيعَةَ الْعَدَوِيّ حدّثَهُ عن عَبْدِ الله بن عَامِرٍ أَنّهُ قالَ: دَعَتْنِي أُمّي يَوْماً وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قاعِدٌ في بَيْتِنا، فقالَتْ هَا[هاه] تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقالَ لَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ"؟ قالَتْ أُعْطِيهِ[قالت أردت أن أعطيه] تَمْراً، فقالَ لَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُمَا إِنّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئاً كُتِبَتْ عَلَيْكَ كَذِبَةٌ".
__________
من كل مذموم، والبراسم جامع للخير كله "ليصدق" أي في قوله وفعله "حتى يكتب عند الله صديقاً" بكسر الصاد وتشديد الدال أي مبالغاً في الصدق. ففي القاموس: الصديق من يتكرر من يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة في الصدق قاله القاري.
قال الخطابي: هذا تأويل قوله سبحانه {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"ويل" أي هلاك عظيم أو واد عميق في جهنم "فيكذب" أي في تحديثه وإخباره "ليضحك" بفتح الياء والحاء "به" أي بسبب تحديثه أو الكذب "القوم" بالرفع على أنه فاعل ويجوز بضم الياء وكسر الحاء ونصب القوم على أنه مفعول "ويل له ويل له" التكرير للتأكيد.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وجد بهز بن حكيم هو معاوية بن حيدة القشيري له صحبة وقد تقدم الاختلاف في بهز بن حكيم وأن من الأئمة من وثقة ومنهم من قال لا يحتج به.
"دعتني" أي طلبتني وأنا صغير "ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد" الجملة حالية "فقالت ها" للتنبيه أو اسم فعل بمعنى خذ "تعال" بفتح اللام بلا ألف تأكيد "أعطيك" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي أنا "وما أردت" أي أي شيء نويت "أن تعطيه" بسكون التحتية لأن الصيغة للمخاطبة وعلامة نصبها حذف النون "أما" بالتخفيف للتنبيه "كتبت" بصيغة المجهول "عليك كذبة" بفتح الكاف وسكون الذال أي مرة من الكذب أو بكسر الكاف وسكون الذال أي نوع من الكذب.

(13/228)


4982- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ ح وَأخبرنا مُحَمّدُ بنُ الْحُسَيْنِ أخبرنا عَلِيّ بنُ حَفْصٍ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ حَبِيبِ بن عَبْدِ الرّحْمَنِ عن حَفْصِ بنِ عَاصِمٍ قال ابنُ حُسْيْنٍ في حَدِيثِهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "كَفَى بالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُحَدّثَ بِكُلّ مَا سَمِعَ".
قال أبُو دَاوُدَ: ولَمْ يَذْكُرْ حَفْصُ أَبَا هُرَيْرَةَ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يُسْنِدْهُ إِلاّ هَذَا الشّيْخُ يَعْني عَلِيّ بنَ حَفْصِ المَدَائِنيّ.
__________
وفي الحديث أن ما يتفوه به الناس للأطفال عند البكاء مثلاً بكلمات هزلاً أو كذباً بإعطاء شيء أو بتخويف من شيء حرامٌ داخل في الكذب، كذا في اللمعات.
قال المنذري: مولى عبد الله مجهول.
"كفى بالمرء" مفعول كفى والباء زائدة "إثماً" تمييز "أن يحدث الخ" فاعل كفى. قال النووي: فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لأخباره بما لم يكن، والكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ولا يشترط فيه التعمد انتهى "لم يذكر حفص" يعني ابن عمر "أبا هريرة" فروايته مرسلة، وأما محمد بن الحسين فذكر في روايته أبا هريرة فروايته مرفوعة.
قال المنذري: وأخرجه مسلم في المقدمة مسنداً ومرسلا وعن بعض رواة مسلم كلاهما مسند، وقال الدارقطني: والصواب مرسل انتهى.
وقال النووي: قال الدارقطني الصواب المرسل عن شعبة كما رواه معاذ وابن مهدي وغندر.
قلت: وقد رواه أبو داوود في سننه أيضاً مرسلاً ومتصلاً فرواه مرسلاً عن حفص بن عمر عن شعبة ورواه متصلاً من رواية علي بن حفص، وإذا ثبت أنه روى متصلاً ومرسلاً فالعمل على أنه متصل، هذا هو الصحيح الذي قاله جماعة من أهل الحديث والفقه والأصول، ولا يضركون الأكثرين رووه مرسلاً فإن الوصل زيادة من ثقة وهي مقبولة انتهى كلام النووي.

(13/229)


90- باب في حسن الظن
4983- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ ح وَأخبرنا نَصْرُ ابنُ عَلِيّ عنْ مَهْنَإِ أَبِي شِبْلٍ.
__________
باب في حسن الظن
"عن مهنأ" أي ابن عبد الحميد "أبي شبل" بكسر المعجمة وسكون الموحدة كنية مهنأ

(13/229)


قال أبُو دَاوُدَ: وَلَمْ أَفْهَمْهُ مِنْهُ جَيّداً عنْ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عنْ محّمَدِ بنِ وَاسِعٍ عنْ شُتَيْرٍ قالَ نَصْرٌ شُتَيْرُ بنُ نَهّارٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ نَصْرٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "حُسْنُ الظّنّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ".
قال أبُو دَاوُدَ: مَهْنَأَ ثِقَةٌ بَصْرِيّ.
4984- حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ المَرُوزِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عنْ عَلِيّ بنِ حُسَيْنٍ عنْ صَفِيّةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفاً فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً فَحَدّثْتُهُ فَقُمْتُ[وقمت] فَانْقَلَبْتُ، فقَامَ مَعِي لِيُقَلّبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا في دَارِ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، فَمَرّ رَجُلاَنِ مِنَ الأنْصَارِ، فَلَمّا رَأَيَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَسْرَعَا، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم "عَلَى رِسْلِكُمَا إِنّهَا صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَىَ"؟ قالا: سُبْحَانَ الله يَا رَسُولَ الله، قالَ: "إِنّ الشّيْطانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدّمِ فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَيْئاً أَوْ قالَ "شَراّ".
__________
"قال أبو داوود ولم أفهمه" أي الحديث "منه" أي من نصر بن علي "جيداً" أي سماعاً جيداً "عن شتير" بالتصغير "قال نصر" أي ابن علي في روايته كتير بن نهار أي نسبه إلى أبيه "حسن الظن" أي بالمسلمين وبالله تعالى "من حسن العبادة" أي من جملة حسن العبادة التي يتقرب بها إلى الله تعالى .
وفائدة هذا الحديث الإعلام بأن حسن الظن عبادة من العبادات الحسنة كما أن سوء معصية من معاصي الله تعالى كما قال تعالى {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} أي وبعضه حسن من العبادة كذا في السراج المنير "قال أبو داوود مهنأ ثقة بصري" هذه العبارة لم توجد في بعض النسخ. وقال الحافظ في التهذيب وثقه أبو داوود وغيره، وقال أبو حاتم مجهول انتهى.
قال المنذري: في إسناده مهنأ بن عبد الحميد أبو شبل البصري سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال هو مجهول.
"عن صفية" أي زوج النبي صلى الله عليه وسلم "فأتيته" أي يفي المسجد "فانقلبت" أي رجعت "ليقلبني" بضم الياء وفتح القاف وتشديد اللام أو بفتح الياء وسكون القاف أي ليردني إلى منزلي "وكان مسكنها" أي مسكن صفية "أسرعا" أي في المشي "على رسلكما" بكسر الراء ويجوز فتحها أي على هيئتكما في المشي فليس هنا شيء تكرهانه، وفيه شيء محذوف تقديره امشيا على هيئتكما "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم" قيل هو على ظاهره وإن الله تعالى أقدره على ذلك، وقيل هو على سبيل الاستعارة من كثرة إغوائه وكأنه لا يفارق كالدم فاشتركان في شدة
الاتصال وعدم المفارقة "أن يقذف" أي يلقي الشيطان "أو قال شراً" شك من الراوي.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وقد تقدم في كتاب الصيام.

(13/230)


91- باب في العدة
4985- حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا أَبُو عَامِرٍ أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ عَلِيّ بنِ عَبْدِ الأعْلَى عنْ أَبِي النّعْمَانِ عنْ أَبِي وَقّاصٍ عنْ زَيْدِ بن أَرْقَمَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا وَعَدَ الرّجُلُ أَخَاهُ وَمِنْ نِيّتِهِ أَنْ يَفِيَ فَلَمْ يَجِىءْ لِلْمِيعَادِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ".
4986- حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنُ فارِسٍ النّيْسَابُورِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ سِنانٍ أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ بُدَيْلٍ عنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عنْ[بن] عَبْدِ الله بن شَقِيقٍ عنْ أَبِيهِ عنْ عَبْدِ الله بن أَبِي الْحَمْسَاءِ قالَ: بَايَعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم بِبَيْعٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيّةٌ فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا في مَكَانِهِ، فَنَسِيتُ فَذَكَرْتُ[ثم ذكرت] بَعْدَ ثَلاَثٍ فَجَئتُ، فَإِذَا
__________
باب في العدة
"إذا وعد الرجل أخاه" أي المسلم "ومن نيته أن يفي" أصله يوفي من وفى يفي وفاء "فلم يف ولم يجيء للميعاد" أي لعذر منعه "فلا إثم عليه" قال القاري ومفهومه أن من وعد وليس من نيته أن يفي فعليه الإثم سواء وفي به أو لم يف به فإنه من أخلاق المنافقين، ولا تعرض فيه لمن وعد ونيته أن يفي ولم يف بغير عذر فلا دليل لما قيل من أنه دل على أن الوفاء بالوعد ليس بواجب إذا هو أمر مسكوت عنه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال غريب وليس إسناده بالقوي. علي بن عبد الأعلى ثقة وأبو النعمان مجهول، وأبو وقاص مجهول هذا آخر كلامه. وقد سئل أبو حاتم الرازي عن أبي النعمان فقال مجهول. وسئل عن أبي وقاص فقال مجهول.
"أخبرنا محمد بن سنان" بكسر مهملة وخفة نون "عن بديل" بالتصغير هو ابن ميسرة "عن عبد الكريم عن عبد الله بن شقيق" ووقع في نسخه عن عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق والظهر من كلام أبي داوود الآتي وكلام المنذري أن الصحيح عن عبد الكريم عن عبد الله بن شقيق "عن عبد الله بن أبي الحمساء" بفتح مهملة وسكون ميم وبسين مهملة "بايعت" أي بعت منه بمعنى اشتريت "قبل أن يبعث" أي للرسالة "وبقيت له" أي للنبي صلى الله عليه وسلم "بقية" أي شيء من ثمن ذلك المبيع "بها" أي بتلك البقية "فنسيت" أي ذلك الوعد "بعد ثلاث" أي ثلاث ليال "فإذا

(13/231)


هُوَ في مَكَانِهِ، فقَالَ "يَا فَتىً لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيّ أَنَا هَهُنَا مِنْذُ ثَلاَثٍ أَنْتَظِرُكَ".
قال أبُو دَاوُدَ: قالَ مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى هَذَا عِنْدَنَا عَبْدُ الْكَريمِ بنُ عَبْدِ الله ابنِ شَقِيقٍ.
قال أبُو دَاوُدَ: هَكَذَا بَلَغَنِي عنْ عَلِيّ بن عَبْدِ الله.
قال أبُو دَاوُدَ: بَلَغَنِي أَنّ بِشْرَ بنَ السّرِيّ رَوَاهُ عنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ شَقِيقٍ.
__________
هو" أي النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرني "في مكانه" أي في ذلك المكان أو في مكانه الموعود "لقد شققت علي" أي أوقعتها على "أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك" كان انتظاره صلى الله عليه وسلم لصدق وعده لا لقبض ثمنه. قال النووي: أجمعوا على أن من وعد إنساناً شيئاً ليس بمنهي عنه فينبغي أن يفي بوعده، وهل ذلك واجب أو مستحب، فيه خلاف، ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحب فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة شديدة ولا يأثم يعني من حيث هو خلف وإن كان يأثم إن قصد به الأذى. قال وذهب جماعة إلى أنه واجب منهم عمر بن عبد العزيز وبعضهم إلى التفضيل ويؤيد الوجه الأول ما أورده في الإحياء حيث قال وكان صلى الله عليه وسلم إذا وعد وعداً قال عسى. وقال ابن مسعود لا يعد وعداً إلا يقول إن شاء الله تعالى وهو الأولى. ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر فإن كان عند الوعد عازماً على أن لا يفي به فهذا هو النفاق كذا في المرقاة. قال المنذري: أخرجه من حديث ابراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الكريم عن عبد الله بن شقيق عن أبيه عن عبد الله بن أبي الحمساء. وقال قال محمد بن يحيى هذا عندنا عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق. وقال أبو علي سعيد بن السكن في كتاب الصحابة له روى حديثه إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبيه، ويقال عن بديل عن عبد الكريم المعلم، ويشبه أن يكون قول ابن السكن الصواب. وعبد الكريم المعلم هو أبن أبي الخارق لا يحتج بحديثه انتهى كلام المنذري.

(13/232)


92- باب فيمن يتشبع[في المتشبع] بما لم يعط
4987- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ فاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ عنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنّ امْرَأَةً قالَتْ يَا رَسُولَ الله إِنّ لِي جَارةً
__________
باب فيمن يتشبع بما لم يعط
"إن لي جارة" قال الخطابي: إن العرب تسمي امرأة الرجل جارة وتدعو الزوجين والضرتين جارتين وذلك لقرب محل أشخاصهما كالجارين المتضايقين في الدارين يسكنانهما كقول امرأ القيس أجارتنا إنا غريبان ههنا وكل غريب للغريب أنيس "تعني ضرة" في القاموس

(13/232)


تَعْنِي ضَرّةً هَلْ عَلَيّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبّعْتُ لَهَا بِمَا لَمْ يُعْطِ زَوْجِي؟ قال "المُتَشَبّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ [لم يعطه]كَلاَبِسٍ[كاللابس] ثَوْبَيْ زُور"ٍ.
__________
الضرتان زوجتاك وكل ضرة للأخرى وهن ضرائر "هل على جناح" أي إثم وبأس "إن تشبعت لها بما لم يعط زوجي" أي تكثرت بأكثر مما عندي وأظهرت لضرتي أنه يعطيني أكثر مما يعطيها إذخالاً للغيظ عليها "قال المتشبع الخ" قال النووي: معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده ويتكثر بذلك عند الناس ويتزين بالباطل فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور. قال أبو عبيد وآخرون: هو الذي يلبس أهل الزهد والعبادة والورع ومقصوده أن يظهر للناس أنه متصف بتلك الصفة ويظهر من التخشع والزهد أكثر مما في قلبه، فهذه ثياب زور ورياء، وقيل هو كمن لبس ثوبين لغيره وأوهم أنهما له انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(13/233)


93- باب ما جاء في المزاح
4988- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ أنبأنا خَالِدٌ عنْ حُمَيدٍ عنْ أَنَسٍ: أَنّ رَجُلاً أَتَى النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ يَا رَسُولَ الله احْمِلْنِي، فقَالَ[قال] النبي صلى الله عليه وسلم "أَنّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَة"ٍ. قالَ وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النّاقَةِ؟ فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم "وهل تَلِدُ الإبِلَ إِلاّ النّوقُ".
__________
باب ما جاء في المزاح
قال في الصراح مزح لاغ كردن من باب فتح والإسم المزاح بالضم وبالكسر المصدر
"احملني" أي على دابة والمعنى اعطني حمولة إركبها "قال وما أصنع بولد الناقة" لما كان المتعارف عند العامة في بادي الرأي استعمال ولد الناقة فيما كان صغيراً لا يصلح للركوب وإنما يقال للصالح الإبل توحش الرجل على فهم المعنى "وهل تلد الإبل" بالنصب مفعول مقدم، والإبل اسم جمع لا واحد له من لفظه وهو بكسرتين ولم يجيء من الأسماء على فعل بكسرتين إلا الإبل والخبر "إلا النوق" بضم النون جمع ناقة وهي أنثى الإبل. وقال أبو عبيدة لا تسمى ناقة
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفي الصحيحين عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير "يا أبا عمير ما فعل النغير".
وقد أخرج الترمذي من حديث أسامة بن زيد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال "إني لا أقول إلا حقا" قال الترمذي حديث حسن.

(13/233)


4989- حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ أخبرنا حَجّاجُ بنُ مُحَمّدٍ أخبرنا يُونُسُ بنُ أَبِي إِسْحَاقَ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عن الْعَيْزَارِ بنِ حُرَيْثٍ عن حُرَيْثٍ عن النّعْمَانِ ابنِ بَشِيرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِياً، فَلَمّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا، وَقالَ: لاَ أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ النبي صلى الله عليه وسلم يَحْجُزُهُ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَباً، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم حِينَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ "كَيْفَ رَأَيْتِنِي أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرّجُلِ"، قال: فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيّاماً، ثُمّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا، فقَالَ لَهُمَا أَدْخِلاَنِي فِي سِلْمِكُمَا كَما أَدْخَلْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "قَدْ فَعَلْنَا قَدْ فَعَلْنَا".
__________
حتى تجذع وقوله إلا النوق بالرفع فاعل مؤخر فالإبل ولو كباراً أولاد الناقة فيصدق ولد الناقة بالكبير والصغير قاله البيجوري في شرح الشمائل. والمعنى إنك لو تدبرت لم تقل ذلك ففيه الإشارة إلى أنه ينبغي لمن سمع قولاً أن يتأمله ولا يبادر إلى رده. وفي هذا الحديث والأحاديث الآتية في الباب إباحة المزاح والدعابة. وكان صلى الله عليه وسلم يداعب الصحابة ولا يقول إلا حقاً. وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس رفعه "لا تمار أخاك ولا تمازحه" الحديث والجمع بينهما أن المنهي عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين ويؤدي إلى قسوة القلب والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطيب نفس المخاطب ومؤانسته فهو مستحب. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال صحيح غريب.
"عن العيزار" بفتح العين المهملة وسكون التحتانية وبعدها زاي وآخره راء "تناولها" أي أخذ أبو بكر عائشة: "ليلطمها" بكسر الطاء ويجوز ضمها من اللطم وهو ضرب الخد وصفحة الجسد بالكف مفتوحة على ما في القاموس. وفي المصباح: لطمت المرأة وجهها لطما من باب ضرب انتهى.
قال عبد الحق الدهلوي: اللطم ضرب الخد بالكف وهو منهي عنه، ولعل هذا كان قبل النهي أو وقع ذلك منه لغلبة الغضب أو أراد ولم يلطم انتهى "يحجزه" بضم الجيم والزاي أي يمنع أبا بكر من ضربها ولطمها "مغضباً" بفتح الضاد أي غضبان على عائشة "أنقذتك" أي خلصتك "من الرجل" أي من ضربه ولطمه. والظاهر أن يقال من أبيك فعدل إلى الرجل أي من الرجل الكامل في الرجولية حين غضب لله ولرسوله قاله الطيبي قلت: قوله أنقذتك من الرجل ولم يقل عن أبيك وإبعاده صلى الله عليه وسلم أبا بكر عن عائشة تطيياً وممازحة كل ذلك داخل في المزاح، ولذا أورده المؤلف في باب المزاح "فمكث" أي لبث "قد اصطلحا" من الصلح "في سلمكما" بكسر السين ويفتح أي في صلحكما "أدخلتماني في حربكما" أي في شقاكما. وإسناد الإدخال

(13/234)


4990- حدثنا مُومّلُ بنُ الْفَضْلِ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن عَبْدِ الله بنِ الْعَلاَءِ عنْ بُسْرٍ بنِ عْبَيْدِ الله عنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيّ عنْ عَوْفِ بنِ مَالكٍ الأشْجَعِيّ قال: أَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ في قُبّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلّمْتُ فَرَدّ وَقالَ " أُدْخُلْ،" فقُلْتُ: أَكُلّي يَا رَسُولَ الله؟ قالَ "كُلّكَ فَدَخَلْتُ".
4991- حدثنا صَفْوَانُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا عُثْمانُ بنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ قالَ: إِنّمَا قال: أدْخُلُ كُلّي مِنْ صِغَرِ الْقُبّةِ.
4992- حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مَهْدِيَ أخبرنا شَرِيكٌ عنْ عَاصِمٍ عن أنَسٍ قال: قالَ لِيَ النبي صلى الله عليه وسلم "يَاذَا الأذُنَيْنِ".
__________
إليهما في الثاني من المجاز السببي أو من قبيل المشاكلة وإلا فالمعنى كما دخلت في حربكما قاله القاري "قد فعلنا" مفعوله محذوف أي فعلنا إدخالك في السلم والتكرار للتأكيد. قال المنذري: وأخرجه النسائي وليس في حديثه ذكر أبي إسحاق السبيعي.
"وهو في قبة" أي خيمة صغيره "من أدم" بفتحتين أي من جلد "فرد" أي السلام "وقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أدخل" في القبة "فقلت أكلي يا رسول الله قال كلك" قال الطيبي: يجوز فيه الرفع والنصب، والتقدير أيدخل كلي فقال كلك يدخل أو أدخل كلي فقال أدخل كلك انتهى. وإنما قال هذا لأجل صغر القبة كما في الرواية الآتية وفيه أنه كما كان يمازح الصحابة كذلك كانوا يمازحونه. قال المنذري: وأخرجه البخاري وابن ماجه مطولاً وليس في حديث البخاري قصة الدخول.
" إنما قال أدخل كلي" قال القاري: بمتكلم ثلاثي وفي نسخة يعني من المشكاة من المزيد "من صغر القبة" أي من أجل صغرها. قال المنذري: وعثمان هذا فيه مقال.
"ياذا الأذنين" معناه الحض والتنبيه على حسن الاستماع لما يقال له لأن السمع بحاسة الأذن، ومن خلق الله له الأذنين وغفل ولم يحسن الوعي لم يعذر. وقيل إن هذا القول من جملة مداعباته صلى الله عليه وسلم ولطيف أخلاقه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي.

(13/235)


94- باب من يأخذ الشيء من مزاح
[باب الرجل يروع الرجل ومن أخذ الشيء على المزاح]
4993- حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ أَبِي ذِئْبٍ ح وَأخبرنا سُلَيْمانُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الدّمَشْقِيّ أخبرنا شُعَيْبُ بنُ إسْحَاقَ عن ابن أَبِي ذِئْبٍ عنْ عَبْدِ الله بن السّائبِ بنِ يَزِيدَ عنْ أَبِيهِ عنْ جَدّهِ أنّهُ سَمِعَ النبي[رسول الله] صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ يَأْخُذَنّ أحَدُكُمْ مَتَاعَ أخيهِ لاَعِباً جَاداّ[ولاجادّا]". وَقالَ سُلَيْمانُ لَعِباً وَلاَ جِداّ، وَمَنْ أخذَ عَصَا إخيهِ فَلْيَرُدّهَا" - لَمْ يَقُلْ ابنُ بَشّارٍ ابنَ يَزِيدً - وَقالَ قالَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم.
4994- حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمانَ الأنْبَارِيّ أخبرنا ابنُ نُمَيْرٍ عن الأعمَش بنْ عَبْدِ الله بنِ يَسَارٍ عنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ ابنِ أَبِي لَيْلَى قالَ: حدثنا أصْحَابُ مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم أنّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إلَى حَبْلٍ مَعَهُ فأَخَذَهُ فَفَزِعَ فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوّعَ مُسْلِماً".
__________
باب من يأخذ الشيء من مزاح
وفي بعض النسخ باب الرجل يروع الرجل ومن أخذ الشيء على المزاح وهو الأولى لأن المؤلف أورد حديث الترويع أيضا
"لاعباً جاداً" قال الخطابي: معناه أن يأخذه على وجه الهزل وسبيل المزاح ثم يحبسه عنه ولا يرده فيصير ذلك جداً "قال سليمان" هو ابن عبد الرحمن "لعباً ولا جداً" وجه النهي عن الأخذ جداً ظاهر لأنه سرقة وأما النهي عن الأخذ لعباً فلأنه لا فائدة فيه بل قد يكون سبباً لإدخال الغيظ والأذى على صاحب المتاع "ومن أخذ عصا أخيه" أي مثلاً "لم يقل ابن بشار" هو محمد "ابن يزيد":مفعول أي لم يذكر لفظ ابن يزيد بل اقتصر على قوله عن عبد الله بن السائب. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ذئب.
-شر "ففزع" في القاموس: الفزع الذعر والفرق جمعه أفزاع مع كونه مصدراً والفعل كفرح ومنع "لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً" أي يخوفه.
قال المناوي: ولو هازلاً لما فيه من الإيذاء. والحديث سكت عنه المنذري.

(13/236)


باب ما جاء في التشدق ( المتشدق) في الكلام
...
95- باب ما جاء في التشدق في الكلام
4995- حدثنا مُحَمّدُ بنُ سِنَانٍ الْبَاهِلِيّ - وكَانَ يَنْزِلُ العُوقَةَ - أخبرنا نَافِعُ بنُ عُمَرَ عن بِشْرِ بنِ عَاصِمٍ عن أَبِيهِ عن عَبْدِ الله قال أبُو دَاوُدَ: هُوَ ابنُ عَمْرٍو وقال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله يَبْغُضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرّجَالِ الّذِي يَتَخَلّلُ بِلِسَانِهِ تَخَلّلَ الْبَاقِرَةِ بِلِسَانِهَا".
4996- حدثنا ابنُ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن عَبْدِ الله بنِ المُسَيّبِ عن الضّحّاكِ بنِ شَرَحْبِيلَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَعَلّمَ صَرْفَ الْكَلاَمِ لِيَسِبِيَ بِهِ قُلَوبَ الرّجَالِ أو النّاسِ لَمْ يَقْبَلِ الله مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً".
__________
باب ما جاء في التشدق في الكلام
أي التوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل المتشدق المتكلف في الكلام فيلوي به شدقيه، والشدق جانب الفم.
"كان ينزل العوقة" قال في المراصد عوقة بفتح أوله وثانيه محلة من محال البصرة وعوقة بفتح أوله وسكون ثانيه قرية باليمامة انتهى وفي الخلاصة محمد ابن سنان الباهلي العوقي بفتح الواو نزل فيهم أبو بكر البصري. وفي التهذيب عوقي نسبة إلى العوقة بطن من الأرد انتهى "البليغ" أي المبالغ في فصاحة الكلام وبلاغته "الذي يتخلل بلسانه" أي يأكل بلسانه أو يدير لسانه حول أسنانه مبالغة في إظهار بلاغته "تخلل الباقرة بلسانها" أي البقرة كأنه أدخل التاء يفيها على أنه واحد من الجنس كالبقرة من البقر واستعمالها مع التاء قليل، قال القاري.
وفي القاموس: باقر وبقير وبيقور وباقور وباقورة أسماء للجمع. قال في النهاية: أي يتشدق في الكلام بلسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً انتهى. وخص البقرة لأن جميع البهائم تأخذ النبات بأسنانها وهي تجمع بلسانها. وأما من بلاغته خلقية فغير مبغوض، كذا في السراج المنير.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب من هذا الوجه.
" من تعلم صرف الكلام" قال الخطابي: صرف الكلام فضله وما يتكلفه الإنسان من الزيادة فيه وراء الحاجة ومن هذا سمي الفضل من النقدين صوفاً وإنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لما يدخله من الرياء والتصنع ولما يخالطه من الكذب والتزيد وأمر أن يكون الكلام قصداً ببلوغ الحاجة غير زائد عليها يوافق ظاهره باطنه وسره علانيته انتهى "ليسبي" بكسر الموحدة أي

(13/237)


4997- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمةَ عن مَالِكٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أَنّهُ قال: قَدِمَ رَجُلاَنِ مِنَ المَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النّاسُ - يَعني لِبَيَانِهِمَا - فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً، أوْ إِنّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ".
4998- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ الْبَهْرَانِيّ قَرَأَ في أَصْلِ إسْمَاعِيلَ بنِ عَيّاشٍ وَحَدّثَهُ مُحَمّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ ابْنُهُ[عن أبيه] قال حدّثني أَبِي قال حدّثني ضَمْضَمٌ عن شُرَيْحٍ بنِ عُبَيْدٍ قال حدثنا أَبُو ظَبْيَةَ أَنّ عَمْرَو ابنَ الْعَاصِ قال يَوْماً - وقامَ
__________
ليلسب ويستميل "به" أي بصرف الكلام "قلوب الرجال أو الناس" شك من الراوي "صرفاً ولا عدلاً" في النهاية: الصرف التوبة أو المنافلة، والعدل الفدية أو الفريضة.
قال المنذري: الضحاك بن شرحبيل هذا مصري ذكره ابن يونس في تاريخ المصريين، وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكر له رواية عن أحد من الصحابة وإنما وروايته عن التابعين ويشبه أن يكون الحديث منقطعاً والله عز وجل أعلم.
"من المشرق" أي من جانب الشرق "إن من البيان لسحراً" يعني أن بعض البيان كالسحر في استمالة القلوب أو في العجز عن الإتيان بمثله، وهذا النوع ممدوح إذا صرف إلى الحق ومذموم إذا صرف إلى الباطل.
وقد أطال الكلام في معنى هذا الحديث الشيخ الإمام أبو هلال العسكري في كتابه جمهرة الأمثال، والإمام أبو الفضل الميداني في كتابه مجمع الأمثال.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي: والرجلان الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ولهما صحبة، والأهتم بفتح ثالث الحروف، وكان قدومهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع من الهجرة انتهى.
قلت: وكذا قدوم وائل بن حجر وإسلامه كان في سنة تسع. قال الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة: وائل بن حجر ومعاوية بن الحكم السلمي وخلق كثير ممن أسلم سنة تسع وبعدها وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام عنده أياماً ثم رجع إلى قومه وروى عنه أحاديث انتهى.
"البهراني" بفتح الباء وسكون الهاء نسبة إلى بهر وزيدت النون "وحدثه" أي سليمان "محمد بن إسماعيل" بن عياش "ابنه" أي ابن إسماعيل هو بدل من محمد بن إسماعيل. والمعنى أن سليمان قرأ هذا الحديث في كتاب إسماعيل بن عياش، وروى أيضاً عن محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه إسماعيل بن عياش "وقام رجل فأكثر القول" أي أطال الكلام،

(13/238)


رَجُلٌ فأَكْثَرَ الْقَوْلَ - فقَالَ عَمْرٌو لَوْ قَصَدَ في قوله لَكَانَ خَيْراً لَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَقَدْ رَأَيْتُ أَوْ أُمِرْتُ أَنْ أَتَجَوّزَ في الْقَوْلِ فإِنّ الْجَوَازَ هُوَ خَيْرٌ".
__________
والجملة حالية "فقال عمرو" هو تكرار لطول الكلام لوقع الجملة الحالية بين قوله قال عمرو وبين مقوله وهو قوله "لو قصد في قوله لكان خيراً له" أي لو أخذ في كلامه الطريق المستقيم والقصد ما بين الإفراط والتفريط "لقد رأيت" أي علمت "أو أمرت" شك من الراوي "أن أتجوز في القول" قال القاري أي أسرع فيه وأخفف المؤنة عن السامع من قولهم تجوز في صلاته أي خفف "فإن الجواز هو خير" بفتح الجيم وهو الاقتصار على قدر الكفاية.
قال المنذري: أبو ظبية بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة وتاء تأنيث كلاغي حمصي ثقة. وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه وفيهما مقال.

(13/239)


96- باب ما جاء في الشعر
4999- حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن الأعمَشِ عن أَبِي صَالِحٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لأنْ يَمْتَلِيءَ جَوْفُ أَحَدِكُم قَيْحاً خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِيءَ شِعْراً".
قالَ أَبُو عَلِيّ: بَلَغَنِي عن أَبِي عُبَيْدٍ أَنّهُ قال: وَجْهُهُ أَنّ يَمْتَلِيءَ قَلْبُهُ حَتّى يَشْغَلَهُ عن الْقُرْآنِ وَذِكْرِ الله، فإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ الْغَالِبَ فَلَيْسَ جَوْفُ هَذَا عِنْدَنَا مُمْتَلِئاً مِنَ الشّعْرِ، وَإِنّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً. قال: كَأَنّ المَعْنَى أَنْ يَبْلُغَ مِنْ بَيَانِهِ أَنْ يَمْدَحَ الإنْسَانَ
__________
باب ما جاء في الشعر
"لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً" نصبه على التمييز أي صديداً ودماً وما يسمى نجاسة "خير له من أن يمتلىء شعراً" قال الحافظ: ظاهره العموم في كل شعر لكنه مخصوص بما لا يكون مدحاً حقاً كمدح الله ورسوله وما اشتمل على الذكر والزهذ وسائر المواعظ مما لا إفراط فيه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه "قال أبو علي" هو اللؤلؤي صاحب أبي داوود "وجهه" أي وجه الحديث ومعناه "فإذا كان القرآن والعلم" بالرفع اسم كان "الغالب" بالنصب خبر كان "وإن من البيان لسحراً قال كأن المعنى" قال المنذري: وقد اختلف العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم "إن من البيان لسحراً" فقيل أورده مورد الذم لتشبيه بعمل السحر

(13/239)


فَيَصْيدُقَ فِيهِ حَتّى يَصْرِفَ الْقُلُوبَ إِلَى قَوْلِهِ، ثُمّ يَذُمّهُ فَيَصْدُقَ فِيهِ حتّى يَصْرِفَ الْقُلُوبَ إِلَى قوله الآخر فكَأَنّهُ سَحَرَ السّامِعِينَ بِذَلِكَ.
__________
لغلبة القلوب وتزيينه القبيح وتقبيحه الحسن وإليه أشار الإمام مالك رضي الله عنه فإنه ذكر هذا الحديث في الموطأ في باب ما يكره من الكلام قيل إن معناه أن صاحبه يكسب من الإثم ما يكسبه الساحر بعلمه. وقيل أورده مورد المدح أي أنه تمال به القلوب ويرضي به الساخط ويذل به الصعب، ويشهد له أن من الشعر لحكمة، وهذا لا ريب فيه أنه مدح، وكذلك مصراعه الذي بإزائه، وقال بعضهم في الامتلاء من الشعر أي الشعر الذي هجى به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول غير مرضي، فإن شطر البيت من ذلك يكون كفراً فإذا حمل على الامتلاء منه فقد رخص في القليل منه، وهذا ليس بشيء والمختار ما تقدم انتهى كلام المنذري.
قال الميداني: إن من البيان لسحراً قاله النبي صلى الله عليه وسلم حين وفد عليه عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الأهتم عن الزبرقان فقال عمرو مطاع في أذنيه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره، فقال الزبرقان يا رسول الله إنه ليعلم مني أكثر من هذا ولكنه حسدني، فقال عمرو أما والله إنه لزمر المروة ضيق العطن أحمق الوالد لئيم الخال، والله يا رسول الله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى ولكني رجل رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أقبح ما وجدت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من البيان لسحراً"، يعني أن بعض البيان يعمل عمل السحر. ومعنى السحر إظهار الباطل في صورة الحق.
والبيان اجتماع الفصاحة والبلاغة وذكاء القلب مع اللسن وإنما شبه بالسحر لحدة عمله في سامعه وسرعة قبول القلب له يضرب في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة انتهى كلامه.
وقال الإمام أبو هلال العسكري: أما النبي صلى الله عليه وسلم فذم البيان أم مدحه، فقال بعض ذمه لأن السحر تمويه فقال "إن من البيان ما يموه الباطل حتى يتشبه بالحق" ، وقال بعض بل مدحه لأن البيان من الفهم والذكاء. قال أبو هلال: الصحيح أنه مدحه، وتسميته إياه سحراً إنما هو على جهة التعجب منه لما ذم عمرو الزبرقان ومدحه في حالة واحدة وصدق في مدحه وذمه فيما ذكر عجب النبي صلى الله عليه وسلم كما يعجب من السحر، فسماه سحراً من هذا الوجه انتهى مختصراً.
قال النووي: أن يكون الشعر غالباً عليه بحثث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية فهو مذموم، فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية وهو الغالب عليه فلا يضر حفظ اليسير مع هذا لأن جوفه ليس ممتلئاً شعراً انتهى ملخصاً. وقال أبو عبيد البكري الأندلسي في شرح كتاب الأمثال للحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام: الناس يتلقون هذا

(13/240)


5000- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ المبَارَكِ عن يُونُسَ عن الزّهْرِيّ حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ عن مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ الأسْوَدِ بنِ عَبْدِ يَغُوثَ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنّ مِنَ الشّعْرِ حِكْمَةَ".
5001 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: جَاءَ أَعْرَابِيّ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَ يَتَكَلّمُ بِكَلاَمٍ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً، وَإِنّ مِنَ الشّعْرِ حُكْماً".
5002- حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا سَعِيدُ بنُ مُحَمّدٍ أخبرنا أبُو تُمَيْلَةَ حدّثني أبُو جَعْفَرٍ النّحْوِيّ عَبْدُ الله بنُ ثَابِتٍ حدّثني صَخْرُ ابنُ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً، وَإنّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلاً، وَإنّ مِنَ الشّعْرِ حُكْماً، وَإِنّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالا،" فقَالَ صَعْصَعَةُ بنُ
__________
الحديث على أنه في مدح البيان وأدرجوا في كتبهم هذا التأويل، وتلقاه العلماء على غير ذلك، بوب مالك في الموطأ عليه باب ما يكره من الكلام فحمله على الذم، وهذا هو الصحيح في تأويله، لأن الله تعالى قد سمى السحر فساداً في قوله تعالى {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} انتهى. قال السيوطي: وهو ظاهر صنيع أبي داوود. قلت: فإن كان البيان في أمر باطل فهو كذلك وإلا فمدح لا محالة والله أعلم.
"إن من الشعر حكمة" أي ما فيه حق وحكمة أو قولاً صادقاً مطابقاً للحق وقيل أصل الحكمة المنع، فالمعنى إن من الشعر كلاماً نافعاً يمنع عن السفه والجهل وهو ما نظمه الشعراء من المواعظ والأمثال التي ينتفع به الناس.
قال المنذري: وأخرجه البخاري وابن ماجه.
"إن من الشعر حكماً" بضم فسكون أي حكمة كما في قوله تعالى {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً} أي الحكمة، كذا قال القاري. وقال العزيزي في السراج المنير في شرح هذا الحديث بكسر ففتح جمع حكمة أي حكمة وكلاماً نافعاً في المواعظ وذم الدنيا والتحذير من غرورها ونحو ذلك انتهى.
والحديث سكت عنه المنذري.
"وإن من العلم جهلاً" أي لكونه علماً مذموماً والجهل به خير منه أو لكونه علماً مما لا

(13/241)


صُوحَانَ: صَدَقَ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم . أَمّا قَوْلُهُ: "إِنّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً" ، فالرّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقّ وَهُوَ أَلْحنُ بالْحجَجِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقّ فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فيَذَهَبُ بالْحَقّ. وَأَمّا قَوْلُهُ: " إِنّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلاً" فيَتَكَلّفُ الْعَالِمُ إِلَى عِلْمِهِ مَالا يَعْلَمُ فيُجهّلُهُ ذَلِكَ، وَأَمّا قَوْلُهُ: وَإِنّ مِنَ الشّعْرِ حُكْماً فَهِيَ هَذِهِ المَوَاعِظُ[الموعظة] وَالأمْثَالُ الّتي يَتّعِظُ النّاسُ بِهَا[بها الناس] وَأَمّا قَوْلُهُ: مِنَ الْقَوْلِ عِيَالاً فَعَرْضُكَ كَلاَمُكَ وَحَدِيثُكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَلا يُرِيدُهُ.
5003- حدثنا ابنُ أَبِي خَلَفٍ وَ أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ المَعْنَى قالا أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدٍ قال: مَرّ عُمَرُ بِحَسّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ في المَسْجِدِ فَلَحِظَ إِلَيْهِ فقَالَ: كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ.
__________
يعنيه فيصير جهلاً بما يعنيه. وقيل هو أن لا يعمل بعلمه فيكون ترك العمل بالعلم جهلاً قال في النهاية: قيل هو يتعلم ما لا حاجة إليه كالنجوم وعلوم الأوائل ويدع ما يحتاج إليه في دينه من علم القرآن والسنة. وقيل هو أن يتكلف العالم القول فيما لا يعلمه فيجهله ذلك انتهى "وإن من القول عيالاً" بكسر أوله. قال الخطابي: هكذا رواه أبو داوود عيالاً، ورواه غيره إن من القول عيلاً. قال الأزهري قوله عليه السلام عيلاً من قولك علت الضالة أعيل عيلاً وعيلا إذا لم تدر أية جهة تبغيها. قال أبو زيد كأنه لم يهتد لمن يطلب علمه فعرضه على من لا يريده انتهى. وفي النهاية: إن من القول عيلاً هو عرضُك حديثك وكلامك على من لا يريده وليس من شأنه. يقال علت الضالة عيلاً إذا لم تدر أي جهة تبغيها كأنه لم يهتد لمن يطلب كلامه فعرضه على من لا يريده انتهى "فقال صعصعة بن صوحان" بضم المهملة وبالحاء المهملة تابعي كبير مخضرم فصيح ثقة مات في خلافه معاوية قاله الحافظ "وهو ألحن" أي أقدر على بيان مقصوده من لحن بالكسر إذا نطق بحجته "بالحجج" جمع حجة "ولا يريده" أي لا يريد المعروض عليه كلامك وحديثك فيصير كلامك ثقيلاً عليه كالعيال قاله السندي.
قال المنذري: في إسناده أبو تميلة يحيى بن واضح الأنصاري المروزي وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي، وأدخله البخاري في كتاب الضعفاء، فقال أبو حاتم الرازي يحول من هناك.
"بحسان" أي ابن ثابت الشاعر غير منصرف على الأصح قاله القاري "وهو ينشد" أي يقرأ الشعر. في القاموس: أنشد الشعر قرأه "فلحظ إليه" في القاموس: لحظه كمنعه وإليه نظر بمؤخر عينيه وهو أشد التفاتاً من الشزر، والضمير المرفوع يرجع إلى عمر والمجرور إلى حسان "وفيه" أي في المسجد والواو للحال "من هو خير منك" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(13/242)


5004- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ. زَادَ: فَخَشِيَ أَنْ يَرْمِيَهُ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فأَجَازَهُ.
__________
قال المنذري: وأخرجه النسائي وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر، فإن كان سمع ذلك من حسان بن ثابت فيتصل.
"بمعناه" أي بمعنى الحديث السابق "زاد" أي معمر "فحشى" أي عمر رضي الله عنه "برسول الله صلى الله عليه وسلم" أي بإجازته صلى الله عليه وسلم "فأجازه" أي أجاز عمر رضي الله عنه حسان رضي الله عنه للانشاد في المسجد.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بمعناه دون الزيادة.
__________
ذكر حديث سعيد بن المسيب في واقعة عمر وحسان ثم قال المنذري وسعيد ابن المسيب لم يصح سماعه من عمر فإن كان سمع ذلك من حسان فمتصل.
ثم قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد تكرر له في هذا الكتاب في مواضع وبه يعلل ابن القطان وغيره حديث سعيد عن عمر وهو تعليل باطل أنكره الأئمة كأحمد بن حنبل ويعقوب بن سفيان وغيرهما.
قال أحمد إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل سعيد عن عمر عندنا حجة.
وقال حنبل في تاريخه حدثنا أبو عبد الله يعني أحمد حنبل حدثنا محمد ابن جعفر حدثنا سعيد عن إياس بن معاوية قال قال سعيد بن المسيب ممن أنت قلت من مزينة قال إني لأذكر يوم نعي عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن المزني على المنبر وهذا صريح في الرد على من قال إنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري كان سعيد بن المسيب يسمي رواية عمر بن الخطاب لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه.
وقال مالك بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره.
هذا ولم يحفظ عن أحد من الأئمة أنه طعن في رواية سعيد عن عمر بل قابلوها كلهم بالقبول والتصديق ومن لم يقبل المرسل قبل مرسل سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الحاكم في علوم الحديث سعيد بن المسيب أدرك عمر وعليا وطلحة وباقي العشرة وسمع منهم.
والمقصود أن تعليل الحديث برواية سعيد له عن عمر تعنت بارد.

(13/243)


5005- حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمانَ المِصّيصِيّ لُوَيْنٌ أخبرنا ابنُ أَبِي الزّنادِ عن أَبيهِ عنْ عُرْوَةَ وَ هِشَامٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَضَعُ لِحَسّانَ مِنْبَراً في المَسْجِدِ فيَقُومُ عَلَيْهِ يَهْجُو من قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ روح الْقُدُسِ مَعَ حَسّانَ، ما نافَحَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم".
5006- حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ المَرْوَزِيّ حدّثني عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ عنْ أَبِيهِ عنْ يَزِيدَ النّحْوِيّ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ قالَ: {وَالشّعَرَاءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}، فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى وَقالَ[فقال] {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً}.
__________
"وهشام" بالجر عطف على أبيه فابن أبي الزناد يروي عن أبيه وعن هشام بن عروة "من قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي من هجاه صلى الله عليه وسلم من المشركين "إن روح القدس مع حسان" المراد بروح القدس جبريل عليه السلام بدليل حديث البراء عند البخاري بلفظ وجبريل معك، ودال القدس يضم ويسكن "ما نافح" بحاء مهملة أي دافع وخاصم المشركين وهجاهم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح.
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}: أي الضالون {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: أي من الشعراء {وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً}: أي لم يشغلهم الشعر عن الذكر. وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عروة قال لما نزلت {وَالشُّعَرَاءُ} قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله قد علم الله أني منهم فأنزل الله {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي حسن سالم البراد قال لما نزلت {وَالشُّعَرَاءُ} الآية جاء عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت وهم يبكون فقالوا يا رسول الله لقد أنزل الله هذه الآية وهو يعلم أنا شعراء أهلكنا، فأنزل الله {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا عليهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} قال هم الكفار يتبعون ضلال الجن والإنس ثم استثنى منهم فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس والشعراء منهم الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم
والصحيح أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر فيكون له وقت وفاة عمر ثمان سنين فكيف ينكر سماعه ويقدح في اتصال روايته عنه والله الموفق للصواب.
وقد أخرجه في الصحيحين وذكره أبو داود عقب هذا الحديث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكر الحديث بمعنى ما تقدم دون ذكر الزيادة.

(13/244)


{يتبعهم الغاوون} غواة الجن ثم استثنى فقال {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يعني حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك كانوا يذبون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هجاء المشركين انتهى.
قال المنذري: في إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال.

(13/245)


97- باب في الرؤيا
5007- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أَبِي طَلْحَةَ عنْ زُفَرَ بنِ صَعْصَعَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ يَقُولُ "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُم الّليْلَةَ رُؤْيَا، وَيَقُولُ إِنّهُ لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النّبُوّةِ إِلاّ الرّؤَى الصّالِحَةُ".
5008- حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنّسٍ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ منْ سِتّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النّبُوّةِ".
__________
باب في الرؤيا
هي ما يرى الشخص في منامه بوزن فعلى وقد تسهل الهمزة
"من صلاة الغداة" أي صلاة الصبح "إلا الرؤيا الصالحة" أي الحسنة أو الصادقة قال السيوطي أي الوحي المنقطع بموتى ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا.
قال المنذري: وأخرجه النسائي من حديث زفر بن صعصعة عن أبي هريرة من غير ذكر صعصعة والمحفوظ من حديث الإمام مالك بن أنس إثبات صعصعة في إسناده.
"رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة" يعني من أجزاء علم النبوة من حيث أن فيها إخباراً عن الغيب، والنبوة غير باقية لكن علمها باق وقيل معناه تعبير الرؤيا كما أوتي ذلك يوسف عليه السلام.
واعلم أن روايات العدد مختلفة في صحيح مسلم والمشهور منها من ستة وأربعين وفي رواية خمسة وأربعين، وفي رواية من سبعين، وكذا في غير مسلم مختلفة في رواية العباس من
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى البخاري في صحيحه من حديث الزهري حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لم يبق من النبوة إلا المبشرات" قالوا وما المبشرات قال "الرؤيا الصالحة" وأخرجه مسلم من حديث ابن عباس.

(13/245)


5009- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا عَبْدُ الْوَهّابِ عنْ أَيُوبَ عن مُحَمّدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا اقْتَرَبَ الزّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا المُسْلِمِ[المؤمن] أَن تَكْذِبَ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثاً وَالرّؤْيَا ثَلاَثٌ، فالرّؤْيَا الصّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ الله، وَالرّؤْيَا
__________
خمسين، وفي رواية عبادة أربعة وأربعين، وفي رواية ابن عباس من أربعين جزء وفي رواية له من تسعة وأربعين وفي رواية ابن عمر من ستة وعشرين قال الطبري هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي فرؤيا الناس تكون من سبعين ورؤيا الصالح تكون من ستة وأربعين وهكذا تفاوت على مراتب الصلاح كذا في شرح مسلم والمبارق شرح المشارق.
وفي مرقاة الصعود قال الخطابي: معنى هذا الكلام تحقيق أو الرؤيا وتأكيده وقال بعضهم معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة لأنها جزءٌ باق من النبوة. وقال آخر معناه انها جزءٌ من أجزاء علم النبوة وعلم النبوة باق والنبوة غير باقية تعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبت النبوة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة انتهى.
وقال الإمام ابن الأثير في النهاية: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة وإنما خض هذا العدد لأن عمر النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر الروايات الصحيحة كان ثلاثاً وستين سنة، وكانت مدة نبوته منها ثلاثاً وعشرين سنة، لأنه بعث عند استيفاء الأربعين، وكان في أول الأمر يرى الوحي في المنام ودام ذلك نصف سنة رأى الملك في اليقظه فإذا نسبت مدة الوحي في النوم وهي نصف سنة إلى مدة نبوته وهي ثلاث وعشرون سنة كانت نصف جزء من ثلاثة وعشرين جزء وذلك جزء واحد من ستة وأربعين جزء وقد تعاضدت الروايات في أحاديث الرؤيا بهذا العدد وجاء في بعضها جزء من خمسة وأربعين جزء، ووجه ذلك أن عمره صلى الله عليه وسلم لم يكن قد استكمل ثلاثاً وستين ومات في أثناء السنة الثالثة والستين ونسبة نصف السنة إلى اثتين وعشرين سنة وبعض الأخرى نسبة جزء من خمسة وأربعين جزءاً، وفي بعض الروايات جزء من أربعين ويكون محمولاً على من روى أن عمره كان ستين سنة فيكون نسبة نصف سنة إلى عشرين سنة كنسبة جزء إلى أربعين، ومنه الحديث "الهدى الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة". أي إن هذه الخلال من شمائل الأنبياء ومن جملة الخصال المعدود من خصالهم وأنها جزء معلوم من أجزاء أفعالهم فاقتدوا بهم فيها، وليس المعني أن النبوة تتجزأ ولا أن من جمع هذه الخلال كان فيه جزء من النبوة ويجوز أن يكون أراد بالنبوة هاهنا ما جاءت به النبوة ودعت إليه من الخيرات أي أن هذه الخلال جزء من خمسة وعشرين مما جاءت به النبوة ودعا إليه الأنبياء انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"إذا اقترب الزمان" يأتي تفسيره من المؤلف والمنذري "وأصدقهم" أي المسلمين المدلول عليهم بالمسلم "أصدقهم حديثاً" فإن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه "فالرؤيا الصالحة بشرى من الله" أي إشارة إلى بشارة من الله للرائي أو المرئي له والرؤيا تخزين

(13/246)


تَحْزِينٌ مِنَ الشّيْطَانِ، وَرُؤْيا مِمّا يُحَدّثُ بِهِ المَرْءُ نَفْسَهُ، فَإِذَا رَأَى أحَدُكُم مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلّ وَلاَ يُحَدّثْ بِهَا النّاسَ. قالَ وَأُحِبّ الْقَيْدَ وَأكْرَهُ الْغُلّ وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ في الدّينِ".
قال أبُو دَاوُدَ: إِذَا اقْتَرَبَ الزّمَانُ يَعْنِي إِذَا اقْتَربَ الّليْلُ وَالنّهَارُ يَعْنِي يَسْتَوِيَانِ.
5010- حدثنا أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أنبأنا يَعْلَى بنُ عَطَاءِ عنْ وَكِيعٍ بن عُدُسٍ عن عَمّهِ أَبِي رُزَيْنٍ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الرّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبّرْ، فَإِذَا عُبّرَتْ وَقَعَتْ" قالَ وَأَحْسِبُهُ قالَ "وَلاَ تَقُصّهَا إِلاّ عَلَى وَادٍ أَوْ ذِي رَأْيٍ".
__________
من الشيطان بأن يرى ما يحزنه "ورؤيا مما يحدث به المرأ نفسه" قال العزيزي وهو ما كان في اليقظة يكون في مهم فيرى ما يتعلق به في النوم "فإذا رأى أحدكم" أي في المنام "فليصل" أي إذا كان نشيطاً وإلا فليبصق عن يساره ثلاثاً وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً وليتحول عن جنبه كما سيأتي على أنه يمكن الجمع وهو الأولى قاله القاري "قال وأحب القيد وأكره الغل" بالضم أي الطوق بأن يرى نفسه مغلولاً في النوم لأنه إشارة إلى تحمل دين أو مظالم أو كونه محكوماً عليه "والقيد ثبات في الدين" أي ثبات قدم ورسوخ تمكين، وضمير قال راجع إلى أبي هريرة كما يظهر لك. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه، هكذا جاء هذه الرواية وغيرها ظاهرة أن الجميع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس الأمر كذلك لأن القيد والغل قول أبي هريرة أدرج في الحديث جاء مبنياً في الروايات الثابتة ورواه عوف بن أبي جميلة عن محمد ابن سيرين، فذكر أن أول المتن إلى قوله "جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما ما بعده فإنه من كلام محمد بن سيرين. وقال البخاري وفي الصحيح: وحديث عوف أبين انتهى.
قلت: وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب وفيه: قال أبو هريرة فيعجبني القيد وأكره الغل والقيد ثبات. ومن طريق محمد بن سيرين وفيه وأدرج في الحديث قوله وأكره الغل إلى تمام الكلام والله أعلم "يعني إذا اقترب الليل والنهار يعني يستويان" والمعبرون يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان في أيام الربيع ووقت اعتدال الليل والنهار قاله الخطابي. قال المنذري: وقد قيل هو قرب الساعة، ويؤيده الحديث الآخر وقد قيل لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب ويحتمل أن يراد اقترب الموت عند علو السن فإن الإنسان في ذلك الوقت غالباً يميل إلى الخير والعمل به ويقل تحديثه نفسه بغير ذلك انتهى كلام المنذري.
"وكيع بن عدس" بمهملات وضم أوله وثانيه وقد يفتح ثانيه "الرؤيا على رجل طائر" قال الخطابي: هذا مثل معناه لا تستقر قرارها مالم تعبر انتهى، فالمعنى أنها كالشيء المعلق برجل الطائر لا استقرار لها "ما لم تعبر" قال القاري: بصيغة المجهول وبتخفيف الباء في أكثر

(13/247)


5011- حدثنا النّفَيْلِيّ قالَ سَمِعْتُ زُهَيْراً يَقُولُ سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الرّؤْيَا مِنَ الله وَالْحُلْمُ مِنَ الشّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُم شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثُ عنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَ مَرّاتٍ، ثُمّ لْيَتَعَوّذْ مِنْ شَرّهَا فَإِنّهَا لاَ تَضُرّهُ".
5012- حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ الهَمْدَانِيّ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدِ الثّقَفِيّ قالا أخبرنا
__________
الروايات أي ما لم تفسر "فإذا عبرت وقعت" أي تلك الرؤيا على الرائي يعني يلحقه حكمها. قال في النهاية الرؤيا على رجل طائر مالم تعبر أي لا يستقر تأويلها حتى تعبر يريد أنها سريعة السقوط إذا عبرت كما أن الطير لا يستقر في أكثر أحواله فكيف ما يكون على رجله.
ومنه الحديث الرؤيا لأول عابر وهي على رجل طائر كل حركة من كلمة أو جار يجري فهو طائر مجاز أراد على رجل قدر جار وقضاء ماض من خير أو شر وهي لأول عابر يعبرها أي أنها إذا احتملت تأويلين أو أكثر فعبرها من يعرف عبارتها وقعت على ما أولها وانتفى عنها غيره من التأويل انتهى.
قال السيوطي: والمراد أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت ووقعت حيث عبرت انتهى "وأحسبه أي النبي صلى الله عليه وسلم قال ولا تقصها" أي لا تعرض رؤياك "إلا على ود" بتشديد الدال أي محب لأنه لا يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب "أو ذي رأي" أي عاقل أو عالم. قال الزجاج: معناه ذو علم بعبارة الرؤيا فإنه يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح هذا آخر كلامه. وأبو رزين هذا هو لقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة، وفصل بينهما الحافظ أبو القاسم الدمشقي في الأشراف في ترجمتين وصحح بعضهم الأول، وقال البخاري لقيط بن عامر ويقال لقيط بن صبرة بن المنتفق وقال وقيل إن لقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة وليس بشيء.
"الرؤيا من الله" أي الرؤيا الصالحة منه "والحلم من الشيطان" الحلم بضم الحاء وسكون اللام وقيل بضمهما ما يرى في المنام من الخيالات الفاسدة.
قال القسطلاني: وإضافة الحلم إلى الشيطان لكونه على هواه ومراده، وأما إضافة الرؤيا وهي اسم للمرئي المحبوب إلى الله تعالى فإضافة تشريف، وظاهره أن المضاف إلى الله لا يقال له حلم والمضاف إلى الشيطان لا يقال له رؤيا وهو تصرف شرعي وإلا فالكل يسمي رؤيا انتهى "فلينفث" أي ليبصق "من شرها" أي من شر تلك الرؤيا "فإنها" أي الرؤيا المكروهة "لا تضره" : قال النووي: معناه أنه تعالى جعل فعله من التعوذ والتفل وغيره سبباً لسلامته من المكروه يترتب عليها كما جعل الصدقة وقاية للمال ودفعاً لدفع البلاء.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(13/248)


[أنبأنا]الّليْثُ عنْ أَبي الزّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُم رُؤيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوّذْ بالله مِنَ الشّيْطَانِ ثَلاَثاً، وَيَتَحَوّلْ عنْ جَنْبِهِ الّذِي كَانَ عَلَيْهِ".
5013- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قالَ أخبرني أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ أَنّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ رَآنِي في المَنَامِ فَسَيَرَانِي في اليَقظَةِ أَوْ لَكَأَنّمَا رَآنِي في الْيَقْظَةِ وَلاَ يَتَمَثّلُ الشّيْطَانُ بِي".
__________
"يكرهها" صفة لرؤيا "فليبصق" بضم الصاد أي ليبزق "ويتحول عن جنبه الذي كان عليه" أي إلى جنبه الآخر.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" بفتح القاف أي يوم القيامة رؤية خاصة في القرب منه، أو من رآني في المنام ولم يكن يهاجر يوفقه الله للهجرة إلي والتشرف بلقائي ويكون الله تعالى جعل رؤيته في المنام علماً على رؤياه في اليقظة وعلى القول الأول ففيه بشارة لرائيه بأنه يموت على الإسلام، وكفى بها بشارة وذلك لأنه لا يراه في القيامة بلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب منه إلا من تحققت منه الوفاة على الإسلام. كذا في شرح القسطلاني لصحيح البخاري. "أو لكأنما رآني في اليقظة" قال في مرقاة الصعود: هذا شك من الراوي، ومعناه غير
__________
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
ولم يشك البخاري فيه بل قال "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي".
وفي الصحيحين من حديث أبي قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من رآني في المنام فقد رأى الحق".
وأخرجه البخاري من حديث أبي سعيد وزاد "فإن الشيطان لا يتكونني".
وفي لفظ له في حديث أبي قتادة "فإن الشيطان لا يتراءى بي".
وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم "من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي".
وفي لفظ آخر "فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي".

(13/249)


5014- حدثنا مُسَدّدٌ وَ سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ قالا أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا أَيّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ صَوّرَ صُورَةً عَذّبَهُ الله بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتّى يَنْفُخُ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخِ وَمَنْ تَحَلّمَ كُلّفَ أَنْ يَعْقِدَ شُعَيْرَةً، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ يَفرّونَ بِهِ منْهُ صُبّ في أُذُنِهِ[أذنيه] الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
5015- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عنْ ثَابِتٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "رَأَيْتُ الّليْلَةَ كَأَنّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بنِ رَافِعٍ وَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ
__________
الأول لأنه تشبيه وهو صحيح لأن ما رآه في المنام مثالي وما يرى في علم الحس حسى تشبيه خيالي انتهى.
وفي فتح الباري: هو تشبيه ومعناه أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام فيكون الأول حقاً وحقيقة والثاني حقاً وتمثيلاً "ولا يتمثل الشيطان بي" قال القسطلاني: هو كالتتميم للمعنى والتعليل للحكم أي لا يحصل له أي للشيطان مثال صورتي، ولا يتشبه بي، فكما منع الله الشيطان أن يتصور بصورته الكريمة في اليقظة كذلك منعه في المنام لئلا يشتبه الحق بالباطل انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"من صور صورة" أي ذات روح "حتى ينفخ" أي الروح "فيها" أي في تلك الصورة "وليس بنافخ" أي وليس بقادر على النفخ فتعذيبه يستمر لأنه نازع الخالق في قدرته "ومن تحلم" أي ادعى أنه رأى رؤيا "كلف" بصيغة المجهول من التكليف أي يوم القيامة "أي يعقد شعيرة" أي ولا يستطيع ذلك لأن العقد بين طرفي شعيرة غير ممكن.
وفي رواية البخاري: أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، قال القسطلاني: وذلك لأن إيصال إحداهما بالأخرى غير ممكن عادة، وهو كناية عن استمرار التعذيب انتهى "يفرون به منه" أي لا يريدون استماعه "صب" بصيغة المجهول أي سكب "الآنك" بالمد وضم النون أي الرصاص المذاب.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"كأنا" بتشديد النون يعني أنا وأصحابي "من رطب ابن طاب" ضبط بالتنوين وبفتح الباء، قال القاري في المرقاة: فالتنوين بناء على أن الطاب بمعنى الطيب، وأما فتح الباء فعلى عدم صرفه ولعله رعاية لأصله فإنه ماض مبني على الفتح انتهى.
رطب ابن طاب نوع من التمر معروف وهو رجل من أهل المدينة ينسب إليه نوع من التمر

(13/250)


ابن طَابٍ فَأَوّلْتُ أَنّ الرّفْعَةَ لَنَا فِي الدّنْيَا وَالْعَاقِبَةَ في الآخرة، وَأَنّ دِينَنَا قَدْ طَابَ".
__________
"فأولت أن الرفعة" أي التي هي أصل رافع "لنا في الدنيا" لقوله تعالى {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} "والعاقبة" أي المأخوذ من عقبه "في الآخرة" أي العاقبة الحسنة لنا لقوله تعالى {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} "أن ديننا قد طاب" أي كمل واستقرت أحكامه وتمهدت قواعده.
قال المظهر: تأويله هكذا قانون قياس التعبير على ما يرى في المنام بالأسماء الحسنة، كما أخذ العاقبة من لفظ عقبة والرفعة من رافع، وطيب الدين من طاب. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(13/251)


98- باب في التثاؤب
5016- حدثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ عنْ سُهَيْلٍ عنِ ابنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عنْ أَبِيهِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَثَاءَبَ[تثاوب] أَحُدُكُم فَلْيُمْسِكْ عَلَى فِيهِ، فَإِنّ الشّيْطَانَ يَدْخُلُ".
5017- حدثنا ابنُ الْعَلاَءِ عنْ وَكِيعٍ عنْ سُفْيَانَ عنْ سُهَيْلٍ نَحْوَهُ قال: "فِي الصّلاَةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ".
5018- حدثنا الْحَسنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا ابنُ أَبِي ذِئْبٍ
__________
باب في التثاؤب
تفاعل من الثوباء، وهي فترة من ثقل النعاس والهمزة بعد الألف هو الصواب والواو غلط. كذا في المغرب ذكره القاري.
"فليمسك" من الإمساك "على فيه" أي على فمه "فإن الشيطان يدخل" إما حقيقة أو المراد بالدخول التمكن منه.
قلت: والحديث أخرجه مسلم. قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: أكثر الروايات فيها إطلاق التثاؤب، وفي رواية تقييده بحال الصلاة، فيحمل مطلقه على مقيده، وللشيطان غرض قوي في تشويشه على مصل في صلاته أو كراهته في الصلاة أشد، ولا يلزم منه أن لا يكره في غير الصلاة ويؤكد كراهته مطلقاً كونه من الشيطان وبه صرح النووي.
قال ابن العربي: تشتد كراهة تثاؤب في كل حال وخص صلاة لأنها أولى الأحوال.
"فليكظم" أي ليحبس.

(13/251)


سَعِيدٍ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله يُحبّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التّثَاؤُبَ[التثاوب] فَإِذَا تَثَاءَبَ[تثاوب] أَحَدُكُم فَلْيَرُدّ[فليرده] مَا اسْتَطَاعَ وَلاَ يَقُلْ هَاهْ هَاهْ فإِنّمَا ذَلِكُم مِنَ الشّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ".
__________
"إن الله يحب العطاس" بضم العين من العطسة "ويكره التثاؤب" قال القاضي: التثاؤب بالهمز التنفس الذي يفتح عنه الفم وهو إنما ينشأ من الامتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس وبورث الغفلة والكسل وسوء الفهم ولذا كرهه الله وأحبه الشيطان. والعطاس لما كان سبباً لخفة الدماغ واستفراغ الفضلات عنه وصفاء الروح وتقوية الحواس كان أمره بالعكس "ولا يقل هاه هاه" بسكون الهاء الثانية وهو حكاية صوت المتأثب "فإنما ذلكم" أي التثاؤب "من الشيطان" قال ابن بطال: إضافة التثاؤب إلى الشيطان بمعنى إضافة الرضا والإرادة أي أن الشيطان يحب أن يرى الإنسان متثائباً لأنها حالة تتغير فيها صورته فيضحك منه، لأن المراد أن الشيطان فعل التثاؤب.
قال ابن العربي: إن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان، لأنه واسطته وأن كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملك لأنه واسطته، والتثاؤب من امتلاء. وينشأ عنه التكاسل وذلك بواسطة الشيطان، والعطاس من تقليل الغذاء ينشأ عنه النشاط وذلك بواسطه الملك والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.

(13/252)


99- باب في العطاس
5019- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عنِ ابنِ عَجْلاَنَ عنْ سُمَيَ عن أَبِي صَالِحٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ وَخَفَضَ أَوْ غَضّ بِهَا صَوْتَهُ". شَكّ يَحْيَى.
__________
باب في العطاس
بضم العين
"عن سمي" بالتصغير "إذا عطس" بفتح الطاء وجوز كسره "على فيه" أي على فمه "خفض أو غض" شك من الراوي وهما بمعنى "بها" أي بالعطسة أو بالتغطية "صوته" والمعنى لم يرفعه بصيحة، والجار والمجرور متعلق بصوته "شك يحيى" هو القطان.
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد أخرج الترمذي عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال الحمد لله والسلام

(13/252)


5020- حدثنا مُحَمّدُ بنُ دَاوُدَ بنِ سُفْيَانَ وَ خُشَيْشُ بنُ أَصْرَمَ قالا أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عنِ ابنِ المُسَيّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدّ السّلاَمِ، وَتَشمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتّبَاعُ الْجَنَازَةِ".
__________
قال المنذري: وقال حسن صحيح، وفي إسناده محمد بن غجلان وقد تقدم الكلام عليه.
"وتشميت العاطس" التشميت بالشين المعجمة معناه الإبعاد عن الشماتة، بالسين المهملة معناه الدعاء بالهداية إلى السمت الحسن، وكل منهما يستعملان في جواب العطسة بيرحمك الله.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وفي لفظ لمسلم حق المسلم ست زاد فاذا استنصحك فانصح له.
__________
على رسول الله قال ابن عمر وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول علمنا أن نقول "الحمد لله على كل حال" وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زياد ابن الربيع.
وفي الترمذي أيضا من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذنه فقال له ربه رحمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم قالوا وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال إن هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم" وذكر الحديث وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روي من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة.

(13/253)


100- باب كيف تشميت[يشمت] العاطس
[باب ما جاء في تشميت العاطس]
5021- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ هِلاَلِ بن يَسَافٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَالِمِ بنَ عُبَيْدٍ، فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُم، فقَالَ
__________
باب كيف تشميت العاطس
"فقال السلام عليكم" أي بظن أنه يجوز أن يقال بدل الحمد لله، ويحتمل أنه وقع من

(13/253)


سَالِمٌ: وَعَلَيْكَ وَعَلَى أُمّكَ، ثُمّ قالَ بَعْدُ: لَعَلّكَ وَجَدْتَ مِمّا قُلْتُ لَكَ؟ قالَ لَوَدِدْتُ أنّكَ لَمْ تَذْكُرْ أُمّي بِخَيْرٍ وَلاَ بِشَرٍ، قالَ إنّمَا قُلْتُ لَكَ كما قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، إنّا بَيْناَ نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فقَالَ السّلاَمُ عَلَيْكُم فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَعَلَيْكَ وَعَلَى أُمّكَ" ثُمّ قالَ "إذَا عَطَسَ أحَدُكُم فَلْيَحْمَدِ الله". قالَ فَذَكَرَ بَعْضَ المَحَامِدِ وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ: يَرْحَمُكَ الله، وَلْيَرُدّ يَعْني عَلَيْهِمْ يَغْفِرُ الله لَنَا وَلَكُم.
5022- حدثنا تَمِيمُ بنُ المُنْتَصِرِ أخبرنا إسْحَاقُ يَعْني ابنَ يُوسُفَ عنْ أَبهي بِشْرٍ وَرْقاءَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عنْ خَالِدِ بنِ عُزْفُجَةَ عنْ سَالِمِ بنِ عُبَيْدٍ الأشْجَعِيّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم.
5023- حدثنا مُوسَى بن إسْمَاعِيلَ أخبرنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله ابنِ أَبِي سَلَمَةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينَارِ عنْ أَبِي صَالِحٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فَلْيَقُلْ الْحَمدُ لله عَلَى كلّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله، وَيَقُولُ هُوَ: يَهْدِيكُم الله وَيُصْلِحُ بَالَكُم".
__________
سبق اللسان "ثم قال" أي سالم "بعد" بالضم أي بعد ذلك "لعلك وجدت مما قلت" من وجد موجدة إذا غضب أو وجد وجداً إذا حزن "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك وعلى أمتك" قال التوربشتي: نبه بقوله عليك وعلى أمك على بلاهته وبلاهة أمه وأنها كانت محمقة فصارا مفترقين إلى السلام فيسلمان به من الآفات انتهى.
قال القاري بعد نقل كلام التوربشتي: لا وجه لنسبة البلاهة إلى ذاتها الغائبة، قال وتقدير السلام غير متعين إذ يمكن أن يقال عليك وعلى أمك الملام من جهة وعدم التعلم والإعلام "إذا عطس أحدكم فليحمد الله" قال العلقمي: ظاهر الحديث يقتضي الوجوب، ولكن نقل النووي الاتفاق على استحبابه "فذكر" الراوي "بعض المحامد" والحاصل أن الراوي لم يحفظ لفظ الحمد فذكر هكذا، وقد جاء في حديث أبي هريرة فليقل الحمد لله على كل حال كما سيأتي.
وفي رواية الترمذي من حديث هلال بن يساف عن سالم بن عبيد بلفظ: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين "وليقل له" أي للعاطس "وليرد" أي العاطس "يعني عليهم" أي على من عنده "يغفر الله لنا ولكم" وفي حديث أبي هريرة الآتية "يقول هو يهديكم الله ويصلح بالكم":
قال الحافظ قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أنه يقول يهديكم الله ويصلح بالكم

(13/254)


وذهب الكوفيون إلى أنه يقول يغفر الله لنا ولكم. قال وقال ابن بطال: ذهب مالك والشافعي إلى أنه يتخير بين اللفظين.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي هذا حديث اختلفوا في روايته عن منصور وقد أدخلوا بين هلال وبين سالم بن عبيد الأشجعي في هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه النسائي أيضاً عن منصور عن رجل عن خالد بن عرفطة عن سالم، وأخرجه أيضاً عن منصور عن رجل عن سالم، ورواه مسدد عن يحيى القطان عن سفيان عن منصور عن هلال عن رجل من آل خالد بن عرفطة عن آخر منهم قال كنا مع سالم، ورواه زائدة عن منصور عن هلال عن رجل من أشجع عن سالم، ورواه عبد الرحمن ابن مهدي عن أبي عوانة عن منصور عن هلال من آل عرفطة عن سالم. واختلف على ورقاء فيه فقال بعضهم خالد بن عرفطة أو عرفجة ويشبه أن يكون خالد هذا مجهولاً فإن أبا حاتم الرازي قال لا أعرف واحداً يقال له خالد بن عرفطة إلا واحداً الذي له صحبة.
"فليقل الحمد على كل حال" قال النووي في الأذكار: اتفق العلماء على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقب عطاسه الحمد لله ولو قال الحمد لله رب العالمين لكان أحسن فلو قال الحمد لله كان أفضل "وليقل أخوه أو صاحبه" شك من الراوي، والمراد بالأخوة أخوة الأسلام "ويقول هو" أي العاطس "ويصلح بالكم" أي حالكم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(13/255)


101- باب كم[كم مرة] يشمت العاطس
5024- حدثنا مُسْدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عنِ ابنِ عَجْلاَنَ حدّثني سَعيدُ ابنُ أَبِي سَعِيدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " شَمّتْ أَخاكَ ثَلاَثاً فَمَا زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ".
5025- حدثنا عِيسَى بنُ حَمّادِ المِصْرِيّ أنبأنا الّليْثُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عنْ سَعِيدِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ لاَ أَعْلَمُهُ إِلاّ أنّهُ رَفَعَ الْحدِيثَ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ.
__________
باب كم يشمت العاطس
وفي بعض النسخ كم مرة "شمت أخاك ثلاثاً" أي ثلاث مرات "فما زاد فهو" أي العطاس "زكام" أو صاحبه ذو زكام أي فلا حاجة إلى التشميت. والحديثة سكت عنه المنذري.
"قال" أي سعيد بن أبي سعيد "لا أعلمه" أي أبا هريرة "بمعناه" أي بمعنى الحديث السابق. قال السيوطي: ولفظه كما في تاريخ ابن عساكر "إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه فإن

(13/255)


قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ عنْ مُوسَى بنِ قَيْسٍ عنْ مُحَمّدِ بنِ عَجْلاَنَ عنْ سَعِيدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
5026- حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا مَالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا عَبْدُ السّلاَمِ بنُ حَرْبٍ عنْ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عنْ يَحْيَى بنِ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بن أَبي طَلْحَةَ عنْ أُمّهِ حُمَيْدَةَ أَوْ عُبَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةَ الزّرَقِيّ عنْ أَبِيهَا عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "تُشَمّتُ[تشميت] الْعَاطِسَ ثَلاَثاً، فإِنْ شِئْتَ أَنْ تُشَمّتَهُ فَشَمّتْهُ، وَإِنْ شِئْتُ فَكُفّ".
5027- حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنا ابنُ أَبي زَائِدَةَ عنْ عِكْرَمَةَ بنِ عَمّارٍ عنْ إِيَاسِ بنِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعٍ عن أَبِيهِ: أَنّ رَجُلاً عَطَسَ عِنْد النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ "لَهُ يَرْحَمُكَ الله" ثُمّ عَطَسَ فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم "الرّجُلُ مْزْكُومٌ".
__________
زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يشمت بعد ثلاث" "قال أبو داوود رواه أبو نعيم عن موسى بن قيس الخ" قال المنذري: موسى بن قيس الحضرمي الكوفي يقال له عصفور الجنة. قال يحيى بن معين ثقة، وقال أبو حاتم الرازي لا بأس به، وقال أبو جعفر العقيلي يحدث بأحاديث ردية بواطل، وذكر أيضاً أنه من الغلاة في الرفض.
"عن أمه حميدة أو عبيدة" شك من الراوي "بنت عبيد بن رفاعة" بكسر الراء "تشمت العاطس" وفي بعض النسخ تشميت بلفظ المصدر "فإن شئت" أي بعد الثلاث "فكف" أمر من الكف وهو بالفارسية بازاستادن وبازاستانيدن لازم ومتعد من باب نصر ينصر، والمعنى وإن شئت فامتنع عن التشميت.
قال المنذري: هذا مرسل عبيد بن رفاعة ليست له صحبة، فأما أبوه وجده فلهما صحبة، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول عبيد بن رفاعة ليست له صحبة وذكره البخاري في تاريخه فقال روى عن أبيه وقال أبو القاسم البغوي يقال إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وولد على عهده، وفي إسناده يزيد بن عبد الرحمن وهو أبو خالد المعروف بالدالاني، وقد تقدم الاختلاف في الاحتجاج به.
"ثم عطس" أي مرة أخرى فقال النبي صلى الله عليه وسلم "الرجل مزكوم" وفي رواية للترمذي أنه قال له في الثالثة إنه مزكوم كذا في المشكاة.
__________
ذكر حديث أبي داود أن رجلا عطس فقال له يرحمك الله ثم عطس فقال النبي صلى الله عليه وسلم "الرجل مزكوم".

(13/256)


قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
__________
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
هذا لفظ أبي داود ولفظ مسلم ثم عطس أخرى ثم عطس الثانية فقال إنه مزكوم.
وأما ابن ماجه فلفظه يشمت العاطس ثلاثا فما زاد فهو مزكوم رواه عن على ابن محمد حدثنا وكيع عن عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يوافق رواية أبي هريرة وعبيد بن رفاعة في حد ذلك بالثلاث.
وأما الترمذي فلفظه فيه عن أياس بن سلمة عن أبيه قال عطس رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم وأناشاهد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحمك الله ثم عطس الثانية أو الثالثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا رجل مزكوم" رواه من حديث سويد عن ابن المبارك عن عكرمة بن عمار.
ثم قال حدثنا محمد بن يسار حدثنا يحيى بن يسار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عكرمة بن عمار عن أياس بن سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه إلا أنه قال له في الثالثة "إنك مزكوم".
قال الترمذي وهذا أصح من حديث ابن المبارك وقد روى شعبة عن عكرمة ابن عمار هذا الحديث نحو رواية يحيى بن سعيد.

(13/257)


102- باب كيف يشمت الذمى
5028- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن حَكِيمِ بنِ الدّيْلَمِ عن أَبِي بُرْدَةَ عنْ أَبِيهِ قالَ: كَانَتِ الْيَهودُ تُعَاطَسُ عِنْدَ النبي صلى الله عليه وسلم رَجَاءَ أنْ يَقُولَ لَهَا يَرْحَمُكُم الله فَكَانَ يَقُولُ "يَهْدِيكُم الله وَيُصْلِحُ بَالَكُم".
__________
باب كيف يشمت الذمى
"كانت اليهود تعاطس" بحذف إحدى التائين أي يطلبون العطسة من أنفسهم "رجاء أن يقول لها" أي لليهود وتأنيث الضمير باعتبار الجماعة "فكان يقول" أي النبي صلى الله عليه وسلم عند عطاسهم وحمدهم "يهديكم الله ويصلح بالكم" أي ولا يقول لهم يرحمكم الله، لأن الرحمة مختصة بالمؤمنين بل يدعو لهم بما يصلح بالهم من الهداية والتوفيق للايمان.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح.

(13/257)


103- باب فيمن يعطس ولا يحمد الله
5029- حدثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ ح وَأخبرنا مُحَمّدُ بن كَثِيرِ أنبأنا سُفْيَانُ المَعْنى قالا أخبرنا سُلَيْمانُ التّيْمِيّ عنْ أَنَسٍ قالَ: "عَطَسَ رَجُلاَنِ عِنْدَ النبي صلى الله عليه وسلم فَشَمّتَ أحَدَهُما وَتَرَكَ الآخر، قالَ: فَقِيلَ يَا رَسُولَ الله رَجُلاَنِ عَطَسَا فَشَمّتّ أحَدَهُما. قَالَ أحْمَدُ أَوْ فَشَمّتّ أحَدَهُمَا وَتَرَكْتَ الآخر فقَالَ: "إنّ هَذَا حَمِدَ الله وَإنّ هَذَا لَمْ يَحْمَدِ الله".
__________
باب فيمن يعطس ولا يحمد الله
"وترك الآخر" أي لم يشمته "رجلان عطساً فشمت" بتشديد الميم والتاء - بصيغة الخطاب من التشميت "قال أحمد أو قسمت أحدهما" بالسين المهملة. قال قال النووي: شمت بالشين المعجمة والمهملة لغتان مشهورتان المعجمة أفصح. قال ثعلب: معناه بالمعجمة أبعد الله عنك الشماتة، وبالمهملة هو من السمت وهو القصد والهدى انتهى "فقال إن هذا حمد الله الخ" وفيه بيان أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يستحق الجواب.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
__________
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد تقدم حديث أبي هريرة وفيه "فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على مسلم سمعه أن يقول يرحمك الله".
وترجم الترمذي على حديث أنس باب ما جاء في إيجاب التشميت بحمد العاطس وهذا يدل على أنه واجب عنده وهو الصواب للاحاديث الصريحة الظاهرة في الوجوب من غير معارض والله أعلم.
فمنها حديث أبي هريرة وقد تقدم.
ومنها حديثه الآخر خمس تجب للمسلم على أخيه وقد تقدم.
ومنها حديث سالم بن عبيد وفيه وليقل له من عنده يرحمك الله.
ومنها ما رواه الترمذي عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "للمسلم على المسلم ست بالمعروف يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ويشمته إذا عطس ويعوده إذا مرض ويتبع جنازته إذا مات ويحب له ما يحب لنفسه" وقال هذا حديث حسن قد روى من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تكلم بعضهم في الحارث الأعور وفي الباب عن أبي هريرة وأبي أيوب والبراء وأبي مسعود.
ومنها ما رواه الترمذي عن أبي أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد

(13/258)


لله وليقل على كل حال وليقل الذي يرد عليه يرحمك الله وليقل هو يهديكم الله ويصلح بالكم".
فهذه أربع طرق من الدلالة.
أحدهما: التصريح بثبوت وجوب التشميت بلفظه الصريح الذي لا يحتمل تأويلا.
الثاني: إيجابه بلفظ الحق.
الثالث: إيجابه بلفظة على الظاهرة في الوجوب.
الرابع: الأمر به ولا ريب في إثبات واجبات كثيرة بدون هذه الطرق والله تعالى أعلم.

(13/259)


أبواب النوم
104- باب في الرجل ينبطح على بطنه[وجهه]
5030- حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ حدّثني أَبِي عن يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ قال أنبأنا[أخبرنا] أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن يَعِيشَ بنِ طِخْفَةَ بنِ قَيْسٍ الْغِفَارِيّ قال: "كَانَ أَبِي مِنْ أَصْحَابِ الصّفّةِ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "انْطَلِقُوا بِنَا إلَى بَيْتِ عَائِشَةَ"، فانْطَلَقْنَا فقَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَطْعِمِينَا" ، فَجَاءَتْ بِحَشِيشَةٍ
__________
باب في الرجل ينبطح على بطنه
قال في القاموس: بطحه كمنعه ألقاه على وجهه فانبطح
"عن يعيش" بعين مهملة وشين معجمة على وزن يزيد "بن طخفة" بكسر أوله وسكون الخاء المعجمة ثم فاء كذا في التقريب. وقال في المغنى بمفتوحة وسكون معجمة ففاء "النفاري" بكسر الغين المعجمة "كان أبي" أي طخفة "فجاءت بحشيشة" بالحاء المهملة. قال في مجمع البحار في ياب الحاء المهملة. وفيه فجاءت بحشيشة هو طعام يصنع من حنطة قد طحنت بعض الطحن وطبخت وتلقي فيه لحم أو تمر انتهى. وفي بعض النسخ بجشيشة الجيم.
قال في مجمع البحار في باب الجيم: وفيه أو لم صلى الله عليه وسلم بحشيشة هي أن تطحن الحنطة طحناً جليلاً ثم تجعل في القدر ويلقى عليه لحم أو تمر وبطيخ، ويقال لها دشيشة انتهى. وفي بعض الحواشي هي ما يجش من الجش فيطبخ والجش طحن خفيف فوق الدقيق.

(13/259)


[بجشيشة]فأَكَلْنَا، ثُمّ قال: "يَا عَائِشَةُ أَطْعِمِينَا" ، فَجَاءَتْ بِحَيْسَةٍ مِثْلَ الْقَطَاةِ فأَكَلْنَا، ثُمّ قال: "يَا عَائِشَةُ أَسْقِينَا"، فَجَاءَتْ بِعُسّ مِنَ الّلبَنِ[لبن] فَشَرِبْنَا، ثُمّ قال: "يَا عَائِشَةُ أَسْقِينَا" فَجَاءَتْ بِقَدَحِ صَغِير فَشَرِبْنَا، ثُمّ قال: "إِنْ شِئْتُمْ نِمْتُمْ[بتم] وَإِنْ شِئْتُمْ انْطَلَقْتُمْ إِلَى المَسْجِدِ". قال: فَبَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعٌ في المَسْجِدِ مِنَ السّحَرِ عَلَى بَطْنِي إِذَا رَجُلٌ
__________
فظهر أن الجشيشة الجيم والحشيشة بالحاء المهملة كلاهما بمعنى واحد "فجاءت بحيسة" بفتح الحاء المهملة وسكون السكون التحتية طعام يتخذ من تمر وسويق وأقط وسمن "مثل القطاة" بفتح القاف ضرب من الحمام وكأنه شبه في القلة، قاله السندي.
قلت: ويحتمل أنه شبه عائشة بالقطاة بالصدق والوفاء، والعرب تضرب الأمثال بالقطاة.
قال العلامة الدميري: القطا طائر معروف واحده قطاة والجمع قطوات. قال ابن قتيبة من أهل اللغة والرافعي من الفقهاء إن القطا من الحمام.
وتوصف القطا بالهدايا والعرب تضرب بها المثل في ذلك لأنها تبيض في القفر وتسقي أولادها من البعد في الليل والنهار فتجيء في الليلة المظلمة وفي حواصلها الماء فإذا صارت حيال أولادها صاحت قطا قطا فلم تخط بلا علم ولا إشارة ولا شجرة. فسبحان من هداها لذلك. وقال أبو زياد الكلابي: إن القطا تطلب الماء من مسيرة عشرين ليلة وفوقها ودونها.
قال الدميري: والعرب تصف القطا بحسن المشي لتقارب خطاها، ومشيها يشبه مشي النساء الخفرات بمشيتهن.
وروى ابن حبان وغير من حديث أبي ذر وابن ماجه من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من بني لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله تعالى له في الجنة بيتاً" وخصت القطاة بهذا لأنها لا تبيض في شعر ولا على رأس جبل إنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطيور فذلك شبه به المسجد، ولأنها توصف بالصدق كما تقدم، فكأنه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه.
وقيل خرج ذلك مخرج الترغيب بالقليل عن الكثير كما خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير قوله صلى الله عليه وسلم "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" انتهى كلامه ملخصاً "فجاءت بعس" بضم العين المهملة وتشديد السين قدح ضخم "من السحر" قال في المرقاة بفتحتين وفي نسخة بسكون الثاني وهو الرئة انتهى، يقال بالفارسية شش.
قال في المصباح: السحر الرئة وقيل مالصق بالحلقوم والمرىء من أعلى البطن وقيل هو كل ما تعلق بالحلقوم من قلب وكبد ورئة وفيه ثلاث لغات على وزن فلس وسبب وقفل، وجمع الأولى سحور مثال فلس وفلوس، وجمع الثانية والثالثة أسحار انتهى.

(13/260)


يُحَرّكُنِي بِرِجْلِهِ فقَالَ: "إِنّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ يُبْغِضُهَا الله". قال: فَنَظَرْتُ فإِذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
__________
وقال الجوهري في الصحاح: السحر الرئة والجمع أسحار مثل برد وأبرد، وكذلك السحر والجمع سحور مثل فلس وفلوس وقد يحرك فيقال سحر مثل نهر ونهر لمكان حروف الحلق انتهى.
وفي اللسان: السحر الرئة والجمع أسحار وسحر وسحور وقد يحرك فيقال سحر مثل نهر ونهر والسحر أيضاً الكبد، والسحر سواد القلب ونواحيه وقيل هو القلب انتهى.
والمعنى أن طخفة بن قيس كان له ذات الرئة فلذا كان مضطجعاً على بطنه وأن صاحب ذات الرئة لا يستطيع أن ينام مستلقياً لأجل الوجع والله أعلم "فقال إن هذه ضجعة" بكسر الضاد المعجمة. قال القاري: ولعله عليه السلام لم يتبين له عذره أو لكونه يمكن الاضطجاع على الفخذين لدفع الوجع من غير مد الرجلين والله أعلم انتهى. وفي الحديث أن النوم على البطن لا يجوز وأنه ضجعة الشيطان.
قال المنذري وأخرجه النسائي وابن ماجه، وليس في حديث أبي داوود عن أبيه، ووقع عند النسائي عن قيس بن طهفة قال حدثني أبي، وعند ابن ماجه عن قيس بن طهفة مختصراً وفيه اختلاف كثير جداً.
قال أبو عمر النمري: اختلف فيه اختلافاً كثيراً واضطرب فيه اضطراباً شديداً، فقيل طهفة بالهاء وقيل طخفة بالخاء وقيل طغفة الغين، وقيل طقفة بالقاف وقيل قيس بن طخفة، وقيل يعيش بن طخفة وقيل عبد الله بن طخفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثهم كلهم واحد. قال كنت نائماً في الصفة فركضني رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله وقال "هذه نومة يبغضها الله" وكان من أهل الصفة. ومن أهل العلم من يقول: إن الصحبة لأبيه عبد الله وإنه صاحب القصة. هذا آخر كلامه. وذكر البخاري فيه اختلافاً كثيراً وقال طغفة خطأ وذكر أنه روى عن يعيش بن طخفة عن قيس الغفاري قال كان أبي وقال لا يصح قيس فيه، وذكر أنه روى عن أبي هريرة قال ولا يصح أبو هريرة. انتهى كلام المنذري.

(13/261)


105- باب في النوم على السطح[على سطح غير محجر]
ليس عليه حجار[حجي-حجاب]
5031- حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا سَالِمٌ - يَعْني ابنَ نُوحٍ - عن عُمَرَ ابنِ جَابِرٍ
__________
باب في النوم على السطح ليس عليه حجار
هو جمع حجر بكسر الحاء وهو ما يحجر به من حائط ونحوه، ومنه حجر الكعبة، وفي

(13/261)


الْحَنَفِيّ عن وَعْلَةَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ وَثّابٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَلِيَيّ - يَعني ابنَ شَيْبَانَ - عن أَبِيهِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَارٌ فقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذّمّةُ".
__________
بعض النسخ حجاب بالموحدة بدل الراء وهو الذي يحجب الإنسان عن الوقوع، وفي بعضها حجي. قال في القاموس: الحجي كالي العقل وبالفتح الناحية، وفي بعض النسخ على سطح غير محجر
"من بات" أي نام ليلاً "على ظهر بيت" أي سطح له "ليس عليه حجار" بالراء المهملة، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة بدل الراء، وفي نسخة الخطابي حجى. ففي معالم السنن: هذا الحرف يروى بكسر الحاء وفتحها ومعناه معنى الستر والحجاب. فمن قال بالكسر شبهه بالحجى الذي هو بمعنى العقل لأن العقل يمنع الإنسان من الردى والفساد والتعرض للهلاك كما أن الستر الذي يكون على السطح يمنع الإنسان من التردي والسقوط. ومن رواه بالفتح ذهب إلى الطرف والناحية وإحجاء الشيء نواحيه واحدها حجى مقصور انتهى ملخصاً. وفي جامع الأصول الذي قرأته في كتاب أبي داوود حجاب يعني بالباء، وفي نسخة أخرى حجار، ومعناهما ظاهر، والذي رأيته في المعالم للخطابي انتهى "فقد برئت منه الذمة" قال في فتح الودود: يريد أنه إن مات فلا يؤاخذ بدمه انتهى. وقيل إن لكل من الناس عهداً من الله تعالى بالحفظ والكلامة فإذا ألقى بيده إلى التهلكة انقطع عنه.
قال المنذري: هكذا وقع في روايتنا حجار براء مهملة بعد الألف، وتبويب صاحب الكتاب يدل عليه فإنه قال غير محجر والحجار جمع حجر بكسر الحاء، وأصل الباب المنع، ومنه حجر الحاكم أي ليس عليه شيء يستره ويمنعه من السقوط، ويقال احتجرت الأرض إذا ضربت عليها مناراً تمنعها به من غيرك، أو يكون من الحجرة وهي حظيرة الإبل وحجرة الدار وهي راجع أيضاً إلى المنع ورواه الخطابي حجى وذكر أنه يروي بكسر الحاء وفتحها. وقال غيره فمن كسر شبه بالحجى الذي هو العقل لأن الستر يمنع الفساد، ومن فتحه قال الحجى مقصور الطرف والناحية وجمعه إحجاء، وقد روى أيضاً حجاب بالباء انتهى كلام المنذري.

(13/262)


106- باب في النوم على طهارة
5032- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا عَاصِمُ بنُ بَهْدَلَةَ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن أَبِي ظَبْيَةَ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ
__________
باب في النوم على طهارة
" ما من مسلم يبيت" أي ينام ليلاً "طاهراً" حال من ضمير يبيت "فيتعار" بتشديد الراء.

(13/262)


يَبِيتُ عَلَى ذِكْرٍ طَاهِراً فَيَتَعَارّ مِنَ الّليْلِ فَيَسْأَلُ الله خَيْراً مِنَ الدّنْيَا وَ الآخرة إِلاّ أَعْطَاهُ إِيّاهُ". قال ثَابِتٌ الْبُنَانِيّ: قدِمَ عَلَيْنَا أَبُو ظَبِيبَةَ فحدّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال ثَابِتٌ قال فُلاَنٌ: لقَدْ جَهَدْتُ أَنْ أَقُولَهَا حِينَ أَنْبَعِثُ فَمَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا".
5033- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن سَلَمةَ بنِ كُهَيْلٍ عن كُرَيْبٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قامَ مِنَ الّليْلِ فقَضَى حَاجَتَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمّ نَامَ".
قال أبُو دَاوُدَ: يَعني بَالَ.
__________
قال الخطابي: معناه يستيقظ من النوم، وأصل التعار السهر التقلب على الفراش، ويقال إن التعار لا يكون إلا مع كلام وصوت وهو مأخوذ من عرار الظليم "قال ثابت" البناني حاكياً عن البعض "قال فلان" لم يظهر اسمه بوجه من الوجوه "لقد جهدت" الجهد النهاية والغاية يقال جهد في الأمر جهداً من باب نفع إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب كذا في المصباح "أن أقولها" أي تلك الكلمة وهي السؤال من الله تعالى للدنيا وللاَخرة "حين أنبعثت" أي أقوم من الليل "فما قدرت عليها" أي على تلك المسألة لعله بالنسيان أو لشغله في الأمور والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، وبين فيه أن ثابت البناني رواه عن شهر عن أبي ظبية عن معاذ قال ثابت فقدم علينا أبو ظبية فحدثنا بهذا الحديث عن معاذ. وأبو ظبية هذا كلاعي شامي ثقة وهو بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة وتاء تأنيث.
"يعني بال" هذا تفسير لقوله قضى حاجته.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مطولاً ومختصراً.

(13/263)


107- باب كيف يتوجه [كيف يتوجه الرجل عند النوم]
5034- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادٌ عن خَالِدٍ الْحَذّاءِ عن أَبِي قِلاَبَةَ عن بَعْضِ آلِ أُمّ سَلَمةَ قال: "كَانَ فِرَاشُ النبي صلى الله عليه وسلم نَحْواً مِمّا يُوضَعُ الإنْسَانُ في قَبْرِهِ، وكَانَ
__________
باب كيف يتوجه
"نحواً مما يوضع الإنسان في قبره" أي على هيئة وضع الإنسان في القبر. كذا في فتح الودود.

(13/263)


المَسْجِدُ عِنْدَ رَأْسِهِ".
__________
وأورد السيوطي هذا الحديث برواية المؤلف في الجامع الصغير بلفظ "نحواً مما يوضع للانسان في قبره" وقال العلامة العزيزي في شرحه نحواً بالنصب والتنوين "مما" وقد وضع في قبره صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء كان فراشه للنوم نحوها انتهى. ووقع هذا الحديث في المشكاة بلفظ "نحواً مما يوضع في قبره قال القاري في المرقاة أي كان ما يفترشه للنوم قريباً مما يوضع في قبره ولعل العدول عن الماضي للمضارع حكاية للحال ونقل عن الطيبي مثل ما قال العزيزي. ولفظ حديث الكتاب وما قال في فتح الودود يناسب تبويب المؤلف والله تعالى أعلم "وكان المسجد" بكسر الجيم "ضد رأسه" أي إذا نام يكون رأسه إلى جانب المسجد. قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة بفتح الجيم أي وكان مصلاه أو سجادته عند رأسه.
قال المنذري: لا يعرف هذا الذي حدث عنه أبو قلابة هل له صحبة أم لا.

(13/264)


باب ما يقول (يقال) عند النوم
...
108- باب ما يقول عند النوم
5035- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا أَبَانُ أخبرنا عَاصِمٌ عن مَعْبَدِ بنِ خَالِدٍ عن سَوَاءِ عن حَفْصَةَ زَوْجِ النبي صلى الله عليه وسلم: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدّهُ، ثُمّ يَقُولُ: "اللّهُمّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ، ثَلاَثَ مَرّاتٍ[مرار]".
5036 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا المُعْتَمِرُ قال سَمِعْتُ مَنْصُوراً يُحَدّثُ عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ قال حدّثني الْبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ قال قال لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَتَيْتُ مَضْجَعَكَ
__________
باب ما يقول عند النوم
"أن يرقد" أي ينام "قني" أي احفظني.
قال المنذري: وأخرجه النسائي أيضاً من حديث المسيب بن رافع عن حفصة مختصراً في وضع الكف خاصة، وأخرجه النسائي أيضاً من حديث إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة وهو ابن عبد الله بن مسعود ورجل آخر عن البراء بن عازب ولفظه "يوم تجمع عبادك" وقال الآخر "نوم تبعث عبادك" وأخرجه أيضاً من حديث أبي عبيدة عن أبيه ولفظ يوم تجمع عبادك وهو منقطع، أبو عبيد بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه.

(13/264)


فَتَوَضّأْ وُضُوءَكَ لِلصّلاَةِ ثُمّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقّكَ الأيْمَنِ وَقُلْ: اللّهُمّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً ورَغْبَةً، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلاّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابَكَ الّذِي أَنْزَلْتَ وَنَبِيّكَ[بنبيك] الّذِي أَرْسَلتَ". قال: "فإِنْ مِتّ مِتّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنّ آخِرَ مَا تَقُولُ". قال الْبَرَاءُ فقُلْتُ: أَسْتَذْكِرُهُنّ، فقُلْتُ: وَبِرَسُولِكَ الّذِي أَرْسَلْتُ، قال: "لاَ وَنبِيّكَ[بنبيك] الّذِي أَرْسَلْتَ".
5037- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن فِطْرِ بنِ خَلِيفَةَ قال سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ عُبَيْدَةَ قال سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بنَ عَازِبٍ قال قال لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ طَاهِراً[وأنت طاهر] فَتَوَسّدْ يَمِينَكَ" ثُمّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
5038- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الْغَزّالُ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ يُوسُفُ حدثنا
__________
"وضوءك" بالنصب في مثل وضوئك "اللّهمّ أسلمت" أي استلمت وانقدت والمعنى جعلت وجهي منقاداً لك تابعاً لحكمك "وفوضت أمري إليك" أي توكلت عليك في أمري كله "وألجأت" أي أسندت "ظهري إليك" أي إلى حفظك لما علمت أنه لا سند يتقوى به سواك "رهبة" أي خوفاً غضبك وعقابك "ورغبة" أي رغبة في رضاك وثوابك، وفي رواية للنسائي "رهبة منك ورغبة إليك".
قيل: هما مفعول لهما لألجئت والأظهر أن نصبهما على الحالية أي راغباً وراهباً، والظرفية أي في حال الطمع والخوف يتنازع فيهما الأفعال المتقدمة كلها قاله القاري "لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك" ملجأ مهموز ومنجا مقصور، وقد يهمز منجا للازدواج وقد يعكس أيضاً لذلك، والمعنى لا مهرب ولا ملاذ من عقوبتك إلا رحمتك "فإن مت" بضم الميم وكسرها "على الفطرة" أي على دين الإسلام وقيل على التوحيد "واجعلهن" أي هذه الكلمات "أستذكرهن" أي أتحفظهن "فقلت وبرسولك الذي أرسلت" أي مكان ونبيك الذي أرسلت "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا" أي لاتقل وبرسولك الذي أرسلت بل قل ونبيك الذي أرسلت، قال الحافظ: وأولى ما قيل في الحكمة في رده صلى الله عليه وسلم على من الرسول بدل النبي أن ألفاظ الأذكار توقيفية ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. إذا أويت إلى فراشك أي دخلت فيه فتوسد يمينك أي اجعله تحت رأسك ثم ذكر نحوه أي نحو الحديث السابق.

(13/265)


سُفْيَانُ عن الأعمَشِ وَ مَنْصُورٍ عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عن الْبَرَاءِ عن النبي صلى الله عليه وسلم بِهَذَا. قال سُفْيَانُ قال أَحَدُهُما: إِذَا أَتَيْتَ فِراشَكَ طَاهِراً وقال الآخر: تَوَضّأْ وُضُوءِكَ لِلصّلاَةِ وَسَاقَ مَعْنَى مُعْتَمرٍ.
5039- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ عن رِبْعِيَ عن حُذَيْفَةَ قالَ: كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إِذَا نَامَ قالَ: "الّلهُمّ باسْمِكَ أَحْيَى وَأَمُوتُ" ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قالَ "الْحَمدُ لله الّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النّشُورُ".
5040- حدثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عنْ سَعِيدٍ بنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضُ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إزَارِهِ فَإِنّهُ لاَ يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ ثُمّ لْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقّهِ الأيْمَنِ ثُمّ لْيَقْلْ باسْمِكَ رَبّي[رب] وَضَعْتُ جَنْبِي وَ بِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكَ[عبادك الصالحين]".
__________
" قال سفيان قال أحدهما" ضمير التثنية للأعمش ومنصور والمعنى أن أحدهما قال إذا أتيت فراشك طاهر فاضطجع على شقك الأيمن وقل اللهم الخ، وقال الآخر إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل الخ. وحديث منصور عند مسلم بلفظ "إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللهم أني أسلمت" الحديث "وساق" أي سفيان "معنى معتمر" أي معنى حديث معتمر السابق.
"اللهم باسمك أحيى وأموت" أي بذكر اسمك أحيى ماحييت وعليه أموت، ويحتمل أن يكون لفظ الإثم زائداً كما في قول الشاعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما "أحياناً بعد ما أماتنا" أي رد علينا القوة والحركة بعد ما أزالهما منا بالنوم "وإليه المنشور" أي البعث يوم القيامة والإحياء بعد الإماتة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"فلينفض" بضم الفاء أي فليحرك "بداخلة إزاره" أي بحاشيته التي تلي الجسد وتماسه ليكون يده مستورة بطرف إزاره لئلا يحصل مكروه إن كان هناك من الهوام "ما خلفه عليه" أي على فراشه والمعنى لا يدري ما وقع في فراشه بعد ما خرج منه من تراب أو قذاة أو هوام قاله الطيبي "على شقه" بكسر الشين أي على جانبه "وبك أرفعه" أي باسمك أو بحولك وقوتك أرفعه حين أرفعه فلا أستغني عنك بحال "إن أمسكت نفسي أي قبضت روحي في النوم فارحمها" أي

(13/266)


5041- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ ح وأخبرنا وَهْبٌ ابنُ بَقِيّةَ عنْ خالِدٍ نَحْوَهُ عنْ سُهَيْلٍ عنْ أَبِيهِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ: "الّلهُمّ رَبّ السّمَوَاتِ وَرَبّ الأرْضِ وَرَبّ كُلّ شَيْءِ، فالِقَ الْحَبّ وَالنّوَى، مُنْزِلَ التّوْرَاةِ والإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ كُلّ ذِي شَرّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاضِيَتِهِ. أَنْتَ الأوّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخر فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ. وَأَنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شُيْءٌ. زَادَ وَهْبٌ في حَدِيثِهِ: اقْضِ عَنّي الدّيْنَ وَاغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ".
5042- حدثنا الْعَبّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيّ أخبرنا الأحْوَصُ يَعْنِي ابنَ جَوّابِ أخبرنا عَمّارُ بنُ رُزَيْقٍ عنْ أَبِي إسْحَاقَ عنِ الحَارِثِ وَ أَبِي مَيْسَرةَ عنْ عَلِيّ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ مَضْجَعِهِ: "الّلهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِوجْهِكَ الْكَرِيمِ وَكَلِمَاتِكَ التّامّةِ[التامات] مِنْ شَرّ مَا أنتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ الّلهُمّ أنْتَ تَكْشِفُ المَغْرَمَ وَالمَأْثَمَ، اللّهُمّ
__________
بالمغفرة والتجاوز عنها "وإن أرسلتها" بأن رددت الحياة إلي وأيقظتني من النوم "فاحفظها" أي من المعصية والمخالفة "بما تحفظ به" أي من التوفيق والعصمة والأمانة "الصالحين" أي القائمين بحقوق الله وعباده.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"عن خالد نحوه" أي نحو حديث وهيب، فوهيب وخالد كلاهما يرويان عن سهيل بن أبي صالح لكن بين روايتهما فرق يسير في الألفاظ دون المعنى "فالق الحب" الفلق والشق "والنوى" جمع النواة وهي عظم النخل، والتخصيص لفضلها أو لكثرة وجودها في ديار العرب، يعني يا من شقهما فأخرج منهما الزرع والنخيل "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" يعني ليس شيء أظهر منك لدلالة الآيات الباهرة عليك. وقال في فتح الودود: فلا ظهور لشيء ولا وجود إلا من آثار ظهورك ووجودك "وأنت الباطن" أي باعتبار الذات "فليس دونك شيء" أي ليس شيء أبطن منك. ودون يجيء بمعنى غير والمعنى ليس غيرك في البطون شيء أبطن منك، وقد يجيء بمعنى قريب فالمعنى ليس شيء في البطون قريباً منك.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
"يعني ابن جواب" بفتح الجيم وتشديد الواو "أخبرنا عمار بن رزيق" بتقديم الراء مصغراً "بوجهك" أي بذاتك، والوجه يعبر به عن الذات كما في قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} "وكلماتك التامة" أي الكاملة في إفادة ما ينبغي وهي أسماؤه وصفاته أو آياته القرآنية "من شر ما أنت آخذ بناصيته":أي هو في قبضتك وتصرفك "تكشف" أي تدفع وتزيل "المغرم"

(13/267)


لاَ يُهْزَمُ جُنْدُكَ وَلاَ يُخْلَفُ[لايخلف] وَعْدُكَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدّ مِنْكَ الْجَدّ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ".
5043- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ حدّثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ: أَنّ النبي[رسول الله] صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَوَى فِرَاشِهِ قالَ: "الْحَمْدُ لله الّذِي أطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَم مِمّنْ لاَ كَافِي[كاف] لَهُ وَلاَ مُؤْوِي".
5044- حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ التّنّيسِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ حدثني يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ عنْ ثَوْرٍ عنْ خالِدِ بنِ مَعْدَانَ عنْ أَبِي الأزْهَرِ الأنْمَارِيّ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ الّليْلِ قالَ "بِسْمِ الله وَضَعْتُ جَنْبِي، اللّهُمّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَاخْسَأْ شَيْطَانِي وَفُكّ رِهَانِي وَاجْعَلْنِي في النّدِيّ الأعْلَى".
__________
المراد به الدين وقيل مغرم المعاصي "والمأثم" أي ما يأثم به الإنسان أو هو الإثم نفسه "لا يهزم" بصيغة المجهول أي لا يغلب "لا ينفع ذا الجد" بفتح الجيم "منك الجد" فسر الجد بالغي في أكثر الأقاويل أي لا ينفع ذا الغنى غناه منك، أي بدل طاعتك، وإنما ينفعه العمل الصالح "سبحانك وبحمدك" أي أجمع بين تنزيهك وتحميدك.
قال المنذري: وأخرجه النسائي. والحارث الأعور لا يحتج بحديثه، غير أن أبا ميسرة هذا هو عمر بن شرحبيل الهمداني الكوفي ثقة احتج به البخاري ومسلم في صحيحما.
"إذا أوى إلى فراشه" قال النووي: إذا أوى إلى فراشه وأويت مقصور. وأما أو انا فمدود هذا هو الفصيح المشهور، وحكي القصر فيها وحكي المد فيهما انتهى. "وكفانا" أي دفع عنا شر المؤذيات أو كفى مهماتنا وقضى حاجتنا "وآوانا" بالمد أي رزقنا مساكن وهيأ لنا المأوى "لا كافي" بفتح الياء "ولا مأوى" بصيغة اسم الفاعل أي فكم شخص لا يكفيهم الله شر الأشرار ولا يهيء لهم مأوى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"الأنماري" بفتح الهمزه وسكون النون "وأخسأ" أي أبعد واطرد "شيطاني" قال الطيبي: إضافة إلى نفسه لأنه أراد قرينه من الجن أو من قصد إغواءه من شياطين الإنس والجن "وفك رهاني" أي خلص رقبتي عن كل الحق علي والرهان الرهن وجمعه ومصدر راهنه وهو ما يوضع وثيقة للدين، والمراد ههنا نفس الإنسان لأنها مرهونة بعملها لقوله تعالى {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} وفك الرهن تخليصه من يد المرتهن كذا في المرقاة "في الندى الأعلى" الندى بالفتح ثم الكسر ثم التشديد هو النادي هو النادي وهو المجلس المجتمع، والمعنى اجعلني من

(13/268)


قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبو هَمّامِ الأهْوَازِيّ عنْ ثَوْرٍ قالَ: أَبُو زُهَيْرٍ الأنْمَارِيّ.
5045- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أَبُو إسْحَاقَ عنْ عَرْوَةَ ابنِ نَوْفَلٍ عنْ أَبِيهِ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لِنَوْفَلِ: "اقْرَأْ قُلْ يَا أَيّها الْكَافِرُونَ ثُمّ نَمْ عَلَى خاتِمَتِهَا فَإِنّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِرْكِ".
5046- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَ يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهِبٍ الْهَمْدَانِيّ قالا أخبرنا المُفَضّلُ - يَعْنِيَانِ ابنَ فَضَالَةَ - عن عُقَيْلٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ: "أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفّيْهِ ثُمّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ[وقرأ- ثم قرأ] فِيهِمَا: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ، ثُمّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرّاتٍ".
5047- حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ الْحَرّانيّ أخبرنا بَقِيّةُ عن بَحِيرٍ عن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عن ابنِ أَبِي بِلاَلٍ عن عِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ المُسَبّحَاتِ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ، وقال: "إِنّ فِيهِنّ آيَةَ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ".
__________
المجتمعين في الملأ الأعلى من الملائكة. ولفظ الحاكم في المستدرك "واجعلني في الملأ الأعلى" "قال أبو داوود رواه أبو همام الخ" قال المنذري: وقال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة أبو الأزهر ولم ينسب، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً ولا أدري له صحبه أم لا، وذكر له هذا الحديث وأبو همام الأهوازي هو محمد بن الزبرقان ثقة احتج به البخاري ومسلم.
"نم على خاتمتها" أي على خاتمة هذه السورة.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي مرسلاً وذكر الترمذي والنسائي طرفاً من الاختلاف فيه، وقال الترمذي: وقد اضطرب أصحاب أبي إسحاق في هذا الحديث، وذكر أبو عمر النمري. نوفلاً هذا في كتاب الصحابه وقال حديثه قل يا أيها الكافرون مضطرب الإسناد لا يثبت.
"ثم نفث فيهما" النفث نفخ لطيف بلا ريق قاله النووي "فقرأ فيهما قل هو الله أحد الخ" وفي بعض النسخ وقرأ بالواو، وفي بعضها ثم قرأ. قال الحافظ أي يقرؤها وينفث حالة القراءة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"كان يقرأ المسبحات" أي السور التي في صدرها لفظ التسبيح "قبل أن يرقد" أي قبل أن ينام.

(13/269)


5048- حدثنا عَلِيّ بنُ مُسْلِمِ أخبرنا عَبْدُ الصّمَدِ حدّثني أَبِي حدّثني[حدثنا] حُسَيْنٌ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن ابنِ عُمَرَ أَنّهُ حَدّثَهُ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ: "الْحَمْدُ لله الّذِي كَفَانِي وَآوَانِي وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَالّذِي مَنّ عَلَىّ فأَفْضَلَ، وَالّذِي أَعْطَانِي فأَجْزَلَ. الْحَمْدُ لله عَلَى كُلّ حَالٍ. الّلهُمّ رَبّ كُلّ شَيْءِ وَمَلِيكَهُ وَإِلَهَ كُلّ شَيْءِ، أَعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ".
5049- حدثنا حَامِدُ بنُ يَحْيَى حدثنا أَبُو عَاصِمٍ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن المَقْبَرِيّ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اضْطَجَعَ مُضْجَعاً[مضطجعا] لَمْ يَذْكُرِ الله فِيهِ إِلاّ كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ قَعَدَ مَقْعَداً لَمْ يَذْكُرِ الله عَزّ وَجَلّ فِيهِ إِلاّ كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
__________
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن غريب. هذا آخر كلامه. وفي إسناده بقية بن الوليد عن بحير بن سعد وبقية فيه مقال وأخرجه النسائي من حديث معاوية بن صالح عن بحير بن سعد مرسلاً.
"الحمد لله الذي كفاني" أي عن الخلق اعتائي "وآواني" أي جعل لي مسكناً يدفع عني حرى وبردى "والذي من" أي أنعم "فأفضل" أي زاد أو أكثر أو أحسن قاله القاريء "فأجزل" أي فأعظم أو أكثر من النعمة "رب كل شيء" أي مربيه ومصلحه "وملكية" أي مالكه.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"كان عليه ترة" قال المناوي: بكسر المثناة الفوقية وفتح الراء أي نقص وحسرة. قال المنذري وأخرجه النسائي مختصراً بقصة الاضطجاع فقط. وفي إسناده محمد بن عجلان وقد تقدم الاختلاف فيه.

(13/270)


109- باب ما يقول الرجل إذا تعار من الليل
5050- حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ إبْرَاهِيمَ الدّمَشْقِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ قالَ قالَ الأوْزَاعِيّ حدّثني عُمَيْرُ بنُ هَانِيءِ حدّثني جُنَادَةُ بنُ أَبِي أُمَيّةَ عن عُبَادَةَ ابنِ الصّامِتِ
__________
باب ما يقول الرجل إذا تعار من الليل
تعار بفتح تاء وراء مشددة بعد ألف أي استيقظ ولا يكون إلا يقظة مع كلام وقيل هو تمطي وأن.
-قال "قال الأوزاعي" وفي رواية البخاري قال حدثنا الأوزاعي "حدثني جنادة" بضم الجيم

(13/270)


قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَعَارّ مِنَ الّليْلِ فقالَ حِينَ يَسْتَيْقِظُ: لا إِلَهَ إِلاّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلا إِلَهَ إِلاّ الله والله أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوّةَ إِلاّ بالله". ثُمّ دَعَا: "رَبّ اغْفِرْ لِي". قال أبُو دَاوُدَ قالَ الْوَلِيدُ: أَوْ قالَ "دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ" ، "فإِنْ قامَ فَتَوَضّأَ ثُمّ صَلّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ".
5051- حدثنا حَامدُ بنُ يَحْيَى أخبرنا أَبُو عَبْدِ الرّحْمَنِ أخبرنا سَعِيدٌ - يَعْني ابنَ أَبِي أَيّوبَ - قال حدّثني عَبْدُ الله بنُ الْوَلِيدِ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن عَائِشةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ الّليْلِ قالَ: "لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ الّلهُمّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ. الّلهُمّ زِدْنِي عِلْماً وَلا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحَمةَ إِنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ".
__________
وتخفيف النون مختلف في صحبته "قال الوليد أو قال دعا" أي فقط شك من الوليد.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه، وقد تقدم الكلام عليه في الجزء قبله.
"لا تزغ قلبي" أي بميله عن الإيمان. زاغ عن الطريق عدل عنه.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وقد تقدم الكلام عليه في الجزء قبله.

(13/271)


110 - باب في التسبيح عند النوم
5052 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدثنا شُعْبَةُ ح وَحدثنا مُسَدّدٌ حدثنا يَحْيَى عن شُعْبَةَ المَعْنَى عن الْحَكَمِ عن ابنِ أَبِي لَيْلَى قال مُسَدّدٌ حدثنا عَلِيّ قالَ: شَكَتْ فَاطِمَةُ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم مَا تَلْقَى في يَدِهَا مِنَ الرّحَى فأُتِيَ بِسَبْيٍ فأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ فَلمْ تَرَهُ، فأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَائِشةَ، فَلمّا جَاءَ النبي صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهُ، فأَتَانَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ فقَالَ "عَلِي مَكَانَكُمَا[مكانكم]" فَجَاءَ فقَعَدَ بَيْنَنَا حَتّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى
__________
باب في التسبيح عند النوم
"ما تلقى" أي من المشقة وهو مفعول شكت "في يدها من الرحي" أي من أثر إدارة الرحى "فأتى" بصيغة المجهول أي النبي صلى الله عليه وسلم "يسمى" أي رقيق "فأتته تسأله فلم تره" أي أتت فاطمة النبي صلى الله عليه وسلم تطلب الرقيق فما رأت النبي صلى الله عليه وسلم في منزله "فأخبرت" أي فاطمة "بذلك" أي المذكور من إتيانها لطلب الرقيق "عائشة" مفعول "أخبرته" أي أخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم بمجيء فاطمة لطلب الرقيق فأتانا قد أخذنا مضاجعنا أي أتانا النبي صلى الله عليه وسلم حال كوننا مضطجعين "فذهبنا لنقوم"

(13/271)


صَدْرِي، فقَالَ: "أَلاَ أَدُلّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمّا سَأَلْتُمَا: إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَسَبّحَا ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ وَاحْمَدَا ثلاثاً وثَلاَثِينَ وَكَبّرَا أَرْبَعاً وَثَلاَثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ".
5053- حدثنا مُؤمّلُ بنُ هِشَامٍ الْيَشْكُرِيّ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عن الْجُرَيْرِيّ عن أَبِي الْوَرْدِ بنِ ثُمَامَةَ قالَ قالَ عَلِيٌ لابنِ أَعْبَدَ: أَلاَ أُحَدّثُكَ عَنّي وَعن فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم - وكَانَتْ أَحَبّ أَهلِهِ إِلَيْهِ وكَانَتْ عِنْدِي فَجَرّتْ بالرّحَى حَتّى أَثّرَتْ بِيَدِهَا وَاسْتَقَتْ بالْقِرْبَةِ حتّى أَثّرَتْ في نَحْرِهَا، وَقَمتِ الْبَيْتَ حَتّى اغْبَرّتْ ثِيَابُهَا وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حتّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا فأَصَابَهَا[وأصابها] مِنْ ذَلِكَ ضُرّ، فَسَمِعْنَا أَنّ رَقِيقاً أُتِيَ بِهمْ النبي صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ: لَوْ أُتَيْتِ أَبَاكِ فَسَأَلْتِيهِ خَادِماً يَكْفِيكِ، فأَتَتْهُ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ حُدّاثاً فاسْتَحْيَتْ فَرَجَعَتْ فَغَدَا عَلَيْنَا وَنَحْنُ في لِفَاعِنَا، فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهَا فأَدْخَلَتْ رَأْسَهَا في الّلفَاعِ حَيَاءَ مِنْ أَبِيهَا، فقَالَ: "ما كانَ حَاجَتُكِ أَمْسِ إِلَى آلِ مُحَمّدٍ؟" فَسَكَتَتْ مَرّتَيْنِ، فقُلْتُ: وأَنَا وَالله أُحَدّثُكَ يَا رَسُولَ الله إِنّ هَذِهِ جَرّتْ عِنْدِي بالرّحَى حتّى أَثّرَتْ في يدِهَا، وَاستَقَتْ بالْقِرْبَةِ حتّى أَثّرتْ في نَحْرِهَا، وكَسَحَتْ الْبَيْتَ حتّى اغْبَرّتْ ثِيَابُهَا، وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حتى دَكِنَتْ ثِيَابُها، وَبَلَغَنَا أَنّهُ قد أَتَاكَ رَقِيقٌ أَوْ خَدَمٌ، فَقُلْتُ لَهَا: سَلِيهِ خَادِمَا. فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ الْحَكَمِ وَأَتَمّ.
5054- حدثنا عَبّاسُ الْعَنْبَرِيّ أخبرنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَمْرِو وأخبرنا عَبْدْ العَزِيزِ بنُ
__________
أي شرعنا وأردنا لنقوم له "على مكانكما" أي اثبتا على ما أنتما عليه من الاضطجاع "مما سألتما" قال القاري: يحتمل أن يكون على طلب بلسان القال أو الحال أو نزل رضاه منزلة السؤال أو لكون حاجة النساء حاجة الرجال أي طلبتما من الرقيق "فهو" أي ما ذكر من الذكر "خير لكما من خادم" الخادم واحد الخدم يقع على الذكر والأنثى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"وقمت البيت" بتشديد الميم أي كنست البيت "حتى دكنت ثيابها" من باب سمع أي صارت تضرب إلى السواد مما أصابها من الدخان. كذا في فتح اودود وفي النهاية يقال دكن الثوب إذا اتسخ واغبر لونه يدكن دكنا انتهى. قال الجوهري: الدكنة لون يضرب إلى السواد وقد دكن الثوب يدكن دكناً انتهى "ونحن في لفاعنا" أي لحافنا "وكسحت البيت" قال في المصباح: كسحت البيت كسحاً من باب نفع كنسته انتهى "فذكر معنى حديث الحكم أي الذي قبله وأتم" أي من حديث الحكم، وقد تقدم شرح هذا الحديث في كتاب الخراج في باب بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذوي القربى.

(13/272)


مُحَمّدٍ عنْ يَزِيدَ بنِ الهَادِ عنْ مُحَمّدِ بنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ عنْ شَبَثِ بنِ رِبَعِيَ عنْ عَلِيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْخَبَرِ قالَ فِيهِ: قالَ عَلِيّ: فَمَا تَرَكْتُهُنّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنّ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِلاّ لَيْلَةَ صِفّينَ فإِنّي ذَكَرْتُهَا مِنْ آخِرِ الّليْلِ فَقُلْتُهَا.
5055- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عنْ أَبِيهِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "خَصْلَتَانِ أَوْ خَلّتَانِ لاَ يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إِلاّ دَخَلَ الْجَنّةَ، هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ: يُسَبّحُ فِي دُبُرِ كُلّ صَلاَةٍ عَشْراً وَيَحْمَدُ عَشْراً وَيُكَبّرُ عَشْراً، فَذَلِكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ باللّسَانِ وَأَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ فِي المِيزَانِ، وَيُكَبّرُ أَرْبَعاً وَثَلاَثِينَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، وَيَحْمَدُ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ، وَيُسبّحُ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ فَذَلِكَ مِائَةٌ باللّسَانِ وَأَلْفٌ في المِيزَانِ" ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ قالُوا يَا رَسُولَ الله كَيفَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ؟ قالَ "يَأْتِي أحَدَكُمْ في مَنَامِهِ
__________
قال المنذري وقد تقدم في كتاب الخرج وابن أعبد هو علي بن أعبد، قال ابن المديني ليس بمعروف ولا أعرف له غير هذا.
"القرظي" نسبة إلى قريظة "عن شبث" بفتح أوله والموحدة ثم مثلة. قال الحافظ: مخضرم كان مؤذن سجاح ثم أسلم ثم كان ممن أعان على عثمان ثم صحب عليا ثم صار من الخوارج عليه ثم تاب فحضر قتل الحسين، ثم كان ممن طلب بدم الحسين مع المختار ثم ولى شرط الكوفة. ثم حضر قتل المختار ومات بالكوفة، في حدود الثمانين "فما تركتهن" أي الكلمات المذكورة "إلا ليلة صفين" كسكين موضع كانت به الوقعة العظمى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما "فإني ذكرتها" أي الكلمات.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وقال البخاري: لا يعلم لمحمد بن كعب سماع من شبث بفتح الشين المعجمة وبعدها باء مفتوحة وثاء مثلثه.
"خصلتان أو خلتان" شك من الراوي وهما بمعنى واحد "هما" أي الخصلتان أي كل منهما "يسير" سهل خفيف لعدم صعوبة العمل بهما "من يعمل بهما" مبتدأ "قليل" خبر "يسبح" بيان لإحدى الخصلتين، والضمير للعبد المسلم "في دبر كل صلاة" أي عقب كل صلاة "فذلك" أي التسبيح والتحميد والتكبير عشراً عشراً دبر كل صلاة من الصلوات الخمس "خمسون ومائة باللسان" أي في يوم وليلة "وألف وخمس مائة في الميزان" لقوله تعالى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} "ويكبر أربعاً وثلاثين" بيان للخلة الثانية "إذا أخذ مضجعه" أي حين أخذ مرقده وإذا للظرفية المجردة "يعقدها بيده" أي بأصابعها أو بأناملها أو بعقدها "كيف هما يسير

(13/273)


يَعْنِي الشّيْطَانَ[يعني الشيطان في منامه] - فَيُنُوّمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ، وَيَأْتِيهِ في صَلاَتِهِ فَيُذَكّرُهُ حَاجَتَهُ[حاجة] قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا".
5056- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ حدّثني عَيّاشُ بنُ عُقْبَةَ الْحَضْرَمِيّ عنِ الْفَضْلِ بنِ حَسَنِ الضّمْرِيّ أَنّ ابنَ أُمّ الْحَكَمِ أَوْ ضُبَاعَةَ ابْنَتَيْ الزّبَيْرِ حَدّثَهُ عنْ إِحْدَاهُمَا أَنّهَا قالَتْ: أَصَابَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَبْياً، فَذَهَبْتُ أَنَا وَأُخْتِي وَفاطِمَةُ
__________
ومن يعمل بهما قليل" أي ما وجه قولك هذا والضمير في بهما للخصلتين "يأتي أحدكم" بالنصب مفعول "فينومه" بتشديد الواو أي يلقي عليه النوم "قبل أن يقوله" أي الذكر والمذكور في الخلة الثانية "فيذكره حاجته" أي فينصرف عن الصلاة "قبل أن يقولها" أي الكلمات المذكورة في الخلة الأولى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح وأخرجه النسائي مسنداً وموقوفاً على عبد الله بن عمرو.
"أن ابن أم الحكم" قال المزي في الأطراف: قال أبو القاسم ومن مسند أم الحكم ويقال أم حكيم صفية ويقال عاتكة ويقال ضباعة بنت الزبير، وقال قال محمد بن سعيد هي أم الحكم، وقال شباب بن خياط حدثني غير واحد من بني هاشم أنهم لا يعرفون للزبير ابنة غير ضباعة وقال ضباعة هي أم حكيم. قال أبو القاسم: وهذا وهم، فقد ذكر الزبير بن بكار للزبير ابنتين ضباعة وأم حكيم وذكر أن أم حكيم كانت تحت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وولده منها، وضباعة كانت تحت المقداد انتهى. وفي التقريب: ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم لها صحبة وحديث انتهى "أو ضباعة" أي ابن ضباعة معطوف على قوله أم الحكم "حدثه" فاعل حدث ابن أم الحكم الضمير المنصوب يرجع إلى الفضل بن حسن "عن إحداهما" التي هي أمه.
واعلم أن الحديث فيه الواسطة وهي ابن أم الحكم بين أمها وبين الفضل بن حسن، وهكذا بإثبات الواسطة في أطراف المزي، لكن لم يبين أن ابنها من هو، وهذه عبارته ومن مسند أم الحكم أو ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب إبن هاشم على النبي صلى الله عليه وسلم حديث أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبياً أخرجه أبو داوود في الخراج وفي الأدب عن أحمد بن صالح عن ابن وهب عن عياش بن عقبة الحضرمي عن الفضل بن الحسن الضمري أن ابن أم الحكم أو ضباعة ابنتي الزبير حدثه عن إحداهما أنها قالت فذكر انتهى.
وقال في أسد الغابة بإسناده حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن عياش بن

(13/274)


بِنْتُ النبي صلى الله عليه وسلم إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَشَكَوْنَا إِليْهِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَسَأَلْنَاهُ أَنْ يَأْمُرَ لَنَا بِشَيْءِ مِنَ السّبْيِ، فقَالَ النبي[رسول الله] صلى الله عليه وسلم "سَبَقَكُنّ يَتَامَى بَدْر"ٍ، ثُمّ ذَكَرَ قِصّةَ التّسْبِيحِ، قالَ" عَلَى إِثْرِ كُلّ صَلاَةً" لَمْ يَذْكُرِ النّوْمَ.
__________
عقبة عن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري قال حدثني ابن أم الحكم قال حدثتني أمي أم الحكم فذكر الحديث.
وروى ابن مندة وأبو نعيم بإسنادهما عن عياش بن الحضرمي عن الفصل بن الحسن عن ابن أم الحكم عن أمه أم الحكم بنت الزبير فذكره انتهى.
فهذه الروايات كلها مصرحة بإثبات الواسطة المذكورة، لكن ابن أم الحكم هذا مجهول لا يعرف. قاله الحافظ في التقريب.
وتقدم هذا الحديث في كتاب الخراج في باب بيان مواضع قسم الخمس، وليس هناك هذه الواسطة وعبارة هكذا عن الفضل بن الحسن الضمري أن أم الحكم أو ضباعة ابنتي الزبير بن عبد المطلب حدثته عن إحداهما أنها قالت الحديث.
وهكذا بحذف الواسطة أورده ابن الأثير من جهة أبي داوود.
وقال المنذري في مختصر السنن في كتاب الأدب: وعن الفضل بن الحسن الضمري أن أم الحكم أو ضباعة بنت الزبير حدثته عن إحداهما. وقال في كتاب الخراج وعن أم الحكم أو ضباعة بنتي الزبير أنها قالت فذكر الحديث ثم سكت عنه، كذا في غاية المقصود.
"فذهبت أنا وأختي وفاطمة" هكذا بإثبات الواو بين أختي وفاطمة في هذا المحل. ولفظ ابن أبي شيبة فذهبت هي وأختها حتى دخلنا على فاطمة فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعند ابن الأثير فذهبت أنا وأختي إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم في كتاب الخراج أيضاً بإثبات الواو بينهما. وأما الرواية بحذف الواو بينهما فعلى هذا قولها فاطمة بدل من قولها أختي، وهكذا بحذف الواو في أطراف المزي. وأما عند المنذري ففي كتاب الخراج بإثبات الواو، وفي كتاب الأدب بحذف الواو كذا في الغابة "ما نحن فيه" من مشقة البيوت "يتامى بدر" أي من قتل آباؤهم في بدر، والمراد فقراء بدر سموا باسم اليتامى ترحيماً عليهم.
قال المنذري: وقد تقدم في كتاب الخراج.

(13/275)


111- باب ما يقول إذا أصبح
5057- حدثنا مُسَدَدّ أخبرنا هُشَيْمٌ عن يَعْلَى بنِ عَطَاءِ عنْ عَمْرٍو ابن عَاصِمٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنّ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ قالَ يَا رَسُولَ الله مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ. قالَ قُلْ: "اللّهُمّ فاطِرَ السّماوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ، رَبّ كُلّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي وَشَرّ الشّيْطَانِ وَشَرْكِهِ" ، قالَ "قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ".
5058- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبرنا سُهَيْلٌ عن أَبِيهِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: "اللّهُمّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النّشُورُ، وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: اللّهُمّ بِكَ أَمْسَيْنَا، وَبكَ نَحْيَا، وَبكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النّشُورُ".
__________
باب ما يقول إذا أصبح
"فاطر السماوات والأرض" أي مخترعهما وموجدهما على غير مثال سبق "عالم الغيب والشهادة" أي ما غاب من العباد وظهر لهم "رب كل شيء وملكيه" فعيل بمعنى فاعل للمبالغة كالقدير بمعنى القادر "وشر الشيطان" أي وسوسته وإغوائه وإضلاله "وشركه" بكسر الشين وسكون الراء أي ما يدعو إليه من الإشراك بالله ويروى بفتحتين أي مصائده وحبائله التي يفتتن بها الناس.
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح "إذا أصبح" أي دخل في الصباح.
"اللهم بك أصبحنا" الباء متعلق بمحذوف وهو خبر أصبحنا ولابد من تقدير مضاف أي أصبحنا متلبسين بحفظك أو مغمورين بنعمك أو مشتغلين بذكرك "وبك نحيا وبك نموت" قيل هو حكاية الحال الآتية يعني يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الحالات.
__________
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
ولفظ النسائي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أصبح "اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور" فقط.
ورواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أصبح "اللهم بك

(13/276)


5059- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ أَبِي فُدَيْكٍ قالَ أخبرني عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَبْدِ المَجِيدِ عنْ هِشَامِ بنِ الْغَازِ بن رَبِيعَةَ عنْ مَكْحُولٍ الدّمَشْقِيّ عنْ أَنَسِ بنِ مَالِكِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبِحُ أَوْ يُمْسِى: "اللّهُمّ إِنّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلاَئِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنّكَ أَنْتَ الله لاَ إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ وَأَنّ مُحَمّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَعْتَقَ الله أَرْبَعَةَ مِنَ النّارِ، فَمَنْ قالَهَا مَرّتَينِ أَعْتَقَ الله نِصْفَهُ، وَمَنْ قالَهَا ثَلاَثاً أَعْتَقَ ثَلاَثَةَ أَرْبَاعِهِ، فإِنْ قَالَهَا أَرْبَعاً اعْتَقَهُ الله مِنَ النّارِ".
__________
قال النووي: معناه أنت تحييني وأنت تميتني "وإليك النشور" أي البعث بعد الموت "وإذا أمسى" عطف على إذا أصبح.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن.
"أخبرنا محمد بن أبي فديك" بالتصغير "حين يصبح أو يمسي" كلمة أو للتخيير أو للتنويع "أشهدك" أي أجعلك شاهداً على إقراري بوحدانيتك في الألوهية والربوبية وهو إقرار للشهادة وتأكيد لها وتجديد لها في كل صباح ومساء "وأشهد حملة عرشك" جمع حامل أي حاملي عرشك "وملائكتك" بالنصب عطف على الحملة تعميماً بعد تخصيص "وجميع خلقك" تعميم آخر "أنك" بفتح الهمزة أي على شهادتي واعترافي بأنك "أعتق الله" جواب الشرط "فإن قالها أربعاً أعتقه الله من النار" أي أعتقه كله.
قال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن عبد المجيد وهو أبو رجاء المهري مولاهم المصري المكفوف، قال ابن يونس كان يحدث حفظاً وكان أعمى وأحاديثه مضطربة. ووقع
__________
أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور وإذا أمسى قال اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير".
فرواية أبي داود فيها النشور في المساء والمصير في الصباح.
ورواية الترمذي فيها النشور في المساء والمصير في الصباح.
ورواية ابن حبان فيها النشور في الصباح والمصير في المساء وهي أولى الروايات أن تكون محفوظة لأن الصباح والانتباه من النوم بمنزلة النشور وهو الحياة بعد الموت والمساء والصيرورة إلى النوم بمنزلة الموت والمصير إلى الله ولهذا جعل الله سبحانه في النوم الموت والانتباه بعده دليلا على البعث والنشور لأن النوم أخو الموت والانتباه نشور وحياة قال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} ويدل عليه أيضا ما رواه البخاري في صحيحه عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ قال "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".

(13/277)


5060- حدثنا أحْمَدُ بن يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ ثَعلَبَةَ الطّائِيّ عن ابن بُرَيْدَةَ عن أَبِيهِ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يُصبِحُ أَوْ حِينَ يُمْسِي: "اللّهُمّ أَنْتَ رَبيّ لاَ إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرَ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ[أبوء لك بنعمتك] وَأبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي إِنّهُ[فإنه] لاَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ أَنْتَ فَمَاتَ مِن يَوْمِهِ أَوْ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنّةَ".
5061- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدِ ح وأخبرنا مُحَمّدُ بنُ قُدَامَةَ ابنِ أَعْيَنَ أخبرنا جَرِيرٌ عنِ الْحَسَنِ بنِ عُبَيْدِ الله عنْ إبْرَاهِيمَ بنِ سُوَيْدٍ عنْ عبْدِ الرّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى: "أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الملْكُ لله وَالْحَمْدُ لله، لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ".
زَادَ في حَدِيثِ جَرِيرٍ: وَأَمّا زُبَيْدٌ كَانَ يَقُولُ كَانَ إبْرَاهِيمُ بنُ سُوَيْدٍ يَقُولُ: "لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبّ أَسألُكَ
__________
في أصل سماعنا وفي غيره عبد الرحمن بن عبد المجيد والصحيح عبد الحميد، هكذا ذكره ابن يونس في تاريخ المصريين وله العناية المعروفة بأهل بلده وذكره غيره أيضاً كذلك. "وأنا على عهدك ووعدك" أي أنا مقيم على الوفاء بعهد الميثاق، وأنا موقن بوعدك يوم الحشر والتلاق "ما استطعت" أي بقدر طاقتي.
وفي فتح الباري قال الخطابي: يريد أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك وإخلاص الطاعة لك ما استطعت. وفيه أيضاً واشتراط الاستطاعة في ذلك معناه الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى "أبوء بنعمتك" أي أعترف بها وأقر وألتزم، وأصله البواء ومعناه اللزوم "وأبوء بذنبي" أي أعترف أيضاً.
قال الخطابي: معناه الإقرار به أيضاً كالأول ولكن فيه معنى ليس في الأول تقول العرب باء فلان بذنبه إذا احتمله كرهاً لا يستطيع دفعه عن نفسه.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن بريدة عن بشير بن كعب عن شداد بن أوس بنحوه وقال فيه سيد الاستغفار. وأخرجه الترمذي من حديث عثمان بن ربيعة عن شداد بن أوس وقال حسن غريب من هذا الوجه.
"أخبرنا جرير" فجرير وخالد كلاهما يرويان عن الحسن بن عبيد الله "زاد في حديث جرير" ولفظ المنذري في مختصر السنن وعن عبد الله هو ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا

(13/278)


خيْرَ مَا فِي هَذِهِ الّليْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ مَا في هَذِهِ اللّيْلَةِ وَشَرّ مَا بَعْدِهَا. رَبّ أَعُوذُ بّكَ مِنَ الْكَسَلِ وَمِنْ سُوءِ الْكِبْر[من سوء الكبر] أَو الْكُفْرِ. رَبّ
__________
أمسى أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأما زبيد كان يقول كان إبراهيم بن سويد يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها. رب أعوذ بك من الكسل ومن سوء الكفر. رب أعوذ بك من عذاب النار وعذاب القبر إلى آخره.
قلت: حديث جرير أخرجه مسلم ما لفظه حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا جرير عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سويد عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال "أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له" ، قال أراه قال فيهن "له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها. رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر. رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر. وإذا أصبح قال ذلك أيضاً أصبحنا وأصبح الملك لله".
ثم أخرج من طريق أبي بكر بن أبي شيبة أخبرنا حسين بن علي عن زائدة عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سويد عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال: "أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم وسوء الكبر وفتنة الدنيا وعذاب القبر" قال الحسن ابن عبيد الله وزادني فيه زبيد عن إبراهيم بن سويد عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله رفعه أنه قال "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
وأخرج من طريق قتيبة بن سعيد أخبرنا عبد الواحد بن زياد عن الحسن بن عبيد الله أخبرنا إبراهيم بن سويد النخعي أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال "أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له" قال الحسن فحدثني الزبيد أنه حفظ عن إبراهيم في هذا له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم أسألك خير هذه الليلة وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها اللهم إني أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، اللهم أني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر" انتهى.
"من سوء الكبر" قال النووي: رويناه الكبر بإسكان الباء وفتحها فالإسكان بمعنى

(13/279)


أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ في النّارِ وَعَذَابٍ في الْقبْرِ". وَإِذَا أَصْبَحَ قالَ ذَلِكَ أَيْضاً: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ لله..".
قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ شُعْبَةُ عن سَلَمةَ بنِ كُهَيْلٍ عن إبْرَاهِيمَ بنِ سُوَيْدٍ قال: مِنْ سُوءِ الْكِبَرِ وَلَمْ يَذْكُرْ سُوءَ الْكُفْرِ.
5062- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن أَبِي عَقِيلٍ عن سَابِقِ ابنِ نَاجِيَةَ عن أَبِي سَلاّمِ: أَنّهُ كَانَ في مَسْجِدِ حِمْصَ فَمرّ بِهِ رَجُلٌ فقالُوا: هَذَا خَدَمَ النبي صلى الله عليه وسلم، فقَامَ إِلَيْهِ فقَالَ: حدّثنِي بَحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَتَدَاوَلْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ الرّجَالُ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ قالَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: رَضِينَا بالله رَباّ وَبالإسْلاَمِ دِيناً وَبِمُحَمّدٍ رَسُولاً، إِلاّ كَانَ حَقاّ عَلَى الله أَنْ يُرْضِيَهُ".
5063- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ وَإسْمَاعِيلُ قالا أخبرنا
__________
التعاظم على الناس، والفتح بمعنى الهرم والخرف والرد إلى أرذل العمر كما في الحديث الآخر.
قال القاضي: وهذا أظهر وأشهر بما قبله. قال وبالفتح ذكره الهروي بالوجهين ذكره الخطابي، وصوب الفتح وتعضده رواية النسائي وسوء العمر انتهى "أو الكفر" هذا شك من الراوي أي من سوء الكفر أي من شر ما فيه الكفر أو الكفران "ولم يذكر سوء الكفر" وكذلك لم يذكر هذه اللفظة بعض أصحاب الحسن بن عبيد الله كعبد الواحد بن زياد وزائدة بل جرير أيضاً في رواية عثمان بن أبي شيبة وروايتهم عند مسلم فجمله سوء الكبر هي محفوظة.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
-شر "عن أبي عقيل" بفتح العين واسمه هشام بن بلال "عن أبي سلام" بتشديد اللام هو ممطور الحبشي "أنه" أي أبو سلام "كان في مسجد حمص" بكسر المهملة وسكون الميم كورة بالشام "فقالوا هذا" أي الرجل "خدم" صيغة الماضي المعلوم "فقام" أي أبو سلام "إليه" أي إلى الرجل "فقال" أي أبو سلام "لم يتداوله بينك وبينه الرجال" في الصراح: تداولته الأبدي وأخذته هذه مرة وهذه مرة، والمعنى لم يكن بينك وبينه صلى الله عليه وسلم واسطة الرجال "رضينا بالله رباً" تمييز وهو يشمل الرضا بالأحكام الشرعية والقضايا الكونية "إلا كان حقاً على الله" هو خبر كان "أن يرضيه" أي يعطيه ثواباً جزيلاً حتى يرضى وهو اسم كان.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(13/280)


سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ عن رَبِيعَةَ بنِ أَبِي عَبْدِ الرّحْمَنِ عن عَبْدِ الله ابنِ عَنْبَسَةَ عن عَبْدِ الله بنِ غَنّامٍ الْبَيَاضِيّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللّهُمّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فمِنْكَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشّكْرُ، فَقَدْ أَدّى شُكْرَ يَومِهِ، وَمَنْ قالَ مِثْلَ ذَلكَ حِينَ يُمْسِي[أمسى] فَقَدْ أَدّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ".
5064- حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى الْبَلْخِيّ أخبرنا وَكِيعٌ ح. وأخبرنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ المَعْنى أخبرنا ابْنُ نُمَيْرٍ قالا أخبرنا عُبَادَةُ بنُ مُسْلِمٍ الْفَزَارِيّ عن جُبَيْرٍ بن أَبي سُلَيْمَانَ بن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ قال سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَعُ هَؤُلاَءِ الدّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: "اللّهُمّ إِبّي أَسأَلُكَ الْعَافِيَةَ[أسألك العفو والعافية] في الدّنْيَا وَ الآخرة. اللّهُمّ إِنّي أَسأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافيَةَ في دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي. اللّهُمّ استُرْ عَوْرَتِي". وقالَ عُثْمانُ: عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي اللّهُمّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيّ وَمِنْ خَلْفِي وَعن شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي".
__________
"عبد الله بن غنام" بتشديد النون "ما أصبح بي" أي حصل لي في الصباح قاله القاري. وقيل أي ما أصبح متصلاً بي "من نعمة" دنيوية أو أخروية "فمنك" أي حاصل منك "وحدك" حال من الضمير المتصل في منك "ومن قال مثل ذلك حين يمسي" لكن يقول أمسى بدل أصبح "فقد أدى شكر ليلته" هذا يدل على أن الشكر هو الاعتراف بالمنعم الحقيقي ورؤية كل النعم دقيقها وجليلها منه، وكماله أن يقوم بحق النعم ويصرفها في مرضاة المنعم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي. وغنام بفتح الغين المعجمة وتشديد النون وفتحها وبعد الألف ميم. والبياضي منسوب إلى بياضة بطن من الأنصار. وقال ابن أبي حاتم عبد الله بن عنبسة وروى عن ابن غنام ويقال عن ابن عباس، وقال أيضاً سئل أبو زرعة فقال مدني لا أعرفه إلا في هذا الحديث يعني حديث النبي صلى الله عليه وسلم من قال إذا أصبح.
"لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع" أي يترك "اللهم إني أسألك العافية" أي السلامة من الآفات "اللهم إني أسألك العفو" أي التجاوز عن الذنوب "اللهم استر عورتي" هي سوءة الإنسان وكل ما يستحي منه "وقال عثمان عوراتي" أي بصيغة الجمع "وآمن روعاتي" أي مخوفاتي، والروعة الفزعة "اللهم احفظني" أي ادفع البلاء عني "من بين يدي" أي أمامي "إن أغتال" بصيغة المجهول أي أوخذ بغتة وأهلك غفلة "قال وكيع يعني الخسف" أي يريد النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتيال من الجهة التحتانية الخسف.

(13/281)


قال أبُو دَاوُدَ قالَ وَكِيعٌ: يَعني الْخَسْفَ.
5065- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌو أَنّ سَالِماً الْفَرّاءَ حَدّثَهُ أَنّ عَبْدَ الْحَمِيدِ مَولَى بَنِي هَاشِمٍ حدّثَهُ أَنّ أُمّهُ حَدّثَتْهُ - وكانَتْ تَخْدِمُ بَعضَ بَنَاتِ النبي صلى الله عليه وسلم - أَنّ بِنْتَ النبي صلى الله عليه وسلم حَدّثَتْهَا أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلّمُها فَيَقُولُ: قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ: "سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، لا قُوّةَ إِلاّ بالله ما شَاءَ الله كَانَ وَما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكْنْ، أَعْلَمُ أَنّ الله عَلَى كُلّ شَيْءِ قَدِيرٌ وَإِنّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيْءٍ عِلْماً، فإِنّهُ مَن قالَهُنّ حِيَنَ يُصْبِحُ حُفِظَ حتّى يُمْسَى، وَمَن قالَهُنّ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حتّى يُصْبِحَ".
5066- حدثنا أحْمَدُ بنُ سَعيدٍ الْهَمْدَانِيّ قال أنبأنا ح وأخبرنا الرّبيعُ بنُ سُليْمانَ أخبرنا ابنُ وَهبٍ قال أخبرني اللّيْثُ عن سَعِيدِ بنِ بَشِيرِ النّجّارِيّ عنْ مُحَمّدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْبَيْلَمَانِيّ قالَ الرّبِيعُ ابنُ الْبَيْلَمَانِيّ عنْ أَبيهِ عنِ ابنِ عَبّاسٍ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحَانَ[سبحان] الله حِينَ تُمْسُونَ
__________
قال في القاموس: خسف الله بفلان الأرض غيبه فيها.
قال الطيبي: عم الجهات لأن الآفات منها وبالغ في جهة السفل لرداءة الافة.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"أن أمه" قال الحافظ: أم عبد الحميد لم أقف على اسمها "وكانت" أي أم عبد الحميد "فيقول" الفاء عاطفة ويحتمل أن يكون تفسيرية "سبحان الله" هو علم للتسبيح منصوب على المصدرية تقديره سبحت الله سبحاناً ولا يستعمل غالباً إلا مضافاً، ومعنى التسبيح بنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص "وبحمده" قيل الواو للحال والتقدير أسبح الله متلبساً بحمدي له من أجل توفيقه، وقيل عاطفة والتقدير أسبح الله وألتبس بحمده "ما شاء الله" أي وجوده "كان" أي وجد "وما لم يشأ لم يكن" أي لم يوجد "أعلم" أي أعتقد "أن الله على كل شيء قدير وأن الله مق أحاط بكل شيء علماً" قال الطيبي: هذان الوصفان أعني القدرة الشاملة والعلم الكامل هما عمدة أصول الدين وبهما يتم إثبات الحشر والنشر ورد الملاحدة في إنكارهم البعث وحشر الأجساد "فإنه" أي الشأن "حفظ" بصيغة المجهول أي من البلايا والخطايا.
قال المنذري: وأخرجه النسائي أمه مجهول.
"البيلماني" بفتح الموحدة واللام بينهما تحتانية ساكنة "قال الربيع" هو ابن سليمان "ابن البيلماني" أي بحذف اسم أبيه عبد الرحمن "فسبحان الله" أي نزهوه عما لا يليق بعظمته، وقيل

(13/282)


وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ في السّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ إِلَى وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، أَدْرَكَ مَا فاتَهُ في يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَهُنّ حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ في لَيْلَتِهِ" قالَ الرّبِيعُ عن اللّيثِ.
5067- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ وَ وُهَيْبٌ نَحْوَهُ عن سُهَيْلٍ عن أَبيهِ عن ابن أَبِي عَائِشٍ وَقالَ حَمّادٌ عن أَبِي عَيّاشٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قالَ
__________
معناه صلو "حين تسمون" أي تدخلون في المساء وهو وقت المغرب والعشاء "وحين تصبحون" أي تدخلون في الصباح {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: اعتراض ومعناه يحمده أهلهما "وعشياً" عطف على حين وأريد به وقت العصر "وحين تظهرون" أي تدخلون في الظهيرة وهو وقت الظهر "إلى وكذلك تخرجون" أي إلى قوله تعالى {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} ، وهذا اقتصار من الراوي وتمامه {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}.
في معالم التنزيل قال نافع بن الأزرف لابن عباس هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال نعم، وقرأ هاتين الآيتين، وقال جمعت الآية الصلوات الخمس ومواقيتها انتهى.
واختار الطيبي عموم معنى التسبيح الذي هو مطلق التنزيه فإنه المعنى الحقيقي الأولى من إطلاق الجزء وإرادة الكل، مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب "أدرك ما فاته" أي من الخير أي حصل له ثواب ما فاته من ورد وخير وهو جواب الشرط "ومن قالهن" أي تلك الكلمات أو الآيات "قال الربيع عن الليث" وأما أحمد بن سعيد فقال أخبرني الليث كما مر.
قال المنذري: في إسناده محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه، وكلاهما لا يحتج به.
"ووهيب نحوه" أي نحو حديث حماد "من ابن أبي عائش" قال المزي في الأطراف: أبو عياش، ويقال ابن أبي عياش ويقال ابن أبي عائش عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقال إنه الزرقي حديث من قال إذا أصبح الخ أخرجه أبو داوود في الأدب عن موسى عن حما ووهيب كلاهما عن سهيل بن
__________
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق عشرة أنفس من ولد إسماعيل".
وقال البخاري رقبة من ولد إسماعيل رواه تعليقا.

(13/283)


إِذَا أَصْبَحَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ الله، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَانَ لَهُ عَدْلُ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَحُطّ عَنْهُ عَشْرُ
__________
أبي صالح عن أبيه عن ابن أبي عياش، وقال حماد عن أبي عياش وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب عن الحسن بن موسى عن حماد ابن سلمة عن سهيل عن أبيه عن أبي عياش الزرقي. وأخرجه ابن ماجه في الدعاء نحوه انتهى.
قال الحافظ في الإصابة: أبو عياش وقيل ابن عياش وقيل ابن عياش روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال إذا أصبح لا إله إلا الله" الحديث من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه أخرج حديثه أبو داوود والنسائي وابن ماجه وفي بعض طرقه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ابن أبي عياش الزرقي. فقيل هو زيد بن الصامت أبو عياش الزرقي. وعلى ذلك جرى أبو أحمد الحاكم، والذي يظهر أنه غيره.
ووقع في الكنى لأبي بشر الدولابي أبو عياش الزرقي روى عنه زيد بن أسلم حديث من قال إذا أصبح الخ انتهى.
"من قال" شرطية "إذا أصبح" ظرفية "كان له" جواب الشرط "عدل رقبة" أي مثل عتقها وهو بفتح العين وكسرها بمعنى المثل. وقيل بالفتح المثل من غير الجنس وبالكسر من الجنس وقيل بالعكس "من ولد إسماعيل" صفة رقبة وهو بفتح الواو واللام وبضم وسكون أي أولاده، والتخصيص لأنهم أشرف من سبي "وكتب" أي أثبت مع هذا "وحط" أي وضع ومحى "وكان
__________
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".
فهذا الحديث يدل على أن كل رقبة يعدلها عشر مرات تهليلا وهو يوافق رواية البخاري في الحديث الذي قبله.
وحديث ابن عباس يدل على أن كل مرة برقبة ويوافقه حديث أبي أيوب الذي رواه مسلم ولكن حديث أبي أيوب قد اختلف فيه البخاري ومسلم كما ذكرناه.
وحديث أبي هريرة صريح بأن المائة تعدل عشر رقاب ولم يختلف فيه فيترجح من هذا الوجه على خبر أبي أيوب وتترجح رواية مسلم لحديث أبي أيوب بحديث ابن عباس المتقدم.
فقد تقابل الترجيحان.

(13/284)


سَيّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ في حِرْزٍ مِنَ الشّيْطَانِ حَتّى يُمْسِيَ. وَإِنْ قالَهَا إِذَا أَمُسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذلِكَ حَتّى يُصْبِحَ" قالَ في حَدِيثِ حَمّادٍ: فَرَأَى رَجُلٌ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرَى النّائِمُ فقَالَ يَا رَسُولَ الله إِنّ أَبَا عَيّاشٍ يُحَدّثُ عَنْكَ بِكَذَا وَكَذَا. قالَ "صَدَقَ أَبُو عَيّاشٍ".
__________
في حرز" أي حفظ وصون "كأن له مثل ذلك" أي ما ذكر منه الجزاء "فرأى رجل" قال القاري: ذكر استظهاراً لا دليلاً عليه للاجماع على أن رؤية المنام لا يعمل بها.
__________
وقد يقال خبر ابن عباس قد تكلم فيه وأنه لا يصح وخبر أبي أيوب قد اختلف في لفظه وخبر أبي هريرة صحيح لا علة فيه ولا اختلاف فوجب تقديمه والله أعلم.
وقد روى الترمذي من حديث زيد بن أبي أنيسة عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان ولم ينبغي لذنب أن يدركه ذلك اليوم إلا الشرك بالله" وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وأما الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من دخل السوق فقال "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب له ألف ألف حسنة ومحي عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة" فهو حديث معلول لا يثبت مثله وذكره له الترمذي طرقا.
أحدها: أحمد بن منيع حدثنا أزهر بن سنان حدثنا محمد بن واسع قال قدمت مكة فلقيني أخي سالم بن عبد الله بن عمر فحدثني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وقال هذا حديث غريب.
والثاني: رواه عمر بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم نحوه.
قال الترمذي: حدثنا أحمد بن عبدة حدثنا حماد بن عبدة حدثنا حماد بن زيد والمعتمر بن سليمان قالا حدثنا عمرو بن دينار وهو قهرمان آل الزبير عن سالم عن أبيه عن جده وقال وبني له بيت في الجنة ولم يقل ألف ألف درجة.
والثالث: رواه يحيى بن سليم الطائفي عن عمران بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر عمر ذكره الترمذي تعليقا عن يحيى.

(13/285)


قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ وَمُوسَى الزّمْعِيّ وَعَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ عن سُهَيْلٍ عن أبِيهِ عن ابنِ عَائِشٍ.
5068- حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ أخبرنا بَقِيّةُ عن مُسْلِمٍ يَعْنِي ابنَ زِيَادِ قالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبِحُ اللّهُمّ إِنّي أصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلاَئِكتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنّكَ[بأنك] أَنْتَ الله لاَ إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ وَأَنّ مُحّمداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ إِلاّ غَفَرَ الله لَهُ مَا أَصَابَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ مِنْ ذَنْبٍ، وَإِنْ قالَهَا حِينَ يُمْسِي، غُفِرَ لَهُ مَا أَصَابَ تِلْكَ اللّيْلَةِ".
__________
"قال أبو داوود رواه إسماعيل الخ" قال المنذري: وقال أبو بكر الخطيب عند القاضي يعني أبا عمر الهاشمي عن شيخه عن أبي عائش، وكذا عند غيره، وأخرجه النسائي وابن ماجه وفي حديثهما عن أبي عياش الزرقي، وأبو عياش الأنصاري الزرقي اسمه زيد بن الصامت وقيل غير ذلك وهو بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها وبعد الألف شين معجمة، وذكره أبو أحمد الكرابيسي في كتاب الكنى وقال له صحبة من النبي صلى الله عليه وسلم، وليس حديثه من وجه صحيح وذكر له هذا الحديث.
"إلا غفر الله له" قال القاري استثناء مفرغ مما هو جواب محذوف للشرط المذكور، أي الذي قال فيه ذلك الذكر، تقديره ما قال قائل هذا الدعاء إلا غفر الله له أو يقدر نفي أي من قال ذلك لم يحصل له شيء من الأحوال إلا هذه الحالة العظيمة من المغفرة الجسيمة "من ذنب" أي أي ذنب كان، واستثنى الكبائر وكذا ما يتعلق بحقوق العباد، والإطلاق للترغيب، مع أن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء.
والحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري:
وقال المزي: حديث من قال حين يصبح الخ أخرجه أبو داوود في الأدب عن عمرو بن
__________
فأما الطريق الأولى فهي أمثل طرقه وأزهر بن سنان لا بأس به وقد تكلم فيه بعض الأئمة وقد ذكر حديثه هذا الحافظ أبو عبد الله المقدسي في المختارة.
وأما الطريق الثانية: ففيها عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير قال البخاري في التاريخ فيه نظر وذكر هذا الإسناد بعينه ولم يذكر له متنا فقال قال موسى ابن عبد الرحمن حدثنا زيد بن خباب حدثنا سعيد بن زيد عن عمرو بن دينار مولى الأنصاري عن سالم عن أبيه عن عمر وقال الترمذي تكلم فيه بعض أصحاب الحديث وقد روى عن سالم أحاديث لا يتابع عليها.
وأما الطريق الثالثة: ففيها عمران بن مسلم وليس هو عمران بن مسلم القصير فإن ذاك من رجال الصحيح وهذا منكر الحديث قاله البخاري وغيره.
وقد قيل إلى القصير والله أعلم.

(13/286)


5069- حدثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ أَبُو النّضْرِ الدّمشْقِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ شُعَيْبٍ أخبرني أَبُو سَعيدٍ الْفِلَسْطِينِيّ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ حَسّانَ عن الْحَارِثِ بنِ مُسْلِمٍ أَنّهُ أَخْبَرَهُ عن أَبيهِ مُسْلِمِ بنِ الْحَارِثِ التّمِيمُيّ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ أَسَرّ أَلَيْهِ فقَالَ "إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلاَةِ المَغْرِبِ فَقُلْ اللّهُمّ أَجِزْنِي مِنَ النّارِ سَبْعَ مَرّاتٍ فَإِنّكَ إِذَا قُلْتَ
__________
عثمان، وأخرجه الترمذي في الدعوات عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن حيوة بن شريح الحمصي، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة عن إسحاق بن إبراهيم وعمرو بن عثمان وكثير بن عبيد أربعتهم عن بقية بن الوليد عن مسلم بن زياد الشامي مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أنس، وحديث أبي داوود في رواية أبي بكر بن داسة عنه، ولم يذكره أبو القاسم انتهى.
"الفلسطيني" بكسر فاء وفتح سين مهملة وكسر طاء مهملة وبمثناة تحتية فنون نسبة إلى فلسطين كذا في المغني.
وفي القاموس: فلسطون وفلسطين وقد يفتح فاؤهما كورة بالشام وقرية بالعراق "عبد الرحمن حسان" بدل من أبي سعيد "أنه أسر" من الإسرار "إليه" أي إلى مسلم بن الحاث والمعنى تكلم صلى الله عليه وسلم معه خفية "اذا انصرفت" أي فرغت "اللهم أجرني من النار" أجرني أمر من الإجارة من باب الافعال من جور معناه أمني وأعذني وأنقذني وخلصني من النار.
قال في لسان العرب: وفي التنزيل العزيز: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ}:
قال الزجاج: المعنى إن طلب أحد من أهل الحرب أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره أي أمنه.
قال أبو الهيثم: الجار والمجير والمعيذ واحد، ومن عاذ بالله استجار به أجاره الله وأجاره الله من العذاب أنقذه. انتهى ملخصاً.
وأما في قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم آجرني في مصيبتي" فآجِر ههنا أمر من الإيجار من باب الإفعال من الأجر، وأيضاً يروي فيه أجرني بسكون الهمزة وضم الجيم من باب نصر ينصر من الأجر، وعلى كلتا الروايتين معنى واحد أي أعطني أجراً وثواباً في مصيبتي.
قال في اللسان: وفي حديث أم سلمة: "آجرني الله في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها" آجره يوجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء وكذلك أجره يأجره ويأجره والأمر منهما آجرني وأجرني وأجرني انتهى.
وفي مجمع البحار: آجرني في مصيبتي آجره يوجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء،

(13/287)


ذَلِكَ ثُم مِتّ في لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ[جواز] مِنْهَا، وَإِذَا صَلّيْتَ الصّبْحَ فَقُلْت كَذَلِكَ فَإِنّكَ إِنْ مِتّ فِي[من] يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا" أخبرني أَبُو سَعِيدٍ عن الْحَارِثِ أَنّهُ قالَ أَسَرّهَا إِلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. نَحْنُ[فنحن] نَخُصّ إِخْوَانَنَا بِهَا[إخواننا].
5070- حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ الْحِمصِيّ وَ مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ الْحَرّانيّ وَ عَلِيّ بنُ سَهْلٍ الرّمْلِيّ وَ مُحَمّدُ بنُ مُصَفّى الْحمْصِيّ قالُوا أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ حَسّانٍ الْكِنَانِيّ قالَ حدّثني مُسْلِمُ بنُ الْحَارِثِ بن مُسْلِمٍ التّمِيمِيّ عن أَبيهِ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ: جَوَارٌ مِنْهَا إِلاّ أَنّهُ قالَ فِيهِمَا قَبْلَ أَنْ تُكَلّمَ[يكلم] أحَداً.
قالَ عَلِيّ بنُ سَهْلٍ فِيهِ إِنّ أَبَاهُ حَدّثَهُ وَقالَ عَلِيّ وابنُ المُصَفّي قالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيّةٍ، فَلَمّا بَلَغْنَا المَغَارَ اسْتَحْثَثْتُ فَرَسِي فَسَأَلْتُ أَصْحَابِي وَتَلَقّانِي
__________
وكذا أجره يأجره وأجرني في مصيبتي بسكون الهمزة وضم الجيم إن كان ثلاثياً وإلا فبفتح همزة ممدودة وبكسر الجيم من آجره الله أعطاه جزاء صبره وهو بالقصر أكثر انتهى.
وفي النهاية آجره يوجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء وكذلك أجره يأجره والأمر منهما آجرني وأجرني انتهى "سبع مرات" ظرف لقل أي كرر ذلك سبع مرات "فإنك إذا قلت ذلك" أي الدعاء المذكور سبعاً "ثم مت" بالضم والكسر "كتب لك جوار" بكسر الجيم وإهمال الراء وفي بعض النسخ بفتح الجيم وإعجام الزاي أي أمان وخلاص.
قال في المرقاة: والجواز في الأصل للبراءة التي تكون مع الرجل في الطريق حتى لا يمنعه أحد من المرور وحينئذ فلا يدفعه إلا تحلة القسم انتهى "منها" أي من النار "أسرها" أي الكلمات المذكورة "نحن نخص إخواننا بها" وفي بعض النسخ فنحن بالفاء وهو الأولى وكأنه فهم أن الإسرار كان تخصيصاً منه له والحديث سكت عنه المنذري.
"الحمصي" بكسر المهملتين "ومؤمل" بوزن محمد "بن الفضل الحراني" بفتح لمهملة وشدة الراء "الرملي" بفتح الراء وسكون الميم نسبة إلى رملة مدينة من فلسطين "قال نحوه" أي نحو الحديث السابق "إلى قوله جوار منها" أي بدون ذكر قوله أخبرني أبو سعيد الخ "إلا أنه قال" أي الوليد "فيهما" أي في الجملتين من الحديث إحداهما إذا انصرفت من صلاة المغرب الخ، وثانيتهما إذا صليت الصبح الخ "قبل أن تكلم أحداً" الظاهر أن هذه الزيادة بعد قوله فقل والله تعالى أعلم "قال علي بن سهل فيه أن أباه حدثه" أي مكان عن أبيه "وقال علي وابن المصفي" أي ذكراً قبل بيان الحديث هذه القصة المذكورة بقوله بعثنا إلى قوله ودفعه إلي ثم بعد ذكر هذه القصة بينا الحديث "في سرية" السرية طائفة من جيش أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو،

(13/288)


الْحَيّ بالرّنِينِ، فَقُلْتُ لُهمْ قُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاّ الله تُحْرَزوا فقالُوها فَلاَمَنِي أَصْحَابِي فقالُوا [وقالوا]أَحَرَمْتَنَا الْغَنيمَةَ، فَلَمّا قَدِمُوا[قدمنا] عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَخْبَرُوهُ بالّذِي صَنَعْتُ، فَدَعَانِي فَحَسّنَ لِي ما صَنَعْتُ وقالَ "أَمّا إِنّ الله قَدْ كَتَبَ لَكَ مِنْ كُلّ إِنْسَانٍ مِنْهمْ كَذَا وَكَذَا". قال عَبْدُ الرّحْمَنِ فَأَنَا نَسِيتُ الثّوَابَ، ثُمّ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "أَمّا إِنّي سَأَكْتُبُ لَكَ بالْوَصَاةِ بَعْدِي". قالَ فَفَعَلَ وَخَتَمَ عَلَيْهِ ودَفَعَهُ[فدفعه] إِلَيّ وَقالَ لِي، ثُمّ ذَكَرَ مَعْنَاهُمْ. وَقالَ ابنُ المُصَفّي قالَ سَمِعْتُ الْحَارِثَ بنَ مُسْلِمِ بنِ الْحَارِثِ التّمِيمِيّ يُحَدّثُ عن أَبِيهِ.
5071- حدثنا يَزِيدُ بنُ مُحَمّدِ الدّمَشْقِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ بنُ مُسْلِمٍ الدّمَشْقِيّ وَكَانَ مِنْ ثِقَاةِ المُسلِمِينَ مِنَ المُتَعَبدِينَ، قال أخبرنا مُدْرِكُ ابنُ سَعْدٍ قالَ يَزِيدُ شَيْخٌ ثِقَةٌ عن يُونُسَ بنِ مَيْسَرَةَ بنِ حَلْبَسٍ عن أُمّ الدّرْدَاءِ عن أَبِي الدّرْدَاءِ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ:
__________
سموا به لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري أي النفيس "فلما بلغنا المغار" بالضم الغارة وموضعها "استحثثت" استفعال من الحث "وتلقاني الحي" أي الذين سرنا إليهم "بالرنين" أي بالصوت الصياح ففي القاموس: الرنة الصوت رن يرن صاح "تحرزوا" من الحرز أي تحفظوا وهو جواب قولوا "فقالوها" أي كلمة لا إله إلا الله "فقالوا" أي أصحابي "فحسن لي" من التحسين "كذا وكذا" أي من الثواب "قال عبد الرحمن" هو ابن حسان "أما" بالتخفيف حرف التنبيه "بالوصاة" اسم التوصية كصلاة وسلام اسم التصلية والتسليم "ففعل" أي النبي صلى الله عليه وسلم أي كتب لي الوصاة "وختم عليه" أي على المكتوب "ثم ذكر معناهم" أي معنى حديثهم "قال ابن المصفي قال سمعت الحارث بن مسلم ابن الحارث الخ" وأما غيره فقال مسلم بن الحارث بن مسلم.
قال المنذري: قيل فيه مسلم بن الحارث، وقيل الحارث بن مسلم بن الحارث كما تقدم، وصحح غير واحد أنه مسلم بن الحارث. وسئل أبو زرعة الرازي عن مسلم بن الحارث بن مسلم فقال الصحيح الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه.
وقال أبو حاتم الرازي: الحارث بن مسلم تابعي وقيل للدارقطني مسلم بن الحارث التميمي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مسلم مجهول لا يحدث عن أبيه إلا هو.
"حدثنا يزيد بن محمد الدمشقي الخ" هذا الحديث ليس في عامة النسخ الحاضرة وإنما هو في نسختين وليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري.
وقال المزي: هذا الحديث في رواية أبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم انتهى

(13/289)


"مَنْ قالَ إِذَا أصْبَحَ وإِذَا أَمْسَى حَسْبِيَ الله لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلتُ وَهُوَ رَبّ الْعَرشِ الْعَظِيمِ سَبْعَ مَرّاتٍ كَفَاهُ الله مَا أَهَمّهُ[همه] صَادِقاً كَانَ بِهَا أَوْ كَاذِباً".
5072- حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُصَفّي قال أخبرنا ابنُ أَبِي فُدَيْكٍ قال أخبرني ابنُ أَبِي ذِئْبٍ عن أَبي أُسَيدِ الْبَرّادِ عن مُعَاذِ بنِ عَبْدِ الله بن خُبَيبٍ عن أَبيهِ أَنّهُ قال: "خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لِيُصَلّيَ لَنَا فَأَدْرَكْنَاهُ فقَالَ[فأدركناه فقال: "أصليتم" فلم أقل شيئا فقال] "قُل" فَلَمْ أَقُلْ شَيْئاً، ثُمّ قالَ "قُل" فَلَمْ أَقُلْ شَيْئاً، ثُمّ قالَ "قُلْ" فَقُلْتُ[قلت] مَا أَقُولُ يَا رَسُولَ الله[يارسول الله ما أقول] قال "قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ[قال قل قل هو الله] وَالمُعَوّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلّ شَيْءِ".
5073- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَوْفٍ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدّثني أَبِي قال ابنُ عَوْفٍ وَرَأَيْتُهُ في أَصْلِ إسْمَاعِيلَ قال حدّثني ضَمْضَمٌ عن شُرَيْحٍ عن أَبِي مَالِكٍ قال قالُوا: يَا رَسُولَ الله حَدّثْنَا بِكَلِمَةٍ نَقُولُها إِذَا أَصْبَحْنَا وَأَمْسَيْنَا وَاضْطَجَعْنَا، فأَمَرَهُم أَنْ يَقُولُوا: "اللّهُمّ فَاطِرَ السّماوَاتِ وَالأرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنْتَ رَبّ كُلّ شَيْءِ وَالمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ أَنّكَ لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ، فإِنّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ أَنْفُسِنَا وَمِنْ شَرّ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ وَشِرْكِهِ وَأَنْ نَقْتَرِفَ سُوءاً عَلَى أَنْفُسِنَا أَوْ نَجُرّهُ إِلَى مُسْلِمٍ".
__________
"صادقاً كان بها" أي بتلك الكلمات "أو كاذباً" والمعنى أن القائل بتلك الكلمات إن كان مخلصاً وصادقاً في اعتقاده على تلك الكلمات ومتيقناً بها أو كان كذباً في اعتقاده عليها بحيث تجري تلك الكلمات على لسانه على سبيل العادة ويظن فيها أثراً ولكن لا يتيقن بها كتيقن المخلصين الصادقين ومع ذلك كفاه الله تعالى ما أهمه من أمور الدنيا وأتعبه الزمان، فالله تعالى ينجيه من التعب والكرب والهم ببركة هذه الكلمات والله أعلم.
"عن أبي أسيد" بفتح الهمزة "عن معاذ بن عبد الله بن خبيب" بالتصغير "والمعوذتين" أي قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس "ثلاث مرات" أي قل ثلاث مرات "تكفيك" أي هذه السور الثلاث "من كل شيء" أي من كل شر أو كل ورد يتعوذ به.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي مسنداً ومرسلاً، وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه وأبو سعيد البراد وهو ابن أبي أسيد.
"فاطر السماوات والأرض" أي خالقهما "وشركه" بكسر الشين وسكون الراء أي ما يدعو

(13/290)


قال أبُو دَاوُدَ: وَبِهذَا الإسنَادِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَ أَصْبَحَ أَحَدُكُم فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأصْبَحَ المُلْكُ لله رَبّ الْعَالَمِينَ. اللّهُمّ إِنّي أَسْألُكَ خَيْرَ هَذَ الْيَوْمِ فَتَحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما فِيهِ وَشَرّ ما بَعْدَهُ، ثُمّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ".
5074- حدثنا كَثِيرٌ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا بَقِيّةُ بنُ الْوَلِيدِ عن عُمَرَ بنِ جُعْثُمٍ[خثعم- خثيم] قال أخبرنا الأزْهَرُ بنُ عَبْدِ الله الْحَرَازِيّ قال حدّثني شُرِيقٌ الْهَوْزَنِيّ قال: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَسأَلتُهَا: بِمَ كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَفْتَتِحُ إِذَا هَبّ مِنَ اللّيْلِ،
__________
إليه من الإشراك بالله أو بفتحتين، أي حبائله ومصائده جمع شركة "وأن نقترف" أي نكتسب "أو نجره" أي السوء "وبهذا الإسناد" أي السابق "فتحه" أي الظفر على المقصود "ونصره" أي النصرة على العدو "ونوره" أي بتوفيق العلم والعمل "وبركته" أي بتيسر الرزق الحلال الطيب "وهداه" أي الثبات على متابعة الهدى ومخالفة الهوى. قال الطيبي: قوله فتحه وما بعده بيان لقوله خير هذا اليوم "من شر ما فيه" أي في هذا اليوم "وشر ما بعده" واكتفى به عن سؤال خير ما بعده إشعاراً بأن درء المفاسد أهم من جلب المنافع "فليقل مثل ذلك" بأن يقول أمسينا وأمسى الملك وخير هذه الليلة ويؤنث الضمائر.
قال المنذري: في إسناد هذين الحديثين محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه وكلهما فيه مقال.
"عن عمر بن جعثم" بضم الجيم وسكون المهملة وضم المثلثة مقبول من السابعة كذا في التقريب وفي الخلاصة، وثقه ابن حبان وفي الميزان هو صدوق "الحرازي" بمهملة وراء خفيفة وبعد الألف زاي كذا في المعنى وفي تاج العروس، وحراز كسحاب جبل بمكة وحراز بن عوف بن عدي بطن من ذي الكلاع من حمير ومن نسله الحرازيون المحدثون وغيرهم منهم أزهر الحرازي انتهى.
وفي الخلاصة: أزهر بن عبد الله بن جميع الحرازي الحميري الحمصي ناصبي صدوق اللهجة انتهى "حدثني" بفتح الشين وكسر الراء وآخره قاف "الهوزني" بفتح الهاء والزاي كذا في التقريب، وفي المراصد هوزن بالفتح ثم السكون وفتح الزاي ونون اسم حي من اليمن يضاف إليهم مخلاف من مخاليف اليمن انتهى.
وفي الخلاصة: شريق الهوزني الحمصي وثقه ابن حبان "بم" أي بأي شيء "إذا هب من الليل" أي استيقظ هب النائم هباً وهبوباً استيقظ.

(13/291)


فقالَتْ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عنْ شَيْءِ ما سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كانَ إِذَا هَبّ مِنَ اللّيْلِ "كَبّرَ عَشْراً وَحَمَدَ عَشْراً، وقالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ عَشْراً، وقالَ سُبْحَانَ المَلِكِ الْقُدّوسِ[سبحان الله القدوس- سبحان القدوس] عَشْراً، وَاستَغْفَرَ عَشْراً، وَهَلّلَ عَشْراً، ثمّ قال: "اللّهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدّنْيَا وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَشْراً،" ثُمّ يَفْتَتِحَ الصّلاَةَ.
5075- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ أخبرني سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ عن سُهَيْلِ بنِ أَبِي صَالحٍ عن أَبِيهِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا كانَ في سَفَرٍ فأَسْحَرَ يَقُولُ "سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ الله وَنِعْمَتِهِ وَحُسْنِ بَلاَئِهِ عَلَيْنَا. اللّهُمّ صَاحِبْنَا فأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذاً بالله مِنَ النّارِ".
5076- حدثنا ابنُ مُعَاذٍ أخبرنا أَبِي أَخبرنا المَسْعُودِيّ أخبرنا الْقَاسِمُ قال: كانَ أَبُو ذَرّ يَقُولُ: مَنْ قالَ حِينَ يُصْبِحُ: "اللّهُمّ ما حَلَفْتُ مِنْ حِلْفٍ أو قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ أو نَذَرْتُ مِنْ نِذْرٍ فَمشِيئَتُكَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ كُلُهُ مَا شِئْتَ كان وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ. اللّهُمّ
__________
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال.
"فأسحر" أي دخل في وقت السحر وهو قبيل الصبح. وقال الزمخشري هو السدس الأخير من الليل "سمع سامع بحمد الله ونعمته وحسن بلائه علينا" البلاء ههنا بمعنى النعمة.
قال الخطابي: معنى سمع سامع شهد شاهد، وحقيقته ليسمع السامع وليشهد الشاهد على حمدنا الله سبحانه على نعمه وحسن بلائه انتهى: فعند الخطابي هو خبر بمعنى الأمر. وقال التوربشتي: الحمل على الخبر أولى لظاهر اللفظ، والمعنى سمع من كان له سمع بأنا نحمد الله ونحسن نعمه وأفضاله علينا انتهى. وقيل سمع بتشديد الميم وفتحها أي بلغ سامع قولي هذا إلى غيره "اللهم صاحبنا" بصيغة الأمر من المصاحبة والمراد أعنا وحافظنا "فأفضل علينا" أمر من الأفضال أي تفضل علينا بإدامة النعمة والتوفيق للقيام بحقوقها "عائذاً بالله من النار" حال ضمير يقول أو بمعنى المصدر أي أعوذ عياذاً بالله كذا في فتح الودود.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"حدثنا ابن معاذ" هو عبيد الله بن معاذ العنبري "أخبرنا" معاذ بن معاذ العنبري "أخبرنا المسعودي" هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة الكوفي "أخبرنا القاسم" ابن محمد التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة أو هو القاسم بن ابن عبد الرحمن الدمشقي من التابعين

(13/292)


اغْفِرْ لِي وَتَجَاوَزْ لِي عَنْهُ اللّهُمّ فَمنْ صلّيْتَ عَلَيْهِ صَلَوَاتِي، وَمَنْ لَعَنْتَ فَعَلَيْهِ لَعْنَتِي، كَانَ في اسْتِثْنَاء يَوْمِهِ ذلِكَ أو قالَ ذلكَ الْيَوْمِ".
5077- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمةَ أخبرنا أبُو مَوْدُودٍ عَمّنْ سَمِعَ أَبَانَ بنَ عُثْمانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُثْمانَ - يَعني ابنَ عَفّانَ - يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ قالَ بِسْمِ الله الذِي لا يَضُرّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأرضِ ولا في السّماءِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلاَثَ مَرّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ[فجاءة] بَلاَءِ حَتّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قالَها حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلاَءِ حَتّى يُمْسِيَ". قال: فأَصَابَ أَبَانَ بنَ عُثْمانَ الْفَالِجُ، فَجَعَلَ الرّجُلُ الذِي سَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فقَالَ لَهُ: مالَكَ تَنْظُرُ إِلَيّ فَوَالّلهِ ما كَذَبْتُ عَلَى عُثْمانَ ولا كَذَبَ عُثْمانُ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَنَسِيتُ أَنْ أَقُولَهَا.
5078- حدثنا نَصْرُ بنُ عَاصِمٍ الأنْطَاكِيّ أخبرنا أنَسُ بنُ عِيَاضٍ حدّثني أَبُو مَوْدُودٍ عن مُحَمّدِ بنِ كَعْبٍ عن أَبَانَ بنِ عُثْمانَ عن عُثْمانَ عن النبي صلى الله عليه وسلم نحْوَهُ، لَمْ يَذْكُر قِصّةَ الْفَالَجِ.
__________
"قال كان أبو ذر يقول" هكذا موقوفاً في النسخ، وليس هذا من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري "كان في استثناء يومه" أي كان قائل هؤلاء الكلمات في الاستثناء عن زلات لسانه يومه ذلك يعني عنه قاله السندي.
"عمن سمع أبان" بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة يصرف لأنه فعال ويمنع لأنه أفعل والصحيح الأشهر الصرف كذا نقل القاري عن الطيبي "بسم الله" أي أستعين أو أتحفظ من كل مؤذ باسم الله "مع اسمه" أي مع ذكر اسمه "ولا في السماء" أي من البلاء النازل منها "ثلاث مرات" ظرف يقول "لم تصبه فجأة بلاء" بفتح الفاء وسكون الجيم، وفي بعض النسخ بضم الفاء ممدوداً قال في مختصر النهاية: فجأة الأمر وفجاء بالضم والمد وفجأة بالفتح وسكون الجيم من غير مد وفاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب "فأصاب أبان بن عثمان الفالج" بالرفع فاعل وهو بفتح اللام استرخاء لأحد شقي البدن لانصباب خلط بلغمي تنسد منه مسالك الروح "يندر إليه" أي إلى أبان تعجباً "فقال" أي أبان رفعاً لتعجبه "له" أي للرجل "أصابني فيه ما أصابني" أي من الفالج "فنسيت أن أقولها" أي الكلمات المذكورة: والحديث سكت عنه المنذري.
"عن محمد بن كعب عن أبان بن عثمان عن عثمان الخ"

(13/293)


5079- حدثنا الْعَبّاسُ بنُ عَبْدِ العَظِيمِ وَ مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى قالا أخبرنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَمْرٍو عن عَبْدِ الْجَلِيلِ بنِ عَطِيّةَ عن جَعْفَرِ بنِ مَيْمُونٍ قالَ حدّثني عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ أَبِي بَكْرَةَ أَنّهُ قالَ لأبِيهِ: يا أَبتِ إِنّي أَسْمَعُكَ تَدْعُو كُلّ غَدَاةٍ: اللّهُمّ عَافِنِي في بَدَنِي، اللّهُمّ عَافِنِي في سَمْعِي، اللّهُمّ عَافِنِي في بَصَرِي، لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ، تُعِيدُهَا ثَلاَثاً حِينَ تُصْبِحُ وَثَلاَثاً حِينَ تُمْسى فقَال: إِنِي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَدْعُو بِهِنّ، فأَنَا أُحِبّ أَنْ أَسْتَنّ بِسُنّتِهِ.
قال عبّاسٌ فِيهِ: وتَقُولُ: اللّهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِن الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، اللّهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ، تُعِيدَهَا[يعيدها] ثَلاَثاً حِينَ تُصْبِحْ[يصبح] وَثَلاَثاً حِينَ تُمْسِي[يمسي] فَتَدْعُو[فيدعو] بِهِنّ، فأُحِبّ[فأنا أحب] أَنْ أَسْتَنّ بِسُنّتِهِ". قال وقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "دَعَوَاتَ المَكْرُوُبِ. اللّهُمّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلّهُ، لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ" وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى صَاحِبِهِ.
__________
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح غريب.
"حدثنا العباس بن عبد العظيم وحمد بن المثنى قالا" وفي بعض النسخ حدثنا علي بن عبد الله والعباس بن عبد العظيم العنبري ومحمد بن المثنى قالوا حدثنا عبد الملك الخ، ولكن لم يذكر المزي في الأطراف علي بن عبد الله بل اقتصر على العباس بن عبد العظيم العنبري ومحمد بن المثنى كما في عامة النسخ والله أعلم "يا أبت" بكسر التاء وفتحها "كل غداة" أي كل صباح "تعيدها ثلاثاً" أي تكرر هذه الجمل أو هذه الدعوات بدل من تقول أو حال "فقال" أي أبو بكرة والد عبد الرحمن "أن استن بسنته" أي أقتدي وأتتبع سنته صلى الله عليه وسلم "قال عباس" هو ابن عبد العظيم "فيه" أي في الحديث "وتقول اللهم إني أعوذ بك الخ" قد اختلفت النسخ في لفظه وتقول وكذا في الألفاظ الآتية تعيد وتصبح وتمسي وتدعو، ففي بعض النسخ بالتاء المثناة الفوقية وفي بعضها بالتحتية يقول والصواب عندي يقول بالتحتية بصيغة الغائب والله أعلم "دعوات المكروب" أي المهموم المغموم "اللهم رحمتك أرجو" أي لا أرجو إلا رحمتك "فلا تكلني" أي لا تتركني "إلى نفسي طرفة عين" أي لحظة ولمحة "وأصلح لي شأني" أي أمري "كله" تأكيد لإفادة العموم "بعضهم يزيد على صاحبة" ضمير بعضهم للعباس بن عبد العظيم ومحمد بن المثنى، والمعنى أن بعض هؤلاء يزيد في ألفاظ الحديث على بعض.

(13/294)


5080- حدثنا مُحَمّدُ بنُ المنْهَالِ أخبرنا يَزِيدُ - يَعني ابنَ زُرَيْعٍ - أخبرنا رُوْحُ بنُ الْقَاسِمِ عن سُهَيْلِ عن سمِيَ عن أَبِي صَالحٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبِحُ: سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرّةٍ: وَإِذَا أَمْسَى كَذَلِكَ، لَمْ يُوَافِ أحَدٌ مِنَ الْخَلاَئِقِ بِمِثْلِ مَا وَافَى".
__________
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وقال جعفر بن ميمون يعني راوي هذا الحديث ليس بالقوى. هذا آخر كلامه. وقال فيه يحيى بن معين ليس بذاك، وقال مرة ليس بثقة وقال مرة بصري صالح الحديث. وقال الإمام أحمد ليس بقوي في الحديث، وقال أبو حاتم الرازي صالح انتهى.
وقال المزي: حديث نفيع بن الحارث أبي بكرة الثقفي أخرجه أبو داوود في الأدب عن عباس بن عبد العظيم ومحمد بن المثنى كلاهما عن عبد الملك بن عمرو العقدي عن عبد الجليل بن عطية عن جعفر بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه.
وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة عن عباس بن عبد العظيم ومحمد بن المثنى كلاهما عن العقدي، وروى عن أبي عامر العقدي عبد الجليل. قال النسائي: جعفر بن ميمون ليس بالقوي انتهى.
"وإذا أمسى كذلك" أي قال تلك الكلمة مائة مرة "لم يواف" أي لم يأت من وافي إذا اتى "بمثل ما وافى" أي بمثل ما أتى، والضمير المرفوع يرجع إلى من. وفي رواية لمسلم بلفظ من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثلما قال أو زاد عليه قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي بنحوه أتم منه.

(13/295)


112- باب ما يقول الرجل إذا رأى الهلال
5081- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا أبان أخبرنا قتَادَةُ أَنّهُ بَلَغَهُ: إِنّ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا رَأَى الْهِلاَلَ قال: "هِلاَلٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلاَلُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلاَلُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بالّذِي خَلَقَكَ ثَلاَثَ مَرّاتٍ" ، ثُمّ يَقُولُ: "الْحَمْدُ لله الّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا".
__________
باب ما يقول الرجل إذا رأى الهلال
"هلال خير ورشد" قال العزيزي: الظاهر أنه منصوب بمقدار أي اللهم اجعله انتهى أي هلال بركة وهداية إلى القيام بعبادة الله تعالى فإنه ميقات الحج والصوم وغيرها "ثلاث مرات"

(13/295)


5082- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أَنّ زَيْدَ بنَ حُبَابٍ أخبرهم عن أَبِي هِلاَلٍ عن قَتَادَةَ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلاَلَ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُ"
__________
ظرف لقال "ذهب بشهر كذا" أي جمادي الأولى مثلاً وجاء بشهر كذا جمادي الأخرى مثلاً، وسيأتي كلام المنذري على هذا الحديث.
"عن أبي هلال" هو محمد بن سليم المعروف بالراسي "عن قتادة" هو ابن دعامة تابعي جليل "كان إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه" قال المناوي: حذراً من شره لقوله لعائشة في حديث الترمذي "استعيذي بالله من شره فإنه الناسق إذا وقب" قال البيضاوي: ومن شر غاسق ليل عظيم ظلامه إذا وقب دخل ظلامه في كل شيء، وقيل المراد به القمر فانه يكسف فيغسق، ووقوبه دخوله في الكسوف كذا في السراج المنير "قال أبو داوود ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب حديث مسند صحيح" هذه العبارة لم توجد في بعض النسخ والحديث المسند هو ما اتصل مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال المنذري: هذا الحديث مرسل والذي قبله أيضاً مرسل وأبو هلال هذا لا يحتج به، وقال أبو داوود في رواية ابن العبد ليس في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث مسند صحيح.

(13/296)


113- باب ما يقول إذا خرج من بيته[دخل بيته]
5083- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا شُعْبَةُ عن مَنْصُورٍ عن الشّعْبيّ عن أُمّ سَلَمةَ قالَتْ: مَا خَرَجَ رَسُولُ الله[النبي] صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيْتِي قَطّ إِلاّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السّمَاءِ فقالَ: "اللّهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلّ أَوْ أُضَلّ أَوْ أُزِلّ أَوْ أُزَلّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيّ".
__________
باب ما يقول إذا خرج من