Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

أبواب السلام
باب إفشاء السلام
...
أبواب السلام
1- باب إفشاء السلام
5182- حدثنا أَحْمَدُ بنُ أَبِي شُعَيْبٍ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا الأعمَشُ عن أَبِي صَالحٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنّةَ حَتّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتّى تَحَابّوا أَفَلاَ أَدُلّكُم عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ: أَفْشُوا السّلاَمَ بَيْنَكُم".
__________
باب إفشاء السلام
"لا تدخلوا الجنة" كذا في عامة النسخ بحذف النون ولعل الوجه أن النهي قد يراد به النفي كعكسه المشهور عند أهل العلم والله أعلم وفي نسخه المنذري لا تدخلون بإثبات النون وكذلك في رواية مسلم "حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا" كذا في جميع النسخ الحاضرة بحذف النون وكذلك في رواية مسلم.
قال القاري: لعل حذف النون للمجانسة والازدواج "حتى تحابوا" بحذف إحدى التائين وتشديد الموحدة المضمومة أي حتى يحب كل منكم صاحبه "أفشوا السلام بينكم" أي أظهروا، والمراد نشر السلام بين الناس ليحيوا سنته. قال النووي: أقله أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه فإن لم يسمعه لم يكن آتياً بالسنة.
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد أخرجا في الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ونصر الضعيف وعون المظلوم وإفشاء السلام وإبرار القسم".
وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" قال الترمذي حديث صحيح.
وفي الموطأ بإسناد صحيح عن الطفيل بن أبي بن كعب أنه كان يأتي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فيغدو معه إلى السوق قال فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله على سقاط ولا صاحب بيعة

(14/68)


5183- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا الّليْثُ عن يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ عن أَبِي الْخَيْرِ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو: أَنّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: أَيّ الإسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قال: "تُطْعِمُ الطّعَامَ، وَتَقْرَأُ السّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
__________
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"أي الإسلام خير" أي خصال الإسلام خير "قال تطعم الطعام" تقديره أن تطعم الطعام فلما حذف أن رجع الفعل مرفوعاً ويمكن أن يكون خبراً معناه الأمر قاله القاري "على من عرفت ومن لم تعرف" قال النووي: تسلم على من لقيته ولا تخص ذلك بمن تعرف وفي ذلك إخلاص العمل لله واستعمال التواضع وإفشاء السلام الذي هو شعار هذه الأمة انتهى.
قلت: وتخصيص السلام بمن يعرف، من أشراط الساعة كما جاء في الحديث رواه الطحاوي وغيره عن ابن مسعود ولفظ الطحاوي إن من أشراط الساعة السلام للمعرفة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
__________
ولا مسكين ولا أحد إلا سلم عليه قال الطفيل فجئت عبد الله بن عمر يوما فاستتبعني إلى السوق فقلت له وما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق قال وأقول اجلس بنا ها هنا نتحدث قال فقال لي عبد الله بن عمر يا أبا بطن وكان الطفيل ذا بطن إنما نغدو من أجل السلام نسلم على من لقينا.

(14/69)


2- باب كيف السلام
5184- حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ قالَ أنبأنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمانَ عن عَوْفٍ عن أَبِي رَجَاءِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُم، فَرَدّ عليه السلام ثُمّ جَلَسَ، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "عَشْرٌ"، ثُمّ جَاءَ آخَرُ فقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ الله، فَرَدّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فقَالَ: "عِشْرُونَ"، ثُمّ جَاءَ آخَرُ فقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فقَالَ: "ثَلاَثُونَ".
5185- حدثنا إِسْحَاقُ بنُ سُوَيْدٍ الرّمْلِيّ أخبرنا ابنُ أَبِي مَرْيَمَ قالَ: أَظنّ أَنّي
__________
باب كيف السلام
"فرد" أي النبي صلى الله عليه وسلم "عليه" أي على ذلك الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم "عشر" أي له عشر حسنات أو كتب أو حصل له عشر، وكذا التقدير في قوله "عشرون وقوله ثلاثون".
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن غريب من هذا الوجه.

(14/69)


سَمِعْتُ نَافِعَ بنَ يَزِيدَ قالَ أخبرني أَبُو مَرْحُومٍ عن سَهْلِ ابنِ مُعَاذِ بنِ أَنَسٍ عن أَبِيهِ عن النبي صلى الله عليه وسلم بِمَعْنّاهُ، زَادَ: ثُمّ أَتَى آخَرُ فقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فقَال: "أَرْبَعُونَ" ، قالَ : "هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ".
__________
"فقال أربعون" أي له أربعون حسنة بكل لفظ عشر حسنات "هكذا تكون الفضائل" أي تزيد المثوبات بكل لفظ يزيده المسلم.
قال المنذري: في إسناده أبو مرحوم عبد الله بن ميمون وسهل بن معاذ لا يحتج بهما، وقال فيه سعيد بن أبي مريم أظن أني سمعت نافع بن يزيد. انتهى كلام المنذري.

(14/70)


3- باب في فضل من بدأ بالسلام
5186- حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ الذّهْلِيّ أخبرنا أَبُو عَاصِم عن أَبي خَالِدٍ وَهْبٍ عن أَبِي سُفْيَانَ الْحِمْصِيّ عن أَبِي أُمَامَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُنّ أَوْلَى النّاسِ بالله تعالى مَنْ بَدَأَهُمْ بالسّلاَمِ".
__________
باب في فضل من بدأ السلام
"الذهلي" بضم المعجمة وسكون الهاء "وإن أولى الناس بالله تعالى الخ" قال الطيبي: أي أقرب الناس من المتلاقيين إلى رحمة الله من بدأ بالسلام. كذا في المرقاة.
والحديث سكت عنه المنذري.

(14/70)


4- باب من أولى بالسلام
5187- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُسَلّمُ الصّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالمَارّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرٍ".
5188- حدثنا يَحْيَى بنُ حَبِيبٍ بنِ عَرَبِيّ أنبأنا رَوْحٌ أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرني
__________
باب منى أولى بالسلام
"يسلم الصغير الخ" قال في مرقاة الصعود هو خبر بمعنى الأمر. وفي رواية أحمد "ليسلم".
قال ابن بطال عن المهلب: تسليم الصغير لأجل حق الكبير لأنه أمر بتوقيره والتواضع له،

(14/70)


5- باب في الرجل يفارق الرجل ثم يلقاه أيسلم عليه
5189- حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني مُعَاوِيَةُ بنُ صَالحٍ عن أبِي مُوسَى عن أبِي مَرْيَمَ عن أبِي هُرَيْرَة قالَ: "إِذَا لَقِيَ أحَدُكُم أخاهُ فَلْيُسَلّمْ عَلَيْهِ، فإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أوْ جِدَارٌ أوْ حَجَرٌ ثُمّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلّمْ عَلَيْهِ أيْضاً".
قال مُعَاوِيَةَ: وَحدّثني عَبْدُ الْوَهّابِ بنُ بُخْتٍ عن أبِي الزّنَادِ عن الاعْرَجِ عن أبِي هُرَيْرَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ سَوَاءٌ.
__________
باب في الرجل يفارق الرجل ثم يلقاه أيسلم عليه
"عن أبي مريم" هو الأنصاري الشامي قاله المزي. وهكذا ساق الحافظ المزي في الأطراف سند حديث أحمد بن سعيد ثم قال هكذا وقع في روايتنا عن أبي موسى عن أبي مريم.
وفي رواية أبي الحسن ابن العبد وغيره عن معاوية بن صالح عن أبي مريم عن أبي هريرة ليس فيه عن أبي موسى وهو أشبه بالصواب، فإن أبا داوود قد روى لمعاوية بن صالح عن أبي مريم عن أبي هريرة حديثاً كما سيأتي في موضعه انتهى كلام المزي في ترجمة عبد الوهاب بن بخت عن أبي الزناد عن الإعرج عن أبي هريرة "فليسلم عليه أيضاً" ليس في بعض النسخ لفظ أيضاً.
قال الطيبي: فيه حث على إفشاء السلام وأن يكرر عند كل تغيير حال ولكل جاء وغاد.
والحديث سكت عنه المنذري.
"وحدثني عبد الوهاب بن بخت" بضم الموحد وسكون المعجمة بعدها مثناة كذا ضبطه الحافظ في التقريب.

(14/71)


5190- حدثنا عَبّاسٌ الْعَنْبَرِيّ أخبرنا أسْوَدُ بنُ عَامِرٍ أخبرنا حَسَنُ ابنُ صَالحٍ عن أبِيهِ عن سَلَمةَ بنِ كُهَيْلٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن عُمَرَ: أَنّهُ أَتَى النبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ في مَشْرَبَةٍ لَهُ فقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، السّلاَمُ عَلَيْكُم، أَيَدْخُلُ عُمَرُ؟.
__________
والحديث سكت عنه المنذري.
"وهو في مشربة" بضم الراء وفتحها أي غرفة "له" أي للنبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: ولا يظهر مناسبة الحديث بالباب ويمكن أن يقال في توجيهه بأن المؤلف أراد بهذا التبويب بيان أربع صور للتسليم:
الأول: تسليم الرجل على الرجل تسليم اللقاء، ثم مفارقته إياه، ثم لقاؤه، فماذا يفعل، فأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه دلالة واضحة على تسليم الرجل كلما لقيه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه.
والثاني: تسليم الرجل على الرجل تسليم اللقاء ثم مفارقته إياه ثم مجيئه على باب بيته للقاءه فينبغي له أن يسلم عليه ثانياً تسليم الاستئذان.
والثالث: تسليم الرجل على الرجل تسليم الاستئذان فلم يؤذن له فرجع ثم جاءه ثانياً يستأذنه فينبغي له أن يسلم عليه ثانياً تسليم الاستئذان.
والرابع: تسليم الرجل على الرجل تسليم الاستئذان فلم يؤذن له فرجع، ثم جاءه ثانياً يستأذنه وسلم تسليم الاستئذان فأذن له فدخل فينبغي له أن يسلم عليه تسليم اللقاء، فعلى الصورة الثانية والثالثة والرابعة استدل المؤلف بحديث عمر رضي الله عنه.
وهذا الحديث مختصر من الحديث الطويل الذي أورده الإمام البخاري في كتاب النكاح وفي كتاب المظالم ما لفظه قال عمر: فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مشربة له فاعتزل فيها فدخلت على حفصه فإذا هي تبكي فقلت ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟ أطلقكن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة، فخرجت فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم فجلست معهم قليلاً ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت لغلام له أسود استأذن لعمر، فدخل الغلام فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال كلمت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرتك له فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد فجئت فقلت للغلام استأذن لعمر فدخل ثم رجع فقال قد ذكرتك له فصمت، فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند ذكرتك له فصمت، فلما وليت منصرفاً إذا الغلام يدعوني فقال قد

(14/72)


أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكئاً على وسادة من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه، الحديث بطوله.
ففي هذا دلالة لكل من ثلاث الصور الباقية.
أما الثانية: فلأن عمر رضي الله عنه صلى صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يظن بعمر رضي الله عنه أنه ترك تسليم اللقاء على النبي صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه" الحديث ثم فارقه عمر رضي الله عنه إلى أن جاء المشربة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه، والاستذان لا يكون إلا مع التسليم كما تقدم عند المؤلف من حديث رجل من بني عامر، على أنه في قصة الاعتزال أيضاً مصرح في رواية أبي داوود أن عمر رضي الله عنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم تسليم الاستئذان ثم قال أيدخل عمر، فهذا التسليم تسليم الاستئذان بعد تسلم اللقاء وقت صلاة الصبح.
وأما الثالة: فلأن عمر سلم على النبي صلى الله عليه وسلم تسليم الاستئذان فلم يؤذن له، فرجع، ثم جاء واستأذن، فكيف يترك عمر تسليم الاستئذان ثانياً مع علمه بذلك.
وأما الرابعة: فلأن عمر سلم عليه صلى الله عليه وسلم تسليم الاستئذان أولا كما تدل عليه رواية المؤلف فلم يؤذن له فرجع، ثم جاء ثانياً واستأذن، فكيف يترك عمر تسليم الاستئذان فإذا أذن له دخل عليه صلى الله عليه وسلم وسلم عليه تسليم اللقاء، ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، وأحسن منه أن يقال إن عمر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مشربة له فاستأذن بواسطة غلام له أسود فقال في استئذانه: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم أيدخل عمر، وقد وقع الاستئذان من عمر في هذه الواقعة ثلاث مرار على ما أخرجه الشيخان وغيرهما في حديث طويل، اختصر منه المؤلف هذا الحديث.
وقد دل هذا الحديث على طريق استئذان عمر وهو قوله: السلام عليك يا رسول الله إلى آخره، وهذا الطريق هو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم قريباً في باب كيف الاستئذان من قوله السلام عليكم أأدخل، وقد ورد هذا الطريق في عدة أحاديث ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} الآية، بل قد جاء الاكتفاء في الاستئذان على مجرد السلام أيضاً كما تقدم في ثالث أبواب الاستئذان وبهذا يظهر المطابقة بين ترجمة الباب وبين حديث عمر رضي الله عنه إذ قد وقع الاستئذان من عمر في هذه الواقعة ثلاث مرات، وقد ثبت أن الاستئذان لا بد فيه من التسليم أو هو التسليم، وأيما كان فقد سلم عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل لقاء بعد مفارقة ولو بواسطة وقد قرره النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أن الرجل إذا فارق الرجل ثم لقيه سلم وهو مقصود الترجمة والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي من مسند عبد الله بن عباس، والصواب الأول.

(14/73)


6- باب في السلام على الصبيان
5191- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمةَ أخبرنا سُلَيْمانُ - يَعْني ابنَ المُغِيرَةِ - عن ثَابِتٍ قالَ قالَ أَنَسٌ: "أَتَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى غِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ".
5192- حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا خَالِدٌ - يَعْني ابنِ الْحَارِثِ - أخبرنا حُمَيْدٌ قالَ قالَ أَنَسٌ: "انْتَهَى إِلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا غُلاَمٌ في الْغِلْمَانِ فَسَلّمَ عَلَيْنَا ثُمّ أَخَذَ بِيَدِي فأَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ وَقَعَدَ في ظِلّ جِدَارٍ، أَوْ قالَ إِلَى جِدَارٍ، حَتّى رَجَعْتُ إِلَيْهِ".
__________
باب في السلام على الصبيان
بالكسر جمع صبي "على غلمان" بكسر أوله جمع غلام بمعنى صبي "فسلم عليهم" فيه استحباب السلام على الصبيان، وبيان تواضعه صلى الله عليه وسلم، وكمال شفقته.
قال ابن بطال: في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة وفيه طرح الأكابر رداء الكبر وسلوك التواضع ولين الجانب كذا في فتح الباري.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سيار أبي الحكم عن ثابت بنحوه.
"انتهى إلينا" أي وصل إلينا "وأنا غلام في الغلمان" أي في جملتهم والواو للحال "أو قال إلى جدار" شك من الراوي "حتى رجعت إليه" أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(14/74)


7- باب في السلام على النساء
5193- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن ابنِ أَبِي حُسَيْنٍ سَمِعَهُ مِنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ " مَرّ عَلَيْنَا النبي صلى الله عليه وسلم في نِسْوَةٍ فَسَلّمَ عَلَيْنَا".
__________
باب في السلام على النساء
"عن ابن أبي حسين" هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث المكي وثقه أحمد والنسائي "في نسوة" أي حال كوننا مع جماعة كثيرة من النساء.

(14/74)


وقال الطيبي: هو متعلق بالجار والمجرور وبيان له وهو من باب قولك في البيضة عشرون رطلاً من حديد وهي بنفسها هذا المقدار لا أنها ظرف له "فسلم علينا" قال الحليمي: كان صلى الله عليه وسلم للعصمة مأموناً من الفتنة، فمن وثق من نفسه بالسلامة فليسلم وإلا فالصمت أسلم.
قال ابن بطال عن المهلب: سلام الرجال على النساء والنساء على الرجال جائز إذا أمنت الفتنة، وفرق المالكية بين الشابة والعجوز سداً للذريعة، ومنع منه ربيعة مطلقاً.
وقال الكوفيون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال لأنهم منعن من الأذان ولأذان والأذان ولإقامة والجهر بالقراءة، قالوا ويستثني المحرم فيجوز لها السلام على محرمها كذا في فتح الباري.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب يعني هذا الحديث.
وقال محمد بن إسماعيل: شهر حسن الحديث وقوي أمره. وقد تقدم الاختلاف في الاحتجاج بحديث شهر بن حوشب.

(14/75)


8- باب في السلام على أهل الذمة
5194- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن سُهَيْلِ بنِ أَبِي صَالحٍ قال: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي إِلَى الشّامِ فَجَعَلُوا يَمُرّونَ بِصَوَامِعَ فِيهَا نَصَارَى فَيُسَلّمُونَ عَلَيْهِمْ، فقَالَ أَبِي: لا تَبْدَأُوهُمْ بالسّلاَمِ، فإِنّ أَبا هُرَيْرَةَ حدثنا عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَبْدَأُوهُمْ بالسّلاَمِ وَإِذَا لَقَيْتُمُوهُمْ في الطّرِيقِ فاضْطَرّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الطّرِيقِ".
__________
باب في السلام على أهل الذمة
"فجعلوا يمرون" عوام من النصارى "بصوامع فيها نصارى" أي رهبانهم والصوامع جمع صومعة بفتح مهملتين وبميم وهي نحو المنارة ينقطع فيها رهبان النصارى "فيسلمون" أي عوام النصارى "عليهم" أي على رهبانهم "لا تبدأوهم بالسلام" لأن الابتداء به إعزاز للمسلم عليه ولا يجوز إعزازهم قبل النهي للتنزيه وضعفه النووي وقال الصواب أن ابتداءهم بالسلام حرام.
وقال الطيبي: المختار أن المبتدع لا يبدأ بالسلام ولو سلم على من لايعرفه فظهر ذمياً أو مبتدعاً يقول استرجعت سلامي تحقيراً له. كذا في شرح المشارق لابن مالك "فاضطروهم إلى أضيق الطريق" أي ألجؤهم إلى أضيقه بحيث لو كان في الطريق جدار يلتصق بالجدار وإلا فيأمره ليعدل عن وسط الطريق إلى أحد طرفيه، قاله القاري.

(14/75)


5195- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلمةَ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعني ابنَ مُسْلِمٍ - عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أَنّهُ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الْيَهُودَ إِذَا سَلّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ فإِنّمَا يَقُولُ السّامُ عَلَيْكُمْ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ".
__________
وقال ابن الملك: يعني لا تتركوا لهم صدر الطريق هذا في صورة الازدحام وأما إذا خلت الطريق فلا حرج.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي دون القضية.
"فإنما يقول السام عليكم" أي بالألف ومعناه الموت العاجل "فقولوا وعليكم":
قال النووي في شرح صحيح مسلم: قد جاءت الأحاديث التي ذكرها مسلم عليكم بإثبات الواو وحذفها، وأكثر الروايات بإثباتها، وعلى هذا في معناه وجهان:
أحدهما: أنه على ظاهره فقالوا عليكم الموت فقال وعليكم أيضاً أي نحن وأنتم فيه سواء وكلنا نموت.
والثاني: أن الواو ههنا للاستئناف لا للعطف والتشريك وتقديره وعليكم ما تستحقونه من
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
قلت معنى ما أشار إليه الخطابي في قوله لأن الواو حرف العطف والجمع بين الشيئين أن الواو في مثل هذا تقتضي تقرير الجملة الأولى وزيادة الثانية عليها كما إذا قلت زيد كاتب فقال المخاطب وشاعر وفقيه اقتضى ذلك تقرير كونه كاتبا وزيادة كونه شاعرا وفقيها وكذلك إذا قلت لرجل فلان أخوك فقال وابن عمي كان ذلك تقريرا لكونه أخاه وزيادة كونه ابن عمه.
ومن ههنا استنبط أبو القاسم السهيلي أن عدة أصحاب الكهف سبعة قال لأن الله تعالى حكى قول من قال ثلاثة وخمسة ولم يذكر الواو في قوله {رَابِعُهُمْ} {سَادِسُهُمْ} وحكى قول من قال إنهم سبعة ثم قال {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} قال لأن الواو عاطفة على كلام مضمر تقديره نعم وثامنهم كلهم.
وذلك أن قائلا لو قال إن زيدا شاعر فقلت له وفقيه كنت قد صدقته كأنك قلت نعم هو كذلك وفقيه أيضا.
وفي الحديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنتوضأ بما أفضلت الحمر" قال وبما أفضلت السباع يريد "نعم وبما أفضلت السباع" أخرجه الدارقطني.
وفي التنزيل {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} هو من هذا الباب. وفيما قاله السهيلي نظر فإن هذا إنما يتم إذا كان حرف العطف بين كلامين لمتكلمين وهو نظير ما استشهد به من الآي.

(14/76)


قال أبُو دَاوُدَ: وكَذَلِكَ رَوَاهُ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ الثّوْرِيّ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ قالَ فِيهِ: "وَعَلَيْكُمْ".
5196- حدثنا عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ أنبأنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ: أَنّ أَصحَابَ
__________
الذم، وأما من حذف الواو فتقديره بل عليكم السام "وكذلك رواه مالك" أي بلفظ وعليكم بالواو وضمير الجمع "ورواه الثوري" أي وكذلك رواه الثوري "قال فيه وعليكم" أي بالواو وضمير الجمع.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي ولفظ الترمذي. وفي لفظ لمسلم والنسائي فقل عليك بغير واو، وحديث مالك الذي أشار إليه أبو داوود أخرجه البخاري في صحيحه، وحديث سفيان الثوري أخرجه البخاري ومسلم، وأخرجه النسائي من حديث عيينة بإسقاط الواو.
وقال الخطابي: هكذا يرويه عامة المحدثين وعليكم بالواو، وكان سفيان ابن عيينة يرويه عليكم بحذف الواو وهو الصواب وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه نفسه مردوداً عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه لأن الواو حرف العطف والجمع بين الشيئين، والسام فسروه بالموت. هذا آخر كلامه.
وقد أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار بغير واو كما قدمناه، وقال غيره أما من فسر السام بالموت فلا يبعد الواو ومن فسره بالسآمة وهي الملالة أي تسامون دينكم فإسقاط الواو هو الوجه، واختار بعضهم أن يرد عليهم السلام بكسر السين وهي الحجارة، وقال غيره: الأول أولى لأن السنة وردت بما ذكرناه ولأن الرد إنما يكون يجنس المردود لا بغيره انتهى كلام المنذري.
__________
وأما إذا كان من متكلم واحد لم يلزم ذلك كما إذا قلت زيد فقيه وكاتب وشاعر والآية ليس فيها أن كلامهم انتهى إلى قوله {سَبْعَةُ} ثم قررهم الله على ذلك ثم قال {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} بل سياق الآية يدل على أن الجملتين من كلامهم وأن جميعه داخل تحت الحكاية فهو كقول من قبلهم مع اقترانه بالواو.
وأما هذا الحديث في رد السلام فإدخال الواو فيه لا يقتضي اشتراكا معهم في مضمون هذا الدعاء وإن كان كلامين لمتكلمين بل غايته التشريك في نفس الدعاء.
وهذا لأن الدعاء الأول قد وجد منهم وإذا رد عليهم نظيره حصل الاشتراك في نفس الدعاء ولا يستلزم ذلك الاشتراك معهم في مضمونه ومقتضاه إذ غايته أنا نرد عليكم كما قلتم لنا.
وإذا كان السام معناه الموت كما هو المشهور فيه فالاشتراك ظاهر والمعنى أنا لسنا نموت دونكم بل نحن نموت وأنتم أيضا تموتون فلا محذور في دخول الواو على كل تقدير وقد تقدم أن أكثر الأئمة رواه بالواو.

(14/77)


النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم: إِنّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُسَلّمُونَ عَلَيْنَا فكَيْفَ نَرُدّ عَلَيْهِمْ؟ قالَ قُولُوا: "وَعَلَيْكُمْ".
قال أبُو دَاوُدَ: وكَذَلِكَ رِوَايَةُ عَائِشَةَ وَأَبِي عَبْدِ الرّحْمَنِ الْجُهَنِيّ وَأَبِي بَصْرَةَ - يَعني الْغِفَارِيّ.
__________
"إن أهل الكتاب يسلمون الخ" قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن جده بمعناه.
"قال أبو داوود وكذلك رواية عائشة الخ" قال المنذري: فأما حديث عائشة الذي أشار إليه أبو داوود فأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأما حديث عبد الرحمن الجهني فأخرجه ابن ماجه، وأما حديث أبي بصرة الغفاري فأخرجه النسائي.

(14/78)


9- باب في السلام إذا قام من المجلس
5197- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ و مُسَدّدٌ قالا أخبرنا بِشْرٌ - يَعْنِيَانِ ابنَ المُفَضّلِ - عن ابنِ عَجْلاَنَ عن المَقْبُرِيّ، قالَ مُسَدّدٌ: سَعِيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلّمْ، فإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلّمْ فلَيْسَتِ الأولَى بِأَحَقّ مِنَ الآخرة".
__________
باب في السلام إذا قام من المجلس
"إذا انتهى" أي جاء ووصل "فليست الأولى" أي التسليمة الأولى "بأحق" أي بأولى وأليق "من الآخرة" بل كلتاهما حق وسنة.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن، وأخرجه النسائي أيضاً من حديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وأشار إليه الترمذي.

(14/78)


10- باب كراهية أن يقول عليك السلام
5198- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا خَالِدٍ الأحْمَرُ عن أَبي غِفَارٍ عن أَبي تَمِيمَة الْهُجَيْمِيّ قال: أَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقلت: عَلَيْكَ
__________
باب كراهية أن يقول عليك السلام
"عن أبي جري" بالجيم والراء مصغراً "الهجيمي" بالجيم مصغراً نسبة إلى الهجيم بن عمرو بن تميم.

(14/78)


باب ما جاء في رد واحد (الواحد) عن الجماعة
...
11- باب ما جاء في رد واحد عن الجماعة
5199- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ إبْرَاهِيمَ الْجُدّيّ أخبرنا سَعِيدُ بنُ خَالِدٍ الْخْزَاعِيّ حدّثني عَبْدُ الله بنُ الْفَضْلِ [ابن الفضل] حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ أَبي رَافِعٍ عن عَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ، قال أبُو دَاوُدَ: رَفَعَهُ الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ قالَ: يُجْزِيءُ [يجزي] عن الْجَماعَةِ إِذَا مَرّوا أَنْ يُسَلّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِيءُ [يجزي] عن الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدّ أَحَدُهُمْ.
__________
باب ما جاء في رد واحد عن الجماعة
"الجدي" بضم الجيم وتشديد الدال "قال أبو داوود رفعه الحسن بن علي" أي رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي رواه مرفوعاً، والحسن بن علي هذا هو شيخ أبي داوود "يجزىء" بضم أوله وكسر الزاي بعد همزة أي يكفي "أن يسلم أحدهم" أي أحد المارين.
قال القاري: اعلم أن ابتداء السلام سنة مستحبة ليست بواجبة وهي سنة على الكفاية، فإن كانوا جماعة كفى عنهم تسليم واحد ولو سلموا كلهم كان أفضل "ويجزيء عن الجلوس" بضم الجيم جمع جالس والمراد بهم المسلم عليهم بأي صفة كانوا، وإنما خص الجلوس لأنه الغالب على جمع مجتمعين "أن يرد أحدهم":
قال القاري: وهذا فرض كفاية بالاتفاق، ولو ردوا كلهم كان أفضل كما هو شأن فروض الكفاية كلها.
قال المنذري: في إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني، قال أبو زرعة الرازي مدني ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي هو ضعيف الحديث، وقال البخاري فيه نظر، وقال الدارقطني ليس بالقوي.

(14/79)


12- باب في المصافحة
5200- حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا عن أَبِي بَلْجٍ عن زَيْدٍ أَبي الْحَكَمِ الْعَنَزِيّ عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبِ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا وَحَمِدَا الله وَاسْتَغْفَرَاهُ غفِرَ لَهُمَا".
__________
باب في المصافحة
قال في القاموس: والمصافحة الأخذ باليد كالتصافح انتهى.
وقال في تاج العروس شرح القاموس: والرجل يصافح الرجل إذا وضع صفح كفه في صفح كفه، وصفحا كفيهما وجهاهما، ومنه حديث المصافحة عند اللقي وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف وإقبال الوجه بالوجه كذا في اللسان والأساس والتهذيب انتهى.
وفي المرقاة شرح المشكاة: المصافحة هي الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد انتهى.
ومما يدل على أن المصافحة بيد واحدة ما أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بقوله حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا يعقوب بن كعب حدثنا مبشر بن إسماعيل عن حسان بن نوح عن عبيد الله ابن بسر قال: ترون يدي هذه صافحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث وإسناده صحيح والله أعلم
"واستغفراه" أي طلبا المغفرة من مولاهما "غفر لهما" بصيغة المجهول. وفي
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وروى الترمذي في جامعه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله الرجل يلقى أخاه أو صديقه أينحني له قال "لا" قال أفيلتزمه ويقبله قال "لا" قال فيأخذ بيده ويصافحه قال "نعم" قال الترمذي هذا حديث حسن. وله عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من تمام التحية الأخذ باليد" وله علتان.
إحداهما: رواية يحيى بن سليم له.
والثانية: أن رواية عن ابن مسعود رجل مجهول قال الترمذي وسألت محمد ابن إسماعيل يعني البخاري عن هذا الحديث فلم يعده محفوظا.
وأخرج الترمذي أيضا من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده فيسأله كيف هو وتمام تحياتكم المصافحة".
قال الترمذي هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي قال محمد يعني البخاري عبيد الله بن

(14/80)


الحديث سنية المصافحة عند اللقي وأنه يستحب عند المصافحة حمد الله تعالى والاستغفار وهو قوله "يغفر الله لنا ولكم".
ولفظ ابن السني من حديث البراء "إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله تعالى واستغفرا غفر الله عز وجل لهما".
وأخرج ابن السني عن أنس قال: ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد رجل ففارقه حتى قال "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
وفيه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما من عبدين متحابين في الله يستقيل أحدهما صاحبه فيصافحه فيصليان على النبي صلى الله عليه وسلم إلا لم يتفرقا حتى تغفر ذنوبهما ما تقدم منها وما تأخر" انتهى. قال النووي: المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي.
قال الحافظ: ويستثني من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن انتهى.
وقال النووي في كتاب الأذكار: واعلم أن هذه المصافحة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال وفرطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها.
وقد ذكر الأمام أبو محمد بن عبد السلام أن البدع على خمسة أقسام: واجبة ومحرمة ومكروهة ومستحبة ومباحة، قال ومن أمثلة البدع المباحة المصافحة عقب الصبح والعصر انتهى.
ورد عليه العلامة علي القاري في شرح المشكاة فقال: ولا يخفى أن في كلام الإمام نوع تناقض لأن إتيان السنة في بعض الأوقات لا يسمى بدعة مع أن عمل الناس في الوقتين المذكورين ليس على وجه الاستحباب المشروع، فإن محل المصافحة المشروعة أول الملاقاة وقد يكون جماعة يتلاقون من غير مصافحة ويتصاحبون بالكلام ومذاكرة العلم وغيره مدة مديدة ثم إذا صلوا يتصافحون فأين هذا من السنة المشروعة، ولهذا صرح بعض علمائنا بأنها مكروهة من البدع المذمومة انتهى كلامه.
__________
زحر ثقة وعلي بن يزيد ضعيف والقاسم بن عبد الرحمن يكنى أبا عبد الرحمن شامي وهو ثقة وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية والقاسم الشامي.

(14/81)


5201- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو خَالِدٍ وَ ابنُ نُمَيْرٍ عن الأجْلَحِ عن أَبي إِسْحَاقَ عن الْبَرَاءِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا".
5202- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أَخبرنا حَمّادٌ أنبأنا [حدثنا] حُمَيْدٌ عن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ قال: لَمّا جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ جَاءَكُمْ أهْلُ الْيَمَنِ وَهُمْ أوّلُ مَنْ جَاءَ بالمُصَافَحَةِ".
__________
قلت: والذي قاله علي القاري هو الحق والصواب، وقول النووي خطأ. وتقسيم البدع إلى خمسة أقسام كما ذهب إليه الإمام ابن عبد السلام وتبعه عليه الإمام النووي أنكر عليه جماعة من العلماء المحققين ومن آخرهم شيخنا القاضي العلامة بشير الدين القنوجي رحمه الله فإنه رد عليه رداً بالغاً.
قلت: وكذا المصافحة والمعانقة بعد الصلاة العيدين من البدع المذمومة المخالفة للشرع والله أعلم.
قال المنذري: في إسناده اضطراب وفي إسناده أبو بلج، ويقال أبو صالح يحيى بن سليم ويقال يحيى بن أبي الأسود الفزاري الواسطي ويقال الكوفي. قال ابن معين ثقة، وقال أبو حاتم الرازي لا بأس به، وقال البخاري وفيه نظر، وقال السعدي غير ثقة، وضعفه الإمام أحمد، وقال وروى حديثاً منكراً هذا آخر كلامه. وبلج بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبعدها جيم انتهى كلام المنذري.
"قبل أن يفترقا" أي بالأبدان وبالفراغ عن المصافحة.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء. هذا آخر كلامه. وفي إسناده الأجلح واسمه يحيى بن عبد الله أبو حجية الكندي. قال ابن معين ثقة وقال مرة صالح ومرة ليس به بأس. وقال ابن عدي يعد في شيعة الكوفة وهو عندي مستقيم الحديث صدوق، وقال أبو زرعة الرازي ليس بقوي، وقال أبو حاتم الرازي ليس بقوي كان كثير الخطأ مضطرب الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الإمام أحمد روى غير حديث منكر، وقال السعدي الأجلح مفتر، وقال ابن حبان كان لا يدري ما يقول يجعل أبا سفيان أبا الزبير ويقلب الأسامي انتهى كلام المنذري.
"قد جاءكم أهل اليمن الخ" قال المنذري: رجال إسناده اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثهم سوى حماد بن سلمة فإن مسلماً انفرد بالاحتجاج بحديثه.

(14/82)


وقد أخرج البخاري في الصحيح عن قتادة قال قلت لأنس بن مالك أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم.
وقد أخرج البخاري ومسلم حديث كعب بن مالك وفيه دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني.
وقال البخاري وصافح حماد بن زيد بن المبارك بيديه. وقال غيره المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحسنها مالك بعد كراهته وهي مما تثبت الود وتؤكد المحبة، واستشهد بموقع فعل طلحة عند كعب بن مالك وسروره بذلك وقوله لا أنساها لطلحة، وذكر ما رواه قتادة عن أنس أن المصافحة كانت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال وهم الحجة والقدوة الذين يلزم اتباعهم انتهى كلام المنذري.

(14/83)


13- باب في المعانقة
5203- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا أبُو الْحُسَيْنِ - يَعْني خَالِدَ بنَ ذَكْوَانَ - عن أيّوبَ بنِ بُشَيْرِ بنِ كَعْبٍ الْعَدَوِيّ عن رَجُلِ مِنْ عَنَزَةَ أَنّهُ قالَ لأبِي ذَرَ حَيْثُ سِيرَ [سيِّر] مِنَ الشّامِ: إِنّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عنْ حَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ: إِذاً أُخْبِرُكَ بِهِ إِلا أَنْ يَكُونَ سِراّ، قلت: إِنّهُ لَيْسَ بِسِرَ، هَلْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَقِيْتُمُوهُ؟ قالَ: "مَا لَقِيتُهُ قَطّ إِلا صَافَحَنِي وَبَعَثَ إِلَيّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ في أَهْلِي، فَلمّا جِئْتُ أُخبِرْتُ أَنّهُ أَرْسَلَ إِلَيّ، فأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، فالْتَزَمَنِي، فَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ".
__________
باب في المعانقة
"عن أيوب بن بشير" بالتصغير "عن رجل من عنزة" بعين مهملة فنون فزاي مفتوحات قبيلة شهيرة "حيث سير من الشام" بصيغة المجهول من التسيير يقال سيره من بلده أخرجه وأجلاه. والمعنى حين أخرج أبو ذر من الشام، وكان أبو ذر يسكن بالشام بدمشق وكان معاوية إذ ذاك عامل عثمان عليها فاختلف هو ومعاوية في الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، قال معاوية نزلت فينا وفيهم، فكان بينه، فكتب معاوية إلى عثمان يشكوه فطلب عثمان أبا ذر بالمدينة، وهذا هو سبب خروجه من الشام وقصته مذكورة في صحيح البخاري "قال إذاً" بالتنوين "فلما جئت" أي رجعت إلى أهلي "أخبرت" بصيغة المجهول "وهو" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "على سريره" قال ابن الملك: قد يعبر بالسرير عن الملك والنعمة فالسرير هنا يجوز أن يكون المراد به ملك النبوة

(14/83)


ونعمتها، وقيل هو السرير من جريد النخل يتخذه كل أحد من أهل المدينة وأهل مصر للنوم فيه وتوقيتاً من الهوام انتهى.
قال القاري: والمعتمد ما قيل كما لا يخفى "فالتزمني" أي عانقني "فكانت تلك" أي تلك الفعلة وهي التزامه قاله في فتح الودود. وقيل أي الالتزام لأن المصدر يذكر ويؤنث "أجود" أي من المصافحة في إفاضة الروح والراحة أو أحسن من كل شيء، وبنصره عدم ذكر متعلق أفعل ليعم، ويؤيده تأكيده مكرراً بقوله وأجود كذا في المرقاة.
قال المنذري: رجلٌ من عنزة مجهول. وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه الكبير وقال مرسل انتهى. وأخرج أحمد في مسنده من طريق بشر بن المفضل عن خالد بن ذكوان حدثني أيوب بن بشير عن فلان العنزي وفيه فقلت يا أبا ذر إني سائلك عن بعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن كان سراً من سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدثك قلت ليس بسر ولكن كان إذا لقي الرجل يأخذ بيده يصافحه قال على الخبير سقطت لم يلقني قط إلا أخذ بيدي غير مرة واحدة وكانت تلك آخرهن أرسل إلي فأتيته في مرضه الذي توفي فيه فوجدته مضطجعاً فأكببت عليه فرفع يده فالتزمني صلى الله عليه وسلم.

(14/84)


14- باب في القيام
5204- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عن أَبِي
__________
باب في القيام
قد أورد المؤلف في هذا الباب حديثين دالين على جواز القيام ثم ترجم بعد عدة أبواب بلفظ باب الرجل يقوم للرجل يعظمخ بذلك وأورد فيه حديثين يدلان على النهي عن القيام، فكأنه أراد بصنيعه هذا الجمع بين الأحاديث المختلفة في جواز القيام وعدمه بأن القيام إذا كان للتعظيم مثل صنيع الأعاجم فهو منهي عنه، وإذا كان لأجل العلم والفضل والصلاح والشرف والود والمحبة فهو جائز.
وقال النووي في الأذكار: وأما إكرام الداخل بالقيام فالذي نختاره أنه مستحب لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية ونحو ذلك، ويكون هذا القيام للبر والإكرام والاحترام لا للرياء والإعظام، وعلى هذا استمر عمل السلف والخلف، وقد جمعت في ذلك جزء جمعت فيه الأحاديث والآثار وأقوال السلف وأفعالهم الدالة على ما ذكرته، وذكرت فيه ما خالفها، وأوضحت الجواب عنه، فمن أشكل عليه من ذلك شيء ورغب في مطالعته رجوت أن يزول إشكاله انتهى كلامه.
قلت: وقد نقل تلك الرسالة الشيخ ابن الحاج في كتابه المدخل، وتعقب على كل ما

(14/84)


أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أَنّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ لَمّا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ أَقْمَرَ، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "قُومُوا إلَى سَيّدِكُمْ أَوْ إِلَى خَيْرِكُمْ" ، فَجَاءَ حَتّى قَعَدَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
__________
استدل به النووي رحمه الله ورد كلامه، فعليك بمطالعة المدخل وفتح الباري
"أن أهل قريظة" بالتصغير وهم جماعة من اليهود "على حكم سعد" أي ابن معاذ لكونهم من خلفاء قومه "أرسل إليه" أي رسولاً "أقمر" أي أبيض "فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أي للأنصار كما في رواية الشيخين "قوموا إلى سيدكم أو إلى خيركم" شك من الراوي.
قال القاري في المرقاة: قيل أي لتعظيمه، ويستدل به على عدم كراهته فيكون الأمر للاباحة ولبيان الجواز، وقيل معناه قوموا لإعانته في النزول عن الحمار إذا كان به مرض وأثر جرح أصاب أكحله يوم الأحزاب، ولو أراد تعظيمه لقال قوموا لسيدكم ومما يؤديه تخصيص الأنصار والتنصيص على السيادة المضافة وأن الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يقومون
__________
قال الحافظ الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وأخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت "قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فأتاه فقرع الباب فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه فاعتنقه وقبله" وقال حديث حسن.
وأخرج أيضا بإسناد على شرط مسلم عن أنس قال لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهيته لذلك قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وأخرج أيضا من حديث سفيان وهو الثوري عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز قال خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه فقال اجلسا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار" قال هذا حديث حسن.
حدثنا هناد حدثنا أبو أسامة عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وهذا الإسناد على شرط الصحيح قال وفي الباب عن أبي أمامة.
وفيه رد على من زعم أن معناه أن يقوم الرجل للرجل في حضرته وهو قاعد فإن معاوية روى الخبر لما قاما له حين خرج.
وأما الأحاديث المتقدمة فالقيام فيها عارض للقادم مع أنه قيام إلى الرجل للقائه لا قياما له وهو وجه حديث فاطمة.
فالمذموم القيام للرجل وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به وبهذا تجتمع الأحاديث والله أعلم.

(14/85)


5205- حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عن شُعْبَةَ بِهَذَا الحدِيثِ قالَ: فلمّا كَانَ قَرِيباً مِنَ المَسْجِدِ قالَ لِلأنْصَارِ: "قُومُوا إِلَى سَيّدِكُمْ".
5206- حدثنا الحسَنُ بنُ عَلِيّ وَ ابنُ بَشّارٍ قالا أخبرنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ قالَ أنبأنا إسْرَائِيلُ عن مَيْسَرَةَ بنِ حَبِيبٍ عن المِنْهَالِ بنِ عَمْرٍو عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن أُمّ المؤْمِنِينَ عَائِشَةَ أَنّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَشْبَهَ سَمْتاً وَدَلا وَهَدْياً[وهديا ودلا]
__________
له صلى الله عليه وسلم تعظيماً له مع أنه سيد الخلق لما يعلمون من كراهيته لذلك على ما سيأتي. انتهى كلام القاري.
قلت: أراد بما سيأتي حديث أنس رضي الله عنه قال لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
ولقد أصاب من قال إن معناه قوموا لإعانته في النزول عن الحمار، فقد وقع في مسند عائشة عند أحمد بلفظ "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" قال الحافظ سنده حسن، قال وهذه الزيادة تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه انتهى كلام الحافظ. والمراد بالقيام المتنازع فيه القيام للتعظيم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي. والأقمر هو الشديد البياض والأنثى قمراء انتهى كلام المنذري.
"ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً" بفتح فسكون "ودلا" بفتح دال وتشديد لام "وهدياً" بفتح
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وحكى عن شعبة قال سألت عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة فقال يعرف وينكر هذا آخر كلامه.
وهذا الحديث يرويه شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان بن عسال.
وفي نفس الحديث ما يدل على أنه منكر جدا فإن فيه أنهم سألوه عن تسع آيات بينات فقال لهم لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى آخره والآيات التسع اتي أرسل بها موسى إلى فرعون إنما كانت آيات نبوته ومعجزات صدقه كالعصا واليد وباقي الآيات.
ولهذا قال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً}.
فهذه آيات النبوة قبل نزول آيات الحكم والشرع وهذا بين بحمد الله تعالى.

(14/86)


وقالَ الحسَنُ: حَدِيثاً وَكَلاَماً، وَلَمْ يَذْكُرِ الحسَنُ السّمْتَ وَالْهَدْيَ وَالدّلّ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ فَاطِمَةَ كَرّمَ الله وَجْهَهَا، كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قامَ إلَيْهَا فأَخَذَ بِيَدِهَا فَقَبّلَهَا [وقبلها] وَأَجْلَسَهَا في مَجْلِسِهِ، وكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قامَتْ إِلَيْهِ فأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ في مَجْلِسِهَا.
__________
فسكون، قال في فتح الودود هذه الألفاظ متقاربة المعاني فمعناها الهيئة والطريقة وحسن الحال ونحو ذلك انتهى.
وفسر الراغب الدل بحسن الشمائل "وقال الحسن" هو ابن علي شيخ أبي داوود "ولم يذكر الحسن" هو ابن علي المذكور "من فاطمة" صلة أفعل التفضيل أعني أشبه "كانت" أي فاطمة "إذا دخلت عليه" أي على رسول الله صلى الله عليه وسلم "قام إليها" أي مستقبلاً ومتوجهاً "فقبلها" قال القاري: أي ما بين عينيها أو رأسها "وكان إذا دخل" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "فقبلته" أي عضواً من أعضائه الشريفة والظاهر أنه اليد المنيفة. واحتج النووي بهذا الحديث أيضاً على جواز القيام المتنازع، وأجاب عنه ابن الحاج باحتمال أن يكون القيام لها لأجل إجلاسها في مكانه إكراماً لها لا على وجه القيام المنازع فيه، ولاسيما ما عرف من ضيق بيوتهم وقلة الفرش فيها فكانت إرادة إجلاسه لها في موضعه مستلزمة لقيامه وأمعن في بسط ذلك كذا في فتح الباري.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي حسن غريب من هذا الوجه.

(14/87)


15- باب في قبلة الرجل ولده
5207- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن أَبِي سَلَمةَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنّ الأقْرَعَ بنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُقَبّلُ حُسَيْناً فقَالَ: إِنّ لِي عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا فَعَلْتُ هَذَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ".
__________
باب في قبلة الرجل ولده
"أبصر" أي رأى "وهو يقبل" بتشديد الموحدة والواو للحال "إن لي عشرة من الولد" بفتحتين ويجوز ضم أوله وسكون ثانيه بمعنى الأولاد "ما فعلت هذا" أي التقبيل "من لا يَرحم لا يُرحم" الفعل الأول على البناء للفاعل والثاني للمفعول، وروى الفعلان مرفوعين على أن تكون "من" موصولة ومجزومين على أن تكون شرطية، ويجوز أن يراد من الرحمة الأولى الشفقة على الأولاد بقرينة ما قبله وأن يراد أعم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

(14/87)


5212- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا [أنبأنا] هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن عُرْوَةَ أَنّ عَائِشَةَ قالَتْ: ثُمّ قالَ - تَعْنِي النبي صلى الله عليه وسلم: "أَبْشِرِي يَا عَائِشةُ فإِنّ الله قَدْ أَنْزَلَ عُذْرَكِ وَقَرَأَ عَلَيْهَا الْقُرْآنَ" فقَالَ: أَبَوَايَ قُومِي فَقَبّلِي رَأْسَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقلت: أَحْمَدُ الله عَزّ وَجَلّ لا إيّاكُمَا.
__________
"أبشري" بقطع الهمزة "قد أنزل عذرك" وفي رواية البخاري "فقد أنزل الله براءتك" "وقرأ" أي النبي صلى الله عليه وسلم "عليها" أي على عائشة "القرآن" أي آيات براءتها من قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ} الخ "فقال أبواي" أي أبي أبو بكر وأمي أم رومان "قومي فقبلي" بتشديد الموحدة "لا إياكما" أي لا أحمد إياكما.
قال المنذري: هو طرف من الحديث وقد أخرجه البخاري ومسلم من هذه الطريق مختصراً ومطولاً.
قال المنذري: هذا مرسل، وأجلح تقدم الكلام عليه.

(14/88)


16- باب في قبلة ما بين العينين
5209- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا عَلِيّ بنُ مُسْهِرٍ عن أَجْلَحَ عن الشّعْبِيّ: "أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم تلَقّى جَعْفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ فالْتَزَمَهُ وَقَبّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ".
__________
باب في قبلة ما بين العينين
"علي بن مسهر" بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء "تلقى جعفر بن أبي طالب" أي استقبله حين قدم من السفر "فالتزمه" أي عانقه.
قال المنذري: هذا مرسل، وأجلح تقدم الكلام عليه.

(14/88)


17- باب في قبلة الخد
5210- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا المُعْتَمِرُ عن إِيَاسِ ابنِ دَغْفَلٍ قال: رَأَيْتُ أَبَا نَضْرَةَ قَبّلَ خَدّ الحسَنِ رَضِيَ الله عَنْه[الحسن بن علي عليهما السلام].
__________
باب في قبلة الخد
"عن إياس بن دغفل" بفتح دال مهملة وسكون غين معجمة وفتح فاء "رأيت أبا نضرة" بنون ومعجمة ساكنة اسمه منذر بن مالك ثقة من الثالثة "قبل خد الحسن رضي الله عنه" هكذا في أكثر النسخ وكذا في أطراف المزي الحسن غير منسوب، وفي بعض النسخ الحسن بن علي عليهما السلام.

(14/88)


18- باب في قبلة اليد
5212- حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا يَزِيدُ بنُ أبِي زِيَادٍ أنّ عَبْدَ الرّحْمَنِ بنَ أبي لَيْلى حَدّثَهُ أنّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ حَدّثَهُ وَذَكَرَ قِصّةً قال: يَعْني مِنَ النبي صلى الله عليه وسلم - فَقَبلْنَا يَدَهُ.
__________
باب في قبلة اليد
"وذكر قصة" قد تقدم ذكر هذه القصة في كتاب الجهاد "فدنونا" أي قربنا.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد يعني أبي زياد هذا آخر كلامه وقد تقدم في كتاب الجهاد أتم من هذا.
وقد روى عمرو بن مرة الجملي عن عبد الله بن سلمة وهو أبو العالية الكوفي وهو بكسر اللام عن صفوان بن عسال رضي الله عنهم أن يهودياً قال لصاحبه اذهب بنا إلى هذا النبي قال فقبلا يده ورجله، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه مطولاً ومختصراً، وأخرجه الترمذي في موضعين من كتابه وصححه في الموضعين قال وفي الباب عن يزيد بن الأسود وابن عمر وكعب بن مالك.

(14/89)


وقال النسائي في حديث صفوان وهذا حديث منكر ويشبه أن يكون إنكار النسائي له من جهة عبد الله بن سلمة فإن فيه مقالاً، وقد صنف الحافظ أبو بكر الأصبهاني المقري جزأ في الرخصة في تقبيل اليد ذكر فيه حديث ابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وبريدة بن الخصيب وصفوان بن عسال وبريدة العبدي والزارع بن عامر العبدي وذكر فيه آثاراً صحيحة عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وذكر بعضهم أن مالكاً أيكره وأنكر ما روى فيه وأجازه آخرون.
وقال الأبهزي إنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعظيم لمن دفعل ذلك به، فأما إذا قبل إنسان يد إنسان أو وجهه أو شيئاً من بدنه ما لم يكن عورة على وجه القربة إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفه فإن ذلك جائز، وتقبيل يد النبي صلى الله عليه وسلم يقرب إلى الله وما كان من ذلك تعظيماً لدينا أو لسلطان أو لشبهه من وجوه التكبر فلا يجوز انتهى كلام المنذري.

(14/90)


19- باب في قبلة في الجسد
5217- حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا خَالِدٌ عن حُسَيْنٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ - رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ - قال: "َبيْنَمَا هُوَ يُحَدّثُ الْقَوْمَ وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ، فَطَعَنَهُ النبي صلى الله عليه وسلم في خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ، فقَالَ: أصْبِرْني، قالَ: "اصْطَبِرْ"، قال: إِنّ عَلَيْكَ قَمِيصاً وَلَيْسَ عَلَيّ قَمِيصٌ، فَرَفَعَ النبي صلى الله عليه وسلم عنْ قَمِيصِهِ
__________
باب في قبلة الجسد
"عن أسيد بن حضير" بالتصغير فيهما "رجل" بالجر على أنه بدل من أسيد أو بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو رجل من الأنصار "قال بينما هو" أي أسيد والقائل هو عبد الرحمن بن أبي ليلى "وكان فيه مزاح" قال الجوهري: المزاح بالضم الاسم، وأما المزاح بالكسر فهو مصدر مازحه والمفهوم من القاموس أنهما مصدران إلا أن الضم مصدر المجرد والكسر مصدر المزيد كذا في المرقاة "فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم " أي ضربه على سبيل المزاح "في خاصرته" معناه بالفارسية تهى كاه "فقال" أي أسيد "أصبرني" بفتح الهمزة وكسر الموحدة أي أقدرني ومكني من استيفاء القصاص حتى أطعن في خاصرتك كما طعنت في خاصرتي "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "اصطبر" أي استوف القصاص. قال الخطابي: معنى أصبرني أقدني من نفسك ومعنى اصطبر استقد.
قال في النهاية: إن النبي صلى الله عليه وسلم طعن إنساناً بقضيب مداعبة فقال له أصبرني قال اصطبر أي أقدني من نفسك قال استقد يقال اصطبر فلان من خصمه أي اقتص منه واصبر الحاكم

(14/90)


فاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبّلُ كَشْحَهُ، قالَ: إِنّمَا أرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ الله".
__________
أي اقصه من خصمه انتهى "فاحتضنه" أي اعتنقه وأخذه في حضنه وهو ما دون الإبط إلى الكشح "وجعل يقبل كشحه" هو ما بين الخاصرة إلى الضلع الأقصر من أضلاع الجنب كذا في المرقاة، وقال في الصراح كشح تهيكاه "قال إنما أردت هذا" أي ما أردت بقولي أصبرني إلا هذا التقبيل وما أردت حقيقة القصاص. والحديث سكت عنه المنذري.

(14/91)


20- باب قبلة الرجل
5214- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى بنِ الطّبّاعِ أخبرنا مَطَرُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الأعْنَقِ حدّثَتْني أُمّ أَبَانَ بِنْتُ الْوَازِعِ بنِ زَارِعٍ عن جَدّهَا زَارِعٍ - وكَانَ في وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ - قالَ: لَمّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبّلُ يَدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَرِجْلَهُ [ورجليه] وَانْتَظَرَ المُنْذِرُ الأشَجّ حَتّى أَتَى عَيْبَتَهُ فَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ، ثُمّ أَتَى النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ لَهُ: "إنّ فِيكَ خَلّتَيْنِ يُحِبّهُمَا الله: الْحِلْمَ وَالأنَاةَ"، قالَ: يَا رَسُولَ الله أَنَا أَتَخلف بِهِمَا أَمِ الله جَبَلَنِي عَلَيْهِماَ؟ قال: "بَلِ الله جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا" ، قال: الْحَمْدُ لله الّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلّتَيْنِ [خصلتين- خلقين] يُحِبّهُمَا الله وَرَسُولُهُ.
__________
باب قبلة الرجل
"أخبرنا مطر" بفتحتين "بن عبد الرحمن الأعنق" بفتح الهمزة وسكون المهملة وفتح النون "وكان" أي زارع "في وفد عبد القيس" أي في ما بينهم ومن جملتهم "فجعلنا نتبادر" أي في النزول من رواحلنا "وانتظر المنذر الأشج" قال الذهبي في التجريد: أشج عبد القيس اسمه المنذر بن الحارث العبدي انتهى.
قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات شرح المشكاة: روى أنه لما وفد عبد القيس تبادروا من رواحلهم وسقطوا عنها على الأرض وفعلوا ما فعلوا وقررهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، والذي كان رأسهم ومقدمهم اسمه الأشج نزل أولاً في منزل له واغتسل ولبس الثياب البيض ثم دخل المسجد فصلى فيه ركعتين ودعا فقصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاضعاً خاشعاً بتأني ووقار، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأدب أثنى عليه وقال "إن فيك خلتين" إلى آخره انتهى "عيبته" بفتح عين مهملة مثناة تحتية ساكنة ثم موحدة مفتوحة مستودع الثياب "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "له" أي للمنذر الأشج "خلتين" أي خصلتين "الحلم والأناة" رويا مرفوعين ومنصوبين الحلم بكسر الحاء تأخير مكافأة الظالم، والمراد به هنا عدم استعجاله وتراخيه حتى

(14/91)


ينظر في مصالحه، والأناة على وزن القناة هو التثبت والوقار كذا في شرح المشارق لابن الملك "جبلني" أي خلقني. وفي الحديث دليل على جواز تقبيل الأرجل.
قال المنذري: وأخرج هذا الحديث أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة وقال ولا أعلم لزارع غيره، وذكر أبو عمرو النمري أن كنيته أبو الزارع وأن له ابناً يسمى الزارع وبه كان يكنى وأن حديثه عند البصريين وأن حديثه هذا حسن.

(14/92)


21- باب في الرجل يقول جعلني الله فداك
5215- حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ ح. وأخبرنا مُسْلِمٌ أخبرنا هِشَامٌ عن حَمّادَ - يَعْنِيَانِ ابنَ أَبِي سُلَيْمانَ - عن زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عن أَبِي ذَرّ قال قالَ النبي صلى الله عليه وسلم:
__________
باب في الرجل يقول جعلني الله فداك
فدى بالكسر مقصور ويفتح أيضاً لكنه مرجوح على ما نقله الأزهري عن الفراء بأن الكسر مع القصر هو الراجح والفتح مرجوح.
وقال أبو علي القالي: إذا فتحوا الفاء قصروا فقالوا فدى لك وإذا كسروا الفاء مدوا وربما كسروا الفاء وقصروا فقالوا هم فدى لك.
وأيضاً قال أبو علي سمعت الأخفش يقول لا يقتصر الفداء بكسر الفاء إلا للضرورة وإنما المقصور هو المفتوح. وقال الجوهري: الفداء كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور انتهى.
ويراد من هذه الجملة الدعاء على النوعين، أحدهما حفظ الإنسان وإخلاصه عن النائبة ببذل المال عنه. قاله الراغب كما في قوله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} أي على الذين يطيقونه أن يحفظوا ويخلصوا أنفسهم عن النائبه أي تكليف الصوم أو عذاب عدم الصوم ببذل المال عنهم وهو إطعام المسكين، فكان معنى الجملة أن الله جعلني أن أحفظك عن النوائب ببذل المال عنك.
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال "إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده" فبكى أبو بكر وقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا الحديث.
وهذ كان بعد إسلام أبي قحافة فإنه خطب بهذه الخطبة قبيل وفاته صلى الله عليه وسلم بقليل.
وهذا أصح من حديث الزبير وأولى أن يؤخذ به منه والله أعلم.

(14/92)


"يَا أَبَا ذَرَ"، فقلت: لَبّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَسُولَ الله وَأَنَا فِدَاكَ".
__________
والثاني إقامة الشيء مقام الشيء في دفع المكاره. قاله أبو البقاء كما في قوله تعالى {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} أي أقمنا ذبحاً عظيماً مقام إسماعيل في دفع المكروه يعني الذبح عنه، فكان معنى الجملة أن الله يحفظك عن المكاره وجعلني قائماً مقامك في دفعها عنك ويعرض لي ما يعرض لك من النوائب والمكاره في عوضك، وهذا المعنى هو الصريح في المقصود، تقول العرب فداك أبي وأمي أي أبي وأمي ينوبان منابك في دفع المكروه عنك. وأنشد الأصمعي للنابغة:
مهلاً فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد
أي الأقوام كلهم وجميع الأموال والأولاد ينوبون منابك في دفع المكاره عنك ويعرض لهم في عوضك ما يعرض لك من النوائب والمكاره وأنت تسلم وتحفظ منها.
وقد ترجم البخاري باب قول الرجل فداك أبي وأمي، وباب قول الرجل جعلني الله فداءك انتهى.
قال الحافظ: أي هل يباح أو يكره، وقد استوعب الأخبار الدالة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم وجزم بجواز ذلك فقال للمرء أن يقول ذلك لسلطانه ولكبيره ولذوي العلم ولمن أحب من إخوانك غير محظور عليه ذلك، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك محظوراً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم قائل ذلك ولا أعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره وكذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد في الترجمة. قال للطبراني: في هذه الأحاديث دليل على جواز قول ذلك انتهى.
"فقلت لبيك وسعديك" يجيء معناه في باب الرجل ينادي الرجل فيقول لبيك "وأنا فداك" وفي بعض النسخ فداؤك، وفي نسخة المنذري جعلني الله فداك مكان وأنا فداك. قال في مجمع البحار بكسر فاء وفتحها مداً وقصراً، وقال الحافظ في فتح الباري تحت قوله فاغفر فدى لك ما اقتفينا. قال المازري: لا يقال الله فداء لك لأنها كلمة تستعمل عند توقع مكروه لشخص فيختار شخص آخر أن يحل به دون ذلك لاَخر ويفديه، فهو إما مجاز عن الرضا كأنه قال نفسي مبذولة لرضاك، أو هذه الكلمة وقعت خطاباً لسامع الكلام انتهى. وفي الحديث دليل جواز قول جعلني الله فداك أو أنا فداؤك. والحديث سكت عنه المنذري.

(14/93)


22- باب في الرجل يقول أنعم الله بك عينا
5216- حدثنا سَلَمةُ بنُ شَبِيبٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن قَتَادَةَ أَوْ غَيْرِهِ أَنّ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ قال: كُنّا نَقُولُ في الْجَاهِليّةِ، أَنْعَمَ الله بِكَ عَيْناً وَأَنْعِمْ صَبَاحاً، فَلمّا كَانَ الإسْلاَمُ نُهِينَا عنْ ذَلِكَ. قالَ عَبْدُ الرّزّاقِ قالَ مَعْمَرٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرّجُلُ: أَنْعَمَ الله بِكَ عَيْناً، ولا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: أَنْعَمَ الله عَيْنَكَ.
__________
باب في الرجل يقوم أنعم الله بك عينا
"عن قتادة أو غيره" شك من الراوي "أنعم الله بك عيناً" أي أقر بك عين من تحبه أو أقر عينك بمن تحبه كذا في القاموس.
قال في المرقاة: أنعم الله بك عيناً الباء زائدة لتأكيد للتعدّية، والمعنى أقر الله عينك بمن تحبه، وعيناً تمييز من المفعول أو بما تحبه من النعمة، ويجوز كونه من أنعم الرجل إذا دخل في النعيم، فالباء للتعددية وقيل الباء للسببية أي أنعم الله بسببك عيناً أي عين من يحبك انتهى "وأنعم" قال القاري في المرقاة بقطع همز وكسر عين، وفي نسخة بهمز وصل وفتح عين من النعومة "صباحاً" تمييز أو ظرف، أي طاب عيشك في الصباح "فلما كان الإسلام" أي وجد "نهينا" بصيغة المجهول "قال معمر يكره أن يقول الرجل الخ" قال في فتح الودود ما حاصله: إن الظاهر أن مبنى النهي على أنه من تحية الجاهلية، ولكن كان المشهور عند أهل الجاهلية أنعم الله بك عيناً، فإذا تغير ذلك ما بقي له حكم تحية الجاهلية انتهى.
قال المنذري: هذا منقطع، قتادة لم يسمع من عمران بن حصين انتهى.
وقال الإمام ابن الأثير في النهاية: وفي حديث مطرف لا تقل نِعم الله بك عيناً فإن الله لا ينعم بأحد عيناً ولكن قل أنعم الله بك عيناً. قال الزمخشري: الذي منع منه مطرف صحيح فصيح في كلامهم، وعيناً نصب على التمييز من الكاف والباء للتعدية، والمعنى نعمك الله عيناً أي نعم عينك وأقرها، وقد يحذفون الجار ويوصلون الفعل فيقولون نعمك الله عيناً، وأما أنعم الله بك عيناً فالباء فيه زائدة لأن الهمزة كافية في التعدية تقول نعم زبد عيناً وأنعمه الله عيناً، ويجوز أن يكون من أنعم إذا دخل في النعيم فيتعدى بالباء. قال ولعل مطرفاً خيل إليه أن انتصاب المميز في هذا الكلام عن الفاعل فاستعظمه تعالى الله أن يوصف بالحواس علواً كبيراً كما يقولون نعمت بهذا الأمر عيناً والباء للتعدية، فحسب أن الأمر في نعم الله بك عيناً كذلك انتهى كلامه.

(14/94)


23- باب الرجل يقول للرجل حفظك الله
5217- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ عن عَبْدِ الله ابن رباحٍ الانْصَارِيّ قالَ أخبرنا أَبُو قَتَادَةَ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ في سَفَرٍ لَهُ فَعَطَشُوا، فانْطَلَقَ سَرْعَانُ النّاسِ، فَلَزِمَتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تِلْكَ الّليْلَةَ فقَالَ: "حَفِظَكَ الله بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيّهُ".
__________
باب الرجل يقوم للرجل حفظك الله
"فانطلق سرعان من الناس" بفتح السين المهملة وفتح الراء هو المشهور، ويروي بإسكان الراء هم المسرعون إلى الخروج كذا في السبل.
قال المنذري: وأخرجه مسلم بطوله، وقد تقدم في كتاب الصلاة مختصراً أيضاً، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً، وقد تقدم الكلام على سرعان.

(14/95)


24- باب الرجل يقوم للرجل يعظمه بذلك
[باب في قيام الرجل للرجل]
5218- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ عن حَبِيبٍ بنِ الشّهِيدِ عن أَبِي مِجْلَزٍ قال: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابنِ الزّبَيْرِ وَابنِ عَامِرٍ فَقَامَ ابنُ عَامِرٍ وَجَلَسَ ابنُ الزّبَيْرٍ، فقَالَ مُعَاوِيَةُ لاِبنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ فإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ أَحَبّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرّجَالُ قيَاماً فَلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ".
__________
باب الرجل يقوم للرجل يعظمه بذلك
"من أحب أن يمثل له" كينصر أي يقوم وينتصب له "فليتبوأ" أي فليهيء أمر بمعنى
__________
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى:
على قول المنذري وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر أنهم لما صلوا خلفه صلى الله عليه وسلم قال فلما سلم قال "إن كدتم آنفا أن تفعلوا فعل فارس والروم" الحديث.
وحمل أحاديث النهي عن القيام على مثل هذه الصورة ممتنع فإن سياقها يدل على خلافه وأنه صلى الله عليه وسلم كان ينهي عن القيام له إذا خرج عليهم ولأن العرب لم يكونوا يعرفون هذا وإنما هو من فعل فارس والروم ولأن هذا لا يقال له قيام للرجل إنما هو قيام عليه ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة العرب وأحاديث الجواز تدل عليه فقط.

(14/95)


5219- حدثنا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ حدثنا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ عن أَبِي الْعَنْبَسِ عن مسعرٍ عن أَبِي الْعَدَبّسِ عن أَبِي مَرْزُوقٍ عن أَبِي غَالِبٍ عن أَبِي أُمَامَةَ قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُتَوَكّئاً عَلَى عَصاً، قَقُمْنَا إِلَيْهِ، فقَالَ: "لا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الأعَاجِمُ يُعَظّمُ بَعْضُ بَعْضاً".
__________
الخبر كأنه قال من أحب ذلك وجب له أن ينزل منزلة من النار وحق له ذلك. واستدل المؤلف رحمه الله بهذا الحديث على منع قيام الرجل للرجل تعظيماً له.
وفي فتح الباري قال النووي في الجواب عن هذا الحديث: إن الأصح والأولى بل الذي لا حاجة إلى ما سواه أن معناه زجر المكلف أن يحب قيام الناس له، قال وليس فيه تعرض للقيام بنهي ولا غيره وهذا متفق عليه. قال والمنهي عنه محبة القيام، فلو لم يخطر بباله فقاموا له أو لم يقوموا فلا لوم عليه، فإن أحب ارتكب التحريم سواء قاموا أو لم يقوموا، قال فلا يصح الاحتجاج به لترك القيام فإن قيل فالقيام سبب للوقوع في المنهى عنه، قلنا هذا فاسد لأنا قدمنا أن الوقوع في المنهى عنه يتعلق بالمحبة خاصة انتهى ملخصاً. ولا يخفى ما فيه، واعترضه ابن الحاج بأن الصحابي الذي تلقى ذلك من صاحب الشرع قد فهم منه النهي عن القيام الموقع للذي يقام له في المحذور فصوب فعل من امتنع من القيام دون من قام وأقروه على ذلك، وكذا قال ابن القيم في حواشي السنن في سياق حديث معاوية رد على من زعم أن النهي إنما هو في حق من يقوم الرجال بحضرته، لأن معاوية إنما روى الحديث حين خرج فقاموا له، انتهى ما في الفتح.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن هذا آخر كلامه. وقد تقدم الكلام على هذا الحديث وما بعده في الورق التي قبل هذا في باب ما جاء في القيام انتهى كلام المنذري.
-أبي العدبس" بفتح المهملتين والموحدة المشددة بعدها مهملة كوفي جهول من السادسة كذا في التقريب "متوكئاً" أي معتمداً "على عصا" أي لمرض كان به، قاله القاري "فقمنا إليه" وفي المشكاة فقمنا له. قال القاري: أي لتعظيمه، واحتج بهذا الحديث على منع القيام، وأجاب عنه الطبري بأنه حديث ضعيف مضطرب السند فيه من لا يعرف كذا في فتح الباري.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وفي إسناده أبو غالب واسمه حزور، ويقال نافع، ويقال سعيد بن الحزور، قال يحيى بن معين صالح الحديث، وقال مرة ليس به بأس، وقال مرة ترك شعبة أبا غالب إنه رآه يحدث في الشمس، وضعفه شعبة على أنه تغير عقله، وقال موسى بن هارون ثقة، وقال أبو حاتم الرازي ليس بالقوي، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج

(14/96)


به إلا فيما يوافق الثقات، وقال ابن سعد في الطبقات اسمه نافع وكان ضعيفاً منكر الحديث، وقال النسائي ضعيف، وقال الدارقطني لا يعتبر به، وقال مرة ثقة. هذا آخر كلامه. وحزور بفتح الحاء المهملة وبعدها زاي مفتوحة وواو مشددة مفتوحة وبعدها راء مهملة وهو مذكور في الأسماء المفردة. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر أنهم لما صلوا خلفه قعوداً قال فلما سلم قال "إن كدتم آنفاً تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا". انتهى كلام المنذري.

(14/97)


25- باب في الرجل يقول فلان يقرئك السلام
5220- حدثنا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ عن غَالِبٍ قال: إِنّا لَجُلوسٌ [جلوس] بِبَابٍ الْحَسَنِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فقَالَ حدّثني أَبي عن جَدّي قال: بَعَثَنِي أَبي إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَ: ائْتِهِ فَاقْرَأْهُ السّلاَمَ، قال: فأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنّ أَبي يُقْرِئُكَ السّلاَمَ، فقَالَ: "عَلَيْكَ وَعَلَى أَبيك السّلاَمُ".
5221- حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا عَبْدُ الرّحِيمِ بنُ سُلَيْمَانَ عن زَكَرِيّا عن الشّعْبِيّ عن أَبي سَلِمةَ أَنّ عَائِشةَ حَدّثَتْهُ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لَها: "إِنّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السّلاَمَ" ، فقَالَتْ: وَعليه السلام وَرَحْمَةُ الله.
__________
باب في الرجل يقوم فلان يقرئك السلام
" عن غالب" هو ابن خطاف البصري القطان قاله المنذري "إنا لجلوس" أي جالسون "بباب الحسن" أي البصري "عن جدي قال" أي الجد "فقال ائته" أمر من أتى يأتي "فقال عليك وعلى أبيك السلام" قال في فتح الودود: هذا يدل على أنه يرده على الحامل أيضاً. وحديث عائشة الآتي يدل على جواز الاقتصار على الأصل فيؤخذ من الحديثين أن الأول مندوب والثاني جائز انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وقال فيه عن رجل من بني نمير عن أبيه عن جده هذا الإسناد فيه مجاهيل وخطاف بضم الخاء المعجمة ويقال بفتح الخاء وبعدها طاء مهملة مشددة مفتوحة وبعد الألف فاء أخت القاف.
"فقالت وعليه السلام" قال الحافظ في فتح الباري: ولم أر في شيء من طرق حديث عائشة أنها ردت على النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أنه أي الرد على المبلغ غير واجب انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه بنحوه.

(14/97)


26- باب الرجل ينادي الرجل فيقول لبيك
5222- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا يَعْلَى بنِ عَطَاءِ عن أَبي هَمّامٍ عَبْدِ الله بنِ يَسَارٍ أَنّ أبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ الْفِهْرِيّ قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حُنَيْناً، فَسِرْنَا في يَوْمٍ قَائِظٍ شَدِيدِ الْحَرّ فَنَزَلْنَا تَحْتَ ظِلّ الشّجَرِ [الشّجرة] فَلمّا زَالَتِ الشّمْسُ لَبِسْتُ لأمَتِي وَرَكِبْتُ فَرَسِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ في فُسْطَاطِهِ فقلت: السّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، قَدْ حَانَ الرّوَاحُ، فقَالَ: "أَجَلْ" ، ثُمّ قال: "يابِلاَلُ" [قم يا بلال قم- قم يا بلال] فَثَارَ مِنْ تَحْتِ سَمُرَةٍ كَأَنّ ظِلّهُ ظِلّ طائِرٍ، فقَالَ: لَبّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَأَنا فِدَاؤُكَ، فقَالَ: "أَسْرِجْ لِي الْفَرَسَ" ، فأَخْرَجَ سَرْجاً دَفّتَاهُ مِنْ
__________
باب الرجل ينادي الرجل فيقول لبيك
"شديد الحر" تفسير لقائظ، قال في القاموس: قاظ يومنا اشتد حره "لبست لأمتي" اللأمة بفتح اللام وسكون الهمزة الدرع، ويقال له بالفارسية زره "وهو في فسطاطه" بالضم هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق كذا في المجمع "قد حان الرواح" أي جاء وقت الرواح وهو السير في آخر النهار "ثم قال يا بلال" وفي بعض النسخ يا بلال قم وفي بعضها قم يا بلال قم "فثار" أي وثب "من تحت سمرة" قال في الصراح سمرة بالفتح وضم الميم درخت طلح "كأن ظله" أي ظل شجرة السمرة في القلة "ظل طائر" المقصود أن ظل السمرة كان قليلاً غاية القلة فكأنه بسبب القلة ظل طائر "فقال لبيك وسعديك" قال في القاموس. أَلَبّ أقام كلب ومنه لبيك أي أنا مقيم على طاعتك إلباباً بعد إلباب وإجابة بعد إجابة. وقال فيه في مادة سعد أسعده أعانه ولبيك وسعديك أي إسعاداً بعد إسعاد انتهى.
وقال في النهاية: لبيك هو مأخوذ من لب بالمكان وألب إذا أقام به وألب على كذا إذا لم يفارقه، ولم يُستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير أي إجابة وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنك قلت ألب إلباباً بعد إلباب، وقيل معناه اتجاهي وقصدي يا رب إليك من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها، وقيل معناه إخلاصي لك من قولهم حسب لباب إذا كان خالصاً مخلصاً، ومنه لب الطعام ولبابه. ومعنى قوله سعديك أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة وإسعاداً بعد إسعاد، ولهذا ثنى وهو من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال. قال الجرمي: لم يُسمع سعديك مفرداً انتهى كلامه "أسرج لي الفرس" أي اشدد على الفرس السرج وهو بالفارسية زين: قال في القاموس: أسرجتها شددت عليها السرج "دفتاه" أي جانباه.
قال في القاموس: الدف بالفتح الجنب من كل شيء أو صفحته كالدفة "من ليف"

(14/98)


لِيفٍ لَيْسَ فِيهِمَا [فيه] أَشَرٌ ولا بَطَرٌ فَرَكِبَ وَرَكِبْنَا وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
قال أبُو دَاوُدَ: أَبُو عَبْدِ الرّحْمَنِ الْفِهْرِيّ لَيْسَ لَهُ إِلا هَذَا الحدِيثَ، وَهُوَ حَدِيثٌ نَبِيلٌ جَاءَ بِهِ حَمّادُ بنُ سَلَمةَ.
__________
بالكسر هو بالفارسية بوست درخت خرما "ليس فيهما" أي في الدفتين، وفي بعض النسخ ليس فيه فالضمير للسرج "أشر ولا بطر" كلاهما بفتحتين ومعناهما واحد وهو شدة النشاط وقلة احتمال النعمة والطغيان بالنعمة. قال في المصباح: أشر أشراً فهو أشر من باب تعب بطر وكفر النعمة فلم يشكرها وبطر بطراً فهو بطر من باب تعب بمعنى أشر أشراً انتهى.
قال المنذري: أبو عبد الرحمن القرشي الفهري له صحبة قيل اسمه عبد، وقيل يزيد بن أنيس وقيل كرز بن ثعلبة وقيل إنه لم يرو عنه إلا أبو همام عبد الله بن يسار انتهى "قال أبو داوود" من ههنا إلى قوله حماد بن سلمة لم يوجد في بعض النسخ "حديث نبيل" بالإضافة، والنبيل على وزن الأمير هو الماهر في الأمور وهذا ثناء من المؤلف ليعلى بن عطاء شيخ لحماد بن سلمة والله أعلم.

(14/99)


27- باب في الرجل يقول للرجل أضحك الله سنك
5223- حدثنا عِيسَى بنُ إِبْراهِيمَ الْبِرَكِيّ وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ - وَأَنَا لِحَيدِيثِ عِيسَى أَضْبَطُ - قال حدثنا عَبْدُ الْقَاهِرِ بنُ السّرِيّ - يَعني السّلَمِيّ - أخبرنا ابنُ كِنَانةَ بنِ عَبّاسِ بنِ مِرْدَاسٍ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ: ضَحِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ أَو عُمَرُ: أَضْحَكَ الله سِنّكَ وَسَاقَ الحدِيثَ.
__________
باب في الرجل يقوم للرجل أضحك الله سنك
"البركي" بكسر الموحدة وفتح الراء. قال في تاج العروس: البرك كعنب كأنه جمع بركة سكة بالبصرة معروفة نقله ياقوت انتهى.
وفي المراصد: البرك جمع بركة سكة معروفة بالبصرة انتهى "وسمعته" أي هذا الحديث أيضاً "أضبط" أي أحفظ وأتقن "أو عمر" شك من الراوي "أضحك الله سنك" أي أدام الله فرحك وسرورك.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة مطولاً في دعاء عشية عرفة. قال البخاري: كنانة روى عنه ابنة لم يصح وقال ابن حبان كنانة بن العباس بن مرداس السلمي يروي عن أبيه روى عنه ابنه منكر الحديث جداً فلا أدري التخليط في حديثه منه أو من ابنه وأيهما كان فهو ساقط الاحتجاج بما روى لعظم ما أتى من المناكير عن المشاهير.

(14/99)


28- باب في البناء
5224- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَفْصٌ عن الأعمَشِ عن أَبِي السّفَرِ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قال: مَرّ بِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أُطَيّنُ حَائِطاً لِي أَنَا وَأُمّي فقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَبْدَ الله" ؟ فقلت: يَا رَسُولَ الله شَيْءٌ أُصْلِحُهُ، فقَالَ: "الأمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ".
5225- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ وَ هَنّادٌ المَعْنَى قالا أخبرنا أَبُو مُعَاوِيةَ عن الأعمَسِ بإِسْنَادِهِ بِهَذَا قال: مَرّ عَلَىّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصاّ لَنَا وَهِيَ فقَالَ: "مَا هَذَا" ؟ فقُلْنَا: خُصّ لَنَا وَهِيَ فَنُحْنُ نُصْلِحُهُ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَرَى الأمْرَ إِلا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ".
5226- حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا عُثْمانُ بنُ حَكِيمِ أخبرني إبْرَاهِيمُ بنُ مُحَمّدٍ بنِ حَاطِبٍ الْقُرَشِيّ عن أَبِي طَلْحَةَ الاسَدِيّ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فَرَأَى قُبّةً مُشْرِفَةً فقَالَ: "مَا هَذِهِ [هذا]" ؟ قالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلاَنٍ - رَجُلٍ مِنَ الانْصَارِ - قال: فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا في نَفْسِهِ حَتّى إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُسَلّمُ عَلَيْهِ في النّاسِ أَعْرَضَ عَنْهُ، صَنَعَ ذَلِكَ مِرَاراً حَتّى عَرَفَ الرّجُلُ
__________
باب في البناء
"وأنا أطين حائطاً لي" من التطيين أي أصلحه بالطين، والواو للحال "فقال الأمر أسرع من ذلك" أي الموت أسرع من فساد ذلك الحائط الذي تخاف فساده وهدمه لو لم تصلحه.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح.
"ونحن نعالج" أي نصلح "خصاً" قال في القاموس: الخص بالضم البيت من القصب أو البيت يسقف بخشبة كالأزج "وهي" في القاموس: وهي كوعى وولى تخرق وانشق واسترخى رباطه، والجملة صفة لخصاً "ما أرى الأمر" أي الموت "إلا أعجل" أي أسرع "من ذلك" أي من خراب ذلك الخص.
"قبة مشرفة" أي بناء عالياً "فقال ما هذه" استفهام انكار أي ما هذه العمارة المنكرة ومن بانيها "رجل" بالجر بدل من فلان "وحملها" أي أضمر تلك الفعلة في نفسه غضباً على فاعلها في فعلها. ففي أساس البلاغة حملت الحقد عليه إذا أضمرته كذا في المرقاة، وقيل الضمير للكراهة المفهومة من المقام "أعرض عنه" أي لم يرد عليه السلام "فشكا ذلك" أي ما رآه من أثر

(14/100)


الْغَضَبَ فِيهِ وَالإعْرَاضِ عَنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصحَابِهِ، فقَالَ: وَالله إِنّي لأنْكِرُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قالُوا: خَرَجَ [فخرج] فَرَأَى قُبّتَكَ، فَرَجَعَ الرّجُلُ إِلَى قُبّتِهِ فَهَدَمَهَا حتّى سَوّاهَا بالأرضِ فَخَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَلمْ يَرَهَا فَقَالَ: "مَا فَعَلَتِ الْقُبّةُ" ؟ قالُوا: شَكَا إِلَيْنَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ عَنْهُ، فأَخْبَرْنَاهُ، فَهَدَمَهَا، فقَالَ: "أَمَا إِنّ كُلّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلا مَا لا، إِلا مَا لا - يَعْنِي - مَا لا بُدّ مِنْهُ".
__________
الغضب والإعراض "والله إني لأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي أرى منه ما لم أعهده من الغضب والكراهة ولا أعرف له سبباً. قاله القاري "ما فعلت القبة" ضبط بالمعروف والمجهول أي ما صار حالها وما شأنها لا يرى أثرها "أما" بالتخفيف حرف التنبيه "إلا مالا" أي إلا ما لا بد منه، فحذف اسم لا وخبرها معاً "إلا مالا" كرره للتأكيد "يعني ما لا بد منه" هذا تفسير من أحد من الرواة.
وقال الحافظ زين الدين العراقي في تخريج أحاديث إحياء العلوم والحافظ ابن حجر في فتح الباري: يعني إلا ما لا بد منه والله أعلم.
والحديث سكت عنه المنذري.

(14/101)


29- باب في اتخاذ الغرف
5227- حدثنا عَبْدُ الرّحِيمُ بنُ مُطَرّفٍ الرّؤَاسِيّ أخبرنا عِيسَى عن إسْمَاعِيلَ عن قَيْسٍ عن دُكَيْنِ بنِ سَعِيدٍ المُزَنِيّ قال: أَتَيْنَا النبي صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْنَاهُ الطّعَامَ فقالَ: "يا عُمَرُ اذْهَبْ فاعْطِهِمْ" ، فارْتَقَى بِنا إِلَى عُلّيّةٍ فأَخَذَ [وأخذ] المِفْتاحَ مِنْ حُجْرَتِهِ [حجزته] فَفَتَحَ.
__________
باب في اتخاذ الغرف
بضم الغين وفتح الراء جمع غرفة بالضم، ويقال لها بالفارسية برواره "بروزن همواره بالاخانة وحجره بالاي حجره باشد فرهنك صراح" كما في الصراح.
"إلى علية" بضم العين وكسرها وكسر اللام وبالتحتية المشددتين أي غرفة "من حجرته" بالراء المهملة، وفي بعض النسخ حجزته بالزاي المعجمة.
قال في القاموس: الحجزة بالضم معقد الإزار ومن السراويل موضع التكة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير، وذكر فيه سماع إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم وسماع قيس بن أبي حازم من دكين، وقال أبو القاسم البغوي ولا أعلم لدكين غير هذا الحديث.
ودكين بضم الدال المهملة وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبعدها نون.
والمفتاح والمفتح بكسر الميم فيهما واحد المفاتيح التي يفتح بها. انتهى كلام المنذري.

(14/101)


30- باب في قطع السدر
5228- حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أنبأنا أَبُو أُسامَةَ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن عُثْمانَ بنِ أَبي سُلَيْمانَ عن سَعِيدِ بنِ مُحَمّدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن عَبْدِ الله ابنِ حَبْشِيَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوّبَ الله رَأْسَهُ في النّارِ".
__________
باب في قطع السدر
"حبشي" بضم المهملة وسكون الموحدة بعدها معجمة ثم ياء ثقيلة كذا في التقريب "من قطع سدرة" أي شجرة نبق، زاد في رواية للطبراني "من سدر الحرام" وهي مبينة للمراد دافعة للإشكال، كذا في شرح الجامع الصغير "سئل أبو داوود الخ" وما أجاب به أبو داوود ووافقه عليه العلماء، ولا بد له من التأويل الصحيح.
وقال في النهاية: قيل أراد به مدر مكة لأنها حرم، وقيل سدر المدينة نهى عن قطعه ليكون أنساً وظلاً لمن يهاجر إليها.
وقيل أراد السدر الذي يكون في الفلاة يستظل به أبناء السبيل والحيوان أو في ملك إنسان فيتحامل عليه ظالم فيقطعه بغير حق، ومع هذا فالحديث مضطرب الرواية فإن أكثر ما يروي عن عروة بن الزبير وكان هو يقطع السدر ويتخذ منه أبواباً.
قال هشام: وهذه أبواب من سدر قطعه أبي وأهل العلم مجمعون على إباحة قطعة انتهى.
وفي مرقاة الصعود قال البيهقي في سننه قال أبو ثور سألت أبا عبد الله الشافعي عن قطع السدر فقال لا بأس به، قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "اغسلوه بماء وسدر".
قال البيهقي: فيكون محمولاً على ما حمله عليه أبو داوود.
قال وروينا عن عروة أنه كان يقطعه من أرضه وهو أحد رواة النهي، ويشبه أن يكون النهي خاصاً كما قال أبو داوود.
وفي كتاب أبي سليمان الخطابي أن المزني سئل عن هذا فقال وجهه أي يكون صلى الله عليه وسلم سئل عمن هجم على قطع سدر لقوم أو ليتيم أو لمن حرم الله أن يقطع عليه فتحامل عليه بقطعه، فاستحق ما قاله، فتكون المسألة سبقت السامع فسمع الجواب ولم يسمع السؤال، وجعل

(14/102)


سُئِلَ أَبُو دَاوُدَ عنْ مَعْنَى هَذَا الحدِيثِ فقالَ: هَذَا الحدِيثُ مُخْتَصَرٌ، يَعْني مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً في فَلاَةٍ يَسْتَظِلّ بِها ابنُ السّبِيلِ وَالْبهَائِمُ عَبَثاً [عتيا] وَظُلْماً بِغَيْرِ حَقَ يَكُونُ لَهُ فيهَا صَوّبَ الله رَأْسَهُ في النّارِ.
5229- حدثنا مُحَمّدُ بنُ خالِدٍ وَ سَلَمةُ - نَعني ابنَ شَبِيبٍ - قالا أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن عُثْمانَ بنِ أَبِي سُلَيْمانَ عن رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ عن عُرْوَةً بنِ الزّبَيْرِ يَرْفَعُ الحدِيثَ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
5230- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ وَ حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ قالا أخبرنا حَسّانُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال: سَأَلْتُ هِشامَ بنَ عُرْوَةَ عن قَطْعِ السّدْرِ وَهُو مُسْتَنِدٌ [مسند] إِلَى قَصْرِ عُرْوَةَ فقالَ: أَتَرَى هَذِهِ الأبوَابَ وَالمَصَارِيْعَ إِنّما هِيَ مِنْ سِدْرِ عُرْوَةَ، كَانَ عُرْوَةُ يَقْطَعُهُ مِنْ أَرْضِهِ وقال: لا بَأْسَ بِهِ. زَادَ حُمَيْدٌ فقالَ: هِيَ يا عِراقِيّ جِئْتَنِي
__________
نظيره حديث أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إنما الربا في النسيئة" وقد قال "لا تبيعن الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل".
واحتج المزني بما احتج به الشافعي من اجازته صلى الله عليه وسلم أي يغسل الميت بالسدر ولو كان حراماً لم يجز الانتفاع به. قال والورق من السدر كالغصن وقد سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حرم قطعه من شجر الحرم بين ورقه وغيره، فلما لم يمنع عن ورق السدر دل ذلك على جواز قطع السدر. انتهى "صوب الله" أي نكسه وألقاه على رأسه في نار جهنم، وهذا دعاء أو خبر. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وقال فيه عبد الله الخثعمي.
"عن رجل من ثقيف" قال البيهقي: الرجل لعله عمرو بن أوس ثم أخرجه من طريق عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن عروة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الذين يقطعون السدر يصبهم الله على رؤسهم النار صباً" وأخرجه من وجه آخر عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن عروة عن عائشة موصولاً وقال المرسل هو المحفوظ.
قال المنذري: وهذا مرسل.
"عن قطع السدر" قال المنذري: السدر شجر النبق الواحدة سدرة، وقيل هو السمر، وقال الأصمعي ما ينبت عنه في البراري فهو الضال بتخفيف اللام "وهو" أي هشام "فقال" هشام "والمصاريع" جمع مصراع.
قال في المصباح: المصراع من الباب الشطر وهما مصراعان "وقال" عروة "فقال" هشام بن عروة لحسان بن إبراهيم "هي" ضمير الشأن والقصة والكوفيون يسمونها ضمير

(14/103)


بِبِدْعَةٍ، قال: قُلْتُ إِنّما الْبِدْعَةُ مِنْ قِبَلِكُم، سَمِعْتُ مِنْ يَقُولُ بِمَكّةَ: لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ قَطَعَ السّدْرَ ثُمّ ساقَ مَعْنَاهُ.
__________
المجهول، وهذا الضمير يرجع إلى ما بعدها لزوماً على خلاف القياس كما في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وقوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} كذا في مغنى اللبيب. فلفظة هي هذه ترجع إلى لفظ بدعة في قوله جئتني ببدعة والله أعلم "جئتني ببدعة" أي بأمر مبتدع لم نسمعه من النهي عن قطع السدر "قال" حسان "إنما البدعة من قبلكم" أي من جانبكم يا هشام، فأنتم تذهبون إلى جواز قطع السدر.
قال المنذري: إسناده مضطرب وهو يروي عن عروة بن الزبير وقد ذكر عنه ولده هشام أنه كان يقطعه.

(14/104)


31- باب في إماطة الأذى عن الطريق
5231- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ المَرْوَزِيّ عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ حدّثني أَبِي حدّثني عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ قال سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "في الإنْسانِ ثَلاَثُمِائَةٍ وَسِتّونَ مَفْصِلاً، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدّقّ عنْ كُلّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ". قالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يا نَبيّ الله؟ قال: "النّخاعَةُ في المَسْجِدِ تَدْفِنُها وَ [أو] الشّيْءَ تُنَحّيهِ عن الطّرِيقِ، فإِنْ لَمْ تَجِدْ فَرَكْعتَا الضّحَى تُجْزِئُكَ".
__________
باب في إماطة الأذى عن الطريق
"أبي بريدة" هو بدل من أبي "عن كل مفصل" هو على وزن مسجد أحد مفاصل الأعضاء "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "النخاعة" بالضم هي البزقة الخارجة من أصل الفم مما يلي النخاع قاله المناوي.
وقال في المصباح: النخاعة ما يخرجه الإنسان من حلقه من مخرج الخاء المعجمة. كذا قيده ابن الأثير.
قال المطرزي: النخاعة هي النخامة وهكذا قال في العباب "فإن لم تجد" أي شيئاً مما يطلق عليه اسم الصدقة عرفاً أو شرعاً يبلغ عدد الثلاثمائة والستين "فركعتا الضحى" وخصت الضحى بذلك لتمحضها للشكر لأنها لم تشرع جابرة لغيرها بخلاف الرواتب قاله المناوي "تجزئك" أي تكفيك عن الصدقة. قال النووي: ضبطناه بفتح أوله وضمه فالضم من الأجزاء والفتح من جزي يجزي أي كفى، ومنه قوله تعالى: {لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ} وفي الحديث "لا يجزي عن أحد بعدك" قاله السيوطي.

(14/104)


5232- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ عن عَبّادِ بنِ عَبّادٍ وَهَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ أَتَمّ عن وَاصِلِ عن يَحْيَى ابنِ عَقِيلٍ عن يَحْيَى بنِ يَعْمُرَ عن أَبِي ذَرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يُصْبِحُ عَلَى كُلّ سُلاَمِي مِنِ ابنِ آدَمَ صَدَقَةٌ، تَسْلِيمُهُ عَلَى مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُهُ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُهُ عن المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُهُ الأذَى عن الطّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَبُضْعَتُهُ [بضعه- بضعة] أَهْلَهُ صَدَقَةٌ". قالُوا: يَا رَسُولَ الله يَأْتِي شَهْوَتَهُ [شهوة] وَتَكُونُ لَهُ صَدَقَةٌ. قال: "أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا في غَيْرِ حَقّهَا أَكَانَ يَأْثَمُ". قال: "وَيُجْزِيءُ [ويجزي] مِنْ ذَلِكَ كُلّهِ رَكْعَتَانٍ مِنَ الضّحَى".
__________
قال المنذري: في إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال انتهى.
والحديث أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه، وقال المناوي في شرح الجامع الصغير إسناده حسن.
"وهذا لفظه" أي عباد "وهو أتم" أي حديث عباد "عن يحيى بن عقيل" بضم العين مصغراً "يصبح على كل سلامي من ابن آدم صدقة" السلامي بضم السين وفتح الميم أي عظام الأصابع والمراد بها العظام كلها.
قال في النهاية: السلامي جمع السلامية وهي الأنملة من أنامل الأصابع وقيل واحدة وجمعه سواء ويجمع على سلاميات، وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان انتهى.
قال الطيبي: اسم يصبح إما صدقة أي تصبح الصدقة واجبة على كل سلامي وإما من ابن آدم على تجويز زيادة من والظرف خبره وصدقة فاعل الظرف أي يصبح ابن آدم واجباً على كل مفصل منه صدقة، وإما ضمير الشأن، والجملة الإسمية بعدها مفسرة له.
قال القاضي يعني أن كل عظم من عظام ابن آدم يصبح سليماً عن الآفات باقياً على الهيئة التي تتم بها منافعه فعليه صدقة شكراً لمن صوره ووقاه عما يغيره ويؤذيه "عن الطريق صدقة":
قال القاضي عياض: يحتمل تسمية هذه الأشياء صدقة كن لها أجراً كما للصدقة أجر، وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور، وسماها صدقة على طريق المقابله وتجنيس الكلام، وقيل معناه أنه صدقة على نفسه "وبضعته" أي جماعة.
وفي المصباح: البضع بالضم جمعه أبضاع مثل قفل وأقفال يطلق على الفرج والجماع "يأتي" أي أحدنا "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "أرأيت" أي أخبرني "لو وضعها" أي شهوته "أكان يأثم" زاد مسلم: "فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" قال النبي صلى الله عليه وسلم "ويجزىء" أي يكفي "من ذلك" هو بمعنى عن، أي يكفي عما ذكر مما وجب على السلامي من الصدقات كذا في

(14/105)


قال أبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرْ حَمّادٌ الأمْرَ وَالنّهْيَ.
5233- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقيّةَ أخبرنا [أخبرنا] خالِدٌ عن وَاصِلٍ عن يَحْيَى بنِ عُقَيْلٍ عن يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ عن أَبِي الأسْوَدِ الدّيلِيّ عن أَبِي ذَرّ بِهَذَا الحدِيثِ وَذَكَرَ النبي صلى الله عليه وسلم في وَسْطِهِ.
__________
المرقاة "ركعتان" لأن الصلاة عمل بجميع أعظاء البدن فيقوم كل عضو بشكره "من الضحى" أي من صلاة الضحى أو في وقت الضحى.
قال في النهاية: فأما الضحوة فهو ارتفاع أو النهار، والضحى بالضم والقصر فوقه وبه سميت صلاة الضحى انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.
"بهذا الحديث" السابق "وذكر النبي صلى الله عليه وسلم " النبي بالرفع فاعل ذكر أي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث "في وسطه" بفتح الواو وسكون السين أي في وسط كلامه أي بين كلامه، فالضمير المجرور يرجع إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نقل هذا الضبط عن العلامة المحدث محمد إسحاق الدهلوي رحمه الله.
ويحتمل أن لفظ النبي بالنصب وفاعل ذكر الراوي وضمير المجرور في لفظ وسطه يرجع إلى الحديث، أي ذكر الراوي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في وسط الحديث ولم يذكر في أول الحديث أي بعد أبي ذر فروى الحديث عن أبي ذر بصورة الموقوف، ثم ذكر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في وسط الحديث وجعله مرفوعاً وجعله مرفوعاً والله أعلم بالصواب.
ويؤيد المعنى الأول الذي نقل عن شيخ شيخنا الدهلوي ما أخرجه أحمد في مسنده من طريق مهدي بن ميمون حدثنا واصل مولى أبي عيينة عن يحيى ابن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي عن أبي ذر قال: "قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالإجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون، إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تحميدة صدقة وفي بضع أحدكم صدقة"، قال قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته يكون له فيها أجر؟ قال "أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه فيها وزر، وكذلك إذا وضعها في الحلال كان له فيها أجر. وقال وتهليلة وتكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة".
وفي رواية له من طريق عبد الرزاق أنبأنا سفيان عن الأعمش عن عمرو ابن مرة عن أبي البختري عن أبي ذر قال "قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ذهب أهل الأموال بالأجر،، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن فيك صدقة كثيرة" فذكر فضل سمعك وفضل بصرك قال "وفي مباضعتك أهلك صدقة" ، فقال أبو ذر

(14/106)


5234- حدثنا عِيسَى بنُ حَمّادٍ أنبأنا الّليْثُ عن مُحَمّدِ بنِ عَجْلاَنَ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن أَبِي صَالحٍ عن أَبِي هَريْرةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قال: "نَزَعَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطّ غُصْنَ شَوْكٍ عن الطّرِيقِ إِمّا كَانَ في شَجَرَةٍ فَقَطَعَهُ فأَلْقَاهُ [وألقاه]، وَإِمّا كَانَ مَوْضُوعاً فأَمَاطَهُ فَشَكَرَ الله بها لَهُ فأَدْخَلَهُ الْجَنّةَ".
__________
أيؤجر أحدنا في شهوته؟ قال "أرأيت لو وضعته في غير حل أكان عليك وزر"؟ قال نعم. قال "أفتحتسبون بالشر ولا تحسبون بالخير".
وفي رواية له من طريق يعلى بن عبيد حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي ذر قال: "قلت يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر يصلون ويصومون ويحجون، قال "وأنتم تصلون وتصومون وتحجون" ، قلت: يتصدقون ولا نتصدق، قال "وأنت فيك صدقة رفعك العظم عن الطريق صدقة وهدايتك الطريق صدقة، وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة، وبيانك عن الأرتم" -هو الذي لا يفصح الكلام ولا يبينه- صدقة، ومباضعتك امرأتك صدقة" فذكر الحديث.
وأما في الرواية السابقة أي رواية عباد بن عباد فكان ذكر الصدقات في صدر الكلام من غير بيان قصة الأغنياء والفقراء.
وحديث أبي ذر أخرجه مسلم في كتاب الصلاة في باب استحباب صلاة الفتح حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي قال أخبرنا مهدي وهو ابن ميمون أخبرنا واصل مولى أبي عيينة عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحمدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة، ويجزىء من ذلك ركعتان نركعهما من الضحى".
قال المنذري والحديث أخرجه مسلم.
"فشكر الله" أي غفر الله. قال في النهاية: فشكره لعباده مغفرته لهم "له" أي للرجل "بها" أي بهذه الخصلة والحديث سكت عنه المنذري.

(14/107)


32- باب في إطفاء النار بالليل
5235- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أَبِيهِ رِوَايَةً. وقالَ مَرّةً يَبْلُغُ بِهِ النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تَتْرُكُوا النّارَ في بُيُوتِكُم حِينِ تَنَامُونَ".
__________
باب في إطفاء النار بالليل
"عن أبيه" عبد الله بن عمر "رواية" أي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(14/107)


5236- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ التّمّارُ أخبرنا عَمْرُو بنُ طَلْحَةَ حدثنا أَسْبَاطُ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: جَاءَتْ فأْرَةٌ فأَخَذَتْ تَجُرّ الْفَتِيلَةَ فَجَاءَتْ بِهَا فأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى الْخُمْرَةِ الّتي كَانَ قاعِداً عَلَيْهَا فأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ دِرْهَمٍ [الدرهم]، فقَال: "إِذَا نِمْتُمْ فأَطْفِئُوا سُرُجَكُم فإِنّ الشّيْطَانَ يَدُلّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَتَحْرِقَكُم".
__________
"لا تتركوا النار" أي موقدة. قال النووي: هذا عام يدخل فيه نار السراج وغيرها، وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء وإن أمن ذلك كما هو الغالب فالظاهر أنه لا بأس بتركها لانتفاء العلة التي علل بها النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا انتفت العلة زال المنع انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
" فأخذت" أي شرعت "فجاءت" الفأرة "بها" أي بالفتيلة "فألقتها" أي الفتيلة "على الخمرة" هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة خوص ونحوه من النبات ولا تكون خمرة إلا في هذا المقدار وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسعفها وقد جاء في سنن أبي داوود عن ابن عباس قال "جاءت فأرة" الحديث وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكببر كذا في النهاية وفي حياة الحيوان: الخمرة السجادة التي يسجد عليها المصلي سميت بذلك لأنها تخمر الوجه أي تغطيه انتهى "فأحرقت" الفأرة "منها" أي من الخمرة "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "مثل هذه" أي الفأرة "على هذا" أي الفعل وفأرة البيت هي الفويسقة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها في الحل والحرم وأصل الفسق الخروج عن الاستقامة والجور، وبه سمي العاصي فاسقاً، وإنما سميت هذه الحيوانات فواسق على الاستعارة لخبثهن، وقيل لخروجهن عن الحرمة في الحل والحرم أي لا حرمة لهن بحال. وروى الطحاوي في أحكام القرآن بإسناده عن يزيد بن أبي نعيم أنه سأل أبا سعيد الخدري لم سميت الفأرة الفويسقة، فقال استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد أخذت فأرة فتيلة السراج لتحرق على رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فقام إليها وقتلها وأحل قتلها للحلال والمحرم ذكره العلامة الدميري. قال المنذري: في إسناده عمرو بن طلحة ولم نجد له ذكراً فيما رأيناه من كتبهم، وإن كان هو عمرو بن طلحة وقع فيه تصحيف وهي طبقة لا يحتج بحديثه والله عز وجل أعلم. وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي موسى الأشعري قال "احترق بيت على أهله بالمدينة فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنهم قال "إن هذه النار إنما هي عدوة لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم".
وأخرج البخاري من حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خمروا الآنية، وفيه

(14/108)


فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت" وأخرجه مسلم بمعناه وفيه "فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم" قال الطبري في هذه الأحاديث الإبانة على أن الحق على من أراد المبيت في بيت ليس فيه غيره وفيه نار أو مصباح أن لا يبيت حتى يطفئه أو يجره بما يأمن به إحراقه وضره، وكذلك إن كان في البيت جماعة فالحق عليهم إذا أرادو النوم أن لا ينام آخرهم حتى يفعل ما ذكرت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن فرط في ذلك مفرط فلحقه ضرر في نفس أو مال كان لوصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته مخالفاً ولادية له. انتهى كلام المنذري. قلت: عمرو بن طلحة هو عمرو بن حماد بن طلحة الكوفي أبو محمد القناد، روى عن أسباط بن نصر ومندل بن علي، وروى عنه مسلم فرد حديث. وإبراهيم الجوزجاني قال مطين ثقة وقال أبو داوود رافضي، كذا في الخلاصة. والحديث أخرجه الحاكم وقال إسناده صحيح.

(14/109)


33- باب في قتل الحيات
5237- حدثنا إِسْحَاقُ بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن أَبِيهِ عن أَبِي هُريْرةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا سَالَمْنَاهُنّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنّ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنْهُنّ خِيفَةً فَلَيْسَ مِنّا".
5238- حدثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بنُ بَيَانِ السّكّرِيّ عن إِسْحَاقَ بنِ يُوسُفَ عن شَرِيكٍ عن أَبِي إِسْحَاقَ عن الْقَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أَبِيهِ عن ابنِ مَسْعُودٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اقْتُلُوا الْحَيّاتِ كُلّهُنّ، فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنّ فَلَيْسَ مِنّي".
__________
باب ما في قتل الحيات
"ما سالمناهن" أي ما صالحنا الحيات "منذ حاربناهن" أي منذ وقع بيننا وبينهن الحرب، فإن المحاربة والمعاداة بين الحية والإنسان جبلية لأن كلا منهما مجبول على طلب قتل الآخر، وقيل أراد العداوة التي بينها وبين آدم عليه السلام على ما يقال إن إبليس قصد دخول الجنة فمنعه الخزنة فأدخلته الحية في فيها فوسوس لاَدم وحواء حتى أكلا من الشجرة المنهية فأخرجا عنها. قاله القاري "ومن ترك شيئاً منهن" أي من ترك التعرض لهن "خيفة" أي لخوف ضرر منها أو من صاحبها "فليس منا" أي من المقتدين بسنتنا الآخذين بطريقتنا ولعل المراد ما لا تظهر فيه علامة أن يكون جنياً. والحديث سكت عنه المنذري.
"السكري" بضم السين وتشديد الكاف منسوب إلى بيع السكر وشرائه وعمله. قاله المقدسي في الأنساب "اقتلوا الحيات كلهن" ظاهر في قتل أنواع الحيات كلها. وفي حياة الحيوان وما كان منها في البيوت لا يقتل حتى ينذر ثلاثة أيام لقوله صلى الله عليه وسلم "إن بالمدينة جناً قد أسلموا فإذا رأيتم منها شيئاً فأذنوه ثلاثة أيام" حمل بعض العلماء ذلك على المدينة وحدها والصحيح أنه عام في كل بلد لا يقتل حتى ينذر.

(14/109)


5239- حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ أخبرنا مُوسَى بنُ مُسْلِمٍ قال سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَرْفَعُ الحدِيثَ فِيمَا أُرَى إِلَى ابنِ عَبّاسِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ الْحَيّاتِ مَخَافَةَ طَلَبِهِنّ فَلَيْسَ مِنّا، مَا سَالَمْنَاهُنّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنّ".
5240- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ عن مُوسَى الطّحّانِ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ سَابِطٍ عن الْعَبّاسٍ بنِ عَبْدِ المُطّلِبِ أَنّهُ قالَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّا نُرِيدُ أَنْ نَكْنِسَ زَمْزَمَ وَإِنّ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْجِنّانِ - يَعني الْحيّاتِ الصّغَارِ - فأَمَر النبي صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِنّ".
5241- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقْتُلُوا الْحَيّاتِ وَذَا الطّفْيَتَيْنِ وَالابْتَرَ فإِنّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ
__________
واختلف العلماء في الأنذار هل هو ثلاثة أيام أو ثلاثة مرات والأول عليه الجمهور. وكيفية ذلك أن يقول أنشدكن بالعهد الذي أخذه عليكن يوح وسليمان عليهما السلام أن لا تبدون ولا تؤذونا "ثأرهن" أي انتقامهن الثأر هو الدم والانتقام، والمعنى مخافة أن يكون لهن صاحب يطلب ثارها. قد جرت العادة على نهج الجاهلية بأن يقال لا تقتلوا الحيات فإنكم لو قتلتم لجاء زوجها ويلسعكم للانتقام، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا القول والاعتقاد كذا في المرقاة.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.
"طلبهن" أي انتقامهن قال المنذري: ولم يجزم موسى بن مسلم الراوي عن عكرمة بأن عكرمة رفعه.
"إن نكنس زمزم" من باب نصر وضرب أي نصفي زمزم ونخرج منها الكناسة وهي بالضم ما يكنس وهي الزبالة والسباطة "وإن فيها" أي في بئر زمزم "من هذه الجنان" بكسر الجيم وتشديد النون جمع جان كحيطان وحائط ومن هذه تبعيضة منصوبة على أنها اسم إن أي إن فيها بعض هذه الجنان "يعني" أي يريد العباس رضي الله عنه بالجنان. قال المنذري: في سماع عبد الرحمن بن سابط من العباس بن عبد المطلب نظر والأظهر أنه مرسل.
"عن سالم" بن عبد الله بن عمر "اقتلوا الحيات" أي كلها عموماً. قال القرطبي: الأمر في ذلك للارشاد، نعم ما كان منها محقق الضرر وجب دفعه "و" اقتلوا خصوصاً "ذا الطفيتين" بضم الطاء المهملة وسكون الفاء أي صاحبهما، وهي حية خبيثة على ظهرها خطان أسودان كالطفيتين، والطفية بالضم على ما في القاموس خوصة المقل والخوص بالضم ورق النخل

(14/110)


وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ". قال: وَكَانَ عَبْدُ الله يَقْتُلُ كُلّ حَيّةٍ وَجَدَهَا فأَبْصَرَهُ أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بنُ الْخَطّابِ وَهُوَ يُطَارِدُ حَيّةً فقَالَ: إِنّهُ قَدْ نُهِيَ عنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ.
5242- حدثنا الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن أَبِي لُبَابَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم "نَهَى عنْ قَتْلِ الْجِنّانِ [الحيّات] الّتي تَكُونُ في الْبُيُوتِ إِلا أَنْ يَكُونَ ذَا الطّفْيَتَيْنِ [تكون ذات الطيتين] وَالابْتَرَ فإِنّهُمَا يَخْطِفَانِ الْبَصَرِ وَيَطْرِحَانِ مَا في بُطُونِ النّسَاءِ".
5243- حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ: أَنّ ابنَ عُمَرَ وَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ - يَعني بَعْدَ مَا حَدّثَهُ أَبُو لُبَابَةَ - حَيّةَ في دَارِهِ فأَمَرَ بِهَا فأُخْرِجتْ - يَعني إِلَى الْبَقِيعِ.
__________
الواحدة بهاء، والمقل بالضم صمغ شجرة قاله القاري. وقال في النهاية الطفية خوصة المقل في الأصل وجمعها طفي، شبه الخطين اللذين على ظهر الحية بخوصتين من خوص المقل "والأبتر" بالنصب عطفاً على ذا قيل هو الذي يشبه المقطوع الذنب لقصر ذنبه وهو من أخبث ما يكون من الحيات "فإنهما يلتمسان" أي يخطفان ويطمسان "البصر" أي بمجرد النظر إليهما لخاصية السمية في بصرهما، وقيل معناه أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش "الحبل" بفتحتين أي الجنين عند النظر إليهما بالخاصية السمية أو من الخوف الناشيء منهما لبعض الأشخاص "قال" سالم "وكان عبد الله" أي ابن عمر "فأبصره" الضمير المنصوب إلى عبد الله "أبو لبابة" بضم اللام الأنصاري المدني اسمه بشير وقيل رفاعة بن عبد المنذر صحابي مشهور وكان أحد النقباء وعاش إلى خلافة على كذا في التقريب "زيد بن الخطاب" هو عم عبد الله "وهو" أي عبد الله "يطارد" من باب المفاعلة للمغالبة أي يطرد يعني يتبعها طلباً لقتلها "فقال" أبو لبابة "عن ذوات البيوت" أي صواحبها.
وفي مرقاة الصعود: قيل إنه عام في جميع البيوت. وعن مالك تخصيصه بيوت المدينة هو المختار، وقيل تختص ببيوت المدن دون غيرها وعلى كل حال فتقتل في البراري والصحاري من غير إنذار، وروى الترمذي أنها الحية التي تكون دقيقة كأنها فضة ولا تلتوي في مشيتها انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
"الجنان التي تكون في البيوت":
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم بنحوه.
"فأمر" ابن عمر "بها" أي بالحية "فأخرجت" الحية. والحديث سكت عنه المنذري.

(14/111)


5244- حدثنا ابنُ السّرْحِ وَ أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانيّ قالا أنبأنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرني أُسَامَةُ عن نَافِعٍ في هَذَا الحدِيثِ، قال نافِعٌ: ثُمّ رَأَيْتُها بَعْدُ في بَيْتِهِ.
5245- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن مُحَمّدِ بنِ أَبِي يَحْيَى قال: حدّثني أَبِي أَنّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَصَاحِبٌ لَهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ يَعُودُونَهُ [يعودانه] فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِينَا صَاحِباً [فلقينا صاحب] لَنَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ، فأَقْبَلْنَا نَحْنُ فَجَلَسْنَا في المَسْجِدِ، فَجَاءَ فأَخْبَرَنَا أَنّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ يَقُولُ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الْهَوَامّ مِنَ الْجِنّ، فَمَنْ رَأَى في بَيْتِهِ شَيْئاً فَلْيُحَرّجُ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مَرّاتٍ، فإِنْ عَادَ فَلْيَقْتُلْهُ فإِنْهُ شَيْطَانٌ".
5246- حدثنا يَزِيدُ بنُ مَوْهِبٍ الرّمْلِيّ أخبرنا الّليْثُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن صَيْفِيّ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الأنْصَارِ عن أَبِي عن أَبِي السّائِبِ قال: أَتَيْتُ أَبَا سَعيدٍ الْخُدْرِيّ فَبَيْنَمَا [فبينا] أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ سَمِعْتُ تَحْتَ سَرِيرِه تَحْرِيكَ شَيْءِ، فَنَظَرْتُ فإِذَا حَيّةٌ فَقُمْتُ، فقَالَ أَبُو
__________
"في هذا الحديث" السابق "ثم رأيتها" أي الحية "بعد" أي بعد ما أخرجت إلى البقيع.
قال المنذري: قال بعضهم يحتمل أن تكون عادت للأذية في المرة الثانية، ويحتمل أن تكون مؤمنة تحرمت به وتبركت بجواره انتهى.
"انطلق هو" أي والد محمد وهو أبو يحيى "وصاحب له" أي لأبي يحيى "يعودونه" بصيغة الجمع تغليباً، وفي بعض النسخ يعودانه بصيغه التثنية والضمير المنصوب إلى أبي سعيد.
قال أبو علي "فخرجنا من عنده" أي من عند أبي سعيد أنا ومن كان عنده بعد ما دخلنا عليه غير صاحبي الذي كان يريد الدخول عليه أيضاً فإنه دخل عليه بعدي كما يدل عليه السياق وهو قوله "فلقينا صاحباً لنا وهو يريد أن يدخل عليه" أي على أبي سعيد للعيادة بعد خروجي من عنده "فأقبلنا" أي توجهنا إلى المسجد "فجاء" صاحبي "إن الهوام" جمع هامة مثل دابة ودواب، والهامة ماله سم يقتل كالحية وهو المراد ههنا، وقد تطلق على ما لا يقتل كالحشرات "في بيته شيئاً" أي أحداً تصور بصورة شيء من الحيات "فليخرج" من التحريم بمعنى التضييق بأن يقول لهن أنتن في حرج وضيق إن عدتن إلينا فلا تلومننا أن يضيق عليكم بالتتبع والطرد والقتل كذا في النهاية وفتح الودود.
قال المنذري: في إسناده رجل مجهول.

(14/112)


سَعيدٍ: مَالَكَ؟ فقلت: حَيّةٌ هَهُنَا، قال: فَتُرِيدُ مَاذَا؟ قلت: أَقْتُلُهَا، فأَشَارَ إِلَى بَيْتٍ في دَارِهِ تِلْقَاءَ بَيْتِهِ فقَالَ: إِنّ ابنَ عَمَ لِي كَانَ في هَذَا الْبَيْتِ، فَلمّا كَانَ يَوْمٌ الأحْزَابِ اسْتَأْذَنَ إِلَى أَهْلِهِ - وكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ - فأَذِنَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِسِلاَحِهِ، فأَتَى دَارَهُ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قائِمَةَ عَلَى بابَ الْبَيْتِ فأَشَارَ إِلَيْهَا بالرّمْحِ، فقالَتْ: لا تَعْجَلْ حتّى تَنْظُرَ ما أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ الْبَيْتَ فإِذَا حَيّةٌ مُنْكَرَةٌ فَطَعَنَهَا بالرّمْحِ ثُمّ خَرَجَ بِهَا في الرّمْحِ تَرْتَكِضُ. قال: فَلا أَدْرِي أَيّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتاً الرّجُلُ أَو الْحَيّةُ، فأَتَى قَوْمُهُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالُوا: ادْعُ الله أَنْ يَرُدّ صَاحِبَنَا، فقال: "اسْتَغْفِرُوا لِصاحِبِكُم" ، ثُمّ قال: "إِنّ نَفَراً مِنَ الْجِنّ أَسْلَمُوا بالمَدِينَةِ فإِذَا أَحَداً مِنْهُمْ فَحَذّرُوه ثَلاَثَ مَرّاتٍ، ثُمّ أَنْ بَدَالَكُم بَعْدُ أَنْ تَقْتُلُوهُ فاقْتُلُوهُ بَعْدَ الثّلاَثَ".
5247- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ عَجْلاَنَ بِهَذَا الْحَديثِ مُخْتَصَراً قال: "فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلاثاً بَدا لَهُ لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فإِنّهُ شَيْطَانٌ".
5248- حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعيد الْهَمْدَانيّ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني مالِكٌ عن
__________
"اقتلها" أي الحية "فأشار" أبو سعيد "إلى بيت في داره" أي من جملة داره، وفي رواية لمسلم إلى بيت في الدار "تلقاء بيته" أي أبي سعيد "فقال" أبو سعيد "يوم الأحزاب" أي يوم الخندق "استأذن" أي ابن عم لي من النبي صلى الله عليه وسلم أي يرجع "وكان" ابن عم لي "حديث" أي جديد "عهد بعرس" بضم أوله أعرس الرجل بالمرأة بني عليها "وأمره أن يذهب بسلاحه":
وفي رواية مسلم: "خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة" "فأتى" ابن عم "فأشار" ابن عم "إليها" أي إلى امرأته "بالرمح" ليطعنها به لما أصابه من غيرة وحمية "فقالت" امرأته "فطعنها" أي الحية "ثم خرج بها" أي بالحية "ترتكض" أي تتحرك وتضطرب الحية "قال" أبو سعيد "الرجل أو الحية" بيان لأيهما "أن يرد صاحبنا" أي يحييه "فقال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "استغفروا لصاحبكم" يريد أن الذي ينفعه هو استغفاركم لا الدعاء بالإحياء لأنه مضى سبيله "فحذروه" أي خوفوه، والمراد من التخويف التشديد بالحلف عليه كما في الرواية الآتية أن يقال لها أسألك بعهد نوح وبعهد سليمان ابن داوود عليهم السلام أن لا تؤذينا "ثم إن بدا" بالألف أي ظهر "لك بعد" أي بعد التحزير.
قال المذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"بهذا الحديث" السابق "فليؤذنه" من الإيذان بمعنى الإعلام، والمراد به الإنذار والاعتذار، والمعنى قولوا له نحو ما تقدم "بعد" أي بعد الإيذان "فإنه شيطان" أي فليس بجني

(14/113)


صَيْفِيّ مَوْلَى ابنِ أَفْلَحَ أخبرني أَبُو السّائِبِ مَوْلَى هِشامِ بنِ زُهْرَةَ أَنّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيّ فذَكَرَ نَحْوَهُ وَأَتَمّ مِنْهُ قال: "فآذِنُوهُ [فآذنوها] ثَلاثةَ أَيّامٍ فإِنْ بَدا لَكُم بَعْدَ ذَلِكَ فاقْتُلُوهُ فإِنّما هُوَ شَيْطانٌ".
5249- حدثنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ عن عَلِيّ بنِ هاشِمٍ أخبرنا ابنُ أَبي لَيْلَى عن ثابِتِ الْبُنَانيّ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أَبي لَيْلَى عن أَبِيهِ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عنْ حَيّاتِ الْبُيُوتِ فَقَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُنّ شَيْئاً في مَساكِنِكُم فقُولُوا: أَنْشُدُكُنّ [كم] الْعَهْدَ الّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنّ [عليكم] نُوحٌ، أَنْشُدُكُنّ [كم] الْعَهْدَ الّذِي أَخَذَ عَليْكُنّ [عليكم] سُلَيْمانُ أَنْ تُؤْدُونَا [أن لا تؤذنا] فإِنْ عُدْنَ فاقْتُلُوهُنّ".
5250- حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا أَبُو عَوانةَ عن مُغِيرَةَ عن إِبْراهِيمَ عن ابنِ مَسْعُدٍ أَنّهُ قال: "اقْتُلوا الْحَيّاتِ كُلّهَا إِلا الْجَانّ الأبيَضَ الّذِي كَأَنّهُ قَضيبُ فِضّةٍ".
__________
مسلم بل هو إما جني كافر وإما حية وإما ولد من أولاد إبليس، وسماه شيطاناً لتمرده وعدم ذهابه بالإيذان.
"فذكر نحوه" أي نحو الحديث السابق.
قال المنذري: وفي لفظ لمسلم فإنه كافر.
"أنشدكن" من باب نصر أي أسألكن "العهد الذي أخذ عليكن نوح ولعل العهد كان عند إدخالها في السفينة "أخذ عليكن سليمان" كأنه يذكرهن إياه "أن تؤذونا" أي لا تؤذونا كما في الترمذي.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه من حديث ثابت البناني إلا من هذا الوجه من حديث ابن أبي ليلى. هذا آخر كلامه.
وابن أبي ليلى الذي رواه عن ثابت البناني هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الكوفي قاضيها ولا يحتج بحديثه، وأبو ليلى له صحبة واسمه يسار، وقيل داوود، وقيل أوس، وقيل بلال أخوه، وقيل لا يحفظ اسمه، ولقبه أنيس.
"إلا الجان الأبيض" ولعل النهي عن قتل هذا النوع من الحيات إنما كان لعدم ضرره "كأنه قضيب فضة" أي قطعة فضة.
قال في المصباح: قضيب الشيء أي قطعته، ومنه قيل للغصن المقطوع قضيب فعيل بمعنى مفعول انتهى.

(14/114)


قال أبُو دَاوُدَ فقال لِي إِنْسَانٌ: الْجَانّ لا يَنْعَرِجُ في مِشْيَتِهِ، فإِن كَانَ هَذَا صحيحاً كَانَتْ عَلاَمةً فيه إِنْ شاءَ الله.
__________
"قال أبو داوود" من ههنا إلى قوله إن شاء الله وجد في بعض النسخ "لا ينعرج" أي لا ينعطف، يقال انعرج الشيء انعطف.
قال المنذري: هذا منقطع، إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود.
قال أبو عمرو النمري روى عن ابن مسعود في هذا الباب قول غريب حسن وساق هذا الحديث بإسناد أبي داوود.

(14/115)


34- باب في قتل الأوزاغ
5251- حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عَامِرِ بنِ سَعْدِ عن أَبيهِ قال: "أَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمّاهُ فُوَيْسِقاً".
__________
باب قتل الأوزاغ
"بقتل الوزغ" بواو مفتوحة وزاي كذلك وبمعجمة واحدها وزغة وهي دويبة مؤذية وسام أبرص كبيرها قاله القاري.
وفي النهاية: الوزغ جمع وزغة بالتحريك وهي التي يقال لها سام أبرص وجمعها أوزاغ ووزغان "وسماه فويسقاً" لأن الفسق الخروج وهن خرجن عن خلق معظم الحشرات بزيادة الضرر وتصغيره للتعظيم أو للتحقير لأنه ملحق بالخمس أي الفواسق الخمسة التي تقتل في الحل والحرم.
قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم يشبه أن يكون المراد بهذا التصغير التحقير والذنب.
قال ابن الأعرابي: لم يسمع بالفسوق في كلام الجاهلية.
__________
قال الحافظ الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفي صحيح البخاري عن أم شريك رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال "كان ينفخ على إبراهيم".
وفي الصحيحين عنها رضي الله عنها استأمرت النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الأوزاغ فأمر بقتلها.

(14/115)


5252- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيّا عن سُهيْلٍ عن أَبيهِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَتَلَ وَزَغَةَ في أَوّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وكَذَا حَسَنَةَ، وَمَنْ قَتَلَهَا في الضّرْبَةِ الثانيَةِ فَلَهُ كَذَا وكَذَا حَسَنَةَ أَدْنَى مِنَ الأولَى، وَمَنْ قَتَلَهَا في الضّرْبَةِ الثّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وكَذَا حَسَنَةَ أَدْنَى مِنَ الثّانيَةِ".
5253- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ حدثنا إِسْماعِيلُ بنُ زَكَرِيّا عن سُهيْلٍ قال حدّثني أَخِي أَوْ أُخْتِي عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قال: "في أَوّل ضَربَةٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً".
__________
"من قتل وزغة" بفتحات.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: الضربة الأولى معلل إما لأنه حين قتل أحسن فيندرج تحت قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" أو يكون معللاً بالمبادرة إلى الخير، فيندرج في قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} وعلى كلا التعليلين يكون الحية أولى بذلك والعقرب لعظم مفسدتهما انتهى.
وقال في موضع آخر: الآخر في التكاليف على قدر النصب إذا اتحد النوع احترازاً عن اختلافه كالتصديق بكل مال الإنسان، وشذ عن هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم في الوزغة "من قتلها في المرة الأولى فله مائة حسنة، ومن قتلها في الثانية فله سبعون حسنة" فقد صار كلما كثرت المشقة قل الأجر، والسبب في ذلك أن الأجر إنما هو مترتب على تفاوت المصالح لا على تفاوت المشاق، لأن الله سبحانه وتعالى لم يطلب من عباده المشقة والعناء وإنما طلب جلب المصالح ودفع المفاسد، وإنما قال أفضل العبادة أحمزها أي أشقها وأجرك على قدرْ نصبك، لأن الفعل إذا لم يكن شاقاً كان حظ النفس فيه كثيراً فيقل الإخلاص، فإذا كثرت المشقة كان ذلك دليلاً على أنه جعل خالصاً لله عز وجل، فالثواب في الحقيقة مرتب على مراتب الإخلاص لا على مراتب المشقة. وقيل إن الوزغة كانت يوم رمى إبراهيم عليه السلام في النار تضرم النار عليه بنفخها والحيوانات كلها تتسبب في طفئها كذا في مرقاة الصعود "في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة" وفي رواية مسلم "كتبت له مائة حسنة" وسبب تكثير الثواب في قتله أول ضربة الحث على المبادرة بقتله ولاعتناء به والحرص عليه. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"عن سهيل" بن أبي صالح "حدثني أخي أو أختي" قال النووي في شرح مسلم: في أكثر النسخ أختي، وفي بعضها أخي بالتذكير، وفي بعضها أبي، وذكر القاضي الأوجه الثلاثة قالوا ورواية أبي خطأ وهي الواقعة في رواية أبي العلاء بن ماهان، ووقع في رواية أبي دا ود أخي داوود أخي أو أختي.

(14/116)


قال القاضي: أخت سهيل سودة وأخواه هشام وعباد انتهى.
وقال المزي في الأطراف في ترجمة إسماعيل بن زكريا عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، وفي رواية أبي الحسن بن العبد قال حدثني أبي أو أخي عن أبي هريرة "سبعين حسنة":
قال النووي: وأما تقييد الحسنات في الضربة الأولى بمائة وفي رواية بسبعين فجوابه من أوجه إحداها أي هذا مفهوم للعدد ولا يعمل به عند الأصوليين وغيرهم، فذكر سبعين لا يمنع المائة فلا معارضة بينهما.
الثاني لعله أخبرنا بسبعين ثم تصدق الله تعالى بالزيادة فاعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم حين أوحى إليه بعد ذلك.
والثالث أنه يختلف باختلاف قاتلي الوزغ بحسب نياتهم وإخلاصهم وكمال أحوالهم ونقصها فتكون المائة للكامل منهم والسبعين لغيره والله أعلم انتهى.
قال المنذري: وهذا منقطع وليس في أولاد أبي صالح من أدرك أبا هريرة وهم هشام بن أبي صالح وعبد الله بن أبي صالح يعرف بعبادة وسودة بنت أبي صالح وفيهم من فيه مقال ولم يبين من حدثه منهم.
وقال أبو مسعود الدمشقي في تعليقه: قال سهيل وحدثني أخي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وعلى هذا يتصل وتبقى جهالة الأخ وقد أخرج مسلم في الصحيح من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "في أول ضربة سبعين حسنة" انتهى.

(14/117)


35- باب في قتل الذر
5254- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ في المُغِيرَةِ - يَعني ابنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ - عن أبي الزّنادٍ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نَزَلَ نَبيّ مِنَ الأنْبِياءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلاغَتْهُ نَمْلَةٌ فأَمَرَ بِجِهازِهِ فأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِها ثُمّ أَمَرَ بِها فأُحْرِقَتْ، فأَوْحَى الله إِليْهِ: فَهَلا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ".
__________
باب في قتل الذر
أي صغار النمل كذا في المصباح "فلدغته" بإهمال الدال وإعجام الغين أي لسعته "فأمر" أي نبي "بجهازه" بفتح الجيم وكسرها وهو المتاع فأخرج المتاع "من تحتها" أي الشجرة "ثم أمر" نبي "بها" أي بالنملة وفي الرواية الآتية فأمر بقربة النملة "إليه" أي النبي "فهلا

(14/117)


5255- حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهابٍ عن أبي سَلَمةَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ وَ سَعيدِ بنِ المُسَيّبٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "أنّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبياّ مِنَ الأنْبِيَاءِ فأَمَرَ بِقَرْيَةِ النّمْلِ فأُحْرِقَتْ، فأَوْحى الله إِلَيْهِ أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَةً مِنَ الأمَمِ تُسَبّحُ".
__________
نملة واحدة" أي فهلا عاقبت نملة واحدة هي التي قرصتك لأنها الجانية وأما غيرها فليس لها جناية وأما في شرعنا فلا يجوز الإحراق بالنار للحيوان إلا إذا أحرق إنساناً فمات بالإحراق فلوليه الاقتصاص بإحراق الجاني وسواء في منع الإحراق بالنار النمل وغيره للحديث المشهور "لا يعدب بالنار إلا الله" قاله النووي. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي.
"قرصت" أي لسعت ولدغت "نبياً من الأنبياء" هو موسى بن عمران عليه السلام كما سيجيء من كلام القرطبي، وقيل داوود عليه السلام "فأمر بقرية النمل" أي مسكنها ومنزلها سمى قرية لاجتماعها فيه "نملة" أي واحدة "أهلكت أمه" أي أمرت بإهلاك طائفة عظيمة "من الأمم" حال كونها "تسبح" قال النووي: هذا الحديث محمول على أن شرع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان فيه جواز قتل النمل وجواز الإحتراق بالنار. ولم يعتب عليه في أصل القتل والإحراق بل في الزيادة على نملة واحدة انتهى.
وقال العلامة الدميري قال أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول: لم يعاتبه الله تعالى على تحريقها وإنما عاتبه على كونه أخذ البريء بغير البريء. وقال القرطبي: هذا النبي هو موسى بن عمران عليه السلام وأنه قال يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع فكأنه جل وعلا أحب أن يريه ذلك من عنده فسلط عليه الحر حتي التجأ إلى شجرة مستروحاً إلى ظلها وعندها قرية النمل فغلبه النوم فلما وجد لذة النوم لدغته نملة فدلكهن بقدمه فأهلكهن وأحرق مسكنهن، فأراه الله تعالى الآية في ذلك عبرة لما لدغته نملة كيف أصيب الباقون بعقوبتها، يريد تعالى أن ينبهه على أن العقوبة من الله تعم الطائع والعاصي فتصير رحمة وطهارة وبركة على المطيع، وسوءاً ونقمة وعذاباً على العاصي وعلى هذا ليس في الحديث ما يدل على كراهية ولا حظر في قتل النمل، فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك ولا أحد من خلق الله أعظم حرمة من المؤمن، وقد أبيح لك دفعه عنك بضرب أو قتل على ماله من المقدار، فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت للمؤمن وسلط عليها وسلطت عليه، فإذا آذته أبيح له قتلها.
وقوله فهلا نملة واحدة دليل على أن الذي يؤذي يقتل، وكل قتل كان لنفع أو دفع ضر فلا بأس به عند العلماء، ولم يخص تلك النملة التي لدغته من غيرها لأنه ليس المراد القصاص لأنه لو أراده لقال فهلا نملتك التي لدغتك ولكن قال فهلاّ نملة، فكأن نملة تعم البريء

(14/118)


5256- حدثنا أحْمَدُ بنُ حَنْبَلِ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: إِنّ النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدّوَابَ: "النّمْلَةُ، وَالنّحْلَةُ وَالْهُدْهُدُ وَالصّرَدُ".
__________
والجاني، وذلك ليعلم أنه أراد تنبيهه لمسألة ربه تعالى في عذات أهل قرية فيهم المطيع والعاصي.
وقد قيل إن في شرع هذا النبي عليه السلام كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة فلذلك إنما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير لا في أصل الإحراق، ألا ترى قوله فهلا نملة واحدة وهو بخلاف شرعنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الحيوان بالنار وقال "لا يعذب بالنار إلا الله تعالى" فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار إلا إذا أحرق إنساناً فمات بالإحراق فلوارثه الاقتصاص بالإحراق للجاني" انتهى كلام العلامة الدميري.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"النملة والنحلة والهدهد والصرد" بالجر على البدلية، ويجوز الرفع بتقدير أحدها وثانيها، ويجوز النصب بتقدير أعنى.
قال الدميري: والمراد النمل الكبير السليماني كما قاله الخطابي والبغوي في شرح السنة، وأما النمل الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، وكره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل. وأطلق ابن أبي زيد جواز قتل النمل إذا آذت انتهى.
والصرد على وزن عمر، قال ابن الأثير في النهاية هو طائر ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود.
قال الخطابي: إنما جاء في قتل النمل عن نوع منه خاص وهو الكبار ذوات الأرجل الطوال لأنها قليلة الأذى والضرر، وأما النحلة فلما فيها من المنفعة وهو العسل والشمع، وأما الهدهد والصرد فلتحريم لحمها، لأن الحيوان إذا نهى عن قتل الحيوان بغير مأكلة، ويقال إن الهدهد منتن الريح فصار في معنى الجلالة، والصرد تتشاءم به العرب وتتطير بصوته وشخصه، وقيل إنما كرهوه من اسمه من التصريد وهو التقليل انتهى كلام ابن الأثير.
قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه انتهى.
وقال النووي في شرح مسلم: رواه أبو داوود عن ابن عباس مرفوعاً بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم انتهى. وكذا صححه الإمام الحافظ عبد الحق الأشبيلي والعلامة كمال الدين الدميري.

(14/119)


5257- حدثنا أَبُو صَالحٍ مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى أنبأنا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عن أَبِي إِسْحَاقَ الشّيْبَانِيّ عن ابنِ سَعْدٍ. قال أبُو دَاوُدَ: وَهُوَ الْحَسَنُ بنُ سَعْدٍ، عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَبْدِ الله عن أَبِيهِ قال: كُنّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتْ الْحُمّرَةُ فَجَعَلَتْ تُعَرّشُ فَجَاءَ النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ: "مَنْ فَجّعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا، رُدّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا" ، وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرّقْنَاهَا، فقَالَ: "مَنْ حَرّقَ هَذِهِ" ؟ قُلْنَا: نَحْنُ، قال: "إِنّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذّبَ بالنّارِ إِلا رَبّ النّارِ".
__________
"فانطلق" أي النبي صلى الله عليه وسلم "حمرة" في النهاية: هي بضم الحاء وتشديد الميم وقد تخفف طائر صغير كالعصفور انتهى.
وقال الدميري: بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وبالراء المهملة ضرب من الطير كالعصفور والواحدة حمرة وهي حلال بالإجماع لأنها من أنواع العصافير.
وأخرج أبو داوود الطيالسي والحاكم وقال صحيح الإسناد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل رجل غيضة. فأخرج منها بيض حمرة فجاءت الحمرة ترف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه "أيكم فجع هذه" فقال رجل أنا يا رسول الله أخذت بيضها. وفي رواية الحاكم: أخذت فرخها فقال صلى الله عليه وسلم "رده رده رحمة لها".
وفي الترمذي وابن ماجه عن عامر الرام أن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا غيضة فأخذوا فرخ طائر فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرف، فقال صلى الله عليه وسلم "أيكم أخذ فرخ هذا"؟ فقال رجل أنا فأمره أن يرد فرده.
وقد تقدم في سنن أبي داوود في أول كتاب الجنائز عن عامر الرام "معها" أي مع الحمرة "فرخان" الفرخ ولد طائر "تعرش" بالعين المهملة من التعريش في النهاية التعريش أن ترتفع وتظلل بجناحيها على من تحتها انتهى.
وفي مجمع البحار: من عرش الطائر إذا رفرف بأن يرخي جناحيه ويدنو من الأرض ليسقط ولا يسقط وروى تفرش أي تبسط "من فجع" من التفجيع أي من أصاب المصيبة "هذه" أي الحمرة "بولدها" أي بأخذ ولدها.
قال في المصباح: الفجيعة الرزية والرزية المصيبة رزأته أنا إذا أصبته بمصيبة "إليها" أي إلى الحمرة "ورأى" أي النبي صلى الله عليه وسلم "قرية نمل" أي مسكنها "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "من حرق هذه" أي قرية نمل. والحديث سكت عنه المنذري.
وقال عبد الرحمن بن عبد الله هو ابن مسعود انتهى.

(14/120)


36- باب في قتل الضفدع
5258- حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن ابن أَبِي ذِئْبٍ عن سَعِيدِ بنِ خَالِدٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عُثْمانَ: "أَنّ طَبِيباً سَأَلَ النبي صلى الله عليه وسلم عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا في دَوَاءِ، فَنَهَاهُ النبي صلى الله عليه وسلم عنْ قَتْلِهَا".
__________
باب في قتل الضفدع
"عن ضفدع" بكسر الضاد وسكون الفاء والعين المهملة بينهما دال مهملة قال الجوهري: الضفدع مثل الخنصر واحد الضفادع والأنثى ضفدعة، وناس يقولون ضفدع بفتح الدال.
قال الخليل: ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف درهم وهجوع وهو الطويل وهبلع وهو الأكول وبلعم وهو اسم.
قال ابن صلاح: الأشهر فيه من حيث اللغة كسر الدال وفتحها أشهر في ألسنة العامة كذا في حياة الحيوان للدميري.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي انتهى وأخرجه أيضاً أبو داوود الطيالسي والحاكم عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي نحوه سواء.
وروى البيهقي في سننه عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن قتل خمسة النملة والنحلة والضفدع والصرد والهدهد" انتهى فنهيه صلى الله عليه وسلم عن قتلها يدل على أن الضفدع يحرم أكلها وأنها غير داخلة فيما أبيح من دواب الماء.

(14/121)


37- باب في الخذف
5263- حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن عُقْبَةَ ابنِ صَهْبَانَ عن عَبْدِ الله بنِ مُغَفّلٍ قال: نَهَى رَسُولُ صلى الله عليه وسلم عن الخَذْفِ، قال: "إِنّهُ لا يَصِيدُ صَيْداً وَلاَ يَنْكَأُ عَدُواّ، وَإِنّمَا يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السّنّ".
__________
باب في الخذف
"مغفل" بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء وفتحها ولام قاله المنذري "عن الخذف" بالخاء والذال المعجمتين، وهو رمي الإنسان بحصاة أو نواة ونحوهما يجعلها بين إصبعيه السبابتين أو الإبهام والسبابة قاله النووي "ولا ينكأ" أي لا يجرح ولا يقتل.

(14/121)


قال النووي: هو بفتح الياء وبالهمزة في آخره هكذا هو في الروايات المشهورة.
قال القاضي: كذا رويناه قال وفي بعض الروايات ينكي بفتح الياء وكسر الكاف غير مهموز.
قال القاضي: وهو أوجه ههنا لأن المهموز إنما هو من نكأت القرحة، وليس هذا موضعه إلا تجوز وإنما هذا من النكاية، يقال نكيت العدو وأنكيته نكاية ونكأت بالهمزة لغة فيه انتهى.
وفي النهاية: يقال نكيت في العدو وأنكي نكاية فأنا إذا كثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، وقد يهمز لغة فيه يقال نكأت القرحة أنكؤها إذا قشرتها انتهى.
وفي هذا الحديث دلالة على النهي عن الخذف لأنه لا مصلحة فيه ويخاف مفسدته ويلتحق به كل ما شاركه في هذا.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.

(14/122)


38- باب ما جاء في الختان
5260- حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الدّمَشْقِيّ وَ عَبْدُ الْوَهّابِ ابنُ عَبْدِ الرّحِيمِ الأشْجَعِيّ قالا أخبرنا مَرْوَانُ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ حَسّانَ قال عَبْدُ الْوَهّابِ الْكُوفِيّ عن عَبْدِ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ عن أُمّ عَطِيّةَ الانْصَارِيّةِ: أنّ امْرْأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بالمَدِينَةِ فقَالَ لَها
__________
باب ما جاء في الختان
"أخبرنا مروان" هو ابن معاوية "أخبرنا محمد بن حسان" الكوفي "قال عبد الوهاب" الأشجعي في روايته "الكوفي" أي محمد بن حسان الكوفي، وأما سليمان فقال محمد بن حسان ولم يذكر الكوفي.
وفي بعض النسخ هذا الإسناد هكذا أنبأنا محمد بن أخبرنا عبد الوهاب الكوفي وهو غلط لا يصح.
قال الحافظ المزي في الأطراف: هذا الحديث أخرجه أبو داوود في الأدب عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي وعبد الوهاب بن عبد الرحيم الأشجعي كلاهما عن مروان بن معاوية عن محمد بن حسان الكوفي عن عبد الملك بن عمير عن نسيبة أم عطية الأنصارية انتهى.
"كانت تختن" ختن الخاتم الصبي ختناً، من باب ضرب، والاسم الختان بالكسر. كذا في المصباح. وفي المجمع: الختان موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية، وأما في

(14/122)


النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تُنْهِكِي فإِنّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبّ إِلَى الْبَعْلِ".
__________
الغلام فقطع جميع الجلد التي تغطي الحشفة، وفي الجارية قطع أدنى جزء من جلدة أعلى الفرج. انتهى. وفي فتح الباري: الختان اسم لفعل الخاتن ولموضع الختان أيضاً. انتهى.
"لا تنهكي" يقال: نهكت الشيء نهكاً بالغت فيه، من باب نفع وتعب، وأنهكه بالألف لغة. كذا في المصباح. وفي النهاية: معنى لا تنهكي أي لا تبالغي في استقصاء الختان. وفي النهاية في مادة شمم. وفي حديث أم عطية: "أشمي ولا تنهكي" شبه القطع اليسير بإشمام الرائحة والنهك المبالغة فيه، أي اقطعي بعض النواة ولا تستأصليها. انتهى. وفي المجمع: الإشمام أخذ اليسير في ختان المرأة، والنهك المبالغة في القطع. انتهى.
قال النووي: ويسمى ختان الرجل إعذاراً بذال معجمة، وختان المرأة خفضاً بخاء وضاد معجمتين. انتهى. وفي فتح الباري قال الماوردي: ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الخشفة، والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة وأقل ما يجزيء أن لا يبقى منها ما يتغشى به شيء من الحشفة.
وقال إمام الحرمين: المستحق في الرجال قطع القلفة وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء متدل. وقال ابن الصباغ: حتى تنكشف جميع الحشفة ويتأدى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها. قال النووي: وهو شاذ والأول هو المعتمد.
قال الإمام: والمستحق من ختان المرأة ما ينطلق عليه الاسم.
قال الماوردي: ختانها قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مدخل الذكر كالنواة أو كعرف الديك، والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون استئصاله.
ثم ذكر الحافظ حديث أم عطية الذي في الباب، ثم قال قال أبو داوود إنه ليس بالقوي. قلت: وله شاهدان من حديث أنس ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة، وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي.
واختلف في النساء هل يخفضن عموماً أو يفرق بين نساء المشرق فيخفضن ونساء المغرب فلا يخفضن لعدم الفضلة المشروع قطعها منهن بخلاف نساء المشرق قال: فمن قال إن من ولد مختوناً استحب إمرار الموسى على الموضع امتثالاً للأمر. قال في حق المرأة كذلك ومن لا فلا.
وقد ذهب إلى وجوب الختان الشافعي وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء، وعن أحمد وبعض المالكية يجب، وعن أبي حنفية واجب وليس بفرض وعنه سنة يأثم بتركه،

(14/123)


وفي وجه للشافعية لا يجب في حق النساء، وهو الذي أورده صاحب المغنى عن أحمد، وذهب أكثر العلماء وبعض الشافعية إلى أنه ليس بواجب. ومن حجتهم حديث شداد بن أوس رفعه: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء" أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد فيه حجاج بن أرطاة ولا يحتج به. وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين من طريق سعيد بن بشر عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس. وسعيد بن بشر مختلف فيه. وأخرجه أبو الشيخ والبيهقي من وجه آخر عن ابن عباس. وأخرجه البيهقي أيضاً من حديث أبي أيوب. انتهى كلام الحافظ من الفتح مختصراً ملخصاً.
وقال الحافظ في تلخيص الحبير: حديث الختان في الرجال مكرمة في النساء أخرجه أحمد والبيهقي من حديث الحجاج بن أرطاة عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه به، والحجاج مدلس، وقد اضطرب فيه، فتارة رواه كذا، وتارة رواه بزيادة شداد بن أوس بعد والد أبي المليح، أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم في العلل، والطبراني في الكبير، وتارة رواه عن مكحول عن أبي أيوب، وأخرجه أحمد وذكره ابن أبي حاتم في العلل، وحكى عن أبيه أنه خطأ من حجاج أو من الراوي عنه عبد الواحد بن زياد. وقال البيهقي: هو ضعيف منقطع. وقال ابن عبد البر في التمهيد: هذا الحديث يدور على حجاج ابن أرطاة وليس ممن يحتج به.
قلت: وله طريق أخرى من غير رواية حجاج، فقد رواه الطبراني في الكبير والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعاً، وضعفه البيهقي في السنن، وقال في المعرفة: لا يصح رفعه، وهو من رواية الوليد عن ابن ثوبان عن ابن عجلان عن عكرمة عنه ورواته موثقون إلا أن فيه تدليساً.
وقوله صلى الله عليه وسلم لأم عطية وكانت خافضة: "أشمي ولا تنهكي" أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أسيد عن عبد الملك بن عمير عن الضحاك بن قيس: "كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية تخفض الجواري، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أم عطية اخفضي ولا تنهكي فإنه أنضر للوجه وأحظى عند الزوج" ورواه الطبراني وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي من هذا الوجه عن عبيد الله بن عمرو قال حدثني رجل من أهل الكوفة عن عبد الملك بن عمير به.
وقال المفضل العلائي: سألت ابن معين عن هذا الحديث فقال: الضحاك ابن قيس هذا ليس بالفهري. قلت: أورده الحاكم وأبو نعيم في ترجمة الفهري. وقد اختلف فيه على عبد الملك بن عمير، فقيل عنه كذا. وقيل عنه عن عطية القرظي قال: كانت بالمدينة خافضة يقال لها أم عطية فذكره رواه أبو نعيم في المعرفة. وقيل عنه عن أم عطية رواه أبو داوود في السنن وأعله بمحمد بن حسان فقال إنه مجهول ضعيف. انتهى كلامه.

(14/124)


قال أبُو دَاوُدَ: رُوِيَ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَمْرٍو عن عَبْدِ المَلِكِ بِمَعْنَاهُ وَإِسْنَادِهِ.
__________
وقال المناوي في فتح القدير شرح الجامع الصغير: حديث "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء" أخرجه أحمد في مسنده من حديث الحجاج بن أرطاة عن والد أبي المليح. قال الذهبي: وحجاج ضعيف لا يحتج به. وأخرجه الطبراني في الكبير عن شداد عن بن أوس، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال السيوطي إسناده حسن. وقال البيهقي ضعيف منقطع وأقره الذهبي. وقال الحافظ العراقي سنده ضعيف. وقال ابن حجر فيه: الحجاج بن أرطاة مدلس وقد اضطرب فيه وقال أبو حاتم: هذا خطأ من حجاج أو الراوي عنه. انتهى كلامه.
وقال المناوي في التفسير: والحديث إسناده ضعيف خلافاً لقول السيوطي حسن، وقد أخذ بظاهره أبو حنيفة ومالك فقالا: سنة مطلقاً، وقال أحمد: واجب للذكر سنة للأنثى، وأوجبه الشافعي عليهما. انتهى.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن الحاج المالكي في المدخل: والسنة في ختان الذكر اظهاره وفي ختان النساء إخفاؤه، واختلف في حقهم هل يخفضن مطلقاً أو يفرق بين أهل المشرق وأهل المغرب، فأهل المشرق يؤمرن به لوجود الفضلة عندهن من أصل الخلقة وأهل المغرب لا يؤمرون به لعدمها عندهن. انتهى.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد من حديث أم المهاجر قالت: سبيت في جواري من الروم فعرض علينا عثمان الإسلام فلم يسلم منا غيري وغير أخرى، فقال عثمان: اذهبوا فاخفضوهما وطهروهما، وفي إسناده مجهول.
"فإن ذلك" أي عدم المبالغة في القطع وإبقاء بعض النواة والغدة على فرجها "أحظى للمرأة" أي أنقع لها وألذ "وأحب إلى البعل" أي إلى الزوج وذلك لأن الجلد الذي بين جانبي الفرج والغدة التي هناك وهي النواة إذا دلكا دلكاً ملائماً بالإصبع أو بالحك من الذكر تلتذ كمال اللذة حتى لا تملك نفسها وتنزل بلا جماع، فإن هذا الموضع كثير الأعصاب فيكون حسه أقوى ولذة الحكة هناك أشد، ولهذا أمرت المرأة في ختانها لإبقاء بعض النواة والغدة لتلتذ بها بالحك ويحبها زوجها بالملاعبة معها وليتحرك مني المرأة ويذوب، لأن منيها بارد بطيء الحركة، فإذا ذاب وتحرك قبل الجماع بسبب الملاعبة يسرع إنزالها فيوافق إنزالها إنزال الرجل، فإن مني الرجل لحرارته أسرع إنزالاً، وهذا كله سبب لازدياد المحبة والألفة بين الزوج والزوجة، وهذا الذي ذكرته هو مصرح في كتب الطب. والله أعلم.
"قال أبو داوود روى" بصيغة المجهول، أي هذا الحديث "عن عبيد الله ابن عمرو" بن أبي الوليد الأسدي الرقي ثقة "عن عبد الملك" بن عمير الكوفي ثقة "بمعناه وإسناده" أي

(14/125)


قال أبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هُوَ بالْقَوِيّ وَقَدْ رُوِيَ مُرْسَلاً.
قال أبُو دَاوُدَ: وَمُحَمّدُ بنُ حَسّانَ مَجْهُولٌ، وَهذا الحدِيثِ ضَعِيفٌ.
__________
بمعنى حديث محمد بن حسان وإسناده، فعبيد الله بن عمرو الرقي وعبد الملك كلاهما من الثقات، لكن اختلف عليهما في هذا الحديث اختلافاً شديداً، فقيل عن عبيد الله عن زيد بن أبي أسيد، وقيل عنه عن رجل من أهل الكوفة، ثم اختلف على عبد الملك بن عمير فقيل عنه عن أم عطية، وقيل عنه عن الضحاك بن قيس، وقيل عنه عن عطية القرظي كما تقدم بيانه آنفاً، وهذا الاضطراب موجب لضعف الحديث.
"قال أبو داوود: وليس هو" أي الحديث "بالقوي" لأجل الاضطراب ولضعف الراوي وهو محمد بن حسان الكوفي "وقد روى" هذا الحديث "مرسلاً" كما رواه الحاكم في المستدرك والطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن عبد الملك ابن عمير عن الضحاك بن قيس: كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفاً من كلام الحافظ. ومن قوله قد روى مرسلاً إلى آخره قد وجد في أكثر النسخ وذكره أيضاً المزي في الأطراف "محمد ابن حسان مجهول" وتبعه ابن عدي في تجهيله والبيهقي وخالفهم الحافظ عبد الغني ابن سعيد فقال هو محمد بن سعيد المصلوب على الزندقة أحد الضعفاء والمتروكين، وأورد هذا الحديث من طريقه في ترجمته من إيضاح الشك كتاب له.
وله طريقان آخران رواه ابن عدي من حديث سالم بن عبد الله بن عمر، ورواه البزار من حديث نافع كلاهما عن عبد الله بن عمر مرفوعاً بلفظ "يا نساء الأنصار اختضبن غمساً واخفضن ولا تنهكن فإنه أحظى عند أزواجكن" لفظ البزار، وفي إسناده مندل بن علي وهو ضعيف.
وفي إسناده ابن عدي خالد بن عمرو القرشي وهو أضعف من مندل.
ورواه الطبراني في الصغير وابن عدي أيضاً عن أبي خليفة عن محمد بن سلام الجمحي عن زائدة بن أبي الرقاد عن ثابت عن أنس نحو حديث أبي داوود. قال ابن عدي: تفرد به زائدة عنثابت، وقال الطبراني تفرد به محمد بن سلام، وقال ثعلب رأيت يحيى بن معين في جماعة بين يدي محمد بن سلام فسأله عن هذا الحديث، وقد قال البخاري في زائدة إنه منكر الحديث كذا في التلخيص "وهذا الحديث ضعيف" والأمر كما قال أبو داوود، وحديث ختان المرأة روي من أوجه كثيرة وكلها ضعيفة معلولة مخدوشة لا يصح الاحتجاج بها كما عرفت.
وقال ابن المنذر: ليس في الختان خبر يرجع إليه ولا سنة يتبع.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: والذي أجمع عليه المسلمون أن الختان للرجال انتهى والله أعلم: والحديث سكت عنه المنذري.

(14/126)


39- باب في مشي النساء مع الرجال في الطريق
5261- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمةَ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعني ابنَ مُحَمّدٍ - عن أَبِي الْيَمَانِ عن شَدّادِ بنِ أَبِي عَمْرٍو بنِ حَمّاسٍ عن أَبِيهْ عن حَمْزَةَ بنِ أَبِي أُسَيْدٍ الأنْصَارِيّ عن أَبِيهِ: أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ المَسْجِدِ، فاخْتَلَطَ الرّجَالُ مَعَ النّسَاءِ في الطّرِيقِ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِلنّسَاءِ: "اسْتَأْخِرْنَ فإِنّهُ لَيْسَ لَكُنّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطّرِيقَ، عَلَيْكُنّ بِحَافّاتِ الطّرِيقِ"، فَكَانَتِ المَرْأَةُ تَلْصَقُ بالْجِدَارِ حَتّى أَنّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلّقّ بالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِها بِهِ.
5262- حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فارِسِ أخبرنا أَبُو قُتيْبةَ سَلْمُ بنُ قُتَيْبةَ عن دَاوُدَ بنِ أَبي صَالحٍ المُزَنِيّ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم "نَهَى أَنْ يَمْشِيَ - يَعني الرّجُلُ - بَيْنَ المَرْأَتَيْنِ.
__________
باب في مشي النساء مع الرجال في الطريق
"وهو خارج" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أن تحققن" بسكون الحاء المهملة وضم القاف الأولى. قال في النهاية: هو أن يركبن حقها وهو وسطها يقال سقط على حاق القفا وحقه انتهى. وقال الطيبي: أي أبعدن عن الطريق، وفاء فاختلط مسبب عن محذوف أي يقول كيت وكيت فاختلطوا فقال للنساء انتهى.
والمعنى أن ليس لهن أن يذهبن في وسط الطريق "بحافات" جمع حافة وهي الناحية "ثوبها" أي المرأة "من لصوقها" أي المرأة "به" بالجدار. والحديث سكت عنه المنذري.
"أن يمشي يعني" هذا تفسير من أحد الرواة "الرجل بين المرأتين" فإنه ينافي الحياء والمروة والوقار: قال الإمام المنذري رحمه الله: داوود بن أبي صالح هذا هو المدني. قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول حدث بحديث منكر. قال أبو زرعة لا أعرفه إلا في حديث واحد يرويه عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث منكر. وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه الكبير من رواية داوود هذا وقال لا يتابع عليه. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات حتى كان يتعمد لها وذكر هذا الحديث انتهى.

(14/127)


40- باب في الرجل يسب الدهر
5263- حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ بنِ سُفْيَانَ وَ ابنُ السّرْحِ قالا أخبرنا سفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ الله عَزّ وَجَلّ: "يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ، يَسُبّ الدّهْرَ وَأَنا الدّهْرُ، بِيَدِيَ الأمْرُ،أُقلّبُ الّليْلَ وَالنّهارِ".
قال ابن السرح عن ابن المسيب مكان سعيد.
__________
باب في الرجل يسب الدهر
"أخبرنا سفيان": هو ابن عيينة ذكره المزي "عن سعيد" بن المسيب "عن النبي صلى الله عليه وسلم " فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى "يؤذيني" من الإيذاء معناه يعاملني معاملة توجب الأذى في حقكم قاله النووي "يسب الدهر" قال العلامة العيني في عمدة القاري قال الخطابي: كانت الجاهلية تضيف المصائب والنوائب إلى الدهر الذي هو من الليل والنهار وهم في ذلك فرقتان فرقة لا تؤمن بالله تعالى ولا تعرف إلا الدهر الليل والنهار اللذان هما محل للحوادث وظرف لمساقط الأقدار فتنسب المكاره إليه على أنها من فعله ولا ترى أن لها مدبراً غيره، وهذه الفرقة هي الدهرية الذين حكى الله عنهم في قوله {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} الآية، وفرقة تعرف الخالق وتنزهه من أن تنسب إليه المكاره فتضيفها إلى الدهر والزمان، وعلى هذين الوجهين كانوا يسبون الدهر ويذمونه فيقول القائل منهم يا خيبة الدهر ويا بؤس الدهر، فقال صلى الله عليه وسلم لهم مبطلاً ذلك "لا يسبن أحد منكم الدهر فإن الله هو الدهر" يريد والله أعلم لا تسبوا الدهر على أنه الفاعل لهذا الصنيع فالله تعالى هو الفاعل له، فإذا سببتم الذي أنزل بكم المكاره رجع السب إلى الله تعالى وانصرف إليه انتهى "وأنا الدهر":قال العيني قال الخطابي: معناه أنا ملك الدهر ومصرفه فحذف اختصار اللفظ واتساعاً في المعنى.
وقال غيره: معنى قوله أنا أي المدبر أو صاحب الدهر أو مقبله أو مصرفه، ولهذا عقبه بقوله بيدي الأمر.
ويروي بنصب الدهر على معنى أنا باق أو ثابت في الدهر.
وروى أحمد عن أبي هريرة بلفظ "لا تسبوا الدهر فإن الله قال"أنا الدهر الأيام والليالي أوجدها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك انتهى. وليس المراد أن الدهر اسم من أسماء الله تعالى.
وقال النووي: قوله "وأنا الدهر" فإنه برفع الراء هذا هو الصواب المعروف الذي قاله الشافعي وأبو عبيد وجماعة من المتقدمين والمتأخرين. وقال أبو بكر ومحمد بن داوود الظاهري: إنما هو الدهر بالنصب على الظرف أي أنا مدة الدهر أقلب ليله ونهاره.

(14/128)


وحكى ابن عبد البر هذه الرواية عن بعض أهل العلم. وقال النحاس: يجوز النصب أي فإن الله باق مقيم أبداً لا يزول.
وقال بعضهم: هو منصوب على التخصيص قال والظرف أصح وأصوب. وأما رواية الرفع وهي الصواب فموافقة لقوله فإن الله هو الدهر.
قال العلماء: وهو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقولون يا خيبة الدهر ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" أي لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى .
ومعنى فإن الله هو الدهر أي فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات انتهى كلامه.
وفي صحيح مسلم روي هذا الحديث من طرق متنوعة وألفاظ كثيرة، فمنها قوله "قال الله عز وجل: "يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار".
وفي رواية قال الله: "يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار".
وفي رواية قال الله تبارك وتعالى: "يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما".
وفي رواية "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" انتهى.
قال الإمام الحافظ عبد العظيم المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. انتهى.
وقال الحافظ جمال الدين المزي في الأطراف: والحديث أخرجه البخاري في التفسير والتوحيد والأدب، ومسلم في الأدب، وأبو داوود في الأدب، والنسائي في التفسير.
انتهى والله أعلم.

(14/129)