Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الإيمان
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "بني الإسلام على خمس"
...
2- كِتَاب الإِيمَانِ
1- بَاب قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ"
وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ. وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ.قَالَ اللَّهُ تعالى :{لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} وَقَوْلُهُ: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا}. وَقَوْلُهُ جَلَّ ذكره: {فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} .وَقَوْلُهُ تعالى :{وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} .وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنْ الإِيمَانِ.وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنْ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ.وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}. وَقَالَ مُعَاذُ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً.وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ.وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {شَرَعَ

(1/45)


لَكُمْ مِنْ الدِّينِ} : أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا.وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} : سَبِيلًا وَسُنَّةً
قوله: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. كتاب الإيمان" هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب الإيمان.وكتاب: مصدر، يقال: كتب يكتب كتابة وكتابا، ومادة كتب دالة على الجمع والضم، ومنها الكتيبة والكتابة، استعملوا ذلك فيما يجمع أشياء من الأبواب والفصول الجامعة للمسائل، والضم فيه بالنسبة إلى المكتوب من الحروف حقيقة وبالنسبة إلى المعاني المرادة منها مجاز، والباب موضوعه المدخل فاستعماله في المعاني مجاز.والإيمان لغة: التصديق.وشرعا: تصديق الرسول فيما جاء به عن ربه، وهذا القدر متفق عليه.ثم وقع الاختلاف: هل يشترط مع ذلك مزيد أمر من جهة إبداء هذا التصديق باللسان المعبر عما في القلب، إذ التصديق من أفعال القلوب؟ أو من جهة العمل بما صدق به من ذلك، كفعل المأمورات وترك المنتهيات كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.والإيمان فيما قيل مشتق من الأمن، وفيه نظر لتباين مدلولي الأمن والتصديق، إلا أن لوحظ فيه معنى مجازي فيقال: أمنه، إذا صدقه أي: أمنه التكذيب.ولم يستفتح المصنف بدء الوحي بكتاب، لأن المقدمة لا تستفتح بما يستفتح به غيرها، لأنها تنطوي على ما يتعلق بما بعدها، واختلفت الروايات في تقديم البسملة على كتاب أو تأخيرها ولكل وجه، الأول ظاهر، ووجه الثاني وعليه أكثر الروايات أنه جعل الترجمة قائمة مقام تسمية السورة، والأحاديث المذكورة بعد البسملة كالآيات مستفتحة بالبسملة.قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس"، سقط لفظ: "باب " من رواية الأصيلي، وقد وصل الحديث بعد تاما، واقتصاره على طرفه فيه تسمية الشيء باسم بعضه، والمراد باب هذا الحديث.قوله: "وهو" أي: الإيمان "قول وفعل ويزيد وينقص"، وفي رواية الكشميهني: "قول وعمل " وهو اللفظ الوارد عن السلف الذين أطلقوا ذلك، ووهم ابن التين فظن أن قوله وهو إلى آخره مرفوع لما رآه معطوفا، وليس ذلك مراد المصنف، وإن كان ذلك ورد بإسناد ضعيف.والكلام هنا في مقامين: أحدهما: كونه قولا وعملا، والثاني: كونه يزيد وينقص.فأما القول: فالمراد به النطق بالشهادتين، وأما العمل: فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح، ليدخل الاعتقاد والعبادات.ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى، فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان.وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله.ومن هنا نشأ ثم القول بالزيادة والنقص كما سيأتي.والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط.والكرامية قالوا: هو نطق فقط.والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد.والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطا في صحته.والسلف جعلوها شرطا في كماله.وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى.أما بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره، ومن نفي عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعل فعل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته.وأثبتت المعتزلة الواسطة فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر.وأما المقام الثاني فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص.وأنكر ذلك أكثر المتكلمين وقالوا متى قبل ذلك كان شكا.قال الشيخ محيي الدين: والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا يعتريه الشبهة.ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكلا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها.وقد نقل محمد بن نصر المروزي

(1/46)


في كتابه " تعظيم قدر الصلاة " عن جماعة من الأئمة نحو ذلك، وما نقل عن السلف صرح به عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وابن جريج ومعمر وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم.وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في " كتاب السنة " عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم من الأئمة، وروى بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص.وأطنب ابن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك، بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين، وكل من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين.وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السنة والجماعة.وقال الحاكم في مناقب الشافعي: حدثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص.وأخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي من الحلية من وجه آخر عن الربيع وزاد: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.ثم تلا {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} الآية.ثم شرع المصنف يستدل لذلك بآيات من القرآن مصرحة بالزيادة، وبثبوتها يثبت المقابل، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة.قوله: "والحب في الله والبغض في الله من الإيمان" هو لفظ حديث أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة ومن حديث أبي ذر ولفظه: "أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله".ولفظ أبي أمامة: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان".وللترمذي من حديث معاذ بن أنس نحو حديث أبي أمامة وزاد أحمد فيه: "ونصح لله " وزاد في أخرى: "ويعمل لسانه في ذكر الله " وله عن عمرو بن الجموح بلفظ: "لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله " ولفظ البزار رفعه: "أوثق عرا الإيمان الحب في الله والبغض في الله". وسيأتي عند المصنف: "آية الإيمان حب الأنصار " واستدل بذلك على أن الإيمان يزيد وينقص، لأن الحب والبغض يتفاوتان.قوله: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي" أي: ابن عميرة الكندي، وهو تابعي من أولاد الصحابة، وكان عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة فلذلك كتب إليه، والتعليق المذكور وصله أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الإيمان لهما من طريق عيس بن عاصم قال: حدثني عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز " أما بعد فإن للإيمان فرائض وشرائع " الخ.قوله: "إن للإيمان فرائض" كذا ثبت في معظم الروايات باللام، وفرائض بالنصب على أنها اسم إن.وفي رواية ابن عساكر: "فإن الإيمان فرائض " على أن الإيمان اسم إن وفرائض خبرها، وبالأول جاء الموصول الذي أشرنا إليه.قوله: "فرائض" أي: أعمالا مفروضة، "وشرائع" أي: عقائد دينية، "وحدودا" أي: منهيات ممنوعة، "وسننا" أي: مندوبات.قوله: "فإن أعش فسأبينها" أي: أبين تفاريعها لا أصولها، لأن أصولها كانت معلومة لهم جملة، على تجويز تأخير البيان عن وقت الخطاب إذ الحاجة هنا لم تتحقق.والغرض من هذا الأثر أن عمر بن عبد العزيز كان ممن يقول بأن الإيمان يزيد وينقص حيث قال: استدل ولم يستدل.قال الكرماني: وهذا على إحدى الروايتين، وأما على الرواية الأخرى فقد يمنع ذلك لأنه جعل الإيمان غير الفرائض.قلت: لكن آخر كلامه يشعر بذلك وهو قوله: "فمن استكملها " أي: الفرائض وما معها " فقد استكمل الإيمان".وبهذا تتفق الروايتان.فالمراد أنها من المكملات، لأن الشارع أطلق على مكملات الإيمان إيمانا.قوله: "وقال إبراهيم عليه السلام: ولكن ليطمئن قلبي" أشار إلى تفسير سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما لهذه الآية، فروى ابن جرير بسنده الصحيح إلى سعيد قال: قوله: "ليطمئن قلبي" أي: يزداد يقيني.وعن مجاهد قال: لأزداد إيمانا إلى إيماني، وإذا ثبت ذلك عن إبراهيم - عليه السلام - مع أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أمر باتباع ملته - كان كأنه ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك.وإنما فصل المصنف بين هذه الآية وبين

(1/47)


الآيات التي قبلها، لأن الدليل يؤخذ من تلك بالنص ومن هذه بالإشارة.والله أعلم.قوله: "وقال معاذ" هو ابن جبل، وصرح بذلك الأصيلي، والتعليق المذكور وصله أحمد وأبو بكر أيضا بسند صحيح إلى الأسود بن هلال قال: قال لي معاذ بن جبل: "اجلس بنا نؤمن ساعة " وفي رواية لهما: كان معاذ بن جبل يقول للرجل من إخوانه: "اجلس بنا نؤمن ساعة"، فيجلسان فيذكران الله تعالى ويحمدانه.وعرف من الرواية الأولى أن الأسود أبهم نفسه.ويحتمل أن يكون معاذ قال ذلك له ولغيره.ووجه الدلالة منه ظاهرة، لأنه لا يحمل على أصل الإيمان لكونه كان مؤمنا وأي مؤمن، وإنما يحمل على إرادة أنه يزداد إيمانا بذكر الله تعالى.وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لا تعلق فيه للزيادة، لأن معاذا إنما أراد تجديد الإيمان، لأن العبد يؤمن في أول مرة فرضا، ثم يكون أبدا مجددا كلما نظر أو فكر، وما نفاه أولا أثبته آخرا، لأن تجديد الإيمان إيمان.قوله: "وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله" هذا التعليق طرف من أثر وصله الطبراني بسند صحيح، وبقيته: والصبر نصف الإيمان.وأخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد من حديثه مرفوعا، ولا يثبت رفعه.وجرى المصنف على عادته في الاقتصار على ما يدل بالإشارة، وحذف ما يدل بالصراحة، إذ لفظ النصف صريح في التجزئة.وفي الإيمان لأحمد من طريق عبد الله بن عكيم عن ابن مسعود أنه كان يقول: "اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها " وإسناده صحيح، وهذا أصرح في المقصود، ولم يذكره المصنف لما أشرت إليه."تنبيه": تعلق بهذا الأثر من يقول: إن الإيمان هو مجرد التصديق.وأجيب بأن مراد ابن مسعود أن اليقين هو أصل الإيمان، فإذا أيقن القلب انبعثت الجوارح كلها للقاء الله بالأعمال الصالحة، حتى قال سفيان الثوري: لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي، لطار اشتياقا إلى الجنة وهربا من النار.قوله: "وقال ابن عمر الخ" المراد بالتقوى: وقاية النفس الشرك والأعمال السيئة والمواظبة على الأعمال الصالحة.وبهذا التقرير يصح استدلال المصنف.وقوله: "حاك " بالمهملة والكاف الخفيفة أي: تردد، ففيه إشارة إلى أن بعض المؤمنين بلغ كنه الإيمان وحقيقته، وبعضهم لم يبلغ.وقد ورد معنى قول ابن عمر عند مسلم من حديث النواس مرفوعا، وعند أحمد من حديث وابصة، وحسن الترمذي من حديث عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": "لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس " وليس فيها بشيء على شرط المصنف، فلهذا اقتصر على أثر ابن عمر، ولم أره إلى الآن موصولا.وقد أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن أبي الدرداء قال: "تمام التقوى أن تتقي الله حتى تترك ما ترى أنه حلال خشية أن يكون حراما".قوله: "وقال مجاهد" وصل هذا التعليق عبد بن حميد في تفسيره، والمراد أن الذي تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسنة هو شرع الأنبياء كلهم.
"تنبيه": قال شيخ الإسلام البلقيني: وقع في أصل الصحيح في جميع الروايات في أثر مجاهد هذا تصحيف قل من تعرض لبيانه، وذلك أن لفظه: وقال مجاهد: "شرع لكم" أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا.والصواب: أوصاك يا محمد وأنبياءه.كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطبري وابن المنذر في تفاسيرهم.وبه يستقيم الكلام، وكيف يفرد مجاهد الضمير لنوح وحده مع أن في السياق ذكر جماعة! انتهى.ولا مانع من الإفراد في التفسير، وإن كان لفظ الآية بالجمع على إرادة المخاطب والباقون تبع، وإفراد الضمير لا يمتنع، لأن نوحا أفرد في الآية فلم يتعين التصحيف، وغاية ما ذكر من مجيء التفاسير بخلاف لفظه أن يكون مذكورا عند المصنف بالمعنى.والله أعلم.وقد استدل الشافعي وأحمد وغيرهما على أن الأعمال تدخل في الإيمان بهذه الآية: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} إلى قوله: {دِينُ الْقَيِّمَةِ} قال الشافعي: ليس عليهم أحج من هذه الآية.أخرجه الخلال في كتاب السنة.قوله: "وقال ابن عباس" وصل هذا التعليق عبد الرزاق في تفسيره بسند صحيح.والمنهاج: السبيل: أي: الطريق الواضح.والشرعة

(1/48)


والشريعة بمعنى، وقد شرع أي: سن، فعلى هذا فيه لف ونشر غير مرتب.فإن قيل: هذا يدل على الاختلاف والذي قبله على الاتحاد، أجيب:بأن ذلك في أصول الدين وليس بين الأنبياء فيه اختلاف، وهذا في الفروع وهو الذي يدخله النسخ.

(1/49)


-باب دعاؤكم إيمانكم
8 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ".
[الحديث 8_ طرفه في: 4515]
قوله: "دعاؤكم إيمانكم" قال النووي: يقع في كثير من النسخ هنا باب، وهو غلط فاحش وصوابه بحذفه، ولا يصح إدخال باب هنا إذ لا تعلق له هنا.قلت: ثبت باب في كثير من الروايات المتصلة، منها رواية أبي ذر، ويمكن توجيهه، لكن قال الكرماني: إنه وقف على نسخة مسموعة على الفربري بحذفه، وعلى هذا فقوله: "دعاؤكم إيمانكم " من قول ابن عباس، وعطفه على ما قبله كعادته في حذف أداة العطف حيث ينقل التفسير، وقد وصله ابن جرير من قول ابن عباس قال في قوله تعالى :{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} قال يقول: لولا إيمانكم.أخبر الله الكفار أنه لا يعبأ بهم، ولولا إيمان المؤمنين لم يعبأ بهم أيضا.ووجه الدلالة للمصنف أن الدعاء عمل وقد أطلقه على الإيمان فيصح إطلاق أن الإيمان عمل، وهذا على تفسير ابن عباس.وقال غيره: الدعاء هذا مصدر مضاف إلى المفعول، والمراد دعاء الرسل الخلق إلى الإيمان، فالمعنى ليس لكم عند الله عذر إلا أن يدعوكم الرسول فيؤمن من آمن ويكفر من كفر، فقد كذبتم أنتم فسوف يكون العذاب لازما لكم.وقيل: معنى الدعاء هنا: الطاعة.ويؤيده حديث النعمان بن بشير: "أن الدعاء هو العبادة " أخرجه أصحاب السنن بسند جيد.قوله: "حنظلة بن أبي سفيان"، هو قرشي مكي من ذرية صفوان بن أمية الجمحي.وعكرمة بن خالد هو: ابن سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي، وهو ثقة متفق عليه، وفي طبقته عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام بن المغيرة المخزومي، وهو ضعيف، ولم يخرج له البخاري، نبهت عليه لشدة التباسه، ويفترقان بشيوخهما، ولم يرو الضعيف عن ابن عمر.زاد مسلم في روايته عن حنظلة قال: سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسا أن رجلا قال لعبد الله بن عمر: ألا تغزو؟ فقال: إني سمعت.. فذكر الحديث."فائدة": اسم الرجل السائل: حكيم، ذكره البيهقي.قوله: "على خمس" أي: دعائم.وصرح به عبد الرزاق في روايته.وفي رواية لمسلم على خمسة أي: أركان.فإن قيل: الأربعة المذكورة مبنية على الشهادة، إذ لا يصح شيء منها إلا بعد وجودها، فكيف يضم مبني إلى مبني عليه في مسمى واحد؟أجيب: بجواز ابتناء أمر على أمر ينبني على الأمرين أمر آخر.فإن قيل: المبني لا بد أن يكون غير المبني عليه.أجيب: بأن المجموع غير من حيث الانفراد، عين من حيث الجمع.ومثاله البيت من الشعر يجعل على خمسة أعمدة أحدها أوسط والبقية أركان، فما دام الأوسط قائما فمسمى البيت موجود ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده أشياء.وأيضا فبالنظر إلى أسه وأركانه، الأس أصل، والأركان تبع وتكملة."تنبيهات": "أحدها": لم يذكر الجهاد لأنه فرض كفاية ولا يتعين إلا في بعض الأحوال،

(1/49)


ولهذا جعله ابن عمر جواب السائل، وزاد في رواية عبد الرزاق في آخره: وإن الجهاد من العمل الحسن.وأغرب ابن بطال فزعم أن هذا الحديث كان أول الإسلام قبل فرض الجهاد، وفيه نظر، بل هو خطأ، لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر، وبدر كانت في رمضان في السنة الثانية، وفيها فرض الصيام والزكاة بعد ذلك والحج بعد ذلك على الصحيح."ثانيها": قوله: "شهادة أن لا إله إلا الله " وما بعدها مخفوض على البدل من خمس، ويجوز الرفع على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله إلا الله.أو على حذف المبتدأ، والتقدير: أحدها شهادة أن لا إله إلا الله.فإن قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه سؤال جبريل - عليه السلام - ؟أجيب: بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات.وقال الإسماعيلي ما محصله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه كما تقول: قرأت الحمد وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلا: شهدت برسالة محمد وتريد جميع ما ذكر.والله أعلم."ثالثها": المراد بإقام الصلاة: المداومة عليها أو مطلق الإتيان بها، والمراد بإيتاء الزكاة: إخراج جزء من المال على وجه مخصوص."رابعها": اشترط الباقلاني في صحة الإسلام تقدم الإقرار بالتوحيد على الرسالة، ولم يتابع، مع أنه إذا دقق فيه بان وجهه، ويزداد اتجاها إذا فرقهما، فليتأمل."خامسها": يستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنة بخصوص منطوق القرآن، لأن عموم الحديث يقتضي صحة إسلام من باشر ما ذكر، ومفهومه أن من لم يباشره لا يصح منه، وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى :{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ} على ما تقرر في موضعه."سادسها": وقع هنا تقديم الحج على الصوم، وعليه بنى البخاري ترتيبه، لكن وقع في مسلم من رواية سعد بن عبيدة عن ابن عمر بتقديم الصوم على الحج،قال: فقال رجل: والحج وصيام رمضان.فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.انتهى.ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى، إما لأنه لم يسمع رد ابن عمر على الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذلك ثم نسيه.ويبعد ما جوزه بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم على الوجهين ونسي أحدهما عند رده على الرجل، ووجه بعده أن تطرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلى الصحابي، كيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة بتقديم الصوم على الحج، ولأبي عوانة - من وجه آخر عن حنظلة - أنه جعل صوم رمضان قبل، فتنويعه دال على أنه روي بالمعنى.ويؤيده ما وقع عند البخاري في التفسير بتقديم الصيام على الزكاة، أفيقال إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه؟ هذا مستبعد.والله أعلم."فائدة" اسم الرجل المذكور: يزيد بن بشر السكسكي، ذكره الخطيب البغدادي - رحمه الله تعالى -.

(1/50)


3- بَاب أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ} وَقَوْلِهِ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} الآية
قوله: "باب أمور الإيمان"، وللكشميهني: "أمر الإيمان " بالإفراد على إرادة الجنس، والمراد بيان الأمور التي هي الإيمان والأمور التي للإيمان.قوله: "وقول الله تعالى" بالخفض.ووجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث

(1/50)


الباب، تظهر من الحديث الذي رواه عبد الرزاق وغيره، من طريق مجاهد أن أبي ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فتلا عليه: "ليس البر" إلى آخرها، ورجاله ثقات.وإنما لم يسقه المؤلف لأنه ليس على شرطه، ووجهه: أن الآية حصرت التقوى على أصحاب هذه الصفات، والمراد المتقون من الشرك والأعمال السيئة.فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون الكاملون.والجامع بين الآية والحديث: أن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى البر، كما هي داخلة في مسمى الإيمان.فإن قيل: ليس في المتن ذكر التصديق؟أجيب: بأنه ثابت في أصل هذا الحديث كما أخرجه مسلم وغيره، والمصنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الذي يذكر أصله ولم يسقه تاما.قوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} ذكره بلا أداة عطف، والحذف جائز، والتقدير: وقول الله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} ، وثبت المحذوف في رواية الأصيلي، ويحتمل أن يكون ذكر ذلك تفسيرا لقوله المتقون، أي: المتقون هم الموصوفون بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ} إلى آخرها.وكأن المؤلف أشار إلى إمكان عد الشعب من هاتين الآيتين وشبههما، ومن ثم ذكر ابن حبان أنه عد كل طاعة عدها الله تعالى في كتابه من الإيمان، وكل طاعة عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان، وحذف المكرر فبلغت سبعا وسبعين(1).
9 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ."
قوله: "عن أبي هريرة" هذا أول حديث وقع ذكره فيه.ومجموع ما أخرجه له البخاري من المتون المستقلة أربعمائة حديث وستة وأربعون حديثا على التحرير.وقد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا قال ابن عبد البر: لم يختلف في اسم في الجاهلية والإسلام مثل ما اختلف في اسمه، اختلف فيه على عشرين قولا.قلت: وسرد ابن الجوزي في التلقيح منها ثمانية عشر.وقال النووي: تبلغ أكثر من ثلاثين قولا.قلت: وقد جمعتها في ترجمته في تهذيب التهذيب فلم تبلغ ذلك، ولكن كلام الشيخ محمول على الاختلاف في اسمه وفي اسم أبيه معا.قوله: "بضع" بكسر أوله، وحكى الفتح لغة، وهو عدد مبهم مقيد بما بين الثلاث إلى التسع كما جزم به القزاز.وقال ابن سيده: إلى العشر.وقيل: من واحد إلى تسعة.وقيل: من اثنين إلى عشرة.وقيل: من أربعة إلى تسعة.وعن الخليل: البضع: السبع.ويرجح ما قاله القزاز ما اتفق عليه المفسرون في قوله تعالى :{فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} وما رواه الترمذي بسند صحيح: أن قريشا قالوا ذلك لأبي بكر، وكذا رواه الطبري مرفوعا، ونقل الصغاني في العباب أنه خاص بما دون العشرة وبما دون العشرين، فإذا جاوز العشرين امتنع.قال: وأجازه أبو زيد فقال: يقال: بضعة وعشرون رجلا وبضع وعشرون امرأة.وقال الفراء: وهو خاص بالعشرات إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة ولا بضع وألف.ووقع في بعض الروايات بضعة بتاء التأنيث ويحتاج إلى تأويل.قوله: "وستون" لم تختلف الطرق عن أبي عامر شيخ شيخ المؤلف في ذلك، وتابعه يحيى الحماني - بكسر المهملة وتشديد الميم - عن سليمان بن بلال، وأخرجه أبو عوانة من طريق بشر بن عمرو عن سليمان بن بلال فقال: بضع وستون أو بضع وسبعون، وكذا وقع التردد في رواية مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار، ورواه أصحاب السنن الثلاثة
ـــــــ
(1) في النسخ المطبوعة"تسعا وتسعين"؛ وما هنا عن نسخة الرياض المخطوطة

(1/51)


من طريقه فقالوا: بضع وسبعون من غير شك، ولأبي عوانة في صحيحه من طريق ست وسبعون أو سبع وسبعون، ورجح البيهقي رواية البخاري لأن سليمان لم يشك، وفيه نظر لما ذكرنا من رواية بشر بن عمرو عنه فتردد أيضا لكن يرجح بأنه المتيقن وما عداه مشكوك فيه.وأما رواية الترمذي بلفظ أربع وستون فمعلولة، وعلى صحتها لا تخالف رواية البخاري، وترجيح رواية بضع وسبعون لكونها زيادة ثقة - كما ذكره الحليمي ثم عياض - لا يستقيم، إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد المخرج.وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري.وقد رجح ابن الصلاح الأقل لكونه المتيقن.قوله: "شعبة" بالضم أي: قطعة، والمراد الخصلة أو الجزء.قوله: "والحياء" هو بالمد، وهو في اللغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه.وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر: "الحياء خير كله".فإن قيل: الحياء من الغرائز فكيف جعل شعبة من الإيمان؟أجيب: بأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقا، ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثا على فعل الطاعة وحاجزا عن فعل المعصية.ولا يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير، لأن ذاك ليس شرعيا، فإن قيل: لم أفرده بالذكر هنا؟أجيب: بأنه كالداعي إلى باقي الشعب، إذ الحي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر، والله الموفق.وسيأتي مزيد في الكلام عن الحياء في " باب الحياء من الإيمان " بعد أحد عشر بابا."فائدة" قال القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان. ا هـ.ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أوردوه ما أذكره، وهو أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن.فأعمال القلب فيه المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة: الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه.والإيمان بملائكته.وكتبه.ورسله.والقدر خيره وشره.والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة في القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار.ومحبة الله.والحب والبغض فيه.ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه واتباع سنته والإخلاص, ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق.والتوبة.والخوف.والرجاء.والشكر.والوفاء.والصبر.والرضا بالقضاء والتوكل.والرحمة.والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير.وترك الكبر والعجب.وترك الحسد.وترك الحقد.وترك الغصب.وأعمال اللسان، وتشتمل على سبع خصال:التلفظ بالتوحيد.وتلاوة القرآن.وتعلم العلم.وتعليمه.والدعاء.والذكر، ويدخل فيه الاستغفار.واجتناب اللغو.وأعمال البدن، وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة، منها ما يختص بالأعيان وهي خمس عشرة خصلة:التطهير حسا وحكما، ويدخل فيه اجتناب النجاسات.وستر العورة.والصلاة فرضا ونفلا.والزكاة كذلك.وفك الرقاب.والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف.والصيام فرضا ونفلا.والحج، والعمرة كذلك.والطواف.والاعتكاف.والتماس ليلة القدر.والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك.والوفاء بالنذر، والتحري في الإيمان، وأداء الكفارات.ومنها ما يتعلق بالاتباع، وهي ست خصال:التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال.وبر

(1/52)


الوالدين، وفيه اجتناب العقوق.وتربية الأولاد.وصلة الرحم.وطاعة السادة أو الرفق بالعبيد.ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة:القيام بالإمرة مع العدل.ومتابعة الجماعة.وطاعة أولي الأمر.والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة.والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وإقامة الحدود.والجهاد، ومنه المرابطة.وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس.والقرض مع وفائه.وإكرام الجار.وحسن المعاملة، وفيه جمع المال من حله.وإنفاق المال في حقه، ومنه ترك التبذير والإسراف.ورد السلام.وتشميت العاطس.وكف الأذى عن الناس.واجتناب اللهو وإماطة الأذى عن الطريق.فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعا وسبعين خصلة باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر.والله أعلم."فائدة": في رواية مسلم من الزيادة: "أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " وفي هذا إشارة إلى أن مراتبها متفاوتة."تنبيه": في الإسناد المذكور رواية الأقران، وهي:عبد الله بن دينار عن أبي صالح لأنهما تابعيان، فإن وجدت رواية أبي صالح عنه صار من المدبج.ورجاله من سليمان إلى منتهاه من أهل المدينة وقد دخلها الباقون.

(1/53)


4- بَاب الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِه
10 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ". قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
[الحديث 10-طرفه في: 6484]
قوله : "باب" سقط من رواية الأصيلي، وكذا أكثر الأبواب.وهو منون، ويجوز فيه الإضافة إلى جملة الحديث، لكن لم تأت به الرواية.قوله: "المسلم" استعمل لفظ الحديث ترجمة من غير تصرف فيه.قوله: "أبي إياس" اسمه ناهية بالنون وبين الهاءين ياء أخيرة.وقيل اسمه: عبد الرحمن.قوله: "أبي السفر" اسمه سعيد بن يحمد كما تقدم، وإسماعيل مجرور بالفتحة عطفا عليه، والتقدير: كلاهما عن الشعبي.وعبد الله بن عمرو هو: ابن العاص صحابي ابن صحابي.قوله: "المسلم" قيل: الألف واللام فيه للكمال، نحو زيد الرجل أي: الكامل في الرجولية.وتعقب بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملا.ويجاب: بأن المراد بذلك مراعاة باقي الأركان، قال الخطابي: المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين.انتهى.وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذكر مثله في علامة المنافق.ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه، لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه، من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى."تنبيه": ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب، لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدا، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنه.والإتيان بجمع التذكير للتغليب،

(1/53)


فإن المسلمات يدخلن في ذلك.وخص اللسان بالذكر لأنه المعبر عما في النفس، وهكذا اليد لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد، لأن اللسان يمكنه القول في الماضيين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإن أثرها في ذلك لعظيم.ويستثنى من ذلك شرعا تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود والتعازير على المسلم المستحق لذلك.وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء.وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير حق."فائدة": فيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو كثير.قوله: "والمهاجر" هو بمعنى الهاجر، وإن كان لفظ المفاعل يقتضي وقوع فعل من اثنين، لكنه هنا للواحد كالمسافر.ويحتمل أن يكون على بابه لأن من لازم كونه هاجرا وطنه مثلا أنه مهجور من وطنه، وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة.فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان.والظاهرة: الفرار بالدين من الفتن.وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييبا لقلوب من لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام."تنبيه": هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، بخلاف جميع ما تقدم من الأحاديث المرفوعة.على أن مسلما أخرج معناه من وجه آخر، وزاد ابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث أنس صحيحا: "المؤمن من أمنه الناس " وكأنه اختصره هنا لتضمنه لمعناه.والله أعلم.قوله: "وقال أبو معاوية حدثنا داود" هو ابن أبي هند، وكذا في رواية ابن عساكر عن عامر وهو الشعبي المذكور في الإسناد الموصول.وأراد بهذا التعليق بيان سماعه له من الصحابي، والنكتة فيه رواية وهيب بن خالد له عن داود عن الشعبي عن رجل عن عبد الله بن عمرو، حكاه ابن منده، فعلى هذا لعل الشعبي بلغه ذلك عن عبد الله، ثم لقيه فسمعه منه.ونبه بالتعليق الآخر على أن عبد الله الذي أهمل في روايته هو عبد الله بن عمرو الذي بين في رواية رفيقه، والتعليق عن أبي معاوية وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عنه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريقه ولفظه: "سمعت عبد الله بن عمرو يقول: ورب هذه البنية لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده " فعلم أنه ما أراد إلا أصل الحديث.والمراد بالناس هنا: المسلمون كما في الحديث الموصول، فهم الناس حقيقة عند الإطلاق، لأن الإطلاق يحمل على الكامل، ولا كمال في غير المسلمين.ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط وهو إلا بحق، مع أن إرادة هذا الشرط متعينة على كل حال، لما قدمته من استثناء إقامة الحدود على المسلم.والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1/54)


5- بَاب أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟
11 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: "قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ".

(1/54)


قوله: "باب" هو منون، وفيه ما في الذي قبله.قوله: "حدثنا أبو بردة" هو بريد بالموحدة والراء مصغرا، وشيخه جده وافقه في كنيته لا في اسمه، وأبو موسى هو الأشعري.قوله: "قالوا" رواه مسلم والحسن بن سفيان وأبو يعلى في مسنديهما عن سعيد بن يحيى بن سعيد شيخ البخاري بإسناده هذا بلفظ: "قلنا"، ورواه ابن منده من طريق حسين بن محمد الغساني(1) أحد الحفاظ عن سعيد بن يحيى هذا بلفظ: "قلت"، فتعين أن السائل أبو موسى، ولا تخالف بين الروايات لأنه في هذه صرح وفي رواية مسلم أراد نفسه ومن معه من الصحابة، إذ الراضي بالسؤال في حكم السائل.وفي رواية البخاري: أراد أنه وإياهم.وقد سأل هذا السؤال أيضا أبو ذر، رواه ابن حبان.وعمير بن قتادة، رواه الطبراني.قوله: "أي الإسلام" إن قيل الإسلام مفرد، وشرط أي أن تدخل على متعدد.أجيب: بأن فيه حذفا تقديره: أي ذوي الإسلام أفضل؟ويؤيده رواية مسلم: أي المسلمين أفضل؟والجامع بين اللفظين أن أفضلية المسلم حاصلة بهذه الخصلة.وهذا التقدير أولى من تقدير بعض الشراح هنا: أي خصال الإسلام.وإنما قلت إنه أولى لأنه يلزم عليه سؤال آخر بأن يقال: سئل عن الخصال فأجاب بصاحب الخصلة، فما الحكمة في ذلك؟وقد يجاب بأنه يتأتى نحو قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} الآية، والتقدير: "بأي ذوي الإسلام " يقع الجواب مطابقا له بغير تأويل.وإذا ثبت أن بعض خصال المسلمين المتعلقة بالإسلام أفضل من بعض حصل مراد المصنف بقبول الزيادة والنقصان، فتظهر مناسبة هذا الحديث والذي قبله لما قبلهما من تعداد أمور الإيمان، إذ الإيمان والإسلام عنده مترادفان، والله أعلم.فإن قيل: لم جرد " أفعل " هنا عن العمل؟أجيب: بأن الحذف عند العلم به جائز، والتقدير أفضل من غيره."تنبيه" هذا الإسناد كله كوفيون.ويحيى بن سعيد المذكور اسم جده أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، ونسبه المصنف قريشا بالنسبة الأعمية.يكنى أبا أيوب.وفي طبقته يحيى بن سعيد القطان، وحديثه في هذا الكتاب أكثر من حديث الأموي، وليس له ابن يروى عنه يسمى سعيدا فافترقا.وفي الكتاب ممن يقال له يحيى بن سعيد اثنان أيضا، لكن من طبقة فوق طبقة هذين، وهما يحيى بن سعيد الأنصاري السابق في حديث الأعمال أول الكتاب، ويحيى بن سعيد التيمي أبو حيان، ويمتاز عن الأنصاري بالكنية.والله الموفق.

(1/55)


6 بَاب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنْ الإِسْلاَمِ
12 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ."
[الحديث 12- طرفاه في: 6236,28]
قوله: "باب" هو منون، وفيه ما في الذي قبله.قوله: "من الإسلام" للأصيلي: "من الإيمان"، أي: من خصال الإيمان.ولما استدل المصنف على زيادة الإيمان ونقصانه بحديث الشعب، تتبع ما ورد في القرآن والسنن الصحيحة من بيانها، فأورده في هذه الأبواب تصريحا وتلويحا، وترجم هنا بقوله: "إطعام الطعام " ولم يقل أي الإسلام خير كما
ـــــــ
(1) قوله الغساني في نسخة القباني. اهـ عن طبعة بولاق

(1/55)


في الذي قبله إشعارا باختلاف المقامين وتعدد السؤالين كما سنقرره.قوله: "حدثنا عمرو بن خالد" هو الحراني، وهو بفتح العين، وصحف من ضمها.قوله: "الليث" هو ابن سعد فقيه أهل مصر، عن يزيد هو ابن أبي حبيب الفقيه أيضا.قوله: "أن رجلا" لم أعرف اسمه، وقيل أنه أبو ذر، وفي ابن حبان أنه هانئ بن يزيد والد شريح.سأل عن معنى ذلك فأجيب بنحو ذلك.قوله: "أي الإسلام خير؟" فيه ما في الذي قبله من السؤال، والتقدير: أي خصال الإسلام؟ وإنما لم أختر تقدير خصال في الأول فرارا من كثرة الحذف، وأيضا فتنويع التقدير يتضمن جواب من سأل فقال: السؤالان بمعنى واحد والجواب مختلف.فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين بان الفرق.ويمكن التوفيق بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد والسلام لسلامة اللسان، قاله الكرماني.وكأنه أراد في الغالب ويحتمل أن يكون الجواب اختلف لاختلاف السؤال عن الأفضلية، إن لوحظ بين لفظ أفضل ولفظ خير فرق.وقال الكرماني: الفضل بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلة، والخير بمعنى النفع في مقابلة الشر، فالأول من الكمية والثاني من الكيفية فافترقا.واعترض بأن الفرق لا يتم إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة، أما إذا كان كل منهما يعقل تأتيه في الأخرى فلا.وكأنه بنى على أن لفظ خير اسم لا أفعل تفضيل، وعلى تقدير اتحاد السؤالين جواب مشهور وهو الحمل على اختلاف حال السائلين أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب الأول تحذير من خشي منه الإيذاء بيد أو لسان، فأرشد إلى الكف، وفي الثاني ترغيب من رجى فيه النفع العام بالفعل والقول فأرشد إلى ذلك، وخص هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت، لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف.ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام حث عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمذي وغيره مصححا من حديث عبد الله بن سلام.قوله: "تطعم " هو في تقدير المصدر، أي: أن تطعم، ومثله تسمع بالمعيدي.وذكر الإطعام ليدخل فيه الضيافة وغيرها.قوله: "وتقرأ" بلفظ مضارع القراءة بمعنى تقول، قال أبو حاتم السجستاني: تقول: اقرأ عليه السلام، ولا تقول أقرئه السلام، فإذا كان مكتوبا قلت أقرئه السلام أي اجعله يقرأه.قوله: "ومن لم تعرف" أي: لا تخص به أحدا تكبرا أو تصنعا، بل تعظيما لشعار الإسلام ومراعاة لأخوة المسلم. فإن قيل: اللفظ عام فيدخل الكافر والمنافق والفاسق. أجيب: بأنه خص بأدلة أخرى أو أن النهي متأخر وكان هذا عاما لمصلحة التأليف، وأما من شك فيه فالأصل البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص. "تنبيهان": الأول - أخرج مسلم من طريق عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب بهذا الإسناد نظير هذا السؤال، لكن جعل الجواب كالذي في حديث أبي موسى، فادعى ابن منده فيه الاضطراب. وأجيب: بأنهما حديثان اتحد إسنادهما، وافق أحدهما حديث أبي موسى. ولثانيهما شاهد من حديث عبد الله بن سلام كما تقدم.الثاني - هذا الإسناد كله بصريون، والذي قبله كما ذكرنا كوفيون، والذي بعده من طريقيه بصريون، فوقع له التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء.وهو من اللطائف.

(1/56)


7- بَاب مِنْ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
13 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

(1/56)


وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"
قوله: "باب من الإيمان" قال الكرماني: قدم لفظ الإيمان بخلاف أخواته حيث قال: "إطعام الطعام من الإيمان " إما للاهتمام بذكره أو للحصر، كأنه قال: المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان.قلت: وهو توجيه حسن، إلا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام والحصر معا، وهو قوله: "باب حب الرسول من الإيمان".فالظاهر أنه أراد التنويع في العبارة، ويمكن أنه اهتم بذكر حب الرسول فقدمه.والله أعلم.قوله: "يحيى" هو ابن سعيد القطان.قوله: "وعن حسين المعلم" هو ابن ذكوان، وهو معطوف على شعبة.فالتقدير عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة، وإنما لم يجمعهما لأن شيخه أفردهما، فأورده المصنف معطوفا اختصارا، ولأن شعبة قال: عن قتادة،وقال حسين: حدثنا قتادة.وأغرب بعض المتأخرين فزعم أنه طريق حسين معلقة، وهو غلط، فقد رواه أبو نعيم في المستخرج من طريق إبراهيم الحربي عن مسدد شيخ المصنف عن يحيى القطان عن حسين المعلم.وأبدى الكرماني كعادته بحسب التجويز العقلي أن يكون تعليقا أو معطوفا على قتادة، فيكون شعبة رواه عن حسين عن قتادة، إلى غير ذلك مما ينفر عنه من مارس شيئا من علم الإسناد.والله المستعان.
"تنبيه" المتن المساق هنا لفظ شعبة، وأما لفظ حسين من رواية مسدد التي ذكرناها فهو: "لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره"، وللإسماعيلي من طريق روح عن حسين: "حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير " فبين المراد بالأخوة، وعين جهة الحب.وزاد مسلم في أوله عن أبي خيثمة عن يحيى القطان: "والذي نفسي بيده"، وأما طريق شعبة فصرح أحمد والنسائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس، فانتفت تهمة تدليسه.قوله: "لا يؤمن" أي: من يدعي الإيمان، وللمستملي: "أحدكم " وللأصيلي: "أحد " ولابن عساكر: "عبد " وكذا لمسلم عن أبي خيثمة، والمراد بالنفي كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء - على معنى نفي الكمال عنه - مستفيض في كلامهم كقولهم: فلان ليس بإنسان.فإن قيل: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنا كاملا وإن لم يأت ببقية الأركان.أجيب: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: "لأخيه المسلم " ملاحظة بقية صفات المسلم.وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلم بالمراد ولفظه: "لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان " ومعنى الحقيقة هنا الكمال، ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرا، وبهذا يتم استدلال المصنف على أنه يتفاوت، وأن هذه الخصلة من شعب الإيمان، وهي داخلة في التواضع على ما سنقرره.قوله: "حتى يحب" بالنصب لأن حتى جارة وأن بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع فتكون حتى عاطفة فلا يصح المعنى، إذ عدم الإيمان ليس سببا للمحبة.قوله: "ما يحب لنفسه" أي: من الخير كما تقدم عن الإسماعيلي، وكذا هو عند النسائي، وكذا عند ابن منده من رواية همام عن قتادة أيضا.و " الخير ": كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات لأن اسم الخير لا يتناولها.والمحبة: إرادة ما يعتقده خيرا، قال النووي: المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، وقد تكون بحواسه كحسن الصورة، أو بفعله إما لذاته كالفضل والكمال، وإما لإحسانه كجلب نفع أو دفع ضرر.انتهى ملخصا. والمراد بالميل هنا: الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضا أن يحب أن يحصل

(1/57)


لأخيه نظير ما يحصل له، لا عينه، سواء كان في الأمور المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له لا مع سلبه عنه ولا مع بقائه بعينه له، إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال.وقال أبو الزناد بن سراج: ظاهر هذا الحديث طلب المساواة، وحقيقته تستلزم التفضيل.لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل في جملة المفضولين.قلت: أقر القاضي عياض هذا، وفيه نظر.إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة، لأن المقصود الحث على التواضع.فلا يحب أن يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة.ويستفاد ذلك من قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً} ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد والغل والحقد والغش، وكلها خصال مذمومة.
"فائدة" قال الكرماني: ومن الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء.والله أعلم.

(1/58)


8- باب حُبُّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الإِيمَانِ
14 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ."
قوله: "باب حب الرسول" اللام فيه للعهد، والمراد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرينة قوله: "حتى أكون أحب " وإن كانت محبة جميع الرسل من الإيمان، لكن الأحبية مختصة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.قوله: "شعيب" هو ابن أبي حمزة الحمصي، واسم أبي حمزة دينار.وقد أثمر المصنف من تخريج حديثه عن الزهري وأبي الزناد.ووقع في غرائب مالك للدار قطني إدخال رجل - وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن - بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث.وهي زيادة شاذة.فقد رواه الإسماعيلي بدونها من حديث مالك، ومن حديث إبراهيم بن طهمان.وروى ابن منده من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي اليمان شيخ البخاري هذا الحديث مصرحا فيه بالتحديث في جميع الإسناد، وكذا النسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب.قوله: "والذي نفسي بيده" فيه جواز الحلف على الأمر المهم توكيدا وإن لم يكن هناك مستحلف.قوله: "لا يؤمن" أي: إيمانا كاملا.قوله: "أحب" هو أفعل بمعنى المفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، وفصل بينه وبين معموله بقوله: "إليه " لأن الممتنع الفصل بأجنبي.قوله: "من والده وولده" قدم الوالد للأكثرية لأن كل أحد له والد من غير عكس.وفي رواية النسائي في حديث أنس تقديم الولد على الوالد، وذلك لمزيد الشفقة. ولم تختلف الروايات في ذلك في حديث أبي هريرة هذا، وهو من أفراد البخاري عن مسلم.
15 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.ح و حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ": "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ."
قوله: "أخبرنا يعقوب بن إبراهيم" هو الدورقي.والتفريق بين " حدثنا " و " أخبرنا " لا يقول به المصنف كما

(1/58)


يأتي في العلم.وقد وقع في غير رواية أبي ذر " حدثنا يعقوب". قوله: "وحدثنا آدم" عطف الإسناد الثاني على الأول قبل أن يسوق المتن فأوهم استواءهما، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة، لكن زاد فيه: "والناس أجمعين" ، ولفظ عبد العزيز مثله إلا أنه قال كما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن يعقوب شيخ البخاري بهذا الإسناد: "من أهله وماله " بدل من والده وولده، وكذا لمسلم من طريق ابن علية، وكذا للإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز ولفظه: "لا يؤمن الرجل " وهو أشمل من جهة، و " أحدكم " أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيلي: "لا يؤمن أحدكم" .فإن قيل: فسياق عبد العزيز مغاير لسياق قتادة، وصنيع البخاري يوهم اتحادهما في المعنى وليس كذلك.فالجواب: أن البخاري يصنع مثل هذا نظرا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه، واقتصر على سياق قتادة لموافقته لسياق حديث أبي هريرة، ورواية شعبة عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة، لأنه كان لا يسمع منه إلا ما سمعه، وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائي، وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضا في حديث أبي هريرة، وهل تدخل الأم في لفظ الوالد إن أريد به من له الولد فيعم، أو يقال: اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذكر على سبيل التمثيل والمراد الأعزة، كأنه قال:أحب إليه من أعزته، وذكر الناس بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص وهو كثير، وقدم الوالد على الولد في رواية لتقدمه بالزمان والإجلال، وقدم الولد في أخرى لمزيد الشفقة. وهل تدخل النفس في عموم قوله: "والناس أجمعين " ؟ الظاهر دخوله. وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام كما سيأتي. والمراد بالمحبة هنا: حب الاختيار لا حب الطبع، قاله الخطابي.وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فإن من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي صلى الله عليه وسلم راجحا، ومن رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس. وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان، لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال. وتعقبه صاحب المفهم بأن ذلك ليس مرادا هنا، لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزما للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته.قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يومئ قول عمر الذي رواه المصنف في " الأيمان والنذور " من حديث عبد الله بن. هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: "لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.فقال: "لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك" . فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إلي من نفسي.فقال: "الآن يا عمر " انتهى. فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا.ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا.وليس ذلك محصورا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها.ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها.أما نفسه: فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب.وأما غيرها: فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالا ومآلا.فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة وإما بالسبب، علم أنه

(1/59)


سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره، لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه. ولا شك أن حظ الصحابة - رضي الله عنهم - هذا المعنى أتم، لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم، والله الموفق. وقال القرطبي: كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون. فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقا في الشهوات محجوبا في الغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجدانا لا تردد فيه. وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره، ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقر في قلوبهم من محبته. غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات، والله المستعان. انتهى ملخصا.

(1/60)


9- باب حَلاَوَةِ الإِيمَانِ
16 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ."
[الحديث16- أطرافه في: 6941,6041,21]
قوله: "باب حلاوة الإيمان" مقصود المصنف أن الحلاوة من ثمرات الإيمان.ولما قدم أن محبة الرسول من الإيمان أردفه بما يوجد حلاوة ذلك. قوله: "حدثنا محمد بن المثنى" هو أبو موسى العنزي بفتح النون بعدها زاي، قال: حدثنا عبد الوهاب، هو ابن عبد المجيد، حدثنا أيوب، هو ابن أبي تميمة السختياني بفتح السين المهملة على الصحيح، وحكى ضمها وكسرها، عن أبي قلابة بكسر القاف وبباء موحدة. قوله: "ثلاث" هو مبتدأ والجملة الخبر، وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض المضاف إليه، فالتقدير: ثلاث خصال، ويحتمل في إعرابه غير ذلك. قوله: "كن" أي: حصلن، فهي تامة.وفي قوله: "حلاوة الإيمان " استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرا، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئا ما نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوي استدلال المصنف على الزيادة والنقص.قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: إنما عبر بالحلاوة لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: {مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشجرة أصل الإيمان، وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي، وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمر جني الثمرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة وبه تظهر حلاوتها.قوله: "أحب إليه" منصوب لأنه خبر يكون، قال البيضاوي: المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان

(1/60)


جانب ذلك، تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له، ويلتذ بذلك التذاذا عقليا، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك.وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة.قال: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان، لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه: فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله.وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق يقينا.ويخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار.انتهى ملخصا.وشاهد الحديث من القرآن قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} إلى أن قال {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ثم هدد على ذلك وتوعد بقوله: {فَتَرَبَّصُوا} ."فائدة": فيه إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فالأول من الأول والأخير من الثاني وقال غيره: محبة الله على قسمين فرض وندب. فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما يقدره، فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله حيث قدم هوى نفسه. والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء فيقدم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع.وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع مع الندم.وإلى الثاني يشير حديث: "لا يزني الزاني وهو مؤمن" . والندب: أن يواظب على النوافل، ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف عموما بذلك نادر. قال: وكذلك محبة الرسول على قسمين كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئا من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه حرجا مما قضاه، ويتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والتواضع وغيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك. وقال الشيخ محيي الدين: هذا حديث عظيم، أصل من أصول الدين. ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا، ومحبة العبد لله تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول. وإنما قال: "مما سواهما " ولم يقل: "ممن " ليعم من يعقل ومن لا يعقل. قال: وفيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية. وأما قوله للذي خطب فقال: ومن يعصهما " بئس الخطيب أنت" فليس من هذا، لأن المراد في الخطب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ، ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قاله في موضع آخر قال: "ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه". واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أيضا في حديث خطبة النكاح. وأجيب: بأن المقصود في خطبة النكاح أيضا الإيجاز فلا نقض. وثم أجوبة أخرى، منها: دعوى الترجيح، فيكون حيز المنع أولى لأنه عام. والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل، ولأنه قول والآخر فعل. ورد بأن احتمال التخصيص في القول أيضا حاصل بكل قول، ليس فيه صيغة عموم أصلا، ومنها دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك. وإلى هذا مال ابن عبد السلام. ومنها دعوى التفرقة بوجه آخر، وهو أن كلامه صلى الله عليه وسلم هنا جملة واحدة فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر، وكلام الذي خطب جملتان لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر. وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر أن يكره إقامة المضمر فيها مقام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب مع أنه هو صلى الله عليه وسلم جمع كما تقدم؟ ويجاب: بأن قصة الخطيب - كما قلنا - ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين،

(1/61)


فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس من يخشى عليه توهم التسوية كما تقدم.ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى.فمن يدعي حب الله مثلا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد ومحبة الله تعالى للعباد.وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} فأعاد " أطيعوا " في الرسول ولم يعده في أولي الأمر لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصا من كلام البيضاوي والطيبي. ومنها أجوبة أخرى فيها تكلم: منها أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، ومنها أن له أن يجمع بخلاف غيره. قوله: "وأن يحب المرء" قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء. قوله: "وأن يكره أن يعود في الكفر" زاد أبو نعيم في المستخرج من طريق الحسن بن سفيان عن محمد ابن المثنى شيخ المصنف: "بعد إذ أنقذه الله منه"، وكذا هو في طريق أخرى للمصنف، والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة. وعلى الأول فيحمل قوله: "يعود " على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني فإن العود فيه على ظاهره. فإن قيل: فلم عدى العود بفي ولم يعده بإلى؟ فالجواب: أنه ضمنه معنى الاستقرار، وكأنه قال: يستقر فيه. ومثله قوله تعالى: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا}
"تنبيه": هذا الإسناد كله بصريون.وأخرجه المصنف بعد ثلاثة أبواب من طريق شعبة عن قتادة عن أنس، واستدل به على فضل من أكره على الكفر فترك البتة إلى أن قتل، وأخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله، ولفظه في هذه الرواية: "وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " وهي أبلغ من لفظ حديث الباب، لأنه سوى فيه بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه في نار الأخرى، وكذا رواه مسلم من هذا الوجه، وصرح النسائي في روايته والإسماعيلي بسماع قتادة له من أنس، والله الموفق.وأخرجه النسائي من طريق طلق بن حبيب عن أنس وزاد في الخصلة الثانية ذكر البغض في الله ولفظه: "وأن يحب في الله ويبغض في الله " وقد تقدم للمصنف في ترجمته: "والحب في الله والبغض في الله من الإيمان " وكأنه أشار بذلك إلى هذه الرواية.والله أعلم.

(1/62)


10- باب عَلاَمَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ
17 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ."
[الحديث17-طرفه في: 3784]
قوله: "باب" هو منون.ولما ذكر في الحديث السابق أنه: "لا يحبه إلا الله " عقبه بما يشير إليه من أن حب الأنصار كذلك، لأن محبة من يحبهم من حيث هذا الوصف - وهو النصرة - إنما هو لله تعالى، فهم وإن دخلوا في عموم قوله: "لا يحبه إلا الله " لكن التنصيص بالتخصيص دليل العناية.قوله: "حدثنا أبو الوليد" هو الطيالسي

(1/62)


.قوله: "جبر" بفتح الجيم وسكون الموحدة، وهو ابن عتيك الأنصاري، وهذا الراوي ممن وافق اسمه اسم أبيه. قوله: "آية الإيمان" هو بهمزة ممدودة وياء تحتانية مفتوحة وهاء تأنيث، والإيمان مجرور بالإضافة، هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جميع الروايات، في الصحيحين والسنن والمستخرجات والمسانيد. والآية: العلامة كما ترجم به المصنف، ووقع في إعراب الحديث لأبي البقاء العكبري: "إنه الإيمان " بهمزة مكسورة ونون مشددة وهاء، والإيمان مرفوع، وأعربه فقال: إن للتأكيد، والهاء ضمير الشأن، والإيمان مبتدأ وما بعده خبر، ويكون التقدير: إن الشأن الإيمان حب الأنصار.وهذا تصحيف منه.ثم فيه نظر من جهة المعنى لأنه يقتضي حصر الإيمان في حب الأنصار، وليس كذلك.فإن قيل: واللفظ المشهور أيضا يقتضي الحصر، وكذا ما أورده المصنف في فضائل الأنصار من حديث البراء بن عازب: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن"فالجواب عن الأول: أن العلامة كالخاصة تطرد ولا تنعكس، فإن أخذ من طريق المفهوم فهو مفهوم لقب لا عبرة به.سلمنا الحصر لكنه ليس حقيقيا بل ادعائيا للمبالغة، أو هو حقيقي لكنه خاص بمن أبغضهم من حيث النصرة.والجواب عن الثاني: أن غايته أن لا يقع حب الأنصار إلا لمؤمن.وليس فيه نفي الإيمان عمن لم يقع منه ذلك، بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم.فإن قيل: فعلى الشق الثاني هل يكون من أبغضهم منافقا وإن صدق وأقر؟ فالجواب: أن ظاهر اللفظ يقتضيه، لكنه غير مراد، فيحمل على تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة - وهي كونهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر ذلك في تصديقه فيصح أنه منافق.ويقرب هذا الحمل زيادة أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب: "من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم"، ويأتي مثل هذا الحب كما سبق.وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد رفعه: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر"، ولأحمد من حديثه: "حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق".ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير فلا يراد ظاهره، ومن ثم لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، بل قابله بالنفاق إشارة إلى أن الترغيب والترهيب إنما خوطب به من يظهر الإيمان، أما من يظهر الكفر فلا، لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك.قوله: "الأنصار" هو جمع ناصر كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير كأشراف وشريف، واللام فيه للعهد أي: أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد الأوس والخزرج، وكانوا قبل ذلك يعرفون ببني قيلة بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأنصار " فصار ذلك علما عليهم، وأطلق أيضا على أولادهم وحلفائهم ومواليهم. وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجبا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويها بعظيم فضلهم، وتنبيها على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركا لهم في الفضل المذكور كل بقسطه.وقد ثبت في صحيح مسلم عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" ، وهذا جار بإطراد في أعيان الصحابة، لتحقق مشترك الإكرام، لما لهم من حسن الغناء في الدين.قال صاحب المفهم: وأما الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بغض لبعض فذاك من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذاك حال المجتهدين في الأحكام: للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد.والله أعلم.

(1/63)


11- باب
18 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ " بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ:إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ " فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك.
[الحديث18-أطرافه في: 7468,7213,7199,7055,6873,6801,6784,4894,3999,3893,3892]
قوله: "باب" كذا هو في روايتنا بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلا،فحديثه عنده من جملة الترجمة التي قبله، وعلى روايتنا فهو متعلق بها أيضا، لأن الباب إذا لم تذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه به، كصنيع مصنفي الفقهاء.ووجه التعلق أنه لما ذكر الأنصار في الحديث الأول أشار في هذا إلى ابتداء السبب في تلقيبهم بالأنصار، لأن أول ذلك كان ليلة العقبة لما توافقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم عند عقبة منى في الموسم، كما سيأتي شرح ذلك إن شاء الله تعالى في السيرة النبوية من هذا الكتاب.وقد أخرج المصنف حديث هذا الباب في مواضع أخر:في باب من شهد بدرا لقوله فيه: "كان شهد بدرا".وفي باب وفود النصارى لقوله فيه: "وهو أحد النقباء".وأورده هنا لتعلقه بما قبله كما بيناه.ثم إن في متنه ما يتعلق بمباحث الإيمان من وجهين آخرين:أحدهما: أن اجتناب المناهي من الإيمان كامتثال الأوامر.وثانيهما: أنه تضمن الرد على من يقول: إن مرتكب الكبيرة كافر أو مخلد في النار، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.قوله: "عائذ الله" هو اسم علم أي: ذو عياذة بالله، وأبوه عبد الله ابن عمرو الخولاني صحابي، وهو من حيث الرواية تابعي كبير، وقد ذكر في الصحابة لأن له رؤية، وكان مولده عام حنين.والإسناد كله شاميون.قوله: "وكان شهد بدرا" يعني حضر الوقعة المشهورة الكائنة بالمكان المعروف ببدر، وهي أول وقعة قاتل النبي صلى الله عليه وسلم فيها المشركين، وسيأتي ذكرها في المغازي.ويحتمل أن يكون قائل ذلك أبو إدريس، فيكون متصلا إذا حمل على أنه سمع ذلك من عبادة، أو الزهري فيكون منقطعا.وكذا قوله: "وهو أحد النقباء".قوله: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " سقط قبلها من أصل الرواية لفظ: "قال: "وهو خبر أن، لأن قوله: "وكان " وما بعدها معترض، وقد جرت عادة كثير من أهل الحديث بحذف قال خطأ لكن حيث يتكرر في مثل " قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولا بد عندهم مع ذلك من النطق بها، وقد ثبتت في رواية المصنف لهذا الحديث بإسناده هذا في باب من شهد بدرا فلعلها سقطت هنا ممن بعده، ولأحمد عن أبي اليمان بها الإسناد أن عبادة حدثه.قوله: "وحوله" بفتح اللام على الظرفية، والعصابة بكسر العين: الجماعة من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها، وقد جمعت على عصائب وعصب.قوله: "بايعوني" زاد في باب وفود الأنصار " تعالوا بايعوني"، والمبايعة عبارة عن المعاهدة، سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} .قوله: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} قال محمد بن إسماعيل التيمي وغيره: خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم.فالعناية بالنهي عنه آكد، ولأنه كان شائعا فيهم، وهو وأد البنات وقتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذكر

(1/64)


أقل منه،قال الخطابي: هو مثل ليكون عيارا في المعرفة لا في الوزن، لأن ما يشكل في المعقول يرد إلى المحسوس ليفهم. وقال إمام الحرمين: الوزن للصحف المشتملة على الأعمال، ويقع وزنها على قدر أجور الأعمال. وقال غيره: يجوز أن تجسد الأعراض فتوزن، وما ثبت من أمور الآخرة بالشرع لا دخل للعقل فيه، والمراد بحبة الخردل هنا: ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد، لقوله في الرواية الأخرى: " أخرجوا من قال لا إله إلا الله وعمل من الخير ما يزن ذرة". ومحل بسط هذا يقع في الكلام على حديث الشفاعة حيث ذكره المصنف في كتاب الرقاق. قوله: "في نهر الحياء" كذا في هذه الرواية بالمد، ولكريمة وغيرها بالقصر، وبه جزم الخطابي وعليه المعنى، لأن المراد كل ما به تحصل الحياة، والحيا بالقصر هو المطر، وبه تحصل حياة النبات، فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي هو بمعنى الخجل. قوله: "الحبة" بكسر أوله، قال أبو حنيفة الدينوري: الحبة: جمع بزور النبات واحدتها حبة بالفتح، وأما الحب فهو: الحنطة والشعير، واحدتها حبة بالفتح أيضا، وإنما افترقا في الجمع. وقال أبو المعالي في المنتهى: الحبة بالكسر: بزور الصحراء مما ليس بقوت. قوله: "قال وهيب" أي: ابن خالد "حدثنا عمرو" أي: ابن يحيى المازني المذكور.قوله: "الحياة" بالخفض على الحكاية، ومراده: أن وهيبا وافق مالكا في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده، وجزم بقوله: "في نهر الحياة" ولم يشك كما شك مالك.
"فائدة": أخرج مسلم هذا الحديث من رواية مالك فأبهم الشاك، وقد يفسر هنا.
قوله: "وقال خردل من خير" هو على الحكاية أيضا، أي: وقال وهيب في روايته: مثقال حبة من خردل من خير، فخالف مالكا أيضا في هذه الكلمة.وقد ساق المؤلف حديث وهيب هذا في كتاب الرقاق عن موسى ابن إسماعيل عن وهيب، وسياقه أتم من سياق مالك، لكنه قال: "من خردل من إيمان " كرواية مالك، فاعترض على المصنف بهذا، ولا اعتراض عليه، فإن أبا بكر بن أبي شيبة أخرج هذا الحديث في مسنده عن عفان بن مسلم عن وهيب فقال: "من خردل من خير " كما علقه المصنف، فتبين أنه مراده لا لفظ موسى.وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر هذا، لكن لم يسق لفظه، ووجه مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهر، وأراد بإيراده الرد على المرجئة لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود.
23 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ. وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ" . قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟قَالَ: "الدِّينَ."
[الحديث 23-أطرافه في: 7009,7008,3691]
قوله: "حدثنا محمد بن عبيد الله" هو أبو ثابت المدني وأبوه بالتصغير. قوله: "عن صالح" هو ابن كيسان تابعي جليل. قوله: "عن أبي أمامة بن سهل" هو ابن حنيف كما ثبت في رواية الأصيلي، وأبو أمامة مختلف في صحبته، ولم يصح له سماع، وإنما ذكر في الصحابة لشرف الرؤية، ومن حيث الرواية يكون في الإسناد ثلاثة من التابعين أو

(1/65)


وإن كان ضعيفا.ولكن يعكر عليه أيضا أنه عقب الإصابة بالعقوبة في الدنيا، والرياء لا عقوبة فيه، فوضح أن المراد الشرك وأنه مخصوص.وقال القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء أن الحدود كفارات واستدلوا بهذا الحديث، ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا" ، لكن حديث عبادة أصح إسنادا.ويمكن - يعني على طريق الجمع بينهما - أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولا قبل أن يعلمه الله، ثم أعلمه بعد ذلك.قلت: حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار من رواية معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وهو صحيح على شرط الشيخين.وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر، وذكر الدار قطني أن عبد الرزاق تفرد بوصله، وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله.قلت: وقد وصله آدم ابن أبي إياس عن ابن أبي ذئب وأخرجه الحاكم أيضا فقويت رواية معمر، وإذا كان صحيحا فالجمع - الذي جمع به القاضي - حسن، لكن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة، لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة الأولى بمنى، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر، فكيف يكون حديثه متقدما؟وقالوا في الجواب عنه: يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قديما ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمعه عبادة، وفي هذا تعسف.ويبطله أن أبا هريرة صرح بسماعه، وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك.والحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح وهو ما تقدم على حديث عبادة، والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما كان ليلة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه.وسيأتي في هذا الكتاب - في كتاب الفتن وغيره - من حديث عبادة أيضا قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره.. الحديث.وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد والطبراني من وجه آخر عن عبادة أنه جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام " فقال: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة قي النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة.فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها.فذكر بقية الحديث.وعند الطبراني له طريق أخرى وألفاظ قريبة من هذه.وقد وضح أن هذا هو الذي وقع في البيعة الأولى.ثم صدرت مبايعات أخرى ستذكر في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، منها هذه البيعة التي في حديث الباب في الزجر عن الفواحش المذكورة.والذي يقوي أنها وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف، والدليل على ذلك ما عند البخاري في كتاب الحدود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري في حديث عبادة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايعهم قرأ الآية كلها، وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال: "قرأ آية النساء " ولمسلم من طريق معمر عن الزهري قال: "فتلا علينا آية النساء قال: أن لا تشركن بالله شيئا " وللنسائي من طريق الحارث بن فضيل عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا تبايعونني على ما بايع عليه النساء: أن لا تشركوا بالله شيئا " الحديث.وللطبراني من وجه آخر عن الزهري بهذا السند: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة".ولمسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة في هذا الحديث: "أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء".فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول

(1/66)


الآية،بل بعد صدور البيعة، بل بعد فتح مكة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة.ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبيه عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": "أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا " فذكر نحو حديث عبادة، ورجاله ثقات.وقد قال إسحاق بن راهويه: إذا صح الإسناد إلى عمرو بن شعيب فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر. اهـ.وإذا كان عبد الله بن عمرو أحد من حضر هذه البيعة وليس هو من الأنصار ولا ممن حضر بيعتهم، وإنما كان إسلامه قرب إسلام أبي هريرة، وضح تغاير البيعتين - بيعة الأنصار ليلة العقبة وهي قبل الهجرة إلى المدينة، وبيعة أخرى وقعت بعد فتح مكة وشهدها عبد الله بن عمرو وكان إسلامه بعد الهجرة بمدة طويلة - ومثل ذلك ما رواه الطبراني من حديث جرير قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل ما بايع عليه النساء " فذكر الحديث، وكان إسلام جرير متأخرا عن إسلام أبي هريرة على الصواب، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معا، وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به، فكان يذكرها إذا حدث تنويها بسابقيته، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك، توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك.ونظيره ما أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده - وكان أحد النقباء - قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب " وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى " على بيعة النساء وعلى السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا " الحديث.فإنه ظاهر في اتحاد البيعتين، ولكن الحديث في الصحيحين كما سيأتي في الأحكام ليس فيه هذه الزيادة، وهو من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبادة بن الوليد.والصواب أن بيعة الحرب بعد بيعة العقبة لأن الحرب إنما شرع بعد الهجرة، ويمكن تأويل رواية ابن إسحاق وردها إلى ما تقدم، وقد اشتملت روايته على ثلاث بيعات:بيعة العقبة وقد صرح أنها كانت قبل أن يفرض الحرب في رواية الصنابحي عن عبادة عند أحمد.والثانية بيعة الحرب وسيأتي في الجهاد أنها كانت على عدم الفرار.والثالثة بيعة النساء أي: التي وقعت على نظير بيعة النساء.والراجح أن التصريح بذلك(1) وهمٌ من بعض الرواة، والله أعلم.ويعكر على ذلك التصريح في رواية ابن إسحاق من طريق الصنابحي عن عبادة أن بيعة ليلة العقبة كانت على مثل بيعة النساء، واتفق وقوع ذلك قبل أن تنزل الآية، وإنما أضيفت إلى النساء لضبطها بالقرآن.ونظيره ما وقع في الصحيحين أيضا من طريق الصنابحي عن عبادة قال: "إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "؛ وقال: "بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا " الحديث. فظاهر هذا اتحاد البيعتين، ولكن المراد ما قررته أن قوله: "إني من النقباء الذين بايعوا - أي ليلة العقبة - على الإيواء والنصر " وما يتعلق بذلك، ثم قال: بايعناه الخ أي: في وقت آخر، ويشير إلى هذا الإتيان بالواو العاطفة في قوله: "وقال بايعناه". وعليك برد ما أتى من الروايات موهما بأن هذه البيعة كانت ليلة العقبة إلى هذا التأويل الذي نهجت إليه فيرتفع بذلك الإشكال، ولا يبقى بين حديثي أبي هريرة وعبادة تعارض، ولا وجه بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة.واعلم أن عبادة بن الصامت لم ينفرد برواية هذا المعنى، بل روى ذلك علي بن أبي طالب وهو في الترمذي وصححه الحاكم وفيه: "من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثنى العقوبة على عبده في الآخرة " وهو عند الطبراني بإسناد حسن من حديث أبى تميمة الهجيمي، ولأحمد من حديث خزيمة بن ثابت بإسناد
ـــــــ
(1) مرادهأن التصريح بأن البيعة الأولى ليلة العقبة كانت على بيعة النساء وهم من بعض الرواة, وأن البيعة التي وقعت على مثل بيعة النساء كانت بعد ذلك فتنبه والله أعلم

(1/67)


حسن ولفظه:" من أصاب ذنبا أقيم عليه ذلك الذنب فهو كفارة له".وللطبراني عن ابن عمرو(1) مرفوعا: "ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب". وإنما أطلت في هذا الموضع لأنني لم أر من أزال اللبس فيه على الوجه المرضي، والله الهادي.قوله: "فعوقب به" قال ابن التين: يريد به القطع في السرقة والجلد أو الرجم في الزنا.قال: وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة، إلا أن يريد قتل النفس فكنى عنه، قلت: وفي رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" ولكن قوله في حديث الباب: "فعوقب به " أعم من أن تكون العقوبة حدا أو تعزيرا.قال ابن التين: وحكى عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو رادع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم لأنه لم يصل إليه حق.قلت: بل وصل إليه حق وأي حق، فإن المقتول ظلما تكفر عنه ذنوبه بالقتل، كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حبان وغيره: "إن السيف محاء للخطايا"، وعن ابن مسعود قال: "إذا جاء القتل محا كل شيء " رواه الطبراني، وله عن الحسن ابن علي نحوه، وللبزار عن عائشة مرفوعا: "لا يمر القتل بذنب إلا محاه " فلولا القتل ما كفرت ذنوبه، وأي حق يصل إليه أعظم من هذا؟ ولو كان حد القتل إنما شرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل، وهل تدخل في العقوبة المذكورة المصائب الدنيوية من الآلام والأسقام وغيرها؟فيه نظر.ويدل للمنع قوله: "ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله " فإن هذه المصائب لا تنافي الستر، ولكن بينت الأحاديث الكثيرة أن المصائب تكفر الذنوب، فيحتمل أن يراد أنها تكفر ما لا حد فيه.والله أعلم.ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود، وهو قول الجمهور.وقيل: لا بد من التوبة، وبذلك جزم بعض التابعين، وهو قول للمعتزلة، ووافقهم ابن حزم ومن المفسرين البغوي وطائفة يسيرة، واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} والجواب في ذلك: أنه في عقوبة الدنيا، ولذلك قيدت بالقدرة عليه.قوله: "ثم ستره الله" زاد في رواية كريمة: "عليه".قوله: "فهو إلى الله" قال المازني(2): فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل لا بد أن يعذبه.وقال الطيبي: فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد أو بالجنة لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه.قلت: أما الشق الأول فواضح.وأما الثاني فالإشارة إليه إنما تستفاد من الحمل على غير ظاهر الحديث وهو متعين.قوله: "إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه" يشمل من تاب من ذلك ومن لم يتب.وقال بذلك طائفة، وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة، ومع ذلك فلا يأمن مكر الله لأنه لا اطلاع له هل قبلت توبته أو لا.وقيل: يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب، واختلف فيمن أتى ما يوجب الحد، فقيل: يجوز أن يتوب سرا ويكفيه ذلك.وقيل: بل الأفضل أن يأتي الإمام ويعترف به، ويسأله أن يقيم عليه الحد كما وقع لماعز والغامدية.وفصل بعض العلماء بين أن يكون معلنا بالفجور فيستحب أن يعلن بتوبته وإلا فلا. "تنبيه": زاد في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث: "ولا ينتهب " وهو مما يتمسك به في أن البيعة متأخرة، لأن الجهاد عند بيعة العقبة لم يكن فرض، والمراد بالانتهاب: ما يقع بعد القتال في الغنائم. وزاد في روايته أيضا: "ولا يعصى بالجنة، إن فعلنا ذلك، فإن غشينا من ذلك شيئا ما كان قضاء ذلك إلى الله " أخرجه المصنف في باب وفود الأنصار عن قتيبة عن الليث، ووقع عنده " ولا يقضى " بقاف وضاد معجمة وهو تصحيف، وقد تكلف بعض الناس في تخريجه وقال: إنه نهاكم
ـــــــ
(1) في مخطوطة الرياض: ابن عمر (2) في هامش طبعة بولاق: وفي نسخة المازري

(1/68)


عن ولاية القضاء، ويبطله أن عبادة - رضي الله - عنه ولي قضاء فلسطين في زمن عمر - رضي الله عنهما -.وقيل: إن قوله: "بالجنة " متعلق بيقضي، أي: لا يقضى بالجنة لأحد معين.قلت: لكن يبقى قوله: "إن فعلنا ذلك " بلا جواب، ويكفي في ثبوت دعوى التصحيف فيه رواية مسلم عن قتيبة بالعين والصاد المهملتين، وكذا الإسماعيلي عن الحسن ابن سفيان، ولأبي نعيم من طريق موسى بن هارون كلاهما عن قتيبة، وكذا هو عند البخاري أيضا في هذا الحديث في الديات عن عبد الله بن يوسف عن الليث في معظم الروايات، لكن عند الكشميهني بالقاف والضاد أيضا وهو تصحيف كما بيناه.وقوله: "بالجنة " إنما هو متعلق بقوله في أوله " بايعنا".والله أعلم.

(1/69)


12- باب مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ
19 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ."
[الحديث 19- أطرافه في: 7088,6495,3600,3300]
قوله: "باب من الدين الفرار من الفتن" عدل المصنف عن الترجمة بالإيمان - مع كونه ترجم لأبواب الإيمان - مراعاة للفظ الحديث، ولما كان الإيمان والإسلام مترادفين في عرف الشرع وقال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} " صح إطلاق الدين في موضع الإيمان.قوله: "حدثنا عبد الله بن مسلمة" هو القعنبي أحد رواة الموطأ، نسب إلى جده قعنب، وهو بصري أقام بالمدينة مدة.قوله: "عن أبيه" هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة، فسقط الحارث من الرواية، واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري ثم المازني، هلك في الجاهلية، وشهد ابنه الحارث أحدا، واستشهد باليمامة.قوله: "عن أبي سعيد" اسمه سعد على الصحيح - وقيل سنان - ابن مالك بن سنان، استشهد أبوه بأحد، وكان هو من المكثرين.وهذا الإسناد كله مدنيون، وهو من أفراد البخاري عن مسلم.نعم أخرج مسلم في الجهاد - وهو عند المصنف أيضا من وجه آخر - عن أبي سعيد حديث الأعرابي الذي سأل: أي الناس خير؟قال: مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله.قال: ثم من؟قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره.وليس فيه ذكر الفتن.وهي زيادة من حافظ فيقيد بها المطلق.ولها شاهد من حديث أبي هريرة عند الحاكم، ومن حديث أم مالك البهزية عند الترمذي، ويؤيده ما ورد من النهي عن سكنى البوادي والسياحة والعزلة، وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الفتن.قوله: "يوشك" بكسر الشين المعجمة أي: يقرب.قوله: "خير" بالنصب على الخبر، وغنم الاسم، وللأصيلي برفع خير ونصب غنما على الخبرية، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر ويقدر في يكون ضمير الشأن قاله ابن مالك، لكن لم تجيء به الرواية.قوله: "يتبع" تشديد التاء ويجوز إسكانها." وشعف " بفتح المعجمة والعين المهملة جمع شعفة كأكم وأكمة، وهي رؤوس الجبال.قوله: "ومواقع القطر" بالنصب عطفا على شعف، أي بطون الأودية، وخصهما بالذكر لأنهما مظان المرعى.قوله: "يفر بدينه" أي: بسبب دينه.و " من " ابتدائية، قال الشيخ النووي: في الاستدلال بهذا الحديث للترجمة نظر، لأنه لا يلزم من لفظ الحديث عد الفرار دينا، وإنما هو صيانة للدين.قال: فلعله لما رآه صيانة للدين أطلق عليه اسم الدين.وقال غيره: إن أريد بمن كونها جنسية أو تبعيضية فالنظر متجه، وإن أريد كونها ابتدائية

(1/69)


أي الفرار من الفتنة منشؤه الدين فلا يتجه النظر.وهذا الحديث قد ساقه المصنف أيضا في كتاب الفتن، وهو أليق المواضع به، والكلام عليه يستوفى هناك إن شاء الله تعالى.

(1/70)


باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "أنا أعلمكم بالله" وأن المعرفة ....الخ"
...
13- باب قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ"
وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}
20 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنْ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ.قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا."
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " هو مضاف بلا تردد.قوله: "أنا أعلمكم" كذا في رواية أبي ذر، وهو لفظ الحديث الذي أورده في جميع طرقه.وفي رواية الأصيلي: "أعرفكم " وكأنه مذكور بالمعنى حملا على ترادفهما هنا، وهو ظاهر هنا وعليه عمل المصنف.قوله: "وأن المعرفة" بفتح أن والتقدير: باب بيان أن المعرفة.وورد بكسرها وتوجيهه ظاهر.وقال الكرماني: هو خلاف الرواية والدراية.قوله: "لقوله تعالى" مراده الاستدلال بهذه الآية على أن الإيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه والاعتقاد فعل القلب.و قوله: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أي: بما استقر فيها، والآية وإن وردت في الأيمان بالفتح فالاستدلال بها في الإيمان بالكسر واضح للاشتراك في المعنى، إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب. وكأن المصنف لمح بتفسير زيد بن أسلم، فإنه في قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} قال: هو كقول الرجل إن فعلت كذا فأنا كافر، قال: لا يؤاخذه الله بذلك حتى يعقد به قلبه، فظهرت المناسبة بين الآية والحديث، وظهر وجه دخولهما في مباحث الإيمان، فإن فيه دليلا على بطلان قول الكرامية: إن الإيمان قول فقط، ودليلا على زيادة الإيمان ونقصانه لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا أعلمكم بالله " ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم منه في أعلى الدرجات.والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك، فهذا هو الإيمان حقا.
"فائدة": قال إمام الحرمين: أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى، واختلفوا في أول واجب فقيل: المعرفة، وقيل: النظر.وقال المقترح: لا اختلاف في أن أول واجب خطابا ومقصودا المعرفة، وأول واجب اشتغالا وأداء القصد إلى النظر.وفي نقل الإجماع نظر كبير ومنازعة طويلة، حتى نقل جماعة الإجماع في نقيضه، واستدلوا بإطباق أهل العصر الأول على قبول الإسلام ممن دخل فيه من غير تنقيب، والآثار في ذلك كثيرة جدا.وأجاب الأولون عن ذلك: بأن الكفار كانوا يذبون عن دينهم ويقاتلون عليه، فرجوعهم عنه دليل على ظهور الحق لهم. ومقتضى هذا: أن المعرفة المذكورة يكتفي فيها بأدنى نظر، بخلاف ما قرروه.ومع ذلك فقول الله تعالى: َ{فأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ
ـــــــ
(1) الصواب ماذكره المحققون من اهل العلم أن اول واجب هو شهادة أن لا إله إلا الله علما وعملا,وهي أول شيء دعا اليه الرسل,وسيدهم وإمامهم :نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أول شيء دعا إليه أن قال لقومه:قولوا لاإله إلا الله تعلموا. ولما بعث معاذا إلى اليمن قال له:فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لاإله إلا الله.ولأن التوحيد شرط لصحة جميع العبادات,كما يدل عليه قوله تعالى {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

(1/70)


النَّاسَ عَلَيْهَا} وحديث: "كل مولود يولد على الفطرة " ظاهر أن في دفع هذه المسألة من أصلها، وسيأتي مزيد بيان لهذا في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى.وقد نقل القدوة أبو محمد بن أبي جمرة عن أبي الوليد الباجي عن أبي جعفر السمناني - وهو من كبار الأشاعرة - أنه سمعه يقول:إن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب، والله المستعان. وقال النووي: في الآية دليل على المذهب الصحيح أن أفعال القلوب يؤاخذ بها إن استقرت، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل " فمحمول على ما إذا لم تستقر. قلت: ويمكن أن يستدل لذلك من عموم قوله: "أو تعمل " لأن الاعتقاد هو عمل القلب، ولهذه المسألة تكملة تذكر في كتاب الرقاق. قوله: "حدثنا محمد بن سلام" هو بتخفيف اللام على الصحيح.وقال صاحب المطالع: هو بتشديدها عند الأكثر، وتعقبه النووي بأن أكثر العلماء على أنه بالتخفيف، وقد روى ذلك عنه نفسه وهو أخبر بأبيه، فلعله أراد بالأكثر مشايخ بلده.وقد صنف المنذري جزءا في ترجيح التشديد، ولكن المعتمد خلافه. قوله: "أخبرنا عبده" هو ابن سليمان الكوفي، وفي رواية الأصيلي: حدثنا. قوله: "عن هشام" و ابن عروة بن الزبير بن العوام. قوله: "إذا أمرهم أمرهم" كذا في معظم الروايات، ووقع في بعضها أمرهم مرة واحدة، وعليه شرح القاضي أبو بكر بن العربي، وهو الذي وقع قي طرق هذا الحديث التي وقفت عليها من طريق عبده، وكذا من طريق ابن نمير وغيره عن هشام عند أحمد، وكذا ذكره الإسماعيلي من رواية أبي أسامة عن هشام ولفظه: "كان إذا أمر الناس بالشيء"قالوا: والمعنى كان إذا أمرهم بما يسهل عليهم دون ما يشق خشية أن يعجزوا عن الدوام عليه، وعمل هو بنظير ما يأمرهم به من التخفيف، طلبوا منه التكليف بما يشق، لاعتقادهم احتياجهم إلى المبالغة في العمل لرفع الدرجات دونه، فيقولون: "لسنا كهيئتك"فيغضب من جهة أن حصول الدرجات لا يوجب التقصير قي العمل، بل يوجب الازدياد شكرا للمنعم الوهاب، كما قال في الحديث الآخر: " أفلا أكون عبدا شكورا" .وإنما أمرهم بما يسهل عليهم ليداوموا عليه كما في الحديث الآخر: " أحب العمل إلى الله أدومه" ، وعلى مقتضى ما وقع في هذه الرواية من تكرير " أمرهم " يكون المعنى:كان إذا أمرهم بعمل من الأعمال أمرهم بما يطيقون الدوام عليه، فأمرهم الثانية جواب الشرط، وقالوا جواب ثان.قوله: "كهيئتك" أي ليس حالنا كحالك.وعبر بالهيئة تأكيدا.وفي هذا الحديث فوائد:الأولى: أن الأعمال الصالحة ترقي صاحبها إلى المراتب السنية من رفع الدرجات ومحو الخطيئات، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم استدلالهم ولا تعليلهم من هذه الجهة، بل من الجهة الأخرى.الثانية: أن العبد إذا بلغ الغاية في العبادة وثمراتها، كان ذلك أدعى له إلى المواظبة عليها، استبقاء للنعمة، واستزادة لها بالشكر عليها.الثالثة: الوقوف عند ما حد الشارع من عزيمة ورخصة، واعتقاد أن الأخذ بالأرفق الموافق للشرع أولى من الأشق المخالف له.الرابعة: أن الأولى في العبادة القصد والملازمة، لا المبالغة المفضية إلى الترك، كما جاء في الحديث الآخر: "المنبت - أي المجد في السير - لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى".الخامسة: التنبيه على شدة رغبة الصحابة في العبادة وطلبهم الازدياد من الخير.السادسة: مشروعية الغضب عند مخالفة الأمر الشرعي، والإنكار على الحاذق المتأهل لفهم المعنى إذا قصر في الفهم، تحريضا له على التيقظ.السابعة: جواز تحدث المرء بما فيه من فضل بحسب الحاجة لذلك عند الأمن من المباهاة والتعاظم.الثامنة: بيان أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم رتبة الكمال الإنساني لأنه منحصر في الحكمتين العلمية والعملية، وقد أشار إلى الأولى بقوله: "أعلمكم"، وإلى الثانية بقوله: "أتقاكم"، ووقع عند أبي نعيم " وأعلمكم بالله لأنا " بزيادة

(1/71)


لام التأكيد.وفي رواية أبي أسامة عند الإسماعيلي: "والله إن أبركم وأتقاكم أنا" ، ويستفاد منه إقامة الضمير المنفصل مقام المتصل، وهو ممنوع عند أكثر النحاة إلا للضرورة وأولوا قول الشاعر:"وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي"بأن الاستثناء فيه مقدر، أي: وما يدافع عن أحسابهم إلا أنا.قال بعض الشراح: والذي وقع في هذا الحديث، يشهد للجواز بلا ضرورة، وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، وهو من غرائب الصحيح، لا أعرفه إلا من هذا الوجه، فهو مشهور عن هشام، فرد مطلق من حديثه عن أبيه عن عائشة والله أعلم. وقد أشرت إلى ما ورد في معناه من وجه آخر عن عائشة في باب من لم يواجه من كتاب الأدب، وذكرت فيه ما يؤخذ منه تعيين المأمور به. ولله الحمد.

(1/72)


14- باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنْ الإِيمَانِ
21 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ:مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ."
قوله: "باب من كره" يجوز فيه التنوين والإضافة، وعلى الأول " من " مبتدأ و " من الإيمان " خبره. وقد تقدم الكلام على حديث الباب، ومطابقة الترجمة له ظاهرة مما تقدم. وإسناده كله بصريون، وجرى المصنف على عادته في التبويب على ما يستفاد من المتن، مع أنه غاير الإسناد هنا إلى أنس. و " من " في المواضع الثلاثة موصولة بخلاف التي بعد ثلاث فإنها شرطية.

(1/72)


15- باب تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ
22 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:أَخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدْ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا - أَوْ الْحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً " ؟
قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو " الْحَيَاةِ " وَقَالَ: "خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ"
[الحديث 22- أطرافه في: 7439,7438,6574,6560,4919,4581,]
قوله: "باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال" في: ظرفية ويحتمل أن تكون سببية، أي: التفاضل الحاصل بسبب الأعمال. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس عبد الله بن عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت مالك، وقد وافقه على رواية هذا الحديث عبد الله بن وهب ومعن بن عيسى عن مالك، وليس هو في الموطأ. قال الدارقطني: هو غريب صحيح.قوله: "يدخل" للدار قطني من طريق إسماعيل وغيره: "يدخل الله " وزاد من طريق معن " يدخل من يشاء برحمته " وكذا له وللإسماعيلي من طريق ابن وهب. قوله: "مثقال حبة" بفتح الحاء، هو إشارة إلى ما لا

(1/72)


16- باب الْحَيَاءُ مِنْ الإِيمَانِ
24 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ - وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ - فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": " دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الإِيمَانِ"
[الحديث 24- طرفه في: 6118]
قوله: "باب" هو منون، ووجه كون الحياء من الإيمان تقدم مع بقية مباحثه في باب أمور الإيمان، وفائدة إعادته هنا: أنه ذكر هناك بالتبعية وهنا بالقصد مع فائدة مغايرة الطريق.قوله: "حدثنا عبد الله بن يوسف" هو التنيسي نزيل دمشق، ورجال الإسناد سواه من أهل المدينة.قوله: "أخبرنا" وللأصيلي حدثنا مالك، ولكريمة ابن أنس، والحديث في الموطأ.قوله: "عن أبيه" هو عبد الله بن عمر بن الخطاب.قوله: "مر على رجل" لمسلم من طريق معمر " مر برجل " ومر بمعنى: اجتاز يعدى بعلى وبالباء، ولم أعرف اسم هذين الرجلين الواعظ وأخيه.وقوله: "يعظ " أي: ينصح أو يخوف أو يذكر، كذا شرحوه، والأولى أن يشرح بما جاء عند المصنف في الأدب من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن ابن شهاب ولفظه: "يعاتب أخاه في الحياء " يقول:إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضر بك.انتهى.ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متحد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر، و " في " سببية فكأن الرجل كان كثير الحياء فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "دعه " أي: اتركه على هذا الخلق السني، ثم زاده في ذلك ترغيبا لحكمه بأنه من الإيمان، وإذا كان الحياء يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه جر له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق، لا سيما إذا كان المتروك له مستحقا.وقال ابن قتيبة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسمي إيمانا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه.وحاصله أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز، والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان، فلهذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية في نفسها مما يهتم به وإن لم يكن هناك منكر.قال الراغب: الحياء: انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي فلا يكون كالبهيمة.وهو مركب من جبن وعفة فلذلك لا يكون المستحي فاسقا، وقلما يكون الشجاع مستحيا، وقد يكون لمطلق الانقباض كما في بعض الصبيان.انتهى ملخصا.وقال غيره: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره، أعم من أن يكون

(1/74)


شرعيا أو عقليا أو عرفيا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أبله. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: "الحياء شعبة من الإيمان" أي: أثر من آثار الإيمان. وقال الحليمي: حقيقة الحياء خوف الذم بنسبة الشر إليه. وقال غيره: إن كان في محرم فهو واجب، وإن كان في مكروه فهو مندوب، وإن كان في مباح فهو العرفي، وهو المراد بقوله: "الحياء لا يأتي إلا بخير" . ويجمع كل ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع إثباتا ونفيا، وحكي عن بعض السلف: رأيت المعاصي مذلة، فتركتها مروءة، فصارت ديانة. وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته، وقد قال بعض السلف: خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك. والله أعلم.

(1/75)


17- باب {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}
25 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ. فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ."
قوله: "باب" هو منون في الرواية، والتقدير: هذا باب في تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا} ، وتجوز الإضافة أي: باب تفسير قوله.وإنما جعل الحديث تفسيرا للآية لأن المراد بالتوبة في الآية الرجوع عن الكفر إلى التوحيد، ففسره قوله صلى الله عليه وسلم:" حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله".وبين الآية والحديث مناسبة أخرى، لأن التخلية في الآية والعصمة في الحديث بمعنى واحد، ومناسبة الحديث لأبواب الإيمان من جهة أخرى وهي الرد على المرجئة، حيث زعموا أن الإيمان لا يحتاج إلى الأعمال. قوله: "حدثنا عبد الله بن محمد" زاد ابن عساكر: "المسندي " وهو بفتح النون كما مضى، قال: حدثنا أبو روح هو بفتح الراء. قوله: "الحرمي" هو بفتح المهملتين، وللأصيلي حرمي، وهو اسم بلفظ النسب تثبت فيه الألف واللام وتحذف، مثل مكي بن إبراهيم الآتي بعد. وقال الكرماني: أبو روح كنيته، واسمه ثابت والحرمي نسبته، كذا قال.وهو خطأ من وجهين:أحدهما في جعله اسمه نسبته، والثاني في جعله اسم جده اسمه، وذلك أنه حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، واسم أبي حفصة نابت(1)، وكأنه رأى في كلام بعضهم واسمه نابت فظن أن الضمير يعود على حرمي لأنه المتحدث عنه، وليس كذلك بل الضمير يعود على أبي حفصة لأنه الأقرب، وأكد ذلك عنده وروده في هذا السند " الحرمي " بالألف واللام وليس هو منسوبا إلى الحرم بحال، لأنه بصري الأصل والمولد والمنشأ والمسكن والوفاة.ولم يضبط نابتا كعادته وكأنه ظنه بالمثلثة كالجادة(2)، والصحيح أن أوله نون. قوله: "عن واقد بن محمد" زاد الأصيلي: يعني ابن زيد بن عبد الله بن عمر فهو من رواية الأبناء عن الأباء، وهو كثير لكن رواية الشخص عن أبيه عن جده أقل، وواقد هنا روى عن أبيه عن جد أبيه، وهذا الحديث غريب الإسناد تفرد بروايته شعبة عن واقد قاله ابن حبان، وهو عن شعبة عزيز تفرد بروايته عنه حرمي هذا وعبد الملك بن الصباح، وهو عزيز عن حرمي تفرد به عنه المسندي وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبان والإسماعيلي وغيرهم. وهو غريب عن عبد الملك
ـــــــ
(1) هو بالنون, وهواسم جد حرمى, وقد بين الحافظ هنا أنه بالنون. وانظر تهذيب التهذيب 232:2 (2)كذ

(1/75)


تفرد به عنه أبو غسان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم، فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته، وليس هو في مسند أحمد على سعته. وقد استبعد قوم صحته، بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر على الاستدلال بقوله - عليه الصلاة والسلام -: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ، وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس إذ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، لأنها قرينتها في كتاب الله. والجواب: أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضرا له فقد يحتمل أن لا يكون حضر المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد، ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضا من قوله - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الذي رواه: "إلا بحق الإسلام" ، قال أبو بكر: والزكاة حق الإسلام. ولم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور. بل رواه أبو هريرة أيضا بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كتاب الزكاة. وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع عليها آحادهم، ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال: كيف خفي ذا على فلان؟ والله الموفق. قوله: "أمرت" أي: أمرني الله، لأنه لا آمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: أمرت، فالمعنى: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر، لأنهم من حيث أنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعي احتمل.والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس. قوله: "أن أقاتل" أي: بأن أقاتل، وحذف الجار من " أن " كثير. قوله: "حتى يشهدوا" جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر، فمقتضاه: أن من شهد وأقام وآتى، عصم دمه ولو جحد باقي الأحكام. والجواب: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به، مع أن نص الحديث وهو قوله: "إلا بحق الإسلام " يدخل فيه جميع ذلك. فإن قيل: فلم لم يكتف به ونص على الصلاة والزكاة؟ فالجواب: أن ذلك لعظمهما والاهتمام بأمرهما، لأنهما أما العبادات البدنية والمالية. قوله: "ويقيموا الصلاة" أي: يداوموا على الإتيان بها بشروطها، من قامت السوق إذا نفقت، وقامت الحرب إذا اشتد القتال. أو المراد بالقيام: الأداء - تعبيرا عن الكل بالجزء - إذ القيام بعض أركانها. والمراد بالصلاة: المفروض منها، لا جنسها، فلا تدخل سجدة التلاوة مثلا وإن صدق اسم الصلاة عليها. وقال الشيخ محيي الدين النووي: في هذا الحديث، أن من ترك الصلاة عمدا يقتل. ثم ذكر اختلاف المذاهب في ذلك. وسئل الكرماني هنا عن حكم تارك الزكاة، وأجاب: بأن حكمهما واحد لاشتراكهما في الغاية، وكأنه أراد في المقاتلة، أما في القتل فلا. والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرا، بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نصب القتال ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة، ولم ينقل أنه قتل أحدا منهم صبرا. وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظر، للفرق بين صيغة أقاتل وأقتل. والله أعلم.وقد أطنب ابن دقيق العيد في شرح العمدة في الإنكار على من استدل بهذا الحديث على ذلك، وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل، لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل. وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل، قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله. قوله: "فإذا فعلوا ذلك" فيه التعبير بالفعل عما بعضه قول، إما على سبيل التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم، إذ القول فعل اللسان. قوله: "عصموا" أي: منعوا، وأصل العصمة

(1/76)


من العصام وهو الخيط الذي يشد به فم القربة ليمنع سيلان الماء. قوله: "وحسابهم على الله" أي: في أمر سرائرهم، ولفظة " على " مشعرة بالإيجاب، وظاهرها غير مراد، فإما أن تكون بمعنى اللام أو على سبيل التشبيه، أي: هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع.وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافا لمن أوجب تعلم الأدلة، وقد تقدم ما فيه.ويؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره، من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن.فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟فالجواب من أوجه، أحدها: دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرا عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}. ثانيها: أن يكون من العام الذي خص منه البعض، لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم. ثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في قوله: "أقاتل الناس " أي: المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ: "أمرت أن أقاتل المشركين". فإن قيل: إذا تم هذا في أهل الجزية، لم يتم في المعاهدين، ولا فيمن منع الجزية! أجيب: بأن الممتنع في ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما في الهدنة، ومقاتلة من امتنع من أداء الجزية بدليل الآية. رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها: التعبير عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين، فيحصل في بعض بالقتل، وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة. خامسها: أن يكون المراد بالقتال هو، أو ما يقوم مقامه، من جزية أو غيرها. سادسها: أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، وهذا أحسن، ويأتي فيه ما في الثالث وهو آخر الأجوبة، والله أعلم.

(1/77)


باب من قال إن الإيمان هو العمل ...الخ
...
18- باب مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى :{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تعالى :{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: عَنْ قَوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ.وَقَالَ: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ}
26 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالاَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ" . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ."
[الحديث26- طرفه في: 1519]
قوله: "باب من قال" هو مضاف حتما. قوله: "إن الإيمان هو العمل" مطابقة الآيات والحديث لما ترجم له بالاستدلال بالمجموع على المجموع، لأن كل واحد منها دال بمفرده على بعض الدعوى، فقول: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} عام في الأعمال، وقد نقل جماعة من المفسرين أن قوله هنا: {تَعْمَلُونَ} معناه تؤمنون، فيكون خاصا. وقوله: {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} خاص بعمل اللسان على ما نقل المؤلف. و قوله: {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} عام أيضا. وقوله في الحديث: "إيمان بالله " في جواب: "أي العمل أفضل "؟ دال على أن الاعتقاد والنطق من جملة الأعمال. فإن قيل: الحديث يدل على أن الجهاد والحج ليسا من الإيمان، لما تقتضيه " ثم " من المغايرة والترتيب. فالجواب: أن المراد بالإيمان هنا التصديق، هذه حقيقته، والإيمان كما تقدم يطلق على الأعمال البدنية لأنها من مكملاته. قوله: {أُورِثْتُمُوهَا}

(1/77)


أي: صيرت لكم إرثا. وأطلق الإرث مجازا عن الإعطاء لتحقق الاستحقاق. و " ما " في قوله: "بما " إما مصدرية أي: بعملكم، وإما موصولة أي: بالذي كنتم تعملون. والباء للملابسة أو للمقابلة(1). فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وحديث: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " ؟ فالجواب: أن المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول، والمثبت في الآية دخولها بالعمل المتقبل، والقبول إنما يحصل برحمة الله، فلم يحصل الدخول إلا برحمة الله. وقيل في الجواب غير ذلك كما سيأتي عند إيراد الحديث المذكور. "تنبيه": اختلف الجواب عن هذا السؤال، وأجيب: بأن لفظ: "من " مراد في كل منهما، وقيل: وقع باختلاف الأحوال والأشخاص فأجيب كل سائل بالحال اللائق به، وهذا اختيار الحليمي ونقله عن القفال. قوله: "وقال عدة" أي: جماعة من أهل العلم، منهم أنس بن مالك روينا حديثه مرفوعا في الترمذي وغيره وفي إسناده ضعف. ومنهم ابن عمر روينا حديثه في التفسير للطبري، والدعاء للطبراني. ومنهم مجاهد رويناه عنه في تفسير عبد الرزاق وغيره. قوله: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ} الخ قال النووي: معناه عن أعمالهم كلها، أي: التي يتعلق بها التكليف، وتخصيص ذلك بالتوحيد دعوى بلا دليل. قلت: لتخصيصهم وجه من جهة التعميم في قوله: {أَجْمَعِينَ} بعد أن تقدم ذكر الكفار إلى قوله: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} فيدخل فيه المسلم والكافر، فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف، بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف، فمن قال إنهم مخاطبون يقول:إنهم مسؤولون عن الأعمال كلها، ومن قال إنهم غير مخاطبين يقول: إنما يسألون عن التوحيد فقط، فالسؤال عن التوحيد متفق عليه. فهذا هو دليل التخصيص، فحمل الآية عليه أولى، بخلاف الحمل على جميع الأعمال لما فيه من الاختلاف. والله أعلم. قوله: "وقال" أي: الله عز وجل: { لِمِثْلِ هَذَا} أي: الفوز العظيم {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} أي: في الدنيا. والظاهر أن المصنف تأولها بما تأول به الآيتين المتقدمتين، أي: فليؤمن المؤمنون، أو يحمل العمل على عمومه لأن من آمن لا بد أن يقبل(2)، ومن قبل فمن حقه أن يعمل، ومن عمل لا بد أن ينال، فإذا وصل قال: لمثل هذا فليعمل العاملون. "تنبيه": يحتمل أن يكون قائل ذلك المؤمن الذي رأى قرينه، ويحتمل أن يكون كلامه انقضى عند قوله: {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} والذي بعده ابتداء من قول الله عز وجل أو بعض الملائكة، لا حكاية عن قول المؤمن. والاحتمالات الثلاثة مذكورة في التفسير. ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف القائل، والله أعلم. قوله: "حدثنا أحمد بن يونس" هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي، نسب إلى جده. قوله: "سئل" أبهم السائل، وهو أبو ذر الغفاري، وحديثه في العتق(3). قوله: "قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد" وقع في مسند الحارث أبي أسامة عن إبراهيم ابن سعد " ثم جهاد " فواخى بين الثلاثة في التنكير، بخلاف ما عند المصنف.وقال الكرماني: الإيمان لا يتكرر كالحج، والجهاد قد يتكرر، فالتنوين للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال.إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل.وتعقب عليه بأن التنكير من جملة وجوهه التعظيم، وهو يعطي الكمال.وبأن التعريف من جملة وجوهه العهد، وهو يعطي الإفراد الشخصي، فلا يسلم الفرق. قلت: وقد ظهر من رواية الحارث التي ذكرتها أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة، لأن مخرجه واحد، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة، والله الموفق. قوله: "حج مبرور" أي: مقبول ومنه بر حجك، وقيل: المبرور الذي لا يخالطه إثم، وقيل: الذي
ـــــــ
(1) الصواب أن الباء هنا للسببية, بخلاف الباء في حديث "لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله" فإنها للعوض والمقابلة
أي لابد أن يقبل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ لايتم إيمانه الا بذلك (3) برقم 2518

(1/78)


لا رياء فيه. "فائدة" قال النووي: ذكر في هذا الحديث الجهاد بعد الإيمان، وفي حديث أبي ذر لم يذكر الحج وذكر العتق، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة ثم البر ثم الجهاد، وفي الحديث المتقدم ذكر السلامة من اليد واللسان. قال العلماء: اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال، واحتياج المخاطبين، وذكر ما لم يعلمه السائل والسامعون وترك ما علموه، ويمكن أن يقال: إن لفظة " من " مرادة كما يقال: فلان أعقل الناس، والمراد من أعقلهم، ومنه حديث: "خيركم خيركم لأهله " ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس، فإن قيل: لم قدم الجهاد وليس بركن على الحج وهو ركن؟ فالجواب: إن نفع الحج قاصر غالبا، ونفع الجهاد متعد غالبا، أو كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين - ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر - فكان أهم منه فقدم، والله أعلم.

(1/79)


19- باب إِذَا لَمْ يَكُنْ الإِسْلاَمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلاَمِ أَوْ الْخَوْفِ مِنْ الْقَتْلِ، لِقَوْلِهِ تعالى: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا. قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} فَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذكره: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ}
27 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِا عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى رَهْطًا - وَسَعْدٌ جَالِسٌ - فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ.فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا" ، فَسَكَتُّ قَلِيلًا. ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي َلأرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ "أَوْ مُسْلِمًا" ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: "يَا سَعْدُ، إِنِّي لأعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ." وَرَوَاهُ يُونُسُ وَصَالِحٌ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
[الحديث 27- طرفه في: 1478]
قوله: "باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة" حذف جواب قوله: "إذا " للعلم به كأنه يقول: إذا كان الإسلام كذلك لم ينتفع به في الآخرة.ومحصل ما ذكره واستدل به أن الإسلام يطلق ويراد به الحقيقة الشرعية، وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله، وعليه قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} وقوله تعالى: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ، ويطلق ويراد به الحقيقة اللغوية وهو مجرد الانقياد والاستسلام، فالحقيقة في كلام المصنف هنا هي الشرعية، ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث أن المسلم يطلق على من أظهر الإسلام وإن لم يعلم باطنه، قلا يكون مؤمنا لأنه ممن لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية، وأما اللغوية فحاصلة. قوله: "عن سعد" هو ابن أبي وقاص كما صرح الإسماعيلي في روايته، وهو والد عامر الراوي عنه، كما وقع في الزكاة عند المصنف من رواية صالح بن كيسان قال فيها: "عن عامر بن سعد عن أبيه " واسم أبي وقاص مالك، وسيأتي تمام نسبه في مناقب سعد إن شاء الله تعالى. قوله: "أعطى رهطا" الرهط: عدد من الرجال من ثلاثة إلى عشرة، قال القزاز: وربما جاوزوا ذلك قليلا، ولا واحد له من لفظه، ورهط الرجل: بنو أبيه الأدنى، وقيل: قبيلته. وللإسماعيلي من طريق ابن أبي ذئب أنه جاءه رهط، فسألوه فأعطاهم فترك رجلا منهم. قوله: "وسعد جالس" فيه تجريد، وقوله: "أعجبهم إلي " فيه التفات،

(1/79)


ولفظه في الزكاة: "أعطى رهطا وأنا جالس " فساقه بلا تجريد ولا التفات، وزاد فيه: " فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساررته". وغفل بعضهم فعزا هذه الزيادة إلى مسلم فقط، والرجل المتروك اسمه جعيل بن سراقة الضمري، سماه الواقدي في المغازي.قوله: "مالك عن فلان" يعني: أي سبب لعدولك عنه إلى غيره؟ ولفظ فلان كناية عن اسم أبهم بعد أن ذكر. قوله: "فوالله" فيه القسم في الإخبار على سبيل التأكيد. قوله: "لأراه" وقع في روايتنا من طريق أبي ذر وغيره بضم الهمزة هنا وفي الزكاة، وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره. وقال الشيخ محيي الدين - رحمه الله -: بل هو بفتحها أي: أعلمه، ولا يجوز ضمها فيصير بمعنى أظنه، لأنه قال بعد ذلك: غلبني ما أعلم منه. ا هـ. ولا دلالة فيما ذكر على تعين الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب، ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} ، سلمنا لكن لا يلزم من إطلاق العلم أن لا تكون مقدماته ظنية، فيكون نظريا لا يقينيا وهو الممكن هنا، وبهذا جزم صاحب المفهم في شرح مسلم فقال: الرواية بضم الهمزة، واستنبط منه جواز الحلف على غلبة الظن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما نهاه عن الحلف، كذا قال، وفيه نظر لا يخفى، لأنه أقسم على وجدان الظن وهو كذلك، ولم يقسم على الأمر المظنون كما ظن. قوله: "فقال: أو مسلما" هو بإسكان الواو لا بفتحها، فقيل: هي للتنويع. وقال بعضهم: هي للتشريك، وأنه أمره أن يقولهما معا لأنه أحوط، ويرد هذا رواية ابن الأعرابي في معجمه في هذا الحديث فقال: " لا تقل مؤمن بل مسلم: "فوضح أنها للإضراب، وليس معناه الإنكار بل المعنى أن إطلاق المسلم على من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن، لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين ملخصا. وتعقبه الكرماني بأنه يلزم منه أن لا يكون الحديث دالا على ما عقد له الباب، ولا يكون لرد الرسول صلى الله عليه وسلم على سعد فائدة. وهو تعقب مردود، وقد بينا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قبل، ومحصل القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام تألفا، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة، وترك جعيلا وهو من المهاجرين مع أن الجميع سألوه. خاطبه سعد في أمره لأنه كان يرى أن جعيلا أحق منهم لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من مرة، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمرين: أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك، وحرمان جعيل مع كونه أحب إليه ممن أعطى، لأنه لو ترك إعطاء المؤلف لم يؤمن ارتداده فيكون من أهل النار. ثانيهما: إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر، فوضح بهذا فائدة رد الرسول صلى الله عليه وسلم على سعد، وأنه لا يستلزم محض الإنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشورة بالأولى، والآخر على طريق الاعتذار. فإن قيل: كيف لم تقبل شهادة سعد لجعيل بالإيمان، ولو شهد له بالعدالة لقبل منه وهي تستلزم الإيمان؟ فالجواب: أن كلام سعد لم يخرج مخرج الشهادة، وإنما خرج مخرج المدح له، والتوسل في الطلب لأجله، فلهذا نوقش في لفظه، حتى ولو كان بلفظ الشهادة لما استلزمت المشورة عليه بالأمر الأولى رد شهادته، بل السياق يرشد إلى أنه قبل قوله فيه، بدليل أنه اعتذر إليه. وروينا في مسند محمد بن هارون الروياني وغيره، بإسناد صحيح إلى أبي سالم الجيشاني عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: كيف ترى جعيلا؟ قال قلت: كشكله من الناس، يعني: المهاجرين. قال: فكيف ترى فلانا؟ قال قلت: سيد من سادات الناس. قال: فجعيل خير من ملء الأرض من فلان. قال قلت: ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع، قال: إنه رأس قومه، فأنا أتألفهم به. فهذه منزلة جعيل المذكور عند النبي صلى الله عليه وسلم كما ترى، فظهرت بهذا الحكمة في حرمانه وإعطاء غيره، وأن ذلك لمصلحة التأليف كما قررناه. وفي حديث الباب من الفوائد التفرقة بين حقيقتي الإيمان والإسلام، وترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم ينص عليه، وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحا وإن تعرض له بعض

(1/80)


الشارحين.نعم هو كذلك فيمن لم يثبت فيه النص، وفيه الرد على غلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان.وفيه جواز تصرف الإمام في مال المصالح وتقديم الأهم فالأهم، وإن خفي وجه ذلك على بعض الرعية.وفيه جواز الشفاعة عند الإمام فيما يعتقد الشافع جوازه، وتنبيه الصغير للكبير على ما يظن أنه ذهل عنه، ومراجعة المشفوع إليه في الأمر إذا لم يؤد إلى مفسدة، وأن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان كما ستأتي الإشارة إليه في كتاب الزكاة " فقمت إليه فساررته"، وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة.وفيه أن من أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحة لا ينكر عليه، بل يبين له وجه الصواب. وفيه الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابته، وأن لا عيب على الشافع إذا ردت شفاعته لذلك. وفيه استحباب ترك الإلحاح في السؤال كما استنبطه المؤلف منه في الزكاة، وسيأتي تقريره هناك إن شاء الله تعالى. قوله: "إني لأعطي الرجل" حذف المفعول الثاني للتعميم، أي: أي عطاء كان. قوله: "أعجب إلي" في رواية الكشميهني: "أحب " وكذا لأكثر الرواة. ووقع عند الإسماعيلي بعد قوله: أحب إلي منه " وما أعطيه إلا مخافة أن يكبه الله " الخ. ولأبي داود من طريق معمر: "إني أعطي رجالا، وأدع من هو أحب إلي منهم لا أعطيه شيئا، مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم". قوله: "أن يكبه" هو بفتح أوله وضم الكاف يقال: أكب الرجل إذا أطرق، وكبه غيره إذا قلبه، وهذا على خلاف القياس لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة وهذا زيدت عليه الهمزة فقصر. وقد ذكر المؤلف هذا في كتاب الزكاة فقال: يقال أكب الرجل إذا كان فعله غير واقع على أحدا، فإذا وقع الفعل قلت: كبه وكببته. وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة منها: أنسل ريش الطائر ونسلته، وأنزفت البئر ونزفتها، وحكى ابن الأعرابي في المتعدي كبه وأكبه معا. "تنبيه": ليس فيه إعادة السؤال ثانيا ولا الجواب عنه، وقد روي عن ابن وهب ورشدين بن سعد جميعا عن يونس عن الزهري بسند آخر قال: عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه أخرجه ابن أبي حاتم. ونقل عن أبيه أنه خطأ من راويه وهو الوليد بن مسلم عنهما. قوله: "ورواه يونس" يعني ابن يزيد الأيلي، وحديثه موصول في كتاب الإيمان لعبد الرحمن بن عمر الزهري الملقب رسته بضم الراء وإسكان السين المهملتين، وقبل الهاء مثناة من فوق مفتوحة، ولفظه قريب من سياق الكشميهني، ليس فيه إعادة السؤال ثانيا ولا الجواب عنه. قوله: "وصالح" يعني: ابن كيسان، وحديثه موصول عند المؤلف في كتاب الزكاة. وفيه من اللطائف رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم صالح والزهري وعامر. قوله: "ومعمر" يعني: ابن راشد، وحديثه عند أحمد بن حنبل والحميدي وغيرهما عن عبد الرزاق عنه. وقال فيه: إنه أعاد السؤال ثلاثا. ورواه مسلم عن محمد بن يحيى بن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن الزهري.ووقع في إسناده وهم منه أو من شيخه، لأن معظم الروايات في الجوامع والمسانيد عن ابن عيينة عن معمر عن الزهري بزيادة معمر بينهما، وكذا حدث به ابن أبي عمر شيخ مسلم في مسنده عن ابن عيينة، وكذا أخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريقه، وزعم أبو مسعود في الأطراف أن الوهم من ابن أبي عمر، وهو محتمل لأن يكون الوهم صدر منه لما حدث به مسلما، لكن لم يتعين الوهم في جهته، وحمله الشيخ محيي الدين على أن ابن عيينة حدث به مرة بإسقاط معمر ومرة بإثباته، وفيه بعد، لأن الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر، ولم يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم، والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط كما قدمناه، وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتابي " تغليق التعليق". وفي رواية عبد الرزاق عن معمر من الزيادة: قال الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل. وقد استشكل هذا بالنظر إلى حديث سؤال جبريل، فإن ظاهره يخالفه. ويمكن أن يكون مراد الزهري أن المرء يحكم بإسلامه

(1/81)


ويسمى مسلما إذا تلفظ بالكلمة - أي كلمة الشهادة - وأنه لا يسمى مؤمنا إلا بالعمل، والعمل يشمل عمل القلب والجوارح، وعمل الجوارح يدل على صدقه. وأما الإسلام المذكور في حديث جبريل فهو الشرعي الكامل المراد بقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} قوله: "وابن أخي الزهري عن الزهري" يعني: أن الأربعة المذكورين رووا هذا الحديث عن الزهري بإسناده كما رواه شعيب عنه، وحديث ابن أخي الزهري موصول عند مسلم، وساق فيه السؤال والجواب ثلاث مرات. وقال في آخره: "خشية أن يكب " على البناء للمفعول. وفي رواية ابن أخي الزهري لطيفة، وهي رواية أربعة من بني زهرة على الولاء، هو وعمه وعامر وأبوه.

(1/82)


20- باب إِفْشَاءُ السَّلاَمِ مِنْ الإِسْلاَمِ.
وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنْ الإِقْتَارِ.
28- حدثنا قتيبة قال حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"
قوله: "باب" هو منون.و قوله: "السلام من الإسلام" زاد في رواية كريمة: "إفشاء السلام " والمراد بإفشائه نشره سرا أو جهرا، وهو مطابق للمرفوع في قوله: "على من عرفت ومن لم تعرف".وبيان كونه من الإسلام تقدم في باب إطعام الطعام مع بقية فوائده.وغاير المصنف بين شيخيه اللذين حدثاه عن الليث مراعاة للإتيان بالفائدة الإسنادية، وهي تكثير الطرق حيث يحتاج إلى إعادة المتن، فإنه لا يعيد الحديث الواحد في موضعين على صورة واحدة. فإن قيل: كان يمكنه أن يجمع الحكمين في ترجمة واحدة ويخرج الحديث عن شيخيه معا، أجاب الكرماني: باحتمال أن يكون كل من شيخيه أورده في معرض غير المعرض الآخر، وهذا ليس بطائل، لأنه متوقف على ثبوت وجود تصنيف مبوب لكل من شيخيه، والأصل عدمه. ولأن من اعتنى بترجمة كل من قتيبة وعمرو بن خالد لم يذكر أن لواحد منهما تصنيفا على الأبواب، ولأنه لزم منه أن البخاري يقلد في التراجم، والمعروف الشائع عنه أنه هو الذي يستنبط الأحكام في الأحاديث، ويترجم لها، ويتفنن في ذلك بما لا يدركه فيه غيره. ولأنه يبقى السؤال بحاله إذ لا يمتنع معه أن يجمعهما المصنف، ولو كان سمعهما مفترقين.والظاهر من صنيع البخاري أنه يقصد تعديد شعب الإيمان كما قدمناه، فخص كل شعبة بباب تنويها بذكرها، وقصد التنويه يحتاج إلى التأكيد فلذلك غاير بين الترجمتين.قوله: "وقال عمار" هو ابن ياسر، أحد السابقين الأولين، وأثره هذا أخرجه أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان من طريق سفيان الثوري، ورواه يعقوب بن شيبة في مسنده من طريق شعبة وزهير ابن معاوية وغيرهما كلهم عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة بن زفر عن عمار، ولفظ شعبة: "ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان " وهو بالمعنى، وهكذا رويناه في جامع معمر عن أبي إسحاق. وكذا حدث به عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، وحدث به عبد الرزاق بأخرة فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كذا أخرجه البزار في مسنده وابن أبي حاتم في العلل كلاهما عن الحسن بن عبد الله الكوفي، وكذا رواه البغوي في شرح السنة من طريق أحمد بن كعب الواسطي، وكذا أخرجه ابن الأعرابي في معجمه عن محمد بن الصباح الصنعاني ثلاثتهم عن عبد الرزاق مرفوعا.

(1/82)


واستغربه البزار.وقال أبو زرعة: هو خطأ.قلت: وهو معلول من حيث صناعة الإسناد، لأن عبد الرزاق تغير بأخرة، وسماع هؤلاء منه في حال تغيره، إلا أن مثله لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع، وقد رويناه مرفوعا من وجه آخر عن عمار أخرجه الطبراني في الكبير وفي إسناده ضعف، وله شواهد أخرى بينتها في " تعليق التعليق". قوله: "ثلاث" أي: ثلاث خصال، وإعرابه نظير ما مر في قوله: "ثلاث من كن فيه" ، والعالم بفتح اللام والمراد به هنا جميع الناس، والإقتار: القلة وقيل: الافتقار، وعلى الثاني فمن في قوله: "من الإقتار " بمعنى مع، أو بمعنى عند. قال أبو الزناد بن سراج وغيره: إنما كان من جمع الثلاث مستكملا للإيمان لأن مداره عليها، لأن العبد إذا اتصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقا واجبا عليه إلا أداه، ولم يترك شيئا مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يجمع أركان الإيمان. وبذل السلام يتضمن مكارم الأخلاق والتواضع، وعدم الاحتقار، ويحصل به التآلف والتحابب، والإنفاق من الإقتار يتضمن غاية الكرم، لأنه إذا أنفق من الاحتياج كان مع التوسع أكثر إنفاقا، والنفقة أعم من أن تكون على العيال واجبة ومندوبة، أو على الضيف والزائر، وكونه من الإقتار يستلزم الوثوق بالله، والزهد في الدنيا، وقصر الأمل، وغير ذلك من مهمات الآخرة. وهذا التقرير يقوي أن يكون الحديث مرفوعا، لأنه يشبه أن يكون كلام من أوتي جوامع الكلم. والله أعلم.

(1/83)


21- باب كُفْرَانِ الْعَشِيرِ. وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ.
فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
29- حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن بن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم "أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل أيكفرن بالله قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط"
[الحديث29- أطرافه في: 5197,3202,1052,748,431,]
قوله: "باب كفران العشير، وكفر دون كفر" قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه: مراد المصنف أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد الكفر المخرج من الملة. قال: وخص كفران العشير من بين أنواع الذنوب لدقيقة بديعة وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرت المرأة حق زوجها - وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية - كان ذلك دليلا على تهاونها بحق الله، فلذلك يطلق عليها الكفر لكنه كفر لا يخرج عن الملة. ويؤخذ من كلامه مناسبة هذه الترجمة لأمور الإيمان من جهة كون الكفر ضد الإيمان. وأما قول المصنف: "وكفر دون كفر " فأشار إلى أثر رواه أحمد في كتاب الإيمان من طريق عطاء بن أبي رباح وغيره. وقوله: "فيه أبو سعيد " أي: يدخل في الباب حديث رواه " أبو سعيد " وفي رواية كريمة: "فيه عن أبي سعيد " أي: مروي عن أبي سعيد. وفائدة هذا الإشارة إلى أن للحديث طريقا غير الطريق المساقة. وحديث أبي سعيد أخرجه المؤلف في الحيض وغيره من طريق عياض بن عبد الله عنه وفيه قوله صلى الله عليه وسلم للنساء: "تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار " فقلن: ولم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير " الحديث. ويحتمل أن يريد بذلك حديث أبي سعيد أيضا: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" قالها القاضي أبو بكر المذكور، والأول أظهر وأجرى

(1/83)


على مألوف المصنف، ويعضده إيراده لحديث ابن عباس بلفظ: "وتكفرن العشير " والعشير الزوج، قيل له عشير بمعنى معاشر مثل أكيل بمعنى مؤاكل، وحديث ابن عباس المذكور طرف من حديث طويل أورده المصنف في باب صلاة الكسوف بهذا الإسناد تاما، وسيأتي الكلام عليه ثم. وننبه هنا على فائدتين: إحداهما: أن البخاري يذهب إلى جواز تقطيع الحديث، إذا كان ما يفصله منه لا يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقا يفضي إلى فساد المعنى، فصنيعه كذلك يوهم من لا يحفظ الحديث أن المختصر غير التام، لا سيما إذا كان ابتداء المختصر من أثناء التام كما وقع في هذا الحديث، فإن أوله هنا قوله صلى الله عليه وسلم: "أريت النار " إلى آخر ما ذكر منه، وأول التام عن ابن عباس قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر قصة صلاة الخسوف ثم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها القدر المذكور هنا، فمن أراد عد الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب يظن أن هذا الحديث حديثان أو أكثر لاختلاف الابتداء، وقد وقع في ذلك من حكى أن عدته بغير تكرار أربعة آلاف أو نحوها كابن الصلاح والشيخ محيي الدين ومن بعدهما، وليس الأمر كذلك بل عدته على التحرير ألفا حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثا، كما بينت ذلك مفصلا في المقدمة.الفائدة الثانية: تقرر أن البخاري لا يعيد الحديث إلا لفائدة، لكن تارة تكون في المتن، وتارة في الإسناد، وتارة فيهما.وحيث تكون في المتن خاصة لا يعيده بصورته بل يتصرف فيه، فإن كثرت طرقه أورد لكل باب طريقا، وإن قلت اختصر المتن أو الإسناد.وقد صنع ذلك في هذا الحديث، فإنه أورده هنا عن عبد الله بن مسلمة - وهو القعنبي - مختصرا مقتصرا على مقصود الترجمة كما تقدمت الإشارة إليه من أن الكفر يطلق على بعض المعاصي، ثم أورده في الصلاة في باب من صلى وقدامه نار بهذا الإسناد بعينه، لكنه لما لم يغاير اقتصر على مقصود الترجمة منه فقط، ثم أورده في صلاة الكسوف بهذا الإسناد فساقه تاما، ثم أورده في بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر عن شيخ غير القعنبي مقتصرا على موضع الحاجة، ثم أورده في عشرة النساء عن شيخ غيرهما عن مالك أيضا.وعلى هذه الطريقة يحمل جميع تصرفه، فلا يوجد في كتابه حديث على صورة واحدة في موضعين فصاعدا إلا نادرا، والله الموفق.وسيأتي الكلام على ما تضمنه حديث الباب من الفوائد حيث ذكره تاما إن شاء الله تعالى.

(1/84)


- 22 باب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلاَّ بِالشِّرْكِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ" وَقَوْلِ اللَّهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}
30 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ"
[الحديث 30- طرفاه في: 6050,2545,]

(1/84)


باب {وإن طائفتان من المؤمنيني اقتتلوا فأصلحوا بينهما}
...
باب {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} فسماهم المؤمنين
31 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ الأَحْنَفِ

(1/84)


23-باب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ
32 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.ح.قَالَ: و حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "لَمَّا نزلت: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجل: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} "
[الحديث 32-أطرافه في:6937,6918,4776,4629,3429,3428,3360
قوله: "باب ظلم دون ظلم" دون يحتمل أن تكون بمعنى غير، أي: أنواع الظلم متغايرة. أو بمعنى الأدنى، أي: بعضها أخف من بعض، وهو أظهر في مقصود المصنف. وهذه الجملة لفظ حديث رواه أحمد في كتاب الإيمان من حديث عطاء، ورواه أيضا من طريق طاوس عن ابن عباس بمعناه، وهو في معنى قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } الآية، فاستعمله المؤلف ترجمة، واستدل له بالحديث المرفوع. ووجه الدلالة منه أن الصحابة فهموا من قوله: "بظلم " عموم أنواع المعاصي، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وإنما بين لهم أن المراد أعظم أنواع الظلم وهو الشرك على ما سنوضحه، فدل على أن للظلم مراتب متفاوتة. ومناسبة إيراد هذا عقب ما تقدم من أن المعاصي غير الشرك لا ينسب صاحبها إلى الكفر المخرج عن الملة على هذا التقرير ظاهرة.
قوله: "حدثنا أبو الوليد" هو الطيالسي. قوله: "وحدثني بشر" هو في الروايات المصححة بواو العطف، وفي بعض النسخ قبلها صورة ح، فإن كان من أصل التصنيف فهي مهملة مأخوذة من التحويل على المختار. وإن كانت مزيدة من بعض الرواة فيحتمل أن تكون مهملة كذلك، أو معجمة مأخوذة من البخاري لأنها رمزه، أي: قال البخاري: وحدثني بشر، وهو ابن خالد العسكري وشيخه محمد هو ابن جعفر المعروف بغندر، وهو أثبت الناس في شعبة، ولهذا أخرج المؤلف روايته مع كونه أخرج الحديث عاليا عن أبي الوليد، واللفظ المساق هنا لفظ بشر،وكذلك

(1/87)


أخرج النسائي عنه وتابعه ابن أبي عدي عن شعبة، وهو عند المؤلف في تفسير الأنعام، وأما لفظ أبي الوليد فساقه المؤلف في قصة لقمان بلفظ: "أينا لم يلبس إيمانه بظلم " وزاد فيه أبو نعيم في مستخرجه من طريق سليمان ابن حرب عن شعبة بعد قوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} : فطابت أنفسنا. واقتضت رواية شعبة هذه أن هذا السؤال سبب نزول الآية الأخرى التي في لقمان، لكن رواه البخاري ومسلم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في حديث الباب. ففي رواية جرير عنه: "فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان". وفي رواية وكيع عنه: "فقال ليس كما تظنون". وفي رواية عيسى بن يونس: "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان". وظاهر هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومة عندهم ولذلك نبههم عليها، ويحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان. قال الخطابي: كان الشرك عند الصحابة أكبر من أن يلقب بالظلم، فحملوا الظلم في الآية على ما عداه - يعني من المعاصي - فسألوا عن ذلك، فنزلت هذه الآية. كذا قال، وفيه نظر، والذي يظهر لي أنهم حملوا الظلم على عمومه، الشرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع المؤلف. وإنما حملوه على العموم لأن قوله: {بِظُلْمٍ} نكرة في سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر. قال المحققون: "إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم ويقويه نحو " من " في قوله: ما جاءني من رجل، أفاد تنصيص العموم" وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام الذي أريد به الخاص، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك. فإن قيل: من أين يلزم أن من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمنا ولا مهتديا، حتى شق عليهم، والسياق إنما يقتضي أن من لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتد، فما الذي دل على نفي ذلك عمن وجد منه الظلم؟ فالجواب: أن ذلك مستفاد من المفهوم وهو مفهوم الصفة، أو مستفاد من الاختصاص المستفاد من تقديم " لهم " على الأمن، أي: لهم الأمن لا لغيرهم، كذا قال الزمخشري قي قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. وقال في قوله تعالى {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} " تقديم " هو " على " قائلها " يفيد الاختصاص، أي: هو قائلها لا غيره. فإن قيل: لا يلزم من قوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} أن غير الشرك لا يكون ظلما. فالجواب: أن التنوين في قوله لظلم للتعظيم، وقد بين ذلك استدلال الشارع بالآية الثانية، فالتقدير: لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم أي بشرك، إذ لا ظلم أعظم منه، وقد ورد ذلك صريحا عند المؤلف في قصة إبراهيم الخليل - عليه السلام - من طريق حفص بن غياث عن الأعمش ولفظه: "قلنا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم: بشرك. أو لم تسمعوا إلى قول لقمان " فذكر الآية. واستنبط منه المازري جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازعه القاضي عياض فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده فما هي الحاجة؟ ويمكن أن يقال: المعتقدات أيضا تحتاج إلى البيان، فلما أجمل الظلم حتى تناول إطلاقه جميع المعاصي شق عليهم حتى ورد البيان فما انتفت الحاجة. والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الخطاب لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر. قوله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا} أي: لم يخلطوا، تقول: لبست الأمر بالتخفيف، ألبسه بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، أي: خلطته. وتقول: لبست الثوب ألبسه بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل. وقال محمد ابن إسماعيل التيمي في شرحه: خلط الإيمان بالشرك لا يتصور فالمراد أنهم لم تحصل لهم الصفتان كفر متأخر عن إيمان متقدم. أي: لم يرتدوا. ويحتمل أن يراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرا وباطنا، أي: لم ينافقوا. وهذا أوجه، ولهذا عقبه المصنف بباب علامات المنافق، وهذا من بديع ترتيبه. ثم في هذا الإسناد رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم الأعمش عن شيخه إبراهيم بن يزيد

(1/88)


النخعي عن خاله علقمة بن قيس النخعي، والثلاثة كوفيون فقهاء، وعبد الله الصحابي هو ابن مسعود. وهذه الترجمة أحد ما قيل فيه إنه أصح الأسانيد. والأعمش موصوف بالتدليس ولكن في رواية حفص بن غياث التي تقدمت الإشارة إليها عند المؤلف عنه " حدثنا إبراهيم " ولم أر التصريح بذلك في جميع طرقه عند الشيخين وغيرهما إلا في هذا الطريق. وفي المتن من الفوائد: الحمل على العموم حتى يرد دليل الخصوص، وأن النكرة في سياق النفي تعم، وأن الخاص يقضي على العام والمبين عن المجمل، وأن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع التعارض، وأن درجات الظلم تتفاوت كما ترجم له، وأن المعاصي لا تسمى شركا، وأن من لم يشرك بالله شيئا فله الأمن وهو مهتد. فإن قيل: فالعاصي قد يعذب فما هو الأمن والاهتداء الذي حصل له؟ فالجواب: أنه آمن من التخليد في النار، مهتد إلى طريق الجنة.
والله أعلم.

(1/89)


باب علامة النفاق
...
24- باب عَلاَمَةِ الْمُنَافِقِ
33 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ"
[الحديث 33- أطرافه في:6095,2749,2682,]
34 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: ِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ." تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ
[الحديث34- طرفاه في: 3178,3459]
قوله: "باب علامات المنافق" لما قدم أن مراتب الكفر متفاوتة وكذلك الظلم أتبعه بأن النفاق كذلك.وقال الشيخ محيي الدين: "مراد البخاري بهذه الترجمة أن المعاصي تنقص الإيمان، كما أن الطاعة تزيده". وقال الكرماني: "مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان أن النفاق علامة عدم الإيمان، أو ليعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض". والنفاق لغة: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه. قوله: "حدثنا سليمان أبو الربيع" هو الزهراني، بصري نزل بغداد، ومن شيخه فصاعدا مدنيون، ونافع بن مالك هو عم مالك بن أنس الإمام. قوله: "آية المنافق ثلاث" الآية: العلامة، وإفراد الآية إما على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، والأول أليق بصنيع المؤلف، ولهذا ترجم بالجمع وعقب بالمتن الشاهد لذلك. وقد رواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ: "علامات المنافق"، فإن قيل: ظاهره الحصر في الثلاث فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ: "أربع من كن فيه.. الحديث: "؟ أجاب القرطبي: باحتمال أنه استجد له صلى الله عليه وسلم من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده. وأقول: ليس بين الحديثين تعارض، لأنه لا يلزم من عد الخصلة

(1/89)


المذمومة الدالة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق، لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق، والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق. على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على إرادة عدم الحصر، فإن لفظه: "من علامة المنافق ثلاث " وكذا أخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري، وإذا حمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت، وببعضها في وقت آخر. وقال القرطبي أيضا والنووي: "حصل من مجموع الروايتين خمس خصال، لأنهما تواردتا على الكذب في الحديث والخيانة في الأمانة، وزاد الأول الخلف في الوعد والثاني الغدر في المعاهدة، والفجور في الخصومة". قلت: وفي رواية مسلم الثاني بدل الغدر في المعاهدة الخلف في الوعد كما في الأول، فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه لأن معناهما قد يتحد، وعلى هذا فالمزيد خصلة واحدة وهي الفجور في الخصومة. والفجور: الميل عن الحق والاحتيال في رده. وهذا قد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث. ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث أنها منبهة على ما عداها، إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية. فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف. لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنا للوعد، أما لو كان عازما ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم توجد منه صورة النفاق، قاله الغزالي في الإحياء. وفي الطبراني في حديث طويل ما يشهد له، ففيه من حديث سلمان " إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف " وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به ليس فيهم من أجمع على تركه، وهو عند أبي داود والترمذي من حديث زيد بن أرقم مختصر بلفظ: "إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف فلا إثم عليه". قوله: "إذا وعد" قال صاحب المحكم: "يقال وعدته خيرا، ووعدته شرا. فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته". وحكى ابن الأعرابي في نوادره: أوعدته خيرا بالهمزة. فالمراد بالوعد في الحديث الوعد بالخير، وأما الشر فيستحب إخلافه. وقد يجب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة. وأما الكذب في الحديث فحكى ابن التين عن مالك أنه سئل عمن جرب عليه كذب فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله حدث عن عيش له سلف فبالغ في وصفه، فهذا لا يضر، وإنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصدا الكذب. انتهى. وقال النووي: "هذا الحديث عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره". قال: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح والذي قاله المحققون: إن معناه أن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم. قلت: ومحصل هذا الجواب الحمل في التسمية على المجاز، أي: صاحب هذه الخصال كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل كما قدمناه. وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم في شيئا من النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل. ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله: "كان منافقا خالصا" . وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال وإن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي. وذكر أيضا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له ديدنا. قال: ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرر الفعل. كذا قال. والأولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول من " حدث " يدل على العموم، أي: إذا حدث في كل شيء كذب فيه. أو يصير قاصرا، أي إذا

(1/90)


وجد ماهية التحديث كذب. وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها، واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبا. وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى أنها للعهد فقال: إنه ورد في حق شخص معين أو في حق المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعين المصير إليه. وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي. والله أعلم. قوله: "تابعه شعبة" وصل المؤلف هذه المتابعة في كتاب المظالم، ورواية قبيصة عن سفيان - وهو الثوري - ضعفها يحيى بن معين. وقال الشيخ محيي الدين: "إنما أوردها البخاري على طريق المتابعة لا الأصالة". وتعقبه الكرماني بأنها مخالفة في اللفظ والمعنى من عدة جهات، فكيف تكون متابعة؟ وجوابه: أن المراد بالمتابعة هنا كون الحديث مخرجا في صحيح مسلم وغيره من طرق أخرى عن الثوري، وعند المؤلف من طرق أخرى عن الأعمش، منها رواية شعبة المشار إليها، وهذا هو السر في ذكرها هنا. وكأنه فهم أن المراد بالمتابعة حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وليس كذلك إذ لو أراده لسماه شاهدا. وأما دعواه أن بينهما مخالفة في المعنى فليس بمسلم، لما قررناه آنفا. وغايته أن يكون في أحدهما زيادة وهي مقبولة لأنها من ثقة متقن. والله أعلم. "فائدة": رجال الإسناد الثاني كلهم كوفيون، إلا الصحابي وقد دخل الكوفة أيضا. والله أعلم.

(1/91)


25- باب قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ الإِيمَانِ
35 حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب قال حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"
[الحديث 35- أطرافه 2014,2009,2008,1901,38,37]
قوله: "باب قيام ليلة القدر من الإيمان" لما بين علامات النفاق وقبحها رجع إلى ذكر علامات الإيمان وحسنها، لأن الكلام على متعلقات الإيمان هو المقصود بالأصالة، وإنما يذكر متعلقات غيره استطرادا. ثم رجع فذكر أن قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيام رمضان من الإيمان، وأورد الثلاثة من حديث أبي هريرة متحدات الباعث والجزاء، وعبر في ليلة القدر بالمضارع قي الشرط وبالماضي في جوابه، بخلاف الآخرين فبالماضي فيهما، وأبدى الكرماني لذلك نكتة لطيفة قال: "لأن قيام رمضان محقق الوقوع وكذا صيامه، بخلاف قيام ليلة القدر فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل" انتهى كلامه. وفيه شيء ستأتي الإشارة إليه. وقال غيره: استعمل لفظ الماضي في الجزاء إشارة إلى تحقق وقوعه، فهو نظير {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} وفي استعمال الشرط مضارعا والجواب ماضيا نزاع بين النحاة، فمنعه الأكثر، وأجازه آخرون لكن بقلة. استدلوا بقوله تعالى: { إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ} لأن قوله: "فظلت " بلفظ الماضي، وهو تابع للجواب وتابع الجواب جواب. واستدلوا أيضا بهذا الحديث، وعندي في الاستدلال به نظر، لأنني أظنه من تصرف الرواة، لأن الروايات فيه مشهورة عن أبي هريرة بلفظ المضارع في الشرط والجزاء، وقد رواه النسائي عن محمد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه فلم يغاير بين الشرط والجزاء، بل قال: "من يقم ليلة القدر يغفر له" ، ورواه أبو نعيم في المستخرج عن سليمان وهو الطبراني عن أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أبي اليمان، ولفظه زائد على الروايتين فقال: "لا يقوم أحدكم ليلة القدر

(1/91)


فيوافقها إيمانا واحتسابا إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه" ، وقوله في هذه الرواية: "فيوافقها " زيادة بيان، وإلا فالجزاء مرتب على قيام ليلة القدر، ولا يصدق قيام ليلة القدر إلا على من وافقها، والحصر المستفاد من النفي، والإثبات مستفاد من الشرط والجزاء، فوضح أن ذلك من تصرف الرواة بالمعنى، لأن مخرج الحديث واحد، وسيأتي الكلام على ليلة القدر وعلى صيام رمضان وقيامه إن شاء الله تعالى في كتاب الصيام.

(1/92)


26- باب الْجِهَادُ مِنْ الإِيمَانِ
36 - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ - لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي - أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ.وَلَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ."
[الحديث36- أطرافه في:7463,7457,7227,7226,3123,2972,2797,2787]

(1/92)


27- بَاب تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ الإِيمَانِ
37 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ."

(1/92)


28- بَاب صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنْ الإِيمَانِ
38 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ."
قوله: "باب الجهاد من الإيمان" أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر وبين قيام رمضان وصيامه، فأما مناسبة إيراده معها في الجملة فواضح لاشتراكها في كونها من خصال الإيمان، وأما إيراده بين هذين البابين مع أن تعلق أحدهما بالآخر ظاهر فلنكتة لم أر من تعرض لها، بل قال الكرماني: صنيعه هذا دال على أن النظر مقطوع عن غير هذه المناسبة، يعني اشتراكها في كونها من خصال الإيمان.وأقول: بل قيام ليلة القدر وإن كان ظاهر المناسبة لقيام رمضان، لكن للحديث الذي أورده في باب الجهاد مناسبة بالتماس ليلة القدر حسنة جدا، لأن التماس ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامة، ومع ذلك فقد يوافقها أو لا. وكذلك المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد إعلاء كلمة الله، وقد يحصل له ذلك أو لا، فتناسبا في أن في كل منهما مجاهدة، وفي أن كلا منهما قد يحصل المقصود الأصلي لصاحبه أو لا. فالقائم لالتماس ليلة القدر مأجور، فإن وافقها كان أعظم أجرا. والمجاهد لالتماس الشهادة مأجور، فإن وافقها كان أعظم أجرا. ويشير إلى ذلك تمنيه صلى الله عليه وسلم الشهادة بقوله: "ولوددت أني أقتل في سبيل الله" . فذكر المؤلف فضل الجهاد لذلك استطرادا، ثم عاد إلى ذكر قيام رمضان، وهو بالنسبة لقيام ليلة القدر عام بعد خاص، ثم ذكر بعده باب الصيام لأن الصيام من التروك فأخره عن القيام لأنه من الأفعال، ولأن الليل قبل النهار، ولعله أشار إلى أن القيام مشروع

(1/92)


باب الدين يسر ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة"
...
29- باب الدِّينُ يُسْرٌوَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ."
39 - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ مُطَهَّرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ."
[الحديث39- أطرافه في: 7235,6463,5673]
قوله: "باب الدين يسر"، أي: دين الإسلام ذو يسر، أو سمى الدين يسرا، مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله، لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم.ومن أوضح الأمثلة له: أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم.قوله: "أحب الدين" أي: خصال الدين، لأن خصال الدين كلها محبوبة،

(1/93)


لكن ما كان منها سمحا - أي سهلا - فهو أحب إلى الله.ويدل عليه ما أخرجه أحمد بسند صحيح من حديث أعرابي لم يسمه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خير دينكم أيسره" .أو الدين جنس، أي: أحب الأديان إلى الله الحنيفية.والمراد بالأديان الشرائع الماضية قبل أن تبدل وتنسخ.والحنيفية ملة إبراهيم، والحنيف في اللغة: من كان على ملة إبراهيم، وسمى إبراهيم حنيفا لميله عن الباطل إلى الحق لأن أصل الحنف الميل.والسمحة: السهلة، أي: أنها مبنية على السهولة، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ} وهذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف في هذا الكتاب، لأنه ليس على شرطه.نعم وصله في كتاب الأدب المفرد، وكذا وصله أحمد بن حنبل وغيره من طريق محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وإسناده حسن.استعمله المؤلف في الترجمة لكونه متقاصرا عن شرطه، وقواه بما دل على معناه لتناسب السهولة واليسر.قوله: "حدثنا عبد السلام بن مطهر" أي: ابن حسام البصري، وكنيته أبو ظفر بالمعجمة والفاء المفتوحتين. قوله: "حدثنا عمر بن علي" هو المقدمي بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة، وهو بصري ثقة، لكنه مدلس شديد التدليس، وصفه بذلك ابن سعد وغيره.وهذا الحديث من إفراد البخاري عن مسلم، وصححه - وإن كان من رواية مدلس بالعنعنة - لتصريحه فيه بالسماع من طريق أخرى، فقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق أحمد بن المقدام أحد شيوخ البخاري عن عمر بن علي المذكور قال: "سمعت معن بن محمد " فذكره، وهو من إفراد معن بن محمد، وهو مدني ثقة قليل الحديث، لكن تابعه على شقه الثاني ابن أبي ذئب عن سعيد أخرجه المصنف في كتاب الرقاق بمعناه ولفظه: "سددوا وقربوا " وزاد في آخره: "والقصد القصد تبلغوا " ولم يذكر شقه الأول، وقد أشرنا إلى بعض شواهده، ومنها حديث عروة الفقيمي بضم الفاء وفتح القاف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن دين الله يسر" ، ومنها حديث بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": " عليكم هديا قاصدا، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه " رواهما أحمد وإسناد كل منهما حسن.قوله: "ولن يشاد الدين إلا غلبه" هكذا في روايتنا بإضمار الفاعل، وثبت في رواية ابن السكن وفي بعض الروايات عن الأصيلي بلفظ: "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي وأبي نعيم وابن حبان وغيرهم.والدين منصوب على المفعولية وكذا في روايتنا أيضا، وأضمر الفاعل للعلم به، وحكى صاحب المطالع: أن أكثر الروايات برفع الدين على أن يشاد مبني لما لم يسم فاعله، وعارضه النووي بأن أكثر الروايات بالنصب، ويجمع بين كلاميهما بأنه بالنسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ويؤيد النصب لفظ حديث بريدة عند أحمد: "إنه من شاد هذا الدين يغلبه " ذكره في حديث آخر يصلح أن يكون هو سبب حديث الباب.والمشادة بالتشديد: المغالبة، يقال: شاده يشاده مشادة، إذا قاواه، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب. قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدى إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة، وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد: " إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، وخير دينكم اليسرة " وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع، كمن

(1/94)


يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر. قوله: "فسددوا" أي: الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللغة: "السداد التوسط في العمل". قوله: "وقاربوا" أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.قوله: "وأبشروا" أي بالثواب على العمل الدائم وإن قل، والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشر به تعظيما له وتفخيما.قوله: "واستعينوا بالغدوة" أي استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة.والغدوة بالفتح سير أول النهار.وقال الجوهري: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس.والروحة بالفتح السير بعد الزوال.والدلجة بضم أوله وفتحه وإسكان اللام سير آخر الليل، وقيل سير الليل كله، ولهذا عبر فيه بالتبعيض، ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار. وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، وكأنه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرا إلى مقصد فنبهه على أوقات نشاطه، لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة.وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة.وقوله في رواية ابن أبي ذئب " القصد القصد " بالنصب فيهما على الإغراء، والقصد الأخذ بالأمر الأوسط.ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التي قبله ظاهرة من حيث أنها تضمنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد، فأراد أن يبين أن الأولى للعامل بذلك أن لا يجهد نفسه بحيث يعجز وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع.ثم عاد إلى سياق الأحاديث الدالة على أن الأعمال الصالحة معدودة من الإيمان فقال: باب الصلاة من الإيمان.

(1/95)


30- باب الصَّلاَةُ مِنْ الإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} يَعْنِي: صَلاَتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ.
40 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنْ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلاَهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا - كَمَا هُمْ - قِبَلَ الْبَيْتِ.وَكَانَتْ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.
قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى : {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} "
[الحديث 40- أطرافه في: 7252,4492,4486,399,]
قوله: "باب" هو مرفوع بتنوين وبغير تنوين، والصلاة مرفوع على التنوين فقوله: "وقول الله " مرفوع عطفا على الصلاة، وعلى عدمه مجرور مضاف.قوله: "يعني صلاتكم" وقع التنصيص على هذا التفسير من الوجه

(1/95)


الذي أخرج منه المصنف حديث الباب،فروى الطيالسي والنسائي من طريق شريك وغيره عن أبي إسحاق عن البراء في الحديث المذكور " فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} صلاتكم إلى بيت المقدس " وعلى هذا فقول المصنف: "عند البيت " مشكل، مع أنه ثابت عنه في جميع الروايات، ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت.وقد قيل: إن فيه تصحيفا والصواب: يعني صلاتكم لغير البيت. وعندي أنه لا تصحيف فيه بل هو صواب، ومقاصد البخاري في هذه الأمور دقيقة، وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة، فقال ابن عباس وغيره: "كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس". وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس.وقال آخرون: "كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس" وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، وكأن البخاري أراد الإشارة إلى الجزم بالأصح من أن الصلاة لما كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية، لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا عنه، فتقدير الكلام: يعني صلاتكم التي صليتموها عند البيت إلى بيت المقدس. قوله: "حدثنا عمرو بن خالد" هو بفتح العين وسكون الميم، وهو أبو الحسن الحراني نزيل مصر أحد الثقات الإثبات. ووقع في رواية القابسي عن عبدوس كلاهما عن أبي زيد المروزي. وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: "عمر بن خالد " بضم العين وفتح الميم، وهو تصحيف نبه عليه من القدماء أبو علي الغساني، وليس قي شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد ولا في جميع رجاله بل ولا في أحد من رجال الكتب الستة. قوله: "حدثنا زهير" هو ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة وبها سمع منه عمرو بن خالد. قوله: "حدثنا أبو إسحاق" هو السبيعي وسماع زهير منه - فيما قال أحمد - بعد أن بدأ تغيره، لكن تابعه عليه عند المصنف إسرائيل ابن يونس حفيده وغيره. قوله: "عن البراء" هو ابن عازب الأنصاري، صحابي ابن صحابي. وللمصنف في التفسير من طريق الثوري عن أبي إسحاق " سمعت البراء " فأمن ما يخشى من تدليس أبي إسحاق. قوله: "أول" بالنصب أي: في أول زمن قدومه، وما مصدرية. قوله: "أو قال أخواله" الشك من أبي إسحاق، وفي إطلاق أجداده أو أخواله مجاز، لأن الأنصار أقاربه من جهة الأمومة، لأن أم جده عبد المطلب بن هاشم منهم، وهي سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار. وإنما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة على إخوتهم بني مالك بن النجار، ففيه على هذا مجاز ثان. قوله: "قبل بيت المقدس" بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: إلى جهة بيت المقدس. قوله: "ستة عشر شهرا أو سبعة عشر" كذا وقع الشك في رواية زهير هذه هنا، وفي الصلاة أيضا عن أبي نعيم عنه، وكذا في رواية الثوري عنده.وفي رواية إسرائيل عند المصنف وعند الترمذي أيضا. ورواه أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال: "ستة عشر " من غير شك، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص، وللنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة وشريك، ولأبي عوانة أيضا من رواية عمار بن رزيق - بتقديم الراء مصغرا - كلهم عن أبي إسحاق، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس. وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف " سبعة عشر " وكذا للطبراني عن ابن عباس. والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا، ومن شك تردد في ذلك. وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا

(1/96)


خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس.وقال ابن حبان: "سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام " وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول.وشذت أقوال أخرى. ففي ابن ماجة من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق في هذا الحديث: "ثمانية عشر شهرا " وأبو بكر سيئ الحفظ وقد اضطرب فيه، فعند ابن جرير من طريقه في رواية سبعة عشر وفي رواية ستة عشر، وخرجه بعضهم على قول محمد بن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النووي في الروضة وأقره، مع كونه رجح في شرحه لمسلم رواية ستة عشر شهرا لكونها مجزوما بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا إن ألغى شهري القدوم والتحويل، وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة. ومن الشذوذ أيضا رواية ثلاثة عشر شهرا ورواية تسعة أشهر أو عشرة أشهر ورواية شهرين ورواية سنتين، وهذه الأخيرة يمكن حملها على الصواب. وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على القول الأول، فجملة ما حكاه تسع روايات. قوله: "وأنه صلى أول" بالنصب لأنه مفعول صلى، والعصر كذلك على البدلية، وأعربه ابن مالك بالرفع، وفي الكلام مقدر لم يذكر لوضوحه، أي: أول صلاة صلاها متوجها إلى الكعبة صلاة العصر. وعند ابن سعد: حولت القبلة في صلاة الظهر أو العصر - على التردد - وساق ذلك من حديث عمارة بن أوس قال: "صلينا إحدى صلاتي العشاءين". والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، وأما الصبح فهو من حديث ابن عمر بأهل قباء، وهل كان ذلك في جمادى الآخرة أو رجب أو شعبان؟ أقوال. قوله: "فخرج رجل" هو عباد بن بشر بن قيظي كما رواه ابن منده من حديث طويلة بنت أسلم، وقيل هو عباد بن نهيك بفتح النون وكسر الهاء، وأهل المسجد الذين مر بهم قيل: هم من بني سلمة، وقيل: هو عباد بن بشر الذي أخبر أهل قباء في صلاة الصبح كما سيأتي بيان ذلك في حديث ابن عمر حيث ذكره المصنف في كتاب الصلاة، ونذكر هناك تقرير الجمع بين هذين الحديثين وغيرهما مع التنبيه على ما فيهما من الفوائد إن شاء الله تعالى. قوله: "أشهد بالله" أي: أحلف، قال الجوهري: يقال أشهد بكذا أي: أحلف به. قوله: "قبل مكة" أي: قبل البيت الذي في مكة، ولهذا قال: "فداروا كما هم قبل البيت"، و " ما " موصولة والكاف للمبادرة. وقال الكرماني للمقارنة، وهم مبتدأ وخبره محذوف. قوله: "قد أعجبهم" أي: النبي صلى الله عليه وسلم. "وأهل الكتاب" هو بالرفع عطفا على اليهود، من عطف العام على الخاص. وقيل: المراد النصارى لأنهم من أهل الكتاب وفيه نظر لأن النصارى لا يصلون لبيت المقدس فكيف يعجبهم؟ وقال الكرماني: "كان إعجابهم بطريق التبعية لليهود". قلت: وفيه بعد لأنهم أشد الناس عداوة لليهود. ويحتمل أن يكون بالنصب، والواو بمعنى مع أي: يصلي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس، واختلف في صلاته إلى بيت المقدس وهو بمكة، فروى ابن ماجة من طريق أبي بكر بن عياش المذكورة " صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين " وظاهره أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضا، وحكى الزهري خلافا في أنه هل كان يجعل الكعبة خلف ظهره أو يجعلها بينه وبين بيت المقدس؟ قلت: وعلى الأول فكان يجعل الميزاب خلفه، وعلى الثاني كان يصلي بين الركنين اليمانيين. وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ. وحمل ابن عبد البر هذا على القول الثاني. ويؤيد حمله على ظاهره إمامة جبريل، ففي بعض طرقه أن

(1/97)


ذلك كان عند باب البيت. قوله: "أنكروا ذلك" يعني: اليهود، فنزلت: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} الآية. وقد صرح المصنف بذلك في روايته من طريق إسرائيل. قوله: "قال زهير" يعني: ابن معاوية بالإسناد المذكور بحذف أداة العطف كعادته، ووهم من قال إنه معلق، وقد ساقه المصنف في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير سياقا واحدا. قوله: "أنه مات على القبلة" أي: قبلة بيت المقدس قبل أن تحول "رجال وقتلوا" ذكر القتل لم أره إلا في رواية زهير، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، وكذلك روى أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم صحيحا عن ابن عباس. والذين ماتوا بعد فرض الصلاة وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشرة أنفس، فبمكة من قريش: عبد الله بن شهاب والمطلب بن أزهر الزهريان والسكران بن عمرو العامري. وبأرض الحبشة منهم: حطاب - بالمهملة - ابن الحارث الجمحي وعمرو بن أمية الأسدي وعبد الله بن الحارث السهمي وعروة بن عبد العزى وعدي بن نضلة العدويان. ومن الأنصار بالمدينة: البراء بن معرور - بمهملات - وأسعد بن زرارة. فهؤلاء العشرة متفق عليهم. ومات في المدة أيضا إياس بن معاذ الأشهلي، لكنه مختلف في إسلامه. ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد، ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك. ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه وهو سويد بن الصامت، فقد ذكر ابن إسحاق أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تلقاه الأنصار في العقبة، فعرض عليه الإسلام فقال: إن هذا القول حسن. وانصرف إلى المدينة فقتل بها في وقعة بعاث - بضم الموحدة وإهمال العين وآخره مثلثة - وكانت قبل الهجرة، قال فكان قومه يقولون: لقد قتل وهو مسلم، فيحتمل أن يكون هو المراد. وذكر لي بعض الفضلاء أنه يحوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار. قلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسراء. "تنبيه": في هذا الحديث من الفوائد: الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانا. وفيه أن تمني تغيير بعض الأحكام جائز إذا ظهرت المصلحة في ذلك. وفيه بيان شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم وكرامته على ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال. وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر كما صح من حديث البراء أيضا فنزل: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} إلى قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وقوله تعالى: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} ولملاحظة هذا المعنى عقب المصنف هذا الباب بقوله: "باب حسن إسلام المرء " فذكر الدليل على أن المسلم إذا فعل الحسنة أثيب عليها.

(1/98)


31- باب حُسْنُ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ
41 - قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ:الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا، إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا."
قوله: "قال مالك" هكذا ذكره معلقا، ولم يوصله في موضع آخر من هذا الكتاب، وقد وصله أبو ذر الهروي في روايته للصحيح فقال عقبه: أخبرناه النضروي هو العباس بن الفضل قال: حدثنا الحسن بن إدريس قال: حدثنا هشام

(1/98)


ابن خالد حدثنا الوليد بن مسلم عن مالك به، وكذا وصله النسائي من رواية الوليد بن مسلم حدثنا مالك، فذكره أتم مما هنا كما سيأتي، وكذا وصله الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن نافع والبزار من طريق إسحاق الفروي والإسماعيلي من طريق عبد الله بن وهب والبيهقي في الشعب من طريق إسماعيل بن أبي أويس كلهم عن مالك، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى عن مالك، وذكر أن معن بن عيسى رواه عن مالك فقال: " عن أبي هريرة " بدل أبي سعيد، وروايته شاذة، ورواه سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا. ورويناه في الخلعيات(1) وقد حفظ مالك الوصل فيه وهو أتقن لحديث أهل المدينة من غيره. وقال الخطيب: هو حديث ثابت. وذكر البزار أن مالكا تفرد بوصله. قوله: "إذا أسلم العبد" هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، وذكره بلفظ المذكر تغليبا. قوله: "فحسن إسلامه" أي: صار إسلامه حسنا باعتقاده وإخلاصه ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربه منه واطلاعه عليه، كما دل عليه تفسير الإحسان في حديث سؤال جبريل كما سيأتي. قوله: "يكفر الله" هو بضم الراء لأن " إذا " وإن كانت من أدوات الشرط لكنها لا تجزم، واستعمل الجواب مضارعا وإن كان الشرط بلفظ الماضي لكنه بمعنى المستقبل. وفي رواية البزار: "كفر الله " فواخى بينهما. قوله: "كان أزلفها" كذا لأبي ذر، ولغيره زلفها، وهي بتخفيف اللام كما ضبطه صاحب المشارق. وقال النووي بالتشديد، ورواه الدارقطني من طريق طلحة بن يحيى عن مالك بلفظ: "ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه إلا كتب الله له كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل خطيئة زلفها " بالتخفيف فيهما. وللنسائي نحوه لكن قال: أزلفها. وزلف بالتشديد وأزلف بمعنى واحد أي: أسلف وقدم، قاله الخطابي. وقال في المحكم: أزلف الشيء: قربه وزلفه مخففا ومثقلا قدمه. وفي الجامع: الزلفة تكون في الخير والشر. وقال في المشارق: زلف بالتخفيف أي: جمع وكسب، وهذا يشمل الأمرين، وأما القربة فلا تكون إلا في الخير، فعلى هذا تترجح رواية غير أبي ذر، لكن منقول الخطابي يساعدها. وقد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري وهو كتابة الحسنات المتقدمة قبل الإسلام، وقوله: "كتب الله " أي: أمر أن بكتب، وللدار قطني من طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ: "يقول الله لملائكته اكتبوا" فقيل: إن المصنف أسقط ما رواه غيره عمدا لأنه مشكل على القواعد. وقال المازري: الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه، لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه والكافر ليس كذلك. وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال، واستضعف ذلك النووي فقال: الصواب الذي عليه المحققون - بل نقل بعضهم فيه الإجماع - أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم ومات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له، وأما دعوى أنه مخالف للقواعد فغير مسلم لأنه قد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم وتجزئه. انتهى. والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلا من الله وإحسانا، أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولا، والحديث إنما تضمن كتابة الثواب ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقا على إسلامه فيقبل ويثاب إن أسلم وإلا فلا، وهذا قوي، وقد جزم بما جزم به النووي إبراهيم الحربي وابن بطال وغيرهما من
ـــــــ
(1) هي عشرون جزءا في الحديث, تخريج القاضي أبي الحسين علي بن حسن الخلعى الموصلي المتوفى سنة 448

(1/99)


القدماء والقرطبي وابن المنير من المتأخرين، قال ابن المنير: "المخالف للقواعد دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا، فلا مانع منه كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة، جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفي الشروط". وقال ابن بطال: "لله أن يتفضل على عباده بما شاء ولا اعتراض لأحد عليه". واستدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين كما دل عليه القرآن والحديث الصحيح، وهو لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباء منثورا. فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب له مضافا إلى عمله الثاني، وبقوله صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة عن ابن جدعان: وما كان يصنعه من الخير هل ينفعه؟ فقال: "إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " فدل على أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر. قوله: "وكان بعد ذلك القصاص" أي: كتابة المجازاة في الدنيا، وهو مرفوع بأنه اسم كان، ويجوز أن تكون كان تامة، وعبر بالماضي لتحقق الوقوع فكأنه وقع، كقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ}. وقوله: الحسنة مبتدأ وبعشر الخبر والجملة استئنافية، وقوله: إلى سبعمائة متعلق بمقدر أي: منتهية، وحكى الماوردي أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة، ورد عليه بقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} والآية محتملة للأمرين، فيحتمل أن يكون المراد أنه يضاعف تلك المضاعفة بأن يجعلها سبعمائة، ويحتمل أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها، والمصرح بالرد عليه حديث ابن عباس المخرج عند المصنف في الرقاق ولفظه: "كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة". قوله: "إلا أن يتجاوز الله عنها" زاد سمويه في فوائده: "إلا أن يغفر الله وهو الغفور " وفيه دليل على الخوارج وغيرهم من المكفرين بالذنوب والموجبين لخلود المذنبين في النار، فأول الحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان لأن الحسن تتفاوت درجاته، وآخره يرد على الخوارج والمعتزلة.
42 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا"
قوله: "عن همام" هو ابن منبه، وهذا الحديث من نسخته المشهورة المروية بإسناد واحد عن عبد الرزاق عن معمر عنه.وقد اختلف العلماء في إفراد حديث من نسخة هل يساق بإسنادها ولو لم يكن مبتدأ به، أو لا؟فالجمهور على الجواز ومنهم البخاري، وقيل: يمتنع، وقيل: يبدأ أبدا بأول حديث ويذكر بعده ما أراد. وتوسط مسلم فأتى بلفظ يشعر بأن المفرد من جملة النسخة فيقول في مثل هذا إذا انتهى الإسناد: فذكر أحاديث منها كذا، ثم يذكر أي حديث أراد منها. قوله: "إذا أحسن أحدكم إسلامه" كذا له ولمسلم وغيرهما، ولإسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق: "إذا حسن إسلام أحدكم " وكأنه رواه بالمعنى، لأنه من لازمه. ورواه الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن معمر كالأول، والخطاب بأحدكم بحسب اللفظ للحاضرين، لكن الحكم عام لهم ولغيرهم باتفاق، وإن حصل التنازع في كيفية التناول أهي بالحقيقة اللغوية أو الشرعية أو بالمجاز. قوله: "فكل حسنة" ينبئ أن اللام في قوله

(1/100)


في الحديث الذي قبله: "الحسنة بعشر أمثالها " للاستغراق. قوله: "بمثلها" زاد مسلم وإسحاق والإسماعيلي في روايتهم: "حتى يلقى الله عز وجل".

(1/101)


32- باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ
43 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ. قَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟" قَالَتْ: فُلاَنَةُ - تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا - قَالَ: "مَهْ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا" وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
[الحديث 43- في:1151]
قوله: "باب أحب الدين إلى الله أدومه" مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال. لأن المراد بالدين هنا العمل، والدين الحقيقي هو الإسلام، والإسلام الحقيقي مرادف للإيمان، فيصح بهذا مقصوده. ومناسبته لما قبله من قوله: "عليكم بما تطيقون " لأنه لما قدم أن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة أراد أن ينبه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير مطلوب، وقد تقدم بعض هذا المعنى في " باب الدين يسر " وفي هذا ما ليس في ذاك على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى. قوله: "حدثنا يحيى" هو ابن سعيد القطان، " عن هشام " هو ابن عروة بن الزبير. قوله: "فقال من هذه" للأصيلي: "قال من هذه " بغير فاء، ويوجه على أنه جواب سؤال مقدر، كأن قائلا قال: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال من هذه. قوله: "قلت فلانة" هذه اللفظة كناية عن كل علم مؤنث فلا ينصرف، زاد عبد الرزاق عن معمر عن هشام في هذا الحديث: "حسنة الهيئة". قوله: "تذكر" بفتح التاء الفوقانية، والفاعل عائشة. وروي بضم الياء التحتانية على البناء لما لم يسم فاعله، أي: يذكرون أن صلاتها كثيرة. ولأحمد عن يحيى القطان: "لا تنام، تصلي " وللمصنف في كتاب صلاة الليل معلقا عن القعنبي عن مالك عن هشام، وهو موصول في الموطأ للقعنبي وحده في آخره: "لا تنام بالليل " وهذه المرأة وقع في رواية مالك المذكورة أنها من بني أسد، ولمسلم من رواية الزهري عن عروة في هذا الحديث أنها الحولاء - بالمهملة والمد - وهو اسمها بنت تويت بمثناتين مصغرا ابن حبيب - بفتح المهملة - ابن أسد بن عبد العزى من رهط خديجة أم المؤمنين - رضي الله عنها -، وفي روايته أيضا: "وزعموا أنها لا تنام الليل " وهذا يؤيد الرواية الثانية في أنها نقلت عن غيرها. فإن قيل: وقع في حديث الباب حديث هشام دخل عليها وهي عندها. وفي رواية الزهري أن الحولاء مرت بها فظاهره التغاير، فيحتمل أن تكون المارة امرأة غيرها من بني أسد أيضا أو أن قصتها تعددت. والجواب: أن القصة واحدة، ويبين ذلك رواية محمد بن إسحاق عن هشام في هذا الحديث ولفظه: "مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم الحولاء بنت تويت" أخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل له، فيحمل على أنها كانت أولا عند عائشة فلما دخل صلى الله عليه وسلم على عائشة قامت المرأة كما في رواية حماد بن سلمة الآتية، فلما قامت لتخرج مرت به في خلال ذهابها فسأل عنها، وبهذا تجتمع الروايات. "تنبيه": قال ابن التين: "لعلها أمنت عليها الفتنة فلذلك مدحتها في وجهها". قلت: لكن رواية حماد بن سلمة عن هشام في هذا الحديث تدل على أنها ما ذكرت ذلك إلا بعد أن خرجت المرأة، أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده من طريقه ولفظه: "كانت عندي امرأة، فلما قامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": من هذه يا عائشة؟ قلت: يا رسول الله هذه فلانة، وهي أعبد أهل المدينة،

(1/101)


فذكر الحديث. قوله: "مه" قال الجوهري: "هي كلمة مبنية على السكون، وهي اسم سمي به الفعل، والمعنى اكفف، يقال: مهمهته إذا زجرته، فإن وصلت نونت فقلت: مه". وقال الداودي: "أصل هذه الكلمة " ما هذا " كالإنكار فطرحوا بعض اللفظة فقالوا: مه فصيروا الكلمتين كلمة" وهذا الزجر يحتمل أن يكون لعائشة، والمراد نهيها عن مدح المرأة بما ذكرت، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة، فقالوا: يكره صلاة جميع الليل كما سيأتي في مكانه. قوله: "عليكم بما تطيقون" أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق. وقال القاضي عياض: "يحتمل أن يكون هذا خاصا بصلاة الليل، ويحتمل أن يكون عاما في الأعمال الشرعية". قلت: سبب وروده خاص بالصلاة، ولكن اللفظ عام، وهو المعتبر. وقد عبر بقوله: "عليكم " مع أن المخاطب النساء طلبا لتعميم الحكم، فغلبت الذكور على الإناث. قوله: "فوالله" فيه جواز الحلف من غير استحلاف. وقد يستحب إذا كان في تفخيم أمر من أمور الدين أو حث عليه أو تنفير من محذور. قوله: "لا يمل الله حتى تملوا" هو بفتح الميم في الموضعين، والملال: استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته، وهو محال على الله تعالى باتفاق. قال الإسماعيلي وجماعة من المحققين: "إنما أطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازا كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وأنظاره" قال القرطبي: "وجه مجازه أنه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن يقطع العمل ملالا، عبر عن ذلك بالملال من باب تسمية الشيء باسم سببه". وقال الهروي: "معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله فتزهدوا في الرغبة إليه". وقال غيره: معناه لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم، وهذا كله بناء على أن " حتى " على بابها في انتهاء الغاية وما يترتب عليها من المفهوم. وجنح بعضهم إلى تأويلها فقيل: معناه لا يمل الله إذا مللتم، وهو مستعمل في كلام العرب يقولون: لا أفعل كذا حتى يبيض القار أو حتى يشيب الغراب. ومنه قولهم في البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه، لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية. وهذا المثال أشبه من الذي قبله لأن شيب الغراب ليس ممكنا عادة، بخلاف الملل من العابد. وقال المازري: قيل إن حتى هنا بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يمل وتملون، فنفى عنه الملل وأثبته لهم. قال: وقيل حتى بمعنى حين. والأول أليق وأجرى على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية. ويؤيده ما وقع في بعض طرق حديث عائشة بلفظ: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل " لكن في سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف. وقال ابن حبان في صحيحه: "هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ للمخاطب أن يعرف القصد مما يخاطب به إلا بها" وهذا رأيه في جميع المتشابه. قوله: "أحب" قال القاضي أبو بكر بن العربي: معنى المحبة من الله تعلق الإرادة بالثواب(1) أي: أكثر الأعمال ثوابا أدومها. قوله: "إليه" أي رواية المستملي وحده " إلى الله " وكذا في رواية عبدة عن هشام عند إسحاق بن راهويه في مسنده، وكذا للمصنف ومسلم من طريق أبي سلمة، ولمسلم عن القاسم كلاهما عن عائشة، وهذا موافق لترجمة الباب. وقال باقي الرواة عن هشام: "وكان أحب الدين إليه " أي: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرح به المصنف في الرقاق في
ـــــــ
(1) هذا من التأويل الباطل، والحق الذي عليه أهل السنة أن معنى المحبة غير معنى الإرادة،والله سبحانه موصوف بها على الوجه الذي يليق بجلاله، ومحبته لاتشابه محبة خلقه؛ كما أن إرادة خلقه وهكذا سائر صفاته كما قال تعالى { َليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير}

(1/102)


رواية مالك عن هشام، وليس بين الروايتين تخالف، لأن ما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسوله. قال النووي: "بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله، بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم، بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة". وقال ابن الجوزي: "إنما أحب الدائم لمعنيين: أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه. ثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتا ما كمن لازم يوما كاملا ثم انقطع". وزاد المصنف ومسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة: "وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل".

(1/103)


33- باب زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تعالى :{وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} وَقَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.
44 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ."
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "مِنْ إِيمَانٍ"
مَكَانَ " مِنْ خَيْرٍ"
[الحديث44 –أطرافه في:7516,7510,7509,7440,7410,6565,4476]
قوله: "باب زيادة الإيمان ونقصانه" تقدم له قبل بستة عشر بابا " باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال " وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري بمعنى حديث أنس الذي أورده هنا، فتعقب عليه بأنه تكرار، وأجيب عنه: بأن الحديث لما كانت الزيادة والنقصان فيه باعتبار الأعمال أو باعتبار التصديق، ترجم لكل من الاحتمالين، وخص حديث أبي سعيد بالأعمال، لأن سياقه ليس فيه تفاوت بين الموزونات، بخلاف حديث أنس ففيه التفاوت في الإيمان القائم بالقلب من وزن الشعيرة والبرة والذرة. قال ابن بطال: التفاوت في التصديق على قدر العلم والجهل، فمن قل علمه كان تصديقه مثلا بمقدار ذرة، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار برة، أو شعيرة. إلا أن أصل التصديق الحاصل في قلب كل أحد منهم لا يجوز عليه النقصان، ويجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة. انتهى. وقد تقدم كلام النووي في أول الكتاب بما يشير إلى هذا المعنى، ووقع الاستدلال في هذه الآية بنظير ما أشار إليه البخاري لسفيان ابن عيينة، أخرجه أبو نعيم في ترجمته من الحلية من طريق عمرو بن عثمان الرقي قال: قيل لابن عيينة: إن قوما يقولون الإيمان كلام. فقال: كان هذا قبل أن تنزل الأحكام، فأمر الناس أن يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم، فلما علم الله صدقهم أمرهم بالصلاة ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار. فذكر الأركان إلى أن قال: فلما علم الله ما تتابع عليهم من الفرائض وقبولهم قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية. فمن ترك شيئا من ذلك كسلا أو مجونا أدبناه عليه وكان ناقص الإيمان، ومن تركها جاحدا كان كافرا. انتهى ملخصا. وتبعه أبو عبيد في كتاب الإيمان له فذكر نحوه وزاد: أن بعض المخالفين لما ألزم بذلك أجاب: بأن الإيمان ليس هو مجموع الدين، إنما الدين ثلاثة أجزاء: الإيمان جزء، والأعمال جزآن، لأنها فرائض ونوافل. وتعقبه أبو عبيد

(1/103)


بأنه خلاف ظاهر القرآن، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} "، والإسلام حيث أطلق مفردا دخل فيه الإيمان كما تقدم تقريره. فإن قيل: فلم أعاد في هذا الباب الآيتين المذكورتين فيه وقد تقدمتا في أول كتاب الإيمان؟ فالجواب: أنه أعادهما ليوطئ بهما معنى الكمال المذكور في الآية الثالثة. لأن الاستدلال بهما نص في الزيادة، وهو يستلزم النقص. وأما الكمال فليس نصا في الزيادة، بل هو مستلزم للنقص فقط، واستلزامه للنقص يستدعي قبوله الزيادة، ومن ثم قال المصنف: "فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص"ولهذه النكتة عدل في التعبير للآية الثالثة عن أسلوب الآيتين حيث قال أولا: "وقول الله " وقال ثانيا: "وقال"، وهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأن آية "أكملت لكم" لا دليل فيها على مراده، لأن الإكمال إن كان بمعنى إظهار الحجة على المخالفين أو بمعنى إظهار أهل الدين على المشركين فلا حاجة للمصنف فيه، وإن كان بمعنى إكمال الفرائض لزم عليه أنه كان قبل ذلك ناقصا، وأن من مات من الصحابة قبل نزول الآية كان إيمانه ناقصا، وليس الأمر كذلك لأن الإيمان لم يزل تاما. ويوضح دفع هذا الاعتراض جواب القاضي أبي بكر بن العربي: بأن النقص أمر نسبي، لكن منه ما يترتب عليه الذم ومنه ما لا يترتب. فالأول: ما نقصه بالاختيار كمن علم وظائف الدين ثم تركها عمدا. والثاني: ما نقصه بغير اختيار كمن لم يعلم أو لم يكلف، فهذا لا يذم بل يحمد من جهة أنه كان قلبه مطمئنا، بأنه لو زيد لقبل ولو كلف لعمل، وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض. ومحصله أن النقص بالنسبة إليهم صوري نسبي، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى. وهذا نظير قول من يقول: إن شرع محمد أكمل من شرع موسى وعيسى، لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب التي قبله، ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملا، وتجدد في شرع عيسى بعده ما تجدد، فالأكملية أمر نسبي كما تقرر. والله أعلم. قوله: "هشام" هو ابن أبي عبد الله الدستوائي، يكنى أبا بكر، وفي طبقته هشام بن حسان لكنه لم يرو هذا الحديث قوله: "يخرج" بفتح أوله وضم الراء، ويروى بالعكس، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: "أخرجوا". قوله: "من قال لا إله إلا الله وفي قلبه" فيه دليل على اشتراط النطق بالتوحيد، أو المراد بالقول هنا القول النفسي، فالمعنى: من أقر بالتوحيد وصدق، فالإقرار لا بد منه، فلهذا أعاده في كل مرة. والتفاوت يحصل في التصديق على الوجه المتقدم. فإن قيل: فكيف لم يذكر الرسالة؟ فالجواب: أن المراد المجموع، وصار الجزء الأول علما عليه كما تقول: قرأت: "قل هو الله أحد"، أي: السورة كلها. قوله: "برة" بضم الموحدة وتشديد الراء المفتوحة وهي القمحة، ومقتضاه أن وزن البرة دون وزن الشعيرة لأنه قدم الشعيرة وتلاها بالبرة ثم الذرة، وكذلك هو في بعض البلاد. فإن قيل: إن السياق بالواو وهي لا ترتب. فالجواب: أن رواية مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ثم " وهي للترتيب. قوله: "ذرة" بفتح المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وصحفها شعبة - فيما رواه مسلم من طريق يزيد بن زريع عنه - فقال ذرة بالضم وتخفيف الراء، وكأن الحامل له على ذلك كونها من الحبوب فناسبت الشعيرة والبرة. قال مسلم في روايته: قال يزيد: صحف فيها أبو بسطام، يعني: شعبة. ومعنى الذرة قيل: هي أقل الأشياء الموزونة، وقيل: هي الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رءوس الإبر، وقيل: هي النملة الصغيرة، ويروى عن ابن عباس أنه قال: إذا وضعت كفك في التراب ثم نفضتها فالساقط هو الذر. ويقال: إن أربع ذرات وزن خردلة. وللمصنف في أواخر التوحيد من طريق حميد عن أنس مرفوعا: "أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة، ثم من كان في قلبه أدنى شيء " وهذا معنى الذرة. قوله: "قال أبان" هو ابن يزيد العطار، وهذا التعليق وصله الحاكم في كتاب الأربعين له من طريق أبي سلمة. قال: حدثنا أبان بن يزيد.. فذكر الحديث. وفائدة إيراد

(1/104)


المصنف له من جهتين: إحداهما: تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس. ثانيتهما: تعبيره في المتن بقوله: "من إيمان " بدل قوله: "من خير"، فبين أن المراد بالخير هنا الإيمان. فإن قيل على الأولى: لم لم يكتف بطريق أبان السالمة من التدليس ويسوقها موصولة؟ فالجواب: أن أبان وإن كان مقبولا لكن هشام أتقن منه وأضبط. فجمع المصنف بين المصلحتين. والله الموفق. وسيأتي الكلام على بقية هذا المتن في كتاب التوحيد، حيث ذكر المصنف حديث الشفاعة الطويل من هذا الوجه، ورجال هذا الحديث موصولا ومعلقا كلهم بصريون.
45 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ "أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا} قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ".
[الحديث45- أطرافه في:7268,4606,4407,]
قوله: "حدثنا الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عون" مراده " أنه سمع"، وجرت عادتهم بحذف " أنه " في مثل هذا خطا لا نطقا كقال. قوله: "أن رجلا من اليهود" هذا الرجل هو كعب الأحبار، بين ذلك مسدد في مسنده والطبري في تفسيره والطبراني في الأوسط، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة عن عبادة بن نسي - بضم النون وفتح المهملة - عن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب عن كعب. وللمصنف في المغازي من طريق الثوري عن قيس بن مسلم، أن ناسا من اليهود. وله في التفسير من هذا الوجه بلفظ: قالت اليهود. فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة، وتكلم كعب على لسانهم. قوله: "لاتخذنا.الخ" أي: لعظمناه وجعلناه عيدا لنا في كل سنة، لعظم ما حصل فيه من إكمال الدين. والعيد فعل من العود، وإنما سمي به لأنه يعود في كل عام. قوله: "نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم " زاد مسلم عن عبد بن حميد عن جعفر بن عون في هذا الحديث ولفظه: "إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه"، وزاد عن جعفر بن عون " والساعة التي نزلت فيها على النبي - صلى الله عليه وسلم -". فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال: لاتخذناه عيدا، وأجاب عمر - رضي الله عنه - بمعرفة الوقت والمكان، ولم يقل جعلناه عيدا؟ والجواب عن هذا: أنها نزلت في أخريات نهار عرفة، ويوم العيد إنما يتحقق بأوله، وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة، قاله هكذا بعض من تقدم، وعندي أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق عن قبيصة التي قدمناها قد نصت على المراد ولفظه: "نزلت يوم جمعة يوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد" لفظ الطبري والطبراني: "وهما لنا عيدان " وكذا عند الترمذي من حديث ابن عباس: "أن يهوديا سأله عن ذلك فقال: نزلت في يوم عيدين، يوم جمعة ويوم عرفة " فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدا وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدا لأنه ليلة العيد، وهكذا كما جاء في الحديث الآتي في الصيام: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة" فسمي رمضان عيد لأنه يعقبه العيد. فإن قيل: كيف دلت هذه القصة على ترجمة الباب؟ أجيب: من جهة أنها

(1/105)


بينت أن نزولها كان بعرفة، وكان ذلك في حجة الوداع التي هي آخر عهد البعثة، حين تمت الشريعة وأركانها. والله أعلم. وقد جزم السدي بأنه لم ينزل بعد هذه الآية شيء من الحلال والحرام.

(1/106)


- 34 باب الزَّكَاةُ مِنْ الإِسْلاَمِ
وَقَوْلُهُ: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}
46 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الإِسْلاَمِ، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: : " خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" .فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: " لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ" . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: : "وَصِيَامُ رَمَضَانَ" قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ" . قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ "لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ" . قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ."
[الحديث 46- في:6956,2678,1891]
قوله: "باب الزكاة من الإسلام.وما أمروا" كذا لأبي ذر، ولغيره: "قول الله وما أمروا " ويأتي فيه ما مضى في " باب الصلاة من الإيمان"، والآية دالة على ما ترجم له، لأن المراد بقوله: {دِينُ الْقَيِّمَةِ} دين الإسلام. والقيمة: المستقيمة، وقد جاء قام بمعنى استقام في قوله تعالى: { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} أي: مستقيمة. وإنما خص الزكاة بالترجمة لأن باقي ما ذكر في الآية والحديث قد أفرده بتراجم أخرى. رجال إسناد هذا الحديث كلهم مدنيون، ومالك والد أبي سهيل هو ابن أبي عامر الأصبحي حليف طلحة بن عبيد الله، وإسماعيل هو ابن أبي أويس ابن أخت الإمام مالك، فهو من رواية إسماعيل عن خاله عن عمه عن أبيه عن حليفه، فهو مسلسل بالأقارب كما هو مسلسل بالبلد. قوله: "جاء رجل" زاد أبو ذر: "من أهل نجد " وكذا هو في الموطأ ومسلم. قوله: "ثائر الرأس" هو مرفوع على الصفة، ويجوز نصبه على الحال، والمراد أن شعره متفرق من ترك الرفاهية، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة، وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغة أو لأن الشعر منه ينبت. قوله: "يسمع" بضم الياء على البناء للمفعول، أو بالنون المفتوحة للجمع، وكذا في " يفقه". قوله: "دوي" بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، كذا في روايتنا. وقال القاضي عياض: جاء عندنا في البخاري بضم الدال. قال: والصواب الفتح. وقال الخطابي: الدوي: صوت مرتفع متكرر ولا يفهم. وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد. وهذا الرجل جزم ابن بطال وآخرون بأنه ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر. والحامل لهم على ذلك إيراد مسلم لقصته عقب حديث طلحة، ولأن في كل منهما أنه بدوي، وأن كلا منهما قال في آخر حديثه: "لا أزيد على هذا ولا أنقص". لكن تعقبه القرطبي بأن سياقهما مختلف، وأسئلتهما متباينة، قال: ودعوى أنهما قصة واحدة دعوى فرط، وتكلف شطط، من غير ضرورة. والله أعلم. وقواه بعضهم بأن ابن سعد وابن عبد البر وجماعة لم يذكروا لضمام إلا الأول، وهذا غير لازم. قوله

(1/106)


"فإذا هو يسأل عن الإسلام" أي: عن شرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذكرها ولم ينقلها الراوي لشهرتها، وإنما لم يذكر الحج إما لأنه لم يكن فرض بعد أو الراوي اختصره، ويؤيد هذا الثاني ما أخرجه المصنف في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل في هذا الحديث قال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات. قوله: "خمس صلوات" في رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة أنه قال في سؤاله: أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس. فتبين بهذا مطابقة الجواب للسؤال. ويستفاد من سياق مالك: أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير الخمس، خلافا لمن أوجب الوتر أو ركعتي الفجر أو صلاة الضحى أو صلاة العيد أو الركعتين بعد المغرب. قوله: "هل على غيرها؟ قال لا إلا أن تطوع" تطوع بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوع بتاءين فأدغمت إحداهما، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما. واستدل بهذا على أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه تمسكا بأن الاستثناء فيه متصل، قال القرطبي: لأنه نفي وجوب شيء آخر إلا ما تطوع به، والاستثناء من النفي إثبات، ولا قائل بوجوب التطوع، فيتعين أن يكون المراد إلا أن تشرع في تطوع فيلزمك إتمامه. وتعقبه الطيبي بأن ما تمسك به مغالطة، لأن الاستثناء هنا من غير الجنس، لأن التطوع لا يقال فيه: "عليك " فكأنه قال: لا يجب عليك شيء، إلا إن أردت أن تطوع فذلك لك. وقد علم أن التطوع ليس بواجب. فلا يجب شيء آخر أصلا.كذا قال. وحرف المسألة دائر على الاستثناء، فمن قال: إنه متصل تمسك بالأصل، ومن قال: إنه منقطع احتاج إلى دليل، والدليل عليه ما روى النسائي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانا ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام - إذا كانت نافلة - بهذا النص في الصوم والقياس في الباقي. فإن قيل: يرد الحج، قلنا: لا، لأنه امتاز عن غيره بلزوم المضي في فاسده فكيف في صحيحه. وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله كفرضه. والله أعلم. على أن في استدلال الحنفية نظرا لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام، بل بوجوبه. واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتباينهما. وأيضا فإن الاستثناء من النفي عندهم ليس للإثبات بل مسكوت عنه. وقوله: "إلا أن تطوع " استثناء من قوله لا، أي: لا فرض عليك غيرها. قوله: "وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة" في رواية إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت، منها بيان نصب الزكاة فإنها لم تفسر في الروايتين، وكذا أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناج وإن لم يفعل النوافل. قوله: "والله" في رواية إسماعيل بن جعفر فقال: "والذي أكرمك". وفيه جواز الحلف في الأمر المهم، وقد تقدم. قوله: "أفلح إن صدق" وقع عند مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة: "أفلح وأبيه إن صدق " أو " دخل الجنة وأبيه إن صدق". ولأبي داود مثله لكن بحذف " أو". فإن قيل: ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟ أجيب: بأن ذلك كان قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف، كما جرى على لسانهم عقري، حلقي(1) وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرب كأنه قال: ورب أبيه، وقيل: هو خاص ويحتاج إلى دليل، وحكى السهيلي عن
ـــــــ
(1) بوزن غضبى, يقال للمرأة إذا كانت مؤذية مشئومة,أي عقرها الله,وحلقها الله حلقا

(1/107)


بعض مشايخه أنه قال: هو تصحيف، وإنما كان والله، فقصرت اللامان. واستنكر القرطبي هذا وقال: إنه يجزم الثقة بالروايات الصحيحة. وغفل القرافي فادعى أن الرواية بلفظ: وأبيه، لم تصح، لأنها ليست في الموطأ، وكأنه لم يرتض الجواب فعدل إلى رد الخبر، وهو صحيح لا مرية فيه. وأقوى الأجوبة الأولان. وقال ابن بطال: دل قوله: "أفلح إن صدق " على أنه إن لم يصدق فيما التزم لا يفلح، وهذا بخلاف قول المرجئة. فإن قيل: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر المنهيات؟ أجاب: ابن بطال باحتمال أن يكون ذلك وقع قبل ورود فرائض النهي. وهو عجيب منه لأنه جزم بأن السائل ضمام، وأقدم ما قيل فيه إنه وفد سنة خمس، وقيل بعد ذلك، وقد كان أكثر المنهيات واقعا قبل ذلك. والصواب: أن ذلك داخل في عموم قوله: "فأخبره بشرائع الإسلام " كما أشرنا إليه. فإن قيل أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح، وأما بأن لا يزيد فكيف يصح؟ أجاب النووي: بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه. وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحا، لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى. فإن قيل فكيف أقره على حلفه وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرا؟ أجيب: بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلح وإن كان غيره أكثر فلاحا منه. وقال الطيبي: يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر منه على طريق المبالغة في التصديق والقبول، أي قبلت كلامك قبولا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول. وقال ابن المنير: يحتمل أن تكون الزيادة والنقص تتعلق بالإبلاغ، لأنه كان وافد قومه ليتعلم ويعلمهم. قلت: والاحتمالان مردودان برواية إسماعيل بن جعفر، فإن نصها: "لا أتطوع شيئا، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا". وقيل: مراده بقوله: لا أزيد ولا أنقص أي: لا أغير صفة الفرض كمن ينقص الظهر مثلا ركعة أو يزيد المغرب، قلت: ويعكر عليه أيضا لفظ التطوع في رواية إسماعيل بن جعفر. والله أعلم.

(1/108)


35 باب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنْ الإِيمَانِ
47 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ. وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ"
تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. نَحْوَهُ
[الحديث 47- طرفاه في:1325,1323]
قوله: "باب اتباع الجنائز من الإيمان" ختم المصنف معظم التراجم التي وقعت له من شعب الإيمان بهذه الترجمة، لأن ذلك آخر أحوال الدنيا. وإنما أخر ترجمة أداء الخمس من الإيمان لمعنى سنذكره هناك. ووجه الدلالة من الحديث للترجمة قد نبهنا عليه في نظائره قبل. قوله: "المنجوفي" هو بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وبعد الواو الساكنة فاء نسبة إلى جد جده منجوف السدوسي، وهو بصري، وكذا باقي رجال الإسناد غير الصحابي. وروح بفتح

(1/108)


الراء هو ابن عبادة القيسي، وعوف هو ابن أبي جميلة بفتح الجيم الأعرابي بفتح الهمزة، وإنما قيل له ذلك لفصاحته وكنيته أبو سهل، واسم أبيه بندويه - بموحدة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم دال مهملة - بوزن راهويه، والحسن هو ابن أبي الحسن البصري، ومحمد هو ابن سيرين، وهو مجرور بالعطف على الحسن، فالحسن وابن سيرين حدثنا به عوفا عن أبي هريرة إما مجتمعين وإما متفرقين، فأما ابن سيرين فسماعه عن أبي هريرة صحيح، وأما الحسن فمختلف في سماعه منه، والأكثر على نفيه وتوهيم من أثبته، وهو مع ذلك كثير الإرسال فلا تحمل عنعنته على السماع، وإنما أورده المصنف كما سمع، وقد وقع له نظير هذا في قصة موسى، فإنه أخرج فيها حديثا من طريق روح بن عبادة بهذا الإسناد. وأخرج أيضا في بدء الخلق من طريق عوف عنهما عن أبي هريرة حديثا آخر، واعتماده في كل ذلك على محمد بن سيرين. والله أعلم. قوله: "من اتبع" هو بالتشديد، وللأصيلي: "تبع " بحذف الألف وكسر الموحدة، وقد تمسك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل، ولا حجة فيه لأنه يقال تبعه إذا مشى خلفه أو إذا مر به فمشى معه، وكذلك اتبعه بالتشديد وهو افتعل منه، فإذا هو مقول بالاشتراك، وقد بين المراد الحديث الآخر المصحح عند ابن حبان وغيره من حديث ابن عمر في المشي أمامها، وأما أتبعه بالإسكان فهو بمعنى لحقه إذا كان سبقه، ولم تأت به الرواية هنا. قوله: "وكان معه" أي: مع المسلم، وللكشميهني: "معها " أي: مع الجنازة. قوله: "حتى يصلي" بكسر اللام ويروى بفتحها، فعلى الأول لا يحصل الموعود به إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال: يحصل له ذلك ولو لم يصل، أما إذا قصد الصلاة وحال دونه مانع فالظاهر حصول الثواب له مطلقا، والله أعلم. قوله: "ويفرغ" بضم أوله وفتح الراء، ويروى بالعكس، وقد أثبتت هذه الرواية أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يحصل بها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد خلافا لمن تمسك بظاهر بعض الروايات فزعم أنه يحصل بالمجموع ثلاثة قراريط، وسنذكر بقية مباحثه وفوائده في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى. قوله: "تابعه" أي: روح بن عبادة، وعثمان هو ابن الهيثم وهو من شيوخ البخاري، فإن كان سمع هذا الحديث منه فهو له أعلى بدرجة، لكنه ذكر الموصول عن روح لكونه أشد إتقانا منه، ونبه برواية عثمان على أن الاعتماد في هذا السند على محمد بن سيرين فقط لأنه لم يذكر الحسن، فكأن عوفا كان ربما ذكره وربما حذفه، وقد حدث به المنجوفي شيخ البخاري مرة بإسقاط الحسن، أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريقه، ومتابعة عثمان هذه وصلها أبو نعيم في المستخرج قال: حدثنا أبو إسحاق بن حمزة حدثنا أبو طالب بن أبي عوانة حدثنا سليمان بن سيف حدثنا عثمان بن الهيثم.. فذكر الحديث، ولفظه موافق لرواية روح إلا في قوله: وكان معها فإنه قال بدلها: "فلزمها". وفي قوله ويفرغ من دفنها فإنه قال بدلها: "وتدفن". وقال في آخره: "فله قيراط " بدل قوله: فإنه يرجع بقيراط، والباقي سواء. ولهذا الاختلاف في اللفظ قال المصنف: "نحوه " وهو بفتح الواو، أي: بمعناه.

(1/109)


36- باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: "مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلاَّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا". وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: "أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ". وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَلاَ أَمِنَهُ إِلاَّ مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنْ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ

(1/109)


تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
48 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ الْمُرْجِئَةِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"
[الحديث48- طرفاه في:7076,6044]
قوله: "باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر" هذا الباب معقود للرد على المرجئة خاصة وإن كان أكثر ما مضى من الأبواب قد تضمن الرد عليهم، لكن قد يشركهم غيرهم من أهل البدع في شيء منها، بخلاف هذا.والمرجئة - بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة ويجوز تشديدها بلا همز - نسبوا إلى الإرجاء وهو التأخير، لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان فقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط ولم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلا، ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول. ومناسبة إيراد هذه الترجمة عقب التي قبلها من جهة أن اتباع الجنازة مظنة لأن يقصد بها مراعاة أهلها أو مجموع الأمرين، وسياق الحديث يقتضي أن الأجر الموعود به إنما يحصل لمن صنع ذلك احتسابا أي: خالصا، فعقبه بما يشير إلى أنه قد يعرض للمرء ما يعكر على قصده الخالص فيحرم به الثواب الموعود وهو لا يشعر. فقوله: "أن يحبط عمله " أي يحرم ثواب عمله لأنه لا يثاب إلا على ما أخلص فيه. وبهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأنه يقوي مذهب الإحباطية الذين يقولون: إن السيئات يبطلن الحسنات. وقال القاضي أو بكر بن العربي في الرد عليهم: القول الفصل في هذا أن الإحباط إحباطان: أحدهما: إبطال الشيء للشيء، وإذهابه جملة كإحباط الإيمان للكفر والكفر للإيمان، وذلك في الجهتين إذهاب حقيقي. ثانيهما: إحباط الموازنة إذا جعلت الحسنات في كفة والسيئات في كفة، فمن رجحت حسناته نجا، ومن رجحت سيئاته وقف في المشيئة: إما أن يغفر له وإما أن يعذب. فالتوقيف إبطال ما، لأن توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها، والتعذيب إبطال أشد منه إلى حين الخروج من النار، ففي كل منهما إبطال نسبي أطلق عليه اسم الإحباط مجازا، وليس هو إحباط حقيقة لأنه إذا أخرج من النار وأدخل الجنة عاد إليه ثواب عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطية الذين سووا بين الإحباطيين وحكموا على العاصي بحكم الكافر، وهم معظم القدرية. والله الموفق. قوله: "وقال إبراهيم التيمي" هو من فقهاء التابعين وعبادهم، وقوله: "مكذبا " يروى بفتح الذال يعني: خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفا لقولي فيقول: لو كنت صادقا ما فعلت خلاف ما تقول، وإنما قال ذلك لأنه كان يعظ الناس. ويروى بكسر الذال وهي رواية الأكثر، ومعناه أنه مع وعظه الناس لم يبلغ غاية العمل. وقد ذم الله من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في العمل فقال: {كبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} فخشي أن يكون مكذبا أي: مشابها للمكذب، وهذا التعليق وصله المصنف في تاريخه عن أبي نعيم وأحمد بن حنبل في الزهد عن ابن مهدي كلاهما عن سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن إبراهيم المذكور. قوله: "وقال ابن أبي ملكية: الخ" هذا التعليق وصله ابن أبي خيثمة في تاريخه، لكن أبهم العدد. وكذا أخرجه محمد بن نصر المروزي مطولا في كتاب الإيمان له، وعينه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه من وجه آخر مختصرا كما هنا، والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلهم عائشة وأختها أسماء وأم سلمة والعبادلة الأربعة وأبو هريرة وعقبة بن الحارث والمسور بن

(1/110)


مخرمة، فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء كعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص، وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك فكأنه إجماع، وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص. ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى - رضي الله عنهم -. وقال ابن بطال: "إنما خافوا لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت". قوله: "ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل" أي: لا يجزم أحد منهم بعدم عروض النفاق لهم كما يجزم بذلك في إيمان جبر يل، وفي هذا إشارة إلى أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان، خلافا للمرجئة القائلين: بأن إيمان الصديقين وغيرهم بمنزلة واحدة. وقد روي في معنى أثر ابن أبي مليكة حديث عن عائشة مرفوع رواه الطبراني في الأوسط لكن إسناده ضعيف. قوله: "ويذكر عن الحسن" هذا التعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافق له من طرق متعددة بألفاظ مختلفة. وقد يستشكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه، وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ - رحمه الله -، وهي: إن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى بها أيضا، لما علم من الخلاف في ذلك، فهنا كذلك. وقد أوقع اختصاره له لبعضهم الاضطراب في فهمه فقال النووي: "ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق". يعني: الله تعالى. قال الله تعالى :{ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}. وقال: { فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} وكذا شرحه ابن التين وجماعة من المتأخرين، وقرره الكرماني هكذا، فقال: ما خافه أي: ما خاف من الله، فحذف الجار وأوصل الفعل إليه. قلت: وهذا الكلام وإن كان صحيحا لكنه خلاف مراد المصنف ومن نقل عنه. والذي أوقعهم في هذا هو الاختصار. وإلا فسياق كلام الحسن البصري يبين أنه إنما أراد النفاق، فلنذكره. قال جعفر الفريابي: حدثنا قتيبة حدثنا جعفر بن سليمان عن المعلي بن زياد سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو، ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق. وقال أحمد ابن حنبل في كتاب الإيمان: حدثنا روح بن عبادة حدثنا هشام سمعت الحسن يقول: "والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق، وما أمنه إلا منافق". انتهى. وهذا موافق لأثر ابن أبي مليكة الذي قبله وهو قوله: "كلهم يخاف النفاق على نفسه". والخوف من الله وإن كان مطلوبا محمودا لكن سياق الباب في أمر آخر، والله أعلم. قوله: "وما يحذر" هو بضم أوله وتشديد الذال المعجمة ويروى بتخفيفها، وما مصدرية، والجملة في محل جر لأنها معطوفة على خوف، أي: باب ما يحذر. وفصل بين الترجمتين بالآثار التي ذكرها لتعلقها بالأولى فقط، وأما الحديثان فالأول منهما تعلق بالثانية، والثاني يتعلق بالأولى على ما سنوضحه، ففيه لف ونشر غير مرتب على حد قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } الآية، ومراده أيضا الرد على المرجئة حيث قالوا: لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان، ومفهوم الآية التي ذكرها ورد عليهم، لأنه تعالى مدح من استغفر لذنبه ولم يصر عليه، فمفهومه ذم من لم يفعل ذلك.ومما يدخل في معنى الترجمة قول الله تعالى :{فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وقوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقوله تعالى :{لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} وهذه الآية أدل على المراد مما قبلها، فمن أصر على نفاق المعصية خشي عليه أن يفضي به إلى

(1/111)


نفاق الكفر، وكأن المصنف لمح بحديث عبد الله بن عمرو المخرج عند أحمد مرفوعا قال: "ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " أي: يعلمون أن من تاب تاب الله عليه ثم لا يستغفرون، قاله مجاهد وغيره. وللترمذي عن أبي بكر الصديق مرفوعا: "ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة " إسناد كل منهما حسن. قوله: "على التقاتل" كذا في أكثر الروايات وهو المناسب لحديث الباب، وفي بعضها "على النفاق" ومعناه صحيح وإن لم تثبت به الرواية. قوله: "زبيد" تقدم أنه بالزاي والموحدة مصغرا، وهو ابن الحارث اليامي بياء تحتانية وميم خفيفة، يكنى أبا عبد الرحمن، وقد روى هذا الحديث شعبة أيضا عن منصور بن المعتمر وهو عند المصنف في الأدب، وعن الأعمش وهو عند مسلم، ورواه ابن حبان من طريق سليمان بن حرب عن شعبة عن الثلاثة جميعا عن أبي وائل. وقال ابن منده: "لم يختلف في رفعه عن زبيد واختلف على الآخرين". ورواه عن زبيد غير شعبة أيضا عند مسلم وغيره. قوله: "سألت أبا وائل عن المرجئة" أي: عن مقالة المرجئة، ولأبي داود الطيالسي عن شعبة عن زبيد قال: "لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرت ذلك له". فظهر من هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة تسع وتسعين وقيل سنة اثنتين وثمانين، ففي ذلك دليل على أن بدعة الإرجاء قديمة، وقد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، أخرجه الترمذي مصححا ولفظه: " قتال المسلم أخاه كفر، وسبابه فسوق" ، ورواه جماعة عن عبد الله ابن مسعود موقوفا ومرفوعا، ورواه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص أيضا مرفوعا، فانتفت بذلك دعوى من زعم أن أبا وائل تفرد به. قوله: "سباب" هو بكسر السين وتخفيف الموحدة، وهو مصدر يقال: سب يسب سبا وسبابا. وقال إبراهيم الحربي: "السباب أشد من السب، وهو أن يقول الرجل ما فيه وما ليس فيه يريد بذلك عيبه". وقال غيره: السباب هنا مثل القتال فيقتضي المفاعلة، وقد تقدم بأوضح من هذا في باب المعاصي من أمر الجاهلية. قوله: "المسلم" كذا في معظم الروايات، ولأحمد عن غندر عن شعبة " المؤمن"، فكأنه رواه بالمعنى. قوله: "فسوق" الفسق في اللغة: الخروج. وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله ورسوله، وهو في عرف الشرع أشد من العصيان، قال الله تعالى :{ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} ففي الحديث تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق، ومقتضاه الرد على المرجئة. وعرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم كأنه قال: كيف تكون مقالتهم حقا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا. قوله: "وقتاله كفر" إن قيل: هذا وإن تضمن الرد على المرجئة لكن ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي. فالجواب: إن المبالغة في الرد على المبتدع اقتضت ذلك، ولا متمسك للخوارج فيه، لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشد من السباب - لأنه مفض إلى إزهاق الروح - عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر، ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمدا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى :{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وقد أشرنا إلى ذلك في باب المعاصي من أمر الجاهلية. أو أطلق عليه الكفر لشبهه به، لأن قتال المؤمن من شأن الكافر. وقيل: المراد هنا الكفر اللغوي وهو التغطية، لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطى على هذا الحق، والأولان أليق بمراد المصنف وأولى بالمقصود من التحذير من فعل ذلك والزجر عنه بخلاف الثالث. وقيل: أراد بقوله كفر

(1/112)


أي: قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر، وهذا بعيد، وأبعد منه حمله على المستحل لذلك لأنه لا يطابق الترجمة، ولو كان مرادا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال، فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضا. ثم ذلك محمول على من فعله بغير تأويل. وقد بوب عليه المصنف في كتاب المحاربين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومثل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ففيه هذه الأجوبة، وسيأتي في كتاب الفتن، ونظيره قوله تعالى:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} بعد قوله: {ثمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} الآية.فدل على أن بعض الأعمال يطلق عليه الكفر تغليظا. وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: "لعن المسلم كقتله " فلا يخالف هذا الحديث، لأن المشبه به فوق المشبه، والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في التأثير: هذا في العرض، وهذا في النفس. والله أعلم. وقد ورد لهذا المتن سبب ذكرته في أول كتاب الفتن في أواخر الصحيح.
49 - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عن أَنَسُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: " إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ".
[الحديث49- طرفاه في:6049,2023]
قوله: "عن حميد" هو الطويل "عن أنس"، وللأصيلي: "حدثناه أنس بن مالك " فأمنا تدليس حميد. وهو من رواية صحابي عن صحابي، أنس عن عبادة بن الصامت. قوله: "خرج يخبر بليلة القدر" أي: بتعيين ليلة القدر. قوله: "فتلاحى" بفتح الحاء المهملة مشتق من التلاحي بكسرها وهو التنازع والمخاصمة، والرجلان أفاد ابن دحية أنهما عبد الله بن أبي حدرد - بحاء مفتوحة ودال ساكنة مهملتين، ثم راء مفتوحة ودال مهملة أيضا - وكعب بن مالك. وقوله: "فرفعت " أي: فرفع تعيينها عن ذكرى، هذا هو المعتمد هنا. والسبب فيه ما أوضحه مسلم من حديث أبي سعيد في هذه القصة قال: "فجاء رجلان يحتقان " بتشديد القاف أي: يدعي كل منهما أنه المحق " معهما الشيطان، فنسيتها". قال القاضي عياض: فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة المعنوية أي الحرمان. وفيه أن المكان الذي يحضره الشيطان ترفع منه البركة والخير. فإن قيل: كيف تكون المخاصمة في طلب الحق مذمومة؟ قلت: إنما كانت كذلك لوقوعها في المسجد، وهو محل الذكر لا اللغو، ثم في الوقت المخصوص أيضا بالذكر لا اللغو وهو شهر رمضان، فالذم لما عرض فيها لا لذاتها، ثم إنها مستلزمة لرفع الصوت، ورفعه بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهي عنه لقوله تعالى: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} - إلى قوله تعالى: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} ومن هنا يتضح مناسبة هذا الحديث للترجمة ومطابقتها له، وقد خفيت على كثير من المتكلمين على هذا الكتاب. فإن قيل: قوله :{وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} يقتضي المؤاخذة بالعمل الذي لا قصد فيه. فالجواب: أن المراد وأنتم لا تشعرون بالإحباط لاعتقادكم صغر الذنب، فقد يعلم المرء الذنب ولكن لا يعلم أنه كبيرة، كما قيل في قوله: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير " أي: عندهما، ثم قال: "وإنه لكبير " أي: في نفس الأمر. وأجاب القاضي أبو بكر بن

(1/113)


العربي: بأن المؤاخذة تحصل بما لم يقصد في الثاني إذا قصد في الأول، لأن مراعاة القصد إنما هو في الأول ثم يسترسل حكم النية الأولى على مؤتنف العمل وإن عزب القصد خيرا كان أو شرا. والله أعلم. قوله: "وعسى أن يكون خيرا" أي: وإن كان عدم الرفع أزيد خيرا وأولى منه، لأنه متحقق فيه، لكن في الرفع خير مرجو لاستلزامه مزيد الثواب، لكونه سببا لزيادة الاجتهاد في التماسها، وإنما حصل ذلك ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله: "في السبع والتسع" كذا في معظم الروايات بتقديم السبع التي أولها السين على التسع، ففيه إشارة إلى أن رجاءها في السبع أقوى للاهتمام بتقديمه. ووقع عند أبي نعيم في المستخرج بتقديم التسع على ترتيب التدلي. واختلف في المراد بالتسع وغيرها فقيل: لتسع يمضين من العشر وقيل: لتسع يبقين من الشهر، وسنذكر بسط هذا في محله حيث ذكره المصنف في كتاب الاعتكاف إن شاء الله تعالى.

(1/114)


باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان و...الخ
...
37- باب سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ.
وَبَيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ. ثُمَّ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلاَم - يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا. وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ الإِيمَانِ. وَقَوْلِهِ تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}
50 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟قَالَ: "الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ" .قَالَ: مَا الإِسْلاَمُ؟ قالَ: "الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ." قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ". قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتْ الأَمَةُ رَبَّهَا؛ وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ". ثُمَّ تَلاَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية. ثُمَّ أَدْبَرَ. فَقَالَ: رُدُّوهُ. فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ". قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِك كُلَّهُ مِنْ الإِيمَانِ".
[الحديث 50- طرفه في:4777]
قوله: "باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام الخ" تقدم أن المصنف يرى أن الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد، فلما كان ظاهر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وجوابه يقتضي تغايرهما، وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة، والإسلام إظهار أعمال مخصوصة، أراد أن يرد ذلك بالتأويل إلى طريقته. قوله: "وبيان" أي: مع بيان أن الاعتقاد والعمل دين، وقوله: "وما بين " أي: مع ما بين للوفد أن الإيمان هو الإسلام حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام هنا، وقوله: "وقول الله " أي: مع ما دلت عليه الآية أن الإسلام هو الدين، ودل عليه خبر أبي سفيان أن الإيمان هو الدين، فاقتضى ذلك أن الإسلام والإيمان أمر واحد. هذا محصل كلامه، وقد نقل أبو عوانة الأسفرايني

(1/114)


في صحيحه عن المزني صاحب الشافعي الجزم بأنهما عبارة عن معنى واحد، وأنه سمع ذلك منه. وعن الإمام أحمد الجزم بتغايرهما، ولكل من القولين أدلة متعارضة. وقال الخطابي: صنف في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلة للقولين، وتباينا في ذلك. والحق أن بينهما عموما وخصوصا، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا. انتهى كلامه ملخصا. ومقتضاه أن الإسلام لا يطلق على الاعتقاد والعمل معا، بخلاف الإيمان فإنه يطلق عليهما معا. ويرد عليه قوله تعالى :{وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينا} فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معا، لأن العامل غير المعتقد ليس بذي دين مرضي. وبهذا استدل المزني وأبو محمد البغوي فقال في الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام هنا اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذاك لأن الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذاك تفصيل لجملة كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "أتاكم يعلمكم دينكم " وقال سبحانه وتعالى :{وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول إلا بانضمام التصديق. انتهى كلامه. والذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلما كاملا إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنا كاملا إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معا فهو على سبيل المجاز. ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معا في مقام السؤال حملا على الحقيقة، وإن لم يردا معا أو لم يكن في مقام سؤال، أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن. وقد حكى ذلك الإسماعيلي عن أهل السنة والجماعة قالوا: إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران، فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه. وعلى ذلك يحمل ما حكاه محمد بن نصر وتبعه ابن عبد البر عن الأكثر، أنهم سووا بينهما على ما في حديث عبد القيس، وما حكاه اللالكائي وابن السمعاني عن أهل السنة: أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل، والله الموفق. قوله: "وعلم الساعة" تفسير منه للمراد بقول جبريل في السؤال متى الساعة؟ أي: متى علم الساعة؟ ولا بد من تقدير محذوف آخر، أي: متى علم وقت الساعة؟. قوله: "وبيان النبي صلى الله عليه وسلم " هو مجرور لأنه معطوف على علم المعطوف على سؤال المجرور بالإضافة. فإن قيل: لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم وقت الساعة، فكيف قال: وبيان النبي صلى الله عليه وسلم له؟ فالجواب: أن المراد بالبيان بيان أكثر المسؤول عنه فأطلقه، لأن حكم معظم الشيء حكم كله. أو جعل الحكم في علم الساعة بأنه لا يعلمه إلا الله بيانا له. قوله: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم" هو البصري المعروف بابن علية، قال: أخبرنا أبو حيان التميمي. وأورده المصنف في تفسير سورة لقمان من حديث جرير بن عبد الحميد عن أبي حيان المذكور. ورواه مسلم من وجه آخر عن جرير أيضا عن عمارة بن القعقاع. ورواه أبو داود والنسائي من حديث جرير أيضا عن أبي فروة ثلاثتهم عن أبي زرعة عن أبي هريرة. زاد أبو فروة: وعن أبي ذر أيضا، وساق حديثه عنهما جميعا. وفيه فوائد زوائد سنشير إليها إن شاء الله تعالى. ولم أر هذا الحديث من رواية أبي هريرة إلا عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير هذا عنه، ولم يخرجه البخاري إلا من طريق أبي حيان عنه، وقد أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب، وفي سياقه فوائد زوائد أيضا. وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف فيه على بعض رواته، فمشهوره رواية كهمس - بسين مهملة قبلها ميم مفتوحة - ابن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر - بفتح الميم أوله ياء تحتانية مفتوحة - عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب، رواه عن كهمس جماعة

(1/115)


من الحفاظ، وتابعه مطر الوراق عن عبد الله بن بريدة، وتابعه سليمان التيمي عن يحيى بن يعمر، وكذا رواه عثمان بن غياث عن عبد الله بن بريدة لكنه قال: عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن معا عن ابن عمر عن عمر، زاد فيه حميدا، وحميد له في الرواية المشهورة ذكر لا رواية. وأخرج مسلم هذه الطرق ولم يسق منها إلا متن الطريق الأولى وأحال الباقي عليها، وبينها اختلاف كثير سنشير إلى بعضه، فأما رواية مطر فأخرجها أبو عوانة في صحيحه وغيره، وأما رواية سليمان التيمي فأخرجها ابن خزيمة في صحيحه وغيره، وأما رواية عثمان بن غياث فأخرجها أحمد في مسنده. وقد خالفهم سليمان بن بريدة أخو عبد الله، فرواه عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر قال: بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعله من مسند بن عمر لا من روايته عن أبيه. أخرجه أحمد أيضا. وكذا رواه أبو نعيم في الحلية من طريق عطاء الخرساني عن يحيى بن يعمر، وكذا روى من طريق عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمر، أخرجه الطبراني. وفي الباب عن أنس أخرجه البزار والبخاري في خلق أفعال العباد، وإسناده حسن. وعن جرير البجلي، أخرجه أبو عوانة في صحيحه وفي إسناده خالد بن يزيد وهو العمري ولا يصلح للصحيح، وعن ابن عباس وأبي عامر الأشعري، أخرجهما أحمد وإسنادهما حسن. وفي كل من هذه الطرق فوائد سنذكرها إن شاء الله تعالى في أثناء الكلام على حديث الباب. وإنما جمعت طرقها هنا وعزوتها إلى مخرجيها لتسهيل الحوالة عليها، فرارا من التكرار المباين لطريق الاختصار. والله الموفق. قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس" أي: ظاهرا لهم غير محتجب عنهم، ولا ملتبس بغيره، والبروز الظهور.وقد وقع في رواية أبي فروة التي أشرنا إليها بيان ذلك، فإن أوله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دكانا من طين كان يجلس عليه.انتهى.واستنبط منه القرطبي استحباب جلوس العالم بمكان يختص به، ويكون مرتفعا إذا احتاج لذلك لضرورة تعليم ونحوه. قوله: "فأتاه رجل" أي: ملك في صورة رجل، وفي التفسير للمصنف: إذ أتاه رجل يمشي، ولأبي فروة: فإنا لجلوس عنده إذ أقبل رجل، أحسن الناس وجها وأطيب الناس ريحا، كأن ثيابه لم يمسها دنس. ولمسلم من طريق كهمس في حديث عمر: بينما نحن ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل، شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر. وفي رواية ابن حبان: سواد اللحية، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه. وفي رواية لسليمان التيمي: ليس عليه سحناء السفر، وليس من البلد، فتخطى حتى برك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا في حديث ابن عباس وأبي عامر الأشعري: ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم. فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: على فخذيه، يعود على النبي، وبه جزم البغوي وإسماعيل التيمي لهذه الرواية، ورجحه الطيبي بحثا لأنه نسق الكلام خلافا لما جزم به النووي، ووافقه التوربشتي لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه، وهذا وإن كان ظاهرا من السياق، لكن وضعه يديه على فخذ النبي صلى الله عليه وسلم صنيع منبه للإصغاء إليه، وفيه إشارة لما ينبغي للمسؤول من التواضع والصفح عما يبدو من جفاء السائل. والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره ليقوي الظن بأنه من جفاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم. ولهذا استغرب الصحابة صنيعه، ولأنه ليس من أهل البلد، وجاء ماشيا ليس عليه أثر سفر. فإن قيل: كيف عرف عمر أنه لم يعرفه أحد منهم؟ أجيب: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح قول الحاضرين. قلت: وهذا الثاني أولى، فقد جاء كذلك في رواية

(1/116)


عثمان بن غياث فإن فيها: فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا. وأفاد مسلم في رواية عمارة بن القعقاع سبب ورود هذا الحديث، فعنده في أوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ": سلوني، فهابوا أن يسألوه، قال: فجاء رجل. ووقع في رواية ابن منده من طريق يزيد بن زريع عن كهمس: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ جاءه رجل - فكأن أمره لهم بسؤاله وقع في خطبته - وظاهره أن مجيء الرجل كان في حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كان ذكر ذلك القدر جالسا وعبر عنه الراوي بالخطبة. قوله: "فقال" زاد المصنف في التفسير: يا رسول الله ما الإيمان؟ فإن قيل: فكيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟ أجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في التعمية لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي. قلت: وهذا الثالث هو المعتمد، فقد ثبت في رواية أبي فروة، ففيها بعد قوله: كأن ثيابه لم يمسها دنس، حتى سلم من طرف البساط فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام. قال: أدنو يا محمد؟ قال: ادن. فما زال يقول: أدنو مرارا ويقول له: ادن. ونحوه في رواية عطاء عن ابن عمر، لكن قال: السلام عليك يا رسول الله. وفي رواية مطر الوراق فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: ادنو. ولم يذكر السلام. فاختلفت الروايات، هل قال له: يا محمد أو يا رسول الله؟ هل سلم أو لا؟. فأما السلام فمن ذكره مقدم على من سكت عنه. وقال القرطبي بناء على أنه لم يسلم وقال يا محمد: إنه أراد بذلك التعمية، فصنع صنيع الأعراب. قلت: ويجمع بين الروايتين بأنه بدأ أولا بندائه باسمه لهذا المعنى، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله. ووقع عند القرطبي أنه قال: السلام عليكم يا محمد، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام ثم يخصص من يريد تخصيصه.انتهى. والذي وقفت عليه من الروايات إنما فيه الإفراد وهو قوله: السلام عليك يا محمد. قوله: "ما الإيمان" قيل: قدم السؤال عن الإيمان لأنه الأصل، وثنى بالإسلام لأنه يظهر مصداق الدعوى، وثلث بالإحسان لأنه متعلق بهما. وفي رواية عمارة بن القعقاع: بدأ بالإسلام لأنه بالأمر الظاهر، وثنى بالإيمان لأنه بالأمر الباطن. ورجح هذا الطيبي لما فيه من الترقي. ولا شك أن القصة واحدة اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق فإنه بدأ بالإسلام، وثنى بالإحسان، وثلث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة والله أعلم. قوله: "قال: الإيمان أن تؤمن بالله الخ" دل الجواب أنه علم أنه سأله عن متعلقاته لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق. وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: أن تؤمن بالله مضمن معنى أن تعترف به، ولهذا عداه بالباء، أي: أن تصدق معترفا بكذا. قلت: والتصديق أيضا يعدى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. وقال الكرماني: "ليس هو تعريفا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي". قلت: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان، للاعتناء بشأنه تفخيما لأمره، ومنه قوله تعالى :{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} في جواب: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} يعني أن قوله: أن تؤمن، ينحل منه الإيمان فكأنه قال: الإيمان الشرعي تصديق مخصوص، وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق، والإيمان بالله هو التصديق بوجوده وأنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص. قوله: "وملائكته" الإيمان بالملائكة هو التصديق بوجودهم وأنهم كما وصفهم الله تعالى :{عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} وقدم الملائكة على الكتب والرسل نظرا للترتيب الواقع، لأنه سبحانه وتعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه متمسك لمن فضل الملك على الرسول.قوله: "وكتبه" هذه عند الأصيلي هنا، واتفق الرواة على ذكرها في التفسير، والإيمان بكتب الله التصديق بأنها كلام الله وأن ما تضمنته

(1/117)


حق.قوله: "وبلقائه" كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من الطريقين، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة، لأنها داخلة في الإيمان بالبعث، والحق أنها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث القيام من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك.ويدل على هذا رواية مطر الوراق فإن فيها: "وبالموت وبالبعث بعد الموت"، وكذا في حديث أنس وابن عباس، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي. وتعقبه النووي بأن أحدا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنا، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟ وأجيب: بأن المراد الإيمان بأن ذلك حق في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إذ جعلت من قواعد الإيمان. قوله: "ورسله" وللأصيلي: "وبرسله"، ووقع في حديث أنس وابن عباس: "والملائكة والكتاب والنبيين"، وكل من السياقين في القرآن في البقرة، والتعبير بالنبيين يشمل الرسل من غير عكس، والإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله، ودل الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل، إلا من ثبت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين. وهذا الترتيب مطابق للآية: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} ومناسبة الترتيب المذكور وإن كانت الواو لا ترتب بل المراد من التقدم أن الخير والرحمة من الله، ومن أعظم رحمته أن أنزل كتبه إلى عباده، والمتلقي لذلك منهم الأنبياء، والواسطة بين الله وبينهم الملائكة. قوله: "وتؤمن بالبعث" زاد في التفسير: "الآخر " ولمسلم في حديث عمر: "واليوم الآخر" فأما البعث الآخر، فقيل: ذكر الآخر تأكيدا كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى: الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة، والعلقة إلى الحياة الدنيا. والثانية: البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار. وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك لأنه آخر أيام الدنيا أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد بالإيمان به والتصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار. وقد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية سليمان التيمي وفي حديث ابن عباس أيضا. "فائدة": زاد الإسماعيلي في مستخرجه هنا: "وتؤمن بالقدر"، وهي في رواية أبي فروة أيضا، وكذا لمسلم من رواية عمارة بن القعقاع، وأكده بقوله: "كله". وفي رواية كهمس وسليمان التيمي: "وتؤمن بالقدر خيره وشره " وكذا في حديث ابن عباس، وهو في رواية عطاء عن ابن عمر بزيادة: "وحلوه ومره من الله"، وكأن الحكمة في إعادة لفظ: "وتؤمن " عند ذكر البعث الإشارة إلى أنه نوع آخر مما يؤمن به، لأن البعث سيوجد بعد، وما ذكر قبله موجود الآن، وللتنويه بذكره لكثرة من كان ينكره من الكفار، ولهذا كثر تكراره في القرآن، وهكذا الحكمة في إعادة لفظ: "وتؤمن " عند ذكر القدر كأنها إشارة إلى ما يقع فيه من الاختلاف، فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة تؤمن، ثم قرره بالإبدال بقوله: "خيره وشره وحلوه ومره " ثم زاده تأكيدا بقوله في الرواية الأخيرة: "من الله". والقدر مصدر، تقول: قدرت الشيء بتخفيف الدال وفتحها، أقدره بالكسر، والفتح قدرا وقدرا، إذا أحطت بمقداره. والمراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة، وقد روى مسلم القصة في ذلك من طريق كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. قال: فانطلقت

(1/118)


أنا وحميد الحميري، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره بأنه بريء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عملا. وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ عالما بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها. قال القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب، ولا نعرف أحدا ينسب إليه من المتأخرين. قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبا باطلا أخف من المذهب الأول. وأما المتأخرون منهم فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سلم القدري العلم خصم. يعني: يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم؟ فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك. "تنبيه": ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان لا يطلق إلا على من صدق بجميع ما ذكر، وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله ورسوله، ولا اختلاف، لأن الإيمان برسول الله، المراد به الإيمان بوجوده وبما جاء به عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك. والله أعلم. قوله: "أن تعبد الله" قال النووي: يحتمل أن يكون المراد بالعبادة معرفة الله، فيكون عطف الصلاة وغيرها عليها لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا، فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من عطف الخاص على العام. قلت: أما الاحتمال الأول فبعيد، لأن المعرفة من متعلقات الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وقد عبر في حديث عمر هنا بقوله: "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " فدل على أن المراد بالعبادة في حديث الباب النطق بالشهادتين، وبهذا تبين دفع الاحتمال الثاني. ولما عبر الراوي بالعبادة احتاج أن يوضحها بقوله: "ولا تشرك به شيئا " ولم يحتج إليها في رواية عمر لاستلزامها ذلك. فإن قيل: السؤال عام لأنه سأل عن ماهية الإسلام، والجواب خاص لقوله: أن تعبد أو تشهد، وكذا قال في الإيمان: أن تؤمن، وفي الإحسان أن تعبد.والجواب: أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر وبين أن والفعل، لأن " أن تفعل " تدل على الاستقبال، والمصدر لا يدل على زمان. على أن بعض الرواة أورده هنا بصيغة المصدر، ففي رواية عثمان بن غياث قال: "شهادة أن لا إله إلا الله " وكذا في حديث أنس، وليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم وحق من أشبههم من المكلفين، وقد تبين ذلك بقوله في آخره: "يعلم الناس دينهم". فإن قيل: لم لم يذكر الحج؟ أجاب بعضهم: باحتمال أنه لم يكن فرض، وهو مردود بما رواه ابن مندة في كتاب الإيمان بإسناده الذي على شرط مسلم من طريق سليمان التيمي في حديث عمر أوله: "أن رجلا في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذكر الحديث بطوله، وآخر عمره يحتمل أن يكون بعد حجة الوداع فإنها آخر سفراته، ثم بعد قدومه بقليل دون ثلاثة أشهر مات، وكأنه إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين - التي بلغها متفرقة - في مجلس واحد، لتنضبط. ويستنبط منه جواز سؤال العالم ما لا يجهله السائل ليعلمه السامع، وأما الحج فقد ذكر، لكن بعض الرواة إما ذهل عنه وإما نسيه. والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس: "وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " وكذا في حديث أنس. وفي رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة والزكاة حسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس مزيدا على الشهادتين. وذكر سليمان التيمي في روايته الجميع، وزاد بعد قوله وتحج

(1/119)


"وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتمم الوضوء". وقال مطر الوراق في روايته: "وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة " قال: فذكر عرى الإسلام، فتبين ما قلناه إن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره. قوله: "وتقيم الصلاة" زاد مسلم: "المكتوبة " أي: المفروضة. وإنما عبر بالمكتوبة للتفنن في العبارة، فإنه عبر في الزكاة بالمفروضة، ولاتباع قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} قوله: "وتصوم رمضان" استدل به على قول رمضان من غير إضافة شهر إليه، وستأتي المسألة في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى. قوله: "الإحسان" هو مصدر، تقول: أحسن يحسن إحسانا. ويتعدى بنفسه وبغيره تقول: أحسنت كذا إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان، إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد لأن المقصود إتقان العبادة. وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود، وأشار في الجواب إلى حالتين: أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه بعينه وهو قوله: "كأنك تراه " أي: وهو يراك، والثانية: أن يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل ما يعمل، وهو قوله: "فإنه يراك". وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته، وقد عبر في رواية عمارة بن القعقاع بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه " وكذا في حديث أنس. وقال النووي: معناه أنك إنما تراعى الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك، لكونه يراك لا لكونك تراه فهو دائما يراك، فأحسن عبادته وإن لم تره، فتقدير الحديث: فإن لم تكن تراه فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك. قال: وهذا القدر من الحديث أصل عظيم من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين وبغية السالكين وكنز العارفين ودأب الصالحين، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين، ليكون ذلك مانعا من التلبس بشيء من النقائص احتراما لهم واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعا عليه في سره وعلانيته؟ انتهى. وقد سبق إلى أصل هذا، القاضي عياض وغيره، وسيأتي مزيد لهذا في تفسير لقمان إن شاء الله تعالى. "تنبيه": دل سياق الحديث على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة، وأما رؤية النبي صلى الله عليه وسلم فذاك لدليل آخر، وقد صرح مسلم في روايته من حديث أبي أمامة بقوله صلى الله عليه وسلم: "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". وأقدم بعض غلاة الصوفية على تأويل الحديث بغير علم فقال: فيه إشارة إلى مقام المحو والفناء، وتقديره: فإن لم تكن - أي فإن لم تصر - شيئا وفنيت عن نفسك حتى كأنك ليس بموجود فإنك حينئذ تراه. وغفل قائل هذا - للجهل بالعربية - عن أنه لو كان المراد ما زعم لكان قوله: "تراه " محذوف الألف، لأنه يصير مجزوما، لكونه على زعمه جواب الشرط، ولم يرد في شيء من طرق هذا الحديث بحذف الألف، ومن ادعى أن إثباتها في الفعل المجزوم على خلاف القياس فلا يصار إليه إذ لا ضرورة هنا. وأيضا فلو كان ما ادعاه صحيحا لكان قوله: "فإنه يراك " ضائعا لأنه لا ارتباط له بما قبله. ومما يفسد تأويله رواية كهمس فإن لفظها: "فإنك إن لا تراه فإنه يراك " وكذلك في رواية سليمان التيمي، فسلط النفي على الرؤية لا على الكون الذي حمل على ارتكاب التأويل المذكور. وفي رواية أبي فروة: "فإن لم تره فإنه يراك " ونحوه في حديث أنس وابن عباس، وكل هذا يبطل التأويل المتقدم. والله أعلم. "فائدة": زاد مسلم في رواية عمارة بن القعقاع قول السائل: "صدقت " عقب كل جواب من الأجوبة الثلاثة، وزاد أبو فروة في روايته: "فلما سمعنا قول الرجل صدقت أنكرناه " وفي رواية كهمس: "فعجبنا له يسأله ويصدقه". وفي رواية مطر: "انظروا إليه كيف يسأله، وانظروا إليه كيف يصدقه " وفي حديث أنس: "انظروا وهو يسأله وهو يصدقه كأنه أعلم

(1/120)


منه".وفي رواية سليمان بن بريدة: "قال القوم: ما رأينا رجلا مثل هذا، كأنه يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له: صدقت صدقت".قال القرطبي: "إنما عجبوا من ذلك لأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف إلا من جهته"، وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف بما يسأل عنه لأنه يخبره بأنه صادق فيه، فتعجبوا من ذلك تعجب المستبعد لذلك. والله أعلم. قوله: "متى الساعة" أي: متى تقوم الساعة؟ وصرح به في رواية عمارة بن القعقاع، واللام للعهد، والمراد يوم القيمة. قوله: "ما المسؤول عنها" " ما " نافية. وزاد في رواية أبي فروة: "فنكس فلم يجبه، ثم أعاد فلم يجبه ثلاثا، ثم رفع رأسه فقال، ما المسؤول". قوله: "بأعلم" الباء زائدة لتأكيد النفي، وهذا وإن كان مشعرا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها لقوله بعد: "خمس لا يعلمها إلا الله " وسيأتي نظير هذا التركيب في أواخر الكلام على هذا الحديث في قوله: "ما كنت بأعلم به من رجل منكم " فإن المراد أيضا التساوي في عدم العلم به، وفي حديث ابن عباس هنا فقال: "سبحان الله، خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله " ثم تلا الآية. قال النووي: يستنبط منه أن العالم إذا سئل عما لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه، ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون ذلك دليلا على مزيد ورعه. وقال القرطبي: مقصود هذا السؤال كف السامعين عن السؤال عن وقت الساعة، لأنهم قد أكثروا السؤال عنها كما ورد في كثير من الآيات والأحاديث، فلما حصل الجواب بما ذكر هنا حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة ليتعلمها السامعون ويعملوا بها، ونبه بهذه الأسئلة على تفصيل ما يمكن معرفته مما لا يمكن. قوله: "من السائل" عدل عن قوله لست بأعلم بها منك إلى لفظ يشعر بالتعميم تعريضا للسامعين، أي: أن كل مسؤول وكل سائل فهو كذلك. "فائدة": هذا السؤال والجواب وقع بين عيسى بن مريم وجبريل(1)، لكن كان عيسى سائلا وجبريل مسؤولا. قال الحميدي في نوادره: حدثنا سفيان حدثنا مالك بن مغول عن إسماعيل بن رجاء عن الشعبي قال: سأل عيسى بن مريم جبريل عن الساعة، قال فانتفض بأجنحته وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قوله: "وسأخبرك عن أشراطها" وفي التفسير: "ولكن سأحدثك". وفي رواية أبي فروة: "ولكن لها علامات تعرف بها". وفي رواية كهمس: "قال فأخبرني عن أمارتها فأخبره بها فترددنا " فحصل التردد، هل ابتدأه بذكر الأمارات أو السائل سأله عن الأمارات، ويجمع بينهما بأنه ابتدأ بقوله: وسأخبرك، فقال له السائل: فأخبرني. ويدل على ذلك رواية سليمان التيمي ولفظها: "ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها، قال: أجل " ونحوه في حديث ابن عباس وزاد: "فحدثني " وقد حصل تفصيل الأشراط من الرواية الأخرى وأنها العلامات، وهي بفتح الهمزة جمع شرط بفتحتين كقلم وأقلام، ويستفاد من اختلاف الروايات أن التحديث والإخبار والإنباء بمعنى واحد، وإنما غاير بينها أهل الحديث اصطلاحا. قال القرطبي: علامات الساعة على قسمين: ما يكون من نوع المعتاد، أو غيره. والمذكور هنا الأول. وأما الغير مثل طلوع الشمس من مغربها، فتلك مقاربة لها أو مضايقة، والمراد هنا العلامات السابقة على ذلك. والله أعلم. قوله: "إذا ولدت" التعبير بإذا للإشعار بتحقق الوقوع، ووقعت هذه الجملة بيانا للأشراط نظرا إلى المعنى، والتقدير ولادة الأمة وتطاول الرعاة. فإن قيل: الأشراط جمع وأقله ثلاثة على الأصح والمذكور هنا اثنان! أجاب الكرماني: بأنه قد تستقرض القلة للكثرة، وبالعكس.
ـــــــ
(1) لاينبغي الجزم بوقوع هذا من عيسى,لأن كلام الشعبي لاتقوم به حجة.وإن كان نقله عن بني إسرائيل فكذلك.وإنما يذكر مثل هذا بصيغة التمريض كما هو المقررفي علم مصطلح الحديث.والله أعلم

(1/121)


أو لأن الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف، أو لفقد جمع الكثرة للفظ الشرط. وفي جميع هذه الأجوبة نظر، ولو أجيب: بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان لما بعد عن الصواب. والجواب المرضي: أن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها، لأنه هنا ذكر الولادة والتطاول، وفي التفسير ذكر الولادة وترؤس الحفاة. وفي رواية محمد بن بشر التي أخرج مسلم إسنادها وساق ابن خزيمة لفظها عن أبي حيان ذكر الثلاثة، وكذا في مستخرج الإسماعيلي من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عمارة بن القعقاع، ووقع مثل ذلك في حديث عمر، ففي رواية كهمس ذكر الولادة والتطاول فقط ووافقه عثمان بن غياث. وفي رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة ووافقه عطاء الخراساني، وكذا ذكرت في حديث ابن عباس وأبي عامر. قوله: "إذا ولدت الأمة ربها" وفي التفسير: "ربتها " بتاء التأنيث، وكذا في حديث عمر، ولمحمد بن بشر مثله وزاد: "يعني السراري". وفي رواية عمارة بن القعقاع: "إذا رأيت المرأة تلد ربها " ونحوه لأبي فروة وفي رواية عثمان بن غياث: "الإماء أربابهن " بلفظ الجمع. والمراد بالرب المالك أو السيد. وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في معنى ذلك: قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه، فذكرها لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل فإذا هي أربعة أقوال: الأول: قال الخطابي: معناه اتساع الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها، كان الولد منها بمنزلة ربها لأنه ولد سيدها. قال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين. قلت: لكن في كونه المراد نظر. لأن استيلاد الإماء كان موجودا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري، وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة، وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه بأخص من الأول. قال: أن تلد العجم العرب، ووجهه بعضهم بأن الإماء يلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعية والملك سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقربه بأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبا من وطء الإماء ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر ولا سيما في أثناء دولة بني العباس، ولكن رواية ربتها بتاء التأنيث قد لا تساعد على ذلك. ووجهه بعضهم بأن إطلاق ربتها على ولدها مجاز، لأنه لما كان سببا في عتقها بموت أبيه أطلق عليه ذلك، وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر، فقد يسبى الولد أولا وهو صغير، ثم يعتق ويكبر ويصير رئيسا بل ملكا، ثم تسبى أمه فيما بعد فيشتريها عارفا بها، أو وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها أو يتخذها موطوءة أو يعتقها ويتزوجها. وقد جاء في بعض الروايات: "أن تلد الأمة بعلها " وهي عند مسلم فحمل على هذه الصورة، وقيل المراد: بالبعل المالك وهو أولى لتتفق الروايات. الثاني: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط، غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، أو الاستهانة بالأحكام الشرعية. فإن قيل: هذه المسألة مختلف فيها فلا يصلح الحمل عليها، لأنه لا جهل ولا استهانة عند القائل بالجواز، قلنا: يصلح أن يحمل على صورة اتفاقية كبيعها في حال حملها، فإنه حرام بالإجماع. الثالث: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرا من غير سيدها بوطء شبهة، أو رقيقا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها. ولا يعكر على هذا تفسير محمد بن بشر، بأن المراد السراري لأنه تخصيص بغير دليل. الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب

(1/122)


والضرب والاستخدام. فأطلق عليه ربها مجازا لذلك. أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة. ومحصله الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربي مربيا والسافل عاليا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: أن تصير الحفاة ملوك الأرض. "تنبيهان": أحدهما: قال النووي: ليس فيه دليل على تحريم بيع أمهات الأولاد ولا على جوازه، وقد غلط من استدل به لكل من الأمرين، لأن الشيء إذا جعل علامة على شيء آخر لا يدل على حظر ولا إباحة. الثاني: يجمع بين ما في هذا الحديث من إطلاق الرب على السيد المالك في قوله: "ربها " وبين ما في الحديث الآخر وهو في الصحيح(1): "لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، وليقل سيدي ومولاي " بأن اللفظ هنا خرج على سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا المربي، وفي المنهي عنه السيد، أو أن النهي عنه متأخر، أو مختص بغير الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله: "تطاول" أي: تفاخروا في تطويل البنيان، وتكاثروا به. قوله: "رعاة الإبل" هو بضم الراء جمع راع كقضاة وقاض. والبهم بضم الموحدة، ووقع في رواية الأصيلي بفتحها، ولا يتجه مع ذكر الإبل وإنما يتجه مع ذكر الشياه أو مع عدم الإضافة كما في رواية مسلم رعاء البهم، وميم البهم في رواية البخاري يجوز ضمها على أنها صفة الرعاة ويجوز الكسر على أنها صفة الإبل يعني: الإبل السود، وقيل: إنها شر الألوان عندهم، وخيرها الحمر التي ضرب بها المثل فقيل: "خير من حمر النعم " ووصف الرعاة بالبهم إما لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه أبهم الأمر فهو مبهم، إذا لم تعرف حقيقته. وقال القرطبي: الأولى أن يحمل على أنهم سود الألوان، لأن الأدمة غالب ألوانهم، وقيل معناه: أنهم لا شيء لهم كقوله صلى الله عليه وسلم: "يحشر الناس حفاة عراة بهما " قال: وفيه نظر، لأنه قد نسب لهم الإبل، فكيف يقال: لا شيء لهم. قلت: يحمل على أنها إضافة اختصاص لا ملك، وهذا هو الغالب أن الراعي يرعى لغيره بالأجرة، وأما المالك فقل أن يباشر الرعي بنفسه. قوله في التفسير: وإذا كان الحفاة العراة، زاد الإسماعيلي في روايته: الصم البكم. وقيل لهم ذلك مبالغة في وصفهم بالجهل، أي: لم يستعملوا أسماعهم ولا أبصارهم في الشيء من أمر دينهم، وإن كانت حواسهم سليمة. قوله رءوس الناس أي: ملوك الأرض، وصرح به الإسماعيلي. وفي رواية أبي فروة مثله، والمراد بهم أهل البادية، كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره. قال: ما الحفاة العراة؟ قال: العريب. وهو بالعين المهملة على التصغير. وفي الطبراني من طريق أبي حمزة عن ابن عباس مرفوعا: "من انقلاب الدين تفصح النبط واتخاذهم القصور في الأمصار". قال القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهل البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذه الأزمان. ومنه الحديث الآخر: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع " ومنه: "إذا وسد الأمر - أي أسند - إلى غير أهله فانتظروا الساعة " وكلاهما في الصحيح. قوله: "في خمس" أي: علم وقت الساعة داخل في جملة خمس. وحذف متعلق الجار سائغ كما في قوله تعالى :{فِي تِسْعِ آيَاتٍ} أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آيات. وفي رواية عطاء الخراساني: "قال فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله" قال القرطبي: "لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث"، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}
ـــــــ
(1) في كتاب العتق 49 الباب 17 الحديث رقم 2552

(1/123)


بهذه الخمس وهو في الصحيح. قال: فمن ادعى علم شيء منها غير مسندة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه. قال: وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره، إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم. وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجعل وإعطائها في ذلك، وجاء عن ابن مسعود قال: "أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم علم كل شيء سوى هذه الخمس". وعن ابن عمر مرفوعا نحوه أخرجهما أحمد. وأخرج حميد بن زنجويه عن بعض الصحابة أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره فأنكر عليه فقال: إنما الغيب خمس - وتلا هذه الآية - وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم. "تنبيه": تضمن الجواب زيادة على السؤال للاهتمام بذلك إرشادا للأمة لما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة. فإن قيل: ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث! أجاب الطيبي: بأن الفعل إذا كان عظيم الخطر وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن فهم منه الحصر على سبيل الكناية، ولا سيما إذا لوحظ ما ذكر في أسباب النزول من أن العرب كانوا يدعون علم نزول الغيث. فيشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك واختصاصه بالله سبحانه وتعالى. "فائدة": النكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً} وكذا التعبير بالدراية دون العلم للمبالغة والتعميم، إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه من مختصاتها ولم تقع منه على علم كان عدم اطلاعها على علم غير ذلك من باب أولى. ا هـ ملخصا من كلام الطيبي. قوله: "الآية" أي تلا الآية إلى آخر السورة، وصرح بذلك الإسماعيلي، وكذا في رواية عمارة. ولمسلم إلى قوله: "خبير" وكذا في رواية أبي فروة. وأما ما وقع عند المؤلف في التفسير من قوله: إلى {الْأَرْحَامِ} فهو تقصير من بعض الرواة، والسياق يرشد إلى أنه تلا الآية كلها. قوله: "ثم أدبر فقال: ردوه" زاد في التفسير: "فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا". فيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبي صلى الله عليه وسلم فيراه ويتكلم بحضرته وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران ابن حصين أنه كان يسمع كلام الملائكة. والله أعلم. قوله: "جاء يعلم الناس" في التفسير: "ليعلم " وللإسماعيلي: "أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا " ومثله لعمارة. وفي رواية أبي فروة: "والذي بعث محمدا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل". وفي حديث أبي عامر: "ثم ولى فلما لم نر طريقه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ": سبحان الله، هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده ما جاءني قط وإلا وأنا أعرفه، إلا أن تكون هذه المرة". وفي رواية التيمي " ثم نهض فولى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: : علي بالرجل، فطلبناه كل مطلب فلم نقدر عليه. فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولى". قال ابن حبان: تفرد سليمان التيمي بقوله: "خذوا عنه". قلت: وهو من الثقات الأثبات. وفي قوله: "جاء ليعلم الناس دينهم " إشارة إلى الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح، وإسناد التعليم إلى جبريل مجازي، لأنه كان السبب في الجواب، فلذلك أمر بالأخذ عنه. واتفقت هذه الروايات على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه. وأما ما وقع عند مسلم وغيره من حديث عمر في رواية كهمس: "ثم انطلق، قال عمر: فلبثت مليا ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل فقد جمع بين الروايتين بعض الشراح بأن قوله: "فلبثت مليا " أي: زمانا بعد انصرافه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم بذلك بعد مضي وقت، ولكنه في ذلك المجلس. لكن يعكر على هذا الجمع قوله في رواية النسائي والترمذي " فلبثت ثلاثا " لكن ادعى بعضهم فيها التصحيف، وأن: "مليا " صغرت ميمها فأشبهت " ثلاثا " لأنها تكتب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة، فإن في رواية أبي عوانة

(1/124)


" فلبثنا ليالي، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث " ولابن حبان: "بعد ثالثة"، ولابن منده " بعد ثلاثة أيام". وجمع النووي بين الحديثين بأن عمر لم يحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس، بل كان ممن قام إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل أو لشغل آخر ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الحاضرين في الحال، ولم يتفق الإخبار لعمر إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: "فلقيني " وقوله: "فقال لي يا عمر " فوجه الخطاب له وحده، بخلاف إخباره الأول، وهو جمع حسن. "تنبيهات": الأول: دلت الروايات التي ذكرناها على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة لكنه غير معروف لديهم، وأما ما وقع في رواية النسائي من طريق أبي فروة في آخر الحديث: "وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي " فإن قوله: نزل في صورة دحية الكلبي وهم، لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر: "ما يعرفه منا أحد"، وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي فقال في آخره: "فإنه جبريل جاء ليعلمكم دينكم " حسب. وهذه الرواية هي المحفوظة لموافقتها باقي الروايات. الثاني: قال ابن المنير: في قوله: "يعلمكم دينكم " دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علما وتعليما، لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه معلما، وقد اشتهر قولهم: حسن السؤال نصف العلم، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث لأن الفائدة فيه انبنت على السؤال والجواب معا. الثالث: قال القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له: أم السنة، لما تضمنه من جمل علم السنة. وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابيه " المصابيح " و " شرح السنة " اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة، لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالا. وقال القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان، ابتداء وحالا ومآلا ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه. قلت: ولهذا أشبعت القول في الكلام عليه، مع أن الذي ذكرته وإن كان كثيرا لكنه بالنسبة لما يتضمنه قليل، فلم أخالف طريق الاختصار. والله الموفق. قوله: "قال أبو عبد الله" يعني: المؤلف " جعل ذلك كله من الإيمان " أي: الإيمان الكامل المشتمل على هذه الأمور كلها.

(1/125)


38- باب
51 - حدّثنا إبراهيمُ بنُ حَمزَةَ قال: حدّثَنَا إبراهيمُ بنُ سَعدٍ عن صالحٍ عن ابنِ شِهابٍ عن عُبيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَباسٍ أخبَرَهُ قالَ: أخبَرَني أبو سُفيانَ أنَّ هِرَقلَ قالَ لهُ: "سَألتُكَ هَل يَزيدُونَ أم يَنقُصونَ فَزَعَمتَ أنَّهم يَزِيدُونَ وكذلك الإِيمانُ حتَّى يَتَّم. وَسَألتُكَ: هَل يَرتَدُّ أَحَدٌ سَخطَةً لِدِينِهِ بَعدَ أن يَدخُلَ فيه؟ فَزَعَمتَ أن لا، وكَذّلك الإِيمانُ حينَ تُخَالِطُ بشَاشَتُهُ القُلوبَ لا يَسخَطُهُ أَحَدُ".
[انظر الحديث 7]
قوله: "باب" كذا هو بلا ترجمة في رواية وأبي الوقت، وسقط من رواية أبي ذر والأصيلي وغيرهما، ورجح النووي الأول، قال: لأن الترجمة - يعني سؤال جبريل عن الإيمان - لا يتعلق بها هذا الحديث، فلا يصح إدخاله فيه. قلت: نفي التعلق لا يتم هنا على الحالتين، لأنه إن ثبت لفظ: "باب" بلا ترجمة فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، فلابد له من تعلق به. وإن لم يثبت فتعلقه به متعين، لكنه يتعلق بقوله في الترجمة " جعل ذلك كله دينا". ووجه التعلق أنه سمى الدين إيماناً في حديث هرقل فيتم مراد المؤلف بكون الدين هو الإيمان. فإن قيل: لا حجة له

(1/125)


فيه، لأنه منقول عن هرقل،فالجواب: أنه ما قاله من قبل اجتهاده، وإنما أخبر به عن استقرائه من كتب الأنبياء كما قررناه فيما مضى. وأيضاً فهرقل قاله بلسانه الرومي، وأبو سفيان عبر عنه بلسانه العربي وألقاه إلى ابن عباس - وهو من علماء اللسان - فرواه عنه ولم ينكره، فدل على أنه صحيح لفظا ومعنى. وقد اقتصر المؤلف من حديث أبي سفيان الطويل الذي تكلمنا عليه في بدء الوحي على هذه القطعة لتعلقها بغرضه هنا، وساقه في كتاب الجهاد تاماً بهذا الإسناد الذي أورده هنا. والله أعلم.

(1/126)


باب فضل من استبراء لدينه
...
39- باب فَضْلِ مَنْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
52 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الْحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ. فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ. أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ".
[الحديث 52- طرفه في: 2051]
قوله: "باب فضل من استبرأ لدينه" كأنه أراد أن يبين أن الورع من مكملات الإيمان، فلهذا أورد حديث الباب في أبواب الإيمان.قوله: "حدثنا زكرياء" هو ابن أبي زائدة، واسم أبي زائدة خالد بن ميمون الوادعي. قوله: "عن عامر" هو الشعبي الفقيه المشهور. ورجال الإسناد كوفيون. وقد دخل النعمان الكوفة وولي إمرتها. ولأبي عوانة في صحيحه من طريق أبي حريز - وهو بفتح الحاء المهملة وآخره زاي - عن الشعبي أن النعمان بن بشير خطب به بالكوفة. وفي رواية لمسلم أنه خطب به بحمص. ويجمع بينهما بأنه سمع منه مرتين، فإنه ولي إمرة البلدين واحدة بعد أخرى، وزاد مسلم والإسماعيلي من طريق زكرياء فيه: "وأهوى النعمان بإصبعه إلى أذنيه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه إن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل على صحة تحمل الصبي المميز لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات وللنعمان ثمان سنين، وزكرياء موصوف بالتدليس، ولم أره في الصحيحين وغيرهما من روايته عن الشعبي إلا معنعنا ثم وجدته في فوائد ابن أبي الهيثم من طريق يزيد بن هارون عن زكرياء حدثنا الشعبي، فحصل الأمن من تدليسه(1). "فائدة": ادعى أبو عمرو الداني أن هذا الحديث لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير النعمان بن بشير، فإن أراد من وجه صحيح فمسلم، وإلا فقد رويناه من حديث ابن عمر وعمار في الأوسط للطبراني، ومن حديث ابن عباس في الكبير له، ومن حديث واثلة في الترغيب للأصبهاني، وفي أسانيدها مقال. وادعى أيضا أنه لم يروه عن النعمان غير الشعبي، وليس كما قال، فقد رواه عن النعمان أيضا خيثمة بن عبد الرحمن عند أحمد وغيره، وعبد الملك بن عمير عند أبي عوانة وغيره، وسماك بن حرب عند الطبراني، لكنه مشهور عن
ـــــــ
(1) وهو في مسند أحمد (270:4):عن زكرياء قال (حدثنا) عامر قال سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول

(1/126)


الشعبي رواه عنه جمع جم من الكوفيين، ورواه عنه من البصريين عبد الله بن عون، وقد ساق البخاري إسناده في البيوع ولم يسق لفظه، وساقه أبو داود، وسنشير إلى ما فيه من فائدة إن شاء الله تعالى. قوله: "الحلال بين والحرام بين" أي: في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة. قوله: "وبينهما مشبهات" بوزن مفعلات بتشديد العين المفتوحة وهي رواية مسلم، أي: شبهت بغيرها مما لم يتبين به حكمها على التعيين. وفي رواية الأصيلي: "مشتبهات " بوزن مفتعلات بتاء مفتوحة وعين خفيفة مكسورة وهي رواية ابن ماجه، وهو لفظ ابن عون، والمعنى أنها موحدة اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين، ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: "وبينهما متشابهات". قوله: "لا يعلمها كثير من الناس" أي لا يعلم حكمها، وجاء واضحا في رواية الترمذي بلفظ: "لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام " ومفهوم قوله: "كثير " أن معرفة حكمها ممكن لكن للقليل من الناس وهم المجتهدون، فالشبهات على هذا في حق غيرهم، وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين. قوله: "فمن اتقى المشبهات" أي: حذر منها، والاختلاف في لفظها بين الرواة نظير التي قبلها لكن عند مسلم والإسماعيلي: "الشبهات " بالضم جمع شبهة. قوله: "استبرأ" بالهمز بوزن استفعل من البراءة، أي: برأ دينه من النقص وعرضه من الطعن فيه، لأن من لم يعرف باجتناب الشبهات لم يسلم لقول من يطعن فيه، وفيه دليل على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن فيه، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة. قوله: "ومن وقع في الشبهات" فيها أيضا ما تقدم من اختلاف الرواة. واختلف في حكم الشبهات فقيل: التحريم، وهو مردود. وقيل: الكراهة، وقيل: الوقف. وهو كالخلاف فيما قبل الشرع. وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء: أحدها: تعارض الأدلة كما تقدم. ثانيها: اختلاف العلماء وهي منتزعة من الأولى. ثالثها: أن المراد بها مسمى المكروه لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك. رابعها: أن المراد بها المباح. ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى، بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته، راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج. ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه أنه كان يقول: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه. وهو منزع حسن. ويؤيده رواية ابن حبان من طريق ذكر مسلم إسنادها ولم يسق لفظها فيها من الزيادة: "اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه: "والمعنى: أن الحلال حيث يخشى أن يؤول فعله مطلقا إلى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه، كالإكثار مثلا من الطيبات، فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق أو يفضي إلى بطر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة مشاهد بالعيان. والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول على ما سأذكره، ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادا، ويختلف ذلك باختلاف الناس: فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح أو المكروه كما تقرر قبل، ودونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال. ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تصير فيه جرأة على ارتكاب المنهي في الجملة، أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم إذا كان من جنسه. أو يكون ذلك لشبهة فيه، وهو أن من تعاطى ما نهى عنه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع فيقع في

(1/127)


الحرام ولو لم يختر الوقوع فيه. ووقع عند المصنف في البيوع من رواية أبي فروة عن الشعبي في هذا الحديث: "فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان له أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان " وهذا يرجح الوجه الأول كما أشرت إليه. "تنبيه": استدل به ابن المنير على جواز بقاء المجمل بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الاستدلال بذلك نظر، إلا إن أراد به أنه مجمل في حق بعض دون بعض، أو أراد الرد على منكري القياس فيحتمل ما قال. والله أعلم. قوله: "كراع يرعى" هكذا في جميع نسخ البخاري محذوف جواب الشرط إن أعربت " من " شرطية وقد ثبت المحذوف في رواية الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى " ويمكن إعراب " من " في سياق البخاري موصولة فلا يكون فيه حذف، إذ التقدير: والذي وقع في الشبهات مثل راع يرعى، والأول أولى لثبوت المحذوف في صحيح مسلم وغيره من طريق زكريا التي أخرجه منها المؤلف، وعلى هذا فقوله: "كراع يرعى " جملة مستأنفة وردت على سبيل التمثيل للتنبيه بالشاهد على الغائب. والحمى: المحمي، أطلق المصدر على اسم المفعول. وفي اختصاص التمثيل بذلك نكتة، وهي أن ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة يتوعدون من يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم النبي صلى الله عليه وسلم بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبعده أسلم له ولو اشتد حذره. وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد الفاذة فتقع فيه بغير اختياره، أو يمحل المكان الذي هو فيه ويقع: الخصب في الحمى فلا يملك نفسه أن يقع فيه. فالله سبحانه وتعالى هو الملك حقا، وحماه محارمه. "تنبيه": ادعى بعضهم أن التمثيل من كلام الشعبي، وأنه مدرج في الحديث، حكى ذلك أبو عمرو الداني، ولم أقف على دليله إلا ما وقع عند ابن الجارود والإسماعيلي من رواية ابن عون عن الشعبي، قال ابن عون في آخر الحديث: لا أدري المثل من قول النبي - صلى الله عليه وسلم أو من قول الشعبي. قلت: وتردد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجا، لأن الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم فيه. وكذلك سقوط المثل من رواية بعض الرواة - كأبي فروة عن الشعبي - لا يقدح فيمن أثبته، لأنهم حفاظ. ولعل هذا هو السر في حذف البخاري قوله: "وقع في الحرام " ليصير ما قبل المثل مرتبطا به فيسلم من دعوى الإدراج. ومما يقوي عدم الإدراج رواية ابن حبان الماضية، وكذا ثبوت المثل مرفوعا في رواية ابن عباس وعمار بن ياسر أيضا. قوله: "ألا إن حمى الله في أرضه محارمه" سقط " في أرضه " من رواية المستملي، وثبتت الواو في قوله: "ألا وإن حمى الله " في رواية غير أبي ذر، والمراد بالمحارم فعل المنهي المحرم أو ترك المأمور الواجب، ولهذا وقع في رواية أبي فروة التعبير بالمعاصي بدل المحارم. وقوله: "ألا " للتنبيه على صحة ما بعدها، وفي إعادتها وتكريرها دليل على عظم شأن مدلولها. قوله: "مضغة" أي: قدر ما يمضغ، وعبر بها هنا عن مقدار القلب في الرؤية، وسمي القلب قلبا لتقلبه في الأمور، أو لأنه خالص ما في البدن، وخالص كل شيء قلبه، أو لأنه وضع في الجسد مقلوبا. وقوله: "إذا صلحت " و " إذا فسدت " هو بفتح عينهما وتضم في المضارع، وحكى الفراء الضم في ماضي صلح، وهو يضم وفاقا إذا صار له الصلاح هيئة لازمة لشرف ونحوه، والتعبير بإذا لتحقق الوقوع غالبا، وقد تأتي بمعنى إن كما هنا. وخص القلب بذلك لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد. وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب، والحث على صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب الكسب

(1/128)


أثرا فيه. والمراد المتعلق به: من الفهم الذي ركبه الله فيه. ويستدل به على أن العقل في القلب، ومنه قوله تعالى :{فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} وقوله تعالى :{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ}. قال المفسرون: أي عقل. وعبر عنه بالقلب لأنه محل استقراره. "فائدة": لم تقع هذه الزيادة التي أولها " ألا وإن في الجسد مضغة " إلا في رواية الشعبي، ولا هي في أكثر الروايات عن الشعبي، إنما تفرد بها في الصحيحين زكريا المذكور عنه، وتابعه مجاهد عند أحمد، ومغيرة وغيره عند الطبراني. وعبر في بعض رواياته عن الصلاح والفساد بالصحة والسقم، ومناسبتها لما قبلها بالنظر إلى أن الأصل في الاتقاء والوقوع هو ما كان بالقلب، لأنه عماد البدن. وقد عظم العلماء أمر هذا الحديث فعدوه رابع أربعة تدور عليها الأحكام كما نقل عن أبى داود، وفيه البيتان المشهوران وهما:
عمدة الدين عندنا كلمات ... مسندات من قول خير البرية
اترك الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك، واعملن بنيه
والمعروف عن أبي داود عد " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه.. الحديث: "بدل " ازهد فيما في أيدي الناس " وجعله بعضهم ثالث ثلاثة حذف الثاني، وأشار ابن العربي إلى أنه يمكن أن ينتزع منه وحده جميع الأحكام، قال القرطبي: "لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب"، فمن هنا يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه.والله المستعان.

(1/129)


40- باب أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنْ الإِيمَانِ
53 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: "كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ الْقَوْمُ - أَوْ مَنْ الْوَفْدُ؟" - قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أَوْ بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنْ الأَشْرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ. وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ الْحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ - وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ - وَقَالَ: احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ".
قوله: "باب أداء الخمس من الإيمان" هو بضم الخاء المعجمة، وهو المراد بقوله تعالى :{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية. وقيل: إنه روي هنا بفتح الخاء، والمراد قواعد الإسلام الخمس المذكورة في حديث: "بني الإسلام على خمس " وفيه بعد، لأن الحج لم يذكر هنا ولأن غيره من القواعد قد تقدم، ولم يرد هنا إلا ذكر خمس الغنيمة فتعين أن يكون المراد إفراده بالذكر. وسنذكر وجه كونه من الإيمان قريبا. قوله: "عن أبي جمرة"

(1/129)


هو بالجيم والراء كما تقدم، واسمه نصر بن عمران بن نوح بن مخلد الضبعي بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة، من بني ضبيعة، بضم أوله مصغرا، وهم بطن من عبد القيس كما جزم به الرشاطي، وفي بكر بن وائل بطن يقال لهم: بنو ضبيعة أيضا، وقد وهم. من نسب أبا جمرة إليهم من شراح البخاري، فقد روى الطبراني وابن مندة في ترجمة نوح ابن مخلد جد أبي جمرة أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "ممن أنت؟" قال: من ضبيعة ربيعة. فقال: "خير ربيعة عبد القيس ثم الحي الذين أنت منهم". قوله: "كنت أقعد مع ابن عباس" بين المصنف في العلم من رواية غندر، عن شعبة السبب في إكرام ابن عباس له ولفظه: "كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس " قال ابن الصلاح: "أصل الترجمة التعبير عن لغة بلغة، وهو عندي هنا أعم من ذلك، وأنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه ويبلغه كلامهم، إما لزحام أو لقصور فهم". قلت: الثاني أظهر، لأنه كان جالسا معه على سريره، فلا فرق في الزحام بينهما إلا أن يحمل على أن ابن عباس كان في صدر السرير، وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم، وقيل: إن أبا جمرة كان يعرف الفارسية فكان يترجم لابن عباس بها، قال القرطبي: "فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد". قلت: وقد بوب عليه البخاري في أواخر كتاب الأحكام كما سيأتي. واستنبط منه ابن التين جواز أخذ الأجرة على التعليم لقوله: "حتى أجعل لك سهما من مالي " وفيه نظر، لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج كما سيأتي عند المصنف صريحا في الحج. وقال غيره: هو أصل في اتخاذ المحدث المستملي. قوله: "ثم قال: إن وفد عبد القيس" بين مسلم من طريق غندر عن شعبة السبب في تحديث ابن عباس لأبي جمرة بهذا الحديث، فقال بعد قوله: "وبين الناس ": فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فنهى عنه، فقلت: يا ابن عباس إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذا حلوا فأشرب منه فتقرقر بطني، قال: لا تشرب منه وإن كان أحلى من العسل. وللمصنف في أواخر المغازي من طريق قرة عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إن لي جرة أنتبذ فيها فأشربه حلوا، إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح، فقال: "قدم وفد عبد القيس " فلما كان أبو جمرة من عبد القيس وكان حديثهم يشتمل على النهي عن الانتباذ في الجرار ناسب أن يذكره له. وفي هذا دليل على أن ابن عباس لم يبلغه نسخ تحريم الانتباذ في الجرار، وهو ثابت من حديث بريدة بن الحصيب عند مسلم وغيره. قال القرطبي: فيه دليل على أن للمفتي أن يذكر الدليل مستغنيا به عن التنصيص على جواب الفتيا إذا كان السائل بصيرا بموضع الحجة. قوله: "لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من القوم، أو من الوفد" الشك من أحد الرواة، إما أبو جمرة أو من دونه، وأظنه شعبة فإنه في رواية قرة وغيره بغير شك. وأغرب الكرماني فقال: الشك من ابن عباس. قال النووي: الوفد الجماعة المختارة للتقدم في لقي العظماء واحدهم وافد. قال: ووفد عبد القيس المذكورون كانوا أربعة عشر راكبا كبيرهم الأشج، ذكره صاحب التحرير في شرح مسلم وسمي منهم المنذر بن عائذ وهو الأشج المذكور ومنقذ بن حبان ومزيدة(1) بن مالك وعمرو بن مرحوم والحارث ابن شعيب وعبيدة بن همام والحارث بن جندب وصحار بن العباس وهو بصاد مضمومة وحاء مهملتين، قال: ولم نعثر بعد طول التتبع على أسماء الباقين. قلت: قد ذكر ابن سعد منهم عقبة بن جروة(2)، وفي سنن أبي داود قيس بن النعمان العبدي وذكره الخطيب أيضا في المبهمات، وفي مسند البزار وتاريخ ابن أبي خيثمة الجهم بن قثم، ووقع
ـــــــ
(1)في هامش طبعة بولاق : في نسخة"بريدة" (2) في هامش طبعة بولاق: في نسخة"عطية بن جروة"

(1/130)


ذكره في صحيح مسلم أيضا لكن لم يسمه، وفي مسندي أحمد وابن أبي شيبة الرستم العبدي، وفي المعرفة لأبي نعيم جويرية العبدي، وفي الأدب للبخاري الزارع بن عامر العبدي. فهؤلاء الستة الباقون من العدد. وما ذكر من أن الوفد كانوا أربعة عشر راكبا لم يذكر دليله، وفي المعرفة لابن منده من طريق هود العصري - وهو بعين وصاد مهملتين مفتوحتين - نسبة إلى عصر بطن من عبد القيس عن جده لأمه مزيدة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم: "سيطلع لكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق " فقام عمر فلقي ثلاثة عشر راكبا فرحب وقرب وقال: من القوم؟ قالوا: وفد عبد القيس، فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب أو مرتدفا. وأما ما رواه الدولابي وغيره من طريق أبي خيرة - بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتانية وبعد الراء هاء - الصباحي - وهو بضم الصاد المهملة بعدها موحدة خفيفة وبعد الألف حاء مهملة - نسبة إلى صباح بطن من عبد القيس قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وفد عبد القيس وكنا أربعين رجلا فنهانا عن الدباء والنقير.. الحديث، فيمكن أن يجمع بينه وبين الرواية الأخرى بأن الثلاثة عشر كانوا رؤوس الوفد، ولهذا كانوا ركبانا، وكان الباقون أتباعا. وقد وقع في جملة من الأخبار ذكر جماعة من عبد القيس زيادة على من سميته هنا، منهم أخو الزارع واسمه مطر وابن أخته ولم يسم وروى ذلك البغوي في معجمه، ومنهم مشمرج السعدي روى حديثه ابن السكن وأنه قدم مع وفد عبد القيس، ومنهم جابر بن الحارث وخزيمة بن عبد بن عمرو وهمام بن ربيعة وجارية - أوله جيم - ابن جابر ذكرهم ابن شاهين في معجمه، ومنهم نوح بن مخلد جد أبي جمرة وكذا أبو خيرة الصباحي كما تقدم. وإنما أطلت في هذا الفصل لقول صاحب التحرير إنه لم يظفر - بعد طول التتبع - إلا بما ذكرهم. قال ابن أبي جمرة: في قوله: "من القوم " دليل على استحباب سؤال القاصد عن نفسه ليعرف فينزل منزلته. قوله: "قالوا: ربيعة" فيه التعبير عن البعض بالكل لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة، فإن عند المصنف في الصلاة من طريق عباد عن أبي جمرة: فقالوا إن هذا الحي من ربيعة. قال ابن الصلاح: الحي منصوب على الاختصاص، والمعنى إنا هذا الحي حي من ربيعة، قال: والحي هو اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به، لأن بعضهم يحيا ببعض. قوله: "مرحبا" هو منصوب بفعل مضمر، أي: صادفت رحبا - بضم الراء - أي: سعة، والرحب - بالفتح - الشيء الواسع، وقد يزيدون معها أهلا، أي: وجدت أهلا فاستأنس، وأفاد العسكري أن أول من قال مرحبا سيف بن ذي يزن، وفيه دليل على استحباب تأنيس القادم، وقد تكرر ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث أم هانئ: "مرحبا بأم هانئ " وفي قصة عكرمة بن أبي جهل: "مرحبا بالراكب المهاجر " وفي قصة فاطمة: "مرحبا بابنتي " وكلها صحيحة. وأخرج النسائي من حديث عاصم بن بشير الحارثي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما دخل فسلم عليه: "مرحبا وعليك السلام". قوله: "غير خزايا" بنصب " غير " على الحال، وروي بالكسر على الصفة، والمعروف الأول قاله النووي، ويؤيده رواية المصنف في الأدب من طريق أبي التياح عن أبي جمرة: "مرحبا بالوفد الذين جاؤوا غير خزايا ولا ندامى" وخزايا جمع خزيان وهو الذي أصابه خزي، والمعنى أنهم أسلموا طوعا من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم. قوله: "ولا ندامى" قال الخطابي: كان أصله نادمين جمع نادم لأن ندامى إنما هو جمع ندمان أي: المنادم في اللهو. وقال الشاعر: " فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني"، لكنه هنا خرج على الاتباع كما قالوا العشايا والغدايا، وغداة جمعها الغدوات لكنه أتبع. انتهى. وقد حكى القزاز والجوهري وغيرهما من أهل اللغة أنه يقال نادم وندمان في الندامة، بمعنى

(1/131)


فعلي هذا، فهو على الأصل ولا إتباع فيه.والله أعلم. ووقع في رواية النسائي من طريق قرة فقال: "مرحبا بالوفد ليس الخزايا ولا النادمين " وهي للطبراني من طريق شعبة أيضا، قال ابن أبي جمرة: بشرهم بالخير عاجلا وآجلا، لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثبت ضدها. وفيه دليل على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الفتنة. قوله: "فقالوا: يا رسول الله" فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة مسلمين، وكذا في قولهم " كفار مضر " وفي قولهم " الله ورسوله أعلم". قوله: "إلا في الشهر الحرام"، وللأصيلي وكريمة: "إلا في شهر الحرام " وهي رواية مسلم، وهي من إضافة الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع ونساء المؤمنات. والمراد بالشهر الحرام الجنس فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده رواية قرة عند المؤلف في المغازي بلفظ: "إلا في أشهر الحرم " ورواية حماد بن زيد عنده في المناقب بلفظ: "إلا في كل شهر حرام " وقيل اللام للعهد والمراد شهر رجب. وفي رواية للبيهقي التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة حيث قال: "رجب مضر " كما سيأتي. والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربما أنسؤوها بخلافه، وفيه دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا - كما في رواية شعبة عند المؤلف في العلم - وإنا نأتيك من شقة بعيدة. قال ابن قتيبة: الشقة السفر. وقال الزجاج: هي الغاية التي تقصد.ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضا ما رواه المصنف في الجمعة من طريق أبي جمرة أيضا عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت - بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين، وجواثي بضم الجيم وبعد الألف مثلثة مفتوحة، وهي قرية شهيرة لهم، وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام.قوله: "بأمر فصل" بالتنوين فيهما لا بالإضافة، والأمر، واحد الأوامر، أي مرنا بعمل بواسطة افعلوا، ولهذا قال الراوي أمرهم. وفي رواية حماد بن زيد وغيره عند المؤلف قال النبي صلى الله عليه وسلم: "آمركم"، وله عن أبي التياح بصيغة افعلوا. و " الفصل " بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل، أي يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى المفصل أي المبين المكشوف حكاه الطيبي. وقال الخطابي: الفصل البين وقيل المحكم. قوله: "نخبر به" بالرفع على الصفة لأمر، وكذا قوله وندخل، ويروى بالجزم فيهما على أنه جواب الأمر. وسقطت الواو من وندخل في بعض الروايات فيرفع نخبر ويجزم ندخل، قال ابن أبي جمرة: فيه دليل على إبداء العذر عند العجز عن توفية الحق واجبا أو مندوبا، وعلى أنه يبدأ بالسؤال عن الأهم، وعلى أن الأعمال الصالحة تدخل الجنة إذا قبلت، وقبولها يقع برحمة الله كما تقدم. قوله: "فأمرهم بأربع" أي خصال أو جمل، لقولهم " حدثنا بجمل من الأمر " وهي رواية قرة عند المؤلف في المغازي، قال القرطبي: قيل إن أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركا بهما كما قيل في قوله تعالى :{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} وإلى هذا نحا الطيبي فقال: عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبا لغرض جعلوا سياقه له وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين - لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة - ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام، قال: فلهذا لم يعد الشهادتين في الأوامر.قيل ولا يرد على هذا الإتيان بحرف العطف فيحتاج إلى تقدير.وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لولا وجود حرف العطف لقلنا إن ذكر الشهادتين ورد على سبيل

(1/132)


التصدير، لكن يمكن أن يقرأ قوله: "وإقام الصلاة " بالخفض فيكون عطفا على قوله: "أمرهم بالإيمان " والتقدير أمرهم بالإيمان مصدرا به وبشرطه من الشهادتين، وأمرهم بإقام الصلاة الخ، قال: ويؤيد هذا حذفهما في رواية المصنف في الأدب من طريق أبي التياح عن أبي جمرة ولفظه: "أربع وأربع، أقيموا الصلاة الخ". فإن قيل ظاهر ما ترجم به المصنف من أن أداء الخمس من الإيمان يقتضي إدخاله مع باقي الخصال في تفسير الإيمان والتقدير المذكور يخالفه، أجاب ابن رشيد بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة وأجيبوا بأشياء منها أداء الخمس، والأعمال التي تدخل الجنة هي أعمال الإيمان فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير. فإن قيل: فكيف قال في رواية حماد بن زيد عن أبي جمرة " آمركم بأربع: الإيمان بالله: شهادة أن لا إله إلا الله. وعقد واحدة " كذا للمؤلف في المغازي، وله في فرض الخمس " وعقد بيده " فدل على أن الشهادة إحدى الأربع. وأما ما وقع عنده في الزكاة من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله: "شهادة أن لا إله إلا الله " فهي زيادة شاذة لم يتابع عليها حجاج بن منهال أحد، والمراد بقوله شهادة أن لا إله إلا الله أي وأن محمدا رسول الله كما صرح به في رواية عباد بن عباد في أوائل المواقيت ولفظه: "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله " ثم فسرها لهم " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " الحديث. والاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله على إرادة الشهادتين معا لكونها صارت علما على ذلك كما تقدم تقريره في باب زيادة الإيمان، وهذا أيضا يدل على أنه عد الشهادتين من الأربع لأنه أعاد الضمير في قوله ثم فسرها مؤنثا فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرا، وعلى هذا فيقال: كيف قال أربع والمذكورات خمس؟ وقد أجاب عنه القاضي عياض - تبعا لابن بطال - بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد ذكرها بعينها لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: وكذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض. وقال غيره: قوله: "وأن تعطوا " معطوف على قوله: "بأربع " أي آمركم بأربع وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والإتيان بأن والفعل مع توجه الخطاب إليهم، قال ابن التين: لا يمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربع. قلت: ويدل على ذلك لفظ رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدري في هذه القصة " آمركم بأربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم". وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ويحتمل أن يقال إنه عد الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها في كتاب الله، وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم يعد أداء الخمس لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين في حال دون حال. وقال البيضاوي الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأخر حذفها الراوي اختصارا أو نسيانا. كذا قال، وما ذكر أنه الظاهر لعله يحسب ما ظهر له، وإلا فالظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع لقوله: "وعقد واحدة " وكان القاضي أراد أن يرفع الإشكال من كون الإيمان واحدا والموعود بذكره أربعا، وقد أجيب عن ذلك بأنه باعتبار أجزائه المفصلة أربع، وهو في حد ذاته واحد، والمعنى أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها، ثم فسرها، فهو واحد بالنوع متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهي عنه - وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار - واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته والحكمة في الإجمال

(1/133)


بالعدد قبل التفسير أن تتشوف النفس إلى التفصيل ثم تسكن إليه وأن يحصل حفظها للسامع فإذا نسى شيئا من تفاصيلها طالب نفسه بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي في حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمع. وما ذكره القاضي عياض من أن السبب في كونه لم يذكر الحج في الحديث لأنه لم يكن فرض هو المعتمد، وقد قدمنا الدليل على قدم إسلامهم، لكن جزم القاضي بأن قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكة تبع فيه الواقدي، وليس بجيد، لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح كما سنذكره في موضعه إن شاء الله، ولكن القاضي يختار أن فرض الحج كان سنة تسع حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور ا هـ. وقد احتج الشافعي لكونه على التراخي بأن فرض الحج كان بعد الهجرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على الحج في سنة ثمان وفي سنة تسع ولم يحج إلا في سنة عشر، وأما قول من قال إنه ترك ذكر الحج لكونه على التراخي فليس بجيد، لأن كونه على التراخي لا يمنع من الأمر به، وكذا قول من قال إنما تركه لشهرته عندهم ليس بقوي، لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم، وكذا قول من قال: إن ترك ذكره لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر ليس بمستقيم، لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الإخبار به ليعمل به عند الإمكان كما في الآية، بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة لأن الحج يقع في الأشهر الحرم، وقد ذكروا أنهم كانوا يأمنون فيها. لكن يمكن أن يقال إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلا وتركا. ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها. وأما ما وقع في كتاب الصيام من السنن الكبرى للبيهقي من طريق أبي قلابة الرقاشي عن أبي زيد الهروي عن قرة في هذا الحديث من زيادة ذكر الحج ولفظه: "وتحجوا البيت الحرام " ولم يتعرض لعدد فهي رواية شاذة، وقد أخرجه الشيخان ومن استخرج عليهما والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق قرة لم يذكر أحد منهم الحج، وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره فلعل هذا مما حدث به في التغير، وهذا بالنسبة لرواية أبي جمرة. وقد ورد ذكر الحج أيضا في مسند الإمام أحمد من رواية أبان العطار عن قتادة عن سعيد بن المسيب - وعن عكرمة - عن ابن عباس في قصة وفد عبد قيس. وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظا فيجمع في الجواب عنه بين الجوابين المتقدمين فيقال: المراد بالأربع ما عدا الشهادتين وأداء الخمس. والله أعلم. قوله: "ونهاهم عن أربع: عن الحنتم الخ" في جواب قوله: "وسألوه عن الأشربة " هو من إطلاق المحل وإرادة الحال، أي ما في الحنتم ونحوه، وصرح بالمراد في رواية النسائي من طريق قره فقال: "وأنهاكم عن أربع: ما ينتبذ في الحنتم " الحديث. والحنتم بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق هي الجرة، كذا فسرها ابن عمر في صحيح مسلم، وله عن أبي هريرة: الحنتم الجرار الخضر، وروى الحربي في الغريب عن عطاء أنها جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم. والدباء بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد هو القرع، قال النووي: والمراد اليابس منه. وحكى القزاز فيه القصر. والنقير بفتح النون وكسر القاف: أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء. والمزفت بالزاي والفاء ما طلي بالزفت. والمقير بالقاف والياء الأخيرة ما طلي بالقار ويقال له القير، وهو نبت يحرق إذا يبس تطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت، قاله صاحب المحكم. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قال: أما الدباء فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم

(1/134)


يدفنونه حتى يهدر ثم يموت. وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت. وأما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر. وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت. انتهى. وإسناده حسن. وتفسير الصحابي أولى أن يعتمد عليه من غيره لأنه أعلم بالمراد. ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع فيها الإسكار، فربما شرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر كما سيأتي في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى. قوله: "وأخبروا بهن من وراءكم" بفتح من وهي موصولة، ووراءكم يشمل من جاءوا من عندهم وهذا باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين معا حقيقة ومجازا. واستنبط منه المصنف الاعتماد على أخبار الآحاد على ما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.

(1/135)


باب ماجاء إن الأعمال بالنية والحسبة
...
3 - باب مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى
فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلاَةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالأَحْكَامُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} عَلَى نِيَّتِهِ نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"
54- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".
[انظر الحديث رقم 1]
قوله: "باب ما جاء" أي باب بيان ما ورد دالا على أن الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحسبة، والمراد بالحسبة طلب الثواب، ولم يأت بحديث لفظه الأعمال بالنية والحسبة، وإنما استدل بحديث عمر على أن الأعمال بالنية، وبحديث أبي مسعود على أن الأعمال بالحسبة، وقوله: "ولكل امرئ ما نوى " هو بعض حديث الأعمال بالنية. وإنما أدخل قوله والحسبة بين الجملتين للإشارة إلى أن الثانية تفيد ما لا تفيد الأولى. قوله: "فدخل فيه" هو من مقول المصنف، وليس بقية مما ورد. وقد أفصح ابن عساكر في روايته بذلك فقال: قال أبو عبد الله - يعني المصنف - والضمير في فيه يعود على الكلام المتقدم. وتوجيه دخول النية في الإيمان على طريقة المصنف أن الإيمان عمل كما تقدم شرحه. وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب - من خشية الله وعظمته ومحبته والتقرب إليه - لأنها متميزة لله تعالى فلا تحتاج لنية تميزها، لأن النية إنما تميز العمل لله عن العمل لغيره رياء، وتميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة كالصوم عن الحمية. قوله: "والوضوء" أشار به إلى خلاف من لم يشترط فيه النية كما نقل عن الأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهما وحجتهم أنه ليس عبادة مستقلة بل وسيلة إلى عبادة كالصلاة، ونوقضوا بالتيمم فإنه وسيلة وقد اشترط الحنفية فيه النية، واستدل الجمهور على اشتراط النية في الوضوء بالأدلة الصحيحة المصرحة بوعد الثواب عليه، فلا بد من قصد يميزه عن غيره ليحصل الثواب الموعود، وأما الصلاة فلم يختلف في اشتراط النية فيها، وأما الزكاة فإنما تسقط بأخذ السلطان ولو لم ينو

(1/135)


صاحب المال لأن السلطان قائم مقامه، وأما الحج فإنما ينصرف إلى فرض من حج عن غيره لدليل خاص وهو حديث ابن عباس في قصة شبرمة، وأما الصوم فأشار به إلى خلاف من زعم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية لأنه متميز بنفسه كما نقل عن زفر. وقدم المصنف الحج على الصوم تمسكا بما ورد عنده في حديث: "بني الإسلام " وقد تقدم. قوله: "والأحكام" أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها، وكل صورة لم يشترط فيها النية فذاك لدليل خاص، وقد ذكر ابن المنير ضابطا لما يشترط فيه النية مما لا يشترط فقال: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملائمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب. قال: وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة قال: وأما ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه، لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويا. ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلي، ولذلك لا تشترط النية للنية فرارا من التسلسل. وأما الأقوال فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن: أحدها التقرب إلى الله فرارا من الرياء، والثاني التمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود، والثالث قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. قوله: "وقال الله" قال الكرماني: الظاهر أنها جملة حالية لا عطف، أي والحال أن الله قال. ويحتمل أن تكون للمصاحبة، أي مع أن الله قال. قوله: "على نيته" تفسير منه لقوله: "على شاكلته" بحذف أداة التفسير، وتفسير الشاكلة بالنية صح عن الحسن البصري ومعاوية بن قرة المزني وقتادة أخرجه عبد بن حميد والطبري عنهم، وعن مجاهد قال: الشاكلة الطريقة أو الناحية، وهذا قول الأكثر، وقيل الدين. وكلها متقاربة. قوله: "ولكن جهاد ونية" هو طرف من حديث لابن عباس أوله " لا هجرة بعد الفتح " وقد وصله المؤلف في الجهاد وغيره من طريق طاوس عنه، وسيأتي.قوله (الأعمال بالنية)كذا أورده من رواية مالك بحذف "إنما" من أوله وقد رواه مسلم عن القعنبي وهو عيد الله بن مسلمة المذكور هنا بإثباتها وتقدم الكلام على نكت من هذا الحديث أول الكتاب
55- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ".
56- حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَي امْرَأَتِكَ" .
قوله: "عبد الله بن يزيد" هو الخطمي بفتح المعجمة وسكون الطاء المهملة، وهو صحابي أنصاري روى عن صحابي أنصاري، وسيأتي ذكر أبي مسعود المذكور في باب من شهد بدرا من المغازي، ويأتي الكلام على حديثه في كتاب النفقات إن شاء الله تعالى. والمقصود منه في هذا الباب قوله: "يحتسبها " قال القرطبي: أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة سواء كانت واجبة أو مباحة، وأفاد مفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر، لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة لأنها معقولة المعنى، وأطلق الصدقة على النفقة مجازا والمراد بها الأجر، والقرينة

(1/136)


الصارفة عن الحقيقة الإجماع على جواز النفقة على الزوجة الهاشمية التي حرمت عليها الصدقة. قوله: "إنك" الخطاب لسعد، والمراد هو ومن يصح منه الإنفاق. قوله: "وجه الله" أي ما عند الله من الثواب. قوله: "إلا أجرت" يحتاج إلى تقدير لأن الفعل لا يقع استثناء. قوله: "حتى": هي عاطفة وما بعدها منصوب المحل، وما: موصولة والعائد محذوف. قوله: "في فم امرأتك" وللكشميهني: "في في امرأتك " وهي رواية الأكثر، قال القاضي عياض: هي أصوب لأن الأصل حذف الميم بدليل جمعه على أفواه وتصغيره على فويه. قال: وإنما يحسن إثبات الميم عند الإفراد وأما عند الإضافة فلا إلا في لغة قليلة ا هـ. وهذا طرف من حديث سعد بن أبي وقاص في مرضه بمكة وعيادة النبي صلى الله عليه وسلم له وقوله: "أوصى بشطر مالي " الحديث. وسيأتي الكلام عليه في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى، والمراد منه هنا قوله: "تبتغي - أي تطلب - بها وجه الله " واستنبط منه النووي أن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه لأن وضع اللقمة في في الزوجة يقع غالبا في حالة المداعبة، ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر. ومع ذلك إذا وجه القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله. قلت: وجاء ما هو أصرح في هذا المراد من وضع اللقمة، وهو ما أخرجه مسلم عن أبي ذر فذكر حديثا فيه: "وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام؟ " قال: وإذا كان هذا بهذا المحل - ما فيه من حظ النفس - فما الظن بغيره مما لا حظ للنفس فيه؟ قال: وتمثيله باللقمة مبالغة في تحقيق هذه القاعدة، لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة واحدة لزوجة غير مضطرة فما الطن بمن أطعم لقما لمحتاج، أو عمل من الطاعات ما مشقته فوق مشقة ثمن اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأدنى اهـ. وتمام هذا أن يقال: وإذا كان هذا في حق الزوجة مع مشاركة الزوج لها في النفع بما يطعمها لأن ذلك يؤثر في حسن بدنها وهو ينتفع منها بذلك، وأيضا فالأغلب أن الإنفاق على الزوجة يقع بداعية النفس، بخلاف غيرها فإنه يحتاج إلى مجاهدتها. والله أعلم.
[الحديث53- أطرافه في: 7556,7266,6176,4369,4368,3510,3095,1398,523,87]
[الحديث 55- طرفاه في: 5351,4006]
[الحديث 56- أطرافه في: 6733,6372,5668,5659,5354,4409,3936,2744,2742,1295]

(1/137)


42- باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ"
وَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}
57- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
[الحديث57- أطرافه في: 7204,275,2714,2157,1401,524,]
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " الدين: النصيحة " هذا الحديث أورده المصنف هنا ترجمة باب، ولم يخرجه مسندا في هذا الكتاب لكونه على غير شرطه، ونبه بإيراده على صلاحيته في الجملة، وما أورده من الآية وحديث جرير يشتمل على ما تضمنه، وقد أخرجه مسلم: حدثنا محمد بن عباد حدثنا سفيان قال قلت لسهيل بن أبي صالح: إن عمرا حدثنا عن القعقاع عن أبيك بحديث، ورجوت أن تسقط عني رجلا - أي فتحدثني به عن أبيك - قال فقال

(1/137)


سمعته من الذي سمعه منه أبي، كان صديقا له بالشام، وهو عطاء بن يزيد عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة". قلنا: لمن؟ قال: لله عز وجل " الحديث رواه مسلم أيضا من طريق روح بن القاسم قال حدثنا سهيل عن عطاء بن يزيد أنه سمعه وهو يحدث أبا صالح فذكره، ورواه ابن خزيمة من حديث جرير عن سهيل أن أباه حدث عن أبي هريرة بحديث: "إن الله يرضى لكم ثلاثا " الحديث. قال فقال عطاء بن يزيد: سمعت تميما الداري يقول. فذكر حديث النصيحة. وقد روى حديث النصيحة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، وهو وهم من سهيل أو ممن روى عنه لما بيناه، قال البخاري في تاريخه: لا يصح إلا عن تميم. ولهذا الاختلاف على سهيل لم يخرجه في صحيحه، بل لم يحتج فيه بسهيل أصلا. وللحديث طرق دون هذه في القوة، منها ما أخرجه أبو يعلى من حديث ابن عباس والبزار من حديث ابن عمر، وقد بينت جميع ذلك في " تعليق التعليق". قوله: "الدين: النصيحة" يحتمل أن يحمل على المبالغة، أي معظم الدين النصيحة، كما قيل في حديث: "الحج عرفة"، ويحتمل أن يحمل على ظاهره لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدين. وقال المازري: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته، يقال: نصح الشيء إذا خلص، ونصح له القول إذا أخلصه له. أو مشتقة من النصح وهي الخياطة بالمنصحة وهي الإبرة، والمعنى أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة، ومنه التوبة النصوح، كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه. قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، وهي من وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة. وهذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها إنها أحد أرباع الدين، وممن عده فيها الإمام محمد بن أسلم الطوسي. وقال النووي: بل هو وحده محصل لغرض الدين كله، لأنه منحصر في الأمور التي ذكرها: فالنصيحة لله وصفه بما هو له أهل، والخضوع له ظاهرا وباطنا، والرغبة في محابه بفعل طاعته، والرهبة من مساخطة بترك معصيته، والجهاد في رد العاصين إليه. وروى الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة صاحب على قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله من الناصح لله؟ قال: الذي يقدم حق الله على حق الناس. والنصيحة لكتاب الله تعلمه، وتعليمه، وإقامة حروفه في التلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهم معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه، وذب تحريف المبطلين عنه. والنصيحة لرسوله تعظيمه، ونصره حيا وميتا، وإحياء سنته بتعلمها وتعليمها، والاقتداء به في أقواله وأفعاله، ومحبته ومحبة أتباعه. والنصيحة لأئمة المسلمين إعانتهم على ما حملوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خلتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن. ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد، وتقع النصيحة لهم ببث علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم. والنصيحة لعامة المسلمين الشفقة عليهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكف وجوه الأذى عنهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه. وفي الحديث فوائد أخرى: منها أن الدين يطلق على العمل لكونه سمي النصيحة دينا، وعلى هذا المعنى بنى المصنف أكثر كتاب الإيمان، ومنها جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب من قوله: "قلنا لمن "؟ ومنها رغبة السلف في طلب علو الإسناد، وهو مستفاد من قصة سفيان مع سهيل. قوله: "عن جرير بن عبد الله" هو البجلي بفتح الجيم، وقيس الراوي عنه وإسماعيل الراوي عن قيس بجليان أيضا، وكل منهم يكنى أبا عبد الله، وكلهم كوفيون. قوله: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال القاضي عياض: اقتصر على الصلاة والزكاة لشهرتهما، ولم يذكر

(1/138)


الصوم وغيره لدخول ذلك في السمع والطاعة. قلت: زيادة السمع والطاعة وقعت عند المصنف في البيوع من طريق سفيان عن إسماعيل المذكور، وله في الأحكام، ولمسلم من طريق الشعبي عن جرير قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني " فيما استطعت، والنصح لكل مسلم: " ورواه ابن حبان من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده وزاد فيه: فكان جرير إذا اشترى شيئا أو باع يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه فاختر. وروى الطبراني في ترجمته أن غلامه اشترى به فرسا بثلاثمائة، فلما رآه جاء إلى صاحبه فقال: إن فرسك خير من ثلاثمائة، فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة. قال القرطبي: كانت مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر، فلذلك اختلفت ألفاظهم. وقوله: فيما استطعت رويناه بفتح التاء وضمها، وتوجيههما واضح، والمقصود بهذا التنبيه على أن اللازم من الأمور المبايع عليها هو ما يطاق، كما هو المشترط في أصل التكليف، ويشعر الأمر بقول ذلك اللفظ حال المبايعة بالعفو عن الهفوة وما يقع عن خطأ وسهو. والله أعلم.
58-حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ قَالَ "سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمْ الْآنَ ثُمَّ قَالَ اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَشَرَطَ عَلَيَّ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ".
قوله: "سمعت جرير بن عبد الله" المسموع من جرير حمدا لله والثناء عليه، فالتقدير: سمعت جريرا حمدا لله، والباقي شرح للكيفية. قوله: "يوم مات المغيرة بن شعبة" كان المغيرة واليا على الكوفة في خلافة معاوية، وكانت وفاته سنة خمسين من الهجرة، واستناب عند موته ابنه عروة، وقيل استناب جرير المذكور، ولهذا خطب الخطبة المذكورة، حكى ذلك العلاني في أخبار زياد. والوقار: بالفتح الرزانة، والسكينة: السكون. ىوإنما أمرهم بذلك مقدما لتقوى الله، لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى الاضطراب والفتنة، ولا سيما ما كان عليه أهل الكوفة إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور. قوله: "حتى يأتيكم أمير" أي بدل الأمير الذي مات. ومفهوم الغاية هنا، وهو أن المأمور به ينتهي بمجيء الأمير ليس مرادا، بل يلزم ذلك بعد مجيء الأمير بطريق الأولى، وشرط اعتبار مفهوم المخالفة أن لا يعارضه مفهوم الموافقة. قوله: "الآن" أراد به تقريب المدة تسهيلا عليهم، وكان كذلك، لأن معاوية لما بلغه موت المغيرة كتب إلى نائبه على البصرة وهو زياد أن يسير إلى الكوفة أميرا عليها. قوله: "استعفوا لأميركم" أي اطلبوا له العفو من الله، كذا في معظم الروايات بالعين المهملة. وفي رواية ابن عساكر: "استغفروا " بغين معجمة وزيادة راء وهي رواية الإسماعيلي في المستخرج. قوله: "فإنه كان يحب العفو" فيه إشارة إلى أن الجزاء يقع من جنس العمل. قوله: "قلت أبايعك" ترك أداة العطف إما لأنه بدل من أتيت أو استئناف. قوله: "والنصح" بالخفض عطفا على الإسلام، ويجوز نصبه عطفا على مقدر، أي شرط على الإسلام والنصيحة، وفيه دليل على كمال شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله: "على هذا" أي على ما ذكر. قوله: "ورب هذا المسجد" مشعر بأن خطبته كانت في المسجد،

(1/139)


ويجوز أن يكون أشار إلى جهة المسجد الحرام، ويدل عليه رواية الطبراني بلفظ: "ورب الكعبة " وذكر ذلك للتنبيه على شرف المقسم به ليكون أدعى للقبول. قوله: "لناصح" إشارة إلى أنه وفي بما بايع عليه الرسول، وأن كلامه خالص عن الغرض. قوله: "ونزل" مشعر بأنه خطب على المنبر، أو المراد قعد لأنه في مقابلة قوله: قام فحمد الله تعالى. "فائدة": التقييد بالمسلم للأغلب، وإلا فالنصح للكافر معتبر بأن يدعى إلى الإسلام ويشار عليه بالصواب إذا استشار. واختلف العلماء في البيع على بيعه ونحو ذلك فجزم أحمد أن ذلك يختص بالمسلمين واحتج بهذا الحديث. "فائدة أخرى": ختم البخاري كتاب الإيمان بباب النصيحة مشيرا إلى أنه عمل بمقتضاه في الإرشاد إلى العمل بالحديث الصحيح دون السقيم، ثم ختمه بخطبة جرير المتضمنة لشرح حاله في تصنيفه فأومأ بقوله: "فإنما يأتيكم الآن " إلى وجوب التمسك بالشرائع حتى يأتي من يقيمها، إذ لا تزال طائفة منصورة، وهم فقهاء أصحاب الحديث. وبقوله: "استعفوا لأميركم " إلى طلب الدعاء له لعمله الفاضل. ثم ختم بقول " استغفر ونزل " فأشعر بختم الباب. ثم عقبه بكتاب العلم لما دل عليه حديث النصيحة أن معظمها يقع بالتعلم والتعليم.
"خاتمة": اشتمل كتاب الإيمان ومقدمته من بدء الوحي من الأحاديث المرفوعة على أحد وثمانين حديثا بالمكرر منها في بدء الوحي خمسة عشر، وفي الإيمان ستة وستون، المكرر منها ثلاثة وثلاثون، منها في المتابعات بصيغة المتابعة أو التعليق اثنان وعشرون، في بدء الوحي ثمانية، وفي الإيمان أربعة عشر، ومن الموصول المكرر ثمانية، ومن التعليق الذي لم يوصل في مكان آخر ثلاثة، وبقية ذلك وهي ثمانية وأربعون حديثا موصولة بغير تكرير. وقد وافقه مسلم على تخريجها إلا سبعة وهي: الشعبي عن عبد الله بن عمرو في: المسلم والمهاجر، والأعرج عن أبي هريرة في: حب الرسول صلى الله عليه وسلم، وابن أبي صعصعة عن أبي سعيد في: الفرار من الفتن، وأنس عن عبادة في ليلة القدر، وسعيد عن أبي هريرة في: الدين يسر، والأحنف عن أبي بكرة في القاتل والمقتول، وهشام عن أبيه عن عائشة في: أنا أعلمكم بالله. وجميع ما فيه من الموقوفات على الصحابة والتابعين ثلاثة عشر أثرا معلقة، غير أثر ابن الناطور فهو موصول. وكذا خطبة جرير التي ختم بها كتاب الإيمان. والله أعلم.

(1/140)