Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الحيض
مدخل
...
- كِتَاب الْحَيْضِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [222البقرة]
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الحيض" أصله السيلان، وفي العرف جريان دم المرأة من موضع مخصوص في أوقات معلومة. قوله: "وقول الله تعالى" بالجر عطفا على الحيض، والمحيض عند الجمهور هو الحيض، وقيل زمانه، وقيل مكانه. قوله: "أذى" قال الطيبي: سمي الحيض أذى لنتنه وقذره ونجاسته. وقال الخطابي: الأذى المكروه الذي ليس بشديد، كما قال تعالى :{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً} ، فالمعنى أن المحيض أذى يعتزل من المرأة موضعه ولا يتعدى ذلك إلى بقيه بدنها. قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} روى مسلم وأبو داود من حديث أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة أخرجوها من البيت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت الآية فقال: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح " فأنكرت اليهود ذلك، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله ألا نجامعهن في الحيض؟ يعني خلافا لليهود، فلم يأذن في ذلك. وروى الطبري عن السدي أن الذي سأل أولا عن ذلك هو ثابت بن الدحداح.

(1/399)


باب كيف بدء الحيض ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " هذا شيء كتبه الله على بنات آدم "
...
1 - باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ "كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ
قوله: "باب كيف كان بدء الحيض" أي ابتداؤه، وفي إعراب " باب " الأوجه المتقدمة أول الكتاب. قوله: "وقول النبي صلى الله عليه وسلم: هذا شيء" يشير إلى حديث عائشة المذكور عقبه، لكن بلفظ: "هذا أمر " وقد وصله بلفظ: "شيء " من طريق أخرى بعد خمسة أبواب أو ستة، والإشارة بقوله: "هذا " إلى الحيض. قوله: "وقال بعضهم: كان أول" بالرفع لأنه اسم كان والخبر " على بني إسرائيل " أي على نساء بني إسرائيل، وكأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح قال: "كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعا، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد " وعنده عن عائشة نحوه. قوله: "وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أكثر" قيل معناه أشمل لأنه عام في جميع بنات آدم، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن، أو المراد أكثر شواهد أو أكثر قوة. وقال الداودي ليس بينهما مخالفة فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله بنات آدم عام أريد به الخصوص. قلت: ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده. وقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصة إبراهيم "وامرأته قائمة فضحكت" أي حاضت. والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس " أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة"، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها، والله أعلم.

(1/400)


باب الأمر بالنفساء إذا نفسن
294- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: "خَرَجْنَا لاَ نَرَى إِلاَّ الْحَجَّ فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي قَالَ "مَا لَكِ أَنُفِسْتِ" قُلْتُ نَعَمْ قَالَ "إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ" قَالَتْ وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ".
[الحديث249- أطرافه في:
7229,6257,5559,5548,5329,4408,4401,4395,2984,2952,1788,1787,1786,1783
,1772,1771,1762,1757,1733,172,1709,1650,1638,1562,1560,1556,1518,1516,328,319,317,316,305]قوله "باب الأمر بالنفساء" أي الأمر المتعلق بالنفساء, والجمع في قوله "إذا نفسن "باعتبار الجنس, وسقطت هذه الترجمة من أكثر الروايات غير أبي ذر وأبي الوقت,وترجم بالنفساء إشعارا بأن ذلك يطلق على الحائض لقول عائشة في الحديث:حضت" وقوله صلى الله عليه وسلم لها "أنفست" وهو بضم النون وفتحها وكسر الفاء فيهما,وقيل بالضم في الولادة وبالفتحفي الحيض وأصله خروج الدم للأنه يسمى نفسا,وسيأتي مزيد بسط لذلك بعد بابين قوله: "سمعت القاسم" يعني أباه، وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق. قوله: "لا نرى" بالضم أي لا نظن. و " سرف " بفتح المهملة كسر الراء بعدها فاء موضع قريب من مكة بينهما نحو من عشرة أميال، وهو ممنوع من

(1/400)


الصرف وقد يصرف. قوله: "فاقضى" المراد بالقضاء هنا الأداء وهما في اللغة بمعنى واحد. قوله: " غير أن لا تطوفي بالبيت" زاد في الرواية الآتية " حتى تطهري " وهذا الاستثناء مختص بأحوال الحج لا بجميع أحوال المرأة، وسيأتي الكلام على هذا الحديث بتمامه في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.

(1/401)


2 - باب غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ
295- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا حَائِضٌ"
[الحديث295- أطرافه في:2925,2046,2031,2029,2028,301,296]
296- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سُئِلَ: "أَتَخْدُمُنِي الْحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي الْمَرْأَةُ وَهِيَ جُنُبٌ فَقَالَ عُرْوَةُ كُلُّ ذَلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ تَعْنِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَائِضٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حَائِضٌ".
قوله: "باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله" بالجر عطفا على غسل، أي تسريح شعر رأسه. والحديث مطابق لما ترجم له من جهة الترجيل، والحق به الغسل قياسا، أو إشارة إلى الطريق الآتية في باب مباشرة الحائض فإنها صريحة في ذلك، وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها. قوله: "أخبرنا هشام" وفي رواية الأكثر " أخبرني هشام بن عروة " وفي هذا الإسناد لطيفة، وهي اتفاق اسم شيخ الراوي وتلميذه، مثاله هذا ابن جريج عن هشام وعنه هشام، فالأعلى ابن عروة والأدنى ابن يوسف، وهو نوع أغفله ابن الصلاح. قوله: "مجاور" أي معتكف، وثبت هذا التفسير في نسخة الصغاني في الأصل، وحجرة عائشة كانت ملاصقة للمسجد، وألحق عروة الجنابة بالحيض قياسا، وهو جلي لأن الاستقذار بالحائض أكثر من الجنب، وألحق الخدمة بالترجيل. وفي الحديث دلالة على طهارة بدن الحائض وعرقها، وأن المباشرة الممنوعة للمعتكف هي الجماع ومقدماته، وأن الحائض لا تدخل المسجد. وقال ابن بطال: فيه حجة على الشافعي في قوله أن المباشرة مطلقا تنقض الوضوء، كذا قال. ولا حجة فيه لأن الاعتكاف لا يشترط فيه الوضوء، وليس في الحديث أنه عقب ذلك الفعل بالصلاة، وعلى تقدير ذلك فمس الشعر لا ينقض الوضوء. والله أعلم.

(1/401)


3 - باب قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ
وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ فَتَأْتِيهِ بِالْمُصْحَفِ فَتُمْسِكُهُ بِعِلاَقَتِهِ
297- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ سَمِعَ زُهَيْرًا عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ".
[الحديث 297- طرفه في:7549]

(1/401)


4 - باب مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا وَالْحَيْضَ نِفَاسًا
298- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: "بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي قَالَ "أَنُفِسْتِ" قُلْتُ نَعَمْ فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ".
[الحديث298- أطرافه في:1929,323,322]
قوله: "باب من سمي النفاس حيضا" قيل هذه الترجمة مقلوبة لأن حقها أن يقول من سمي الحيض نفاسا، وقيل يحمل على التقديم والتأخير، والتقدير: من سمي حيضا النفاس، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "من سمي " من أطلق لفظ النفاس على الحيض فيطابق ما في الخير بغير تكلف. وقال المهلب وغيره لما لم يجد المصنف نصا على شرطه في النفساء ووجد تسمية الحيض نفاسا في هذا الحديث فهم منه أن حكم دم النفاس حكم دم الحيض. وتعقب بأن الترجمة في التسمية لا في الحكم، وقد نازع الخطابي في التسوية بينهما من حيث الاشتقاق كما سيأتي. وقال ابن رشيد وغيره: مراد البخاري أن يثبت أن النفاس هو الأصل في تسمية الدم الخارج، والتعبير به تعبير بالمعنى الأعم، والتعبير عنه بالحيض تعبير بالمعنى الأخص. فعبر النبي صلى الله عليه وسلم بالأول وعبرت أم سلمة بالثاني، فالترجمة على هذا مطابقة لما عبرت به أم سلمة، والله أعلم. قوله: "حدثنا هشام" هو الدستوائي. قوله: "عن أبي سلمة" في رواية مسلم حدثني أبو سلمة أخرجها من طريق معاذ بن هشام عن أبيه. قوله: "مضطجعة" بالرفع ويجوز النصب. قوله: "في خميصة" بفتح الخاء المعجمة وبالصاد المهملة: كساء أسود له أعلام يكون من صوف وغيره ولم أر في شيء من

(1/402)


طرقه بلفظ خميصة إلا في هذه الرواية. وأصحاب يحيى ثم أصحاب هشام كلهم قالوا خميلة باللام بدل الصاد، وهو موافق لما في آخر الحديث، قيل: الخميلة القطيفة، وقيل الطنفسة. وقال الخليل: الخميلة ثوب له خمل أي هدب، وعلى هذا لا منافاة بين الخميصة والخميلة فكأنها كانت كساء أسود لها أهداب قوله: "فانسللت" بلامين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، أي ذهبت في خفية. زاد المصنف من رواية شيبان عن يحيى كما سيأتي قريبا " فخرجت منها " أي من الخميصة قال النووي كأنها خافت وصول شيء من دمها إليه، أو خافت أن يطلب الاستمتاع بها فذهبت لتتأهب لذلك، أو تقذرت نفسها ولم ترضها لمضاجعته، فلذلك أذن لها في العود. قوله: "ثياب حيضتي" وقع في روايتنا الحاء وكسرها معا، ومعنى الفتح أخذت ثيابي التي ألبسها زمن الحيض، لأن الحيضة بالفتح هي الحيض. ومعنى الكسر أخذت ثيابي التي أعددتها لألبسها حالة الحيض، وحزم الخطابي برواية الكسر ورجحها النووي، ورجح القرطبي رواية الفتح لوروده في بعض طرقه بلفظ حيضي بغير تاء. قوله: "أنفست" ؟ قال الخطابي: أصل هذه الكلمة من النفس وهو الدم، إلا أنهم فرقوا بين بناء الفعل من الحيض والنفاس، فقالوا في الحيض نفست بفتح النون، وفي الولادة بضمها. انتهى، وهذا قول كثير من أهل اللغة، لكن حكى أبو حاتم عن الأصمعي قال: يقال نفست المرأة في الحيض والولادة، بضم النون فيهما. وقد ثبت في روايتنا بالوجهين فتح النون وضمها، وفي الحديث جواز النوم مع الحائض في ثيابها والاضطجاع معها في لحاف واحد، واستحباب اتخاذ المرأة ثيابا للحيض غير ثيابها المعتادة، وقد ترجم المصنف على ذلك كما سيأتي، وسيأتي الكلام على مباشرتها في الباب الذي بعده.

(1/403)


5 - باب مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ
299- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلاَنَا جُنُبٌ"
300- "وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ"
[الحديث300- طرفاه في:2030,302]
301- "وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ".
302- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا قَالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ" تَابَعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ
قوله: "باب مباشرة الحائض" المراد بالمباشرة هنا التقاء البشرتين، لا الجماع.قوله: "حدثنا قبيصة" القاف والصاد المهملة هو ابن عقبة، وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر.والإسناد كله إلى عائشة كوفيون، وتقدم الكلام على اغتسالها مع النبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد في كتاب الغسل.قوله: "فأتزر" كذا في روايتنا،

(1/403)


وغيرها بتشديد التاء المثناة بعد الهمزة، وأصله فئأتزر بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم المثناة بوزن أفتعل، وأنكر أكثر النحاة الإدغام حتى قال صاحب المفصل إنه خطأ، لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين، وحكاه الصغاني في مجمع البحرين. وقال ابن مالك: إنه مقصور على السماع ومنه قراءة ابن محيص {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ} بالتشديد، والمراد بذلك أنها تشد إزارها على وسطها، وحدد ذلك الفقهاء بما بين السرة والركبة عملا بالعرف الغالب. وقد سبق الكلام على بقية الحديث قبل ببابين. قوله: "حدثنا إسماعيل بن خليل" كذا في رواية أبي ذر وكريمة، ولغيرهما: "الخليل". والإسناد أيضا إلى عائشة كلهم كوفيون. قوله: "إحدانا" أي إحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "أن تتزر" بتشديد المثناة الثانية، وقد تقدم توجيهها، وللكشميهني: "أن تأتزر " بهمزة ساكنة وهي أفصح. قوله: "في فور حيضتها" قال الخطابي: فور الحيض أوله ومعظمه. وقال القرطبي: فور الحيضة معظم صبها، من فوران القدر وغليانها. قوله: "يملك إربه" بكسر الهمزة وسكون الراء ثم موحدة، قيل المراد عضوه الذي يستمتع به، وقيل حاجته، والحاجة تسمى إربا بالكسر ثم السكون وأربا بفتح الهمزة والراء، وذكر الخطابي في شرحه أنه روى هنا بالوجهين، وأنكر في موضع آخر كما نقله النووي وغيره عنه رواية الكسر، وكذا أنكرها النحاس. وقد ثبتت رواية الكسر، وتوجيهها ظاهر فلا معنى لإنكارها، والمراد أنه صلى الله عليه وسلم كان أملك الناس لأمره، فلا يخشى عليه ما يخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى، ومع ذلك فكان يباشر فوق الإزار تشريعا لغيره ممن ليس بمعصوم. وبهذا قال أكثر العلماء، وهو الجاري على قاعدة المالكية في باب سد الذرائع. وذهب كثير من السلف والثوري وأحمد وإسحاق إلى أن الذي يمتنع من الاستمتاع بالحائض الفرج فقط، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية ورجحه الطحاوي، وهو اختيار أصبغ من المالكية، وأحد القولين أو الوجهين للشافعية واختاره ابن المنذر. وقال النووي: هو الأرجح دليلا لحديث أنس في مسلم: "اصنعوا كل شيء إلا الجماع " وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعا بين الأدلة. وقال ابن دقيق العيد: ليس في حديث الباب ما يقتضي منع ما تحت الإزار لأنه فعل مجرد. انتهى. ويدل على الجواز أيضا ما رواه أبو داود بإسناد قوي عن عكرمة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا، واستدل الطحاوي على الجواز بأن المباشرة تحت الإزار دون الفرج لا توجب حدا ولا غسلا فأشبهت المباشرة فوق الإزار. وفصل بعض الشافعية فقال: إن كان يضبط نفسه عند المباشرة عن الفرج ويثق منها باجتنابه جاز وإلا فلا، واستحسنه النووي. ولا يبعد تخريج وجه مفرق بين ابتداء الحيض وما بعده لظاهر التقييد بقولها " فور حيضتها"، ويؤيده ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن أم سلمة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتقي سورة الدم ثلاثا ثم يباشر بعد ذلك، ويجمع بينه وبين الأحاديث الدالة على المبادرة إلى المباشرة على اختلاف هاتين الحالتين. قوله: "تابعه خالد" هو ابن عبد الله الواسطي، وجرير هو ابن عبد الحميد، أي تابعا علي بن مسهر في رواية هذا الحديث عن أبي إسحاق الشيباني بهذا الإسناد. وللشيباني فيه إسناد آخر كما سيأتي عقبه، ومتابعة خالد وصلها أبو القاسم التنوخي في فوائده من طريق وهب بن بقية عنه، وقد أوردت إسنادها في تعليق التعليق، ومتابعة جرير وصلها أبو داود والإسماعيلي والحاكم في المستدرك. وهذا مما وهم في استدراكه لكونه مخرجا في الصحيحين من طريق الشيباني. ورواه أيضا عن الشيباني عن عبد الرحمن بن الأسود بسنده هذا منصور بن أبي الأسود. أخرجه أبو عوانة في صحيحه.

(1/404)


303- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ: "تَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ". وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ
قوله: "حدثنا أبو النعمان" هو الذي يقال له عارم، وعبد الواحد هو ابن زياد البصري. قوله: "عبد الله بن شداد" أي ابن أسامة بن الهاد الليثي، وهو من أولاد الصحابة له رؤية. قوله: "أمرها" أي بالاتزار "فاتزرت" وهو في روايتنا بإثبات الهمزة على اللغة الفصحى. قوله: "رواه سفيان" يعني الثوري "عن الشيباني" يعني بسند عبد الواحد، وهو عند الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان نحوه. وقد رواه عن الشيباني أيضا بهذا الإسناد خالد بن عبد الله عند مسلم وجرير بن عبد الحميد عند الإسماعيلي، وذلك مما يدفع عنه توهم الاضطراب، وكأن الشيباني كان يحدث به تارة من مسند عائشة وتارة من مسند ميمونة، فسمعه منه جرير وخالد بالإسنادين، وسمعه غيرهما بأحدهما. ورواه عنه أيضا - بإسناد ميمونة - حفص بن غياث عند أبي داود وأبو معاوية عند الإسماعيلي وأسباط بن محمد عند أبي عوانه في صحيحه. وقد تقدم ذكر من رواه عنه بإسناد عائشة.

(1/405)


6 - باب تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ
304- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ" فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ "أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ" قُلْنَ بَلَى قَالَ "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا"
[الحديث304- أطرافه في:2658,1951,1462]
قوله: "باب ترك الحائض الصوم" قال ابن رشيد وغيره: جرى البخاري على عادته في إيضاح المشكل دون الجلي، وذلك أن تركها الصلاة واضح من أجل أن الطهارة مشترطة في صحة الصلاة وهي غير طاهر، وأما الصوم فلا يشترط له الطهارة فكان تركها له تعبدا محضا فاحتاج إلى التنصيص عليه بخلاف الصلاة. قوله: "حدثنا سعيد بن أبي مريم" هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المصري الجمحي، لقيه البخاري وروى مسلم وأصحاب السنن عنه بواسطة، ومحمد بن جعفر هو ابن أبي كثير أخو إسماعيل، والإسناد منه فصاعدا مدنيون، وفيه تابعي عن تابعي، زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله وهو ابن أبي سرح العامري، لأبيه صحبة. قوله: "في أضحى أو فطر" شك من الراوي. قوله: "إلى المصلى فمر على النساء" اختصره المؤلف هنا، وقد ساقه في كتاب الزكاة تاما ولفظه: "إلى المصلى فوعظ

(1/405)


الناس وأمرهم بالصدقة فقال: أيها الناس تصدقوا، فمر على النساء"، وقد تقدم في كتاب العلم من وجه آخر أبي سعيد أنه كان وعد النساء بأن يفردهن بالموعظة فأنجزه ذلك اليوم، وفيه أنه وعظهن وبشرهن. قوله: "يا معشر النساء" المعشر كل جماعة أمرهم واحد، ونقل عن ثعلب أنه مخصوص بالرجال، وهذا الحديث يرد عليه، إلا إن كان مراده بالتخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده كما في الحديث. قوله: "أريتكن" بضم الهمزة وكسر الراء على البناء للمفعول، والمراد أن الله تعالى أراهن له ليلة الإسراء، وقد تقدم في العلم من حديث ابن عباس، بلفظ: "أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء " ويستفاد من حديث ابن عباس أن الرؤية المذكورة وقعت في حال صلاة الكسوف كما سيأتي واضحا في باب صلاة الكسوف جماعة. قوله: "وبم؟" الواو استئنافية والباء تعليلية والميم أصلها ما الاستفهامية فحذفت منها الألف تخفيفا. قوله: "وتكفرن العشير" أي تجحدن حق الخليط - وهو الزوج - أو أعم من ذلك. قوله: "من ناقصات" صفة موصوف محذوف قال الطيبي في قوله: "ما رأيت من ناقصات الخ " زيادة على الجواب تسمى الاستتباع، كذا قال وفيه نظر، ويظهر لي أن ذلك من جملة أسباب كونهن أكثر أهل النار، لأنهن إذا كن سببا لإذهاب عقل الرجل الحازم حتى يفعل أو يقول ما لا ينبغي فقد شاركنه في الإثم وزدن عليه: قوله: "أذهب" أي أشد إذهابا، واللب أخص من العقل وهو الخالص منه، "الحازم الضابط لأمره، وهذه مبالغة في وصفهن بذلك لأن الضابط لأمره إذا كان ينقاد لهن فغير الضابط أولى، واستعمال أفعل التفضيل من الإذهاب جائز عند سيبويه حيث جوزه من الثلاثي والمزيد. قوله: "قلن: وما نقصان ديننا" ؟ كأنه خفي عليهن ذلك حتى سألن عنه، ونفس السؤال دال على النقصان لأنهن سلمن ما نسب إليهن من الأمور الثلاثة - الإكثار والكفران والإذهاب - ثم استشكلن كونهن ناقصات. وما ألطف ما أجابهن به صلى الله عليه وسلم من غير تعنيف ولا لوم، بل خاطبهن على قدر عقولهن، وأشار بقوله: "مثل نصف شهادة الرجل " إلى قوله تعالى :{فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} لأن الاستظهار بأخرى مؤذن بقلة ضبطها وهو مشعر بنقص عقلها، وحكى ابن التين عن بعضهم أنه حمل العقل هنا على الدية وفيه بعد قلت: بل سياق الكلام يأباه. قوله: "فذلك" بكسر الكاف خطابا التي تولت الخطاب، ويجوز فتحها على أنه للخطاب العام. قوله: "لم تصل ولم تصم" فيه إشعار بأن منع الحائض من الصوم والصلاة كان ثابتا بحكم الشرع قبل ذلك المجلس. وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعية الخروج إلى المصلى في العيد، وأمر الإمام الناس بالصدقة فيه، واستنبط منه بعض الصوفية جواز الطلب من الأغنياء للفقراء وله شروط، وفيه حضور النساء العيد، لكن بحيث ينفردن عن الرجال خوف الفتنة، وفيه جواز عظة الإمام النساء على حدة وقد تقدم في العلم، وفيه أن جحد النعم حرام، وكذا كثرة استعمال الكلام القبيح كاللعن والشتم، استدل النووي على أنهما من الكبائر بالتوعد عليها بالنار، وفيه ذم اللعن وهو الدعاء بالإبعاد من رحمة الله تعالى، وهو محمول على ما إذا كان في معين، وفيه إطلاق الكفر على الذنوب التي لا تخرج عن الملة تغليظا على فاعلها لقوله في بعض طرقه: "بكفرهن " كم تقدم في الإيمان، وهو كإطلاق نفي الإيمان، وفيه الإغلاظ في النصح بما يكون سببا لإزالة الصفة التي تعاب، وأن لا يواجه بذلك الشخص المعين لأن التعميم تسهيلا على السامع، وفيه أن الصدقة تدفع العذاب، وأنها قد تكفر الذنوب التي بين المخلوقين، وأن العقل يقبل الزيادة والنقصان، وكذلك الإيمان كما تقدم، وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومهن على ذلك لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرا من الافتتان بهن،

(1/406)


ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس، نقص، الدين منحصرا فيما يحصل به الإثم بل في أعم من ذلك قاله النووي، لأنه أمر نسبي، فالكامل مثلا ناقص عن الأكمل، ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض لكنها ناقصة عن المصلي، وهل تثاب على هذا الترك لكونها مكلفة به كما يثاب المريض على النوافل التي كان يعملها في صحته وشغل بالمرض عنها؟ قال النووي: الظاهري أنها لا تثاب، والفرق بينها وبين المريض أنه كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته، والحائض ليست كذلك. وعندي - في كون هذا الفرق مستلزما لكونها لا تثاب - وقفة، وفي الحديث أيضا مراجعة المتعلم لمعلمه والتابع لمتبوعه فيما لا يظهر له معناه، وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الخلق العظيم والصفح الجميل والرفق والرأفة، زاده الله تشريفا وتكريما وتعظيما.

(1/407)


7 - باب تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلاَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ "لاَ بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الْآيَةَ" وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا "وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ" وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: "كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الْحُيَّضُ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} الْآيَةَ" وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ: "حَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلاَ تُصَلِّي" وَقَالَ الْحَكَمُ: "إِنِّي لاَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} "[الأنعام121]
305- حدثنا أبو نعيم قال حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت:خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لانذكر الا الحج.فلما جئنا سرف طمثت ,فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي,فقال مايبكيك؟ قلت لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نفست؟ قلت نعم. قال"فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم,فافعلي ما يفعل الحاج,غير أن لاتطوفي بالبيت حتى تطهري"
قوله: "باب تقضي الحائض" أي تؤدي "المناسك كلها إلا الطواف بالبيت" قيل مقصود البخاري بما ذكر في هذا الباب من الأحاديث والآثار أن الحيض وما في معناه من الجنابة لا ينافي جميع العبادات، بل صحت معه عبادات بدنية من أذكار وغيرها، فمناسك الحج من جملة ما لا ينافها، إلا الطواف فقط. وفي كون هذا مراده نظر، لأن كون مناسك الحج كذلك حاصل بالنص فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه، والأحسن ما قاله ابن رشيد تبعا لابن بطال وغيره: إن مراده الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة رضي الله عنها، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستثن من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبيه ودعاء، ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجنب لأن حدثها أغلظ من حدثه، ومنع القراءة إن كان

(1/407)


لكونه ذكرا لله فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان تعبدا فيحتاج إلى دليل خاص، ولم يصح عند المصنف شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره لكن أكثرها قابل للتأويل كما سنشير إليه، ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطبري وابن المنذر وداود بعموم حديث: "كان يذكر الله على كل أحيانه " لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف والحديث المذكور وصله مسلم من حديث عائشة، وأورد المصنف أثر إبراهيم وهو النخعي بأن منع الحائض من القراءة ليس مجمعا عليه، وقد وصله الدارمي وغيره بلفظ: "أربعة لا يقرءون القرآن: الجنب والحائض وعند الخلاء وفي الحمام، إلا الآية ونحوها للجنب والحائض"، وروي عن مالك نحو قول إبراهيم وروي عنه الجواز مطلقا وروي عنه الجواز للحائض دون الجنب، وقد قيل إنه قول الشافعي في القديم، ثم أورد أثر ابن عباس، وقد وصله ابن المنذر بلفظ: "إن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب " وأما حديث أم عطية فوصله المؤلف في العيدين. وقوله فيه: "ويدعون " كذا لأكثر الرواة، وللكشميهني: "يدعين " بياء تحتانية بدل الواو، ووجه الدلالة منه ما تقدم من أنه لا فرق بين التلاوة وغيرها، ثم أورد المصنف طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل وهو موصول عنده في بدء الوحي وغيره، ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى الروم وهم كفار والكافر جنب، كأنه يقول: إذا جاز مس الكتاب للجنب مع كونه مشتملا على آيتين فكذلك يجوز له قراءته، كذا قاله ابن رشيد. وتوجيه الدلالة منه إنما هي من حيث إنه إنما كتب إليهم ليقرءوه فاستلزم جواز القراءة بالنص لا بالاستنباط، وقد أجيب ممن منع ذلك - وهم الجمهور - بأن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه أو في التفسير فإنه لا يمنع قراءته ولا مسه عند الجمهور لأنه لا يقصد منه التلاوة، ونص أحمد أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ. وقال به كثير من الشافعية، ومنهم من خص الجواز بالقليل كالآية والآيتين، قال الثوري: "لا بأس أن يعلم الرجل النصراني الحرف من القرآن عسى الله أن يهديه، وأكره أن يعلمه الآية هو كالجنب"، وعن أحمد أكره أن يضع القرآن في غير موضعه، وعنه إن رجى منه الهداية جاز وإلا فلا. وقال بعض من منع: لا دلالة في القصة على جواز تلاوة الجنب القرآن، لأن الجنب إنما منع التلاوة إذا قصدها وعرف أن الذي يقرأه قرآن، أما لو قرأ في ورقة ما لا يعلم أنه من القرآن فإنه لا يمنع، وكذلك الكافر. وسيأتي مزيد لهذا في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى. "تنبيه": ذكر صاحب المشارق أنه وقع في رواية القابسي والنسفي وعبدوس هنا "ويا أهل الكتاب" بزيادة واو قال: وسقطت لأبي ذر والأصيلي وهو الصواب. قلت فافهم أن الأولى خطأ لكونها مخالفة للتلاوة، وليست خطأ، وقد تقدم توجيه إثبات الواو في بدء الوحي. قوله: "وقال عطاء عن جابر" هو طرف من حديث موصول عند المصنف في كتاب الأحكام وفي آخره: "غير أنها لا تطوف بالبيت ولا تصلي، وأما أثر الحكم - وهو الفقيه الكوفي - فوصله البغوي في الجعديات من روايته عن علي بن الجعد عن شعبة عنه، ووجه الدلالة منه أن الذبح مستلزم لذكر الله بحكم الآية التي ساقها، وفي جميع ما استدل به نزاع يطول ذكره، ولكن الظاهر من تصرفه ما ذكرناه. واستدل الجمهور على المنع بحديث علي " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجبه عن القرآن شيء، ليس الجنابة " رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان، وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة، لكن قيل: في الاستدلال به نظر، لأنه فعل مجرد فلا يدل على تحريم ما عداه،

(1/408)


وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعا بين الأدلة، وأما حديث ابن عمر مرفوعا: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن " فضعيف من جميع طرقه، وقد تقدم الكلام على حديث عائشة في أول كتاب الحيض، وقولها " طمثت " بفتح الميم وإسكان المثلثة أي حضت، ويجوز كسر الميم يقال طمثت المرأة بالفتح والكسر في الماضي تطمث بالضم في المستقبل.

(1/409)


8 - باب الِاسْتِحَاضَةِ
306- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي"
قوله: "باب الاستحاضة" قدم أنها جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، وأنه يخرج من عرق يقال له العاذل بعين مهملة وذال معجمة. قوله: "إني لا أطهر" تقدم في باب غسل الدم من رواية أبي معاوية عن هشام وهو ابن عروة. في هذا الحديث التصريح ببيان السبب وهو قولها " إني أستحاض " وكان عندها أن طهارة الحائض لا تعرف إلا بانقطاع الدم فكنت بعدم الطهر عن اتصاله، وكانت علمت أن الحائض لا تصلي فظنت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم من الفرج فأرادت تحقق ذلك فقالت: "أفأدع الصلاة". قوله: "إنما ذلك" بكسر الكاف وزاد في الرواية الماضية " فقال لا". قوله: "وليس بالحيضة" بفتح الحاء كما نقله الخطابي عن أكثر المحدثين أو كلهم، وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحالة لكن الفتح هنا أظهر. وقال النووي: وهو متعين أو قريب من المتعين لأنه صلى الله عليه وسلم أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحيض. وأما قوله: "فإذا أقبلت الحيضة " فيجوز فيه الوجهان معا جوازا حسنا. انتهى كلامه. والذي في روايتنا بفتح الحاء في الموضعين. والله أعلم. قوله: "فاغسلي عنك الدم وصلي" أي بعد الاغتسال كما سيأتي التصريح به في باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة في هذا الحديث قال في آخره: "ثم اغتسلي وصلي " ولم يذكر غسل الدم. وهذا الاختلاف واقع بين أصحاب هشام، منهم من ذكر غسل الدم ولم يذكر الاغتسال ومنهم من ذكر الاغتسال ولم يذكر غسل الدم، كلهم ثقات وأحاديثهم في الصحيحين، فيحمل على أن كل فريق اختصر أحد الأمرين لوضوحه عنده. وفيه اختلاف ثالث أشرنا إليه في باب غسل الدم من رواية أبي معاوية فذكر مثل حديث الباب وزاد: "ثم توضئي لكل صلاة " ورددنا هناك قول من قال إنه مدرج، وقول من جزم بأنه موقوف على عروة، ولم ينفرد أبو معاوية بذلك فقد رواه النسائي من طريق حماد بن زيد عن، هشام وادعى أن حمادا تفرد بهذه الزيادة، وأومأ مسلم أيضا إلى ذلك، وليس كذلك، فقد رواه الدارمي من طريق حماد بن سلمة والسراج من طريق يحيى بن سليم كلاما عن هشام، وفي الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث فتتوضأ لكل صلاة، لكنها لا تصلي

(1/409)


بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية لظاهر قوله: "ثم توضئي لكل صلاة"، وبهذا قال الجمهور، وعند الحنفية أن الوضوء متعلق بوقت الصلاة فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله: "وتوضئي لكل صلاة " أي لوقت كل صلاة، ففيه مجاز الحذف ويحتاج إلى دليل. وعند المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا بحديث آخر. وقال أحمد وإسحاق: إن اغتسلت لكل فرض فهو أحوط. وفيه جوازا استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها للرجل فيما يتعلق، بأحوال النساء، وجواز سماع صونها للحاجة. وفيه غير ذلك. وقد استنبط منه الرازي الحنفي أن مدة أقل الحيض، ثلاثة أيام وأكثره عشرة لقوله: "قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها " لأن أقل ما يطلق عليه لفظ: "أيام ثلاثة وأكثره عشرة فأما دون الثلاثة فإنما يقال يومان ويوم وأما فوق عشرة فإنما يقال أحد عشر يوما وهكذا إلى عشرين، وفي الاستدلال بذلك نظر

(1/410)


9 - باب غَسْلِ دَمِ الْمَحِيضِ
307حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ".
قوله: "باب غسل دم المحيض" هذه الترجمة أخص من الترجمة المتقدمة في كتاب الوضوء وهي غسل الدم.قد تقدم الكلام هناك على حديث أسماء هذا، أخرجه هناك من رواية يحيى القطان عن هشام، وإسناد هذه الرواية كالتي قبلها مدنيون سوى شيخه. وفيه من الفوائد ما في الذي قبله، وجواز سؤال المرأة عما يستحيي من ذكره، والإفصاح بذكر ما يستقذر للضرورة، وأن دم الحيض كغيره من الدماء في وجوب غسله. وفيه استحباب فرك النجاسة اليابسة ليهون غسلها.
308- حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا فَتَغْسِلُهُ وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ".
قوله: "حدثنا أصبغ" هو وشيخه وشيخ شيخه الثلاثة مصريون، والباقون وهم ثلاثة أيضا مدنيون. قوله: "كانت إحدانا" أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محمول على أنهن كن يصنعن ذلك في زمنه صلى الله عليه وسلم، وبهذا يلتحق هذا الحديث بحكم المرفوع، ويؤيده حديث أسماء الذي قبله، قال ابن بطال: حديث عائشة يفسر حديث أسماء وأن المراد بالنضح في حديث أسماء الغسل، وأما قول عائشة " وتنضح على سائره " فإنما فعلت ذلك دفعا للوسوسة، لأنه قد بان سياق حديثها أنها كانت تغسل الدم لا بعضه، وفي قولها " ثم تصلي فيه: "إشارة إلى امتناع الصلاة في الثوب النجس. قوله: "ثم تقترص الدم" بالقاف والصاد المهملة بوزن تفتعل أي تغسله بأطراف أصابعها. وقال ابن الجوزي: "معناه

(1/410)


تقتطع كأنها تحوزه دون باقي المواضع"، والأول أشبه بحديث أسماء. قوله: "عند طهرها" كذا في أكثر الروايات، وللمستملي والحموي " عند طهره " أي الثوب، والمعنى عند إرادة تطهيره. وفيه جواز ترك النجاسة في الثوب عند عدم الحاجة إلى تطهيره.

(1/411)


باب اللإعتكاف للمستحاضة
...
10 - باب اعْتِكَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ
309- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ فَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنْ الدَّمِ وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ الْعُصْفُرِ فَقَالَتْ: كَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ كَانَتْ فُلاَنَةُ تَجِدُهُ".
[الحديث309- أطرافه في: 2037,311,310]
310- حدثنا قتيبة قال حدثنا يزيد بن زريع عن خالد عن عكرمة عن عائشة قالت: "اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي"
311- حدثنامسدد قال حدثنا معتمر عن خالد عن عكرمة عن عائشة "أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة".
قوله: "باب اعتكاف المستحاضة" أي جوازه. قوله: "حدثنا خالد بن عبد الله" هو الطحان الواسطى، وشيخه خالد هو ابن مهران الذي يقال له الحذاء بالحاء المهملة والذال المعجمة المثقلة، ومدار الحديث المذكور عليه، وعكرمة هو مولى ابن عباس. قوله: "بعض نسائه" قال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من كانت مستحاضة، قال: والظاهر أن عائشة أشارت بقولها من نسائه أي النساء المتعلقات به وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش قلت: يرد هذا التأويل قوله في الرواية الثانية " امرأة من أزواجه " وقد ذكرها الحميدي عقب الرواية الأولى فما أدري كيف غفل عنها ابن الجوزي، وفي الرواية الثالثة " بعض أمهات المؤمنين " ومن المستبعد أن تعتكف معه صلى الله عليه وسلم امرأة غير زوجاته وإن كان لها به تعلق. وقد حكى ابن عبد البر أن بنات جحش الثلاث كن مستحاضات: زينب أم المؤمنين وحمنة زوج طلحة وأم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف وهي المشهورة منهن بذلك، وسيأتي حديثها في ذلك. وذكر أبو داود من طريق سليمان بن كثير عن الزهري عن عروة عن عائشة " استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " اغتسلي لكل صلاة " وكذا وقع في الموطأ أن زينب بنت جحش استحيضت، وجزم ابن عبد البر بأنه خطأ لأنه ذكر أنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف والتي كانت تحت عبد الرحمن ابن، عوف إنما هي أم حبيبة أختها. وقال شيخنا الإمام البلقيني: يحمل على أن زينب بنت جحش استحيضت وقتا بخلاف أختها فإن استحاضتها دامت. قلت: وكذا يحمل على ما سأذكره في حق سودة وأم سلمة والله أعلم. وقرأت بخط مغلطاي في عد المستحاضات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وسودة بنت زمعة ذكرها العلاء بن المسيب عن الحكم عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، فلعلها هي المذكورة. قلت: وهو حديث ذكره أبو داود

(1/411)


من هذا الوجه تعليقا وذكر البيهقي(1) أن ابن خزيمة أخرجه موصولا. قلت: لكنه مرسل لأن أبا جعفر تابعي ولم يذكر من حدثه به. وقرأت في السنن لسعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم حدثنا خالد هو الحذاء عن عكرمة أن امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتكفة وهي مستحاضة قال: وحدثنا به خالد مرة أخرى عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة وربما جعلت الطست تحتها. قلت: وهذا أولى ما فسرت به هذه المرأة لاتحاد المخرج. وقد أرسله إسماعيل ابن علية عن عكرمة، ووصله خالد الطحان ويزيد بن زريع وغيرهما بذكر عائشة فيه، ورجح البخاري الموصول فأخرجه. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية هذا الحديث كما أخرجه سعيد بن منصور بدون تسمية أم سلمة. والله أعلم. قوله: "من الدم" أي لأجل الدم. قوله: "وزعم" هو معطوف على معنى العنعنة أي حدثني عكرمة بكذا وزعم كذا، وأبعد من زعم أنه معلق. قوله: "كأن" بالهمز وتشديد النون. قوله: "فلانة" لظاهر أنها تعني المرأة التي ذكرتها قبل. ورأيت على حاشية نسخة صحيحة من أصل أبي ذر ما نصه " فلانة هي رملة أم حبيبة بنت أبي سفيان " فإن كان ثابتا فهو قول ثالث في تفسير المبهمة، وعلى ما زعم ابن الجوزي من أن المستحاضة ليست من أزواجه فقد روي أن زينب بنت أم سلمة استحيضت، روى ذلك البيهقي والإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير، لكن الحديث في سنن أبي داود من حكاية زينب عن غيرها وهو أشبه، فإنها كانت في زمنه صلى الله عليه وسلم صغيرة لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة وزينب ترضع وأسماء بنت عميس حكاه الدارقطني من رواية سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة عنها. قلت: وهو عند أبي داود على التردد هل هو عن أسماء أو فاطمة بنت أبي حبيش، وهاتان لهما به صلى الله عليه وسلم تعلق، لأن زينب ربيبته وأسماء أخت امرأته ميمونة لأمها، وكذا لحمنة وأم حبيبة به تعلق وحديثهما في سنن أبي داود، فهؤلاء سبع يمكن أن تفسر المبهمة بإحداهن. وأما من استحيض في عهده صلى الله عليه وسلم من الصحابيات غيرهن فسهلة بنت سهيل ذكرها أبو داود أيضا، وأسماء بنت مرثد ذكرها البيهقي وغيره، وبادية بنت غيلان ذكرها ابن منده، وفاطمة بنت أبي حبيش وقصتها عن عائشة في الصحيحين، ووقع في سنن أبي داود عن فاطمة بنت قيس فظن بعضهم أنها القرشية الفهرية والصواب أنها بنت أبي حبيش واسم أبي حبيش قيس، فهؤلاء أربع نسوة أيضا وقد كملن عشرا بحذف زينب بنت أبي سلمة. وفي الحديث جواز مكث المستحاضة في المسجد وصحة اعتكافها وصلاتها وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث ويلتحق بها دائم الحدث ومن به جرح يسيل

(1/412)


11 - باب هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ؟
312- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: "قَالَتْ عَائِشَةُ مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا".
قوله: "باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه" قيل مطابقة الترجمة لحديث الباب أن من لم يكن لها إلا ثوب واحد تحيض فيه فمن المعلوم أنها تصلي فيه لكن بعد تطهيره.في الجمع بين هذا الحديث وبين حديث أم سلمة الماضي الدال على
ـــــــ
(1) في طبعة بولاق: كذا في نسخ, وفي نسخ أخرى"السهيلى"بدله

(1/412)


أنه كان لها ثوب مختص بالحيض أن حديث عائشة محمول على ما كان في أول الأمر وحديث أم سلمة محمول على ما كان بعد اتساع الحال، ويحتمل أن يكون مراد عائشة بقولها " ثوب واحد " مختص بالحيض، وليس في سياقها ما ينقي أن يكون لها غيره في زمن الطهر فيوافق حديث أم سلمة، وليس فيه أيضا أنها صلت فيه فلا يكون فيه حجة لمن أجاز إزالة النجاسة بغير الماء، وإنما أزالت الدم بريقها ليذهب أثره ولم تقصد تطهيره، وقد مضى قبل بباب عنها ذكر الغسل بعد القرص قالت: "ثم تصلي فيه: "فدل على أنها عند إرادة الصلاة فيه كانت تغسله. وقولها في حديث الباب: "قالت بريقها " من إطلاق القول على الفعل، وقولها " فمصعته " بالصاد والعين المهملتين المفتوحتين أي حكته وفركته بظفرها، ورواه أبو داود بالقاف بدل الميم، والقصع الدلك. ووقع في رواية له من طريق عطاء عن عائشة بمعنى هذا الحديث: "ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بظفرها " فعلى هذا فيحمل حديث الباب على أن المراد دم يسير يعفي عن مثله، والتوجيه الأول أقوى. "فائدة": طعن بعضهم في هذا الحديث من جهة دعوى الانقطاع، ومن جهة دعوى الاضطراب. فأما الانقطاع فقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد من عائشة، وهذا مردود، فقد وقع التصريح بسماعه منها عند البخاري في غير هذا الإسناد، وأثبته علي بن المديني، فهو مقدم على من نفاه. وأما الاضطراب فلرواية أبي داود له عن محمد بن كثير عن إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم بدل ابن أبي نجيح، وهذا الاختلاف لا يوجب الاضطراب لأنه محمول على أن إبراهيم بن نافع سمعه من شيخين، ولو لم يكن كذلك فأبو نعيم شيخ البخاري فيه أحفظ من محمد بن كثير شيخ أبي داود فيه، وقد تابع أبا نعيم خلاد بن يحيى وأبو حذيفة والنعمان بن عبد السلام فرجحت روايته، والرواية المرجوحة لا تؤثر في الرواية الراجحة. والله أعلم.

(1/413)


12 - باب الطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ
313- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: "كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلاَ نَكْتَحِلَ وَلاَ نَتَطَيَّبَ وَلاَ نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
[الحديث 313- أطرافه في:5343,5342,5341,5340,1279,1278]
قوله: "باب الطيب للمرأة" المراد بالترجمة أن تطيب المراة عند الغسل من الحيض متأكد بحيث أنه رخص للحادة التي حرم عليها استعمال الطيب في شيء منه مخصوص. قوله: "عن أيوب عن حفصة عن أم عطية" زاد المستملي وكريمة: "قال أبو عبد الله " أي المصنف " أو هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية " كأنه شك في شيخ حماد أهو أيوب أو هشام، ولم يذكر ذلك باقي الرواة ولا أصحاب المستخرجات ولا الأطراف، وقد أورد المصنف هذا الحديث في كتاب الطلاق بهذا الإسناد فلم يذكر ذلك. قوله: "كنا ننهي" بضم النون الأولى وفاعل النهي النبي صلى الله عليه وسلم كما دلت عليه رواية هشام المعلقة المذكورة بعد، وهذا هو السر في ذكرها. قوله: "نحد" بضم النون وكسر

(1/413)


المهملة من الإحداد وهو الامتناع من الزينة. قوله: "إلا على زوج" كذا للأكثر. وفي رواية المستملي والحموي " إلا على زوجها " والأولى موافقة للفظ: "نحد " وتوجيه الثانية أن الضمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها " كنا ننهي " أي كل واحدة منهن. قوله: "ولا نكتحل" بالرفع والنصب أيضا على العطف، و " لا " زائدة، وأكد بها لأن في النهي معنى النفي. قوله: "ثوب عصب" بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، قال في المحكم: هو ضرب من برود اليمن يعصب غزله أي يجمع ثم يصبغ ثم ينسج، وسيأتي الكلام على أحكام الحادة في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى. قوله: "في نبذة" أي قطعة. قوله: "كست أظفار" كذا في هذه الرواية قال ابن التين صوابه " قسط ظفار " كذا قال، ولم أر هذا في هذه الرواية، لكن حكاه صاحب المشارق، ووجهه بأنه منسوب إلى ظفار مدينة معروفة بسواحل اليمن يجلب إليها القسط الهندي، وحكى في ضبط ظفار وجهين كسر أوله وصرفه أو فتحه والبناء بوزن قطام، ووقع في رواية مسلم من هذا الوجه " من قسط أو أظفار " بإثبات " أو " وهي للتخيير، قال في المشارق: القسط بخور معروف وكذلك الأظفار، قال في البارع: الأظفار ضرب من العطر يشبه الظفر. وقال صاحب المحكم: الظفر ضرب من العطر أسود مغلف من أصله على شكل ظفر الإنسان يوضع في البخور والجمع أظفار. وقال صاحب العين: لا واحد له. والكست بضم الكاف وسكون المهملة بعدها مثناة هو القسط، قاله المصنف في الطلاق، وكذا قاله غيره، وحكى المفضل بن سلمة أنه يقال بالكاف والطاء أيضا، قال النووي: ليس القسط والظفر من مقصود التطيب، وإنما رخص فيه للحادة إذا اغتسلت من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، قال المهلب: رخص لها في التبخر لدفع رائحة الدم عنها لما تستقبله من الصلاة. وسيأتي الكلام على مسألة اتباع الجنائز في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله: "وروي" كذا لأبي ذر، ولغيره: "ورواه " أي الحديث المذكور، وسيأتي موصولا عند المصنف في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى من حديثه هشام المذكور، ولم يقع هذا التعليق في رواية المستملي، وأغرب الكرماني فجوز أن يكون قائل " ورواه " حماد بن زيد المذكور في أول الباب فلا يكون تعليقا.

(1/414)


13 - باب دَلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنْ الْمَحِيضِ وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ أَثَرالدَّمِ
314حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ "خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا" قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ "تَطَهَّرِي بِهَا" قَالَتْ كَيْفَ قَالَ "سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي" فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ"
[الحديث314- طرفاه في: 7357,315]
قوله: "باب دلك المرأة نفسها..إلى آخر الترجمة" قيل: ليس في الحديث ما يطابق الترجمة لأنه ليس فيه كيفة الغسل ولا الدلك.وأجاب الكرماني تبعا لغيره بأن تتبع أثر الدم يستلزم الدلك، وبأن المراد من كيفية الغسل الصفة المختصة بغسل المحيض وهي التطيب لا نفس الاغتسال.انتهى.وهو حسن على ما فيه من كلفة، وأحسن منه أن المصنف جرى على عادته في الترجمة بما تضمنه بعض طرق الحديث الذي يورده وإن لم يكن المقصود منصوصا فيما

(1/414)


ساقه. وبيان ذلك أن مسلما أخرج هذا الحديث من طريق ابن عيينة عن منصور التي أخرجه منها المصنف، فذكر بعد قوله كيف تغتسل " ثم تأخذ " زاد: "ثم " الدالة على تراخي تعلم الأخذ عن تعليم الاغتسال، ثم رواه من طريق أخرى عن صفية عن عائشة وفيها شرح كيفية الاغتسال المسكوت عنها في رواية منصور ولفظه: "فقال تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شئون رأسها - أي أصوله - ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة " فهدا مراد الترجمة لاشتمالها على كيفيه الغسل والدلك، وإنما لم يخرج المصنف هذه الطريق لكونها من رواية إبراهيم بن مهاجر عن صفية وليس هو على شرطه. قوله: "حدثنا يحيى" هو ابن موسى البلخي كما جزم به ابن السكن في روايته عن الفربري. وقال البيهقي: هو يحيى بن جعفر، وقيل إنه وقع كذلك في بعض النسخ. قوله: "عن منصور بن صفية" هي بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، نسب إليها لشهرتها، واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، وهو من رهط زوجته صفية، وشيبة له صحبه ولها أيضا، وقتل الحارث بن طلحة بأحد، ولعبد الرحمن رؤية، ووقع التصريح بالسماع في جميع السند عند الحميدي في مسنده. قوله: "أن امرأة" زاد في رواية وهيب " من الأنصار " وسماها مسلم في رواية أبي الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر أسماء بنت شكل بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين ثم اللام، ولم يسم أباها في رواية غندر عن شعبة عن إبراهيم، وروى الخطيب في المبهمات من طريق يحيى بن سعيد عن شعبة هذا الحديث فقال: أسماء بنت يزيد بن السكن بالمهملة والنون الأنصارية التي يقال لها خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزي في التلقيح والدمياطي وزاد أن الذي وقع في مسلم تصحيف لأنه ليس في الأنصار من يقال له شكل، وهو رد للرواية الثابتة بغير دليل، وقد يحتمل أن يكون شكل لقبا لا اسما، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث أسماء بنت شكل كما في مسلم، أو أسماء لغير نسب كما في أبي داود، وكذا في مستخرج أبي نعيم من الطريق التي أخرجه منها الخطيب، وحكى النووي في شرح مسلم الوجهين بغير ترجيح والله أعلم. قوله: "فأمرها كيف تغتسل قال: خذي" قال الكرماني هو بيان لقولها " أمرها " فإن قيل كيف يكون بيانا للاغتسال، والاغتسال صب الماء لا أخذ الفرصة؟ فالجواب أن السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال لأنه معروف لكل أحد، بل كان لقدر زائد على ذلك. وقد سبقه إلى هذا الجواب الرافعي في شرح المسند وابن أبي جمرة وقوفا مع هذا اللفظ الوارد مع قطع النظر عن الطريق التي ذكرناها عند مسلم الدالة على أن بعض الرواة اختصر أو اقتصر، والله أعلم. قوله: "فرصة" بكسر الفاء وحكى ابن سيده تثليثها وبإسكان الراء وإهمال الصاد: قطعة من صوف أو قطن أو جلدة عليها صوف حكاه أبو عبيد وغيره، وحكى أبو داود أن في رواية أبي الأحوص " قرصة " بفتح القاف، ووجهه المنذري فقال: يعني شيئا يسيرا مثل القرصة بطرف الإصبعين. انتهى. ووهم من عزا هذه الرواية للبخاري. وقال ابن قتيبة: هي " قرضة " بفتح القاف وبالضاد المعجمة. وقوله: "من مسك " بفتح الميم والمراد قطعة جلد، وهي رواية(1) من قاله بكسر الميم، واحتج بأنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه. وتبعه ابن بطال. وفي المشارق أن أكثر الروايات بفتح الميم. ورجح النووي الكسر وقال: إن الرواية الأخرى وهي قوله: "فرصة ممسكة " تدل عليه، وفيه نظر،
ـــــــ
(1) كذافي النسخ ولعله"وهي كرواية"

(1/415)


لأن الخطابي قال:. يحتمل أن يكون المراد بقوله: "ممسكة " أي مأخوذة باليد، يقال أمسكته ومسكته. لكن يبقى الكلام ظاهر الركة لأنه يصير هكذا: خذي قطعة مأخوذة. وقال الكرماني: "صنيع البخاري يشعر بأن الرواية عنده بفتح الميم حيث جعل للأمر بالطيب بابا مستقلا". انتهى. واقتصار البخاري في الترجمة على بعض ما دلت عليه لا يدل على نفي ما عداه، ويقوى رواية الكسر وإن المراد التطيب ما في رواية عبد الرزاق حيث وقع عنده " من ذريرة"، وما استبعده ابن قتيبة من امتهان المسك ليس ببعيد لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه. قال النووي: والمقصود باستعمال الطيب دفع الرائحة الكريهة على الصحيح. وقيل لكونه أسرع إلى الحبل. حكاه الماوردي قال: فعلى الأول إن فقدت المسك استعملت ما يخلفه في طيب الريح، وعلى الثاني ما يقوم مقامه في إسراع العلوق. وضعف النووي الثاني وقال: لو كان صحيحا لاختصت به المزوجة. قال: وإطلاق الأحاديث يرده، والصواب أن ذلك مستحب لكل مغتسلة من حيض أو نفاس، ويكره تركه للقادرة، فإن لم تجد مسكا فطيبا، فإن لم تجد فمزيلا كالطين وإلا فالماء كاف، وقد سبق في الباب قبله أن الحادة تتبخر بالقسط فيجزيها. قوله: "فتطهري" قال في الرواية التي بعدها " توضئي " أي تنظفي. قوله: "سبحان الله" زاد في الرواية الآتية " استحيي وأعرض"، وللإسماعيلي: "فلما رأيته استحيي علمتها " وزاد الدارمي " وهو يسمع فلا ينكر". قوله: "أثر الدم" قال النووي: المراد به عند العلماء الفرج. وقال المحاملي: يستحب لها أن تطيب كل موضع أصابه الدم من بدنها، قال: ولم أره لغيره، وظاهر الحديث حجة له. قلت: ويصرح به رواية الإسماعيلي: "تتبعي بها مواضع الدم". وفي هذا الحديث من الفوائد التسبيح عند التعجب، ومعناه هنا كيف يخفى هذا الظاهر الذي لا يحتاج في فهمه إلى فكر؟ وفيه استحباب الكنايات فيما يتعلق بالعورات. وفيه سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي يحتشم منها، ولهذا كانت عائشة تقول في نساء الأنصار " لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين". كما أخرجه مسلم في بعض طرق هذا الحديث، وتقدم في العلم معلقا. وفيه الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة، وتكرير الجواب لإفهام السائل، وإنما كرره مع كونها لم تفهمه أولا لأن الجواب به يؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله: "توضئي " أي في المحل الذي يستحيي من مواجهة المرأة بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال، وفهمت عائشة رضي الله عنها ذلك عنه فتولت تعليمها. وبوب عليه المصنف في الاعتصام " الأحكام التي تعرف بالدلائل". وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه إذا عرف أن ذلك يعجبه. وفيه الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل. وفيه صحة العرض على المحدث إذا أقره ولو لم يقل عقبه نعم، وأنه لا يشترط في صحة التحمل فهم السامع لجميع ما يسمعه. وفيه الرفق بالمتعلم وإقامة العذر لمن لا يفهم. وفيه أن المرء مطلوب بستر عيوبه وإن كانت مما جبل عليها من جهة أمر المرأة بالتطيب لإزالة الرائحة الكريهة. وفيه حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وعظيم حلمه وحيائه. زاده الله شرفا.

(1/416)


14 - باب غَسْلِ الْمَحِيضِ
315- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنْ الْمَحِيضِ قَالَ "خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي ثَلاَثًا" ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(1/416)


اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ أَوْ قَالَ: تَوَضَّئِي بِهَا. فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
قوله: "باب غسل المحيض" قدم توجيهه في الترجمة التي قبله. قوله: "حدثنا مسلم" هو ابن إبراهيم، ومنصور هو ابن صفية المذكور في الإسناد قبله. قوله: "وتوضئي ثلاثا" يحتمل أن يتعلق قوله: "ثلاثا " بتوضئي أي كرري الوضوء ثلاثا، ويحتمل أن يتعلق بقال ويؤيده السياق المتقدم، أي قال لها ذلك ثلاث مرات. قوله: "أو قال" كذا وقع بالشك في أكثر الروايات، ووقع في رواية ابن عساكر: "وقال: "بالواو العاطفة، والأولى أظهر، ومحل التردد في لفظ: "بها " هل هو ثابت أم لا، أو التردد واقع بينه وبين لفظ: "ثلاثا " والله أعلم.

(1/417)


15- باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض
316- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ" فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنْ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ".
قوله "باب امتشاط المرأة .حدثنا إبراهيم "قوله: "حدثنا إبراهيم" و ابن سعد. قوله: "انقضى رأسك" أي حلي ضفره "وامتشطي" قيل ليس فيه دليل على الترجمة، قاله الداودي ومن تبعه، قالوا: لأن أمرها بالامتشاط كان للإهلال وهي حائض لا عند غسلها، والجواب أن الإهلال بالحج يقتضي الاغتسال لأنه من سنة الإحرام، وقد ورد الأمر بالاغتسال صريحا في هذه القصة فيما أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ولفظه: "فاغتسلي ثم أهلي بالحج " فكأن البخاري جرى على عادته في الإشارة إلى ما تضمنه بعض طرق الحديث وإن لم يكن منصوصا فيما ساقه، ويحتمل أن يكون الداودي أراد بقوله: "لا عند غسلها " أي من الحيض ولم يرد نفي الاغتسال مطلقا، والحامل له على ذلك ما في الصحيحين أن عائشة إنما طهرت من حيضها يوم النحر فلم تغتسل يوم عرفة إلا للإحرام، وأما ما وقع في مسلم من طريق مجاهد عن عائشة أنها حاضت بسرف وتطهرت بعرفة فهو محمول على غسل الإحرام جمعا بين الروايتين، وإذا ثبت أن غسلها إذ ذاك كان للإحرام استفيد معنى الترجمة من دليل الخطاب لأنه إذا جاز لها الامتشاط في غسل الإحرام وهو مندوب كان جوازه لغسل المحيض وهو واجب أولى. قوله: "أمر عبد الرحمن" يعني ابن أبي بكر، وليلة الحصبة بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين ثم الموحدة هي الليلة التي نزلوا فيها في المحصب، وهو المكان الذي نزلوه بعد النفر من منى خارج مكة. قوله: "التي نسكت" كذا للأكثر، مأخوذ من النسك. وفي رواية أبي زيد المروزي " سكت " بحذف النون وتشديد آخره أي عنها، والقابسي بمعجمة والتخفيف، والضمير فيه راجع إلى عائشة على سبيل الالتفات، وفي السياق التفات آخر بعد التفات، وهو ظاهر للمتأمل.

(1/417)


16 - باب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ
317- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَرَجْنَا

(1/417)


17 - باب قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}
318- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةٌ يَا رَبِّ عَلَقَةٌ يَا رَبِّ مُضْغَةٌ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ
[الحديث 318- طرفاه- في:6595,3333]
قوله: "باب مخلقة وغير مخلقة" رويناه بالإضافة، أي باب تفسير قوله تعالى :{مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} وبالتنوين وتوجيهه ظاهر. قوله: "حدثنا حماد" هو ابن زيد، وعبيد الله بالتصغير ابن أبي بكر بن أنس بن مالك. قوله: "إن الله عز وجل" وقع في روايتنا بالتخفيف، يقال وكله بكذا إذا استكفاه إياه وصرف أمره إليه، وللأكثر بالتشديد وهو موافق لقوله تعالى :{مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} قوله: "يقول يا رب نطفة" بالرفع والتنوين، أي وقعت في الرحم نطفة. وفي رواية القابسي بالنصب أي خلقت يا رب نطفة، ونداء الملك بالأمور الثلاثة ليس في دفعة واحدة، بل بين كل حالة وحالة مدة تبين من حديث ابن مسعود الآتي في كتاب القدر أنها أربعون يوما، وسيأتي الكلام هناك على بقية فوائد حديث أنس هذا، والجمع بينه وبين ما ظاهره التعارض من حديث ابن مسعود المذكور، ومناسبة الحديث للترجمة من جهة أن الحديث المذكور مفسر للآية. وأوضح منه سياقا ما رواه

(1/418)


الطبري من طريق داود ابن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال: "إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكا فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال غير مخلقة مجها الرحم دما، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفة هذه النطفة؟ " فذكر الحديث وإسناده صحيح، وهو موقوف لفظا مرفوع حكما، وحكى الطبري لأهل التفسير في ذلك أقوالا وقال: الصواب قول من قال المخلقة المصورة خلقا تاما، وغير المخلقة السقط قبل تمام خلقه، وهو قول مجاهد والشعبي وغيرهما. وقال ابن بطال: غرض البخاري بإدخال هذا الحديث في أبواب الحيض تقوية مذهب من يقول إن الحامل لا تحيض، وهو قول الكوفيين وأحمد وأبي ثور وابن المنذر وطائفة، وإليه ذهب الشافعي في القديم. وقال في الجديد: إنها تحيض، وبه قال إسحاق، وعن مالك روايتان. قلت: وفي الاستدلال بالحديث المذكور على أنها لا تحيض نظر، لأنه لا يلزم من كون ما يخرج من الحامل هو السقط الذي لم يصور أن لا يكون(1) صلى الله عليه وسلم الدم الذي تراه المرأة التي يستمر حملها ليس بحيض. وما ادعاه المخالف من أنه رشح من الولد أو من فضلة غذائه أو دم فساد لعلة فمحتاج إلى دليل. وما ورد في ذلك من خبر أو أثر لا يثبت، لأن هذا دم بصفات دم الحيض وفي زمن إمكانه فله حكم دم الحيض، فمن ادعى خلافه فعليه البيان. وأقوى حججهم أن استبراء الأمة اعتبر بالمحيض لتحقق براءة الرحم من الحمل، فلو كانت الحامل تحيض لم تتم البراءة بالحيض، واستدل ابن المنير على أنه ليس بدم حيض بأن الملك موكل برحم الحامل، والملائكة لا تدخل بيتا فيه قذر ولا يلائمها ذلك. وأجيب بأنه لا يلزم من كون الملك موكلا به أن يكون حالا فيه، ثم هو مشترك الإلزام لأن الدم كله قذر، والله أعلم.

(1/419)


18 - باب كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
319- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلاَ يُحِلُّ حَتَّى يُحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ" قَالَتْ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ أُهْلِلْ إِلاَّ بِعُمْرَةٍ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ وَأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنْ التَّنْعِيمِ".
قوله: "باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة" مراده بيان صحة إهلال الحائض، ومعنى كيف في الترجمة الإعلام بالحال بصورة الاستفهام لا الكيفية التي يراد بها الصفة، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من زعم أن الحديث غير مناسب للترجمة، إذ ليس فيها ذكر صفة الإهلال.قوله: "من أهل بحج" في رواية المستملي: "بحجة " في الموضعين، وكذا للحموي في الموضع الثاني.قوله: "قالت فحضت" أي بسرف قبل دخول مكة. قوله: "حتى قضيت حجتي" في رواية كريمة وأبي الوقت " حجي"، والكلام على فوائد الحديث يأتي في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
ـــــــ
(1) كذا في النسخ ولعله"أن يكون"باسقاط حرف النفي ليستقيم المعنى فتأمل

(1/419)


19 - باب إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ
وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ: "لاَ تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ" تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ وَبَلَغَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ: "مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ"
320- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ "ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاَةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي"
قوله: "باب إقبال المحيض وإدباره" اتفق العلماء على أن إقبال المحيض يعرف بالدفعة من الدم في وقت إمكان الحيض، واختلفوا في إدباره فقيل: يعرف بالجفوف، وهو أن يخرج ما يحتشي به جافا، وقيل بالقصة البيضاء وإليه ميل المصنف كما سنوضحه. قوله: "وكن" هو بصيغة جمع المؤنث، و " نساء " بالرفع وهو بدل من الضمير نحو أكلوني البراغيث، والتنكير في نساء للتنويع، أي كان ذلك من نوع من النساء لا من كلهن. وهذا الأثر قد رواه مالك في الموطأ عن علقمة بن أبي علقمة المدني عن أمه - واسمها مرجانة مولاة عائشة - قالت: "كان النساء". قوله: "بالدرجة" بكسر أوله وفتح الراء والجيم جمع درج بالضم ثم السكون. قال ابن بطال: كذا يرويه أصحاب الحديث وضبطه أن عبد البر في الموطأ بالضم ثم السكون وقال: إنه تأنيث درج، والمراد به ما تحتشي به المرأة من قطنة وغيرها لتعرف هل بقي من أثر الحيض شيء أم لا. قوله: "الكرسف" بضم الكاف والسين المهملة بينهما راء ساكنة هو القطن. قوله: "فيه الصفرة" زاد مالك من دم الحيضة. قوله: "فتقول" أي عائشة. والقصة بفتح القاف وتشديد المهملة هي النورة، أي حتى تخرج القطنة بيضاء نقية لا يخالطها صفرة، وفيه دلالة على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وأما في غيرها فسيأتي الكلام على ذلك في باب مفرد إن شاء تعالى. وفيه أن القصة البيضاء علامة لانتهاء الحيض ويتبين بها ابتداء الطهر، واعترض على من ذهب إلى أنه يعرف بالجفوف بأن القطنة قد تخرج جافة في أثناء الأمر فلا يدل ذلك على انقطاع الحيض، بخلاف القصة وهي ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض. قال مالك: سألت النساء عنه فإذا هو أمر معلوم عندهن يعرفنه عند الطهر. قوله: "وبلغ ابنة زيد بن ثابت" كذا وقعت مبهمة هنا، وكذا في الموطأ حيث روى هذا الأثر عن عبد الله بن أبي بكر أي ابن محمد(1) بن عمرو بن حزم عن عمته عنها، وقد ذكروا لزيد بن ثابت من البنات حسنة وعمرة وأم كلثوم وغيرهن، ولم أر لواحدة منهن رواية إلا لأم كلثوم - وكانت زوج سالم بن عبد الله ابن عمر - فكأنها هي المبهمة هنا. وزعم بعض الشراح أنها أم سعد قال: لأن ابن عبد البر ذكرها في الصحابة. انتهى. وليس في ذكره لها دليل المدعي لأنه لم يقل إنها صاحبة هذه القصة، بل لم يأت لها ذكر عنده ولا عند غيره إلا من طريق عنبسة بن عبد الرحمن
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق: في نسخة"ابن أبي محمد"

(1/420)


وقد كذبوه، وكان مع ذلك يضطرب فيها فتارة يقول بنت زيد بن ثابت وتارة يقول امرأة زيد، ولم يذكر أحد من أهل المعرفة بالنسب في أولاد زيد من يقال لها أم سعد، وأما عمة عبد الله بن أبي بكر فقال ابن الحذاء: هي عمرة بنت حزم عمة جد عبد الله بن أبي بكر، وقيل لها عمته مجازا. قلت: لكنها صحابية قديمة روى عنها جابر بن عبد الله الصحابي، ففي روايتها عن بنت زيد بن ثابت بعد، فإن كانت ثابتة فرواية عبد الله عنها منقطعة لأنه لم يدركها، ويحتمل أن تكون المرادة عمته الحقيقية وهي أم عمرو أو أم كلثوم والله أعلم. قوله: "يدعون" أي يطلبن. وفي رواية الكشميهني: "يدعين " وقد تقدم مثلها في " باب تقضي الحائض المناسك كلها". وقال صاحب القاموس: دعيت لغة في دعوت، ولم ينبه على ذلك صاحب المشارق ولا المطالع. قوله: "إلى الطهر" أي إلى ما يدل على الطهر واللام في قولها " ما كان النساء " للعهد أي نساء الصحابة، وإنما عابت عليهن لأن ذلك يقتضي الحرج والتنطع وهو مذموم، قاله ابن بطال وغيره. وقيل لكون ذلك كان في غير وقت الصلاة وهو جوف الليل، وفيه نظر لأنه وقت العشاء، ويحتمل أن يكون العيب لكون الليل لا يتبين به البياض الخالص من غيره فيحسبن أنهن طهرن وليس كذلك فيصلين قبل الطهر. حديث فاطمة بنت أبي حبيش تقدم في باب الاستحاضة، وسفيان في هذا الإسناد هو ابن عيينة لأن عبد الله بن محمد وهو المسندي لم يسمع من الثوري.

(1/421)


20 - باب لاَ تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلاَةَ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تَدَعُ الصَّلاَةَ"
321- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ "أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلاَتَهَا إِذَا طَهُرَتْ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ يَأْمُرُنَا بِهِ أَوْ قَالَتْ فَلاَ نَفْعَلُهُ".
قوله: "باب لا تقضي الحائض الصلاة" نقل ابن المنذر وغيره إجماع أهل العلم على ذلك، وروى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهري عنه فقال: اجتمع الناس عليه، وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبونه، وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة، لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب كما قاله الزهري وغيره. قوله: "وقال جابر بن عبد الله وأبو سعيد" هذا التعليق عن هذين الصحابيين ذكره المؤلف بالمعنى، فأما حديث جابر فأشار به إلى ما أخرجه في كتاب الأحكام من طريق حبيب عن عطاء عن جابر في قصة حيض عائشة في الحج وفيه: "غير أنها لا تطوف ولا تصلي"، ولمسلم نحوه من طريق أبي الزبير عن جابر، وأما حديث أبي سعيد فأشار به إلى حديثه المتقدم في " باب ترك الحائض الصوم " وفيه: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟". فإن قيل: الترجمة لعدم القضاء، وهذان الحديثان لعدم الإيقاع، فما وجه المطابقة؟ أجاب الكرماني بأن الترك في قوله: "تدع الصلاة " مطلق أداء وقضاء. انتهى. وهو غير متجه، لأن منعها إنما هو في زمن الحيض فقط، وقد وضح ذلك من سياق الحديثين، والذي يظهر لي أن المصنف أراد أن يستدل على الترك أولا بالتعليق المذكور، وعلى عدم القضاء بحديث عائشة، فجعل المعلق كالمقدمة للحديث الموصول الذي هو مطابق للترجمة، والله أعلم. قوله: "حدثتني معاذة" هي بنت عبد الله العدوية، وهي معدودة في فقهاء التابعين، ورجال الإسناد المذكور إليها بصريون. قوله: "أن امرأة قالت لعائشة" كذا أبهمها همام، وبين شعبة في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية. أخرجه

(1/421)


الإسماعيلي من طريقه، وكذا لمسلم من طريق عاصم وغيره عن معاذة. قوله: "أتجزي" بفتح أوله، أي أتقضي. وصلاتها بالنصب على المفعولية، ويروى أتجزئ بضم أوله والهمز، أي أتكفي المرأة الصلاة الحاضرة وهي طاهرة ولا تحتاج إلى قضاء الفائتة في زمن الحيض؟ فصلاتها على هذا بالرفع على الفاعلية، والأولى أشهر. قوله: "أحرورية" الحروري منسوب إلى حروراء بفتح الحاء وضم الراء المهملتين وبعد الواو الساكنة راء أيضا، بلدة على ميلين من الكوفة، والأشهر أنها بالمد. قال المبرد: النسبة إليها حروراوي، وكذا كل ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة، ولكن قيل الحروري بحذف الزوائد، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حرورى لأن أول فرقة منهم خرجوا على علي بالبلدة المذكورة فاشتهروا بالنسبة إليها، وهم فرق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دل عليه القرآن ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقا، ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إنكار، وزاد مسلم في رواية عاصم عن معاذة فقلت: لا ولكني أسأل، أي سؤالا مجردا لطلب العلم لا للتعنت، وفهمت عائشة عنها طلب الدليل فاقتصرت في الجواب عليه دون التعليل، والذي ذكره العلماء في الفرق بين الصلاة والصيام أن الصلاة تتكرر فلم يجب قضاؤها للحرج بخلاف الصيام، ولمن يقول بأن الحائض مخاطبة بالصيام أن يفرق بأنها لم تخاطب بالصلاة أصلا. وقال ابن دقيق العيد: اكتفاء عائشة في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونها لم تؤمر به يحتمل وجهين: أحدهما أنها أخذت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء فيتمسك به حتى يوجد المعارض وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم، ثانيهما - قال وهو أقرب - أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم لتكرر الحيض منهن عنده صلى الله عليه وسلم، وحيث لم يبين دل على عدم الوجوب، لا سيما وقد اقترن بذلك الأمر بقضاء الصوم كما في رواية عاصم عن معاذة عند مسلم. قوله: "فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله" كذا في هذه الرواية بالشك، وعند الإسماعيلي من وجه آخر " فلم نكن نقضي ولم نؤمر به " والاستدلال بقولها فلم نكن نقضي أوضح من الاستدلال بقولها فلم نؤمر به، لأن عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال به على عدم الوجوب، لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء. والله أعلم.

(1/422)


21 - باب النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ وَهِيَ فِي ثِيَابِهَا
322- حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمِيلَةِ فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنُفِسْتِ" قُلْتُ نَعَمْ فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ قَالَتْ وَحَدَّثَتْنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ الْجَنَابَةِ".
قوله: "باب النوم مع الحائض" زاد في رواية الصاغاني " وهي في ثيابها " تقدم الكلام على ذلك في " باب من سمى النفاس حيضا".يحيى المذكور هو ابن أبي كثير. قوله: "قالت وحدثتني" هو مقول زينب بنت أم سلمة، وفاعل " حدثتني " أمها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب الصيام. قوله: "وكنت" معطوف على جملة الحديث الذي قبله وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها، وقد تقدم الكلام على فوائده في كتاب الغسل.

(1/422)


22- باب مَنْ اتَّخَذَ ثِيَابَ الْحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ
323- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ "أَنُفِسْتِ" فَقُلْتُ نَعَمْ فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ".
قوله: "باب من اتخذ ثياب الحيض" وفي رواية الكشميهني: "من أعد " بالعين والدال المهملتين.هشام المذكور هو الدستوائي، ويحيى هو ابن أبي كثير، والكلام على الحديث قد تقدم في " باب من سمى النفاس حيضا".

(1/423)


23 - باب شُهُودِ الْحَائِضِ الْعِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى
324- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلاَمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: "كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ فَقَدِمَتْ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ غَزْوَةً وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ قَالَتْ كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لاَ تَخْرُجَ قَالَ " لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَد الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ" فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ بِأَبِي نَعَمْ وَكَانَتْ لاَ تَذْكُرُهُ إِلاَّ قَالَتْ بِأَبِي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَخْرُجُ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ أَوْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى قَالَتْ حَفْصَةُ فَقُلْتُ الْحُيَّضُ فَقَالَتْ أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا".
[الحديث324- أطرافه في:1652,981,980,974,971,351]
قوله: "باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن" وفي رواية ابن عساكر: "واعتزالهن المصلى " والجمع بالنظر إلى أن الحائض اسم جنس، أو فيه حذف والتقدير ويعتزلن الحيض كما سيذكر بعد. قوله: "حدثنا محمد" كذا للأكثر غير منسوب، ولأبي ذر محمد بن سلام، ولكريمة محمد هو ابن سلام. قوله: "حدثنا عبد الوهاب" هو الثقفي. قوله: "عواتقنا" العواتق جمع عاتق وهي من بلغت الحلم أو قاربت، أو استحقت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عتقت عن الامتهان في الخروج للخدمة، وكأنهم كانوا يمنعون العواتق من الخروج لما حدث بعد العصر الأول من الفساد، ولم تلاحظ الصحابة ذلك بل رأت استمرار الحكم على ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "فقدمت امرأة" لم أقف على تسميتها. وقصر بني خلف كان بالبصرة وهو منسوب إلى طلحة ابن عبد الله بن خلف الخزاعي المعروف بطلحة الطلحات وقد ولي إمرة سجستان. قوله: "فحدثت عن أختها" قيل هي أم عطية، وقيل غيرها وعليه مشى الكرماني، وعلى تقدير أن تكون أم عطية فلم نقف على تسمية زوجها أيضا. قوله: "ثنتي عشرة" زاد الأصيلي: "غزوة".قوله: "وكانت أختي" فيه حذف تقديره قالت المرأة وكانت أختي. قوله:

(1/423)


"قالت" أي الأخت، والكلمى بفتح الكاف وسكون اللام: جمع كليم أي جريح. قوله: "من جلبابها" قيل المراد به الجنس، أي تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه. وقيل المراد تشركها معها في لبس الثوب الذي عليها، وهذا ينبني على تفسير الجلباب - وهو بكسر الجيم وسكون اللام وبموحدتين بينهما ألف - قيل: هو المقنعة أو الخمار أو أعرض منه، وقيل الثوب الواسع يكون دون الرداء، وقيل الإزار، وقيل الملحفة، وقيل الملاءة، وقيل القميص. قوله: "ودعوة المسلمين" - في رواية الكشميهني: "المؤمنين " وهي موافقة لرواية أم عطية. قوله: "وكانت" أي أم عطية "لا تذكره" أي النبي صلى الله عليه وسلم "إلا قالت: بأبي" أي هو مفدى بأبي. وفي رواية عبدوس بيبي بباء تحتانية بدل الهمزة في الموضعين، وللأصيلي بفتح الموحدة الثانية مع قلب الهمزة ياء - كعبدوس - لكن فتح ما بعدها كأنه جعله لكثرة الاستعمال واحدا، ونقل عن الأصيلي أيضا كالأصل لكن فتح الثانية أيضا، وقد ذكر ابن مالك هذه الأربعة في شواهد التوضيح. وقال ابن الأثير: قوله بأبأ أصله بأبي هو، يقال بأبأت الصبي إذا قلت له أفديك بأبي فقلبوا الياء ألفا كما في " ويلتا". قوله: "وذوات الخدور" بضم الخاء المعجمة والدال المهملة جمع خدر بكسرها وسكون الدال، وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وللأصيلي وكريمة: "العواتق وذوات الخدور أو العواتق ذوات الخدور " على الشك، وبين العاتق والبكر عموم وخصوص وجهي. قوله: "ويعتزل الحيض المصلى" بضم اللام هو خبر. بمعنى الأمر. وفي رواية: "ويعتزلن الحيض المصلى " وهو نحو أكلوني البراغيث. وحمل الجمهور الأمر المذكور على الندب لأن المصلى ليس بمسجد فيمتنع الحيض من دخوله، وأغرب الكرماني فقال: الاعتزال واجب، والخروج والشهود مندوب، مع كونه نقل عن النووي تصويب عدم وجوبه. وقال ابن المنير: الحكمة في اعتزالهن أن في وقوفهن وهن لا يصلين مع المصليات إظهار استهانة بالحال. فاستحب لهن اجتناب ذلك. قوله: "فقلت: آلحيض" بهمزة ممدودة، كأنها تتعجب من ذلك "فقالت" أي أم عطية: "أليس تشهد" أي الحيض، وللكشميهني: "أليست " وللأصيلي: "أليس يشهدن". قوله: "وكذا وكذا" أي ومزدلفة ومنى وغيرهما. وفيه أن الحائض لا تهجر ذكر الله ولا مواطن الخير كمجالس العلم والذكر سوى المساجد، وفيه امتناع خروج المرأة بغير جلباب، وغير ذلك مما سيأتي استيفاؤه في كتاب العيدين إن شاء الله تعالى.

(1/424)


باب إذا حاضت في الشهر ثلاث حيض
...
24 - باب إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلاَثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ فِي الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ فِيمَا يُمْكِنُ مِنْ الْحَيْضِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ "إِنْ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلاَثًا فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ" وَقَالَ عَطَاءٌ "أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ" وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ عَطَاءٌ: "الْحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ" وَقَالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ "سَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قُرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ"
قوله: "باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض" بفتح الياء جمع حيضة. قوله: "وما يصدق" بضم أوله وتشديد الدال المفتوحة. قوله: "فيما يمكن من الحيض" أي فإذا لم يمكن لم تصدق. قوله: "لقول الله تعالى" أشير إلى تفسير الآية المذكورة، وقد روى الطبري بإسناد صحيح عن الزهري قال: بلغنا أن المراد بما خلق الله في أرحامهن

(1/424)


الحمل أو الحيض، فلا يحل لهن أن يكتمن ذلك لتنقضي العدة ولا يملك الزوج الرجعة إذا كانت له. وروى أيضا بإسناد حسن عن ابن عمر قال: "لا يحل لها إن كانت حائضا أن تكتم حيضها، ولا إن كانت حاملا أن تكتم حملها". وعن مجاهد " لا تقول إني حائض وليست بحائض، ولا لست بحائض وهي حائض " وكذا في الحبل. ومطابقة الترجمة للآية من جهة أن الآية دالة على أنها يجب عليها الإظهار، فلو لم تصدق فيه لم يكن له فائدة. قوله: "ويذكر عن علي" وصله الدارمي كما سيأتي ورجاله ثقات، وإنما لم يجزم به للتردد في سماع الشعبي من علي، ولم يقل إنه سمعه من شريح فيكون موصولا. قوله: "أن جاءت" في رواية كريمة: "إن امرأة جاءت " بكسر النون. قوله: "ببينة من بطانة أهلها" أي خواصها. قال إسماعيل القاضي: ليس المراد أن يشهد النساء أن ذلك وقع، وإنما هو فيما نرى أن يشهدن أن هذا يكون وقد كان في نسائهن. قلت: وسياق القصة يدفع هذا التأويل، قال الدارمي: أخبرنا يعلى بن عبيد حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن عامر - هو الشعبي - قال: "جاءت امرأة إلى علي تخاصم زوجها طلقها فقالت: حضت في شهر ثلاث حيض، فقال علي لشريح: اقض بينهما. قال: يا أمير المؤمنين وأنت هاهنا؟ قال: اقض بينهما. قال: إن جاءت من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته تزعم أنها حاضت ثلاث حيض تطهر عند كل قرء وتصلي جاز لها وإلا فلا. قال علي: قالون " قال وقالون بلسان الروم أحسنت. فهذا ظاهر في أن المراد أن يشهدن بأن ذلك وقع منها، وإنما أراد إسماعيل رد هذه القصة إلى موافقة مذهبه، وكذا قال عطاء إنه يعتبر في ذلك عادتها قبل الطلاق، وإليه الإشارة ب قوله: "أقراؤها" وهو بالمد جمع قرء أي في زمان العدة "ما كانت" أي قبل الطلاق، فلو ادعت في العدة ما يخالف ما قبلها لم يقبل. وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء. قوله: "وبه قال إبراهيم" يعني النخعي، أي قال بما قال عطاء، ووصله عبد الرزاق أيضا عن أبي معشر عن إبراهيم نحوه. وروى الدارمي أيضا بإسناد صحيح إلى إبراهيم قال: "إذا حاضت المرأة في شهر أو أربعين ليلة ثلاث حيض " فذكر نحو أثر شريح، وعلى هذا فيحتمل أن يكون الضمير في قول البخاري " وبه " يعود على أثر شريح، أو في النسخة تقديم وتأخير، أو لإبراهيم في المسألة قولان. قوله: "وقال عطاء. إلخ" وصله الدارمي أيضا بإسناد صحيح قال: "أقصى الحيض خمس عشرة، وأدنى الحيض يوم". ورواه الدارقطني بلفظ: "أدنى وقت الحيض يوم وأكثر الحيض خمس عشرة". قوله: "وقال معتمر" عني ابن سليمان التيمي. وهذا الأثر وصله الدارمي أيضا عن محمد بن عيسى عن معتمر.
325- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: "إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ فَقَالَ "لاَ إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاَةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي".
قوله: "حدثنا أحمد بن أبي رجاء" هو أحمد بن عبد الله بن أيوب الهروي يكنى أبا الوليد، وهو حنفي النسب لا المذهب، وقصة فاطمة بنت أبي حبيش تقدمت في باب الاستحاضة، ومناسبة الحديث للترجمة من قوله: "قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها " فوكل ذلك إلى أمانتها ورده إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص. واختلف العلماء في أقل الحيض وأقل الطهر، ونقل الداودي أنهم اتفقوا على أن أكثره خمسة عشر يوما. وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقل الطهر وأقل الحيض معا. فأقل ما تنقضي به العدة عنده ستون يوما. وقال صاحباه: تنقضي في تسعة

(1/425)


وثلاثين يوما بناء على أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأن أقل الطهر خمسة عشر يوما وأن المراد بالقرء الحيض، وهو قول الثوري. وقال الشافعي: "القرء الطهر وأقله خمسة عشر يوما، وأقل الحيض يوم وليلة فتنقضي عنده في اثنين وثلاثين يوما ولحظتين"، وهو موافق لقصة علي وشريح المتقدمة إذا حمل ذكر الشهر فيها على إلغاء الكسر، ويدل عليه رواية هشيم عن إسماعيل فيها بلفظ: "حاضت في شهر أو خمسة وثلاثين يوما"

(1/426)


25 - باب الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ
326- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا".
قوله: "باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض" يشير بذلك إلى الجمع بين حديث عائشة المتقدم في قولها " حتى ترين القصة البيضاء " وبين حديث أم عطية المذكور في هذا الباب بأن ذلك محمول على ما إذا رأت الصفرة أو الكدرة في أيام الحيض، وأما في غيرها فعلى ما قالته أم عطية. قوله: "أيوب عن محمد" و ابن سيرين، وكذا رواه إسماعيل وهو ابن علية عن أيوب، ورواه وهيب بن خالد عن أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية أخرجه ابن ماجه. ونقل عن الذهلي أنه رجح رواية وهيب. وما ذهب إليه البخاري من تصحيح رواية إسماعيل أرجح لموافقة معمر له، ولأن إسماعيل أحفظ لحديث أيوب من غيره، ويمكن أن أيوب سمعه منهما. قوله: "كنا لا نعد" أي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بذلك، وبهذا يعطي الحديث حكم الرفع، وهو مصير من البخاري إلى أن مثل هذه الصيغة تعد في المرفوع ولو لم يصرح الصحابي بذكر زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا جزم الحاكم وغيره خلافا للخطيب. قوله: "الكدرة والصفرة" أي الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار. قوله: "شيئا" أي من الحيض، ولأبي داود من طريق قتادة عن حفصة عن أم عطية " كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا " وهو موافق لما ترجم به البخاري. والله أعلم.

(1/426)


26 - باب عِرْقِ الِاسْتِحَاضَةِ
327- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ: "هَذَا عِرْقٌ" فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاَةٍ".
قوله: "باب عرق الاستحاضة" بكسر العين وإسكان الراء، وقد تقدم بيانه في باب الاستحاضة. قوله: "وعن عمرة" يعني كلاهما عن عائشة، كذا للأكثر. وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر بحذف الواو فصار من رواية عروة عن عمرة، وكذا ذكر الإسماعيلي أن أحمد بن الحسن الصوفي حدثهم به عن خلف بن سالم عن معن، والمحفوظ إثبات الواو وأن الزهري رواه عن شيخين عروة وعمرة كلاهما عن عائشة، وكذا أخرجه الإسماعيلي وغيره من طرق عن ابن أبي ذئب، وكذا أخرجه مسلم من طريق عمرو ابن الحارث، وأبو داود من طريق الأوزاعي كلاهما

(1/426)


27 - باب الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ
328- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ فَقَالُوا بَلَى قَالَ فَاخْرُجِ"
329- حدثنامعلى بن أسيد قال حدثنا وهيب عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: "رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت"
[الحديث329- طرفاه في:1760,1755]
330- وكان ابن عمر يقول في أول أمره إنها لاتنفر, ثم سمعته يقول: "تنفر, إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لهن"
[الحديث330-طرفه في:1761]
قوله: "باب المرأة تحيض بعد الإفاضة" أي هل تمنع من طواف الوداع أم لا.قوله: "عن عمرة بنت عبد الرحمن" هي المذكورة في الإسناد الذي قبله، وهذا الإسناد - سوى شيخ البخاري - مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق وهم من بين مالك وعائشة. قوله: "إن صفية" أي زوج النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "قالوا: بلى" أي النساء ومن معهن من المحارم.قوله: "فاخرجي" كذا للأكثر بالإفراد خطابا لصفية من باب العدول عن الغيبة، وهي قوله: "ألم تكن طافت " إلى الخطاب، أو هو خطاب لعائشة، أي فأخرجي فهي تخرج معك، وللمستملي والكشميهني: "فاخرجن " وهو على وفق السياق، وسيأتي الكلام على هذا الحديث والذي بعده في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. وقوله فيه: "وكان ابن عمر " هو مقول طاوس لا ابن عباس، وكذا قوله: "ثم سمعته يقول: "وكان ابن عمر يفتي بأنه يجب عليها أن تتأخر إلى أن تطهر من أجل طواف الوداع، ثم بلغته الرخصة عن النبي صلى الله عليه وسلم لهن في تركه فصار إليه، أو كان نسي ذلك فتذكره. وفيه دليل على أن الحائض لا تطوف.

(1/428)


28 - باب إِذَا رَأَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ سَاعَةً وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ الصَّلاَةُ أَعْظَمُ
331- حدثنا أحمد بن يونس عن زهير قال حدثنا هشام عن عروة عن عائشة قالت:قال النبي صلى الله عليه وسلم

(1/428)


29 - باب الصَّلاَةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا
332- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ "أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ وَسَطَهَا".
[الحديث 332- طرفاه في:1332,1331]
قوله: "باب الصلاة على النفساء وسنتها" أي سنة الصلاة عليها. قوله: "حدثنا أحمد بن أبي سريج" تقدم أنه بالمهملة والجيم، واسمه الصباح، وقيل إن أحمد هو ابن عمر بن أبي سريج فكأنه نسب إلى جده. قوله: "أن امرأة" هي أم كعب سماها مسلم في روايته من طريق عبد الوارث عن حسين المعلم، وذكر أبو نعيم في الصحابة أنها أنصارية. قوله: "ماتت في بطن" أي بسبب بطن يعني الحمل، وهو نظير قوله: "عذبت امرأة في هرة " قال ابن التيمي: قيل وهم البخاري في هذه الترجمة فظن أن قوله: "ماتت في بطن " ماتت في الولادة، قال: ومعنى ماتت في بطن ماتت مبطونة. قلت: بل الموهم له هو الواهم، فإن عند المصنف في هذا الحديث من كتاب الجنائز " ماتت في نفاسها " وكذا لمسلم. قوله: "فقام وسطها" بفتح السين في روايتنا، وكذا ضبطه ابن التين، وضبطه غيره بالسكون،

(1/429)


وللكشميهني: "فقام عند وسطها " وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى قال ابن بطال: يحتمل أن يكون البخاري قصد بهذه الترجمة أن النفساء وإن كانت لا تصلي لها حكم غيرها أي في طهارة العين، لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، قال وفيه رد على من زعم أن ابن آدم ينجس بالموت لأن النفساء جمعت الموت وحمل النجاسة بالدم اللازم لها، فلما لم يضرها ذلك كان الميت الذي لا يسيل منه نجاسة أولى. وتعقبه ابن المنير بأن هذا أجنبي عن مقصود البخاري، قال وإنما قصد أنها وإن ورد أنها من الشهداء فهي ممن يصلي عليها كغير الشهداء وتعقبه ابن رشيد بأنه أيضا أجنبي عن أبواب الحيض، قال: وإنما أراد البخاري أن يستدل بلازم من لوازم الصلاة لأن الصلاة اقتضت أن المستقبل فيها ينبغي أن يكون محكوما بطهارته، فلما صلى عليها - أي إليها - لزم من ذلك القول بطهارة عينها، وحكم النفساء والحائض واحد، قال: ويدل على أن هذا مقصوده إدخال حديث ميمونة في الباب كما في رواية الأصيلي وغيره. ووقع في رواية أبي ذر قبل حديث ميمونة:

(1/430)


30- باب
333- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ اسْمُهُ الْوَضَّاحُ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: "سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لاَ تُصَلِّي وَهِيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ".
[الحديث333- أطرافه في: 518,517,381,379,]
قوله: "حدثنا الحسن بن مدرك" هو الطحان البصري أحد الحفاظ، وهو من صغار شيوخ البخاري، بل البخاري أقدم منه، وقد شاركه في شيخه يحيى بن حماد المذكور هنا، وكأن هذا الحديث فاته فاعتمد فيه على الحسن المذكور لأنه كان عارفا بحديث يحيى بن حماد. قوله: "من كتابه" إشارة إلى أن أبا عوانة حدث به من كتابه لا من حفظه، وكان إذا حدث من كتابه أتقن مما إذا حدث من حفظه حتى قال عبد الرحمن بن مهدي: كتاب أبي عوانة أثبت من حفظ هشيم. قوله: "كانت تكون" أي تحصل أو تستقر، ويحتمل أن قوله: "تكون لا تصلي " خبر لكانت، وقوله: "حائضا " حال نحو "وجاءوا أباهم عشاء يبكون" قاله الكرماني. قوله: "بحذاء" بكسر الخاء المهملة بعدها ذال معجمة ومدة أي بجنب مسجد والمراد بالمسجد مكان سجوده، والخمرة بضم الخاء والمعجمة وسكون الميم قال الطبري: هو مصلى صغير يعمل من سعف النخل، سميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها، فإن كانت كبيرة سميت حصيرا، وكذا قال الأزهري في تهذيبه وصاحبه أبو عبيد الهروي وجماعة بعدهم، وزاد في النهاية: ولا تكون خمرة إلا في هذا المقدار، قال: وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسعفها. وقال الخطابي: هي السجادة يسجد عليها المصلي. ثم ذكر حديث ابن عباس في الفأرة التي جرت الفتيلة حتى ألقتها على الخمرة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا عليها. الحديث قال: ففي هذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه، قال: وسميت خمرة لأنها تغطي الوجه، وستأتي الإشارة إلى حكم الصلاة عليها في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.

(1/430)


"خاتمة": اشتمل كتاب الحيض من الأحاديث المرفوعة على سبعة وأربعين حديثا، المكرر منها فيه وفيما مضى اثنان وعشرون حديثا الموصول منها عشرة أحاديث، والبقية تعليق ومتابعة، والخالص خمسة وعشرون حديثا منها واحد معلق وهو حديث كان يذكر الله على كل أحيانه، والبقية موصولة. وقد وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة كانت إحدانا تحيض ثم تقترص الدم وحديثها في اعتكاف المستحاضة، وحديثها ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، وحديث أم عطية كنا لا نعد الصفرة، وحديث ابن عمر رخص للحائض أن تنفر. وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين خمسة عشر أثرا كلها معلقة. والله أعلم.

(1/431)