Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المجلد الثاني
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
باب مواقيت الصلاة وفضلها
...
1 - المجلد الثاني
2 - كتاب مواقيت الصلاة
3 - باب مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ وَفَضْلِهَا
وَقَوْلِهِ [النساء 103] إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا مُوَقَّتًا وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلاَةَ يَوْمًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلاَةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْعِرَاقِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ بِهَذَا أُمِرْتُ فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ أو أن جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتَ الصَّلاَةِ قَالَ عُرْوَةُ كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ
[الحديث 521-طرفاه في: 3221، 4007]
"باب مواقيت الصلاة - بسم الله الرحمن الرحيم" كذا للمستملي وبعده البسملة، ولرفيقيه البسملة مقدمة وبعدها " باب مواقيت الصلاة وفضلها " وكذا في نسخة الصغاني، وكذا لكريمة لكن بلا بسملة، وكذا للأصيلي لكن بلا باب.و " المواقيت " جمع ميقات وهو مفعال من الوقت وهو القدر المحدد للفعل من الزمان أو المكان.قوله: "كتابا موقوتا موقتا وقته عليهم" كذا وقع في أكثر الروايات، وسقط في بعضها لفظ: "موقتا فاستشكل ابن التبن تشديد القاف من وقته.وقال: المعروف في اللغة التخفيف ا هـ.والظاهر أن المصنف أراد بقوله: "موقتا " بيان أن قوله: "موقوتا " من التوقيت، فقد جاء عن مجاهد في معنى قوله موقوتا قال: مفروضا، وعن غيره محدودا.وقال صاحب المنتهى: كل شيء جعل له حين وغاية فهو موقت، يقال وقته ليوم كذا، أي أجله. قوله: "حدثنا عبد الله بن مسلمة" هو القعنبي، وهذا الحديث أول شيء في الموطأ، ورجاله كلهم مدنيون.قوله: "أخر الصلاة يوما" وللمصنف في بدء الخلق من طريق الليث عن ابن شهاب بيان الصلاة المذكورة ولفظه: "أخر العصر شيئا " قال ابن عبد البر: ظاهر سياقه أنه فعل ذلك يوما ما، لا أن ذلك كان عادة له وإن كان أهل بيته معروفين بذلك ا هـ.
وسيأتي بيان ذلك قريبا في " باب تضييع الصلاة عن وقتها " وكذا في نسخة الصغاني.وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب " أخر الصلاة مرة " يعني العصر، وللطبراني من طريق أبي بكر بن حزم أن عروة حدث عمر بن عبد العزيز - وهو يومئذ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك - وكان ذلك زمان يؤخرون فيه الصلاة، يعني بني أمية.قال ابن عبد البر: المراد أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب، لا أنه أخرها حتى غربت الشمس ا هـ.ويؤيده سياق رواية الليث المتقدمة.وأما ما رواه الطبراني من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أسامة بن زيد الليثي عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: "دعا المؤذن لصلاة العصر فأمسى عمر بن عبد العزيز قيل أن يصليها " فمحمول على أنه

(2/3)


قارب المساء لا أنه دخل فيه.وقد رجع عمر بن عبد العزيز عن ذلك، فروى الأوزاعي عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز - يعني في خلافته - كان يصلي الظهر في الساعة الثامنة والعصر في الساعة العاشرة حين تدخل.قوله: "أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما" بين عبد الرزاق في روايته عن ابن جريج عن ابن شهاب أن الصلاة المذكورة العصر أيضا، ولفظه: "أمسى المغيرة بن شعبة بصلاة العصر".قوله: "وهو بالعراق" في الموطأ رواية القعنبي وغيره عن مالك " وهو بالكوفة"، وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة عن القعنبي.والكوفة من جملة العراق، فالتعبير بها أخص من التعبير بالعراق، وكان المغيرة إذ ذاك أميرا عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان.قوله: "أبو مسعود" أي عقبة بن عمرو البدري.قوله: "ما هذا" أي التأخير.قوله: "أليس" كذا الرواية، وهو استعمال صحيح، لكن الأكثر في الاستعمال في مخاطبة الحاضر " ألست " وفي مخاطبة الغائب " أليس".قوله: "قد علمت" قال عياض يدل ظاهره على علم المغيرة بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظن من أبي مسعود لعلمه بصحبة المغيرة.قلت: ويؤيد الأول رواية شعيب عن ابن شهاب عند المصنف في غزوة بدر بلفظ: "فقال لقد علمت " بغير أداة استفهام، ونحوه لعبد الرزاق عن معمر وابن جريج جميعا.قوله: "أن جبريل نزل" بين ابن إسحاق في المغازي أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة وهي ليلة الإسراء، قال ابن إسحاق " حدثني عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير " وقال عبد الرزاق " عن ابن جريج قال: قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم من الليلة التي أسرى به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت " الأولى " أي صلاة الظهر، فأمر فصيح بأصحابه: "الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلى به جبريل وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس " فذكر الحديث، وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبي صلى الله عليه وسلم.قوله: "نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال عياض: ظاهره أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره أن جبريل أم النبي صلى الله عليه وسلم، فيحمل قوله: "صلى فصلى " على أن جبريل كان كلما فعل جزءا من الصلاة تابعه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ا هـ.وبهذا جزم النووي.وقال غيره: الفاء بمعنى الواو، واعترض بأنه يلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يتقدم في بعض الأركان على جبريل على ما يقتضيه مطلق الجمع.وأجيب بمراعاة الحيثية وهي التبيين، فكان لأجل ذلك يتراخى عنه.وقيل: الفاء للسببية كقوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} وفي رواية الليث عند المصنف وغيره: "نزل جبريل فأمنى فصليت معه".وفي رواية عبد الرزاق عن معمر " نزل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الناس معه " وهذا يؤيد رواية نافع بن جبير المتقدمة، وإنما دعاهم إلى الصلاة بقوله: "الصلاة جامعة " لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ، واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره، ويجاب عنه بما يجاب به عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط كما سيأتي تقريره في أبواب الإمامة.واستدل به أيضا على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس.قاله ابن العربي وغيره.وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ.وتعقبه بما تقدم من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة، وأجاب باحتمال أن الوجوب عليه كان معلقا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة.قال: وأيضا لا نسلم أن جبريل كان متنفلا بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه لأنه مكلف بتبليغها، فهي صلاة مفترض

(2/4)


خلف مفترض ا هـ.وقال ابن المنير: قد يتعلق به من يجوز صلاة مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر، كذا قال، وهو مسلم له في صورة المؤداة مثلا خلف المقضية لا في صورة الظهر خلف العصر مثلا.
قوله: "بهذا أمرت" بفتح المثناة على المشهور، والمعنى هذا الذي أمرت به أن تصليه كل يوم وليلة، وروى بالضم، أي هذا الذي أمرت بتبليغه لك.قوله: "اعلم" بصيغة الأمر.قوله: "أو إن جبريل" بفتح الهمزة وهي للاستفهام والواو هي العاطفة والعطف على شيء مقدر وبكسر همزة إن ويجوز الفتح.قوله: "وقوت الصلاة" كذا للمستملي بصيغة الجمع، وللباقين " وقت الصلاة " بالإفراد وهو للجنس.قوله: "كذلك كان بشير" هو بفتح الموحدة بعدها معجمة بوزن فعيل.وهو تابعي جليل ذكر في الصحابة لكونه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ورآه.قال ابن عبد البر: هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء لأن ابن شهاب لم يقل حضرت مراجعة عروة لعمر، وعروة لم يقل حدثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة لا بالصيغ ا هـ.وقال الكرماني: أعلم أن الحديث بهذا الطريق ليس متصل الإسناد إذ لم يقل أبو مسعود: شاهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.قلت: هذا لا يسمى منقطعا اصطلاحا، وإنما هو مرسل صحابي لأنه لم يدرك القصة، فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده أو سمعه كصحابي آخر.على أن رواية الليث عند المصنف تزيل الإشكال كله، ولفظه: "فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "فذكر الحديث.
وكذا سياق ابن شهاب، وليس فيه التصريح بسماعه له من عروة، وابن شهاب قد جرب عليه التدليس، لكن وقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب قال: "كنا مع عمر بن عبد العزيز"؛ فذكره.
وفي رواية شعيب عن الزهري " سمعت عروة يحدث عمر بن عبد العزيز " الحديث.قال القرطبي: قول عروة إن جبريل نزل ليس فيه حجة واضحة على عمر بن عبد العزيز إذ لم يعين له الأوقات.قال: وغاية ما يتوهم عليه أنه نبهه وذكره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات.قال: وفيه بعد، لإنكار عمر على عروة حيث قال له " اعلم ما تحدث يا عروة " قال: وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل.قلت: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمر، لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكأنه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يحمل عمل المغيرة وغيره من الصحابة، ولم أقف في شيء من الروايات على جواب المغيرة لأبي مسعود، والظاهر أنه رجع إليه والله أعلم.وأما ما زاده عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري في هذه القصة قال: فلم يزل عمر يعلم الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا، ورواه أبو الشيخ في " كتاب المواقيت " له من طريق الوليد عن الأوزاعي عن الزهري قال: "ما زال عمر بن عبد العزيز يتعلم مواقيت الصلاة حتى مات".ومن طريق إسماعيل بن حكيم " أن عمر بن عبد العزيز جعل ساعات ينقضين مع غروب الشمس " زاد من طريق ابن إسحاق عن الزهري " فما أخرها حتى مات " فكله يدل على أن عمر لم يكن يحتاط في الأوقات كثير احتياط إلا بعد أن حدثه عروة بالحديث المذكور."تنبيه": ورد في هذه القصة من وجه آخر عن الزهري بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الإشكال، ويوضح توجيه احتجاج عروة به، فروى أبو داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وغيره من طريق ابن وهب، والطبراني من طريق يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن أسامة بن زيد عن الزهري هذا الحديث بإسناده وزاد في آخره: "قال أبو مسعود: فرأيت رسول

(2/5)


الله صلى الله عليه وسلم يصلي الطهر حين تزول الشمس " فذكر الحديث.وذكر أبو داود أن أسامة بن زيد تفرد بتفسير الأوقات فيه، وأن أصحاب الزهري لم يذكروا ذلك.قال: وكذا رواه هشام بن عروة وحبيب بن أبي مرزوق عن عروة لم يذكرا تفسيرا ا هـ.ورواية هشام أخرجها سعيد بن منصور في سننه، ورواية حبيب أخرجها الحارث بن أبي أسامة في مسنده. وقد وجدت ما يعضد رواية أسامة ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل، وذلك فيما رواه الباغندي في " مسند عمر بن عبد العزيز " والبيهقي في " السنن الكبرى " من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن حزم أنه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعا، لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة، ووضح أن له أصلا، وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارا، وبذلك جزم ابن عبد البر، وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة فلا توصف والحالة هذه بالشذوذ. وفي الحديث من الفوائد: دخول العلماء على الأمراء، وإنكارهم عليهم ما يخالف السنة، واستثبات العالم فيما يستغربه السامع، والرجوع عند التنازع إلى السنة. وفيه فضيلة عمر بن عبد العزيز. وفيه فضيلة المبادرة بالصلاة في الوقت الفاضل. وقبول خبر الواحد الثبت. واستدل به ابن بطال وغيره على أن الحجة بالمتصل دون المنقطع لأن عروة أجاب عن استفهام عمر له لما أن أرسل الحديث بذكر من حدثه به فرجع إليه، فكأن عمر قال له: تأمل ما تقول، فلعله بلغك عن غير ثبت. فكأن عروة قال له: بل قد سمعته ممن قد سمع صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصاحب قد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. واستدل به عياض على جواز الاحتجاج بمرسل الثقة كصنيع عروة حين احتج على عمر قال: وإنما راجعه عمر لتثبته فيه لا لكونه لم يرض به مرسلا. كذا قال، وظاهر السياق يشهد لما قال ابن بطال. وقال ابن بطال أيضا: في هذا الحديث دليل على ضعف الحديث الوارد في أن جبريل أم بالنبي صلى الله عليه وسلم في يومين لوقتين مختلفين لكل صلاة، قال: لأنه لو كان صحيحا لم ينكر عروة على عمر صلاته في آخر الوقت محتجا بصلاة جبريل، مع أن جبريل قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت وقال: "الوقت ما بين هذين " وأجيب باحتمال أن تكون صلاة عمر كانت خرجت عن وقت الاختيار وهو مصير ظل الشيء مثليه، لا عن وقت الجواز وهو مغيب الشمس، فيتجه إنكار عروة، ولا يلزم منه ضعف الحديث. أو يكون عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصلاة في أول الوقت ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضا. وقد روى سعيد بن منصور من طريق طلق بن حبيب مرسلا قال: "إن الرجل ليصلي الصلاة وما فاتته، ولما فاته من وقتها خير له من أهله وماله " ورواه أيضا عن ابن عمر من قوله، ويؤيد ذلك احتجاج عروة بحديث عائشة في كونه صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، وهي الصلاة التي وقع الإنكار بسببها، وبذلك تظهر مناسبة ذكره لحديث عائشة بعد حديث أبي مسعود، لأن حديث عائشة يشعر بمواظبته على صلاة العصر في أول الوقت، وحديث أبي مسعود يشعر بأن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل.
522- قال عروة: ولقدحدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر
[الحديث 522 – أطرافه في: 3103,546,545,544]

(2/6)


قوله: "قال عروة: ولقد حدثتني عائشة" قال الكرماني: هو إما مقول ابن شهاب أو تعليق من البخاري. قلت: الاحتمال الثاني - على بعده - مغاير للواقع كما سيظهر في " باب وقت العصر " قريبا. فقد ذكره مسندا عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، فهو مقوله وليس بتعليق، وسنذكر الكلام على فوائده هناك إن شاء الله تعالى.

(2/7)


باب (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ... الآية)
...
2 - باب: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [الروم 31]
523- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ رَبِيعَةَ وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا فَقَالَ: آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ وَأَنْهَى عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ "
[انظر الحديث 53 وأطرافه ]
قوله: "باب منيبين إليه" كذا عند أبي ذر بتنوين باب، ولغيره: "باب قوله تعالى " بالإضافة.
والمنيب التائب، من الإنابة وهي الرجوع. وهذه الآية مما استدل به من يرى تكفير تارك الصلاة لما يقتضيه مفهومها، وأجيب بأن المراد أن ترك الصلاة من أفعال المشركين فورد النهي عن التشبه بهم، لا أن من وافقهم في الترك صار مشركا. وهي من أعظم ما ورد في القرآن في فضل الصلاة. ومناسبتها لحديث وفد عبد القيس أن في الآية اقتران نفي الشرك بإقامة الصلاة، وفي الحديث اقتران إثبات التوحيد بإقامتها، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الإيمان. وقوله في هذه الرواية: "حدثنا عباد وهو ابن عباد " كذا لأبي ذر، وسقطت الواو لغيره، وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، واسم جده حبيب بن المهلب بن أبي صفرة. وقوله: "إنا من هذا الحي " هو بالنصب على الاختصاص، والله أعلم.

(2/7)


باب البيعة على إقامة الصلاة
...
3 - باب الْبَيْعَةِ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ
524- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ
[انظر الحديث 57 وأطرافه]
قوله: "باب البيعة على إقام الصلاة" وفي رواية كريمة: "إقامة"، والمراد بالبيعة المبايعة على الإسلام.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة لأنها رأس العبادات البدنية، ثم أداء الزكاة لأنها رأس العبادات المالية، ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمس، فبايع جريرا على النصيحة لأنه كان سيد قومه فأرشده إلى تعليمهم بأمره بالنصيحة لهم، وبايع وفد عبد القيس على أداء الخمس لكونهم كانوا أهل محاربة من يليهم من كفار مضر، وقد تقدم الكلام على حديث جرير أيضا مستوفى في آخر كتاب الإيمان. و " يحيى " في الإسناد أيضا هو القطان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم.

(2/7)


4 - باب الصَّلاَةُ كَفَّارَةٌ
525- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ الأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ قَالَ: " كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ قُلْتُ أَنَا كَمَا قَالَهُ قَالَ إِنَّكَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ قُلْتُ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ وَلَكِنْ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ قَالَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا قَالَ أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ قَالَ يُكْسَرُ قَالَ إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا قُلْنَا أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ قَالَ نَعَمْ كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ الْبَابُ عُمَرُ"
[الحديث 525 – أطرافه في: 7096,3586,1895,1435]
قوله: "باب الصلاة كفارة" كذا للأكثر، وللمستملي: "باب تكفير الصلاة". قوله: "حدثنا يحيى" هو القطان، وشقيق هو ابن سلمة أبو وائل. قوله: "في الفتنة" للمستملي: "حدثني حذيفة". قوله: "في الفتنة" فيه دليل على جواز إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص. إذ تبين أنه لم يسأل إلا عن فتنة مخصوصة. ومعنى الفتنة في الأصل الاختبار والامتحان، ثم استعملت في كل أمر يكشفه الامتحان عن سوء. وتطلق على الكفر، والغلو في التأويل البعيد، وعلى الفضيحة والبلية والعذاب والقتال والتحول من الحسن إلى القبيح والميل إلى الشيء والإعجاب به، وتكون في الخير والشر كقوله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} . قوله: "أنا كما قاله" أي أنا أحفظ ما قاله، والكاف زائدة للتأكيد، أو هي بمعنى على. ويحتمل أن يراد بها المثلية، أي أقول مثل ما قاله. قوله: "عليه" أي على النبي صلى الله عليه وسلم "أو عليها" أي على المقالة، والشك من أحد رواته. قوله: "الأمر والنهي" أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما صرح به في الزكاة. قوله: "قلنا" هو مقول شقيق. و قوله: "إني حدثته" هو مقول حذيفة. و "الأغاليط" جمع أغلوطة. و قوله: "فهبنا" أي خفنا، وهو مقول شقيق أيضا. و قوله: "الباب عمر" لا يغاير قوله قبل ذلك "إن بينه وبين الفتنة بابا" لأن المراد بقوله بينك وبينها، أي بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك، وسيأتي الكلام على بقية فوائد هذا الحديث في علامات النبوة إن شاء الله تعالى.
526- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا قَالَ لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ قوله: "أن رجلا" هو أبو اليسر بفتح التحتانية والمهملة الأنصاري، رواه الترمذي وقيل غيره، ولم أقف على اسم المرأة المذكورة، ولكن جاء في بعض الأحاديث أنها من الأنصار. قوله: "لجميع أمتي كلهم" فيه مبالغة في التأكيد وسقط " كلهم " من رواية المستملي، وسيأتي الكلام على بقية فوائد هذا الحديث في آخر تفسير سورة

(2/8)


هود إن شاء الله تعالى. واحتج المرجئة بظاهره وظاهر الذي قبله على أن أفعال الخير مكفرة للكبائر والصغائر، وحمله جمهور أهل السنة على الصغائر عملا بحمل المطلق على المقيد كما سيأتي بسطه هناك إن شاء الله تعالى.

(2/9)


5 - باب فَضْلِ الصَّلاَةِ لِوَقْتِهَا
527- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي "
[الحديث 527- أطرافه في : 7534,5970,2782]
قوله: "باب فضل الصلاة لوقتها" كذا ترجم، وأورده بلفظ: "على وقتها " وهي رواية شعبة وأكثر الرواة، نعم أخرجه في التوحيد من وجه آخر بلفظ الترجمة، وكذا أخرجه مسلم باللفظين. قوله: "قال الوليد بن العيزار أخبرني" هو على التقديم والتأخير. قوله: "حدثنا صاحب هذه الدار" كذا رواه شعبة مبهما، ورواه مالك بن مغول عند المصنف في الجهاد وأبو إسحاق الشيباني في التوحيد عن الوليد فصرحا باسم عبد الله، وكذا رواه النسائي من طريق أبي معاوية النخعي عن أبي عمرو الشيباني وأحمد من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه. قوله: "وأشار بيده" فيه الاكتفاء بالإشارة المفهمة عن التصريح، وعبد الله هو ابن مسعود. قوله: "أي العمل أحب إلى الله" في رواية مالك بن مغول " أي العمل أفضل " وكذا لأكثر الرواة، فإن كان هذا اللفظ هو المسئول به فلفظ حديث الباب ملزوم عنه.
ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن " أفضل " ليست على بابها بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة. وقال ابن دقيق العيد: الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان لأنه من أعمال القلوب، فلا تعارض حينئذ بينه وبين حديث أبي هريرة " أفضل الأعمال إيمان بالله " الحديث. وقال غيره: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين، لأنه يتوقف على إذن الوالدين فيكون برهما مقدما عليه. قوله: "الصلاة على وقتها" قال ابن بطال فيه أن البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب. قلت: وفي أخذ ذلك من اللفظ المذكور نظر، قال ابن دقيق العيد: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أولا ولا آخرا، وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء. وتعقب بأن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ: "أحب " يقتضي المشاركة في الاستحباب فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت.
وأجيب بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت

(2/9)


أحب إلى الله من غيرها من الأعمال؛ فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور كالنائم والناسي فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبا، لكن إيقاعها في الوقت أحب. "تنبيه": اتفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور في الباب وهو قوله: "عن وقتها " وخالفهم علي ابن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم فقال: "الصلاة في أول وقتها " أخرجه الحاكم والدار قطني والبيهقي من طريقه. قال الدار قطني: ما أحسبه حفظه، لأنه كير وتغير حفظه. قلت: ورواه الحسن بن علي المعمري في " اليوم والليلة " عن أبي موسى محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة كذلك , قال الدار قطني: تفرد به المعمري، فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه بلفظ: "على وقتها " ثم أخرجه الدار قطني عن المحاملي عن أبي موسى كرواية الجماعة، وهكذا رواه أصحاب غندر عنه، والظاهر أن المعمري وهم فيه لأنه كان يحدث من حفظه، وقد أطلق النووي في " شرح المهذب " أن رواية: "في أول وقتها " ضعيفة ا هـ، لكن لها طريق أخرى أخرجها ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وغيرهما من طريق عثمان عن عمر عن مالك بن مغول عن الوليد، وتفرد عثمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مغول كرواية الجماعة، كذا أخرجه المصنف وغيره، وكأن من رواها كذلك ظن أن المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظة " على " لأنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فيتعين أوله، قال القرطبي وغيره: قوله: "لوقتها " اللام للاستقبال مثل قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي مستقبلات عدتهن، وقيل للابتداء كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وقيل بمعنى في، أي في وقتها. وقوله: "على وقتها " قيل على بمعنى اللام ففيه ما تقدم، وقيل لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه. قوله: "ثم أي" قيل: الصواب أنه غير منون لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة ثم يؤتي بما بعده قاله الفاكهاني. وحكى ابن الجوزي عن ابن الخشاب الجزم بتنوينه لأنه معرب غير مضاف، وتعقب بأنه مضاف تقديرا والمضاف إليه محذوف لفظا، والتقدير: ثم أي العمل أحب؟ فيوقف عليه بلا تنوين. وقد نص سيبوبه على أنها تعرب ولكنها تبنى إذا أضيفت، واستشكله الزجاج. قوله: "قال بر الوالدين" كذا للأكثر، وللمستملي: "قال ثم بر الوالدين " بزيادة ثم، قال بعضهم: هذا الحديث موافق لقوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} وكأنه أخذه من تفسير ابن عيينة حيث قال: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقبها فقد شكر لهما.
قوله: "حدثني بهن" هو مقول عبد الله بن مسعود، وفيه تقرير وتأكيد لما تقدم من أنه باشر السؤال وسمع الجواب. قوله: "ولو استزدته" يحتمل أن يريد من هذا النوع وهو مراتب أفضل الأعمال، ويحتمل أن يريد من مطلق المسائل المحتاج إليها، وزاد الترمذي من طريق المسعودي عن الوليد " فسكت عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني " فكأنه استشعر منه مشقة، ويؤيده ما في رواية لمسلم: "فما تركت أن أستزيده إلا إرعاء عليه " أي شفقة عليه لئلا يسأم. وفي الحديث فضل تعظيم الوالدين، وأن أعمال البر يفضل بعضها على بعض. وفيه السؤال عن مسائل شتى في وقت واحد، والرفق بالعالم، والتوقف عن الإكثار عليه خشية ملاله، وما كان عليه الصحابة من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والشفقة عليه، وما كان هو عليه من إرشاد المسترشدين ولو شق عليه. وفيه أن الإشارة تتنزل منزلة التصريح إذا كانت معينة للمشار إليه مميز له عن غيره. قال ابن بزيزة: الذي يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن. لأن

(2/10)


فيه بذل النفس، إلا أن الصبر على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على بر الوالدين أمر لازم متكرر دائم لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلا الصديقون، والله أعلم.

(2/11)


6 - باب الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ
528- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لاَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا"
قوله: "باب" بالتنوين "الصلوات الخمس كفارة" كذا ثبت في أكثر الروايات، وهي أخص من الترجمة السابقة على التي قبلها. وسقطت الترجمة من بعض الروايات، وعليه مشى ابن بطال ومن تبعه، وزاد الكشميهني بعد قوله: "كفارة للخطايا إذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها". قوله: "ابن أبي حازم والدراوردي" كل منهما يسمى عبد العزيز، وهما مدنيان، وكذا بقية رجال الإسناد. قوله: "عن يزيد بن عبد الله" أي ابن أبي أسامة بن الهاد الليثي، وهو تابعي صغير، ولم أر هذا الحديث بهذا الإسناد إلا من طريقه. وأخرجه مسلم أيضا من طريق الليث بن سعد وبكر بن مضر كلاهما عنه. نعم روى من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، أخرجه البيهقي في الشعب من طريق محمد بن عبيد عنه، لكنه شاذ لأن أصحاب الأعمش إنما رووه عنه عن أبي سفيان عن جابر، وهو عند مسلم أيضا من هذا الوجه.
قوله: "عن محمد بن إبراهيم" هو التيمي راوي حديث الأعمال، وهو من التابعين أيضا، ففي الإسناد ثلاثة تابعيون على نسق، قوله: "أرأيتم" هو استفهام تقرير متعلق بالاستخبار، أي أخبروني هل يبقى.
قوله: "لو أن نهرا" قال الطيبي: لفظ: "لو " يقتضي أن يدخل على الفعل وأن يجاب، لكنه وضع الاستفهام موضعه تأكيدا وتقريرا، والتقدير لو ثبت نهر صفته كذا لما بقي كذا، والنهر بفتح الهاء وسكونها ما بين جنبي الوادي، سمي بذلك لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه. قوله: "ما تقول" كذا في النسخ المعتمدة بإفراد المخاطب، والمعنى ما تقول يا أيها السامع؟ ولأبي نعيم في المستخرج على مسلم وكذا للإسماعيلي والجوزقي " ما تقولون " بصيغة الجمع، والإشارة في ذلك إلى الاغتسال، قال ابن مالك: فيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظن، وشرطه أن يكون مضارعا مسندا إلى المخاطب متصلا باستفهام. قوله: "يبقى" بضم أوله على الفاعلية. قوله: "من درنه" زاد مسلم: "شيئا " والدرن الوسخ، وقد يطلق الدرن على الحب الصغار التي تحصل في بعض الأجساد، ويأتي البحث في ذلك.
قوله: "قالوا لا يبقى" بضم أوله أيضا، و "شيئا" منصوب على المفعولية. ولمسلم: "لا يبقى " بفتح أوله و " شيء " بالرفع، والفاء في قوله: "فذلك " جواب شيء محذوف، أي إذا تقرر ذلك عندكم فهو مثل الصلوات الخ. وفائدة التمثيل التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس. قال الطيبي: في هذا الحديث مبالغة في نفي الذنوب لأنهم لم يقتصروا في الجواب على " لا " أعادوا اللفظ تأكيدا. وقال ابن العربي: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه ويطهره الماء الكثير فكذلك الصلوات تطهر العبد عن أقذار

(2/11)


الذنوب حتى لا تبقى له ذنبا إلا أسقطته، انتهى. وظاهره أن المراد بالخطايا في الحديث ما هو أعم من الصغيرة والكبيرة، لكن قال ابن بطال: يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصة، لأنه شبه الخطايا بالدرن والدرن صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من القروح والخراجات، انتهى. وهو مبني على أن المراد بالدرن في الحديث الحب، والظاهر أن المراد به الوسخ، لأنه هو الذي يناسبه الاغتسال والتنظف. وقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري التصريح بذلك، وهو فيما أخرجه البرار والطبراني بإسناد لا بأس به من طريق عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أرأيت لو أن رجلا كان له معتمل، وبين منزله ومعتمله خمسة أنهار، فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله فأصابه وسخ أو عرق، فكلما مر بنهر اغتسل منه " الحديث. ولهذا قال القرطبي: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تستقل بتكفير جميع الذنوب، وهو مشكل، لكن روى مسلم قبله حديث العلاء عن أبي هريرة مرفوعا: "الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر " فعلى هذا المقيد يحمل ما أطلق في غيره. "فائدة": قال ابن بزيزة في " شرح الأحكام ": يتوجه على حديث العلاء إشكال يصعب التخلص منه، وذلك أن الصغائر بنص القرآن مكفرة باجتناب الكبائر، وإذا كان كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس؟ انتهى. وقد أجاب عنه شيخنا الإمام البلقيني بأن السؤال غير وارد، لأن مراد الله "أن تجتنبوا" أي في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تكفر ما بينها - أي في يومها - إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارض بين الآية والحديث، انتهى. وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص منه بحمد الله سهل، وذلك أنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يعد مجتنبا للكبائر، لأن تركها من الكبائر فوقف التكفير على فعلها، والله أعلم. وقد فصل شيخنا الإمام البلقيني أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما يصدر منه من صغيرة وكبيرة، فقال: تنحصر في خمسة، أحدها: أن لا يصدر منه شيء البتة، فهذا يعاوض برفع الدرجات. ثانيها: يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تكفر عنه جزما.
ثالثها: مثله لكن مع الإصرار فلا تكفر إذا قلنا إن الإصرار على الصغائر كبيرة. رابعها: أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائر. خامسها: أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظر يحتمل إذا لم يجتنب الكبائر أن لا تكفر الكبائر بل تكفر الصغائر، ويحتمل أن لا تكفر شيئا أصلا، والثاني أرجح لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته لا يعمل به، فهنا لا تكفر شيئا إما لاختلاط الكبائر والصغائر أو لتمحض الكبائر أو تكفر الصغائر فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة لدورانه بين الفصلين فلا يعمل به، ويؤيده أن مقتضى تجنب الكبائر أن هناك كبائر، ومقتضى " ما اجتنبت الكبائر " أن لا كبائر فيصان الحديث عنه. "تنبيه": لم أر في شيء من طرقه عند أحد من الأئمة الستة وأحمد بلفظ: "ما تقول " إلا عند البخاري وليس هو عند أبي داود أصلا وهو عند ابن ماجه من حديث عثمان لا من حديث أبي هريرة، ولفظ مسلم: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل كان يبقى من درنه شيء " وعلى لفظه اقتصر عبد الحق في الجمع بين الصحيحين وكذا الحميدي، ووقع في كلام بعض المتأخرين بعد أن ساقه بلفظ: "ما تقولون " أنه في الصحيحين والسنن الأربعة، وكأنه أراد أصل الحديث، لكن يرد عليه أنه ليس عند أبي داود أصلا ولا ابن ماجه من حديث أبي هريرة. ووقع في بعض النسخ المتأخرة من البخاري بالياء التحتانية آخر الحروف " من يقول: "فزعم بعض أهل العصر أنه غلط وأنه لا

(2/12)


يصح من حيث المعنى، واعتمد على ما ذكره ابن مالك مما قدمته وأخطأ في ذلك، بل له وجه وجيه، والتقدير ما يقول أحدكم في ذلك. والشرط الذي ذكره ابن مالك وغيره من النحاة إنما هو لإجراء فعل القول مجرى فعل الظن كما تقدم، وأما إذا ترك القول على حقيقته فلا، وهذا ظاهر، وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به.

(2/13)


باب تصييع الصلاة عن وقتها
...
7 - باب تَضْيِيعِ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا
529- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ غَيْلاَنَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ الصَّلاَةُ قَالَ أَلَيْسَ صنعتم مَا صنعتم فِيهَا؟
530- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ أَخِي عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ لاَ أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلاَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ وَهَذِهِ الصَّلاَةُ قَدْ ضُيِّعَتْ
وَقَالَ بَكْرُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ نَحْوَهُ
قوله: "باب في تضييع الصلاة عن وقتها" ثبتت هذه الترجمة في رواية الحموي والكشميهني وسقطت للباقين.
قوله: "مهدي" هو ابن ميمون، وغيلان هو ابن جرير، والإسناد كله بصريون. قوله: "قيل الصلاة" أي قيل له الصلاة هي شيء مما كان على عهده صلى الله عليه وسلم وهي باقية فكيف يصح هذا السلب العام؟ فأجاب بأنهم غيروها أيضا بأن أخرجوها عن الوقت، وهذا الذي قال لأنس ذلل يقال له أبو رافع، بينه أحمد بن حنبل في روايته لهذا الحديث عن روح عن عثمان بن سعد عن أنس فذكر نحوه، " فقال أبو رافع: يا أبا حمزة ولا الصلاة؟ فقال له أنس: قد علمتم ما صنع الحجاج في الصلاة". قوله: "صنعتم" بالمهملتين والنون للأكثر، وللكشميهني بالمعجمة وتشديد الياء، وهو أوضح في مطابقة الترجمة، ويؤيد الأول ما ذكرته آنفا من رواية عثمان بن سعد وما رواه الترمذي من طريق أبي عمران الجوني عن أنس فذكر نحو هذا الحديث وقال في آخره: "أو لم يصنعوا في الصلاة ما قد علمتم "؟ وروى ابن سعد في الطبقات سبب قول أنس هذا القول، فأخرج في ترجمة أنس من طريق عبد الرحمن بن العريان الحارثي سمعت ثابتا البناني قال: كنا مع أنس بن مالك، فأخر الحجاج الصلاة، فقام أنس يريد أن يكلمه، فنهاه إخوانه شفقة عليه منه، فخرج فركب دابته فقال في مسيره ذلك " والله ما أعرف شيئا مما كنا عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا شهادة أن لا إله إلا الله " فقال رجل: فالصلاة يا أبا حمزة؟ قال: "قد جعلتم الظهر عند المغرب، أفتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " وأخرجه ابن أبي عمر في مسنده من طريق حماد عن ثابت مختصرا. قوله: "عن عثمان بن أبي رواد" هو خراساني سكن البصرة واسم أبيه ميمون. قوله: "أخو عبد العزيز" أي هو أخو عبد العزيز، وللكشميهني أخي عبد العزيز وهو بدل من قوله عثمان. قوله: "بدمشق" كان قدوم أنس دمشق في إمارة الحجاج على العراق، قدمها شاكيا من الحجاج للخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك. قوله: "مما أدركت" أي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: "إلا هذه الصلاة" بالنصب، والمراد أنه لا يعرف شيئا موجودا من الطاعات معمولا به

(2/13)


على وجهه غير الصلاة. قوله: "وهذه الصلاة قد ضيعت" قال المهلب: والمراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحب لا أنهم أخرجوها عن الوقت، كذا قال، وتبعه جماعة، وهو مع عدم مطابقته للترجمة مخالف للواقع، فقد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة، منها ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى " فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس ثم صليت العصر وأنا جالس إيماء وهو يخطب. وإنما فعل ذلك عطاء خوفا على نفسه من القتل. ومنها ما رواه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة من طريق أبي بكر عتبة قال: صليت إلى جنب أبي جحيفة فمسى الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة فصلى. ومن طريق ابن عمر أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه. ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل قال: كنت بمنى وصحف تقرأ للوليد فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان إيماء وهما قاعدان. قوله: "وقال بكر بن خلف" هو البصري نزيل مكة، وليس له في الجامع إلا هذا الموضع. وقد وصله الإسماعيلي قال: أخبرنا محمود بن محمد الواسطي قال أخبرنا أبو بشر بكر بن خلف.
قوله: "نحوه" سياقه عند الإسماعيلي موافق للذي قبله، إلا أنه زاد فيه: "وهو وحده " وقال فيه: "لا أعرف شيئا مما كنا عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والباقي سواء.
"تنبيه": إطلاق أنس محمول على ما شاهده من أمراء الشام والبصرة خاصة، وإلا فسيأتي في هذا الكتاب أنه قدم المدينة فقال: "ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف " والسبب فيه أنه قدم المدينة وعمر عبد العزيز أميرها حينئذ، وكان على طريقة هل بيته حتى أخبره عروة عن بشير بن أبي مسعود عن أبيه بالنص على الأوقات، فكان يحافظ بعد ذلك على عدم إخراج الصلاة عن وقتها كما تقدم بيانه في أوائل الصلاة. ومع ذلك فكان يراعى الأمر معهم فيؤخر الظهر إلى آخر وقتها. وقد أنكر ذلك أنس أيضا كما في حديث أبي أمامة بن سهل عنه.

(2/14)


8 - باب الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
531- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ فَلاَ يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى
وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ لاَ يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ
وَقَالَ شُعْبَةُ لاَ يَبْزُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ
وَقَالَ حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَبْزُقْ فِي الْقِبْلَةِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ
قوله: "باب المصلي يناجي ربه" تقدم الكلام على حديث هذا الباب في أبواب المساجد، ومناسبة هذه الترجمة لما قبلها من جهة أن الأحاديث السابقة دلت على مدح من أوقع الصلاة في وقتها وذم من أخرجها عن وقتها، ومناجاة الرب جل جلاله أرفع درجات العبد، فأشار المصنف بإيراد ذلك إلى الترغيب في المحافظة على الفرائض في أوقاتها لتحصيل هذه المنزلة السنية التي يخشى فواتها على من قصر في ذلك. قوله: "حدثنا هشام" هو ابن أبي عبد الله

(2/14)


9 - باب الإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ
534,533- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ
[الحديث533- طرفه في:536] " إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلاَةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ"
قوله: "باب الإبراد بالظهر في شدة الحر" قدم المصنف باب الإبراد على باب وقت الظهر لأن لفظ الإبراد يستلزم أن يكون بعد الزوال لا قبله، إذ وقت الإبراد هو ما إذا انحطت قوة الوهج من حر الظهيرة، فكأنه أشار إلى أول وقت الظهر. أو أشار إلى حديث جابر بن سمرة قال: "كان بلال يؤذن الظهر إذا دحضت الشمس " أي مالت. قوله: "حدثنا أيوب" هو ابن سليمان بن بلال كما في رواية أبي ذر، وأبو بكر هو ابن أبي أويس وهو من أقران أيوب، وسليمان هو ابن بلال والد أيوب، روى أيوب عنه تارة بواسطة وتارة بلا واسطة. قوله: "حدثنا الأعرج عبد الرحمن وغيره" هو أبو سلمة بن عبد الرحمن فيما أظن، وقد رواه أبو نعيم في المستخرج من وجه

(2/15)


آخر عن أيوب بن سليمان فلم يقل فيه: "وغيره". والإسناد كله مدنيون. قوله: "ونافع" هو بالرفع عطفا على الأعرج، وهو من رواية صالح بن كيسان عن نافع، وقد روى ابن ماجه من طريق عبد الرحمن الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بعضه " أبردوا بالظهر " وروى السراج من هذا الوجه بعضه " شدة الحر من فيح جهنم". قوله: "أنهما" أي أبا هريرة وابن عمر "حدثاه" أي حدثا من حدث صالح بن كيسان، ويحتمل أن يكون ضمير أنهما يعود على الأعرج ونافع، أي أن الأعرج ونافعا حدثاه أي صالح بن كيسان عن شيخيهما بذلك. ووقع في رواية الإسماعيلي: "أنهما حدثا " بغير ضمير فلا يحتاج إلى التقدير المذكور. قوله: "إذا اشتد" أصله اشتدد بوزن افتعل من الشدة ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى، ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد من باب الأولى. قوله: "فأبردوا" بقطع الهمزة وكسر الراء، أي أخروا إلى أن يبرد الوقت. يقال أبرد إذا دخل في البرد كأظهر إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان أنجد إذا دخل نجدا، وأتهم إذا دخل تهامة. والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل أمر إرشاد، وقيل بل هو للوجوب. حكاه عياض وغيره، وغفل الكرماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب، نعم قال جمهور أهل العلم يستحب تأخير الظهر في شدة الحر إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، وخصه بعضهم بالجماعة، فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل، وهذا قول أكثر المالكية، والشافعي أيضا لكن خصه بالبلد الحار، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدا من بعد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كن فالأفضل في حقهم التعجيل، والمشهور عن أحمد التسوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قول إسحاق والكوفيين وابن المنذر، واستدل له الترمذي بحديث أبي ذر الآتي بعد هذا لأن في روايته أنهم كانوا في سفر، وهي رواية للمصنف أيضا ستأتي قريبا، قال: فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد. قال الترمذي والأول أولى للاتباع. وتعقبه الكرماني بأن العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب الرعي فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة. انتهى. وأيضا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر، وليس هناك كن يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته أنه استنبط من النص العام - وهو الأمر بالإبراد - معنى يخصصه، وذلك جائز على الأصح في الأصول، لكنه مبني على أن العلة في. ذلك تأذيهم بالحر في طريقهم، وللمتمسك بعمومه أن يقول: العلة فيه تأذيهم بحر الرمضاء في جباههم حالة السجود، ويؤيده حديث أنس " كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر " رواه أبو عوانة في صحيحه بهذا اللفظ، وأصله في مسلم، وفي حديث أنس أيضا في الصحيحين نحوه وسيأتي قريبا. والجواب عن ذلك أن العلة الأولى أظهر، فإن الإبراد لا يزيل الحر عن الأرض، وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقا. وقالوا: معنى أبردوا صلوا في أول الوقت أخذا من برد النهار وهو أوله، وهو تأويل بعيد، ويرده قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم " إذ التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير، وحديث أبي ذر الآتي صريح في ذلك حيث قال: "انتظر. انتظر " والحامل لهم على ذلك حديث خباب " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا " أي فلم يزل شكوانا، وهو حديث صحيح رواه مسلم. وتمسكوا أيضا بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت، وبأن الصلاة حينئذ أكثر مشقة فتكون أفضل، والجواب عن حديث خباب أنه محمول على أنهم طلبوا تأخيرا

(2/16)


زائدا عن وقت الإبراد وهو زوال حر الرمضاء ، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلذلك لم يجبهم، أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد فإنها متأخرة عنه، واستدل له الطحاوي بحديث المغيرة بن شعبة قال: "كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا أبردوا بالصلاة " الحديث، وهو حديث رجاله ثقات رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان. ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الإبراد رخصة والتعجيل أفضل، وهو قول من قال إنه أمر إرشاد، وعكسه بعضهم فقال: الإبراد أفضل. وحديث خباب يدل على الجواز وهو الصارف للأمر عن الوجوب. كذا قيل وفيه نظر، لأن ظاهره المنع من التأخير. وقيل معنى قول خباب " فلم يشكنا " أي فلم يحوجنا إلى شكوى بل أذن لنا في الإبراد، حكي عن ثعلب، ويرده أن في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله: "فلم يشكنا " وقال: "إذا زالت الشمس فصلوا " وأحسن الأجوبة كما قال المازري الأول، والجواب عن أحاديث أول الوقت أنها عامة أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاص فهو مقدم، ولا التفات إلى من قال التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل، لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضل كما في قصر الصلاة في السفر. قوله: "بالصلاة" كذا للأكثر، والباء للتعدية، وقيل زائدة. ومعنى أبردوا أخروا على سبيل التضمين أي أخروا الصلاة. وفي رواية الكشميهني: "عن الصلاة " فقيل زائدة أيضا أو عن بمعنى الباء، أو هي للمجاوزة أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر، والمراد بالصلاة الظهر لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبا في أول وقتها، وقد جاء صريحا في حديث أبي سعيد كما سيأتي آخر الباب، فلهذا حمل المصنف في الترجمة المطلق على المقيد والله أعلم.
وقد حمل بعضهم الصلاة على عمومها بناء على أن المفرد المعرف يعم، فقال به أشهب في العصر. وقال به أحمد في رواية عنه في الشتاء حيث قال: تؤخر في الصيف دون الشتاء، ولم يقل أحد به في المغرب ولا في الصبح لضيق وقتهما. قوله: "فإن شدة الحر" تعليل لمشروعية التأخير المذكور، وهل الحكمة فيه دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع؟ وهذا أظهر، أو كونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب؟ ويؤيده حديث عمرو بن عبسة عند مسلم حيث قال له " أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنها ساعة تسجر فيها جهنم " وقد استشكل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة ففعلها مظنة لطرد العذاب. فكيف أمر بتركها؟ وأجاب عنه أبو الفتح اليعمري بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه، واستنبط له الزين بن المنير معنى يناسبه فقال: وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلبا ودعاء فناسب الاقتصار عنها حينئذ. واستدل بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بأن الله تعالى غضب غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، سوى نبينا صلى الله عليه وسلم فلم يعتذر بل طلب لكونه أذن له في ذلك. ويمكن أن يقال سجر جهنم سبب فيحها وفيحها سبب وجود شدة الحر وهو مظنة المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع فناسب أن لا يصلي فيها. لكن يرد عليه أن سجرها مستمر في جميع السنة والإبراد مختص بشدة الحر فهما متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقة، وحكمة الترك وقت سجرها لكونه وقت ظهور أثر الغضب والله أعلم.
قوله: "من فيح جهنم" أي من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح أي متسع، وهذا كناية عن شدة استعارها، وظاهره أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة، وقيل هو من مجاز التشبيه، أي كأنه نار جهنم في الحر، والأول أولى. ويؤيده الحديث الآتي: "اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين " وسيأتي البحث فيه.

(2/17)


535- حَدَّثَنَا بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ فَقَالَ أَبْرِدْ أَبْرِدْ أَوْ قَالَ انْتَظِرْ انْتَظِرْ وَقَالَ شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلاَةِ حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ
[الحديث535- أطرافه في 3258,629,539]"
قوله: "عن المهاجر أبي الحسن" المهاجر اسم وليس بوصف والألف واللام فيه للمح الصفة كما في العباس، وسيأتي في الباب الذي بعده بغير ألف ولام. قوله: "عن أبي ذر" في رواية المصنف في صفة النار من طريق أخرى عن شعبة بهذا الإسناد " سمعت أبا ذر". قوله: "أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم" هو بلال كما سيأتي قريبا. قوله: "الظهر" بالنصب، أي أذن وقت الظهر، ورواه الإسماعيلي بلفظ: "أراد أن يؤذن بالظهر " وسيأتي بلفظ للظهر وهما واضحان. قوله: "فقال أبرد" ظاهره أن الأمر بالإبراد وقع بعد تقدم الأذان منه، وسيأتي في الباب الذي بعده بلفظ فأراد أن يؤذن للظهر، وظاهره أن ذلك وقع قبل الأذان فيجمع بينهما على أنه شرع في الأذان فقيل له أبرد فترك، فمعنى أذن: شرع في الأذان، ومعنى أراد أن يؤذن: أي يتم الأذان، والله أعلم. قوله: "حتى رأينا فيء التلول" كذا وقع هنا مؤخرا عن قوله: "شدة الحر الخ"، وفي غير هذه الرواية وقع ذلك عقب قوله: "أبردوا " وهو أوضح في السياق لأن الغاية متعلقة بالإبراد، وسيأتي في الباب الذي بعده بقية مباحثه إن شاء الله تعالى
536- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ"
537- "وَاشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ"
[الحديث537- طرفه في: 3260]
538- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَحْيَى وَأَبُو عَوَانَةَ عَنْ الأَعْمَشِ
[الحديث 538 – طرفه في 3259]
قوله: "حفظناه من الزهري" في رواية الإسماعيلي عن جعفر الفريابي عن علي بن المديني شيخ المصنف فيه بلفظ: "حدثنا الزهري". قوله: "عن سعيد بن المسيب" كذا رواه أكثر أصحاب سفيان عنه، ورواه أبو العباس السراج عن أبي قدامة عن سفيان عن الزهري عن سعيد أو أبي سلمة أحدهما أو كلاهما، ورواه أيضا من طريق شعيب ابن أبي حمزة عن الزهري عن سلمة وحده، والطريقان محفوظان، فقد رواه الليث وعمرو بن الحارث عند مسلم، ومعمر وابن جريج عند أحمد، وابن أخي الزهري وأسامة بن زيد عند السراج، ستتهم عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة. قوله: "واشتكت النار" في رواية الإسماعيلي: "قال واشتكت النار "

(2/18)


وفاعل قال هو النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالإسناد المذكور قبل، ووهم من جعله موقوفا أو معلقا. وقد أفرده أحمد في مسنده عن سفيان، وكذلك السراج من طريق سفيان وغيره، وقد اختلف في هذه الشكوى هل هي بلسان المقال أو بلسان الحال؟ واختار كلا طائفة. وقال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر، والأول أرجح. وقال عياض: إنه الأظهر. وقال القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته. قال: وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله فحمله على حقيقته أولى. وقال النووي نحو ذلك ثم قال: حمله على حقيقته هو الصواب. وقال نحو ذلك التوربشتي، ورجح البيضاوي حمله على المجاز فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضها بعضا مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها. وقال الزين بن المنير: المختار حمله على الحقيقة لصلاحية القدرة لذلك، ولأن استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت، لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن والقبول والتنفس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما ألف من استعماله. قوله: "بنفسين" بفتح الفاء، والنفس معروف وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء. قوله: "نفس في الشتاء ونفس في الصيف" بالجر فيهما على البدل أو البيان، ويجوز الرفع والنصب. قوله: "أشد" يجوز الكسر فيه على البدل، لكنه في روايتنا بالرفع. قال البيضاوي: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره فذلك أشد. وقال الطيبي: جعل أشد مبتدأ محذوف الخبر أولى، والتقدير أشد ما تجدون من الحر من ذلك النفس. قلت: يؤيد الأول رواية الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ فهو أشد، ويؤيد الثاني رواية النسائي من وجه آخر بلفظ فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم، وفي سياق المصنف لف ونشر غير مرتب، وهو مرتب في رواية النسائي. والمراد بالزمهرير شدة البرد، واستشكل وجوده في النار، ولا إشكال لأن المراد بالنار محلها وفيها طبقة زمهريرية: وفي الحديث رد على من زعم من المعتزلة وغيرهم أن النار لا تخلق إلا يوم القيامة. "تنبيهان" الأول: قضية التعليل المذكور قد يتوهم منها مشروعية تأخير الصلاة في وقت شدة البرد، ولم يقل به أحد، لأنها تكون غالبا في وقت الصبح فلا تزول إلا بطلوع الشمس، فلو أخرت لخرج الوقت. الثاني: النفس المذكور ينشأ عنه أشد الحر في الصيف، وإنما لم يقتصر في الأمر بالإبراد على أشده لوجود المشقة عند شديده أيضا، فالأشدية تحصل عند التنفس، والشدة مستمرة بعد ذلك فيستمر الإبراد إلى أن تذهب الشدة، والله أعلم. قوله: "بالظهر" قد يحتج به على مشروعية الإبراد للجمعة. وقال به بعض الشافعية، وهو مقتضى صنيع المصنف كما سيأتي في بابه، لكن الجمهور على خلافه كما سيأتي توجيهه إن شاء الله تعالى. قوله: "تابعه سفيان" هو الثوري. قد وصله المؤلف في صفة النار من بدء الخلق ولفظه: "بالصلاة " ولم أره من طريق سفيان بلفظ: "بالظهر " وفي إسناده اختلاف على الثوري رواه عبد الرزاق عنه بهذا الإسناد فقال: "عن أبي هريرة " بدل أبي سعيد أخرجه أحمد عنه، والجوزقي من طريق عبد الرزاق أيضا، ثم روى عن الذهلي قال: هذا الحديث رواه أصحاب الأعمش عنه عن أبي صالح عن أبي سعيد، وهذه الطريق أشهر. ورواه زائدة وهو متقن عنه، فقال: عن أبي هريرة، قال: والطريقان عندي محفوظان، لأن الثوري رواه عن الأعمش بالوجهين. قوله: "ويحيى" هو ابن سعيد القطان. وقد وصله أحمد عنه بلفظ: "بالصلاة " ورواه الإسماعيلي عن أبي يعلى عن المقدمي عن يحيى بلفظ: "بالظهر" . قوله: "وأبو عوانة" لم أقف على من وصله عنه، وقد أخرجه السراج من طريق محمد بن عبيد، والبيهقي من طريق وكيع، كلاهما عن الأعمش أيضا بلفظ: "بالظهر" .

(2/19)


"فائدة": رتب المصنف أحاديث هذا الباب ترتيبا حسنا، فبدأ بالحديث المطلق، وثنى بالحديث الذي فيه الإرشاد إلى غاية الوقت التي ينتهي إليها الإبراد وهو ظهور فيء التلول، وثلث بالحديث الذي فيه بيان العلة في كون ذلك المطلق محمولا على المقيد، وربع بالحديث المفصح بالتقييد. والله الموفق.

(2/20)


3 - باب الإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ
539- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ مَوْلَى لِبَنِي تَيْمِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَبْرِدْ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ أَبْرِدْ حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَتَفَيَّأُ يتَمَيَّلُ
قوله: "باب الإبراد بالظهر في السفر" أراد بهذه الترجمة أن الإبراد لا يختص بالحضر، لكن محل ذلك ما إذا كان المسافر نازلا، أما إذا كان سائرا أو على سير ففيه جمع التقديم أو التأخير كما سيأتي في بابه. وأورد فيه حديث أبي ذر الماضي مقيدا بالسفر، مشيرا به إلى أن تلك الرواية المطلقة محمولة على هذه المقيدة. قوله: "فأراد المؤذن" في رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن شبابة، ومسدد عن أمية بن خالد، والترمذي من طريق أبي داود الطيالسي وأبي عوانة من طريق حفص بن عمر، ووهب بن جرير والطحاوي والجوزقي من طريق وهب أيضا، كلهم عن شعبة التصريح بأنه بلال. قوله: "ثم أراد أن يؤذن فقال له أبرد " زاد أبو داود في روايته عن أبي الوليد عن شعبة " مرتين أو ثلاثا " وجزم مسلم بن إبراهيم عن شعبة بذكر الثالثة، وهو عند المصنف في " باب الأذان للمسافرين " فإن قيل: الإبراد للصلاة فكيف أمر المؤذن به للأذان؟ فالجواب أن ذلك مبني على أن الأذان هل هو للوقت أو للصلاة؟ وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يقوي القول بأنه للصلاة. وأجاب الكرماني بأن عادتهم جرت بأنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة، فالإبراد بالأذان لغرض الإبراد بالعبادة، قال: ويحتمل أن المراد بالتأذن هنا الإقامة. قلت: ويشهد له رواية الترمذي من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة بلفظ: "فأراد بلال أن يقيم " لكن رواه أبو عوانة من طريق حفص بن عمر عن شعبة بلفظ: "فأراد بلال أن يؤذن " وفيه: "ثم أمره فأذن وأقام " ويجمع بينهما بأن إقامته كانت لا تتخلف عن الأذان لمحافظته صلى الله عليه وسلم على الصلاة في أول الوقت، فرواية: "فأراد بلال أن يقيم " أي أن يؤذن ثم يقيم، ورواية: "فأراد أن يؤذن " أي ثم يقيم. قوله: "حتى رأينا فيء التلول" هذه الغاية متعلقة بقوله: "فقال له أبرد " أي كان يقول له في الزمان الذي قبل الرؤية أبرد، أو متعلقة بأبرد أي قال له أبرد إلى أن ترى، أو متعلقة بمقدر أي قال له أبرد فأبرد إلى أن رأينا، والفيء بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة هو ما بعد الزوال من الظل، والتلول جمع تل بفتح المثناة وتشديد اللام: كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة غير شاخصة فلا يظهر لها ظل إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر، وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد، فقيل: حتى يصير الظل ذراعا بعد ظل الزوال، وقيل ربع قامة، وقيل ثلثها، وقيل نصفها، وقيل غير ذلك. ونزلها المازري على اختلاف الأوقات، والجاري على

(2/20)


11- باب وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَقَالَ جَابِرٌ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالْهَاجِرَةِ
540- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا ثُمَّ قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ فَلاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فَقَالَ مَنْ أَبِي قَالَ أَبُوكَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ"
قوله: "باب" بالتنوين "وقت الظهر" أي ابتداؤه "عند الزوال" أي زوال الشمس، وهو ميلها إلى جهة المغرب.
وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم من الكوفيين أن الصلاة لا تجب بأول الوقت كما سيأتي.
ونقل ابن بطال أن الفقهاء بأسرهم على خلاف ما نقل عن الكرخي عن أبي حنيفة أن الصلاة في أول الوقت تقع نفلا، انتهى.
والمعروف عند الحنفية تضعيف هذا القول.
ونقل بعضهم أن أول الظهر إذا صار الفيء قدر الشراك.
قوله: "وقال جابر" هو طرف من حديث وصله المصنف في " باب وقت المغرب " بلفظ: "كان يصلي الظهر بالهاجرة " والهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار، قيل سميت بذلك من الهجر وهو الترك لأن الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون. وحديث أنس تقدم في العلم في " باب من برك على ركبتيه " بهذا الإسناد لكن باختصار، وسيأتي الكلام على فوائده مستوعبا إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام. قوله: "زاغت" أي مالت، وقد رواه الترمذي بلفظ: "زالت " والغرض منه هنا صدر الحديث وهو قوله: "خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر " فإنه يقتضي أن زوال الشمس أول وقت الظهر، إذ لم ينقل أنه صلى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة أنه جوز صلاة الظهر قبل الزوال. وعن أحمد وإسحاق مثله في الجمعة كما سيأتي في بابه. قوله: "في عرض هذا الحائط" بضم العين، أي جانبه أو وسطه. قوله: "فلم أر كالخير والشر" أي المرئي في ذلك المقام.

(2/21)


541- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ وَلاَ يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ قَالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ وَقَالَ مُعَاذٌ قَالَ شُعْبَةُ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: "أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ"
[الحديث 541 – أطرافه في 771,599,568,547]
قوله: "عن أبي المنهال" في رواية الكشميهني: "حدثنا أبو المنهال " وهو سيار بن سلامة الآتي ذكره في " باب وقت العصر " من رواية عوف عنه. قوله: "يعرف جليسه" أي الذي بجنبه، ففي رواية الجوزقي من طريق وهب بن جرير عن شعبة " فينظر الرجل إلى جليسه إلى جنبه فيعرف وجهه " ولأحمد " فينصرف الرجل فيعرف وجه جليسه " وفي رواية لمسلم: "فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه". وله في أخرى " وننصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض". قوله: "والعصر" بالنصب أي ويصلي العصر. قوله: "وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة رجع والشمس حية" كذا وقع هنا في رواية أبي ذر والأصيلي. وفي رواية غيرهما: "ويرجع " بزيادة واو وبصيغة المضارعة عليها شرح الخطابي، وظاهره حصول الذهاب إلى أقصى المدينة والرجوع من ثم إلى المسجد، لكن في رواية عوف الآتية قريبا " ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية " فليس فيه إلا الذهاب فقط دون الرجوع، وطريق الجمع بينها وبين رواية الباب أن يقال: يحتمل أن الواو في قوله: "وأحدنا " بمعنى " ثم " على قول من قال إنها ترد للترتيب مثل ثم، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير ثم يذهب أحدنا أي ممن صلى معه. وأما قوله: "رجع " فيحتمل أن يكون بمعنى يرجع ويكون بيانا لقوله يذهب، ويحتمل أن يكون رجع في موضع الحال أي يذهب راجعا، ويحتمل أن أداة الشرط سقطت إما لو أو إذا، والتقدير ولو يذهب أحدنا الخ، وجوز الكرماني أن يكون رجع خبرا للمبتدأ الذي هو أحدنا ويذهب جملة حالية، وهو وإن كان محتملا من جهة اللفظ لكنه يغاير رواية عوف، وقد رواه أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة بلفظ: "والعصر يرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية " ولمسلم والنسائي من طريق خالد بن الحارث عن شعبة مثله لكن بلفظ: "يذهب " بدل يرجع. وقال الكرماني أيضا بعد أن حكى احتمالا آخر وهو أي قوله رجع عطف على يذهب والواو مقدرة ورجع بمعنى يرجع. انتهى. وهذا الاحتمال الأخير جزم به ابن بطال، وهو موافق للرواية التي حكيناها. ويؤيد ذلك رواية أبي داود عن حفص بن عمر شيخ المصنف فيه بلفظ: "وإن أحدنا ليذهب إلى أقصى المدينة ويرجع والشمس حية " وقد قدمنا ما يرد عليها وأن رواية عوف أوضحت أن المراد بالرجوع الذهاب أي من المسجد، وإنما سمي رجوعا لأن ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد فكان الذهاب منه إلى المنزل رجوعا، وسيأتي الكلام على بقية مباحث هذا الحديث في " باب وقت العصر " قريبا. قوله: "وقال معاذ" هو ابن معاذ البصري "عن شعبة" أي بإسناده المذكور. وهذا التعليق وصله مسلم عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه به، والإسناد كله بصريون، وكذا الذي قبله. وجزم حماد بن سلمة عن أبي المنهال عند مسلم بقوله: "إلى ثلث الليل " وكذا لأحمد عن حجاج عن شعبة. الحديث: 542- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِي

(2/22)


غَالِبٌ الْقَطَّانُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ
قوله: "حدثنا محمد" كذا للأصيلي وغيره، ولأبي ذر " ابن مقاتل". قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك. قوله: "أخبرنا خالد بن عبد الرحمن" كدا وقع هنا مهملا، وهو السلمي واسم جده بكير، وثبت الأمران في مستخرج الإسماعيلي، وليس له عند البخاري غير هذا الحديث الواحد، وفي طبقته خالد بن عبد الرحمن الخراساني نزيل دمشق وخالد بن عبد الرحمن الكوفي العبدي ولم يخرج لهما البخاري شيئا. قوله: "بالظهائر" جمع ظهيرة وهي الهاجرة، والمراد صلاة الظهر. قوله: "سجدنا على ثيابنا" كذا في رواية أبي ذر والأكثرين. وفي رواية كريمة: "فسجدنا " بزيادة فاء وهي عاطفة على شيء مقدر. قوله: "اتقاء الحر" أي للوقاية من الحر، وقد روى هذا الحديث بشر بن المفضل عن غالب كما مضى، ولفظه مغاير للفظه، لكن المعنى متقارب، وقد تقدم الكلام عليه في " باب السجود على الثوب في شدة الحر " وفيه الجواب عن استدلال من استدل به على جواز السجود على الثوب ولو كان يتحرك بحركته، وفيه المبادرة لصلاة الظهر ولو كان في شدة الحر. ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد، بل هو لبيان الجواز وإن كان الإبراد أفضل، والله أعلم.

(2/23)


12 - باب تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ
543- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فَقَالَ أَيُّوبُ لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ قَالَ عَسَى
[الحديث 543- طرفاه في :51174,562]
قوله: "باب تأخير الظهر إلى العصر" أي إلى أول وقت العصر. والمراد أنه عند فراغه منها دخل وقت صلاة العصر كما سيأتي عن أبي الشعثاء راوي الحديث. وقال الزين بن المنير: أشار البخاري إلى إثبات القول باشتراك الوقتين، لكن لم يصرح بذلك على عادته في الأمور المحتملة لأن لفظ الحديث يحتمل ذلك ويحتمل غيره، قال: والترجمة مشعرة بانتفاء الفاصلة بين الوقتين، وقد نقل ابن بطال عن الشافعي وتبعه غيره فقالوا: قال الشافعي بين وقت الظهر وبين وقت العصر فاصلة لا تكون وقتا للظهر ولا للعصر ا ه. ولا يعرف ذلك في كتب المذهب عن الشافعي، وإنما المنقول عنه أنه كان يذهب إلى أن آخر وقت الظهر ينفصل من أول وقت العصر، ومراده نفي القول بالاشتراك. ويدل عليه أنه احتج بقول ابن عباس " وقت الظهر إلى العصر والعصر إلى المغرب " فكما أنه لا اشتراك بين العصر والمغرب فكذلك لا اشتراك بين الظهر والعصر. قوله: "عن جابر بن زيد" هو أبو الشعثاء، والإسناد كله بصريون. قوله: "سبعا وثمانيا" أي سبعا جميعا وثمانيا جميعا كما صرح به في " باب وقت المغرب " من طريق شعبة عن عمرو بن دينار. قوله: "فقال أيوب" هو السختياني، والمقول له هو أبو الشعثاء. قوله: "عسى" أي أن يكون كما قلت، واحتمال المطر قال به أيضا مالك عقب إخراجه لهذا الحديث عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس

(2/23)


نحوه. وقال بدل قوله بالمدينة " من غير خوف ولا سفر " قال مالك: لعله كان في مطر، لكن رواه مسلم وأصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير بلفظ: "من غير خوف ولا مطر " فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف أو السفر أو المطر، وجوز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض، وقواه النووي، وفيه نظر، لأنه لو كان جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلا من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم جمع بأصحابه، وقد صرح بذلك ابن عباس في روايته، قال النووي: ومنهم من تأوله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم مثلا فبان أن وقت العصر دخل فصلاها، قال وهو باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء ا هـ. وكأن نفيه الاحتمال مبني على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد، والمختار عنده خلافه، وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء، فعلى هذا فالاحتمال قائم. قال: ومنهم من تأوله على أن الجمع المذكور صوري، بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجل العصر في أول وقتها. قال: وهو احتمال ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل ا هـ. وهذا الذي ضعفه استحسنه القرطبي ورجحه قبله إمام الحرمين وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به، وذلك فيما رواه الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار، فذكر هذا الحديث وزاد: قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه. قال ابن سيد الناس: وراوي الحديث أدري بالمراد من غيره. قلت: لكن لم يجزم بذلك، بل لم يستمر عليه، فقد تقدم كلامه لأيوب وتجويزه لأن يكون الجمع بعذر المطر، لكن يقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع. فإما أن تحمل على مطلقها فيستلزم إخراح الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري أولى والله أعلم صلى الله عليه وسلم. وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، واستدل لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير قال: فقلت لابن عباس لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته. وللنسائي من طريق عمرو ابن هرم عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل، وفيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء. وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه. وما ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع، وقد جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعا أخرجه الطبراني ولفظه: "جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي " وإرادة نفي الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج.

(2/24)


13 - بَاب وَقْتُ الْعَصْرِ "وقال أبو أسامة عن هشام من قعر حجرتها"
544- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا"
545- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرْ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا
546- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلاَةَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرْ الْفَيْءُ بَعْدُ"
وَقَالَ مَالِكٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَشُعَيْبٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ "وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ"
قوله (باب وقت العصر . وقال أبو أسامة عن هشام من قعر حجرتها) كذا وقع هذا التعليق في رواية أبي ذر والأصيلي وكريمة. والصواب تأخيره عن الإسناد الموصول كما جرت به عادة المصنف. والحاصل أن أنس بن عياض وهو أبو ضمرة الليثي وأبا أسامة رويا الحديث عن هشام وهو ابن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة وزاد أبو أسامة التقييد بقعر الحجرة، وهو أوضح في تعجيل العصر من الرواية المطلقة، وقد وصل الإسماعيلي طريق أبي أسامة في مستخرجه لكن بلفظ: "والشمس واقعة في حجرتي " وعرف بذلك أن الضمير في قوله: "حجرتها " لعائشة، وفيه نوع التفات.وإسناد أبي ضمرة كلهم مدنيون، والمراد بالحجرة - وهي بضم المهملة وسكون الجيم - البيت، والمراد بالشمس ضوؤها.وقوله في رواية الزهري "والشمس في حجرتها" أي باقية، وقوله: "لم يظهر الفيء " أي في الموضع الذي كانت الشمس فيه.وقد تقدم في أول المواقيت من طريق مالك عن الزهري بلفظ: "والشمس في حجرتها قبل أن تظهر " أي ترتفع، فهذا الظهور غير ذلك الظهور.ومحصله أن المراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة، وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة.وليس بين الروايتين اختلاف، لأن انبساط الفيء لا يكون إلا بعد خروج الشمس. قوله: "ابن عيينة عن الزهري" في رواية الحميدي في مسنده " عن ابن عيينة حدثنا الزهري " وفي رواية محمد بن منصور عند الإسماعيلي: "عن سفيان سمعته أذناي ووعاه قلبي من الزهري". قوله: "والشمس طالعة"، أي ظاهرة. قوله: "بعد" بالضم بلا تنوين. قوله: "وقال مالك الخ" يعني أن الأربعة المذكورين رووه عن الزهري بهذا الإسناد فجعلوا الظهور للشمس، وابن عيينة جعله الفيء. وقد قدمنا توجيه ذلك وطريق الجمع بينهما، وأن طريق مالك وصلها المؤلف في أول المواقيت، وأما طريق يحيى بن سعيد وهو الأنصاري فوصلها الذهلي في الزهريات، وأما طريق شعيب، وهو ابن أبي حمزة فوصلها الطبراني في مسند الشاميين، وأما طريق ابن أبي حفصة وهو محمد بن ميسرة فرويناها من طريق ابن عدي في نسخة إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي حفصة. والمستفاد من هذا الحديث تعجيل صلاة العصر في أول وقتها، وهذا هو الذي فهمته عائشة، وكذا الراوي عنها عروة واحتج به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر كما تقدم. وشذ الطحاوي فقال:

(2/25)


لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلا بقرب غروبها فيدل على التأخير لا على التعجيل، وتعقب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصور مع اتساع الحجرة، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن متسعة، ولا يكون ضوء الشمس باقيا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمة مرتفعة، وإلا متى مالت جدا ارتفع ضوؤها عن قاع الحجرة، ولو كانت الجدر قصيرة. قال النووي: كانت الحجرة ضيقة العرصة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقل من مسافة العرصة بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله كانت الشمس بعد في أواخر العرصة ا هـ. وكأن المؤلف لما لم يقع له حديث على شرطه في تعيين أول وقت العصر - وهو مصير ظل كل شيء مثله - استغنى بهذا الحديث الدال على ذلك بطريق الاستنباط، وقد أخرج مسلم عدة أحاديث مصرحة بالمقصود. ولم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة في ذلك، إلا عن أبي حنيفة، فالمشهور عنه أنه قال: أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثليه بالتثنية، قال القرطبي: خالفه الناس كلهم في ذلك حتى أصحابه - يعني الآخذين عنه - وإلا فقد انتصر له جماعة ممن جاء بعدهم فقالوا ثبت الأمر بالإبراد ولا يحصل إلا بعد ذهاب اشتداد الحر، ولا يذهب في تلك البلاد إلا بعد أن يصير ظل الشيء مثليه، فيكون أول وقت العصر مصير الظل مثليه، وحكاية مثل هذا تغني عن رده.
547- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلاَمَةَ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ فَقَالَ كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ
548- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ
[الحديث548- أطرافه في :7329,551,550]
549- حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ يَقُولُ صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ فَقُلْتُ يَا عَمِّ مَا هَذِهِ الصَّلاَةُ الَّتِي صَلَّيْتَ قَالَ الْعَصْرُ وَهَذِهِ صَلاَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك وعوف هو الأعرابي. قوله: "دخلت أنا وأبي" زاد الإسماعيلي: "زمن أخرج ابن زياد من البصرة " قلت: وكان ذلك في سنة أربع وستين كما سيأتي في كتاب الفتن، وسلامة والد سيار حكى عنه ولده هنا ولم أجد من ترجمه، وقد وقعت لابنه عنه رواية في الطبراني الكبير في ذكر الحوض. قوله: "المكتوبة" أي المفروضة، واستدل به على أن الوتر ليس من المكتوبة لكون أبي برزة لم يذكره وفيه

(2/26)


بحث. قوله: "كان يصلي الهجير" أي صلاة الهجير، والهجير والهاجرة بمعنى، وهو وقت شدة الحر، وسميت الظهر بذلك لأن وقتها يدخل حينئذ. قوله: "تدعونها الأولى" قيل سميت الأولى لأنها أول صلاة النهار وقيل لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم حين بين له الصلوات الخمس. قوله: "حين تدحض الشمس" أي تزول عن وسط السماء مأخوذ من الدحض وهو الزلق. وفي رواية لمسلم: "حين تزول الشمس " ومقتضى ذلك أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها، ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد أو قبل الأمر بالإبراد أو عند فقد شروط الإبراد لأنه يختص بشدة الحر، أو لبيان الجواز. وقد يتمسك بظاهره من قال إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلا بتقديم ما يمكن تقديمه من طهارة وستر وغيرهما قبل دخول الوقت، ولكن الذي يظهر أن المراد بالحديث التقريب. فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل عند دخول الوقت بغير أسباب الصلاة. قوله: "إلى رحله" بفتح الراء وسكون المهملة، أي مسكنه. قوله: "في أقصى المدينة" صفة للرحل. قوله: "والشمس حية" أي بيضاء نقية. قال الزين بن المنير: المراد بحياتها قوة أثرها حرارة ولونا وشعاعا وإنارة، وذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلي الشيء ا هـ. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن خيثمة أحد التابعين قال: حياتها أن تجد حرها. قوله: "ونسيت ما قال في المغرب" قائل ذلك هو سيار، بينه أحمد في روايته عن حجاج عن شعبة عنه. قوله: "أن يؤخر من العشاء" أي من وقت العشاء، قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استحباب التأخير قليلا لأن التبعيض يدل عليه، وتعقب بأنه بعض مطلق لا دلالة فيه على قلة ولا كثرة، وسيأتي في " باب وقت العشاء " من حديث جابر أن التأخير إنما كان لانتظار من يجيء لشهود الجماعة. قوله: "التي تدعونها العتمة" فيه إشارة إلى ترك تسميتها بذلك، وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد. وقال الطيبي: لعل تقييده الظهر والعشاء دون غيرهما للاهتمام بأمرهما، فتسمية الظهر بالأولى يشعر بتقديمها، وتسمية العشاء بالعتمة يشعر بتأخيرها، وسيأتي الكلام على كراهة النوم قبلها في باب مفرد. قوله: "وكان ينفتل" أي ينصرف من الصلاة، أو يلتفت إلى المأمومين. قوله: "من صلاة الغداة" أي الصبح، وفيه أنه لا كراهة في تسمية الصبح بذلك. قوله: "حين يعرف الرجل جليسه" تقدم الكلام على اختلاف ألفاظ الرواية فيه، واستدل بذلك على التعجيل بصلاة الصبح لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صح بأن ذلك كان عند فراغ الصلاة. ومن المعلوم من عادته صلى الله عليه وسلم ترتيل القراءة وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مغلسا، وادعى الزين بن المنير أنه مخالف لحديث عائشة الآتي حيث قالت فيه: "لا يعرفن من الغلس"، وتعقب بأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أن حديث أبي برزة متعلق بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلي فهو ممكن، وحديث عائشة متعلق بمن هو متلفف مع أنه على بعد فهو بعيد. قوله: "ويقرأ" أي في الصبح "بالستين إلى المائة" يعني من الآي. وقدرها في رواية الطبراني بسورة الحاقة ونحوها، وتقدم في " باب وقت الظهر " بلفظ: "ما بين الستين إلى المائة " وأشار الكرماني أن القياس أن يقول ما بين الستين والمائة لأن لفظ: "بين " يقتضي الدخول على متعدد. قال: ويحتمل أن يكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه. وفي السياق تأدب الصغير مع الكبير، ومسارعة المسئول بالجواب إذا كان عارفا به. الحديث قوله: "إلى بني عمرو بن عوف" أي بقباء لأنها كانت منازلهم. وإخراج المصنف لهذا الحديث مشعر بأنه كان يرى أن قول الصحابي " كنا نفعل كذا " مسند ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن

(2/27)


النبي صلى الله عليه وسلم وهو اختيار الحاكم. وقال الدار قطني والخطيب وغيرهما: هو موقوف. والحق أنه موقوف لفظا مرفوع حكما، لأن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج، فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى ابن المبارك هذا الحديث عن مالك فقال فيه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر " الحديث، أخرجه النسائي. قال النووي: قال العلماء كانت منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وكانوا يصلون العصر في وسط الوقت لأنهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم، فدل هذا الحديث على تعجيل النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة العصر في أول وقتها، وسيأتي في طريق الزهري عن أنس أن الرجل كان يأتيهم والشمس مرتفعة. قوله: "سمعت أبا أمامة" هو أسعد بن سهل بن حنيف، وهو عم الراوي عنه. وفي القصة دليل على أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي الصلاة في آخر وقتها تبعا لسفله، إلى أن أنكر عليه عروة فرجع إليه كما تقدم، وإنما أنكر عليه عروة في العصر دون الظهر لأن وقت الظهر لا كراهة فيه بخلاف وقت العصر. وفيه دليل على صلاة العصر في أول وقتها أيضا، وهو عند انتهاء وقت الظهر، ولهذا تشكك أبو أمامة في صلاة أنس أهي الظهر أو العصر، فيدل أيضا على عدم الفاصلة بين الوقتين. وقوله له " يا عم " هو على سبيل التوقير ولكونه أكبر سنا منه مع أن نسبهما مجتمع في الأنصار، لكنه ليس عمه على الحقيقة، والله أعلم.
550- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ
551- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ
قوله: "باب وقت العصر" كذا وقع وفي رواية المستملي دون غيرة، وهو خطأ لأنه تكرار بلا فائدة.
قوله: "والشمس مرتفعة حية" فيه إشارة إلى بقاء حرها وضوئها كما تقدم. وقوله بعد ذلك "فيأتيهم والشمس مرتفعة" أي دون ذلك الارتفاع. لكنها لم تصل إلى الحد الذي توصف به بأنها منخفضة، وفي ذلك دليل على تعجيله صلى الله عليه وسلم لصلاة العصر لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال، وروى النسائي والطحاوي واللفظ له من طريق أبي الأبيض عن أنس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة فأقول لهم قوموا فصلوا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى " قال الطحاوي: نحن نعلم أن أولئك - يعني قوم أنس - لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فدل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجلها. قوله: "وبعض العوالي" كذا وقع هنا أي بين بعض العوالي والمدينة المسافة المذكورة، وروى البيهقي حديث الباب من طريق أبي بكر الصغاني عن أبي اليماني شيخ البخاري فيه وقال في آخره: "وبعد العوالي " بضم الموحدة وبالدال المهملة، وكذلك أخرجه المصنف في الاعتصام تعليقا، ووصله البيهقي من طريق الليث عن يونس عن الزهري لكن قال: "أربعة أميال أو ثلاثة"، وروى هذا الحديث أبو عوانة في صحيحه وأبو العباس السراج جميعا عن أحمد بن الفرج أبي عتبة

(2/28)


عن محمد بن حمير عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الزهري ولفظه: "والعوالي من المدينة على ثلاثة أميال"، أخرجه الدار قطني عن المحاملي عن أبي عتبة المذكور بسنده فوقع عنده " على ستة أميال " ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فقال فيه: "على ميلين أو ثلاثة " فتحصل من ذلك أن أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين وأبعدها مسافة ستة أميال إن كانت رواية المحاملي محفوظة. ووقع في المدونة عن مالك " أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال " قال عياض: كأنه أراد معظم عمارتها وإلا فأبعدها ثمانية أميال. انتهى. وبذلك جزم ابن عبد البر وغير واحد آخرهم صاحب النهاية. ويحتمل أن يكون أراد أنه أبعد الأمكنة التي كان يذهب إليها الذاهب في هذه الوقعة، والعوالي عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها فيقال لها السافلة. "تنبيه": قوله: "وبعض العوالي الخ" مدرج من كلام الزهري في حديث أنس، بينه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في هذا الحديث فقال فيه - بعد قوله والشمس حية - قال الزهري: والعوالي من المدينة على ميلين أو ثلاثة، ولم يقف الكرماني على هذا فقال: هو إما كلام البخاري أو أنس أو الزهري كما هو عادته. قوله في الطريق الأخرى "كنا نصلي العصر" أي مع النبي صلى الله عليه وسلم كما يظهر ذلك من الطرق الأخرى، وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك كذلك مصرحا به أخرجه الدار قطني في غرائبه. قوله: "ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء" كأن أنسا أراد بالذاهب نفسه كما تشعر بذلك رواية أبي الأبيض المتقدمة. قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك أنه قال في هذا الحديث: "إلى قباء " ولم يتابعه أحد من أصحاب الزهري بل كلهم يقولون " إلى العوالي " وهو الصواب عند أهل الحديث. قال: وقول مالك إلى قباء وهم لا شك فيه. وتعقب بأنه روى عن ابن أبي ذئب عن الزهري " إلى قباء " كما قال مالك، نقله الباجي عن الدار قطني فنسبة الوهم فيه إلى مالك منتقد، فإنه إن كان وهما احتمل أن يكون منه وأن يكون من الزهري حين حدث به مالكا، وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك فقال فيه: "إلى العوالي " كما قال الجماعة، فقد اختلف فيه على مالك وتوبع عن الزهري بخلاف ما جزم به ابن عبد البر. وأما قوله: الصواب عند أهل الحديث العوالي، فصحيح من حيث اللفظ. ومع ذلك فالمعنى متقارب، لكن رواية مالك أخص لأن قباء من العوالي وليست العوالي كل قباء، ولعل مالكا لما رأى أن في رواية الزهري إجمالا حملها على الرواية المفسرة وهي روايته المتقدمة عن إسحاق حيث قال فيها " ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف " وقد تقدم أنهم أهل قباء، فبنى مالك على أن القصة واحدة لأنهما جميعا حدثاه عن أنس والمعنى متقارب، فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكا وهم فيه. وأما استدلال ابن بطال على أن الوهم فيه ممن دون مالك برواية خالد بن مخلد المتقدمة الموافقة لرواية الجماعة عن الزهري ففيه نظر، لأن مالكا أثبته في الموطأ باللفظ الذي رواه عنه كافة أصحابه، فرواية خالد بن مخلد عنه شاذة. فكيف تكون دالة على أن رواية الجماعة وهم؟ بل إن سلمنا أنها وهم فهو من مالك كما جزم به البزار والدار قطني ومن تبعهما؟ أو من الزهري حين حدثه به؟ والأولى سلوك طريق الجمع التي أوضحناها والله الموفق. قال ابن رشيد: قضى البخاري بالصواب لمالك بأحسن إشارة وأوجز عبارة، لأنه قدم أولا المجمل ثم أتبعه بحديث مالك المفسر المعين. "تنبيه": قباء تقدم ضبطها في باب ما جاء في القبلة. قوله: "إلى قباء فيأتيهم" أي أهل قباء وهو على حد قوله تعالى: {واسأل القرية} والله أعلم. قال النووي: في الحديث المبادرة بصلاة العصر في أول وقتها، لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين أو أكثر والشمس لم تتغير، ففيه دليل للجمهور في أن أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثله خلافا لأبي حنيفة. وقد

(2/29)


مضى ذلك في الباب الذي قبله.

(2/30)


باب إثم من قاتته العصر
...
14 - باب إِثْمُ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ
552- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاَةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ"
قوله: "باب إثم من فاتته صلاة العصر" أشار المصنف بذكر الإثم إلى أن المراد بالفوات تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر، لأن الإثم إنما يترتب على ذلك، وسيأتي البحث في ذلك. قوله: "الذي تفوته" قال ابن بزيزة: فيه رد على من كره أن يقول فاتتنا الصلاة. قلت: وسيأتي الكلام على ذلك في باب مفرد في صلاة الجماعة. قوله: "صلاة العصر فكأنما" كذا للكشميهني، وسقط للأكثر لفظ صلاة والفاء من قوله فكأنما. قوله: "وتر أهله" هو بالنصب عند الجمهور على أنه مفعول ثان لوتر، وأضمر في وتر مفعول لم يسم فاعله وهو عائد على الذي فاتته، فالمعنى أصيب بأهله وماله. وهو متعد إلى مفعولين. ومثله قوله تعالى:{ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }، وإلى هذا أشار المصنف فيما وقع في رواية المستملي قال: قال أبو عبد الله يتركم. انتهى. وقيل وتر هنا بمعنى نقص، فعلى هذا يجوز نصبه ورفعه، لأن من رد النقص إلى الرجل نصب وأضمر ما يقوم مقام الفاعل، ومن رده إلى الأهل رفع. وقال القرطبي: يروى بالنصب على أن وتر بمعنى سلب وهو يتعدى إلى مفعولين، وبالرفع على أن وتر بمعنى أخذ فيكون أهله هو المفعول الذي لم يسم فاعله. ووقع في رواية المستملي أيضا وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا أو أخذت ماله، وحقيقة الوتر كما قال الخليل هو الظلم في الدم، فعلى هذا فاستعماله في المال مجاز، لكن قال الجوهري: الموتور هو الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه وتر وتقول أيضا وتره حقه أي نقصه. وقيل الموتور من أخذ أهله أو ماله وهو ينظر إليه وذلك أشد لغمه، فوقع التشبيه بذلك لمن فاتته الصلاة لأنه يجتمع عليه غمان: غم الإثم وغم فقد الثواب. كما يجتمع على الموتور غمان: غم السلب، وغم الطلب بالثأر. وقيل: معنى وتر أخذ أهله وماله فصار وترا أي فردا، ويؤيد الذي قبله رواية أبي مسلم الكجي من طريق حماد بن سلمة عن أيوب نافع فذكر نحو هذا الحديث وزاد في آخره: "وهو قاعد"، وظاهر الحديث التغليظ على من تفوته العصر، وأن ذلك مختص بها. وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون هذا الحديث خرج جوابا لسائل سأل عن صلاة العصر فأجيب، فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصلوات بها. وتعقبه النووي بأنه إنما يلحق غير المنصوص بالمنصوص إذا عرفت العلة واشتركا فيها. قال: والعلة في هذا الحكم لم تتحقق فلا يلتحق غير العصر بها. انتهى. وهذا لا يدفع الاحتمال. وقد احتج ابن عبد البر بما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق أبي قلابة عن أبي الدرداء مرفوعا: "من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته " الحديث. قلت: وفي إسناده انقطاع لأن أبا قلابة لم يسمع من أبي الدرداء. وقد رواه أحمد من حديث أبي الدرداء بلفظ: "من ترك العصر " فرجع حديث أبي الدرداء إلى تعيين العصر. وروى ابن حبان وغيره من حديث نوفل بن معاوية مرفوعا: "من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله " وهذا ظاهره العموم في الصلوات المكتوبات. وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن نوفل بلفظ: "لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له

(2/30)


من أن يفوته وقت صلاة " وهذا أيضا ظاهره العموم. ويستفاد منه أيضا ترجيح توجيه رواية النصب المصدر بها، لكن المحفوظ من حديث نوفل بلفظ: "من الصلوات صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله " أخرجه المصنف في علامات النبوة ومسلم أيضا والطبراني وغيرهم، ورواه الطبراني من وجه آخر وزاد فيه عن الزهري: قلت لأبي بكر - يعني ابن عبد الرحمن وهو الذي حدثه به - ما هذه الصلاة؟ قال: العصر. ورواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر فصرح بكونها العصر في نفس الخبر، والمحفوظ أن كونها العصر من تفسير أبي بكر بن عبد الرحمن، ورواه الطحاوي والبيهقي من وجه آخر وفيه أن التفسير من قول ابن عمر، فالظاهر اختصاص العصر بذلك، وسيأتي تقريره في الكلام على الحديث الذي بعده. ومما يدل على أن المراد بتفويتها إخراجها عن وقتها ما وقع في رواية عبد الرزاق فإنه أخرج هذا الحديث عن ابن جريج عن نافع فذكر نحوه وزاد: "قلت لنافع: حين تغيب الشمس؟ قال: نعم " وتفسير الراوي إذا كان فقيها أولى من غيره، لكن روى أبو داود عن الأوزاعي أنه قال في هذا الحديث: "وفواتها أن تدخل الشمس صفرة " ولعله مبني على مذهبه في خروج وقت العصر. ونقل عن ابن وهب أن المراد إخراجها عن الوقت المختار. وقال المهلب ومن تبعه من الشراح: إنما أراد فواتها في الجماعة لا فواتها باصفرار الشمس أو بمغيبها. قال: ولو كان لفوات وقتها كله لبطل اختصاص العصر، لأن ذهاب الوقت موجود في كل صلاة ونوقض بعين ما ادعاه، لأن فوات الجماعة موجود في كل صلاة لكن في صدر كلامه أن العصر اختصت بذلك لاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها، وتعقبه ابن المنير بأن الفجر أيضا فيها اجتماع المتعاقبين فلا يختص العصر بذلك، قال: والحق أن الله تعالى يختص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة. انتهى. وبوب الترمذي على حديث الباب: "ما جاء في السهو عن وقت العصر " فحمله على الساهي، وعلى هذا فالمراد بالحديث أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى ما يلحق من ذهب منه أهله وماله، وقد روى بمعنى ذلك عن سالم بن عبد الله بن عمر، ويؤخذ منه التنبيه على أن أسف العامد أشد، لاجتماع فقد الثواب وحصول الإثم. قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إشارة إلى تحقير الدنيا وأن قليل العمل خير من كثير منها. وقال ابن بطال: لا يوجد حديث يقوم مقام هذا الحديث، لأن الله تعالى قال: "حافظوا على الصلوات" وقال: ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غير هذا الحديث.

(2/31)


15 - باب مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ
553- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ بَكِّرُوا بِصَلاَةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ"
[الحديث 553 – طرفه في :594]
قوله: "باب من ترك العصر" أي ما يكون حكمه؟ قال ابن رشيد: أجاد البخاري حيث اقتصر على صدر الحديث فأبقى فيه محلا للتأويل. وقال غيره: كان ينبغي أن يذكر حديث الباب في الباب الذي قبله ولا يحتاج إلى هذه الترجمة. وتعقب بأن الترك أصرح بإرادة التعمد من الفوات. قوله: "حدثنا مسلم بن إبراهيم" سقط عند الأصيلي: "ابن إبراهيم". قوله: "حدثنا هشام" وقع عند غير أبي ذر " أنبأنا هشام " وهو ابن أبي عبد الله

(2/31)


الدستوائي. قوله: "أخبرنا يحيى" عند غير أبي ذر " حدثنا". قوله: "عن أبي قلابة" عند ابن خزيمة من طريق أبي داود الطيالسي عن هشام عن يحيى أن أبا قلابة حدثه. قوله: "عن أبي المليح" عند المصنف في " باب التبكير بالصلاة في يوم الغيم " عن معاذ بن فضالة عن هشام في هذا الإسناد أن أبا المليح حدثه، وأبو المليح هو ابن أسامة بن عمير الهذلي، وقد تقدم أن اسمه عامر وأبوه صحابي، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين على نسق. وتابع هشاما على هذا الإسناد عن يحيى بن أبي كثير شيبان ومعمر وحديثهما عند أحمد، وخالفهم الأوزاعي فرواه عن يحيى عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عن بريدة، والأول هو المحفوظ، وخالفهم أيضا في سياق المتن كما سيأتي التنبيه عليه في " باب التبكير " المذكور إن شاء الله تعالى. قوله: "كنا مع بريدة" هو ابن الحصيب الأسلمي. قوله: "ذي غيم" قيل خص يوم الغيم بذلك لأنه مظنة التأخير إما لمتنطع يحتاط لدخول الوقت فيبالغ في التأخير حتى يخرج الوقت، أو لمتشاغل بأمر آخر فيظن بقاء الوقت فيسترسل في شغله إلى أن يخرج الوقت. قوله: "بكروا" أي عجلوا، والتبكير يطلق لكل من بادر بأي شيء كان في أي وقت كان، وأصله المبادرة بالشيء أول النهار. قوله: "فإن النبي صلى الله عليه وسلم" الفاء للتعليل، وقد استشكل معرفة تيقن دخول أول الوقت مع وجود الغيم لأنهم لم يكونوا يعتمدون فيه إلا على الشمس، وأجيب باحتمال أن بريدة قال ذلك عند معرفة دخول الوقت، لأنه لا مانع في يوم الغيم من أن تظهر الشمس أحيانا. ثم إنه لا يشترط - إذا احتجبت الشمس - اليقين بل يكفي الاجتهاد. قوله: "من ترك صلاة العصر" زاد معمر في روايته: "متعمدا " وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء. قوله: "فقد حبط" سقط " فقد " من رواية المستملي. وفي رواية معمر " أحبط الله عمله". وقد استدل بهذا الحديث من يقول بتكفير أهل المعاصي من الخوارج وغيرهم وقالوا: هو نظير قوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} وقال ابن عبد البر: مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله فيتعارض مفهومها ومنطوق الحديث فيتعين تأويل الحديث، لأن الجمع إذا أمكن كان أولى من الترجيح. وتمسك بظاهر الحديث أيضا الحنابلة ومن قال بقولهم من أن تارك الصلاة يكفر، وجوابهم ما تقدم. وأيضا فلو كان على ما ذهبوا إليه لما اختصت العصر بذلك. وأما الجمهور فتأولوا الحديث، فافترقوا في تأويله فرقا. فمنهم من أول سبب الترك، ومنهم من أول الحبط، ومنهم من أول العمل فقيل: المراد من تركها جاحدا لوجوبها، أو معترفا لكن مستخفا مستهزئا بمن أقامها. وتعقب بأن الذي فهمه الصحابي إنما هو التفريط، ولهذا أمر بالمبادرة إليها، وفهمه أولى من فهم غيره كما تقدم. وقيل المراد من تركها متكاسلا لكن خرج الوعيد مخرج الزجر الشديد وظاهره غير مراد كقوله: "لا يزني الزاني وهو مؤمن " وقيل هو من مجاز التشبيه كأن المعنى: فقد أشبه من حبط عمله، وقيل معناه كاد أن يحبط، وقيل المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله، فكأن المراد بالعمل الصلاة خاصة، أي لا يحصل على أجر من صلى العصر ولا يرتفع له عملها حينئذ، وقيل المراد بالحبط الإبطال أي يبطل انتفاعه بعمله في وقت ما ثم ينتفع به، كمن رجحت سيئاته على حسناته فإنه موقوف في المشيئة فإن غفر له فمجرد الوقوف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك وإن عذب ثم غفر له فكذلك. قال معنى ذلك القاضي أبو بكر بن العربي، وقد تقدم مبسوطا في كتاب الإيمان في " باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله " ومحصل ما قال أن المراد بالحبط في الآية غير المراد بالحبط في الحديث. وقال في شرح الترمذي: الحبط على قسمين، حبط إسقاط وهو إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات، وحبط موازنة

(2/32)


وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة فيرجع إليه جزاء حسناته. وقيل المراد بالعمل في الحديث عمل الدنيا الذي يسبب الاشتغال به ترك الصلاة، بمعنى أنه لا ينتفع به ولا يتمتع، وأقرب هذه التأويلات قول من قال: إن ذلك خرج مخرج الزجر الشديد وظاهره غير مراد، والله أعلم.

(2/33)


16 - باب فَضْلُ صَلاَةِ الْعَصْرِ
554- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ افْعَلُوا لاَ تَفُوتَنَّكُمْ
[الحديث 554-أطرافه في: 7486,7429,3223]
قوله: "باب فضل صلاة العصر" أي على جميع الصلوات إلا الصبح، وإنما حملته على ذلك لأن حديثي الباب لا يظهر منهما رجحان العصر عليها، ويحتمل أن يكون المراد أن العصر ذات فضيلة لا ذات أفضلية . قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم، ووقع عند ابن مردويه من طريق شعبة عن إسماعيل التصريح بسماع إسماعيل من قيس وسماع قيس من جرير. قوله: "فنظر إلى القمر ليلة" زاد مسلم: "ليلة البدر " وكذا للمصنف من وجه آخر، وهو خال من العنعنة أيضا كما سيأتي في " باب فضل صلاة الفجر". قوله: "لا تضامون" بضم أوله مخففا، أي لا يحصل لكم ضيم حينئذ، وروى بفتح أوله والتشديد من الضم، والمراد نفي الازدحام، وسيأتي بسط ذلك في كتاب التوحيد. قوله: "فإن استطعتم أن لا تغلبوا" فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة كالنوم والشغل ومقاومة ذلك بالاستعداد له. و قوله: "فافعلوا" أي عدم الغلبة، وهو كناية عما ذكر من الاستعداد. ووقع في رواية شعبة المذكورة " فلا تغفلوا عن صلاة " الحديث. قوله: "قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" زاد مسلم: "يعني العصر والفجر " ولابن مردويه من وجه آخر عن إسماعيل " قبل طلوع الشمس صلاة الصبح وقبل غروبها صلاة العصر " وقال ابن بطال قال المهلب: قوله: "فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة " أي في الجماعة. قال: وخص هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما ورفعهم أعمال العباد لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم. قلت: وعرف بهذا مناسبة إيراد حديث: "يتعاقبون " عقب هذا الحديث، لكن لم يظهر لي وجه تقييد ذلك بكونه

(2/33)


في جماعة، وإن كان فضل الجماعة معلوما من أحاديث أخر، بل ظاهر الحديث يتناول من صلاهما ولو منفردا، إذ مقتضاه التحريض على فعلهما أعم من كونه جماعة أو لا. قوله: "فافعلوا" قال الخطابي: هذا يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين ا ه. وقد يستشهد لذلك بما أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر رفعه، قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة " فذكر الحديث وفيه: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية " وفي سنده ضعف. قوله: "ثم قرأ" كذا في جميع روايات الجامع، وأكثر الروايات في غيره بإبهام فاعل قرأ، وظاهره أنه النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم أر ذلك صريحا، وحمله عليه جماعة من الشراح، ووقع عند مسلم عن زهير بن حرب عن مروان بن معاوية بإسناد حديث الباب: "ثم قرأ جرير " أي الصحابي، وكذا أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق يعلى بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد، فظهر أنه وقع في سياق حديث الباب وما وافقه إدراج. قال العلماء: ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازي المحافظ عليهما بأفضل العطايا وهو النظر إلى الله تعالى. وقيل لما حقق رؤية الله تعالى برؤية القمر والشمس - وهما آيتان عظيمتان شرعت لخسوفهما الصلاة والذكر - ناسب من يحب رؤية الله تعالى أن يحافظ على الصلاة عند غروبها ا هـ. ولا يخفى بعده وتكلفه، والله أعلم. الحديث: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ قوله: "يتعاقبون" أي تأتي طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية. قال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين بأن يأتي هذا مرة ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش أن يجهز الأمير بعثا إلى مدة ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين. قال القرطبي: الواو في قوله: "يتعاقبون " علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بلحارث وهم القائلون أكلوني البراغيث، ومنه قول الشاعر بحوران يعصرن السليط أقاربه وهي لغة فاشية وعليها حمل الأخفش قوله تعالى: {وأسروا النجوى الذين ظلموا} قال: وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، فإن تلك اللغة مشهورة ولها وجه من القياس واضح. وقال غيره في تأويل الآية: قوله: "وأسروا" عائد على الناس المذكورين أولا. و "الذين ظلموا" بدل من الضمير. وقيل التقدير أنه لما قيل "وأسروا النجوى" قيل: من هم؟ قال: "الذين ظلموا" حكاه الشيخ محيي الدين، والأول أقرب إذ الأصل عدم التقدير. وتوارد جماعة من الشراح على أن حديث الباب من هذا القبيل، ووافقهم ابن مالك وناقشه أبو حيان زاعما أن هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتج لذلك بما رواه البزار من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار " الحديث، وقد سومح في العزو إلى مسند البزار مع أن هذا الحديث بهذا اللفظ في الصحيحين فالعزو إليهما أولى، وذلك أن هذا الحديث رواه عن أبي الزناد مالك في الموطأ ولم يختلف عليه باللفظ المذكور وهو قوله: "يتعاقبون فيكم " وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أخرجه سعيد بن منصور عنه، وقد أخرجه البخاري في بدء الخلق من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد بلفظ: "الملائكة يتعاقبون: ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار" ، وأخرجه النسائي أيضا من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزناد بلفظ: "إن الملائكة يتعاقبون فيكم " فاختلف فيه علي أبي الزناد، فالظاهر أنه كان تارة يذكره هكذا وتارة هكذا، فيقوي بحث أبي حيان، ويؤيد ذلك أن غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رووه

(2/34)


تاما فأخرجه أحمد ومسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عقبة لكن بحذف " إن " من أوله، وأخرجه ابن خزيمة والسراج من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "إن لله ملائكة يتعاقبون " وهذه هي الطريقة التي أخرجها البزار، وأخرجه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح من طريق أبي موسى عن أبي هريرة بلفظ: "إن الملائكة فيكم يتعقبون " وإذا عرف ذلك فالعزو إلى الطريق التي تتحد مع الطريق التي وقع القول فيها أولى من طريق مغايرة لها، فليعز ذلك إلى تخريج البخاري والنسائي من طريق أبي الزناد لما أوضحته. والله الموفق. قوله: "فيكم" أي المصلين أو مطلق المؤمنين. قوله: "ملائكة" قيل هم الحفظة نقله عياض وغيره عن الجمهور، وتردد ابن بزيزة. وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم، ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: "كيف تركتم عبادي". قوله: "ويجتمعون" قال الزين بن المنير: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك منزل على حالين. قلت: وهو ظاهر. وقال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، كما يحتمل أن التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم، وأن يقع التعاقب بينهم في النوع لا في الشخص. قال عياض: والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده وإكرامه لهم بأن جعل اجتماع ملائكته في حال طاعة عباده لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة. قلت: وفيه شيء، لأنه رجح أنهم الحفظة، ولا شك أن الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذكر، ويحتمل أن يقال إن الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين، لكنه بناء على أنهم غير الحفظة. وفيه إشارة إلى الحديث الآخر " إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما " فمن ثم وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه. قوله: "ثم يعرج الذين باتوا فيكم" استدل به بعض الحنفية على استحباب تأخير صلاة العصر ليقع عروج الملائكة إذا فرغ منها آخر النهار، وتعقب بأن ذلك غير لازم، إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة بل جائز أن تفرغ الصلاة ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضا من أن تصعد ملائكة النهار وبعض النهار باق وتقيم ملائكة الليل، ولا يرد على ذلك وصفهم بالمبيت بقوله: "باتوا فيكم " لأن اسم المبيت صادق عليهم ولو تقدمت إقامتهم بالليل قطعة من النهار. قوله: "الذين باتوا فيكم" اختلف في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر كقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} أي وإن لم تنفع، وقوله تعالى: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ } أي والبرد، وإلى هذا أشار ابن التين وغيره، ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل، فلو ذكره لكان تكرارا. ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على هذا الشق دون الآخر أن الليل مظنة المعصية فلما لم يقع منهم عصيان - مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه - واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك، فكان السؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار لكون النهار محل الاشتهار. وقيل: الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار، وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون عن وقت العصر، وهو

(2/35)


خلاف ظاهر الحديث كما سيأتي. ثم هو مبني على أنهم الحفظة وفيه نظر لما سنبينه، وقيل بناه أيضا على أنهم الحفظة أنهم ملائكة النهار فقط وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة الليل هم الذين يعرجون ويتعاقبون، ويؤيده ما رواه أبو نعيم في " كتاب الصلاة " له من طريق الأسود بن يزيد النخعي قال: يلتقي الحارسان - أي ملائكة الليل وملائكة النهار - عند صلاة الصبح فيسلم بعضهم على بعض فتصعد ملائكة الليل وتلبث ملائكة النهار. وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة، وأما النزول فيقع في الصلاتين معا، وفيه التعاقب، وصورته أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت، ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فيجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر فتنزل الطائفة الأخرى حصل اجتماعهم عند العصر أيضا ولا يصعد منهم أحد بل تبيت الطائفتان أيضا ثم تعرج إحدى الطائفتين ويستمر ذلك فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر والعروج بالفجر، فلهذا خص السؤال بالذين باتوا، والله أعلم. وقيل: إن قوله في هذا الحديث: "ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر " وهم لأنه ثبت في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه: "وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر " قال أبو هريرة: وأقرؤوا إن شئتم "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" وفي الترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} قال: "تشهده ملائكة الليل والنهار " وروى ابن مردويه من حديث أبي الدرداء مرفوعا نحوه، قال ابن عبد البر: ليس في هذا دفع للرواية التي فيها ذكر العصر، إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية والحديث الآخر عدم اجتماعهم في العصر لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، قال: ويحتمل أن يكون الاقتصار وقع في الفجر لكونها جهرية، وبحثه الأول متجه لأنه لا سبيل إلى ادعاء توهيم الراوي الثقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيما أن الزيادة من العدل الضابط مقبولة. ولم لا يقال: إن رواية من لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النهار واقع من تقصير بعض الرواة، أو يحمل قوله: "ثم يعرج الذين باتوا " على ما هو أعم من المبيت بالليل والإقامة بالنهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار ولا عكسه، بل كل طائفة منهم إذا صعدت سئلت، وغاية ما فيه أنه استعمل لفظ: "بات " في أقام مجازا، ويكون قوله: "فيسألهم " أي كلا من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويدل على هذا الحمل رواية موسى بن عقبة عن أبي الزناد عند النسائي ولفظه: "ثم يعرج الذين كانوا فيكم " فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة. وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحا وفيه التصريح بسؤال كل من الطائفتين، وذلك فيما رواه ابن خزيمة في صحيحه وأبو العباس السراج جميعا عن يوسف بن موسى عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل وتبيت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي" الحديث. وهذه الرواية تزيل الإشكال وتغني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة، فهي المعتمدة، ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. قوله: "فيسألهم" قيل الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما يقتضي

(2/36)


التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة {َتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} أي وقد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكم بنص شهادتكم. وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع. قوله: "كيف تركتم عبادي" قال ابن أبي جمرة. وقع السؤال عن آخر الأعمال لأن الأعمال بخواتيمها. قال والعباد المسئول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} . قوله: "تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" لم يراعوا الترتيب الوجودي، لأنهم بدؤوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أنهم طابقوا السؤال لأنه قال: كيف تركتم؟ ولأن المخبر به صلاة العباد والأعمال بخواتيمها فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله، وقوله: "تركناهم وهم " ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في العصر سواء تمت أم منع مانع من إتمامها وسواء شرع الجميع فيها أم لا لأن المنتظر في حكم المصلي، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم " وهم يصلون " أي ينتظرون صلاة المغرب. وقال ابن التين: الواو في قوله: "وهم يصلون " واو الحال أي تركناهم على هذه الحال، ولا يقال يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها لأنا نقول: هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها، وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك. "تنبيه": استنبط منه بعض الصوفية أنه يستحب أن لا يفارق الشخص شيئا من أموره إلا وهو على طهارة كشعره إذا حلقه وظفره إذا قلمه وثوبه إذا أبدله ونحو ذلك. وقال ابن أبي جمرة: أجابت الملائكة بأكثر مما سئلوا عنه، لأنهم علموا أنه سؤال يستدعى التعطف على بني آدم فزادوا في موجب ذلك. قلت: ووقع في صحيح ابن خزيمة من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث: "فاغفر لهم يوم الدين " قال: ويستفاد منه أن الصلاة أعلى العبادات لأنه عنها وقع السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان وفي غيرهما طائفة واحدة والإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله، والله أعلم. ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما، وفيه تشريف هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها على غيره. وفيه الإخبار بالغيوب، ويترتب عليه زيادة الإيمان. وفيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا وسؤال ربنا عنا. وفيه إعلامنا بحب ملائكة الله لنا لنزداد فيهم حبا ونتقرب إلى الله بذلك. وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته. وغير ذلك من الفوائد والله أعلم. وسيأتي الكلام على ذلك في " باب قوله ثم يعرج " في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى.

(2/37)


17 - باب مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ
556- حدثنا أبو نعيم قال شيبان عن يحي عن أبس سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته , وإذا أدرك سجدة من

(2/37)


صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته"
[ الحديث 556 – طرفاه في :580,579 ]
557- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لاَ قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ"
[الحديث 557- أطرافه في : 7533,7467,5021,3459,2269,2268]
558- حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم " مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا الى الليل فعملوا إلى نصف النهار, فقالوا لاحاجة لنا إلى أجرك , فأستأجر آخرين فقال أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت . فعملوا بقية يومهم حتى غربت الشمس , واستكملوا أجر الفريقين"
[ الحديث 558- طرفه في : 2271]
قوله: "باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب" أورد فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة " إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته " فكأنه أراد تفسير الحديث، وأن المراد بقوله: "فيه سجدة " أي ركعة. وقد رواه الإسماعيلي من طريق حسين بن محمد عن شيبان بلفظ: "من أدرك منكم ركعة " فدل على أن الاختلاف في الألفاظ وقع الرواة، وستأتي رواية مالك في أبواب وقت الصبح بلفظ: "من أدرك ركعة " ولم يختلف على راويها في ذلك فكان عليها الاعتماد. وقال الخطابي: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها فسميت على هذا المعنى سجدة. انتهى. وقد روى البيهقي هذا الحديث من طريق محمد بن الحسين بن أبي الحسين عن الفضل بن دكين وهو أبو نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: "إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر " وإنما لم يأت المصنف في الترجمة بجواب الشرط لما في لفظ المتن الذي أورده من الاحتمال وهو قوله: "فليتم صلاته " لأن الأمر بالإتمام أعم من أن يكون ما يتمه أداء أو قضاء، فحذف جواب الشرط لذلك. ويحتمل أن تكون " من " في الترجمة موصوله، وفي الكلام حذف تقديره: باب حكم من أدرك الخ، لكن سيأتي من حديث مالك بلفظ: "فقد أدرك الصلاة " وهو يقتضي أن تكون أداء، وستأتي مباحثه هناك إن شاء الله تعالى. قوله

(2/38)


"إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس" ظاهره أن بقاء هذه الأمة وقع في زمان الأمم السالفة، وليس ذلك المراد قطعا، وإنما معناه أن نسبة مدة هذه الأمة إلى مدة من تقدم من الأمم مثل ما بين صلاة العصر وغروب الشمس إلى بقية النهار، فكأنه قال: إنما بقاؤكم بالنسبة إلى ما سلف الخ، وحاصله أن " في " بمعنى إلى، وحذف المضاف وهو لفظ: "نسبة" . وقد أخرج المصنف هذا الحديث وكذا حديث أبي موسى الآتي بعده في أبواب الإجارة، ويقع استيفاء الكلام عليهما هناك إن شاء الله تعالى، والغرض هنا بيان مطابقتهما للترجمة والتوفيق بين ما ظاهره الاختلاف منهما. قوله: "أوتي أهل التوراة التوراة" ظاهره أن هذا كالشرح والبيان لما تقدم من تقدير مدة الزمانين، وقد زاد المصنف من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر في فضائل القرآن هنا " وأن مثلكم ومثل اليهود والنصارى الخ " وهو يشعر بأنهما قضيتان. قوله: "قيراطا قيراطا" كرر قيراطا ليدل على تقسيم القراريط على العمال، لأن العرب إذا أرادت تقسيم الشيء على متعدد كررته كما يقال: اقسم هذا المال على بني فلان درهما درهما، لكل واحد درهم. قوله في حديث ابن عمر "عجزوا" قال الداودي: هذا مشكل، لأنه إن كان المراد من مات منهم مسلما فلا يوصف بالعجز لأنه عمل ما أمر به، وإن كان من مات بعد التغيير والتبديل فكيف يعطى القيراط من حبط عمله بكفره؟ وأورده ابن التين قائلا: قال بعضهم ولم ينفصل عنه وأجيب بأن المراد من مات منهم مسلما قبل التغيير والتبديل، وعبر بالعجز لكونهم لم يستوفوا عمل النهار كله وإن كانوا قد استوفوا عمل ما قدر لهم، فقوله عجزوا أي عن إحراز الأجر الثاني دون الأول، لكن من أدرك منهم النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به أعطى الأجر مرتين كما سبق مصرحا به في كتاب الإيمان. قال المهلب ما معناه: أورد البخاري حديث ابن عمر وحديث أبي موسى في هذه الترجمة ليدل على أنه قد يستحق بعمل البعض أجر الكل، مثل الذي أعطى من العصر إلى الليل أجر النهار كله، فهو نظير من يعطى أجر الصلاة كلها ولو لم يدرك إلا ركعة، وبهذا تظهر مطابقة الحديثين للترجمة. قلت: وتكملة ذلك أن يقال إن فضل الله الذي أقام به عمل ربع النهار مقام عمل النهار كله هو الذي اقتضى أن يقوم إدراك الركعة الواحدة من الصلاة الرباعية التي هي العصر مقام إدراك الأربع في الوقت، فاشتركا في كون كل منهما ربع العمل، وحصل بهذا التقرير الجواب عمن استشكل وقوع الجميع أداء مع أن الأكثر إنما وقع خارج الوقت، فيقال في هذا ما أجيب به أهل الكتابين "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". وقد استبعد بعض الشراح كلام المهلب ثم قال: هو منفك عن محل الاستدلال، لأن الأمة عملت آخر النهار فكان أفضل من عمل المتقدمين قبلها، ولا خلاف أن تقديم الصلاة أفضل من تأخيرها. ثم هو من الخصوصيات التي لا يقاس عليها، لأن صيام آخر النهار لا يجزئ عن جملته، فكذلك سائر العبادات. قلت: فاستبعد غير مستبعد، وليس في كلام المهلب ما يقتضي أن إيقاع العبادة في آخر وقتها أفضل من إيقاعها في أوله. وأما إجزاء عمل البعض عن الكل فمن قبيل الفضل، فهو كالخصوصية سواء. وقال ابن المنير: يستنبط من هذا الحديث أن وقت العمل ممتد إلى غروب الشمس، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت صلاة العصر، قال: فهو من قبيل الإشارة لا من صريح العبارة، فإن الحديث مثال، وليس المراد العمل الخاص بهذا الوقت، بل هو شامل لسائر الأعمال من الطاعات في بقية الأمهال إلى قيام الساعة. وقد قال إمام الحرمين: أن الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال. قلت: وما أبداه مناسب لإدخال هذا الحديث في أبواب أوقات العصر لا لخصوص الترجمة وهي

(2/39)


" من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب " بخلاف ما أبداه المهلب وأكملناه، وأما ما وقع من المخالفة بين سياق حديث ابن عمر وحديث أبي موسى فظاهرهما أنهما قضيتان، وقد حاول بعضهم الجمع بينهما فتعسف. وقال ابن رشيد ما حاصله: إن حديث ابن عمر ذكر مثالا لأهل الأعذار لقوله: "فعجزوا " فأشار إلى أن من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنيع في ذلك أن الأجر يحصل له تاما فضلا من الله. قال: وذكر حديث أبي موسى مثالا لمن أخر بغير عذر، وإلى ذلك الإشارة بقوله عنهم "لا حاجة لنا إلى أجرك" فأشار بذلك إلى أن من أخر عامدا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار. قوله في حديث أبي موسى "فقال أكملوا" كذا للأكثر بهمزة قطع وبالكاف وكذا وقع في الإجازة. ووقع هنا للكشميهني: "اعملوا " بهمزة وصل وبالعين. قوله في حديث ابن عمر "ونحن كنا أكثر عملا" تمسك به بعض الحنفية كأبي زيد في كتاب الأسرار إلى أن وقت العصر من مصير ظل كل شيء مثليه، لأنه لو كان من مصير ظل كل شيء مثله لكان مساويا لوقت الظهر، وقد قالوا "كنا أكثر عملا" فدل على أنه دون وقت الظهر، وأجيب بمنع المساواة، وذلك معروف عند أهل العلم بهذا الفن، وهو أن المدة التي بين الظهر والعصر أطول من المدة التي بين العصر والمغرب، وأما ما نقله بعض الحنابلة من الإجماع على أن وقت العصر ربع النهار فمحمول على التقريب إذا فرغنا على أن أول وقت العصر مصير الظل مثله كما قال الجمهور، وأما على قول الحنفية فالذي من الظهر إلى العصر أطول قطعا، وعلى التنزل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كل جهة، وبأن الخبر إذا ورد في معنى مقصود لا تؤخذ منه المعارضة لما ورد في ذلك المعنى بعينه مقصودا في أمر آخر، وبأنه ليس في الخبر نص على أن كلا من الطائفتين أكثر عملا لصدق أن كلهم مجتمعين أكثر عملا من المسلمين، وباحتمال أن يكون أطلق ذلك تغليبا، وباحتمال أن يكون ذلك قول اليهود خاصة فيندفع الاعتراض من أصله كما جزم به بعضهم، وتكون نسبة ذلك للجميع في الظاهر غير مرادة بل هو عموم أريد به الخصوص أطلق ذلك تغليبا، وبأنه لا يلزم من كونهم أكثر عملا أن يكونوا أكثر زمانا لاحتمال كون العمل في زمنهم كان أشق، ويؤيده قوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} . ومما يؤيد كون المراد كثرة العمل وقلته لا بالنسبة إلى طول الزمان وقصره كون أهل الأخبار متفقين على أن المدة التي بين عيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم دون المدة التي بين نبينا صلى الله عليه وسلم وقيام الساعة لأن جمهور أهل المعرفة بالأخبار قالوا أن مدة الفترة بين عيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة وثبت ذلك في صحيح البخاري عن سليمان، وقيل إنها دون ذلك حتى جاء عن بعضهم أنها مائة وخمس وعشرون سنة وهذه مدة المسلمين بالمشاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسكنا بأن المراد التمثيل بطول الزمانين وقصرهما للزم أن يكون وقت العصر أطول من وقت الظهر ولا قائل به، فدل على أن المراد كثرة العمل وقلته، والله سبحانه وتعالى أعلم.
18 - باب وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَقَالَ عَطَاءٌ يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
559- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ صُهَيْبٌ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ "كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ"

(2/40)


18 - باب وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَقَالَ عَطَاءٌ يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
559- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ صُهَيْبٌ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ "كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ"

(2/40)


560- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ قَدِمَ الْحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا أَخَّرَ وَالصُّبْحَ كَانُوا أَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ
[ الحديث 560- طرفه في 565 ]
561- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ"
562- حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعًا جَمِيعًا وَثَمَانِيًا جَمِيعًا"
قوله: "باب وقت المغرب. وقال عطاء: يجمع المريض بين المغرب والعشاء" أشار بهذا الأثر في هذه الترجمة إلى أن وقت المغرب يمتد إلى العشاء، وذلك أنه لو كان مضيقا لانفصل عن وقت العشاء، ولو كان منفصلا لم يجمع بينهما كما في الصبح والظهر. ولهذه النكتة ختم الباب بحديث ابن عباس الدال على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما، وأما الأحاديث التي أوردها في الباب فليس فيها ما يدل على أن الوقت مضيق، لأنه ليس فيها إلا مجرد المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، وكانت تلك عادته صلى الله عليه وسلم في جميع الصلوات إلا فيما ثبت فيه خلاف ذلك كالإبراد وكتأخير العشاء إذا أبطئوا كما في حديث جابر والله أعلم. وأما أثر عطاء فوصله عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عنه، واختلف العلماء في المريض هل يحوز له أن يجمع بين الصلاتين كالمسافر لما فيه من الرفق به أو لا؟ فجوزه أحمد وإسحاق مطلقا، واختاره بعض الشافعية، وجوزه مالك بشرطه، والمشهور عن الشافعي وأصحابه المنع، ولم أر في المسألة نقلا عن أحد من الصحابة. قوله: "الوليد" هو ابن مسلم. قوله: "هو عطاء بن صهيب" هو مولى رافع بن خديج شيخه، قال ابن حبان: صحبه ست سنين. قوله: "وأنه ليبصر مواقع نبله" بفتح النون وسكون الموحدة، أي المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها. وروى أحمد في مسنده من طريق علي بن بلال عن ناس من الأنصار قالوا " كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ثم نرجع فنترامى حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا " إسناده حسن، والنبل هي السهام العربية، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، قاله ابن سيده، وقيل واحدها نبلة مثل تمر وتمرة، ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها بحيث أن الفراغ منها يقع والضوء باق. قوله: "محمد بن جعفر" هو غندر. قوله: "عن محمد بن عمرو" في مسلم من طريق معاذ عن شعبة عن سعد " سمع محمد بن عمرو بن الحسن". قوله: "قدم الحجاج" بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم وآخره جيم هو ابن يوسف الثقفي، وزعم الكرماني أن الرواية بضم أوله قال: وهو جمع حاج. انتهى. وهو تحريف بلا خلاف، فقد وقع في رواية أبي عوانة في صحيحه من طرق أبي النضر عن شعبة: سألنا جابر بن عبد الله

(2/41)


في زمن الحجاج وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة. وفي رواية مسلم من طريق معاذ عن شعبة " كان الحجاج يؤخر الصلاة". "فائدة": كان قدوم الحجاج المدينة أميرا عليها من قبل عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين وذلك عقب قتل ابن الزبير، فأمره عبد الملك على الحرمين وما معهما، ثم نقله بعد هذا إلى العراق. قوله: "بالهاجرة" ظاهره يعارض حديث الإبراد، لأن قوله كان يفعل يشعر بالكثرة والدوام عرفا قاله ابن دقيق العيد، ويجمع بين الحديثين بأن يكون أطلق الهاجرة على الوقت بعد الزوال مطلقا لأن الإبراد كما تقدم مقيد بحال شدة الحر وغير ذلك كما تقدم، فإن وجدت شروط الإبراد أبرد وإلا عجل، فالمعنى كان يصلي الظهر بالهاجرة إلا إن احتاج إلى الإبراد. وتعقب بأنه لو كان ذلك مراده لفصل كما فصل في العشاء، والله أعلم. قوله: "نقية" بالنون أوله، أي خالصة صافية لم تدخلها صفرة ولا تغير. قوله: "إذا وجبت" أي غابت، وأصل الوجوب السقوط، والمراد سقوط قرص الشمس، وفاعل وحبت مستتر وهو الشمس. وفي رواية أبي داود عن مسلم بن إبراهيم " والمغرب إذا غربت الشمس " ولأبي عوانة من طريق أبي النضر عن شعبة " والمغرب حين تجب الشمس " وفيه دليل على أن سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائي حائل، والله أعلم. قوله: "والعشاء أحيانا وأحيانا" ولمسلم أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل، كان إذا رآهم قد اجتمعوا الخ " وللمصنف في " باب وقت العشاء " عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة " إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر " ونحوه لأبي عوانة في رواية. والأحيان جمع حين، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان على المشهور، وقيل الحين ستة أشهر وقيل أربعون سنة وحديث الباب يقوي المشهور. وسيأتي الكلام على حكم وقت العشاء في بابه. وقال ابن دقيق العيد: إذا تعارض في شخص أمران أحدهما أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردا أو يؤخرها في الجماعة، أيهما أفضل؟ الأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وحديث الباب يدل عليه لقوله: "وإذا رآهم أبطئوا أخر " فيؤخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم. قلت: ورواية مسلم بن إبراهيم التي تقدمت تدل على أخص من ذلك، وهو أن انتظار من تكثر بهم الجماعة أولى من التقديم، ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يفحش التأخير ولم يشق على الحاضرين، والله أعلم. قوله: "كانوا أو كان" قال الكرماني: الشك من الراوي عن جابر، ومعناهما متلازمان لأن أيهما كان يدخل فيه الآخر، إن أراد النبي صلى الله عليه وسلم فالصحابة في ذلك كانوا معه، وإن أراد الصحابة فالنبي صلى الله عليه وسلم كان إمامهم، أي كان شأنه التعجيل لها دائما لا كما كان يصنع في العشاء من تعجيلها أو تأخيرها. وخبر كانوا محذوف يدل عليه قوله يصليها، أي كانوا يصلون. والغلس بفتح اللام ظلمة آخر الليل. وقال ابن بطال ما حاصله: فيه حذفان، حذف خبر كانوا وهو جائز كحذف خبر المبتدأ في قوله: "واللائي لم يحضن" أي فعدتهن مثل ذلك، والحذف الثاني حذف الجملة التي بعد " أو " تقديره: أو لم يكونوا مجتمعين. قال ابن التين: ويصح أن يكون كانوا هنا تامة غير ناقصة بمعنى الحضور والوقوع، فيكون المحذوف ما بعد " أو " خاصة. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون شكا من الراوي هل قال كان النبي صلى الله عليه وسلم، أو كانوا. ويحتمل أن يكون تقديره: والصبح كانوا مجتمعين مع النبي، أو كان النبي صلى الله عليه وسلم وحده يصليها بالغلس . قلت: والتقدير المتقدم أولى. والحق أنه شك من الراوي، فقد وقعت في رواية مسلم: "والصبح كانوا أو قال كان النبي صلى الله عليه وسلم"، وفيه حذف واحد تقديره: والصبح كانوا يصلونها أو كان النبي صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس، فقوله: "بغلس " يتعلق بأي اللفظين كان هو الواقع، ولا يلزم من

(2/42)


قوله: "كانوا يصلونها " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معهم، ولا من قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان وحده، بل المراد بقوله: "كانوا يصلونها " أي النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، وهكذا قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها " أي بأصحابه، والله أعلم. "عن سلمة" هو ابن الأكوع، وهذا من ثلاثيات البخاري. قوله: "إذا توارت بالحجاب" أي استترت، والمراد الشس، قال الخطابي: لم يذكرها اعتمادا على أفهام السامعين، وهو كقوله في القرآن "حتى توارت بالحجاب". انتهى. وقد رواه مسلم من طريق حاتم ابن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد بلفظ: "إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب " فدل على أن الاختصار في المتن من شيخ البخاري، وقد صح بذلك الإسماعيلي، ورواه عبد بن حميد عن صفوان بن عيسى، وأبو عوانة والإسماعيلي من طريق صفوان أيضا عن يزيد بن أبي عبيد بلفظ: "كان يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس حين يغيب حاجبها " والمراد حاجبها الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها، والرواية التي فيها " توارت " أصرح في المراد. قد تقدم الكلام على حديث ابن عباس في الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر والله أعلم. واستدل بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بصرة بالموحدة ثم المهملة رفعه في أثناء حديث: "ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد " والشاهد النجم.

(2/43)


19 - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ
563- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ تَغْلِبَنَّكُمْ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاَتِكُمْ الْمَغْرِبِ قَالَ الأَعْرَابُ وَتَقُولُ هِيَ الْعِشَاءُ"
قوله: "باب من كره أن يقال للمغرب العشاء" قال الزين بن المنير: عدل المصنف عن الجزم كأن يقول باب كراهية كذا لأن لفظ الخبر لا يقتضي نهيا مطلقا، لكن فيه النهي عن غلبة الأعراب على ذلك، فكأن المصنف رأى أن هذا القدر لا يقتضي المنع من إطلاق العشاء عليه أحيانا، بل يجوز أن يطلق على وجه لا يترك له التسمية الأخرى كما ترك ذلك الأعراب وقوفا مع عادتهم، قال: وإنما شرع لها التسمية بالمغرب لأنه اسم يشعر بمسماها أو بابتداء وقتها، وكره إطلاق اسم العشاء عليها لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى، وعلى هذا لا يكره أيضا أن تسمى العشاء بقيد كأن يقول العشاء الأولى، ويؤيده قولهم العشاء الآخرة كما ثبت في الصحيح، وسيأتي من حديث أنس في الباب الذي يليه، ونقل ابن بطال عن غيره أنه لا يقال للمغرب العشاء الأولى ويحتاج إلى دليل خاص، أما من حديث الباب فلا حجة له. قوله: "عبد الوارث" هو ابن سعيد التنوري، و قوله: "عن الحسين" هو المعلم. قوله: "حدثني عبد الله المزني" كذا للأكثر لم يذكر اسم أبيه، زاد في رواية كريمة هو ابن مغفل بالغين المعجمة والفاء المشددة، وكذلك وقع منسوبا بذكر أبيه في رواية عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عند الإسماعيلي وغيره، والإسناد كله بصريون. قوله: "لا تغلبكم" قال الطيبي: يقال غلبه على كذا غصبه منه أو أخذه منه قهرا، والمعنى لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء والعشاء بالعتمة فيغصب منكم الأعراب اسم العشاء التي سماها الله بها. قال: فالنهي على الظاهر للأعراب وعلى الحقيقة لهم. وقال غيره: معنى الغلبة أنكم تسمونها اسما

(2/43)


وهم يسمونها اسما، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصمه صار كأنه انقطع له حتى غلبه، ولا يحتاج إلى تقدير غصب ولا أخذ. وقال التوربشتي: المعنى لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم فيغلب مصطلحهم على الاسم الذي شرعته لكم. وقال القرطبي: الأعراب من كان من أهل البادية وإن لم يكن عربيا، والعربي من ينتسب إلى العرب ولو لم يسكن البادية. قوله: "على اسم صلاتكم" التعبير بالاسم يبعد قول الأزهري أن المراد بالنهي عن ذلك أن لا تؤخر صلاتها عن وقت الغروب، وكذا قول ابن المنير: السر في النهي سد الذريعة لئلا تسمى عشاء فيظن امتداد وقتها عن غروب الشمس أخذا من لفظ العشاء ا هـ. وكأنه أراد تقوية مذهبه في أن وقت المغرب مضيق، وفيه نظر، إذ لا يلزم من تسميتها المغرب أن يكون وقتها مضيقا، فإن الظهر سميت بذلك لأن ابتداء وقتها عند الظهيرة وليس وقتها مضيقا بلا خلاف. قوله: "قال وتقول الأعراب هي العشاء" سر النهي عن موافقتهم على ذلك أن لفظ العشاء لغة هو أول ظلام الليل، وذلك من غيبوبة الشفق، فلو قيل للمغرب عشاء لأدى إلى أن أول وقتها غيبوبة الشفق، وقد جزم الكرماني بأن فاعل قال هو عبد الله المزني راوي الحديث، ويحتاج إلى نقل خاص لذلك وإلا فظاهر إيراد الإسماعيلي أنه من تتمة الحديث، فإنه أورده بلفظ: "فإن الأعراب تسميها " والأصل في مثل هذا أن يكون كلاما واحدا حتى يقوم دليل على إدراجه. "فائدة" لا يتناول النهي تسمية المغرب عشاء على سبيل التغليب كمن قال مثلا: صليت العشاءين، إذا قلنا إن حكمة النهي عن تسميتها عشاء خوف اللبس لزوال اللبس في الصيغة المذكورة، والله أعلم. "تنبيه" أورد الإسماعيلي حديث الباب من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه، واختلف عليه في لفظ المتن فقال هارون الحمال عنه كرواية البخاري. قلت: وكذلك رواه أحمد بن حنبل في مسنده وأبو خيثمة زهير بن حرب عند أبي نعيم في مستخرجه وغير واحد عن عبد الصمد، وكذلك رواه ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الوارث بن عبد الصمد عن أبيه ا هـ. وقال أبو مسعود الرازي عن عبد الصمد " لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإن الأعراب تسميها عتمة " قلت: وكذلك رواه علي بن عبد العزيز البغوي عن أبي معمر شيخ البخاري فيه أخرجه الطبراني عنه، وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه عن الطبراني كذلك، وجنح الإسماعيلي إلى ترجيح رواية أبي مسعود لموافقته حديث ابن عمر - يعني الذي رواه مسلم - كما سنذكره في صدر الباب الذي يليه. والذي يتبين لي أنهما حديثان: أحدهما في المغرب، والآخر في العشاء، كانا جميعا عند عبد الوارث بسند واحد، والله تعالى أعلم.

(2/44)


20 - باب ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْقَلُ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ وَقَالَ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ} وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ فَأَعْتَمَ بِهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعِشَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَتَمَةِ وَقَالَ جَابِرٌ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ وَقَالَ أَنَسٌ أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ" وَقَالَ ابْنُ

(2/44)


عُمَرَ وَأَبُو أَيُّوبَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ"
564- حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس عن الزهري قال سالم أخبرني عبد الله قال " صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء – وهي التي يدعو الناس العتمة – ثم انصرف فأقبل علينا فقال: أرأيتم ليلتكم هذه , فان رأس مائة سنة منها لايبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد "
قوله: "باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا" غاير المصنف بين هذه الترجمة والتي قبلها مع أن سياق الحديثين الواردين فيهما واحد، وهو النهي عن غلبة الأعراب على التسميتين، وذلك لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق اسم العشاء على المغرب، وثبت عنه إطلاق اسم العتمة على العشاء، فتصرف المصنف في الترجمتين بحسب ذلك. والحديث الذي ورد في العشاء أخرجه مسلم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عمر بلفظ: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإنها في كتاب الله العشاء، وأنهم يعتمون بحلاب الإبل"، ولابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة وإسناده حسن، ولأبي يعلى والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن عوف كذلك، زاد الشافعي في روايته في حديث ابن عمر " وكان ابن عمر إذا سمعهم يقولون العتمة صاح وغضب". وأخرج عبد الرزاق هذا الموقوف من وجه آخر عن ابن عمر، واختلف السلف في ذلك: فمنهم من كرهه كابن عمر راوي الحديث، ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى وهو الراجح، وسيأتي للمصنف، وكذلك نقله ابن المنذر عن مالك والشافعي واختاره، ونقل القرطبي عن غيره: إنما نهى عن ذلك تنزيها لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيوية وهي الحلبة التي كانوا يجلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العتمة. قلت: وذكر بعضهم أن تلك الحلبة إنما كانوا يعتمدونها في زمان الجدب خوفا من السؤال والصعاليك، فعلى هذا فهي فعلة دنيوية مكروهة لا تطلق على فعلة دينية محبوبة، ومعنى العتم في الأصل تأخير مخصوص. وقال الطبري: العتمة بقية اللبن تغبق بها الناقة بعد هوى من الليل، فسميت الصلاة بذلك لأنهم كانوا يصلونها في تلك الساعة. وروى ابن أبي شيبة من طريق ميمون بن مهران قال: قلت لابن عمر من أول من سمي صلاة العشاء العتمة؟ قال: الشيطان. قوله: "وقال أبو هريرة" شرع المصنف في إيراد أطراف أحاديث محذوفة الأسانيد كلها صحيحة مخرجة في أمكنة أخرى، حاصلها ثبوت تسمية هذه الصلاة تارة عتمة وتارة عشاء، وأما الأحاديث التي لا تسمية فيها بل فيها إطلاق الفعل كقوله: "أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ففائدة إيراده لها الإشارة إلى أن النهي عن ذلك إنما هو لإطلاق الاسم، لا لمنع تأخير هذه الصلاة عن أول الوقت. وحديث أبي هريرة المذكور وصله المصنف باللفظ الأول في " باب فضل العشاء جماعة"، وباللفظ الثاني وهو العتمة في " باب الاستهام في الأذان". قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف. قوله: "والاختيار" قال الزين بن المنير: هذا لا يتناوله لفظ الترجمة فإن لفظ الترجمة يفهم التسوية وهذا ظاهر في الترجيح. قلت: لا تنافي بين الجواز والأولوية، فالشيئان إذا كانا جائزي الفعل قد يكون أحدهما أولى من الآخر، وإنما صار عنده أولى لموافقته لفظ القرآن، ويترجح أيضا بأنه أكثر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبأن تسميتها عشاء يشعر بأول وقتها بخلاف تسميتها عتمة لأنه يشعر بخلاف ذلك، وبأن لفظه في

(2/45)


الترجمة لا ينافي ما ذكر أنه الاختيار، وهو واضح لمن نظره، لأنه قال: "من كره " فأشار إلى الخلاف، ومن نقل الخلاف لا يمتنع عليه أن يختار. قوله: "ويذكر عن أبي موسى" سيأتي موصولا عند المصنف مطولا بعد باب واحد، وكأنه لم يجزم به لأنه اختصر لفظه، نبه على ذلك شيخنا الحافظ أبو الفضل، وأجاب به من اعترض على ابن الصلاح حيث فرق بين الصيغتين، وحاصل الجواب أن صيغة الجزم تدل على القوة، وصيغة التمريض لا تدل. ثم بين مناسبة العدول في حديث أبي موسى عن الجزم مع صحته إلى التمريض بأن البخاري قد يفعل ذلك لمعنى غير التضعيف، وهو ما ذكره من إيراد الحديث بالمعنى، وكذا الاقتصار على بعضه لوجود الاختلاف في جوازه وإن كان المصنف يرى الجواز. قوله: "وقال ابن عباس وعائشة" أما حديث ابن عباس فوصله المصنف في " باب النوم قبل العشاء " كما سيأتي قريبا، وأما حديث عائشة بلفظ: "أعتم بالعشاء " فوصله في " باب فضل العشاء " من طريق عقيل، وفي الباب الذي بعده من طريق صالح بن كيسان كلاهما عن الزهري عن عروة عنها، وأما حديثها بلفظ: "أعتم بالعتمة " فوصله المصنف أيضا في " باب خروج النساء إلى المساجد بالليل " بعد " باب وضوء الصبيان " من كتاب الصلاة أيضا من طريق شعيب عن الزهري بالسند المذكور، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عقيل أيضا ويونس وابن أبي ذئب وغيرهم عن الزهري بلفظ: "أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بالعشاء وهي التي يدعو الناس العتمة " وهذا يشعر بأن السياق المذكور من تصرف الراوي. "تنبيه": معنى أعتم دخل في وقت العتمة، ويطلق أعتم بمعنى أخر لكن الأول هنا أظهر. قوله: "وقال جابر كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء" هو طرف من حديث وصله المؤلف في " باب وقت المغرب " وفي " باب وقت العشاء". قوله: "وقال أبو برزة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء" هو طرف من حديث وصله المؤلف في " باب وقت العصر". قوله: "وقال أنس: أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء" هو طرف من حديث وصله المؤلف في " باب وقت العشاء إلى نصف الليل". قوله: "وقال ابن عمر وأبو أيوب وابن عباس: صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء" أما حديث ابن عمر فأسنده المؤلف في الحج بلفظ: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا " أما حديث أبي أيوب فوصله أيضا بلفظ: "جمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بين المغرب والعشاء وأما حديث ابن عباس فوصله في " باب تأخير الظهر إلى العصر " كما تقدم. قوله: "قال سالم أخبرني عبد الله" هو سالم بن عبد الله بن عمر، وشيخه عبد الله هو أبوه. قوله: "صلى لنا" أي لأجلنا أو اللام بمعنى الباء. قوله: "وهي التي يدعونها الناس العتمة" تقدم نظير ذلك في حديث أبي برزة في قوله: "وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة " وتقدم أيضا من حديث عائشة عند الإسماعيلي، وفي كل ذلك إشعار بغلبة استعمالهم لها بهذا الاسم، فصار من عرف النهي عن ذلك يحتاج إلى ذكره لقصد التعريف، قال النووي وغيره: يجمع بين النهي عن تسميتها عتمة وبين ما جاء من تسميتها عتمة بأمرين: أحدهما أنه استعمل ذلك لبيان الجواز وأن النهي للتنزيه لا للتحريم، والثاني بأنه خاطب بالعتمة من لا يعرف العشاء لكونه أشهر عندهم من العشاء، فهو لقصد التعريف لا لقصد التسمية. ويحتمل أنه استعمل لفظ العتمة في العشاء لأنه كان مشتهرا عندهم استعمال لفظ العشاء للمغرب، فلو قال: لو يعلمون ما في الصبح والعشاء، لتوهموا أنها المغرب. قلت: وهذا ضعيف لأنه قد ثبت في نفس هذا الحديث: "لو يعلمون ما في الصبح والعشاء"، فالظاهر أن التعبير بالعشاء تارة وبالعتمة تارة من تصرف الرواة، وقيل إن النهي عن تسمية العشاء عتمة نسخ الجواز، وتعقب بأن نزول الآية كان قبل الحديث المذكور، وفي كل من

(2/46)


القولين نظر للاحتياج في مثل ذلك إلى التاريخ، ولا بعد في أن ذلك كان جائزا، فلما كثر إطلاقهم له نهوا عنه لئلا تغلب السنة الجاهلية على السنة الإسلامية، ومع ذلك فلا يحرم ذلك بدليل أن الصحابة الذين رووا النهي استعملوا التسمية المذكورة وأما استعمالها في مثل حديث أبي هريرة فلرفع الالتباس بالمغرب، والله أعلم. قوله: "وهي التي يدعو الناس العتمة" فيه إشعار بغلبة هذه التسمية عند الناس ممن لم يبلغهم النهي، وقد تقدم الكلام على متن الحديث في " باب السمر في العلم".

(2/47)


21 - باب وَقْتِ الْعِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا
565- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلاَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ
قوله: "باب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا" أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال إنها تسمى العشاء إذا عجلت والعتمة إذا أخرت، أخذا من اللفظين.وأراد هذا القائل الجمع بوجه غير الأوجه المتقدمة فاحتج عليه المصنف بأنها قد سميت في حديث الباب في حال التقديم والتأخير باسم واحد. قد تقدم الكلام على حديث جابر في " باب وقت المغرب".

(2/47)


22 - باب فَضْلِ الْعِشَاءِ
566- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلاَمُ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرَكُمْ"
[الحديث 566 – أطرافه في : 864,862,569,]

(2/47)


23 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ
568- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا
قوله: "باب ما يكره من النوم قبل العشاء" قال الترمذي: كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص بعضهم فيه في رمضان خاصة. انتهى. ومن نقلت عنه الرخصة قيدت عنه في أكثر الروايات بما إذا كان له من يوقظه أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم، وهذا جيد حيث قلنا إن علة النهي خشية خروج الوقت، وحمل الطحاوي الرخصة على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد دخوله. قوله: "حدثنا محمد بن سلام" كذا في رواية أبي ذر ووافقه ابن السكن. وفي أكثر الروايات " حدثنا محمد " غير منسوب، وقد تعين من رواية أبي ذر وابن السكن وحديث أبي برزة المذكور طرف من حديثه الآتي في السمر بعد العشاء. قوله: "والحديث بعدها" أي المحادثة. وسيأتي بعد أبواب أن هذه الكراهة مخصوصة بما إذا لم يكن في أمر مطلوب، وقيل: الحكمة فيه لئلا يكون سببا في ترك قيام الليل، أو للاستغراق في الحديث ثم يستغرق في النوم فيخرج وقت الصبح، وسيأتي الجمع بين هذا الحديث وبين حديثه صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العشاء في الباب المذكور.

(2/49)


24 - باب النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ
569- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلاَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلاَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ الصَّلاَةَ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ فَقَالَ مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ قَالَ وَلاَ يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ" قوله: "باب النوم قبل العشاء لمن غلب" في الترجمة إشارة إلى أن الكراهة مختصة بمن تعاطى ذلك مختارا، وقيل ذلك مستفاد من ترك إنكاره صلى الله عليه وسلم على من رقد من الذين كانوا ينتظرون خروجه لصلاة العشاء، ولو قيل بالفرق

(2/49)


باب وقت العشاء إلى نصف الليل . وقال ألو برزة كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب تأخيرها
...
25 - باب وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا
572- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ قَالَ أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ
[الحديث 572 أطرافه - : 5869,847,661,600]
قوله: "باب وقت العشاء إلى نصف الليل" في هذه الترجمة حديث صريح أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في بيان أول الأوقات وآخرها وفيه: "فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل". قال النووي: معناه وقت لأدائها اختيارا، وأما وقت الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر، لحديث أبي قتادة عند مسلم: "إنما التفريط

(2/51)


على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى". وقال الإصطخري إذا ذهب نصف الليل صارت قضاء. قال: ودليل الجمهور حيث أبي قتادة المذكور. قلت: وعموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح، وعلى قول الشافعي الجديد في المغرب فللإصطخري أن يقول إنه مخصوص بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث في العشاء والله أعلم. قوله: "وقال أبو برزة" هو طرف من حديثه المتقدم في " باب وقت العصر " وليس فيه تصريح بقيد نصف الليل، لكن أحاديث التأخير والتوقيت لما جاءت مرة مقيدة بالثلث وأخرى بالنصف كان النصف غاية التأخير، ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثا صريحا يثبت. قوله: "حدثنا عبد الرحيم المحاربي" كذا لأبي ذر، وقع لأبي الوقت وغيره عبد الرحيم بغير صيغة أداء، وهو عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد المحاربي الكوفي، يكنى أبا زياد، وهو من قدماء شيوخ البخاري، وليس له في الصحيح عنه غير هذا الحديث الواحد. قوله: "صلاة العشاء" زاد مسلم: "ليلة " وفيه إشعار بأنه لم يكن يواظب على ذلك. قوله: "قد صلى الناس" أي المعهودون ممن صلى من المسلمين إذ ذاك. قوله: "وزاد ابن أبي مريم" يعني سعيد بن الحكم المصري، ومراده بهذا التعليق بيان سماع حميد للحديث من أنس. قوله: "كأني أنظر الخ" الجملة في موضع المفعول لقوله: "زاد". وقد وقع لنا هذا التعليق موصولا عاليا من طريق أبي طاهر المخلص في الجزء الأول من فوائده، قال: حدثنا البغوي حدثنا أحمد بن منصور حدثنا ابن أبي مريم بسنده وأوله " سأل أنس: هل اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما؟ قال: نعم، أخر العشاء " فذكره، وفي آخره: "وكأني أنظر إلى وبيص خاتمه ليلتئذ " الوبيص بالموحدة والصاد المهملة: البريق، وسيأتي الكلام على فضل انتظار الصلاة في أبواب الجماعة، وعلى الخاتم ولبسه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى.

(2/52)


26 - باب فَضْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ
573- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لاَ تُضَامُّونَ أَوْ لاَ تُضَاهُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَالَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا
574- حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ "
وَقَالَ ابْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ أَخْبَرَهُ بِهَذَا
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا حَبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

(2/52)


قوله: "باب فضل صلاة الفجر" وقع في رواية أبي ذر بعد هذا " والحديث: "ولم يظهر لقوله: "والحديث: "توجيه في هذا الموضع، ووجهه الكرماني بأن الغرض منه باب كذا وباب الحديث الوارد في فضل صلاة الفجر. قلت: ولا يخفى بعده، ولم أر هذه الزيادة في شيء من المستخرجات، ولا عرج عليها أحد من الشراح، فالظاهر أنها وهم، ويدل لذلك أنه ترجم لحديث جرير أيضا: "باب فضل صلاة العصر " بغير زيادة، ويحتمل أنه كان فيه: "باب فضل صلاة الفجر والعصر " فتحرفت الكلمة الأخيرة، والله أعلم. قوله: "يحيى" هو القطان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم. وقد تقدم الكلام على حديث جرير في " باب فضل صلاة العصر".قوله: "أبو جمرة" بالجيم والراء وهو الضبعي، وشيخه أبو بكر هو ابن أبي موسى الأشعري بدليل الرواية التي بعده حيث وقع فيها " أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس " وعبد الله بن قيس هو أبو موسى، وقد قيل إنه أبو بكر بن عمارة بن رويبة والأول أرجح كما سيأتي آخر الباب.قوله: "من صلى البردين" بفتح الموحدة وسكون الراء تثنية برد، والمراد صلاة الفجر والعصر، ويدل على ذلك قوله في حديث جرير " صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " زاد في رواية مسلم: "يعني العصر والفجر: سميتا بردين لأنهما تصليان في بردي النهار وهما طرفاه حين يطيب الهواء وتذهب سورة الحر، ونقل عن أبي عبيد أن صلاة المغرب تدخل في ذلك أيضا.وقال البزار في توجيه اختصاص هاتين الصلاتين بدخول الجنة دون غيرهما من الصلوات ما محصله: إن من موصولة لا شرطية، والمراد الذين صلوهما أول ما فرضت الصلاة ثم ماتوا قبل فرض الصلوات الخمس، لأنها فرضت أولا ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس، فهو خبر عن ناس مخصوصين لا عموم فيه.قلت: ولا يخفى ما فيه من التكلف، والأوجه أن " من " في الحديث شرطية. وقوله: "دخل " جواب الشرط، وعدل عن الأصل وهو فعل المضارع كأن يقول يدخل الجنة إرادة للتأكيد في وقوعه بجعل ما سيقع كالواقع. قوله: "وقال ابن رجاء" هو عبد الله البصري الغداني، وهو أحد شيوخ البخاري، وقد وصله محمد بن يحيى الذهلي قال: "حدثنا عبد الله رجاء " ورويناه عاليا من طريقه في الجزء المشهور المروي عنه من طريق السلفي ولفظ المتن واحد. قوله: "حدثنا إسحاق" هو ابن منصور، ولم يقع منسوبا في شيء من الكتب والروايات، واستدل أبو علي الغساني على أنه ابن منصور بأن مسلما روي عن إسحاق بن منصور عن حبان بن هلال حديثا غير هذا.قلت: رأيت في رواية أبي علي الشبوي عن الفربري في " باب البيعان بالخيار " حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا حبان بن هلال فذكر حديثا، فهذه القرينة أقوى من القرينة التي في رواية مسلم. قوله: "حدثنا حبان" هو ابن هلال وهو بفتح الحاء المهملة، فاجتمعت الروايات عن همام بأن شيخ أبي جمرة هو أبو بكر بن عبد الله، فهذا بخلاف من زعم أنه ابن عمارة بن رويبه، وحديث عمارة أخرجه مسلم وغيره من طرق عن أبي بكر بن عمارة عن أبيه لكن لفظه: "لن يلح النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " وهذا اللفظ مغاير للفظ حديث أبي موسى وإن كان معناهما واحدا، فالصواب أنهما حديثان.

(2/53)


27 - باب وَقْتِ الْفَجْرِ
575- حدثنا عمرو بن عاصم قال حدثنا همام عن قتادة عن أنس أن زيد بن ثابت حدثه أنهم تسحروا

(2/53)


مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قاموا إلى الصلاة . قلت : كم بينهما؟ قال : قدر خمسين أو ستين . يعني آية.
[الحديث 575- طرفه في 1921]
576- حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلاَةِ فَصَلَّى قُلْنَا لِأَنَسٍ كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاَةِ قَالَ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً
[ الحديث 576- طرفه في : 1134]
577- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
578- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلاَةَ لاَ يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ قوله: "باب وقت الفجر" ذكر فيه حديث: "تسحر زيد بن ثابت مع النبي صلى الله عليه وسلم: "من وجهين عن أنس، فأما رواية همام عن قتادة فهي عن أنس أن زيد بن ثابت حدثه، فجعله من مسند زيد ابن ثابت، ووافقه هشام عن قتادة كما سيأتي في الصيام. وأما رواية سعيد - وهو ابن أبي عروبة - عن قتادة فهي " عن أنس أن نبي الله وزيد بن ثابت تسحرا " وفي رواية السرخسي والمستملي: "تسحروا " فجعله من مسند أنس، وأما قوله: "تسحروا " بصيغة الجمع فشاذة وترجح عند مسلم رواية همام فإنه أخرجها وأعرض عن رواية سعيد، ويدل على رجحانها أيضا أن الإسماعيلي أخرج رواية سعيد من طريق خالد بن الحارث عن سعيد فقال: "عن أنس عن زيد بن ثابت " والذي يظهر لي في الجمع بين الروايتين أن أنسا حضر ذلك لكنه لم يتسحر معهما، ولأجل هذا سأل زيدا عن مقدار وقت السحور كما سيأتي بعد، ثم وجدت ذلك صريحا في رواية النسائي وابن حبان ولفظهما " عن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس إني أريد الصيام، أطعمني شيئا. فجئته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعدما أذن بلال. قال: يا أنس انظر رحلا يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة" . فعلى هذا فالمراد بقوله: "كم كان بين الأذان والسحور " أي أذان ابن أم مكتوم، لأن بلالا كان يؤذن قبل الفجر. والآخر يؤذن إذا طلع. قوله: "قلت كم كان بينهما؟" سقط لفظ: "كان " من رواية السرخسي والمستملي، ووقع عند الإسماعيلي من رواية عفان عن همام " قلنا لزيد"، ومن رواية خالد بن الحارث عن سعيد قال خالد: أنس القائل كم كان بينهما. ووقع عند المصنف من رواية روح عن سعيد: قلت لأنس، فهو مقول قتادة. قال الإسماعيلي: والروايتان صحيحتان بأن يكون أنس سأل زيدا، وقتادة سأل أنسا.

(2/54)


والله أعلم. قوله: "قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فصليا" كذا للكشميهني بصيغة التثنية، ولغيره فصلينا بصيغة الجمع وسيأتي الكلام على بقية فوائد هذا الحديث في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى. واستدل المصنف به على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر لأنه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب، والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة - وهي قراءة الخمسين آية أو نحوها - قدر ثلث خمس ساعة، ولعلها مقدار ما يتوضأ. فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر. وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل فيها بغلس، والله أعلم. قوله: "عن أخيه" هو أبو بكر عبد الحميد، وسليمان هو ابن بلال، وسيأتي الكلام على حديث سهل بن سعد في الصيام. والغرض منه هنا الإشارة إلى مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الصبح في أول الوقت، وحديث عائشة تقدم في أبواب ستر العورة ولفظه أصرح في مراده في هذا الباب من جهة التغليس بالصبح وأن سياقه يقتضي المواظبة على ذلك، وأصرح منه ما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم أسفر بالصبح مرة ثم كانت صلاته بعد بالغلس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر وأما ما رواه أصحاب السنن وصححه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " فقد حمله الشافعي وغيره على أن المراد بذلك تحقق طلوع الفجر، وحمله الطحاوي على أن المراد الأمر بتطويل القراءة فيها حتى يخرج من الصلاة مسفرا، وأبعد من زعم أنه ناسخ للصلاة في الغلس. وأما حديث ابن مسعود الذي أخرجه المصنف وغيره أنه قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير وقتها ذلك اليوم " يعني في الفجر يوم المزدلفة، فمحمول على أنه دخل فيها مع طلوع الفجر من غير تأخير، فإن في حديث زيد بن ثابت وسهل بن سعد ما يشعر بتأخير يسير، لا أنه صلاها، قبل أن يطلع الفجر. والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله في حديث عائشة "كن" قال الكرماني: هو مثل أكلوني البراغيث لأن قياسه الإفراد وقد جمع. قوله: "نساء المؤمنات" تقديره نساء الأنفس المؤمنات أو نحوها ذلك حتى لا يكون من إضافة الشيء إلى نفسه، وقيل إن " نساء " هنا بمعنى الفاضلات أي فاضلات المؤمنات كما يقال رجال القوم أي فضلاؤهم. قوله: "يشهدن" أي يحضرن، و قوله: "لا يعرفهن أحد" قال الداودي: معناه لا يعرفن أنساء أم رجال، أي لا يظهر للرائي إلا الأشباح خاصة، وقيل لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب، وضعفه النووي بأن المتلفعة في النهار لا تعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة، وتعقب بأن المعرفة إنما تتعلق بالأعيان، فلو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر، لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب ولو كان بدنها مغطى. وقال الباجي: هذا يدل على أنهن كن سافرات إذ لو كن متنقبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس. قلت: وفيه ما فيه، لأنه مبني على الاشتباه الذي أشار إليه النووي، وأما إذا قلنا إن لكل واحدة منهن هيئة غالبا فلا يلزم ما ذكر. والله أعلم. قوله: "متلفعات" تقدم شرحه، "والمروط" جمع مرط بكسر الميم وهو كساء معلم من خز أو صوف أو غير ذلك، وقيل لا يسمى مرطا إلا إذا كان أخضر ولا يلبسه إلا النساء، وهو مردود بقوله مرط من شعر أسود. قوله: "ينقلبن" أي يرجعن. قوله: "من الغلس" من ابتدائية أو تعليلية، ولا معارضة بين هذا وبين حديث برزة السابق أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه، لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعة على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس. وفي الحديث استحباب المبادرة بصلاة الصبح في أول الوقت وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل، ويؤخذ منه جوازه

(2/55)


في النهار من باب أولى لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يخش عليهن أو بهن فتنة، واستدل به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم، فكأنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة. وتعقبه عياض بأنها إنما أخبرت عن هيئة الانصراف، والله أعلم.

(2/56)


28 - باب مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْفَجْرِ رَكْعَةً
579- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَنْ الأَعْرَجِ يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ"
قوله: "باب من أدرك من الفجر ركعة" تقدم الكلام على الحكمة في حذف جواب الشرط من الترجمة في " باب من أدرك من العصر ركعة". قوله: "يحدثونه" أي يحدثون زيد بن أسلم. ورجال الإسناد كلهم مدنيون. قوله: "فقد أدرك الصبح" الإدراك الوصول إلى الشيء، فظاهره أنه يكتفي بذلك، وليس ذلك مرادا بالإجماع، فقيل يحمل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلى ركعة أخرى فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم أخرجه البيهقي من وجهين ولفظه: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعدما تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة " وأصرح منه رواية أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء - وهو ابن يسار - عن أبي هريرة بلفظ: "من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس فلم يفته العصر" . وقال مثل ذلك في الصبح، وقد تقدمت رواية المصنف في " باب من أدرك من العصر ركعة " من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة وقال فيها " فليتم صلاته"، وللنسائي من وجه آخر " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي ما فاته"، وللبيهقي من وجه آخر " من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى" . ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي حيث خص الإدراك باحتلام الصبي وطهر الحائض وإسلام الكافر ونحوها، وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة، وهو مبني على أن الكراهة تتناول الفرض والنفل وهي خلافية مشهورة، قال الترمذي: وبهذا يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وخالف أبو حنيفة فقال: من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتج لذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وادعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاج إلى دليل، فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن تحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص، أولى من ادعاء النسخ، ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركا للوقت، وللفقهاء في ذلك تفاصيل بين أصحاب الأعذار وغيرهم، وبين مدرك الجماعة ومدرك الوقت، وكذا مدرك الجمعة، ومقدار هذه الركعة قدر ما يكبر للإحرام ويقرأ أم القرآن ويركع ويرفع ويسجد سجدتين بشروط كل ذلك. وقال الرافعي: المعتبر فيها أخف ما يقل عليه أحد، وهذا في حق غير أصحاب الأعذار، أما أصحاب الأعذار - كمن أفاق من إغماء، أو طهرت من حيض أو غير ذلك - فإن بقي من الوقت هذا القدر كانت الصلاة في حقهم أداء. وقد قال قوم: يكون ما أدرك

(2/56)


في الوقت أداء وبعده قضاء، وقيل يكون كذلك لكنه يلتحق بالأداء حكما، والمختار أن الكل أداء وذلك من فضل الله تعالى. ونقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا القدر. والله أعلم. "لطيفة" أورد المصنف في " باب من أدرك من العصر " طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، وفي هذا الباب طريق عطاء بن يسار ومن معه عن أبي هريرة، لأنه قدم في طريق أبي سلمة ذكر العصر، وقدم في هذا ذكر الصبح فناسب أن يذكر في كل منهما ما قدم لما يشعر به التقديم من اهتمام. والله الهادي للصواب.

(2/57)


29 - باب مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلاَةِ رَكْعَةً
580- حدثناعبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة "
قوله: "باب من أدرك من الصلاة ركعة" هكذا ترجم، وساق الحديث بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله العمري عن الزهري، وأحال به على حديث مالك، وأخرجه البيهقي وغيره من الوجه الذي أخرجه منه مسلم ولفظه كلفظ ترجمة هذا الباب، قدم قوله: "من الصلاة " على قوله: "ركعة " وقد وضح لنا بالاستقراء أن جميع ما يقع في تراجم البخاري مما يترجم بلفظ الحديث لا يقع فيه شيء مغاير للفظ الحديث الذي يورده إلا وقد ورد من وجه آخر بذلك اللفظ المغاير، فلله دره ما أكثر اطلاعه. والظاهر أن هذا أعم من حديث الباب الماضي قبل عشرة أبواب، ويحتمل أن تكون اللام عهدية فيتحدا، ويؤيده أن كلا منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا مطلق وذاك مقيد فيحمل المطلق على المقيد. وقال الكرماني: الفرق بينهما أن الأول فيمن أدرك من الوقت قدر ركعة، وهذا فيمن أدرك من الصلاة ركعة، كذا قال. وقال بعد ذلك: وفي الحديث أن من دخل في الصلاة فصلى ركعة وخرج الوقت كان مدركا لجميعها، وتكون كلها أداء، وهو الصحيح. انتهى. وهذا يدل على اتحاد الحديثين عنده لجعلهما متعلقين بالوقت، بخلاف مما قال أولا. وقال التيمي: معناه من أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك فضل الجماعة. وقيل: المراد بالصلاة الجمعة، وقيل غير ذلك. و قوله: "فقد أدرك الصلاة" ليس على ظاهره بالإجماع، لما قدمناه من أنه لا يكون بالركعة الواحدة مدركا لجميع الصلاة بحيث تحصل براءة ذمته من الصلاة، فإذا فيه إضمار تقديره: فقد أدرك وقت الصلاة، أو حكم الصلاة، أو نحو ذلك، ويلزمه إتمام بقيتها. وقد تقدم بقية مباحثه في الباب الذي قبله. ومفهوم التقييد بالركعة أن من أدرك دون الركعة لا يكون مدركا لها، وهو الذي استقر عليه الاتفاق، وكان فيه شذوذ قديم منها إدراك الإمام راكعا يجزئ ولو لم يدرك معه الركوع، وقيل يدرك الركعة ولو رفع الإمام رأسه ما لم يرفع بقية من ائتم به رءوسهم ولو بقي واحد، وعن الثوري وزفر: إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه أدرك إن وضع يديه على ركبتيه قبل رفع الإمام، وقيل: من أدرك تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع أدرك الركعة، وعن أبي العالية: إذا أدرك السجود أكمل بقية الركعة معهم ثم يقوم فيركع فقط وتجزيه.

(2/57)


30 - باب الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ
581- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ "
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنِي نَاسٌ بِهَذَا
582- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَحَرَّوْا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا"
[الحديث 582- أطرافه في : 3272 ]
583- وَقَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ تَابَعَهُ عَبْدَةُ
[ الحديث583- طرفه في :3272]
584- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ صَلاَتَيْنِ نَهَى عَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَعَنْ الِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَعَنْ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلاَمَسَةِ
قوله: "باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس" يعني ما حكمها؟ قال الزين بن المنير: لم يثبت حكم النهي، لأن تعين المنهي عنه في هذا الباب مما كثر فيه الاختلاف، وخص الترجمة بالفجر من اشتمال الأحاديث على الفجر والعصر، لأن الصبح هي المذكورة أولا في سائر أحاديث الباب.
قلت: أو لأن العصر ورد فيها كونه صلى الله عليه وسلم صلى بعدها، بخلاف الفجر.قوله: "هشام" هو ابن أبي عبد الله الدستوائي. قوله: "عن أبي العالية" هو الرياحي بالياء التحتانية واسمه رفيع بالتصغير، ووقع مصرحا به عند الإسماعيلي من رواية غندر عن شعبة، وأورد المصنف طريق يحيى وهو القطان عن شعبة عن قتادة سمعت أبا العالية. والسر فيها التصريح بسماع قتادة له من أبي العالية وإن كانت طريق هشام أعلى منها. قوله: "شهد عندي" أي أعلمني أو أخبرني، ولم يرد شهادة الحكم. قوله: "مرضيون" أي لا شك في صدقهم ودينهم. وفي رواية الإسماعيلي من طريق يزيد بن زريع عن همام " شهد عندي رجال مرضيون فيهم عمر " وله من رواية شعبة " حدثني رجال أحبهم إلى عمر. قوله: "ناس بهذا" أي بهذا الحديث بمعناه، فإن مسددا رواه ومن طريقه البيهقي ولفظه: "حدثني ناس أعجبهم إلى عمر " وقال فيه: "حتى تطلع الشمس " ووقع في الترمذي عنه " سمعت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر، وكان من أحبهم

(2/58)


إلي". قوله: "بعد الصبح" أي بعد صلاة الصبح لأنه لا جائز أن يكون الحكم فيه معلقا بالوقت، إذ لا بد من أداء الصبح، فتعين التقدير المذكور. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وخالف بعض المتقدمين وبعض الظاهرية من بعض الوجوه. قوله: "حتى تشرق" بضم أوله من أشرق، يقال أشرقت الشمس ارتفعت وأضاءت، ويؤيده حديث أبي سعيد الآتي في الباب بعده بلفظ: "حتى ترتفع الشمس " ويروى بفتح أوله وضم ثالثه بوزن تغرب يقال شرقت الشمس أي طلعت، ويؤيده رواية البيهقي من طريق أخرى عن ابن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ: "حتى تشرق الشمس أو تطلع " على الشك، وقد ذكرنا أن في رواية مسدد " حتى تطلع الشمس " بغير شك، وكذا هو في حديث أبي هريرة الآتي آخر الباب بلفظ: "حتى تطلع الشمس " بالجزم، ويجمع بين الحديثين بأن المراد بالطلوع طلوع مخصوص، أي حتى تطلع مرتفعة. قال النووي: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة تحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وصلاة الجنازة وقضاء الفائتة، فذهب الشافعي وطائفة إلى جواز ذلك كله بلا كراهة، وذهب أبو حنيفة وآخرون إلى أن ذلك داخل في عموم النهي، واحتج الشافعي بأنه صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر، وهو صريح في قضاء السنة الفائتة فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى، ويلتحق ما له سبب. قلت: وما نقله من الإجماع والاتفاق متعقب، فقد حكى غيره عن طائفة من السلف الإباحة مطلقا وأن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم، وعن طائفة أخرى المنع مطلقا في جميع الصلوات، وصح عن أبي بكرة وكعب بن عجرة المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات، وحكى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنازة في الأوقات المكروهة، وهو متعقب بما سيأتي في بابه، وما ادعاه ابن حزم وغيره من النسخ مستندا إلى حديث: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى " فدل على إباحة الصلاة في الأوقات المنهية. انتهى. وقال غيرهم: ادعاء التخصيص أولى من ادعاء النسخ فيحمل النهي على ما لا سبب له، ويخص منه ما له سبب صلى الله عليه وسلم جمعا بين الأدلة، والله أعلم. وقال البيضاوي: اختلفوا في جواز الصلاة بعد الصبح والعصر وعند الطلوع والغروب وعند الاستواء، فذهب داود إلى الجواز مطلقا وكأنه حمل النهي على التنزيه. قلت: بل المحكي عنه أنه ادعى النسخ كما تقدم، قال: وقال الشافعي تجوز الفرائض وما له سبب من النوافل. وقال أبو حنيفة: يحرم الجميع سوى عصر يومه، وتحرم المنذورة أيضا. وقال مالك: تحرم النوافل دون الفرائض، ووافقه أحمد، لكنه استثنى ركعتي الطواف. "تنبيه": لم يقع لنا تسمية الرجال المرضيين الذين حدثوا ابن عباس بهذا الحديث، وبلغني أن بعض من تكلم على العمدة تجاسر وزعم أنهم المذكورون فيها عند قول مصنفها: وفي الباب عن فلان وفلان. ولقد أخطأ هذا المتجاسر خطأ بينا فلا حول ولا قوة إلا بالله. قوله: "عن هشام" هو ابن عروة بن الزبير. قوله: "لا تحروا" أصله لا تتحروا، فحذفت إحدى التاءين، والمعنى لا تقصدوا. واختلف أهل العلم في المراد بذلك، فمنهم من جعله تفسيرا للحديث السابق ومبينا للمراد به فقال: لا
ـــــــ
(1) هذا القول هو أصح الأقوال , وهو مذهب الشافعي وإحدى عن أحمد , واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم , وبه تجتمع الأخبار . والله أعلم

(2/59)


تكره الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها، وإلى ذلك جنح بعض أهل الظاهر وقواه ابن المنذر واحتج له. وقد روى مسلم من طريق طاوس عن عائشة قالت: وهم عمر، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. انتهى. وسيأتي من قول ابن عمر أيضا ما يدل على ذلك قريبا بعد بابين، وربما قوى ذلك بعضهم بحديث: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف إليها الأخرى " فأمر بالصلاة حينئذ، فدل على أن الكراهة مختصة بمن قصد الصلاة في ذلك الوقت لا من وقع له ذلك اتفاقا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر الباب الذي بعده، ومنهم من جعله نهيا مستقلا، وكره الصلاة في تلك الأوقات سواء قصد لها أم لم يقصد، وهو قول الأكثر. قال البيهقي: إنما قالت ذلك عائشة لأنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعد العصر، فحملت نهيه على من قصد ذلك لا على الإطلاق، وقد أجيب عن هذا بأنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى حينئذ قضاء كما سيأتي، وأما النهي فهو ثابت من طريق جماعة من الصحابة غير عمر رضي الله عنه، فلا اختصاص له بالوهم والله أعلم. قوله: "وقال: حدثني ابن عمر" هو مقول عروة أيضا، وهو حديث آخر، وقد أفرده الإسماعيلي وذكر أنه وقع له الحديثان معا من رواية على بن مسهر وعيسى بن يونس ومحمد بن بشر ووكيع ومالك ابن سعير ومحاضر كلهم عن هشام، وأنه وقع له الحديث الثاني فقط من رواية عبد الله بن نمير عن هشام. قوله: "حتى ترتفع" جعل ارتفاعها غاية النهي، وهو يقوى رواية من روى الحديث الماضي بلفظ: "حتى تشرق " من الإشراق وهو الارتفاع كما تقدم. قوله: "تابعه عبدة" يعني ابن سليمان، والضمير يعود على يحيى بن سعيد وهو القطان، يعني تابع يحيى القطان على روايته لهذا الحديث عن هشام، ورواية عبدة هذه موصولة عند المصنف في بدء الخلق، وفيه الحديثان معا وقال فيه: "حتى تبرز " بدل ترتفع. وقال فيه: "لا تحينوا، بالياء التحتانية والنون وزاد فيه: "فإنها تطلع بين قرني شيطان " وفيه إشارة إلى علة النهي عن الصلاة في الوقتين المذكورين، وزاد مسلم من حديث عمرو بن عبسة " وحينئذ يسجد لها الكفار " فالنهي حينئذ لترك مشابهة الكفار، وقد اعتبر ذلك الشرع في أشياء كثيرة وفي هذا تعقب على أبي محمد البغوي حيث قال: إن النهي عن ذلك لا يدرك معناه، وجعله من قبيل التعبد الذي يجب الإيمان به، وسيأتي الكلام على المراد بقوله: "بين قرني الشيطان " في أوائل بدء الخلق إن شاء الله تعالى. قوله: "حاجب الشمس" أي طرف قرصها، قال الجوهري: حواجب الشمس نواحيها. قوله: "عن عبيد الله" هو ابن عمر العمري. قوله: "حفص بن عاصم" أي ابن عمر بن الخطاب، وهو جد عبيد الله بن عمر المذكور في هذا الإسناد. قوله: "وعن صلاتين" محصل ما في الباب أربعة أحاديث: الأول والأخير يتعلقان بالفعل، والثاني والثالث يتعلقان بالوقت، وقد تقدم نقل اختلاف العلماء في ذلك. وسيأتي الكلام على البيعتين في كتاب البيع، وعلى اللبستين في كتاب اللباس. قوله: "بعد الفجر" أي بعد صلاة الفجر كما تقدم.

(2/60)


باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس
...
31 - باب لاَ تُتَحَرَّى الصَّلاَةُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
585- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا

(2/60)


586- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الْجُنْدَعِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ"
[الحديث 586- أطرافه في 1995,1993,1864,1197,1188]
587- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلاَةً لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ
[الحديث 587 – طرفه في :3766]
588- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ"
قوله: "باب لا تتحرى" بضم المثناة الفوقانية، والصلاة بالرفع لأنها في مقام الفاعل، أو بفتح المثناة التحتانية، والصلاة بالنصب والفاعل محذوف أي المصلي، وقد تقدم الكلام على حديث ابن عمر في الباب الذي قبله، ولا تنافي بين قوله في الترجمة " قبل الغروب " وبين قوله في الحديث: "عند الغروب " لما نذكره قريبا. قوله: "لا يتحرى" كذا وقع بلفظ الخبر، قال السهيلي: يجوز الخبر عن مستقر أمر الشرع، أي لا يكون إلا هذا. قوله: "فيصلي" بالنصب، والمراد نفي التحري والصلاة معا، ويجوز الرفع أي لا يتحرى أحدكم الصلاة في وقت كذا فهو يصلي فيه. وقال ابن خروف: يجوز في " فيصلي " ثلاثة أوجه: الجزم على العطف أي لا يتحرى ولا يصلي، والرفع على القطع أي لا يتحرى فهو يصلي، والنصب على جواب النهي والمعنى لا يتحرى مصليا. وقال الطيبي: قوله لا يتحرى نفي بمعنى النهي، ويصلي بالنصب لأنه جوابه، كأنه قيل: لا يتحرى، فقيل: لم؟ فأجيب: خيفة أن يصلي. ويحتمل أن يقدر غير ذلك. وقد وقع في رواية القعنبي في الموطأ " لا يتحرى أحدكم أن يصلي " ومعناه لا يتحرى الصلاة. قوله: "عن صالح" هو ابن كيسان ولم يخرج البخاري لصالح بن أبي الأخضر شيئا. قوله: "لا صلاة" قال ابن دقيق العيد: وصيغة النفي في ألفاظ الشارع إذا دخلت على فعل كان الأولى حملها على نفي الفعل الشرعي لا الحسي، لأنا لو حملناه على نفي الفعل الحسي لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار، والأصل عدمه. وإذا حملناه على الشرعي لم نحتج إلى إضمار، فهذا وجه الأولوية. وعلى هذا فهو نفي بمعنى النهي، والتقدير لا تصلوا. وحكى أبو الفتح اليعمري عن جماعة من السلف أنهم قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو إعلام بأنهما لا يتطوع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب، ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصلوا بعد الصبح ولا بعد العصر، إلا أن تكون الشمس نقية " وفي

(2/61)


رواية: "مرتفعة"، فدل على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه، وإنما المراد وقت الطلوع ووقت الغروب ما قاربهما والله أعلم. قوله: "حدثنا محمد بن أبان" هو البلخي، وقيل الواسطي، ولكل من القولين مرجح وكلاهما ثقة. قوله: "عن معاوية" في رواية الإسماعيلي من طريق معاذ وغيره عن شعبة " خطبنا معاوية " واتفق أصحاب شعبة على أنه من رواية أبي التياح عن حمران، وخالفهم عن بن عمر وأبو داود الطيالسي فقالا " عن أبي التياح عن معبد الجهني عن معاوية " والطريق التي أختارها البخاري أرجح، ويجوز أن يكون لأبي التياح فيه شيخان. قوله: "يصليهما" أي الركعتين، وللحموي " يصليها " أي الصلاة. وكذا وقع الخلاف بين الرواة في قوله عنها أو عنهما، وكلام معاوية مشعر بأن من خاطبهم كانوا يصلون بعد العصر ركعتين على سبيل التطوع الراتب لها كما يصلي بعد الظهر، وما نفاه من رؤية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لهما قد أثبته غيره، والمثبت مقدم على النافي. وسيأتي في الباب الذي بعده قول عائشة " كان لا يصليهما في المسجد " لكن ليس في رواية الإثبات معارضة للأحاديث الواردة في النهي، لأن رواية الإثبات لها سبب كما سيأتي في الباب الذي بعده، فألحق بها ما له سبب وبقي ما عدا ذلك على عمومه، والنهي فيه محمول على ما لا سبب له. وأما من يرى عموم النهي ولا يخصه بما له سبب فيحمل إنكار معاوية على من يتطوع ويحمل الفعل على الخصوصية، ولا يخفى رجحان الأول، والله أعلم. ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الصلاة المنهية غير صحيحة، فلازمه أن لا يقصد لها المكلف، إذ العاقل لا يشتغل بما لا فائدة فيه. قوله: "لا صلاة بعد الصبح" أي بعد صلاة الصبح، وصرح به مسلم من هذا الوجه في الموضعين. قوله: "حدثنا عبدة" هو ابن سليمان، وبقية الإسناد والمتن تقدم بأتم سياق في الباب الذي قبله.

(2/62)


باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر وةاه عم وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة
...
3 - باب مَنْ لَمْ يَكْرَهْ الصَّلاَةَ إِلاَّ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ
رَوَاهُ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ
589- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ لاَ أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلاَ نَهَارٍ مَا شَاءَ غَيْرَ أَنْ لاَ تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا قوله: "باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر" قيل: آثر البخاري الترجمة بذكر المذاهب على ذكر الحكم للبراءة من عهدة بت القول في موضع كثر فيه الاختلاف، ومحصل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات التي تكره فيها الصلاة أنها خمسة: عند طلوع الشمس. وعند غروبها، وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وعند الاستواء. وترجع بالتحقيق إلى ثلاثة: من بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس، فيدخل فيه الصلاة عند طلوع الشمس، وكذا من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، ولا يعكر على ذلك أن من لم يصل الصبح مثلا حتى بزغت الشمس يكره له التنفل حينئذ لأن الكلام إنما هو جار على الغالب المعتاد، وأما هذه الصورة النادرة فليست مقصودة. وفي الجملة عدها أربعة أجود، وبقي خامس وهو الصلاة وقت استواء الشمس وكأنه لم يصح عند المؤلف على شرطه فترجم على نفيه، وفيه أربعة أحاديث: حديث عقبة بن عامر وهو عند مسلم ولفظه: "وحين يقوم قائم الظهيرة حتى ترتفع" ، وحديث عمرو بن عبسة وهو عند مسلم أيضا ولفظه: "حتى يستقل الظل بالرمح، فإذا أقبل

(2/62)


الفيء فصل " وفي لفظ لأبي داود " حتى يعدل الرمح ظله" ، وحديث أبي هريرة وهو عند ابن ماجه والبيهقي ولفظه: "حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فإذا زالت فصل" ، وحديث الصنابحي وهو في الموطأ ولفظه: "ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها " وفي آخره: "ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات " وهو حديث مرسل مع قوة رجاله. وفي الباب أحاديث أخر ضعيفة، وبقضية هذه الزيادة قال عمر بن الخطاب فنهى عن الصلاة نصف النهار. وعن ابن مسعود قال: "كنا ننهى عن ذلك " وعن أبي سعيد المقبري قال: "أدركت الناس وهم يتقون ذلك " وهو مذهب الأئمة الثلاثة والجمهور، وخالف مالك فقال: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار. وقال ابن عبد البر: وقد روى مالك حديث الصنابحي، فإما أنه لم يصح عنده وإما أنه رده بالعمل الذي ذكره. انتهى. وقد استثنى الشافعي ومن وافقه من ذلك يوم الجمعة، وحجتهم أنه صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى التبكير يوم الجمعة ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام كما سيأتي في بابه، وجعل الغاية خروج الإمام، وهو لا يخرج إلا بعد الزوال، فدل على عدم الكراهة. وجاء فيه حديث عن أبي قتادة مرفوعا: "أنه صلى الله عليه وسلم كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة " في إسناده انقطاع. وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة إذا ضمت قوى الخبر. والله أعلم. "فائدة": فرق بعضهم بين حكمة النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح والعصر، وعن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فقال: يكره في الحالتين الأوليين، ويحرم في الحالتين الآخريين. وممن قال بذلك محمد بن سيرين ومحمد بن جرير الطبري واحتج بما يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعد العصر، فدل على أنه لا يحرم، وكأنه يحمل فعله على بيان الجواز. وسيأتي ما فيه في الباب الذي بعده. وروى عن ابن عمر تحريم الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وإباحتها بعد العصر حتى تصفر، وبه قال ابن حزم واحتج بحديث على أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة، ورواه أبو داود بإسناد صحيح قوي، والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع فقيل: هي كراهة تحريم وقيل كراهة تنزيه، والله أعلم. قوله: "رواه عمر الخ" يريد أن أحاديث هؤلاء الأربعة وهي التي تقدم إيرادها في البابين السابقين لبس فيها تعرض للاستواء، لكن لمن قال به أن يقول: إنه زيادة من حافظ ثقة فيجب قبولها. قوله: "حدثنا حماد" هو ابن زيد. قوله: "أصلي" زاد الإسماعيلي في أوله من وجهين عن حماد بن زيد " كان لا يصلي من أول النهار حتى تزول الشمس ويقول أصلي الخ". قوله: "أن لا تحروا" أصله تتحروا أي تقصدوا، وزاد عبد الرزاق في آخر هذا الحديث عن ابن جريج عن نافع " فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وقال: إنه يطلع قرن الشيطان مع طلوع الشمس" . "تنبيه": قال بعض العلماء: المراد بحصر الكراهة في الأوقات الخمسة إنما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية وإلا فقد ذكروا أنه يكره التنفل وقت إقامة الصلاة، ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، وفي حالة الصلاة المكتوبة جماعة لمن لم يصلها.وعند المالكية كراهة التنفل بعد الجمعة حتى ينصرف الناس، وعند الحنفية كراهة التنفل قبل صلاة المغرب، وسيأتي ثبوت الأمر به في هذا الجامع الصحيح.

(2/63)


33 - باب مَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ الْفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا
وَقَالَ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ شَغَلَنِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ"

(2/63)


590- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَتْ وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ وَمَا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنْ الصَّلاَةِ وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِدًا تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا وَلاَ يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ"
[الحديث 590 – أطرافه في : 1631,593,592,591]
591- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَتْ عَائِشَةُ "ابْنَ أُخْتِي مَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ"
592- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلاَ عَلاَنِيَةً رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ"
593- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ رَأَيْتُ الأَسْوَدَ وَمَسْرُوقًا شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ"
قوله: "باب ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها" قال الزين بن المنير: ظاهر الترجمة إخراج النافلة المحضة التي لا سبب لها. وقال أيضا: إن السر في قوله: "ونحوها " ليدخل فيه رواتب النوافل وغيرها. قوله: "وقال كريب" يعني مولى ابن عباس "عن أم سلمة الخ" وهو طرف من حديث أورده المؤلف مطولا في " باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده " قبيل كتاب الجنائز وقال في آخره: "أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان" . قوله في حديث عائشة "والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله" وقولها في الرواية الأخرى: "ما ترك السجدتين بعد العصر عندي قط" وفي الرواية الأخرى "لم يكن يدعهما سرا ولا علانية" وفي الرواية الأخيرة "ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين" تمسك بهذه الروايات من أجاز التنفل بعد العصر مطلقا ما لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس، وقد تقدم نقل المذاهب في ذلك، وأجاب عنه من أطلق الكراهة بأن فعله هذا يدل على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهة، وأما مواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك فهو من خصائصه، والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أنه صلى الله عليه وسلم: "كان يصلي بعد العصر وينهي عنها، ويواصل وينهي عن الوصال " رواه أبو داود، ورواية أبي سلمة عن عائشة في نحو هذه القصة وفي آخره: "وكان إذا صلى صلاة أثبتها " رواه مسلم، قال البيهقي: الذي اختص به صلى الله عليه وسلم المداومة على ذلك لا أصل القضاء، وأما ما روى عن ذكوان عن أم سلمة في هذه القصة أنها قالت: "فقلت يا رسول الله أنقضيهما إذا فاتتا؟ فقال لا". فهي

(2/64)


رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة صلى الله عليه وسلم. قلت: أخرجها الطحاوي واحتج بها على أن ذلك كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم وفيه ما فيه. "فائدة": روى الترمذي من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد " قال الترمذي حديث حسن.
قلت: وهو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع منه بعد اختلاطه، وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة، لكن ظاهر قوله: "ثم لم يعد " معارض لحديث عائشة المذكور في هذا الباب، فيحمل النفي على علم الراوي فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافي.
وكذا ما رواه النسائي من طريق أبي سلمة عن أم سلمة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة " الحديث.
وفي رواية له عنها " لم أره يصليهما قبل ولا بعد " فيجمع بين الحديثين بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصليهما إلا في بيته، فلذلك لم يره ابن عباس ولا أم سلمة، ويشير إلى ذلك قول عائشة في رواية الأولى " وكان لا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته". قوله: "أنه سمع عائشة قالت: والذي ذهب به" في رواية البيهقي من طريق إسحاق بن الحسن، والإسماعيلي من طريق أبي زرعة كلاهما عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه أنه دخل عليها فسألها عن ركعتين بعد العصر فقالت: "والذي ذهب بنفسه " تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد فيه أيضا: "فقال لها أيمن: إن عمر كان ينهي عنهما ويضرب عليهما " فقالت: "صدقت، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما " فذكره.
والخبر بذلك عن عمر أيضا ثابت في رواية كريب عن أم سلمة التي ذكرناها في " باب إذا كلم وهو يصلي ففي أول الخبر عن كريب أن ابن عباس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر أرسلوه إلى عائشة فقالوا: اقرأ عليها السلام منا جميعا وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر وقل لها إنا أخبرنا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنهما.
وقال ابن عباس: وقد كنت أضرب الناس مع عمر عليهما، الحديث.
"تنبيه" روى عبد الرزاق من حديث زيد بن خالد سبب ضرب عمر الناس على ذلك فقال عن زيد ابن خالد: إن عمر رآه وهو خليفة ركع بعد العصر فضربه، فذكر الحديث وفيه: "فقال عمر: يا زيد لولا أني أخشى أن يتخذهما الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما " فلعل عمر كان يرى أن النهي عن الصلاة بعد العصر إنما هو خشية إيقاع الصلاة عند غروب الشمس، وهذا يوافق قول ابن عمر الماضي وما نقلناه عن ابن المنذر وغيره، وقد روى يحيى بن بكير عن الليث عن أبي الأسود عن عروة عن تميم الداري نحو رواية زيد بن خالد وجواب عمر له وفيه: "ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيها " وهذا أيضا يدل لما قلناه. والله أعلم. وله: "ما خفف عنهم" في رواية المستملي: "ما يخفف عنهم " وسيأتي الكلام على ذلك في أعلام النبوة إن شاء الله تعالى. قوله: "هشام" هو ابن عروة. قوله: "ابن أختي" بالنصب على النداء وحرف النداء محذوف وأثبته الإسماعيلي في روايته. قوله: "عبد الواحد" هو ابن زياد، والشيباني هو أبو إسحاق، وأبو إسحاق المذكور في الإسناد الذي بعده هو السبيعي. قوله: "يدعهما" زاد النسائي: "في بيتي". "فائدة" فهمت عائشة رضي الله عنها من مواظبته صلى الله عليه وسلم على الركعتين بعد العصر أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس مختص بمن قصد الصلاة عن غروب الشمس لا إطلاقه، فلهذا قالت

(2/65)


ما تقدم نقله عنها، وكانت تتنفل بعد العصر. وقد أخرجه المصنف في الحج من طريق عبد العزيز بن رفيع قال: رأيت ابن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر ويخبر أن عائشة حدثته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل بيها إلا صلاهما. وكأن ابن الزبير فهم من ذلك ما فهمته خالته عائشة. والله أعلم. وقد روى النسائي أن معاوية سأل ابن الزبير عن ذلك فرد الحديث إلى أم سلمة، فذكرت أم سلمة قصة الركعتين حيث شغل عنهما فرجع الأمر إلى ما تقدم.
"تنبيه" قول عائشة " ما تركهما حتى لقي الله عز وجل " وقولها " لم يكن يدعهما " وقولها " ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين " مرادها من الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر، ولم ترد أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين من أول ما فرضت الصلوات مثلا إلى آخر عمره، بل في حديث أم سلمة ما يدل على أنه لم يكن يفعلهما قبل الوقت الذي ذكرت أنه قضاهما فيه.

(2/66)


34 - باب التَّبْكِيرِ بِالصَّلاَةِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ
594- حدثنا معاذ بن فضالة قال حدثنا هشام عن يحي – هو ابن أبي كثير – عن أبي قلابة أن أبا المليح حدثه قال " كنا مع بريدة في يوم ذي غيم فقال : بكروا بالصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ترك صلاة العصر حبط عمله "
قوله: "باب التبكير بالصلاة في يوم غيم" أورد فيه حديث بريدة الذي تقدم في أوقات العصر في " باب من ترك العصر " قال الإسماعيلي: جعل البخاري الترجمة لقول بريدة لا للحديث، وكان حق هذه الترجمة أن يورد فيها الحديث المطابق لها، ثم أورده من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بلفظ: "بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإن من ترك صلاة العصر حبط عمله" . قلت: من عادة البخاري أن يترجم ببعض ما تشتمل عليه ألفاظ الحديث ولو لم يوردها بل ولو لم يكن على شرطه، فلا إيراد عليه. وروينا في سنن سعيد بن منصور عن عبد العزيز بن رفيع قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عجلوا صلاة العصر في قوم الغيم " إسناده قوي مع إرساله، وقد تقدم الكلام على المتن في " باب من ترك العصر". "فائدة": المراد بالتبكير المبادرة إلى الصلاة في أول الوقت، وأصل التبكير فعل الشيء بكرة والبكرة أول النهار، ثم استعمل في فعل الشيء في أول وقته. وقيل المراد تعجيل العصر وجمعها مع الظهر، وروى ذلك عن عمر قال: "إذا كان يوم غيم فأخروا الظهر وعجلوا العصر".

(2/66)


35 - باب الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ
595- حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنْ الصَّلاَةِ قَالَ بِلاَلٌ أَنَا أُوقِظُكُمْ فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ بِلاَلٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَالَ يَا بِلاَلُ أَيْنَ مَا قُلْتَ قَالَ مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ يَا بِلاَلُ قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلاَةِ فَتَوَضَّأَ فَلَمَّا

(2/66)


36 - باب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ
596- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ"
[الحديث596- أطرافه في : 4112,945,641,598]
قوله: "باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت" قال الزين بن المنير: إنما قال البخاري " بعد ذهاب الوقت " ولم يقل مثلا لمن صلى صلاة فائتة للإشعار بأن إيقاعها كان قرب خروج وقتها لا كالفوائت التي جهل يومها أو شهرها. قوله: "هشام" هو ابن أبي عبد الله الدستوائي، ويحيى هو ابن أبي كثير، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن. قوله: "إن عمر بن الخطاب" قد اتفق الرواة على أن هذا الحديث من رواية جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حجاج بن نصير فإنه رواه عن علي بن المبارك عن يجيى بن أبي كثير فقال فيه: "عن جابر عن عمر " فجعله من مسند عمر، تفرد بذلك حجاج وهو ضعيف. قوله: "يوم الخندق" سيأتي شرح أمره في كتاب المغازي. قوله: "بعدما غربت الشمس"

(2/68)


في رواية شيبان عن يحيى عند المصنف " وذلك بعدما أفطر الصائم " والمعنى واحد. قوله: "يسب كفار قريش" لأنهم كانوا السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إما المختار كما وقع لعمر، وإما مطلقا كما وقع لغيره. قوله: "ما كدت" قال اليعمري: لفظه: "كاد " من أفعال المقاربة، فإذا قلت كاد زيد يقوم فهم منها أنه قارب القيام ولم يقم، قال: والراجح فيها أن لا تقرن بأن، بخلاف عسى فإن الراجح فيها أن تقرن. قال: وقد وقع في مسلم في هذا الحديث: "حتى كادت الشمس أن تغرب". قلت: وفي البخاري في " باب غزوة الخندق " أيضا وهو من تصرف الرواة، وهل تسوغ الرواية بالمعنى في مثل هذا أو لا؟ الظاهر الجواز، لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر كيف وقعت، لا الإخبار عن عمر هل تكلم بالراجحة أو المرجوحة. قال: وإذا تقرر أن معنى " كاد " المقاربة فقول عمر " ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب " معناه أنه صلى العصر قرب غروب الشمس، لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فتحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة ولم يثبت الغروب ا هـ.وقال الكرماني: لا يلزم من هذا السياق وقوع الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصلاة لأنه يقتضي أن كيدودته كانت كيدودتها، قال: وحاصله عرفا ما صليت حتى غربت الشمس ا هـ.
ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق، وما ادعاه من العرف ممنوع وكذا العندية، للفرق الذي أوضحه اليعمري من الإثبات والنفي لأن كاد إذا أثبتت نفت وإذا نفت أثبتت كما قال فيها المعري ملغزا:
إذا نفيت والله أعلم أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود
هذا إلى ما في تعبيره بلفظ كيدودة من الثقل والله الهادي إلى الصواب. فإن قيل: الظاهر أن عمر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فكيف اختص بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس بخلاف بقية الصحابة، والنبي صلى الله عليه وسلم معهم؟ فالجواب أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر حينئذ متوضئا فبادر فأوقع الصلاة، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء. وقد اختلف في سبب تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ذلك اليوم، فقيل كان ذلك نسيانا، واستبعد أن يقع ذلك من الجميع. ويمكن أن يستدل له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب يوم الأحزاب، فلما سلم قال: هل علم رجل منكم أني صليت العصر؟ قالوا: لا يا رسول الله، فصلى العصر ثم صلى المغرب " ا هـ. وفي صحة هذا الحديث نظر، لأنه مخالف لما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم لعمر " والله ما صليتها " ويمكن الجمع بينهما بتكلف. وقيل كان عمدا لكونهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك، وهو أقرب، لا سيما وقد وقع عند أحمد والنسائي من حديث أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف "فرجالا أو ركبانا" وقد اختلف في هذا الحكم هل نسخ أم لا كما سيأتي في كتاب صلاة الخوف إن شاء الله تعالى. قوله: "بطحان" بضم أوله وسكون ثانيه: واد بالمدينة، وقيل هو بفتح أوله وكسر ثانيه حكاه أبو عبيد البكري. قوله: "فصلى العصر" وقع في الموطأ من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد الذي أشرنا إليه الظهر والعصر والمغرب، وأنهم صلوا بعد هوى من الليل وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي والنسائي: "أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله " وفي قوله: "أربع " تجوز لأن العشاء لم تكن فاتت. قال اليعمري: من الناس من رجح ما في الصحيحين، وصرح بذلك ابن العربي فقال:

(2/69)


إن الصحيح أن الصلاة التي شغل عنها واحدة وهي العصر. قلت: ويؤيده حديث علي في مسلم: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " قال: ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أياما فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، قال: وهذا أولى. قلت: ويقربه أن روايتي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرض لقصة عمر، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب. وأما رواية حديث الباب ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس. قال الكرماني: فإن قلت كيف دل الحديث على الجماعة؟ قلت: إما أنه يحتمل أن في السياق اختصارا، وإما من إجراء الراوي الفائتة التي هي العصر والحاضرة التي هي المغرب مجرى واحدا. ولا شك أن المغرب كانت بالجماعة لما هو معلوم من عادته اهـ. وبالاحتمال الأول جزم ابن المنير زين الدين فقال: فإن قيل ليس فيه تصريح بأنه صلى في جماعة، أجيب بأن مقصود الترجمة مستفاد من قوله: "فقام وقمنا وتوضأ وتوضأنا". قلت: الاحتمال الأول هو الواقع في نفس الأمر، فقد وقع في رواية الإسماعيلي ما يقتضي أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم أخرجه من طريق يزيد بن زريع عن هشام بلفظ: "فصلى بنا العصر"، وفي الحديث من الفوائد ترتيب الفوائت، والأكثر على وجوبه مع الذكر لا مع النسيان. وقال الشافعي: لا يجب الترتيب فيها، واختلفوا فيما تذكر فائتة في وقت حاضرة ضيق هل يبدأ بالفائتة - وإن خرج وقت الحاضرة - أو يبدأ بالحاضرة، أو يتخير؟ فقال بالأول مالك. وقال بالثاني الشافعي وأصحاب الرأي وأكثر أصحاب الحديث. وقال بالثالث أشهب. وقال عياض: محل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات الفوائت، فأما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة، واختلفوا في حد القليل، فقيل: صلاة يوم، وقيل أربع صلوات. وفيه جواز اليمين من غير استحلاف إذا اقتضت مصلحة من زيادة طمأنينة أو نفي توهم. وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من مكارم الأخلاق وحسن التأني مع أصحابه وتألفهم وما ينبغي الاقتداء به في ذلك، وفيه استحباب قضاء الفوائت في الجماعة وبه قال أكثر أهل العلم إلا الليث مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت والإقامة للصلاة الفائتة، واستدل به على عدم مشروعية الأذان للفائتة، وأجاب من اعتبره بأن المغرب كانت حاضرة ولم يذكر الراوي الأذان لها، وقد عرف من عادته صلى الله عليه وسلم الأذان للحاضرة، فدل على أن الراوي ترك ذكر ذلك لا أنه لم يقع في نفس الأمر، وتعقب باحتمال أن تكون المغرب لم يتهيأ إيقاعها إلا بعد خروج وقتها على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه. وعكس ذلك بعضهم فاستدل بالحديث على أن وقت المغرب متسع، لأنه قدم العصر عليها فلو كان ضيقا لبدأ بالمغرب ولا سيما على قول الشافعي في قوله بتقدم الحاضرة وهو الذي قال بأن وقت المغرب ضيق فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث، وهذا في حديث جابر، وأما حديث أبي سعيد فلا يتأتى فيه هذا لما تقدم أن فيه أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد مضي هوى من الليل.

(2/70)


باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا بلك الصلاة
...
3 - باب مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ وَلاَ يُعِيدُ إِلاَّ تِلْكَ الصَّلاَةَ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ مَنْ تَرَكَ صَلاَةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلاَّ تِلْكَ الصَّلاَةَ الْوَاحِدَةَ
597- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالاَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} قَالَ مُوسَى قَالَ هَمَّامٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} وَقَالَ حَبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ

(2/70)


قوله: "باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، ولا يعيد إلا تلك الصلاة" قال علي بن المنير: صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب لقول الشارع " فليصلها " ولم يذكر زيادة. وقال أيضا: "لا كفارة لها إلا ذلك " فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب. انتهى. ويحتمل أن يكون البخاري أشار بقوله: "ولا يعيد إلا تلك الصلاة " إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة حيث قال: "فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها " فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، ولكن اللفظ المذكور ليس نصا في ذلك لأنه يحتمل أن يريد بقوله: "فليصلها " عند وقتها أي الصلاة التي تحضر لا أنه يريد أن يعيد التي صلاها بعد خروج وقتها، لكن في رواية أبي داود من حديث عمران بن حصين في هذه القصة " من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها " قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بظاهره وجوبا. قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى. ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضا، بل غدوا الحديث غلطا من راويه. وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أيضا: "أنهم قالوا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم" . قوله: "وقال إبراهيم" أي النخعي: وأثره هذا موصول عند الثوري في جامعه عن منصور وغيره عنه. قوله: "عن همام" هو ابن يحيى، والإسناد كله بصريون. قوله: "من نسي صلاة فليصل" كذا وقع في جميع الروايات يحذف المفعول، ورواه مسلم عن هداب بن خالد عن همام بلفظ: "فليصلها " وهو أبين للمراد. وزاد مسلم أيضا من رواية سعيد عن قتادة " أو نام عنها " وله من رواية المثنى بن سعيد الضبعي عن قتادة نحوه وسيأتي لفظه، وقد تمسك بدليل الخطاب منه القائل إن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي وقال من قال يقضي العامد بأن ذلك مستفاد من مفهوم الخطاب، فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا وجب القضاء على الناسي - مع سقوط الإثم ورفع الحرج عنه - فالعامد أولى. وادعى بعضهم أن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله: "نسي " لأن النسيان يطلق على الترك سواء كان عن ذهول أم لا، ومنه قوله تعالى: {نسوا الله فأنساهم أنفسهم - نسوا الله فنسيهم} . قال: ويقوي ذلك قوله: "لا كفارة لها " والنائم والناسي لا إثم عليه. قال: وهو بحث ضعيف، لأن الخبر بذكر النائم ثابت وقد قال فيه: "لا كفارة لها " والكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد، والقائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالا من الناسي، بل يقول إنه لو شرع له القضاء لكان هو والناسي سواء، والناسي غير مأثوم بخلاف العامد فالعامد أسوأ حالا من الناسي فكيف يستويان؟ ويمكن أن يقال إن إثم العامد بإخراجه الصلاة عن وقتها باق عليه ولو قضاها، بخلاف الناسي فإنه لا إثم عليه مطلقا، ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول لأنه قد خوطب بالصلاة وترتبت في ذمته فصارت دينا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها ويسقط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر في رمضان عامدا فإنه يجب عليه أن يقضيه مع

(2/71)


بقاء إثم الإفطار عليه، والله أعلم. قوله: "قال موسى" أي دون أبي نعيم "قال همام سمعته" يعني قتادة "يقول بعد" أي في وقت آخر "للذكرى" يعني أن همام سمعه من قتادة مرة بلفظ "للذكرى" بلامين وفتح الراء بعدها ألف مقصورة - ووقع عند مسلم من طريق يونس أن الزهري كان يقرأها كذلك - ومرة كان يقولها قتادة بلفظ: "لذكرى " بلام واحدة وكسر الراء وهي القراءة المشهورة. وقد اختلف في ذكر الآية هل هي من كلام قتادة أو هي من قول النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية مسلم عن هداب قال قتادة {وأقم الصلاة لذكري} وفي روايته من طريق المثنى عن قتادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: {أقم الصلاة لذكري} وهذا ظاهر أن الجميع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا، لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى عليه الصلاة والسلام، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ، واختلف في المراد بقوله: {لذكري} فقيل المعنى لتذكرني فيها. وقيل لأذكرك بالمدح، وقيل إذا ذكرتها، أي لتذكيري لك إياها، وهذا يعضد قراءة من قرأ: {للذكرى} . وقال النخعي. اللام للظرف، أي إذا ذكرتني أي إذا ذكرت أمري بعد ما نسيت، وقيل لا تذكر فيها غيري، وقيل شكرا لذكري، وقيل المراد بقوله ذكري ذكر أمري، وقيل المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني فإن الصلاة عبادة لله فمتى ذكرها ذكر المعبود فكأنه أراد لذكر الصلاة. وقال التوربشتي: الأولى أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث، وكأن المعنى أقم الصلاة لذكرها، لأنه إذا ذكرها ذكر الله تعالى، أو يقصد مضاف أي لذكر صلاتي أو ذكر الضمير فيه موضع الصلاة لشرفها. قوله: "وقال حبان" هو بفتح أوله والموحدة وهو ابن هلال، وأراد بهذا التعليق بيان سماع قتادة له من أنس لتصريحه فيها بالتحديث، وقد وصله أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء عن حبان بن هلال وفيه أن هماما سمعه من قتادة مرتين كما في رواية موسى.

(2/72)


باب قضاء الصلوات الأولى فالأولى
...
38 - باب قَضَاءِ الصَّلاَةِ الأُولَى فَالأُولَى
598- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ "جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ قَالَ فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ"
قوله: "باب قضاء الصلاة" وللكشميهني الصلوات "الأولى فالأولى" وهذه الترجمة عبر عنها بعضهم بقوله: "باب ترتيب الفوائت " وقد تقدم نقل الخلاف في حكم هذه المسألة. يحيى المذكور فيه هو القطان، وبقية الإسناد تقدم قبل. وأورد المتن هنا مختصرا، ولا ينهض الاستدلال به لمن يقول بوجوب ترتيب الفوائت إلا إذا قلنا إن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجردة للوجوب، اللهم إلا أن يستدل له بعموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي " فيقوى، وقد اعتبر ذلك الشافعية في أشياء غير هذه.

(2/72)


39 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ
599- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى

(2/72)


40 - باب السَّمَرِ فِي الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ
600- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ فَجَاءَ فَقَالَ دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلاَءِ ثُمَّ قَالَ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ انْتَظَرْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ أَلاَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمْ الصَّلاَةَ قَالَ الْحَسَنُ وَإِنَّ الْقَوْمَ لاَ يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ قَالَ قُرَّةُ هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
601- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبُو بَكْر

(2/73)


ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ وَإِنَّمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ
قوله: "باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء" قال علي بن المنير: الفقه يدخل في عموم الخير، لكنه خصه بالذكر تنويها بذكره وتنبيها على قدره، وقد روى الترمذي من حديث عمر محسنا " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمر هو وأبو بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معهما" قوله: "حدثنا عبد الله بن صباح" هو العطار وهو بصري وكذا بقية رجال هذا الإسناد. قوله: "انتظرنا الحسن" أي ابن أبي الحسن البصري. قوله: "وراث علينا" الواو للحال وراث بمثلثة غير مهموز أي أبطأ. قوله: "من وقت قيامه" أي الذي جرت عادته بالقعود معهم فيه كل ليلة في المسجد لأخذ العلم عنه. قوله: "دعانا جيراننا" بكسر الجيم، كأن الحسن أورد هذا مورد الاعتذار عن تخلفه عن القعود على عادته. قوله: "ثم قال" أي الحسن "قال أنس نظرنا" وفي رواية الكشميهني: "انتظرنا " وهما بمعنى. قوله: "حتى كان شطر الليل" برفع شطر، وكان تامة، و قوله: "يبلغه" أي يقرب منه. قوله: "ثم خطبنا" هو موضع الترجمة لما قررناه من أن المراد بقوله: "بعدها " أي بعد صلاتها. وأورد الحسن ذلك لأصحابه مؤنسا لهم ومعرفا أنهم وإن كان فاتهم الأجر على ما يتعلمونه منه في تلك الليلة على ظنهم فلم يفتهم الأجر مطلقا لأن منتظر الخير في خير فيحصل له الأجر بذلك، والمراد أنه يحصل لهم الخير في الجملة لا من جميع الجهات، وبهذا يجاب عمن استشكل قوله: "أنهم في صلاة " مع أنهم جائز لهم الأكل والحديث وغير ذلك. واستدل الحسن على ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه آنس أصحابه بمثل ذلك، ولهذا قال الحسن بعد: وأن القوم لا يزالون بخير ما انتظروا الخير. قوله: "قال قرة: هو من حديث أنس" يعني الكلام الأخير، وهذا هو الذي يظهر لي، لأن الكلام الأول ظاهر في كونه عن النبي صلى الله عليه وسلم والأخير هو الذي لم يصرح الحسن برفعه ولا بوصله فأراد قرة الذي اطلع على كونه في نفس الأمر موصولا مرفوعا أن يعلم من رواه عنه بذلك. "تنبيه": أخرج مسلم وابن خزيمة في صحيحيهما عن عبد الله بن الصباح شيخ البخاري بإسناده هذا حديثا خالفا البخاري فيه في بعض الإسناد والمتن فقالا " عن أبي علي الحنفي عن قرة بن خالد عن قتادة عن أنس قال: نظرنا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة حتى كان قريبا من نصف الليل، قال فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فصلى. قال: فكأنما أنظر إذا وبيص خاتمه حلقة فضة". انتهى. وأخرجه الإسماعيلي في مستخرجه عن عمر بن سهل عن عبد الله بن الصباح كذلك من رواية قرة عن قتادة، ولم يصب في ذلك فإن الذي يظهر لي أنه حديث آخر كان عند أبي علي الحنفي عن قرة أيضا وسمعه منه عبد الله بن الصباح كما سمع منه الحديث الآخر عن قرة عن الحسن، ويدل على ذلك أن في كل من الحديثين ما ليس في الآخر، وقد أورد أبو نعيم في مستخرجه الحديثين من الطريقين:

(2/74)


فأورد حديث قرة عن قتادة من طرق منها عن يزيد بن عمر(1) صلى الله عليه وسلم عن أبي علي الحنفي، وحديث قرة عن الحسن من رواية حجاج بن نصير عن قرة، وهو في التحقيق حديث واحد عن أنس اشترك الحسن وقتادة في سماعه منه فاقتصر الحسن على موضع حاجته منه فلم يذكر قصة الخاتم وزاد مع ذلك على قتادة ما لم يذكره، والله أعلم. قوله: "وأبو بكر بن أبي حثمة" نسبة إلى جده، وهو أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وقد تقدم كذلك في " باب السمر بالعلم " من كتاب العلم، وتقدم الكلام على حديث ابن عمر هناك. قوله: "فوهل الناس" أي غلطوا أو توهموا أو فزعوا أو نسوا، والأول أقرب هنا، وقيل وهل بالفتح بمعنى وهم بالكسر ووهل بالكسر مثله، وقيل بالفتح غلط، وبالكسر فزع. قوله: "في مقالة" وفي رواية المستملي والكشميهني من مقالة. قوله: "إلى ما يتحدثون في هذه" وفي رواية الكشميهني: "من هذه". قوله: "عن مائة سنة" لأن بعضهم كان يقول إن الساعة تقوم عند تقضي مائة سنة كما روى ذلك الطبراني وغيره من حديث أبي مسعود البدري، ورد ذلك عليه علي بن أبي طالب، وقد بين ابن عمر في هذا الحديث مراد النبي صلى الله عليه وسلم وأن مراده أن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك ينخزم ذلك القرن فلا يبقى أحد ممن كان موجودا حال تلك المقالة، وكذلك وقع بالاستقراء فكان آخر من ضبط أمره ممن كان موجودا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة، وقد أجمع أهل الحديث على أنه كان آخر الصحابة موتا، وغاية ما قيل فيه إنه بقي إلى سنة عشر ومائة وهي رأس مائة سنة من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم. قال النووي وغيره: احتج البخاري ومن قال بقوله بهذا الحديث على موت الخضر، والجمهور على خلافه، وأجابوا عنه بأن الخضر كان حينئذ من ساكني البحر فلم يدخل في الحديث، قالوا: ومعنى الحديث لا يبقى ممن ترونه أو تعرفونه، فهو عام أريد به الخصوص. وقيل احترز بالأرض عن الملائكة. وقالوا: خرج عيسى من ذلك وهو حي لأنه في السماء لا في الأرض، وخرج إبليس لأنه على الماء أو في الهواء، وأبعد من قال: إن اللام في الأرض عهدية والمراد أرض المدينة، والحق أنها للعموم وتتناول جمع بني آدم، وأما من قال: المراد أمة محمد سواء أمة الإجابة وأمة الدعوة، وخرج عيسى والخضر لأنهما ليسا من أمته، فهو قول ضعيف، لأن عيسى يحكم بشريعته فيكون من أمته، والقول في الخضر إن كان حيا كالقول في عيسى (2) والله أعلم.
ـــــــ
(1) في مخطوطة الرياض " زيد بن عمر "
(2) الذي عليه أهل التحقيق أن الخضر قد مات قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لأدلة كثيرة معروفة في محلها , ولو كان حيا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام لدخل في هذا الحديث وكان ممن أتى عليه الموت قبل رأس المائة كما أشار إليه الشارح هنا . فتنبه والله أعلم.

(2/75)


41 - باب السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالأَهْلِ
602- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاَثَةٍ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ قَالَ فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي فَلاَ أَدْرِي قَالَ وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ

(2/75)


لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتْ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ قَالَ أو ما عَشَّيْتِيهِمْ قَالَتْ أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا قَالَ فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ وَقَالَ كُلُوا لاَ هَنِيئًا فَقَالَ وَاللَّهِ لاَ أَطْعَمُهُ أَبَدًا وَأيْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلاَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا قَالَ يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا قَالَتْ لاَ وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الأَجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ
[ الحديث 602- أطرافه في : 6141,6140,3581]
قوله: "باب السمر مع الأهل والضيف" قال علي بن المنير ما محصله: اقتطع البخاري هذا الباب من " باب السمر في الفقه والخير " لانحطاط رتبته عن مسمى الخير، لأن الخير متمحض للطاعة لا يقع على غيرها، وهذا النوع من السمر خارج عن أصل الضيافة والصلة المأمور بهما، فقد يكون مستغنى عنه في حقهما فيلتحق بالسمر الجائز أو المتردد بين الإباحة والندب. ووجه الاستدلال من حديث عبد الرحمن ابن أبي بكر المذكور في الباب اشتغال أبي بكر بعد صلاة العشاء بمجيئه إلى بيته ومراجعته لخبر الأضياف واشتغاله بما دار بينهم، وذلك كله في معنى السمر، لأنه سمر مشتمل على مخاطبة وملاطفة ومعاتبة. انتهى. قوله: "كونوا أناسا" للكشميهني: "كانوا ناسا". قوله: "فهو أنا وأبي" زاد الكشميهني: "وأمي " وللمستملي: "فهو وأنا وأمي". قوله: "ثم لبث حيث صليت العشاء" في رواية الكشميهني: "حتى " بدل حيث. قوله: "ففرقنا" أي جعلنا فرقا، وسنذكر فوائد هذا الحديث وما اشتمل عليه من الأحكام وغيرها في " علامات النبوة " مفصلا إن شاء الله تعالى.
"خاتمة": اشتمل كتاب المواقيت على مائة حديث وسبعة عشر حديثا، المعلق من ذلك ستة وثلاثون حديثا والباقي موصول، الخالص منها ثمانية وأربعون حديثا والمكرر منها فيه وفيما تقدم تسعة وستون حديثا، وافقه مسلم على جميعها سوى ثلاثة عشر حديثا وهي حديث أنس في السجود على الظهائر وقد أخرج معناه، وحديثه " ما أعرف شيئا " وحديثه في المعنى " هذه الصلاة قد ضيعت " وحديث ابن عمر " أبردوا " وكذا حديث أبي سعيد وحديث ابن عمر " إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم " وحديث أبي موسى " مثل المسلمين واليهود " وحديث أنس " كنا نصلي العصر " وقد اتفقا على أصله، وحديث عبد الله بن مغفل " لا يغلبنكم الأعراب " وحديث ابن عباس " لولا أن أشق " وحديث سهل بن سعد " كنت أتسحر " وحديث معاوية في الركعتين بعد العصر، وحديث أبي قتادة في النوم عن الصبح، على أن مسلما أخرج أصل الحديث من وجه آخر لكن بينا في الشرح أنهما حديثان لقصتين، والله أعلم.
وفيه من الآثار الموقوفة ثلاثة آثار والله سبحانه وتعالى أعلم.

(2/76)