Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المجلد الثالث
فتح الباري - كتاب التهجد
باب التهجد بالليل
...
المجلد الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
19 - كتاب التهجد
1 - باب التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ, وَقَوْلِهِ عَزَّ وجل :{وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ}
1120- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: " اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ.اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ" .قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: " وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ ".قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[الحديث 1120-أطرافه في:6317, 7385, 7442, 7499]
قوله: "باب التهجد بالليل" في رواية الكشميهني: "من الليل" وهو أوفق للفظ الآية، وسقطت البسملة من رواية أبي ذر. وقصد البخاري إثبات مشروعية قيام الليل مع عدم التعرض لحكمه، وقد أجمعوا إلا شذوذا من القدماء على أن صلاة الليل ليست مفروضة على الأمة، واختلفوا في كونها من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي تصريح المصنف بعدم وجوبه على الأمة قريبا. قوله: "وقوله عز وجل: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} " زاد أبو ذر في روايته: "اسهر به" وحكاه الطبري أيضا، وفي المجاز لأبي عبيدة: قوله: {فَتَهَجَّدْ بِهِ} أي أسهر بصلاة. وتفسير التهجد بالسهر معروف في اللغة، وهو من الأضداد. يقال: تهجد إذا سهر وتهجد إذا نام، حكاه الجوهري وغيره. ومنهم من فرق بينهما، فقال: هجدت نمت، وتهجدت سهرت، حكاه أبو عبيدة وصاحب العين، فعلى هذا أصل الهجود: النوم، ومعنى تهجدت: طرحت عني النوم.وقال الطبري: التهجد السهر بعد نومة، ثم ساقه عن جماعة من السلف. وقال ابن فارس: المتهجد المصلي ليلا. وقال كراع: التهجد صلاة الليل خاصة. قوله: {نَافِلَةً لَكَ} النافلة في اللغة: الزيادة، فقيل معناه: عبادة زائدة في فرائضك. وروى الطبري عن ابن عباس "أن النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، لأنه أمر بقيام الليل وكتب عليه دون أمته" وإسناده ضعيف. وقيل معناه: زيادة لك خالصة، لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب، وتطوعه هو صلى الله عليه وسلم يقع خالصا له لكونه لا ذنب عليه، وروى معنى ذلك الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد بإسناد حسن، وعن قتادة كذلك، ورجح الطبري الأول وليس الثاني ببعيد من الصواب. قوله: "إذا قام من الليل يتهجد"

(3/3)


في رواية مالك عن أبي الزبير عن طاوس: إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل، وظاهر السياق أنه كان يقوله أول ما يقوم إلى الصلاة. وترجم عليه ابن خزيمة: الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر، ثم ساقه من طريق قيس بن سعد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للتهجد قال بعد ما يكبر: اللهم لك الحمد" وسيأتي هذا في الدعوات من طريق كريب عن ابن عباس في حديث مبيته عند النبي صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة، وفي آخره: "وكان في دعائه: اللهم اجعل في قلبي نورا" الحديث. وهذا قاله لما أراد أن يخرج إلى صلاة الصبح، كما بينه مسلم من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه. قوله: "قيم السموات" في رواية أبي الزبير المذكورة "قيام السموات" وسيأتي الكلام عليه في التوحيد، قال قتادة: القيام: القائم بنفسه بتدبير خلقه المقيم لغيره. قوله: "أنت نور السموات والأرض" أي: منورهما، وبك يهتدي من فيهما. وقيل: المعنى أنت المنزه عن كل عيب، يقال: فلان منور، أي: مبرأ من كل عيب، ويقال: هو اسم مدح، تقول: فلان نور البلد أي مزينه. قوله: "أنت ملك السموات" كذا للأكثر، وللكشميهني: "لك ملك السموات" والأول أشبه بالسياق. قوله: "أنت الحق" أي: المتحقق الوجود الثابت بلا شك فيه، قال القرطبي: هذا الوصف له سبحانه وتعالى بالحقيقة خاص به لا ينبغي لغيره، إذ وجوده لنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم بخلاف غيره. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه: أنت الحق بالنسبة إلى من يدعي فيه أنه إله، أو بمعنى أن من سماك إلها فقد قال الحق. قوله: "ووعدك الحق" أي الثابت، وعرفه ونكر ما بعده لأن وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم. قاله الطيبي1. واللقاء وما ذكر بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدر وما ذكر بعده هو الموعود به، ويحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، كما أن ذكر القول بعد الوعد من العام بعد الخاص، قاله الكرماني. قوله: "ولقاؤك حق" فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، وهو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال. وقيل: معنى "لقاؤك حق" أي الموت، وأبطله النووي. قوله: "وقولك حق" تقدم ما فيه. قوله: "والجنة حق والنار حق" فيه إشارة إلى أنهما موجودتان، وسيأتي البحث فيه في بدء الخلق. قوله: "ومحمد صلى الله عليه وسلم حق" خصه بالذكر تعظيما له، وعطفه على النبيين إيذانا بالتغاير بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة وجرده عن ذاته كأنه غيره، ووجب عليه الإيمان به وتصديقه مبالغة في إثبات نبوته كما في التشهد. قوله: "والساعة حق" أي: يوم القيامة، وأصل الساعة: القطعة من الزمان، وإطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لا بد من كونها وأنها مما يجب أن يصدق بها.و تكرار لفظ حق للمبالغة في التأكيد. قوله: "اللهم لك أسلمت" أي: انقدت وخضعت، "وبك آمنت" أي: صدقت، "وعليك توكلت" أي: فوضت الأمر إليك تاركا للنظر في الأسباب العادية2، "وإليك أنبت": أي رجعت إليك في تدبير أمري. قوله: "وبك خاصمت" أي: بما أعطيتني من البرهان، وبما لقنتني من الحجة. قوله: "وإليك حاكمت" أي: كل من جحد الحق حاكمته إليك وجعلتك الحكم بيننا، لا من كانت الجاهلية تتحاكم إليه من كاهن ونحوه. وقدم مجموع صلات
ـــــــ
1 في مخطوطة الرياض: القرطبي
2 ليس هذا التفسير بجيد. الصواب في تفسير التوكل عند أهل التحقيق أنه الاعتماد على الله والثقة به, والإيمان بأنه مقدر الأشياء ومدبر الأمور كلها, مع النظر في الأسباب العادية من العبد وقيامه بها. فالتوكل مركب من شيئين: أحدهما الاعتماد على الله والثقة به التفويض إليه لكونه قد علم الأشياء وقدرها وله القدرة الشاملة والمشيئة النافذة. والثاني النظر من العبد في الأسباب الدينية وقيامه بها. والله أعلم.

(3/4)


هذه الأفعال عليها إشعارا بالتخصيص وإفادة للحصر، وكذا قوله: "ولك الحمد" و قوله: "فاغفر لي" قال ذلك مع كونه مغفورا له، إما على سبيل التواضع والهضم لنفسه وإجلالا وتعظيما لربه، أو على سبيل التعليم لأمته لتقتدي به كذا قيل، والأولى أنه لمجموع ذلك، وإلا لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا. قوله: "وما قدمت" أي: قبل هذا الوقت "وما أخرت" عنه. قوله: "وما أسررت وما أعلنت" أي: أخفيت وأظهرت، أو ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني. زاد في التوحيد من طريق ابن جريج عن سليمان "وما أنت أعلم به مني" وهو من العام بعد الخاص أيضا. قوله: "أنت المقدم وأنت المؤخر" قال المهلب: أشار بذلك إلى نفسه لأنه المقدم في البعث في الآخرة والمؤخر في البعث في الدنيا. زاد في رواية ابن جريج أيضا في الدعوات "أنت إلهي لا إله لي غيرك". قال الكرماني: هذا الحديث من جوامع الكلم، لأن لفظ القيم إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، والنور إلى أن الأعراض أيضا منه، والملك إلى أنه حاكم عليها إيجادا وإعداما يفعل ما يشاء، وكل ذلك من نعم الله على عباده، فلهذا قرن كلا منها بالحمد وخصص الحمد به. ثم قوله: "أنت الحق" إشارة إلى المبدأ، والقول ونحوه إلى المعاش، والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد، وفيه الإشارة إلى النبوة وإلى الجزاء ثوابا وعقابا ووجوب الإيمان والإسلام والتوكل والإنابة والتضرع إلى الله والخضوع له انتهى. وفيه زيادة معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بعظمة ربه وعظيم قدرته ومواظبته على الذكر والدعاء والثناء على ربه والاعتراف له بحقوقه والإقرار بصدق وعده ووعيده، وفيه استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب اقتداء به صلى الله عليه وسلم. قوله: "قال سفيان، وزاد عبد الكريم أبو أمية" هذا موصول بالإسناد الأول ووهم من زعم أنه معلق، وقد بين ذلك الحميدي في مسنده عن سفيان قال: "حدثنا سليمان الأحول خال ابن أبي نجيح سمعت طاوسا" فذكر الحديث وقال في آخره: "قال سفيان: وزاد فيه عبد الكريم ولا حول ولا قوة إلا بك" ولم يقلها سليمان. وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق إسماعيل القاضي، عن علي بن عبد الله بن المديني شيخ البخاري فيه فقال في آخره: قال سفيان: وكنت إذا قلت لعبد الكريم آخر حديث سليمان "ولا إله غيرك" قال: "ولا حول ولا قوة إلا بالله" قال سفيان: وليس هو في حديث سليمان انتهى. ومقتضى ذلك أن عبد الكريم لم يذكر إسناده في هذه الزيادة لكنه على الاحتمال. ولا يلزم من عدم سماع سفيان لها من سليمان أن لا يكون سليمان حدث بها، وقد وهم بعض أصحاب سفيان فأدرجها في حديث سليمان أخرجه الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن سفيان فذكرها في آخر الخبر بغير تفصيل، وليس لعبد الكريم أبي أمية -وهو ابن أبي المخارق- في صحيح البخاري إلا هذا الموضع، ولم يقصد البخاري التخريج له فلأجل ذلك لا يعدونه في رجاله، وإنما وقعت عنه زيادة في الخبر غير مقصودة لذاتها كما تقدم مثله للمسعودي في الاستسقاء، وسيأتي نحوه للحسن بن عمارة في البيوع، وعلم المزي على هؤلاء علامة التعليق وليس بجيد، لأن الرواية عنهم موصولة، إلا أن البخاري لم يقصد التخريج عنهم، ومن هنا يعلم أن قول المنذري: قد استشهد البخاري بعبد الكريم أبي أمية في كتاب التهجد ليس بجيد لأنه لم يستشهد به إلا إن أراد بالاستشهاد مقابل الاحتجاج فله وجه، وأما قول ابن طاهر: أن البخاري ومسلما أخرجا لعبد الكريم هذا في الحج حديثا واحدا عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن علي في القيام على البدن من رواية ابن عيينة، عن عبد الكريم فهو غلط منه، فإن عبد الكريم المذكور هو الجزري. والله المستعان. قوله: "قال سفيان" هو موصول أيضا، وإنما أراد سفيان بذلك بيان سماع سليمان له من طاوس لإيراده

(3/5)


له أولا بالعنعنة. ووقع في رواية الحميدي التصريح بالسماع كما تقدم. ولأبي ذر وحده هنا قال علي بن خشرم، قال سفيان إلخ. ولعل هذه الزيادة عن الفربري فإن علي بن خشرم لم يذكروه في شيوخ البخاري، وأما الفربري فقد سمع من علي بن خشرم كما سيأتي في أحاديث الأنبياء في قصة موسى والخضر، فكأن هذا الحديث أيضا كان عنده عاليا عن علي بن خشرم، عن سفيان فذكره لأجل العلو. والله أعلم.

(3/6)


2 - باب فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ
1121 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح، و حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُنْتُ غُلاَمًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ. قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ".
1122 - "فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ . فَكَانَ بَعْدُ لاَ يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلاً"
[الحديث 1122-أطرافه في:1175, 3739, 3741, 7029, 7031]
قوله: "باب فضل قيام الليل" أورد فيه حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في رؤياه، وفيه: "فقال: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا" وظاهره أن قوله: "فكان بعد لا ينام إلخ" من كلام سالم، لكن وقع في التعبير من رواية البخاري عن عبد الله بن محمد شيخه هنا بإسناده هذا "قال الزهري: فكان عبد الله بعد ذلك يكثر الصلاة من الليل" ومقتضاه أن في السياق الأول إدراجا، لكن أورده في المناقب من رواية عبد الرزاق وفي آخره: "قال سالم: وكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلا" فظهر أن لا إدراج فيه، وأيضا فكلام سالم في ذلك مغاير لكلام الزهري فانتفى الإدراج عنه أصلا ورأسا، وشاهد الترجمة قوله: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل" فمقتضاه أن من كان يصلي من الليل يوصف بكونه نعم الرجل. وفي رواية نافع، عن ابن عمر في التعبير " أن عبد الله رجل صالح لو كان يصلي من الليل" وهو أبين في المقصود، وكأن المصنف لم يصح عنده حديث صريح في هذا الباب فاكتفى بحديث ابن عمر، وقد أخرج فيه مسلم حديث أبي هريرة "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" وكأن البخاري توقف فيه للاختلاف في وصله وإرساله وفي رفعه ووقفه. قوله: "حدثنا عبد الله بن محمد" هو الجعفي، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني، ومحمود هو ابن غيلان. قوله: "كان الرجل" اللام للجنس ولا مفهوم له وإنما ذكر للغالب. قوله: "فتمنيت أن أرى" في رواية الكشميهني: "أني أرى" وزاد في التعبير من وجه آخر" قلت في نفسي لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء" ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها. قوله: "كأن ملكين" لم أقف على تسميتهما. قوله: "فذهبا بي إلى النار

(3/6)


فإذا هي مطوية" في رواية أيوب، عن نافع، الآتية قريبا "كأن اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار فتلقاهما ملك فقال: لن تراع، خليا عنه" وظاهر هذا أنهما لم يذهبا به، ويجمع بينهما بحمل الثاني على إدخاله فيها فالتقدير أن يذهبا بي إلى النار فيدخلاني فيها، فلما نظرتها فإذا هي مطوية، ورأيت من فيها واستعذت، فلقينا ملك آخر. قوله: "فإذا هي مطوية" أي: مبنية، والبئر قبل أن تبنى تسمى قليبا. قوله: "وإذا لها قرنان" هكذا للجمهور، وحكى الكرماني: أن في نسخة "قرنين" فأعربها بالجر أو بالنصب على أن فيه شيئا مضافا حذف، وترك المضاف إليه على ما كان عليه، وتقديره: فإذا لها مثل قرنين، وهو كقراءة من قرأ: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} بالجر أي يريد عرض الآخرة، أو ضمن إذا المفاجأة معنى الوجدان أي فإذا بي وجدت لها قرنين انتهى. والمراد بالقرنين هنا: خشبتان أو بناءان تمد عليهما الخشبة العارضة التي تعلق فيها الحديدة التي فيها البكرة، فإن كانا من بناء فهما القرنان وإن كانا من خشب فهما الزرنوقان بزاي منقوطة قبل المهملة ثم نون ثم قاف، وقد يطلق على الخشبة أيضا القرنان. وسيأتي مزيد لذلك في شرح حديث أبي أيوب في غسل المحرم في "باب الاغتسال للمحرم" من كتاب الحج. قوله: "وإذا فيها أناس قد عرفتهم" لم أقف على تسمية أحد منهم. قوله: "لم ترع" بضم أوله وفتح الراء بعدها مهملة ساكنة أي لم تخف، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا. وفي رواية الكشميهني: في التعبير "لن تراع" وهي رواية الجمهور بإثبات الألف، ووقع في رواية القابسي "لن ترع" بحذف الألف. قال ابن التين: وهي لغة قليلة -أي الجزم بلن- حتى قال القزاز: لا أعلم له شاهدا. وتعقب بقول الشاعر:
لن يخب الآن من رجائك من ... حرك من دون بابك الحلقة
وبقول الآخر: ولن يحل للعينين بعدك منظر. وزاد فيه: "إنك رجل صالح" وسيأتي بعد بضعة عشر بابا بزيادة فيه ونقصان. قال القرطبي: إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوح لأنه عرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له لا روع عليك وذلك لصلاحه، غير أنه لم يكن يقوم من الليل فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل بما يتقي به النار والدنو منها فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك. وأشار المهلب إلى أن السر في ذلك كون عبد الله كان ينام في المسجد ومن حق المسجد أن يتعبد فيه فنبه على ذلك بالتخويف بالنار. قوله: "لو كان" لو للتمني لا للشرط ولذلك لم يذكر الجواب، وفي هذا الحديث أن قيام الليل يدفع العذاب، وفيه تمني الخير والعلم، وسيأتي باقي الكلام عليه مستوفى في كتاب التعبير إن شاء الله تعالى.
" تنبيه ": سياق هذا المتن على لفظ محمود، وأما سياق عبد الله بن محمد فسيأتي في التعبير، وأغفل المزي في الأطراف طريق محمود هذه وهي واردة عليه.

(3/7)


3_باب طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ
1123 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلاَتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ. ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلاَةِ"

(3/7)


قوله: "باب طول السجود في قيام الليل" أورد فيه حديث عائشة وفيه: "كان يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية" وهو دال على ما ترجم له، وقد تقدم من حديثها في أبواب صفة الصلاة أنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" وفي مسند أحمد، من طريق محمد بن عباد، عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الليل في سجوده: سبحانك لا إله إلا أنت" رجاله ثقات. قوله: "ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر ثم يضطجع" سيأتي الكلام عليه في آخر أبواب التهجد إن شاء الله تعالى.

(3/8)


4 - باب تَرْكِ الْقِيَامِ لِلْمَرِيضِ
1124_حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا، يَقُولُ:اشْتَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ.
[الحديث 1124 _ أطرافه في:1125, 4950, 4951, 4983]
1125 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ، فَنَزَلَتْ {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} .
قوله: "باب ترك القيام" أي قيام المريض قوله: "عن الأسود" هو: ابن قيس، وجندب هو: ابن عبد الله البجلي كما في الإسناد الذي بعده، وسفيان هو: الثوري فيهما، ووهم من زعم أنه: ابن عيينة. قوله: "اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم" أي مرض، ووقع في رواية قيس بن الربيع التي سيأتي التنبيه عليها بلفظ: "مرض" ولم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تفسير هذه الشكاية، لكن وقع في الترمذي من طريق ابن عيينة، عن الأسود، في أول هذا الحديث عن جندب، قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار، فدميت إصبعه فقال: هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت" . قال: "وأبطأ عليه جبريل فقال المشركون قد ودع محمد فأنزل الله {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} انتهى، فظن بعض الشراح أن هذا بيان للشكاية المجملة في الصحيح، وليس كما ظن، فان في طريق عبد الله بن شداد التي يأتي التنبيه عليها أن نزول هذه السورة كان في أوائل البعثة، وجندب لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا متأخرا، كما حكاه البغوي في "معجم الصحابة" عن الإمام أحمد، فعلى هذا هما قضيتان حكاهما جندب إحداهما مرسلة والأخرى موصولة لأن الأولى لم يحضرها فروايته لها مرسلة من مراسيل الصحابة، والثانية شهدها كما ذكر أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من عطف إحداهما على الأخرى في رواية سفيان اتحادهما والله أعلم. قوله: "فلم يقم ليلة أو ليلتين" هكذا اختصره المصنف وقد ساقه في فضائل القرآن تاماً أخرجه عن أبي نعيم شيخه فيه هنا بإسناده المذكور فزاد: "فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله تعالى :{وَالضُّحَى} إلى قوله: {وَمَا قَلَى} ، ثم أخرجه المصنف هنا عن محمد بن كثير، عن سفيان، بلفظ آخر وهو: "احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالت امرأة من قريش" الحديث.وقد وافق

(3/8)


أبا نعيم أبو أسامة عند أبي عوانة، ووافق محمد بن كثير وكيع عند الإسماعيلي، ورواية زهير التي أشرنا إليها في التفسير كرواية أبي نعيم، لكن قال فيها: "فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا" ورواية ابن عيينة، عن الأسود عند مسلم كرواية محمد بن كثير، فالظاهر أن الأسود حدث به على الوجهين فحمل عنه كل واحد ما لم يحمله الآخر، وحمل عنه سفيان الثوري الأمرين فحدث به مرة هكذا ومرة هكذا، وقد رواه شعبة عن الأسود على لفظ آخر أخرجه المصنف في التفسير قال: "قالت امرأة: يا رسول الله ما أرى صاحبك إلا أبطأ عنك". وزاد النسائي في أوله "أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت امرأة" الحديث. وهذه المرأة فيما ظهر لي غير المرأة المذكورة في حديث سفيان، لأن هذه المرأة عبرت بقولها "صاحبك" وتلك عبرت بقولها: "شيطانك". وهذه عبرت بقولها: "يا رسول الله" وتلك عبرت بقولها: "يا محمد". وسياق الأولى يشعر بأنها قالته تأسفا وتوجعا - وسياق الثانية يشعر بأنها قالته تهكما وشماتة. وقد حكى ابن بطال عن تفسير بقي بن مخلد قال: "قالت خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم حين أبطأ عنه الوحي: إن ربك قد قلاك، فنزلت {وَالضُّحَى} وقد تعقبه ابن المنير ومن تبعه بالإنكار، لأن خديجة قوية الإيمان لا يليق نسبة هذا القول إليها، لكن إسناد ذلك قوي أخرجه إسماعيل القاضي في أحكامه والطبري في تفسيره وأبو داود في أعلام النبوة له كلهم من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد وهو من صغار الصحابة والإسناد إليه صحيح، وأخرجه أبو داود، أيضا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، لكن ليس عند أحد منهم أنها عبرت بقولها "شيطانك" وهذه هي اللفظة المستنكرة في الخبر. وفي رواية إسماعيل وغيره: "ما أرى صاحبك" بدل "ربك" والظاهر أنها عنت بذلك جبريل. وأغرب سنيد بن داود فيما حكاه ابن بشكوال فروى في تفسيره عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة، قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وغلط سنيد في ذلك فقد رواه الطبري عن أبي كريب، عن وكيع، فقال فيه: "قالت خديجة" وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق أبي معاوية، عن هشام، وأما المرأة المذكورة في حديث سفيان التي عبرت بقولها "شيطانك" فهي أم جميل العوراء بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهي أخت أبي سفيان بن حرب وامرأة أبي لهب كما روى الحاكم من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، قال: "قالت امرأة أبي لهب لما مكث النبي صلى الله عليه وسلم أياما لم ينزل عليه الوحي: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد قلاك، فنزلت والضحى" رجاله ثقات وفي تفسير الطبري من طريق المفضل بن صالح، عن الأسود، في حديث الباب: "فقالت امرأة من أهله ومن قومه" ولا شك أن أم جميل من قومه لأنها من بني عبد مناف. وعند ابن عساكر أنها إحدى عماته، وقد وقفت على مستنده في ذلك، وهو ما أخرجه قيس بن لربيع، في مسنده عن الأسود بن قيس راويه، وأخرجه الفريابي شيخ البخاري في تفسيره عنه ولفظه: "فأتته إحدى عماته أو بنات عمه فقالت: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد ودعك".
" تنبيه ": استشكل أبو القاسم بن الورد مطابقة حديث جندب للترجمة، وتبعه ابن التين فقال: احتباس جبريل ليس ذكره في هذا الباب في موضعه انتهى. وقد ظهر بسياق تكملة المتن وجه المطابقة، وذلك أنه أراد أن ينبه على أن الحديث واحد لاتحاد مخرجه وإن كان السبب مختلفا لكنه في قصة واحدة كما أوضحناه، وسيأتي بقية الكلام على حديث جندب في التفسير إن شاء الله تعالى. وقد وقع في رواية قيس بن الربيع التي ذكرتها "فلم يطق القيام وكان يحب التهجد".

(3/9)


5_باب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلاَةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ
وَطَرَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا عَلَيْهِمَا السَّلاَم لَيْلَةً لِلصَّلاَةِ

(3/9)


1126_حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ" .
1127_حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلاَم لَيْلَةً فَقَالَ أَلاَ تُصَلِّيَانِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ : {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جدلاً} .
[الحديث 1127_أطرافه في:4724, 7347, 7465]
1128_حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شهاب، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة رضي اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لاَسَبِّحُهَا
[الحديث 1128_طرفة في: 1177]
1129_حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: " قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ" وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.
قوله: "باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم" يعني أمته أو المؤمنين "على قيام الليل" في رواية الأصيلي وكريمة: "صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب" قال ابن المنير: اشتملت الترجمة على أمرين: التحريض، ونفي الإيجاب. فحديث أم سلمة وعلي للأول، وحديث عائشة للثاني. قلت: بل يؤخذ من الأحاديث الأربعة نفي الإيجاب، ويؤخذ التحريض من حديثي عائشة من قولها: "كان يدع العمل وهو يحبه" لأن كل شيء أحبه استلزم التحريض عليه لولا ما عارضه من خشية الافتراض كما سيأتي تقريره، وقد تقدم حديث أم سلمة والكلام عليه في كتاب العلم. قال ابن رشيد: كأن البخاري فهم أن المراد بالإيقاظ الإيقاظ للصلاة لا لمجرد الإخبار بما أنزل، لأنه لو كان لمجرد الإخبار لكان يمكن تأخيره إلى النهار لأنه لا يفوت. قال: ويحتمل أن يقال إن لمشاهدة حال المخبر حينئذ أثرا لا يكون عند التأخير، فيكون الإيقاظ في الحال أبلغ لوعيهن ما يخبرهن به ولسمعهن ما يعظهن به. ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله: "قيام الليل" ما هو أعم من الصلاة والقراءة والذكر وسماع الموعظة والتفكر في الملكوت وغير ذلك، ويكون قوله: "والنوافل" من عطف الخاص على العام. قلت: وهذا على رواية الأكثر كما بينته، لا على رواية الأصيلي

(3/10)


وكريمة. وما نسبه إلى فهم البخاري أولا هو المعتمد، فإنه وقع في رواية شعيب، عن الزهري، عند المصنف في الأدب وغيره في هذا الحديث: "من يوقظ صواحب الحجر " يريد أزواجه حتى يصلين، فظهرت مطابقة الحديث للترجمة، وأن فيه التحريض على صلاة الليل، وعدم الإيجاب يؤخذ من ترك إلزامهن بذلك. وجرى البخاري على عادته في الحوالة على ما ورد في بعض طرق الحديث الذي يورده، وستأتي بقية فوائد حديث أم سلمة في الفتن. وعبد الله المذكور في إسناده هو ابن المبارك، وأما حديث علي فعلي بن الحسين المذكور في إسناده هو: زين العابدين، وهذا من أصح الأسانيد ومن أشرف التراجم الواردة فيمن روى عن أبيه، عن جده. وحكى الدارقطني أن كاتب الليث رواه عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، فقال: "عن علي بن الحسين، عن الحسن بن علي" وكذا وقع في رواية حجاج بن أبي منيع، عن جده الزهري، في تفسير ابن مردويه، وهو وهم والصواب "عن الحسين" ويؤيده رواية حكيم بن حكيم، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، أخرجها النسائي والطبري. قوله: "طرقه وفاطمة" بالنصب عطفا على الضمير، والطروق الإتيان بالليل، وعلى هذا فقوله ليلة للتأكيد. وحكى ابن فارس أن معنى "طرق" أتى، فعلى هذا يكون قوله: "ليلة" لبيان وقت المجيء. ويحتمل أن يكون المراد بقوله ليلة أي: مرة واحدة. قوله: " ألا تصليان" قال ابن بطال: فيه فضيلة صلاة الليل وإيقاظ النائمين من الأهل والقرابة لذلك. ووقع في رواية حكيم بن حكيم المذكورة "ودخل النبي صلى الله عليه وسلم علي وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هوياً من الليل فلم يسمع لنا حساً، فرجع إلينا فأيقظنا" الحديث. قال الطبري: لولا ما علم النبي صلى الله عليه وسلم من عظم فضل الصلاة في الليل ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سكناً، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون امتثالا لقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاة} الآية. قوله: "أنفسنا بيد الله" اقتبس علي ذلك من قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} الآية. ووقع في رواية حكيم المذكورة "قال علي: فجلست وأنا أعرك عيني وأنا أقول: والله ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله" وفيه إثبات المشيئة لله، وأن العبد لا يفعل شيئاً إلا بإرادة الله. قوله: "بعثنا" بالمثلثة أي أيقظنا، وأصله إثارة الشيء من موضعه. قوله: "حين قلت" في رواية كريمة: "حين قلنا". قوله: "ولم يرجع" بفتح أوله أي: لم يجبني، وفيه أن: السكوت يكون جوابا، والإعراض عن القول الذي لا يطابق المراد وإن كان حقا في نفسه. قوله: "يضرب فخذه" فيه جواز ضرب الفخذ عند التأسف. وقال ابن التين: كره احتجاجه بالآية المذكورة، وأراد منه أن ينسب التقصير إلى نفسه. وفيه جواز الانتزاع من القرآن، وترجيح قول من قال إن اللام في قوله: "وكان الإنسان" للعموم لا لخصوص الكفار. وفيه منقبة لعلي حيث لم يكتم ما فيه عليه أدنى غضاضة فقدم مصلحة نشر العلم وتبليغه على كتمه. ونقل ابن بطال، عن المهلب، قال: فيه أنه ليس للإمام أن يشدد في النوافل حيث قنع صلى الله عليه وسلم بقول علي رضي الله عنه: "أنفسنا بيد الله" لأنه كلام صحيح في العذر عن التنفل، ولو كان فرضا ما عذره. قال: وأما ضربه فخذه وقراءته الآية فدال على أنه ظن أنه أحرجهم فندم على إنباههم، كذا قال، وأقره ابن بطال، وليس بواضح، وما تقدم أولى. وقال النووي: المختار أنه ضرب فخذه تعجبا من سرعة جوابه وعدم موافقته له على الاعتذار بما اعتذر به، والله أعلم. وأما حديث عائشة الأول فيشتمل على حديثين: أحدهما ترك العمل خشية افتراضه. ثانيهما ذكر صلاة الضحى. وهذا الثاني سيأتي الكلام عليه في "باب من لم يصل الضحى". وقوله في الأول "إن" بكسر الهمزة وهي المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير

(3/11)


الشأن. قوله: "ليدع" بفتح اللام أي: يترك، و قوله: "خشية" النصب متعلق بقوله ليدع، و قوله: "فيفرض" بالنصب عطفا على يعمل، وسيأتي الكلام على فوائده في الحديث الذي بعده. وزاد فيه مالك في الموطأ "قالت وكان يحب ما خف على الناس". وأما حديث عائشة الثاني فهو بإسناد الذي قبله. و قوله: "صلى ذات ليلة في المسجد" تقدم قبيل صفة الصلاة من رواية عمرة، عن عائشة، "أنه صلى في حجرته" وليس المراد بها بيته وإنما المراد الحصير التي كان يحتجرها بالليل في المسجد فيجعلها على باب بيت عائشة فيصلي فيه ويجلس عليه بالنهار، وقد ورد ذلك مبينا من طريق سعيد المقبري، عن أبي سلمة، عن عائشة، وهو عند المصنف في كتاب اللباس ولفظه: "كان يحتجر حصيرا بالليل فيصلي عليه ويبسطه بالنهار فيجلس عليه" ولأحمد، من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة "فأمرني أن أنصب له حصيرا على باب حجرتي ففعلت فخرج" فذكر الحديث. قال النووي: معنى يحتجر يحوط موضعا من المسجد بحصير يستره ليصلي فيه ولا يمر بين يديه مار ليتوفر خشوعه ويتفرغ قلبه. وتعقبه الكرماني بأن لفظ الحديث لا يدل على أن احتجاره كان في المسجد قال: ولو كان كذلك للزم منه أن يكون تاركا للأفضل الذي أمر الناس به حيث قال: " فصلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ثم أجاب بأنه إن صح أنه كان في المسجد فهو إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصيته، أو أن السبب في كون صلاة التطوع في البيت أفضل عدم شوبه بالرياء غالبا، والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن الرياء في بيته وفي غير بيته. قوله: "ثم صلى من القابلة" أي من الليلة المقبلة، وهو لفظ معمر، عن ابن شهاب، عند أحمد. وفي رواية المستملي: "ثم صلى من القابل" أي الوقت. قوله: "ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة" كذا رواه مالك بالشك. وفي رواية عقيل، عن ابن شهاب كما تقدم في الجمعة "فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا" ولمسلم، من رواية يونس، عن ابن شهاب، "يتحدثون بذلك" ونحوه في رواية عمرة، عن عائشة، الماضية قبل الصلاة، ولأحمد، من رواية ابن جريج، عن ابن شهاب، "فلما أصبح تحدثوا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم" زاد يونس "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله" ولابن جريج "حتى كان المسجد يعجز عن أهله" ولأحمد، من رواية معمر، عن ابن شهاب، "امتلأ المسجد حتى اغتص بأهله" وله من رواية سفيان بن حسين، عنه، "فلما كانت الليلة الرابعة غص المسجد بأهله". قوله: "فلم يخرج" زاد أحمد، في رواية ابن جريج، "حتى سمعت ناسا منهم يقولون: الصلاة" وفي رواية سفيان بن حسين "فقالوا ما شأنه" وفي حديث زيد بن ثابت كما سيأتي في الاعتصام "ففقدوا صوته وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم" وفي حديثه في الأدب "فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب". قوله: "فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم" في رواية عقيل "فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم " وفي رواية يونس وابن جريج " لم يخف علي شأنكم" وزاد في رواية أبي سلمة "اكلفوا من العمل ما تطيقون" وفي رواية معمر أن الذي سأله عن ذلك بعد أن أصبح عمر بن الخطاب، ولم أر في شيء من طرقه بيان عدد صلاته في تلك الليالي، لكن روى ابن خزيمة وابن حبان، من حديث جابر،قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ثمان ركعات ثم أوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا، ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله". الحديث، فإن كانت القصة واحدة احتمل أن يكون جابر ممن جاء في

(3/12)


الليلة الثالثة فلذلك اقتصر على وصف ليلتين، وكذا ما وقع عند مسلم، من حديث أنس، "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه،فجاء رجل فقام حتى كنا رهطاً، فلما أحس بنا تجوز ثم دخل رحله" الحديث، والظاهر أن هذا كان في قصة أخرى. قوله: "إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ وضاق عن المصلين. قوله: "أن تفرض عليكم" في رواية عقيل وابن جريج، "فتعجزوا عنها" وفي رواية يونس، "ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها"، وكذا في رواية أبي سلمة، المذكورة قبيل صفة الصلاة "خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل" وقوله: "فتعجزوا عنها" أي: تشق عليكم فتتركوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلي لأنه يسقط التكليف من أصله. ثم إن ظاهر هذا الحديث أنه: صلى الله عليه وسلم توقع ترتب افتراض الصلاة بدليل جماعة على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم وفيه نظر، وأجاب المحب الطبري بأنه: يحتمل أن يكون الله عز وجل أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم فأحب التخفيف عنهم فترك المواظبة، قال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتفق في بعض القرب التي داوم عليها فافترضت، وقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، وإلى هذا الأخير نحا القرطبي فقال: قوله: "فتفرض عليكم" أي تظنونه فرضا فيجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به. قال: وقيل: كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا واظب على شيء من أعمال البر واقتدى الناس به فيه أنه يفرض عليهم انتهى. ولا يخفى بعد هذا الأخير، فقد واظب النبي صلى الله عليه وسلم على رواتب الفرائض وتابعه أصحابه ولم تفرض. وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه صلى الله عليه وسلم لما كان قيام الليل فرضا عليه دون أمته فخشي إن خرج إليهم والتزموا معه قيام الليل أن يسوي الله بينه وبينهم في حكمه، لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أمته في العبادة. قال: ويحتمل أن يكون خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها فيعصي من تركها بترك اتباعه صلى الله عليه وسلم. وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن الله تعالى قال: "هن خمس وهن خمسون {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟ وهذا يدفع في صدور الأجوبة التي تقدمت. وقد أجاب عنه الخطابي بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه صلى الله عليه وسلم، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها - يعني عند المواظبة - فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع. قال: وفيه احتمال آخر، وهو أن الله فرض الصلاة خمسين ثم حط معظمها بشفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم منه لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضا عليهم، كما التزم ناس الرهبانية من قبل أنفسهم ثم عاب الله عليهم التقصير فيها فقال: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} فخشي صلى الله عليه وسلم أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقطع العمل شفقة عليهم من ذلك، وقد تلقى هذين الجوابين من الخطابي جماعة من الشراح كابن الجوزي، وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبا عليه صلى الله عليه وسلم وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله،وفي كل من الأمرين نزاع. وأجاب الكرماني بأن حديث الإسراء يدل على أن المراد بقوله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} الأمن من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرض للزيادة انتهى. لكن في ذكر التضعيف بقوله: "هن خمس وهن خمسون " إشارة إلى عدم

(3/13)


الزيادة أيضا، لأن التضعيف لا ينقص عن العشر، ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلا للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض،وفيه نظر لأن قوله: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} خبر والنسخ لا يدخله على الراجح، وليس هو كقوله مثلا لهم صوموا الدهر أبدا فإنه يجوز فيه النسخ. وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى: أحدها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطا في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه في قوله في حديث زيد بن ثابت " حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم" فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقا عليهم من اشتراطه وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم. ثانيها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها. ثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان. وفي رواية سفيان بن حسين، " خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر" ، فعلى هذا يرتفع الإشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة فلا يكون ذلك قدرا زائدا على الخمس. وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدم ندب قيام الليل ولا سيما في رمضان جماعة، لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب كما سيأتي في الصيام إن شاء الله تعالى. وفيه جواز الفرار من قدر الله إلى قدر الله قاله المهلب. وفيه أن الكبير إذا فعل شيئا خلاف ما اعتاده أتباعه أن يذكر لهم عذره وحكمه والحكمة فيه. وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الزهادة في الدنيا والاكتفاء بما قل منها والشفقة على أمته والرأفة بهم. وفيه ترك بعض المصالح لخوف المفسدة وتقديم أهم المصلحتين. وفيه جواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة كما تقدم وفيه نظر1 لأن نفي النية لم ينقل ولا يطلع عليه بالظن. وفيه ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صليت جماعة.
ـــــــ
1 هذا النظر ليس يجيد, والصواب جواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة عملا بظاهر هذا الحديث, وبحديث ابن عباس حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الليلة التي بات فيها عند خالته ميمونة, ولأحاديث أخر وردت في هذا الباب. ولا فرق بين الفريضة والنافلة لأن الأصل التسوية بينهما في الأحكام إلا ما خصه الدليل, ولا مخصص هنا فيما أعلم. والله أعلم.

(3/14)


6 - باب قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّيْلَ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ. وَالْفُطُورُ: الشُّقُوقُ. انْفَطَرَتْ: انْشَقَّتْ.
1130 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: "إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ -أو لِيُصَلِّيَ- حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ - أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا" ؟.
[الحديث 1130_طرفاه في: 4836, 6471]
قوله: "باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل" كذا للكشميهني من طريقين عنه، وزاد في رواية كريمة: "حتى ترم قدماه" وللباقين "قيام الليل للنبي صلى الله عليه وسلم". قوله: "وقالت عائشة: كان يقوم" كذا للكشميهني، ولغيره: "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "حتى تفطر" بتاء واحدة، وفي رواية الأصيلي: "تنفطر" بمثناتين.
قوله: "والفطور: الشقوق" كذا ذكره أبو عبيدة في المجاز. قوله: "انْفَطَرَتْ: انشقت" هذا التفسير رواه ابن أبي حاتم موصولا عن الضحاك، قال:

(3/14)


وروي عن مجاهد، والحسن، وغيرهما ذلك، وكذا حكاه إسماعيل بن أبي زياد الشامي، عن ابن عباس، وحديث عائشة وصله المصنف في تفسير سورة الفتح.قوله: "عن زياد" هو ابن علاقة، وللمصنف في الرقاق عن خلاد بن يحيى، عن مسعر، "حدثنا زياد بن علاقة". "تنبيه": هكذا رواه الحفاظ من أصحاب مسعر عنه، وخالفهم محمد بن بشر وحده فرواه عن مسعر، عن قتادة، عن أنس، أخرجه البزار وقال: الصواب عن مسعر، عن زياد، وأخرجه الطبراني في الكبير من رواية أبي قتادة الحراني، عن، مسعر، عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة، وأخطأ فيه أيضاً، والصواب مسعر، عن زياد بن علاقة. قوله: "إن كان ليقوم أو ليصلي" إن مخففة من الثقيلة و "ليقوم" بفتح اللام. وفي رواية كريمة: "ليقوم يصلي". وفي حديث عائشة "كان يقوم من الليل". قوله: "حتى ترم" بفتح المثناة وكسر الراء وتخفيف الميم بلفظ المضارع من الورم هكذا سمع وهو نادر. وفي رواية خلاد بن يحيى "حتى ترم أو تنتفخ قدماه". وفي رواية أبي عوانة، عن زياد، عند الترمذي، "حتى انتفخت قدماه". قوله: "قدماه أو ساقاه" وفي رواية خلاد "قدماه" ولم يشك، وللمصنف في تفسير الفتح "حتى تورمت" وللنسائي من حديث أبي هريرة "حتى تزلع قدماه" بزاي وعين مهملة، ولا اختلاف بين هذه الروايات: فإنه إذا حصل الانتفاخ أو الورم حصل الزلع والتشقق والله أعلم. قوله: "فيقال له" لم يذكر المقول ولم يسم القائل، وفي تفسير الفتح "فقيل له غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر" وفي رواية أبي عوانة "فقيل له: أتتكلف هذا" وفي حديث عائشة "فقالت له عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك" وفي حديث أبي هريرة، عند البزار "فقيل له تفعل هذا وقد جاءك من الله أن قد غفر لك".قوله: " أفلا أكون" في حديث عائشة " أفلا أحب أن أكون عبْداً شَكُوراً" وزادت فيه: "فلما كثر لحمه صلى جالسا" الحديث، والفاء في قوله: "أفلا أكون" للسببية، وهي عن محذوف تقديره أأترك تهجدي فلا أكون عبدا شكورا، والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا فكيف أتركه؟ قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه صلى الله عليه وسلم إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له فكيف بمن لم يعلم بذلك فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار.انتهى. ومحل ذلك ما إذا لم يفض إلى الملال، لأن حال النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" كما أخرجه النسائي، من حديث أنس، فأما غيره صلى الله عليه وسلم فإذا خشي الملل لا ينبغي له أن يكره نفسه، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا" . وفيه مشروعية الصلاة للشكر، وفيه أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان كما قال الله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً} وقال القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفاً من الذنوب وطلبا للمغفرة والرحمة فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم أن هناك طريقا آخر للعبادة وهو الشكر على المغفرة وإيصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمي شكوراً، ومن ثم قال سبحانه وتعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} . وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة الله تعالى عليهم وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها،فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد.والله أعلم.

(3/15)


"تكملة": قيل أخرج البخاري هذا الحديث لينبه على أن قيام جميع الليل غير مكروه ولا تعارضه الأحاديث الآتية بخلافه، لأنه يجمع بينها بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على قيام جميع الليل، بل كان يقوم وينام كما أخبر عن نفسه وأخبرت عنه عائشة أيضا، وسيأتي نقل الخلاف في إيجاب قيام الليل في "باب عقد الشيطان" إن شاء الله تعالى.

(3/16)


7 - باب مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ
1131 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهُ:
" أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَم، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا" .
[الحديث 1131 _ أطرافه في:1152, 1153, 1974, 1975, 1976, 1978, 1980, 3418, 3419, 3420, 5052, 5053, 5054, 5199, 6134, 6277]
1132 - حَدَّثَنِي عَبْدَانُ، قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ، قال: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ. قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ".
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ الأَشْعَثِ، قَالَ: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى".
[الحديث 1132 _ طرفاه في: 6461, 6462]
1133 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ذَكَرَ أَبِي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نَائِمًا". تَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: "باب من نام عند السحر" في رواية الأصيلي والكشميهني: "السحور" ولكل منهما وجه، والأول أوجه. وأورد المصنف فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: لعبد الله بن عمرو، والآخران: لعائشة. قوله في حديث عبد الله بن عمر: "أن عمرو بن أوس أخبره" أي ابن أبي أوس الثقفي الطائفي وهو تابعي كبير، ووهم من ذكره في الصحابة وإنما الصحبة لأبيه. قوله: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود" قال المهلب: كان داود عليه السلام يجم نفسه بنوم أول الليل ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: هل من سائل فأعطيه سؤله، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل، وهذا هو النوم عند السحر كما ترجم به المصنف، وإنما صارت هذه الطريقة أحب من أجل الأخذ بالرفق للنفس التي يخشى منها السآمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يمل حتى تملوا" والله أحب أن يديم فضله ويوالي إحسانه، وإنما كان ذلك أرفق لأن النوم بعد القيام يريح البدن ويذهب ضرر السهر ودبول الجسم، بخلاف السهر إلى الصباح.
وفيه من المصلحة أيضا استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال، وأنه أقرب إلى عدم الرياء لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون سليم القوى فهو أقرب إلى أن

(3/16)


يخفي عمله الماضي على من يراه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد، وحكي عن قوم أن معنى قوله: "أحب الصلاة" هو بالنسبة إلى من حاله مثل حال المخاطب بذلك وهو من يشق عليه قيام أكثر الليل، قال: وعمدة هذا القائل اقتضاء القاعدة: زيادة الأجر بسبب زيادة العمل، لكن يعارضه هنا اقتضاء العادة والجبلة التقصير في حقوق يعارضها طول القيام، ومقدار ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غير معلوم لنا. فالأولى أن يجري الحديث على ظاهره وعمومه، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة فمقدار تأثير كل واحد منهما في الحث أو المنع غير محقق لنا، فالطريق أننا نفوض الأمر إلى صاحب الشرع، ونجري على ما دل عليه اللفظ مع ما ذكرناه من قوة الظاهر هنا.والله أعلم.
" تنبيه ": قال ابن التين: هذا المذكور إذا أجريناه على ظاهره فهو في حق الأمة، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أمره الله تعالى بقيام أكثر الليل فقال: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً} انتهى، وفيه نظر لأن هذا الأمر قد نسخ كما سيأتي، وقد تقدم في حديث ابن عباس "فلما كان نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل" وهو نحو المذكور هنا.نعم سيأتي بعد ثلاثة أبواب أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يجري الأمر في ذلك على وتيرة واحدة.والله أعلم. قوله: "وأحب الصيام إلى الله صيام داود" يأتي فيه ما تقدم في الصلاة، وستأتي بقية مباحثه في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى. قوله: "كان ينام نصف الليل إلخ" في رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عند مسلم، "كان يرقد شطر الليل، ثم يقوم ثلث الليل بعد شطره " قال ابن جريج: قلت لعمرو بن دينار: عمرو بن أوس هو الذي يقول يقوم ثلث الليل؟ قال: نعم. انتهى. وظاهره أن: تقدير القيام بالثلث من تفسير الراوي فيكون في الرواية الأولى إدارج، ويحتمل أن يكون قوله: "عمرو بن أوس ذكره" أي بسنده فلا يكون مدرجا. وفي رواية ابن جريج من الفائدة ترتيب ذلك بثم، ففيه رد على من أجاز في حديث الباب أن تحصل السنة بنوم السدس الأول مثلا وقيام الثلث ونوم النصف الأخير، والسبب في ذلك أن الواو لا ترتب. "تنبيه": قال ابن رشيد: الظاهر من سياق حديث عبد الله بن عمرو مطابقة ما ترجم له، إلا أنه ليس نصاً فيه، فبينه بالحديث الثالث وهو قول عائشة: "ما ألفاه السحر عندي إلا نائما".
وأما حديث عائشة الأول فوالد عبدان اسمه: عثمان بن جبلة بفتح الجيم والموحدة. وقوله: "عن أشعث" هو: ابن أبي الشعثاء المحاربي، وقوله: "الدائم" أي المواظبة العرفية. وقوله: "الصارخ" أي الديك. ووقع في مسند الطيالسي في هذا الحديث: "الصارخ: الديك" والصرخة: الصيحة الشديدة، وجرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالبا قاله محمد بن ناصر، قال ابن التين: وهو موافق لقول ابن عباس "نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل". وقال ابن بطال: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل، وكان داود يتحرى الوقت الذي ينادي الله فيه: "هل من سائل" كذا قال، والمراد بالدوام قيامه كل ليلة في ذلك الوقت لا الدوام المطلق. قوله: "حدثنا محمد" زاد أبو ذر في رواية: "ابن سلام" وكذا نسبه أبو علي بن السكن، وذكر الجياني أنه وقع في رواية أبي ذر عن أبي محمد السرخسي "محمد بن سالم" بتقديم الألف على اللام، قال أبو الوليد الباجي: سألت أبا ذر فقال لي: أراه ابن سلام، وسها فيه أبو محمد. قلت: وليس في شيوخ البخاري أحد يقال له محمد بن سالم. قوله: "عن الأشعث" يعني بإسناده المذكور، وظن بعضهم أنه موقوف على أشعث فأخطأ، فقد أخرجه مسلم عن هناد بن السري، وأبو داود، عن إبراهيم بن موسى الرازي، كلاهما عن أبي الأحوص، بهذا الإسناد بلفظ: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لها: أي حين كان يصلي؟ قالت: إذا سمع الصارخ قام فصلى" لفظ إبراهيم وزاد مسلم في أوله "كان يحب الدائم"

(3/17)


وللإسماعيلي، من رواية خلف بن هشام، عن أبي الأحوص، بالإسناد "سألت عائشة: أي العمل كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أدومه" قال الإسماعيلي: لم يذكر البخاري في رواية أبي الأحوص بعد الأشعث أحداً، وأفادت هذه الرواية ما كان يصنع إذا قام وهو قوله: "قام فصلى" بخلاف رواية شعبة فإنها مجملة. وفي هذا الحديث الحث على المداومة على العمل وإن قل. وفيه الاقتصاد في العبادة وترك التعمق فيها لأن ذلك أنشط والقلب به أشد انشراحا. وأما حديث عائشة الثاني فوالد إبراهيم بن سعد هو: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبر موسى، عن إبراهيم، بقوله: "ذكر أبي" وقد رواه أبو داود، عن أبي توبة، فقال: "حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه،" وأخرجه الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن جمعة بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عمه أبي سلمة بن عبد الرحمن، به. قوله: "ما ألفاه" بالفاء أي: وجده، والسحر مرفوع بأنه فاعله. والمراد: نومه بعد القيام الذي مبدؤه عند سماع الصارخ جمعا بينه وبين رواية مسروق التي قبلها. قوله: "تعني النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية محمد بن بشر، عن سعد بن إبراهيم، عند مسلم، "ما ألفى رسول الله صلى الله عليه وسلم السحر على فراشي - أو عندي - إلا نائما" وأخرجه الإسماعيلي عن محمود الواسطي، عن زكريا بن يحيى، عن إبراهيم بن سعد، بلفظ: "ما ألفى النبي صلى الله عليه وسلم عندي بالأسحار إلا وهو نائم" وفي هذا التصريح برفع الحديث.
" تنبيه ": قال ابن التين: قولها: "إلا نائما" تعني: مضطجعا على جنبه، لأنها قالت في حديث آخر: "فإن كنت يقظانة حدثني وإلا اضطجع" انتهى. وتعقبه ابن رشيد بأنه لا ضرورة لحمل هذا التأويل لأن السياق ظاهر في النوم حقيقة وظاهر في المداومة على ذلك، ولا يلزم من أنه كان ربما لم ينم وقت السحر هذا التأويل، فدار الأمر بين حمل النوم على مجاز التشبيه أو حمل التعميم على إرادة التخصيص، والثاني أرجح وإليه ميل البخاري لأنه ترجم بقوله: "من نام عند السحر" ثم ترجم عقبه بقوله: "من تسحر فلم ينم" فأومأ إلى تخصيص رمضان من غيره، فكأن العادة جرت في جميع السنة أنه كان ينام عند السحر، إلا في رمضان فإنه كان يتشاغل بالسحور في آخر الليل، ثم يخرج إلى صلاة الصبح عقبه. وقال ابن بطال: النوم وقت السحر كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي الطوال وفي غير شهر رمضان، كذا قال، ويحتاج في إخراج الليالي القصار إلى دليل.

(3/18)


8 - باب مَنْ تَسَحَّرَ فَلَمْ يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ
1134 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَسَحَّرَا. فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلاَةِ فَصَلَّى. فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً.
قوله: "باب من تسحر فلم ينم حتى صلى الصبح" كذا للأكثر، وللحموي والمستملي: "من تسحر ثم قام إلى الصلاة". قوله: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم" هو: الدورقي، وروح هو: ابن عبادة. قوله: "فلما فرغا من سحورهما قام إلى الصلاة فصلى" هو ظاهر لما ترجم له. والمراد بالصلاة: صلاة الصبح، وقبلها صلاة الفجر، وقد تقدم توجيهه، ويأتي الكلام على بقية فوائد الحديث في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى.

(3/18)


9 - باب طُولِ الْقِيَامِ فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ
1135 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ. قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
1136 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
قوله: "باب طول القيام في صلاة الليل" كذا للأكثر، وللحموي والمستملي: "طول الصلاة في قيام الليل" وحديث الباب موافق لهذا لأنه دال على طول الصلاة لا على طول القيام بخصوصه، إلا أن طول الصلاة يستلزم طول القيام لأن غير القيام كالركوع مثلا لا يكون أطول من القيام كما عرف بالاستقراء من صنيعه صلى الله عليه وسلم، ففي حديث الكسوف "فركع نحواً من قيامه" وفي حديث حذيفة الذي سأذكره نحوه، ومضى حديث عائشة قريباً أن السجدة تكون قريباً من خمسين آية، ومن المعلوم في غير هذه الرواية أنه كان يقرأ بما يزيد على ذلك. قوله: "عن عبد الله" هو: ابن مسعود. قوله: "بأمر سوء" بإضافة أمر إلى سوء. وفي الحديث: دليل على اختيار النبي صلى الله عليه وسلم تطويل صلاة الليل، وقد كان ابن مسعود قوياً محافظاً على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وما هم بالقعود إلا بعد طول كثير ما اعتاده. وأخرج مسلم، من حديث جابر، "أفضل الصلاة طول القنوت" فاستدل به على ذلك. ويحتمل أن يراد بالقنوت في حديث جابر: الخشوع، وذهب كثير من الصحابة وغيرهم إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل، ولمسلم، من حديث ثوبان، "أفضل الأعمال كثرة السجود" والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. وفي الحديث: أن مخالفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السيء. وفيه: تنبيه على فائدة معرفة ما بينهم من الأحوال وغيرها، لأن أصحاب ابن مسعود ما عرفوا مراده من قوله: "هممت بأمر سوء" حتى استفهموه عنه، ولم ينكر عليهم استفهامهم عن ذلك. وروى مسلم، من حديث حذيفة، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، وكان إذا مر بآية فيها تسبيح سبح أو سؤال سأل أو تعوذ تعوذ، ثم ركع نحواً مما قام، ثم قام نحواً مما ركع، ثم سجد نحواً مما قام. وهذا إنما يتأتى في نحو من ساعتين، فلعله صلى الله عليه وسلم أحيا تلك الليلة كلها. وأما ما يقتضيه حاله في غير هذه الليلة فإن في أخبار عائشة أنه كان يقوم قدر ثلث الليل، وفيها أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، فيقتضي ذلك تطويل الصلاة والله أعلم.
" تنبيه ": ذكر الدارقطني أن سليمان بن حرب تفرد برواية هذا الحديث، عن شعبة حكاه عنه البرقاني، وهو من الأفراد المقيدة، فإن مسلماً، أخرج هذا الحديث من طريق أخرى عن الأعمش. قوله: "عن خالد بن عبد الله" هو: الواسطي، وحصين هو: ابن عبد الرحمن الواسطي أيضاً، وقد تقدم حديث حذيفة في الطهارة. واستشكل ابن بطال دخوله في هذا الباب فقال: لا مدخل له هنا لأن التسوك في صلاة الليل لا يدل على طول الصلاة. قال: ويمكن أن يكون ذلك من غلط الناسخ فكتبه في غير موضعه، أو أن البخاري أعجلته المنية قبل تهذيب كتابه، فإن فيه مواضع مثل هذا تدل على ذلك. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون أشار إلى أن استعمال السواك يدل على ما يناسبه من إكمال الهيئة والتأهب، وهو دليل طول القيام إذ التخفيف لا يتهيأ له

(3/19)


هذا التهيؤ الكامل. وقد قال ابن رشيد: الذي عندي أن البخاري إنما أدخله لقوله: "إذا قام للتهجد" أي إذا قام لعادته، وقد تبينت عادته في الحديث الآخر، ولفظ التهجد مع ذلك مشعر بالسهر، ولا شك أن في التسوك عونا على دفع النوم فهو مشعر بالاستعداد للإطالة. وقال البدر بن جماعة: يظهر لي أن البخاري أراد بهذا الحديث استحضار حديث حذيفة الذي أخرجه مسلم، يعني المشار إليه قريبا، قال: وإنما لم يخرجه لكونه على غير شرطه، فأما أن يكون أشار إلى أن الليلة واحدة، أو نبه بأحد حديثي حذيفة على الآخر. وأقر بها توجيه ابن رشيد. ويحتمل أن يكون بيض الترجمة لحديث حذيفة فضم الكاتب الحديث إلى الحديث الذي قبله وحذف البياض.

(3/20)


10 - باب كيف صلاة النبي صلى الله عليه و سلم، وكم كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل؟
1137 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ صَلاَةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ" .
1138 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ:كَانَتْ صَلاَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. يَعْنِي بِاللَّيْلِ".
1139 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتِي الْفَجْرِ".
1140 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ".
قوله:"باب كيف صلاة الليل، وكم كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل؟" أورد فيه أربعة أحاديث: أولهما حديث ابن عمر "صلاة الليل مثنى مثنى" الحديث، وقد تقدم الكلام عليه في أول أبواب الوتر، وأنه الأفضل في حق الأمة لكونه أجاب به السائل، وأنه صلى الله عليه وسلم صح عنه فعل الفصل والوصل. ثانيهما حديث أبي جمرة، عن ابن عباس، "كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة". يعني بالليل. وأخرجه مسلم والترمذي، بلفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة" وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في أول أبواب الوتر أيضاً، وتقدم أيضا بيان الجمع بين مختلف الروايات في ذلك. ثالثهما حديث عائشة، من رواية مسروق، قال: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر". رابعها حديثها من طريق القاسم، عنها "كان يصلي من الليل ثلاث عشرة منها الوتر وركعتا الفجر" وفي رواية مسلم، من هذا الوجه "كانت صلاته عشر ركعات ويوتر بسجدة ويركع ركعتي الفجر فتلك ثلاث عشرة" فأما ما أجابت به مسروقا فمرادها أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة، فتارة كان يصلي سبعاً وتارة تسعاً وتارة إحدى عشرة.
وأما حديث القاسم، عنها، فمحمول على أن ذلك كان غالب حاله، وسيأتي

(3/20)


بعد خمسة أبواب من رواية أبي سلمة عنها أن ذلك كان أكثر ما يصليه في الليل، ولفظه: "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة" الحديث. وفيه: ما يدل على أن ركعتي الفجر من غيرها فهو مطابق لرواية القاسم. وأما ما رواه الزهري، عن عروة، عنها كما سيأتي في "باب ما يقرأ في ركعتي الفجر" بلفظ: "كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين" فظاهره يخالف ما تقدم، فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء لكونه كان يصليها في بيته، أو ما كان يفتتح به صلاة الليل فقد ثبت عند مسلم، من طريق سعد بن هشام، عنها، أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين، وهذا أرجح في نظري لأن رواية أبي سلمة التي دلت على الحصر في إحدى عشرة جاء في صفتها عند المصنف وغيره: "يصلي أربعاً ثم أربعاً ثم ثلاثاً" فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين وتعرضت لهما في رواية الزهري، والزيادة من الحافظ مقبولة، وبهذا يجمع بين الروايات. وينبغي أن يستحضر هنا ما تقدم في أبواب الوتر من ذكر الركعتين بعد الوتر والاختلاف هل هما الركعتان بعد الفجر أو صلاة مفردة بعد الوتر، ويؤيده ما وقع عند أحمد وأبي داود، من رواية عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة، بلفظ: "كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ولا أنقص من سبع" وهذا أصح ما وقفت عليه من ذلك، وبه يجمع بين ما اختلف عن عائشة من ذلك والله أعلم. قال القرطبي: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتم لو كان الراوي عنها واحداً أو أخبرت عن وقت واحد: والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز والله أعلم. وظهر لي أن الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة أن التهجد والوتر مختص بصلاة الليل، وفرائض النهار - الظهر وهي أربع والعصر وهي أربع والمغرب وهي ثلاث وتر النهار - فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلا. وأما مناسبة ثلاث عشرة فبضم صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها.
" تنبيه ": إسحاق المذكور في أول حديثي عائشة هو: ابن راهويه كما جزم أبو نعيم في المستخرج، وعبيد الله المذكور في ثاني حديثيها هو: ابن موسى، وقد روى البخاري عنه في هذين الحديثين المتواليين بواسطة وبغير واسطة وهو من كبار شيوخه، وكأن أولهما لم يقع له سماعه منه، والله أعلم.

(3/21)


11 - باب قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ مِنْ نَوْمِهِ وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ
وَقَوْلُهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وِطَاءً وَأَقْوَمُ قِيلاً. إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً} .
وَقَوْلُهُ: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ، عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى، وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ، وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَشَأَ: قَامَ بِالْحَبَشِيَّةِ. وِطَاءً قَالَ: مُوَاطَأَةَ الْقُرْآنِ أَشَدُّ مُوَافَقَةً

(3/21)


لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ. لِيُوَاطِئُوا: لِيُوَافِقُوا.
1141 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا. وَكَانَ لاَ تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ، وَلاَ نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ.
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ.
[الحديث 1142_أطرافه في: 3563,1973,1972]
قوله: "باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل من نومه، وما نسخ من قيام الليل، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ} " كأنه يشير إلى ما أخرجه مسلم، من طريق سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: "إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة - يعني: يا أيها المزمل - فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعاً بعد فرضيته" واستغنى البخاري عن إيراد هذا الحديث -لكونه على غير شرطه- بما أخرجه عن أنس، فإن فيه: "ولا تشاء أن تراه من الليل نائما إلا رأيته" فإنه يدل على أنه كان ربما نام كل الليل وهذا سبيل التطوع، فلو استمر الوجوب لما أخل بالقيام وبهذا تظهر مطابقة الحديث للترجمة. وقد روى محمد بن نصر، في قيام الليل من طريق سماك الحنفي، عن ابن عباس، شاهدا لحديث عائشة، في أن الإيجاب والنسخ سنة، وكذا أخرجه عن أبي عبد الرحمن السلمي والحسن وعكرمة وقتادة بأسانيد صحيحة عنهم، ومقتضى ذلك أن النسخ وقع بمكة لأن الإيجاب متقدم على فرض الخمس ليلة الإسراء وكانت قبل الهجرة بأكثر من سنة على الصحيح، وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه لقوله: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. واستشكل محمد بن نصر ذلك كما تقدم ذكره والتعقب عليه في أول كتاب الصلاة، وتضمن كلامه أن الآية التي نسخت الوجوب مدنية، وهو مخالف لما عليه الأكثر من أن السورة كلها مكية. نعم ذكر أبو جعفر النحاس أنها مكية إلا الآية الأخيرة، وقوى محمد بن نصر هذا القول بما أخرجه من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة في جيش الخبط، وكان ذلك بعد الهجرة. لكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وأما ما رواه الطبري، من طريق محمد بن طحلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: "احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيراً" فذكر الحديث الذي تقدمت الإشارة إليه قبل خمسة أبواب وفيه: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن خير العمل أدومه وإن قل" ونزلت عليه {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} فكتب عليهم قيام الليل وأنزلت منزلة الفريضة حتى إن كان بعضهم ليربط الحبل فيتعلق به، فلما رأى الله تكلفهم ابتغاء رضاه وضع ذلك عنهم فردهم إلى الفريضة ووضع عنهم قيام الليل إلا ما تطوعوا به، فإنه يقتضي أن السورة كلها مدنية، لكن فيه موسى بن عبيدة وهو شديد الضعف فلا حجة فيما تفرد به، ولو صح ما رواه لاقتضى ذلك وقوع ما خشي منه صلى الله عليه وسلم حيث ترك قيام الليل بهم خشية أن يفرض عليهم، والأحاديث الصحيحة دالة على أن ذلك لم يقع، والله أعلم. قوله: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} أي: المتلفف في ثيابه، وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "يا أيها المزمل؛ أي يا محمد قد زملت القرآن" فكأن الأصل يا أيها المتزمل.قوله: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً} أي: منه. وروى ابن أبي

(3/22)


حاتم، من طريق وهب بن منبه، قال: القليل ما دون المعشار والسدس، وفيه نظر لما سيأتي. قوله: "نصفه" يحتمل أن يكون بدلا من "قليلا" فكأن في الآية تخييرا بين قيام النصف بتمامه أو قيام أنقص منه أو أزيد، ويحتمل أن يكون قوله: "نصفه" بدلا من الليل و "إلا قليلا" استثناء من النصف حكاه الزمخشري، وبالأول جزم الطبري، وأسند ابن أبي حاتم، معناه عن عطاء الخراساني. قوله: { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} أي اقرأه مترسلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات وروى مسلم، من حديث حفصة، "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها". قوله: {قَوْلاً ثَقِيلاً} أي: القرآن. وعن الحسن "العمل به" أخرجه ابن أبي حاتم. وأخرج أيضا من طريق أخرى عنه قال: "ثقيلا في الميزان يوم القيامة" وتأوله غيره على ثقل الوحي حين ينزل كما تقدم في بدء الوحي. قوله: "{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} .قال ابن عباس: نشأ: قام بالحبشية" يعني: فيكون معنى قوله تعالى {نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} أي: قيام الليل، وهذا التعليق وصله عبد بن حميد، بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير، عنه قال: إن ناشئة الليل هو كلام الحبشة، نشأ قام. وأخرج عن أبي ميسرة وأبي مالك نحوه، ووصله ابن أبي حاتم، من طريق أبي ميسرة، عن ابن مسعود، أيضا. وذهب الجمهور إلى أنه ليس في القرآن شيء بغير العربية وقالوا: ما ورد من ذلك فهو من توافق اللغتين، وعلى هذا فناشئة الليل مصدر بوزن فاعلة من نشأ إذا قام، أو اسم فاعل أي: النفس الناشئة بالليل أي: التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي: تنهض، وحكى أبو عبيد في "الغريبين" أن كل ما حدث بالليل وبدأ فهو ناشئ وقد نشأ. وفي "المجاز" لأبي عبيدة: ناشئة الليل آناء الليل ناشئة بعد ناشئة، قال ابن التين: والمعنى: أن الساعات الناشئة من الليل - أي: المقبلة بعضها في أثر بعض - هي أشد. قوله: "وِطَاءً قال: مواطأة للقرآن، اشد موافقة لسمعه وبصره وقلبه" وهذا وصله عبد بن حميد، من طريق مجاهد، قال أشد وطاء أي: يوافق سمعك وبصرك وقلبك بعضه بعضا، قال الطبري: هذه القراءة على أنه مصدر من قولك واطأ اللسان القلب مواطأة ووطاء، قال: وقرأ الأكثر وطئا بفتح الواو وسكون الطاء، ثم حكي عن العرب وطئنا الليل وطئا أي: سرنا فيه، وروي من طريق قتادة، "أشد وطئا" أثبت في الخير "وأقوم قيلا" أبلغ في الحفظ. وقال الأخفش: "أشد وطئا أي قياما" وأصل الوطء في اللغة الثقل كما في الحديث: "اشدد وطأتك على مضر" . قوله: "ليواطئوا ليوافقوا" هذه الكلمة من تفسير براءة وإنما أوردها هنا تأييدا للتفسير الأول، وقد وصله الطبري، عن ابن عباس لكن بلفظ: "ليشابهوا". قوله: {سَبْحاً طَوِيلاً} أي: فراغا، وصله ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وغيرهم، وعن السدي، سبحا طويلا أي: تطوعا كثيرا كأنه جعله من السبحة وهي: النافلة. قوله: "حدثني محمد بن جعفر" أي: ابن أبي كثير المدني، وحميد: هو الطويل. قوله: "أن لا يصوم منه" زاد أبو ذر والأصيلي: "شيئا". قوله: "وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلخ" أي: إن صلاته ونومه كان يختلف بالليل ولا يرتب وقتا معينا بل بحسب ما تيسر له القيام. ولا يعارضه قول عائشة "كان إذا سمع الصارخ قام" فإن عائشة تخبر عما لها عليه اطلاع، وذلك أن صلاة الليل كانت تقع منه غالبا في البيت، فخبر أنس محمول على ما وراء ذلك. وقد مضى في حديثها في أبواب الوتر "من كل الليل قد أوتر" فدل على أنه لم يكن يخص الوتر بوقت بعينه. قوله: "تابعه سليمان وأبو خالد الأحمر عن حميد" كذا ثبتت الواو في جميع الروايات التي اتصلت لنا، فعلى هذا يحتمل أن يكون سليمان هو: ابن بلال كما جزم به خلف، ويحتمل أن تكون الواو زائدة من الناسخ فإن أبا خالد الأحمر اسمه: سليمان، وحديثه في هذا سيأتي موصولا في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى.

(3/23)


12 - باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ
1142 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ. فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلاَ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ".
[الحديث 1142_طرفه في: 3269]
1143 - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الرُّؤْيَا قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ .
قوله: "باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل" قال ابن التين وغيره: قوله: "إذا لم يصل" مخالف لظاهر حديث الباب، لأنه دال على أنه يعقد على رأس من صلى ومن لم يصل، لكن من صلى بعد ذلك تنحل عقده بخلاف من لم يصل. وأجاب ابن رشيد: بأن مراد البخاري باب بقاء عقد الشيطان إلخ وعلى هذا فيجوز أن يقرأ قوله عقد بلفظ الفعل وبلفظ الجمع، ثم رأيت الإيراد بعينه للمازري ثم قال: وقد يعتذر عنه بأنه إنما قصد من يستدام العقد على رأسه بترك الصلاة، وكأنه قدر من انحلت عقده كأن لم تعقد عليه انتهى. ويحتمل أن تكون الصلاة المنفية في الترجمة صلاة العشاء فيكون التقدير إذا لم يصل العشاء، فكأنه يرى أن الشيطان إنما يفعل ذلك بمن نام قبل صلاة العشاء، بخلاف من صلاها ولا سيما في الجماعة، وكأن هذا هو السر في إيراده لحديث سمرة عقب هذا الحديث لأنه قال فيه: " وينام عن الصلاة المكتوبة" ولا يعكر على هذا كونه أورد هذه الترجمة في تضاعيف صلاة الليل لأنه يمكن أن يجاب عنه بأنه أراد دفع توهم من يحمل الحديثين على صلاة الليل، لأنه ورد في بعض طرق حديث سمرة مطلقا غير مقيد بالمكتوبة، والوعيد علامة الوجوب، وكأنه أشار إلى خطأ من احتج به على وجوب صلاة الليل حملا للمطلق على المقيد. ثم وجدت معنى هذا الاحتمال للشيخ ولي الدين الملوي وقواه بما ذكرته من حديث سمرة، فحمدت الله على التوفيق لذلك. ويقويه ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: "أن من صلى العشاء في جماعة كان كمن قام نصف ليلة" لأن مسمى قيام الليل يحصل للمؤمن بقيام بعضه، فحينئذ يصدق على من صلى العشاء في جماعة أنه قام الليل، والعقد المذكورة تنحل بقيام الليل فصار من صلى العشاء في جماعة كمن قام الليل في حل عقد الشيطان.
وخفيت المناسبة على الإسماعيلي فقال: ورفض القرآن ليس هو ترك الصلاة بالليل. ويتعجب من إغفاله آخر الحديث حيث قال فيه: "وينام عن الصلاة المكتوبة" والله أعلم. قوله: "الشيطان" كأن المراد به: الجنس، وفاعل ذلك هو: القرين أو غيره، ويحتمل أن يراد به: رأس الشياطين وهو: إبليس، وتجوز نسبة ذلك إليه لكونه الآمر به الداعي إليه، ولذلك أورده المصنف في "باب صفة إبليس" من بدء الخلق. قوله: "قافية رأس أحدكم" أي: مؤخر عنقه. وقافية كل شيء: مؤخره ومنه قافية القصيدة، وفي النهاية: القافية القفا، وقيل: مؤخر الرأس، وقيل: وسطه. وظاهر

(3/24)


قوله: "أحدكم" التعميم في المخاطبين ومن في معناهم، ويمكن أن يخص منه من تقدم ذكره، ومن ورد في حقه أنه يحفظ من الشيطان كالأنبياء، ومن تناوله قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} وكمن قرأ آية الكرسي عند نومه فقد ثبت أنه يحفظ من الشيطان حتى يصبح، وفيه بحث سأذكره في آخر شرح هذا الحديث إن شاء الله تعالى. قوله: "إذا هو نام" كذا للأكثر، وللحموي والمستملي: "إذا هو نائم" بوزن فاعل، والأول أصوب وهو الذي في الموطأ. قوله: "يضرب على مكان كل عقدة" كذا للمستملي، ولبعضهم بحذف "على" وللكشميهني بلفظ: "عند مكان". وقوله: "يضرب" أي: بيده على العقدة تأكيدا وإحكاما لها قائلا ذلك، وقيل: معنى يضرب يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} أي: حجبنا الحس أن يلج في آذانهم فينتبهوا، وفي حديث أبي سعيد "ما أحد ينام إلا ضرب على سماخه بجرير معقود" أخرجه المخلص في فوائده، والسماخ بكسر المهملة وآخره معجمة ويقال: بالصاد المهملة بدل السين، وعند سعيد بن منصور، بسند جيد عن ابن عمر، "ما أصبح رجل على غير وتر إلا أصبح على رأسه جرير قدر سبعين ذراعا". قوله: "عليك ليل طويل" كذا في جميع الطرق، عن البخاري بالرفع، ووقع في رواية أبي مصعب، في الموطأ عن مالك، "عليك ليلا طويلا " وهي رواية ابن عيينة، عن أبي الزناد، عند مسلم، قال عياض: رواية الأكثر عن مسلم، بالنصب على الإغراء، ومن رفع فعلى الابتداء، أي باق عليك، أو بإضمار فعل أي بقي. وقال القرطبي: الرفع أولى من جهة المعنى لأنه الأمكن في الغرور من حيث أنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله: "فارقد" وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد وحينئذ يكون قوله: "فارقد" ضائعا، ومقصود الشيطان بذلك: تسويفه بالقيام والإلباس عليه. وقد اختلف في هذه العقد فقيل: هو: على الحقيقة وأنه كما يعقد الساحر من يسحره، وأكثر من يفعله النساء تأخذ إحداهن الخيط فتعقد منه عقدة وتتكلم عليه بالسحر فيتأثر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية الرأس نفسها، وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره؟ الأقرب الثاني إذ ليس لكل أحد شعر، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه أن على رأس كل آدمي حبلا، ففي رواية ابن ماجه، ومحمد بن نصر، من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: "على قافية رأس أحدكم حبل فيه ثلاث عقد"، ولأحمد، من طريق الحسن، عن أبي هريرة، بلفظ: "إذا نام أحدكم عقد على رأسه بجرير" ولابن خزيمة، وابن حبان، من حديث جابر، مرفوعا: "ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه جرير معقود حين يرقد " الحديث، وفي الثواب لآدم بن أبي إياس، من مرسل الحسن، نحوه. والجرير بفتح الجيم هو: الحبل، وفهم بعضهم من هذا أن العقد لازمة، ويرده التصريح بأنها تنحل بالصلاة فيلزم إعادة عقدها فأبهم فاعله في حديث جابر، وفسر في حديث غيره. وقيل هو على المجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك تصرف من يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم. وقيل المراد به: عقد القلب وتصميمه على الشيء كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليلة قطعة طويلة فيتأخر عن القيام. وانحلال العقد كناية عن علمه بكذبه فيما وسوس به. وقيل: العقد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه عقدت فلانا عن امرأته أي منعته عنها، أو عن تثقيله عليه النوم كأنه قد شد عليه شداداً. وقال بعضهم:المراد بالعقد الثلاث: الأكل والشرب والنوم، لأن من أكثر الأكل والشرب كثر نومه.واستبعده المحب الطبري لأن الحديث يقتضي أن العقد تقع عند النوم فهي غيره.

(3/25)


قال القرطبي: الحكمة في الاقتصار على الثلاث أن أغلب ما يكون انتباه الإنسان في السحر فإن اتفق له أن يرجع إلى النوم ثلاث مرات لم تنقض النومة الثالثة إلا وقد ذهب الليل. وقال البيضاوي: التقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء: الذكر والوضوء والصلاة، فكأنه منع من كل واحدة منها بعقدة عقدها على رأسه وكأن تخصيص القفا بذلك لكونه محل الوهم ومجال تصرفه وهو أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته. وفي كلام الشيخ الملوي: أن العقد يقع على خزانة الإلهيات من الحافظة وهي: الكنز المحصل من القوى، ومنها يتناول القلب ما يريد التذكر به. قوله: "انحل عقده" بلفظ الجمع بغير اختلاف في البخاري، ووقع لبعض رواة الموطأ بالإفراد، ويؤيده رواية أحمد المشار إليها قيل فإن فيها " فإن ذكر الله انحلت عقدة واحدة، وإن قام فتوضأ أطلقت الثانية، فإن صلى أطلقت الثالثة" وكأنه محمول على الغالب وهو: من ينام مضطجعا فيحتاج إلى الوضوء إذا انتبه فيكون لكل فعل عقدة يحلها، ويؤيد الأول ما سيأتي في بدء الخلق من وجه آخر بلفظ: "عقده كلها" ولمسلم، من رواية ابن عيينة، عن أبي الزناد، "انحلت العقد" وظاهره أن العقد تنحل كلها بالصلاة خاصة، وهو كذلك في حق من لم يحتج إلى الطهارة كمن نام متمكنا مثلا1 ثم انتبه فصلى من قبل أن يذكر أو يتطهر، فإن الصلاة تجزئة في حل العقد كلها لأنها تستلزم الطهارة وتتضمن الذكر، وعلى هذا فيكون معنى قوله: "فإذا صلى انحلت عقده كلها" إن كان المراد به من لا يحتاج إلى الوضوء فظاهر على ما قررناه، وإن كان من يحتاج إليه فالمعنى انحلت بكل عقدة أو انحلت عقده كلها بانحلال الأخيرة التي بها يتم انحلال العقد. وفي رواية أحمد المذكورة قبل "فإن قام فذكر الله انحلت واحدة، فإن قام فتوضأ أطلقت الثانية، فإن صلى أطلقت الثالثة" وهذا محمول على الغالب وهو: من ينام مضطجعا فيحتاج إلى تجديد الطهارة عند استيقاظه فيكون لكل فعل عقدة يحلها. قوله: "طيب النفس" أي لسروره بما وفقه الله له من الطاعة، وبما وعده من الثواب، وبما زال عنه من عقد الشيطان. كذا قيل، والذي يظهر أن في صلاة الليل سرا في طيب النفس وإن لم يستحضر المصلي شيئا مما ذكر، وكذا عكسه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} وقد استنبط بعضهم منه أن: من فعل ذلك مرة ثم عاد إلى النوم لا يعود إليه الشيطان بالعقد المذكور ثانيا، واستثنى بعضهم - ممن يقوم ويذكر ويتوضأ ويصلي - من لم ينهه ذلك عن الفحشاء بل يفعل ذلك من غير أن يقلع، والذي يظهر فيه التفصيل بين من يفعل ذلك مع الندم والتوبة والعزم على الإقلاع وبين المصر. قوله: "وإلا أصبح خبيث النفس " أي: بتركه ما كان اعتاده أو أراده من فعل الخير، كذا قيل، وقد تقدم ما فيه. و قوله: "كسلان" غير مصروف للوصف ولزيادة الألف والنون، ومقتضى قوله: "وإلا أصبح" أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح خبيثا كسلان، وإن أتى ببعضها وهو كذلك، لكن يختلف ذلك بالقوة والخفة، فمن ذكر الله مثلا كان في ذلك أخف ممن لم يذكر أصلا. وروينا في الجزء الثالث من الأول من حديث المخلص في حديث أبي سعيد الذي تقدمت الإشارة إليه "فإن قام فصلى انحلت العقد كلهن، وإن استيقظ ولم يتوضأ ولم يصل أصبحت العقد كلها كهيئتها" وقال ابن عبد البر: هذا الذم يختص بمن لم يقم إلى صلاته وضيعها، أما من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة أو إلى النافلة بالليل فغلبته عينه فنام فقد ثبت أن
ـــــــ
1 هذا فيه نظر. والصواب أن النوم ينقض الوضوء وإن كان النائم متمكنا لحديث صفوان "لكن من غائط وبول ونوم فتنبه. والله أعلم.

(3/26)


الله يكتب له أجر صلاته ونومه عليه صدقة. وقال أيضا: زعم قوم أن هذا الحديث يعارض قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي" وليس كذلك لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهة لتلك الكلمة، وهذا الحديث وقع ذما لفعله، ولكل من الحديثين وجه. وقال الباجي: ليس بين الحديثين اختلاف، لأنه نهى عن إضافة ذلك إلى النفس -لكون الخبث بمعنى فساد الدين- ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيرا منها وتنفيرا. قلت: تقرير الإشكال أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن إضافة ذلك إلى النفس فكل ما نهى المؤمن أن يضيفه إلى نفسه نهى أن يضيفه إلى أخيه المؤمن، وقد وصف صلى الله عليه وسلم هذا المرء بهذه الصفة فيلزم جواز وصفنا له بذلك لمحل التأسي، ويحصل الانفصال فيما يظهر بأن النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على الوصف بذلك كالتنفير والتحذير.
" تنبيهات ": الأول: ذكر الليل في قوله: "عليك ليل" ظاهره اختصاص ذلك بنوم الليل، وهو كذلك، لكن لا يبعد أن يجيء مثله في نوم النهار كالنوم حالة الإبراد مثلا ولا سيما على تفسير البخاري من أن المراد بالحديث الصلاة المفروضة. ثانيها: ادعى ابن العربي أن البخاري أومأ هنا إلى وجوب صلاة الليل لقوله: "يعقد الشيطان" وفيه نظر، فقد صرح البخاري في خامس ترجمة من أبواب التهجد بخلافه حيث قال: "من غير إيجاب" وأيضا فما تقدم تقريره من أنه حمل الصلاة هنا على المكتوبة يدفع ما قاله ابن العربي أيضا، ولم أر النقل في القول بإيجابه إلا عن بعض التابعين. قال ابن عبد البر: شذ بعض التابعين فأوجب قيام الليل ولو قدر حلب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه، ونقله غيره عن الحسن وابن سيرين، والذي وجدناه عن الحسن، ما أخرجه محمد بن نصر، وغيره عنه أنه قيل له: ما تقول في رجل استظهر القرآن كله لا يقوم به إنما يصلي المكتوبة؟ فقال: أمن الله هذا، إنما يتوسد القرآن. فقيل له: قال الله تعالى: َ {اقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} قال: نعم، ولو قدر خمسين آية. وكان هذا هو مستند من نقل عن الحسن الوجوب. ونقل الترمذي، عن إسحاق بن راهويه، أنه قال: إنما قيام الليل على أصحاب القرآن، وهذا يخصص ما نقل عن الحسن، وهو أقرب، وليس فيه تصريح بالوجوب أيضا. ثالثها: وقد يظن أن بين هذا الحديث والحديث الآتي في الوكالة من حديث أبي هريرة الذي فيه: "أن قارئ آية الكرسي عند نومه لا يقربه الشيطان" معارضة، وليس كذلك، لأن العقد إنما حمل على الأمر المعنوي والقرب على الأمر الحسي وكذا العكس فلا إشكال، إذ لا يلزم من سحره إياه مثلا أن يماسه، كما لا يلزم من مماسته أن يقربه بسرقة أو أذى في جسده ونحو ذلك.
وإن حملا على المعنويين أو العكس فيجاب بإدعاء الخصوص في عموم أحدهما. والأقرب أن المخصوص حديث الباب كما تقدم تخصيصه عن ابن عبد البر بمن لم ينو القيام، فكذا يمكن أن يقال يختص بمن لم يقرأ آية الكرسي لطرد الشيطان والله أعلم. رابعها: ذكر شيخنا الحافظ: أبو الفضل بن الحسين في "شرح الترمذي" أن السر في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين: المبادرة إلى حل عقد الشيطان، وبناه على أن الحل لا يتم إلا بتمام الصلاة، وهو واضح، لأنه لو شرع في صلاة ثم أفسدها لم يساو من أتمها، وكذا الوضوء. وكأن الشروع في حل العقد يحصل بالشروع في العبادة وينتهي بانتهائها.وقد ورد الأمر بصلاة الركعتين الخفيفتين عند مسلم من حديث أبي هريرة فاندفع إيراد من أورد أن الركعتين الخفيفتين إنما وردتا من فعله صلى الله عليه وسلم كما تقدم من حديث عائشة، وهو منزه عن عقد الشيطان، حتى ولو لم يرد الأمر بذلك لأمكن أن يقال: يحمل فعله ذلك على تعليم أمته وإرشادهم إلى ما يحفظهم من الشيطان. وقد وقع عند ابن خزيمة، من وجه آخر عن أبي هريرة، في آخر الحديث: "فحلوا عقد

(3/27)


الشيطان ولو بركعتين". خامسها: إنما خص الوضوء بالذكر لأنه الغالب، وإلا فالجنب لا يحل عقدته إلا الاغتسال، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء أو الغسل لمن ساغ له ذلك؟ محل بحث.والذي يظهر إجزاؤه، ولا شك أن في معاناة الوضوء عونا كبيرا على طرد النوم لا يظهر مثله في التيمم. سادسها: لا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزئ غيره، بل كل ما صدق عليه ذكر الله أجزأ، ويدخل في تلاوة القرآن وقراءة الحديث النبوي والاشتغال بالعلم الشرعي، وأولى ما يذكر به ما سيأتي بعد ثمانية أبواب في "باب فضل من تعار من الليل" ويؤيده ما عند ابن خزيمة، من الطريق المذكورة "فإن تعار من الليل فذكر الله". قوله: "حدثنا عوف" هو: الأعرابي "وأبو رجاء" هو: العطاردي، والإسناد كله بصريون، وسيأتي حديث سمرة مطولا في أواخر كتاب الجنائز. وقوله هنا "عن الصلاة المكتوبة" الظاهر أن المراد بها العشاء الآخرة وهو اللائق بما تقدم من مناسبة الحديث الذي قبله. وقوله: "يثلغ" مثلثة ساكنة ولام مفتوحة بعدها معجمة أي: يشق أو يخدش. وقوله: "فيرفضه" بكسر الفاء وضمها.

(3/28)


13 - باب إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ
1144 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَقَالَ: بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ" .
[الحديث 1144 _ طرفه في 3270]
قوله: "باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه" هذه الترجمة للمستملي وحده. وللباقين "باب" فقط، وهو بمنزلة الفصل من الباب، وتعلقه بالذي قبله ظاهر لما سنوضحه. قوله: "ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل" لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن ابن مسعود، ما يؤخذ منه أنه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه "وأيم الله لقد بال في أذن صاحبكم ليلة" يعني نفسه. قوله: "فقيل ما زال نائماً حتى أصبح" في رواية جرير، عن منصور، في بدء الخلق "رجل نام ليلة حتى أصبح". قوله: "ما قام إلى الصلاة" المراد الجنس، ويحتمل العهد، ويراد به صلاة الليل أو المكتوبة. ويؤيده رواية سفيان هذا عندنا "نام عن الفريضة" أخرجه ابن حبان في صحيحه. وبهذا يتبين مناسبة الحديث لما قبله. وفي حديث أبي سعيد الذي قدمت ذكره من فوائد المخلص "أصبحت العقد كلها كهيئتها وبال الشيطان في أذنه" فيستفاد منه وقت بول الشيطان، ومناسبة هذا الحديث للذي قبله. قوله: "في أذنه" في رواية جرير "في أذنيه" بالتثنية. واختلف في بول الشيطان، فقيل: هو على حقيقته. قال القرطبي وغيره: لا مانع من ذلك إذ لا إحالة فيه لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح فلا مانع من أن يبول. وقيل: هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر.
وقيل: معناه أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل فحجب سمعه عن الذكر. وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به. وقيل: معناه أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول، إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه. وقيل: هو مثل مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم كمن وقع البول في أذنه فثقل أذنه وأفسد حسه، والعرب تكني عن

(3/28)


الفساد بالبول قال الراجز: بال سهيل في الفضيخ ففسد. وكنى بذلك عن طلوعه لأنه وقت إفساد الفضيخ فعبر عنه بالبول. ووقع في رواية الحسن، عن أبي هريرة، في هذا الحديث عند أحمد، "قال الحسن إن بوله والله لثقيل" وروى محمد بن نصر، من طريق قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود، "حسب الرجل من الخيبة والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في أذنه" وهو موقوف صحيح الإسناد. وقال الطيبي: خص الأذن بالذكر وإن كانت العين أنسب بالنوم إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه. وخص البول لأنه أسهل مدخلا في التجاويف وأسرع نفوذا في العروق فيورث الكسل في جميع الأعضاء.

(3/29)


14 - باب الدُّعَاءِ فِي الصَّلاَةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ
وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: {كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} أَيْ: مَا يَنَامُونَ، {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} .
1145 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ" .
[الحديث 1145 _ طرفاه في: 7494,6321]
قوله: "باب الدعاء والصلاة من آخر الليل" في رواية أبي ذر "الدعاء في الصلاة". قوله: "وقال الله عز وجل" في رواية الأصيلي: "وقول الله". قوله: "ما يهجعون" زاد الأصيلي: "أي ينامون" وقد ذكر الطبري وغيره الخلاف عن أهل التفسير في ذلك، فنقل ذلك عن، الحسن والأحنف وإبراهيم النخعي وغيرهم، ونقل عن قتادة ومجاهد وغيرهما، أن معناه كانوا لا ينامون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون. ومن طريق المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: معناه لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا. ثم ذكر أقوالا أخر ورجح الأول لأن الله تعالى وصفهم بذلك مادحا لهم بكثرة العمل. قال ابن التين: وعلى هذا تكون "ما" زائدة أو مصدرية، وهو أبين الأقوال وأقعدها بكلام أهل اللغة، وعلى الآخر تكون "ما" نافية. وقال الخليل: هجع يهجع هجوعا وهو النوم بالليل دون النهار. ثم أورد المصنف حديث أبي هريرة، في النزول من طريق الأغر أبي عبد الله، وأبي سلمة، جميعا عن أبي هريرة. وقد اختلف فيه على الزهري، فرواه عنه مالك، وحفاظ أصحابه كما هنا، واقتصر بعضهم عنه على أحد الرجلين. وقال بعض أصحاب مالك عنه: عن، سعيد بن المسيب، بدلهما. ورواه أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، فقال الأعرج بدل الأغر فصحفه. وقيل: عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، بدل أبي سلمة، قال الدارقطني: وهو وهم، والأغر المذكور لقب واسمه: سلمان ويكنى أبا عبد الله وهو مدني، ولهم راو آخر يقال له الأغر أيضا لكنه اسمه وكنيته أبو مسلم، وهو كوفي. وقد جاء هذا الحديث من طريقه أيضا أخرجه مسلم، من رواية أبي إسحاق السبيعي، عنه، عن أبي هريرة وأبي سعيد، جميعا مرفوعا، وغلط من جعلهما واحدا. ورواه عن أبي هريرة، أيضا سعيد بن مرجانة وأبو صالح، عند مسلم وسعيد المقبري وعطاء مولى أم صبية بالمهملة مصغرا وأبو جعفر المدني ونافع بن جبير بن مطعم كلهم، عند النسائي. وفي الباب عن علي وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وعمرو بن عبسة، عند أحمد،

(3/29)


وعن جبير بن مطعم ورفاعة الجهني، عند النسائي، وعن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأبي الخطاب غير منسوب، عند الطبراني، وعن عقبة بن عامر وجابر وجد عبد الحميد بن سلمة، عند الدارقطني في "كتاب السنة"، وسأذكر ما في رواياتهم من فائدة زائدة. قوله: "عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة" في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، "أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو عبد الله الأغر صاحب أبي هريرة، أن أبا هريرة أخبرهما". قوله: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" استدل به من أثبت الجهة وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور1 لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك. وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم. ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا. ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف، ونقله البيهقي، وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم.
ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب. ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف، ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبا مستعملا في كلام العرب وبين ما يكون بعيدا مهجورا فأول في بعض وفوض في بعض، وهو منقول عن مالك وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد. قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه، ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم. وسيأتي مزيد بسط في ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. وقال ابن العربي: حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث، وعن السلف إمرارها، وعن قوم تأويلها وبه أقول2. فأما قوله ينزل فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه، والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني، فإن حملته في الحديث على الحسي قتلك صفة الملك المبعوث بذلك، وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة، فهي عربية صحيحة انتهى. والحاصل أنه تأوله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره، وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه. وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا، ويقويه ما رواه النسائي، من طريق الأغر، عن أبي هريرة وأبي سعيد، بلفظ: "إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمر مناديا يقول: هل من داع فيستجاب له" الحديث. وفي حديث عثمان بن أبي العاص " ينادي مناد هل من داع يستجاب له" الحديث. قال القرطبي: وبهذا يرتفع الإشكال، ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني " ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول:
ـــــــ
1 مراده بالجمهور جمهور أهل الكلام, وأما أهل السنة –وهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان- فإنهم يثبتون لله الجهة, وهي جهة العلو, ويؤمنون بأنه سبحانه فوق العرش بلا تمثيل ولا تكييف. والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر؛ فتنبه واحذر. والله أعلم.
2 هذا خطأ ظاهر مصادم لصريح النصوص الواردة بإثبات النزول, وهكذا ما قاله البيضاوي بعده باطل, والصواب ما قاله السلف الصالح من الإيمان بالنزول وإمرار النصوص كما وردت من إثبات النزول لله سبحانه على الوجه الذي يليق به من غير تكييف ولا تمثيل كسائر صفاته. وهذا هو الطريق الأسلم والأقوم والأعلم والأحكم, فتمسك به, وعض عليه بالنواجذ, واحذر ما خالفه تفز بالسلامة. والله أعلم.

(3/30)


لا يسأل عن عبادي غيري" لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور. وقال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه، فالمراد نور رحمته، أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة. قوله: "حين يبقى ثلث الليل الآخر " برفع الآخر لأنه صفة الثلث، ولم تختلف الروايات عن الزهري في تعيين الوقت، واختلفت الروايات عن أبي هريرة وغيره، قال الترمذي: رواية أبي هريرة أصح الروايات في ذلك، ويقوي ذلك أن الروايات المخالفة اختلف فيها على رواتها، وسلك بعضهم طريق الجمع وذلك أن الروايات انحصرت في ستة أشياء: أولها: هذه.ثانيها: إذا مضى الثلث الأول. ثالثها: الثلث الأول أو النصف. رابعها: النصف. خامسها: النصف أو الثلث الأخير. سادسها: الإطلاق. فأما الروايات المطلقة فهي محمولة على المقيدة، وأما التي بأو فإن كانت أو للشك فالمجزوم به مقدم على المشكوك فيه، وإن كانت للتردد بين حالين فيجمع بذلك بين الروايات بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال لكون أوقات الليل تختلف في الزمان وفي الآفاق باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم وتأخره عند قوم. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون النزول يقع في الثلث الأول والقول يقع في النصف وفي الثلث الثاني. وقيل: يحمل على أن ذلك يقع في جميع الأوقات التي وردت بها الأخبار، ويحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بأحد الأمور في وقت فأخبر به، ثم أعلم به في وقت آخر فأخبر به، فنقل الصحابة ذلك عنه والله أعلم. قوله: " من يدعوني إلخ" لم تختلف الروايات على الزهري في الاقتصار على الثلاثة المذكورة وهي الدعاء والسؤال والاستغفار، والفرق بين الثلاثة أن المطلوب إما لدفع المضار أو جلب المسار، وذلك إما ديني وإما دنيوي، ففي الاستغفار إشارة إلى الأول، والسؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث. وقال الكرماني: يحتمل أن يقال الدعاء ما لا طلب فيه نحو يا الله، والسؤال الطلب، وأن يقال المقصود واحد وإن اختلف اللفظ انتهى. وزاد سعيد، عن أبي هريرة "هل من تائب فأتوب عليه" وزاد أبو جعفر، عنه، "من ذا الذي يسترزقني فأرزقه، من ذا الذي يستكشف الضر فأكشف عنه" وزاد عطاء مولى أم صبية، عنه "ألا سقيم يستشفي فيشفى" ومعانيها داخلة فيما تقدم. وزاد سعيد بن مرجانة، عنه، "من يقرض غير عديم ولا ظلوم" وفيه تحريض على عمل الطاعة، وإشارة إلى جزيل الثواب عليها. وزاد حجاج بن أبي منيع، عن جده، عن الزهري، عند الدارقطني، في آخر الحديث: "حتى الفجر" وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عند مسلم، "حتى ينفجر الفجر" وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة, "حتى يطلع الفجر" وكذا اتفق معظم الرواة على ذلك، إلا أن في رواية نافع بن جبير، عن أبي هريرة، عند النسائي، "حتى ترجل الشمس" وهي شاذة. وزاد يونس، في روايته عن الزهري، في آخره أيضا: "ولذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله" أخرجها الدارقطني أيضا. وله من رواية ابن سمعان، عن الزهري، ما يشير إلى أن قائل ذلك هو الزهري. وبهذه الزيادة تظهر مناسبة ذكر الصلاة في الترجمة ومناسبة الترجمة التي بعد هذه لهذه. قوله: "فأستجيب" بالنصب على جواب الاستفهام وبالرفع على الاستئناف، وكذا قوله: "فأعطيه، واغفر له" وقد قرئ بهما في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} الآية. وليست السين في قوله تعالى "فأستجيب" للطلب بل أستجيب بمعنى أجيب، وفي حديث الباب من الفوائد: تفضيل صلاة آخر الليل على أوله. وتفضيل تأخير الوتر لكن ذلك في حق من طمع أن ينتبه. وأن آخر الليل أفضل للدعاء

(3/31)


والاستغفار، ويشهد له قوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} . وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب، ولا يعترض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس أو لاستعجال الداعي أو بأن يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، أو تحصل الإجابة ويتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله.

(3/32)


15 - باب مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ
وَقَالَ سَلْمَانُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ: قُمْ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ سَلْمَانُ.
1146 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح - و حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ، وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلاَ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ.
قوله: "باب من نام أول الليل وأحيا آخره" تقدم في الذي قبله ذكر مناسبته. قوله: "وقال سلمان" أي الفارسي "لأبي الدرداء نم إلخ" هو مختصر من حديث طويل أورده المصنف في كتاب الأدب من حديث أبي جحيفة قال: "آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وبين أبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء" فذكر القصة وفي آخرها فقال: "إن لنفسك عليك حقا" الحديث. وقوله صلى الله عليه وسلم: "صدق سلمان" أي في جميع ما ذكر، وفيه منقبة ظاهرة لسلمان. قوله: "حدثنا أبو الوليد" في رواية أبي ذر "قال أبو الوليد" وقد وصله الإسماعيلي، عن أبي خليفة، عن أبي الوليد، وتبين من سياقه أن البخاري ساق الحديث على لفظ سليمان، وهو ابن حرب. وفي رواية أبي خليفة "فإذا كان من السحر أوتر" وزاد فيه: "فإن كانت له حاجة إلى أهله" وقال فيه: "فإن كان جنبا أفاض عليه من الماء وإلا توضأ" وبمعناه أخرجه مسلم، من طريق زهير، عن أبي إسحاق. قال الإسماعيلي: هذا الحديث يغلط في معناه الأسود، والأخبار الجياد فيها "كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ". قلت: لم يرد الإسماعيلي بهذا أن حديث الباب غلط، وإنما أشار إلى أن أبا إسحاق حدث به عن الأسود بلفظ آخر غلط فيه، والذي أنكره الحفاظ على أبي إسحاق في هذا الحديث هو ما رواه الثوري عنه بلفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء" قال الترمذي: يرون هذا غلطا من أبي إسحاق، وكذا قال مسلم في التمييز. وقال أبو داود: في رواية أبي الحسن بن العبد، عنه: ليس بصحيح, ثم روي عن يزيد بن هارون، أنه قال: هو وهم. انتهى.
وأظن أبا إسحاق اختصره من حديث الباب هذا الذي رواه عنه، شعبة وزهير، لكن لا يلزم من قولها "فإذا كان جنبا أفاض عليه الماء" أن لا يكون توضأ قبل أن ينام كما دلت عليه الأخبار الأخر فمن ثم غلطوه في ذلك، ويستفاد من الحديث أنه كان ربما نام جنبا قبل أن يغتسل والله أعلم. وقد تقدم باقي الكلام على حديث عائشة قريبا.
وقوله فيه: "فإن كانت به حاجة اغتسل" يعكر عليه ما في

(3/32)


رواية مسلم: "أفاض عليه الماء" وما قالت اغتسل، ويجاب بأن بعض الرواة ذكره بالمعنى، وحافظ بعضهم على اللفظ، والله أعلم.

(3/33)


16 - باب قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ
1147 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي"
[الحديث 1147 _ طرفاه في: 3569,2013]
1148 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ جَالِسًا حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ السُّورَةِ ثَلاَثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ رَكَعَ"
قوله: "باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رمضان وغيره" سقط قوله: "بالليل" من نسخة الصنعاني. ذكر فيه حديث أبي سلمة أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقد تقدمت الإشارة إليه في "باب كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل" وفي الحديث دلالة على أن صلاته كانت متساوية في جميع السنة، وفيه كراهة النوم قبل الوتر لاستفهام عائشة عن ذلك كأنه تقرر عندها منع ذلك فأجابها بأنه صلى الله عليه وسلم ليس في ذلك كغيره، وسيأتي هذا الحديث من هذه الطريق في أواخر الصيام أيضا، ونذكر فيه إن شاء الله تعالى ما بقي من فوائده.قوله: "عن هشام" هو ابن عروة. قوله: "حتى إذا كبر" بينت حفصة أن ذلك كان قبل موته بعام، وقد تقدم بيان ذلك مع كثير من فوائده في آخر باب من أبواب التقصير. قوله: "فإذا بقي عليه من السورة ثلاثين أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع" فيه رد على من اشترط على من افتتح النافلة قاعدا أن يركع قاعدا، أو قائما أن يركع قائما، وهو محكي عن أشهب وبعض الحنفية. والحجة فيه ما رواه مسلم وغيره من طريق عبد الله بن شقيق عن عائشة في سؤاله لها عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: "كان إذا قرأ قائما ركع قائما، وإذا قرأ قاعدا ركع قاعدا" وهذا صحيح، ولكن لا يلزم منه منع ما رواه عروة عنها، فيجمع بينهما بأنه كان يفعل كلا من ذلك بحسب النشاط وعدمه. والله أعلم. وقد أنكر هشام بن عروة على عبد الله بن شقيق هذه الرواية واحتج بما رواه عن أبيه، أخرج ذلك ابن خزيمة في صحيحه ثم قال: ولا مخالفة عندي بين الخبرين لأن رواية عبد الله بن شقيق محمولة على ما إذا قرأ جميع القراءة قاعدا أو قائما، ورواية هشام بن عروة محمولة على ما إذا قرأ بعضها جالسا وبعضها قائما. والله أعلم.

(3/33)


17 - باب فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَفَضْلِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
1149 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلاَلٍ عِنْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ: "يَا بِلاَلُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلاَمِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ قَالَ مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ" . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: دَفَّ نَعْلَيْكَ يَعْنِي تَحْرِيكَ
قوله: "باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار" كذا ثبت في رواية الكشميهني، ولغيره: "بعد الوضوء" واقتصر بعضهم على الشق الثاني من الترجمة وعليه اقتصر الإسماعيلي وأكثر الشراح، والشق الأول ليس بظاهر في حديث الباب إلا إن حمل على أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كما سنذكره من حديث بريدة. قوله: "عن أبي حيان" هو يحيى بن سعيد التيمي وصرح به في رواية مسلم من هذا الوجه. وأبو زرعة هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي. قوله: "قال لبلال" أي ابن رباح المؤذن، وقوله: "عند صلاة الفجر" فيه إشارة إلى أن ذلك وقع في المنام لأن عادته صلى الله عليه وسلم أنه كان يقص ما رآه ويعبر ما رآه أصحابه كما سيأتي في كتاب التعبير بعد صلاة الفجر. قوله: "بأرجى عمل" بلفظ أفعل التفضيل المبني من المفعول، وإضافة العمل إلى الرجاء لأنه السبب الداعي إليه. قوله: "في الإسلام" زاد مسلم في روايته: "منفعة عندك".
قوله: "أني" بفتح الهمزة ومن مقدرة قبلها صلة لأفعل التفضيل، وثبتت في رواية مسلم، ووقع في رواية الكشميهني: "أن" بنون خفيفة بدل "أني". قوله: "فإني سمعت" زاد مسلم: "الليلة" وفيه إشارة إلى أن ذلك وقع في المنام.
قوله: "دف نعليك" بفتح المهملة، وضبطها المحب الطبري بالإعجام والفاء مثقلة، وقد فسره المصنف في رواية كريمة بالتحريك. وقال الخليل: دف الطائر إذا حرك جناحيه وهو قائم على رجليه. وقال الحميدي: الدف الحركة الخفيفة والسير اللين. ووقع في رواية مسلم: "خشف" بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين وتخفيف الفاء، قال أبو عبيد وغيره: الخشف الحركة الخفيفة. ويؤيده ما سيأتي في أول مناقب عمر من حديث جابر "سمعت خشفة" ووقع في حديث بريدة عند أحمد والترمذي وغيرهما: "خشخشة" بمعجمتين مكررتين وهو بمعنى الحركة أيضا. قوله: "طهورا" زاد مسلم تاما، والذي يظهر أنه لا مفهوم لها، ويحتمل أن يخرج بذلك الوضوء اللغوي، فقد يفعل ذلك لطرد النوم مثلا. قوله: "في ساعة ليل أو نهار" بتنوين ساعة وخفض ليل على البدل. وفي رواية مسلم: "في ساعة من ليل أو نهار". قوله: "إلا صليت" زاد الإسماعيلي: "لربي" قوله: "ما كتب لي" أي قدر، وهو أعم من الفريضة والنافلة. قال ابن التين: إنما اعتقد بلال ذلك لأنه علم من النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة أفضل الأعمال، وأن عمل السر أفضل من عمل الجهر، وبهذا التقرير يندفع إيراد من أورد عليه غير ما ذكر من الأعمال الصالحة. والذي يظهر أن المراد بالأعمال التي سأله عن إرجائها الأعمال المتطوع بها، وإلا فالمفروضة أفضل قطعا. ويستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة، لأن بلالا توصل إلى ما ذكرنا بالاستنباط فصوبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن الجوزي: فيه الحث على الصلاة عقب الوضوء لئلا يبقى الوضوء خاليا عن مقصوده. وقال المهلب: فيه أن الله يعظم المجازاة على ما يسره العبد من عمله. وفيه سؤال الصالحين عما يهديهم الله له من الأعمال الصالحة ليقتدي بها غيرهم في ذلك وفيه أيضا سؤال الشيخ عن عمل تلميذه ليحضه عليه ويرغبه فيه إن كان حسنا، وإلا فينهاه. واستدل به على جواز

(3/34)


هذه الصلاة في الأوقات المكروهة لعموم قوله: "في كل ساعة" وتعقب بأن الأخذ بعمومه ليس بأولى من الأخذ بعموم النهي وتعقبه ابن التين بأنه ليس فيه ما يقتضي الفورية، فيحمل على تأخير الصلاة قليلا ليخرج وقت الكراهة، أو أنه كان يؤخر الطهور إلى آخر وقت الكراهة لتقع صلاته في غير وقت الكراهة. لكن عند الترمذي وابن خزيمة من حديث بريدة في نحو هذه القصة "ما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها" ولأحمد من حديثه "ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين" فدل على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء والوضوء بالصلاة في أي وقت كان. وقال الكرماني: ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم، لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت. ويحتمل أن يكون في اليقظة لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها ليلة المعراج. وأما بلال فلا يلزم من هذه القصة أنه دخلها لأن قوله: "في الجنة" ظرف للسماع ويكون الدف بين يديه خارجا عنها انتهى. ولا يخفى بعد هذا الاحتمال لأن السياق مشعر بإثبات فضيلة بلال لكونه جعل السبب الذي بلغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما ثبتت له الفضيلة بأن يكون رؤي داخل الجنة لا خارجا عنها. وقد وقع في حديث بريدة المذكور "يا بلال بم سبقتني إلى الجنة" وهذا ظاهر في كونه رآه داخل الجنة. ويؤيد كونه وقع في المنام ما سيأتي في أول مناقب عمر من حديث جابر مرفوعا: "رأيتني دخلت الجنة فسمعت خشفة فقيل هذا بلال، ورأيت قصرا بفنائه جارية فقيل هذا لعمر" الحديث، وبعده من حديث أبي هريرة مرفوعا: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقيل: هذا لعمر" الحديث، فعرف أن ذلك وقع في المنام وثبتت الفضيلة بذلك لبلال لأن رؤيا الأنبياء وحي، ولذلك جزم النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك. ومشيه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كان من عادته في اليقظة فاتفق مثله في المنام، ولا يلزم من ذلك دخول بلال الجنة قيل النبي صلى الله عليه وسلم لأنه في مقام التابع، وكأنه أشار صلى الله عليه وسلم إلى بقاء بلال على ما كان عليه في حال حياته واستمراره على قرب منزلته، وفيه منقبة عظيمة لبلال. وفي الحديث استحباب إدامة الطهارة ومناسبة المجازاة على ذلك بدخول الجنة لأن من لازم الدوام على الطهارة أن يبيت المرء طاهرا ومن بات طاهرا عرجت روحه فسجدت تحت العرش كما رواه البيهقي في الشعب من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والعرش سقف الجنة كما سيأتي في هذا الكتاب. وزاد بريدة في آخر حديثه "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بهذا" وظاهره أن هذا الثواب وقع بسبب ذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل أحدكم الجنة عمله" لأن أحد الأجوبة المشهورة بالجمع بينه وبين قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أن أصل الدخول إنما يقع برحمة الله، واقتسام الدرجات بحسب الأعمال فيأتي مثله في هذا1. وفيه أن الجنة موجودة الآن خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة.
" تنبيه ": قول الكرماني: لا يدخل أحد الجنة إلا بعد موته، مع قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها ليلة المعراج وكان المعراج في اليقظة على الصحيح ظاهرهما التناقض، ويمكن حمل النفي إن كان ثابتا على غير الأنبياء، أو يخص في الدنيا بمن خرج عن عالم الدنيا ودخل في عالم الملكوت، وهو قريب مما أجاب به السهيلي عن استعمال طست الذهب ليلة المعراج.
ـــــــ
1 وأحسن من هذا الجواب أن الأعمال الصالحة هي سبب دخول الجنة, ودخولها يكون برحمة الله وفضله, لا بمجرد العمل كما في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله, قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا, إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل " انتهى.

(3/35)


18 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ
1150 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ مَا هَذَا الْحَبْلُ قَالُوا هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ"
1151 – قال: وقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " مَنْ هَذِهِ قُلْتُ فُلاَنَةُ لاَ تَنَامُ بِاللَّيْلِ فَذُكِرَ مِنْ صَلاَتِهَا فَقَالَ مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنْ الأَعْمَالِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا"
قوله: "باب ما يكره من التشديد في العباد" قال ابن بطال: إنما يكره ذلك خشية الملال المفضي إلى ترك العبادة.
قوله: "حدثنا عبد الوارث" هو ابن سعيد، والإسناد كله بصريون. قوله: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم" زاد مسلم في روايته: "المسجد". قوله: "بين الساريتين" أي اللتين في جانب المسجد، وكأنهما كانتا معهودتين للمخاطب، لكن في رواية مسلم: "بين ساريتين" بالتنكير. قوله: "قالوا هذا حبل لزينب" جزم كثير من الشراح تبعا للخطيب في مبهماته بأنها بنت جحش أم المؤمنين، ولم أر ذلك في شيء من الطرق صريحا. ووقع في شرح الشيخ سراج الدين بن الملقن أن ابن أبي شيبة رواه كذلك، لكني لم أر في مسنده ومصنفه زيادة على قوله: "قالوا لزينب" أخرجه عن إسماعيل بن علية عن عبد العزيز، وكذا أخرجه مسلم عنه وأبو نعيم في المستخرج من طريقه، وكذلك رواه أحمد في مسنده عن إسماعيل، وأخرجه أبو داود عن شيخين له عن إسماعيل فقال عن أحدهما "زينب" ولم ينسبها. وقال عن آخر "حمنة بنت جحش" فهذه قرينة في كون زينب هي بنت جحش. وروى أحمد من طريق حماد عن حميد عن أنس أنها حمنة بنت جحش أيضا، فلعل نسبة الحبل إليهما باعتبار أنه ملك لإحداهما والأخرى المتعلقة به، وقد تقدم في كتاب الحيض أن بنات جحش كانت كل واحدة منهن تدعى زينب فيما قيل، فعلى هذا فالحبل لحمنة وأطلق عليها زينب باعتبار اسمها الآخر. ووقع في صحيح ابن خزيمة من طريق شعبة عن عبد العزيز "فقالوا لميمونة بنت الحارث" وهي رواية شاذة، وقيل يحتمل تعدد القصة، ووهم من فسرها بجويرية بنت الحارث فإن لتلك قصة أخرى تقدمت في أوائل الكتاب والله أعلم. وزاد مسلم: "فقالوا لزينب تصلي". قوله: "فإذا فترت" بفتح المثناة أي كسلت عن القيام في الصلاة، ووقع عند مسلم بالشك "فإذا فترت أو كسلت". قوله: "فقال صلى الله عليه وسلم لا" يحتمل النفي أي لا يكون هذا الحبل أو لا يحمد، ويحتمل النهي أي لا تفعلوه، وسقطت هذه الكلمة في رواية مسلم. قوله: "نشاطه" بفتح النون أي مدة نشاطه. قوله: "فليقعد" يحتمل أن يكون أمرا بالقعود عن القيام فيستدل به على جواز افتتاح الصلاة قائما والقعود في أثنائها، وقد تقدم نقل الخلاف فيه. ويحتمل أن يكون أمرا بالقعود عن الصلاة أي بترك ما كان عزم عليه من التنفل، ويمكن أن يستدل به على جواز قطع النافلة بعد الدخول فيها، وقد تقدم في "باب الوضوء من النوم" في كتاب الطهارة حديث: "إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ" وهو من حديث أنس أيضا، ولعله طرف من هذه القصة. وفيه حديث عائشة أيضا: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي

(3/36)


فليرقد حتى يذهب عنه النوم" وفيه: "لئلا يستغفر فيسب نفسه وهو لا يشعر" هذا أو معناه، ويجيء من الاحتمال ما تقدم في حديث الباب.وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها، والأمر بالإقبال عليها بنشاط.وفيه إزالة المنكر باليد واللسان.وجواز تنفل النساء في المسجد.واستدل به على كراهة التعلق في الحبل في الصلاة، وسيأتي ما فيه في "باب استعانة اليد في الصلاة" بعد الفراغ من أبواب التطوع. قوله: "وقال عبد الله بن مسلمة" يعني القعنبي كذا للأكثر. وفي رواية الحموي والمستملي: "حدثنا عبد الله" وكذا رويناه في الموطأ رواية القعنبي، قال ابن عبد البر: تفرد القعنبي بروايته عن مالك في الموطأ دون بقية رواته فإنهم اقتصروا منه على طرف مختصر. قوله: "تذكر" للمستملي بفتح أوله بلفظ المضارع المؤنث، وللحموي بضمه على البناء للمفعول بالتذكير، وللكشميهني: "فذكر" بفاء وضم المعجمة وكسر الكاف، ولكل وجه. وعلى الأول يكون ذلك قول عروة أو من دونه، وعلى الثاني والثالث يحتمل أن يكون من كلام عائشة، وهو على كل حال تفسير لقولها "لا تنام الليل" ووصفها بذلك خرج مخرج الغالب، وسئل الشافعي عن قيام جميع الليل فقال: لا أكرهه إلا لمن خشي أن يضر بصلاة الصبح. وفي قوله صلى الله عليه وسلم في جواب ذلك "مه" إشارة إلى كراهة ذلك خشية الفتور والملال على فاعله لئلا ينقطع عن عبادة التزمها فيكون رجوعا عما بذل لربه من نفسه. وقوله: "عليكم ما تطيقون من الأعمال" هو عام في الصلاة وفي غيرها. ووقع في الرواية المتقدمة في الإيمان بدون قوله: "من الأعمال" فحمله الباجي وغيره على الصلاة خاصة، لأن الحديث ورد فيها، وحمله على جميع العبادات أولى. وقد تقدمت بقية فوائد حديث عائشة والكلام على قوله: "إن الله لا يمل حتى تملوا" في باب "أحب الدين إلى الله أدومه" من كتاب الإيمان. ومما يلحق هنا أني وجدت بعض ما ذكر هناك من تأويل الحديث احتمالا في بعض طرق الحديث وهو قوله: "إن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل" أخرجه الطبري في تفسير سورة المزمل، وفي بعض طرقه ما يدل على أن ذلك مدرج من قول بعض رواة الحديث والله أعلم.

(3/37)


19 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ
1152 - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ الأَوْزَاعِيِّ - و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ" وَقَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْعِشْرِينَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ مِثْلَهُ وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ الأَوْزَاعِيِّ.
قوله: "باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه" أي إذا أشعر ذلك بالإعراض عن العبادة. قوله: "حدثنا عباس بن حسين" هو بموحدة ومهملة بغدادي يقال له القنطري أخرجه عنه البخاري هنا وفي الجهاد فقط. ومبشر بوزن مؤذن من البشارة، وعبد الله المذكور في الإسناد الثاني هو ابن المبارك، وقد صرح في سياقه بالتحديث في جميع الإسناد فأمن تدليس الأوزاعي وشيخه. قوله: "مثل فلان" لم أقف على تسميته في شيء من

(3/37)


الطرق، وكأن إبهام مثل هذا لقصد السترة عليه كالذي تقدم قريبا في الذي نام حتى أصبح، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد شخصا معينا، وإنما أراد تنفير عبد الله بن عمرو من الصنيع المذكور. قوله: "من الليل" أي بعض الليل وسقط لفظ: "من" من رواية الأكثر وهي مرادة. قال ابن العربي: في هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب، إذ لو كان واجبا لم يكتف لتاركه بهذا القدر بل كان يذمه أبلغ الذم. وقال ابن حيان: فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه. وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبة، وما أحسن ما عقب المصنف هذه الترجمة بالتي قبلها لأن الحاصل منهما الترغيب في ملازمة العبادة والطريق الموصل إلى ذلك الاقتصاد فيها، لأن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها وهو مذموم. قوله: "وقال هشام" هو ابن عمار، وابن أبي العشرين بلفظ العدد وهو عبد الحميد بن حبيب كاتب الأوزاعي، وأراد المصنف بإيراد هذا التعليق التنبيه على أن عمر بن الحكم أي ابن ثوبان بين يحيى وأبي سلمة من المزيد في متصل الأسانيد، لأن يحيى قد صرح بسماعه من أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يصرح بالتحديث، ورواية هشام المذكورة وصلها الإسماعيلي وغيره. قوله: "بهذا" في رواية كريمة والأصيلي مثله. قوله: "وتابعه عمرو بن أبي سلمة" أي تابع ابن أبي العشرين على زيادة عمر بن الحكم، ورواية عمر المذكورة وصلها مسلم عن أحمد بن يونس عنه، وظاهر صنيع البخاري ترجيح رواية يحيى عن أبي سلمة بغير واسطة، وظاهر صنيع مسلم يخالفه لأنه اقتصر على الرواية الزائدة، والراجح عند أبي حاتم والدارقطني وغيرهما صنيع البخاري، وقد تابع كلا من الروايتين جماعة من أصحاب الأوزاعي فالاختلاف منه، وكأنه كان يحدث به على الوجهين فيحمل على أن يحيى حمله عن أبي سلمة بواسطة ثم لقيه فحدثه به فكان يرويه عنه على الوجهين والله أعلم.

(3/38)


20 – باب
1153 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ" لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ قُلْتُ إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ حَقًّا فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ"
قوله: "باب" كذا في الأصل بغير ترجمة، وهو كالفصل من الذي قبله وتعلقه به ظاهر، وكأنه أومأ إلى أن المتن الذي قبله طرف من قصة عبد الله بن عمرو في مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم له في قيام الليل وصيام النهار. قوله: "عن عمرو عن أبي العباس" في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان "حدثنا عمرو سمعت أبا العباس" وعمرو هو ابن دينار، وأبو العباس هو السائب بن فروخ ويعرف بالشاعر. قوله: "ألم أخبر" فيه أن الحكم لا ينبغي إلا بعد التثبت، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكتف بما نقل له عن عبد الله حتى لقيه واستثبته فيه، لاحتمال أن يكون قال ذلك بغير عزم. أو عقله بشرط لم يطلع عليه لناقل ونحو ذلك. قوله: "هجمت عينك" بفتح الجيم أي غارت أو ضعفت لكثرة السهر. قوله: "نفهت" بنون ثم فاء مكسورة أي كلت، وحكى الإسماعيلي أن أبا يعلى رواه له "تفهت" بالتاء بدل النون واستضعفه. قوله: "وإن لنفسك عليك حقا" أي تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشرية مما أباحه الله للإنسان من الأكل والشرب والراحة التي يقوم بها بدنه ليكون أعون على عبادة ربه، ومن حقوق النفس قطعها عما سوى

(3/38)


الله تعالى، لكن ذلك يختص بالتعلقات القلبية. قوله: "ولأهلك عليك حقا" أي تنظر لهم فيما لا بد لهم منه من أمور الدنيا والآخرة، والمراد بالأهل الزوجة أو أعم من ذلك ممن تلزمه نفقته. وسيأتي بيان سبب ذكر ذلك له في الصيام.
" تنبيه ": قوله: "حقا" في الموضعين للأكثر بالنصب على أنه اسم إن وفي رواية كريمة بالرفع فيهما على أنه الخبر والاسم ضمير الشأن. قوله: "فصم" أي فإذا عرفت ذلك فصم تارة "وأفطر" تارة لتجمع بين المصلحتين. وفيه إيماء إلى ما تقدم في أوائل أبواب التهجد أنه ذكر له صوم داود، وقد تقدم الكلام على قوله: "قم ونم" وسيأتي في الصيام فيه زيادة من وجه آخر نحو قوله: "وإن لعينك عليك حقا" وفي رواية: "فإن لزورك عليك حقا" أي للضيف. وفي الحديث جواز تحدث المرء بما عزم عليه من فعل الخير، وتفقد الإمام لأمور رعيته كلياتها وجزئياتها، وتعليمهم ما يصلحهم. وفيه تعليل الحكم لمن فيه أهلية ذلك، وأن الأولى في العبادة تقديم الواجبات على المندوبات، وأن من تكلف الزيادة علي ما طبع عليه يقع له الخلل في الغالب. وفيه الحض على ملازمة العبادة لأنه صلى الله عليه وسلم مع كراهته له التشديد على نفسه حضه على الاقتصاد كأنه قال له ولا يمنعك اشتغالك بحقوق من ذكر أن تضيع حق العبادة وتترك المندوب جملة، ولكن أجمع بينهما.

(3/39)


21 - باب فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى
1154 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ"
1155 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَقُصُّ فِي قَصَصِهِ وَهُوَ يَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَخًا لَكُمْ لاَ يَقُولُ الرَّفَثَ يَعْنِي بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ:
وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنْ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ
تَابَعَهُ عُقَيْلٌ وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدٍ وَالأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
[الحديث 1155 – طرفه في 6151]
1156 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ فَكَأَنِّي لاَ أُرِيدُ مَكَانًا مِنْ الْجَنَّةِ إِلاَّ طَارَتْ إِلَيْهِ

(3/39)


وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ لَمْ تُرَعْ خَلِّيَا عَنْهُ"
1157 - فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى رُؤْيَايَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ" فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ
1158 – "وَكَانُوا لاَ يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ"
[الحديث 1158 – طرافاه في 6991,2015]
قوله: "باب فضل من تعار من الليل فصلى" عار بمهملة وراء مشددة. قال في المحكم: تعار الظليم معارة صاح، والتعار أيضا السهر والتمطي والتقلب على الفراش ليلا مع كلام. وقال ثعلب: اختلف في تعار فقيل: انتبه، وقيل تكلم، وقيل علم، وقيل تمطى وأن انتهى. وقال الأكثر: التعار اليقظة مع صوت. وقال ابن التين: ظاهر الحديث أن معنى تعار استيقظ لأنه قال: "من تعار فقال: "فعطف القول على التعار انتهى. ويحتمل أن تكون الفاء تفسيرية لما صوت به المستيقظ، لأنه قد يصوت بغير ذكر، فخص الفضل المذكور بمن صوت بما ذكر من ذكر الله تعالى، وهذا هو السر في اختيار لفظ تعار دون استيقظ أو انتبه، وإنما يتفق ذلك لمن تعود الذكر واستأنس به وغلب عليه حتى صار حديث نفسه في نومه ويقظته، فأكرم من اتصف بذلك بإجابة دعوته وقبول صلاته. قوله: "حدثنا صدقة" هو ابن الفضل المروزي، وجميع الإسناد كله شاميون، وجنادة بضم الجيم وتخفيف النون مختلف في صحبته. قوله: "عن الأوزاعي قال حدثنا عمير بن هانئ" كذا لمعظم الرواة عن الوليد بن مسلم، وأخرجه الطبراني في الدعاء من رواية صفوان بن صالح عن الوليد عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن عمير بن هانئ، وأخرجه الطبراني فيه أيضا عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي -وهو الحافظ الذي يقال له دحيم- عن أبيه عن الوليد مقرونا برواية صفوان بن صالح، وما أظنه إلا وهما فإنه أخرجه في المعجم الكبير عن إبراهيم عن أبيه عن الوليد عن الأوزاعي كالجادة، وكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه وجعفر الفريابي في الذكر عن دحيم، وكذا أخرجه ابن حبان عن عبد الله بن سليم عن دحيم، ورواية صفوان شاذة فإن كان حفظها عن الوليد احتمل أن يكون عند الوليد فيه شيخان، ويؤيده ما في آخر الحديث من اختلاف اللفظ حيث جاء في جميع الروايات عن الأوزاعي فإنه قال: "اللهم اغفر لي إلخ" ووقع في هذه الرواية: "كان من خطاياه كيوم ولدته أمه" ولم يذكر رب اغفر لي ولا دعاء. وقال في أوله "ما من عبد يتعارض من الليل" بدل قوله: "من تعار" لكن تخالف اللفظ في هذه أخف من التي قبلها. قوله: "له الملك وله الحمد" زاد علي بن المديني عن الوليد "يحيي ويميت" أخرجه أبو نعيم في ترجمة عمير بن هانئ من "الحلية" من وجهين عنه. قوله: "الحمد لله وسبحان الله" زاد في رواية كريمة: "ولا إله إلا الله" وكذا عند الإسماعيلي والنسائي والترمذي وابن ماجه وأبي نعيم في الحلية، ولم تختلف الروايات في البخاري على تقديم الحمد على التسبيح، لكن عند الإسماعيلي بالعكس، والظاهر أنه من تصرف الرواة لأن الواو لا تستلزم الترتيب.

(3/40)


قوله: "ولا حول ولا قوة إلا بالله" زاد النسائي وابن ماجه وابن السني "العلي العظيم".قوله: "ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا" كذا فيه بالشك ويحتمل أن تكون للتنويع، ويؤيد الأول ما عند الإسماعيلي بلفظ: "ثم قال: رب اغفر لي، غفر له. أو قال: فدعا استجيب له" شك الوليد، وكذا عند أبي داود وابن ماجه بلفظ: "غفر له" قال الوليد: "أو قال دعا استجيب له" وفي رواية علي بن المديني "ثم قال: رب اغفر لي، أو قال: ثم دعا" واقتصر في رواية النسائي على الشق الأول. قوله: "استجيب" زاد الأصيلي: "له" وكذا في الروايات الأخرى. قوله: "فإن توضأ قبلت" أي إن صلى. وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت "فإن توضأ وصلى" وكذا عند الإسماعيلي وزاد في أوله "فإن هو عزم فقام وتوضأ وصلى" وكذا في رواية علي بن المديني. قال ابن بطال: وعد الله على لسان نبيه أن من استيقظ من نومه لهجا لسانه بتوحيد ربه والإذعان له بالملك والاعتراف بنعمة يحمده عليها وينزهه عما لا يليق به تسبيحه والخضوع له بالتكبير والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به ويخلص نيته لربه سبحانه وتعالى. قوله: "قبلت صلاته" قال ابن المنير في الحاشية: وجه ترجمة البخاري بفضل الصلاة، وليس في الحديث إلا القبول، وهو من لوازم الصحة سواء كانت فاضلة أم مفضولة لأن القبول في هذا الموطن أرجى منه في غيره، ولولا ذلك لم يكن في الكلام فائدة، فلأجل قرب الرجاء فيه من اليقين تميز على غيره وثبت له الفضل انتهى. والذي يظهر أن المراد بالقبول هنا قدر زائد على الصحة، ومن ثم قال الداودي ما محصله: من قبل الله له حسنة لم يعذبه1 لأنه يعلم عواقب الأمور فلا يقبل شيئا ثم يحبطه، وإذا أمن الإحباط أمن التعذيب، ولهذا قال الحسن: وددت أني أعلم أن الله قبل لي سجدة واحدة. "فائدة": قال أبو عبد الله الفربري الراوي عن البخاري: أجريت هذا الذكر على لساني عند انتباهي ثم نمت فأتاني آت فقرأ: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} الآية. قوله: "الهيثم" بفتح الهاء وسكون التحتانية بعدها مثلثة مفتوحة، وسنان بكسر المهملة ونونين الأولى خفيفة. قوله: "أنه سمع أبا هريرة وهو يقص في قصصه" أي مواعظه التي كان أبو هريرة يذكر أصحابه بها. قوله: "وهو يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخا لكم" معناه أن أبا هريرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستطرد إلى حكاية ما قيل في وصفه فذكر كلام عبد الله بن رواحة بما وصف به من هذه الأبيات. قوله: "إن أخا لكم" هو المسموع للهيثم، والرفث الباطل أو الفحش من القول، والقائل يعني هو الهيثم، ويحتمل أن يكون الزهري. قوله: "إذا انشق" كذا للأكثر وفي رواية أبي الوقت "كما انشق" والمعنى مختلف وكلاهما واضح. قوله: "من الفجر" بيان للمعروف الساطع، يقال الساطع إذا ارتفع. قوله: "العمى" أي الضلالة. قوله: "يجافي جنبه" أي يرفعه عن الفراش، وهو كناية عن صلاته بالليل، وفي هذا البيت الأخير معنى الترجمة لأن التعار هو السهر والتقلب على الفراش كما تقدم، وكأن الشاعر أشار إلى قوله تعالى في صفة المؤمنين: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} الآية. "فائدة": وقعت لعبد الله بن رواحة في هذه الأبيات قصة أخرجها الدارقطني من طريق سلمة بن وهران عن عكرمة قال: كان عبد الله بن رواحة في مضطجعا إلى جنب امرأته، فقام إلى جاريته فذكر القصة في رؤيتها إياه على الجارية وجحده ذلك والتماسها منه القراءة لأن الجنب
ـــــــ
1 فيما قاله الداودي نظر, وظاهر النصوص يخالفه, ولا يلزم من قبول بعض الأعمال عدم التعذيب على أعمال أخرى من السيئات مات العبد مصرا عليها, فتنبه. والله أعلم.

(3/41)


لا يقرأ، فقال هذه الأبيات، فقالت: آمنت بالله وكذبت بصري، فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه. قال ابن بطال: إن قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أخا لكم لا يقول الرفث" فيه أن حسن الشعر محمود كحسن الكلام انتهى. وليس في سياق الحديث ما يفصح بأن ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم، بل هو ظاهر في أنه من كلام أبي هريرة، وبيان ذلك سيأتي في سياق رواية الزبيدي المعلقة. وسيأتي بقية ما يتعلق بالشعر في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى. قوله: "تابعه عقيل" أي عن ابن شهاب، فالضمير ليونس، ورواية عقيل هذه أخرجها الطبراني في الكبير من طريق سلامة بن روح عن عمه عقيل بن خالد عن ابن شهاب فذكر مثل رواية يونس. قوله: "وقال الزبيدي إلخ" فيه إشارة إلى أنه اختلف عن الزهري في هذا الإسناد، فاتفق يونس وعقيل على أن شيخه فيه الهيثم، وخالفهما الزبيدي فأبدله بسعيد أي ابن المسيب والأعرج أي عبد الرحمن بن هرمز، ولا يبعد أن يكون الطريقان صحيحين فإنهم حفاظ أثبات، والزهري صاحب حديث مكثر، ولكن ظاهر صنيع البخاري ترجيح رواية يونس لمتابعة عقيل له، بخلاف الزبيدي ورواية الزبيدي هذه المعلقة وصلها البخاري في التاريخ الصغير والطبراني في الكبير أيضا من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عنه ولفظه: "أن أبا هريرة كان يقول في قصصه : إن أخا لكم كان يقول شعرا ليس بالرفث" وهو عبد الله بن رواحة فذكر الأبيات، وهو يبين أن قوله في الرواية الأولى من كلام أبي هريرة موقوفا بخلاف ما جزم به ابن بطال والله أعلم. قوله: "حدثنا أبو النعمان" هو السدوسي. قوله: "إلا طارت إليه" سيأتي في التعبير بلفظ إلا طارت بي إليه ويأتي بقية فوائده هناك إن شاء الله تعالى. وقد تقدم في أوائل أبواب التهجد من وجه آخر عن ابن عمر دون القصة الأولى. قوله: "وكان عبد الله" أي ابن عمر "يصلي من الليل" هو كلام نافع، وقد تقدم نحوه عن سالم. قوله: "وكانوا" أي الصحابة. و قوله: "أنها" أي ليلة القدر. قوله: "فليتحرها في العشر الأواخر " كذا للكشميهني، ولغيره: "من العشر الأواخر" وسيأتي الكلام عليه مستوفى في أواخر الصيام.
" تنبيه ": أغفل المزي في الأطراف هذا الحديث المتعلق بليلة القدر فلم يذكره في ترجمة أيوب عن نافع عن ابن عمر، وهو وارد عليه. وبالله التوفيق.

(3/42)


22- باب الْمُدَاوَمَةِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ
1159 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسًا وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا"
قوله: "باب المداومة على ركعتي الفجر" أي سفرا وحضرا. قوله: "حدثنا عبد الله بن يزيد" هو المقري قوله: "عن عراك بن مالك عن أبي سلمة" خالفه الليث عن يزيد بن أبي حبيب فرواه عن جعفر بن ربيعة عن أبي سلمة لم يذكر بينهما أحدا. أخرجه أحمد والنسائي، وكأن جعفرا أخذه عن أبي سلمة بواسطة ثم حمله عنه. وليزيد فيه إسناد آخر رواه عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة أخرجه مسلم، وكأن لعراك فيه شيخين، والله أعلم. قوله: "وصلى" في رواية الكشميهني: "ثم صلى" وليس فيه ذكر الوتر، وهو في رواية الليث ولفظه: "كان يصلي

(3/42)


بثلاث عشرة ركعة تسعا قائما وركعتين وهو جالس". قوله: "وركعتين بين النداءين" أي بين الأذان والإقامة. وفي رواية الليث "ثم يمهل حتى يؤذن بالأولى من الصبح فيركع ركعتين"، ولمسلم من رواية يحيي بن أبي كثير عن أبي سلمة "يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح". قوله: "ولم يكن يدعهما أبدا" استدل به لمن قال بالوجوب، وهو منقول عن الحسن البصري أخرجه ابن أبي شيبة عنه بلفظ: "كان الحسن يرى الركعتين قبل الفجر واجبتين" والمراد بالفجر هنا صلاة الصبح. ونقل المرغيناني مثله عن أبي حنيفة. وفي جامع المحبوبي عن الحسن ابن زياد عن أبي حنيفة "لو صلاهما قاعدا من غير عذر لم يجز" واستدل به بعض الشافعية للقديم في أن ركعتي الفجر أفضل التطوعات. وقال الشافعي في الجديد: أفضلها الوتر. وقال بعض أصحابه: أفضلها صلاة الليل لما تقدم ذكره في أول أبواب التهجد من حديث أبي هريرة عند مسلم.
" تنبيه ": قوله: "أبدا" تقرر في كتب العربية أنها تستعمل للمستقبل. وأما الماضي فيؤكد بقط. ويجاب عن الحديث المذكور بأنها ذكرت على سبيل المبالغة إجراء للماضي مجرى المستقبل كأن ذلك دأبه لا يتركه.

(3/43)


23 - باب الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ
1160 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ"
قوله: "باب الضجعة" بكسر الضاد المعجمة لأن المراد الهيئة، وبفتحها على إرادة المرة. قوله: "أبو الأسود" هو النوفلي يتيم عروة. قوله: "على شقه الأيمن" قيل الحكمة فيه أن القلب في جهة اليسار فلو اضطجع عليه لاستغرق نوما لكونه أبلغ في الراحة، بخلاف اليمين فيكون القلب معلقا فلا يستغرق. وفيه أن الاضطجاع إنما يتم إذا كان على الشق الأيمن، وأما إنكار ابن مسعود الاضطجاع، وقول إبراهيم النخعي هي ضجعة الشيطان كما أخرجهما ابن أبي شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهما الأمر بفعله، وكلام ابن مسعود يدل على أنه إنما أنكر تحتمه فإنه قال في آخر كلامه: إذا سلم فقد فصل، وكذا ما حكى عن ابن عمر أنه بدعة فإنه شذ بذلك حتى روي عنه أنه أمر بحصب من اضطجع كما تقدم. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان لا يعجبه الاضطجاع، وأرجح الأقوال مشروعيته للفصل لكن لا بعينه كما تقدم. والله أعلم.

(3/43)


24 - باب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ
1161 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلاَ اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلاَةِ"
قوله: "باب من تحدث بعد الركعتين ولم يضطجع" أشار بهذه الترجمة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم عليها، وبذلك احتج الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره على الاستحباب، وفائدة ذلك الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للتهجد وبه جزم ابن العربي، ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق أن عائشة كانت تقول "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأب

(3/43)


26 (1)- باب الْحَدِيثِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ
1168 – حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال أبو النضر حدثني عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين, فإن كنت مستيقضة حدثني, وإلا اضطجع" قلت لسفيان: فإن
ـــــــ
1 الباب رقم 25 وأحاديثه الستة بأرقام 1167,1166,1165,1164,1163,1162تأتي في ص 48-49 بعد الانتهاء من شرح الحديث رقم 1171 وسينبه الشارح على ذلك هناك.

(3/44)


بعضهم يرويه ركعتي الفجر, قال سفيان: هو ذاك
قوله: "باب الحديث بعد ركعتي الفجر" أعاد فيه الحديث المذكور ولفظه: "كان يصلي ركعتين" وفي آخره: قلت لسفيان فإن بعضهم يرويه "ركعتي الفجر" قال سفيان: هو ذاك. والقائل "قلت لسفيان" هو علي بن المديني شيخ البخاري فيه، ومراده بقوله: "بعضهم" مالك كذا أخرجه الدارقطني من طريق بشر بن عمر عن مالك أنه سأله عن الرجل يتكلم بعد طلوع الفجر فحدثني عن سالم فذكره، وقد أخرجه ابن خزيمة عن سعيد بن عبد الرحمن المحزومي عن ابن عيينة بلفظ: "كان يصلي ركعتي الفجر" واستدل به على جواز الكلام بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح خلافا لمن كره ذلك، وقد نقله ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ولا يثبت عنه وأخرجه صحيحا عن إبراهيم وأبي الشعثاء وغيرهما. "تنبيه": وقع هنا في بعض النسخ عن سفيان "قال سالم أبو النضر حدثني أبي" وقوله: "أبي" زيادة لا أصل لها: بل هي غلط محض حمل عليها تقديم الاسم على الصفة فظن بعض من لا خبرة له أن فاعل حدثني راو غير سالم فزاد في السند لفظ أبي، وقد تقدم الحديث بهذا السند قريبا عن بشر بن الحكم عن سفيان عن أبي النضر عن أبي سلمة ليس بينهما أحد، وكذا في الذي قبله من رواية مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة، وقد أخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان حدثنا أبو النضر عن أبي سلمة، وليس لوالد أبي النضر مع ذلك رواية أصلا لا في الصحيح ولا في غيره فمن زادها فقد أخطأ. وبالله التوفيق.

(3/45)


27 - باب تَعَاهُدِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَمَنْ سَمَّاهُمَا تَطَوُّعًا
1169 - حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ"
قوله: "باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما" في رواية الحموي والمستملي: "ومن سماها" أي سنة الفجر.
قوله: "تطوعا" أورد في الباب بلفظ النوافل، وأشار بلفظ التطوع إلى ما ورد في بعض طرقه، ففي رواية أبي عاصم عن ابن جريج عند البيهقي "قلت لعطاء أواجبة ركعتا الفجر أو هي من التطوع؟ فقال: حدثني عبيد بن عمير" فذكر الحديث. وجاء عن عائشة أيضا تسميتها تطوعا من وجه آخر، فعند مسلم من طريق عبد الله بن شقيق "سألت عائشة عن تطوع النبي صلى الله عليه وسلم: "فذكر الحديث وفيه: "وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين". الحديث: قوله: "بيان" بفتح الموحدة والتحتانية الخفيفة. ويحيى بن سعيد هو القطان. قوله: "عن عطاء" في رواية مسلم عن زهير بن حرب عن يحيي عن ابن جريج" حدثني عطاء". قوله: "عن عبيد بن عمير" في رواية ابن خزيمة عن يحيي بن حكيم عن يحيي بن سعيد بسنده "أخبرني عبيد بن عمير". قوله: "أشد تعاهدا" في رواية ابن خزيمة: "أشد معاهدة" ولمسلم من طريق حفص عن ابن جريج "ما رأيته إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر" زاد ابن خزيمة من هذا الوجه "ولا إلى غنيمة".

(3/45)


28 - باب مَا يُقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ
1170 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ

(3/45)


25 - باب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى
وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَأَنَسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ مَا أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ أَرْضِنَا إِلاَّ يُسَلِّمُونَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنْ النَّهَارِ
1162 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَمُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وآجلة فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ"
[الحديث 1162طرفاه في 7390,6382]
1163 - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الْأنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ"
1164- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ:أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ انْصَرَفَ".
1165 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ"

(3/48)


1166 - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَخْطُبُ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ أَوْ قَدْ خَرَجَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ"
1167 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: "أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ قَالَ فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَرَجَ وَأَجِدُ بِلاَلًا عِنْدَ الْبَابِ قَائِمًا فَقُلْتُ: يَا بِلاَلُ أَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَعْبَةِ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: فَأَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ هَاتَيْنِ الأُسْطُوَانَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ"
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَوْصَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَكْعَتَيْ الضُّحَى وَقَالَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ: "غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ مَا امْتَدَّ النَّهَارُ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ"
قوله: "باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى" أي في صلاة الليل والنهار، قال ابن رشيد: مقصوده أن يبين بالأحاديث والآثار التي أوردها أن المراد بقوله في الحديث: "مثنى مثنى" أن يسلم من كل ثنتين.
قوله: "قال محمد" هو المصنف. قوله: "ويذكر ذلك عن عمار وأبي ذر وأنس وجابر بن زيد وعكرمة والزهري" أما عمار فكأنه أشار إلى ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عمار بن ياسر "أنه دخل المسجد فصلى ركعتين خفيفتين" إسناده حسن. وأما أبو ذر فكأنه أشار إلى ما رواه ابن أبي شيبة أيضا من طريق مالك بن أوس عن أبي ذر "أنه دخل المسجد فأتى سارية وصلى عندها ركعتين". وأما أنس فكأنه أشار إلى حديثه المشهور في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بهم في بيتهم ركعتين وقد تقدم في الصفوف، وذكره في هذا الباب مختصرا. وأما جابر بن زيد وهو أبو الشعثاء البصري فلم أقف عليه بعد، وأما عكرمة فروى ابن أبي شيبة عن حرمي بن عمارة عن أبي خلدة قال: "رأيت عكرمة دخل المسجد فصلى فيه ركعتين" وأما الزهري فلم أقف على ذلك عنه موصولا. قوله: "وقال يحيى بن سعيد الأنصاري إلخ" لم أقف عليه موصولا أيضا. قوله: "فقهاء أرضنا" أي المدينة، وقد أدرك كبار التابعين بها كسعيد بن المسيب، ولحق قليلا من صغار الصحابة كأنس بن مالك ثم أورد المصنف في الباب ثمانية أحاديث مرفوعة ستة منها موصولة واثنان معلقان:. أولهما حديث جابر في صلاة الاستخارة سيأتي الكلام عليه في الدعوات. ثانيها حديث أبي قتادة في تحية المسجد وقد تقدم الكلام عليه في أوائل الصلاة. ثالثها حديث أنس في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سليم وقد تقدم في الصفوف. رابعها حديث ابن عمر في رواتب الفرائض وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه. خامسها حديث جابر في صلاة التحية والإمام يخطب وسبق الكلام عليه في كتاب الجمعة. سادسها حديث ابن عمر عن بلال في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة وقد تقدم في أبواب القبلة وسيأتي الكلام عليه في الحج، سابعها قوله: "وقال أبو هريرة أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم بركعتي الضحى" هذا طرف من حديث سيأتي في كتاب الصيام بتمامه، ثامنها قوله: "وقال عتبان بن مالك" هو طرف من حديث تقدم في مواضع مطولا ومختصرا: منها في "باب المساجد في البيوت" وسيأتي قريبا في "باب صلاة النوافل جماعة". ومراد المصنف بهذه الأحاديث الرد على من زعم أن التطوع في النهار يكون أربعا موصولة، واختار الجمهور التسليم من كل ركعتين في صلاة الليل

(3/49)


والنهار. وقال أبو حنيفة وصاحباه: يخير في صلاة النهار بين الثنتين والأربع وكرهوا الزيادة على ذلك، وقد تقدم في أوائل أبواب الوتر حكاية استدلال من استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى" على أن صلاة النهار بخلاف ذلك. وقال ابن المنير في الحاشية: إنما خص الليل بذلك لأن فيه الوتر فلا يقاس على الوتر غيره فيتنفل المصلي بالليل أوتارا، فبين أن الوتر لا يعاد وأن بقية صلاة الليل مثني، وإذا ظهرت فائدة تخصيص الليل صار حاصل الكلام صلاة النافلة سوى الوتر مثنى فيعم الليل والنهار. والله أعلم.
" خاتمة ": اشتملت أبواب التهجد وما انضم إليها على ستة وستين حديثا، المعلق اثنا عشر حديثا، والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة وأربعون حديثا، والخالص ثلاثة وعشرون وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة في صلاة الليل سبع وتسع وإحدى عشرة، وحديث أنس كان يفطر حتى نظن أن لا يصوم وحديث سمرة في الرؤيا، وحديث سلمان وأبي الدرداء، وحديث عبادة "من تعار من الليل" وحديث أبي هريرة في شعر ابن رواحة، وحديث جابر في الاستخارة. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرة آثار. والله أعلم.

(3/50)


29 - باب التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ
1172 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ" قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي أَهْلِهِ تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَأَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ
1173 - وَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي حَفْصَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَكَانَتْ سَاعَةً لاَ أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ "بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي أَهْلِهِ"
"أبواب التطوع" لم يفرد المصنف هذه الترجمة فيما وقفت عليه من الأصول قوله: "باب التطوع بعد المكتوبة" ترجم أولا بما بعد المكتوبة ثم ترجم بعد ذلك بما قبل المكتوبة. قوله: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم سجدتين" أي ركعتين، والمراد بقوله: "مع" التبعية أي أنهما اشتركا في كون كل منهما صلاة إلا التجميع فلا حجة فيه لمن قال يجمع في رواتب الفرائض، وسيأتي بعد أربعة أبواب من رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: "حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات" فذكرها. قوله: "قبل الظهر" سيأتي الكلام عليه بعد أربعة أبواب. قوله: "فأما المغرب والعشاء ففي بيته" استدل به على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد بخلاف رواتب النهار، وحكى ذلك عن مالك والثوري، وفي الاستدلال به لذلك نظر، والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد وإنما كان صلى الله عليه وسلم يتشاغل بالناس في النهار غالبا وبالليل يكون في بيته غالبا، وتقدم في الجمعة من طريق مالك عن نافع بلفظ: "وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف" والحكمة في ذلك أنه كان يبادر إلى الجمعة ثم ينصرف إلى القائلة،

(3/50)


بخلاف الظهر فإنه كان يبرد بها وكان يقيل قبلها، وأغرب ابن أبي ليلى فقال: لا تجزئ سنة المغرب في المسجد حكاه عبد الله بن أحمد عنه عقب روايته لحديث محمود بن لبيد رفعه: "إن الركعتين بعد المغرب من صلاة البيوت" وقال إنه حكى ذلك لأبيه عن ابن أبي ليلى فاستحسنه. قوله: "وحدثتني أختي حفصة" أي بنت عمر، وقائل ذلك هو عبد الله بن عمر. قوله: "سجدتين" في رواية الكشميهني: "ركعتين". قوله: "وكانت ساعة" قائل ذلك هو ابن عمر، وسيأتي من رواية أيوب بلفظ: "ركعتين قبل صلاة الصبح وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وحدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين" وهذا يدل على أنه إنما أخذ عن حفصة وقت إيقاع الركعتين قبل الصبح لا أصل مشروعيتهما، وقد تقدم في أواخر الجمعة من رواية مالك عن نافع وليس فيه ذكر الركعتين اللتين قبل الصبح أصلا. قوله: "وقال ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن نافع" أي عن ابن عمر "بعد العشاء في أهله" أي بدل قوله في "بيته". قوله: "تابعه كثير بن فرقد وأيوب عن نافع" أما رواية كثير فلم تقع لي موصولة، وأما رواية أيوب فتقدمت الإشارة إليها قريبا، وفيه حجة لمن ذهب إلى أن للفرائض رواتب تستحب المواظبة عليها وهو قول الجمهور، وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا توقيت في ذلك حماية للفرائض، لكن لا يمنع من تطوع بما شاء إذا أمن ذلك، وذهب العراقيون من أصحابه إلى موافقة الجمهور.

(3/51)


30 - باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ
1174 - حدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا سفيان عن عمرو قال سمعت أبا الشعثاء جابرا قال سمعت بن عباس رضي الله عنهما قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانيا جميعا وسبعا جميعا" قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وعجل العشاء وأخر المغرب قال وأنا أظنه
قوله: "باب من لم يتطوع بعد المكتوبة" أورد فيه حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين، وقد تقدم الكلام عليه في المواقيت، ومطابقته للترجمة أن الجمع يقتضي عدم التخلل بين الصلاتين بصلاة راتبة أو غيرها فيدل على ترك التطوع بعد الأولى وهو المراد، وأما التطوع بعد الثانية فمسكوت عنه، وكذا التطوع قبل الأولى محتمل.

(3/51)


31 - باب صَلاَةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ
1175 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ تَوْبَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ قَالَ "قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَتُصَلِّي الضُّحَى قَالَ لاَ قُلْتُ فَعُمَرُ قَالَ لاَ قُلْتُ فَأَبُو بَكْرٍ قَالَ لاَ قُلْتُ فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ إِخَالُهُ"
1176 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ فَإِنَّهَا قَالَتْ "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فَلَمْ أَرَ صَلاَةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ"

(3/51)


32 - باب مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ وَاسِعًا
1177 - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى وَإِنِّي لاَسَبِّحُهَا"
قوله: "باب من لم يصل الضحى ورآه" أي الترك "واسعا" أي مباحا. قوله: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح سبحة الضحى" تقدم أن المراد بقوله السبحة النافلة، وأصلها من التسبيح، وخصت النافلة بذلك لأن التسبيح الذي

(3/55)


في الفريضة نافلة فقيل لصلاة النافلة سبحة لأنها كالتسبيح في الفريضة. قوله: "وإني لأسبحها" كذا هنا من السبحة، وتقدم في "باب التحريض على قيام الليل" بلفظ: "وإني لأستحبها" من الاستحباب، وهو من رواية مالك عن ابن شهاب ولكل منهما وجه، لكن الأول يقتضي الفعل والثاني لا يستلزمه، وجاء عن عائشة في ذلك أشياء مختلفة أوردها مسلم: فعنده من طريق عبد الله بن شقيق "قلت لعائشة: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه"، وعنده من طريق معاذة عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله" ففي الأول نفي رؤيتها لذلك مطلقا، وفي الثاني تقييد النفي بغير المجيء من مغيبه، وفي الثالث الإثبات مطلقا. وقد اختلف العلماء في: ذلك: فذهب ابن عبد البر وجماعة إلى ترجيح ما اتفق الشيخان عليه دون ما انفرد به مسلم وقالوا: إن عدم رؤيتها لذلك لا يستلزم عدم الوقوع، فيقدم من روي عنه من الصحابة الإثبات، وذهب آخرون إلى الجمع بينهما. قال البيهقي: عندي أن المراد بقولها "ما رأيته سبحها" أي داوم عليها. وقولها "وإني لأسبحها" أي أداوم عليها، وكذا قولها "وما أحدث الناس شيئا" تعني المداومة عليها. قال: وفي بقية الحديث - أي الذي تقدم من رواية مالك - إشارة إلى ذلك حيث قالت: "وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم" انتهى. وحكى المحب الطبري أنه جمع بين قولها "ما كان يصلي إلا أن يجيء من مغيبه" وقولها "كان يصلي أربعا ويزيد ما شاء الله" بأن الأول محمول على صلاته إياها في المسجد، والثاني على البيت. قال: ويعكر عليه حديثها الثالث - يعني حديث الباب - ويجاب عنه بأن المنفي صفة مخصوصة، وأخذ الجمع المذكور من كلام ابن حبان. وقال عياض وغيره: قوله: "ما صلاها" معناها ما رأيته يصليها، والجمع بينه وبين قولها "كان يصليها" أنها أخبرت في الإنكار عن مشاهدتها وفي الإثبات عن غيرها. وقيل في الجمع أيضا: يحتمل أن تكون نفت صلاة الضحى المعهودة حينئذ من هيئة مخصوصة بعدد مخصوص في وقت مخصوص، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يصليها إذا قدم من سفر لا بعدد مخصوص ولا بغيره كما قالت: "يصلي أربعا ويزيد ما شاء الله".
" تنبيه ": حديث عائشة يدل على ضعف ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه، وعدها لذلك جماعة من العلماء من خصائصه، ولم يثبت ذلك في خبر صحيح. وقول الماوردي في الحاوي إنه صلى الله عليه وسلم واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات يعكر عليه ما رواه مسلم من حديث أم هانئ أنه لم يصلها قبل ولا بعد. ولا يقال إن نفي أم هانئ لذلك يلزم1 منه العدم لأنا نقول: يحتاج من أثبته إلى دليل، ولو وجد لم يكن حجة، لأن عائشة ذكرت أنه كان إذا عمل عملا أثبته، فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوب عليه.
ـــــــ
13 كذا في النسخ, ولعله "لا يلزم"

(3/56)


33 - باب صَلاَةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ
قاله عتبان بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
1178 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلاَةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ"
[الحديث 1178 – طرفه في: 1981]

(3/56)


1179 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ وَكَانَ ضَخْمًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الصَّلاَةَ مَعَكَ فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ بِمَاءٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنِ بْنِ جَارُودٍ لِأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى فَقَالَ مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ"
قوله: "باب صلاة الضحى في الحضر، قاله عتبان بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم" كأنه يشير إلى ما رواه أحمد من طريق الزهري عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيته سبحة الضحى فقاموا وراءه فصلوا بصلاته" أخرجه عن عثمان بن عمر عن يونس عنه، وقد أخرجه مسلم من رواية ابن وهب عن يونس مطولا لكن ليس فيه ذكر السبحة، وكذلك أخرجه المصنف مطولا ومختصرا في مواضع وسيأتي بعد بابين. قوله: "حدثنا عباس" بالموحدة والمهملة، والجريري بضم الجيم. قوله: "أوصاني خليلي" الخليل الصديق الخالص الذي تخللت محبته القلب فصارت في خلاله أي في باطنه، واختلف هل الخلة أرفع من المحبة أو العكس، وقول أبى هريرة هذا لا يعارضه ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر" لأن الممتنع أن يتخذ هو صلى الله عليه وسلم غيره خليلا لا العكس، ولا يقال إن المخاللة لا تتم حني تكون من الجانبين لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرد الصحبة أو المحبة. قوله: "بثلاث لا أدعهن حتى أموت" يحتمل أن يكون قوله: "لا أدعهن إلخ" من جملة الوصية، أي أوصاني أن لا أدعهن، ويحتمل أن يكون من إخبار الصحابي بذلك عن نفسه. قوله: "صوم ثلاثة أيام" بالخفض بدل من قوله: "بثلاث"، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. قوله: "من كل شهر" الذي يظهر أن المراد بها البيض، وسيأتي تفسيرها في كتاب الصوم. قوله: "وصلاة الضحى" زاد أحمد في روايته: "كل يوم" وسيأتي في الصيام من طريق أبي التياح عن أبي عثمان بلفظ: "وركعتي الضحى" قال ابن دقيق العيد: لعله ذكر الأقل الذي يوجد التأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على فعلها لا ينافي استحبابها لأنه حاصل بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلة القول والفعل، لكن ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله مرجح على ما لم يواظب عليه. قوله: "ونوم على وتر" في رواية أبي التياح "وأن أوتر قبل أن أنام" وفيه استحباب تقديم الوتر على النوم وذلك في حق من لم يثق بالاستيقاظ، ويتناول من يصلي بين النومين. وهذه الوصية لأبي هريرة ورد مثلها لأبي الدرداء فيما رواه مسلم، ولأبي ذر فيما رواه النسائي. والحكمة في الوصية على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة والصيام ليدخل في الواجب منهما بانشراح، ولينجبر ما لعله يقع فيه من نقص. ومن فوائد ركعتي الضحى أنها تجزئ عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم وهي ثلاثمائة وستون مفصلا كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر وقال فيه: "ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى" وحكى شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين في شرح الترمذي أنه اشتهر بين العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى، فصار كثير من الناس يتركونها أصلا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الخير الكثير لا سيما ما وقع في حديث أبي ذر.
" تنبيهان ": الأول اقتصر في الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة لأن الصلاة والصيام أشرف العبادات

(3/57)


البدنية، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال. وخصت الصلاة بشيئين لأنها تقع ليلا ونهارا بخلاف الصيام.
"الثاني" ليس في حديث أبي هريرة تقييد بسفر ولا حضر.والترجمة مختصة بالحضر، لكن الحديث يتضمن الحضر لأن إرادة الحضر فيه ظاهرة، وحمله على الحضر والسفر ممكن، وأما حمله على السفر دون الحضر فبعيد لأن السفر مظنة التخفيف. قوله: "قال رجل من الأنصار" قيل هو عتبان بن مالك، لأن في قصته شبها بقصته، وقد تقدم هذا الحديث عن آدم عن شعبة بهذا الإسناد والمتن في "باب هل يصلي الإمام بمن حضر" من أبواب الإمامة مع الكلام عليه. قوله: "يصلي الضحى" قال ابن رشيد: هذا يدل على أن ذلك كان كالمتعارف عندهم وإلا فصلاته صلى الله عليه وسلم في بيت الأنصاري وإن كانت في وقت صلاة الضحى لا يلزم نسبتها لصلاة الضحى. قلت: إلا أنا قدمنا أن القصة لعتبان بن مالك، وقد تقدم في صدر الباب أن عتبان سماها صلاة الضحى فاستقام مراد المصنف، وتقييده ذلك بالحضر ظاهر لكونه صلى في بيته. قوله: "ما رأيته صلى" في الرواية الماضية "يصلي الضحى". قوله: "إلا ذلك اليوم" يأتي فيه ما تقدم ذكره قي حديث ابن عمر وعائشة من الجمع، والله أعلم.

(3/58)


باب الركعتين بقبل الظهر
...
34 - باب الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ
1180 - حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما قال ثم "حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح كانت ساعة لا يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها"
1181 - حدثتني حفصة "أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين"
1182 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ"
تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعَمْرٌو عَنْ شُعْبَةَ
قوله: "باب الركعتين قبل الظهر" ترجم أولا بالرواتب التي بعد المكتوبات، ثم أورد ما يتعلق بما قبلها، وقد تقدم الكلام على ركعتي الفجر والكلام على حديث ابن عمر وهو ظاهر فيما ترجم له، وأما حديث عائشة فقوله فيه: "إنه كان لا يدع أربعا قبل الظهر" لا يطابق الترجمة، ويحتمل أن يقال: مراده بيان أن الركعتين قبل الظهر ليستا حتما بحيث يمتنع الزيادة عليهما، قال الداودي: وقع في حديث ابن عمر "إن قبل الظهر ركعتين" وفي حديث عائشة "أربعا" وهو محمول على أن كل واحد منهما وصف ما رأى قال: ويحتمل أن يكون نسي ابن عمر ركعتين من الأربع. قلت: هذا الاحتمال بعيد، والأولى أن يحمل على حالين: فكان تارة يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعا، وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين وفي بيته يصلي أربعا، ويحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين ثم يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته واطلعت عائشة على الأمرين، ويقوي الأول ما رواه أحمد وأبو داود في حديث عائشة "كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا ثم يخرج "

(3/58)


قال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها. قوله: "عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر" بميم مضمومة ونون ساكنة ومثناة مفتوحة بعدها شين معجمة مكسورة ثم راء. قوله: "عن أبيه عن عائشة" في رواية وكيع عن شعبة عن إبراهيم عن أبيه "سمعت عائشة" أخرجه الإسماعيلي، وحكى عن شيخه أبي القاسم البغوي أنه حدثه به من طريق عثمان بن عمر عن شعبة فأدخل بين محمد بن المنتشر وعائشة مسروقا وأخبره أن حديث وكيع وهم، ورد ذلك الإسماعيلي بأن محمد بن جعفر قد وافق وكيعا على التصريح بسماع محمد من عائشة ثم ساقه بسنده إلى شعبة عن إبراهيم بن محمد أنه سمع أباه أنه سمع عائشة، قال الإسماعيلي: ولم يكن يحيي بن سعيد - يعني القطان الذي أخرجه البخاري من طريقه - ليحمله مدلسا، قال: والوهم عندي فيه من عثمان بن عمر انتهى. وبذلك جزم الدارقطني في "العلل" وأوضح أن رواية عثمان بن عمر من المزيد في متصل الأسانيد، لكن أخرجه الدارمي عن عثمان بن عمر بهذا الإسناد فلم يذكر فيه مسروقا. فإما أن يكون سقط عليه أو على من بعده، أو يكون الوهم في زيادته ممن دون عثمان بن عمر. قوله: "تابعه ابن أبي عدي" زاد الإسماعيلي وابن المبارك ومعاذ بن معاذ ووهب بن جرير كلهم عن شعبة بسنده وليس فيه مسروق.
قوله: "وعمرو عن شعبة" يعني عمرو بن مرزوق، وقد وصل حديثه البرقاني في المصافحة.

(3/59)


باب الركعتين بعد المغرب
...
35 - باب الصَّلاَةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ
1183 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "صَلُّوا قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً"
[الحديث 1183 – طرفه في: 7368]
1184 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْمُقْرِئُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ سَمِعْتُ مَرْثَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيَّ قَالَ "أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ فَقُلْتُ أَلاَ أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ فَقَالَ عُقْبَةُ إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ قَالَ الشُّغْلُ"
قوله: "باب الصلاة قبل المغرب" لم يذكر المصنف الصلاة قبل العصر، وقد ورد فيها حديث لأبي هريرة1 مرفوع لفظه: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن حبان، وورد من فعله أيضا من حديث علي بن أبي طالب أخرجه الترمذي والنسائي وفيه: "أنه كان يصلي قبل العصر أربعا" وليسا على شرط البخاري. قوله: "عن الحسين" هو ابن ذكوان المعلم. قوله: "حدثني عبد الله المزني" هو ابن مغفل بالمعجمة والفاء المشددة. قوله: "صلوا قبل صلاة المغرب" زاد أبو داود في روايته عن الفربري عن عبد الوارث بهذا الإسناد "صلوا قبل المغرب ركعتين " ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين" وأعادها الإسماعيلي من هذا الوجه
ـــــــ
1 هذا وهم, والصواب "لابن عمر" كما يعلم ذلك من الأصول التي عزاه إليها الشارح, وقد نسبه في بلوغ المرام لابن عمر فأصاب. والله أعلم.

(3/59)


ثلاث مرات، وهو موافق لقوله في رواية المصنف "قال في الثالثة لمن شاء" وفي رواية أبي نعيم في المستخرج "صلوا قبل المغرب ركعتين قالها ثلاثا ثم قال: لمن شاء". قوله: "كراهية أن يتخذها الناس سنة" قال المحب الطبري: لم يرد نفي استحبابها لأنه لا يمكن أن يأمر بما لا يستحب، بل هذا الحديث من أقوى الأدلة على استحبابها، ومعنى قوله: "سنة" أي شريعة وطريقة لازمة، وكأن المراد انحطاط مرتبتها عن رواتب الفرائض، ولهذا لم يعدها أكثر الشافعية في الرواتب واستدركها بعضهم، وتعقب بأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليها، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في "باب كم بين الأذان والإقامة" من أبواب الأذان. قوله: "اليزني" بفتح التحتانية والزاي بعدها نون وهو مصري، وكذا بقية رجال الإسناد سوى شيخ البخاري وقد دخلها. قولها: "ألا أعجبك" بضم أوله وتشديد الجيم من التعجب. قوله: "من أبي تميم" هو عبد الله بن مالك الجيشاني بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها معجمة تابعي كبير مخضرم أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ القرآن على معاذ بن جبل ثم قدم في زمن عمر فشهد فتح مصر وسكنها، قال ابن يونس: وقد عده جماعة في الصحابة لهذا الإدراك، ولم يذكر المزي في "التهذيب" أن البخاري أخرج له، وهو على شرطه فيرد عليه بهذا الحديث1. قوله: "يركع ركعتين" زاد الإسماعيلي: "حين يسمع أذان المغرب" وفيه: "فقلت لعقبة وأنا أريد أن أغمصه" وهو بمعجمة ثم مهملة أي أعيبه. قوله: "فقال عقبة إلخ" استدل به على امتداد وقت المغرب ولا حجة فيه كما بيناه في الباب السابق. وقال قوم: إنما تستحب الركعتان المذكورتان لمن كان متأهبا بالطهر وستر العورة لئلا يؤخر المغرب عن أول وقتها، ولا شك أن إيقاعها في أول الوقت أولى، ولا يخفى أن محل استحبابهما ما لم تقم الصلاة، وقد تقدم الكلام على بقية فوائده في الباب السابق، وفيه رد على قول القاضي أبي بكر بن العربي: لم يفعلهما أحد بعد الصحابة، لأن أبا تميم تابعي وقد فعلهما. وذكر الأثرم عن أحمد أنه قال: ما فعلتهما إلا مرة واحدة حين سمعت الحديث. وفيه أحاديث جياد عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، إلا أنه قال: "لمن شاء" فمن شاء صلى.
ـــــــ
1 ليس الرد عليه بظاهر, لأن البخاري رحمه الله لم يخرج عن تميم هنا خبرا مرفوعا ولا موقوفا, وإنما وقع ذكره في أثناء الرواية من غير احتجاج به. والله أعلم.

(3/60)


36 - باب صَلاَةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً، ذَكَرَهُ أَنَسٌ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1185 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ "أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ"
1186 - فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتْ الأَمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتْ الأَمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا

(3/60)


أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَأَفْعَلُ فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَا فَعَلَ مَالِكٌ لاَ أَرَاهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ذَاكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقُلْ ذَاكَ أَلاَ تَرَاهُ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ أَمَّا نَحْنُ فَوَاللَّهِ لاَ نَرَى وُدَّهُ وَلاَ حَدِيثَهُ إِلاَّ إِلَى الْمُنَافِقِينَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّه" ِ قَالَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ قَالَ وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: مَا قُلْتَ قَطُّ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَجَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ فَقَفَلْتُ فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْ الصَّلاَةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ"
قوله: "باب صلاة النوافل جماعة" قيل مراده النفل المطلق، ويحتمل ما هو أعم من ذلك. قوله: "ذكره أنس وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم" أما حديث أنس فأشار به إلى حديثه في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سليم، وفيه: "فصففت أنا واليتيم وراءه" الحديث، وقد تقدم في الصفوف وغيرها. وأما حديث عائشة فأشار به إلى حديثها في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بهم في المسجد بالليل، وقد تقدم الكلام عليه في "باب التحريض على قيام الليل". قوله: "حدثنا إسحاق" قيل هو ابن راهويه، فإن هذا الحديث وقع في مسنده بهذا الإسناد، لكن في لفظه مخالفة يسيرة فيحتمل أن يكون إسحاق شيخ البخاري فيه هو ابن منصور. قوله: "أخبرنا يعقوب" التعبير بالإخبار قرينة في كون إسحاق هو ابن راهويه، لأنه لا يعبر عن شيوخه إلا بذلك، لكن وقع في رواية كريمة وأبي الوقت وغيرهما بلفظ التحديث، ويعقوب بن إبراهيم المذكور هو ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. قوله: "وعقل مجة" تقدم الكلام عليه في كتاب العلم. قوله: "كان في دارهم" أي الدلو. وفي رواية الكشميهني: "كانت" أي البئر. قوله: "فزعم محمود" أي أخبر، وهو من إطلاق الزعم على القول. قوله: "فيشق علي" في رواية الكشميهني: "فشق" بصيغة الماضي. قوله: "أين تحب أن نصلي" بصيغة الجمع كذا للأكثر. وفي رواية الكشميهني بالإفراد. قوله: "ما فعل مالك" هو ابن الدخشن. قوله: "لا أراه" بفتح الهمزة من الرؤية. قوله: "قال محمود بن الربيع" أي بالإسناد الماضي "فحدثتها قوما" أي رجالا "فيهم أبو أيوب" هو خالد بن زيد الأنصاري الذي نزل عليه

(3/61)


رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة. قوله: "التي توفي فيها" ذكر ابن سعد وغيره أن أبا أيوب أوصى أن يدفن تحت أقدام الخيل ويغيب موضع قبره فدفن إلى جانب جدار القسطنطينية. قوله: "ويزيد بن معاوية" ابن أبي سفيان، قوله: "عليهم" أي كان أميرا، وذلك في سنة خمسين وقيل بعدها في خلافة معاوية، ووصلوا في تلك الغزوة حتى حاصروا القسطنطينية. قوله: "فأنكرها علي" قد بين أبو أيوب وجه الإنكار وهو ما غلب على ظنه من نفي القول المذكور، وما الباعث له على ذلك فقيل إنه استشكل قوله: "إن الله قد حرم النار على من قال لا إله إلا الله" لأن ظاهره لا يدخل أحد من عصاة الموحدين النار، وهو مخالف لآيات كثيرة وأحاديث شهيرة منها أحاديث الشفاعة، لكن الجمع ممكن بأن يحمل التحريم على الخلود، وقد وافق محمودا على رواية هذا الحديث عن عتبان أنس بن مالك كما أخرجه مسلم من طريقه وهو متابع قوي جدا، وكأن الحامل لمحمود على الرجوع إلى عتبان ليسمع الحديث منه ثاني مرة أن أبا أيوب لما أنكر عليه اتهم نفسه بأن يكون ما ضبط القدر الذي أنكره عليه، ولهذا قنع بسماعه عن عتبان ثاني مرة. قوله: "حتى أقفل" بقاف وفاء أي أرجع وزنا ومعنى، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة تقدمت مبسوطة في "باب المساجد في البيوت" وفيه ما ترجم له هنا وهو صلاة النوافل جماعة، وروي ابن وهب عن مالك أنه لا بأس بأن يؤم النفر في النافلة، فأما أن يكون مشتهرا ويجمع له الناس فلا، وهذا بناه على قاعدته في سد الذرائع لما يخشى من أن يظن من لا علم له أن ذلك فريضة، واستثنى ابن حبيب من أصحابه قيام رمضان لاشتهار ذلك من فعل الصحابة ومن بعدهم رضى الله عنهم، وفي الحديث من الفوائد ما تقدم بعضه مبسوطا، وملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال، وذكر المرء ما فيه من العلة معتذرا، وطلب عين القبلة، وأن المكان المتخذ مسجدا من البيت لا يخرج عن ملك صاحبه، وأن النهي عن استيطان الرجل مكانا إنما هو في المسجد العام، وفيه عيب من تخلف عن حضور مجلس الكبير، وأن من عيب بما يظهر منه لا يعد غيبة وإن ذكر الإنسان بما فيه على جهة التعريف جائز، وأن التلفظ بالشهادتين كاف في إجراء أحكام المسلمين، وفيه استثبات طالب الحديث شيخه عما حدثه به إذا خشي من نسيانه وإعادة الشيخ الحديث، والرحلة في طلب العلم وغير ذلك. وقد ترجم المصنف بأكثر من ذلك والله المستعان.

(3/62)


37 - باب التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ
1187 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا"
تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ
قوله: "باب التطوع في البيت" أورد فيه حديث ابن عمر " اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم" وقد تقدم بلفظه من وجه آخر عن نافع في "باب كراهية الصلاة في المقابر" من أبواب المساجد مع الكلام عليه. قوله: "تابعه عبد الوهاب" يعني الثقفي عن أيوب، وهذه المتابعة وصلها مسلم عن محمد بن المثني عنه بلفظ: "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا" .

(3/62)