Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
21 - كتاب العمل فِي الصَّلاَةِ
1 - باب اسْتِعَانَةِ الْيَدِ فِي الصَّلاَةِ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلاَةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَسْتَعِينُ الرَّجُلُ فِي صَلاَتِهِ مِنْ جَسَدِهِ بِمَا شَاءَ وَوَضَعَ أَبُو إِسْحَاقَ قَلَنْسُوَتَهُ فِي الصَّلاَةِ وَرَفَعَهَا وَوَضَعَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَفَّهُ عَلَى رُسْغِهِ الأَيْسَرِ إِلاَّ أَنْ يَحُكَّ جِلْدًا أَوْ يُصْلِحَ ثَوْبًا
1198 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهِيَ خَالَتُهُ قَالَ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا بِيَدِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ
"أبواب العمل في الصلاة" ثبت في نسخة الصغاني هنا بسملة
"باب" في نسخة الصغاني أبواب. قوله: "استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة. وقال ابن عباس: يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء. ووضع أبو إسحاق - يعني السبيعي - قلنسوته في الصلاة ورفعها.
ووضع علي كفه على رصغه الأيسر، إلا أن يحك جلدا أو يصلح ثوبا" هذا الاستثناء من بقية أثر علي على ما سأوضحه، وظن قوم أنه من تتمة الترجمة، فقال ابن رشيد: قوله: "إلا أن يحك جلدا أو يصلح ثوبا" هو مستثني من قوله: "إذا كان من أمر الصلاة" فاستثنى من ذلك جواز ما تدعو الضرورة إليه من حال المرء مع ما في ذلك من

(3/71)


دفع التشويش عن النفس، قال: وكان الأولى في هذا الاستثناء أن يكون مقدما قبل قوله: "وقال ابن عباس" انتهى. وسبقه إلى دعواه أن الاستثناء من الترجمة الإسماعيلي في مستخرجه فقال: قوله: "إلا أن يحك جلدا" ينبغي أن يكون من صلة الباب عند قوله إذا كان من أمر الصلاة، وصرح بكونه من كلام البخاري لا من كلام علي العلامة علاء الدين مغلطاي في شرحه، وتبعه من أخذ ذلك عنه ممن أدركناه، وهو وهم، وذلك أن الاستثناء بقية أثر علي، كذلك رواه مسلم بن إبراهيم أحد مشايخ البخاري عن عبد السلام بن أبي حازم عن غزوان بن جرير الضبي عن أبيه -وكان شديد اللزوم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه- قال: "كان علي إذا قام إلى الصلاة فكبر ضرب بيده اليمنى على رصغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع، إلا أن يحك جلدا أو يصلح ثوبا" هكذا رويناه في "السفينية الجرائدية" من طريق السلفي بسنده إلى مسلم بن إبراهيم، وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ: "إلا أن يصلح ثوبه أو يحك جسده" وهذا هو الموافق للترجمة ولو كان أثر علي انتهى عند قوله: "الأيسر" لما كان فيه تعلق بالترجمة إلا ببعد، وهذا من فوائد تخريج التعليقات. والرصغ بسكون الصاد المهملة بعدها معجمة قال صاحب العين: هو لغة في الرسغ، وهو مفصل ما بين الكف والساعد. وقال صاحب المحكم: الرصغ مجتمع الساقين والقدمين. ثم إن ظاهر هذه الآثار يخالف الترجمة لأنها مقيدة بما إذا كان العمل من أمر الصلاة وهي مطلقة، وكأن المصنف أشار إلى أن إطلاقها مقيد بما ذكر ليخرج العبث، ويمكن أن يقال: لها تعلق بالصلاة لأن دفع ما يؤذي المصلي يعين على دوام خشوعه المطلوب في الصلاة، ويدخل في الاستعانة التعلق بالحبل عند التعب والاعتماد على العصا ونحوهما، وقد رخص فيه بعض السلف، وقد مر الأمر بحل الحبل في أبواب قيام الليل، وسيأتي ذكر الاختصار بعد أبواب. قوله: "وأخذ بأذني اليمني يفتلها" هو شاهد الترجمة، لأنه أخذ بأذنه أولا لإدارته من الجانب الأيسر إلى الجانب الأيمن، وذلك من مصلحة الصلاة. ثم أخذ بها أيضا لتأنيسه لكون ذلك ليلا كما تقدم تقريره في أبواب الصفوف. قال ابن بطال: استنبط البخاري منه أنه لما جاز للمصلي أن يستعين بيده في صلاته فيما يختصن بغيره كانت استعانته في أمر نفسه ليتقوى بذلك على صلاته وينشط لها إذا احتاج إليه أولى، وقد تقدم الكلام على بقية فوائد حديث ابن عباس في أبواب الوتر.

(3/72)


باب ما ينهى من الكلام في الصلاة
...
2 - باب مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ الْكَلاَمِ فِي الصَّلاَةِ
1199 - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ إِنَّ فِي الصَّلاَةِ شُغْلا"
[الحديث 1199 – طرفاه في: 3875,1216]
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ
1200 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عِيسَى هُوَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ

(3/72)


قَالَ قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ "إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} الآية, فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ"
[الحديث 1200 – طرفه في: 4534]
قوله: "باب ما ينهى من الكلام في الصلاة" في رواية الأصيلي والكشميهني: "ما ينهى عنه" وفي الترجمة إشارة إلى أن بعض الكلام لا ينهى عنه كما سيأتي حكاية الخلاف فيه. قوله: "حدثنا ابن نمير" هو محمد بن عبد الله بن نمير، نسب إلى جده، ولم يدرك البخاري عبد الله. قوله: "كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة" في رواية أبي وائل "كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا" وفي رواية أبي الأحوص "خرجت في حاجة ونحن يسلم بعضنا على بعض في الصلاة" وسيأتي للمصنف بعد باب نحوه في حديث التشهد. قوله: "النجاشي" بفتح النون وحكي كسرها، وسيأتي تسميته والإشارة إلى شيء من أمره في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى. "فائدة": روى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على ابن مسعود في هذه القصة السلام بالإشارة، وقد بوب المصنف لمسألة الإشارة في الصلاة بترجمة مفردة وستأتي في أواخر مسجود السهو قريبا. قوله: "فلم يرد علينا" زاد مسلم في رواية ابن فضيل "قلنا يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا" وكذا في رواية أبي عوانة التي في الهجرة. قوله: "إن في الصلاة شغلا" في رواية أحمد عن ابن فضيل "لشغلا" بزيادة اللام للتأكيد، والتنكير فيه للتنويع، أي بقراءة القرآن والذكر والدعاء، أو للتعظيم أي شغلا وأي شغل لأنها مناجاة مع الله تستدعي الاستغراق بخدمته فلا يصلح فيها الاشتغال بغيره. وقال النووي: معناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته وتدبر ما يقوله فلا ينبغي أن يعرج على غيرها من رد السلام ونحوه، زاد في رواية أبي وائل "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" وزاد في رواية كلثوم الخزاعي "إلا بذكر الله وما ينبغي لكم فقوموا لله قانتين. فأمرنا بالسكوت". قوله: "هريم" بهاء وراء مصغرا، والسلولي بفتح المهملة ولامين الأولى خفيفة مضمومة، ورجال الإسنادين من الطريقين كلهم كوفيون، وسفيان هو الثوري، ورواية الأعمش بهذا الإسناد مما عد من أصح الأسانيد. قوله: "نحوه" ظاهر في أن لفظ رواية هريم غير متحد مع لفظ رواية ابن فضيل وأن معناهما واحد، وكذا أخرج مسلم الحديث من الطريقين وقال في رواية هريم أيضا: "نحوه" ولم أقف على سياق لفظ هريم إلا عند الجوزقي فإنه ساقه من طريق إبراهيم بن إسحاق الزهري عنه ولم أر بينهما مغايرة، إلا أنه قال: "قدمنا" بدل رجعنا، وزاد: "فقيل له يا رسول الله" والباقي سواء وسيأتي في الهجرة من طريق أبي عوانة عن الأعمش أوضح من هذا، وللحديث طرق أخرى منها عند أبي داود والنسائي من طريق أبي ليلى عن ابن مسعود، وعند النسائي من طريق كلثوم الخزاعي عنه، وعند ابن ماجة والطحاوي من طريق أبي الأحوص عنه، وسيأتي التنبيه عليه في "باب قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} من أواخر كتاب التوحيد. قوله: "عن إسماعيل" هو ابن أبي خالد، والحارث بن شبيل ليس له في البخاري غير هذا الحديث، وأبوه بمعجمة وموحدة وآخره لام مصغر، وليس لأبي عمر وسعد بن أياس الشيباني شيخه عن زيد بن أرقم غيره. قوله: "إن كنا لنتكلم" بتخفيف النون، وهذا حكمه الرفع، وكذا قوله: "أمرنا" لقوله فيه: "على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى ولو لم يقيد بذلك لكان ذكر نزول الآية كافيا في كونه مرفوعا.

(3/73)


قوله: "يكلم أحدنا صاحبه بحاجته" تفسير لقوله: "نتكلم" والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء وإنما يقتصرون على الحاجة من رد السلام ونحوه. قوله: "حتى نزلت" ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة لأن الآية مدنية باتفاق، فيشكل ذلك على قول ابن مسعود إن ذلك وقع لما رجعوا من عند النجاشي، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة ثم بلغهم أن المشركين أسلموا فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك واشتد الأذى عليهم فخرجوا إليها أيضا فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين، واختلف في مراده بقوله: "فلما رجعنا" هل أراد الرجوع الأول أو الثاني، فجنح القاضي أبو الطيب الطبري وآخرون إلى الأول وقالوا كان تحريم الكلام بمكة، وحملوا حديث زيد على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ وقالوا لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه. وجنح آخرون إلى الترجيح فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود بأنه حكى لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه. وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى بدر، وفي مستدرك الحاكم من طريق أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ثمانين رجلا" فذكر الحديث بطوله وفي آخره: "فتعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدرا" وفي السير لابن إسحاق: أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلا، فمات منهم رجلان بمكة وحبس منهم سبعة وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلا فشهدوا بدرا. فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطابي ولم يقفه من تعقب كلامه على مستنده، ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم المتقدمة فإنها ظاهرة في أن كلا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} وأما قول ابن حبان: كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى قول زيد بن أرقم "كنا نتكلم" أي كان قومي يتكلمون لأن قومه كانوا يصلون قبل الهجرة مع مصعب بن عمير الذي كان يعلمهم القرآن، فلما نسخ تحريم الكلام بمكة بلغ ذلك أهل المدينة فتركوه، فهو متعقب بأن الآية مدنية باتفاق، وبأن إسلام الأنصار وتوجه مصعب بن عمير إليهم إنما كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن في حديث زيد بن أرقم "كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذا أخرجه الترمذي فانتفى أن يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. وأجاب ابن حبان في موضع آخر بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: "كنا نتكلم" من كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم بمكة من المسلمين، وهو متعقب أيضا بأنهم ما كانوا بمكة يجتمعون إلا نادرا، وبما روى الطبراني من حديث أبي أمامة قال: "كان الرجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل الذي إلى جنبه فيخبره بما فاته فيقضي ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ يوما فدخل في الصلاة" فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعا لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما أسلما بها. قوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} الآية كذا في رواية كريمة، وساق في رواية أبي ذر وأبي الوقت الآية إلى آخرها، وانتهت رواية الأصيلي إلى قوله: {الْوُسْطَى} وسيأتي الكلام على المراد بالوسطى وبالقنوت في تفسير البقرة، وحديث زيد بن أرقم ظاهر في أن المراد بالقنوت السكوت. قوله: "فأمرنا بالسكوت" أي عن الكلام المتقدم ذكره لا مطلقا فإن الصلاة ليس فيها حال سكوت حقيقية. قال ابن دقيق العيد: ويترجح بما دل عليه لفظ: "حتى" التي للغاية والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها.

(3/74)


" تنبيه ": زاد مسلم في روايته: "ونهينا عن الكلام" ولم يقع في البخاري، وذكرها صاحب العمدة ولم ينبه أحد من شراحها عليها، واستدل بهذه الزيادة على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى قوله: "ونهينا عن الكلام" وأجيب بأن دلالته على ضده دلالة التزام، ومن ثم وقع الخلاف فلعله ذكر لكونه أصرح والله أعلم.
قال ابن دقيق العيد: هذا اللفظ أحد ما يستدل به على النسخ وهو تقدم أحد الحكمين على الآخر، وليس كقول الراوي هذا منسوخ لأنه يطرقه احتمال أن يكون قاله عن اجتهاد، وقيل ليس في هذه القصة نسخ لأن إباحة الكلام في الصلاة كان بالبراءة الأصلية، والحكم المزيل لها ليس نسخا. وأجيب بأن الذي يقع في الصلاة ونحوها ما يمنع أو يباح إذا قرره الشارع كان حكما شرعيا، فإذا ورد ما يخالفه كان ناسخا وهو كذلك هنا. قال ابن دقيق العيد: وقوله: "ونهينا عن الكلام" يقتضي أن كل شيء يسمى كلاما فهو منهي عنه حملا للفظ على عمومه، ويحتمل أن تكون اللام للعهد الراجع إلى قوله: "يكلم الرجل منا صاحبه بحاجته" وقوله: "فأمرنا بالسكوت" أي عما كانوا يفعلونه من ذلك. "تكميل": أجمعوا على أن الكلام في الصلاة -من عالم بالتحريم عامد لغير مصلحتها أو إنقاذ مسلم- مبطل لها، واختلفوا في الساهي والجاهل فلا يبطلها القليل منه عند الجمهور، وأبطلها الحنفية مطلقا كما سيأتي في الكلام على حديث ذي اليدين في السهو، واختلفوا في أشياء أيضا كمن جرى على لسانه بغير قصد أو تعمد إصلاح الصلاة لسهو دخل على إمامه أو لإنقاذ مسلم لئلا يقع في مهلكة أو فتح على إمامه أو سبح لمن مر به أو رد السلام أو أجاب دعوة أحد والديه أو أكره على الكلام أو تقرب بقربة كأعتقت عبدي لله، ففي جميع ذلك خلاف محل بسطه كتب الفقه، وستأتي الإشارة إلى بعضه حيث يحتاج إليه. قال ابن المنير في الحاشية: الفرق بين قليل الفعل للعامد فلا يبطل وبين قليل الكلام أن الفعل لا تخلو منه الصلاة غالبا لمصلحتها وتخلو من الكلام الأجنبي غالبا مطردا، والله أعلم.

(3/75)


3 - باب مَا يَجُوزُ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فِي الصَّلاَةِ لِلرِّجَالِ
1201 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ وَحَانَتْ الصَّلاَةُ فَجَاءَ بِلاَلٌ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ حُبِسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَؤُمُّ النَّاسَ قَالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتُمْ فَأَقَامَ بِلاَلٌ الصَّلاَةَ فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَلَّى فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ فَأَخَذَ النَّاسُ بِالتَّصْفِيحِ قَالَ سَهْلٌ هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ هُوَ التَّصْفِيقُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرُوا الْتَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّفِّ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى"
قوله: "باب ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة" قال ابن رشيد: أراد إلحاق التسبيح بالحمد بجامع الذكر لأن الذي في الحديث الذي ساقه ذكر التحميد دون التسبيح. قلت: بل الحديث مشتمل عليهما لكنه ساقه هنا مختصرا، وقد تقدم في "باب من دخل ليؤم الناس" من أبواب الإمامة من طريق مالك عن أبي حازم وفيه: "فرفع

(3/75)


أبو بكر يديه فحمد الله تعالى" وفي آخره: "من نابه شيء في صلاة فليسبح" وسيأتي في أواخر أبواب السهو عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم وفيه هذا. قوله: "للرجال": قال ابن رشيد: قيده بالرجال لأن ذلك عنده لا يشرع للنساء. وقد أشعر بذلك تبويبه بعد حيث قال: "باب التصفيق للنساء" ووجهه أن دلالة العموم لفظية وضعية ودلالة المفهوم من لوازم اللفظ عند الأكثرين، وقد قال في الحديث: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" فكأنه قال: لا تسبيح إلا للرجال ولا تصفيق إلا للنساء، وكأنه قدم المفهوم على العموم للعمل بالدليلين، لأن في إعمال العموم إبطالا للمفهوم. ولا يقال إن قوله: "للرجال" من باب اللقب، لأنا نقول: بل هو من باب الصفة، لأنه في معني الذكور البالغين انتهى. تقدم الكلام على فوائد هذا الحديث في الباب المذكور. وفيه من الفوائد مما تقدم بعضها مبسوطا: جواز تأخير الصلاة عن أول الوقت، وأن المبادرة إليها أولى من انتظار الإمام الراتب، وأنه لا ينبغي التقدم على الجماعة إلا برضا منهم، يؤخذ ذلك من قول أبي بكر "إن شئتم" مع علمه بأنه أفضل. وأن الالتفات في الصلاة لا يقطعها. وأن من سبح أو حمد لأمر ينوبه لا يقطع صلاته ولو قصد بذلك تنبيه غيره خلافا لمن قال بالبطلان. وقوله فيه: "فقال سهل" أي ابن سعد راوي الحديث: "هل تدرون ما التصفيح هو التصفيق" وهذه حجة لمن قال إنهما قال بمعني واحد، وبه صرح الخطابي وأبو علي القالي والجوهري وغيرهم، وادعى ابن حزم نفي الخلاف في ذلك، وتعقب بما حكاه عياض في الإكمال أنه بالحاء الضرب بظاهر إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف بباطنها على باطن الأخرى، وقيل بالحاء الضرب بأصبعين للإنذار والتنبيه وبالقاف بجميعها للهو واللعب، وأغرب الداودي فزعم أن الصحابة ضربوا بأكفهم على أفخاذهم، قال عياض: كأنه أخذه من حديث معاوية بن الحكم الذي أخرجه مسلم ففيه: "فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم".

(3/76)


4 - باب مَنْ سَمَّى قَوْمًا أَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلاَةِ عَلَى غَيْرِهِ مُوَاجَهَةً وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ
1202- حدثنا عمرو بن عيسى حدثنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد حدثنا حصين بن عبد الرحمن عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ثم كنا نقول التحية في الصلاة ونسمي ويسلم بعضنا على بعض فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض"
قوله: "باب من سمى قوما أو سلم في الصلاة على غيره وهو لا يعلم" كذا للأكثر، وزاد في رواية كريمة بعد على غيره: "مواجهة" وحكى ابن رشيد أن في رواية أبي ذر عن الحموي إسقاط الهاء من غيره وإضافة مواجهة، قال: ويحتمل أن يكون بتنوين غير وفتح الجيم من مواجهة وبالنصب فيوافق المعنى الأول، ويحتمل أن يكون بتاء التأنيث فيكون المعنى لا تبطل الصلاة إذا سلم على غير مواجهة، ومفهومه أنه إذا كان مواجهة تبطل، قال: وكأن مقصود البخاري بهذه الترجمة أن شيئا من ذلك لا يبطل الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالإعادة وإنما علمهم ما يستقبلون، لكن يرد عليه أنه لا يستوي حال الجاهل قبل وجود الحكم مع حاله بعد ثبوته، ويبعد أن يكون

(3/76)


الذين صدر منهم الفعل كان من غير علم بل الظاهر أن ذلك كان عندهم شرعا مقررا فورد النسخ عليه فيقع الفرق انتهى. وليس في الترجمة تصريح بجواز ولا بطلان. وكأنه ترك ذلك لاشتباه الأمر فيه. وقد تقدم الكلام على فوائد حديث الباب في أواخر صفة الصلاة. وقوله في هذا السياق "وسمى ناسا بأعيانهم" يفسره قوله في السياق المتقدم "السلام على جبريل السلام على ميكائيل إلخ" وقوله: "يسلم بعضنا على بعض" ظاهر فيما ترجم له والله تعالى أعلم.

(3/77)


5- باب التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ
1203 - حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"
1204 - حدثنا يحيى أخبرنا وكيع عن سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "التسبيح للرجال والتصفيح للنساء"
قوله: "باب التصفيق للنساء" تقدم الكلام عليه قبل باب. وسفيان في الإسناد الأول هو ابن عيينة، وفي الثاني هو الثوري، ويحيي شيخ البخاري هو ابن جعفر، وكأن منع النساء من التسبيح لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقا لما يخشى من الافتتان. ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء، وعن مالك وغيره في قوله: "التصفيق للنساء" أي هو من شأنهن في غير الصلاة وهو على جهة الذم له ولا ينبغي فعله في الصلاة لرجل ولا امرأة، وتعقب برواية حماد بن زيد عن أبي حازم في الأحكام بصيغة الأمر "فليسبح الرجال وليصفق النساء" فهذا نصن يدفع ما تأوله أهل هذه المقالة، قالا القرطبي: القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصحيح خبرا ونظرا.

(3/77)


6 - باب مَنْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فِي صَلاَتِهِ أَوْ تَقَدَّمَ بِأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ
رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1205 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ يُونُسُ قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ "أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي بِهِمْ فَفَجِئَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلاَةِ وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلاَتِهِمْ فَرَحًا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَوْهُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ وَتُوُفِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ"
قوله: "باب من رجع القهقرى في الصلاة أو تقدم بأمر ينزل به، رواه سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم" يشير بذلك إلى حديثه الماضي قريبا فقيه "فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ثم رجع القهقري". وأما قوله: "أو تقدم" فهو مأخوذ من الحديث أيضا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في الصف الأول خلف أبي بكر على إرادة الائتمام به فامتنع

(3/77)


7 - باب إِذَا دَعَتْ الأُمُّ وَلَدَهَا فِي الصَّلاَةِ
1206 - قَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نَادَتْ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهُوَ فِي صَوْمَعَةٍ قَالَتْ يَا جُرَيْجُ قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاَتِي قَالَتْ يَا جُرَيْجُ قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاَتِي قَالَتْ يَا جُرَيْجُ قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاَتِي قَالَتْ اللَّهُمَّ لاَ يَمُوتُ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وُجُوهِ الْمَيَامِيسِ وَكَانَتْ تَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ فَوَلَدَتْ فَقِيلَ لَهَا مِمَّنْ هَذَا الْوَلَدُ قَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ قَالَ جُرَيْجٌ أَيْنَ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي قَالَ يَا بَابُوسُ مَنْ أَبُوكَ قَالَ رَاعِي الْغَنَمِ"
[الحديث 1206 – أطرافه في:2482, 3436, 3466]
قوله: "باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة" أي هل يجب إجابتها أم لا؟ إذا وجبت هل تبطل الصلاة أو لا؟ في المسألتين خلاف، ولذلك حذف المصنف جواب الشرط. قوله: "وقال الليث" وصله الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي أحد شيوخ البخاري عن الليث مطولا، وجعفر هو ابن ربيعة المصري، وجريج بجيمين مصغر. وقوله في وجه المياميس في رواية أبي ذر "وجوه" بصيغة الجمع والمياميس جمع مومسة بكسر الميم وهي الزانية، قال ابن الجوزي: إثبات الياء فيه غلط والصواب حذفها وخرج على إشباع الكسرة وحكى غيره جوازه، قال ابن بطال: سبب دعاء أم جريج على ولدها أن الكلام في الصلاة كان في شرعهم مباحا، فلما آثر استمراره في صلاته ومناجاته على إجابتها دعت عليه لتأخيره حقها انتهى. والذي يظهر من ترديده في قوله: "أمي، وصلاتي" أن الكلام عنده يقطع الصلاة فلذلك لم يجبها، وقد روى الحسن بن سفيان وغيره من طريق الليث عن يزيد بن حوشب عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو كان جريج عالما لعلم أن إجابته أمه أولى من عبادة ربه" ويزيد هذا مجهول، وحوشب بمهملة ثم معجمة وزن جعفر، ووهم الدمياطي فزعم أنه ذو ظليم، والصواب أنه غيره لأن ذا ظليم لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا وقع التصريح بسماعه، وقوله فيه: "يا بابوس" بموحدتين بينهما ألف ساكنة والثانية مضمومة وآخره مهملة قال القزاز: هو الصغير. وقال ابن بطال: الرضيع، وهو بوزن جاسوس. واختلف هل هو عربي أو معرب؟ وأغرب الداودي الشارح فقال: هو اسم ذلك الولد بعينه وفيه نظر، وقد قال الشاعر:

(3/78)


حنت قلوصي إلى بابوسها جزعا. وقال الكرماني: إن صحت الرواية بتنوين السين تكون كنية له ويكون معناه يا أبا الشدة، وسيأتي بقية الكلام عليه في ذكر بني إسرائيل.

(3/79)


8 - باب مَسْحِ الْحَصَا فِي الصَّلاَةِ
1207 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ: "إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَوَاحِدَةً"
قوله: "باب مسح الحصى في الصلاة" قال ابن رشيد: ترجم بالحصى والمتن الذي أورده "في التراب" لينبه على إلحاق الحصى بالتراب في الاقتصار على التسوية مرة، وأشار بذلك أيضا إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ: "الحصى" كما أخرجه مسلم من طريق وكيع عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير بلفظ: "المسح في المسجد يعني الحصى" قال ابن رشيد: لما كان في الحديث: "يعني" ولا يدري أهي قول الصحابي أو غيره عدل عنها البخاري إلى ذكر الرواية التي فيها التراب. وقال الكرماني: ترجم بالحصى لأن الغالب أنه يوجد في التراب فيلزم من تسويته مسح الحصى. قلت: قد أخرجه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم عن هشام بلفظ: "فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة تسوية الحصى" وأخرجه الترمذي من طريق الأوزاعي عن يحيى بلفظ: "سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن مسح الحصى في الصلاة" فلعل البخاري أشار إلى هذه الرواية، أو إلى ما رواه أحمد من حديث حذيفة قال: "سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن كل شيء حتى عن مسح الحصى فقال: واحدة أو دع" ورواه أصحاب السنن من حديث أبي ذر بلفظ: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى" وقوله: "إذا قام" المراد به الدخول في الصلاة ليوافق حديث الباب فلا يكون منهيا عن المسح قبل الدخول فيها، بل الأولى أن يفعل ذلك حتى لا يشتغل باله وهو في الصلاة به. "تنبيه": التقييد بالحصى وبالتراب خرج للغالب لكونه كان الموجود في فرش المساجد إذ ذاك، فلا يدل تعليق الحكم به على نفيه على غيره مما يصلى عليه من الرمل والقذى وغير ذلك. قوله: "حدثنا شيبان" هو ابن عبد الرحمن، ويحيى هو ابن أبي كثير. قوله: "عن أبي سلمة" هو ابن عبد الرحمن. وفي رواية الترمذي من طريق الأوزاعي عن يحيى "حدثني أبو سلمة" ومعيقيب بالمهملة وبالقاف وآخره موحدة مصغر هو ابن أبي فاطمة الدوسي حليف بني عبد شمس، كان من السابقين الأولين، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد. قوله: "في الرجل" أي حكم الرجل، وذكر للغالب وإلا فالحكم جار في جميع المكلفين. وحكى النووي اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة، وفيه نظر فقد حكى الخطابي في "المعالم" عن مالك أنه لم ير به بأسا وكان يفعله فكأنه لم يبلغه الخبر، وأفرط بعض أهل الظاهر فقال: إنه حرام إذا زاد على واحدة لظاهر النهي، ولم يفرق بين ما إذا توالى أو لا، مع أنه لم يقل بوجوب الخشوع، والذي يظهر أن علة كراهيته المحافظة على الخشوع، أو لئلا يكثر العمل في الصلاة، لكن حديث أبي ذر المتقدم يدل على أن العلة فيه أن يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلا. وروى ابن أبي شيبة عن أبي صالح السمان قال: "إذا سجدت فلا تمسح الحصى، فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها" فهذا تعليل آخر والله أعلم. قوله: "حيث يسجد" أي مكان السجود، وهل يتناول العضو الساجد؟ لا يبعد ذلك.
وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال: "ما أحب أن لي حمر النعم وأني مسحت مكان جبيني من الحصى" وقال

(3/79)


عياض: كره السلف مسح الجبهة في الصلاة قبل الانصراف. قلت: وقد تقدم في أواخر صفة الصلاة حكاية استدلال الحميدي لذلك بحديث أبي سعيد في رؤيته الماء والطين في جبهة النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انصرف من صلاة الصبح. قوله: "فواحدة" بالنصب على إضمار فعل أي فامسح واحدة، أو على النعت لمصدر محذوف، ويجوز الرفع على إضمار الخبر أي فواحدة تكفي، أو إضمار المبتدأ أي فالمشروع واحدة. ووقع في رواية الترمذي "إن كنت فاعلا فمرة واحدة" .

(3/80)


9 - باب بَسْطِ الثَّوْبِ فِي الصَّلاَةِ لِلسُّجُودِ
1208 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا غَالِبٌ الْقَطَّانُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنْ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ"
قوله: "باب بسط الثوب في الصلاة للسجود" هذه الترجمة من جملة العمل اليسير في الصلاة أيضا، وهو أن يتعمد إلقاء الثوب على الأرض ليسجد عليه، وقد تقدم الكلام عليه في أوائل الصلاة، وتقدم الخلاف في ذلك وتفرقة من فرق بين الثوب الذي هو لابسه أو غير لابسه. قوله: "حدثنا بشر" هو ابن المفضل، وغالب هو القطان كما وقع في رواية أبي ذر.

(3/80)


10 - باب مَا يَجُوزُ مِنْ الْعَمَلِ فِي الصَّلاَةِ
1209 - حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أمد رجلي في قبلة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فإذا سجد غمزني فرفعتها فإذا قام مددتها"
1210 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّهُ صَلَّى صَلاَةً قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلاَةَ عَلَيَّ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَذَعَتُّهُ وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَم {رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِيًا" ثُمَّ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ فَذَعَتُّهُ بِالذَّالِ أَيْ خَنَقْتُهُ وَفَدَعَّتُّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ {يَوْمَ يُدَعُّونَ} أَيْ يُدْفَعُونَ وَالصَّوَابُ فَدَعَتُّهُ إِلاَّ أَنَّهُ كَذَا قَالَ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ وَالتَّاءِ
قوله: "باب ما يجوز من العمل في الصلاة" أي غير ما تقدم، أورد فيه حديث عائشة في نومها في قبلة النبي صلى الله عليه وسلم وغمزه لها إذا سجد، وقد تقدم الكلام عليه في "باب الصلاة على الفراش" في أوائل الصلاة. قوله: "حدثنا محمود" هو ابن غيلان، وشبابة بمعجمة وموحدتين الأولى خفيفة. قوله: "إن الشيطان عرض" تقدم في "باب ربط الغريم في المسجد" من أبواب المساجد من وجه آخر عن شعبة بلفظ: "إن عفريتا من الجن تفلت علي" وهو ظاهر في أن المراد بالشيطان في هذه الرواية غير إبليس كبير الشياطين. قوله: "فشد علي" بالمعجمة أي حمل. قوله: "ليقطع" في رواية الحموي والمستملي بحذف اللام. قوله: "فذعته" يأتي ضبطه بعد. قوله: "فتنظروا" في رواية الحموي

(3/80)


11 - باب إِذَا انْفَلَتَتْ الدَّابَّةُ فِي الصَّلاَةِ
1211 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ "كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الْحَرُورِيَّةَ فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ فَجَعَلَتْ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا قَالَ شُعْبَةُ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنْ الْخَوَارِجِ يَقُولُ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَثَمَانِيَ وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقُّ عَلَيَّ"
[الحديث 1211 – طرفه في: 6127]
1212 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ " خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنْ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ"
قوله: "باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة" أي ماذا يصنع؟. قوله: "وقال قتادة إلخ" وصله عبد الرزاق عن معمر عنه بمعناه وزاد: "فيرى صبيا على بئر فيتخوف أن يسقط فيها، قال: ينصرف له". قوله: "كنا بالأهواز" بفتح الهمزة وسكون الهاء هي بلدة معروفة بين البصرة وفارس فتحت في خلافة عمر، قال في المحكم: ليس له واحد من لفظه، قال أبو عبيد البكري: هي بلد يجمعها سبع كور فذكرها. قال ابن خرداذبة: هي بلاد واسعة متصلة بالجبل وأصبهان. قوله: "الحرورية" بمهملات أي الخوارج، وكان الذي يقاتلهم إذ ذاك المهلب بن أبي صفرة كما في رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة عند الإسماعيلي، وذكر محمد بن قدامة الجوهري في كتابه "أخبار الخوارج"

(3/81)


أن ذلك كان في سنة خمس وستين من الهجرة، وكان الخوارج قد حاصروا أهل البصرة مع نافع بن الأزرق حتى قتل وقتل من أمراء البصرة جماعة إلى أن ولي عبد الله بن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي على البصرة وولي المهلب بن أبي صفرة على قتال الخوارج، وكذا ذكر المبرد في الكامل نحوه. وهو يعكر على من أرخ وفاة أبي برزة سنة أربع وستين أو قبلها. قوله: "على جرف نهر" هو بضم الجيم والراء بعدها فاء وقد تسكن الراء، وهو المكان الذي أكله السيل. وللكشميهني بفتح المهملة وسكون الراء أي جانبه، ووقع في رواية حماد بن زيد عن الأزرق في الأدب "كنا على شاطئ نهر قد نضب عنه الماء" أي زال وهو يقوي رواية الكشميهني. وفي رواية مهدي بن ميمون عن الأزرق عن محمد بن قدامة "كنت في ظل قصر مهران بالأهواز على شاطئ دجيل" وعرف بهذا تسمية النهر المذكور وهو بالجيم مصغر. قوله: "إذا رجل" في رواية الحموي والكشميهني: "إذ جاء رجل". قوله: "قال شعبة هو أبو برزة الأسلمي" أي الرجل المصلي، وظاهره أن الأزرق لم يسمه لشعبة ولكن رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة فقال في آخره: "فإذا هو أبو برزة الأسلمي" وفي رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيلي: "فجاء أبو برزة" وفي رواية حماد في الأدب "فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس فصلى وخلاها فانطلقت فاتبعها" ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الأزرق بن قيس "أن أبا برزة الأسلمي مشى إلى دابته وهو في الصلاة" الحديث، وبين مهدي بن ميمون في روايته أن تلك الصلاة كانت صلاة العصر. وفي رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيلي: "فمضت الدابة في قبلته فانطلق فأخذها ثم رجع القهقري". قوله: "فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ" في رواية الطيالسي "فإذا بشيخ يصلي قد عمد إلى عنان دابته فجعله في يده فنكصت الدابة فنكص معها، ومعنا رجل من الخوارج فجعل يسبه" وفي رواية مهدي أنه قال: ألا ترى إلى هذا الحمار. وفي رواية حماد فقال: انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس. قوله: "أو ثمانيا" كذا للكشميهني. وفي رواية غيره: "أو ثماني" بغير ألف ولا تنوين. وقال ابن مالك في شرح التسهيل: الأصل أو ثماني غزوات فحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على حاله، وقد رواه عمرو بن مرزوق بلفظ: "سبع غزوات" بغير شك. قوله: "وشهدت تيسيره" كذا في جميع الأصول وفي جميع الطرق "من التيسير"، وحكى ابن التين عن الداودي أنه وقع عنده "وشهدت تستر" بضم المثناة وسكون المهملة وفتح المثناة وقال: معنى شهدت تستر أي فتحها، وكان في زمن عمر انتهى، ولم أر ذلك في شيء من الأصول، ومقتضاه أن لا يبقى في القصة شائبة رفع، بخلاف الرواية المحفوظة فإن فيها إشارة إلى أن ذلك كان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم تجويز مثله، وزاد عمرو بن مرزوق في آخره: "قال فقلت للرجل ما أرى الله إلا مخزيك، شتمت رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفي رواية مهدي بن ميمون "فقلت اسكت فعل الله بك، هل تدري من هذا؟ هو أبو برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولم أقف في شيء من الطرق على تسمية الرجل المذكور، وفي هذا الحديث من الفوائد جواز حكاية الرجل مناقبه إذا احتاج إلى ذلك ولم يكن في سياق الفخر، وأشار أبو برزة بقوله: "ورأيت تيسيره" إلى الرد على من شدد عليه في أن يترك دابته تذهب ولا يقطع صلاته، وفيه حجة للفقهاء في قولهم: أن كل شيء يخشى إتلافه من متاع وغيره يجوز قطع الصلاة لأجله.
وقوله: "مألفها" يعني الموضع الذي ألفته واعتادته، وهذا بناء على غالب أمرها، ومن الجائز أن لا ترجع إلى مألفها بل تتوجه إلى حيث لا يدري بمكانها فيكون فيه تضييع المال المنهي عنه. "تنبيه": ظاهر سياق هذه القصة أن أبا

(3/82)


برزة لم يقطع صلاته، ويؤيده قوله في رواية عمرو بن مرزوق "فأخذها ثم رجع القهقري" فإنه لو كان قطعها ما بالى أن يرجع مستدبر القبلة، وفي رجوعه القهقري ما يشعر بأن مشيه إلى قصدها ما كان كثيرا، وهو مطابق لثاني حديثي الباب لأنه يدل أنه صلى الله عليه وسلم تأخر في صلاته وتقدم ولم يقطعها، فهو عمل يسير ومشي قليل فليس فيه استدبار القبلة فلا يضر. وفي مصنف ابن أبي شيبة: "سئل الحسن عن رجل صلى فأشفق أن تذهب دابته، قال: ينصرف. قيل له أفيتم؟ قال: إذا ولى ظهره القبلة استأنف" وقد أجمع الفقهاء على أن المشي الكثير في الصلاة المفروضة يبطلها فيحمل حديث أبي برزة على القليل كما قررناه، وقد تقدم أن في بعض طرقه أن الصلاة المذكورة كانت العصر. قوله: "وإني أن كنت أن أرجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها" قال السهيلي: إني وما بعدها اسم مبتدأ وأن أرجع اسم مبدل من الاسم الأول وأحب خبر عن الثاني وخبر كان محذوف، أي إني إن كنت راجعا أحب إلي. وقال غيره أن كنت بفتح الهمزة وحذفت اللام وهي مع كنت بتقدير كوني وفي موضع البدل من الضمير في إني، وأن الثانية بالفتح أيضا مصدرية. ووقع في رواية حماد "فقال إن منزلي متراخ - أي متباعد - فلو صليت وتركته -أي الفرس- لم آت أهلي إلى الليل" أي لبعد المكان. قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك، ويونس هو ابن يزيد، وقد تقدم ما يتعلق بالكسوف من هذا الحديث من طريق عقيل وغيره عن الزهري مستوفى. وقوله: "فلما قضى" أي فرغ ولم يرد القضاء الذي هو ضد الأداء. قوله: "لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته" في رواية ابن وهب عن يونس عند مسلم: "وعدتم" وله في حديث جابر "عرض علي كل شيء تولجونه". قوله: "لقد رأيت" كذا للأكثر وللحموي والمستملي: "لقد رأيته" ولمسلم: "حتى لقد رأيتني" وهو أوجه. قوله: "أريد أن آخذ قطفا" في حديث جابر " حتى تناولت منها قطفا فقصرت يدي عنه" والقطف بكسر أوله وذكر ابن الأثير أن كثيرا يروونه بالفتح والكسر هو الصواب. قوله: "قطفا من الجنة" يعني عنقود عنب كما تقدم في الكسوف من حديث ابن عباس. قوله: "حين رأيتموني جعلت أتقدم" قال الكرماني: قال في جهنم حين رأيتموني تأخرت لأن التقدم كاد أن يقع بخلاف التأخر فإنه قد وقع كذا قال، وقد وقع التصريح بوقوع التقدم والتأخر جميعا في حديث جابر عند مسلم ولفظه: " لقد جيء بالنار، وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها" وفيه: "ثم جيء بالجنة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي" وقد تقدم الكلام على فوائد هذا الحديث في أبواب الكسوف. قوله: "ورأيت فيها عمرو بن لحي" باللام والمهملة مصغر وسيأتي شرح حاله في أخبار الجاهلية. قوله: " وهو الذي سيب السوائب" جمع سائبة، وسيأتي الكلام عليها في تفسير سورة المائدة إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث أن المشي القليل لا يبطل الصلاة، وكذا العمل اليسير، وأن النار والجنة مخلوقتان موجودتان وغير ذلك من فوائده التي تقدمت مستقصاة في صلاة الكسوف. ووجه تعلق الحديث بالترجمة ظاهر من جهة جواز التقدم والتأخر اليسير، لأن الذي تنفلت دابته يحتاج في حال إمساكها إلى التقدم أو التأخر كما وقع لأبي برزة، وقد أشرت إلى ذلك في آخر حديثه. وأغرب الكرماني فقال: وجه تعلقه بها أن فيه مذمة تسييب الدواب مطلقا سواء كان في الصلاة أم لا.

(3/83)


12 - باب مَا يَجُوزُ مِنْ الْبُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلاَةِ
وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَفَخَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ

(3/83)


1213 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ فَإِذَا كَانَ فِي صَلاَتِهِ فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَوْ قَالَ لاَ يَتَنَخَّمَنَّ ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ"
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ
1214 - حدثنا محمد حدثنا غندر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا كان في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن شماله تحت قدمه اليسرى"
قوله: "باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة" وجه التسوية بينهما أنه ربما ظهر من كل منهما حرفان وهما أقل ما يتألف منه الكلام، وأشار المصنف إلى أن بعض ذلك يجوز وبعضه لا يجوز، فيحتمل أنه يرى التفرقة بين ما إذا حصل من كل منهما كلام مفهوم أم لا، أو الفرق ما إذا كان حصول ذلك محققا ففعله يضر وإلا فلا. قوله: "ويذكر عن عبد الله بن عمرو" أي ابن العاص "نفخ النبي صلى الله عليه وسلم في سجوده في كسوف" هذا طرف من حديث أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة والطبري وابن حبان من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: "كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام وقمنا معه" الحديث بطوله، وفيه: "وجعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد" وذلك في الركعة الثانية، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض لأن عطاء بن السائب مختلف في الاحتجاج به وقد اختلط في آخر عمره، لكن أخرجه ابن خزيمة من رواية سفيان الثوري عنه وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه، وأبوه وثقه العجلي وابن حبان وليس هو من شرط البخاري، ثم أورد البخاري في الباب حديث ابن عمر وحديث أنس في النهي عن البزاق في القبلة، فأما حديث ابن عمر فقوله فيه: "إن الله قبل أحدكم" بكسر القاف وفتح الموحدة أي مواجهة، وقد تقدم في "باب حك البزاق باليد من المسجد" من أبواب المساجد مع الكلام عليه، وزاد في هذه الرواية: "فتغيظ على أهل المسجد" ففيه جواز معاتبة المجموع على الأمر الذي ينكر وإن كان الفعل صدر من بعضهم لأجل التحذير من معاودة ذلك. قوله: "فلا يبزقن أو قال لا يتنخمن " في رواية الإسماعيلي: " لا يبزقن أحدكم بين يديه" . قوله فيه "وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إذا بزق أحدكم فليبزق على يساره" في رواية الكشميهني: "عن يساره" هكذا ذكره موقوفا ولم تتقدم هذه الزيادة من حديث ابن عمر، لكن وقع عند الإسماعيلي من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن حماد بن زيد بلفظ: "لا يبزقن أحدكم بين يديه، ولكن ليبزق خلفه أو عن شماله أو تحت قدمه" فساقه كله معطوفا بعضه على بعض، وقد بينت رواية البخاري أن المرفوع منه انتهى إلى قوله: "فلا يبزقن بين يديه" والباقي موقوف. وقد اقتصر مسلم وأبو داود وغيرهما على المرفوع منه مع أن هذا الموقوف عن ابن عمر قد ثبت مثله من حديث أنس مرفوعا، وقد تقدم الكلام على فوائد الحديث في الباب الذي أشرت إليه قبل وفيما بعده، قال ابن بطال: وروي عن مالك كراهة النفخ في الصلاة، ولا يقطعها كما يقطعها الكلام، هو قول أبي يوسف وأشهب وأحمد وإسحاق، وفي المدونة: النفخ بمنزلة الكلام يقطع الصلاة.

(3/84)


وعن أبي حنيفة ومحمد: إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام وإلا فلا، قال والقول الأول أولى، وليس في النفخ من النطق بالهمزة والفاء أكثر مما في البصاق من النطق بالتاء والفاء، قال وقد اتفقوا على جواز البصاق في الصلاة فدل على جواز النفخ فيها إذ لا فرق بينهما، ولذلك ذكره البخاري معه في الترجمة انتهى كلامه، ولم يذكر قول الشافعية في ذلك والمصحح عندهم أنه إن ظهر من النفخ أو التنخم أو البكاء أو الأنين أو التأوه أو التنفس أو الضحك أو التنحنح حرفان بطلت الصلاة وإلا فلا، قال ابن دقيق العيد: ولقائل أن يقول لا يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام أن يكون كل حرفين كلاما، وإن لم يكن كذلك فالإبطال به لا يكون بالنص بل بالقياس فليراع شرطه في مساواة الفرع للأصل، قال: والأقرب أن ينظر إلى مواقع الإجماع والخلاف حيث لا يسمى الملفوظ به كلاما فما أجمع على إلحاقه بالكلام ألحق به وما لا فلا. قال: ومن ضعيف التعليل قولهم إبطال الصلاة بالنفخ بأنه يشبه الكلام فإنه مردود لثبوت السنة الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم نفخ في الكسوف انتهى. وأجيب بأن نفخه صلى الله عليه وسلم محمول على أنه لم يظهر منه شيء من الحروف، ورد بما ثبت في أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو فإن فيه: "ثم نفخ في آخر سجوده فقال أف أف" فصرح بظهور الحرفين. وفي الحديث أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: "وعرضت علي النار فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرها" والنفخ لهذا الغرض لا يقع إلا بالقصد إليه فانتفى قول من حمله على الغلبة، والزيادة المذكورة من رواية حماد بن سلمة عن عطاء وقد سمع منه قبل الاختلاط في قول يحيى بن معين وأبي داود والطحاوي وغيرهم. وأجاب الخطابي أن أف لا تكون كلاما حتى يشدد الفاء، قال: والنافخ في نفخه لا يخرج الفاء صادقة من مخرجها، وتعقبه ابن الصلاح بأنه لا يستقيم على قول الشافعية أن الحرفين كلام مبطل أفهما أو لم يفهما، وأشار البيهقي إلى أن ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، ورد بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل. "تنبيهان": الأول: نقل ابن المنذر الإجماع على أن الضحك يبطل الصلاة ولم يقيده بحرف ولا حرفين، وكأن الفرق ببن الضحك والبكاء أن الضحك يهتك حرمة الصلاة بخلاف البكاء ونحوه، ومن ثم قال الحنفية وغيرهم إن كان البكاء من أجل الخوف من الله تعالى لا تبطل به الصلاة مطلقا. "الثاني" ورد في كراهة النفخ في الصلاة حديث مرفوع أخرجه الترمذي من حديث أم سلمة قالت: " رأى النبي صلى الله عليه وسلم غلاما لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ، فقال: يا أفلح ترب وجهك" رواه الترمذي وقال: ضعيف الإسناد. قلت: ولو صح لم يكن فيه حجة على إبطال الصلاة بالنفخ لأنه لم بأمره بإعادة الصلاة، إنما يستفاد من قوله ترب وجهك استحباب السجود على الأرض فهو نحو النهي عن مسح الحصى. وفي الباب عن أبي هريرة في الأوسط للطبراني وعن زيد بن ثابت عند البيهقي وعن أنس وبريدة عند البزار وأسانيد الجميع ضعيفة جدا، وثبت كراهة النفخ عن ابن عباس كما رواه ابن أبي شيبة، والرخصة فيه عن قدامة بن عبد الله أخرجه البيهقي.

(3/85)


13- باب مَنْ صَفَّقَ جَاهِلًا مِنْ الرِّجَالِ فِي صَلاَتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ
فِيهِ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: "باب من صفق جاهلا من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته، فيه سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم" يشير بذلك إلى حديثه الآتي بعد بابين، لكنه بلفظ: " ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم بالتصفيح" ، وسيأتي في آخر باب

(3/85)


من أبواب السهو، بلفظ: "التصفيق"، ومناسبته للترجمة من جهة أنه لم يأمرهم بالإعادة.

(3/86)


باب إذا قيل للمصلي تقدم أو انتظر فلا بأس
...
14 - باب إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي تَقَدَّمْ أَوْ انْتَظِرْ فَانْتَظَرَ فَلاَ بَأْسَ
1215- -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنْ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ لاَ تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا"
قوله: "باب إذا قيل للمصلي تقدم أو انتظر فانتظر فلا بأس" قال الإسماعيلي: كأنه ظن المخاطبة للنساء وقعت بذلك وهن في الصلاة، وليس كما ظن، بل هو شيء قيل لهن قبل أن يدخلن في الصلاة انتهى. والجواب عن البخاري أنه لم يصرح بكون ذلك قيل لهن وهن داخل الصلاة بل مقصوده بقول ذلك لهن داخل الصلاة أو خارجها. والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاهن بنفسه أو بغيره بالانتظار المذكور قبل أن يدخلن في الصلاة ليدخلن فيها على علم ويحصل المقصود من حيث انتظارهن الذي أمرن به فإن فيه انتظارهن للرجال ومن لازمه تقدم الرجال عليهن، ومحصل مراد البخاري أن الانتظار إن كان شرعيا جاز وإلا فلا. قال ابن بطال: قوله: "تقدم" أي قبل رفيقك وقوله: "انتظر" أي تأخر عنه. استنبط ذلك من قوله للنساء " لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا" فيقتضي امتثال ذلك تقدم الرجال عليهن وتأخرهن عنهم. وفيه من الفقه جواز وقوع فعل المأموم بعد الإمام، وجواز سبق المأمومين بعضهم بعضا في الأفعال، وجواز التربص في أثناء الصلاة لحق الغير ولغير مقصود الصلاة. ويستفاد منه جواز انتظار الإمام في الركوع لمن يدرك الركعة وفي التشهد لمن يدرك الجماعة. وفرع ابن المنير على أنه قيل ذلك للنساء داخل الصلاة فقال: فيه جواز إصغاء المصلي في الصلاة لمن يخاطبه المخاطبة الخفيفة. قوله: "حدثنا محمد بن كثير" هو العبدي البصري، ولم يخرج البخاري للكوفي ولا للشامي ولا للصغاني شيئا. وسفيان هو الثوري. وقد تقدم الكلام على المتن في أوائل كتاب الصلاة.

(3/86)


15 - باب لاَ يَرُدُّ السَّلاَمَ فِي الصَّلاَةِ
1216 - حدثنا عبد الله بن أبي شيبة حدثنا بن فضيل عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال " كنت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علي فلما رجعنا سلمت عليه فلم يرد علي وقال إن في الصلاة شغلا"
1217 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ لَهُ فَانْطَلَقْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ عَلَيَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنْ الْمَرَّةِ الأُولَى ثُمَّ سَلَّمْتُ

(3/86)


16 - باب رَفْعِ الأَيْدِي فِي الصَّلاَةِ لِأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ
1218 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ فَخَرَجَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتْ الصَّلاَةُ فَجَاءَ بِلاَلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتْ الصَّلاَةُ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ قَالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ فَأَقَامَ بِلاَلٌ الصَّلاَةَ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ قَالَ سَهْلٌ التَّصْفِيحُ هُوَ التَّصْفِيقُ قَالَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ الْتَفَتَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ فَلَمَّا

(3/87)


فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاَةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ يَنْبَغِي لابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به" ذكر فيه حديث سهل بن سعد من رواية عبد العزيز عن أبي حازم، وعبد العزيز هذا هو ابن أبي حازم. قوله: "وحانت الصلاة" الواو فيه حالية. وفي رواية الكشميهني: "وقد حانت الصلاة". قوله: "إن شئت" في رواية الحموي "إن شئتم". قوله: "من الصف" في رواية الكشميهني: "في الصف". قوله: "فرفع أبو بكر يده" في رواية الكشميهني: "يديه" بالتثنية، وهذا موضع الترجمة. ويؤخذ منه أن رفع اليدين للدعاء ونحوه في الصلاة لا يبطلها ولو كان في غير موضع الرفع لأنها هيئة استسلام وخضوع، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على ذلك. قوله: "حيث أشرت عليك" وفي رواية الكشميهني: "حين أشرت إليك" وقد تقدم الكلام على فوائده كما أشرت إليه قريبا.

(3/88)


17 - باب الْخَصْرِ فِي الصَّلاَةِ
1219 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " نُهِيَ عَنْ الْخَصْرِ فِي الصَّلاَةِ " وَقَالَ هِشَامٌ وَأَبُو هِلاَلٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[الحديث 1219 – طرفه في: 1220]
1220 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا".
قوله: "باب الخصر في الصلاة" بفتح المعجمة وسكون المهملة أي حكم الخصر، والمراد وضع اليدين عليه في الصلاة. قوله: "حدثنا حماد" هو ابن زيد ومحمد هو ابن سيرين. قوله: "نهي" بضم النون على البناء للمجهول وفاعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في رواية هشام. قوله: "وقال هشام" يعني ابن حسان "وأبو هلال" يعني الراسبي "عن ابن سيرين إلخ" أما رواية هشام وهو ابن حسان فوصلها المؤلف في الباب، لكن وقع في رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي: "نهى" على البناء للفاعل ولم يسمه، وسماه الكشميهني في روايته، وقد رواه مسلم والترمذي من طريق أبي أسامة عن هشام بلفظ: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل مختصرا" وكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن سلمة عن هشام كذلك، وبلفظ: "عن الخصر في الصلاة" وأما رواية أبي هلال فوصلها الدارقطني في "الأفراد" من طريق عمرو بن مرزوق عنه بلفظ: "عن الاختصار في الصلاة". قوله: "نهي" بالضم على البناء للمفعول.
وفي رواية الكشميهني: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم"قوله: "متخصرا" في رواية الكشميهني: "مخصرا" بتشديد الصاد، وللنسائي: "مختصرا" بزيادة المثناة، وللإسماعيلي من طريق سليمان بن حرب "حدثنا حماد بن زيد قال: قيل لأيوب إن هشاما روى عن محمد عن أبي هريرة قال: نهي عن الاختصار في الصلاة، فقال: إنما قال التخصر. وكأن سبب إنكار

(3/88)


أيوب لفظ الاختصار لكونه يفهم معنى آخر غير التخصر كما سيأتي، وقد فسره ابن أبي شيبة عن أبي أسامة بالسند المذكور فقال فيه: قال ابن سيرين هو أن يضع يده على خاصرته وهو يصلي، وبذلك جزم أبو داود ونقله الترمذي عن بعض أهل العلم، وهذا هو المشهور من تفسيره. وحكى الهروي في الغريبين أن المراد بالاختصار قراءة آية أو آيتين من آخر السورة، وقيل أن يحذف الطمأنينة. وهذان القولان وإن كان أحدهما من الاختصار ممكنا لكن رواية التخصر والخصر تأباهما، وقيل الاختصار أن يحذف الآية التي فيها السجدة إذا مر بها في قراءته حتى لا يسجد في الصلاة لتلاوتها حكاه الغزالي. وحكى الخطابي أن معناه أن يمسك بيده مخصرة أي عصا يتوكأ عليها في الصلاة، وأنكر هذا ابن العربي في شرح الترمذي فأبلغ، ويؤيد الأول ما روى أبو داود والنسائي من طريق سعيد بن زياد قال: صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه. واختلف في حكمة النهي عن ذلك فقيل: لأن إبليس أهبط متخصرا أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حميد بن هلال موقوفا. وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله فنهي عنه كراهة للتشبه بهم أخرجه المصنف في ذكر بني إسرائيل عن عائشة، زد ابن أبي شيبة فيه: "في الصلاة" وفي رواية له "لا تشبهوا باليهود" وقيل: لأنه راحة أهل النار أخرجه ابن أبي شيبة أيضا عن مجاهد قال: "وضع اليد على الحقو استراحة أهل النار" وقيل لأنها صفة الراجز حين ينشد رواة سعيد بن منصور من طريق قيس بن عباد بإسناد حسن، وقيل لأنه فعل المتكبرين حكاه المهلب، وقيل لأنه فعل أهل المصائب حكاه الخطابي، وقول عائشة أعلى ما ورد في ذلك ولا منافاة بين الجميع.
" تنبيه ": وقع في نسخة الصغاني في "باب الخصر في الصلاة ": وروي أنه استراحة أهل النار، وما أظن أن قوله روي إلخ إلا من كلامه لا من كلام البخاري، وقد ذكرت من رواه ولله الحمد، والله أعلم.

(3/89)


باب يفكر الرجل في الشيء في الصلاة
...
18 - باب يُفْكِرُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاَةِ
وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنِّي لاَجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلاَةِ
1221 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا عُمَرُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فَقَالَ ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلاَةِ تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ"
1222 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ الأَعْرَجِ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ فَلاَ يَزَالُ بِالْمَرْءِ يَقُولُ لَهُ اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى لاَ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى" قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ وَسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"

(3/89)


1223 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "يَقُولُ النَّاسُ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَلَقِيتُ رَجُلاً فَقُلْتُ بِمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَارِحَةَ فِي الْعَتَمَةِ فَقَالَ لاَ أَدْرِي فَقُلْتُ لَمْ تَشْهَدْهَا قَالَ بَلَى قُلْتُ لَكِنْ أَنَا أَدْرِي قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا"
قوله: "باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة" الشيء بالنصب على المفعولية. والتقييد بالرجل لا مفهوم له لأن بقية المكلفين في حكم ذلك سواء، قال المهلب: التفكر أمر غالب لا يمكن الاحتراز منه في الصلاة ولا في غيرها لما جعل الله للشيطان من السبيل على الإنسان، ولكن يفترق الحال في ذلك، فإن كان في أمر الآخرة والدين كان أخف مما يكون في أمر الدنيا. قوله: "وقال عمر: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة" وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي عنه بهذا سواء، قال ابن التين: إنما هذا فيما يقل فيه التفكر كأن يقول: أجهز فلانا، أقدم فلانا، أخرج من العدد كذا وكذا، فيأتي على ما يريد في أقل شيء من الفكرة. فأما أن يتابع التفكر ويكثر حتى لا يدري كم صلى بهذا اللاهي في صلاته فيجب عليه الإعادة انتهى. وليس هذا الإطلاق على وجهه، وقد جاء عن عمر ما يأباه، فروى ابن أبي شيبة من طريق عروة بن الزبير قال: قال عمر "إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة" وروى صالح بن أحمد بن حنبل في "كتاب المسائل" عن أبيه من طريق همام بن الحارث أن عمر صلى المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قالوا: يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ، فقال: إني حدثت نفسي وأنا في الصلاة بعير جهزتها من المدينة حتى دخلت الشام، ثم أعاد وأعاد القراءة. ومن طريق عياض الأشعري قال: "صلى عمر المغرب فلم يقرأ، فقال له أبو موسى: إنك لم تقرأ، فأقبل على عبد الرحمن بن عوف فقال: صدق، فأعاد. فلما فرغ قال: لا صلاة ليست فيها قراءة، إنما شغلني عير جهزتها إلى الشام فجعلت أتفكر فيها". وهذا يدل على أنه إنما أعاد لترك القراءة لا لكونه كان مستغرقا في الفكرة. ويؤيده ما روى الطحاوي من طريق ضمضم بن جوس عن عبد الرحمن1 بن حنظلة بن الراهب "إن عمر صلى المغرب فلم يقرأ في الركعة الأولى فلما كانت الثانية قرأ بفاتحة الكتاب مرتين فلما فرغ وسلم سجد سجدتي السهو" ورجال هذه الآثار ثقات، وهي محمولة على أحوال مختلفة، والأخير كأنه مذهب لعمر. ولهذه المسألة التفات إلى مسألة الخشوع في الصلاة، وقد تقدم البحث فيه في مكانه. قوله: "حدثنا روح" هو ابن عبادة، وعمر بن سعيد هو ابن أبي حسين المكي، وقد تقدم هذا الحديث وشيء من فوائده في أواخر صفة الصلاة، وهو ظاهر فيما ترجم له لأنه صلى الله عليه وسلم تفكر في أمر التبر المذكور ثم لم يعد الصلاة. قوله: "عن جعفر" هو ابن ربيعة المصري، وقد تقدم الكلام على المتن في أوائل أبواب الأذان مستوفى، وشاهد الترجمة قوله: "حتى لا يدري كم صلى" فإنه يدل على أن التفكر لا يقدح في صحة الصلاة ما لم يترك شيئا من أركانها. قوله: "قال
ـــــــ
1 كذا في الأصول التي في أيدينا, ولعل الصواب "عن عبد الرحمن" لأن ضمضم المذكور إنما روى عن عبد الله بن حنظلة وهو يكنى أبا عبد الرحمن, وليس له رواية عن عبد الرحمن بن حنظلة كما يعلم ذلك من "الاستيعاب" و "الإصابة" و "تهذيب التهذيب"

(3/90)


أبو سلمة بن عبد الرحمن: إذا فعل أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو قاعد، وسمعه أبو سلمة من أبي هريرة" هذا التعليق طرف من الحديث الذي قبله في رواية أبي سلمة كما سيأتي في خامس ترجمة من أبواب السهو، لكنه من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وربما تبادر إلى الذهن من سياق المصنف أن هذه الزيادة من رواية جعفر بن ربيعة عن أبي سلمة، وليس كذلك، وسيأتي في سادس ترجمة أيضا من طريق الزهري عن أبي سلمة لكن باختصار ذكر الأذان وهو من طريق هذين عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا بخلاف ما يوهمه سياقه هنا، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى هناك. قوله: "قال قال أبو هريرة" في رواية الإسماعيلي: "عن أبي هريرة" قوله: "يقول الناس أكثر أبو هريرة" أخرجه البيهقي في المدخل من طريق أبي مصعب عن محمد بن إبراهيم بن دينار عن ابن أبي ذئب بلفظ: "إن الناس قالوا قد أكثر أبو هريرة من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني كنت ألزمه لشبع بطني، فلقيت رجلا فقلت له: بأي سورة" فذكر الحديث وقال في آخره: أخرجه البخاري عن أبي مصعب انتهى. ولم أر هذه الطريق في صحيح البخاري، وكأن البيهقي تبع أطراف خلف فإنه ذكرها، وقد قال ابن عساكر: لم أجدها ولا ذكرها أبو مسعود انتهى. ثم وجدت في مناقب جعفر صدر هذا الحديث، لكن قال بعد قوله: "لشبع بطني" حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير؛ فذكر قصة جعفر بن أبي طالب، فلعل البيهقي أراد هذا، وكأن المقبري وغيره من رواته كان يحدث به تاما تارة ومختصرا أخرى. وقد وقع عند الإسماعيلي من طريق بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب في أول هذا الحديث: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءين" الحديث وفيه: "إن الناس قالوا: أكثر أبو هريرة" فذكره، وقوله: "حفظت إلخ" تقدم في العلم مع الكلام عليه، وتقدم في العلم أيضا من طريق الأعرج عن أبي هريرة "إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، والله لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت" الحديث وسيأتي في أوائل البيوع من طريق سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة قال: "إنكم تقولون إن أبا هريرة أكثر" الحديث وفيه الإشارة إلى سبب إكثاره وأن المهاجرين والأنصار كانوا يشغلهم المعاش، وهذا يدل على أنه كان يقول هذه المقالة أمام ما يريد أن يحدث به مما يدل على صحة إكثاره وعلى السبب في ذلك وعلى سبب استمراره على التحديث. قوله: "فلقيت رجلا" لم أقف على تسميته ولا على تسمية السورة، وقوله: "بم" بكسر الموحدة بغير ألف لأبي ذر وهو المعروف، وللأكثر بإثبات الألف وهو قليل، أي بأي شيء. قوله: "البارحة" أي أقرب ليلة مضت. وفي هذه القصة إشارة إلى سبب إكثار أبي هريرة وشدة إتقانه وضبطه، بخلاف غيره. وشاهد الترجمة دلالة الحديث على عدم ضبط ذلك الرجل كأنه اشتغل بغير أمر الصلاة حتى نسي السورة التي قرئت، أو دلالته على ضبط أبي هريرة كأنه شغل فكره بأفعال الصلاة حتى ضبطها وأتقنها، كذا ذكر الكرماني هذين الاحتمالين، وبالأول جزم غيره والله أعلم.
" خاتمة " اشتملت أبواب العمل في الصلاة من الأحاديث المرفوعة على اثنين وثلاثين حديثا، المعلق من ذلك ستة والبقية موصولة, المكرر منها فيها وفيما مضى ثلاثة وعشرون حديثا والبقية خالصة، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي برزة في قصة انفلات دابته، وحديث عبد الله بن عمرو المعلق في النفخ في السجود، وحديث أبي هريرة في التخصر، وحديثه في القراءة في العتمة. وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستة آثار. والله أعلم.

(3/91)