Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الجنائز
باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
23 - كتاب الجنائز
1 - باب مَا جَاءَ فِي الْجَنَائِزِ وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ
وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَلَيْسَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلاَّ لَهُ أَسْنَانٌ فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ وَإِلاَ لَمْ يُفْتَحْ لَكَ
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الجنائز" كذا للأصيلي وأبي الوقت، والبسملة من الأصل، ولكريمة: "باب في الجنائز "وكذا لأبي ذر لكن بحذف "باب" والجنائز بفتح الجيم لا غير جمع جنازة بالفتح والكسر لغتان، قال ابن قتيبة وجماعة: الكسر أفصح، وقيل بالكسر للنعش وبالفتح للميت. وقالوا لا يقال نعش إلا إذا كان عليه الميت.
" تنبيه ": أورد المصنف وغيره كتاب الجنائز بين الصلاة والزكاة لتعلقها بهما، ولأن الذي يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك أهمه الصلاة عليه لما فيها من فائدة الدعاء له بالنجاة من العذاب ولا سيما عذاب القبر الذي سيدفن فيه. قوله: "ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله" قيل أشار بهذا إلى ما رواه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن مرة الحضرمي عن معاذ بن جبل قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" قال الزين بن المنير: حذف المصنف جواب "من" من الترجمة مراعاة لتأويل وهب بن منبه فأبقاه إما ليوافقه أو ليبقي الخبر على ظاهره. وقد روى ابن أبي حاتم في ترجمة أبي زرعة: أنه لما احتضر أرادوا تلقينه، فتذكروا حديث معاذ، فحدثهم به أبو زرعة بإسناده، وخرجت روحه في آخر قول لا إله إلا الله.
" تنبيه ": كأن المصنف لم يثبت عنده في التلقين شيء على شرطه فاكتفى بما دل عليه، وقد أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة من وجه آخر بلفظ: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" وعن أبي سعيد كذلك، قال الزين بن المنير: هذا الخبر يتناول بلفظه من قالها فبغته الموت، أو طالت حياته لكن لم يتكلم بشيء غيرها، ويخرج بمفهومه من تكلم لكن استصحب حكمها من غير تجديد نطق بها، فإن عمل أعمالا سيئة كان في المشيئة، وإن عمل أعمالا صالحة فقضية سعة رحمة الله أن لا فرق بين الإسلام النطقي والحكمي المستصحب والله أعلم. انتهى. وحكى الترمذي عن عبد الله بن المبارك أنه لقن عند الموت فأكثر عليه فقال: إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم بكلام. وهذا يدل على أنه كان يرى التفرقة فيهذا المقام. والله أعلم. قوله: "وقيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله إلخ" يجوز نصب مفتاح على أنه خبر مقدم ورفعه على أنه مبتدأ، كأن القائل أشار إلى ما ذكر ابن إسحاق في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل العلاء بن الحضرمي قال له "إذا سئلت عن مفتاح الجنة فقل: مفتاحها لا إله إلا الله" وروي عن معاذ بن جبل مرفوعا نحوه أخرجه البيهقي في الشعب وزاد: "ولكن مفتاح بلا أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك" وهذه الزيادة نظير ما أجاب به وهب، فيحتمل أن تكون مدرجة في حديث معاذ. وأما أثر وهب فوصله المصنف في التاريخ وأبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن سعيد بن رمانة بضم الراء وتشديد الميم وبعد الألف نون قال:

(3/109)


أخبرني أبي قال قيل لوهب بن منبه فذكره. والمراد بقوله لا إله إلا الله في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة. قال الزين بن المنير: قول لا إله إلا الله لقب جرى على النطق بالشهادتين شرعا. وأما قول وهب فمراده بالأسنان التزام الطاعة فلا يرد إشكال موافقة الخوارج وغيرهم أن أهل الكبائر لا يدخلون الجنة. وأما قوله: "لم يفتح له" فكأن مراده لم يفتح له فتحا تاما، أو لم يفتح له في أولي الأمر، وهذا بالنسبة إلى الغالب، وإلا فالحق أنهم في مشيئة الله تعالى. وقد أخرج سعيد بن منصور بسند حسن عن وهب بن منبه قريبا من كلامه هذا في التهليل ولفظه: "عن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه مثل الداعي بلا عمل مثل الرامي بلا وتر" قال الداودي: قول وهب محمول على التشديد، ولعله لم يبلغه حديث أبي ذر، أي حديث الباب. والحق أن من قال لا إله إلا الله مخلصا أتي بمفتاح وله أسنان، لكن من خلط ذلك بالكبائر حتى مات مصرا عليها لم تكن أسنانه قوية، فربما طال علاجه. وقال ابن رشيد: يحتمل أن يكون مراد البخاري الإشارة إلى أن من قال لا إله إلا الله مخلصا عند الموت كان ذلك مسقطا لما تقدم له، والإخلاص يستلزم التوبة والندم، ويكون النطق علما على ذلك. وأدخل حديث أبي ذر ليبين أنه لا بد من الاعتقاد، ولهذا قال عقب حديث أبي ذر في كتاب اللباس: قال أبو عبد الله: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم. ومعنى قول وهب إن جئت بمفتاح له أسنان جياد فهو من باب حذف النعت إذا دل عليه السياق لأن مسمى المفتاح لا يعقل إلا بالأسنان وإلا فهو عود أو حديدة.
1237 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ"
[الحديث 1237 – أطرفه في: 1408, 2388, 3222, 5827, 6268, 6443, 7487]
1238 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ وَقُلْتُ أَنَا مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ"
[الحديث 1238 – طرفاه في: 4497, 6683]
قوله: "أتاني آت" سماه في التوحيد من طريق شعبة عن واصل "جبريل" وجزم بقوله: "فبشرني" وزاد الإسماعيلي من طريق مهدي في أوله قصة قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له، فلما كان في بعض الليل تنحى فلبث طويلا، ثم أتانا فقال" فذكر الحديث. وأورده المصنف في اللباس من طريق أبي الأسود عن أبي ذر قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ" فدل على أنها رؤيا منام. قوله: "من أمتي" أي من أمة الإجابة، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك أي أمة الدعوة وهو متجه. قوله: "لا يشرك بالله شيئا" أورده المصنف في اللباس بلفظ: "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك" الحديث. إنما لم يورده المصنف هنا جريا على عادته في إيثار الخفي على الجلي، وذلك أن نفي الشرك يستلزم إثبات التوحيد، ويشهد له استنباط عبد الله بن مسعود في ثاني

(3/110)


حديثي الباب من مفهوم قوله: "من مات يشرك بالله دخل النار" وقال القرطبي: معنى نفي الشرك أن لا يتخذ مع الله شريكا في الإلهية، لكن هذا القول صار بحكم العرف عبارة عن الإيمان الشرعي. قوله: "فقلت وإن زنى أو سرق" قد يتبادر إلى الذهن أن القائل ذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم والمقول له الملك الذي بشره به، وليس كذلك، بل القائل هو أبو ذر والمقول له هو النبي صلى الله عليه وسلم كما بينه المؤلف في اللباس. وللترمذي "قال أبو ذر يا رسول الله" ويمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله مستوضحا وأبو ذر قاله مستبعدا، وقد جمع بينهما في الرقاق من طريق زيد بن وهب عن أبي ذر. قال الزين بن المنير: حديث أبي ذر من أحاديث الرجاء التي أفضى الاتكال عليها ببعض الجهلة إلى الإقدام على الموبقات، وليس هو على ظاهره فإن القواعد استقرت على أن حقوق الآدميين لا تسقط بمجرد الموت على الإيمان، ولكن لا يلزم من عدم سقوطها أن لا يتكفل الله بها عمن يريد أن يدخله الجنة، ومن ثم رد صلى الله عليه وسلم على أبي ذر استبعاده. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "دخل الجنة" أي صار إليها إما ابتداء من أول الحال وإما بعد أن يقع ما يقع من العذاب، نسأل الله العفو والعافية. وفي هذا الحديث: " من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر، أصابه قبل ذلك ما أصابه" وسيأتي بيان حاله في كتاب الرقاق. وفي الحديث أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، وأن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة. والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة الإشارة إلى جنس حق الله تعالى وحق العباد، وكأن أبا ذر استحضر قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" لأن ظاهره معارض لظاهر هذا الخبر، لكن الجمع بينهما على قواعد أهل السنة بحمل هذا على الإيمان الكامل ويحمل حديث الباب على عدم التخليد في النار. قوله: "على رغم أنف أبي ذر"1 بفتح الراء وسكون المعجمة ويقال بضمها وكسرها، وهو مصدر رغم بفتح الغين وكسرها مأخوذ من الرغم وهو التراب، وكأنه دعا عليه بأن يلصق أنفه بالتراب. قوله: "حدثنا عمر بن حفص" أي ابن غياث، وشقيق هو أبو وائل، وعبد الله هو ابن مسعود، وكلهم كوفيون. قوله: "من مات يشرك بالله" في رواية أبي حمزة عن الأعمش في تفسير البقرة "من مات وهو يدعو من دون الله ندا" وفي أوله "قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أنا أخرى"، ولم تختلف الروايات في الصحيحين في أن المرفوع الوعيد والموقوف الوعد. وزعم الحميدي في "الجمع" وتبعه مغلطاي في شرحه ومن أخذ عنه أن في رواية مسلم من طريق وكيع وابن نمير بالعكس بلفظ: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، وقلت أنا من مات يشرك بالله شيئا دخل النار " وكأن سبب الوهم في ذلك ما وقع عند أبي عوانة والإسماعيلي من طريق وكيع بالعكس، لكن بين الإسماعيلي أن المحفوظ عن وكيع كما في البخاري، قال: وإنما المحفوظ أن الذي قلبه أبو عوانة2 وحده وبذلك جزم ابن خزيمة في صحيحه، والصواب رواية الجماعة، وكذلك أخرجه أحمد من طريق عاصم وابن خزيمة من طريق يسار3 وابن حبان من طريق المغيرة كلهم عن شقيق، وهذا هو الذي يقتضيه النظر لأن جانب الوعيد ثابت بالقرآن وجاءت السنة على وفقه فلا يحتاج إلى استنباط، بخلاف جانب الوعد فإنه في محل البحث إذ لا يصح حمله على ظاهره كما تقدم. وكأن ابن مسعود لم يبلغه حديث جابر الذي أخرجه مسلم بلفظ: "قيل: يا رسول الله
ـــــــ
1 قول الشارح "قوله على رغم أنف أبي ذر" ليست في النسخ التي بأيدينا في هذا الباب. اهـ مصححه
2 في نسخة "أبو معاوية"
3 في نسخة "سيار"

(3/111)


ما الموجبتان؟ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار" وقال النووي: الجيد أن يقال سمع ابن مسعود اللفظتين من النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه في وقت حفظ إحداهما وتيقنها ولم يحفظ الأخرى فرفع المحفوظة وضم الأخرى إليها، وفي وقت بالعكس، قال: فهذا جمع بين روايتي ابن مسعود وموافقته لرواية غيره في رفع اللفظتين انتهى. وهذا الذي قال محتمل بلا شك، لكن فيه بعد مع اتحاد مخرج الحديث، فلو تعدد مخرجه إلى ابن مسعود لكان احتمالا قريبا مع أنه يستغرب من انفراد راو من الرواة بذلك دون رفقته وشيخهم ومن فوقه، فنسبة السهو إلى شخص ليس بمعصوم أولى من هذا التعسف. "فائدة": حكى الخطيب في "المدرج "أن أحمد بن عبد الجبار رواه عن أبي بكر بن عياش عن عاصم مرفوعا كله وأنه وهم في ذلك، وفي حديث ابن مسعود دلالة على أنه كان يقول بدليل الخطاب، ويحتمل أن يكون أثر ابن مسعود أخذه من ضرورة انحصار الجزاء في الجنة والنار، وفيه إطلاق الكلمة على الكلام الكثير وسيأتي البحث فيه في الأيمان والنذور.

(3/112)


2 - باب الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ
1239 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَشْعَثِ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ وَرَدِّ السَّلاَمِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالْقَسِّيِّ وَالإِسْتَبْرَقِ"
[الحديث 1239 – أطرافه في: 2445, 175, 5635, 5650, 5838, 5849, 5863, 6222, 6235, 6654, ]
1240 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلاَمِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ"
تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَرَوَاهُ سَلاَمَةُ بْنُ رَوْحٍ عَنْ عُقَيْلٍ
قوله: "باب الأمر باتباع الجنائز" قال الزين بن المنير: لم يفصح بحكمه لأن قوله: "أمرنا" أعم من أن يكون للوجوب أو للندب. قوله: "عن الأشعث" هو ابن أبي الشعثاء المحاربي. قوله: "عن البراء بن عازب" أورده في المظالم عن سعيد بن الربيع عن شعبة عن الأشعث فقال فيه: "سمعت البراء بن عازب"، ولمسلم من طريق زهير بن معاوية عن الأشعث عن معاوية بن سويد قال: "دخلت على البراء بن عازب فسمعته يقول" فذكر الحديث. قوله: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع" أما المأمورات فسنذكر شرحها في كتابي الأدب واللباس، والذي يتعلق منها بهذا الباب اتباع الجنائز. وأما المنهيات فمحل شرحها كتاب اللباس وسيأتي الكلام عليها فيه، وسقط من المنهيات في هذا الباب واحدة سهوا إما من المصنف أو من شيخه. قوله: "حدثنا محمد" كذا في جميع الروايات غير منسوب. وقال الكلاباذي: هو الذهلي، وعمرو بن أبي سلمة هو التنيسي وقد ضعفه ابن معين بسبب أن في حديثه عن الأوزاعي مناولة وإجازة، لكن بين أحمد بن صالح المصري أنه كان يقول فيما سمعه "حدثنا "ولا

(3/112)


يقول ذلك فيما لم يسمعه، وعلى هذا فقد عنعن هذا الحديث فدل على أنه لم يسمعه، والجواب عن البخاري أنه يعتمد على المناولة ويحتج بها، وقصارى هذا الحديث أن يكون منها، وقد قواه بالمتابعة التي ذكرها عقبة، ولم ينفرد به عمرو، ومع ذلك فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق الوليد بن مسلم وغيره عن الأوزاعي، وكأن البخاري اختار طريق عمرو لوقوع التصريح فيها بالإخبار بين الأوزاعي والزهري، ومتابعة عبد الرزاق التي ذكرها وصلها مسلم وقال في آخره: كان معمر يرسل هذا الحديث وأسنده مرة عن ابن المسيب عن أبي هريرة. وقد وقع لي معلقا في جزء الذهلي "قال أخبرنا عبد الرزاق" فذكر الحديث. وأما رواية سلامة وهو بتخفيف اللام وهو ابن أخي عقيل فأظنها في الزهريات للذهلي، وله نسخة عن عمه عن الزهري، ويقال إنه كان يرويها من كتاب. قوله: "حق المسلم على المسلم خمس" في رواية مسلم من طريق عبد الرزاق "خمس تجب للمسلم على المسلم" وله من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة "حق المسلم على المسلم ست" وزاد: " وإذا استنصحك فانصح له " وقد تبين أن معنى "الحق" هنا الوجوب خلافا لقول ابن بطال: المراد حق الحرمة والصحبة، والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية. قوله: "رد السلام" يأتي الكلام على أحكامه في الاستئذان، وعيادة المريض يأتي الكلام عليها في المرضى، وإجابة الداعي يأتي الكلام عليها في الوليمة، وتشميت العاطس يأتي الكلام عليه في الأدب. وأما اتباع الجنائز فسيأتي الكلام عليه في "باب فضل اتباع الجنائز" في وسط كتاب الجنائز، والمقصود هنا إثبات مشروعيته فلا تكرار.

(3/113)


3 - باب الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ
1242,1241 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ "أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ اجْلِسْ فَأَبَى فَقَالَ اجْلِسْ فَأَبَى فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إِلَى {الشَّاكِرِينَ} وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلاَهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلاَّ يَتْلُوهَا"

(3/113)


[الحديث 1241 – أطرافه في: 3667, 3669, 4452, 4455, 5710
[الحديث 1242 – أطرافه في: 3668, 3670, 4453, 4454, 4457, 5711]
1243 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ "أَنَّ أُمَّ الْعَلاَءِ امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ فَقَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لاَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا"
1244 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ مِثْلَهُ وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ "مَا يُفْعَلُ بِهِ" وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ
[الحديث 1243 – أطرافه في: 2687, 3929, 7003, 7018]
1244 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَنْهَانِي فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تَبْكِينَ أَوْ لاَ تَبْكِينَ مَا زَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ" تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
[الحديث 1244 – أطرافه في: 1293, 2816, 4080]
قوله: "باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه" أي لف فيها، قال ابن رشيد: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الموت لما كان سبب تغيير محاسن الحي التي عهد عليها - ولذلك أمر بتغميضه وتغطيته - كان ذلك مظنة للمنع من كشفه حتى قال النخعي: ينبغي أن لا يطلع عليه إلا الغاسل له ومن يليه، فترجم البخاري على جواز ذلك، ثم أورد فيه ثلاثة أحاديث: أولها حديث عائشة في دخول أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن مات، وسيأتي مستوفى في باب الوفاة آخر المغازي، ومطابقته للترجمة واضحة كما سنبينه، وأشد ما فيه إشكالا قول أبي بكر لا يجمع الله عليك موتتين، وعنه أجوبة: فقيل هو على حقيقته وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال، لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وكالذي مر على قرية، وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها. وقيل أراد لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره إذ يحيا ليسأل ثم يموت، وهذا جواب الداودي، وقيل لا يجمع الله موت نفسك وموت شريعتك. وقيل كنى بالموت الثاني عن الكرب، أي لا نلقى بعد كرب هذا الموت كربا آخر. ثانيها

(3/114)


حديث أم العلاء الأنصارية في قصة عثمان بن مظعون وسيأتي بأتم من هذا السياق في "باب القرعة "آخر الشهادات، وفي التعبير. ثالثها حديث جابر في موت أبيه وسيأتي في كتاب الجهاد. ودلالة الأول والثالث مشكلة لأن أبا بكر إنما دخل قبل الغسل فضلا عن التكفين وعمر ينكر حينئذ أن يكون مات، ولأن جابرا كشف الثوب عن وجه أبيه قبل تكفينه. وقد يقال في الجواب عن الأول: إن الذي وقع دخول أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسجى أي مغطى، فيؤخذ منه أن الدخول على الميت يمتنع إلا إن كان مدرجا في أكفانه أو في حكم المدرج لئلا يطلع منه على ما يكره الاطلاع عليه. وقال الزين بن المنير ما محصله: كان أبو بكر عالما بأنه صلى الله عليه وسلم لا يزال مصونا عن كل أذى فساغ له الدخول من غير تنقيب عن الحال، وليس ذلك لغيره. وأما الجواب عن حديث جابر فأجاب ابن المنير أيضا بأن ثياب الشهيد التي قتل فيها هي أكفانه فهو كالمدرج، ويمكن أن يقال نهيهم له عن كشف وجهه يدل على المنع من الاقتراب من الميت، ولكن يتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم لم ينهه، ويجاب بأن عدم نهيهم عن نهيه يدل على تقرير نهيهم، فتبين أن الدخول الثابت في الأحاديث الثلاثة كان في حالة الإدراج أو في حالة تقوم مقامها. قال ابن رشيد: المعنى الذي في الحديثين من كشف الميت بعد تسجيته مساو لحاله بعد تكفينه والله أعلم. وفي هذه الأحاديث جواز تقبيل الميت تعظيما وتبركا1 وجواز التفدية بالآباء والأمهات، وقد يقال هي لفظة اعتادت العرب أن تقولها ولا تقصد معناها الحقيقي إذ حقيقة التفدية بعد الموت لا تتصور، وجواز البكاء على الميت، وسيأتي مبسوطا. قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك، ومعمر هو ابن راشد، ويونس هو ابن يزيد، والسنح بضم المهملة وسكون النون بعدها حاء مهملة منازل بني الحارث بن الخزرج وكان أبو بكر متزوجا فيهم. قوله: "فتيمم" أي قصد. وبرد حبرة بكسر المهملة وفتح الموحدة بوزن عنبة، ويجوز فيه التنوين على الوصف، وعدمه على الإضافة، وهي نوع من برود اليمن مخططة غالية الثمن. قوله: "فقبله" أي بين عينيه. وقد ترجم عليه النسائي وأورده صريحا. وقوله: "التي كتب الله" في رواية الكشميهني: "التي كتب" بضم أوله على البناء للمجهول. قوله: "أنه اقتسم" الهاء ضمير الشأن واقتسم بضم المثناة، والمعنى أن الأنصار اقترعوا على سكنى المهاجرين لما دخلوا عليهم المدينة. وقولها "فطار لنا" أي وقع في سهمنا، وذكره بعض المغاربة بالصاد "فصار لنا" وهو صحيح من حيث المعنى إن ثبتت الرواية. وقولها "أبا السائب" تعني عثمان المذكور. قوله: "ما يفعل بي" في رواية الكشميهني: "به" وهو غلط منه، فإن المحفوظ في رواية الليث هذا، ولذلك عقبه المصنف برواية نافع بن يزيد عن عقيل التي لفظها "ما يفعل به" وعلق منها هذا القدر فقط إشارة إلى أن باقي الحديث لم يختلف فيه، ورواية نافع المذكورة وصلها الإسماعيلي، وأما متابعة شعيب فستأتي في أواخر الشهادات موصولة، وأما متابعة عمرو بن دينار فوصلها ابن أبي عمر في مسنده عن ابن عيينة عنه، وأما متابعة معمر فوصلها المصنف في التعبير من طريق ابن المبارك عنه، وقد وصلها عبد الرزاق عن معمر أيضا. ورويناها في مسند عبد بن حميد قال أخبرنا عبد الرزاق ولفظه: "فوالله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم" وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك موافقة لقوله تعالى في سورة الأحقاف {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ}
ـــــــ
1 قوله: "وتبركا" هذا في حق النبي صلى الله عليه وسلم جائز لما جعل الله في جسده من البركة, وأما من سواه من الأموات فلا يجوز أن يقبل للتبرك, لأن غير النبي صلى الله عليه وسلم لا يقاس عليه, ولأن فعل ذلك مع غيره وسيلة إلى الشرك فيمنع, لأن الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا مثل هذا مع غير النبي صلى الله عليه وسلم للتبرك وهم أعلم الناس بما يجيزه الشرع. والله أعلم.

(3/115)


وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} لأن الأحقاف مكية، وسورة الفتح مدنية بلا خلاف فيهما، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أنا أول من يدخل الجنة" وغير ذلك من الأخبار الصريحة في معناه، فيحتمل أن يحمل الإثبات في ذلك على العلم المجمل، والنفي على الإحاطة من حيث التفصيل. قوله: "وينهوني" في رواية الكشميهني: "وينهونني" وهو أوجه، وفاطمة عمة جابر وهي شقيقة أبيه عبد الله بن عمرو، و "أو" في قوله: "تبكين أو لا تبكين" للتخيير، ومعناه أنه مكرم بصنيع الملائكة وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه، ويحتمل أن يكون شكا من الراوي، وسيأتي البحث فيه في كتاب الجهاد. قوله: "تابعه ابن جريج إلخ" وصله مسلم من طريق عبد الرزاق عنه، وأوله "جاء قومي بأبي قتيلا يوم أحد".

(3/116)


4 - باب الرَّجُلِ يَنْعَى إِلَى أَهْل الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ
1245 - حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا"
[الحديث 1245 – أطرافه في: 1318, 1327, 1333, 3880, 3881]
1246 - حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن حميد بن هلال عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب -وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان- ثم أخذها خالد بن الوليد إمرة ففتح له"
[الحديث 1246 – أطرافه في: 2798, 3063, 3630, 3757, 6342]
قوله: "باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه" كذا في أكثر الروايات، ووقع للكشميهني بحذف الموحدة.
وفي رواية الأصيلي بحذف "أهل" فعلى الرواية المشهورة يكون المفعول محذوفا والضمير في قوله: "بنفسه" للراجل الذي ينعى الميت إلى أهل الميت بنفسه. وقال الزين بن المنير: الضمير للميت لأن الذي ينكر عادة هو نعي الناس لما يدخل على القلب من هول الموت انتهى، والأول أولى، وأشار المهلب إلى أن في الترجمة خللا قال: والصواب الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه كذا قال، ولم يصنع شيئا إلا أنه أبدل لفظ الأهل بالناس، وأثبت المفعول المحذوف، ولعله كان ثابتا في الأصل فسقط أو حذف عمدا لدلالة الكلام عليه، أو لفظ: "ينعى" بضم أوله، والمراد بالرجل الميت والضمير حينئذ له كما قال الزين بن المنير، ويستقيم عليه رواية الكشميهني. وأما التفكير بالأهل فلا خلل فيه لأن مراده به ما هو أعم من القرابة وهو أخوة الدين، وهو أولى من التعبير بالناس لأنه يخرج من ليس له به أهلية كالكفار، وأما رواية الأصيلي فقال ابن رشيد إنها فاسدة، قال: وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعا كله، وإنما نهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق. وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح وإن

(3/116)


كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره والصلاة عليه والدعاء له والاستغفار وتنفيذ وصاياه وما يترتب على ذلك من الأحكام.
وأما نعي الجاهلية فقال سعيد بن منصور "أخبرنا ابن علية عن ابن عون قال قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم. قال ابن عون: كانوا إذا توفي الرجل ركب رجل دابة ثم صاح في الناس: أنعي فلانا" وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: لا أعلم بأسا أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه. وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك حتى "كان حذيفة إذا مات له الميت يقول: لا تؤذنوا به أحدا، إني أخاف أن يكون نعيا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين ينهى عن النعي" أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن، قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات، الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة، الثانية دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره، الثالثة الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم. ثم ذكر المصنف في الباب حديثين: أحدهما حديث أبي هريرة في الصلاة على النجاشي وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الجنائز، ثانيهما حديث أنس في قصة قتل الأمراء بمؤتة وسيأتي الكلام عليه في المغازي. وورد في علامات النبوة بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا" الحديث، قال الزين بن المنير: وجه دخول قصة الأمراء في الترجمة أن نعيهم كان لأقاربهم وللمسلمين الذين هم أهلهم من جهة الدين، ووجه دخول قصة النجاشي كونه كان غريبا في ديار قومه فكان للمسلمين من حيث الإسلام أخا فكانوا أخص به من قرابته. قلت: ويحتمل أن يكون بعض أقرباء النجاشي كان بالمدينة حينئذ ممن قدم مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة كذي مخمر ابن أخي النجاشي فيستوي الحديثان في إعلام أهل كل منهما حقيقة ومجازا.

(3/117)


باب الإذن باجنازة
...
5 - باب الإِذْنِ بِالْجَنَازَةِ
وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ كنتم آذَنْتُمُونِي" ؟
1247 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلاً فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ فَقَالَ مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي قَالُوا كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْه"ِ
قوله: "باب الإذن بالجنازة" قال ابن رشيد: ضبطناه بكسر الهمزة وسكون المعجمة، وضبطه ابن المرابط بمد الهمزة وكسر الذال على وزن الفاعل. قلت: والأول أوجه، والمعنى الإعلام بالجنازة إذا انتهى أمرها ليصلى عليها. قيل: هذه الترجمة تغاير التي قبلها من جهة أن المراد بها الإعلام بالنفس وبالغير، قال الزين بن المنير: هي مرتبة على التي قبلها لأن النعي إعلام من لم يتقدم له علم بالميت، والإذن إعلام من علم بتهيئة أمره وهو حسن. قوله: "قال أبو رافع عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا كنتم آذنتموني" هذا طرف من حديث تقدم الكلام عليه مستوفى في "باب كنس المسجد" ومناسبته للترجمة واضحة. قوله: "حدثني محمد" هو ابن سلام كما جزم به أبو علي بن السكن في روايته عن الفربري، وأبو معاوية هو الضرير. قوله: "مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده" وقع في شرح الشيخ سراج الدين عمر بن الملقن أنه الميت المذكور في حديث أبي هريرة الذي كان يقم المسجد،

(3/117)


وهو وهم منه لتغاير القصتين، فقد تقدم أن الصحيح في الأول أنها امرأة وأنها أم محجن، وأما هذا فهو رجل واسمه طلحة بن البراء بن عمير البلوي حليف الأنصار روى حديثه أبو داود مختصرا والطبراني من طريق عروة بن سعيد الأنصاري عن أبيه عن حسين بن وحوح الأنصاري وهو بمهملتين بوزن جعفر "أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال. إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا" فلم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بني سالم بن عوف حتى توفي، وكان قال لأهله لما دخل الليل: إذا مت فادفنوني ولا تدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أخاف عليه يهودا أن يصاب بسببي، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره فصف الناس معه، ثم رفع يديه فقال: اللهم الق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه. قوله: "كان الليل" بالرفع، وكذا قوله: "وكانت ظلمة" فكان فيهما تامة، وسيأتي الكلام على حكم الصلاة على القبر في "باب صفوف الصبيان مع الرجال على الجنازة" مع بقية الكلام على هذا الحديث.

(3/118)


6 - باب فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَ
وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: من الآية155]
1248 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مَا مِنْ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلاَثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ"
[الحديث 1248 – طرفه في: 1381]
1249 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا فَوَعَظَهُنَّ وَقَالَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلاَثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ كَانُوا حِجَابًا مِنْ النَّارِ قَالَتْ امْرَأَةٌ وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ "
1250 - وَقَالَ شَرِيكٌ عَنْ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَبُو هُرَيْرَةَ "لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ"
1251 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاَثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}
[الحديث 1251 – طرفه في: 6656]
قوله: "باب فضل من مات له ولد فاحتسب" قال الزين بن المنير: عبر المصنف بالفضل ليجمع بين مختلف الأحاديث الثلاثة التي أوردها، لأن في الأول دخول الجنة، وفي الثاني الحجب عن النار، وفي الثالث تقييد الولوج بتحلة القسم، وفي كل منها ثبوت الفضل لمن وقع له ذلك. ويجمع بينها بأن يقال: الدخول لا يستلزم الحجب ففي

(3/118)


ذكر الحجب فائدة زائدة لأنها تستلزم الدخول من أول وهلة، وأما الثالث فالمراد بالولوج الورود وهو المرور على النار كما سيأتي البحث فيه عند قوله: "إلا تحلة القسم" والمار عليها على أقسام: منهم من لا يسمع حسيسها وهم الذين سبقت لهم الحسنى من الله كما في القرآن، فلا تنافي مع هذا بين الولوج والحجب، وعبر بقوله: "ولد" ليتناول الواحد فصاعدا وإن كان حديث الباب قد قيد بثلاثة أو اثنتين، لكن وقع في بعض طرقه ذكر الواحد ففي حديث جابر بن سمرة مرفوعا: " من دفن ثلاثة فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة، فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ فقال: أو اثنين. فقالت: وواحد؟ فسكت ثم قال: وواحد " أخرجه الطبراني في الأوسط. وحديث ابن مسعود مرفوعا: "من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنا حصينا من النار. قال أبو ذر: قدمت اثنين، قال: واثنين. قال أبي بن كعب: قدمت واحدا، قال: وواحدا" أخرجه الترمذي وقال: غريب، وعنده من حديث ابن عباس رفعه: "من كان له فرطان من أمتي أدخله الله الجنة. فقالت عائشة: فمن كان له فرط؟ قال: ومن كان له فرط" الحديث. وليس في شيء من هذه الطرق ما يصلح للاحتجاج، بل وقع في رواية شريك التي علق المصنف إسنادها كما سيأتي ولم يسأله عن الواحد، وروى النسائي وابن حبان من طريق حفص بن عبيد الله عن أنس أن المرأة التي قالت واثنان قالت بعد ذلك يا ليتني قلت وواحد. وروى أحمد من طريق محمود بن لبيد عن جابر رفعه: "من مات له ثلاث من الولد فاحتسبهم دخل الجنة. قلنا: يا رسول الله واثنان؟ قال محمود قلت لجابر أراكم لو قلتم وواحد لقال وواحد، قال: وأنا أظن ذلك" وهذه الأحاديث الثلاثة أصح من تلك الثلاثة، لكن روى المصنف من حديث أبي هريرة كما سيأتي في الرقاق مرفوعا: "يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة" وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه، وهو أصح ما ورد في ذلك، وقوله: "فاحتسب" أي صبر راضيا بقضاء الله راجيا فضله، ولم يقع التقييد بذلك أيضا في أحاديث الباب، وكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه أيضا كما في حديث جابر بن سمرة المذكور قبل، وكذا في حديث جابر بن عبد الله. وفي رواية ابن حبان والنسائي من طريق حفص بن عبيد الله بن أنس عن أنس رفعه: "من احتسب من صلبه ثلاثة دخل الجنة" الحديث، ولمسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبهم إلا دخلت الجنة" الحديث، ولأحمد والطبراني من حديث عقبة بن عامر رفعه: "من أعطى ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة" وفي الموطأ عن أبي النضر السلمي رفعه: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا جنة من النار" الحديث. وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية، فلا بد من قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة، ولكن أشار الإسماعيلي إلى اعتراض لفظي فقال: يقال في البالغ احتسب وفي الصغير افترط انتهى. وبذلك قال الكثير من أهل اللغة، لكن لا يلزم من كون ذلك هو الأصل أن لا يستعمل هذا موضع هذا، بل ذكر ابن دريد وغيره احتسب فلان بكذا طلب أجرا عند الله، وهذا أعم من أن يكون لكبير أو صغير، وقد ثبت ذلك في الأحاديث التي ذكرناها وهي حجة في صحة هذا الاستعمال. قوله: "وقول الله عز وجل {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} " في رواية كريمة والأصيلي: "وقال الله" وأراد بذلك الآية التي في البقرة وقد وصف فيها الصابرون بقوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فكأن المصنف أراد تقييد ما أطلق في الحديث بهذه الآية الدالة على ترك

(3/119)


القلق والجزع، ولفظ: "المصيبة" قي الآية وإن كان عاما لكنه يتناول المصيبة بالولد فهو من أفراده. قوله: "حدثنا عبد العزيز" هو ابن صهيب وصرح به في رواية ابن ماجه والإسماعيلي من هذا الوجه، والإسناد كله بصريون. قوله: "ما من الناس من مسلم" قيده به ليخرج الكافر، ومن الأولى بيانية والثانية زائدة، وسقطت من في رواية ابن علية عن عبد العزيز كما سيأتي في أواخر الجنائز، و "مسلم" اسم ما والاستثناء وما معه الخبر، والحديث ظاهر في اختصاص ذلك بالمسلم لكن هل يحصل ذلك لمن مات له أولاد في الكفر ثم أسلم؟ فيه نظر، ويدل على عدم ذلك حديث أبي ثعلبة الأشجعي قال: " قلت يا رسول الله مات لي ولدان، قال: من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة " أخرجه أحمد والطبراني، وعن عمرو بن عبسة مرفوعا: "من مات له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا أدخله الله الجنة" أخرجه أحمد أيضا. وأخرج أيضا عن رجاء الأسلمية قالت: "جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله لي في ابن لي بالبركة فإنه قد توفي له ثلاثة، فقال: أمنذ أسلمت؟ قالت: نعم" . فذكر الحديث. قوله: "يتوفى له" بضم أوله ووقع في رواية ابن ماجه المذكورة "ما من مسلمين يتوفى لهما "والظاهر أن المراد من ولده الرجل حقيقة، ويدل عليه رواية النسائي المذكورة من طريق حفص عن أنس ففيها "ثلاثة من صلبه"، وكذا حديث عقبة بن عامر، وهل يدخل في الأولاد أولاد الأولاد؟ محل بحث، والذي يظهر أن أولاد الصلب يدخلون ولا سيما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب، وفي التقيد بكونهم من صلبه ما يدل على إخراج أولاد البنات. قوله: "ثلاثة" كذا للأكثر وهو الموجود في غير البخاري ووقع في رواية الأصيلي وكريمة: "ثلاث" بحذف الهاء وهو جائز لكون المميز محذوفا. قوله: "لم يبلغوا الحنث" كذا للجميع بكسر المهملة وسكون النون بعدها مثلثة، وحكى ابن قرقول عن الداودي أنه ضبطه بفتح المعجمة والموحدة وفسره بأن المراد لم يبلغوا أن يعملوا المعاصي، قال ولم يذكره كذلك غيره، والمحفوظ الأول، والمعنى لم يبلغوا الحلم فتكتب عليهم الآثام. قال الخليل: بلغ الغلام الحنث إذا جرى عليه القلم، والحنث الذنب قال الله تعالى: {وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} وقيل المراد بلغ إلى زمان يؤاخذ بيمينه إذا حنث. وقال الراغب: عبر بالحنث عن البلوغ لما كان الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه بخلاف ما قبله، وخص الإثم بالذكر لأنه الذي يحصل بالبلوغ لأن الصبي قد يثاب، وخص الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم والحب له أشد والرحمة له أوفر، وعلى هذا فمن بلع الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة، وبهذا صرح كثير من العلماء، وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصور منه العقوق المقتضى لعدم الرحمة بخلاف الصغير فإنه لا يتصور منه ذلك إذ ليس بمخاطب. وقال الزين بن المنير: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوي لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كل على أبويه فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي ووصل له منه النفع وتوجه إليه الخطاب بالحقوق؟ قال: ولعل هذا هو السر في إلغاء البخاري التقييد بذلك في الترجمة. انتهى. ويقوي الأول قوله في بقية الحديث: "بفضل رحمته إياهم "لأن الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم منهم، وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونا مثلا واستمر على ذلك فمات؟ فيه نظر لأن كونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق، وكون الامتحان بهم يخف بموتهم يقتضي عدمه، ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشده الحب ولا عدمه، وكان القياس يقتضي ذلك لما يوجد من كراهة بعض الناس

(3/120)


لولده وتبرمه منه ولا سيما من كان ضيق الحال، لكن لما كان الولد مظنة المحبة والشفقة نيط به الحكم وإن تخلف في بعض الأفراد. قوله: "إلا أدخله الله الجنة" في حديث عتبة بن عبد الله السلمي عند ابن ماجه بإسناد حسن نحو حديث الباب لكن فيه: "إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل" وهذا زائد على مطلق دخول الجنة، ويشهد له ما رواه النسائي بإسناد صحيح من حديث معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعا في أثناء حديث: "ما يسرك أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك". قوله: "بفضل رحمته إياهم" أي بفضل رحمة الله للأولاد. وقال ابن التين: قيل إن الضمير في رحمته للأب لكونه كان يرحمهم في الدنيا فيجازى بالرحمة في الآخرة والأول أولى، ويؤيده أن في رواية ابن ماجه من هذا الوجه "بفضل رحمة الله إياهم "وللنسائي من حديث أبي ذر "إلا غفر الله لهما بفضل رحمته" وللطبراني وابن حبان من حديث الحارث بن أقيش وهو بقاف ومعجمة مصغر مرفوعا: "ما من مسلمين يموت لهما أربعة أولاد إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته" وكذا في حديث عمرو بن عبسة كما سنذكره قريبا. وقال الكرماني: الظاهر أن المراد بقوله: "إياهم" جنس المسلم الذي مات أولاده لا الأولاد، أي بفضل رحمة الله لمن مات لهم، قال وساغ الجمع لكونه نكرة في سياق النفي فتعمم انتهى. وهذا الذي زعم أنه ظاهر ليس بظاهر، بل في غير هذا الطريق ما يدل على أن الضمير للأولاد، ففي حديث عمرو بن عبسة عند الطبراني "إلا أدخله الله برحمته هو وإياهم الجنة" وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعي المقدم ذكره "أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" قاله بعد قوله: "من مات له ولدان" فوضح بذلك أن الضمير في قوله: "إياهم" للأولاد لا للآباء والله أعلم. قوله: "حدثنا عبد الرحمن ابن الأصبهاني" في رواية الأصيلي: "أخبرنا" واسم والد عبد الرحمن المذكور عبد الله، قال البخاري في التاريخ: إن أصله من أصبهان لما فتحها أبو موسى. وقال غيره كان عبد الله يتجر إلى أصبهان فقيل له الأصبهاني، ولا منافاة بين القولين فيما يظهر لي. قوله: "عن ذكوان" هو أبو صالح السمان المذكور في الإسناد المعلق الذي يليه، وقد تقدم في العلم من رواية ابن الأصبهاني أيضا عن أبي حازم عن أبي هريرة، فتحصل له روايته عن شيخين، ولشيخه أبي صالح روايته عن شيخين. قوله: "اجعل لنا يوما" تقدم في العلم بأتم من هذا السياق مع الكلام منه على ما لا يتكرر هنا إن شاء الله تعالى. قوله: "أيما امرأة" إنما خص المرأة بالذكر لأن الخطاب حينئذ كان للنساء وليس له مفهوم لما في بقية الطرق. قوله: "ثلاثة" في رواية أبي ذر "ثلاث" وقد تقدم توجيهه. قوله: "من الولد" بفتحتين وهو يشمل الذكر والأنثى والمفرد والجمع. قوله: "كانوا" في رواية المستملي والحموي "كن" بضم الكاف وتشديد النون، وكأنه أنث باعتبار النفس أو النسمة. وفي رواية أبي الوقت "إلا كانوا لها حجابا". قوله: "قالت امرأة" هي أم سليم الأنصارية والدة أنس بن مالك كما رواه الطبراني بإسناد جيد عنها قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة لم يبلغوا الحلم إلا أدخله الجنة بفضل رحمته إياهم، فقلت: واثنان؟ قال: واثنان" وأخرجه أحمد لكن الحديث دون القصة، ووقع لأم مبشر الأنصارية أيضا السؤال عن ذلك، فروى الطبراني أيضا من طريق ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم مبشر فقال: يا أم مبشر، من مات له ثلاثة من الولد دخل الجنة. فقلت: يا رسول الله واثنان؟ فسكت ثم قال: نعم واثنان" وقد تقدم من حديث جابر بن سمرة أن أم أيمن ممن سأل عن ذلك ومن حديث ابن عباس أن عائشة أيضا منهن، وحكى ابن بشكوال أن أم

(3/121)


هانئ أيضا سألت عن ذلك، ويحتمل أن يكون كل منهن سأل عن ذلك في ذلك المجلس، وأما تعدد القصة ففيه بعد لأنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الاثنين بعد ذكر الثلاثة وأجاب بأن الاثنين كذلك فالظاهر أنه كان أوحي إليه ذلك في الحال، وبذلك جزم ابن بطال وغيره، وإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعدا جدا لأن مفهومه يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بالوحي بناء على القول بمفهوم العدد وهو معتبر هنا كما سيأتي البحث فيه، نعم قد تقدم في حديث جابر بن عبد الله أنه ممن سأل عن ذلك، وروى الحاكم والبزار من حديث بريدة أن عمر سأل عن ذلك أيضا ولفظه: " ما من امرئ ولا امرأة يموت له ثلاثة أولاد إلا أدخله الله الجنة. فقال عمر: يا رسول الله واثنان؟ قال: واثنان" . قال الحاكم صحيح الإسناد، وهذا لا بعد في تعدده لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به. قوله: "واثنان" قال ابن التين تبعا لعياض: هذا يدل على أن مفهوم العدد ليس بحجة لأن الصحابية من أهل اللسان ولم تعتبره إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة لكنها جوزت لك فسألته، كذا قال والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد إذ لو لم تعتبره لم تسأل، والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينية إنما هي محتملة ومن ثم وقع السؤال عن ذلك. قال القرطبي: وإنما خصمت الثلاثة بالذكر لأنها أول مراتب الكثرة فبعظم المصيبة يكثر الأجر، فأما إذا زاد عليها فقد يخف أمر المصيبة لأنها تصير كالعادة كما قيل:
روعت بالبين حتى ما أراع له. انتهى. وهذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة ثم في الاثنين بخلاف الأربعة والخمسة، وهو جمود شديد، فإن من مات له أربعة فقد مات له ثلاثة ضرورة لأنهم إن ماتوا دفعة واحدة فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خفاء بأن المصيبة بذلك أشد، وإن ماتوا واحدا بعد واحد فإن الأجر يحصل له عند موت الثالث بمقتضى وعد الصادق، فيلزم على قول القرطبي أنه إن مات له الرابع أن يرتفع عنه ذلك الأجر مع تجدد المصيبة وكفى بهذا فسادا، والحق أن تناول الخبر الأربعة فما فوقها من باب أولى وأحرى، ويؤيد ذلك أنهم لم يسألوا عن الأربعة ولا ما فوقها لأنه كالمعلوم عندهم إذ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم والله أعلم. وقال القرطبي أيضا: يحتمل أن يفترق الحال في ذلك بافتراق حال المصاب من زيادة رقة القلب وشدة الحب ونحو ذلك، وقد قدمنا الجواب عن ذلك.
" تنبيه ": قوله: "واثنان" أي وإذا مات اثنان ما الحكم؟ فقال: "واثنان "أي وإذا مات اثنان فالحكم كذلك. ووقع في رواية مسلم من هذا الوجه "واثنين بالنصب" أي وما حكم اثنين. وفي رواية سهل المتقدم ذكرها أو اثنان، وهو ظاهر في التسوية بين حكم الثلاثة والاثنين، وقد تقدم النقل عن ابن بطال أنه محمول على أنه أوحى إليه بذلك في الحال، ولا بعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين، ويحتمل أن يكون كان العلم عنده بذلك حاصلا لكنه أشفق عليهم أن يتكلوا لأن موت الاثنين غالبا أكثر من موت الثلاثة ما وقع في حديث معاذ وغيره في الشهادة بالتوحيد، ثم لما سئل عن ذلك لم يكن بد من الجواب والله أعلم. قوله: "وقال شريك إلخ" وصله ابن أبي شيبة عنه بلفظ: "حدثنا عبد الرحمن ابن الأصبهاني قال: أتاني أبو صالح يعزيني عن ابن لي فأخذ يحدث عن أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من امرأة تدفن ثلاثة أفراط إلا كانوا لها حجابا من النار. فقالت امرأة: يا رسول الله قدمت اثنين، قال: واثنين " ولم تسأله عن الواحد. قال أبو هريرة "من لم يبلغ الحنث" وهذا السياق ظاهره أن هذه الزيادة عن أبي هريرة موقوفة، ويحتمل أن يكون المراد أن أبا هريرة وأبا سعيد اتفقا على السياق المرفوع، وزاد أبو هريرة في حديثه هذا القيد وهو مرفوع أيضا، وقد تقدم في العلم

(3/122)


من طريق أخرى عن شعبة بالإسناد الأول وقال في آخره: "وعن ابن الأصبهاني سمعت أبا حازم عن أبي هريرة وقال: ثلاثة لم يبلغوا الحنث" وهذه الزيادة في حديث أبي سعيد من رواية شريك وفي حفظه نطر، لكنها ثابتة عند مسلم من رواية شعبة عن ابن الأصبهاني. وقوله: "ولم تسأله عن الواحد" تقدم ما يتعلق به في أول الباب ويأتي مزيد لذلك في "باب ثناء الناس على الميت" في أواخر كتاب الجنائز، ويأتي زيادة على ذلك في كتاب الرقاق في الكلام على الحديث الذي فيه موت الصبي وأن الصبي يتناول الولد الواحد. قوله: "حدثنا علي" هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة. قوله: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد " وقع في "الأطراف" للمزي هنا "لم يبلغوا الحنث" وليست في رواية ابن عينة عند البخاري ولا مسلم وإنما هي في متن الطريق الآخر، وفائدة إيراد هذه الطريق الأخيرة عن أبي هريرة أيضا ما في سياقها من العموم في قوله: "لا يموت لمسلم إلخ" لشموله النساء والرجال، بخلاف روايته الماضية فإنها مقيدة بالنساء. قوله: "فيلج النار" بالنصب لأن الفعل المضارع ينصب بعد النفي بتقدير أن، لكن حكى الطيبي أن شرطه أن يكون بين ما قبل الفاء وما بعدها سببية ولا سببية هنا إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سببا لولوج من ولدهم النار، قال: وإنما الفاء بمعنى الواو التي للجمع وتقريره لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من ولده وولوجه النار، لا محيد عن ذلك إن كانت الرواية بالنصب، وهذا قد تلقاه جماعة عن الطيبي وأقروه عليه، وفيه نظر لأن السببية حاصلة بالنظر إلى الإسناء لأن الاستثناء بعد النفي إثبات، فكأن المعنى أن تخفيف الولوج مسبب عن موت الأولاد، وهو ظاهر لأن الولوج عام وتخفيفه يقع بأمور منها موت الأولاد بشرطه، وما ادعاه من أن الفاء بمعنى الواو التي للجمع فيه نظر، ووجدت في شرح المشارق للشيخ أكمل الدين المعنى أن الفعل الثاني لم يحصل عقب الأول فكأنه نفي وقوعهما بصفة أن يكون الثاني عقب الأول لأن المقصود نفي الولوج عقب الموت، قال الطيبي: وإن كانت الرواية بالرفع فمعناه لا يوجد ولوج النار عقب موت الأولاد إلا مقدارا يسيرا انتهى. ووقع في رواية مالك عن الزهري كما سيأتي في الأيمان والنذور بلفظ: " لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تحلة القسم" وقوله تمسه بالرفع جزما والله أعلم. قوله: "إلا تحلة القسم" بفتح المثناة وكسر المهملة وتشديد اللام أي ما ينحل به القسم وهو اليمين وهو مصدر حلل اليمين أي كفرها يقال حلل تحليلا وتحلة وتحلا بغير هاء والثالث شاذ. وقال أهل اللغة يقال فعلته تحلة القسم أي قدر ما حللت به يميني ولم أبالغ. وقال الخطابي: حللت القسم تحلة أي أبررتها. وقال القرطبي: اختلف في المراد بهذا القسم فقيل هو معين وقيل غير معين. فالجمهور على الأول، وقيل لم يعن به قسم بعينه وإنما معناه التقليل لأمر ورودها وهذا اللفظ يستعمل في هذا تقول: لا ينام هذا إلا لتحليل الألية، وتقول ما ضربته إلا تحليلا إذا لم تبالغ في الضرب أي قدرا يصيبه منه مكروه. وقيل: الاستثناء بمعنى الواو أي لا تمسه النار قليلا ولا كثيرا ولا تحلة القسم، وقد جوز الفراء والأخفش مجيء إلا بمعنى الواو وجعلوا منه قوله تعالى: {لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ} والأول قول الجمهور وبه جزم أبو عبيد وغيره, وقالوا: المراد به قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال الخطابي: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها ولكنه يدخلها مجتازا ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يحلل به الرجل يمينه، ويدل على ذلك ما وقع عند عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في آخر هذا الحديث: "إلا تحلة القسم " يعني الورود. وفي سنن سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة في آخره: ثم قرأ سفيان {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} ومن

(3/123)


طريق زمعة بن صالح عن الزهري في آخره: قيل وما تحلة القسم؟ قال: قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} وكذا وقع في رواية كريمة في الأصل، قال أبو عبد الله {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} وكذا حكاه عبد الملك بن حبيب عن مالك في تفسير هذا الحديث، وورد نحوه من طريق أخرى في هذا الحديث رواه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن بشر الأنصاري مرفوعا: " من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل" يعني الجواز على الصراط، وجاء مثله من حديث آخر أخرجه الطبراني من حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه مرفوعا: " من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم فإن الله عز وجل قال: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} , واختلف في موضع القسم من الآية فقيل هو مقدر أي والله إن منكم، وقيل معطوف على القسم الماضي في قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} أي وربك إن منكم، وقيل هو مستفاد من قوله تعالى: {حَتْماً مَقْضِيّاً} أي قسما واجبا كذا رواه الطبراني وغيره من طريق مرة عن ابن مسعود ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد ومن طريق سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية. وقال الطيبي يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق، فإن قوله: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ} تذييل وتقرير لقوله: {وَإِنْ مِنْكُمْ} فهذا بمنزلة القسم بل أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات، واختلف السلف في المراد بالورود في الآية، فقيل هو الدخول روى عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار أخبرني من سمع من ابن عباس فذكره، وروى أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعا: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما"، وروى الترمذي وابن أبي حاتم من طريق السدي سمعت مرة يحدث عن عبد الله بن مسعود قال يردونها أو يلجونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم، قال عبد الرحمن ابن مهدي قلت لشعبة: إن إسرائيل يرفعه، قال: صدق وعمدا أدعه. ثم رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل مرفوعا، وقيل المراد بالورود الممر عليها رواه الطبري وغيره من طريق بشر بن سعيد عن أبي هريرة، ومن طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، ومن طريق معمر وسعيد عن قتادة، ومن طريق كعب الأحبار وزاد: "يستوون كلهم على متنها، ثم ينادي مناد أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، فيخرج المؤمنون ندية أبدانهم"، وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك ولا تنافي بينهما، لأن من عبر بالدخول تجوز به عن المرور، ووجهه أن المار عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم فأعلاهم درجة من يمر كلمع البرق كما سيأتي تفصيل ذلك عند شرح حديث الشفاعة في الرقاق إن شاء الله تعالى، ويؤيد صحة هذا التأويل ما رواه مسلم من حديث أم مبشر "إن حفصة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال: لا يدخل أحد شهد الحديبية النار: أليس الله يقول: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} فقال لها: أليس الله تعالى يقول: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} الآية" وفي هذا بيان ضعف قول من قال الورود مختص بالكفار ومن قال معنى الورود الدنو منها ومن قال معناه الإشراف عليها ومن قال معنى ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى، على أن هذا الأخير ليس ببعيد ولا ينافيه بقية الأحاديث والله أعلم. وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدم أن أولاد المسلمين في الجنة لأنه يبعد أن الله يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء ولا يرحم الأبناء قاله المهلب. وكون أولاد المسلمين في الجنة قاله الجمهور ووقفت طائفة قليلة وسيأتي البحث في ذلك في أواخر كتاب

(3/124)


الجنائز إن شاء الله تعالى، وفيه أن من حلف أن لا يفعل1 كذا ثم فعل منه شيئا ولو قل برت يمينه خلافا لمالك قاله عياض وغيره.
ـــــــ
1 كذا في النسخ, والصواب "أن يفعل" باسقاط حرف النفي, وبذلك يستقيم الكلام. والله أعلم

(3/125)


7 - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ اصْبِرِي
12452 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي"
[الحديث 1252 - أطر]فه في: 1283, 1302, 7154
قوله: "باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري" قال الزين بن المنير ما محصله: عبر بقوله رجل ليوضح أن ذلك لا يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعبر بالقول دون الموعظة ونحوها لكون ذلك الأمر يقع على القدر المشترك من الوعظ وغيره، واقتصر على ذكر الصبر دون التقوى لأنه المتيسر حينئذ المناسب لما هي فيه. قال: وموضع الترجمة من الفقه جواز مخاطبة الرجال النساء في مثل ذلك بما هو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو موعظة أو تعزية وأن ذلك لا يختص بعجوز دون شابة لما يترتب عليه من المصالح الدينية والله أعلم. قوله: "حدثنا آدم" سيأتي هذا الحديث بهذا الإسناد بعينه أتم من هذا في "باب زيارة القبور "بعد زياد على عشرين بابا، وسيأتي الكلام عليه هناك مستوفي إن شاء الله تعالى. ومناسبة هذه الترجمة لما قبلها لجامع ما بينهما من مخاطبة الرجل المرأة بالموعظة، لأن في الأول جواز مخاطبتها بما يرغبها في الأجر إذا احتسبت مصيبتها، وفي هذا مخاطبتها بما يرهبها من الإثم لما تضمنه الحديث من الإشارة إلى أن عدم الصبر ينافي التقوى. والله أعلم.

(3/125)


8 - باب غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ
وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْمُسْلِمُ لاَ يَنْجُسُ حَيًّا وَلاَ مَيِّتًا وَقَالَ سَعِيدٌ لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ لاَ يَنْجُسُ"
1253 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ تَعْنِي إِزَارَهُ"
قوله: "باب غسل الميت ووضوئه" أي بيان حكمه، وقد نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور لمالكية حتى أن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة، ولكن

(3/125)


9 - باب مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغْسَلَ وِتْرًا
1254 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ" فَقَالَ أَيُّوبُ وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ وَكَانَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ اغْسِلْنَهَا وِتْرًا وَكَانَ فِيهِ " ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا " وَكَانَ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: " ابْدَءُوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" وَكَانَ فِيهِ "أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ وَمَشَطْنَاهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ"
قوله: "باب ما يستحب أن يغسل وترا" قال الزين بن المنير: يحتمل أن تكون "ما" مصدرية أو موصولة، والثاني أظهر. كذا قال وفيه نظر، لأنه لو كان المراد ذلك لوقع التعبير بمن التي لمن يعقل. ثم أورد المصنف فيه حديث أم عطية أيضا من رواية أيوب عن محمد وليس فيه التصريح بالوتر، ومن رواية أيوب قال حدثتني حفصة وفيه ذلك، وقد تقدم الكلام فيه قبل. ومحمد شيخه لم ينسب في أكثر الروايات، وقع عند الأصيلي حدثنا محمد بن المثنى. وقال الجياني: يحتمل أن يكون محمد بن سلام. وأخرجه الإسماعيلي من رواية محمد بن الوليد وهو البسري عن عبد الوهاب وهو من شيوخ البخاري أيضا. قوله: "فقال أيوب" كذا للأكثر بالفاء وهو بالإسناد المذكور، ووقع عند الأصيلي وقال بالواو فربما ظن معلقا وليس كذلك. وقد رواه الإسماعيلي بالإسنادين معا موصولا وسيأتي الكلام على ما في رواية حفصة من الزيادة فيما بعد. وقوله فيه: "وترا ثلاثا أو خمسا" استدل به على أن أقل الوتر ثلاث، ولا دلالة فيه لأنه سيق مساق البيان للمراد إذ لو أطلق لتناول الواحدة فما فوقها.

(3/130)


10 - باب يُبْدَأُ بِمَيَامِنِ الْمَيِّتِ
1525 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا"
قوله: "باب يبدأ بميامن الميت" أي عند غسله، وكأنه أطلق في الترجمة ليشعر بأن غير الغسل يلحق به قياسا عليه. قوله: "حدثنا خالد" هو الحذاء، وحفصة هي بنت سيرين. قوله. "في غسل ابنته" في رواية هشيم عن خالد عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أمرها أن تغسل ابنته قال لها.. فذكره. قوله: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء

(3/130)


11 - باب مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَيِّتِ
1256 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "لَمَّا غَسَّلْنَا بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا: ابْدَءُوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ "
قوله: "باب مواضع الوضوء من الميت" أي يستحب البداءة بها. قوله: "سفيان" هو الثوري. قوله: "ابدؤوا" كذا للأكثر وللكشميهني: "ابدأن" وهو الوجه1 لأنه خطاب للنسوة. قوله: "ومواضع الوضوء" زاد أبو ذر "منها" واستدل به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت خلافا للحنفية، بل قالوا: لا يستحب وضوؤه أصلا، وإذا قلنا باستحبابه فهل يكون وضوءا حقيقيا بحيث يعاد غسل تلك لأعضاء في الغسل أو جزءا من الغسل بدئت به هذه الأعضاء تشريفا؟ الثاني أظهر من سياق الحديث، والبداءة بالميامن وبمواضع الوضوء مما زادته حفصة في روايتها عن أم عطية على أخيها محمد، وكذا المشط والضفر كما سيأتي.
ـــــــ
1 في نسخة "وهو الأوجه"

(3/131)


12 - باب هَلْ تُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي إِزَارِ الرَّجُلِ
1257 - حدثنا عبد الرحمن بن حماد أخبرنا بن عون عن محمد عن أم عطية قالت "توفيت بنت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لنا: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن, فإذا فرغتن فآذنني. فلما فرغنا آذناه, فنزع من حقوه إزاره وقال: أشعرنها إياه"
قوله: "باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل" أورد فيه حديث أم عطية أيضا. وشاهد الترجمة قوله فيه: "فأعطاها إزاره" قال ابن رشيد: أشار بقوله: "هل" إلى تردد عنده في المسألة، فكأنه أومأ إلى احتمال اختصاص ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن المعنى الموجود فيه من البركة ونحوها قد لا يكون في غيره ولا سيما مع قرب عهده بعرقه الكريم، ولكن الأظهر الجواز، وقد نقل ابن بطال الاتفاق على ذلك، لكن لا يلزم من ذلك التعقب على البخاري لأنه إنما ترجم بالنظر إلى سياق الحديث وهو قابل للاحتمال. وقال الزين بن المنير نحوه وزاد احتمال الاختصاص بالمحرم أم بمن يكون في مثل إزار النبي صلى الله عليه وسلم وجسده من تحقق النظافة وعدم نفرة الزوج وغيرته أن تلبس زوجته لباس غيره.

(3/131)


باب يجعل الكافور في الأخيرة
...
13 - باب يُجْعَلُ الْكَافُورُ فِي آخِرِهِ
1258 - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ "تُوُفِّيَتْ

(3/131)


14 - باب نَقْضِ شَعَرِ الْمَرْأَةِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لاَ بَأْسَ أَنْ يُنْقَضَ شَعَرُ الْمَيِّتِ
1260 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَيُّوبُ وَسَمِعْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ قَالَتْ حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلْنَهُ ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاَثَةَ قُرُونٍ"
قوله: "باب نقض شعر المرأة" أي الميتة قبل الغسل، والتقييد بالمرأة خرج مخرج الغالب أو الأكثر، وإلا فالرجل إذا كان له شعر ينقض لأجل التنظيف وليبلغ الماء البشرة، وذهب من منعه إلى أنه قد يفضي إلى انتتاف شعره، وأجاب من أثبته بأنه يضم إلى ما انتثر منه. قوله: "وقال ابن سيرين إلخ" وصله سعيد بن منصور من طريق أيوب عنه. قوله: "حدثنا أحمد" كذا للأكثر غير منسوب، ونسبه أبو علي بن شبويه عن الفربري "أحمد بن صالح". قوله: "قال أيوب" في رواية الإسماعيلي من طريق حرملة عن ابن وهب عن ابن جريج "أن أيوب بن أبي تميمة أخبره". قوله: "وسمعت" هو معطوف على محذوف تقديره سمعت كذا وسمعت حفصة، وسيأتي بيانه في الباب الذي بعده. قوله: "أنهن جعلن رأس بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة قرون نقضنه ثم غسلنه" في رواية الإسماعيلي: "قالت نقضته" والظاهر أن القائلة أم عطية، ولعبد الرزاق عن معمر عن أيوب في هذا الحديث: "فقلت نقضته فغسلته

(3/132)


فجعلته ثلاثة قرون قالت نعم" والمراد بالرأس شعر الرأس فهو من مجاز المجاورة، وفائدة النقض تبليغ الماء البشرة وتنظيف الشعر من الأوساخ. ولمسلم من رواية أيوب عن حفصة عن أم عطية "مشطناها ثلاثة قرون" وهو بتخفيف المعجمة أي سرحناها بالمشط، وفيه حجة للشافعي ومن وافقه على استحباب تسريح الشعر، واعتل من كرهه بتقطيع الشعر، والرفق يؤمن معه ذلك.

(3/133)


15 - باب كَيْفَ الإِشْعَارُ لِلْمَيِّتِ ؟
وَقَالَ الْحَسَنُ الْخِرْقَةُ الْخَامِسَةُ تَشُدُّ بِهَا الْفَخِذَيْنِ وَالْوَرِكَيْنِ تَحْتَ الدِّرْعِ
1261 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ "جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا امْرَأَةٌ مِنْ الأَنْصَارِ مِنْ اللاَتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَتْ الْبَصْرَةَ تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ فَحَدَّثَتْنَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي قَالَتْ فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ" وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ. وَلاَ أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ وَزَعَمَ أَنَّ الإِشْعَارَ الْفُفْنَهَا فِيهِ وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَأْمُرُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ وَلاَ تُؤْزَرَ
قوله: "باب كيف الإشعار للميت" أورد فيه حديث أم عطية أيضا، وإنما أفرد له هذه الترجمة لقوله في هذا السياق "وزعم أن الإشعار الففنها فيه" وفيه اختصار والتقدير وزعم أن معنى قوله أشعرنها إياها الففنها، وهو ظاهر اللفظ، لأن الشعار ما يلي الجسد من الثياب. والقائل في هذه الرواية: "وزعم" هو أيوب. وذكر ابن بطال أنه ابن سيرين، والأول أولى، ومد بينه عبد الرزاق في روايته عن ابن جريج قال: "قلت لأيوب قوله أشعرنها تؤزر به؟ قال: ما أراه إلا قال الففنها فيه". قوله: "وقال الحسن الخرقة الخامسة إلخ" هذا يدل على أن أول الكلام أن المرأة تكفن في خمسة أثواب. وقد وصله ابن أبي شيبة نحوه. وروى الجوزقي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام عن حفصة عن أم عطية قالت: "فكفناها في خمسة أثواب وخمرناها كما يخمر الحي" وهذه الزيادة صحيحة الإسناد، وقول الحسن في الخرقة الخامسة قال به زفر. وقالت طائفة: تشد على صدرها لتضم أكفانها، وكأن المصنف أشار إلى موافقة قول زفر: ولا يكره القميص للمرأة على الراجح عند الشافعية والحنابلة. قوله: "حدثنا أحمد" كذا للأكثر غير منسوب. وقال أبو علي بن شبويه في روايته: "حدثنا أحمد يعني ابن صالح".
"فائدة": قوله: "ولا أدري أي بناته" هو مقول أيوب، وفيه دليل على أنه لم يسمع تسميتها من حفصة، وقد تقدم قريبا من وجه آخر عنه أنها أم كلثوم.

(3/133)


16 - باب هَلْ يُجْعَلُ شَعَرُ الْمَرْأَةِ ثَلاَثَةَ قُرُونٍ
قوله: "باب يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون" أي ضفائر.
1262 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" تَعْنِي ثَلاَثَةَ قُرُونٍ وَقَالَ وَكِيعٌ قَالَ سُفْيَانُ "نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا"

(3/133)


17 - باب يُلْقَى شَعَرُ الْمَرْأَةِ خَلْفَهَا
1263 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ قَالَ حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا"
قوله: "باب يلقى شعر المرأة خلفها" في رواية الأصيلي وأبي الوقت "يجعل" وزاد الحموي "ثلاثة قرون" ثم أورد المصنف حديث أم عطية من رواية هشام بن حسان عن حفصة وفيه: "فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها" أخرجه مسدد عن يحيى بن سعيد، وقد أخرجه النسائي عن عمرو بن علي عن يحيى بلفظ: "ومشطناها" وقد تقدم ذلك من رواية الثوري عن هشام أيضا، وعند عبد الرزاق من طريق أيوب عن حفصة "ضفرنا رأسها ثلاثة قرون ناصيتها وقرنيها وألقيناه إلى خلفها" قال ابن دقيق العيد: فيه استحباب تسريح المرأة وتضفيرها، وزاد بعض الشافعية أن تجعل الثلاث خلف ظهرها، وأورد فيه حديثا غريبا، كذا قال وهو مما يتعجب منه مع كون الزيادة في صحيح البخاري، وقد توبع راويها عليها كما تراه. في هذا الحديث من الفوائد -غير ما تقدم في هذه التراجم العشر- تعليم الإمام من لا علم له بالأمر الذي يقع فيه، وتفويضه إليه إذا كان أهلا لذلك بعد أن ينبهه على علة الحكم.

(3/134)


واستدل به على أن الغسل من غسل الميت ليس بواجب لأنه موضع تعليم ولم يأمر به، وفيه نظر لاحتمال أن يكون شرع بعد هذه الواقعة. وقال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بوجوبه. وكأنه ما درى أن الشافعي علق القول به على صحة الحديث، والخلاف فيه ثابت عند المالكية وصار إليه بعض الشافعية أيضا. وقال ابن بزيزة: الظاهر أنه مستحب، والحكمة فيه تتعلق بالميت، لأن الغاسل إذا علم أنه سيغتسل لم يتحفظ من شيء يصيبه من أثر الغسل فيبالغ في تنظيف الميت وهو مطمئن، ويحتمل أن يتعلق بالغاسل ليكون عند فراغه على يقين من طهارة جسده مما لعله أن يكون أصابه من رشاش ونحوه انتهى1 واستدل به بعض الحنفية على أن الزوج لا يتولى غسل زوجته، لأن زوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضرا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم النسوة بغسل ابنته دون الزوج، وتعقب بأنه يتوقف على صحة دعوى أنه كان حاضرا، وعلى تقدير تسليمه فيحتاج إلى ثبوت أنه لم يكن به مانع من ذلك ولا آثر النسوة على نفسه، وعلى تسليمه فغاية ما فيه أن يستدل به على أن النسوة أولى منه لا على منعه من ذلك لو أراده. والله أعلم بالصواب.
ـــــــ
1 وقال بعضهم "إن الحكمة في ذلك –والله أعلم– جبر ما يحصل للغاسل من الضعف بسبب مشاهدة الميت وذكر الموت وما بعده, وهو معنى مناسب. والله أعلم

(3/135)


18 - باب الثِّيَابِ الْبِيضِ لِلْكَفَنِ
1264 - حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب يمانية وعثمان سحولية من كرسف ليس فيهن قميص ولا عمامة"
[الحديث 1264 – أطرافه في: 1271, 1272, 1273, 13887]
قوله: "باب الثياب البيض للكفن" أورد فيه حديث عائشة "كفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض" الحديث، وتقرير الاستدلال به أن الله لم يكن ليختار لنبيه إلا الأفضل، وكأن المصنف لم يثبت على شرطه الحديث الصريح في الباب وهو ما رواه أصحاب السنن من حديث ابن عباس بلفظ: "البسوا ثياب البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم" صححه الترمذي والحاكم، وله شاهد من حديث سمرة بن جندب أخرجوه وإسناده صحيح أيضا، وحكى بعض من صنف في الخلاف عن الحنفية أن المستحب عندهم أن يكون في أحدها ثوب حبرة، وكأنهم أخذوا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام كفن في ثوبين وبرد حبرة أخرجه أبو داود من حديث جابر وإسناده حسن، لكن روى مسلم والترمذي من حديث عائشة أنهم نزعوها عنه، قال الترمذي: وتكفينه في ثلاثة أثواب بيض أصح ما ورد في كفنه. وقال عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة "لف في برد حبرة جفف فيه ثم نوع عنه" يمكن أن يستدل لهم بعموم حديث أنس "كان أحب اللباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبرة" أخرجه الشيخان، وسيأتي في اللباس. والحبرة بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة ما كان من البرود مخططا.

(3/135)


19 - باب الْكَفَنِ فِي ثَوْبَيْنِ
1265 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ

(3/135)


20 - باب الْحَنُوطِ لِلْمَيِّتِ
1266 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ أَوْ قَالَ فَأَقْعَصَتْهُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلاَ تُحَنِّطُوهُ وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا"
قوله: "باب الحنوط للميت" أي غير المحرم. حديث ابن عباس المذكور في الباب ورد عن شيخ آخر، وشاهد الترجمة قوله: "ولا تحنطوه" ثم علل بأنه يبعث ملبيا، فدل على أن سبب النهي أنه كان محرما، فإذا انتفت العلة انتفى النهي، وكأن الحنوط للميت كان مقررا عندهم. وكذا قوله: "لا تخمروا رأسه" أي لا تغطوه، قال البيهقي: فيه دليل على أن غير المحرم يحنط كما يخمر رأسه، وأن النهي إنما وقع لأجل الإحرام خلافا لمن قال من المالكية غيرهم إن الإحرام ينقطع بالموت فيصنع بالميت ما يصنع بالحي، قال ابن دقيق العيد: وهو مقتضى القياس، لكن الحديث بعد أن ثبت يقدم على القياس، وقد قال بعض المالكية: إثبات الحنوط في هذا الخبر بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم، ولكنها واقعة حال يتطرق الاحتمال إلى منطوقها فلا يستدل بمفهومها. وقال بعض

(3/136)


الحنفية: هذا الحديث ليس عاما بلفظه لأنه في شخص معين، ولا بمعناه لأنه لم يقل يبعث ملبيا لأنه محرم فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل منفصل. وقال ابن بزيزة: وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأن هذا مخصوص بذلك الرجل لأن إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه يبعث ملبيا شهادة بأن حجه قبل، وذلك غير محقق لغيره، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام فتعم كل محرم، وأما القبول وعدمه فأمر مغيب. واعتل بعضهم بقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} وبقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث" وليس هذا منها فينبغي أن ينقطع عمله بالموت، وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه وتبقيته على هيئة إحرامه من عمل الحي بعده كغسله والصلاة عليه فلا معنى لما ذكروه. وقال ابن المنير في الحاشية: وقد قال صلى الله عليه وسلم في الشهداء "زملوهم بدمائهم" مع قوله: "والله أعلم بمن يكلم في سبيله" فعمم الحكم في الظاهر بناء على ظاهر السبب فينبغي أن يعمم الحكم في كل محرم، وبين المجاهد والمحرم جامع لأن كلا منهما في سبيل الله. وقد اعتذر الداودي عن مالك فقال: لم يبلغه هذا الحديث، وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقيا لوجب أن يكمل به المناسك ولا قائل به. وأجيب بأن ذلك ورد على خلافه الأصل فيقتصر به على مورد النص ولا سيما وقد وضح، أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام كاستبقاء دم الشهيد.

(3/137)


21 - باب كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ
1267 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ "أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلاَ تُمِسُّوهُ طِيبًا وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا"
1268 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ "كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ قَالَ أَيُّوبُ فَوَقَصَتْهُ - وَقَالَ عَمْرٌو فَأَقْصَعَتْهُ - فَمَاتَ فَقَالَ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلاَ تُحَنِّطُوهُ وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَيُّوبُ يُلَبِّي وَقَالَ عَمْرٌو مُلَبِّيًا"
قوله: "باب كيف يكفن المحرم" سقطت هذه الترجمة للأصيلي وثبتت لغيره وهو أوجه. وأورد المصنف فيها حديث ابن عباس المذكور من طريقين، ففي الأول "فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" كذا للمستملي وللباقين "ملبدا" بدال بدل التحتانية، والتلبيد جمع الشعر بصمغ أو غيره ليخف شعثه، وكانت عادتهم في الإحرام أن يصنعوا ذلك. وقد أنكر عياض هذه الرواية وقال: ليس للتلبيد معنى، وسيأتي في الحج بلفظ: "يهل" ورواه النسائي بلفظ: "فإنه يبعث يوم القيامة محرما" لكن ليس قوله ملبدا فاسد المعنى بل توجيهه ظاهر. قوله في الرواية الأخرى "كان رجل واقفا" كذا لأبي ذر وللباقين "واقف" على أنه صفة لرجل، وكان تامة أي حصل رجل واقف. قوله: "ولا تمسوه" بضم أوله وكسر الميم من أمس. قوله: "فأقصعته" أي هشمته يقال أقصع القملة إذا هشمها، وقيل هو خاص بكسر العظم، ولو سلم فلا مانع أن يستعار لكسر الرقبة. وفي رواية الكشميهني بتقديم العين على الصاد، والقعص القتل في الحال ومنه قعاص الغنم وهو موتها. قال الزين بن

(3/137)


المنير: تضمنت هذه الترجمة الاستفهام عن الكيفية مع أنها مبينة، لكنها لما كانت تحتمل أن تكون خاصة بذلك الرجل، وأن تكون عامة لكل محرم، آثر المصنف الاستفهام. قلت: والذي يظهر أن المراد بقوله: "كيف يكفن" أي كيفية التكفين ولم يرد الاستفهام، وكيف يظن به أنه متردد فيه وقد جزم قبل ذلك بأنه عام في حق كل أحد حيث ترجم بجواز التكفين في ثوبين. قال ابن المنذر: في حديث ابن عباس إباحة غسل المحرم الحي بالسدر خلافا لمن كرهه له، وأن الوتر في الكفن ليس بشرط في الصحة، وأن الكفن من رأس المال لأمره صلى الله عليه وسلم بتكفينه في ثوبيه ولم يستفصل هل عليه دين يستغرق أم لا. وفيه استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأن إحرامه باق، وأنه لا يكفن في المخيط. وفيه التعليل بالفاء لقوله فإنه، وفيه التكفين في الثياب الملبوسة، وفيه استحباب دوام التلبية إلى أن ينتهي الإحرام، وأن الإحرام يتعلق بالرأس لا بالوجه، وسيأتي الكلام على ما وقع في مسلم بلفظ: "ولا تخمروا وجهه "في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. وأغرب القرطبي فحكى عن الشافعي أن المحرم لا يصلي عليه، وليس ذلك بمعروف عنه.
" فائدة ": يحتمل اقتصاره له على التكفين في ثوبيه لكونه مات فيهما وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد له غيرهما.

(3/138)


باب الكفن في القيص الذي يكف أو لايكف ومن كفن بغير قميص
...
22 - باب الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لاَ يُكَفُّ وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ
1269 - حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله قال حدثني نافع عن بن عمر رضي الله عنهما "أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قميصه فقال آذني أصلي عليه فآذنه فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر رضي الله عنه فقال أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين فقال أنا بين خيرتين قال {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} فصلى عليه, فنزلت {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً}
[الحديث 1269 – أطرافه في: 4670, 4672, 7596]
1270 - حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا بن عيينة عن عمرو سمع جابرا رضي الله عنه قال "أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه"
[الحديث 1270 – أطرافه في: 1350, 3008, 5795]
قوله: "باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف" قال ابن التين: ضبط بعضهم يكف بضم أوله وفتح الكاف وبعضهم بالعكس، والفاء مشدودة فيهما. وضبطه بعضهم بفتح أوله وسكون الكاف وتخفيف الفاء وكسرها، والأول أشبه بالمعنى. وتعقبه ابن رشيد بأن الثاني هو الصواب قال: وكذا وقع في نسخة حاتم الطرابلسي، وكذا رأيته في أصل أبي القاسم بن الورد، قال: والذي يظهر لي أن البخاري لحظ قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} أي أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله بن أبي قميصه سواء كان يكف عنه العذاب أو لا يكف استصلاحا للقلوب

(3/138)


المؤلفة، فكأنه يقول يؤخذ من هذا التبرك بآثار الصالحين1 سواء علمنا أنه مؤثر في حال الميت أو لا. قال: ولا يصح أن يراد به سواء كان الثوب مكفوف الأطراف أو غير مكفوف لأن ذلك وصف لا أثر له، قال: وأما الضبط الثالث فهو لحن إذ لا موجب لحذف الياء الثانية فيه انتهى. وقد جزم المهلب بأنه الصواب، وأن الياء سقطت من الكاتب غلطا، قال ابن بطال: والمراد طويلا كان القميص سابغا أو قصيرا فإنه يجوز أن يكفن فيه، كذا قال، ووجهه بعضهم بأن عبد الله كان مفرط الطول كما سيأتي في ذكر السبب في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم له قميصه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معتدل الخلق، وقد أعطاه مع ذلك قميصه ليكفن فيه ولم يلتفت إلى كونه ساترا لجميع بدنه أو لا. وتعقب بأن حديث جابر دال على أنه كفن في غيره فلا تنتهض الحجة بذلك. وأما قول ابن رشيد إن المكفوف الأطراف لا أثر له فغير مسلم، بل المتبادر إلى الذهن أنه مراد البخاري كما فهمه ابن التين، والمعنى أن التكفين في القميص ليس ممتنعا سواء كان مكفوف الأطراف أو غير مكفوف، أو المراد بالكف تزريره دفعا لقول من يدعي أن القميص لا يسوغ إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة أو كان غير مزرر ليشبه الرداء، وأشار بذلك إلى الرد على من خالف في ذلك، وإلى أن التكفين في غير قميص مستحب، ولا يكره التكفين في القميص. وفي الخلافيات للبيهقي من طريق ابن عون قال: كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففا مزررا، وسيأتي الكلام على حديث عبد الله بن عمر في قصة عبد الله بن أبي في تفسير براءة إن شاء الله تعالى، ونذكر فيه جواب الإشكال الواقع في قول عمر: أليس الله قد نهاك أن تصلي على المنافقين؟ مع أن نزول قوله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً} كان بعد ذلك كما سيأتي في سياق حديث الباب حيث قال: فنزلت: {وَلا تُصَلِّ} ، ومحصل الجواب أن عمر فهم من قوله: {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} منع الصلاة عليهم، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن لا منع، وأن الرجاء لم ينقطع بعد. ثم إن ظاهر قوله في حديث جابر "أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه" مخالف لقوله في حديث ابن عمر "لما مات عبد الله بن أبي جاء ابنه فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه، فأعطاه قميصه وقال: آذني أصلي عليه، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر" الحديث. وقد جمع بينهما بأن معنى قوله في حديث ابن عمر "فأعطاه" أي أنعم له بذلك، فأطلق على العدة اسم العطية مجازا لتحقيق وقوعها. وكذا قوله في حديث جابر "بعد ما دفن عبد الله بن أبي" أي دلي في حفرته، وكأن أهل عبد الله بن أبي خشوا على النبي صلى الله عليه وسلم المشقة في حضوره فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته فأمر بإخراجه إنجازا لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه والله أعلم. وقيل: أعطاه صلى الله عليه وسلم أحد قميصيه أولا، ثم لما حضر أعطاه الثاني بسؤال ولده. وفي "الإكليل" للحاكم ما يؤيد ذلك. وقيل: ليس في حديث جابر دلالة على أنه ألبسه قميصه بعد إخراجه من القبر، لأن لفظه: "فوضعه على ركبتيه وألبسه قميصه" والواو لا ترتب فلعله أراد أن يذكر ما وقع في الجملة من إكرامه له من غير إرادة ترتيب، وسيأتي في الجهاد ذكر السبب في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لعبد الله بن أبي، وبقية القصة في التفسير وأن اسم ابنه المذكور عبد الله كاسم أبيه إن شاء الله تعالى. واستنبط منه الإسماعيلي جواز طلب أثار أهل الخير منهم للتبرك بها وإن كان السائل غنيا.
ـــــــ
1 أنظر ما تقدم في ص 130 وغيرها من منع التبرك بآثار الصالحين سوي النبي صلى الله عليه وسلم

(3/139)


23 - باب الْكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ
1271 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "كُفِّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابِ سُحُولٍ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ"
1272 - حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن هشام حدثني أبي عن عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة"
قوله: "باب الكفن بغير قميص" ثبتت هذه الترجمة للأكثر وسقطت للمستملي، ولكنه ضمنها الترجمة التي قبلها فقال بعد قوله أو لا يكف "ومن كفن بغير قميص" والخلاف في هذه المسألة بين الحنفية وغيرهم في الاستحباب وعدمه، والثاني عن الجمهور، وعن بعض الحنفية يستحب القميص دون العمامة. وأجاب بعض من خالف بأن قولها ليس فيها قميص ولا عمامة يحتمل نفي وجودهما جملة، ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود أي الثلاثة خارجة عن القميص والعمامة والأول أظهر. وقال بعض الحنفية: معناه ليس فيها قميص أي جديد، وقيل ليس فيها القميص الذي غسل فيه، أو ليس فيها قميص مكفوف الأطراف. قوله. "حدثنا سفيان" هو الثوري. قوله: "سحول" بضم المهملتين وآخره لام أي بيض، وهو جمع سحل، والثوب الأبيض النقي لا يكون إلا من قطن، وقد تقدم في "باب الثياب البيض للكفن" بلفظ: "يمانية بيض سحولية في كرسف" وعن ابن وهب: السحول القطن، وفيه نظر، وهو بضم أوله ويروى بفتحه نسبة إلى سحول قرية باليمن. وقال الأزهري: بالفتح المدينة، وبالضم الثياب. وقيل النسب إلى القرية بالضم، وأما بالفتح فنسبة إلى القصار لأنه يسحل الثياب أي ينقيها، والكرسف بضم الكاف والمهملة بينهما راء ساكنة هو القطن، ووقع في رواية للبيهقي "سحولية جدد"

(3/140)


24 - باب الْكَفَنِ بِلاَ عِمَامَةٍ
1273 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ"
قوله: "باب الكفن بلا عمامة" كذا للأكثر، وللمستملي: "الكفن في الثياب البيض" والأول أولى لئلا تتكرر الترجمة بغير فائدة، وقد تقدم ما في هذا النفي في الباب الذي قبله. قوله: "ثلاثة أثواب" في طبقات ابن سعد عن الشعبي "إزار ورداء ولفافة".

(3/140)


25 - باب الْكَفَنُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَتَادَةُ
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الْحَنُوطُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ يُبْدَأُ بِالْكَفَنِ ثُمَّ بِالدَّيْنِ ثُمَّ بِالْوَصِيَّةِ
وَقَالَ سُفْيَانُ أَجْرُ الْقَبْرِ وَالْغَسْلِ هُوَ مِنْ الْكَفَنِ
1274 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ "أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ

(3/140)


26 - باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ
1275 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ "أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلاَهُ بَدَا رَأْسُهُ وَأُرَاهُ قَالَ وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنْ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ"
قوله: "باب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد" أي اقتصر عليه ولا ينتظر بدفنه ارتقاب شيء آخر. قول عبد الرحمن بن عوف "وهو خير مني" دلالة على تواضعه. وفيه إشارة إلى تعظيم فضل من قتل في المشاهد الفاضلة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد في هذا الطريق "إن غطى رأسه بدت رجلاه" وهو موافق لما في الرواية التي في الباب الذي يليه. وروى الحاكم في المستدرك من حديث أنس أن حمزة أيضا كفن كذلك.

(3/142)


27 - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إِلاَّ مَا يُوَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ
1276 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الإِذْخِرِ"
[الحديث 1276 – أطرافه في: 3897, 3914, 4047, 4082, 6432, 6448]
قوله: "باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه أو قدميه" أي رأسه مع بقية جسده إلا قدميه أو العكس، كأنه قال: ما يواري جسده إلا رأسه، أو جسده إلا قدميه، وذلك بين من حديث الباب حيث قال: "خرجت رجلاه" ولو كان المراد أنه يغطي رأسه فقط دون سائر جسده لكان تغطية العورة أولى. ويستفاد منه أنه إذا لم يوجد ساتر البتة أنه يغطي جميعه بإذخر، فإن لم يوجد فبما تيسر من نبات الأرض، وسيأتي في كتاب الحج قول العباس "إلا الإذخر فإنه بيوتنا وقبورنا" فكأنها كانت عادة لهم استعماله في القبور، قال المهلب: وإنما استحب لهم النبي صلى الله عليه وسلم التكفين في تلك الثياب التي ليست سابغة لأنهم قتلوا فيها انتهى. وفي هذا الجزم نظر، بل الظاهر أنه لم يجد لهم غيرها كما هو مقتضى الترجمة. قوله: "حدثنا شقيق" هو ابن سلمة أبو وائل، وخباب بمعجمة وموحدتين الأولى مثقلة هو ابن الأرت، والإسناد كله كوفيون. قوله: "لم يأكل من أجره شيئا" كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح، وكأن المراد بالأجر ثمرته، فليس مقصورا على أجر الآخرة. قوله: "أينعت" بفتح الهمزة وسكون التحتانية وفتح النون أي نضجت. قوله: "فهو يهد بها" بفتح أوله وكسر المهملة أي يجتنيها، وضبطه النووي بضم الدال، وحكى ابن التين تثليثها. قوله: "ما نكفنه به" سقط لفظ: "به" من رواية غير أبي ذر،

(3/142)


وسيأتي بقية الكلام على فوائده في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى.

(3/143)


28 - باب مَنْ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ
1277 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ قَالُوا الشَّمْلَةُ قَالَ نَعَمْ قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ فَحَسَّنَهَا فُلاَنٌ فَقَالَ اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ قَالَ إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي قَالَ سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ"
[الحديث 1277 – أطرافه في: 2093, 5810, 6036]
قوله: "باب من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه" ضبط في روايتنا بفتح الكاف على البناء للمجهول وحكي الكسر على أن فاعل الإنكار النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى الزين بن المنير عن بعض الروايات فلم ينكره بهاء بدل عليه وهو بمعني الرواية التي بالكسر، وإنما قيد الترجمة بذلك ليشير إلى أن الإنكار الذي وقع من الصحابة كان على الصحابي في طلب البردة فلما أخبرهم بعذره لم ينكروا ذلك عليه، فيستفاد منه جواز تحصيل ما لا بد للميت منه من كفن ونحوه في حال حياته، وهل يلتحق بذلك حفر القبر؟ فيه بحث سيأتي. قوله: "أن امرأة" لم أقف على اسمها. قوله: "فيها حاشيتها" قال الداودي يعني إنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية. وقال غيره حاشية الثوب هدبه فكأنه قال إنها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس بعد. وقال القزاز: حاشيتا الثوب ناحيتاه اللتان في طرفهما الهدب. قوله: "أتدرون" هو مقول سهل بن سعد بينه أبو غسان عن أبي حازم كما أخرجه المصنف في الأدب ولفظه: "فقال سهل للقوم أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة". انتهى. وفي تفسير البردة بالشملة تجوز لأن البردة كساء والشملة ما يشتمل به فهي أعم، لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها. قوله: "فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها" كأنهم عرفوا ذلك بقرينة حال أو تقدم قول صريح. قوله: "فخرج إلينا وإنها إزاره" في رواية ابن ماجه عن هشام بن عمار عن عبد العزيز "فخرج إلينا فيها" وفي رواية هشام بن سعد عن أبي حازم عند الطبراني "فاتزر بها ثم خرج". قوله: "فحسنها فلان فقال اكسنيها ما أحسنها" كذا في جميع الروايات هنا بالمهملتين من التحسين. وللمصنف في اللباس من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم "فجسها" بالجيم بغير نون وكذا للطبراني والإسماعيلي من طريق أخرى عن أبي حازم، وقوله: "فلان" أفاد المحب الطبري في الأحكام له أنه عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطبراني ولم أره في المعجم الكبير لا في مسند سهل ولا عبد الرحمن، ونقله شيخنا ابن الملقن عن المحب في شرح العمدة، وكذا قال لنا شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيتمي إنه وقف عليه، لكن لم يستحضر مكانه، ووقع لشيخنا ابن الملقن في "شرح التنبيه" أنه سهل بن سعد وهو غلط فكأنه التبس على شيخنا اسم القائل باسم الراوي، نعم أخرج الطبراني الحديث المذكور عن أحمد بن عبد الرحمن بن يسار1 عن قتيبة بن سعيد عن يعقوب بن عبد الرحمن
ـــــــ
1 في نسخة "ابن بشار"

(3/143)


عن أبي حازم عن سهل وقال في آخره: "قال قتيبة هو سعد بن أبي وقاص" انتهى، وقد أخرجه البخاري في اللباس والنسائي في الزينة عن قتيبة ولم يذكرا عنه ذلك، وقد رواه ابن ماجة بسنده المتقدم وقال فيه: "فجاء فلان رجل سماه يومئذ" وهو دال على أن الراوي كان ربما سماه. ووقع في رواية أخرى للطبراني من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم أن السائل المذكور أعرابي، فلو لم يكن زمعة ضعيفا لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن بن عوف أو سعد بن أبي وقاص، أو يقال تعددت القصة على ما فيه من بعد والله أعلم. قوله: "ما أحسنها" بنصب النون وما للتعجب. وفي رواية ابن ماجه والطبراني من هذا الوجه قال نعم فلما دخل طواها وأرسل بها إليه، وهو للمصنف في اللباس من طريق يعقوب بن عبد الرحمن بلفظ: "فقال نعم فجلس ما شاء الله في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه". قوله: "قال القوم ما أحسنت" ما نافية، وقد وقعت تسمية المعاتب له من الصحابة في طريق هشام بن سعد المذكورة ولفظه قال سهل فقلت للرجل لم سألته وقد رأيت حاجته إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتم، ولكن أردت أن أخبأها حتى أكفن فيها. قوله: "أنه لا يرد" كذا وقع هنا بحذف المفعول، وثبت في رواية ابن ماجه بلفظ: "لا يرد سائلا" ونحوه في رواية يعقوب في البيوع. وفي رواية أبي غسان في الأدب لا يسأل شيئا فيمنعه. قوله: "ما سألته لألبسها" في رواية أبي غسان "فقال رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم" وأفاد الطبراني في رواية زمعة بن صالح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يصنع له غيرها فمات قبل أن تفرغ. وفي هذا الحديث من الفوائد حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وسعة جوده وقبوله الهدية، واستنبط منه المهلب جواز ترك مكافأة الفقير على هديته، وليس ذلك بظاهر منه فإن المكافأة كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم مستمرة فلا يلزم من السكوت عنها هنا أن لا يكون فعلها، بل ليس في سياق هذا الحديث الجزم بكون ذلك كان هدية فيحتمل أن تكون عرضتها عليه ليشتريها منها، قال: وفيه جواز الاعتماد على القرائن ولو تجردت لقولهم "فأخذها محتاجا إليها" وفيه نظر لاحتمال أن يكون سبق لهم منه قول يدل على ذلك كما تقدم. قال: وفيه الترغيب في المصنوع بالنسبة إلى صانعه إذا كان ماهرا، ويحتمل أن تكون أرادت بنسبته إليها إزالة ما يخشى من التدليس. وفيه جواز استحسان الإنسان ما يراه على غيره من الملابس وغيرها إما ليعرفه قدرها وأما ليعرض له بطلبه منه حيث يسوغ له ذلك. وفيه مشروعية الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهرا وإن لم يبلغ المنكر درجة التحريم. وفيه التبرك بآثار الصالحين1 وقال ابن بطال. فيه جواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه، قال: وقد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت. وتعقبه الزين بن المنير بأن ذلك لم يقع من أحد من الصحابة، قال: ولو كان مستحبا لكثر فيهم. وقال بعض الشافعية: ينبغي لمن استعد شيئا من ذلك أن يجتهد في تحصيله من جهة يثق بحلها أو من أثر من يعتقد فيه الصلاح والبركة.
ـــــــ
1 هذا خطأ, والصواب المنع من ذلك لوجهين: أحدهما أن الصحابة لم يفعلوا ذلك مع غير النبي صلى الله عليه وسلم, ولو كان خيرا لسبقونا إليه, والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقاس عليه غيره لما بينه وبين غيره من الفروق الكثيرة. الوجه الثاني سد ذريعة الشرك, لأن جواز التبرك بآثار الصالحين يفضي إلى الغلو فيهم وعبادتهم من دون الله فوجب المنع من ذلك. وقد سبق بيان ذلك مرارا.

(3/144)


29 - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ
1278 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا"

(3/144)


قوله: "باب اتباع النساء الجنازة" قال الزين بن المنير: فصل المصنف بين هذه الترجمة وبين فضل اتباع الجنائز بتراجم كثيرة تشعر بالتفرقة بين النساء. والرجال، وأن الفضل الثابت في ذلك يختص بالرجال دون النساء لأن النهي يقتضي التحريم أو الكراهة، والفضل يدل على الاستحباب، ولا يجتمعان. وأطلق الحكم هنا لما يتطرق إليه من الاحتمال، ومن ثم اختلف العلماء في ذلك. ولا يخفى أن محل النزاع إنما هو حيث تؤمن المفسدة. قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري وأم الهذيل هي حفصة بنت سيرين. قوله: "نهينا" تقدم في الحيض من رواية هشام بن حسان عن حفصة عنها بلفظ: "كنا نهينا عن اتباع الجنائز" ورواه يزيد بن أبي حكيم عن الثوري بإسناد هذا الباب بلفظ: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم" أخرجه الإسماعيلي وفيه رد على من قال: لا حجة في هذا الحديث لأنه لم يسم الناهي فيه، لما رواه الشيخان وغيرهما أن كل ما ورد بهذه الصيغة كان مرفوعا وهو الأصح عند غيرهما من المحدثين، ويؤيد رواية الإسماعيلي ما رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت: "لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع النساء في بيت ثم بعث إلينا عمر فقال: إني رسول رسول الله إليكن، بعثني إليكن لأبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا" الحديث، وفي آخره: "وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق، ونهانا أن نخرج في جنازة" وهذا يدل على أن رواية أم عطية الأولى من مرسل الصحابة. قوله: "ولم يعزم علينا" أي ولم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. وقال القرطبي: ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم، ومال مالك إلى الجواز وهو قول أهل المدينة. ويدل على الجواز ما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها فقال: "دعها يا عمر" الحديث. وأخرجه ابن ماجه والنسائي من هذا الوجه، ومن طريق أخرى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة ورجاله ثقات. وقال المهلب: في حديث أم عطية دلالة على أن النهي من الشارع على درجات. وقال الداودي: قولها "نهينا عن اتباع الجنائز "أي إلى أن نصل إلى القبور، وقوله: "ولم يعزم علينا" أي أن لا نأتي أهل الميت فنعزيهم ونترحم على ميتهم من غير أن نتبع جنازته انتهى. وفي أخذ هذا التفصيل من هذا السياق نظر، نعم هو في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى فاطمة مقبلة فقال: من أين جئت؟ فقالت: رحمت على أهل هذا الميت ميتهم. فقال: لعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: لا" الحديث أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما. فأنكر عليها بلوغ الكدى، وهو بالضم وتخفيف الدال المقصورة وهي المقادير، ولم ينكر عليها التعزية. وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون المراد بقولها "ولم يعزم علينا" أي كما عزم على الرجال بترغيبهم في اتباعها بحصول القيراط ونحو ذلك، والأول أظهر. والله أعلم.

(3/145)


30 - باب إِحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا
1279 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ "تُوُفِّيَ ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ"

(3/145)


1280 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ "لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ الشَّأْمِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِصُفْرَةٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً لَوْلاَ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
[الحديث 1280 – أطرافه في: 1281, 5334, 5339, 5345]
1281 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
1282 - "ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ بِهِ ثُمَّ قَالَتْ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: " لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
[الحديث 1282 – طرفه في: 5335]
قوله: "باب إحداد المرأة على غير زوجها" قال ابن بطال: الإحداد بالمهملة امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس وطيب وغيرهما وكل ما كان من دواعي الجماع. وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لوعة الحزن ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبا لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه من تلك الحال، وسيأتي قي كتاب الطلاق بقية الكلام على مباحث الإحداد. وقوله في الترجمة "على غير زوجها" يعم كل ميت غير الزوج سواء كان قريبا أو أجنبيا، ودلالة الحديث له ظاهرة، ولم يقيده في الترجمة بالموت لأنه يختص به عرفا، ولم يبين حكمه لأن الخبر دل على عدم التحريم في الثلاث وأقل ما يقتضيه إثبات المشروعية. قوله: "فلما كان يوم الثالث" كذا للأكثر وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وللمستملي: "اليوم الثالث". قوله: "دعت بصفرة" سيأتي الكلام عليها قريبا. قوله: "نهينا" رواه أيوب عن ابن سيرين بلفظ: "أمرنا بأن لا نحد على هالك فوق ثلاث" الحديث أخرجه عبد الرزاق، وللطبراني من طريق قتادة عن ابن سيرين عن أم عطية قالت: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" فذكره معناه. قوله: "أن نحد" بضم أوله من الرباعي، ولم يعرف الأصمعي غيره، وحكى غيره فتح أوله وضم ثانيه من الثلاثي يقال حدت المرأة وأحدت بمعنى. قوله: "إلا بزوج" وفي رواية الكشميهني: "إلا لزوج" باللام، ووقع في العدد من طريقه بلفظ: "إلا على زوج" والكل بمعنى السببية. قوله: "عن زينب بنت أبي سلمة" هي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وصرح في العدد بالإخبار بينها وبين حمد بن

(3/146)


نافع. قوله: "نعي" بفتح النون وسكون المهملة وتخفيف الياء -وكسر المهملة وتشديد الياء- هو الخبر بموت الشخص، وأبو سفيان هو ابن حرب بن أمية والد معاوية. قوله: "دعت أم حبيبة" هي بنت أبي سفيان المذكور. وفي قوله: "من الشام" نظر، لأن أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار، والجمهور على أنه مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة ثلاث، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلا في رواية سفيان بن عيينة هذه وأظنها وهما، وكنت أظن أنه حذف منه لفظ: "ابن" لأن الذي جاء نعيه من الشام وأم حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميرا على الشام، لكن رواه المصنف في العدد من طريق مالك ومن طريق سفيان الثوري كلاهما عن عبد الله بن بكر بن حزم عن حميد بن نافع بلفظ: "حين توفي عنها أبوها أبو سفيان بن حرب" فظهر أنه لم يسقط منه شيء، ولم يقل فيه واحد منهما من الشام، وكذا أخرجه ابن سعد في ترجمة أم حبيبة من طريق صفية بنت أبي عبيد عنها. ثم وجدت الحديث في مسند ابن أبي شيبة قال: "حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن حميد بن نافع - ولفظه - جاء نعي أخي أم حبيبة أو حميم لها فدعت بصفرة فلطخت به ذراعيها" وكذا رواه الدارمي عن هاشم بن القاسم عن شعبة لكن بلفظ: "إن أخا لأم حبيبة مات أو حميما لها" ورواه أحمد عن حجاج ومحمد بن جعفر جميعا عن شعبة بلفظ: "أن حميما لها مات" من غير تردد، وإطلاق الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوي الظن عند هذا أن تكون القصة تعددت لزينب مع أم حبيبة عند وفاة أخيها يزيد ثم عند وفاة أبيها أبي سفيان لا مانع من ذلك. والله أعلم. قوله: "بصفرة" في رواية مالك المذكورة "بطيب فيه صفرة خلوق" وزاد فيه: "فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها" أي بعارضي نفسها. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس ابن أخت مالك. وساق الحديث هنا من طريق مالك مختصرا، وأورده مطولا من طريقه في العدد كما سيأتي. قوله: "ثم دخلت" هو مقول زينب بنت أم سلمة، وهو مصرح به في الرواية التي في العدد وظاهره أن هذه القصة وقعت بعد قصة أم حبيبة، ولا يصح ذلك إلا إن قلنا بالتعدد، ويكون ذلك عقب وفاة يزيد بن أبي سفيان لأن وفاته سنة ثمان عشرة أو تسع عشرة، ولا يصح أن يكون ذلك عند وفاة أبيه لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصحيح المشهور عند أهل العلم بالأخبار، فيحمل على أنها لم ترد ترتيب الوقائع وإنما أرادت ترتيب الأخبار. وقد وقع في رواية أبي داود بلفظ: "ودخلت" وذلك لا يقتضي الترتيب والله أعلم. قوله: "حين توفي أخوها" لم أتحقق من المراد به، لأن لزينب ثلاثة إخوة: عبد الله وعبد يغير إضافة وعبيد الله بالتصغير، فأما الكبير فاستشهد بأحد وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدا لأن أباها أبا سلمة مات بعد بدر وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أمها أم سلمة وهي صغيرة ترضع كما سيأتي في الرضاع أن أمها حلت من عدتها من أبي سلمة بوضع زينب هذه، فانتفى أن يكون هو المراد هنا، وإن كان وقع في كثير من الموطآت بلفظ: "حين توفي أخوها عبد الله" كما أخرجه الدارقطني من طريق ابن وهب وغيره عن مالك، وأما عبد بغير إضافة فيعرفه بأبي حميد وكان شاعرا أعمى وعاش إلى خلافة عمر، وقد جزم إسحاق وغيره من أهل العلم بالأخبار بأنه مات بعد أخته زينب بسنة، وروى ابن سعد في ترجمتها في الطبقات من وجهين أن أبا حميد المذكور حضر جنازة زينب مع عمر وحكي عنه مراجعة له بسببها، وإن كان في إسنادهما الواقدي لكن يستشهد به في مثل هذا، فانتفى أن كون هذا الأخير المراد، وأما عبيد الله المصغر فأسلم قديما وهاجر بزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة ثم تنصر هناك ومات فتزوج النبي

(3/147)


صلى الله عليه وسلم بعده أم حبيبة، فهذا يحتمل أن يكون هو المراد لأن زينب بنت أبي سلمة عندما جاء الخبر بوفاة عبيد الله كانت في سن من يضبط، ولا مانع أن يحزن المرء على قريبه الكافر ولا سيما إذا تذكر سوء مصيره. ولعل الرواية التي في الموطأ "حين توفي أخوها عبد الله" كانت عبيد الله بالتصغير فلم يضبطها الكاتب والله أعلم. ويعكر على هذا قول من قال إن عبيد الله مات بأرض الحبشة فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم حبيبة، فإن ظاهرها أن تزوجها كان بعد موت عبيد الله، وتزويجها وقع وهي بأرض الحبشة وقبل أن تسمع النهي، وأيضا ففي السياق "ثم دخلت على زينب" بعد قولها دخلت على أم حبيبة، وهو ظاهر في أن ذلك كان بعد موت قريب زينب بنت جحش المذكور وهو بعد مجيء أم حبيبة من الحبشة بمدة طويلة، فإن لم يكن هذا الظن هو الواقع احتمل أن يكون أخا لزينب بنت جحش من أمها أو من الرضاعة، أو يرجح ما حكاه ابن عبد البر وغيره من أن زينب بنت أبى سلمة ولدت بأرض الحبشة فإن مقتضى ذلك أن يكون لها عند وفاة عبد الله بن جحش أربع سنين، وما مثلها1 يضبط في مثلها والله أعلم. قوله: "فمست به" أي شيئا من جسدها، وسيأتي في الطريق التي في العدد بلفظ: "فمست منه "وسيأتي فيه لزينب حديث آخر عن أمها أم سلمة في الإحداد أيضا، وسيأتي الكلام على الأحاديث الثلاثة مستوفي إن شاء الله تعالى.
ـــــــ
1 في مخطوطة الرياض "ومثلها"

(3/148)


31 - باب زِيَارَةِ الْقُبُورِ
1283 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى"
قوله: "باب زيارة القبور" أي مشروعيتها وكأنه لم يصرح بالحكم لما فيه من الخلاف كما سيأتي، وكأن المصنف لم يثبت على شرطه الأحاديث المصرحة بالجواز، وقد أخرجه مسلم من حديث بريدة وفيه نسخ النهي عن ذلك ولفظه: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها" وزاد أبو داود والنسائي من حديث أنس "فإنها تذكر الآخرة" وللحاكم من حديثه فيه: "وترق القلب وتدمع العين، فلا تقولوا هجرا" أي كلاما فاحشا، وهو بضم الهاء وسكون الجيم وله من حديث ابن مسعود "فإنها تزهد في الدنيا" ولمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا: " زوروا القبور فإنها تذكر الموت" قال النووي تبعا للعبدري والحازمي وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة. كذا أطلقوا، وفيه نظر لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي الكراهة مطلقا حتى قال الشعبي: لولا نهي النبي صلى الله عليه وسلم لزرت قبر ابنتي. فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ والله أعلم. ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به. واختلف في النساء فقيل: دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا أمنت الفتنة ويؤيد الجواز حديث الباب، وموضع الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة.

(3/148)


وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن "فقيل لها: أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ قالت نعم، كان نهي ثم أمر بزيارتها" وقيل الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو الذي تقدمت الإشارة إليه في "باب اتباع النساء الجنائز" وبحديث: "لعن الله زوارات القبور" أخرجه الترمذي وصححه من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث ابن عباس ومن حديث حسان بن ثابت. واختلف من قال بالكراهة في حقهن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ قال القرطبي: هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصفة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك، فقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء. قوله: "بامرأة" لم أقف على اسمها ولا اسم صاحب القبر. وفي رواية لمسلم ما يشعر بأنه ولدها ولفظه: "تبكي على صبي لها" وصرح به في مرسل يحيى بن أبي كثير عند عبد الرزاق ولفظه: "قد أصيبت بولدها" وسيأتي في أوائل كتاب الأحكام من طريق أخرى عن شعبة عن ثابت "أن أنسا قال لامرأة من أهله: تعرفين فلانة؟ قالت: نعم. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مر بها" فذكر هذا الحديث. قوله: "فقال: اتقي الله" في رواية أبي نعيم في المستخرج "فقال: يا أمة الله اتقي الله " قال القرطبي: الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى. قلت: يؤيده أن في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور "فسمع منها ما يكره فوقف عليها "وقال الطيبي: قوله: "اتقي الله" توطئة لقوله: "واصبري" كأنه قيل لها خافي غضب الله إن لم تصبري ولا تجزعي ليحصل لك الثواب. قوله: "إليك عني" هو من أسماء الأفعال، ومعناها تنح وابعد. قوله: "لم تصب بمصيبتي" سيأتي في الأحكام من وجه آخر عن شعبة بلفظ: "فإنك خلو من مصيبتي "وهو بكسر المعجمة وسكون اللام، ولمسلم: "ما تبالي بمصيبتي" ولأبي يعلى من حديث أبي هريرة أنها قالت: "يا عبد الله إني أنا الحرى الثكلي، ولو كنت مصابا عذرتني". قوله: "ولم تعرفه" جملة حالية أي خاطبته بذلك ولم تعرف أنه رسول الله. قوله: "فقيل لها" في رواية الأحكام "فمر بها رجل فقال لها: إنه رسول الله، فقالت: ما عرفته" وفي رواية أبي يعلى المذكورة "قال فهل تعرفينه؟ قالت: لا" وللطبراني في الأوسط من طريق عطية عن أنس أن الذي سألها هو الفضل بن العباس، وزاد مسلم في رواية له "فأخذها مثل الموت" أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه صلى الله عليه وسلم خجلا منه ومهابة. قوله: "فلم تجد عنده بوابين" في رواية الأحكام "بوابا" بالإفراد قال الزين بن المنير: فائدة هذه الجملة من هذا الخبر بيان عذر هذه المرأة في كونها لم تعرفه، وذلك أنه كان من شأنه أن لا يتخذ بوابا مع قدرته على ذلك تواضعا، وكان من شأنه أنه لا يستتبع الناس وراءه إذا مشى كما جرت عادة الملوك والأكابر، فلذلك اشتبه على المرأة فلم تعرفه مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء. وقال الطيبي: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم استشعرت خوفا وهيبة في نفسها فتصورت أنه مثل الملوك له حاجب وبواب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته. قوله: "فقالت: لم أعرفك" في حديث أبي هريرة "فقالت والله ما عرفتك". قوله: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" في رواية الأحكام "عند أول صدمة" ونحوه لمسلم، والمعني إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله فاستعير للمصيبة الواردة على القلب، قال الخطابي:

(3/149)


المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو. وحكى الخطابي عن غيره أن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره. وقال ابن بطال: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأجر. وقال الطيبي: صدر هذا الجواب منه صلى الله عليه وسلم عن قولها لم أعرفك على أسلوب الحكيم كأنه قال لها: دعي الاعتذار فإني لا أغضب لغير الله وانظري لنفسك. وقال الزين بن المنير:. فائدة جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت طائعة لما أمرها به من التقوى والصبر معتذرة عن قولها الصادر عن الحزن بين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه الثواب انتهى. ويؤيده أن في رواية أبي هريرة المذكورة "فقالت أنا أصبر، أنا أصبر" وفي مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور "فقال اذهبي إليك، فإن الصبر عند الصدمة الأولى" وزاد عبد الرزاق فيه من مرسل الحسن "والعبرة لا يملكها ابن آدم". وذكر هذا الحديث في زيارة القبور مع احتمال أن تكون المرأة المذكورة تأخرت بعد الدفن عند القبر والزيارة إنما تطلق على من أنشأ إلى القبر قصدا من جهة استواء الحكم في حقها حيث أمرها بالتقوى والصبر لما رأى من جزعها ولم ينكر عليها الخروج من بيتها فدل على أنه جائز، وهو أعم من أن يكون خروجها لتشييع ميتها فأقامت عند القبر بعد الدفن أو أنشأت قصد زيارته بالخروج بسبب الميت. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم ما كان فيه صلى الله عليه وسلم من التواضع والرفق بالجاهل، ومسامحة المصاب وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس، وأن من أمر بمعروف ينبغي له أن يقبل ولو لم يعرف الآمر. وفيه أن الجزع من المنهيات لأمره لها بالتقوى مقرونا بالصبر. وفيه الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة، وأن المواجهة بالخطاب إذا لم تصادف المنوي لا أثر لها. وبني عليه بعضهم ما إذا قال يا هند أنت طالق فصادف عمرة أن عمرة لا تطلق. واستدل به على جواز زيارة القبور سواء كان الزائر رجلا أو امرأة كما تقدم، وسواء كان المزور مسلما أو كافرا، لعدم الاستفصال في ذلك. قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور. وقال صاحب الحاوي: لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلط انتهى. وحجة الماوردي قوله تعالى: {وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} ، وفي الاستدلال به نظر لا يخفى.
" تنبيه ": قال الزين بن المنير: قدم المصنف ترجمة زيارة القبور على غيرها من أحكام تشييع الجنازة وما بعد ذلك مما يتقدم الزيارة لأن الزيارة يتكرر وقوعها فجعلها أصلا ومفتاحا لتلك الأحكام انتهى ملخصا. وأشار أيضا إلى أن مناسبة ترجمة زيارة القبور تناسب اتباع النساء الجنائز، فكأنه أراد حصر الأحكام المتعلقة بخروج النساء متوالية. والله أعلم.

(3/150)


باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النواح من سنته"
...
32 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ"
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}
وَهُوَ كَقَوْلِهِ {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ –ذنوبا- إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} وَمَا يُرَخَّصُ مِنْ الْبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا" وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ

(3/150)


1284 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالاَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "أَرْسَلَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلاَمَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا فَقَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ"
[الحديث 1284 – أطرافه في: 5655, 6602, 6655, 7377, 7448]
1285 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ فَقَالَ هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا قَالَ فَانْزِلْ قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا"
[الحديث 1285 – طرفه في: 1342]
1286 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ "تُوُفِّيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَلاَ تَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"
1287 - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلاَءِ الرَّكْبُ قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ادْعُهُ لِي فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"
1288 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ

(3/151)


عَنْهَا فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" وَقَالَتْ حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عِنْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ {هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا شَيْئًا"
[الحديث 1288 – طرفاه في: 1289, 3978]
1289 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ "إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا"
1290 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ "لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ وَا أَخَاهُ فَقَالَ عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يعذب الميت ببعض بكاء أهله إذا كان النوح من سنته" هذا تقييد من المصنف لمطلق الحديث وحمل منه لرواية ابن عباس المقيدة بالبعضية على رواية ابن عمر المطلقة كما ساقه في الباب عنهما، وتفسير منه للبعض المبهم في رواية ابن عباس بأنه النوح، ويؤيده أن المحذور بعض البكاء لا جميعه كما سيأتي بيانه. قوله: "إذا كان النوح من سنته" يوهم أنه بقية الحديث المرفوع، وليس كذلك بل هو كلام المصنف قاله تفقها، وبقية السياق يرشد إلى ذلك، وهذا الذي جزم به هو أحد الأقوال في تأويل الحديث المذكور كما سيأتي بيانه. واختلف في ضبط قوله: "من سنته "فللأكثر في الموضعين بضم المهملة وتشديد النون أي طريقته وعادته، وضبط بعضهم بفتح المهملة بعدها موحدتان الأولى مفتوحة أي من أجله، قال صاحب المطالع: حكي عن أبي الفضل بن ناصر أنه رجح هذا وأنكر الأول فقال: وأي سنه للميت؟ انتهى. وقال الزين بن المنير: بل الأول أولى لإشعاره بالعناية بذلك إذ لا يقال من سنته إلا عند غلبة ذلك عليه واشتهاره به. قلت: وكأن البخاري ألهم هذا الخلاف فأشار إلى ترجيح الأول حيث استشهد بالحديث الذي فيه: لأنه أول من سن القتل، فإنه يثبت ما استبعده ابن ناصر بقوله: وأي سنة للميت؟ وأما تعبير المصنف بالنوح فمراده ما كان من البكاء بصياح وعويل، وما يلتحق بذلك من لطم خد وشق جيب وغير ذلك من المنهيات. قوله: "لقول الله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا" وجه الاستدلال لما ذهب إليه من هذه الآية أن هذا الأمر عام في جهات الوقاية ومن جملتها أن لا يكون الأصل مولعا بأمر منكر لئلا يجري أهله عليه بعده، أو يكون قد عرف أن لأهله عادة بفعل أمر منكر وأهمل نهيهم عنه فيكون لم يق نفسه ولا أهله. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلكم راع الحديث" هو طرف من حديث لابن عمر تقدم موصولا في الجمعة، ووجه الاستدلال منه ما تقدم، لأن من جملة رعايته لهم أن يكون الشر من طريقته فيجري أهله عليه أو يراهم يفعلون الشر فلا ينهاهم

(3/152)


عنه فيسأل عن ذلك ويؤاخذ به. وقد تعقب استدلال البخاري بهذه الآية والحديث على ما ذهب إليه من حمل حديث الباب عليه لأن الحديث ناطق بأن الميت يعذب ببكاء أهله، والآية والحديث يقتضيان أنه يعذب بسنته فلم يتحد الموردان، والجواب أنه لا مانع في سلوك طريق الجمع من تخصيص بعض العمومات وتقييد بعض المطلقات، فالحديث وإن كان دالا على تعذيب كل ميت بكل بكاء لكن دلت أدلة أخرى على تخصيص ذلك ببعض البكاء كما سيأتي توجيهه وتقييد ذلك بمن كانت تلك سنته أو أهمل النهي عن ذلك، فالمعنى على هذا أن الذي يعذب ببعض بكاء أهله من كان راضيا بذلك بأن تكون تلك طريقته إلخ، ولذلك قال المصنف "فإذا لم يكن من سنته" أي كمن كان لا شعور عنده بأنهم يفعلون شيئا من ذلك، أو أدى ما عليه بأن نهاهم فهذا لا مؤاخذة عليه بفعل غيره، ومن ثم قال ابن المبارك: إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئا من ذلك بعد وفاته لم يكن عليه شيء. قوله: "فهو كما قالت عائشة" أي كما استدلت عائشة بقوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي ولا تحمل حاملة ذنبا ذنب أخرى عنها، وهذا حمل منه لإنكار عائشة على أنها أنكرت عموم التعذيب لكل ميت بكي عليه. وأما قوله: "وهو كقوله وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء" فوقع في رواية أبي ذر وحده "وإن تدع مثقلة ذنوبا إلى حملها" وليست ذنوبا في التلاوة وإنما هو في تفسير مجاهد فنقله المصنف عنه، وموقع التشبيه في قوله أن الجملة الأولى دلت على أن النفس المذنبة لا يؤاخذ غيرها بذنبها، فكذلك الثانية دلت على أن النفس المذنبة لا يحمل عنها غيرها شيئا من ذنوبها ولو طلبت ذلك ودعت إليه، ومحل ذلك كله إنما هو في حق من لم يكن له في شيء من ذلك تسبب، وإلا فهو يشاركه كما في قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ} وقوله صلى الله عليه وسلم: " فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين" . قوله: "وما يرخص من البكاء في غير نوح" هذا معطوف على أول الترجمة وكأنه أشار بذلك إلى حديث عامر بن سعد عن أبي مسعود الأنصاري وقرظة بن كعب قالا "رخص لنا في البكاء عند المصيبة في غير نوح "أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني وصححه الحاكم، لكن ليس إسناده على شرط البخاري فاكتفى بالإشارة إليه واستغنى عنه بأحاديث الباب الدالة على مقتضاه. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقتل نفس ظلما.. الحديث" هو طرف من حديث لابن مسعود وصله المصنف في الديات وغيرها، ووجه الاستدلال به أن القاتل المذكور يشارك من صنع صنيعه لكونه فتح له الباب ونهج له الطريق، فكذلك من كانت طريقته النوح على الميت يكون قد نهج لأهله تلك الطريقة فيؤاخذ على فعله الأول. وحاصل ما بحثه المصنف في هذه الترجمة أن الشخص لا يعذب بفعل غيره إلا إذا كان له فيه تسبب، فمن أثبت تعذيب شخص بفعل غيره فمراده هذا، ومن نفاه فمراده ما إذا لم يكن له فيه تسبب أصلا والله أعلم. وقد اعترض بعضهم على استدلال البخاري بهذا الحديث لأن ظاهره أن الوزر يختص بالبادئ دون من أتى بعده، فعلى هذا يختص التعذيب بأول من سن النوح على الموتى. والجواب أنه ليس في الحديث ما ينفي الإثم عن غير البادئ فيستدل على ذلك بدليل آخر، وإنما أراد المصنف بهذا الحديث الرد على من يقول إن الإنسان لا يعذب إلا بذنب باشره بقوله أو فعله فأراد أن يبين أنه قد يعذب بفعل غيره إذا كان له فيه تسبب. وقد اختلف العلماء في مسألة تعذيب الميت بالبكاء عليه فمنهم من حمله على ظاهره وهو بين من قصة عمر مع صهيب كما سيأتي في ثالث أحاديث هذا الباب، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرا على النهي ولم يقع منه، فلذلك بادر إلى نهي صهيب، وكذلك نهى حفصة كما رواه مسلم من طريق نافع عن ابن عمر عنه، وممن أخذ بظاهره أيضا عبد الله

(3/153)


ابن عمر فروى عبد الرزاق من طريقه أنه شهد جنازة رافع بن خديج فقال لأهله "إن رافعا شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" ويقابل قول هؤلاء قول من رد هذا الحديث وعارضه بقوله تعالى :{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وممن روي عنه الإنكار مطلقا أبو هريرة كما رواه أبو يعلى من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: قال أبو هريرة "والله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأته سفها وجهلا فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة" وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية منهم أبو حامد وغيره، ومنهم من أول قوله: "ببكاء أهله عليه" على أن الباء للحال، أي أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدة بكائهم غالبا إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فكأن معنى الحديث أن الميت يعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سبا لتعذيبه حكاه الخطابي، ولا يخفى ما فيه من التكلف. ولعل قائله إنما أخذه من قول عائشة "إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه ليعذب بمعصيته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن" أخرجه مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها، وعلى هذا يكون خاصا ببعض الموتى. ومنهم من أوله على أن الرواي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود معين كما جزم به القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره، وحجتهم ما سيأتي في رواية عمرة عن عائشة في رابع أحاديث الباب، وقد رواه مسلم من الوجه الذي أخرجه منه البخاري وزاد في أوله "ذكر لعائشة أن ابن عمر يقول أن الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية "فذكرت الحديث. ومنهم من أوله على أن ذلك مختص بالكافر وأن المؤمن لا يعذب بذنب غيره أصلا، وهو بين من رواية ابن عباس عن عائشة وهو ثالث أحاديث الباب. وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من معارضه القرآن. قال الداودي: رواية ابن عباس عن عائشة أثبتت ما نفته عمرة وعروة عنها، إلا أنها خصته بالكافر لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذابا ببكاء أهله، فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء؟ وقال القرطبي: إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضا ولم يسمع بعضا بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح. وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة بضروب من الجمع: أولها طريقة البخاري كما تقدم توجيهها. ثانيها وهو أخص من الذي قبله ما إذا أوصى أهله بذلك وبه قال المزني وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية وغيرهم حتى قال أبو الليث السمرقندي. إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي عن الجمهور قالوا: وكان معروفا للقدماء حتى قال طرفة بن العبد:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية، والحديث دال على أنه إنما يقع عند وقوع الامتثال. والجواب أنه ليس في السياق حصر، فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أنه لا يقع إذا لم يتمثلوا مثلا. ثالثها يقع ذلك أيضا لمن أهمل نهي أهله عن ذلك، وهو قول داود وطائفة، ولا يخفى أن محله ما إذا لم يتحقق أنه ليست لهم بذلك عادة، ولا ظن أنهم يفعلون ذلك قال ابن المرابط: إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح وعرف أن أهله من شأنهم يفعلون ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك عذب بفعل

(3/154)


نفسه لا بفعل غيره بمجرده. رابعها معنى قوله: " يعذب ببكاء أهله " أي بنظير ما يبكيه أهله به، وذلك أن الأفعال التي يعددون بها عليه غالبا تكون من الأمور المنهية فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنيعه ذلك وهو عين ما يمدحونه به، وهذا اختيار ابن حزم وطائفة، واستدل له بحديث ابن عمر الآتي بعد عشرة أبواب في قصة موت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: "ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه". قال ابن حزم: فصح أن البكاء الذي يعذب به الإنسان ما كان منه باللسان إذ يندبونه برياسته التي جار فيها، وشجاعته التي صرفا في غير طاعة الله، وجوده الذي لم يضعه في الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر وهو يعذب بذلك. وقال الإسماعيلي كثر كلام العلماء في هذه المسألة وقال كل مجتهدا على حسب ما قدر له، ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغيرون ويسبون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرمة، فمعنى الخبر أن الميت يعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به، لأن الميت يندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يستحق العذاب عليها. خامسها معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعا: "الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه واناصراه واكاسياه، جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها" ؟ ورواه ابن ماجه: "يتعتع به ويقال: أنت كذلك"؟ ورواه الترمذي بلفظ: "ما من ميت يموت فتقوم نادبته فتقول: واجبلاه واسنداه أو شبه ذلك من القول إلا وكل به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت" ؟ وشاهده ما روى المصنف في المغازي من حديث النعمان بن بشير قال: "أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعت أخته تبكي وتقول: واجبلاه واكذا واكذا، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذلك"؟ سادسها معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة وهي بفتح القاف وسكون التحتانية وأبوها بفتح الميم وسكون المعجمة ثقفية "قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولدته فقاتل معك يوم الربذة ثم أصابته الحمى فمات ونزل علي البكاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا، وإذا مات استرجع، فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم" وهذا طرف من حديث طويل حسن الإسناد أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم. وأخرج أبو داود والترمذي أطرافا منه. قال الطبري: ويؤيد ما قاله أبو هريرة أن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح إليه، وشاهده حديث النعمان بن بشير مرفوعا أخرجه البخاري في تاريخه وصححه الحاكم، قال ابن المرابط: حديث قيلة نص في المسألة فلا يعدل عنه. واعترضه ابن رشيد بأنه ليس نصا، وإنما هو محتمل، فإن قوله: "فيستعبر إليه صويحبه "ليس نصا في أن المراد به الميت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحي، وأن الميت يعذب حينئذ ببكاء الجماعة عليه، ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات فينزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلا: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ بذلك عذب بصنعه، ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها فإن كان راضيا بذلك التحق بالأول وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كي أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم. والله

(3/155)


تعالى أعلم بالصواب. وحكى الكرماني تفصيلا آخر وحسنه وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} على يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ. ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال في البرزخ بخلاف يوم القيامة والله أعلم. ثم أورد المصنف في الباب خمسة أحاديث: الأول حديث أسامة, قوله: "حدثنا عبدان ومحمد" هو ابن مقاتل، وعبد الله هو ابن المبارك. قوله: "عن أبي عثمان" هو النهدي كما صرح به في التوحيد من طريق حماد عن عاصم. وفي رواية شعبة في أواخر الطب عن عاصم سمعت أبا عثمان. قوله: "أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم" هي زينب كما وقع في رواية أبي معاوية عن عاصم المذكور في مصنف ابن أبي شيبة. قوله: "إن ابنا لي" قيل هو علي بن أبي العاص بن الربيع، وهو من زينب كذا كتب الدمياطي بخطه في الحاشية، وفيه نظر لأنه لم يقع مسمى في شيء من طرق هذا الحديث. وأيضا فقد ذكر الزبير بن بكار وغيره من أهل العلم بالأخبار أن عليا المذكور عاش حتى ناهز الحلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال في حقه صبي عرفا، وإن جاز من حيث اللغة. ووجدت في الأنساب للبلاذري أن عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات وضعه النبي صلى الله عليه وسلم في حجره وقال: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء "وفي مسند البزار من حديث أبي هريرة قال ثقل ابن لفاطمة فبعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو حديث الباب وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا فالابن المذكور محسن بن علي بن أبي طالب، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أولى أن يفسر به الابن إن ثبت أن القصة كانت لصبي ولم يثبت أن المرسلة زينب، لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب وإن الولد صبية كما ثبت في مسند أحمد عن أبي معاوية بالسند المذكور ولفظه: "أتي النبي صلى الله عليه وسلم بأمامة بنت زينب" زاد سعدان بن نصر في الثاني من حديثه عن أبي معاوية بهذا الإسناد "وهي لأبي العاص بن الربيع ونفسها تقعقع كأنها في شن" فذكر حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة. وهكذا أخرجه أبو سعيد بن الأعرابي في معجمه عن سعدان، ووقع في رواية بعضهم أميمة بالتصغير، وهي أمامة المذكورة، فقد اتفق أهل العلم بالنسب أن زينب لم تلد لأبي العاص إلا عليا وأمامة فقط، وقد استشكل ذلك من حيث أن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند علي حتى قتل عنها. ويجاب بأن المراد بقوله في حديث الباب: "أن ابنا لي قبض" أي قارب أن يقبض، ويدل على ذلك أن في رواية حماد "أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت" وفي رواية شعبة "أن ابنتي قد حضرت" وهو عند أبي داود من طريقه أن ابني أو ابنتي، وقد قدمنا أن الصواب قول من قال ابنتي لا ابني، ومؤيده ما رواه الطبراني في ترجمة عبد الرحمن بن عوف في المعجم الكبير من طريق الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال: "استعز بأمامة بنت أبي العاص فبعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه تقول له" فذكر نحو حديث أسامة وفيه مراجعة سعد في البكاء وغير ذلك، وقوله في هذه الرواية: "استعز" بضم المثناة وكسر المهملة وتشديد الزاي أي اشتد بها المرض وأشرفت على الموت، والذي يظهر أن الله تعالى أكرم نبيه صلى الله عليه وسلم لما سلم لأمر ربه وصبر ابنته ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى الله ابنة ابنته في ذلك الوقت فخلصت من تلك الشدة وعاشت

(3/156)


تلك المدة، وهذا ينبغي أن يذكر في دلائل النبوة والله المستعان. قوله: "يقرئ السلام" بضم أوله. قوله: "إن لله ما أخذ وله ما أعطى" قدم ذكر الأخذ على الإعطاء - وإن كان متأخرا في الواقع - لما يقتضيه المقام، والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع لأن مستودع الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه، ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، أو ثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعم من ذلك. و "ما" في الموضعين مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، فعل الأول التقدير لله الأخذ والإعطاء، وعلى الثاني لله الذي أخذه من الأولاد وله ما أعطى منهم، أو ما هو أعم من ذلك كما تقدم. قوله: "وكل" أي من الأخذ والإعطاء -أو من الأنفس- أو ما هو أعم من ذلك، وهي جملة ابتدائية معطوفة على الجملة المؤكدة، ويجوز في كل النصب عطفا على اسم أن فينسحب التأكيد أيضا عليه، ومعنى العندية العلم فهو من مجاز الملازمة، والأجل يطلق على الحد الأخير وعلى مجموع العمر، و قوله: "مسمى" أي معلوم مقدر أو نحو ذلك. قوله: "ولتحتسب" أي تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليحسب لها ذلك من عملها الصالح قوله: "فأرسلت إليه تقسم" وقع في حديث عبد الرحمن بن عوف أنها راجعته مرتين وأنه إنما قام في ثالث مرة، وكأنها ألحت عليه في ذلك دفعا لما يظنه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها الله تعالى أن حضور نبيه عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة دعائه وحضوره، فحقق الله ظنها. والظاهر أنه امتنع أولا مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو ليبين الجواز في أن من دعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة بخلاف الوليمة مثلا. قوله: "فقام ومعه" في رواية حماد "فقام وقام معه رجال" وقد سمي منهم غير من ذكر في هذه الرواية عبادة بن الصامت وهو في رواية عبد الواحد في أوائل التوحيد. وفي رواية شعبة أن أسامة راوي الحديث كان معهم. وفي رواية عبد الرحمن بن عوف أنه كان معهم، ووقع في رواية شعبة في الأيمان والنور وأبي أو أبي كذا فيه بالشك هل قالها بفتح الهمزة وكسر الموحدة وتخفيف الياء أو بضم الهمزة وفتح الموحدة والتشديد، فعلى الأول يكون معهم زيد بن حارثة أيضا لكن الثاني أرجح لأنه ثبت في رواية هذا الباب بلفظ: "وأبي بن كعب" والظاهر أن الشك فيه من شعبة لأن ذلك لم يقع في رواية غيره والله أعلم. قوله: "فرفع" كدا هنا بالراء. وفي رواية حماد "فدفع "بالدال وبين في رواية شعبة أنه وضع في حجره صلى الله عليه وسلم. وفي هذا السياق حذف والتقدير فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا فرفع، ووقع بعض هذا المحذوف في رواية عبد الواحد ولفظه: "فلما دخلنا ناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي". قوله: "ونفسه تقعقع قال. حسبت أنه قال كأنها شن" كذا في هذه الرواية، وجزم بذلك في رواية حماد ولفظه: "ونفسه تقعقع كأنها في شن" والقعقعة حكاية صوت الشيء اليابس إذا حرك، والشن بفتح المعجمة وتشديد النون القربة الخلقة اليابسة، وعلى الرواية الثانية شبه البدن بالجلد اليابس الخلق وحركة الروح فيه بما يطرح في الجلد من حصاة ونحوها. وأما الرواية الأولى فكأنه شبه النفس بنفس الجلد وهو أبلغ قي الإشارة إلى شدة الضعف وذلك أظهر في التشبيه. قوله: "ففاضت عيناه" أي النبي صلى الله عليه وسلم وصرح به في رواية شعبة. قوله: "فقال سعد" أي ابن عبادة المذكور، وصرح به في رواية عبد الواحد، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد "فقال عبادة بن الصامت" والصواب ما في الصحيح. قوله: "ما هذا" في رواية عبد الواحد "فقال سعد بن عبادة أتبكي" زاد أبو نعيم في المستخرج "وتنهي عن البكاء". قوله: "فقال هذه" أي الدمعة أثر رحمة، أي أن

(3/157)


الذي يفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعمد من صاحبه ولا استدعاء لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهي عنه الجزع وعدم الصبر. قوله: "وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" في رواية شعبة في أواخر الطب "ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء" ومن في قوله من عباده بيانية، وهي حال من المفعول قدمه فيكون أوقع، والرحماء جمع رحيم وهو من صيغ المبالغة ومقتضاه أن رحمة الله تختص بمن اتصف بالرحمة وتحقق بها بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود وغيره: "الراحمون يرحمهم الرحمن" والراحمون جمع راحم فيدخل كل من فيه أدنى رحمة، وقد ذكر الحربي مناسبة الإتيان بلفظ الرحماء في حديث الباب بما حاصله أن لفظ الجلالة دال على العظمة، وقد عرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقا للتعظيم، فلما ذكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمته ليكون الكلام جاريا على نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر فإن لفظ الرحمن دال على العفو فناسب أن يذكر معه كل ذي رحمة وإن قلت، والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضر لرجاه بركتهم ودعائهم وجواز القسم عليهم لذلك، وجواز المشي إلى التعزية والعيادة بغير إذن بخلاف الوليمة، وجواز إطلاق اللفظ الموهم لما لم يقع بأنه يقع مبالغة في ذلك لينبعث خاطر المسؤول في المجيء للإجابة إلى ذلك، وفيه استحباب أبرار القسم وأمر صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع وهو مستشعر بالرضا مقاوما للحزن بالصبر، وإخبار من يستدعي بالأمر الذي يستدعى من أجله، وتقديم السلام على الكلام، وعيادة المريض ولو كان مفضولا أو صبيا صغيرا. وفيه أن أهل الفضل لا ينبغي أن يقطعوا الناس عن فضلهم ولو ردوا أول مرة، واستفهام التابع من إمامه عما يشكل عليه مما يتعارض ظاهره، وحسن الأدب في السؤال لتقديمه قوله: "يا رسول الله" على الاستفهام. وفيه الترغيب في الشفقة على خلق الله والرحمة لهم والترهيب من قساوة القلب وجمود العين، وجواز البكاء من غير نوح ونحوه. الحديث الثاني حديث أنس: قوله: "حدثنا عبد الله بن محمد" هو المسندي، وأبو عامر هو العقدي. قوله: "عن هلال" في رواية محمد بن سنان الآتية بعد أبواب "حدثنا هلال". قوله: "شهدنا بنتا للنبي صلى الله عليه وسلم" هي أم كلثوم زوج عثمان رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد، وأخرجه ابن سعد في الطبقات في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابي في الذرية الطاهرة، وكذلك رواه الطبري والطحاوي من هذا الوجه، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط والحاكم في المستدرك، قال البخاري: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم ببدر لم يشهدها. قلت: وهم حماد في تسميتها فقط، ويؤيد الأول ما رواه ابن سعد أيضا في ترجمة أم كلثوم من طريق عمرة بنت عبد الرحمن قالت: نزل في حفرتها أبو طلحة. وأغرب الخطابي فقال: هذه البنت كانت لبعض بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسبت إليه. انتهى ملخصا. وكأنه ظن أن الميتة في حديث أنس هي المحتضرة في حديث أسامة، وليس كذلك كما بينته. قوله: "لم يقارف" بقاف وفاء، زاد ابن المبارك عن فليح "أراه يعني الذنب" ذكره المصنف في "باب من يدخل قبر المرأة" تعليقا، ووصله الإسماعيلي، وكذا سريج بن النعمان عن فليح أخرجه أحمد عنه، وقيل معناه لم يجامع تلك الليلة وبه جزم ابن حزم وقال: معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لم يذنب تلك الليلة انتهى. ويقويه أن في رواية ثابت المذكورة بلفظ لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة، فتنحى عثمان. وحكي عن الطحاوي أنه قال: لم يقارف تصحيف، والصواب لم يقاول أي لم ينازع غيره الكلام، لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء وتعقب بأنه تغليط للثقة بغير

(3/158)


مستند، وكأنه استبعد أن يقع لعثمان ذلك لحرصه على مراعاة الخاطر الشريف. ويجاب عنه باحتمال أن يكون مرض المرأة طال واحتاج عثمان إلى الوقاع، ولم يظن عثمان أنها تموت ملك الليلة، وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع بعد موتها بل ولا حين احتضارها والعلم عند الله تعالى. وفي هذا الحديث جواز البكاء كما ترجم له، وإدخال الرجال المرأة قبرها لكونهم أقوى على ذلك من النساء، وإيثار البعيد العهد عن الملاذ في مواراة الميت -ولو كان امرأة- على الأب والزوج، وقيل إنما آثره بذلك لأنها كانت صنعته، وفيه نظر فإن ظاهر السياق أنه صلى الله عليه وسلم اختاره لذلك لكونه لم يقع منه في تلك الليلة جماع، وعلل ذلك بعضهم بأنه حينئذ يأمن من أن يذكره الشيطان بما كان منه تلك الليلة، وحكي عن ابن حبيب أن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة فتلطف صلى الله عليه وسلم في منعه من النزول في قبر زوجته بغير تصريح، ووقع في رواية حماد المذكورة "فلم يدخل عثمان القبر "وفيه جواز الجلوس على شفير القبر عند الدفن، واستدل به على جواز البكاء بعد الموت، وحكى ابن قدامة في المغني عن الشافعي أنه يكره لحديث جبر بن عتيك في الموطأ فإن فيه: "فإذا وجب فلا تبكين باكية "يعني إذا مات. وهو محمول على الأولوية، والمراد لا ترفع صوتها بالبكاء، ويمكن أن يفرق بين الرجال والنساء في ذلك لأن النساء قد يفضي بهن البكاء إلى ما يحذر من النوح لقلة صبرهن، واستدل به بعضهم على جواز الجلوس عليه مطلقا وفيه نظر، وسيأتي البحث فيه في باب مفرد إن شاء الله تعالى. وفيه فضيلة لعثمان لإيثاره الصدق وإن كان عليه فيه غضاضة. الحديث الثالث قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك. قوله: "بنت لعثمان" هي أم أبان كما سيأتي من رواية أيوب. قوله. "وإني لجالس بينهما، أو قال جلست إلى أحدهما" هذا شك من ابن جريج، ولمسلم من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة قال: "كنت جالسا إلى جنب ابن عمر ونحن ننتظر جنازة أم أبان بنت عثمان وعنده عمرو من عثمان، فجاء ابن عباس يقوده قائده فأراه أخبره بمكان ابن عمر فجاء حتى جلس إلى جنبي فكنت بينهما، فإذا صوت من الدار" وفي رواية عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة عند الحميدي "فبكى النساء "فظهر السبب في قول ابن عمر لعمرو بن عثمان ما قال، والظاهر أن المكان الذي جلس فيه ابن عباس كان أوفق له من الجلوس بجنب ابن عمر، أو اختار أن لا يقيم ابن أبي مليكة من مكانه ويجلس فيه للنهي عن ذلك. قوله: "فلما أصيب عمر" يعني بالقتل، وأفاد أيوب في روايته أن ذلك كان عقب الحجة المذكورة ولفظه: "فلما قدمنا لم يلبث عمر أن أصيب" وفي رواية عمرو بن دينار "لم يلبث أن طعن". قوله: "قال ابن عباس: فلما مات عمر" هذا صريح في أن حديث عائشة من رواية ابن عباس عنها، ورواية مسلم توهم أنه من رواية ابن أبي مليكة عنها، والقصة كانت بعد موت عائشة لقوله فيها "فجاء ابن عباس يقوده قائده" فإنه إنما عمي في أواخر عمره، ويؤيد كون ابن أبي مليكة لم يحمله عنها أن عند مسلم في أواخر القصة "قال ابن أبي مليكة: وحدثني القاسم بن محمد قال لما بلغ عائشة قول ابن عمر قالت: إنكم لتحدثونني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ" وهذا يدل على أن ابن عمر كان قد حدث به مرارا. وسيأتي في الحديث الذي بعده أنه حدث بذلك أيضا لما مات رافع بن خديج. قوله: "ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم" بسكون نون لكن ويجوز تشديدها. قوله: "حسبكم" بسكون السين المهملة أي كافيكم "القرآن" أي في تأييد ما ذهبت إليه من رد الخبر. قوله: "قال ابن عباس عند ذلك" أي عند انتهاء حديثه عن عائشة "والله هو أضحك وأبكى" أي أن العبرة لا يملكها ابن آدم ولا تسبب له فيها فكيف يعاقب عليها فضلا عن الميت. وقال الداودي: معناه أن الله تعالى أذن في الجميل من

(3/159)


البكاء فلا يعذب على ما أذن فيه. وقال الطيبي: غرضه تقرير قول عائشة أي أن بكاء الإنسان وضحكه من الله يظهره فيه فلا أثر له في ذلك. قوله: "ما قال ابن عمر شيئا" قال الطيب وغيره: ظهرت لابن عمر الحجة فسكت مذعنا. وقال الزين بن المنير: سكوته لا يدل على الإذعان فلعله كره المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبي: ليس سكوته لشك طرأ له بعدما صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلا للتأويل، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك أو كان المجلس لا يقبل المماراة ولم تتعين الحاجة إلى ذلك حينئذ. ويحتمل أن يكون ابن عمر فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته لأنها يمكن أن يتمسك بها في أن لله أن يعذب بلا ذنب فيكون بكاء الحي علامة لذلك، أشار إلى ذلك الكرماني. الحديث الرابع قوله: "عن عبد الله بن أبي بكر" أي ابن محمد بن عمرو بن حزم. قوله: "إنما مر" كذا أخرجه من طريق مالك مختصرا، وهو في الموطأ بلفظ: "ذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه، فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر" وكذا أخرجه مسلم، وأخرجه أبو عوانة من رواية سفيان عن عبد الله بن أبي بكر كذلك وزاد: "أن ابن عمر لما مات رافع قال لهم: لا تبكوا عليه فإن بكاء الحي على الميت عذاب على الميت. قالت عمرة: فسألت عائشة عن ذلك فقالت: يرحمه الله إنما مر" فذكر الحديث، ورافع المذكور هو رافع بن خديج كما تقدمت الإشارة إليه في الحديث الأول. الحديث الخامس قوله: "عن أبي بردة" هو ابن أبي موسى الأشعري. قوله: "لما أصيب عمر جعل صهيب يقول وا أخاه" أخرجه مسلم من طريق عبد الملك بن عمير عن أبي بردة أتم من هذا السياق وفيه قول عمر "علام تبكي". قوله: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي" الظاهر أن الحي من يقابل الميت، ويحتمل أن يكون المراد به القبيلة وتكون اللام فيه بدل الضمير والتقدير يعذب ببكاء حيه أي قبيلته. فيوافق قوله في الرواية الأخرى "ببكاء أهله" وفي رواية مسلم المذكورة "من يبكي عليه يعذب" ولفظها أعم. وفيه دلالة على أن الحكم ليس خاصا بالكافر، وعلى أن صهيبا أحد من سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه نسيه حتى ذكره به عمر، وزاد فيه عبد الملك بن عمير عن أبي بردة "فذكرت ذلك لموسى بن طلحة فقال: كانت عائشة تقول إنما كان أولئك اليهود" أخرجه مسلم. قال الزين بن المنير: أنكر عمر على صهيب بكاءه لرفع صوته بقوله وا أخاه، ففهم منه أن إظهاره لذلك قبل موت عمر يشعر باستصحابه ذلك بعد وفاته أو زيادته عليه فابتدره بالإنكار لذلك والله أعلم. وقال ابن بطال: إن قيل كيف نهى صهيبا عن البكاء وأقر نساء بني المغيرة على البكاء على خالد كما سيأتي في الباب الذي يليه؟ فالجواب أنه خشي أن يكون رفعه لصوته من باب ما نهي عنه ولهذا قال في قصة خالد "ما لم يكن نقع أو لقلقة".

(3/160)


33 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ
وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ
وَالنَّقْعُ التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ وَاللَّقْلَقَةُ الصَّوْتُ
1291 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ"

(3/160)


1292 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ " تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ وَقَالَ آدَمُ عَنْ شُعْبَةَ "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ"
قوله: "باب ما يكره من النياحة على الميت" قال الزين بن المنير: ما موصولة ومن لبيان الجنس فالتقدير: الذي يكره من جنس البكاء هو النياحة، والمراد بالكراهة كراهة التحريم لما تقدم من الوعيد عليه انتهى. ويحتمل أن تكون ما مصدرية ومن تبعيضية والتقدير كراهية بعض النياحة، أشار إلى ذلك ابن المرابط وغيره. ونقل ابن قدامة عن أحمد رواية أن بعض النياحة لا تحرم وفيه نظر، وكأنه أخذه من كونه صلى الله عليه وسلم لم ينه عمة جابر لما ناحت عليه فدل على أن النياحة إنما تحرم إذا انضاف إليها فعل من ضرب خد أو شق جيب، وفيه نظر لأنه صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن النياحة بعد هذه القصة لأنها كانت بأحد، وقد قال في أحد "لكن حمزة لا بواكي له" ثم نهى عن ذلك وتوعد عليه، وذلك بين فيما أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم من طريق أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنساء بني عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال: لكن حمزة لا بواكي له. فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ويحهن، ما انقلبن بعد، مروهن فلينقلبن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم" وله شاهد أخرجه عبد الرزاق من طريق عكرمة مرسلا ورجاله ثقات. قوله: "وقال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان إلخ" هذا الأثر وصله المصنف في التاريخ الأوسط من طريق الأعمش عن شقيق قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة -أي ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم- وهن بنات عم خالد بن الوليد بن المغيرة يبكين عليه، فقيل لعمر: أرسل إليهن فانههن، فذكره. وأخرجه ابن سعد عن وكيع وغير واحد عن الأعمش. قوله: "ما لم يكن نقع أو لقلقة" بقافين الأولى ساكنة، وقد فسره المصنف بأن النقع التراب أي وضعه على الرأس، واللقلقة الصوت أي المرتفع وهذا قول الفراء، فأما تفسير اللقلقة فمتفق عليه كما قال أبو عبيد في غريب الحديث، وأما النقع فروى سعيد بن منصور عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: النقع الشق أي شق الجيوب، وكذا قال وكيع فيما رواه ابن سعد عنه. وقال الكسائي هو صنعة الطعام للمأتم، كأنه ظنه من النقيعة وهي طعام المأتم، والمشهور أن النقيعة طعام القادم من السفر كما سيأتي في آخر الجهاد، وقد أنكره أبو عبيد عليه وقال: الذي رأيت عليه أكثر أهل العلم أنه رفع الصوت، يعني بالبكاء. وقال بعضهم: هو وضع التراب على الرأس، لأن النقع هو الغبار. وقيل: هو شق الجيوب وهو قول شمر، وقيل: هو صوت لطم الخدود حكاه الأزهري. وقال الإسماعيلي معترضا على البخاري: النقع لعمري هو الغبار ولكن ليس هذا موضعه، وإنما هو هنا الصوت العالي، واللقلقة ترديد صوت النواحة انتهى. ولا مانع من حمله على المعنيين بعد أن فسر المراد بكونه وضع التراب على الرأس لأن ذلك من صنيع أهل المصائب، بل قال ابن الأثير: المرجح أنه وضع التراب على الرأس، وأما من فسره بالصوت فيلزم موافقته للقلقة، فحمل اللفظين على معنيين أولى من حملهما على معني واحد، وأجيب بأن بينهما مغايرة من وجه كما تقدم فلا مانع من إرادة ذلك. "تنبيه": كانت وفاة خالد بن الوليد بالشام سنة إحدى
ـــــــ
(1) مراده لما ناحت على أخيها عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله عنهما

(3/161)


وعشرين. قوله: "حدثنا سعيد بن عبيد" هو الطائي. قوله: "عن علي بن ربيعة" هو الأسدي، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، والإسناد كله كوفيون، وصرح في رواية مسلم بسماع سعيد من علي ولفظه: "حدثنا"، والمغيرة هو ابن شعبة وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن سعيد بن عبيد وفيه علي بن ربيعة قال: "أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة فقال: سمعت" فذكره. ورواه أيضا من طريق وكيع عن سعيد بن عبيد ومحمد بن قيس الأسدي كلاهما عن علي بن ربيعة قال: "أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب" وفي رواية الترمذي "مات رجل من الأنصار يقال له قرظة بن كعب فنيح عليه، فجاء المغيرة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال النوح في الإسلام" انتهى. وقرظة المذكور بفتح القاف والراء والظاء المشالة أنصاري خزرجي كان أحد من وجهه عمر إلى الكوفة ليفقه الناس، وكان على يده فتح الري، واستخلفه علي1 على الكوفة، وجزم ابن سعد وغير بأنه مات في خلافته وهو قول مرجوح لما ثبت في صحيح مسلم أن وفاته حيث كان المغيرة بن شعبة أميرا على الكوفة، وكانت إمارة المغيرة على الكوفة من قبل معاوية من سنة إحدى وأربعين إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين. قوله: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد" أي "غيري"، ومعناه أن الكذب على الغير قد ألف واستسهل خطبه، وليس الكذب علي بالغا مبلغ ذاك في السهولة وإن كان دونه في السهولة فهو أشد منه في الإثم، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من أورد أن الذي تدخل عليه الكاف أعلى والله أعلم. وكذا لا يلزم من إثبات الوعيد المذكور على الكذب عليه أن يكون الكذب على غيره مباحا، بل يستدل على تحريم الكذب على غيره بدليل آخر، والفرق بينهما أن الكذب عليه توعد فاعله بجعل النار له مسكنا بخلاف الكذب على غيره، وقد تقدمت بقية مباحث الحديث في كتاب العلم، ويأتي كثير منها في شرح حديث واثلة في أوائل مناقب قريش إن شاء الله تعالى. قوله: "من ينح عليه يعذب " ضبطه الأكثر بضم أوله وفتح النون وجزم المهملة على أن من شرطية وتجزم الجواب، ويجوز رفعه على تقدير فإنه يعذب، وروي بكسر النون وسكون التحتانية وفتح المهملة. وفي رواية الكشميهني: "من يناح" على أن "من" موصولة، وقد أخرجه الطبراني عن علي بن عبد العزيز عن أبي نعيم بلفظ: "إذا نيح على الميت عذب بالنياحة عليه" وهو يؤيد الرواية الثانية. قوله: "بما نيح عليه" كذا للجميع بكسر النون، ولبعضهم ما نيح بغير موحدة على أن ما ظرفية. قوله: "عن سعيد بن المسيب" في رواية حدثنا سعيد. قوله: "تابعه عبد الأعلى" هو ابن حماد، وسعيد هو ابن أبي عروبة. قوله: "حدثنا قتادة" يعني عن سعيد بن المسيب إلخ، وقد وصله أبو يعلى في مسنده عن عبد الأعلى بن حماد كذلك. قوله: "وقال آدم عن شعبة" يعني بإسناد حديث الباب لكن بغير لفظ المتن وهو قوله: "يعذب ببكاء الحي عليه" تفرد آدم بهذا اللفظ، وقد رواه أحمد عن محمد بن جعفر غندر ويحيى بن سعيد القطان وحجاج بن محمد كلهم عن شعبة كالأول، وكذا أخرجه مسلم عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر، وأخرجه أبو عوانة من طريق أبي النضر وعبد الصمد بن عبد الوارث وأبي زيد الهروي وأسود بن عامر كلهم عن سعيد كذلك، وفي الحديث تقديم من يحدث كلاما يقتضي تصديقه فيما يحدث به فإن المغيرة قدم قبل تحديثه بتحريم النوح أن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من الكذب على غيره، وأشار إلى أن الوعيد على ذلك يمنعه أن يخبر عنه بما لم يقل.
ـــــــ
(1) في نسخة أخرى "واستخلفه"

(3/162)


34 – باب – 1293- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ فَقَالُوا ابْنَةُ عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو قَالَ فَلِمَ تَبْكِي أَوْ لاَ تَبْكِي فَمَا زَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ"
قوله: "باب" كذا في رواية الأصيلي، وسقط من رواية أبي ذر وكريمة، وعلى ثبوته فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله كما تقدم تقريره غير مرة، وعلى التقديرين فلا بد له من تعلق بالذي قبله، وقد تقدم توجيهه في أول الترجمة. قوله: "قد مثل به" بضم الميم وتشديد المثلثة يقال مثل بالقتيل إذا جدع أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيء من أجزائه. والاسم المثلة بضم الميم وسكون المثلثة. قوله: "سجي ثوبا" بضم المهملة وتشديد الجيم الثقيلة أي غطي بثوب قوله: "ابنة عمرو أو أخت عمرو" هذا شك من سفيان، والصواب بنت عمرو وهي فاطمة بنت عمرو، وقد تقدم على الصواب من رواية شعبة عن ابن المنكدر في أوائل الجنائز بلفظ: "فذهبت عمتي فاطمة" ووقع في "الأكليل" للحاكم تسميتها هند بنت عمرو، فلعل لها اسمين أو أحدهما اسمها والأخر لقبها أو كانتا جميعا حاضرتين. قوله: "قال فلم؟ تبكي أو لا تبكي" هكذا في هذه الرواية بكسر اللام وفتح الميم على أنه استفهام عن غائبة، وأما قوله: "أو لا تبكي "فالظاهر أنه شك من الرواي هل استفهم أو نهى، لكن تقدم في أوائل الجنائز من رواية شعبة "تبكي أو لا تبكي "وتقدم شرحه على التخيير، ومحصله أن هذا الجليل القدر الذي تظله الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يبكي عليه بل يفرح له بما صار إليه.

(3/163)


35 - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ
1294 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ"
[الحديث 1294 – أطرافه في: 1297, 1298, 3519]
قوله: "باب ليس منا من شق الجيوب" قال الزين بن المنير: أفرد هذا القدر بترجمة ليشعر بأن النفي الذي حاصله التبري يقع بكل واحد من المذكورات لا بمجموعها. قلت: ويؤيده رواية لمسلم بلفظ: "أو شق الجيوب، أو دعا" إلخ. قوله: "حدثنا زبيد" بزاي وموحدة مصغر. قوله: "اليامي" بالتحتانية والميم الخفيفة وفي رواية الكشميهني: "الأيامي "بزيادة همزة في أوله. والإسناد كله كوفيون، ولسفيان وهو الثوري فيه إسناد آخر سيذكر بعد بابين. قوله: "ليس منا" أي من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك ولست مني، أي ما أنت على طريقتي. وقال الزين بن المنير ما ملخصه: التأويل الأول يستلزم أن يكون الخبر إنما ورد عن أمر وجودي، وهذا يصان كلام الشارع عن الحمل عليه. والأولى أن يقال: المراد أن الواقع في ذلك يكون قد تعرض

(3/163)


لأن يهجر ويعرض عنه فلا يختلط بجماعة السنة تأديبا له على استصحابه حاله الجاهلية التي قبحها الإسلام، فهذا أولى من الحمل على ما لا يستفاد منه قدر زائد على الفعل الموجود. وحكي عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر. وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل، أي أنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله، حكاه ابن العربي. ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبري الأتي في حديث أبي موسى بعد باب حيث قال: "برئ منه النبي صلى الله عليه وسلم" وأصل البراءة الانفصال من الشيء، وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته مثلا. وقال المهلب: قوله أنا بريء أي من فاعل ما ذكر وقت ذلك الفعل، ولم يرد نفيه عن الإسلام. قلت: بينهما واسطة تعرف مما تقدم أول الكلام، وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره. وكأن السبب في ذلك ما تضمنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم أو التسخط مثلا بما وقع فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين. قوله: "لطم الخدود" خص الخد بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك. قوله: "وشق الجيوب" جمع جيب بالجيم الموحدة وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره وهو من علامات التسخط. قوله: "ودعا بدعوى الجاهلية" في رواية مسلم بدعوى أهل الجاهلية، أي من النياحة ونحوها، وكذا الندبة كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور كما سيأتي بعد ثلاثة أبواب.

(3/164)


36 - باب رِثَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ
1295 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لاَ فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ لاَ ثُمَّ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي قَالَ إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ"
قوله: "باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة" سعد بالنصب علق المفعولية، وخولة بفتح المعجمة وسكون الواو والرثاء بكسر الراء وبالمثلثة بعدها مدة مدح الميت وذكر محاسنه، وليس هو المراد من الحديث حيث قال الراوي "يرثي رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولهذا اعترض الإسماعيلي الترجمة فقال: ليس هذا من مراثي الموتى وإنما هو من التوجع، يقال رثيته إذا مدحته بعد موته ورثيت له إذا تحزنت عليه. ويمكن أن يكون مراد البخاري هذا بعينه كأنه يقول ما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم فهو من التحزن والتوجع وهو مباح، وليس معارضا لنهيه عن المراثي التي هي ذكر أوصاف الميت المباعثة على تهييج الحزن وتجديد اللوعة، وهذا هو المراد بما أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه

(3/164)


الحاكم من حديث عيد الله بن أبي أوفى قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المراثي" وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: "نهانا أن نتراثى"، ولا شك أن الجامع بين الأمرين التوجع والتحزن. ويؤخذ من هذا التقرير مناسبة إدخال هذه الترجمة في تضاعيف التراجم المتعلقة بحال من يحضر الميت. قوله: "أن مات" بفتح الهمزة ولا يصح كسرها لأنها تكون شرطية والشرط لما يستقبل وهو قد كان مات، والمعنى أن سعد بن خولة وهو من المهاجرين من مكة إلى المدينة وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها وتركوها مع حبهم فيها لله تعالى، فمن ثم خشي سعد بن أبي وقاص أن يموت بها، وتوجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن خولة لكونه مات بها، وأفاد أبو داود الطيالسي في روايته لهذا الحديث عن إبراهيم بن سعد عن الزهري أن القاتل يرثي له إلخ هو الزهري، ويؤيده أن هاشم بن هاشم وسعد بن إبراهيم رويا هذا الحديث عن عامر بن سعد فلم يذكرا ذلك فيه، وكذا في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها كما سيأتي في كتاب الوصايا مع بقية الكلام عليه وذكر الاختلاف في تسمية البنت المذكورة إن شاء الله تعالى.

(3/165)


باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة
...
37 - باب مَا يُنْهَى مِنْ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ
1296 - وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا شَدِيدًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ"
قوله: "باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة" تقدم الكلام على هذا التركيب في "باب ما يكره من النياحة على الميت" وعلى الحكمة في اقتصاره على الحلق دون ما ذكر معه في الباب الذي قبله، وقوله: "عند المصيبة "مصر للحكم على تلك الحالة ومر واضح. قوله: "وقال الحكم بن موسى" هو القنطري بقاف مفتوحة ونون ساكنة، ووقع في رواية أبي الوقت "حدثنا الحكم" وهو وهم فإن الذين جمعوا رجال البخاري في صحيحه أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه فدل على أن الصواب رواية الجماعة بصيغة التعليق. وقد وصله مسلم في صحيحه فقال: "حدثنا الحكم بن موسى" وكذا ابن حبان فقال: "أخبرنا أبو يعلى حدثنا الحكم". قوله: "عن عبد الرحمن بن جابر" هو ابن يزيد بن جابر، نسب إلى جده في هذه الرواية وصرح به في رواية مسلم، ومخيمرة بمعجمة وراء مصغر. قوله: "وجع" بكسر الجيم. قوله: "في حجر امرأة من أهله" زاد مسلم: "فصاحت" وله من وجه آخر من طريق أبي صخرة عن أبي بردة وغيره: "قالوا أغمي على أبي موسى، فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة" الحديث. وللنسائي من طريق يزيد بن أوس عن أم عبد الله امرأة أبي موسى عن أبي موسى فذكر الحديث دون القصة، ولأبي نعيم في المستخرج على مسلم من طريق ربعي قال: "أغمي على أبي موسى فصاحت امرأته بنت أبي دومة" فحصلنا على أنها أم عبد الله بنت أبي دومة، وأفاد عمر بن شبة في تاريخ البصرة أن اسمها صفية بنت دمون وأنها والدة أبي بردة بن أبي موسى وأن ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرا على البصرة من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قوله: "إني بريء" في رواية الكشميهني: "أنا بريء" وكذا لمسلم. قوله: "الصالقة" بالصاد المهملة والقاف أي التي ترفع صوتها بالبكاء، ويقال فيه بالسين المهملة بدل الصاد ومنه قوله تعالى: {سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} وعن ابن الأعرابي:

(3/165)


الصلق ضرب الوجه حكاه صاحب المحكم والأول أشهر، والحالقة التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثوبها، ولفظ أبي صخرة عند مسلم: "أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق" أي حلق شعره وسلق صوته -أي رفعه- وخرق ثوبه، وقد تقدم الكلام على المراد بهذه البراءة قبل بباب.

(3/166)


38 - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ
1297 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ"
قوله: "باب ليس منا من ضرب الخدود" وتقدم الكلام عليه قبل بابين. وعبد الرحمن المذكور في هذا الإسناد هو ابن مهدي.

(3/166)


39 - باب مَا يُنْهَى مِنْ الْوَيْلِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ
1298 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ"
قوله: "باب ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة" تقدم توجيه هذا التركيب، وهذه الترجمة مع حديثها سقطت للكشميهني وثبتت للباقين. ثم أورده المصنف حديث ابن مسعود من وجه آخر وليس فيه ذكر الويل المترجم به، وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه، ففي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه وصححه ابن حبان: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور "، والظاهر أن ذكرى دعوى الجاهلية بعد ذكر الويل من العام بعد الخاص.

(3/166)


40 - باب مَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ
1299 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ شَقِّ الْبَابِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ انْهَهُنَّ فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعَنَاءِ"
[الحديث 1299 – طرفاه في: 1305, 4263]

(3/166)


41 - باب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ الْجَزَعُ الْقَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ
وَقَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلاَم {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه}
1301 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ "اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ قَالَ فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ فَلَمَّا رَأَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ كَيْفَ الْغُلاَمُ قَالَتْ قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ قَالَ فَبَاتَ فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا" فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا" قَالَ سُفْيَانُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلاَدٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ
[الحديث 1301 – طرفه في: 5470]
قوله: "باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة" تقدم الكلام على ذلك في الترجمة التي قبلها، ويظهر بضم أوله من الرباعي وحزنه منصوب على المفعولية. قوله: "وقال محمد بن كعب" يعني القرظي بضم القاف وفتح الراء بعدها ظاء مشالة. قوله: "السيئ" بفتح المهملة وتشديد التحتانية بعدها أخرى مهموزة والمراد به ما يبعث الحزن غالبا، وبالطن السيئ اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل ما هو أنفع له من الفائت، أو الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثواب على الصبر. وقد روى ابن أبي حاتم في تفسير سورة سأل من طريق أيوب بن موسى عن القاسم بن محمد كقول محمد بن كعب هذا. قوله: "وقال يعقوب عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} قال الزين بن المنير: مناسبة هذه الآية للترجمة أن قول يعقوب لما تضمن أنه لا يشكو - بتصريح ولا تعريض - إلا لله وافق مقصود الترجمة، وكان خطابه بذلك لبنيه بعد قوله: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} . والبث بفتح الموحدة بعدها مثلثة ثقيلة شدة الحزن. قوله: "حدثنا بشر بن الحكم" هو النيسابوري، قال أبو نعيم في المستخرج: يقال إن هذا الحديث مما تفرد به البخاري عن بشر بن الحكم انتهى، يعني من هذا الوجه من حديث سفيان بن عيينة ولم يخرجه أبو نعيم ولا الإسماعيلي من طريق إسحاق إلا من جهة البخاري، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة وهو أخو إسحاق المذكور عن أنس، وأخرجه البخاري ومسلم من طريق أنس بن سيرين ومحمد بن سعد من طريق حميد الطويل كلاهما عن أنس، وأخرجه مسلم وابن سعد أيضا وابن حبان والطيالسي من طرق عن ثابت عن أنس أيضا. وفي رواية بعضهم ما ليس في رواية بعض، وسأذكر ما في كل من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى.

(3/169)


قوله: "اشتكى ابن لأبي طلحة" أي مرض، وليس المراد أنه صدرت منه شكوى، لكن لما كان الأصل أن المريض يحصل منه ذلك استعمل في كل مرض لكل مريض. والابن المذكور هو أبو عمير الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يمازحه ويقول له "يا أبا عمير، ما فعل النغير" كما سيأتي في كتاب الأدب، بين ذلك ابن حبان في روايته من طريق عمارة بن زاذان عن ثابت، وزاد من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت في أوله قصة تزويج أم سليم بأبي طلحة بشرط أن يسلم وقال فيه: "فحملت فولدت غلاما صبيحا فكان أبو طلحة يحبه حبا شديدا، فعاش حتى تحرك فمرض، فحزن أبو طلحة عليه حزنا شديدا حتى تضعضع، وأبو طلحة يغدو ويروح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فراح روحة فمات الصبي" فأفادت هذه الرواية تسميه امرأة أبي طلحة، ومعني قوله: "وأبو طلحة خارج" أي خارج البيت عند النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر النهار. وفي رواية الإسماعيلي: "كان لأبي طلحة ولد فتوفي، فأرسلت أم سليم أنسا يدعو أبا طلحة، وأمرته أن لا يخبره بوفاة ابنه، وكان أبو طلحة صائما". قوله: "هيأت شيئا" قال الكرماني: أي أعددت طعاما لأبي طلحة وأصلحته، وقيل هيأت حالها وتزينت. قلت: بل الصواب أن المراد أنها هيأت أمر الصبي بأن غسلته وكفنته كما ورد في بعض طرقه صريحا، ففي رواية أبو داود الطيالسي عن مشايخه عن ثابت "فهيأت الصبي". وفي رواية حميد عند ابن سعد "فتوفي الغلام فهيأت أم سليم أمره". وفي رواية عمارة بن زاذان عن ثابت "فهلك الصبي فقامت أم سليم فغسلته وكفنته وحنطته وسجت عليه ثوبا". قوله: "ونحته في جانب البيت" أي جعلته في جانب البيت. وفي رواية جعفر عن ثابت "فجعلته في مخدعها". قوله: "هدأت" بالهمز أي سكنت و "نفسه" بسكون الفاء كذا للأكثر، والمعنى أن النفس كانت قلقة منزعجة بعارض المرض فسكنت بالموت، وظن أبو طلحة أن مرادها أنها سكنت بالنوم لوجود العافية. وفي رواية أبي ذر "هدأ نفسه" بفتح الفاء أي سكن، لأن المريض يكون نفسه عاليا فإذا زال مرضه سكن، وكذا إذا مات. ووقع في رواية أنس بن سيرين "هو أسكن ما كان"، ونحوه في رواية جعفر عن ثابت. وفي رواية معمر عن ثابت "أمسى هادئا "وفي رواية حميد "بخير ما كان"، ومعانيها متقاربة. قوله: "وأرجو أن يكون قد استراح" لم تجزم بذلك على سبيل الأدب، ويحتمل أنها لم تكن علمت أن الطفل لا عذاب عليه ففوضت الأمر إلى الله تعالى، مع وجود رجائها بأنه استراح من نكد الدنيا. قوله: "وظن أبو طلحة أنها صادقة" أي بالنسبة إلى ما فهمه من كلامها، وإلا فهي صادقة بالنسبة إلى ما أرادت. قوله: "فبات" أي معها "فلما أصبح اغتسل" فيه كناية عن الجماع، لأن الغسل إنما يكون في الغالب منه، وقد وقع التصريح بذلك في غير هذه الرواية: ففي رواية أنس بن سيرين "فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها". وفي رواية عبد الله "ثم تعرضت له فأصاب منها". وفي رواية حماد عن ثابت "ثم تطيبت"، زاد جعفر عن ثابت "فتعرضت له حتى وقع بها" وفي رواية سليمان عن ثابت "ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها". قوله: "فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات" زاد سليمان بن المغيرة عن ثابت عند مسلم: "فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا أهل بيت عارية فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. فغضب وقال تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني". وفي رواية عبد الله "فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت قوما أعاروا متاعا ثم بدا لهم فيه فأخذوه فكأنهم وجدوا في أنفسهم" زاد حماد في روايته عن ثابت "فأبوا أن يردوها، فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، أن العارية مؤداة إلى أهلها. ثم اتفقا، فقالت: إن الله أعارنا فلانا ثم أخذه منا",

(3/170)


زاد حماد "فاسترجع". قوله: "لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما" في رواية الأصيلي: "لهما في ليلتهما" ووقع في رواية أنس بن سيرين "اللهم بارك لهما "ولا تعارض بينهما فيجمع بأنه دعا بذلك ورجا إجابة دعائه، ولم تختلف الرواة عن ثابت وكذا عن حميد في أنه قال: "بارك الله لكما في ليلتكما" وعرف من رواية أنس بن سيرين أن المراد الدعاء وإن كان لفظه لفظ الخبر. وفي رواية أنس بن سيرين من الزيادة "فولدت غلاما" وفي رواية عبد الله بن عبد الله "فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة" وسيأتي الكلام على قصة تحنيكه وغير ذلك حيث ذكره المصنف في العقيقة. قوله: "قال سفيان" هو ابن عيينة بالإسناد المذكور. قوله: "فقال رجل من الأنصار إلخ" هو عباية بن رفاعة، لما أخرجه سعيد بن منصور ومسدد وابن سعد والبيهقي في "الدلائل" كلهم من طريق سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة قال: "كانت أم أنس تحت أبي طلحة" فذكر القصة شبيهة بسياق ثابت عن أنس. وقال في آخره: "فولدت له غلاما، قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين كلهم قد ختم القرآن" وأفادت هذه الرواية أن في رواية سفيان تجوزا في قوله: "لهما" لأن ظاهره أنه من ولدهما بغير واسطة، وإنما المراد من أولاد ولدهما المدعو له بالبركة وهو عبد الله بن أبي طلحة. ووقع في رواية سفيان "تسعة" وفي هذه "سبعة" فلعل في أحدهما تصحيفا، أو المراد بالسبعة من ختم القرآن كله وبالتسعة من قرأ معظمه، وله من الولد فيما ذكر ابن سعد وغيره من أهل العلم بالأنساب إسحاق وإسماعيل وعبد الله ويعقوب وعمر والقاسم وعمارة وإبراهيم وعمير وزيد ومحمد، وأربع من البنات. وفي قصة أم سليم هذه من الفوائد أيضا جواز الأخذ بالشدة وترك الرخصة مع القدرة عليها، والتسلية عن المصائب، وتزين المرأة لزوجها، وتعرضها لطلب الجماع منه، واجتهادها في عمل مصالحه، ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها. وشرط جوازها أن لا تبطل حقا لمسلم. وكان الحامل لأم سليم على ذلك المبالغة في الصبر والتسليم لأمر الله تعالى ورجاء إخلافه عليها ما فات منها، إذ لو أعلمت أبا طلحة بالأمر في أول الحال تنكد عليه وقته ولم تبلغ الغرض الذي أرادته، فلما علم الله صدق نيتها بلغها مناها وأصلح لها ذريتها. وفيه إجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وأن من ترك شيئا عوضه الله خيرا منه، وببان حال أم سليم من التجلد وجودة الرأي وقوة العزم، وسيأتي في الجهاد والمغازي أنها كانت تشهد القتال وتقوم بخدمة المجاهدين إلى غير ذلك مما انفردت به عن معظم النسوة، وسيأتي شرح حديث أبي عمير ما فعل النغير مستوفى في أواخر كتاب الأدب، وفيه بيان ما كان سمي به غير الكنية التي اشتهر بها.

(3/171)


42 - باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
نِعْمَ الْعِدْلاَنِ وَنِعْمَ الْعِلاَوَةُ {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ}
وَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}
1302 - حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن ثابت قال سمعت أنسا رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصبر عند الصدمة الأولى"

(3/171)


قوله "باب الصبر عند الصدمة الأولى" أي هو المطلوب المبشر عليه بالصلاة والرحمة، ومن هنا تظهر مناسبة إيراد أثر عمر في هذا الباب، وقد تقدم الكلام على المتن المرفوع مستوفى في زيارة القبور. قوله: "وقال عمر" أي ابن الخطاب. قوله: "العدلان" بكسر المهملة أي المثلان، و قوله: "العلاوة" بكسرها أيضا أي ما يعلق على البعير بعد تمام الحمل. وهذا الأثر وصله الحاكم في المستدرك من طريق جرير عن منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب عن عمر كما ساقه المصنف وزاد: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} نعم العدلان {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} نعم العلاوة. وهكذا أخرجه البيهقي عن الحاكم، وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره من وجه آخر عن منصور من طريق نعيم بن أبي هند عن عمر نحوه، وظهر بهذا مراد عمر بالعدلين وبالعلاوة وأن العدلين الصلاة والرحمة والعلاوة الاهتداء. ويؤيده وقوعهما بعد "على" المشعرة بالفوقية المشعرة بالحمل قاله الزين بن المنير. وقد روي نحو قول عمر مرفوعا أخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون - إلى قوله: - المهتدون"، قال فأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله واسترجع كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله والرحمة، وتحقيق سبل الهدى. فأغنى هذا عن التكلف في ذلك كقول المهلب: العدلان إنا لله وإنا إليه راجعون والعلاوة الثواب عليهما، وعن قول الكرماني: الظاهر أن المراد بالعدلين القول وجزاؤه، أي قول الكلمتين ونوعا الثواب لأنهما متلازمان. قوله: "وقوله تعالى: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} الآية" هو بالجر عطفا على أول الترجمة، والتقدير: وباب قوله تعالى، أي تفسيره أو نحو ذلك. وقوله وإنها قيل أفرد الصلاة لأن المراد بالصبر الصوم وهو من التروك أو الصبر عن الميت ترك الجزع، والصلاة أفعال وأقوال فلذلك ثقلت على غير الخاشعين، ومن أسرارها أنها تعين على الصبر لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع وكلها تضاد حب الرياسة وعدم الانقياد للأوامر والنواهي، وكأن المصنف أراد بإيراد هذه الآية ما جاء عن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ثم قام وهو يقول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} الآية، أخرجه الطبري في تفسيره بإسناد حسن، وعن حذيفة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى" أخرجه أبو داود بإسناد حسن أيضا. قال الطبري: الصبر منع النفس محابها وكفها عن هواها، ولذلك قيل لمن لم يجزع صابر لكفه نفسه، وقيل لرمضان شهر الصبر لكف الصائم نفسه عن المطعم والمشرب.

(3/172)


43 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ
1303 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ هُوَ ابْنُ حَيَّانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَم فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ

(3/172)


يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" رَوَاهُ مُوسَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا بك لمحزونون" قال ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: تدمع العين ويحزن القلب" سقطت هذه الترجمة والأثر قي رواية الحموي وثبتت للباقين، وحديث ابن عمر كأن المراد به ما أورده المصنف في الباب الذي بعد هذا إلا أن لفظه: "إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب" فيحتمل أن يكون ذكره بالمعنى لأن ترك المؤاخذة بذلك يستلزم وجوده، وأما لفظه فثبت في قصة موت إبراهيم من حديث أنس عند مسلم، وأصله عند المصنف كما في هذا الباب، وعن عبد الرحمن بن عوف عند ابن سعد والطبراني، وأبي هريرة عند ابن حبان والحاكم، وأسماء بنت يزيد عند ابن ماجه، ومحمود بن لبيد عند ابن سعد، والسائب بن يزيد وأبي أمامة عند الطبراني. قوله: "حدثني الحسن بن عبد العزيز" هو الجروي بفتح الجيم والراء منسوب إلى جروة بفتح الجيم وسكون الراء قرية من قرى تنيس، وكان أبوه أميرها فتزهد الحسن ولم يأخذ من تركة أبيه شيئا، وكان يقال إنه نظير قارون في المال، والحسن المذكور من طبقة البخاري ومات بعده بسنة وليس له عنده سوى هذا الحديث وحديثين آخرين في التفسير. قوله: "حدثني يحيي بن حسان" هو التنيسي أدركه البخاري ولم يلقه لأنه مات قبل أن يدخل مصر، وقد روى عنه الشافعي مع جلالته ومات قبله بمدة، فوقع للحسن نظير ما وقع لشيخه من رواية إمام عظيم الشأن عنه ثم يموت قبله. قوله: "حدثنا قريش هو ابن حيان" هو بالقاف والمعجمة وأبوه بالمهملة والتحتانية بصري يكنى أبا بكر. قوله: "على أبي سيف" قال عياض هو البراء بن أوس، وأم سيف زوجته هي أم بردة واسمها خوله بنت المنذر. قلت: جمع بذلك بين ما وقع في هذا الحديث الصحيح وبين قول الواقدي فيما رواه ابن سعد في الطبقات عنه عن يعقوب بن أبي صعصعة عن عبد الله بن أبي صعصعة قال: "لما ولد له إبراهيم تنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد من بني عدي بن النجار وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد من بني عدي بن النجار أيضا، فكانت ترضعه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه في بني النجار" انتهى. وما جمع به غير مستبعد، إلا أنه لم يأت عن أحد من الأئمة التصريح بأن البراء بن أوس يكنى أبا سيف ولا أن أبا سيف يسمى البراء بن أوس. قوله: "القين" بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون هو الحداد، ويطلق على كل صانع، يقال قان الشيء إذا أصلحه. قوله: "ظئرا" بكسر المعجمة وسكون التحتانية المهموزة بعدها راء أي مرضعا، وأطلق عليه ذلك لأنه كان زوج المرضعة، وأصل الظئر من ظأرت الناقة إذا عطفت على غير ولدها فقيل ذلك للتي ترضع غير ولدها، وأطلق ذلك على زوجها لأنه يشاركها في تربيته غالبا. قوله: "لإبراهيم" أي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع التصريح بذلك في رواية سليمان بن المغيرة المعلقة بعد هذا ولفظه عند مسلم في أوله "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته فانتهى إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره وقد امتلأ البيت دخانا، فأحرمت المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم" لمسلم أيضا من طريق عمرو بن سعيد عن أنس "ما رأيت أحدا

(3/173)


كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وأنه ليدخن وكان ظئره قينا". قوله: "وإبراهيم يجود بنفسه" أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله. وفي رواية سليمان "يكيد" قال صاحب المعين أي يسوق بها، وقيل معناه يقارب بها الموت. وقال أبو مروان بن سراج: قد يكون من الكيد وهو القيء يقال منه كاد يكيد شبه تقلع نفسه عند الموت بذلك. قوله: "تذرفان" بذال معجمة وفاء أي يجري دمعهما. قوله: "وأنت يا رسول الله"؟ قال الطيبي. فيه معنى التعجب، والواو تستدعي معطوفا عليه أي الناس لا يصبرون على المصيبة وأنت تفعل كفعلهم، كأنه تعجب لذلك منه مع عهده منه أنه يحث على الصبر وينهى عن الجزع، فأجابه بقوله: "إنها رحمة " أي الحالة التي شاهدتها مني هي رقة القلب على الولد لا ما توهمت من الجزع انتهى. ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف نفسه "فقلت يا رسول الله تبكي، أو لم تنه عن البكاء" وزاد فيه: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان قال. إنما هذا رحمة ومن لا يرحم لا يرحم" . وفي رواية محمود بن لبيد فقال: "إنما أنا بشر" ، وعند عبد الرزاق من مرسل مكحول "إنما أنهى الناس عن النياحة أن يندب الرجل بما ليس فيه ". قوله: "ثم أتبعها بأخرى" في رواية الإسماعيلي: "ثم أتبعها والله بأخرى" بزيادة القسم، قيل أراد به أنه أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى، وقيل أتبع الكلمة الأولى المجملة وهي قوله: "إنها رحمة "بكلمة أخرى مفصلة وهي قوله: "أن العين تدمع " ويؤيد الثاني ما تقدم من طريق عبد الرحمن ومرسل مكحول. قوله: "أن العين تدمع إلخ" في حديث عبد الرحمن بن عوف ومحمود بن لبيد "ولا نقول ما يسخط الرب "وزاد في حديث عبد الرحمن في آخره: "لولا أنه أمر حق ووعد صدق وسبيل نأتيه، وإن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا" ونحوه في حديث أسماء بنت يزيد ومرسل مكحول وزاد في آخره: "وفصل رضاعه في الجنة" وفي آخر حديث محمود بن لبيد "وقال أن له مرضعا في الجنة" ومات وهو ابن ثمانية عشر شهرا، وذكر الرضاع وقع في آخر حديث أنس عند مسلم من طريق عمرو بن سعيد عنه، إلا أن ظاهر سياقه الإرسال، فلفظه: "قال عمرو فلما توفي إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين يكملان رضاعه في الجنة" وسيأتي في أواخر الجنائز حديث البراء "أن لإبراهيم لمرضعا في الجنة" . "فائدة في وقت وفاة إبراهيم عليه السلام": جزم الواقدي بأنه مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر. وقال ابن حزم: مات قبل النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر، واتفقوا على أنه ولد في ذي الحجة سنة ثمان. قال ابن بطال وغيره: هذا الحديث يفسر البكاء المباح والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى. وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمه، ومشروعية الرضاع، وعيادة الصغير، والحضور عند المحتضر، ورحمة العيال، وجواز الإخبار عن الحزن وإن كان الكتمان أولى، وفيه وقوع الخطاب للغير وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ولده مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب لوجهين: أحدهما صغره، والثاني نزاعه. وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق. وفيه جواز الاعتراض على من خالف فعله ظاهر قوله ليظهر الفرق، وحكى ابن التين قول من قال: إن فيه دليلا على تقبيل الميت وشمه، ورده بأن القصة إنما وقعت قبل الموت وهو كما قال. قوله: "رواه موسى" هو ابن إسماعيل التبوذكي وطريقه هذه وصلها

(3/174)


البيهقي في "الدلائل" من طريق تمتام وهو بمثناتين لقب محمد بن غالب البغدادي الحافظ عنه، وفي سياقه ما ليس في سياق قريش بن حيان، وإنما أراد البخاري أصل الحديث.

(3/175)


44 - باب الْبُكَاءِ عِنْدَ الْمَرِيضِ
1304 - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ قَدْ قَضَى قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا فَقَالَ: "أَلاَ تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ
قوله: "باب البكاء عند المريض" سقط لفظ: "باب" من رواية أبي ذر، قال الزين بن المنير: ذكر المريض أعم من أن يكون أشرف على الموت أو هو في مبادئ المرض، لكن البكاء عادة إنما يقع عند ظهور العلامات المخوفة كما في قصة سعد بن عبادة في حديث هذا الباب. قوله: "أخبرني عمرو" هو ابن الحارث المصري. قوله: "عن سعيد بن الحارث الأنصاري" هو ابن أبي سعيد بن المعلى قاضي المدينة. ووقع في رواية مسلم من طريق عمارة بن غزية عن سعيد بن الحارث بن المعلى فكأنه نسب أباه لجده. قوله: "اشتكى" أي ضعف و "شكوى" بغير تنوين. قوله: "فلما دخل عليه" زاد مسلم في رواية عمارة بن غزية "فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه". قوله: "في غاشية أهله" بمعجمتين أي الذين يغشونه للخدمة وغيرها، وسقط لفظ: "أهله" من أكثر الروايات، وعليه شرح الخطابي، فيجوز أن يكون المراد بالغاشية الغشية من الكرب، ويؤيده ما وقع في رواية مسلم في غشيته. وقال التوربشتي: الغاشية هي الداهية من شر أو من مرض أو من مكروه، والمراد ما يتغشاه من كرب الوجع الذي هو فيه لا الموت، لأنه أفاق من تلك المرضة وعاش بعدها زمانا. قوله: "فلما رأى القوم بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكوا" في هذا إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر. قوله: "فقال ألا تسمعون" لا يحتاج إلى مفعول لأنه جعل كالفعل اللازم، أي ألا توجدون السماع، وفيه إشارة إلى أنه فهم من بعضهم الإنكار، فبين لهم الفرق بين الحالتين. قوله: "إن الله" بكسر الهمزة لأنه ابتداء كلام. قوله: "يعذب بهذا" أي إن قال سوءا. قوله: "أو يرحم" إن قال خيرا، ويحتمل أن يكون معنى قوله: "أو يرحم" أي إن لم ينفذ الوعيد. قوله: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" أي بخلاف غيره، ونظيره قوله في قصة عبد الله بن ثابت التي أخرجها مالك في الموطأ من حديث جابر بن عتيك، ففيه: "فصاح النسوة، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن فإذا وجبت فلا تبكين باكية" الحديث. قوله: "وكان عمر" هو موصول بالإسناد المذكور إلى ابن عمر، وسقطت هذه الجملة وكذا التي قبلها من رواية مسلم،

(3/175)


ولهذا ظن بعض الناس أنهما معلقان. وفي حديث ابن عمر من الفوائد استحباب عيادة المريض، وعيادة الفاضل للمفضول، والإمام أتباعه مع أصحابه، وفيه النهي عن المنكر وبيان الوعيد عليه.

(3/176)


45 - باب مَا يُنْهَى مِنْ النَّوْحِ وَالْبُكَاءِ وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ
قوله: "باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك" قال الزين بن المنير: عطف الزجر على النهي للإشارة إلى المؤاخذة الواقعة في الحديث بقوله: "فاحث في أفواههن التراب".
1305 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ "لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ قَدْ نَهَيْتُهُنَّ وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِي أَوْ غَلَبْنَنَا الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ " فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعَنَاءِ"
1306 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لاَ نَنُوحَ فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ أُمِّ سُلَيْمٍ وَأُمِّ الْعَلاَءِ وَابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ ابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَةٍ أُخْرَى"
[الحديث 1306 – طرفاه في: 4892, 7215]
قوله: "حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب" بمهملة وشين معجمة وزن جعفر ثقة من أهل الطائف نزل الكوفة، ذكر الأصيلي أنه لم يرو عنه غير البخاري، وليس كذلك بل روى عنه أيضا محمد بن مسلم بن وارة الرازي كما ذكره المزي في التهذيب، وعبد الوهاب شيخه هو ابن عبد المجيد الثقفي، وقد تقدم الكلام على حديث عائشة قبل أربعة أبواب. قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب" هو الحجبي، وحماد هو ابن زيد، ومحمد هو ابن سيرين، والإسناد كله بصريون. وقد رواه عارم عن حماد فقال: "عن أيوب عن حفصة "بدل محمد أخرجه الطبراني، وله أصل عن حفصة كما سيأتي في الأحكام من طريق عبد الوارث عن أيوب عنها، فكأن حمادا سمعه من أيوب عن كل منهما. قوله: "عند البيعة" أي لما بايعهن على الإسلام. قوله: "فما وفت" أي بترك النوح. وأم سليم هي بنت ملحان والدة أنس، وأم العلاء تقدم ذكرها في ثالث باب من كتاب الجنائز، وابنة أبي سبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة، وأما قوله أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ فهو شك من أحد رواته هل ابنة أبي سبرة هي امرأة معاذ أو غيرها، وسيأتي في كتاب الأحكام من رواية حفصة عن أم عطية بالشك أيضا، والذي يظهر لي أن الرواية بواو العطف أصح لأن امرأة معاذ وهو ابن جبل هي أم عمرو بنت خلاد بن عمرو السلمية ذكرها ابن سعد، فعلى هذا فابنة أبي سبرة غيرها. ووقع في "الدلائل"

(3/176)


لأبي موسى من طريق حفصة عن أم عطية "وأم معاذ" بدل قوله وامرأة معاذ وكذا في رواية عارم، لكن لفظه: "أو أم معاذ بنت أبي سبرة" وفي الطبراني من رواية ابن عون عن ابن سيرين عن أم عطية "فما وفت غير أم سليم وأم كلثوم وامرأة معاذ بن أبي سبرة" كذا فيه والصواب ما في الصحيح امرأة معاذ وبنت أبي سبرة، ولعل بنت أبي سبرة يقال لها أم كلثوم، وإن كانت الرواية التي فيها أم معاذ محفوظة فلعلها أم معاذ بن جبل وهي هند بنت سهل الجهنية ذكرها ابن سعد أيضا، وعرف بمجموع هذه النسوة الخمس وهي أم سليم وأم العلاء وأم كلثوم وأم عمرو وهند - إن كانت الرواية محفوظة - وإلا فيختلج في خاطري أن الخامسة هي أم عطية راوية الحديث. ثم وجدت ما يؤيده من طريق عاصم عن حفصة عن أم عطية بلفظ: "فما وقت غيري وغير أم سليم" أخرجه الطبراني أيضا. ثم وجدت ما يرده وهو ما أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: "كان فيما أخذ علينا أن لا ننوح" الحديث، فزاد في آخره: "وكانت لا تعد نفسها لأنها لما كان يوم الحرة لم تزل النساء بها حتى قامت معهن فكانت لا تعد نفسها لذلك" ويجمع بأنها تركت عد نفسها من يوم الحرة. قلت: يوم الحرة قتل فيه من الأنصار من لا يحصى عدده ونهبت المدينة الشريفة وبذل فيها السيف ثلاثة أيام وكان ذلك في أيام يزيد بن معاوية، وفي حديث أم عطية مصداق ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنهن ناقصات عقل ودين. وفيه فضيلة ظاهرة للنسوة المذكورات، قال عياض: معنى الحديث لم يف ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم مع أم عطية في الوقت الذي بايعت فيه النسوة إلا المذكورات، لا أنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمسة. وسيأتي الكلام على بقية فوائده في تفسير سورة الممتحنة إن شاء الله تعالى.

(3/177)


46 - باب الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ
قوله: "باب القيام للجنازة" إي إذا مرت على من ليس معها، وأما قيام من كان معها إلى أن توضع بالأرض فسيأتي في ترجمة مفردة.
وسنذكر اختلاف العلماء في كل منهما فيما بعد.
1307 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ" قَالَ سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَادَ الْحُمَيْدِيُّ "حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ"
[الحديث 1307 – طرفه في: 1308]
قوله: "حتى تخلفكم" بضم أوله وفتح المعجمة وتشديد اللام المكسورة بعدها فاء أي تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز لأن المراد حاملها. قوله: "قال سفيان" هذا السياق لفظ الحميدي في مسنده، ويحتمل أن يكون علي بن عبد الله حدث به على السياقين فقال مرة "عن سفيان حدثنا الزهري عن سالم" وقال مرة "قال الزهري أخبرني سالم" والمراد من السياقين أن كلا منهما سمعه من شيخه.
قوله: "زاد الحميدي" يعني عن سفيان بهذا الإسناد، وقد رويناه موصلا في مسنده، وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريقه كذلك، وكذا أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وثلاثة معه أربعتهم عن سفيان بالزيادة إلا أنه في سياقهم بالعنعنة، وفي هذا الإسناد رواية تابعي عن تابعي وصحابي عن صحابي في نسق والله أعلم.

(3/177)


47 - باب مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ
1308 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ"
1309 - حدثنا أحمد بن يونس حدثنا بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه قال "كنا في جنازة فأخذ أبو هريرة رضي الله عنه بيد مروان فجلسا قبل أن توضع فجاء أبو سعيد رضي الله عنه فأخذ بيد مروان فقال قم فوالله لقد علم هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك فقال أبو هريرة صدق"
[الحديث 1309 – طرفه في: 1310]
قوله: "باب متى يقعد إذا قام للجنازة" سقط هذا الباب والترجمة من رواية المستملي وثبتت الترجمة دون الباب لرفيقه. قوله: "حتى يخلفها أو تخلفه" شك من البخاري، أو من قتيبة حين حدثه به، وقد رواه النسائي عن قتيبة ومسلم عن قتيبة ومحمد بن رمح كلاهما عن الليث فقالا: "حتى تخلفه" من غير شك. قوله: "أو توضع من قبل أن تخلفه" فيه بيان للمراد من رواية سالم الماضية، وقد أخرجه مسلم من طريق ابن جريج عن نافع بلفظ: "إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه إذا كان غير متبعها".

(3/178)


48 - باب مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلاَ يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالْقِيَامِ
1310 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ -يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا فَمَنْ تَبِعَهَا فَلاَ يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ"
قوله: "باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال" كأنه أشار بهذا إلى ترجيح رواية من روى في حديث الباب: "حتى توضع بالأرض" على رواية من روى "حتى توضع في اللحد" وفيه اختلاف على سهيل بن أبي صالح عن أبيه، قال أبو داود: رواه أبو معاوية عن سهيل فقال: "حتى توضع في اللحد"، وخالفه الثوري وهو أحفظ فقال: "في الأرض" انتهى، ورواه جرير عن سهيل فقال: "حتى توضع" حسب، وزاد: "قال سهيل: ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال" أخرجه أبو نعيم في المستخرج بهذه الزيادة، وهو في مسلم بدونها، وفي المحيط للحنفية: الأفضل أن يهال عليها التراب، وحجتهم رواية أبي معاوية، ورجح الأول عند البخاري بفعل أبي صالح لأنه راوي الخبر أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة كما قال أبو داود. قوله: "فإن قعد أمر بالقيام" فيه إشارة إلى أن القيام في هذا لا يفوت بالقعود، لأن المراد به تعظيم أمر الموت، وهو لا يفوت بذلك. وأما قول المهلب: قعود أبي هريرة ومروان يدل على أن القيام ليس بواجب وأنه ليس عليه العمل، فإن أراد أنه ليس بواجب عندهما فظاهر، وإن أراد في نفس الأمر فلا دلالة فيه على ذلك. ويدل على الأول ما رواه الحاكم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة فساق نحو

(3/178)


القصة المذكورة وزاد: "إن مروان لما قال له أبو سعيد قم قام، ثم قال له: لم أقمتني؟ فذكر الحديث. فقال لأبي هريرة: فما منعك أن تخبرني؟ قال: كنت إماما فجلست". فعرف بهذا أن أبا هريرة لم يكن يراه واجبا، وأن مروان لم يكن يعرف حكم المسألة قبل ذلك، وأنه بادر إلى العمل بها بخبر أبي سعيد. وروى الطحاوي من طريق الشعبي عن أبي سعيد قال: "مر على مروان بجنازة فلم يقم، فقال له أبو سعيد. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت عليه جنازة فقام، فقام مروان" وأظن هذه الرواية مختصرة من القصة. وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أكثر الصحابة والتابعين باستحبابه كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، وروى البيهقي من طريق أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما أن القائم مثل الحامل، يعني في الأجر. وقال الشعبي والنخعي: يكره القعود قبل أن توضع. وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتج له برواية سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا "ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة قط فجلس حتى توضع" أخرجه النسائي. "تنبيهان" الأول: قال الزين بن المنير: إنما نوع هذه التراجم مع إمكان جمعها في ترجمة واحدة للإشارة إلى الاعتناء بها وما يختص كل طريق منها بحكمة، ولأن بعض ذلك وقع فيما ليس على شرطه فاكتفى بذكره في الترجمة لصلاحيته للاستدلال. "الثاني": قال ثبت بين حديثي الباب ترجمة لفظها "باب من تبع جنازة "وجد ذلك في نسخة محررة مسموعة، فإن سقطت في غيرها قدم من أثبت على من نفى، قال: وإنما لم يستغن عنها بما قبلها لتصريحه في الخبر بأنهما جلسا قبل أن توضع، وأطال في تقرير ذلك وأن ذكرها أولى من حذفها. وهو عجيب منه فإن الذي تضمنه الحديث الثاني من الزيادة قد اشتملت عليه الترجمة الأولى، وليس في الترجمة زيادة على ما في الحديثين إلا قوله: "عن مناكب الرجال" وقد ذكرت من وقعت في روايته. قوله: "حدثنا مسلم" هو ابن إبراهيم، وهشام هو الدستوائي، ويحيى هو ابن أبي كثير، وحديث أبي سعيد هذا أبين سياقا من حديث عامر بن ربيعة، وهو يوضح أن المراد بالغاية المذكورة من كان معها أو مشاهدا لها، وأما من مرت به فليس عليه من القيام إلا قدر ما تمر عليه أو توضع عنده بأن يكون بالمصلى مثلا. وروى أحمد من طريق سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة مرفوعا: "من صلى على جنازة ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع" وفي هذا السياق بيان لغاية القيام، وأنه لا يختصن بمن مرت به، ولفظ القيام يتناول من كان قاعدا، فأما من كان راكبا فيحتمل أن يقال ينبغي له أن يقف ويكون الوقوف في حقه كالقيام في حق القاعد، واستدل بقوله: "فإن لم يكن معها" على أن شهود الجنازة لا يجب على الأعيان.

(3/179)


49 - باب مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ
1311 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "مرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُمْنَا بِهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا"
1312 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ "كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ

(3/179)


-أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ- فَقَالاَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ أَلَيْسَتْ نَفْسًا"
1313 - وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ وَسَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالاَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجَنَازَةِ"
قوله: "باب من قام لجنازة يهودي" أي أو نحوه من أهل الذمة. قوله: "حدثنا هشام" هو الدستوائي و "يحيى" هو ابن أبي كثير. قوله: "مر بنا" بضم الميم على البناء للمجهول. وفي رواية الكشميهني: "مرت "بفتح الميم. قوله: "فقام" زاد غير كريمة: "لها". قوله: "فقمنا" في رواية أبي ذر "وقمنا" بالواو، وزاد الأصيلي وكريمة: "له" والضمير للقيام أي لأجل قيامه، وزاد أبو داود من طريق الأوزاعي عن يحيى "فلما ذهبنا لنحمل قيل إنها جنازة يهودي "زاد البيهقي من طريق أبي قلابة الرقاشي عن معاذ بن فضالة شيخ البخاري فيه: "فقال إن الموت فزع" وكذا لمسلم من وجه آخر عن هشام. قال القرطبي: معناه أن الموت يفزع منه، إشارة إلى استعظامه، ومقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت، لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، قمن ثم استوى فيه كون الميت مسلما أو غير مسلم. وقال غيره: جعل نفس الموت فزعا مبالغة كما يقال رجل عدل، قال البيضاوي: هو مصدر جرى مجرى الوصف للمبالغة، وفيه تقدير أي الموت ذو فزع انتهى. ويؤيد الثاني رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "إن للموت فزعا" أخرجه ابن ماجه، وعن ابن عباس مثله عند البزار قال: وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة. قوله: "فمروا عليهما" في رواية المستملي والحموي "عليهم" أي على قيس وهو ابن سعد بن عبادة وسهل وهو ابن حنيف ومن كان حينئذ معهما. قوله: "من أهل الأرض أي من أهل الذمة" كذا فيه بلفظ أي التي يفسر بها، وهي رواية الصحيحين وغيرهما، وحكى ابن التين عن الداودي أنه شرحه بلفظ أو التي للشك. وقال: لم أره لغيره، وقيل لأهل الذمة أهل الأرض لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقروهم على عمل الأرض وحمل الخراج. قوله: "أليست نفسا" هذا لا يعارض التعليل المتقدم حيث قال: "إن للموت فزعا "على ما تقدم، وكذا ما أخرجه الحاكم من طريق قتادة عن أنس مرفوعا فقال: "إنما قمنا للملائكة"، ونحوه لأحمد من حديث أبي موسى، ولأحمد وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: "إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس" ولفظ ابن حبان: "إعظاما لله الذي يقبض الأرواح" فإن ذلك أيضا لا ينافي التعليل السابق، لأن القيام للفزع من الموت فيه تنظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة، وأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن علي قال: "إنما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم أذيا بريح اليهودي" زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عياش بالتحتانية والمعجمة "فأذاه ريح بخورها" وللطبراني والبيهقي من وجه آخر عن الحسن "كراهية أن تعلو رأسه" فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة، أما أولا فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة، وأما ثانيا فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه فعلل باجتهاده. وقد روى ابن أبي شيبة

(3/180)


من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلعت جنازة، فلما رآها قام وقام أصحابه حتى بعدت، والله ما أدري من شأنها أو من تضايق المكان، وما سألناه عن قيامه" ومقتضى التعليل بقوله: "أليست نفسا" أن ذلك يستحب لكل جنازة، وإنما اقتصر في الترجمة على اليهودي وقوفا مع لفظ الحديث، وقد اختلف أهل العلم في أصل المسألة فذهب الشافعي إلى أنه غير واجب فقال: هذا إما أن يكون منسوخا أو يكون قام لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره، والقعود أحب إلي انتهى. وأشار بالترك إلى حديث علي "إنه صلى الله عليه وسلم قام للجنازة ثم قعد "أخرجه مسلم، قال البيضاوي: يحتمل قول علي "ثم قعد" أي بعد أن جاوزته وبعدت عنه، ويحتمل أن يريد كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلا، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينة في أن المراد بالأمر الوارد في ذلك الندب، ويحتمل أن يكون نسخا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح لأن احتمال المجاز -يعني في الأمر- أولى من دعوى النسخ انتهى. والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقي من حديث علي أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا ثم حدثهم الحديث، ومن ثم قال بكراهة القيام جماعة منهم سليم الرازي وغيره من الشافعية. وقال ابن حزم: قعوده صلى الله عليه وسلم بعد أمره بالقيام يدل على أن الأمر للندب، ولا يجوز أن يكون نسخا لأن النسخ لا يكون إلا بنهي أو بترك معه نهي انتهى. وقد ورد معنى النهي من حديث عبادة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم للجنازة، فمر به حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل، فقال: اجلسوا وخالفوهم" أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، فلو لم يكن إسناده ضعيفا لكان حجة في النسخ. وقال عياض: ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث علي، وتعقبه النووي بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع وهو هنا ممكن قال: والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي انتهى. وقول صاحب المهذب هو على التخيير كأنه مأخوذ من قول الشافعي المتقدم لما تقضيه صيغة أفعل من الاشتراك، ولكن القعود عنده أولى، وعكسه قول ابن حبيب وابن الماجشون من المالكية: كان قعوده صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز، فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فله أجر. واستدل بحديث الباب على جواز إخراج جنائز أهل الذمة نهارا غير متميزة عن جنائز المسلمين، أشار إلى ذلك الزين بن المنير قال: وإلزامهم بمخالفة رسوم المسلمين وقع اجتهادا من الأئمة. ويمكن أن يقال إذا ثبت النسخ للقيام تبعه ما عداه، فيحمل على أن ذلك كان عند مشروعية القيام، فلما ترك القيام منع من الإظهار. قوله: "وقال أبو حمزة" هو السكري، وعمرو هو ابن مرة المذكور في الإسناد الذي قبله، وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق عبدان عن أبي حمزة ولفظه نحو حديث شعبة، إلا أنه قال في روايته: فمرت عليهما جنازة فقاما، ولم يقل فيه بالقادسية. وأراد المصنف بهذا التعليق بيان سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من سهل وقيس. قوله: "وقال زكرياء" هو ابن أبي زائدة، وطريقه هذه موصولة عند سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عنه، وأبو مسعود المذكور فيها هو البدري، ويجمع بين ما وقع فيه من الاختلاف بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى ذكر قيسا وسهلا مفردين لكونهما رفعا له الحديث، وذكره مرة أخرى عن قيس وأبي مسعود لكون أبي مسعود لم يرفعه. والله أعلم.

(3/181)


50 - باب حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ
1314 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ

(3/181)


رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ"
[الحديث 1314 – طرفاه في: 1316, 1380]
قوله: "باب حمل الرجال الجنازة دون النساء" قال ابن رشيد: ليست الحجة من حديث الباب بظاهرة في منع النساء، لأنه من الحكم المعلق على شرط. وليس فيه أن لا يكون الواقع إلا ذلك، لو سلم فهو من مفهوم اللقب. ثم أجاب بأن كلام الشارع مهما أمكن حمله على التشريع لا يحمل على مجرد الإخبار عن الواقع، ويؤيده العدول عن المشاكلة في الكلام حيث قال: إذا وضعت فاحتملها الرجال، ولم يقل فاحتملت، فلما قطع احتملت عن مشاكلة وضعت دل على قصد تخصيص الرجال بذلك، وأيضا فجواز ذلك للنساء وإن كان يؤخذ بالبراءة الأصلية لكنه معارض بأن في الحمل على الأعناق والأمر بالإسراع مظنة الانكشاف غالبا، وهو مباين. للمطلوب منهن من التستر مع ضعف نفوسهن عن مشاهدة الموتى غالبا فكيف بالحمل، مع ما يتوقع من صراخهن عند حمله ووضعه وغير ذلك من وجوه المفاسد انتهى ملخصا. وقد ورد ما هو أصرح من هذا في منعهن، ولكنه على غير شرط المصنف، ولعله أشار إليه وهو ما أخرجه أبو يعلى من حديث أنس1 قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا. قال: أتدفنه؟ قلن: لا. قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات". ونقل النووي في "شرح المهذب" أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء، والسبب فيه ما تقدم، ولأن الجنازة لا بد أن يشيعها الرجال فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضي إلى الفتنة. وقال ابن بطال: قد عذر الله النساء لضعفهن حيث قال: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ} الآية، وتعقبه الزين بن المنير بأن الآية لا تدل على اختصاصهن بالضعف بل على المساواة انتهى. والأولى أن ضعف النساء بالنسبة إلى الرجال من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى دليل خاص. قوله: "عن أبيه أنه سمع أبا سعيد" لسعيد المقبري فيه إسناد آخر رواه ابن أبي ذئب عنه عن عبد الرحمن بن مهران عن أبي هريرة أخرجه النسائي وابن حبان وقال: الطريقان جميعا محفوظان. قوله: "إذا وضعت الجنازة" في رواية ابن أبي ذئب المذكورة "إذا وضع الميت على السرير" فدل على أن المراد بالجنازة الميت، وقد تقدم أن هذا اللفظ يطلق على الميت وعلى السرير الذي يحمل عليه أيضا، وسيأتي بقية الكلام عليه بعد باب.
ـــــــ
1 وأصح من الحديث فيما يتعلق بنهي النساء عن حمل الجنازة ما تقدم من حديث أم عطية قالت "نهينا عن اتباع الجنائز, ولم يعزم علينا" أخرجه الشيخان. والله أعلم

(3/182)


51 - باب السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ وَامْشِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْهَا
1315 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي

(3/182)


هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ"
قوله: "باب السرعة بالجنازة" أي نعد أن تحمل. قوله: "وقال أنس: أنتم مشيعون، فامش" وفي رواية الكشميهني: "فامشوا" وأثر أنس هذا وصله عبد الوهاب بن عطاء الخفاف في "كتاب الجنائز" له عن حميد عن أنس بن مالك أنه "سئل عن المشي في الجنازة فقال: أمامها وخلفها، وعن يمينها وشمالها، إنما أنتم مشيعون". ورويناه عاليا في "رباعيات أبي بكر الشافعي" من طريق يزيد بن هرون عن حميد كذلك، وبنحوه أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش عن حميد، وأخرجه عبد الرزاق عن أبي جعفر الرازي عن حميد "سمعت العيزار - يعني ابن حريث - سأل أنس بن مالك - يعني عن المشي مع الجنازة - فقال: إنما أنت مشيع" فذكر نحوه، فاشتمل على فائدتين: تسمية السائل، والتصريح بسماع حميد. قال الزين بن المنير: مطابقة هذا الأثر للترجمة أن الأثر يتضمن التوسعة على المشيعين وعدم التزامهم جهة معينة، وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضية الإسراع بالجنازة أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه لئلا يشق على بعضهم ممن يضعف في المشي عمن يقوى عليه، ومحصله أن السرعة لا تتفق غالبا إلا مع عدم التزام المشي في جهة معينة فتناسبا، وقد سبق إلى نحو ذلك أبو عبد الله بن المرابط فقال: قول أنس ليس من معنى الترجمة إلا من وجه أن الناس في مشيهم متفاوتون. وقال ابن رشيد: ويمكن أن يقال لفظ المشي والتشييع في أثر أنس أعم من الإسراع والبطء، فلعله أراد أن يفسر أثر أنس بالحديث، قال: ويمكن أن يكون أراد أن يبين بقول أنس أن المراد بالإسراع ما لا يخرج عن الوقار لمتبعها بالمقدار الذي يصدق عليه به المصاحبة. قوله: "وقال غيره قريبا منها" أي قال غير أنس مثل قول أنس وقيد ذلك بالقرب من الجنازة لأن من بعد عنها يصدق عليه أيضا أنه مشى أمامها وخلفها مثلا، والغير المذكور أظنه عبد الرحمن بن قرط بضم القاف وسكون الراء بعدها مهملة، قال سعيد بن منصور "حدثنا مسكين بن ميمون حدثني عروة بن رويم قال شهد عبد الرحمن بن قرط جنازة، فرأى ناسا تقدموا وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوضعت، ثم رماهم بالحجارة حتى اجتمعوا إليه، ثم أمر بها فحملت ثم قال: بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها" وعبد الرحمن المذكور صحابي ذكر البخاري ويحيي بن معين أنه كان من أهل الصفة وكان واليا على حمص في زمن عمر، ودل إيراد البخاري لأثر أنس المذكور على اختيار هذا المذهب هو التخيير في المشي مع الجنازة، وهو قول الثوري وبه قال ابن حزم لكن قيده بالماشي اتباعا لما أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعا: "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها "وعن النخعي أنه إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا فخلفها، وفي المسألة مذهبان آخران مشهوران: فالجمهور على أن المشي أمامها أفضل، وفيه حديث لابن عمر أخرجه أصحاب السنن ورجاله رجال الصحيح إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، ويعارضه ما رواه سعيد بن منصور وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبزى عن علي قال: "المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ "إسناده حسن، وهو موقوف له حكم المرفوع، لكن حكى الأثرم عن أحمد أنه تكلم في إسناده، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة ومن تبعهما. قوله: "حفظناه من الزهري" في رواية المستملي: "عن" بدل من، والأول أولى لأنه يقتضي سماعه منه بخلاف رواية المستملي، وقد صرح الحميدي في مسنده بسماع سفيان له من الزهري.

(3/183)


قوله: "عن سعيد بن المسيب" كذا قال سفيان وتابعه معمر وابن أبي حفصة عند مسلم، وخالفهم يونس فقال: "عن الزهري حدثني أبو أمامة بن سهل عن أبي هريرة" وهو محمول على أن للزهري فيه شيخين. قوله: "أسرعوا" نقل ابن قدامة أن الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء، وشذ ابن حزم فقال بوجوبه، والمراد بالإسراع شدة المشي وعلى ذلك حمله بعض السلف وهو قول الحنفية. قال صاحب الهداية: ويمشون بها مسرعين دون الخبب، وفي المبسوط: ليس فيه شيء مؤقت، غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة، وعن الشافعي والجمهور المراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد. ومال عياض إلى نفي الخلاف فقال: من استحبه أراد الزيادة على المشي المعتاد، ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرمل. والحاصل أنه يستحب الإسراع لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم، قال القرطبي: مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن، ولأن التباطؤ ربما أدى إلى التباهي والاختيال. قوله: "بالجنازة" أي بحملها إلى قبرها، وقيل المعنى بتجهيزها، فهو أعم من الأول، قال القرطبي: والأول أظهر. وقال النووي: الثاني باطل مردود بقوله في الحديث: "تضعونه عن رقابكم". وتعقبه الفاكهي بأن الحمل على الرقاب قد يعبر به عن المعاني كما تقول حمل فلان على رقبته ذنوبا، فيكون المعنى استريحوا من نظر من لا خير فيه، قال: ويؤيده أن الكل لا يحملونه انتهى. ويؤيده حديث ابن عمر "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره "أخرجه الطبراني بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين بن وحوح مرفوعا: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله" الحديث. قوله: "فإن تك صالحة" أي الجثة المحمولة. قال الطيبي: جعلت الجنازة عين الميت، وجعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدمة إلى الخير الذي كني به عن عمله الصالح. قوله: "فخير" هو خبر مبتدأ محذوف أي فهو خير، أو مبتدأ خبره محذوف أي فلها خير، أو فهناك خير، ويؤيده رواية مسلم بلفظ: "قربتموها إلى الخير" ويأتي في قوله بعد ذلك "فشر "نظير ذلك. قوله: "تقدمونها إليه" الضمير راجع إلى الخير باعتبار الثواب، قال ابن مالك: روي "تقدمونه إليها "فأنث الضمير على تأويل الخير بالرحمة أو الحسنى. قوله: "تضعونه عن رقابكم" استدل به على أن حمل الجنازة يختص بالرجال للإتيان فيه بضمير المذكر ولا يخفى ما فيه. وفيه استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يتحقق أنه مات، أما مثل المطعون والمفلوج والمسبوت1 فينبغي أن لا يسرع بدفنهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم، نبه على ذلك ابن بزيزة، ويؤخذ من الحديث ترك صحبة أهل البطالة وغير الصالحين.
ـــــــ
1 المطعون: هو المصاب بالطاعون, وهو داء معروف. والمفلوج: المصاب بالفالج. والمسبوت: المصاب بالغشية , يقال سبت المريض إذا غشي عليه. والتحديد في تحقيق موت مثل هؤلاء باليوم والليلة فيه نظر, والأولى عدم التحديد, بل يرجع إلى العلامات الدالة على الموت, فمتى وجد منها ما يدل على يقين الموت اكتفى بذلك وإن لم يمض يوم وليلة, والله أعلم.

(3/184)


52 - باب قَوْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ: قَدِّمُونِي
1316 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً

(3/184)


قَالَتْ قَدِّمُونِي وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لِأَهْلِهَا يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ لَصَعِقَ"
قوله: "باب قول الميت وهو على الجنازة" أي السرير "قدموني" أي إن كان صالحا.ثم أورد فيه حديث أبي سعيد السابق قبل باب. قوله: "إذا وضعت الجنازة" يحتمل أن يريد بالجنازة نفس الميت وبوضعه جعله في السرير، ويحتمل أن يريد السرير والمرد وضعها على الكتف، والأول أولى لقوله بعد ذلك "فإن كانت صالحة قالت: "فإن المراد به الميت. ويؤيده رواية عبد الرحمن بن مهران عن أبي هريرة المذكور بلفظ: "إذا وضع المؤمن على سريره يقول قدموني" الحديث. وظاهره أن قائل ذلك هو الجسد المحمول على الأعناق. وقال ابن بطال: إنما يقول ذلك الروح، ورده ابن المنير بأنه لا مانع أن يرد الله الروح إلى الجسد في تلك الحال ليكون ذلك زيادة في بشرى المؤمن وبؤس الكافر، وكذا قال غيره وزاد: ويكون ذلك مجازا باعتبار ما يؤول إليه الحال بعد إدخال القبر وسؤال الملكين. قلت: وهو بعيد ولا حاجة إلى دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن لأنه يحتاج إلى دليل، فمن الجائز أن يحدث الله النطق في الميت إذا شاء. وكلام ابن بطال فيما يظهر لي أصوب. وقال ابن بزيرة. قوله في آخر الحديث: "يسمع صوتها كل شيء" دال على أن ذلك بلسان القال لا بلسان الحال. قوله: "وإن كانت غير ذلك" في رواية الكشميهني: "غير صالحة". قوله: "قالت لأهلها" قال الطيبي: أي لأجل أهلها إظهارا لوقوعه في الهلكة، وكل من وقع في الهلكة دعا بالويل. ومعني النداء يا حزني. وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملا على المعنى كراهية أن يضيف الويل إلى نفسه، أو كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نفر عنها وجعلها كأنها غيره. ويؤيد الأول أن في رواية أبي هريرة المذكورة "قال يا ويلتاه أين تذهبون بي" فدل على أن ذلك من تصرف الرواة. قوله: "لصعق" أي لغشي عليه من شدة ما يسمعه، وربما أطلق ذلك على الموت، والضمير في يسمعه راجع إلى دعائه بالويل أي يصيح بصوت منكر لو سمعه الإنسان لغشي عليه قال ابن بزيزة: هو مختص بالميت الذي هو غير صالح، وأما الصالح فمن شأنه اللطف والرفق في كلامه فلا يناسب الصعق من سماع كلامه انتهى: ويحتمل أن يحصل الصعق من سماع كلام الصالح لكونه غير مألوف، وقد روى أبو القاسم بن منده هذا الحديث في "كتاب الأهوال" بلفظ: "لو سمعه الإنسان لصعق من المحسن والمسيء" فإن كان المراد به المفعول دل على وجود الصعق عند سماع كلام الصالح أيضا، وقد استشكل هذا مع ما ورد في حديث السؤال في القبر فيضربه ضربة فيصعق صعقة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، والجامع بينهما الميت والصعق، والأول استثني فيه الإنس فقط، والثاني استثني فيه الجن والإنس. والجواب أن كلام الميت بما ذكر لا يقتضي وجود الصعق - وهو الفزع - إلا من الآدمي لكونه لم يألف سماع كلام الميت، بخلاف الجن في ذلك. وأما الصيحة التي يصيحها المضروب فإنها غير مألوفة للإنس والجن جميعا، لكون سببها عذاب الله ولا شيء أشد منه على كل مكلف فاشترك فيه الجن والإنس والله أعلم. واستدل به على أن كلام الميت يسمعه كل حيوان ناطق وغير ناطق، لكن قال ابن بطال: هو عام أريد به الخصوص، وإن المعني يسمعه من له عقل كالملائكة والجن والإنس، لأن المتكلم روح وإنما يسمع الروح من هو روح مثله. وتعقب بمنع الملازمة إذ لا ضرورة إلى التخصيص، بل لا يستثنى إلا الإنسان كما هو ظاهر الخبر، وإنما اختص الإنسان بذلك إبقاء عليه،

(3/185)


وبأنه لا مانع من إنطاق الله الجسد بغير روح كما تقدم. والله تعالى أعلم.

(3/186)


53 - باب مَنْ صَفَّ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً عَلَى الْجِنَازَةِ خَلْفَ الإِمَامِ
1317 - حدثنا مسدد عن أبي عوانة عن قتادة عن عطاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث"
[الحديث 1317 – أطرافه في: 1320, 1334, 3877, 3878, 3879]
قوله: "باب من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام" أورد فيه حديث جابر في الصلاة على النجاشي وفيه كنت في الصف الثاني أو الثالث، وقد اعترض عليه بأنه لا يلزم من كونه في الصف الثاني أو الثالث أن يكون ذلك منتهى الصفوف، وبأنه ليس في السياق ما يدل على كون الصفوف خلف الإمام. والجواب عن الأول أن الأصل عدم الزائد، وقد روى مسلم من طريق أيوب عن أبي الزبير عن جابر قصة الصلاة على النجاشي فقال: "فقمنا فصفنا صفين" فعرف بهذا أن من روى عنه كنت في الصف الثاني أو الثالث شك هل كان هنالك صف ثالث أم لا، وبذلك تصح الترجمة. وعن الثاني بأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحا كما سيأتي في هجرة الحبشة من وجه آخر عن قتادة بهذا الإسناد بزيادة "فصفنا وراءه" ووقع في الباب الذي يليه من حديث أبي هريرة بلفظ: "فصفوا خلفه" وسنذكر بقية فوائد الحديث فيه.

(3/186)


54 - باب الصُّفُوفِ عَلَى الْجِنَازَةِ
1318 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "نَعَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا"
1319 - حَدَّثَنَا مُسلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ "أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا"
1320 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ الْحَبَشِ فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ قَالَ فَصَفَفْنَا فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَنَحْنُ مَعَهُ صُفُوفٌ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي"
قوله: "باب الصفوف على الجنازة" قال الزين بن المنير ما ملخصه: إنه أعاد الترجمة لأن الأولى لم يحزم فيها بالزيادة على الصفين. وقال ابن بطال: أومأ المصنف إلى الرد على عطاء حيث ذهب إلى أنه لا يشرع فيها تسوية الصفوف، يعني كما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء أحق على الناس أن يسووا صفوفهم على الجنائز كما يسوونها في الصلاة؟ قال: لا، إنما يكبرون ويستغفرون. وأشار المصنف بصيغة الجمع إلى ما ورد في استحباب ثلاثة صفوف، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعا: "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد

(3/186)


55 - باب صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْجَنَائِزِ
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا الشيباني عن عامر عن بن عباس رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر قد دفن ليلا فقال متى دفن هذا قالوا البارحة قال أفلا آذنتموني قالوا دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك فقام فصففنا خلفه قال بن عباس وأنا فيهم فصلى عليه"
قوله: "باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز" في رواية الكشميهني: "على الجنائز" أي عند إرادة الصلاة عليها. وقد تقدم الجواب عن الترجمة على الجنازة وإرادة الصلاة على القبر في الباب الذي قبله، وتقدم أن الكلام على المتن يأتي مستوفى بعد اثني عشر بابا، وسيأتي بعد ثلاث تراجم "باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز" وذكر فيه طرفا من حديث ابن عباس المذكور، وكان ابن عباس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم دون البلوغ لأنه شهد حجة الوداع وقد قارب الاحتلام كما تقدم بيان ذلك في كتاب الصلاة.

(3/189)


باب سنة الصلاة على الجنائز
...
56 - باب سُنَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَازَةِ
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ" وَقَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ" وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ سَمَّاهَا صَلاَةً لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلاَ سُجُودٌ وَلاَ يُتَكَلَّمُ فِيهَا وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يُصَلِّي إِلاَّ طَاهِرًا وَلاَ يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبِهَا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَقَالَ الْحَسَنُ أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَأَحَقُّهُمْ بِالصَّلاَةِ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجَنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلاَ يَتَيَمَّمُ وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهمْ بِتَكْبِيرَةٍ وَقَالَ ابْنُ

(3/189)


57 - باب فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا, وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ
1323 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَقُولُ "مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ" فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا"
1324 - فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عَائِشَةَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ" فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
قوله: "باب فضل اتباع الجنائز" قال ابن رشيد ما محصله مقصود الباب بيان القدر الذي يحصل به مسمى الاتباع الذي يجوز به القيراط، إذ في الحديث الذي أورده إجمال، ولذلك صدره بقول زيد بن ثابت، وآثر الحديث المذكور على الذي بعده وإن كان أوضح منه في مقصوده كعادته المألوفة في الترجمة على اللفظ المشكل ليبين مجمله، وقد تقدم طرف من بيان ما يحصل به مسمى الاتباع في "باب السرعة بالجنازة"، وله تعلق بهذا الباب، وكأنه قصد هناك كيفية المشي وأمكنته، وقصد هنا ما الذي يحصل به الاتباع وهو أعم من ذلك، قال: ويمكن أن يكون قصد هنا

(3/192)


ما الذي يحصل به المقصد إذ الاتباع إنما هو وسيلة إلى تحصيل الصلاة منفردة أو الدفن منفردا أو المجموع. قال: وهذا كله يدل على براعة المصنف ودقة فهمه وسعة علمه. وقال الزين بن المنير ما محصله: مراد الترجمة إثبات الأجر والترغيب فيه لا تعيين الحكم، لأن الاتباع من الواجبات على الكفاية، فالمراد بالفضل ما ذكرناه لا قسيم الواجب، وأجمل لفظ الاتباع تبعا للفظ الحديث الذي أورده لأن القيراط لا يحصل إلا لمن اتبع وصلى أو اتبع وشيع وحضر الدفن لا لمن اتبع مثلا وشيع ثم انصرف بغير صلاة كما سيأتي بيان الحجة لذلك في الباب الذي يليه، وذلك لأن الاتباع إنما هو وسيلة لأحد مقصودين: إما الصلاة وإما الدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المرتب على المفصود، وإن كان يرجى أن يحصل لفاعل ذلك فضل ما بحسب نيته. وروى سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال: "اتباع الجنازة أفضل النوافل" وفي رواية عبد الرزاق عنه "اتباع الجنازة أفضل من صلاة التطوع". قوله: "وقال زيد بن ثابت: إذا صليت فقد قضيت الذي عليك" وصله سعيد بن منصور من طريق عروة عنه بلفظ: "إذا صليتم على الجنازة فقد قضيتم ما عليكم فخلوا بينها وبين أهلها" وكذا أخرجه عبد الرزاق، لكن بلفظ: "إذا صليت على جنازة فقد قضيت ما عليك" ووصله ابن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ الأفراد ومعناه فقد قضيت حق الميت، فإن أردت الاتباع فلك زيادة أجر. قوله: "وقال حميد بن هلال: ما علمنا على الجنازة إذنا ولكن من صلى ثم رجع فله قيراط" لم أره موصولا عنه، قال الزين بن المنير: مناسبته للترجمة استعارة بأن الاتباع إنما هو لمحض ابتغاء الفضل، وأنه لا يجري مجرى قضاء حق أولياء الميت فلا يكون لهم فيه حق ليتوقف الانصراف قبله على الإذن منهم. قلت: وكأن البخاري أراد الرد على ما أخرجه عبد الرزاق من طريق عمرو بن شعيب عن أبي هريره قال: "أميران وليسا بأميرين: الرجل يكون مع الجنازة يصلي عليها فليس له أن يرجع حتى يستأذن وليها" الحديث، وهذا منقطع موقوف، وروى عبد الرزاق مثله من قول إبراهيم، وأخرجه ابن أبي شيبة عن المسور من فعله أيضا، وقد ورد مثله مرفوعا من حديث جابر أخرجه البزار بإسناد فيه مقال، وأخرجه العقيلي في الضعفاء من حديث أبي هريرة مرفوعا بإسناد ضعيف، وروى أحمد من طريق عبد الله بن هرمز عن أبي هريرة مرفوعا: "من تبع جنازة فحمل من علوها وحثا في قبرها وقعد حتى يؤذن له رجع بقيراطين" وإسناده ضعيف. والذي عليه معظم أئمة الفتوى قول حميد بن هلال، وحكي عن مالك أنه لا ينصرف حتى يستأذن. قوله: "حدث ابن عمر" كذا في جميع الطرق "حدث" بضم المهملة على البناء للمجهول، ولم أقف في شيء من الطرق عن نافع على تسمية من حدث ابن عمر عن أبي هريرة بذلك، وقد أورده أصحاب الأطراف والحميدي في جمعه في ترجمة نافع عن أبي هريرة، وليس في شيء من طرقه ما يدل على أنه سمع منه1 وإن كان ذلك محتملا، ووقفت على تسمية من حدث ابن عمر بذلك صريحا في موضعين: أحدهما في صحيح مسلم وهو خباب بمعجمة وموحدتين الأولى مشددة وهو أبو السائب المدني صاحب المقصورة قيل إن له صحبة، ولفظه من طريق داود بن عامر بن سعد عن أبيه "أنه كان قاعدا عند عبد الله بن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة"؟ فذكر الحديث. والثاني في جامع الترمذي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكر الحديث، قال أبو سلمة فذكرت
ـــــــ
1 وفي نسخة "سمعه منه"

(3/193)


ذلك لابن عمر فأرسل إلى عائشة. قوله: "أن أبا هريرة يقول من تبع" كذا في جميع: الطرق لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق إبراهيم بن راشد عن أبي النعمان شيخ البخاري فيه، لكن أخرجه أبو عوانة في صحيحه عن مهدي بن الحارث عن موسى بن إسماعيل، عن أبي أمية عن أبي النعمان، وعن التستري عن شيبان ثلاثتهم عن جرير بن حازم عن نافع قال: "قيل لابن عمر إن أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تبع جنازة فله قيراط من الأجر" فذكره ولم يبين لمن السياق، وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ كذلك، فالظاهر أن السياق له. قوله: " من تبع جنازة فله قيراط" زاد مسلم في روايته: "من الأجر". والقيراط بكسر القاف. قال الجوهري: أصله قراط بالتشديد لأن جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء قال: والقيراط نصف دانق. وقال قبل ذلك: الدانق سدس الدرهم. فعلى هذا يكون القيراط جزءا من اثني عشر جزءا من الدرهم. وأما صاحب النهاية فقال: القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وفي الشام جزء من أربعة وعشرين جزءا، ونقل ابن الجوزي عن ابن عقيل أنه كان يقول: القيراط نصف سدس درهم أو نصف عشر دينار. والإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلق بالميت في تجهيزه وغسله وجميع ما يتعلق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط. وذكر القيراط تقريبا للفهم لما كان الإنسان يعرف القيراط ويعمل العمل في مقابلته، وعد من جنس ما يعرف وضرب له المثل يما يعلم انتهى. وليس الذي قال ببعيد، وقد روى بزار من طريق عجلان عن أبي هريره مرفوعا: "من أتى جنازة في أهلها فله قيراط، فإن تبعها فله قيراط، فإن صلى عليها فله قيراط، فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط" فهذا يدل على أن لكل عمل من أعمال الجنازة قيراطا وأن اختلفت مقادير القراريط ولا سيما بالنسبة إلى مشقة ذلك العمل وسهولته، وعلى هذا فيقال: إنما خص قيراطي الصلاة والدفن بالذكر لكونهما المقصودين، بخلاف باقي أحوال الميت فإنها وسائل، ولكن هذا يخالف ظاهر سياق الحديث الذي في الصحيح المتقدم في كتاب الإيمان فإن فيه: " إن لمن تبعها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها قيراطين" فقط، ويجاب عن هذا بأن القيراطين المذكورين لمن شهد، والذي ذكره ابن عقيل لمن باشر الأعمال التي يحتاج إليها الميت فافترقا، وقد ورد لفظ القيراط في عدة أحاديث: فمنها ما يحمل على القيراط المتعارف ومنها ما يحمل على الجزء في الجملة وإن لم تعرف النسبة. فمن الأول حديث كعب بن مالك مرفوعا: " إنكم ستفتحون بلدا يذكر فيها القيراط" وحديث أبي هريرة مرفوعا: " كنت أرعى غنما لأهل مكة بالقراريط" قال ابن ماجه عن بعض شيوخه: يعني كل شاة بقيراط. وقال غيره: قراريط جبل بمكة. ومن المحتمل حديث ابن عمر في الذين أوتوا التوراة "أعطوا قيراطا قيراطا" وحديث الباب، وحديث أبي هريرة " من اقتنى كلبا نقص من عمله كل يوم قيراط" وقد جاء تعيين مقدار القيراط في حديث الباب بأنه مثل أحد كما سيأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه. وفي رواية عند أحمد والطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر "قالوا: يا رسول الله مثل قراريطنا هذه؟ قال: لا بل مثل أحد" قال النووي وغيره: لا يلزم من ذكر القيراط في الحديثين تساويهما لأن عادة الشارع تعظيم الحسنات وتخفيف مقابلها والله أعلم. وقال ابن العربي القاضي: الذرة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءا من حبة والحبة ثلث القيراط، فإذا كانت الذرة تخرج من النار فكيف بالقيراط؟ قال وهذا قدر قيراط الحسنات، فأما قيراط السيئات فلا. وقال غيره: القيراط في اقتناء الكلب جزء من أجزاء عمل المقتنى له في ذلك اليوم، وذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط في حديث الباب جزء

(3/194)


من أجزاء معلومة عند الله؛ وقد قربها النبي صلى الله عليه وسلم للفهم بتمثيله القيراط بأحد، قال الطيبي: قوله: "مثل أحد" تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ القيراط، والمراد منه أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبين الموزون بقوله: "من الأجر" وبين المقدار المراد منه بقوله: "مثل أحد". وقال الزين بن المنير: أراد تعظيم الثواب فمثله للعيان بأعظم الجبال خلقا وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبا، لأنه الذي قال في حقه "إنه حبل يحبنا ونحبه" انتهى. ولأنه أيضا قريب من المخاطبين يشترك أكثرهم في معرفته، وخص القيراط بالذكر لأنه كان أقل ما تقع به الإجارة في ذلك الوقت، أو جرى ذلك مجرى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل. واستدل بقوله: "من تبع" على أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها، لأن ذلك هو حقيقة الاتباع حسا. قال ابن دقيق العيد: الذين رجحوا المشي أمامها حملوا الاتباع هنا على الاتباع المعنوي أي المصاحبة، وهو أعم من أن يكون أمامها أو خلفها أو غير ذلك، وهذا مجاز يحتاج إلى أن يكون الدليل الدال على استحباب التقدم راجحا انتهى. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في "باب السرعة بالجنازة" وذكرنا اختلاف العلماء في ذلك بما يغني عن إعادته قوله: "أكثر علينا أبو هريرة" قال ابن التين: لم يتهمه ابن عمر، بل خشي عليه السهو، أو قال ذلك لكونه لم ينقل له عن أبي هريرة أنه رفعه، فظن أنه قال برأيه فاستنكره انتهى. والثاني جمود على سياق رواية البخاري، وقد بينا أن في رواية مسلم أن رفعه، وكذا في رواية خباب عن أبي هريرة عند مسلم أيضا. وقال الكرماني: قوله: "أكثر علينا" أي في ذكر الأجر أو في كثرة الحديث، كأنه خشي لكثرة رواياته أن يشتبه عليه بعض الأمر انتهى. ووقع في رواية أبي سلمة عند سعيد بن منصور "فبلغ ذلك ابن عمر فتعاظمه" وفي رواية الوليد بن عبد الرحمن عند سعيد أيضا ومسدد وأحمد بإسناد صحيح "فقال ابن عمر: يا أبا هريرة انظر ما تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "فصدقت يعني عائشة أبا هريرة" لفظ: "يعني" للبخاري، كأنه شك فاستعملها. وقد رواه الإسماعيلي من طريق أبي النعمان شيخه فلم يقلها. وفي رواية مسلم: "فبعث ابن عمر إلى عائشة يسألها فصدقت أبا هريرة" وفي رواية أبي سلمة عند الترمذي "فذكر ذلك لابن عمر، فأرسل إلى عائشة فسألها عن ذلك فقالت: صدق" وفي رواية خباب صاحب المقصورة عند مسلم: "فأرسل ابن عمر خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة صدق أبو هريرة" ووقع في رواية الوليد بن عبد الرحمن عند سعيد بن منصور "فقام أبو هريرة فأخذ بيده فانطلقا حتى أتيا عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين، أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" فذكره فقالت: "اللهم نعم". ويجمع بينهما بأن الرسول لما رجع إلى ابن عمر بخبر عائشة بلغ ذلك أبا هريرة فمشى إلى ابن عمر فاسمعه ذلك من عائشة مشافهة، وزاد في رواية الوليد "فقال أبو هريرة: لم يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الودي ولا صفق بالأسواق، وإنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلة يطعمنيها أو كلمة يعلمنيها" قال له ابن عمر "كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه". قوله: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة" أي من عدم المواظبة على حضور الدفن، بين ذلك مسلم في روايته من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: "كان ابن عمر يصلي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة" قال فذكره. وفي هذه القصة دلالة على تميز أبي هريرة في الحفظ، وأن إنكار العلماء بعضهم على بعض قديم، وفيه استغراب العالم ما لم يصل إلى علمه وعدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ، وفيه ما كان الصحابة عليه من التثبت في الحديث

(3/195)


النبوي والتحرز فيه والتنقيب عليه، وفيه دلالة على فضيلة ابن عمر من حرصه على العلم وتأسفه على ما فاته من العمل الصالح. قوله: "فرطت: ضيعت من أمر الله" كذا في جميع الطرق، وفي بعض النسخ "فرطت من أمر الله أي ضيعت" وهو أشبه. وهذه عادة المصنف إذا أراد تفسير كلمة غريبة من الحديث ووافقت كلمة من القرآن فسر الكلمة التي من القرآن، وقد ورد في رواية سالم المذكورة بلفظ: "لقد ضيعنا قراريط كثيرة".
" تكملة ": وقع لي حديث الباب من رواية عشرة من الصحابة غير أبي هريرة وعائشة: من حديث ثوبان عند مسلم، والبراء، وعبد الله بن مغفل عند النسائي، وأبي سعيد عند أحمد، وابن مسعود عند أبي عوانة وأسانيد هؤلاء الخمسة صحاح. ومن حديث أبي بن كعب عند ابن ماجه، وابن عباس عند البيهقي في الشعب، وأنس عند الطبراني في الأوسط، وواثلة بن الأسقع عند ابن عدي، وحفصة عند حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال وفي كل من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف. وسأشير إلى ما فيها من فائدة زائدة في الكلام على الحديث في الباب الذي يلي هذا.

(3/196)


58 - باب مَنْ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ
1325 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1326 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ"
قوله: "باب من انتظر حتى تدفن" قال الزين بن المنير: لم يذكر المصنف جواب "من" إما استغناء بما ذكر في الخبر أو توقفا على إثبات الاستحقاق بمجرد الانتظار إن خلا عن اتباع. قال: وعدل عن لفظ الشهود كما هو في الخبر إلى لفظ الانتظار لينبه على أن المقصود من الشهود إنما هو معاضدة أهل الميت والتصدي لمعونتهم، وذلك من المقاصد المعتبرة انتهى. والذي يظهر لي أنه اختار لفظ الانتظار لكونه أعم من المشاهدة، فهو أكثر فائدة. وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الانتظار ليفسر اللفظ الوارد بالمشاهدة به، ولفظ الانتظار وقع في رواية معمر عند مسلم، وقد ساق البخاري سندها ولم يذكر لفظها. ووقعت هذه الطريق في بعض الروايات التي لم تتصل لنا عن البخاري في هذا الباب أيضا. قوله: "حدثنا عبد الله بن مسلمة" هو القعنبي. قوله: "عن أبيه" يعني أبا سعيد كيسان المقبري وهو ثابت في جميع الطرق، وحكى الكرماني أنه سقط من بعض الطرق. قلت: والصواب إثباته. وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن أبي ذئب، نعم سقط قوله: "عن أبيه" من رواية ابن عجلان عند أبي عوانة وعبد الرحمن بن إسحاق عند ابن أبي شيبة وأبي معشر عند حميد بن زنجويه ثلاثتهم عن سعيد المقبري. "تنبيه": لم يسق البخاري لفظ رواية أبي سعيد، ولفظه عند الإسماعيلي: "أنه سأل أبا هريرة: ما ينبغي في الجنازة؟ فقال: سأخبرك بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من تبعها من أهلها حتى يصلي عليها فله قيراط مثل أحد، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان" : قوله: "وحدثني عبد الرحمن" هو معطوف على مقدر أي قال ابن شهاب حدثني فلان بكذا، وحدثني عبد الرحمن الأعرج بكذا. قوله: "حتى يصلي" زاد الكشميهني: "عليه" واللام

(3/196)


للأكثر مفتوحة، وفي بعض الروايات بكسرها، ورواية الفتح محمولة عليها فإن حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يحصل له كما تقدم تقريره، وللبيهقي من طريق محمد بن علي الصائغ عن أحمد بن شبيب شيخ البخاري فيه بلفظ: "حتى يصلي عليها" وكذا هو عند مسلم من طريق ابن وهب عن يونس، ولم يبين في هذه الرواية ابتداء الحضور، وقد تقدم بيانه في رواية أبي سعيد المقبري حيث قال: "من أهلها "وفي رواية خباب عند مسلم: "من خرج مع جنازة من بيتها" ولأحمد في حديث أبي سعيد الخدري "فمشى معها من أهلها" ومقتضاه أن القيراط يختصن بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة، وبذلك صرح المحب الطبري وغيره، والذي يظهر لي أن القيراط يحصل أيضا لمن صلى فقط لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع مثلا وصلى، ورواية مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "أصغرهما مثل أحد" يدل على أن القراريط تتفاوت. ووقع أيضا في رواية أبي صالح المذكورة عند مسلم: "من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط" وفي رواية نافع بن جبير عن أبي هريرة عند أحمد "ومن صلى ولم يتبع فله قيراط" فدل على أن الصلاة تحصل القيراط وأن لم يقع اتباع، ويمكن أن يحمل الاتباع هنا على ما بعد الصلاة، وهل يأتي نظير هذا في قيراط الدفن؟ فيه بحث. قال النووي في شرح البخاري عند الكلام على طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة في كتاب الإيمان بلفظ: "من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلي ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين". الحديث. ومقتضى هذا أن القيراطين إنما يحصلان لمن كان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فإن صلى مثلا وذهب إلى القبر وحده فحضر الدفن لم يحصل له إلا قيراط واحد انتهى. وليس في الحديث ما يقتضي ذلك إلا من طريق المفهوم، فإن ورد منطوق بحصول القيراط لشهود الدفن وحده كان مقدما. ويجمع حينئذ بتفاوت القيراط، والذين أبوا ذلك جعلوه من باب المطلق والمقيد، نعم مقتضى جميع الأحاديث أن من اقتصر على التشييع فلم يصل ولم يشهد الدفن فلا قيراط له إلا على الطريقة التي قدمناها عن ابن عقيل، لكن الحديث الذي أوردناه عن البراء في ذلك ضعيف. وأما التقييد بالإيمان والاحتساب فلا بد منه لأن ترتب الثواب على العمل يستدعي سبق النية فيه فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة المجردة أو على سبيل المحاباة والله أعلم. قوله: "ومن شهد" كذا في جميع الطرق بحذف المفعول. وفي رواية البيهقي التي أشرت إليها "ومن شهدها". قوله: "فله قيراطان" ظاهره أنهما غير قيراط الصلاة، وهو ظاهر سياق أكثر الروايات، وبذلك جزم بعض المتقدمين وحكاه ابن التين عن القاضي أبي الوليد، لكن سياق رواية ابن سيرين يأبى ذلك وهي صريحة في أن الحاصل من الصلاة ومن الدفن قيراطان فقط، وكذلك رواية خباب صاحب المقصورة عند مسلم بلفظ: "من خرج مع جنازة من بيتها ثم تبعها حتى كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له قيراط" وكذلك رواية الشعبي عن أبي هريرة عند النسائي بمعناه، ونحوه رواية نافع بن جبير. قال النووي: رواية ابن سيرين صريحة في أن المجموع قيراطان، ومعني رواية الأعرج على هذا كان له قيراطان أي بالأول، وهذا مثل حديث: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله" أي بانضمام صلاة العشاء.
قوله: "حتى تدفن" ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن، وهو أصح الأوجه عند الشافعية وغيرهم، وقيل يحصل بمجرد الوضع في اللحد، وقيل عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، وقد وردت الأخبار بكل ذلك، ويترجح الأول للزيادة، فعند مسلم من طريق

(3/197)


معمر في إحدى الروايتين عنه "حتى يفرغ منها" وفي الأخرى "حتى توضع في اللحد" وكذا عنده في رواية أبي حازم بلفظ: "حتى توضع في القبر" وفي رواية ابن سيرين والشعبي "حتى يفرغ منها" وفي رواية أبي مزاحم عند أحمد "حتى يقضي قضاؤها" وفي رواية أبي سلمة عند الترمذي "حتى يقضى دفنها" وفي رواية ابن عياض1 عند أبي عوانة "حتى يسوى عليها" أي التراب، وهي أصرح الروايات في ذلك. ويحتمل حصول القيراط بكل من ذلك، لكن يتفاوت القيراط كما تقدم. قوله: "قيل وما القيراطان" لم يعين في هذه الرواية القائل ولا المقول له، وقد بين الثاني مسلم في رواية الأعرج هذه فقال: "قيل وما القيراطان يا رسول الله "وعنده في حديث ثوبان "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القيراط" وبين القائل أبو عوانة من طريق أبي مزاحم عن أبي هريرة ولفظه: "قلت وما القيراط يا رسول الله"، ووقع عند مسلم أن أبا حازم أيضا سأل أبا هريرة عن ذلك. قوله: "مثل الجبلين العظيمين" سبق أن في رواية ابن سيرين وغيره: "مثل أحد" وفي رواية الوليد بن عبد الرحمن عند ابن أبي شيبة: "القيراط مثل جبل أحد" وكذا في حديث ثوبان عند مسلم والبراء عند النسائي وأبي سعيد عند أحمد. ووقع عند النسائي من طريق الشعبي "فله قيراطان من الأجر كل واحد منهما أعظم من أحد" وتقدم أن في رواية أبي صالح عند مسلم: "أصغرهما مثل أحد" وفي رواية أبي بن كعب عند ابن ماجه: "القيراط أعظم من أحد هذا" كأنه أشار إلى الجبل عند ذكر الحديث، وفي حديث واثلة عند ابن عدي "كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد" فأفادت هذه الرواية بيان وجه التمثيل بجبل أحد وأن المراد به زنة الثواب المرتب على ذلك العمل. وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدم الترغيب في شهود الميت، والقيام بأمره، والحض على الاجتماع له، والتنبيه على عظيم فضل الله وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يتولى أمره بعد موته، وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان إما تقريبا للأفهام وإما على حقيقته. والله أعلم.
ـــــــ
1 في النسخة المخطوطة "ابن عباس"

(3/198)


59 - باب صَلاَةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْجَنَائِزِ
1326حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا زائدة حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن عامر عن بن عباس رضي الله عنهما قال: "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبرا فقالوا هذا دفن أو دفنت البارحة قال بن عباس رضي الله عنهما فصففنا خلفه ثم صلى عليها"
قوله: "باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز" أورد فيه حديث ابن عباس في صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم على القبر، وقد تقدم توجيهه قبل ثلاثة أبواب، قال ابن رشيد: أفاد بالترجمة الأولى بيان كيفية وقوف الصبيان مع الرجال وأنهم يصفون معهم لا يتأخرون عنهم، لقوله في الحديث الذي ساقه فيها "وأنا فيهم" وأفاد بهذه الترجمة مشروعية صلاة الصبيان على الجنائز، وهو وإن كان الأول دل عليه ضمنا لكن أراد التنصيص عليه وأخر هذه الترجمة عن فضل اتباع الجنائز ليبين أن الصبيان داخلون في قوله: "من تبع جنازة". والله أعلم.

(3/198)


باب الصلاة على الجنائز بامصلى والمسجد
...
60 - باب الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمُصَلَّى وَالْمَسْجِدِ
1327 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ"
1328 - وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا"
1329 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ"
[الحديث 1329 – أطرافه في: 3635, 4556, 6841, 7337, 7543]
قوله: "باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد" قال ابن رشيد: لم يتعرض المصنف لكون الميت بالمصلى أو لا لأن المصلى عليه كان غائبا وألحق حكم المصلى بالمسجد بدليل ما تقدم في العيدين وفي الحيض من حديث أم عطية "ويعتزل الحيض المصلى" فدل على أن للمصلى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه ويلحق به ما سوى ذلك، وقد تقدم الكلام على ما في قصة الصلاة على النجاشي قبل خمسة أبواب. قوله: "وعن ابن شهاب" هو معطوف على الإسناد المصدر به، وسيأتي الكلام على عدد التكبير بعد ثلاثة أبواب. ثم أورد المصنف حديث ابن عمر في رجم اليهوديين، سيأتي الكلام عليه مبسوطا في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. وحكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية جهة المشرق انتهى، فإن ثبت ما قال وإلا فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلى المتخذ للعيدين والاستسقاء لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم، وسيأتي في قصة ماعز "فرجمناه بالمصلى" ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان معد للصلاة عليها فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمر عارض أو لبيان الجواز. والله أعلم. واستدل به على مشروعية الصلاة على الجنائز في المسجد، ويقويه حديث عائشة "ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد" أخرجه مسلم، وبه قال الجمهور. وقال مالك: لا يعجبني، وكرهه ابن أبي ذئب وأبو حنيفة وكل من قال بنجاسة الميت، وأما من قال بطهارته منهم فلخشية التلويث، وحملوا الصلاة على سهيل بأنه كان خارج المسجد والمصلون داخله وذلك جائز اتفاقا، وفيه نظر لأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلي عليه، واحتج بعضهم بأن العمل استقر على ترك ذلك لأن الذين أنكروا ذلك على عائشة كانوا من الصحابة، ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها فدل على أنها حفظت ما نسوه، وقد روى ابن أبي شيبة وغيره: "أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبا صلى على عمر في المسجد" زاد في رواية: "ووضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر" وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك.

(3/199)


61 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ
وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ضَرَبَتْ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً ثُمَّ رُفِعَتْ فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ أَلاَ هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا فَأَجَابَهُ الآخَرُ بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا
1330 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ هِلاَلٍ هُوَ الْوَزَّانُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا" قَالَتْ وَلَوْلاَ ذَلِكَ لاَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا"
قوله: "باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور" ترجم بعد ثمانية أبواب "باب بناء المسجد على القبر" قال ابن رشيد: الاتخاذ أعم من البناء فلذلك أفرده بالترجمة، ولفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخاذ مفسدة أو لا. قوله: "ولما مات الحسن بن الحسن" هو ممن وافق اسمه اسم أبيه، وكانت وفاته سنة سبع وتسعين وهو من ثقات التابعين وروى له النسائي، وله ولد يسمى الحسن أيضا فهم ثلاثة في نسق، واسم امرأته المذكورة فاطمة بنت الحسين وهي ابنة عمه. قوله: "القبة" أي الخيمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ الفسطاط كما رويناه في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي رواية الأصبهانيين عنه، وفي كتاب ابن أبي الدنيا في القبور من طريق المغيرة بن مقسم قال: "لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فسطاطا فأقامت عليه سنة" فذكر نحوه، ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة. وقال ابن المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه تعليلا للنفس، وتخييلا باستصحاب المألوف من الأنس، ومكابرة للحس، كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية ومخاطبة المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا، وكأنهما من الملائكة، أو من مؤمني الجن. وإنما ذكره البخاري لموافقته للأدلة الشرعية لا لأنه دليل برأسه. قوله: "عن شيبان" هو ابن عبد الرحمن النحوي، وهلال الوزان هو ابن أبي حميد على المشهور، وكذا وقع منسوبا عند ابن أبي شيبة والإسماعيلي وغيرهما. وقال البخاري في تاريخه: قال وكيع هلال بن حميد. وقال مرة هلال بن عبد الله ولا يصح. قوله: "مسجدا" في رواية الكشميهني مساجد. قوله: "لأبرز قبره" أي لكشف قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخذ عليه الحائل، والمراد الدفن خارج بيته، وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد النبوي، ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة. قوله: "غير أني أخشى" كذا هنا. وفي رواية أبي عوانة عن هلال الآتية في أواخر الجنائز "غير أنه خشي أو خشي "على الشك هل هو بفتح الخاء المعجمة أو ضمها. وفي رواية مسلم: "غير أنه خشي "بالضم لا غير، فرواية الباب تقتضي أنها هي التي امتنعت من إبرازه، ورواية الضم مبهمة يمكن أن تفسر بهذه، والهاء ضمير الشأن وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك، وذلك يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح فإنها تقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرهم بذلك، وقد تقدم الكلام على بقية فوائد المتن في أبواب المساجد في "باب هل تنبش قبور

(3/200)


المشركين" قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدا، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر، ومفهومهما متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم.

(3/201)


62 - باب الصَّلاَةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا
1331 - حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حسين حدثنا عبد الله بن بريدة عن سمرة رضي الله عنه قال "صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها وسطها"
قوله: "باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها" وقع في نسخة "من" يدل "في"، أي في مدة نفاسها أو بسبب نفاسها، والأول أعم من جهة أنه يدخل فيه من ماتت منه أو من غيره، والثاني أليق بخبر الباب فإن في بعض طرقه أنها ماتت حاملا وتقدم الكلام عليه في أثناء كتاب الحيض. وحسين المذكور في هذا الإسناد هو ابن ذكوان المعلم، قال الزين بن المنير وغيره: المفصود بهذه الترجمة أن النفساء وإن كانت معدودة من جملة الشهداء فإن الصلاة عليها مشروعة، بخلاف شهيد المعركة.

(3/201)


63 - باب أَيْنَ يَقُومُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ
1332 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا"
قوله: "باب أين يقوم" أي الإمام من المرأة والرجل. أورد فيه حديث سمرة المذكور من وجه آخر عن حسين المعلم، وفيه مشروعية الصلاة على المرأة، فإن كونها نفساء وصف غير معتبر، وأما كونها امرأة فيحتمل أن يكون معتبرا فإن القيام عليها عند وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها؛ بخلاف الرجل. ويحتمل أن لا يكون معتبرا وأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش للنساء، فأما بعد اتخاذه فقد حصل الستر المطلوب، ولهذا أورد المصنف الترجمة مورد السؤال، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود والترمذي من طريق أبي غالب عن أنس بن مالك أنه صلى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد: أهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل؟ قال: نعم1 وحكى ابن رشيد عن ابن المرابط أنه أبدى لكونها نفساء علة مناسبة وهي استقبال جنينها ليناله من بركة الدعاء، وتعقب بأن الجنين كعضو منها، ثم هو لا يصلى عليه إذا انفرد وكان سقطا2 فأحرى إذا كان باقيا في بطنها أن لا يقصد. والله أعلم.
ـــــــ
1 وأخرجه أحمد وابن ماجه ولفظهما ولفظ الترمذي "عند رأس الرجل ووسط المرأة" وإسناده جيد, وهو حجة قائمة على التفرقة بين الرجل والمرأة في الموقف, ودليل على أن السنة الوقوف عند رأس الرجل ووسط المرأة. والله أعلم.
2 القول بعد الصلاة على السقط ضعيف, والصواب شرعية الصلاة عليه إذا سقط بعد نفخ الروح فيه وكان محكوما باسلامه لأنه ميت مسلم فشرعت الصلاة عليه كسائر موتى المسلين, ولما روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" وإسناده حسن. والله أعلم

(3/201)


64 - باب التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَرْبَعًا
وَقَالَ حُمَيْدٌ: صَلَّى بِنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَبَّرَ ثَلاَثًا ثُمَّ سَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ ثُمَّ سَلَّمَ
1333 - حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات"
1334 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا"
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سَلِيمٍ أَصْحَمَةَ وَتَابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ
قوله: "باب التكبير على الجنازة أربعا" قال الزين بن المنير أشار بهذه الترجمة إلى أن التكبير لا يزيد على أربع، ولذلك لم يذكر ترجمة أخرى ولا خبرا في الباب، وقد اختلف السلف في ذلك: فروى مسلم عن زيد بن أرقم أنه يكبر خمسا ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبر خمسا، وروى ابن المنذر وغيره عن علي أنه كان يكبر على أهل بدر ستا وعلى الصحابة خمسا وعلى سائر الناس أربعا، وروي أيضا بإسناد صحيح عن أبي معبد قال صليت خلف ابن عباس على جنازة فكبر ثلاثا. وسنذكر الاختلاف على أنس في ذلك. قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وفيه أقوال أخر، فذكر ما تقدم. قال: وذهب بكر بن عبد الله المزني إلى أنه لا ينقص من ثلاث ولا يزاد على سبع. وقال أحمد مثله لكن قال: لا ينقص من أربع. وقال ابن مسعود: كبر ما كبر الإمام. قال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر، ثم ساق بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب قال: "كان التكبير أربعا وخمسا، فجمع عمر الناس على أربع" وروى البيهقي بإسناد حسن إلى أبي وائل قال: "كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا وستا وخمسا وأربعا، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة". قوله: "وقال حميد: صلى بنا أنس فكبر ثلاثا ثم سلم، فقيل له فاستقبل القبلة ثم كبر الرابعة ثم سلم" لم أره موصولا من طريق حميد، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس أنه كبر على جنازة ثلاثا ثم انصرف ناسيا، فقالوا يا أبا حمزة إنك كبرت ثلاثا فقال: صفوا فصفوا، فكبر الرابعة. وروي عن أنس الاقتصار على ثلاث. قال ابن أبي شيبة: حدثنا معاذ بن معاذ عن عمران ابن حدير قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة فكبر عليها ثلاثا لم يزد عليها. وروى ابن المنذر من طريق حماد بن سلمة عن يحيى بن أبي إسحاق قال قيل لأنس إن فلانا كبر ثلاثا فقال: وهل التكبير إلا ثلاثا؟ انتهى قال مغلطاي إحدى الروايتين وهم. قلت: بل يمكن الجمع بين ما اختلف فيه على أنس إما بأنه كان يرى الثلاث مجزئة والأربع أكمل منها، وإما بأن من أطلق عنه الثلاث لم

(3/202)


يذكر الأولى لأنها افتتاح الصلاة كما تقدم في باب سنة الصلاة من طريق ابن علية عن يحيى بن أبي إسحاق أن أنسا قال: "أو ليس التكبير ثلاثا؟ فقيل له: يا أبا حمزة التكبير أربعا. قال: أجل، غير أن واحدة هي افتتاح الصلاة "وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال: يزيد في التكبير على أربع إلا ابن أبي ليلى انتهى. وفي المبسوط للحنفية قيل: إن أبا يوسف قال يكبر خمسا. وقد تقدم القول عن أحمد في ذلك. ثم أورد المصنف حديث أبي هريرة في الصلاة على النجاشي، وقد تقدم الجواب عن إيراد من تعقبه بأن الصلاة على النجاشي صلاة على غائب لا على جنازة، ومحصل الجواب أن ذلك بطريق الأولى. وقد روى ابن أبي داود في "الأفراد "من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فكبر أربعا وقال: لم أر في شيء من الأحاديث الصحيحة أنه كبر على جنازة أربعا إلا في هذا. قوله: "وقال يزيد بن هرون وعبد الصمد عن سليم" يعني بإسناده إلى جابر "أصحمة" ووقع في رواية المستملي وقال يزيد عن سليم أصحمة وتابعه عبد الصمد، أما رواية يزيد فوصلها المصنف في هجرة الحبشة عن أبي بكر بن أبي شيبة عنه، وأما رواية عبد الصمد فوصلها الإسماعيلي من طريق أحمد بن سعيد عنه. "تنبيه" وقع في جميع الطرق التي اتصلت لنا من البخاري أصحمة بمهملتين بوزن أفعلة مفتوح العين في المسند والمعلق معا، وفيه نظر لأن إيراد المصنف يشعر بأن يزيد خالف محمد بن سنان، وأن عبد الصمد تابع يزيد، ووقع في مصنف ابن أبي شيبة عن يزيد صحمة بفتح الصاد وسكون الحاء فهذا متجه، ويتحصل منه أن الرواة اختلفوا في إثبات الألف وحذفها. وحكى الإسماعيلي أن في رواية عبد الصمد أصخمة بخاء معجمة وإثبات الألف، قال: وهو غلط فيحتمل أن يكون هذا محل الاختلاف الذي أشار إليه البخاري. وحكى كثير من الشراح أن رواية يزيد ورفيقه صحمة بالمهملة بغير ألف، وحكى الكرماني أن في بعض النسخ في رواية محمد بن سنان أصحبة بموحدة بدل الميم.

(3/203)


65 - باب قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجَنَازَةِ
وَقَالَ الْحَسَنُ يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا
1335 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ طَلْحَةَ قَالَ "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ح حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة"ٌ
قوله: "باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة" أي مشروعيتها، وهي من المسائل المختلف فيها، ونقل ابن المنذر عن ابن مسعود والحسن بن علي وابن الزبير والمسور بن مخرمة مشروعيتها، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. ونقل عن أبي هريرة وابن عمر ليس فيها قراءة وهو قول مالك والكوفيين. قوله: "وقال الحسن إلخ" وصله عبد الوهاب بن عطاء في "كتاب الجنائز" له عن سعيد بن أبي عروبة أنه سئل عن الصلاة على الصبي فأخبرهم عن قتادة عن الحسن أنه كان يكبر ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقول: اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا. وروى عبد الرزاق والنسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: "السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن ثم يصلي

(3/203)


على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا في الأولى" إسناده صحيح. قوله: "عن سعد" هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وطلحة هو ابن عبد الله بن عوف الخزاعي كما نسبهما في الإسناد الثاني.
" تنبيه ": ليس في حديث الباب بيان محل قراءة الفاتحة، وقد وقع التصريح به في حديث جابر أخرجه الشافعي بلفظ: "وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى" أفاده شيخنا في شرح الترمذي وقال إن سنده ضعيف. قوله: "لتعلموا أنها سنة" قال الإسماعيلي: جمع البخاري بين روايتي شعبة وسفيان، وسياقهما مختلف اهـ. فأما رواية شعبة فقد أخرجها ابن خزيمة في صحيحه والنسائي جميعا عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه بلفظ: "فأخذت بيده فسألته عن ذلك فقال: نعم يا ابن أخي، إنه حق وسنة "وللحاكم من طريق آدم عن شعبة "فسألته فقلت: يقرأ؟ نعم، إنه حق وسنة". وأما رواية سفيان فأخرجها الترمذي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عنه بلفظ: "فقال: أنه من السنة، أو من تمام السنة" وأخرجه النسائي أيضا من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا الإسناد بلفظ: "فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق" وللحاكم من طريق ابن عجلان أنه سمع سعيد بن أبي سعيد يقول: "صلى ابن عباس على جنازة فجهر بالحمد ثم قال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة" وقد أجمعوا على أن قول الصحابي "سنة" حديث مسند، كذا نقل الإجماع، مع أن الخلاف عند أهل الحديث وعند الأصوليين شهير، وعلى الحاكم فيه مأخذ آخر وهو استدراكه له وهو في البخاري، وقد روى الترمذي من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وقال: لا يصح هذا، والصحيح عن ابن عباس قوله: "من السنة" وهذا مصير منه إلى الفرق بين الصيغتين، ولعله أراد الفرق بالنسبة إلى الصراحة والاحتمال، والله أعلم. وروى الحاكم أيضا من طريق شرحبيل بن سعد عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بالأبواء فكبر، ثم قرأ الفاتحة رافعا صوته، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: اللهم عبدك وابن عبدك أصبح فقيرا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، إن كان زاكيا فزكه، وإن كان مخطئا فاغفر له. اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده. ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم انصرف فقال يا أيها الناس، إني لم أقرأ عليها - أي جهرا - إلا لتعلموا أنها سنة". قال الحاكم: شرحبيل لم يحتج به الشيخان، وإنما أخرجته لأنه مفسر للطرق المتقدمة انتهى. وشرحبيل مختلف في توثيقه، واستدل الطحاوي على ترك القراءة في الأولى بتركها في باقي التكبيرات وبترك التشهد، قال: ولعل قراءة من قرأ الفاتحة من الصحابة كان على وجه الدعاء لا على وجه التلاوة. وقوله: "أنها سنة" يحتمل أن يريد أن الدعاء سنة انتهى. ولا يخفى ما يجيء على كلامه من التعقب، وما يتضمنه استدلاله من التعسف.

(3/204)


66 - باب الصَّلاَةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ مَا يُدْفَنُ
قوله: "باب الصلاة على القبر بعدما يدفن" وهذه أيضا من المسائل المختلف فيها، قال ابن المنذر قال بمشروعيته الجمهور، ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة، وعنهم إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع إلا فلا.
1336 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ "أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا يَا أَبَا عَمْرٍو قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا"
1337 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ

(3/204)


عَنْهُ " أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلاً أَوْ امْرَأَةً كَانَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ وَلَمْ يَعْلَمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ قَالُوا مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلاَ آذَنْتُمُونِي فَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا - قِصَّتُهُ - قَالَ فَحَقَرُوا شَأْنَهُ قَالَ فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ" قوله: "باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن" هذه أيضا من المسائل المختلف فيها, قال ابن المنذر: قال بمشروعية الجمهور ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة, وعنهم إن دفن قبل أن يصلي عليه شرع وإلا فلا قوله: "قلت من حدثك هذا يا أبا عمرو" القائل هو الشيباني، والمقول له هو الشعبي. وقد تقدم في "باب الإذن بالجنازة" بأتم من هذا السياق، وفيه عن الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس، وتكلما هناك على ما ورد في تسمية المقبور المذكور. ووقع في الأوسط للطبراني من طريق محمد بن الصباح الدولابي عن إسماعيل بن زكريا عن الشيباني أنه صلى عليه بعد دفنه بليلتين. وقال: إن إسماعيل تفرد بذلك. ورواه الدارقطني من طريق هريم بن سفيان عن الشيباني فقال: "بعد موته بثلاث "ومن طريق بشر بن آدم عن أبي عاصم عن سفيان الثوري عن الشيباني فقال: "بعد شهر" وهذه روايات شاذة، وسياق الطرق الصحيحة يدل على أنه صلى عليه في صبيحة دفنه. قوله في حديث أبي هريرة "فأتى قبره فصلى عليه" زاد ابن حبان في رواية حماد بن سلمة عن ثابت "ثم قال إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها عليهم بصلاتي" وأشار إلى أن بعض المخالفين احتج بهذه الزيادة على أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم. ثم ساق من طريق خارجة بن زيد بن ثابت نحو هذه القصة وفيها "ثم أتى القبر فصففنا خلفه وكبر عليه أربعا" قال ابن حبان: في ترك إنكاره صلى الله عليه وسلم على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه. وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلا للأصالة، واستدل بخبر الباب على رد التفصيل بين من صلى عليه فلا يصلى عليه بأن القصة وردت فيمن صلى عليه، وأجيب بأن الخصوصية تنسحب على ذلك. واختلف من قال بشرع الصلاة لمن لم يصل فقيل: يؤخر دفنه ليصلي عليها من كان لم يصل، وقيل: يبادر بدفنها ويصلي الذي فاتته على القبر، وكذا اختلف في أمد ذلك: فعند بعضهم إلى شهر، وقيل ما لم يبل الجسد، وقيل: يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه حين موته وهو الراجح عند الشافعية، وقيل: يجوز أبدا.

(3/205)


67 - باب الْمَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ
1338 - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولاَنِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ"
[الحديث 1337 – طرفه في: 1374]

(3/205)


قوله: "باب الميت يسمع خفق النعال" قال الزين بن المنير: جرد المصنف ما ضمنه هذه الترجمة ليجعله أول آداب الدفن من إلزام الوقار واجتناب اللغط وقرع الأرض بشدة الوطء عليها كما يلزم ذلك مع الحي النائم، وكأنه اقتطع ما هو من سماع الآدميين من سماع ما هو من الملائكة، وترجم بالخفق ولفظ المتن بالقرع إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الخفق وهو ما رواه أحمد وأبو داود من حديث البراء بن عازب في أثناء حديث طويل فيه: "وأنه ليسمع خفق نعالهم" وروى إسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين" أخرجه البزار وابن حبان في صحيحه هكذا مختصرا. وأخرج ابن حبان أيضا من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم" نحوه في حديث طويل، واستدل به على جواز المشي بين القبور بالنعال، ولا دلالة فيه. قال ابن الجوزي: ليس في الحديث سوى الحكاية عمن يدخل المقابر، وذلك لا يقتضي إباحة ولا تحريما انتهى. وإنما استدل به من استدل على الإباحة أخذا من كونه صلى الله عليه وسلم قاله وأقره فلو كان مكروها لبينه، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد سماعه إياها بعد أن يجاوز المقبرة، ويدل على الكراهة حديث بشير بن الخصاصية "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يمشي بين القبور وعليه نعلان سبتيتان فقال: يا صاحب السبتيتين ألق نعليك" أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم. وأغرب ابن حزم فقال: يحرم المشي بين القبور بالنعال السبتية دون غيرها، وهو جمود شديد. وأما قول الخطابي يشبه أن يكون النهي عنهما لما فيهما من الخيلاء فإنه متعقب بأن ابن عمر كان يلبس النعال السبتية ويقول: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها" وهو حديث صحيح كما سيأتي في موضعه. وقال الطحاوي: يحمل نهي الرجل المذكور على أنه كان في نعليه قذر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه ما لم ير فيهما أذى. قوله: "حدثنا عياش" هو ابن الوليد الرقام كما جزم به أبو نعيم في "المستخرج" وهو بتحتانية ومعجمة، وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى. وساق حديثه مقرونا برواية خليفة عن يزيد بن زريع على لفظ خليفة، وسيأتي مفردا في عذاب القبر عن عياش بن الوليد بلفظه وما فيه من زيادة، ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله. وقوله هنا "إذا وضع في قبره وتولي وذهب أصحابه" كذا ثبت في جميع الروايات فقال ابن التين: إنه كرر اللفظ والمعني واحد، ورأيته أنا مضبوطا بخط معتمد "وتولي" بضم أوله وكسر اللام على البناء للمجهول، أي تولي أمره أي الميت، وسيأتي في رواية عياش بلفظ: "وتولى عنه أصحابه" وهو الموجود في جميع الروايات عند مسلم وغيره.

(3/206)


68 - باب مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا
1339 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَم فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ الْمَوْتُ قَالَ فَالآنَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لاَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ

(3/206)


عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ"
قوله: "باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها" قال الزين بن المنير: المراد بقوله: "أو نحوها" بقية ما تشد إليه الرجال من الحرمين وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء وقبور الشهداء والأولياء تيمنا بالجوار وتعرضا للرحمة النازلة عليهم اقتداء بموسى عليه السلام، انتهى. وهذا بناء على أن المطلوب القرب من الأنبياء الذين دفنوا ببيت المقدس، وهو الذي رجحه عياض. وقال المهلب: إنما طلب ذلك ليقرب عليه المشي إلى المحشر وتسقط عنه المشقة الحاصلة لمن بعد عنه. حديث أبي هريرة "أرسل ملك الموت إلى موسى" الحديث أورده المصنف بطوله من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه عنه ولم يذكر فيه الرفع، وقد ساقه في أحاديث الأنبياء من هذا الوجه ثم قال: وعن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وقد ساقه مسلم من طريق معمر بالسندين كذلك. وقوله فيه: "رمية بحجر" أي قدر رمية حجر، أي أدنني من مكان إلى الأرض المقدسة هذا القدر، أو أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القدر، وهذا الثاني أظهر، وعليه شرح ابن بطال وغيره. وأما الأول فهو وإن رجحه بعضهم فليس بجيد إذ لو كان كذلك لطلب الدنو أكثر من ذلك، ويحتمل أن يكون القدر الذي كان بينه وبين أول الأرض المقدسة كان قدر رمية فلذلك طلبها، لكن حكى ابن بطال عن غيره أن الحكمة في أنه لم يطلب دخولها ليعمى موضع قبره لئلا تعبده الجهال من ملته انتهى. ويحتمل أن يكون سر ذلك أن الله لما منع بنى إسرائيل من دخول بيت المقدس وتركهم في التيه أربعين سنة إلى أن أفناهم الموت فلم يدخل الأرض المقدسة مع يوشع إلا أولادهم، ولم يدخلها معه أحد ممن امتنع أولا أن يدخلها كما سيأتي شرح ذلك في أحاديث الأنبياء ومات هرون ثم موسى عليهما السلام قبل فتح الأرض المقدسة على الصحيح كما سيأتي واضحا أيضا، فكأن موسى لما لم يتهيأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها طلب القرب منها لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، وقيل إنما طلب موسى الدنو لأن النبي يدفن حيث يموت ولا ينقل، وفيه نظر لأن موسى قد نقل يوسف عليهما السلام معه لما خرج من مصر كما سيأتي ذلك في ترجمته إن شاء الله تعالى، وهذا كله بناء على الاحتمال الثاني والله أعلم. واختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد، فقيل: يكره لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته، وقيل يستحب، والأولى تنزيل ذلك على حالتين: فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح كالدفن في البقاع الفاضلة، وتختلف الكراهة في ذلك فقد تبلغ التحريم، والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها. والله أعلم.

(3/207)


69 - باب الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ. وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْلاً
1340 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الشيباني عن الشعبي عن بن عباس رضي الله عنهما قال " صلى النبي صلى الله عليه وسلم على رجل بعد ما دفن بليلة قام هو وأصحابه وكان سأل عنه فقال من هذا فقالوا فلان دفن البارحة فصلوا عليه "
قوله: "باب الدفن بالليل" أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من منع ذلك محتجا بحديث جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن يقبر الرجل ليلا إلا أن يضطر إلى ذلك" أخرجه ابن حبان، لكن بين مسلم في روايته السبب في ذلك ولفظه
[الحديث 1340 – طرفه في: 3407]

(3/207)


"أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض وكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا، فزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك. وقال إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه" فدل على أن النهي بسبب تحسين الكفن. وقوله: "حتى يصلي عليه" مضبوط بكسر اللام أي النبي صلى الله عليه وسلم فهذا سبب آخر يقتضي أنه إن رجي بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب تأخيره، وإلا فلا، وبه جزم الطحاوي. واستدل المصنف للجواز بما ذكره من حديث ابن عباس "ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم دفنهم إياه بالليل، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره" وأيد ذلك بما صنع الصحابة بأبي بكر، وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز. وقد تقدم الكلام على حديث ابن عباس قريبا. وأما أثر أبي بكر فوصله المصنف في أواخر الجنائز في "باب موت يوم الاثنين" من حديث عائشة وفيه: "ودفن أبو بكر قبل أن يصبح" ولابن أبي شيبة من حديث القاسم بن محمد قال: "دفن أبو بكر ليلا" ومن حديث عبيد بن السباق "أن عمر دفن أبا بكر بعد العشاء الآخرة" وصح أن عليا دفن فاطمة ليلا كما سيأتي في مكانه.

(3/208)


باب البناء على المسجد
...
70 - باب بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ
1341 - حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت "لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية وكانت أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فرفع رأسه فقال: "أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله"
قوله: "باب بناء المسجد على القبر" أورد فيه حديث عائشة في لعن من بنى على القبر مسجدا، وقد تقدم الكلام عليه قبل ثمانية أبواب. قال الزين بن المنير: كأنه قصد بالترجمة الأولى اتخاذ المساجد في المقبرة لأجل القبور بحيث لولا تجدد القبر ما اتخذ المسجد. ويؤيده بناء المسجد في المقبرة على حدته لئلا يحتاج إلى الصلاة فيوجد مكان يصلى فيه سوى المقبرة، فلذلك نحا به منحى الجواز انتهى. وقد تقدم أن المنع من ذلك إنما هو حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين لعنوا، وأما إذا أمن ذلك فلا امتناع، وقد يقول بالمنع مطلقا من يرى سد الذريعة وهو هنا متجه قوي1.
ـــــــ
1 هذا هو الحق, لعموم الأحاديث الواردة بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد, ولعن من فعل ذلك, ولأن بناء المساجد على القبور من أعظم وسائل الشرك بالمقبورين فيها. والله أعلم

(3/208)


71 - باب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ
1342 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ فَقَالَ: "هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا قَالَ فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا" قَالَ ابْنُ مُبَارَكٍ قَالَ فُلَيْحٌ أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ {لِيَقْتَرِفُوا} أَيْ لِيَكْتَسِبُوا

(3/208)


72 - باب الصَّلاَةِ عَلَى الشَّهِيدِ
1343 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ "
[الحديث 1343 – أطرافه في: 1345, 1346, 1347, 1348, 1353, ]
1344 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا"
[الحديث 1344 – أطرافه في:3566, 4042, 4085, 6426, 6590
قوله: "باب الصلاة على الشهداء" قال الزين بن المنير: أراد باب حكم الصلاة على الشهيد، ولذلك أورد فيه حديث جابر الدال على نفيها، وحديث عقبة الدال على إثباتها قال: ويحتمل أن يكون المراد باب مشروعية الصلاة على الشهيد في قبره لا قبل دفنه عملا بظاهر الحديثين، قال: والمراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار انتهى. وكذا المراد بقوله بعد "من لم ير غسل الشهيد" ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل صغيرا أو كبيرا حرا أو عبدا صالحا أو غير صالح، وخرج بقوله: "المعركة" من جرح في القتال وعاش بعد ذلك حياة مستقرة، وخرج بحرب الكفار من مات بقتال المسلمين كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك من سمي شهيدا بسبب غير السبب المذكور، وإنما يقال له شهيد بمعنى ثواب الآخرة، وهذا كله على الصحيح من مذاهب العلماء. والخلاف في الصلاة على قتيل معركة الكفار

(3/209)


مشهور، قال الترمذي: قال بعضهم يصلى على الشهيد وهو قول الكوفيين وإسحاق. وقال بعضهم لا يصلى عليه وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد. وقال الشافعي في "الأم" جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد، وما روي أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح. وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه. قال: وأما حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين، يعني والمخالف يقول لا يصلى على القبر إذا طالت المدة. قال وكأنه صلى الله عليه وسلم دعا لهم واستغفر لهم حين علم قرب أجله مودعا لهم بذلك، ولا يدل ذلك على نسخ الحكم الثابت انتهى. وما أشار إليه من المدة والتوديع قد أخرجه البخاري أيضا كما سننبه عليه بعد هذا. ثم إن الخلاف في ذلك في منع الصلاة عليهم على الأصح عند الشافعية، وفي وجه أن الخلاف في الاستحباب وهو المنقول عن الحنابلة، قال الماوردي1 عن أحمد: الصلاة على الشهيد أجود، وأن لم يصلوا عليه أجزأ. قوله: "عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر" كذا يقول الليث عن ابن شهاب، قال النسائي: لا أعلم أحدا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع الليث على ذلك. ثم ساقه من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة فذكر الحديث مختصرا، وكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث كلهم عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة، وعبد الله له رؤية فحديثه من حيث السماع مرسل، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فزاد فيه جابرا، وهو مما يقوي اختيار البخاري، فإن ابن شهاب صاحب حديث فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين، ولا سيما أن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة. وعلي بن شهاب فيه اختلاف آخر رواه أسامة بن زيد الليثي عنه عن أنس أخرجه أبو داود والترمذي، وأسامة سيء الحفظ، وقد حكى الترمذي في "العلل" عن البخاري أن أسامة غلط في إسناده. وأخرجه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري عن ابن شهاب فقال: "عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه" وابن عبد العزيز ضعيف، وقد أخطأ في قوله: "عن أبيه". وقد ذكر البخاري فيه اختلافا آخر كما سيأتي بعد بابين. قوله: "ثم يقول أيهما" في رواية الكشميهني: "أيهم". قوله: "ولم يصل عليهم" هو مضبوط في روايتنا بفتح اللام، وهو اللائق بقوله بعد ذلك "ولم يغسلوا" وسيأتي بعد بابين من وجه آخر عن الليث بلفظ: "ولم يصل عليهم ولم يغسلهم" وهذه بكسر اللام والمعني ولم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره. وفي حديث جابر هذا مباحث كثيرة يأتي استيفاؤها في غزوة أحد من المغازي إن شاء الله تعالى. وفيه جواز تكفين الرجلين في ثوب واحد لأجل الضرورة إما بجمعهما فيه وإما بقطعه بينهما، وعلى جواز دفن اثنين في لحد، وعلى استحباب تقديم أفضلهما لداخل اللحد، وعلى أن شهيد المعركة لا يغسل، وقد ترجم المصنف لجميع ذلك. "تنبيه": وقع في رواية أسامة المذكورة "لم يصل عليهم" كما في حديث جابر. وفي رواية عنه عند الشافعي والحاكم "ولم يصل على أحد غيره" يعني حمزة. قوله: "عن أبي الخير" هو اليزني، والإسناد كله بصريون، وهذا معدود من أصح الأسانيد. قوله: "صلاته" بالنصب أي مثل صلاته. زاد في غزوة أحد من طريق حيوة بن شريح عن يزيد "بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات" وزاد فيه: "فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"
ـــــــ
1 في نسخة: المروذي

(3/210)


وسيأتي الكلام على الزيادة هناك إن شاء الله تعالى. وكانت أحد في شوال سنة ثلاث، ومات صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، فعلى هذا ففي قوله: "بعد ثمان سنين" تجوز على طريق جبر الكسر، إلا فهي سبع سنين ودون النصف. واستدل به على مشروعية الصلاة على الشهداء وقد تقدم جواب الشافعي عنه بما لا مزيد عليه. وقال الطحاوي: معنى صلاته صلى الله عليه وسلم عليهم لا يخلو من ثلاثة معان: إما أن يكون ناسخا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم، أو يكون من سنتهم أن لا يصلي عليهم إلا بعد هذه المدة المذكورة، أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم فإنها واجبة. وأيها كان فقد ثبت بصلاته عليهم الصلاة على الشهداء. ثم كأن الكلام بين المختلفين في عصرنا إنما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم، وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن أولى انتهى. وغالب ما ذكره بصدد المنع -لا سيما في دعوى الحصر- فإن صلاته عليهم تحتمل أمورا أخر: منها أن تكون من خصائصه، ومنها أن تكون بمعنى الدعاء كما تقدم. ثم هي واقعة عين لا عموم فيها، فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع حكم قد تقرر؟ ولم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره والله أعلم. قال النووي: المراد بالصلاة هنا الدعاء، وأما كونه مثل الذي على الميت فمعناه أنه دعا لهم بمثل الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى. و قوله: " إني فرط لكم " أي سابقكم، و قوله: "وإني والله" فيه الحلف لتأكيد الخبر وتعظيمه، و قوله: " لأنظر إلى حوضي" هو على ظاهره، وكأنه كشف له عنه في تلك الحالة. وسيأتي الكلام على الحوض مستوفى في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى، وكذا على المنافسة في الدنيا. قوله: "ما أخاف عليكم أن تشركوا" أي على مجموعكم، لأن ذلك قد وقع من البعض أعاذنا الله تعالى. وفي هذا الحديث معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك أورده المصنف في "علامات النبوة "كما سيأتي بقية الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.

(3/211)


73 - باب دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلاَثَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ
حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا الليث حدثنا بن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أخبره "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد"
قوله: "باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر" أورد فيه حديث جابر المذكور مختصرا بلفظ: "كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد" قال ابن رشيد: جرى المصنف على عادته إما بالإشارة إلى ما ليس على شرطه، وإما بالاكتفاء بالقياس. وقد وقع في رواية عبد الرزاق يعني المشار إليها قبل بلفظ: "وكان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد" انتهى. وورد ذكر الثلاثة في هذه القصة عن أنس أيضا عند الترمذي وغيره، وروى أصحاب السنن عن هشام بن عامر الأنصاري قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح وجهد، قال: احفروا وأوسعوا. واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر "صححه الترمذي، والظاهر أن المصنف أشار إلى هذا الحديث. وأما القياس ففيه نظر، لأنه لو أراده لم يقتصر عل الثلاثة بل كان يقول مثلا دفن الرجلين فأكثر، ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر، وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع "أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه"، وكأنه كان يجعل بينهما حائلا من تراب ولا سيما إن كانا أجنبيين. والله أعلم.

(3/211)


74 - باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ
1347 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرٍ قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ" يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ
قوله: "باب من لم ير غسل الشهداء" في نسخة "الشهيد" بالإفراد. أشار بذلك إلى ما روي عن سعيد بن المشيب أنه قال: يغسل الشهيد، لأن كل ميت يجنب فيجب غسله حكاه ابن المنذر، قال: وبه قال الحسن البصري. ورواه ابن أبي شيبة عنهما أي عن سعيد والحسن، وحكي عن ابن سريج من الشافعية وعن غيره، وهو من الشذوذ. وقد وقع عند أحمد من وجه آخر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قتلى أحد " لا تغسلوهم فإن كل جرح -أو كل دم- يفوح مسكا يوم القيامة، ولم يصل عليهم " فبين الحكمة في ذلك. حديث جابر أورده المصنف قبل مختصرا بلفظ: "ولم يغسلهم "واستدل بعمومه على أن الشهيد لا يغسل حتى ولا الجنب والحائض، وهو الأصح عند الشافعية، وقيل يغسل للجنابة لا بنية غسل الميت، لما روي في قصة حنظلة بن الراهب أن الملائكة غسلته يوم أحد لما استشهد وهو جنب، وقصته مشهورة رواها ابن إسحق وغيره، وروى الطبراني وغيره من حديث ابن عباس بإسناد لا بأس به عنه قال: "أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت الملائكة تغسلهما" غريب في ذكر حمزة، وأجيب بأنه لو كان واجبا ما اكتفي فيه بغسل الملائكة، فدل على سقوطه عمن يتولى أمر الشهيد. والله أعلم.

(3/212)


75 - باب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ
وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ {مُلْتَحَدًا} مَعْدِلاً وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا
1347 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ"
1348 - وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ أَيُّ هَؤُلاَءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ وَقَالَ جَابِرٌ فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ"
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قوله: "باب من يقدم في اللحد" أي إذا كانوا أكثر من واحد، وقد دل حديث الباب على تقديم من كان أكثر قرآنا من صاحبه، وهذا نظير تقديمه في الإمامة. قوله: "وسمي اللحد لأنه في ناحية" قال أهل اللغة: أصل الإلحاد

(3/212)


الميل والعدول عن الشيء، وقيل للمائل عن الدين ملحد، وسمي اللحد لأنه شق يعمل في جانب القبر فيميل عن وسط القبر إلى جانبه بحيث يسع الميت فيوضع فيه ويطبق عليه اللبن. وأما قول المصنف بعد "ولو كان مستقيما لكان ضريحا" فلأن الضريح شق يشق في الأرض على الاستواء ويدفن فيه. قوله: "ملتحدا: معدلا" هو قول أبي عبيدة بن المثنى في "كتاب المجاز". قال: "قوله ملتحدا أي معدلا "وقال الطبري معناه ولن تجد من دونه معدلا تعدل إليه عن الله، لأن قدرة الله محيطة بجميع خلقه. قال والملتحد مفتعل من اللحد، يقال منه لحدت إلى كذا إذا ملت إليه انتهى. ويقال: لحدته وألحدته، قال الفراء: الرباعي أجود. وقال غيره: الثلاثي أكثر. ويؤيده حديث عائشة في قصة دفن النبي صلى الله عليه وسلم: "فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد" الحديث أخرجه ابن ماجه، ثم ساق المصنف حديث جابر من طريق ابن المبارك عن الليث متصلا، وعن الأوزاعي منقطعا لأن ابن شهاب لم يسمع من جابر. زاد ابن سعد في الطبقات عن الوليد بن مسلم: "حدثني الأوزاعي بهذا الإسناد قال: زملوهم بجراحهم فإني أنا الشهيد عليهم، ما من مسلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يسيل دما" الحديث. قوله في رواية الأوزاعي "فكفن أبي وعمي في نمرة" هي بفتح النون وكسر الميم: بردة من صوف أو غيره مخططة. وقال الفراء: هي دراعة فيها لونان سواد وبياض، ويقال للسحابة إذا كانت كذلك نمرة، وذكر الواقدي في المغازي وابن سعد أنهما كفنا في نمرتين، فإن ثبت حمل على أن النمرة الواحدة شقت بينهما نصفين، وسيأتي مزيد لذلك بعد بابين. والرجل الذي كفن معه في النمرة كأنه هو الذي دفن معه كما سيأتي الكلام على تسميته بعد باب. قوله: "وقال سليمان بن كثير إلخ" هو موصول في الزهريات للذهلي. وفي رواية سليمان المذكور إبهام شيخ الزهري وقد تقدم البحث فيه قبل بابين، قال الدارقطني في "التتبع": اضطرب فيه الزهري، وأجيب بمنع الاضطراب لأن الحاصل من الاختلاف فيه على الثقات أن الزهري حمله عن شيخين، وأما إبهام سليمان لشيخ الزهري وحذف الأوزاعي له فلا يؤثر ذلك في رواية من سماه، لأن الحجة لمن ضبط وزاد إذا كان ثقة لا سيما إذا كان حافظا، وأما رواية أسامة وابن عبد العزيز فلا تقدح في الرواية الصحيحة لضعفهما، وقد بينا أن البخاري صرح بغلط أسامة فيه، وسيأتي الكلام على بقية فوائد حيث جابر في المغازي، وفيه فضيلة ظاهرة لقارئ القرآن، ويلحق به أهل الفقه والزهد وسائر وجوه الفضل.

(3/213)


76 - باب الإِذْخِرِ وَالْحَشِيشِ فِي الْقَبْرِ
1349 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلاَ لِأَحَدٍ بَعْدِي أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ فَقَالَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلاَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إِلاَّ الإِذْخِرَ"
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا"
وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ "سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" مِثْلَهُ

(3/213)


وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ"
[الحديث 1346 – أطرافه في: 1587, 1833, 1834, 2090, 2433, 2783, 2825, 3077, 3189, 4313]
قوله: "باب الإذخر والحشيش في القبر" أورد فيه حديث ابن عباس في تحريم مكة، وفيه: "فقال العباس إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا" وسيأتي الكلام على فوائده في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. وجوز ابن مالك في قوله: "إلا الإذخر" الرفع والنصب، وترجم ابن المنذر على هذا الحديث طرح الإذخر في القبر وبسطه فيه، وأراد المصنف بذكر الحشيش التنبيه على إلحاقه بالإذخر وأن المراد باستعمال الإذخر البسط ونحوه لا التطيب، ومراده بالحشيش ما يجوز حشه من الحرم إذا لم يقيده في الترجمة بشيء. وقد تقدم في "باب إذا لم يجد كفنا" في قصة مصعب بن عمير لما قصر كفنه أن يغطى رأسه وأن يجعل على رجليه من الإذخر، ولأحمد من طريق خباب أيضا أن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الإذخر. قوله: "وقال أبو هريرة إلخ" هو طرف من حديث طويل فيه قصة أبي شاه وقد تقدم موصولا في كتاب العلم. قوله: "وقال أبان بن صالح إلخ" وصله ابن ماجه من طريقه وفيه: "فقال العباس إلا الإذخر، فإنه للبيوت والقبور". قوله: "وقال مجاهد إلخ" هو طرف من الحديث الأول، وسيأتي موصولا في كتاب الحج، وأورده لقوله فيه: "لقينهم" بدل لقبورهم، والقين بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون هو الحداد، وكأنه أشار إلى ترجيح الرواية الأولى لموافقة رواية أبي هريرة وصفية، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.

(3/214)


77 - باب هَلْ يُخْرَجُ الْمَيِّتُ مِنْ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ
1350 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ" فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ أَبُو هَارُونَ يَحْيَى وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَانِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ قَالَ سُفْيَانُ فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ"
1351 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ مَا أُرَانِي إِلاَّ مَقْتُولاً فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لاَ أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ"
[الحديث1351 – طرفه في: 1352]

(3/214)


1352 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ"
قوله: "باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة" أي لسبب، وأشار بذلك إلى الرد على من منع إخراج الميت من قبره مطلقا أو لسبب دون سبب، كمن خص الجواز بما لو دفن بغير غسل أو بغير صلاة، فإن في حديث جابر الأول دلالة على الجواز إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق به من زيادة البركة له، وعليه يتنزل قوله في الترجمة "من القبر"، وفي حديث جابر الثاني دلالة على جواز الإخراج لأمر يتعلق بالحي لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه، وقد بين ذلك جابر بقوله: "فلم تطب نفسي" وعليه يتنزل قوله: "واللحد" لأن والد جابر كان في لحد، وإنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام لأن قصة عبد الله بن أبي قابلة للتخصيص، وقصة والد جابر ليس فيها تصريح بالرفع، قاله الزين بن المنير، ثم أورد المصنف فيه حديث عمرو - وهو ابن دينار - عن جابر في قصة عبد الله بن أبي، وقد سبق ذكره في "باب الكفن في القميص "وزاد في هذه الطريق "وكان كسا عباسا قميصا" وفي رواية الكشميهني: "قميصه" والعباس المذكور هو ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "قال سفيان: وقال أبو هرون إلخ" كذا وقع في رواية أبي ذر وغيرها، ووقع في كثير من الروايات "وقال أبو هريرة" وكذا في مستخرج أبي نعيم وهو تصحيف، وأبو هرون المذكور جزم المزي بأنه موسى بن أبي عيسى الحناط بمهملة ونون المدني، وقيل هو الغنوي واسمه إبراهيم بن العلاء من شيوخ البصرة، وكلاهما من أتباع التابعين، فالحديث معضل. وقد أخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان فسماه عيسى ولفظه: "حدثنا عيسى بن أبي موسى1" فهذا هو المعتمد. قوله: "قال سفيان: فيرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله قيمصه مكافأة لما صنع بالعباس" هذا القدر متصل عند سفيان، وقد أخرجه البخاري في أواخر الجهاد في "باب كسوة الأسارى" عن عبد الله بن محمد عن سفيان بالسند المذكور قال: "لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه" ويحتمل أن يكون قوله: "فلذلك" من كلام سفيان أدرج في الخبر، بينته رواية علي بن عبد الله التي في هذا الباب، وسأستوفي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: "حدثنا حسين المعلم عن عطاء" هو ابن أبي رباح "عن جابر" هكذا أخرج البخاري هذا الحديث عن مسدد عن بشر بن المفضل عن حسين، ولم أره بعد التتبع الكثير في شيء من كتب الحديث بهذا الإسناد إلى جابر إلا في البخاري، وقد عز على الإسماعيلي مخرجه فأخرجه في مستخرجه من طريق البخاري، وأما أبو نعيم فأخرجه من طريق أبي الأشعث عن بشر بن المفضل فقال: "عن سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر" وقال بعده: ليس أبو نضرة من شرط البخاري. قال: وروايته عن حسين عن عطاء عزيزة جدا. قلت: وطريق سعيد مشهورة عنه، أخرجها أبو داود وابن سعد والحاكم والطبراني من طريقه عن أبي نضرة عن جابر، واحتمل عندي أن يكون لبشر بن المفضل فيه شيخان، إلى أن رأيته في "المستدرك" للحاكم قد أخرجه عن أبي بكر بن إسحاق عن معاذ بن
ـــــــ
1 هكذا في المخطوطة التي بأيدينا وفي طبعة بولاق, وهو غلط من النساخ أو سبق قلم, والصواب "موسى بن أبي عيسى" كما تقدم في كلام المزي وكما يعلم من المراجع المعتمدة, فتأمل. والله أعلم

(3/215)


المثنى عن مسدد عن بشر كما رواه أبو الأشعث عن بشر، وكذا أخرجه في "الإكليل" بهذا الإسناد إلى جابر ولفظه لفظ البخاري سواء، فغلب علي الظن حينئذ أن في هذه الطريق وهما، لكن لم يتبين لي ممن هو، ولم أر من نبه على ذلك، وكأن البخاري استشعر بشيء من ذلك فعقب هذه الطريق بما أخرجه من طريق ابن أبي نجيح عن عطاء عن جابر مختصرا ليوضح أن له أصلا من طريق عطاء عن جابر. والله أعلم. قوله: "ما أراني" بضم الهمزة بمعني الظن، وذكر الحاكم في "المستدرك" عن الواقدي أن سبب ظنه ذلك منام رآه أنه رأى مبشر بن عبد المنذر -وكان ممن استشهد ببدر- يقول له: أنت قادم علينا في هذه الأيام، فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذه الشهادة. وفي رواية أبي نضرة المذكورة عند ابن السكن عن جابر أن أباه قال له: إني معرض نفسي للقتل. الحديث. وقال ابن التين: إنما قال ذلك بناء على ما كان عزم عليه، وإنما قال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض أصحابه سيقتل كما سيأتي واضحا في المغازي. قوله: "وأن علي دينا" سيأتي مقداره في علامات النبوة. قوله: "فاقض" كذا في الأصل بحذف المفعول. وفي رواية الحاكم "فاقضه". قوله: "بأخواتك" سيأتي الكلام على ذكر عدتهن ومن عرف اسمها منهن في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى. قوله: "ودفن معه آخر" هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري، وكان صديق والد جابر وزوج أخته هند بنت عمرو، وكأن جابرا سماه عمه تعظيما. قال ابن إسحاق في المغازي "حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين أصيب عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح: اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا" وفي "مغازي الواقدي" عن عائشة أنها رأت هند بنت عمرو تسوق بعيرا لها عليه زوجها عمرو بن الجموح وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام لتدفنهما بالمدينة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برد القتلى إلى مضاجعهم. وأما قول الدمياطي إن قوله: "وعمي "وهم فليس بجيد، لأن له محملا سائغا، والتجوز في مثل هذا يقع كثيرا. وحكى الكرماني عن غيره أن قوله: "وعمي" تصحيف من "عمرو" وقد روى أحمد بإسناد حسن من حديث أبي قتادة قال: "قتل عمرو بن الجموح وابن أخيه يوم أحد فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلا في قبر واحد" قال ابن عبد البر في التمهيد: ليس هو ابن أخيه وإنما هو ابن عمه، وهو كما قال فلعله كان أسن منه. قوله: "فاستخرجته بعد ستة أشهر" أي من يوم دفنه وهذا يخالف في الظاهر ما وقع في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبرهما، وكانا في قبر واحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة، وقد جمع بينهما ابن عبد البر بتعدد القصة، وفيه نظر لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر وحده بعد ستة أشهر وفي حديث الموطأ أنهما وجدا في قبر واحد بعد ست وأربعين سنة، فإما أن يكون المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد، وقد ذكر ابن إسحاق القصة في المغازي فقال: "حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما -يعني عمرا وعبد الله- وعليهما بردتان قد غطي بهما وجوههما وعلى أقدامهم شيء من نبات الأرض، فأخرجناهما يتثنيان تثنيا كأنهما دفنا بالأمس". وله شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر. قوله: "فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه" وقال عياض في رواية أبي السكن والنسفي "غير هنية في أذنه" وهو الصواب بتقديم "غير" وزيادة "في" وفي الأول تغيير، قال ومعنى قوله: "هنية"

(3/216)


أي شيئا يسيرا، وهو بنون بعدها تحتانية مصغرا، وهو تصغير "هنة" أي شيء، فصغره لكونه أثرا يسيرا انتهى. وقد قال الإسماعيلي عقب سياقه بلفظ الأكثر. إنما هو "عند1". قلت: وكدا وقع في رواية أبي ذر عن الكشميهني، لكن يبقى في الكلام نقص، ويبينه ما في رواية ابن أبي خيثمة والطبراني من طريق غسان بن مضر عن أبي سلمة بلفظ: "وهو كيوم دفنته، إلا هنية عند أذنه" وهو موافق من حيث المعني لرواية ابن السكن التي صوبها عياض. وجمع أبو نعيم في روايته من طريق أبي الأشعث بين لفظ: "غير" ولفظ: "عند" فقال: "غير هنية عند أذنه" ووقع في رواية الحاكم المشار إليها "فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه" سقط منها لفظ: "هنية" وهو مستقيم المعنى. وكذلك ذكره الحميدي في "الجمع" في أفراد البخاري، والمراد بالأذن بعضها. وحكى ابن التين أنه في روايته بفتح الهاء وسكون التحتانية بعدها همزة ثم مثناة منصوبة ثم هاء الضمير، أي على حالته. وقد أخرجه ابن السكن من طريق شعبة عن أبي مسلمة2 بلفظ: "غير أن طرف أذن أحدهم تغير"، ولابن سعد من طريق أبي هلال عن أبي مسلمة "إلا قليلا من شحمة أذنه" ولأبي داود من طريق حماد بن زيد عن أبي مسلمة "إلا شعرات كن من لحيته مما يلي الأرض" ويجمع بين هذه الرواية وغيرها بأن المراد الشعرات التي تتصل بشحمة الأذن، وأفادت هذه الرواية سبب تغير ذلك دون غيره، ولا يعكر على ذلك ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن محمد بن المنكدر عن جابر "أن أباه قتل يوم أحد ثم مثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه" الحديث، وأصله في مسلم، لأنه محمول على أنهم قطعوا بعض أذنيه لا جميعهما والله أعلم. قوله: "عن ابن أبي نجيح عن عطاء" كذا للأكثر، وحكى أبو علي الجياني أنه وقع عند أبي علي بن السكن "عن مجاهد" بدل "عطاء" قال: والذي رواه غيره أصح. قلت: وكذا أخرجه ابن سعد والنسائي والإسماعيلي وآخرون كلهم من طريق سعيد بن عامر بالسند المذكور فيه وهو الصواب. وفي قصة والد جابر من الفوائد: الإرشاد إلى بر الأولاد بالآباء خصوصا بعد الوفاة، والاستعانة على ذلك بإخبارهم بمكانتهم من القلب. وفيه قوة إيمان عبد الله المذكور لاستثنائه النبي صلى الله عليه وسلم ممن جعل ولده أعز عليه منهم. وفيه كرامته بوقوع الأمر على ما ظن، وكرامته بكون الأرض لم تبل جسده مع لبثه فيها، والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة. وفيه فضيلة لجابر لعمله بوصية أبيه بعد موته في قضاء دينه كما سيأتي بيانه في مكانه.
ـــــــ
1 أي "عند أذنه" بدل "غير أذنه" لكنه لايتم بها الكلام كما قال الشارح, والله أعلم
2 في المخطوطة: عن أبي سلمة

(3/217)


78 - باب اللَّحْدِ وَالشَّقِّ فِي الْقَبْرِ
1353 -حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ فَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ"
قوله: "باب اللحد والشق في القبر" أورد فيه حديث جابر في قصة قتلى أحد وليس فيه للشق ذكر. قال ابن رشيد: قوله في حديث جابر "قدمه في اللحد" ظاهر في أن الميتين جميعا في اللحد، ويحتمل أن يكون المقدم في اللحد

(3/217)


والذي يليه في الشق لمشقة الحفر في الجانب لمكان اثنين، وهذا يؤيد ما تقدم توجيهه أن المراد بقوله: "فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة" أي شقت بينهما، ويحتمل أن يكون ذكر الشق في الترجمة لينبه على أن اللحد أفضل منه، لأنه الذي وقع دفن الشهداء فيه مع ما كانوا فيه من الجهد والمشقة، فلولا مزيد فضيلة فيه ما عانوه. وفي السنن لأبي داود وغيره من حديث ابن عباس مرفوعا: "اللحد لنا والشق لغيرنا" وهو يؤيد فضيلة اللحد على الشق. والله أعلم.

(3/218)


باب إذا أسلم الصبي ومات هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟
...
79 - باب إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلاَمُ؟
وَقَالَ الْحَسَنُ وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَالْوَلَدُ مَعَ الْمُسْلِمِ
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعَ أُمِّهِ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ
وَقَالَ الإِسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى
1354 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ "أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لابْنِ صَيَّادٍ: " تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَضَهُ وَقَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ فَقَالَ لَهُ مَاذَا تَرَى قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ فَقَالَ اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ"
[الحديث 1354 – أرافه في: 3055, 6173, 6618]
1355 - وَقَالَ سَالِمٌ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ "انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ يَعْنِي فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ أَوْ زَمْرَةٌ فَرَأَتْ أمُّ ابْنِ صَيّادٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لِابْنِ صَيَّادٍ يَا صَافِ وَهُوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ هَذَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ" وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ فَرَفَصَهُ رَمْرَمَةٌ أَوْ زَمْزَمَةٌ وَقَالَ إِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ وَعُقَيْلٌ رَمْرَمَةٌ وَقَالَ مَعْمَرٌ رَمْزَةٌ
[الحديث 1355 – أطرافه في: 2638, 3033, 3056, 6174]

(3/218)


1356 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: " أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ"
[الحديث 1356 – طرفه في: 5675]
1357 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنْ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنْ النِّسَاءِ"
1358 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلاَمِ يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلاَمَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلاَمِ إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ وَلاَ يُصَلَّى عَلَى مَنْ لاَ يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحَدِّثُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ "ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الْآيَةَ
[الحديث 1358 – أطرافه 1359, 1385, 4775, 6577]
1359 - حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ؟ ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}
قوله: "باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام"؟ هذه الترجمة معقودة لصحة إسلام الصبي، وهي مسألة اختلاف كما سنبينه. وقوله: "وهل يعرض عليه "ذكره هنا بلفظ الاستفهام، وترجم في كتاب الجهاد بصيغة تدل على الجزم بذلك فقال: "وكيف يعرض الإسلام على الصبي"؟ وكأنه لما أقام الأدلة هنا على صحة إسلامه استغنى بذلك وأفاد هناك ذكر الكيفية. قوله: "وقال الحسن إلخ" أما أثر الحسن فأخرجه البيهقي من طريق محمد بن نصر أظنه في كتاب الفرائض له قال: "حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا يزيد بن زريع عن يونس عن الحسن في الصغير؟ قال: مع المسلم من والديه. وأما أثر إبراهيم فوصله عبد الرزاق عن معمر عن مغيرة عن إبراهيم قال في نصرانيين بينهما ولد صغير فاسلم أحدهما؟ قال: أولاهما به المسلم. وأما أثر شريح فأخرجه البيهقي بالإسناد

(3/219)


المذكور إلى يحيى بن يحيى "حدثنا هشيم عن أشعث عن الشعبي عن شريح أنه اختصم إليه في صبي أحد أبويه نصراني، قال: الوالد المسلم أحق بالولد". وأما أثر قتادة فوصله عبد الرزاق عن معمر عنه نحو قول الحسن. قوله: "وكان ابن عباس مع أمه من المستضعفين" وصله المصنف في الباب من حديثه بلفظ كنت أنا وأمي من المستضعفين، واسم أمه لبابة بنت الحارث الهلالية. قوله: "ولم يكن مع أبيه على دين قومه" هذا قاله المصنف تفقها، وهو مبني على أن إسلام العباس كان بعد وقعة بدر، وقد اختلف في ذلك فقيل: أسلم قبل الهجرة وأقام بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك لمصلحة المسلمين، روى ذلك ابن سعد من حديث ابن عباس، وفي إسناده الكلبي وهو متروك. ويرده أن العباس أسر ببدر، وقد فدى نفسه كما سيأتي في المغازي واضحا، ويرده أيضا أن الآية التي في قصة المستضعفين نزلت بعد بدر بلا خلاف، فالمشهور أنه أسلم قبل فتح خيبر، ويدل عليه حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط كما أخرجه أحمد والنسائي، وروى ابن سعد من حديث ابن عباس أنه هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ورده بقصة الحجاج المذكور، والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة وقدم مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهد الفتح والله أعلم. قوله: "وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى" كذا في جميع نسخ البخاري لم يعين القائل، وكنت أظن أنه معطوف على قول ابن عباس فيكون من كلامه، ثم لم أجده من كلامه بعد التتبع الكثير، ورأيته موصولا مرفوعا من حديث غيره أخرجه الدارقطني ومحمد بن هرون الروياني في مسنده من حديث عائذ بن عمرو المزني بسند حسن، ورويناه في "فوائد أبي يعلى الخليلي" من هذا الوجه وزاد في أوله قصة وهي أن عائذ بن عمرو جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حرب، فقال الصحابة: هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عائد بن عمرو وأبو سفيان، الإسلام أعز من ذلك، الإسلام يعلو ولا يعلى. وفي هذه القصة أن للمبدأ به في الذكر تأثيرا في الفضل لما يفيده من الاهتمام، وليس فيه حجة على أن الواو ترتب. ثم وجدته من قول ابن عباس كما كنت أظن ذكره ابن حزم في المحلى قال: ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إذا أسلمت اليهودية أو النصرانية تحت اليهودي أو النصراني يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى". حديث ابن عمر في قصة ابن صياد وسيأتي الكلام عليه مستوفى في الباب المشار إليه في الجهاد، ومقصود البخاري منه الاستدلال هنا بقوله صلى الله عليه وسلم لابن صياد "أتشهد أني رسول الله"؟ وكان إذ ذاك دون البلوغ قوله: "أطم" بضمتين بناء كالحصن. و "مغالة" بفتح الميم والمعجمة الخفيفة بطن من الأنصار، وابن صياد في رواية أبي ذر صائد وكلا الأمرين كان يدعى به، وقوله: "فرفضه" للأكثر بالضاد المعجمة أي تركه، قال الزين بن المنير: أنكرها القاضي. ولبعضهم بالمهملة أي دفعه برجله، قال عياض: كذا في رواية أبي ذر عن غير المستملي ولا وجه لها. قال المازري: لعله رفسه بالسين المهملة أي ضربه برجله، قال عياض: لم أجد هذه اللفظة في جماهير اللغة يعني بالصاد، قال: وقد وقع في رواية الأصيلي بالقاف بدل الفاء. وفي رواية عبدوس "فوقصه" بالواو والقاف، وقوله: "وهو يختل" بمعجمة ساكنة بعدها مثناة مكسورة أي يخدعه، والمراد أنه كان يريد أن يستغفله ليسمع كلامه وهو لا يشعر. قوله: "له فيها رمزة أو زمرة" كذا للأكثر على الشك في تقديم الراء على الزاي أو تأخيرها، ولبعضهم "زمزمة أو رمرمة" على الشك هل هو بزايين أو براءين مع زيادة ميم فيهما، ومعاني هذه الكلمات المختلفة متقاربة، فأما التي بتقديم الراء وميم واحدة فهي فعلة من الرمز وهو الإشارة، وأما التي بتقديم الزاي كذلك فمن

(3/220)


الزمر والمراد حكاية صوته، وأما التي بالمهملتين وميمين فأصله من الحركة وهي هنا بمعني الصوت الخفي، وأما التي بالمعجمتين كذلك فقال الخطابي: هو تحريك الشفتين بالكلام. وقال غيره: وهو كلام العلوج وهو صوت يصوت من الخياشيم والحلق. قوله: "فثار ابن صياد" أي قام كذا للأكثر، وللكشميهني: "فثاب" بموحدة أي رجع عن الحالة التي كان فيها. قوله: "وقال شعيب زمزمة فرفصه" في رواية أبي ذر بالزايين وبالصاد المهملة. وفي رواية غيره: "وقال شعيب في حديثه فرفصه زمزمة أو رمرمة" بالشك. وسيأتي في الأدب موصولا من هذا الوجه بالشك، لكن فيه: "فرصه" بغير فاء وبالتشديد، وذكر الخطابي في غريبه بمهملة أي ضغطه وضم بعضه إلى بعض. قوله: "وقال إسحاق الكلبي وعقيل رمرمة" يعني بمهملتين "وقال معمر رمزة" يعني براء ثم زاي، أما رواية إسحاق فوصلها الذهلي في الزهريات وسقطت من رواية المستملي والكشميهني وأبي الوقت، وأما رواية عقيل فوصلها المصنف في الجهاد وكذا رواية معمر. "كان غلام يهودي يخدم" لم أقف في شيء من الطرق الموصولة على تسميته، إلا أن ابن بشكوال ذكر أن صاحب "العتبية" حكى عن زياد شيطون أن اسم هذا الغلام عبد القدوس، قال: وهو غريب ما وجدته عند غيره. قوله: "وهو عنده" في رواية أبي داود "عند رأسه" أخرجه عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه، وكذا للإسماعيلي عن أبي خليفة عن سليمان. قوله: "فأسلم" في رواية النسائي عن إسحاق بن راهويه عن سليمان المذكور فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله". قوله: "أنقذه من النار" في رواية أبي داود وأبي خليفة "أنقذه بي من النار " وفي الحديث جواز استخدام المشرك، وعيادته إذا مرض، وفيه حسن العهد، واستخدام الصغير، وعرض الإسلام على الصبي ولولا صحته منه ما عرضه عليه. وفي قوله: "أنقذه بي من النار" دلالة على أنه صح إسلامه، وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب1. وسيأتي البحث في ذلك من حديث سمرة الطويل في الرؤيا الآتي في "باب أولاد المشركين" في أواخر الجنائز. حديث ابن عباس "كنت أنا وأمي من المستضعفين" وقد تقدم الكلام عليه في الترجمة. حديث أبي هريرة في أن كل مولود يولد على الفطرة، أخرجه من طريق ابن شهاب عن أبي هريرة منقطعا، ومن طريق آخر عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فالاعتماد في المرفوع على الطريق الموصولة، وإنما أورد المنقطعة لقول ابن شهاب الذي استنبطه من الحديث، وقول ابن شهاب "لغية" بكسر اللام والمعجمة وتشديد التحتانية أي من زنا، ومراده أنه يصلى على ولد الزنا ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه لأنه محكوم بإسلامه تبعا لأمه، وكذلك من كان أبوه مسلما دون أمه. وقال ابن عبد البر: لم يقل أحد إنه لا يصلى على ولد الزنا إلا قتادة وحده، واختلف في الصلاة على الصبي فقال سعيد بن جبير: لا يصلى عليه حتى يبلغ، وقيل حتى يصلي. وقال الجمهور: يصلى عليه حتى السقط إذا استهل2. وقد تقدم في "باب قراءة فاتحة الكتاب" ما يقال في الصلاة على جنازة الصبي، ودخل في قوله: "كل مولود" السقط
ـــــــ
1 في هذه الفائدة نظر لأنه ليس في الحديث المذكور دلالة صريحة على أن الغلام المذكور لم يبلغ, وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "رفع القلم عن ثلاثة" وذكر منهم "الصغير حتى يبلغ" والله أعلم
2 الصواب شرعية الصلاة عليه وإن لم يستهل, إذا كان قد نفخ فيه الروح, لعموم حديث "السقط يصلى عليه" وتقدم البحث في ذلك في ص 201, والله أعلم

(3/221)


فلذلك قيده بالاستهلال، وهذا مصير من الزهري إلى تسمية الزاني أبا لمن زنى بأمه فإنه يتبعه في الإسلام، وهو قول مالك، وسيأتي الكلام على المتن المرفوع وعلى ذكر الاختلاف على الزهري فيه في "باب أولاد المشركين" إن شاء الله تعالى.

(3/222)


80 - باب إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ
1360حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ "أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَبِي طَالِبٍ: "يَا عَمِّ قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّه"ِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ" فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَمَا وَاللَّهِ لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ [113التوبة]: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآيَةَ"
[الحديث 1360 – أطرافه في: 3884, 4675, 4772, 6681]
قوله: "باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله" قال الزين بن المنير: لم يأت بجواب إذا لأنه صلى الله عليه وسلم لما قال لعمه "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها" كان محتملا لأن يكون ذلك خاصا به، لأن غيره إذا قالها وقد أيقن بالوفاة لم ينفعه. ويحتمل أن يكون ترك جواب إذا ليفهم الواقف عليه أنه موضع تفصيل وفكر، وهذا هو المعتمد. حديث سعيد بن المسيب عن أبيه أورده المصنف في قصة أبي طالب عند موته، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في تفسير براءة. وقوله في هذه الطريق "ما لم أنه عنه" أي الاستغفار. وفي رواية الكشميهني: "عنك". وقوله: "فأنزل الله فيه الآية" يعني قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} الآية كما سيأتي. وقد ثبت لغير أبي ذر "فأنزل الله فيه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآية.

(3/222)


باب الجريدة على القبر
...
81 - باب الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ.
وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ انْزِعْهُ يَا غُلاَمُ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ
وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ
1361 - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ

(3/222)


82 - باب مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ
{يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ} الأَجْدَاثُ الْقُبُورُ {بُعْثِرَتْ} أُثِيرَتْ بَعْثَرْتُ حَوْضِي أَيْ جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلاَهُ الإِيفَاضُ الإِسْرَاعُ وَقَرَأَ الأَعْمَشُ {إِلَى نُصُبٍ} إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ يَوْمُ الْخُرُوجِ مِنْ الْقُبُورِ {يَنْسِلُونَ} يَخْرُجُونَ
1362 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلاَ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الآيَةَ"
[الحديث 1362 – أطرافه في: 4945, 4946, 4947, 4948, 4949, 6217, 6605, 7552]
قوله: "باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله" كأنه يشير إلى التفصيل بين أحوال القعود، فإن كان لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لم يكره، ويحمل النهي الوارد عن ذلك على ما يخالف ذلك. قوله:" {يَخْرُجُونَ مِنَ

(3/225)


الأَجْدَاثِ} : الأجداث القبور" أي المراد بالأجداث في الآية القبور. وقد وصله ابن أبي حاتم وغيره من طريق قتادة والسدي وغيرهما، واحدها جدث بفتح الجيم والمهملة. قوله: {بُعْثِرَتْ} : أثيرت. بعثرت حوضي: جعلت أسفله أعلاه" هذا كلام أبي عبيدة في "كتاب المجاز". وقال السدي: بعثرت أي حركت، فخرج ما فيها. رواه ابن أبي حاتم. قوله: "الإيفاض" بياء تحتانية ساكنة قبلها كسرة وبفاء ومعجمة "الإسراع" كذا قال الفراء في "المعاني". وقال أبو عبيدة: يوفضون أي يسرعون. قوله: "وقرأ الأعمش: إلى نصب" يعني بفتح النون كذا للأكثر. وفي رواية أبي ذر بالضم، والأول أصح. وكذا ضبطه الفراء عن الأعمش في "كتاب المعاني" وهي قراءة الجمهور. وحكى الطبراني أنه لم يقرأه بالضم ألا الحسن البصري. وقد حكى الفراء عن زيد بن ثابت ذلك، ونقلها غيره عن مجاهد وأبي عمران الجوني. وفي "كتاب السبعة" لابن مجاهد: قرأها ابن عامر بضمتين، يعني بلفظ الجمع. وكذا قرأها حفص عن عاصم. ومن هنا يظهر سبب تحصيص الأعمش بالذكر لأنه كوفي، وكذا عاصم ففي انفراد حفص عن عاصم بالضم شذوذ. قال أبو عبيدة: النصب بالفتح هو العلم الذي نصبوه ليعبدوه، ومن قرأ نصب بالضم فهي جماعة مثل رهن ورهن. قوله: "يوفضون إلى شيء منصوب: يستبقون" قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا مسلم بن إبراهيم عن قرة عن الحسن في قوله: {إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} أي يبتدرون أيهم يستلمه أول. قوله: "والنصب واحد والنصب مصدر" كذا وقع فيه، والذي في "المعاني للفراء" النصب والنصب واحد وهو مصدر والجمع الأنصاب. وكأن التغيير من بعض النقلة. قوله: "يوم الخروج من قبورهم" أي خروج أهل القبور من قبورهم. قوله: "وينسلون يخرجون" كذا أورده عبد بن حميد وغيره عن قتادة، وسيأتي له معنى آخر إن شاء الله تعالى. وفي نسخة الصغاني بعد قوله: {يَخْرُجُونَ} : من النسلان. وهذه التفاسير أوردها لتعلقها بذكر القبر استطرادا، ولها تعلق بالموعظة أيضا. وقال الزين بن المنير: مناسبة إيراد هذه الآيات في هذه الترجمة للإشارة إلى أن المناسب لمن قعد عند القبر إن يقصر كلامه على الإنذار بقرب المصير إلى القبور ثم إلى النشر لاستيفاء العمل. ثم أورد المصنف حديث علي بن أبي طالب أورده المصنف مرفوعا: "ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار" الحديث. وسيأتي مبسوطا في تفسير {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} ، وهو أصل عظيم في إثبات القدر. وقوله فيه: "اعملوا" جرى مجرى أسلوب الحكيم، أي الزموا ما يجب على العبد من العبودية، ولا تتصرفوا في أمر الربوبية. وعثمان شيخه هو ابن أبي شيبة، وجرير هو ابن عبد الحميد. وموضع الحاجة منه "فقعد وقعدنا حوله". وقوله: "فقال رجل" هو عمر أو غيره كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

(3/226)


83 - باب مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ
1363 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ"
[الحديث 1363 – أطرافه في: 4171, 4843, 6047, 6652]
1364 - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الْحَسَنِ "حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذَا

(3/226)


الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ اللَّهُ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"
[الحديث 1364 – طرفه في: ]
1365 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ"
قوله: "باب ما جاء في قاتل النفس" قال ابن رشيد: مقصود الترجمة حكم قاتل النفس. والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه، فهو أخص من الترجمة، ولكنه أراد أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب الأولى، لأنه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يتعد ظلم نفسه ثبت فيه الوعيد الشديد فأولى من ظلم غيره بإفاتة نفسه. قال ابن المنير في الحاشية: عادة البخاري إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمة كأنه ينبه على طريق الاجتهاد. وقد نقل عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته، ومقتضاه أن لا يصلى عليه، وهو نفس قول البخاري. قلت: لعل البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن1 من حديث جابر بن سمرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه" وفي رواية للنسائي: "أما أنا فلا أصلي عليه" ، لكنه لما لم يكن على شرطه أومأ إليه بهذه الترجمة وأورد فيها ما يشبهه من قصة قاتل نفسه. ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث:أحدها حديث ثابت بن الضحاك فيمن قتل نفسه بحديدة، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في الأيمان والنذور، وخالد المذكور في إسناده هو الحذاء. ثانيها حديث جندب، هو ابن عبد الله البجلي قال فيه: "قال حجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم" وقد وصله في ذكر بني إسرائيل فقال: "حدثنا محمد حدثنا حجاج بن منهال" فذكره. وهو أحد المواضع التي يستدل بها على أنه ربما علق عن بعض شيوخه ما بينه وبينه فيه واسطة، لكنه أورده هنا مختصرا وأورده هناك مبسوطا فقال في أوله "كان فيمن كان قبلكم رجل" وقال فيه: "فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات" وسيأتي الكلام عليه مستوفى هناك، ولم أقف على تسمية هذا الرجل. حديث أبي هريرة مرفوعا: "الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار " وهو من أفراد البخاري من هذا الوجه، وقد أخرجه أيضا في الطب من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مطولا، ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم وليس فيه ذكر الخنق، وفيه من الزيادة ذكر السم وغيره ولفظه: " فهو في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" وقد تمسك به المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار، وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة: منها توهيم هذه الزيادة، قال الترمذي بعد أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلم يذكر "خالدا مخلدا" وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يشير إلى رواية الباب قال: وهو أصح لأن الروايات قد صحت أن أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون منها ولا يخلدون، وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحله، فإنه يصير باستحلاله كافرا والكافر مخلد بلا ريب. وقيل: ورد مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مرادة. وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه، لكن قد تكرم الله على الموحدين فأخرجهم من النار بتوحيدهم. وقيل: التقدير مخلدا فيها إلى أن يشاء الله. وقيل: المراد
ـــــــ
1 هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه باللفظ المذكور كما ذكره الشارح في بلوغ المرام. والله أعلم

(3/227)


بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام كأنه يقول يخلد مدة معينة، وهذأ أبعدها. وسيأتي له مزيد بسط عند الكلام على أحاديث الشفاعة إن شاء الله تعالى. واستدل بقوله: "الذي يطعن نفسه يطعنها في النار" على أن القصاص من القاتل يكون بما قتل به اقتداء بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه، وهو استدلال ضعيف1.
" تنبيه ": قوله في حديث الباب: "يطعنها" هو بضم العين المهملة كذا ضبطه في الأصول.
ـــــــ
1 هذا من الشارح غريب, والصواب أنه استدلال جيد, ويدل عليه قوله تعالى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وقوله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من رض رأس الهودي الذي رض رأس الجارية. والأدلة في ذلك كثيرة. والله أعلم

(3/228)


84 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ
رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1366 - حدثنا يحيى بن بكير حدثني الليث عن عقيل عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه قال: "لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على بن أبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا أعدد عليه قوله فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أخر عني يا عمر فلما أكثرت عليه قال إني خيرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها" قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً} إلى {فَاسِقُونَ} قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ والله ورسوله أعلم"
[الحديث 1366 – طرفه في: 4671]
قوله: "باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين" قال الزين بن المنير: عدل عن قوله كراهة الصلاة على المنافقين لينبه على أن الامتناع من طلب المغفرة لمن لا يستحقها، لا من جهة العبادة الواقعة من صورة الصلاة، فقد تكون العبادة طاعة من وجه معصية من وجه. والله أعلم. قوله: "رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم" كأنه يشير إلى حديثه في قصة الصلاة على عبد الله بن أبي أيضا، وقد تقدم في "باب القميص الذي يكف" ثم أورد المصنف الحديث المذكور من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب، وسيأتي من هذا الوجه أيضا في التفسير.

(3/228)


85 - باب ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ
1367 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا وَجَبَتْ قَالَ هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ

(3/228)


86 - باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى[الأنعام 93]: {إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} هُوَ الْهَوَانُ. وَالْهَوْنُ. الرِّفْقُ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ [التوبة 101]: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}
وَقَوْلُهُ تَعَالَى [غافر 45]: { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}
1369 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ

(3/231)


رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا وَزَادَ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ
[الحديث 1369 – طرفه في: 4699]
1370 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ قَالَ "اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ فَقَالَ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَقِيلَ لَهُ تَدْعُو أَمْوَاتًا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لاَ يُجِيبُونَ"
[الحديث 1370 – طرفاه في: 3980, 4026
1371 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "إِنَّمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الْآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى}
[الحديث 1371 – طرفاه في: 3979, 3981]
1372 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ سَمِعْتُ الأَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ فَقَالَتْ لَهَا أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ صَلَّى صَلاَةً إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ" زَادَ غُنْدَر:ٌ" عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ"
1373 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَقُولُ " قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا الْمَرْءُ فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً"
1374 - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولاَنِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا" قَالَ قَتَادَةُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ " وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ:

(3/232)


مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ"
قوله: "باب ما جاء في عذاب القبر" لم يتعرض المصنف في الترجمة لكون عذاب القبر يقع على الروح فقط أو عليها وعلى الجسد، وفيه خلاف شهير عند المتكلمين، وكأنه تركه لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين فلم يتقلد الحكم في ذلك واكتفى بإثبات وجوده، خلافا لمن نفاه مطلقا من الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو وبشر المريسي ومن وافقهما، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم وأكثروا من الاحتجاج له. وذهب بعض المعتزلة كالجياني إلى أنه يقع على الكفار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية ترد عليهم أيضا. قوله: "وقوله تعالى" بالجر عطفا على عذاب القبر، أي ما ورد في تفسير الآيات المذكورة. وكأن المصنف قدم ذكر هذه الآيات لينبه على ثبوت ذكره في القرآن، خلافا لمن رده وزعم أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الآحاد. فأما الآية التي في الأنعام فروى الطبراني وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} قال: هذا عند الموت، والبسط الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم انتهى. ويشهد له قوله تعالى في سورة القتال {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} وهذا وإن كان قبل الدفن فهو من جملة العذاب الواقع قبل يوم القيامة، وإنما أضيف العذاب إلى القبر لكون معظمه يقع فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، إلا فالكافر ومن شاء الله تعذيبه من العصاة يعذب بعد موته ولو لم يدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق إلا من شاء الله. قوله: "وقوله جل ذكره. {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} " وروى الطبري وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط أيضا من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: "خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان فإنك منافق " فذكر الحديث، وفيه: "ففضح الله المنافقين" فهذا العذاب الأول، والعذاب الثاني عذاب القبر. وريا أيضا من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه، ومن طريق محمد بن ثور عن معمر عن الحسن " {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} عذاب الدنيا وعذاب القبر "وعن محمد بن إسحاق قال: "بلغني" فذكر نحوه. وقال الطبري بعد أن ذكر اختلافا عن غير هؤلاء: والأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل أحد ما تقدم ذكره من الجوع أو السبي أو القتل أو الإذلال أو غير ذلك. قوله: "وقوله تعالى: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ} الآية" روى الطبري من طريق الثوري عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل قال: أرواح آل فرعون في طيور سود تغدو وتروح على النار فذلك عرضها. ووصله ابن أبي حاتم من طريق ليث عن أبي قيس فذكر عبد الله بن مسعود فيه، وليث ضعيف، وسيأتي بعد بابين في الكلام على حديث ابن عمر بيان أن هذا العرض يكون في الدنيا قبل يوم القيامة. قال القرطبي: الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر. وقال غيره: وقع ذكر عذاب الدارين في هذه الآية مفسرا مبينا، لكنه حجة على من أنكر عذاب القبر مطلقا لا على من خصه بالكفار. واستدل بها على أن الأرواح باقية بعد فراق الأجساد، وهو قول أهل السنة كما سيأتي. واحتج بالآية الأولى على أن النفس والروح شيء واحد لقوله تعالى: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} والمراد الأرواح، وهي مسألة مشهورة فيها أقوال كثيرة وستأتي الإشارة إلى شيء منها في التفسير عند قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ} الآية. ثم أورد المصنف في الباب ستة أحاديث. حديث

(3/233)


البراء في قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} وقد أورد المصنف في التفسير عن أبي الوليد الطيالسي عن شعبة، وصرح فيه بالإخبار بين شعبة وعلقمة، وبالسماع بين علقمة وسعد بن عبيدة. قوله: "إذا أقعد المؤمن في قبره أتي ثم شهد" في رواية الحموي والمستملي: "ثم يشهد" هكذا ساقه المصنف بهذا اللفظ، وقد أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة عن حفص بن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ أبين من لفظه قال: "أن المؤمن إذا شهد أن لا إله إلا الله وعرف محمدا في قبره فذلك قوله إلخ" وأخرجه ابن مردويه من هذا الوجه وغيره بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عذاب القبر فقال: إن المسلم إذا شهد أن لا إله إلا الله وعرف أن محمدا رسول الله" الحديث. قوله في الطريق الثانية "بهذا وزاد { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} نزلت في عذاب القبر" يوهم أن لفظ غندر كلفظ حفص وزيادة، وليس كذلك، وإنما هو بالمعنى، فقد أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه، والقدر الذي ذكره هو أول الحديث، وبقيته عندهم "يقال له من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد" ، والقدر المذكور أيضا أخرجه مسلم والنسائي من طريق خيثمة عن البراء، وقد اختصر سعد وخيثمة هذا الحديث جدا، لكن أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن خيثمة فزاد فيه: "إن كان صالحا وفق، وإن كان لا خير فيه وجد أبله" وفيه اختصار أيضا وقد رواه زاذان أبو عمر عن البراء مطولا مبينا أخرجه أصحاب السنن وصححه أبو عوانة وغيره وفيه من الزيادة في أوله "استعيذوا بالله من عذاب القبر" وفيه: "فترد روحه في جسده "وفيه: " فيأتيه ملكان فيجلسان فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له. ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت القرآن كتاب الله فآمنت به وصدقت. فذلك قوله تعالى : {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} " وفيه: " وأن الكافر تعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول هاه هاه لا أدري " الحديث. وسيأتي نحو هذا في حديث أنس سادس أحاديث الباب، ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى. قال الكرماني: ليس في الآية ذكر عذاب القبر، فلعله سمى أحوال العبد في قبره عذاب القبر تغليبا لفتنة الكافر على فتنة المؤمن لأجل التخويف، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملائكة مما يهاب منه ابن آدم في العادة. ثانيها حديث ابن عمر في قصة أصحاب القليب قليب بدر وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ما أنتم بأسمع لما أقول منهم "أورده هنا مختصرا، وسيأتي مطولا في المغازي. وصالح المذكور في الإسناد هو ابن كيسان. ثالثها حديث عائشة قالت: "إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنهم ليعلمون الآن ما أن كنت أقول لهم حق" وهذا مصير من عائشة إلى رد رواية بن عمر المذكورة. وقد خالفها الجمهور في ذلك وقبلوا حديث ابن عمر لموافقة من رواه غيره عليه. وأما استدلالها بقوله تعالى: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} فقالوا معناها لا تسمعهم سماعا ينفعهم، أو لا تسمعهم إلا أن يشاء الله. وقال السهيلي: عائشة لم تحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قالوا له "يا رسول الله أتخاطب قوما قد جيفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين إما بآذان رءوسهم كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح على رأي من يوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع إلى الجسد. قال: وأما الآية فإنها كقوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ} أي إن الله هو الذي يسمع ويهدي انتهى. وقوله: إنها لم تحضر صحيح، لكن لا يقدح ذلك في روايتها لأنه مرسل صحابي وهو محمول على أنها سمعت

(3/234)


ذلك ممن حضره أو من النبي صلى الله عليه وسلم بعد، ولو كان ذلك قادحا في روايتها لقدح في رواية ابن عمر فإنه لم يحضر أيضا، ولا مانع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال اللفظين معا فإنه لا تعارض بينهما. وقال ابن التين. لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية لأن الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع كقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} الآية، وقوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} الآية. وسيأتي في المغازي قول قتادة: إن الله أحياهم حتى سمعوا كلام نبيه توبيخا ونقمة انتهى. وقد أخذ ابن جرير وجماعة من الكرامية من هذه القصة أن السؤال في القبر يقع على البدن فقط، وأن الله يخلق فيه إدراكا بحيث يسمع ويعلم ويلذ ويألم. وذهب ابن حزم وابن هبيرة إلى أن السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد، وخالفهم الجمهور فقالوا: تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث، ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه، لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه. والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه من إقعاد ولا غيره، ولا ضيق في قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب. وجوابهم أن ذلك غير ممتنع في القدرة، بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وألما لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألما أو لذة لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يدرك ذلك جليسه، وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد وأحوال ما بعد الموت على ما قبله، والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم إبقاء عليهم لئلا يتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت إلا من شاء الله. وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور كقوله: "أنه ليسمع خفق نعالهم " وقوله: "تختلف أضلاعه لضمة القبر " وقوله: "يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق" وقوله: "يضرب بين أذنيه" وقوله: "فيقعدانه" وكل ذلك من صفات الأجساد. وذهب أبو الهذيل ومن تبعه إلى أن الميت لا يشعر بالتعذيب ولا بغيره إلا بين النفختين، قالوا وحاله كحال النائم والمغشي عليه لا يحس بالضرب ولا بغيره إلا بعد الإفاقة، والأحاديث الثابتة في السؤال حالة تولي أصحاب الميت عنه ترد عليهم.
" تنبيه ": وجه إدخال حديث ابن عمر وما عارضه من حديث عائشة في ترجمة عذاب القبر أنه لما ثبت من سماع أهل القليب وتوبيخه لهم دل إدراكهم الكلام بحاسة السمع على جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس بل بالذات إذ الجامع بينهما وبين بقية الأحاديث أن المصنف أشار إلى طريق من طرق الجمع بين حديثي ابن عمر وعائشة بحمل حديث ابن عمر على أن مخاطبة أهل القليب وقعت وقت المسألة وحينئذ كانت الروح قد أعيدت إلى الجسد، وقد تبين من الأحاديث الأخرى أن الكافر المسئول يعذب، وأما إنكار عائشة فمحمول على غير وقت المسألة فيتفق الخبران. ويظهر من هذا التقرير وجه إدخال حديث ابن عمر في هذه الترجمة والله أعلم. قوله: "سمعت الأشعث" هو ابن أبي الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي. قوله: "أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر" وقع في رواية أبي وائل عن مسروق عند المصنف في الدعوات "دخلت عجوزان من عجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم" وهو محمول على أن إحداهما تكلمت وأقرتها الأخرى على ذلك فنسبت القول إليهما مجازا، والإفراد يحمل على المتكلمة. ولم أقف على اسم واحدة منهما. وزاد في رواية أبي وائل "فكذبتهما" ووقع عند مسلم من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: "دخلت علي امرأة من اليهود وهي

(3/235)


تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور. قال: فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنما يفتن يهود. قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل شعرت أنه أوحي إلى أنكم تفتنون في القبور. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من عذاب القبر" وبين هاتين الروايتين مخالفة، لأن في هذه أنه صلى الله عليه وسلم أنكر على اليهودية، وفي الأولى أنه أقرها. قال النووي تبعا للطحاوي وغيره: هما قصتان، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم قول اليهودية في القصة الأولى، ثم أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ولم يعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة فذكرت لها ذلك فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوحي نزل بإثباته انتهى. وقال الكرماني: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ سرا فلما رأى استغراب عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية أعلن به انتهى. وكأنه لم يقف على رواية الزهري عن عروة التي ذكرناها عن صحيح مسلم، وقد تقدم في "باب التعوذ من عذاب القبر" في الكسوف من طريق عمرة عن عائشة "أن يهودية جاءت تسألها فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عائذا بالله من ذلك. ثم ركب ذات غداة مركبا فخسفت الشمس" فذكر الحديث، وفي آخره: "ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر" وفي هذه موافقة لرواية الزهري وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن علم بذلك. وأصرح منه ما رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأموي عن عائشة "أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر. قالت: فقلت: يا رسول الله هل للقبر عذاب؟ قال: كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة. ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق" وفي هذا كله أنه صلى الله عليه وسلم إنما علم بحكم عذاب القير إذ هو بالمدينة في آخر الأمر كما تقدم تاريخ صلاة الكسوف في موضعه. وقد استشكل ذلك بأن الآية المتقدمة مكية وهي قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ} وكذلك الآية الأخرى المتقدمة وهي قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم من حق من لم يتصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حق آل فرعون وإن التحق بهم من كان له حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين، ثم أعلم صلى الله عليه وسلم أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم فجزم به وحذر منه وبالغ في الاستعاذة منه تعليما لأمته وإرشادا، فانتفى التعارض بحمد الله تعالى. وفيه دلالة على أن عذاب القبر ليس بخاص بهذه الأمة بخلاف المسألة ففيها اختلاف سيأتي ذكره آخر الباب. قوله: "قال نعم عذاب القبر" كذا للأكثر، زاد في رواية الحموي والمستملي: "حق" وليس بجيد لأن المصنف قال عقب هذه الطريق: زاد غندر "عذاب القبر حق" فتبين أن لفظ: "حق" ليست في رواية عبدان عن أبيه عن شعبة، وأنها ثابتة في رواية غندر عن شعبة وهو كذلك. وقد أخرج طريق غندر النسائي والإسماعيلي كذلك وكذلك أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة.
" تنبيه ": وقع قوله: "زاد غندر إلخ" في رواية أبي ذر وحده، ووقع ذلك في بعض النسخ عقب حديث أسماء بنت أبي بكر وهو غلط. أورده مختصرا جدا بلفظ: "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة" وهو مختصر، وقد ساقه النسائي والإسماعيلي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري فزاد بعد قوله ضجة "حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سكت

(3/236)


ضجيجهم قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر كلامه؟ قال قال: قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريبا من فتنة الدجال" انتهى. وقد تقدم هذا الحديث في كتاب العلم وفي الكسوف من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء بتمامه، وفيه من الزيادة "يؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل" الحديث، فلم يبين فيه ما بين في هذه الرواية من تفهيم الرجل المذكور لأسماء فيه. وأخرجه في كتاب الجمعة من طريق فاطمة أيضا وفيه أنه "لما قال أما بعد لغط نسوة من الأنصار، وأنها ذهبت لتسكتهن فاستفهمت عائشة عما قال" فيجمع بين مختلف هذه الروايات أنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين، وأنه لما حدثت فاطمة لم تبين لها الاستفهام الثاني. ولم أقف على اسم الرجل الذي استفهمت منه عن ذلك إلى الآن. ولأحمد من طريق محمد بن المنكدر عن أسماء مرفوعا: "إذا دخل الإنسان قبره فإن كان مؤمنا احتف به عمله فيأتيه الملك فترده الصلاة والصيام، فيناديه الملك: اجلس، فيجلس فيقول: ما تقول في هذا الرجل محمد؟ قال: أشهد أنه رسول الله. قال: على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث" الحديث. وسيأتي الكلام عليه مستوفى في الحديث الذي يليه. وقد تقدم الكلام على بقية فوائد حديث أسماء في كتاب العلم، ووقع في بعض النسخ هنا "زاد غندر عذاب القبر" وهو غلط لأن هذا إنما هو في آخر حديث عائشة الذي قبله، وأما حديث أسماء فلا رواية لغندر فيه. حديث أنس قد تقدم بهذا الإسناد في "باب خفق النعال" وعبد الأعلى المذكور فيه هو ابن عبد الأعلى السامي بالمهملة البصري، وسعيد هو ابن أبي عروبة. قوله: "إن العبد إذا وضع في قبره" كذا وقع عنده مختصرا، وأوله عند أبي داود من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بهذا السند "أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دخل نخلا لبني النجار، فسمع صوتا ففزع فقال: من أصحاب هذه القبور؟ قالوا: يا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية. فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر ومن فتنة الدجال. قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إن العبد" فذكر الحديث، فأفاد بيان سبب الحديث قوله: "وإنه ليسمع قرع نعالهم" زاد مسلم: "إذا انصرفوا" وفي رواية له "يأتيه ملكان" زاد ابن حبان والترمذي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة "أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير" وفي رواية ابن حبان: "يقال لهما منكر ونكير" زاد الطبراني في الأوسط من طريق أخرى عن أبي هريرة "أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد" ونحوه لعبد الرزاق من مرسل عمرو بن دينار وزاد: "يحفران بأنيابهما ويطآن في أشعارهما، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها "وأورد ابن الجوزي في "الموضوعات" حديثا فيه: "أن فيهم رومان وهو كبيرهم" وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذين يسألان المذنب منكر ونكير، وأن اسم اللذين يسألان المطيع مبشر وبشير. قوله: "فيقعدانه" زاد في حديث البراء فتعاد روحه في جسده كما تقدم في أول أحاديث الباب، وزاد ابن حبان من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة "فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه. فيقال له: اجلس، فيجلس وقد مثلت له الشمس عند الغروب" زاد ابن ماجه من حديث جابر "فيجلس فيمسح عينيه ويقول: دعوني أصلي". قوله: "فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد" زاد أبو داود في أوله "ما كنت تعبد؟ فإن هداه الله قال: كنت أعبد الله. فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل" ولأحمد من حديث عائشة "ما هذا الرجل الذي كان فيكم" وله من حديث أبي سعيد "فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.

(3/237)


فيقال له: صدقت" زاد أبو داود "فلا يسأل عن شيء غيرهما" وفي حديث أسماء بنت أبي بكر المتقدم في العلم والطهارة وغيرهما: "فأما المؤمن أو الموقن فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا. فيقال له: نم صالحا" وفي حديث أبي سعيد عند سعيد بن منصور "فيقال له: نم نومة العروس، فيكون في أحلى نومة نامها أحد حتى يبعث" وللترمذي في حديث أبي هريرة "ويقال له: نم، فينام نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك" ولابن حبان وابن ماجه من حديث أبي هريرة وأحمد من حديث عائشة "ويقال له: على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله". قوله: "فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار" في رواية أبي داود "فيقال له: هذا بيتك كان في النار، ولكن الله عز وجل عصمك ورحمك فأبدلك الله به بيتا في الجنة. فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكت" وفي حديث أبي سعيد عند أحمد "كان هذا منزلك لو كفرت بربك" ولابن ماجه من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح "فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فتفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله "وسيأتي في أواخر الرقاق من وجه آخر عن أبي هريرة" لا يدخل أحد الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا" وذكر عكسه. قوله: "قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره" زاد مسلم من طريق شيبان عن قتادة "سبعون ذراعا، ويملأ خضرا إلى يوم يبعثون" ولم أقف على هذه الزيادة موصولة من حديث قتادة. وفي حديث أبي سعيد من وجه آخر عند أحمد "ويفسح له في قبره" وللترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة "فيفسح له في قبره سبعين ذراعا" زاد ابن حبان: "في سبعين ذراعا". وله من وجه آخر عن أبي هريرة "ويرحب له في قبره سبعون ذراعا، وينور له كالقمر ليلة البدر" وفي حديث البراء الطويل "فينادي مناد من السماء: إن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابا في الجنة وألبسوه من الجنة. قال فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له فيها مد بصره" زاد ابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة "فيزداد غبطة وسرورا، فيعاد الجلد إلى ما بدأ منه وتجعل روحه في نسم طائر يعلق في شجر الجنة"1. قوله: "وأما المنافق والكافر" كذا في هذه الطريق بواو العطف، وتقدم في "باب خفق النعال" بها "وأما الكافر أو المنافق" بالشك. وفي رواية أبي داود "وأن الكافر إذا وضع" وكذا لابن حبان من حديث أبي هريرة، وكذا في حديث البراء الطويل، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد "وإن كان كافرا أو منافقا" بالشك، وله في حديث أسماء "فإن كان فاجرا أو كافرا" وفي الصحيحين من حديثها "وأما المنافق أو المرتاب" وفي حديث جابر عند عبد الرزاق وحديث أبي هريرة عند الترمذي "وأما المنافق" وفي حديث عائشة عند أحمد وأبي هريرة عند ابن ماجه: "وأما الرجل السوء" وللطبراني من حديث أبي هريرة "وإن كان من أهل الشك" فاختلفت هذه الروايات لفظا وهي مجتمعة على أن كلا من الكافر والمنافق يسأل، ففيه تعقب على من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدعي الإيمان إن محقا وإن مبطلا، ومستندهم في ذلك ما رواه
ـــــــ
1 خرج الإمام أحمد عن كعب بن مالك أن النبيصلى الله عليه وسلم قال "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" قال الحافظ ابن كثير في اسناد هذا الحديث: إنه إسناد صحيح عزيز عظيم. قال: ومعنى "يعلق" أي يأكل .وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود مرفوعا "أرواح الشهداء في جوف طير العهد في خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت, ثم تأوي إلى تلك القناديل" الحديث. والله أعلم

(3/238)


عبد الرزاق من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين قال: "إنما يفتن رجلان: مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه" وهذا موقوف. والأحاديث الناصة على أن الكافر يسأل مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة فهي أولى بالقبول، وجزم الترمذي الحكيم بأن الكافر يسأل، واختلف في الطفل غير المميز فحزم القرطبي في التذكرة بأنه يسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يسأل، ومن ثم قالوا: لا يستحب أن يلقن. واختلف أيضا في النبي هل يسأل، وأما الملك فلا أعرف أحدا ذكره، والذي يظهر أنه لا يسأل لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يفتن، وقد مال ابن عبد البر إلى الأول وقال. الآثار تدل على أن الفتنة لمن كان منسوبا إلى أهل القبلة، وأما الكافر الجاحد فلا يسأل عن دينه. وتعقبه ابن القيم في "كتاب الروح" وقال: في الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم، قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} وفي حديث أنس في البخاري "وأما المنافق والكافر" بواو العطف، وفي حديث أبي سعيد "فإن كان مؤمنا -فذكره وفيه- وإن كان كافرا" وفي حديث البراء "وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا - فذكره وفيه - فيأتيه منكر ونكير" الحديث أخرجه أحمد هكذا، قال: وأما قول أبي عمر: فأما الكافر الجاحد فليس ممن يسأل عن دينه، فجوابه أنه نفي بلا دليل. بل في الكتاب العزيز الدلالة على أن الكافر يسأل عن دينه، قال الله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} وقال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} لكن للنافي أن يقول إن هذا السؤال يكون يوم القيامة. قوله: "فيقول لا أدري" في رواية أبي داود المذكورة " وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد" وفي أكثر الأحاديث "فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل" وفي حديث البراء "فيقولان له من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري" وهو أتم الأحاديث سياقا. قوله: " كنت أقول ما يقول الناس" في حديث أسماء "سمعت الناس يقولون شيئا فقلته" وكذا في أكثر الأحاديث. قوله: "لا دريت ولا تليت" كذا في أكثر الروايات بمثناة مفتوحة بعدها لام مفتوحة وتحتانية ساكنة، قال ثعلب: قوله: "تليت "أصله تلوت، أي لا فهمت ولا قرأت القرآن، والمعنى لا دريت ولا اتبعت من يدري، وإنما قاله بالياء لمؤاخاة دريت. وقال ابن السكيت: قوله: "تليت" إتباع ولا معنى لها، وقيل صوابه ولا ائتليت بزيادة همزتين قيل المثناة بوزن افتعلت من قولهم ما ألوت أي ما استطعت، حكي ذلك عن الأصمعي، وبه جزم الخطابي. وقال الفراء: أي قصرت كأنه قيل له لا دريت ولا قصرت في طلب الدارية ثم أنت لا تدري. وقال الأزهري. الألو يكون بمعنى الجهد وبمعنى التقصير وبمعنى الاستطاعة. وحكى ابن قتيبة عن يونس بن حبيب أن صواب الرواية: "لا دريت ولا أتليت" بزيادة ألف وتسكين المثناة كأنه يدعو عليه بأن لا يكون له من يتبعه، وهو من الإتلاء يقال ما أتلت إبله أي لم تلد أولادا يتبعونها. وقال: قول الأصمعي أشبه بالمعنى، أي لا دريت ولا استطعت أن تدري. ووقع عند أحمد من حديث أبي سعيد "لا دريت ولا اهتديت "وفي مرسل عبيد بن عمير عند عبد الرزاق "لا دريت ولا أفلحت". قوله: "بمطارق من حديد ضربة" تقدم في "باب خفق النعال" بلفظ: "بمطرقة" على الإفراد، وكذا هو في معظم الأحاديث. قال الكرماني: الجمع مؤذن بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة اه. وفي حديث البراء "لو ضرب بها جبل لصار

(3/239)


ترابا" وفي حديث أسماء "ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط ثمرته جمرة مثل غرب البعير تضربه ما شاء الله صماء لا تسمع صوته فترحمه" وزاد في أحاديث أبي سعيد وأبي هريرة وعائشة التي أشرنا إليها "ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت فإن الله أبدلك هذا، ويفتح له باب إلى النار" زاد في حديث أبي هريرة "فيزداد حسرة وثبورا، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه" ، في حديث البراء " فينادي مناد من السماء: أفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها" . قوله: "من يليه" قال المهلب: المراد الملائكة الذين يلون فتنته، كذا قال، ولا وجه لتخصيصه بالملائكة فقد ثبت أن البهائم تسمعه. وفي حديث البراء "يسمعه من بين المشرق والمغرب" وفي حديث أبي سعيد عند أحمد "يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين" وهذا يدخل فيه الحيوان والجماد، لكن يمكن أن يخص منه الجماد. ويؤيده أن في حديث أبي هريرة عند البزار "يسمعه كل دابة إلا الثقلين" والمراد بالثقلين الإنس والجن، قيل لهم ذلك لأنهم كالثقل على وجه الأرض. قال المهلب: الحكمة في أن الله يسمع الجن قول الميت قدموني ولا يسمعهم صوته إذا عذب بأن كلامه قبل الدفن متعلق بأحكام الدنيا وصوته إذا عذب في القبر متعلق بأحكام الآخرة، وقد أخفى الله على المكلفين أحوال الآخرة إلا من شاء الله إبقاء عليهم كما تقدم. وقد جاء في عذاب القبر غير هذه الأحاديث: منها عن أبي هريرة وابن عباس وأبي أيوب وسعد وزيد بن أرقم وأم خالد في الصحيحين أو أحدهما، وعن جابر عند ابن ماجه، وأبي سعيد عند ابن مردويه، وعمر وعبد الرحمن بن حسنة وعبد الله بن عمرو عند أبي داود، وابن مسعود عند الطحاوي، وأبي بكرة وأسماء بنت يزيد عند النسائي، وأم مبشر عند ابن أبي شيبة، وعن غيرهم. وفي أحاديث الباب من الفوائد: إثبات عذاب القبر، وأنه واقع على الكفار ومن شاء الله من الموحدين. والمسألة وهل هي واقعة على كل واحد؟ تقدم تقرير ذلك، وهل تختص بهذه الأمة أم وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأول وبه جزم الحكيم الترمذي وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل فإن أطاعوا فذاك وإن أبوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله محمدا رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب، وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أسر الكفر أو لا، فلما ماتوا قيض الله لهم فتاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال وليميز الله الخبيث من الطيب ويثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين انتهى. ويؤيده حديث زيد بن ثابت مرفوعا: "أن هذه الأمة تبتلى في قبورها" الحديث أخرجه مسلم، ومثله عند أحمد عن أبي سعيد في أثناء حديث، ويؤيده أيضا قول الملكين "ما تقول في هذا الرجل محمد" وحديث عائشة عند أحمد أيضا بلفظ: "وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون" وجنح ابن القيم إلى الثاني وقال: ليس في الأحاديث ما ينفي المسألة عمن تقدم من الأمم، وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بكيفية امتحانهم في القبور لا أنه نفى ذلك عن غيرهم، قال: والذي يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك، فتعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة. وحكي في مسألة الأطفال احتمالا، والظاهر أن ذلك لا يمتنع في حق المميز دون غيره. وفيه ذم التقليد في الاعتقادات لمعاقبة من قال: كنت أسمع الناس يقولون شيئا فقلته، وفيه أن الميت يحيا في قبره للمسألة خلافا لمن رده واحتج بقوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} الآية قال: فلو كان يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرات ويموت ثلاثا وهو خلاف النص، والجواب بأن المراد بالحياة في القبر للمسألة ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه

(3/240)


وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرد إعادة لفائدة الامتحان الذي وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة، كما حيي خلق لكثير من الأنبياء لمسألتهم لهم عن أشياء ثم عادوا موتى. وفي حديث عائشة جواز التحديث عن أهل الكتاب بما وافق الحق.

(3/241)


87 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
1375 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ " خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَجَبَتْ الشَّمْسُ فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا" وَقَالَ النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَوْنٌ سَمِعْتُ أَبِي سَمِعْتُ الْبَرَاءَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1376 - حَدَّثَنَا مُعَلًّى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ " أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر"
[الحديث 1376 – طرفه في: 6364]
1377 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ"
قوله: "باب التعوذ من عذاب القبر" قال الزين بن المنير: أحاديث هذا الباب تدخل في الباب الذي قبله، وإنما أفردها عنها لأن الباب الأول معقود لثبوته ردا على من أنكره. والثاني لبيان ما ينبغي اعتماده في مدة الحياة من التوسل إلى الله بالنجاة منه والابتهال إليه في الصرف عنه. قوله: "أخبرنا يحيي" هو ابن سعيد القطان. قوله: "عن أبي أيوب" هو الأنصاري. وفي هذا الإسناد ثلاثة من الصحابة في نسق أولهم أبو جحيفة. قوله: "وجبت الشمس" أي سقطت، والمراد غروبها. قوله: "فسمع صوتا" قيل يحتمل أن يكون سمع صوت ملائكة العذاب أو صوت اليهود المعذبين أو صوت وقع العذاب. قلت: وقد وقع عند الطبراني من طريق عبد الجبار بن العباس عن عون بهذا السند مفسرا ولفظه: "خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين غربت الشمس ومعي كوز من ماء، فانطلق لحاجته حتى جاء فوضأته فقال: أتسمع ما اسمع؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم" . قوله: "يهود تعذب في قبورها" هو خبر مبتدأ أي هذه يهود، أو هو مبتدأ خبره محذوف. قال الجوهري: اليهود قبيلة والأصل اليهوديون فحذفت ياء الإضافة مثل زنج وزنجي ثم عرف على هذا الحد فجمع على قياس شعير وشعيرة ثم عرف الجمع بالألف واللام ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام لأنه معرفة مؤنث فجرى مجرى القبيلة وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، وهو موافق لقوله فيما تقدم من حديث عائشة "إنما تعذب اليهود" وإذا ثبت أن اليهود تعذب بيهوديتهم ثبت تعذيب غيرهم من المشركين لأن كفرهم بالشرك أشد من كفر اليهود. قوله: "وقال النضر

(3/241)


إلخ" ساق هذه الطريق لتصريح عون فيها بسماعه له من أبيه وسماع أبيه له من البراء، وقد وصلها الإسماعيلي من طريق أحمد بن منصور عن النضر ولم يسق المتن، وساقه إسحاق بن راهويه في مسنده عن النضر بلفظ: "فقال: هذه يهود تعذب في قبورها" قال ابن رشد: لم يجر للتعوذ من عذاب القبر في هذا الحديث ذكر، فلهذا قال بعض الشارحين: إنه من بقية الباب الذي قبله، وإنما أدخله في هذا الباب بعض من نسخ الكتاب ولم يميز، قال: ويحتمل أن يكون المصنف أراد أن يعلم بأن حديث أم خالد ثاني أحاديث هذا الباب محمول على أنه صلى الله عليه وسلم نعوذ من عذاب القبر حين سمع أصوات يهود، لما علم من حاله أنه كان يتعوذ ويأمر بالتعوذ مع عدم سماع العذاب فكيف مع سماعه. قال: وهذا جار على ما عرف من عادة المصنف في الإغماض. وقال الكرماني: العادة قاضية بأن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوذ من مثله. قوله: "حدثنا معلى" هو ابن أسد، وبنت خالد اسمها أمة وتكنى أم خالد، وقد أورده المصنف في الدعوات من وجه آخر "عن موسى بن عقبة سمعت أم خالد بنت خالد ولم أسمع أحدا سمع من النبي غيرها" فذكره. ووقع في الطبراني من وجه آخر عن موسى بلفظ: "استجيروا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق ". قوله: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو" زاد الكشميهني: "ويقول" وقد تقدم الكلام على فوائد هذا الحديث في آخر صفة الصلاة قبيل كتاب الجمعة.

(3/242)


88 - باب عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ الْغِيبَةِ وَالْبَوْلِ
1378 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا"
قوله: "باب عذاب القبر من الغيبة والبول" قال الزين بن المنير: المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهما. لا نفي الحكم عما عداهما، فعلى هذا لا يلزم من ذكرهما حصر عذاب القبر فيهما، لكن الظاهر من الاقتصار على ذكرهما أنهما أمكن في ذلك من غيرهما، وقد روى أصحاب السنن من حديث أبي هريرة "استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه" . حديث ابن عباس أورده المصنف في قصة القبرين، وليس فيه للغيبة ذكر، وإنما ورد بلفظ النميمة، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في الطهارة. وقيل مراد المصنف أن الغيبة تلازم النميمة لأن النميمة مشتملة على ضربين: نقل كلام المغتاب إلى الذي اغتابه، والحديث عن المنقول عنه بما لا يريده. قال بن رشيد: لكن لا يلزم من الوعيد على النميمة ثبوته على الغيبة وحدها، لأن مفسدة النميمة أعظم، وإذا لم تساوها لم يصح الإلحاق إذ لا يلزم من التعذيب على الأشد التعذيب على الأخف، لكن يجوز أن يكون ورد على معنى التوقع والحذر فيكون قصد التحذير من المغتاب لئلا يكون له في ذلك نصيب انتهى. وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ الغيبة كما بيناه في الطهارة، فالظاهر أن البخاري جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث والله أعلم.

(3/242)


89 - باب الْمَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
1379 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
[الحديث 1379 – طرفاه في: 3240, 6515]
قوله: "باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي" أورد فيه حديث ابن عمر "أن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي" قال ابن التين: يحتمل أن يريد بالغداة والعشي غداة واحدة وعشية واحدة يكون العرض فيها. ومعنى قوله: "حتى يبعثك الله" أي لا تصل إليه إلى يوم البعث. ويحتمل أن يريد كل غداة وكل عشي، وهو محمول على أنه يحيا منه جزء ليدرك ذلك فغير ممتنع أن تعاد الحياة إلى جزء من الميت أو أجزاء وتصح مخاطبته والعرض عليه انتهى. والأول موافق للأحاديث المتقدمة قبل بابين في سياق المسألة وعرض المقعدين على كل أحد. وقال القرطبي: يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن. قال: والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء. قال: وهذا في حق المؤمن والكافر واضح، فأما المؤمن المخلط فمحتمل في حقه أيضا، لأنه يدخل الجنة في الجملة، ثم هو مخصوص بغير الشهداء لأنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة. ويحتمل أن يقال: إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن. قوله: "إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة" اتحد فيه الشرط والجزاء لفظا ولا بد فيه من تقدير، قال التوربشتي: التقدير إن كان من أهل الجنة فمقعده من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه. وقال الطيبي: الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظا دل على الفخامة، والمراد أنه يرى بعد البعث من كرامة الله ما ينسيه هذا المقعد انتهى. ووقع عند مسلم بلفظ: "إن كان من أهل الجنة فالجنة" أي فالمعروض الجنة. وفي هذا الحديث إثبات عذاب القبر، وأن الروح لا تفنى بفناء الجسد لأن العرض لا يقع إلا على حي. وقال ابن عبد البر: استدل به على أن الأرواح على أفنية القبور1. قال: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها لا أنها لا تفارق الأفنية، بل هي كما قال مالك إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت. قوله: "حتى يبعثك الله يوم القيامة" في رواية مسلم عن يحيى بن مالك " حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " وحكى ابن عبد البر فيه الاختلاف بين أصحاب مالك، وأن الأكثر رووه كرواية البخاري وأن ابن القاسم رواه كرواية مسلم، قال. والمعنى حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد. ويحتمل أن يعود الضمير إلى الله. فإلى الله ترجع الأمور، والأول
ـــــــ
1 ما قاله اين عبد البر ومالك في الأرواح ضعيف مخالف لظاهر القرآن الكريم, وقد دل ظاهر القرآان على أن الأرواح ممسكة عند الله سبحانه وينالها من العذب والنعيم ما شاء الله من ذلك, ولا مانع من عرض العذاب والنعيم عليها وإحساس البدن أو ما بقي منه بما شاء الله من ذلك كما هو قول أهل السنة, والدليل المشار إليه قوله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} . وقد دلت الأحاديث على إعادتها إلى الجسد بعد الدفن عند السؤال, ولا مانع من إعادتها إليه فيما يشاء الله من الأوقات كوقت السلام عليه. وثبت في الحديث الصحيح أن أرواح المؤمنين في شكل طيور تعلق بشجرة الجنة, وأرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت..الحديث. والله أعلم

(3/243)


أظهر اهـ. ويؤيده رواية الزهري عن سالم عن أبيه بلفظ: "ثم يقال: هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة " أخرجه مسلم. وقد أخرج النسائي رواية ابن القاسم لكن لفظه كلفظ البخاري.

(3/244)


باب كلام الميت في الجنازة
...
90 - باب كَلاَمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَنَازَةِ
1380 - حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين يذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق"
قوله: "باب كلام الميت على الجنازة" أي بعد حملها، أورد فيه حديث أبي سعيد، وقد تقدم الكلام عليه قبل بضعة وثلاثين بابا، وترجم له "قول الميت وهو على الجنازة قدموني" قال ابن رشيد: الحكمة في هذا التكرير أن الترجمة الأولى مناسبة للترجمة التي قبلها وهي "باب السرعة بالجنازة" لاشتمال الحديث على بيان موجب الإسراع، وكذلك هذه الترجمة مناسبة للتي قبلها كأنه أراد أن يبين أن ابتداء العرض إنما يكون عند حمل الجنازة لأنها حينئذ يظهر لها ما تؤول إليه فتقول ما تقول.

(3/244)


91 - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلاَدِ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاَثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ"
1381 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ"
1382 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ"
[الحديث 1382 – طرفاه في: 3255, 6195]
قوله: "باب ما قيل في أولاد المسلمين" أي غير البالغين. قال الزين بن المنير: تقدم في أوائل الجنائز ترجمة "من مات له ولد فاحتسب" وفيها الحديث المصدر به، وإنما ترجم بهذه لمعرفة مآل الأولاد، ووجه انتزاع ذلك أن من يكون سببا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يحجب هو لأنه أصل الرحمة وسببها. وقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة. وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة، يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ: "توفي صبي من الأنصار فقلت: طوبى له لم يعلم سوءا ولم يدركه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا" الحديث. قال والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة انتهى. وقال القرطبي: نفى بعضهم

(3/244)


92 - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلاَدِ الْمُشْرِكِينَ
1383 - حَدَّثَنِي حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ "سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلاَدِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"
[الحديث 1383 – طرفه في: 6597]
1384 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ " سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"
[الحديث 1384 – طرفاه في: 6598, 660]
1385 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ

(3/245)


اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ"
قوله: "باب ما قيل في أولاد المشركين" هذه الترجمة تشعر أيضا بأنه كان متوقفا في ذلك، وقد جزم بعد هذا في تفسير سورة الروم بما يدل على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة كما سيأتي تحريره، وقد رتب أيضا أحاديث هذا الباب ترتيبا يشير إلى المذهب المختار، فإنه صدره بالحديث الدال على التوقف، ثم ثنى بالحديث المرجح لكونهم في الجنة، ثم ثلث بالحديث المصرح بذلك فإن قوله في سياقه "وأما الصبيان حوله فأولاد الناس" قد أخرجه في التعبير بلفظ: "وأما الولدان الذين حوله فكل مولود يولد على الفطرة. فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين" ويؤيده ما رواه أبو يعلى من حديث أنس مرفوعا: "سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم" إسناده حسن. وورد تفسير "اللاهين" بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعا أخرجه البزار، وروى أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن صريم عن عمتها قالت: " قلت يا رسول الله من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة" إسناده حسن. واختلف العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة على أقوال: أحدها أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن الحمادين وابن المبارك وإسحاق، ونقله البيهقي في "الاعتقاد" عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار خاصة في المشيئة، والحجة فيه حديث: "الله أعلم بما كانوا عاملين" . ثانيها أنهم تبع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة وأولاد الكفار في النار، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} وتعقبه بأن المراد قوم نوح خاصة، وإنما دعا بذلك لما أوحى الله إليه {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} وأما حديث: "هم من آبائهم أو منهم " فذاك ورد في حكم الحربي، وروى أحمد من حديث عائشة "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدان المسلمين، قال: في الجنة. وعن أولاد المشركين، قال: في النار فقلت يا رسول الله لم يدركوا الأعمال، قال: ربك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" وهو حديث ضعيف جدا لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية وهو متروك. ثالثها أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار، لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار. رابعها خدم أهل الجنة، وفيه حديث عن أنس ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي وأبو يعلى، وللطبراني والبزار من حديث سمرة مرفوعا: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة" وإسناده ضعيف. خامسها أنهم يصيرون ترابا، روي عن ثمامة بن أشرس. سادسها هم في النار حكاه عياض عن أحمد، وغلطه ابن تيمية بأنه قول لبعض أصحابه ولا يحفظ عن الإمام أصلا. سابعها أنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن أبى عذب، أخرجه البزار من حديث أنس وأبي سعيد، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل. وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في "كتاب الاعتقاد" أنه المذهب الصحيح، وتعقب بأن الآخرة ليست دار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء، وأجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار، وأما في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا

(3/246)


يَسْتَطِيعُونَ} وفي الصحيحين " أن الناس يؤمرون بالسجود، فيصير ظهر المنافق طبقا، فلا يستطيع أن يسجد" . ثامنها أنهم في الجنة، وقد تقدم القول فيه في "باب فضل من مات له ولد" قال النووي: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون، لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى، ولحديث سمرة المذكور في هذا الباب، ولحديث عمة خنساء المتقدم، ولحديث عائشة الآتي قريبا. تاسعها الوقف. عاشرها الإمساك. وفي الفرق بينهما دقة. ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها حديث ابن عباس وأبي هريرة "سئل عن أولاد المشركين"وفي رواية ابن عباس "ذراري المشركين" ولم أقف في شيء من الطرق على تسمية هذا السائل، لكن عند أحمد وأبي داود عن عائشة ما يحتمل أن تكون هي السائلة، فأخرجا من طريق عبد الله بن أبي قيس عنها قالت: "قلت: يا رسول الله ذراري المسلمين؟ قال: مع آبائهم. قلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" الحديث. وروى عبد الرزاق من طريق أبي معاذ عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: " سألت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال: هم مع آبائهم، ثم سألته بعد ذلك فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعدما استحكم الإسلام فنزل : {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} قال: هم على الفطرة، أو قال: في الجنة" وأبو معاذ هو سليمان بن أرقم وهو ضعيف، ولو صح هذا لكان قاطعا للنزاع رافعا لكثير من الإشكال المتقدم. "تنبيه": لم يسمع ابن عباس هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، بين ذلك أحمد من طريق عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال: كنت أقول في أولاد المشركين: هم منهم، حتى حدثني رجل عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيته فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ربهم أعلم بهم، هو خلقهم وهو أعلم بما كانوا عاملين" فأمسكت عن قولي انتهى. وهذا أيضا يدفع القول الأول الذي حكيناه. قوله: "الله أعلم" قال ابن قتيبة: معنى قوله: "بما كانوا عاملين" أي لو أبقاهم، فلا تحكموا عليهم بشيء. وقال غيره: أي علم أنهم لا يعملون شيئا ولا يرجعون فيعملون أو أخبر بعلم1 شيء لو وجد كيف يكون، مثل قوله: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا} ولكن لم يرد أنهم يجازون بذلك في الآخرة لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل.
" تنبيه " وأما حديث أبي هريرة فهو طرف من ثاني أحاديث الباب كما سيأتي في القدر من طريق همام عن أبي هريرة، ففي آخره: "قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" وكذا أخرجه مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "فقال رجل: يا رسول الله أرأيت لو مات قبل ذلك" ولأبي داود من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة نحو رواية همام. وأخرج أبو داود عقبه عن ابن وهب سمعت مالكا وقيل له إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث يعني قوله: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه" فقال مالك: احتج عليهم بآخره: "الله أعلم بما كانوا عاملين" . ووجه ذلك أن أهل القدر استدلوا على أن الله فطر العباد على الإسلام وأنه لا يضل أحدا وإنما يضل الكافر أبواه، فأشار مالك إلى الرد عليهم بقوله: "الله أعلم" فهو دال على أنه يعلم بما يصيرون إليه بعد إيجادهم على الفطرة، فهو دليل على تقدم العلم الذي ينكره غلاتهم، ومن ثم قال الشافعي: أهل القدر إن أثبتوا العلم خصموا. قوله: "عن أبي سلمة" هكذا رواه ابن أبي ذئب عن الزهري، وتابعه يونس كما تقدم قبل أبواب من طريق عبد الله بن المبارك عنه، وأخرجه مسلم من طريق ابن وهب عن يونس،
ـــــــ
1 في نسخة "بعلم الشيء"

(3/247)


وخالفهما الزبيدي ومعمر فروياه عن الزهري عن سعيد بن المسيب بدل أبي سلمة، وأخرجه الذهلي في "الزهريات" من طريق الأوزاعي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وقد تقدم أيضا من طريق شعيب عن الزهري عن أبي هريرة من غير ذكر واسطة. وصنيع البخاري يقتضي ترجيح طريق أبي سلمة، وصنيع مسلم يقتضي تصحيح القولين عن الزهري، وبذلك جزم الذهلي. قوله: " كل مولود " أي من بني آدم، وصرح به جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: "كل بني آدم يولد على الفطرة" وكذا رواه خالد الواسطي عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد عن الأعرج ذكرها ابن عبد البر، واستشكل هذا التركيب بأنه يقتضي أن كل مولود يقع له التهويد وغيره مما ذكر، والفرض أن بعضهم يستمر مسلما ولا يقع له شيء، والجواب أن المراد من التركيب أن الكفر ليس من ذات المولود ومقتضى طبعه، بل إنما حصل بسبب خارجي، فإن سلم من ذلك السبب استمر على الحق. وهذا يقوي المذهب الصحيح في تأويل الفطرة كما سيأتي. قوله: "يولد على الفطرة" ظاهره تعميم الوصف المذكور في جميع المولودين، وأصرح منه رواية يونس المتقدمة بلفظ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة"، ولمسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: " ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يعبر عنه لسانه". وفي رواية له من هذا الوجه " ما من مولود إلا وهو على الملة" . وحكى ابن عبد البر عن قوم أنه لا يقتضي العموم، وإنما المراد أن كل من ولد على الفطرة وكان له أبوان على غير الإسلام نقلاه إلى دينهما، فتقدير الخبر على هذا: كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهوديان مثلا فإنهما يهودانه ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه. ويكفي في الرد عليهم رواية أبي صالح المتقدمة. وأصرح منها رواية جعفر بن ربيعة بلفظ: "كل بني آدم يولد على الفطرة" وقد اختلف السلف في المراد بالفطرة في هذا الحديث على أقوال كثيرة، وحكى أبو عبيد أنه سأل محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة عن ذلك فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد. قال أبو عبيد: كأنه عني أنه لو كان يولد على الإسلام فمات قبل أن يهوده أبواه مثلا لم يرثاه. والواقع في الحكم أنهما يرثانه فدل على تغير الحكم. وقد تعقبه ابن عبد البر وغيره. وسبب الاشتباه أنه حمله على أحكام الدنيا، فلذلك ادعى فيه النسخ، والحق أنه إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بما وقع في نفس الأمر، ولم يرد به إثبات أحكام الدنيا. وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام، قال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف. وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في آخر حديث الباب: اقرؤوا إن شئتم {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} وبحديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" الحديث. وقد رواه غيره فزاد فيه: "حنفاء مسلمين "ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى :{فِطْرَتَ اللَّهِ} لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه بلزومها، فعلم أنها الإسلام. وقال ابن جرير: قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} أي سدد لطاعته {حَنِيفاً} أي مستقيما {فِطْرَتَ اللَّهِ} أي صبغة الله، وهو منصوب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول، أو منصوب بفعل مقدر، أي ألزم. وقد سبق قبل أبواب قول الزهري في الصلاة على المولود: من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام، وسيأتي في تفسير سورة الروم جزم المصنف بأن الفطرة الإسلام، وقد قال أحمد: من مات أبواه وهما كافران حكم بإسلامه. واستدل بحديث الباب فدل على أنه فسر الفطرة بالإسلام. وتعقبه بعضهم بأنه كان يلزم أن لا يصح استرقاقه، ولا يحكم

(3/248)


بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه. والحق أن الحديث سيق لبيان ما هو في نفس الأمر، لا لبيان الأحكام في الدنيا. وحكى محمد بن نصر أن آخر قولي أحمد أن المراد بالفطرة الإسلام. قال ابن القيم: وقد جاء عن أحمد أجوبة كثيرة يحتج فيها بهذا الحديث على أن الطفل إنما يحكم بكفره بأبويه، فإذا لم يكن بين أبوين كافرين فهو مسلم. وروى أبو داود عن حماد بن سلمة أنه قال: المراد أن ذلك حيث أخذ الله عليهم العهد حيث قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} قالوا بلى" ونقله ابن عبد البر عن الأوزاعي وعن سحنون، ونقله أبو يعلى بن الفراء عن إحدى الروايتين عن أحمد، وهو ما حكاه الميموني عنه وذكره ابن بطة، وقد سبق في "باب إسلام الصبي" في آخر حديث الباب من طريق يونس ثم يقول: { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} - إلى قوله - القيم" وظاهره أنه من الحديث المرفوع، وليس كذلك بل هو من كلام أبي هريرة أدرج في الخبر، بينه مسلم من طريق الزبيدي عن الزهري ولفظه: "ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم" قال الطيبي: ذكر هذه الآية عقب هذا الحديث يقوي ما أوله حماد بن سلمة من أوجه: أحدها أن التعريف في قوله: "على الفطرة" إشارة إلى معهود وهو قوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ} ومعنى المأمور في قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} أي اثبت على العهد القديم. ثانيها ورود الرواية بلفظ: "الملة" بدل الفطرة و "الدين" في قوله: "للدين حنيفا" هو عين الملة، قال تعالى: { دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} ويؤيده حديث عياض المتقدم. ثالثها التشبيه بالمحسوس المعاين ليفيد أن ظهوره يقع في البيان مبلغ هذا المحسوس، قال. والمراد تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك المرء عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية كالتقليد انتهى. وإلى هذا مال القرطبي في "المفهم "فقال: المعنى أن الله خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق، ودين الإسلام هو الدين الحق، وقد دل على هذا المعنى بقية الحديث حيث قال: "كما تنتج البهيمة" يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئا من العيب، لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلا فخرج عن الأصل، وهو تشبيه واقع ووجهه واضح والله أعلم. وقال ابن القيم: ليس المراد بقوله: "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين، لأن الله يقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً} ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبة، وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك، لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلا بحيث يخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثم شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في تأويل الرؤيا. والله أعلم. وفي المسألة أقوال أخر ذكرها ابن عبد البر وغيره: منها قول ابن المبارك أن المراد أنه يولد على ما يصير إليه من شقاوة أو سعادة، فمن علم الله أنه يصير مسلما ولد على الإسلام، ومن علم الله أنه يصير كافرا ولد على الكفر، فكأنه أول الفطرة بالعلم. وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يكن لقوله: "فأبواه يهودانه إلخ "معنى لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها فينافي في التمثيل بحال البهيمة. ومنها أن المراد أن الله خلق فيهم المعرفة والإنكار، فلما أخذ الميثاق من الذرية قالوا جميعا {بَلَى} أما أهل السعادة فقالوها طوعا، وأما أهل الشقاوة فقالوها كرها. وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق ابن راهويه يذهب إلى هذا المعنى ويرجحه،

(3/249)


وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح، فأنه لا يعرف هذا التفصيل عند أخذ الميثاق إلا عن السدي ولم يسنده، وكأنه أخذه من الإسرائيليات، حكاه ابن القيم عن شيخه. ومنها أن المراد بالفطرة الخلقة أي يولد سالما لا يعرف كفرا ولا إيمانا، ثم يعتقد إذا بلغ التكليف، ورجحه ابن عبد البر وقال: إنه يطابق التمثيل بالبهيمة ولا يخالف حديث عياض لأن المراد بقوله: {حَنِيفاً} أي على استقامة، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر دون ملة الإسلام، ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنى. ومنها قول بعضهم: أن اللام في الفطرة للعهد أي فطرة أبويه، وهو متعقب بما ذكر في الذي قبله. ويؤيد المذهب الصحيح أن قوله: "فأبواه يهودانه إلخ "ليس فيه لوجود الفطرة شرط بل ذكر ما يمنع موجبها كحصول اليهودية مثلا متوقف على أشياء خارجة عن الفطرة، بخلاف الإسلام. وقال ابن القيم: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك، لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية، لأن قوله: " فأبواه يهودانه إلخ" محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث: "الله أعلم بما كانوا عاملين" . قوله: "فأبواه" أي المولود، قال الطيبي: الفاء أما للتعقيب أو السببية أو جزاء شرط مقدر، أي إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبويه إما بتعليمهما إياه أو بترغيبهما فيه، وكونه تبعا لهما في الدين يقتضي أن يكون حكمه حكمهما. وخص الأبوان بالذكر للغالب، فلا حجة فيه لمن حكم بإسلام الطفل الذي يموت أبواه كافرين كما هو قول أحمد، فقد استمر عمل الصحابة ومن بعدهم على عدم التعرض لأطفال أهل الذمة. قوله: "كمثل البهيمة تنتج البهيمة" أي تلدها فالبهيمة الثانية بالنصب على المفعولية وقد تقدم بلفظ: " كما تنتج البهيمة بهيمة "، قال الطيبي: قوله: "كما" حال من الضمير المنصوب في "يهودانه" أي يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة تشبيها بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة، أو هو صفة مصدر محذوف أي يغيرانه تغييرا مثل تغييرهم البهيمة السليمة، قال: وقد تنازعت الأفعال الثلاثة في "كما" على التقديرين. قوله: "تنتج" بضم أوله وسكون النون وفتح المثناة بعدها جيم، قال أهل اللغة: نتجت الناقة على صيغة ما لم يسم فاعله تنتج بفتح المثناة وأنتج الرجل ناقته ينتجها إنتاجا، زاد في الرواية المتقدمة "بهيمة جمعاء" أي لم يذهب من بدنها شيء، سميت بذلك لاجتماع أعضائها. قوله: "هل ترى فيها جدعاء"؟ قال الطيبي: هو في موضع الحال أي سليمة مقولا في حقها ذلك، وفيه نوع التأكيد أي إن كل من نظر إليها قال ذلك لظهور سلامتها. والجدعاء المقطوعة الأذن، ففيه إيماء إلى أن تصميمهم على الكفر كان بسبب صممهم عن الحق. ووقع في الرواية المتقدمة بلفظ: " هل تحسون فيها من جدعاء" وهو من الإحساس والمراد به العلم بالشيء، يريد أنها تولد لا جدع فيها وإنما يجدعها أهلها بعد ذلك. وسيأتي في تفسير سورة الروم أن معنى قوله: {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} أي لدين الله وتوجيه ذلك.
" تنبيه ": ذكر ابن هشام في "المغني" عن ابن هشام الخضراوي أنه جعل هذا الحديث شاهدا لورود "حتى" للاستثناء، فذكره بلفظ: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" وقال: ولك أن تخرجه على أن فيه حذفا أي يولد على الفطرة ويستمر على ذلك حتى يكون، يعني فتكون للغاية على بابها انتهى. ومال صاحب "المغني" في موضع آخر إلى أنه ضمن "يولد" معنى

(3/250)


ينشأ مثلا، وقد وجدت الحديث في تفسير ابن مردويه من طريق الأسود بن سريع بلفظ: " ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها" الحديث. وهو يؤيد الاحتمال المذكور. واللفظ الذي ساقه الخضراوي لم أره في الصحيحين ولا غيرهما، إلا عند مسلم كما تقدم في رواية: " حتى يعرب عنه لسانه" ثم وجدت أبا نعيم في مستخرجه على مسلم أورد الحديث من طريق كثير بن عبيد عن محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري بلفظ: " ما من مولود يولد في بني آدم إلا يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه يهودانه" الحديث. وكذا أخرجه ابن مردويه من هذا الوجه، وهو عند مسلم عن حاجب بن الوليد عن محمد بن حرب بلفظ: " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، أبواه يهودانه" الحديث.

(3/251)


93 – باب - 1386 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا قَالَ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا قُلْنَا لاَ قَالَ لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ قُلْتُ مَا هَذَا قَالاَ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَلاَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالاَ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالاَ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ قَالَ يَزِيدُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالاَ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنْ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ وَأَدْخَلاَنِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلاَنِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ قُلْتُ طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ قَالاَ نَعَمْ أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالَّذِي رَأَيْتَهُ

(3/251)


يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمْ الزُّنَاةُ وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلاَدُ النَّاسِ وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ فَارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ قَالاَ ذَاكَ مَنْزِلُكَ قُلْتُ دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي قَالاَ إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوْ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ"
قوله "باب" كذا ثبت جميعهم إلا لأبي ذر وهو كالفصل من الباب الذي قبله وتعلق الحديث به ظاهر من قوله في حديث سمرة في أصل الشجرة إبراهيم والصبيان حوله أولاد الناس وقد تقدم التنبيه على أنه أورده بزيادة قالوا وأولاد المشركين فقال وأولاد المشركين وسيأتي الكلام على بقية الحديث مستوفى في إن شاء الله تعالى قوله في هذه الطريق فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده قال بعض أصحابنا عن موسى كلوب من حديد في شدقه كذا في رواية أبي ذر وهو سياق مستقيم ووقع في رواية غيره بخلاف ذلك والبعض المبهم لم أعرف المراد به إلا أن الطبراني أخرجه في المعجم الكبير عن العباس بن الفضل الإسقاطي عن موسى بن إسماعيل فذكر الحديث بطوله مثل حديث قبله وفيه بيده كلاب من حديد قوله فيه حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر رجل وهذا التعليق عن هذين ثبت في رواية أبي ذر أيضا فأما حديث يزيد وهو بن هارون فوصله أحمد عنه فساق الحديث بطوله وفيه فإذا نهر من دم فيه رجل وعلى شط النهر رجل وأما حديث وهب بن جرير فوصله أبو عوانة في صحيحه من طريقه فساق الحديث بطوله وفيه حتى ينتهى إلى نهر من دم ورجل قائم في وسطه ورجل قائم على شاطئ النهر الحديث وأصل الحديث ثم مسلم من طريق وهب لكن باختصار وقوله فيه إذا ارتفعوا كذا فيه بالفاء فتكون المهملة ووقع في جمع الحميدي ارتقوا بالقاف فقط من الإرتقاء وهو الصعود

(3/252)


94 - باب مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ
1387 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ وَقَالَ لَهَا فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ قَالَ فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالَتْ يَوْمُ الاثْنَيْنِ قَالَ أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا قُلْتُ إِنَّ هَذَا خَلَقٌ قَالَ إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلاَثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ"

(3/252)


قوله: "باب موت يوم الاثنين" قال الزين بن المنير: تعين وقت الموت ليس لأحد فيه اختيار، لكن في التسبب في حصوله مدخل كالرغبة إلى الله لقصد التبرك فمن لم تحصل له الإجابة أثيب على اعتقاده. وكأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر" وفي إسناده ضعف، وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس نحوه وإسناده أضعف. قوله: "قالت عائشة: دخلت على أبي بكر" تعني أباها، زاد أبو نعيم في "المستخرج" من هذا الوجه "فرأيت به الموت، فقلت هيج هيج
من لا يزال دمعه مقنعا ... فإنه في مرة مدفوق
فقال: لا تقولي هذا، ولكن قولي: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} الآية - ثم قال - في أي يوم" الحديث. وهذه الزيادة أخرجها ابن سعد مفردة عن أبي سامة عن هشام. وقولها "هيج" بالجيم حكاية بكائها. قوله: "في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم" أي كم ثوبا كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم فيه؟ وقوله: "في كم" معمول مقدم لكفنتم، قيل: ذكر لها أبو بكر ذلك بصيغة الاستفهام توطئة لها للصبر على فقده، واستنطاقا لها بما يعلم أنه يعظم عليها ذكره، لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغم العظيم عليها، لأنه يبعد أن يكون أبو بكر نسي ما سأل عنه مع قرب العهد، ويحتمل أن يكون السؤال عن قدر الكفن على حقيقته، لأنه لم يحضر ذلك لاشتغاله بأمر البيعة. وأما تعيين اليوم فنسيانه أيضا محتمل لأنه صلى الله عليه وسلم دفن ليلة الأربعاء، فيمكن أن يحصل التردد هل مات يوم الاثنين أو الثلاثاء. وقد تقدم الكلام على الكفن في موضعه. قوله: "قلت يوم الاثنين" بالنصب أي في يوم الاثنين، وقولها بعد ذلك "قلت يوم الاثنين" بالرفع أي هذا يوم الاثنين. قوله: "أرجو فيما بيني وبين الليل" في رواية المستملي: "الليلة" ولابن سعد من طريق الزهري عن عروة عن عائشة "أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يوما باردا، فحم خمسة عشر يوما، ومات مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة" وأشار الزين بن المنير إلى أن الحكمة في تأخر وفاته عن يوم الاثنين مع أنه كان يحب ذلك ويرغب فيه لكونه قام في الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم فناسب أن تكون وفاته متأخرة عن الوقت الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: "به ردع" بسكون المهملة بعدها عين مهملة أي لطخ لم يعمه كله. قوله: "وزيدوا عليه ثوبين" زاد ابن سعد عن أبي معاوية عن هشام "جديدين". قوله: "فكفنوني فيهما" أي المزيد والمزيد عليه. وفي رواية غير أبي ذر "فيها" أي الثلاثة. قوله: "خلق" بفتح المعجمة واللام أي غير جديد. وفي رواية أبي معاوية عند ابن سعد "ألا نجعلها جددا كلها؟ قال: لا،"، وظاهره أن أبا بكر كان يرى عدم المغالاة في الأكفان. ويؤيده قوله بعد ذلك "إنما هو للمهلة" وروى أبو داود من حديث علي مرفوعا: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعا" ولا يعارضه حديث جابر في الأمر بتحسين الكفن أخرجه مسلم، فإنه يجمع بينهما بحمل التحسين على الصفة وحمل المغالاة على الثمن. وقيل التحسين حق الميت، فإذا أوصى بتركه اتبع كما فعل الصديق، ويحتمل أن يكون اختار ذلك الثوب بعينه لمعنى فيه من التبرك به لكونه صار إليه من النبي صلى الله عليه وسلم، أو لكونه كان جاهد فيه أو تعبد فيه. ويؤيده ما رواه ابن سعد من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: قال أبو بكر "كفنوني في ثوبي اللذين كنت أصلي فيهما".

(3/253)


قوله: "إنما هو" أي الكفن. قوله: "للمهلة" قال عياض: روي بضم الميم وفتحها وكسرها. قلت: جزم به الخليل. وقال ابن حبيب: هو بالكسر الصديد، وبالفتح التمهل، وبالضم عكر الزيت. والمراد هنا الصديد. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "إنما هو" أي الجديد، وأن يكون المراد "بالمهلة "على هذا التمهل أي إن الجديد لمن يريد البقاء، والأول أظهر. ويؤيده قول القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: "كفن أبو بكر في ريطة بيضاء وريطة ممصرة وقال: إنما هو لما يخرج من أنفه وفيه" أخرجه ابن سعد. وله عنه من وجه آخر "إنما هو للمهل والتراب" وضبط الأصمعي هذه بالفتح. وفي هذا الحديث استحباب التكفين في الثياب البيض وتثليث الكفن وطلب الموافقة فيما وقع للأكابر تبركا بذلك1. وفيه جواز التكفين في الثياب المغسولة، وإيثار الحي بالجديد، والدفن بالليل، وفضل أبي بكر وصحة فراسته وثباته عند وفاته. وفيه أخذ المرء العلم عمن دونه. وقال أبو عمر: فيه أن التكفين في الثوب الجديد والخلق سواء. وتعقب بما تقدم من احتمال أن يكون أبو بكر اختاره لمعنى فيه، وعلى تقدير أن لا يكون كذلك فلا دليل فيه على المساواة.
ـــــــ
1 هذا فيه نظر. والصواب أن ذلك غير مشروع إلا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم, لأن الله سبحانه شرع لنا التأسي به, وأما غيره فيخطيء ويصيب. وسبق في هذا المعنى حواشي في المجلد الأول والثاني وأوائل هذا الجزء, فراجعها إن شئت. والله أعلم

(3/254)


95 - باب مَوْتِ الْفجاءةِ الْبَغْتَةِ
1388 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا قَالَ: "نَعَمْ"
[الحديث 1388 – طرفه في: 2760]
قوله: "باب موت الفجاءة، البغتة" قال ابن رشيد: هو مضبوط بالكسر على البدل، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي البغتة، ووقع في رواية الكشميهني: "بغتة". والفجاءة بضم الفاء وبعد الجيم مد ثم همز، ويروى بفتح ثم سكون بغير مد، وهي الهجوم على من لم يشعر به. وموت الفجأة وقوعه بغير سبب من مرض وغيره، قال ابن رشيد: مقصود المصنف والله أعلم الإشارة إلى أنه ليس بمكروه، لأنه لم يظهر منه كراهيته لما أخبره الرجل بأن أمه افتلتت نفسها، وأشار إلى ما رواه أبو داود بلفظ: "موت الفجأة أخذة أسف" وفي إسناده مقال، فجرى على عادته في الترجمة بما لم يوافق شرطه، وإدخال ما يومئ إلى ذلك ولو من طرف خفي انتهى. والحديث المذكور أخرجه أبو داود من حديث عبيد بن خالد السلمي ورجاله ثقات، إلا أن راويه رفعه مرة ووقفه أخرى. وقوله: "أسف" أي غضب وزنا ومعنى، وروي بوزن فاعل أي غضبان، ولأحمد من حديث أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بجدار مائل فأسرع وقال: أكره موت الفوات" قال ابن بطال: وكان ذلك - والله أعلم - لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة. وقد روى ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت" من حديث أنس نحو حديث عبيد بن خالد وزاد فيه: "المحروم من حرم وصيته" انتهى. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن عائشة وابن مسعود "موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر"

(3/254)


وقال ابن المنير لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجأة فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة، كما وقع في حديث الباب. وقد نقل عن أحمد وبعض الشافعية كراهة موت الفجأة، ونقل النووي عن بعض القدماء أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك، قال النووي: وهو محبوب للمراقبين. قلت: وبذلك يجتمع القولان. قوله: "حدثنا محمد بن جعفر" أي ابن أبي كثير المدني. قوله: "أن رجلا" هو سعد بن عبادة، واسم أمه عمرة، وسيأتي حديثه والكلام عليه في الوصايا إن شاء الله تعالى. قوله: "افتلتت" بضم المثناة وكسر اللام أي سلبت، على ما لم يسم فاعله، يقال افتلت فلان أي مات فجأة وافتلتت نفسه كذلك، وضبطه بعضهم بفتح السين إما على التمييز، وإما على أنه مفعول ثان، والفلتة والافتلات ما وقع بغتة من غير روية، وذكره ابن قتيبة بالقاف وتقديم المثناة وقال: هي كلمة تقال لمن فتله الحب ولمن مات فجأة، والمشهور في الرواية بالفاء. والله أعلم.

(3/255)


96 - باب مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
{فَأَقْبَرَهُ} أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ أُقْبِرُهُ إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا وَقَبَرْتُهُ دَفَنْتُهُ
{كِفَاتًا} يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا
1389 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ هِشَامٍ و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ أَيْنَ أَنَا غَدًا اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَدُفِنَ فِي بَيْتِي"
1390 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ هِلاَلٍ هُوَ الْوَزَّانُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا"
وَعَنْ هِلاَلٍ قَالَ كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَنَّمًا
حَدَّثَنَا: فَرْوَةُ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمْ الْحَائِطُ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ لاَ وَاللَّهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هِيَ إِلاَّ قَدَمُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
1391 - وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لاَ تَدْفِنِّي مَعَهُمْ وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالْبَقِيعِ لاَ أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا
[الحديث 1391 – طرفه في: 7327]

(3/255)


1392 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ "رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقُلْ يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلاَمَ ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ قَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلأوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ مَا لَدَيْكَ قَالَ أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي وَإِلاَ فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ فَمَنْ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ كَانَ لَكَ مِنْ الْقَدَمِ فِي الإِسْلاَمِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقَالَ لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لاَ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ"
[الحديث 1392 – أطرافه في: 3052, 3162, 3700, 4888, 7207]
قوله: "باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر" قال ابن رشيد: قال بعضهم مراده بقوله: "قبر النبي صلى الله عليه وسلم: "المصدر من قبرته قبرا، والأظهر عندي أنه أراد الاسم، ومقصوده بيان صفته من كونه مسنما أو غير مسنم وغير ذلك مما يتعلق بعضه ببعض. قوله: "قول الله عز وجل: {فَأَقْبَرَهُ} يريد تفسير الآية: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} أي جعله ممن يقبر لا ممن يلقى حتى تأكله الكلاب مثلا. وقال أبو عبيدة في "المجاز" أقبره أمر بأن يقبر. قوله: "أقبرت الرجل إذا جعلت له قبرا وقبرته دفنته" قال يحيى الفراء في المعاني: يقال أقبره جعله مقبورا وقبره دفنه. قوله: "كفاتا إلخ" روى عبد بن حميد من طريق مجاهد قال في قوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً} قال: يكونون فيها ما أرادوا ثم يدفنون فيها. ثم أورد المصنف في الباب أحاديث: قوله: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعذر في مرضه" وقد ضبط في روايتنا بالعين المهملة والذال المعجمة أي يتمنع، وحكى ابن التين أنه في رواية القابسي بالقاف والدال المهملة أي يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها، لأن المريض يجد عند بعض أهله من الأنس ما لا يجد عند بعض. وسيأتي الكلام على فوائد هذا الحديث والذي بعده في "باب الوفاة النبوية" آخر المغازي إن شاء الله تعالى. والمقصود من إيرادهما هنا بيان أنه صلى الله عليه وسلم دفن في بيت عائشة. تقدم في "باب ما يكره من اتخاذ القبور على المساجد" من طريق هلال المذكور، وفي "باب بناء المسجد على القبر "من وجه آخر، وفي أبواب المساجد أيضا. قوله: "وعن هلال" يعني بالإسناد المذكور إليه. قوله: "كناني عروة بن الزبير" أي الذي

(3/256)


روى عنه ذلك الحديث. واختلف في كنية هلال: فالمشهور أنه أبو عمرو، وقيل أبو أمية، وقيل أبو الجهم. قوله: "عن سفيان التمار" هو ابن دينار على الصحيح، وقيل ابن زياد، والصواب أنه غيره، وكل منهما عصفري كوفي. وهو من كبار أتباع التابعين، وقد لحق عصر الصحابة، ولم أر له رواية عن صحابي. قوله: "مسنما" أي مرتفعا، زاد أبو نعيم في المستخرج "وقبر أبي بكر وعمر كذلك" واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي وبه جزم الماوردي وآخرون. وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي لاحتمال أن قبره صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأول مسنما، فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: "دخلت على عائشة فقلت: يا أمة اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء" زاد الحاكم "فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم" وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة. وقد روى أبو بكر الآجري في "كتاب صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم" من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند عن غنيم بن بسطام المديني قال: رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعا نحوا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه. ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل لا في أصل الجواز، ورجح المزني التسنيم من حيث المعنى بأن المسطح يشبه ما يصنع للجلوس بخلاف المسنم، ورجحه ابن قدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا وهو من شعار أهل البدع فكان التسنيم أولى. ويرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي، ثم قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها". قوله: "حدثنا فروة" هو ابن أبي المغراء، وعلي هو ابن مسهر، وثبت ذلك في رواية أبي ذر. قوله: "لما سقط عليهم الحائط" أي حائط حجرة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية الحموي عنهم: والسبب في ذلك ما رواه أبو بكر الآجري من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: "كان الناس يصلون إلى القبر فأمر به عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه أحد، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة ففزع عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال: هذا ساق عمر وركبته، فسري عن عمر بن عبد العزيز" وروى الآجري من طريق مالك بن مغول عن رجاء بن حيوة قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز -وكان قد اشترى حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم- أن اهدمها ووسع بها المسجد، فقعد عمر في ناحية، ثم أمر بهدمها، فما رأيته باكيا أكثر من يومئذ. ثم بناه كما أراد. فلما أن بنى البيت على القبر وهدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة وكان الرمل الذي عليها قد انهار، ففزع عمر بن عبد العزيز وأراد أن يقوم فيسويها بنفسه، فقلت له: أصلحك الله، إنك إن قمت قام الناس معك، فلو أمرت رجلا أن يصلحها، ورجوت أنه يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم -يعني مولاه- قم فأصلحها. قال رجاء: وكان قبر أبي بكر عند وسط النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر خلف أبي بكر رأسه عند وسطه. وهذا ظاهره يخالف حديث القاسم، فإن أمكن الجمع وإلا فحديث القاسم أصح. وأما ما أخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن عائشة "أبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره "فسنده ضعيف، ويمكن تأويله. والله أعلم.

(3/257)


قوله: "وعن هشام" هو بالإسناد المذكور، وقد أخرجه المصنف في الاعتصام من وجه آخر عن هشام وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبدة عن هشام وزاد فيه: "وكان في بيتها موضع قبر". قوله: "لا أزكى" بضم أوله وفتح الكاف على البناء للمجهول، أي لا يثنى علي بسببه ويجعل لي بذلك مزية وفضل وأنا في نفس الأمر يحتمل أن لا أكون كذلك، وهذا منها على سبيل التواضع وهضم النفس بخلاف قولها لعمر كنت أريده لنفسي فكأن اجتهادها في ذلك تغير أو لما قالت ذلك لعمر كان قبل أن يقع لها ما وقع في قصة الجمل فاستحيت بعد ذلك أن تدفن هناك وقد قال عنها عمار بن ياسر وهو أحد من حاربها يومئذ: إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، وسيأتي ذلك مبسوطا في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى، وهو كما قال رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قوله: "رأيت عمر بن الخطاب قال يا عبد الله بن عمر" هذا طرف من حديث طويل سيأتي في مناقب عثمان وزاد فيه: "وقل يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين" وفي أوله قدر ورقة في سياق مقتله وفي آخره قدر صفحة في قصة بيعة عثمان. قال ابن التين. قول عائشة في قصة عمر "كنت أريده لنفسي" يدل على أنه لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد، فهو يغاير قولها عند وفاتها لا تدفني عندهم فإنه يشعر بأنه بقي من البيت موضع للدفن. والجمع بينهما أنها كانت أولا تظن أنه لا يسع إلا قبرا واحدا فلما دفن ظهر لها أن هناك وسعا لقبر آخر، وسيأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى. قال ابن بطال: إنما استأذنها عمر لأن الموضع كان بيتها وكان لها فيه حق، وكان لها أن تؤثر به على نفسها فآثرت عمر. وفيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور طمعا في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير. وفي قول عمر "قل يستأذن عمر فإن أذنت" أن من وعد عدة جاز له الرجوع فيها ولا يلزم بالوفاء. وفيه أن من بعث رسولا في حاجة مهمة أن له أن يسأل الرسول قبل وصوله إليه ولا يعد ذلك من قلة الصبر بل من الحرص على الخير. والله أعلم.

(3/258)


باب ما ينهى عن سب الأموات
...
97 - باب مَا يُنْهَى مِنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ
1393 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا" وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ عَنْ الأَعْمَشِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ الأَعْمَشِ تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَابْنُ عَرْعَرَةَ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ
[الحديث 1393 – طرفه في: 6516]
قوله: "باب ما ينهى من سب الأموات" قال الزين بن المنير: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقا. والجواب أن عمومه مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال صلى الله عليه وسلم عند ثنائهم بالخير وبالشر "وجبت، وأنتم شهداء الله في الأرض" ولم ينكر عليهم. ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية والمراد به المسلمون، لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم. وقال القرطبي في الكلام على حديث: "وجبت" يحتمل أجوبة، الأول أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهرا به فيكون من باب لا غيبة لفاسق، أو كان منافقا. ثانيها يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. ثالثها يكون النهي العام متأخرا فيكون ناسخا، وهذا ضعيف. وقال ابن رشيد ما محصله: أن السب ينقسم في حق الكفار وفي حق

(3/258)


المسلمين، أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم، وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة، وقد يجب في بعض المواضع، وقد يكون فيه مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه. قال: ولأجل الغفلة عن هذا التفضيل ظن بعضهم أن البخاري سها عن حديث الثناء بالخير والشر، وإنما قصد البخاري أن يبين أن ذلك الجائز كان على معنى الشهادة، وهذا الممنوع هو على معنى السب، ولما كان المتن قد يشعر بالعموم أتبعه بالترجمة التي بعده. وتأول بعضهم الترجمة الأولى على المسلمين خاصة. والوجه عندي حمله على العموم إلا ما خصصه الدليل. بل لقائل أن يمنع أن ما كان على جهة الشهادة وقصد التحذير يسمى سبا في اللغة. وقال ابن بطال: سب الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير -وقد تكون منه الفلتة- فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له، فكذلك الميت. ويحتمل أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن، والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن ليتعظ بذلك فساق الأحياء، فإذا صار إلى قبره أمسك عنه لإفضائه إلى ما قدم. وقد عملت عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حق من استحق عندها اللعن فكانت تلعنه وهو حي، فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه كما سأذكره. قوله: "أفضوا" أي وصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر، واستدل به على منع سب الأموات مطلقا، وقد تقدم أن عمومه مخصوص، وأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساويهم للتحذير منهم والتنفير عنهم. وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتا. قوله: "ورواه عبد الله بن عبد القدوس ومحمد بن أنس عن الأعمش" أي متابعين لشعبة، وأنس والد محمد كالجادة، وهو كوفي سكن الدينور، وثقه أبو زرعة وغيره، وروى عنه من شيوخ البخاري إبراهيم بن موسى الرازي. وأما ابن عبد القدوس فذكره البخاري في التاريخ فقال: إنه صدوق إلا أنه يروي عن قوم ضعفاء. واختلف كلام غيره فيه، وليس له في الصحيح غير هذا الموضع الواحد. ووقع لنا أيضا من رواية محمد بن فضيل عن الأعمش بزيادة فيه، أخرجه عمر بن شبة في "كتاب أخبار البصرة "عن محمد بن يزيد الرفاعي عنه بهذا السند إلى مجاهد" إن عائشة قالت: ما فعل يزيد الأرجي لعنه الله؟ قالوا: مات. قالت: أستغفر الله. قالوا: ما هذا؟ فذكرت الحديث: "وأخرجه من طريق مسروق "إن عليا بعث يزيد بن قيس الأرجي في أيام الجمل برسالة فلم ترد عليه جوابا، فبلغها أنه عاب عليها ذلك فكانت تلعنه، ثم لما بلغها موته نهت عن لعنه وقالت: إن رسول الله نهانا عن سب الأموات" وصححه ابن حبان من وجه آخر عن الأعمش عن مجاهد بالقصة. قوله: "تابعه علي بن الجعد" وصله المصنف في الرقاق عنه. قوله: "ومحمد بن عرعرة وابن أبي عدي" لم أره من طريق محمد بن عرعرة موصولا، وطريق ابن أبي عدي ذكرها الإسماعيلي. ووصله أيضا من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة، وهو عند أحمد عنه.

(3/259)


98 - باب ذِكْرِ شِرَارِ الْمَوْتَى
1394 - حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثني عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله عنهما قال قال أبو لهب عليه لعنة الله للنبي صلى الله عليه وسلم تبا لك سائر اليوم فنزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}
[الحديث 1394 – أطرافه في: 3525, 3526, 4770, 4801, 4971, 4972, 4973]

(3/259)


قوله: "باب ذكر شرار الموتى" تقدم في الباب قبله من شرح ذلك ما فيه كفاية. وحديث الباب أورده هنا مختصرا، وسيأتي مطولا مع الكلام عليه في تفسير الشعراء إن شاء الله تعالى.
" خاتمة ": اشتمل كتاب الجنائز من الأحاديث المرفوعة على مائتي حديث وعشرة أحاديث، المعلق من ذلك والمتابعة ستة وخمسون حديثا، والبقية موصولة. المكرر من ذلك فيه وفيما مضى مائة حديث وتسعة أحاديث، والخالص مائة حديث وحديث. وافقه مسلم على تخريجها سوى أربعة وعشرين حديثا وهي: حديث عائشة "أقبل أبو بكر على فرسه"، وحديث أم العلاء في قصة عثمان ابن مظعون، وحديث أنس "أخذ الراية زيد فأصيب"، وحديثه "ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاثة"، وحديث عبد الرحمن بن عوف "قتل مصعب بن عمير"، وحديث سهل بن سعد "أن امرأة جاءت ببردة منسوجة"، وحديث أنس "شهدنا بنتا للنبي صلى الله عليه وسلم"، وحديث أبي سعيد "إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال"، وحديث ابن عباس في القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب، وحديث جابر في قصة قتلى أحد "زملوهم بدمائهم"، وحديثه في قصة استشهاد أبيه ودفنه، وحديث صفية بنت شيبة في تحريم مكة، وحديث أنس في قصة الغلام اليهودي، وحديث ابن عباس "كنت أنا وأمي من المستضعفين" وقد وهم المزي تبعا لأبي مسعود في جعله من المتفق، وقد تعقبه الحميدي على أبي مسعود فأجاد، وحديث أبي هريرة الذي يخنق نفسه كما أوضحته فيما مضى، وحديث عمر "أيما مسلم شهد له أربعة بخير"، وحديث بنت خالد بن سعيد في التعوذ، وحديث البراء لما توفي إبراهيم، وحديث سمرة في الرؤيا بطوله لكن عند مسلم طرف يسير من أوله، وحديث عائشة "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين"، وحديثها في وصيتها أن لا تدفن معهم، وحديث عمر في قصة وصيته عند قتله، وحديث عائشة "لا تسبوا الأموات"، وحديث ابن عباس في قول أبي لهب. وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة ومن بعدهم ثمانية وأربعون أثرا، منها ستة موصولة، والبقية معلقة. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(3/260)