Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الزكاة
باب وجوب الزكاة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
22 - كتاب الزكاة
1 - باب وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة 43, 83, 110] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ "يَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ"
1395 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: "ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ"
[الحديث 1395 – أطرافه في: 1458, 1496, 2448, 4347, 7372]
1396 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ قَالَ مَا لَهُ مَا لَهُ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَرَبٌ مَا لَهُ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ"
وَقَالَ بَهْزٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو
[الحديث 1396 – طرفاه في: 5982, 5983]
1397 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَالَ تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا فَلَمَّا وَلَّى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا"
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا
1398 - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

(3/261)


يَقُولُ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ وَقَالَ سُلَيْمَانُ وَأَبُو النُّعْمَانِ عَنْ حَمَّادٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ"
1399 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ"
[الحديث 1399 – أطرافه في: 1457, 6924, 7284]
1400 – "فَقَالَ وَاللَّهِ لاَقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ"
[الحديث 1400 – أطرافه في: 1456, 6925, 7285]
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الزكاة" البسملة ثابتة في الأصل ولأكثر الرواة "باب" بدل كتاب، وسقط ذلك لأبي ذر فلم يقل باب ولا كتاب، وفي بعض النسخ "كتاب الزكاة - باب وجوب الزكاة". والزكاة في اللغة النماء، يقال زكا الزرع إذا نما، وترد أيضا في المال، وترد أيضا بمعنى التطهير. وشرعا بالاعتبارين معا: أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى أن متعلقها الأموال ذات النماء كالتجارة والزراعة. ودليل الأول "ما نقص مال من صدقة" ولأنها يضاعف ثوابها كما جاء "أن الله يربي الصدقة". وأما بالثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذنوب. وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها كما تقدم في كتاب الإيمان. وقال ابن العربي: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو. وتعريفها في الشرع. إعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه غير هاشمي ولا مطلبي. ثم لها ركن وهو الإخلاص، وشرط هو السبب وهو ملك النصاب الحولي، وشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرية. ولها حكم وهو سقوط الواجب في الدنيا وحصول الثواب في الأخرى. وحكمة وهي التطهير من الأدناس ورفع الدرجة واسترقاق الأحرار انتهى. وهو جيد لكن في شرط من تجب عليه اختلاف. والزكاة أمر مقطوع به في الشرع يستغني عن تكلف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في فروعه، وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر. وإنما ترجم المصنف بذلك على عادته في إيراد الأدلة الشرعية المتفق عليها والمختلف

(3/262)


فيها. قوله: "وقول الله" هو بالرفع. قال الزين بن المنير. مبتدأ وخبره محذوف أي هو دليل على ما قلناه من الوجوب. ثم أورد المصنف في الباب ستة أحاديث: أولها حديث أبي سفيان هو ابن حرب، الطويل في قصة هرقل، أورده هنا معلقا واقتصر منه على قوله: "يأمر بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف"، ودلالته على الوجوب ظاهرة. وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في بدء الوحي. حديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، ودلالته على وجوب الزكاة أوضح من الذي قبله. وسيأتي الكلام عليه في أواخر كتاب الزكاة قبل أبواب صدقة الفطر بستة أبواب، وقوله في أوله "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال ادعهم" هكذا أورده في التوحيد مختصرا في أوله واختصر أيضا من آخره، وأورده في التوحيد عن أبي عاصم مثله لكنه قرنه برواية غيره، وقد أخرجه الدارمي في مسنده عن أبي عاصم ولفظه في أوله "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فادعهم " وفي آخره بعد قوله فقرائهم " فإن هم أطاعوا لك في ذلك فإياك وكرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم فإنها ليس لها من دون الله حجاب" وكذا قال في المواضع كلها "فإن أطاعوا لك في ذلك" والذي عند البخاري هنا " فإن هم أطاعوا لذلك" وستأتي هذه الزيادة من وجه آخر مع شرحها إن شاء الله تعالى. حديث أبي أيوب في سؤال الرجل عن العمل الذي يدخل به الجنة، وأجيب عنه بأن " تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم" ، وفي دلالته على الوجوب غموض. وقد أجيب عنه بأجوبة: أحدها أن سؤاله عن العمل الذي يدخل الجنة يقتضي أن لا يجاب بالنوافل قبل الفرائض فتحمل على الزكاة الواجبة. ثاني الأجوبة أن الزكاة قرينة الصلاة كما سيأتي في الباب من قول أبي بكر الصديق، وقد قرن بينهما في الذكر هنا. ثالثها أنه وقف دخول الجنة على أعمال من جملتها أداء الزكاة، فيلزم أن من لم يعملها لم يدخل، ومن لم يدخل الجنة دخل النار، وذلك يقتضي الوجوب. رابعها أنه أشار إلى أن القصة التي في حديث أبي أيوب والقصة التي في حديث أبي هريرة الذي يعقبه واحدة، فأراد أن يفسر الأول بالثاني لقوله فيه: "وتؤدي الزكاة المفروضة" وهذا أحسن الأجوبة. وقد أكثر المصنف من استعمال هذه الطريقة. وأما حديث أبي أيوب فقوله فيه: "عن ابن عثمان" الإبهام فيه من الراوي عن شعبة، وذلك أن اسم هذا الرجل عمرو، وكان شعبة يسميه محمدا، وكان الحذاق من أصحابه يهمونه كما وقع في رواية حفص بن عمرو كما سيأتي في الأدب عن أبي الوليد عن شعبة، وكان بعضهم يقول محمد كما قال شعبة، وبيان ذلك في طريق بهز التي علقها المصنف هنا ووصله في كتاب الأدب الآتي عن عبد الرحمن بن بشير عن بهز بن أسد، وكذا أخرجه مسلم والنسائي من طريق بهز. قوله: "عن موسى بن طلحة عن أبي أيوب" هو الأنصاري. ووقع في رواية مسلم الآتي ذكرها "حدثنا موسى بن طلحة حدثني أبو أيوب". قوله: "أن رجلا" هذا الرجل حكى ابن قتيبة في "غريب الحديث: "له أنه أبو أيوب الراوي، وغلطه بعضهم في ذلك فقال. إنما هو راوي الحديث. وفي التغليط نظر، إذ لا مانع أن يبهم الراوي نفسه لغرض له، ولا يقال يبعد، لوصفه في رواية أبي هريرة التي بعد هذه بكونه أعرابيا، لأنا نقول: لا مانع من تعدد القصة فيكون السائل في حديث أبي أيوب هو نفسه لقوله إن رجلا، والسائل في حديث أبي هريرة

(3/263)


أعرابي آخر قد سمي فيما رواه البغوي وابن السكن والطبراني في الكبير أبو مسلم الكجي في السنن من طريق محمد بن جحادة وغيره عن المغيرة بن عبد الله اليشكري أن أباه حدثه قال: "انطلقت إلى الكوفة فدخلت المسجد، فإذا رجل من قيس يقال له ابن المنتفق وهو يقول: وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبته فلقيته بعرفات، فزاحمت عليه، فقيل لي إليك عنه، فقال. دعوا الرجل، أرب ما له. قال فزاحمت عليه حتى خلصت إليه فأخذت بخطام راحلته فما غير علي، قال شيئين أسألك عنهما: ما ينجيني من النار، وما يدخلني الجنة؟ قال فنظر إلى السماء ثم أقبل علي بوجهه الكريم فقال: لئن كنت أوجزت المسألة لقد أعظمت وطولت فاعقل علي، اعبد الله لا تشرك به شيئا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأد الزكاة المفروضة، وصم رمضان" . وأخرجه البخاري في "التاريخ" من طريق يونس بن أبي إسحاق عن المغيرة بن عبد الله اليشكري عن أبيه قال: "غدوت فإذا رجل يحدثهم". قال وقال جرير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن المغيرة بن عبد الله قال: "سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم" ثم ذكر الاختلاف فيه عن الأعمش وأن بعضهم قال فيه عن المغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه والصواب المغيرة بن عبد الله اليشكري. وزعم الصيرفي أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صبرة وافد بني المنتفق، فالله أعلم. وقد يؤخذ من هذه الرواية أن السائل في حديث أبي هريرة هو السائل في حديث أبي أيوب لأن سياقه شبيه بالقصة التي ذكرها أبو هريرة لكن قوله في هذه الرواية: "أرب ما له" في رواية أبي أيوب دون أبي هريرة، وكذا حديث أبي أيوب وقع عند مسلم من رواية عبد الله بن نمير عن عمرو بن عثمان بلفظ: "أن أعرابيا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته ثم قال: يا رسول الله، أخبرني" فذكره. وهذا شبيه بقصة سؤال ابن المنتفق. وأيضا فأبو أيوب لا يقول عن نفسه "أن أعرابيا" والله أعلم. وقد وقع نحو هذا السؤال لصخر بن القعقاع الباهلي، ففي حديث الطبراني أيضا من طريق قزعة بن سويد الباهلي "حدثني أبي حدثني خالي واسمه صخر بن القعقاع قال: لقيت النبي صلى الله عليه وسلم بين عرفة ومزدلفة، فأخذت بخطام ناقته فقلت: يا رسول الله ما يقربني من الجنة ويباعدني من النار" فذكر الحديث وإسناده حصن. قوله: "قال ما له ما له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرب ما له" كذا في هذه الرواية لم يذكر فاعل قال ما له ما له. وفي رواية بهز المعلقة هنا الموصولة في كتاب الأدب" قال القوم ما له ما له "قال ابن بطال: هو استفهام والتكرار للتأكيد. وقوله: "أرب" بفتح الهمزة والراء منونا أي حاجة، وهو مبتدأ وخبره محذوف، استفهم أولا ثم رجع إلى نفسه فقال: "له أرب" انتهى، وهذا بناء على أن فاعل قال النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك لما بيناه، بل المستفهم الصحابة والمجيب النبي صلى الله عليه وسلم. وما زائدة كأنه قال: له حاجة ما. وقال ابن الجوزي: المعنى له حاجة مهمة مفيدة جاءت به لأنه قد علم بالسؤال أن له حاجة. وروي بكسر الراء وفتح الموحدة بلفظ الفعل الماضي، وظاهره الدعاء والمعنى التعجب من السائل. وقال النضر بن شميل: يقال أرب الرجل في الأمر إذا بلغ فيه جهده. وقال الأصمعي: أرب في الشيء صار ماهرا فيه فهو أريب، وكأنه تعجب من حسن فطنته والتهدي إلى موضع حاجته. ويؤيده قوله في رواية مسلم المشار إليها "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد وفق، ولقد هدي" وقال ابن قتيبة: قوله: "أرب" من الآراب وهي الأعضاء، أي سقطت أعضاؤه وأصيب بها كما يقال تربت يمينك وهو مما جاء بصيغة الدعاء ولا يراد حقيقته. وقيل: لما رأى الرجل يزاحمه دعا عليه، لكن دعاءه على المؤمن طهر له كما ثبت في الصحيح. وروى بفتح أوله وكسر الراء والتنوين أي هو أرب أي حاذق فطن. ولم أقف على صحة هذه الرواية. وجزم الكرماني بأنها ليست محفوظة. وحكى القاضي عن

(3/264)


رواية لأبي ذر أرب بفتح الجميع وقال: لا وجه له، قلت: وقعت في الأدب من طريق الكشميهني وحده. وقوله: "يدخلني الجنة" بضم اللام والجملة في موضع جر صفة لقوله: "بعمل" ويجوز الجزم جوابا للأمر. ورده بعض شراح "المصابيح "لأن قوله بعمل يصير غير موصوف مع أنه نكرة فلا يفيد. وأجيب بأنه موصوف تقديرا لأن التنكير للتعظيم فأفاد ولأن جزاء الشرط محذوف والتقدير إن عملته يدخلني. قوله: "وتصل الرحم" أي تواسي ذوي القرابة في الخيرات. وقال النووي: معناه أن تحسن إلى أقاربك ذوي رحمك بما تيسر على حسب حالك وحالهم من إنفاق أو سلام أو زيارة أو طاعة أو غير ذلك. وخص هذه الخصلة من بين خلاله الخير نظرا إلى حال السائل، كأنه كان لا يصل رحمه فأمره به لأنه المهم بالنسبة إليه. ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحض عليها بحسب حال المخاطب وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها إما لمشقتها عليه وإما لتسهيله في أمرها. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف. قوله: "أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، إنما هو عمرو" وجزم في "التاريخ" بذلك، وكذا قال مسلم في شيوخ شعبة، والدارقطني في "العلل" وآخرون: المحفوظ عمرو بن عثمان. وقال النووي: اتفقوا على أنه وهم من شعبة، وأن الصواب عمرو والله أعلم. حديث أبي هريرة قد تقدم الكلام عليه في كون الأعرابي السائل فيه هل هو السائل في حديث أبي أيوب أو لا، والأعرابي بفتح الهمزة من سكن البادية كما تقدم. قوله: "عن يحيى بن سعيد بن حيان عن أبي زرعة" قال أبو علي: وقع عند الأصيلي عن أبي أحمد الجرجاني هنا عن يحيى بن سعيد بن أبي حيان أو عن يحيى بن سعيد عن أبي حيان، وهو خطأ إنما هو يحيى بن سعيد بن حيان كما لغيره من الرواة. قوله: " وتقيم الصلاة المكتوية وتؤدي الزكاة المفروضة" قيل. فرق بين القيدين كراهية لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عبر في الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع فإنها زكاة لغوية، وقيل: احترز من الزكاة المعجلة قبل الحول فإنها زكاة وليست مفروضة. قوله فيه "وتصوم رمضان" لم يذكر الحج لأنه كان حينئذ حاجا ولعله ذكره له فاختصره. قوله: "قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا" زاد مسلم عن أبي بكر بن إسحاق عن عفان بهذا السند "شيئا أبدا، ولا أنقض منه" وباقي الحديث مثله. وظاهر قوله: "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" إما أن يحمل على أنه صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك فأخبر به، أو في الكلام حذف تقديره إن دام على فعل ذلك الذي أمر به. ويؤيده قوله في حديث أبي أيوب عند مسلم أيضا: " إن تمسك بما أمر به دخل الجنة "قال القرطبي: في هذا الحديث -وكذا حديث طلحة في قصة الأعرابي وغيرهما- دلالة على جواز ترك التطوعات، لكن من داوم على ترك السنن كان نقصا في دينه، فإن كان تركها تهاونا بها ورغبة عنها كان ذلك فسقا، يعني لورود الوعيد عليه حيث قال صلى الله عليه وسلم: "من رغب عن سنتي فليس مني" وقد كان صدر الصحابة ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما. وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها ووجوب العقاب على الترك ونفيه، ولعل أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال لئلا يثقل ذلك عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهلت عليهم انتهى. وقد تقدم الكلام على شيء من هذا في شرح حديث طلحة في كتاب الإيمان. قوله: "حدثنا مسدد عن يحيى" هو القطان. قوله: "عن أبي حيان" هو يحيى بن سعيد بن حيان المذكور في الإسناد الذي قبله. وأفادت هذه الرواية تصريح أبي حيان بسماعه

(3/265)


له من أبي زرعة، وبطل التردد وقع عند الجرجاني، لكن لم يذكر يحيى القطان في هذا الإسناد أبا هريرة كما هو في رواية أبي ذر وغيرها من الروايات المعتمدة، وثبت ذكره في بعض الروايات، وهو خطأ فقد ذكر الدارقطني في "التتبع "أن رواية القطان مرسلة كما تقدم ذلك في المقدمة. حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس فقد تقدم الكلام عليه مستوفى في أواخر كتاب الإيمان. وحجاج شيخ البخاري هنا هو ابن منهال. قوله: "وقال سليمان وأبو النعمان عن حماد" يعني ابن زيد بالإسناد المذكور في طريق حجاج "الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله" أي وافقا حجاجا على سياقه إلا في إثبات الواو في قوله: "وشهادة أن لا إله إلا الله "فحذفاها وهو أصوب، فأما سليمان فهو ابن حرب، وقد وصل المصنف حديثه هذا عنه في المغازي. وأما أبو النعمان فهو محمد بن الفضل. وقد وصل المصنف حديثه هذا عنه في الخمس. حديث أبي هريرة في قصة أبي بكر في قتال مانعي الزكاة، واحتجاجه في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن عصمة النفس والمال تتوقف على أداء الحق، وحق المال الزكاة". حديث أبي هريرة في قصة أبي بكر في قتال مانعي الزكاة فقد تقدم الكلام عليه في شرح حديث ابن عمر في باب قوله: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة" ويأتي الكلام على بقية ما يختص به في كتاب أحكام المرتدين إن شاء الله. قوله في هذه الرواية: "لما توفي رسوله الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر" "كان" تامة بمعنى حصل والمراد به قام مقامه. "تكميل": اختلف في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان أشار إليه النووي في باب السير من الروضة، وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة، وفيه نظر فقد تقدم في حديث ضمام بن ثعلبة وفي حديث وفد عبد القيس وفي عدة أحاديث ذكر الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل وكانت في أول السابعة وقال فيهما "يأمرنا بالزكاة "لكن يمكن تأويل كل ذلك كما سيأتي في آخر الكلام. وقوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولة ففيها "لا أنزلت آية الصدقة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عاملا فقال ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية". والجزية إنما وجبت في التاسعة فتكون الزكاة في التاسعة، لكنه حديث ضعيف لا يحتج به. وادعى ابن خزيمة في صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة وفيها أن جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام" انتهى، وفي استدلاله بذلك نظر، لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت بعد، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من قصة الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفرا فقال: "يأمرنا" بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيد جدا، وأولى ما حمل عليه حديث أم سلمة هذا -إن سلم من قدح في إسناده- أن المراد بقوله: "يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام" أي في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس ولا بالصيام صيام رمضان ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول والله أعلم. ومما يدل على أن فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث أنس المتقدم في العلم في قصة ضمام بن ثعلبة وقوله: "أنشدك الله. آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا" وكان قدوم ضمام سنة خمس كما تقدم. وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العمال لأخذ الصدقات، وذلك يستدعي تقدم فريضة الزكاة قبل ذلك. ومما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة، لأن الآية الدالة على فرضيته مدنية بلا خلاف، وثبت عند أحمد وابن خزيمة أيضا والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت فريضة

(3/266)


الزكاة فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله" إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد وهو كوفي اسمه عريب بالمهملة المفتوحة ابن حميد وقد وثقه أحمد وابن معين، وهو دال على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان وذلك بعد الهجرة وهو المطلوب. ووقع في "تاريخ الإسلام": في السنة الأولى فرضت الزكاة، وقد أخرج البيهقي في الدلائل حديث أم سلمة المذكور من طريق "المغازي لابن إسحاق" من رواية يونس بن بكير عنه وليس فيه ذكر الزكاة، وابن خزيمة أخرجه من حديث ابن إسحاق لكن من طريق سلمة بن الفضل عنه، وفي سلمة مقال. والله أعلم.

(3/267)


2 - باب الْبَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ
{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [11 التوبة]
1401 - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ قَالَ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ"
قوله: "باب البيعة على إيتاء الزكاة" قال الزين بن المنير: هذه الترجمة أخص من التي قبلها، لتضمنها أن بيعة الإسلام لا تتم إلا بالتزام إيتاء الزكاة وأن مانعها ناقض لعهده مبطل لبيعته فهو أخص من الإيجاب لأن كل ما تضمنته بيعة النبي صلى الله عليه وسلم واجب وليس كل واجب تضمنته بيعته، وموضع التخصيص الاهتمام والاعتناء بالذكر حال البيعة. قال: وأتبع المصنف الترجمة بالآية معتضدا بحكمها لأنها تضمنت أنه لا يدخل في التوبة من الكفر وينال أخوة المؤمنين في الدين إلا من أقام الصلاة وآتى الزكاة انتهى. تقدم الكلام على حديث جرير مستوفى في آخر كتاب الإيمان.

(3/267)


3 - باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [34-35 التوبة] {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ}
1402 - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَقَالَ وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ قَالَ وَلاَ يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ وَلاَ يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ"
[الحديث 1402 – أطرافه في: 2378, 3073, 9658]

(3/267)


4 - باب مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ
لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ"
1404 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ"
[الحديث 1404 – طرفه في: 4661]
1405 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ"
[الحديث 1405 – أطرافه في: 1447, 1459, 1484]
1406 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ سَمِعَ هُشَيْمًا أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ "مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا قَالَ كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قَالَ مُعَاوِيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَشْكُونِي فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنْ اقْدَمْ الْمَدِينَةَ فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ لِي إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ"
[الحديث 1406 – طرفه في: 466]
1407 - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلاَءِ عَنْ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ جَلَسْتُ ح و حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلاَءِ بْنُ الشِّخِّيرِ أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ "جَلَسْتُ إِلَى مَلإ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ

(3/271)


وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ بَشِّرْ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لاَ أَدْرِي مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ لاَ أُرَى الْقَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ قَالَ إِنَّهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا"
1408 - قَالَ لِي خَلِيلِي قَالَ قُلْتُ مَنْ خَلِيلُكَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ" وَإِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَعْقِلُونَ إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لاَ وَاللَّهِ لاَ أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا وَلاَ أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ"
قوله: "باب ما أدي زكاته فليس بكنز، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" قال ابن بطال وغيره: وجه استدلال البخاري بهذا الحديث للترجمة أن الكنز المنفي هو المتوعد عليه الموجب لصاحبه النار لا مطلق الكنز الذي هو أعم من ذلك، وإذا تقرر ذلك فحديث: "لا صدقة فيما دون خمس أواق" مفهومه أن ما زاد على الخمس ففيه الصدقة، ومقتضاه أن كل مال أخرجت منه الصدقة فلا وعيد على صاحبه فلا يسمى ما يفضل بعد إخراجه الصدقة كنزا. وقال ابن رشيد: وجه التمسك به أن ما دون الخمس وهو الذي لا تجب فيه الزكاة قد عفي عن الحق فيه فليس بكنز قطعا، والله قد أثنى على فاعل الزكاة، ومن أثني عليه في واجب حق المال لم يلحقه ذم من جهة ما أثني عليه فيه وهو المال. انتهى. ويتلخص أن يقال: ما لم تجب فيه الصدقة لا يسمى كنزا لأنه معفو عنه، فليكن ما أخرجت منه الزكاة كذلك لأنه عفي عنه بإخراج ما وجب عنه فلا يسمى كنزا. ثم إن لفظ الترجمة لفظ حديث روي مرفوعا وموقوفا عن ابن عمر أخرجه مالك عن عبد الله بن دينار عنه موقوفا، وكذا أخرجه الشافعي عنه، ووصله البيهقي والطبراني من طريق الثوري عن عبد الله بن دينار وقال: إنه ليس بمحفوظ. وأخرجه البيهقي أيضا من رواية عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "كل ما أديت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكل ما لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا على وجه الأرض" أورده مرفوعا ثم قال: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه. وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بالكنز معناه الشرعي. وفي الباب عن جابر أخرجه الحاكم بلفظ: "إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره" ورجح أبو زرعة والبيهقي وغيرهما وقفه كما عند البزار. وعن أبي هريرة أخرجه الترمذي بلفظ: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك" وقال: حسن غريب، وصححه الحاكم، وهو على شرط ابن حبان. وعن أم سلمة عند الحاكم وصححه ابن القطان أيضا وأخرجه أبو داود. وقال ابن عبد البر: في سنده مقال. وذكر شيخنا1 في "شرح الترمذي" أن سنده جيد.
ـــــــ
1 هو الحافظ العراقي. ولفظه عند أبي داود "عن أم سلمة أنها كانت تلبس أوضاحا من ذهب فقالت: يارسول الله, أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي, فليس بكنز". اهـ وسنده جيد كما قال العراقي. وهوحجة ظاهرة على أن الكنز المتوعد عليه بالعذاب هو المال الذي لا تؤدى زكاته. والله أعلم

(3/272)


وعن ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة موقوفا بلفظ الترجمة، وأخرجه أبو داود مرفوعا بلفظ: "أن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم" وفيه قصة. قال ابن عبد البر: والجمهور على أن الكنز المذموم ما لم تؤد زكاته. ويشهد له حديث أبي هريرة مرفوعا: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك" فذكر بعض ما تقدم من الطرق ثم قال: ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من أهل الزهد كأبي ذر، وسيأتي شرح ما ذهب إليه من ذلك في هذا الباب. قوله: "وقال أحمد بن شبيب" كذا للأكثر. وفي رواية أبي ذر "حدثنا أحمد" وقد وصله أبو داود في "كتاب الناسخ والمنسوخ" عن محمد بن يحيى وهو الذهلي، عن أحمد بن شبيب بإسناده. ووقع لنا بعلو في جزء الذهلي وسياقه أتم مما في البخاري وزاد فيه سؤال الأعرابي "أترث العمة؟ قال ابن عمر: لا أدري. فلما أدبر قبل ابن عمر يديه1 ثم قال: نعم ما قال أبو عبد الرحمن - يعني نفسه - سئل عما لا يدري فقال: لا أدري. وزاد في آخره - بعد قوله: طهرة للأموال - ثم التفت إلي فقال: ما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى" وهو عند ابن ماجه من طريق عقيل عن الزهري. قوله: "من كنزها فلم يؤد زكاتها" أفرد الضمير إما على سبيل تأويل الأموال، أو عودا إلى الفضة لأن الانتفاع بها أكثر أو كان وجودها في زمنهم أكثر من الذهب، أو على الاكتفاء ببيان حالها عن بيان حال الذهب، والحامل على ذلك رعاية لفظ القرآن حيث قال: {يُنْفِقُونَهَا} قال صاحب الكشاف: أفرد ذهابا إلى المعنى دون اللفظ، لأن كل واحد منهما جملة وافية. وقيل: المعنى ولا ينفقونها، والذهب كذلك، وهو كقول الشاعر وإني وقيار بها لغريب أي وقيار كذلك. قوله: "إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة" هذا مشعر بأن الوعيد على الاكتناز -وهو حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساة به- كان في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح وقدرت نصب الزكاة، فعلى هذا المراد بنزول الزكاة بيان نصبها ومقاديرها لا إنزال أصلها. والله أعلم. وقال ابن عمر "لا أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا" كأنه يشير إلى قول أبي ذر الآتي آخر الباب. والجمع بين كلام ابن عمر وحديث أبي ذر أن يحمل حديث أبي ذر على مال تحت يد الشخص لغيره فلا يجب أن يحبسه عنه، أو يكون له لكنه ممن يرجى فضله وتطلب عائدته كالإمام الأعظم فلا يجب أن يدخر عن المحتاجين من رعيته شيئا، ويحمل حديث ابن عمر على مال يملكه قد أدى زكاته فهو يحب أن يكون عنده ليصل به قرابته ويستغني به عن مسألة الناس، وكان أبو ذر يحمل الحديث على إطلاقه فلا يرى بادخار شيء أصلا. قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي حيث قال: "هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع" انتهى. والظاهر أن ذلك كان في أول الأمر كما تقدم عن ابن عمر، وقد استدل له ابن بطال بقوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} أي ما فضل عن الكفاية، فكان ذلك واجبا في أول الأمر ثم نسخ. والله أعلم. وفي المسند من طريق يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال: "كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة ثم يخرج إلى قومه، ثم يرخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع الرخصة ويتعلق بالأمر الأول" ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها حديث أبي سعيد في تقدير نصب زكاة الورق
ـــــــ
1 في المخطوطة "يده"

(3/273)


وغيره. قوله: "أخبرني يحيى بن أبي كثير" تعقبه الدارقطني وأبو مسعود بأن عبد الوهاب بن نجدة خالف إسحاق بن يزيد شيخ البخاري فيه فقال: "عن شعيب عن الأوزاعي حدثني يحيى بن سعيد وحماد" ورواه داود بن رشيد وهشام بن خالد جميعا عن شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى غير منسوب وقال: "الوليد بن مسلم رواه عن الأوزاعي عن عبد الرحمن بن اليمان عن يحيى بن سعيد. وقال الإسماعيلي: هذا الحديث مشهور عن يحيى بن سعيد رواه عنه الخلق، وقد رواه داود بن رشيد عن شعيب فقال: "عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد" انتهى. وقد تابع إسحاق بن يزيد سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي عن شعيب بن إسحاق أخرجه أبو عوانة والإسماعيلي من طريقه، وذلك دال على أنه عند شعيب عن الأوزاعي على الوجهين، لكن دلت رواية الوليد بن مسلم على أن رواية الأوزاعي عن يحيى بن سعيد بغير واسطة موهومة أو مدلسة، ولذلك عدل عنها البخاري واقتصر على طريق يحيى بن أبي كثير. والله أعلم. قوله: "عن أبيه يحيى بن عمارة" في رواية يحيى بن سعيد عن عمرو أنه سمع أباه، وسيأتي الكلام عليه مستوفى بعد بضعة وعشرين بابا. ثانيها حديث أبي ذر مع معاوية. قوله: "حدثنا علي سمع هشيما" كذا للأكثر. وفي رواية أبي ذر عن مشايخه "حدثنا علي بن أبي هاشم" وهو المعروف بابن طبراخ بكسر المهملة وسكون الموحدة وآخره معجمة، ووقع في "أطراف المزي" عن علي بن عبد الله المديني وهو خطأ. قوله: "عن زيد بن وهب" هو التابعي الكبير الكوفي أحد المخضرمين. قوله: "بالربذة" بفتح الراء والموحدة والمعجمة مكان معروف بين مكة والمدينة، نزل به أبو ذر في عهد عثمان ومات به، وقد ذكر في هذا الحديث سبب نزوله، وإنما سأله زيد بن وهب عن ذلك لأن مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه أنه نفى أبا ذر، وقد بين أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان كان باختياره. نعم أمره عثمان بالتنحي عن المدينة لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه المذكور فاختار الربذة، وقد كان يغدو إليها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أصحاب السنن من وجه آخر عنه، وفيه قصة له في التيمم. وروينا في فوائد أبي الحسن بن جذلم بإسناده إلى عبد الله بن الصامت قال: "دخلت مع أبي ذر على عثمان، فحسر عن رأسه فقال: والله ما أنا منهم يعني الخوارج. فقال. إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة. فقال: لا حاجة لي في ذلك، ائذن لي بالربذة. قال: نعم". ورواه أبو داود الطيالسي من هذا الوجه دون آخره وقال بعد قوله ما أنا منهم "ولا أدركهم، سيماهم التحليق، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، والله لو أمرتني أن أقوم ما قعدت" وفي "طبقات ابن سعد" من وجه آخر "أن ناسا من أهل الكوفة قالوا لأبي ذر وهو بالربذة: إن هذا الرجل فعل بك وفعل، هل أنت ناصب لنا راية - يعني فنقاتله - فقال: لا، لو أن عثمان سيرني من المشرق إلى المغرب لسمعت وأطعت". قوله: "كنت بالشام" يعني بدمشق، ومعاوية إذ ذاك عامل عثمان عليها. وقد بين السبب في سكناه الشام ما أخرجه أبو يعلى من طريق أخرى عن زيد بن وهب "حدثني أبو ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا بلغ البناء - أي بالمدينة سلعا ترتحل إلى الشام. فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام فسكنت بها" فذكر الحديث نحوه. وعنده أيضا بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس قال: "استأذن أبو ذر على عثمان فقال. إنه يؤذينا، فلما دخل قال له عثمان: أنت الذي تزعم أنك خير من أبي بكر وعمر؟ قال. لا، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أحبكم إلي وأقربكم مني من بقي على العهد الذي عاهدته عليه، وأنا باق على عهده" . قال فأمر أن يلحق بالشام. وكان يحدثهم ويقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم، فكتب معاوية إلى عثمان:

(3/274)


إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر. فكتب إليه عثمان أن اقدم علي، فقدم. قوله: "في والذين يكنزون الذهب والفضة" سيأتي في تفسير براءة من طريق جرير عن حصين بلفظ: "فقرأت والذين يكنزون الذهب والفضة" إلى آخر الآية. قوله: "نزلت في أهل الكتاب" في رواية جرير "ما هذه فينا". قوله: "فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني" في رواية الطبري. أنهم كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام، قال فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام. قوله: "إن شئت تنحيت" في رواية الطبري "فقال له تنح قربيا. وقال: والله لن أدع ما كنت أقوله" وكذا لابن مردويه من طريق ورقاء عن حصين بلفظ: "والله لا أدع ما قلت". قوله: "حبشيا" في رواية ورقاء "عبدا حبشيا "ولأحمد وأبي يعلى من طريق أبي حرب بن أبي الأسود عن عمه عن أبي ذر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: كيف تصنع إذا أخرجت منه؟ أي المسجد النبوي، قال: آتي الشام. قال: كيف تصنع إذا أخرجت منها؟ قال. أعود إليه. أي المسجد. قال: كيف تصنع إذا أخرجت منه؟ قال: أضرب بسيفي. قال: أدلك1 على ما هو خير لك من ذلك وأقرب رشدا، قال: تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك". وعند أحمد أيضا من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن أبي ذر نحوه، والصحيح أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه. وتعقبه النووي بالإبطال. لأن السلاطين حينئذ كانوا مثل أبي بكر وعمر وعثمان، وهؤلاء لم يخونوا. قلت. لقوله محمل. وهو أنه أراد من يفعل ذلك وإن لم يوجد حينئذ من يفعله. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لاتفاق أبي ذر ومعاوية على أن الآية نزلت في أهل الكتاب. وفيه ملاطفة الأئمة للعلماء، فإن معاوية لم يجسر على الإنكار عليه حتى كاتب من هو أعلى منه في أمره، وعثمان لم يحنق على أبي ذر مع كونه كان مخالفا له في تأويله. وفيه التحذير من الشقاق والخروج على الأئمة، والترغيب في الطاعة لأولي الأمر وأمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة، وجواز الاختلاف في الاجتهاد، والأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى ذلك إلى فراق الوطن، وتقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة لأن في بقاء أبي ذر بالمدينة مصلحة كبيرة من بث علمه في طالب العلم، ومع ذلك فرجح عند عثمان دفع ما يتوقع من المفسدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة، ولم يأمره بعد ذلك بالرجوع عنه لأن كلا منهما كان مجتهدا. قوله: "حدثنا عياش" هو ابن الوليد الرقام، وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى، والجريري بضم الجيم هو سعيد، وأبو العلاء هو يزيد بن عبد الله بن الشخير. وأردف المصنف هذا الإسناد بالإسناد الذي بعده وإن كان أنزل منه لتصريح عبد الصمد وهو ابن عبد الوارث فيه بتحديث أبي العلاء للجريري، والأحنف لأبي العلاء. وقد روى الأسود بن شيبان عن أبي العلاء يزيد المذكور عن أخيه مطرف عن أبي ذر طرفا من آخر هذا الحديث أيضا، وأخرجه أحمد، وليس ذلك بعلة لحديث الأحنف لأن حديث الأحنف أتم سياقا وأكثر فوائد، ولا مانع أن يكون ليزيد فيه شيخان. قوله: "جلست إلى ملأ" في رواية مسلم والإسماعيلي من طريق إسماعيل بن علية عن الجريري "قدمت المدينة، فبينما أنا في حلقة من قريش". قوله: "خشن الشعر إلخ" كذا للأكثر بمعجمتين من الخشونة، وللقابسي بمهملتين من الحسن، والأول أصح. ووقع في رواية مسلم: "أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه فقام عليهم" وليعقوب بن سفيان من طريق حميد بن هلال عن الأحنف "قدمت
ـــــــ
1 في المخطوطة "ألا أدلك"

(3/275)


المدينة فدخلت مسجدها إذ دخل رجل آدم طوال أبيض الرأس واللحية يشبه بعضه بعضا فقالوا. هذا أبو ذر". قوله: "بشر الكانزين" في رواية الإسماعيلي: "بشر الكنازين". قوله: "برضف" بفتح الراء وسكون المعجمة بعدها فاء هي الحجارة المحماة واحدها رضفة. قوله: "نغض" بضم النون وسكون المعجمة بعدها ضاد معجمة: العظم الدقيق الذي على طرف الكتف أو على أعلى الكتف، قال الخطابي: هو الشاخص منه، وأصل النغض الحركة فسمي ذلك الموضع نغضا لأنه يتحرك بحركة الإنسان. قوله: "يتزلزل" أي يضطرب ويتحرك، في رواية الإسماعيلي: "فيتجلجل" بجيمين، وزاد إسماعيل في هذه الرواية: "فوضع القوم رءوسهم، فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا. قال: فأدبر، فاتبعته حتى جلس إلى سارية". قوله: "وأنا لا أدري من هو" زاد مسلم من طريق خليد العصري عن الأحنف "فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر، فقمت إليه فقلت: ما شيء سمعتك تقوله؟ قال: ما قلت إلا شيئا سمعته من نبيهم صلى الله عليه وسلم". وفي هذه الزيادة رد لقول من قال إنه موقوف على أبي ذر فلا يكون حجة على غيره. ولأحمد من طريق يزيد الباهلي عن الأحنف "كنت بالمدينة، فإذا أنا برجل يفر منه الناس حين يرونه، قلت: من أنت؟ قال: أبو ذر. قلت: ما نفر الناس عنك؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "إنهم لا يعقلون شيئا" بين وجه ذلك في آخر الحديث حيث قال: "إنما يجمعون الدنيا". وقوله: "لا أسألهم دنيا" في رواية إسماعيل المذكورة "فقلت: ما لك ولإخوانك من قريش، لا تعتريهم ولا تصيب منهم؟ قال: وربك لا أسألهم دنيا إلخ". قوله: "قلت: ومن خليلك؟ قال: النبي صلى الله عليه وسلم" فاعل قال هو أبو ذر والنبي صلى الله عليه وسلم خبر المبتدأ كأنه قال: خليلي النبي صلى الله عليه وسلم وسقط بعد ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أو قال فقط، وكأن بعض الرواة ظنها مكررة فحذفها ولا بد من إثباتها. قوله: " يا أبا ذر أتبصر أحدا" وهو حديث مستقل سيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الرقاق. وعلى ما وقع في هذه الرواية من قوله: "إلا ثلاثة دنانير " إن شاء الله تعالى. وإنما أورده أبو ذر للأحنف لتقوية ما ذهب إليه من ذم اكتناز المال، وهو ظاهر في ذلك إلا أنه ليس على الوجوب، ومن ثم عقبه المصنف بالترجمة التي تليه. قوله: "وإن هؤلاء لا يعقلون" هو من كلام أبي ذر كرره تأكيدا لكلامه ولربط ما بعده عليه.

(3/276)


5 - باب إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي حَقِّهِ
1409 - حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن إسماعيل قال حدثني قيس عن بن مسعود رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "لا حسد لا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها"
" باب إنفاق المال في حقه"، وأورد فيه الحديث الدال على الترغيب في ذلك، وهو من أدل دليل على أن أحاديث الوعيد محمولة على من لا يؤدي الزكاة، وأما حديث: "ما أحب أن لي أحدا ذهبا" فمحمول على الأولوية، لأن جمع المال وإن كان مباحا لكن الجامع مسؤول عنه، وفي المحاسبة خطر وإن كان الترك أسلم، وما ورد من الترغيب في تحصيله وإنفاقه في حقه فمحمول على من وثق بأنه يجمعه من الحلال الذي يأمن خطر المحاسبة عليه، فإنه إذا أنفقه حصل له ثواب ذلك النفع المتعدي، ولا يتأتى ذلك لمن لم يحصل شيئا كما تقدم شاهده في حديث: "ذهب أهل الدثور بالأجور" والله أعلم. وقد تقدم الكلام على حديث الباب مستوفى في أوائل كتاب العلم، قال الزين بن

(3/276)


المنير: في هذا الحديث حجة على جواز إنفاق جميع المال وبذله في الصحة والخروج عنه بالكلية في وجوه البر، ما لم يؤد إلى حرمان الوارث ونحو ذلك مما منع منه الشرع. قوله وان هؤلاء لا يعقلون هو من كلام أبي ذر كرره تأكيدا لكلامه ولربط ما بعده عليه قوله "وان هؤلاء لا يعقلون هو من كلام أبي ذر كرره تأكيدا لكلامه ولربط ما بعده عليه

(3/277)


6 - باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ [264 البقرة]:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} - إلى قوله - {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {صَلْدًا} لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَالَ عِكْرِمَةُ {وَابِلٌ} مَطَرٌ شَدِيدٌ وَالطَّلُّ النَّدَى
قوله: "باب الرياء في الصدقة" قال الزين بن المنير: يحتمل أن يكون مراده إبطال الرياء للصدقة فيحمل على ما تمحض منها لحب المحمدة والثناء من الخلق بحيث لولا ذلك لم يتصدق بها. قوله: "لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} - إلى قوله: {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} " قال الزين بن المنير: وجه الاستدلال من الآية أن الله تعالى شبه مقارنة المن والأذى للصدقة أو اتباعها بإنفاق الكافر المرائي الذي لا يجد بين يديه شيئا منه، ومقارنة الرياء من المسلم لصدقته أقبح من مقارنة الإيذاء، وأولى أن يشبه بإنفاق الكافر المرائي في إبطال إنفاقه اه. وقال ابن رشيد: اقتصر البخاري في هذه الترجمة على الآية، ومراده أن المشبه بالشيء يكون أخفى من المشبه به، لأن الخفي ربما شبه بالظاهر ليخرج من حيز الخفاء إلى الظهور. ولما كان الإنفاق رياء من غير المؤمن ظاهرا في إبطال الصدقة شبه به الإبطال بالمن والأذى، أي حالة هؤلاء في الإبطال كحالة هؤلاء، هذا من حيث الجملة، ولا يبعد أن يراعى حال التفضيل أيضا لأن حال المان شبيه بحال المرائي، لأنه لما من ظهر أنه لم يقصد وجه الله، وحال المؤذي يشبه حال الفاقد للإيمان من المنافقين لأن من يعلم أن للمؤذي ناصرا ينصره لم يؤذه، فعلم بهذا أن حالة المرائي أشد من حالة المان والمؤذي انتهى. ويتلخص أن يقال: لما كان المشبه به أقوى من المشبه، وإبطال الصدقة بالمن والأذى قد شبه بإبطالها بالرياء فيها كان أمر الرياء أشد. قوله: "وقاله ابن عباس: صلدا ليس عليه شيء" وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هكذا في قوله: "فتركه صلدا" أي ليس عليه شيء. وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة في هذه الآية قال: "هذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ كما ترك هذا المطر الصفا نقيا ليس عليه شيء"، ومن طريق أسباط عن السدي نحوه.

(3/277)


باب لايقبل الله صدقة من غلول ولا يفبل إلا من كسب طيب
...
7 - باب لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلاَ يَقْبَلُ إِلاَّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ [البقرة 263]:
{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}

(3/277)


8 - باب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ[البقرة 276-277]:

(3/277)


باب اصدقة قبل الرد
...
9 - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ
1411 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا يَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلاَ حَاجَةَ لِي بِهَا"
[الحديث 1411 – طرفاه في: 1424,7120]
1412 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لاَ أَرَبَ لِي"
1413 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ "كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكَ إِلاَّ قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ وَأَمَّا الْعَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لاَ تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلاَ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولاً فَلَيَقُولَنَّ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمْ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ"
[الحديث 1413 – أطرافه في: 1417, 3595, 6023, 6540, 6563, 7443, 7512]
1414 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنْ الذَّهَبِ ثُمَّ لاَ يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ"

(3/281)


قوله: "باب الصدقة قبل الرد" قال الزين بن المنير ما ملخصه: مقصوده بهذه الترجمة الحث على التحذير من التسويف بالصدقة، لما في المسارعة إليها من تحصيل النمو المذكور. قيل لأن التسويف بها قد يكون ذريعة إلى عدم القابل لها إذ لا يتم مقصود الصدقة إلا بمصادفة المحتاج إليها، وقد أخبر الصادق أنه سيقع فقد الفقراء المحتاجين إلى الصدقة بأن يخرج الغني صدقته فلا يجد من يقبلها. فإن قيل إن من أخرج صدقته مثاب على نيته ولو لم يجد من يقبلها، فالجواب أن الواجد يثاب ثواب المجازاة والفضل، والناوي يثاب ثواب الفضل فقط والأول أربح والله أعلم. ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث في كل منها الإنذار بوقوع فقدان من يقبل الصدقة. حارثة بن وهب هو الخزاعي. قوله: " فإنه يأتي عليكم زمان " سيأتي بعد سبعة أبواب - من وجه آخر - بلفظ: "فسيأتي". قوله: "يقول الرجل" أي الذي يريد المتصدق أن يعطيه إياها. قوله: "فأما اليوم فلا حاجة لي بها" في رواية الكشميهني: "فيها"، والظاهر أن ذلك يقع في زمن كثرة المال وفيضه قرب الساعة كما قال ابن بطال، ومن ثم أورده المصنف في كتاب الفتن كما سيأتي. حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب، وقد ساقه في الفتن بالإسناد المذكور هنا مطولا، ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى. وقوله: "حتى يهم" بفتح أوله وضم الهاء، و "رب المال" منصوب على المفعولية وفاعله قوله: " من يقبله" يقال همه الشيء أحزنه. ويروى بضم أوله يقال أهمه الأمر أقلقه. وقال النووي في شرح مسلم: ضبطوه بوجهين أشهرهما بضم أوله وكسر الهاء ورب المال مفعول والفاعل من يقبل أي يحزنه، والثاني بفتح أوله وضم الهاء ورب المال فاعل ومن مفعول أي يقصد. والله أعلم. قوله: "لا أرب لي" زاد في الفتن "به" أي لا حاجة لي به لاستغنائي عنه. حديث عدي بن حاتم، وقد أورده المصنف بأتم من هذا السياق، ويأتي الكلام عليه مستوفى. وشاهده هنا قوله فيه "فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه" وهو موافق لحديث أبي هريرة الذي قبله ومشعر بأن ذلك يكون في آخر الزمان. وحديث أبي موسى الآتي بعده مشعر بذلك أيضا، وقد أشار عدي بن حاتم - كما سيأتي في علامات النبوة - إلى أن ذلك لم يقع في زمانه وكانت وفاته في خلافة معاوية بعد استقرار أمر الفتوح، فانتفى قول من زعم أن ذلك وقع في ذلك الزمان. قال ابن التين: إنما يقع ذلك بعد نزول عيسى حين تخرج الأرض بركاتها حتى تشبع الرمانة أهل البيت ولا يبقى في الأرض كافر. ويأتي الكلام على اتقاء النار ولو بشق تمرة في الباب الذي يليه. قوله: "من الذهب" خصه بالذكر مبالغة في عدم من يقبل الصدقة، وكذا قوله يطوف ثم لا يجد من يقبلها وقوله: "ويرى الرجل إلخ" تقدم الكلام عليه مستوفى في "باب رفع العلم" من كتاب العلم.

(3/282)


10 - باب اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَالْقَلِيلِ مِنْ الصَّدَقَةِ
{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الْآيَةَ - إلى قوله: {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ}
1415 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا مُرَائِي وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا فَنَزَلَتْ {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} الْآيَةَ"

(3/282)


[الحديث 1415 – أطرافه في: 1416, 2273, 4668, 4669]
1416 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ الْمُدَّ وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ"
1417 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"
1418 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: " مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ"
[الحديث 1418 – طرفه في: 5995]
قوله: "باب اتقوا النار ولو بشق تمرة، والقليل من الصدقة، {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ - إلى قوله - فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} " قال الزين بن المنير وغيره: جمع المصنف بين لفظ الخبر والآية لاشتمال ذلك كله على الحث على الصدقة قليلها وكثيرها، فإن قوله تعالى: {أَمْوَالَهُمْ} يشمل قليل النفقة وكثيرها، ويشهد له قوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس"، فإنه يتناول القليل والكثير، إذ لا قائل بحل القليل دون الكثير. وقوله: "اتقوا النار ولو بشق تمرة "يتناول الكثير والقليل أيضا، والآية أيضا مشتملة على قليل الصدقة وغيرها من جهة التمثيل المذكور فيها بالطل والوابل، فشبهت الصدقة بالقليل بإصابة الطل والصدقة بالكثير بإصابة الوابل. وأما ذكر القليل من الصدقة بعد ذكر شق التمرة فهو من عطف العام على الخاص، ولهذا أورد في الباب حديث أبي مسعود الذي كان سببا لنزول قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} . وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: تقدير الآية مثل تضعيف أجور الذين ينفقون كمثل تضعيف ثمار الجنة بالمطر، إن قليلا فقليل، وإن كثيرا فكثير. وكأن البخاري أتبع الآية الأولى التي ضربت مثلا بالربوة بالآية الثانية التي تضمنت ضرب المثل لمن عمل عملا يفقده أحوج ما كان إليه للإشارة إلى اجتناب الرياء في الصدقة، ولأن قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يشعر بالوعيد بعد الوعد، فأوضحه بذكر الآية الثانية، وكأن هذا هو السر في اقتصاره على بعضها اختصارا. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث. حديث أبي مسعود ورد من وجهين تاما ومختصرا. قوله: "عن سليمان" هو الأعمش، وأبو مسعود هو الأنصاري البدري. قوله: "لما نزلت آية الصدقة" كأنه يشير إلى قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} الآية. قوله: "كنا نحامل" أي نحمل على ظهورنا بالأجرة، يقال حاملت بمعنى حملت كسافرت. وقال الخطابي: يريد نتكلف الحمل بالأجرة لنكتسب ما نتصدق به، ويؤيده قوله في الرواية الثانية التي بعد هذه حيث قال: "انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل" أي يطلب الحمل بالأجرة. قوله: "فجاء رجل فتصدق بشيء كثير"

(3/283)


هو عبد الرحمن بن عوف كما سيأتي في التفسير، والشيء المذكور كان ثمانية آلاف أو أربعة آلاف. قوله: "وجاء رجل" هو أبو عقيل بفتح العين كما سيأتي في التفسير، ونذكر هناك إن شاء الله تعالى الاختلاف في اسمه واسم أبيه ومن وقع له ذلك أيضا من الصحابة كأبي خيثمة، وأن الصاع إنما حصل لأبي عقيل لكونه أجر نفسه على النزح من البئر بالحبل. قوله: "فقالوا" سمي من اللامزين في "مغازي الواقدي "معتب بن قشير وعبد الرحمن بن نبتل بنون ومثناة مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة ثم لام. قوله: "يلمزون" أي يعيبون، وشاهد الترجمة قوله: { وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} . قوله: "سعيد بن يحيى" أي ابن سعيد الأموي. قوله: "فيحامل" بضم التحتانية واللام مضمومة بلفظ المضارع من المفاعلة. ويروي بفتح المثناة وفتح اللام أيضا، ويؤيده قوله في رواية زائدة الآتية في التفسير "فيحتال أحدنا حتى يجيء بالمد". قوله: "فيصيب المد" أي في مقابلة أجرته فيتصدق به. قوله: "وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف" زاد في التفسير "كأنه يعرض بنفسه" وأشار بذلك إلى ما كانوا عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من قلة الشيء، وإلى ما صاروا إليه بعده من التوسع لكثرة الفتوح، ومع ذلك فكانوا في العهد الأول يتصدقون بما يجدون ولو جهدوا، والذين أشار إليهم آخرا بخلاف ذلك. "تنبيه": وقع بخط مغلطاي في شرحه "وإن لبعضهم اليوم ثمانية آلاف" وهو تصحيف. عدي بن حاتم وهو بلفظ الترجمة، وهو طرف من حديثه المذكور في الباب الذي قبله، و "بشق" بكسر المعجمة نصفها أو جانبها، أي ولو كان الاتقاء بالتصدق بشق تمرة واحدة فإنه يفيد. وفي الطبراني من حديث فضالة بن عبيد مرفوعا: " اجعلوا بينكم وبين النار حجابا ولو بشق تمرة" ولأحمد من حديث ابن مسعود مرفوعا بإسناد صحيح "ليتق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة" ، وله من حديث عائشة بإسناد حسن "يا عائشة، استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان" ، ولأبي يعلى من حديث أبي بكر الصديق نحوه وأتم منه بلفظ: "تقع من الجائع موقعها من الشبعان" وكأن الجامع بينهما في ذلك حلاوتها. وفي الحديث الحث على الصدقة بما قل وما جل، وأن لا يحتقر ما يتصدق به، وأن اليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار. حديث عائشة، وسيأتي في الأدب من وجه آخر عن الزهري بسنده، وفيه التقييد بالإحسان ولفظه: "من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار" وسيأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى. ومناسبته للترجمة من جهة أن الأم المذكورة لما قسمت التمرة بين ابنتيها صار لكل واحدة منهما شق تمرة، وقد دخلت في عموم خبر الصادق أنها ممن ستر من النار لأنها ممن ابتلي بشيء من البنات فأحسن. ومناسبة فعل عائشة للترجمة من قوله: "والقليل من الصدقة" وللآية من قوله: {وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} لقولها في الحديث: "فلم تجد عندي غير تمرة" وفيه شدة حرص عائشة على الصدقة امتثالا لوصيته صلى الله عليه وسلم لها حيث قال: "لا يرجع من عندك سائل ولو بشق تمرة" رواه البزار من حديث أبي هريرة.

(3/284)


11 - باب فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ
لِقَوْلِه [10 المنافقون]: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الآية
وقوله [254 البقرة]: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعَ فِيهِ}
1419 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا

(3/284)


أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلاَ تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا وَلِفُلاَنٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ"
[الحديث 1419 – طرفه في: 2748]
قوله: "باب فضل صدقة الشحيح الصحيح" كذا لأبي ذر، ولغيره: "أي الصدقة أفضل، وصدقة الشحيح الصحيح، لقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الآية", فعلى الأول المراد فضل من كان كذلك على غيره وهو واضح، وعلى الثاني كأنه تردد في إطلاق أفضلية من كان كذلك, فأورد الترجمة بصيغة الاستفهام. قال الزين بن المنير ما ملخصه: مناسبة الآية للترجمة أن معنى الآية التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل واشتغالا بطول الأمل، والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية. والمراد بالصحة في الحديث من لم يدخل في مرض مخوف فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة كما أشار إليه في آخره بقوله: "ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم" ، ولما كانت مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام مانع الشح دالا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة كان ذلك أفضل من غيره، وليس المراد أن نفس الشح هو السبب في هذه الأفضلية. والله أعلم.
" تنبيه ": وقع في رواية غير أبي ذر تقديم آية المنافقين على آية البقرة. وفي رواية أبي ذر بالعكس. قوله: "حدثنا عبد الواحد" هو ابن زياد. قوله: "جاء رجل" لم أقف على تسميته، ويحتمل أن يكون أبا ذر، ففي مسند أحمد عنه أنه سأل أي الصدقة أفضل، لكن في الجواب "جهد من مقل أوسر إلى فقير" وكذا روى الطبراني من حديث أبي أمامة أن أبا ذر سأل فأجيب. قوله: "أي الصدقة أعظم أجرا" في الوصايا من وجه آخر عن عمارة بن القعقاع "أي الصدقة أفضل". قوله: "أن تصدق" بتشديد الصاد وأصله تتصدق فأدغمت إحدى التاءين. قوله: " وأنت صحيح شحيح" في الوصايا " وأنت صحيح حريص" قال صاحب المنتهى: الشح بخل مع حرص. وقال صاحب المحكم: الشح مثلث الشين والضم أعلى. وقال صاحب الجامع: كأن الفتح في المصدر والضم في الاسم. وقال الخطابي: فيه أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سيمة البخل، فلذلك شرط صحة البدن في الشح بالمال لأنه في الحالتين يجد للمال وقعا في قلبه لما يأمله من البقاء فيحذر معه الفقر، وأحد الأمرين للموصي والثالث للوارث لأنه إذا شاء أبطله. قال الكرماني: ويحتمل أن يكون الثالث للموصي أيضا لخروجه عن الاستقلال بالتصرف فيما يشاء فلذلك نقص ثوابه عن حال الصحة. قال ابن بطال وغيره: لما كان الشح غالبا في الصحة فالسماح فيه بالصدقة أصدق في النية وأعظم للأجر، بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير المال لغيره. قوله: "وتأمل" بضم الميم أي تطمع. قوله: "إذا بلغت" أي الروح، والمراد قاربت بلوغه إذ لو بلغته حقيقة لم يصح شيء من تصرفاته. ولم يجر للروح ذكر اغتناء بدلالة السياق. والحلقوم مجرى النفس قاله أبو عبيدة، وقد تقدم في أواخر كتاب العلم، وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى.

(3/285)


1420 – باب: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ

(3/285)


عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا قَالَ: "أَطْوَلُكُنَّ يَدًا" فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ"
قوله: "باب" كذا للأكثر وبه جزم الإسماعيلي، وسقط لأبي ذر، فعلى روايته هو من ترجمة فضل صدقة الصحيح، وعلى رواية غيره فهو بمنزلة الفصل منه وأورد فيه المصنف قصة سؤال أزواج النبي صلى الله عليه وسلم منه أيتهن أسرع لحوقا به، وفيه قوله لهن "أطولكن يدا" الحديث. ووجه تعلقه بما قبله أن هذا الحديث تضمن أن الإيثار والاستكثار من الصدقة في زمن القدرة على العمل سبب للحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك الغاية في الفضيلة، أشار إلى هذا الزين بن المنير قال ابن رشيد: وجه المناسبة أنه تبين في الحديث أن المراد بطول اليد المقتضي للحاق به الطول1، وذلك إنما يتأتى للصحيح لأنه إنما يحصل بالمداومة في حال الصحة وبذلك يتم المراد. والله أعلم. قوله: "أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" لم أقف على تعيين السائلة منهن عن ذلك، إلا عند ابن حبان من طريق يحيى بن حماد عن أبي عوانة بهذا الإسناد "قالت فقلت" بالمثناة، وقد أخرجه النسائي من هذا الوجه بلفظ: "فقلن" بالنون فالله أعلم. قوله: "أسرع بك لحوقا" منصوب على التمييز، وكذا قوله يدا، وأطولكن مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف. قوله: "فأخذوا قصبة يذرعونها" أي يقدرونها بذراع كل واحدة منهن، وإنما ذكره بلفظ جمع المذكر بالنظر إلى لفظ الجمع لا بلفظ جماعة النساء، وقد قيل في قول الشاعر وإن شئت حرمت النساء سواكم أنه ذكره بلفظ جمع المذكر تعظيما. وقوله: "أطولكن" يناسب ذلك، وإلا لقال طولاكن. قوله: "فكانت سودة" زاد ابن سعد عن عفان عن أبي عوانة بهذا الإسناد "بنت زمعة بن قيس". قوله: "أطولهن يدا" في رواية عفان "ذراعا "وهي تعين أنهن فهمن من لفظ اليد الجارحة. قوله: "فعلمنا بعد" أي لما ماتت أول نسائه به لحوقا. قوله: "إنما" بالفتح، والصدقة بالرفع، وطوله يدها بالنصب لأنه الخبر. قوله: "وكانت أسرعنا" كذا وقع في الصحيح بغير تعيين، ووقع في "التاريخ الصغير "للمصنف عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد "فكانت سودة أسرعنا إلخ" وكذا أخرجه البيهقي في "الدلائل" وابن حبان في صحيحه من طريق العباس الدوري عن موسى، وكذا في رواية عفان عند أحمد وابن سعد عنه "قال ابن سعد: قال لنا محمد بن عمر -يعني الواقدي- هذا الحديث وهل في سودة، وإنما هو في زينب بنت جحش، فهي أول نسائه به لحوقا وتوفيت في خلافة عمر وبقيت سودة إلى أن توفيت في خلافة معاوية في شوال سنة أربع وخمسين" قال ابن بطال: هذا الحديث سقط منه ذكر زينب لاتفاق أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أن الصواب: وكانت زينب أسرعنا إلخ، ولكن يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدمة المصرح فيها بأن الضمير لسودة. وقرأت بخط الحافظ أبي علي الصدفي: ظاهر هذا اللفظ أن سودة كانت أسرع وهو خلاف المعروف عند أهل العلم أن زينب أول من مات من الأزواج، ثم نقله عن مالك من روايته عن الواقدي، قال: ويقويه رواية عائشة بنت طلحة. وقال ابن الجوزي. هذا الحديث غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم ينبه عليه ولا أصحاب التعاليق ولا علم بفساد
ـــــــ
1 هو بفتح الطاء أي الجود وسعة العطاء. والله أعلم

(3/286)


ذلك الخطابي فإنه فسره وقال: لحوق سودة به من أعلام النبوة. وكل ذلك وهم، وإنما هي زينب، فإنها كانت أطولهن يدا بالعطاء كما رواه مسلم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: "فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل وتتصدق" انتهى. وتلقى مغلطاي كلام ابن الجوزي فجزم به ولم ينسبه له. وقد جمع بعضهم بين الروايتين فقال الطيبي: يمكن أن يقال فيما رواه البخاري المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب، وكانت سودة أولهن موتا. قلت: وقد وقع نحوه في كلام مغلطاي، لكن يعكر على هذا أن في رواية يحيى بن حماد عند ابن حبان أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعن عنده لم تغادر منهن واحدة، ثم هو مع ذلك إنما يتأتى على أحد القولين في وفاة سودة، فقد روى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن هلال أنه قال: ماتت سودة في خلافة عمر، وجزم الذهبي في "التاريخ الكبير" بأنها ماتت في آخر خلافة عمر. وقال ابن سيد الناس: أنه المشهور. وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين حيث قال: أجمع أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواجه. وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطال كما تقدم. ويمكن الجواب بأن النقل مقيد بأهل السير، فلا يرد نقل قول من خالفهم من أهل النقل ممن لا يدخل في زمرة أهل السير. وأما على قول الواقدي الذي تقدم فلا يصح. وقد تقدم عن ابن بطال أن الضمير في قوله: "فكانت" لزينب وذكرت ما يعكر عليه، لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة لكون غيرها لم يتقدم له ذكر، فلما لم يطلع على قصة زينب وكونها أول الأزواج لحوقا به جعل الضمائر كلها لسودة، وهذا عندي من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن عيينة عن فراس كما قرأت بخط ابن رشيد أنه قرأه بخط أبي القاسم بن الورد، ولم أقف إلى الآن على رواية ابن عيينة هذه، لكن روى يونس بن بكير في "زيادات المغازي "والبيهقي في "الدلائل" بإسناده عنه عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي التصريح بأن ذلك لزينب، لكن قصر زكريا في إسناده فلم يذكر مسروقا ولا عائشة، ولفظه: "قلن النسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: أطولكن يدا، فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يدا، فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة " ويؤيده أيضا ما روى الحاكم في المناقب من مستدركه من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأزواجه: "أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا" قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش -وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا- فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله" قال الحاكم على شرط مسلم انتهى. وهي رواية مفسرة مبينة مرجحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب، قال ابن رشيد: والدليل على أن عائشة لا تعني سودة قولها: "فعلمنا بعد" إذ قد أخبرت عن سودة بالطول الحقيقي ولم تذكر سبب الرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت، فإذا طلب السامع سبب العدول لم يجد إلا الإضمار مع أنه يصلح أن يكون المعنى فعلمنا بعد أن المخبر عنها إنما هي الموصوفة بالصدقة لموتها قبل الباقيات، فينظر السامع ويبحث فلا يجد إلا زينب، فيتعين الحمل عليه، وهو من باب إضمار ما لا يصلح غيره كقوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} قال الزين بن المنير: وجه الجمع أن قولها "فعلمنا بعد" يشعر إشعارا قويا أنهن حملن طول اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلافه وأنه كناية عن كثرة الصدقة، والذي علمنه آخرا خلاف ما اعتقدنه أولا، وقد انحصر الثاني في زينب للاتفاق على أنها أولهن

(3/287)


موتا فتعين أن تكون هي المرادة. وكذلك بقية الضمائر بعد قوله: "فكانت" واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك انتهى. وقال الكرماني: يحتمل أن يقال إن في الحديث اختصارا أو اكتفاء بشهرة القصة لزينب، ويؤول الكلام بأن الضمير رجع إلى المرأة التي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أول من يلحق به، وكانت كثيرة الصدقة. قلت: الأول هو المعتمد، وكأن هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة من سياق الحديث لما أخرجه في الصحيح لعلمه بالوهم فيه، وأنه لما ساقه في التاريخ بإثبات ذكرها ذكر ما يرد عليه من طريق الشعبي أيضا عن عبد الرحمن بن أبزي قال: "صليت مع عمر على أم المؤمنين زينب بنت جحش، وكانت أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم لحوقا به" وقد تقدم الكلام على تاريخ وفاتها في كتاب الجنائز، وأنه سنة عشرين. وروى ابن سعد من طريق برزة بنت رافع قالت: "لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فتعجبت وسترته بثوب وأمرت بتفرقته، إلى أن كشف الثوب فوجدت تحته خمسة وثمانين درهما ثم قالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت فكانت أول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لحوقا به" وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن قال: كانت زينب أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم لحوقا به فهذه روايات يعضد بعضها بعضا ويحصل من مجموعها أن في رواية أبي عوانة وهما. وقد ساقه يحيى بن حماد عنه مختصرا ولفظه: "فأخذن قصبة يتذارعنها، فماتت سودة بنت زمعة وكانت كثيرة الصدقة فعلمنا أنه قال أطولكن بدا بالصدقة "هذا لفظه عند ابن حبان من طريق الحسن بن مدرك عنه، ولفظه عند النسائي عن أبي داود وهو الحراني عنه "فأخذن قصبة فجعلن يذرعنها فكانت سودة أسرعهن به لحوقا، وكانت أطولهن يدا، وكأن ذلك من كثرة الصدقة". وهذا السياق لا يحتمل التأويل، إلا أنه محمول على ما تقدم ذكره من دخول الوهم على الراوي في التسمية خاصة والله أعلم. وفي الحديث علم من أعلام النبوة ظاهر، وفيه جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة وهو لفظ: "أطولكن" إذا لم يكن محذور. قال الزين بن المنير: لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بالوحي أجابهن بلفظ غير صريح وأحالهن على ما لا يتبين إلا بآخر. وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية. وفيه أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يلم وإن كان مراد المتكلم مجازه، لأن نسوة النبي صلى الله عليه وسلم حملن طول اليد على الحقيقة فلم ينكر عليهن. وأما ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن الأصم عن ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهن: ليس ذلك أعني إنما أعني أصنعكن يدا، فهو ضعيف جدا، ولو كان ثابتا لم يحتجن بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذرع أيديهن كما تقدم في رواية عمرة عن عائشة. وقال المهلب: في الحديث دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة، وما قاله لا يمكن إطراده في جميع الأحوال. والله أعلم.

(3/288)


12 - باب صَدَقَةِ الْعَلاَنِيَةِ. وقوله عزوجل [274 البقرة]
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً -إلى قوله- وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}

(3/288)


13 - باب صَدَقَةِ السِّرِّ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ" وَقَوْلِهِ تعالى: [271]: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} الآيَةَ

(3/288)


14 - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ
1421 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "قَالَ رَجُلٌ لاَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لاَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لاَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ"
قوله: "باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم" أي فصدقته مقبولة. قوله: "عن الأعرج عن أبي هريرة" في رواية مالك في "الغرائب للدارقطني" عن أبي الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز أخبره أنه سمع أبا هريرة. قوله: "قال رجل" لم أقف على اسمه، ووقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة عن الأعرج في هذا الحديث أنه كان من بني إسرائيل. قوله: "لأتصدقن بصدقة" في رواية أبي عوانة عن أبي أمية عن أبي اليمان بهذا الإسناد "لأتصدقن الليلة "وكرر كذلك في المواضع الثلاثة. وكذا أخرجه أحمد من طريق ورقاء ومسلم من طريق موسى بن عقبة والدارقطني في "غرائب مالك" كلهم عن أبي الزناد. وقوله: "لأتصدقن" من باب الالتزام كالنذر مثلا، والقسم فيه مقدر كأنه قال: والله لأتصدقن. قوله: " فوضعها في يد سارق " أي وهو لا يعلم أنه سارق. قوله: "فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق" في رواية أبي أمية "تصدق الليلة على سارق" وفي رواية ابن لهيعة "تصدق الليلة على فلان السارق" ولم أر في شيء من الطرق تسمية أحد من الثلاثة المتصدق عليهم. وقوله: "تصدق" بضم أوله على البناء للمفعول. قوله: " فقال اللهم لك الحمد" أي لا لي لأن صدقتي وقعت بيد من لا يستحقها فلك الحمد حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، فإن إرادة الله كلها جميلة. قال الطيبي: لما عزم على أن يتصدق على مستحق فوضعها بيد زانية حمد الله على أنه لم يقدر أن يتصدق على من هو أسوأ حالا منها، أو أجرى الحمد مجرى التسبيح في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه تعظيما لله، فلما تعجبوا من فعله تعجب هو أيضا فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، أي التي تصدقت عليها فهو متعلق بمحذوف انتهى. ولا يخفى بعد هذا الوجه، وأما الذي قبله فأبعد منه. والذي يظهر الأول وأنه سلم وفوض ورضي بقضاء الله فحمد الله على تلك الحال، لأنه المحمود على جميع الحال، لا يحمد على المكروه سواه، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما لا يعجبه قال: "اللهم لك الحمد على كل حال" . قوله: "فأتي فقيل له" في رواية الطبراني في "مسند الشاميين" عن أحمد بن عبد الوهاب عن أبي اليمان بهذا الإسناد "فساءه ذلك فأتى في منامه" وأخرجه أبو نعيم في المستخرج عنه، وكذا الإسماعيلي من طريق علي بن عياش عن شعيب وفيه تعيين أحد الاحتمالات التي ذكرها ابن التين وغيره قال الكرماني: قوله: "أتي" أي أري في المنام أو سمع هاتفا ملكا أو غيره أو أخبره نبي أو أفتاه عالم. وقال غيره: أو أتاه ملك فكلمه، فقد كانت الملائكة تكلم

(3/290)


بعضهم في بعض الأمور. وقد ظهر بالنقل الصحيح أنها كلها لم تقع إلا النقل الأول. قوله: " أما صدقتك على سارق " زاد أبو أمية "فقد قبلت" وفي رواية موسى بن عقبة وابن لهيعة "أما صدقتك فقد قبلت" وفي رواية الطبراني "إن الله قد قبل صدقتك" وفي الحديث دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير، ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة. وفيه أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع. واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض، ولا دلالة في الحديث على الإجزاء ولا على المنع، ومن ثم أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم. فإن قيل إن الخبر إنما تضمن قصة خاصة وقع الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقية فمن أين يقع تعميم الحكم؟ فالجواب أن التنصيص في هذا الخير على رجاء الاستعفاف هو الدال على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب. وقيه فضل صدقة السر، وفضل الإخلاص، واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع، وأن الحكم للظاهر حتى يتبين سواه، وبركة التسليم والرضا، وذم التضجر بالقضاء كما قال بعض السلف. لا تقطع الخدمة ولو ظهر لك عدم القبول.

(3/291)


15 - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ
1422 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ"
قوله: "باب إذا تصدق" أي الشخص "على ابنه وهو لا يشعر" قال الزين بن المنير: لم يذكر جواب الشرط اختصارا، وتقديره جاز، لأنه يصير لعدم شعوره كالأجنبي. ومناسبة الترجمة للخبر من جهة أن يزيد أعطى من يتصدق عنه ولم يحجر عليه، وكان هو السبب في وقوع الصدقة في يد ولده قال: وعبر في هذه الترجمة بنفي الشعور وفي التي قبلها بنفي العلم لأن المتصدق في السابقة بذل وسعه في طلب إعطاء الفقير فأخطأ اجتهاده فناسب أن ينفي عنه العلم، وأما هذا فباشر التصدق غيره فناسب أن ينفى عن صاحب الصدقة الشعور. قوله: "حدثنا محمد بن يوسف" هو الفريابي، وأبو الجويرية بالجيم مصغرا اسمه حطان بكسر المهملة وكان سماعه عن معن ومعن أمير على غزاة بالروم في خلافة معاوية كما رواه أبو داود من طريق أبي الجويرية. قوله: "أنا وأبي وجدي" اسم جده الأخنس بن حبيب السلمي كما جزم به ابن حبان وغير واحد، ووقع في الصحابة لمطين وتبعه البارودي والطبراني وابن منده وأبو نعيم أن اسم جد معن بن يزيد ثور فترجموا في كتبهم بثور وساقوا حديث الباب من طريق الجراح والد وكيع عن أبي الجويرية عن معن بن يزيد بن ثور السلمي أخرجه مطين عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن جده، ورواه البارودي والطبراني عن مطين، ورواه ابن منده عن البارودي، وأبو نعيم عن الطبراني، وجمهور الرواة عن أبي الجويرية لم يسموا جد معن بل تفرد سفيان بن وكيع بذلك وهو ضعيف، وأظنه كان فيه عن معن بن يزيد أبي ثور السلمي فتصحفت أداة الكنية بابن، فإن معنا كان يكنى أبا ثور، فقد ذكر خليفة بن خياط في تاريخه أن معن بن يزيد وابنه ثورا قتلا يوم مرج راهط مع الضحاك بن قيس. وجمع ابن حبان بين القولين بوجه آخر فقال في

(3/291)


"الصحابة": ثور السلمي جد معن بن يزيد بن الأخنس السلمي لأمه. فإن كان ضبطه فقد زال الإشكال والله أعلم. وروي عن يزيد بن أبي حبيب أن معن بن يزيد شهد بدرا هو وأبوه وجده ولم يتابع على ذلك. فقد روى أحمد والطبراني من طريق صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن يزيد بن الأخنس السلمي أنه أسلم فأسلم معه جميع أهله إلا امرأة واحدة أبت أن تسلم فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم "ولا تمسكوا بعصم الكوافر" فهذا دال على أن إسلامه كان متأخرا لأن الآية متأخرة الإنزال عن بدر قطعا. وقد فرق البغوي وغيره في الصحابة بين يزيد بن الأخنس وبين يزيد والد معن، والجمهور على أنه هو. قوله: "وخطب علي فأنكحني" أي طلب لي النكاح فأجيب، يقال خطب المرأة إلى وليها إذا أرادها الخاطب لنفسه، وعلى فلان إذا أرادها لغيره، والفاعل النبي صلى الله عليه وسلم لأن مقصود الراوي بيان أنواع علاقاته به من المبايعة وغيرها. ولم أقف على اسم المخطوبة، ولو ورد أنها ولدت منه لضاهى بيت الصديق في الصحبة من جهة كونهم أربعة في نسق، وقد وقع ذلك لأسامة بن زيد بن حارثة فروى الحاكم في "المستدرك" أن حارثة قدم فأسلم، وذكر الواقدي في المغازي أن أسامة ولد له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تتبعت نظائر لذلك أكثرها فيه مقال ذكرتها في "النكت على علوم الحديث لابن الصلاح". قوله: "وكان أبي يزيد" بالرفع على البدلية. قوله: "فوضعها عند رجل" لم أقف على اسمه، وفي السياق حذف تقديره وأذن له أن يتصدق بها على محتاج إليها إذنا مطلقا. قوله: "فجئت فأخذتها" أي من المأذون له في التصدق بها بإذنه لا بطريق الاعتداء، ووقع عند البيهقي من طريق أبي حمزة السكري عن أبي الجويرية في هذا الحديث: "قلت ما كانت خصومتك؟ قال: كان رجل يغشى المسجد فيتصدق على رجال يعرفهم، فظن أني بعض من يعرف" فذكر الحديث. قوله: "فأتيته" الضمير لأبيه أي فأتيت أبي بالدنانير المذكورة. قوله: "والله ما إياك أردت" يعني لو أردت أنك تأخذها لناولتها لك ولم أوكل فيها، أو كأنه كان يرى أن الصدقة على الولد لا تجزئ، أو يرى أن الصدقة على الأجنبي أفضل. قوله: "فخاصمته" تفسير لقوله أولا "وخاصمت إليه". قوله: "لك ما نويت" أي إنك نويت أن تتصدق بها على من يحتاج إليها وابنك يحتاج إليها فوقعت الموقع، وإن كان لم يخطر ببالك أنه يأخذها. قوله: "ولك ما أخذت يا معن" أي لأنك أخذتها محتاجا إليها. قال ابن رشيد: الظاهر أنه لم يرد بقوله: "والله ما إياك أردت" أي إني أخرجتك بنيتي، وإنما أطلقت لمن تجزئ عني الصدقة عليه ولم تخطر أنت ببالي، فأمضى النبي صلى الله عليه وسلم الإطلاق لأنه فوض للوكيل بلفظ مطلق فنفذ فعله. وفيه دليل على العمل بالمطلقات على إطلاقها وإن احتمل أن المطلق لو خطر بباله فرد من الأفراد لقيد اللفظ به والله أعلم. واستدل به على جواز دفع الصدقة إلى كل أصل وفرع ولو كان ممن تلزمه نفقته، 0 ولا حجة فيه لأنها واقعة حال فاحتمل أن يكون معن كان مستقلا لا يلزم أباه يزيد نفقته، وسيأتي الكلام على هذه المسألة مبسوطا في "باب الزكاة على الزوج" بعد ثلاثين بابا إن شاء الله تعالى. وفيه جواز الافتخار بالمواهب الربانية والتحدث بنعم الله. وفيه جواز التحاكم بين الأب والابن وأن ذلك بمجرده لا يكون عقوقا. وجواز الاستخلاف في الصدقة ولا سيما صدقة التطوع لأن فيه نوع إسرار. وفيه أن للتصدق أجر ما نواه سواء صادف المستحق أو لا. وأن الأب لا رجوع له في الصدقة على ولده بخلاف الهبة. والله أعلم.

(3/292)


16 - باب الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ
1423 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ

(3/292)


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ"
1424 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " تَصَدَّقُوا فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لقَبِلْتُهَا مِنْكَ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلاَ حَاجَةَ لِي فِيهَا"
قوله: "باب الصدقة باليمين" أي حكم، أو "باب" بالتنوين والتقدير أي فاضلة أو يرغب فيها. حديث أبي هريرة "سبعة يظلهم الله في ظله "وفي قوله: " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " وقد تقدم الكلام عليه مستوفى كما بينته قريبا. حديث حارثة بن وهب تقدم في "باب الصدقة قبل الرد" وفيه: "يمشي الرجل بصدقته فيقول الرجل: لو جئت بها أمس لقبلتها منك" قال ابن رشيد: مطابقة الحديث للترجمة من جهة أنه اشترك مع الذي قبله في كون كل منهما حاملا لصدقته، لأنه إذا كان حاملا لها بنفسه كان أخفى لها، فكان في معنى " لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" .
ويحمل المطلق في هذا على المقيد في هذا أي المناولة باليمين، قال: ويقوي أن ذلك مقصده إتباعه بالترجمة التي بعدها حيث قال: "من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه" وكأنه قصد في هذا من حملها بنفسه.

(3/293)


17 - باب مَنْ أَمَرَ خَادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاوِلْ بِنَفْسِهِ
وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "هُوَ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ"
1425 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن شقيق عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أنفقت المرأة من طعام مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا"
[الحديث 1425 – أطرافه في: 1439, 1440, 1441, 2065]
قوله: "باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه" قال الزين بن المنير: فائدة قوله: "ولم يناول نفسه" التنبيه على أن ذلك مما يغتفر، وأن قوله في الباب قبله "الصدقة باليمين" لا يلزم منه المنع من إعطائها بيد الغير وإن كانت المباشرة أولى. قوله: "وقال أبو موسى" هو الأشعري قوله: "هو أحد المتصدقين " ضبط في جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية، قال القرطبي: ويجوز الكسر على الجمع أي هو متصدق من المتصدقين. وهذا التعليق طرف من حديث وصله بعد ستة أبواب بلفظ: "الخازن" والخازن خادم المالك في الخزن وإن لم يكن خادمه

(3/293)


حقيقة. ثم أورد المصنف هنا حديث عائشة "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها" الحديث. قال ابن رشيد: نبه بالترجمة على أن هذا الحديث مفسر بها، لأن كلا من الخازن والخادم والمرأة أمين ليس له أن يتصرف إلا بإذن المالك نصا أو عرفا إجمالا أو تفضيلا انتهى. وسيأتي البحث في ذلك بعد سبعة أبواب.

(3/294)


18 - باب لاَ صَدَقَةَ إِلاَّ عَنْ ظَهْرِ غِنًى. وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ" إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ "
1426 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ"
[الحديث 1426 – أطرافه في: 1428, 5355, 5356]
1427 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ"
1428 - وَعَنْ وُهَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا
1429 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح و حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ"
قوله: "باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى" أورد في الباب حديث أبي هريرة بلفظ: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وهو مشعر بأن النفي في اللفظ الأول للكمال لا للحقيقة، فالحقيقة لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى، وقد أورده أحمد من طريق أبي صالح بلفظ: "إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى "وهو أقرب إلى لفظ الترجمة.
وأخرجه أيضا من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة بلفظ الترجمة قال: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" الحديث.

(3/294)


وكذا ذكره المصنف تعليقا في الوصايا، وساقه مغلطا بإسناد له إلى أبي هريرة بلفظه، وليس هو باللفظ المذكور في الكتاب الذي ساقه منه، فلا يغتر به ولا بمن تبعه على ذلك. قوله: "ومن تصدق وهو محتاج إلى آخر الترجمة" كأنه أراد تفسير الحديث المذكور بأن شرط المتصدق أن لا يكون محتاجا لنفسه أو لمن تلزمه نفقته. ويلتحق بالتصدق سائر التبرعات. وأما قوله: "فهو رد عليه" فمقتضاه أن ذا الدين المستغرق لا يصح منه التبرع، لكن محل هذا عند الفقهاء إذا حجر عليه الحاكم بالفلس، وقد نقل فيه صاحب "المغني" وغيره الإجماع، فيحمل إطلاق المصنف عليه. واستدل له المصنف بالأحاديث التي علقها. وأما قوله: "إلا أن يكون معروفا بالصبر" فهو من كلام المصنف، وكلام ابن التين يوهم أنه بقية الحديث فلا يغتر به، وكأن المصنف أراد أن يخص به عموم الحديث الأول. والظاهر أنه يختص بالمحتاج، ويحتمل أن يكون عاما ويكون التقدير إلا أن يكون كل من المحتاج أو من تلزمه النفقة أو صاحب الدين معروفا بالصبر. ويقوي الأول التمثيل الذي مثل به من فعل أبي بكر والأنصار، قال ابن بطال: أجمعوا على أن المديان لا يجوز له أن يتصدق بماله ويترك قضاء الدين، فتعين حمل ذلك على المحتاج. وحكى ابن رشيد عن بعضهم أنه يتصور في المديان فيما إذا عامله الغرماء على أن يأكل من المال فلو آثر بقوته وكان صبورا جاز له ذلك وإلا كان إيثاره سببا في أن يرجع لاحتياجه فيأكل فيتلف أموالهم فيمنع. وإذا تقرر ذلك فقد اشتملت الترجمة على خمسة أحاديث معلقة، وفي الباب أربعة أحاديث موصولة. فأما المعلقة فأولها قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أخذ أموال الناس" وهو طرف من حديث لأبي هريرة موصول عنده في الاستقراض. ثانيها قوله: "كفعل أبي بكر حين تصدق بماله" هذا مشهور في السير، وورد في حديث مرفوع أخرجه أبو داود وصححه الترمذي والحاكم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه سمعت عمر يقول: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، وأتى أبو بكر بكل ما عنده. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله" الحديث تفرد به هشام بن سعد عن زيد، وهشام صدوق فيه مقال من جهة حفظه. قال الطبري وغيره: قال الجمهور من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه وكان صبورا على الإضاقة ولا عيال له أو له عيال يصبرون أيضا فهو جائز، فإن فقد شيء من هذه الشروط كره. وقال بعضهم: هو مردود. وروي عن عمر حيث رد على غيلان الثقفي قسمة ماله. ويمكن أن يحتج له بقصة المدبر الآتي ذكره، فإنه صلى الله عليه وسلم باعه وأرسل ثمنه إلى الذي دبره لكونه كان محتاجا. وقال آخرون: يجوز من الثلث ويرد عليه الثلثان، وهو قول الأوزاعي ومكحول. وعن مكحول أيضا يرد ما زاد على النصف. قال الطبري: والصواب عندنا الأول من حيث الجواز، والمختار من حيث الاستحباب أن يجعل ذلك من الثلث جمعا بين قصة أبي بكر وحديث كعب والله أعلم. ثالثها قوله: "وكذلك آثر الأنصار المهاجرين" هو مشهور أيضا في السير، وفيه أحاديث مرفوعة: منها حديث أنس "قدم المهاجرون المدينة وليس بأيديهم شيء، فقاسمهم الأنصار". وسيأتي موصولا في الهبة. وحديث أبي هريرة في قصة الأنصاري الذي آثر ضيفه بعشائه وعشاء أهله، وسيأتي موصولا في تفسير سورة الحشر. رابعها قوله: "ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال" هو طرف من حديث المغيرة، وقد تقدم بتمامه في آخر صفة الصلاة. خامسها قوله: "وقال كعب" يعني ابن مالك إلخ، وهو طرف من حديثه الطويل في قصة توبته وسيأتي بتمامه في تفسير سورة التوبة. حديث أبي هريرة "خير

(3/295)


الصدقة ما كان عن ظهر غنى" فعبد الله المذكور في الإسناد هو ابن المبارك، ويونس هو ابن يزيد. ومعنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه أو لمن تلزمه نفقته. قال الخطابي: لفظ الظهر يرد في مثل هذا إشباعا للكلام، والمعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، ولذلك قال بعده وابدأ بمن تعول. وقال البغوي: المراد غني يستظهر به على النوائب التي تنوبه. ونحوه قولهم ركب متن السلامة. والتنكير في قوله: "غنى" للتعظيم، هذا هو المعتمد في معنى الحديث. وقيل: المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة، وقيل "عن" للسببية والظهر زائد، أي خير الصدقة ما كان سببها غنى في المتصدق. وقال النووي: مذهبنا أن التصدق بجميع المال مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يجمع هذه الشروط فهو مكروه. وقال القرطبي في "المفهم" : يرد على تأويل الخطابي بالآيات والأحاديث الواردة في فضل المؤثرين على أنفسهم، ومنها حديث أبي ذر "فضل الصدقة جهد من مقل" والمختار أن معنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال بحيث لا يصير المتصدق محتاجا بعد صدقته إلى أحد، فمعنى الغنى في هذا الحديث حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المشوش الذي لا صبر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله فلا يجوز الإيثار به بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره به أدى إلى إهلاك نفسه أو الإضرار بها أو كشف عورته، فمراعاة حقه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار وكانت صدقته هي الأفضل لأجل ما يتحمل من مضض الفقر وشدة مشقته، فبهذا يندفع التعارض بين الأدلة إن شاء الله. قوله: "وابدأ بمن تعول" فيه تقديم نفقة نفسه وعياله لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقة غيرهم، وسيأتي شرحه في النفقات إن شاء الله تعالى. حديث حكيم بن حزام " اليد العليا خير من اليد السفلى" الحديث، وشاهد الترجمة منه قوله فيه: "وخير الصدقة عن ظهر غنى" وهشام المذكور في الإسناد هو ابن عروة بن الزبير، وقوله فيه: "ومن يستعف يعفه الله" يأتي الكلام عليه في حديث أبي سعيد بعد أبواب. ثالثها حديث أبي هريرة قال: "بهذا "أي بحديث حكيم، أورده معطوفا على إسناد حديث حكيم بلفظ: "وعن وهيب" والظاهر أنه حمله عن موسى بن إسماعيل عنه بالطريقين معا، وكأن هشاما حدث به وهيبا تارة عن أبيه عن حكيم وتارة عن أبيه عن أبي هريرة، أو حدثه به عنهما مجموعا ففرقه وهيب أو الراوي عنه. وقد وصل حديث أبي هريرة من طريق وهيب الإسماعيلي قال: "أخبرني ابن ياسين حدثنا محمد بن سفيان حدثنا حبان - هو ابن هلال - حدثنا وهيب حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة قال" مثل حديث حكيم. حديث ابن عمر من وجهين في ذكر اليد العليا، وإنما أورده ليفسر به ما أجمل في حديث حكيم، قال ابن رشيد: والذي يظهر أن حديث حكيم بن حزام لما اشتمل على شيئين: حديث: "اليد العليا" وحديث: " لا صدقة إلا عن ظهر غنى" ذكر معه حديث ابن عمر المشتمل على الشيء الأول تكثيرا لطرقه. ويحتمل أن يكون مناسبة حديث: "اليد العليا" للترجمة من جهة أن إطلاق كون اليد العليا هي المنفقة، محله ما إذا كان الإنفاق لا يمنع منه بالشرع كالمديان المحجور عليه، فعمومه مخصوص بقوله: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" والله أعلم.
" تنبيه ": لم يسق البخاري متن طريق حماد عن أيوب، وعطف عليه طريق مالك، فربما أوهم أنهما سواء، وليس كذلك لما سنذكره عن أبي داود. وقال ابن عبد البر في "التمهيد": لم تختلف الرواة عن مالك أي في سياقه، كذا قال وفيه

(3/296)


نظر كما سيأتي. وقال القرطبي: وقع تفسير اليد العليا والسفلى في حديث ابن عمر هذا، وهو نص يرفع الخلاف ويدفع تعسف من تعسف في تأويله ذلك انتهى. لكن ادعى أبو العباس الداني في "أطراف الموطأ "أن التفسير المذكور مدرج في الحديث، ولم يذكر مستندا لذلك. ثم وجدت في "كتاب العسكري في الصحابة" بإسناد له فيه انقطاع عن ابن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان "إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اليد العليا خير من اليد السفلى" ، ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية "فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "كنا نتحدث أن العليا هي المنفقة". قوله: "وذكر الصدقة والتعفف والمسألة" كذا للبخاري بالواو قبل المسألة. وفي رواية مسلم عن قتيبة عن مالك "والتعفف عن المسألة" ولأبي داود "والتعفف منها" أي من أخذ الصدقة، والمعنى أنه كان يحض الغني على الصدقة والفقير على التعفف عن المسألة أو يحضه على التعفف ويذم المسألة. قوله: "فاليد العليا هي المنفقة" قال أبو داود قال الأكثر عن حماد بن زيد: المنفقة. وقال واحد عنه: المتعففة، وكذا قال عبد الوارث عن أيوب انتهى. فأما الذي قال عن حماد المتعففة بالعين وفاءين فهو مسدد، كذلك رويناه عنه في مسنده رواية معاذ بن المثنى عنه، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد"، وقد تابعه على ذلك أبو الربيع الزهراني كما رويناه في "كتاب الزكاة ليوسف بن يعقوب القاضي "حدثنا أبو الربيع. وأما رواية عبد الوارث فلم أقف عليها موصولة. وقد أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق سليمان بن حرب عن حماد بلفظ: "واليد العليا يد المعطي" وهذا يدل على أن من رواه عن نافع بلفظ: "المتعففة" فقد صحف. قال ابن عبد البر: ورواه موسى بن عقبة عن نافع فاختلف عليه أيضا، فقال حفص بن ميسرة عنه "المنفقة" كما قال مالك. قلت: وكذلك قال فضيل بن سليمان عنه أخرجه ابن حبان من طريقه قال: ورواه إبراهيم بن طهمان عن موسى فقال: "المنفقة" قال ابن عبد البر: رواية مالك أولى وأشبه بالأصول. ويؤيده حديث طارق المحاربي عند النسائي قال: "قدمنا المدينة فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: " يد المعطي العليا" انتهى. ولابن أبي شيبة والبزار من طريق ثعلبة بن زهدم مثله، وللطبراني بإسناد صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعا: "يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي" وللطبراني من حديث عدي الجذامي مرفوعا مثله، ولأبي داود وابن خزيمة من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك عن أبيه مرفوعا: "الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى" ولأحمد والبزار من حديث عطية السعدي "اليد المعطية هي العليا، والسائلة هي السفلى" فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور. وقيل اليد السفلى الآخذة سواء كان بسؤال أم بغير سؤال، وهذا أباه قوم واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد الله قبل يد المتصدق عليه. قال ابن العربي: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الآخذ فلا، لأن يد الله هي المعطية ويد الله هي الآخذة وكلتاهما عليا وكلتاهما يمين انتهى. وفيه نظر لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين، وأما يد الله تعالى فباعتبار كونه مالك كل شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ ويده العليا على كل حال، وأما يد الآدمي فهي أربعة: يد المعطي، وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا. ثانيها يد السائل، وقد تضافرت بأنها سفلى سواء أخذت أم لا، وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالبا وللمقابلة بين العلو والسفل المشتق منهما. ثالثها يد

(3/297)


المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي مثلا، وهذه توصف بكونها عليا علوا معنويا. رابعها يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختلف فيها فذهب جمع إلى أنها سفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، وأما المعنوي فلا يطرد فقد تكون عليا في بعض الصور، وعليه يحمل كلام من أطلق كونها عليا. قال ابن حبان: اليد المتصدقة أفضل من السائلة لا الآخذة بغير سؤال، إذ محال أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل باستعماله، دون من فرض عليه إتيان شيء فأتى به أو تقرب إلى ربه متنفلا، فربما كان الآخذ لما أبيح له أفضل وأورع من الذي يعطي انتهى. وعن الحسن البصري: اليد العليا المعطية والسفلى المانعة ولم يوافق عليه. وأطلق آخرون من المتصوفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقا، وقد حكى ابن قتيبة في "غريب الحديث": ذلك عن قوم ثم قال: وما أرى هؤلاء إلا قوما استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناءة، ولو جاز هذا لكان المولى من فوق هو الذي كان رقيقا فأعتق والمولى من أسفل هو السيد الذي أعتقه انتهى. وقرأت في "مطلع الفوائد" للعلامة جمال الدين بن نباتة في تأويل الحديث المذكور معنى آخر فقال: اليد هنا هي النعمة، وكأن المعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة. قال: وهذا حث على المكارم بأوجز لفظ، ويشهد له أحد التأويلين في قوله: "ما أبقت غنى" أي ما حصل به للسائل غنى عن سؤاله كمن أراد أن يتصدق بألف فلو أعطاها لمائة إنسان لم يظهر عليهم الغنى، بخلاف ما لو أعطاها لرجل واحد. قال: وهو أولى من حمل اليد على الجارحة، لأن ذلك لا يستمر إذ فيمن يأخذ من هو خير عند الله ممن يعطي. قلت: التفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق. وقد روى إسحاق في مسنده من طريق عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير "أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، ما اليد العليا؟ قال: التي تعطي ولا تأخذ" فقوله: "ولا تأخذ" صريح في أن الآخذة ليست بعليا والله أعلم. وكل هذه التأويلات المتعسفة تضمحل عند الأحاديث المتقدمة المصرحة بالمراد، فأولى ما فسر الحديث بالحديث، ومحصل ما في الآثار المتقدمة أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعففة عن الآخذ، ثم الآخذة بغير سؤال. وأسفل الأيدي السائلة والمانعة والله أعلم. قال ابن عبد البر: وفي الحديث إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح من موعظة وعلم وقربة. وفيه الحث على الإنفاق في وجوه الطاعة. وفيه تفضيل الغنى مع القيام بحقوقه على الفقر، لأن العطاء إنما يكون مع الغنى، وقد تقدم الخلاف في ذلك في حديث: "ذهب أهل الدثور" في أواخر صفة الصلاة. وفيه كراهة السؤال والتنفير عنه، ومحله إذا لم تدع إليه ضرورة من خوف هلاك ونحوه. وقد روى الطبراني من حديث ابن عمر بإسناد فيه مقال مرفوعا: "ما المعطي من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجا" وسيأتي حديث حكيم مطولا في "باب الاستعفاف عن المسألة" وفيه بيان سببه إن شاء الله تعالى.

(3/298)


19 - باب الْمَنَّانِ بِمَا أَعْطَى لِقَوْلِهِ: [262 البقرة]
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى} الآيَةَ
قوله: "باب المنان بما أعطى، لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً} الآية" هذه الترجمة ثبتت في رواية الكشميهني وحده بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه مسلم من حديث أبي ذر مرفوعا: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة المنان الذي لا يعطي شيئا إلا من به" الحديث، ولما لم يكن على شرطه

(3/298)


اقتصر على الإشارة إليه. ومناسبة الآية للترجمة واضحة من جهة أن النفقة في سبيل الله لما كان المان بها مذموما كان ذم المعطي في غيرها من باب الأولى. قال القرطبي: المن غالبا يقع من البخيل والمعجب، فالبخيل تعظم في نفسه العطية وإن كانت حقيرة في نفسها، والمعجب يحمله العجب على النظر لنفسه بعين العظمة وأنه منعم بماله على المعطي وإن كان أفضل منه في نفس الأمر، وموجب ذلك كله الجهل ونسيان نعمة الله فيما أنعم به عليه، ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما يترتب له من الفوائد.

(3/299)


20 - باب مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا
1430 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قَالَ " صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ لَهُ فَقَالَ كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنْ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ"
قوله: "باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها" ذكر فيه حديث عقبة بن الحارث "صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم العصر فأسرع، ثم دخل البيت" الحديث وفيه: "كنت خلفت في البيت تبرا من الصدقة فكرهت أن أبيته فقسمته" قال ابن بطال: فيه أن الخير ينبغي أن يبادر به، فإن الآفات تعرض والموانع تمنع والموت لا يؤمن والتسويف غير محمود، زاد غيره: وهو أخلص للذمة وأنفى للحاجة وأبعد من المطل المذموم وأرضى للرب وأمحى للذنب. وقد تقدمت بقية فوائده في أواخر صفة الصلاة. وقال الزين بن المنير: ترجم المصنف بالاستحباب وكان يمكن أن يقول كراهة تبييت الصدقة لأن الكراهة صريحة في الخبر، واستحباب التعجيل مستنبط من قرائن سياق الخبر حيث أسرع في الدخول والقسمة، فجرى على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى. قوله: "أن أبيته" أي أتركه حتى يدخل عليه الليل، يقال بات الرجل دخل في الليل، وبيته تركه حتى دخل الليل.

(3/299)


21 - باب التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا
1431 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَدِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ ثُمَّ مَالَ عَلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلاَلٌ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُلْبَ وَالْخُرْصَ"
1432 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ"
[الحديث 1432 – أطرافه في: 6027, 6028, 7476]
1433 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

(3/299)


22 - باب الصَّدَقَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ
1434 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ح و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " لاَ تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ"
قوله: "باب الصدقة فيما استطاع" أورد فيه حديث أسماء المذكور من وجه آخر عنها من وجهين، وساقه هنا على لفظ حجاج بن محمد لخلو طريق أبي عاصم من التقييد بالاستطاعة، وسيأتي في الهبة بلفظ أبي عاصم وسياقه أتم. قوله: "ارضخي" بكسر الهمزة من الرضخ بمعجمتين وهو العطاء اليسير، فالمعنى أنفقي بغير إجحاف ما دمت قادرة مستطيعة.

(3/301)


23 - باب الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ
1435 - حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه قال "قال عمر رضي الله عنه ثم أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتنة قال قلت أنا أحفظه كما قال: قال إنك عليه لجريء فكيف قال قلت " فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف" - قال سليمان قد كان يقول الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - قال: ليس هذه أريد ولكني أريد التي تموج كموج البحر. قال: قلت ليس عليك بها يا أمير المؤمنين بأس بينك وبينها باب مغلق قال: فيكسر الباب أو يفتح قال قلت: لا, بل يكسر قال: فإنه إذا كسر لم يغلق أبدا قال قلت: أجل فهبنا أن نسأله من الباب فقلنا لمسروق سله قال فسأله فقال: عمر رضي الله عنه قال قلنا: فعلم عمر من تعني قال نعم كما أن دون غد ليلة وذلك أني حدثته حديثا ليس بالأغاليط"
قوله: "باب الصدقة تكفر الخطيئة" أورد فيه حديث حذيفة "فتنة الرجل في أهله وولده تكفرها الصلاة والصدقة" الحديث، وقد تقدم في باب الصلاة، وسيأتي الكلام عليه مبسوطا في علامات النبوة إن شاء الله تعالى.

(3/301)


24 - باب مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ
1436 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمتَ على ما سَلفَ مِن خيرٍ"
[الحديث 1436 – أطرافه في: 2220, 2538, 5992]
قوله: "باب من تصدق في الشرك ثم أسلم" أي هل يعتد له بثواب ذلك أو لا؟ قال الزين بن المنير: لم يبت الحكم

(3/301)


26 - باب أَجْرِ الْخَادِمِ إِذَا تَصَدَّقَ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ
1437 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إِذَا تَصَدَّقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِك"
1438 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ وَرُبَّمَا قَالَ يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبًا بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ"
[الحديث 1439 – طرفاه في: 2260, 2319]

(3/302)


قوله: "باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد" قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان. ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري، ولذلك قيد الترجمة بالأمر به. ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه. ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن، ومنهم من فرق بين المرأة والخادم فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه فيشترط الإذن فيه. وهو متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت منه فقد تخصصت به، وإن تصدقت من غير حقها رجعت المسألة كما كانت والله أعلم. حديث عائشة وسيأتي في الباب الذي بعده. حديث أبي موسى، وقد قيد الخازن فيه بكونه مسلما فأخرج الكافر لأنه لا نية له، وبكونه أمينا فأخرج الخائن لأنه مأزور. ورتب الأجر على إعطائه ما يؤمر به غير ناقص لكونه خائنا أيضا، وبكون نفسه بذلك طيبة لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهي قيود لا بد منها. قوله: "الذي ينفذ" بفاء مكسورة مثقلة ومخففة.

(3/303)


26 - باب أَجْرِ الْمَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ أَوْ أَطْعَمَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ
1439 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْنِي إِذَا تَصَدَّقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا
1440 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَطْعَمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلَهُ مِثْلُهُ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ, لَهُ بِمَا اكْتَسَبَ وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ"
1441 - حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا جرير عن منصور عن شقيق عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا أنفقت المرأة من طعام مفسدة فلها أجرها وللزوج بما اكتسب وللخازن مثل ذلك"
قوله: "باب أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة" قد تقدمت مباحثه في الذي قبله، ولم يقيده بالأمر كما قيد الذي قبله فقيل: إنه فرق بين المراة والخادم بأن المرأة لها أن تتصرف في بيت زوجها بما ليس فيه إفساد للرضا بذلك في الغالب، بخلاف الخادم الخازن. ويدل على ذلك ما رواه المصنف من حديث همام عن أبي هريرة بلفظ: "إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره" وسيأتي في البيوع وأورد فيه المصنف حديث عائشة المذكور من ثلاثة طرق تدور على أبي وائل شقيق بن سلمة عن مسروق عنها: أولها شعبة عن منصور والأعمش عنه ولم يسق لفظه بتمامه، ثانيها حفص بن غياث عن الأعمش وحده. ثالثها

(3/303)


جرير عن منصور وحده، ولفظ الأعمش " إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها" ولفظ منصور " إذا أنفقت من طعام بيتها " وقد أورده الإسماعيلي من حديث شعبة ولفظه: "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كتب لها أجر ولزوجها مثل ذلك وللخازن مثل ذلك لا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئا، للزوج بما اكتسب ولها بما أنفقت غير مفسدة" ولشعبة فيه إسناد آخر أورده الإسماعيلي أيضا من روايته عن عمرو بن مرة عن أبي وائل عن عائشة ليس فيه مسروق وقد أخرجه الترمذي بالإسنادين وقال: إن رواية منصور والأعمش بذكر مسروق فيه أصح. قوله: "وله مثله" أي مثل أجرها "وللخازن مثل ذلك" أي بالشروط المذكورة في حديث أبي موسى، وظاهره يقتضي تساويهم في الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل حصول الأجر في الجملة وإن كان أجر الكاسب أوفر، لكن التعبير في حديث أبي هريرة الذي ذكرته بقوله: " فلها نصف أجره" يشعر بالتساوي، وقد سبق قبل بستة أبواب من طريق جرير أيضا وزاد في آخره: "لا ينقص بعضهم أجر بعض" والمراد عدم المساهمة والمزاحمة في الأجر، ويحتمل أن يراد مساواة بعضهم بعضا والله أعلم. وفي الحديث فضل الأمانة، وسخاوة النفس، وطيب النفس في فعل الخير، والإعانة على فعل الخير.

(3/304)


27 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [5 الليل]: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}
اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا
1442 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا"
قوله: "باب قول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الآية" قال الزين بن المنير: أدخل هذه الترجمة بين أبواب الترغيب في الصدقة ليفهم أن المقصود الخاص بها الترغيب في الإنفاق في وجوه البر، وإن ذلك موعود عليه بالخلف في العاجل زيادة على الثواب الأجل. قوله: "اللهم أعط منفق مال خلفا" قال الكرماني: هو معطوف على الآية وحذف أداة العطف كثير، وهو مذكور على سبيل البيان للحسنى، أي تيسير الحسنى له إعطاء الخلف. قلت: قد أخرج الطبري من طرق متعددة عن ابن عباس في هذه الآية قال: أعطى مما عنده واتقى ربه وصدق بالخلف من الله تعالى. ثم حكى عن غيره أقوالا أخرى قال: وأشبهها بالصواب قول ابن عباس. والذي يظهر لي أن البخاري أشار بذلك إلى سبب نزول الآية المذكورة، وهو بين فيما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قتادة "حدثني خالد العصري عن أبي الدرداء مرفوعا" نحو حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وزاد في آخره: فأنزل الله في ذلك {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - إلى قوله – لِلْعُسْرَى} وهو عند أحمد من هذا الوجه، لكن ليس فيه آخره. قوله: "منفق مال" بالإضافة ولبعضهم "منفقا مالا خلفا" ومالا مفعول منفق بدليل رواية الإضافة ولولاها احتمل أن يكون مفعول أعطى، والأول أولى من جهة أخرى وهي أن سياق الحديث للحض على إنفاق المال فناسب أن

(3/304)


يكون مفعول منفق، وأما الخلف فإبهامه أولى ليتناول المال والثواب: وغيرهما، وكم من متق مات قبل أن يقع له الخلف المالي فيكون خلفة الثواب المعد له في الآخرة، أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك. قوله: "حدثنا إسماعيل حدثني أخي" هو أبو بكر بن أبي أويس، وسليمان هو ابن بلال، وأبو الحباب بضم المهملة وموحدتين الأولى خفيفة وسماه مسلم في روايته سعيد بن يسار وهو عم معاوية الراوي عنه، ومزرد بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الراء الثقيلة واسم أبي مزرد عبد الرحمن، وهذا الإسناد كله مدنيون. قوله: "ما من يوم" في حديث أبي الدرداء "م ا من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا غربت شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان" فذكر مثل حديث أبي هريرة. قوله: "إلا ملكا" في حديث أبي الدرداء "إلا وبجنبتيها ملكان" والجنبة بسكون النون الناحية، وقوله: "خلفا" أي عوضا. قوله: "أعط ممسكا تلفا" التعبير بالعطية في هذه للمشاكلة، لأن التلف ليس بعطية. وأفاد حديث أبي هريرة أن الكلام المذكور موزع بينهما، فنسب إليهما في حديث أبي الدرداء نسبة المجموع إلى المجموع، وتضمنت الآية الوعد بالتيسير لمن ينفق في وجوه البر، والوعيد بالتعسير لعكسه. والتيسير المذكور أعم من أن يكون لأحوال الدنيا أو لأحوال الآخرة، وكذا دعاء الملك بالخلف يحتمل الأمرين، وأما الدعاء بالتلف فيحتمل تلف ذلك المال بعينه أو تلف نفس صاحب المال، والمراد به فوات أعمال البر بالتشاغل بغيرها. قال النووي: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات وعلى العيال والضيفان والتطوعات. وقال القرطبي: وهو يعم الواجبات والمندوبات، لكن الممسك عن المندوبات لا يستحق هذا الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه ولو أخرجه. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في قوله في حديث أبي موسى "طيبة بها نفسه" والله أعلم.

(3/305)


28 - باب مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ
1443 - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال: النبي صلى الله عليه وسلم " مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ"
و حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إِلاَّ سَبَغَتْ أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ"
تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ فِي الْجُبَّتَيْنِ
[الحديث 1443 - أطرافه في: 1444, 2917, 5299, 5797]
1444 - وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ "جُنَّتَانِ"
وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "جُنَّتَانِ"

(3/305)


قوله: "باب مثل المتصدق والبخيل" قال الزين بن المنير: قام التمثيل في خبر الباب مقام الدليل على تفضيل المتصدق على البخيل، فاكتفى المصنف بذلك عن أن يضمن الترجمة مقاصد الخبر على التفصيل. قوله: "حدثنا موسى" هو ابن إسماعيل التبوذكي، وابن طاوس اسمه عبد الله. ولم يسق المتن من هذه الطريق الأولى هنا، وقد أورده في الجهاد عن موسى بهذا الإسناد فساقه بتمامه. قوله: "أن عبد الرحمن" هو ابن هرمز الأعرج. قوله: "مثل البخيل والمنفق" وقع عند مسلم من طريق سفيان عن أبي الزناد "مثل المنفق والمتصدق "قال عياض: وهو وهم، ويمكن أن يكون حذف مقابله لدلالة السياق عليه. قلت قد رواه الحميدي وأحمد وابن أبي عمر وغيرهم في مسانيدهم عن ابن عيينة فقالوا في روايتهم "مثل المنفق والبخيل "كما في رواية شعيب عن أبي الزناد وهو الصواب، ووقع في رواية الحسن بن مسلم عن طاوس "ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق" أخرجها المصنف في اللباس. قوله: " عليهما جبتان من حديد" كذا في هذه الرواية بضم الجيم بعدها موحدة، ومن رواه فيها بالنون فقد صحف، وكذا رواية الحسن بن مسلم، ورواه حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن طاوس بالنون ورجحت لقوله: "من حديد" والجنة في الأصل الحصن، وسميت بها الدرع لأنها تجن صاحبها أي تحصنه، والجبة بالموحدة ثوب مخصوص، ولا مانع من إطلاقه على الدرع. واختلف في رواية الأعرج والأكثر على أنها بالموحدة أيضا. قوله: "من ثديهما" بضم المثلثة جمع ثدي، و "تراقيهم" بمثناة وقاف جمع ترقوة. قوله: "سبغت" أي امتدت وغطت. قوله: "أو وفرت" شك من الراوي، وهو بتخفيف الفاء من الوفور، ووقع في رواية الحسن بن مسلم: "انبسطت" وفي رواية الأعرج "اتسعت عليه" وكلها متقاربة. قوله: "حتى تخفي بنانه" أي تستر أصابعه. وفي رواية الحميدي "حتى تجن" بكسر الجيم وتشديد النون وهي بمعنى تخفي، وذكرها الخطابي في شرحه للبخاري كرواية الحميدي، وبنانه بفتح الموحدة ونونين الأولى خفيفة: الإصبع، ورواه بعضهم "ثيابه" بمثلثة وبعد الألف موحدة وهو تصحيف. وقد وقع في رواية الحسن بن مسلم: "حتى تغشي - بمعجمتين - أنامله". قوله: "وتعفو أثره" بالنصب أي تستر أثره، يقال عفا الشيء وعفوته أنا لازم ومتعد، ويقال عفت الدار إذا غطاها التراب، والمعنى أن الصدقة تستر خطاياه كما يغطي الثوب الذي يجر على الأرض أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه. قوله: "لزقت" في رواية مسلم: "انقبضت "وفي رواية همام "غاصت كل حلقة مكانها" وفي رواية سفيان عند مسلم: "قلصت" وكذا في رواية الحسن بن مسلم عند المصنف، والمفاد واحد لكن الأولى نظر فيها إلى صورة الضيق والأخيرة نظر فيها إلى سبب الضيق. وزعم ابن التين أن فيه إشارة إلى أن البخيل يكوى بالنار يوم القيامة، قال الخطابي وغيره: وهذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعا يستتر به من سلاح عدوه، فصبها على رأسه ليلبسها، والدروع أول ما تقع على الصدر والثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعا سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: "حتى تعفو أثره" أي تستر جميع بدنه. وجعل البخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه، كلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته، وهو معني قوله: "قلصت" أي تضامنت واجتمعت، والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره وطابت نفسه فتوسعت في الإنفاق، والبخيل إذا حدث نفسه بالصدقة شحت نفسه فضاق صدره وانقبضت يداه {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . وقال المهلب: المراد أن الله يستر المنفق في الدنيا والآخرة، بخلاف البخيل فإنه

(3/306)


يفضحه. ومعنى تعفو أثره تمحو خطاياه. وتعقبه عياض بأن الخبر جاء على التمثيل لا على الإخبار عن كائن. قال: وقيل هو تمثيل لنماء المال بالصدقة، والبخل بضده. وقيل تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء وتعود ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادة. وقال الطيبي: قيد المشبه به بالحديد إعلاما بأن القبض والشدة من جبلة الإنسان، وأوقع المتصدق موقع السخي لكونه جعله في مقابلة البخيل إشعارا بأن السخاء هو ما أمر به الشارع وندب إليه من الإنفاق لا ما يتعاناه المسرفون. قوله: "فهو يوسعها ولا تتسع" ، وقع في رواية سفيان عند مسلم: "قال أبو هريرة فهو يوسعها ولا تتسع" وهذا يوهم أن يكون مدرجا وليس كذلك، وقد وقع التصريح برفع هذه الجملة في طريق طاوس عن أبي هريرة: ففي رواية ابن طاوس عند المصنف في الجهاد "فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فيجتهد أن يوسعها ولا تتسع" وفي رواية مسلم: "فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم" فذكره. وفي رواية الحسن بن مسلم عندهما "فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأصبعه هكذا في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا تتسع" ووقع عند أحمد من طريق ابن إسحاق عن أبي الزناد في الحديث: "وأما البخيل فإنها لا تزداد عليه إلا استحكاما" وهذا بالمعنى. قوله: "تابعه الحسن بن مسلم عن طاوس" وصله المصنف في اللباس من طريقه. قوله: "وقال حنظلة عن طاوس" ذكره في اللباس أيضا تعليقا بلفظ: "وقال حنظلة سمعت طاوسا سمعت أبا هريرة" وقد وصله الإسماعيلي من طريق إسحاق الأزرق عن حنظلة. قوله: "وقال الليث حدثني جعفر" هو ابن ربيعة، وابن هرمز هو عبد الرحمن الأعرج، ولم تقع في رواية الليث موصولة إلى الآن، وقد رأيته عنه بإسناد آخر أخرجه ابن حبان من طريق عيسى ابن حماد عن الليث عن ابن عجلان عن أبي الزناد بسنده.

(3/307)


29 - باب صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى [267 البقرة]:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ - إلى قوله: أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}
قوله: "باب صدقة الكسب والتجارة، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} الآية إلى قوله {حَمِيدٌ} هكذا أورد هذه الترجمة مقتصرا على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهد في هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} قال: من التجارة الحلال أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق آدم عنه، وأخرجه الطبري من طريق هشيم عن شعبة ولفظه {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} قال: من التجارة، {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} قال: من الثمار. ومن طريق أبي بكر الهذلي عن محمد بن سيرين عن عبيدة ابن عمرو عن علي قال في قوله: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} قال: يعني من الحب والتمر كل شيء عليه زكاة. قال الزين بن المنير لم يقيد الكسب في الترجمة بالطيب كما في الآية استغناء عن ذلك بما قدم في ترجمة "باب الصدقة من كسب طيب".

(3/307)


30 - باب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ
1445 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ

(3/307)


31 - باب قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَمَنْ أَعْطَى شَاةً
1446 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْهَا, فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْتُ لاَ إِلاَّ مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فَقَالَ هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا"
[الحديث 1446 – طرفاه في: 1494, 2579]
قوله: "باب قدر كم يعطي من الزكاة والصدقة، ومن أعطى شاة" أورد فيه حديث أم عطية في إهدائها الشاة التي تصدق بها عليها. قال الزين بن المنير: عطف الصدقة على الزكاة من عطف العام على الخاص، إذ لو اقتصر على الزكاة لأفهم أن غيرها بخلافها، وحذف مفعول يعطي اختصارا لكونهم ثمانية أصناف، وأشار بذلك إلى الرد على من كره أن يدفع إلى شخص واحد قدر النصاب، وهو محكي عن أبي حنيفة. وقال محمد بن الحسن: لا بأس به انتهى.
وقال غيره: لفظ الصدقة يعم الفرض والنفل، والزكاة كذلك لكنها لا تطلق غالبا إلا على المفروض دون التطوع فهي أخص من الصدقة من هذا الوجه، ولفظ الصدقة من حيث الإطلاق على الفرض مرادف الزكاة لا من حيث الإطلاق على النفل، وقد تكرر في الأحاديث لفظ الصدقة على المفروضة ولكن الأغلب التفرقة. والله أعلم.

(3/309)


قوله: "بعث إلى نسيبة الأنصارية" هي أم عطية كذا وقع في رواية ابن السكن عن الفربري عن البخاري في آخر هذا الحديث، وكان السياق يقتضي أن يقول: "بعث إلي" بلفظ ضمير المتكلم المجرور كما وقع عند مسلم من طريق ابن علية عن خالد، لكنه في هذا السياق وضع الظاهر موضع المضمر إما تجريدا وإما التفاتا، وسيأتي الكلام على بقية فوائد هذا الحديث في "باب إذا حولت الصدقة" في أواخر كتاب الزكاة إن شاء الله تعالى.

(3/310)


32 - باب زَكَاةِ الْوَرِقِ
1447 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنْ الإِبِلِ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ"
1448 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو سَمِعَ أَبَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا
قوله: "باب زكاة الورق" أي الفضة، يقال: "ورق" بفتح الواو وبكسرها وبكسر الراء وسكونها، قال ابن المنير: لما كانت الفضة هي المال الذي يكثر دورانه في أيدي الناس ويروج بكل مكان كان أولى بأن يقدم على ذكر تفاصيل الأموال الزكوية. قوله: "عن عمرو بن يحيى المازني" في موطأ ابن وهب "عن مالك أن عمرو بن يحيى حدثه".
قوله: "عن أبيه" في مسند الحميدي عن سفيان "سألت عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني فحدثني عن أبيه" وفي رواية يحيى بن سعيد وهو الأنصاري التي ذكرها المصنف عقب هذا الإسناد التصريح بسماع عمرو وهو ابن يحيى المذكور له من أبيه، وهذا هو السر في إيراده للإسناد خاصة، وقد حكى ابن عبد البر عن بعض أهل العلم أن حديث الباب لم يأت إلا من حديث أبي سعيد الخدري، قال: وهذا هو الأغلب، إلا أنني وجدته من رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ومن طريق محمد بن مسلم1 عن عمرو بن دينار عن جابر انتهى. ورواية سهيل في "الأموال لأبي عبيد" ورواية مسلم في "المستدرك" وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن جابر، وجاء أيضا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة وأبي رافع ومحمد بن عبد الله بن جحش أخرج أحاديث الأربعة الدارقطني، ومن حديث ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد أيضا. قوله: "خمس ذود" بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد. قوله: "خمس أواق" زاد مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد "خمس أواق من الورق صدقة" وهو مطابق للفظ الترجمة، وكأن المصنف أراد أن يبين بالترجمة ما أبهم في لفظ الحديث اعتمادا على الطريق الأخرى. و "أواق" بالتنوين وبإثبات التحتانية مشددا ومخففا جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية، وحكى اللحياني "وقية" بحذف الألف وفتح الواو. ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهما بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء كان مضروبا أو غير مضروب، قال عياض قال أبو عبيد: إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتى جاء عبد الملك بن
ـــــــ
1 كذا في المخطوطة وطبعة بولاق. والصواب "ورواية ابن مسلم" كما يعلم من السياق. والله أعلم

(3/310)


مروان فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، قال: وهذا يلزم منه أن يكون صلى الله عليه وسلم أحال بنصاب الزكاة على أمر مجهول وهو مشكل، والصواب أن معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة في الوزن بالنسبة إلى العدد، فعشرة مثلا وزن عشرة وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بكتابة عربية ويصير وزنها وزنا واحدا. وقال غيره: لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام، وأما الدرهم فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، ولم يخالف في أن نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالا من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسي فإنه انفرد بقوله: إن كل أهل بلد يتعاملون بدراهمهم. وذكر ابن عبد البر اختلافا في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد، وكذا خرق المريسي الإجماع فاعتبر النصاب بالعدد لا الوزن، وانفرد السرخسي من الشافعية بحكاية وجه في المذهب أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرا لو ضم إليه قيمة الغش من نحاس مثلا لبلغ نصابا فإن الزكاة تجب فيه كما نقل عن أبي حنيفة، واستدل بهذا الحديث على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب ولو حبة واحدة، خلافا لمن سامح بنقص يسير كما نقل عن بعض المالكية. قوله: "أوسق" جمع وسق بفتح الواو ويجوز كسرها كما حكاه صاحب "المحكم" وجمعه حينئذ أوساق كحمل وأحمال، وقد وقع كذلك في رواية لمسلم، وهو ستون صاعا بالاتفاق، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق أبي البختري عن أبي سعيد نحو هذا الحديث وفيه: "والوسق ستون صاعا"، وأخرجها أبو داود أيضا لكن قال: "ستون مختوما"1 والدارقطني من حديث عائشة أيضا والوسق ستون صاعا، ولم يقع في الحديث بيان المكيل بالأوسق لكن في رواية مسلم: "ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة" وفي رواية له "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق" ولفظ: "دون" في المواضع الثلاثة بمعنى أقل لا أنه نفى عن غير الخمس الصدقة كما زعم بعض من لا يعتد بقوله. واستدل بهذا الحديث على وجوب الزكاة في الأمور الثلاثة، واستدل به على أن الزروع لا زكاة فيها حتى تبلغ خمسة أوسق، وعن أبي حنيفة تجب في قليله وكثيره لقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" وسيأتي البحث في ذلك في باب مفرد إن شاء الله تعالى. ولم يتعرض الحديث للقدر الزائد على المحدود، وقد أجمعوا في الأوساق على أنه لا وقص فيها، وأما الفضة فقال الجمهور هو كذلك، وعن أبي حنيفة لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ النصاب وهو أربعون فجعل لها وقصا كالماشية، واحتج عليه الطبراني بالقياس على الثمار والحبوب، والجامع كون الذهب والفضة مستخرجين من الأرض بكلفة ومؤونة، وقد أجمعوا على ذلك في خمسة أوسق فما زاد.
" فائدة ": أجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والنقد دون المعشرات. والله أعلم.
ـــــــ
1 ثم روى أبو داود بعد ما ذكر اللفظ المذكور عن إبراهيم النخعي ما نصه قال: الوسق ستون صاعا مختوما بالحجاجي. وبما قاله إبراهيم المذكورين يعرف معنى قوله "مختوما" في الرواية التي ذكرها الشارح. والله أعلم

(3/311)


33 - باب الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ قَالَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لأَهْلِ الْيَمَنِ ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"

(3/311)


وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: " تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ" فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنْ الْعُرُوضِ
1449 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ"
[الحديث 1448 – أطرافه في: 1450, 1451, 1452, 1453, 1454, 6487, 3106, 5878, 6955]
1449 - حدثنا مؤمل حدثنا إسماعيل عن أيوب عن عطاء بن أبي رباح قال قال بن عباس رضي الله عنهما ثم أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم "لصلى قبل الخطبة فرأى أنه لم يسمع النساء فأتاهن ومعه بلال ناشر ثوبه فوعظهن وأمرهن أن يتصدقن فجعلت المرأة تلقي وأشار أيوب إلى أذنه وإلى حلقه"
قوله: "باب العرض في الزكاة" أي جواز أخذ العرض، وهو بفتح المهملة وسكون الراء بعدها معجمة، والمراد به ما عدا النقدين. قال ابن رشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل. وقد أجاب الجمهور عن قصة معاذ وعن الأحاديث كما سيأتي عقب كل منها. قوله: "وقال طاوس: قال معاذ لأهل اليمن" هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاوس، لكن طاوس لم يسمع من معاذ فهو منقطع، فلا يغتر بقول من قال ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده لأن ذلك لا يفيد إلا الصحة إلى من علق عنه، وأما باقي الإسناد فلا، إلا أن إيراده له في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده، وكأنه عضده عنده الأحاديث التي ذكرها في الباب. وقد روينا أثر طاوس المذكور في "كتاب الخراج ليحيى بن آدم" من رواية ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة وعمرو بن دينار فرقهما كلاهما عن طاوس. وقوله: "خميص" قال الداودي والجوهري وغيرهما: ثوب خميس بسين مهملة هو ثوب طوله خمسة أذرع، وقيل سمي بذلك لأن أول من عمله الخميس ملك من ملوك اليمن. وقال عياض: ذكره البخاري بالصاد، وأما أبو عبيدة فذكره بالسين، قال أبو عبيدة: كأن معاذا عنى الصفيق من الثياب. وقال عياض: قد يكون المراد ثوب خميص أي خميصة، لكن ذكره على إرادة الثوب. وقوله: "لبيس" أي ملبوس فعيل بمعنى مفعول. وقوله: "في الصدقة" يرد قول من قال إن ذلك كان في الخراج، وحكى البيهقي أن بعضهم قال فيه: "من الجزية" بدل الصدقة، فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال، لكن المشهور الأول، وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس "أن معاذا كان يأخذ العروض في الصدقة "وأجاب الإسماعيلي باحتمال أن يكون المعنى ائتوني به آخذه منكم مكان الشعير والذرة الذي آخذه شراء بما آخذه فيكون بقبضه قد بلغ محله، ثم يأخذ مكانه ما يشتريه مما هو أوسع عندهم وأنفع للآخذ. قال: ويؤيده أنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة على الصحابة، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها

(3/312)


على فقرائهم. وأجيب بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولى قسمتها. وقد احتج به من يجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وهي مسألة خلافية أيضا. وقيل في الجواب عن قصة معاذ إنها اجتهاد منه فلا حجة فيها، وفيه نظر لأنه كان أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد بين له النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن ما يصنع. وقيل كانت تلك واقعة حال لا دلالة فيها لاحتمال أن يكون علم بأهل المدينة حاجة لذلك وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك. وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: كانوا يطلقون على الجزية اسم الصدقة فلعل هذا منها. وتعقب بقوله: "مكان الشعير والذرة" وما كانت الجزية حينئذ من أولئك من شعير ولا ذرة إلا من النقدين. وقوله: "أهون عليكم" أراد معنى تسلط السهولة عليهم فلم يقل أهون لكم. وقوله: "وخير لأصحاب محمد" أي أرفق بهم لأن مؤونة النقل ثقيلة فرأى الأخف في ذلك خيرا من الأثقل. قوله: "وقاله النبي صلى الله عليه وسلم وأما خالد" هو طرف من حديث لأبي هريرة أوله "أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة، فقيل منع ابن جميل" الحديث وسيأتي موصولا في "باب قول الله وفي الرقاب" مع بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تصدقن ولو من حليكن" فلم يستثن صدقة الفرض من غيرها، فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها، ولم يخص الذهب والفضة من العروض" أما الحديث فطرف من حديث لابن عباس أخرجه المصنف بمعناه وقد تقدم في العيدين، وهو عند مسلم بلفظه من طريق عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وأوله "خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى" الحديث وفيه: "فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها" والخرص بضم المعجمة وسكون الراء بعدها مهملة الحلقة التي تجعل في الأذن، وقد ذكره المصنف موصولا في آخر الباب لكن لفظه: "فجعلت المرأة تلقي، وأشار أيوب إلى أذنه وحلقه" وقد وقع تفسير ذلك بما ذكره في الترجمة من قوله: "تلقي خرصها وسخابها" لأن الخرص من الأذن والسخاب من الحلق، والسخاب بكسر المهملة بعدها معجمة وآخره موحدة القلادة. وقوله: "فلم يستثن" وقوله: "فلم يخص" كل من الكلامين للبخاري ذكرهما بيانا لكيفية الاستدلال على أداء العرض في الزكاة، وهو مصير منه إلى أن مصارف الصدقة الواجبة كمصارف صدقة التطوع بجامع ما فيهما من قصد القربة، والمصروف إليهم بجامع الفقر والاحتياج، إلا ما استثناه الدليل. وأما من وجهه فقال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بالصدقة في ذلك اليوم وأمره على الوجوب صارت صدقة واجبة، ففيه نظر لأنه لو كان للإيجاب هنا لكان مقدرا وكانت المجازفة فيه وقبول ما تيسر غير جائز. ويمكن أن يكون تمسك بقوله: "تصدقن" فإنه مطلق يصلح لجميع أنواع الصدقات واجبها ونفلها وجميع أنواع المتصدق به عينا وعرضا، ويكون قوله: "ولو من حليكن" للمبالغة أي ولو لم تجدن إلا ذلك. وموضع الاستدلال منه للعرض قوله: "وسخابها" لأنه قلادة تتخذ من مسك وقرنفل ونحوهما تجعل في العنق، والبخاري فيما عرف بالاستقراء من طريقته يتمسك بالمطلقات تمسك غيره بالعمومات.ثم ذكر المصنف في هذا الباب حديث أنس أن أبا بكر كتب له، وسيأتي معظمه في "باب زكاة الغنم" وموضع الدلالة منه قبول ما هو أنفس مما يجب على المتصدق وإعطاؤه التفاوت من جنس غير الجنس الواجب، وكذا العكس، لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأنه لو كان كذلك لكان ينظر إلى ما بين الشيئين في القيمة، فكان العرض1 يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في
ـــــــ
1 كذا في النسخ, ولعله"فإن العرض"

(3/313)


الأصل في مثل ذلك، ولولا تقدير الشارع بذلك لتعينت بنت المخاض مثلا ولم يجز أن تبدل بنت لبون مع التفاوت. والله أعلم

(3/314)


34 - باب لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ
1450 - حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا أبي حدثنا ثمامة بن عبد الله بن أنس أن أنسا حدثه أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة"
قوله: "باب لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع" في رواية الكشميهني: "متفرق" بتقديم التاء وتشديد الراء، قال الزين بن المنير: لم يقيد المصنف الترجمة بقوله خشية الصدقة لاختلاف نظر العلماء في المراد بذلك كما سيأتي. قوله: "ويذكر عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله" أي مثل لفظ هذه الترجمة، وهو طرف من حديث أخرجه أبو داود وأحمد والترمذي والحاكم وغيرهم من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عنه موصولا، وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري، وقد خالفه من هو أحفظ منه في الزهري فأخرجه الحاكم من طريق يونس بن يزيد عن الزهري وقال: إن فيه تقوية لرواية سفيان بن حسين لأنه قال عن الزهري "قال أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها" فذكر الحديث ولم يقل إن ابن عمر حدثه به، ولهذه العلة لم يجزم به البخاري، لكن أورده شاهدا لحديث أنس الذي وصله البخاري في الباب ولفظه: "ولا يجمع بين متفرق" بتقديم التاء أيضا وزاد: "خشية الصدقة" واختلف في المراد بالخشية كما سنذكره، وفي الباب عن علي عند أصحاب السنن وعن سويد بن غفلة قال: "أتانا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم فقرأت في عهده" فذكر مثله أخرجه النسائي، وعن سعد بن أبي وقاص أخرجه البيهقي. قال مالك في الموطأ: معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاتان فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاة واحدة. وقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم أن لا يحدث شيئا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فمعنى قوله خشية الصدقة أي خشية أن تكثر الصدقة أو خشية أن تقل الصدقة، فلما كان محتملا للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الآخر، فحمل عليهما معا، لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر والله أعلم. واستدل به على أن من كان عنده دون النصاب من الفضة ودون النصاب من الذهب مثلا أنه لا يجب ضم بعضه إلى بعض حتى يصير نصابا كاملا فتجب فيه الزكاة خلافا لمن قال يضم على الأجزاء كالمالكية أو على القيم كالحنفية، واستدل به لأحمد على أن من كان له ماشية ببلد لا تبلغ النصاب كعشرين شاة مثلا بالكوفة ومثلها بالبصرة أنها لا تضم باعتبار كونها ملك رجل واحد وتؤخذ منها الزكاة لبلوغها النصاب قاله ابن المنذر، وخالفه الجمهور فقالوا: يجمع على صاحب المال أمواله

(3/314)


ولو كانت في بلدان شتى ويخرج منها الزكاة. واستدل به على إبطال الحيل والعمل على المقاصد المدلول عليها بالقرائن، وأن زكاة العين لا تسقط بالهبة مثلا. والله أعلم.

(3/315)


باب ما كان خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية
...
35 - باب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ إِذَا عَلِمَ الْخَلِيطَانِ أَمْوَالَهُمَا فَلاَ يُجْمَعُ مَالُهُمَا
وَقَالَ سُفْيَانُ لاَ يَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً
1451 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ
قوله: "باب وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" اختلف في المراد بالخليط كما سيأتي، فعند أبي حنيفة أنه الشريك قال: ولا يجب على أحد منهم فيما يملك إلا مثل الذي كان يحب عليه لو لم يكن خلط، وتعقبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث. وإنما نهى عن أمر لو فعله كانت فيه فائدة قبل النهي، ولو كان كما قال لما كان لتراجع الخليطين بينهما بالسوية معنى. قوله: "يتراجعان" قال الخطابي: معناه أن يكون بينهما أربعون شاة مثلا لكل واحد منهما عشرون قد عرف كل منهما عين ماله فيأخذ المصدق من أحدهما شاة فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بقيمة نصف شاة، وهذه تسمى خلطة الجوار. قوله: "وقال طاوس وعطاء إلخ" هذا التعليق وصله أبو عبيد في "كتاب الأموال" قال: "حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن طاوس قال: إذا كان الخليطان يعلمان أموالهما لم يجمع مالهما في الصدقة، قال -يعني ابن جريج- فذكرته لعطاء فقال: ما أراه إلا حقا وهكذا رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن شيخه. وقال أيضا عن ابن جريج "قلت لعطاء: ناس "خلطاء لهم أربعون شاة؟ قال: عليهم شاة. قلت: فلواحد تسعة وثلاثون شاة ولآخر شاة؟ قال: عليهما شاة". قوله: "وقال سفيان لا تجب حتى يتم لهذا أربعون شاة ولهذا أربعون شاة" قال عبد الرزاق عن الثوري "قولنا لا يجب على الخليطين شيء إلا أن يتم لهذا أربعون ولهذا أربعون" انتهى، وبهذا قال مالك. وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا، والخلطة عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل، والشركة أخص منها. وفي "جامع سفيان الثوري" عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر "ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية". قلت لعبيد الله: ما يعني بالخليطين؟ قال: إذا كان المراح واحدا والراعي واحدا والدلو واحدا. ثم أورد المصنف طرفا من حديث أنس المذكور وفيه لفظ الترجمة.
واختلف في المراد بالخليط، فقال أبو حنيفة هو الشريك، واعترض عليه بأن الشريك قد لا يعرف عين ماله وقد قال إنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكا قوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ} وقد بينه قبل ذلك بقوله: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} واعتذر بعضهم عن الحنفية بأنهم لم يبلغهم هذا الحديث، أو رأوا أن الأصل قوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" وحكم الخلطة بغير هذا الأصل فلم يقولوا به.

(3/315)


36 - باب زَكَاةِ الإِبِلِ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1452 - حدثنا علي بن عبد الله حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي قال حدثني بن شهاب عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه " أن أعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة فقال ويحك إن شأنها شديد فهل لك من إبل تؤدي صدقتها قال نعم قال فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا"
[الحديث 1452 – أطرافه: 2633, 3923, 6165]
قوله: "باب زكاة الإبل" سقط لفظ: "باب" من رواية الكشميهني والحموي. قوله: "ذكره أبو بكر وأبو ذر وأبو هريرة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم" أما حديث أبي بكر فقد ذكره مطولا كما سيأتي بعد باب من رواية أنس عنه، ولأبي بكر حديث آخر تقدم أيضا فيما يتعلق بقتال مانعي الزكاة. وأما حديث أبي ذر فسيأتي بعد ستة أبواب من رواية المعرور بن سويد عنه في وعيد من لا يؤدي زكاة أبله وغيرها ويأتي منه حديث أبي هريرة أيضا في ذلك إن شاء الله تعالى. ثم ذكر المصنف حديث الأعرابي الذي سأل عن شأن الهجرة، وموضع الحاجة منه قوله: "فهل لك من إبل تؤدي صدقتها؟ قال. نعم" وسيأتي الكلام عليه مستوفي في كتاب الهجرة إن شاء الله تعالى. قال الزين بن المنير: في هذه الأحاديث أحكام متعددة تتعلق بهذه الترجمة، منها إيجاب الزكاة، والتسوية بينها وبين الصلاة في قتال مانعيها حتى لو منعوا عقالا وهو الذي تربط به الإبل، وتسميتها فريضة وذلك أعلى الواجبات وتوعد من لم يؤدها بالعقوبة في الدار الآخرة كما في حديثي أبي ذر وأبي هريرة. وفي حديث أبي سعيد فضل أداء زكاة الإبل، ومعادلة إخراج حق الله منها لفضل الهجرة، فإن في الحديث إشارة إلى أن استقراره بوطنه إذا أدى زكاة إبله يقوم له مقام ثواب هجرته وإقامته بالمدينة.

(3/316)


باب من بلغت عنده الصدقة بنت مخاض وليست عنده
...
37 - باب مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ
1453 - حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني أبي قال حدثني ثمامة أن أنسا رضي الله عنه حدثه ثم أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم " من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة ليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة إنها تقبل منه الجذعة يعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهما ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين"

(3/316)


قوله: "باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده" أورد فيه طرفا من حديث أنس المذكور، وليس فيه ما ترجم به، وقد أورد الحكم الذي ترجم به في "باب العرض في الزكاة" وحذفه هنا، فقال ابن بطال: هذه غفلة منه. وتعقبه ابن رشيد وقال: بل هي غفلة ممن ظن به الغفلة، وإنما مقصده أن يستدل على من بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده هي ولا ابن لبون لكن عنده مثلا حقة وهي أرفع من بنت مخاض لأن بينهما بنت لبون، وقد تقرر أن بين بنت اللبون وبنت المخاض عشرين درهما أو شاتين، وكذلك سائر ما وقع ذكره في الحديث من سن يزيد أو ينقص إنما ذكر فيه ما يليها لا ما يقع بينهما بتفاوت درجة، فأشار البخاري إلى أنه يستنبط من الزائد والناقص والمنفصل ما يكون منفصلا بحساب ذلك. فعلى هذا من بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده إلا حقة أن يرد عليه المصدق أربعين درهما أو أربع شياه جبرانا أو بالعكس، فلو ذكر اللفظ الذي ترجم به لما أفهم هذا الغرض، فتدبره انتهى. قال الزين بن المنير: من أمعن النظر في تراجم هذا الكتاب وما أودعه فيها من أسرار المقاصد استبعد أن يغفل أو يهمل أو يضع لفظا بغير معنى أو يرسم في الباب خبرا يكون غيره به أقعد وأولى، وإنما قصد بذكر ما لم يترجم به أن يقرر أن المفقود إذا وجد الأكمل منه أو الأنقص شرع الجبران كما شرع ذلك فيما تضمنه هذا الخبر من ذكر الأسنان فإنه لا فرق بين فقد بنت المخاض ووجود الأكمل منها. قال: ولو جعل العمدة في هذا الباب الخبر المشتمل على ذكر فقد بنت المخاض لكان نصا في الترجمة ظاهرا، فلما تركه واستدل بنظيره أفهم ما ذكرناه من الإلحاق بنفي الفرق وتسويته بين فقد بنت المخاض ووجود الأكمل منها وبين فقد الحقة ووجود الأكمل منها. والله أعلم.

(3/317)


38 - باب زَكَاةِ الْغَنَمِ
1454 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ فَمَنْ سُئِلَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلاَ يُعْطِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنْ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاَثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنْ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنْ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاَثِ مِائَةٍ فَفِيهَا ثَلاَثُ شِيَاهٍ فَإِذَا زَادَتْ

(3/317)


عَلَى ثَلاَثِ مِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا"
قوله: "باب زكاة الغنم" قال الزين بن المنير: حذف وصف الغنم بالسائمة وهو ثابت في الخبر، إما لأنه لم يعتبر هذا المفهوم أو لتردده من جهة تعارض وجوه النظر فيه عنده، وهي مسألة خلافية شهيرة، والراجح في مفهوم الصفة أنها إن كانت تناسب الحكم مناسبة العلة لمعلولها اعتبرت وإلا فلا، ولا شك أن السوم يشعر بخفة المؤونة ودرء المشقة بخلاف العلف فالراجح اعتباره هنا والله أعلم. قوله: "حدثني ثمامة" هو عم الراوي عنه لأنه عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك، وهذا الإسناد مسلسل بالبصريين من آل أنس بن مالك. وعبد الله بن المثنى اختلف فيه قول ابن معين فقال مرة: صالح، ومرة: ليس بشيء. وقواه أبو زرعة وأبو حاتم والعجلي. وأما النسائي فقال: ليس بالقوي. وقال العقيلي: لا يتابع في أكثر حديثه انتهى. وقد تابعه على حديثه هذا حماد بن سلمة فرواه عن ثمامة أنه أعطاه كتابا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس وعليه خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه مصدقا فذكر الحديث، هكذا أخرجه أبو داود عن أبي سلمة عنه، ورواه أحمد في مسنده قال: "حدثنا أبو كامل حدثنا حماد قال أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس أن أبا بكر" فذكره. وقال إسحاق بن راهويه في مسنده "أخبرنا النضر بن شميل حدثنا حماد بن سلمة أخذنا هذا الكتاب من ثمامة يحدثه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم" فذكره. فوضح أن حمادا سمعه من ثمامة وأقرأه الكتاب فانتفى تعليل من أعله بكونه مكاتبة، وانتفى تعليل من أعله بكون عبد الله بن المثنى لم يتابع عليه. قوله: "أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين" أي عاملا عليها، وهي اسم لإقليم مشهور يشتمل على مدن معروفة قاعدتها هجر، وهكذا ينطق به بلفظ التثنية والنسبة إليه بحراني. قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم هذه" قال الماوردي يستدل به على إثبات البسملة في ابتداء الكتب وعلى أن الابتداء بالحمد ليس بشرط. قوله: "هذه فريضة الصدقة" أي نسخة فريضة فحذف المضاف للعلم به، وفيه أن اسم الصدقة يقع على الزكاة خلافا لمن منع ذلك من الحنفية. قوله: "التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين" ظاهر في رفع الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ليس موقوفا على أبي بكر، وقد صرح برفعه في رواية إسحاق المقدم ذكرها. ومعنى "فرض" هنا أوجب أو شرع يعني يأمر الله تعالى، وقيل معناه قدر لأن إيجابها ثابت في الكتاب ففرض النبي صلى الله عليه وسلم لها بيانه للمجمل من الكتاب بتقدير الأنواع والأجناس. وأصل الفرض قطع الشيء الصلب ثم استعمل في التقدير لكونه مقتطعا من الشيء الذي يقدر منه، ويرد بمعنى البيان كقوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} وبمعنى الإنزال كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} وبمعنى الحل كقوله تعالى: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} وكل ذلك لا يخرج من معنى التقدير. ووقع استعمال الفرض بمعنى اللزوم حتى كاد يغلب عليه وهو لا يخرج أيضا عن معنى التقدير، وقد قال الراغب: كل شيء ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى الإلزام، وكل شيء فرض له فهو بمعنى لم يحرمه عليه. وذكر أن معنى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} أي أوجب عليك العمل به، وهذا يؤيد قول الجمهور إن الفرض مرادف للوجوب. وتفريق الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يثبتان به لا مشاحة فيه، وإنما النزع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك لأن اللفظ السابق لا يحمل على الاصطلاح الحادث والله أعلم.
قوله: "على المسلمين" استدل به على أن

(3/318)


الكافر ليس مخاطبا بذلك، وتعقب بأن المراد بذلك كونها لا تصح منه، لا أنه لا يعاقب عليها وهو محل النزاع. قوله: "والتي أمر الله بها رسوله" كذا في كثير من نسخ البخاري، ووقع في كثير منها بحذف "بها" وأنكرها النووي في شرح المهذب، ووقع في رواية أبي داود المقدم ذكرها "التي أمر" بغير واو على أنها بدل من الأولى. قوله: "فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها" أي على هذه الكيفية المبينة في هذا الحديث. وفيه دلالة على دفع الأموال الظاهرة إلى الإمام. قوله: "ومن سئل فوقها فلا يعط" أي من سئل زائدا على ذلك في سن أو عدد فله المنع. ونقل الرافعي الاتفاق على ترجيحه. وقيل معناه فليمنع الساعي وليتول هو إخراجه بنفسه أو بساع آخر فإن الساعي الذي، طلب الزيادة يكون بذلك متعديا وشرطه أن يكون أمينا، لكن محل هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل. قوله: "في كل أربع وعشرين من الإبل فما دونها" أي إلى خمس. قوله: "من الغنم" كذا للأكثر. وفي رواية ابن السكن بإسقاط "من" وصوبها بعضهم. وقال عياض: من أثبتها فمعناه زكاتها أي الإبل من الغنم، و "من" للبيان لا للتبعيض. ومن حذفها فالغنم مبتدأ والخبر مضمر في قوله: "في كل أربع وعشرين" وما بعده، وإنما قدم الخبر لأن الغرض بيان المقادير التي تجب فيها الزكاة، والزكاة إنما تجب بعد وجود النصاب فحسن التقديم، واستدل به على تعين إخراج الغنم في مثل ذلك وهو قول مالك وأحمد، فلو أخرج بعيرا عن الأربع والعشرين لم يجزه. وقال الشافعي والجمهور: يجزئه لأنه يجزئ عن خمس وعشرين، فما دونها أولى. ولأن الأصل أن يجب من جنس المال، وإنما عدل عنه رفقا بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه، فإن كانت قيمة البعير مثلا دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم، والأقيس أنه لا يجزئ، واستدل بقوله: "في كل أربع وعشرين" على أن الأربع مأخوذة عن الجمع وإن كانت الأربع الزائدة على العشرين وقصا وهو قول الشافعي في البويطي. وقال في غيره: إنه عفو. ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلا تسع من الإبل فتلف منها أربعة بعد الحول وقبل التمكن حيث قلنا إنه شرط في الوجوب وجبت عليه شاة بلا خلاف، وكذا إن قلنا التمكن شرط في الضمان وقلنا الوقص عفو، وإن قلنا يتعلق به الفرض وجب خمسة أتساع شاة، والأول قول الجمهور كما نقله ابن المنذر، وعن مالك رواية كالأول. "تنبيه": الوقص بفتح الواو والقاف ويجوز إسكانها وبالسين المهملة بدل الصاد: هو ما بين الفرضين عند الجمهور، واستعمله الشافعي فيما دون النصاب الأول أيضا والله أعلم. قوله: "فإذا بلغت خمسا وعشرين" فيه أن في هذا القدر بنت مخاض، وهو قول الجمهور إلا ما جاء عن علي أن في خمس وعشرين خمس شياه فإذا صارت ستا وعشرين كان فيها بنت مخاض أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه موقوفا ومرفوعا وإسناد المرفوع ضعيف. قوله: "إلى خمس وثلاثين" استدل به على أنه لا يجب فيما بين العددين شيء غير بنت مخاض، خلافا لمن قال كالحنفية تستأنف الفريضة فيجب في كل خمس من الإبل شاة مضافة إلى بنت المخاض. قوله: "ففيها بنت مخاض أنثى" زاد حماد بن سلمة في روايته فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، وقوله أنثى وكذا قوله ذكر للتأكيد أو لتنبيه رب المال ليطيب نفسا بالزيادة، وقيل احترز بذلك من الخنثى وفيه بعد. وبنت المخاض بفتح الميم والمعجمة الخفيفة وآخره معجمة هي التي أتى عليها حول ودخلت في الثاني وحملت أمها، والماخض الحامل، أي دخل وقت حملها وإن لم تحمل. وابن اللبون الذي دخل في ثالث سنة فصارت أمه لبونا بوضع الحمل.
قوله: "إلى خمس وأربعين" إلى الغاية وهو يقتضي أن ما قبل الغاية يشتمل عليه الحكم المقصود بيانه بخلاف ما بعدها فلا يدخل إلا بدليل، وقد

(3/319)


دخلت هنا بدليل قوله بعد ذلك "فإذا بلغت ستا وأربعين" فعلم أن حكمها حكم ما قبلها. قوله: "حقة طروقة الجمل" حقة بكسر المهملة وتشديد القاف والجمع حقاق بالكسر والتخفيف، وطروقة بفتح أوله أي مطروقة وهي فعولة بمعنى مفعولة كحلوبة بمعنى محلوبة، والمراد أنها بلغت أن يطرقها الفحل، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة. قوله: "جذعة" بفتح الجيم والمعجمة وهي التي أتت عليها أربع ودخلت في الخامسة. قوله: "فإذا بلغت يعني ستا وسبعين" كذا في الأصل بزيادة يعني، وكأن العدد حذف من الأصل اكتفاء بدلالة الكلام عليه فذكره بعض رواته وأتى بلفظ يعني لينبه على أنه مزيد، أو شك أحد رواته فيه. وقد ثبت بغير لفظ: "يعني" في رواية الإسماعيلي من طريق أخرى عن الأنصاري شيخ البخاري فيه فيحتمل أن يكون الشك فيه من البخاري، وقد وقع في رواية حماد بن سلمة بإثباته أيضا. قوله: "فإذا زادت على عشرين ومائة" أي واحدة فصاعدا، وهذا قول الجمهور. وعن الإصطخري من الشافعية تجب ثلاث بنات لبون لزيادة بعض واحدة لصدق الزيادة، وتتصور المسألة في الشركة، ويرده ما في كتاب عمر المذكور "إذا كان إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة" ومقتضاه أن ما زاد على ذلك فزكاته بالإبل خاصة، وعن أبي حنيفة إذا زادت على عشرين ومائة رجعت إلى فريضة الغنم فيكون في خمس وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون وشاة. قوله: "فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة وفي صدقة الغنم إلخ". "تنبيه": اقتطع البخاري من بين هاتين الجملتين قوله: "ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة. إلى آخر ما ذكره في الباب الذي قبله وقد ذكر آخره في "باب العرض في الزكاة" وزاد بعد قوله فيه: يقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين "فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء" وهذا الحكم متفق عليه، فلو لم يجد واحدا منهما فله أن يشتري أيهما شاء على الأصح عند الشافعية، وقيل يتعين شراء بنت مخاض وهو قول مالك وأحمد، وقوله: "ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين" هو قول الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. وعن الثوري "عشرة" وهي رواية عن إسحاق، وعن مالك يلزم رب المال بشراء ذلك السن بغير جبران، قال الخطابي: يشبه أن يكون الشارع جعل الشاتين أو العشرين درهما تقديرا في الجبران لئلا يكل الأمر إلى اجتهاد الساعي لأنه يأخذها على المياه حيث لا حاكم ولا مقوم غالبا، فضبطه بشيء يرفع التنازع كالصاع في المصراة والغرة في الجنين والله أعلم.وبين هاتين الجملتين قوله: "وفي صدقة الغنم" وسيأتي التنبيه على ما حذفه منه أيضا في موضع آخر قريبا. قوله: "إذا كانت" في رواية الكشميهني: "إذا بلغت".
قوله: "فإذا زادت على عشرين ومائة" في كتاب عمر "فإذا كانت إحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين ففيها شاتان" وقد تقدم قول الإصطخري في ذلك والتعقيب عليه. قوله: "فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة" مقتضاه أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى توفي أربعمائة وهو قول الجمهور، قالوا فائدة ذكر الثلثمائة لبيان النصاب الذي بعده لكون ما قبله مختلفا، وعن بعض الكوفيين كالحسن بن صالح ورواية عن أحمد إذا زادت على الثلثمائة واحدة وجب الأربع.
قوله: "ففي كل مائة شاة شاة فإذا كانت سائمة الرجل".
" تنبيه ": اقتطع البخاري أيضا من بين هاتين الجملتين قوله: "ولا يخرج في الصدقة هرمة" إلى آخر ما ذكره في الباب الذي يليه، واقتطع منه أيضا قوله: "ولا يجمع بين متفرق" إلى آخر ما ذكره في بابه، وكذا قوله: "ومن كان من خليطين" إلى آخر ما ذكره في بابه، ويلي هذا قوله هنا "فإذا كانت سائمة الرجل"إلخ. وهذا حديث واحد يشتمل على هذه الأحكام التي فرقها

(3/320)


المصنف في هذه الأبواب غير مراع للترتيب فيها بل بحسب ما ظهر له من مناسبة إيراد التراجم المذكورة. قوله: "وفي الرقة" بكسر الراء وتخفيف القاف الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة، قيل أصلها الورق فحذفت الواو وعوضت الهاء، وقيل يطلق على الذهب والفضة بخلاف الورق فعلى هذا فقيل أن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة وجبت فيه الزكاة وهو ربع العشر، وهذا قول الزهري وخالفه الجمهور. قوله: "فإن لم تكن" أي الفضة "إلا تسعين ومائة" يوهم أنها إذا زادت على التسعين ومائة قبل بلوغ المائتين أن فيها صدقة، وليس كذلك، وإنما ذكر التسعين لأنه آخر عقد قبل المائة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئين والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن المائتين، ويدل عليه قوله الماضي "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" قوله: "إلا أن يشاء ربها في المواضع الثلاثة" أي إلا أن يتبرع متطوعا.

(3/321)


39 - باب لاَ تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ وَلاَ تَيْسٌ إِلاَّ مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ
1455 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الصَّدَقَةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَلاَ يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ وَلاَ تَيْسٌ إِلاَّ مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ"
قوله: "باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة - إلى قوله - ما شاء المصدق" اختلف في ضبطه فالأكثر على أنه بالتشديد والمراد المالك، وهذا اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلا، ولا يؤخذ التيس وهو فحل الغنم إلا برضا المالك لكونه يحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به والله أعلم. وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث، ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي وكأنه يشير بذلك إلى التقويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة فيتقيد بما تقتضيه القواعد، وهذا قول الشافعي في البويطي ولفظه: ولا تؤخذ ذات عوار ولا تيس ولا هرمة إلا أن يرى المصدق أن ذلك أفضل للمساكين فيأخذه على النظر انتهى. وهذا أشبه بقاعدة الشافعي في تناول الاستثناء جميع ما ذكر قبله، فلو كانت الغنم كلها معيبة مثلا أو تيوسا أجزأه أن يخرج منها، وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاه مجزئة تمسكا بظاهر هذا الحديث. وفي رواية أخرى عندهم كالأول. قوله: "هرمة" بفتح الهاء وكسر الراء: الكبيرة التي سقطت أسنانها. قوله: "ذات عوار" بفتح العين المهملة وبضمها أي معيبة، وقيل بالفتح العيب وبالضم العور، واختلف في ضبطها فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد في البيع، وقيل ما يمنع الإجزاء في الأضحية، ويدخل في المعيب المريض والذكورة بالنسبة إلى الأنوثة والصغير سنا بالنسبة إلى سن أكبر منه.

(3/321)


40 - باب أَخْذِ الْعَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ
1456 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ح وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ

(3/321)


41 - باب لاَ تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ
1458 - حدثنا أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا رضي الله عنه على اليمن قال: " إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس"
قوله: "لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة" هذه الترجمة مقيدة لمطلق الحديث لأن فيه: "وتوق كرائم أموال الناس" بغير تقييد بالصدقة، وأموال الناس يستوي التوقي لها بين الكرائم وغيرها فقيدها في الترجمة بالصدقة وهو بين من سياق الحديث لأنه ورد في شأن الصدقة، والكرائم جمع كريمة يقال ناقة كريمة أي غزيرة اللبن، والمراد نفائس الأموال من أي صنف كان، وقيل له نفيس لأن نفس صاحبه تتعلق به وأصل الكريمة كثيرة الخير، وقيل للمال النفيس كريم لكثرة منفعته. وسيأتي الكلام على بقية الحديث قبيل أبواب زكاة الفطر إن شاء الله تعالى.

(3/322)


42 - باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ
1459 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ

(3/322)


43 - باب زَكَاةِ الْبَقَرِ. وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ" وَيُقَالُ جُؤَارٌ تَجْأَرُونَ تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ الْبَقَرَةُ
1460 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ أَوْ كَمَا حَلَفَ- مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ" رَوَاهُ بُكَيْرٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم
[الحديث 1460 – طرفه في: 6638]َ
قوله: "باب زكاة البقر" البقر اسم جنس يكون للمذكر والمؤنث، اشتق من بقرت الشيء إذا شققته لأنها تبقر

(3/323)


الأرض بالحراثة. قال الزين بن المنير: أخر زكاة البقر لأنها أقل النعم وجودا ونصبا، ولم يذكر في الباب شيئا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه، فتقدير الترجمة إيجاب زكاة البقر، لأن جملة ما ذكره في الباب يدل على ذلك من جهة الوعيد على تركها، إذ لا يتوعد على ترك غير الواجب. قال ابن رشيد: وهذا الدليل يحتاج إلى مقدمة، وهو أنه ليس في البقر حق واجب سوى الزكاة، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل الزكاة حيث قال: "باب إثم مانع الزكاة" وذكر فيه حديث أبي هريرة لكن ليس فيه ذكر البقر، ومن ثم أورد في هذا الباب حديث أبي ذر، وأشار إلى أن ذكر البقر وقع أيضا في طريق أخرى في حديث أبي هريرة والله أعلم. وزعم ابن بطال أن حديث معاذ المرفوع "إن في كل ثلاثين بقرة تبيعا وفي كل أربعين مسنة "متصل صحيح وأن مثله في كتاب الصدقات لأبي بكر وعمر، وفي كلامه نظر: أما حديث معاذ فأخرجه أصحاب السنن وقال الترمذي حسن وأخرجه الحاكم في المستدرك، وفي الحكم بصحته نظر لأن مسروقا لم يلق معاذا وإنما حسنه الترمذي لشواهده، ففي الموطأ من طريق طاوس عن معاذ نحوه، وطاوس عن معاذ منقطع أيضا، وفي الباب عن علي عند أبي داود، وأما قوله إن مثله في كتاب الصدقة لأبي بكر فوهم منه لأن ذكر البقر لم يقع في شيء من طرق حديث أبي بكر، نعم هو في كتاب عمر والله أعلم. قوله: "وقال أبو حميد" هو الساعدي، وهذا طرف من حديث أورده المصنف موصولا من طرق، وهذا القدر وقع عنده موصولا في كتاب ترك الحيل في أثناء الحديث المذكور. قوله: "لأعرفن" أي لأعرفنكم غدا هذه الحالة. وفي رواية الكشميهني: "لا أعرفن" بحرف النفي أي ما ينبغي أن تكونوا على هذه الحال فأعرفكم بها. قوله: "ما جاء الله رجل" ما مصدرية أي مجيء رجل إلى الله. قوله: "لها خوار" بضم المعجمة وتخفيف الواو: صوت البقر. قوله: "ويقال جؤار" هذا كلام البخاري، يريد بذلك أن هذا الحرف جاء بالخاء المعجمة وتخفيف الواو وبالجيم والواو المهموزة، ثم فسره فقال: تجأرون ترفعون أصواتكم، وهذه عادة البخاري إذا مرت به لفظة غريبة توافق كلمة في القرآن نقل تفسير تلك الكلمة التي من القرآن، والتفسير المذكور رواه ابن أبي حاتم عن السدي، وروي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: "يجأرون" قال: يستغيثون. وقال القزاز: الخوار بالمعجمة والجؤار بالجيم بمعنى واحد في البقر. وقال ابن سيده: خار الرجل رفع صوته بتضرع. قوله: "عن المعرور بن سويد" هو بالعين المهملة. قوله: "قال انتهيت إليه" هو مقول المعرور والضمير يعود على أبي ذر وهو الحالف، و قوله: "أو كما حلف" يشير بذلك إلى أنه لم يضبط اللفظ الذي حلف به. وقوله: "أعظم" بالنصب على الحال و "أسمنه" عطفه عليه. و قوله: "جازت" أي مرت، و "ردت" أي أعيدت. قوله: "لا يؤدي حقها" في رواية مسلم من طريق وكيع وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش لا يؤدي زكاتها، وهو أصرح في مقصود الترجمة. وقد تقدم الكلام على بقية المتن في أوائل الزكاة، واستدل بقوله: "يكون له إبل أو بقر" ففي مستواه زكاة البقر والإبل في النصاب، ولا دلالة فيه لأنه قرن معه الغنم وليس نصابها مثل نصاب الإبل اتفاقا.
" تنبيه ": أخرج مسلم في أول هذا الحديث قصة فيها "هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا "وقد أفرد البخاري هذه القطعة فأخرجها في كتاب الأيمان والنذور بهذا الإسناد ولم يذكر هناك القدر الذي ذكره هنا. قوله: "رواه بكير" يعني ابن عبد الله بن الأشج، ومراد البخاري بذلك موافقة هذه الرواية لحديث أبي ذر في ذكر البقر لأن الحديثين مستويان في جميع ما وردا فيه، وقد أخرجه مسلم موصولا من طريق بكير بهذا الإسناد مطولا.

(3/324)


44 - باب الزَّكَاةِ عَلَى الأَقَارِبِ. وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَالصَّدَقَةِ"
1461 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ "كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ"
تَابَعَهُ رَوْحٌ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ "رَايِحٌ"
[الحديث 1461 – أطرافه في: 2718, 2758, 27582769, 4555, 5611]
1462 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ فَقِيلَ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ ائْذَنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ"
قوله: "باب الزكاة على الأقارب" قال الزين بن المنير: ووجه استدلاله لذلك بأحاديث الباب أن صدقة التطوع على الأقارب لما لم ينقص أجرها بوقوعها موقع الصدقة والصلة معا كانت صدقة الواجب كذلك، لكن لا يلزم من جواز صدقة التطوع على من يلزم المرء نفقته أن تكون الصدقة الواجبة كذلك. وقد اعترضه الإسماعيلي بأن الذي في الأحاديث التي ذكرها مطلق الصدقة لا الصدقة الواجبة فلا يتم استدلاله إلا إن أراد الاستدلال على أن الأقارب في الزكاة أحق بها إذ رأى النبي صلى الله عليه وسلم صرف الصدقة المتطوع بها إلى الأقارب أفضل فلذلك حينئذ له وجه. قال ابن

(3/325)


رشيد: قد يؤخذ ما اختاره المصنف من حديث أبي طلحة فيما فهمه من الآية، وذلك أن النفقة في قوله: {حَتَّى تُنْفِقُوا} أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا، فعمل بها أبو طلحة في فرد من أفراده، فيجوز أن يعمل بها في بقية مفرداته، ولا يعارضها قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الآية لأنها تدل على حصر الصدقة الواجبة في المذكورين. وأما صنيع أبي طلحة فبدل على تقديم ذوي القربى إذا اتصفوا بصفة من صفات أهل الصدقة على غيرهم، وسيأتي ذكر من يستثنى من الأقارب في الصدقة الواجبة بعد بابين. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: له أجران أجر القرابة وأجر الصدقة" هذا طرف من حديث فيه قصة لامرأة ابن مسعود، وسيأتي موصولا بعد ثلاثة أبواب. ثم ذكر المصنف في الباب حديثين: حديث أنس في تصدق أبي طلحة بأرضه، وحديث أبي سعيد في قصة امرأة ابن مسعود وغير ذلك. فأما حديث أنس فسيأتي الكلام عليه مستوفي في كتاب الوقف. قوله: "بيرحاء" بفتح الموحدة وسكون التحتانية وفتح الراء وبالمهملة والمد، وجاء في ضبطه أوجه كثيرة جمعها ابن الأثير في النهاية فقال: يروى بفتح الباء وبكسرها وبفتح الراء وضمها وبالمد والقصر فهذه ثمان لغات. وفي رواية حماد بن سلمة "بريحا" بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية، وفي سنن أبي داود "باريحا" مثله لكن بزيادة ألف. وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصور، وكذا جزم به الصغاني وقال: إنه فيعلى من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحف. قوله: "تابعه روح" يعني عن مالك في قوله: "رابح" بالموحدة وسيأتي من طريقه موصولا في البيوع. قوله: "وقال يحيى بن يحيى وإسماعيل عن مالك زايح" يعني بالتحتانية، أما رواية يحيى فستأتي موصولة في الوكالة وعزاها مغلطاي لتخريج الدارقطني فأبعد، وأما رواية إسماعيل وهو ابن أبي أويس فوصلها المصنف في التفسير، وقد وهم صاحب "المطالع" فقال: رواية يحيى بن يحيى بالموحدة، وكأنه اشتبه عليه الأندلسي بالنيسابوري، فالذي عناه هو الأندلسي والذي عناه البخاري النيسابوري، قال الداني في أطرافه: رواه يحيى بن يحيى الأندلسي بالموحدة وتابعه جماعة، ورواه يحيى بن يحيى النيسابوري بالمثناة وتابعه إسماعيل وابن وهب، ورواه القعنبي بالشك اهـ. ورواية القعنبي وصلها البخاري في الأشربة بالشك كما قال والرواية الأولى واضحة من الربح أي ذو ربح، وقيل هو فاعل بمعنى مفعول أي هو مال مربوح فيه، وأما الثانية فمعناها رائح عليه أجره، قال ابن بطال: والمعنى أن مسافته قريبة وذلك أنفس الأموال، وقيل معناه يروح بالأجر ويغدو به واكتفى بالرواح عن الغدو. وادعى الإسماعيلي أن من رواها بالتحتانية فقد صحف والله أعلم. حديث أبي سعيد تقدم الكلام على صدره مستوفي في كتاب الحيض، وبقية ما فيه من قصة امرأة ابن مسعود يأتي الكلام عليه بعد بابين مستوفي إن شاء الله تعالى. وقوله فيه: "فقيل يا رسول الله هذه زينب" القائل هو بلال كما سيأتي، وقوله: "ائذنوا لها فأذن لها فقالت يا رسول الله إلخ" لم يبين أبو سعيد ممن سمع ذلك، فإن يكن حاضرا عند النبي صلى الله عليه وسلم حال المراجعة المذكورة فهو من مسنده وإلا فيحتمل أن يكون حمله عن زينب صاحبه القصة. والله أعلم.

(3/326)


45 - باب لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ
1463 - حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الله بن دينار قال سمعت سليمان بن يسار عن عراك بن

(3/326)


مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة"

(3/327)


46 - باب لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ
1464 - حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن خثيم بن عراك قال حدثني أبي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه"
قوله: "باب ليس على المسلم في فرسه صدقة" وقال في الذي يليه "ليس على المسلم في عبده صدقة" ثم أورد حديث أبي هريرة بلفظ الترجمتين مجموعا من طريقين، لكن في الأولى بلفظ: "غلامه" بدل عبده، قال ابن رشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس والعبد لا الفرد الواحد، إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرف والفرس المعد للركوب، ولا خلاف أيضا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين يؤخذ منها بالقيمة. ولعل البخاري أشار إلى حديث علي مرفوعا: "قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة" الحديث أخرجه أبو داود وغيره وإسناده حسن، والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذكرانا وإناثا نظرا إلى النسل، فإذا انفردت فعنه روايتان، ثم عنده أن المالك يتخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارا أو يقوم ويخرج ربع العشر، واستدل عليه بهذا الحديث. وأجيب بحمل النفي فيه على الرقبة لا على القيمة، واستدل به من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقا ولو كانا للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث. والله أعلم.

(3/327)


47 - باب الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَتَامَى
1465 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ يُكَلِّمُكَ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ قَالَ فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ فَقَالَ إِنَّهُ لاَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ أَوْ كَمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
قوله: "باب الصدقة على اليتامى" قال الزين بن المنير: عبر بالصدقة دون الزكاة لتردد الخبر بين صدقه الفرض والتطوع، لكون ذكر اليتيم جاء متوسطا بين المسكين وابن السبيل وهما من مصارف الزكاة.
وقال ابن رشيد: لما

(3/327)


49 - باب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الْحَجْرِ. قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1466 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ ح فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً قَالَتْ "كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ" وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا قَالَ فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ سَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلاَلٌ فَقُلْنَا سَلْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي وَقُلْنَا لاَ تُخْبِرْ بِنَا فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "مَنْ هُمَا قَالَ زَيْنَبُ قَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ قَالَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ"
1467 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ"
[الحديث 1466 – طرفه في: 5369]
قوله: "باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، قاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم" يشير إلى حديثه السابق موصولا في "باب الزكاة على الأقارب" وستذكر ما فيه في هذا الحديث. قال ابن رشيد. أعاد الأيتام في هذه الترجمة لعموم الأولى وخصوص الثانية، ومحمل الحديثين في وجه الاستدلال بهما على العموم لأن الإعطاء أعم من كونه واجبا أو مندوبا. قوله: "عن عمرو بن الحارث" هو ابن أبي ضرار بكسر المعجمة الخزاعي ثم المصطلقي أخو جويرية بنت الحارث روج النبي صلى الله عليه وسلم له صحبة، وروى هنا عن صحابية، ففي الإسناد تابعي عن تابعي الأعمش عن شقيق، وصحابي عن صحابي عمرو عن زينب وهي بنت معاوية -ويقال بنت عبد الله بن معاوية- ابن عتاب الثقفية ويقال لها أيضا رائطة، وقع ذلك في "صحيح ابن حبان": في نحو هذه القصة، ويقال هما ثنتان عند الأكثر وممن جزم به ابن سعد. وقال الكلاباذي رائطة هي المعروفة بزينب، وبهذا جزم الطحاوي فقال رائطة هي زينب لا يعلم

(3/328)


أن لعبد الله امرأة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرها، ووقع عند الترمذي عن هناد عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن الحارث بن المصطلق عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله عن امرأة عبد الله فزاد في الإسناد رجلا، والموصوف بكونه ابن أخي زينب هو عمرو بن الحارث نفسه، وكان أباه كان أخا زينب لأمها لأنها ثقفية وهو خزاعي. ووقع عند الترمذي أيضا من طريق شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب امرأة عبد الله عن زينب، فجعله عبد الله بن عمرو، هكذا جزم به المزي وعقد لعبد الله بن عمرو في "الأطراف" ترجمة لم يزد فيها على ما في هذا الحديث، ولم أقف على ذلك في الترمذي بل وقفت على عدة نسخ منه ليس فيها إلا عمرو بن الحارث، وقد حكى ابن القطان الخلاف فيه على أبي معاوية وشعبة، وخالف الترمذي في ترجيح رواية شعبة في قوله: "عن عمرو بن الحارث عن ابن أخي زينب" لانفراد أبي معاوية بذلك. قال ابن القطان: لا يضره الانفراد لأنه حافظ، وقد وافقه حفص بن غياث في رواية عنه وقد زاد في الإسناد رجلا، لكن يلزم من ذلك أن يتوقف في صحة الإسناد لأن ابن أخي زينب حينئذ لا يعرف حاله. وقد حكى الترمذي في "العلل المفردات" أنه سأل البخاري عنه فحكم على رواية أبي معاوية بالوهم وأن الصواب رواية الجماعة عن الأعمش عن شقيق عن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب. قلت: ووافقه منصور عن شقيق أخرجه أحمد، فإن كان محفوظا فلعل أبا وائل حمله عن الأب والابن، وإلا فالمحفوظ عن عمرو بن الحارث، وقد أخرجه النسائي من طريق شعبة على الصواب فقال: "عمرو بن الحارث". قوله: "قال فذكرته لإبراهيم" القائل هو الأعمش، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي، وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود، ففي هذه الطريق ثلاثة من التابعين، ورجال الطريقين كلهم كوفيون. قوله: "كنت في المسجد فرأيت إلخ" في هذا زيادة على ما في حديث أبي سعيد المتقدم، وبيان السبب في سؤالها ذلك. ولم أقف على تسمية الأيتام الذين كانوا في حجرها. قوله: "فوجدت امرأة من الأنصار" في رواية الطيالسي المذكورة "فإذا امرأة من الأنصار يقال لها زينب" وكذا أخرجه النسائي من طريق أبي معاوية عن الأعمش، وزاد من وجه آخر عن علقمة عن عبد الله قال: "انطلقت امرأة عبد الله يعني ابن مسعود وامرأة أبي مسعود يعني عقبه بن عمرو الأنصاري". قلت: لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصارية سوى هزيلة بنت ثابت بن ثعلبة الخزرجية فلعل لها اسمين، أو وهم من سماها زينب انتقالا من اسم امرأة عبد الله إلى اسمها. قوله: "وأيتام لي في حجري" في رواية النسائي المذكورة "على أزواجنا وأيتام في حجورنا" وفي رواية الطيالسي المذكورة أنهم بنو أخيها وبنو أختها. وللنسائي من طريق علقمة "لإحداهما فضل مال وفي حجرها بنو أخ لها أيتام، وللأخرى فضل مال وزوج خفيف ذات اليد" وهذا القول كناية عن الفقر. قوله: " ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة" أي أجر صلة الرحم وأجر منفعة الصدقة، وهذا ظاهره أنها لم تشافهه بالسؤال ولا شافهها بالجواب، وحديث أبي سعيد السابق ببابين يدل على أنها شافهته وشافهها لقولها فيه: "يا نبي الله إنك أمرت" وقوله فيه: "صدق زوجك" فيحتمل أن يكونا قصتين، ويحتمل في الجمع بينهما أن يقال تحمل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال والله أعلم. واستدل بهذا الحديث على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد كذا أطلق بعضهم ورواية المنع عنه مقيدة بالوارث وعبارة الجوزقي: ولا لمن تلزمه مؤونته، فشرحه ابن قدامة بما قيدته قال: والأظهر الجواز مطلقا

(3/329)


إلا للأبوين والولد، وحملوا الصدقة في الحديث على الواجبة لقولها "أتجزئ عني" وبه جزم المازري، وتعقبه عياض بأن قوله: "ولو من حليكن" وكون صدقتها كانت من صناعتها يدلان على التطوع، وبه جزم النووي وتأولوا لقوله: "أتجزئ عني" أي في الوقاية من النار كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تحصل لها المقصود. وما أشار إليه من الصناعة احتج به الطحاوي لقول أبي حنيفة، فأخرج من طريق رائطة امرأة ابن مسعود أنها كانت امرأة صنعاء اليدين فكانت تنفق عليه وعلى ولده، قال: فهذا يدل على أنها صدقة تطوع، وأما الحلي فإنما يحتج به على من لا يوجب فيه الزكاة، وأما من يوجب فلا. وقد روى الثوري عن حماد عن إبراهيم عن علقمة قال: قال ابن مسعود لامرأته في حليها "إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة" فكيف يحتج على الطحاوي بما لا يقول به، لكن تمسك الطحاوي بقولها في حديث أبي سعيد السابق "وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به" لأن الحلي ولو قيل بوجوب الزكاة فيه إلا أنها لا تجب في جميعه، كذا قال وهو متعقب، لأنها وإن لم تجب في عينه فقد تجب فيه بمعنى أنه قدر النصاب الذي وجب عليها إخراجه، واحتجوا أيضا بأن ظاهر قوله في حديث أبي سعيد المذكور "زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم" دال على أنها صدقة تطوع، لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، وفي هذا الاحتجاج نظر لأن الذي يمتنع إعطاؤه من الصدقة الواجبة من يلزم المعطي نفقته والأم لا يلزمها نفقة ولدها مع وجود أبيه. وقال ابن التيمي: قوله: "وولدك "محمول على أن الإضافة للتربية لا للولادة فكأنه ولده من غيرها. وقال ابن المنير: اعتل من منعها من إعطائها زكاتها لزوجها بأنها تعود إليها في النفقة فكأنها ما خرجت عنها، وجوابه أن احتمال رجوع الصدقة إليها واقع في التطوع أيضا، ويؤيد المذهب الأول أن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم، فلما ذكرت الصدقة ولم يستفصلها عن تطوع ولا واجب فكأنه قال: تجزئ عنك فرضا كان أو تطوعا. وأما ولدها فليس في الحديث تصريح بأنها تعطي ولدها من زكاتها، بل معناه أنها إذا أعطت زوجها فأنفقه على ولدها كانوا أحق من الأجانب، فالإجزاء يقع بالإعطاء للزوج والوصول إلى الولد بعد بلوغ الزكاة محلها. والذي يظهر لي أنهما قضيتان: إحداهما في سؤالها عن تصدقها بحليها على زوجها وولده، والأخرى في سؤالها عن النفقة والله أعلم. وفي الحديث الحث على الصدقة على الأقارب، وهو محمول في الواجبة على من لا يلزم المعطي نفقته منهم، واختلف في علة المنع فقيل لأن أخذهم لها يصيرهم أغنياء فيسقط بذلك نفقتهم عن المعطي، أو لأنهم أغنياء بإنفاقه عليهم، والزكاة لا تصرف لغني، وعن الحسن وطاوس لا يعطي قرابته من الزكاة شيئا وهو رواية عن مالك. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة لأن نفقتها واجبة عليه فتستغني بها عن الزكاة، وأما إعطاؤها للزوج فاختلف فيه كما سبق. وفيه الحث على صلة الرحم وجواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها. وفيه عظة النساء، وترغيب ولي الأمر في أفعال الخير للرجال والنساء، والتحدث مع النساء الأجانب عند أمن الفتنة، والتخويف من المؤاخذة بالذنوب وما يتوقع بسببها من العذاب. وفيه فتيا العالم مع وجود من هو أعلم منه، وطلب الترقي في تحمل العلم. قال القرطبي: ليس إخبار بلال باسم المرأتين بعد أن استكتمتاه بإذاعة سر ولا كشف أمانة لوجهين: أحدهما أنهما لم تلزماه بذلك وإنما علم أنهما رأتا أن لا ضرورة1 تحوج إلى كتمانهما. ثانيهما أنه أخبر بذلك جوابا لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم لكون
ـــــــ
1 كذا في الأصلين اللذين بأيدينا, وفيه إشكال, ولعل الصواب "وإنما علم أن لا ضرورة"والله أعلم

(3/330)


إجابته أوجب من التمسك بما أمرتاه به من الكتمان، وهذا كله بناء على أنه التزم لهما بذلك. ويحتمل أن تكونا سألتاه، ولا يجب إسعاف كل سائل. قوله: "حدثنا عبدة" هو ابن سليمان، وهشام هو ابن عروة. وفي الإسناد تابعي عن تابعي: هشام عن أبيه، وصحابية عن صحابية: زينب عن أمها. قوله: "على بني أبي سلمة" أي ابن عبد الأسد، وكان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم فتزوجها النبي ولها من أبي سلمة عمرو ومحمد وزينب ودرة، وليس في حديث أم سلمة تصريح بأن الذي كانت تنفقه عليهم من الزكاة، فكان القدر المشترك من الحديث حصول الإنفاق على الأيتام والله أعلم. قوله: "فلك أجر ما أنفقت عليهم" رواه الأكثر بالإضافة على أن تكون "ما" موصولة، وجوز أبو جعفر الغرناطي نزيل حلب تنوين "أجر" على أن تكون "ما" ظرفية، ذكر ذلك لنا عنه الشيخ برهان الدين المحدث بحلب.

(3/331)


49 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [التوبة 60]: {وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}
وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيُعْطِي فِي الْحَجِّ
وَقَالَ الْحَسَنُ إِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنْ الزَّكَاةِ جَازَ وَيُعْطِي فِي الْمُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ
ثُمَّ تَلاَ [التوبة 60]: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الْآيَةَ فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لاَسٍ "حَمَلَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ"
1468 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ, فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا "
تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ "هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا"
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ حُدِّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ بِمِثْلِهِ
قوله: "باب قول الله تعالى وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله" قال الزين بن المنير: اقتطع البخاري هذه الآية من التفسير للاحتياج إليها في بيان مصاريف الزكاة. قوله: "ويذكر عن ابن عباس يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج" وصله أبو عبيد في "كتاب الأموال" من طريق حسان بن أبي الأشرس عن مجاهد عنه أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج وأن يعتق منه الرقبة أخرجه عن أبي معاوية عن الأعمش عنه. وأخرج عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: "أعتق من زكاة مالك"، وتابع أبا معاوية عبدة بن سليمان رويناه في "فوائد يحيى بن معين" رواية أبي بكر بن علي المروزي عنه عن عبدة عن الأعمش عن ابن أبي الأشرس ولفظه: "كان يخرج زكاته ثم يقول جهزوا منها إلى الحج" وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله

(3/331)


يشتري الرجل من زكاة ماله الرقاب فيعتق ويجعل في ابن السبيل؟ قال: نعم، ابن عباس يقول ذلك ولا أعلم شيئا يدفعه. وقال الخلال: أخبرنا أحمد بن هاشم قال قال أحمد: كنت أرى أن يعتق من الزكاة، ثم كففت عن ذلك لأني لم أره يصح. قال حرب: فاحتج عليه بحديث ابن عباس، فقال: هو مضطرب انتهى. وإنما وصفه بالاضطراب للاختلاف في إسناده على الأعمش كما ترى، ولهذا لم يجزم به البخاري. وقد اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} فقيل: المراد شراء الرقبة لتعتق، وهو رواية ابن القاسم عن مالك واختيار أبي عبيد وأبي ثور وقول إسحاق وإليه مال البخاري وابن المنذر. وقال أبو عبيد: أعلى ما جاء فيه قول ابن عباس وهو أولى بالاتباع وأعلم بالتأويل. وروى ابن وهب عن مالك أنها في المكاتب وهو قول الشافعي والليث والكوفيين وأكثر أهل العلم، ورجحه الطبري. وفيه قول ثالث أن سهم الرقاب يجعل نصفين: نصف لكل مكاتب يدعي الإسلام، ونصف يشتري بها رقاب ممن صلى وصام، أخرجه ابن أبي حاتم وأبو عبيد في الأموال بإسناد صحيح عن الزهري أنه كتب ذلك لعمر بن عبد العزيز، واحتج للأول بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين لأنه غارم، وبأن شراء الرقيق ليعتق أولى من إعانة المكاتب لأنه قد يعان ولا يعتق، ولأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم والزكاة لا تصرف للعبد، ولأن الشراء يتيسر في كل وقت بخلاف الكتابة، ولأن ولاءه يرجع للسيد فيأخذ المال والولاء بخلاف ذلك فإن عتقه يتنجز ويصير ولاؤه للمسلمين، وهذا الأخير على طريقة مالك في ذلك. وقال أحمد وإسحاق: يرد ولاؤه في شراء الرقاب للعتق أيضا. وعن مالك: الولاء للمعتق تمسكا بالعموم. وقال عبيد الله العنبري: يجعل في بيت المال. وأما سبيل الله فالأكثر على أنه يختص بالغازي غنيا كان أو فقيرا إلا أن أبا حنيفة قال: يختص بالغازي المحتاج. وعن أحمد وإسحاق الحج من سبيل الله، وقد تقدم أثر ابن عباس. وقال ابن عمر "أما أن الحج من سبيل الله" أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح عنه. وقال ابن المنذر: إن ثبت حديث أبي لاس -يعني الآتي في هذا الباب- قلت بذلك. وتعقب بأنه يحتمل أنهم كانوا فقراء وحملوا عليها خاصة. ولم يتملكوها. قوله: "وقال الحسن إلخ" هذا صحيح عنه أخرج أوله ابن أبي شيبة من طريقه وهو مصير منه إلى القول بالمسألتين معا الإعتاق من الزكاة والصرف منها في الحج، إلا أن تنصيصه على شراء الأب لم يوافقه عليه الباقون لأنه يعتق عليه ولا يصير ولاؤه للمسلمين فيستعيد المنفعة ويوفر ما كان يخرجه من خالص ماله لدفع عار استرقاق أبيه. وقوله: "في أيها أعطيت جزت" كذا في الأصل بغير همز أي قضت، وفيه مصير منه إلى أن اللام في قوله: "للفقراء" لبيان المصرف لا للتمليك، فلو صرف الزكاة في صنف واحد كفى. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم" إن خالدا إلخ" سيأتي موصولا في هذا الباب. قوله: "ويذكر عن أبي لاس" بسين مهملة، خزاعي اختلف في اسمه فقيل زياد، وقيل عبد الله بن عنمة بمهملة ونون مفتوحتين، وقيل غير ذلك. له صحبة وحديثان هذا أحدهما. وقد وصله أحمد وابن خزيمة والحاكم وغيرهم من طريقه، ولفظ أحمد "على إبل من إبل الصدقة ضعاف للحج، فقلنا: يا رسول الله ما نرى أن تحمل هذه. فقال: إنما يحمل الله" الحديث ورجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته. قوله: "عن الأعرج" في رواية النسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يقول قال قال عمر فذكره، صرح بالتحديث في الإسناد وزاد فيه عمر، والمحفوظ أنه من مسند أبي هريرة وإنما جرى لعمر فيه ذكر فقط. قوله: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة" في رواية مسلم من طريق ورقاء عن أبي

(3/332)


الزناد "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ساعيا على الصدقة" وهو مشعر بأنها صدقة الفرض، لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها السعاة. وقال ابن القصار المالكي: الأليق أنها صدقة التطوع لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض. وتعقب بأنهم ما منعوه كلهم جحدا ولا عنادا، أما ابن جميل فقد قيل: إنه كان منافقا ثم تاب بعد ذلك، كذا حكاه المهلب، وجزم القاضي حسين في تعليقه أن فيه نزلت: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} الآية انتهى.
والمشهور أنها نزلت في ثعلبة، وأما خالد فكان متأولا بإجزاء ما حبسه عن الزكاة، وكذلك العباس لاعتقاده ما سيأتي التصريح به، ولهذا عذر النبي صلى الله عليه وسلم خالدا والعباس ولم يعذر ابن جميل. قوله: "فقيل منع ابن جميل" قائل ذلك عمر كما سيأتي في حديث ابن عباس في الكلام على قصة العباس، ووقع في رواية ابن أبي الزناد عند أبي عبيد "فقال بعض من يلمز" أي يعيب. وابن جميل لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن وقع في تعليق القاضي الحسين المروزي الشافعي وتبعه الروياني أن اسمه عبد الله، ووقع في شرح الشيخ سراج الدين بن الملقن أن ابن بزيزة سماه حميدا، ولم أر ذلك في كتاب ابن بزيزة. ووقع في رواية ابن جريج أبو جهم بن حذيفة بدل ابن جميل، وهو خطأ لإطباق الجميع على ابن جميل، وقول الأكثر أنه كان أنصاريا، وأما أبو جهم ابن حذيفة فهو قرشي فافترقا، وذكر بعض المتأخرين أن أبا عبيد البكري ذكر في شرح الأمثال له أنه أبو جهم بن جميل. قوله: "والعباس" زاد ابن أبي الزناد عن أبيه عند أبي عبيد "أن يعطوا الصدقة" قال فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذب عن اثنين العباس وخالد. قوله: "ما ينقم" بكسر القاف أي ما ينكر أو يكره، وقوله: "فأغناه الله ورسوله" إنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه لأنه كان سببا لدخوله في الإسلام فأصبح غنيا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله وأباح لأمته من الغنائم، وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم لأنه إذا لم يكن له عذر إلا ما ذكر من أن الله أغناه فلا عذر له، وفيه التعريض بكفران النعم وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. قوله: "احتبس" أي حبس. قوله: "وأعتده" بضم المثناة جمع عتد بفتحتين، ووقع في رواية مسلم: "أعتاده" وهو جمعه أيضا، قبل هو ما يعده الرجل من الدواب والسلاح، وقيل الخيل خاصة، يقال فرس عتيد أي صلب أو معد للركوب أو سريع الوثوب أقوال، وقيل إن لبعض رواة البخاري "وأعبده "بالموحدة جمع عبد حكاه عياض، والأول هو المشهور. قوله: "فهي عليه صدقة ومثلها معها" كذا في رواية شعيب، ولم يقل ورقاء ولا موسى بن عقبة "صدقة" فعلى الرواية الأولى يكون صلى الله عليه وسلم ألزمه بتضعيف صدقته1 ليكون أرفع لقدره وأنبه لذكره وأنفى للذم عنه، فالمعنى فهو صدقة ثابتة عليه سيصدق بها ويضيف إليها مثلها كرما، ودلت رواية مسلم على أنه صلى الله عليه وسلم التزم بإخراج ذلك عنه لقوله: "فهي علي" وفيه تنبيه على سبب ذلك وهو قوله: "إن العم صنو الأب" تفضيلا له وتشريفا، ويحتمل أن يكون تحمل عنه بها فيستفاد منه أن الزكاة تتعلق بالذمة كما هو أحد قولي الشافعي، وجمع بعضهم بين رواية: "علي" ورواية: "عليه" بأن الأصل رواية: "علي" ورواية: "عليه" مثلها إلا أن فيها زيادة هاه السكت حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر، وقيل معنى قوله: "علي" أي هي عندي قرض لأنني استسلفت منه صدقة عامين، وقد ورد ذلك صريحا فيما أخرجه الترمذي وغيره من حديث علي وفي إسناده مقال، وفي الدارقطني من طريق موسى بن طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنا كنا احتجنا فتعجلنا من
ـــــــ
1 هذا فيه نظر, وظاهر الحديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم تركها له وتحملها عنه وسمى ذلك صدقه تجوزا وتسامحا في اللفظ, ويدل على ذلك رواية مسلم فهي "علي ومثلها" فتأمل

(3/333)


العباس صدقة ماله سنتين" وهذا مرسل، وروى الدارقطني أيضا موصولا بذكر طلحة فيه وإسناد المرسل أصح، وفي الدارقطني أيضا من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر ساعيا، فأتى العباس فأغلظ له، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام، والعام المقبل" وفي إسناده ضعف، وأخرجه أيضا هو والطبراني من حديث أبي رافع نحو هذا وإسناده ضعيف أيضا، ومن حديث ابن مسعود "أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقته سنتين "وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف، ولو ثبت لكان رافعا للإشكال ولرجح به سياق رواية مسلم على بقية الروايات، وفيه رد لقول من قال: إن قصة التعجيل إنما وردت في وقت غير الوقت الذي بعث فيه عمر لأخذ الصدقة، وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق والله أعلم. وقيل: المعنى استسلف منه قدر صدقة عامين؛ فأمر أن يقاص به من ذلك، واستبعد ذلك بأنه لو كان وقع لكان صلى الله عليه وسلم أعلم عمر بأنه لا يطالب العباس، وليس ببعيد. ومعنى "عليه" على التأويل الأول أي لازمة "له" وليس معناه أنه يقبضها لأن الصدقة عليه حرام لكونه من بني هاشم، ومنهم من حمل رواية الباب على ظاهرها فقال: كان ذلك قبل تحريم الصدقة على بني هاشم، ويؤيده رواية موسى بن عقبة عن أبي الزناد عند ابن خزيمة بلفظ: "فهي له" بدل "عليه" وقال الببيهقي: اللام هنا بمعنى على لتتفق الروايات، وهذا أولى لأن المخرج واحد، وإليه مال ابن حبان. وقيل: معناها فهي له أي القدر الذي كان يراد منه أن يخرجه لأنني التزمت عنه بإخراجه، وقيل إنه أخرها عنه ذلك العام إلى عام قابل فيكون عليه صدقة عامين قاله أبو عبيد، وقيل إنه كان استدان حين فادى عقيلا وغيره فصار من جملة الغارمين فساغ له أخذ الزكاة بهذا الاعتبار. وأبعد الأقوال كلها قول من قال: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التأديب بالمال، فألزم العباس بامتناعه من أداء الزكاة بأن يؤدي ضعف ما وجب عليه لعظمة قدره وجلالته كما في قوله تعالى في نساء النبي صلى الله عليه وسلم: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} الآية، وقد تقدم بعضه في أول الكلام، واستدل بقصة خالد على جواز إخراج مال الزكاة في شراء السلاح وغيره من آلات الحرب والإعانة بها في سبيل الله، بناء على أنه عليه الصلاة والسلام أجاز لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه كما سبق، وهي طريقة البخاري. وأجاب الجمهور بأجوبة: أحدها أن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم لم يقبل أخبار من أخبره بمنع خالد حملا على أنه لم يصرح بالمنع، وإنما نقلوه عنه بناء على ما فهموه، ويكون قوله: "تظلمونه" أي بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لا يمنع، وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله؟ ثانيها أنهم ظنوا أنها للتجارة فطالبو بزكاة قيمتها فأعلمهم عليه الصلاة والسلام بأنه لا زكاة عليه فيما حبس، وهذا يحتاج لنقل خاص فيكون فيه حجة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبسة، ولمن أوجبها في عروض التجارة. ثالثها أنه كان نوى بإخراجها عن ملكه الزكاة عن ماله لأن أحد الأصناف سبيل الله وهم المجاهدون، وهذا يقوله من يجير إخراج القيم في الزكاة كالحنفية ومن يجز التعجيل كالشافعية، وقد تقدم استدلال البخاري به على إخراج العروض في الزكاة. واستدل بقصة خالد على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح، وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محتبسه، وعلى جواز إخراج العروض في الزكاة وقد سبق ما فيه، وعلى صرف الزكاة إلى صنف واحد من الثمانية. وتعقب ابن دقيق العيد جميع ذلك بأن القصة واقعة عين. محتملة لما ذكر ولغيره، فلا ينهض الاستدلال بها على شيء مما ذكر، قال: ويحتمل أن يكون تحبيس خالد إرصادا وعدم تصرف، ولا يبعد أن يطلق على ذلك التحبيس فلا يتعين الاستدلال بذلك

(3/334)


لما ذكر. وفي الحديث بعث الإمام العمال لجباية الزكاة، وتنبيه الغافل على ما أنعم الله به من نعمة الغنى بعد الفقر ليقوم بحق الله عليه، والعتب على من منع الواجب، وجواز ذكره في غيبته بذلك، وتحمل الإمام عن بعض رعيته ما يجب عليه، والاعتذار عن بعض الرعية بما يسوغ الاعتذار به. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(3/335)


50 - باب الِاسْتِعْفَافِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ
1469 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "إِنَّ نَاسًا مِنْ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ"
[الحديث 1469 – طرفه في: 6470]
1470 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ"
[الحديث 1470 – أطرفاه في:1480, 2074, 2374]
1471 - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لاَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ"
[الحديث 1471 – طرفاه في:2075, 2373]
1472 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا" فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ"
[الحديث 1472 – أطرافه في:2750]

(3/335)


قوله: "باب الاستعفاف عن المسألة" أي في شيء من غير المصالح الدينية. قوله: "إن ناسا من الأنصار" لم يتعين لي أسماؤهم، إلا أن النسائي روى من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ما يدل على أن أبا سعيد راوي هذا الحديث خوطب بشيء من ذلك ولفظه ففي حديثه "سرحتني أمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته وقعدت، فاستقبلني فقال: من استغنى أغناه الله" الحديث وزاد فيه: "ومن سأل وله أوقية فقد ألحف" . فقلت: ناقتي خير من أوقية، فرجعت ولم أسأله" وعند الطبراني من حديث حكيم بن حزام أنه ممن خوطب ببعض ذلك، ولكنه ليس أنصاريا إلا بالمعنى الأعم. قوله: "حتى نفد" بكسر الفاء أي فرغ. قوله: "فلن أدخره عنكم " أي أحبسه وأخبؤه وأمنعكم إياه منفردا به عنكم، وفيه ما كان عليه من السخاء وإنفاذ أمر الله، وفيه إعطاء السائل مرتين، والاعتذار إلى السائل، والحض على التعفف. وفيه جواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة، وقوله: "ومن يستعفف" في رواية الكشميهني: "يستعف". حديث أبي هريرة والزبير بن العوام بمعناه. وفي رواية الزبير زيادة "فيبيعها فيكف الله بها وجهه" وذلك مراد في حديث أبي هريرة وحذف لدلالة السياق عليه. وفي رواية أبي هريرة "يأتي رجلا" وفي حديث الزبير "يسأل الناس" والمعنى واحد. وزاد في أول حديث أبي هريرة قوله: "والذي نفسي بيده" ففيه القسم على الشيء المقطوع بصدقه لتأكيده في نفس السامع، وفيه الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل، وأما قوله: "خير له" فليست بمعنى أفعل التفضيل إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام، ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذي يعطاه خيرا وهو في الحقيقة شر، والله أعلم. حديث أبي هريرة والزبير بن العوام بمعناه. وفي رواية الزبير زيادة "فيبيعها فيكف الله بها وجهه" وذلك مراد في حديث أبي هريرة وحذف لدلالة السياق عليه. وفي رواية أبي هريرة "يأتي رجلا" وفي حديث الزبير "يسأل الناس" والمعنى واحد. وزاد في أول حديث أبي هريرة قوله: "والذي نفسي بيده" ففيه القسم على الشيء المقطوع بصدقه لتأكيده في نفس السامع، وفيه الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل، وأما قوله: "خير له" فليست بمعنى أفعل التفضيل إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام، ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذي يعطاه خيرا وهو في الحقيقة شر، والله أعلم. قوله: "إن هذا المال خضرة" أنث الخبر لأن المراد الدنيا. قوله: "خضرة حلوة" شبهه بالرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده بالنسبة إلى اليابس، والحلو مرغوب فيه على انفراده بالنسبة للحامض، فالإعجاب بهما إذا اجتمعا أشد. قوله: "بسخاوة نفس" أي بغير شره ولا إلحاح أي من أخذه بغير سؤال، وهذا بالنسبة إلى الأخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطي أي بسخاوة نفس المعطي أي انشراحه بما يعطيه. قوله: "كالذي يأكل ولا يشبع" أي الذي يسمى جوعه كذابا لأنه من علة به وسقم، فكلما أكل ازداد سقما ولم يجد شبعا. قوله: "اليد العليا" تقدم الكلام عليه مستوفي في "باب لا صدقة إلا عن ظهر غني". قوله: "لا أرزأ" بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزاي بعدها همزة أي لا أنقص ماله بالطلب منه. وفي رواية لإسحاق "قلت فوالله لا تكون يدي بعدك تحت يد من أيدي العرب" وإنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقه لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئا فيعتاد الأخذ فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده ففطمها عن ذلك وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وإنما أشهد عليه عمر لأنه أراد أن لا ينسبه أحد لم يعرف باطن الأمر إلى منع حكيم من حقه. قوله: "حتى توفي" زاد إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق عمر بن عبد الله بن عروة مرسلا أنه ما أخذ من أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا معاوية ديوانا ولا غيره حتى مات لعشر سنين مع إمارة معاوية. قال ابن أبي جمرة: في حديث حكيم فوائد، منها أنه قد يقع الزهد مع الأخذ، فإن سخاوة النفس هو زهدها، تقول سخت بكذا أي جادت وسخت عن كذا أي لم

(3/336)


تلتفت إليه. ومنها أن الأخذ مع سخاوة النفس يحصل أجر الزهد والبركة في الرزق، فتبين أن الزهد يحصل خيري الدنيا والآخرة. وفيه ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة، لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير فبين بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالأكل إنما يأكل ليشبع فإذا أكل ولم يشبع كان عناء في حقه بغير فائدة، وكذلك المال ليست الفائدة في عينه وإنما هي لما يتحصل به من المنافع، فإذا كثر عند المرء بغير تحصيل منفعة كان وجوده كالعدم. وفيه أنه ينبغي للإمام أن لا يبين للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء حاجته لتقع موعظته له الموقع، لئلا يتخيل أن ذلك سبب لمنعه من حاجته. وفيه جواز تكرار السؤال ثلاثا، وجواز المنع في الرابعة والله أعلم، وفي الحديث أيضا أن سؤال الأعلى ليس بعار، وأن رد السائل بعد ثلاث ليس بمكروه، وأن الإجمال في الطلب مقرون بالبركة. وقد زاد إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق معمر عن الزهري في آخره: "فمات حين مات وإنه لمن أكثر قريش مالا". وفيه أيضا سبب ذلك وهو "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى حكيم بن حزام دون ما أعطى أصحابه فقال حكيم: يا رسول الله ما كنت أظن أن تقصر بي دون أحد من الناس، فزاده، ثم استزاده حتى رضي" فذكر نحو الحديث.

(3/337)


باب من أعطاه الله سيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس
...
51 - باب مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلاَ إِشْرَافِ نَفْسٍ
{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}[19 الذريات]
1473 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ خُذْهُ إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ"
[الحديث 1473 – طرفاه في: 7163, 7164]
قوله: "باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس. وفي أموالهم حق للسائل والمحروم" في رواية المستملي تقديم الآية، وسقطت للأكثر، ومطابقتها لحديث الباب من جهة دلالتها على مدح من يعطي السائل وغير السائل، وإذا كان المعطي ممدوحا فعطيته مقبولة وآخذها غير ملوم. وقد اختلف أهل العلم بالتفسير في المراد بالمحروم: فروى الطبري من طريق ابن شهاب أنه المتعفف الذي لا يسأل. وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن شهاب أنه بلغه، فذكر مثله، وأخرجه الطبري عن قتادة مثله. وأخرج فيه أقوالا أخر، وعلى التفسير المذكور تنطبق الترجمة. والأشراف بالمعجمة التعرض للشيء والحرص عليه، من قولهم أشرف على كذا إذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع شرف لذلك. وتقدير جواب الشرط فليقبل، أي من أعطاه الله مع انتفاء القيدين المذكورين فليقبل. وإنما حذفه للعلم به. وأوردها بلفظ العموم وإن كان الخبر ورد في الإعطاء من بيت المال لأن الصدقة للفقير في معنى العطاء للغني إذا انتفى الشرطان. قال أبو داود سألت أحمد عن إشراف النفس فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن محمد سألت أحمد عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إلي فلان بكذا. وقال الأثرم يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك. قوله: "فأقول أعطه من هو أفقر إليه مني" زاد في رواية شعيب عن الزهري الآتية في الأحكام "حتى أعطاني مرة مالا فقلت: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: خذه فتموله وتصدق به" وذكر

(3/337)


شعيب فيه عن الزهري إسنادا آخر قال: أخبرني السائب بن يزيد أن حويطب بن عبد العزى أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر في خلافته فذكر قصة فيها هذا الحديث. والسائب فمن فوقه صحابة؛ ففيه أربعة من الصحابة في نسق. وقد أخرجه مسلم من رواية عمرو بن الحارث عن الزهري بالإسنادين، لكن قال فيه: "عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي عمر" فذكره، جعله من مسند ابن عمر. وأخرجه مسلم أيضا من وجه آخر عن ابن السعدي عن عمر، لكن قال فيه ابن الساعدي وزاد فيه: "أن عطية النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بسبب العمالة" ولهذا قال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام، وليست هي من جهة الفقر ولكن من الحقوق، فلما قال عمر أعطه من هو أفقر إليه مني لم يرض بذلك لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر قال: ويؤيده قوله في رواية شعيب "خذه فتموله" فدل ذلك على أنه ليس من الصدقات. وقال الطبري: اختلفوا في قوله فخذه بعد إجماعهم على أنه أمر ندب، فقيل هو ندب لكل من أعطي عطية أبى قبولها كائنا من كان، وهذا هو الراجح يعني بالشرطين المتقدمين. وقيل هو مخصوص بالسلطان، ويؤيده حديث سمرة في السنن "إلا أن يسأل ذا سلطان" وكان بعضهم يقول: يحرم قبول العطية من السلطان، وبعضهم يقول يكره، وهو محمول على ما إذا كانت العطية من السلطان الجائر، والكراهة محمولة على الورع وهو المشهور من تصرف السلف والله أعلم. والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالا فلا ترد عطيته، ومن علم كون ماله حراما فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع، ومن أباحه أخذ بالأصل. قال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} وقد رهن الشارع درعه عند يهودي مع علمه بذلك، وكذلك أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة. وفي حديث الباب أن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجها وإن كان غيره أحوج إليه منه، وأن رد عطية الإمام ليس من الأدب ولا سيما من الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الآية.

(3/338)


52 - باب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا
1474 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ"
1474 - وَقَالَ " إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ وَقَالَ مُعَلًّى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْأَلَة
[الحديث1475 – طرفه في: 4718]

(3/338)


قوله: "باب من سأل الناس تكثرا" أي فهو مذموم، قال ابن رشيد: حديث المغيرة في النهي عن كثرة السؤال الذي أورده في الباب الذي يليه أصرح في مقصود الترجمة من حديث الباب، وإنما آثره عليه لأن من عادته أن يترجم بالأخفى، أو لاحتمال أن يكون المراد بالسؤال في حديث المغيرة النهي عن المسائل المشكلة كالأغلوطات، أو السؤال عما لا يغني، أو عما لم يقع مما يكره وقوعه، قال: وأشار مع ذلك إلى حديث ليس على شرطه، وهو ما أخرجه الترمذي من طريق حبشي ابن جنادة في أثناء حديث مرفوع وفيه: "ومن سأل الناس ليثري ماله كان خموشا في وجهه يوم القيامة، فمن شاء فليقل ومن شاء فليكثر" انتهى. وفي صحيح مسلم من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة ما هو مطابق للفظ الترجمة، فاحتمال كونه أشار إليه أولى ولفظه: "من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا" الحديث، والمعنى أنه يسأل ليجمع الكثير من غير احتياج إليه. قوله: "عن عبيد الله بن أبي جعفر" في رواية أبي صالح الآتية "حدثنا عبيد الله". قوله: "مزعة لحم" مزعة بضم الميم وحكي كسرها وسكون الزاي بعدها مهملة أي قطعة. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي، والذي أحفظه عن المحدثين الضم، قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطا لا قدر له ولا جاه، أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم كله فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به انتهى. والأول صرف للحديث عن ظاهره، وقد يؤيده ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعا: "لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه فلا يكون له عند الله وجه" وقال ابن أبي جمرة: معناه أنه ليس في وجهه من الحسن شيء، لأن حسن الوجه هو بما فيه من اللحم. ومال المهلب إلى حمله على ظاهره، وإلى أن السر فيه أن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر من غيره، قال: والمراد به من سأل تكثرا وهو غني لا تحل له الصدقة، وأما من سأل وهو مضطر فذلك مباح له فلا يعاقب عليه انتهى. وبهذا تظهر مناسبة إيراد هذا الطرف من حديث الشفاعة عقب هذا الحديث، قال ابن المنير في الحاشية: لفظ الحديث دال على ذم تكثير السؤال، والترجمة لمن سأل تكثرا، والفرق بينهما ظاهر، لكن لما كان المتوعد عليه على ما تشهد به القواعد هو السائل عن غني وأن سؤال ذي الحاجة مباح نزل البخاري الحديث على من يسأل ليكثر ماله. "بآدم ثم بموسى" هذا فيه اختصار، وسيأتي في الرقاق في حديث الشفاعة الطويل ذكر من يقصدونه بين آدم وموسى وبين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكذا الكلام على بقية ما في حديث الشفاعة مما يحتاج إلى الشرح. قوله: "وزاد عبد الله بن صالح" كذا عند أبي ذر، وسقط قوله: "ابن صالح" من رواية الأكثر، ولهذا جزم خلف وأبو نعيم بأنه ابن صالح، وقد رويناه في "الإيمان" لابن منده من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير وعبد الله بن صالح جميعا عن الليث، وساقه بلفظ: "عبد الله بن صالح" وقد رواه موصولا من طريق عبد الله بن صالح وحده البزار عن محمد بن إسحاق الصغاني والطبراني في الأوسط عن مطلب بن شعيب وابن منده في "كتاب الإيمان" من طريق يحيى بن عثمان ثلاثتهم عن عبد الله بن صالح فذكره وزاد بعد قوله: "استغاثوا بآدم: فيقول لست بصاحب ذلك" وتابع عبد الله بن صالح على هذه الزيادة عبد الله بن عبد الحكم عن الليث أخرجه ابن منده أيضا. قوله: "بحلقة الباب" أي باب الجنة، أو هو مجاز عن القرب إلى الله تعالى، والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى التي اختص بها وهي إراحة أهل الموقف من أهوال القضاء بينهم والفراغ من حسابهم، والمراد بأهل الجمع أهل الحشر

(3/339)


لأنه يوم يجمع فيه الناس كلهم. وسيأتي بقية الكلام على المقام المحمود في تفسير سورة سبحان إن شاء الله تعالى. قوله: "وقال معلى" بضم الميم وفتح المهملة وتشديد اللام المفتوحة، وهو ابن أسد، وقد وصله يعقوب بن سفيان في تاريخه عنه، ومن طريق البيهقي، وآخر حديثه "مزعة لحم" وفيه قصة لحمزة بن عبد الله بن عمر مع أبيه في ذلك، ولهذا قيده المصنف بقوله: "في المسألة" أي في الشق الأول من الحديث دون الزيادة، ورويناه أيضا في "معجم أبي سعيد بن الأعرابي" قال حدثنا حمدان بن علي عن معلى بن أسد به، وفي هذا الحديث أن هذا الوعيد يختص بمن أكثر السؤال لا من ندر ذلك منه، ويؤخذ منه جواز سؤال غير المسلم لأن لفظ: "الناس" يعم قاله ابن أبي جمرة، وحكي عن بعض الصالحين أنه كان إذا احتاج سأل ذميا لئلا يعاقب المسلم بسببه لو رده.

(3/340)


باب قول الله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافا}
...
53 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [273 البقرة] {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}
وَكَمْ الْغِنَى وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَلاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ"
{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ - إلى قوله - فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [273 البقرة]
1476 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةَ وَالأُكْلَتَانِ وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا"
[الحديث 1476 – طرفاه في: 1479, 4539]
1477 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ ابْنِ أَشْوَعَ عَنْ الشَّعْبِيِّ حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنْ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ"
1478 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ قَالَ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ رَجُلاً لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ وَاللَّهِ إِنِّي لاَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ أَوْ مُسْلِمًا قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ وَاللَّهِ إِنِّي لاَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ أَوْ مُسْلِمًا قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ وَاللَّهِ إِنِّي لاَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ أَوْ مُسْلِمًا يَعْنِي فَقَالَ إِنِّي لاَعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ" وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي

(3/340)


يُحَدِّثُ بِهَذَا فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي ثُمَّ قَالَ "أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ إِنِّي لاَعْطِي الرَّجُلَ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ {فَكُبْكِبُوا} قُلِبُوا {مُكِبًّا} أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ قُلْتَ كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ وَكَبَبْتُهُ أَنَا
1479 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلاَ يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ"
1480 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ثُمَّ يَغْدُوَ أَحْسِبُهُ قَالَ إِلَى الْجَبَلِ فَيَحْتَطِبَ فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ " قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ
قوله: "باب قول الله عز وجل: {لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} وكم الغني؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يجد غني يغنيه" لقول الله عز وجل: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا} الآية" هذه اللام التي في قوله: "لقول الله" لام التعليل لأنه أورد الآية تفسيرا لقوله في الترجمة "وكم الغني" وكأنه يقول: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا يجد غني يغنيه" مبين لقدر الغني لأن الله تعالى جعل الصدقة للفقراء الموصوفين بهذه الصفة، أي من كان كذلك فليس بغني ومن كان بخلافها فهو غني، فحاصله أن شرط السؤال عدم وجدان الغني لوصف الله الفقراء بقوله: {لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ} إذ من استطاع ضربا فيها فهو واجد لنوع من الغنى، والمراد بالذين أحصروا الذين حصرهم الجهاد أي منعهم الاشتغال به من الضرب في الأرض -أي التجارة- لاشتغالهم به عن التكسب، قال ابن علية: كل محيط يحصر بفتح أوله وضم الصاد، والأعذار المانعة تحصر بضم المثناة وكثر الصاد أي تجعل المرء كالمحاط به، وللفقراء يتعلق بمحذوف تقديره الإنفاق المقدم ذكره لهؤلاء انتهى. وأما قول المصنف في الترجمة "وكم الغني "فلم يذكر فيه حديثا صريحا فيحتمل أنه أشار إلى أنه لم يرد فيه شيء على شرطه، ويحتمل أن يستفاد المراد من قوله في حديث أبي هريرة "الذي لا يجد غني يغنيه" فإن معناه لا يجد شيئا يقع موقعا من حاجته، فمن وجد ذلك كان غنيا. وقد ورد فيه ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعا: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش. قيل يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما أوقيمتها من الذهب" وفي إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف وقد تكلم فيه شعبة من أحل هذا الحديث، وحدث به سفيان الثوري عن حكيم فقيل له: إن شعبة لا يحدث عنه، قال: لقد حدثني به زبيد أبو عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد يعني شيخ حكيم أخرجه الترمذي أيضا، ونص أحمد في "علل الخلال" وغيرها على أن رواية زبيد موقوفة، وقد تقدم حديث أبي سعيد قريبا من عند النسائي في "باب الاستعفاف" وفيه: "من سأل وله أوقية فقد ألح "وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ: "فهو ملحف" وفي الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند النسائي بلفظ: "فهو الملحف" وعن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد له صحبة في أثناء حديث مرفوع قال فيه: "من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا"

(3/341)


أخرجه أبو داود، وعن سهل ابن الحنظلية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار. فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال قدر ما يغديه ويعشيه" أخرجه أبو داود أيضا وصححه ابن حبان، قال الترمذي في حديث ابن مسعود: والعمل على هذا عند بعض أصحابنا كالثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. قال: ووسع قوم في ذلك فقالوا: إذا كان عنده خمسون درهما أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة، وهو قول الشافعي وغيره من أهل العلم انتهى وقال الشافعي: قد يكون الرجل غنيا بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله. وفي المسألة مذاهب أخرى: أحدها قول أبي حنيفة: إن الغني من ملك نصابا فيحرم عليه أخذ الزكاة، واحتج بحديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن وقول النبي صلى الله عليه وسلم له "تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" فوصف من تؤخذ الزكاة منه بالغنى وقد قال: "لا تحل الصدقة لغني" . ثانيها أن حده " من وجد ما يغديه ويعشيه" على ظاهر حديث سهل ابن الحنظلية حكاه الخطابي عن بعضهم، ومنهم من قال: وجهه من لا يجد غداء ولا عشاء على دائم الأوقات. ثالثها أن حده أربعون درهما، وهو قول أبي عبيد بن سلام على ظاهر حديث أبي سعيد، وهو الظاهر من تصرف البخاري لأنه أتبع ذلك قوله: {لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} وقد تضمن الحديث المذكور أن من سأل وعنده هذا القدر فقد سأل إلحافا. حديث أبي هريرة في ذكر المسكين أورده من طريقين، والمسكين مفعيل من السكون قاله القرطبي قال فكأنه من قلة المال سكنت حركاته ولذا قال تعالى: {أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} أي لاصق بالتراب. قوله: "الأكلة والأكلتان" بالضم فيهما، ويؤيده ما في رواية الأعرج الآتية آخر الباب: "اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان "وزاد فيه: "الذي يطوف على الناس" قال أهل اللغة الأكلة بالضم اللقمة وبالفتح المرة من الغداء والعشاء. قوله: "ليس له غنى" زاد في رواية الأعرج غنى يغنيه، وهذه صفة زائدة على اليسار المنفي، إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغني به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، وكأن المعنى نفي اليسار المفيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار، وهذا كقوله تعالى: {لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} . قوله: "يَسْتَحْيِي" زاد في رواية الأعرج "ولا يفطن به" وفي رواية الكشميهني: " له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" وهو بنصب يتصدق ويسأل، وموضع الترجمة منه قوله: " ليس له غنى" وقد أورده المصنف في التفسير من طريق أخرى عن أبي هريرة يظهر تعلقها بهذه الترجمة أكثر من هذه الطريق، ولفظه هناك "إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم يعني قوله: {لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} كذا وقع فيه بزيادة يعني، وقد أخرجه مسلم وأحمد من هذا الوجه بدونها، وكذلك وقع فيه1 بزيادة ابن أبي حاتم في تفسيره. ثانيها: حديث المغيرة وابن أشوع بالشين المعجمة وزاد أحمد في رواية الكشميهني ابن الأشوع، وهو سعيد بن عمرو بن الأشوع نسب لجده وكاتب المغيرة هو وراد. قوله: "وإضاعة الأموال" في رواية الكشميهني "المال" وموضع الترجمة منه قوله "وكثرة السؤال" قال ابن التين: فهم منه البخاري سؤال الناس، ويحتمل أن يكون المراد السؤال عن المشكلات، أو عما لا حاجة للسائل به، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "ذروني ما تركتكم" قلت: وحمله على المعنى الأعم أولى ويستقيم مراد البخاري مع ذلك. وقد مضى بعض شرحه في كتاب الصلاة، ويأتي في كتاب الأدب وفي الرقاق مستوفى إن شاء الله تعالى.
ثالثها: حديث سعد بن أبي وقاص أورده بإسنادين، وموضع الترجمة منه قوله في
ـــــــ
1 كذا في الأصلين اللذين بأيدينا, وفي الكلام نقص وتحريف, فليتأمل وليحرر

(3/342)


الرواية الثانية "فجمع بين عنقي وكتفي ثم قال: أقبل أي سعد" وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الإيمان، وأنه أمر بالإقبال أو بالقبول، ووقع عند مسلم "إقبالا أي سعد" على أنه مصدر أي أتقابلني قبالا بهذه المعارضة؟ وسياقه يشعر بأنه صلى الله عليه وسلم كره منه إلحاحه عليه في المسألة، ويحتمل أن يكون من جهة أن المشفوع له ترك السؤال فمدح. قوله: "وعن أبيه عن صالح" هو معطوف على الإسناد الأول، وكذا أخرجه مسلم عن الحسن الحلواني عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد. قوله: "أبو عبد الله" هو المصنف.قوله: "فكبكبوا إلخ" تقدمت الإشارة إليه في الإيمان، وجرى المصنف على عادته في إيراد تفسر اللفظة الغريبة إذا وافق ما في الحديث ما في القرآن. و قوله: "غير واقع" أي لازما و "إذا وقع" أي إذا كان متعديا، والغرض أن هذه الكلمة من النوادر حيث كان الثلاثي متعديا والمزيد فيه لازما عكس القاعدة التصريفية، قيل ويجوز أن يكون ألف أكب للصيرورة. قوله: "صالح بن كيسان" يعني المذكور في الإسنادين. قوله: "أكبر من الزهري" يعني في السن، ومثل هذا جاء عن أحمد وابن معين. وقال علي بن المديني: كان أسن من الزهري، فإن مولده سنة خمسين وقيل بعدها ومات سنة ثلاث وعشرين ومائة وقيل سنه أربع، وأما صالح بن كيسان فمات سنة أربعين ومائة وقيل قبلها. وذكر الحاكم في مقدار عمره سنا1 تعقبوه عليه. وقوله: "أدرك ابن عمر" يعني أدرك السماع منه، وأما الزهري فمختلف في لقيه له والصحيح أنه لم يلقه وإنما يروي عن ابنه سالم عنه، والحديثان اللذان وقع في رواية معمر عنه أنه سمعهما عن ابن عمر ثبت ذكر سالم بينهما في رواية غيره والله أعلم. رابعها: حديث أبي هريرة الدال على ذم السؤال ومدح الاكتساب، وقد تقدم الكلام عليه مستوفي في "باب الاستعفاف عن المسألة". وفي الحديث الأول أن المسكنة إنما تحمد مع العفة عن السؤال والصبر على الحاجة، وفيه استحباب الحياء في كل الأحوال، وحسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف دون الإلحاح، وفيه دلالة لمن يقول: إن الفقير أسوأ حالا من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء لكنه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له كما تقدم توجيهه، ويؤيده قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها، وهذا قول الشافعي وجمهور أهل الحديث والفقه، وعكس آخرون فقالوا: المسكين أسوأ حالا من الفقير. وقال آخرون: هما سواء، وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك، وقيل الفقير الذي يسأل والمسكين الذي لا يسأل حكاه ابن بطال، وظاهره أيضا أن المسكين من اتصف بالتعفف وعدم الإلحاف في السؤال، ولكن قال ابن بطال: معناه المسكين الكامل وليس المراد نفي أصل المسكنة عن الطواف، بل هي كقوله: " أتدرون من المفلس " الحديث، وقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ} الآية، وكذا قرره القرطبي وغير واحد. والله أعلم.
ـــــــ
1 في مخطوطة الرياض"شيئا"

(3/343)


باب خرص التمر
...
54 - باب خَرْصِ الثَّمَرِ
1481 - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا فَقال النبي صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ: "اخْرُصُوا وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ فَقَالَ لَهَا أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ

(3/343)


قَالَ أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلاَ يَقُومَنَّ أَحَدٌ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ فَعَقَلْنَاهَا وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّءٍ وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ فَلَمَّا أَتَى وَادِيَ الْقُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ قَالَتْ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ" فَلَمَّا قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: "هَذِهِ طَابَةُ فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ قَالُوا بَلَى قَالَ دُورُ بَنِي النَّجَّارِ ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ أَوْ دُورُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ يَعْنِي خَيْرًا"
[الحديث 1481 – أطرافه في: 1872, 3161, 3791, 4422]
1482 - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ حَدَّثَنِي عَمْرٌو ثُمَّ دَارُ بَنِي الْحَارِثِ ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ
وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهُوَ حَدِيقَةٌ وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يُقَلْ حَدِيقَةٌ
قوله: "باب خرص التمر" أي مشروعيته، والخرص بفتح المعجمة وحكي كسرها وبسكون الراء بعدها مهملة هو حزر ما على النخل من الرطب تمرا، حكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن تفسيره أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب مما تجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصا ينظر فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبا وكذا وكذا تمرا فيحصيه وينظر مبلغ العشر فيثبته عليهم ويخلي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العشر انتهى. وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها والبيع من زهوها وإيثار الأهل والجيران والفقراء، لأن في منعهم منها تضييقا لا يخفى. وقال الخطابي: أنكر أصحاب الرأي الخرص. وقال بعضهم: إنما كان يفعل تخويفا للمزارعين لئلا يخونوا إلا ليلزم به الحكم لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار. وتعقبه الخطابي بأن تحريم الربا والميسر متقدم، والخرص عمل به في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، ثم أبو بكر وعمر فمن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبي، قال: وأما قولهم إنه تخمين وغرور فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير. وحكى أبو عبيد عن قوم منهم أن الخرص كان خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يوفق من الصواب ما لا يوفق له غيره، وتعقبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يسدد لما كان يسدد له سواء أن تثبت بذلك الخصوصية ولو كان المرء لا يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدد فيه كتسديد الأنبياء لسقط الاتباع، وترد هذه الحجة أيضا بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم الخراص في زمانه والله أعلم، واعتل الطحاوي بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفة فتتلفها فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذا بدلا مما لم يسلم له، وأجيب بأن القائلين به لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص، قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان قوله: "عن عمرو بن يحيى" هو المازني، ولمسلم من وجه آخر عن وهيب حدثنا عمرو بن يحيى.قوله: "عن عباس الساعدي" هو ابن سهل بن سعد، ووقع في رواية أبي داود

(3/344)


عن سهل بن بكار شيخ البخاري فيه عن العباس الساعدي يعني ابن سهل بن مسعد. وفي رواية الإسماعيلي من وجه آخر عن وهيب حدثنا عمرو بن يحيى حدثنا عباس بن سهل الساعدي. قوله: "غزوة تبوك" سيأتي شرحها في المغازي. قوله: "فلما جاء وادي القرى" هي مدينة قديمة بين المدينة والشام سيأتي ذكرها في البيوع، وأغرب ابن قرقول فقال: إنها من أعمال المدينة. قوله: "إذا امرأة في حديقة لها" استدل به على جواز الابتداء بالنكرة لكن بشرط الإفادة، قال ابن مالك: لا يمتنع الابتداء بالنكرة المحضة على الإطلاق، بل إذا لم تحصل فائدة، فلو اقترن بالنكرة المحضة قرينة يتحصل بها الفائدة جاز الابتداء بها نحو انطلقت فإذا سبع في الطريق إلخ. ووقع في رواية سليمان بن بلال عن عمرو بن يحيى عند مسلم: "فآتينا على حديقة امرأة" ولم أقف على اسمها في شيء من الطرق. قوله: " اخرصوا" بضم الراء، زاد سليمان "فخرصنا" ولم أقف على أسماء من خرص منهم. قوله: "وخرص" في رواية سليمان "وخرصها". قوله: "أحصي " أي احفظي عدد كيلها. وفي رواية سليمان "أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله تعالى" وأصل الإحصاء العدد بالحصى لأنهم كانوا لا يحسنون الكتابة فكانوا يضبطون العدد بالحصى. قوله: "ستهب الليلة" زاد سليمان "عليكم". قوله: "فلا يقومن أحد " في رواية سليمان "فلا يقم فيها أحد منكم ". قوله: "فليعقله" أي يشده بالعقال وهو الحبل. وفي رواية سليمان "فليشد عقاله" وفي رواية ابن إسحاق في المغازي عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عباس بن سهل "ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له" . قوله: "فقام رجل فألقته بجبل طيء" في رواية الكشميهني: "بجبلي طي" وفي رواية الإسماعيلي من طريق عفان عن وهيب "ولم يقم فيها أحد غير رجلين ألقتهما بجبل طي" وفيه نظر بينته رواية ابن إسحاق ولفظه: "ففعل الناس ما أمرهم إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج آخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبل طي، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له. ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم من تبوك" والمراد بجبلي طي المكان الذي كانت القبيلة المذكورة تنزله، واسم الجبلين المذكورين "أجأ" بهمزة وجيم مفتوحتين بعدهما همزة بوزن قمر وقد لا تهمز فيكون بوزن عصا و "سلمى "وهما مشهوران، ويقال إنهما سميا باسم رجل وامرأة من العماليق. ولم أقف على اسم الرجلين المذكورين وأظن ترك ذكرهما وقع عمدا، فقد وقع في آخر حديث ابن إسحاق أن عبد الله بن أبي بكر حدثه أن العباس بن سهل سمى الرجلين ولكنه استكتمني إياهما قال: وأبى عبد الله أن يسميهما لنا. قوله: "وأهدى ملك أيلة" بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام مفتوحة بلدة قديمة بساحل البحر تقدم ذكرها في "باب الجمعة في القرى والمدن"، ووقع في رواية سليمان عند مسلم: "وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء" وفي مغازي ابن إسحاق" ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يوحنا بن روبة صاحب أيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية" وكذا رواه إبراهيم الحربي في الهدايا من حديث علي، فاستفيد من ذلك اسمه واسم أبيه، فلعل العلماء اسم أمه، ويوحنا بضم التحتانية وفتح المهملة وتشديد النون، وروبة بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة، واسم البغلة المذكورة دلدل هكذا جزم به النووي، ونقل عن العلماء أنه لا يعرف له بغلة سواها، وتعقب بأن الحاكم أخرج في "المستدرك" عن ابن عباس "أن كسرى أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه" الحديث،

(3/345)


وهذه غير دلدل. ويقال إن النجاشي أهدى له بغلة، وأن صاحب دومة الجندل أهدى له بغلة، وأن دلدل إنما أهداها له المقوقس. وذكر السهيلي أن التي كانت تحته يوم حنين تسمى فضة وكانت شهباء، ووقع عند مسلم في هذه البغلة أن فروة أهداها له. قوله: "وكتب له ببحرهم" أي ببلدهم، أو المراد بأهل بحرهم لأنهم كانوا سكانا بساحل البحر أي أنه أقره عليهم بما التزموه من الجزية، وفي بعض الروايات "ببحرتهم" أي بلدتهم، وقيل البحرة الأرض. وذكر ابن إسحاق الكتاب، وهو بعد البسملة: "هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنا بن روبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبي" وساق بقية الكتاب. قوله: "كم جاء حديقتك" أي تمر حديقتك. وفي رواية مسلم: "فسأل المرأة عن حديقتها كما بلغ ثمرها" وقوله: "عشرة" بالنصب على نزع الخافض أو على الحال، وقوله: "خرص" بالنصب أيضا إما بدلا وإما بيانا، ويجوز الرفع فيهما وتقديره الحاصل عشرة أوسق وهو خرص رسول الله. قوله: "فلما قال ابن بكار كلمة معناها أشرف على المدينة" ابن بكار هو سهل شيخ البخاري، فكأن البخاري شك في هذه اللفظة فقال هذا، وقد رواه أبو نعيم في "المستخرج" عن فاروق عن أبي مسلم وغيره عن سهل فذكرها بهذا اللفظ سواء، وسيأتي الكلام على بقية الحديث وما يتعلق بالمدينة في فضل المدينة، وما يتعلق بالأنصار في مناقب الأنصار، فإنه ساق ذلك هناك أتم مما هنا. وقوله: "طابة" هو من أسماء المدينة كطيبة. قوله: "وقال سليمان بن بلال حدثني عمرو" يعني ابن يحيى بالإسناد المذكور، وهذه الطريق موصولة في فضائل الأنصار. قوله: "وقال سليمان" هو ابن بلال المذكور، وسعد بن سعيد هو الأنصاري أخو يحيى بن سعيد، وعباس هو ابن سهل بن سعد، وهي موصولة في "فوائد علي بن خزيمة" قال: "حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا أيوب بن سليمان أي ابن بلال حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال" فذكره وأوله "أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غراب لأنها أقرب إلى المدينة وترك الأخرى" فساق الحديث ولم يذكر أوله، واستفيد منه بيان قوله: "إني متعجل إلى المدينة، فمن أحب فليتعجل معي" أي إني سالك الطريق القريبة فمن أراد فليأت معي يعني ممن له اقتدار على ذلك دون بقية الجيش. وظهر أن عمارة بن غزية خالف عمرو بن يحيى في إسناد الحديث فقال عمرو "عن عباس عن أبي حميد" وقال عمارة "عن عباس عن أبيه". فيحتمل أن يسلك طريق الجمع بأن يكون عباس أخذ القدر المذكور وهو "أحد جبل يحبنا ونحبه" عن أبيه وعن أبي حميد معا، أو حمل الحديث عنهما معا، أو كله عن أبي حميد ومعظمه عن أبيه وكان يحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، ولذلك كان لا يجمعهما. وقد وقع في رواية ابن إسحاق المذكورة "عباس بن سهل بن سعد أو عباس عن سهل" فتردد فيه هل هو مرسل أو رواه عن أبيه فيوافق قول عمارة، لكن سياق عمرو بن يحيى أتم من سياق غيره، والله أعلم. وفي هذا الحديث مشروعية الخرص، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه أول الباب، واختلف القائلون به هل هو وأجب أو مستحب، فحكى الصيمري من الشافعية وجها بوجوبه. وقال الجمهور هو مستحب إلا إن تعلق به حق لمحجور مثلا أو كان شركاؤه غير مؤتمنين فيجب لحفظ مال الغير، واختلف أيضا هل يختص بالنخل أو يلحق به العنب أو يعم كل ما ينتفع به رطبا وجافا؟ وبالأول قال شريح القاضي وبعض أهل الظاهر، والثاني قول الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاري. وهل يمضي قول الخارص أو يرجع إلى ما آل إليه الحال بعد الجفاف؟ الأول قول مالك وطائفة، والثاني قول الشافعي ومن تبعه. وهل يكفي خارص واحد عارف ثقة أو لا بد من

(3/346)


اثنين؟ وهما قولان للشافعي، والجمهور على الأول. واختلف أيضا هل هو اعتبار أو تضمين؟ وهما قولان للشافعي أظهرهما الثاني، وفائدته جواز التصرف في جميع الثمرة ولو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أخذت منه الزكاة بحساب ما خرص. وفيه أشياء من أعلام النبوة كالإخبار عن الريح وما ذكر في تلك القصة، وفيه تدريب الاتباع وتعليمهم، وأخذ الحذر مما يتوقع الخوف منه. وفضل المدينة والأنصار، ومشروعية المفاضلة بين الفضلاء بالإجمال والتعيين، ومشروعية الهدية والمكافأة عليها.
" تكميل ": في السنن وصحيح ابن حبان من حديث سهل ابن أبي حثمة مرفوعا: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" . وقال بظاهره الليث وأحمد وإسحاق وغيرهم، وفهم منه أبو عبيد في "كتاب الأموال" أنه القدر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه فقال: يترك قدر احتياجهم. وقال مالك وسفيان: لا يترك لهم شيء، وهو المشهور عن الشافعي، قال ابن العربي: والمتحصل من صحيح النظر أن يعمل بالحديث وهو قدر المؤونة، ولقد جربناه فوجدناه كذلك في الأغلب مما يؤكل رطبا. قوله: "قال أبو عبيد1" هو القاسم بن سلام الإمام المشهور صاحب "الغريب" وكلامه هذا في غريب الحديث له. وقال صاحب "المحكم": هو من الرياض كل أرض استدارت، وقيل كل أرض ذات شجر مثمر ونخل، وقيل كل حفرة تكون في الوادي يحتبس فيها الماء، فإذا لم يكن فيه ماء فهو حديقة، ويقال الحديقة أعمق من الغدير والحديقة القطعة من الزرع يعني أنه من المشترك.
ـــــــ
1 كذا في نسخة الشارح وفي نسخة أخرى "قال عبد الله" يعني البخاري, قاله القسطلاني. فتنبه

(3/347)


55 - باب الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَبِالْمَاءِ الْجَارِي
وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئًا
1483 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ"
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَفِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ كَمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ وَقَالَ بِلاَلٌ قَدْ صَلَّى فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلاَلٍ وَتُرِكَ قَوْلُ الْفَضْلِ
قوله: "باب العشر فيما يسقى من ماء السماء والماء الجاري" قال الزين بن المنير: عدل من لفظ العيون الواقع في الخبر إلى الماء الجاري ليجريه مجرى التفسير للمقصود من ماء العيون وأنه الماء الذي يجري بنفسه من غير نضح وليبين أن الذي يجري بنفسه من نهر أو غدير حكمه حكم ما يجري من العيون انتهى، وكأنه أشار إلى ما في بعض طرقه، فعند أبي داود "فيما سقت السماء والأنهار والعيون" الحديث. قوله: "ولم ير عمر بن عبد العزيز في العسل شيئا" أي زكاة، وصله مالك في "الموطأ" عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: جاء كتاب من عمر بن عبد العزيز

(3/347)


إلى أبي وهو بمنى أن لا تأخذ من الخيل ولا من العسل صدقة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بإسناد صحيح إلى نافع مولى ابن عمر قال: "بعثني عمر بن عبد العزيز على اليمن فأردت أن آخذ من العسل العشر، فقال مغيرة بن حكيم الصنعاني: ليس فيه شيء، فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز فقال: صدق، هو عدل رضا، ليس فيه شيء" وجاء عن عمر بن عبد العزيز ما يخالفه أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عن كتاب إبراهيم بن ميسرة قال: "ذكر لي بعض من لا أتهم من أهلي أنه تذاكر هو وعروة بن محمد السعدي فزعم عروة أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن صدقة العسل، فزعم عروة أنه كتب إليه: إنا قد وجدنا بيان صدقة العسل بأرض الطائف فخذ منه العشر انتهى" وهذا إسناد ضعيف لجهالة الواسطة، والأول أثبت، وكأن البخاري أشار إلى تضعيف ما روي "أن في العسل العشر" وهو ما أخرجه عبد الرزاق بسنده عن أبي هريرة قال: " كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر" وفي إسناده عبد الله بن محرر وهو بمهملات وزن محمد قال البخاري في تاريخه: عبد الله متروك، ولا يصح في زكاه العسل شيء. قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء. قال الشافعي في القديم: حديث أن في العسل العشر ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشر ضعيف، إلا عن عمر بن عبد العزيز انتهى. وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة من طريق طاوس "أن معاذا لما أتى اليمن قال: لم أؤمر فيهما بشيء" يعني العسل وأوقاص البقر، وهذا منقطع، وأما ما أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "جاء هلال أحد بني متعان - أي بضم الميم وسكون المثناة بعدها مهملة - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي له واديا فحماه له، فلما ولي عمر كتب إلى عامله: إن أدى إليك عشور نحله فاحم له سلبه وإلا فلا" وإسناده صحيح إلى عمرو1 وترجمة عمرو قوية على المختار لكن حيث لا تعارض، وقد ورد ما يدل على أن هلالا أعطى ذلك تطوعا، فعند عبد الرزاق عن صالح بن دينار "أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد ينهاه أن يأخذ من العسل صدقة إلا إن كان النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فجمع عثمان أهل العسل فشهدوا أن هلال بن سعد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعسل فقال: ما هذا؟ قال: صدقة فأمر برفعها ولم يذكر عشورا" لكن الإسناد الأول أقوى، إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحمى كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب. وقال ابن المنذر: ليس في العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة فيه، وهو قول الجمهور وعن أبي حنيفة وأحمد وإسحاق يحب العشر فيما أخذ من غير أرض الخراج. وما نقله عن الجمهور مقابله قول الترمذي بعد أن أخرج حديث ابن عمر فيه، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: ليس في العسل شيء، وأشار شيخنا في شرحه إلى أن الذي نقله ابن المنذر أقوى، قال ابن المنير: مناسبة أثر عمر في العسل للترجمة من جهة أن الحديث يدل على أن لا عشر فيه لأنه خص العشر أو نصفه بما يسقى، فأفهم أن ما لا يسقى لا يعشر، زاد ابن رشيد فإن قيل المفهوم إنما ينفي العشر أو نصفه لا مطلق الزكاة، فالجواب أن الناس قائلان: مثبت للعشر وناف للزكاة أصلا فتم المراد، قال: ووجه إدخاله العسل أيضا للتنبيه على الخلاف فيه وأنه لا يرى فيه زكاة وإن كانت النحل تتغذى مما يسقى من السماء لكن المتولد بالمباشرة كالزرع ليس كالمتولد بواسطة حيوان كاللبن فإنه متولد عن الرعي ولا زكاة فيه.
ـــــــ
1 مراده أن إسناد هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح وأما رواية عمرو عن أبيه عن جده فمختلف فيها بين أهل الحديث, والصواب أنها حجة ما لم يخالفها ما هو أقوى منها, كما أشار إليه الشارح, وقد ذكر ذلك غيره من أهل العلم, وصرح به العلامة ابن القيم في بعض كتبه. والله أعلم

(3/348)


قوله: "عثريا" بفتح المهملة والمثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية، وحكي عن ابن الأعرابي تشديد المثلثة ورده ثعلب وحكى ابن عديس في المثلث فيه ضم أوله وإسكان ثانيه قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، زاد ابن قدامة عن القاضي أبي يعلى: وهو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه من ماء المطر في سواق تشق له قال: واشتقاقه من العاثور وهي الساقية التي يجري فيها الماء لأن الماشي يعثر فيها.قال ومنه الذي يشرب من الأنهار بغير مؤونة، أو يشرب بعروقه كأن يغرس في أرض يكون الماء قريبا من وجهها فيصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي، وهذا التفسير أولى من إطلاق أبي عبيد أن العثري ما سقته السماء، لأن سياق الحديث يدل على المغايرة، وكذا قول من فسر العثري بأنه الذي لا حمل له لأنه لا زكاة فيه، قال ابن قدامة: لا نعلم في هذه التفرقة التي ذكرناها خلافا قوله: "بالنضح" بفتح النون وسكون المعجمة بعدها مهملة أي بالسانية، وهي رواية مسلم والمراد بها الإبل التي يستقى عليها، وذكر الإبل كالمثال وإلا فالبقر وغيرها كذلك في الحكم. قوله: "قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأول إلخ" هكذا وقع في رواية أبي ذر هذا الكلام عقب حديث ابن عمر في العثري، ووقع في رواية غيره عقب حديث أبي سعيد المذكور في الباب الذي بعده، وهو الذي وقع عند الإسماعيلي أيضا، وجزم أبو علي الصدفي بأن ذكره عقب حديث ابن عمر من قبل بعض نساخ الكتاب انتهى ولم يقف الصغاني على اختلاف الروايات فجزم بأنه وقع هنا في جميعها قال وحقه أن يذكر في الباب الذي يليه، قلت: ولذكره عقب كل من الحديثين وجه، لكن تعبيره بالأول يرجح كونه بعد حديث أبي سعيد لأنه هو المفسر الذي قبله وهو حديث ابن عمر، فحديث ابن عمر بعمومه ظاهر في عدم اشتراط النصاب وفي إيجاب الزكاة في كل ما يسقى بمؤونة وبغير مؤونة، ولكنه عند الجمهور مختص بالمعنى الذي سيق لأجله وهو التمييز بين ما يجب فيه العشر أو نصف العشر بخلاف حديث أبي سعيد فإنه مساق لبيان جنس المخرج منه وقدره فأخذ به الجمهور عملا بالدليلين كما سيأتي بسط القول فيه بعد إن شاء الله تعالى. وقد جزم الإسماعيلي بأن كلام البخاري وقع عقب حديث أبي سعيد ودل حديث الباب على التفرقة في القدر المخرج الذي يسقى بنضح أو بغير نضح، فإن وجد ما يسقى بهما فظاهره أنه يجب فيه ثلاثة أرباع العشر إذا تساوى ذلك وهو قول أهل العلم، قال ابن قدامة لا نعلم فيه خلافا، وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعا للأكثر نص عليه أحمد، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، والثاني يؤخذ بالقسط، ويحتمل أن يقال إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه، وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة بما تم به الزرع وانتهى ولو كان أقل قاله ابن التين عن حكاية أبي محمد بن أبي زيد عنه والله أعلم. "تنبيه": قال النسائي عقب تخريج هذا الحديث: رواه نافع عن ابن عمر عن عمر، قال وسالم أجل من نافع وقول نافع أولى بالصواب. وقوله بعده "هذا تفسير الأول لأنه لم يوقت في الأول" أي لم يذكر حدا للنصاب، و قوله: "وبين في هذا" يعني في حديث أبي سعيد. قوله: "والزيادة مقبولة" أي من الحافظ، والثبت بتحريك الموحدة الثبات والحجة. قوله: "والمفسر يقضي على المبهم": أي الخاص يقضي على العام لأن "فيما سقت" عام يشمل النصاب ودونه، و "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " خاص بقدر النصاب وأجاب بعض الحنفية بأن محل ذلك ما إذا كان البيان وفق المبين لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه، أما إذا انتفى شيء من أفراد العام مثلا فيمكن التمسك به كحديث أبي سعيد هذا فإنه دل على النصاب فيما يقبل التوسيق، وسكت عما لا يقبل التوسيق فيمكن التمسك بعموم قوله فيما سقت السماء العشر أي مما لا يمكن التوسيق فيه عملا بالدليلين، وأجاب الجمهور

(3/349)


بما روي مرفوعا: "لا زكاة في الخضراوات"رواه الدارقطني من طريق علي وطلحة ومعاذ مرفوعا وقال الترمذي لا يصح فيه شيء إلا مرسل موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو دال على أن الزكاة إنما هي فيما يكال مما يدخر للاقتيات في حال الاختيار. وهذا قول مالك والشافعي. وعن أحمد يخرج من جميع ذلك ولو كان لا يقتات وهو قول محمد وأبي يوسف وحكى ابن المنذر الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما أخرجت الأرض، إلا أن أبا حنيفة قال تجب في جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقصب والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر انتهى. وحكى عياض عن داود أن كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة، وهو نوع من الجمع بين الحديثين المذكورين والله أعلم. وقال ابن العربي أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة، وهو التمسك بالعموم قال: وقد زعم الجويني أن الحديث إنما جاء لتفصيل ما تقل مما تكثر مؤونته، قال ابن العربي: لا مانع أن يكون الحديث يقتضي الوجهين والله أعلم. قوله: "كما روى إلخ" أي كما أن المثبت مقدم على النافي في حديثي الفضل وبلال، وحديث الفضل أخرجه أحمد وغيره، وحديث بلال سيأتي موصولا في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. "تكميل": اختلف في هذا النصاب هل هو تحديد أو تقريب؟ وبالأول جزم أحمد، وهو أصح الوجهين للشافعية، إلا إن كان نقصا يسيرا جدا مما لا ينضبط فلا يضر قاله ابن دقيق العيد، وصحح النووي في شرح مسلم أنه تقريب، واتفقوا على وجوب الزكاة فيما زاد على الخمسة أوسق بحسابه ولا وقص فيها.

(3/350)


56 - باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ
1484 - حدثنا مسدد حدثنا يحيى حدثنا مالك قال حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم "ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة ولا في أقل من خمسة من الإبل الذود صدقة ولا في أقل من خمس أواق من الورق صدقة"
قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأول إذا قال ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ويؤخذ أبدا في العلم بما زاد أهل الثبت أو بينوا
قوله: "باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" أورد فيه حديث أبي سعيد وقد تقدم ذكره في "باب زكاة الورق" وذكر فيه قدر الوسق وقوله هنا "ليس فيما أقل" ما زائدة وأقل في موضع جر بقي وقد ذكره بعده بلفظ وليس في أقل.

(3/350)


57 - باب أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ
وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ
1485 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الأَسَدِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ فَجَعَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ فَأَخَذَ

(3/350)


باب من باع ثماره أو نخله أو أرضه أو زرعه وقد وجب في العشر أو الصدقة فأدى الزكاة من غيره، أو باع ثماره ولم تجب فيها الصدقة
...
58 - باب مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ أَوْ أَرْضَهُ أَوْ زَرْعَهُ وَقَدْ وَجَبَ فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ الصَّدَقَةُ فَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ, أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا" فَلَمْ يَحْظُرْ الْبَيْعَ بَعْدَ الصَّلاَحِ عَلَى أَحَدٍ
وَلَمْ يَخُصَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ
1486 - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاَحِهَا قَالَ حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ "
[الحديث 1486 – أطرافه في: 2183, 2194, 2199, 2247, 2249]
1487حدثنا عبد الله بن يوسف حدثني الليث حدثني خالد بن يزيد عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها"
[الحديث 1487 – أطرافه في: 2189, 2196, 2381]

(3/351)


1488 - حدثنا قتيبة عن مالك عن حميد عن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي قال حتى تحمار"
[الحديث 1488 – أطرافه في: 2195, 2197, 2198, 2208]
قوله: "باب من باع ثماره أو أرضه أو نخله أو زرعه وقد وجب فيه العشر أو الصدقة فأدى الزكاة من غيره، أو باع ثماره ولم تجب فيه الصدقة إلخ" ظاهر سياق هذه الترجمة أن المصنف يرى جوازه بيع الثمرة بعد بدو الصلاح ولو وجبت فيها الزكاة بالخرص مثلا لعموم قوله: "حتى يبدو صلاحها" وهو أحد قولي العلماء، والثاني لا يجوز بيعها بعد الخرص لتعلق حق المساكين بها، وهو أحد قولي الشافعي، وقائل هذا حمل الحديث على الجواز بعد الصلاح وقبل الخرص جمعا بين الحديثين. وأما قوله: "العشر أو الصدقة" فمن العام بعد الخاص، وفيه إشارة إلى الرد على من جعل في الثمار العشر مطلقا من غير اعتبار نصاب، ولم يرد أن الصدقة تسقط بالبيع. وأما قوله: "فأدى الزكاة من غيره" فلأنه إذا باع بعد وجوب الزكاة فقد فعل أمرا جائزا كما تقدم فتعلقت الزكاة بذمته فله أن يعطيها من غيره أو يخرج قيمتها على رأي من يجيزه وهو اختيار البخاري كما سبق. وأما قوله: "ولم يخص من وجبت عليه الزكاة ممن لم تجب" فيتوقف على مقدمة أخرى وهي أن الحق يتعلق بالصلاح، وظاهر القرآن يقتضي أن وجوب الإيتاء إنما هو يوم الحصاد على رأي من جعلها في الزكاة، إلا أن يقال إنما تعرضت الآية لبيان زمن الإيتاء لا لبيان زمان الوجوب، والظاهر أن المصنف اعتمد في تصحيح هذه المقدمة استعمال الخرص عند الصلاح لتعلق حق المساكين، فطواها بتقديمه حكم الخرص فيما سبق أشار إلى ذلك ابن رشيد. وقال ابن بطال: أراد البخاري الرد على أحد قولي الشافعي بفساد البيع كما تقدم. وقال أبو حنيفة المشتري بالخيار ويؤخذ العشر منه ويرجع هو على البائع، وعن مالك العشر على البائع إلا أن يشترطه على المشتري وهو قول الليث، وعن أحمد الصدقة على البائع مطلقا وهو قول الثوري والأوزاعي والله أعلم. قوله: "وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الثمرة" أسنده في الباب بمعناه، وأما هذا اللفظ فمذكور عنده في موضعين من كتاب البيع من حديث ابن عمر، وسيأتي الكلام هناك على حديثه وعلى حديث أنس أيضا. قوله: "وكان إذا سئل عن صلاحها قال حتى تذهب عاهته" أي الثمر وفي رواية الكشميهني عاهتها وهو مقول ابن عمر بينه مسلم في روايته من طريق محمد بن جعفر عن شعبة ولفظه: "فقيل لابن عمر ما صلاحه؟ قال تذهب عاهته".

(3/352)


باب هل يشتري صدقته؟ ولا بأس أن يشتري صدقة غيره
...
59 - باب هَلْ يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ ؟وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ غَيْرُهُ
لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا نَهَى الْمُتَصَدِّقَ خَاصَّةً عَنْ الشِّرَاءِ وَلَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ
1489 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يُحَدِّثُ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَالَ: "لاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ" فَبِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لاَ يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلاَّ جَعَلَهُ صَدَقَةً"
[الحديث 1489 – أطرافه في: 2775, 2971, 3002]

(3/352)


1490 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "لاَ تَشْتَرِي وَلاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِه"
[الحديث 1490 – أطرافه في: 2623, 2636, 2970, 3003]
قوله: "باب هل يشتري الرجل صدقته" قال الزين بن المنير: أورد الترجمة بالاستفهام لأن تنزيل حديث الباب على سببه يضعف معه تعميم المنع لاحتمال تخصيصه بالشراء بدون القيمة لقوله: "وظننت أنه يبيعه برخص" وكذا إطلاق الشارع العود عليه بمعنى أنه في معنى رجوع بعضها إليه بغير عوض، قال: وقصد بهذه الترجمة التنبيه على أن الذي تضمنته الترجمة التي قبلها من جواز بيع الثمرة قبل إخراج الزكاة ليس من جنس شراء الرجل صدقته، والفرق بينهما دقيق وقال ابن المنذر ليس لأحد أن يتصدق ثم يشتريها للنهي الثابت، ويلزم من ذلك فساد البيع إلا إن ثبت الإجماع على جوازه. قوله: "ولا بأس أن يشتري صدقة غيره" قد استدل له بما ذكر، ومراده قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "لا تعد" وقوله: "العائد في صدقته" ولو كان المراد تعميم المنع لقال لا تشتروا الصدقة مثلا، وسيأتي لذلك مزيد بيان في "باب إذا حولت الصدقة". ثم أورد المصنف حديث عمر في تصدقه بالفرس واستئذانه في شرائه بعد ذلك من طريقين فسياق الأولى يقتضي أنه من حديث ابن عمر والثانية أنه من مسند عمر، ورجح الدارقطني الأولى، لكن حيث جاء من طريق سالم وغيره من الرواة عن ابن عمر فهو من مسنده، وأما رواية أسلم مولى عمر فهي عن عمر نفسه والله أعلم. قوله: "تصدق بفرس" أي حمل عليه رجلا في سبيل الله كما في الطريق الثانية والمعنى أنه ملكه له، ولذلك ساغ له بيعه ومنهم من قال كان عمر قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه لأنه حصل فيه هزال عجز لأجله عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به، وأجاز ذلك ابن القاسم، ويدل على أنه حمل تمليك قوله: "ولا تعد في صدقتك" ولو كان حبسا لعلله به. قوله فيها "فأضاعه الذي كان عنده" أي بترك القيام عليه بالخدمة والعلف ونحوهما. وقال في الأولى "فوجده يباع". قوله: "وإن أعطاكه بدرهم" هو مبالغة في رخصه وهو الحامل له على شرائه. قوله: "ولا تعد" في رواية أحمد من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم "ولا تعودن" وسمي شراءه برخص عودا في الصدقة من حيث أن الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة، مع أن العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق فكيف بالمتصدق فيصير راجعا في ذلك المقدار الذي سومح فيه.
" فائدة " أفاد ابن سعد في الطبقات أن اسم هذا الفرس الورد وأنه كان لتميم الداري فأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه لعمر، ولم أقف على اسم الرجل الذي حمله عليه. قوله: "كالعائد في قيئه" استدل به على تحريم ذلك لأن القيء حرام قال القرطبي: وهذا هو الظاهر من سياق الحديث، ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة لكون القيء مما يستقذر وهو قول الأكثر، ويلتحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات. وأما إذا ورثه فلا كراهة. وأبعد من قال يتصدق به. قوله في الطريق الأولى "ولهذا كان ابن عمر لا يترك أن يبتاع شيئا تصدق به إلا جعله صدقة" كذا في رواية أبي ذر، وعلى حرف لا تضبيب ولا أدري ما وجهه. وبإثبات النفي يتم المعنى أي كان

(3/353)


إذا اتفق له أن يشتري شيئا مما تصدق به لا يتركه في ملكه حتى يتصدق به، وكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملكها لا لمن يردها صدقة. وفي الحديث كراهة الرجوع في الصدقة وفضل الحمل في سبيل الله والإعانة على الغزو بكل شيء، وأن الحمل في سبيل الله تمليك وأن للمحمول بيعه والانتفاع بثمنه. وسيأتي تكميل الكلام على هذا الحديث في أبواب الهبة إن شاء الله تعالى.

(3/354)


60 - باب مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ
1491 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ"
قوله: "باب ما يذكر من الصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم وآله" لم يعين الحكم لشهرة الاختلاف فيه. والنظر فيه في ثلاثة مواضع: أولها المراد بالآل هنا بنو هاشم وبنو المطلب على الأرجح من أقوال العلماء وسيأتي دليله في أبواب الخمس في آخر الجهاد قال الشافعي أشركهم النبي صلى الله عليه وسلم في سهم ذوي القربى ولم يعط أحدا من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عوض عوضوه بدلا عما حرموه من الصدقة. وعن أبي حنيفة ومالك بنو هاشم فقط، وعن أحمد في بني المطلب روايتان، وعن المالكية فيما بين هاشم وغالب بن فهر قولان، فعن أصبغ منهم هم بنو قصي وعن غيره بنو غالب بن فهر. ثانيها كان يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفرض والتطوع كما نقل فيه غير واحد منهم الخطابي الإجماع لكن حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولا وكذا في رواية عن أحمد ولفظه في رواية الميموني "لا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته صدقة الفطر وزكاة الأموال والصدقة يصرفها الرجل على محتاج يريد بها وجه الله فأما غير ذلك فلا أليس يقال كل معروف صدقة، قال ابن قدامة ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة وإنما أراد أن ما ليس من صدقة الأموال كالقرض والهدية وفعل المعروف كان غير محرم. قال الماوردي يحرم عليه كل ما كان من الأموال متقوما. وقال غيره لا تحرم عليه الصدقة العامة كمياه الآبار وكالمساجد، وسيأتي دليل تحريم الصدقة مطلقا في اللقطة، واختلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه دون الأنبياء أو كلهم سواء في ذلك. ثالثها هل يلتحق به آله في ذلك أم لا؟ قال ابن قدامة لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة كذا قال، وقد نقل الطبري الجواز أيضا عن أبي حنيفة وقيل عنه يجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربى حكاه الطحاوي ونقله بعض المالكية عن الأبهري منهم، وهو وجه لبعض الشافعية، وعن أبي يوسف يحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم، وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز المنع جواز التطوع دون الفرض عكسه، وأدلة المنع ظاهرة من حديث الباب ومن غيره ولقوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} ولو أحلها لآله لأوشك أن يطعنوا فيه، ولقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الصدقة أوساخ الناس " كما رواه مسلم، ويؤخذ من هذا جواز التطوع دون الفرض وهو قول أكثر الحنفية والمصحح عند الشافعية والحنابلة، وأما عكسه فقالوا أن الواجب حق لازم لا يلحق بأخذه ذلة بخلاف التطوع، ووجه التفرقة بين بني هاشم وغيرهم أن موجب المنع رفع يد الأدنى على الأعلى، فأما الأعلى على مثله فلا، ولم أر لمن أجاز مطلقا دليلا إلا ما تقدم عن أبي حنيفة. قوله: "سمعت أبا هريرة قال أخذ الحسن" في رواية معمر عن محمد بن زياد أنه سمع

(3/354)


أبا هريرة قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم تمرا من تمر الصدقة والحسن في حجره" أخرجه أحمد. قوله: "فجعلها في فيه" زاد أبو مسلم الكجي من طريق الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد "فلم يفطن له النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام ولعابه يسيل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم شدقه "وفي رواية معمر "فلما فرغ حمله على عاتقه فسال لعابه فرفع رأسه فإذا تمرة في فيه" قوله: "كخ" بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة مثقلا ومخففا وبكسر الخاء منونة وغير منونة فيخرج من ذلك ست لغات، والثانية توكيد للأولى، وهي كلمة تقال لردع الصبي عند تناوله ما يستقذر، قيل عربية وقيل أعجمية، وزعم الداودي أنها معربة، وقد أوردها البخاري في "باب من تكلم بالفارسية". قوله: "ليطرحها" زاد مسلم: "ارم بها "وفي رواية حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عند أحمد: "فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة فحرك خده وقال ألقها يا بني ألقها يا بني" ويجمع بين هذا وبين قوله: "كخ كخ" بأنه كلمه أولا بهذا فلما تمادى قال له كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك له، ويحتمل العكس بأن يكون كلمه أولا بذلك فلما تمادى نزعها من فيه. قوله: "أنا لا نأكل الصدقة" في رواية مسلم: "إنا لا تحل لنا الصدقة" وفي رواية معمر "إن الصدقة لا تحل لآل محمد" وكذا عند أحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي نفسه قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر علي جرين من تمر الصدقة فأخذت منه تمرة فألقيتها في في فأخذها بلعابها فقال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" وإسناده قوي. وللطبراني والطحاوي من حديث أبي ليلى الأنصاري نحوه وفي الحديث دفع الصدقات إلى الإمام، والانتفاع بالمسجد في الأمور العامة، وجواز إدخال الأطفال المساجد وتأديبهم بما ينفعهم ومنعهم مما يضرهم ومن تناول المحرمات وإن كانوا غير مكلفين ليتدربوا بذلك. واستنبط بعضهم منه منع ولي الصغيرة إذا اعتدت من الزينة، وفيه الإعلام بسبب النهي ومخاطبة من لا يميز لقصد إسماع من يميز لأن الحسن إذ ذاك كان طفلا، وأما قوله: "أما شعرت" وفي رواية البخاري في الجهاد "أما تعرف" ولمسلم: "أما علمت" فهو شيء يقال عند الأمر الواضح وإن لم يكن المخاطب بذلك عالما أي كيف خفي عليك هذا مع ظهوره، وهو أبلغ في الزجر من قوله لا تفعل، وقد تقدم ذكر بعض فوائده قبل بابين.

(3/355)


61 - باب الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1492 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "وَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنْ الصَّدَقَةِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هَلاَ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا قَالُوا إِنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا"
[الحديث 1492 – أطرافه في: 2221, 5031, 5032]
1493 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلاَءَهَا فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ قَالَتْ وَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ فَقُلْتُ هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ"

(3/355)


قوله: "باب الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" لم يترجم لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا لموالي النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يثبت عنده فيه شيء، وقد نقل ابن بطال أنهن - أي الأزواج - لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء، وفيه نظر فقد ذكر ابن قدامة أن الخلال أخرج من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" قال وهذا يدل على تحريمها. قلت: وإسناده إلى عائشة حسن، أخرجه ابن أبي شيبة أيضا، وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال، وروى أصحاب السنن وصحة الترمذي وابن حبان وغيره عن أبي رافع مرفوعا: "إنا لا تحل لنا الصدقة، وأن موالي القوم من أنفسهم" وبه قال أحمد وأبو حنيفة وبعض المالكية كابن الماجشون، وهو الصحيح عند الشافعية. وقال الجمهور يجوز لهم لأنهم ليسوا منهم حقيقة، ولذلك لم يعوضوا بخمس الخمس، ومنشأ الخلاف قوله: "منهم" أو "من أنفسهم" هل يتناول المساواة في حكم تحريم الصدقة أو لا، وحجة الجمهور أنه لا يتناول جميع الأحكام فلا دليل فيه على تحريم الصدقة، لكنه ورد على سبب الصدقة، وقد اتفقوا على أنه لا يخرج السبب، وإن اختلفوا: هل يخص به أو لا؟ ويمكن أن يستدل لهم بحديث الباب لأنه يدل على جوازها لموالي الأزواج، وقد تقدم أن الأزواج ليسوا في ذلك من جملة الآل فمواليهم أحرى بذلك، قال ابن المنير في الحاشية: إنما أورد البخاري هذه الترجمة ليحقق أن الأزواج لا يدخل مواليهن في الخلاف ولا يحرم عليهن الصدقة قولا واحدا لئلا يظن الظان أنه لما قال بعض الناس بدخول الأزواج في الآل أنه يطرد في مواليهن، فبين أنه لا يطرد.
" تنبيه ": قال الإسماعيلي: هذه الترجمة مستغنى عنها، فإن تسمية المولى لغير فائدة، وإنما هو لسوق الحديث على وجهه فقط. كذا قال وقد علمت ما فيها من الفائدة. حديث ابن عباس في الانتفاع بجلد الشاة لقوله فيه: "أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة" سيأتي الكلام عليه مستوفى في الذبائح إن شاء الله تعالى، ولم أقف على اسم هذه المولاة. حديث عائشة في قصة بريرة وفيه قوله صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي تصدق به عليها "هو لها صدقة ولنا هدية" وسيأتي الكلام عليه مستوفى في العتق إن شاء الله تعالى.

(3/356)


62 - باب إِذَا تَحَوَّلَتْ الصَّدَقَةُ
1494 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقَالَتْ لاَ إِلاَّ شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنْ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا"
1495 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ"
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعَ أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[الحديث 1495 – طرفه في:2577]
قوله: "باب إذا تحولت الصدقة" في رواية أبي ذر "إذا حولت" بضم أوله، أي فقد جاز للهاشمي تناولها. قوله: "حدثنا خالد" هو الحذاء والإسناد كله بصريون. قوله: "هل عندكم شيء" أي من الطعام، وقوله: "نسيبة"

(3/356)


بالنون والمهملة والموحدة مصغر اسم أم عطية. قوله: "من الشاة التي بعثت" بفتح المثناة أي بعثت بها أنت. قوله: "بلغت محلها" أي أنها لما تصرفت فيها بالهدية لصحة ملكها لها انتقلت من حكم الصدقة فحلت محل الهدية وكانت تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف الصدقة كما سيأتي في الهبة، وهذا تقرير ابن بطال بعد أن ضبط محلها بفتح الحاء، وضبطه بعضهم بكسرها من الحلول أي بلغت مستقرها، والأول أولى، وعليه عول البخاري في الترجمة. وهذا نظير قصة بريرة كما سيأتي بسطه في كتاب الهبة. ثم أورد المصنف حديث أنس في قصة بريرة مختصرا وقال بعده "وقال أبو داود أنبأنا شعبة" فذكر الإسناد دون المتن لتصريح قتادة فيه بالسماع. وأبو داود هو الطيالسي، وقد أخرجه في مسنده كذلك ورأيته في النسخة التي وقفت عليها منه معنعنا، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة فصرح بسماع قتادة من أنس أيضا، واستنبط البخاري من قصة بريرة وأم عطية أن للهاشمي أن يأخذ من سهم العاملين إذا عمل على الزكاة، وذلك أنه إنما يأخذ على عمله، قال: فلما حل للهاشمي أن يأخذ ما يملكه بالهدية مما كان صدقة لا بالصدقة كذلك يحل له أخذ ما يملكه بعمله لا بالصدقة. واستدل به أيضا على جواز صدقة التطوع لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم فرقوا أنفسهم وبينه صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم ذلك، بل أخبرهم أن تلك الهدية بعينها خرجت من كونها صدقة بتصرف المتصدق عليه فيها كما تقدم تقريره. والله أعلم.

(3/357)


63 - باب أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ الأَغْنِيَاءِ وَتُرَدَّ فِي الْفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا
1496 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: "إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ"
قوله: "باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا" قال الإسماعيلي: ظاهر حديث الباب أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم. وقال ابن المنير: اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله: "فترد في فقرائهم" لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان فقد وافق عموم الحديث انتهى. والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عدم النقل، وأن الضمير يعود على المخاطبين فيختص بذلك فقراؤهم، لكن رجح ابن دقيق العيد الأول وقال: إنه وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر، فلا تعتبر في الزكاة كما لا تعتبر في الصلاة فلا يختص بهم الحكم وإن اختص بهم خطاب المواجهة انتهى. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها، ولا يبعد أنه اختيار البخاري

(3/357)


لأن قوله حيث كانوا يشعر بأنه لا ينقلها عن بلد وفيه من هو متصف بصفة الاستحقاق. قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك، وزكريا بن إسحاق مكي وكذا من فوقه. قوله: "عن يحيى" في رواية وكيع عن زكريا "حدثني يحيى "أخرجه مسلم. قوله: "عن أبي معبد" في رواية إسماعيل بن أمية "عن يحيى أنه سمع أبا معبد يقول سمعت ابن عباس يقول" أخرجه المصنف في التوحيد. قوله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن" كذا في جميع الطرق، إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيع فقال فيه: "عن ابن عباس عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم" فعلى هذا فهو من مسند معاذ، وظاهر سياق مسلم أن اللفظ مدرج، لكن لم أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وسائر الروايات أنه من مسند ابن عباس فقد أخرجه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع فقال فيه: "عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا" وكذا هو في مسند إسحاق بن إبراهيم وهو ابن راهويه قال: "حدثنا وكيع به" وكذا رواه عن وكيع أحمد في مسنده أخرجه أبو داود عن أحمد، وسيأتي في المظالم عن يحيى بن موسى عن وكيع كذلك، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن محمد بن عبد الله المخرمي وجعفر بن محمد الثعلبي، وللإسماعيلي من طريق أبي خيثمة وموسى بن السدي والدارقطني من طريق يعقوب بن إبراهيم الدورقي وإسحاق بن إبراهيم البغوي كلهم عن وكيع كذلك، فإن ثبتت رواية أبي بكر فهو من مرسل ابن عباس، لكن ليس حضور ابن عباس لذلك ببعيد لأنه كان في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة، وكان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره المصنف في أواخر المغازي، وقيل كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من تبوك رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في الطبقات عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها، واختلف هل كان معاذ واليا أو قاضيا؟ فجزم ابن عبد البر بالثاني والغساني بالأول. قوله: "ستأتي قوما أهل كتاب" هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصهم بالذكر تفضيلا لهم على غيرهم. قوله: "فإذا جئتهم" قيل عبر بلفظ إذا تفاؤلا بحصول الوصول إليهم. قوله: "فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" كذا للأكثر، وقد تقدم في أول الزكاة بلفظ: "وأني رسول الله" كذا في رواية زكريا بن إسحاق لم يختلف عليه فيها، وأما إسماعيل بن أمية ففي رواية روح بن القاسم عنه "فأول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله" وفي رواية الفضل بن العلاء عنه "إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك" ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة، وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه كمن يقول ببنوة عزير أو يعتقد التشبيه فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. واستدل به من قال من العلماء إنه لا يشترط التبري من كل دين يخالف دين الإسلام خلافا لمن قال إن من كان كافرا بشيء وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به،

(3/358)


والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه ودعوى بنوة عزير وغيره فيكتفى بذلك، واستدل به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد بالرسالة وهو قول الجمهور. وقال بعضهم يصير بالأولى مسلما ويطالب بالثانية. وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة. "تنبيهان" أحدهما كان أصل دخول اليهودية في اليمن في زمن أسعد أبي كرب وهو تبع الأصغر كما حكاه ابن إسحاق في أوائل السيرة النبوية. ثانيهما قال ابن العربي في شرح الترمذي: تبرأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن العزير ابن الله وهذا لا يمنع كونه كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك نزل في زمنه واليهود معه بالمدينة وغيرها فلم ينقل عن أحد منهم أنه رد ذلك ولا تعقبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم لا جميعهم بدليل أن القائل من النصارى إن المسيح ابن الله طائفة منهم لا جميعهم فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل وتحول معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية لا الحسية، فسبحان مقلب القلوب. قوله: "فإن هم أطاعوا لك بذلك" أي شهدوا وانقادوا. وفي رواية ابن خزيمة: "فإن هم أجابوا لذلك" وفي رواية الفضل بن العلاء كما تقدم "فإذا عرفوا ذلك" وعدي أطاع باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه معنى انقاد، واستدل به على أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين وإن كانوا يعبدون الله ويظهرون معرفته لكن قال حذاق المتكلمين: ما عرف الله من شبهه بخلقه أو أضاف إليه اليد أو أضاف إليه الولد1 فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به. واستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع حيث دعوا أولا إلى الإيمان فقط، ثم دعوا إلى العمل، ورتب ذلك عليها بالفاء. وأيضا فإن قوله: "فإن هم أطاعوا فاخبرهم" يفهم منه أنهم لو لم يطيعوا لا يجب عليهم شيء، وفيه نظر لأن مفهوم الشرط مختلف في الاحتجاج به، وأجاب بعضهم عن الأول بأنه استدلال ضعيف، لأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب، كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت إحداهما على الأخرى في هذا الحديث ورتبت الأخرى عليها بالفاء، ولا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة إسقاط الزكاة. وقيل الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يقر بالتوحيد ويجحد الصلاة يكفر بذلك فيصير ماله فيئا فلا تنفعه الزكاة، وأما قول الخطابي إن ذكر الصدقة أخر عن ذكر الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم وأنها لا تكرر تكرار الصلاة فهو حسن، وتمامه أن يقال بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة. قوله: "خمس صلوات" استدل به على أن الوتر ليس بفرض وقد تقدم البحث فيه في موضعه. قوله: "فإن هم أطاعوا لك بذلك" قال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها عليهم والتزامهم لها، والثاني أن يكون المراد الطاعة بالفعل، وقد يرجح الأول بأن المذكور هو الإخبار بالفريضة فتعود الإشارة بذلك إليها، ويترجح الثاني بأنهم لو أخبروا بالفريضة فبادروا إلى الامتثال بالفعل لكفى ولم يشترط التلفظ بخلاف الشهادتين، فالشرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب انتهى. والذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه أو بهما فأولى،
ـــــــ
1 لاشك أن من شبه الله بخلقه أو أضاف إليه الولد جاهل به سبحانه ولم يقدره حق قدره, لأنه سبحانه لا شبيه له ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا. وأما إضافة اليد إليه شبحانه فمحل تفصيل, فمن أضافها إليه سبحانه على أنها من جنس أيدي المخلوقين فهو مشبه ضال, وأما من أضافها إليه على الوجه الذي يليق بجلاله من غير أن يشابه خلقه في ذلك فهذا حق, واثباتها لله على هذا الوجه واجب كما نطق به القرآن وصحت به السنة, وهو مذهب أهل السنة, فتنبه. والله الموفق

(3/359)


وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة "فإذا صلوا" وبعد ذكر الزكاة "فإذا أقروا بذلك فخذ منهم" . قوله: " صدقة" زاد في رواية أبي عاصم عن زكريا " في أموالهم" كما تقدم في أول الزكاة. وفي رواية الفضل بن العلاء افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم. قوله: "تؤخذ من أغنيائهم" استدل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منها أخذت منه قهرا. قوله: "على فقرائهم" استدل به لقول مالك وغيره إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد، وفيه بحث كما قال ابن دقيق العيد لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء. وقال الخطابي: وقد يستدل به من لا يرى على المديون زكاة ما في يده إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب لأنه ليس بغني إذا كان إخراج ماله مستحقا لغرمائه. قوله: " فإياك وكرائم أموالهم " كرائم منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره قال ابن قتيبة: ولا يجوز حذف الواو، والكرائم جمع كريمة أي نفيسة، ففيه ترك أخذ خيار المال، والنكتة فيه أن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بمال الأغنياء إلا إن رضوا بذلك كما تقدم البحث فيه. قوله: "واتق دعوة المظلوم" أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم. وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارة إلى أن أخذها ظلم. وقال بعضهم: عطف واتق على عامل إياك المحذوف وجوبا، فالتقدير اتق نفسك أن تتعرض للكرائم. وأشار بالعطف إلى أن أخذ الكرائم ظلم، ولكنه عمم إشارة إلى التحرز عن الظلم مطلقا. قوله: "حجاب" أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا: "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه" وإسناده حسن، وليس المراد أن لله تعالى حجابا يحجبه عن الناس. وقال الطيبي: قوله: "اتق دعوة المظلوم" تذييل لاشتماله على الظلم الخاص من أخذ الكرائم وعلى غيره، وقوله: "فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" تعليل للاتقاء وتمثيل للدعاء، كمن يقصد دار السلطان متظلما فلا يحجب، وسيأتي لهذا مزيد في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. قال ابن العربي: إلا أنه وإن كان مطلقا فهو مقيد بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله. وهذا كما قيد مطلق قوله تعالى: {أم مَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} بقوله تعالى : {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} وفي الحديث أيضا الدعاء إلى التوحيد قبل القتال، وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها، وفيه بعث السعاة لأخذ الزكاة، وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وإيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لعموم قوله: "من أغنيائهم" قاله عياض وفيه بحث، وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير في فقرائهم إلى المسلمين سواء قلنا بخصوص البلد أو العموم، وأن الفقير لا زكاة عليه، وأن من ملك نصابا لا يعطى من الزكاة من حيث أنه جعل المأخوذ منه غنيا وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذة منه فهو غني والغني مانع من إعطاء الزكاة إلا من استثني، قال ابن دقيق العيد: وليس هذا البحث بالشديد القوة، وقد تقدم أنه قول الحنفية. وقال البغوي فيه أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال وفيه نظر أيضا. "تكميل": لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كما تقدم كان في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان. وأجاب الكرماني

(3/360)


بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا في القرآن فمن ثم لم يذكر الصوم والحح في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلا بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضوب، ويحتمل أنه حينئذ لم يكن شرع انتهى. وقال شيخنا شيخ الإسلام: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء كحديث ابن عمر "بني الإسلام على خمس" فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفي بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج كقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ} في موضعين من براءة مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعا، وحديث ابن عمر أيضا: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" وغير ذلك من الأحاديث، قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة: اعتقادي وهو الشهادة، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة. اقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدني محض والحج بدني مالي، وأيضا فكلمة الإسلام هي الأصل وهي شاقة على الكفار والصلوات شاقة لتكررها والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها. والله أعلم.

(3/361)


64 - باب صَلاَةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ، وَقَوْلِهِ [103 التوبة]
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}
1497 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلاَنٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى"
[الحديث 1497 – أطرافه في: 4166, 6323, 6359]
قوله: "باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، وقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} - إلى قوله - {سَكَنٌ لَهُمْ} قال الزين بن المنير: عطف الدعاء على الصلاة في الترجمة ليبين أن لفظ الصلاة ليس محتما بل غيره من الدعاء بنزل منزلته انتهى. ويؤيد عدم الانحصار في لفظ الصلاة ما أخرجه النسائي من حديث وائل بن حجر أنه صلى الله عليه وسلم قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة " اللهم بارك فيه وفي إبله" . وأما استدلاله بالآية لذلك فكأنه فهم من سياق الحديث مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فحمله على امتثال الأمر في قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} . وروى ابن أبي حاتم وغيره بإسناد صحيح عن السدي في قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} قال: ادع لهم. وقال ابن المنير في الحاشية: عبر المصنف في الترجمة بالإمام ليبطل شبهة أهل الردة في قولهم للصديق: إنما قال الله لرسوله {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} وهذا خاص بالرسول فأراد أن يبين أن كل إمام داخل في الخطاب. قوله: "عن عمرو" هو ابن مرة بن عبد الله بن طارق المرادي الكوفي تابعي صغير لم يسمع من الصحابة إلا من ابن أبي أوفى، قال شعبة: كان لا يدلس. قوله: "عن عبد الله" سيأتي في المغازي بلفظ: "سمعت ابن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة". قوله: "قال: اللهم صل على فلان" في رواية غير أبي ذر: على آل فلان. قوله: "على آل أبي أوفى" يريد أبا أوفى نفسه لأن الآل يطلق على ذات الشيء كقوله في قصة أبي موسى "لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود" وقيل: لا يقال ذلك إلا في حق

(3/361)


الرجل الجليل القدر، واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي شهد هو وابنه عبد الله بيعة الرضوان تحت الشجرة وعمر عبد الله إلى أن كان آخر من مات من الصحابة بالكوفة وذلك سنة سبع وثمانين، واستدل به على جواز الصلاة على غير الأنبياء وكرهه مالك والجمهور، قال ابن التين: وهذا الحديث يعكر عليه، وقد قال جماعة من العلماء: يدعو آخذ الصدقة للتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث، وأجاب الخطابي عنه قديما بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعو له، فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه دعاء له بزيادة القربى والزلفى ولذلك كان لا يليق بغيره انتهى. واستدل به على استحباب دعاء آخذ الزكاة لمعطيها، وأوجبه بعض أهل الظاهر وحكاه الحناطي وجها لبعض الشافعية، وتعقب بأنه لو كان واجبا لعلمه النبي صلى الله عليه وسلم السعاة، ولأن سائر ما يأخذه الإمام من الكفارات والديون وغيرهما لا يجب عليه فيها الدعاء فكذلك الزكاة، وأما الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصا به لكون صلاته سكنا لهم بخلاف غيره.

(3/362)


65 - باب مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَيْسَ الْعَنْبَرُ بِرِكَازٍ هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ
وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ الْخُمُسُ فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي الْمَاءِ
1498 - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّ رَجُلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ"
الحديث 1498 – أطرافه في: 2063, 2291, 2404, 2430, 2734, 6261]
قوله: "باب ما يستخرج من البحر" أي هل تجب فيه الزكاة أو لا؟ وإطلاق الاستخراج أعم من أن يكون بسهولة كما يوجد في الساحل، أو بصعوبة كما يوجد بعد الغوص ونحوه. قوله: "وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس العنبر بركاز، إنما هو شيء دسره البحر" اختلف في العنبر فقال الشافعي في كتاب السلم من الأم: أخبرني عدد ممن أثق بخبره أنه نبات يخلقه الله في جنبات البحر، قال: وقيل إنه يأكله حوت فيموت فيلقيه البحر فيؤخذ فيشق بطنه فيخرج منه. وحكى ابن رستم عن محمد بن الحسن أنه ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر، وقيل هو شجر ينبت في البحر فيتكسر فيلقيه الموج إلى الساحل، وقيل يخرج من عين قاله ابن سينا، قال: وما يحكى من أنه روث دابة أو قيؤها أو من زبد البحر بعيد. وقال ابن البيطار في جامعه: هو روث دابة بحرية، وقيل هو شيء ينبت في قعر البحر، ثم حكي نحو ما تقدم عن الشافعي. وأما الركاز فبكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي سيأتي تحقيقه في الباب الذي بعده، ودسره أي دفعه ورمى به إلى الساحل، وهذا التعليق وصله الشافعي قال: "أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أذينة عن ابن عباس" فذكر مثله. وأخرجه البيهقي من طريقه ومن طريق يعقوب بن سفيان "حدثنا الحميدي وغيره عن ابن عيينة" وصرح فيه بسماع أذينة له من ابن عباس، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه

(3/362)


عن وكيع عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار مثله، وأذينة بمعجمة ونون مصغر تابعي ثقة. وقد جاء عن ابن عباس التوقف فيه فأخرج ابن أبي شيبة من طريق طاوس قال: "سئل ابن عباس عن العنبر فقال: إن كان فيه شيء ففيه الخمس" ويجمع بين القولين بأنه كان يشك فيه، ثم تبين له أن لا زكاة فيه فجزم بذلك. قوله: "وقال الحسن: في العنبر واللؤلؤ الخمس" وصله أبو عبيد في "كتاب الأموال" من طريقه بلفظ: "أنه كان يقول في العنبر الخمس، وكذلك اللؤلؤ". قوله: "فإنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم إلخ" سيأتي موصولا في الذي بعده، وأراد بذلك الرد على ما قال الحسن، لأن الذي يستخرج من البحر لا يسمى في لغة العرب ركازا على ما سيأتي شرحه، قال ابن القصار: ومفهوم الحديث أن غير الركاز لا خمس فيه ولا سيما اللؤلؤ والعنبر لأنهما يتولدان من حيوان البحر فأشبها السمك. انتهى. قوله: "وقال الليث إلخ" هكذا أورده مختصرا، وقد أورده ثم وصله في البيوع، وسيأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى. ووقع هنا في روايتنا من طريق أبي ذر معلقا، ووصله أبو ذر فقال: "حدثنا علي بن وصيف حدثنا محمد بن غسان حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث به" وقرأت بخط الحافظ أبي علي الصدفي هذا الحديث رواه عاصم بن علي عن الليث، فلعل البخاري إنما لم يسنده عنه لكونه ما سمعه منه، أو لأنه تفرد به فلم يوافقه عليه أحد انتهى. والأول بعيد، سلمنا، لكن لم ينفرد به عاصم فقد اعترف أبو علي بذلك فقال في آخر كلامه "رواه محمد بن رمح عن الليث". قلت: وكأنه لم يقف على الموضع الذي وصله فيه البخاري عن عبد الله بن صالح وبالله التوفيق. قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث شيء يناسب الترجمة، رجل اقترض قرضا فارتجع قرضه، وكذا قال الداودي: حديث الخشبة ليس من هذا الباب في شيء، وأجاب أبو عبد الملك بأنه أشار به إلى أن كل ما ألقاه البحر جاز أخذه ولا خمس فيه. وقال ابن المنير موضع الاستشهاد منه أخذ الرجل الخشبة على أنها حطب، فإذا قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا فيستفاد منه إباحة ما يلفظه البحر من مثل ذلك مما نشأ في البحر أو عطب فانقطع ملك صاحبه، وكذلك ما لم يتقدم عليه ملك لأحد من باب الأولى، وكذلك ما يحتاج إلى معاناة وتعب في استخراجه أيضا، وقد فرق الأوزاعي بين ما يوجد في الساحل فيخمس أو في البحر بالغوص أو نحوه فلا شيء فيه، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب فيه شيء إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز كما أخرجه ابن أبي شيبة وكذا الزهري والحسن كما تقدم وهو قول أبي يوسف ورواية عن أحمد.

(3/363)


66 - باب فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ الرِّكَازُ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الْخُمُسُ وَلَيْسَ الْمَعْدِنُ بِرِكَازٍ وَقَدْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فِي الْمَعْدِنِ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ" وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ الْمَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً وَقَالَ الْحَسَنُ مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَفِيهِ الْخُمُسُ وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ وَجَدْتَ اللُّقَطَةَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَعَرِّفْهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْعَدُوِّ فَفِيهَا الْخُمُسُ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ الْمَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ أَرْكَزَ الْمَعْدِنُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ قِيلَ لَهُ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ أَرْكَزْتَ ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ لاَ بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلاَ يُؤَدِّيَ الْخُمُسَ

(3/363)


1499 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال " الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ"
قوله: "باب في الركاز الخمس" الركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي المال المدفون مأخوذ من الركز بفتح الراء يقال ركزه يركزه ركزا إذا دفنه فهو مركوز، وهذا متفق عليه، واختلف في المعدن كما سيأتي. قوله: "وقال مالك وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية إلخ" أما قول مالك فرواه أبو عبيد في "كتاب الأموال" حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير عن مالك قال: المعدن بمنزلة الزرع، تؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الزرع حتى يحصد، قال: وهذا ليس بركاز إنما الركاز دفن الجاهلية الذي يؤخذ من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كثير عمل انتهى.وهكذا هو في سماعنا من "الموطأ" رواية يحيى بن بكير، لكن قال فيه: "عن مالك عن بعض أهل العلم" وأما قوله: "في قليله وكثيره الخمس" فنقله ابن المنذر عنه كذلك وفيه عند أصحابه عنه اختلاف، وقوله: "دفن الجاهلية" بكسر الدال وسكون الفاء الشيء المدفون كذبح بمعنى مذبوح، وأما بالفتح فهو المصدر ولا يراد هنا. وأما ابن إدريس فقال ابن التين قال أبو ذر: يقال أن ابن إدريس هو الشافعي، ويقال عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي وهو أشبه، كذا قال، وقد جزم أبو زيد المروزي أحد الرواة عن الفربري بأنه الشافعي، وتابعه البيهقي وجمهور الأئمة، ويؤيده أن ذلك وجد في عبارة الشافعي دون الأودي، فروى البيهقي في "المعرفة" من طريق الربيع قال قال الشافعي: والركاز الذي فيه الخمس دفن الجاهلية ما وجد في غير ملك لأحد، وأما قوله: "في قليله وكثيره الخمس" فهو قوله في القديم كما نقله ابن المنذر واختاره، وأما الجديد فقال: لا يجب فيه الخمس حتى يبلغ نصاب الزكاة، والأول قول الجمهور كما نقله ابن المنذر أيضا وهو مقتضى ظاهر الحديث. قوله: "وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "في المعدن جبار وفي الركاز الخمس" أي فغاير بينهما، وهذا وصله في آخر الباب من حديث أبي هريرة، ويأتي الكلام عليه. قوله: "وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل مائتين خمسة" وصله أبو عبيد في "كتاب الأموال" من طريق الثوري عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم نحوه، وروى البيهقي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن عمر بن عبد العزيز جعل المعدن بمنزلة الركاز يؤخذ منه الخمس، ثم عقب بكتاب آخر فجعل فيه الزكاة. قوله: "وقال الحسن: ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس، وما كان في أرض السلم ففيه الزكاة" وصله ابن أبي شيبة من طريق عاصم الأحول عنه بلفظ: "إذا وجد الكنز في أرض العدو ففيه الخمس، وإذا وجد في أرض العرب ففيه الزكاة" قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدا فرق هذه التفرقة غير الحسن. قوله: "وإن وجدت اللقطة في أرض العدو فعرفها وإن كانت من العدو ففيها الخمس" لم أقف عليه موصولا وهو بمعنى ما تقدم عنه قوله: "وقال بعض الناس: المعدن ركاز إلخ" قال ابن التين: المراد ببعض الناس أبو حنيفة. قلت: وهذا أول موضع ذكره فيه البخاري بهذه الصيغة، ويحتمل أن يريد به أبا حنيفة وغيره من الكوفيين ممن قال بذلك، قال ابن بطال: ذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما إلى أن المعدن كالركاز، واحتج لهم بقول العرب: أركز الرجل إذا أصاب ركازا، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن. والحجة للجمهور تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم بين المعدن والركاز بواو العطف

(3/364)


فصح أنه غيره، قال وما ألزم به البخاري القائل المذكور قد يقال لمن وهب له الشيء أو ربح ربحا كثيرا أو كثر ثمره: أركزت حجة بالغة، لأنه لا يلزم من الاشتراك في الأسماء الاشتراك في المعنى، إلا إن أوجب ذلك من يجب التسليم له، وقد أجمعوا على أن المال الموهوب لا يجب فيه الخمس، وإن كان يقال له أركز فكذلك المعدن. وأما قوله: "ثم ناقض" إلى آخر كلامه فليس كما قال، وإنما أجاز له أبو حنيفة أن يكتمه إذا كان محتاجا، بمعنى أنه يتأول أن له حقا في بيت المال ونصيبا في الفيء فأجاز له أن يأخذ الخمس لنفسه عوضا عن ذلك لا أنه أسقط الخمس عن المعدن اهـ. وقد نقل الطحاوي المسألة التي ذكرها ابن بطال ونقل أيضا أنه لو وجد في داره معدنا فليس عليه شيء، وبهذا يتجه اعتراض البخاري. والفرق بين المعدن والركاز في الوجوب وعدمه أن المعدن يحتاج إلى عمل ومئونة ومعالجة لاستخراجه بخلاف الركاز، وقد جرت عادة الشرع أن ما غلظت مؤونته خفف عنه في قدر الزكاة وما خفت زيد فيه. وقيل إنما جعل في الركاز الخمس لأنه مال كافر فنزل من وجده منزلة الغنائم فكان له أربعة أخماسه. وقال الزين بن المنير: كأن الركاز مأخوذ من أركزته في الأرض إذا غرزته فيها، وأما المعدن فإنه ينبت في الأرض بغير وضع واضع. هذه حقيقتهما، فإذا افترقا في أصلهما فكذلك في حكمهما. قوله: "العجماء جبار" في رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة "العجماء عقلها جبار" وسيأتي في الديات مع الكلام عليه إن شاء الله تعالى، وسميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم. قوله: "والمعدن جبار" أي هدر، وليس المراد أنه لا زكاة فيه، إنما المعنى أن من استأجر رجلا للعمل في معدن مثلا فهلك فهو هدر ولا شيء على من استأجره، وسيأتي بسطه في الديات. قوله: "وفي الركاز الخمس" قد تقدم ذكر الاختلاف في الركاز، وأن الجمهور ذهبوا إلى أنه المال المدفون، لكن حصره الشافعية فيما يوجد في الموات، بخلاف ما إذا وجده في طريق مسلوك أو مسجد فهو لقطة، وإذا وجده في أرض مملوكة فإن كان المالك الذي وجده فهو له، وإن كان غيره فإن ادعاه المالك فهو له وإلا فهو لمن تلقاه عنه إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيا تلك الأرض، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العبد: من قال من الفقهاء بأن في الركاز الخمس إما مطلقا أو في أكثر الصور فهو أقرب إلى الحديث، وخصه الشافعي أيضا بالذهب والفضة. وقال الجمهور: لا يختص، واختاره ابن المنذر. واختلفوا في مصرفه فقال مالك وأبو حنيفة والجمهور: مصرفه مصرف خمس الفيء، وهو اختيار المزني. وقال الشافعي في أصح قوليه: مصرفه مصرف الزكاة. وعن أحمد روايتان. وينبني على ذلك ما إذا وجده ذمي فعند الجمهور يخرج منه الخمس وعند الشافعي لا يؤخذ منه شيء، واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول بل يجب إخراج الخمس في الحال. وأغرب ابن العربي في "شرح الترمذي" فحكى عن الشافعي الاشتراط، ولا يعرف ذلك في شيء من كتبه ولا من كتب أصحابه.

(3/365)


باب قوله تعالى: {والعاملين عليها} ومحاسبة المصدقين مع الإمام
...
67 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى[60 التوبة] {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} وَمُحَاسَبَةِ الْمُصَدِّقِينَ مَعَ الإِمَامِ
1500 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلاً مِنْ الأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ"
قوله: "باب قول الله تعالى {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} ومحاسبة المصدقين مع الإمام" قال ابن بطال: اتفق العلماء على

(3/365)


أن العاملين عليها السعاة المتولون لقبض الصدقة. وقال المهلب: حديث الباب أصل في محاسبة المؤتمن، وأن المحاسبة تصحيح أمانته. وقال ابن المنير في الحاشية: يحتمل أن يكون العامل المذكور صرف شيئا من الزكاة في مصارفه فحوسب على الحاصل والمصروف. قلت: والذي يظهر من مجموع الطرق أن سبب مطالبته بالمحاسبة ما وجد معه من جنس مال الصدقة وادعى أنه أهدي إليه. حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية وفيه: "فلما جاء حاسبه" سيأتي الكلام عليه حيث ذكره المصنف مستوفى في الأحكام إن شاء الله تعالى. وابن اللتبية المذكور اسمه عبد الله فيما ذكر ابن سعد وغيره، ولم أعرف اسم أمه. وقوله: "على صدقات بني سليم" أفاد العسكري بأنه بعث على صدقات بني ذبيان، فلعله كان على القبيلتين. واللتبية بضم اللام وسكون المثناة بعدها موحدة من بني لتب حي من الأزد قاله ابن دريد، قيل إنها كانت أمه فعرف بها، وقيل اللتبية بفتح اللام والمثناة.

(3/366)


68 - باب اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ
1501 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَعَضُّونَ الْحِجَارَةَ" . تَابَعَهُ أَبُو قِلاَبَةَ وَحُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ
قوله: "باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل" قال ابن بطال: غرض المصنف في هذا الباب إثبات وضع الصدقة في صنف واحد خلافا لمن قال يجب استيعاب الأصناف الثمانية، وفيما قال نظر لاحتمال أن يكون ما أباح لهم من الانتفاع إلا بما هو قدر حصتهم. على أنه ليس في الخبر أيضا أنه ملكهم رقابها، وإنما فيه أنه أباح لهم شرب ألبان الإبل للتداوي، فاستنبط منه البخاري جواز استعمالها في بقية المنافع إذ لا فرق، وأما تمليك رقابها فلم يقع، وتقدير الترجمة استعمال إبل الصدقة وشرب ألبانها، فاكتفى عن التصريح بالشرب لوضوحه، فغاية ما يفهم من حديث الباب أن للإمام أن يخص بمنفعة مال الزكاة - دون الرقبة - صنفا دون صنف بحسب الاحتياج، على أنه ليس في الخبر أيضا تصريح بأنه لم يصرف من ذلك شيئا لغير العرنيين، فليست الدلالة منه لذلك بظاهرة أصلا بخلاف ما ادعى ابن بطال أنه حجة قاطعة. قوله: "تابعه أبو قلابة وحميد وثابت عن أنس" أما متابعة أبي قلابة فتقدمت في الطهارة، وأما متابعة حميد فوصلها مسلم والنسائي وابن خزيمة، وأما متابعة ثابت فوصلها المصنف في الطب. وقد سبق الكلام على الحديث مستوفى في كتاب الطهارة.

(3/366)


69 - باب وَسْمِ الإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ
1502 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ"
[الحديث 1502 – طرفاه في: 5542, 5824]

(3/366)


70 - باب فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَرَأَى أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرِيضَةً
1503 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ"
[الحديث 1503 – أطرافه في: 1504, 1507, 1509, 1511, 1512]
قوله: "باب فرض صدقة الفطر" كذا للمستملي، واقتصر الباقون على "باب" وما بعده، ولأبي نعيم "كتاب" بدل باب، وأضيفت الصدقة للفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان. وقال ابن قتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس، مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة. والأول أظهر. ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث كما سيأتي "زكاة الفطر من رمضان". قوله: "ورأى أبو العالية وعطاء وابن سيرين صدقة الفطر فريضة" وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، ووصله ابن أبي شيبة من طريق عاصم الأحول عن الآخرين. وإنما اقتصر البخاري على ذكر هؤلاء الثلاثة لكونهم صرحوا بفرضيتها، وإلا فقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، لكن الحنفية

(3/367)


يقولون بالوجوب دون الفرض على قاعدتهم في التفرقة. وفي نقل الإجماع مع ذلك نظر لأن إبراهيم بن علية وأبا بكر بن كيسان الأصم قالا إن وجوبها نسخ، واستدل لهما بما روى النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله" وتعقب بأن في إسناده راويا مجهولا، وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر. ونقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية، وأولوا قوله: "فرض" في الحديث بمعنى قدر، قال ابن دقيق العيد: هو أصله في اللغة، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب فالحمل عليه أولى انتهى. ويؤيده تسميتها زكاة، وقوله في الحديث: "على كل حر وعبد" والتصريح بالأمر بها في حديث قيس بن سعد وغيره، ولدخولها في عموم قوله تعالى {وَآتُوا الزَّكَاةَ} فبين صلى الله عليه وسلم تفاصيل ذلك ومن جملتها زكاة الفطر. وقال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} وثبت أنها نزلت في زكاة الفطر، وثبت في الصحيحين إثبات حقيقة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات، قيل وفيه نظر لأن في الآية {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} فيلزم وجوب صلاة العيد، ويجاب بأنه خرج بدليل عموم "هن خمس لا يبدل القول لدي". قوله: "حدثنا محمد بن جهضم" بالجيم والضاد المعجمة وزن جعفر، وعمر بن نافع هو مولى ابن عمر ثقة ليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في النهي عن القزع. قوله: "زكاة الفطر" زاد مسلم من رواية مالك عن نافع "من رمضان" واستدل به على أن وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر لأنه وقت الفطر من رمضان، وقيل وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد لأن الليل ليس محلا للصوم، وإنما يتبين الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر، والأول قول الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك، والثاني قول أبي حنيفة والليث والشافعي في القديم والرواية الثانية عن مالك، ويقويه قوله في حديث الباب: "وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" قال المازري: قيل إن الخلاف ينبني على أن قوله: "الفطر من رمضان" الفطر المعتاد في سائر الشهر فيكون الوجوب بالغروب، أو الفطر الطارئ بعد فيكون بطلوع الفجر. وقال ابن دقيق العيد الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيف لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، وأما وقت الوجوب فيطلب من أمر آخر، وسيأتي شيء من ذلك في "باب الصدقة قبل العيد". قوله: "صاعا من تمر أو صاعا من شعير" انتصب "صاعا" على التمييز أو أنه مفعول ثان، ولم تختلف الطرق عن ابن عمر في الاقتصار على هذين الشيئين إلا ما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق عبد العزيز بن أبي داود عن نافع فزاد فيه السلت والزبيب، فأما السلت فهو بضم المهملة وسكون اللام بعدها مثناة: نوع من الشعير، وأما الزبيب فسيأتي ذكره في حديث أبي سعيد، وأما حديث ابن عمر فقد حكم مسلم في كتاب التمييز على عبد العزيز فيه بالوهم، وسنذكر البحث في ذلك في الكلام على حديث أبي سعيد. قوله: "على العبد والحر" ظاهره إخراج العبد عن نفسه ولم يقل به إلا داود فقال: يجب على السيد أن يمكن العبد من الاكتساب لها كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة، وخالفه أصحابه والناس واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعا: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر" أخرجه مسلم. وفي رواية له " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة الفطر في الرقيق" وقد تقدم من عند البخاري قريبا بغير الاستثناء، ومقتضاه أنها على السيد، وهل تجب عليه ابتداء

(3/368)


أو تجب على العبد ثم يتحملها السيد؟ وجهان للشافعية، وإلى الثاني نحا البخاري كما سيأتي في الترجمة التي تلي هذه. قوله: "والذكر والأنثى" ظاهره وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا وبه قال الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر. وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق تجب على زوجها إلحاقا بالنفقة، وفيه نظر لأنهم قالوا إن أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا، واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه، وإنما احتج الشافعي بما رواه من طريق محمد بن علي الباقر مرسلا نحو حديث ابن عمر وزاد فيه: "ممن تمونون" وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في إسناده ذكر علي وهو منقطع أيضا. وأخرجه من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف أيضا. قوله: "والصغير والكبير" ظاهره وجوبها على الصغير، لكن المخاطب عنه وليه فوجوبها على هذا في مال الصغير وإلا فعلى من تلزمه نفقته وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقا فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه، وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري لا تجب إلا على من صام، واستدل لهما بحديث ابن عباس مرفوعا: "صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث" أخرجه أبو داود. وأجيب بأن ذكر التطهير خرج على الغالب كما أنها تجب على من لم يذنب كمتحقق الصلاح أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة، ونقل ابن المنذر الإجماع على أنها لا تجب على الجنين قال: وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه، ونقل بعض الحنابلة رواية عنه بالإيجاب، وبه قال ابن حزم لكن قيده بمائة وعشرين يوما من يوم حمل أمه به، وتعقب بأن الحمل غير محقق وبأنه لا يسمى صغيرا لغة ولا عرفا، واستدل بقوله في حديث ابن عباس "طهرة للصائم" على أنها تجب على الفقير كما تجب على الغني، وقد ورد ذلك صريحا في حديث أبي هريرة عند أحمد وفي حديث ثعلبة بن أبي صعير عند الدارقطني، وعن الحنفية لا تجب إلا على من ملك نصابا، ومقتضاه أنها لا تجب على الفقير على قاعدتهم في الفرق بين الغني والفقير واستدل لهم بحديث أبي هريرة المتقدم "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" واشترط الشافعي ومن تبعه أن يكون ذلك فاضلا عن قوت يومه ومن تلزمه نفقته. وقال ابن بزيزة: لم يدل دليل على اعتبار النصاب فيها لأنها زكاة بدنية لا مالية. قوله: "من المسلمين" فيه رد على من زعم أن مالكا تفرد بها، وسيأتي بسط ذلك في الأبواب التي بعده. قوله: "وأمر بها إلخ" استدل بها على كراهة تأخيرها عن ذلك، وحمله ابن حزم على التحريم، وسيأتي البحث في ذلك بعد أبواب.

(3/369)


71 - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
1504 - حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين"
قوله: "باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين" ظاهره أنه يرى أنها تجب على العبد وإن كان سيده يتحملها عنه، ويؤيده عطف الصغير عليه فإنها تجب علبه وإن كان الذي يخرجها غيره. قوله: "من المسلمين" قال ابن عبد البر: لم تختلف الرواة عن مالك في هذه الزيادة، إلا أن قتيبة بن سعيد رواه عن مالك بدونها، وأطلق أبو قلابة الرقاشي ومحمد بن وضاح وابن الصلاح ومن تبعه أن مالكا تفرد بها دون أصحاب نافع، وهو متعقب برواية عمر بن نافع

(3/369)


المذكورة في الباب الذي قبله، وكذا أخرجه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع بهذه الزيادة. وقال أبو عوانة في صحيحه: لم يقل فيه: "من المسلمين" غير مالك والضحاك ورواية عمر بن نافع ترد عليه أيضا. وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق مالك وعمر بن نافع: رواه عبد الله العمري عن نافع فقال: "على كل مسلم" ورواه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع فقال فيه: "من المسلمين"، والمشهور عن عبيد الله ليس فيه: "من المسلمين" انتهى. وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق سعيد بن عبد الرحمن المذكورة. وأخرج الدارقطني وابن الجارود طريق عبد الله العمري؛ وقال الترمذي في "الجامع" بعد رواية مالك: رواه غير واحد عن نافع ولم يذكر فيه من المسلمين. وقال في "العلل" التي في آخر الجامع: روى أيوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع ولم يذكر فيه من المسلمين، وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه انتهى. وهذه العبارة أولى من عبارته الأولى، ولكن لا يدري من عنى بذلك. وقال النووي في شرح مسلم: رواه ثقتان غير مالك عمر بن نافع والضحاك انتهى. وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما منهم كثير بن فرقد عند الطحاوي والدارقطني والحاكم ويونس بن يزيد عند الطحاوي والمعلى بن إسماعيل عند ابن حبان في صحيحه وابن أبي ليلى عند الدارقطني أخرجه من طريق عبد الرزاق عن الثوري عن ابن أبي ليلى وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع، وهذه الطريق ترد على أبي داود في إشارته إلى أن سعيد بن عبد الرحمن تفرد بها عن عبيد الله بن عمر، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله، وقد اختلف فيه على أيوب أيضا كما اختلف على عبيد الله بن عمر: فذكر ابن عبد البر أن أحمد بن خالد ذكر عن بعض شيوخه عن يوسف القاضي عن سليمان بن حرب عن حماد عن أيوب فذكر فيه: "من المسلمين" قال ابن عبد البر: وهو خطأ والمحفوظ فيه عن أيوب ليس فيه من المسلمين انتهى. وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عبد الله بن شوذب عن أيوب وقال فيه أيضا: "من المسلمين". وذكر شيخنا سراج الدين بن الملقن في شرحه تبعا لمغلطاي أن البيهقي أخرجه من طريق أيوب بن موسى وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد ثلاثتهم عن نافع وفيه الزيادة، وقد تتبعت تصانيف البيهقي فلم أجد فيها هذه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة. وفي الجملة ليس فيمن روى هذه الزيادة أحد مثل مالك، لأنه لم يتفق على أيوب وعبيد الله في زيادتها، وليس في الباقين مثل يونس، لكن في الراوي عنه وهو يحيى بن أيوب مقال. واستدل بهذه الزيادة على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر ومقتضاه أنها لا تجب على الكافر عن نفسه وهو أمر متفق عليه، وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة مثلا؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعية ورواية عن أحمد. وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ قال الجمهور: لا، خلافا لعطاء والنخعي والثوري والحنفية وإسحاق، واستدلوا بعموم قوله: "ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر" وقد تقدم. وأجاب الآخرون بأن الخاص يقضي على العام، فعموم قوله: "في عبده" مخصوص بقوله: "من المسلمين" وقال الطحاوي قوله من المسلمين صفة للمخرجين لا للمخرج عنهم، وظاهر الحديث يأباه لأن فيه العبد وكذا الصغير في رواية عمر بن نافع وهما ممن يخرج عنه، فدل على أن صفة الإسلام لا تختص بالمخرجين، ويؤيده رواية الضحاك عند مسلم بلفظ: "على كل نفس من المسلمين حر أو عبد" الحديث وقال القرطبي: ظاهر الحديث أنه قصد بيان مقدار الصدقة ومن تجب عليه ولم يقصد فيه بيان من يخرجها

(3/370)


عن نفسه ممن يخرجها عن غيره بل شمل الجميع. ويؤيده حديث أبي سعيد الآتي فإنه دال على أنهم كانوا يخرجون عن أنفسهم وعن غيرهم لقوله فيه: "عن كل صغير وكبير" لكن لا بد من أن يكون بين المخرج وبين الغير ملابسة كما بين الصغير ووليه والعبد وسيده والمرأة وزوجها. وقال الطيبي: قوله من المسلمين حال من العبد وما عطف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة أنها جاءت مزدوجة على التضاد للاستيعاب لا للتخصيص، فيكون المعنى فرض على جميع الناس من المسلمين، وأما كونها فيم وجبت وعلى من وجبت؟ فيعلم من نصوص أخرى انتهى. ونقل ابن المنذر أن بعضهم احتج بما أخرجه من حديث ابن إسحاق "حدثني نافع أن ابن عمر كان يخرج عن أهل بيته حرهم وعبدهم صغيرهم وكبيرهم مسلمهم وكافرهم من الرقيق" قال: وابن عمر راوي الحديث، وقد كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث. وتعقب بأنه لو صح حمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعا ولا مانع منه واستدل بعموم قوله من المسلمين على تناولها لأهل البادية خلافا للزهري وربيعة والليث في قولهم إن زكاة الفطر تختص بالحاضرة، وسنذكر بقية ما يتعلق بزكاة الفطر عن العبيد في أواخر أبواب صدقة الفطر إن شاء الله تعالى.

(3/371)


باب صاع من شعير
...
72 - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ
1505 - حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد رضي الله عنه قال "كنا نطعم الصدقة صاعا من شعير"
[الحديث 1505 – أطرافه في: 1506, 1508, 1510]
قوله: "باب صدقة الفطر صاع من شعير" أورد فيه حديث أبي سعيد مختصرا من رواية سفيان وهو الثوري، وسيأتي بعد بابين من وجه آخر عنه تاما، وقد أخرجه ابن خزيمة عن الزعفراني عن قبيصة شيخ البخاري فيه تاما وقوله فيه: "كنا نطعم الصدقة" اللام للعهد عن صدقة الفطر.

(3/371)


باب صدقة الفطر صاعا من طعام
...
73 - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ
1506 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ"
قوله: "باب صدقة الفطر صاع من طعام" في رواية غير أبي ذر "صاعا" بالنصب، ووجه الرفع ظاهر على أنه الخبر، وأما النصب فبتقدير فعل الإخراج، أي باب إخراج صدقة الفطر صاعا من طعام، أو على أنه خبر كان الذي حذف أو ذكر على سبيل الحكاية مما في لفظ الحديث. قوله: "صاعا من طعام أو صاعا من شعير" ظاهره أن الطعام غير الشعير وما ذكر معه، وسيأتي البحث فيه بعد باب.

(3/371)


74 - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ
1507 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ

(3/371)


75 - باب صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ
1508 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَكِيمٍ الْعَدَنِيَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ قَالَ أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ"
قوله: "باب صاع من زبيب" أي إجزائه، وكأن البخاري أراد بتفريق هذه التراجم الإشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع، إلا أنه لم يذكر الأقط وهو ثابت في حديث أبي سعيد، وكأنه لا يراه مجزئا في حال وجدان غيره كقول أحمد، وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك أو لم يقدر على غيره، وظاهر الحديث يخالفه، وعند الشافعية فيه خلاف، وزعم الماوردي أنه يختص بأهل البادية وأما الحاضرة فلا يجزئ عنهم

(3/372)


بلا خلاف، وتعقبه النووي في "شرح المهذب" وقال: قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع. قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري. قوله: "عن أبي سعيد" تقدم في رواية مالك بلفظ: "أنه سمع أبا سعيد". قوله: "كنا نعطيها" أي زكاة الفطر. قوله: "في زمان النبي صلى الله عليه وسلم" هذا حكمه الرفع لإضافته إلى زمنه صلى الله عليه وسلم ففيه إشعار باطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك وتقريره له ولا سيما في هذه الصورة التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره وهو الآمر بقبضها وتفرقتها. قوله: "صاعا من طعام أو صاعا من تمر" هذا يقتضي المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده، وقد حكى الخطابي أن المراد بالطعام هنا الحنطة وأنه اسم خاص به قال: ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات والحنطة أعلاها فلولا أنه أرادها بذلك لكان ذكرها عند التفصيل كغيرها من الأقوات ولا سيما حيث عطفت عليها بحرف "أو" الفاصلة. وقال هو وغيره: وقد كانت لفظة "الطعام" تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه، لأن ما غلب استعمال اللفظ فيه كان خطوره عند الإطلاق أقرب انتهى. وقد رد ذلك ابن المنذر وقال: ظن بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد "صاعا من طعام" حجة لمن قال صاعا من حنطة، وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره، ثم أورد طريق حفص بن ميسرة المذكورة في الباب الذي يلي هذا وهي ظاهرة فيما قال ولفظه: "كنا نخرج صاعا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر" وأخرج الطحاوي نحوه من طريق أخرى عن عياض وقال فيه: "ولا يخرج غيره" قال وفي قوله: "فلما جاء معاوية وجاءت السمراء" دليل على أنها لم تكن قوتا لهم قبل هذا، فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتا فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودا؟ انتهى كلامه. وأخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيد وذكروا عنده صدقة رمضان فقال: "لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح، فقال: لا تلك قيمة معاوية مطوية لا أقبلها ولا أعمل بها" قال ابن خزيمة ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم، وقوله: "فقال رجل إلخ" دال على أن ذكر الحنطة في أول القصة خطأ إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا لما كان الرجل يقول له: أو مدين من قمح، وقد أشار أبو داود إلى رواية ابن إسحاق هذه وقال: إن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ، وذكر أن معاوية بن هشام روى في هذا الحديث عن سفيان "نصف صاع من بر" وهو وهم وإن ابن عيينة حدث به عن ابن عجلان عن عياض فزاد فيه: "أو صاعا من دقيق" وأنهم أنكروا عليه فتركه، قال أبو داود: وذكر الدقيق وهم من ابن عيينة. وأخرج ابن خزيمة أيضا من طريق فضيل ابن غزوان عن نافع عن ابن عمر قال: "لم تكن الصدقة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة" ولمسلم من وجه آخر عن عياض عن أبي سعيد "كنا نخرج من ثلاثة أصناف: صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من شعير" وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة. وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة، فيحتمل أن تكون الذرة فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن وهي قوت غالب لهم. وقد روى الجوزقي من طريق ابن عجلان عن عياض في حديث أبي سعيد "صاعا من تمر، صاعا من سلت أو ذرة" وقال الكرماني: يحتمل أن يكون قوله: "صاعا من شعير إلخ" بعد قوله

(3/373)


"صاعا من طعام" من باب عطف الخاص على العام، لكن محل العطف أن يكون الخاص أشرف، وليس الأمر هنا كذلك. وقال ابن المنذر أيضا: لا نعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم. ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح انتهى. وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية، لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة خلافا للطحاوي. وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنس كان، فلا فرق بين الحنطة وغيرها. هذه حجة الشافعي ومن تبعه، وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناء منه على أن قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كل زمان فيختلف الحال ولا ينضبط، وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة، ويدل على أنهم لحظوا ذلك ما روى جعفر الفريابي في "كتاب صدقة الفطر" أن ابن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر وبين لهم أنها صاع من تمر، إلى أن قال: أو نصف صاع من بر. قال: فلما جاء علي ورأى رخص أسعارهم قال: اجعلوها صاعا من كل، فدل على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيد إلى الكيل كما سيأتي. ومن عجيب تأويله قوله: أن أبا سعيد ما كان يعرف القمح في الفطرة، وإن الخبر الذي جاء فيه أنه كان يخرج صاعا أنه كان يخرج النصف الثاني تطوعا، وأن قوله في حديث ابن عمر "فجعل الناس عدله مدين من حنطة" أن المراد بالناس الصحابة، فيكون إجماعا. وكذا قوله في حديث سعيد عند أبي داود "فأخذ الناس بذلك" وأما قول الطحاوي: إن أبا سعيد كان يخرج النصف الآخر تطوعا فلا يخفى تكلفه. والله أعلم. قوله: "فلما جاء معاوية" زاد مسلم في روايته: "فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجا أو معتمرا فكلم الناس على المنبر" وزاد ابن خزيمة: "وهو يومئذ خليفة". قوله: "وجاءت السمراء" أي القمح الشامي. قوله: "يعدل مدين" في رواية مسلم: "أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر" وزاد: "قال أبو سعيد: أما أنا لا أزال أخرجه أبدا ما عشت" وله من طريق ابن عجلان عن عياض "فأنكر ذلك أبو سعيد وقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولأبي داود من هذا الوجه "لا أخرج أبدا إلا صاعا" وللدارقطني وابن خزيمة والحاكم "فقال له رجل مدين من قمح، فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها" وقد تقدم ذكر هذه الرواية وما فيها. ولابن خزيمة: "وكان ذلك أول ما ذكر الناس المدين" وهذا يدل على وهن ما تقدم عن عمر وعثمان إلا أن يحمل على أنه كان لم يطلع على ذلك من قصتهما، قال النووي: تمسك بقول معاوية من قال بالمدين من الحنطة، وفيه نظر، لأنه فعل صحابي قد خالفه فيه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صرح معاوية بأنه رأي رآه لا أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي سعيد ما كان عليه من شدة الاتباع والتمسك بالآثار وترك للعدول إلى الاجتهاد مع وجود النص، وفي صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد وهو محمود. لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار.

(3/374)


باب الصدقة فبل العيد
...
76 - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْعِيدِ
1509 - حدثنا آدم حدثنا حفص بن ميسرة حدثنا موسى بن عقبة عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة"
1510 - حدثنا معاذ بن فضالة حدثنا أبو عمر عن زيد عن عياض بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال "كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعا من طعام وقال أبو سعيد وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر"
قوله: "باب الصدقة قبل العيد" قال ابن التين: أي قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، وبعد صلاة الفجر. وقال ابن عيينة في تفسيره: عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإن الله يقول: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} . ولابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده1 " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال: نزلت في زكاة الفطر" ثم أخرج المصنف في الباب حديث ابن عمر، وقد تقدم مطولا في الباب الأول. وحديث أبي سعيد وقد تقدمت الإشارة إليه في الباب الذي قبله. وقوله في الإسناد "حدثنا أبو عمر" هو حفص بن ميسرة، وزيد هو ابن أسلم. ودل حديث ابن عمر على أن المراد بقوله: "يوم الفطر" أي أوله، وهو ما بين صلاة الصبح إلى صلاة العيد. وحمل الشافعي التقييد بقبل صلاة العيد على الاستحباب لصدق اليوم على جميع النهار، وقد رواه أبو معشر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "كان يأمرنا أن نخرجها قبل أن نصلي، فإذا انصرف قسمه بينهم وقال: أغنوهم عن الطلب " أخرجه سعيد بن منصور، ولكن أبو معشر ضعيف. ووهم ابن العربي في عزو هذه الزيادة لمسلم، وسيأتي بقية حكم هذه المسألة في الباب الذي يليه.
ـــــــ
1 هذا الحديث ضعيف الإسناد, لأن كثيرا ضعيف جدا عند أهل الحديث

(3/375)


باب صدقة الفطر عن الحر والمملوك
...
77 - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الْمَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ يُزَكَّى فِي التِّجَارَةِ وَيُزَكَّى فِي الْفِطْرِ
1511 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "فَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَوْ قَالَ رَمَضَانَ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ" فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِي التَّمْرَ فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيرًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى إِنْ كَانَ لِيُعْطِي عَنْ بَنِيَّ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ"
قوله: "باب صدقة الفطر على الحر والمملوك" قيل: هذه الترجمة تكرار لما تقدم من قوله: "باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين" وأجاب ابن رشيد باحتمالين: أحدهما أن يكون أراد تقوية معارضة العموم في قوله

(3/375)


"والمملوك" لمفهوم قوله: "من المسلمين" أو أراد أن زكاة العبد من حيث هو مال لا من حيث هو نفس، وعلى كل تقدير فيستوي في ذلك مسلمهم وكافرهم. وقال الزين بن المنير: غرضه من الأولى أن الصدقة لا تخرج عن كافر، ولهذا قيدها بقوله: "من المسلمين"، وغرضه من هذه تمييز من تجب عليه أو عنه بعد وجود الشرط المذكور ولذلك استغنى عن ذكره فيها.قوله: "وقال الزهري إلخ" وصله ابن المنذر في كتابه الكبير ولم أقف على إسناده، وذكر بعضه أبو عبيد في "كتاب الأموال" قال: "حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: ليس على المملوك زكاة ولا يزكي عنه سيده إلا زكاة الفطر" وما نقله المصنف عن الزهري هو قول الجمهور. وقال النخعي والثوري والحنفية: لا يلزم السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة لأن عليه فيهم الزكاة، ولا تجب في مال واحد زكاتان. قوله: "فكان ابن عمر يعطي التمر" في رواية مالك في الموطأ عن نافع "كان ابن عمر لا يخرج إلا التمر في زكاة الفطر، إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا" ولابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب "كان ابن عمر إذا أعطى أعطى التمر إلا عاما واحدا". قوله: "فأعوز" بالمهملة والزاي أي احتاج، يقال أعوزني الشيء إذا احتجت إليه فلم أقدر عليه. وفيه دلالة على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر، وقد روى جعفر الفريابي من طريق أبي مجلز قال: "قلت لابن عمر: قد أوسع الله، والبر أفضل من التمر؛ أفلا تعطي البر؟ قال: لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي" ويستنبط من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يقتات بها لأن التمر أعلى من غيره مما ذكر في حديث أبي سعيد وإن كان ابن عمر فهم منه خصوصية التمر بذلك والله أعلم. قوله: "حتى إن كان يعطي عن بني" زاد في نسخة الصغاني "قال أبو عبد الله: يعني بني نافع". قال الكرماني: روي بفتح أن وكسرها، وشرط المفتوحة قد وشرط المكسورة اللام فإما أن يحمل على الحذف أو تكون أن مصدرية وكان زائدة. وقول نافع هذا هو شاهد الترجمة، ووجه الدلالة منه أن ابن عمر راوي الحديث فهو أعلم بالمراد منه من غيره، وأولاد نافع إن كان رزقهم وهو بعد في الرق إشكال، وإن كان رزقهم بعد أن أعتق فلعل ذلك كان من ابن عمر على سبيل التبرع، أو كان يرى وجوبها على جميع من يمونه ولو لم تكن نفقته واجبة عليه. وقد روى البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن نافع "أن ابن عمر كان يؤدي زكاة الفطر عن كل مملوك له في أرضه وغير أرضه، وعن كل إنسان يعوله من صغير وكبير، وعن رقيق امرأته، وكان له مكاتب فكان لا يؤدي عنه" وروى ابن المنذر من طريق ابن إسحاق قال: "حدثني نافع أن ابن عمر كان يخرج صدقة الفطر عن أهل بيته كلهم حرهم وعبدهم صغيرهم وكبيرهم مسلمهم وكافرهم من الرقيق" وهذا يقوي بحث ابن رشيد المتقدم، وقد حمله ابن المنذر على أنه كان يعطي عن الكافر منهم تطوعا. قوله: "وكان ابن عمر يعطيها للذين يقبلونها" أي الذي ينصبه الإمام لقبضها، به جزم ابن بطال. وقال ابن التيمي: معناه من قال أنا فقير. والأول أظهر. ويؤيده ما وقع في نسخة الصغاني عقب الحديث: "قال أبو عبد الله هو المصنف: كانوا يعطون للجمع لا للفقراء". وقد وقع في رواية ابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب "قلت متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إذا قعد العامل. قلت متى يقعد العامل؟ قال قبل الفطر بيوم أو يومين". ولمالك في "الموطأ" عن نافع "أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة" وأخرجه الشافعي عنه وقال: هذا حسن، وأنا أستحبه -يعني تعجيلها قبل يوم الفطر- انتهى. ويدل على ذلك أيضا ما أخرجه البخاري في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة قال: "وكلني رسول الله

(3/376)


صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان" الحديث. وفيه أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر، فدل على أنهم كانوا يعجلونها. وعكسه الجوزقي فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر وهو محتمل للأمرين.

(3/377)


78 - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ
1512 - حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله قال حدثني نافع عن بن عمر رضي الله عنه قال " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر على الصغير والكبير والحر والمملوك"
قوله: "باب صدقة الفطر على الصغير والكبير" أورد فيه حديث ابن عمر من طريق يحيى وهو القطان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري عن نافع عنه، وقد تقدم الكلام عليه.
" خاتمة ": اشتمل كتاب الزكاة من الأحاديث المرفوعة على مائة حديث واثنين وسبعين حديثا، الموصول منها مائة حديث وتسعة عشر حديثا، والبقية متابعة ومعلقة، المكرر منها فيه وفيما مضى مائة حديث سواء، والخالص اثنان وسبعون حديثا، وافقه مسلم على تخريجها سوى سبعة عشر حديثا وهي حديث أبي ذر مع عثمان ومعاوية، وحديث ابن عمر في ذم الذي يكنز، وحديث أبي هريرة "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال"، وحديث عدي بن حاتم "جاء رجلان أحدهما يشكو العيلة"، وحديث عائشة "أينا أسرع لحوقا بك"، وحديث معن بن يزيد في الصدقة على الولد، وحديث أبي بكر الصديق في إيثاره بماله، وحديث أبي هريرة "خير الصدقة عن ظهر غنى"، وحديث أنس عن أبي بكر في الزكاة، وحديث ابن عمر "لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع"، وحديث أبي سعيد في قصة زينب امرأة ابن مسعود، وحديث أبي لاس في ركوب إبل الصدقة، وحديث الزبير "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب"، وحديث سهل بن سعد "أحد جبل يحبنا ونحبه"، وحديث ابن عمر "فيما سقت السماء العشر"، وحديث الفضل بن عباس في الصلاة في الكعبة، وحديث أبي هريرة في قصة الرجل من بني إسرائيل. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرون أثرا منها أثر عمر في قوله لحكيم بن حزام لما أبى أن يأخذ حقه من الفيء. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(3/377)