Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
جزاء الصيد و نحوه
...
بسم الله الرحمن الرحيم
28- باب جَزَاءِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ
1- باب َقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [95 المائدة]: {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }
قوله: "باب جزاء الصيد ونحوه وقول الله تعالى {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} كذا في رواية أبي ذر وأثبت قبل ذلك البسملة، ولغيره: "باب قول الله تعالى الخ "بحذف ما قبله. قيل السبب في نزول هذه الآية أن أبا اليسر - بفتح التحتانية والمهملة - قتل حمار وحش وهو محرم في عمرة الحديبية فنزلت، حكاه مقاتل في تفسيره. ولم يذكر المصنف في رواية أبي ذر في هذه الترجمة حديثا، ولعله أشار إلى أنه لم يثبت على شرطه في جزاء الصيد حديث مرفوع. قال ابن بطال: اتفق أئمة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم على أن المحرم إذا قتل الصيد عمدا أو خطأ فعليه الجزاء، وخالف أهل الظاهر وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية في الخطأ، وتمسكوا بقوله تعالى: {مُتَعَمِّدًا} فإن مفهومه أن المخطئ بخلافه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وعكس الحسن ومجاهد فقالا يجب الجزاء في الخطأ دون العمد فيختص الجزاء بالخطأ والنقمة بالعمد، وعنهما يجب الجزاء على العامد أول مرة، فإن عاد كان أعظم لائمة وعليه النقمة لا الجزاء. قال الموفق في "المغني" : لا نعلم أحدا خالف في وجوب الجزاء على العامد غيرهما. واختلفوا في الكفارة فقال الأكثر: هو مخير كما هو ظاهر الآية. وقال الثوري: يقدم المثل فإن لم يجد أطعم فإن لم يجد صام. وقال سعيد بن جبير: إنما الطعام والصيام فيما لا يبلغ ثمن الصيد واتفق الأكثر على تحريم أكل ما صاده المحرم. وقال الحسن والثوري وأبو ثور وطائفة: يجوز أكله، وهو كذبيحة السارق، وهو وجه للشافعية. وقال الأكثر أيضا: إن الحكم في ذلك ما حكم به السلف لا يتجاوز ذلك، وما لم يحكموا فيه يستأنف فيه الحكم، وما اختلفوا فيه يجتهد فيه. وقال الثوري: الاختيار في ذلك للحكمين في كل زمن. وقال مالك: يستأنف الحكم، والخيار إلى المحكوم عليه، وله أن يقول للحكمين لا تحكما على إلا بالإطعام. وقال الأكثر الواجب في الجزاء نظير الصيد من النعم. وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة ويجوز صرفها في المثل. وقال الأكثر: في الكبير كبير وفي الصغير صغير، وفي الصحيح صحيح وفي الكسير كسير. وخالف مالك فقال: في الكبير والصغير كبير وفي الصحيح والمعيب صحيح. واتفقوا على أن المراد بالصيد ما يجوز أكله للحلال من الحيوان الوحشي وأن لا شيء فيما يجوز قتله، واختلفوا في المتولد، فألحقه الأكثر بالمأكول، ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة جدا فلنقتصر على هذا القدر هنا.

(4/21)


اذا صاد الحلال فأهدى للمحرم أكله
...
2- باب َإِذَا صَادَ الْحَلاَلُ فَأَهْدَى لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدَ أَكَلَهُ
وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ بِالذَّبْحِ بَأْسًا وَهُوَ غَيْرُ الصَّيْدِ نَحْوُ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالدَّجَاجِ وَالْخَيْلِ يُقَالُ عَدْلُ ذَلِكَ مِثْلُ فَإِذَا كُسِرَتْ عِدْلٌ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ قِيَامًا قِوَامًا يَعْدِلُونَ يَجْعَلُونَ عَدْلًا
1821- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ وَحُدِّثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ تَضَحَّكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ شَأْوًا فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُلْتُ أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَرَكْتُهُ بِتَعْهَنَ وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ فَانْتَظِرْهُمْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ فَقَالَ لِلْقَوْمِ كُلُوا وَهُمْ مُحْرِمُونَ
[الحديث 1821- أطرافه في: 1822، 1823،1824، 2570، 2854، 2914، 4149، 5406، 5407، 5490، 5491، 5492]
قوله "باب إذا صاد الحلال فأهدي للحرم الصيد أكله " كذا ثبت لأبي ذر وسقط للباقين فجعلوه من جملة الباب الذي قبله. قوله: "ولم ير ابن عباس وأنس بالذبح بأسا، وهو في غير الصيد نحو الإبل والغنم والبقر والدجاج والخيل" المراد بالذبح ما يذبحه المحرم، والأمر ظاهره العموم، لكن المصنف خصصه بما ذكر تفقها، فإن الصحيح أن حكم ما ذبحه المحرم من الصيد حكم الميتة، وقيل يصح مع الحرمة حتى يجوز لغير المحرم أكله، وبه قال الحسن البصري. وأثر ابن عباس وصله عبد الرزاق من طريق عكرمة أن ابن عباس أمره أن يذبح جزورا وهو محرم، وأما أثر أنس فوصله ابن أبي شيبة من طريق الصباح البجلي "سألت أنس ابن مالك عن المحرم يذبح؟ قال: نعم". وقوله: "وهو " أي المذبوح الخ من كلام المصنف قاله تفقها، وهو متفق عليه فيما عدا الخيل فإنه مخصوص بمن يبيح أكلها. قوله: "يقال عدل مثل، فإذا كسرت عدل فهو زنة ذلك" أما تفسير العدل بالفتح بالمثل والكسر بالزنة فهو قول أبي عبيدة في "المجاز" وغيره. وقال الطبري العدل في كلام العرب بالفتح هو قدر الشيء من غير جنسه، والعدل بالكسر قدره من جنسه. قال: وذهب بعض أهل العلم بكلام العرب إلى أن العدل مصدر من قول القائل: عدلت هذا بهذا. وقال بعضهم: العدل هو القسط في الحق، والعدل بالكسر المثل. انتهى. وقد تقدم شيء من هذا في الزكاة. قوله: "قياما: قواما"، هو قول أبي عبيدة أيضا. وقال الطبري: أصله الواو فحولت عين الفعل ياء كما قالوا في الصوم صمت صياما وأصله صواما.قال الشاعر: قيام دنيا وقوام دين. فرده إلى أصله. قال الطبري: فالمعنى جعل الله الكعبة بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر اتباعه، يقال فلان قيام البيت وقوامه الذي يقيم شأنهم. قوله: "يعدلون: يجعلون له عدلا" هو متفق عليه بين أهل التفسير، ومناسبة إيراده هنا ذكر لفظ العدل في قوله: "أو عدل ذلك صياما"؛ وفي قوله: "يعدلون "فأشار إلى أنهما من مادة واحدة، وقوله: "يجعلون له عدلا" أي مثلا، تعالى الله عن قولهم. قوله: "حدثنا

(4/22)


هشام" هو الدستوائي، ويحيى هو ابن أبي كثير. قوله: "عن عبد الله بن أبي قتادة" في رواية معاوية بن سلام عن يحيى عند مسلم أخبرني عبد الله ابن أبي قتادة. قوله: "انطلق أبي عام الحديبية" هكذا ساقه مرسلا، وكذا أخرجه مسلم من طريق معاذ بن هشام عن أبيه، وأخرجه أحمد عن ابن علية عن هشام، لكن أخرجه أبو داود الطيالسي عن هشام عن يحيى فقال: "عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم". وفي رواية علي بن المبارك عن يحيى المذكورة في الباب الذي يليه أن أباه حدثه، وقوله: "بالحديبية "أصح من رواية الواقدي من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة أن ذلك كان في عمرة القضية. قوله: "فأحرم أصحابه ولم يحرم" الضمير لأبي قتادة بينه مسلم: "أحرم أصحابي ولم أحرم" وفي رواية علي بن المبارك "وأنبئنا بعدو بغيقة فتوجهنا نحوهم" وفي هذا السياق حذف بينته رواية عثمان بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة وهي بعد بابين بلفظ: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي ، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة" وسيأتي الجمع هناك بين قوله في هذه الرواية: خرج حاجا" وبين قوله في حديث الباب: "عام الحديبية" إن شاء الله تعالى. وبين المطلب عن أبي قتادة عند سعيد بن منصور مكان صرفهم ولفظه: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغنا الروحاء". قوله: "وحدث" بضم أوله على البناء للمجهول، وقوله: "بغيقة" أي في غيقة وهو بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء. قال السكوني: هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة. وقال يعقوب: هو قليب لبني ثعلبة يصب فيه ماء رضوى ويصب هو في البحر. وحاصل القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء - وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلا - أخبروه بأن عدوا من المشركين بوادي غيقة يخشى منهم أن يقصدوا غرته، فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي صلى الله عليه وسلم فأحرموا، إلا هو فاستمر هو حلالا لأنه إما لم يجاوز الميقات وإما لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم؟ ولا يدرون ما وجهه. قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحرمنا، فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في وجه" الحديث. قال: فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة. قلت: وهذه الرواية التي أشار إليها تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، وليس كذلك لما بيناه. ثم وجدت في صحيح ابن حبان والبزار من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة على الصدقة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان" فهذا سبب آخر، ويحتمل جمعهما. والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخر الإحرام لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة فساغ له التأخير، وقد استدل بقصة أبي قتادة على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجا ولا عمرة، وقيل كانت هذه القصة قبل أن يؤقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت. وأما قول عياض ومن تبعه: إن أبا قتادة لم يكن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وإنما بعثه أهل المدينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعلمونه أن بعض العرب قصدوا الإغارة على المدينة، فهو ضعيف مخالف لما ثبت في هذه الطريق الصحيحة طريق عثمان بن موهب الآتية بعد بابين، كما أشرت إليها قبل. قوله: "فبينما أبي مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض" في رواية علي بن المبارك "فبصر أصحابي بحمار وحش فجعل بعضهم يضحك إلى بعض" زاد في رواية أبي حازم

(4/23)


"وأحبوا لو أني أبصرته"هكذا في جميع الطرق والروايات، ووقع في رواية العذري في مسلم: "فجعل بعضهم يضحك إلى "فشددت الياء من إلي. قال عياض: وهو خطأ وتصحيف، وإنما سقط عليه لفظة "بعض"، ثم احتج لضعفها بأنهم لو ضحكوا إليه لكانت أكبر إشارة وقد قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ قالوا لا . وإذا دل المحرم الحلال على الصيد لم يأكل منه اتفاقا، وإنما اختلفوا في وجوب أجزاء. انتهى. وتعقبه النووي بأنه لا يمكن رد هذه الرواية لصحتها وصحة الرواية الأخرى، وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة، فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة. قال بعض العلماء: وإنما ضحكوا تعجبا من عروض الصيد ثم ولا قدرة لهم عليه. قلت: قوله فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة صحيح، ولكن لا يكفي في رد دعوى القاضي، فإن قوله: "يضحك بعضهم إلى بعض "هو مجرد ضحك، وقوله: "يضحك بعضهم إلى" فيه مزيد أمر على مجرد الضحك، والفرق بين الموضعين أنهم اشتركوا في رؤيته فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض، وأبو قتادة لم يكن رآه فيكون ضحك بعضهم إليه بغير سبب باعثا له على التفطن إلى رؤيته، ويؤيد ما قال القاضي ما وقع في رواية أبي النضر عن مولي أبي قتادة كما سيأتي في الصيد بلفظ إذ رأيت الناس متشوفين لشيء فذهبت أنظر فإذا هو حمار وحش، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: لا ندري فقلت: هو حمار وحش. فقالوا: هو ما رأيت" ووقع في حديث أبي سعيد عند البزار والطحاوي وابن حبان في هذه القصة "وجاء أبو قتادة وهو حل فنكسوا رءوسهم كراهية أن يحدوا أبصارهم له فيفطن فيراه" ا هـ. فكيف يظن بهم مع ذلك أنهم ضحكوا إليه؟ فتبين أن الصواب ما قال القاضي. وفي قول الشيخ قد صحت الرواية نظر، لأن الاختلاف في إثبات هذه اللفظة وحذفها لم يقع في طريقين مختلفين، وإنما وقع في سياق إسناد واحد مما عند مسلم، فكان مع من أثبت لفظ: "بعض" زيادة علم سالمة من الإشكال فهي مقدمة، وبين محمد بن جعفر في روايته عن أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما سيأتي في الهبة أن قصة صيده للحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونزلوا في بعض المنازل ولفظه: "كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في منزل في طريق مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نازل أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم"وبين في هذه الرواية السبب الموجب لرؤيتهم إياه دون أبي قتادة بقوله: "فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لو أني أبصرته، والتفت فأبصرته". ووقع في حديث أبي سعيد المذكور أن ذلك وقع وهم بعسفان وفيه نظر، والصحيح ما سيأتي بعد باب من طريق صالح بن كيسان عن أبي محمد مولي أبي قتادة عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالقاحة، ومنا المحرم وغير محرم، فرأيت أصحابي يتراءون شيئا فنظرت فإذا حمار وحش"الحديث. والقاحة بقاف ومهملة خفيفة بعد الألف، موضع قريب من السقيا كما سيأتي. قوله: "فنظرت" هذا فيه التفات، فإن السياق الماضي يقتضي أن يقول فنظر لقوله: "فبينا أبي مع أصحابه" فالتقدير: قال أبي فنظرت، وهذا يؤيد الرواية الموصولة. قوله: "فإذا بحمار وحش" قد تقدم أن رؤيته له كانت متأخرة عن رؤية أصحابه، وصرح بذلك فضيل بن سليمان في روايته عن أبي حازم كما سيأتي في الجهاد ولفظه: "فرأوا حمارا وحشيا قبل أن يراه أبو قتادة، فلما رأوه تركوه حتى رآه فركب". قوله: "فحملت عليه" في رواية محمد بن جعفر "فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح. فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح. فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء، فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت" وفي رواية فضيل بن سليمان "فركب فرسا له يقال له الجرادة فسألهم أن يناولوه سوطه فأبوا فتناوله".وفي رواية أبي النضر "وكنت نسيت سوطي فقلت لهم: ناولوني

(4/24)


سوطي، فقالوا لا نعينك عليه، فنزلت فأخذته "ووقع عند النسائي من طريق شعبة عن عثمان بن موهب، وعند ابن أبي شيبة عن طريق عبد العزيز بن رفيع. وأخرج مسلم إسنادهما كلاهما عن أبي قتادة "فاختلس من بعضهم سوطا "والرواية الأولى أقوى، ويمكن أن يجمع بينهما بأنه رأى في سوط نفسه تقصيرا فأخذ سوط غيره، واحتاج إلى اختلاسه لأنه لو طلبه منه اختيارا لامتنع. قوله: "فطعنته فأثبته" بالمثلثة ثم الموحدة ثم المثناة أي جعلته ثابتا في مكانه لا حراك به وفي رواية أبي حازم "فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات" وفي رواية أبي النضر "حتى عقرته فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحتملوا، فقالوا لا نمسه، فحملته حتى جئتهم به". قوله: "فأكلنا من لحمه" في رواية فضيل عن أبي حازم "فأكلوا فندموا" وفي رواية محمد بن جعفر عن أبي حازم "فوقعوا يأكلون منه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم فرحنا وخبأت العضد معي". وفي رواية مالك عن أبي النضر "فأكل منه بعضهم وأبى بعضهم". وفي حديث أبي سعيد "فجعلوا يشوون منه". وفي رواية المطلب عن أبي قتادة عند سعيد بن منصور "فظللنا نأكل منه ما شئنا طبيخا وشواء ثم تزودنا منه". قوله: "وخشينا أن نقتطع" أي نصير مقطوعين عن النبي صلى الله عليه وسلم منفصلين عنه لكونه سبقهم، وكذا قوله بعد هذا "وخشوا أن يقتطعوا دونك" وبين ذلك رواية علي بن المبارك عن يحيى عند أبي عوانة بلفظ: "وخشينا أن يقتطعنا العدو". وفيها عند المصنف "وأنهم خشوا أن يقتطعهم العدو دونك "وهذا يشعر بأن سبب إسراع أبي قتادة لإدراك النبي صلى الله عليه وسلم خشية على أصحابه أن ينالهم بعض أعدائهم. وفي رواية أبي النضر الآتية في الصيد "فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت أنا أستوقف لكم النبي صلى الله عليه وسلم فأدركته فحدثته الحديث: "ففي هذا أن سبب إدراكه أن يستفتيه عن قصة أكل الحمار، ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين. قوله: "أرفع" بالتخفيف والتشديد، أي أكلفه السير، "وشأوا" بالشين المعجمة بعدها همزة ساكنة أي تارة، والمراد أنه يركضه تارة ويسير بسهولة أخرى. قوله: "فلقيت رجلا من بني غفار" لم أقف على اسمه. قوله: "تركته بتعهن، وهو قائل السقيا" السقيا بضم المهملة وإسكان القاف بعدها تحتانية مقصورة: قرية جامعة بين مكة والمدينة، وتعهن بكسر المثناة وبفتحها بعدها عين مهملة ساكنة ثم هاء مكسورة ثم نون، ورواية الأكثر بالكسر وبه قيدها البكري في معجم البلاد، ووقع عند الكشميهني بكسر أوله وثالثه، ولغيره بفتحهما، وحكى أبو ذر الهروي أنه سمعها من العرب بذلك المكان بفتح الهاء، ومنهم من يضم التاء ويفتح العين ويكسر الهاء، قيل وهو من تغييراتهم والصواب الأول، وأغرب أبو موسى المديني فضبطه بضم أوله وثانيه وبتشديد الهاء وقال: ومنهم من يكسر التاء، وأصحاب الحديث يسكنون العين، ووقع في رواية الإسماعيلي بدعهن بالدال المهملة بدل المثناة. وقوله: "قائل" قال النووي: روى بوجهين أصحهما وأشهرهما بهمزة بين الألف واللام من القيلولة، أي تركته في الليل وبتعهن وعزمه أن يقيل بالسقيا، فمعنى قوله وهو قائل أي سيقيل. والوجه الثاني أنه قابل بالباء الموحدة وهو غريب وكأنه تصحيف، فإن صح فمعناه أن تعهن موضع مقابل للسقيا، فعلى الأول الضمير في قوله: "وهو "للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى الثاني الضمير للموضع وهو تعهن، ولا شك أن الأول أصوب وأكثر فائدة. وأغرب القرطبي فقال: قوله: "وهو قائل "اسم فاعل من القول أو من القائلة، والأول هو المراد هنا، والسقيا مفعول بفعل مضمر، وكأنه كان بتعهن وهو يقول لأصحابه اقصدوا السقيا. ووقع عند الإسماعيلي من طريق ابن علية عن هشام "وهو قائم بالسقيا "فأبدل اللام في قائل ميما وزاد الباء في السقيا، قال الإسماعيلي: الصحيح قائل باللام. قلت: وزيادة الباء توهي الاحتمال الأخير المذكور.

(4/25)


قوله: "فقلت" في السياق حذف تقديره: فسرت فأدركته فقلت، ويوضحه رواية علي بن المبارك في الباب الذي يليه بلفظ: "فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيته فقلت: يا رسول الله".
قوله: "إن أهلك يقرءون عليك السلام" المراد بالأهل هنا الأصحاب بدليل رواية مسلم وأحمد وغيرهما من هذا الوجه بلفظ: "أن أصحابك".قوله: "فانتظرهم" بصيغة فعل الأمر من الانتظار، زاد مسلم من هذا الوجه "فانتظرهم" بصيغة الفعل الماضي منه، ومثله لأحمد عن ابن علية.وفي رواية علي بن المبارك "فانتظرهم ففعل".قوله: "أصبت حمار وحش وعندي منه فاضله" كذا للأكثر بضاد معجمة أي فضلة.
قال الخطابي: قطعة فضلت منه فهي فاضلة، أي باقية. قوله: "فقال للقوم كلوا" سيأتي الكلام عليه وعلى ما في الحديث من الفوائد بعد بابين.

(4/26)


3 - باب إِذَا رَأَى الْمُحْرِمُونَ صَيْدًا فَضَحِكُوا فَفَطِنَ الْحَلاَلُ
1822- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ فَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةَ فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارِ وَحْشٍ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الْفَرَسَ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ عَلَيْهِ شَأْوًا فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقُلْتُ أَيْنَ تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تَرَكْتُهُ بِتَعْهَنَ وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابَكَ أَرْسَلُوا يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمْ الْعَدُوُّ دُونَكَ فَانْظُرْهُمْ فَفَعَلَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا اصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ وَإِنَّ عِنْدَنَا فَاضِلَةً فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَهُمْ مُحْرِمُونَ"
قوله: "باب إذا رأى المحرمون صيدا فضحكوا ففطن الحلال" أي لا يكون ذلك منهم إشارة له إلى الصيد فيحل لهم أكل الصيد، ويجوز كسر الطاء من فطن وفتحها. قوله: "عن يحيى" هو ابن أبي كثير. قوله: "وأنبئنا" بضم أوله أي أخبرنا. قوله: "فبصر" بفتح الموحدة وضم المهملة. وفي رواية الكشميهني: "فنظر "بنون وظاء مشالة، وعلى هذا فدخول الباء في قوله: "بحمار وحش "مشكل إلا أن يقال ضمن نظر معنى بصر، أو الباء بمعنى إلى على مذهب من يقول إنها تتناوب. قوله: "إنا اصدنا" بتشديد المهملة والدال للأكثر بالإدغام وأصله اصطدنا فأبدلت الطاء مثناة ثم أدغمت، ولبعضهم بتخفيف الصاد وسكون الدال، أي أثرنا من الاصاد وهو الإثارة. ولبعضهم "صدنا" بغير ألف..

(4/26)


لايعين المحرم الحلال في قتل الصيد
...
4 - باب لاَ يُعِينُ الْمُحْرِمُ الْحَلاَلَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ
1823- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ

(4/26)


5 - باب لاَ يُشِيرُ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الْحَلاَلُ
1824- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلاَّ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ

(4/28)


لَحْمِهَا وَقَالُوا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا ثُمَّ قُلْنَا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا قَالَ أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا قَالُوا لاَ قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا"
قوله: "باب لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال" أشار المصنف إلى تحريم ذلك، ولم يتعرض لوجوب الجزاء في ذلك، وهي مسألة خلاف: فاتفقوا - كما تقدم - على تحريم الإشارة إلى الصيد ليصطاد، وعلى سائر وجوه الدلالات على المحرم، لكن قيده أبو حنيفة بما إذا لم يمكن الاصطياد بدونها، واختلفوا في وجوب الجزاء على المحرم إذا دل الحلال على الصيد بإشارة أو غيرها أو أعان عليه، فقال الكوفيون وأحمد وإسحاق: يضمن المحرم ذلك. وقال مالك والشافعي: لا ضمان عليه كما لو دل الحلال حلالا على قتل صيد في الحرم. قالوا: ولا حجة في حديث الباب، لأن السؤال عن الإعانة والإشارة إنما وقع ليبين لهم هل يحل لهم أكله أو لا؟ ولم يتعرض لذكر الجزاء. واحتج الموفق بأنه قول علي وابن عباس ولا نعلم لهما مخالفا من الصحابة. وأجيب بأنه اختلف فيه علي ابن عباس، وفي ثبوته عن علي نظر، ولأن القاتل انفرد بقتله باختياره مع انفصال الدال عنه فصار كمن دل محرما أو صائما على امرأة فوطئها فإنه يأثم بالدلالة ولا يلزمه كفارة ولا يفطر بذلك. قوله: "حدثنا عثمان هو ابن موهب" بفتح الهاء وموهب جده، وهو عثمان بن عبد الله التيمي مدني تابعي ثقة، روى هنا عن تابعي أكبر منه قليلا. قوله: "خرج حاجا" قال الإسماعيلي: هذا غلط، فإن القصة كانت في عمرة، وأما الخروج إلى الحج فكان في خلق كثير وكان كلهم على الجادة لا على ساحل البحر. ولعل الراوي أراد خرج محرما فعبر عن الإحرام بالحج غلطا. قلت: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ. وأيضا فالحج في الأصل قصد البيت فكأنه قال خرج قاصدا للبيت، ولهذا يقال للعمرة الحج الأصغر. ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن أبي عوانة بلفظ: "خرج حاجا أو معتمرا "أخرجه البيهقي، فتبين أن الشك فيه من أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك كان في عمرة الحديبية وهذا هو المعتمد. قوله: "إلا أبا قتادة" كذا للكشميهني، ولغيره: "إلا أبو قتادة" بالرفع، ووقع بالنصب عند مسلم وغيره من هذا الوجه، قال ابن مالك في "التوضيح" : حق المستثني بإلا من كلام تام موجب أن ينصب مفردا كان أو مكملا معناه بما بعده، فالمفرد نحو قوله تعالى: { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} والمكمل نحو {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلا النصب، وقد أغفلوا وروده مرفوعا بالابتداء مع ثبوت الخبر ومع حذفه، فمن أمثلة الثابت الخبر قول أبي قتادة "أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم "فإلا بمعنى لكن، وأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره، ونظيره من كتاب الله تعالى: { وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} فإنه لا يصح أن يجعل امرأتك بدلا من أحد لأنها لم تسر معهم فيتضمنها ضمير المخاطبين. وتكلف بعضهم بأنه وإن لم يسر بها لكنها شعرت بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت. قال: وهذا على تقدير صحته لا يوجب دخولها في المخاطبين، ومن أمثلة المحذوف الخبر

(4/29)


قوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرون" أي لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون، ومنه من كتاب الله تعالى قوله تعالى: { فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ} أي لكن قليل منهم لم يشربوا. قال: وللكوفيين في هذا الثاني مذهب آخر وهو أن يجعلوا "إلا" حرف عطف وما بعدها معطوف على ما قبلها ا هـ. وفي نسبة الكلام المذكور لابن أبي قتادة دون أبي قتادة نظر، فإن سياق الحديث ظاهر في أن قوله قول أبي قتادة حيث قال: "إن أباه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة - إلى أن قال - أحرموا كلهم إلا أبو قتادة". وقول أبي قتادة "فيهم أبو قتادة "من باب التجريد، وكذا قوله: "إلا أبو قتادة" ولا حاجة إلى جعله من قول ابنه لأنه يستلزم أن يكون الحديث مرسلا. ومن توجيه الرواية المذكورة وهي قوله إلا أبو قتادة أن يكون على مذهب من يقول: علي بن أبو طالب. قوله: "فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا" في هذا السياق زيادة على جميع الروايات لأنها متفقة على إفراد الحمار بالرؤية، وأفادت هذه الرواية أنه من جملة الحمر وأن المقتول كان أتانا أي أنثى، فعلى هذا في إطلاق الحمار عليها تجوز. قوله: "فحملنا ما بقي من لحم الأتان" وفي رواية أبي حازم الآتية للمصنف في الهبة "فرحنا وخبأت العضد معي" وفيه: "معكم منه بشيء؟ فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها "وله في الجهاد قال: "معنا رجله، فأخذها فأكلها" وفي رواية المطلب "قد رفعنا لك الذراع، فأكل منها". قوله: "قال أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا لا" وفي رواية مسلم: "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء "وله من طريق شعبة عن عثمان "هل أشرتم أو أعنتم أو اصطدتم "ولأبي عوانة من هذا الوجه "أشرتم أو اصطدتم أو قتلتم". قوله: "قال فكلوا ما بقي من لحمها" صيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب، لأنها وقعت جوابا عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب، فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال، ولم يذكر في هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم أكل من لحمها، وذكره في روايتي أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما تراه ولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن عبد الله بن أبي قتادة غيره، ووافقه صالح بن حسان عند أحمد وأبي داود الطيالسي وأبي عوانة ولفظه: "فقال كلوا وأطعموني "وكذا لم يذكرها أحد من الرواة عن أبي قتادة نفسه إلا المطلب عن سعيد بن منصور، ووقع لنا من رواية أبي محمد وعطاء بن يسار وأبي صالح كما سيأتي في الصيد، ومن رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عند إسحاق، ومن رواية عبادة بن تميم وسعد بن إبراهيم عند أحمد، وتفرد معمر عن يحيى بن أبي كثير بزيادة مضادة لروايتي أبي حازم كما أخرجه إسحاق وابن خزيمة والدار قطني من طريقه وقال في آخره: "فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: إنما اصطدته لك "فأمر أصحابه فأكلوه، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له. قال ابن خزيمة وأبو بكر النيسابوري والدار قطني والجوزقي: تفرد بهذه الزيادة معمر. قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه امتنع ا هـ. وفيه نطر لأنه لو كان حراما ما أقر النبي صلى الله عليه وسلم على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله، ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز، فإن الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي يعلم أنه صيد من أجله، وأما إذا أتى بلحم لا يدري ألحم صيدا أو لا فحمله على أصل الإباحة فأكل منه لم يكن ذلك حراما على الآكل. وعندي بعد ذلك فيه وقفة، فإن الروايات المتقدمة ظاهرة في أن الذي تأخر هو العضد، وأنه صلى الله عليه وسلم أكلها حتى تعرقها أي لم يبق منها إلا العظم، ووقع عند البخاري

(4/30)


في الهبة "حتى نفدها" أي فرغها، فأي شيء يبقى منها حينئذ حتى يأمر أصحابه بأكله. لكن رواية أبي محمد الآتية في الصيد "أبقى معكم شيء منه؟ قلت: نعم قال: كلوا، فهو طعمة أطعمكموها الله" فأشعر بأنه بقي منها غير العضد، والله أعلم. وسيأتي البحث في حكم ما يصيده الحلال بالنسبة إلى المحرم في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. وفي حديث أبي قتادة من الفوائد أن تمنى المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في إحرامه، وأن الحلال إذا صاد لنفسه جاز للمحرم الأكل من صيده، وهذا يقوي من حمل الصيد في قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} على الاصطياد، وفيه الاستيهاب من الأصدقاء وقبول الهدية من الصديق. وقال عياض: عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من أبي قتادة ذلك تطييبا لقلب من أكل منه بيانا للجواز بالقول والفعل لإزالة الشبهة التي حصلت لهم، وفيه تسمية الفرس، وألحق المصنف به الحمار فترجم له في الجهاد. وقال ابن العربي: قالوا تجوز التسمية لما لا يعقل، وإن كان لا يتفطن له ولا يجيب إذا نودي، مع أن بعض الحيوانات ربما أدمن على ذلك بحيث يصير يميز اسمه إذا دعي به. وفيه إمساك نصيب الرفيق الغائب ممن يتعين احترامه أو ترجى بركته أو يتوقع منه ظهور حكم تلك المسألة بخصوصها. وفيه تفريق الإمام أصحابه للمصلحة، واستعمال الطليعة في الغزو، وتبليغ السلام عن قرب وعن بعد، وليس فيه دلالة على جواز ترك رد السلام ممن بلغه لأنه يحتمل أن يكون وقع وليس في الخبر ما ينفيه. وفيه أن عقر الصيد ذكاته، وجواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن العربي: هو اجتهاد بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم لا في حضرته. وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان ولا يعاب واحد منهما على ذلك لقوله: "فلم يعب ذلك علينا "وكأن الآكل تمسك بأصل الإباحة، والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ. وفيه الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة، وركض الفرس في الاصطياد، والتصيد في الأماكن الوعرة، والاستعانة بالفارس، وحمل الزاد في السفر، والرفق بالأصحاب والرفقاء في السير، واستعمال الكناية في الفعل كما تستعمل في القول لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة لما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحل. وفيه جواز سوق الفرس للحاجة والرفق به مع ذلك لقوله: "وأسير شأوا" ونزول المسافر وقت القائلة، وفيه ذكر الحكم مع الحكمة في قوله: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله". "تكملة" لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إن صال عليه فقتله دفعا فيجوز، ولا ضمان عليه. والله أعلم.

(4/31)


6 - باب إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ
1825- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ
[الحديث 1825- طرفاه في : 2573، 2596]
قوله: "باب إذا أهدى" أي الحلال "للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل" كذا قيده في الترجمة بكونه حيا، وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل علي أنه كان مذبوحا موهمة، وسأبين ما في ذلك إن شاء الله تعالى.
الحديث: قوله: "عن ابن شهاب الخ" لم يختلف على مالك في سياقه معنعنا وأنه من مسند الصعب إلا ما وقع في "موطأ ابن وهب" فإنه قال في روايته عن ابن عباس "أن الصعب بن جثامة أهدى" فجعله من مسند ابن عباس، نبه على ذلك الدار قطني في "الموطآت"

(4/31)


وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: "أهدى الصعب" والمحفوظ في حديث مالك الأول، وسيأتي للمصنف في الهبة من طريق شعيب عن الزهري قال: "أخبرني عبيد الله أن ابن عباس أخبره أنه سمع الصعب - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - يخبر أنه أهدى "والصعب بفتح الصاد وسكون العين المهملتين بعدها موحدة، وأبوه جثامة بفتح الجيم وتثقيل المثلثة وهو من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان ابن أخت أبي سفيان بن حرب، أمه زينب بنت حرب بن أمية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم آخي بينه وبين عوف بن مالك. قوله: "حمارا وحشيا" لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك، وتابعه عامة الرواة عن الزهري، وخالفهم ابن عيينة عن الزهري فقال: "لحم حمار وحش"أخرجه مسلم، لكن بين الحميدي صاحب سفيان أنه كان يقول في هذا الحديث: "حمار وحش"ثم صار يقول: "لحم حمار وحش" فدل على اضطرابه فيه، وقد توبع على قوله: "لحم حمار وحش" من أوجه فيها مقال، منها ما أخرجه الطبراني من طريق عمرو بن دينار عن الزهري لكن إسناده ضعيف. وقال إسحاق في مسنده. : أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن الزهري فقال: "لحم حمار" وقد خالفه خالد الواسطي عن محمد بن عمرو فقال: "حمار وحش" كالأكثر، وأخرجه الطبراني من طريق ابن إسحاق عن الزهري فقال: "رجل حمار وحش" وابن إسحاق حسن الحديث إلا أنه لا يحتج به إذا خولف، ويدل على وهم من قال فيه عن الزهري ذلك ابن جريج قال: "قلت للزهري الحمار عقير؟ قال لا أدري "أخرجه ابن حزيمة وابن عوانة في صحيحيهما، وقد جاء عن ابن عباس من وجه آخر أن الذي أهداه الصعب لحم حمار فأخرجه مسلم من طريق الحاكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "أهدى الصعب إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل حمار" وفي رواية عنده "عجز حمار وحش يقطر دما "وأخرجه أيضا من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد قال تارة "حمار وحش" وتارة "شق حمار "ويقوى ذلك ما أخرجه مسلم أيضا من طريق طاوس عن ابن عباس قال: "قدم زيد بن أرقم، فقال له عبد الله بن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام؟ قال: أهدى له عضو من لحم صيد فرده وقال: إنا لا نأكله، إنا حرم". وأخرجه أبو داود وابن حبان من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: "يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذكره. واتفقت الروايات كلها على أنه رده عليه، إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن أمية "أن الصعب أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم "قال البيهقي: إن كان هذا محفوظا فلعله رد الحي وقبل اللحم، قلت وفي هذا الجمع نظر لما بينته، فإن كانت الطرق كلها محفوظة فلعله رده حيا لكونه صيد لأجله ورد اللحم تارة لذلك وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله، وقد قال الشافعي في "الأم" : إن كان الصعب أهدى له حمارا حيا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حي وإن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له. ونقل الترمذي عن الشافعي أنه رده لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه. ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر وهو حال رجوعه صلى الله عليه وسلم من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة وفي غيرها من الروايات بالأبواء أو بودان. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحا ثم قطع منه عضوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقدمه له، فمن قال أهدى حمارا أراد بتمامه مذبوحا حيا، ومن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: ويحتمل أن يكون من قال حمارا أطلق وأراد بعضه مجازا. قال ويحتمل أنه أهداه له حيا فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانا أنه إنما

(4/32)


رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل، قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات. وقال النووي: ترجم البخاري بكون الحمار حيا، وليس في سياق الحديث تصريح بذلك، وكذا نقلوا هذا التأويل عن مالك، وهو باطل لأن الروايات التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح. انتهى. وإذا تأملت ما تقدم لم يحسن إطلاقه بطلان التأويل المذكور ولا سيما في رواية الزهري التي هي عمدة هذا الباب، وقد قال الشافعي في "الأم" : حديث مالك أن الصعب أهدى حمارا أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار. وقال الترمذي: روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب "لحم حمار وحش "وهو غير محفوظ. قوله: "بالأبواء" بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالمد: جبل من عمل الفرع بضم الفاء والراء بعدها مهملة، قيل سمى الأبواء لوبائه على القلب، وقيل لأن السيول تتبوؤه أي تحمله. قوله: "أو بودان" شك من الراوي، وهو بفتح الواو وتشديد الدال وآخرها نون موضع بقرب الجحفة، وقد سبق في حديث عمرو بن أمية أنه كان بالجحفة، وودان أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلا، ومن ودان إلى الجحفة ثمانية أميال، وبالشك جزم أكثر الرواة، وجزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزهري بودان، وجزم معمر وعبد الرحمن ابن إسحاق ومحمد بن عمرو بالأبواء، والذي يظهر لي أن الشك فيه من ابن عباس لأن الطبراني أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشك أيضا. قوله: "فلما رأى ما في وجهه" في رواية شعيب "فلما عرف في وجهي رده هديتي". وفي رواية الليث عن الزهري عند الترمذي "فلما رأى ما في وجهه من الكراهية "وكذا لابن خزيمة من طريق ابن جريج المذكورة. قوله: "إنا لم نرده عليك" في رواية شعيب وابن جريج "ليس بنا رد عليك "وفي رواية عبد الرحمن ابن إسحاق عن الزهري عند الطبراني "إنا لم نرده عليك كراهية له ولكنا حرم "قال عياض: ضبطناه في الروايات "لم نرده "بفتح الدال، وأبى ذلك المحققون من أهل العربية وقالوا: الصواب أنه بضم الدال لأن المضاعف من المجزوم يراعى فيه الواو التي توجبها له ضمة الهاء بعدها. قال: وليس الفتح بغلط بل ذكره ثعلب في الفصيح. نعم تعقبوه عليه بأنه ضعيف، وأوهم صنيعه أنه فصيح، وأجازوا أيضا الكسر وهو أضعف الأوجه.قلت: ووقع في رواية الكشميهني بفك الإدغام "لم نردده "بضم الأولى وسكون الثانية ولا إشكال فيه. قوله: "إلا أنا حرم" زاد صالح بن كيسان عند النسائي: "لا نأكل الصيد". وفي رواية سعيد عن ابن عباس "لولا أنا محرمون لقبلناه منك". واستدل بهذا الحديث على تحريم الأكل من لحم الصيد على المحرم مطلقا لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرما فدل على أنه سبب الامتناع خاصة، وهو قول علي وابن عباس وابن عمر والليث والثوري وإسحاق لحديث الصعب هذا، ولما أخرجه أبو داود وغيره من حديث علي "أنه قال لناس من أشجع: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى له رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم "لكن يعارض هذا الظاهر ما أخرجه مسلم أيضا من حديث طلحة أنه" أهدى له لحم طير وهو محرم، فوقف من أكله وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم". وحديث أبي قتادة المذكور في الباب قبله وحديث عمير بن سلمة "أن البهزي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ظبيا وهو محرم، فأمر أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق"؛ أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وغيره، وبالجواز مطلقا قال الكوفيون وطائفة من السلف، وجمع الجمهور بين ما اختلف من ذلك بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم. قالوا والسبب في الاقتصار

(4/33)


على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المرء إذا صيد له إلا إذا كان محرما، فبين الشرط الأصلي وسكت عما عداه فلم يدل على نفيه، وقد بينه في الأحاديث الأخر. ويؤيد هذا الجمع حديث جابر مرفوعا: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة. قلت: وقد تقدم أن عند النسائي من رواية صالح ابن كيسان "إنا حرم لا نأكل الصيد" فبين العلتين جميعا، وجاء عن مالك تفصيل آخر بين ما صيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه أو بعد إحرامه فلا، وعن عثمان التفصيل بين ما يصاد لأجله من المحرمين فيمتنع عليه ولا يمتنع على محرم آخر. وقال ابن المنير في الحاشية: حديث الصعب يشكل على مالك لأنه يقول: ما صيد من أجل المحرم يحرم على المحرم وعلى غير المحرم، فيمكن أن يقال قوله: "فرده عليه" لا يستلزم أنه أباح له أكله، بل يجوز أن يكون أمره بإرساله إن كان حيا وطرحه إن كان مذبوحا فإن السكوت عن الحكم لا يدل على الحكم بضده، وتعقب بأنه وقت البيان فلو لم يجز له الانتفاع به لم يرده عليه أصلا إذ لا اختصاص له به. وفي حديث الصعب الحكم بالعلامة لقوله: "فلما رأى ما في وجهي". وفيه جواز رد الهدية لعلة، وترجم له المصنف "من رد الهدية لعلة" وفيه الاعتذار عن رد الهدية تطييبا لقلب المهدي، وأن الهبة لا تدخل في الملك إلا بالقبول، وأن قدرته على تملكها لا تصيره مالكا لها، وأن على المحرم أن يرسل ما في يده من الصيد الممتنع عليه اصطياده.

(4/34)


مايقتل المحرم من الدواب
...
7 - باب مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ
1826- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
[الحديث 1826- طرفه في 3315]
1827- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ
[الحديث 1827- طرفه في 1828]
1828- حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ حَفْصَةُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُور
1829- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يَقْتُلُهُنَّ فِي الْحَرَمِ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ
[الحديث 1829- طرفه في 3314]

(4/34)


1830- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارٍ بِمِنًى إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ وَالْمُرْسَلاَتِ وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لاَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اقْتُلُوهَا" فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا".
[الحديث 1830- أطرافه في: 3317، 4930، 4931، 4934]
1831- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لِلْوَزَغِ فُوَيْسِقٌ" وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ"
[الحديث 1831- طرفه في 3306]
قوله: "باب ما يقتل المحرم من الدواب" أي مما لا يجب عليه فيه الجزاء، وذكر المصنف فيه ثلاثة أحاديث، الأول منها: اختلف فيه علي ابن عمر، فساقه المصنف على الاختلاف كما سأبينه. قوله: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح" كذا أورده مختصرا وأحال به على طريق سالم، وهو في الموطأ وتمامه "الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور". قوله: "وعن عبد الله بن دينار" هو معطوف على الطريق الأولى، وهو في الموطأ كذلك عن نافع عن ابن عمر، وعن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وقد أورده المصنف في بدء الخلق عن القعنبي عن مالك وساق لفظه مثله سواء. وكذا أخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار، وأخرجه أحمد من طريق شعبة عن عبد الله بن دينار فقال: "الحية" بدل العقرب. قوله: "عن زيد بن جبير" هو الطائي الكوفي، ليس له في الصحيح رواية عن غير ابن عمر، ولا له فيه إلا هذا الحديث وآخر تقدم في المواقيت، وقد خالف نافعا وعبد الله بن دينار في إدخال الواسطة بين ابن عمر وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، ووافق سالما، إلا أن زيدا أبهمها وسالما سماها. قوله: "حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقتل المحرم" كذا ساق منه هذا القدر وأحال به على الطريق التي بعده، وفيه إشارة منه إلى تفسير المبهمة فيه بأنها المسماة في الرواية الأخرى، فقد وصله أبو نعيم في المستخرم من طريق أبي خليفة عن مسدد بإسناد البخاري، وبقيته كرواية حفصة إلا أن فيه تقديما وتأخيرا في بعض الأسماء. وأخرجه مسلم عن شيبان عن أبي عوانة فزاد فيه أشياء ولفظه: "سأل رجل ابن عمر ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ فقال: حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفأرة والعقرب والحدأة والغراب والحية" قال: "وفي الصلاة أيضا: "فلم يقل في أوله خمسا وزاد الحية، وزاد في آخره ذكر الصلاة لينبه بذلك على جواز قتل المذكورات في جميع الأحوال وسأذكر البحث في ذلك، ولم أر هذه الزيادة في غير هذه الطريق فقد أخرجه مسلم من طريق زهير بن معاوية والإسماعيلي من طريق إسرائيل كلاهما عن زيد بن جبير بدونها. قوله: "عن يونس" هو ابن يزيد. قوله: "عن سالم" في رواية مسلم: "أخبرني سالم" أخرجه عن حرملة عن ابن وهب.قوله: "قال عبد الله" في رواية مسلم: "قال لي عبد الله "وفي رواية الإسماعيلي عن سالم عن أبيه أخرجه من طريق إبراهيم بن المنذر عن ابن وهب.قوله: "قالت حفصة" في رواية الإسماعيلي: "عن حفصة" وهذا والذي قبله قد يوهم أن عبد الله ابن عمر ما سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن وقع في بعض

(4/35)


طرق نافع عنه "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم" أخرجه مسلم من طريق ابن جريج قال: "أخبرني نافع"وقال مسلم بعده: لم يقل أحد عن نافع عن ابن عمر سمعت إلا ابن جريج، وتابعه محمد بن إسحاق، ثم ساقه من طريق ابن إسحاق عن نافع كذلك، فالظاهر أن ابن عمر سمعه من أخته حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه أيضا من النبي صلى الله عليه وسلم يحدث به حين سئل عنه، فقد وقع عند أحمد من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: "نادى رجل" ولأبي عوانة في المستخرج من هذا الوجه "أن أعرابيا نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نقتل من الدواب إذا أحرمنا" والظاهر أن المبهمة في رواية زيد بن جبير هي حفصة، ويحتمل أن تكون عائشة، وقد رواه ابن عيينة عن ابن شهاب فأسقط حفصة من الإسناد والصواب إثباتها في رواية سالم، والله أعلم. قوله: "أخبرني يونس" هو ابن يزيد أيضا، وظهر بهذا أن لابن وهب عنه عن الزهري فيه إسنادين: سالم عن أبيه عن حفصة، وعروة عن عائشة، وقد كان ابن عيينة ينكر طريق الزهري عن عروة، قال الحميدي عن سفيان "حدثنا والله الزهري عن سالم عن أبيه "فقيل له إن معمرا يرويه عن الزهري عن عروة عن عائشة، فقال: "حدثنا والله الزهري لم يذكر عروة". قلت: وطريق معمر المشار إليها أوردها المصنف في بدء الخلق من طريق يزيد بن زريع عنه، ورواها النسائي من طريق عبد الرزاق قال عبد الرزاق: ذكر بعض أصحابنا أن معمرا كان يذكره عن الزهري عن سالم عن أبيه، وعن عروة عن عائشة، وطريق الزهري عن عروة رواها أيضا شعيب بن أبي حمزة عند أحمد وأبان بن صالح عند النسائي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وقد تابع الزهري عن عروة هشام بن عروة، أخرجه مسلم أيضا. قوله: "خمس" التقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم أولا ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم، فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ: "أربع" وفي بعض طرقها بلفظ: "ست" فأما طريق أربع فأخرجها مسلم من طريق القاسم عنها فأسقط العقرب، وأما طريق ست فأخرجها أبو عوانة في "المستخرج" من طريق المحاربي عن هشام عن أبيه عنها فأثبتها وزاد الحية، ويشهد لها طريق شيبان التي تقدمت من عند مسلم وإن كانت خالية عن العدد، وأغرب عياض فقال: وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى فصارت سبعا. وتعقب بأن الأفعى داخلة في مسمى الحية. والحديث الذي ذكرت فيه أخرجه أبو عوانة في "المستخرج" من طريق ابن عون عن نافع في آخر حديث الباب قال: قلت لنافع فالأفعى؟ قال ومن يشك في الأفعى؟ ا هـ. وقد وقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود نحو رواية شيبان وزاد السبع العادي فصارت سبعا. وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة وابن المنذر زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس المشهورة فتصير بهذا الاعتبار تسعا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور. ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود من طريق سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقتل المحرم الحية والذئب" ورجاله ثقات. وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطاة عن وبرة عن ابن عمر قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الذئب للمحرم "وحجاج ضعيف. وخالفه مسعر عن وبرة فرواه موقوفا أخرجه ابن أبي شيبة، فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال، والله أعلم. قوله: "من الدواب" بتشديد الموحدة، جمع دابة وهو ما دب من الحيوان. وقد أخرج بعضهم منها الطير لقوله تعالى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}

(4/36)


الآية، وهذا الحديث يرد عليه، فإنه ذكر في الدواب الخمس الغراب والحدأة، ويدل على دخول الطير أيضا عموم قوله تعالى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } ؛ وقوله تعالى: { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} الآية، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم في صفة بدء الخلق "وخلق الدواب يوم الخميس"ولم يفرد الطير بذكر. وقد تصرف أهل العرف في الدابة، فمنهم من يخصها بالحمار، ومنهم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحلف. قوله: "كلهن فاسق يقتلن" قيل فاسق صفة لكل، وفي يقتلن ضمير راجع إلى معنى كل. ووقع في رواية مسلم من هذا الوجه "كلها فواسق". وفي رواية معمر التي في بدء الخلق "خمس فواسق" قال النووي: هو بإضافة خمس لا بتنوينه، وجوز ابن دقيق العيد الوجهين وأشار إلى ترجيح الثاني فإنه قال: رواية الإضافة تشعر بالتخصيص فيخالفها غيرها في الحكم من طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى فيشعر بأن الحكم المرتب على ذلك وهو القتل معلل بما جعل وصفا وهو الفسق فيدخل فيه كل فاسق من الدواب، ويؤيده رواية يونس التي في حديث الباب. قال النووي وغيره: تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية في وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها. وقوله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} أي خرج، وسمى الرجل فاسقا لخروجه عن طاعة ربه، فهو خروج مخصوص. وزعم ابن الأعرابي أنه لا يعرف في كلام الجاهلية ولا شعرهم فاسق، يعني بالمعنى الشرعي. وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق فقيل: لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، وقيل في حل أكله لقوله تعالى: { أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } . وقوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، ومن ثم اختلف أهل الفتوى: فمن قال بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال في الحرم وفي الحل، ومن قال بالثاني ألحق ما لا يؤكل إلا ما نهى عن قتله وهذا قد يجامع الأول، ومن قال بالثالث يخص الإلحاق بما يحصل منه الإفساد. ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن ماجة: قيل له لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ لها وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. فهذا يومئ إلى أن سبب تسمية الخمس بذلك لكون فعلها يشبه فعل الفساق، وهو يرجح القول الأخير، والله أعلم. قوله: "يقتل في الحرم" تقدم في رواية نافع بلفظ: "ليس على المحرم في قتلهن جناح "وعرف بذلك أن لا إثم في قتلها على المحرم ولا في الحرم، ويؤخذ منه جواز ذلك للحلال، وفي الحل من باب الأولى. وقد وقع ذكر الحل صريحا عند مسلم من طريق معمر عن الزهري عن عروة بلفظ: "يقتلن في الحل والحرم"ويعرف حكم الحلال بكونه لم يقم به مانع وهو الإحرام فهو بالجواز أولى، ثم إنه ليس في نفي الجناح - وكذا الحرج في طريق سالم - دلالة على أرجحية الفعل على الترك، لكن ورد في طريق زيد ابن جبير عند مسلم بلفظ: "أمر" وكذا في طريق معمر، ولأبي عوانة من طريق ابن نمير عن هشام عن أبيه بلفظ: "ليقتل المحرم" وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل الندب والإباحة، وروى البزار من طريق أبي رافع قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته إذ ضرب شيئا، فإذا هي عقرب فقتلها، وأمر بقتل العقرب والحية والفأرة والحدأة للمحرم، لكن هذا الأمر ورد بعد الحظر لعموم نهي المحرم عن القتل فلا يكون للوجوب ولا للندب، ويؤيد ذلك رواية الليث عن نافع بلفظ: "أذن" أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة، لكن لم يسق مسلم لفظه. وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره: "خمس قتلهن حلل للمحرم". قوله: "الغراب" زاد في رواية سعيد بن المسيب

(4/37)


عن عائشة عند مسلم: "الأبقع" وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره، ثم وجدت ابن خزيمة قد صرح باختياره، وهو قضية حمل المطلق على المقيد. وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصح لأنها من رواية قتادة عن سعيد، وهو مدلس وقد شذ بذلك. وقال ابن عبد البر: لا تثبت هذه الزيادة. وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصح. وفي جميع هذا التعليل نظر، أما دعوى التدليس فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم وهذا من رواية شعبة، بل صرح النسائي في روايته من طريق النضر بن شميل عن شعبة بسماع قتادة. وأما نفي الثبوت فمردود بإخراج مسلم. وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ وهو كذلك هنا. نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل. وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع ويقال له الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقا بالأبقع. ومنها الغداف على الصحيح في "الروضة" بخلاف تصحيح الرافعي، وسمى ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، قيل سمي غراب البين لأنه بان عن نوح لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به فكانوا إذا نعب مرتين قالوا: آذن بشر، وإذا نعب ثلاثا قالوا: آذن بخير، فأبطل الإسلام ذلك، وكان ابن عباس إذا سمع الغراب قال: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك. وقال صاحب الهداية: المراد بالغراب في الحديث الغداف والأبقع لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع قلا. وكذا استثناه ابن قدامة، وما أظن فيه خلافا، وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود إن صح حيث قال فيه: "ويرمي الغراب ولا يقتله" وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن علي ومجاهد، قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلا ما جاء عن عطاء قال في محرم كسر قرن غراب فقال: إن أدماه فعليه الجزاء وقال الخطابي: لم يتابع أحد عطاء على هذا، انتهى. ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع. وعند المالكية اختلاف آخر في الغراب والحدأة هل يتقيد. جواز قتلهما بأن يبتدئا بالأذى، وهل يختص ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم - كما قال ابن شاس - لا فرق وفاقا للجمهور ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو حمرة، وله ذكر في قصة حفر عبد المطلب لزمزم، وحكمه حكم الأبقع. ومنها العقعق وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل سمي بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، وبهذا ظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضا. ووقع في فتاوى قاضي خان الحنفي: من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر، وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به. قوله: "والحدأ" بكسر أوله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير مد، وحكى صاحب "المحكم" المد فيه ندورا، ووقع في رواية الكشميهني في حديث عائشة "الحدأة" بزيادة هاء بلفظ الواحدة وليست للتأنيث بل هي كالهاء في التمرة، وحكى الأزهري فيها "حدوة"بواو بدل الهمزة، وسيأتي في بدء الخلق من حديثها بلفظ: "الحديا" بضم أوله وتشديد التحتانية مقصور، ومثله لمسلم في رواية هشام بن عروة عن أبيه قال: قال قاسم بن ثابت: الوجه فيه الهمزة، وكأنه سهل ثم أدغم، وقيل هي لغة حجازية، وغيرهم يقول: "حدية" وقد تقدم ذكرها في الكلام على الغراب. ومن خواص الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال إنها لا تختطف إلا من جهة

(4/38)


اليمين، وقد مضى لها ذكر في الصلاة قصة صاحبة الوشاح. "تنبيه": يلتبس بالحدأ الحدأة بفتح أوله: فأس له رأسان. قوله: "والعقرب" هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال عقربة وعقرباء، وليس منها العقربان بل هي دويبة طويلة كثيرة القوائم. قال صاحب "المحكم" ويقال إن عينها في ظهرها وإنها لا تضر ميتا ولا نائما حتى يتحرك. ويقال لدغته العقرب بالغين المعجمة ولسعته بالمهملتين. وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها في حديث الباب ومن جمعهما، والذي يظهر لي أنه صلى الله عليه وسلم نبه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار وبين حكمهما معا حيث جمع. قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال نافع لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها وفي رواية: ومن يشك فيها؟ وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم وحمادا فقالا: لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب. قال: ومن حجتهما أنهما من هوام الأرض فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى. قوله: "والفأر" بهمزة ساكنة ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكى عن إبراهيم النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرم أخرجه ابن المنذر. وقال: هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم. وروى البيهقي بإسناد صحيح حماد بن زيد قال لما ذكروا له هذا القول: ما كان بالكوفة أفحش ردا للآثار من إبراهيم النخعي لقلة ما سمع منها، ولا أحسن اتباعا لها من الشعبي لكثرة ما سمع. ونقل ابن شاس عن المالكية خلافا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى. والفأر أنواع، منها الجرذ بالجيم بوزن عمر، والخلد بضم المعجمة وسكون اللام، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وفأرة الغيط، وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، وسيأتي في الأدب إطلاق الفويسقة عليها من حديث جابر، وتقدم سبب تسميتها بذلك من حديث أبي سعيد. وقيل إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال سفينة نوح، والله أعلم. قوله: "والكلب العقور" الكلب معروف والأنثى كلبة والجمع أكلب وكلاب وكليب بالفتح، كأعبد وعباد وعبيد. وفي الكلب بهيمية سبعية كأنه مركب. وفيه منافع للحراسة والصيد كما سيأتي في بابه. وفيه من اقتفاء الأثر وشم الرائحة والحراسة وخفة النوم والتودد وقبول التعليم ما ليس لغيره. وقيل إن أول من اتخذه للحراسة نوح عليه السلام وقد سبق البحث في نجاسته في كتاب الطهارة ويأتي في بدء الخلق جملة من خصاله. واختلف العلماء في المراد به هنا، وهل لوصفه بكونه عقورا مفهوم أو لا؟ فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: الكلب العقور الأسد. وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأي كلب أعقر من الحية؟ وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصة. وقال مالك في الموطأ: كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب. واحتج أبو عبيد للجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فقتله الأسد. وهو حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه، واحتج بقوله تعالى: { َمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} فاشتقها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح عقور. واحتج الطحاوي للحنفية بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي والصقر وهما من سباع الطير فدل ذلك على اختصاص التحريم بالغراب والحدأة، وكذلك يختص التحريم بالكلب وما شاركه في صفته وهو الذئب.

(4/39)


وتعقب برد الاتفاق، فإن مخالفيهم أجازوا قتل كل ما عدا وافترس، فيدخل فيه الصقر وغيره، بل معظمهم قال: يلتحق بالخمس كل ما نهى عن أكله إلا ما نهي عن قتله. واختلف العلماء في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه، فصرح بتحريم قتله القاضيان حسين والماوردي وغيرهما، ووقع في "الأم" للشافعي الجواز، واختلف كلام النووي فقال في البيع من "شرح المهذب": لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم لا يجوز قتله. وقال في التيمم والغصب: إنه غير محترم. وقال في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه. وهذا اختلاف شديد، وعلى كراهة قتله اقتصر الرافعي وتبعه في "الروضة" وزاد: أنها كراهة تنزيه، والله أعلم. وذهب الجمهور كما تقدم إلى إلحاق غير الخمس بها في هذا الحكم، إلا أنهم اختلفوا في المعنى فقيل: لكونها مؤذية فيجوز قتل كل مؤذ، وهذا قضية مذهب مالك. وقيل: لكونها مما لا يؤكل، فعلى هذا كل ما يجوز قتله لا فدية على المحرم فيه، وهذا قضية مذهب الشافعي. وقد قسم هو وأصحابه الحيوان بالنسبة للمحرم إلى ثلاثة أقسام: قسم يستحب كالخمس وما في معناها مما يؤذي، وقسم يجوز كسائر ما لا يؤكل لحمه وهو قسمان: ما يحصل منه نفع وضرر فيباح لما فيه من منفعة الاصطياد ولا يكره لما فيه من العدوان، وقسم ليس فيه نفع ولا ضرر فيكره قتله ولا يحرم. والقسم الثالث ما أبيح أكله أو نهى عن قتله فلا يجوز ففيه الجزاء إذا قتله المحرم. وخالف الحنفية فاقتصروا على الخمس إلا أنهم ألحقوا بها الحية لثبوت الخبر، والذئب لمشاركته للكلب في الكلبية، وألحقوا بذلك من ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها، وتعقب بظهور المعنى في الخمس وهو الأذى الطبيعي والعدوان المركب، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه تعدي الحكم إلى كل ما وجد فيه ذلك المعنى، كما وافقوا عليه في مسائل الربا. قال ابن دقيق العيد: والتعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذ قوي بالإضافة إلى تصرف أهل القياس، فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق وهو الخروج عن الحد، وأما التعليل بحرمة الأكل ففيه إبطال لما دل عليه إيماء النص من التعليل بالفسق. انتهى. وقال غيره: هو راجع إلى تفسير الفسق، فمن فسره بأنه الخروج عن بقية الحيوان بالأذى علل به، ومن قال بجواز القتل وتحريم الأكل علل به. وقال من علل بالأذى: أنواع الأذى مختلفة، وكأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى باللسع ونحوه من ذوات السموم كالحية والزنبور، وبالفأرة على ما يشاركها في الأذى بالنقب والقرض كابن عرس، وبالغراب والحدأ على ما يشاركهما بالاختطاف كالصقر، وبالكلب العقور على ما يشاركه في الأذى بالعدوان والعقر كالأسد والفهد. وقال: من علل بتحريم الأكل وجواز القتل إنما اقتصر على الخمس لكثرة ملابستها للناس بحيث يعم أذاها، والتخصيص بالغلبة لا مفهوم له. "تكملة": نقل الرافعي عن الإمام أن هذه الفواسق لا ملك فيها لأحد ولا اختصاص، ولا يجب ردها على صاحبها، ولم يذكر مثل ذلك في غير الخمس مما يلتحق بها في المعنى، فليتأمل. واستدل به على جواز قتل من لجأ إلى الحرم ممن وجب عليه القتل لأن إباحة قتل هذه الأشياء معلل بالفسق والقاتل فاسق فيقتل بل هو أولى، لأن فسق المذكورات طبيعي، والمكلفة إذا ارتكب الفسق هاتك لحرمة نفسه فهو أولى بإقامة مقتضى الفسق عليه. وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه بحث قابل للنزاع، وسيأتي بسط القول فيه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. قوله: "حدثني إبراهيم" هو ابن يزيد النخعي، والأسود هو النخعي خاله، وعبد الله هو ابن مسعود. وقد اختلف على الأعمش في إسناد هل الحديث كما سيأتي بيانه في بدء الخلق. قوله: "في غار بمنى" وقع عند الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن حفص بن غياث أن ذلك كان ليلة عرفة، وبذلك يتم

(4/40)


الاحتجاج به على مقصود الباب من جواز قتل الحية للمحرم، كما يدل قوله: "بمنى" على أن ذلك كان في الحرم، وعرف بذلك الرد على من قال ليس في حديث عبد الله ما يدل على أنه أمر بقتل الحية في حال الإحرام، لاحتمال أن يكون ذلك بعد طواف الإفاضة، وقد رواه مسلم وابن خزيمة واللفظ له عن أبي كريب عن حفص بن غياث مختصرا ولفظه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر محرما بقتل حية في الحرم بمنى" ووقع في رواية أبي الوقت عقب حديث الباب: قال أبو عبد الله وهو المصنف: إنما أردنا بهذا أن منى من الحرم، وأنهم لم يروا بقتل الحية - يعني فيه - بأسا ووقع هذا الكلام عند أبي ذر في آخر الباب، ومحله عقب حديث ابن مسعود. قوله: "رطبة" أي لم يجف ريقه بها. قوله: "كما وقيتم شرها" بالنصب لأنه مفعول ثان، وكذلك قوله: "وقيت شركم" أي أن الله سلمها منكم كما سلمكم منها، وهو من مجاز المقابلة. قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم قتل الحية، وتعقب بما تقدم عن الحكم وحماد وبما عند المالكية من استثناء ما صغر منها بحيث لا يتمكن من الأذى. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ إِنَّمَا أَرَدْنَا بِهَذَا أَنَّ مِنًى مِنْ الْحَرَمِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بِقَتْلِ الْحَيَّةِ بَأْسًا قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "قال للوزغ فويسق" اللام بمعنى عن، والمعنى أنه سماه فويسقا، وهو تصغير تحقير مبالغة في الذم. قوله: "ولم أسمعه أمر بقتله" هو مقول عن عائشة والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم، وقضية تسميته إياه فويسقا أن يكون قتله مباحا، وكونها لم تسمعه لا يدل على منع ذلك فقد سمعه غيرها كما سيأتي في بدء الخلق عن سعد بن أبي وقاص وغيره، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على جواز قتله في الحل والحرم، لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك: لا يقتل المحرم الوزغ، زاد ابن القاسم: وإن قتله يتصدق لأنه ليس من الخمس المأمور بقتلها. وروى ابن أبي شيبة أن عطاء سئل عن قتل الوزغ في الحرم فقال: إذا آذاك فلا بأس بقتله. وهذا يفهم توقف قتله على أذاه.

(4/41)


لا يعضد الشجر الحرم
...
8 - باب لاَ يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ
1832- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْغَدِ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلاَ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا لَهُ إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ عَاصِيًا وَلاَ فَارًّا بِدَمٍ وَلاَ فَارًّا بِخُرْبَةٍ" خُرْبَةٌ: بَلِيَّةٌ

(4/41)


قوله: "باب لا يعضد شجر الحرم" بضم أوله وفتح الضاد المعجمة، أي لا يقطع. قوله: "وقال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعضد شوكه" سيأتي موصولا بعد باب ويأتي البحث فيه هناك.قوله: "عن سعيد" في رواية عبد الله بن يوسف عن الليث حدثني سعيد كما تقدم في العلم.قوله: "عن أبي شريح العدوي" كذا وقع هنا، وفيه نظر لأنه خزاعي من بني كعب بن ربيعة ابن لحي، بطن من خزاعة، ولهذا يقال له الكعبي أيضا، وليس هو من بني عدي، لا عدي قريش ولا عدي مضر، فلعله كان حليفا لبني عدي بن كعب من قريش، وقيل في خزاعة بطن يقال ثم لهو بنو عدي، وقد وقع في رواية ابن أبي ذئب عن سعيد "سمعت أبا شريح "أخرجه أحمد. واختلف في اسمه فالمشهور أنه خويلد بن عمرو، وقيل ابن صخر، وقيل هانئ بن عمرو، وقيل عبد الرحمن، وقيل كعب، وقيل عمرو بن خويلد، وقيل مطر، أسلم قبل الفتح، وحمل بعض ألوية قومه، وسكن المدينة ومات بها سنة ثمان وستين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديثين آخرين. قوله: "لعمرو بن سعيد" أي ابن أبي العاص بن سعيد بن العاص بن أمية المعروف بالأشدق، وقد تقدم ذلك مع شرح بعض الحديث في "باب تبليغ العلم" من كتاب العلم. ووقع عند أحمد من طريق ابن إسحاق عن سعيد المقبري زيادة في أوله توضح المقصود وهي "لما بعث عمرو بن سعيد إلى مكة بعثه لغزو ابن الزبير أتاه أبو شريح فكلمه وأخبره بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج إلى نادى قومه فجلس فيه، فقمت إليه فجلست معه فحدث قومه قال: قلت له يا هذا إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا "فذكر الحديث. وأخرج أحمد أيضا من طريق الزهري عن مسلم بن يزيد الليثي عن أبي شريح الخزاعي أنه سمعه يقول: "أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع السيف، فلقي الغد رهط منا رجلا من هذيل في الحرم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان وترهم في الجاهلية وكانوا يطلبونه فقتلوه، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضبا شديدا ما رأيته غضب أشد منه، فلما صلى قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإن الله حرم مكة "انتهى. وقد ذكر أبو هريرة في حديثه هذه القصة مختصرة وتقدم الكلام عليها في "باب كتابة العلم" من كتاب العلم، وذكرنا أن عمرو بن سعيد كان أميرا على المدينة من قبل يزيد بن معاوية وأنه جهز إلى مكة جيشا لغزو عبد الله بن الزبير بمكة، وقد ذكر الطبري القصة عن مشايخه فقالوا: كان قدوم عمرو بن سعيد واليا علي المدينة من قبل يزيد بن معاوية في ذي القعدة سنة ستين، وقيل قدمها في رمضان منها وهي السنة التي ولى فيها يزيد الخلافة، فامتنع ابن الزبير من بيعته وأقام بمكة، فجهز إليه عمرو بن سعيد جيشا وأمر عليهم عمرو بن الزبير وكان معاديا لأخيه عبد الله، وكان عمرو بن سعيد قد ولاه شرطته ثم أرسله إلى قتال أخيه، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد فنهاه فامتنع، وجاء أبو شريح فذكر القصة، فلما نزل الجيش ذا طوى خرج إليهم جماعة من أهل مكة فهزموهم وأسر عمرو بن الزبير فسجنه أخوه بسجن عارم، وكان عمرو بن الزبير قد ضرب جماعة من أهل المدينة ممن اتهم بالميل إلى أخيه فأقادهم عبد الله منه حتى مات عمرو من ذلك الضرب. "تنبيه": وقع في السيرة لابن إسحاق ومغازي الواقدي أن المراجعة المذكورة وقعت بين أبي شريح وبين عمرو بن الزبير، فإن كان محفوظا احتمل أن يكون أبو شريح راجع الباعث والمبعوث، والله أعلم. قوله: "وهو يبعث البعوث" هي جمع بعث بمعنى مبعوث وهو من تسمية المفعول بالمصدر والمراد به الجيش المجهز للقتال. قوله: "إيذن"

(4/42)


أصله ائذن بهمزتين فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. قوله: "أيها الأمير" الأصل فيه يا أيها الأمير فحذف حرف النداء، ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة السلطان ليكون أدعى لقبولهم النصيحة وأن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه، فترك ذلك والغلظة له قد يكون سببا لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه، وسيأتي في الحدود قول والد العسيف "وائذن لي". قوله: "قام به" صفة للقول، والمقول هو حمد الله تعالى الخ. وقوله: "الغد" بالنصب أي ثاني يوم الفتح وقد تقدم بيانه. قوله: "سمعته أذناي الخ" فيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه، فقوله: "سمعته" أي حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتأكيد، وقوله: "ووعاه قلبي" تحقيق لفهمه وتثبته، وقوله: "وأبصرته عيناي" زيادة في تحقيق ذلك وأن سماعه منه ليس اعتمادا على الصوت فقط بل مع المشاهدة، وقوله: "حين تكلم به "أي بالقول المذكور، ويؤخذ من قوله: "ووعاه قلبي" أن العقل محله القلب. قوله: "إنه حمد الله" هو بيان لقوله تكلم، ويؤخذ منه استحباب الثناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمة وقد تقدم من رواية ابن إسحاق أنه قال فيها "أما بعد". قوله: "إن الله حرم مكة" أي حكم بتحريمها وقضاه، وظاهره أن حكم الله تعالى في مكة أن لا يقاتل أهلها ويؤمن من استجار بها ولا يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً } ، وسيأتي بعد باب في حديث ابن عباس بلفظ: "هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض"، ولا معارضة بين هذا وبين قوله الآتي في الجهاد وغيره من حديث أنس "أن إبراهيم حرم مكة "لأن المعنى أن إبراهيم حرم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حراما، أو أول من أظهره بعد الطوفان. وقال القرطبي: معناه أن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب ينسب لأحد ولا لأحد فيه مدخل قال: ولأجل هذا أكد المعنى بقوله: "ولم يحرمها الناس" والمراد بقوله ولم يحرمها الناس أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرمات الله فيجب امتثال ذلك، وليس من محرمات الناس يعني في الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد في تركه. وقيل معناه أن حرمتها مستمرة من أول الخلق، وليس مما اختصت به شريعة النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "فلا يحل الخ" فيه تلبيه على الامتثال لأن من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه خوف الحساب عليه، وقد تعلق به من قال: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثر خلافه، وجوابهم بأن المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام وينزجر عن المحرمات فجعل الكلام معه وليس فيه نفي ذلك عن غيره. وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنه من خطاب التهييج، نحو قوله تعالى: { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فالمعنى أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، ولو قيل لا يحل لأحد مطلقا لم يحصل منه هذا الغرض وإن أفاد التحريم. قوله: "أن يسفك بها دما" تقدم ضبطه في العلم، واستدل به على تحريم القتل والقتال بمكة، وسيأتي البحث فيه بعد باب في الكلام على حديث ابن عباس. قوله: "ولا يعضد بها شجرة" أي لا يقطع. قال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون "يعضد" بضم الضاد. وقال لنا ابن الخشاب هو بكسرها، والمعضد بكسر أوله الآلة التي يقطع بها. قال الخليل: المعضد الممتهن من السيوف في قطع الشجر. وقال

(4/43)


الطبري: أصله من عضد الرجل إذا أصابه بسوء في عضده، ووقع في رواية لعمر بن شبة بلفظ: "لا يخضد" بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معناه فإن أصل الخضد الكسر ويستعمل في القطع.قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه والجمهور عل الجواز. وقال الشافعي: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة. واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم. وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي. وقال الشافعي: في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة. واحتج الطبري بالقياس على جزاء الصيد، وتعقبه ابن القصار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئا من شجر الحل ولا قائل به. وقال ابن العربي: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذي بطبعه فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور كما سيأتي في حديث ابن عباس بعد باب بلفظ: "ولا يعضد شوكه" وصححه المتولي من الشافعية، وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة النص. فلا يعتبر به، حتى ولو لم يرد النص على تحريم الشوك لكان في تحريم قطع الشجر دليل على تحريم قطع الشوك لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضا فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر. قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر بغير صنع آدمي ولا بما يسقط من الورق نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا. قوله: "فإن أحد" هو فاعل بفعل مضمر يفسره ما بعده، وقوله: "ترخص"مشتق من الرخصة. وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد "فإن ترخص مترخص فقال: أحلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس "وفي مرسل عطاء بن يزيد عند سعيد بن منصور" فلا يستن بي أحد فيقول قتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "وإنما أذن لي" بفتح أوله والفاعل الله، ويروي بضمه على البناء للمفعول. قوله: "ساعة من نهار" تقدم في العلم أن مقدارها ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر، ولفظ الحديث عند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "لما فتحت مكة قال: كفوا السلاح، إلا خزاعة عن بني بكر. فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: كفوا السلاح، فلقي رجل من خزاعة رجلا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا فقال، ورأيته مسندا ظهره إلى الكعبة "فذكر الحديث. ويستفاد منه أن قتل من أذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتلهم - كابن خطل - وقع في الوقت الذي أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم فيه القتال، خلافا لمن حمل قوله: "ساعة من النهار" على ظاهره فاحتاج إلى الجواب عن قصة ابن خطل. قوله: "وقد عادت حرمتها" أي الحكم الذي في مقابلة إباحة القتال المستفادة من لفظ الإذن. وقوله: "اليوم" المراد به الزمن الحاضر، وقد بين غايته في رواية ابن أبي ذئب المذكورة بقوله: "ثم هي حرام إلى يوم القيامة". وكذا في حديث ابن عباس الآتي بعد باب بقوله: "فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة". قوله: "فليبلغ الشاهد الغائب" قال ابن جرير: فيه دليل على جواز قبول خبر الواحد، لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ، وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما أبلغه كالذي لزم السامع سواء، وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة. قوله: "فقيل لأبي شريح" لم أعرف اسم القائل، وظاهر رواية ابن إسحاق أنه بعض قومه من خزاعة. قوله: "لا يعيذ" بالذال المعجمة أى لا يجير ولا يعصم. قوله: "ولا فارا" بالفاء وتثقيل الراء أي هاربا، والمراد

(4/44)


من وجب عليه حد القتل فهرب إلى مكة مستجيرا بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل وفي تخصيصه العموم بلا مستند. قوله: "بخربة" تقدم تفسيره في العلم، وأشار ابن العربي إلى ضبطه بكسر أوله وبالزاي بدل الراء والتحتانية بدل الموحدة جعله من الخزي، والمعنى صحيح لكن لا تساعد عليه الرواية. وأغرب الكرماني لما حكى هذا الوجه فأبدل الخاء المعجمة جيما جعله من الجزية، وذكر الجزية وكذا الذم بعد ذكر العصيان من الخاص بعد العام. قوله: "خربة بلية" هو تفسير من الراوي، والظاهر أنه المصنف، فقد وقع في المغازي في آخره: "قال أبو عبد الله: الخربة البلية "وسبق في العلم في آخره: "يعني المسرقة" وهي أحد ما قيل في تأويلها، وأصلها سرقة الإبل ثم استعملت في كل سرقة. وعن الخليل: الخربة الفساد في الإبل، وقيل العيب، وقيل بضم أوله العورة وقيل الفساد، وبفتحه الفعلة الواحدة من الخرابة وهي السرقة. وقد وهم من عد كلام عمرو بن سعيد هذا حديثا واحتج بما تضمنه كلامه. قال ابن حزم: لا كرامة للطيم الشيطان يكون أعلم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأغرب ابن بطال فزعم أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن سعيد دال على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور، ويعكر عليه ما وقع في رواية أحمد أنه قال في آخره: قال أبو شريح فقلت لعمرو قد كنت شاهدا وكنت غائبا. وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد بلغتك. فهذا يشعر بأنه لم يوافقه، وإنما ترك مشاققته لعجزه عنه لما كان فيه من قوة الشوكة. وقال ابن بطال أيضا: ليس قول عمرو جوابا لأبي شريح، لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدا في غير الحرم ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحد عليه في الحرم، فإن أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكة ونصب الحرب عليها فأحسن في استدلاله بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه وأجابه عن غير سؤاله. وتعقبه الطيبي بأنه لم يحد في جوابه، وإنما أجاب بما يقتضي القول بالموجب كأنه قال له: صح سماعك وحفظك، لكن المعنى المراد من الحديث الذي ذكرته خلاف ما فهمته منه، فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح وليس، بسبب قتل من استحق القتل خارج الحرم ثم استجار بالحرم، والذي أنا فيه من القبيل الثاني. قلت: لكنها دعوى من عمرو بغير دليل، لأن ابن الزبير لم يجب عليه حد فعاذ بالحرم فرارا منه حتى يصح جواب عمرو، نعم كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذي استنابه، وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة ويحضر إليه في جامعة يعني مغلولا فامتنع ابن الزبير وعاذ بالحرم فكان يقال له بذلك عائذ الله، وكان عمرو يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثال أمر يزيد ولهذا صدر كلامه بقوله: "إن الحرم لا يعيذ عاصيا "ثم ذكر بقية ما ذكر استطرادا، فهذه شبهة عمرو وهي واهية. وهذه المسألة التي وقع فيها الاختلاف بين أبي شريح وعمرو فيها اختلاف بين العلماء أيضا كما سيأتي بعد باب في الكلام على حديث ابن عباس. وفي حديث أبي شريح من الفوائد غير ما تقدم جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضى ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك، وإنكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين والموعظة بلطف وتدريج، والاقتصار في الإنكار على اللسان إذا لم يستطع باليد، ووقوع التأكيد في الكلام البليغ، وجواز المجادلة في الأمور الدينية، وجواز النسخ، وأن مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجة على مجتهد. وفيه الخروج عن عهدة التبليغ والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بدا من ذلك، وتمسك به من قال: إن مكة فتحت عنوة. قال النووي: تأول من قال فتحت صلحا بأن القتال كان جائزا له لو فعله لكن لم يحتج إليه، وتعقب بأنه خلاف الواقع، وسيأتي البحث فيه في المغازي. وقد تقدمت تسمية القاتل والمقتول في قصة أبي شريح في الكلام على

(4/45)


حديث أبي هريرة.

(4/46)


9 - باب: لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُ الْحَرَمِ
1833- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إِلاَّ الإِذْخِرَ وَعَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا هُوَ أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنْ الظِّلِّ يَنْزِلُ مَكَانَهُ
قوله: "باب لا ينفر صيد الحرم" بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة، قيل هو كناية عن الاصطياد، وقل هو على ظاهره كما سيأتي. قال النووي: يحرم التنفير - وهو الإزعاج - عن موضعه، فإن نفره عصى سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى. قوله: "حدثنا عبد الوهاب" هو الثقفي، وخالد هو الحذاء. قوله: "إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد بعدي" في رواية الكشميهني: "فلا تحل" وهو أليق بقصد الأمر الآتي، وقد ذكره في الباب الذي بعده بلفظ: "وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي" وهو عند المصنف في أوائل البيع من طريق خالد الطحان عن خالد الحذاء بلفظ: "فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي" ومثله لأحمد من طريق وهيب عن خالد. قال ابن بطال: المراد بقوله: "ولا تحل لأحد بعدي" الإخبار عن الحكم في ذلك لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشاهد كما وقع من الحجاج وغيره. انتهى. ومحصله أنه خبر بمعنى النهي، بخلاف قوله: "فلم تحل لأحد قبلي "فإنه خبر محض، أو معنى قوله: "ولا تحل لأحد بعدي"أي لا يحلها الله بعدي، لأن النسخ ينقطع بعده لكونه خاتم النبيين. قوله: "وعن خالد" هو بالإسناد المذكور، وسيأتي في أوائل البيوع بأوضح مما هنا. قوله: "هل تدري ما لا ينفر صيدها الخ" قيل نبه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف وسائر أنواع الأذى تنبيها بالأدنى على الأعلى، وقد خالف عكرمة عطاء ومجاهد فقالا: لا بأس بطرده ما لم يفض إلى قتله. أخرجه ابن أبي شيبة. وروى ابن أبي شيبه أيضا من طريق الحكم عن شيخ من أهل مكة أن حماما كان على البيت فذرق على يد عمر، فأشار عمر بيده فطار فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حية فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة. وروى من طريق أخرى عن عثمان نحوه.

(4/46)


10 - باب: لاَ يَحِلُّ الْقِتَالُ بِمَكَّةَ
وَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَسْفِكُ بِهَا دَمًا
1834- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ لاَ هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا

(4/46)


11 - باب: الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ وَكَوَى ابْنُ عُمَرَ ابْنَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَيَتَدَاوَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ
1835- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ لَنَا عَمْرٌو أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ حَدَّثَنِي طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا
[الحديث 1835 أطرافه في 1938، 1939، 2103، 2278، 2279، 5691، 5694، 5695، 5699، 5700، 5701]
1836- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ"
[الحديث 1836- طرفه في: 5698]
قوله: "باب الحجامة للمحرم" أي هل يمنع منها أو تباح له مطلقا أو للضرورة؟ والمراد في ذلك كله المحجوم لا الحاجم. قوله: "وكوى ابن عمر ابنه وهو محرم" هذا الابن اسمه واقد، وصل ذلك سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال: "أصاب واقد بن عبد الله بن عمر برسام في الطريق وهو متوجه إلى مكة فكواه ابن عمر "فأبان أن ذلك كان للضرورة. قوله: "ويتداوى ما لم يكن فيه طيب" هذا من تتمة الترجمة، وليس في أثر ابن عمر كما ترى. وأما قول الكرماني: فاعل "يتداوى" إما المحرم وإما ابن عمر فكلام من لم يقف على أثر ابن عمر، وقد سبق في أوائل الحج في "باب الطيب عند الإحرام" قول ابن عباس"ويتداوى بما يأكل" وهو موافق لهذا، والجامع بين هذا وبين الحجامة عموم التداوي. وروى الطبري من طريق الحسن قال: "إن أصاب المحرم شجة فلا بأس بأن يأخذ ما حولها من الشعر ثم يداويها بما ليس فيه طيب". قوله: "قال لنا عمرو أول شيء" أي أول مرة، في رواية الحميدي عن سفيان "حدثنا عمرو وهو ابن دينار "أخرجه أبو نعيم وأبو عوانة من طريقه. قوله: "ثم سمعته" هو مقول سفيان والضمير لعمرو، وكذا قوله: "فقلت لعله سمعه "وقد بين ذلك الحميدي عن سفيان فقال: حدثنا بهذا الحديث عمرو مرتين فذكره، لكن قال: فلا أدري أسمعه منهما أو كانت إحدى الروايتين وهما، زاد أبو عوانة: قال سفيان: ذكر لي أنه سمعه منهما جميعا. وأخرجه ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة نحو رواية علي بن عبد الله وقال في آخره: فظننت أنه رواه عنهما جميعا. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق سليمان بن أيوب عن سفيان قال عن عمرو عن عطاء فذكره. قال: ثم حدثنا عمرو عن طاوس به، فقلت لعمرو: إنما كنت حدثتنا عن عطاء، قال: اسكت يا صبي، لم أغلط، كلاهما حدثني. قلت: فإن كان هذا محفوظا فلعل سفيان تردد في كون عمرو سمعه منهما لما خشي من كون ذلك صدر منه حالة الغضب، على أنه قد حدث به فجمعهما. قال أحمد في مسنده: حدثنا سفيان قال: قال عمرو أولا فحفظناه: قال طاوس عن ابن عباس فذكره. فقال أحمد: وقد حدثنا به سفيان فقال: قال عمرو عن عطاء وطاوس عن ابن عباس. قلت: وكذا جمعهما عن سفيان مسدد عند المصنف في الطب، وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة وإسحاق بن راهويه عند مسلم، وقتيبة عند الترمذي والنسائي. وتابع سفيان على روايته

(4/50)


له عن عمرو لكن عن طاوس وحده زكريا بن إسحاق، أخرجه أحمد وأبو عوانة وابن خزيمة والحاكم، وله أصل عن عطاء أيضا، أخرجه أحمد والنسائي من طريق الليث عن أبي الزبير، ومن طريق ابن جريج كلاهما عنه. "تنبيه": زعم الكرماني أن مراد البخاري بالسياق المذكور أن عمرا حدث به سفيان أولا عن عطاء عن ابن عباس بغير واسطة، ثم حدثه به ثانيا عن عطاء بواسطة طاوس. قلت: وهو كلام من لم يقف على طريق مسدد التي في الكتاب الذي شرح فيه فضلا عن بقية الطرق التي ذكرناها، ولا تعرف مع ذلك لعطاء عن طاوس رواية أصلا، والله المستعان. قوله: "وهو محرم" زاد ابن جريج عن عطاء "صائم" "بلحي جمل" وزاد زكريا "على رأسه "وستأتي رواية عكرمة في الصوم، وهذه الزيادات موافقة لحديث ابن بحينة ثاني حديثي الباب دون ذكر الصيام. قوله: "عن علقمة بن أبي علقمة" في رواية النسائي من طريق محمد بن خالد عن سليمان "أخبرني علقمة" واسم أبي علقمة بلال، وهو مدني تابعي صغير سمع أنسا، وهو علقمة بن أم علقمة واسمها مرجانة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث. قوله: "عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بحينة" في رواية المصنف في الطب عن إسماعيل - وهو ابن أبي أويس - عن سليمان عن علقمة أنه سمع عبد الرحمن الأعرج أنه سمع عبد الله بن بحينة. قوله: "بلحي جمل" بفتح اللام وحكى كسرها وسكون المهملة وبفتح الجيم والميم: موضع بطريق مكة. وقد وقع مبينا في رواية إسماعيل المذكورة "بلحي حمل من طريق مكة "ذكر البكري في معجمه في رسم العقيق قال: هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم، يعني الماضي في التيمم. وقال غيره: هي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا. ووقع في رواية أبي ذر "بلحي جمل" بصيغة التثنية، ولغيره بالإفراد. ووهم من ظنه فكي الجمل الحيوان المعروف وأنه كان آلة الحجم، وجزم الحازمي وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع، وسيأتي البحث في أنه هل كان صائما في كتاب الصيام. قوله: "في وسط" بفتح المهملة أي متوسطه، وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه الحجامة في فأس الرأس، وأما التي في أعلاه فلا لأنها ربما أعمت، وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب الطب إن شاء الله تعالى. قال النووي: إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لقطع الشعر، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك. وعن الحسن فيها الفدية وإن لم يقطع شعرا. وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر وتجب الفدية. وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس. قال الداودي: إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق. واستدل بهذا الحديث على جواز الفصد وبط الجرح والدمل وقطع العرق وقلع الضرس وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهى عنه المحرم من تناول الطيب وقطع الشعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك، والله أعلم.

(4/51)


12 - باب: تَزْوِيجِ الْمُحْرِمِ
1837- حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج حدثنا الأوزاعي حدثني عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم
[الحديث 1837- أطرافه في 4258، 4259، 5114]
قوله: "باب: تزويج المحرم" أورد فيه حديث ابن عباس في تزويج ميمونة، وظاهر صنيعه أنه لم يثبت عنده

(4/51)


النهي عن ذلك، ولا أن ذلك من الخصائص، وقد ترجم في النكاح "باب نكاح المحرم" ولم يزد على إيراد هذا الحديث، ومراده بالنكاح التزويج للإجماع على إفساد الحج والعمرة بالجماع. وقد اختلف في تزويج ميمونة، فالمشهور عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم، وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة، وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالا، وعن أبي رافع مثله وأنه كان الرسول إليها، وسيأتي الكلام على ذلك مستوفي في "باب: عمرة القضاء" من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى. اختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور على المنع لحديث عثمان "لا ينكح المحرم ولا ينكح" أخرجه مسلم، وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت ولا تقوم بها الحجة، ولأنها تحتمل الخصوصية، فكان الحديث في النهي عن ذلك أولى بأن يؤخذ به. وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتعقب بأنه قياس في معارضة السنة فلا يعتبر به. وأما تأويلهم حديث عثمان بأن المراد به الوطء فمتعقب بالتصريح فيه بقوله: "ولا ينكح" بضم أوله، وبقوله فيه: "ولا يخطب".

(4/52)


ماينهى من الطيب للمحرم و المحرمة
...
13 - باب مَا يُنْهَى مِنْ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لاَ تَلْبَسْ الْمُحْرِمَةُ ثَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ
1838- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ وَلاَ الْعَمَائِمَ وَلاَ الْبَرَانِسَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلاَنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلاَ الْوَرْسُ وَلاَ تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلاَ تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ وَجُوَيْرِيَةُ وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَلاَ وَرْسٌ وَكَانَ يَقُولُ لاَ تَتَنَقَّبْ الْمُحْرِمَةُ وَلاَ تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لاَ تَتَنَقَّبْ الْمُحْرِمَةُ وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ
1839- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ وَلاَ تُغَطُّوا رَأْسَهُ وَلاَ تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ"
قوله: "باب ما ينهى" أي عنه "من الطيب للمحرم والمحرمة" أي أنهما في ذلك سواء، ولم يختلف العلماء في ذلك، وإنما اختلفوا في أشياء هل تعد طيبا أو لا؟ والحكمة في منع المحرم من الطيب أنه من دواعي الجماع ومقدماته التي تفسد الإحرام، وبأنه ينافي حال المحرم فإن المحرم أشعث أغبر. قوله: "وقالت عائشة: لا تلبس المحرمة ثوبا بورس أو زعفران" وصله البيهقي من طريق معاذ عن عائشة قالت: "المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت

(4/52)


إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران، ولا تبرقع ولا تلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت" وقد تقدم في أوائل الباب أن المرأة كالرجل في منع الطيب إجماعا. وروى أحمد وأبو داود والحاكم أصل حديث الباب من طريق ابن إسحاق حدثني نافع عن ابن عمر بلفظ: "أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب" ثم أورد المصنف حديث ابن عمر "قام رجل فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس؟" الحديث. وقد تقدم في أوائل الحج مع سائر مباحثه في "باب ما يلبس المحرم من الثياب" وزاد فيه هنا "ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين" وذكر الاختلاف في رفع هذه الزيادة ووقفها، وسأبين ما في ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: "تابعه موسى بن عقبة" وصله النسائي من طريق عبد الله بن المبارك عنه عن نافع في آخر الزيادة المذكورة قبل. قوله: "وإسماعيل بن إبراهيم" أي ابن عقبة، وهو ابن أخي موسى المذكور قبله، وقد رويناه من طريقه موصولا في "فوائد علي بن محمد المصري" من رواية السلفي عن الثقفي عن ابن بشران عنه عن يوسف بن يزيد عن يعقوب بن أبي عباد عن إسماعيل عن نافع به. قوله: "وجويرية" أى ابن أسماء، وصله أبو يعلى عن عبد الله بن محمد بن أسماء عنه عن نافع وفيه الزيادة. قوله: "وابن إسحاق" وصله أحمد وغيره كما تقدم في أول الباب. قوله: "في النقاب والقفازين" أي في ذكرهما في الحديث المرفوع. والقفاز بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي: ما تلبسه المرأة في يدها فيغطي أصابعها وكفيها عند معاناة الشيء كغزل ونحوه، وهو لليد كالخف للرجل. والنقاب الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر، وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة، ولكن الرجل في القفاز مثلها لكونه في معنى الخف فإن كلا منهما محيط بجزء من البدن، وأما النقاب فلا يحرم على الرجل من جهة الإحرام لأنه لا يحرم عليه تغطية وجهه على الراجح كما سيأتي الكلام عليه في حديث ابن عباس في هذا الباب. قوله: "وقال عبيد الله" يعني ابن عمر العمري "ولا ورس" وكان يقول: "لا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين "يعني أن عبيد الله المذكور خالف المذكورين قبل في رواية هذا الحديث عن نافع فوافقهم على رفعه إلى قوله: "زعفران ولا ورس" وفصل بقية الحديث فجعله من قول ابن عمر. وهذا التعليق عن عبيد الله وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن محمد بن بشر وحماد بن مسعدة وابن خزيمة من طريق بشر ابن المفضل ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر عن نافع فساق الحديث إلى قوله: "ولا ورس" قالا: وكان عبد الله - يعني ابن عمر - يقول: "ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين"ورواه يحيى القطان عند النسائي وحفص ابن غياث عند الدار قطني كلاهما عن عبيد الله فاقتصر على المتفق على رفعه. قوله: "وقال مالك الخ" هو في "الموطأ" كما قال، والغرض أن مالكا اقتصر على الموقوف فقط، وفي ذلك تقوية لرواية عبيد الله وظهر الإدراج في رواية غيره. وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النهي عن النقاب والقفاز مفردا مرفوعا وللابتداء بالنهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة المقدم ذكرها وقال في "الاقتراح" : دعوى الإدراج في أول المتن ضعيفة. وأجيب بأن الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدمت ولا سيما إن كان حافظا ولا سيما إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك فإن عبيد الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه وفد فصل المرفوع من الموقوف، وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شذ بذلك وهو ضعيف، وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى، أشار إلى

(4/53)


ذلك شيخنا في شرح الترمذي". وقال الكرماني: فإن قلت فلم قال بلفظ: "قال: "وثانيا بلفظ. "كان يقول: "؟ قلت لعله قال ذلك مرة وهذا كان بقوله دائما مكررا، والفرق بين المرويين إما من جهة حذف المرأة وإما من جهة أن الأول بلفظ: "لا تتنقب" من التفعل والثاني من الافتعال، وإما من جهة أن الثاني بضم الباء على سبيل النفي لا غير والأول بالضم والكسر نفيا ونهيا. انتهى كلامه ولا يخفى تكلفه. قوله: "وتابعه ليث بن أبي سليم" أي تابع مالكا في وقفه، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من طريق فضيل بن غزوان عن نافع موقوفا علي ابن عمر. ومعنى قوله: "ولا تنتقب" أي لا تستر وجهها كما تقدم. واختلف العلماء في ذلك فمنعه الجمهور وأجازه الحنفية وهو رواية عند الشافعية والمالكية، ولم يختلفوا في منعها من ستر وجهها وكفيها بما سوى النقاب والقفازين. قوله مسه ورس إلخ مفهومه جواز ما ليس فيه ورس ولا زعفران، لكن ألحق العلماء بذلك أنواع الطيب للاشتراك في الحكم واختلفوا في المصبوغ بغير زعفران والورس وقد تقدم ذلك، والورس نبات باليمن قاله جماعة وجزم بذلك ابن العربي وغيره وقال ابن البيطار في مفرداته : الورس يوتى به من اليمن والهند والصين، وليس بنبات بل يشبه رهر العصفر، ونبته شيء يشبه البنفسج، ويقال إن الكركم عروقه قوله: "عن منصور" هو ابن المعتمر، والحكم هو ابن عتيبة. قوله: "وقصت" بفتح القاف والصاد المهملة تقدم تفسيره في "باب كفن المحرم" ويأتي في "باب المحرم يموت بعرفة "بيان اختلاف في هذه اللفظة، والمراد هنا قوله: "ولا تقربوه طينا" وهي بتشديد الراء، وسيأتي قريبا بلفظ: "ولا تحنطوه" وهو من الحنوط بالمهملة والنون وهو الطيب الذي يصنع للميت. وقوله: "يبعث ملبيا1" أي على هيئته التي مات عليها. واستدل بذلك على بقاء إحرامه خلافا للمالكية والحنفية، وقد تمسكوا من هذا الحديث بلفظة اختلف في ثبوتها وهي قوله: "ولا تخمروا وجهه" فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطية وجهه، مع أنهم لا يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات محرما، وأما الجمهور فأخذوا بظاهر الحديث وقالوا: إن في ثبوت ذكر الوجه مقالا، وتردد ابن المنذر في صحة. وقال البيهقي: ذكر الوجه غريب وهو وهم من بعض رواته، وفي كل ذلك نظر فإن الحديث ظاهره الصحة ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل عن منصور وأبي الزبير كلاهما سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكر الحديث. قال منصور "ولا تغطوا وجهه" وقال أبو الزبير "ولا تكشفوا وجهه" وأخرجه النسائي من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير بلفظ: "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه" وأخرجه مسلم أيضا من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير بلفظ: "ولا يمس طيبا خارج رأسه" قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك فقال: "خارج رأسه ووجهه" انتهى. وهذه الرواية تتعلق بالتطيب لا بالكشف والتغطية، وشعبة احفظ من كل من روى هذا الحديث، فلعل بعض رواته انتقل ذهنه من التطيب إلى التغطية. وقال أهل الظاهر: يجوز للمحرم الحي تغطية وجهه ولا يجوز للمحرم الذي يموت عملا بالظاهر في الموضعين. وقال آخرون: هي واقعة عين لا عموم فيها لأنه علل ذلك بقوله: "لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا" وهذا الأمر لا يتحقق وجوده في غيره فيكون خاصا بدلك الرجل؛ ولو استمر بقاؤه على إحرامه لأمر بقضاء مناسكه، وسيأتي ترجمة المصنف بنفي. وقال أبو الحسن بن القصار: لو أريد تعميم الحكم في كل محرم لقال: "فإن المحرم "كما جاء " أن الشهيد يبعث
ـــــــ
1 لفظ المتن"يبعث يهل "

(4/54)


وجرحه يثعب دما" ، وأجيب بأن الحديث ظاهر في أن العلة في الأمر المذكور كونه كان في النسك وهي عامة في كل محرم، والأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت لغيره حتى يتضح التخصيص. واختلف في الصائم بموت هل يبطل صومه بالموت حتى يجب قضاء صوم ذلك اليوم عنه أو لا يبطل؟ وقال النووي: يتأول هذا الحديث على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز تغطية وجهه بل هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطي رأسه ا ه. وروى سعيد بن منصور من طريق عطاء قال: يغطي المحرم من وجهه ما دون الحاجبين أي من أعلى. وفي رواية: ما دون عينيه. وكأنه أراد مزيد الاحتياط لكشف الرأس، والله أعلم. "تكملة": كان وقوع المحرم المذكور عند الصخرات من عرفة. وفي الحديث إطلاق الواقف على الراكب، واستحباب دوام التلبية في الإحرام، وأنها لا تنقطع بالتوجه لعرفة، وجواز غسل المحرم بالسدر ونحوه مما لا يعد طيبا. وحكى المزني عن الشافعي أنه استدل على جواز قطع سدر الحرم بهذا الحديث لقوله فيه: "واغسلوه بماء وسدر" والله أعلم. "تنبيه": لم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية المحرم المذكور، وقد وهم بعض المتأخرين فزعم أن اسمه واقد بن عبد الله وعزاه لابن قتيبة في ترجمة عمر من كتاب المغازي، وسبب الوهم أن ابن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر ذكر أولاده ومنهم عبد الله بن عمر، ثم ذكر أولاد عبد الله بن عمر فذكر فيهم واقد بن عبد الله بن عمر فقال: وقع عن بعيره وهو محرم فهلك، فظن هذا المتأخر أن لواقد بن عبد الله ابن عمر صحبة وأنه صاحب القصة التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كما ظن فإن واقدا المذكور لا صحبة له فإن أمه صفية بنت أبي عبيد إنما تزوجها أبوه في خلافة أبيه عمر واختلف في صحبتها، وذكرها العجلي وغيره في التابعين، ووجدت في الصحابة واقد بن عبد الله آخر لكن لم أر في شيء من الأخبار أنه وقع عن بعيره فهلك، بل ذكر غير واحد منهم ابن سعد أنه مات في خلافة عمر، فبطل تفسير المبهم بأنه واقد بن عبد الله من كل وجه.

(4/55)


14 - باب الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأْسًا
1840- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ وَقَالَ الْمِسْوَرُ لاَ يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقُلْتُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ اصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ"
قوله: "باب الاغتسال للمحرم" أي ترفها وتنظفا وتطهرا من الجنابة، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم

(4/55)


أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك. وكأن المصنف أشار إلى ما روى عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء، وروى في "الموطأ" عن نافع أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام. قوله: "وقال ابن عباس يدخل المحرم الحمام" وصله الدار قطني والبيهقي من طريق أيوب عن عكرمة عنه قال: المحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، وإذا انكسر ظفره طرحه ويقول: أميطوا عنكم الأذى فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئا. وروى البيهقي من وجه آخر عن ابن عباس أنه دخل حماما بالجحفة وهو محرم وقال: إن الله لا يعبأ بأوساخكم شيئا. وروى ابن أبي شيبة كراهة ذلك عن الحسن وعطاء. قوله: "ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسا" أما أثر ابن عمر فوصله البيهقي من طريق أبي مجلز قال: "رأيت ابن عمر يحك رأسه وهو محرم، ففطنت له فإذا هو يحك بأطراف أنامله". وأما أثر عائشة فوصله مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه واسمها مرجانه "سمعت عائشة تسأل عن المحرم أيحك جسده؟ قال نعم وليشدد. وقالت عائشة: لو ربطت يداي ولم أجد إلا أن أحك برجلي لحككت" ا ه. ومناسبة أثر ابن عمر وعائشة للترجمة بجامع ما بين الغسل والحك من إزالة الأذى. قوله: "عن زيد بن أسلم عن إبراهيم" كذا في جميع الموطآت، وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسي فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعا. قال ابن عبد البر وذلك معدود من خطئه. قوله: "عن إبراهيم" في رواية ابن عيينة عن زيد "أخبرني إبراهيم" أخرجه أحمد وإسحاق والحميدي في مسانيدهم عنه. وفي رواية ابن جريج عند أحمد عن زيد بن أسلم "أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى ابن عباس أخبره "كذا قال: "مولى ابن عباس" وقد اختلف في ذلك والمشهور أن حنينا كان مولى للعباس وهبه له النبي صلى الله عليه وسلم فأولاده موال له. قوله: "أن ابن عباس" في رواية ابن جريج عند أبي عوانة كنت مع ابن عباس والمسور. قوله: "بالأبواء" أي وهما نازلان بها. وفي رواية ابن عيينة "بالعرج" وهو بفتح أوله وإسكان ثانيه: قرية جامعة قريبة من الأبواء. قوله: "إلى أبي أيوب" زاد ابن جريج فقال: "قل له يقرأ عليك السلام ابن أخيك عبد الله بن عباس ويسألك". قوله: "بين القرنين" أي قوني البئر، وكذا هو لبعض رواة الموطأ، وكذا في رواية ابن عيينة، وهما العودان - أي العمودان - المنتصبان لأجل عود البكرة. قوله: "أرسلني إليك عبد الله بن عباس يسألك كيف كان الخ" قال ابن عبد البر: الظاهر أن ابن عباس كان عنده في ذلك نص عن النبي صلى الله عليه وسلم أخذه عن أبي أيوب أو غيره، ولهذا قال عبد الله بن حنين لأبي أيوب: يسألك كيف كان يغسل رأسه؟ ولم يقل هل كان يغسل رأسه أو لا على حسب ما وقع فيه اختلاف بين المسور وابن عباس. قلت: ويحتمل أن يكون عبد الله بن حنين تصرف في السؤال لفطنته، كأنه لما قال له سله هل يغتسل المحرم أو لا؟ فجاء فوجده يغتسل، فهم من ذلك أنه يغتسل، فأحب أن لا يرجع إلا بفائدة فسأله عن كيفية الغسل، وكأنه خص الرأس بالسؤال لأنها موضع الإشكال في هذه المسألة لأنها محل الشعر الذي يخشى انتتافه بخلاف بقية البدن غالبا. قوله: "فطأطاه" أي أزاله عن رأسه. وفي رواية ابن عيينة "جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه" وفي رواية ابن جريج "حتى رأيت رأسه ووجهه". قوله: "لإنسان" لم أقف على اسمه، ثم قال أي أبو أيوب "هكذا رأيته - أي النبي صلى الله عليه وسلم - يفعل "زاد ابن عيينة "فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا "أي لا أجادلك. وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان، يقال أمرى فلان فلانا إذا استخرج ما عنده. قاله ابن الأنباري، وأطلق ذلك في المجادلة لأن كلا من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجة. وفي هذا الحديث من الفوائد مناظرة الصحابة في الأحكام،

(4/56)


ورجوعهم إلى النصوص، وقبولهم لخبر الواحد ولو كان تابعيا، وأن قول بعضهم ليس بحجة على بعض.
قال ابن عبد البر: لو كان معنى الاقتداء في قوله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم" يراد به الفتوى لما احتاج ابن عباس إلى إقامة البينة على دعواه بل كان يقول للمسور أنا نجم وأنت تجم فبأينا اقتدي من بعدنا كفاه، ولكن معناه كما قال المزني وغيره من أهل النظر أنه في النقل، لأن جميعهم عدول.
وفيه اعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضا، وفيه استتار الغاسل عند الغسل، والاستعانة في الطهارة، وجواز الكلام والسلام حالة الطهارة، وجواز غسل المحرم وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أمن تناثره، واستدل به القرطبي على وجوب الدلك في الغسل قال: لأن الغسل لو كان يتم بدونه لكان المحرم أحق بأن يجوز له تركه، ولا يخفى ما فيه.واستدل به على أن تخليل شعر الحية في الوضوء باق على استحبابه، خلافا لمن قال يكره كالمتولي من الشافعية خشية انتتاف الشعر، لأن في الحديث: "ثم حرك رأسه بيده" ولا فرق بين شعر الرأس واللحية إلا أن يقال إن شعر الرأس أصلب، والتحقيق أنه خلاف الأولى في حق بعض دون بعض، قاله السبكي الكبير، والله أعلم.

(4/57)


15 - باب لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ
1841- حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة قال أخبرني عمرو بن دينار سمعت جابر بن زيد سمعت بن عباس رضي الله عنهما قال ثم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل للمحرم"
1842- حدثنا أحمد بن يونس حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا بن شهاب عن سالم عن عبد الله رضي الله عنه ثم سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب فقال لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرنس ولا ثوبا مسه زعفران ولا ورس وإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين"
قوله: "باب: لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين" أي هل يشترط قطعهما أو لا؟ وأورد فيه حديث ابن عمر في ذلك وحديث ابن عباس، وقد تقدم الكلام عليه في "باب ما لا يلبس المحرم من الثياب" ووقع في رواية أبي زيد المروزي "عن سالم بن عبد الله بن عمر سئل رسول صلى الله عليه وسلم: "قال الجباني: الصواب ما رواه ابن السكن وغيره فقالوا "عن سالم عن ابن عمر" قلت: تصحفت"عن" فصارت ابن. وقوله في حديث ابن عباس "ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل للمحرم "أي هذا الحكم للمحرم لا الحلال، فلا يتوقف جواز لبسه السراويل على فقد الإزار. قال القرطبي: أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد فأجاز لبس الخف والسراويل للمحرم الذي لا يجد النعلين والإزار على حالهما. واشترط الجمهور قطع الخف وفتق السراويل، فلو لبس شيئا منهما على حاله لزمته الفدية، والدليل ثم قوله في حديث ابن عمر "وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين "فيحمل المطلق على المقيد ويلحق النظير بالنظير لاستوائهما في الحكم.وقال ابن قدامة: الأولى قطعهما عملا بالحديث الصحيح وخروجا من الخلاف. انتهى.

(4/57)


والأصح عند الشافعية والأكثر جواز لبس السراويل بغير فتق كقول أحمد، واشترط الفتق محمد ابن الحسن وإمام الحرمين وطائفة، وعن أبي حنيفة منع السراويل للمحرم مطلقا، ومثله عن مالك وكأن حديث ابن عباس لم يبلغه، ففي الموطأ أنه سئل عنه فقال: لم أسمع بهذا الحديث. وقال الرازي من الحنفية: يجوز لبسه وعليه الفدية كما قاله أصحابهم في الخفين، ومن أجاز لبس السراويل على حاله قيده بأن لا يكون في حالة لو فتقه لكان إزارا لأنه في تلك الحالة يكون واجد الإزار.

(4/58)


16 - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ
حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن بن عباس رضي الله عنهما قال خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فقال ثم من لم يجد الإزار فليلبس السراويل ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين"
قوله: "باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل" أورد فيه حديث ابن عباس وقد تقدم البحث فيه في الباب الذي قبله، وجزم المصنف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها لقوة دليلها وتصريح المخالف بأن الحديث لم يبلغه فيتعين على من بلغه العمل به.

(4/58)


17 - باب لُبْسِ السِّلاَحِ لِلْمُحْرِمِ
وَقَالَ عِكْرِمَةُ إِذَا خَشِيَ الْعَدُوَّ لَبِسَ السِّلاَحَ وَافْتَدَى وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ فِي الْفِدْيَةِ
1844- حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه "اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم :لا يدخل مكة سلاحا إلا في القراب "
قوله: "باب لبس السلاح للمحرم" أي إذا احتاج إلى ذلك.قوله: "وقال عكرمة إذا خشي العدو لبس السلاح وافتدى" أي وجبت عليه الفدية، ولم أقف على أثر عكرمة هذا موصولا.وقوله: "ولم يتابع عليه في الفدية" يقتضي أنه توبع على جواز لبس السلاح الخشية وخولف في وجوب الفدية، وقد نقل ابن المنذر عن الحسن أنه كره أن يتقلد المحرم السيف، وقد تقدم في العيدين قول ابن عمر للحجاج "أنت أمرت بحمل السلاح في الحرم" وقوله له "وأدخلت السلاح في الحرم ولم يكن السلاح يدخل فيه: "وفي رواية: "أمرت بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله" وتقدم الكلام على ذلك مستوفى في "باب من كره حمل السلاح في العيد" وذكر من روى ذلك مرفوعا.
ثم أورد المصنف في الباب حديث البراء في عمرة القضاء مختصرا، وسيأتي بتمامه في كتاب الصلح عن عبيد الله ابن موسى بإسناده هذا، ووهم المزي في "الأطراف" فزعم أن البخاري أخرجه في الحج بطوله وليس كذلك.

(4/58)


دخول الحرم و مكة بغير إحرام
...
18 - باب دُخُولِ الْحَرَمِ وَمَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ
وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالإِهْلاَلِ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْحَطَّابِينَ وَغَيْرِهِمْ

(4/58)


19 - باب إِذَا أَحْرَمَ جَاهِلًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ
وَقَالَ عَطَاءٌ إِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
1847- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ فِيهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ أَوْ نَحْوُهُ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِي تُحِبُّ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَنْ تَرَاهُ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ يَعْنِي فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[الحديث 1848- أطرافه في: 2265، 2973، 4417، 6893]
قوله: "باب إذا أحرم جاهلا وعليه قميص" أي هل يلزمه فدية أو لا؟ وإنما لم يجزم بالحكم لأن حديث الباب لا تصريح فيه بإسقاط الفدية، ومن ثم استظهر المصنف للراجح بقول عطاء راوي الحديث كأنه يشير إلى أنه أو كانت الفدية واجبة لما خفيت عن عطاء وهو راوي الحديث. قال ابن بطال وغيره: وجه الدلالة منه أنه لو لزمته الفدية لبينها صلى الله عليه وسلم لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وفرق مالك - فيمن تطيب أو لبس ناسيا - بين من بادر فنزع وغسل وبين من تمادى، والشافعي أشد موافقة للحديث لأن السائل في حديث الباب كان غير عارف بالحكم وقد تمادى ومع ذلك لم يؤمر بالفدية، وقول مالك فيه احتياط، وأما قول الكوفيين والمزني مخالف هذا الحديث. وأجاب ابن المنير في الحاشية بأن الوقت الذي أحرم فيه الرجل في الجبة كان قبل نزول الحكم ولهذا انتظر النبي صلى الله عليه وسلم الوحي. قال: ولا خلاف أن التكليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم فلهذا لم يؤمر الرجل بفدية عما مضى، بخلاف من لبس الآن جاهلا فإنه جهل حكما استقر وقصر في علم ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفا به وقد تمكن من تعلمه. قوله: "وقال عطاء الخ" ذكره ابن المنذر في الأوسط ووصله الطبراني في الكبير، وأما حديث يعلى فقد تقدم الكلام عليه مستوفى في "باب غسل الخلوق" في أوائل الحج. قوله في الإسناد "صفوان بن يعلى بن أمية قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم" هذا وقع في رواية أبي ذر وهو تصحيف، والصواب ما ثبت في رواية غيره: "صفوان بن يعلى أبيه "فتصحفت "عن" فصارت ابن و "أبيه" فصارت أمية، أو سقط من السند عن أبيه، وليست لصفوان صحة ولا رواية. قوله: "وعض رجل يد رجل" هذا حديث آخر وسيأتي مبسوطا مع الكلام عليه في أبواب الدية إن شاء الله تعالى.

(4/63)


20 - باب الْمُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الْحَجِّ
1849- حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن

(4/63)


21- باب سُنَّةِ الْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ
1851- حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله عنهما ثم أن رجلا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا"
قوله: "باب سنة المحرم إذا مات" ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور من وجه آخر "عن سعيد ابن جبير "وقد سبق.

(4/64)


الحج و النذور عن الميت , و الرجل يحج عن المرأة
...
22 - باب الْحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنْ الْمَرْأَةِ
أخرجه المصنف في كتاب النذور، وكذا أخرجه أحمد والنسائي من طريق شعبة.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ
[الحديث 1852- طرفاه في 6699، 7315]

(4/64)


الحج عمن لايستطيع الثبوت علي الراحلة
...
23 - باب الْحَجِّ عَمَّنْ لاَ يَسْتَطِيعُ الثُّبُوتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ
1853 -حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ امْرَأَةً ح
1854- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ"
قوله: "باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة" أى من الأحياء، خلافا لمالك في ذلك ولمن قال لا يحج أحد عن أحد مطلقا كابن عمر. ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي، وعن أحمد روايتان. قوله: "عن ابن شهاب عن سليمان" في رواية الترمذي من طريق روح عن ابن جريج "أخبرني ابن شهاب حدثني سليمان بن يسار". قوله: "عن ابن عباس" في رواية شعيب الآتية في الاستئذان عن ابن شهاب "أخبرني سليمان أخبرني عبد الله بن عباس". قوله: "عن الفضل بن عباس" كذا قال ابن جريج وتابعه معمر، وخالفهما مالك وأكثر الرواة عن الزهري فلم يقولوا فيه عن الفضل، وروى ابن ماجة من طريق محمد بن كريب عن أبيه "عن ابن عباس أخبرني

(4/66)


حصين بن عوف الخثعمي قال: قلت يا رسول الله إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج "الحديث. قال الترمذي: سألت محمدا يعني البخاري عن هذا فقال: أصح شيء فيه ما روى ابن عباس عن الفضل قال: فيحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة، ا ه. وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة كما سيأتي بعد باب، وقد سبق في "باب التلبية والتكبير" من طريق عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل فأخبر الفضل أعمه لم يزل يلبي حتى رمي الجمرة، فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة. ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة فحضره ابن عباس فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة وتارة عما شاهده، ويؤيد ذلك ما وقع عند الترمذي وأحمد وابنه عبد الله والطبري من حديث على مما يدل على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي وأن العباس كان شاهدا، ولفظ أحمد عندهم من طريق عبيد الله ابن أبي رافع عن على قال: "وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: هذه عرفة وهو الموقف" فذكر الحديث وفيه: "ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر وكل منى منحر، واستفتته" وفي رواية عبد الله "ثم جاءته جارية شابة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: حجي عن أبيك . قال ولوى عنق الفضل فقال العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك. قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الشيطان "وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضا كان معه. "تنبيه": لم يسق المصنف لفظ رواية ابن جريج، بل تحول إلى إسناد عبد العزيز بن أبي سلمة وساق الحديث على لفظه كعادته، وبقية حديث ابن جريح "أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي أدركه الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يركب البعير، أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه "أخرجه أبو مسلم الكجي عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه، والطبراني عن أبي مسلم كذلك، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن ابن جريج فقال: "إن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج"الحديث. قوله: "عام حجة الوداع" في رواية شعيب الآتية في الاستئذان "يوم النحر"وللنسائي من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب "غداة جمع"وسيأتي بقية الكلام عليه في الباب الذي بعده.

(4/67)


24 - باب حَجِّ الْمَرْأَةِ عَنْ الرَّجُلِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ"
قوله: "باب حج المرأة عن الرجل" تقدم نقل الخلاف فيه قبل باب. قوله: "كان الفضل" يعني ابن عباس، وهو أخو عبد الله وكان أكبر ولد العباس وبه كان يكني. قوله: "رديف" زاد شعيب "على عجز راحلته". قوله: "فجاءته امرأة من خثعم" بفتح المعجمة وسكون المثلثة قبيلة مشهورة. قوله: "فجعل الفضل ينظر إليها" في

(4/67)


رواية شعيب "وكان الفضل رجلا وضيئا - أي جميلا - وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها". قوله: "يصرف وجه الفضل" في رواية شعيب "فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فدفع وجهه عن النظر إليها"وهذا هو المراد بقوله في حديث على "فلوى عنق الفضل"ووقع في رواية الطبري في حديث على "وكان الفضل غلاما جميلا، فإذا جاءت الجارية من هذا الشق صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الفضل إلى الشق الآخر، فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنها - وقال في آخره - رأيت غلاما حدثا وجارية حدثه فخشيت أن يدخل بنيهما الشيطان". قوله: "إن فريضة الله أدراكت أبي شيخا كبيرا" في رواية عبد العزيز وشعيب "أن فريضة الله على عباده في الحج" وفي رواية النسائي من طريق يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان بن يسار "أن أبي أدركه الحج"، واتفقت الروايات كلها عن ابن شهاب على أن السائلة كانت امرأة وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه، أما إسناده فقال هشيم عنه "عن سليمان عن عبد الله بن عباس "وقال محمد بن سيرين عنه "عن سليمان عن الفضل" أخرجهما النسائي. وقال ابن علية عنه "عن سليمان حدثني أحد ابني العباس إما الفضل وإما عبد الله "أخرجه أحمد. وأما المتن فقال هشيم "أن رجلا سأل فقال: إن أبي مات" وقال ابن سيرين "فجاء رجل فقال: إن أمي عجوز كبيرة" وقال ابن علية "فجاء رجل فقال: إن أبي أو أمي"وخالف الجميع معمر عن يحيى بن أبي إسحاق فقال في روايته: "إن امرأة سألت عن أمها" وهذا الاختلاف كله عن سليمان بن يسار، فأحببنا أن ننظر في سياق غيره فإذا كريب قد رواه عن ابن عباس عن حصين بن عوف الخثعمي قال: "قلت يا رسول الله إن أبي أدركه الحج" وإذا عطاء الخراساني قد روى "عن أبي الغوث بن حصين الخثعمي أنه استفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن حجة كانت على أبيه "أخرجهما ابن ماجة. والرواية الأولى أقوى إسنادا، وهذا يوافق رواية هشيم في أن السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه، ويوافقه ما روي الطبراني من طريق عبد الله بن شداد عن الفضل بن عباس "أن رجلا قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير" ويوافقهما مرسل الحسن عند ابن خزيمة فإنه أخرجه من طريق عوف عن الحسن قال: "بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام لم يحج" الحديث، ثم ساقه من طريق عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال مثله إلا أنه قال إن السائل سأل عن أمه. قلت: وهذا يوافق رواية ابن سيرين أيضا عن يحيى بن أبي إسحاق كما تقدم. والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسألت أيضا والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعا. ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلي بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال: "كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم وأعرابي معه بنت له حسناء فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها، وجعلت التفت إليها، ويأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسي فيلويه، فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة "فعلى هذا فقول الشابة أن أبي لعلها أرادت به جدها لأن أباها كان معها وكأنه أمرها أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أن يسأل أيضا عن أمه. وتحصل من هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي. وأما ما وقع في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين فإن إسنادها ضعيف ولعله كان فيه عن أبي الغوث حصين فزيد في الرواية ابن أو أن أبا الغوث أيضا كان مع أبيه حصين فسأل كما سأل أبوه وأخته. والله أعلم. ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر وهو

(4/68)


أبو رزين - بفتح الراء كسر الزاي - العقيلي بالتصغير واسمه لقيط بن عامر، ففي السنن وصحيح ابن خزيمة وغيرهما من حديثه أنه قال: "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، قال: حج عن أبيك واعتمر " وهذه قصة أخرى، ومن وجد بينها وبين حديث الخثعمي فقد أبعد وتكلف. قوله: "شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة" قال الطيبي: "شيخا" حال ولا يثبت صفة له، ويحتمل أن يكون حالا أيضا ويكون من الأحوال المتداخلة، والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة. وقوله: "لا يثبت" وقع في رواية عبد العزيز وشعيب "لا يستطيع أن يستوي" وفي رواية ابن عيينة "لا يستمسك على الرحل". في رواية يحيى بن أبي إسحاق من الزيادة "وإن شددته خشيت أن يموت" وكذا في مرسل الحسن، وحديث أبي هريرة عند ابن خزيمة بلفظ: "وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله "وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الأمرين من الثبوت على الراحلة أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة. قوله: "أفأحج عنه" أي أيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه، لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدر. وفي رواية عبد العزيز وشعيب "فهل يقضي عنه" وفي حديث علي "هل يجزئ عنه". قوله: "قال نعم" في حديث أبي هريرة فقال: "احجج عن أبيك". وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحج عن الغير، واستدل الكوفيون بعمومه على جواز صحة من لم يحج نيابة عن غيره، وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه، واستدلوا بما في السنن وصحيح ابن خزيمة وغيره من حديث ابن عباس أيضا: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلا يلبي من شبرمة فقال: أحججت عن نفسك؟ فقال: لا. قال: هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة". واستدل به على أن الاستطاعة تكون بالغير كما تكون بالنفس، وعكس بعض المالكية فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب، وأجابوا عن حديث الباب بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنية فلا تصح النيابة فيها كالصلاة، وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة، قالوا ولأن العبادات فرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن فبه يظهر الانقياد أو النفور، بخلاف الزكاة فإن الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصل بالنفس وبالغير. وأجيب بأن قياس الحج على الصلاة لا يصح، لأن عبادة الحج مالية بدنية معا فلا يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازري: من غلب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة، ومن غلب حكم المال ألحقه بالصدقة. وقد أجاز المالكية الحج عن الغير إذا أوصى به ولم يجيزوا ذلك في الصلاة، وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع لأنه يوجد في الآمر من بذله المال في الأجرة. وقال عياض: لا حجة للمخالف في حديث الباب لأن قوله: "إن فريضة الله على عباده الخ" معناه أن إلزام الله عباده بالحج الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع فهل أحج عنه؟ أي هل يجوز لي ذلك، أو هل فيه أجر ومنفعة؟ فقال: نعم. وتعقب بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء فيتم الاستدلال، وتقدم في بعض طرق مسلم: "أن أبي عليه فريضة الله في الحج" ولأحمد في رواية: "والحج مكتوب عليه" وادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البر، وتعقب بأن الأصل عدم الخصوصية، واحتج بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب "الواضحة" بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث: "حج عنه، وليس لأحد بعده" ولا حجة فيه لضعف الإسنادين مع إرسالهما. وقد عارضه قوله في حديث

(4/69)


الجهنية الماضي في الباب: "اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" وادعى آخرون منهم أن ذلك خاص بالابن يحج عن أبيه، ولا يخفى أنه جمود. وقال القرطبي: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن فرجح ظاهر القرآن، ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنت ظنا، قال: ولا يقال قد أجابها النبي صلى الله عليه وسلم على سؤالها، ولو كان ظنها غلطا لبينه لها، لأنا نقول إنما أجابها عن قولها "أفأحج عنه؟ قال حجي عنه" لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، ا ه. وتعقب بأن في تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لها على ذلك حجة ظاهرة، وأما ما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عباس فزاد في الحديث: "حج عن أبيك فإن لم يزده خبرا لم يزده شرا" فقد جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها للمخالف. ومن فروع المسألة أن لا فوق بين من استقر الوجوب في ذمته قبل العضب أو طرأ عليه خلافا للحنفية، وللجمهور ظاهر قصة الخثعمية وأن من حج عن غيره وقع الحج عن المستنيب، خلافا لمحمد بن الحسن فقال: يقع عن المباشر وللمحجوج عنه أجر النفقة. واختلفوا فيما أذاعوا في المعضوب فقال الجمهور: لا يجزئه لأنه تبين أنه لم يكن ميئوسا منه. وقال أحمد وإسحاق: لا تلزمه الإعادة لئلا يفضي إلى إيجاب حجتين. واتفق من أجاز النيابة في الحج على أنها لا تجزئ في الفرض إلا عن موت أو عضب، فلا يدخل المريض لأنه يرجى برؤه ولا المجنون لأنه ترجى إفاقته ولا المحبوس لأنه يرجى خلاصه ولا الفقير لأنه يمكن استغناؤه، والله أعلم. وفي الحديث من الفوائد أيضا جواز الارتداف وسيأتي مبسوطا قبيل كتاب الأدب، وارتداف المرأة مع الرجل، وتواضع النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلة الفضل بن عباس منه، وبيان ما ركب في الآدمي من الشهوة وجبلت طباعه عليه من النظر إلى الصور الحسنة. وفيه منع النظر إلي الأجنبيات وغض البصر، قال عياض: وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة. قال: وعندي أن فعله صلى الله عليه وسلم إذ غطى وجه الفضل أبلغ من القول. ثم قال: لعل الفضل لم ينظر نظرا ينكر بل خشي عليه أن يئول إلى ذلك أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب. ويؤخذ منه التفريق بين الرجال والنساء خشية الفتنة، وجواز كلام المرأة وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة كالاستفتاء عن العلم والترافع في الحكم والمعاملة. وفيه أن إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام، وروى أحمد وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفضل حين غطى وجهه يوم عرفة "هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له". وفي هذا الحديث أيضا النيابة في السؤال عن العلم حتى من المرأة عن الرجل وأن المرأة تحج بغير محرم، وأن المحرم ليس من السبيل المشترط في الحج، لكن الذي تقدم من أنها كانت مع أبيها قد يرد على ذلك. وفيه بر الوالدين والاعتناء بأمرهما والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقه وغير ذلك من أمور الدين والدنيا. واستدل به على أن العمرة غير واجبة لكون الخثعمية لم تذكرها، ولا حجة فيه لأن مجرد ترك السؤال لا يدل على عدم الوجود لاستفادة ذلك من حكم الحج، ولاحتمال أن يكون أبوها قد اعتمر قبل الحج، على أن السؤال عن الحج والعمرة قد وقع في حديث أبي رزين كما تقدم. وقال ابن العربي: حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في الشريعة من أن ليس عموم للإنسان إلا ما سعى رفقا من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله، وتعقب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي، وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقا.

(4/70)


25 - باب حَجِّ الصِّبْيَانِ
1856- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ بَعَثَنِي أَوْ قَدَّمَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ"
1857- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الْحُلُمَ أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ"
1858- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ"
1859- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 1859- طرفاه في: 6712، 7330]
قوله: "باب حج الصبيان" أي مشروعيته، وكأن الحديث الصريح فيه ليس على شرط المصنف، وهو ما رواه مسلم من طريق كريب عن ابن عباس قال: "رفعت امرأة صبيا فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر" قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، إلا أنه إذا حج به كان له تطوعا عند الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء بفعل شيء من محظورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب، وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، لظاهر قوله: "نعم" في جواب "ألهذا حج". وقال الطحاوي: لا حجة فيه لذلك، بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له، لأن ابن عباس راوي الحديث قال: أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى، ثم ساقه بإسناد صحيح. حديث بن عباس قال: "بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في الثقل" وقد تقدم الكلام عليه في "باب من قدم ضعفة أهله". ووجه الدلالة منه هنا أن ابن عباس كان دون البلوغ، ولهذه النكتة أردفه المصنف بحديثه الآخر المصرح فيه بأنه كمان حينئذ قد قارب الاحتلام. ثم بين بالطريق المعلقة أن ذلك وقع في حجة الوداع، وقد تقدم الكلام عليه في "باب متى يصح سماع الصغير" من كتاب العلم، وفي "باب سترة المصلي" من كتاب الصلاة الحديث: حدثنا إسحاق نسبه الأصيلي وابن السكن "ابن منصور" وقد أخرجه "إسحاق بن راهويه" في مسنده عن يعقوب أيضا ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج، لكن يرجح كونه "ابن منصور" أن ابن راهويه لا يعبر عن مشايخه إلا بصيغة "أخبرنا". ورواية يونس المعلقة وصلها مسلم من طريق ابن وهب عنه ولفظه: "أنه أقبل يسير على حمار ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بمنى في حجة الوداع"

(4/71)


الحديث:وهو الثاني الحديث الثالث: قوله: "عن محمد بن يوسف" في رواية الإسماعيلي: "حدثنا محمد بن يوسف وهو الكندي" حفيد شيخه السائب وقيل سبط وقيل ابن أخيه عبد الله بن يزيد، والسائب بن يزيد أي ابن سعيد ابن ثمامة بن الأسود الكندي حليف بني عبد شمس ويعرف بابن أخت النمر والنمر رجل حضرمي. قوله: "حج بي" كذا للأكثر بضم أوله على البناء لما لم يسم فاعله. وقال ابن سعد عن الواقدي عن حاتم "حجت بي أمي" وللفاكهي من وجه آخر عن محمد بن يوسف عن السائب "حج بي أبي" ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه، زاد الترمذي عن قتيبة عن حاتم "في حجة الوداع". قوله: "عن الجعيد" بالجيم مصغرا، والقاسم بن مالك هو المزني. قوله: "سمعت بن عبد العزيز يقول للسائب بن يزيد وكان السائب قد حج به في ثقل النبي صلى الله عليه وسلم" لم يذكر مقول عمر ولا جواب السائب، وكأنه كان قد سأله عن قدر المد، فسيأتي في الكفارات عن عثمان بن أبي شيبة عن القاسم بن مالك بهذا الإسناد "كان الصاع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدا وثلثا، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز" زاد الإسماعيلي من هذا الوجه "قال السائب وقد حج بي في ثقل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام" وقال الكرماني: اللام في قوله للسائب للتعليل أي سمعت عمر يقول لأجل السائب، والمقول "وكان السائب الخ" كذا قال ولا يخفى بعده، وسيأتي للسائب ترجمة في الكلام على خاتم النبوة إن شاء الله تعالى.

(4/72)


26 - باب حَجِّ النِّسَاءِ
1860- و قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الأَزْرَقِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَذِنَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ"
1861- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ فَقَالَ لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَلاَ أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه"ِ
1862- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَلاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ اخْرُجْ مَعَهَا"
1863- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ قَالَتْ أَبُو فُلاَنٍ تَعْنِي زَوْجَهَا كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا قَالَ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي

(4/72)


حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1864- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ يُحَدِّثُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي أَنْ لاَ تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ وَلاَ صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ الأَقْصَى"
قوله: "باب حج النساء" أي هل يشترط فيه قدر زائد على حج الرجال أو لا؟ ثم أورد المصنف فيه عدة أحاديث. قوله: "وقال لي أحمد بن محمد حدثنا إبراهيم عن أبيه عن جده قال أذن عمر" أي ابن الخطاب "لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن" كذا أورده مختصرا، ولم يستخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم، ونفل الحميدي عن البرقاني أن إبراهيم هو ابن عبد الرحمن بن عوف. قال الحميدي: وفيه نظر، ولم يذكره أبو مسعود. انتهى. والحديث معروف، وقد ساقه ابن سعد والبيهقي مطولا، وجعل مغلطاي تنظير الحميدي راجعا إلى نسبة إبراهيم فقال: مراد البرقاني بإبراهيم جد إبراهيم المبهم في رواية البخاري، فظن الحميدي أنه عين إبراهيم الأول، وليس كذلك بل هو جده لأنه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وقوله: "وقال لي أحمد بن محمد" أي ابن الوليد الأزرقي، وقوله: "أذن عمر" ظاهره أنه من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عن عمر ومن ذكر معه، وإدراكه لذلك ممكن لأن عمره إذ ذاك كان أكثر من عشر سنين، وقد أثبت سماعه من عمر يعقوب بن أبي شيبة وغيره، لكن روى ابن سعد هذا الحديث عن الواقدي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن عبد الرحمن بن عوف قال: "أرسلني عمر" لكن الواقدي لا يحتج به فقد رواه البيهقي من طريق عبدان وابن سعد أيضا عن الوليد بن عطاء بن الأغر المكي كلاهما عن إبراهيم ابن سعد مثل ما قال الأزرقي، ويحتمل أن يكون إبراهيم حفظ أصل القصة وحمل تفاصيلها عن أبيه فلا تتخالف الروايتان، ولعل هذا هو النكتة في اقتصار البخاري على أصل القصة دون بقيتها. قوله: "وعبد الرحمن" زاد عبدان "عبد الرحمن بن عوف" وكان عثمان ينادي: ألا لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن، وهن في الهوادج على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عبد الرحمن وعثمان بذنب الشعب". وفي رواية لابن سعد "فكان عثمان يسير أمامهن وعبد الرحمن خلفهن". وفي رواية له "وعلى هوادجهن الطيالسة الخضر" في إسناده الواقدي، وروى ابن سعد أيضا بإسناد صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: "رأيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم حججن في هوادج عليها الطيالسة زمن المغيرة" أي ابن شعبة، والظاهر أنه أراد بذلك زمن ولاية المغيرة على الكوفة لمعاوية، وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها. ولابن سعد أيضا من حديث أم معبد الخزاعية قالت: "رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم فنزلن بقديد، فدخلت عليهن وهن ثمان" وله من حديث عائشة "أنهن استأذن عثمان في الحج فقال: أنا أحج بكن،

(4/73)


فحج بنا جميعا إلا زينب كانت ماتت، وإلا سودة فإنها لم تخرج من بيتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم:" وروى أبو داود وأحمد من طريق واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجة الوداع: هذه ثم ظهور الحصر" زاد ابن سعد من حديث أبي هريرة "فكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يحججن، إلا سودة وزينب فقالا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وإسناد حديث أبي واقد صحيح. وأغرب المهلب فزعم أنه من وضع لقصد ذم أم المؤمنين عائشة في خروجها إلى العراق للإصلاح بين الناس في قصة وقعة الجمل، وهو إقدام منه على رد الأحاديث الصحيحة بغير دليل، والعذر عن عائشة أنها تأولت الحديث المذكور كما تأوله غيرها من صواحباتها على أن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة، وتأيد ذلك عندها بقوله صلى الله عليه وسلم: "لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة" ومن ثم عقبه المصنف بهذا الحديث في هذا الباب، وكأن عمر رضي الله عنه كان متوقفا في ذلك ثم ظهر له الجواز فأذن لهن، وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة ومن في عصره من غير نكير. وروى ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر قال: "منع عمر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة" ومن طريق أم درة عن عائشة قالت: "منعنا عمر الحج والعمرة، حتى إذا كان آخر عام فأذن لنا" وهو موافق لحديث الباب، وفيه زيادة على ما في مرسل أبي جعفر، وهو محمول على ما ذكرناه. واستدل به على جواز حج المرأة بغير محرم، وسيأتي البحث فيه في الكلام على الحديث الثالث. "تكملة": روى عمر بن شبة هذا الحديث عن سليمان بن داود الهاشمي عن إبراهيم بن سعد بإسناد آخر فقال: "عن الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة أن عمر أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فحججن في آخر حجة حجها عمر، فلما ارتحل عمر من الحصبة من آخر الليل أقبل رجل فسلم وقال: أين كان أمير المؤمنين ينزل؟ فقال له قائل وأنا أسمع: هذا كان منزله. فأناخ في منزل عمر، ثم رفع عقيرته يتغنى:
عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق
الأبيات. قالت عائشة: فقلت لهم اعلموا لي علم هذا الرجل، فذهبوا فلم يروا أحدا، فكانت عائشة تقول: "إني لأحسبه من الجن". وَسَلَّمَ قوله: "حدثنا عبد الواحد" هو ابن زياد. قوله: "عن عائشة" في رواية زائدة عن حبيب عند الإسماعيلي: "حدثتني عائشة". قوله: "ألا نغزو أو نجاهد" هذا شك من الراوي، وهو مسدد شيخ البخاري، وقد رواه أبو كامل عن أبي عوانة شيخ مسدد بلفظ: "ألا تغزو معكم "أخرجه الإسماعيلي، وأغرب الكرماني فقال: ليس الغزو والجهاد بمعنى واحد، فإن الغزو القصد إلى القتال، والجهاد بذل النفس في القتال. قال: أو ذكر الثاني تأكيدا للأول ا ه. وكأنه ظن أن الألف تتعلق بنغزو فشرح على أن الجهاد معطوف على الغزو بالواو، أو جعل "أو" بمعنى الواو. وقد أخرجه النسائي من طريق جرير عن حبيب بلفظ: "ألا نخرج فنجاهد معك" ولابن خزيمة من طريق زائدة عن حبيب مثله وزاد: "فإنا نجد الجهاد أفضل الأعمال" وللإسماعيلي من طريق أبي بكر بن عياش عن حبيب "لو جاهدنا معك، قال: لا جهاد، ولكن حج مبرور" وقد تقدم في أوائل الحج من طريق خالد عن حبيب بلفظ: "نرى الجهاد أفضل العمل" فظهر أن التغاير بين اللفظين من الرواة فيقوى أن "أو" للشك. قوله: "لكن أحسن الجهاد" تقدم نقل الخلاف في توجيهه في أوائل الحج وهل هو بلفظ الاستثناء أو بلفظ خطاب النسوة. قوله: "الحج حج مبرور" في رواية جرير "حج البيت حج مبرور" وسيأتي في الجهاد من وجه آخر عن عائشة بنت طلحة بلفظ: "استأذنه نساؤه في الجهاد فقال: يكفيكن الحج" ولابن ماجة من طريق محمد بن فضيل عن

(4/74)


حبيب "قلت يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة". قال ابن بطال: زعم بعض من ينقص عائشة في قصة الجمل أن قوله تعالى: { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} يقتضى تحريم السفر عليهن. قال: وهذا الحديث يرد عليهم، لأنه قال: "لكن أفضل الجهاد" فدل على أن لهن جهادا غير الحج والحج أفضل منه ا ه. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "لا" في جواب قولهن "ألا نخرج فنجاهد معك" أي ليس ذلك واجبا عليكن كما وجب على الرجال، ولم يرد بذلك تحريمه عليهن، فقد ثبت في حديث أم عطية أنهن كن يخرجن فيداوين الجرحى، وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وخص به عموم قوله: "هذه ثم ظهور الحصر" وقوله تعالى: { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } وكأن عمر كان متوقفا في ذلك ثم ظهر له قوة دليلها فأذن لهن في آخر خلافته، ثم كان عثمان بعده يحج بهن في خلافته أيضا. وقد وقف بعضهن عند ظاهر النهي كما تقدم. وقال البيهقي: في حديث عائشة هذا دليل على أن المراد بحديث أبي واقد وجوب الحج مرة واحدة كالرجال، لا المنع من الزيادة. وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب. واستدل بحديث عائشة هذا على جواز حج المرأة مع من تثق به ولو لم يكن زوجا ولا محرما كما سيأتي البحث فيه في الذي يليه. قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار. قوله: "عن أبي معبد" كذا رواه عبد الرزاق عن ابن جريج وابن عيينة كلاهما عمرو عن أبي معبد به، ولعمرو بهذا الإسناد حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره عن ابن عيينة عنه عن عكرمة قال: "جاء رجل إلى المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين نزلت؟ قال: على فلانة. قال: أغلقت عليها بابك؟ مرتين. لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم . ورواه عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج عن عمرو "أخبرني عكرمة أو أبو معبد عن ابن عباس" قلت: والمحفوظ في هذا مرسل عكرمة. وفي الآخر رواية أبي معبد عن ابن عباس. قوله: "لا تسافر المرأة" كذا أطلق السفر وقيده في حديث أبي سعيد الآتي في الباب فقال: "مسيرة يومين"، ومضى في الصلاة حديث أبي هريرة مقيدا بمسيرة يوم وليلة، وعنه روايات أخرى، وحديث ابن عمر فيه مقيدا بثلاثة أيام، وعنه روايات أخرى أيضا، وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات. وقال النووي: ليس المراد من التحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفر فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. وقال ابن المنير: وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين. وقال المنذري: يحتمل أن يقال إن اليوم المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة، يعني فمن أطلق يوما أراد بليلته أو ليلة أراد بيومها وأن يكون عند جمعهما أشار إلى مدة الذهاب والرجوع، وعند إفرادهما أشار إلى قدر ما تقضي فيه الحاجة. قال: ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلا لأوائل الأعداد، فاليوم أول العدد والاثنان أول التكثير والثلاث أول الجمع، وكأنه أشار إلى أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل فيه السفر فكيف بما زاد. ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها فيؤخذ بأقل ما ورد في ذلك وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد، فعلى هذا يتناول السفر طويل السير وقصيره، ولا يتوقف امتناع سير المرأة على مسافة القصر خلافا للحنفية، وحجتهم أن المنع المقيد بالثلاث متحقق وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ بالمتيقن، ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها فإنه مشكوك فيه، ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص، وترك حمل المطلق على المقيد، وقد خالفوا ذلك هنا، والاختلاف إنما وقع في الأحاديث التي وقع فيها التقييد، بخلاف حديث الباب فإنه لم يختلف على ابن عباس فيه. وفرق سفيان

(4/75)


الثوري بين المسافة البعيدة فمنعها دون القريبة، وتمسك أحمد بعموم الحديث فقال: إذا لم تجد زوجا أو محرما لا يجب عليها الحج، هذا هو المشهور عنه. وعنه رواية أخرى كقول مالك وهو تخصيص الحديث بغير سفر الفريضة، قالوا: وهو مخصوص بالإجماع. قال البغوي لم يختلفوا في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض إلا مع زوج أو محرم إلا كافرة أسلمت في دار الحرب أو أسيرة تخلصت. وزاد غيره أو امرأة انقطعت من الرفقة فوجدها رجل مأمون فإنه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة. قالوا: وإذا كان عمومه مخصوصا بالاتفاق فليخص منه حجة الفريضة. وأجاب صاحب "المغني" بأنه سفر الضرورة فلا يقاس عليه حالة الاختيار، ولأنها تدفع ضررا متيقنا بتحمل ضرر متوهم ولا كذلك السفر للحج. وقد روى الدار قطني وصححه أبو عوانة حديث الباب من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار بلفظ: "لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم" فنص في نفس الحديث على منع الحج فكيف يخص من بقية الأسفار؟ والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات، وفي قول تكفي امرأة واحدة ثقة. وفي قول نقله الكرابيسي وصححه في المهذب تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنا، وهذا كله في الواجب من حج أو عمرة. وأغرب القفال فطرده في الأسفار كلها، واستحسنه الروياني قال: إلا أنه خلاف النص. قلت: وهو يعكر على نفي الاختلاف الذي نقله البغوي آنفا. واختلفوا هل المحرم وما ذكر معه شرط في وجوب الحج عليها أو شرط في التمكن فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذمة؟ وعبارة أبي الطيب الطبري منهم: الشرائط التي يجب بها الحج على الرجل يجب بها على المرأة، فإذا أرادت أن تؤديه فلا يجوز لهم إلا مع محرم أو زوج أو نسوة ثقات. ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق أول أحاديث الباب، لاتفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك، ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين فإنما أباه من جهة خاصة كما تقدم لا من جهة توقف السفر على المحرم، ولعل هذا هو النكتة في إيراد البخاري الحديثين أحدهما عقب الآخر، ولم يختلفوا أن النساء كلهن في ذلك سواء إلا ما نقل عن أبي الوليد الباجي أنه خصه بغير العجوز التي لا تشتهى، وكأنه نقله من الخلاف المشهور في شهود المرأة صلاة الجماعة. قال ابن دقيق العيد: الذي قاله الباجي تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، يعني مع مراعاة الأمر الأغلب. وتعقبوه بأن لكل ساقطة لاقطة، والمتعقب راعي الأمر النادر وهو الاحتياط. قال: والمتعقب على الباجي يرى جواز سفر المرأة في الأمن وحدها فقد نظر أيضا إلى المعنى، يعني فليس له أن ينكر على الباجي، وأشار بذلك إلى الوجه المتقدم والأصح خلافه، وقد احتج له بحديث عدي بن حاتم مرفوعا: "يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا زوج معها" الحديث. وهو في البخاري. وتعقب بأنه يدل على وجود ذلك لا على جوازه، وأجيب بأنه خبر في سياق المدح ورفع منار الإسلام فيحمل على الجواز. ومن المستظرف أن المشهور من مذهب من لم يشترط المحرم أن الحج على التراخي، ومن مذهب من يشترطه أنه حج على الفور، وكان المناسب لهذا قول هذا وبالعكس. وأما ما قال النووي في شرح حديث جبريل في بيان الإيمان والإسلام عند قوله: "أن تلد الأمة ربتها " : فليس فيه دلالة على إباحة بيع أمهات الأولاد ولا منع بيعهن، خلافا لمن استدل به في كل منهما، لأنه ليس في كل شيء أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع يكون محرما ولا جائزا. انتهى. وهو كما قال، لكن القرينة المذكورة تقوي الاستدلال به على الجواز. قال ابن دقيق العيد: هذه المسألة تتعلق بالعامين إذا تعارضا، فإن قوله تعالى: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} عام في

(4/76)


الرجال والنساء، فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسافر المرأة إلا مع محرم" عام في كل سفر فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث فيحتاج إلى الترجيح من خارج، وقد رجح المذهب الثاني بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" وليس ذلك بجيد لكونه عاما في المساجد فيخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر بحديث النهي. قوله: "إلا مع ذي محرم" أي فيحل، ولم يصرح بذكر الزوج، وسيأتي في حديث أبي سعيد في هذا الباب بلفظ: "ليس معها زوجها أو ذو محرم منها" وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد أخت الزوجة وعمتها وبالمباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها وبحرمتها الملاعنة، واستثنى أحمد من حرمت على التأبيد مسلمة لها أب كتابي فقال: لا يكون محرما لها لأنه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها. ومن قال إن عبد المرأة محرم لها يحتاج أن يزيد في هذا الضابط ما يدخله، وقد روى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر مرفوعا: "سفر المرأة مع عبدها ضيعة" لكن في إسناده ضعف، وقد احتج به أحمد وغيره، وينبغي لمن أجاز ذلك أن يقيده بما إذا كانا في قافلة بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا لهذا الحديث. وفي آخر حديث ابن عباس هذا ما يشعر بأن الزوج يدخل في مسمى المحرم، فإنه لما استثنى المحرم فقال القائل إن امرأتي حاجة فكأنه فهم حال الزوج في المحرم، ولم يرد عليه ما فهمه بل قيل له "اخرج معها". واستثنى بعض العلماء ابن الزوج فكره السفر معه لغلبة الفساد في الناس. قال ابن دقيق العيد: هذه الكراهية عن مالك، فإن كانت للتحريم ففيه بعد لمخالفة الحديث، وإن كانت للتنزيه فيتوقف على أن لفظ: "لا يحل" هل يتناول المكروه الكراهة التنزيهية؟ قوله: "ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم" فيه منع الخلوة بالأجنبية وهو إجماع، لكن اختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا كالنسوة الثقات؟ والصحيح الجواز لضعف التهمة به. وقال القفال: لا بد من المحرم، وكذا في النسوة الثقات في سفر الحج لا بد من أن يكون مع إحداهن محرم. ويؤيده نص الشافعي أنه لا يجوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات إلا أن تكون إحداهن محرما له. قوله: "فقال رجل يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا" لم أقف على اسم الرجل ولا امرأته ولا على تعيين الغزوة المذكورة، وسيأتي في الجهاد بلفظ: "إني اكتتبت في غزوة كذا "أي كتبت نفسي في أسماء من عين لتلك الغزاة. قال ابن المنير: الظاهر أن ذلك كان في حجة الوداع فيؤخذ منه أن الحج على التراخي إذ لو كان على الفور لما تأخر الرجل مع رفقته الذين عينوا في تلك الغزاة. كذا قال، وليس ما ذكره بلازم لاحتمال أن يكونوا قد حجوا قبل ذلك مع من حج في سنة تسع مع أبي بكر الصديق، أو أن الجهاد قد تعين على المذكورين بتعيين الإمام، كما لو نزل عدو بقوم فإنه يتعين عليهم الجهاد ويتأخر الحج اتفاقا. قوله: "اخرج معها" أخذ بظاهره بعض أهل العلم فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية، والمشهور أنه لا يلزمه كالولي في الحج عن المريض فلو امتنع إلا بأجرة لزمها لأنه من سبيلها فصار في حقها كالمؤنة، واستدل به على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخي. وأما ما رواه الدار قطني من طريق إبراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر مرفوعا في امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج فليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها؟ فأجيب عنه بأنه محمول على حج التطوع عملا بالحديثين، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل منع

(4/77)


زوجته من الخروج في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبا، واستنبط منه ابن حزم جواز سفر المرأة بغير زوج ولا محرم لكونه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بردها ولا عاب سفرها، وتعقب بأنه لو لم يكن ذلك شرطا لما أمر زوجها بالسفر معها وتركه الغزو الذي كتب فيه، ولا سيما وقد رواه سعيد بن منصور عن حماد بن زيد بلفظ: "فقال رجل: يا رسول الله إني نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا" فلو لم يكن شرطا ما رخص له في ترك النذر، قال النووي: وفي الحديث تقديم الأهم فالأهم من الأمور المتعارضة، فإنه لما عرض له الغزو والحج رجح الحج لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها بخلاف والله أعلم الحديث له طريقان موصول ومعلق وآخر معلق. قوله: "حدثنا حبيب المعلم" هو ابن أبي قريبة بقاف وموحدة، واسم أبي قريبة زيد وقيل زائدة، وهو غير حبيب بن أبي عمرة المذكور في ثاني أحاديث الباب. قوله: "قالت أبو فلان تعني زوجها" وقد تقدم أنه أبو سنان، وتقدم الحديث مشروحا في "باب عمرة في رمضان". قوله: "رواه ابن جريج عن عطاء الخ" أراد تقوية طريق حبيب بمتابعة ابن جريج له عن عطاء، واستفيد منه تصريح عطاء بسماعه له من ابن عباس، وقد تقدمت طريق ابن جريج موصولة في الباب المشار إليه. قوله: "وقال عبيد الله" بالتصغير وهو ابن عمرو الرقي "عن عبد الكريم" وهو ابن مالك الجزري "عن عطاء عن جابر"، وأراد البخاري بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاء، وقد تقدم في "باب عمرة في رمضان" أن ابن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء وافقا حبيبا وابن جريج، فتبين شذوذ رواية عبد الكريم، وشذ معقل الجزري أيضا فقال: "عن عطاء عن أم سليم" وصنيع البخاري يقتضي ترجيح رواية ابن جريج ويومئ إلى أن رواية عبد الكريم ليست مطرحة لاحتمال أن يكون لعطاء فيه شيخان، ويؤيد ذلك أن رواية عبد الكريم خالية عن القصة مقتصرة على المتن وهو قوله: "عمرة في رمضان تعدل حجة" كذلك وصله أحمد وابن ماجة من طريق عبيد الله بن عمرو، والله أعلم. حديث أبي سعيد، تقدم الكلام عليه في "باب الصلاة في مسجد مكة والمدينة" وأنه مشتمل على أربعة أحكام أحدها: سفر المرأة، وقد تقدم البحث فيه في هذا الباب، ثانيها: منع صوم الفطر والأضحى وسيأتي في الصيام، ثالثها: منع الصلاة بعد الصبح والعصر وقد تقدم في أواخر الصلاة، رابعها: منع شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة وقد تقدم في أواخر الصلاة أيضا. قوله: "أو قال يحدثهن" وقع عند الكشميهني بلفظ: "أو قال أخذتهن" بالخاء والذال المعجمتين أي حملتهن عنه. قوله: "وآنقنني" بفتح النونين وسكون القاف بوزن أعجبنني، ومعناه أي الكلمات، يقال آنقني الشيء بالمد، أي أعجبني. وذكر الإعجاب بعده من التأكيد. قوله: "أو ذو محرم" كذا للأكثر، وفي بعض النسخ عن أبي ذر "أو ذو محرم، محرم" الأول بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه والثاني بوزن محمد أي عليها.

(4/78)


27 - باب مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى الْكَعْبَةِ
1865- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ حَدَّثَنِي ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ مَا بَالُ هَذَا قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ"
[الحديث 1865- طرفه في: 6701]
1866- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ

(4/78)


بْنُ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ قَالَ وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لاَ يُفَارِقُ عُقْبَةَ
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ
قوله: "باب من نذر المشي إلى الكعبة" أي وغيرها من الأماكن المعظمة هل يجب عليه الوفاء بذلك أو لا؟ وإذا وجب فتركه قادرا أو عاجزا ماذا يلزمه؟ وفي كل ذلك اختلاف بين أهل العلم سيأتي إيضاحه في كتاب النذر إن شاء الله تعالى. قوله: "أخبرنا الفزاري" هو مروان بن معاوية كما جزم به أصحاب الأطراف والمستخرجات، وقد أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر عن مروان هذا بهذا الإسناد. وقال ابن حزم: هو أبو إسحاق الفزاري أو مروان. قوله: "حدثني ثابت" هكذا قال أكثر الرواة عن حميد، وهذا الحديث مما صرح حميد فيه بالواسطة بينه وبين أنس، وقد حذفه في وقت آخر فأخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري والترمذي من طريق ابن أبي عدي كلاهما عن حميد عن أنس، وكذا أخرجه أحمد عن ابن أبي عدي ويزيد بن هارون جميعا عن حميد بلا واسطة، ويقال إن غالب رواية حميد عن أنس بواسطة، لكن قد أخرج البخاري من حديث حميد عن أنس أشياء كثيرة بغير واسطة مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس، وقد وافق عمران القطان عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس، لكن خالفهم في المتن، أخرجه الترمذي من طريقه بلفظ: "نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله، فسئل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب" . قوله: "رأى شيخا يهادي" بضم أوله من المهاداة، وهو أن يمشي معتمدا على غيره. وللترمذي من طريق خالد بن الحارث عن حميد "يتهادى" بفتح أوله ثم مثناة. قوله: "بين ابنيه" لم أقف على اسم هذا الشيخ ولا على اسم ابنيه، وقرأت بخط مغلطاي "الرجل الذي يهادى" قال الخطيب: هو أبو إسرائيل، كذا قال وتبعه ابن الملقن، وليس ذلك في كتاب الخطيب وإنما أورده من حديث مالك "عن حميد بن قيس وثور أنهما أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ويصوم" الحديث. قال الخطيب: هذا الرجل هو أبو إسرائيل، ثم ساق حديث عكرمة عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة فرأى رجلا يقال له أبو إسرائيل فقال: ما باله؟ قالوا: نذر أن يصوم ويقوم في الشمس ولا يتكلم" الحديث. وهذا الحديث سيأتي في الأيمان والنذور من حديث ابن عباس، والمغايرة بينه وبين حديث أنس ظاهرة من عدة أوجه، فيحتاج من وحد بين القصتين إلى مستند، والله المستعان. قوله: "قال ما بال هذا؟ قالوا نذر أن يمشي" في حديث أبي هريرة عند مسلم أن الذي أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤاله ولدا الرجل ولفظه: "فقال ما شأن هذا الرجل؟ قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر". قوله: "أمره" في رواية الكشميهني: "وأمره" بزيادة واو. قوله: "أن يركب" زاد أحمد عن الأنصاري عن حميد فركب، وإنما لم يأمره بالوفاء بالنذر إما لأن الحج راكبا أفضل من الحج ماشيا فنذر المشي يقتضي التزام ترك الأفضل فلا يجب الوفاء به،أولكونه عجز عن الوفاء بنذره وهذا هو الأظهر. قوله: "عن عقبة بن عامر" هو الجهني كذا وقع عند أحمد ومسلم وغيرهما في هذا الحديث من هذا الوجه. قوله: "نذرت أختي" قال المنذري وابن القسطلاني

(4/79)


والقطب الحلبي ومن تبعهم: هي أم حبان بنت عامر، وهي بكسر المهملة وتشديد الموحدة، ونسبوا ذلك لابن ماكولا فوهموا فإن ابن ماكولا إنما نقله عن ابن سعد، وابن سعد إنما ذكر في طبقات النساء أم حبان بنت عامر بن نابي بنون وموحدة ابن زيد بن حرام بمهملتين الأنصارية قال: وهي أخت عقبة بن عامر بن نابي، شهد بدرا، وهي زوج حرام بن محيصة، وكان ذكر قبل عقبة بن عامر بن نابي الأنصاري وأنه شهد بدرا ولا رواية له، وهذا كله مغاير للجهني فإن له رواية كثيرة ولم يشهد بدرا وليس أنصاريا، فعلى هذا لم يعرف اسم أخت عقبة ابن عامر الجهني، وقد كنت تبعت في المقدمة من ذكرت ثم رجعت الآن عن ذلك وبالله التوفيق. قوله: "أن تمشي إلى بيت الله" زاد مسلم من طريق عبد الله بن عياش بالياء التحتانية والمعجمة عن يزيد "حافية"، ولأحمد وأصحاب السنن من طريق عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر الجهني "أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة"، وزاد الطبري من طريق إسحاق بن سالم عن عقبة بن عامر "وهي امرأة ثقيلة والمشي يشق عليها"، ولأبي داود من طريق قتادة عن عكرمة عن ابن عباس "أن عقبة بن عامر سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، وشكا إليه ضعفها". قوله: "فقال صلى الله عليه وسلم: لتمشي ولتركب" في رواية عبد الله بن مالك "مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام". وروى مسلم عقب هذا الحديث حديث عبد الرحمن بن شماسة وهو بكسر المعجمة وتخفيف الميم بعدها مهملة عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رفعه: "كفارة النذر كفارة اليمين" ولعله مختصر من هذا الحديث، فإن الأمر بصيام ثلاثة أيام هو أحد أوجه كفارة اليمين، لكن وقع في رواية عكرمة المذكورة" قال فلتركب ولتهد بدنة" وسيأتي البحث في ذلك في كتاب النذر إن شاء الله تعالى. قوله: "قال وكان أبو الخير لا يفارق عقبة" هو يقول يزيد بن أبي حبيب الراوي عن أبي الخير، والمراد بذلك بيان سماع أبي الخير له من عقبة. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف. قوله: "عن ابن جريج عن يحيى بن أيوب" كذا رواه أبو عاصم، ووافقه روح بن عبادة عند مسلم والإسماعيلي جعلا شيخ ابن جريج في هذا الحديث هو يحيى بن أيوب، وخالفهما هشام بن يوسف فجعل شيخ ابن جريج فيه سعيد بن أبي أيوب، ورجح الأول الإسماعيلي لاتفاق أبي عاصم وروح على خلاف ما قال هشام، لكن يعكر عليه أن عبد الرزاق وافق هشاما وهو عند أحمد ومسلم، ووافقهما محمد بن بكر عن ابن جريج وحجاج بن محمد عند النسائي، فهؤلاء أربعة حفاظ رووه عن ابن جريج عن سعيد ابن أبي أيوب، فإن كان الترجيح هنا بالأكثرية فروايتهم أولى. والذي ظهر لي من صنيع صاحبي الصحيح أن لابن جريج فيه شيخين، وقد عبر مغلطاي وتبعه الشيخ سراج الدين عن كلام الإسماعيلي ما لا يفهم منه المراد، والله أعلم. "خاتمة": اشتملت أبواب المحصر وجزاء الصيد وما مع ذلك إلى هنا على أحد وستين حديثا، المعلق منها ثلاثة عشر حديثا والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثمانية وثلاثون حديثا والخالص ثلاثة وعشرون، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عمر في النقاب والقفاز موقوفا ومرفوعا، وحديث ابن عباس "احتجم وهو محرم"، وحديثه في التي نذرت أن تحج عن أمها، وحديث السائب ابن يزيد أنه حج به، وحديث جابر "عمرة في رمضان". وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين اثنا عشر أثرا، والله المستعان.

(4/80)