Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الصوم
باب وجوب صوم رمضان
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
30 - كِتَاب الصَّوْمِ
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الصوم" كذا للأكثر. وفي رواية النسفي "كتاب الصيام" وثبتت البسملة للجميع، والصوم والصيام في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة. وقال صاحب "المحكم" : الصوم ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام، يقال صام صوما وصياما ورجل صائم وصوم. وقال الراغب: الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير صائم، وفي الشرع إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب.
1- باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [183 البقرة]:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
1891- حدثنا قتيبة حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل عن أبيه عن طلحة بن عبيد الله ثم أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة فقال الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا فقال أخبرني بما فرض الله علي من الصيام قال شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا قال أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة قال فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام قال والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق أو أدخل الجنة إن صدق"
1892- حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل عن أيوب عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما قال ثم صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه"
[الحديث 1892- طرفاه في: 2000، 4501]
1893- حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب أن عراك بن مالك حدثه أن عروة أخبره عن عائشة رضي الله عنها ثم أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء فليصمه ومن شاء أفطر ه"
قوله: "باب وجوب صوم رمضان" كذا للأكثر، وللنسفي "باب وجوب رمضان وفضله" وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه "حظائر القدس" لرمضان ستين اسما، وذكر بعض الصوفية أن آدم عليه السلام لما أكل من

(4/102)


الشجرة ثم تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوما، فلما صفا جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوما، وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك. قوله: "وقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} الآية" أشار بذلك إلى مبدأ فرض الصيام، وكأنه لم يثبت عنده على شرطه فيه شيء فأورد ما يشير إلى المراد، فإنه ذكر فيه ثلاثة أحاديث: حديث طلحة الدال على أنه لا فرض إلا رمضان. وحديث ابن عمر وعائشة المتضمن الأمر بصيام عاشوراء. وكأن المصنف أشار إلى أن الأمر في روايتهما محمول على الندب بدليل حصر الفرض في رمضان وهو ظاهر الآية، لأنه تعالى قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ثم بينه فقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ} وقد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ. فمن أدلة الشافعية حديث معاوية مرفوعا: "لم يكتب الله عليكم صيامه" وسيأتي في أواخر الصيام. ومن أدلة الحنفية ظاهر حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب بلفظ الأمر، وحديث الربيع بنت معوذ الآتي وهو أيضا عند مسلم: "من أصبح صائما فليتم صومه. قالت: فلم نزل نصومه ونصوم صبياننا وهم صغار" الحديث. وحديث مسلمة مرفوعا: "من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم" الحديث. وبنوا على هذا الخلاف هل يشترط في صحة الصوم الواجب نية من الليل أو لا؟ وسيأتي البحث فيه بعد عشرين بابا. وقد تقدم الكلام على حديث طلحة في كتاب الإيمان، وقوله فيه: "عن أبيه" هو مالك بن أبي عامر جد مالك بن أنس الإمام، وقوله: "عن طلحة" قال الدمياطي: في سماعه من طلحة نظر، وتعقب بأنه ثبت سماعه من عمر فكيف يكون في سماعه من طلحة نظر؟ وقد تقدم في كتاب الإيمان في هذا الحديث ما يدل على أنه سمع منهما جميعا، وسيأتي الكلام على حديثي ابن عمر وعائشة في أواخر الصيام إن شاء الله تعالى.

(4/103)


2 - باب فَضْلِ الصَّوْمِ
1894- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا
[الحديث 1894- أطرافه في : 1904، 5927، 7492، 7538]
قوله: "باب فضل الصوم" ذكر فيه حديث أبي هريرة من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنه، وهو يشتمل على حديثين أفردهما مالك في الموطأ، فمن أوله إلى قوله: "الصيام جنة" حديث ومن ثم إلى آخره حديث، وجمعهما عنه هكذا القعنبي، وعنه رواه البخاري هنا. ووقع عن غير القعنبي من رواة الموطأ زيادة في آخر الثاني وهي بعد قوله: "وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها" زادوا "إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به" وقد أخرج البخاري هذا الحديث بعد أبواب من طريق أبي صالح عن أبي هريرة وبين في أوله أنه من قول الله

(4/103)


عز وجل كما سأبينه. قوله: "الصيام جنة" زاد سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد "جنة من النار" وللنسائي من حديث عائشة مثله، وله من حديث عثمان بن أبي العاص "الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال" ولأحمد من طريق أبي يونس عن أبي هريرة "جنة وحصن حصين من النار" وله من حديث أبي عبيدة ابن الجراح "الصيام جنة ما لم يخرقها" زاد الدارمي "بالغيبة" وبذلك ترجم له هو وأبو داود، والجنة بضم الجيم الوقاية والستر. وقد تبين بهذه الروايات متعلق هذا الستر وأنه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البر. وأما صاحب "النهاية" فقال: معنى كونه جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات. وقال القرطبي: جنة أي سترة، يعني بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث الخ"، ويصح أن يراد أنه ستره بحسب فائدته وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله: "يدع شهوته الخ"، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات. وقال عياض في "الإكمال" : معناه سترة من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النووي. وقال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات. فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترا له من النار في الآخرة. وفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام، وقد حكى عن عائشة، وبه قال الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم. وأفرط ابن حزم فقال. يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه سواء كانت فعلا أو قولا، لعموم قوله: "فلا يرفث ولا يجهل" ولقوله في الحديث الآتي بعد أبواب "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ، والجمهور وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع، وأشار ابن عبد البر إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات فقال: حسبك بكون الصيام جنة من النار فضلا. وروى النسائي بسند صحيح عن أبي أمامة قال: "قلت يا رسول الله مرني آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له" وفي رواية: "لا عدل له" والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة. قوله: "فلا يرفث" أي الصائم، كذا وقع مختصرا، وفي الموطأ" الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث الخ" ويرفث بالضم والكسر ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفض هنا وهو بفتح الراء والفاء ثم المثلثة الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته وعلى ذكره مع النساء أو مطلقا، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها. قوله: "ولا يجهل" أي لا يفعل شيئا من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك. ولسعيد ابن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه "فلا يرفث ولا يجادل" قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم. قوله: "وإن امرؤ" بتخفيف النون "قاتله أو شاتمه". وفي رواية صالح "فإن سابه أحد أو قاتله" ولأبى قرة من طريق سهيل عن أبيه "وإن شتمه إنسان فلا يكلمه" ونحوه في رواية هشام عن أبي هريرة عند أحمد، ولسعيد بن منصور من طريق سهيل "فإن سابه أحد أو ماراه" أي جادله؛ ولابن خزيمة من طريق عجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة "فإن سابك أحد فقل إني صائم وإن كنت قائما فاجلس" ولأحمد والترمذي من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة "فإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم" وللنسائي من حديث عائشة "وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه" واتفق الروايات كلها على أنه يقول: "إني صائم" فمنهم من ذكرها مرتين ومنهم من اقتصر على واحدة. وقد استشكل ظاهره بأن

(4/104)


المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصا المقاتلة، والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيؤ لها، أي إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته فليقل إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: "قاتله" شاتمه لأن القتل يطلق على اللعن واللعن من جملة السب - ويؤيده ما ذكرت من الألفاظ المختلفة فإن حاصلها يرجع إلى الشتم - فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله بل يقتصر على قوله: "إني صائم" واختلف في المراد بقوله: "فليقل إني صائم" هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك أو يقولها في نفسه؟ وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في "الأذكار" وقال في "شرح المهذب" كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى ولو جمعهما لكان حسنا، ولهذا التردد أتي البخاري في ترجمته كما سيأتي بعد أبواب بالاستفهام فقال: "باب هل يقول إني صائم إذا شتم؟" وقال الروياني: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقله في نفسه. وادعى ابن العربي أن موضع الخلاف في التطوع. وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعا، وأما تكرير قوله: "إني صائم" فليتأكد الانزجار منه أو ممن يخاطبه بذلك. ونقل الزركشي أن المراد بقوله: "فليقل إني صائم مرتين" يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه، فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه وبقوله بلسانه كف خصمه عنه. وتعقب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز، وقوله: "قاتله" يمكن حمله على ظاهره ويمكن أن يراد بالقتل لعن يرجع إلى معنى الشتم، ولا يمكن حمل قاتله وشاتمه على المفاعلة لأن الصائم مأمور بأن الصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك فكيف يقع ذلك منه؟ وإنما المعنى إذا جاءه متعرضا لمقاتلته أو مشاتمته كأن يبدأه بقتل أو شتم اقتضت العادة أن يكافئه عليه. فالمراد بالمفاعلة إرادة غير الصائم ذلك من الصائم، وقد تطلق المفاعلة على التهيؤ لها ولو وقع الفعل من واحد، وقد تقع المفاعلة بفعل الواحد كما يقال لواحد عالج الأمر وعافاه الله، وأبعد من حمله على ظاهره فقال المراد إذا بدرت من الصائم مقابلة الشتم بشتم على مقتضى الطبع فلينزجر عن ذلك ويقول إني صائم. ومما يبعده قوله في الرواية الماضية "فإن شتمه شتمه" والله أعلم. وفائدة قوله: "إني صائم" أنه يمكن أن يكف عنه بذلك، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: "قاتله" شاتمه فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله، بل يقتصر على قوله إني صائم. قوله: "والذي نفسي بيده" أقسم على ذلك تأكيدا. قوله: "لخلوف" بضم المعجمة واللام وسكون الواو بعدها فاء. قال عياض: هذه الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء، قال الخطابي: وهو خطأ، وحكى القابسي الوجهين، وبالغ النووي في "شرح المهذب" فقال لا يجوز فتح الخاء، واحتج غيره لذلك بأن المصادر التي جاءت على فعول - بفتح أوله - قليلة ذكرها سيبويه وغيره وليس هذا منها، واتفقوا على أن المراد به تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام. قوله: "فم الصائم" فيه رد على من قال لا تثبت الميم في الفم عند الإضافة إلا في ضرورة الشعر لثبوته في هذا الحديث الصحيح وغيره. قوله: "أطيب عند الله من ريح المسك" اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك - مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح، إذ ذاك من صفات الحيوان، ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه - على أوجه. قال المازري: هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، وقيل المراد أن ذلك في حق الملائكة

(4/105)


وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك، وقيل المعنى أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ضد ما هو عندكم، وهو قريب من الأول. وقيل المراد أن الله تعالى يجزيه في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه تفوح مسكا. وقيل المراد أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف حكاهما عياض. وقال الداودي وجماعة: المعنى أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب إليه في الجمع ومجالس الذكر، ورجح النووي هذا الأخير، وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضا، فحصلنا على ستة أوجه. وقد نقل القاضي حسين في تعليقه أن للطاعات يوم القيامة ريحا تفوح. قال فرائحة الصيام فيها بين العبادات كالمسك، ويؤيد الثلاثة الأخيرة قوله في رواية مسلم وأحمد والنسائي من طريق عطاء عن أبي صالح "أطيب عند الله يوم القيامة" وأخرج أحمد هذه الزيادة من حديث بشير بن الخصاصية، وقد ترجم ابن حبان بذلك في صحيحه ثم قال: "ذكر البيان بأن ذلك قد يكون في الدنيا" ثم أخرج الرواية التي فيها "فم الصائم حين يخلف من الطعام" وهي عنده وعند أحمد من طريق الأعمش عن أبي صالح، ويمكن أن يحمل قوله: "حين يخلف" على أنه ظرف لوجود الخلوف المشهود له بالطيب فيكون سببا للطيب في الحال الثاني فيوافق الرواية الأولى وهي قوله: "يوم القيامة" لكن يؤيد ظاهره وأن المراد به في الدنيا ما روى الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي في الشعب من حديث جابر في أثناء حديث مرفوع في فضل هذه الأمة في رمضان، وأما الثانية "فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك" قال المنذري إسناده مقارب، وهذه المسألة إحدى المسائل التي تنازع فيها ابن عبد السلام وابن الصلاح، فذهب ابن عبد السلام إلى أن ذلك في الآخرة كما في دم الشهيد واستدل بالرواية التي فيها "يوم القيامة" وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا واستدل بما تقدم وأن جمهور العلماء ذهبوا إلى ذلك، فقال الخطابي: طيبه عند الله رضاه به وثناؤه عليه. وقال ابن عبد البر: أزكى عند الله وأقرب إليه. وقال البغوي: معناه الثناء على الصائم والرضا بفعله، وبنحو ذلك قال القدوري من الحنفية والداودي وابن العربي من المالكية وأبو عثمان الصابوني وأبو بكر بن السمعاني وغيرهم من الشافعية، جزموا كلهم بأنه عبارة عن الرضا والقبول، وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضا الله تعالى حيث يؤمر باجتنابها، فقيده بيوم القيامة في رواية وأطلق في باقي الروايات نظرا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين، وهو كقوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} وهو خبير بهم في كل يوم، انتهى. ويترتب على هذا الخلاف المشهور في كراهة إزالة هذا الخلوف بالسواك، وسيأتي البحث فيه بعد بضعة وعشرين بابا حيث ترجم له المصنف إن شاء الله تعالى، ويؤخذ من قوله: "أطيب من ريح المسك" أن الخلوف أعظم من دم الشهادة لأن دم الشهيد شبه ريحه بريح المسك، والخلوف وصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصيام أفضل من الشهادة لما لا يخفى، ولعل سبب ذلك النظر إلى أصل كل منهما فإن أصل الخلوف طاهر وأصل الدم بخلافه فكان ما أصله طاهر أطيب ريحا. قوله: "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" هكذا وقع هنا، ووقع في الموطأ "وإنما يذر شهوته الخ" ولم يصرح بنسبته إلى الله للعلم به وعدم الإشكال فيه. وقد روى أحمد هذا الحديث عن إسحاق ابن الطباع عن مالك فقال بعد قوله من ريح المسك "يقول الله عز وجل: إنما يذر شهوته الخ" كذلك رواه سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد فقال في أول الحديث: "يقول الله عز وجل:

(4/106)


كل عمل ابن آدم هو له، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به، وإنما يذر ابن آدم شهوته وطعامه من أجلي" الحديث. وسيأتي قريبا من طريق عطاء عن أبي صالح بلفظ: "قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له" الحديث. ويأتي في التوحيد من طريق الأعمش عن أبي صالح بلفظ: "يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به" وقد يفهم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله: "إنما يذر الخ" التنبيه على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاص به، حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتخمة لا يحصل للصائم الفضل المذكور، لكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القوي الذي يدور معه الفعل وجودا وعدما، ولا شك أن من لم يعرض في خاطره شهوة شيء من الأشياء طول نهاره إلى أن أفطر ليس هو في الفضل كمن عرض له ذلك فجاهد نفسه في تركه، والمراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص. ووقع في رواية الموطأ بتقديم الشهوة عليها فيكون من الخاص بعد العام، ومثله حديث أبي صالح في التوحيد، وكذا جمهور الرواة عن أبي هريرة. وفي رواية ابن خزيمة من طريق سهيل عن أبي صالح عن أبيه "يدع الطعام والشراب من أجلي، ويدع لذته من أجلي" وفي رواية أبي قرة من هذا الوجه "يذع امرأته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي" وأصرح من ذلك ما وقع عند الحافظ سمويه في فوائده من طريق المسيب بن رافع عن أبي صالح "يترك شهوته من الطعام والشراب والجماع من أجلي". قوله: "الصيام لي وأنا أجزي به" كذا وقع بغير أداة عطف ولا غيرها، وفي الموطأ "فالصيام" بزيادة الفاء وهي للسببية أي سبب كونه لي أنه يترك شهوته لأجلي. ووقع في رواية مغيرة عن أبي الزناد عند سعيد بن منصور "كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" ومثله في رواية عطاء عن أبي صالح الآتية، وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى "الصيام لي وأنا أجزي به" مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال: أحدها أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، حكاه المازري ونقله عياض عن أبي عبيد، ولفظ أبي عبيد في غريبه: قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب. ويؤيدها هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس في الصيام رياء" حدثنيه شبابة عن عقيل عن الزهري فذكره يعني مرسلا قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس، وهذا وجه الحديث عندي، انتهى. وقد روى الحديث المذكور البيهقي في "الشعب" من طريق عقيل، وأورده من وجه آخر عن الزهري موصولا عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده ضعيف ولفظه: "الصيام لا رياء فيه. قال الله عز وجل: هو لي وأنا أجزي به" وهذا لو صح لكان قاطعا للنزاع. وقال القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: "يدع شهوته من أجلي" وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها وقل أن يسلم ما يظهر من شوب، بخلاف الصوم. وارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم، بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعا مثل حال الممسك تقربا يعني في الصورة الظاهرة. قلت: معنى النفي في قوله: "لا رياء في الصوم" أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها. وقد حاول بعض الأئمة إلحاق شيء من العبادات البدنية بالصوم فقال: إن الذكر بلا إله إلا الله

(4/107)


يمكن أن لا يدخله الرياء، لأنه بحركة اللسان خاصة دون غيره من أعضاء الفم، فيمكن الذاكر أن يقولها بحضرة الناس ولا يشعرون منه بذلك. ثانيها أن المراد بقوله: "وأنا أجزي به" أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته. وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس. قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى يعني رواية الموطأ، وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح حيث قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله - قال الله - إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" أي أجازي عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} انتهى. والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال. قلت: وسبق إلى هذا أبو عبيد في غريبه فقال: بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، واستدل له بأن الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قال الله تعالى: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} انتهى. ويشهد رواية المسيب بن رافع عن أبي صالح عند سمويه "إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لا يدري أحد ما فيه:" ويشهد له أيضا ما رواه ابن وهب في جامعه عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جده زيد مرسلا، ووصله الطبراني والبيهقي في "الشعب" من طريق أخرى عن عمر بن محمد عن عبد الله بن مينار عن ابن عمر مرفوعا: "الأعمال عند الله سبع" الحديث، وفيه: "وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله" ثم قال: وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلى الله فالصيام، ثم قال القرطبي: هذا القول ظاهر الحسن، قال: غير أنه تقدم ويأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام، وهي نص في إظهار التضعيف، فبعد هذا الجواب بل بطل. قلت: لا يلزم من الذي ذكر بطلانه، بل المراد بما أورده أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه إلا الله تعالى. ويؤيده أيضا العرف المستفاد من قوله: "أنا أجزي به" لأن الكريم إذا قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه. ثالثها معنى قوله: "الصوم لي" أي أنه أحب العبادات إلي والمقدم عندي، وقد تقدم قول ابن عبد البر: كفى بقوله: "الصوم لي" فضلا للصيام على سائر العبادات. وروى النسائي وغيره من حديث أبي أمامة مرفوعا: "عليك بالصوم فإنه لا مثل له" لكن يعكر على هذا الحديث الصحيح "واعلموا أن خبر أعمالكم الصلاة" . رابعها: الإضافة إضافة تشريف وتعظيم كما يقال بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله. قال الزين بن المنير: التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف. خامسها: أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب جل جلاله، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه. وقال القرطبي: معناه أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه يقول إن الصائم يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي. سادسها: أن المعنى كذلك، لكن بالنسبة إلى الملائكة لأن ذلك من صفاتهم. سابعها: أنه خالص لله وليس للعبد فيه حظ، قاله الخطابي، هكذا نقله عياض وغيره، فإن أراد بالحظ ما يحصل من الثناء عليه لأجل العبادة رجع إلى المعنى الأول، وقد أفصح بذلك ابن الجوزي فقال: المعنى ليس لنفس الصائم فيه حظ بخلاف غيره فإن له فيه حظا لثناء الناس عليه لعبادته. ثامنها: سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يعبد به غير الله، بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك. واعترض على هذا بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات، فإنهم يتعبدون لها بالصيام. وأجيب

(4/108)


بأنهم لا يعتقدون إلهية الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعالة بأنفسها، وهذا الجواب عندي ليس بطائل، لأنهم طائفتان، إحداهما كانت تعتقد إلهية الكواكب وهم من كان قبل ظهور الإسلام، واستمر منهم من استمر على كفره. والأخرى من دخل منهم في الإسلام واستمر على تعظيم الكواكب وهم الذين أشير إليهم. تاسعها: أن جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصيام، روى ذلك البيهقي من طريق إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطي عن أبيه عن ابن عيينة قال: إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة. قال القرطبي: قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكرت في حديث المقاصة فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال: "المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا" الحديث وفيه: "فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار" فظاهره أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك. قلت: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك، فقد يستدل له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رفعه: "كل العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي وأنا أجزي به" وكذا رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن محمد بن زياد ولفظه: "قال ربكم تبارك وتعالى: "كل العمل كفارة إلا الصوم" ورواه قاسم بن أصبغ من طريق أخرى عن شعبة بلفظ: "كل ما يعمله ابن آدم كفارة له إلا الصوم" وقد أخرجه المصنف في التوحيد عن آدم عن شعبة بلفظ يرويه "عن ربكم قال: لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزي به" فحذف الاستثناء، وكذا رواه أحمد عن غندر عن شعبة لكن قال: "كل العمل كفارة" وهذا يخالف رواية آدم لأن معناها إن لكل عمل من المعاصي كفارة من الطاعات، ومعنى رواية غندر كل عمل من الطاعات كفارة للمعاصي، وقد بين الإسماعيلي الاختلاف فيه في ذلك على شعبة، وأخرجه من طريق غندر بذكر الاستثناء فاختلف فيه أيضا على غندر، والاستثناء المذكور يشهد لما ذهب إليه ابن عيينة، لكنه وإن كان صحيح السند فإنه يعارضه حديث حذيفة "فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها الصلاة والصيام والصدقة" ولعل هذا هو السر في تعقيب البخاري لحديث الباب بباب الصوم كفارة وأورد فيه حديث حذيفة، وسأذكر وجه الجمع بينهما في الكلام على الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. عاشرها: أن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة كما تكتب سائر الأعمال، واستند قائله إلى حديث واه جدا أورده ابن العربي في "المسلسلات" ولفظه: "قال الله الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحب لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده" ويكفي في رد هذا القول الحديث الصحيح في كتابة الحسنة لمن هم بها وإن لم يعملها. فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وقد بلغني أن بعض العلماء بلغها إلى أكثر من هذا وهو الطالقاني في "حظائر القدس" له ولم أقف عليه، واتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولا وفعلا. ونقل ابن العربي عن بعض الزهاد أنه مخصوص بصيام خواص الخواص فقال: إن الصوم على أربعة أنواع: صيام العوام وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع، وصيام خواص الخواص وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول أو فعل، وصيام الخواص وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته، وصيام خواص الخواص وهو الصوم عن غير الله فلا فطر لهم إلى يوم القيامة. وهذا مقال عال لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يخفى. وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول والثاني ويقرب منهما الثامن والتاسع. وقال البيضاوي في

(4/109)


الكلام على رواية الأعمش عن أبي صالح التي بينتها قبل: لما أراد بالعمل الحسنات وضع الحسنة في الخبر موضع الضمير الراجع إلى المبتدأ، وقوله: "إلا الصيام" مستثنى من كلام غير محكي دل عليه ما قبله، والمعنى أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فلا يضاعف إلى هذا القدر بل ثوابه لا يقدر قدره ولا يحصيه إلا الله تعالى، ولذلك يتولى الله جزاءه بنفسه ولا يكله إلى غيره. قال: والسبب في اختصاص الصوم بهذه المزية أمران، أحدهما: أن سائر العبادات مما يطلع العباد عليه، والصوم سر بين العبد وبين الله تعالى يفعله خالصا ويعامله به طالبا لرضاه، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "فإنه لي". والآخر: أن سائر الحسنات راجعة إلى صرف المال أو استعمال للبدن، والصوم يتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقصان، وفيه الصبر على مضض الجوع والعطش وترك الشهوات، وإلى ذلك أشار بقوله: "يدع شهوته من أجلي". قال الطيبي: وبيان هذا أن قوله: "يدع شهوته الخ" جملة مستأنفة وقعت موقع البيان لموجب الحكم المذكور، وأما قول البيضاوي: إن الاستثناء من كلام غير محكي، ففيه نظر، فقد يقال: هو مستثنى من كل عمل وهو مروي عن الله لقوله في أثناء الحديث: "قال الله تعالى" ولما لم يذكره في صدر الكلام أورده في أثنائه بيانا، وفائدته تفخيم شأن الكلام وأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى. قوله: "والحسنة بعشر أمثالها" كذا وقع مختصرا عند البخاري، وقد قدمت البيان بأنه وقع في "الموطأ" تاما، وقد رواه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق القعنبي شيخ البخاري فيه فقال بعد قوله وأنا أجزي به "كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" فأعاد قوله: "وأنا أجزي به" في آخر الكلام تأكيدا، وفيه إشارة إلى الوجه الثاني. ووقع في رواية أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث: "للصائم فرحتان يفرحهما" الحديث. وسيأتي الكلام عليه بعد ستة أبواب إن شاء الله تعالى.

(4/110)


3 - باب الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ
1895- حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا جامع عن أبي وائل عن حذيفة قال قال عمر رضي الله عنه من يحفظ حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة قال حذيفة أنا سمعته يقول ثم فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة قال ليس أسأل عن هذه إنما أسأل عن التي تموج كما يموج البحر قال وإن دون ذلك بابا مغلقا قال فيفتح أو يكسر قال يكسر قال ذاك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة فقلنا لمسروق سله أكان عمر يعلم من الباب فسأله فقال نعم كما يعلم أن دون غد الليلة "
قوله: "باب الصوم كفارة" كذا لأبي ذر والجمهور بتنوين باب، أي الصوم يقع كفارة للذنوب، ورأيته هنا بخط القطب في شرحه "باب كفارة الصوم" أي باب تكفير الصوم للذنوب، وقد تقدم في أثناء الصلاة "باب الصلاة كفارة" وللمستملي: "باب تكفير الصلاة" وأورد فيه حديث الباب بعينه من وجه آخر عن أبي وائل، وقد تقدم طرف من الكلام على الحديث ويأتي شرحه مستوفى في علامات النبوة إن شاء الله تعالى، وفيه ما ترجم له لكن أطلق في الترجمة والخبر مقيد بفتنة المال وما ذكر معه، فقد يقال لا يعارض الحديث السابق في الباب قبله

(4/110)


وهو كون الأعمال كفارة إلا الصوم لأنه يحمل في الإثبات على كفارة شيء مخصوص وفي النفي على كفارة شيء آخر، وقد حمله المصنف في موضع آخر على تكفير مطلق الخطيئة فقال في الزكاة "باب الصدقة تكفر الخطيئة" ثم أورد هذا الحديث بعينه، ويؤيد الإطلاق ما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة أيضا مرفوعا: "الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر" وقد تقدم البحث في الصلاة. ولابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعا: "من صام رمضان وعرف حدوده كفر ما قبله" ولمسلم من حديث أبي قتادة "إن صيام عرفة يكفر سنتين وصيام عاشوراء يكفر سنة" وعلى هذا فقوله: "كل العمل كفارة إلا الصيام" يحتمل أن يكون المراد إلا الصيام فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة، ويكون المراد بالصيام الذي هذا شأنه ما وقع خالصا سالما من الرياء والشوائب كما تقدم شرحه، والله أعلم.

(4/111)


4 - باب الرَّيَّانُ لِلصَّائِمِينَ
1896- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ"
[الحديث 1896- طرفه في 3257]
1897- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنِي مَعْنٌ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا قَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ"
[الحديث 1897- أطرافه في: 2841، 3216، 3666]
قوله: "باب" بالتنوين" الريان" بفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الري: اسم علم على باب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائمين، وسيأتي أن من دخله لم يظمأ. قال القرطبي: اكتفي بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، قلت أو لكونه أشق على الصائم من الجوع. قوله: "حدثني أبو حازم" هو ابن دينار، وسهل هو ابن سعد الساعدي. قوله: "أن في الجنة بابا" قال الزين بن المنير: إنما قال في الجنة ولم يقل للجنة ليشعر بأن في الباب المذكور من النعيم والراحة في الجنة فيكون أبلغ في التشوق إليه. قلت: وقد جاء الحديث من وجه

(4/111)


آخر بلفظ: "إن للجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون". أخرجه هكذا الجوزقي من طريق أبي غسان عن أبي حازم، وهو للبخاري من هذا الوجه في بدء الخلق، لكن قال: "في الجنة ثمانية أبواب". قوله: "فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد" كرر نفي دخول غيرهم منه تأكيدا، وأما قوله: "فلم يدخل" فهو معطوف على "أغلق" أي لم يدخل منه غير من دخل. ووقع عند مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد شيخ البخاري فيه: "فإذا دخل آخرهم أغلق" هكذا في بعض النسخ من مسلم، وفي الكثير منها "فإذا دخل أولهم أغلق". قال عياض وغيره: هو وهم. والصواب آخرهم. قلت: وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده وأبو نعيم في مستخرجيه معا من طريقه، وكذا أخرجه الإسماعيلي والجوزقي من طرق عن خالد بن مخلد، وكذا أخرجه النسائي وابن خزيمة من طريق سعيد بن عبد الرحمن وغيره وزاد فيه: "من دخل شرب ومن شرب لا يظمأ أبدا" وللترمذي من طريق هشام بن سعد عن أبي حازم نحوه وزاد: "ومن دخله لم يظمأ أبدا" ونحوه للنسائي والإسماعيلي من طريق عبد العزيز بن حازم عن أبيه لكنه وقفه، وهو مرفوع قطعا لأن مثله لا مجال للرأي فيه. قوله: "عن حميد بن عبد الرحمن" في رواية شعيب عن الزهري الآتية في فضل أبي بكر "أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف". قوله: "عن أبي هريرة" قال ابن عبد البر: اتفق الرواة عن مالك على وصله، إلا يحيى بن بكير وعبد الله بن يوسف فإنهما أرسلاه، ولم يقع عند القعنبي أصلا. قلت: هذا أخرجه الدار قطني في "الموطآت" من طريق يحيى بن بكير موصولا فلعله اختلف عليه فيه، وأخرجه أيضا من طريق القعنبي فلعله حدث به خارج الموطأ. قوله: "من أنفق زوجين في سبيل الله" زاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعب عن مالك "من ماله" واختلف في المراد بقوله: "في سبيل الله" فقيل أراد الجهاد، وقيل ما هو أعم منه، والمراد بالزوجين إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد كما سيأتي إيضاحه. قوله: "هذا خير" ليس اسم التفضيل، بل المعنى هذا خير من الخيرات، والتنوين فيه للتعظيم وبه تظهر الفائدة. قوله: "ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان" في رواية محمد بن عمرو عن الزهري عند أحمد "لكل أهل عمل باب يدعون منه بذلك العمل، فلأهل الصيام باب يدعون منه يقال له الريان" وهذا صريح في مقصود الترجمة، وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفى في فضائل أبي بكر إن شاء الله تعالى.

(4/112)


5 - باب هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَالَ لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ"
1898- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ"
[الحديث 1898- طرفاه في: 1899، 3277]
1899- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ"

(4/112)


1900- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ عَنْ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ وَيُونُسُ لِهِلاَلِ رَمَضَانَ"
[الحديث 1900- طرفاه في: 1906، 1907]
قوله: "باب هل يقال" كذا للأكثر على البناء للمجهول، وللسرخسي والمستملي: "هل يقول:" أي الإنسان. قوله: "ومن رأى كله واسعا" أي جائزا بالإضافة وبغير الإضافة، وللكشمهيني "ومن رآه" بزيادة الضمير وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف رواه أبو معشر نجيح المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا: "لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان" أخرجه ابن عدي في الكامل وضعفه بأبي معشر. قال البيهقي: قد روي عن أبي معشر عن محمد ابن كعب وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن من طريقين ضعيفين، وقد احتج البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث. انتهى. وقد ترجم النسائي لذلك أيضا فقال: "باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان رمضان" ثم أورد حديث أبي بكرة مرفوعا: "لا يقولن أحدكم صمت رمضان ولا قمته كله" وحديث ابن عباس "عمرة في رمضان تعدل حجة" وقد يتمسك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال: {شَهْرُ رَمَضَانَ} مع احتمال أن يكون حذف لفظ شهر من الأحاديث من تصرف الرواة، وكأن هذا هو السر في عدم جزم المصنف بالحكم، ونقل عن أصحاب مالك الكراهية، وعن ابن الباقلاني منهم وكثير من الشافعية إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا يكره، والجمهور على الجواز. واختلف في تسمية هذا الشهر رمضان فقيل: لأنه ترمض فيه الذنوب، أي تحرق لأن الرمضاء شدة الحر، وقيل وافق ابتداء الصوم فيه زمنا جارا، والله أعلم. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان. وقال: لا تقدموا رمضان" أما الحديث الأول فوصله في الباب الذي يليه وفيه تمامه، وأما الثاني فوصله بعد ذلك من طريق هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "لا يتقدمن أحدكم" وأخرجه مسلم من طريق علي بن المبارك عن يحيى بلفظ: "لا تقدموا رمضان". قوله: "عن أبي سهيل" هو نافع بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن أبي غيمان - بالغين المعجمة والتحتانية - الأصبحي، عم مالك بن أنس بن مالك، وأبوه تابعي كبير أدرك عمر. قوله: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة" كذا أخرجه مختصرا، وقد أخرجه مسلم والنسائي من هذا الوجه بتمامه مثل رواية الزهري الثانية، والظاهر أن البخاري جمع المتن بإسنادين وذكر موضع المغايرة وهو "أبواب الجنة" في رواية إسماعيل بن جعفر "وأبواب السماء" في رواية الزهري. قوله: "حدثني ابن أبي أنس" هو أبو سهيل نافع بن أبي أنس مالك بن أبي عامر شيخ إسماعيل بن جعفر، وهو من صغار شيوخ الزهري بحيث أدركه تلامذة الزهري وهو أصغر منهم كإسماعيل بن جعفر. وهذا الإسناد يعد من رواية الأقران، وقد تأخر أبو سهيل في الوفاة عن الزهري. وقد بين النسائي أن مراد الزهري بابن أبي أنس نافع هذا فأخرج من وجه آخر عن عقيل عن ابن شهاب" أخبرني أبو سهيل عن أبيه "وأخرجه من طريق صالح عن ابن شهاب فقال: "أخبرني نافع بن أبي أنس" وروى هذا الحديث معمر عن الزهري فأرسله وحذف من بينه وبين أبي هريرة، ورواه ابن إسحاق عن الزهري عن أويس ابن أبي أويس عديل بني تميم عن أنس، قال النسائي وهو خطأ.

(4/113)


قوله: "مولى التيميين" أي مولى بني تيم، والمراد منهم آل طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، وكان أبو عامر والد مالك قد قدم مكة فقطنها وحالف عثمان بن عبيد الله أخا طلحة فنسب إليه، وكان مالك الفقيه يقول: لسنا موالي آل تيم، إنما نحن عرب من أصبح، ولكن جدي حالفهم. قوله: "وسلسلت الشياطين" قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه، لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر. وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في صحيحه وأورد ما أخرجه هو والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن" وأخرجه النسائي من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ: "وتغل فيه مردة الشياطين" زاد أبو صالح في روايته: "وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة" لفظ ابن خزيمة، وقوله: "صفدت" بالمهملة المضمومة بعدها فاء ثقيلة مكسورة أي شدت بالأصفاد وهي الأغلال وهو بمعنى سلسلت، ونحوه للبيهقي من حديث ابن مسعود وقال فيه: "فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب الشهر كله". قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين. قال: ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم: "فتحت أبواب الرحمة" قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات وذلك أسباب لدخول الجنة، وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات. قال الزين بن المنير: والأول أوجه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وأما الرواية التي فيها "أبواب الرحمة وأبواب السماء" فمن تصرف الرواة، والأصل أبواب الجنة بدليل ما يقابله وهو غلق أبواب النار، واستدل به على أن الجنة في السماء لإقامة هذا مقام هذه في الرواية وفيه نظر، وجزم التوربشتي شارح المصابيح بالاحتمال الأخير وعبارته: فتح أبواب السماء كناية عن تنزل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات. وقال الطيبي: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلف ذلك بأخبار الصادق ما يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحية. وقال القرطبي بعد أن رجح حمله على ظاهره: فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرا فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية لأن لذلك أسبابا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية. وقال غيره: في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة

(4/114)


إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له قد كفت الشياطين عنك فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية. قوله: "إذا رأيتموه" أي الهلال وسيأتي التصريح بذلك بعد خمسة أبواب مع الكلام على الحكم، وكذا هو مصرح بذكر الهلال فيه في الرواية المعلقة، وإنما أراد المصنف بإيراده في هذا الباب ثبوت ذكر رمضان بغير لفظ شهر، ولم يقع ذلك في الرواية الموصولة وإنما وقع في الرواية المعلقة. قوله: "وقال غيره عن الليث الخ" المراد بالغير المذكور أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، كذا أخرجه الإسماعيلي من طريقه قال: "حدثني الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب "فذكره بلفظ: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهلال رمضان إذا رأيتموه فصوموا" الحديث. ووقع مثله في غير رواية الزهري. قال عبد الرزاق "أنبأنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لهلال رمضان إذا رأيتموه فصوموا" الحديث. وسيأتي بيان اختلاف ألفاظ هذا الحديث حيث ذكرته إن شاء الله تعالى.

(4/115)


باب من صام رمضان إيماناً و إحتساباً و نية
...
6 - باب مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ
1901- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"
قوله: "باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية" قال الزين بن المنير: حذف الجواب إيجازا واعتمادا على ما في الحديث، وعطف قوله نية على قوله احتسابا لأن الصوم إنما يكون لأجل التقريب إلى الله، والنية شرط في وقوعه قربة. قال: والأولى أن يكون منصوبا على الحال. وقال غيره: انتصب على أنه مفعول له أو تمييز أو حال بأن يكون المصدر في معنى اسم الفاعل أي مؤمنا محتسبا، والمراد بالإيمان الاعتقاد بحق فرضية صومه، وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى. وقال الخطابي: احتسابا أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه. قوله: "وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: يبعثون على نياتهم" هذا طرف من حديث وصله المصنف في أوائل البيوع من طريق نافع بن جبير عنها وأوله "يغزو جيش الكعبة، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم، ثم يبعثون على نياتهم" يعني يوم القيامة ووجه الاستدلال منه هنا أن للنية تأثيرا في العمل لاقتضاء الخبر أن في الجيش المذكور المكره والمختار فإنهم إذا بعثوا على نياتهم وقعت المؤاخذة على المختار دون المكره. قوله: "حدثنا يحيى" هو ابن أبي كثير. قوله: "عن أبي سلمة" هو ابن عبد الرحمن، ووقع في رواية معاذ بن هشام عن أبيه عن مسلم: "حدثني أبو سلمة" ونحوه في رواية شيبان عن يحيى عند أحمد. قوله: "من قام ليلة القدر" يأتي الكلام عليه في الباب المعقود لها في أواخر الصيام. قوله: "ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" زاد أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة "وما تأخر" وقد رواه أحمد أيضا عن يزيد بن هارون عن محمد ابن عمرو بدون هذه الزيادة، ومن طريق يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بدونها أيضا، ووقعت هذه الزيادة أيضا في رواية الزهري عن أبي سلمة أخرجها النسائي عن قتيبة عن سفيان عنه، وتابعه

(4/115)


حامد بن يحيى عن سفيان، أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" واستنكره، وليس بمنكر، فقد تابعه قتيبة كما ترى، وهشام ابن عمار وهو في الجزء الثاني عشر من فوائده، والحسين بن الحسن المروزي أخرجه في كتاب الصيام له، ويوسف بن يعقوب النجاحي أخرجه أبو بكر المقري في فوائده كلهم عن سفيان، والمشهور عن الزهري بدونها. وقد وقعت هذه الزيادة أيضا في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين وإسناده حسن. وقد استوعبت الكلام على طرقه في "كتاب الخصال المكفرة، للذنوب المقدمة والمؤخرة" وهذا محصله. وقوله: "من ذنبه" اسم جنس مضاف فيتناول جميع الذنوب، إلا أنه مخصوص عند الجمهور، وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الوضوء وفي أوائل كتاب المواقيت. قال الكرماني: وكلمة "من" إما متعلقة بقوله: "غفر" أي غفر من ذنبه ما تقدم فهو منصوب المحل، أو هي مبنية لما تقدم وهو مفعول لما لم يسم فاعله فيكون مرفوع المحل.

(4/116)


باب أجود ماكان النبي يكون في رمضان
...
7 - باب أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ
1902- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرنا بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن بن عباس رضي الله عنهما قال ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة"
قوله: "باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان" أورد فيه حديث ابن عباس "كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير" وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في بدء الوحي. قال الزين بن المنير: وجه التشبيه بين أجوديته صلى الله عليه وسلم بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي برسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة صلى الله عليه وسلم.

(4/116)


باب من لم يدع قول الزور و العمل به في الصوم
...
8 - باب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ
1903- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"
[الحديث 1903- طرفه في: 6057]
قوله: "باب من لم يدع" أي يترك" قول الزور والعمل به" زاد في نسخة الصغاني "في الصوم". قال الزبير بن المنير: حذف الجواب لأنه لو نص على ما في الخبر لطالت الترجمة، أو لو عبر عنه بحكم معين لوقع في عهدته فكان الإيجاز ما صنع. قوله: "حدثنا سعد المقبري عن أبيه" كذا في أكثر الروايات عن ابن أبي ذئب، وقد رواه ابن وهب عن ابن أبي ذئب فاختلف عليه: رواه الربيع عنه مثل الجماعة، ورواه ابن السراج عنه فلم يقل "عن أبيه"

(4/116)


باب هل يقول أني صائماذا شتم
...
9- باب هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ
1904-.حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ"
قوله: "باب هل يقول إني صائم إذا شتم" أورد فيه حديث أبي هريرة، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى قبل ستة أبواب قوله فيه "ولا يصخب" كذا للأكثر بالمهملة الساكنة بعدها خاء معجمة، ولبعضهم بالسين بدل الصاد وهو بمعناه، والصخب الخصام والصياح، وقد تقدم أن المراد النهي عن ذلك تأكيده حالة الصوم، وإلا فغير الصائم منهي عن ذلك أيضا. قوله: "لخلوف" كذا للأكثر، وللكشميهني: "لخلف" بحذف الواو كأنها صيغة جمع، ويروى في غير البخاري بلفظ: "لخفة" على الوحدة كتمر وتمرة. قوله: "للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح" زاد مسلم: "بفطره"، وقوله: "يفرحهما" أصله يفرح بهما فحذف الجار ووصل الضمير كقوله صام رمضان أي فيه. قال القرطبي: معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم، وقيل إن فرحه بفطره إنما هو من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه. قلت: ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر، ففرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحا وهو الطبيعي، ومنهم من يكون مستحبا وهو من يكون سببه شيء مما ذكره. قوله: "وإذا لقي ربه فرح بصومه" أي بجزائه وثوابه. وقيل الفرح الذي عند لقاء ربه إما لسروره بربه أو بثواب ربه على الاحتمالين. قلت: والثاني أظهر إذ لا ينحصر الأول في الصوم بل يفرح حينئذ بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه.

(4/118)


10 - باب الصَّوْمِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزْبَةَ
1905- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ"
[الحديث 1905- طرفاه في: 5065، 5066]
قوله: "باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة" بضم المهملة وسكون الزاي بعدها موحدة، كذا لأبي ذر، ولغيره: "العزوبة" بزيادة واو، والمراد بالخوف من العزوبة ما ينشأ عنها من إرادة الوقوع في العنت. ثم أورد المصنف فيه حديث ابن مسعود المشهور، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، والمراد منه هنا قوله فيه: "ومن لم يستطع" أي لم يجد أهبة النكاح. قوله: "فعليه بالصوم فإنه له وجاء" بكسر الواو وبجيم ومد وهو رض الخصيتين، وقيل رض عروقهما، ومن يفعل به ذلك تنقطع شهوته، ومقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح. واستشكل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك مما يثير الشهوة، لكن ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، والله أعلم.

(4/119)


باب إذا رايتم الهلال فصوموا و اذا رايتموه فأفطرو
...
11 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلاَلَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا
وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1906- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلاَلَ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَه"
1907- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ"
1908- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَسَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَة"
[الحديث 1908- طرفاه في: 1913، 5302]
1909- حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم أو قال قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ثم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"
1910- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

(4/119)


عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا أَوْ رَاحَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لاَ تَدْخُلَ شَهْرًا فَقَالَ إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا"
[الحديث 1910- طرفه في: 5203]
1911- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ آلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتْ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الهلال فصوموا" هذه الترجمة لفظ مسلم من رواية إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة، وقد سبق للمصنف في أول الصيام من طريق ابن شهاب عن سالم عن أبيه بلفظ: "إذا رأيتموه" وذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفي صوم يوم الشك رتبها ترتيبا حسنا: فصدرها بحديث عمار المصرح بعصيان من صامه، ثم بحديث ابن عمر من وجهين أحدهما بلفظ: "فإن غم عليكم فاقدروا له" والآخر بلفظ: "فأكملوا العدة ثلاثين" وقصد بذلك بيان المراد من قوله فاقدروا له، ثم استظهر بحديث ابن عمر أيضا: "الشهر هكذا وهكذا وحبس الإبهام في الثالثة" ثم ذكر شاهدا من حديث أبي هريرة لحديث ابن عمر مصرحا بأن عدة الثلاثين المأمور بها تكون من شعبان، ثم ذكر شاهدا لحديث ابن عمر في كون الشهر تسعا وعشرين من حديث أم سلمة مصرحا فيه بأن الشهر تسع وعشرون، ومن حديث أنس كذلك، وسأتكلم عليها حديثا حديثا إن شاء الله تعالى. قوله: "وقال صلة عن عمار الخ" أما صلة فهو بكسر المهملة وتخفيف اللام المفتوحة ابن زفر بزاي وفاء وزن عمر كوفي عبسي بموحدة ومهملة من كبار التابعين وفضلائهم، ووهم ابن حزم فزعم أنه صلة ابن أشيم، والمعروف أنه ابن زفر، وكذا وقع مصرحا به عند جمع ممن وصل هذا الحديث، وقد وصله أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عنه ولفظه عندهم "كنا عند عمار بن ياسر فأتى بشاة مصلية فقال: كلوا. فتنحى بعض القوم فقال إني صائم. فقال عمار: من صام يوم الشك" وفي رواية ابن خزيمة وغيره: "من صام اليوم الذي يشك فيه"، وله متابع بإسناد حسن، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق منصور عن ربعي "أن عمارا وناسا معه أتوهم يسألونهم في اليوم الذي يشك فيه، فاعتزلهم رجل، فقال له عمار تعال فكل فقال: إني صائم، فقال له عمار: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فتعال وكل" ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن منصور عن ربعي عن رجل عن عمار، وله شاهد من وجه آخر أخرجه إسحاق بن راهويه من رواية سماك عن عكرمة. ومنهم من وصله بذكر ابن عباس فيه. قوله: "فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم" استدل به على تحريم صوم يوم الشك لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع. قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك. وخالفهم الجوهري المالكي فقال: هو موقوف. والجواب أنه موقوف لفظا مرفوع حكما. قال الطيبي: إنما أتى بالموصول ولم يقل يوم الشك مبالغة في أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب لعصيان صاحب الشرع فكيف بمن صام يوما الشك فيه قائم ثابت، ونحوه قوله تعالى: { وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي الذين أونس منهم أدنى ظلم، فكيف بالظلم المستمر عليه؟ قلت: وقد علمت أنه وقع في كثير من الطرق بلفظ: "يوم الشك" وقوله: "أبا القاسم" قيل فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زمانا ومكانا وغير ذلك،

(4/120)


وأما حديث ابن عمر فاتفق الرواة عن مالك عن نافع فيه على قوله: "فاقدروا له" وجاء من وجه آخر عن نافع بلفظ: "فاقدروا ثلاثين" كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيد الله ابن عمر عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع. قال عبد الرزاق: وأخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع به وقال: "فعدوا ثلاثين" واتفق الرواة عن مالك عن عبد الله بن دينار أيضا فيه على قوله: "فاقدروا له" وكذلك رواه الزعفراني وغيره عن الشافعي، وكذا رواة إسحاق الحربي وغيره في "الموطأ" عن القعنبي، وأخرجه الربيع بن سليمان والمزني عن الشافعي فقال فيه كما قاله البخاري هنا عن القعنبي" فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" قال البيهقي في "المعرفة" إن كانت رواية الشافعي والقعنبي من هذين الوجهين محفوظة فيكون مالك قد رواه على الوجهين. قلت: ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه فله متابعات، منها: ما رواه الشافعي أيضا من طريق سالم عن ابن عمر بتعيين الثلاثين. ومنها: ما رواه ابن خزيمة من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر بلفظ: "فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين" وله شواهد من حديث حذيفة عند ابن خزيمة، وأبي هريرة وابن عباس عند أبي داود والنسائي وغيرهما، وعن أبي بكرة وطلق بن علي عند البيهقي، وأخرجه من طرق أخرى عنهم وعن غيرهم. ُقوله: "لا تصوموا حتى تروا الهلال" ظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلا أو نهارا لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فرق بين ما قبل الزوال أو بعد، وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقا، وهو ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله: "فإن غم عليكم فاقدروا له" فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر. ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكدا للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا: المراد بقوله: "فاقدروا له" أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين، ويرجح هذا التأويل الروايات الأخر المصرحة بالمراد وهي ما تقدم من قوله: "فأكملوا العدة ثلاثين" ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث، وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة في هذه الزيادة أيضا فرواها البخاري كما ترى بلفظ: "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" وهذا أصرح ما ورد في ذلك، وقد قيل إن آدم شيخه انفرد بذلك فإن أكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه: "فعدوا ثلاثين" أشار إلى ذلك الإسماعيلي وهو عند مسلم وغيره. قال فيجوز أن يكون آدم أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر. قلت: الذي ظنه الإسماعيلي صحيح، فقد رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن يزيد عن آدم بلفظ: "فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما" يعني عدوا شعبان ثلاثين، فوقع للبخاري إدراج التفسير في نفس الخبر. ويؤيد رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين" ، فإنه يشعر بأن المأمور بعدده هو شعبان، وقد رواه مسلم من طريق الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد بلفظ: "فأكملوا العدد" وهو يتناول كل شهر فدخل فيه شعبان، وروى الدار قطني وصححه وابن خزيمة في صحيحه من حديث عائشة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام" وأخرجه أبو داود وغيره أيضا. وروى أبو داود والنسائي وابن خزيمة من طريق ربعي عن حذيفة مرفوعا: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة" وقيل الصواب فيه عن ربعي عن رجل

(4/121)


من الصحابة مبهم، ولا يقدح ذلك في صحته. قال ابن الجوزي في "التحقيق" لأحمد في هذه المسألة - وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان - ثلاثة أقوال: أحدها يجب صومه على أنه من رمضان. ثانيها لا يجوز فرضا ولا نفلا مطلقا، بل قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة، وبه قال الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك. ثالثها المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر. واحتج الأول بأنه موافق لرأي الصحابي راوي الحديث. قال أحمد: حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر فذكر الحديث بلفظ: "فاقدروا له" قال نافع: فكان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لما ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا، وإن حال أصبح صائما. وأما ما روى الثوري في جامعه عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فالجمع بينهما أنه في الصورة التي أوجب فيها الصوم لا يسمى يوم شك، وهذا هو المشهور عن أحمد أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظره شيء فلا يسمى شكا. واختار كثير من المحققين من أصحابه الثاني. قال ابن عبد الهادي في تنقيحه: الذي دلت عليه الأحاديث - وهو مقتضى القواعد - أنه أي شهر غم أكمل ثلاثين سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما، فعلى هذا قوله: "فأكملوا العدة" يرجع إلى الجملتين وهو قوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة" أي غم عليكم في صومكم أو فطركم، وبقية الأحاديث تدل عليه فاللام في قوله: "فأكملوا العدة" للشهر أي عدة الشهر، ولم يخص صلى الله عليه وسلم شهرا دون شهر بالإكمال إذا غم، فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك، إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبينه فلا تكون رواية من روى "فأكملوا عدة شعبان" مخالفة لمن قال: "فأكملوا العدة" بل مبينة لها. ويؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى "فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا". أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وأبو يعلى من حديث ابن عباس هكذا، ورواه الطيالسي من هذا الوجه بلفظ: "ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان" وروى النسائي من طريق محمد بن حنين عن ابن عباس بلفظ: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". قوله: "فاقدروا له" تقدم أن للعلماء فيه تأويلين، وذهب آخرون إلى تأويل ثالث، قالوا: معناه فاقدروه بحساب المنازل. قاله أبو العباس بن سريج من الشافعية ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة من المحدثين. قال ابن عبد البر: لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة هو ممن يعرج عليه في مثل هذا. قال: ونقل ابن خويز منداد عن الشافعي مسألة ابن سريج والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور، ونقل ابن العربي عن ابن سريج أن قوله: "فاقدروا له" خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله: "فأكملوا العدة" خطاب للعامة. قال ابن العربي: فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد، قال: وهذا بعيد عن النبلاء. وقال ابن الصلاح: معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، قال: فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن سريج وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه. ونقل الروياني عنه أنه لم يقل بوجوب ذلك عليه وإنما قال بجوازه، وهو اختيار القفال وأبي الطيب، وأما أبو إسحاق في "المهذب" فنقل عن ابن سريج لزوم الصوم في هذه الصورة فتعددت الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص

(4/122)


النظر في الحساب والمنازل: أحدها الجواز ولا يجزئ عن الفرض، ثانيها يجوز ويجزئ، ثالثها يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجم، رابعها يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم، خامسها يجوز لهما ولغيرهما مطلقا. وقال ابن الصباغ أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا. قلت: ونقل ابن المنذر قبله الإجماع على ذلك. فقال في الإشراف: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته، هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، فمن فرق بينهم كان محجوجا بالإجماع قبله، وسيأتي بقية البحث في ذلك بعد باب. قوله: "الشهر تسع وعشرون" ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين، والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه أو هو محمول على الأكثر الأغلب لقول ابن مسعود "ما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين" أخرجه أبو داود والترمذي، ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد، ويؤيد الأول قوله في حديث أم سلمة في الباب أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما. وقال ابن العربي: قوله: "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا الخ" معناه حصره من جهة أحد طرفيه، أي أنه يكون تسعا وعشرين وهو أقله، ويكون ثلاثين وهو أكثره، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطا، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفا، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله. قوله: "فلا تصوموا حتى تروه" ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد، بل المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك، إما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأي آخرين. ووافق الحنفية على الأول إلا أنهم خصوا ذلك بما إذا كان في السماء علة من غيم وغيره، وإلا متى كان صحو لم يقبل إلا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم. وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك قال لأن قوله: "حتى تروه" خطاب لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم، ولكنه مصروف عن ظاهره فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد فلا يتقيد بالبلد. وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: أحدها لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجها للشافعية. ثانيها مقابله إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه. وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع. وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدا وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي. وفي ضبط البعد أوجه: أحدها اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في "الروضة" و "شرح المهذب". ثانيها مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في "الصغير" والنووي في شرح مسلم". ثالثها اختلاف الأقاليم. رابعها حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنها بلا عارض دون غيرهم. خامسها قول ابن الماجشون المتقدم واستدل به على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده وإن لم يثبت بقوله، وهو قول الأئمة

(4/123)


الأربعة في الصوم، واختلفوا في الفطر فقال الشافعي: يفطر ويخفيه. وقال الأكثر: يستمر صائما احتياطا. قوله: "فإن غم عليكم" بضم المعجمة وتشديد الميم أي حال بينكم وبينه غيم، يقال غممت الشيء إذا غطيته، ووقع في حديث أبي هريرة من طريق المستملي: "فإن غم" ومن طريق الكشميهني: "أغمى" ومن رواية السرخسي "غبى" بفتح العين المعجمة وتخفيف الموحدة وأغمى وغم وغمى بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم، الكل بمعنى، وأما غبى فمأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة وهي استعارة لخفاء الهلال، ونقل ابن العربي أنه روى "عمى" بالعين المهملة من العمى قال وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات أو ذهاب البصيرة عن المعقولات. الحديث: قوله: "الشهر هكذا وهكذا وخنس الإبهام في الثالثة" كذا للأكثر بالمعجمة والنون أي قبض، والانخناس الانقباض قاله الخطابي. وفي رواية الكشميهني: "وحبس" بالحاء المهملة ثم الموحدة، أي منع. قوله: "عن يحيى بن عبد الله بن صيفي" بمهملة وفاء وزن زيدي، وهو اسم بلفظ النسبة. ووقع في رواية حجاج عن ابن جريج" أخبرني يحيى" أخرجه مسلم، وكذا صرح بالإخبار في بقية الإسناد، وسيأتي الكلام على حديث أم سلمة هذا مستوفى في كتاب الطلاق. قوله: "عن حميد عن أنس" سيأتي في الطلاق من وجه آخر عن سليمان عن حميد أنه مع أنسا. قوله: "تسعا وعشرين" كذا للأكثر وللحموي والمستملي: "تسعة وعشرين" وسيأتي بقية الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.

(4/124)


12 - باب شَهْرَا عِيدٍ لاَ يَنْقُصَانِ
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَهُوَ تَمَامٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لاَ يَجْتَمِعَانِ كِلاَهُمَا نَاقِصٌ
1912- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "شَهْرَانِ لاَ يَنْقُصَانِ شَهْرَا عِيدٍ رَمَضَانُ وَذُو الْحَجَّةِ"
قوله: "باب شهرا عيد لا ينقصان" هكذا ترجم ببعض لفظ الحديث، وهذا القدر لفظ طريق لحديث الباب عند الترمذي من رواية بشر بن المفضل عن خالد الحذاء. قوله: "حدثنا مسدد حدثنا معتمر" فساق الإسناد ثم قال: "وحدثني مسدد قال حدثنا معتمر" فساقه بإسناد آخر لمسدد وساق المتن على لفظ الرواية الثانية، وكأن النكتة في كونه لم يجمع الإسنادين معا مع أنهما لم يتغايرا إلا في شيخ معتمر أن مسددا حدثه به مرة ومعه غيره عن معتمر عن إسحاق، وحدثه به مرة أخرى إما وهو وحده وإما بقراءته عليه عن معتمر عن خالد، ولمسدد فيه شيخ آخر أخرجه أبو داود عنه عن يزيد بن زريع عن خالد وهو محفوظ عن خالد الحذاء من طرق. وأما قول قاسم في "الدلائل" : سمعت موسى بن هارون يحدث بهذا الحديث عن العباس بن الوليد عن يزيد بن زريع مرفوعا، قال موسى وأنا أهاب رفعه، فإن لم يحمل على أن يزيد بن زريع كان ربما وقفه وإلا فليس لمهابة رفعه معنى. وأما لفظ إسحاق العدوي فأخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي خليفة وأبي مسلم الكجي جميعا عن مسدد بهذا الإسناد بلفظ: "لا ينقص رمضان ولا ينقص ذو الحجة" وأشار الإسماعيلي أيضا إلى أن هذا اللفظ لإسحاق العدوي، لكن أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن محمد بن يحيى عن مسدد بلفظ: "شهرا عيدا لا ينقصان" كما هو لفظ الترجمة، وكأن

(4/124)


هذا هو السر في اقتصار البخاري على سياق المتن على لفظ خالد دون إسحاق لكونه لم يختلف في سياقه عليه، وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث: فمنهم من حمله على ظاهره فقال لا يكون رمضان ولا ذو الحجة أبدا إلا ثلاثين، وهذا قول مردود معاند للموجود المشاهد، ويكفي في رده قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة" فإنه لو كان رمضان أبدا ثلاثين لم يحتج إلى هذا. ومنهم من تأول له معنى لائقا. وقال أبو الحسن كان إسحاق بن راهويه يقول: لا ينقصان في الفضيلة إن كانا تسعة وعشرين أو ثلاثين. انتهى. وقيل لا ينقصان معا، إن جاء أحدهما تسعا وعشرين جاء الآخر ثلاثين ولا بد. وقيل لا ينقصان في ثواب العمل فيهما، وهذان القولان مشهوران عن السلف وقد ثبتا منقولين في أكثر الروايات في البخاري، وسقط ذلك في رواية أبي ذر وفي رواية النسفي وغيره عقب الترجمة قبل سياق قال إسحاق: وإن كان ناقصا فهو تمام. وقال محمد: لا يجتمعان كلاهما ناقص. وإسحاق هذا هو ابن راهويه، ومحمد هو البخاري المصنف. ووقع عند الترمذي نقل القولين عن إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وكأن البخاري اختار مقالة أحمد فجزم بها أو توارد عليها. قال الترمذي قال أحمد: معناه لا ينقصان معا في سنة واحدة انتهى. ثم وجدت في نسخة الصغاني ما نصه عقب الحديث: قال أبو عبد الله قال إسحاق تسعة وعشرون يوما تام. وقال أحمد بن حنبل إن نقص رمضان تم ذو الحجة، وإن نقص ذو الحجة تم رمضان. وقال إسحاق: معناه وإن كان تسعا وعشرين فهو تمام غير نقصان. قال: وعلى مذهب إسحاق يجوز أن ينقصا معا في سنة واحدة. وروى الحاكم في تاريخه بإسناد صحيح أن إسحاق بن إبراهيم سئل عن ذلك فقال: إنكم ترون العدد ثلاثين فإذا كان تسعا وعشرين ترونه نقصانا وليس ذلك بنقصان. ووافق أحمد على اختياره أبو بكر أحمد بن عمرو البزار فأوهم مغلطاي أنه مراد الترمذي بقوله: "وقال أحمد "وليس كذلك، وإنما ذكره قاسم في "الدلائل" عن البزار فقال: سمعت البزار يقول معناه لا ينقصان جميعا في سنة واحدة. قال: ويدل عليه رواية زيد بن عقبة عن سمرة ابن جندب مرفوعا: "شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يوما" وادعى مغلطاي أيضا أن المراد بإسحاق إسحاق ابن سويد العدوي راوي الحديث، ولم يأت على ذلك بحجة. وذكر ابن حبان لهذا الحديث معنيين: أحدهما ما قاله إسحاق، والآخر أن المراد أنهما في الفضل سواء لقوله في الحديث الآخر "ما من أيام العمل فيها أفضل من عشر ذي الحجة" وذكر القرطبي أن فيه خمسة أقوال فذكر نحو ما تقدم وزاد أن معناه لا ينقصان في عام بعينه وهو العام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم تلك المقالة. وهذا حكاه ابن بزيزة ومن قبله أبو الوليد ابن رشد ونقله المحب الطبري عن أبي بكر بن فورك، وقيل: المعنى لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي فقال: معنى لا ينقصان أن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين. وقيل معناه لا ينقصان في نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، وهذا أشار إليه ابن حبان أيضا. ولا يخفى بعده. وقيل معناه لا ينقصان معا في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم لأنه ربما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعة وعشرين قال الطحاوي: الأخذ بظاهره أو حمله على نقص أحدهما يدفعه العيان لأنا قد وجدناهما ينقصان معا في أعوام. وقال الزين بن المنير: لا يخلو شيء من هذه الأقوال عن الاعتراض، وأقربها أن المراد أن النقص الحسي باعتبار العدد ينجبر بأن كلا منهما شهر عيد عظيم فلا ينبغي وصفهما بالنقصان، بخلاف غيرهما من الشهور. وحاصله يرجع إلى تأييد قول إسحاق. وقال البيهقي في "المعرفة" إنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج بهما،

(4/125)


وبه جزم النووي وقال: إنه الصواب المعتمد. والمعنى أن كل ما ورد عنهما من الفضائل والأحكام حاصل سواء كان رمضان ثلاثين أو تسعا وعشرين، سواء صادف الوقوف اليوم التاسع أو غيره. ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يحصل تقصير في ابتغاء الهلال، وفائدة الحديث رفع ما يقع في القلوب من شك لمن صام تسعا وعشرين أو وقف في غير يوم عرفة. وقد استشكل بعض العلماء إمكان الوقوف في الثامن اجتهادا، وليس مشكلا لأنه ربما ثبتت الرؤية بشاهدين أن أول ذي الحجة الخميس مثلا فوقفوا يوم الجمعة، ثم تبين أنهما شهدا زورا. وقال الطيبي: ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في غيرهما من الشهور، وليس المراد أن ثواب الطاعة في غيرهما ينقص، وإنما المراد رفع الحرج عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعيدين وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما، ومن ثم قال: "شهرا عيد" بعد قوله: "شهران لا ينقصان" ولم يقتصر على قوله رمضان وذي الحجة انتهى. وفي الحديث حجة لمن قال إن الثواب ليس مرتبا على وجود المشقة دائما، بل لله أن يتفضل بإلحاق الناقص بالتام في الثواب. واستدل به بعضهم لمالك في اكتفائه لرمضان بنية واحدة قال: لأنه جعل الشهر بجملته عبادة واحدة فاكتفى له بالنية، وهذا الحديث يقتضي أن التسوية في الثواب بين الشهر الذي يكون تسعا وعشرين وبين الشهر الذي يكون ثلاثين إنما هو بالنظر إلى جعل الثواب متعلقا بالشهر من حيث الجملة لا من حيث تفضيل الأيام. وأما ما ذكره البزار من رواية زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب فإسناده ضعيف، وقد أخرجه الدار قطني في "الأفراد" والطبراني من هذا الوجه بلفظ: "لا يتم شهران ستين يوما" وقال أبو الوليد ابن رشد: إن ثبت فمعناه لا يكونان ثمانية وخمسين في الأجر والثواب وروى الطبراني حديث الباب من طريق هشيم عن خالد الحذاء بسنده هذا بلفظ: "كل شهر حرام لا ينقص ثلاثون يوما وثلاثون ليلة" وهذا بهذا اللفظ شاذ، والمحفوظ عن خالد ما تقدم، وهو الذي توارد عليه الحفاظ من أصحابه كشعبة وحماد ابن زيد ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل وغيرهم. وقد ذكر الطحاوي أن عبد الرحمن بن إسحاق روى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بهذا اللفظ، قال الطحاوي: وعبد الرحمن بن إسحاق لا يقاوم خالدا الحذاء في الحفظ. قلت: فعلى هذا فقد دخل لهشيم حديث في حديث، لأن اللفظ الذي أورده عن خالد هو لفظ عبد الرحمن. وقال ابن رشد: إن صح فمعناه أيضا في الأجر والثواب. قوله: "رمضان وذو الحجة" أطلق على رمضان أنه شهر عيد لقربه من العيد، أو لكون هلال العيد ربما رؤي في اليوم الأخير من رمضان قاله الأثرم، والأول أولى. ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: "المغرب وتر النهار" أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر، وصلاة المغرب ليلية جهرية، وأطلق كونها وتر النهار لقربها منه. وفيه إشارة إلى أن وقتها يقع أول ما تغرب الشمس. "تنبيه": ليس لإسحاق بن سويد - وهو ابن هبيرة البصري العدوي عديى مضر، وهو تابعي صغير روى هنا عن تابعي كبير - في البخاري سوى هذا الحديث الواحد. وقد أخرجه مقرونا بخالد الحذاء وقد رمي بالنصب، وذكره ابن العربي في الضعفاء بهذا السبب.

(4/126)


باب لانكتب و لا نحسب
...
13 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ
1913- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلاَثِينَ"

(4/126)


قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكتب ولا نحسب" بالنون فيهما، والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم أو المراد نفسه صلى الله عليه وسلم. قوله: "الأسود بن قيس" هو الكوفي تابعي صغير، وشيخه سعيد بن عمرو أي ابن سعيد بن العاص، مدني سكن دمشق ثم الكوفة تابعي شهير، سمع عائشة وأبا هريرة وجماعة من الصحابة، ففي الإسناد تابعي عن تابعي كالذي قبله. قوله: "إنا" أي العرب، وقيل أراد نفسه. و قوله: "أمية" بلفظ النسب إلى الأم فقيل أراد أمة العرب لأنها لا تكتب، أو منسوب إلى الأمهات أي أنهم على أصل ولادة أمهم، أو منسوب إلى الأم لأن المرأة هذه صفتها غالبا، وقيل منسوبون إلى أم القرى، و قوله: "لا نكتب ولا نحسب" تفسير لكونهم كذلك، وقيل للعرب أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة. قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضا إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا، ويوضحه قوله في الحديث الماضي "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" ولم يقل فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم. وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلا القليل. قوله: "الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين" هكذا ذكره آدم شيخ البخاري مختصرا، وفيه اختصار عما رواه غندر عن شعبة، أخرجه مسلم عن ابن المثنى وغيره عنه بلفظ: "الشهر هكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين" أي أشار أولا بأصابع يديه العشر جميعا مرتين وقبض الإبهام في المرة الثالثة وهذا المعبر عنه بقوله تسع وعشرون، وأشار مرة أخرى بهما ثلاث مرات وهو المعبر عنه بقوله ثلاثون. وفي رواية جبلة بن سحيم عن ابن عمر في الباب الماضي "الشهر هكذا وهكذا وخنس الإبهام في الثالثة". ووقع من هذا الوجه عند مسلم بلفظ: "الشهر هكذا وهكذا وصفق بيديه مرتين بكل أصابعه وقبض في الصفقة الثالثة إبهام اليمنى أو اليسرى"، وروى أحمد وابن أبي شيبة واللفظ له من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن ابن عمر رفعه: "الشهر تسع وعشرون ثم طبق بين كفيه مرتين وطبق الثالثة فقبض الإبهام. قال فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، إنما هجر النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا فنزل لتسع وعشرين، فقيل له فقال: إن الشهر يكون تسعا وعشرين وشهر ثلاثون. قال ابن بطال: في الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول رؤية الأهلة وقد نهينا عن التكلف. ولا شك أن في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف. وفي الحديث مستند لمن رأى الحكم بالإشارة، قلت وسيأتي في كتاب الطلاق.

(4/127)


باب لايتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين
...
14- باب لاَ يَتَقَدَّمُ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

(4/127)


رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ"
قوله: "باب لا يتقدم" بضم أوله وفتح ثانيه ويجوز فتحهما، أي المكلف. قوله: "لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين" أي لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط له فإن صومه مرتبط بالرؤية فلا حاجة إلى التكلف، واكتفى في الترجمة عن ذلك لتصريح الخبر به. قوله: "هشام" هو الدستوائي. قوله: "عن أبي سلمة عن أبي هريرة" في رواية خالد بن الحارث عن هشام عند الإسماعيلي: "حدثني أبو سلمة حدثني أبو هريرة"، ونحوه لأبي عوانة من طريق معاوية بن سلام عن يحيى. قوله: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم" في رواية أبي داود عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري فيه: "لا تقدموا صوم رمضان بصوم" وفي رواية خالد بن الحارث المذكورة "لا تقدموا بين يدي رمضان بصوم" ولأحمد عن روح عن هشام "لا تقدموا قبل رمضان بصوم" وللترمذي من طريق علي بن المبارك عن يحيى لا تقدموا شهر رمضان بصيام قبله. قوله: "إلا أن يكون رجل" كان تامة، أي إلا أن يوجد رجل. قوله: "يصوم صوما" وفي رواية الكشميهني: "صومه فليصم ذلك اليوم" وفي رواية معمر عن يحيى عند أحمد إلا رجل كان يصوم صياما فيأتي على صيامه" ونحوه لأبي عوانة من طريق أيوب عن يحيى. وفي رواية أحمد عن روح "إلا رجل كان يصوم صياما فليصله به" وللترمذي وأحمد من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة "إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم" قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان. قال الترمذي لما أخرجه: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان ا هـ. والحكمة فيه التقوى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وهذا فيه نظر لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربعة جاز، وسنذكر ما فيه قريبا، وقيل الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضا لأنه يجوز لمن له عادة كما في الحديث، وقيل لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم وهذا هو المعتمد، ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده وألفه وترك المألوف شديد وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما قال بعض العلماء: يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعي بالظن، وفي الحديث رد على من يرى تقديم الصوم على الرؤية كالرافضة، ورد على من قال بجواز صوم النفل المطلق، وأبعد من قال: المراد بالنهي التقدم بنية رمضان، واستدل بلفظ التقدم لأن التقدم على الشيء بالشيء إنما يتحقق إذا كان من جنسه، فعلى هذا يجوز الصيام بنية النفل المطلق، لكن السياق يأبى هذا التأويل ويدفعه. وفيه بيان لمعنى قوله في الحديث الماضي "صوموا لرؤيته" فإن اللام فيه للتأقيت لا للتعليل. قال ابن دقيق العيد: ومع كونها محمولة على التأقيت فلا بد من ارتكاب مجاز لأن وقت الرؤية - وهو الليل - لا يكون محل الصوم. وتعقبه الفاكهي بأن المراد بقوله: "صوموا" انووا الصيام، والليل كله ظرف للنية. قلت: فوقع في المجاز الذي فر منه، لأن الناوي ليس صائما حقيقة بدليل أنه يجوز له الأكل والشرب بعد النية إلى أن يطلع الفجر، وفيه منع إنشاء الصوم قبل رمضان إذا كان لأجل الاحتياط، فإن زاد على ذلك فمفهومه الجواز، وقيل يمتد المنع لما قبل ذلك وبه قطع كثير من الشافعية، وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه

(4/128)


التقديم بالصوم فحيث وجد منع، وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك. وقالوا أمد المنع من أول السادس عشر من شعبان لحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره. وقال الروياني من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث الباب. ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر. وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعا بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه. وقال أحمد وابن معين إنه منكر، وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاوي. واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعا: "أفضل الصيام بعد رمضان شعبان" لكن إسناده ضعيف، واستظهر أيضا بحديث عمران بن حصين "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: هل صمت من سرر شعبان شيئا؟ قال: لا. قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين" ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وهو جمع حسن، والله أعلم.

(4/129)


باب{احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم}
...
15 - باب قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذكره [187 البقرة]:
{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}
1915- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَكِ طَعَامٌ قَالَتْ لاَ وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ}
[الحديث 1915-طرفه :4508]
قوله: "باب قول الله عز وجل :{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} - إلى قوله: { مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} كذا في رواية أبي ذر، وساق غيره الآية كلها، والمراد بهذه الترجمة بيان ما كان الحال عليه قبل نزول هذه الآية. ولما كانت هذه الآية منزلة على أسباب تتعلق بالصيام عجل بها المصنف. وقد تعرض لها في التفسير أيضا كما سيأتي. ويؤخذ من حاصل ما استقر عليه الحال من سبب نزولها ابتداء مشروعية السحور وهو المقصود في هذا المكان لأنه جعل هذه الترجمة مقدمة لأبواب السحور. قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق المذكور، وقد رواه الإسماعيلي من طريق يوسف بن موسى وغيره عن عبيد الله بن موسى شيخ البخاري فيه

(4/129)


عن إسرائيل وزهير هو ابن معاوية كلاهما عن أبي إسحاق عن البراء زاد فيه ذكر زهير وساقه على لفظ إسرائيل، وقد رواه الدارمي وعبيد بن حميد في مسنديهما عن عبيد الله بن موسى فلم يذكرا زهيرا، وقد أخرجه النسائي من وجه آخر عن زهير به. قوله: "كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم" أي في أول افتراض الصيام، وبين ذلك ابن جرير في روايته من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا. قوله: "فنام قبل أن يفطر الخ" في رواية زهير "كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئا ولا يشرب ليله ويومه حتى تغرب الشمس" ولأبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق "كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا لم يفعلوا شيئا من ذلك إلى مثلها" فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيدا بالنوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في حديث ابن عباس بصلاة العتمة، أخرجه أبو داود بلفظ: "كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة" ونحوه في حديث أبي هريرة كما سأذكره قريبا، وهذا أخص من حديث البراء من وجه آخر، ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالبا، والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث، وبين السدي وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب كما أخرجه ابن جرير من طريق السدي ولفظه: "كتب على النصارى الصيام، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم، وكتب على المسلمين أولا مثل ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار" فذكر القصة. ومن طريق إبراهيم التيمي "كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب: إذا نام أحدهم لم يطعم حتى القابلة" ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص مرفوعا: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر". قوله: "وإن قيس بن صرمة" بكسر الصاد المهملة وسكون الراء هكذا سمي في هذه الرواية، ولم يختلف على إسرائيل فيه إلا في رواية أبي أحمد الزبيري عنه فإنه قال: "صرمة بن قيس" أخرجه أبو داود، ولأبي نعيم في "المعرفة" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله، قال وكذا رواه أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس، ووقع عند أحمد والنسائي من طريق زهير عن أبي إسحاق أنه "أبو قيس ابن عمرو" وفي حديث السدي المذكور "حتى أقبل رجل من الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة" ولابن حرير من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان بفتح المهملة وبالموحدة الثقيلة مرسلا "صرمة بن أبي أنس" ولغير ابن جرير من هذا الوجه "صرمة بن قيس" كما قال أبو أحمد الزبيري، وللذهلي في "الزهريات" من مرسل القاسم بن محمد "صرمة بن أنس" ولابن جرير من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى "صرمة بن مالك" والجمع بين هذه الروايات أنه أبو قيس صرمة بن أبي أنس قيس بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، كذا نسبه ابن عبد البر وغيره، فمن قال قيس بن صرمة قلبه كما جزم الداودي والسهيلي وغيرهما بأنه وقع مقلوبا في رواية حديث الباب، ومن قال صرمة بن مالك نسبه إلى جده، ومن قال صرمة بن أنس حذف أداة الكنية من أبيه، ومن قال أبو قيس بن عمرو أصاب كنيته وأخطأ في اسم أبيه، وكذا من قال أبو قيس بن صرمة، وكأنه أراد أن يقول أبو قيس صرمة فزاد فيه ابن، وقد صحفه بعضهم فرويناه في "جزء إبراهيم بن أبي ثابت" من طريق عطاء عن أبي هريرة قال: "كان المسلمون إذا صلوا العشاء حرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وأن ضمرة بن أنس الأنصاري غلبته عينه" الحديث. وقد استدرك ابن الأثير في الصحابة ضمرة بن أنس في حرف

(4/130)


الضاد المعجمة على من تقدمه، وهو تصحيف وتحريف ولم يتنبه له والصواب صرمة بن أبي أنس كما تقدم، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وصرمة بن أبي أنس مشهور في الصحابة يكنى أبا قيس. قال ابن إسحاق فيما أخرجه السراج في تاريخه من طريقه بإسناده إلى عويم بن ساعدة قال: قال صرمة بن أبي أنس وهو يذكر النبي صلى الله عليه وسلم:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مؤاتيا
الأبيات
قال ابن إسحاق: وصرمة هذا هو الذي نزل فيه :{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} الآية. قال: وحدثني محمد ابن جعفر بن الزبير قال: كان أبو قيس ممن فارق الأوثان في الجاهلية، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم وهو شيخ كبير، وهو القائل:
يقول أبو قيس وأصبح غاديا ... ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا
الأبيات. قوله: "فقال لها أعندك" بكسر الكاف "طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق أطلب لك" ظاهره أنه لم يجئ معه بشيء، لكن في مرسل السدي أنه أتاها بتمر فقال: استبدلي به طحينا واجعليه سخينا، فإن التمر أحرق جوفي. وفيه: لعلي آكله سخنا، وأنها استبدلته له وصنعته. وفي مرسل ابن أبي ليلى: فقال لأهله أطعموني. فقالت: حتى أجعل لك شيئا سخينا. ووصله أبو داود من طريق ابن أبي ليلى فقال: "حدثنا أصحاب محمد" فذكره مختصرا. قوله: "وكان يومه" بالنصب "يعمل" أي في أرضه، وصرح بها أبو داود في روايته. وفي مرسل السدي "كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة" فعلى هذا فقوله: "في أرضه" إضافة اختصاص. قوله: "فغلبته عيناه" أي نام، وللكشميهني: "عينه" بالإفراد. قوله: "فقالت خيبة لك" بالنصب وهو مفعول مطلق محذوف العامل، وقيل إذا كان بغير لام يجب نصبه وإلا جاز. والخيبة الحرمان يقال خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب. قوله: "فلما انتصف النهار غشي عليه" في رواية أحمد "فأصبح صائما، فلما انتصف النهار" وفي رواية أبي داود "فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه" فيحمل الأول على أن الغشي وقع في آخر النصف الأول من النهار. وفي رواية زهير عن أبي إسحاق "فلم يطعم شيئا وبات حتى أصبح صائما حتى انتصف النهار فغشي عليه" وفي مرسل السدي "فأيقظته، فكره أن يعصي الله وأبى أن يأكل" وفي مرسل محمد بن يحيى "فقالت له كل، فقال إني قد نمت. فقالت لم تنم. فأبى فأصبح جائعا مجهودا". قوله: "فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم" زاد في رواية زكريا عند أبي الشيخ "وأتى عمر امرأته وقد نامت فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم". قوله: "فنزلت هذه الآية {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ففرحوا بها فرحا شديدا ونزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} كذا في هذه الرواية وشرح الكرماني على ظاهرها فقال: لما صار الرفث وهو الجماع هنا حلالا بعد أن كان حراما كان الأكل والشرب بطريق الأولى، فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة، هذا وجه مطابقة ذلك لقصة أبي قيس، قال: ثم لما كان حلهما بطريق المفهوم نزل بعد ذلك "وكلوا واشربوا" ليعلم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم صريحا، ثم قال: أو المراد من الآية هي بتمامها. قلت: وهذا هو المعتمد، وبه جزم السهيلي وقال: إن الآية بتمامها نزلت في الأمرين معا وقدم ما يتعلق بعمر لفضله. قلت: وقد وقع في رواية أبي داود فنزلت: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} إلى قوله: "من الفجر" فهذا يبين أن محل قوله: "ففرحوا بها" بعد قوله: {الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ووقع ذلك صريحا في رواية زكريا بن أبي زائدة ولفظه: "فنزلت: {أحل لكم} - إلى قوله :{مِنَ الْفَجْرِ} ففرح المسلمون بذلك "وسيأتي بيان قصة عمر في تفسير سورة البقرة مع بقية تفسير الآية المذكورة إن شاء الله تعالى.

(4/131)


باب{وكلو و اشربو حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر}
...
16 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى[187 البقرة]: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } فِيهِ الْبَرَاءُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1916- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلاَ يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ
[الحديث 1916- طرفاه في: 4509،4510]
1917- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ح حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ أُنْزِلَتْ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ } وَلَمْ يَنْزِلْ {مِنْ الْفَجْرِ} فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ {مِنْ الْفَجْرِ} فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ"
[الحديث1917- طرفه في: 4511]
قوله: "باب قول الله عز وجل: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ} ساق إلى قوله: {إِلَى اللَّيْلِ} وهذه الترجمة سيقت لبيان انتهاء وقت الأكل وغيره الذي أبيح بعد أن كان ممنوعا، واستفيد من حديث سهل الذي في هذا الباب أن ذكر نزول الآية في حديث البراء أريد به معظمها وهو أن قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} تأخر نزوله عن بقية الآية مع أنه ليس في حديث البراء التصريح بأن قوله: {مِنَ الْفَجْر} نزل أولا فإن رواية حديث الباب فيها إلى قوله: {الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ورواية أبي داود وأبي الشيخ فيها إلى قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} فيحمل الثاني على أن قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} لم يدخل في الغاية. قوله: "فيه البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم" يريد الحديث الذي مضى قبله وهو موصول كما تقدم. ثم أورد المصنف في الباب حديثين: قوله: "أخبرني حصين"، روى الطحاوي من طريق إسماعيل بن سالم عن هشيم أنبأنا حصين ومجالد، وكذا أخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع عن هشيم إلا أنه فرقهما. قوله: "عن عدي بن حاتم" في رواية الترمذي "أخبرني عدي بن حاتم" وكذا أخرجه ابن خزيمة عن أحمد بن منيع، وهكذا أورده أبو عوانة من طريق أبي عبيد عن هشيم عن حصين. قوله: "لما نزلت: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. عمدت الخ" ظاهره أن عديا كان حاضرا لما نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تقدم إسلامه، وليس كذلك لأن نزول فرض الصوم كان متقدما في أوائل الهجرة، وإسلام عدي كان في التاسعة أو العاشرة كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، فإما أن يقال إن الآية التي في حديث الباب تأخر نزولها عن نزول فرض الصوم وهو بعيد جدا، وإما أن يؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله: "لما نزلت: أي لما تليت علي عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية

(4/132)


أو في السياق حذف تقديره لما نزلت الآية ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع عمدت، وقد روى أحمد حديثه من طريق مجالد بلفظ: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام فقال: صل كذا وصم كذا، فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال: فأخذت خيطين" الحديث. قوله: "إلى عقال" بكسر المهملة أي حبل وفي رواية مجالد "فأخذت خيطين من شعر". قوله: "فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي" في رواية مجالد "فلا أستبين الأبيض من الأسود". قوله: "فقال إنما ذلك" زاد أبو عبيد "إن وسادك إذا لعريض" وكذا لأحمد عن هشيم، وللإسماعيلي عن يوسف القاضي عن محمد بن الصباح عن هشيم "قال فضحك وقال: إن كان وسادك إذا لعريضا" وهذه الزيادة أوردها المصنف في تفسير البقرة من طريق أبي عوانة عن حصين وزاد: "إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك" وفي رواية أبي إدريس عن حصين عند مسلم: "إن وسادك لعريض طويل" وللمصنف في التفسير من طريق جرير عن مطرف عن الشعبي "إنك لعريض القفا" ولأبي عوانة من طريق إبراهيم بن طهمان عن مطرف "فضحك وقال: لا يا عريض القفا" قال الخطابي في "المعالم" في قوله: "إن وسادك لعريض" قولان: أحدهما يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوسادة عن النوم لأن النائم يتوسد، أو أراد أن ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبين لك العقال، والقول الآخر أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام، والعرب تقول فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة، وقد روي في هذا الحديث من طريق أخرى "إنك عريض القفا" وجزم الزمخشري بالتأويل الثاني فقال: إنما عرض النبي صلى الله عليه وسلم قفا عدي لأنه غفل عن البيان، وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرا، وقد أنكر ذلك كثير منهم القرطبي فقال: حمله بعض الناس على الذم له على ذلك الفهم وكأنهم فهموا أنه نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه، وعضدوا ذلك بقوله: "إنك عريض القفا" وليس الأمر على ما قالوه لأن من حمل اللفظ على حقيقته اللسانية التي هي الأصل إن لم يتبين له دليل التجوز لم يستحق ذما ولا ينسب إلى جهل، وإنما عنى والله أعلم أن وسادك إن كان يغطي الخيطين اللذين أراد الله فهو إذا عريض واسع، ولهذا قال في أثر ذلك: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وسادتك؟ وقوله: "إنك لعريض القفا" أي إن الوساد الذي يغطي الليل والنهار لا يرقد عليه إلا قفا عريض للمناسبة. قلت: وترجم عليه ابن حبان: "ذكر البيان بأن العرب تتفاوت لغاتها" وأشار بذلك إلى أن عديا لم يكن يعرف في لغته أن سواد الليل وبياض النهار يعبر عنهما بالخيط الأسود والخيط الأبيض. وساق هذا الحديث. قال ابن المنير في الحاشية: في حديث عدي جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير فيصير مثلا بشرط صحة القصد ووجود الشرط عند أمن الغلو في ذلك فإنه مزلة القدم إلا لمن عصمه الله تعالى. قوله: "حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، وحدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو غسان حدثني أبو حازم" كذا أخرجه البخاري عن سعيد عن شيخين له، وأعاده في التفسير عن سعيد عن أبي غسان وحده، وظهر من سياقه أن اللفظ هنا لأبي غسان. وقد أخرجه ابن خزيمة عن الذهلي عن سعيد عن شيخيه وبين أبو نعيم في المستخرج أن لفظهما واحد. وقد أخرجه مسلم وابن أبي حاتم وأبو عوانة والطحاوي في آخرين من طريق سعيد عن أبي غسان وحده. قوله: "فكان رجال" لم أقف على تسمية أحد منهم، ولا يحسن أن يفسر بعضهم بعدي بن حاتم لأن قصة عدي متأخرة عن ذلك كما سبق ويأتي. قوله: "ربط أحدهم في رجليه" في رواية

(4/133)


فضيل بن سليمان عن أبي حازم عند مسلم: "لما نزلت هذه الآية جعل الرجل يأخذ خيطا أبيض وخيطا أسود فيضعهما تحت وسادته فينظر متى يستبينهما" ولا منافاة بينهما لاحتمال أن يكون بعضهم فعل هذا وبعضهم فعل هذا، أو يكونوا يجعلونهما تحت الوسادة إلى السحر فيربطونهما حينئذ في أرجلهم ليشاهدوهما. قوله :{حَتَّى يَتَبَيَّنَ} كذا للأكثر بالتشديد، وللكشميهني: "حتى يستبين" بفتح أوله وسكون المهملة والتخفيف. قوله: "رؤيتهما" كذا لأبي ذر. وفي رواية النسفي "رئيهما" بكسر أوله وسكون الهمزة وضم التحتانية، ولمسلم من هذا الوجه "زيهما" بكسر الزاي وتشديد التحتانية، قال صاحب "المطالع" ضبطت هذه اللفظة على ثلاثة أوجه ثالثها بفتح الراء وقد تكسر بعدها همزة ثم تحتانية مشددة. قال عياض: ولا وجه له إلا بضرب من التأويل، وكأنه رئي بمعنى مرئي، والمعروف أن الرئي التابع من الجن فيحتمل أن يكون من هذا الأصل لترائيه لمن معه من الإنس. قوله: "فأنزل الله بعد: {مِنَ الْفَجْرِ} قال القرطبي: حديث عدي يقتضي أن قوله: زل متصلا بقوله {مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} بخلاف حديث سهل فإنه ظاهر في أن قوله: {مِنَ الْفَجْرِ } نزل بعد ذلك لرفع ما وقع لهم من الإشكال. قال: وقد قيل إنه كان بين نزولهما عام كامل، قال: فأما عدي فحمل الخيط على حقيقته وفهم من قوله: {مِنَ الْفَجْر} من أجل الفجر ففعل ما فعل. قال: والجمع بينهما أن حديث عدي متأخر عن حديث سهل، فكأن عديا لم يبلغه ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردة ففهمها على ما وقع له فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بقوله: {مِنَ الْفَجْرِ} أن ينفصل أحد الخيطين عن الآخر، وأن قوله: "من الفجر" متعلق بقوله: "يتبين" قال: ويحتمل أن تكون القصتان في حالة واحدة وأن بعض الرواة - يعني في قصة عدي - تلا الآية تامة كما ثبت في القرآن وإن كان حال النزول إنما نزلت مفرقة كما ثبت في حديث سهل. قلت: وهذا الثاني ضعيف لأن قصة عدي متأخرة لتأخر إسلامه كما قدمته، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق أبي أسامة عن مجالد في حديث عدي "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما أخبره بما صنع: يا ابن حاتم ألم أقل لك {مِنَ الْفَجْرِ} وللطبراني من وجه آخر عن مجالد وغيره: "فقال عدي: يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظته غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إني بت البارحة معي خيطان أنظر إلى هذا وإلى هذا، قال: إنما هو الذي في السماء" فتبين أن قصة عدي مغايرة لقصة سهل، فأما من ذكر في حديث سهل فحملوا الخيط على ظاهره، فلما نزل {مِنَ الْفَجْرِ} علموا المراد فلذلك قال سهل في حديثه "فعلموا أنما يعني الليل والنهار" وأما عدي فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصبح، وحمل قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} على السببية فظن أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر، أو نسي قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} حتى ذكره بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب، قال الشاعر:
ولما تبدت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا
قوله: "فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار" في رواية الكشميهني: "فعلموا أنه يعني" وقد وقع في حديث عدي "سواد الليل وبياض النهار" ومعنى الآية حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار. وقال أبو عبيد: المراد بالخيط الأسود الليل وبالخيط الأبيض الفجر الصادق، والخيط اللون، وقيل المراد بالأبيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، وبالأسود ما يمتد معه من غبش الليل شبيها بالخيط، قاله الزمخشري. قال: وقوله: {مِنَ الْفَجْرِ} بيان للخيط الأبيض،

(4/134)


واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر. قال: ويجوز أن تكون "من" للتبعيض لأنه بعض الفجر، وقد أخرجه قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} من الاستعارة إلى التشبيه، كما أن قولهم رأيت أسدا مجاز فإذا زدت فيه من فلان رجع تشبيها. ثم قال: كيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث لأنه قبل نزول {مِنَ الْفَجْرِ} لا يفهم منه إلا الحقيقة وهي غير مرادة، ثم أجاب بأن من لا يجوزه - وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين - لم يصح عندهم حديث سهل، وأما من يجوزه فيقول ليس بعبث لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به. انتهى. ونقله في التجويز عن الأكثر فيه نظر كما سيأتي، وجوابه عنهم بعدم صحة الحديث مردود ولم يقل به أحد من الفريقين لأنه مما اتفق الشيخان على صحته وتلقته الأمة بالقبول، ومسألة تأخير البيان مشهورة في كتب الأصول، وفيها خلاف بين العلماء من المتكلمين وغيرهم، وقد حكى ابن السمعاني في أصل المسألة عن الشافعية أربعة أوجه: الجواز مطلقا عن ابن سريج والأصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران، والمنع مطلقا عن أبي إسحاق المروزي والقاضي أبي حامد والصيرفي، ثالثها جواز تأخير بيان المجمل دون العام. رابعها عكسه وكلاهما عن بعض الشافعية. وقال ابن الحاجب: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند مجوز تكليف ما لا يطاق، يعني وهم الأشاعرة فيجوزونه وأكثرهم يقولون لم يقع. قال شارحه: والخطاب المحتاج إلى البيان ضربان: أحدهما ماله ظاهر وقد استعمل في خلافه، والثاني ما لا ظاهر له فقال طائفة من الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية: يجوز تأخيره عن وقت الخطاب، واختاره الفخر الرازي وابن الحاجب وغيرهم، ومال بعض الحنفية والحنابلة كلهم إلى امتناعه. وقال الكرخي يمتنع في غير المجمل، وإذا تقرر ذلك فقد قال النووي تبعا لعياض: وإنما حمل الخيط الأبيض والأسود على ظاهرهما بعض من لا فقه عنده من الأعراب كالرجال الذين حكي عنهم سهل وبعض من لم يكن في لغته استعمال الخيط في الصبح كعدي، وادعى الطحاوي والداودي أنه من باب النسخ وأن الحكم كان أولا على ظاهره المفهوم من الخيطين، واستدل على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الإسفار، قال: ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: { مِنَ الْفَجْرِ } . قلت: ويؤيد ما قاله ما رواه عبد الرزاق بإسناد رجاله ثقات "أن بلالا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال: الصلاة يا رسول الله، قد والله أصبحت. فقال: يرحم الله بلالا، لولا بلال لرجونا أن يرخص لنا حتى تطلع الشمس" ويستفاد من هذا الحديث - كما قال عياض - وجوب التوقف عن الألفاظ المشتركة وطلب بيان المراد منها وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها وأكثر استعمالاتها إلا عند عدم البيان. وقال ابن بزيزة في "شرح الأحكام" : ليس هذا من باب تأخير بيان المجملات، لأن الصحابة عملوا أولا على ما سبق إلى أفهامهم بمقتضى اللسان فعلى هذا فهو من باب تأخير ما له ظاهر أريد به خلاف ظاهره. قلت: وكلامه يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ما نقله سهل ابن سعد، وفيه نظر، واستدل بالآية والحديث على أن غاية الأكل والشرب طلوع الفجر فلو طلع الفجر وهو يأكل أو يشرب فنزع تم صومه، وفيه اختلاف بين العلماء. ولو أكل ظانا أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور لأن الآية دلت على الإباحة إلى أن يحصل التبيين، وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: "أحل الله لك الأكل والشرب ما شككت" ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه، وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى قال: "سأل رجل ابن عباس عن السحور، فقال له رجل من جلسائه: كل حتى لا تشك، فقال ابن عباس: إن هذا لا يقول شيئا كل ما شككت حتى لا تشك" قال ابن المنذر: وإلى هذا القول صار أكثر العلماء.

(4/135)


وقال مالك يقضي. وقال ابن بزيزة في "شرح الأحكام" : اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر أو بتبينه عند الناظر تمسكا بظاهر الآية، واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر أم لا بناء على الاختلاف المشهور في مقدمة الواجب، وسنذكر بقية هذا البحث في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.

(4/136)


باب لايمنعنكم من سحوركم اذان بلال
...
17 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لاَ يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ"
1918-1919- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ بِلاَلًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ قَالَ الْقَاسِمُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلاَّ أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنعنكم" كذا للأكثر، وللكشميهني: "لا يمنعكم" بسكون العين بغير تأكيد، قال ابن بطال: لم يصح عند البخاري لفظ الترجمة؛ فاستخرج معناه من حديث عائشة. وقد روى لفظ الترجمة وكيع من حديث سمرة مرفوعا: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق". وقال الترمذي: هو حديث حسن ا هـ. وحديث سمرة عند مسلم أيضا لكن لم يتعين في مراد البخاري، إنه قد صح أيضا على شرطه حديث ابن مسعود بلفظ: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم" الحديث، وقد تقدم في أبواب الأذان في "باب الأذان قبل الفجر" وأخرج عنه حديث عبيد الله بن عمر عن شيخيه القاسم ونافع كما أخرجه هنا، فالظاهر أنه مراده بما ذكره في هذه الترجمة، وقد تقدم الكلام على حديث عبيد الله بن عمر هناك. وفي حديث سمرة الذي أخرجه مسلم بيان لما أبهم في حديث ابن مسعود، وذلك أن في حديث ابن مسعود "وليس الفجر أن يقول -. ورفع بأصابعه إلى فوق وطأطأ إلى أسفل - حتى يقول هكذا" وفي حديث سمرة عند مسلم: "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا" يعني معترضا. وفي رواية: "ولا هذا البياض حتى يستطير" وقد تقدم لفظ رواية الترمذي، وله من حديث طلق بن علي "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" وقوله: "يهيدنكم" بكسر الهاء أي يزعجنكم فتمتنعوا به عن السحور فإنه الفجر الكاذب، يقال هدته أهيده إذا أزعجته، وأصل الهيد بالكسر الحركة. ولابن أبي شيبة عن ثوبان مرفوعا: "الفجر فجران: فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه، ولكن المستطير" أي هو الذي يحرم الطعام ويحل الصلاة، وهذا موافق للآية الماضية في الباب قبله. وذهب جماعة من الصحابة - وقال به الأعمش من التابعين وصاحبه أبو بكر بن عياش - إلى جواز السحور إلى أن يتضح الفجر، فروى سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن عاصم عن زر عن حذيفة قال: "تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو والله النهار غير أن الشمس لم تطلع" وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن عاصم نحوه، وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة، وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي أنه صلى الصبح ثم قال: الآن حين تبين الخيط

(4/136)


الأبيض من الخيط الأسود.قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت، ثم حكى ما تقدم عن أبي بكر وغيره.وروي بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الأشجعي - وله صحبة - أن أبا بكر قال له "أخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال فنظرت ثم أتيته فقلت: قد ابيض وسطع، ثم قال: أخرج فانظر هل طلع؟ فنظرت فقلت: قد اعترض.
قال: الآن أبلغني شرابي" وروي من طريق وكيع عن الأعمش أنه قال: "لولا الشهوة لصليت الغداة ثم تسحرت" قال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل.قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني ولا أرى له قضاء ولا كفارة.قلت: وفي هذا تعقب على الموفق وغيره حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش، والله أعلم. قوله: "عن ابن عمر والقاسم بن محمد" بالجر عطفا على نافع لا على ابن عمر، لأن عبيد الله بن عمر رواه عن نافع عن ابن عمر وعن القاسم عن عائشة، وقد تقدم الكلام عليه في المواقيت.

(4/137)


18 - باب تعجيل السَّحُورِ
1920- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "باب تعجيل السحور" أي الإسراع بالأكل إشارة إلى أن السحور كان يقع قرب طلوع الفجر. وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه "كنا ننصرف - أي من صلاة الليل - فنستعجل بالطعام مخافة الفجر" قال ابن بطال ولو ترجم له بباب تأخير السحور لكان حسنا، وتعقبه مغلطاي بأنه وجد في نسخة أخرى من البخاري "باب تأخير السحور" ولم أر ذلك في شيء من نسخ البخاري التي وقعت لنا. وقال الزين بن المنير: التعجيل من الأمور النسبية، فإن نسب إلى أول الوقت كان معناه التقديم وإن نسب إلى آخره كان معناه التأخير، وإنما سماه البخاري تعجيلا إشارة منه إلى أن الصحابي كان يسابق بسحوره الفجر عند خوف طلوعه وخوف فوات الصلاة بمقدار ذهابه إلى المسجد. قوله: "عن أبيه أبي حازم" أشار الإسماعيلي إلى أن عبد العزيز بن أبي حازم لم يسمعه من أبيه، فأخرج من طريق مصعب الزبيري عن أبي حازم عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن أبي حازم عن سهل، ثم رواه من طريق أخرى عن عبد الله بن عامر عن أبي حازم. وعبد الله بن عامر هو الأسلمي فيه ضعف، وأشار الإسماعيلي إلى تعليل الحديث بذلك. ومصعب بن عبد الله الزبيري لا يقاوم الحفاظ الذين رووه عن عبد العزيز عن أبيه بغير واسطة فزيادته شاذة، ويحتمل أن يكون عبد العزيز سمع من عبد الله بن عامر فيه عن أبيه زيادة لم تكن فيما سمعه من أبيه فلذلك حدث به تارة عن أبيه بلا واسطة وتارة بالواسطة. وقد أخرجه البخاري في المواقيت من وجه آخر عن أبي حازم فبطل التعليل برواية عبد العزيز بن أبي حازم، والله أعلم. قوله: "ثم تكون سرعتي" في رواية سليمان بن بلال "ثم تكون سرعة بي" وسرعة بالضم على أن كان تامة ولفظ: "بي "متعلق بسرعة أو ليست تامة و "بي" الخبر أو قوله: "أن أدرك"، ويجوز النصب على أنها خبر كان والاسم ضمير يرجع إلى ما يدل عليه لفظ السرعة. قوله: "أن أدرك السحور" كذا في رواية الكشميهني، وللنسفي والجمهور "أن أدرك السجود" وهو

(4/137)


الصواب، ويؤيده أن في الرواية المتقدمة في المواقيت "أن أدرك صلاة الفجر" وفي رواية الإسماعيلي: "صلاة الصبح" وفي رواية أخرى "صلاة الغداة". قال عياض: مراد سهل بن سعد أن غاية إسراعه أن سحوره لقربه من طلوع الفجر كان بحيث لا يكاد أن يدرك صلاة الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولشدة تغليس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبح. وقال ابن المنير في الحاشية: المراد أنهم كانوا يزاحمون بالسحور الفجر فيختصرون فيه ويستعجلون خوف الفوات. "تنبيه": قال المزي: ذكر خلف أن البخاري أخرج هذا الحديث في الصوم عن محمد بن عبيد الله وقتيبة كلاهما عن عبد العزيز، قال: ولم نجده في الصحيح ولا ذكره أبو مسعود. قلت: ورأيت هنا بخط القطب ومغلطاي "محمد بن عبيد "بغير إضافة، وهو غلط والصواب" محمد بن عبيد الله" وهو أبو ثابت المدني مشهور من كبار شيوخ البخاري.

(4/138)


باب قدر كم بين السحور و صلاة الفجر
...
19 - باب قَدْرِ كَمْ بَيْنَ السَّحُورِ وَصَلاَةِ الْفَجْرِ
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً"
قوله: "باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر" أي انتهاء السحور وابتداء الصلاة، لأن المراد تقدير الزمان الذي ترك فيه الأكل، والمراد بفعل الصلاة أول الشروع فيها قاله الزين بن المنير. قوله: "حدثنا هشام" هو الدستوائي. قوله: "عن أنس" سبق في المواقيت من طريق سعيد عن قتادة قال: "قلت لأنس". قوله: "قلت كم" هو مقول أنس، والمقول له زيد بن ثابت، وقد تقدم بيان ذلك في المواقيت وأن قتادة أيضا سأل أنسا عن ذلك، ورواه أحمد أيضا عن يزيد بن هارون عن همام وفيه أن أنسا قال: "قلت لزيد "قوله:" قال قدر خمسين آية" أي متوسطة لا طويلة ولا قصيرة لا سريعة ولا بطيئة، وقدر بالرفع على أنه خبر المبتدأ، ويجوز النصب على أنه خبر كان المقدرة في جواب زيد لا في سؤال أنس لئلا تصير كان واسمها من قائل والخبر من آخر. قال المهلب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال كقوله: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة، ولو كانوا يقدرون بغير العمل لقال مثلا قدر درجة أو ثلث خمس ساعة. وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة. وفيه تأخير السحور لكونه أبلغ في المقصود. قال ابن أبي جمرة: كان صلى الله عليه وسلم ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه فيشق على بعضهم، ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم فقد يفضي إلى ترك الصبح أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. وقال: فيه أيضا تقوية على الصيام لعموم الاحتياج إلى الطعام ولو ترك لشق على بعضهم ولا سيما من كان صفراويا فقد يغشى عليه فيفضي إلى الإفطار في رمضان. قال: وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة، لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه الاجتماع على السحور، وفيه حسن الأدب في العبارة لقوله: "تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ولم يقل نحن ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما يشعر لفظ المعية بالتبعية. وقال القرطبي: فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع

(4/138)


الفجر، فهو معارض لقول حذيفة "هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع" انتهى، والجواب أن لا معارضة بل تحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة، فتكون قصة حذيفة سابقة، وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بإسناد هذا الحديث في المواقيت وكونه من مسند زيد بن ثابت أو من مسند أنس.

(4/139)


20 - باب بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ وَاصَلُوا وَلَمْ يُذْكَرْ السَّحُورُ
1922- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله رضي الله عنه ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل فواصل الناس فشق عليهم فنهاهم قالوا إنك تواصل قال لست كهيئتكم إني أظل أطعم وأسقى"
[الحديث 1922- طرفه في: 1962]
1923- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً"
قوله: "باب بركة السحور من غير إيجاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واصلوا ولم يذكر السحور" بضم "يذكر" على البناء للمجهول، وللكشميهني والنسفي "ولم يذكر سحور" قال الزين بن المنير: الاستدلال على الحكم إنما يفتقر إليه إذا ثبت الاختلاف أو كان متوقعا، والسحور إنما هو أكل للشهوة وحفظ القوة، لكن لما جاء الأمر به احتاج أن يبين أنه ليس على ظاهره من الإيجاب، وكذا النهي عن الوصال يستلزم الأمر بالأكل قبل طلوع الفجر. انتهى. وتعقب بأن النهي عن الوصال إنما هو أمر بالفصل بين الصوم والفطر، فهو أعم من الأكل آخر الليل فلا يتعين السحور، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور. وقال ابن بطال: في هذه الترجمة غفلة من البخاري لأنه قد أخرج بعد هذا حديث أبي سعيد "أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر" فجعل غاية الوصال السحر وهو وقت السحور، قال: والمفسر يقضي على المجمل، انتهى. وقد تلقاه جماعة بعده بالتسليم، وتعقبه ابن المنير في الحاشية بأن البخاري لم يترجم على عدم مشروعية السحور وإنما ترجم على عدم إيجابه. وأخذ من الوصال أن السحور ليس بواجب، وحيث نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال لم يكن على سبيل تحريم الوصال وإنما هو نهي إرشاد لتعليله إياه بالإشفاق عليهم، وليس في ذلك إيجاب للسحور، ولما ثبت أن النهي عن الوصال للكراهة فضد نهي الكراهة الاستحباب فثبت استحباب السحور، كذا قال. ومسألة الوصال مختلف فيها، والراجح عند الشافعية التحريم. والذي يظهر لي أن البخاري أراد بقوله: "لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واصلوا الخ" الإشارة إلى حديث أبي هريرة الآتي بعد خمسة وعشرين بابا فيه بعد النهي عن الوصال أنه "واصل بهم يوما ثم يوما، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم" فدل ذلك على أن السحور ليس بحتم، إذ لو كان حتما ما واصل بهم فإن الوصال يستلزم ترك السحور سواء قلنا الوصال حرام أو لا، وسيأتي الكلام على اختلاف العلماء في حكم الوصال وعلى حديث ابن عمر أيضا في الباب المشار إليه إن شاء الله تعالى. وقوله: "أظل" بفتح الهمزة والظاء القائمة المعجمة مضارع ظللت إذا عملت بالنهار، وسيأتي هناك بلفظ: "أبيت" وهو دال على أن استعمال أظل هنا ليس مقيدا بالنهار. قوله: "تسحروا

(4/139)


فإن في السحور بركة" هو بفتح السين وبضمها، لأن المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم لأنه مصدر بمعنى التسحر، أو البركة لكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح لأنه ما يتسحر به، وقيل البركة ما يتضمن من الاستيقاظ والدعاء في السحر، والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوى به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام. قال ابن دقيق العيد: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية فإن إقامة السنة يوجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية كقوة البدن على الصوم وتيسيره من غير إضرار بالصائم. قال: ومما يعلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب لأنه ممتنع عندهم، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخروية. وقال أيضا: وقع للمتصوفة في مسألة السحور كلام من جهة اعتبار حكم الصوم وهي كسر شهوة البطن والفرج، والسحور قد يباين ذلك. قال: والصواب أن يقال ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية فليس بمستحب كالذي صنعه المترفون من التأنق في المآكل وكثرة الاستعداد لها، وما عدا ذلك تختلف مراتبه. "تكميل": يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب. وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: "السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين " ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة "تسحروا ولو بلقمة".

(4/140)


21 - باب إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا
وَقَالَتْ أُمَّ الدَّرْدَاءِ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ فَإِنْ قُلْنَا لاَ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
1924- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلاَ يَأْكُلْ"
[الحديث1924-طرفاه في: 2007، 7265]
قوله: "باب إذا نوى بالنهار صوما" أي هل يصح مطلقا أو لا؟ وللعلماء في ذلك اختلاف، فمنهم من فرق بين القرض والنفل، ومنهم من خص جواز النفل بما قبل الزوال، وسيأتي بيان ذلك. قوله: "وقالت أم الدرداء كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا لا قال: فإني صائم يومي هذا" وصله ابن أبي شيبة من طريق أبي قلابة عن أم الدرداء قالت: "كان أبو الدرداء يغدونا أحيانا ضحى فيسأل الغداء، فربما لم يوافقه عندنا فيقول: إذا أنا صائم" وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي إدريس وعن أيوب عن أبي قلابة عن أم الدرداء، وعن معمر عن قتادة "أن أبا الدرداء كان إذا أصبح سأل أهله الغداء، فإن لم يكن قال: أنا صائم"، وعن ابن جريج عن عطاء عن أم الدرداء عن أبي الدرداء أنه "كان يأتي أهله حين ينتصف النهار" فذكر نحوه، ومن طريق شهر بن حوشب عن أم

(4/140)


الدرداء عن أبي الدرداء أنه "كان ربما دعا بالغداء فلا يجده، فيفرض عليه الصوم ذلك اليوم". قوله: "وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة" أما أثر أبي طلحة فوصله عبد الرزاق من طريق قتادة وابن أبي شيبة من طريق حميد كلاهما عن أنس، ولفظ قتادة "أن أبا طلحة كان يأتي أهله فيقول: هل من غداء؟ فإن قالوا لا صام يومه ذلك" قال قتادة: وكان معاذ بن جبل يفعله، ولفظ حميد نحوه وزاد: "وإن كان عندهم أفطر" ولم يذكر قصة معاذ. وأما أثر أبي هريرة فوصله البيهقي من طريق ابن أبي ذئب عن حمزة 1عن يحيى عن سعيد بن المسيب قال: "رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق، ثم يأتي أهله فيقول: عندكم شيء؟ فإن قالوا لا قال: فأنا صائم" ورواه عبد الرزاق بسند آخر فيه انقطاع أن أبا هريرة وأبا طلحة فذكر معناه. وأما أثر ابن عباس فوصله الطحاوي من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أنه "كان يصبح حتى يظهر ثم يقول: والله لقد أصبحت وما أريد الصوم، وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم، ولأصومن يومي هذا" وأما أثر حذيفة فوصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة من طريق سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال حذيفة "من بدا له الصيام بعد ما تزول الشمس فليصم" وفي رواية ابن أبي شيبة: "أن حذيفة بدا له في الصوم بعدما زالت الشمس فصام" وقد جاء نحو ما ذكرنا عن أبي الدرداء مرفوعا من حديث عائشة أخرجه مسلم وأصحاب السنن من طريق طلحة بن يحيى بن طلحة عن عمته عائشة بنت طلحة. وفي رواية له "حدثتني عائشة بتت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا لا. قال: فإني إذا صائم" الحديث. ورواه النسائي والطيالسي من طريق سماك عن عكرمة عن عائشة نحوه ولم يسم النسائي عكرمة. قال النووي: في هذا الحديث دليل للجمهور في أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل زوال الشمس، وتأوله الآخرون على أن سؤاله "هل عندكم شيء" لكونه كأن نوى الصوم من الليل ثم ضعف عنه وأراد الفطر لذلك. قال: وهو تأويل فاسد وتكلف بعيد. وقال ابن المنذر: اختلفوا فيمن أصبح يريد الإفطار، ثم بدا له أن يصوم تطوعا. فقالت طائفة: له أن يصوم متى بدا له، فذكر عمن تقدم، وزاد ابن مسعود وأبا أيوب وغيرهما، وساق ذلك بأسانيده إليهم. قال: وبه قال الشافعي وأحمد، قال: وقال ابن عمر "لا يصوم تطوعا حتى يجمع من الليل أو يتسحر" وقال مالك في النافلة "لا يصوم إلا أن يبيت، إلا إن كان يسرد الصوم فلا يحتاج إلى التبييت" وقال أهل الرأي: من أصبح مفطرا ثم بدا له أن يصوم قبل منتصف النهار أجزأه، وإن بدا له ذلك بعد الزوال لم يجزه. قلت: وهذا هو الأصح عند الشافعية، والذي نقله ابن المنذر عن الشافعي من الجواز مطلقا سواء كان قبل الزوال أو بعده هو أحد القولين للشافعي، والذي نص عليه في معظم كتبه التفرقة، والمعروف عن مالك والليث وابن أبي ذئب أنه لا يصح صيام التطوع إلا بنية من الليل. قوله: "عن سلمة بن الأكوع" في رواية يحيى وهو القطان "عن يزيد بن أبي عبيد حدثنا سلمة بن الأكوع" كما سيأتي في خبر الواحد. قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا ينادي في الناس" في رواية يحيى "قال لرجل من أسلم أذن في قومك" واسم هذا الرجل هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي له ولأبيه ولعمه هند بن حارثة صحبة، أخرج حديثه أحمد وابن أبي خيثمة من طريق ابن إسحاق "حدثني عبد الله بن أبي بكر عن حبيب ابن هند بن أسماء الأسلمي عن أبيه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
1 في طبعة البولاق: قوله من حمزة " في نسخة "من عمر بن نجيح" وفي أخرى "عن عثمان بن نجيح "

(4/141)


إلى قومي من أسلم فقال: مر قومك أن يصوموا هذا اليوم يوم عاشوراء، فمن وجدته منهم قد أكل في أول يومه فليصم آخره:" وروى أحمد أيضا من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن يحيى بن هند قال: وكان هند من أصحاب الحديبية وأخوه الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء، قال: "فحدثني يحيى بن هند عن أسماء ابن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فقال: مر قومك بصيام هذا اليوم. قال أرأيت إن وجدتهم قد طعموا؟ قال: فليتموا آخر يومهم" قلت: فيحتمل أن يكون كل من أسماء وولده هند أرسلا بذلك، ويحتمل أن يكون أطلق في الرواية الأولى على الجد اسم الأب فيكون الحديث من رواية حبيب بن هند عن جده أسماء فتتحد الروايتان، والله أعلم. واستدل بحديث سلمة هذا على صحة الصيام لمن لم ينوه من الليل سواء كان رمضان أو غيره لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالصوم في أثناء النهار فدل على أن النية لا تشترط من الليل، وأجيب بأن ذلك يتوقف على أن صيام عاشوراء كان واجبا، والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضا، وعلى تقدير أنه كان فرضا فقد نسخ بلا ريب، فنسخ حكمه وشرائطه، بدليل قوله: "ومن أكل فليتم" ومن لا يشترط النية من الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار، وصرح ابن حبيب من المالكية بأن ترك التبييت لصوم عاشوراء من خصائص عاشوراء، وعلى تقدير أن حكمه باق فالأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء فيحتمل أن يكون أمر بالإمساك لحرمة الوقت كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهارا وكما يؤمر من أفطر يوم الشك ثم رأى الهلال، وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء، بل ورد ذلك صريحا في حديث أخرجه أبو داود والنسائي من طريق قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه أن أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا. قال: فأتموا بقية يومكم واقضوه " وعلى تقدير أن لا يثبت هذا الحديث في الأمر بالقضاء فلا يتعين ترك القضاء، لأن من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء كمن بلغ أو أسلم في أثناء النهار. واحتج الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له" لفظ النسائي، ولأبي داود والترمذي " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الترمذي والنسائي الموقوف بعد أن أطنب النسائي في تخريج طرقه، وحكى الترمذي في "العلل" عن البخاري ترجيح وقفه. وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة فصححوا الحديث المذكور، منهم ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم، وروى له الدار قطني طريقا آخر وقال رجالها ثقات، وأبعد من خصه من الحنفية بصيام القضاء والنذر، وأبعد من ذلك تفرقة الطحاوي بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه كعاشوراء فتجزئ النية في النهار، أو لا في يوم بعينه كرمضان فلا يجزئ إلا بنية من الليل، وبين صوم التطوع فيجزئ في الليل وفي النهار. وقد تعقبه إمام الحرمين بأنه كلام غث لا أصل له. وقال ابن قدامة: تعتبر النية في رمضان لكل يوم في قول الجمهور، وعن أحمد أنه يجزئه نية واحدة لجميع الشهر؛ وهو كقول مالك وإسحاق. وقال زفر1 يصح صوم رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية وبه قال عطاء ومجاهد، واحتج زفر بأنه لا يصح فيه غير صوم رمضان لتعينه فلا يفتقر إلى نية لأن الزمن معيار له فلا يتصور في يوم واحد إلا صوم واحد. وقال أبو بكر الرازي: يلزم قائل هذا أن يصحح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل ولم يشرب لوجود الإمساك بغير نية، قال: فإن التزمه كان مستشنعا. وقال غيره: يلزمه أن من أخر الصلاة حتى لم يبق من وقتها إلا قدرها فصلى حينئذ تطوعا أنه يجزئه عن الفرض. واستدل ابن حزم
ـــــــ
1 في طبعة بولا: بهامش بعض النسخ " والذي قاله الكرخي كما في شرح هداية خلافه فإنه نقل أن مذهب زفر مثل مالك "

(4/142)


بحديث سلمة على أن من ثبت له هلال رمضان بالنهار جاز له استدراك النية حينئذ ويجزئه وبناه على أن عاشوراء كان فرضا أولا، وقد أمروا أن يمسكوا في أثناء النهار. قال: وحكم الفرض لا يتغير، ولا يخفى ما يرد عليه مما قدمناه، وألحق بذلك من نسى أن ينوي من الليل لاستواء حكم الجاهل والناسي.

(4/143)


22 - باب الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا
1925- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَأَبِي حِينَ دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَح
1926- و حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ وَقَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَكَانَتْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أَرْضٌ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا وَلَوْلاَ مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ كَذَلِكَ حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَهُنَّ أَعْلَمُ وَقَالَ هَمَّامٌ وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ وَالأَوَّلُ أَسْنَدُ
[الحديث 1925- طرفاه في 1930، 1931]
[الحديث 1926- طرفه في : 1932]
قوله: "باب الصائم يصبح جنبا" أي هل يصح صومه أو لا؟ وهل يفرق بين العامد والناسي أو بين الفرض والتطوع؟ وفي كل ذلك خلاف للسلف، والجمهور على الجواز مطلقا، والله أعلم. قوله: "كنت أنا وأبي حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة" كذا أورده البخاري من رواية مالك مختصرا، وعقبه بطريق الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن فأوهم أن سياقهما واحد، لكنه ساق لفظ مالك بعد بابين وليس فيه ذكر مروان ولا قصة أبي هريرة، نعم قد أخرجه مالك في "الموطأ" عن سمي مطولا، ولمالك فيه شيخ آخر أخرجه في الموطأ عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن مختصرا، وأخرجه مسلم من هذا الوجه أيضا، وأخرجه مسلم أيضا من رواية ابن جريج عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه أتم منه، وله طرق أخرى كثيرة أطنب النسائي في تخريجها وفي بيان اختلاف نقلتها، وسأذكر محصل فوائدها إن شاء الله تعالى. قوله في رواية شعيب "أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان" أي ابن الحكم، وإخبار عبد الرحمن بما ذكر لمروان كان بعد أن أرسله مروان إلى عائشة وأم سلمة، بين ذلك في "الموطأ" وهو عند مسلم أيضا من طريقه ولفظه: "كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم، فقال مروان: أقسمت عليك يا عبد الرحمن لتذهبن إلى أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة فلتسألنهما عن ذلك. قال أبو بكر: فذهب عبد الرحمن وذهبت معه

(4/143)


حتى دخلنا على عائشة" فساق القصة. وبين النسائي في رواية له أن عبد الرحمن بن الحارث إنما سمعه من ذكوان مولى عائشة عنها ومن نافع مولى أم سلمة عنها، فأخرج من طريق عبد ربه بن سعيد عن أبي الحديث عياض عن عبد الرحمن بن الحارث قال: "أرسلني مروان إلى عائشة، فأتيتها فلقيت غلامها ذكوان فأرسلته إليها، فسألها عن ذلك فقالت: "فذكر الحديث مرفوعا قال: "فأتيت مروان فحدثته بذلك فأرسلني إلى أم سلمة، فأتيتها فلقيت غلامها نافعا فأرسلته إليها فسألها عن ذلك" فذكر مثله. وفي إسناده نظر، لأن أبا عياض مجهول، فإن كان محفوظا فيجمع بأن كلا من الغلامين كان واسطة بين عبد الرحمن وبين كل منهما في السؤال كما في هذه الرواية، وسمع عبد الرحمن وابنه أبو بكر كلاهما من وراء الحجاب كما في رواية المصنف وغيره، وسأذكره من رواية أبي حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عند النسائي ففيه: "أن عبد الرحمن جاء إلى عائشة فسلم على الباب فقالت عائشة: يا عبد الرحمن" الحديث. قوله: "كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" في رواية مالك المشار إليها "كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام" وفي رواية يونس عن ابن شهاب عن عروة وأبي بكر بن عبد الرحمن عن عائشة "كان يدركه الفجر في رمضان جنبا من غير حلم" وستأتي بعد بابين، وللنسائي من طريق عبد الملك ابن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عنهما "كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم" وله من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: "قال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: اذهب إلى أم سلمة فسلها، فقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا مني فيصوم ويأمرني بالصيام". قال القرطبي: في هذا فائدتان، إحداهما أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانا للجواز. الثاني أن ذلك كان من جماع لا من احتلام لأنه كان لا يحتلم إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه. وقال غيره: في قولها "من غير احتلام" إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان للاستثناء معنى، ورد بأن الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه، وأجيب بأن الاحتلام يطلق على الإنزال وقد وقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام، وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدا يفطر، وإذا كان فاعل ذلك عمدا لا يفطر فالذي ينسى. الاغتسال أو ينام عنه أولى بذلك. قال ابن دقيق العيد: لما كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع، فبين في هذا الحديث أن ذلك كان من جماع لإزالة هذا الاحتمال. قوله: "وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث أقسم بالله" في رواية النسائي من طريق عكرمة ابن خالد عن أبي بكر بن عبد الرحمن "فقال مروان لعبد الرحمن: الق أبا هريرة فحدثه بهذا، فقال: إنه لجاري، وإنه لأكره أن أستقبله بما يكره. فقال: أعزم عليك لتلقينه" ومن طريق عمر بن أبي بكر ابن عبد الرحمن عن أبيه "فقال عبد الرحمن لمروان: غفر الله لك، إنه لي صديق، ولا أحب أن أرد عليه قوله: "وبين ابن جريج في روايته عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه سبب ذلك ففيه: "عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا هريرة يقول في قصصه: ومن أدركه الفجر جنبا فلا يصم. قال فذكرته لعبد الرحمن، فانطلق وانطلقت معه حتى دخلنا على مروان "فذكر القصة، أخرجه عبد الرزاق عنه ومن طريقه مسلم والنسائي وغيرهما. وفي رواية مالك عن سمي عن أبي بكر "أن أبا هريرة قال: من أصبح جنبا أفطر ذلك يوم" وللنسائي من طريق المقبري "كان أبو هريرة يفتي الناس أنه أصبح جنبا فلا يصوم ذلك اليوم" وله من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة يقول: "من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم"، ومن طريق أبي قلابة عن

(4/144)


عبد الرحمن بن الحارث "أن أبا هريرة كان يقول: من أصبح جنبا فليفطر" فاتفقت هذه الروايات على أنه كان يفتي بذلك، وسيأتي بيان من روى ذلك عنه مرفوعا في آخر الكلام على هذا الحديث. قوله: "لتفزعن" كذا للأكثر بالفاء والزاي من الفزع وهو الخوف أي لتخيفنه بهذه القصة التي تخالف فتواه، وللكشميهني: "لتقرعن" بفتح فقاف وراء مفتوحة، أي تقرع بهذه القصة سمعه، يقال قرعت بكذا سمع فلان إذا أعلمته به إعلاما صريحا. قوله: "ومروان يومئذ على المدينة" أي أمير من جهة معاوية. قوله: "فكره ذلك عبد الرحمن" قد بينا سبب كراهته، قيل ويحتمل أن يكون كره أيضا أن يخالف مروان لكونه كان أميرا واجب الطاعة في المعروف، وبين أبو حازم عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه سبب تشديد مروان في ذلك، فعند النسائي من هذا الوجه قال: "كنت عند مروان مع عبد الرحمن، فذكروا قول أبي هريرة فقال: اذهب فاسأل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قال فذهبنا إلى عائشة فقالت: يا عبد الرحمن، أما لكم في رسول الله أسوة حسنة" فذكرت الحديث: "ثم أتينا أم سلمة كذلك، ثم أتينا مروان فاشتد عليه اختلافهم تخوفا أن يكون أبو هريرة يحدث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال مروان لعبد الرحمن: عزمت عليك لما أتيته فحدثته". قوله: "ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة" أي المكان المعروف وهو ميقات أهل المدينة، وقوله: "وكان لأبي هريرة هناك أرض" فيه رفع توهم من يظن أنهما اجتمعا في سفر، وظاهره أنهما اجتمعا من غير قصد، لكن في رواية مالك المذكورة" فقال مروان لعبد الرحمن: أقسمت عليك لتركبن دابتي فإنها بالباب فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق، فلتخبرنه. قال فركب عبد الرحمن وركبت معه" فهذا ظاهر في أنه قصد أبا هريرة لذلك، فيحمل قوله: "ثم قدر لنا أن نجتمع معه" على المعنى الأعم من التقدير لا على معنى الاتفاق، ولا تخالف بين قوله: "بذي الحليفة" وبين قوله: "بأرضه بالعقيق" لاحتمال أن يكونا قصداه إلى العقيق فلم يجداه ثم وجداه بذي الحليفة وكان له أيضا بها أرض. ووقع في رواية معمر عن الزهري عن أبي بكر "فقال مروان عزمت عليكما لما ذهبتما إلى أبي هريرة، قال فلقينا أبا هريرة عند باب المسجد" والظاهر أن المراد بالمسجد هنا مسجد أبي هريرة بالعقيق لا المسجد النبوي جمعا بين الروايتين، أو يجمع بأنهما التقيا بالعقيق فذكر له عبد الرحمن القصة مجملة أو لم يذكرها بل شرع فيها ثم لم يتهيأ له ذكر تفصيلها وسماع جواب أبي هريرة إلا بعد أن رجعا إلى المدينة وأراد دخول المسجد النبوي. قوله: "إني ذاكر لك" في رواية الكشميهني: "إني أذكر" بصيغة المضارعة. قوله: "لم أذكره لك" في رواية الكشميهني: "لم أذكر ذلك" وفيه حسن الأدب مع الأكابر وتقديم الاعتذار قبل تبليغ ما يظن المبلغ أن المبلغ يكرهه. قوله: "فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال كذلك حدثني الفضل" ظاهره أن الذي حدثه به الفضل مثل الذي ذكره له عبد الرحمن عن عائشة وأم سلمة، وليس كذلك لما قدمناه من مخالفة قول أبي هريرة لقول عائشة وأم سلمة، والسبب في هذا الإبهام أن رواية شعيب في حديث الباب لم يذكر في أولها كلام أبي هريرة كما قدمناه فلذلك أشكل أمر الإشارة بقوله كذلك. ووقع كلام أبي هريرة في رواية معمر وفي رواية ابن جريج كما قدمناه فلذلك قال في آخره: "سمعت ذلك - أي القول الذي كنت أقوله - من الفضل" وفي رواية مالك عن سمي "فقال أبو هريرة لا علم لي بذلك" وفي رواية معمر عن ابن شهاب "فتلون وجه أبي هريرة ثم قال: هكذا حدثني الفضل". قوله: "وهو أعلم" أي بما روى والعهدة عليه في ذلك لا علي. ووقع في رواية النسفي عن البخاري "وهن أعلم" أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا في رواية معمر. وفي رواية ابن جريج "فقال أبو هريرة أهما قالتاه؟ قال نعم قال: هما أعلم" وهذا يرجح رواية النسفي، وللنسائي من طريق عمر بن أبي

(4/145)


بكر ابن عبد الرحمن عن أبيه "هي - أي عائشة - أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منا" وزاد ابن جريج في روايته: "فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك" وكذلك وقع في رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عند النسائي أنه رجع، وروى ابن أبي شيبة من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رجع عن فتياه: من أصبح جنبا فلا صوم له، وللنسائي من طريق عكرمة بن خالد ويعلى بن عقبة وعراك بن مالك كلهم عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أحال بذلك على الفضل بن عباس، لكن عنده من طريق عمر بن أبي بكر عن أبيه "أن أبا هريرة قال في هذه القصة إنما كان أسامة بن زيد حدثني" فيحمل على أنه كان عنده عن كل منهما. ويؤيده رواية أخرى عند النسائي من طريق أخرى عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه قال فيها "إنما حدثني فلان وفلان" وفي رواية مالك المذكورة "أخبر نية مخبر" والظاهر أن هذا من تصرف الرواة، منهم من أبهم الرجلين ومنهم من اقتصر على أحدهما تارة مبهما وتارة مفسرا، ومنهم من لم يذكر عن أبي هريرة أحدا، وهو عند النسائي أيضا من طريق أبي قلابة عن عبد الرحمن بن الحارث ففي آخره: "فقال أبو هريرة: هكذا كنت أحسب". قوله: "وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالفطر والأول أسند" أما رواية همام فوصلها أحمد وابن حبان من طريق معمر عنه بلفظ: "قال صلى الله عليه وسلم: إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم حينئذ" وأما رواية ابن عبد الله بن عمر فوصلها عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن ابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة به" وقد اختلف على الزهري في اسمه فقال عنه شعيب عنه "أخبرني عبد الله بن عمر قال لي أبو هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالفطر إذا أصبح الرجل جنبا" أخرجه النسائي والطبراني في "مسند الشاميين". وقال عقيل عنه" عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر به "فاختلف على الزهري هل هو عبد الله مكبرا أو عبيد الله مصغرا، وأما قول المصنف: والأول أسند فاستشكله ابن التين قال: لأن إسناد الخبر رفعه فكأنه قال: إن الطريق الأولى أوضح رفعا، قال: لكن الشيخ أبو الحسن قال: معناه أن الأول أظهر اتصالا. قلت: والذي يظهر لي أن مراد البخاري أن الرواية الأولى أقوى إسنادا، وهي من حيث الرجحان كذلك لأن حديث عائشة وأم سلمة في ذلك جاءا عنهما من طرق كثيرة جدا بمعنى واحد حتى قال ابن عبد البر أنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتى به، وجاء عنه من طريق هذين أنه كان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك وقع في رواية معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن "سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذكره، أخرجه عبد الرزاق، وللنسائي من طريق عكرمة بن خالد عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: بلغ مروان أن أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره، وله من طريق المقبري قال بعثت عائشة إلى أبي هريرة لأتحدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأحمد من طريق عبد الله بن عمرو القاري "سمعت أبا هريرة يقول: ورب هذا البيت ما أنا قلت من أدرك الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد ورب الكعبة قاله "لكن بين أبو هريرة كما مضى أنه لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما سمعه بواسطة الفضل وأسامة، وكأنه كان لشدة وثوقه بخبرهما يحلف على ذلك. وأما ما أخرجه ابن عبد البر من رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة أنه قال: "كنت حدثتكم من أصبح جنبا فقد أفطر، وأن ذلك من كيس أبي هريرة "فلا يصح ذلك عن أبي هريرة لأنه من رواية عمر بن قيس وهو متروك. نعم قد رجع أبو هريرة عن الفتوى بذلك إما لرجحان رواية أمي المؤمنين في جواز ذلك صريحا على رواية غيرهما مع ما في رواية غيرهما من الاحتمال، إذ يمكن أن يحمل الأمر بذلك على الاستحباب في غير الفرض، وكذا النهي عن صوم ذلك اليوم، وإما

(4/146)


لاعتقاده أن يكون خبر أمي المؤمنين ناسخا لخبر غيرهما. وقد بقي على مقالة أبي هريرة هذه بعض التابعين كما نقله الترمذي، ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي. وأما ابن دقيق العيد فقال: صار ذلك إجماعا أو كالإجماع لكن من الآخذين بحديث أبي هريرة من فرق بين من تعمد الجنابة وبين من احتلم كما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه وكذا حكاه ابن المنذر عن طاوس أيضا. قال ابن بطال: وهو أحد قولي أبي هريرة. قلت: ولم يصح عنه، فقد أخرج ذلك ابن المنذر من طريق أبي المهزم وهو ضعيف عن أبي هريرة، ومنهم من قال: يتم صومه ذلك اليوم ويقضيه حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر. قلت: وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن ذلك فقال اختلف أبو هريرة وعائشة فأرى أن يتم صومه ويقضى ا هـ، وكأنه لم يثبت عنده رجوع أبي هريرة عن ذلك، وليس ما ذكره صريحا في إيجاب القضاء. ونقل بعض المتأخرين عن الحسن بن صالح بن حي إيجاب القضاء أيضا، والذي نقله الطحاوي عنه استحبابه، ونقل ابن عبد البر عنه وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض والإجزاء في التطوع، ووقع لابن بطال وابن التين والنووي والفاكهي وغير واحد في نقل هذه المذاهب مغايرات في نسبتها لقائلها والمعتمد ما حررته. ونقل الماوردي أن هذا الاختلاف كله إنما هو في حق الجنب، وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يجزئه، وهذا النقل معترض بما رواه النسائي بإسناد صحيح عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أنه احتلم ليلا في رمضان فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر ثم نام قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتى أصبح قال فاستفتيت أبا هريرة فقال أفطر، وله من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة يقول: من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم، وهذا صريح في عدم التفرقة. وحمل القائلون بفساد صيام الجنب حديث عائشة على أنه من الخصائص النبوية، أشار إلى ذلك الطحاوي بقوله: وقال آخرون يكون حكم النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكرت عائشة وحكم الناس على ما حكى أبو هريرة. وأجاب الجمهور بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وبأنه قد ورد صريحا ما يدل على عدمها، وترجم بذلك ابن حبان في صحيحة حيث قال: "ذكر البيان بأن هذا الفعل لم يكن المصطفى مخصوصا به" ثم أورد ما أخرجه هو ومسلم والنسائي وابن خزيمة وغيرهم من طريق أبي يونس مولى عائشة عن عائشة "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة - أي صلاة الصبح - وأنا جنب، أفأصوم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم. فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقى" وذكر ابن خزيمة أن بعض العلماء توهم أن أبا هريرة غلط في هذا الحديث ثم رد عليه بأنه لم يغلط بل أحال على رواية صادق، إلا أن الخبر منسوخ، لأن الله تعالى عند ابتداء فرض الصيام كان منع في ليل الصوم من الأكل والشرب والجماع بعد النوم قال فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذ ثم أباح الله ذلك كله إلى طلوع الفجر فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة ناسخ لحديث الفضل ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه. قلت: ويقويه أن في حديث عائشة هذا الأخير ما يشعر بأن ذلك كان بعد الحديبية لقوله فيها "قد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر" وأشار إلى آية الفتح وهي إنما نزلت عام الحديبية سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية، وإلى دعوى النسخ فيه ذهب ابن المنذر والخطابي وغير واحد، وقرره ابن دقيق العيد بأن قوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَام ِ

(4/147)


الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيلزم إباحة الجماع فيه ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبا ولا يفسد صومه فإن إباحة التسبب للشيء إباحة لذلك الشيء. قلت: وهذا أولى من سلوك الترجيح بين الخبرين كما تقدم من قول البخاري والأول أسند" وكذا قال بعضهم: إن حديث عائشة أرجح لموافقة أم سلمة لها على ذلك، ورواية اثنين تقدم على رواية واحد، ولا سيما وهما زوجتان وهما أعلم بذلك من الرجال، ولأن روايتهما توافق المنقول وهو ما تقدم من مدلول الآية، والمعقول وهو أن الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فعله شيء يحرم على صائم، فقد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ولا يحرم عليه بل يتم صومه إجماعا، فكذلك إذا احتلم ليلا بل هو من باب الأولى، وإنما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهارا. وهو شبيه بمن يمنع من التطيب وهو محرم لكن لو تطيب وهو حلال ثم أحرم فبقي عليه لونه أو ريحه لم يحرم عليه. وجمع بعضهم بين الحدثين. أن الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل، فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر فلو خالف جاز، ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز ونقل النووي هذا عن أصحاب الشافعي، وفيه نظر، فإن الذي نقله البيهقي وغيره عن نص الشافعي سلوك الترجيح وعن ابن المنذر وغيره سلوك النسخ، ويعكر على حمله على الإرشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر وبالنهي الصيام فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان؟ وقيل هو محمول على من أدركه مجامعا فاستدام بعد طلوعه عالما بذلك، ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبي حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه "أن أبا هريرة كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم" وحكى ابن التين عن بعضهم أنه سقط "لا" من حديث الفضل، وكان في الأصل "من أصبح جنبا في رمضان فلا يفطر" فلما سقط "لا "صار "فليفطر" وهذا بعيد بل باطل، لأنه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث وأنها يطرقها مثل هذا الاحتمال، وكأن قائله ما وقف على شيء من طرق هذا الحديث إلا على اللفظ المذكور. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم دخول العلماء على الأمراء ومذاكرتهم إياهم بالعلم. وفيه فضيلة لمروان ابن الحكم لما يدل عليه الحديث من اهتمامه بالعلم ومسائل الدين. وفيه الاستثبات في النقل والرجوع في المعاني إلى الأعلم، فإن الشيء إذا نوزع فيه رد إلى من عنده علمه، وترجيح مروي النساء فيما لهن عليه الاطلاع دون الرجال على مروي الرجال كعكسه، وأن المباشر للأمر أعلم به من المخبر عنه، والائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله ما لم يقم دليل الخصوصية، وأن للمفضول إذا سمع من الأفضل خلاف ما عنده من العلم أن يبحث عنه حتى يقف على وجهه، وأن الحجة عند الاختلاف في المصير إلى الكتاب والسنة. وفيه الحجة بخبر الواحد وأن المرأة فيه كالرجل. وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه إليه. وفيه استعمال السلف من الصحابة والتابعين الإرسال عن العدول من غير نكير بينهم لأن أبا هريرة اعترف بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه كان يمكنه أن يرويه عنه بلا واسطة وإنما بينها لما وقع من الاختلاف. وفيه الأدب مع العلماء، والمبادرة لامتثال أمر ذي الأمر إذا كان طاعة، ولو كان فيه مشقة على المأمور. "تكميل": في معنى الجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلا ثم طلع الفجر قبل اغتسالها، قال النووي في شرح مسلم: مذهب العلماء كافة صحة صومها إلا ما حكي عن بعض السلف مما لا يعلم صح عنه أو لا، وكأنه أشار بذلك إلى ما حكاه في شرح المهذب عن الأوزاعي، لكن حكاه ابن عبد البر عن الحسن بن صالح أيضا، وحكى ابن دقيق العيد أن في المسألة في

(4/148)


مذهب مالك قولين، وحكاه القرطبي عن محمد بن مسلمة من أصحابهم ووصف قوله بالشذوذ، وحكى ابن عبد البر عن عبد الملك بن الماجشون أنها إذا أخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر لأنها في بعضه غير طاهرة، قال: وليس كالذي يصبح جنبا لأن الاحتلام لا ينقض الصوم والحيض ينقضه.

(4/149)


23- باب الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ فَرْجُهَا
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ"
وَقَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ "مَآرِبُ"حَاجَةٌ قَالَ طَاوُسٌ {أُولِي الإِرْبَة} الأَحْمَقُ لاَ حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ"
وقال جابر بن زيد:إن نظر فأمنى يتم صومه
[الحديث 1927- طرفه في: 1928]
قوله: "باب المباشرة للصائم" أي بيان حكمها وأصل المباشرة التقاء البشرتين ويستعمل في الجماع سواء أولج أو لم يولج. وليس الجماع مرادا بهذه الترجمة. قوله: "وقالت عائشة رضي الله عنه يحرم عليه فرجها" وصله الطحاوي من طريق أبي مرة مولى عقيل عن حكيم بن عقال قال: "سألت عائشة ما يحرم على من امرأتي وأنا صائم؟ قالت فرجها" إسناده إلى حكيم صحيح، ويؤدي معناه أيضا ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن مسروق "سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته صائما؟ قالت كل شيء إلا الجماع". قوله: "حدثنا سليمان بن حرب عن شعبة" كذا للأكثر، ووقع للكشميهني عن سعيد بمهملة وآخره دال، وهو غلط فاحش فليس في شيوخ سليمان بن حرب أحد اسمه سعيد حدثه عن الحكم، الحكم المذكور هو ابن عتيبة، وإبراهيم هو النخعي. وقد وقع عند الإسماعيلي عن يوسف القاضي عن سليمان بن حرب عن شعبة على الصواب، لكن وقع عنده عن إبراهيم "أن علقمة وشريح بن أرطاة رجلان من النخع كانا عند عائشة، فقال أحدهما لصاحبه سلها عن القبلة للصائم، قال: ما كنت لأرفث عند أم المؤمنين. فقالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه" قال الإسماعيلي: رواه غندر وابن أبي عدي وغير واحد عن شعبة فقالوا "عن علقمة" وحدث به البخاري عن سليمان بن حرب عن شعبة فقال: "عن الأسود" وفيه نظر، وصرح أبو إسحاق بن حمزة فيما ذكره أبو نعيم في "المستخرج" عنه بأنه خطأ. قلت: وليس ذلك من البخاري، فقد أخرجه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله بن معبد عن سليمان بن حرب كما قال البخاري، وكأن سليمان بن حرب حدث به على الوجهين، فإن كان حفظه عن شعبة فلعل شعبة حدث به على الوجهين، وإلا فأكثر أصحاب شعبة لم يقولوا فيه من هذا الوجه عن الأسود، وإنما اختلفوا: فمنهم من قال كرواية يوسف المتقدمة وصورتها الإرسال، وكذا أخرجه النسائي بطريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة. ومنهم من قال عن إبراهيم عن علقمة وشريح، وقد ترجم النسائي في سننه الاختلاف فيه على إبراهيم، والاختلاف على الحكم وعلى الأعمش وعلى منصور وعلى عبد الله ابن عون كلهم عن إبراهيم، وأورده من طريق إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: "خرج نفر من النخع فيهم رجل يدعى شريحا فحدث أن عائشة قالت" فذكر الحديث،

(4/149)


قال فقال له رجل: لقد هممت أن أضرب رأسك بالقوس، فقال قولوا له فليكف عني حتى نأتي أم المؤمنين؛ فلما أتوها "قالوا لعلقمة: سلها، فقال: ما كنت لأرفث عندها اليوم، فسمعته فقالت: "فذكر الحديث، ثم ساقه من طريق عبيدة عن منصور فجعل شريحا هو المنكر وأبهم الذي حدث بذلك عن عائشة، ثم استوعب النسائي طرقه، وعرف منها أن الحديث كان عند إبراهيم عن علقمة والأسود ومسروق جميعا فلعله كان يحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، وتارة يجمع وتارة يفرق، وقد قال الدار قطني بعد ذكر الاختلاف فيه على إبراهيم: كلها صحاح وعرف من طريق إسرائيل سبب تحديث عائشة بذلك واستدراكها على من حدث عنها به على الإطلاق بقولها "ولكنه كان أملككم لإربه "فأشارت بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكا لنفسه دون من لا يأمن من الوقوع فيما يحرم. وفي رواية حماد عند النسائي: "قال الأسود قلت لعائشة أيباشر الصائم؟ قالت: لا. قلت أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه "وظاهر هذا أنها اعتقدت خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قاله القرطبي. قال: وهو اجتهاد منها. وقول أم سلمة - يعني الآتي ذكره - أولى أن يؤخذ به لأنه نص في الواقعة. قلت: قد ثبت عن عائشة صريحا إباحة ذلك كما تقدم، فيجمع بين هذا وبين قولها المتقدم أنه "يحل له كل شيء إلا الجمع" بحمل النهي هنا على كراهة التنزيه فإنها لا تنافي الإباحة. وقد رويناه في كتاب الصيام ليوسف القاضي من طريق حماد بن سلمة عن حماد بلفظ: "سألت عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها، وكأن هذا هو السر في تصدير البخاري بالأثر الأول عنها لأنه يفسر مرادها بالنفي المذكور في طريق حماد وغيره والله أعلم. ويدل على أنها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص ما رواه مالك في "الموطأ" عن أبي النضر "أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها؟ قال أقبلها وأنا صائم؟ قالت نعم" قوله: "كان يقبل ويباشر وهو صائم" التقبيل أخص من المباشرة، فهو من ذكر العام بعد الخاص، وقد رواه عمرو بن ميمون عن عائشة بلفظ: "كان يقبل في شهر الصوم" أخرجه مسلم والنسائي. وفي رواية لمسلم: "يقيل في رمضان وهو صائم" فأشارت بذلك إلى عدم التفرقة بين صوم الفرض والنفل. وقد اختلف في القبلة والمباشرة للصائم: فكرهها قوم وهو مطلقا وهو مشهور عند المالكية، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر "أنه كان يكره القبلة والمباشرة" ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها، واحتجوا بقوله تعالى:
{ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} الآية. فمنع المباشرة في هذه الآية نهارا، والجواب عن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهارا فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها، والله أعلم. وممن أفتى بإفطار من قبل وهو صائم عبد الله بن شبرمة أحد فقهاء الكوفة، ونقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم وألزم ابن حزم أهل القياس أن يلحقوا الصيام بالحج في المباشرة ومقدمات النكاح للاتفاق على إبطالهما بالجماع، وأباح القبلة قوم مطلقا وهو المنقول صحيحا عن أبي هريرة وبه قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة، بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها، وفرق آخرون بين الشاب والشيخ فكرهها للشاب وأباحها للشيخ وهو مشهور عن ابن عباس أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما، وجاء فيه حديثان مرفوعان فيهما ضعف أخرج أحدها أبو داود من حديث أبي هريرة والآخر أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفرق آخرون بين من يملك نفسه ومن لا يملك كما أشارت إليه عائشة وكما تقدم ذلك في مباشرة الحائض في كتاب الحيض. وقال الترمذي: ورأى بعض أهل العلم أن

(4/150)


للصائم إذا ملك نفسه أن يقبل وإلا فلا؛ ليسلم له صومه، وهو قول سفيان الشافعي، ويدل على ذلك ما رواه مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم أنه "سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم؟ فقال: سل هذه - لأم سلمة - فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك. فقال: يا رسول الله قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له" فدل ذلك على أن الشاب والشيخ سواء، لأن عمر حينئذ كان شابا، ولعله كان أول ما بلغ وفيه دلالة على أنه ليس من الخصائص، وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار "عن رجل من الأنصار أنه قبل امرأته وهو صائم، فأمر امرأته أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فسألته فقال إني أفعل ذلك، فقال زوجها: يرخص الله لنبيه فيما يشاء. فرجعت فقال: أنا أعلمكم بحدود الله وأتقاكم" وأخرجه مالك، لكنه أرسله قال: "عن عطاء أن رجلا" فذكر نحوه مطولا. واختلف فيما إذا باشر أو قبل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء. وقال مالك وإسحاق: يقضي في كل ذلك ويكفر، إلا في الإمذاء فيقضي فقط. واحتج له بأن الإنزال أقصى ما يطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك. وتعقب بأن الأحكام علقت بالجماع ولو لم يكن إنزال فافترقا. وروى عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبل فأنعظ ولم يمذ ولا أنزل، وأنكره غيره عن مالك. وأبلغ من ذلك ما روى عبد الرزاق عن حذيفة "من تأمل خلق امرأته وهو صائم بطل صومه" لكن إسناده ضعيف. وقال ابن قدامة: إن قبل فأنزل أفطر بلا خلاف. كذا قال وفيه نظر، فقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر ولو أنزل، وقوى ذلك وذهب إليه. وسأذكر في الباب الذي يليه زيادة في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. قوله: "لأربه" بفتح الهمزة والراء وبالموحدة أي حاجته، ويروي بكسر الهمزة وسكون الراء أي عضوه، والأول أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من التفسير. قوله: "وقال ابن عباس. مأرب حاجة" مأرب بسكون الهمزة وفتح الراء، وهذا وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} قال: حاجة أخرى، كذا فيه، وهو تفسير الجمع بالواحد، فلعله كان فيها حاجات أو حوائج فقد أخرجه أيضا من طريق عكرمة عنه بلفظ: {مَآرِبُ أُخْرَى} قال: "حوائج أخرى". قوله: "وقال طاوس {غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ} الأحمق لا حاجة له في النساء" وصله عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه في قوله: "غير أولى الإربة" قال: هو الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة. وقد وقع لنا هذا الأثر بعلو في "جزء محمد بن يحيى الذهلي"؛ المروي من طريق السلفي، وقد تقدم في الحيض بيان الاختلاف في قوله: "لأربه" ورأيت بخط مغلطاي في شرحه هنا قال: وقال ابن عباس - أي في تفسير أولى الإربة - المقعد. وقال ابن جبير المعتوه. وقال عكرمة العنين، ولم أر ذلك في شيء من نسخ البخاري. وإنما أوقعه في ذلك أن القطب لما أخرج أثر طاوس قال بعده "وعن ابن عباس المعقد الخ "ولم يرد القطب أن البخاري ذكر ذلك، وإنما أورده القطب من قبل نفسه من كلام أهل التفسير. قوله: "وقال جابر بن زيد: إن نظر فأمنى يتم صومه" وصله ابن أبي شيبة من طريق عمر بن هرم "سئل جابر بن زيد عن رجل نظر إلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها هل يفطر؟ قال: لا، ويتم صومه" وقد تقدم نقل الخلاف فيه قريبا. "تنبيه": وقع هذا الأثر في رواية أبي ذر وحده هنا، ووقع في رواية الباقين في أول الباب الذي بعده، وذكره ابن بطال في البابين معا، ومناسبته للبابين من جهة التفرقة بين من يقع منه الإنزال باختياره بين من يقع منه بغير اختياره كما سيأتي بسط القول فيه إن

(4/151)


شاء الله تعالى.

(4/152)


24 - باب الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ
1928- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح و حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ ضَحِكَتْ"
1929- حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن هشام بن أبي عبد الله حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن زينب بنت أم سلمة عن أمها رضي الله عنها قالت ثم بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي فقال ما لك أنفست قلت نعم فدخلت معه في الخميلة وكانت هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسلان من إناء واحد وكان يقبلها وهو صائم"
قوله، "باب القبلة للصائم" أي بيان حكمها. قوله، "حدثني يحيى" هو القطان، وهشام هو ابن عروة، وقد أحال المصنف بالمتن على طريق مالك عن هشام وليس بين لفظهما مخالفة، فقد أخرجه النسائي من طريق يحيى القطان بلفظ: "قال إني لم أر القبلة بعض أزواجه وهو صائم" وزاد الإسماعيلي من طريق عمرو بن علي بن يحيى قال هشام "قال إني لم أر القبلة تدعو إلى خير"، ورواه سعيد بن منصور عن يعقوب بن عبد الرحمن عن هشام بلفظ: "كان يقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم ضحكت"، فقال عروة لم أر القبلة تدعو إلى خير، وكذا ذكره مالك في "الموطأ" عن هشام عقب الحديث، لكن لم يقل فيه ثم ضحكت. وقوله ثم ضحكت يحتمل ضحكها التعجب ممن خالف في هذا، وقيل تعجبت من نفسها إذ تحدث بمثل هذا مما يستحيي من ذكر النساء مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك، وقد يكون الضحك خجلا لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيها على أنها صاحبة القصة ليكون أبلغ في الثقة بها، أو سرورا بمكانها من النبي صلى الله عليه وسلم وبمنزلتها منه ومحبته لها. وقد روى ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام في هذا الحديث: "فضحكت، فظننا أنها هي" وروى النسائي من طريق طلحة بن عبد الله التيمي عن عائشة قالت: "أهوى إلي النبي صلى الله عليه وسلم ليقبلني فقلت إني صائمة، فقال وأنا صائم، فقبلني" وهذا يؤيد ما قدمناه أن النظر في ذلك لمن لا يتأثر بالمباشرة والتقبيل، لا للتفرقة بين الشاب والشيخ، لأن عائشة كانت شابة، نعم لما كان الشاب مظنة لهيجان الشهوة فرق من فرق. وقال المازري: ينبغي أن يعتبر حال المقبل فإن أثارت منه القبلة الإنزال حرمت عليه لأن الإنزال يمنع منه الصائم فكذلك ما أدى إليه، وإن كان عنها المذي فمن رأى القضاء منه قال يحرم في حقه، ومن رأى أن لا قضاء قال يكره، وإن لم تؤد القبلة إلى شيء فلا معنى للمنع منها إلا على القول بسد الذريعة. قال: ومن بديع ما روي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم للسائل عنها "أرأيت لو تمضمضت" فأشار إلى فقه بديع، وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام فكذلك أوائل الجماع ا هـ.
والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عمر، قال النسائي منكر، وصححه ابن خزيمة وابن

(4/152)


حبان والحاكم وقد سبق الكلام على حديث أم سلمة في كتاب الحيض، والغرض منه هنا قولها "وكان يقبلها وهو صائم" وقد ذكرنا شاهده من رواية عمر بن أبي سلمة في الباب الذي قبله. وقال النووي: القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته لكن الأولى له تركها، وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح وقيل مكروهة، وروى ابن وهب عن مالك إباحتها في النفل دون الفرض. قال النووي: ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم إلا إن أنزل بها. "تنبيه": روى أبو داود وحده من طريق مصدع بن يحيى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها ويمص لسانها وإسناده ضعيف، ولو صح فهو محمول على من لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها، والله أعلم.

(4/153)


25 - باب اغْتِسَالِ الصَّائِمِ
وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثَوْبًا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ
وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أَوْ الشَّيْءَ
وَقَالَ الْحَسَنُ لاَ بَأْسَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلْيُصْبِحْ دَهِينًا مُتَرَجِّلًا
وَقَالَ أَنَسٌ إِنَّ لِي أَبْزَنَ أَتَقَحَّمُ فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ وَيُذْكَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَاكَ وَهُوَ صَائِمٌ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَاكُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ وَلاَ يَبْلَعُ رِيقَهُ وَقَالَ عَطَاءٌ إِنْ ازْدَرَدَ رِيقَهُ لاَ أَقُولُ يُفْطِرُ
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لاَ بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ قِيلَ لَهُ طَعْمٌ قَالَ وَالْمَاءُ لَهُ طَعْمٌ وَأَنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا
1930- حدثنا أحمد بن صالح حدثنا بن وهب حدثنا يونس عن بن شهاب عن عروة وأبي بكر قالت عائشة رضي الله عنها ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان حلم فيغتسل ويصوم"
1931- حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن كنت أنا وأبي فذهبت معه حتى دخلنا على عائشة رضي الله عنها قالت ثم أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان ليصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصومه"
1932- ثم دخلنا على أم سلمة فقالت مثل ذلك
قوله: "باب اغتسال الصائم" أي بيان جوازه. قال الزين بن المنير: أطلق الاغتسال ليشمل الأغسال المسنونة والواجبة والمباحة، وكأنه يشير إلى ضعف ما روى عن علي من النهي عن دخول الصائم الحمام أخرجه عبد الرزاق وفي إسناده ضعف، واعتمده الحنفية فكرهوا الاغتسال للصائم. قوله: "وبل ابن عمر ثوبا فألقى عليه وهو صائم" في رواية الكشميهني: "فألقاه" وهذا وصله المصنف في التاريخ وابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي عثمان أنه رأى ابن عمر يفعل ذلك، ومناسبته للترجمة من جهة أن بلل الثوب إذا طالت إقامته على الجسد حتى جف ينزل ذلك منزلة الدلك

(4/153)


بالماء، وأراد البخاري بأثر ابن عمر هذا معارضة ما جاء عن إبراهيم النخعي بأقوى منه، فإن وكيعا روي عن الحسن بن صالح عن مغيرة عنه أنه كان يكره للصائم بل الثياب. قوله: "ودخل الشعبي الحمام وهو صائم" وصله ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق قال: رأيت الشعبي يدخل الحمام وهو صائم، ومناسبته للترجمة ظاهرة. قوله: "وقال ابن عباس لا بأس أن يتطعم القدر" بكسر القاف أي طعام القدر أو الشيء، وصله ابن أبي شيبة من طريق عكرمة عنه بلفظ: "لا بأس أن يتطاعم القدر" ورويناه في "الجعديات" من هذا الوجه بلفظ: "لا بأس أن يتطاعم الصائم بالشيء" يعني المرقة ونحوها. ومناسبته للترجمة من طريق الفحوى، لأنه إذا لم يناف الصوم إدخال الطعام في الفم وتطعمه وتقريبه من الازدراد لم ينافه إيصاله الماء إلى بشرة الجسد من باب الأولى. قوله: "وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم" وصله عبد الرزاق بمعناه، ووقع بعضه في حديث مرفوع أخرجه مالك وأبو داود من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب الماء على رأسه - وهو صائم - من العطش أو من الحر" ومناسبته للترجمة ظاهرة، وسيأتي الكلام على ما يتعلق بالمضمضة في الباب الذي بعده. قوله: "وقال ابن مسعود إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهينا مترجلا" قال الزين بن المنير: مناسبته للترجمة من جهة أن الإدهان من الليل يقتضي استصحاب أثره في النار، وهو مما يرطب الدماغ ويقوي النفس فهو أبلغ من الاستعانة ببرد الاغتسال لحظة من النهار ثم يذهب أثره. قلت: وله مناسبة أخرى، وذلك أن المانع من الاغتسال لعله سلك به مسلك استحباب التقشف في الصيام كما ورد مثله في الحج، والإدهان والترجل في مخالفة التقشف كالاغتسال. وقال ابن المنير الكبير: أراد البخاري الرد على من كره الاغتسال للصائم لأنه إن كرهه خشية وصول الماء حلقه فالعلة باطلة بالمضمضة والسواك وبذوق القدر ونحو ذلك، وإن كرهه للرفاهية فقد استحب السلف للصائم الترفه والتجمل بالترجل والإدهان والكحل ونحو ذلك فلذلك ساق هذه الآثار في هذه الترجمة. قوله: "وقال أنس: إن لي أبزن أتقحم فيه وأنا صائم" الأبزن بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي بعدها نون: حجر منقور شبه الحوض، وهي كلمة فارسية ولذلك لم يصرفه. وأتقحم فيه أي أدخل. وهذا الأثر وصله قاسم بن ثابت في "غريب الحديث:" له من طريق عيسى بن طهمان سمعت أنس بن مالك يقول: "إن لي أبزن إذا وجدت الحر تقحمت فيه وأنا صائم" وكأن الأبزن كان ملآن ماء فكان أنس إذا وجد الحر دخل فيه يتبرد بذلك. قوله: "وقال ابن عمر: يستاك أول النهار وآخره" وصله ابن أبي شيبة عنه بمعناه ولفظه: "كان ابن عمر يستاك إذا أراد أن يروح إلى الظهر وهو صائم" ومناسبته للترجمة قريبة مما تقدم في أثر ابن عباس في تطعم القدر. ووقع في نسخة الصغاني بعد قوله وآخره: "ولا يبلع ريقه". قوله: "وقال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب، قيل له طعم. قال: والماء له طعم وأنت تمضمض به" وصله ابن أبي شيبة من طريق أبي حمزة المازني قال: "أتى ابن سيرين رجل فقال: ما ترى في السواك للصائم؟ قال لا بأس به. قال: إنه جريد وله طعم" قال فذكر مثله. قوله: "ولم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم بأسا" أما أنس فروى أبو داود في السنن من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس أنه كان يكتحل وهو صائم، ورواه الترمذي من طريق أبي عاتكة عن أنس مرفوعا وضعفه، وأما الحسن فوصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عنه قال: "لا بأس بالكحل للصائم". وأما إبراهيم فاختلف عنه: فروى سعيد بن منصور عن جرير عن القعقاع بن يزيد "سألت إبراهيم أيكتحل الصائم؟ قال نعم. قلت أجد طعم الصبر في حلقي. قال ليس بشيء"

(4/154)


.وروى أبو داود من طريق يحيى بن عيسى عن الأعمش قال: "ما رأيت أحدا من أصحابنا يكره الكحل للصائم، وكان إبراهيم يرخص أن يكتحل الصائم بالصبر" وروى ابن أبي شيبة عن حفص عن الأعمش عن إبراهيم قال: "لا بأس بالكحل للصائم ما لم يجد طعمه" ثم أورد المصنف حديث عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بعد الفجر ويصوم، وأورده أيضا من حديثها وحديث أم سلمة وهو مطابق لما ترجم له، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى قبل بابين بحمد الله تعالى.

(4/155)


26 - باب الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا
وَقَالَ عَطَاءٌ إِنْ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ لاَ بَأْسَ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ
وَقَالَ الْحَسَنُ إِنْ دَخَلَ حَلْقَهُ الذُّبَابُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ إِنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ
1933- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ
[الحديث 1933- طرفه في 6669]
قوله: "باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا" أي هل يجب عليه القضاء أو لا؟ وهي مسألة خلاف مشهورة، فذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وعن مالك يبطل صومه ويجب عليه القضاء. قال عياض هذا هو المشهور عنه وهو قول شيخه ربيع وجميع أصحاب مالك، لكن فرقوا بين الفرض والنفل. وقال الداودي: لعل مالكا لم يبلغه الحديث، أو أوله على رفع الإثم. قوله: "وقال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس إن لم يملك" أي دفع الماء بأن غلبه، فإن ملك دفع الماء فلم يدفعه حتى دخل حلقه أفطر. ووقع في رواية أبي ذر والنسفي "لا بأس، لم يملك" بإسقاط "إن" وهي على هذا جملة مستأنفة كالتعليل لقوله: "لا بأس" وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن ابن جريج "قلت لعطاء إنسان يستنثر فدخل الماء في حلقه. قال لا بأس بذلك" قال عبد الرزاق. وقاله معمر عن قتادة. وقال ابن أبي شيبة حدثنا مخلد عن ابن أبي جريج "إن إنسانا قال لعطاء: أمضمض فيدخل الماء في حلقي. قال: لا بأس، لم يملك" وهذا يقوي رواية أبي ذر والنسفي. قوله: "وقال الحسن: إن دخل الذباب في حلقه فلا شيء عليه" وصله ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي نجيح "عن مجاهد عن ابن عباس في الرجل يدخل في حلقه الذباب وهو صائم قال لا يفطر" وعن وكيع عن الربيع عن الحسن قال: "لا يفطر" ومناسب هذين الأثرين للترجمة من جهة أن المغلوب بدخول الماء حلقه أو الذباب لا اختيار له في ذلك كالناسي، قال ابن المنير في الحاشية: أدخل المغلوب في ترجمة الناسي لاجتماعهما في ترك العمد وسلب الاختيار. ونقل ابن المنذر الاتفاق على أن من دخل في حلقه الذباب وهو صائم أن لا شيء عليه، لكن نقل غيره عن أشهب أنه قال: أحب إلي أن يقضى؛ حكاه ابن التين. وقال الزين بن المنير: دخول الذباب أقعد بالغلبة وعدم الاختيار من دخول الماء لأن الذباب يدخل بنفسه بخلاف الاستنشاق والمضمضة فإنما تنشأ عن تسببه، وفرق إبراهيم بين من كان ذاكرا لصومه حال المضمضة فأوجب عليه القضاء دون الناسي، وعن الشعبي إن كان لصلاة فلا قضاء وإلا قضى. قوله: "وقال

(4/155)


الحسن ومجاهد. إن جامع ناسيا فلا شيء عليه" هذان الأثران وصلهما عبد الرزاق قال: "أخبرنا ابن جريج عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لو وطئ رجل امرأته وهو صائم ناسيا في رمضان لم يكن عليه فيه شيء"،" وعن الثوري عن رجل عن الحسن قال: هو بمنزلة من أكل أو شرب ناسيا" وظهر بأثر الحسن هذا مناسبة ذكر هذا الأثر للترجمة، وروي أيضا: "عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن رجل أصاب امرأته ناسيا في رمضان، قال لا ينسى، هذا كله عليه القضاء" وتابع عطاء على ذلك الأوزاعي والليث ومالك وأحمد وهو أحد الوجهين للشافعية، وفرق هؤلاء كلهم بين الأكل والجماع. وعن أحمد في المشهور عنه: تجب عليه الكفارة أيضا، وحجتهم قصور حالة المجامع ناسيا عن حالة الآكل، وألحق به بعض الشافعية من أكل كثيرا لندور نسيان ذلك، قال ابن دقيق العيد: ذهب مالك إلى إيجاب القضاء على من أكل أو شرب ناسيا وهو القياس، فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات، والقاعدة أن النسيان لا يؤثر في المأمورات. قال: وعمدة من لم يوجب القضاء حديث أبي هريرة لأنه أمر بالإتمام، وسمي الذي يتم صوما، وظاهره حمله على الحقيقة الشرعية فيتمسك به حتى يدل دليل على أن المراد بالصوم هنا حقيقته اللغوية. وكأنه يشير بهذا إلى قول ابن القصار: إن معنى قوله: "فليتم صومه" أي الذي كان دخل فيه وليس فيه نفي القضاء. قال وقوله: "فإنما أطعمه الله وسقاه" مما يستدل به على صحة الصوم لإشعاره بأن الفعل الصادر منه مسلوب الإضافة إليه فلو كان أفطر لأضيف الحكم إليه، قال: وتعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما، وذكر الغالب لا يقتضي مفهوما، وقد اختلف فيه القائلون بأن أكل الناسي لا يوجب قضاء، واختلف القائلون بالإفساد هل يوجب مع القضاء الكفارة أو لا مع اتفاقهم على أن أكل الناسي لا يوجبها، ومدار كل ذلك على قصور حالة المجامع ناسيا عن حالة الآكل، ومن أراد إلحاق الجماع بالمنصوص عليه فإنما طريقه القياس والقياس مع وجود الفارق متعذر، إلا أن بين القائس أن الوصف الفارق ملغي ا هـ. وأجاب بعض الشافعية بأن عدم وجوب القضاء عن المجامع مأخوذ من عموم قوله في بعض طرق الحديث: "من أفطر في شهر رمضان" لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب أو جماع، وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في الطريق الأخرى لكونهما أغلب وقوعا ولعدم الاستغناء عنهما غالبا. قوله: "هشام" هو الدستوائي. قوله: "إذا نسى فأكل" في رواية مسلم من طريق إسماعيل عن هشام "من نسى وهو صائم فأكل" وللمصنف في النذر من طريق عوف عن ابن سيرين "من أكل ناسيا وهو صائم" ولأبي داود من طريق حبيب بن الشهيد وأيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة "جاء رجل فقال: يا رسول الله إني أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم"، وهذا الرجل هو أبو هريرة راوي الحديث، أخرجه الدار قطني بإسناد ضعيف. قوله: "فليتم صومه" في رواية الترمذي من طريق قتادة عن ابن سيرين "فلا يفطر". قوله: "فإنما أطعمه الله وسقاه" في رواية الترمذي "فإنما هو رزق رزقه الله" وللدار قطني من طريق ابن علية عن هشام "فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه" قال ابن العربي: تمسك جميع فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث، وتطلع مالك إلى المسألة من طريقها فأشرف عليه، لأن الفطر ضد الصوم والإمساك ركن الصوم فأشبه ما لو نسى ركعة من الصلاة. قال: وقد روى الدار قطني فيه: "لا قضاء عليك" فتأوله علماؤنا على أن معناه لا قضاء عليك الآن وهذا تعسف، وإنما أقول ليته صح فنتبعه ونقول به، إلا على أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يعمل به، فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به، وأما الثاني فلا يوافقها فلم نعمل به. وقال القرطبي احتج به

(4/156)


من أسقط القضاء، وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء فيحمل على سقوط المؤاخذة، لأن المطلوب صيام يوم لا خرم فيه، لكن روى الدار قطني فيه سقوط القضاء وهو نص لا يقبل الاحتمال، لكن الشأن في صحته، فإن صح وجب الأخذ به وسقط القضاء ا هـ. وأجاب بعض المالكية بحمل الحديث على صوم التطوع كما حكاه ابن التين عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصار، واعتل بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع. وقال المهلب وغيره: لم يذكر في الحديث إثباتا لقضاء فيحمل على سقوط الكفارة عنه وإثبات عذره ورفع الإثم عنه وبقاء نيته التي بيتها اهـ. والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمر وعن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" فعين رمضان وصرح بإسقاط القضاء. قال الدار قطني: تفرد به محمد بن مرزوق عن الأنصاري، وتعقب بأن ابن خزيمة أخرجه أيضا عن إبراهيم ابن محمد الباهلي وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي كلاهما عن الأنصاري فهو المنفرد به كما قال البيهقي وهو ثقة، والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط لا بتعيين رمضان، فإن النسائي أخرج الحديث من طريق علي بن بكار عن محمد بن عمرو ولفظه: "في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسيا فقال: الله أطعمه وسقاه" وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر عن أبي هريرة أخرجه الدار قطني من رواية محمد بن عيسى ابن، الطباع عن ابن علية عن هشام عن ابن سيرين ولفظه: "فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه" وقال بعد تخريجه: هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات. قلت: لكن الحديث عند مسلم وغيره من طريق ابن علية وليس فيه هذه الزيادة. وروى الدار قطني أيضا إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وأبي سعيد المقبري والوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار كلهم عن أبي هريرة. وأخرج أيضا من حديث أبي سعيد رفعه: "من أكل في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه" وإسناده وإن كان ضعيفا لكنه صالح للمتابعة، فأقل. درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنا فيصلح للاحتجاج به، وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوة، ويعتضد أيضا بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير مخالفة لهم منهم - كما قاله ابن المنذر وابن حزم وغيرها - علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} فالنسيان ليس من كسب القلب، وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه فكذلك الصيام، وأما القياس الذي ذكره ابن العربي فهو في مقابلة النص فلا يقبل، ورده للحديث مع صحته بكونه خبر واحد خالف القاعدة ليس بمسلم، لأنه قاعدة مستقلة بالصيام فمن عارضه بالقياس على الصلاة أدخل قاعدة في قاعدة، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا القليل، وفي الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهما، وقد روى أحمد لهذا الحديث سببا فأخرج من طريق أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق أنها "كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى بقصعة من ثريد فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمة، فقال لها ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك" وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره. ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: أن إنسانا جاء إلى أبي هريرة فقال أصبحت صائما فنسيت فطعمت، قال لا بأس. قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت وشربت، قال. لا بأس الله أطعمك وسقاك. ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام.

(4/157)


باب سواك الرطب و اليابس للصائم
...
27 - باب سِوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لِلصَّائِمِ
وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لاَ أُحْصِي أَوْ أَعُدُّ"
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لاَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ"
وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ يَبْتَلِعُ رِيقَهُ
1934- حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر قال حدثني الزهري عن عطاء بن يزيد عن حمران ثم رأيت عثمان رضي الله عنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا ثم تمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا ثم مسح برأسه ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال من توضأ وضوئي هذا ثم يصلي ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه"
قوله: "باب سواك الرطب واليابس للصائم" كذا للأكثر وهو كقولهم مسجد الجامع، ووقع في رواية الكشميهني: "باب السواك الرطب واليابس" وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بالسواك الرطب كالمالكية والشعبي، وقد تقدم قبل بباب قياس ابن سيرين السواك الرطب على الماء الذي يتمضمض به، ومنه تظهر النكتة في إيراد حديث عثمان في صفة الوضوء في هذا الباب فإن فيه أنه تمضمض واستنشق وقال فيه: "من توضأ وضوئي هذا" ولم يفرق بين صائم ومفطر، ويتأيد ذلك بما ذكر في حديث أبي هريرة في الباب. قوله: "ويذكر عن عامر بن ربيعة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد" وصله أحمد وأبو داود والترمذي من طريق عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة عن أبيه، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وقال كنت لا أخرج حديث عاصم، ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه، وروى يحيى وعبد الرحمن عن الثوري عنه، وروى مالك عنه خبرا في غير الموطأ. قلت: وضعفه ابن معين والذهلي والبخاري وغير واحد، ومناسبته للترجمة إشعاره بملازمة السواك ولم يخص رطبا من يابس، وهذا على طريقة المصنف في أن المطلق يسلك به مسلك العموم، أو أن العام في الأشخاص عام في الأحوال، وقد أشار إلى ذلك بقوله في أواخر الترجمة المذكورة "ولم يخص صائما من غيره:" أي ولم يخص أيضا رطبا من يابس، وهذا التقرير تظهر مناسبة جميع ما أورده في هذا الباب للترجمة، والجامع لذلك كله قوله في حديث أبي هريرة لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، فإنه يقتضي إباحته في كل وقت وعلى كل حال، قال ابن المنير في الحاشية: أخذ البخاري شرعية السواك للصائم بالدليل الخاص، ثم انتزعه من أعم الأدلة العامة التي تناولت أحوال متناول السواك وأحوال ما يستاك به، ثم انتزع ذلك من أعم من السواك وهو المضمضة إذ هي أبلغ من السواك الرطب. قوله: "وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" وصله أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن

(4/158)


أبي بكر الصديق عن أبيه عنها رواه عن عبد الرحمن هذا يزيد بن زريع والدراوردي وسليمان بن بلال وغير واحد، وخالفهم حماد بن سلمة فرواه عن عبد الرحمن بن أبي عتيق عن أبيه عن أبي بكر الصديق أخرجه أبو يعلى والسراج في مسنديهما عن عبد الأعلى بن حماد عن حماد بن سلمة. قال أبو يعلى في روايته قال عبد الأعلى: هذا خطأ إنما هو عن عائشة. قوله: "وقال عطاء وقتادة يبتلع ريقه" كذا للأكثر وللمستملي يبلع بغير مثناة، وللحموي يتبلع بتقديم المثناة بعدها موحدة ثم مشددة، فأما قول عطاء فوصله سعيد بن منصور وسيأتي في الباب الذي بعده، وأما أثر قتادة فوصله عبد بن حميد في التفسير عن عبد الرزاق عن معمر عنه نحوه، ومناسبته للترجمة من جهة أن أقصى ما يخشى من السواك الرطب أن يتحلل منه في الفم شيء وذلك الشيء كماء المضمضة فإذا قذفه من فيه لا يضره بعد ذلك أن يبتلع ريقه. قوله: "وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" وصله النسائي من طريق بشر بن عمر عن مالك عن ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة بهذا اللفظ، ووقع لنا بعلو في "جزء الذهلي"، وأخرجه ابن خزيمة من طريق روح بن عبادة عن مالك بلفظ: "لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" والحديث في الصحيحين بغير هذا اللفظ من غير هذا الوجه، وقد أخرجه النسائي أيضا من طريق عبد الرحمن السراج عن سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: "لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء". قوله: "ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم" أما حديث جابر فوصله أبو نعيم في كتاب السواك من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عنه بلفظ: "مع كل صلاة سواك" وعبد الله مختلف فيه، ووصله ابن عدي من وجه آخر عن جابر بلفظ: "لجعلت السواك عليهم عزيمة" وإسناده ضعيف، وأما حديث زيد بن خالد فوصله أصحاب السنن وأحمد من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عنه بلفظ: "عند كل صلاة" وحكى الترمذي عن البخاري أنه سأله عن رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ورواية محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد فقال: رواية محمد بن إبراهيم أصح، قال الترمذي: كلا الحديثين صحيح عندي. قلت: رجح البخاري طريق محمد بن إبراهيم لأمرين، أحدهما: أن فيه قصة وهي قول أبي سلمة فكان زيد بن خالد يضع السواك منه موضع القلم من أذن الكاتب فكلما قام إلى الصلاة استاك. ثانيهما: أنه توبع فأخرج الإمام أحمد من طريق يحيى بن أبي كثير حدثنا أبو سلمة عن يزيد بن خالد فذكر نحوه. "تنبيه": وقع في رواية غير أبي ذر في سياق هذه الآثار والأحاديث تقديم وتأخير والخطب فيه يسير، ثم أورد المصنف في الباب حديث عثمان في صفة الوضوء وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الوضوء وفي أوائل الصلاة وذكرت ما يتعلق بمناسبته للترجمة قبل.

(4/159)


باب إذا توضأ فليستنشق بنخره الماء
...
28 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ لاَ بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ وَيَكْتَحِلُ
وَقَالَ عَطَاءٌ إِنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنْ الْمَاءِ لاَ يَضِيرُهُ إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ
وَلاَ يَمْضَغُ الْعِلْكَ فَإِنْ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ لاَ أَقُولُ إِنَّهُ يُفْطِرُ وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ
فَإِنْ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ لاَ بَأْسَ لَمْ يَمْلِكْ

(4/159)


قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء" هذا الحديث بهذا اللفظ من الأصول التي لم يوصلها البخاري، وقد أخرجه مسلم من طريق همام عن أبي هريرة، ورويناه في مصنف عبد الرزاق وفي نسخة همام من طريق الطبراني عن إسحاق عنه عن معمر عن همام ولفظه: "إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره الماء ثم ليستنثر" وقول المصنف "ولم يميز الصائم من غيره". قاله تفقها، وهو كذلك في أصل الاستنشاق، لكن ورد تمييز الصائم من غيره في المبالغة في ذلك كما رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وغيره من طريق عاصم بن لقيط بن صيرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" ؛ وكأن المصنف أشار بإيراد أثر الحسن عقبه إلى هذا التفصيل. قوله: "وقال الحسن لا بأس بالسعوط للصائم إن لم يصل الماء إلى حلقه" وصله ابن أبي شيبة نحوه. وقال الكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يجب القضاء على من استعط. وقال مالك والشافعي: لا يجب إلا إن وصل الماء إلى حلقه. وقوله: "ويكتحل" هو من قول الحسن أيضا وقد تقدم ذكره قبل بابين. قوله: "وقال عطاء الخ" وصله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن ابن جريج "قلت لعطاء الصائم يمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم؟ قال: لا يضره، وماذا بقي في فيه:" وكذا أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج، ووقع في أصل البخاري "وما بقي في فيه؟" قال ابن بطال: ظاهره إباحة الازدراد لما بقي في الفم من ماء المضمضمة، وليس كذلك لأن عبد الرزاق رواه بلفظ: "وماذا بقي في فيه:" وكأن "ذا" سقطت من رواية البخاري. انتهى. و "ما" على ظاهر ما أورده البخاري موصولة، وعلى ما وقع من رواية ابن جريج استفهامية، وكأنه قال: وأي شيء يبقى في فيه بعد أن يمج الماء إلا أثر الماء، فإذا بلع ريقه لا يضره. وقوله في الأصل "لا يضره" وقع في رواية المستملي: "لا يضيره" بزيادة تحتانية والمعنى واحد. قوله: "ولا يمضغ العلك الخ" في رواية المستملي: "ويمضغ العلك" والأول أولى فكذلك أخرجه عبد الرازق عن ابن جريج "قلت لعطاء يمضغ الصائم العلك؟ قال: لا. قلت إنه يمج ريق العلك ولا يزدرده ولا يمصه قال1. وقلت له: أيتسوك الصائم؟ قال نعم. قلت له أيزدرد ريقه؟ قال: لا. فقلت ففعل أيضره؟ قال لا. ولكن ينهى عن ذلك" وقد تقدم الخلاف في المضمضة في "باب من أكل ناسيا" قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا شيء على الصائم فيما يبتلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على إخراجه، وكان أبو حنيفة يقول: إذا كان بين أسنانه لحم. فأكله متعمدا فلا قضاء عليه. وخالفه الجمهور لأنه معدود من الأكل. ورخص في مضغ العلك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء، فإن تحلب منه شيء فازدرده فالجمهور على أنه يفطر. انتهى. والعلك بكسر المهملة وسكون اللام بعدها كاف: كل ما يمضغ ويبقى في الفم كالمصطكى واللبان، فإن كان يتحلب منه شيء في الفم فيدخل الجوف فهو مفطر، وإلا فهو مجفف ومعطش فيكره من هذه الحيثية.
ـــــــ
1 لعله" قال لا"

(4/160)


29 - باب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلاَ مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ يَقْضِي

(4/160)


يَوْمًا مَكَانَهُ
1935- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ أَخْبَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ احْتَرَقَ قَالَ مَا لَكَ قَالَ أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى الْعَرَقَ فَقَالَ أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ قَالَ أَنَا قَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا"
[الحديث 1935- طرفه في 6822]
قوله: "باب إذا جامع في رمضان" أي عامدا عالما وجبت عليه الكفارة. قوله: "ويذكر عن أبي هريرة رفعه: من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه" وصله أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن خزيمة من طريق سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت عن عمارة بن عمير عن أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة نحوه. وفي رواية شعبة "في غير رخصة رخصها الله تعالى له لم يقض عنه وإن صام الدهر كله" قال الترمذي سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس لا أعرف له غير هذا الحديث. وقال البخاري في التاريخ أيضا: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا. قلت: واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافا كثيرا فحصلت فيه ثلاث علل: الاضطراب والجهل بحال أبي المطوس والشك في سماع أبيه من أبي هريرة، وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء، وذكر ابن حزم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مثله موقوفا. قال ابن بطال: أشار بهذا الحديث إلى إيجاب الكفارة على من أفطر بأكل أو شرب قياسا على الجماع، والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدا. وقرر ذلك الزين بن المنير بأنه ترجم بالجماع لأنه الذي ورد فيه الحديث المسند، وإنما ذكر آثار الإفطار ليفهم أن الإفطار بالأكل والجماع واحد. انتهى. والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالآثار التي ذكرها إلى أن إيجاب القضاء مختلف فيه بين السلف، وأن الفطر بالجماع لا بد فيه من الكفارة، وأشار بحديث أبي هريرة إلى أنه لا يصح لكونه لم يجزم به عنه، وعلى تقدير صحته فظاهره يقوي قول من ذهب إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل بل يبقى ذلك في ذمته زيادة في عقوبته لأن مشروعية القضاء تقتضي رفع الإثم، لكن لا يلزم من عدم القضاء عدم الكفارة فيما ورد فيه الأمر بها وهو الجماع، والفرق بين الانتهاك بالجماع والأكل ظاهر فلا يصح القياس المذكور. قال ابن المنير في الحاشية ما محصله: إن معنى قوله في الحديث: "لم يقض عنه صيام الدهر" أي لا سبيل إلى استدراك كمال فضيلة الأداء بالقضاء، أي في وصفه الخاص، وإن كان يقضي عنه في وصفه العام فلا يلزم من ذلك إهدار القضاء بالكلية. انتهى. ولا يخفى تكلفه، وسياق أثر ابن مسعود الآتي يرد هذا التأويل، وقد سوى بينهما البخاري. قوله: "وبه قال ابن مسعود" أي بما دل عليه حديث أبي هريرة، وأثر ابن مسعود وصله البيهقي ورويناه عاليا في "جزء هلال الحفار" من طريق منصور عن واصل عن المغيرة بن عبد الله اليشكري قال: "حدثت أن عبد الله بن مسعود قال: من أفطر يوما من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه" وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة من وجه آخر عن واصل عن المغيرة عن فلان بن

(4/161)


الحارث عن ابن مسعود، ووصله الطبراني والبيهقي أيضا من وجه آخر عن عرفجة قال قال عبد الله بن مسعود "من أفطر يوما في رمضان متعمدا من غير علة ثم قضى طول الدهر لم يقبل منه" وبهذا الإسناد عن على مثله، وذكر ابن حزم من طريق ابن المبارك بإسناد له فيه انقطاع أن أبا بكر الصديق قال لعمر بن الخطاب فيما أوصاه به "من صام شهر رمضان في غيره لم يقبل منه ولو صام الدهر أجمع". قوله: "وقال سعيد بن المسيب والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وحماد: يقضى يوما مكانه" أما سعيد بن المسيب فوصله مسدد وغيره عنه في قصة المجامع قال: "يقضى يوما مكانه ويستغفر الله" ولم أر عنه التصريح بذلك في الفطر بالأكل، بل روى ابن أبي شيبة من طريق عاصم قال: "كتب أبو قلابة إلى سعيد بن المسيب يسأله عن رجل أفطر يوما من رمضان متعمدا، قال: يصوم شهرا. قلت: فيومين؟ قال صيام شهر. قال فعددت أياما قال: صيام شهر" قال ابن عبد البر كأنه ذهب إلى وجوب التتابع في رمضان، فإذا تخلله فطر يوم عمدا بطل التتابع ووجب استئناف صيام شهر كمن لزمه صوم شهر متتابع بنذر أو غيره. وقال غيره يحتمل أنه أراد عن كل يوم شهر، فقوله: "فيومين قال صيام شهر" أي عن كل يوم، والأول أظهر. وروى البزار والدار قطني مقتضى هذا الاحتمال مرفوعا عن أنس وإسناده ضعيف. وأما الشعبي فقال سعيد بن منصور "حدثنا هشيم حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي في رجل أفطر يوما في رمضان عامدا قال: يصوم يوما مكانه ويستغفر الله عز وجل" وأما سعيد بن جبير فوصله ابن أبي شيبة من طريق يعلى بن حكيم عنه فذكر مثله. وأما إبراهيم النخعي فقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا شريك كلاهما عن مغيرة عن إبراهيم فذكر مثله. وأما قتادة فذكره عبد الرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة في قصة المجامع في رمضان. وأما حماد وهو ابن أبي سليمان فذكره عبد الرزاق عن أبي حنيفة عنه. الحديث: قوله: "حدثنا يحيى" هو ابن سعد الأنصاري وفي إسناده هذا أربعة من التابعين في نسق كلهم من أهل المدينة: يحيى وعبد الرحمن تابعيان صغيران من طبقة واحدة، وفوقهما قليلا محمد بن جعفر، وأما ابن عمه عباد فمن أواسط التابعين. قوله: "إن رجلا" قيل هو سلمة بن صخر البياضي ولا يصح ذلك كما سيأتي. قوله: "إنه احترق" سيأتي في حديث أبي هريرة أنه عبر بقوله: "هلكت" ورواية الاحتراق تفسر رواية الهلاك، وكأنه لما اعتقد أن مرتكب الإثم يعذب بالنار أطلق على نفسه أنه احترق لذلك، وقد أثبت. النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوصف فقال: "أين المحترق "إشارة إلى أنه لو أصر على ذلك لاستحق ذلك وفيه دلالة على أنه كان عامدا كما سيأتي. قوله: "تصدق بهذا" هكذا وقع مختصرا، وأورده مسلم وأبو داود من طريق عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم وفيه: "قال أصبت أهلي، قال تصدق، قال والله ما لي شيء، قال اجلس فجلس، فأقبل رجل يسوق حمارا عليه طعام، فقال أين المحترق آنفا؟ فقام الرجل، فقال تصدق بهذا. فقال أعلى غيرنا؟ فوالله إنا لجياع. قال كلوه" وقد استدل به لمالك حيث جزم في كفارة الجماع في رمضان بالإطعام دون غيره من الصيام والعتق، ولا حجة فيه لأن القصة واحدة وقد حفظها أبو هريرة وقصها على وجهها وأوردتها عائشة مختصرة، أشار إلى هذا الجواب الطحاوي، والظاهر أن الاختصار من بعض الرواة، فقد رواه عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر بن الزبير بهذا الإسناد مفسرا ولفظه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل فارع - يعني بالفاء والمهملة - فجاءه رجل من بني بياضة فقال: احترقت، وقعت بامرأتي في رمضان. قال أعتق رقبة، قال لا أجدها، قال أطعم ستين مسكينا، قال ليس عندي" فذكر الحديث، أخرجه أبو داود ولم يسق لفظه، وساقه ابن خزيمة في

(4/162)


صحيحه والبخاري في تاريخه ومن طريقه البيهقي، ولم يقع في هذه الرواية أيضا ذكر صيام شهرين، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. "تنبيه": اختلفت الرواية عن مالك في ذلك، فالمشهور ما تقدم، وعنه يكفر في الأكل بالتخيير وفي الجماع بالإطعام فقط، وعنه التخيير مطلقا، وقيل يراعى زمان الخصب والجدب، وقيل يعتبر حالة المكفر، وقيل غير ذلك.

(4/163)


باب إذا جامع في رمضان و لم يكن له شئ فتصدق عليه فليكسر
...
30 - باب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ مَا لَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لاَ قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لاَ فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لاَ قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَ اللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"
[الحديث 1936- أطرافه في: 1937، 2600، 5368، 6087، 6164، 6709، 6710، 6711، 6821]
قوله: "باب إذا جامع في رمضان" أي عامدا عالما "ولم يكن له شيء" يعتق أو يطعم ولا يستطيع الصيام "فتصدق عليه" أي بقدر ما يجزيه "فليكفر" أي به لأنه صار واجدا، وفيه إشارة إلى أن الإعسار لا يسقط الكفارة عن الذمة. قوله: "أخبرني حميد بن عبد الرحمن" أي ابن عوف، هكذا توارد عليه أصحاب الزهري وقد جمعت منهم في جزء مفرد لطرق هذا الحديث أكثر من أربعين نفسا، منهم: ابن عيينة والليث ومعمر ومنصور عند الشيخين، والأوزاعي وشعيب وإبراهيم بن سعد عند البخاري ومالك، وابن جريج عند مسلم، ويحيى بن سعيد وعراك بن مالك عند النسائي، وعبد الجبار بن عمر عند أبي عوانة، والجوزقي وعبد الرحمن بن مسافر عند الطحاوي، وعقيل عند ابن خزيمة، وابن أبي حفصة عند أحمد، ويونس وحجاج بن أرطاة وصالح بن أبي الأخضر عند الدار قطني، ومحمد بن إسحاق عند البزار، وسأذكر ما عند كل منهم من زيادة فائدة إن شاء الله تعالى. وخالفهم هشام بن سعد فرواه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أخرجه أبو داود وغيره. قال البزار وابن خزيمة وأبو عوانة: أخطأ فيه هشام بن سعد. قلت: وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء عن محمد بن أبي حفصة، فرواه عن الزهري أخرجه الدار قطني في "العلل" والمحفوظ عن ابن أبي حفصة كالجماعة. كذلك أخرجه أحمد وغيره من طريق روح بن عبادة عنه، ويحتمل أن يكون الحديث عند الزهري عنهما، فقد جمعهما عنه صالح بن أبي الأخضر، أخرجه الدار قطني في "العلل" من طريقه، وسيأتي في الباب الذي بعده حكاية خلاف آخر فيه على منصور وكذلك في الكفارات حكاية خلاف فيه على سفيان بن عيينة إن شاء الله تعالى. قوله: "أن أبا هريرة قال" في رواية ابن جريج عند مسلم وعقيل عند ابن خزيمة وابن أبي أويس عند الدار قطني التصريح بالتحديث بين حميد

(4/163)


وأبي هريرة. قوله: "بينما نحن جلوس" أصلها" بين "وقد ترد بغير "ما" فتشبع الفتحة، وهن خاصة "بينما" أنها تتلقى بإذ وبإذا حيث تجيء للمفاجأة، بخلاف بينا فلا تتلقى بواحدة منهما، وقد وردا في هذا الحديث كذلك. قوله: "عند النبي صلى الله عليه وسلم" فيه حسن الأدب في التعبير لما تشعر العندية بالتعظيم، بخلاف ما لو قال مع، لكن في رواية الكشميهني: "مع النبي صلى الله عليه وسلم". قوله: "إذ جاءه رجل" لم أقف على تسميته، إلا أن عبد الغني في المبهمات - وتبعه ابن بشكوال - جزما بأنه سليمان أو سلمة بن صخر البياضي، واستند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق سليمان ابن يسار "عن سلمة بن صخر أنه ظاهر من امرأته في رمضان وأنه وطئها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حرر رقبة، قلت ما أملك رقبة غيرها وضرب صفحة رقبته. قال فصم شهرين متتابعين. قال وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال فأطعم ستين مسكينا. قال والذي بعثك بالحق ما لنا طعام. قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك" والظاهر أنهما واقعتان فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائما كما سيأتي، وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلا فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما - في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها - اتحاد القصتين، وسنذكر أيضا ما يؤيد المغايرة بينهما. وأخرج ابن عبد البر في ترجمة عطاء الخراساني من "التمهيد" من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو سليمان بن صخر. قال ابن عبد البر: أظن هذا وهما، لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته ووقع عليها في الليل لا أن ذلك كان منه بالنهار ا ه. ويحتمل أن يكون قوله في الرواية المذكورة "وقع على امرأته في رمضان" أي ليلا بعد أن ظاهر فلا يكون وهما ولا يلزم الاتحاد، ووقع في مباحث العام من "شرح ابن الحاجب" ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بردة بن يسار وهو وهم يظهر من تأمل بقية كلامه. قوله: "فقال يا رسول الله" زاد عبد الجبار بن عمر عن الزهري "جاء رجل وهو ينتف شعره ويدق صدره ويقول هلك الأبعد" ولمحمد بن أبي حفصة "يلطم وجهه" ولحجاج بن أرطاة "يدعو ويله" وفي مرسل ابن المسيب عند. الدار قطني "ويحثي على رأسه التراب" واستدل بهذا على جواز هذا الفعل والقول من وقعت له معصية، ويفرق بذلك بين مصيبة الدين والدنيا فيجوز في مصيبة الدين لما يشعر به الحال من شدة الندم وصحة الإقلاع، ويحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النهي عن لطم الخدود وحلق الشعر عند المصيبة. قوله: "فقال هلكت" في رواية منصور في الباب الذي يليه "فقال إن الأخر هلك" والأخر بهمزة مفتوحة وخاء معجمة مكسورة بغير مد هو الأبعد، وقيل الغائب، وقيل الأرذل. قوله: "هلكت" في حديث عائشة كما تقدم "احترقت" وفي رواية ابن أبي حفصة "ما أراني إلا قد هلكت" واستدل به على أنه كان عامدا لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك، فكأنه جعل المتوقع كالواقع، وبالغ فعبر عنه بلفظ الماضي، وإذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناسي وهو مشهور قول مالك والجمهور، وعن أحمد وبعض المالكية يجب على الناسي، وتمسكوا بترك استفساره عن جماعة هل كان عن عمد أو نسيان، وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول كما اشتهر، والجواب أنه قد تبين حاله بقوله هلكت واحترقت فدل على أنه كان عامدا عارفا بالتحريم، وأيضا فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد، واستدل بهذا على أن من ارتكب معصية لا حد فيها وجاء مستفتيا أنه لا يعزر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقبه اعترافه بالمعصية، وقد ترجم لذلك البخاري في الحدود وأشار إلي هذه القصة، وتوجهه أن مجيئه مستفتيا

(4/164)


يقتضي الندم والتوبة، والتعزير إنما جعل للاستصلاح ولا استصلاح من الصلاح، وأيضا فلو عوقب المستفتي لكان سببا لترك الاستفتاء وهي مفسدة فاقتضى ذلك أن لا يعاقب، هكذا قرره الشيخ تفي الدين، لكن وقع في "شرح السنة للبغوي" أن من جامع متعمدا في رمضان فسد صومه وعليه القضاء والكفارة ويعزر على سوء صنيعه، وهو محمول على من لم يقع منه ما وقع من صاحب هذه القصة من الندم والتوبة، وبناه بعض المالكية على الخلاف في تعزير شاهد الزور. قوله: "قال مالك" ؟ بفتح اللام استفهام عن حاله. وفي رواية عقيل "ويحك ما شأنك؟" ولابن أبي حفصة "وما الذي أهلكك؟" ولعمرو "ما ذاك؟" وفي رواية الأوزاعي "ويحك ما صنعت؟" أخرجه المصنف في الأدب وترجم "باب ما جاء في قول الرجل ويلك ويحك" ثم قال عقبه "تابعه يونس عن الزهري" يعني في قوله: "ويحك" وقال عبد الرحمن بن خالد عن الزهري "ويلك". قلت: وسأذكر من وصلهما هناك إن شاء الله تعالى. وقد تابع ابن خالد في قوله: "ويلك" صالح بن أبي الأخضر، وتابع الأوزاعي في قوله: "ويحك" عقيل وابن إسحاق وحجاج بن أرطاة فهو أرجح وهو اللائق بالمقام، فإن ويح كلمة رحمة وويل كلمة عذاب والمقام يقتضي الأول. قوله: "وقعت على امرأتي" وفي رواية ابن إسحاق "أصبت أهلي" وفي حديث عائشة "وطئت امرأتي" ووقع في رواية مالك وابن جريج وغيرهما كما سيأتي بيانه بعد قليل في الكلام على الترتيب والتخيير في أول الحديث: "أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم:" الحديث واستدل به على إيجاب الكفارة على من أفسد صيامه مطلقا بأي شيء كان وهو قول المالكية، وقد تقدم نقل الخلاف فيه، والجمهور حملوا قوله: "أفطر" هنا على المقيد في الرواية الأخرى وهو قوله: "وقعت على أهلي "وكأنه قال أفطر بجماع، وهو أولى من دعوى القرطبي وغيره تعدد القصة. واحتج من أوجب الكفارة مطلقا بقياس الآكل على المجامع بجامع ما بينهما من انتهاك حرمة الصوم، وبأن من أكره على الأكل فسد صومه كما يفسد صوم من أكره على الجماع بجامع ما بينهما، وسيأتي بيان الترجيح بين الروايتين في الكلام على الترتيب. وقد وقع في حديث عائشة نظير ما وقع في حديث أبي هريرة فمعظم الروايات فيها "وطئت" ونحو ذلك. وفي رواية ساق مسلم إسنادها وساق أبو عوانة في مستخرجه متنها أنه قال: "أفطرت في رمضان" والقصة واحدة ومخرجها متحد فيحمل على أنه أراد أفطرت في رمضان بجماع، وقد وقع في مرسل ابن المسيب عند سعيد ابن منصور "أصبت امرأتي ظهرا في رمضان" وتعيين رمضان معمول بمفهومه، وللفرق في وجوب كفارة المجامع في الصوم بين رمضان وغيره من الواجبات كالنذر، وفي كلام أبي عوانة في صحيحه إشارة إلى وجوب ذلك على من وقع منه في رمضان نهارا سواء كان الصوم واجبا عليه أو غير واجب. قوله: "وأنا صائم" جملة حالية من قوله: "وقعت" فيؤخذ منه أنه لا يشترط في إطلاق اسم المشتق بقاء المعنى المشتق منه حقيقة لاستحالة كونه صائما مجامعا في حالة واحدة، فعلى هذا قوله: "وطئت" أي شرعت في الوطء أو أراد جامعت بعد إذ أنا صائم، ووقع في رواية عبد الجبار بن عمر "وقعت على أهلي اليوم وذلك في رمضان". قوله: "هل تجد رقبة تعتقها" في رواية منصور "أتجد ما تحرر رقبة" وفي رواية ابن أبي حفصة "أتستطيع أن تعتق رقبة" وفي رواية إبراهيم بن سعد والأوزاعي فقال: "أعتق رقبة" زاد في رواية مجاهد عن أبي هريرة فقال: "بئسما صنعت أعتق رقبة". قوله: "قال لا" في رواية ابن مسافر "فقال لا والله يا رسول الله" وفي رواية ابن إسحاق "ليس عندي" وفي حديث ابن عمر "فقال والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط" واستدل بإطلاق الرقبة على جواز إخراج الرقبة الكافرة كقول الحنفية، وهو ينبني على أن السبب إذا اختلف

(4/165)


واتحد الحكم هل يقيد المطلق أو لا؟ وهل تقييده بالقيام أو لا؟ والأقرب أنه بالقياس، ويؤيده التقييد في مواضع أخرى. قوله: "قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا" وفي رواية إبراهيم عن سعد "قال فصم شهرين متتابعين" وفي حديث سعد "قال لا أقدر" وفي رواية ابن إسحاق "وهل لقيت ما لقيت إلا من الصيام؟" قال ابن دقيق العيد: لا إشكال في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام، لكن رواية ابن إسحاق هذه اقتضت أن عدم استطاعته لشدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع فنشأ للشافعية نظر: هل يكون ذلك عذرا - أي شدة الشبق - حتى يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أو لا؟ والصحيح عندهم اعتبار ذلك، ويلتحق به من يجد رقبة لا غنى به عنها فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد، وأما ما رواه الدار قطني من طريق شريك عن إبراهيم بن عامر عن سعيد بن المسيب في هذه القصة مرسلا أنه قال في جواب قوله هل تستطيع أن تصوم "إني لأدع الطعام ساعة فما أطيق ذلك" ففي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته فلعله اعتل بالأمرين. قوله: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال لا" زاد ابن مسافر" يا رسول الله". ووقع في رواية سفيان "فهل تستطيع إطعام؟" وفي رواية إبراهيم بن سعد وعراك بن مالك "فتطعم ستين مسكينا؟ قال لا أجد" وفي رواية ابن أبي حفصة "أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال لا" وذكر الحاجة. وفي حديث ابن عمر "قال والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي" قال ابن دقيق العيد: أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين فلا يكون ذلك موجودا في حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلا، ومن أجاز ذلك فكأنه استنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفية الإجزاء حتى لو أطعم الجميع مسكينا واحدا في ستين يوما كفي، والمراد بالإطعام الإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في الفم بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف، وفي إطلاق الإطعام ما يدل على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة، بخلاف زكاة الفرض فإن فيها النص على الإيتاء وصدقة الفطر فإن فيها النص على الأداء، وفي ذكر الإطعام ما يدل على وجود طاعمين فيخرج الطفل الذي لم يطعم كقول الحنفية، ونظر الشافعي إلى النوع فقال: يسلم لوليه، وذكر الستين ليفهم أنه لا يجب ما زاد عليها، ومن لم يقل بالمفهوم تمسك بالإجماع على ذلك. وذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار. وأما الصيام فمناسبته ظاهره لأنه كالمقاصة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء فلما أفسد منه يوما كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده. وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين. ثم إن هذه الخصال جامعة لاشتمالها على حق الله وهو الصوم، وحق الأحرار بالإطعام، وحق الأرقاء بالإعتاق، وحق الجاني بثواب الامتثال. وفيه دليل على إيجاب الكفارة بالجماع خلافا لمن شذ فقال لا تجب مستندا إلى أنه لو كان واجبا لما سقط بالإعسار، وتعقب بمنع الإسقاط كما سيأتي البحث فيه. وقد تقدم في آخر "باب الصائم يصبح جنبا" نقل الخلاف في إيجاب الكفارة بالقبلة والنظر والمباشرة والإنعاظ، واختلفوا أيضا هل يلحق الوطء في الدبر بالوطء في القبل، وهل يشترط في إيجاب الكفارة كل وطء في أي فرج كان؟ وفيه دليل على جريان الخصال الثلاث المذكورة في الكفارة. ووقع في "المدونة" ولا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام. قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدي إلى توجيهها مع مصادمة

(4/166)


الحديث الثابت، غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال، ووجهوا ترجيح الطعام على غيره بأن الله ذكره في القرآن رخصة للقادر ثم نسخ هذا الحكم، ولا يلزم منه نسخ الفضيلة فيترجح الإطعام أيضا لاختيار الله له في حق المفطر بالعذر، وكذا أخبر بأنه في حق من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر، ولمناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصيام الذي هو إمساك عن الطعام، ولشمول نفعه للمساكين، وكل هذه الوجوه لا تقاوم ما ورد في الحديث من تقديم العتق على الصيام ثم الإطعام سواء قلنا الكفارة على الترتيب أو التخيير فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه. واحتجوا أيضا بأن حديث عائشة لم يقع فيه سوى الإطعام، وقد تقدم الجواب عن ذلك قبل، وأنه ورد فيه من وجه آخر ذكر العتق أيضا. ومن المالكية من وافق على هذا الاستحباب، ومنهم من قال إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات: ففي وقت الشدة يكون بالإطعام وفي غيرها يكون بالعتق أو الصوم ونقلوه عن محققي المتأخرين، ومنهم من قال: الإفطار بالجماع يكفر بالخصال الثلاث، وبغيره لا يكفر إلا بالإطعام وهو قول أبي مصعب. وقال ابن حرير الطبري: هو مخير بين العتق والصوم ولا يطعم إلا عند العجز عنهما، وفي الحديث أنه لا مدخل لغير هل هذه الخصال الثلاث في الكفارة. وجاء عن بعض المتقدمين إهداء البدنة عند تعذر الرقبة، وربما أيده بعضهم بإلحاق إفساد الصيام بإفساد الحج، وورد ذكر البدنة في مرسل سعيد بن المسيب عند مالك في "الموطأ" عن عطاء الخراساني عنه، وهو مع إرساله قد رده سعيد بن المسيب وكذب من نقله عنه كما روى سعيد بن منصور عن ابن علية عن خالد الحذاء عن القاسم ابن عاصم "قلت لسعيد بن المسيب ما حدث حدثناه عطاء ا الخراساني عنك في الذي وقع على امرأته في رمضان أنه يعتق رقبة أو يهدي بدنة؟ فقال: كذب "فذكر الحديث، وهكذا رواه الليث عن عمرو ابن الحارث عن أيوب عن القاسم بن عاصم، وتابعه همام عن قتادة عن سعيد، وذكر ابن عبد البر أن عطاء لم ينفرد بذلك فقد ورد من طريق مجاهد عن أبي هريرة موصولا، ثم ساقه بإسناده لكنه من رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وليث ضعيف وقد اضطرب في روايته سندا ومتنا فلا حجة فيه. وفي الحديث أيضا أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب المذكور. قال ابن العربي: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نقله من أمر بعد عدمه لأمر آخر وليس هذا شأن التخيير، ونازع عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال عن ذلك فقال: إن مثل هذا السؤال قد يستعمل فيما هو على التخيير، وقرره ابن المنير في الحاشية بأن شخصا لو حنث فاستفتى فقال له المفتي: أعتق رقبة فقال لا أجد، فقال صم ثلاثة أيام الخ، لم يكن مخالفا لحقيقة التخيير، بل يحمل على أن إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفارة. وقال البيضاوي: ترتيب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني يدل على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط للحكم، وسلك الجمهور في ذلك مسلك الترجيح بأن الذين رووا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روى التخيير، وتعقبه ابن التين بأن الذين رووا الترتيب ابن عيينة ومعمر والأوزاعي، والذين رووا التخيير مالك وابن جريج وفليح بن سليمان وعمرو بن عثمان المخزومي، وهو كما قال في الثاني دون الأول، فالذين رووا الترتيب في البخاري الذي نحن في شرحه أيضا إبراهيم بن سعد والليث بن سعد وشعيب بن أبي حمزة ومنصور، ورواية هذين في هذا الباب الذي نشرحه وفي الذي يليه، فكيف غفل ابن التين عن ذلك وهو ينظر فيه؟ بل روى الترتيب عن الزهري كذلك تمام ثلاثين نفسا أو أزيد، ورجح الترتيب أيضا بأن راويه حكى لفظ القصة

(4/167)


على وجهها فمعه زيادة علم من صورة الواقعة، وراوي التخيير حكى لفظ راوي الحديث فدل على أنه من تصرف بعض الرواة إما لقصد الاختصار أو لغير ذلك. ويترجح الترتيب أيضا بأنه أحوط لأن الأخذ به مجزئ سواء قلنا بالتخيير أو لا بخلاف العكس وجمع بعضهم بين الروايتين كالمهلب والقرطبي بالحمل على التعدد وهو بعيد لأن القصة واحدة والمخرج متحد والأصل عدم التعدد، وبعضهم حمل الترتيب على الأولوية والتخيير على الجواز، وعكسه بعضهم فقال: "أو" في الرواية الأخرى ليست للتخيير وإنما هي للتفسير والتقدير، أمر رجلا أن يعتق رقبة أو يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عنهما. وذكر الطحاوي أن سبب إتيان بعض الرواة بالتخيير أن الزهري راوي الحديث قال في آخر حديثه "فصارت الكفارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين أو الإطعام". قال فرواه بعضهم مختصرا مقتصرا على ما ذكر الزهري أنه آل إليه الأمر، قال وقد قص عبد الرحمن بن خالد ابن مسافر عن الزهري القصة على وجهها ثم ساقه من طريقه مثل حديث الباب إلى قوله: "أطعمه أهلك" قال فصارت الكفارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا. قلت: وكذلك رواه الدار قطني في "العلل" من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري وقال في آخره: "فصارت سنة عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا". قوله: "فمكث عند النبي صلى الله عليه وسلم" كذا هنا بالميم والكاف المفتوحة، ويجوز ضمها والثاء المثلثة. وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج" من وجهين عن أبي اليمان "فسكت" بالمهملة والكاف المفتوحة والمثناة، وكذا ابن مسافر وابن أبي الأخضر. وفي رواية ابن عيينة "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اجلس فجلس". قوله: "فبينا نحن على ذلك" في رواية ابن عيينة "فبينما هو جالس كذلك "قال بعضهم يحتمل أن يكون سبب أمره له بالجلوس انتظار ما يوحي إليه في حقه، ويحتمل أنه كان عرف أنه سيؤتي بشيء يعينه به، ويحتمل أن يكون أسقط عنه الكفارة بالعجز. وهذا الثالث ليس بقوى لأنها لو سقطت ما عادت عليه حيث أمره بها بعد إعطائه إياه المكتل. قوله: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم" كذا للأكثر بضم أوله على البناء للمجهول وهو جواب "بينا" في هذه الرواية. وأما رواية ابن عيينة المشار إليها فقال فيها "إذ أتى" لأنه قال فيها "فبينما هو جالس" وقد تقدم تقرير ذلك، والآتي المذكور لم يسم لكن وقع في رواية معمر كما سيأتي في الكفارات "فجاء رجل من الأنصار" وعند الدار قطني من طريق داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب مرسلا "فأتى رجل من ثقيف" فإن لم يحمل على أنه كان حليفا للأنصار أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعم وإلا فرواية الصحيح أصح، ووقع في رواية ابن إسحاق "فجاء رجل بصدقته يحملها" وفي مرسل الحسن عند سعيد بن منصور "بتمر من تمر المصدقة". قوله: "بعرق" بفتح المهملة والراء بعدها قاف. قال ابن التين كذا لأكثر الرواة. وفي رواية أبي الحسن يعني القابسي بإسكان الراء. قال عياض والصواب الفتح. وقال ابن التين أنكر بعضهم الإسكان لأن الذي بالإسكان هو العظم الذي عليه اللحم. قلت: إن كان الإنكار من جهة الاشتراك مع العظم فلينكر الفتح لأنه يشترك مع الماء الذي يتحلب من الجسد، نعم الراجح من حيث الرواية الفتح ومن حيث اللغة أيضا، إلا أن الإسكان ليس بمنكر بل أثبته بعض أهل اللغة كالقزاز. قوله: "والعرق المكتل" بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثناة بعدها لام، زاد ابن عيينة عند الإسماعيلي وابن خزيمة: المكتل الضخم. قال الأخفش: سمي المكتل عرقا لأنه يضفر عرقة عرقة جمع فالعرق جمع عرقة كعلق وعلقة، والعرقة الضفيرة من الخوص. وقوله والعرق المكتل تفسير من أحد رواته، وظاهر هذه الرواية أنه الصحابي، لكن في رواية ابن عيينة ما يشعر بأنه الزهري. وفي

(4/168)


رواية منصور في الباب الذي يلي هذا "فأتى بعرق فيه تمر وهو الزبيل" وفي رواية ابن أبي حفصة "فأتى بزبيل وهو المكتل" والزبيل بفتح الزاي وتخفيف الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام بوزن رغيف هو المكتل، قال ابن دريد يسمى زبيلا لحمل الزبل فيه، وفيه لغة أخرى زنبيل بكسر الزاي أوله وزيادة نون ساكنة وقد تدغم النون فتشدد الباء مع بقاء وزنه، وجمعه على اللغات الثلاث زنابيل، ووقع في بعض طرق عائشة عند مسلم: "فجاءه عرقان" والمشهور في غيرها عرق ورجحه البيهقي، وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة، وهو جمع لا نرضاه لاتحاد مخرج الحديث والأصل عدم التعدد، والذي يظهر أن التمر كان قدر عرق لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة ليكون أسهل في الحمل، فيحتمل أن الآتي به لما وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال عرقان أراد ابتداء الحال ومن قال عرق أراد ما آل إليه، والله أعلم. قوله: "أين السائل؟" زاد ابن مسافر" آنفا" أطلق عليه ذلك لأن كلامه متضمن للسؤال فإن مراده هلكت فينجيني وما يخلصني مثلا، وفي حديث عائشة "أين المحترق آنفا" ؟ وقد تقدم توجيهه، ولم يعين في هذه الرواية مقدار ما في المكتل من التمر بل ولا في شيء من طرق الصحيحين في حديث أبي هريرة، ووقع في رواية ابن أبي حفصة "فيه خمسة عشر صاعا" وفي رواية مؤمل عن سفيان "فيه خمسة عشر أو نحو ذلك" وفي رواية مهران بن أبي عمر عن الثوري عن ابن خزيمة: "فيه خمسة عشر أو عشرون" وكذا هو عند مالك وعبد الرزاق في مرسل سعيد بن المسيب، وفي مرسله عند الدار قطني الجزم بعشرين صاعا، ووقع في حديث عائشة عند ابن خزيم "فأتى بعرق فيه عشرون صاعا" قال البيهقي قوله عشرون صاعا بلاغ بلغ محمد بن جعفر يعني بعض رواته، وقد بين ذلك محمد بن إسحاق عنه فذكر الحديث وقال في آخره: قال محمد بن جعفر فحدثت بعد أنه كان عشرين صاعا من تمر. قلت: ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره عند مسدد "فأمر له ببعضه" وهذا يجمع الروايات، فمن قال إنه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة، ويبين ذلك حديث على عند الدار قطني "تطعم ستين مسكينا لكل مسكين مد" وفيه: "فأتى بخمسة عشر صاعا فقال أطعمه ستين مسكينا" وكذا في رواية حجاج الزهري عند الدار قطني في حديث أبي هريرة، وفيه رد على الكوفيين في قولهم إن واجبه من القمح ثلاثون صاعا ومن غيره ستون صاعا، ولقول عطاء: إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعا، وعلى أشهب في قوله لو غداهم أو عشاهم كفي تصدق الإطعام، ولقول الحسن يطعم أربعين مسكينا عشرين صاعا أو بالجماع أطعم خمسة عشر، وفيه رد على الجوهري حيث قال في الصحاح المكتل يشبه الزبيل يسع خمسة عشر صاعا لأنه لا حصر في ذلك، وروي عن مالك أنه قال يسع خمسة عشر أو عشرين ولعله قال ذلك في هذه القصة الخاصة فيوافق رواية مهران وإلا فالظاهر أنه لا حصر في ذلك والله أعلم. وأما ما وقع في رواية عطاء ومجاهد عن أبي هريرة عند الطبراني في الأوسط أنه "أتى بمكتل فيه عشرون صاعا فقال تصدق بهذا" وقال قبل ذلك تصدق بعشرين صاعا أو بتسع عشرة أو بإحدى وعشرين فلا حجة فيه لما فيه من الشك، ولأنه من رواية ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد اضطرب فيه، وفي الإسناد إليه مع ذلك من لا يحتج به.ووقع في بعض طرق حديث عائشة عند مسلم: "فجاءه عرقان فيهما طعام" ووجهه إن كان محفوظا ما تقدم قريبا والله أعلم. قوله: "خذ هذا فتصدق به" كذا للأكثر ومنهم من ذكره بمعناه، وزاد ابن إسحاق "فتصدق به عن نفسك" ويؤيده رواية منصور في الباب الذي يليه بلفظ: "أطعم هذا عنك" ونحوه في مرسل سعيد ابن المسيب من رواية داود بن أبي هند عنه عند الدارقطني،

(4/169)


وعنده من طريق ليث عن مجاهد عن أبي هريرة "نحن نتصدق به عنك" واستدل بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة "هل تستطيع" و "هل تجد" وغير ذلك، وهو الأصح من قولي الشافعية وبه قال الأوزاعي. وقال الجمهور وأبو ثور وابن المنذر تجب الكفارة على المرأة أيضا على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة والمطاوعة والمكرهة وهل هي عليها أو على الرجل عنها، واستدل الشافعية بسكوته عليه الصلاة والسلام عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة، وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكما ما لم تعترف، وبأنها قضية حال فالسكوت عنها لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الأعذار. ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل. والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين، ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء. وقال القرطبي اختلفوا في الكفارة هل هي على الرجل وحده على نفسه فقط أو عليه وعليها أو عليه كفارتان عنه وعنها أو عليه عن نفسه وعليها عنها، وليس في الحديث ما يدل على شيء من ذلك لأنه ساكت عن المرأة فيؤخذ حكمها من دليل آخر مع احتمال أن يكون سبب السكوت أنها كانت غير صائمة، واستدل بعضهم بقوله في بعض طرق هذا الحديث: "هلكت وأهلكت" وهي زيادة فيها مقال، فقال ابن الجوزي: في قوله وأهلكت تنبيه على أنه أكرهها ولولا ذلك لم يكن مهلكا لها، قلت: ولا يلزم من ذلك تعدد الكفارة بل لا يلزم من قوله وأهلكت إيجاب الكفارة عليها، بل يحتمل أن يريد بقوله هلكت أثمت وأهلكت أي كنت سببا في تأثيم من طاوعتني فواقعها إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة ولا نفيها، أو المعنى هلكت أي حيث وقعت في شيء لا أقدر على كفارته، وأهلكت أي نفسي بفعلي الذي جر على الإثم، وهذا كله بعد ثبوت الزيادة المذكورة، وقد ذكر البيهقي أن للحاكم في بطلانها ثلاثة أجزاء، ومحصل القول فها أنها وردت من طريق الأوزاعي ومن طريق ابن عيينة، أما الأوزاعي فتفرد بها محمد بن المسيب عن عبد السلام بن عبد الحميد عن عمر بن عبد الواحد والوليد بن مسلم وعن محمد بن عقبة عن علقمة عن أبيه ثلاثتهم عن الأوزاعي قال البيهقي رواه جميع أصحاب الأوزاعي بدونها وكذلك جميع الرواة عن الوليد وعقبة وعمر، ومحمد ابن المسيب كان حافظا مكثرا إلا أنه كان في آخر أمره عمى فلعل هذه اللفظة أدخلت عليه، وقد رواه أبو علي النيسابوري عنه بدونها، ويدل على بطلانها ما رواه العباس بن الوليد عن أبيه قال: سئل الأوزاعي عن رجل جامع امرأته في رمضان قال: عليهما كفارة واحدة إلا الصيام، قيل له فإن استكرهها؟ قال عليه الصيام وحده. وأما ابن عيينة فتفرد بها أبو ثور عن معلى بن منصور عنه، قال الخطابي: المعلى ليس بذاك الحافظ. وتعقبه ابن الجوزي بأنه لا يعرف أحدا طعن في المعلى، وغفل عن قول الإمام أحمد إنه كان يخطئ كل يوم في حديثين أو ثلاثة، فلعله حدث من حفظه بهذا فوهم، وقد قال الحاكم: وقفت على "كتاب الصيام للمعلى" بخط موثوق به وليست هذه اللفظة فيه، وزعم ابن الجوزي أن الدار قطني أخرجه من طريق عقيل أيضا، وهو غلط منه فإن الدار قطني لم يخرج طريق عقيل في "السنن" وقد ساقه في "العلل" بالإسناد الذي ذكره عنه ابن الجوزي بدونها. "تنبيه": القائل بوجوب كفارة واحدة على الزوج عنه وعن موطوءته يقول يعتبر حالهما فإن كانا من أهل العتق أجزأت رقبة، وإن كانا من أهل الإطعام أطعم ما سبق، وإن كانا من أهل الصيام صاما

(4/170)


جميعا، فإن اختلف حالهما ففيه تفريع محله كتب الفروع. قوله: "فقال الرجل على أفقر مني" أي أتصدق به على شخص أفقر مني؟ وهذا يشعر بأنه فهم الإذن له في التصدق على من يتصف بالفقر، وقد بين ابن عمر في حديثه ذلك فزاد فيه: "إلى من أدفعه؟ قال إلى أفقر من تعلم" أخرجه البزار والطبراني في "الأوسط" وفي رواية إبراهيم بن سعد "أعلى أفقر من أهلي" ؟ ولابن مسافر "أعلى أهل بيت أفقر مني" ؟ وللأوزاعي "أعلى غير أهلي" ؟ ولمنصور "أعلى أحوج منا" ولابن إسحاق "وهل الصدقة إلا لي وعلي" ؟ قوله: "فوالله ما بين لابتيها" تثنية لابة وقد تقدم شرحها في أواخر كتاب الحج والضمير للمدينة، وقوله: "يريد الحرتين" من كلام بعض رواته، زاد في رواية ابن عيينة ومعمر "والذي بعثك بالحق" ووقع في حديث ابن عمر المذكور "ما بين حرتيها" وفي رواية الأوزاعي الآتية في الأدب "والذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة" تثنية طنب - وهو بضم الطاء المهملة بعدها نون - والطنب أحد أطناب الخيمة فاستعاره للطرف. قوله: "أهل بيت أفقر من أهل بيتي" زاد يونس" مني ومن أهل بيتي "وفي رواية إبراهيم بن سعد "أفقر منا" وأفقر بالنصب على أنها خبر ما النافية، ويجوز الرفع على لغة تميم. وفي رواية عقيل "ما أحد أحق به من أهلي، ما أحد أحوج إليه مني" وفي أحق وأحوج ما في أفقر. وفي مرسل سعيد من رواية داود عنه "والله ما لعيالي من طعام" وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: "ما لنا عشاء ليلة". قوله: "فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه" في رواية ابن إسحاق "حتى بدت نواجذه" ولأبي قرة في "السنن" عن ابن جريج "حتى بدت ثناياه" ولعلها تصحيف من أنيابه فإن الثنايا تبين بالتبسم غالبا وظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم، ويحمل ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم أن ضحكه كان تبسما على غالب أحواله، وقيل كان لا يضحك إلا في أمر يتعلق بالآخرة فإن كان في أمر الدنيا لم يزد على التبسم، قيل وهذه القضية تعكر عليه وليس كذلك فقد قيل إن سبب ضحكه صلى الله عليه وسلم كان من تباين حال الرجل حيث جاء خائفا على نفسه راغبا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه من الكفارة، وقيل ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه وحسن تأتيه وتلطفه في الخطاب وحسن توسله في توصله إلى مقصوده. قوله: "ثم قال أطعمه أهلك" تابعه معمر وابن أبي حفصة. وفي رواية لابن عيينة في الكفارات "أطعمه عيالك" ولإبراهيم بن سعد "فأنتم إذا" وقدم على ذلك ذكر الضحك، ولأبي قرة عن ابن جريج "ثم قال كله" ونحوه ليحيى بن سعيد وعراك، وجمع بينهما ابن إسحاق ولفظه: "خذها وكلها وأنفقها على عيالك" ونحوه في رواية عبد الجبار وحجاج وهشام بن سعد كلهم عن الزهري، ولابن خزيمة في حديث عائشة "عد به عليك وعلى أهلك" وقال ابن دقيق العيد: تباينت في هذه القصة المذاهب فقيل إنه دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعية وجزم به عيسى ابن دينار من المالكية. وقال الأوزاعي: يستغفر الله ولا يعود. ويتأيد ذلك بصدقة الفطر حيث تسقط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها وهو هلال الفطر، لكن الفرق بينهما أن صدقة الفطر لها أمد تنتهي إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها فتستقر في الذمة، وليس في الخبر ما يدل على إسقاطها بل فيه ما يدل على استمرارها على العاجز. وقال الجمهور: لا تسقط الكفارة بالإعسار، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة. ثم اختلفوا فقال الزهري: هو خاص بهذا الرجل، وإلى هذا نحا إمام الحرمين، ورد بأن الأصل عدم الخصوصية. وقال بعضهم: هو منسوخ، ولم يبين قائله ناسخه، وقيل: المراد بالأهل الذين أمر بصرفها إليهم

(4/171)


من لا تلزمه نفقته من أقاربه، وهو قول بعض الشافعية، وضعف بالرواية الأخرى التي فيها عيالك، وبالرواية المصرحة بالإذن له في الأكل من ذلك، وقيل لما كان عاجزا عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو الذي حمل أصحاب الأقوال الماضية على ما قالوه بأن المرء لا يأكل من كفارة نفسه. قال الشيخ تقي الدين: وأقوى من ذلك أن يجعل الإعطاء لا على جهة الكفارة بل على جهة التصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذا من هذا الحديث. وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه، لأن العلم بالوجوب قد تقدم، ولم يرد في الحديث ما يدل على الإسقاط لأنه لما أخبره بعجزه ثم أمره بإخراج العرق دل على أن لا سقوط عن العاجز، ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة وهو القدرة ا ه. وقد ورد ما يدل على إسقاط الكفارة أو على إجزائها عنه بإنفاقه إياها على عياله وهو قوله في حديث علي "وكله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك" ولكنه حديث ضعيف لا يحتج بما انفرد به، والحق أنه لما قال له صلى الله عليه وسلم خذ هذا فتصدق به لم يقبضه بل اعتذر بأنه أحوج إليه من غيره فأذن له حينئذ في أكله، فلو كان قبضه لملكه ملكا مشروطا بصفة وهو إخراجه عنه في كفارته فينبني على الخلاف المشهور في التمليك المقيد بشرط، لكنه لما لم يقبضه لم يملكه، فلما أذن له صلى الله عليه وسلم في إطعامه لأهله وأكله منه كان تمليكا مطلقا بالنسبة إليه وإلى أهله وأخذهم إياه بصفة الفقر المشروحة، وقد تقدم أنه كان من مال الصدقة، وتصرف النبي صلى الله عليه وسلم فيه تصرف الإمام في إخراج مال الصدقة، واحتمل إنه كان تمليكا بالشرط الأول ومن ثم نشأ الإشكال، والأول أظهر فلا يكون فيه إسقاط ولا أكل المرء من كفارة نفسه ولا إنفاقه على من تلزمه نفقتهم من كفارة نفسه. وأما ترجمة البخاري الباب الذي يليه "باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج" فليس فيه تصريح بما تضمنه حكم الترجمة. وإنما أشار إلى الاحتمالين المذكورين بإتيانه بصيغة الاستفهام والله أعلم. واستدل به على جواز إعطاء الصدقة جميعها في صنف واحد، وفيه نظر لأنه لم يتعين أن ذلك القدر هو جميع ما يجب على ذلك الرجل الذي أحضر التمر، وعلى سقوط قضاء اليوم الذي أفسده الجامع اكتفاء بالكفارة، إذ لم يقع التصريح في الصحيحين بقضائه وهو محكي في مذهب الشافعي، وعن الأوزاعي يقضي إن كفر بغير الصوم وهو وجه للشافعية أيضا، قال ابن العربي: إسقاط القضاء لا يشبه منصب الشافعي إذ لا كلام في القضاء لكونه أفسد العبادة وأما الكفارة فإنما هي لما اقترف من الإثم، قال: وأما كلام الأوزاعي فليس بشيء. قلت: وقد ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث في رواية أبي أويس وعبد الجبار وهشام بن سعد كلهم عن الزهري، وأخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهري، وحديث إبراهيم بن سعد في الصحيح عن الزهري نفسه بغير هذه الزيادة، وحديث الليث عن الزهري في الصحيحين بدونها، ووقعت الزيادة أيضا في مرسل سعيد بن المسيب ونافع بن جبير والحسن ومحمد بن كعب، وبمجموع هذه الطرق تعرف أن لهذه الزيادة أصلا، ويؤخذ من قوله: "صم يوما" عدم اشتراط الفورية للتنكير في قوله: "يوما". وفي الحديث من الفوائد - غير ما تقدم - السؤال عن حكم ما يفعله المرء مخالفا للشرع، والتحدث بذلك لمصلحة معرفة الحكم، واستعمال الكناية فيما يستقبح ظهوره بصريح لفظه لقوله واقعت أو أصبت، على أنه قد ورد في بعض طرقه - كما تقدم - وطئت، والذي يظهر أنه من تصرف الرواة. وفيه الرفق بالمتعلم والتلطف في التعليم والتألف على الدين، والندم على المعصية، واستشعار الخوف. وفيه الجلوس في المسجد لغير

(4/172)


الصلاة من المصالح الدينية كنشر العلم، وفيه جواز الضحك عند وجود سببه، وإخبار الرجل بما يقع منه مع أهله للحاجة. وفيه الحلف لتأكيد الكلام، وقبول قول المكلف مما لا يطلع عليه إلا من قبله لقوله في جواب قوله أفقر منا أطعمه أهلك ويحتمل أن يكون هناك قرينة لصدقه. وفيه التعاون على العبادة والسعي في إخلاص المسلم وإعطاء الواحد فوق حاجته الراهنة، وإعطاء الكفارة أهل بيت واحد، وأن المضطر إلى ما بيده لا يجب عليه أن يعطيه أو بعضه لمضطر آخر.

(4/173)


31 - باب الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ
1937- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ الأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً قَالَ لاَ قَالَ فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لاَ قَالَ أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لاَ قَالَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَهُوَ الزَّبِيلُ قَالَ أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ قَالَ عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا قَالَ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"
قوله:" باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج" ؟ يعني أم لا؟ ولا منافاة بين هذه الترجمة والتي قبلها، لأن التي قبلها آذنت بأن الإعسار بالكفارة لا يسقطها عن الذمة لقوله فيها "إذا جامع ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر" والثانية ترددت هل المأذون له بالتصرف فيه نفس الكفارة أم لا؟ وعلى هذا يتنزل لفظ الترجمة. قوله: "عن منصور" هو ابن المعتمر. قوله: "عن الزهري عن حميد" كذا للأكثر من أصحاب منصور عنه، وكذا رواه مؤمل بن إسماعيل عن الثوري عن منصور، وخالفه مهران بن أبي عمر فرواه عن الثوري بهذا الإسناد فقال: "عن سعيد ابن المسيب" بدل حميد بن عبد الرحمن أخرجه ابن خزيمة، وهو قول شاذ والمحفوظ الأول. قوله: "إن الأخر" بهمزة غير ممدودة بعدها خاء معجمة مكسورة، تقدم في أوائل الباب الذي قبله، وحكى ابن القوطية فيه مد الهمزة. قوله: "أتجد ما تحرر رقبة" ؟ بالنصب على البدل من لفظ: "ما" وهي مفعول بتجد، ومثله قوله: "أفتجد ما تطعم ستين مسكينا" وقد تقدم باقي الكلام عليه مستوفى في الذي قبله، وقد اعتنى به بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة، ومحصله إن شاء الله تعالى فيما لخصته مع زيادات كثيرة عليه، فلله الحمد على ما أنعم.

(4/173)


باب الحجامة و القئ للصائم
...
32 - باب الْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ لِلصَّائِمِ
وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَمٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا قَاءَ فَلاَ يُفْطِرُ إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلاَ يُولِجُ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَالأَوَّلُ أَصَحُّ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَحْتَجِمُ وَهُوَ

(4/173)


باب الصوم في السفر و الإفطار
...
33 - باب الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَالإِفْطَارِ
1941- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَا هُنَا ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ "
تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ"
[الحديث 1941- أطرافه في: 1955، 1956، 1958، 5297]
1942- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ"
[الحديث 1942- طرفه في: 1943]
1943- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ"
قوله: "باب الصوم في السفر والإفطار" أي إباحة ذلك وتخيير المكلف فيه سواء كان رمضان أو غيره، وسأذكر بيان الاختلاف في ذلك بعد باب، وذكر المؤلف في الباب حديث عبد الله بن أبي أوفى وسيأتي الكلام عليه بعد أبواب وموضع الدلالة منه ما يشعر به سياقه من مراجعة الرجل له بكون الشمس لم تغرب في جواب طلبه لما يشير به، فهو ظاهر في أنه كان صلى الله عليه وسلم صائما، وقد كره في "باب متى يحل فطر الصائم" وفي غيره بلفظ صريح في ذلك حيث قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم" قوله: "الشمس يا رسول الله" بالرفع، ويجوز النصب وتوجيههما ظاهر. قوله: "تابعه جرير وأبو بكر بن عياش عن الشيباني" يعني تابعا سفيان وهو ابن عيينة، والشيباني هو أبو إسحاق شيخهم فيه، ومتابعة جرير وصلها المؤلف في الطلاق، ومتابعة أبي بكر ستأتي موصولة بعد قليل في "باب تعجيل الإفطار" وتابعهم غير من ذكر كما سيأتي ولفظهم متقارب، والمراد المتابعة في أصل قوله: "حدثنا يحيى" هو القطان، وهشام هو ابن عروة. قوله: "أن حمزة بن عمرو الأسلمي" هكذا رواه الحفاظ عن هشام. وقال عبد الرحيم بن سليمان عند النسائي والدراوردي عند الطبراني ويحيى بن عبد الله بن سالم عند الدار قطني ثلاثتهم عن هشام عن أبيه عن عائشة عن حمزة بن عمرو جعلوه من مسند حمزة والمحفوظ أنه من مسند عائشة، ويحتمل أن

(4/179)


يكون هؤلاء لم يقصدوا بقولهم "عن حمزة" الرواية عنه وإنما أرادوا الإخبار عن حكايته فالتقدير عن عائشة عن قصة حمزة أنه سأل، لكن قد صح مجيء الحديث من رواية حمزة، فأخرجه مسلم من طريق أبي الأسود عن عروة عن أبي مراوح عن حمزة، وكذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن عروة لكنه أسقط أبا مراوح والصواب إثباته، وهو محمول على أن لعروة فيه طريقين: سمعه من عائشة، وسمعه من أبي مراوح عن حمزة. قوله: "أسرد الصوم" أي أتابعه، واستدل به على أن لا كراهية في صيام الدهر، ولا دلالة فيه لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، فإن ثبت النهي عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الإذن بالسرد، بل الجمع بينهما واضح. قوله: "أأصوم في السفر الخ" قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان في السفر. قلت: وهو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في رواية أبي مراوح التي ذكرتها عند مسلم أنه قال: "يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي رخصة من الله، فن أخذ بها حسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام، الفريضة، وذلك أن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب. وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال: "يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني رمضان - وأنا أجد القوة، وأجدني أن أصوم أهون علي من أن أوخره فيكون دينا علي، فقال: أي ذلك شئت يا حمزة".

(4/180)


34 - باب إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ"
[الحديث 1944- أطرافه في : 1948، 1953، 4275، 4276، 4277،4278، 4279]
قوله: "باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر" أي هل يباح له الفطر أو لا، وكأنه أشار إلى تضعيف ما روي عن علي، وإلى رد ما روي عن غيره في ذلك، قال ابن المنذر: روي عن علي بإسناد ضعيف. وقال به عبيدة بن عمرو وأبو مجلز وغيرهما ونقله النووي عن أبي مجلز وحده، ووقع في بعض الشروح أبو عبيدة وهو وهم، قالوا: إن من استهل عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} قال: وقال اكثر أهل العلم لا فرق بينه وبين من استهل رمضان في السفر، ثم ساق ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: قوله تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} نسخها قوله تعالى: { وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ} الآية. ثم احتج للجمهور بحديث ابن عباس المذكور في هذا الباب. الحديث: قوله: "خرج إلى مكة" كان ذلك في غزوة الفتح كما سيأتي. قوله: "فلما بلغ الكديد" بفتح الكاف وكسر الدال المهملة مكان معروف وقع تفسيره في نفس الحديث بأنه بين عسفان وقديد، يعني بضم القاف على التصغير. ووقع في رواية المستملي وحده نسبة هذا التفسير للبخاري، لكن سيأتي في المغازي موصولا من وجه آخر في نفس الحديث، وسيأتي قريبا عن ابن عباس من وجه

(4/180)


آخر "حتى بلغ عسفان" بدل الكديد، وفيه مجاز القرب لأن الكديد أقرب إلى المدينة من عسفان، وبين الكديد ومكة مرحلتان، قال البكري: هو بين أمج - بفتحتين وجيم - وعسفان وهو ماء عليه نخل كثير. ووقع عند مسلم في حديث جابر "فلما بلغ كراع الغميم" هو بضم الكاف والغميم بفتح المعجمة وهو اسم واد أمام عسفان، قال عياض: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر صلى الله عليه وسلم فيه، والكل في قصة واحدة وكلها متقاربة والجميع من عمل عسفان ا ه، وسيأتي في المغازي من طريق معمر عن الزهري سياق هذا الحديث أوضح من رواية مالك، ولفظ رواية معمر "خرج النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة فسار ومن معه من المسلمين يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطروا، قال الزهري: وإنما يؤخذ بالآخرة فالآخرة من أمره صلى الله عليه وسلم، وهذه الزيادة التي في آخره من قول الزهري، وقعت مدرجة عند مسلم من طريق الليث عن الزهري ولفظه: "حتى بلغ الكديد أفطر، قال وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره" وأخرجه من طريق سفيان عن الزهري قال مثله، قال سفيان: لا أدري من قول من هو، ثم أخرجه من طريق معمر ومن طريق يونس كلاهما عن الزهري، وبينا أنه من قول الزهري، وبذلك جزم البخاري في الجهاد، وظاهره أن الزهري ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ ولم يوافق على ذلك كما سيأتي قريبا. وأخرج البخاري في المغازي أيضا من طريق خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان والناس صائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته ثم نظر الناس" زاد في رواية أخرى من طريق طاوس عن ابن عباس "ثم دعا بماء فشرب نهارا ليراه الناس" وأخرجه الطحاوي من طريق أبي الأسود عن عكرمة أوضح من سياق خالد ولفظه: "فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس يشق عليهم الصيام، فدعا بقدح من لبن فأمسكه بيده حتى رآه الناس وهو على راحلته ثم شرب فأفطر، فناوله رجلا إلى جنبه فشرب" ولمسلم من طريق الدراوردي عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر في هذا الحديث: "فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر" وله من وجه آخر عن جعفر "ثم شرب فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة" واستدل بهذا الحديث على تحتم الفطر في السفر، ولا دلالة فيه كما سيأتي. واستدل به على أن للمسافر أن يفطر في أثناء النهار ولو استهل رمضان في الحضر والحديث نص في الجواز إذ لا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم استهل رمضان في عام غزوة الفتح وهو بالمدينة ثم سافر في أثنائه. ووقع في رواية ابن إسحاق في المغازي عن الزهري في حديث الباب أنه خرج لعشر مضين من رمضان، ووقع في مسلم من حديث أبي سعيد اختلاف من الرواة في ضبط ذلك، والذي اتفق عليه أهل السير أنه خرج في عاشر رمضان ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه، واستدل به على أن للمرء أن يفطر ولو نوى الصيام من الليل وأصبح صائما فله أن يفطر في أثناء النهار وهو قول الجمهور وقطع به أكثر الشافعية، وفي وجه ليس له أن يفطر وكأن مستند قائله ما وقع في البويطي من تعليق القول به على صحة حديث ابن عباس هذا، وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، فأما لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه الجمهور. وقال أحمد وإسحاق بالجواز، واختاره المزني محتجا بهذا الحديث، فقيل له قال كذلك، ظنا منه أنه صلى الله عليه وسلم أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وليس كذلك فإن بين المدينة والكديد عدة أيام. وقد وقع في البويطي مثل ما وقع عند

(4/181)


المزني فسلم المزني، وأبلغ من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي عن أنس أنه كان إذا أراد السفر يفطر في الحضر قبل أن يركب. ثم لا فرق عند المجيزين في الفطر بكل مفطر، وفرق أحمد في المشهور عنه بين الفطر بالجماع وغيره فمنعه في الجماع، قال فلو جامع فعليه الكفارة إلا إن أفطر بغير الجماع قبل الجماع، واعترض بعض المانعين في أصل المسألة فقال: ليس في الحديث دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم نوى الصيام في ليله اليوم الذي أفطر فيه، فيحتمل أن يكون نوى أن يصبح مفطرا ثم أظهر الإفطار ليفطر الناس، لكن سياق الأحاديث ظاهر في أنه كان أصبح صائما ثم أفطر. وقد روى ابن خزيمة وغيره من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، فأتى بطعام فقال لأبي بكر وعمر: ادنوا فكلا، فقالا إنا صائمان، فقال اعملوا لصاحبيكم ارحلوا لصاحبيكم ادنوا فكلا "قال ابن خزيمة: فيه دليل على أن للصائم السفر الفطر بعد مضي بعض النهار. "تنبيه": قال القابسي: هذا الحديث من مرسلات الصحابة لأن ابن عباس كان في هذه السفرة مقيما مع أبويه بمكة فلم يشاهد هذه القصة، فكأنه سمعها من غيره من الصحابة.

(4/182)


باب الصوم في السفر
...
35 - باب
1945- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنِ رَوَاحَةَ"
قوله: "باب" كذا للأكثر بغير ترجمة، وسقط من رواية النسفي، وعلى الحالين لا بد أن يكون لحديث أبي الدرداء المذكور فيه تعلق بالترجمة، ووجهه ما وقع من إفطار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في السفر بمحضر منه، ولم ينكر عليهم فدل على الجواز، وعلى رد قول من قال: من سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر. قوله: "عن أم الدرداء" في رواية أبي داود من طريق سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله وهو ابن أبي المهاجر الدمشقي "حدثتني أم الدرداء" والإسناد كله شاميون سوى شيخ البخاري وقد دخل الشام، وأم الدرداء هي الصغرى التابعية. قوله: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره" في رواية مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز أيضا: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد" الحديث، وبهذه الزيادة يتم المراد من الاستدلال، ويتوجه الرد بها على أبي محمد بن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعا، وقد كنت ظننت أن هذه السفرة غزوة الفتح لما رأيت في "الموطأ" من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج في الحر وهو يصب على رأسه الماء - وهو صائم - من العطش ومن الحر، فلما بلغ الكديد أفطر" فإنه يدل على أن غزاة الفتح كانت في أيام شدة الحر، وقد اتفقت الروايتان على أن كلا من السفرتين كان في رمضان، لكنني رجعت عن ذلك وعرفت أنه ليس بصواب لأن عبد الله بن رواحة استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف وإن كانتا جميعا في سنة واحدة، وقد استثناه أبو الدرداء في هذه السفرة النبي صلى الله عليه وسلم فصح أنها كانت سفرة أخرى. وأيضا فإن في سياق أحاديث غزوة الفتح أن الذين استمروا من الصحابة صياما كانوا جماعة، وفي هذا أنه عبد الله بن رواحة وحده. وأخرج الترمذي من

(4/182)


حديث عمر "غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان يوم بدر ويوم الفتح" الحديث، ولا يصح حمله أيضا على بدر لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم، وفي الحديث دليل على أن لا كراهية في الصوم في السفر لمن قوى عليه ولم يصبه منه مشقة شديدة.

(4/183)


باب ليس من البر الصوم في السفر
...
36 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ
1946- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا صَائِمٌ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر: ليس من البر الصيام في السفر" أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر" ما ذكره من المشقة، وأن من روى الحديث مجردا فقد اختصر القصة، وبما أشار إليه من اعتبار شدة المشقة يجمع بين حديث الباب والذي قبله، فالحاصل أن الصوم لمن قوى عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأن من لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر.
وقد اختلف السلف في هذه المسألة فقالت طائفة: لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر لظاهر قوله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ} ولقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر " ومقابلة البر الإثم، وإذا كان آثما بصومه لم يجزئه وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحكى عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم، واحتجوا بقوله تعالى: { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} قالوا ظاهره فعليه عدة أو فالواجب عدة، وتأوله الجمهور بأن التقدير فأفطر فعدة، ومقابل هذا القول قول من قال إن الصوم في السفر لا يجوز إلا لمن خاف على نفسه الهلاك أو المشقة الشديدة حكاه الطبري عن قوم، وذهب أكثر العلماء ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوى عليه ولم يشق عليه. وقال كثير منهم الفطر أفضل عملا بالرخصة وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق. وقال آخرون هو مخير مطلقا. وقال آخرون أفضلهما أيسرهما لقوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} فإن كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسر كمن يسهل عليه حينئذ ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل وهو قول عمر بن عبد العزيز واختاره ابن المنذر، والذي يترجح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم وتضرر به، وكذلك من ظن به الإعراض عن قبول الرخصة كما تقدم نظيره في المسح على الخفين، وسيأتي نظيره في تعجيل الإفطار، وقد روى أحمد من طريق أبي طعمة قال: قال رجل لابن عمر: إني أقوى على الصوم في السفر، فقال له ابن عمر: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة، وهذا محمول على من رغب عن الرخصة لقوله صلى الله عليه وسلم: "من رغب عن سنتي فليس مني" وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام في السفر فقد يكون الفطر أفضل له، وقد أشار إلى ذلك ابن عمر، فروى الطبري من طريق مجاهد قال: إذا سافرت فلا تصم، فإنك إن تصم قال أصحابك: اكفوا الصائم، ارفعوا للصائم، وقاموا بأمرك. وقالوا فلان صائم، فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك. ومن طريق مجاهد أيضا عن جنادة بن أمية عن أبي ذر نحو ذلك، وسيأتي

(4/183)


في الجهاد من طريق مؤرق عن أنس نحو هذا مرفوعا حيث قال صلى الله عليه وسلم للمفطرين حيث خدموا الصيام "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" واحتج من منع الصوم أيضا بما وقع في الحديث الماضي أن ذلك كان آخر الأمرين، وأن الصحابة كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من فعله، وزعموا أن صومه صلى الله عليه وسلم في السفر منسوخ، وتعقب أولا بما تقدم من أن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهري، وبأنه استند إلى ظاهر الخبر من أنه صلى الله عليه وسلم أفطر بعد أن صام ونسب من صام إلى العصيان، ولا حجة في شيء من ذلك لأن مسلما أخرج من حديث أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم صام بعد هذه القصة في السفر ولفظه: "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا ، فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم مصبحو عدوكم فالفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمة فأفطرنا. ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر" وهذا الحديث نص في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته صلى الله عليه وسلم الصائمين إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا، وهو شاهد لما قلناه من أن الفطر أفضل لمن شق عليه الصوم، ويتأكد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتقوى به على لقاء العدو، وروى الطبري في تهذيبه من طريق خيثمة سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال فقلت له فأين هذه الآية {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فقال: إنها نزلت ونحن نرتحل جياعا وننزل على غير شبع، وأما اليوم فنرتحل شباعا وننزل على شبع، فأشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم. وأما الحديث المشهور "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" فقد أخرجه ابن ماجة مرفوعا من حديث ابن عمر بسند ضعيف، وأخرجه الطبري من طريق أبي سلمة عن عائشة مرفوعا أيضا وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة عن أبيه مرفوعا والمحفوظ عن أبي سلمة عن أبيه موقوفا كذلك أخرجه النسائي وابن المنذر، ومع وقفه فهو منقطع لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صحته فهو محمول على ما تقدم أولا حيث يكون الفطر أولى من الصوم والله أعلم. وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر" فسلك المجيزون فيه طرقا: فقال بعضهم قد خرج على سبب فيقصر عليه وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاري في ترجمته، ولذا قال الطبري بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعري ولفظه: "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في حر شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظل شجرة وهو مضطجع كضجعة الوجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لصاحبكم، أي وجع به؟ فقالوا ليس به وجع، ولكنه صائم وقد اشتد عليه الحر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حينئذ ليس البر أن تصوموا في السفر، عليكم برخصة الله التي رخص لكم" فكان قوله صلى الله عليه وسلم ذلك لمن كان في مثل ذلك الحال. وقال ابن دقيق العيد: أخذ من هذه القصة أن كراهة الصوم في السفر مختصة بمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القرب، فينزل قوله: "ليس من البر الصوم في السفر" على مثل هذه الحالة. قال: والمانعون في السفر يقولون إن اللفظ عام، والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب، قال: وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب، فإن بين العامين فرقا واضحا، ومن أجراهما مجرى واحدا لم يصب، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به كنزول آية السرقة في قصة سرقة رداء صفوان، وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة لبيان المجملات وتعيين

(4/184)


المحتملات كما في حديث الباب. وقال ابن المنير في الحاشية: هذه القصة تشعر بأن من اتفق له مثل ما اتفق لذلك الرجل أنه يساويه في الحكم؛ وأما من سلم من ذلك ونحوه فهو في جواز الصوم على أصله والله أعلم. وحمل الشافعي نفى البر المذكور في الحديث على من أبى قبول الرخصة فقال: معنى قوله: "ليس من البر" أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يفطر وهو صحيح، قال ويحتمل أن يكون معناه ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم، وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول. وقال الطحاوي: المراد بالبر هنا البر الكامل الذي هو أعلى مراتب البر، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برأ لأن الإفطار قد يكون أبر من الصوم إذا كان للتقوى على لقاء العدو مثلا، قال: وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس المسكين بالطواف" الحديث، فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غني يغنيه ويستحيي أن يسأل ولا يفطن له. قوله: "حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري" عند مسلم من طريق غندر عن شعبة عن محمد ابن عبد الرحمن يعني ابن سعد، ولأبي داود عن أبي الوليد عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن يعني بن سعد ابن زرارة. قوله: "سمعت محمد بن عمرو الخ" أدخل محمد بن عبد الرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمد بن عمرو ابن الحسن في رواية شعبة عنه، واختلف في حديثه على يحيى بن أبي كثير فأخرجه النسائي من طريق شعيب ابن إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن حدثني جابر بن عبد الله فذكره، قال النسائي: هذا خطأ، ثم ساقه من طريق الفريابي عن الأوزاعي عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن حدثني من سمع جابرا، ومن طريق علي بن المبارك عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن رجل عن جابر ثم قال: ذكر تسمية هذا الرجل المبهم، فساق طريق شعبة ثم قال هذا هو الصحيح، يعني إدخال رجل بين محمد بن عبد الرحمن وجابر، وتعقبه المزي فقال ظن النسائي أن محمد بن عبد الرحمن شيخ شعبة في هذا الحديث هو محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى بن أبي كثير فيه، وليس كذلك لأن شيخ يحيى هو محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان وشيخ شعبة هو ابن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ا ه. والذي يترجح في نظري أن الصواب مع النسائي، لأن مسلما لما روى الحديث من طريق أبي داود عن شعبة قال في آخره: قال شعبة كان بلغني هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الإسناد في هذا الحديث: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" فلما سألته لم يحفظه ا هـ. والضمير في سألت يرجع إلى محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى لأن شعبة لم يلق يحيى فدل على أن شعبة أخبر أنه كان يبلغه عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن محمد بن عمرو عن جابر في هذا الحديث زيادة، ولأنه لما لقي محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى سأله عنها فلم يحفظها. وأما ما وقع في رواية الأوزاعي عن يحيى أنه نسب محمد بن عبد الرحمن فقال فيه ابن ثوبان فهو الذي اعتمده المزي، لكن جزم أبو حاتم كما نقله عنه ابنه في "العلل" بأن من قال فيه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان فقد وهم، وإنما هو ابن عبد الرحمن بن سعد ا ه. وقد اختلف فيه مع ذلك على الأوزاعي، وجل الرواة عن يحيى ابن أبي كثير لم يزيدوا على محمد بن عبد الرحمن، لا يذكرون جده ولا جد جده والله أعلم. قوله: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر" تبين من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أنها غزوة الفتح، ولابن خزيمة من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر "سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان" فذكر نحوه. قوله: "ورجلا قد ظلل عليه" في رواية حماد المذكورة "فشق على رجل الصوم فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجرة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأمره أن يفطر" الحديث ولم أقف على اسم هذا الرجل،

(4/185)


ولولا ما قدمته من أن عبد الله بن رواحة استشهد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسر به لقول أبي الدرداء إنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائما غيره، وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل وعزا ذلك لمبهمات الخطيب، ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصة وإنما أورد حديث مالك عن حميد بن قيس وغيره: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقالوا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم" الحديث، ثم قال: هذا الرجل هو أبو إسرائيل القرشي العامري، ثم ساق بإسناده إلى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فنظر إلى رجل من قريش يقال له أبو إسرائيل فقالوا: نذر أن يصوم ويقوم في الشمس" الحديث فلم يزد الخطيب على هذا، وبين القصتين مغايرات ظاهرة أظهرها أنه كان في الحضر في المسجد وصاحب القصة في حديث جابر كان في السفر تحت ظلال الشجر والله أعلم. وفي الحديث استحباب التمسك بالرخصة عند الحاجة إليها، وكراهة تركها على وجه التشديد والتنطيع. "تنبيه": أوهم كلام صاحب "العمدة" أن قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" مما أخرجه مسلم بشرطه، وليس كذلك وإنما هي بقية في الحديث لم يوصل إسنادها كما تقدم بيانه، نعم وقعت عند النسائي موصولة في حديث يحيى بن أبي كثير بسنده، وعند الطبراني من حديث كعب بن عاصيم الأشعري كما تقدم.

(4/186)


باب لم يعب أصحاب النبي بعضهم بعضا في الصوم و الإفطار
...
37 - باب لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ
1947- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلاَ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ"
قوله: "باب لم يعب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم بعضا في الصوم والإفطار" أي في الأسفار، وأشار بهذا إلى تأكيد ما اعتمده من تأويل الحديث الذي قبله، وأنه محمول على من بلغ حالة يجهد بها، وأن من لم يبلغ ذلك لا يعاب عليه الصيام ولا الفطر. قوله: "عن أنس" في رواية أبي خالد عند مسلم عن حميد التصريح بالإخبار بين حميد وأنس، ولفظه عن حميد "خرجت فصمت فقالوا لي أعد، فقلت إن أنسا أخبرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، قال حميد فلقيت ابن أبي مليكة فأخبرني عن عائشة مثله". قوله: "كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم" في حديث أبي سعيد عند مسلم: "كنا نغزو مع رسول الله فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفا فأفطر أن ذلك حسن، وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو نص رافع للنزاع كما تقدم والله أعلم. "تنبيه": نقل ابن عبد البر عن محمد بن وضاح أن مالكا تفرد بسياق هذا الحديث على هذا اللفظ، وتعقبه بأن أبا إسحاق الفزاري وأبا ضمرة وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم رووه عن حميد مثل مالك.

(4/186)


38 - باب مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ
1948- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ قَدْ صَامَ

(4/186)


باب {وعلى الذين يطيقونة فدية}
...
39 - باب [البقرة:184] {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ نَسَخَتْهَا {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}" [البقرة: 185]
وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ } فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ"
1949- حدثنا عياش حدثنا عبد الأعلى حدثنا عبيد الله عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما ثم قرأ

(4/187)


{ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال هي منسوخة"
[الحديث 1949- طرفه في 4506]
قوله: "باب قوله تعالى: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع: نسختها {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ} - إلى قوله: { عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أما حديث ابن عمر فوصله في آخر الباب عن عياش وهو بتحتانية ومعجمة، وقد أخرجه عنه أيضا في التفسير وزاد أنه ابن الوليد وهو الرقام، وشيخه عبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى البصري السامي بالمهملة، ولكن لم يعين الناسخ، وقد أخرجه الطبري من طريق عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر بلفظ: نسخت هذه الآية {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} التي بعدها {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وعلى هذا فقوله في الترجمة "وفي حديث سلمة نسختها شهر رمضان" أي الآية التي أولها {شَهْرُ رَمَضَانَ} لاشتمالها على موضع النسخ، وقوله تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وأما حديث سلمة فوصله في تفسير البقرة بلفظ لما نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كان من أراد أن يفطر أفطر وافتدى حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. قوله: "وقال ابن نمير الخ" وصله أبو نعيم في المستخرج والبيهقي من طريقه، ولفظ البيهقي "قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل "شهر رمضان" فاستكثروا ذلك وشق عليهم، فكان من أطعم مسكينا كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك، ثم نسخه {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} فأمروا بالصيام" وهذا الحديث أخرجه أبو داود من طريق شعبة والمسعودي عن الأعمش مطولا في الأذان والقبلة والصيام، واختلف في إسناده اختلافا كثيرا، وطريق ابن نمير هذه أرجحها، وإذا تقرر أن الإفطار والإطعام كان رخصة ثم نسخ لزم أن يصبر الصيام حتما واجبا فكيف يلتئم مع قوله تعالى: { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} والخيرية لا تدل على الوجوب بل المشاركة في أصل الخير؟ أجاب الكرماني بأن المعنى فالصوم خير من التطوع بالفدية، والتطوع بها كان سنة، والخير من السنة لا يكون إلا واجبا أي لا يكون شيء خيرا من السنة إلا الواجب، كذا قال ولا يخفى بعده وتكلفه. ودعوى الوجوب في خصوص الصيام في هذه الآية ليست بظاهرة، بل هو واجب مخير، من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم، فنصت الآية على أن الصوم أفضل، وكون بعض الواجب المخير أفضل من بعض لا إشكال فيه، واتفقت هذه الأخبار على أن قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} منسوخ، وخالف في ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه، وسيأتي بيان ذلك والبحث فيه في كتاب التفسير إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف من تفسير البقرة.

(4/188)


40 - باب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ لاَ يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ

(4/188)


الإِطْعَامَ إِنَّمَا قَالَ {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}
1950- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ قَالَ يَحْيَى الشُّغْلُ مِنْ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: "باب متى يقضي قضاء رمضان؟" أي متى تصام الأيام التي تقضي عن فوات رمضان؟ وليس المراد قضاء القضاء على ما هو ظاهر اللفظ، ومراد الاستفهام هل يتعين قضاؤه متتابعا أو يجوز متفرقا؟ وهل يتعين على الفور أو يجوز على التراخي؟ قال الزين بن المنير: جعل المصنف الترجمة استفهاما لتعارض الأدلة، لأن ظاهر قوله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} يقتضي التفريق لصدق {أيام أخر} سواء كانت متتابعة أو متفرقة، والقياس يقتضي التتابع إلحاقا لصفة القضاء بصفة الأداء، وظاهر صنيع عائشة يقتضي إيثار المبادرة إلى القضاء لولا ما منعها من الشغل، فيشعر بأن من كان بغير عذر لا ينبغي له التأخير. قلت: ظاهر صنيع البخاري يقتضي جواز التراخي والتفريق لما أودعه في الترجمة من الآثار كعادته وهو قول الجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره عن علي وعائشة وجوب التتابع وهو قول بعض أهل الظاهر، وروى عبد الرزاق بسنده عن ابن عمر قال: يقضيه تباعا. وعن عائشة: نزلت: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعات} فسقطت متتابعات. وفي "الموطأ" أنها قراءة أبي كعب، وهذا إن صح يشعر بعدم وجوب التتابع فكأنه كان أولا واجبا ثم نسخ، ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى. قوله: "وقال ابن عباس: لا بأس أن يفرق لقول الله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وصله مالك عن الزهري: أن ابن عباس وأبا هريرة اختلفا في قضاء رمضان، فقال أحدهما يفرق وقال الآخر لا يفرق. هكذا أخرجه منقطعا مبهما، ووصله عبد الرزاق معينا عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس فيمن عليه قضاء من رمضان قال: يقضيه مفرقا، قال الله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ، وأخرجه الدار قطني من وجه آخر عن معمر بسنده قال: صمه كيف شئت. ورويناه في "فوائد أحمد ابن شبيب" من روايته عن أبيه عن يونس عن الزهري بلفظ: لا يضرك كيف قضيتها إنما هي عدة من أيام أخر فأحصه. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس وأبا هريرة قالا: فرقه إذا أحصيته. وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة نحو قول ابن عمر، وكأنه اختلف فيه عن أبي هريرة. وروى ابن أبي شيبة أيضا من طريق معاذ بن جبل: إذا أحصى العدة فليصم كيف شاء. ومن طريق أبي عبيدة بن الجراح ورافع بن خديج نحوه، وروى سعيد بن منصور عن أنس نحوه. قوله: "وقال سعيد بن المسيب في صوم العشر لا يصلح حق يبدأ برمضان" وصله ابن أبي شيبة عنه نحوه ولفظه: "لا بأس أن يقضي رمضان في العشر "وظاهر قوله جواز التطوع بالصوم لمن عليه دين من رمضان، إلا أن الأولى له أن يصوم الدين أولا لقوله: "لا يصلح" فإنه ظاهر في الإرشاد إلى البداءة بالأهم والآكد، وقد روى عبد الرزاق عن أبي هريرة أن رجلا قال له إن علي أياما من رمضان أفأصوم العشر تطوعا؟ قال: لا، ابدأ بحق الله ثم تطوع ما شئت. وعن عائشة نحوه. وروى ابن المنذر عن علي أنه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحجة وإسناده ضعيف، قال وروى بإسناد صحيح نحوه عن الحسن والزهري وليس مع أحد منهم حجة على ذلك، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يستحب ذلك.

(4/189)


قوله: "وقال إبراهيم" أي النخعي" إذا فرط حتى جاء رمضان آخر يصومهما، ولم ير عليه إطعاما" وقع في رواية الكشميهني: "حتى جاز" بزاي بدل الهمزة من الجواز، وفي نسخة "حان" بمهملة ونون من الحين، وصله سعيد بن منصور من طريق يونس عن الحسن، ومن طريق الحارث العكلي عن إبراهيم، قال: إذا تتابع عليه رمضانان صامهما فإن صح بينهما فلم يقض الأول فبئسما صنع فليستغفر الله وليصم. قوله: "ويذكر عن أبي هريرة مرسلا، وعن ابن عباس أنه يطعم" أما أثر أبي هريرة فوجدته عنه من طرق موصولا، فأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عطاء عن أبي هريرة قال: أي إنسان مرض في رمضان ثم صح فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذي حدث ثم يقض الآخر ويطعم مع كل يوم مسكينا. قلت لعطاء: كم بلغك يطعم؟ قال مدا زعموا" وأخرجه عبد الرزاق أيضا عن معمر عن أبي إسحاق، عن مجاهد عن أبي هريرة نحوه وقال فيه: "وأطعم عن كل يوم نصف صاع من قمح" وأخرجه الدار قطني من طريق مطرف عن أبي إسحاق نحوه، ومن طريق رقبة وهو ابن مصقلة قال: "زعم عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول في المريض يمرض ولا يصوم رمضان ثم يترك حتى يدركه رمضان آخر قال: يصوم الذي حضره ثم يصوم الآخر ويطعم لكل يوم مسكينا" ومن طريق ابن جريج وقيس بن سعد عن عطاء نحوه. وأما قول ابن عباس فوصله سعيد بن منصور عن هشيم والدار قطني من طريق ابن عيينة كلاهما عن يونس "عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عباس قال: من فرط في صيام رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أشركه ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينا" وأخرجه عبد الرزاق من طريق جعفر بن برقان، وسعيد بن منصور من طريق حجاج، والبيهقي من طريق شعبة عن الحكم، كلهم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس نحوه. قوله: "ولم يذكر الله تعالى الإطعام، إنما قال: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} هذا من كلام المصنف قاله تفقها، وظن الزين بن المنير أنه بقية كلام إبراهيم النخعي، وليس كما ظن فإنه مفصول من كلامه بأثر أبي هريرة وابن عباس، لكن إنما يقوى ما احتج به إذا لم يصح في السنة دليل الإطعام إذ لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة، ولم يثبت فيه شيء مرفوع وإنما جاء فيه عن جماعة من الصحابة منهم من ذكر ومنهم عمر عند عبد الرزاق، ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفا. انتهى. وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومال الطحاوي إلى قول الجمهور في ذلك، وممن قال بالإطعام ابن عمر لكنه بالغ في ذلك فقال يطعم ولا يصوم، فروى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما من طرق صحيحة عن نافع عن ابن عمر قال: "من تابعه رمضانان وهو مريض لم يصح بينهما قضى الآخر منها بصيام وقضى الأول منهما بإطعام مد من حنطة كل يوم ولم يصم" لفظ عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع، قال الطحاوي تفرد ابن عمر بذلك. قلت: لكن عند عبد الرزاق عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد قال: بلغني مثل ذلك عن عمر، لكن المشهور عن عمر خلافه، فروى عبد الرزاق أيضا من طريق عوف بن مالك سمعت عمر يقول: "من صام يوما من غير رمضان وأطعم مسكينا فإنهما يعدلان يوما من رمضان" ونقله ابن المنذر عن ابن عباس وعن قتادة، وانفرد ابن وهب بقوله: من أفطر يوما في قضاء رمضان وحب عليه لكل يوم صوم يومين. قوله: "حدثنا زهير" هو ابن معاوية الجعفي أبو خيثمة. قوله: "عن يحيى" هو ابن سعيد الأنصاري، ووهم الكرماني تبعا لابن التين فقال: هو يحيى ابن أبي كثير، وغفل عما أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه فقال في نفس السند "عن يحيى ابن سعيد ويحيى بن سعيد هذا هو الأنصاري" وذهل مغلطاي

(4/190)


فنقل عن الحافظ الضياء أنه القطان، وليس كما قال، فإن الضياء حكى قول من قال إنه يحيى بن أبي كثير ثم رده وجزم بأنه يحيى بن سعيد ولم يقل القطان، ولا جائز أن يكون القطان لأنه لم يدرك أبا سلمة، وليست لزهير بن معاوية عنه رواية وإنما هو يروي عن زهير. قوله: "عن أبي سلمة" في رواية الإسماعيلي من طريق أبي خالد عن يحيى بن سعيد "سمعت أبا سلمة". قوله: "فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان" استدل به على أن عائشة كانت لا تتطوع بشيء من الصيام لا في عشر ذي الحجة ولا في عاشوراء ولا غير ذلك، وهو مبني على أنها كانت لا ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان، ومن أين لقائله ذلك؟ قوله: "قال يحيى" أي الراوي المذكور بالسند المذكور إليه فهو موصول. قوله: "الشغل من النبي أو بالنبي صلى الله عليه وسلم" هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: المانع لها الشغل، أو هو مبتدأ محذوف الخبر تقديره الشغل هو المانع لها. وفي قوله: "قال يحيى" هذا تفصيل لكلام عائشة من كلام غيرها، ووقع في رواية مسلم المذكورة مدرجا لم يقل فيه قال يحيى فصار كأنه من كلام عائشة أو من روي عنها، وكذا أخرجه أبو عوانة من وجه آخر عن زهير، وأخرجه مسلم من طريق سليمان ابن بلال عن يحيى مدرجا أيضا ولفظه: "وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وأخرجه من طريق ابن جريج عن يحيى فبين إدراجه ولفظه: "فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يحيى يقوله، وأخرجه أبو داود من طريق مالك، والنسائي من طريق يحيى القطان، وسعيد بن منصور عن ابن شهاب وسفيان، والإسماعيلي من طريق أبي خالد كلهم عن يحيى بدون الزيادة، وأخرجه مسلم من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بدون الزيادة لكن فيه ما يشعر بها فإنه قال فيه ما معناه: فما أستطيع قضاءها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون المراد بالمعية الزمان أي أن ذلك كان خاصا بزمانه. وللترمذي وابن خزيمة من طريق عبد الله البهي عن عائشة "ما قضيت شيئا مما يكون على من رمضان إلا في شعبان حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ومما يدل على ضعف الزيادة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم لنسائه فيعدل وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبل ويلمس من غير جماع، فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع الصوم، اللهم إلا أن يقال إنها كانت لا تصوم إلا بإذنه ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها فإذا ضاق الوقت أذن لها، وكان هو صلى الله عليه وسلم يكثر الصوم في شعبان كما سيأتي بعد أبواب فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلا في شعبان، وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا سواء كان لعذر أو لغير عذر لأن الزيادة كما بيناه مدرجة فلو لم تكن مرفوعة لكان الجواز مقيدا بالضرورة لأن حديث حكم الرفع لأن الظاهر إطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مع توفر دواعي أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع فلولا أن ذلك كان جائزا لم تواظب عائشة عليه، ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر. وأما الإطعام فليس فيه ما يثبته ولا ينفيه وقد تقدم البحث فيه.

(4/191)


باب الحائض تترك الصوم و الصلاة
...
41 - باب الْحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلاَفِ الرَّأْيِ فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنْ اتِّبَاعِهَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ
1951- حدثنا بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر قال حدثني زيد عن عياض عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم فذلك نقصان دينها"

(4/191)


قوله: "باب الحائض تترك الصوم والصلاة" قال الزين بن المنير ما محصله: إن الترجمة لم تتضمن حكم القضاء لتطابق حديث الباب فإنه ليس فيه تعرض لذلك، قال وأما تعبيره بالترك فللإشارة إلى أنه ممكن حسا، وإنما تتركه اختيارا لمنع الشرع لها من مباشرته. قوله: "وقال أبو الزناد الخ" قال الزين بن المنير: نظر أبو الزناد إلى الحيض فوجده مانعا من هاتين العبادتين، وما سلب الأهلية استحال أن يتوجه به خطاب الاقتضاء، وما يمنع صحة الفعل يمنع الوجوب، فلذلك استبعد الفرق بين الصلاة والصوم فأحال بذلك على اتباع السنة والتعبد المحض، وقد تقدم في كتاب الحيض سؤال معاذ من عائشة عن الفرق المذكور وأنكرت عليها عائشة السؤال وخشيت عليها أن تكون تلقنته من الخوارج الذين جرت عادتهم باعتراض السنن بآرائهم، ولم تزدها على الحوالة على النص، وكأنها قالت لها: دعي السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من معرفتها وهو الانقياد إلى الشارع. وقد تكلم بعض الفقهاء في الفرق المذكور، واعتمد كثير منهم على أن الحكمة فيه أن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم الذي لا يقع في السنة إلا مرة، واختار إمام الحرمين أن المتبع ذلك هو النص وأن كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف والله أعلم. وزعم المهلب أن السبب في منع الحائض من الصوم أن خروج الدم يحدث ضعفا في النفس غالبا فاستعمل هذا الغالب في جميع الأحوال، فلما كان الضعف يبيح الفطر ويوجب القضاء كان كذلك الحيض، ولا يخفي ضعف هذا المأخذ، فان المريض لو تحامل فصام صح صومه بخلاف الحائض، وأن المستحاضة في نزف الدم أسد من الحائض وقد أبيح لها الصوم. وقول أبي الزناد إن السنن لتأتي كثيرا على خلاف الرأي كأنه يشير إلى قول علي: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح من أعلاه أخرجه احمد وأبو داود والدار قطني ورجال إسناده ثقات، ونظائر ذلك في الشرعيات كثير.ومما يفرق فيه بين الصوم والصلاة في حق الحائض أنها لو طهرت قبل الفجر ونوت صح صومها في قول الجمهور ولا يتوقف على الغسل، بخلاف الصلاة، ثم أورد المصنف طرفا من حديث أبي سعيد الماضي في كتاب الحيض مقتصرا على قوله: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم" وقد أخرجه مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: "تمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين" الحديث.

(4/192)


42 - باب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلاَثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ
1952- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرٍو وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ
1953- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى قَالَ سُلَيْمَانُ

(4/192)


فقال الْحَكَمُ وَسَلَمَةُ وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالاَ سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ الْحَكَمِ وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَقَالَ يَحْيَى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا"
قوله: "باب من مات وعليه صوم" أي هل يشرع قضاؤه عنه أم لا؟ وإذا شرع هل يختص بصيام دون صيام أو يعم كل صيام؟ وهل يتعين الصوم أو يجزئ الإطعام؟ وهل يختص الولي بذلك أو يصح منه ومن غيره؟ والخلاف في ذلك مشهور للعلماء كما سنبينه. قوله: "وقال الحسن إن صام عنه ثلاثون رجلا يوما وأحدا جاز" في رواية الكشميهني: "في يوم واحد" والمراد من مات وعليه صيام شهر. وهذا الأثر وصله الدار قطني في كتاب الذبح من طريق عبد الله بن المبارك عن سعيد بن عامر وهو الضبعي عن أشعث عن الحسن فيمن مات وعليه صوم ثلاثين يوما فجمع له ثلاثون رجلا فصاموا عنه يوما واحدا أجزأ عنه، قال النووي في "شرح المهذب" : هذه المسألة لم أر فيها نقلا في المذهب، وقياس، المذهب الإجزاء. قلت: لكن الجواز مقيد بصوم لم يجب فيه التتابع لفقد التتابع في الصورة المذكورة. قوله: "حدثنا محمد بن خالد" أي ابن خلي بمعجمة وزن علي كما جزم به أبو نعيم في "المستخرج"، وجزم الجوزقي بأنه الذهلي فإنه أخرجه عن أبي حامد بن الشرقي عنه وقال: أخرجه البخاري عن محمد أين يحيى وبذلك جزم الكلاباذي، وصنيع المزي يوافقه وهو الراجح، وعلى هذا فقد نسبه البخاري هنا إلى جد أبيه لأنه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد وشيخه محمد بن موسى بن أعين أدركه البخاري لكنه لم يرو عنه إلا بواسطة وكأنه لم يلقه، وعمرو بن الحارث هو المصري. قوله: "من مات" عام في المكلفين لقرينة "وعليه صيام" وقوله: "صام عنه وليه" خير بمعنى الأمر تقديره فليصم عنه وليه، وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك، وفيه نطر لأن بعض أهل الظاهر أوجبه فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته. وقد اختلف السلف في هذه المسألة: فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث كما نقله البيهقي في "المعرفة" وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية. وقال البيهقي في "الخلافيات" : هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعي قال: كل ما قلت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فخذوا بالحديث ولا تقلدوني. وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة لا يصام عن الميت. وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: لا يصام عنه إلا النذر حملا للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس، وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا

(4/193)


العموم حيث قيل في آخره: "فدين الله أحق أن يقضي". وأما رمضان فيطعم عنه، فأما المالكية فأجابوا عن حديث الباب بدعوى عمل أهل المدينة كعادتهم، وادعى القرطبي تبعا لعياض أن الحديث مضطرب، وهذا لا يتأتى إلا في حديث ابن عباس ثاني حديثي الباب، وليس الاضطراب فيه مسلما كما سيأتي، وأما حديث عائشة فلا اضطراب فيه. واحتج القرطبي بزيادة ابن لهيعة المذكورة لأنها تدل على عدم الوجوب، وتعقب بأن معظم المجيزين لم يوجبوه كما تقدم وإنما قالوا يتخير الولي بين الصيام والإطعام، وأجاب الماوردي عن الجديد بأن المراد بقوله: "صام عنه وليه أي فعل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام، قال وهو نظير قوله: "التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء" قال فسمي البدل باسم المبدل فكذلك هنا، وتعقب بأنه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل. وأما الحنفية فاعتلوا لعدم القول بهذين الحديثين بما روي عن عائشة أنها "سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم، قالت: يطعم عنها". وعن عائشة قالت: "لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم" أخرجه البيهقي، وبما روي عن ابن عباس "قال في رجل مات وعليه رمضان قال يطعم عنه ثلاثون مسكينا" أخرجه عبد الرزاق، وروى النسائي عن ابن عباس قال: "لا يصوم أحد عن أحد" قالوا فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه، وهذه قاعدة لهم معروفة، إلا أن الآثار المذكورة عن عائشة وعن ابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام إلا الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جدا، والراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد ومستنده فيه لم يتحقق ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تحققت صحة الحديث لم يترك المحقق للمظنون، والمسألة مشهورة في الأصول. واختلف المجيزون في المراد بقوله: "وليه" فقيل كل قريب، وقيل الوارث خاصة، وقيل عصبته، والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها. واختلفوا أيضا هل يختص ذلك بالولي؟ لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية، ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة فكذلك في الموت إلا ما ورد فيه الدليل فيقتصر على ما ورد فيه ويبقى الباقي على الأصل وهذا هو الراجح، وقيل يختص بالولي فلو أمر أجنبيا بأن يصوم عنه أجزأ كما في الحج، وقيل يصح استقلال الأجنبي بذلك وذكر الولي لكونه الغالب، وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبري وقواه بتشبيهه صلى الله عليه وسلم ذلك بالدين والدين لا يختص بالقريب. قوله: "تابعه ابن وهب عن عمرو" يعني ابن الحارث المذكور بسنده، وهذه المتابعة وصلها مسلم وأبو داود وغيرهما بلفظه. قوله: "ورواه يحيى بن أيوب" يعني المصري عن عبيد الله بن أبي جعفر بسنده المذكور، وروايته هذه عند أبي عوانة والدار قطني من طريق عمرو بن الربيع وابن خزيم من طريق سعيد بن أبي مريم كلاهما عن يحيى بن أيوب وألفاظهم متوافقة، ورواه البزار من طريق ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر فزاد في آخر المتن إن شاء الله قوله: "حدثنا محمد بن عبد الرحيم" هو الحافظ المعروف بصاعقة، ومعاوية بن عمرو هو الأزدي ويعرف بابن الكرماني من قدماء شيوخ البخاري حدث عنه بغير واسطة في أواخر كتاب الجمعة وحدث عنه هنا وفي الجهاد وفي الصلاة بواسطة، وكان طلب معاوية المذكور للحديث وهو كبير وإلا فلو كان طلبه وهو على قدر سنه لكان من أعلى شيوخ البخاري، وزائدة شيخه هو ابن قدامة الثقفي مشهور قد لقي البخاري جماعة من أصحابه. قوله: "عن مسلم البطين" بفتح الموحدة وكسر المهملة ثم تحتانية ساكنة ثم نون، وسيأتي أن الحديث جاء من رواية شعبة عن الأعمش عن مسلم المذكور، وشعبة لا يحدث عن شيوخه الذين ربما دلسوا إلا بما تحقق أنهم سمعوه قوله

(4/194)


: "جاء رجل" في رواية غير زائدة "جاءت امرأة" وقد تقدم القول في تسميتها في كتاب الحج. قوله: "جاء رجل" لم أقف على اسمه، واتفق من عدا زائدة وعبثر بن القاسم على أن السائل امرأة، وزاد أبو حريز في روايته أنها خثعمية. قوله: "إن أمي" خالف أبو حامد جميع من رواه فقال: "إن أختي" واختلف على أبي بشر عن سعيد ابن جبير فقال هشيم عنه "ذات قرابة لها" وقال شعبة عنه "إن أختها" أخرجهما أحمد. وقال حماد عنه ذات قرابة لها إما أختها وإما ابنتها "وهذا يشعر بأن التردد فيه من سعيد بن جبير. قوله: "وعليها صوم شهر" هكذا في أكثر الروايات. وفي رواية أبي حريز "خمسة عشر يوما" وفي رواية أبي خالد "شهرين متتابعين" وروايته تقتضي أن لا يكون الذي عليها صوم شهر رمضان بخلاف رواية غيره فإنها محتملة إلا رواية زيد بن أبي أنيسة فقال: "إن عليها صوم نذر" وهذا واضح في أنه غير رمضان، وبين أبو بشر في روايته سبب النذر فروى أحمد من طريق شعبة عن أبي بشر "أن امرأة ركبت البحر فنذرت أن تصوم شهرا فماتت قبل أن تصوم، فأتت أختها النبي صلى الله عليه وسلم:" الحديث ورواه أيضا عن هشيم عن أبي بشر نحوه، وأخرجه البيهقي من حديث حماد بن سلمة. وقد ادعى بعضهم أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة عن سعيد ن جبير، فمنهم من قال: إن السائل امرأة، ومنهم من قال: رجل، ومنهم من قال: إن السؤال وقع عن نذر، فمنهم من فسره بالصوم ومنهم من فسره بالحج لما تقدم في أواخر الحج والذي يظهر أنهما قصتان، ويؤيده أن السائلة في نذر الصوم خثعمية كما في رواية أبي حريز المعلقة السائلة عن نذر الحج جهنية كما تقدم في موضعه. وقد قدمنا في أواخر الحج أن مسلما روى من حديث بريدة أن امرأة سألت عن الحج وعن الصوم معا. وأما الاختلاف في كون السائل رجلا أو امرأة والمسئول عنه أختا أو أما فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث لأن الغرض منه مشروعية الصوم أو الحج عن الميت ولا اضطراب في ذلك، وقد تقدمت الإشارة إلى كيفية الجمع بين مختلف الروايات فيه عن الأعمش وغيره والله أعلم. قوله: "فدين الله أحق أن يقضي" تقدمت مباحثه في أواخر الحج قبيل "فضل المدينة" مستوفى. قوله: "قال سليمان" هو الأعمش، يعني بالإسناد المذكور أولا إليه. قوله: "فقال الحكم" أي ابن عتيبة، وسلمة أي ابن كهيل، والحاصل أن الأعمش سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفس، في مجلس واحد مسلم البطين: أولا عن سعيد بن جبير، ثم من الحكم وسلمة عن مجاهد. قد خالف زائدة في ذلك أبو خالد الأحمر كما سيأتي. قوله: "ويذكر عن أبي خالد حدثنا الأعمش الخ" محصله أن أبا خالد جمع بين شيوخ الأعمش الثلاثة، فحدث به عنه عنهم عن شيوخ ثلاثة. وظاهره أنه عند كل منهم عن كل منهم. ويحتمل أن يكون أراد به اللف والنشر بغير ترتيب، فيكون شيخ الحكم عطاء، وشيخ البطين سعيد بن جبير، وشيخ سلمة مجاهدا، ويؤيده أن النسائي أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مغراء عن الأعمش مفصلا هكذا، وهو مما يقوى رواية أبي خالد وقد وصلها مسلم لكن لم يسق المتن بل أحال به على رواية زائدة، وهو معترض لأن بينهما مخالفة سيأتي بيانها. ووصلها أيضا الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والدار قطني من طريق أبي خالد. قوله: "وقال يحيى" أي ابن سعيد "وأبو معاوية عن الأعمش الخ" وافقا زائدة على أن شيخ مسلم البطين فيه سعيد بن جبير، وكذلك رواه شعبة وعبد الله بن نمير وعبثر بن القاسم وعبيدة بن حميد وآخرون عن الأعمش وطرقهم عند النسائي وأحمد وغيرهما. قوله: "وقال عبيد الله بن عمرو" أي الرقي "عن زيد بن أبي أنيسة الخ" هذا يخالف رواية عبد الرحمن ابن مغراء من حيث أن شيخ الحكم فيها عطاء وفي

(4/195)


هذه شيخه سعيد، ويحتمل أن يكون سمعه من كل منهما، وطريق عبيد الله هذه وصلها مسلم أيضا. قوله: "وقال أبو حريز" بالمهملة والراء والزاي، وهو عبد الله بن الحسين قاضي سجستان، وطريقه هذه وصلها ابن خزيمة والحسن بن سفيان ومن جهته البيهقي.

(4/196)


43 - باب مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ؟ وَأَفْطَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ
1954- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"
1955- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ يَا فُلاَنُ قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ فَشَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"
قوله: "باب متى يحل فطر الصائم" غرض هذه الترجمة الإشارة إلى أنه هل يجب إمساك جزء من الليل لتحقق مضى النهار أم لا؟ وظاهر صنيعه يقتضي ترجيح الثاني لذكره لأثر أبي سعيد في الترجمة، لكن محله إذا ما حصل تحقق غروب الشمس. قوله: "وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس" وصله سعيد بن منصور وأبو بكر ابن أبي شيبة من طريق عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: "دخلنا على أبي سعيد فأفطر ونحن نرى أن الشمس لم تغرب" ووجه الدلالة منه أن أبا سعيد لما تحقق غروب الشمس لم يطلب مزيدا على ذلك ولا التفت إلى موافقة من عنده على ذلك، فلو كان يجب عنده إمساك جزء من الليل لاشترك الجميع في معرفة ذلك والله أعلم. ثم ذكر المصنف في الباب حديثين.قوله: "حدثنا سفيان" هو ابن عيينة، والإسناد كله حجازيون: الحميدي وسفيان مكيان، والباقون مدنيون. وفيه رواية الأبناء عن الآباء، ورواية تابعي صغير عن تابعي كبير هشام عن أبيه، وصحابي صغير عن صحابي كبير عاصم عن أبيه، وكان مولد عاصم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يسمع منه شيئا. قوله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام "قال لي". قوله: "إذا أقبل الليل من هاهنا" أي من جهة المشرق كما في الحديث الذي يليه، والمراد به وجود الظلمة حسا، وذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور، لأنها وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس وكذلك إدبار النهار فمن ثم قيد بقوله: "وغربت الشمس" إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والإدبار، وأنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر، ولم يذكر ذلك في الحديث الثاني فيحتمل أن ينزل على حالين: أما حيث ذكرها ففي حال الغيم مثلا وأما حيث لم يذكرها ففي

(4/196)


حال الصحو، ويحتمل أن يكونا في حالة واحدة وحفظ أحد الراويين ما لم يحفظ الآخر، وإنما ذكر الإقبال والإدبار معا لإمكان وجود أحدهما مع عدم تحقق الغروب قاله القاضي عياض. وقال شيخنا في "شرح الترمذي" : الظاهر الاكتفاء بأحد الثلاثة لأنه يعرف انقضاء النهار بأحدهما، ويؤيده الاقتصار في رواية ابن أبي أوفى على إقبال الليل قوله: "فقد أفطر الصائم" أي دخل في وقت الفطر كما يقال أنجد إذا أقام بنجد وأتهم إذا أقام بتهامة. ويحتمل أن يكون معناه فقد صار مفطرا في الحكم لكون الليل ليس طرفا للصيام الشرعي، وقد رد ابن خزيمة هذا الاحتمال وأومأ إلى ترجيح الأول فقال: قوله: "فقد أفطر الصائم" لفظ خبر ومعناه الأمر أي فليفطر الصائم، ولو كان المراد فقد صار مفطرا كان فطر جمع الصوام واحدا ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى ا ه. وقد يجاب بأن المراد فعل الإفطار حسا ليوافق الأمر الشرعي، ولا شك أن الأول أرجح، ولو كان الثاني معتمدا لكان من حلف أن لا يفطر فصام فدخل الليل حنث بمجرد دخوله ولو لم يتناول شيئا، ويمكن الانفصال عن ذلك بأن الأيمان مبنية على العرف، وبذلك أفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في مثل هذه الواقعة بعينها، ومثل هذا لو قال إن أفطرت فأنت طالق فصادف يوم العيد لم تطلق حتى يتناول ما يفطر به، وقد ارتكب بعضهم الشطط فقال يحنث، ويرجح الأول أيضا رواية شعبة أيضا بلفظ: "فقد حل الإفطار" وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق الثوري عن الشيباني، وسيأتي لذلك مزيد بيان في "باب الوصال" بعد ثلاثة أبواب. قوله: "حدثنا خالد" هو ابن عبد الله الواسطي والشيباني هو أبو إسحاق. قوله: "عن عبد الله بن أبي أوفى" سيأتي الباب الذي يليه من وجه آخر عن أبي إسحاق "سمعت ابن أبي أوفى". قوله: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر" هذا السفر يشبه أن يكون سفر غزوة الفتح، ويؤيده رواية هشميم عن الشيباني عند مسلم بلفظ: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في شهر رمضان" وقد تقدم أن سفره في رمضان منحصر في غزوة بدر وغزوة الفتح، فإن ثبت فلم يشهد ابن أبي أوفى بدرا فتعينت غزوة الفتح. قوله: "فلما غابت الشمس" في رواية الباب الذي يليه "فلما غربت الشمس" وهي تفيد معنى أزيد من معنى غابت. قوله: "قال لبعض القوم يا فلان" في رواية شعبة عن الشيباني عند أحمد "فدعا صاحب شرابه بشراب فقال لو أمسيت" وسأذكر من سماه في الباب الذي يليه. قوله: "فاجدح" بالجيم ثم الحاء المهملة، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له المجدح مجنح الرأس، وزعم الداودي أن معنى قوله اجدح لي أي احلب، وغلطوه في ذلك. قوله: "إن عليك نهارا" يحتمل أن يكون المذكور كان يرى كثرة الضوء من شدة الصحو فيظن أن الشمس لم تغرب ويقول لعلها غطاها شيء من جبل ونحوه، أو كان هناك غيم فلم يتحقق غروب الشمس، وأما قول الراوي "وغربت الشمس" فإخبار منه بما في نفس الأمر وإلا فلو تحقق الصحابي أن الشمس غربت ما توقف لأنه حينئذ يكون معاندا، وإنما توقف احتياطا واستكشافا عن حكم المسألة، قال الزين بن المنير: يؤخذ من هذا جواز الاستفسار عن الظواهر لاحتمال أن لا يكون المراد إمرارها على ظاهرها، وكأنه أخذ ذلك من تقريره صلى الله عليه وسلم الصحابي على ترك المبادرة إلى الامتثال. وفي الحديث أيضا استحباب تعجيل الفطر، وأنه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقا، بل متى تحقق غروب الشمس حل الفطر. وفيه تذكر العالم بما يخشى أن يكون نسيه وترك المراجعة له بعد ثلاث. وقد اختلفت الروايات عن الشيباني في ذلك فأكثر ما وقع فيها أن المراجعة وقع ثلاثا وفي بعضها مرتين وفي بعضها مرة

(4/197)


واحدة، وهو محمول على أن بعض الرواة اختصر القصة، ورواية خالد المذكورة في هذا الباب أتمهم سياقا وهو حافظ فزيادته مقبولة، وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يراجع بعد ثلاث، وهو عند أحمد من حديث عبد الله ابن أبي حدرد في حديث أوله "كان ليهودي عليه دين". وفي حديثي الباب من الفوائد بيان وقت الصوم وأن الغروب متى تحقق كفي، وفيه إيماء إلى الزجر عن متابعة أهل الكتاب فإنهم يؤخرون الفطر عن الغروب. وفيه أن الأمر الشرعي أبلغ من الحسي، وأن العقل لا يقضي على الشرع. وفيه البيان بذكر اللازم والملزوم جميعا لزيادة الإيضاح.

(4/198)


باب يفطر بما تيسر بالماء و غيرة
...
44 - باب يُفْطِرُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ
1956-حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا فَنَزَلَ فَجَدَحَ ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ"
قوله: "باب يفطر بما تيسر من الماء أو غيره" أي سواء كان وحده أو مخلوطا. وفي رواية أبي ذر عن غير الكشميهني: "بالماء" وذكر فيه حديث ابن أبي أوفى وهو ظاهر فيما ترجم له، ولعله أشار إلى أن الأمر في قوله: "من وجد تمرا فليفطر عليه ومن لا فليفطر على الماء" ليس على الوجوب، وهو حديث أخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس مرفوعا وصححه الترمذي وابن حبان من حديث سلمان بن عامر، وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء. قوله: "سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم فلما غربت الشمس قال: انزل فاجدح لنا" لم يسم المأمور بذلك، وقد أخرجه أبو داود عن مسدد شيخ البخاري فيه فسماه ولفظه: "فقال يا بلال انزل الخ" وأخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم من طرق عن عبد الواحد وهو ابن زياد شيخ مسدد فيه فاتفقت رواياتهم على قوله: "يا فلان" فلعلها تصحفت، ولعل هذا هو السر في حذف البخاري لها، وقد سبق الحديث في الباب الذي قبله من رواية خالد من الشيباني بلفظ: "يا فلان" وذكرنا أن في حديث عمر عند ابن خزيمة: "قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل الخ" فيحتمل أن يكون المخاطب بذلك عمر فإن الحديث واحد، فلما كان عمر هو المقول له "إذا أقبل الليل الخ" احتمل أن يكون هو المقول له أولا "اجدح" لكن يؤيد كونه بلالا قوله في رواية شعبة المذكورة قبل "فدعا صاحب شرابه" فإن بلالا هو المعروف بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم.

(4/198)


45 - باب تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ
1957-حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ"
1958- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ

(4/198)


46 - باب إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ
1959- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ قِيلَ لِهِشَامٍ فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ قَالَ لاَ بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ وَقَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشَامًا لاَ أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لاَ
قوله: "باب إذا أفطر في رمضان" أي ظانا غروب الشمس "ثم طلعت الشمس" أي هل يجب عليه قضاء ذلك

(4/199)


اليوم أو لا. وهي مسألة خلافية، واختلف قول عمر فيها كما سيأتي، والمراد بالطلوع الظهور، وكأنه راعي لفظ الخبر في ذلك. وأيضا فإنه يشعر بأن قرص الشمس كله ظهر مرتفعا، ولو عبر ظهرت لم يفد ذلك. الحديث: قوله: "عن هشام بن عروة" في رواية أبي داود من وجه آخر عن أبي أسامة "حدثنا هشام بن عروة". قوله: "عن فاطمة" زاد أبو داود "بنت المنذر" وهي ابنة عم هشام وزوجته، وأسماء جدتهما جميعا. قوله: "يوم غيم" كذا للأكثر فيه بنصب يوم على الظرفية. وفي رواية أبي داود وابن خزيمة: "في يوم غيم". قوله: "قيل لهشام" في رواية أبي داود "قال أبو أسامة قلت لهشام "وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وأحمد في مسنده عن أبي أسامة. قوله: "بد من قضاء" هو استفهام إنكار محذوف الأداة والمعنى لا بد من قضاء، ووقع في رواية أبي ذر "لا بد من القضاء". قوله: "وقال معمر سمعت هشاما يقول لا أدري أقضوا أم لا" هذا التعليق وصله عبد بن حميد قال: "أخبرنا معمر سمعت هشام بن عروة" فذكر الحديث وفي آخره: "فقال إنسان لهشام أقضوا أم لا" ؟ فقال: "لا أدري" وظاهر هذه الرواية تعارض التي قبلها، لكن يجمع بأن جزمه بالقضاء محمول على أنه استند فيه إلى دليل آخر، وأما حديث أسماء فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه، وقد اختلف في هذه المسألة فذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء، واختلف عن عمر فروى ابن أبي شيبة وغيره من طريق زيد بن وهب عنه ترك القضاء، ولفظ معمر عن الأعمش عن زيد "فقال عمر: لم نقض والله ما يجانفنا الإثم" وروى مالك من وجه آخر عن عمر أنه قال لما أفطر ثم طلعت الشمس "الخطب يسير وقد اجتهدنا" وزاد عبد الرزاق في روايته من هذا الوجه "نقضي يوما" وله من طريق علي بن حنظلة عن أبيه نحوه، ورواه سعيد بن منصور وفيه: "فقال من أفطر منكم فليصم يوما مكانه" وروى سعيد بن منصور من طريق أخرى عن عمر نحوه. وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن وبه قال إسحاق وأحمد في رواية واختاره ابن خزيمة فقال قول هشام لا بد من القضاء لم يسنده ولم يتبين عندي أن عليهم قضاء، ويرجح الأول أنه لو غم هلال رمضان فأصبحوا مفطرين ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق فكذلك هذا. وقال ابن التين: لم يوجب مالك القضاء إذا كان في صوم نذر، قال ابن المنير في الحاشية: في هذا الحديث أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر، فإذا اجتهدوا فأخطئوا فلا حرج عليهم في ذلك.

(4/200)


47 - باب صَوْمِ الصِّبْيَانِ
وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِنَشْوَانٍ فِي رَمَضَانَ وَيْلَكَ وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ فَضَرَبَهُ
1960- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ قَالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ"
قوله: "باب صوم الصبيان" أي هل يشرع أم لا؟ والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري وقال به الشافعي أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحده أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحده إسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين. وقال الأوزاعي:

(4/200)


إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعا لا يضعف فيهن حمل على الصوم، والأول قول الجمهور، والمشهور عن المالكية أنه لا يشرع في حق الصبيان، ولقد تلطف المصنف في التعقب عليهم بإيراد أثر عمر في صدر الترجمة لأن أقصى ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر مع شدة تحريه ووفور الصحابة في زمانه، وقد قال للذي أفطر في رمضان موبخا له "كيف تفطر وصبياننا صيام"، وأغرب ابن الماجشون من المالكية فقال: إذا أطاق الصبيان الصيام ألزموه. فإن أفطروا لغير عذر فعليهم القضاء. قوله: "وقال عمر لنشوان الخ" أي لإنسان نشوان، وهو بفتح النون وسكون المعجمة كسكران وزنا ومعنى وجمعه نشاوى كسكارى، قال ابن خالويه: سكر الرجل وانتشى وثمل ونزف بمعنى. وقال صاحب "المحكم" : نشى الرجل وانتشى وتنشى كله سكر، ووقع عند ابن التين النشوان السكران سكرا خفيفا. وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور والبغوي في "الجعديات" من طريق عبد الله بن الهذيل "أن عمر بن الخطاب أتى برجل شرب الخمر في رمضان؛ فلما دنا منه جعل يقول: للمنخرين والفم" وفي رواية البغوي "فلما رفع إليه عثر فقال عمر: على وجهك ويحك، وصبياننا صيام. ثم أمر به فضرب ثمانين سوطا، ثم سيره إلى الشام" وفي رواية البغوي "فضربه الخ، وكان إذا غضب على إنسان سيره إلى الشام، فسيره إلى الشام". قوله: "عن خالد بن ذكوان" هو أبو الحسين المدني نزيل البصرة، وهو تابعي صغير "وليس له من الصحابة سماع من سوى الربيع بنت معوذ وهي من صغار الصحابة، ولم يخرج البخاري من حديثه عن غيرها. قوله: "عن الربيع" في رواية مسلم من وجه آخر عن خالد "سألت الربيع" وهي بتشديد الياء مصغرا وأبوها بكسر الواو والتشديد بوزن معلم، وهو ابن عوف ويعرف بابن عفراء، يأتي ذكره في وقعة بدر من المغازي إن شاء الله تعالى. قوله: "أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار" زاد مسلم: "التي حول المدينة" وقد تقدم تسمية الرسول بذلك في "باب إذا نوى بالنهار صوما". قوله: "صبياننا" زاد مسلم: "الصغار ونذهب بهم إلى المسجد". قوله: "من العهن" أي الصوف، وقد فسره المصنف في رواية المستملي في آخر الحديث، وقيل العهن الصوف المصبوغ. قوله: "أعطيناه فلك حتى يكون عند الإفطار" هكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان، ووقع في رواية مسلم: "أعطيناه إياه عند الإفطار" وهو مشكل، ورواية البخاري توضح أنه سقط منه شيء، وقد رواه مسلم من وجه آخر عن خالد بن ذكوان فقال فيه: "فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم" وهو يوضح صحة رواية البخاري. ووقع لمسلم شك في تقييده الصبيان بالصغار، وهو ثابت في "صحيح ابن خزيم" وغيره، وتقييده بالصغار لا يخرج الكبار بل يدخلهم من باب الأولى، وأبلغ من ذلك ما جاء في حديث رزينة بفتح الراء وكسر الزاي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر مرضعاته في عاشوراء ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم، ويأمر أمهاتهم أن لا يرضعن إلى الليل" أخرجه ابن خزيمة وتوقف في صحته، وإسناده لا بأس به، واستدل بهذا الحديث على أن عاشوراء كان فرضا قبل أن يفرض رمضان، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أول كتاب الصيام، وسيأتي الكلام على صيام عاشوراء بعد عشرين بابا، وفي الحديث حجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام كما تقدم لأن من كان في مثل السن الذي ذكر في هذا الحديث فهو غير مكلف، وإنما صنع لهم ذلك للتمرين، وأغرب القرطبي فقال: لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بذلك، ويبعد أن يكون أمر بذلك لأنه تعذيب صغير بعبادة غير متكررة في السنة، وما قدمناه من حديث رزينة يرد عليه، مع أن الصحيح عند أهل الحديث وأهل الأصول أن الصحابي إذا قال فعلنا كذا في عهد

(4/201)


رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حكمه الرفع لأن الظاهر اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتقريرهم عليه مع توفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فما فعلوه إلا بتوقيف، والله أعلم.

(4/202)


48 - باب الْوِصَالِ وَمَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ }
وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ التَّعَمُّقِ
1961- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ تُوَاصِلُوا قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى"
[الحديث 1961- طرفه في : 7241]
1962- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى"
1963- حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث حدثني بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ثم لا تواصلوا فأيكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر قالوا فإنك تواصل يا رسول الله قال إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقين"
1964- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ قَالاَ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ فَقَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ رَحْمَةً لَهُمْ"
قوله: "باب الوصال" هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد، فيخرج من أمسك اتفاقا. ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه، ولم يجزم المصنف بحكمه لشهرة الاختلاف فيه. قوله: "ومن قال ليس في الليل صيام لقوله عز وجل: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} كأنه يشير إلى حديث أبي سعيد الخير، وهو حديث ذكره الترمذي في "الجامع" ووصله في "العلل المفرد" وأخرجه ابن السكن وغيره في "الصحابة" والدولابي وغيره في "الكنى" كلهم من طريق أبي فروة الرهاوي عن معقل الكندي عن عبادة بن نسي عنه ولفظ المتن مرفوعا: "إن الله لم يكتب الصيام بالليل، فمن صام فقد تعني، ولا أجر له "قال ابن منده: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: ما أرى عبادة سمع من أبي سعيد الخير، وفي المعنى حديث بشير بن الخصاصية وقد أخرجه أحمد والطبراني وسعيد ابن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في تفسيرهما بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: "أردت أن أصوم يومين مواصلة فمعنى بشير وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا وقال:

(4/202)


يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى، أتموا الصيام إلى الليل فإذا كان الليل فأفطروا" لفظ ابن أبي حاتم، وروى هو وابن أبي شيبة من طريق أبي العالية التابعي أنه سئل عن الوصال في الصيام فقال: قال الله تعالى: { ُثمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فإذا جاء الليل فهو مفطر. وروى الطبراني في الأوسط من طريق علي بن أبي طلحة عن عبد الملك عن أبي ذر رفعه قال: "لا صيام بعد الليل" أي بعد دخول الليل ذكره في أثناء حديث، وعبد الملك ما عرفته فلا يصح، وإن كان بقية رجاله ثقات ومعارضه أصح منه كما سأذكره، ولو صحت هذه الأحاديث لم يكن للوصال معنى أصلا ولا كان في فعله قربة، وهذا خلاف ما تقتضيه الأحاديث الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان الراجح أنه من خصائصه. قوله: "ونهى النبي صلى الله عليه وسلم" أي أصحابه "عنه" أي عن الوصال "رحمة ثم وإبقاء عليهم"، وهذا الحديث قد وصله المصنف في آخر الباب من حديث عائشة بلفظ: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم" وأما قوله: "وإبقاء عليهم" فكأنه أشار إلى ما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن رجل من الصحابة قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه" وإسناده صحيح كما تقدم التنبيه عليه في "باب الحجامة للصائم" وهو يعارض حديث أبي ذر المذكور قبل. قوله: "وما يكره من التعمق" هذا من كلام المصنف معطوف على قوله: "الوصال" أي باب ذكر الوصال وذكر ما يكره من التعمق، والتعمق المبالغة في تكلف ما لم يكلف به، وعمق الوادي قعره، كأنه يشير إلى ما أخرجه في كتاب التمني من طريق ثابت عن أنس في قصة الوصال فقال صلى الله عليه وسلم: "لو مد بي الشهر لواصلت، وصالا يدع المتعمقون تعمقهم" وسيأتي في الباب الذي بعده في آخر حديث أبي هريرة "اكلفوا من العمل ما تطيقون". ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: أحدها حديث أنس من طريق قتادة عنه، ويحيى المذكور في الإسناد هو القطان. قوله: "لا تواصلوا" في رواية ابن خزيمة من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم عن شعبة بهذا الإسناد "إياكم والوصال" ولأحمد من طريق همام عن قتادة "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال". قوله: "قالوا إنك تواصل" كذا في أكثر الأحاديث. وفي رواية أبي هريرة الآتية في أول الباب الذي يليه "فقال رجل من المسلمين" وكأن القاتل واحد ونسب القول إلى الجميع لرضاهم به، ولم أقف على، تسمية القائل في شيء من الطرق. قوله: "لست كأحد منكم" في رواية الكشميهني: "كأحدكم" وفي حديث ابن عمر "لست مثلكم" وفي حديث أبي سعيد "لست كهيئتكم" وفي حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عند مسلم: "لست في ذلك مثلي" ونحوه في مرسل الحسن عند سعيد بن منصور، وفي حديث أبي هريرة في الباب بعده وأيكم مثلي" وهذا الاستفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد، وقوله: "مثلي" أي على صفتي أو منزلتي من ربي. قوله: "إني أطعم وأسقى، أو إني أبيت أطعم وأسقى" هذا الشك من شعبة، وقد رواه أحمد عن بهز عنه بلفظ: "إني أظل - أو قال - إني أبيت" وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: "إن ربي يطعمني ويسقيني" أخرجه الترمذي، وقد رواه ثابتا عن أنس كما سيأتي في "باب التمني" بلفظ: "إني أظل يطعمني ربى ويسقيني" وبين في روايته سبب الحديث وهو أنه صلى الله عليه وسلم واصل في آخر الشهر فواصل ناس من أصحابه، فبلغه ذلك. وسيأتي نحوه في الكلام على حديث ابن عمر. ثاني الأحاديث حديث ابن عمر، أخرجه من طريق مالك عن نافع عنه. قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال" تقدم في "باب بركة السحور من غير إيجاب" من طريق جويرية عن نافع ذكر السبب أيضا ولفظه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل فواصل الناس، فشق عليهم، فنهاهم" وكذا رواه أبو قرة عن موسى بن عقبة عن نافع؛ وأخرجه

(4/203)


مسلم من طريق ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع مثله وزاد: "في رمضان" لكن لم يقل فشق عليهم. قوله: "إني أطعم وأسقى" في رواية جويرية المذكورة "إني أظل أطعم وأسقى". ثالثها حديث أبي سعيد وسيأتي بعد باب، وفيه: "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر". رابعها حديث عائشة. قوله فيه "عبدة" هو ابن سليمان. قوله: "رحمة لهم" فيه إشارة إلى بيان السبب أيضا، ويؤيد ذلك ذكر المشقة في الرواية التي قبلها. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف "لم يذكر عثمان" أي ابن أبي شيبة شيخه في الحديث المذكور قوله: "رحمة لهم" فدل على أنها من رواية محمد بن سلام وحده، قد أخرجه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعثمان ابن أبي شيبة جميعا وفيه: "رحمة لهم" ولم يبين أنها ليست في رواية عثمان. وقد أخرجه أبو يعلى والحسن ابن سفيان في مسنديهما عن عثمان وليس فيه: "رحمة لهم" وأخرجه الإسماعيلي عنهما كذلك، وأخرجه الجوزقي من طريق محمد بن حاتم عن عثمان وفيه: "رحمة لهم" فيحتمل أن يكون عثمان كان تارة يذكرها وتارة يحذفها، وقد رواها الإسماعيلي عن جعفر الفريابي عن عثمان فجعل ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: "قالوا إنك تواصل، قال: إنما هي رحمة الله بها إني لست كهيئتكم" الحديث. واستدل بمجموع هذه الأحاديث على أن الوصال من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وعلى أن غيره ممنوع منه إلا ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر، ثم اختلف في المنع المذكور: فقيل على سبيل التحديم وقيل على سبيل الكراهة، وقيل يحرم على من شق عليه ويباح لمن لم يشق عليه، وقد اختلف السلف في ذلك فنقل التفصيل عن عبد الله بن الزبير، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يوما، وذهب إليه من الصحابة أيضا أخت أبي سعيد ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي نعم وعامر بن عبد الله بن الزبير وإبراهيم بن زيد التيمي وأبو الجوزاء كما نقله أبو نعيم في ترجمته في "الحلية" وغيرهم رواه الطبري وغيره، ومن حجتهم ما سيأتي في الباب بعده أنه صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه بعد النهي فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشق عليه، وسيأتي نظير ذلك في صيام الدهر، فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقة أهل الكتاب ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال. وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال، وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم والكراهة، هكذا اقتصر عليه النووي، وقد نص الشافعي في "الأم" على أنه محظور، وأغرب القرطبي فنقل التحريم عن بعض أهل الظاهر على شك منه في ذلك، ولا معنى لشكه فقد صرح ابن حزم بتحريمه وصححه ابن العربي من المالكية، وذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد المذكور، وهذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره إلا أنه في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه يؤخره لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة فإذا أكلها السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره وكان أخف لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم وإلا فلا يكون قربة، وانفصل أكثر الشافعية عن ذلك بأن الإمساك إلى السحر ليس وصالا بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه كما يمسك في النهار، وإنما أطلق على الإمساك إلى السحر وصالا لمشابهته الوصال في الصورة، ويحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة في إسماك جميع الليل، وقد ورد "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل من سحر إلى سحر" أخرجه أحمد وعبد الرزاق من حديث علي، والطبراني من حديث جابر، وأخرجه سعيد بن منصور مرسلا من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه ومن طريق أبي

(4/204)


قلابة، وأخرجه عبد الرزاق من طريق عطاء، واحتجوا للتحريم بقوله في الحديث المتقدم "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم" إذ لم يجعل الليل محلا لسوى الفطر فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر، وأجابوا أيضا بأن قوله: "رحمة لهم" لا يمنع التحريم فإن من رحمته لهم أن حرمه عليهم، وأما مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرا بل تقريعا وتنكيلا، فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النهي في أكيد زجرهم، لأنهم إذا باشروا ظهرت لهم حكمة النهي وكان ذلك أدعى إلى قلوبهم لما يترتب عليهم من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشديد ينافي ذلك، وقد صرح بأن الوصال يختص به لقوله: "لست في ذلك مثلكم" وقوله: "لست كهيئتكم" هذا مع ما انضم إلى ذلك من استحباب تعجيل الفطر كما تقدم في بابه. قلت: ويدل على أنه ليس بمحرم حديث أبي داود الذي قدمت التنبيه عليه في أوائل الباب، فإن الصحابي صرح فيه بأنه صلى الله عليه وسلم لم يحرم الوصال، وروى البزار والطبراني من حديث سمرة "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال، وليس بالعزيمة" وأما ما رواه الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي ذر "أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد قبل وصالك ولا يحل لأحد بعدك" فليس إسناده بصحيح فلا حجة فيه، ومن أدلة الجواز إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم وإلا لما أقدموا عليه، ويؤيد أنه ليس بمحرم أيضا أنه صلى الله عليه وسلم في حديث بشير بن الخصاصية الذي ذكرته في أول الباب سوى في علة النهي بين الوصال وبين تأخير الفطر حيث قال في كل منهما إنه فعل أهل الكتاب، ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يعتد به من أهل الظاهر، ومن حيث المعنى ما فيه من فطم النفس وشهواتها وقمعها عن ملذوذاتها فلهذا استمر على القول بجوازه مطلقا أو مقيدا من تقدم ذكره والله أعلم. وفي أحاديث الباب من الفوائد استواء المكلفين في الأحكام، وأن كل حكم ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حق أمته إلا ما استثنى بدليل، وفيه جواز معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستفتي بسر المخالفة، وفيه الاستكشاف عن حكمة النهي، وفيه ثبوت خصائصه صلى الله عليه وسلم وأن عموم قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} مخصوص، وفيه أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته ويبادرون إلى الائتساء به إلا فيما نهاهم عنه، وفيه أن خصائصه لا يتأسى به في جميعها، وقد توقف في ذلك إمام الحرمين. وقال أبو شامة ليس لأحد التشبه به في المباح كالزيادة على أربع نسوة، ويستحب التنزه عن المحرم عليه والتشبه به في الواجب عليه كالضحى، وأما المستحب فلم يتعرض له، والوصال منه فيحتمل أن يقال إن لم ينه عنه لم يمنع الائتساء به فيه والله أعلم. وفيه بيان قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر كما سيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده.

(4/205)


49 - باب التَّنْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الْوِصَالَ. رَوَاهُ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1965- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ

(4/205)


وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلاَلَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا
[الحديث 1965- أطرافه في: 1966، 6851، 7242، 7299]
1966- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ مَرَّتَيْنِ قِيلَ إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَاكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ "
قوله: "باب التنكيل لمن أكثر الوصال" التقييد بأكثر قد يفهم منه أن من قل منه لا نكال عليه، لأن التقليل منه مظنة لعدم المشقة، لكن لا يلزم من عدم التنكيل ثبوت الجواز. قوله: "رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم" وصله في كتاب التمني من طريق حميد عن ثابت عنه كما تقدمت الإشارة إليه في الباب الذي قبله. قوله: "أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن" هكذا رواه شعيب عن الزهري، وتابعه عقيل عن الزهري كما سيأتي في "باب التعزير"، ومعمر كما سيأتي في كتاب التمني، ويونس عند مسلم وآخرون. وخالفهم عبد الرحمن بن خالد بن مسافر فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة علقه المصنف في المحاربين وفي التمني، وليس اختلافا ضارا فقد أخرجه الدار قطني في "العلل" من طريق عبد الرحمن بن خالد هذا عن الزهري عنهما جميعا، وكذلك رواه عبد الرحمن بن نمر عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة جميعا عن أبي هريرة، وأخرجه الإسماعيلي، وكذا ذكر الدار قطني أن الزبيدي تابع ابن نمير على الجمع بينهما. قوله: "فقال له رجل" كذا للأكثر. وفي رواية عقيل المذكورة "فقال له رجال". قوله: "عن الوصال" في رواية الكشميهني: "من الوصال". قوله: "واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال" ظاهره أن قدر المواصلة بهم كانت يومين وقد صرح بذلك في رواية معمر المشار إليها. قوله: "لو تأخر" أي الشهر "لزدتكم" استدل به على جواز قول "لو" وحمل النهي الوارد في ذلك على ما لا يتعلق بالأمور الشرعية كما سيأتي بيانه في كتاب التمني في أواخر الكتاب إن شاء الله تعالى. والمراد بقوله: "لو تأخر لزدتكم" أي في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التخفيف عنكم بتركه، وهذا كما أشار عليهم أن يرجعوا من حصار الطائف فلم يعجبهم، فأمرهم بمباكرة القتال من الغد فأصابتهم جراح وشدة وأحبوا الرجوع فأصبح راجعا بهم فأعجبهم ذلك، وسيأتي ذكره موضحا في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى. قوله: "كالتنكيل لهم" في رواية معمر "كالمنكل لهم" ووقع فيها عند المستملي: "كالمنكر" بالراء وسكون النون من الإنكار، وللحموي "كالمنكي" بتحتانية ساكنة قبلها كاف مكسورة خفيفة من النكاية، والأول هو الذي تضافرت به الروايات خارج هذا الكتاب، والتنكيل المعاقبة. قوله: "حدثنا يحيى" كذا للأكثر غير منسوب، ولأبي ذر "حدثنا يحيى بن موسى". قوله: "إياكم والوصال مرتين" في رواية أحمد عن عبد الرزاق بهذا الإسناد "إياكم والوصال، إياكم والوصال" فدل على أن قوله مرتين اختصار من البخاري أو شيخه، وأخرجه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كما قال أحمد، ورواه ابن أبي شيبة من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ: "إياكم والوصال ثلاث مرات" وإسناده صحيح، وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه بدون قوله: "ثلاث مرات" قوله: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقين" كذا في الطريقين عن أبي هريرة في هذا الباب وقد تقدم في الباب الذي قبله من رواية في حديث أنس بلفظ: "أظل" وكذا في حديث عائشة عند الإسماعيلي، وهي

(4/206)


محمولة على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلا لا نهارا؛ وأكثر الروايات إنما هي "أبيت" وكأن بعض الرواة عبر عنها بأظل نظرا إلى اشتراكهما في مطلق الكون، يقولون كثيرا أضحى فلان كذا مثلا ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى، ومعه قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} فإن المراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل، وقد رواه أحمد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة كلهم عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني" وكذلك رواه أحمد أيضا عن ابن نمير، وأبو نعيم في "المستخرج" من طريق إبراهيم بن سعيد عن ابن نمير عن الأعمش، وأخرجه أبو عوانة عن علي بن حرب عن أبي معاوية كذلك، وأخرجه هو وابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميد عن الأعمش كذلك، ووقع لمسلم فيه شيء غريب فإنه أخرجه عن ابن نمير عن أبيه فقال بمثل حديث عمارة عن أبي زرعة ولفظ عمارة المذكور عنده "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" وقد عرفت أن رواية ابن نمير عند أحمد فيها "عند ربي" وليس ذلك في شيء من الطرق عن أبي هريرة إلا في رواية أبي صالح، ولم ينفرد بها الأعمش فقد أخرجها أحمد أيضا من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح، ووقعت في حديث غير أبي هريرة، وأخرجها الإسماعيلي في حديث عائشة أيضا عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شيبة بسنده الماضي في الباب الذي قبل هذا بلفظ: "أظل عند الله يطعمني ويسقيني"، وعن عمران بن موسى عن عثمان بلفظ: "عند ربي" ووقعت أيضا كذلك عند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من مرسل الحسن بلفظ: "إني أبيت عند ربي" واختلف في معنى قوله: "يطعمني ويسقيني" فقيل هو على حقيقته وأنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتي بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه، وتعقبه ابن بطال ومن تبعه بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا، وبأن قوله: "يظل" يدل على وقوع ذلك بالنهار فلو كان الأكل والشرب حقيقة لم يكن صائما، وأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ: "أبيت" دون أظل، وعلى تقدير الثبوت فليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى له من حمل لفظ أظل على المجاز، وعلى التنزل فلا يضر شيء من ذلك لأن ما يؤتي به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه كما غسل صدره صلى الله عليه وسلم في طست الذهب، مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية حرام. وقال ابن المنير في الحاشية: الذي يفطر شرعا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة في الجنة، والكرامة لا تبطل العبادة. وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما، ولا يلزم شيء مما تقدم ذكره، بل الرواية الصحيحة "أبيت" وأكله وشربه في الليل مما يؤتي به من الجنة لا يقطع وصاله خصوصية له بذلك، فكأنه قال لما قيل له: إنك تواصل، فقال: إني لست في ذلك كهيئتكم أي على صفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، بل إنما يطعمني ربي ويسقيني، ولا تنقطع بذلك مواصلتي، فطعامي وشرابي على غير طعامكم وشرابكم صورة ومعنى. وقال الزين بن المنير: هو محمول على أن أكله وشربه في تلك الحالة كحال النائم الذي يحصل له الشبع والري بالأكل والشرب ويستمر له ذلك حتى يستيقظ ولا يبطل بذلك صومه ولا ينقطع وصاله ولا ينقص أجره. وحاصله أنه يحمل ذلك على حالة استغراقه صلى الله عليه وسلم في أحواله الشريفة حتى لا يؤثر فيه حينئذ شيء من الأحوال البشرية. وقال الجمهور: قوله يطعمني ويسقيني مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، فكأنه قال يعطيني قوة الآكل والشارب، ويفيض علي ما يسد مسد الطعام والشراب ويقوى

(4/207)


على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة ولا كلال في الإحساس، أو المعنى إن الله يخلق فيه من الشمع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب فلا يحس بجوع ولا عطش، والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يعطي القوة من غير شبع ولا ري مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني يعطي القوة مع الشبع والري، ورجح الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم ويفوت المقصود من الصيام والوصال، لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها. قال القرطبي: ويبعده أيضا النظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجارة من الجوع. قلت: وتمسك ابن حبان بظاهر الحال فاستدل بهذا الحديث على تضعيف الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وسلم كان يجوع ويشد الحجر على بطنه من الجوع، قال: لأن الله تعالى كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل فكيف يتركه جائعا حتى يحتاج إلى شد الحجر على بطنه؟ ثم قال: وماذا يغني الحجر من الجوع؟ ثم ادعى أن ذلك تصحيف ممن رواه وإنما هي الحجز بالزاي جمع حجزة. وقد أكثر الناس من الرد عليه في جميع ذلك، وأبلغ ما يرد عليه به أنه أخرج في صحيحه من حديث ابن عباس قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهاجرة فرأى أبا بكر وعمر فقال: ما أخرجكما؟ قالا: ما أخرجنا إلا الجوع، فقال: وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع" الحديث. فهذا الحديث يرد ما تمسك به. وأما قوله وما يغني الحجر من الجوع؟ فجوابه أنه يقيم الصلب لأن البطن إذا خلا ربما ضعف صاحبه عن القيام لانثناء بطنه عليه، فإذا ربط عليه الحجر اشتد وقوى صاحبه على القيام، حتى قال بعض من وقع له ذلك: كنت أظن الرجلين يحملان البطن، فإذا البطن يحمل الرجلين. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "يطعمني ويسقيني" أي يشغلني بالتفكر في عظمته والتملي بمشاهدته والتغذي بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب. وإلى هذا جنح ابن القيم وقال: قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه، الذي قرت عينه بمحبوبه. قوله: "اكلفوا" بسكون الكاف وضم اللام1 أي احملوا المشقة في ذلك، يقال كلفت بكذا إذا ولعت به، وحكى عياض أن بعضهم قاله بهمزة قطع كسر اللام قال: ولا يصح لغة. قوله: "بما تطيقون" في رواية أحمد "بما لكم به طاقة" وكذا لمسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج.
ـــــــ
1 في مختار الصحاح: كلف بكذا أي أولع به وبابه طرب

(4/208)


50 - باب الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ
1967- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لاَ تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ
قوله: "باب الوصال إلى السحر" أي جوازه، وقد تقدم أنه قول أحمد وطائفة من أصحاب الحديث، وتقدم توجيهه، وأن من الشافعية من قال إنه ليس بوصال حقيقة.
قوله: "حدثني ابن أبي حازم" هو عبد العزيز، وشيخه يزيد

(4/208)


هو ابن عبد الله بن الهاد شيخ الليث في الباب الذي قبله في هذا الحديث بعينه، وعبد الله بن خياب بمعجمة ومحدتين الأولى مثقلة مدني من موالي الأنصار لم أر له رواية إلا عن أبي سعيد الخدري، وقد أخرج له المصنف سبعة أحاديث هذا ثانيها، وتوقف الجوزقي في معرفة حاله، ووثقه أبو حاتم الرازي وغيره، وقد وافقه على رواية حديث الوصال عن أبي سعيد بشر بن حرب أخرجه عبد الرزاق من طريقه. "تنبيه": وقع عند ابن خزيمة في حديث أبي صالح عن أبي هريرة من طريق عبيدة بن حميد عن الأعمش عنه تقييد وصال النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إلى السحر، ولفظه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السحر، ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه، فقال: يا رسول الله إنك تفعل ذلك" الحديث. وظاهره يعارض حديث أبي سعيد هذا، فإن مقتضى حديث أبي صالح النهي عن الوصال إلى السحر وصريح حديث أبي سعيد الإذن بالوصال إلى السحر، والمحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النهي عن الوصال بغير تقييد بالسحر، ولذلك اتفق عليه جميع الرواة عن أبي هريرة، فرواية عبيدة بن حميد هذه شاذة، وقد خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعمش فلم يذكر ذلك أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش كما تقدم، وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة بن حميد محفوظة فقد أشار ابن خزيمة إلى الجمع بينهما بأنه يحتمل أن يكون نهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال أولا مطلقا سواء جميع الليل أو بعضه، وعلى هذا يحمل حديث أبي صالح، ثم خص النهي بجميع الليل فأباح الوصال إلى السحر، وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد، أو يحمل النهي في حديث أبي صالح على كراهة التنزيه، والنهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم. والله أعلم.

(4/209)


51 - باب مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ
1968- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَ سَلْمَانُ"
[الحديث 1968- طرفه في 6139]
قوله: "باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له" ذكر فيه حديث ابن أبي جحيفة في قصة أبي الدرداء وسلمان، فأما ذكر القسم فلم يقع في الطريق التي ساقها كما سأبينه، وأما القضاء فلم أقف عليه في شيء من طرقه إلا أن الأصل عدمه وقد أقره الشارع، ولو كان القضاء واجبا لبينه له مع حاجته إلى البيان، وكأنه يشير إلى حديث أبي سعيد قال: "صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، فلما وضع قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله

(4/209)


صلى الله عليه وسلم: دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر وصم مكانه إن شئت" رواه إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن ابن المنكدر عنه وإسناده حسن أخرجه البيهقي، وهو دال على عدم الإيجاب، وقوله: "إذا كان أوفق له" قد يفهم أنه يرى أن الجواز وعدم القضاء لمن كان معذورا بفطره لا من تعمده بغير سبب. "تنبيه": قوله: "أوفق له" يروى بالواو الساكنة، وبالراء بدل الواو، والمعنى صحيح فيهما. الحديث:قوله: "حدثنا أبو العميس" بمهملتين مصغر، اسمه عتبة؛ ولم أر هذا الحديث إلا من روايته عن عون بن أبي جحيفة، ولا رأيت له راويا عنه إلا جعفر بن عون، وإلى تفردهما بذلك أشار البزار. قوله: "آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء" ذكر أصحاب المغازي أن المؤاخاة بين الصحابة وقعت مرتين: الأولى قبل الهجرة بين المهاجرين خاصة على المواساة والمناصرة، فكان من ذلك أخوة زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب. ثم آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجر وذلك بعد قدومه المدينة، وسيأتي في أول كتاب البيع حديث عبد الرحمن بن عوف "لما قدمنا المدينة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع" وذكر الواقدي أن ذلك كان بعد قدومه صلى الله عليه وسلم بخمسة أمهر والمسجد يبني، وقد سمى ابن إسحاق منهم جماعة منهم أبو ذر والمنذر بن عمرو، فأبو ذر مهاجري والمنذر أنصاري. وأنكره الواقدي لأن أبا ذر ما كان قدم المدينة بعد، وإنما قدمها بعد سنة ثلاث. وذكر ابن إسحاق أيضا الأخوة بين سلمان وأبي الدرداء كالذي هنا، وتعقبه الواقدي أيضا فيما حكاه ابن سعد أن سلمان إنما أسلم بعد وقعة أحد وأول مشاهده الخندق، والجواب عن ذلك كله أن التاريخ المذكور للهجرة الثانية هو ابتداء الأخوة، ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخى بين من يأتي بعد ذلك وهلم جرا، وليس باللازم أن تكون المؤاخاة وقعت دفعة واحدة حتى يرد هذا التعقب، فصح ما قاله ابن إسحاق وأيده هذا الخبر الذي في الصحيح وارتفع الإشكال بهذا التقرير ولله الحمد. واعترض الواقدي من جهة أخرى فروي عن الزهري أنه كان ينكر كل مؤاخاة وقعت بعد بدر يقول: قطعت بدر المواريث. قلت: وهذا لا يدفع المؤاخاة من أصلها، وإنما يدفع المؤاخاة المخصوصة التي كانت عقدت بينهم ليتوارثوا بها، فلا يلزم من نسخ التوارث المذكور أن لا تقع المؤاخاة بعد ذلك على المواساة ونحو ذلك. وقد جاء ذكر المؤاخاة بين سلمان وأبي الدرداء من طرق صحيحة غير هذه، وذكر البغوي في "معجم الصحابة" من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: "آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أبي الدرداء وسلمان" فذكر قصة لهما غير المذكورة هنا، وروى ابن سعد من طريق حميد بن هلال قال: "آخى بين سلمان وأبي الدرداء فنزل سلمان الكوفة ونزل أبو الدرداء الشام" ورجاله ثقات. قوله: "فزار سلمان أبا الدرداء" يعني في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد أبا الدرداء غائبا. قوله: "متبذلة" بفتح المثناة والموحدة وتشديد الذال المعجمة المكسورة أي لابسة ثياب البذلة بكسر الموحدة وسكون الذال وهي المهنة وزنا ومعنى، والمراد أنها تاركة للبس ثياب الزينة. وللكشميهني: "مبتذلة" بتقديم الموحدة والتخفيف وزن مفتعلة والمعنى واحد. وفي ترجمة سلمان من "الحلية لأبي نعيم" بإسناد آخر إلى أم الدرداء عن أبي الدرداء أن سلمان دخل عليه فرأى امرأته رثة الهيئة فذر القصة مختصرة. وأم الدرداء هذه هي خيرة بفتح المعجمة وسكون التحتانية بنت أبي حدرد الأسلمية صحابية بنت صحابي، وحديثها عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وغيره، وماتت أم الدرداء هذه قبل أبي الدرداء، ولأبي الدرداء أيضا امرأة أخرى يقال لها أم الدرداء تابعية اسمها هجيمة عاشت بعده دهرا وروت عنه، وقد تقدم ذكرها في كتاب الصلاة. قوله: "فقال لها ما شأنك" ؟ زاد الترمذي في روايته عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه: "يا أم الدرداء

(4/210)


أمتبذلة؟". قوله: "ليس له حاجة في الدنيا" في رواية الدار قطني من وجه آخر عن جعفر بن عون "في نساء الدنيا" وزاد فيه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى عن جعفر بن عون "يصوم النهار ويقوم الليل". قوله: "فجاء أبو الدرداء فصنع له" زاد الترمذي "فرحب بسلمان وقرب إليه طعاما". قوله: "فقال له كل، قال فإني صائم" كذا في رواية أبي ذر، والقائل "كل" هو سلمان والمقول له أبو الدرداء وهو المجيب بإني صائم. وفي رواية الترمذي "فقال كل فإني صائم" وعلى هذا فالقائل أبو الدرداء والمقول له سلمان وكلاهما يحتمل، والحاصل أن سلمان وهو الضيف أبي أن يأكل من طعام أبي الدرداء حتى يأكل معه، وغرضه أن يصرفه عن رأيه فيما يصنعه من جهد نفسه في العبادة وغير ذلك مما شكته إليه امرأته. قوله: "قال ما أنا بآكل حتى تأكل" في رواية البزار عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه: "فقال أقسمت عليك لتفطرن" وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى، والدار قطني من طريق علي بن مسلم وغيره والطبراني من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة والعباس بن عبد العظيم، وابن حبان من طريق أبي خثيمة كلهم عن جعفر بن عون به، فكأن محمد بن بشار لم يذكر هذه الجملة لما حدث به البخاري، وبلغ البخاري ذلك من غيره فاستعمل هذه الزيادة في الترجمة مشيرا إلى صحتها وإن لم تقع في روايته، وقد أعاده البخاري في كتاب الأدب عن محمد بن بشار بهذا الإسناد ولم يذكرها أيضا، وأغنى بذلك عن قول بعض الشراح كابن المنير: إن القسم في هذا السياق مقدر قبل لفظ: "ما أنا بآكل" كما قدر في قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها} وترجم المصنف في الأدب "باب صنع الطعام والتكلف للضعيف" وأشار بذلك إلى حديث يروي عن سلمان في النهي عن التكلف للضيف أخرجه أحمد وغيره بسند لين، والجمع بينهما أنه يقرب لضيفه ما عنده ولا يتكلف ما ليس عنده، فإن لم يكن عنده شيء فيسوغ حينئذ التكلف بالطبخ ونحوه. قوله: "فلما كان الليل" أي في أوله. وفي رواية ابن خزيمة وغيره: "ثم بات عنده". قوله: "يقوم فقال نم" في رواية الترمذي وغيره: "فقال له سلمان نم" زاد ابن سعد من وجه آخر مرسل "فقال له أبو الدرداء أتمنعني أن أصوم لربي وأصلي لربي". قوله: "فلما كان في آخر الليل" أي عند السحر، وكذا هو في رواية ابن خزيمة، وعند الترمذي "فلما كان عند الصبح" وللدار قطني "فلما كان في وجه الصبح". قوله: "فصليا" في رواية الطبراني "فقاما فتوضأا ثم ركعا ثم خرجا إلى الصلاة". قوله: "ولأهلك عليك حقا" زاد الترمذي وابن خزيمة: "ولضيفك عليك حقا" زاد الدار قطني "فصم وأفطر، وصل ونم، وأنت أهلك". قوله: "فأتى النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية الترمذي "فأتيا" بالتثنية. وفي رواية الدار قطني "ثم خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي قال له سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقا" مثل ما قال سلمان، ففي هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليهما بأنه علم بطريق الوحي ما دار بينهما، وليس ذلك في رواية محمد بن بشار، فيحتمل الجمع بين الأمرين أنه كاشفهما بذلك أو لا ثم أطلعه أبو الدرداء على صورة الحال فقال له: صدق سلمان. وروى هذا الحديث الطبراني من وجه آخر عن محمد بن سيرين مرسلا فعين الليلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدرداء ولفظه قال: "كان أبو الدرداء يحيى ليلة الجمعة ويصوم يومها، فأتاه سلمان" فذكر القصة مختصرة وزاد في آخرها "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عويمر، سلمان أفقه منك" انتهى، وعويمر اسم أبي الدرداء. وفي رواية أبي نعيم المذكورة آنفا "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أوتى سلمان من العلم" وفي رواية ابن سعد المذكورة "لقد أشبع سلمان علما". وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية المؤاخاة في الله، وزيارة الإخوان والمبيت عندهم، وجواز مخاطبة الأجنبية، والسؤال عما يترتب

(4/211)


عليه المصلحة وإن كان في الظاهر لا يتعلق بالسائل، وفيه النصح للمسلم وتنبيه من أغفل، وفيه فضل قيام آخر الليل، وفيه مشروعية تزين المرأة لزوجها، وثبوت حق المرأة على الزوج في حسن العشرة، وقد يؤخذ منه ثبوت حقها في الوطء لقوله: "ولأهلك عليك حقا" ثم قال: "وائت أهلك" وقرره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. وفيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور، وإنما الوعيد الوارد على من نهى مصليا عن الصلاة مخصوص بمن نهاه ظلما وعدوانا. وفيه كراهية الحمل على النفس في العبادة، وسيأتي مزيد بيان لذلك في الكلام على حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص. وفيه جواز الفطر من صوم التطوع كما ترجم له المصنف، وهو قول الجمهور ولم يجعلوا عليه قضاء إلا أنه يستحب له ذلك، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه ضرب لذلك مثلا كمن ذهب بمال ليتصدق به ثم رجع ولم يتصدق به أو تصدق ببعضه وأمسك بعضه، ومن حجتهم حديث أم هانئ "أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهي صائمة فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، ثم سألته عن ذلك فقال: أكنت تقضين يوما من رمضان؟ قالت لا، قال: فلا بأس" وفي رواية: "إن كان من قضاء فصومي مكانه، وإن كان تطوعا فإن شئت فاقضه وإن شئت فلا تقضه، أخرجه أحمد والترمذي والنسائي، وله شاهد من حديث أبي سعيد تقدم ذكره في أول الباب. وعن مالك الجواز وعدم القضاء بعذر، والمنع وإثبات القضاء بغير عذر. وعن أبي حنيفة يلزمه القضاء مطلقا ذكره الطحاوي وغيره وشبه بمن أفسد حج التطوع فإن عليه قضاءه اتفاقا، وتعقب بأن الحج امتاز بأحكام لا يقاس غيره عليه فيها، فمن ذلك أن الحج يؤمر مفسده بالمضي في فاسده والصيام لا يؤمر مفسده بالمضي فيه فافترقا، ولأنه قياس في مقابلة النص فلا يعتبر به، وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمن أفسد صومه بعذر، واحتج من أوجب القضاء بما روى الترمذي والنسائي من طريق جعفر بن برقان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "كنت ألا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة وكانت ببيت أبيها فقالت: يا رسول الله" فذكرت ذلك فقال: "اقضيا يوما آخر مكانه" قال الترمذي: رواه ابن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري مثل هذا، ورواه مالك ومعمر وزياد بن سعد وابن عيينة وغيرهم من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلا وهو أصح لأن ابن جريج ذكر أنه سأل الزهري عنه فقال: لم أسمع من عروة في هذا شيئا، ولكن سمعت من ناس عن بعض من سأل عائشة، فذكره ثم أسنده كذلك. وقال النسائي: هذا خطأ؛ وقال ابن عيينة في روايته: سئل الزهري عنه أهو عن عروة؟ فقال لا. وقال الخلال: اتفق الثقات على إرساله، وشذ من وصله. وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا. وقد رواه من لا يوثق به عن مالك موصولا ذكره الدار قطني في "غرائب مالك"، وبين مالك في روايته فقال: إن صيامهما كان تطوعا. وله من طريق أخرى عند أبي داود من طريق زميل عن عروة عن عائشة، وضعفه أحمد والبخاري والنسائي بجهالة حال زميل، وعلى تقدير أن يكون محفوظا فقد صح عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يفطر من صوم التطوع كما تقدمت الإشارة إليه في "باب من نوى بالنهار صوما" وزاد فيه بعضهم "فأكل ثم قال: لكن أصوم يوما مكانه" وقد ضعف النسائي هذه الزيادة وحكم يخطئها، وعلى تقدير الصحة فيجمع بينهما بحمل الأمر بالقضاء على الندب، وأما قول القرطبي: يجاب عن حديث أبي جحيفة بأن إفطار أبي الدرداء كان لقسم سلمان ولعذر الضيافة، فيتوقف على أن هذا العذر

(4/212)


من الأعذار التي تبيح الإفطار، وقد نقل ابن التين عن مذهب مالك أنه لا يفطر لضيف نزل به ولا لمن حلف عليه بالطلاق والعتاق، وكذا لو حلف هو بالله ليفطرن كفر ولا يفطر، وسيأتي بعد أبواب من حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما زار أم سليم لم يفطر" وكان صائما تطوعا، وقد أنصف ابن المنير في الحاشية فقال: ليس في تحريم الأكل في صورة النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان، وقول المهلب إن أبا الدرداء أفطر متأولا ومجتهدا فيكون معذورا فلا قضاء عليه لا ينطبق على مذهب مالك، فلو أفطر أحد بمثل عذر أبي الدرداء عنده لوجب عليه القضاء. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم صوب فعل أبي الدرداء فترقى عن مذهب الصحابي إلى نص الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال ابن عبد البر: ومن احتج في هذا بقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله. وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر. ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرضه الله عليه ولا أوجب على نفسه بنذر وغيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب وهم لا يقولون بذلك والله أعلم. "تنبيه": هذه الترجمة التي فرغنا منها الآن أول أبواب التطوع، بدأ المصنف منها بحكم صوم التطوع هل يلزم تمامه بالدخول فيه أم لا؟ ثم أورد بقية أبوابه على ما اختاره من الترتيب.

(4/213)


52 - باب صَوْمِ شَعْبَانَ
1969- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ"
[الحديث 1969- طرفاه في: 1970، 6465]
1970- حدثنا معاذ بن فضالة حدثنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة أن عائشة رضي الله عنها حدثته قالت ثم لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان كله وكان يقول خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وأحب الصلاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما دووم عليه وإن قلت وكان إذا صلى صلاة داوم عليها"
قوله: "باب صوم شعبان" أي استحبابه، وكأنه لم يصرح بذلك لما في عمومه من التخصيص وفي مطلقه من التقييد كما سيأتي بيانه. وسمي شعبان لتشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله، وقيل فيه غير ذلك.قوله: "عن أبي النضر" هو سالم المدني زاد مسلم: "مولى عمر بن عبيد الله" وفي رواية ابن وهب عند النسائي والدار قطني في "الغرائب" عن مالك عن أبي النضر أنه حدثهم. قوله: "عن عائشة" في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن عائشة حدثته، وهو في ثاني حدثني الباب. وقوله فيه: "عن يحيى عن أبي سلمة" في رواية مسلم: "عن يحيى بن أبي كثير" واتفق أبو النضر ويحيى ووافقهما محمد بن إبراهيم وزيد بن أبي عتاب عند

(4/213)


النسائي ومحمد بن عمرو عند الترمذي على روايتهم إياه عن أبي سلمة عن عائشة، وخالفهم يحيى بن سعيد وسالم بن أبي الجعد فروياه عن أبي سلمة عن أم سلمة أخرجهما النسائي. وقال الترمذي عقب طريق سالم بن أبي الجعد: هذا إسناد صحيح، ويحتمل أن يكون أبو سلمة رواه عن كل من عائشة وأم سلمة. قلت: ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيمي رواه عن أبي سلمة عن عائشة تارة وعن أم سلمة تارة أخرى أخرجهما النسائي. قوله: "أكثر صياما" كذا لأكثر الرواة بالنصب، وحكى السهيلي، أنه روى بالخفض، وهو وهم ولعل بعضهم كتب صياما بغير ألف على رأي من يقف على المنصوب بغير ألف فتوهم مخفوضا، أو أن بعض الرواة ظن أنه مضاف لأن صيغة أفعل تضاف كثيرا فتوهمها مضافة، وذلك لا يصح هنا قطعا. وقوله: "أكثر" بالنصب وهو ثاني مفعولي رأيت، وقوله: "في شعبان" يتعلق بصياما والمعنى كان يصوم في شعبان وغيره، وكان صيامه في شعبان تطوعا أكثر من صيامه فيما سواه. قوله: "من شعبان" زاد حديث يحيى بن أبي كثير "فإنه كان يصوم شعبان كله" زاد ابن أبي لبيد عن أبي سلمة عن عائشة عند مسلم: "كان يصوم شعبان إلا قليلا" ورواه الشافعي من هذا الوجه بلفظ: "بل كان يصوم الخ" وهذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داود وغيره: "أنه كان لا يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصله برمضان" أي كان يصوم معظمه، ونقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كله، ويقال قام فلان ليلته أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره، قال الترمذي: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، وحاصله أن الرواية الأولى مفسرة للثانية مخصصة لها وأن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال، واستبعده الطيبي قال: لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول ودفع التجوز، فتفسيره بالبعض مناف له، قال: فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان، وقيل المراد بقولها "كله" أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثنائه طورا فلا يخلى شيئا منه من صيام ولا يخص بعضه بصيام دون بعض. وقال الزين بن المنير: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة والمراد الأكثر وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان وأخبرت ثانيا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله ا هـ. ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم وسعد بن هشام عنها عند النسائي ولفظه: "ولا صام شهرا كاملا قط منذ قدم المدينة غير رمضان" وهو مثل حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي بعد هذا. واختلف في الحكمة في إكثاره صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان فقيل: كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث ضعيف أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن عائشة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان" وابن أبي ليلى ضعيف وحديث الباب والذي بعده دال على ضعف ما رواه، وقيل كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث آخر أخرجه الترمذي من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان قال شعبان لتعظيم رمضان" قال الترمذي حديث غريب، وصدقة عندهم ليس بذاك القوي. قلت: ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا: "أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم". وقيل الحكمة في إكثاره من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان

(4/214)


وهذا عكس ما تقدم في الحكمة في كونهن كن يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان لأنه ورد فيه أن ذلك لكونهن كن يشتغلن معه صلى الله عليه وسلم عن الصوم، وقيل الحكمة في ذلك أنه يعقبه رمضان وصومه مفترض، وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان، والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: "قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى لكن قال فيه: "إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم" ولا تعارض بين هذا وبين ما تقدم من الأحاديث في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده. وفي الحديث دليل على فضل الصوم في شعبان، وأجاب النووي عن كونه لم يكثر من الصوم في المحرم مع قوله إن أفضل الصيام ما يقع فيه بأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلا في آخر عمره فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتفق له فيه من الأعذار بالسفر والمرض مثلا ما منعه من كثرة الصوم فيه. وقد تقدم الكلام على قوله: "لا يمل الله حتى تملوا" وعلى بقية الحديث في "باب أحب الدين إلى الله أدومه" وهو في آخر كتاب الإيمان، ومناسبة ذلك للحديث الإشارة إلى أن صيامه صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يتأسى به فيه إلا من أطاق ما كان يطيق، وأن من أجهد نفسه في شيء من العبادة خشي عليه أن يمل فيفضي إلى تركه، والمداومة على العبادة وإن قلت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت، فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع غالبا، وقد تقدم الكلام على مداومته صلى الله عليه وسلم على صلاة التطوع في بابها.

(4/215)


باب مايذكر من صوم النبي و إفطاره
...
53 - باب مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِفْطَارِهِ
1971- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ مَا صَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لاَ وَاللَّهِ لاَ يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لاَ وَاللَّهِ لاَ يَصُومُ"
1972- حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يَصُومَ مِنْهُ وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ لاَ تَشَاءُ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ وَلاَ نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ"ح
1973- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنْ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلاَ مُفْطِرًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلاَ مِنْ اللَّيْلِ

(4/215)


قَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلاَ نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلاَ مَسِسْتُ خَزَّةً وَلاَ حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلاَ عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "باب ما يذكر من صوم النبي صلى الله عليه وسلم" أي التطوع "وإفطاره" أي في خلل صيامه. قال الزين بن المنبر: لم يضف المصنف الترجمة التي قبل هذه للنبي صلى الله عليه وسلم وأطلقها ليفهم الترغيب للأمة في الاقتداء به في إكثار الصوم في شعبان، وقصد بهذه شرح حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. ثم ذكر البخاري في الباب حديثين: الأول حديث ابن عباس. قوله: "عن أبي بشر" هو جعفر بن أبي وحشية. قوله: "عن سعيد بن جبير" في رواية شعبة عن أبي بشر "حدثني سعيد بن جبير" أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه، ولمسلم من طريق عثمان بن حكيم "سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب فقال: سمعت ابن عباس". قوله: "ما صام النبي صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا قط غير رمضان" في رواية شعبة عند مسلم: "ما صام شهرا متتابعا" وفي رواية أبي داود الطيالسي "شهرا تاما منذ قدم المدينة غير رمضان". قوله: "ويصوم" في رواية مسلم من الطريق التي أخرجها البخاري "وكان يصوم". قوله: "حتى يقول القائل لا والله لا يفطر" في رواية شعبة "حتى يقولوا ما يريد أن يفطر". الحديث الثاني حديث أنس. قوله: "حدثني محمد بن جعفر" أي ابن أبي كثير المدني، وحميد هو الطويل. قوله: "حتى نظن" بنون الجمع وبالتحتانية على البناء للمجهول، ويجوز بالمثناة على المخاطبة، ويؤيده قوله بعد ذلك "إلا رأيته" فإنه روي بالضم والفتح معا. قوله: "أن لا يصوم" بفتح الهمزة ويجوز في يصوم النصب والرفع. قوله: "وقال سليمان عن حميد أنه سأل أنسا في الصوم" كنت أظن أن سليمان هذا هو ابن بلال لكن لم أره بعد التتبع التام من حديثه فظهر لي أنه سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر، وقد وصل المصنف حديثه عقب هذا وفيه: "سألت أنسا عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم:" فذكر الحديث أتم من طريق محمد بن جعفر، لكن تقدم بعض هذا الحديث في الصلاة وقال فيه: "تابعه سليمان وأبو خالد الأحمر" فهذا يدل على التعدد، ويحتمل أن تكون الواو مزيدة كما تقدمت الإشارة إليه. الحديث: قوله: "ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائما إلا رأيته" يعني أن حاله في التطوع بالصيام والقيام كان يختلف، فكان تارة يقوم من أول الليل وتارة في وسطه وتارة من آخره، كما كان يصوم تارة من أول الشهر وتارة من وسطه وتارة من آخره، فكان من أراد أن يراه وقت من أوقات الليل قائما أو في وقت من أوقات الشهر صائما فراقبه المرة بعد المرة فلا بد أن يصادفه قام أو صام على وفق ما أراد أن يراه، هذا معنى الخبر، وليس المراد أنه كان يسرد الصوم ولا أنه كان يستوعب الليل قياما. ولا يشكل على هذا قول عائشة في الباب قبله "وكان إذا صلى صلاة دوام عليها" وقوله في الرواية الأخرى الآتية بعد أبواب "كان عمله ديمة" لأن المراد بذلك ما اتخذه راتبا لا مطلق النافلة، فهذا وجه الجمع بين الحديثين وإلا فظاهرهما التعارض والله أعلم. قوله: "حدثني محمد" كذا للأكثر ولأبي ذر "هو ابن سلام". قوله: "ولا مسست" بكسر المهملة الأولى على الأفصح، وكذا شممت بكسر الميم الأولى وفتحها لغة حكاها الفراء، ويقال في مضارعه أشمه وأمسه بالفتح فيهما على الأفصح وبالضم على اللغة المذكورة. قوله: "من رائحة" كذا للأكثر وللكشميهني: "من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم". وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان على أكمل الصفات خلقا وخلقا فهو كل الكمال وجل الجلال وجملة الجمال عليه أفضل الصلاة والسلام، وسيأتي شرح ما تضمنه هذا الحديث في "باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم: "في أوائل السيرة النبوية

(4/216)


إن شاء الله تعالى مستوفى. وفي حديثي الباب استحباب التنفل بالصوم في كل شهر، وأن صوم النفل المطلق لا يختص بزمان إلا ما نهى عنه، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يصم الدهر ولا قام الليل كله، وكأنه ترك ذلك لئلا يقتدي به فيشق على الأمة، وإن كان قد أعطي من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى: فصام وأفطر، وقام ونام، أشار إلى ذلك المهلب. وفي حديث ابن عباس الحلف على الشيء وإن لم يكن هناك من ينكره مبالغة في تأكيده في نفس السامع.

(4/217)


54 - باب حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ
1974- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ يَعْنِي إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَقُلْتُ وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ قَالَ نِصْفُ الدَّهْرِ"
قوله: "باب حق الضيف في الصوم" قال الزين بن المنير: لو قال حق الضيف في الفطر لكان أوضح لكنه كان لا يفهم منه تعيين الصوم فيحتاج أن يقول من الصوم. وكأن ما ترجم به أخصر وأوجز.قوله: "حدثنا إسحاق" قال أبو علي الجياني لم ينسب إسحاق هذا عن أحد منهم. قلت: لكن جزم أبو نعيم في "المستخرج "بأنه ابن راهويه لأنه أخرجه من مسنده ثم قال: أخرجه البخاري عن إسحاق، ويؤيده أن ابن راهويه لا يقول في الرواية عن شيوخه إلا صيغة الإخبار وكذلك هو هنا، وهارون بن إسماعيل شيخه هو الخزاز كان تاجرا صدوقا ليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر في الاعتكاف كلاهما من روايته عن علي بن المبارك، وقد أخرج كلا من الحديثين من غير طريقه، ويحيى هو ابن أبي كثير. قوله: "دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث" هكذا أورده مختصرا وفسر البخاري المراد منه بقوله: "يعني إن لزورك عليك حقا" إلى آخر ما ذكر من الحديث، وهو على طريقة البخاري في جواز اختصار الحديث، وقد أورده في الباب الذي يليه من طريق الأوزاعي، وأورده في الأدب من طريق حسين المعلم كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، وأورده قريبا من طريق الزهري عن أبي سلمة وسعيد ابن المسيب، ومن طريق أبي العباس الأعمى من وجهين، ومن طريق مجاهد وأبي المليح كلهم عن عبد الله ابن عمرو بن العاص بالحديث مطولا ومختصرا، ورواه جماعة من الكوفيين والبصريين والشاميين عن عبد الله ابن عمرو مطولا ومختصرا، فمنهم من اقتصر على قصة الصلاة ومنهم من اقتصر على قصة الصيام ومنهم من ساق القصة كلها، ولم أره من رواية أحد من المصريين عنه مع كثرة روايتهم عنه، وسأذكر الكلام عليه في الباب الذي يليه، وأنبه على ما في رواية كل منهم من فائدة زائدة سوى ما تقدم شرحه في أبواب التهجد، وسيأتي ما يتعلق بحق الضيف في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى وهو المستعان.

(4/217)


55 - باب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ
1975- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي

(4/217)


56 - باب صَوْمِ الدَّهْرِ
1976- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَقُولُ وَاللَّهِ لاَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلاَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ فَقُلْتُ لَهُ قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَم وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ فَقُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ"
قوله: "باب صوم الدهر" أي هل يشرع أو لا؟ قال الزين بن المنير: لم ينص على الحكم لتعارض الأدلة واحتمال أن يكون عبد الله بن عمرو خص بالمنع لما اطلع النبي صلى الله عليه وسلم عليه من مستقبل حاله، فيلتحق به من في معناه ممن يتضرر بسرد الصوم، ويبقى غيره على حكم الجواز لعموم الترغيب في مطلق الصوم كما سيأتي في الجهاد من حديث أبي سعيد مرفوعا: "من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار" . قوله: "فإنك لا تستطيع ذلك" يحتمل أن يريد به الحالة الراهنة لما علمه النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يتكلف ذلك ويدخل به على نفسه المشقة ويفوت به ما هو أهم من ذلك، ويحتمل أن يريد به ما سيأتي بعد إذا كبر وعجز كما اتفق له سواء، وكره أن يوظف على نفسه شيئا من العبادة ثم يعجز عنه فيتركه لما تقرر من ذم من فعل ذلك. قوله: "وصم من الشهر ثلاثة أيام" بعد قوله: "فصم وأفطر" بيان لما أجمل من ذلك وتقرير له على ظاهره، إذ الإطلاق يقتضي المساواة. قوله: "مثل صيام الدهر" يقتضي أن المثلية لا تستلزم التساوي من كل جهة لأن المراد به هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل، ولكن يصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازا. قوله بعد ذكر صيام داود "لا أفضل من ذلك" ليس فيه نفي المساواة صريحا، لكن قوله في الرواية الماضية في قيام الليل من طريق عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو "أحب الصيام إلى الله

(4/220)


صيام داود "يقتضي ثبوت الأفضلية مطلقا، ورواه الترمذي من وجه آخر عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "أفضل الصيام صيام داود"، وكذلك رواه مسلم من طريق أبي عياض عن عبد الله، ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضلة، وسأذكر بسط ذلك في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى.

(4/221)


57 - باب حَقِّ الأَهْلِ فِي الصَّوْمِ، رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1977- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّي اللَّيْلَ فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلاَ تُفْطِرُ وَتُصَلِّي فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا قَالَ إِنِّي لاَقْوَى لِذَلِكَ قَالَ فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَم قَالَ وَكَيْفَ قَالَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى قَالَ مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ عَطَاءٌ لاَ أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ" مَرَّتَيْنِ
قوله: "باب حق الأهل في الصوم رواه أبو جحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم" يعني حديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء التي تقدمت قبل خمسة أبواب، وفيها قول سلمان لأبي الدرداء "وإن لأهلك عليك حقا" وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقد تقدم الكلام عليه قبل. قوله: "حدثنا عمرو بن علي" الفلاس، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل وهون شيوخ البخاري الذين أكثر عنهم، وربما روي عنه بواسطة ما فاته منه كما في هذا الموضع، وكأنه اختار النزول من طريقه هذه لوقوع التصريح فيها بسماع ابن جريج له من عطاء وهو ابن أبي رباح، وأبو العباس يأتي القول فيه بعد باب. قوله: "بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أني أسرد الصوم" سبقت تسمية الذي بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأنه عمرو بن العاص والد عبد الله. قوله: "وتصلي" في رواية مسلم من وجه آخر عن ابن جريج "وتصلي الليل، فلا تفعل" قوله: "فإن لعينيك" في رواية السرخسي والكشميهني: "لعينك" بالإفراد. قوله: "عليك حظا" كذا فيه في الموضعين بالظاء المعجمة، وكذا لمسلم، وعند الإسماعيلي: "حقا" بالقاف، وعنده وعند مسلم من الزيادة "وصم من كل عشرة أيام يوما ولك أجر التسعة". قوله: "إني لأقوى لذلك" أي لسرد الصيام دائما. وفي رواية مسلم: "إني أجدني أقوى من ذلك يا نبي الله". قوله: "قال وكيف" في رواية مسلم: "وكيف كان داود يصوم يا نبي الله". قوله: "ولا يفر إذا لاقى" زاد النسائي من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة "وإذا وعد لم يخلف" ولم أرها من غير هذا الوجه، ولها مناسبة بالمقام وإشارة إلى أن سبب النهي خشية أن يعجز عن الذي يلزمه فيكون كمن وعد فأخلف، كما أن في قوله: "ولا يفر إذا لاقى" إشارة إلى حكمة صوم يوم وإفطار يوم، قال الخطابي: محصل قصة عبد الله بن عمرو أن الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه ليستبقى بعض القوة لغيره، وقد أشير إلى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في داود عليه السلام "وكان لا يفر إذا لاقى لأنه كان يتقوى بالفطر لأجل الجهاد". قوله: "قال عطاء" أي بالإسناد المذكور. قوله: "لا أدري كيف ذكر صيام الأبد الخ" أي أن عطاء لم يحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصة، إلا أنه حفظ أن فيها أنه

(4/221)


صلى الله عليه وسلم قال: "لا صام من صام الأبد" وقد روى أحمد والنسائي هذه الجملة وحدها من طريق عطاء، وسيأتي بعد باب بلفظ: "لا صام من صام الدهر". قوله: "لا صام من صام الأبد مرتين" في رواية مسلم: "قال عطاء: فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا صام من صام الأبد لا صام من صام الأبد" واستدل بهذا على كراهية صوم الدهر، قال ابن التين استدل على كراهته من هذه القصة من أوجه: نهيه صلى الله عليه وسلم عن الزيادة، وأمره بأن يصوم ويفطر وقوله: "لا أفضل من ذلك"، ودعاؤه على من صام الأبد. وقيل معنى قوله: "لا صام" النفي أي ما صام كقوله تعالى: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} وقوله في حديث أبي قتادة عند مسلم وقد سئل عن صوم الدهر "لا صام ولا أفطر" أو "ما صام وما أفطر" وفي رواية الترمذي "لم يصم ولم يفطر" وهو شك من أحد رواته ومقتضاه أنهما بمعنى واحد، والمعنى بالنفي أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته، ولم يفطر لأنه أمسك. وإلى كراهة صوم الدهر مطلقا ذهب إسحاق وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد. وشذ ابن حزم فقال يحرم، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمرو الشيباني قال: "بلغ عمر أن رجلا يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري" ومن طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نعيم كان يصوم الدهر فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمد لرجموه. واحتجوا أيضا بحديث أبي موسى رفعه: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم، وعقد بيده" أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان، وظاهره أنها تضيق عليه حصرا له فيها لتشديده على نفسه وحمله عليها ورغبته عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم واعتقاده أن غير سنته أفضل مها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد فيكون حراما. وإلى الكراهة مطلقا ذهب ابن العربي من المالكية فقال: قوله لا صام من صام الأبد إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان معناه الخير فيا ويح من أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعا لم يكتب له الثواب لوجوب صدق قوله صلى الله عليه وسلم لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل كما تقدم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب آخرون إلى جواز صيام الدهر وحملوا أخبار النهي على من صامه حقيقة فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين وهذا اختيار ابن المنذر وطائفة، وروي عن عائشة نحوه، وفيه نظر لأنه صلى الله عليه وسلم قد قال جوابا لمن سأله عن صوم الدهر "لا صام ولا أفطر" وهو يؤذن بأنه ما أجر ولا أثم، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرمة يكون قد فعل مستحبا وحراما، وأيضا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعا فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض فلم تدخل في السؤال عند من علم تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله: "لا صام ولا أفطر" لمن لم يعلم تحريمها. وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقا، وإلى ذلك ذهب الجمهور، قال السبكي: أطلق أصحابنا كراهة صوم الدهر لمن فوت حقا، ولم يوضحوا هل المراد الحق الواجب أو المندوب، ويتجه أن يقال إن علم أنه يفوت حقا واجبا حرم، وإن علم أنه يفوت حقا مندوبا أولى من الصيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة فترجم "ذكر العلة التي بها زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الدهر" وساق الحديث الذي فيه: "إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك" ومن حجتهم حديث حمزة بن عمرو الذي مضى فإن في بعض طرقه عند مسلم: "أنه قال يا رسول الله إني أسرد الصوم" فحملوا قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو "لا أفضل من ذلك" أي في حقك فيلتحق به من في معناه ممن يدخل فيه على نفسه مشقة أو يفوت حقا، ولذلك لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد فلو كان السرد ممتنعا لبينه له لأن تأخير البيان

(4/222)


عن وقت الحاجة لا يجوز قاله النووي، وتعقب بأن سؤال حمزة إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر، ولا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر فقد قال أسامة بن زيد "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسرد الصوم فيقال لا يفطر" أخرجه أحمد، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم الدهر فلا يلزم من ذكر السرد صيام الدهر، وأجابوا عن حديث أبي موسى المقدم ذكره بأن معناه ضيقت عليه فلا يدخلها، فعلى هذا تكون "على" بمعنى أي ضيقت عنه، وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مسدد. وحكى رده عن أحمد. وقال ابن خزيمة سألت المزني عن هذا الحديث فقال: يشبه أن يكون معناه ضيقت عنه فلا يدخلها، ولا يشبه أن يكون على ظاهره لأن من ازداد لله عملا وطاعة ازداد عند الله رفعة وعلته كرامة، ورجح هذا التأويل جماعة منهم الغزالي فقالوا: له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرقها بالعبادة، وتعقب بأنه ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربا. بل رب عمل صالح إذا ازداد منه ازداد بعدا كالصلاة في الأوقات المكروهة.والأولى إجراء الحديث على ظاهره وحمله على من فوت حقا واجبا بذلك فإنه يتوجه إليه الوعيد، ولا يخالف القاعدة التي أشار إليها المزني، ومن حجتهم أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق حديث الباب كما تقدم في الطريقين الماضيين "فإن الحسنة بعشرة أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر" وقوله فيما رواه مسلم: "من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر" قالوا فدل ذلك على أن صوم الدهر أفضل مما شبه به وأنه أمر مطلوب، وتعقب بأن التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جوازه فضلا عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما، ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام جميع السنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه، واختلف المجيزون لصوم الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل أو صيام يوم وإفطار يوم أفضل، فصرح جماعة من العلماء بأن صوم الدهر أفضل لأنه أكثر عملا فيكون أكثر أجرا وما كان أكثر أجرا كان أكثر ثوابا، وبذلك جزم الغزالي أولا وقيده بشرط أن لا يصوم الأيام المنهي عنها، وأن لا يرغب عن السنة بأن يجعل الصوم حجرا على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصوم من أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادة في الفضل. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن الأعمال متعارضة المصالح والمفاسد، ومقدار كل منها في الحث والمنع غير متحقق، فزيادة الأجر بزيادة العمل في شيء يعارضه اقتضاء العادة التقصير في حقوق أخرى يعارضها العمل المذكور، ومقدار الفائت من ذلك مع مقدار الحاصل غير متحقق، فالأولى التفويض إلى حكم الشارع ولما دل عليه ظاهر قوله: "لا أفضل من ذلك" وقوله: "إنه أحب الصيام إلى الله تعالى". وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية إلى أن صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث بل صريحه، ويترجح من حيث المعنى أيضا بأن صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق كما تقدم، وبأن من اعتاده فإنه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارا ويألف تناوله في الليل بحيث يتجدد له طبع زائد، بخلاف من يصوم يوما ويفطر يوما فإنه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر، وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصيام، ويأمن مع ذلك غالبا من تفويت الحقوق كما تقدمت الإشارة إلي فيما تقدم قريبا في حق داود عليه السلام، ولا يفر إذا لاقى لأن من أسباب الفرار ضعف الجسد ولا شك أن سرد الصوم ينهكه، وعلى ذلك يحمل قول ابن مسعود فيما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه أنه قيل له إنك لتقل الصيام، فقال: إني أخاف أن يضعفني عن القراءة والقراءة

(4/223)


أحب إلي من الصيام، نعم إن فرض أن شخصا لا يفوته شيء من الأعمال الصالحة بالصيام أصلا ولا يفوت حقا من الحقوق التي خوطب بها لم يبعد أن يكون في حقه أرجح، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة فترجم "الدليل على أن صيام داود إنما كان أعدل الصيام وأحبه إلى الله لأن فاعله يؤدي حق نفسه وأهله وزائره أيام فطره بخلاف من يتابع الصوم" وهذا يشعر بأن من لا يتضرر في نفسه ولا يفوت حقا أن يكون أرجح، وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال: فمن يقتضي حاله الإكثار من الصوم أكثر منه، ومن يقتضي حاله الإكثار من الإفطار أكثر منه، ومن يقتضي حاله المزج فعله، حتى أن الشخص الواحد قد تختلف عليه الأحوال في ذلك، وإلى ذلك أشار الغزالي أخيرا. والله أعلم بالصواب.

(4/224)


باب صوم يوم و إفطار يوم
...
58 - باب صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ
1978- حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن مغيرة قال سمعت مجاهدا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال صم من الشهر ثلاثة أيام قال أطيق أكثر من ذلك فما زال حتى قال صم يوما وأفطر يوما فقال اقرإ القرآن في كل شهر قال إني أطيق أكثر فما زال حتى قال في ثلاث"
قوله: "باب صوم يوم وإفطار يوم" ذكر فيه حديث عبد الله بن عمرو من طريق شعبة عن مغيرة عن مجاهد عنه مختصرا، وقد أخرجه في "فضائل القرآن" من طريق أبي عوانة عن مغيرة مطولا، وسيأتي الكلام عليه فيما يتعلق بقراءة القرآن هناك، وقد تقدم الكلام على فوائد الزيادة المتعلقة بالصيام قريبا.

(4/224)


59 - باب صَوْمِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَم
1979- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمَكِّيَّ وَكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ لاَ يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ صَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ قُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَم كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى"
1980- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَلِيحِ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي فَدَخَلَ عَلَيَّ فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ وَصَارَتْ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَقَالَ أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ خَمْسًا قُلْتُ يَا رَسُولَ

(4/224)


باب صيام أيام البيض ثلاث عشرة و أربع عشرة و خمس عشرة
...
60 - باب صِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاَثٍ صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ"
قوله: "باب صيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" كذا للأكثر وللكشميهني: "صيام أيام البيض ثلاث عشرة الخ" قيل المراد بالبيض الليالي وهي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره، حتى قال الجواليقي: من قال الأيام البيض فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ، وفيه نظر لأن الصوم الكامل هو النهار بليلته، وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قول "الأيام البيض" على الوصف. وحكى ابن بزيزة في تسميتها بيضا أقوالا أخر مستندة إلى أقوال واهية، قال الإسماعيلي وابن بطال وغيرهما: ليس في الحديث الذي أورده البخاري في هذا الباب ما يطابق الترجمة، لأن الحديث مطلق في ثلاثة أيام من كل شهر والبيض مقيدة بما ذكر، وأجيب بأن البخاري جرى على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابي، فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال: إن كنت صائما فصم الغر، أي البيض" وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافا كثيرا بينه الدار قطني، وفي بعض طرقه عند النسائي: "إن كنت صائما فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" وجاء تقييدها أيضا في حديث قتادة بن ملحان - ويقال ابن منهال - عند أصحاب السنن بلفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وقال: هي كهيئة الدهر" وللنسائي من حديث جرير مرفوعا: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر: أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة" الحديث وإسناده صحيح، وكأن البخاري أشار بالترجمة إلى أن وصية أبي هريرة بذلك لا تختص به، وأما ما رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة من حديث ابن مسعود "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر" وما روى أبو داود والنسائي من حديث حفصة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى" فقد جمع بينهما وما قبلهما البيهقي بما أخرجه مسلم من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم

(4/226)


من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أي الشهر صام "قال فكل من رآه فعل نوعا ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت. والذي يظهر أن الذي أمر به وحث عليه ووصى به أولى من غيره، وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكل ذلك في حقه أفضل، وتترجح البيض بكونها وسط الشهر ووسط الشيء أعدله، ولأن الكسوف غالبا يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع فإذا اتفق الكسوف صادف الذي يعتاد صيام البيض صائما فيتهيأ له أن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصدقة، بخلاف من لم يصمها فإنه لا يتأتى له استدراك صيامها، ولا عند من يجوز صيام التطوع بغير نية من الليل إلا إن صادف الكسوف من أول النهار، ورجح بعضهم صيام الثلاثة في أول الشهر لأن المرء لا يدري ما يعرض له من الموانع. وقال بعضهم: يصوم من أول كل عشرة أيام يوما، وله وجه في النظر، ونقل ذلك عن أبي الدرداء، وهو يوافق ما تقدم في رواية النسائي في حديث عبد الله بن عمرو "صم من كل عشرة أيام يوما" وروى الترمذي من طريق خيثمة عن عائشة "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس" وروي موقوفا وهو أشبه، وكأن الغرض به أن يستوعب غالب أيام الأسبوع بالصيام، واختار إبراهيم النخعي أن يصومها آخر الشهر ليكون كفارة لما مضى، وسيأتي ما يؤيده في الكلام على حديث عمران بن حصين في الأمر بصيام سرار الشهر. وقال الروياني صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحب. وفي كلام غير واحد من العلماء أيضا أن استحباب صيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. قوله: "حدثنا أبو معمر" هو عبد الله بن عمرو، والإسناد كله بصريون وأبو عثمان هو النهدي، وقد روى عن أبي هريرة جماعة كل منهم أبو عثمان، لكن لم يقع في البخاري حديث موصول من رواية أبي عثمان عن أبي هريرة إلا من رواية النهدي، وليس له عند البخاري سوى هذا وآخر في الأطعمة، ووقع عند مسلم عن شيبان عن عبد الوارث بهذا الإسناد فقال فيه: "حدثني أبو عثمان النهدي" وتقدم هذا الحديث في أبواب التطوع من طريق أخرى عن أبي عثمان النهدي، وقد تقدم الكلام هناك على بقية فوائده، ومما لم يتقدم منها ما نبه عليه أبو محمد بن أبي جمرة في قول أبي هريرة "أوصاني خليلي" قال في أفراده "بهذه الوصية" إشارة إلى أن القدر الموصى به هو اللائق بحاله. وفي قوله: "خليلي" إشارة إلى موافقته له في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدنيا لأن أبا هريرة صبر على الجوع في ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في أوائل البيوع من حديثه حيث قال: "أما إخواني فكان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فشابه حال النبي صلى الله عليه وسلم في إيثاره الفقر على الغنى والعبودية على الملك، قال: ويؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التحدث بالنعمة والشكر لله، لا على وجه المباهاة والله أعلم. وقال شيخنا في "شرح الترمذي" : حاصل الخلاف في تعيين البيض تسعة أقوال: أحدها لا تتعين بل يكره تعيينها وهذا عن مالك. الثاني أول ثلاثة من الشهر قاله الحسن البصري، الثالث أولها الثاني عشر. الرابع أولها الثالث عشر. الخامس أولها أول سبت من أول الشهر ثم من أول الثلاثاء من الشهر الذي يليه وهكذا وهو عن عائشة. السادس أول خميس ثم اثنين ثم خميس. السابع أول اثنين ثم خميس ثم اثنين. الثامن أول يوم والعاشر والعشرون عن أبي الدرداء. التاسع أول كل عشر عن ابن شعبان المالكي. قلت: بقي قول آخر وهو آخر ثلاثة من الشهر عن النخعي فتمت عشرة

(4/227)


باب من زار قوما و لم يفطر عندهم
...
61 - باب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ
1982- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ قَالَ أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً قَالَ مَا هِيَ قَالَتْ خَادِمُكَ أَنَسٌ فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلاَ دُنْيَا إِلاَّ دَعَا لِي بِهِ قَالَ اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصَارِ مَالًا وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ"
قال ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[الحديث 1982- أطرافه في: 6334، 6344، 6378، 6380]
قوله: "باب من زار قوما فلم يفطر عندهم" أي في التطوع، هذه الترجمة تقابل الترجمة الماضية وهي من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع، وموقعها أن لا يظن أن فطر المرء من صيام التطوع لتطييب خاطر أخيه حتم عليه، بل المرجع في ذلك إلى من علم من حاله من كل منهما أنه يشق عليه الصيام، فمتى عرف أن ذلك لا يشق عليه كان الأولى أن يستمر على صومه. قوله: "حدثني خالد هو ابن الحارث" كذا في الأصل، وبيان اسم أبيه من المصنف، كأن شيخه قال حدثنا خالد فقط فأراد بالبيان رفع الإبهام لاشتراك من يسمى خالدا في الرواية عن حميد ممن يمكن محمد بن المثنى أن يروى عنه، ولم يطرد للمصنف هذا فإنه كثيرا ما يقع له ولمشايخه مثل هذا الإبهام ولا يعتني ببيانه. ورجال إسناد هذا الحديث كلهم بصريون. قوله: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سليم" هي والدة أنس المذكور، ووقع لأحمد من طريق حماد عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم حرام" وهي خالة أنس، لكن في بقية الحديث ما يدل على أنهما معا كانتا مجتمعتين. قوله: "فأتته بتمر وسمن" أي على سبيل الضيافة. وفي قوله: "أعيدوا سمنكم في سقائه" ما يشعر بأنه كان ذائبا، وليس بلازم. قوله: "ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة" في رواية أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد "فصلى ركعتين وصلينا معه" وكأن هذه القصة غير القصة الماضية في أبواب الصلاة التي صلى فيها على الحصير وأقام أنسا خلفه وأم سليم من ورائه، لكن وقع عند أحمد في رواية ثابت المذكورة - وهو لمسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت - نحوه، ثم صلى ركعتين تطوعا فأقام أم حرام وأم سليم خلفنا وأقامني عن يمينه" ويحتمل التعدد لأن القصة الماضية لا ذكر فيها لأم حرام، ويدل على التعدد أيضا أنه هنا لم يأكل وهناك أكل. قوله: "إن لي خويصة" بتشديد الصاد وبتخفيفها تصغير خاصة، وهو مما اغتفر فيه التقاء الساكنين. وقوله: "خادمك أنس" هو عطف بيان أو بدل والخبر محذوف تقديره أطلب منك الدعاء له. ووقع في رواية ثابت المذكورة عند أحمد "إن لي خويصة خويدمك أنس ادع الله له". قوله: "خير آخرة" أي خيرا من خيرات الآخرة. قوله: "إلا دعا لي به: اللهم ارزقه مالا" كذا في الأصل، وعند أحمد من رواية عبيدة بن حميد عن حميد "إلا دعا لي

(4/228)


به، وكان من قوله: اللهم" الخ. قوله: "وبارك له" في رواية الكشميهني: "وبارك له فيه:" وقوله: "فيه: "بالإفراد نظرا إلى اللفظ، ولأحمد "فيهم" نظرا إلى المعنى، ويأتي في الدعوات من طريق قتادة عن أنس "وبارك له فيما أعطيته" وفي رواية ثابت عند مسلم: "فدعا لي بكل خير، وكان آخر ما دعا لي أن قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه:" ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة لأن المال والولد من خير الدنيا، وكأن بعض الرواة اختصره. ووقع لمسلم في رواية الجعد عن أنس "فدعا لي بثلاث دعوات قد رأيت منها اثنتين في الدنيا وأنا أرجو الثالثة في الآخرة" ولم يبينها، وهي المغفرة كما بينها سنان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عنه عن أنس قال: "اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه". قوله: "فإني لمن أكثر الأنصار مالا" زاد أحمد في رواية ابن أبي عدي "وذكر أنه لا يملك ذهبا ولا فضة غير خاتمه" يعني أن ماله كان من النقدين. وفي رواية ثابت عند أحمد "قال أنس: وما أصبح رجل من الأنصار أكثر مني مالا، قال: يا ثابت وما أملك صفراء ولا بيضاء إلا خاتمي" وللترمذي من طريق أبي خلدة "قال أبو العالية: كان لأنس بستان يحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك" ولأبي نعيم في "الحلية" من طريق حفصة بنت سيرين عن أنس قال: "وإن أرضى لتثمر في السنة مرتين، وما في البلد شيء يثمر مرتين غيرها". قوله: "وحدثتني ابنتي أمينة" بالنون تصغير آمنة "أنه دفن لصلبي" أي من ولده دون أسباطه وأحفاده. قوله: "مقدم الحجاج البصرة" بالنصب على نزع الخافض أي من أول ما مات لي من الأولاد إلى أن قدمها الحجاج. ووقع ذلك صريحا في رواية ابن أبي عدي المذكورة ولفظه: "وذكر أن ابنته الكبرى أمينة أخبرته أنه دفن لصلبه إلى مقدم الحجاج، وكان قدوم الحجاج البصرة سنة خمس وسبعين وعمر أنس حينئذ نيف وثمانون سنة، وقد عاش أنس بعد ذلك إلى سنة ثلاث ويقال اثنتين ويقال إحدى وتسعين وقد قارب المائة. قوله: "بضع وعشرون ومائة" في رواية ابن أبي عدي "نيف على عشرين ومائة" وفي رواية الأنصاري عن حميد عند البيهقي في الدلائل "تسع وعشرون ومائة" وهو عند الخطيب في رواية الآباء عن الأبناء من هذا الوجه بلفظ: "ثلاث وعشرون ومائة" وفي رواية حفصة بنت سيرين "ولقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة" وفي "الحلية" أيضا من طريق عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: "دفنت مائة لا سقطا ولا ولد ولد" ولعل هذا الاختلاف سبب العدول إلى البضع والنيف، وفي ذكر هذا دلالة على كثرة ما جاءه من الولد فإن هذا القدر هو الذي مات منهم، وأما الذين بقوا ففي رواية إسحاق ابن أبي طلحة عن أنس عند مسلم: "وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة". وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم جواز التصغير على معنى التلطف لا التحقير، وتحفة الزائر بما حضر بغير تكلف، وجواز رد الهدية إذا لم يشق ذلك على المهدي، وأن أخذ من رد عليه ذلك له ليس من العود في الهبة. وفيه حفظ الطعام وترك التفريط فيه، وجبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده بالدعاء له، ومشروعية الدعاء عقب الصلاة، وتقديم الصلاة أمام طلب الحاجة، والدعاء بخير الدنيا والآخرة، والدعاء بكثرة المال والولد وأن ذلك لا ينافي الخير الأخروي، وإن فضل التقلل من الدنيا يختلف باختلاف الأشخاص. وفيه زيارة الإمام بعض رعيته، ودخول بيت الرجل في غيبته لأنه لم يقل في طرق هذه القصة إن أبا طلحة كان حاضرا. وفيه إيثار الولد على النفس، وحسن التلطف في السؤال، وأن كثرة الموت في الأولاد لا ينافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم ولا طلب البركة فيهم لما يحصل من المصيبة بموتهم والصبر على ذلك من الثواب. وفيه التحدث بنعم

(4/229)


الله تعالى، وبمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم لما في إجابة دعوته من الأمر النادر وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد، وكون بستان المدعو له صار يثمر مرتين في السنة دون غيره. وفيه التأريخ بالأمر الشهير، ولا يتوقف ذلك على صلاح المؤرخ به، وفيه جواز ذكر البضع فيما زاد على عقد العشر خلافا لمن قصره على ما قبل العشرين. قوله: "قال ابن أبي مريم" هو سعيد، وفائدة ذكر هذه الطريق بيان سماع حميد لهذا الحديث من أنس لما اشتهر من أن حميدا كان ربما دلس عن أنس، ووقع في رواية كريمة والأصيلي في هذا الموضع "حدثنا ابن أبي مريم" فيكون موصولا.

(4/230)


62 - باب الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ
1983- حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ غَيْلاَنَ ح و حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا غَيْلاَنُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ فَقَالَ يَا أَبَا فُلاَنٍ أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ قَالَ أَظُنُّهُ قَالَ يَعْنِي رَمَضَانَ قَالَ الرَّجُلُ لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَقُلْ الصَّلْتُ أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ ثَابِتٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ"
قوله: "باب الصوم من آخر الشهر" قال الزين بن المنير: أطلق الشهر، وإن كان الذي يتحرر من الحديث أن المراد به شهر مقيد وهو شعبان إشارة منه إلى أن ذلك لا يختص بشعبان، بل يؤخذ من الحديث الندب إلى صيام أواخر كل شهر ليكون عادة للمكلف فلا يعارضه النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين لقوله فيه: "إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه".قوله: "حدثنا الصلت بن محمد" فتح الصاد المهملة وسكون اللام بعدها مثناة، بصري مشهور، وأضاف إليه رواية أبي النعمان وهو عارم لما وقع فيها من تصريح مهدي بالتحديث من غيلان، والإسناد كله بصريون. قوله: "عن مطرف" هو ابن عبد الله بن الشخير. قوله: "أنه سأله أو سأل رجلا وعمران يسمع" هذا شك من مطرف فإن ثابتا رواه عنه بنحوه على الشك أيضا أخرجه مسلم، وأخرجه من وجهين آخرين عن مطرف بدون شك على الإبهام "أنه قال لرجل" زاد أبو عوانة في مستخرجه "من أصحابه" ورواه أحمد من طريق سليمان التيمي به "قال لعمران" بغير شك. قوله: "يا فلان" كذا للأكثر، وفي نسخة من رواية أبي ذر "يا أبا فلان" بأداة الكنية. قوله: "أما صمت سرر هذا الشهر" في رواية مسلم عن شيبان عن مهدي "سره" بضم المهملة وتشديد الراء بعدها هاء، قال النووي تبعا لابن قرقول: كذا هو في جميع النسخ. انتهى. والذي رأيته في رواية أبي بكر بن ياسر الجياني ومن خطه نقلت "سرر هذا الشهر" كباقي الروايات. وفي رواية ثابت المذكورة "أصمت من سرر شعبان شيئا؟ قال لا". قوله: "قال أظنه قال يعني رمضان" هذا الظن من أبي النعمان، لتصريح البخاري في آخره بأن ذلك لم يقع في رواية أبي الصلت، وكأن ذلك وقع من أبي النعمان لما حدث به البخاري، وإلا فقد رواه الجوزقي من طريق أحمد بن يوسف السلمي عن أبي النعمان بدون ذلك وهو الصواب، ونقل الحميدي عن البخاري أنه قال: إن شعبان أصح، وقيل إن ذلك ثابت في بعض الروايات في الصحيح. وقال الخطابي: ذكر رمضان هنا وهم لأن رمضان يتعين صوم جميعه وكذا قال الداودي وابن الجوزي، ورواه مسلم أيضا من طريق ابن أخي مطرف عن

(4/230)


مطرف بلفظ: "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا" يعني شعبان، ولم يقع ذلك في رواية هدبة ولا عبد الله بن محمد بن أسماء ولا قطر بن حماد ولا عفان ولا عبد الصمد ولا غيرهم عند أحمد ومسلم والإسماعيلي وغيرهم ولا في باقي الروايات عند مسلم، ويحتمل أن يكون قوله رمضان في قوله: "يعني رمضان" ظرفا للقول الصادر منه صلى الله عليه وسلم لا لصيام المخاطب بذلك، فيوافق رواية الجريري عن مطرف فإن فيها عند مسلم: "فقال له فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه". قوله: "وقال ثابت الخ" وصله أحمد ومسلم من طريق حماد بن سلمة عنه كذلك، ووقع في نسخة الصغاني من الزيادة هنا "قال أبو عبد الله: وشعبان أصح". والسرر بفتح السين المهملة ويجوز كسرها وضمها جمع سرة ويقال أيضا سرار بفتح أوله وكسره، ورجح الفراء الفتح، وهو من الاستسرار، قال أبو عبيد والجمهور: المراد بالسرر هنا آخر الشهر، سميت بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين. ونقل أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله، ونقل الخطابي عن الأوزاعي كالجمهور، وقيل السرر وسط الشهر حكاه أبو داود أيضا ورجحه بعضهم، ووجهه بأن السرر جمع سرة وسرة الشيء وسطه، ويؤيده الندب إلى صيام البيض وهي وسط الشهر وأنه لم يرد في صيام آخر الشهر ندب، بل ورد فيه نهي خاص وهو آخر شعبان لمن صامه لأجل رمضان، ورجحه النووي بأن مسلما أفرد الرواية التي فيها سرة هذا الشهر عن بقية الروايات وأردف بها الروايات التي فيها الحض على صيام البيض وهي وسط الشهر كما تقدم، لكن لم أره في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره وهو "سرة" بل هو عند أحمد من وجهين بلفظ: "سرار" وأخرجه من طرق عن سليمان التيمي في بعضها سرر وفي بعضها سرار، وهذا يدل على أن المراد آخر الشهر، قال الخطابي قال بعض أهل العلم: سؤاله صلى الله عليه وسلم عن ذلك سؤال زجر وإنكار، لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين، وتعقب بأنه لو أنكر ذلك لم يأمره بقضاء ذلك، وأجاب الخطابي باحتمال أن يكون الرجل أوجبها على نفسه فلذلك أمره بالوفاء وأن يقضي ذلك في شوال. انتهى. وقال ابن المنير في الحاشية: قوله سؤال إنكار فيه تكلف، ويدفع في صدره قول المسئول "لا يا رسول الله" فلو كان سؤال إنكار لكان صلى الله عليه وسلم قد أنكر عليه أنه صام والفرض، أن الرجل لم يصم فكيف ينكر عليه فعل ما لم يفعله؟ ويحتمل أن يكون الرجل كانت له عادة بصيام آخر الشهر فلما سمع نهيه صلى الله عليه وسلم أن يتقدم أحد رمضان بصوم يوم أو يومين ولم يبلغه الاستثناء ترك صيام ما كان اعتاده من ذلك فأمره بقضائها لتستمر محافظته على ما وظف على نفسه من العبادة، لأن أحب العمل إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه كما تقدم. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هذا كلاما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم جوابا لكلام لم ينقل إلينا ا هـ. ولا يخفى ضعف هذا المأخذ. وقال آخرون: فيه دليل على أن النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إنما هو لمن يقصد به التحري لأجل رمضان وأما من لم يقصد ذلك فلا يتناوله النهي ولو لم يكن اعتاده، وهو خلاف ظاهر حديث النهي لأنه لم يستثن منه إلا من كانت له عادة، وأشار القرطبي إلى أن الحامل لمن حمل سرر الشهر على غير ظاهره وهو آخر الشهر الفرار من المعارضة لنهيه صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان بيوم أو يومين وقال: الجمع بين الحديثين ممكن بحمل النهي على من ليست له عادة بذلك وحمل الأمر على من له عادة حملا للمخاطب بذلك على ملازمة عادة الخير حتى لا يقطع، قال: وفيه إشارة إلى فضيلة الصوم في شعبان وأن صوم يوم منه يعدل صوم يومين في غيره أخذا من قوله في الحديث: "فصم يومين مكانه" يعني مكان اليوم الذي فوته من صيام شعبان. قلت: وهذا لا يتم إلا إن كانت عادة المخاطب بذلك أن

(4/231)


يصوم من شعبان يوما واحدا، وإلا فقوله: "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا" أعم من أن يكون عادته صيام يوم منه أو أكثر، نعم وقع في سنن أبي مسلم الكجي "فصم مكان ذلك اليوم يومين" وفي الحديث مشروعية قضاء التطوع، وقد يؤخذ منه قضاء الفرض بطريق الأولى خلافا لمن منع ذلك.

(4/232)


63 - باب صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ
1984- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ نَعَمْ زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ يَعْنِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمهٍ"
1985- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ"
1986- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ ح و حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أَصُمْتِ أَمْسِ قَالَتْ لاَ قَالَ تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا قَالَتْ لاَ قَالَ فَأَفْطِرِي وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ "أَنَّ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَتْهُ فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ"
قوله: "باب صوم يوم الجمعة، إذا أصبح صائما يوم الجمعة فعليه أن يفطر" كذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية أبي ذر وأبي الوقت زيادة هنا وهي "يعني إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم بعده" وهذه الزيادة تشبه أن تكون من الفربري أو من دونه فإنها لم تقع في رواية النسفي عن البخاري، ويبعد أن يعبر البخاري عما يقوله بلفظ: "يعني"، ولو كان ذلك من كلامه لقال: أعني، بل كان يستغني عنها أصلا ورأسا، وهذا التفسير لا بد من حمل إطلاق الترجمة عليه لأنه مستفاد من حديث جويرية آخر أحاديث الباب، إذ في الباب ثلاثة أحاديث: أولها حديث جابر وهو مطلق والتقييد فيه تفسير من أحد رواته كما سنبينه، وثانيها حديث أبي هريرة وهو ظاهر في التقييد، وثالثها حديث جويرية وهو أظهرها في ذلك. قوله: "عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة" أي ابن عثمان بن أبي طلحة الحجبي، في رواية عبد الرزاق عن ابن جريج "أخبرني عبد الحميد" أخرجه أحمد عنه ومسلم من طريقه، وكذا أخرجه أبو قرة في السنن عن ابن جريج، والنسائي من طريق حجاج بن محمد عنه، وكان ابن جريج ربما رواه عن محمد بن عباد نفسه ولم يذكر عبد الحميد، كذلك رواه يحيى بن سعيد القطان وحفص بن غياث أخرجه النسائي من طريقهما وكذا الإسماعيلي وزاد فضيل بن سليمان، وأخرجه النسائي أيضا من طريق النضر بن شميل كلهم عن ابن جريج وأومأ الإسماعيلي إلى أن في رواية البخاري عن أبي عاصم نظرا فإنه قال: رواه البخاري عن أبي عاصم" فذكر إسناده قال: وقد رويناه من طريق أبي عاصم كما قال يحيى، ثم ساقه كذلك. قال: وقد رواه أبو سعد الصغاني عن ابن جريج كم ساقه البخاري عن أبي عاصم وأبو سعد ليس كهؤلاء يعني القطان ومن تابعه. قلت: ولم

(4/232)


يصب الإسماعيلي في ذلك فإن رواية البخاري مستقيمة، وقد وافقه على الزيادة الدارمي في مسنده وأبو مسلم الكجي في سننه فأخرجاه عن أبي عاصم كما قال البخاري، وكذلك رواه أبو موسى كما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الصيام له عنه عن أبي عاصم، وكذلك أخرجه الجوزقي من طريق محمد بن عقيل بن خويلد عن أبي عاصم كذلك، وابن جريج كان ربما دلس ولهذا قال البيهقي: إن يحيى بن سعيد قصر في إسناده، لكن وقع عند النسائي من طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريج "أخبرني محمد بن عباد" فيحمل على أنه سمعه من عبد الحميد عن محمد ثم لقي محمدا فسمعه منه، أو سمع من محمد واستثبت فيه من عبد الحميد فكان يحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، ولعل السر في ذلك أنه كان عند أحدهما في المتن ما ليس عند الآخر كما سنوضحه إن شاء الله تعالى، ولم ينفرد أبو سعد بمتابعة أبي عاصم على ذكر عبد الحميد كما يوهمه كلام الإسماعيلي بل تابعهما عبد الرزاق وأبو قرة وحجاج بن محمد كما قدمت ذكره، وعبد الحميد أكثر عددا ممن رواه عنه بإسقاطه، وعبد الحميد المذكور تابعي صغير روى عن عمته صفية بنت شيبة وهي من صغار الصحابة ووثقه ابن معين وغيره، وليس له في البخاري سوى ثلاثة أحاديث هذا وآخر في بدء الخلق وآخر في الأدب. قوله: "عن محمد بن عباد" في رواية عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الحميد أن محمد بن عباد أخبره، ورجال هذا الإسناد مكيون إلا شيخ البخاري فهو بصري والصحابي فهو مدني وقد أقاما بمكة زمانا. قوله: "سألت جابرا" في رواية عبد الرزاق المذكورة وكذا في رواية ابن عيينة عن عبد الحميد عند مسلم وأحمد وغيرهما: "سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت" وزادوا أيضا في آخره قال: "نعم ورب هذا البيت" وفي رواية النسائي: "ورب الكعبة" وعزاها صاحب "العمدة" لمسلم فوهم. وفيه جواز الحلف من غير استحلاف لتأكيد الأمر، وإضافة الربوبية إلى المخلوقات المعظمة تنويها بتعظيمها، وفيه الاكتفاء في الجواب بنعم من غير ذكر الأمر المفسر بها. قوله: "زاد غير أبي عاصم يعني أن ينفرد بصومه" وفي رواية الكشميهني:" أن ينفرد بصوم "والغير المشار إليه جزم البيهقي بأنه يحيى بن سعيد القطان، وهو كما قال لكن لم يتعين، فقد أخرجه النسائي بالزيادة من طريقه ومن طريق النضر بن شميل وحفص بن غياث. ولفظ يحيى "أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن ينفرد يوم الجمعة بصوم؟ قال: أي ورب الكعبة" ولفظ حفص "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة مفردا" ولفظ النضر" أن جابرا سئل عن صوم يوم الجمعة فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرد". قوله: "لا يصوم أحدكم" كذا للأكثر وهو بلفظ النفي والمراد به النهي. وفي رواية الكشميهني: "لا يصومن" بلفظ النهي المؤكد. قوله: "إلا يوما قبله أو بعده" تقديره إلا أن يصوم يوما قبله لأن يوما لا يصح استثناؤه من يوم الجمعة. وقال الكرماني: يجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض تقديره إلا بيوم قبله وتكون الباء للمصاحبة. وفي رواية الإسماعيلي من طريق محمد بن أشكاب عن عمر بن حفص شيخ البخاري فيه: "إلا أن تصوموا قبله أو بعده " ولمسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش "لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يصوم بعده" وللنسائي من هذا الوجه "إلا أن يصوم قبله يوما أو يصوم بعده يوما" ولمسلم من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" ورواه أحمد من طريق عوف عن ابن سيرين بلفظ: "نهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم"، وله من طريق أبي الأوبر زياد الحارثي" أن رجلا قال لأبي هريرة: أنت الذي تنهى الناس عن صوم يوم الجمعة؟ قال ها ورب الكعبة ثلاثا، لقد سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يقول: لا يصوم

(4/233)


أحدكم يوم الجمعة وحده إلا في أيام معه " وله من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها" وهذه الأحاديث تقيد النهي المطلق في حديث جابر وتؤيد الزيادة التي تقدمت من تقييد الإطلاق بالإفراد، ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة، ويؤخذ منه جواز صومه لمن نذر يوم قدوم زيد مثلا أو يوم شفاء فلان. قوله: "وحدثني محمد حدثنا غندر" لم ينسب محمد المذكور في شيء من الطرق، والذي يظهر أنه بندار محمد بن بشار وبذلك جزم أبو نعيم في "المستخرج" بعد أن أخرجه من طريقه ومن طريق محمد بن المثنى جميعا عن غندر. قوله: "عن أبي أيوب" في رواية يوسف القاضي في الصيام له من طريق خالد بن الحارث عن شعبة عن قتادة "سمعت أبا أيوب" ووافقه همام عن قتادة أخرجه أبو داود وقال في روايته: "عن أبي أيوب العتكي" وهو بفتح المهملة والمثناة نسبة إلى بطن من الأزد، ويقال له أيضا المراغي بفتح الميم والراء ثم بالغين المعجمة، ورواه الطحاوي من طريق شعبة وهمام وحماد بن سلمة جميعا عن قتادة، وليس لجويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري من روايتها سوى هذا الحديث، وله شاهد من حديث جنادة بن أبي أمية عند النسائي بإسناد صحيح بمعنى حديث جويرية، واتفق شعبة وهمام عن قتادة على هذا الإسناد، وخالفهما سعيد بن أبي عروبة فقال عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على جويرية" فذكره أخرجه النسائي وصححه ابن حبان، والراجح طريق شعبة لمتابعة همام وحماد ابن سلمة له وكذا حماد بن الجعد كما سيأتي، ويحتمل أن تكون طريق سعيد محفوظة أيضا فإن معمرا رواه عن قتادة عن سعيد بن المسيب أيضا لكن أرسله. قوله: "أفطري" زاد أبو نعيم في روايته: "إذا". قوله:" وقال حماد بن الجعد الخ" وصله أبو القاسم البغوي في "جمع حديث هدبة بن خالد" قال: "حدثنا هدبة حدثنا حماد بن الجعد سئل قتادة عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم فقال حدثني أبو أيوب "فذكره وقال في آخره:" فأمرها فأفطرت "وحماد بن الجعد فيه لين، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع. واستدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام، ونقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية، وكأنه أخذه من قول ابن المنذر: ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد، وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد إفراده بالصوم فهذا قد يشعر بأنه يرى بتحريمه. وقال أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده. ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر، قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفا من الصحابة. وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه، وعن مالك وأبي حنيفة لا يكره، قال مالك: لم أسمع أحدا ممن يقتدي به ينهى عنه، قال الداودي: لعل النهي ما بلغ مالكا. وزعم عياض أن كلام مالك يؤخذ منه النهي عن إفراده لأنه كره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة فيكون له في المسألة روايتان. وعاب ابن العربي قول عبد الوهاب منهم: يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، لكونه قياسا مع وجود النص. واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة" حسنه الترمذي، وليس فيه حجة لأنه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعا بين الحديثين، ومنهم من عده من الخصائص

(4/234)


، وليس بجيد لأنها لا تثبت بالاحتمال. والمشهور عند الشافعية وجهان: أحدهما ونقله المزني عن الشافعي أنه لا يكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر، والثاني وهو الذي صححه المتأخرون كقول الجمهور واختلف في سبب النهي عن إفراده على أقوال: أحدها لكونه يوم عيد والعيد لا يصام، واستشكل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره. وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم. ثانيها لئلا يضعف عن العبادة وهذا اختاره النووي، وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه، وأجاب أنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل يوم صومه من فتور أو تقصير، وفيه نظر فإن الجيران لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع أفعال الخير فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن أعتق فيه رقبة مثلا ولا قائل بذلك. وأيضا فكأن النهي يختص بمن يخشى عليه الضعف لا من يتحقق القوة، ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه. ثالثها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت، وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام، وأيضا فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحتم صومه لأنهما لا يصومونه. وقد روى أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم من الأيام السبت والأحد وكان يقول إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم" . رابعها خوف اعتقاد وجوبه، وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس، وسيأتي ذكر ما ورد فيهما في الباب الذي يليه. خامسها خشية أن يفرض عليهم كما خشي صلى الله عليه وسلم من قيامهم الليل ذلك، قال المهلب: وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره، وبأنه لو كان كذلك لجاز بعده صلى الله عليه وسلم لارتفاع السبب، لكن المهلب حمله على ذلك اعتقاده عدم الكراهة على ظاهر مذهبه. سادسها مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم نقلها القمولي وهو ضعيف. وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب أولها، وورد فيه صريحا حديثان: أحدهما رواه الحاكم وغيره من طريق عامر بن لدين عن أبي هريرة مرفوعا: "يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده" . والثاني رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي وقال: "من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر" .

(4/235)


64 - باب هَلْ يَخُصُّ شَيْئًا مِنْ الأَيَّامِ؟
1987- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصُّ مِنْ الأَيَّامِ شَيْئًا قَالَتْ لاَ كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ؟
[الحديث 1987- طرفه في: 6466]
قوله: "باب هل يخص" بفتح أوله أي المكلف "شيئا من الأيام" وفي رواية النسفي "يخص شيء" بضم أول يخص على البناء للمجهول: شيء من الأيام، قال الزين بن المنير وغيره لم يجزم بالحكم لأن ظاهر الحديث إدامته صلى الله عليه وسلم العبادة ومواظبته على وظائفها، ويعارضه ما صح عن عائشة نفسها مما يقتضي نفي المداومة، وهو ما أخرجه مسلم

(4/235)


من طريق أبي سلمة ومن طريق عبد الله بن شقيق جميعا عن عائشة أنها "سئلت عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام ويفطر حتى نقول قد أفطر" وتقدم نحوه قريبا في البخاري من حديث ابن عباس وغيره، فأبقى الترجمة على الاستفهام ليترجح أحد الخبرين أو يتبين الجمع بينهما، ويمكن الجمع بينهما بأن قولها "كان عمله ديمة" معناه أن اختلاف حاله في الإكثار من الصوم ثم من الفطر كان مستداما مستمرا، وبأنه صلى الله عليه وسلم كان يوظف على نفسه العبادة فربما شغله عن بعضها شاغل فيقضيها على التوالي فيشتبه الحال على من يرى ذلك، فقول عائشة "كان عمله ديمة" منزل على التوظيف، وقولها "كان لا تشاء أن تراه صائما إلا رأيته" منزل على الحال الثاني، وقد تقدم نحو هذا في "باب ما يذكر من صوم النبي صلى الله عليه وسلم:" وقيل معناه أنه كان لا يقصد نفلا ابتداء في يوم بعينه فيصومه، بل إذا صام يوما بعينه كالخميس مثلا داوم على صومه. قوله: "حدثنا يحيى" هو القطان وسفيان هو الثوري ومنصور هو ابن المعتمر وإبراهيم هو النخعي وعلقمة خاله. وهذا الإسناد مما يعد من أصح الأسانيد. قوله: "هل كان يختص من الأيام شيئا: قالت لا" قال ابن التين: استدل به بعضهم على كراهة تحري صيام يوم من الأسبوع، وأجاب الزين بن المنير بأن السائل في حديث عائشة إنما سأل عن تخصيص يوم من الأيام من حيث كونها أياما، وأما ما ورد تخصيصه من الأيام بالصيام فإنما خصص لأمر لا يشاركه فيه بقية الأيام كيوم عرفة ويوم عاشوراء وأيام البيض وجميع ما عين لمعنى خاص. وإنما سأل عن تخصيص يوم لكونه مثلا يوم السبت، ويشكل على هذا الجواب صوم الاثنين والخميس فقد وردت فيهما أحاديث وكأنها لم تصح على شرط البخاري فلهذا أبقى الترجمة على الاستفهام، فإن ثبت فيهما ما يقتضي تخصيصهما استثنى من عموم قول عائشة لا. قلت: ورد في صيام يوم الاثنين والخميس عدة أحاديث صحيحة، منها حديث عائشة أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان من طريق ربيعة الجرشي عنها ولفظه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام الاثنين والخميس" وحديث أسامة "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الاثنين والخميس، فسألته فقال: إن الأعمال تعرض يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة، فعلى هذا فالجواب عن الإشكال أن يقال: لعل المراد بالأيام المسئول عنها الأيام الثلاثة من كل شهر، فكأن السائل لما سمع أنه صلى الله عليه وسلم: "كان يصوم ثلاثة أيام" ورغب في أنها تكون أيام البيض سأل عائشة: هل كان يخصها بالبيض؟ فقالت: "لا، كان عمله ديمة" تعني لو جعلها البيض لتعينت وداوم عليها، لأنه كان يحب أن يكون عمله دائما، لكن أراد التوسعة بعدم تعينها فكان لا يبالي من أي الشهر صامها كما تقدمت الإشارة إليه في "باب صيام البيض" وأن مسلما روى من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم: "كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وما يبالي من أي الشهر صام" وقد أورد ابن حبان حديث الباب وحديث عائشة في صيام الاثنين والخميس وحديثها "كان يصوم حتى نقول لا يفطر" وأشار إلى أن بينهما تعارضا ولم يفصح عن كيفية الجمع بينهما، وقد فتح الله بذلك بفضله. قوله: "يختص" في رواية جرير عن منصور في الرقاق "يخص" بغير مثناة. قوله: "ديمة" بكسر أوله وسكون التحتانية أي دائمة، قال أهل اللغة: الديمة مطر يدوم أياما، ثم أطلقت على كل شيء يستمر. قوله: "وأيكم يطيق" في رواية جرير "يستطيع" في الموضعين والمعني متقارب.

(4/236)


65 - باب صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ
1988- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَيْرٌ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ أَنَّ

(4/236)


أُمَّ الْفَضْلِ حَدَّثَتْهُ ح و حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ"
1989- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلاَبٍ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ"
قوله: "باب صوم يوم عرفة" أي ما حكمه؟ وكأنه لم تثبت الأحاديث الواردة في الترغيب في صومه على شرطه وأصحها حديث أبي قتادة "أنه يكفر سنة آتية وسنة ماضية" أخرجه مسلم وغيره، والجمع بينه وبين حديثي الباب أن يحمل على غير الحاج أو على من لم يضعفه صيامه عن الذكر والدعاء المطلوب للحاج كما سيأتي تفصيل ذلك. قوله: "حدثني سالم" هو أبو النضر المذكور في الطريق الثانية وهو بكنيته أشهر، وربما جاء باسمه وكنيته معا فيقال حدثنا سالم أبو النضر، وإنما ساق البخاري الطريق الأولى مع نزولها لما فيها من التصريح بالتحديث في المواضع التي وقعت بالعنعنة في الطريق الثانية مع علوها، وما أكثر ما يحرص البخاري على ذلك في هذا الكتاب. قوله: "عمير مولى أم الفضل" هو عمير مولى ابن عباس، فمن قال مولى أم الفضل فباعتبار أصله ومن قال مولى ابن عباس فباعتبار ما آل إليه حاله، لأن أم الفضل هي والدة ابن عباس وقد انتقل إلى ابن عباس ولاء موالي أمه. وليس لعمير في البخاري سوى هذا الحديث، وقد أخرجه أيضا في الحج في موضعين وفي الأشربة في ثلاثة مواضع، وحديث آخر تقدم في التيمم. قوله: "أن ناسا تماروا" أي اختلفوا، ووقع عند الدار قطني في "الموطآت" من طريق أبي نوح عن مالك "اختلف ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "في صوم النبي صلى الله عليه وسلم" هذا يشعر بأن صوم يوم عرفة كان معروفا عندهم معتادا لهم في الحضر، وكأن من جزم بأنه صائم استند إلى ما ألفه من العبادة، ومن جزم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافرا، وقد عرف نهيه عن صوم الفرض في السفر فضلا عن النفل. قوله: "فأرسلت" سيأتي في الحديث الذي يليه أن ميمونة بنت الحارث هي التي أرسلت، فيحتمل التعدد، ويحتمل أنهما معا أرسلتا فنسب ذلك إلى كل منهما لأنهما كانتا أختين فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها في ذلك لكشف الحال في ذلك ويحتمل العكس، وسيأتي الإشارة إلى تعيين كون ميمونة هي التي باشرت الإرسال. ولم يسم الرسول في طرق حديث أم الفضل، لكن روى النسائي من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس ما يدل على أنه كان الرسول بذلك، ويقوي ذلك أنه كان ممن جاء عنه أنه أرسل إما أمه وإما خالته. قوله: "وهو واقف على بعيره" زاد أبو نعيم في "المستخرج" من طريق يحيى بن سعيد عن مالك "وهو يخطب الناس بعرفة" وللمصنف في الأشربة من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن أبي النضر "وهو واقف عشية عرفة" ولأحمد والنسائي من طريق عبد الله بن عباس عن أمه أم الفضل "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر بعرفة". قوله: "فشربه" زاد في حديث

(4/237)


ميمونة "والناس ينظرون". قوله: "أخبرني عمرو" هو ابن الحارث، وبكير هو ابن عبد الله بن الأشج، ونصف إسناده الأول مصريون والآخر مدنيون، وقوله: "بحلاب" بكسر المهملة هو الإناء الذي يجعل فيه اللبن، وقيل الحلاب: اللبن المحلوب، وقد يطلق على الإناء ولو لم يكن فيه لبن. "تنبيه": روى الإسماعيلي حديث ابن وهب بثلاثة أسانيد: أحدها عنه عن مالك بإسناده، والثاني عنه عن عمرو بن الحارث عن سالم أبي النضر شيخ مالك فيه به، والثالث عن عمرو عن بكير به، واقتصر البخاري على أحد أسانيده اكتفاء برواية غيره كما سبق. واستدل بهذين الحديثين على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة، وفيه نظر لأن فعله المجرد لا يدل على نفي الاستحباب إذ قد يترك الشيء المستحب لبيان الجواز ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ، نعم روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم من طريق عكرمة أن أبا هريرة حدثهم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" وأخذ بظاهره بعض السلف فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: يجب فطر يوم عرفة للحاج، وعن ابن الزبير وأسامة ابن زيد وعائشة: أنهم كانوا يصومونه، وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان، وعن قتادة مذهب آخر قال: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، ونقله البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولي من الشافعية. وقال الجمهور: يستحب فطره، حتى قال عطاء من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم. وقال الطبري إنما أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ليدل على الاختيار للحاج بمكة لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة، وقيل إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة وقد نهى عن إفراده بالصوم، ويبعده سياق أول الحديث، وقيل إنما كره صوم يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعا: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام". وفي الحديث من الفوائد أن العيان أقطع للحجة وأنه فوق الخبر، وأن الأكل والشرب في المحافل مباح ولا كراهة فيه للضرورة، وفيه قبول الهدية من المرأة من غير استفصال منها هل هو من مال زوجها أو لا، ولعل ذلك من القدر الذي لا يقع فيه المشاحجة، قال المهلب: وفيه نظر لما تقدم من احتمال أنه من بيت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه تأسى الناس بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه البحث والاجتهاد في حياته صلى الله عليه وسلم، والمناظرة في العلم بين الرجال والنساء، والتحيل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال. وفيه فطنة أم الفضل لاستكشافها عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال، لأن ذلك كان في يوم حر بعد الظهيرة، قال ابن المنير في الحاشية: لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم ناول فضله أحدا، فلعله علم أنها خصته به، فيؤخذ منه مسألة التمليك المقيد. انتهى. ولا يخفى بعده ا هـ. وقد وقع في حديث ميمونة "فشرب منه" وهو مشعر بأنه لم يستوف شربه منه. وقال الزين بن المنير: لعل استبقاءه لما في القدح كان قصدا لإطالة زمن الشرب حتى يعم نظر الناس إليه ليكون أبلغ في البيان. وفيه الركوب في حال الوقوف، وقد تقدمت مباحثه في كتاب الحج، وترجم له في كتاب الأشربة "في الشرب في القدح وشرب الواقف على البعير".

(4/238)


66 - باب صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ
1990-حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ

(4/238)


صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالْيَوْمُ الْآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ
[الحديث 1990- طرفه في: 5571]
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَنْ قَالَ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ قَالَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدْ أَصَابَ
1991- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَعَنْ الصَّمَّاءِ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَوْبٍ الوَاحد"
1992- وَعَنْ صَلاَةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ
قوله: "باب صوم يوم الفطر" أي ما حكمه؟ قال الزين بن المنير: لعله أشار إلى الخلاف فيمن نذر صوم يوم فوافق يوم العيد هل ينعقد نذره أم لا؟ وسأذكر ما قيل في ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: "مولى ابن أزهر" في رواية الكشميهني: "مولى بني أزهر" وكذا في رواية مسلم، وسيأتي ذكره في آخر الكلام على الحديث. قوله: "شهدت العيد" زاد يونس عن الزهري في روايته الآتية في الأضاحي "يوم الأضحى". قوله: "هذان" فيه التغليب، وذلك أن الحاضر يشار إليه بهذا والغائب يشار إليه بذاك فلما أن جمعهما اللفظ قال: "هذان" تغليبا للحاضر على الغائب. قوله: "يوم فطركم" برفع يوم إما على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أحدهما، أو على البدل من قوله: "يومان" وفي رواية يونس المذكورة "أما أحدهما فيوم فطركم" قيل وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما وهو الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنه يستلزم النحر ويزيد فائدة التنبيه على التعليل، والمراد بالنسك هنا الذبيحة المتقرب بها قطعا، قيل ويستنبط من هذه العلة تعين السلام للفصل من الصلاة. وفي الحديث تحريم صوم يومي العيد سواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع وهو بالإجماع، واختلفوا فيمن قدم فصام يوم عيد: فعن أبي حنيفة ينعقد، وخالفه الجمهور، فلو نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر لا ينعقد النذر، وعن الحنفية ينعقد ويلزمه القضاء. وفي رواية يلزمه الإطعام، وعن الأوزاعي يقضي إلا إن نوى استثناء العيد، وعن مالك في رواية يقضي إن نوى القضاء وإلا فلا، وسيأتي في الباب الذي يليه عن ابن عمر أنه توقف في الجواب عن هذه المسألة، وأصل الخلاف في هذه المسألة أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه؟ قال الأكثر: لا، وعن محمد بن الحسن نعم، واحتج بأنه لا يقال للأعمى لا يبصر لأنه تحصيل الحاصل، فدل على أن صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن ثبت الصحة. وأجيب أن الإمكان المذكور عقلي. والنزاع في الشرعي، والمنهي عنه شرعا غير ممكن فعله شرعا. ومن حجج المانعين أن النفل المطلق إذا نهى عن فعله لم ينعقد لأن المنهي مطلوب الترك سواء كان للتحريم أو للتنزيه، والنفل مطلوب الفعل فلا يجتمع الضدان. والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين كالصلاة في الدار المغصوبة أن النهي عن الإقامة في المغصوب ليست لذات الصلاة بل للإقامة وطلب الفعل لذات العبادة، بخلاف صوم يوم النحر مثلا فإن النهي فيه لذات الصوم فافترقا. والله أعلم. قوله: "قال أبو

(4/239)


عبد الله" هو المصنف "قال ابن عيينة: من قال مولى ابن أزهر فقد أصاب، ومن قال مولى عبد الرحمن بن عوف فقد أصاب" انتهى. وكلام ابن عيينة هذا حكاه عنه علي بن المديني في "العلل" وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده عن ابن عيينة عن الزهري فقال: "عن أبي عبيد مولى ابن أزهر" وأخرجه الحميدي في مسنده عن ابن عيينة "حدثني الزهري سمعت أبا عبيد" فذكر الحديث ولم يصفه بشيء، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري فقال: "عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن ابن عوف" وكذا قال جويرية وسعيد الزبيري ومكي بن إبراهيم عن مالك حكاه أبو عمر وذكر أن ابن عيينة أيضا كان يقول فيه كذلك. وقال ابن التين: وجه كون القولين صوابا ما روي أنهما اشتركا في ولائه، وقيل يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز، وسبب المجاز إما بأنه كان يكثر ملازمة أحدهما إما لخدمته أو للأخذ عنه أو لانتقاله من ملك أحدهما إلى ملك الآخر، وجزم الزبير بن بكار بأنه كان مولى عبد الرحمن ابن عوف، فعلى هذا فنسبته إلى ابن أزهر هي المجازية ولعلها بسبب انقطاعه إليه بعد موت عبد الرحمن ابن عوف، واسم ابن أزهر أيضا عبد الرحمن وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف وقيل ابن أخيه، وقد تقدم له ذكر في الصلاة في حديث كريب عن أم سلمة، ويأتي في أواخر المغازي. قوله: "عن عمرو بن يحيى" هو المازني. قوله: "وعن الصماء" بفتح المهملة وتشديد الميم والمد. قوله: "وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد" زاد الإسماعيلي من طريق خالد الطحان عن عمرو بن يحيى "لا يواري فرجه بشيء" ومن طريق عبد العزيز بن المختار عن عمرو "ليس بين فرجه وبين السماء شيء" وفد سبق الكلام عليه في "باب ما يستر من العورة" في أوائل الصلاة، وسبق الكلام على بقية الحديث في المواقيت.

(4/240)


67 - باب صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ
1993- حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام عن ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار عن عطاء بن ميناء قال سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ يُنْهَى عَنْ صِيَامَيْنِ وَبَيْعَتَيْنِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ"
1994- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُعَاذٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَالَ أَظُنُّهُ قَالَ الِاثْنَيْنِ فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ"
[الحديث 1994- طرفاه في: 6705، 6706]
1995- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ قَزَعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ سَمِعْتُ أَرْبَعًا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْجَبْنَنِي قَالَ لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إِلاَّ وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ وَلاَ صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ

(4/240)


الْفِطْرِ وَالأَضْحَى وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلاَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَلاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا"
قوله: "باب صوم يوم النحر" في رواية الكشميهني: "باب الصوم"، والقول فيه كالقول في الذي قبله. قوله: "أخبرنا هشام" هو ابن يوسف. قوله: "ينهي" كذا هنا بضم أوله على البناء للمجهول، ووقع هذا الحديث هنا مختصرا، وسيأتي الكلام على تفسير الملامسة والمنابذة في البيوع إن شاء الله تعالى. قوله: "حدثنا معاذ" هو ابن معاذ العنبري، وابن عون هو عبد الله، والإسناد بصريون، وزياد ابن جبير بالجيم والموحدة مصغرا أي ابن حية بالمهملة والتحتانية الثقيلة. قوله: "جاء رجل إلى ابن عمر" لم أقف على اسمه، ووقع عند أحمد عن هشيم عن يونس بن عبيد عن زياد بن جبير "رأيت رجلا جاء إلى ابن عمر" فذكره. وأخرج ابن حبان من طريق كريمة بنت سيرين أنها سألت ابن عمر فقالت: "جعلت على نفسي أن أصوم كل يوم أربعاء واليوم يوم الأربعاء وهو يوم النحر، فقال: أمر الله بوفاء النذر" الحديث، وله عن إسماعيل عن يونس بسنده "سأل رجل ابن عمر وهو يمشي بمنى". قوله: "أظنه قال الاثنين" ولمسلم من طريق وكيع عن ابن عون "نذرت أن أصوم يوما" ولم يعينه، وعند الإسماعيلي من طريق النضر بن شميل عن ابن عون "نذر أن يصوم كل اثنين أو خميس" ومثله لأبي عوانة من طريق شعبة عن يونس بن عبيد عن زياد لكن لم يقل "أو خميس" وفي رواية يزيد بن زريع عن يونس ابن عبيد عند المصنف في النذر "أن أصوم كل ثلاثاء وأربعاء" ومثله للدار قطني من رواية هشيم المذكورة لكن لم يذكر الثلاثاء، وللجوزقي من طريق أبي قتيبة عن شعبة عن يونس "أنه نذر أن يصوم كل جمعة" ونحوه لأبي داود الطيالسي في مسنده عن شعبة. قوله: "فوافق ذلك يوم عيد" لم يفسر العيد في هذه الرواية، ومقتضى إدخاله هذا الحديث في ترجمة صوم يوم النحر أن يكون المسئول عنه يوم النحر، وهو مصرح به في رواية يزيد بن زريع المذكورة ولفظه: "فوافق يوم النحر" ومثله في رواية أحمد عن إسماعيل بن علية عن يونس. وفي رواية وكيع "فوافق يوم أضحى أو فطر". وللمصنف في النذور من طريق حكيم بن أبي حرة عن ابن عمر مثله، وهو محتمل أن يكون للشك أو للتقسيم. قوله: "أمر الله بوفاء النذر الخ" قال الخطابي: تورع ابن عمر عن قطع الفتيا فيه، وأما فقهاء الأمصار فاختلفوا. قلت: وقد تقدم شرح اختلافهم قبل، وتقدم عن ابن عمر قريب من هذا في كتاب الحج في "باب متى يحل المعتمر" وأمره في التورع عن بت الحكم ولا سيما عند تعارض الأدلة مشهور. وقال الزين بن المنير: يحتمل أن يكون ابن عمر أراد أن كلا من الدليلين يعمل به فيصوم يوما مكان يوم النذر ويترك الصوم يوم العيد فيكون فيه سلف لمن قال بوجوب القضاء. وزعم أخوه ابن المنير في الحاشية أن ابن عمر نبه على أن الوفاء بالنذر عام والمنع من صوم العيد خاص، فكأنه أفهمه أنه يقضي بالخاص على العام، وتعقبه أخوه بأن النهي عن صوم يوم العيد أيضا عموم للمخاطبين ولكل عيد فلا يكون من حمل الخاص على العام، ويحتمل أن يكون ابن عمر أشار إلى قاعدة أخرى وهي أن الأمر والنهي إذا التقيا في محل واحد أيهما يقدم؟ والراجح يقدم النهي فكأنه قال لا تصم. وقال أبو عبد الملك: توقف ابن عمر يشعر بأن النهي عن صيامه ليس لعينه. وقال الداودي: المفهوم من كلام ابن عمر تقديم النهي لأنه قد روي أمر من نذر أن يمشي في الحج بالركوب فلو كان يجب الوفاء به لم يأمره بالركوب.قوله: "سمعت قزعة" بفتح القاف

(4/241)


والزاي هو ابن يحيى، وقد تقدم الكلام على حديث أبي سعيد مفرقا: أما سفر المرأة ففي الحج، وأما الصلاة بعد الصبح والعصر ففي المواقيت، وأما شد الرحال ففي أواخر الصلاة، وأما الصوم وهو الغرض من إيراد هذا الحديث هنا فقد تقدم حكمه. واستدل به على جواز صيام أيام التشريق للاقتصار فيه على ذكر يومي الفطر والنحر خاصة، وسيأتي البحث في ذلك في الباب الذي يليه.

(4/242)


68 - باب صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
1996- وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ بِمِنًى وَكَانَ أَبُوهَا يَصُومُهَا"
1997-1998- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسى بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالاَ لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ"
1999- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى" وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ
قوله: "باب صيام أيام التشريق" أي الأيام التي بعد يوم النحر، وقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة، وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي تنشر في الشمس، وقيل لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل التشريق التكبير دبر كل صلاة، وهل تلتحق بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج أو يجوز صيامها مطلقا أو للمتمتع خاصة أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، فإنه ذكر في الباب حديثي عائشة وابن عمر في جواز ذلك ولم يورد غيره، وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقا، وعن علي وعبد الله بن عمرو ابن العاص المنع مطلقا وهو المشهور عن الشافعي وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد للهدي، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره يصومها أيضا المحصر والقارن، وحجة من منع حديث نبيشة الهذلي عند مسلم مرفوعا: "أيام التشريق أيام أكل وشرب" وله من حديث كعب بن مالك "أيام منى أيام أكل وشرب" ومنها حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق "إنها الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن وأمر بفطرهن" أخرجه أبو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم. قوله: "قال لي محمد بن المثنى" كأنه لم يصرح فيه بالتحديث لكونه موقوفا على عائشة كما عرف من عادته بالاستقراء، ويحيى المذكور في الإسناد هو القطان وهشام هو ابن عروة. قوله: "أيام منى" في رواية المستملي: "أيام التشريق بمنى". قوله: "وكان أبوه يصومها" هو كلام القطان، والضمير

(4/242)


لهشام بن عروة، وفاعل يصومها هو عروة، والضمير فيه لأيام التشريق. ووقع في رواية كريمة: "وكان أبوها" وعلى هذا فالضمير لعائشة وفاعل يصومها هو أبو بكر الصديق. قوله: "سمعت عبد الله بن عيسى" زاد في رواية الكشميهني بن أبي ليلى وأبو ليلى جد أبيه فهو عبد الله ابن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ابن أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه المشهور، وكان عبد الله أسن من عمه محمد وكان يقال إنه أفضل من عمه، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في أحاديث الأنبياء من روايته عن جده عبد الرحمن عن كعب بن عجرة. قوله: "عن الزهري" في رواية الدار قطني من طريق النضر بن شميل عن شعبة عن عبد الله بن عيسى "سمعت الزهري". قوله: "وعن سالم" هو من رواية الزهري عن سالم فهو موصول. قوله: "قالا لم يرخص" كذا رواه الحفاظ من أصحاب شعبة بضم أوله على البناء لغير معين، ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدار قطني واللفظ له والطحاوي "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق" وقال أن يحيى بن سلام ليس بالقوي، ولم يذكر طريق عائشة، وأخرجه من وجه آخر ضعيف عن الزهري عن عروة عن عائشة، وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع بقي الأمر على الاحتمال، وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي "أمرنا بكذا ونهينا عن كذا" هل له حكم الرفع على أقوال ثالثها إن أضافه إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع وإلا فلا، واختلف الترجيح فيما إذا لم يضفه، ويلتحق به "رخص لنا في كذا وعزم علينا أن لا نفعل كذا" كل في الحكم سواء، فمن يقول إن له حكم الرفع فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنه روى بالمعنى، لكن قال الطحاوي إن قول ابن عمر وعائشة "لم يرخص" أخذاه من عموم قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} لأن قوله: {فِي الْحَجِّ} يعم ما قبل يوم النحر وما بعده فيدخل أيام التشريق، فعلى هذا فليس بمرفوع بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهماه من عموم الآية، وقد ثبت نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق وهو عام في حق المتمتع وغيره، وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعا فكيف وفي كونه مرفوعا نظر؟ فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح البخاري. والله أعلم. قوله في طريق عبد الله بن عيسى "إلا لمن لم يجد الهدي" في رواية أبي عوانة عن عبد الله بن عيسى عند الطحاوي "إلا لمتمتع أو محصر". قوله: "فإن لم يجد" في رواية الحموي "فإن لم يجد" وكذا هو في "الموطأ". قوله: "وتابعه إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب" وصله الشافعي قال: "أخبرني إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة في المتمتع إذا لم يجد هديا لم يصم قبل عرفة فليصم أيام منى" وعن سالم عن أبيه مثله، ووصله الطحاوي من وجه آخر عن ابن شهاب بالإسنادين بلفظ: "إنهما كانا يرخصان للمتمتع" فذكر مثله لكن قال: "أيام التشريق" وهذا يرجح كونه موقوفا لنسبة الترخيص إليهما، فإنه يقوي أحد الاحتمالين في رواية عبد الله بن عيسى حيث قال فيها "لم يرخص" وأبهم الفاعل فاحتمل أن يكون مرادهما من له الشرع فيكون مرفوعا أو من له مقام الفتوى في الجملة فيحتمل الوقف، وقد صرح يحيى بن سلام بنسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم بن سعد بنسبة ذلك إلى ابن عمر وعائشة، ويحيى ضعيف وإبراهيم من الحفاظ فكانت روايته أرجح، ويقويه رواية مالك وهو من حفاظ أصحاب الزهري فإنه مجزوم عنه بكونه موقوفا والله أعلم. واستدل بهذا الحديث على أن أيام التشريق ثلاثة غير يوم عيد الأضحى لأن يوم العيد لا يصام بالاتفاق وصيام أيام التشريق هي المختلف في

(4/243)


جوازها، والمستدل بالجواز أخذه من عموم الآية كما تقدم فاقتضى ذلك أنها ثلاثة لأنه القدر الذي تضمنته الآية.والله أعلم.

(4/244)


69 - باب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
2000- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنْ شَاءَ صَامَ"
2001- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ"
2002- حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت ثم كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه"
2003- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ"
2004- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى قَالَ فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ"
[الحديث 2004- أطرافه في: 3397، 3943، 3680، 3737]
2005- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَصُومُوهُ أَنْتُمْ"
[الحديث 2005- طرفه في: 3942]

(4/244)


2006- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلاَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ"
2007- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ"
قوله: "باب صيام يوم عاشوراء" أي ما حكمه. وعاشوراء بالمد على المشهور، وحكى فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلامي وأنه لا يعرف في الجاهلية، ورد ذلك عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه. انتهى. وهذا الأخير لا دلالة فيه على رد ما قال ابن دريد. واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر هو اليوم العاشر، قال القرطبي عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإن قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علما على اليوم العاشر، وذكر أبو منصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا وضاروراء وساروراء ودالولاء من الضار والسار والدال، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر وهذا قول الخليل وغيره: وقال الزين ابن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، وقيل هو اليوم التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذا من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا وردنا عشرا بكسر العين، وكذلك إلى الثلاثة، وروى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج "انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما، قلت أهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال نعم" وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين بن المنير: قوله إذا أصبحت من تاسعه فأصبح يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائما بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة. قلت: ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فمات قبل ذلك" فإنه ظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم العاشر وهم بصوم التاسع فمات قبل ذلك، ثم ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطا له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم، ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا يوما قبله أو يوما بعده، وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة

(4/245)


أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذلك، فوافقهم أولا وقال: نحن أحق بموسى منكم، ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم، ويؤيده رواية الترمذي من طريق أخرى بلفظ: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء يوم العاشر" وقال بعض أهل العلم: قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع" يحتمل أمرين، أحدهما أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع، والثاني أراد أن يضيفه إليه في الصوم، فلما توفي صلى الله عليه وسلم قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين، وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر والله أعلم. ثم بدأ المصنف بالأخبار الدالة على أنه ليس بواجب، ثم بالأخبار الدالة على الترغيب في صيامه. حديث ابن عمر أورده من رواية عمر بن محمد أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر عن عم أبيه سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وقد أخرجه مسلم عن أحمد بن عثمان النوفلي عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه وصرح بالتحديث في جميع إسناده. قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يوم عاشوراء إن شاء صام" كذا وقع في جميع النسخ من البخاري مختصرا، وعند ابن خزيمة في صحيحه عن أبي موسى عن أبي عاصم بلفظ: "إن اليوم يوم عاشوراء فمن شاء فليصمه ومن شاء فليفطره" وعند الإسماعيلي قال: "يوم عاشوراء من شاء صامه ومن شاء أفطره" وفي رواية مسلم: "ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء فقال: كان يوم يصومه أهل الجاهلية، فمن شاء صامه ومن شاء تركه" وقد تقدم في أول كتاب الصيام من طرق أيوب عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك" فيحمل حديث سالم على ثاني الحال التي أشار إليها نافع في روايته، ويجمع بين الحديثين بذلك. حديث عائشة من طريقين: الأولى طريق الزهري قال أخبرني عروة، وهو موافق لرواية نافع المذكورة. والثانية من رواية هشام عن أبيه مثله وفيها زيادة "إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه في الجاهلية" أي قبل أن يهاجر إلى المدينة، وأفادت تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء وقد كان أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلا في سنة واحدة ثم فرض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعي أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة، ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء لكن انقرض القائلون بذلك، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم ثم انقرض القول بذلك، وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، ثم رأيت في المجلس الثالث من "مجالس الباغندي الكبير" عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك، هذا أو معناه. حديث معاوية من طريق ابن شهاب عن حميد ابن عبد الرحمن أي ابن عوف عنه، هكذا رواه مالك وتابعه يونس وصالح بن كيسان وابن عيينة وغيرهم. وقال الأوزاعي "عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن "وقال النعمان بن راشد" عن الزهري عن السائب بن يزيد "كلاهما عن معاوية، والمحفوظ رواية الزهري عن حميد بن عبد الرحمن قاله النسائي وغيره، ووقع

(4/246)


عند مسلم في رواية يونس عن الزهري "أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية". قوله: "عام حج على المنبر" زاد يونس "بالمدينة" وقال في رواية: "في قدمة قدمها" وكأنه تأخر بمكة أو المدينة حجته إلى يوم عاشوراء، وذكر أبو جعفر الطبري أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين والذي يظهر أن المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة. قوله: "أين علماؤكم" ؟ في سياق هذه القصة إشعار بأن معاوية لم ير لهم اهتماما بصيام عاشوراء، فلذلك سأل عن علماؤهم، أو بلغه عمن يكره صيامه أو يوجبه. قوله: "ولم يكتب الله عليكم صيامه الخ" هو كله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما بينه النسائي في روايته، وقد استدل به على أنه لم يكن فرضا قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى:
{ كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ثم فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخا، ويؤيد ذلك أن معاوية إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني، ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: "لما فرض رمضان ترك عاشوراء" مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق ولا سيما استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر" ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ حديث ابن عباس في سبب صيام عاشوراء. قوله: "عن أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه" وقع في رواية ابن ماجة من وجه آخر "عن أيوب عن سعيد بن جبير" والمحفوظ أنه عند أيوب بواسطة وكذلك أخرجه مسلم. قوله: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم" في رواية مسلم: "فوجد اليهود صياما". قوله: "فقال ما هذا" في رواية مسلم: "فقال لهم ما هذا" وللمصنف في تفسير طه من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير فسألهم. قوله: "هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم" في رواية مسلم: "هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فرعون وقومه". قوله: "فصامه موسى" زاد مسلم في روايته: "شكرا لله تعالى فنحن نصومه" وللمصنف في الهجرة في رواية أبي بشر "ونحن نصومه تعظيما له" ولأحمد من طريق شبيل بن عوف عن أبي هريرة نحوه وزاد فيه: "وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكرا" وقد استشكل ظاهر الخبر لاقتضائه أنه صلى الله عليه وسلم حين قدومه المدينة وجد اليهود صياما يوم عاشوراء، وإنما قدم المدينة في ربيع الأول، والجواب عن ذلك أن المراد أن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة لا أنه قبل أن يقدمها علم ذلك، وغايته أن في الكلام حذفا تقديره قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صياما، ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه صلى الله عليه وسلم المدينة، وهذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين وأحقيتهم بموسى عليه الصلاة والسلام لإضلالهم اليوم المذكور وهداية الله للمسلمين له، ولكن سياق الأحاديث تدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول. ثم وجدت في

(4/247)


"المعجم الكبير" للطبراني ما يؤيد الاحتمال المذكور أولا، وهو ما أخرجه في ترجمة زيد بن ثابت من طريق أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: "ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقوله الناس، إنما كان يوم تستر فيه الكعبة، وكان يدور في السنة، وكانوا يأتون فلانا اليهودي - يعني ليحسب لهم - فلما مات أتوا زيد ابن ثابت فسألوه "وسنده حسن، قال شيخنا الهيثمي في زوائد المسانيد: لا أدري ما معنى هذا. قلت: ظفرت بمعناه في كتاب" الآثار القديمة لأبي الريحان البيروني "فذكر ما حاصله: أن جهلة اليهود يعتمدون في صيامهم وأعيادهم حساب النجوم، فالسنة عندهم شمسية لا هلالية. قلت: فمن ثم احتاجوا إلى من يعرف الحساب ليعتمدوا عليه في ذلك. قوله: "وأمر بصيامه" للمصنف في تفسير يونس من طريق أبي بشر أيضا: "فقال لأصحابه أنتم أحق بموسى منهم فصوموا" واستشكل رجوعه إليهم في ذلك، وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحى إليه بصدقهم أو تواتر عنده الخبر بذلك، زاد عياض أو أخبره به من أسلم منهم كابن سلام، ثم قال: ليس في الخبر أنه ابتدأ الأمر بصيامه، بل في حديث عائشة التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك، فغاية ما في القصة أنه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم، وإنما هي صفة حال وجواب سؤال، ولم تختلف الروايات عن ابن عباس في ذلك، ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة "إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه" كما تقدم إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك، قال القرطبي: لعل قريشا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج، أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل ذلك أن يكون ذلك استئلافا لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك. وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهما فإنه كان يصومه قبل ذلك وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه. وقد أخرج مسلم من طريق أبي غطفان - بفتح المعجمة ثم المهملة بعدها فاء - ابن طريف بمهملة وزن عظيم "سمعت ابن عباس يقول: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا أنه يوم تعظمه اليهود والنصارى" الحديث. واستشكل بأن التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون يختص بموسى واليهود، وأجيب باحتمال أن يكون عيسى كان يصومه وهو مما لم ينسخ من شريعة موسى لأن كثيرا منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله تعالى: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم} ويقال إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من التوراة. وقد أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس زيادة في سبب صيام اليهود له وحاصلها أن السفينة استوت على الجودي فيه فصامه نوح وموسى شكرا، وقد تقدمت الإشارة لذلك قريبا، وكأن ذكر موسى دون غيره هنا لمشاركته لنوح في النجاة وغرق أعدائهما. أبي موسى هو الأشعري قال: "كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فصوموه أنتم" وفي رواية مسلم: "كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود تتخذه عيدا" فظاهره أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى، لكن لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم بأنه عيد أنهم كانوا لا يصومونه فلعلهم كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أن يصوموه، وقد ورد ذلك صريحا في حديث أبي موسى هذا فيما أخرجه المصنف في الهجرة بلفظ: "وإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه" ولمسلم من وجه آخر عن قيس بن مسلم بإسناده قال: "كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم" وهو بالشين المعجمة

(4/248)


أي هيئتهم الحسنة، وقوله: "هذا يوم" الإشارة إلى نوع اليوم لا إلى شخصه، ومثله قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} فيما ذكره الفخر الرازي في تفسيره. حديث ابن عباس أيضا من طريق ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد، وقد رواه أحمد عن ابن عيينة قال: "أخبرني عبيد الله ابن أبي يزيد منذ سبعين سنة". قوله: "ما رأيت الخ" هذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان، لكن ابن عباس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره، وقد روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعا: "إن صوم عاشوراء يكفر سنة، وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين" وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام ويوم عرفة منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك كان أفضل. قوله: "يتحرى" أي يقصد. قوله: "وهذا الشهر يعني شهر رمضان" كذا ثبت في جميع الروايات وكذا هو عند مسلم وغيره، وكأن ابن عباس اقتصر على قوله: "وهذا الشهر" وأشار بذلك إلى شيء مذكور كأنه تقدم ذكر رمضان وذكر عاشوراء أو كانت المقالة في أحد الزمانين وذكر الآخر فلهذا قال الراوي عنه: يعني رمضان. أو أخذه الراوي من جهة الحصر في أن لا شهر يصام إلا رمضان لما تقدم له عن ابن عباس أنه كان يقول: "لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم صام شهرا كاملا إلا رمضان" وإنما جمع ابن عباس بين عاشوراء ورمضان - وإن كان أحدهما واجبا والآخر مندوبا - لاشتراكهما في حصول الثواب، لأن معنى "يتحرى" أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه. حديث سلمة بن الأكوع في الأمر بصوم عاشوراء، وقد تقدم في أثناء الصيام في "باب إذا نوى بالنهار صوما" وأخرجه عاليا أيضا ثلاثيا وقد تقدم الكلام عليه هناك، واستدل به على إجزاء الصوم بغير نية لمن طرأ عليه العلم بوجوب صوم ذلك اليوم كمن ثبت عنده في أثناء النهار أنه من رمضان فإنه يتم صومه ويجزئه، وقد تقدم البحث في ذلك والرد على من ذهب إليه، وأن عند أبي داود وغيره أمر من كان أكل بقضاء ذلك اليوم مع الأمر بإمساكه. والله أعلم. "خاتمة": اشتمل كتاب الصيام من أوله إلى هنا على مائة وسبعة وخمسين حديثا. المعلق منها ستة وثلاثون حديثا والبقية موصولة، والمكرر منها فيه وفيما مضى ثمانية وستون حديثا، والخالص تسعة وثمانون حديثا، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة "من لم يدع قول الزور" وحديث عمار في صوم يوم الشك، وحديث أنس "آلى من نسائه" وحديث أبي هريرة في الأمر بفطر الجنب، وحديث عامر ابن ربيعة في السواك، وحديث عائشة "السواك مطهرة للفم" وحديث أبي هريرة "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" فالذي خرجه مسلم بلفظ: "عند كل صلاة" وحديث جابر فيه، وحديث زيد بن خالد فيه، وحديث أبي هريرة "من أفطر في رمضان" وحديث الحسن عن غير واحد "أفطر الحاجم والمحجوم" وجميع ذلك سوى الأول معلقات، وحديث ابن عباس "احتجم وهو صائم" وحديث أنس في كراهة الحجامة للصائم، وحديث ابن عمر في نسخ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} وحديث سلمة بن الأكوع في ذلك، وحديث ابن أبي ليلى عن الصحابي في تحويل الصيام، وحديث أبي هريرة في التفريط، وحديث النهي عن الوصال إبقاء عليهم، وهذه الثلاثة معلقات، وحديث أبي سعيد في النهي عن الوصال، وحديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء، وحديث أنس في الدخول على أم سليم، وحديث جويرية في صوم يوم الجمعة، وحديث ابن عمر في نذر صوم يوم العيد، وحديثه في صيام أيام التشريق، وحديث عائشة في ذلك على شك في رفعهما. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ستون أثرا أكثرها معلق واليسير منها موصول. والله أعلم.

(4/249)