Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب البيوع
باب {فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله}
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
34- كِتَاب الْبُيُوعِ
وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [275 البقرة] {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}
وَقَوْلُهُ [282 البقرة] {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم "كتاب البيوع" وقول الله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} و قوله: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} كذا للأكثر، ولم يذكر النسفي ولا أبو ذر الآيتين والبيوع جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه. والبيع نقل ملك إلى الغير بثمن، والشراء قبوله، ويطلق كل منهما على الآخر. وأجمع المسلمون على جواز البيع والحكمة تقتضيه لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبا وصاحبه قد لا يبذله له ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج، والآية الأولى أصل في جواز البيع، وللعلماء فيها أقوال أصحها أنه عام مخصوص، فإن اللفظ لفظ عموم يتناول كل بيع فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشارع بيوعا أخرى وحرمها فهو عام في الإباحة مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه. وقيل عام أريد به الخصوص، وقيل مجمل بينته السنة، وكل هذه الأقوال تقتضي أن المفرد المحلى بالألف واللام يعم. والقول الرابع أن اللام في البيع للعهد وأنها نزلت بعد أن أباح الشرع بيوعا وحرم بيوعا فأريد بقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} أي الذي أحله الشرع من قبل. ومباحث الشافعي وغيره تدل على أن البيوع الفاسدة تسمى بيعا وإن كانت لا يقع بها الحنث لبناء الأيمان على العرف والآية الأخرى تدل على إباحة التجارة في البيوع الحالة وأولها في البيوع المؤجلة.
1 - باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وَقَوْلِهِ {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}
2047- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُونَ مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لاَ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنْ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ وَقَدْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ

(4/287)


ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلاَّ وَعَى مَا أَقُولُ فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ"
2048- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا قَالَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لاَ حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ قَالَ سُوقُ قَيْنُقَاعٍ قَالَ فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ قَالَ ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَزَوَّجْتَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَمَنْ قَالَ امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ قَالَ كَمْ سُقْتَ قَالَ زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ"
[الحديث 2048-طرفه في: 3780]
2049- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ فَمَكَثْنَا يَسِيرًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْيَمْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ قَالَ مَا سُقْتَ إِلَيْهَا قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ
[الحديث 2049- أطرافه في 2293، 3781، 3937، 5073، 5148، 5153، 5155، 5167، 6082، 6386]
2050- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الإِسْلاَمُ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ فَنَزَلَتْ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ"
قوله باب ما جاء في قول الله عز وجل: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} إلى آخر السورة كذا لأبي ذر وللنسفى الآيتين أي إلى آخر الآيتين وساق في رواية كريمة الآيتين بتمامهما قوله وقوله: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ؤوالاية الأولى يؤخذ منها مشروعية البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل لأنه يشمل التجارة وانواع التكسب واختلف في الأمر المذكور فالأكثر على أنه للإباحة ونكتتها مخالفة أهل الكتاب في منع ذلك يوم السبت فلم يحظر ذلك على المسلمين وقال

(4/288)


الداودي الشارح هو على الإباحة لمن له كفاف ولم لا يطيق التكسب وعلى الوجوب للقادر الذي لا شيء عنده لئلا يحتاج إلى السؤال وهو محرم عليه مع القدرة على التكسب وسيأتي بقية تفسير الآيتين في تفسير الجمعة وأغرب بعض الشراح فقال أن الآيات المذكورة ظاهرة في إباحة التجارة الا الأخيرة فهي إلى النهى عنها أقرب يعني قوله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} الخ ثم أجاب بان التجارة المذكورة مقيدة بالصفة المذكورة فمن ثم اشير إلى ذمها فلو خلت عن المعارض لم تذم والذي يظهر أن مراد البخاري بهذه الترجمة قوله {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} وأما ذكر التجارة فيها فقد أفرده بترجمة تأتي بعد ثمانية أبواب والاية الثانية فيها تقييد التجارة المباحة بالتراضي وقوله {أَمْوَالَكُمْ} أي مالك كل إنسان لا يصرفه في محرم أو المعنى لا يأخذ بعضكم مال بعض وقوله : {إِلَّا أَنْ تَكُونَ} الاستثناء منقطع اتفاقا والتقدير لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل لكن أن حصلت بينكم تجارة وتراضيتم بها فليس بباطل وروى أبو داود من حديث أبي سعيد مرفوعا إنما البيع عن تراض وهو طرف من وروى الطبري من مرسل أبي قلابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتفرق بيعان الا عن رضا ورجاله ثقات ومن طريق أبي زرعة بن عمرو أنه كان إذا بايع رجلا يقول له خيرني ثم يقول قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفترق اثنان يعني في البيع الا عن رضا وأخرجه أبو داود أيضا وسيأتي الكلام في الخيار قريبا أن شاء الله تعالى ومن طريق سعيد عن قتادة أنه أصحهما هذه الآية فقال التجارة رزق من رزق الله لمن طلبها بصدقها ثم ذكر البخاري في الباب أربعة أحاديث الأول حديث أبي هريرة : "أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة" كذا في رواية شعيب، وقد تقدم في أواخر كتاب العلم من طريق مالك عن الزهري فقال: "عن الأعرج" وهو صحيح عن الزهري عن كل منهم، وطريقه عن الأعرج مختصرة، وسيأتي في الاعتصام من طريق سفيان عن الزهري أتم منه وقد تقدمت مباحث الحديث هناك. والمقصود منه قول أبي هريرة "إن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق" والصفق بفتح المهملة - ووقع في رواية القابسي بالسين وسكون الفاء بعدها قاف - والمراد به التبايع، وسميت البيعة صفقة لأنهم اعتادوا عند لزوم البيع ضرب كف أحدهما بكف الآخر إشارة إلى أن الأملاك تضاف إلى الأيدي، فكأن يد كل واحد استقرت على ما صار له. ووجه الدلالة منه وقوع ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم واطلاعه عليه وتقريره له. قوله: "على ملء بطني" أي مقتنعا بالقوت أي فلم تكن له غيبة عنه. قوله: "نمرة" بفتح النون وكسر الميم أي كساء ملونا. وقال ثعلب: هي ثوب مخطط. وقال القزاز: دراعة تلبس فيها سواد وبياض. وقد تقدمت بقية مباحثه في أواخر كتاب العلم، لأنه ساق هذا الكلام الأخير هناك من وجه آخر عن أبي هريرة، ويأتي شيء من ذلك في كتاب الاعتصام. قوله: "عن جده" هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قوله: "قال: قال عبد الرحمن بن عوف" في رواية أبي نعيم في "المستخرج" من طريق يحيى الحماني عن إبراهيم بن سعد بسنده عن عبد الرحمن بن عوف فهو من مسند عبد الرحمن، وقد أخرجه المصنف في "فضائل الأنصار" عن إسماعيل بن عبد الله وهو ابن أبي أويس عن إبراهيم بن سعد فقال: "عن أبيه عن جده قال: لما قدموا المدينة آخى الخ" فهو من هذه الطريق مرسل، وقد تبين لي بالطريق التي في هذا الباب أنه موصول. قوله: "آخى" تقدم في الصيام بيان وقت المؤاخاة في قصة سلمان وأبي الدرداء. قوله: "سعد

(4/289)


بن الربيع" سأذكر ترجمته في "فضائل الأنصار". قوله: "نزلت لك عنها" أي طلقتها لأجلك، و "حلت" أي انقضت عدتها.وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفى في "الوليمة" من كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، قال ابن التين: كان هذا القول من سعد قبل أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يكفوا المهاجرين العمل ويعطوهم نصف الثمرة. قوله: "قينقاع" بفتح القاف وسكون التحتانية وضم النون بعدها قاف: قبيلة من اليهود نسب السوق إليهم، وذكر ابن التين أنه ضبط قينقاع بكسر النون في أكثر نسخ القابسي وهو صواب أيضا، وقد حكى فتحها أيضا، صرف قينقاع على إرادة الحي، وتركه على إرادة القبيلة.قوله: "تابع الغدو" أي داوم الذهاب إلى السوق للتجارة. حديث أنس في قصة عبد الرحمن بن عوف المذكورة.قد أورده المصنف من طرق عن حميد وعن ثابت وعن عبد العزيز ابن صهيب كلهم عن أنس، وليس في شيء منها أن أنسا حمله عن عبد الرحمن إلا ما وقع في رواية لمسلم وللنسائي عن طريق عبد العزيز عن أنس فقال: "عن عبد الرحمن بن عوف قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي" فذكر ووقع عند الدار قطني من طريق مالك عن حميد عن أنس عن عبد الرحمن ابن عوف أيضا وذكر أن روح بن عبادة تفرد به عن مالك، والمحفوظ عنه كما رواه الجماعة، وسيأتي الكلام على حديث أنس وبيان فوائد طرقه واختلافها في "الوليمة" إن شاء الله تعالى.والغرض من إيراد هذين الحديثين اشتغال بعض الصحابة بالتجارة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره على ذلك، وفيه أن الكسب من التجارة ونحوها أولى من الكسب من الهبة ونحوها.حديث ابن عباس في ذكر أسواق الجاهلية وتقريرها في الإسلام، قد تقدم الكلام عليه في أثناء كتاب الحج، وقوله فيه "وكان الإسلام" أي وجاء الإسلام، فكان هنا تامة، و "تأثموا" أي طرحوا الإثم، والمعنى تركوا التجارة في الحج حذرا من الإثم، وقراءة ابن عباس "في مواسم الحج" معدودة من الشاذ الذي صح إسناده وهو حجة وليس بقرآن.

(4/290)


باب الحلال بين و الحرام بين و بينهما متشابهات
...
2 - باب الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ
2051- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا أَبُو فَرْوَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ وَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ"
قوله: "باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات" ذكر فيه حديث النعمان بن بشير بلفظ الترجمة وزيادة،

(4/290)


فأورده من طريقين عن الشعبي عنه، والثانية من طريقين عن أبي فروة عن الشعبي، فأورده أولا من طريق عبد الله بن عون عن الشعبي ثم من طريق ابن عيينة عن أبي فروة عن الشعبي صرح تارة بالتحديث لابن عيينة عن أبي فروة وثانيا بالتصريح بسماع أبي فروة من الشعبي وبسماع الشعبي من النعمان على المنبر وبسماع النعمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ساقه المصنف من طريق سفيان وهو الثوري عن أبي فروة وساقه على لفظه كما صرح بذلك أبو نعيم في "المستخرج" وأما لفظ ابن عيينة فقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه والإسماعيلي من طريقه ولفظه: "حلال بين وحرام بين ومشتبهات بين ذلك" فذكره وفي آخره: "ولكل ملك حمى وحمى الله في الأرض معاصيه" ، وأما لفظ ابن عون فأخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما بلفظ، "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات - وأحيانا يقول مشتبهة - وسأضرب لكم في ذلك مثلا: إن الله حمى حمى، وإن حمى الله ما حرم، وأنه من يرع حول الحمى يوشك أن يخالطه، وأنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر". وأبو فروة المذكور هو الأكبر واسمه عروة بن الحارث الهمداني الكوفي، ولهم أبو فروة الأصغر الجهني الكوفي واسمه مسلم بن سالم ما له في البخاري سوى حديث واحد في أحاديث الأنبياء قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم" في الرواية الأولى "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم:" وقد قدمت في الإيمان الرد على من نفى سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم.قوله: "الحلال بين والحرام بين الخ" فيه تقسيم الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيح لأن الشيء إما أن ينص على طلبه مع الوعيد على تركه، أو ينص على تركه مع الوعيد على فعله، أو لا ينص على واحد منهما. فالأول الحلال البين، والثاني الحرام البين. فمعنى قوله: "الحلال بين" أي لا يحتاج إلى بيانه ويشترك في معرفته كل أحد، والثالث مشتبه لخفائه فلا يدرى هل هو حلال أو حرام، وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في نفس الأمر حراما فقد برئ من تبعتها وإن كان حلالا فقد أجر على تركها بهذا القصد لأن الأصل في الأشياء مختلف فيه حظرا وإباحة، والأولان قد يردان جميعا فإن علم المتأخر منهما وإلا فهو من حيز القسم الثالث، وسأذكر ما فسرت به الشبهة بعد هذا الباب، والمراد أنها مشتبهة على بعض الناس بدليل قوله عليه السلام "لا يعلمها كثير من الناس" وقد تقدم الكلام على ذلك وعلى هذا الحديث مستوفى في "باب فضل من استبرأ لدينه وعرضه" من كتاب الإيمان، وقد توارد أكثر الأئمة المخرجين له على إيراده في كتاب البيوع لأن الشبهة في المعاملات تقع فيها كثيرا، وله تعلق أيضا بالنكاح وبالصيد والذبائح والأطعمة والأشربة وغير ذلك مما لا يخفى والله المستعان. وفيه دليل على جواز الجرح والتعديل قاله البغوي في "شرح السنة" واستنبط منه بعضهم منع إطلاق الحلال والحرام على ما لا نص فيه لأنه من جملة ما لم يستبن، لكن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يعلمها كثير من الناس" يشعر بأن منهم من يعلمها. وقوله في هذه الطريق "استبان" أي ظهر تحريمه. وقوله: "أوشك" أي قرب لأن متعاطي الشبهات قد يصادف الحرام وإن لم يتعمده أو يقع فيه لاعتياده التساهل

(4/291)


باب تفسير المتشابهات
...
3 - باب تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنْ الْوَرَعِ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ
1947 حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين حدثنا

(4/291)


عبد الله بن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه ثم أن امرأة سوداء جاءت فزعمت أنها أرضعتهما فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه وتبسم النبي صلى الله عليه وسلم قال كيف وقد قيل وقد كانت تحته ابنة أبي إهاب التميمي"
2053- حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا مالك عن بن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت ثم كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن بن وليدة زمعة مني فاقبضه قالت فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال بن أخي قد عهد إلي فيه فقام عبد بن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فتساوقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال سعد يا رسول الله بن أخي كان قد عهد إلي فيه فقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد بن زمعة ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم قال لسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله"
[الحديث 2053- أطرافه في: 2218،2421، 2533، 2745، 4303، 6749، 6765، 6817، 7182]
2054- حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة قال أخبرني عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال ثم سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المعراض فقال إذا أصاب بحده فكل وإذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ قلت يا رسول الله أرسل كلبي وأسمي فأجد معه على الصيد كلبا آخر لم أسم عليه ولا أدري أيهما أخذ قال لا تأكل إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر قوله: "باب تفسير المشبهات" بتشديد الموحدة، وللنسفي بضمتين مخففا بغير ميم، ولابن عساكر بضم الميم وزيادة تاء لما تقدم في حديث النعمان بن بشير "إن الشبهات لا يعلمها كثير من الناس" واقتضى ذلك أن بعض الناس يعلمها، أراد المصنف أن يعرف الطريق إلى معرفتها لتجتنب. فذكر أولا ما يضبطها، ثم أورد أحاديث يؤخذ منها مراتب ما يجب اجتنابه منها، ثم ثنى بباب فيه بيان ما يستحب منها، ثم ثلث بباب فيه بيان ما يكره. وشرح ذلك أن الشيء إما أن يكون أصله التحريم أو الإباحة أو يشك فيه، فالأول كالصيد فإنه يحرم أكله قبل ذكاته فإذا شك فيها لم يزل عن التحريم إلا بيقين، وإليه الإشارة بحديث عدي ابن حاتم. والثاني كالطهارة إذا حصلت لا ترفع إلا بيقين الحدث وإليه الإشارة بحديث عبد الله بن زيد في الباب الثالث، ومن أمثلته من له زوجة وعبد وشك هل طلق أو أعتق فلا عبرة بذلك وهما على ملكه. والثالث ما لا يتحقق أصله ويتردد بين الحظر والإباحة فالأولى تركه، وإليه الإشارة بحديث التمرة الساقطة في الباب الثاني. قوله: "وقال حسان بن أبي سنان" هو البصري أحد العباد في زمن التابعين، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع، وقد وصله أحمد في "الزهد" وأبو نعيم في "الحلية" عنه بلفظ: "إذا شككت في شيء فاتركه" ولأبي نعيم من وجه آخر اجتمع يونس بن عبيد وحسان بن أبي سنان فقال

(4/292)


يونس ما عالجت شيئا أشد علي من الورع. فقال حسان ما عالجت شيئا أهون علي منه، قال: كيف؟ قال حسان: تركت ما يريبني إلى ما لا يريبني فاسترحت. قال بعض العلماء: تكلم حسان على قدر مقامه، والترك الذي أشار إليه أشد على كثير من الناس من تحمل كثير من المشاق الفعلية. وقد ورد قوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" مرفوعا أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان والحاكم من حديث الحسن بن علي. وفي الباب عن أنس عند أحمد من حديث ابن عمر عند الطبراني في "الصغير" ومن حديث أبي هريرة وواثلة بن الأسقع ومن قول ابن عمر أيضا وابن مسعود وغيرهما. قوله: "يريبك" بفتح أوله ويجوز الضم يقال رابه يريبه بالفتح وأرابه يريبه بالضم ريبة وهي الشك والتردد، والمعنى إذا شككت في شيء فدعه، وترك ما يشك فيه أصل عظيم في الورع. وقد روى الترمذي من حديث عطية السعدي مرفوعا: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس" وقد تقدمت الإشارة إليه في كتاب الإيمان، قال الخطابي كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه. ثم هو على ثلاثة أقسام: واجب ومستحب ومكروه، فالواجب اجتناب ما يستلزمه ارتكاب المحرم، والمندوب اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام، والمكروه اجتناب الرخص المشروعة على سبيل التنطع. الحديث الأول حديث عقبة بن الحارث في الرضاع، ووجه الدلالة منه قوله: "كيف وقد قيل" ؟ فإنه يشعر بأن أمره بفراق امرأته إنما كان لأجل قول المرأة إنها أرضعتهما، فاحتمل أن يكون صحيحا فيرتكب الحرام، فأمره بفراقها احتياطا على قول الأكثر، وقيل بل قبل شهادة المرأة وحدها على ذلك، وستأتي مباحثه في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى. الحديث الثاني حديث عائشة في قصة ابن وليدة زمعة، وستأتي مباحثه في كتاب الفرائض، ووجه الدلالة منه قوله صلى الله عليه وسلم: "احتجبي منه يا سودة" مع حكمه بأنه أخوها لأبيها، لكن لما رأى الشبه البين فيه من غير زمعة أمر سودة بالاحتجاب منه احتياطا في قول الأكثر، واعترض الداودي فقال: ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء، وأجاب ابن التين بأن وجهه أن المشبهات ما أشبهت الحلال من وجه والحرام من وجه، وبيانه من هذه القصة أن إلحاقه بزمعة يقتضي أن لا تحتجب منه سودة والشبه بعتبة يقتضي أن تحتجب. وقال ابن القصار: إنما حجب سودة منه لأن للزوج أن يمنع زوجته من أخيها وغيره من أقاربها. وقال غيره: بل وجب ذلك لغلظ أمر الحجاب في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولو اتفق مثل ذلك لغيره لم يجب الاحتجاب كما وقع في حق الأعرابي الذي قال له "لعله نزعه عرق". الحديث الثالث حديث عدي بن حاتم في الصيد، ووجه الدلالة منه قوله: "إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر" فبين له وجه المنع وهو ترك التسمية، وأبعد من استدل به على سد الذرائع.

(4/293)


باب ما ينزه من المشبهات
...
4 - باب مَا يُتَنَزَّهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ
2055- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ لَوْلاَ أَنْ تَكُونَ مِنْ صَدَقَةٍ لاَكَلْتُهَا وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَجِدُ تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي
[الحديث 2055- طرفه في: 2431]
قوله: "باب ما يتنزه" بضم أوله أي يجتنب "من الشبهات". وللكشميهني: "يكره" بدل يتنزه. قوله: "حدثنا

(4/293)


سفيان" هو الثوري ومنصور هو ابن المعتمر وطلحة هو ابن مطرف، والإسناد كله كوفيون إلا الصحابي فإنه سكن البصرة وقد دخل الكوفة مرارا، وصرح يحيى القطان بالتحديث بين منصور وسفيان كما سيأتي في اللقطة. قوله: "مسقوطة" كذا للأكثر. وفي رواية كريمة: "مسقطة" بضم أوله وفتح القاف، قال ابن التيمي قوله: "مسقوطة" كلمة غريبة لأن المشهور أن سقط لازم والعرب قد تذكر الفاعل بلفظ المفعول؛ واستشهد له الخطابي بقوله تعالى: { كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} أي آتيا وقال ابن التين: مسقوطة بمعنى ساقطة كقوله حجابا مستورا أي ساترا. وقال ابن مالك في الشواهد: قوله مسقوطة بمعنى مسقطة ولا فعل له، ونظيره مرقوق بمعنى مرق أي مسترق عن ابن جني، قال: وكما جاء مفعول ولا فعل له جاء فعل ولا مفعول له كقراءة النخعي "عموا وصموا" بضم أولهما ولم يجيء مصموم اكتفاء بأصم. قلت. وقد أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن قبيصة شيخ البخاري فيه فقال: "مطروحة" وأخرجه أبو نعيم من وجهين آخرين عن قبيصة شيخ البخاري فيه فقال: "بتمرة" ولم يقل مسقوطة ولا مسقطة. قوله: "وقال همام الخ" وصله في اللقطة بتمامه ولفظه: "إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها. قلت: ولم يستحضر الكرماني لفظ رواية همام فقال: تمام الحديث غير مذكور، وهو لولا أن تكون صدقة لأكلتها. قلت: والنكتة في ذكره هنا ما فيه من تعيين المحل الذي رأى فيه التمرة وهو فراشه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يأكلها وذلك أبلغ في الورع. قال المهلب: لعله صلى الله عليه وسلم كان يقسم الصدقة ثم يرجع إلى أهله فيعلق بثوبه من تمر الصدقة شيء فيقع في فراشه، وإلا فما الفرق بين هذا وبين أكله من اللحم الذي تصدق به على بريرة. قلت: ولم ينحصر وجود شيء من تمر الصدقة في غير بيته حتى يحتاج إلى هذا التأويل، بل يحتمل أن يكون ذلك التمر حمل إلى بعض من يستحق الصدقة ممن هو في بيته وتأخر تسليم ذلك له، أو حمل إلى بيته فقسمه فبقيت منه بقية. وقد روى أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "تضور النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقيل له ما أسهرك؟ قال إني وجدت ثمرة ساقطة فأكلتها، ثم ذكرت تمرا كان عندنا من تمر الصدقة فما أدري أمن ذلك كانت التمرة أو من تمر أهلي، فذلك أسهرني" وهو محمول على التعدد، وأنه لما اتفق له أكل التمرة كما في هذا الحديث وأقلقه ذلك صار بعد ذلك إذا وجد مثلها مما يدخل التردد تركه احتياطا، ويحتمل أن يكون في حالة أكله إياها كان في مقام التشريع وفي حال تركه كان في خاصة نفسه. وقال المهلب: إنما تركها صلى الله عليه وسلم تورعا وليس بواجب، لأن الأصل أن كل شيء في بيت الإنسان على الإباحة حتى يقوم دليل على التحريم، وفيه تحريم قليل الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤخذ منه تحريم كثيرها من باب أولى.

(4/294)


باب من لم ير الوساوس و نحوها من الشبهات
...
5 - باب مَنْ لَمْ يَرَ الْوَسَاوِسَ وَنَحْوَهَا مِنْ الشُّبُهَاتِ
2056- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلاَةِ شَيْئًا أَيَقْطَعُ الصَّلاَةَ قَالَ لاَ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ لاَ وُضُوءَ إِلاَّ فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ
2057- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ

(4/294)


عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لاَ نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لاَ
فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ"
[الحديث 2057_ طرفاه في:5507،7398]
قوله: "باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات" في رواية الكشميهني من المشبهات بميم وتثقيل، وفي نسخة بمثناة بدل التثقيل والكل بمعنى مشكلات، وهذه الترجمة معقودة لبيان ما يكره من التنطع في الورع، قال الغزالي: الورع أقسام، ورع الصديقين وهو ترك ما لا يتناول بغير نية القوة على العبادة، وورع المتقين وهو ترك ما لا شبهة فيه ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام، وورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين، قال: ووراء ذلك ورع الشهود وهو ترك ما يسقط الشهادة، أي أعم من أن يكون ذلك المتروك حراما أم لا. انتهى. وغرض المصنف هنا بيان ورع الموسوسين كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم أفلت منه، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حلال أم حرام وليست هناك علامة تدل على الثاني، وكمن يترك تناول الشيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه وعدم الاحتجاج به ويكون دليل إباحته قويا وتأويله ممتنع أو مستبعد. ثم ذكر فيه حديثين: قوله: "عن عباد بن تميم عن عمه" هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. وفي رواية الحميدي المذكورة "أخبرني سعيد هو ابن المسيب وعباد بن تميم عن عبد الله بن زيد" وقد تقدم في الطهارة عن أبي نعيم عن سفيان، وسياقه يشعر بأن طريق سعيد مرسلة وطريق عباد موصولة، ولم يتعرض المزي لتمييز ذلك في "الأطراف". قوله: "وقال ابن أبي حفصة" هو محمد وكنيته أبو سلمة واسم والد أبي حفصة ميسرة وهو بصري نزل الجزيرة، وظن الكرماني أن محمدا هذا وسالما بن أبي حفصة وعمارة بن أبي حفصة إخوة فجزم بذلك هنا فوهم فيه وهما فاحشا، فإن والد سالم لا يعرف اسمه وهو كوفي ووالد عمارة اسمه نابت بالنون ثم موحدة ثم مثناة، وهو بصري أيضا، لكن ميسرة مولى نابت عربي، وسالم بن أبي حفصة من طبقة أعلى من طبقة الاثنين. قوله: "لا وضوء الخ" وصل أحمد أثر ابن أبي حفصة المذكور من طرق، ووقع لنا بعلو في "مسند أبي العباس السراج" ولفظه: "عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه مرفوعا: "باللفظ المعلق، ومشى بعض الشراح على ظاهر قول البخاري عن الزهري "لا وضوء الخ" فجزم بأن هذا المتن من كلام الزهري، وليس كما ظن لما ذكرته عن مسندي أحمد والسراج، وقد جرت عادة البخاري بهذا الاختصار كثيرا، والتقدير: عن الزهري بهذا السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لا وضوء. وأقرب أمثلة ذلك ما مضى في الصوم في "باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس" فإنه أورد حديث الباب من رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء قالت: "أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس "قيل لهشام: أمروا بالقضاء؟ قال: وبد من قضاء" قال البخاري "وقال معمر سمعت هشاما لا أدري أقضوا أم لا" فهذا أيضا فيه حذف تقديره سمعت هشاما عن معمر عن هشام1 بالسند والمتن. وقال في آخره: "فقال إنسان لهشام: أقضوا أم لا؟ قال: لا أدري" وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر كذلك، وأوردته
ـــــــ
1 في هامش طبعة بولاق: هكذا في النسخ

(4/295)


من "مسند عبد بن حميد" عاليا "عن عبد الرزاق عن معمر سمعت هشاما عن فاطمة عن أسماء" فذكرت الحديث، قال: "فقال إنسان لهشام أقضوا أم لا؟ قال لا أدري". "تنبيه" اختصر ابن أبي حفصة هذا المتن اختصارا مجحفا، فإن لفظه يعم ما إذا وقع الشك داخل الصلاة وخارجها، ورواية غيره من أثبات أصحاب الزهري تقتضي تخصيص ذلك بمن كان داخل الصلاة، ووجهه أن خروج الريح من المصلي هو الذي يقع له غالبا بخلاف غيره من النواقض فإنه لا يهجم عليه إلا نادرا، وليس المراد حصر نقض الوضوء بوجود الريح. حديث عائشة في التسمية على الذبيحة، وقد استدل به على أن التسمية ليست شرطا لصحة الذبح، وقد استدل به على أن التسمية ليست شرطا في جواز الأكل من الذبيحة، وسيأتي تقريره والجواب عما أورد عليه وسائر مباحثه في كتاب الذبائح مستوفى إن شاء الله تعالى، وهو أصل في تحسين الظن بالمسلم وأن أموره محمولة على الكمال ولا سيما أهل ذلك العصر.

(4/296)


باب{واذا راواتجارة او لهو انفضوا اليها}
...
6 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا}
2058- حدثنا طلق بن غنام حدثنا زائدة عن حصين عن سالم قال حدثني جابر رضي الله عنه قال ثم بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا فنزلت {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا}
قوله: "باب قول الله عز وجل: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن التجارة وإن كانت ممدوحة باعتبار كونها من المكاسب الحلال فإنها قد تذم إذا قدمت على ما يجب تقديمه عليها. وقد أورد في الباب حديث جابر في قصة انفضاض الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، ومضى الكلام عليه مبسوطا في كتاب الجمعة، ويأتي بعضه في تفسير سورة الجمعة إن شاء الله تعالى.

(4/296)


7 - باب مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ الْمَالَ
2059- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلاَلِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ"
[ الحديث2059- طرفه:في 2083]
قوله: "باب من لم يبال من حيث كسب المال" في هذه الترجمة إشارة إلى ذم ترك التحري في المكاسب. قوله: "يأتي على الناس زمان" في رواية أحمد عن يزيد عن ابن أبي ذئب بسنده "ليأتين على الناس زمان" وللنسائي من وجه آخر "يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال من حل أو حرام" وهذا أورده النسائي من طريق محمد بن عبد الرحمن عن الشعبي عن أبي هريرة، ووهم المزي في "الأطراف" فظن أن محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ذئب فترجم به للنسائي مع طريق البخاري هذه عن ابن أبي ذئب، وليس كما ظن فإني لم أقف عليه في جميع النسخ التي وقفت عليها من النسائي إلا عن الشعبي لا عن سعيد، ومحمد بن عبد الرحمن المذكور عنه أظنه ابن أبي ليلى لا ابن أبي ذئب، لأني لا أعرف لابن أبي ذئب رواية عن الشعبي. وقال ابن التين: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا تحذيرا من

(4/296)


باب التجارة في البز و غيره
...
8 - باب التِّجَارَةِ فِي الْبَزِّ
وَقَوْلِهِ عز وجل [37 النور]: {رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}
وَقَالَ قَتَادَةُ كَانَ الْقَوْمُ يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ"
2060،2061- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ كُنْتُ أَتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ح
و حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالاَ كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلاَ بَأْسَ وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلاَ يَصْلُحُ"
[الحديث 2060- أطرافه في: 2180، 2497، 3939]
[الحديث 2061 – أطرافه في : 2181، 2498، 3940]
قوله: "باب التجارة في البز وغيره" لم يقع في رواية الأكثر قوله: "وغيره:" وثبتت عند الإسماعيلي وكريمة. واختلف في ضبط البز فالأكثر على أنه بالزاي، وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه بل بطريق عموم المكاسب المباحة. وصوب ابن عساكر أنه بالراء وهو أليق بمؤاخاة الترجمة التي بعد هذه بباب وهو التجارة في البحر، وكذا ضبطها الدمياطي، وقرأت بخط القطب الحلبي ما يدل على أنها مضبوطة عند ابن بطال وغيره بضم الموحدة وبالراء، قال وليس في الباب ما يقتضي تعيينه من بين أنواع التجارة ا ه. وقد أخطأ من زعم أنه بالراء تصحيف إذ ليس في الآية ولا الحديث ولا الأثر اللاتي أوردها في الباب ما يرجح أحد اللفظين. قوله: "وقوله عز وجل: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه} أي وتفسير ذلك، وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن المعنى لا تلهيهم عن الصلاة المكتوبة، وتمسك به قوم في مدح ترك التجارات وليس بواضح. قوله: "وقال قتادة: كان القوم يتبايعون الخ" لم أقف عليه موصولا عنه، وقد وقع لي من كلام ابن عمر أخرجه عبد الرزاق عنه أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر "فيهم نزلت: فذكر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود نحوه، وفي "الحلية" عن سفيان الثوري: كانوا يتبايعون ولا يدعون الصلوات المكتوبات في الجماعة. ثم أورد المصنف حديث زيد بن أرقم والبراء بن عازب في الصرف، وسيأتي الكلام عليه في "باب بيع الورق بالذهب نسيئة" بعد نيف وستين بابا وموضع الترجمة منه قوله فيه: "وكانا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خفي ذلك على

(4/297)


القطب فقرأت بخطه: لم يذكر أحد من الشراح مناسبة الترجمة لهذا الحديث فينظر."تنبيه": أبو المنهال المذكور في هذا الإسناد غير أبي المنهال صاحب أبي برزة الأسلمي في حديث المواقيت، واسم هذا عبد الرحمن بن مطعم واسم صاحب أبي برزة سيار بن سلامة.وأخرج البخاري الطريق الثانية بنزول رجل لأجل زيادة عامر بن مصعب مع عمرو بن دينار في رواية ابن جريج عنهما عن أبي المنهال المذكور، وعامر بن مصعب ليس له في البخاري سوى هذا الموضع الواحد.قوله: "نسيئا" بكسر المهملة وسكون التحتانية بعدها همزة، وللكشميهني نساء بفتح النون والمهملة ومدة.

(4/298)


9 - باب الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}
2062-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ائْذَنُوا لَهُ قِيلَ قَدْ رَجَعَ فَدَعَاهُ فَقَالَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ فَقَالَ تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا لاَ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلاَّ أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقَالَ عُمَرُ أَخَفِيَ هَذَا عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ"
[الحديث2062- طرفاه في : 6245، 7353]
قوله: "باب الخروج في التجارة، وقول الله عز وجل: { انْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه} قال ابن بطال. هو إباحة بعد حظر كقوله تعالى: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} وقال ابن المنير في الحاشية: غرض البخاري إجازة الحركات في التجارة ولو كانت بعيدة خلافا لمن يتنطع ولا يحضر السوق كما سيأتي في مكانه إن شاء الله تعالى. قوله: "أن أبا موسى استأذن على عمر فلم يؤذن له" زاد بشر بن سعيد عن أبي سعيد كما سيأتي في الاستئذان "أنه استأذن ثلاثا". قوله: "فقال كنا نؤمر بذلك" في الرواية المذكورة أنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع". قوله: "فذهب بأبي سعيد" في الرواية المذكورة "فأخبرت عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك" وفيه الدلالة على أن قول الصحابي "كنا نؤمر بكذا" محمول على الرفع، ويقوى ذلك إذا ساقه مساق الاستدلال، وفيه أن الصحابي الكبير القدر الشديد اللزوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد يخفى عليه بعض أمره ويسمعه من هو دونه، وادعى بعضهم أنه يستفاد منه أن عمر كان لا يقبل الخبر من شخص واحد، وليس كذلك لأن في بعض طرقه أن عمر قال: إني أحببت أن أتثبت. وستأتي فوائده مستوفاة في كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى. وقد قبل عمر خبر الضحاك بن سفيان وحده في الدية وغير ذلك. قوله: "فقال عمر أخفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

(4/298)


ألهاني الصفق بالأسواق، يعني الخروج إلى التجارة" كذا في الأصل، وأطلق عمر على الاشتغال بالتجارة لهوا لأنها ألهته عن طول ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمع غيره منه ما لم يسمعه، ولم يقصد عمر ترك أصل الملازمة وهي أمر نسبي، وكان احتياج عمر إلى الخروج للسوق من أجل الكسب لعياله والتعفف عن الناس، وأما أبو هريرة فكان وحده فلذلك أكثر ملازمته، وملازمة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم لا تخفى كما سيأتي في ترجمته في المناقب. واللهو مطلقا ما يلهي سواء كان حراما أو حلالا، وفي الشرع ما يحرم فقط.

(4/299)


10 - باب التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ
وَقَالَ مَطَرٌ لاَ بَأْسَ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إِلاَّ بِحَقٍّ ثُمَّ تَلاَ [14النحل] {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} وَالْفُلْكُ السُّفُنُ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ سَوَاءٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَمْخَرُ السُّفُنُ الرِّيحَ وَلاَ تَمْخَرُ الرِّيحَ مِنْ السُّفُنِ إِلاَّ الْفُلْكُ الْعِظَامُ
2063- وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَرَجَ إِلَى الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ وَسَاقَ الْحَدِيثَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهَ"
قوله: "باب التجارة في البحر" أي إباحة ركوب البحر للتجارة، وفي بعض النسخ "وغيره:" فإن ثبت قوى قول من قرأ: { الْبِرَّ } فيما سبق بباب بضم أوله أو بالزاي. قوله: "وقال مطر الخ" هو مطر الوراق البصري مشهور في التابعين، ووقع في رواية الحموي وحده "وقال مطرف" وهو تصحيف، وبأنه الوراق وصفه المزي والقطب وآخرون. وقال الكرماني: الظاهر أنه ابن الفضل المروزي شيخ البخاري، وكأن ظهور ذلك له من حيث أن الذين أفردوا رجال البخاري كالكلاباذي لم يذكروا فيهم الوراق المذكور لأنهم لم يستوعبوا من علق لهم، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن شوذب عن مطر الوراق أنه كان لا يرى بركوب البحر بأسا ويقول: ما ذكره الله تعالى في القرآن إلا بحق، ووجه حمل مطر ذلك على الإباحة أنها سيقت في مقام الامتنان، وتضمن ذلك الرد على من منع ركوب البحر، وسيأتي بسط ذلك في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى. قوله: "الفلك السفن الواحد والجمع سواء" هو قول أكثر أهل اللغة، ويدل عليه قوله تعالى: {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون} وقوله: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} فذكره في الإفراد والجمع بلفظ واحد، وقيل إن الفلك بالضم والإسكان جمع فلك بفتحتين مثل أسد وأسد. وقال صاحب "المحكم" السفينة فعيلة بمعنى فاعلة سميت سفينة لأنها تسفن وجه الماء أي تفسره، والجمع سفن وسفائن وسفين. قوله: "وقال مجاهد الخ" وصله الفريابي في تفسيره، وكذلك عبد بن حميد من وجه آخر، قال عياض: ضبطه الأكثر بنصب السفن وعكسه الأصيلي، والصواب الأول عند بعضهم بناء على أن الريح الفاعل وهي التي تصرف السفينة في الإقبال والإدبار، وضبط الأصيلي صواب وهو ظاهر القرآن إذ جعل الفعل للسفينة فقال: {مَوَاخِرَ فِيهِ} وقوله: "تمخر" بفتح المعجمة أي تشق يقال مخرت السفينة إذا شقت الماء بصوت، وقيل المخر الصوت نفسه، وكأن مجاهدا أراد أن شق السفينة للبحر بصوت إنما هو بواسطة الريح، ومعنى قوله: "ولا تمخر الخ" أن الصوت لا يحصل إلا من كبار السفن، أو لا يحصل من الصغار غالبا. قوله: "وقال

(4/299)


الليث الخ" هو طرف من حديث ساقه بتمامه في كتاب الكفالة كما سيأتي، وسنذكر الكلام عليه ثم، ووجه تعلقه بالترجمة ظاهر من جهة أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما ينسخه، ولا سيما إذا ذكره صلى الله عليه وسلم مقررا له أو في سياق الثناء على فاعله أو ما أشبه ذلك، ويحتمل أن يكون مراد المصنف بإيراد هذا أن ركوب البحر لم يزل متعارفا مألوفا من قديم الزمان، فيحمل على أصل الإباحة حتى يرد دليل على المنع. قوله في آخره "حدثني عبد الله بن صالح حدثنا الليث به" فيه التصريح بوصل المعلق المذكور، ولم يقع ذلك في أكثر الروايات في الصحيح، ولا ذكره أبو ذر إلا في هذا الموضع، وكذا وقع في رواية أبي الوقت.

(4/300)


باب{واذا راواتجارة او لهو انفضوا اليها}
...
11 – باب { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [11- الجمعة]
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ [37 النور]: {رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه}
وَقَالَ قَتَادَةُ كَانَ الْقَوْمُ يَتَّجِرُونَ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
2064- حدثني محمد قال حدثني محمد بن فضيل عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر رضي الله عنه قال أقبلت عير ونحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة فانفض الناس إلا اثني عشر رجلا فنزلت هذه الآية {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً}
قوله: "باب {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا} وقوله: {لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} قال قتادة: كان القوم يتجرون الخ" كذا وقع جميع ذلك معادا في رواية المستملي، وسقط لغيره إلا النسفي فإنه ذكرها هاهنا وحذفها مما مضى، وكذا وقع مكررا في نسخة الصغاني، وهذا يؤيد ما تقدم من النقل عن أبي ذر الهروي أن أصل البخاري كان عند الفربري وكانت فيه إلحاقات في الهوامش وغيرها، وكان من ينسخ الكتاب يضع الملحق في الموضع الذي يظنه لائقا به. فمن ثم وقع الاختلاف في التقديم والتأخير، ويزاد هنا أن بعضهم احتاط فكتب الملحق في الموضعين فنشأ عنه التكرار، وقد تكلف بعض الشراح في توجيهه بأن قال: ذكر الآية هنا لمنطوقها وهو الذم، وذكرها هناك لمفهومها وهو تخصيص وقتها بحاله غير المتلبسين بالصلاة وسماع الخطبة، وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى.

(4/300)


باب {انفقو من طيبات ما كسبتم}
...
12 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [267البقرة] {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}
2065- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لاَ يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا"

(4/300)


13 - باب مَنْ أَحَبَّ الْبَسْطَ فِي الرِّزْقِ
2067- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْكِرْمَانِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"
[الحديث 2067- طرفه في: 5986]
قوله: "باب من أحب البسط" أي التوسع "في الرزق" وجواب "من" محذوف تقديره ما في الحديث وهو "فليصل رحمه". ويستفاد منه جواز هذه المحبة خلافا لمن كرهها مطلقا. قوله: "حدثنا محمد بن أبي يعقوب" اسم أبيه إسحاق بن منصور، وقيل إن منصورا اسم أبيه، وقيل إن أبا يعقوب جده الكرماني بكسر الكاف، وذكر الكرماني الشارح أن النووي ضبطها بفتح الكاف وتعقبه، وسلف النووي في ذلك أبو سعيد بن السمعاني وهو أعلم الناس بذلك، فلعل الصواب فيها في الأصل الفتح، ثم كثر استعمالها بالكسر تغييرا من العامة، وقد نزل محمد المذكور البصرة، ووثقه ابن معين وغيره، ولم يعرف أبو حاتم الرازي حاله، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في تفسير المائدة وآخر في أوائل الأحكام، والثلاثة إسنادها واحد إلى الزهري، وشيخه حسان هو ابن إبراهيم الكرماني ويونس هو ابن يزيد. قوله: "قال محمد هو الزهري" كذا في الأصل. وفي رواية أبي نعيم

(4/301)


من وجه آخر عن حسان عن يونس بن يزيد عن الزهري. قوله: "عن أنس" يأتي في الأدب من وجه آخر عن الزهري أخبرني أنس. قوله: "وينسأ" بضم أوله وسكون النون بعدها مهملة ثم همزة أي يؤخر له، والأثر هنا بقية العمر قال زهير:
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا ينتهي الطرف حتى ينتهي الأثر
وسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. قال العلماء: معنى البسط في الرزق البركة فيه، وفي العمر حصول القوة في الجسد، لأن صلة أقاربه صدقة والصدقة تربي المال وتزيد فيه فينمو بها ويزكو، لأن رزق الإنسان يكتب وهو في بطن أمه فلذلك احتيج إلى هذا التأويل، أو المعنى أنه يكتب مقيدا بشرط كأن يقال إن وصل رحمه فله كذا وإلا فكذا، أو المعنى بقاء ذكره الجميل بعد الموت. وأغرب الحكيم الترمذي فقال: المراد بذلك قلة البقاء في البرزخ. وقال ابن قتيبة: يحتمل أن يكتب أجل العبد مائة سنة وتزكيته عشرين فإن وصل رحمه زاد التزكية. وقال غيره: المكتوب عند الملك الموكل به غير المعلوم عند الله عز وجل، فالأول يدخل فيه التغيير. وتوجيهه أن المعاملات على الظواهر والمعلوم الباطن خفي لا يعلق عليه الحكم، فذلك الظاهر الذي اطلع عليه الملك هو الذي يدخله الزيادة والنقص والمحو والإثبات، والحكمة فيه إبلاغ ذلك إلى المكلف ليعلم فضل البر وشؤم القطيعة، وسيأتي ذكر هذه المسألة مبسوطة في كتاب القدر، ويأتي الكلام على إيثار الغنى على الفقر في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى.

(4/302)


باب شراء النبي بالنسيئة
...
14 - باب شِرَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّسِيئَةِ
2068- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ فَقَالَ حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ"
[الحديث 2068- أطرافه في: 2096 ،2200، 2251، 2252، 2286، 2509، 2513، 2916، 4467،]
2069- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ح حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ أَبُو الْيَسَعِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعُ بُرٍّ وَلاَ صَاعُ حَبٍّ وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ"
[الحديث 2096- طرفه في: 2508 ]
قوله: "باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة" بكسر المهملة والمد أي بالأجل، قال ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع. قلت: لعل المصنف تخيل أن أحدا يتخيل أنه صلى الله عليه وسلم لا يشتري بالنسيئة لأنها دين فأراد دفع ذلك التخيل، وأورد المصنف فيه حديثي عائشة وأنس في أنه صلى الله عليه وسلم اشترى شعيرا إلى أجل ورهن عليه درعه، وسيأتي الكلام عليهما

(4/302)


مستوفى في أول الرهن إن شاء الله تعالى.قوله في طريق عائشة "ذكرنا عند إبراهيم" هو النخعي، و قوله: "الرهن في السلم" أي السلف ولم يرد به السلم العرفي.و قوله في حديث أنس"حدثنا مسلم" هو ابن إبراهيم. وقوله في الطريق الثانية "أسباط" هو بفتح الهمزة وسكون المهملة بعدها موحدة. وقوله: "أبو اليسع" بفتح التحتانية والمهملة وهو بصري، وكذا بقية رجال الإسناد، وليس لأسباط في البخاري سوى هذا الموضع، وقد قيل إن اسم أبيه عبد الواحد، وقد ساقه المصنف هنا على لفظ أبي اليسع، وساقه في الرهن على لفظ مسلم بن إبراهيم، والنكتة في جمعهما هنا مع أن طريق مسلم أعلى مراعاة للغالب من عادته أن لا يذكر الحديث الواحد في موضعين بإسناد واحد، ولأن أبا اليسع المذكور فيه مقال فاحتاج أن يقرنه بمن يعضده. وقوله فيه "ولقد سمعته يقول" هو كلام أنس، والضمير في سمعته للنبي صلى الله عليه وسلم، أي قال ذلك لما رهن الدرع عند اليهودي مظهرا للسبب في شرائه إلى أجل، وذهل من زعم أنه كلام قتادة وجعل الضمير في سمعته لأنس، لأنه إخراج للسياق عن ظاهره بغير دليل، والله أعلم.

(4/303)


15 - باب كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ
2070- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ قَالَ لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَئُونَةِ أَهْلِي وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ"
2071- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانَ يَكُونُ لَهُمْ أَرْوَاحٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ رَوَاهُ هَمَّامٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
2072- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَم كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ"
2073- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلاَم كَانَ لاَ يَأْكُلُ إِلاَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ"
[الحديث 2073- طرفاه في: 3417، 4713]
2074- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ

(4/303)


الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ"
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ"
قوله: "باب كسب الرجل وعمله بيده" عطف العمل باليد على الكسب من عطف الخاص على العام، لأن الكسب أعم من أن يكون عملا باليد أو بغيرها. وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب. قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة لأنها أقرب إلى التوكل. وتعقبه النووي بحديث المقدام الذي في هذا الباب وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زراعا فهو أطيب المكاسب لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب، ولأنه لا بد فيه في العادة أن يوكل منه بغير عوض. قلت: وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد وهو مكسب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أشرف المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى وخذلان كلمة أعدائه والنفع الأخروي، قال: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا. قلت: وهو مبني على ما بحث فيه من النفع المتعدي، ولم ينحصر النفع المتعدي في الزراعة بل كل ما يعمل باليد فنفعه متعد لما فيه من تهيئة أسباب ما يحتاج الناس إليه. والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والعلم عند الله تعالى. قال ابن المنذر: إنما يفضل عمل اليد سائر المكاسب إذا نصح العامل، كما جاء مصرحا به في حديث أبي هريرة. قلت: ومن شرطه أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب بل من الله تعالى بهذه الواسطة، ومن فضل العمل باليد الشغل بالأمر المباح عن البطالة واللهو وكسر النفس بذلك والتعفف عن ذلة السؤال والحاجة إلى الغير، ثم أورد المصنف في الباب أحاديث أولها في التجارة، والثاني في الزراعة، والثالث وما بعده في الصنعة، الحديث الأول. قوله: "حدثني إسماعيل بن عبد الله" هو ابن أبي أويس. قوله: "لقد علم قومي" أي قريش والمسلمون. قوله: "حرفتي" بكسر المهملة وسكون الراء بعدها فاء أي جهة اكتسابي، والحرفة جهة الاكتساب والتصرف في المعاش، وأشار بذلك إلى أنه كان كسوبا لمؤنته ومؤنة عياله بالتجارة من غير عجز، تمهيدا على سبيل الاعتذار عما يأخذه من مال المسلمين إذا احتاج إليه. قوله: "وشغلت" جملة حالية أي أن القيام بأمور الخلافة شغله عن الاحتراف، وقد روى ابن سعد وابن المنذر بإسناد صحيح عن مسروق عن عائشة قالت: "لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ماذا في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي. قالت: فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وناضح كان يسقي بستانا له، فبعثنا بهما إلى عمر فقال: رحمة الله على أبي بكر، لقد أتعب من بعده" وأخرج ابن سعد من طريق القاسم بن محمد عن عائشة نحوه وزاد: "إن الخادم كان صيقلا يعمل سيوف المسلمين ويخدم آل أبي بكر" ومن طريق ثابت عن أنس نحوه وفيه: "قد كنت حريصا على أن أوفر مال المسلمين، وقد كنت أصبت من اللحم واللبن" وفيه: "وما كان عنده دينار ولا درهم، ما كان إلا خادم ولقحة ومحلب". قوله: "آل أبي بكر" أي هو نفسه ومن تلزمه نفقته. وقيل أراد نفسه بدليل قوله: "أحترف"

(4/304)


حكاه الطيبي. قال: ويدل عليه نسق الكلام لأنه أسند الاحتراف إلى ضمير المتكلم عاطفا له على "فسيأكل" فلو كان المراد الأهل لتنافر. انتهى. وجزم البيضاوي بأن قوله: "آل أبي بكر" عدول عن المتكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات، قال وقيل: أراد نفسه، والأول مقحم لقوله: "وأحترف "وليس بشيء، بل المعنى أني كنت أكتسب لهم ما يأكلونه والآن أكتسب للمسلمين. قال الطيبي: فائدة الالتفات أنه جرد من نفسه شخصا كسوبا لمؤنة الأهل بالتجارة فامتنع لشغله بأمر المسلمين عن الاكتساب، وفيه إشعار بالعلة وأن من اتصف بالشغل المذكور حقيق أن يأكل هو وعياله من بيت المال، وخص الأكل من بين الاحتياجات لكونه أهمها ومعظمها. قال ابن التين: وفيه دليل على أن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه قدر حاجته إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة، وسبقه إلى ذلك الخطابي. قلت: لكن في قصة أبي بكر أن القدر الذي كان يتناوله فرض له باتفاق من الصحابة، فروى ابن سعد بإسناد مرسل رجاله ثقات قال: "لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق على رأسه أثواب يتجر بها، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقال: كيف تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالوا: نفرض لك، ففرضوا له كل يوم شطر شاة". قوله: "وأحترف" في رواية الكشميهني: "ويحترف" قال ابن الأثير: أراد باحترافه للمسلمين نظره في أمورهم وتمييز مكاسبهم وأرزاقهم، وكذا قال البيضاوي: المعنى أكتسب للمسلمين في أموالهم بالسعي في مصالحهم ونظم أحوالهم. وقال غيره: يقال احترف الرجل إذا جازى على خير أو شر. وقال المهلب: قوله أحترف لهم أي أتجر لهم في مالهم حتى يعود عليهم من ربحه بقدر ما آكل أو أكثر وليس بواجب على الإمام أن يتجر في مال المسلمين بقدر مؤنته إلا أن يطوع بذلك كما تطوع أبو بكر. قلت: والتوجيه الذي ذكره ابن الأثير أوجه، لأن أبا بكر بين السبب في ترك الاحتراف وهو الاشتغال بالإمارة، فمتى يتفرغ للاحتراف لغيره؟ إذ لو كان يمكنه الاحتراف لاحترف لنفسه كما كان، إلا أن يحمل على أنه كان يعطى المال لمن يتجر فيه ويجعل ربحه للمسلمين، وقد روى الإسماعيلي في حديث الباب من طريق معمر عن الزهري "فلما استخلف عمر أكل هو وأهله من المال - أي مال المسلمين - واحترف في مال نفسه". "تنبيه": حديث أبي بكر هذا وإن كان ظاهره الوقف لكنه بما اقتضاه من أنه قبل أن يستخلف كان يحترف لتحصيل مؤنة أهله يصير مرفوعا لأنه يصير كقول الصحابي: كنا نفعل كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى ابن ماجة وغيره من حديث أم سلمة "أن أبا بكر خرج تاجرا إلى بصرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: "وتقدم في حديث أبي هريرة في أول البيوع "إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق" ويأتي حديث عائشة "أن الصحابة كانوا عمال أنفسهم" وهذا هو السر في إيراد البخاري له عقب حديثها عن أبي بكر. قوله: "حدثنا محمد حدثنا عبد الله بن يزيد" كذا ثبت في جميع الروايات إلا رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري عن البخاري "حدثنا عبد الله بن يزيد" فمحمد على هذا هو المصنف وعبد الله بن يزيد هو المقري، وقد أكثر عنه البخاري، وربما روي عنه بواسطة، وسعيد هو ابن أبي أيوب، وأبو الأسود هو النوفلي المعروف بيتيم عروة، وجزم الحاكم بأن محمدا هنا هو الذهلي. قوله: "رواه همام" يعني ابن يحيى "عن هشام" يعني ابن عروة. وهذا التعليق وصله أبو نعيم في "المستخرج" من طريق هدبة عنه بلفظ: "كان القوم خدام أنفسهم، وكانوا يروحون إلى الجمعة فأمروا أن يغتسلوا" وبهذا اللفظ رواه قريش بن أنس عن هشام عند ابن خزيمة والبزار، وقد تقدم هذا الحديث من وجه عن عروة ومن وجه آخر عن عمرة، وتقدم

(4/305)


شرحه مستوفى، والغرض منه هنا قوله: "كانوا عمال أنفسهم" وقوله: "يكون لهم أرواح" جمع ريح لأن أصل ريح روح بفتح الراء وسكون الواو ويقال في جمعه أيضا أرياح بقلة. قوله: "عن ثور" هو ابن يزيد الشامي لا ابن زيد المدني. قوله: "عن المقدام" هو ابن معدي كرب الكندي من صغار الصحابة، مات سنة بضع وثمانين بحمص، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الأطعمة. قوله: "ما أكل أحد" زاد الإسماعيلي: "من بني آدم". قوله: "طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده" في رواية الإسماعيلي: "خير" بالرفع وهو جائز. وفي رواية له من "كد يديه" والمراد بالخيرية ما يستلزم العمل باليد من الغنى عن الناس. ولابن ماجة من طريق عمر بن سعد عن خالد بن معدان عنه "ما كسب الرجل أطيب من عمل يديه" ولابن المنذر من هذا الوجه "ما أكل رجل طعاما قط أحل من عمل يديه" وفي فوائد هشام بن عمار عن بقية حدثني عمر بن سعد بهذا الإسناد مثل حديث الباب وزاد: "من بات كالا من عمله بات مغفورا له" وللنسائي من حديث عائشة "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه" وفي الباب من حديث سعيد بن عمير عن عمه عند الحاكم، ومن حديث رافع بن خديج عند أحمد، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود. قوله: "وأن داود الخ" في رواية الإسماعيلي بحذف الواو، وفي روايته: "من كسب يده". قوله: "لا يأكل إلا من عمل يده" وهو صريح في الحصر بخلاف الذي قبله، وحديث أبي هريرة هذا طرف من حديث سيأتي في ترجمة داود من أحاديث الأنبياء؛ ووقع في المستدرك عن ابن عباس بسند واه "كان داود زرادا، وكان آدم حراثا، وكان نوح نجارا، وكان إدريس خياطا، وكان موسى راعيا" وفي الحديث فضل العمل باليد، وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره، والحكمة في تخصيص داود بالذكر أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة لأنه كان خليفة في الأرض كما قال الله تعالى، وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل، ولهذا أورد النبي صلى الله عليه وسلم قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد، وهذا بعد تقرير أن شرع من قبلنا شرع لنا، ولا سيما إذا ورد في شرعنا مدحه وتحسينه مع عموم قوله تعالى: { فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} وفي الحديث أن التكسب لا يقدح في التوكل، وأن ذكر الشيء بدليله أوقع في نفس سامعه. قوله: "لأن يحتطب أحدكم" تقدم الكلام عليه في "باب الاستعفاف عن المسألة" وأخرجه هناك من طريق الأعرج عن أبي هريرة، وبعد أبواب من طريق أبي صالح عنه، وهنا من طريق أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف - وهو مولى ابن أزهر - وقد تقدم الكلام على ترجمته في أواخر الصيام. وحديث الزبير بن العوام في ذلك أورده هنا مختصرا وساقه في "باب الاستعفاف من الزكاة" بتمامه وتقدم الكلام عليه هناك، وقوله: "أحبله" بفتح أوله وضم الموحدة جمع حبل مثل فلس وأفلس.

(4/306)


باب السهولة و السماحة في الشراء و البيع و من طلب حقا فليطلبه في عفاف
...
16 - باب السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ
2076- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى1"

(4/306)


قوله: "حدثنا علي بن عياش" بالتحتانية والمعجمة. قوله: "رحم الله رجلا" يحتمل الدعاء ويحتمل الخبر، وبالأول جزم ابن حبيب المالكي وابن بطال ورجحه الداودي، ويؤيد الثاني ما رواه الترمذي من طريق زيد بن عطاء بن السائب عن ابن المنكدر في هذا الحديث بلفظ: "غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلا إذا باع" الحديث، وهذا يشعر بأنه قصد رجلا بعينه في حديث الباب. قال الكرماني: ظاهره الإخبار لكن قرينة الاستقبال المستفاد من "إذا" تجعله دعاء وتقديره رحم الله رجلا يكون كذلك، وقد يستفاد العموم من تقييده بالشرط. قوله: "سمحا" بسكون الميم وبالمهملتين أي سهلا، وهي صفة مشبهة تدل على الثبوت، فلذلك كرر أحوال البيع والشراء والتقاضي، والسمح الجواد، يقال سمح بكذا إذا جاد، والمراد هنا المساهلة. قوله: "وإذا اقتضى" أي طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف، في رواية حكاها ابن التين "وإذا قضى" أي أعطى الذي عليه بسهولة بغير مطل، وللترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا: "إن الله يحب سمح البيع سمح الشراء سمح القضاء" وللنسائي من حديث عثمان رفعه: "أدخل الله الجنة رجلا كان سهلا مشتريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا" ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو نحوه وفيه الحض على السماحة في المعاملة واستعمال معالي الأخلاق وترك المشاحة والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة وأخذ العفو منهم.

(4/307)


17 - باب مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا
2077- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ أَنَّ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تَلَقَّتْ الْمَلاَئِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَالُوا أَعَمِلْتَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا قَالَ كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنْ الْمُوسِرِ قَالَ قَالَ فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيٍّ كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ أُنْظِرُ الْمُوسِرَ وَأَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُعْسِرِ وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِبْعِيٍّ فَأَقْبَلُ مِنْ الْمُوسِرِ وَأَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُعْسِرِ
[الحديث 2077- طرفاه في: 2391، 3451]
قوله: "باب من أنظر موسرا" أي فضل من فعل ذلك وحكمه. وقد اختلف العلماء في حد الموسر: فقيل من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته. وقال الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق: من عنده خمسون درهما أو قيمتها

(4/307)


من الذهب فهو موسر. وقال الشافعي: قد يكون الشخص بالدرهم غنيا مع كسبه وقد يكون بالألف فقيرا مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، وقيل: الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف، فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعد يسارا فهو موسر وعكسه، وهذا هو المعتمد وما قبله إنما هو في حد من تجوز له المسألة والأخذ من الصدقة. قوله: "منصور" هو ابن المعتمر. قوله: "إن حذيفة حدثه" زاد مسلم في روايته من طريق نعيم بن أبي هند عن ربعي "اجتمع حذيفة وأبو مسعود، فقال حذيفة: رجل لقي ربه "فذكر الحديث وفي آخره: "فقال أبو مسعود هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومثله رواية أبي عوانة عن عبد الملك عن ربعي كما سيأتي في هذا الباب. قوله: "تلقت الملائكة" أي استقبلت روحه عند الموت. وفي رواية عبد الملك بن عمير عن ربعي في ذكر بني إسرائيل "أن رجلا كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه". قوله: "أعملت من الخير شيئا" ؟ وفي رواية بحذف همزة الاستفهام وهي مقدرة، زاد في رواية عبد الملك المذكورة "فقال ما أعلم، قيل انظر، قال ما أعلم شيئا غير أني" فذكره. ولمسلم من طريق شقيق عن أبي مسعود رفعه: "حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرا" وفي رواية أبي مالك المعلقة هنا ووصلها عند مسلم: "أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالا فقال له: ما عملت في الدنيا؟ - قال ولا يكتمون الله حديثا - قال: يا رب آتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان خلقي الجواز" الحديث. وفي رواية ابن أبي عمر في هذا الحديث: "فيقول: يا رب ما عملت لك شيئا أرجو به كثيرا. إلا أنك كنت أعطيتني فضلا من مال"؛ فذكره. قوله: "فتياني" بكسر أوله جمع فتى وهو الخادم حرا كان أو مملوكا. قوله: "أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر" كذا وقع في رواية أبي ذر والنسفي وهو لا يخالف الترجمة، وللباقين "أن ينظروا المعسر ويتجاوزوا عن الموسر" وكذا أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه، وظاهره غير مطابق للترجمة، ولعل هذا هو السر في إيراد التعاليق الآتية لأن فيها ما يطابق الترجمة. قوله: "وقال أبو مالك عن ربعي كنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر" وهذه الطريق عن حذيفة في هذا الحديث وصلها مسلم من طريق أبي خالد الأحمر عن أبي مالك كما تقدم أولا وقال في آخره: "فقال أبو مسعود الأنصاري وعقبة بن عامر الجهني: هكذا سمعناه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "وتابعه شعبة عن عبد الملك" يعني ابن عمير "عن ربعي" أي عن حذيفة يعني في قوله: "وأنظر المعسر" وقد وصله ابن ماجة من طريق أبي عامر عن شعبة بهذا اللفظ، ووصله المؤلف في الاستقراض عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ: "فأتجوز عن الموسر وأخفف عن المعسر" وفي آخره قول أبي مسعود "هكذا سمعت". قوله: "وقال أبو عوانة عن عبد الملك الخ" وصله المؤلف في ذكر بني إسرائيل مطولا، وهو كما قال: "أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر" وفي آخره قول أبي مسعود "هكذا سمعت". قوله: "وقال نعيم بن أبي هند الخ" وصله مسلم من طريق مغيرة بن مقسم عنه وقد تقدم لفظه، وفيه قول أبي مسعود أيضا، قال ابن التين: رواية من روى "وأنظر الموسر" أولى من رواية من روى "وأنظر المعسر" لأن إنظار المعسر واجب. قلت: ولا يلزم من كونه واجبا أن لا يؤجر صاحبه عليه أو يكفر عنه بذلك من سيئاته، وسأذكر الاختلاف في الوجوب في الباب الذي يليه.

(4/308)


18 - باب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا
2078- حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ

(4/308)


بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ
[الحديث 2078- طرفه في: 3480]
قوله: "باب من أنظر معسرا" روى مسلم من حديث أبي اليسر بفتح التحتانية والمهملة ثم الراء رفعه: "من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظل عرشه" وله من حديث أبي قتادة مرفوعا: "من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه"، ولأحمد عن ابن عباس نحوه وقال: "وقاه الله من فيح جهنم" واختلف السلف في تفسير قوله تعالى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} فروى الطبري وغيره من طريق إبراهيم النخعي ومجاهد وغيرهما أن الآية نزلت في دين الربا خاصة، وعن عطاء أنها عامة في دين الربا وغيره، واختار الطبري أنها نزلت نصا في دين الربا ويلتحق به سائر الديون لحصول المعنى الجامع بينهما، فإذا أعسر المديون وجب إنظاره ولا سبيل إلى ضربه ولا إلى حبسه. قوله: "حدثنا الزبيدي" بالضم. قوله: "عن عبيد الله بن عبد الله" أي ابن عتبة بن مسعود، في رواية يونس عند مسلم عن الزهري "أن عبيد الله بن عبد الله حدثه". قوله: "كان تاجر يداين الناس" في رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند النسائي: "إن رجلا لم يعمل خيرا قط وكان يداين الناس". قوله: "تجاوزوا عنه" زاد النسائي: "فيقول لرسوله خذ ما يسر واترك ما عسر وتجاوز" ويدخل في لفظ التجاوز الإنظار والوضيعة وحسن التقاضي. وفي حديث الباب والذي قبله أن اليسير من الحسنات إذا كان خالصا لله كفر كثيرا من السيئات، وفيه أن الأجر يحصل لمن يأمر به وإن لم يتول ذلك بنفسه، وهذا كله بعد تقرير أن شرع من قبلنا إذا جاء في شرعنا في سياق المدح كان حسنا عندنا.

(4/309)


باب اذا بين البيعان ولم يكتما و نصحا
...
19 - باب إِذَا بَيَّنَ الْبَيِّعَانِ وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا
وَيُذْكَرُ عَنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ كَتَبَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ بَيْعَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ لاَ دَاءَ وَلاَ خِبْثَةَ وَلاَ غَائِلَةَ قَالَ قَتَادَةُ الْغَائِلَةُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ
وَقِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّي آرِيَّ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ فَيَقُولُ جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ جَاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ لاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلاَّ أَخْبَرَهُ
2079- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ رَفَعَهُ إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا
[الحديث 2079- أطرافه في: 2082، 2108، 2110، 2114]

(4/309)


قوله: "باب إذا بين البيعان" بفتح الموحدة وتشديد التحتانية أي البائع والمشتري. قوله: "ولم يكتما" أي ما فيه من عيب، و قوله: "ونصحا" من العام بعد الخاص، وحذف جواب الشرط للعلم به وتقديره بورك لهما في بيعهما كما في حديث الباب. وقال ابن بطال: أصل هذا الباب أن نصيحة المسلم واجبة. قوله: "ويذكر عن العداء" بالتثقيل وآخره همزة بوزن الفعال ابن خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو ابن عامر بن صعصعة، صحابي قليل الحديث، أسلم بعد حنين. قوله: "هذا ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العداء بن خالد" هكذا وقع هذا التعليق، وقد وصل الحديث الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الجارود وابن منده كلهم من طريق عبد المجيد ابن أبي يزيد عن العداء بن خالد فاتفقوا على أن البائع النبي صلى الله عليه وسلم والمشتري العداء عكس ما هنا، فقيل إن الذي وقع هنا مقلوب وقيل هو صواب وهو من الرواية بالمعنى لأن اشترى وباع بمعنى واحد، ولزم من ذلك تقديم اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على اسم العداء، وشرحه ابن العربي على ما وقع في الترمذي فقال فيه: البداءة باسم المفضول في الشروط إذا كان هو المشتري، قال: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك وهو ممن لا يجوز عليه نقض عهده لتعليم الخلق، قال: ثم إن ذلك على سبيل الاستحباب لأنه قد يتعاطى صفقات كثيرة بغير عهدة، وفيه كتابة الاسم واسم الأب والجد في العهدة إلا إذا كان مشهورا بصفة تخصه، ولذلك قال: "محمد رسول الله" استغنى بصفته عن نسبه ونسب العداء بن خالد، قال: وفي قوله: "هذا ما اشترى" ثم قال: "بيع المسلم المسلم:" إشارة إلى أن لا فرق بين الشراء والبيع. قوله: "بيع المسلم المسلم" فيه أنه ليس من شأن المسلم الخديعة، وأن تصدير الوثائق بقول الكاتب هذا ما اشترى أو أصدق لا بأس به، ولا عبرة بوسوسة من منع من ذلك وزعم أنها تلتبس بما النافية. قوله: "لا داء" أي لا عيب، والمراد به الباطن سواء ظهر منه شيء أم لا كوجع الكبد والسعال قاله المطرزي. وقال ابن المنير في الحاشية: قوله: "لا داء" أي يكتمه البائع، وإلا فلو كان بعبد داء وبينه البائع لكان من بيع المسلم للمسلم، ومحصله أنه لم يرد بقوله لا داء نفي الداء مطلقا بل نفي داء مخصوص وهو ما لم يطلع عليه. قوله: "ولا خبثة" بكسر المعجمة وبضمها وسكون الموحدة بعدها مثلثة أي مسبيا من قوم لهم عهد قاله المطرزي، وقيل المراد الأخلاق الخبيثة كالإباق. وقال صاحب "العين" الريبة، وقيل المراد الحرام كما عبر عن الحلال بالطيب. وقال ابن العربي. الداء ما كان في الخلق بالفتح والخبثة ما كان في الخلق بالضم، والغائلة سكوت البائع على ما يعلم من مكروه في المبيع. قوله: "ولا غائلة" بالمعجمة أي ولا فجور، وقيل المراد الإباق. وقال ابن بطال هو من قولهم اغتالني فلان إذا احتال بحيلة يتلف بها مالي. قوله: "قال قتادة الخ" وصله ابن منده من طريق الأصمعي عن سعيد بن أبي عروبة عنه، قال ابن قرقول: الظاهر أن تفسير قتادة يرجع إلى الخبثة والغائلة معا. قوله: "وقيل لإبراهيم" أي النخعي "أن بعض النخاسين" بالنون والخاء المعجمة أي الدلالين. قوله: "يسمى آري" بفتح الهمزة الممدودة وكسر الراء وتشديد التحتانية هو مربط للدابة وقيل معلفها ورده ابن الأنباري، وقيل هو حبل يدفن في الأرض ويبرز طرفه تشد به الدابة أصله من الحبس والإقامة من قولهم: تأرى الرجل بالمكان أي أقام به، والمعنى أن النخاسين كانوا يسمون مرابط دوابهم بأسماء البلاد ليدلسوا على المشتري بقولهم ذلك ليوهموا أنه مجلوب من خراسان وسجستان فيحرص عليها المشتري ويظن أنها قريبة العهد بالجلب، قال عياض: وأظن أنه سقط من الأصل لفظة دوابهم، قلت أو سقطت الألف واللام التي للجنس كأنه كان فيه يسمى الآري أي الإصطبل، أو سقط الضمير كأنه كان فيه يسمى آرية، وقد تصحفت هذه الكلمة في رواية أبي زيد

(4/310)


المروزي فذكرها "أرى" بفتحتين بغير مد وقصر آخره وزن دعا. وفي رواية أبي ذر الهروي مثله لكن بضم الهمزة أي أظن، واضطرب فيها غيرهما فحكى ابن التين أنها رويت بفتح الهمزة وسكون الراء، قال وفي رواية ابن نظيف قرى بضم القاف وفتح الراء والأول هو المعتمد قال الراعي:
فقد فخروا بخيلهم علينا ... لنا آريهن على معد
وقد بين الصواب في ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: "قيل له إن ناسا من النخاسين وأصحاب الدواب يسمي أحدهم إصطبل دوابه خراسان وسجستان ثم يأتي السوق فيقول جاءت من خراسان وسجستان، قال فكره ذلك إبراهيم" ورواه سعيد بن منصور عن هشيم ولفظه: "إن بعض النخاسين يسمي آريه خراسان الخ" والسبب في كراهة إبراهيم ذلك ما يتضمنه من الغش والخداع والتدليس. قوله: "وقال عقبة بن عامر لا يحل لامرئ يبيع سلعة يعلم أن بها داء إلا أخبره" في رواية الكشميهني أخبر به، وهذا الحديث وصله أحمد وابن ماجة والحاكم من طريق عبد الرحمن بن شماسة بكسر المعجمة وتخفيف الميم وبعد الألف مهملة عن عقبة مرفوعا بلفظ: "المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه غش إلا بينه له" وفي رواية أحمد "يعلم فيه عيبا" وإسناده حسن. قوله: "عن صالح أبي الخليل" في الرواية التي بعد بابين "سمعت أبا الخليل". قوله: "رفعه إلى حكيم بن حزام" في الرواية المذكورة "عن حكيم" وسيأتي الكلام عليه مستوفى في "باب كم يجوز الخيار" بعد عشرين حديثا، والغرض منه قوله: "فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما الخ" وقوله صدقا أي من جانب البائع في السوم ومن جانب المشتري في الوفاء، وقوله: "وبينا" أي لما في الثمن والمثمن من عيب فهو من جانبيهما وكذا نقصه. وفي الحديث حصول البركة لهما إن حصل منهما الشرط وهو الصدق والتبيين، ومحقها إن وجد ضدهما وهو الكذب والكتم، وهل تحصل البركة لأحدهما إذا وجد منه المشروط دون الآخر؟ ظاهر الحديث يقتضيه، ويحتمل أن يعود شؤم أحدهما على الآخر بأن تنزع البركة من المبيع إذا وجد الكذب أو الكتم من كل واحد منهما، وإن كان الأجر ثابتا للصادق المبين، والوزر حاصل للكاذب الكاتم. وفي الحديث أن الدنيا لا يتم حصولها إلا بالعمل الصالح، وأن شؤم المعاصي يذهب بخير الدنيا والآخرة.

(4/311)


20 - باب بَيْعِ الْخِلْطِ مِنْ التَّمْرِ
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ وَهُوَ الْخِلْطُ مِنْ التَّمْرِ وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ وَلاَ دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ"
قوله: "باب بيع الخلط من التمر" الخلط بكسر المعجمة التمر المجمع من أنواع متفرقة. وقوله في الحديث: "كنا نرزق" بضم النون أوله أي نعطاه، وكان هذا العطاء مما كان صلى الله عليه وسلم يقسمه فيهم مما أفاء الله عليهم من خيبر وتمر الجمع بفتح الجيم وسكون الميم: فسر بالخلط، وقيل هو كل لون من النخيل لا يعرف اسمه، والغالب في مثل ذلك أن يكون رديئه أكثر من جيده. وفائدة هذه الترجمة رفع توهم من يتوهم أن مثل هذا لا يجوز بيعه لاختلاط جيده برديئه

(4/311)


لأن هذا الخلط لا يقدح في البيع لأنه متميز ظاهر فلا يعد ذلك عيبا، بخلاف ما لو خلط في أوعية موجهة يرى جيدها ويخفى رديئها. وفي الحديث النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلا، وكذا الدراهم. وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى في "باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه "في أواخر البيوع إن شاء الله تعالى.

(4/312)


باب ماقيل في اللحام و الجزار
...
21 - باب مَا قِيلَ فِي اللَّحَّامِ وَالْجَزَّارِ
2081- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ فَقَالَ لِغُلاَمٍ لَهُ قَصَّابٍ اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَامِسَ خَمْسَةٍ فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ فَدَعَاهُمْ فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فَأْذَنْ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ فَقَالَ لاَ بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ"
[الحديث 2081- أطرافه في: 2456، 5434، 5461]
قوله: "باب اللحام والجزار" كذا وقعت هذه الترجمة هنا.وفي رواية ابن السكن بعد خمسة أبواب، وهو أليق لتتوالى تراجم الصناعات. قوله: "فقال لغلام له قصاب" بفتح القاف وتشديد المهملة وآخره موحدة وهو الجزار، وسيأتي في المظالم من وجه آخر عن الأعمش بلفظ: "كان له غلام لحام" واتفقت الطرق على أنه من مسند أبي مسعود إلا ما رواه أحمد عن ابن نمير عن الأعمش بسنده فقال فيه: "عن رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه الجوع، فأتيت غلاما لي" فذكر الحديث، وكذا رويناه في الجزء التاسع من "أمالي المحاملي" من طريق ابن نمير، زاد مسلم في بعض طرقه: "وعن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر" وسيأتي الكلام على فوائد هذا الحديث مستوفى في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى.

(4/312)


باب مايمحق الكذب و الكتمان
...
22 - باب مَا يَمْحَقُ الْكَذِبُ وَالْكِتْمَانُ فِي الْبَيْعِ
2082- حدثنا بدل بن المحبر حدثنا شعبة عن قتادة قال سمعت أبا الخليل يحدث عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما
قوله: "باب ما يمحق الكذب والكتمان" أي من البركة "في البيع" ذكر فيه حديث حكيم بن حزام المذكور قبل بابين وهو واضح فيما ترجم له.

(4/312)


باب{ياايها الذين امنوا لا تأكلو الربا أضعافا مضاعفة}
...
23 - باب قَوْلِ اللَّهِ عز وجل [130 آل عمران] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } الآية

(4/312)


باب آكل الربا و شاهده وكاتبه
...
24 - باب آكِلِ الرِّبَا وَشَاهِدِهِ وَكَاتِبِهِ
وَقَوْل الله تَعَالَى[275 البقرة]: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ} إلى آخرالأية
2084- حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت ثم لما نزلت آخر البقرة قرأهن النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في المسجد ثم حرم التجارة في الخمر"
2085- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جرير بن حازم حدثنا أبو رجاء عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان فقلت ما هذا فقال الذي رأيته في النهر آكل الربا"
قوله: "باب آكل الربا وشاهده وكاتبه" أي بيان حكمهم، والتقدير باب إثم أو ذم. في رواية الإسماعيلي: "وشاهديه" بالتثنية. قوله: "قول الله تعالى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ} إلى آخر الآية" وهو قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} روى الطبري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ

(4/313)


الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} قال: ذاك حين يبعث من قبره . ومن طريق سعيد عن قتادة قال: تلك علامة أهل الربا يوم القيامة، يبعثون وبهم خبل . وأخرجه الطبري من حديث أنس نحوه مرفوعا. وقيل معناه أن الناس يخرجون من الأجداث سراعا، لكن آكل الربا يربو الربا في بطنه فيريد الإسراع فيسقط فيصير بمنزلة المتخبط من الجنون. وذكر الطبري في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا} أنهم لما قيل لهم هذا ربا لا يحل قالوا: لا فرق إن زدنا الثمن في أول البيع أو عند محله، فأكذبهم الله تعالى. قال الطبري: إنما خص الآكل بالذكر لأن الذين نزلت فيهم الآيات المذكورة كانت طعمتهم من الربا، وإلا فالوعيد حاصل لكل من عمل به سواء أكل منه أم لا. ثم ساق البخاري في الباب حديثين: أحدهما حديث عائشة "لما نزلت آخر البقرة قرأهن النبي صلى الله عليه وسلم ثم حرم التجارة في الخمر" وقد تقدم الكلام عليه في أبواب المساجد من كتاب الصلاة، ويأتي الكلام على تحريم التجارة في الخمر في أواخر البيوع. ثانيهما حديث سمرة في المنام الطويل، وقد تقدم بطوله في كتاب الجنائز، واقتصر منه هنا على قصة آكل الربا. وقال ابن التين: ليس في حديثي الباب ذكر لكاتب الربا وشاهده، وأجيب بأنه ذكرهما على سبيل الإلحاق لإعانتهما للآكل على ذلك، وهذا إنما يقع على من واطأ صاحب الربا عليه فأما من كتبه أو شهد القصة ليشهد بها على ما هي عليه ليعمل فيها بالحق فهذا جميل القصد لا يدخل في الوعيد المذكور، وإنما يدخل فيه من أعان صاحب الربا بكتابته وشهادته فينزل منزلة من قال: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا} وأيضا فقد تضمن حديث عائشة نزول آخر البقرة ومن جملة ما فيه قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} وفيه {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} وفيه {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} فأمر بالكتابة والإشهاد في البيع الذي أحله، فأفهم النهي عن الكتابة والإشهاد في الربا الذي حرمه، ولعل البخاري أشار إلى ما ورد في الكاتب والشاهد صريحا، فعند مسلم وغيره من حديث جابر "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم في الإثم سواء" ولأصحاب السنن وصححه ابن خزيمة من طريق عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود عن أبيه "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه" وفي رواية الترمذي بالتثنية. وفي رواية النسائي من وجه آخر عن ابن مسعود "آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم".

(4/314)


25 - باب مُوكِلِ الرِّبَا،لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل [278 البقرة]: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} إلى قوله {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
2086- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَثَمَنِ الدَّمِ وَنَهَى عَنْ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ"
[الحديث 2086- أطرافه فك: 2238، 5347، 5945، 5961]
قوله: "باب موكل الربا" أي مطعمه والتقدير فيه كالذي قبله. قوله: "لقول الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

(4/314)


اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} - إلى قوله: { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} هكذا في جميع الروايات ووقع عند الداودي - إلى قوله - لا تظلمون ولا تظلمون، وفسره أي لا تظلمون بأخذ الزيادة ولا تظلمون بأن تحبس عنكم رءوس أموالكم. ثم اعترض بما سيأتي. قوله: "وقال ابن عباس: هذه آخر آية نزلت" وصله المصنف في التفسير من طريق الشعبي عنه، واعترضه الداودي فقال: هذا إما أن يكون وهما وإما أن يكون اختلافا عن ابن عباس، لأن الذي أخرجه المصنف في التفسير عنه فيه التنصيص على أن آخر آية نزلت قوله تعالى: { وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} الآية، قال: فلعل الناقل وهم لقربها منها. انتهى. وتعقبه ابن التين بأنه هو الواهم لأن من جملة الآيات التي أشار إليها البخاري في الترجمة قوله تعالى: { وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} الآية، وهي آخر آية ذكرها لقوله إلى قوله: { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} وإليها أشار بقوله هذه آخر آية أنزلت. انتهى. وكأن البخاري أراد بذكر هذا الأثر عن ابن عباس تفسير قول عائشة "لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة". قوله: "عن عون بن أبي جحيفة" في رواية آدم عن شعبة "حدثتا عون" وسيأتي في أواخر أبواب الطلاق. قوله: "رأيت أبي اشترى عبدا حجاما فسألته" كذا وقع هنا، وظاهره أن السؤال وقع عن سبب مشتراه، وذلك لا يناسب جوابه بحديث النهي، ولكن وقع في هذا السياق اختصار بينه ما أخرجه المصنف بعد هذا في آخر البيوع من وجه آخر عن شعبة بلفظ: "اشترى حجاما فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألته على ذلك "ففيه البيان بأن السؤال إنما وقع عن كسر المحاجم، وهو المناسب للجواب. وفي كسر أبي جحيفة المحاجم ما يشعر بأنه فهم أن النهي عن ذلك على سبيل التحريم فأراد حسم المادة، وكأنه فهم منه أنه لا يطيع النهي ولا يترك التكسب بذلك فلذلك كسر محاجمه، وسيأتي الكلام على كسب الحاجم بعد أبواب، ونذكر هناك بقية فوائده إن شاء الله تعالى. قوله: "ونهى عن الواشمة والموشومة" أي نهى عن فعلهما، لأن الواشم والموشوم لا ينهى عنهما وإنما ينهى عن فعلهما. قوله: "وآكل الربا وموكله" هكذا وقع في هذه الرواية معطوفا على النهي عن الوشمة، والجواب عنه كالذي قبله، ثم ظهر لي أنه وقع في هذه الرواية تغيير فأبدل اللعن بالنهي فسيأتي في أواخر البيوع وفي أواخر الطلاق بلفظ: "ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله" والله أعلم.

(4/315)


باب {يمحق الله الربا و يربى الصدقات}
...
26 - باب {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}
2087- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ"
قوله: "باب {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} " روى ابن أبي حاتم من طريق الحسن قال: ذاك يوم القيامة يمحق الله الربا يومئذ وأهله. وقال غيره: المعنى أن أمره يئول إلى قلة. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيان قال: "ما كان من ربا وإن زاد حتى يغبط صاحبه فإن الله يمحقه" وأصله من حديث ابن مسعود عند ابن ماجة وأحمد بإسناد حسن مرفوعا: "إن الربا وإن كثر عاقبته إلى قل" وروى عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق. قوله: "عن يونس" هو ابن يزيد. قوله: "الحلف" بفتح المهملة وكسر اللام أي اليمين الكاذبة. قوله: "منفقة" بفتح الميم والفاء بينهما نون ساكنة مفعلة من

(4/315)


النفاق بفتح النون وهو الرواج ضد الكساد، والسلعة بكسر السين المتاع، وقوله ممحقة بالمهملة والقاف وزن الأول وحكى عياض ضم أوله وكسر الحاء، والمحق النقص والإبطال. وقال القرطبي: المحدثون يشددونها والأول أصوب والهاء للمبالغة ولذلك صح خبرا عن الحلف. وفي مسلم اليمين، ولأحمد اليمين الكاذبة وهي أوضح، وهما في الأصل مصدران مزيدان محدودان بمعنى النفاق والمحق. قوله: "للبركة" تابعه عنبسة بن خالد عن يونس عند أبي داود. وفي رواية ابن وهب وأبي صفوان عند مسلم: "للربح" وتابعهما أنس بن عياض عند الإسماعيلي، ورواه الليث عند الإسماعيلي بلفظ: "ممحقة للكسب" وتابعه ابن وهب عند النسائي، ومال الإسماعيلي إلى ترجيح هذه الرواية، وقد اختلف في هذه اللفظة على الليث كما اختلف على يونس، ووقع للمزي في "الأطراف" في نسبة هذه اللفظة لمن خرجها وهم يعرف مما حررته، قال ابن المنير: مناسبة حديث الباب للترجمة أنه كالتفسير للآية لأن الربا الزيادة والمحق النقص فقال: كيف تجتمع الزيادة والنقص؟ فأوضح الحديث أن الحلف الكاذب وإن زاد في المال فإنه يمحق البركة فكذلك قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا} أي يمحق البركة من البيع الذي فيه الربا وإن كان العدد زائدا لكن محق البركة يفضي إلى اضمحلال العدد في الدنيا كما مر في حديث ابن مسعود، وإلى اضمحلال الأجر في الآخرة على التأويل الثاني.

(4/316)


باب مايكره من الحلف في البيع
...
27 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ
2088- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً وَهُوَ فِي السُّوقِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } الْآيَةَ [77 آل عمران]
[الحديث 2088- طرفاه في: 2675، 4551]
قوله: "باب ما يكره من الحلف في البيع" أي مطلقا فإن كان كذبا فهي كراهة تحريم، وإن كان صدقا فتنزيه. وفي السنن من حديث قيس بن أبي غرزة بفتح المعجمة والراء والزاي مرفوعا: "يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة" . قوله: "عن عبد الله بن أبي أوفى" في رواية يزيد عن العوام "سمعت عبد الله بن أبي أوفى" وسيأتي في التفسير مع بقية الكلام عليه، وقد تعقب بأن السبب المذكور في الحديث خاص والترجمة عامة لكن العموم مستفاد من قوله في الآية {وَأَيْمَانِهِمْ} وسيأتي في الشهادات في سبب نزولها من حديث ابن مسعود ما يقوي حمله على العموم.

(4/316)


باب ماقيل في الصواغ
...
28 - باب مَا قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ
وَقَالَ طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَقَالَ الْعَبَّاسُ إِلاَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ فَقَالَ إِلاَّ الإِذْخِرَ"
2089- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلاَم قَالَ كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنْ الْخُمْسِ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي

(4/316)


باب ذكر القين و الحداد
...
29 - باب ذِكْرِ الْقَيْنِ وَالْحَدَّادِ
2091- حدثنا محمد بن بشار حدثنا بن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن أبي الضحى عن مسروق عن خباب قال ثم كنت قينا في الجاهلية وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه قال لا أعطيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقلت لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث قال دعني حتى أموت وأبعث فسأوتى مالا وولدا فأقضيك فنزلت {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} [الحديث 2091- أطرافه في: 2275، 2425، 4732، 4733، 4734، 4735]

(4/317)


قوله: "باب ذكر القين" بفتح القاف "والحداد" قال ابن دريد: أصل القين الحداد ثم صار كل صائغ عند العرب قينا. وقال الزجاج: القين الذي يصلح الأسنة، والقين أيضا الحداد. وكأن البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما. وليس في الحديث الذي أورده في الباب إلا ذكر القين، وكأنه ألحق الحداد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم، وسيأتي الكلام على الحديث في تفسير سورة مريم إن شاء الله تعالى. وأما قول أم أيمن "أنا قينت عائشة" فمعناه زينتها، قال الخليل: التقيين التزيين، ومنه سميت المغنية قينة لأن من شأنها الزينة.

(4/318)


30 - باب ذِكْرِ الْخَيَّاطِ
2092- حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول ثم إن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه قال أنس بن مالك فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا ومرقا فيه دباء وقديد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة قال فلم أزل أحب الدباء من يومئذ"
[الحديث 2092- أطرافه في: 5379، 5420، 5433، 5435، 5436، 5437، 5439]
قوله: "باب الخياط" بالمعجمة والتحتانية، قال الخطابي: في أحاديث هذه الأبواب دلالة على جواز الإجازة. وفي الخياطة معنى زائد، لأن الغالب أن يكون الخيط من عند الخياط فيجتمع فيها إلى الصنعة الآلة، وكان القياس أنه لا تصح إذ لا تتميز إحداهما عن الأخرى غالبا، لكن الشارع أقره لما فيه من الإرفاق واستقر عمل الناس عليه، وسيأتي الكلام على حديث الباب في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى. وفيه دلالة على أن الخياطة لا تنافي المروءة.

(4/318)


31 - باب ذِكْرِ النَّسَّاجِ
2093- حدثنا يحيى بن بكير حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم قال سمعت سهل بن سعد رضي الله عنه قال ثم جاءت امرأة ببردة قال أتدرون ما البردة فقيل له نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها قالت يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فخرج إلينا وإنها إزاره فقال رجل من القوم يا رسول الله اكسنيها فقال نعم والحاصل النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه فقال له القوم ما أحسنت سألتها إياه لقد علمت أنه لا يرد سائلا فقال الرجل والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت قال سهل فكانت كفنه"
قوله: "باب النساج" بالنون والمهملة وآخره جيم، أورد فيه حديث سهل في البردة وقد تقدم الكلام عليه مستوفي في "باب من استعد الكفن" في كتاب الجنائز. وقوله: "فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاج إليها" أي وهو محتاج إليها

(4/318)


32 - باب النَّجَّارِ
2094- حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز عن أبي حازم قال ثم أتى رجال إلى سهل بن سعد يسألونه عن المنبر فقال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة امرأة قد سماها سهل أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس فأمرته يعملها من طرفاء الغابة ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فأمر بها فوضعت فجلس عليه"
2095- حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ثم أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه فإن لي غلاما نجارا قال إن شئت قال فعملت له المنبر فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت قال بكت على ما كانت تسمع من الذكر"
قوله: "باب النجار" بالنون والجيم، وللكشميهني بكسر النون وتخفيف الجيم وزيادة هاء في آخره وبه ترجم أبو نعيم في "المستخرج" والأول أشبه بسياق بقية التراجم، وأورد فيه حديث سهل أيضا في قصة المنبر، وحديث جابر في ذكر المنبر وحنين الجذع، وقد تقدم الكلام على فوائدهما في كتاب الجمعة. وقوله في آخر الحديث: "الذي يسكت" بضم أوله وتشديد الكاف، وقوله: "قال بكت على ما كانت تسمع من الذكر". يحتمل أن يكون فاعل قال راوي الحديث، لكن صرح وكيع في روايته عن عبد الواحد ابن أيمن بأنه النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه أحمد وابن أبي شيبة عنه.

(4/319)


33 - باب شِرَاءِ الإِمَامِ الْحَوَائِجَ بِنَفْسِهِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا اشْتَرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَلًا مِنْ عُمَرَ وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِنَفْسِهِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا جَاءَ مُشْرِكٌ بِغَنَمٍ فَاشْتَرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ شَاةً وَاشْتَرَى مِنْ جَابِرٍ بَعِيرًا"
2096- حدثنا يوسف بن عيسى حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنهما قالت ثم اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من زفر طعاما بنسيئة ورهنه درعه"
قوله: "باب شراء الإمام الحوائج بنفسه" كذا لأبي ذر عن غير الكشميهني، وسقطت الترجمة للباقين، ولبعضهم "شراء الحوائج بنفسه" أي الرجل. وفائدة الترجمة رفع توهم من يتوهم أن تعاطي ذلك يقدح في المروءة. قوله: "وقال

(4/319)


باب شراء الدواب و الحمير
...
34 - باب شِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالْحُمُرِ
وَإِذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ جَمَلًا وَهُوَ عَلَيْهِ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ؟
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِعُمَرَ بِعْنِيهِ يَعْنِي جَمَلًا صَعْبًا"
2097- حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب حدثنا عبيد الله عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا فأتى علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال جابر فقلت نعم قال ثم ما شأنك قلت أبطأ علي جملي وأعيا فتخلفت فنزل يحجنه بمحجنه ثم قال اركب فركبت فلقد رأيته أكفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تزوجت قلت نعم قال بكر أم ثيبا قلت بل ثيبا قال أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك قلت إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن قال أما إنك قادم فإذا قدمت فالكيس الكيس ثم قال أتبيع جملك قلت نعم فاشتراه مني بأوقية ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي وقدمت بالغداة فجئنا إلى المسجد فوجدته على باب المسجد قال آلآن قدمت قلت نعم قال فدع جملك فادخل فصل ركعتين فدخلت فصليت فأمر بلالا أن يزن لي أوقية فوزن لي بلال فأرجح في الميزان فانطلقت حتى وليت فقال ادع لي جابرا قلت الآن يرد علي الجمل ولم يكن شيء أبغض إلي منه قال خذ جملك ولك ثمنه"
قوله: "باب شراء الدواب والحمير" في رواية أبي ذر "الحمر" بضمتين، وليس في حديثي الباب ذكر للحمر وكأنه أشار إلى إلحاقها في الحكم بالإبل لأن حديثي الباب إنما فيهما ذكر بعير وجمل، ولا اختصاص في الحكم المذكور بدابة دون دابة فهذا وجه الترجمة. قوله: "وإذا اشترى دابة أو جملا وهو" أي البائع "عليه هل يكون ذلك قبضا"

(4/320)


يعني أو يشترط في القبض قدر زائد على مجرد التخلية؟ وهي مسألة خلافية سيأتي شرحها قريبا في "باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته". قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعمر بعنيه يعني جملا صعبا" هذا طرف من حديث سيأتي في الباب المذكور. ثم أورد حديث جابر في قصة بيع جمله، وسيأتي الكلام عليه مستوفي في كتاب الشروط إن شاء الله تعالى ويقال إن الغزوة التي كان فيها هي غزوة ذات الرقاع، وقوله فيه: "يحجنه" بفتح أوله وسكون المهملة وضم الجيم أي يطعنه وقوله: "أبكرا أم ثيبا" بالنصب فيهما بتقدير أتزوجت، ويجوز الرفع بتقدير أهي.

(4/321)


35 - باب الأَسْوَاقِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَبَايَعَ بِهَا النَّاسُ فِي الإِسْلاَمِ
2098- حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن بن عباس رضي الله عنهما قال ثم كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله { ليس عليكم جناح} في مواسم الحج قرأ بن عباس كذا"
قوله: "باب الأسواق التي كانت في الجاهلية، فتبايع بها الناس في الإسلام".قال ابن بطال: فقه هذه الترجمة أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا تمنع من فعل الطاعة فيها، ثم أورد المصنف فيه حديث ابن عباس، وقد تقدم التنبيه عليه في أول البيوع وأن شرحه مضى في كتاب الحج.

(4/321)


36 - باب شِرَاءِ الإِبِلِ الْهِيمِ أَوْ الأَجْرَبِ الْهَائِمُ الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ
2099- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عَمْرٌو كَانَ هَا هُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ نَوَّاسٌ وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِبِلٌ هِيمٌ فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَاشْتَرَى تِلْكَ الإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ بِعْنَا تِلْكَ الإِبِلَ فَقَالَ مِمَّنْ بِعْتَهَا قَالَ مِنْ شَيْخٍ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ وَيْحَكَ ذَاكَ وَاللَّهِ ابْنُ عُمَرَ فَجَاءَهُ فَقَالَ إِنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إِبِلًا هِيمًا وَلَمْ يَعْرِفْكَ قَالَ فَاسْتَقْهَا قَالَ فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا فَقَالَ دَعْهَا رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ عَدْوَى سَمِعَ سُفْيَانُ عَمْرًا
[الحديث 2099- أطرافه في: 2858، 5093، 5094، 5753، 5772]
قوله: "باب شراء الإبل الهيم" بكسر الهاء جمع أهيم للمذكر ويقال للأنثى هيمي. قوله: "أو الأجرب" في رواية النسفي "والأجرب" وهو من عطف المفرد على الجمع في الصفة لأن الموصوف هنا هو الإبل وهو اسم جنس صالح للجمع والمفرد، فكأنه قال شراء الإبل الهيم وشراء الإبل الجرب. قوله: "الهائم المخالف للقصيد في كل شيء" قال ابن التين: ليس الهائم واحد الهيم، وما أدري لم ذكر البخاري الهائم هنا ا هـ. وقد أثبت غيره ما نفاه، قال الطبري في تفسيره: الهيم جمع أهيم، ومن العرب من يقول هائم ثم يجمعونه على هيم كما قالوا غائط وغيط، قال: والإبل الهيم التي أصابها الهيام بضم الهاء وبكسرها داء تصير منه عطشي تشرب فلا تروى. وقيل الإبل الهيم المطلية بالقطران من الجرب فتصير عطشي من حرارة الجرب، وقيل هو داء ينشأ عنه الجرب. ثم أسند من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس من قوله: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} قال: الإبل العطاش. ومن طريق عكرمة هي

(4/321)


باب بيع السلاح في الفتنة و غيرها
...
37 - باب بَيْعِ السِّلاَحِ فِي الْفِتْنَةِ وَغَيْرِهَا،وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ فِي الْفِتْنَةِ
2100- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ فَأَعْطَاهُ يَعْنِي دِرْعًا فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإِنَّهُ لاَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلاَمِ
[الحديث 2100- أطرافه في: 3142، 4321، 4322، 7170]

(4/322)


قوله: "باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها" أي هل يمنع أم لا؟ قوله: "وكره عمران بن حصين بيعه في الفتنة" أي في أيام الفتنة، وهذا وصله ابن عدي في الكامل من طريق أبي الأشهب عن أبي رجاء عن عمران، ورواه الطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي رجاء عن عمران مرفوعا وإسناده ضعيف، وكأن المراد بالفتنة ما يقع من الحروب بين المسلمين لأن في بيعه إذ ذاك إعانة لمن اشتراه، وهذا محله إذا اشتبه الحال، فأما إذا تحقق الباغي فالبيع للطائفة التي في جانبها الحق لا بأس به، قال ابن بطال: إنما كره بيع السلاح في الفتنة لأنه من باب التعاون على الإثم ومن ثم كره مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بيع العنب ممن يتخذه خمرا وذهب مالك إلى فسخ البيع وكأن المصنف أشار إلى خلاف الثوري في ذلك حيث قال بع حلالك ممن شئت. قوله: "عن يحيى بن سعيد" هو الأنصاري، وعمر بن كثير هو ابن أفلح وقع في رواية يحيى بن يحيى الأندلسي "عمرو" بفتح العين وهو تصحيف. والإسناد كله مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق أولهم يحيى. قوله: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فبعت الدرع" كذا وقع مختصرا، فقال الخطابي: سقط شيء من الحديث لا يتم الكلام إلا به وهو أنه قتل رجلا من الكفار فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم وكان الدرع من سلبه، وتعقبه ابن التين بأنه تعسف في الرد على البخاري لأنه إنما أراد جواز بيع الدرع فذكر موضعه من الحديث وحذف سائره، وكذا يفعل كثيرا. قلت: وهو كما قال. وليس ما قاله الخطابي بمدفوع، وسيأتي الحديث مستوفي مع الكلام عليه في غزوة حنين من كتاب المغازي. وقد استشكل مطابقته للترجمة: قال الإسماعيلي ليس في هذا الحديث من ترجمة الباب شيء، وأجيب بأن الترجمة مشتملة على بيع السلاح في الفتنة وغيرها فحديث أبي قتادة منزل على الشق الثاني وهو بيعه في غير الفتنة. وقرأت بخط القطب في شرحه: يحتمل أن يكون الرجل لما قال فأرضه منه فأراد أن يأخذ الدرع ويعوضه عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه بمنزلة البيع؛ وكان ذلك وقت الفتنة. انتهى. ولا يخفى تعسف هذا التأويل، والحق أن الاستدلال بالبيع إنما هو في بيع أبي قتادة الدرع بعد ذلك، لأنه باع الدرع فاشترى بثمنه البستان، وكان ذلك في غير زمن الفتنة، ويحتمل أن المراد بإيراد هذا الحديث جواز بيع السلاح في الفتنة لمن لا يخشى منه الضرر، لأن أبا قتادة باع درعه في الوقت الذي كان القتال فيه قائما بين المسلمين والمشركين وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، والظن به أنه لم يبعه ممن يعين على قتال المسلمين، فيستفاد منه جواز بيعه في زمن القتال لمن لا يخشى منه. قوله: "مخرفا" بالمعجمة الساكنة والفاء مفتوح الأول هو البستان، وبكسر الميم الوعاء الذي يجمع فيه الثمار. قوله: "بني سلمة" بكسر اللام. قوله: "تأثلته" بالمثلثة قبل اللام أي جمعته قاله ابن فارس. وقال القزاز جعلته أصل مالي، وأثلة كل شيء أصله.

(4/323)


باب في العطار و بيع المسك
...
38 - باب فِي الْعَطَّارِ وَبَيْعِ الْمِسْكِ
2101- حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لاَ يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً"
[الحديث – 2101- طرفه في 5534]

(4/323)


قوله: "باب في العطار وبيع المسك" ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك، وكأنه ألحق العطار به لاشتراكهما في الرائحة الطيبة. قوله: "حدثنا عبد الواحد" هو ابن زياد، وأبو بردة بن عبد الله هو بريد بن عبد الله بن أبي بردة ابن أبي موسى. قوله: "كمثل صاحب المسك" في رواية أبي أسامة عن بريد كما سيأتي في الذبائح "كحامل المسك" وهو أعم من أن يكون صاحبه أو لا. قوله: "وكير الحداد" بكسر الكاف بعدها تحتانية ساكنة معروف. وفي رواية أبي أسامة "كحامل المسك ونافخ الكير" وحقيقته البناء الذي يركب عليه الزق والزق هو الذي ينفخ فيه فأطلق على الزق اسم الكير مجازا لمجاورته له، وقيل الكير هو الزق نفسه وأما البناء فاسمه الكور. قوله: "لا يعدمك" بفتح أوله وكذلك الدال من العدم أي لا يعدمك إحدى الخصلتين أى لا يعدوك، تقول ليس يعدمني هذا الأمر أي ليس يعدوني. وفي رواية أبي ذر بضم أوله وكسر الدال من الإعدام أي لا يعدمك صاحب المسك إحدى الخصلتين. قوله: "إما تشتريه أو تجد ريحه" في رواية أبي أسامة إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، ورواية عبد الواحد أرجح لأن الإحذاء - وهو الإعطاء - لا يتعين بخلاف الرائحة فإنها لازمة سواء وجد البيع أو لم يوجد. قوله: "وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك" في رواية أبي أسامة "ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك" ولم يتعرض لذكر البيت وهو واضح، وفي الحديث النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما، وفيه جواز بيع المسك والحكم بطهارته لأنه صلى الله عليه وسلم مدحه ورغب فيه ففيه الرد على من كرهه وهو منقول عن الحسن البصري وعطاء وغيرهما، ثم انقرض هذا الخلاف واستقر الإجماع على طهارة المسك وجواز بيعه، وسيأتي لذلك مزيد بيان في كتاب الذبائح، ولم يترجم المصنف للحداد لأنه تقدم ذكره، وفيه ضرب المثل والعمل في الحكم بالأشباه والنظائر.

(4/324)


39 - باب ذِكْرِ الْحَجَّامِ
2102- حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن حميد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ثم حجم أبو طيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا من خراجه"
[الحديث 2102- أطرافه في: 2210، 2277، 2280، 2281،5696]
2103- حدثنا مسدد حدثنا خالد هو بن عبد الله حدثنا خالد عن عكرمة عن بن عباس رضي الله عنهما قال ثم احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الذي حجمه ولو كان حراما لم يعطه"
قوله: "باب ذكر الحجام" قال ابن المنير: ليست هذه الترجمة تصويبا لصنعة الحجامة فإنه قد ورد فيها حديث يخصها، وإن كان الحجام لا يظلم أجره فالنهي على الصانع لا على المستعمل، والفرق بينهما ضرورة المحتجم إلى الحجامة وعدم ضرورة الحجام لكثرة الصنائع سواها. قلت: إن أراد بالتصويب التحسين والندب إليها فهو كما قال، وإن أراد التجويز فلا فإنه يسوغ للمستعمل تعاطيها للضرورة، ومن لازم تعاطيها للمستعمل تعاطي الصانع لها فلا فرق إلا بما أشرت إليه، إذ لا يلزم من كونها من المكاسب الدنيئة أن لا تشرع فالكساح أسوأ حالا من الحجام ولو تواطأ الناس على تركه لأضر ذلك بهم، وسيأتي الكلام على كسب الحجام في كتاب الإجارة، ويأتي الكلام هناك عن

(4/324)


حديثي الباب عن أنس وابن عباس إن شاء الله تعالى.

(4/325)


باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال و النساء
...
40 - باب التِّجَارَةِ فِيمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
2104- حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا أبو بكر بن حفص عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر رضي الله عنه بحلة حرير أو سيراء فرآها عليه فقال إني لم أرسل بها إليك لتلبسها إنما يلبسها من لا خلاق له إنما بعثت إليك لتستمتع بها يعني تبيعها"
2105- حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها أخبرته ثم أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية فقلت يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ماذا أذنبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال هذه النمرقة قلت اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال لهم أحيوا ما خلقتم وقال إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة"
[الحديث 2105- أطرافه في 3224، 5181، 5957، 5961، 7557]
قوله: "باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء" أي إذا كان مما ينتفع به غير من كره له لبسه، أما ما لا منفعة فيه شرعية فلا يجوز بيعه أصلا على الراجح من أقوال العلماء، وذكر فيه حديثين: أحدهما حديث ابن عمر في قصة عمر في حلة عطارد وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها، يعني تبيعها" وسيأتي في اللباس من وجه آخر بلفظ: "إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو لتكسوها" وهو واضح فيما ترجم له هنا من جواز بيع ما يكره لبسه للرجال، والتجارة وإن كانت أخص من البيع لكنها جزؤه المستلزمة له، وأما ما يكره لبسه للنساء فبالقياس عليه، أو المراد بالكراهة في الترجمة ما هو أعم من التحريم والتنزيه فيدخل فيه الرجال والنساء، فعرف بهذا جواب ما اعترض به الإسماعيلي من أن حديث ابن عمر لا يطابق الترجمة حيث ذكر فيها النساء. الثاني حديث عائشة في قصة النمرقة المصورة، وسيأتي الكلام عليه وعلى الذي قبله مستوفي في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى" ووجه الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لم يفسخ البيع في النمرقة، وسيأتي أن في بعض طرق الحديث المذكور أنه صلى الله عليه وسلم توكأ عليها بعد ذلك، والثوب الذي فيه الصورة يشترك في المنع منه الرجال والنساء فهو مطابق للترجمة من هذه الحيثية، بخلاف ما اعترض به الإسماعيلي. وقال ابن المنير: في الترجمة إشعار بحمل قوله: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له" على العموم حتى يشترك في ذلك الرجال والنساء، لكن الحق أن ذلك خاص بالرجال، وإنما الذي يشترك فيه الرجال والنساء المنع من النمرقة، وحاصله أن حديث ابن عمر يدل على بعض الترجمة، وحديث عائشة يدل على جميعها

(4/325)


41 - باب صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ

(4/325)


42 - باب كَمْ يَجُوزُ الْخِيَارُ
2107- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ خِيَارًا قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ"
[الحديث 2107- أطرافه في: 2109، 2111، 2112،02113، 2116]
2108- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا وَزَادَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا بَهْزٌ قَالَ قَالَ هَمَّامٌ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي التَّيَّاحِ فَقَالَ كُنْتُ مَعَ أَبِي الْخَلِيلِ لَمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ"
قوله: "باب" بالتنوين "كم يجوز الخيار" والخيار بكسر الخاء اسم من الاختيار أو التخيير، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو خياران: خيار المجلس وخيار الشرط، وزاد بعضهم خيار النقيصة، وهو مندرج في الشرط فلا يزاد. والكلام هنا علي خيار الشرط والترجمة معقودة لبيان مقداره وليس في حديثي الباب بيان لذلك، قال ابن المنير: لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل يفوض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك. قلت: وقد روى البيهقي من طريق أبي علقمة الغروي عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: "الخيار ثلاثة أيام" وهذا كأنه مختصر من الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من طريق محمد بن إسحاق عن نافع في قصة حبان بن منقذ وسأذكره بعد خمسة أبواب، وبه احتج للحنفية والشافعية في أن أمد الخيار ثلاثة أيام، وأنكر مالك التوقيت في خيار الشرط ثلاثة أيام بغير زيادة وإن كانت في الغالب يمكن الاختيار فيها، لكن لكل شيء أمد بحسبه يتخير فيه

(4/326)


، فللدابة مثلا والثوب يوم أو يومان وللجارية جمعة وللدار شهر. وقال الأوزاعي يمتد الخيار شهرا وأكثر بحسب الحاجة إليه. وقال الثوري: يختص الخيار بالمشتري ويمتد له إلى عشرة أيام وأكثر، ويقال إنه انفرد بذلك، وقد صح القول بامتداد الخيار عن عمر وغيره وسيأتي شيء منه في أبواب الملازمة، ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله: "كم يجوز الخيار" أي كم يخير أحد المتبايعين الآخر مرة. وأشار إلى ما في الطريق الآتية بعد ثلاثة أبواب من زيادة همام "ويختار ثلاث مرار" لكن لما لم تكن الزيادة ثابتة أبقى الترجمة على الاستفهام كعادته. قوله: "حدثنا صدقة" هو ابن الفضل المروزي، وعبد الوهاب هو الثقفي، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري. قوله: "إن المتبايعين بالخيار" كذا للأكثر، وحكى ابن التين في رواية القابسي "إن المتبايعان" قال وهي لغة. وفي رواية أيوب عن نافع في الباب الذي يليه "البيعان" بتشديد التحتانية، والبيع بمعنى البائع كضيق وضائق وصين وصائن وليس كبين وبائن فإنهما متغايران كقيم وقائم، واستعمال البيع في المشتري إما على سبيل التغليب أو لأن كلا منهما بائع. قوله: "ما لم يتفرقا" في رواية النسائي: "يفترقا" بتقديم الفاء، ونقل ثعلب عن الفضل بن سلمة افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان، ورده ابن العربي بقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فإنه ظاهر في التفرق بالكلام لا أنه بالاعتقاد، وأجيب بأنه من لازمه في الغالب لأن من خالف آخر في عقيدته كان مستدعيا لمفارقته إياه ببدنه، ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والحق حمل كلام المفضل على الاستعمال بالحقيقة، وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعا. قوله: "أو يكون البيع خيارا" سيأتي شرحه بعد باب. قوله: "قال نافع وكان ابن عمر الخ" هو موصول بالإسناد المذكور، وقد ذكره مسلم أيضا من طريق ابن جريج عن نافع، وهو ظاهر في أن ابن عمر كان يذهب إلى أن التفرق المذكور بالأبدان كما سيأتي. وفي الحديث ثبوت الخيار لكل من المتبايعين ما داما في المجلس وسيأتي بعد باب. قوله: "عن أبي الخليل" في رواية شعبة الآتية بعد باب "عن قتادة عن صالح أبي الخليل" وفي رواية أحمد عن غندر عن شعبة عن قتادة "سمعت أبا الخليل". قوله: "عن عبد الله بن الحارث" هو أبو نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، ولم ينسب في شيء من طرق حديثه في الصحيحين، لكن وقع لأحمد من طريق سعيد عن قتادة "عبد الله بن الحارث الهاشمي" ورواه ابن خزيمة والإسماعيلي عنه من وجه آخر عن شعبة فقال عن قتادة "سمعت أبا الخليل يحدث عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل" وعبد الله هذا مذكور في الصحابة لأن ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأتى به فحنكه، وهو معدود من حيث الرواية في كبار التابعين، وقتادة وشيخه تابعيان أيضا، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر عن العباس في قصة أبي طالب. قوله: "وزاد أحمد حدثنا بهز" أي ابن أسد، وهذه الطريق وصلها أبو عوانة في صحيحه عن أبي جعفر الدارمي واسمه أحمد بن سعيد عن بهز به ولم أرها في مسند أحمد بن حنبل، وزعم بعضهم أنه أحمد المذكور، وستأتي هذه الزيادة من وجه آخر عن همام بعد ثلاثة أبواب بأوضح من سياقه. وفي صنيع همام فائدة طلب علو الإسناد لأن بينه وبين أبي الخليل في إسناده الأول رجلين وفي الثاني رجل واحد.

(4/327)


43 - باب إِذَا لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ؟
2109- حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما

(4/327)


قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر وربما قال أو يكون بيع خيار"
قوله: "باب إذا لم يوقت الخيار" أي إذا لم يعين البائع أو المشتري وقتا للخيار وأطلقاه "هل يجوز البيع" وكأنه أشار بذلك إلى الخلاف الماضي في حد خيار الشرط، والذي ذهب إليه الشافعية والحنفية أنه لا يزاد فيه على ثلاثة أيام، وذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون إلى أنه لا أمد لمدة خيار الشرط بل البيع جائز والشرط لازم إلى الوقت الذي يشترطانه وهو اختيار ابن المنذر، فإن شرطا أو أحدهما الخيار مطلقا فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: هو شرط باطل والبيع جائز. وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: يبطل البيع أيضا. وقال أحمد وإسحاق للذي شرط الخيار أبدا. "تنبيه": قوله: "أو يقول أحدهما" كذا هو في جميع الطرق بإثبات الواو في يقول، وفي إثباتها نظر لأنه مجزوم عطفا على قوله: "ما لم يتفرقا" فلعل الضمة أشبعت كما أشبعت الياء في قراءة من قرأ: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} ويحتمل أن تكون بمعنى "إلا أن" فيقرأ حينئذ بنصب اللام وبه جزم النووي وغيره، ثم ذكر المصنف في الباب حديث ابن عمر من وجه آخر عن نافع وفيه: "أو يكون بيع خيار" والمعنى أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه اختر إمضاء البيع أو فسخه فاختار إمضاء البيع مثلا أن البيع يتم وإن لم يتفرقا، وبهذا قال الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وآخرون. وقال أحمد لا يتم البيع حتى يتفرقا، وقيل إنه تفرد بذلك، وقيل المعنى بقوله: "أو يكون بيع خيار" أي أن يشترطا الخيار مطلقا فلا يبطل بالتفرق، وسيأتي البحث فيه بعد بابين مستوفي إن شاء الله تعالى.

(4/328)


باب البيعان بالخيار مالم يتفرقا
...
44 - باب الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ
2110- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ قَتَادَةُ أَخْبَرَنِي عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا"
2111- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ"
قوله: "باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وبه قال ابن عمر" أي بخيار المجلس، وهو بين من صنيعه الذي مضى قبل باب، وأنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه. وللترمذي من طريق ابن فضيل عن يحيى بن سعيد "وكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له" ولابن أبي شيبة من طريق محمد بن إسحاق عن نافع "كان ابن عمر إذا باع انصرف ليجب له البيع" ولمسلم من طريق ابن جريج قال: أملى على نافع فذكر الحديث وفيه: "قال نافع: وكان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع إليه" وسيأتي صنيع ابن عمر ذلك من وجه آخر بعد بابين،

(4/328)


وروى سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله عن عبد العزيز بن حكيم "رأيت ابن عمر اشترى من رجل بعيرا فأخرج ثمنه فوضعه بين يديه فخيره بين بعيره وبين الثمن". قوله: "وشريح والشعبي" أي قالا بخيار المجلس، وهذا وصله سعيد بن منصور عن هشيم عن محمد ابن علي: سمعت أبا الضحى يحدث أنه شهد شريحا واختصم إليه رجلان اشترى أحدهما من الآخر دارا بأربعة آلاف فأوجبها له، ثم بدا له في بيعها قبل أن يفارق صاحبها فقال لي: لا حاجة لي فيها، فقال البائع: قد بعتك فأوجبت لك، فاختصما إلى شريح فقال: هو بالخيار ما لم يتفرقا. قال محمد: وشهدت الشعبي قضى بذلك. وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن شريح قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وعن جرير عن مغيرة عن وكيع عن الشعبي أنه أتى في رجل اشترى من رجل برذونا فأراد أن يرده قبل أن يتفرقا فقضى الشعبي أنه قد وجب البيع، فشهد عنده أبو الضحى أن شريحا أتى في مثل ذلك فرده على البائع، فرجع الشعبي إلى قول شريح. قوله: "وطاوس" قال الشافعي في "الأم" : أخبرنا ابن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: "خير رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا بعد البيع" قال وكان أبي يحلف ما الخيار إلا بعد البيع.قوله: "وعطاء وابن أبي مليكة" وصلها ابن أبي شيبة عن جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة وعطاء قالا: البيعان بالخيار حتى يتفرقا عن رضا. ونقل ابن المنذر القول به أيضا عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة، وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن جريح وغيرهم، وبالغ ابن حزم فقال لا نعلم لهم مخالفا من التابعين لا النخعي وحده ورواية مكذوبة عن شريح، والصحيح عنه القول به، وأشار إلى ما رواه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن حجاج عن الحكم عن شريح قال: إذا تكلم الرجل بالبيع فقد وجب البيع، وإسناده ضعيف لأجل حجاج وهو ابن أرطاة. قوله: "حدثنا إسحاق" قال أبو علي الجياني: لم أره منسوبا في شيء من الروايات، ولعله إسحاق ابن منصور، فإن مسلما روى عن إسحاق بن منصور عن حبان بن هلال. قلت: قد رأيته منسوبا في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري في هذا الحديث إسحاق بن منصور، ولم أره في مسند إسحاق بن راهويه من روايته عن حبان، فقوى ما قال أبو علي رحمه الله. ثم رأيت أبا نعيم استخرجه من طريق إسحاق بن راهويه عن حبان وقال: أخرجه البخاري عن إسحاق فالله أعلم. قوله: "حبان بن هلال" هو بفتح الحاء بعدها موحدة ثقيلة. قوله: "حدثنا شعبة" سيأتي بعد باب من هذا الوجه "عن همام" بدل شعبة، وهو محمول على أنه كان عند حبان عن شيخين حدثاه به عن شيخ واحد. قوله: "ما لم يتفرقا" في رواية همام الماضية قبل باب "ما لم يفترقا" وفي رواية سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر، وعن عطاء عن ابن عباس مرفوعا: "ما لم يفارقه صاحبه فإن فارقه فلا خيار له" وقد اختلف القائلون بأن المراد أن يتفرقا بالأبدان هل للتفرق المذكور حد ينتهي إليه؟ والمشهور الراجح من مذهب العلماء في ذلك أنه موكول إلى العرف، فكل ما عد في العرف تفرقا حكم به وما لا فلا والله أعلم. قوله: "فإن صدقا وبينا" أي صدق البائع في إخبار المشترى مثلا وبين العيب إن كان في السلعة، وصدق المشتري في قدر الثمن مثلا وبين العيب إن كان في الثمن، ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد وذكر أحدهما تأكيد للآخر. قوله: "محقت بركة بيعهما" يحتمل أن يكون على ظاهره وأن شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد فمحق بركته، وإن كان الصادق مأجورا والكاذب مأزورا. ويحتمل أن يكون ذلك مختصا بمن وقع منه التدليس، والعيب دون الآخر، ورجحه ابن أبي جمرة. وفي الحديث فضل الصدق والحث عليه وذم الكذب والحث على منعه، وأنه سبب لذهاب البركة، وأن عمل الآخرة يحصل خيري الدنيا والآخرة. قوله: "إلا بيع الخيار" أي فلا

(4/329)


يحتاج إلى التفرق كما سيأتي شرحه في الباب الذي يليه. وفي رواية أيوب عن نافع في الباب الذي قبله "ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر" وهو ظاهر في حصر لزوم البيع بهذين الأمرين، وفيه دليل على إثبات خيار المجلس وقد مضى قبل بباب أن ابن عمر حمله على التفرق بالأبدان، وكذلك أبو برزة الأسلمي، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. وخالف في ذلك إبراهيم النخعي فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه قال: "البيع جائز وإن لم يتفرقا" ورواه سعيد بن منصور عنه بلفظ: "إذا وجبت الصفقة فلا خيار" وبذلك قال المالكية إلا ابن حبيب والحنفية كلهم، قال ابن حزم: لا نعلم لهم سلفا إلا إبراهيم وحده، وقد ذهبوا في الجواب عن حديثي الباب فرقا: فمنهم من رده لكونه معارضا لما هو أقوى منه، ومنهم من صححه ولكن أوله على غير ظاهره، فقالت طائفة منهم: هو منسوخ بحديث: "المسلمون على شروطهم" والخيار بعد لزوم العقد يفسد الشرط، وبحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين لأنه يقتضي الحاجة إلى اليمين وذلك يستلزم لزوم العقد ولو ثبت الخيار لكان كافيا في رفع العقد، وبقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر وإن وقع قبل التفرق لم يصادف محلا، ولا حجة في شيء من ذلك لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف ولا تكلف. وقال بعضهم هو من رواية مالك وقد عمل بخلافه فدل على أنه عارضه ما هو أقوى منه، والراوي إذا عمل بخلاف ما روى دل على وهن. المروي عنده. وتعقب بأن مالكا لم يتفرد به، فقد رواه غيره وعمل به وهم أكثر عددا رواية وعملا، وقد خص كثير من محققي أهل الأصول الخلاف المشهور - فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روى - بالصحابة دون ما جاء بعدهم، ومن قاعدتهم أن الراوي أعلم بما روى، وابن عمر هو راوي الخبر وكان يفارق إذا باع ببدنه فاتباعه أولى من غيره. وقالت طائفة هو معارض بعمل أهل المدينة، ونقل ابن التين عن أشهب بأنه مخالف لعمل أهل مكة أيضا. وتعقب بأنه قال به ابن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم ابن أبي ذئب كما مضى، وهؤلاء من أكابر علماء أهل المدينة في أعصارهم ولا يحفظ عن أحد من علماء المدينة القول بخلافه سوى عن ربيعة. وأما أهل مكة فلا يعرف أحد منهم القول بخلافه، فقد سبق عن عطاء وطاوس وغيرهما من أهل مكة، وقد اشتد إنكار ابن عبد البر وابن العربي على من زعم من المالكية أن مالكا ترك العمل به لكون عمل أهل المدينة على خلافه، قال ابن العربي: إنما لم يأخذ به مالك لأن وقت التفرق غير معلوم فأشبه بيوع الغرر كالملامسة، وتعقب بأنه يقول بخيار الشرط ولا يحده بوقت معين، وما ادعاه من الغرر موجود فيه وبأن الغرر في خيار المجلس معدوم لأن كلا منهما متمكن من إمضاء البيع أو فسخه بالقول أو بالفعل فلا غرر. وقالت طائفة هو خبر واحد فلا يعمل به إلا فيما تعم به البلوى، ورد بأنه مشهور فيعمل به كما ادعوا نظير ذلك في خبر القهقهة في الصلاة وإيجاب الوتر. وقال آخرون: هو مخالف للقياس الجلي في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده، وتعقب بأن القياس مع النص فاسد الاعتبار. وقال آخرون: التفرق بالأبدان محمول على الاستحباب تحسينا للمعاملة مع المسلم لا على الوجوب. وقال آخرون: هو محمول على الاحتياط للخروج من الخلاف وكلاهما على خلاف الظاهر. وقالت طائفة: المراد بالتفرق في الحديث التفرق بالكلام كما في عقد النكاح والإجارة والعتق، وتعقب بأنه قياس مع ظهور الفارق لأن البيع ينقل فيه ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ما ذكر. وقال ابن حزم: سواء قلنا التفرق بالكلام أو بالأبدان فإن خيار المجلس بهذا الحديث ثابت، أما حيث

(4/330)


قلنا التفرق بالأبدان فواضح، وحيث قلنا بالكلام فواضح أيضا، لأن قول أحد المتبايعين مثلا بعتكه بعشرة وقول الآخر بل بعشرين مثلا افتراق في الكلام بلا شك، بخلاف ما لو قال اشتريته بعشرة فإنهما حينئذ متوافقان فيتعين ثبوت الخيار لهما حين يتفقان لا حين يتفرقان وهو المدعي. وفيل المراد بالمتبايعين المتساومان، ورد بأنه مجاز والحمل على الحقيقة أو ما يقرب منها أولى. واحتج الطحاوي بآيات وأحاديث استعمل فيها المجاز وقال: من أنكر استعمال لفظ البائع في السائم فقد غفل عن اتساع اللغة: وتعقب بأنه لا يلزم من استعمال المجاز في موضع طرده في كل موضع، فالأصل من الإطلاق الحقيقة حتى يقوم الدليل على خلافه. وقالوا أيضا: وقت التفرق في الحديث هو ما بين قول البائع بعتك هذا بكذا وبين قول المشتري اشتريت، قالوا فالمشتري بالخيار في قوله اشتريت أو تركه والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري، وهكذا حكاه الطحاوي عن عيسى بن أبان منهم، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، قال عيسى بن أبان: وفائدته تظهر فيما لو تفرقا قبل القبول فإن القبول يتعذر، وتعقب بأن تسميتهما متبايعين قبل تمام العقد مجاز أيضا، فأجيب بأن تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجاز أيضا، لأن اسم الفاعل في الحال حقيقة وفيما عداه مجاز، فلو كان الخيار بعد انعقاد البيع لكان لغير البيعين والحديث يرده فتعين حمل التفرق على الكلام، وأجيب بأنه إذا تعذر الحمل على الحقيقة تعين المجاز، وإذا تعارض المجازان فالأقرب إلى الحقيقة أولى. وأيضا فالمتبايعان لا يكونان متبايعين حقيقة إلا في حين تعاقدهما، لكن عقدهما لا يتم إلا بأحد أمرين إما بإبرام العقد أو التفرق على ظاهر الخبر فصح أنهما متعاقدان ما داما في مجلس العقد، فعلى هذا تسميتهما متبايعين حقيقة بخلاف حمل المتبايعين على المتساومين فإنه مجاز باتفاق. وقالت طائفة التفرق يقع بالأقوال كقوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ} وأجيب بأنه سيئ بذلك لكونه يفضي إلى التفرق بالأبدان، قال البيضاوي: ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين بحمله التفرق على الأقوال وحمله المتبايعين على المتساومين، وأيضا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه، لأنه يصير تقديره إن المتساومين إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه وهو تحصيل الحاصل لأن كل أحد يعرف ذلك، ويقال لمن زعم أن التفرق بالكلام: ما هو الكلام الذي يقع به التفرق، أهو الكلام الذي وقع به العقد أم غيره؟ فإن كان غيره فما هو، فليس بين المتعاقدين كلام غيره؟ وإن كان هو ذلك الكلام بعينه لزم أن يكون الكلام الذي اتفقا عليه وتم بيعهما به هو الكلام الذي افترقا به وانفسخ بيعهما به وهذا في غاية الفساد. وقال آخرون العمل بظاهر الحديث متعذر فيتعين تأويله، وبيان تعذره أن المتبايعين إن اتفقا في الفسخ أو الإمضاء لم يثبت لواحد منهما على الآخر خيار، وإن اختلفا فالجمع بين الفسخ والإمضاء جمع بين النقيضين وهو مستحيل. وأجيب بأن المراد أن لكل منهما الخيار في الفسخ، وأما الإمضاء فلا احتياج إلى اختياره فإنه مقتضى العقد والحال يفضي إليه مع السكوت بخلاف الفسخ. وقال آخرون: حديث بن عمر هذا وحكيم بن حزام معارض بحديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" قال ابن العربي: ظاهر هذه الزيادة مخالف لأول الحديث في الظاهر، فإن تأولوا الاستقالة فيه على الفسخ تأولنا الخيار فيه على الاستقالة وإذا تعارض التأويلان فزع إلى الترجيح، والقياس في جانبنا وتعقب بأن حمل الاستقالة على الفسخ أوضح من حمل الخيار على الاستقالة، لأنه لو كان المراد حقيقة

(4/331)


الاستقالة لم تمنعه من المفارقة لأنها لا تختص بمجلس العقد، وقد أثبت في أول الحديث الخيار ومده إلى غاية التفرق، ومن المعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة فتعين حملها على الفسخ، وعلى ذلك حمله الترمذي وغيره من العلماء فقالوا: معناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع لأن العرب تقول استقلت ما فات عني إذا استدركه، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع. وحملوا نفي الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم، إلا أن اختيار الفسخ حرام، قال ابن حزم: احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب على التفرق بالكلام لقوله فيه: "خشية أن يستقيله" لكون الاستقالة لا تكون إلا بعد تمام البيع، وصحة انتقال الملك تستلزم أن يكون الخبر المذكور لا فائدة له لأنه يلزم من حمل التفرق على القول إباحة المفارقة، خشي أن يستقيله أو لم يخش. وقال بعضهم التفرق بالأبدان في الصرف قبل القبض يبطل العقد فكيف يثبت العقد ما يبطله؟ وتعقب باختلاف الجهة وبالمعارضة بنظيره، وذلك أن النقد وترك الأجل شرط لصحة الصرف وهو يفسد السلم عندهم. واحتج بعضهم بحديث ابن عمر الآتي بعد بابين في قصة البكر الصعب وسيأتي توجهه وجوابه، واحتج الطحاوي بقول ابن عمر: ما أدركت الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المبتاع: وتعقب بأنهم يخالفونه، أما الحنفية فقالوا: هو من مال البائع ما لم يره المبتاع أو ينقله. والمالكية قالوا: إن كان غائبا غيبة بعيدة فهو من البائع وأنه لا حجة فيه لأن الصفقة فيه محمولة على البيع الذي انبرم لا على ما لم ينبرم جمعا بين كلاميه. وقال بعضهم معنى قوله حتى يتفرقا أي حتى يتوافقا يقال للقوم: على ماذا تفارقتم؟ أي على ماذا اتفقتم؟ وتعقب بما ورد في بقية حديث ابن عمر في جميع طرقه ولا سيما في طريق الليث الآتية في الباب الذي بعد هذا. وقال بعضهم حديث: "البيعان بالخيار" جاء بألفاظ مختلفة فهو مضطرب لا يحتج به، وتعقب بأن الجمع بين ما اختلف من ألفاظه ممكن بغير تكلف ولا تعسف فلا يضره الاختلاف، وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه وليس هذا الحديث من ذلك. وقال بعضهم: لا يتعين حمل الخيار في هذا الحديث على خيار الفسخ، فلعله أريد به خيار الشراء أو خيار الزيادة في الثمن أو المثمن، وأجيب بأن المعهود في كلامه صلى الله عليه وسلم حيث يطلق الخيار إرادة خيار الفسخ كما في حديث المصراة وكما في حديث الذي يخدع في البيوع. وأيضا فإذا ثبت أن المراد بالمتبايعين المتعاقدان فبعد صدور العقد لا خيار في الشراء ولا في الثمن. وقال ابن عبد البر: قد أكثر المالكية والحنفية من الاحتجاج لرد هذا الحديث بما يطول ذكره، وأكثره لا يحصل منه شيء. وحكى ابن السمعاني في "الاصطلاح" عن بعض الحنفية قال: البيع عقد مشروع بوصف وحكم، فوصفه اللزوم وحكمه الملك، وقد تم البيع بالعقد فوجب أن يتم بوصفه وحكمه، فأما تأخير ذلك إلى أن يفترقا فليس عليه دليل لأن السبب إذا تم يفيد حكمه، ولا ينتفي إلا بعارض ومن ادعاه فعليه البيان. وأجاب أن البيع سبب للإيقاع في الندم والندم يحوج إلى النظر فأثبت الشارع خيار المجلس نظرا للمتعاقدين ليسلما من الندم، ودليله خيار الرؤية عندهم وخيار الشرط عندنا. قال: ولو لزم العقد بوصفه وحكمه لما شرعت الإقالة، لكنا شرعت نظرا للمتعاقدين، إلا أنها شرعت لاستدراك ندم ينفرد به أحدهما فلم تجب، وخيار المجلس شرع لاستدراك ندم يشتركان فيه فوجب.

(4/332)


باب اذا خير احداهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع
...
45 - باب إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ
2112- حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه

(4/332)


قال إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع"
قوله: "باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع" أي وقبل الفرق "فقد وجب البيع" أي وإن لم يتفرقا. أورد فيه حديث ابن عمر من طريق الليث عن نافع بلفظ: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، أي فينقطع الخيار، وقوله: "وكانا جميعا" تأكيد لذلك، وقوله: "أو يخير أحدهما الآخر" أي فينقطع الخيار، وقوله: "فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" أي وبطل الخيار، وقوله: "وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحد منهما البيع" أي لم يفسخه "فقد وجب البيع" أي بعد التفرق، وهذا ظاهر جدا في انفساخ البيع بفسخ أحدهما، قال الخطابي: هذا أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس، وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث، وكذلك قوله في آخره: "وإن تفرقا بعد أن تبايعا، فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار، ولو كان معناه التفرق بالقول لخلا الحديث عن فائدة. انتهى. وقد أقدم الداودي على رد هذا الحديث المتفق على صحته بما لا يقبل منه فقال: قول الليث في هذا الحديث: "وكانا جميعا الخ" ليس بمحفوظ لأن مقام الليث في نافع ليس كمقام مالك ونظراته. انتهى. وهو رد لما اتفق الأئمة على ثبوته بغير مستند، وأي لوم على من روى الحديث مفسرا لأحد محتملاته حافظا من ذلك ما لم يحفظه غيره مع وقوع تعدد المجلس، فهو محمول على أن شيخهم حدثهم به تارة مفسرا وتارة مختصرا، وقد اختلف العلماء في المراد بقوله في حديث مالك "إلا بيع الخيار" فقال الجمهور وبه جزم الشافعي: هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير. قال النووي: اتفق أصحابنا على ترجيح هذا التأويل وأبطل كثير منهم ما سواه وغلطوا قائله. انتهى. ورواية الليث ظاهرة جدا في ترجيحه، وقيل هو استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق، وقيل المراد بقوله: "أو يفرق أحدهما الآخر" أي فيشترط الخيار مدة معينة فلا ينقضي الخيار بالتفرق بل يبقى حتى تمضي المدة حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور، ورجح الأول بأنه أقل في الإضمار، وتعينه رواية النسائي من طريق إسماعيل - قيل هو ابن أمية وقيل غيره - عن نافع بلفظ إلا أن يكون البيع كان عن خيار" فإن كان البيع عن خيار وجب البيع، وقيل هو استثناء من إثبات خيار المجلس، والمعنى أو يخير أحدهما الآخر فيختار في خيار المجلس فينتفي الخيار وهذا أضعف هذه الاحتمالات، وقيل قوله: "إلا أن يكون بيع خيار" أي هما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا ولو قبل التفرق وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرق، وهو قول يجمع التأويلين الأولين، ويؤيده رواية عبد الرزاق عن سفيان في حديث الباب الذي يليه حيث قال فيه: "إلا بيع الخيار أو يقول لصاحبه اختر إن حملنا " أو" على التقسيم لا على الشك. "تنبيه": قوله: "أو يخير أحدهما الآخر" بإسكان الراء من "يخير" عطفا على قوله: "ما لم يتفرقا" ويحتمل نصب الراء على أن "أو" بمعنى "إلا أن" كما تقدم قريبا مثله في قوله: "أو يقول أحدهما لصاحبه اختر"

(4/333)


46 - باب إِذَا كَانَ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ ؟
2113- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ

(4/333)


النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ بَيِّعَيْنِ لاَ بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ"
2114- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا حَبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا قَالَ هَمَّامٌ وَجَدْتُ فِي كِتَابِي يَخْتَارُ ثَلاَثَ مِرَارٍ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا قَالَ وَحَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
قوله: "باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع" كأنه أراد الرد على من حصر الخيار في المشتري دون البائع فإن الحديث قد سوى بينهما في ذلك. قوله: "كل بيعين" بتشديد التحتانية. قوله: "لا بيع بينهما" أي لازم. قوله: "حتى يتفرقا" أي فيلزم البيع حينئذ بالتفرق: قوله: "إلا بيع الخيار" أي فيلزم باشتراطه كما تقدم البحث فيه، وظاهره حصر لزوم البيع في التفرق أو في شرط الخيار، والمعنى أن البيع عقد جائز فإذا وجد أحد هذين الأمرين كان لازما. قوله: "حدثني إسحاق" هو ابن منصور، وحبان هو ابن هلال. قوله: "حتى يتفرقا" في رواية الكشميهني: "ما لم يتفرقا". قوله: "قام همام: وجدت في كتابي يختار ثلاث مرار" أشار أبو داود إلى أن هماما تفرد بذلك عن أصحاب قتادة، ووقع عند أحمد عن عفان عن همام قال: "وجدت في كتابي الخيار ثلاث مرار" ولم يصرح همام بمن حدثه بهذه الزيادة فإن ثبتت فهي على سبيل الاختيار. وقد أخرجه الإسماعيلي وجه آخر عن حبان بن هلال فذكر هذه الزيادة في آخر الحديث. قوله: "وحدثنا همام" القائل هو حبان بن هلال المذكور، وقد تقدم قبل بابين من وجه آخر عن همام. قال الكرماني: القائل هو حبان، فإن قيل لم قال: "حدثنا" وقال قبل ذلك "قال همام" فالجواب أنه حيث قال: قال كان سمع ذلك في المذاكرة وحيث قال حدثنا سمع منه في مقام التحديث ا هـ. وفي جزمه بذلك نظر، والذي يظهر أنه حيث ساقه بالإسناد عبر بقوله حدثنا، وحيث ذكر كلام همام عبر عنه بقوله قال.

(4/334)


47 - باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي
أَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ وَقَالَ طَاوُسٌ فِيمَنْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا ثُمَّ بَاعَهَا وَجَبَتْ لَهُ وَالرِّبْحُ لَهُ
2115- وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ الْقَوْمِ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِعُمَرَ بِعْنِيهِ قَالَ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِعْنِيهِ فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ"
[الحديث 2115- طرفاه في: 2610- 2611 ]
2116- قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ

(4/334)


اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَالًا بِالْوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ فَلَمَّا تَبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي الْبَيْعَ وَكَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودَ بِثَلاَثِ لَيَالٍ وَسَاقَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاَثِ لَيَالٍ "
قوله: "باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ولم ينكر البائع على المشتري" أي هل ينقطع خياره بذلك؟ قال ابن المنير: أراد البخاري إثبات خيار المجلس بحديث ابن عمر ثاني حديثي الباب، وفيه قصته مع عثمان وهو بين في ذلك، ثم خشي أن يعترض عليه بحديث ابن عمر في قصة البعير الصعب لأن النبي صلى الله عليه وسلم تصرف في البكر بنفس تمام العقد فأسلف الجواب عن ذلك في الترجمة بقوله: "ولم ينكر البائع" يعني أن الهبة المذكورة إنما تمت بإمضاء البائع وهو سكوته المنزل منزلة قوله. وقال ابن التين: هذا تعسف من البخاري، ولا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه وهب ما فيه لأحد خيار ولا إنكار لأنه إنما بعث مبينا ا هـ. وجوابه أنه صلى الله عليه وسلم قد بين ذلك بالأحاديث السابقة المصرحة بخيار المجلس، والجمع بين الحديثين ممكن بأن يكون بعد العقد فارق عمر بأن تقدمه أو تأخر عنه مثلا ثم وهب، وليس في الحديث ما يثبت ذلك ولا ما بنفيه فلا معنى للاحتجاج بهذه الواقعة العينية في إبطال ما دلت عليه الأحاديث الصريحة من إثبات خيار المجلس فإنها إن كانت متقدمة على حديث: "البيعان بالخيار" فحديث البيعان قاض عليها، وإن كانت متأخرة عنه حمل على أنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بالبيان السابق، واستفيد منه أن المشتري إذا تصرف في المبيع ولم ينكر البائع كان ذلك قاطعا لخيار البائع كما فهمه البخاري والله أعلم. وقال ابن بطال أجمعوا على أن البائع إذا لم ينكر على المشتري ما أحدثه من الهبة والعتق أنه بيع جائز، واختلفوا فيما إذا أنكر ولم يرض: فالذين يرون أن البيع يتم بالكلام دون اشتراط التفرق بالأبدان يجيزون ذلك، ومن يرى التفرق بالأبدان لا يجيزونه والحديث حجة عليهم ا هـ. وليس الأمر على ما ذكره من الإطلاق، بل فرقوا بين المبيعات: فاتفقوا على منع بيع الطعام قبل قبضه كما سيأتي، واختلفوا فيما عدا الطعام على مذاهب: أحدها: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه مطلقا وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن، ثانيها: يجوز مطلقا إلا الدور والأرض وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ثالثها: يجوز مطلقا إلا المكيل والموزون وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، رابعها: يجوز مطلقا إلا المأكول والمشروب وهو قول مالك وأبي ثور واختيار ابن المنذر، واختلفوا في الإعتاق فالجمهور على أنه يصح الإعتاق ويصير قبضا سواء كان للبائع حق الحبس بأن كان الثمن حالا ولم يدفع أم لا، والأصح في الوقف أيضا صحته، وفي الهبة والرهن خلاف، والأصح عند الشافعية فهما أنهما لا يصحان، وحديث ابن عمر في قصة البعير الصعب حجة لمقابله، ويمكن الجواب عنه بأنه يحتمل أن يكون ابن عمر كان وكيلا في القبض قبل الهبة وهو اختيار البغوي قال: إذا أذن المشتري للموهوب له في قبض المبيع كفى وتم البيع وحصلت الهبة بعده، لكن لا يلزم من هذا اتحاد القابض والمقبض لأن ابن عمر كان راكب البعير حينئذ وقد احتج به للمالكية والحنفية في أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية، وإليه مال البخاري كما تقدم له في "باب شراء الدواب والحمر" إذا اشترى دابة وهو عليها هل يكون ذلك قبضا؟ وعند الشافعية والحنابلة تكفي التخلية في الدور والأراضي وما أشبهها دون المنقولات، ولذلك لم يجزم البخاري بالحكم بل أورد الترجمة مورد الاستفهام

(4/335)


.وقال ابن قدامة ليس في الحديث تصريح بالبيع، فيحتمل أن يكون قول عمر "هو لك" أي هبة، وهو الظاهر فإنه لم يذكر ثمنا. قلت: وفيه غفلة عن قوله في حديث الباب: "فباعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث عند البخاري "فاشتراه" وسيأتي في الهبة، فعلى هذا فهو بيع، وكون الثمن لم يذكر لا يلزم أن يكون هبة مع التصريح بالشراء، وكما لم يذكر الثمن يحتمل أن يكون القبض المشترط وقع وإن لم ينقل، قال المحب الطبري: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ساقه بعد العقد كما ساقه أولا، وسوقه قبض له لأن قبض كل شيء بحسبه. قوله: "أو اشترى عبدا فأعتقه" جعل المصنف مسألة الهبة أصلا ألحق بها مسألة العتق لوجود النص في مسألة الهبة دون العتق، والشافعية نظروا إلى المعنى في أن للعتق قوة وسراية ليست لغيره، ومن ألحق به منهم الهبة قال إن العتق إتلاف للمالية والإتلاف قبض فكذلك الهبة والله أعلم. قوله: "وقال طاوس فيمن يشتري السلعة على الرضا ثم باعها وجبت له والربح له" وصله سعيد ابن منصور وعبد الرزاق من طريق ابن طاوس عن أبيه نحوه، وزاد عبد الرزاق "وعن معمر عن أيوب عن ابن سيرين إذا بعت شيئا على الرضا فإن الخيار لهما حتى يتفرقا عن رضا". قوله: "وقال الحميدي" في رواية ابن عساكر بإسناد البخاري "قال لنا الحميدي" وجزم الإسماعيلي وأبو نعيم بأنه علقه، وقد رويناه أيضا موصولا في "مسند الحميدي" وفي "مستخرج الإسماعيلي:" وسيأتي من وجه آخر عن سفيان في الهبة موصولا. قوله: "في سفر" لم أقف على تعيينه. قوله: "على بكر" بفتح الموحدة وسكون الكاف: ولد الناقة أول ما يركب. قوله: "صعب" أي نفور. قوله: "فباعه" زاد في الهبة "فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت" وفي هذا الحديث ما كان الصحابة عليه من توقيرهم للنبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يتقدموه في المشي، وفيه جواز زجر الدواب، وإنه لا يشترط في البيع عرض صاحب السلعة بسلعته بل يجوز أن يسأل في بيعها، وجواز التصرف في المبيع قبل بدل الثمن. ومراعاة النبي صلى الله عليه وسلم أحوال الصحابة وحرصه على ما يدخل عليهم السرور. قوله: "وقال الليث" وصله الإسماعيلي من طريق ابن زنجويه والرمادي وغيرهما، وأبو نعيم من طريق يعقوب بن سفيان كلهم عن أبي صالح كاتب الليث عن الليث به، وذكر البيهقي أن يحيى بن بكير رواه عن الليث عن يونس عن الزهري نحوه، وليس ذلك بعلة فقد ذكر الإسماعيلي أيضا أن أبا صالح رواه عن الليث كذلك فوضح أن الليث فيه شيخين، وقد أخرجه الإسماعيلي أيضا من طريق أيوب عن سويد عن يونس عن الزهري. قوله: "بعت من أمير المؤمنين عثمان بن عفان مالا" أي أرضا أو عقارا. قوله: "بالوادي" يعني وادي القرى. قوله: "فلما تبايعا رجعت على عقبي" في رواية أيوب بن سويد "فطفقت أنكص على عقبي القهقرى". قوله: "يرادني" بتشديد الدال أصله يراددني أي يطلب مني استرداده. قوله: "وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا" يعني أن هذا هو السبب في خروجه من بيت عثمان، وأنه فعل ذلك ليجب له البيع ولا يبقى لعثمان خيار في فسخه. واستدل ابن بطال بقوله: "وكانت السنة" على أن ذلك كان في أول الأمر، فأما في الزمن الذي فعل ابن عمر ذلك فكان التفرق بالأبدان متروكا فلذلك فعله ابن عمر لأنه كان شديد الاتباع، هكذا قال، وليس في قوله: "وكانت السنة" ما ينفي استمرارها. وقد وقع في رواية أيوب بن سويد "كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يفترق المتبايعان، فتبايعت أنا وعثمان" فذكر القصة وفيها إشعار باستمرار ذلك، وأغرب ابن رشد في "المقدمات" له فزعم أن عثمان قال لابن عمر "ليست السنة بافتراق الأبدان، قد انتسخ ذلك" وهذه الزيادة لم أر لها إسنادا، ولو صحت لم تخرج المسألة على الخلاف لأن أكثر

(4/336)


الصحابة قد نقل عنهم القول بأن الافتراق بالأبدان. قوله: "سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال" أي زدت المسافة التي بينه وبين أرضه التي صارت إليه على المسافة التي كانت بينه وبين أرضه التي باعها بثلاث ليال. قوله: "وساقني إلى المدينة بثلاث ليال" يعني أنه نقص المسافة التي بيني وبين أرضي التي أخذ بها عن المسافة التي كانت بيني وبين أرضي التي بعتها بثلاث ليال، وإنما قال إلى المدينة لأنهما جميعا كانا بها فرأى ابن عمر الغبطة في القرب من المدينة فلذلك قال: "رأيت أني قد غبنته" وفي هذه القصة جواز بيع العين الغائبة على الصفة، وسيأتي نقل الخلاف فيها في "باب بيع الملامسة" وجواز التحيل في إبطال الخيار، وتقديم المرء مصلحة نفسه على مصلحة غيره، وفيه جواز بيع الأرض بالأرض، وفيه أن الغبن لا يرد به البيع.

(4/337)


48 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ
2117- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ"
[الحديث 2117- أطرافه في:2407، 2414، 696]
قوله: "باب ما يكره من الخداع في البيع" كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الخداع في البيع مكروه ولكنه لا يفسخ البيع، إلا أن شرط المشتري الخيار على ما تشعر به القصة المذكورة في الحديث. قوله: "أن رجلا" في رواية أحمد من طريق محمد بن إسحاق "حدثني نافع عن ابن عمر، كان رجل من الأنصار" زاد ابن الجارود في "المنتقى" من طريق سفيان عن نافع أنه حبان بن منقذ، وهو بفتح المهملة والموحدة الثقيلة، ورواه الدار قطني من طريق عبد الأعلى والبيهقي من طريق يونس بن بكير كلاهما عن ابن إسحاق به وزاد فيه: "قال ابن إسحاق فحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال هو جدي منقذ بن عمرو" وكذلك رواه ابن منده من وجه آخر عن ابن إسحاق. قوله: "ذكر النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية ابن إسحاق" فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يلقى من الغبن". قوله: "أنه يخدع في البيوع" بين ابن إسحاق في روايته المذكورة سبب شكواه وهو ما يلقى من الغبن، وقد أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث أنس بلفظ: "إن رجلا كان يباع، وكان في عقدته ضعف". قوله: "لا خلابة" بكسر المعجمة وتخفيف اللام أي لا خديعة و "لا" لنفي الجنس أي لا خديعة في الدين لأن الدين النصيحة، زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير وعبد الأعلى عنه "ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فأردد "فبقي حتى أدرك زمان عثمان وهو ابن مائة وثلاثين سنة، فكثر الناس في زمن عثمان، وكان إذا اشترى شيئا فقيل له إنك غبنت فيه رجع به فيشهد له الرجل من الصحابة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعله بالخيار ثلاثا فيرد له دراهمه. قال العلماء: لقنه النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول ليتلفظ به عند البيع فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيرى له كما يرى لنفسه، لما تقرر من حض المتبايعين على أداء النصيحة كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حكيم بن حزام "فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما" الحديث. واستدل بهذا الحديث لأحمد واحد قولي مالك أنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما جعل له الخيار لضعف عقله ولو كان الغبن يملك به الفسخ لما احتاج إلى شرط الخيار. وقال ابن العربي: يحتمل أن الخديعة في قصة هذا الرجل كانت في العيب أو في

(4/337)


الكذب أو في الثمن أو في الغبن فلا يحتج بها في مسألة الغبن بخصوصها، وليست قصة عامة وإنما هي خاصة في واقعة عين فيحتج بها في حق من كان بصفة الرجل قال: وأما ما روي عن عمر أنه كلم في البيع فقال: ما أجد لكم شيئا أوسع مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبان بن منقذ ثلاثة أيام، فمداره علي ابن لهيعة وهو ضعيف انتهى، وهو كما قال أخرجه الطبراني والدار قطني وغيرهما من طريقه، لكن الاحتمالات التي ذكرها قد تعينت بالرواية التي صرح بها بأنه كان يغبن في البيوع، واستدل به على أن أمد الخيار المشترط ثلاثة أيام من غير زيادة لأنه حكم ورد على خلاف الأصل فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه، ويؤيده جعل الخيار في المصراة ثلاثة أيام، واعتبار الثلاث في غير موضع، وأغرب بعض المالكية فقال إنما قصره على ثلاث لأن معظم بيعه كان في الرقيق، وهذا يحتاج إلى دليل ولا يكفي فيه مجرد الاحتمال، واستدل به على أن من قال عند العقد "لا خلابة" أنه يصير في تلك الصفقة بالخيار سواء وجد فيه عيبا أو غبنا أم لا، وبالغ ابن حزم في جموده فقال: لو قال لا خديعة أو لا غش أو ما أشبه ذلك لم يكن له الخيار حتى يقول لا خلابة. ومن أسهل ما يرد به عليه أنه ثبت في صحيح مسلم أنه كان يقول: "لا خيابة" بالتحتانية بدل اللام وبالذال المعجمة بدل اللام أيضا وكأنه كان لا يفصح باللام للثغة لسانه ومع ذلك لم يتغير الحكم في حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله بالخيار فدل على أنهم اكتفوا في ذلك بالمعنى، واستدل به على أن الكبير لا يحجر عليه ولو تبين سفهه لما في بعض طرق حديث أنس أن أهله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله احجر عليه، فدعاه فنهاه عن البيع فقال لا أصبر عنه فقال: "إذا بايعت فقل لا خلابة" وتعقب بأنه لو كان الحجر على الكبير لا يصح لأنكر عليهم، وأما كونه لم يحجر عليه فلا يدل على منع الحجر على السفيه. واستدل به على جواز البيع بشرط الخيار وعلى جواز شرط الخيار للمشتري وحده، وفيه ما كان أهل ذلك العصر عليه من الرجوع إلى الحق وقبول خبر الواحد في الحقوق وغيرها.

(4/338)


باب ماذكر في الاسواق
...
49 - باب مَا ذُكِرَ فِي الأَسْوَاقِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قُلْتُ هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ قَالَ سُوقُ قَيْنُقَاعَ
وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ وَقَالَ عُمَرُ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ
2118- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ"
2119- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صَلاَةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لاَ يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلاَةَ لاَ يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاّ

(4/338)


رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ وَالْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ وَقَالَ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَتْ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ"
2120- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّوقِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سَمُّوا بِاسْمِي وَلاَ تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي"
[الحديث 2120 – طرفاه في: 2121، 3537]
2121- حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا زهير عن حميد عن أنس رضي الله عنه ثم دعا رجل بالبقيع يا أبا القاسم فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال لم أعنك قال سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي"
2122- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لاَ يُكَلِّمُنِي وَلاَ أُكَلِّمُهُ حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ أَثَمَّ لُكَعُ أَثَمَّ لُكَعُ فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا أَوْ تُغَسِّلُهُ فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ وَقَالَ اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ قَالَ سُفْيَانُ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ"
[الحديث 2122- طرفه في: 5884]
2123- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ"
[ الحدبث 2123- أطرافه في: 2131، 2137، 2166، 2167، 6852]
2124- قَالَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ"
[الحديث 2124- أطرافه في 2126، 2133، 2136]
قوله: "باب ما ذكر في الأسواق" قال ابن بطال أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأسواق للأشراف والفضلاء وكأنه أشار إلى ما لم يثبت على شرطه من أنها شر البقاع وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق" وإسناده حسن، وأخرجه ابن حبان والحاكم أيضا من حديث ابن عمر نحوه، قال ابن بطال: وهذا خرج على الغالب وإلا فرب سوق يذكر فيها الله أكثر من كثير من المساجد. قوله: "وقال عبد الرحمن بن عوف الخ" تقدم موصولا في

(4/339)


أوائل البيوع، والغرض منه هنا ذكر السوق فقط وكونه كان موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يتعاهده الفضلاء من الصحابة لتحصيل المعاش للكفاف وللتعفف عن الناس. قوله: "وقال أنس قال عبد الرحمن بن عوف" تقدم أيضا موصولا هناك. قوله: "وقال عمر: ألهاني الصفق بالأسواق" تقدم موصولا أيضا هناك في أثناء حديث أبي موسى الأشعري. قوله: "عن محمد بن سوقة" بضم المهملة وسكون الواو بعدها قاف كوفي ثقة عابد يكنى أبا بكر من صغار التابعين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في العيدين. قوله: "عن نافع بن جبير" أي ابن مطعم النوفلي وليس له في البخاري عن عائشة سوى هذا الحديث، ووقع في رواية محمد بن بكار عن إسماعيل بن زكريا عن محمد بن سوقه "سمعت نافع بن جبير" أخرجه الإسماعيلي. قوله: "حدثتني عائشة" هكذا قال إسماعيل بن زكريا عن محمد بن سوقة، وخالفه سفيان بن عيينة فقال: "عن محمد بن سوقة عن نافع بن جبير عن أم سلمة" أخرجه الترمذي، ويحتمل أن يكون نافع ابن جبير سمعه منهما فإن روايته عن عائشة أتم من روايته عن أم سلمة، وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن عائشة، وروي من حديث حفصة شيئا منه، وروى الترمذي من حديث صفية نحوه.قوله: "يغزو جيش الكعبة" في رواية مسلم: "عبث النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقلنا له صنعت شيئا لم تكن تفعله، قال: العجب أن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش" وزاد في رواية أخرى أن أم سلمة قالت ذلك زمن ابن الزبير، وفي أخرى أن عبد الله بن صفوان أحد رواة الحديث عن أم سلمة قال: والله ما هو هذا الجيش. قوله: "ببيداء من الأرض" في رواية مسلم: "بالبيداء" وفي حديث صفية على الشك. وفي رواية لمسلم عن أبي جعفر الباقر قال: هي بيداء المدينة. انتهى. والبيداء مكان معروف بين مكة والمدينة تقدم شرحه في كتاب الحج. قوله: "يخسف بأولهم وآخرهم" زاد الترمذي في حديث صفية "ولم ينج أوسطهم" وزاد مسلم في حديث حفصة "فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم" واستغنى بهذا عن تكلف الجواب عن حكم الأوسط وأن العرف يقضي بدخوله فيمن هلك أو لكونه آخرا بالنسبة للأول وأولا بالنسبة للآخر فيدخل. قوله: "وفيهم أسواقهم" كذا عند البخاري بالمهملة والقاف جمع سوق وعليه ترجم، والمعنى أهل أسواقهم أو السوقة منهم. وقوله: "ومن ليس منهم" أي من رافقهم ولم يقصد موافقتهم. ولأبي نعيم من طريق سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا "وفيهم أشرافهم" بالمعجمة والراء والفاء. وفي رواية محمد ابن بكار عند الإسماعيلي: "وفيهم سواهم" وقال وقع في رواية البخاري "أسواقهم" فأظنه تصحيفا فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق. قلت: بل لفظ: "سواهم" تصحيف فإنه بمعنى قوله ومن ليس منهم فيلزم منه التكرار، بخلاف رواية البخاري. نعم أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم، وليس في لفظ: "أسواقهم" ما يمنع أن يكون الخسف بالناس فالمراد بالأسواق أهلها أي يخسف بالمقاتلة منهم ومن ليس من أهل القتال كالباعة. وفي رواية مسلم: "فقلنا إن الطريق يجمع الناس، قال نعم فيهم المستبصر - أي المستبين لذلك القاصد للمقاتلة - والمجبور بالجيم والموحدة - أي المكره - وابن السبيل - أي - مالك الطريق معهم وليس منهم" والغرض كله أنها استشكلت وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة فوقع الجواب بأن العذاب يقع عاما لحضور آجالهم ويبعثون بعد ذلك على نياتهم. وفي رواية مسلم: "يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى" وفي حديث أم سلمة عند مسلم: "فقلت يا رسول الله فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به، ولكن يبعث يوم القيامة على نيته" أي يخسف بالجميع لشؤم

(4/340)


الأشرار ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده، قال المهلب: في هذا الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختارا أن العقوبة تلزمه معهم. قال واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر وإن لم يشرب، وتعقبه ابن المنير بأن العقوبة التي في الحديث هي الهجمة السماوية فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية، ويؤيده آخر الحديث حيث قال: "ويبعثون على نياتهم" وفي هذا الحديث أن الأعمال تعتبر بنية العامل، والتحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر إلى ذلك، ويتردد النظر في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة هل هي إعانة لهم على ظلمهم أو هي من ضرورة البشرية، ثم يعتبر عمل كل أحد بنيته. وعلى الثاني يدل ظاهر الحديث. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون الكعبة فينتقم منهم فيخسف بهم، وتعقب بأن في بعض طرقه عند مسلم: "إن ناسا من أمتي" والذين شهدونها من كفار الحبشة. وأيضا فمقتضى كلامه أنهم يخسف بهم بعد أن يهدموها ويرجعوا، وظاهر الخبر أنه يخسف بهم قبل أن يصلوا إليها. حديث أبي هريرة قد تقدم مستوفي في أبواب الجماعة. والغرض منه ذكر السوق وجواز الصلاة فيه، وقوله: "لا ينهزه" بضم أوله وسكون النون وكسر الهاء بعدها زاي: ينهضه وزنا ومعنى، والمراد لا يزعجه، والجملة بيان للجملة التي قبلها وهي "لا يريد إلا الصلاة" وقوله: "اللهم صل عليه" بيان لقوله يصلي عليه أي يقول اللهم صل عليه، وقوله: "ما لم يؤذ فيه"، أي يحصل منه أذى للملائكة أو لمسلم بالفعل أو بالقول. حديث أنس في سبب قوله صلى الله عليه وسلم: "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" أورده من طريقين عن حميد عنه وسيأتي في كتاب الاستئذان، والغرض منه هنا قوله في أول الطريق الأولى "كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق" وفائدة إيراده الطريق الثانية قوله فيها إنه كان بالبقيع، فأشار إلى أن المراد بالسوق في الرواية الأولى السوق الذي كان بالبقيع، وقد قال سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} . قوله: "عن عبيد الله" بالتصغير، في رواية مسلم عن أحمد بن حنبل عن سفيان "حدثني عبيد الله" ولكنه أورده مختصرا جدا. قوله: "عن نافع بن جبير" هو المذكور في الحديث الأول، وليس له أيضا عن أبي هريرة في البخاري سوى هذا الحديث. قوله: "في طائفة من النهار" أي في قطعة منه، وحكى الكرماني أن في بعض الروايات "طائفة" بالصاد المهملة بدل طائفة أي في حر النهار، يقال يوم صائف أي حار. قوله: "لا يكلمني ولا أكلمه" أما من جانب النبي صلى الله عليه وسلم فلعله كان مشغول الفكر بوحي أو غيره، وأما من جانب أبي هريرة فللتوقير، وكان ذلك من شأن الصحابة إذا لم يروا منه نشاطا. قوله: "حتى أتى سوق بني قينقاع فجلس بفناء بيت فاطمة فقال" هكذا في نسخ البخاري، قال الداودي: سقط بعض الحديث عن الناقل، أو أدخل حديثا في حديث، لأن بيت فاطمة ليس في سوق بني قينقاع. انتهى. وما ذكره أولا احتمالا هو الواقع، ولم يدخل للراوي حديث في حديث، وقد أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان فأثبت ما سقط منه ولفظه: "حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف حتى أتى فناء فاطمة" وكذلك أخرجه الإسماعيلي من طرق عن سفيان، وأخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان فقال فيه: "حتى أتى فناء عائشة فجلس فيه:" والأول أرجح، والفناء بكسر الفاء بعدها نون ممدودة أي الموضع المتسع أمام البيت. قوله: "أثم لكع" بهمزة الاستفهام بعدها مثلثة مفتوحة، ولكع بضم اللام وفتح الكاف، قال الخطابي: اللكع على معنيين أحدهما الصغير والآخر اللئيم، والمراد هنا الأول، والمراد بالثاني ما ورد في حديث أبي هريرة أيضا: "يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع "وقال ابن

(4/341)


التين: زاد ابن فارس أن العبد أيضا يقال له لكع. انتهى. ولعل من أطلقه على العبد أراد أحد الأمرين المذكورين. وقال بلال بن جرير التميمي: اللكع في لغتنا الصغير، وأصله في المهر ونحوه. وعن الأصمعي: اللكع الذي لا يهتدي لمنطق ولا غيره، مأخوذ من الملاكيع وهي التي تخرج من السلا. قال الأزهري: وهذا القول أرجح الأقوال هنا، لأنه أراد أن الحسن صغير لا يهتدي لمنطق، ولم يرد أنه لئيم ولا عبد.قوله: "فحبسته شيئا" أي منعته من المبادرة إلى الخروج إليه قليلا، والفاعل فاطمة. قوله: "فظننت أنها تلبسه سخايا" بكسر المهملة بعدها معجمة خفيفة وبموحدة، قال الخطابي: هي قلادة تتخذ من طيب ليس فيها ذهب ولا فضة. وقال الداودي من قرنفل. وقال الهروي هو خيط من خرز يلبسه الصبيان والجواري، وروى الإسماعيلي عن ابن أبي عمر أحد رواة هذا الحديث قال: السخاب شيء يعمل من الحنظل كالقميص والوشاح. قوله: "أو تغسله" في رواية الحميدي وتغسله بالواو. قوله: "فجاء يشتد" أي يسرع في المشي، في رواية عمر بن موسى عند الإسماعيلي: "فجاء الحسن" وفي رواية ابن أبي عمر عند الإسماعيلي: "فجاء الحسن أو الحسين" وقد أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر فقال في روايته: "أثم لكع؟ يعني حسنا" وكذا قال الحميدي في مسنده، وسيأتي في اللباس من طريق ورقاء عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ: "فقال أين لكع، ادع الحسن بن علي، فقال الحسن بن علي يمشي". قوله: "فجاء يشتد حتى عاتقه وقبله" في رواية ورقاء "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بيده هكذا". أي مدها. فقال الحسن بيده هكذا فالتزمه". قوله: "فقال اللهم أحبه" بفتح أوله بلفظ الدعاء. وفي رواية الكشميهني: "أحببه" بفك الإدغام، زاد مسلم عن ابن أبي عمر "فقال: اللهم إني أحبه فأحبه". وفي الحديث بيان ما كان الصحابة عليه من توقير النبي صلى الله عليه وسلم والمشي معه، وما كان عليه من التواضع من الدخول في السوق والجلوس بفناء الدار، ورحمة الصغير والمزاح معه ومعانقته وتقبيله، ومنقبة للحسن بن علي، وسيأتي الكلام عليها في مناقبه إن شاء الله تعالى. قوله: "قال سفيان" هو ابن عيينة، وهو موصول بالإسناد المذكور. قوله: "عبيد الله أخبرني" فيه تقديم اسم الراوي على الصيغة وهو جائز، وعبيد الله هو شيخ سفيان في الحديث المذكور، وأراد البخاري بإيراد هذه الزيادة بيان لفي عبيد الله لنافع بن جبير فلا تضر العنعنة في الطريق الموصولة لأن من ليس بمدلس إذا ثبت لقاؤه لمن حدث عنه حملت عنعنته على السماع اتفاقا، وإنما الخلاف في المدلس أو فيمن لم يثبت لقيه لمن روي عنه. وأبعد الكرماني فقال: إنما ذكر الوتر هنا لأنه لما روي الحديث الموصول عن نافع بن جبير انتهز الفرصة لبيان ما ثبت في الوتر مما اختلف في جوازه، والله أعلم. حديث ابن عمر في نقل الطعام من المكان الذي يشتري منه إلى حيث يباع الطعام وفيه حديثه في النهي عن بيع الطعام حتى يستوفيه وسيأتي الكلام عليهما بعد أربعة أبواب. وقد استشكل إدخال هذا الحديث في باب الأسواق، وأجيب بأن السوق اسم لكل مكان وقع فيه التبايع بين من يتعاطى البيع، فلا يختص الحكم المذكور بالمكان المعروف بالسوق بل يعم كل مكان يقع فيه التبايع، فالعموم في قوله في الحديث: "حيث يباع الطعام".

(4/342)


50 - باب كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي السُّوقِ
2125- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا هِلاَلٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ

(4/342)


إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا تَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ هِلاَلٍ وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ هِلاَلٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ سَلاَمٍ غُلْفٌ كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلاَفٍ سَيْفٌ أَغْلَفُ وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ وَرَجُلٌ أَغْلَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا"
[الحديث 2125_ طرفه في 4838]
قوله: "باب كراهية السخب في الأسواق" بفتح المهملة والخاء المعجمة بعدها موحدة، ويقال فيه الصخب بالصاد المهملة بدل السين، وهو رفع الصوت بالخصام، وقد تقدم ذكره في الكلام على حديث أبي سفيان في قصة هرقل في أول الكتاب. وأخذت الكراهة من نفي الصفة المذكورة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما نفيت عنه صفة الفظاظة والغلظة. وأورد المصنف فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، والغرض منه قوله فيه: "ولا سخاب في الأسواق" وسيأتي الكلام على شرحه مستوفي في تفسير سورة الفتح، ويستفاد منه أن دخول الإمام الأعظم السوق لا يحط من مرتبته لأن النفي إنما ورد في ذم السخب فيها لا عن أصل الدخول. وهلال المذكور في إسناده هو ابن علي، ويقال له هلال بن أبي هلال، وليس لشيخه عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو في الصحيح غير هذا الحديث، وقوله فيه: "وحرزا" بكسر المهملة أي حافظا، وأصل الحرز الموضع الحصين، وهو استعارة. وقوله: "حتى يقيم به الملة العوجاء" أي ملة العرب، ووصفها بالعوج لما دخل فيها من عبادة الأصنام، والمراد بإقامتها أن يخرج أهلها من الكفر إلى الإيمان. وقوله: "وقلوب غلف" وقع في رواية النسفي والمستملي: "قال أبو عبد الله يعني المصنف: الغلف كل شيء في غلاف، يقال سيف أغلف وقوس غلفاء ورجل أغلف إذا لم يكن مختونا" انتهى. وهو كلام أبي عبيدة في "كتاب المجاز". قوله: "تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال" ستأتي هذه المتابعة موصولة في تفسير سورة الفتح. قوله: "وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن ابن سلام" سعيد هو ابن أبي هلال، وقد خالف عبد العزيز وفليحا في تعيين الصحابي، وطريقه هذه وصلها الدارمي في مسنده ويعقوب بن سفيان في تاريخه والطبراني جميعا بإسناد واحد عنه، ولا مانع أن يكون عطاء بن يسار حمله عن كل منهما، فقد أخرجه ابن سعد من طريق زيد بن أسلم قال: "بلغنا أن عبد الله بن سلام كان يقول: "فذكره. وأظن المبلغ لزيد هو عطاء بن يسار فإنه معروف بالرواية عنه فيكون هذا شاهدا لرواية سعيد بن أبي هلال والله أعلم. وسأذكر لرواية عبد الله بن سلام متابعات في تفسير سورة الفتح. ومما جاء عنه في ذلك مجملا ما أخرجه الترمذي من طريق محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال: "مكتوب في التوراة صفة محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى بن مريم يدفن معه".

(4/343)


باب الكيل علي البائع و المعطي
...
51 - باب الْكَيْلِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُعْطِي
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى[المطففين] : {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} يَعْنِي كَالُوا لَهُمْ وَوَزَنُوا لَهُمْ كَقَوْلِهِ [الشعراء 72] {يَسْمَعُونَكُمْ} يَسْمَعُونَ لَكُمْ.
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا وَيُذْكَرُ عَنْ

(4/343)


عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ إِذَا بِعْتَ فَكِلْ وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ"
2126- حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه"
2127-حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ فَطَلَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلاَهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ قَالَ كِلْ لِلْقَوْمِ فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَالَ فِرَاسٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ حَدَّثَنِي جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّاهُ وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ وَهْبٍ عَنْ جَابِرٍ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جُذَّ لَهُ فَأَوْفِ لَهُ"
[الحديث2127- أطرافه في: 2395، 2396، 2405، 2601، 2709، 2781، 3580، 4053، 6250]
قوله: "باب الكيل على البائع والمعطى" أي مؤنة الكيل على المعطى بائعا كان أو موفى دين أو غير ذلك. ويلتحق بالكيل في ذلك الوزن فيما يوزن من السلع وهو قول فقهاء الأمصار، وكذلك مؤنة وزن الثمن على المشتري إلا نقد الثمن فهو على البائع على الأصح عند الشافعية. قوله: "وقول الله عز وجل: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} يعني كالوا لهم أو وزنوا لهم" هو تفسير أبي عبيدة في "المجاز" وبه جزم الفراء وغيره، وخالفهم عيسى بن عمر فكان يقف على كالوا وعلى وزنوا ثم يقول هم. وزيفه الطبري، والجمهور أعربوه على حذف الجار ووصل الفعل. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون على حذف المضاف وهو المكيل مثلا أي كالوا مكيلهم وقوله كقوله يسمعونكم أى يسمعون لكم. ومعنى الترجمة أن المرء يكيل له غيره إذا اشترى ويكيل هو إذا باع. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتالوا حتى تستوفوا" هذا طرف من حديث وصله النسائي وابن حبان من حديث طارق بن عبد الله المحاربي قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين" فذكر الحديث وفيه: "فلما أظهر الله الإسلام خرجنا إلى المدينة، فبينا نحن قعود إذ أتى رجل عليه ثوبان ومعنا جمل أحمر فقال: أتبيعون الجمل؟ قلنا نعم، فقال بكم؟ قلنا بكذا وكذا صاعا من تمر، قال: قد أخذت، فأخذ بخطام الجمل ثم ذهب حتى توارى، فلما كان العشاء أتانا رجل فقال أنا رسول رسول الله إليكم وهو يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا ففعلنا، ثم قدمنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب" فذكر الحديث. ومطابقته للترجمة أن الاكتيال يستعمل لما يأخذه المرء لنفسه كما يقال اشتوى إذا اتخذ الشواء واكتسب إذا حصل الكسب، ويفسر ذلك حديث عثمان المذكور بعده. قوله: "ويذكر عن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل" وصله الدار قطني من طريق عبيد الله بن المغيرة المصري عن منقذ مولى ابن سراقة عن عثمان بهذا، ومنقذ مجهول الحال، لكن له طريق أخرى أخرجها أحمد وابن ماجة والبزار

(4/344)


من طريق موسى بن وردان عن سعيد ابن المسيب عن عثمان به، وفيه ابن لهيعة ولكنه من قديم حديثه. لأن ابن عبد الحكم أورده في "فتوح مصر" من طريق الليث عنه، وأشار ابن التين إلى أنه لا يطابق الترجمة قال: لأن معنى قوله: "إذا بعت فكل" أى فأوف "وإذا ابتعت فاكتل" أي فاستوف، قال والمعنى أنه إذا أعطى أو أخذ لا يزيد ولا ينقص، أي لا لك ولا عليك انتهى. لكن في طريق الليث زيادة تساعد ما أشار إليه البخاري ولفظه: "إن عثمان قال: كنت أشتري التمر من سوق بني قينقاع ثم أجلبه إلى المدينة ثم أفرغه لهم وأخبرهم بما فيه من المكيلة فيعطوني ما رضيت به من الربح فيأخذونه ويأخذونه بخبري. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال، فظهر أن المراد بذلك تعاطى الكيل حقيقة لا خصوص طلب عدم الزيادة والنقصان، وله شاهد مرسل أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الحكم قال: "قدم لعثمان طعام" فذكر نحوه بمعناه. ثم أورد المصنف حديث ابن عمر "من باع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه:" وسيأتي الكلام عليه بعد أبواب، وحديث جابر في قصة دين أبيه، وسيأتي الكلام عليه وعلى ما اختلف من ألفاظه وطرقه في "علامات النبوة" إن شاء الله تعالى: والغرض منه قوله فيه: "ثم قال كل القوم" فإنه مطابق لقوله في الترجمة "الكيل على المعطى". وقوله فيه: "صنف تمرك أصنافا" أي اعزل كل صنف منه وحده، وقوله فيه: "وعذق ابن زيد" العذق بفتح العين النخلة وبكسرها العرجون والذال فيهما معجمة، وابن زيد شخص نسب إليه النوع المذكور من التمر. وأصناف تمر المدينة كثيرة جدا، فقد ذكر الشيخ أبو محمد الجويني في "الفروق" أنه كان بالمدينة فبلغه أنهم عدوا عند أميرها صنوف التمر الأسود خاصة فزادت على الستين، قال: والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم. قوله: "وقال فراس عن الشعبي الخ" هو طرف من الحديث المذكور، وصله المؤلف في آخر أبواب الوصايا بتمامه وفيه اللفظ المذكور. قوله: "وقال هشام عن وهب عن جابر قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جذ له فأوف له" وهذا أيضا طرف من حديثه المذكور، وقد وصله المؤلف في الاستقراض بتمامه، وهشام المذكور هو ابن عروة، ووهب هو ابن كيسان. وقوله: "جذ" بلفظ الأمر من الجذاذ بالجيم والذال المعجمة وهو قطع العراجين، وبين في هذه الطريق قدر الدين وقدر الذي فضل بعد وفائه، وقد تضمن قوله: "فأوف له" معنى قوله: "كل للقوم".

(4/345)


باب مايستحب من الكيل
...
52 - باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْكَيْلِ
2128- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ"
قوله: "باب ما يستحب من الكيل" أي في المبايعات. قوله: "الوليد" هو ابن مسلم. قوله: "عن ثور" هو ابن يزيد الدمشقي. وفي رواية الإسماعيلي من طريق دحيم "عن الوليد حدثنا ثور". قوله: "عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب" هكذا رواه الوليد وتابعه يحيى بن حمزة عن ثور، وهكذا رواه عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك عن ثور أخرجه أحمد عنه وتابعه يحيى بن سعد1 عن خالد بن معدان، وخالفهم أبو الربيع الزهراني عن ابن المبارك فأدخل بين خالد والمقدام جبير بن نفير أخرجه الإسماعيلي أيضا، وروايته من المزيد في متصل
ـــــــ
1 لعله " بحير بن سعيد "وهو السحولي، فإنه يروى عن ابن معدان، وليس في الرواة عن ابن معدان يحيى ين سعد، ولا يحيى بن سعيد. محب الدين

(4/345)


الأسانيد. ووقع في رواية إسماعيل بن عياش عند الطبراني ونفيه1 عنده وعند ابن ماجة كلاهما عن يحيى2 بن سعيد عن خالد بن معدان عن المقدام عن أبي أيوب الأنصاري زاد فيه أبا أيوب، وأشار الدار قطني إلى رجحان هذه الزيادة. قوله: "يبارك لكم" كذا في جميع روايات البخاري، ورواه أكثر من تقدم ذكره فزادوا في آخره: "فيه". قال ابن بطال: الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله، ومعنى الحديث أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم، مع ما وضع الله من البركة في مد أهل المدينة بدعوته صلى الله عليه وسلم. وقال ابن الجوزي: يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه عند الكيل. وقال المهلب: ليس بين هذا الحديث وحديث عائشة "كان عندي شطر شعير آكل منه حتى طال على فكلته ففني" يعني الحديث الآتي ذكره في الرقاق معارضة، لأن معنى حديث عائشة أنها كانت تخرج قوتها - وهو شيء يسير - بغير كيل فبورك لها فيه مع بركة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كالته علمت المدة التي يبلغ إليها عند انقضائها ا هـ. وهو صرف لما يتبادر إلى الذهن من معنى البركة، وقد وقع في حديث عائشة المذكور عند ابن حبان: "فما زلنا نأكل منه حتى كالته الجارية فلم نلبث أن فني، ولو لم تكله لرجوت أن يبقى أكثر" وقال المحب الطبري: لما أمرت عائشة بكيل الطعام ناظرة إلى مقتضى العادة غافلة عن طلب البركة في تلك الحالة ردت إلى مقتضى العادة ا هـ. والذي يظهر لي أن حديث المقدام محمول على الطعام الذي يشتري، فالبركة تحصل فيه بالكيل لامتثال أمر الشارع، وإذا لم يمتثل الأمر فيه بالاكتيال نزعت منه لشؤم العصيان، وحديث عائشة محمول على أنها كالته للاختبار فلذلك دخله النقص، وهو شبيه بقول أبي رافع لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم في الثالثة "ناولني الذراع، قال وهل للشاة إلا ذراعان فقال: لو لم تقل هذا لناولتني ما دمت أطلب منك "فخرج من شؤم المعارضة انتزاع البركة، ويشهد لما قلته حديث: "لا تحصى فيحصى الله عليك" الآتي. والحاصل أن الكيل بمجرده لا تحصل به البركة ما لم ينضم إليه أمر آخر وهو امتثال الأمر فيما يشرع فيه الكيل، ولا تنزع البركة من المكيل بمجرد الكيل ما لم ينضم إليه أمر آخر كالمعارضة والاختبار والله أعلم. ويحتمل أن يكون معنى قوله: "كيلوا طعامكم" أي إذا ادخرتموه طالبين من الله البركة واثقين بالإجابة، فكان من كاله بعد ذلك إنما يكيله ليتعرف مقداره فيكون ذلك شكا في الإجابة فيعاقب بسرعة نفاده، قاله المحب الطبري. ويحتمل أن تكون البركة التي تحصل بالكيل بسبب السلامة من سوء الظن بالخادم لأنه إذا أخرج بغير حساب قد يفرغ ما يخرجه وهو لا يشعر فيتهم من يتولى أمره بالأخذ منه، وقد يكون بريئا، وإذا كاله أمن من ذلك والله أعلم. وقد قيل: إن في "مسند البزار" أن المراد بكيل الطعام تصغير الأرغفة، ولم أتحقق ذلك ولا خلافه.
ـــــــ
1 كذا في طبعة بولاق "ولعل الصواب " بقية " وهو ابن الوليد عن بحير بن سعيد ---- محب الدين
2 لعله " بحير" بالباء الموحدة والراء وهو المذكور في التعليقين السابقين

(4/346)


باب بركة صاع النبي و مده
...
53 - باب بَرَكَةِ صَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُدِّهِ . فِيهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
2129- حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لَهَا وَحَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَدَعَوْتُ لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا مِثْلَ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم لِمَكَّةَ

(4/346)


2130- حدثني عبد الله بن سلمة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اللهم بارك لهم في مكيالهم ، وبارك لهم في صاعهم ومدهم . يعني أهل المدينة"
[الحديث2030- طرفاه في :6714 7331 ]
قوله: "باب بركة صاع النبي صلى الله عليه وسلم ومده" في رواية النسفي "ومدهم" بصيغة الجمع كذا لأبي ذر عن غير الكشميهني وبه جزم الإسماعيلي وأبو نعيم، والضمير يعود للمحذوف في صاع النبي أي صاع أهل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ومدهم. ويحتمل أن يكون الجمع لإرادة التعظيم، وشرح ابن بطال على الأول. قوله: "فيه عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم" يشير إلى ما أخرجه موصولا من حديثها في آخر الحج عنها قالت: "وعك أبو بكر وبلال - الحديث وفيه - اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا" . قوله: "حدثنا موسى" هو ابن إسماعيل، وقد تقدم الكلام على ما تضمنه حديث عبد الله بن زيد وهو ابن عاصم المذكور هنا في أواخر الحج، وكذا حديث أنس وسيعاد في كتاب الاعتصام. "تنبيه": إيراد المصنف هذه الترجمة عقب التي قبلها يشعر بأن البركة المذكورة في حديث المقدام مقيدة بما إذا وقع الكيل بمد النبي صلى الله عليه وسلم وصاعه، ويحتمل أن يتعدى ذلك إلى ما كان موافقا لهما لا إلى ما يخالفهما. والله أعلم.

(4/347)


باب مايذكر في بيع الطعام و الحكرة
...
54 - باب مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ وَالْحُكْرَةِ
2131- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ"
حديث ابن عمر في تأديب من يبيع الطعام قبل أن يؤويه إلى رحله، وسيأتي الكلام عليه بعد باب.
2132- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ ذَاكَ قَالَ ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ مُرْجَئُونَ[ التوبة 106] {مُؤَخَّرُونَ}
[الحديث 2132- طرفه في: 2135]
2133- حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"
2134- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ فَقَالَ طَلْحَةُ أَنَا حَتَّى يَجِيءَ خَازِنُنَا مِنْ الْغَابَةِ قَالَ سُفْيَانُ هُوَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ فَقَالَ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ

(4/347)


وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ"
[الحديث 2134- طرفاه في: 2170، 2174]
قوله: "باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة" أي بضم المهملة وسكون الكاف: حبس السلع عن البيع، هذا مقتضى اللغة، وليس في أحاديث الباب للحكرة ذكر كما قال الإسماعيلي، وكأن المصنف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه، فلو كان الاحتكار حراما لم يأمر بما يئول إليه، وكأنه لم يثبت عنده حديث معمر بن عبد الله مرفوعا: "لا يحتكر إلا خاطئ" أخرجه مسلم، لكن لمجرد إيواء الطعام إلى الرحال لا يستلزم الاحتكار الشرعي، لأن الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع استغناء عنه وحاجة الناس إليه، وبهذا فسره مالك عن أبي الزناد عن سعيد ابن المسيب. وقال مالك فيمن رفع طعاما من ضيعته إلى بيته: ليست هذه بحكرة. وعن أحمد إنما يحرم احتكار الطعام المقتات دون غيره من الأشياء. ويحتمل أن يكون البخاري أراد بالترجمة بيان تعريف الحكرة التي نهى عنها في غير هذا الحديث وأن المراد بها قدر زائد على ما يفسره أهل اللغة، فساق الأحاديث التي فيها تمكين الناس من شراء الطعام ونقله، ولو كان الاحتكار ممنوعا لمنعوا من نقله، أو لبين لهم عند نقله الأمد الذي ينتهون إليه، أو لأخذ على أيديهم من شراء الشيء الكثير الذي هو مظنة الاحتكار، وكل ذلك مشعر بأن الاحتكار إنما يمنع في حالة مخصوصة بشروط مخصوصة. وقد ورد في ذم الاحتكار أحاديث: منها حديث معمر المذكور أولا وحديث عمر مرفوعا: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس" رواه ابن ماجة وإسناده حسن، وعنه مرفوعا قال: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" أخرجه ابن ماجة والحاكم وإسناده ضعيف، وعن ابن عمر مرفوعا: "من احتكر طماعا أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ منه" أخرجه أحمد والحاكم وفي إسناده مقال، وعن أبي هريرة مرفوعا: "من احتكر حكرة يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ" أخرجه الحاكم. ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث: حديث وابن عمر في النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفي، وسيأتي الكلام عليهما في الباب الذي يليه. حديث ابن عباس في النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفي، وسيأتي الكلام عليهما في الباب الذي يليه حديث عمر "الذهب بالورق ربا" ومطابقته للترجمة لما فيه من اشتراط قبض الشعير وغيره من الربويات في المجلس فإنه داخل في قبض الطعام بغير شرط آخر. وقد استشعر ابن بطال مباينته للترجمة فأدخله في ترجمة "باب بيع ما ليس عندك" وهو مغاير للنسخ المروية عن البخاري. وقوله في حديث عمر "حدثنا علي" هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وقوله: "كان عمرو بن دينار يحدث عن الزهري عن مالك بن أوس أنه قال: من عنده صرف؟ فقال طلحة - أي ابن عبيد الله - أنا حتى يجيء خازننا من الغابة" تأتى بقيته في رواية مالك عن الزهري بعد نيف وعشرين بابا. قوله: "قال سفيان" هو ابن عيينة بالإسناد المذكور، وقوله: "هذا الذي حفظناه من الزهري ليس فيه زيادة" أشار إلى القصة المذكورة وأنه حفظ من الزهري المتن بغير زيادة، وقد حفظها مالك وغيره عن الزهري، وأبعد الكرماني فقال: غرض سفيان تصديق عمرو وأنه حفظ نظير ما روي. قوله: "الذهب بالورق" هكذا رواه أكثر أصحاب ابن عيينة عنه وهي رواية أكثر أصحاب الزهري. وقال بعضهم فيه الذهب بالذهب كما سيأتي شرحه في المكان المذكور إن شاء الله تعالى. قوله في آخر حديث ابن عباس "قال أبو عبد الله" أي المصنف "مرجئون" أي مؤرخون، وهذا في رواية المستملي

(4/348)


وحده، وهو موافق لتفسير أبي عبيدة حيث قال في قوله: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} أي مؤخرون لأمر الله، يقال أرجأتك أي أخرتك، وأراد به البخاري شرح قول ابن عباس "والطعام مرجأ" أي مؤخر، ويجوز همز مرجأ وترك همزه، ووقع في كتاب الخطابي بتشديد الجيم بغير همز وهو للمبالغة.

(4/349)


باب بيع الطعام ان يقبض وبيع ما ليس عندك
...
55 - باب بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ
2135- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلاَ أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ مِثْلَهُ"
2136- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ زَادَ إِسْمَاعِيلُ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"
قوله: "باب بيع الطعام قبل أن يقبض، وبيع ما ليس عندك" لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك، وكأنه لم يثبت على شرطه فاستنبطه من النهي عن البيع قبل القبض. ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى، وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام بلفظ: "قلت يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم ابتاعه له من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك" وأخرجه الترمذي مختصرا ولفظه: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندي" قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين أحدهما أن يقول: أبيعك عبدا أو دارا معينة وهي غائبة، فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها، ثانيهما أن يقول: هذه الدار بكذا، على أن أشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلمها لك صاحبها ا هـ. وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني. قوله: "حدثنا سفيان" هو ابن عيينة، وقوله: "الذي حفظناه من عمرو "كأن سفيان يشير إلى أن في رواية غير عمرو بن دينار عن طاوس زيادة على ما حدثهم به عمرو بن دينار عنه، كسؤال طاوس من ابن عباس عن سبب النهي وجوابه وغير ذلك. قوله عن ابن عباس "أما الذي نهى عنه الخ" أي وأما الذي لم أحفظ نهيه فما سوى ذلك. قوله: "فهو الطعام أن يباع حتى يقبض" في رواية مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه" قال مسعر: وأظنه قال: "أو علفا" وهو بفتح المهملة واللام والفاء. قوله: "قال ابن عباس لا أحسب كل شيء إلا مثله" ولمسلم من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه "وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام" وهذا من تفقه ابن عباس، ومال ابن المنذر إلى اختصاص ذلك بالطعام واحتج باتفاقهم على أن من اشترى عبدا فأعتقه قبل قبضه أن عتقه جائز، قال: فالبيع كذلك. وتعقب بالفارق وهو تشوف الشارع إلى العتق. وقول طاوس في الباب قبله "قلت لابن عباس كيف ذاك؟ قال: ذاك دراهم بدارهم والطعام مرجأ" معناه أنه استفهم عن سبب هذا النهي فأجابه ابن عباس بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باعه دراهم بدارهم. ويبين ذلك ما وقع في رواية سفيان عن ابن طاوس عند مسلم: "قال طاوس قلت لابن عباس: لم؟ قال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ" أي فإذا اشترى طعاما بمائه دينار

(4/349)


مثلا ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام لآخر بمائة وعشرين دينارا وقبضها والطعام في يد البائع فكأنه باع مائة دينار بمائة وعشرين دينارا، وعلى هذا التفسير لا يختص النهي بالطعام، ولذلك قال ابن عباس "لا أحسب كل شيء إلا مثله" ويؤيده حديث زيد بن ثابت "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان، قال القرطبي: هذه الأحاديث حجة على عثمان الليثي حيث أجاز بيع كل شيء قبل قبضه، وقد أخذ بظاهرها مالك فحمل الطعام على عمومه وألحق بالشراء جميع المعاوضات، وألحق الشافعي وابن حبيب وسحنون بالطعام كل ما فيه حق توفية، وزاد أبو حنيفة والشافعي فعدياه إلى كل مشتري، إلا أن أبا حنيفة استثنى العقار وما لا ينقل، واحتج الشافعي بحديث عبد الله بن عمر وقال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن" أخرجه الترمذي. قلت: وفي معناه حديث حكيم بن حزام المذكور في صدر الترجمة. وفي صفة القبض عن الشافعي تفصيل: فما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب فقبضه بالتناول، وما لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية، وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به، وفيه قول أنه يكفي فيه التخلية. قوله عقب حديث ابن عمر" زاد إسماعيل فلا يبعه حتى يقبضه" يعني أن إسماعيل ابن أبي أويس روى الحديث المذكور عن مالك بسنده بلفظ: "حتى يقبضه" بدل قوله: "حتى يستوفيه:" وقد وصله البيهقي من طريق إسماعيل كذلك. وقال الإسماعيلي: وافق إسماعيل على هذا اللفظ ابن وهب وابن مهدي والشافعي وقتيبة قلت: وقول البخاري "زاد إسماعيل" يريد الزيادة في المعنى، لأن في قوله حتى يقبضه زيادة في المعنى على قوله: "حتى يستوفيه" لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع ولا يقبضه للمشتري بل يحبسه عنده لينقده الثمن مثلا، وعرف بهذا جواب من اعترضه من الشراح فقال: ليس في هذه الرواية زيادة، وجواب من حمل الزيادة على مجرد اللفظ فقال: معناه زاد لفظا آخر وهو يقبضه وإن كان هو بمعنى يستوفيه، ويعرف من ذلك أن اختيار البخاري أن استيفاء المبيع المنقول من البائع وتبقيته في منزل البائع لا يكون قبضا شرعيا حتى ينقله المشتري إلى مكان لا اختصاص للبائع به كما تقدم نقله عن الشافعي، وهذا هو النكتة في تعقيب المصنف له بالترجمة الآتية.

(4/350)


باب راي اذا اشتري طعاما جزافا ان لايبيعه حتي يؤويه الى رحله و الادب في ذلك
...
56 - باب مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جِزَافًا أَنْ لاَ يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ وَالأَدَبِ فِي ذَلِكَ
2137- حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن بن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله أن بن عمر رضي الله عنهما قال ثم لقد رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتاعون جزافا يعني الطعام يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم"
قوله: "باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله، والأدب في ذلك" أي تعزير من يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله. ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك، وهو ظاهر فيما ترجم له، وبه قال الجمهور، لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيدوه بالإيواء إلى الرحال، أما الأول فلما ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه فدخل فيه المكيل، وورد التنصيص على المكيل من وجه آخر عن ابن عمر مرفوعا أخرجه أبو داود. وأما الثاني فلأن الإيواء إلى الرحال خرج مخرج الغالب، وفي بعض طرق مسلم عن ابن عمر "كنا نبتاع الطعام فيبعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه" وفرق مالك في المشهور

(4/350)


عنه بين الجزاف والمكيل: فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه وبه قال الأوزاعي وإسحاق، واحتج لهم بأن الجزاف مربى فتكفى فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعا: "من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبيعه حتى يقبضه" ورواه أبو داود والنسائي بلفظ: "نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه:" والدار قطني من حديث جابر "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع والمشتري" ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، وفي ذلك دلالة على اشتراط القبض في المكيل بالكيل وفي الموزون بالوزن، فمن اشترى شيئا مكايلة أو موازنة فقبضه جزافا فقبضه فاسد، وكذا لو اشترى مكايلة فقبضه موازنة وبالعكس، ومن اشترى مكايلة وقبضه ثم باعه لغيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيا، وبذلك كله قال الجمهور. وقال عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقا، وقيل إن باعه بنقد جاز بالكيل الأول وإن باعه بنسيئة لم يجز بالأول، والأحاديث المذكورة ترد عليه. وفي الحديث مشروعية تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة، وإقامة الإمام على الناس من يراعى أحوالهم في ذلك والله أعلم. وقوله: "جزافا" مثلثة الجيم والكسر أفصح. وفي هذا الحديث جواز بيع الصبرة جزافا سواء علم البائع قدرها أم لم يعلم، وعن مالك التفرقة، فلو علم لم يصح. وقال ابن قدامة: يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا إذا جهل البائع والمشتري قدرها فإن اشتراها جزافا ففي بيعها قبل نقلها روايتان عن أحمد، ونقلها قبضها.

(4/351)


57 - باب إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَا أَدْرَكَتْ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ
2138- حدثنا فروة بن أبي المغراء أخبرنا علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت ثم لقل يوم كان يأتي على النبي صلى الله عليه وسلم إلا يأتي فيه بيت أبي بكر أحد طرفي النهار فلما أذن له في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهرا فخبر به أبو بكر فقال ما جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا لأمر حدث فلما دخل عليه قال لأبي بكر أخرج من عندك قال يا رسول الله إنما هما ابنتاي يعني عائشة وأسماء قال أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج قال الصحبة يا رسول الله قال الصحبة قال يا رسول الله إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج فخذ إحداهما قال قد أخذتها بالثمن"
قوله "باب إذا اشترى متاعا أو دابة فوضعها عند البائع أو مات قبل أن يقبض" أورد فيه حديث عائشة في قصة الهجرة، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر عن الناقة "أخذتها بالثمن" قال المهلب: وجه الاستدلال به أن قوله: "أخذتها" لم يكن أخذا باليد ولا بحيازة شخصها وإنما كان التزاما منه لابتياعها بالثمن وإخراجها عن ملك أبي بكر ا هـ. وليس ما قاله بواضح لأن القصة ما سيقت لبيان ذلك، فلذلك اختصر فيها قدر الثمن وصفة العقد، فيحمل كل ذلك على أن الراوي اختصره لأنه ليس من غرضه في سياقه، وكذلك اختصر صفة القبض فلا يكون فيه حجة في عدم اشتراط القبض. وقال ابن المنير: مطابقة الحديث للترجمة من جهة أن البخاري أراد أن يحقق انتقال الضمان في الدابة ونحوها إلى

(4/351)


المشتري بنفس العقد، فاستدل لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "قد أخذتها بالثمن" وقد علم أنه لم يقبضها بل أبقاها عند أبى بكر، ومن المعلوم أنه ما كان ليبقيها في ضمان أبي بكر لما يقتضيه مكارم أخلاقه حتى يكون الملك له والضمان على أبي بكر من غير قبض ثمن، ولا سيما وفي القصة ما يدل على إيثاره لمنفعة أبي بكر حيث أبى أن يأخذها إلا بالثمن. قلت: ولقد تعسف في هذا كما تعسف من قبله، وليس في الترجمة ما يلجئ إلى ذلك، فإن دلالة الحديث على قوله: "فوضعه عند البائع" ظاهرة جدا وقد قدمت أنه لا يستلزم صحة المبيع بغير قبض، وأما دلالته على قوله: "أو مات قبل أن يقبض" فهو وارد على سبيل الاستفهام، ولم يجزم بالحكم في ذلك بل هو على الاحتمال فلا حاجة لتحميله ما لم يتحمل، نعم ذكره لأثر ابن عمر في صدر الترجمة مشعر باختيار ما دل عليه فلذلك احتيج إلى إبداء المناسبة، والله الموفق. قوله: "وقال ابن عمر ما أدركت الصفقة" أي العقد "حيا" أي بمهملة وتحتانية مثقلة "مجموعا" أي لم يتغير عن حالته "فهو من المبتاع" أي من المشتري، وهذا التعليق وصله الطحاوي والدار قطني من طريق الأوزاعي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه وقال في روايته: "فهو من مال المبتاع" ورواه الطحاوي أيضا من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مثله لكن ليس فيه: "مجموعا" وإسناد الإدراك إلى العقد مجاز، أي ما كان عند العقد موجودا وغير منفصل، قال الطحاوي: ذهب ابن عمر إلى أن الصفقة إذا أدركت شيئا حيا فهلك بعد ذلك عند البائع فهو من ضمان المشتري، فدل على أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة بالأبدان ا هـ. وما قاله ليس بلازم، وكيف يحتج بأمر محتمل في معارضة أمر مصرح به، فابن عمر قد تقدم عنه التصريح بأنه كان يرى الفرقة بالأبدان، والمنقول عنه هنا يحتمل أن يكون قبل التفرق بالأبدان، ويحتمل أن يكون بعده فحمله على ما بعده أولى جمعا بين حديثيه. وقال ابن حبيب: اختلف العلماء فيمن باع عبدا واحتبسه بالثمن فهلك في يديه قبل أن يأتي المشتري بالثمن، فقال سعيد بن المسيب وربيعة: هو على البائع. وقال سليمان بن يسار هو على المشتري، ورجع إليه مالك بعد أن كان أخذ بالأول، وتابعه أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال بالأول الحنفية والشافعية، والأصل في ذلك اشتراط القبض في صحة البيع، فمن اشترطه في كل شيء جعله من ضمان البائع ومن لم يشترطه جعله من ضمان المشتري والله أعلم، وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طاوس في ذلك تفصيلا قال: إن قال البائع لا أعطيكه حتى تنقدني الثمن فهلك فهو من ضمان البائع، وإلا فهو من ضمان المشتري. وقد فسر بعض الشراح المبتاع في أثر ابن عمر بالعين المبيعة وهو جيد، وقد سئل الإمام أحمد عمن اشترى طعاما فطلب من يحمله فرجع فوجده قد احترق، فقال: هو من ضمان المشتري، وأورد أثر ابن عمر المذكور بلفظ: "فهو من مال المشتري" وفرع بعضهم على ذلك أن المبيع إذا كان معينا دخل في ضمان المشتري بمجرد العقد ولو لم يقبض، بخلاف ما يكون في الذمة فإنه لا يكون من ضمان المشتري إلا بعد القبض كما لو اشترى قفيزا من صبرة والله أعلم. وسيأتي الكلام على حديث عائشة في أول الهجرة إن شاء الله تعالى، فقد أورده هناك من وجه آخر عن عروة أتم من السياق الذي هنا، وبالله التوفيق.

(4/352)


باب لا يبيع علي بيع اخيه و لا يسوم علي سوم اخيه حتي ياذن له او يترك
...
58 - باب لاَ يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلاَ يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ
2139- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ"
[الحديث 2139- طرفاه في: 2165، 5142]

(4/352)


2140- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلاَ يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلاَ تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا"
[الحديث 2140- أطرافه في: 2148، 2150، 2151، 2160، 2162، 2723، 2727، 5144، 5152، 6601]
قوله: "باب لا يبيع على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه، حتى يأذن له أو يترك" أورد فيه حديثي ابن عمر وأبي هريرة في ذلك، وأشار بالتقييد إلى ما ورد في بعض طرقه، وهو ما أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث بلفظ: " لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له" وقوله: "إلا أن يأذن له" يحتمل أن يكون استثناء من الحكمين كما هو قاعدة الشافعي، ويحتمل أن يختص بالأخير، ويؤيد الثاني رواية المصنف في النكاح من طريق ابن جريج عن نافع بلفظ: "نهي أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" ومن ثم نشأ خلاف للشافعية: هل يختص ذلك بالنكاح أو يلتحق به البيع في ذلك؟ والصحيح عدم الفرق. وقد أخرجه النسائي من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر" وترجم البخاري أيضا بالسوم ولم يقع له ذكر في حديثي الباب، وكأنه أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه أيضا، وهو ما أخرجه في الشروط من حديث أبي هريرة بلفظ: "وأن يستام الرجل على سوم وأخيه" وأخرجه مسلم في حديث نافع عن ابن عمر أيضا. وذكر "المسلم:" لكونه أقرب إلى امتثال الأمر من غيره، وفي ذكره إيذان بأنه لا يليق به أن يستأثر على مسلم مثله. قوله: "لا يبيع" كذا للأكثر بإثبات الياء في "يبيع" على أن "لا" نافية، ويحتمل أن تكون ناهية وأشبعت الكسرة كقراءة من قرأ: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ}، ويؤيده رواية الكشميهني بلفظ: "لا يبع" بصيغة النهي. قوله: "بعضكم على بيع أخيه" كذا أخرجه عن إسماعيل عن مالك، وسيأتي في "باب النهي عن تلقي الركبان" عن عبد الله بن يوسف عن مالك بلفظ: "على بيع بعض" وظاهر التقييد بأخيه أن يختص ذلك بالمسلم وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد بن حربوية من الشافعية، وأصرح من ذلك رواية مسلم من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: "لا يسوم المسلم على سوم المسلم:" وقال الجمهور: لا فرق في ذلك بين المسلم والذمي: وذكر الأخ خرج للغالب فلا مفهوم له. قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا الخ" عطف صيغة النهي على معناها، فتقدير قوله: "نهي أن يبيع حاضر لباد" أي قال لا يبيع حاضر لباد فعطف عليه "ولا تناجشوا" وسيأتي الكلام على بيع الحاضر للبادي بعد في باب مفرد، وكذا على النجش في الباب الذي يليه. وقوله هنا "ولا تناجشوا" ذكره بصيغة التفاعل لأن التاجر إذا فعل لصاحبه ذلك كان بصدد أن يفعل له مثله، ويأتي الكلام على الخطبة في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى. قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار: افسخ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع افسخ لاشترى منك بأزيد، وهو مجمع عليه. وأما السوم فصورته أن يأخذ شيئا ليشتريه فيقول له رده لأبيعك خيرا منه بثمنه أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك استرده لأشتريه منك بأكثر، ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك

(4/353)


صريحا فلا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهرا ففيه وجهان للشافعية، ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك وقال: إن لفظ الحديث لا يدل عليه، وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لموضع التحريم في السوم، لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقا كما نقله ابن عبد البر. فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك، وقد استثنى بعض الشافعية من تحريم البيع والسوم على الآخر ما إذا لم يكن المشتري مغبونا غبنا فاحشا، وبه قال ابن حزم واحتج بحديث: "الدين النصيحة"، لكن لم تنحصر النصيحة في البيع والسوم فله أن يعرفه أن قيمتها كذا وأنك إن بعتها بكذا مغبون من غير أن يزيد فيها، فيجمع بذلك بين المصلحتين. وذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور مع تأثيم فاعله، وعند المالكية والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر، والله أعلم.

(4/354)


59 - باب بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ
وَقَالَ عَطَاءٌ أَدْرَكْتُ النَّاسَ لاَ يَرَوْنَ بَأْسًا بِبَيْعِ الْمَغَانِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ
2141- حدثنا بشر بن محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا الحسين المكتب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ثم أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه"
[الحديث 2141- أطرافه في: 2230، 2321، 2403، 2415، 2534، 6716، 6947، 7186]
قوله: "باب بيع المزايدة" لما أن تقدم في الباب قبله النهي عن السوم أراد أن يبين موضع التحريم منه وقد أوضحته في الباب الذي قبله، وورد في البيع فيمن يزيد حديث أنس "أنه صلى الله عليه وسلم باع حلسا وقدحا وقال: من يشتري هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل: أخذتها بدرهم، فقال: من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه" أخرجه أحمد وأصحاب السنن مطولا ومختصرا واللفظ للترمذي وقال حسن، وكأن المصنف أشار بالترجمة إلى تضعيف ما أخرجه البزار من حديث سفيان بن وهب سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهي عن بيع المزايدة" فإن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. قوله: "وقال عطاء أدركت الناس لا يرون بأسا ببيع المغانم فيمن يزيد" وصله ابن أبي شيبة؛ ونحوه عن عطاء ومجاهد، وروى هو وسعيد بن منصور عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من يزيد، وكذلك كانت تباع الأخماس. وقال الترمذي عقب حديث أنس المذكور: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لم يروا بأسا ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث، قال ابن العربي: لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث فإن الباب واحد والمعنى مشترك ا هـ. وكأن الترمذي يقيد بما ورد في حديث ابن عمر الذي أخرجه ابن خزيمة وابن الجارود والدار قطني من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع أحدكم على بيع أحد حتى يذر، إلا الغنائم والمواريث" ا هـ. وكأنه خرج على الغالب فيما يعتاد فيه البيع مزايدة وهي الغنائم والمواريث، ويلتحق بهما غيرهما للاشتراك في الحكم. وقد أخذ بظاهره الأوزاعي وإسحاق فخصا الجواز ببيع المغانم والمواريث. وعن إبراهيم النخعي أنه كره بيع من يزيد. ثم أورد المصنف حديث جابر في بيع المدبر وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه" وسيأتي شرحه مستوفي في "باب بيع المدبر" في أواخر البيوع. وقوله: "بكذا وكذا" يأتي أنه ثمانمائة درهم، ويأتي أيضا تسمية الرجل المذكور إن شاء الله تعالى. وقد اعترضه الإسماعيلي فقال: ليس في قصة المدبر بيع المزايدة فإن بيع المزايدة أن

(4/354)


يعطى به واحد ثمنا ثم يعطى به غيره زيادة عليها ا هـ. وأجاب ابن بطال بأن شاهد الترجمة منه قوله في الحديث: "من يشتريه مني" قال فعرضه للزيادة ليستقضي فيه للمفلس الذي باعه عليه، وسيأتي بيان كونه كان مفلسا في أواخر كتاب الاستقراض.

(4/355)


60 - باب النَّجْشِ وَمَنْ قَالَ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ وَهُوَ خِدَاعٌ بَاطِلٌ لاَ يَحِلُّ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ"
2142- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّجْشِ"
[الحديث 2142- طرفه في: 6963]
قوله: "باب النجش" بفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة، وهو في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد، يقال نجشت الصيد أنجشه بالضم نجشا. وفي الشرع الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمى بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك كما سيأتي من كلام الصحابي في هذا الباب. وقال ابن قتيبة النجش الختل والخديعة، ومنه قيل للصائد ناجش لأنه يختل الصيد ويحتال له. قوله: "ومن قال لا يجوز ذلك البيع" كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق من طريق عمر بن عبد العزيز "أن عاملا له باع سبيا فقال له: لولا أني كنت أزيد فأنفقه لكان كاسدا، فقال له عمر: هذا نجش لا يحل، فبعث مناديا ينادي: إن البيع مردود وأن البيع لا يحل، قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية قياسا على المصراة، والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفية. وقال الرافعي: أطلق الشافعي في "المختصر" تعصية الناجش، وشرط في تعصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالما بالنهي. وأجاب الشارحون بأن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد وإن لم يعلم هذا الحديث بخصوصه، بخلاف البيع على بيع أخيه فقد لا يشترك فيه كل أحد. واستشكل الرافعي الفرق بأن البيع على بيع أخيه إضرار والإضرار يشترك في علم تحريمه كل أحد، قال: فالوجه تخصيص المعصية في الموضعين بمن علم التحريم ا هـ. وقد حكى البيهقي في "المعرفة" و "السنن" عن الشافعي تخصيص التعصية في النجش أيضا بمن علم النهي فظهر أن ما قاله الرافعي بحثا منصوص، ولفظ الشافعي: النجش أن يحضر الرجل السلعة تباع فيعطي بها الشيء وهو لا يريد شراءها ليقتدى به السوام فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعوا سومه، فمن نجش فهو عاص بالنجش إن كان عالما بالنهي، والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نجش عليه. قوله: "وقال ابن أبي أوفى: الناجش

(4/355)


آكل ربا خائن" هذا طرف من حديث أورده المصنف في الشهادات في "باب قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} . ثم ساق فيه من طريق السكسكي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: "أقام رجل سلعته فحلف بالله لقد أعطى فيها ما لم يعط فنزلت. قال ابن أبي أوفى: الناجش أكل ربا خائن" أورده من طريق يزيد بن هارون عن السكسكي، وقد أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن يزيد مقتصرين على الموقوف، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن ابن أبي أوفى مرفوعا لكن قال: "ملعون" بدل خائن ا هـ. وأطلق ابن أبي أوفى على من أخبر بأكثر مما اشترى به أنه ناجش لمشاركته لمن يزيد في السلعة وهو لا يريد أن يشتريها في غرور الغير فاشتركا في الحكم لذلك وكونه آكل ربا بهذا التفسير، وكذلك يصح على التفسير الأول إن واطأه البائع على ذلك وجعل له عليه جعلا فيشتركان جميعا في الخيانة، وقد اتفق أكثر العلماء على تفسير النجش في الشرع بما تقدم، وقيد ابن عبد البر وابن العربي وابن حزم التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل، قال ابن العربي: فلو أن رجلا رأى سلعة رجل تباع بدون قيمتها فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها لم يكن ناجشا عاصيا بل يؤجر على ذلك بنيته، وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، وفيه نظر إذ لم تتعين النصيحة في أن يوهم أنه يريد الشراء وليس من غرضه بل غرضه أن يزيد على من يريد الشراء أكثر مما يريد أن يشتري به، فللذي يريد النصيحة مندوحة عن ذلك أن يعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر من ذلك ثم هو باختياره بعد ذلك، ويحتمل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى يسأله للحديث الآتي "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه" والله أعلم. قوله: "وهو خداع باطل لا يحل" هو من تفقه المصنف، وليس من تتمة كلام ابن أبي أوفى، وقد ذكرنا توجيه ما قاله المصنف قبل. قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الخديعة في النار، ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" أما الحديث الثاني فسيأتي موصولا من حديث عائشة في كتاب الصلح، وأما حديث: "الخديعة في النار" فرويناه في "الكامل لابن عدي" من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المكر والخديعة في النار" لكنت من أمكر الناس، وإسناده لا بأس به. وأخرجه الطبراني في "الصغير" من حديث ابن مسعود والحاكم في "المستدرك" من حديث أنس وإسحاق بن راهويه في مسنده من حديث أبي هريرة وفي إسناد كل منهما مقال، لكن مجموعهما يدل على أن للمتن أصلا، وقد رواه ابن المبارك في "البر والصلة" عن عوف عن الحسن قال: "بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" فذكره. قوله: "عن النجش" تقدم أن المشهور أنه بفتح الجيم وحكى المطرزي فيه السكون.

(4/356)


باب بيع الغرور و حبل الحبلة
...
61 - باب بَيْعِ الْغَرَرِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ
2143- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا"
[الحديث 2143- طرفاه في: 2256، 3843]
قوله: "باب بيع الغرر" بفتح المعجمة وبراءين "و" بيع" حبل الحبلة" بفتح المهلة والموحدة وقيل في الأول بسكون الموحدة وغلطه عياض، وهو مصدر حبلت تحبل حبلا والحبلة جمع حابل مثل ظلمة وظالم وكتبة وكاتب والهاء

(4/356)


فيه للمبالغة وقيل للإشعار بالأنوثة وقد ندر فيه امرأة حابلة فالهاء فيه للتأنيث، وقيل حبلة مصدر يسمى به المحبول، قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان حبلت إلا الآدميات إلا ما ورد في هذا الحديث. وأثبته صاحب "المحكم" قولا، فقال: اختلف أهي للإناث عامة أم للآدميات خاصة، وأنشد في التعميم قول الشاعر أو ذيخة حبلى مجح مقرب وفي ذلك تعقب على نقل النووي اتفاق أهل اللغة على التخصيص. ثم إن عطف بيع حبل الحبلة على بيع الغرر من عطف الخاص على العام، ولم يذكر في الباب بيع الغرر صريحا وكأنه أشار إلى ما أخرجه أحمد من طريق ابن إسحاق حدثني نافع وابن حبان من طريق سليمان التيمي عن نافع عن ابن عمر قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر" وقد أخرج مسلم النهي عن بيع الغرر من حديث أبي هريرة وابن ماجة من حديث ابن عباس والطبراني من حديث سهل ابن سعد، ولأحمد من حديث ابن مسعود رفعه: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر" وشراء السمك في الماء نوع من أنواع الغرر، ويلتحق به الطير في الهواء والمعدوم والمجهول والآبق ونحو ذلك. قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدا، ويستثنى من بيع الغرر أمران أحدهما ما يدخل في المبيع تبعا فلو أفرد لم يصح بيعه، والثاني ما يتسامح بمثله إما لحقارته أو للمشقة في تمييزه وتعيينه، فمن الأول بيع أساس الدار والدابة التي في ضرعها اللبن والحامل، ومن الثاني الجبة المحشوة والشرب من السقاء، قال وما اختلف العلماء فيه مبنى على اختلافهم في كونه حقيرا أو يشق تمييزه أو تعيينه فيكون الغرر فيه كالمعدوم فيصح البيع وبالعكس. وقال ومن بيوع الغرر ما اعتاده الناس من الاستجرار من الأسواق بالأوراق مثلا فإنه لا يصح لأن الثمن ليس حاضرا فيكون من المعاطاة ولم توجد صيغة يصح بها العقد، وروى الطبري عن ابن سيرين بإسناد صحيح قال: لا اعلم ببيع الغرر بأسا. قال ابن بطال: لعله لم يبلغه النهي وإلا فكل ما يمكن أن يوجد وإن لا يوجد لم يصح، وكذلك إذا كان لا يصح غالبا، فإن كان يصح غالبا كالثمرة في أول بدو صلاحها أو كان مستمرا تبعا كالحمل مع الحامل جاز لقلة الغرر، ولعل هذا هو الذي أراده ابن سيرين، لكن منع من ذلك ما رواه ابن المنذر عنه أنه قال: لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان علمهما فيه واحدا. فهذا يدل على أنه يرى بيع الغرر إن سلم في المال والله أعلم. قوله: "وكان" أي بيع حبل الحبلة" بيعا يتبايعه أهل الجاهلية الخ" كذا وقع هذا التفسير في الموطأ متصلا بالحديث، قال الإسماعيلي وهو مدرج يعني أن التفسير من كلام نافع، وكذا ذكر الخطيب في المدرج وسيأتي في آخر السلم عن موسى بن إسماعيل التبوذكي عن جويرية التصريح بأن نافعا هو الذي فسره، لكن لا يلزم من كون نافع فسره لجويرية أن لا يكون ذلك التفسير مما حمله عن مولاه ابن عمر، فسيأتي في أيام الجاهلية من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع ابن عمر قال: "كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك" فظاهر هذا السياق أن هذا التفسير من كلام ابن عمر ولهذا جزم ابن عبد البر بأنه من تفسير ابن عمر، وقد أخرجه مسلم من رواية الليث والترمذي والنسائي من رواية أيوب كلاهما عن نافع بدون التفسير، وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر بدون التفسير أيضا. قوله: "الجزور" بفتح الجيم وضم الزاي هو البعير ذكرا كان أو أنثى، إلا أن لفظه مؤنث تقول هذه الجزور وإن أردت ذكرا، فيحتمل أن يكون ذكره في الحديث قيدا فيما كان أهل الجاهلية يفعلونه فلا يتبايعون هذا البيع إلا في الجزور أو لحم الجزور، ويحتمل أن يكون ذكر على سبيل المثال، وأما في الحكم فلا فرق بين الجزور وغيرها في ذلك. قوله: "إلى أن

(4/357)


تنتج" بضم أوله وفتح ثالثه أي تلد ولدا، والناقة فاعل، وهذا الفعل وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول وهو حرف نادر، وقوله: "ثم تنتج التي في بطنها" أي ثم تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد، وهذا القدر زائد على رواية عبيد الله بن عمر فإنه اقتصر على قوله: "ثم تحمل التي في بطنها" ورواية جويرية أخصر منهما ولفظه: "أن تنتج الناقة ما في بطنها" وبظاهر هذه الرواية قال سعيد ابن المسيب فيما رواه عنه مالك. وقال به مالك والشافعي وجماعة، وهو أن يبيع بثمن إلى أن يلد ولد الناقة. وقال بعضهم: أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة وتلد ويحمل ولدها، وبه جزم أبو إسحاق في "التنبيه" فلم يشترط وضع حمل الولد كرواية مالك، ولم أر من صرح بما اقتضته رواية جويرية وهو الوضع فقط، وهو في الحكم مثل الذي قبله، والمنع في الصور الثلاث للجهالة في الأجل ومن حقه على هذا التفسير أن يذكر في السلم. وقال أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة وبه جزم الترمذي: هو بيع ولد نتاج الدابة، والمنع في هذا من جهة أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه فيدخل في بيوع الغرر، ولذلك صدر البخاري بذكر الغرر في الترجمة لكنه أشار إلى التفسير الأول بإيراد الحديث في كتاب السلم أيضا، ورجح الأول لكونه موافقا للحديث وإن كان كلام أهل اللغة موافقا للثاني، لكن قد روى الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر ما يوافق الثاني ولفظه: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتبايعون ذلك البيع يبتاع الرجل بالشارف حبل الحبلة فنهوا عن ذلك "وقال ابن التين: محصل الخلاف هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوال انتهى. وحكى صاحب "المحكم" قولا آخر أنه بيع ما في بطون الأنعام، وهو أيضا من بيوع الغرر، لكن هذا إنما فسر به سعيد بن المسيب - كما رواه مالك في الموطأ - بيع المضامين، وفسر به غيره بيع الملاقيح، واتفقت هذه الأقوال - على اختلافها - على أن المراد بالحبلة جمع حابل أو حابلة من الحيوان، إلا ما حكاه صاحب "المحكم" وغيره عن ابن كيسان أن المراد بالحبلة الكرمة، وأن النهي عن بيع حبلها أي حملها قبل أن تبلغ كما نهى عن بيع ثمر النخلة قبل أن تزهى، وعلى هذا فالحبلة بإسكان الموحدة وهو خلاف ما ثبتت به الروايات، لكن حكى في الكرمة فتح الباء، وادعى السهيلي تفرد ابن كيسان به، وليس كذلك فقد حكاه ابن السكيت في "كتاب الألفاظ" ونقله القرطبي في "المفهم" عن أبي العباس المبرد، والهاء على هذا للمبالغة وجها واحدا.

(4/358)


62 - باب بَيْعِ الْمُلاَمَسَةِ
وَقَالَ أَنَسٌ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
2144- حدثنا سعيد بن عفير قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن بن شهاب قال أخبرني عامر بن سعد أن أبا سعيد رضي الله عنه أخبره ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ونهى عن الملامسة والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه"
2145- حدثنا قتيبة حدثنا عبد الوهاب حدثنا أيوب عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ثم نهي عن لبستين أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ثم يرفعه على منكبه وعن بيعتين اللماس

(4/358)


والنباذ"

(4/359)


63 - بَاب بَيْعِ الْمُنَابَذَةِ
وَقَالَ أَنَسٌ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
2146- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ"
2147- حدثنا عياش بن الوليد حدثنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبستين وعن بيعتين الملامسة والمنابذة"
قوله: "باب بيع الملامسة قال أنس: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه" ثم قال: "باب بيع المنابذة" وعلق عن أنس مثله، وأورد في البابين حديث أبي سعيد من وجهين وحديث أبي هريرة من وجهين. فأما حديث أنس فسيأتي موصولا بعد ثلاثين بابا في "باب بيع المخاضرة". قوله في حديث أبي سعيد "نهى عن المنابذة" وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه، وسيأتي في اللباس من طريق يونس عن الزهري بلفظ: "والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك". والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر بثوبه ويكون بيعهما عن غير نظر ولا تراض. ولأبي عوانة من طريق أخرى عن يونس "وذلك أن يتبايع القوم السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها أو يتنابذ القوم السلع كذلك "فهذا من أبواب القمار. وفي رواية ابن ماجة من طريق سفيان عن الزهري "والمنابذة أن يقول ألق إلى ما معك وألقى إليك ما معي". وللنسائي حديث أبي هريرة "الملامسة أن يقول الرجل للرجل أبيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه لمسا، والمنابذة أن يقول أنبذ ما معي وتنبذ ما معك، يشتري كل واحد منهما من الآخر ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر ونحو ذلك، ولم يذكر التفسير في طريق أبي سعيد الثانية هنا ولا في طريق أبي هريرة، وقد وقع التفسير أيضا عند أحمد من طريق معمر هذه أخرجه عن عبد الرزاق عنه وفي آخره: "والمنابذة أن يقول: إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع. والملامسة أن يلمس بيده ولا ينشره ولا يقلبه إذا مسه وجب البيع" ولمسلم من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة "أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه" وقد تقدم في الصيام من هذا الوجه وليس فيه التفسير، وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة لأنها مفاعلة فتستدعى وجود الفعل من الجانبين. واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور وهي أوجه للشافعية: أصحها أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام فيقول له صاحب الثوب بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك ولا خيار لك إذا رأيته، وهذا هو موافق للتفسيرين اللذين في الحديث الثاني، أن يجعلا نفس اللمس بيعا بغير صيغة زائدة. الثالث أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس وغيره. والبيع على التأويلات كلها باطل، ومأخذ الأول عدم شرط رؤية المبيع واشتراط نفي الخيار، ومأخذ الثاني اشتراط نفي الصيغة في عقد البيع فيؤخذ منه بطلان بيع المعاطاة مطلقا، لكن من أجاز المعاطاة قيدها بالمحقرات أو بما جرت فيه العادة بالمعاطاة،

(4/359)


وأما الملامسة والمنابذة عند من يستعملهما فلا يخصهما بذلك، فعلى هذا يجتمع بيع المعاطاة مع الملامسة والمنابذة في بعض صور المعاطاة، فلمن يجيز بيع المعاطاة أن يخص النهي في بعض صور الملامسة والمنابذة عما جرت العادة فيه بالمعاطاة، وعلى هذا يحمل قول الرافعي: إن الأئمة أجروا في بيع الملامسة والمنابذة الخلاف الذي في المعاطاة والله أعلم. ومأخذ الثالث شرط نفي خيار المجلس، وهذه الأقوال هي التي اقتصر عليها الفقهاء، ونخرج مما ذكرناه من طرق الحديث زيادة على ذلك. وأما المنابذة فاختلفوا فيها أيضا على ثلاثة أقوال وهي أوجه للشافعية أصحها: أن يجعلا نفس النبذ بيعا كما تقدم في الملامسة وهو الموافق، للتفسير في الحديث المذكور، والثاني أن يجعلا النبذ بيعا بغير صيغة، والثالث أن يجعلا النبذ قاطعا للخيار. واختلفوا في تفسير النبذ فقيل: هو طرح الثوب كما وقع تفسيره في الحديث المذكور، وقيل هو نبذ الحصاة، والصحيح أنه غيره. وقد روى مسلم النهي عن بيع الحصاة من حديث أبي هريرة. واختلف في تفسير بيع الحصاة فقيل هو أن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة ويرمي حصاة، أو من هذه الأرض ما انتهت إليه في الرمي، وقيل هو أن يشترط الخيار إلى أن يرمي الحصاة، والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بيعا. وقوله في الحديث: "لمس الثوب لا ينظر إليه" استدل به على بطلان بيع الغائب وهو قول الشافعي في الجديد، وعن أبي حنيفة يصح مطلقا ويثبت الخيار إذا رآه وحكى عن مالك والشافعي أيضا، وعن مالك يصح إن وصفه وإلا فلا، وهو قول الشافعي في القديم وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأهل الظاهر، واختاره البغوي والروياني من الشافعية وإن اختلفوا في تفاصيله، ويؤيده قوله في رواية أبى عوانة التي قدمتها "لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها" وفي الاستدلال لذلك وفاقا وخلافا طول، واستدل به على بطلان بيع الأعمى مطلقا وهو قول معظم الشافعية حتى من أجاز منهم بيع الغائب لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك فيكون كبيع الغائب مع اشتراط نفي الخيار، وقيل يصح إذا وصفه له غيره وبه قال مالك وأحمد، وعن أبي حنيفة يصح مطلقا على تفاصيل عندهم أيضا. "تنبيهات": الأول وقع عند ابن ماجة أن التفسير من قول سفيان بن عيينة، وهو خطأ من قائله بل الظاهر أنه قول الصحابي كما سأبينه بعد. الحديث الثاني حديث أبي سعيد اختلف فيه على الزهري: فرواه معمر وسفيان وابن أبي حفصة وعبد الله بن بديل وغيرهم عنه عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد، ورواه عقيل ويونس وصالح بن كيسان وابن جريح عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبي سعيد، وروى ابن جريج بعضه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي سعيد، وهو محمول عند البخاري على أنها كلها عند الزهري، واقتصر مسلم على طريق عامر بن سعد وحده وأعرض عما سواها؛ وقد خالفهم كلهم الزبيدي فرواه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، وخالفهم أيضا جعفر بن برقان فرواه عن الزهري عن سالم عن أبيه وزاد في آخره: "وهي بيوع كانوا يتبايعون بها في الجاهلية" أخرجهما النسائي وخطأ رواية جعفر. الثالث حديث أبي هريرة أخرجه البخاري عنه من طرق ثالثها طريق حفص بن عاصم عنه وهو في مواقيت الصلاة ولم يذكر في شيء من طرقه عنه تفسير المنابذة والملاسة، وقد وقع تفسيرهما في رواية مسلم والنسائي كما تقدم، وظاهر الطرق كلها أن التفسير من الحديث المرفوع، لكن وقع في رواية النسائي ما يشعر بأنه من كلام من دون النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: "وزعم أن الملامسة أن يقول الخ" فالأقرب أن يكون ذلك من كلام الصحابي لبعد أن يعبر الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ زعم، ولوقوع التفسير في حديث أبي سعيد الخدري من قوله أيضا كما تقدم. الرابع وقع في حديث أبي هريرة في الطريق الأولى هنا نهى عن لبستين، واقتصر على لبسة

(4/360)


واحدة ولم يذكره في موضع آخر، وقد وقع بيان الثانية عند أحمد من طريق هشام عن محمد بن سيرين ولفظه: "أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء، وأن يرتدي في ثوب يرفع طرفيه على عاتقيه".

(4/361)


باب النهى للبائع ان لايحفل الابل و البقر و الغنم وكل محفلة
...
64 - باب النَّهْيِ لِلْبَائِعِ أَنْ لاَ يُحَفِّلَ الإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَكُلَّ مُحَفَّلَةٍ
وَالْمُصَرَّاةُ الَّتِي صُرِّيَ لَبَنُهَا وَحُقِنَ فِيهِ وَجُمِعَ فَلَمْ يُحْلَبْ أَيَّامًا وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الْمَاءِ يُقَالُ مِنْهُ صَرَّيْتُ الْمَاءَ إِذَا حَبَسْتَهُ"
2148- حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الأَعْرَجِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ وَمُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعَ تَمْرٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلاَثًا وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ"
2149- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُلَقَّى الْبُيُوعُ"
[الحديث2149- طرفه في: 2164]
2150- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلاَ تُصَرُّوا الْغَنَمَ وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ"
قوله: "باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم" كذا في معظم الروايات. و "لا" زائدة وقد ذكره أبو نعيم بدون "لا" ويحتمل أن تكون "أن" مفسرة و "لا يحفل" بيان للنهي. وفي رواية النسفي "نهى البائع أن يحفل الإبل والغنم" وقيد النهي بالبائع إشارة إلى أن المالك لو حفل فجمع اللبن للولد أو لعياله أو لضيفه لم يحرم وهذا هو الراجح كما سيأتي، وذكر البقر في الترجمة وإن لم يذكر في الحديث إشارة إلى أنها في معنى الإبل والغنم في الحكم خلافا لداود، وإنما اقتصر عليهما لغلبتهما عندهم، والتحفيل بالمهملة والفاء التجميع، قال أبو عبيد: سميت بذلك لأن اللبن يكثر في ضرعها، وكل شيء كثرته فقد حفلته تقول: ضرع حافل أي عظيم واحتفل القوم إذا كثر جمعهم ومنه سمى المحفل. قوله: "وكل محفلة" بالنصب عطفا على المفعول وهو من عطف العام على الخاص إشارة إلى أن إلحاق غير النعم من مأكول اللحم بالنعم للجامع بينهما وهو تغرير المشتري. وقال الحنابلة وبعض الشافعية: يختص ذلك بالنعم، واختلفوا في غير المأكول كالأتان والجارية فالأصح لا يرد للبن عوضا، وبه قال الحنابلة في الأتان دون

(4/361)


الجارية. قوله: "والمصراة" بفتح المهملة وتشديد الراء "التي صرى لبنها وحقن فيه" أي في الثدي "وجمع فلم يحلب" وعطف الحقن على التصرية عطف تفسيري لأنه بمعناه. قوله: "وأصل التصرية حبس الماء يقال: منه صريت الماء إذا حبسته" وهذا التفسير قول أبي عبيد وأكثر أهل اللغة. وقال الشافعي: هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظن المشتري أن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها. قوله: "لا تصروا" بضم أوله وفتح ثانيه بوزن تزكوا يقال صرى يصري تصرية كزكى يزكي تزكية. والإبل بالنصب على المفعولية، وقيده بعضهم بفتح أوله وضم ثانيه، والأول أصح لأنه من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته وليس من صررت الشيء إذا ربطته، إذ لو كان منه لقيل مصرورة أو مصررة ولم يقل مصراة، على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب. قال الأغلب:
رأت غلاما قد صرى في فقرته ... ماء الشباب عنفوان سيرته
وقال مالك بن نويرة:
فقلت لقومي هذه صدقاتكم ... مصررة أخلافها لم تحرر
وضبطه بعضهم بضم أوله وفتح ثانيه لكن بغير واو على البناء للمجهول والمشهور الأول. قوله: "الإبل والغنم" لم يذكر البقر، وقد تقدم بيانه في الترجمة، وظاهر النهي تحريم التصرية سواء قصد التدليس أم لا وسيأتي في الشروط من طريق أبي حازم عن أبي هريرة "نهى عن التصرية" وبهذا جزم بعض الشافعية وعلله بما فيه من إيذاء الحيوان لكن أخرج النسائي حديث الباب من طريق سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج بلفظ: "لا تصروا الإبل والغنم للبيع" وله من طريق أبي كثير السحيمي عن أبي هريرة "إذا باع أحدكم الشاة أو اللقحة فلا يحفلها" وهذا هو الراجح وعليه يدل تعليل الأكثر بالتدليس، ويجاب عن التعليل بالإيذاء بأنه ضرر يسير لا يستمر فيغتفر لتحصيل المنفعة. قوله: "فمن ابتاعها بعد" أي من اشتراها بعد التحفيل، زاد عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد "فهو بالخيار ثلاثة أيام" أخرجه الطحاوي وسيأتي ذكر من وافقه على ذلك، وابتداء هذه المدة من وقت بيان التصرية وهو قول الحنابلة، وعند الشافعية أنها من حين العقد وقيل من التفرق، ويلزم عليه أن يكون الغرر أوسع من الثلاث في بعض الصور وهو ما إذا تأخر ظهور التصرية إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أيضا أن تحسب المدة قبل التمكن من الفسخ وذلك يفوت مقصود التوسع بالمدة. قوله: "بخير النظرين" أي الرأيين. قوله: "أن يحتلبها" كذا في الأصل وهو بكسر أن على أنها شرطية وجزم يحتلبها، ولابن خزيمة والإسماعيلي من طريق أسيد بن موسى عن الليث "بعد أن يحتلبها" بفتح أن ونصب يحتلبها، وظاهر الحديث أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار ولو لم يحلب، لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبا إلا بعد الحلب ذكر قيدا في ثبوت الخيار، فلو ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت. قوله: "إن شاء أمسك" في رواية مالك عن أبي الزناد في آخر الباب: "إن رضيها أمسكها" أي أبقاها على ملكه وهو يقتضي صحة بيع المصراة وإثبات الخيار للمشتري، فلو اطلع على عيب بعد الرضا بالتصرية فردها هل يلزم الصاع؟ فيه خلاف، والأصح عند الشافعية وجوب الرد، ونقلوا نص الشافعي على أنه لا يرد، وعند المالكية قولان. قوله: "وإن شاء ردها" في رواية مالك "وإن سخطها ردها" وظاهره اشتراط الفور وقياسا على سائر العيوب، لكن الرواية التي فيها أن له الخيار ثلاثة أيام مقدمة على

(4/362)


هذا الإطلاق، ونقل أبو حامد والروياني فيه نص الشافعي وهو قول الأكثر، وأجاب من صحح الأول بأن هذه الرواية محمولة على ما إذا لم يعلم أنها مصراة إلا في الثلاث لكون الغالب أنها لا تعلم فيما دون ذلك، قال ابن دقيق العيد: والثاني أرجح لأن حكم التصرية قد خالف القياس في أصل الحكم لأجل النص فيطرد ذلك ويتبع في جميع موارده. قلت: ويؤيده أن في بعض روايات أحمد والطحاوي من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة "فهو بأحد النظرين: بالخيار إلى أن يحوزها أو يردها وسيأتي". قوله: "وصاع تمر" في رواية مالك "وصاعا من تمر" والواو عاطفة للصاع على الضمير في ردها، ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع ويستفاد منه فورية الصاع مع الرد، ويجوز أن يكون مفعولا معه، ويعكر عليه قول جمهور النحاة إن شرط المفعول معه أن يكون فاعلا، فإن قيل التعبير بالرد في المصراة واضح فما معنى التعبير بالرد في الصاع؟ فالجواب أنه مثل قول الشاعر علفتها تبنا وماء باردا أي علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا، ويجعل علفتها مجازا عن فعل شامل للأمرين أي ناولتها، فيحمل الرد في الحديث على نحو هذا التأويل، واستدل به على وجوب رد الصاع مع الشاة إذا اختار فسخ البيع، فلو كان اللبن باقيا ولم يتغير فأراد رده هل يلزم البائع قبوله؟ فيه وجهان أصحهما لا، لذهاب طراوته ولاختلاطه بما تجدد عند المبتاع، والتنصيص على التمر يقتضى تعيينه كما سيأتي. قوله: "ويذكر عن أبي صالح ومجاهد والوليد بن رباح وموسى بن يسار الخ" يعني أن أبا صالح ومن بعده وقع في رواياتهم تعيين التمر، فأما رواية أبي صالح فوصلها أحمد ومسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه بلفظ: "من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام فإن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر " وأما رواية مجاهد فوصلها البزار، قال مغلطاي لم أرها إلا عنده. قلت: قد وصلها أيضا الطبراني في "الأوسط" من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن ابن أبي نجيح، والدار قطني من طريق ليث ابن أبي سليم كلاهما عن مجاهد، وأول رواية ليث "لا تبيعوا المصراة من الإبل والغنم" الحديث، وليث ضعيف وفي محمد بن مسلم أيضا لين وأما رواية الوليد بن رباح وهو بفتح الراء وبالموحدة فوصلها أحمد ابن منيع في مسنده بلفظ: "من اشترى مصراة فليرد معها صاعا من تمر" وأما رواية موسى بن يسار - وهو بالتحتانية والمهملة - فوصلها مسلم بلفظ: "من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها فليحلبها فإن رضى بها أمسكها وإلا ردها ومعها صاع من تمر" وسياقه يقتضى الفورية. قوله: "وقال بعضهم عن ابن سيرين" صاعا من طعام وهو بالخيار ثلاثا" وقال بعضهم عن ابن سيرين "صاعا من تمر" ولم يذكر ثلاثا" أما رواية من رواه بلفظ الطعام والثلاث فوصلها مسلم والترمذي من طريق قرة بن خالد عنه بلفظ: "من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها رد معها صاعا من طعام لا سمراء" وأخرجه أبو داود من طريق حماد بن سلمة عن هشام وحبيب وأيوب عن ابن سيرين نحوه، وأما رواية من رواه بلفظ التمر دون ذكر الثلاث فوصلها أحمد من طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين بلفظ: "من اشترى شاة مصراة فإنه يحلبها فإن رضيها أخذها وإلا ردها ورد معها صاعا من تمر" وقد رواه سفيان عن أيوب فذكر الثلاث أخرجه مسلم من طريقه بلفظ: "من اشترى شاة مصراة فهو يخير النظرين ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر لا سمراء" ورواه بعضهم عن ابن سيرين بذكر الطعام ولم يقل ثلاثا أخرجه أحمد والطحاوي من طريق عون عن ابن سيرين وخلاس بن عمرو كلاهما عن أبي هريرة بلفظ: "من اشترى لقحة مصراة أو شاة مصراة فحلبها فهو بأحد النظرين بالخيار إلى أن يحوزها أو يردها وإناء من طعام" فحصلنا عن ابن سيرين على أربع روايات: ذكر التمر والثلاث، وذكر التمر بدون الثلاث

(4/363)


والطعام بدل التمر كذلك. والذي يظهر في الجمع بينها أن من زاد الثلاث معه زيادة علم وهو حافظ، ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها على أنه لم يحفظها أو اختصرها وتحمل الرواية التي فيها الطعام على التمر، وقد روى الطحاوي من طريق أيوب عن ابن سيرين أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية وروى ابن أبي شيبة وأبو عوانة من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين "لا سمراء" يعني الحنطة. وروى ابن المنذر من طريق ابن عون عن ابن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول: "لا سمراء، تمر ليس ببر" فهذه الروايات تبين أن المراد بالطعام التمر، ولما كان المتبادر إلى الذهن أن المراد بالطعام القمح نفاه بقوله: "لا سمراء". لكن يعكر على هذا الجمع ما رواه البزار من طريق أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين بلفظ: "إن ردها ردها ومعها صاع من بر، لا سمراء" وهذا يقتضى أن المنفي في قوله لا سمراء حنطة مخصوصة وهي الحنطة الشامية فيكون المثبت لقوله: "من طعام" أي من قمح، ويحتمل أن يكون راويه رواه بالمعنى الذي ظنه مساويا، وذلك أن المتبادر من الطعام البر فظن الراوي أنه البر فعبر به، وإنما أطلق لفظ الطعام على التمر لأنه كان غالب قوت أهل المدينة، فهذا طريق الجمع بين مختلف الروايات عن ابن سيرين في ذلك، لكن يعكر على هذا ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث الباب وفيه: "فإن ردها رد معها صاعا من طعام أو صاعا من تمر" فإن ظاهره يقتضي التخيير بين التمر والطعام وأن الطعام غير التمر ويحتمل أن تكون "أو" شكا من الراوي لا تخييرا، وإذا وقع الاحتمال في هذه الروايات لم يصح الاستدلال بشيء منها فيرجع إلى الروايات التي لم يختلف فيها وهي التمر فهي الراجحة كما أشار إليه البخاري، وأما ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر بلفظ: "إن ردها رد معها مثل أو مثلى لبنها قمحا" ففي إسناده ضعف، وقد قال ابن قدامة إنه متروك الظاهر بالاتفاق. قوله: "والتمر أكثر" أي أن الروايات الناصة على التمر أكثر عددا من الروايات التي لم تنص عليه أو أبدلته بذكر الطعام. فقد رواه بذكر التمر - غير من تقدم ذكره - ثابت بن عياض كما يأتي في الباب الذي يليه وهمام بن منبه عند مسلم وعكرمة وأبو إسحاق عند الطحاوي ومحمد بن زياد عند الترمذي والشعبي عند أحمد وابن خزيمة كلهم عن أبي هريرة، وأما رواية من رواه بذكر الإناء فيفسرها رواية من رواه بذكر الصاع وقد تقدم ضبطه في الزكاة، وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ولا مخالف لهم من الصحابة. وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلا أو كثيرا، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا، وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية وفي فروعها آخرون، أما الحنفية فقالوا لا يرد بعيب التصرية ولا يجب رد صاع من التمر، وخالفهم زفر فقال بقول الجمهور إلا أنه قال يتخير بين صاع تمر أو نصف صار بر، وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية إلا أنهما قالا لا يتعين صاع التمر بل قيمته. وفي رواية عن مالك وبعض الشافعية كذلك لكن قالوا يتعين قوت البلد قياسا على زكاة الفطر، وحكى البغوي أن لا خلاف في المذهب أنهما لو تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره كفي، وأثبت ابن كج الخلاف في ذلك، وحكى الماوردي وجهين فيما إذا عجز عن التمر هل تلزمه قيمته ببلده أو بأقرب البلاد التي فيها التمر إليه؟ وبالثاني قال الحنابلة، واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة بأعذار شتى: فمنهم من طعن في الحديث لكونه من رواية أبي هريرة ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة فلا يأخذ بما رواه مخالفا للقياس الجلي، وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياس

(4/364)


الجلى لرواية أبي هريرة وأمثاله كما في الوضوء بنبيذ التمر ومن القهقهة في الصلاة وغير ذلك، وأظن أن لهذه النكتة أورد البخاري حديث ابن مسعود عقب حديث أبي هريرة إشارة منه إلى أن ابن مسعود قد أفتى بوفق حديث أبي هريرة فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لما خالف ابن مسعود القياس الجلي في ذلك. وقال ابن السمعاني في "الاصطلام" : التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة، وقد اختص أبو هريرة بمزيد الحفظ لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له - يعني المتقدم في كتاب العلم وفي أول البيوع أيضا - وفيه قوله: "إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا" الحديث. ثم مع ذلك لم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل، فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه، وأبو يعلى من حديث أنس، وأخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث عمرو بن عوف المزني، وأخرجه أحمد من رواية رجل من الصحابة لم يسم. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها، ومنهم من قال هو حديث مضطرب لذكر التمر فيه تارة والقمح أخرى واللبن أخرى، واعتباره بالصاع تارة، وبالمثل أو المثلين تارة وبالإناء أخرى. والجواب أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها كما تقدم، والضعيف لا يعل به الصحيح. ومنهم من قال هو معارض لعموم القرآن كقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وأجيب بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات، والمتلفات تضمن بالمثل وبغير المثل. ومنهم من قال هو منسوخ، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا دلالة على النسخ مع مدعيه لأنهم اختلفوا في الناسخ فقيل: حديث النهي عن بيع الدين بالدين، وهو حديث أخرجه ابن ماجة وغيره من حديث ابن عمر، ووجه الدلالة منه أن لبن المصراة يصير دينا في ذمة المشتري، فإذا ألزم بصاع من تمر نسيئة صار دينا بدين، وهذا جواب الطحاوي، وتعقب بأن الحديث ضعيف، باتفاق المحدثين، وعلى التنزل فالتمر إنما شرع في مقابل الحلب سواء كان اللبن موجودا أو غير موجود فلم يتعين في كونه من الدين بالدين، وقيل ناسخه حديث: "الخراج بالضمان" وهو حديث أخرجه أصحاب السنن عن عائشة، ووجه الدلالة منه أن اللبن فضلة من فضلات الشاة ولو هلكت لكان من ضمان المشتري فكذلك فضلاتها تكون له فكيف يغرم بدلها للبائع؟ حكاه الطحاوي أيضا، وتعقب بأن حديث المصراة أصح منه باتفاق فكيف يقدم المرجوح على الراجح؟ ودعوى كونه بعده لا دليل عليها، وعلى التنزال فالمشتري لم يؤمر بغرامة ما حدث في ملكه بل بغرامة اللبن الذي ورد عليه العقد ولم يدخل في العقد فليس بين الحديثين على هذا تعارض. وقيل ناسخه الأحاديث الواردة في رفع العقوبة بالمال، وقد كانت مشروعة قبل ذلك كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده في مانع الزكاة "فإنا آخذوها وشطر ماله" وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في الذي يسرق من الجرين يغرم مثليه وكلاهما في السنن، وهذا جواب عيسى بن أبان، فحديث المصراة من هذا القبيل وهي كلها منسوخة، وتعقبه الطحاوي بأن التصرية إنما وجدت من البائع، فلو كان من ذلك الباب للزمه التغريم، والفرض أن حديث المصراة يقتضي تغريم المشتري فافترقا. ومنهم من قال ناسخه حديث: "والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وهذا جواب محمد بن شجاع، ووجه الدلالة منه أن الفرقة تقطع الخيار فثبت أن لا خيار بعدها إلا لمن استثناه الشارع بقوله: "إلا بيع الخيار" وتعقبه الطحاوي بأن الخيار الذي في المصراة من خيار الرد بالعيب، وخيار الرد بالعيب لا تقطعه الفرقة، ومن الغريب أنهم لا يقولون بخيار المجلس ثم يحتجون به

(4/365)


فيما لم يرد فيه. ومنهم من قال هو خبر واحد لا يفيد إلا الظن، وهو مخالف لقياس الأصول المقطوع به فلا يلزم العمل به، وتعقب بأن التوقف في خبر الواحد إنما هو في مخالفة الأصول لا في مخالفة قياس الأصول، وهذا الخير إنما خالف قياس الأصول بدليل أن الأصول الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والكتاب والسنة في الحقيقة هما الأصل والآخران مردودان إليهما، فالسنة أصل والقياس فرع فكيف يرد الأصل بالفرع؟ بل الحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال إن الأصل يخالف نفسه؟ وعلى تقدير التسليم يكون قياس الأصول يفيد القطع وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فتناول الأصل لا يخالف هذا الخبر الواحد غير مقطوع به لجواز استثناء محله عن ذلك الأصل. قال ابن دقيق العيد: وهذا أقوى متمسك به في الرد على هذا المقام. وقال ابن السمعاني: متى ثبت الخبر صار أصلا من الأصول ولا يحتاج إلى عرضه على أصل آخر لأنه إن وافقه فذاك وإن خالفه فلا يجوز رد أحدهما لأنه رد للخبر بالقياس وهو مردود باتفاق فإن السنة مقدمة على القياس بلا خلاف، إلى أن قال: والأولى عندي في هذه المسألة تسليم الأقيسة لكنها ليست لازمة لأن السنة الثابتة مقدمة عليها والله تعالى أعلم. وعلى تقدير التنزل فلا نسلم أنه مخالف لقياس الأصول لأن الذي ادعوه عليه من المخالفة بينوها بأوجه: أحدها: أن المعلوم من الأصول أن ضمان المثليات بالمثل والمتقومات بالقيمة، وهاهنا إن كان اللبن مثليا فليضمن باللبن وإن كان متقوما فليضمن بأحد النقدين، وقد وقع هنا مضمونا بالتمر فخالف الأصل. والجواب منع الحصر، فإن الحر يضمن في ديته بالإبل وليست مثلا ولا قيمة. وأيضا فضمان المثل بالمثل ليس مطردا فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذرت المماثلة كمن أتلف شاة لبونا كان عليه قيمتها، ولا يجعل بإزاء لبنها لبنا آخر لتعذر المماثلة. ثانيها: أن القواعد تقتضي أن يكون المضمون مقدر الضمان بقدر التالف وذلك مختلف، وقد قدر هنا بمقدار واحد وهو الصاع فخرج عن القياس. والجواب منع التعميم في المضمونات كالموضحة فأرشها مقدر مع اختلافها بالكبر والصغر، والغرة مقدرة في الجنين مع اختلافه، والحكمة في ذلك أن كل ما يقع فيه التنازع فليقدر بشيء معين لقطع التشاجر، وتقدم هذه المصلحة على تلك القاعدة فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري، ولو عرف مقداره فوكل إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لأفضى إلى النزاع والخصام، فقطع الشارع النزاع والخصام وقدره بحد لا يتعديانه فصلا للخصومة. وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن فإنه كان قوتهم إذ ذاك كاللبن وهو مكيل كاللبن ومقتات فاشتركا في كون كل واحد منهما مطعوما مقتاتا مكيلا، واشتركا أيضا في أن كلا منهما يقتات به بغير صنعة ولا علاج. ثالثها: أن اللبن التالف إن كان موجودا عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة وذلك مانع من الرد فقد حدث على ملك المشتري فلا يضمنه، وإن كان مختلطا فما كان منه موجودا عند العقد وما كان حادثا لم يجب ضمانه، والجواب أن يقال إنما يمتنع الرد بالنقص إذا لم يكن لاستعلام العيب وإلا فلا يمتنع وهنا كذلك. رابعها: أنه خالف الأصول في جعل الخيار فيه ثلاثا مع أن خيار العيب لا يقدر بالثلاث وكذا خيار المجلس عند من يقول به وخيار الرؤية عند من يثبته، والجواب بأن حكم المصراة انفرد بأصله عن مماثلة فلا يستغرب أن ينفرد بوصف زائد على غيره، والحكمة فيه أن هذه المدة هي التي يتبين بها لبن الخلقة من اللبن المجتمع بالتدليس غالبا فشرعت لاستعلام العيب، بخلاف خيار الرؤية والعيب فلا يتوقف على مدة، وأما خيار المجلس فليس لاستعلام العيب، فظهر الفرق بين الخيار في المصراة وغيرها. خامسها: أنه يلزم من الأخذ به الجمع بين العوض والمعوض فيما إذا

(4/366)


كانت قيمة الشاة صاعا من تمر فإنها ترجع إليه من الصاع الذي هو مقدار ثمنها. والجواب أن التمر عوض عن اللبن لا عن الشاة فلا يلزم ما ذكروه. سادسها: أنه مخالف لقاعدة الربا فيما إذا اشترى شاة بصاع فإذا استرد معها صاعا فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن فيكون قد باع شاة وصاعا بصاع، والجواب أن الربا إنما يعتبر في العقود لا الفسوخ، بدليل أنهما لو تبايعا ذهبا بفضة لم يحز أن يتفرقا قبل القبض، فلو تقايلا في هذا العقد بعينه جاز التفرق قبل القبض. سابعها: أنه يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها فيما إذا كان اللبن موجودا، والأعيان لا تضمن بالبدل إلا مع فواتها كالمغصوب. والجواب أن اللبن وإن كان موجودا لكنه تعذر رده، لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد وتعذر تمييزه فأشبه الآبق بعد الغصب فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه لتعذر الرد. ثامنها: أنه يلزم منه إثبات الرد بغير عيب ولا شرط، أما الشرط فلم يوجد وأما العيب فنقصان اللبن لو كان عيبا لثبت به الرد من غير تصرية، والجواب أن الخيار يثبت بالتدليس كمن باع رحى دائرة بما جمعه لها بغير علم المشتري فإذا اطلع عليه المشتري كان له الرد، وأيضا فالمشتري لما رأى ضرعا مملوءا لبنا ظن أنه عادة لها فكأن البائع شرط له ذلك فتبين الأمر بخلافه فثبت له الرد لفقد الشرط المعنوي لأن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله فإذا أظهر المشتري على صفة فبان الأمر بخلافها كان قد دلس عليه فشرع له الخيار وهذا هو محض القياس ومقتضى العدل، فإن المشتري إنما بذل ماله بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، وقد أثبت الشارع الخيار للركبان إذا تلقوا واشترى منهم قبل أن يهبطوا إلى السوق ويعلموا السعر وليس هناك عيب ولا خلف في شرط. ولكن لما فيه من الغش والتدليس. ومنهم من قال الحديث صحيح لا اضطراب فيه ولا علة ولا نسخ وإنما هو محمول على صورة مخصوصة وهو ما إذا اشترى شاة بشرط أنها تحلب مثلا خمسة أرطال وشرط فيها الخيار فالشرط فاسد، فإن اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار صح العقد وإن لم يتفقا بطل العقد ووجب رد الصاع من التمر لأنه كان قيمة اللبن يومئذ، وتعقب بأن الحديث ظاهر في تعليق الحكم التصرية، وما ذكره هذا القائل يقتضى تعليقه بفساد الشرط سواء وجدت التصرية أم لا فهو تأويل متعسف، وأيضا فلفظ الحديث لفظ عموم، وما ادعوه على تقدير تسليمه فرد من أفراد ذلك العموم فيحتاج من ادعى قصر العموم عليه الدليل على ذلك ولا وجود له، قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصل في النهي عن الغش، وأصل في ثبوت الخيار لمن دلس عليه بعيب، وأصل في أنه لا يفسد أصل البيع، وأصل في أن مدة الخيار ثلاثة أيام، وأصل في تحريم التصرية وثبوت الخيار بها، وقد روى أحمد وابن ماجة عن ابن مسعود مرفوعا: "بيع المحفلات خلابة ولا تحل الخلابة لمسلم:" وفي إسناده ضعف قد رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق موقوفا بإسناد صحيح، وروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم قال كان يقال: التصرية خلابة، وإسناده صحيح، واختلف القائلون به في أشياء منها لو كان عالما بالتصرية هل يثبت له الخيار؟ فيه وجه للشافعية، ويرجح أنه لا يثبت رواية عكرمة عن أبي هريرة في هذا الحديث عند الطحاوي فإن لفظه: "من اشترى مصراة ولم يعلم أنها مصراة" الحديث. ولو صار لبن المصراة عادة واستمر على كثرته هل له الرد؟ فيه وجه لهم أيضا خلافا للحنابلة في المسألتين. ومنها لو تحفلت بنفسها أو صرها المالك لنفسه ثم بدا له فباعها فهل يثبت ذلك الحكم؟ فيه خلاف: فمن نظر إلى المعنى أثبته لأن العيب مثبت للخيار ولا يشترط فيه تدليس للبائع، ومن نظر إلى أن حكم التصرية خارج عن القياس خصه بمورده وهو حالة العمد فإن النهي إنما تناولها فقط. ومنها لو كان الضرع مملوءا لحما وظنه المشتري لبنا فاشتراها على ذلك ثم ظهر له أنه لحم هل

(4/367)


يثبت له الخيار؟ فيه وجهان حكاهما بعض المالكية. ومنها لو اشترى غير المصراة ثم اطلع على عيب بها بعد حلبها، فقد نص الشافعي على جواز الرد مجانا لأنه قليل غير معتنى بجمعه، وقيل يرد بدل اللبن كالمصراة. وقال البغوي يرد صاعا من تمر. قوله: "حدثنا مسدد حدثنا معتمر" سيأتي في "باب النهي عن تلقي الركبان" بعد سبعة أبواب عن مسدد عن يزيد بن زريع، وكأن الحديث عند مسدد عن شيخين فذكره المصنف عنه في موضعين، وسياقه عن معتمر أتم. قوله: "سمعت أبي" هو سليمان التيمي، وأبو عثمان هو النهدي، ورجال الإسناد بصريون سوى الصحابي قوله: "قال من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعا من تمر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تلقى البيوع" هكذا رواه الأكثر عن معتمر بن سليمان موقوفا، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبيد الله ابن معاذ عن معتمر مرفوعا وذكر أن رفعه غلط، ورواه أكثر أصحاب سليمان عنه كما هنا: حديث المحفلة موقوف من كلام ابن مسعود، وحديث النهي عن التلقي مرفوع. وخالفهم أبو خالد الأحمر عن سليمان التيمي فرواه بهذا الإسناد مرفوعا أخرجه الإسماعيلي وأشار إلى وهمه أيضا. قوله: "فردها" أي أراد ردها، بقرينة قوله: "فليرد معها" عملا بحقيقة المعية، أو تحمل المعية على البعدية فلا يحتاج الرد إلى تأويل. وقد وردت مع بمعنى البعدية كقوله تعالى: { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} الآية. قوله في رواية مالك "لا تلقوا الركبان" يأتي الكلام عليه بعد أبواب وعلى بيع الحاضر للبادي قريبا، ومضى الكلام على البيع وعلى النجش، ومضى الكلام على التصرية بما يغني عن إعادته.

(4/368)


باب بيع المصراة وفي حلبتها صاع من تمر
...
65 - باب إِنْ شَاءَ رَدَّ الْمُصَرَّاةَ وَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ
2151- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ"
قوله: "باب إن شاء رد المصرأة وفي حلبتها" بسكون اللام على أنه اسم الفعل ويجوز الفتح على إرادة المحلوب، وظاهره أن التمر مقابل للحلبة، وزعم ابن حزم أن التمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللبن لأن الحلبة حقيقة في الحلب مجاز في اللبن والحمل على الحقيقة أولى فلذلك قال يجب رد التمر واللبن معا وشذ بذلك عن الجمهور. قوله: "حدثنا محمد بن عمرو" كذا للأكثر غير منسوب، ووقع في رواية عبد الرحمن الهمداني عن المستملي: "محمد بن عمرو بن جبلة" وكذا قال أبو أحمد الجرجاني في روايته عن الفربري. وفي رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري "حدثنا محمد بن عمرو يعني ابن جبلة" وأهمله الباقون، وجزم الدار قطني بأنه محمد بن عمرو أبو غسان الرازي المعروف بزنيج، وجزم الحاكم والكلاباذي بأنه محمد بن عمرو السواق البلخي، والأول أولى، والله أعلم. قوله: "حدثنا المكي" هو ابن إبراهيم، وهو من مشايخ البخاري وستأتي روايته عنه بلا واسطة في "باب لا يشتري حاضر لباد". قوله: "أخبرني زياد" هو ابن سعد الخراساني. قوله: "أن ثابتا" هو ابن عياض، وعبد الرحمن بن زيد مولاه من فوق أي ابن الخطاب. قوله: "من اشترى غنما مصراة فاحتلبها" ظاهره أن صاع التمر متوقف على الحلب كما تقدم. قوله: "ففي حلبتها صاع من تمر" ظاهره أن صاع التمر في مقابل المصراة سواء كانت واحدة أو أكثر لقوله: "من اشترى

(4/368)


غنما "ثم قال: "ففي حلبتها صاع من تمر" ونقله ابن عبد البر عمن استعمل الحديث، وابن بطال عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة، وعن أكثر المالكية يرد عن كل واحدة صاعا حتى قال المازري: من المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة، وأجيب بأن ذلك مغتفر بالنسبة إلى ما تقدم من أن الحكمة في اعتبار الصاع قطع النزاع فجعل حدا يرجع إليه عند التخاصم فاستوى القليل والكثير، ومن المعلوم أن لبن الشاة الواحدة أو الناقة الواحدة يختلف اختلافا متباينا، ومع ذلك فالمعتبر الصاع سواء قل اللبن أم كثر، فكذلك هو معتبر سواء قلت المصراة أو كثرت.
والله تعالى أعلم.

(4/369)


66 - باب بَيْعِ الْعَبْدِ الزَّانِي
وَقَالَ شُرَيْحٌ إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنْ الزِّنَا
2152- حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث قال حدثني سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمعه يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر"
[الحديث 2152- أطرافه في 2153، 2233، 2234، 2555، 6837، 6839]
2153- 2154- حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير قال بن شهاب لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة"
[الحديث 2154- أطرافه في: 2232، 2556، 6838]
قوله: "باب بيع العبد الزاني" أي جوازه مع بيان عيبه. قوله: "وقال شريح إن شاء رد من الزنا" وصله سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين أن رجلا اشترى من رجل جارية كانت فجرت ولم يعلم بذلك المشتري، فخاصمه إلى شريح فقال: إن شاء رد من الزنا، وإسناده صحيح. ثم أورد المصنف في الباب حديث: "إذا زنت الأمة فليجلدها" الحديث أورده من وجهين، وشاهد الترجمة منه قوله في آخره: "فليبعها ولو بحبل من شعر" فإنه يدل على جواز بيع الزاني، ويشعر بأن الزنا عيب في المبيع لقوله ولو بحبل من شعر، وسيأتي الكلام عليه مستوفي في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. قال ابن بطال: فائدة الأمر ببيع الأمة الزانية المبالغة في تقبيح فعلها، والإعلام بأن الأمة الزانية لا جزاء لها إلا البيع أبدا، وأنها لا تبقى عند سيد زجرا لها عن معاودة الزنا، ولعل ذلك يكون سببا لإعفافها إما أن يزوجها المشتري أو يعفها بنفسه أو يصونها بهيبته.

(4/369)


67- باب الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ
2155- حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال عروة بن الزبير قالت عائشة رضي الله عنها ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتري وأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق

(4/369)


باب هل يبيع حاضر لباد بغير اجر و هل يعينه او ينصحه
...
68 - باب هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ
2157- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ سَمِعْتُ جَرِيرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ"
2158- حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ لاَ يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا"
[الحديث 2158- طرفاه في: 2163، 2274]
قوله: "باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر، وهل يعينه أو ينصحه" قال ابن المنير وغيره: حمل المصنف النهي عن بيع الحاضر للبادي على معنى خاص وهو البيع بالأجر أخذا من تفسير ابن عباس، وقوى ذلك بعموم أحاديث "الدين النصيحة" لأن الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالبا وإنما غرضه تحصيل الأجرة فاقتضى ذلك

(4/370)


إجازة بيع الحاضر للبادي بغير أجرة من باب النصيحة. قلت: ويؤيده ما سيأتي في بعض طرق الحديث المعلق أول أحاديث الباب، وكذلك ما أخرجه أبو داود من طريق سالم المكي "أن أعرابيا حدثه أنه قدم بحلوبة له على طلحة بن عبيد الله، فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من يبايعك فشاورني حتى آمرك وأنهاك". قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له" هو طرف من حديث وصله أحمد من حديث عطاء بن السائب عن حكيم بن أبى يزيد عن أبيه "حدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل الرجل فلينصح له" ورواه البيهقي من طريق عبد الملك بن عمير عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا مثله، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي خيثمة عن أبي الزبير بلفظ: "لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" . قوله: "ورخص فيه عطاء" أي في بيع الحاضر للبادي، وصله عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الله ابن عثمان أي ابن خثيم عن عطاء بن أبي رباح قال: "سألته عن أعرابي أبيع له فرخص لي "وأما ما رواه سعيد بن منصور من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: "إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد لأنه أراد أن يصيب المسلمون غرتهم، فأما اليوم فلا بأس. فقال عطاء: لا يصلح اليوم. فقال مجاهد. ما أرى أبا محمد إلا لو أتاه ظئر له من أهل البادية إلا سيبيع له"، فالجمع بين الروايتين عن عطاء أن يحمل قوله هذا على كراهة التنزيه ولهذا نسب إليه مجاهد ما نسب، وأخذ بقول مجاهد في ذلك أبو حنيفة وتمسكوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" وزعموا أنه ناسخ لحديث النهي، وحمل الجمهور حديث: "الدين النصيحة" على عمومه إلا في بيع الحاضر للبادي فهو خاص فيقضى على العام والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وجمع البخاري بينهما بتخصيص النهي بمن يبيع له بالأجرة كالسمسار، وأما من ينصحه فيعلمه بأن السعر كذا مثلا فلا يدخل في النهي عنده والله أعلم. ثم أورد المصنف في الباب حديثين: حديث جرير في النصح لكل مسلم وقد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب الإيمان. قوله: "حدثنا عبد الواحد" هو ابن زياد قوله: "لا تلقوا الركبان" زاد الكشميهني في روايته: "للبيع" وسيأتي الكلام عليه قريبا. قوله: "لا يكون له سمسارا" بمهملتين هو في الأصل القيم بالأمر والحافظ له، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره، وفي هذا التفسير تعقب على من فسر الحاضر بالبادي بأن المراد نهى الحاضر أن يبيع للبادي في زمن الغلاء شيئا يحتاج إليه أهل البلد فهذا مذكور في كتب الحنفية. وقال غيرهم: صورته أن يجيء البلد غريب بسلعته يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه بلدي فيقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر، فجعلوا الحكم منوطا بالبادي ومن شاركه في معناه. قال وإنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب فالحق به من يشاركه في عدم معرفة السعر الحاضر وإضرار أهل البلد بالإشارة عليه بأن لا يبادر بالبيع، وهذا تفسير الشافعية والحنابلة، وجعل المالكية البداوة قيدا، وعن مالك لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا من كان يشبهه، قال فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق فليسوا داخلين في ذلك. قال ابن المنذر: اختلفوا في هذا النهي فالجمهور أنه على التحريم بشرط العلم بالنهي وأن يكون المتاع المجلوب مما يحتاج إليه وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي، فلو عرضه البدوي على الحضري لم يمنع. وزاد بعض الشافعية عموم الحاجة وأن يظهر ببيع ذلك المتاع السعة في تلك البلد، قال ابن دقيق العيد: أكثر هذه الشروط تدور بين اتباع المعنى أو اللفظ، والذي ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء فحيث يظهر يخصص

(4/371)


النص أو يعمم، وحيث يخفي فاتباع اللفظ أولى، فأما اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك فلا يقوي لعدم دلالة اللفظ عليه وعدم ظهور المعنى فيه، فإن الضرر الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه، وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه فمتوسط بين الظهور وعدمه، وأما اشتراط ظهور السعة فكذلك أيضا لاحتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح والرزق على أهل البلد، وأما اشتراط العلم بالنهي فلا إشكال فيه. وقال السبكي: شرط حاجة الناس إليه معتبر، ولم يذكر جماعة عمومها وإنما ذكره الرافعي تبعا للبغوي ويحتاج إلى دليل. واختلفوا أيضا فيما إذا وقع البيع مع وجود الشروط المذكورة هل يصح مع التحريم أو لا يصح؟ على القاعدة المشهورة.

(4/372)


باب من كره ان يبع حاضر لباد بأجر
...
69 - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ
2159- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ"
قوله: "باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر" وبه قال ابن عباس، أي حيث فسر ذلك بالسمسار كما في الحديث الذي قبله. قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد" كذا أورده من حديث ابن عمر ليس فيه التقييد بالأجر كما في الترجمة. قال ابن بطال: أراد المصنف أن بيع الحاضر للبادي لا يجوز بأجر ويجوز بغير أجر، واستدل على ذلك بقول ابن عباس، وكأنه قيد به مطلق حديث ابن عمر قال: وقد أجاز الأوزاعي أن يشير الحاضر على البادي وقال: ليست الإشارة بيعا. وعن الليث وأبي حنيفة لا يشير عليه، لأنه إذا أشار عليه فقد باعه. وعند الشافعية في ذلك وجهان والراجح منهما الجواز لأنه إنما نهى عن البيع له وليست الإشارة بيعا، وقد ورد الأمر بنصحه فدل على جواز الإشارة. "تنبيه": حديث ابن عمر فرد غريب لم أره إلا من رواية أبي علي الحنفي عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن دينار، وقد ضاق مخرجه على الإسماعيلي وعلى أبي نعيم فلم يخرجاه إلا من طريق البخاري، وله أصل من حديث ابن عمر أخرجه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر وليس هو في "الموطأ" قال البيهقي: عدوه في أفراد الشافعي، وقد تابعه القعنبي عن مالك ثم ساقه بإسنادين إلى القعنبي.

(4/372)


باب لايبيع حاضر لباد بالسمسرة
...
70- باب لاَ يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ. وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ بِعْ لِي ثَوْبًا وَهِيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ
2160- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَبْتَاعُ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ"
2161- حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ حدثنا بن عون عن محمد قال أنس بن مالك رضي الله

(4/372)


باب النهى عن تلقى الركبان و ان بيعه مردود
...
71 - باب النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ
لِأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا وَهُوَ خِدَاعٌ فِي الْبَيْعِ وَالْخِدَاعُ لاَ يَجُوزُ
2162- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّلَقِّي وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ"
2163- حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَا مَعْنَى قَوْلِهِ لاَ يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ فَقَالَ لاَ يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا"
2164- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنِي التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَنْ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا قَالَ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ"
2165- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلاَ تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ"

(4/373)


قوله: "باب النهي عن تلقي الركبان، وأن بيعه مردود لأن صاحبه عاص آثم إذا كان به عالما، وهو خدع في البيع والخداع لا يجوز" جزم المصنف بأن البيع مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد، لكن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهي عنه لا ما إذا كان يرجع إلى أمر خارج عنه فيصح البيع ويثبت الخيار بشرطه الآتي ذكره، وأما كون صاحبه عاصيا آثما والاستدلال عليه بكونه خداعا فصحيح، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون البيع مردودا لأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخل بشيء من أركانه وشرائطه وإنما هو لدفع الأضرار بالركبان، والقول ببطلان البيع صار إليه بعض المالكية وبعض الحنابلة، ويمكن أن يحمل قول البخاري أن البيع مردود على ما إذا اختار البائع رده فلا يخالف الراجح، وقد تعقبه الإسماعيلي وألزمه التناقض ببيع المصراة فإن فيه خداعا ومع ذلك لم يبطل البيع، وبكونه فصل في بيع الحاضر للبادي بين أن يبيع له بأجر أو بغير أجر، واستدل عليه أيضا بحديث حكيم بن حزام الماضي في بيع الخيار ففيه: "فإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما" قال فلم يبطل بيعهما بالكذب والكتمان للعيب، وقد ورد بإسناد صحيح "أن صاحب السلعة إذا باعها لمن تلقاه يصير بالخيار إذا دخل السوق" ثم ساقه من حديث أبي هريرة، قال ابن المنذر: أجاز أبو حنيفة التلقي وكرهه الجمهور. قلت: الذي في كتب الحنفية يكره التلقي في حالتين: أن يضر بأهل البلد، وأن يلتبس السعر على الواردين. ثم اختلفوا: فقال الشافعي من تلقاه فقد أساء وصاحب السلعة بالخيار، وحجته حديث أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تلقي الجلب، فإن تلقاه فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق". قلت: وهو حديث أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة من طريق أيوب، وأخرجه مسلم من طريق هشام عن ابن سيرين بلفظ: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار" وقوله: "فهو بالخيار" أي إذا قدم السوق وعلم السعر، وهل يثبت له مطلقا أو بشرط أن يقع له في البيع غبن؟ وجهان، أصحهما الأول وبه قال الحنابلة، وظاهره أيضا أن النهي لأجل منفعة البائع وإزالة الضرر عنه وصيانته ممن يخدعه. قال ابن المنذر: وحمله مالك على نفع أهل السوق لا على نفع رب السلعة، وإلى ذلك جنح الكوفيون والأوزاعي قال: والحديث حجة للشافعي لأنه أثبت الخيار للبائع لا لأهل السوق. انتهى. واحتج مالك بحديث ابن عمر المذكور في آخر الباب، وسيأتي الكلام على ذلك. وقد ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث:قوله: "حدثنا عبد الوهاب" هو ابن عبد المجيد الثقفي. قوله: "عن سعيد بن أبي سعيد" هو المقبري. قوله: "عن التلقي" ظاهره منع التلقي مطلقا سواء كان قريبا أم بعيدا، سواء كان لأجل الشراء منهم أم لا، وسيأتي البحث فيه. قوله: "حدثنا عبد الأعلى" هو ابن عبد الأعلى. قوله: "سألت ابن عباس" كذا رواه مختصرا وليس فيه للتلقي ذكر، وكأنه أشار على عادته إلى أصل الحديث، فقد سبق قبل بابين من وجه آخر عن معمر وفي أوله "لا تلقوا الركبان" وكذا أخرجه مسلم من وجه آخر عن معمر، والقول في حديث ابن عباس كالقول في حديث أبي هريرة، وقوله: "لا تلقوا الركبان" خرج مخرج الغالب في أن من يجلب الطعام يكونون عددا ركبانا، ولا مفهوم له بل لو كان الجالب عددا مشاة أو واحدا راكبا أو ماشيا لم يختلف الحكم. وقوله: "للبيع" يشمل البيع لهم والبيع منهم، ويفهم منه اشتراط قصد ذلك بالتلقي، فلو تلقى الركبان أحد للسلام أو الفرجة أو خرج لحاجة له فوجدهم فبايعهم هل يتناوله النهي؟ فيه احتمال، فمن نظر إلى المعنى لم يفترق عنده الحكم بذلك وهو الأصح عند الشافعية، وشرط بعض الشافعية في

(4/374)


النهي أن يبتدئ المتلقي فيطلب من الجالب البيع، فلو ابتدأ الجالب بطلب البيع فاشترى منه المتلقي لم يدخل في النهي، وذكر إمام الحرمين في صورة التلقي المحرم أن يكذب في سعر البلد ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل، وذكر المتولي فيها أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول، وذكر أبو إسحاق الشيرازي أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم، وقد يؤخذ من هذه التقييدات إثبات الخيار لمن وقعت له ولو لم يكن هناك تلق، لكن صرح الشافعية أن كون إخباره كذبا ليس شرطا لثبوت الخيار وإنما يثبت له الخيار إذا ظهر الغبن فهو المعتبر وجودا وعدما. حديث ابن مسعود، وقد مضى الكلام عليه في المصراة، والغرض منه هنا قوله: "ونهى عن تلقي البيوع" فإنه يقتضي تقييد النهي المطلق في التلقي بما إذا كان لأجل المبايعة. حديث ابن عمر، وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده. فدلت الطريقة الثالثة - وهي في الباب الذي يليه من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع - أن الوصول إلى أول السوق لا يلقى حتى يدخل السوق، وإلى هذا ذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم، وصرح جماعة من الشافعية بأن منتهى النهي عن التلقي لا يدخل البلد سواء وصل إلى السوق أم لا، وعند المالكية في ذلك اختلاف كثير في حد التلقي. قوله: "ولا تلقوا السلع" بفتح أوله واللام وتشديد القاف المفتوحة وضم الواو أي تتلقوا فحذفت إحدى التاءين. ثم إن مطلق النهي عن التلقي يتناول طول المسافة وقصرها وهو ظاهر إطلاق الشافعية، وقيد المالكية محل النهي بحد مخصوص، ثم اختلفوا فيه فقيل ميل وقيل فرسخان وقيل يومان وقيل مسافة القصر وهو قول الثوري، وأما ابتداؤها فسيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده.

(4/375)


72 - باب مُنْتَهَى التَّلَقِّي
2166- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمْ الطَّعَامَ فَنَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ سُوقُ الطَّعَامِ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ
2167- حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله قال حدثني نافع عن عبد الله رضي الله عنه قال ثم كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانهم فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه"
قوله: "باب منتهى التلقي" أي وابتدائه، وقد ذكرنا أن الظاهر أنه لا حد لانتهائه من جهة الجالب، وأما من جهة المتلقي فقد أشار المصنف بهذه الترجمة إلى أن ابتداءه الخروج من السوق أخذا من قول الصحابي إنهم كانوا يتبايعون بالطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه، ولم ينههم عن التبايع في أعلى السوق فدل على أن التلقي إلى أعلى السوق جائز، فإن خرج عن السوق ولم يخرج من البلد فقد صرح الشافعية بأنه لا يدخل في النهي، وحد ابتداء التلقي عندهم الخروج من البلد والمعنى فيه أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر، والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقا كما هو ظاهر الحديث، وهو قول أحمد وإسحاق، وعن الليث

(4/375)


كراهة التلقي ولو في الطريق ولو على باب البيت حتى تدخل السلعة السوق. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف. قوله: "هذا في أعلى السوق" أي حديث جويرية عن نافع بلفظ: "كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام" الحديث، قال البخاري: وبينه حديث عبيد الله بن عمر يعني عن نافع أي حيث قال: "كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق" الحديث مثله، وأراد البخاري بذلك الرد على من استدل به على جواز تلقي الركبان لإطلاق قول ابن عمر "كنا نتلقى الركبان" ولا دلالة فيه، لأن معناه أنهم كانوا يتلقونهم في أعلى السوق كما في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع، وقد صرح مالك في روايته عن نافع بقوله: "ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها السوق" فدل على أن التلقي الذي لم ينه عنه إنما هو ما بلغ السوق، والحديث يفسر بعضه بعضا. وادعى الطحاوي التعارض في هاتين الروايتين وجمع بينهما بوقوع الضرر لأصحاب السلع وعدمه، قال فيحمل حديث النهي على ما إذا حصل الضرر، وحديث الإباحة على ما إذا لم يحصل، ولا يخفى رجحان الجمع الذي جمع به البخاري والله أعلم. "تنبيه": وقع قول البخاري" هذا في أعلى السوق "عقب رواية عبيد الله بن عمر في رواية أبي ذر، ووقع في رواية غيره عقب حديث جويرية وهو الصواب.

(4/376)


باب اذا اشترط شروطا في البيع لاتحل
...
73 - باب إِذَا اشْتَرَطَ شُرُوطًا فِي الْبَيْعِ لاَ تَحِلُّ
2168-حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت ثم جاءتني بريرة فقالت كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني فقلت إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقالت إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق"
2169- حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ثم أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية فتعتقها فقال أهلها نبيعكها على أن ولاءها لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق"
قوله: "باب إذا اشترط في البيع شروطا لا تحل" أي هل يفسد البيع بذلك أم لا؟ أورد فيه حديثي عائشة وابن عمر في قصة بريرة، وكأن غرضه بذلك أن النهي يقتضي الفساد فيصح ما ذهب إليه من أن النهي عن تلقي الركبان يرد به البيع، وسيأتي الكلام عليه في كتاب الشروط إن شاء الله تعالى.

(4/376)


74 - باب بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ
2170- حدثنا أبو الوليد حدثنا الليث عن بن شهاب عن مالك بن أوس سمع عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم البر بالبر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء
قوله: "باب بيع التمر بالتمر" أورد فيه حديث عمر مختصرا. وسيأتي الكلام عليه بعد باب.

(4/377)


باب بيع الزبيب بالزبيب و الطعام بالطعام
...
75 - باب بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ وَالطَّعَامِ بِالطَّعَامِ
2171- حدثنا إسماعيل حدثنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلا وبيع الزبيب بالكرم كيلا"
[الحديث 2171- أطرافه في: 2172، 2185، 2205]
2172- حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة قال والمزابنة أن يبيع الثمر بكيل إن زاد فلي وإن نقص فعلي قال وحدثني زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا بخرصها"
[الحديث 2172- أطرافه في: 2184، 2188، 2192، 2380]
قوله: "باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام" ذكر فيه حديث ابن عمر في النهي عن المزابنة من طريقين، وسيأتي الكلام عليه بعد خمسة أبواب.وفي الطريق الثانية حديث ابن عمر عن زيد بن ثابت في العرايا، وسيأتي الكلام عليه بعد سبعة أبواب. وذكر في الترجمة الطعام بالطعام وليس في الحديث الذي ذكره للطعام ذكر، وكذلك ذكر فيها الزبيب بالزبيب والذي في الحديث الزبيب بالكرم، قال الإسماعيلي: لعله أخذ ذلك من جهة المعنى، قال: ولو ترجم للحديث ببيع التمر في رءوس الشجر بمثله من جنسه يابسا لكان أولى. انتهى. ولم يخل البخاري بذلك كما سيأتي بعد ستة أبواب، وأما هنا فكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه من ذكر الطعام، وهو في رواية الليث عن نافع كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وروى مسلم من حديث معمر بن عبد الله مرفوعا: "الطعام بالطعام مثلا بمثل".

(4/377)


76 - باب بَيْعِ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ
2174- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ فَقَالَ وَاللَّهِ لاَ تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ قال

(4/377)


77 - باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ
2175- حدثنا صدقة بن الفضل أخبرنا إسماعيل بن علية قال حدثني يحيى بن أبي إسحاق حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة قال قال أبو بكرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء والفضة بالفضة إلا سواء بسواء وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم"
[الحديث 2175_ طرفه في: 2182]
قوله: "باب بيع الذهب بالذهب" تقدم حكمه في الباب الذي قبله، وذكر المصنف فيه حديث أبي بكرة، ثم أورده بعد ثلاثة أبواب من وجه آخر عن يحيى بن أبى إسحاق، ورجال الإسنادين بصريون كلهم. وأخذ حكم بيع الذهب بالورق من قوله: "وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم "وفي الرواية الأخرى "وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا" الحديث، وسيأتي الكلام عليه.

(4/379)


78 - باب بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ
2176- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا عَمِّي حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ يَا أَبَا سَعِيدٍ مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ فِي الصَّرْفِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"
[الحديث 2176- طرفاه في: 2177، 2178]
2177- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ

(4/379)


79 - باب بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ نَسَاءً
2178- 2179 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ الزَّيَّاتَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ فَقُلْتُ لَهُ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لاَ يَقُولُهُ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ كُلَّ ذَلِكَ لاَ أَقُولُ وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ رِبًا إِلاَّ فِي النَّسِيئَةِ"
قوله: "باب بيع الدينار بالدينار نساء" بفتح النون المهملة والمد والتنوين منصوبا، أي مؤجلا مؤخرا، يقال أنسأه نساء ونسيئة. قوله: "الضحاك بن مخلد" هو أبو عاصم شيخ البخاري، وقد حدث في مواضع عنه بواسطة كهذا الموضع. قوله: "سمع أبا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم" كذا وقع في هذه الطريق، وقد أخرجه مسلم من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار فزاد فيه: "مثلا بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى". قوله: "إن ابن عباس لا يقوله" في رواية مسلم: "يقول غير هذا". قوله: "فقال أبو سعيد سألته" في رواية مسلم: "لقد لقيت ابن عباس فقلت له". قوله: "فقال كل ذلك لا أقول" بنصب "كل"؛ على أنه مفعول مقدم، وهو في المعنى نظير قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ذي اليدين "كل ذلك لم يكن" فالمنفي هو المجموع. وفي رواية مسلم: "فقال لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا وجدته في كتاب الله عز وجل" ولمسلم من طريق عطاء "أن أبا سعيد لقي ابن عباس" فذكر نحوه وفيه: "فقال كل ذلك لا أقول، أما رسول الله فأنتم أعلم به، وأما كتاب الله فلا أعلمه" أي لا أعلم هذا الحكم فيه، وإنما قال لأبي سعيد "أنتم أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم مني" لكون أبي سعيد وأنظاره كانوا أسن منه وأكثر ملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي السياق دليل على أن أبا سعيد وابن عباس متفقان على أن الأحكام الشرعية لا تطلب إلا من الكتاب أو السنة. قوله: "لا ربا إلا في النسيئة" في رواية مسلم: "الربا في النسيئة" وله من طريق عبيد الله بن أبي يزيد وعطاء جميعا عن ابن عباس "إنما الربا في النسيئة" زاد في رواية عطاء "ألا إنما الربا" وزاد في رواية طاوس عن ابن عباس "لا ربا فيما كان يدا بيد" وروى مسلم من طريق أبي نضرة قال: "سألت ابن عباس عن الصرف فقال: أيدا بيد؟ قلت نعم، قال فلا بأس. فأخبرت أبا سعيد فقال: أو قال ذلك؟ إنا سنكتب إليه فلا يفتكموه" وله من وجه آخر عن أبي نضرة "سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به

(4/381)


بأسا، فإني لقاعد عند أبي سعيد فسألته عن الصرف فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما. فذكر الحديث قال: "فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه". والصرف بفتح المهملة: دفع ذهب وأخذ فضة وعكسه، وله شرطان: منع النسيئة مع اتفاق النوع واختلافه وهو المجمع عليه، ومنع التفاضل في النوع الواحد منهما وهو قول الجمهور. وخالف فيه ابن عمر ثم رجع، وابن عباس واختلف في رجوعه وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية "سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا بعين يدا بيد، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة فلقيه أبو سعيد" فذكر القصة والحديث، وفيه: "التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدا بيد مثلا بمثل، فمن زاد فهو ربا، فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهي عنه أشد النهي". واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد فقيل: منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقيل المعنى في قوله: "لا ربا" الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما تقدم والله أعلم. وقال الطبري: معنى حديث أسامة "لا ربا إلا في النسيئة" إذا اختلفت أنواع البيع والفضل فيه يدا بيد ربا جمعا بينه وبين حديث أبي سعيد. "تنبيه": وقع في نسخة الصغاني هنا "قال أبو عبد الله" يعني البخاري "سمعت سليمان بن حرب يقول: لا ربا إلا في النسيئة هذا عندنا في الذهب بالورق والحنطة بالشعير متفاضلا ولا بأس به يدا بيد ولا خير فيه نسيئة" قلت: وهذا موافق 1 وفي قصة أبي سعيد مع ابن عمر ومع ابن عباس أن العالم يناظر العالم ويوقفه على معنى قوله ويرده من الاختلاف إلى الاجتماع ويحتج عليه بالأدلة وفيه إقرار الصغير للكبير بفضل التقدم.
ـــــــ
1 بياض بالاصل

(4/382)


80 - باب بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسِيئَةً
2180-0 2181- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ قَالَ سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ الصَّرْفِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ هَذَا خَيْرٌ مِنِّي فَكِلاَهُمَا يَقُولُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا
قوله: "باب بيع الورق بالذهب نسيئة" البيع كله إما بالنقد أو بالعرض حالا أو مؤجلا، فهي أربعة أقسام: فبيع النقد إما بمثله وهو المراطلة، أو بنقد غيره وهو الصرف. وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمنا والعرض عوضا، وبيع العرض بالعرض يسمى مقابضة. والحلول في جميع ذلك جائز، وأما التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرا فلا يجوز، وإن كان العرض جاز، وإن كان العرض مؤخرا فهو السلم، وإن كانا مؤخرين فهو بيع الدين بالدين وليس بجائز إلا في الحوالة عند من يقول إنها بيع، والله أعلم. قوله: "عن الصرف" أي بيع الدراهم

(4/382)


بالذهب أو عكسه، وسمى به لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز التفاضل فيه، وقيل من الصريف وهو تصويتهما في الميزان، وسيأتي في أوائل الهجرة من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: "باع شريك لي دراهم - أي بذهب - في السوق نسيئة، فقلت: سبحان الله أيصلح هذا؟ فقال. لقد بعتها في السوق فما عابه على أحد، فسألت البراء بن عازب" فذكره. قوله: "هذا خير مني" في رواية سفيان المذكورة "قال فالق زيد بن أرقم فاسأله فإنه كان أعظمنا تجارة، فسألته" فذكره. وفي رواية الحميدي في مسنده من هذا الوجه عن سفيان "فقال صدق البراء" وقد تقدم في "باب التجارة في البر" من وجه آخر عن أبي المنهال بلفظ: "إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسيئا فلا يصلح" وفي الحديث ما كان عليه الصحابة من التواضع، وإنصاف بعضهم بعضا، ومعرفة أحدهم حق الآخر، واستظهار العالم في الفتيا بنظيره في العلم، وسيأتي بعد الكلام على هذا الحديث في الشركة إن شاء الله تعالى.

(4/383)


81 - باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ
2182- حدثنا عمران بن ميسرة حدثنا عباد بن العوام أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا والفضة بالذهب كيف شئنا"
قوله: "باب بيع الذهب بالورق يدا بيد" ذكر فيه حديث أبي بكرة الماضي قبل بثلاثة أبواب، وليس فيه التقييد بالحلول، وكأنه أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقة: فقد أخرجه مسلم عن أبي الربيع عن عباد الذي أخرجه البخاري من طريقه وفيه: "فسأله رجل فقال: يدا بيد، فقال: هكذا سمعت" وأخرجه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير عن يحيى بن أبي إسحاق فلم يسق لفظه، فساقه أبو عوانة في مستخرجه فقال في آخره: "والفضة بالذهب كيف شئتم يدا بيد" واشتراط القبض في الصرف متفق عليه، وإنما وقع الاختلاف في التفاضل بين الجنس الواحد واستدل به على بيع الربويات بعضها ببعض إذا كان يدا بيد، وأصرح به حديث عبادة بن الصامت عند مسلم بلفظ: "فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم" .

(4/383)


باب بيع المزابنة وهى بيع الثمر بالتمر و بيع الزبيب بالكرم و بيع العرايا
...
82 - باب بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ:وَهِيَ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ وَبَيْعُ الْعَرَايَا
قَالَ أَنَسٌ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ
2183- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ وَلاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ"
2184- قَالَ سَالِمٌ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ

(4/383)


باب بيع الثمر على رؤوس النخيل بالذهب والفضة
...
83 - باب بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ وَلاَ يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلاَّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلاَّ الْعَرَايَا"
2190- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ أَحَدَّثَكَ دَاوُدُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَالَ نَعَمْ"
[الحديث 2190- طرفه في: 2384]
2191- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ سَمِعْتُ بُشَيْرًا قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً أُخْرَى إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا قَالَ هُوَ سَوَاءٌ قَالَ سُفْيَانُ فَقُلْتُ لِيَحْيَى وَأَنَا غُلاَمٌ إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فَقَالَ وَمَا يُدْرِي أَهْلَ مَكَّةَ قُلْتُ إِنَّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ فَسَكَتَ قَالَ سُفْيَانُ إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قِيلَ لِسُفْيَانَ وَلَيْسَ فِيهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ قَالَ لاَ"
[الحديث 2191- طرفه في: 2384]
قوله: "باب بيع الثمر" بفتح المثلثة والميم "على رءوس النخل" أي بعد أن يطيب. وقوله: "بالذهب أو الفضة" اتبع فيه ظاهر الحديث وسيأتي البحث فيه. قوله: "عن عطاء" هو ابن أبي رباح، وأبو الزبير هو محمد بن مسلم، كذا جمع بينهما ابن وهب، وتابعه أبو عاصم عند مسلم ويحيى بن أيوب عند الطحاوي، وكلاهما عن ابن جريج، ورواه ابن عيينة عند مسلم عن ابن جريج عن عطاء وحده، ووقع في روايته عن ابن جريج "أخبرني عطاء". قوله: "عن جابر" في رواية أبي عاصم المذكورة "أنهما سمعا جابر بن عبد الله". قوله: "عن بيع الثمر" بفتح المثلثة أي الرطب. قوله: "حتى يطيب" في رواية ابن عيينة "حتى يبدو صلاحه" وسيأتي تفسيره بعد باب. قوله: "ولا يباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم" قال ابن بطال: إنما اقتصر على الذهب والفضة لأنهما جل ما يتعامل به الناس، وإلا فلا خلاف بين الأمة في جواز بيعه بالعروض يعني بشرطه. قوله: "إلا العرايا" زاد

(4/387)


يحيى بن أيوب في روايته: "فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها" أي فيجوز بيع الرطب فيها بعد أن يخرص ويعرف قدره بقدر ذلك من الثمر كما سيأتي البحث فيه، قال ابن المنذر: ادعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر بالتمر وهذا مردود لأن الذي روى النهي عن بيع الثمر بالتمر هو الذي روى الرخصة في العرايا فأثبت النهي والرخصة معا. قلت: ورواية سالم الماضية في الباب الذي قبله تدل على أن الرخصة في بيع العرايا وقع بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر، ولفظه عن ابن عمر مرفوعا: "ولا تبيعوا الثمر بالتمر" قال: وعن زيد بن ثابت "أنه صلى الله عليه وسلم رخص بعد ذلك في بيع العرية" وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرخصة فإنها تكون بعد منع، وكذلك بقية الأحاديث التي وقع فيها استثناء العرايا بعد ذكر بيع الثمر بالتمر، وقد قدمت إيضاح ذلك. قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب" هو الحجبي بفتح المهملة والجيم ثم موحدة، بصري مشهور. قوله: "حدثنا مالكا الخ" فيه إطلاق السماع على ما قرئ على الشيخ فأقر به، وقد استقر الاصطلاح على أن السماع مخصوص بما حدث به الشيخ لفظا. قوله: "وسأله عبيد الله" هو بالتصغير، والربيع أبوه هو حاجب المنصور وهو والد الفضل وزير الرشيد. قوله: "رخص" كذا للأكثر بالتشديد وللكشميهني: "أرخص". قوله: "في بيع العرايا" أي في بيع ثمر العرايا لأن العرية هي النخلة والعرايا جمع عرية كما تقدم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قوله: "في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق" شك من الراوي، بين مسلم في روايته أن الشك فيه من داود بن الحصين، وللمصنف في آخر الشرب من وجه آخر عن مالك مثله، وذكر ابن التين تبعا لغيره أن داود تفرد بهذا الإسناد قال: وما رواه عنه إلا مالك بن أنس. والوسق ستون صاعا، وقد تقدم بيانه في كتاب الزكاة، وقد اعتبر من قال بجواز بيع العرايا بمفهوم هذا العدد ومنعوا ما زاد عليه، واختلفوا في جواز الخمسة لأجل الشك المذكور، والخلاف عند المالكية والشافعية، والراجح عند المالكية الجواز في الخمسة فما دونها، وعند الشافعية الجواز فيما دون الخمسة ولا يجوز في الخمسة، وهو قول الحنابلة وأهل الظاهر، فمأخذ المنع أن الأصل التحريم وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ منه بما يتحقق منه الجواز ويلغي ما وقع فيه الشك. وسبب الخلاف أن النهي عن بيع المزابنة هل ورد متقدما ثم وقعت الرخصة في العرايا، أو النهي عن بيع المزابنة وقع مقرونا بالرخصة في بيع العرايا؟ فعلى الأول لا يجوز في الخمسة للشك في رفع التحريم، وعلى الثاني يجوز للشك في قدر التحريم، ويرجح الأول رواية سالم المذكورة في الباب قبله. واحتج بعض المالكية بأن لفظة "دون" صالحة لجميع ما تحت الخمسة، فلو عملنا بها للزم رفع هذه الرخصة، وتعقب بأن العمل بها ممكن بأن يحمل على أقل ما تصدق عليه وهو المفتى به في مذهب الشافعي، وقد روى الترمذي حديث الباب من طريق زيد بن الحباب عن مالك بلفظ: "أرخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق" ولم يتردد في ذلك، وزعم المازري أن ابن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق لوروده في حديث جابر من غير شك فيه فتعين طرح الرواية التي وقع فيها الشك والأخذ بالرواية المتيقنة، قال: وألزم المزني الشافعي القول به ا ه، وفيما نقله نظر، أما ابن المنذر فليس في شيء من كتبه ما نقله عنه وإنما فيه ترجيح القول الصائر إلى أن الخمسة لا تجوز وإنما يجوز ما دونها، وهو الذي ألزم المزني أن يقول به الشافعي كما هو بين من كلامه، وقد حكى ابن عبد البر هذا القول عن قوم قال: واحتجوا بحديث جابر، ثم قال: ولا خلاف بين الشافعي ومالك ومن اتبعهما في جواز العرايا في أكثر من أربعة أوسق مما لم يبلغ خمسة أوسق ولم يثبت عندهم حديث جابر. قلت: حديث

(4/388)


جابر الذي أشار إليه أخرجه الشافعي وأحمد وصححه ابن خزيمة ابن حبان والحاكم أخرجوه كلهم من طريق ابن إسحاق "حدثني محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع ابن حبان عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول: الوسق والوسقين والثلاثة والأربع" لفظ أحمد، وترجم عليه ابن حبان: "الاحتياط أن لا يزيد على أربعة أوسق" وهل الذي قاله يتعين المصير إليه، وأما جعله حدا لا يجوز تجاوزه فليس بالواضح، واحتج بعضهم لمالك بقول سهل بن أبي حثمة "إن العرية تكون ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة" وسيأتي ذكره في الباب الذي يليه، ولا حجة فيه لأنه موقوف. ومن فروع هذه المسألة ما لو زاد في صفقة على خمسة أوسق فإن البيع يبطل في الجميع. وخرج بعض الشافعية من جواز تفريق الصفقة أنه يجوز، وهو بعيد لوضوح الفرق، ولو باع ما دون خمسة أوسق في صفقة ثم باع مثلها البائع بعينه للمشتري بعينه في صفقة أخرى جاز عند الشافعية على الأصح، ومنعه أحمد وأهل الظاهر، والله أعلم. قوله: "قال نعم" القائل هو مالك، وكذلك أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى قال: "قلت لمالك أحدثك داود" فذكره وقال في آخره: "نعم" وهذا التحمل يسمى عرض السماع، وكان مالك يختاره على التحديث من لفظه. واختلف أهل الحديث هل يشترط أن يقول الشيخ "نعم" أم "لا" والصحيح أن سكوته ينزل منزلة إقراره إذا كان عارفا ولم يمنعه مانع، وإذا قال نعم فهو أولى بلا نزاع. قوله: "سفيان" هو ابن عيينة. قوله: "قال يحيى بن سعيد" هو الأنصاري، وسيأتي في آخر الباب ما يدل على أن سفيان صرح بتحديث يحيى بن سعيد له به وهو السر في إيراد الحكاية المذكورة. قوله: "سمعت بشيرا" بالموحدة والمعجمة مصغرا، وهو ابن يسار بالتحتانية ثم المهملة مخففا الأنصاري. قوله: "سمعت سهل بن أبي حثمة" زاد الوليد بن كثير عند مسلم عن بشير بن يسار أن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة حدثاه، ولمسلم من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سهل بن أبي حثمة. قوله: "أن تباع بخرصها" هو بفتح الخاء المعجمة وأشار ابن التين إلى جواز كسرها، وجزم ابن العربي بالكسر وأنكر الفتح، وجوزهما النووي وقال الفتح أشهر، قال: ومعناه تقدير ما فيها: إذا صار تمرا، فمن فتح قال هو اسم الفعل، ومن كسر قال هو اسم للشيء المخروص اه. والخرص هو التخمين والحدس، وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه في تفسير العرايا. قوله: "وقال سفيان مرة أخرى الخ" هو كلام علي بن عبد الله، والغرض أن ابن عيينة حدثهم به مرتين على لفظين والمعنى واحد، وإليه الإشارة بقوله: "هو سواء" أي المعنى واحد. قوله: "قال سفيان" أي بالإسناد المذكور "فقلت ليحيى" أي ابن سعيد لما حدثه به. قوله: "وأنا غلام" جملة حالية، والغرض الإشارة إلى قدم طلبه وتقدم فطنته وأنه كان في سن الصبا يناظر شيوخه ويباحثهم. قوله: "رخص لهم في بيع العرايا" محل الخلاف بين رواية يحيى بن سعيد ورواية أهل مكة أن يحيى ابن سعيد قيد الرخصة في بيع العرايا بالجرس وأن يأكلها أهلها رطبا. وأما ابن عيينة في روايته عن أهل مكة فأطلق الرخصة في بيع العرايا ولم يقيدها بشيء مما ذكر. قوله: "قلت إنهم يروونه عن جابر" في رواية أحمد في مسنده عن سفيان" قلت أخبرهم عطاء أنه سمع من جابر". قلت: ورواية ابن عيينة كذلك عن ابن جريج عن عطاء عن جابر تقدمت الإشارة إليها وأنها تأتي في كتاب الشرب، وهي على الإطلاق كما في روايته التي في أول الباب. قوله: "قال سفيان" أي بالإسناد المذكور "إنما أردت" أي الحامل لي على قولي ليحيى بن سعيد "إنهم يروونه عن جابر" "أن جابرا من أهل المدينة" فيرجع

(4/389)


الحديث إلى أهل المدينة، وكان ليحيى ابن سعيد أن يقول له: وأهل المدينة رووا أيضا فيه التقييد فيحمل المطلق على المقيد حتى يقوم الدليل على العمل بالإطلاق، والتقييد بالجرس زيادة حافظ فتعين المصير إليها. وأما التقييد بالأكل كالذي يظهر أنه لبيان الواقع لا أنه قيد، وسيأتي عن أبي عبيد أنه شرطه والله أعلم. قوله: "قيل لسفيان" لم أقف على تسمية القائل. قوله: "أليس فيه" أي في الحديث المذكور "نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه؟ قال لا" أي ليس هو في حديث سهل بن أبي حثمة، وإن كان هو صحيحا من رواية غيره، وسيأتي بعد باب. وقد حدث به عبد الجبار بن العلاء عن سفيان في حديث الباب بهذا اللفظ الذي نفاه سفيان، وحكى الإسماعيلي عن ابن صاعد أنه أشار إلى أنه وهم فيه. قلت. قد أخرجه النسائي عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري عن سفيان كذلك، فظهر أن عبد الجبار لم ينفرد بذلك.

(4/390)


84 - باب تَفْسِيرِ الْعَرَايَا
وَقَالَ مَالِكٌ الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ الْعَرِيَّةُ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بِالْكَيْلِ مِنْ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ لاَ يَكُونُ بِالْجِزَافِ وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ بِالأَوْسُقِ الْمُوَسَّقَةِ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَتْ الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ وَقَالَ يَزِيدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ الْعَرَايَا نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاءُوا مِنْ التَّمْرِ
2192- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَالْعَرَايَا نَخَلاَتٌ مَعْلُومَاتٌ تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا"
قوله: "باب تفسير العرايا" هي جمع عرية وهي عطية ثمر النخل دون الرقبة، كان العرب في الجدب يتطوع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة وهي عطية اللبن دون الرقبة، قاله حسان بن ثابت فيما ذكر ابن التين - وقال غيره هي لسويد بن الصلت: -
ليست بسنهاء ولا رحبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح
ومعنى "سنهاء" أن تحمل سنة دون سنة و "الرحبية" التي تدعم حين تميل من الضعف، والعرية فعيلة بمعنى مفعولة أو فاعلة، يقال: عرى النخل بفتح العين والراء بالتعدية يعروها إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها لآخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها وتبقى رقبتها لمعطيها، ويقال عريت النخل بفتح العين وكسر الراء تعرى على أنه قاصر فكأنها عريت عن حكم أخواتها واستثبتت بالعطية، واختلف في المراد بها شرعا. قوله: "وقال مالك: العرية أن يعرى الرجل الرجل النخلة" أي يهبها له أو يهب له ثمرها "ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له" أي للواهب "أن يشتريها" أي يشتري رطبها "منه" أي من الموهوبة له "بتمر" أي يابس، وهذا التعليق وصله ابن عبد

(4/390)


البر من طريق ابن وهب عن مالك، وروى الطحاوي من طريق ابن نافع عن مالك أن العرية النخلة للرجل في حائط غيره، وكانت العادة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى البساتين فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه فيقول له: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرا فرخص له في ذلك، ومن شرط العرية عند مالك أنها لا تكون بهذه المعاملة إلا مع المعرى خاصة لما يدخل على المالك من الضرر بدخول حائطه، أو ليدفع الضرر عن الآخر بقيام صاحب النخل بالسقي والكلف. ومن شرطها أن يكون البيع بعد بدو الصلاح. وأن يكون بتمر مؤجل. وخالفه الشافعي في الشرط الأخير فقال: يشترط التقابض. قوله: "وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر يدا بيد، ولا تكون بالجزاف" ابن إدريس هذا رجح ابن التين أنه عبد الله الأودي الكوفي، وتردد ابن بطال ثم السبكي في "شرح المهذب" وجزم المزي في "التهذيب" بأنه الشافعي، والذي في "الأم للشافعي" وذكره عنه البيهقي في "المعرفة" من طريق الربيع عنه قال: العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة فأكتر بخرصه من التمر، بأن يخرص الرطب ثم يقدركم ينقص إذا يبس ثم يشتري بخرصه تمرا، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع انتهى. وهذا وإن غاير ما علقه البخاري لفظا فهو يوافقه في المعنى لأن محصلهما أن لا يكون جزافا ولا نسيئة، وقد جاء عن الشافعي بلفظ آخر قرأته بخط أبي على الصدفي بهامش نسخته قال: لفظ الشافعي ولا تبتاع العرية بالتمر إلا أن تخرص العرية كما يخرص المعشر فيقال: فيها الآن كذا وكذا من الرطب، فإذا يبس كان كذا وكذا، فيدفع من التمر بكيله خرصا ويقبض النخلة بثمرها قبل أن يتفرقا، فإن تفرقا قبل قبضها فسد. قوله: "ومما يقويه" أي قول الشافعي بأن لا يكون جزافا قول سهل بن أبي حثمة "بالأوسق الموسقة" وقول سهل هذا أخرجه الطبري من طريق الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن سهل موقوفا ولفظه: "لا يباع الثمر في رءوس النخل بالأوساق الموسقة إلا أوسقا ثلاثة أو أربعة أو خمسة يأكلها الناس" وما ذكره المصنف عن الشافعي هو شرط العرية عند أصحابه، وضابط العرية عندهم أنها بيع رطب في نخل يكون خرصه إذا صار تمرا أقل من خمسة أوسق بنظيره في الكيل من التمر مع التقابض في المجلس. وقال ابن التين: احتجاج البخاري لابن إدريس بقول سهل بالأوسق الموسقة لا دليل فيه، لأنها لا تكون مؤجلة، وإنما يشهد له قول سفيان بن حسين يعني الآتي. قلت: لعله أراد أن مجموع ما أورده بعد قول ابن إدريس يقوى قول ابن إدريس. ثم إن صور العرية كثيرة: منها أن يقول الرجل لصاحب حائط: بعني ثمر نخلات بأعيانها بخرصها من التمر. فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر ويسلم إليه النخلات بالتخلية فينتفع برطبها. ومنها أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر. نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها ويشتري منه رطبها بقدر خرصه بتمر يعجله له. ومنها أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرا ولا يحب أكلها رطبا لاحتياجه إلى التمر فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر يأخذه معجلا. ومنها أن يبيع الرجل تمر حائطه بعد بدو صلاحه ويستثنى منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله وهي التي عف له عن خرصها في الصدقة، وسميت عرايا لأنها أعريت من أن تخرص في الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها. ومما يطلق عليه اسم عرية أن يعرى رجلا تمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها، وهذه هبة مخصوصة. ومنها أن يعرى عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة. وهاتان الصورتان من العرايا لا يبيع

(4/391)


فيها. وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور، وقصر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية، وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع وزاد أنه رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشتروه لتجارة ولا ادخار. ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها وقصر العرية على الهبة، وهو أن يعرى الرجل تمر نحلة من نخله ولا يسلم ذلك له ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة فرخص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرا، وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي عن بيع الثمر بالتمر، وتعقب بالتصريح باستثناء العرايا في حديث ابن عمر كما تقدم وفي حديث غيره. وحكى الطحاوي عن عيسى بن أبان من أصحابهم أن معنى الرخصة أن الذي وهبت له العرية لم يملكها لأن الهبة لا تملك إلا بالقبض، فلما جاز له أن يعطي بدلها تمرا وهو لم يملك المبدل منه حتى يستحق البدل كان ذلك مستثنى وكان رخصة. وقال الطحاوي: بل معنى الرخصة فيه أن المرء مأمور بإمضاء ما وعد به ويعطي بدله ولو لم يكن واجبا عليه، فلما أذن له أن يحبس ما وعد به ويعطي بدله ولا يكون في حكم من أخلف وعده ظهر بذلك معنى الرخصة واحتج لمذهبه بأشياء تدل على أن العرية العطية. ولا حجة في شيء منها لأنه لا يلزم من كون أصل العرية العطية أن لا تطلق العرية شرعا على صور أخرى، قال ابن المنذر: الذي رخص في العرية هو الذي نهى عن بيع الثمر بالتمر في لفظ واحد من رواية جماعة من الصحابة، قال: ونظير ذلك الإذن في السلم مع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبع ما ليس عندك" قال: فمن أجاز المسلم مع كونه مستثنى من بيع ما ليس عندك ومنع العرية مع كونها مستثناة من بيع الثمر بالتمر فقد تناقض. وأما حملهم الرخصة على الهبة فبعيد مع تصريح الحديث بالبيع واستثناء العرايا منه، فلو كان المراد الهبة لما استثنيت العرية من البيع، ولأنه عبر بالرخصة والرخصة لا تكون إلا بعد ممنوع والمنع إنما كان في البيع لا الهبة وبأن الرخصة قيدت بخمسة أوسق أو ما دونها والهبة لا تتقيد لأنهم لم يفرقوا في الرجوع في الهبة بين ذي رحم وغيره، وبأنه لو كان الرجوع جائزا فليس إعطاؤه بالتمر بدل الرطب بل هو تجديد هبة أخرى فإن الرجوع لا يجوز فلا يصح تأويلهم. قوله: "وقال ابن إسحاق في حديثه عن نافع عن ابن عمر "كانت العرايا أن يعرى الرجل الرجل في ماله النخلة والنخلتين" أما حديث ابن إسحاق عن نافع فوصله الترمذي دون تفسير ابن إسحاق، وأما تفسيره فوصله أبو داود عنه بلفظ: "النخلات" وزاد فيه: "فيشق عليه فيبيعها بمثل خرصها" وهذا قريب من الصورة التي قصر مالك العرية عليها. قوله: "وقال يزيد" يعني ابن هارون "عن سفيان بن حسين: العرايا نخل كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها فرخص لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التمر" وهذا وصله الإمام أحمد في حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه عن زيد بن ثابت مرفوعا في العرايا قال سفيان بن حسين فذكره، وهذه إحدى الصور المتقدمة، واحتج لمالك في قصر العرية على ما ذكره بحديث سهل بن أبي حثمة المذكور في الباب الذي قبله بلفظ: "يأكلها أهلها رطبا" فتمسك بقوله: "أهلها" والظاهر أنه الذي أعراها ويحتمل أن يراد بالأهل من تصير إليه بالشراء، والأحسن في الجواب أن حديث سهل دل على صورة من صور العرية وليس فيه التعرض لكون غيرها ليس عرية وحكى عن الشافعي تقييدها بالمساكين على ما في حديث سفيان بن حسين وهو اختيار المزني، وأنكر الشيخ أبو حامد نقله عن الشافعي، ولعل مستند من أثبته ما ذكره الشافعي في "اختلاف الحديث" عن محمود بن لبيد قال: "قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ قال: فلان وأصحابه شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يحضر وليس عندهم ذهب ولا فضة يشترون بها منه وعندهم فضل

(4/392)


تمر من قوت سنتهم، فرخص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبا" قال الشافعي: وحديث سفيان يدل لهذا، فإن قوله: "يأكله أهلها رطبا" يشعر بأن مشتري العرية يشتريها ليأكلها وأنه ليس له رطب يأكله غيرها، ولو كان المرخص له في ذلك صاحب الحائط يعني كما قال مالك لكان لصاحب الحائط في حائطه من الرطب ما يأكله غيرها ولم يفتقر إلى بيع العرية. وقال ابن المنذر: هذا الكلام لا أعرف أحدا ذكره غير الشافعي. وقال السبكي: هذا الحديث لم يذكر الشافعي إسناده، وكل من ذكره إنما حكاه عن الشافعي، ولم يجد البيهقي في "المعرفة" له إسنادا، قال: ولعل الشافعي أخذه من السير، يعني سير الواقدي، قال: وعلى تقدير صحته فليس فيه حجة للتقييد بالفقير لأنه لم يقع في كلام الشارع وإنما ذكره في القصة فيحتمل أن تكون الرخصة وقعت لأجل الحاجة المذكورة، ويحتمل أن يكون للسؤال فلا يتم الاستدلال مع إطلاق الأحاديث المنصوصة من الشارع. وقد اعتبر هذا القيد الحنابلة مضموما إلى ما اعتبره مالك، فعندهم لا تجوز العرية إلا لحاجة صاحب الحائط إلى البيع أو لحاجة المشتري إلى الرطب، والله أعلم. قوله: "حدثنا محمد" كذا للأكثر غير منسوب، ووقع في رواية أبي ذر هو ابن مقاتل، وعبد الله هو ابن المبارك. قوله: "قال موسى بن عقبة" أي بالإسناد المذكور إليه. قوله: "والعرايا نخلات معلومات تأتيها فتشتريها" أي تشتري ثمرتها بتمر معلوم، وكأنه اختصره للعلم به ولم أجده في شيء من الطرق عنه إلا هكذا، ولعله أراد أن يبين أنها مشتقة من عروت إذا أتيت وترددت إليه لا من العرى بمعنى التجرد قاله الكرماني، وقد تقدم قول يحيى بن سعيد: العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبا بخرصها تمرا، وفي لفظ عنه: أن العرية النخلة تجعل للقوم فيبيعونها بخرصها تمرا. وقال القرطبي: كأن الشافعي اعتمد في تفسير العرية على قول يحيى بن سعيد، وليس يحيى صحابيا حتى يعتمد عليه مع معارضة رأي غيره له. ثم قال: وتفسير يحيى مرجوح بأنه عين المزابنة المنهي عنها في قصة لا ترهق إليها حاجة أكيدة ولا تندفع بها مفسدة، فان المشتري لها بالتمر متمكن من بيع ثمره بعين وشرائه بالعين ما يريد من الرطب، فإن قال يتعذر هذا، قيل له فأجز بيع الرطب بالتمر ولو لم يكن الرطب على النخل، وهو لا يقول بذلك. انتهى. والشافعي أقعد باتباع أحاديث هذا الباب من غيره، فإنها ناطقة باستثناء العرايا من بيع المزابنة، وأما إلزامه الأخير فليس بلازم لأنها رخصة وقعت مقيدة بقيد فيتبع القيد وهو كون الرطب على رءوس النخل، مع أن كثيرا من الشافعية ذهبوا إلى إلحاق الرطب بعد القطع بالرطب على رءوس النخل بالمعنى كما تقدم، والله أعلم. ما ورد من تفسير العرايا في الأحاديث لا يخالفه الشافعي، فقد روى أبو داود من طريق عمرو بن الحارث عن عبد ربه بن سعيد وهو أخو يحيى ابن سعيد قال: العرية الرجل يعرى الرجل النخلة، أو الرجل يستثنى من ماله النخلة يأكلها رطبا فيبيعها تمرا. وقال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه" حدثنا وكيع قال سمعنا في تفسير العرية أنها النخلة يرثها الرجل أو يشتريها في بستان الرجل" وإنما يتجه الاعتراض على من تمسك بصورة من الصور الواردة في تفسير العرية ومنع غيرها، وأما من عمل بها كلها ونظمها في ضابط يجمعها فلا اعتراض عليه، والله أعلم.

(4/393)


85 - باب بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا
2193- وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي

(4/393)


حَارِثَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ أَصَابَهُ مُرَاضٌ أَصَابَهُ قُشَامٌ عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا- فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ فَإِمَّا لاَ فَلاَ تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُ الثَّمَرِ كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا فَيَتَبَيَّنَ الأَصْفَرُ مِنْ الأَحْمَرِ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ حَدَّثَنَا حَكَّامٌ حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ سَهْلٍ عَنْ زَيْدٍ
2194- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ"
2195- حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ يَعْنِي حَتَّى تَحْمَرَّ"
2196- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَا قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ فَقِيلَ وَمَا تُشَقِّحُ قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا"
قوله: "باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها" يبدو بغير همز أي يظهر، والثمار بالمثلثة جمع ثمرة بالتحريك وهي أعم من الرطب وغيره، ولم يجزم بحكم في المسألة لقوة الخلاف فيها، وقد اختلف في ذلك على أقوال: فقيل يبطل مطلقا وهو قول ابن أبي ليلى والثوري، ووهم من نقل الإجماع على البطلان. وقيل يجوز مطلقا ولو شرط التبقية وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم من نقل الإجماع فيه أيضا. وقيل إن شرط القطع لم يبطل وإلا بطل وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور ورواية عن مالك. وقيل يصح إن لم يشترط التبقية والنهي فيه محمول على بيع الثمار قبل أن توجد أصلا وهو قول أكثر الحنفية. وقيل هو على ظاهره لكن النهي فيه للتنزيه، وحديث زيد بن ثابت المصدر به الباب يدل للأخير، وقد يحمل على الثاني. وذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: الأول حديث زيد بن ثابت. قوله: "وقال الليث عن أبي الزناد الخ" لم أره موصولا من طريق الليث، وقد رواه سعيد بن منصور عن أبي الزناد عن أبيه نحو حديث الليث ولكن بالإسناد الثاني دون الأول، وأخرجه أبو داود والطحاوي من طريق يونس بن يزيد عن أبي الزناد بالإسناد الأول دون الثاني، وأخرجه البيهقي من طريق يونس بالإسنادين معا. قوله: "من بني حارثة" بالمهملة والمثلثة. وفي هذا الإسناد رواية تابعي عن مثله عن صحابي عن مثله، والأربعة مدنيون. قوله: "فإذا جذ الناس" بالجيم والذال المعجمة الثقيلة أي قطعوا ثمر النخل، أي استحق الثمر القطع. وفي رواية أبي ذر عن المستملى والسرخسي "أجذ" بزيادة ألف ومثله النسفي، قال ابن التين معناه دخلوا في زمن الجذاذ

(4/394)


كأظلم إذا دخل في الظلام، والجذاذ صرام النخل وهو قطع ثمرتها وأخذها من الشجر. قوله: "وحضر تقاضيهم" بالضاد المعجمة. قوله: "قال المبتاع" أي المشتري. قوله: "الدمان" بفتح المهملة وتخفيف الميم ضبطه أبو عبيد، وضبطه الخطابي بضم أوله، قال عياض هما صحيحان والضم رواية القابسي والفتح رواية السرخسي، قال: ورواها بعضهم بالكسر. وذكره أبو عبيد عن أبي الزناد بلفظ الأدمان زاد في أوله الألف وفتحها وفتح الدال، وفسره أبو عبيد بأنه فساد الطلع وتعفنه وسواده. وقال الأصمعي الدمال باللام: العفن. وقال القزاز الدمان: فساد النخل قبل إدراكه، وإنما يقع ذلك في الطلع يخرج قلب النخلة أسود معفونا. ووقع في رواية يونس الدمار بالراء بدل النون وهو تصحيف كما قاله عياض، ووجهه غيره بأنه أراد الهلاك كأنه قرأه بفتح أوله. قوله: "أصابه مرض" في رواية الكشميهني والنسفي "مراض" بكسر أوله للأكثر. وقال الخطابي بضمه وهو اسم لجميع الأمراض بوزن الصداع والتعال، وهو داء يقع في الثمرة فتهلك يقال أمرض إذا وقع في ماله عاهة، وزاد الطحاوي في رواية: "أصابه عفن" وهو بالمهملة والفاء المفتوحتين. قوله: "قشام" بضم القاف بعدها معجمة خفيفة زاد الطحاوي في روايته: "والقشام شيء يصيبه حتى لا يرطب" وقال الأصمعي: هو أن ينتقض ثمر النخل قبل أن يصير بلحا، وقيل هو أكال يقع في الثمر. قوله: "عاهات" جمع عاهة وهو بدل من المذكورات أولا، والعاهة العيب والآفة، والمراد بها هنا ما يصيب الثمر مما ذكر. قوله: "فإما لا" أصلها إن الشرطية وما زائدة فأدغمت، قال ابن الأنباري: هي مثل قوله: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً} فاكتفى بلفظه عن الفعل، وهو نظير قولهم: من أكرمني أكرمته ومن لا، أي ومن لم يكرمني لم أكرمه، والمعنى إن لا تفعل كذا فافعل كذا، وقد نطقت العرب بإمالة لا إمالة خفيفة، والعامة تشبع إمالتها وهو خطأ. قوله: "كالمشورة" بضم المعجمة وسكون الواو، وسكون المعجمة وفتح الواو لغتان، فعلى الأول فهي فعولة وعلى الثاني مفعلة. وزعم الحريري أن الإسكان من لحن العامة، وليس كذلك فقد أثبتها "الجامع" و "الصحاح" و "المحكم" وغيرهم. قوله: "وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت" القائل هو أبو الزناد. قوله: "حتى تطلع الثريا" أي مع الفجر، وقد روى أبو داود من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا قال: "إذا طلع النجم صباحا رفعت العاهة عن كل بلد" وفي رواية أبى حنيفة عن عطاء "رفعت العاهة عن الثمار" والنجم هو الثريا، وطلوعها صباحا يقع في أول فصل الصيف وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار؛ فالمعتبر في الحقيقة النضج وطلوع النجم علامة له، وقد بينه في الحديث بقوله: "ويتبين الأصفر من الأحمر" وروى أحمد من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة "سألت ابن عمر عن بيع الثمار فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة. قلت ومتى ذلك؟ قال: حتى تطلع الثريا" ووقع في رواية ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فسمع خصومة فقال: ما هذا" ؟ فذكر الحديث، فأفاد مع ذكر السبب وقت صدور النهي المذكور. قوله: "ورواه علي بن بحر" هو القطان الرازي أحد شيوخ البخاري، وحكام هو ابن سلم بفتح المهملة وسكون اللام رازي أيضا، وعنبسة بسكون النون وفتح الموحدة بعدها مهملة هو ابن سعيد بن الضريس بالضاد المعجمة مصغر ضرس كوفي ولي قضاء الري فعرف بالرازي وقد روى أبو داود حديث الباب من طريق عنبسة بن خالد عن يونس بن يزيد وهو غير هذا، وقد خفي هذا على أبي علي الصدفي فرأيت بخطه في هامش نسخته ما نصه: حديث عنبسة الذي أخرجه البخاري عن حكام أخرجه

(4/395)


الباجي من طريق أبي داود عن أحمد بن صالح عن عنبسة. انتهى. فظن أنهما واحد وليس كذلك بل هما اثنان، وشيخهما مختلف، وليس لعنبسة بن سعيد هذا في البخاري سوى هذا الموضع الموقوف، بخلاف عنبسة بن خالد. وكذا زكريا شيخه وهو ابن خالد الرازي ولا أعرف عنه راويا غير عنبسة بن سعيد المذكور. وقوله: "عن سهل" أي ابن أبي حثمة المتقدم ذكره، وزيد هو ابن ثابت، والغرض أن الطريق الأولى عن أبي الزناد ليست غريبة فردة. حديث نافع عن ابن عمر بلفظ: "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها" نهى البائع والمشتري. أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري فلئلا يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل. وفيه أيضا قطع النزاع والتخاصم، ومقتضاه جواز بيعها بعد بدو الصلاح مطلقا سواء اشترط الإبقاء أم لم يشترط، لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وقد جعل النهي ممتدا إلى غاية بدو الصلاح، والمعنى فيه أن تؤمن فيها الغاية وتغلب السلامة فيثق المشتري بحصولها، بخلاف ما قبل بدو الصلاح فإنه بصدد الغرر. وقد أخرج مسلم الحديث من طريق أيوب عن نافع فزاد في الحديث: "حتى يأمن العاهة" وفي رواية يحيى ابن سعيد عن نافع بلفظ: "وتذهب عنه الآفة ببدو صلاحه حمرته وصفرته" وهذا التفسير من قول ابن عمر بينه مسلم في روايته من طريق شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر "فقيل لابن عمر ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته" وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح وبعده ذهب الجمهور، وعن أبي حنيفة إنما يصح بيعها في هذه الحالة حيث لا يشترط الإبقاء، فإن شرطه لم يصح البيع. وحكى النووي في "شرح مسلم:" عنه أنه أوجب شرط القطع في هذه الصورة، وتعقب بأن الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة أنه صحح البيع حالة الإطلاق قبل بدو صلاح وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، وأهل مذهبه أعرف به من غيرهم. واختلف السلف في قوله: "حتى يبدو صلاحها" هل المراد به جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلا جاز بيع ثمرة جميع البساتين وإن لم يبدا الصلاح فيها، أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة، أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة أو في كل شجرة على حدة؟ على أقوال: والأول قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقا. والثاني قول أحمد، وعنه رواية كالرابع، والثالث قول الشافعية. ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدو الصلاح لأنه دال على الاكتفاء بمسمى الإزهار من غير اشتراط تكامله فيؤخذ منه الاكتفاء بزهو بعض الثمرة وبزهو الشجرة مع حصول المعنى وهو الأمن من العاهة، ولولا حصول المعنى لكان تسميتها مزهية بأزهاء بعضها قد لا يكتفي به لكونه على خلاف الحقيقة، وأيضا فلو قيل بإزهاء الجميع لأدى إلى فساد الحائط أو أكثره، وقد من الله تعالى بكون الثمار لا تطيب دفعة واحدة ليطول زمن التفكه بها. قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك. قوله: "عن أنس" سيأتي في الباب الذي يليه من وجه آخر عن حميد قال: "حدثنا أنس". قوله: "نهى أن تباع ثمرة النخل" كذا وقع التقييد بالنخل في هذه الطريق، وأطلق في غيرها، ولا فرق في الحكم بين النخل وغيره وإنما ذكر النخل لكونه كان الغالب عندهم. قوله: "قال أبو عبد الله: يعني حتى تحمر" كذا وقع هنا، وأبو عبد الله هو المصنف. ورواية الإسماعيلي تشعر بأن قائل ذلك هو عبد الله بن المبارك، فلعل أداة الكنية في روايتنا مزيدة وسيأتي هذا التفسير في الباب الذي يليه في نفس الحديث، ونذكر فيه من حكى أنه مدرج. قوله: "حتى تشقح" بضم أوله من الرباعي يقال أشقح ثمر النخل إشقاحا إذا احمر أو اصفر، والاسم الشقح

(4/396)


بضم المعجمة وسكون القاف بعدها مهملة، وذكره مسلم من وجه آخر عن جابر بلفظ: "حتى تشقه" فأبدل من الحاء هاء لقربها منها. قوله: "فقيل وما تشقح" ؟ هذا التفسير من قول سعيد بن ميناء راوي الحديث، بين ذلك أحمد في روايته لهذا الحديث عن بهز بن أسد عن سليم بن حيان أنه هو الذي سأل سعيد بن ميناء عن ذلك فأجابه بذلك، وكذلك أخرجه مسلم من طريق بهز، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سليم بن حبان فقال في روايته: "قلت لجابر ما تشقح الخ" فظهر أن السائل عن ذلك هو سعيد، والذي فسره هو جابر، وقد أخرج مسلم الحديث من طريق زيد بن أبي أنيسة عن أبي الوليد عن جابر مطولا وفيه: "وأن يشتري النخل حتى يشقه، والإشقاء أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء" وفي آخره: "فقال زيد فقلت لعطاء أسمعت جابرا يذكر هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم" وهو يحتمل أن يكون مراده بقوله هذا جميع الحديث فيدخل فيه التفسير، ويحتمل أن يكون مراده أصل الحديث لا التفسير فيكون التفسير من كلام الراوي، وقد ظهر من رواية ابن مهدي أنه جابر والله أعلم. ومما يقوي كونه مرفوعا وقوع ذلك في حديث أنس أيضا، وفيه دليل على أن المراد ببدو الصلاح قدر زائد على ظهور الثمرة، وسبب النهي عن ذلك خوف الغرر لكثرة الجوائح فيها، وقد بين ذلك في حديث أنس الآتي في الباب بعده "فإذا احمرت وأكل منها أمنت العاهة علها" أي غالبا. قوله: "تحمار وتصفار" قال الخطابي لم يرد بذلك اللون الخالص من الصفرة والحمرة، وإنما أراد حمرة أو صفرة بكمودة فلذلك قال تحمار وتصفار قال: ولو أراد اللون الخالص لقال تحمر وتصفر. وقال ابن التين: التشقيح تغير لونها إلى الصفرة والحمرة، فأراد بقوله تحمار وتصفار ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن تشبع، قال: وإنما يقال تفعال في اللون الغير المتمكن إذا كان يتلون، وأنكر هذا بعض أهل اللغة وقال: لا فرق بين تحمر وتصفر وتحمار وتصفار، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في احمرارها واصفرارها، كما تقرر أن الزيادة تدل على التكثير والمبالغة. "تكميل": قال الداودي الشارح: قول زيد بن ثابت كالمشورة يشير بها عليهم تأويل من بعض نقلة الحديث، وعلى تقدير أن يكون من قول زيد بن ثابت فلعل ذلك كان في أول الأمر ثم ورد الجزم بالنهي كما بينه حديث ابن عمر وغيره. قلت: وكان البخاري استشعر ذلك فرتب أحاديث الباب بحسب ذلك، فأفاد حديث زيد بن ثابت سبب النهي، وحديث ابن عمر التصريح بالنهي، وحديث أنس وجابر بيان الغاية التي ينتهي إليها النهي.

(4/397)


86 - باب بَيْعِ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا
2197- حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا وَعَنْ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ قِيلَ وَمَا يَزْهُو قَالَ يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ"
قوله: "باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها" هذه الترجمة معقودة لبيان حكم بيع الأصول، والتي قبلها لحكم بيع الثمار. قوله: "معلى بن منصور" هو من كبار شيوخ البخاري. وإنما روى عنه في الجامع بواسطة، ووقع في نسخة الصغاني في آخر الباب: "قال أبو عبد الله: كتبت أنا عن معلى بن منصور، إلا أني لم أكتب عنه هذا الحديث.

(4/397)


قوله: "حتى يزهو" يقال زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وسيأتي في الباب الذي بعده بلفظ: "حتى تزهى" وهو من أزهى يزهى إذا احمر أو اصفر. قوله: "قيل وما يزهو" لم يسم السائل عن ذلك في هذه الرواية ولا المسؤول، وقد رواه إسماعيل ابن جعفر كما سيأتي بعد خمسة أبواب عن حميد وفيه: "قلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر" وفي رواية مسلم من هذا الوجه "فقلت لأنس" وكذلك رواه أحمد عن يحيى القطان عن حميد لكن قال: "قيل لأنس ما تزهو".

(4/398)


87 - باب إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ
2198- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ فَقِيلَ لَهُ وَمَا تُزْهِي قَالَ حَتَّى تَحْمَرَّ
فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"
2199- قَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهُ ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا وَلاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ"
قوله: "باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو من البائع" جنح البخاري في هذه الترجمة إلى صحة البيع وإن لم يبد صلاحه، لكنه جعله قبل الصلاح من ضمان البائع، ومقتضاه أنه إذا لم يفسد فالبيع صحيح وهو في ذلك متابع للزهري كما أورده عنه في آخر الباب.قوله: "حتى تزهى" قال الخطابي. هذه الرواية هي الصواب فلا يقال في النخل تزهو إنما يقال تزهى لا غير وأثبت غيره ما نفاه فقال: زها إذا طال واكتمل، وأزهى إذا احمر واصفر. قوله: "فقيل وما تزهى" لم يسم السائل في هذه الرواية ولا المسؤول أيضا، وقد رواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بلفظ: "قيل يا رسول الله وما تزهى؟ قال تحمر" وهكذا أخرجه الطحاوي من طريق يحيى بن أيوب وأبو عوانة من طريق سليمان بن بلال كلاهما عن حميد وظاهره الرفع ورواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حميد موقوفا على أنس كما تقدم في الباب الذي قبله. قوله: "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت إذا منع الله الثمرة الحديث" هكذا صرح مالك برفع هذه الجملة، وتابعه محمد بن عباد عن الدراوردي عن حميد مقتصرا على هذه الجملة الأخيرة، وجزم الدار قطني وغير واحد من الحفاظ بأنه أخطأ فيه، وبذلك جزم ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه وأبي زرعة، والخطأ في رواية عبد العزيز من محمد بن عباد، فقد رواه إبراهيم بن حمزة عن الدراوردي كرواية إسماعيل ابن جعفر الآتي ذكرها. ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضل عن حميد فقال فيه: "قال أفرأيت الخ" قال: فلا أدري أنس قال: "بم يستحل" أو حدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه الخطيب في "المدرج" ورواه إسماعيل بن جعفر عن حميد فعطفه على كلام أنس في تفسير قوله: "تزهى" وظاهره الوقف وأخرجه الجوزقي من طريق يزيد بن هارون والخطيب من طريق أبي خالد الأحمر كلاهما عن حميد بلفظ: "قال أنس أرأيت إن منع الله الثمرة" الحديث، ورواه ابن المبارك وهشيم كما تقدم آنفا عن حميد فلم يذكر هذا القدر المختلف

(4/398)


فيه، وتابعهما جماعة من أصحاب حميد عنه على ذلك. قلت: وليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعا، لأن مع الذي رفعه زيادة على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه. وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ما يقوي رواية الرفع في حديث أنس ولفظه: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته عاهة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟" واستدل بهذا على وضع الجوائح في الثمر يشتري بعد بدو صلاحه ثم تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث. وقال أحمد وأبو عبيد يضع الجميع. وقال الشافعي والليث والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء وقالوا إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر على ما قيد به في حديث أنس والله أعلم. واستدل الطحاوي بحديث أبي سعيد "أصيب رجل في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تصدقوا عليه. فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" أخرجه مسلم وأصحاب السنن، قال: فلما لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار وفيهم باعتها ولم يؤخذ الثمن منهم دل على أن الأمر بوضع الجوائح ليس على عمومه والله أعلم. وقوله: "بم يستحل أحدكم مال أخيه؟" أي لو تلف الثمر لانتفى في مقابلته العوض فكيف يأكله بغير عوض؟ وفيه إجراء الحكم على الغالب، لأن تطرق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن، وعدم التطرق إلى ما لم يبد صلاحه ممكن، فأنيط الحكم بالغالب في الحالتين. قوله: "وقال الليث حدثني يونس الخ" هذا التعليق وصله الذهلي في "الزهريات" وقد تقدم الحديث عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل بهذا وأتم منه، والغرض منه هنا ذكر استنباط الزهري للحكم المترجم به من الحديث.

(4/399)


88 - باب شِرَاءِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ
2200- حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال ذكرنا ثم إبراهيم الرهن في السلف فقال لا بأس به ثم حدثنا عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من زفر إلى أجل فرهنه درعه"
قوله: "باب شراء الطعام إلى أجل" ذكر فيه حديث عائشة في شرائه صلى الله عليه وسلم طعاما إلى أجل، وسيأتي الكلام عليه مستوفي في الرهن إن شاء الله تعالى.

(4/399)


89 - باب إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ
2201-02202- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا قَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَفْعَلْ بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ

(4/399)


باب قبض من باع نخلا قد أبرت او أرضا مزروعة او باجارة
...
90 - باب مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً أَوْ بِإِجَارَةٍ
2203- قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ و قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُخْبِرُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبِّرَتْ لَمْ يُذْكَرْ الثَّمَرُ فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هَذه الثَّلاَثَ"
[الحديث 2203- أطرافه في: 2204، 2206، 2379، 2716]
2204- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ"
قوله: "باب من باع نخلا قد أبرت أو أرضا مزروعة أو بإجارة" أي أخذ شيئا مما ذكر بإجارة. والنخل اسم جنس يذكر ويؤنث والجمع نخيل، وقوله أبرت بضم الهمزة وكسر الموحدة مخففا على المشهور ومشددا والراء مفتوحة يقال أبرت النخل آبره أبرا بوزن أكلت الشيء آكله أكلا، ويقال أبرته بالتشديد أؤبرة تأبيرا، بوزن

(4/401)


علمته أعلمه تعليما والتأبير التشقيق والتلقيح ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيه شيء من طلع النخلة الذكر، والحكم مستمر بمجرد التشقيق ولو لم يضع فيه شيئا. وروى مسلم من حديث طلحة قال: "مررت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رءوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح" ؛ الحديث. قوله: "وقال لي إبراهيم" يعني ابن وموسى الرازي، وهشام شيخه هو ابن يوسف الصنعاني. قوله: "أيما نخل" هكذا رواه ابن جريج عن نافع موقوفا، قال البيهقي: ونافع يروي حديث النخل عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث العبد عن ابن عمر عن عمر موقوفا. قلت: وقد أسند المؤلف حديث العبد مرفوعا كما سيأتي التنبيه عليه في كتاب الشرب، ونذكر هناك إن شاء الله تعالى ما وقع لصاحب "العمدة" وشارحيها من الوهم فيه، وحديث الحارث لم يروه غير ابن جريج، والرواية الموصولة ذكرها مالك والليث كما تراه في هذا الباب وفي الباب الذي يلي الباب الذي بعده، ووصل مالك والليث وغيرهما عن نافع عن ابن عمر قصة النخل دون غيرها. واختلف على نافع وسالم في رفع ما عدا النخل: فرواه الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا في قصة النخل والعبد معا هكذا أخرجه الحفاظ عن الزهري، وخالفهم سفيان بن حسين فزاد فيه ابن عمر عن عمر مرفوعا لجميع الأحاديث أخرجه النسائي، وروى مالك والليث وأيوب وعبيد الله بن عمر وغيرهم عن نافع عن ابن عمر قصة النخل، وعن ابن عمر عن عمر قصة العبد موقوفة، كذلك أخرجه أبو داود من طريق مالك بالإسنادين معا، وسيأتي في الشرب من طريق مالك في قصة العبد موقوفة. وجزم مسلم والنسائي والدار قطني بترجيح رواية نافع المفصلة على رواية سالم، ومال على بن المديني والبخاري وابن عبد البر إلى ترجيح رواية سالم، وروى عن نافع القصتين أخرجه النسائي من طريق عبد ربه بن سعيد عنه وهو وهم، وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال: ما هو إلا عن عمر شأن العبد؛ وهذا لا يدفع قول من صحح الطريقين وجوز أن يكون الحديث عند نافع عن ابن عمر على الوجهين. قوله: "وكذلك العبد والحرث" يشير بالعبد إلى حديث: "من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع" وصورة تشبيهه بالنخل من جهة الزوائد في كل منهما، وأما الحرث فقال القرطبي: أبار كل شيء بحسب ما جرت العادة أنه إذا فعل فيه نبتت الثمرة، ثمرته وانعقدت فيه، ثم قد يعبر به عن ظهور الثمرة وعن انعقادها وإن لم يفعل فها شيء. قوله: "من باع نخلا قد أبرت" في رواية نافع الآتية بعد يسير "أيما رجل أبر نخلا ثم باع أصلها الخ" وقد استدل بمنطوقه على أن من باع نخلا وعليها ثمرة مؤبرة لم تدخل الثمرة في البيع بل تستمر على ملك البائع، وبمفهومه على أنها إذا كانت غير موبرة أنها تدخل في البيع وتكون للمشتري وبذلك قال جمهور العلماء، وخالفهم الأوزاعي وأبو حنيفة فقالا: تكون للبائع قبل التأبير وبعده، وعكس ابن أبي ليلى فقال: تكون للمشتري مطلقا. وهذا كله عند إطلاق بيع النخل من غير تعرض للثمرة، فإن شرطها المشتري بأن قال اشتريت النخل بثمرتها كانت للمشتري، وإن شرطها البائع لنفسه قبل التأبير كانت له. وخالف مالك فقال: لا يجوز شرطها للبائع. فالحاصل أنه يستفاد من منطوقه حكمان ومن مفهومه حكمان أحدهما بمفهوم الشرط والآخر بمفهوم الاستثناء، قال القرطبي: القول بدليل الخطاب يعني بالمفهوم في هذا ظاهر لأنه لو كان حكم غير المؤبرة حكم المؤبرة لكان تقييده بالشرط لغوا لا فائدة فيه."تنبيه": لا يشترط في التأبير أن يؤبره أحد، بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم عند جميع القائلين به. قوله: "إلا أن يشترط المبتاع" المراد بالمبتاع المشترى بقرينة الإشارة إلى البائع بقوله من باع، وقد استدل بهذا

(4/402)


الإطلاق على أنه يصح اشتراط بعض الثمرة كما يصح اشتراط جميعها وكأنه قال إلا أن يشترط المبتاع شيئا من ذلك وهذه هي النكتة في حذف المفعول. وانفرد ابن القاسم فقال: لا يجوز له شرط بعضها، واستدل به على أن المؤبر يخالف في الحكم غير المؤبر. وقال الشافعية. لو باع نخلة بعضها مؤبر وبعضها غير مؤبر فالجميع للبائع، وإن باع نخلتين فكذلك يشترط اتحاد الصفقة، فإن أفرد فلكل حكمه. ويشترط كونهما في بستان واحد، فإن تعدد فلكل حكمه. ونص أحمد على أن الذي يؤبر للبائع والذي لا يؤبر للمشتري؛ وجعل المالكية الحكم للأغلب. وفي الحديث جواز التأبير وأن الحكم المذكور مختص بإناث النخل دون ذكوره وأما ذكوره فللبائع نظرا إلى المعنى، ومن الشافعية من أخذ بظاهر التأبير فلم يفرق بين أنثى وذكر، واختلفوا فيما لو باع نخلة وبقيت ثمرتها له ثم خرج طلع آخر من تلك النخلة فقال ابن أبي هريرة: هو للمشتري لأنه ليس للبائع إلا ما وجد دون ما لم يوجد؛ وقال الجمهور: هو للبائع لكونه من ثمرة المؤبرة دون غيرها. ويستفاد من الحديث أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا يفسد البيع فلا يدخل في النهي عن بيع وشرط، واستدل الطحاوي بحديث الباب على جواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؛ واحتج به لمذهبه الذي حكيناه في ذلك. وقد تعقبه البيهقي وغيره بأنه يستدل بالشيء في غير ما ورد فيه حتى إذا جاء ما ورد فيه استدل بغيره عليه كذلك، فيستدل لجواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بحديث التأبير، ولا يعمل بحديث التأبير، بل لا فرق عنده كما تقدم في البيع قبل التأبير وبعده فإن الثمرة في ذلك للمشتري سواء شرطها البائع لنفسه أو لم يشترطها، والجمع بين حديث التأبير وحديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح سهل بأن الثمرة في بيع النخل تابعة للنخل وفي حديث النهي مستقلة، وهذا واضح جدا، والله أعلم بالصواب.

(4/403)


91 - باب بَيْعِ الزَّرْعِ بِالطَّعَامِ كَيْلًا
2205- حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما قال ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا أو كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام ونهى عن ذلك كله"
قوله: "باب بيع الزرع بالطعام كيلا" ذكر فيه حديث ابن عمر في النهي عن المزابنة وفيه: "وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام" قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام، لأنه بيع مجهول بمعلوم، وأما بيع رطب ذلك بيابسه بعد القطع وإمكان المماثلة فالجمهور لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه لا متفاضلا ولا متماثلا. انتهى. وقد تقدم البحث في ذلك قبل أبواب. واحتج الطحاوي لأبي حنيفة في جواز بيع الزرع الرطب بالحب اليابس بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب مثلا بمثل مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر بل تختلف اختلافا متباينا، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد، وبأن الرطب بالرطب وإن تفاوت لكنه نقصان يسير فعفي عنه لقلته بخلاف الرطب بالتمر فإن تفاوته تفاوت كثير، والله أعلم.

(4/403)


92 - باب بَيْعِ النَّخْلِ بِأَصْلِهِ
2206- حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم

(4/403)


93 - باب بَيْعِ الْمُخَاضَرَةِ
2207- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُخَاضَرَةِ وَالْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَالْمُزَابَنَةِ"
2208- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ التَّمْرِ حَتَّى يَزْهُوَ فَقُلْنَا لِأَنَسٍ مَا زَهْوُهَا قَالَ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ"
قوله: "باب بيع المخاضرة" بالخاء والضاد المعجمتين، وهي مفاعلة من الخضرة، والمراد بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها. قوله: "حدثنا إسحاق بن وهب" أي العلاف الواسطي، وهو ثقة ليس له ولا لشيخه ولا لشيخ شيخه في البخاري غير هذا الموضع. قوله: "حدثنا عمر بن يونس حدثنا أبي" هو يونس بن القاسم اليمامي من بني حنيفة، وثقه يحيى ابن معين وغيره، وهو قليل الحديث. قوله: "عن المحاقلة" قال أبو عبيد: هو بيع الطعام في سنبله بالبر مأخوذ من الحقل. وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقه، والمنهي عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقيل بيع ما في رءوس النخل بالتمر، وعن مالك هو كراء الأرض بالحنطة أو بكيل طعام أو إدام، والمشهور أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت، وسيأتي البحث فيه في كتاب المزارعة إن شاء الله تعالى. وقد تقدم الكلام على الملامسة والمنابذة في بابه وكذلك المزابنة. زاد الإسماعيلي في روايته: "قال يونس بن القاسم. والمخاضرة بيع الثمار قبل أن تطعم وبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه". وللطحاوي قال عمر بن يونس: فسر لي أبي في المخاضرة قال: "لا يشترى من ثمر النخل حتى يونع: يحمر أو يصفر" وبيع الزرع الأخضر مما يحصد بطنا بعد بطن مما يهتم بمعرفة الحكم فيه، وقد أجازه الحنفية مطلقا ويثبت الخيار إذا اختلف، وعند مالك يجوز إذا بدا صلاحه وللمشترى ما يتجدد منه بعد ذلك حتى ينقطع، ويغتفر الغرر في ذلك للحاجة، وشبهه بجواز كراء خدمة العبد مع أنها تتجدد وتختلف، وبكراء المرضعة مع أن لبنها يتجدد ولا يدري كم يشرب منه الطفل، وعند الشافعية يصح بعد بدو الصلاح مطلقا، وقبله يصح بشرط القطع. ولا يصح بيع الحب في سنبله كالجوز واللوز. حديث أنس في النهي عن بيع ثمر النخل حتى يزهو، وقد تقدم

(4/404)


البحث فيه قريبا.

(4/405)


94 - باب بَيْعِ الْجُمَّارِ وَأَكْلِهِ
2209- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا فَقَالَ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كَالرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَحْدَثُهُمْ قَالَ هِيَ النَّخْلَة"
قوله: "باب بيع الجمار وأكله" بضم الجيم وتشديد الميم هو قلب النخلة، وهو معروف، ذكر فيه حديث ابن عمر "من الشجرة شجرة كالرجل المؤمن" وقد تقدمت مباحثه في كتاب العلم، وليس فيه ذكر البيع لكن الأكل منه يقتضى جواز بيعه قاله ابن المنير، ويحتمل أن يكون أشار إلى أنه لم يجد حديثا على شرطه يدل بمطابقته على بيع الجمار. وقال ابن بطال: بيع الجمار وأكله من المباحات بلا خلاف، وكل ما انتفع به للأكل فبيعه جائز، قلت: فائدة الترجمة رفع توهم المنع من ذلك لأنه قد يظن إفساد أو إضاعة وليس كذلك، وفي الحديث أكل النبي صلى الله عليه وسلم بحضرة القوم فيرد بذلك على من كره إظهار الأكل واستحب إخفاءه قياسا على إخفاء مخرجه.

(4/405)


باب من اجرى امر الامصار على مايتعارفون بينهم في البيوع و الاجارة
...
95 - باب مَنْ أَجْرَى أَمْرَ الأَمْصَارِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ
بَيْنَهُمْ فِي الْبُيُوعِ وَالإِجَارَةِ وَالْمِكْيَالِ وَالْوَزْنِ وَسُنَنِهِمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ الْمَشْهُورَةِ
وَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْغَزَّالِينَ سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ رِبْحًا وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ لاَ بَأْسَ الْعَشَرَةُ بِأَحَدَ عَشَرَ وَيَأْخُذُ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِهِنْدٍ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ وَقَالَ تَعَالَى {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} وَاكْتَرَى الْحَسَنُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاسٍ حِمَارًا فَقَالَ بِكَمْ قَالَ بِدَانَقَيْنِ فَرَكِبَهُ ثُمَّ جَاءَ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ الْحِمَارَ الْحِمَارَ فَرَكِبَهُ وَلَمْ يُشَارِطْهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ
2210- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَجَمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ
2211- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا قَالَ خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ
[الحديث 2211- أطرافه في: 2460، 3825، 5359، 5364، 5370، 6641، 7161، 7180]

(4/405)


96 - باب بَيْعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ
2213- حدثني محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر رضي الله عنه ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مال لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"
[الحديث 2213- أطرافه في: 2214، 2257، 2495، 2496، 2976]
قوله: "باب بيع الشريك من شريكه" قال ابن بطال: هو جائز في كل شيء مشمع، وهو كبيعه من الأجنبي، فإن باعه من الأجنبي فللشريك الشفعة؛ وإن باعه من الشريك ارتفعت الشفعة. وذكر فيه حديث جابر في الشفعة وسيأتي الكلام عليه في بابه: وحاصل كلام ابن بطال مناسبة الحديث للترجمة. وقال غيره معنى الترجمة حكم بيع الشريك من شريكه، والمراد منه حض الشريك أن لا يبيع ما فيه الشفعة إلا من شريكه لأنه إن باعه لغيره كان للشريك أخذه بالشفعة قهرا، وقيل وجه المناسبة أن الدار إذا كانت بين ثلاثة فباع أحدهم للآخر كان للثالث أن يأخذ بالشفعة

(4/407)


ولو كان المشتري شريكا. وقيل ينبني على الخلاف. هل الأخذ بالشفعة أخذ من المشتري أو من البائع؟ فإن كان من المشتري فيكون شريكا، وإن كان من البائع فهو شريك شريكه. وقيل مراده أن الشفيع إن كان له الأخذ قهرا فللبائع إذا كان شريكه أن يبيع له ذلك بطريق الاختيار بل أولى، والله أعلم.

(4/408)


باب بيع الارض و الدور و العروض مشعاً غير مقسوم
...
97 - باب بَيْعِ الأَرْضِ وَالدُّورِ وَالْعُرُوضِ مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ
2214- حدثنا محمد بن محبوب حدثنا عبد الواحد حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال ثم قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل مال لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"
حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد ثم بهذا وقال في كل ما لم يقسم تابعه هشام عن معمر قال عبد الرزاق في كل مال رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري
قوله: "باب بيع الأرض والدور والعروض مشاعا غير مقسوم" ذكر فيه حديث جابر في الشفعة أيضا وسيأتي في مكانه. ذكر هنا اختلاف الرواة في قوله: "كل ما لم يقسم" أو "كل ما لم يقسم" فقال عبد الواحد بن زياد وهشام بن يوسف عن معمر "كل ما لم يقسم" وقال عبد الرزاق عن معمر "كل مال" وكذا قال عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وطريق هشام وصلها المؤلف في "ترك الحيل" وطريق عبد الرزاق وصلها في الباب الذي قبله، وطريق عبد الرحمن بن إسحاق وصلها مسدد في مسنده عن بشر ابن المفضل عنه، ووقع عند السرخسي في رواية عبد الرزاق وفي رواية عبد الواحد في الموضعين "كل مال" وللباقين "كل ما" في رواية عبد الواحد و "كل مال" في رواية عبد الرزاق، وقد رواه إسحاق عن عبد الرزاق بلفظ: "قضى بالشفعة في الأموال ما لم تقسم" وهو يرجح رواية غير السرخسي والله أعلم. قال الكرماني: الفرق بين هذه الثلاث يعني قوله: "تابعه" و "قال:" و "رواه" أن المتابعة أن يروي الراوي الآخر الحديث بعينه والرواية إنما تستعمل عند المذاكرة والقول أعم، وما ادعاه من الاتحاد في المتابعة مردود فإنها أعم من أن تكون باللفظ أو بالمعنى، وحصره الرواية في المذاكرة مردود أيضا فإن في هذا الكتاب ما عبر عنه بقوله: "رواه فلان" ثم أسنده هو في موضع آخر بصيغة "حدثنا". وأما الذي هنا بخصوصه فعبد الرحمن بن إسحاق ليس على شرطه ولذلك حذفه مع كونه أخرج الحديث عن مسدد الذي وصله عن عبد الرحمن.

(4/408)


98 - باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَرَضِيَ
2215- حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبو عاصم أخبرنا بن جريج قال أخبرني موسى بن عقبة عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال فقال بعضهم لبعض ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه فقال أحدهم اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب فآتي به

(4/408)


باب الشراء و البيع مع المشركين و أهل الحرب
...
99 - باب الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ
2216- حدثنا أبو النعمان حدثنا الفاء بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال ثم كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء رجل مشرك بغنم يسوقها فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيعا أم عطية أو قال أم هبة قال لا بل بيع فاشترى منه شاة "
[الحديث 2216- طرفاه في: 2618، 5382]
قوله: "باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب" قال ابن بطال: معاملة الكفار جائزة، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين. واختلف العلماء في مبايعة من غالب ماله الحرام، وحجة من رخص فيه قوله صلى الله عليه وسلم للمشرك "أبيعا أم هبة" ؟ وفيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده، وجواز قبول الهدية منه، وسيأتي حكم هدية المشركين في كتاب الهبة. قلت: وأورد المصنف فيه حديث الباب بإسناده هذا أتم سياقا منه، ويأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. وقوله فيه: "مشعان" بضم الميم وسكون المعجمة بعدها مهملة وآخره نون ثقيلة أي طويل شعث الشعر، وسيأتي تفسيره للمصنف في الهبة. وقوله: "أبيعا أم عطية" ؟ منصوب بفعل مضمر أي أتجعله ونحو ذلك، ويجوز الرفع أي أهذا، وقد تقدم قريبا في "باب بيع السلاح في الفتنة" ما يتعلق بمبايعة أهل الشرك.

(4/410)


باب شراء المملوك من الحربي و هبته و عتقه
...
100 - باب شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنْ الْحَرْبِيِّ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِسَلْمَانَ كَاتِبْ وَكَانَ حُرًّا فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ وَسُبِيَ عَمَّارٌ وَصُهَيْبٌ وَبِلاَلٌ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى[النحل71] {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}
2217- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم بِسَارَةَ فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ قَالَ أُخْتِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ لاَ تُكَذِّبِي حَدِيثِي فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي وَاللَّهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فَقَالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ

(4/410)


101 - باب جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْبَغَ
2221- حدثنا زهير بن حرب حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح قال حدثني بن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال هلا استمتعتم بإهابها قالوا إنها ميتة قال إنما حرم أكلها"
قوله: "باب جلود الميتة قبل أن تدبغ" أي هل يصح بيعها أم لا؟ أورد فيه حديث ابن عباس في شاة ميمونة، وكأنه أخذ جواز البيع من جواز الاستمتاع لأن كل ما ينتفع به يصح بيعه ومالا فلا، وبهذا يحاب عن اعتراض الإسماعيلي بأنه ليس في الخير الذي أورده تعرض للبيع، والانتفاع بجلود الميتة مطلقا قبل الدباغ وبعده مشهور من مذهب الزهري، وكأنه اختيار البخاري، وحجته مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما حرم أكلها" فإنه يدل على أن كل

(4/413)


ما عدا أكلها مباح، وسيأتي الكلام عليه مستوفي في كتاب الذبائح إن شاء الله تعالى.

(4/414)


102 - باب قَتْلِ الْخِنْزِيرِ وَقَالَ جَابِرٌ حَرَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَ الْخِنْزِيرِ
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن بن شهاب عن بن المسيب أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ليوشكن أن بن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد"
[الحديث 2222- أطرافه في: 2476، 3448، 3449]
قوله: "باب قتل الخنزير" أي هل يشرع كما شرع تحريم أكله؟ ووجه دخوله في أبواب البيع الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه، قال ابن التين: شذ بعض الشافعية فقال لا يقتال الخنزير إذا لم يكن فيه ضراوة. قال: والجمهور على جواز قتله مطلقا. والخنزير بوزن غربيب ونونه أصلية وقيل زائدة وهو مختار الجوهري. قوله: "وقال جابر حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الخنزير" هذا طرف من حديث وصله المؤلف كما سيأتي بعد تسعة أبواب، ثم ذكر المصنف في الباب حديث أبي هريرة في نزول عيسى بن مريم فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، وسيأتي الكلام عليه مستوفي في أحاديث الأنبياء، وموضع الترجمة منه قوله: "ويقتل الخنزير" أي يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله، وفيه توبيخ عظيم للنصارى الذين يدعون أنهم على طريقة عيسى ثم يستحلون أكل الخنزير ويبالغون في محبته.

(4/414)


باب لايذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه
...
103 - باب لاَ يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَلاَ يُبَاعُ وَدَكُهُ
رَوَاهُ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
2223- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ فُلاَنًا بَاعَ خَمْرًا فَقَالَ قَاتَلَ اللَّهُ فُلاَنًا أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا"
[الحديث 2223- طرفه في 3460]
2224- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "قَاتَلَ اللَّهُ يَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ لَعَنَهُمْ {قُتِلَ} لُعِنَ {الْخَرَّاصُونَ} الْكَذَّابُونَ"
قوله: "باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم" أي روى معناه. وسيأتي شرح ذلك في "باب بيع الميتة والأصنام".قوله: "بلغ عمر بن الخطاب أن فلانا باع خمرا" في رواية مسلم وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة بهذا الإسناد" أن سمرة باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة" زاد البيهقي من طريق الزعفراني "عن سفيان عن سمرة بن جندب" قال ابن الجوزي والقرطبي وغيرهما اختلف في كيفية بيع سمرة للخمر

(4/414)


باب بيع التصاوير التى ليس فيها روح و مايكره من ذلك
...
104 - باب بَيْعِ التَّصَاوِيرِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا رُوحٌ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ
2225- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ أُحَدِّثُكَ إِلاَّ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ فَقَالَ وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الْوَاحِدَ"
[الحديث 2225- طرفاه في: 5963، 7042]
قوله: "باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح؛ وما يكره من ذلك" أي من الاتخاذ أو البيع أو الصنعة أو ما هو أعم من ذلك، والمراد بالتصاوير الأشياء التي تصور. ثم ذكر المؤلف رحمه الله حديث ابن عباس مرفوعا: "من صور صورة فإن الله معذبه" الحديث، وجه الاستدلال به على كراهية البيع وغيره واضح، وسعيد بن أبي الحسن راويه عن ابن عباس هو أخو الحسن البصري وهو أسن منه ومات قبله وليس له في البخاري موصولا سوى هذا الحديث، وسيأتي الكلام عليه مستوفي في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى. قوله: "فربا الرجل" بالراء والموحدة أي انتفخ، قال الخليل: ربا الرجل أصابه نفس في جوفه وهو الربو والربوة؛ وقيل معناه ذعر وامتلأ خوفا. وقوله ربوة بضم الراء وبفتحها. قوله: "فعليك بهذا الشجر كل شيء ليس فيه روح" كذا في الأصل بخفض "كل" على أنه بدل كل من بعض؛ وقد جوزه بعض النحاة. ويحتمل أن يكون على حذف مضاف أي عليك بمثل الشجر، أو على حذف واو العطف أي وكل شيء، ومثله قولهم في التحيات الصلوات إذ المعنى والصلوات،

(4/416)


وبهذا الأخير جزم الحميدي في جمعه، وكذا ثبت في رواية مسلم والإسماعيلي بلفظ: "فاصنع الشجر وما لا نفس له" ولأبي نعيم من طريق هوذة عن عوف "فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح" بإثبات واو العطف. وقال الطيبي قوله: "كل شيء" هو بيان للشجر لأنه لما منعه عن التصوير وأرشده إلى الشجر كان غير واف بمقصوده ولأنه قصد كل ما لا روح فيه ولم يقصد خصوص الشجر، وقوله كل بالخفض ويجوز النصب. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف. قوله: "سمع سعيد بن أبي عروبة من النضر بن أنس هذا الواحد" أي الحديث، سقطت هذه الزيادة من رواية النسفي هنا، وأشار بذلك إلى ما أخرجه في اللباس من طريق عبد الأعلى عن سعيد عن النضر عن ابن عباس بمعناه، وسأذكر ما بين الروايتين من التغاير هناك إن شاء الله تعالى. ثم وجدت في نسخة الصغاني قبل قوله: "سمع سعيد" ما نصه "قال أبو عبد الله: وعن محمد عن عبدة عن سعيد بن أبي عروبة سمعت النضر بن أنس قال: كنت عند ابن عباس "بهذا الحديث وبعده" قال أبو عبد الله سمع سعيد الخ" فزال الإشكال بهذا، ولم أجد هذا في شيء من نسخ البخاري إلا في نسخة الصغاني، ومحمد المذكور هو ابن سلام، وعبدة هو ابن سليمان.

(4/417)


105 - باب تَحْرِيمِ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ
وَقَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَرَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ
2226- حدثنا مسلم حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها ثم لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال حرمت التجارة في الخمر"
قوله: "باب تحريم التجارة في الخمر" تقدم نظير هذه الترجمة في أبواب المساجد لكن بقيد المسجد، وهذه أعم من تلك. قوله: "وقال جابر حرم النبي صلى الله عليه وسلم الخمر" سيأتي موصولا بعد ستة أبواب، ونذكر تحرير المسألة هناك إن شاء الله تعالى. ثم أورد حديث عائشة بلفظ: "حرمت التجارة في الخمر" وقد تقدم في "بأب أكل الربا" من هذا الوجه أتم سياقا، ولأحمد والطبراني من حديث تميم الداري مرفوعا: "إن الخمر حرام شراؤها وثمنها".

(4/417)


106 - باب إِثْمِ مَنْ بَاعَ حُرًّا
2227- حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ
[الحديث 2227- طرفه في: 2270]
قوله: "باب إثم من باع حرا" أي عالما متعمدا، والحر الظاهر أن المراد به من بني آدم، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فيدخل مثل الموقوف. قوله: "حدثنا بشر بن مرحوم" هو بشر بن عبيس بمهملة ثم موحدة مصغرا بن مرحوم بن عبد العزيز ابن مهران العطار فنسب إلى جده، وهو شيخ بصري ما أخرج عنه من الستة إلا البخاري، وقد أخرج حديثه هذا في الإجارة عن شيخ آخر وافق بشرا في روايته له عن شيخهما. قوله: "حدثنا يحيى بن سليم" بالتصغير هو الطائفي نزيل مكة مختلف في توثيقه، وليس له في البخاري موصولا سوى هذا الحديث،

(4/417)


باب امر النبي اليهود بيع أراضيهم حين أجلاهم
...
107 - باب أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ بِبَيْعِ أَرَضِيهِمْ حِينَ أَجْلاَهُمْ
فِيهِ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قوله: "باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ببيع أرضيهم" كذا في رواية أبي ذر بفتح الراء وكسر الضاد المعجمة جمع أرض وهو جمع شاذ لأنه جمع جمع السلامة ولم يبق مفرده سالما لأن الراء في المفرد ساكنة وفي الجمع محركة. قوله: "حين أجلاهم" أي من المدينة. قوله: "فيه المقبري عن أبي هريرة" يشير إلى ما أخرجه في الجهاد في "باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: "بينا نحن في المسجد إذ خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انطلقوا إلى اليهود - وفيه - فقال إني أريد أن أجليكم، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه" وهذه القصة

(4/418)


وقعت لبني النضير كما سيأتي بيان ذلك في موضعه، وكأن المصنف أخذ بيع الأرض من عموم بيع المال، وقد تقدم في أبواب الخيار في قصة عثمان وابن عمر إطلاق المال على الأرض، وغفل الكرماني عن الإشارة إلى هذا الحديث فقال: إنما ذكر البخاري هذا الحديث بهذه الصيغة مقتضبا لكونه لم يثبت الحديث المذكور على شرطه والصواب أنه اكتفى هنا بالإشارة إليه لاتحاد مخرجه عنده ففر من تكرار الحديث على صورته بغير فائدة زائدة كما هو الغالب من عادته.

(4/419)


باب بيع العبيد و الحيوان نسيئة
...
108 - باب بَيْعِ الْعَبِيدِ وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً
وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ يَكُونُ الْبَعِيرُ خَيْرًا مِنْ الْبَعِيرَيْنِ وَاشْتَرَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ فَأَعْطَاهُ أَحَدَهُمَا وَقَالَ آتِيكَ بِالْآخَرِ غَدًا رَهْوًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لاَ رِبَا فِي الْحَيَوَانِ الْبَعِيرُ بِالْبَعِيرَيْنِ وَالشَّاةُ بِالشَّاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لاَ بَأْسَ بَعِيرٌ بِبَعِيرَيْنِ نَسِيئَةً
2228- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ فِي السَّبْيِ صَفِيَّةُ فَصَارَتْ إِلَى دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "باب بيع والعبد والحيوان بالحيوان نسيئة" التقدير بيع العبد بالعبد نسيئة والحيوان بالحيوان نسيئة وهو من عطف العام على الخاص، وكأنه أراد بالعبد جنس من يستعبد فيدخل فيه الذكر والأنثى ولذلك ذكر قصة صفية، أو أشار إلى إلحاق حكم الذكر بحكم الأنثى في ذلك لعدم الفرق، قال ابن بطال: اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى الجواز، لكن شرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع الكوفيون وأحمد مطلقا لحديث سمرة المخرج في السنن ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في سماع الحسن من سمرة، وفي الباب عن ابن عباس عند البزار والطحاوي ورجاله ثقات أيضا إلا أنه اختلف في وصله وإرساله فرجح البخاري وغير واحد إرساله، وعن جابر عند الترمذي وغيره وإسناده لين، وعن جابر بن سمرة عند عبد الله في زيادات المسند، وعن ابن عمر عند الطحاوي والطبراني، واحتج للجمهور بحديث عبد الله بن عمرو "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا - وفيه - فابتاع البعير بالبعيرين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أخرجه الدار قطني وغيره وإسناده قوي، واحتج البخاري هنا بقصة صفية واستشهد بآثار الصحابة. قوله: "واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة...الحديث" وصل مالك والشافعي عنه عن نافع عن ابن عمر بهذا ورواه ابن أبي شيبة من طريق أبي بشر عن نافع "أن ابن عمر اشترى ناقة بأربعة أبعرة بالربذة فقال لصاحب الناقة: اذهب فانظر فإن رضيت فقد وجب البيع" وقوله: "راحلة" أي ما أمكن ركوبه من الإبل ذكرا أو أنثى، وقوله: "مضمونة" صفة راحلة أي تكون في ضمان البائع حتى يوفيها أي يسلمها للمشتري، والربذة بفتح الراء والموحدة والمعجمة مكان معروف بين مكة والمدينة. قوله: "وقال ابن عباس قد يكون البعير خيرا من البعيرين" وصله الشافعي من طريق طاوس أن ابن عباس سئل عن بعير ببعيرين فقاله. قوله: "واشترى رافع بن خديج بعيرا ببعيرين

(4/419)


فأعطاه أحدهما وقال: آتيك بالآخر غدا رهوا إن شاء الله" وصله عبد الرزاق من طريق مطرف بن عبد الله عنه، وقوله: "رهوا" بفتح الراء وسكون الهاء أي سهلا، والرهو السير السهل، والمراد به هنا أن يأتيه به سريعا من غير مطل. قوله: "وقال ابن المسيب: لا ربا في الحيوان البعير بالبعيرين والشاة بالشاتين إلى أجل" أما قول سعيد فوصله مالك عن ابن شهاب عنه "لا ربا في الحيوان" ووصله ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن الزهري عنه "لا بأس بالبعير بالبعيرين نسيئة". قوله: "وقال ابن سيرين: لا بأس ببعير ببعيرين ودرهم بدرهم نسيئة" كذا في معظم الروايات، ووقع في بعضها ودرهم بدرهمين نسيئة وهو خطأ والصواب درهم بدرهم، وقد وصله عبد الرزاق من طريق أيوب عنه بلفظ: "لا بأس بعير ببعيرين ودرهم بدرهم نسيئة، فإن كان أحد البعيرين نسيئة فهو مكروه" وروى سعيد بن منصور من طريق يونس عنه أنه كان لا يرى بأسا بالحيوان يدا بيد أو الدراهم نسيئة، ويكره أن تكون الدراهم نقدا والحيوان نسيئة. قوله: "كان في السبي صفية فصارت إلى دحية ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم" كذا أورده مختصرا وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه مما يناسب ترجمته أنه صلى الله عليه وسلم عوض دحية عنها بسبعة أرؤس، وهو عند مسلم من طريق حماد بن ثابت، وللمصنف من وجه آخر كما سيأتي "فقال لدحية خذ جارية من السبي غيرها" قال ابن بطال: ينزل تبديلها بجارية غير معينة يختارها منزلة بيع جارية بجارية نسيئة، وسيأتي الكلام على قصة صفية هذه مستوفى في غزوة خيبر إن شاء الله تعالى.

(4/420)


109 - باب بَيْعِ الرَّقِيقِ
2229- حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني بن محيريز ثم أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه أخبره أنه بينما هو جالس ثم النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله إنا نصيب سبيا فنحب الأثمان فكيف ترى في العزل فقال أو إنكم تفعلون ذلك لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي خارجة"
[الحديث 2229- أطرافه في: 2542، 4138، 5210، 6603، 7409]
قوله: "باب بيع الرقيق" أورد فيه حديث أبي سعيد أنه قال: "يا رسول الله إنا نصيب سبايا فنحب الأثمان" الحديث ودلالته على الترجمة واضحة، وسيأتي الكلام عليه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى. وقوله في هذا السياق "أنه بينما هو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نصيب سبيا" يوهم أنه السائل، وليس كذلك، بل وقع في السياق حذف ظهر بيانه مما ساقه النسائي عن عمرو بن منصور عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه بلفظ: "بينما هو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم جاء رجل من الأنصار فقال:" فذكره، وسيأتي البحث في ذلك.

(4/420)


باب بيع مد بر
...
110 - باب بَيْعِ الْمُدَبَّرِ
2230- حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَاعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُدَبَّرَ

(4/420)


111 - باب هَلْ يُسَافِرُ بِالْجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا ؟
وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يُبَاشِرَهَا
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا وُهِبَتْ الْوَلِيدَةُ الَّتِي تُوطَأُ أَوْ بِيعَتْ أَوْ عَتَقَتْ فَلْيُسْتَبْرَأْ رَحِمُهَا بِحَيْضَةٍ وَلاَ تُسْتَبْرَأُ الْعَذْرَاءُ وَقَالَ عَطَاءٌ لاَ بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ مِنْ جَارِيَتِهِ الْحَامِلِ مَا دُونَ الْفَرْجِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}
2235- حدثنا عبد الغفار بن داود حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آذن من حولك فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ثم خرجنا إلى المدينة قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس ثم بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب"
قوله: "باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها" هكذا قيد بالسفر، وكأن ذلك لكونه مظنة الملامسة والمباشرة غالبا. قوله: "ولم ير الحسن بأسا أن يقبلها أو يباشرها" وصله ابن أبي شيبة من طريق يونس بن عبيدة عنه قال: وكان ابن سيرين يكره ذلك. وروى عبد الرزاق من وجه آخر عن الحسن قال يصيب ما دون الفرج، قال الداودي: قول الحسن إن كان في المسبية صواب. وتعقبه ابن التين بأنه لا فرق في الاستبراء بين المسبية وغير ها. قوله: "وقال ابن عمر: إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو عتقت فليستبرأ رحمها بحيضة، ولا تستبرأ العذراء" أما قوله الأول فوصله ابن أبي شيبة من طريق عبد الله عن نافع عنه، وأما قوله: "ولا تستبرأ العذراء" فوصله عبد الرزاق من طريق أيوب عن نافع عنه، وكأنه يرى أن البكارة تمنع الحمل أو تدل على عدمه أو عدم الوطء وفيه نظر، وعلى تقديره ففي الاستبراء شائبة تعبد ولهذا تستبرأ التي أيست من الحيض. قوله: "وقال عطاء: لا بأس أن يصيب من جاريته الحامل ما دون الفرج، قال الله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} قال ابن التين: إن أراد عطاء بالحامل من حملت من سيدها فهو فاسد لأنه لا يرتاب في حله، وإن أراد من غيره ففيه خلاف

(4/423)


. قلت: والثاني أشبه بمراده، ولذلك قيده بما دون الفرج، ووجه استدلاله بالآية أنها دلت على جواز الاستمتاع بجميع وجوهه، فخرج الوطء بدليل فبقي الباقي على الأصل. ثم ذكر المصنف في الباب حديث أنس في قصة صفية وسيأتي مبسوطا في المغازي، والغرض منه هنا قوله: "حتى بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها" فإن المراد بقوله: "حلت" أي طهرت من حيضها. وقد روى البيهقي بإسناد لين أنه صلى الله عليه وسلم استبرأ صفية بحيضة، وأما ما رواه مسلم من طريق ثابت عن أنس "أنه صلى الله عليه وسلم ترك صفية عند أم سليم حتى انقضت عدتها" فقد شك حماد راويه عن ثابت في رفعه، وفي ظاهره نظر لأنه صلى الله عليه وسلم دخل بها منصرفه من خيبر بعد قتل زوجها بيسير فلم يمض زمن يسع انقضاء العدة، ولا نقلوا أنها كانت حاملا فتحمل العدة على طهرها من المحيض وهو المطلوب، والصريح في هذا الباب حديث أبي سعيد مرفوعا: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" قاله في سبايا أو طاس أخرجه أبو داود وغيره وليس على شرط الصحيح.

(4/424)


باب بيع الميتة و الاصنام
...
112 - باب بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالأَصْنَامِ
2236- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لاَ هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 2236- طرفاه في: 4296، 4633]
قوله: "باب بيع الميتة والأصنام" أي تحريم ذلك، والميتة بفتح الميم ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية، والميتة بالكسر الهيئة وليست مرادا هنا، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الميتة، ويستثنى من ذلك السمك والجراد. والأصنام جمع صنم قال الجوهري: هو الوثن. وقال غيره: الوثن ما له جثة، والصنم ما كان مصورا، فبينهما عموم وخصوص وجهي، فإن كان مصورا فهو وثن وصنم. قوله: "عن عطاء" بين في الرواية المعلقة تلو هذه الرواية المتصلة أن يزيد بن أبي حبيب لم يسمعه من عطاء وإنما كتب به إليه، وليزيد فيه إسناد آخر ذكره أبو حاتم في "العلل" من طريق حاتم بن إسماعيل عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد بن عبيدة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: قد رواه محمد بن إسحاق عن يزيد عن عطاء، ويزيد لم يسمع من عطاء ولا أعلم أحدا من المصريين رواه عن يزيد متابعا لعبد الحميد بن جعفر، فإن كان حفظه فهو صحيح لأن محله الصدق. قلت: قد اختلف فيه على عبد الحميد، ورواية أبي عاصم عنه الموافقة لرواية غيره عن يزيد أرجح فتكون رواية حاتم بن إسماعيل شاذة. قوله: "عن جابر" في رواية أحمد عن حجاج بن محمد عن الليث بسنده "سمعت جابر بن عبد الله بمكة". قوله: "وهو بمكة عام الفتح" فيه بيان تاريخ ذلك؛ وكان ذلك

(4/424)


في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ثم أعاده صلى الله عليه وسلم ليسمعه من لم يكن سمعه. قوله: "إن الله ورسوله حرم" هكذا وقع في الصحيحين بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد وكان الأصل "حرما" فقال القرطبي: إنه صلى الله عليه وسلم تأدب فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين، لأنه من نوع ما رد به على الخطيب الذي قال: "ومن يعصهما" كذا قال، ولم تتفق الرواة في هذا الحديث على ذلك فإن في بعض طرقه في الصحيح "إن الله حرم" ليس فيه و "رسوله" وفي رواية لابن مردويه من وجه آخر عن الليث "إن الله ورسوله حرما" وقد صح حديث أنس في النهي عن أكل الحمر الأهلية "إن الله ورسوله ينهيانكم" ووقع في رواية النسائي في هذا الحديث: "ينهاكم" والتحقيق جواز الإفراد في مثل هذا، ووجهه الإشارة إلى أن أمر النبي ناشئ عن أمر الله، وهو نحو قوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} والمختار في هذا أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها، والتقدير عند سيبويه: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، وهو كقول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ... دك راض والرأي مختلف
وقيل أحق أن يرضوه خبر عن الاسمين، لأن الرسول تابع لأمر الله. قوله: "فقيل يا رسول الله" لم أقف على تسمية القائل. وفي رواية عبد الحميد الآتية "فقال رجل". قوله: "أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس" أي فهل يحل بيعها لما ذكر من المنافع فإنها مقتضية لصحة البيع. قوله: "فقال: لا هو حرام" أي البيع، هكذا فسره بعض العلماء كالشافعي ومن اتبعه، ومنهم من حمل قوله: "وهو حرام" على الانتفاع فقال: يحرم الانتفاع بها وهو قول أكثر العلماء، فلا ينتفع من الميتة أصلا عندهم إلا ما خص بالدليل وهو الجلد المدبوغ، واختلفوا فيما يتنجس من الأشياء الطاهرة فالجمهور على الجواز. وقال أحمد وابن الماجشون: لا ينتفع بشيء من ذلك، واستدل الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلاب الصيد فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة ولا فرق. قوله: "ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عند ذلك: قاتل الله اليهود الخ" وسياقه مشعر بقوة ما أوله الأكثر أن المراد بقوله: "هو حرام" البيع لا الانتفاع، وروى أحمد والطبراني من حديث ابن عمر مرفوعا: "الويل لبني إسرائيل، إنه لما حرمت عليهم الشحوم باعوها فأكلوا ثمها، وكذلك ثمن الخمر عليكم حرام" وقد مضى في "باب تحريم تجارة الخمر" حديث تميم الداري في ذلك. قوله: "وقال أبو عاصم حدثنا عبد الحميد" هو ابن جعفر، وهذه الطريق وصلها أحمد عن أبي عاصم وأخرجها مسلم عن أبي موسى عن أبي عاصم ولم يسبق لفظه بل قال مثل حديث الليث، والظاهر أنه أراد أصل الحديث، وإلا ففي سياقه بعض مخالفة، قال أحمد: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد ابن جعفر أخبرني يزيد بن أبي حبيب ولفظه: "يقول عام الفتح: إن الله حرم بيع الخنازير وبيع الميتة وبيع الخمر وبيع الأصنام، قال رجل: يا رسول الله فما ترى في بيع شحوم الميتة؟ فإنها تدهن بها السفن والجلود ويستصبح بها. فقال: قاتل الله يهود" . الحديث فظهر بهذه الرواية أن السؤال وقع عن بيع الشحوم وهو يؤيد ما قررناه، ويؤيده أيضا ما أخرجه أبو داود من وجه آخر عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال وهو عند الركن "قاتل الله اليهود، إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه " قال جمهور العلماء: العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة، ولكن المشهور عند مالك طهارة الخنزير. والعلة في منع بيع

(4/425)


الأصنام عدم المنفعة المباحة، فعلى هذا إن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها جاز بيعها عند بعض العلماء من الشافعية وغيرهم، والأكثر على المنع حملا للنهي على ظاهره، والظاهر أن النهي عن بيعها للمبالغة في التنفير عنها، ويلتحق بها في الحكم الصلبان التي تعظمها النصارى ويحرم نحت جميع ذلك وصنعته، وأجمعوا على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير إلا ما تقدمت الإشارة إليه في "باب تحريم الخمر" ولذلك رخص بعض العلماء في القليل من شعر الخنزير للخرز حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وأبي يوسف وبعض المالكية، فعلى هذا فيجوز بيعه، ويستثنى من الميتة عند بعض العلماء ما لا تحله الحياة كالشعر والصوف والوبر فإنه طاهر فيجوز بيعه وهو قول أكثر المالكية والحنفية، وزاد بعضهم العظم والسن والقرن والظلف. وقال بنجاسة الشعور الحسن والليث والأوزاعي. ولكنها تطهر عندهم بالغسل، وكأنها متنجسة عندهم بما يتعلق بها من رطوبات لميتة لا نجسة العين، ونحوه قول ابن القاسم في عظم الفيل إنه يطهر إذا سلق بالماء، وقد تقدم كثير من مباحث هذا الحديث في "باب لا يذاب شحم الميتة".

(4/426)


113 - باب ثَمَنِ الْكَلْبِ
2237- حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن"
[الحديث 2237- أطرافه في: 2282، 5346، 5761]
2238- حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة قال أخبرني عون بن أبي جحيفة قال ثم رأيت أبي اشترى حجاما فأمر بمحاجمه فكسرت فينبغي عن ذلك قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب الأمة ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله ولعن المصور"
قوله: "باب ثمن الكلب" أورد فيه حديثين: أحدهما عن أبي مسعود "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن". ثانيهما حديث أبي جحيفة "نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب. وكسب الأمة" الحديث، وقد تقدم في "باب موكل الربا" في أوائل البيع. واشتمل هذان الحديثان على أربعة أحكام أو خمسة إن غايرنا بين كسب الأمة ومهر البغي: الأول ثمن الكلب، وظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عام في كل كلب معلما كان أو غيره مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه، وبذلك قال الجمهور. وقال مالك لا يجوز بيعه وتجب القيمة على متلفه، وعنه كالجمهور، وعنه كقول أبي حنيفة يجوز وتجب القيمة. وقال عطاء والنخعي يجوز بيع كلب الصيد دون غيره وروى أبو داود من حديث ابن عباس مرفوعا: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا" وإسناده صحيح، وروى أيضا بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا: "لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي" والعلة في تحريم بيعه عند الشافعي نجاسته مطلقا وهي قائمة في المعلم وغيره، وعلة المنع عند من لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه والأمر بقتله ولذلك خص منه ما أذن

(4/426)


في اتخاذه، ويدل عليه حديث جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد" أخرجه النسائي بإسناد رجاله ثقات إلا أنه طعن في صحته، وقد وقع في حديث ابن عمر عند ابن أبي حاتم بلفظ: "نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضاريا" يعني مما يصيد وسنده ضعيف، قال أبو حاتم هو منكر. وفي رواية لأحمد "نهى عن ثمن الكلب وقاله طعمة جاهلية" ونحوه للطبراني من حديث ميمونة بنت سعد. وقال القرطبي مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهية بيعه ولا يفسخ إن وقع، وكأنه لما لم يكن عنده نجسا وأذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها لأنه ليس من مكارم الأخلاق، قال وأما تسويته في النهي بينه وبين مهر البغي وحلوان الكاهن فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وعلى تقدير العموم في كل كلب فالنهي في هذه الثلاثة في القدر المشترك من الكراهة أعم من التنزيه والتحريم، إذ كان واحد منهما منهي عنه ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، فإنا عرفنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرد النهي، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه إذ قد يعطف الأمر على النهي والإيجاب على النفي. الحكم الثاني مهر البغي وهو ما تأخذه الزانية على الزنا سماه مهرا مجازا، والبغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية وهو فعيل بمعنى فاعلة وجمع البغي بغايا، والبغاء بكسر أوله الزنا والفجور، وأصل البغاء الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد، واستدل به على أن الأمة إذا أكرهت على الزنا فلا مهر لها، وفي وجه للشافعية يجب للسيد. الحكم الثالث كسب الأمة، وسيأتي في الإجارة "باب كسب البغي والإماء" وفيه حديث أبي هريرة "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الإماء" زاد أبو داود من حديث رافع بن خديج "نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو" فعرف بذلك النهي والمراد به كسبها بالزنا لا بالعمل المباح، وقد روى أبو داود أيضا من حديث رفاعة بن رافع مرفوعا: "نهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها" وقال هكذا بيده نحو الغزل والنفش وهو بالفاء أي نتف الصوف، وقيل المراد بكسب الأمة جميع كسبها وهو من باب سد الذرائع لأنها لا تؤمن إذا ألزمت بالكسب أن تكسب بفرجها، فالمعنى أن لا يجعل عليها خراج معلوم تؤديه كل يوم. الحكم الرابع حلوان الكاهن، وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل، وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب، والحلوان مصدر حلوته حلوانا إذا أعطيته، وأصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا مشقة يقال حلوته إذا أطعمته الحلو، والحلوان أيضا الرشوة، والحلوان أيضا أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه. وسيأتي الكلام على الكهانة وأصلها وحكمها في أواخر كتاب الطب من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. الحكم الخامس ثمن الدم، واختلف في المراد به فقيل أجرة الحجامة، وقيل هو على ظاهره، والمراد تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة والخنزير، وهو حرام إجماعا أعني بيع الدم وأخذ ثمنه، وسيأتي الكلام على حكم أجرة الحجام في الإجارة إن شاء الله تعالى. "خاتمة": اشتمل كتاب البيوع من المرفوع على مائتي حديث وسبعة وأربعين حديثا، المعلق منها ستة وأربعون وما عداها موصول، المكرر منه فيه وفيما مضى مائة وتسعة وثلاثون حديثا والخالص مائة وثمانية أحاديث، وافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة وعشرين حديثا وهي: حديث عبد الرحمن ابن عوف في قصة تزويجه، وحديث أبي هريرة في التمرة الساقطة، وحديث عائشة في التسمية على الذبيحة، وحديث أبي هريرة "يأتي على الناس

(4/427)


زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال" وحديث أبي بكر "قد علم قومي أن حرفتي" وحديث المقدام "أطيب ما أكل من كسبه" وحديث أبي هريرة "أن داود كان يأكل من كسبه" وحديث جابر "رحمه الله عبدا سمحا" وحديث العداء في العهدة، وحديث أبي جحيفة في الحجام، وحديث ابن عباس "آخر آية أنزلت: وحديث ابن أبي أوفى "أن رجلا أقام سلعة" وحديث ابن عمر "كان على جمل صعب" وحديثه في الإبل الهيم، وحديث: "اكتالوا حتى تستوفوا" وحديث: "إذا بعت فكل" وحديث جابر في دين أبيه، وحديث المقدام "كيلوا طعامكم" وحديث عائشة في شأن الهجرة، وحديث: "المكر والخديعة في النار" وحديث أنس في الملامسة والمنابذة، وحديث: "إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه" وحديث ابن عمر "لا يبيع حاضر لباد" وحديث ابن عباس في المزابنة، وحديث زيد بن ثابت في بيع الثمار، وحديث سلمان في مكاتبته، وحديث عبد الرحمن بن عوف مع صهيب، وحديث أبي هريرة "ثلاثة أنا خصمهم" وحديثه في إجلاء اليهود. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين اثنان وخمسون أثرا. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(4/428)