Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب المساقاة
باب في الشرب وقول الله تعالى (وجعلنا من الماء كل شيئ حي ..)
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
42 - كتاب المساقاة
باب: فِي الشُّرْبِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} إلى قوله: {فَلَوْلا تَشْكُرُونَ}
أجاجاً: منصباً المزنُ: السحابُ. الأجاجُ: المرُّ فراتا عذباً
قوله: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - في الشرب. وقول الله عز وجل: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} "وقوله جل ذكره: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} - إلى قوله - {فَلَوْلا تَشْكُرُونَ} " كذا لأبي ذر، وزاد غيره في أوله "كتاب المساقاة" ولا وجه له فإن التراجم التي فيه غالبها تتعلق بإحياء الموات. ووقع في شرح ابن بطال "كتاب المياه" وأثبت النسفي "باب" خاصة، وساق عن أبي ذر الآيتين. والشرب بكسر المعجمة والمراد به الحكم في قسمة الماء قاله عياض، وقال: ضبطه الأصيلي بالضم والأول أولى ، وقال ابن المنير: من ضبطه بالضم أراد المصدر. وقال غيره المصدر مثلث وقرئ: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} مثلثا، والشرب في الأصل بالكسر النصيب والحظ من الماء تقول: كم شرب أرضكم؟ وفي المثل "آخرها شربا أقلها شربا" قال ابن بطال معنى قوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} أراد الحيوان الذي يعيش بالماء، وقيل أراد بالماء النطفة، ومن قرأ: {وجعلنا من الماء كل شيء حيا} دخل فيه الجماد أيضا لأن حياتها هو خضرتها وهي لا تكون إلا بالماء. قلت: وهذا المعنى أيضا يخرج هن القراءة المشهورة، ويخرج من تفسير قتادة حيث قال: "كل شيء حي فمن الماء خلق" أخرجه الطبري عنه. وروى ابن أبي حاتم عن أبي العالية أن المراد بالماء النطفة، وروى أحمد من طريق أبي ميمونة عن أبي هريرة "قلت يا رسول الله أخبرني عن كل شيء، قال: كل شيء خلق من الماء" إسناده صحيح. قوله: "أجاجا منصبا" هو في رواية المستملي وحده، وهو تفسير ابن عباس ومجاهد وقتادة أخرجه الطبري عنهم. قوله: "المزن السحاب" هو تفسير مجاهد وقتادة أخرجه الطبري عنهما. وقال غيرهما: المزن السحاب الأبيض واحد مزنة. قوله: "والأجاج المر" هو تفسير أبي عبيدة في "معاني القرآن" وأخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة مثله، وقيل هو الشديد الملوحة أو المرارة، وقيل المالح وقيل الحار حكاه ابن فارس. قوله: "فراتا عذبا" هو في رواية المستملي وحده، وهو منتزع من قوله تعالى في السورة الأخرى "هذا عذب فرات" وروى ابن أبي حاتم عن السدي قال: العذب الفرات الحلو.

(5/29)


الباب من رأى صدقة الماء ووصيته جائزة
...
1- باب: من رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة، مقسوما كان أو غير مقسوم
وَقَالَ عُثْمَانُ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلاَءِ الْمُسْلِمِينَ" فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
2351- حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ حدثَنا أبو غَسانَ قال: أبو حازم عن سَهلِ بنِ سعد

(5/29)


رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب منه ، وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره ، فقال ياغلام اتأذن لي أن أعطيه الأشياخ ؟ فقال: ما كنت لأورث بفضلي منك أحداً يارسول الله فأعطاه إياه"
[الحديث 2351 - أطرافه في: 2366 ، 2451 ، 2605 ، 5620]
2352- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: "حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ دَاجِنٌ - وَهِوَ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ فَأَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ عنْ فِيهِ وَعَن يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ عُمَرُ – وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ – أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ ، فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ"
[الحديث 2352 - أطرافه في: 2571 ، 5612 ، 5619]
قوله: "باب من رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة مقسوماً كان أو غير مقسوم" كذا لأبي ذر، وللنسفي "ومن رأى الخ" جعله من الباب الذي قبله، ولغيرهما: "باب في الشرب ومن رأى" وأراد المصنف بالترجمة الرد على من قال إن الماء لا يملك. قوله: "وقال عثمان" أي ابن عفان "قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين" سقط هذا التعليق من رواية النسفي، وقد وصله الترمذي والنسائي وابن خزيمة من طريق ثمامة بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي القشيري قال: "شهدت الدار حيث أشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال: من يشتري بئر رومة يجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي؟ وقالوا: اللهم نعم" الحديث بطوله، وقد أخرجه المصنف في كتاب الوقف بغير هذا السياق وليس فيه ذكر الدلو، والذي ذكره هنا مطابق للترجمة، ويأتي الكلام على شرحه هناك إن شاء الله تعالى. قال ابن بطال: في حديث عثمان أنه يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه إذا شرط ذلك، قال: فلو حبس بئرا على من يشرب منها فله أن يشرب منها وإن لم يشترط ذلك لأنه داخل في جملة من يشرب. ثم فرق بفرق غير قوي. وسيأتي البحث في هذه المسألة في "باب هل ينتفع الواقف بوقفه" في كتاب الوقف إن شاء الله تعالى. ثم ذكر المصنف في الباب حديثي سهل وأنس في شرب النبي صلى الله عليه وسلم وتقديمه الأيمن فالأيمن، وسيأتي الكلام عليهما في كتاب الأشربة، ومناسبتهما لما ترجم له من جهة مشروعية قسمة الماء، لأن اختصاص الذي على اليمين بالبداءة دال على ذلك. وقال ابن المنير: مراده أن الماء يملك، ولهذا استأذن النبي صلى الله عليه وسلم بعض الشركاء فيه، ورتب قسمته يمنة ويسرة، ولو كان باقيا على إباحته لم يدخله ملك، لكن حديث سهل ليس فيه بيان أن القدح كان فيه ماء، بل جاء مفسرا في كتاب الأشربة بأنه كان لبنا، والجواب أنه أورده ليبين أن الأمر جرى في قسمة الماء الذي شيب به اللبن كما جاء في حديث أنس مجرى اللبن الخالص الذي في حديث سهل، فدل على أنه لا فرق في ذلك بين اللبن والماء، فيحصل به الرد على من قال إن الماء لا يملك. وقوله في

(5/30)


حديث سهل "حدثنا أبو غسان" هو محمد بن مطرف المدني، والإسناد مصريون (1) إلا شيخه. وقوله: "وعن يمينه غلام" هو الفضل بن عباس حكاه ابن بطال، وقيل أخوه عبد الله حكاه ابن التين وهو الصواب كما سيأتي. وقوله في حديث أنس: "وعن يمينه أعرابي" قيل إن الأعرابي خالد بن الوليد حكاه ابن التين، وتعقب بأن مثله لا يقال له أعرابي، وكأن الحامل له على ذلك أنه رأى في حديث ابن عباس الذي أخرجه الترمذي قال: "دخلت أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على يمينه وخالد على شماله، فقال لي الشربة لك فإن شئت آثرت بها خالدا، فقلت: ما كنت أوثر على سؤرك أحدا" فظن أن القصة واحدة، وليس كذلك فإن هذه القصة في بيت ميمونة وقصة أنس في دار أنس فافترقا. نعم يصلح أن يعد خالد من الأشياخ المذكورين في حديث سهل بن سعد والغلام هو ابن عباس، ويقويه قوله في حديث سهل أيضا: "ما كنت أوثر بفضلي منك أحدا" ولم يقع ذلك في حديث أنس، وليس في حديث ابن عباس ما يمنع أن يكون مع خالد بن الوليد في بيت ميمونة غيره، بل قد روى ابن أبي حازم عن أبيه في حديث سهل بن سعد ذكر أبي بكر الصديق فيمن كان على يساره صلى الله عليه وسلم ذكره ابن عبد البر وخطأه، قال ابن الجوزي: إنما استأذن الغلام ولم يستأذن الأعرابي لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة فاستألفه بترك استئذانه بخلاف الغلام. قوله في حديث أنس "فقال عمر أعط أبا بكر" كذا لجميع أصحاب الزهري، وشذ معمر فيما رواه وهيب عنه فقال: "عبد الرحمن بن عوف" بدل عمر أخرجه الإسماعيلي، والأول هو الصحيح، ومعمر لما حدث بالبصرة حدث من حفظه فوهم في أشياء فكان هذا منها، ويحتمل أن يكون محفوظا بأن يكون كل من عمر وعبد الرحمن قال ذلك لتوفير دواعي الصحابة على تعظيم أبي بكر. "تنبيه": ألحق بعضهم بتقديم الأيمن في المشروب تقديمه في المأكول، ونسب لمالك. وقال ابن عبد البر لا يصح عنه.

(5/31)


2- باب مَنْ قَالَ: "إِنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ"
2353- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلاَ"
[الحديث 2353 - طرفاه في: 2354 ، 6962]
2354- حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن ابن النسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ"
قوله: "باب من قال إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى" قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بمائه حتى يروى، قلت وما نفاه من الخلاف هو على القول بأن الماء يملك، وكأن الذين ذهبوا إلى أنه يملك - وهم الجمهور - هم الذين لا خلاف عندهم في ذلك. قوله: "لا يمنع" ضم أوله على البناء للمجهول وبالرفع على أنه خبر والمراد به مع ذلك النهي. وذكر عياض أنه في رواية أبي ذر بالجزم بلفظ النهي.وكأن السر في إيراد
ـــــــ
(1) وجد بهامش احدى النسخ التي طبع عليها بمطبعة بولاق "والاسناد مدنيون ، إلا شيخه سعيد بن أبي مريم فإنه مصري كما يعلم من مراجعة كلامهم"

(5/31)


البخاري الطريق الثاني كونها وردت بصريح النهي وهو "لا تمنعوا" والمراد بالفضل ما زاد على الحاجة.ولأحمد من طريق عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة: "لا يمنع فضل ماء بعد أن يستغني عنه" وهو محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة، وكذلك في الموات إذا كان بقصد التملك، والصحيح عند الشافعية ونص عليه في القديم وحرملة أن الحافر يملك ماءها، وأما البئر المحفورة في الموات لقصد الارتفاق لا التملك فإن الحافر لا يملك ماءها بل يكون أحق به إلى أن يرتحل، وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته، هذا هو الصحيح عند الشافعية، وخص المالكية هذا الحكم بالموات. وقالوا في البئر التي في الملك: لا يجب عليه بذل فضلها، وأما الماء المحرز في الإناء فلا يجب بذل فضله لغير المضطر على الصحيح. قوله: "فضل الماء" فيه جواز بيع الماء لأن المنهي عنه منع الفضل لا منع الأصل، وفيه أن محل النهي ما إذا لم يجد المأمور بالبذل له ماء غيره، والمراد تمكين أصحاب الماشية من الماء ولم يقل أحد إنه يجب على صاحب الماء مباشرة سقي ماشية غيره مع قدرة المالك. قوله: "ليمنع به الكلأ" فتح الكاف واللام بعدها همزة مقصور هو النبات رطبه ويابسه والمعنى أن يكون حول البئر كلأ ليس عنده ماء غيره ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا تمكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي، وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور، وعلى هذا يختص البذل بمن له ماشية، ويلتحق به الرعاة إذ احتاجوا إلى الشرب لأنهم إذا منعوا من الشرب امتنعوا من الرعي هناك. ويحتمل أن يقال: يمكنهم حمل الماء لأنفسهم لقلة ما يحتاجون إليه منه بخلاف البهائم والصحيح الأول، ويلتحق بذلك الزرع عند مالك، والصحيح عند الشافعية وبه قال الحنفية الاختصاص بالماشية، وفرق الشافعي - فيما حكاه المزني عنه - بين المواشي والزرع بأن الماشية ذات أرواح يخشى من عطشها موتها بخلاف الزرع، وبهذا أجاب النووي وغيره، واستدل لمالك بحديث جابر عند مسلم: "نهى عن بيع فضل الماء" لكنه مطلق فيحمل على المقيد في حديث أبي هريرة، وعلى هذا لو لم يكن هناك كلأ يرعى فلا مانع من المنع لانتفاء العلة، قال الخطابي: والنهي عند الجمهور للتنزيه فيحتاج إلى دليل يوجب صرفه عن ظاهره، وظاهر الحديث أيضا وجوب بذله مجانا وبه قال الجمهور، وقيل: لصاحبه طلب القيمة من المحتاج إليه كما في إطعام المضطر، وتعقب بأنه يلزم منه جواز المنع حالة امتناع المحتاج من بذل القيمة، ورد بمنع الملازمة فيجوز أن يقال يجب عليه البذل وتترتب له القيمة في ذمة المبذول له حتى يكون له أخذ القيمة منه متى أمكن ذلك، نعم في رواية لمسلم من طريق هلال بن أبي ميمونة عن أبي سلمة عن أبي هريرة "لا يباع فضل الماء" فلو وجب له العوض لجاز له البيع والله أعلم. واستدل ابن حبيب من المالكية على أن البئر إذا كانت بين مالكين فيها ماء فاستغنى أحدهما في نوبته كان للآخر أن يسقي منها لأنه ماء فضل عن حاجة صاحبه، وعموم الحديث يشهد له وإن خالفه الجمهور، واستدل به بعض المالكية للقول بسد الذرائع لأنه نهى عن منع الماء لئلا يتذرع به إلى منع الكلأ، لكن ورد التصريح في بعض طرق حديث الباب بالنهي عن منع الكلأ صححه ابن حبان من رواية أبي سعيد مولى بني غفار عن أبي هريرة بلفظ: "لا تمنعوا فضل الماء ولا تمنعوا الكلأ فيهزل المال وتجوع العيال" والمراد بالكلأ هنا النابت في الموات، فإن الناس فيه سواء. وروى ابن ماجة من طريق سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا: "ثلاثة لا يمنعن: الماء والكلأ والنار" وإسناده صحيح، قال الخطابي: معناه الكلأ ينبت في موات الأرض

(5/32)


والماء الذي يجري في المواضع التي لا تختص بأحد، قيل والمراد بالنار الحجارة التي توري النار ، وقال غيره المراد النار حقيقة والمعنى لا يمنع من يستصبح منها مصباحا أو يدني منها ما يشعله منها، وقيل المراد ما إذا أضرم نارا في حطب مباح بالصحراء فليس له منع من ينتفع بها، بخلاف ما إذا أضرم في حطب يملكه نارا فله المنع.

(5/33)


3 - باب: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ
2355- حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ وَالْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ"
قوله: "باب من حفر بئرا في ملكه لم يضمن" ذكر فيه حديث أبي هريرة "البئر جبار" بضم الجيم وتخفيف الموحدة أي هدر، قال ابن المنير: الحديث مطلق، والترجمة مقيدة بالملك وهي إحدى صور المطلق وأقعدها سقوط الضمان لأنه إذا لم يضمن إذا حفر في غير ملكه فالذي يحفر في ملكه أحرى بعدم الضمان ا هـ. وإلى التفرقة بين الحفر في ملكه وغيره ذهب الجمهور، وخالف الكوفيون، وسيأتي تفصيل ذلك مع بقية شرح الحديث في كتاب الديات إن شاء الله تعالى. محمود شيخه في هذا الحديث هو ابن غيلان، وعبيد الله شيخ محمود هو ابن موسى وهو من شيوخ البخاري وربما أخرج عنه بواسطة كهذا.

(5/33)


4 - باب الْخُصُومَةِ فِي الْبِئْرِ ، وَالْقَضَاءِ فِيهَا
2356 ، 2357- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً..} الآية فَجَاءَ الأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ ، لِي فَقَالَ لِي: شُهُودَكَ قُلْتُ مَا لِي شُهُودٌ. قَالَ: فَيَمِينُهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا يَحْلِفَ فَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ"
[الحديث 2356 - أطرافه في: 2416 ، 2515 ، 2666 ، 2669 ، 2673 ، 2676 ، 4549 ، 6659 ، 6676 ، 7183 ، 7445]
[الحديث 2357 - أطرافه في: 2417 ، 2516 ، 2667 ، 2670 ، 2677 ، 4550 ، 6660 ، 6677 ، 7184]
قوله: "باب الخصومة في البئر والقضاء فيها" ذكر فيه حديث الأشعث "كانت لي بئر في أرض ابن عم لي" يعني فتخاصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أورده مختصرا، وسيأتي بتمامه في التفسير وفي الأيمان والنذور وغير موضع، اسم ابن عمه معدان بن الأسود بن معد يكرب الكندي ولقبه الجفشيش بوزن فعليل مفتوح الأول، واختلف في ضبط هذا الأول على ثلاثة أقوال: أشهرها بالجيم والشين معجمة في الموضعين، وقوله في الحديث: "كانت لي بئر في أرض" زعم الإسماعيلي أن أبا حمزة تفرد بذكر البئر عن الأعمش قال: ولا أعلم فيمن رواه عن الأعمش إلا قال: "في أرض"

(5/33)


باب من منع ابن السبيل من الماء
...
5 - باب: إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْ الْمَاءِ
2358- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ الأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ. وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ. وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}
[الحديث 2358 - أطرافه في: 2369 ، 2672 ، 7212 ، 7446]
قوله: "باب إثم من منع ابن السبيل من الماء" أي الفاضل عن حاجته، ويدل عليه قوله في حديث الباب: "رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل" قال ابن بطال: فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع ابن السبيل ا هـ. وقد ترجم المصنف بذلك بعد أربعة أبواب "من رأى أن صاحب الحوض أحق بمائه" ويأتي الكلام على شرح هذا الحديث في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى. قوله في هذه الرواية: "ورجل بايع إمامه" في رواية الكشميهني: "إماما".

(5/34)


6 - باب: سَكْرِ الأَنْهَارِ
2359 ، 2360- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِ فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِلزُّبَيْرِ أَسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}
قال محمد بن العباس قال أبو عبد الله: ليس أحد يذكر عروة عن عبد الله إلا الليث فقط
[الحديث 2360 – أطرافه في: 2361 ، 2362 ، 2708 ، 4585]

(5/34)


7 - باب: شُرْبِ الأَعْلَى قَبْلَ الأَسْفَلِ
2361- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: "خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ يَبْلُغُ الْمَاءُ الْجَدْرَ ثُمَّ أَمْسِكْ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ فَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}
قوله: "باب شرب الأعلى قبل الأسفل" في رواية الحموي والكشميهني قبل السفلى، والأول أولى، وكأنه يشير إلى ما وقع في مرسل سعيد بن المسيب في هذه القصة "فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسقي الأعلى ثم الأسفل. قال العلماء: الشرب من نهر أو مسيل غير مملوك يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغني الأعلى، وحده أن يعطي الماء الأرض حتى لا تشريه ويرجع إلى الجدار ثم يطلقه. قوله: "ثم أرسل" كذا للأكثر، وللكشميهني: "ثم أرسل الماء". قوله: "اسق يا زبير حتى يبلغ" في رواية كريمة والأصيلي: "اسق يا زبير ثم يبلغ الماء الجدر"، وسقط من رواية أبي ذر ذكر الماء، زاد في التفسير من وجه آخر عن معمر "ثم أرسل الماء إلى جارك، واستوعى للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري" وفي رواية شعيب في الصلح "فاستوعى للزبير حينئذ حقه، وكان قبل ذلك أشار على الزبير برأي فيه سعة له وللأنصاري" فقوله استوعى أي استوفى، وهو من الوعي كأنه جمعه له في وعائه، وقوله: "أحفظه" بالمهملة والظاء المشالة أي أغضبه، قال الخطابي: هذه الزيادة يشبه أن تكون من كلام الزهري، وكانت عادته أن يصل بالحديث من كلامه ما يظهر له من معنى الشرح والبيان. قلت: لكن الأصل في الحديث أن يكون حكمه كله واحدا حتى يرد ما يبين ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال. قال الخطابي

(5/38)


وغيره: وإنما حكم صلى الله عليه وسلم على الأنصاري في حال غضبه - مع نهيه أن يحكم الحاكم وهو غضبان - لأن النهي معلل بما يخاف على الحاكم من الخطأ والغلط، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمون لعصمته من ذلك حال السخط.

(5/39)


8 - باب: شِرْبِ الأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ
2362- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ: قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ "أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنْ الْحَرَّةِ يَسْقِي بِهَا النَّخْلَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ - فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ - ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ - وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} فقَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: فَقَدَّرَتْ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ" وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ"
قوله: "باب شرب الأعلى إلى الكعبين" يشير إلى ما حكاه الزهري من تقدير ذلك كما سيأتي في آخر الباب. قوله: "حدثنا محمد" زاد في رواية أبي الوقت "هو ابن سلام". قوله: "فأمره بالمعروف" كذا ضبطناه في جميع الروايات على أنه فعل ماض من الأمر، وهي جملة معترضة من كلام الراوي، وحكى الكرماني أنه بلفظ فعل الأمر من الإمرار وقد تقدم ما فيه، وقد قال الخطابي: معناه أمره بالعادة المعروفة التي جرت بينهم في مقدار الشرب ا هـ. ويحتمل أن يكون المراد أمره بالقصد والأمر الوسط مراعاة للجوار، ويدل عليه رواية شعيب المذكورة، ومثلها لمعمر في التفسير، وهو ظاهر في أنه أمره أولا أن يسامح ببعض حقه على سبيل الصلح، وبهذا ترجم البخاري في الصلح إذا أشار الإمام بالمصلحة، فلما لم يرض الأنصاري بذلك استقصى الحكم وحكم به. وحكى الخطابي أن فيه دليلا على جواز فسخ الحاكم حكمه، قال: لأنه كان له في الأصل أن يحكم بأي الأمرين شاء فقدم الأسهل إيثارا لحسن الجوار، فلما جهل الخصم موضع حقه رجع عن حكمه الأول وحكم بالثاني ليكون ذلك أبلغ في زجره، وتعقب بأنه لم يثبت الحكم أولا كما تقدم بيانه، قال: وقيل بل الحكم كان ما أمر به أولا، فلما لم يقبل الخصم ذلك عاقبه بما حكم عليه به ثانيا على ما بدر منه وكان ذلك لما كانت العقوبة بالأموال ا هـ. وقد وافق ابن الصباغ من الشافعية على هذا الأخير، وفيه نظر، وسياق طرق الحديث يأبى ذلك كما ترى، لا سيما قوله: "واستوعى للزبير حقه في تصريح الحكم" وهي رواية شعيب في الصلح ومعمر في التفسير، فمجموع الطرق دال على أنه أمر الزبير أولا أن يترك بعض حقه، وثانيا أن يستوفي جميع حقه. قوله: "فقال لي ابن شهاب" القائل هو ابن جريج راوي الحديث. قوله: "فقدرت الأنصار والناس" هو من عطف العام على الخاص. قوله: "وكان ذلك إلى الكعبين" يعني أنهم لما رأوا أن الجدر يختلف بالطول والقصر قاسوا ما وقعت فيه القصة فوجدوه يبلغ الكعبين فجعلوا ذلك معيارا لاستحقاق الأول فالأول، والمراد بالأول هنا من يكون مبدأ الماء من ناحيته. وقال بعض المتأخرين من الشافعية: المراد به

(5/39)


من لم يتقدمه أحد في الغراس بطريق الإحياء، والذي يليه من أحيا بعده، وهلم جرا. قال. وظاهر الخبر أن الأول من يكون أقرب إلى مجرى الماء وليس هو المراد. وقال ابن التين: الجمهور على أن الحكم أن يمسك إلى الكعبين، وخصه ابن كنانة بالنخل والشجر، قال: وأما الزروع فإلى الشراك. وقال الطبري: الأراضي مختلفة، فيمسك لكل أرض ما يكفيها، لأن الذي في قصة الزبير واقعة عين. واختلف أصحاب مالك: هل يرسل الأول بند استيفائه جميع الماء، أو يرسل منه ما زاد على الكعبين؟ والأول أظهر، ومحله إذا لم يبق له به حاجة والله أعلم. وقد وقع في مرسل عبد الله بن أبي بكر في "الموطأ" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مسيل مهزور ومذينب أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل. ومهزور بفتح أوله وسكون الهاء وضم الزاي وسكون الواو بعدها راء، ومذينب بذال معجمة ونون بالتصغير: واديان معروفان بالمدينة وله إسناد موصول في "غرائب مالك للدار قطني" من حديث عائشة وصححه الحاكم، وأخرجه أبو داود وابن ماجة والطبري من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناد كل منهما حسن. وأخرج عبد الرزاق هذا الحديث المرسل بإسناد آخر موصول، ثم روى عن معمر عن الزهري قال: نظرنا في قوله: "احبس الماء حتى يبلغ الجدر" فكان ذلك إلى الكعبين ا هـ. وقد روى البيهقي من رواية ابن المبارك عن معمر قال: سمعت غير الزهري يقول: نظروا في قوله: "حتى يرجع إلى الجدر" فكان ذلك إلى الكعبين. وكأن معمرا سمع ذلك من ابن جريج فأرسله في رواية عبد الرزاق، وقد بين ابن جريج أنه سمعه من الزهري. ووقع في رواية عبد الرحمن بن إسحاق "احبس الماء إلى الجدر أو إلى الكعبين" وهو شك منه، والصواب ما رواه ابن جريج. وذكر الشاشي من الشافعية أن معنى قوله: "إلى الجدر" أي إلى الكعبين، وكأنه أشار إلى هذا التقدير، وإلا فليس الجدر مرادفا للكعب. قوله: "الجدر هو الأصل" كذا هنا في رواية المستملي وحده. وفي هذا الحديث غير ما تقدم أن من سبق إلى شيء من مياه الأودية والسيول التي لا تملك فهو أحق به، لكن ليس له إذا استغنى أن يحبس الماء عن الذي يليه. وفيه أن للحاكم أن يشير بالصلح بين الخصمين ويأمر به ويرشد إليه، ولا يلزمه به إلا إذا رضي. وأن الحاكم يستوفي لصاحب الحق حقه إذا لم يتراضيا، وأن يحكم بالحق لمن توجه له ولو لم يسأله صاحب الحق. وفيه الاكتفاء من المخاصم بما يفهم عنه مقصوده من غير مبالغة في التنصيص على الدعوى ولا تحديد المدعي ولا حصره بجميع صفاته. وفيه توبيخ من جفى على الحاكم ومعاقبته، ويمكن أن يستدل به على أن للإمام أن يعفو عن التعزير المتعلق به، لكن محل ذلك ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع. وإنما لم يعاقب النبي صلى الله عليه وسلم صاحب القصة لما كان عليه من تأليف الناس، كما قال في حق كثير من المنافقين "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" قال القرطبي: فلو صدر مثل هذا من أحد في حق النبي صلى الله عليه وسلم أو في حق شريعته لقتل قتلة زنديق. ونقل النووي نحوه عن العلماء. والله أعلم.

(5/40)


9 - باب: فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ
2363- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلاَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ

(5/40)


بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ". تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَالرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ
2364- حدثنا ابن أبي مريم حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مُليكة عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف فقال: دنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم؟ فإذا امرأة - حسِبتُ أنه قال: - تَخدِشُها هِرة قال: ما شأن هذهِ؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا"
2365- حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا ، فدخلت فيها النار ، قال فقالوا - والله أعلم - :لا أنتِ أطعمتها ولا سقيتها حين حبستيها، ولا أنت أرسلتها فأكلت من خشاش الأرض"
[الحديث 2365- طرفاه في: 3318 ، 3482]
قوله: "باب فضل سقي الماء" أي لكل من احتاج إلى ذلك. قوله: "عن سمي" بالمهملة مصغرا، زاد في المظالم "مولى أبي بكر" أي ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام". قوله: "عن أبي صالح" زاد في المظالم "السمان" والإسناد مدنيون إلا شيخ البخاري. قوله: "بينا رجل" لم أقف على اسمه. قوله: "يمشي" قال في المظالم "بينما رجل بطريق"، وللدار قطني في "الموطئات" من طريق روح عن مالك "يمشي بفلاة" وله من طريق ابن وهب عن مالك "يمشي بطريق مكة". قوله: "فاشتد عليه" وقعت الفاء هنا موضع "إذا" كما وقعت إذا موضعها في قوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} وسقطت هذه الفاء من رواية مسلم وكذا من الرواية الآتية في المظالم للأكثر: قوله: "فاشتد عليه العطش" كذا للأكثر، وكذا هو في "الموطأ" ووقع في رواية المستملي: "العطاش"، قال ابن التين: العطاش داء يصيب الغنم تشرب فلا تروى وهو غير مناسب هنا، قال: وقيل يصح على تقدير أن العطش يحدث منه هذا الداء كالزكام. قلت: وسياق الحديث يأباه، وظاهره أن الرجل سقى الكلب حتى روي ولذلك جوزي بالمغفرة. قوله: "يلهث" بفتح الهاء، اللهث بفتح الهاء هو ارتقاع النفس من الإعياء، قال ابن التين: لهث الكلب أخرج لسانه من العطش وكذلك الطائر، ولهث الرجل إذا أعيا، ويقال إذا بحث بيديه ورجليه. قوله: "يأكل الثرى" أي يكدم بفمه الأرض الندية، وهي إما صفة وإما حال، وليس بمفعول ثان لرأى. قوله: "بلغ هذا مثل" بالفتح أي بلغ مبلغا مثل الذي بلغ بي، وضبطه الدمياطي بخطه بضم مثل ولا يخفى توجيهه، وزاد ابن حبان من وجه آخر عن أبي صالح "فرحمه". قوله: "فملأ خفه" في رواية ابن حبان: "فنزع أحد خفيه". قوله: "ثم أمسكه" أي أحد خفيه الذي فيه الماء، وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر، وهو يشعر بأن الصعود منها كان عسرا. قوله: "ثم رقي" بفتح الراء وكسر القاف كصعد وزنا ومعنى، وذكره ابن التين بفتح القاف بوزن مضى وأنكره، وقال عياض في "المشارق" هي لغة طيئ يفتحون العين فيما كان من الأفعال معتل اللام والأول أفصح وأشهر. قوله: "فسقى الكلب" زاد عبد الله بن دينار عن أبي صالح "حتى أرواه" أي جعله ريانا، وقد مضى في الطهارة. قوله: "فشكر الله له" أي أثنى عليه أو قبل عمله أو جازاه بفعله، وعلى الأخير فالفاء في قوله: "فغفر له" تفسيرية أو من

(5/41)


عطف الخاص على العام. وقال القرطبي: معنى قوله: "فشكر الله له" أي أظهر ما جازاه به عند ملائكته. ووقع في رواية عبد الله بن دينار بدل فغفر له "فأدخله الجنة" وكذا في رواية ابن حبان. قوله: "قالوا" سمي من هؤلاء السائلين سراقة بن مالك بن جعشم، رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان. قوله: "وإن لنا" هو معطوف على شيء محذوف تقديره الأمر كما ذكرت وإن لنا "في البهائم" أي في سقي البهائم أو الإحسان إلى البهائم "أجرا". قوله: "في كل كبد رطبة أجر" أي كل كبد حية، والمراد رطوبة الحياة، أو لأن الرطوبة لازمة للحياة فهو كناية، ومعنى الظرفية هنا أن يقدر محذوف، أي الأجر ثابت في إرواء كل كبد حية، والكبد يذكر ويؤنث، ويحتمل أن تكون "في" سببية كقولك في النفس الدية، قال الداودي: المعنى في كل كبد حي أجر وهو عام في جميع الحيوان. وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب. وأما قوله: "في كل كبد" فمخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه، لأن المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره، وكذا قال النووي: إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم وهو ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه. وقال ابن التين: لا يمتنع إجراؤه على عمومه، يعني فيسقى ثم يقتل لأنا أمرنا بأن نحسن القتلة ونهينا عن المثلة. واستدل به على طهارة سؤر الكلب وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الطهارة. ومما قيل في الرد على من استدل به: إنه فعل بعض الناس ولا يدري هل هو كان ممن يقتدى به أم لا، والجواب أنا لم نحتج بمجرد الفعل المذكور بل إذا فرغنا على أن شرع من قبلنا شرع لنا فإنا لا نأخذ بكل ما ورد عنهم، بل إذا ساقه إمام شرعنا مساق المدح إن علم ولم يقيده بقيد صح الاستدلال به. وفي الحديث جواز السفر منفردا وبغير زاد، ومحل ذلك في شرعنا ما إذا لم يخف على نفسه الهلاك. وفيه الحث على الإحسان إلى الناس، لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقي المسلم أعظم أجرا. واستدل به على جواز صدقة التطوع للمشركين، وينبغي أن يكون محله ما إذا لم يوجد هناك مسلم فالمسلم أحق، وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدمي المحترم واستويا في الحاجة فالآدمي أحق، والله أعلم. ثم ذكر المصنف في الباب حديثي أسماء بنت أبي بكر وابن عمر في قصة المرأة التي ربطت الهرة حتى ماتت فدخلت النار، وسيأتي الكلام عليه في بدء الخلق، وتقدم حديث أسماء بأتم من هذا في أوائل صفة الصلاة، وأما حديث ابن عمر فذكر الدار قطني أن معن بن عيسى تفرد بذكره في الموطأ، قال: ورواه في غير الموطأ ابن وهب والقعنبي وابن أبي أويس ومطرف، ثم ساقه من طرقهم. وأخرجه الإسماعيلي من طريق معن وابن وهب، وأخرجه أبو نعيم من طريق القعنبي. ومناسبة حديث الهرة للترجمة من جهة أن المرأة عوقبت على كونها لم تسقها، فمقتضاه أنها لو سقتها لم تعذب. قال ابن المنير: دل الحديث على تحريم قتل من لم يؤمر بقتله عطشا ولو كان هرة وليس فيه ثواب السقي ولكن كفى بالسلامة فضلا.

(5/42)


باب من رأى أن صحب الحوض والقربة أحق بمائه
...
10 - باب: مَنْ رَأَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَوْضِ وَالْقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ
2366- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ ، قَالَ: يَا غُلاَمُ

(5/42)


أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ فَقَالَ مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ"
2367- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنْ الإِبِلِ عَنْ الْحَوْضِ"
2368- حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ يَزِيدُ - أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ - لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا. وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ ، وَلاَ حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ"
[الحديث 2368- أطرافه في: 3362 ، 3363 ، 3364 ، 3365]
2369- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ"
قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - غَيْرَ مَرَّةٍ - عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: "باب من رأى أن صاحب الحوض أو القربة أحق بمائه" ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها حديث سهل بن سعد وقد تقدم الكلام عليه قبل ثمانية أبواب، ومناسبته للترجمة ظاهرة إلحاقا للحوض والقربة بالقدح، فكان صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شربا وسقيا. وقد خفي هذا على المهلب فقال: ليس في الحديث إلا أن الأيمن أحق من غيره بالقدح، وأجاب ابن المنير بأن مراد البخاري أنه إذا استحق الأيمن ما في القدح بمجرد جلوسه واختص به فكيف لا يختص به صاحب اليد والمتسبب في تحصيله؟ ثانيها حديث أبي هريرة في ذكر حوض النبي صلى الله عليه وسلم سيأتي الكلام عليه في ذكر الحوض النبوي من كتاب الرقاق. وقوله: "لأذودن" بمعجمة ثم مهملة أي لأطردن، ومناسبته للترجمة من ذكر صلى الله عليه وسلم أن صاحب الحوض يطرد إبل غيره عن حوضه ولم ينكر ذلك فيدل على الجواز، وقد خفي على المهلب أيضا فقال: إن المناسبة من جهة إضافة الحوض إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحق به، وتعقبه ابن المنير بأن أحكام التكاليف لا تنزل على وقائع الآخرة، وإنما استدل بقوله: "كما تذاد الغريبة من الإبل" فما جاز لصاحب الحوض طرد إبل غيره عن حوضه إلا وهو أحق بحوضه. ثالثها حديث ابن عباس في قصة هاجر وزمزم، أورده مختصرا جدا، وسيأتي مطولا في أحاديث الأنبياء، ومناسبته للترجمة من جهة قولها للذين نزلوا عليها "ولا حق لكم في الماء، قالوا نعم" وقرر النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. قال الخطابي: فيه أن من أنبط ماء في فلاة من الأرض ملكه ولا يشاركه فيه غيره إلا برضاه، إلا أنه لا يمنع فضله إذا استغنى عنه، وإنما شرطت هاجر عليهم أن لا يتملكوه.

(5/43)


رابعها حديث أبي هريرة وقد تقدم من وجه آخر قبل أربعة أبواب وفيه: "ورجل له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل" وقال في هذه الطريق "ورجل منع فضل مائه فيقول الله اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك" ومناسبته للترجمة من جهة أن المعاقبة وقعت على منعه الفضل فدل على أنه أحق بالأصل، ويؤخذ أيضا من قوله: "ما لم تعمل يداك" فإن مفهومه أنه لو عالجه لكان أحق به من غيره. وحكى ابن التين عن أبي عبد الملك أنه قال: هذا يخفى معناه، ولعله يريد أن البئر ليست من حفره وإنما هو في منعه غاصب ظالم، وهذا لا يرد فيما حازه وعمله. قال: ويحتمل أن يكون هو حفرها ومنعها من صاحب الشفة أي العطشان، ويكون معنى "ما لم تعمل يداك" أي لم تنبع الماء ولا أخرجته، قال: وهذا أي الأخير ليس من الباب في شيء والله أعلم. قوله: "قال علي حدثنا سفيان غير مرة الخ" يشير إلى أن سفيان كان يرسل هذا الحديث كثيرا، ولكنه صحح الموصول لكون الذي وصله من الحفاظ، وقد تابعه سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وعبد الرحمن بن يونس ومحمد بن أبي الوزير ومحمد بن يونس فوصلوه قاله الإسماعيلي، قال: وأرسله غيرهم. قلت: وقد وصله أيضا عمرو الناقد أخرجه مسلم عنه، وصفوان بن صالح أخرجه ابن حبان من طريقه، ويأتي الكلام على ما وقع من الاختلاف في سياق المتن في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى.

(5/44)


باب لاحمى إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم
...
11 - باب: لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
2370- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ يَحْيَى وَقَالَ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَى النَّقِيعَ وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ"
[الحديث2370- طرفه في: 3013]
قوله: "باب لا حمى إلا لله ولرسوله" ترجم بلفظ الحديث من غير مزيد، قال الشافعي: يحتمل معنى الحديث شيئين: أحدهما ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر معناه إلا على مثل ما حماه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، وعلى الثاني يختص الحمى بمن قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخليفة خاصة. وأخذ أصحاب الشافعي من هذا أن له في المسألتين قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ لكن رجحوا الأول بما سيأتي أن عمر حمى النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالحمى منع الرعي في أرض مخصوصة من المباحات فيجعلها الإمام مخصوصة برعي بهائم الصدقة مثلا. قوله: "عن يونس" هو ابن يزيد الأيلي، ورواية الليث عنه من الأقران لأنه قد سمع من شيخه ابن شهاب، وفي الإسناد تابعيان وصحابيان. قوله: "لا حمى" أصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلا مخصبا استعوى كلبا على مكان عال فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب فلا يرعى فيه غيره ويرعى هو مع غيره فيما سواه، والحمى هو المكان المحمي وهو خلاف المباح، ومعناه أن يمنع من الإحياء من ذلك الموات ليتوفر فيه الكلأ فترعاه مواش مخصوصة ويمنع غيرها، والأرجح عند الشافعية أن الحمى يختص بالخليفة، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم، ومحل الجواز مطلقا أن لا يضر بكافة المسلمين. واستدل به الطحاوي لمذهبه في اشتراط إذن الإمام في إحياء الموات، وتعقب بالفرق بينهما فإن الحمى أخص من

(5/44)


الإحياء والله أعلم. قال الجوري من الشافعية: ليس بين الحديثين معارضة، فالحمى المنهي ما يحمى من الموات الكثير العشب لنفسه خاصة كفعل الجاهلية، والإحياء المباح ما لا منفعة للمسلمين فيه شاملة فافترقا، وإنما تعد أرض الحمى مواتا لكونها لم يتقدم فيها ملك لأحد، لكنها تشبه العامر لما فيها من المنفعة العامة. قوله: "وقال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع" كذا لجميع الرواة إلا لأبي ذر، والقائل هو ابن شهاب، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه وهو مرسل أو معضل، وهكذا أخرجه أبو داود من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب فذكر الموصول والمرسل جميعا، ووقع عند أبي ذر "وقال أبو عبد الله: بلغنا الخ" فظن بعض الشراح أنه من كلام البخاري المصنف وليس كذلك فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق أحمد بن إبراهيم بن ملحان عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه فذكر الموصول والمرسل جميعا على الصواب كما أخرجه أبو داود، ووقع لأبي نعيم في مستخرجه تخبيط، فإنه أخرجه من الوجه الذي أخرجه منه الإسماعيلي فاقتصر في الإسناد الموصول على المتن المرسل وهو قوله: "حمى النقيع" وليس هذا من حديث ابن عباس عن الصعب، وإنما هو بلاغ للزهري كما تقدم. وقد أخرجه سعيد بن منصور من رواية عبد الرحمن بن الحارث عن الزهري جامعا بين الحديثين، وأخرجه البيهقي من طريق سعيد ونقل عن البخاري أنه وهم، قال البيهقي: لأن قوله حمى النقيع من قول الزهري يعني من بلاغه، ثم روى من حديث ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع لخيل المسلمين ترعى فيه" وفي إسناده العمري وهو ضعيف، وكذا أخرجه أحمد من طريقه. قوله: "النقيع" بالنون المفتوحة، وحكى الخطابي أن بعضهم صحفه فقال بالموحدة، وهو على عشرين فرسخا من المدينة وقدره ميل في ثمانية أميال ذكر ذلك ابن وهب في موطئه، وأصل النقيع كل موضع يستنقع فيه الماء، وفي الحديث ذكر النقيع الخضمات وهو الموضع الذي جمع فيه أسعد بن زرارة بالمدينة، والمشهور أنه غير النقيع الذي فيه الحمى وحكى ابن الجوزي أن بعضهم قال إنهما واحد، قال والأول أصح. قوله: "وأن عمر حمى الشرف والربذة" هو معطوف على الأول، وهو من بلاغ الزهري أيضا، وقد ثبت وقوع الحمى من عمر كما سيأتي في أواخر الجهاد من طريق أسلم "أن عمر استعمل مولى له على الحمى" الحديث. والشرف بفتح المعجمة والراء بعدها فاء في المشهور، وذكر عياض أنه عند البخاري بفتح المهملة وكسر الراء، قال وفي موطأ ابن وهب بفتح المعجمة والراء قال: وكذا رواه بعض رواة البخاري أو أصلحه وهو الصواب، وأما سرف فهو موضع بقرب مكة ولا تدخله الألف واللام، والربذة بفتح الراء والموحدة بعدها ذال معجمة موضع معروف بين مكة والمدينة تقدم ضبطه، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة.

(5/45)


باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار
...
12 - باب: شُرْبِ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ مِنْ الأَنْهَارِ
2371- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ بِهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ. وَرَجُلٌ

(5/45)


رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلاَ ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الإِسْلاَمِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}
[الحديث 2371 - أطرافه في:2860 ، 3646 ، 4962 ، 4963 ، 7356]
2372- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَ فَشَأْنَكَ بِهَا قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا"
قوله: "باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار" أراد بهذه الترجمة أن الأنهار الكائنة في الطرق لا يختص بالشرب منها أحد دون أحد، ثم أورد فيه حديثين: أحدهما عن أبي هريرة في ذكر الخيل وسيأتي الكلام عليه مفصلا في الجهاد، والمقصود منه قوله فيه: "ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي" فإنه يشعر بأن من شأن البهائم طلب الماء ولم يرد ذلك صاحبها، فإذا أجر على ذلك من غير قصد فيؤجر بقصده من باب الأولى، فثبت المقصود من الإباحة المطلقة. ثانيها حديث زيد بن خالد في اللقطة وسيأتي فيها مشروحا، والمقصود منه قوله فيه: "معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر" .

(5/46)


13 - باب: بَيْعِ الْحَطَبِ وَالْكَلاَ
2373- حدثنا معلى بن أسد حدثنا وهيب عن هشام عن أبيه عن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لأن يأخذ أحدكم أحبلا فيأخذ حزمة من حطب فيبيع فيكف الله به وجهه خير من أن يسأل الناس أعطي أم منع"
2374- حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن بن شهاب عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه"
2375- حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني ابن شهاب عن علي بن حسين بن علي عن أبيه حسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أنه قال "أصبت

(5/46)


شارفاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغنم يوم بدر ، قال: وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شارفاً أخرى ، فأنختهما يوماً عند باب رجل من الأنصار وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخراً لأبيعه ، ومعي صائغ من بني قينقاع فأستعين به على وليمة فاطمة ، وحمزة بن عبد المطلب يشرب في ذلك البيت معه قينة. فقالت: ألا يا حمزة للشرف النواء ، فثار إليهما حمزة بالسيف فجب أسنمتهما وبقر خواصرهما ، ثم أخذ من أكبادهما – قلت لابن شهاب. ومن السنام. قال: قد جب أسنمتهما فذهب بها - قال ابن شهاب قال علي رضي الله عنه: فنظرت إلى منظر أفظعني ، فأتيت نبي الله وعنده زيد بن حارثة فأخبرته الخبر ، فخرج ومعه زيد ، فانطلقت معه فدخل على حمزة فتغيظ عليه ، فرفع حمزة بصره وقال: هل أنتم إلا عبيد لآبائي! فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقهقر حتى خرج عنهم ، وذلك قبل تحريم الخمر"
قوله: "باب بيع الحطب والكلأ" بفتح الكاف واللام بعده همزة بغير مد وهو العشب رطبه ويابسه. وموقع هذه الترجمة من كتاب الشرب اشتراك الماء والحطب والمرعى في جواز انتفاع الناس بالمباحات منها من غير تخصيص، قال ابن بطال: إباحة الاحتطاب في المباحات والاختلاف من نبات الأرض متفق عليه حتى يقع ذلك في أرض مملوكة فترتفع الإباحة، ووجهه أنه إذا ملك بالاحتطاب والاحتشاش فلأن يملك بالإحياء له أولى. ثم أورد فيه المصنف ثلاثة أحاديث: أولها وثانيها حديث الزبير بن العوام وأبي هريرة بمعناه في الترغيب في الاكتساب بالاحتطاب، وقد تقدم الكلام عليهما في كتاب الزكاة. ثالثها حديث علي في قصة شارفيه مع حمزة بن عبد المطلب، والشاهد منه قوله: "وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرا لأبيعه" فإنه دال على ما ترجم به من جواز الاحتطاب والاحتشاش، وسيأتي الكلام على شرحه مستوفى في آخر كتاب الجهاد في فرض الخمس إن شاء الله تعالى.

(5/47)


14 - باب: الْقَطَائِعِ
2376- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَتْ الأَنْصَارُ: حَتَّى تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا قَالَ: سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي"
[الحديث 2376 - أطرافه في: 2377 ، 3163 ، 3794]
قوله: "باب القطائع" مع قطيعة تقول قطعته أرضا جعلتها له قطيعة، والمراد به ما يخص به الإمام بعض الرعية من الأرض الموات فيختص به ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه. واختصاص الإقطاع بالموات متفق عليه في كلام الشافعية، وحكى عياض أن الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئا لمن يراه أهلا لذلك، قال: وأكثر ما يستعمل في الأرض، وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه إما بأن يملكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة انتهى. قال السبكي: والثاني هو الذي يسمى في زماننا هذا إقطاعا، ولم أر أحدا من أصحابنا ذكره.

(5/47)


وتخريجه على طريق فقهي مشكل. قال: والذي يظهر أنه يحصل للمقطع بذلك اختصاص كاختصاص المتحجر، لكنه لا يملك الرقبة بذلك انتهى. وبهذا جزم المحب الطبري. وادعى الأذرعي نفي الخلاف في جواز تخصيص الإمام بعض الجند بغلة أرض إذا كان مستحقا لذلك والله أعلم. قوله: "عن يحيي بن سعيد" هو الأنصاري، ووقع للبيهقي من وجه آخر عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه التصريح بالتحديث لحماد من يحيى. قوله: "أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع من البحرين" يعني للأنصار. وفي رواية البيهقي "دعا الأنصار ليقطع لهم البحرين" وللإسماعيلي: "ليقطع لهم البحرين أو طائفة منها" وكأن الشك فيه من حماد، فسيأتي للمصنف في الجزية من طريق زهير عن يحيى بلفظ: "دعا الأنصار ليكتب لهم البحرين" ولهم في مناقب الأنصار من رواية سفيان عن يحيى "إلى أن يقطع لهم البحرين" وظاهره أنه أراد أن يجعلها لهم إقطاعا. واختلف في المراد بذلك، فقال الخطابي: يحتمل أنه أراد الموات منها ليتملكوه بالإحياء، ويحتمل أن يكون أراد العامر منها لكن في حقه من الخمس؛ لأنه كان ترك أرضها فلم يقسمها. وتعقب بأنها فتحت صلحا كما سيأتي في كتاب الجزية، فيحتمل أن يكون المراد أنه أراد أن يخصهم بتناول جزيتها، وبه جزم إسماعيل القاضي وابن قرقول، ووجهه ابن بطال بأن أرض الصلح لا تقسم فلا تملك. وقال ابن التين: إنما يسمى إقطاعا إذا كان من أرض أو عقار، وإنما يقطع من الفيء ولا يقطع من حق مسلم ولا معاهد. قال: وقد يكون الإقطاع تمليكا وغير تمليك، وعلى الثاني يحمل إقطاعه صلى الله عليه وسلم الدور بالمدينة، كأنه يشير إلى ما أخرجه الشافعي مرسلا ووصله الطبراني "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أقطع الدور" يعني أنزل المهاجرين في دور الأنصار برضاهم انتهى. وسيأتي في أواخر الخمس حديث أسماء بنت أبي بكر "أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير أرضا من أموال بني النضير" يعني بعد أن أجلاهم. والظاهر أنه ملكه إياها وأطلق عليها إقطاعا على سبيل المجاز والله أعلم. والذي يظهر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخص الأنصار بما يحصل من البحرين أما الناجز يوم عرض ذلك عليهم فهو الجزية لأنهم كانوا صالحوا عليها، وأما بعد ذلك إذا وقعت الفتوح فخراج الأرض أيضا، وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم ذلك في عدة أراض بعد فتحها وقبل فتحها، منها إقطاعه تميما الداري بيت إبراهيم، فلما فتحت في عهد عمر نجز ذلك لتميم، واستمر في أيدي ذريته من ابنته رقية، وبيدهم كتاب من النبي صلى الله عليه وسلم، بذلك، وقصته مشهورة ذكرها ابن سعد وأبو عبيد في "كتاب الأموال" وغيرهما. قوله: "مثل الذي تقطع لنا" زاد في رواية البيهقي "فلم يكن ذلك عنده" يعني سبب قلة الفتوح يومئذ كما في رواية الليث التي في الباب الذي يلي هذا، وأغرب ابن بطال فقال: معناه أنه لم يرد فعل ذلك لأنه كان أقطع المهاجرين أرض بني النضير. قوله: "سترون بعدي أثرة" بفتح الهمزة والمثلثة على المشهور، وأشار صلى الله عليه وسلم بذلك إلى ما وقع من استئثار الملوك من قريش عن الأنصار بالأموال والتفضيل في العطاء وغير ذلك فهو من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في مناقب الأنصار إن شاء الله تعالى.

(5/48)


باب القطائع
...
15 - باب: كِتَابَةِ الْقَطَائِعِ
2377- وَقَالَ: اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ

(5/48)


النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي"
قوله: "باب كتابة القطائع" أي لتكون توثقة بيد المقطع دفعا للنزاع عنه. قوله: "وقال الليث" م أره موصولا من طريقه. قال الإسماعيلي وغيره: أورده عن الليث غير موصول، زاد أبو نعيم: وكأنه أخذه عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه. واعترض على المصنف بأن رواية الليث لا ذكر للكتابة فيها، وأجيب بأنها مذكورة في الشق الثاني، وبأنه جرى على عادته في الإشارة إلى ما يرد في بعض الطرق، وقد تقدم أنه عنده في الجزية من رواية زهير، وهو عند أحمد عن أبي معاوية عن يحيى بن سعيد والله أعلم. وفي الحديث فضيلة ظاهرة للأنصار لتوقفهم عن الاستئثار بشيء من الدنيا دون المهاجرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم كانوا: {يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} فحصلوا في الفضل على ثلاث مراتب: إيثارهم على أنفسهم، ومواساتهم لغيرهم، والاستئثار عليهم. وسيأتي الكلام على ما يتعلق بالبحرين في كتاب الجزية إن شاء الله تعالى.

(5/49)


16 - باب: حَلَبِ الإِبِلِ عَلَى الْمَاءِ
2378- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَال:َ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مِنْ حَقِّ الإِبِلِ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ"
قوله: "باب حلب الإبل على الماء" أي عند الماء، والحلب بفتح اللام الاسم والمصدر سواء قاله ابن فارس، تقول حلبتها أحلبها حلبا بفتح اللام. قوله: "أن تحلب" بضم أوله على البناء للمجهول، وهو بالحاء المهملة في جميع الروايات، وأشار الداودي إلى أنه روي بالجيم وقال: أراد أنها تساق إلى موضع سقيها، وتعقب بأنه لو كان كذلك لقال أن تحلب إلى الماء لا على الماء، وإنما المراد حلبها هناك لنفع من يحضر من المساكين، ولأن ذلك ينفع الإبل أيضا، وهو نحو النهي عن الجداد بالليل، أراد أن تجد نهارا لتحضر المساكين. قوله: "على الماء" زاد أبو نعيم في "المستخرج" والبرقاني في "المصافحة" من طريق المعافى بن سليمان عن فليح "يوم ورودها" وساق البرقاني بهذا الإسناد ثلاثة أحاديث أخر في نسق، وقد تقدم معنى حديث الباب في الزكاة من طريق الأعرج عن أبي هريرة مطولا وفيه: "ومن حقها أن تحلب على الماء" وتقدم شرحه هناك.

(5/49)


باب الجل يكون له ممر أم شرب في حائط أو في نخل
...
17 - باب: الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَمَرٌّ أَوْ شِرْبٌ فِي حَائِطٍ أَوْ فِي نَخْلٍ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ فَلِلْبَائِعِ الْمَمَرُّ وَالسَّقْيُ حَتَّى يَرْفَعَ وَكَذَلِكَ رَبُّ الْعَرِيَّةِ"
2379- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ"

(5/49)