Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب المظالم
باب قصاص المظالم
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
46 - كِتَاب الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ
في المظالم والغضب، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} : رَافِعِي الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب المظالم. في المظالم والغصب" كذا للمستملي، وسقط "كتاب" لغيره، وللنسفي "كتاب الغصب باب في المظالم". والمظالم جمع مظلمة مصدر ظلم يظلم واسم لما أخذ بغير حق، والظلم وضع الشيء في غير موضعه الشرعي، والغصب أخذ حق الغير بغير حق. قوله: "وقول الله عز وجل: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} - إلى – {عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} " كذا لأبي ذر. وساق غيره الآية. قوله: " {مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ} : رافعي رءوسهم، المقنع والمقمح واحد" سقط للمستملي والكشميهني قوله: "رافعي رءوسهم" وهو تفسير مجاهد أخرجه الفريابي من طريقه وهو قول أكثر أهل اللغة والتفسير وكذا قاله أبو عبيدة في "المجاز" واستشهد بقول الراجز:
أنهض نحوي رأسه وأقنعا ... كأنما أبصر شيئا أطمعا
وحكى ثعلب أنه مشترك، يقال أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع إذا طأطأه، ويحتمل أن يراد الوجهان: أن يرفع رأسه ينظر، ثم يطأطئه ذلا وخضوعا قاله ابن التين، وأما قوله: "المقنع والمقمح واحد" فذكره أبو عبيدة أيضا في "المجاز" في تفسير سورة يس وزاد: معناه أن يجذب الذقن حتى تصير في الصدر ثم يرفع رأسه، وهذا يساعد قول ابن التين لكنه بغير ترتيب. قوله: "وقال مجاهد: مهطعين مديمي النظر. وقال غيره: مسرعين" ثبت هذا هنا لغير أبي ذر ووقع له هو في ترجمة الباب الذي بعده، وتفسير مجاهد وصله الفريابي أيضا، وأما تفسير غيره فالمراد به أبو عبيدة أيضا فكذا قاله واستشهد عليه، وهو قول قتادة والمعروف في اللغة، ويحتمل أن يكون المراد كلا من الأمرين، وقال ثعلب: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع لا يقطع بصره. قوله: "وأفئدتهم هواء يعني جوفا لا عقول لهم" وهو تفسير أبي عبيدة أيضا في "المجاز" واستشهد بقول حسان:
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء
والهواء الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، أي لا قوة في قلوبهم ولا جراءة. وقال ابن عرفة: معناه نزعت أفئدتهم من أجوافهم.
1 - باب: قِصَاصِ الْمَظَالِمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {مُهْطِعِينَ} مُدِيمِي النَّظَرِ وَيُقَالُ مُسْرِعِينَ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} يَعْنِي جُوفًا لاَ عُقُولَ لَهُمْ {وَأَنْذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ

(5/95)


ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلاَ تَحْسِبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}
2440- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا"
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ
[الحديث 2440- طرفه في: 6535]
قوله: "باب قصاص المظالم" يعني يوم القيامة، ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري، وقد ترجم عليه في كتاب الرقاق "باب القصاص يوم القيامة" ويأتي الكلام عليه هناك. وقوله: "بقنطرة" الذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن تكون من غيره بين الصراط والجنة. وقوله: "فيتقاصون" بتشديد المهملة يتفاعلون من القصاص، والمراد به تتبع ما بينهم من المظالم وإسقاط بعضها ببعض. وقوله: "حتى إذا نقوا" بضم النون بعدها قاف من التنقية، ووقع للمستملي هنا "تقصوا" بفتح المثناة والقاف وتشديد المهملة أي أكملوا التقاص. قوله: "وهذبوا" أي خلصوا من الآثام بمقاصصة بعضها ببعض، ويشهد لهذا الحديث قوله في حديث جابر الآتي ذكره في التوحيد "لا يحل لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد قبله مظلمة" والمراد بالمؤمنين هنا بعضهم، وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى: قوله: "وقال يونس بن محمد الخ" وصله ابن منده في كتاب الإيمان، وأراد البخاري به تصريح قتادة عن أبي المتوكل بالتحديث، واسم أبي المتوكل علي بن دؤاد بضم الدال بعدها همزة.

(5/96)


2 - باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}
2441- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "فِي النَّجْوَى فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ"
[الحديث 2441- أطرافه في: 4685 ، 6070 ، 7514]
قوله: "باب قول الله تعالى: {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} " ذكر فيه حديث ابن عمر "يدني الله المؤمن فيضع عليه كنفه" الحديث وسيأتي الكلام عليه مستوفى في التوحيد، وفي كتاب الرقاق الإشارة إليه. قوله في هذه الرواية:

(5/96)


"كنفه" بفتح النون والفاء عند الجميع، ووقع لأبي ذر عن الكشميهني بكسر المثناة وهو تصحيف قبيح قاله عياض. ووجه دخوله في أبواب الغصب الإشارة إلى أن عموم قوله هنا "أغفرها لك" مخصوص بحديث أبي سعيد الماضي في الباب قبله.

(5/97)


3 - باب: لاَ يَظْلِمُ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ وَلاَ يُسْلِمُهُ
2442- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
[الحديث 2442- طرفه في: 6951]
قوله: "باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه" بضم أوله يقال: أسلم فلان فلانا إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه، وهو عام في كل من أسلم لغيره، لكن غلب في الإلقاء إلى الهلكة. قوله: "المسلم أخو المسلم" هذه أخوة الإسلام، فإن كل اتفاق بين شيئين يطلق بينهما اسم الأخوة، ويشترك في ذلك الحر والعبد والبالغ والمميز. قوله: "لا يظلمه" هو خبر بمعنى الأمر، فإن ظلم المسلم للمسلم حرام، وقوله: "ولا يسلمه" أي لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك الظلم، وقد يكون ذلك واجبا وقد يكون مندوبا بحسب اختلاف الأحوال، وزاد الطبراني من طريق أخرى عن سالم "ولا يسلمه في مصيبة نزلت به" ولمسلم في حديث أبي هريرة "ولا يحقره" وهو بالمهملة والقاف، وفيه: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" . قوله: "ومن كان في حاجة أخيه" في حديث أبي هريرة عند مسلم: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" . قوله: "ومن فرج عن مسلم كربة" أي غمة، والكرب هو الغم الذي يأخذ النفس، وكربات بضم الراء جمع كربة ويجوز فتح راء كربات وسكونها. قوله: "ومن ستر مسلما" أي رآه على قبيح فلم يظهره أي للناس، وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه، ويحمل الأمر في جواز الشهادة عليه بذلك على ما إذا أنكر عليه ونصحه فلم ينته عن قبيح فعله ثم جاهر به، كما أنه مأمور بأن يستتر إذا وقع منه شيء، فلو توجه إلى الحاكم وأقر لم يمتنع ذلك، والذي يطهر أن الستر محله في معصية قد انقضت، والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها فيجب الإنكار عليه وإلا رفعه إلى الحاكم، وليس من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة، وفيه إشارة إلى ترك الغيبة لأن من أظهر مساوئ أخيه لم يستره. قوله: "ستره الله يوم القيامة" في حديث أبي هريرة عند الترمذي "ستره الله في الدنيا والآخرة" وفي الحديث حض على التعاون وحسن التعاشر والألفة، وفيه أن المجازاة تقع من جنس الطاعات، وأن من حلف أن فلانا أخوه وأراد أخوة الإسلام لم يحنث. وفيه حديث عن سويد بن حنظلة في أبي داود في قصة له مع وائل بن حجر.

(5/97)


4 - باب: أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا
2443- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا"
[الحديث 2443- طرفاه في: 2444 ، 6952]
2444- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ"
قوله: "باب أعن أخاك ظالما أو مظلوما" ترجم بلفظ الإعانة، وأورد الحديث بلفظ النصر، فأشار إلى ما ورد في بعض طرقه، وذلك فيما رواه خديج بن معاوية - وهو بالمهملة وآخره جيم مصغر - عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا: "أعن أخاك ظالما أو مظلوما" الحديث أخرجه ابن عدي، وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من الوجه الذي أخرجه منه البخاري بهذا اللفظ. قوله: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" كذا أورده مختصرا عن عثمان، وأخرجه الإسماعيلي من طرق عنه كذلك، وسيأتي في الإكراه من طريق أخرى عن هشيم عن عبيد الله وحده وفيه من الزيادة "فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره" وهكذا أخرجه أحمد عن هشيم عن عبيد الله وحده، وأخرجه الإسماعيلي من طرق أخرى عن هشيم عنهما نحوه. قوله: في الطريق الثانية "قال يا رسول الله" في رواية أبي الوقت في البخاري "قالوا" وفي الرواية التي في الإكراه "فقال رجل" ولم أقف على تسميته، قوله: "فقال تأخذ فوق يديه" كنى به عن كفه عن الظلم بالفعل إن لم يكف بالقول، وعبر بالفوقية إشارة إلى الأخذ بالاستعلاء والقوة، وفي رواية معاذ عن حميد عند الإسماعيلي: "فقال يكفه عن الظلم، فذاك نصره إياه" ولمسلم في حديث جابر نحو الحديث وفيه: "إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصرة" قال ابن بطال: النصر عند العرب الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة، قال البيهقي: معناه أن الظالم مظلوم في نفسه فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حسا ومعنى، فلو رأى إنسانا يريد أن يجب نفسه لظنه أن ذلك يزيل مفسدة طلبه الزنا مثلا منعه من ذلك وكان ذلك نصرا له، واتحد في هذه الصورة الظالم والمظلوم. وقال ابن المنير: فيه إشارة إلى أن الترك كالفعل في باب الضمان وتحته فروع كثيرة. "تنبيه": ذكر مسلم في روايته من طريق أبي الزبير عن جابر سببا لحديث الباب يستفاد منه زمن وقوعه، وسيأتي ذكره في تفسير المنافقين إن شاء الله تعالى. "لطيفة": ذكر المفضل الضبي في كتابه "الفاخر" أن أول من قال: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول شاعرهم:
إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم ... على القوم لم أنصر أخي حين يظلم

(5/98)


3 - باب: نَصْرِ الْمَظْلُومِ
2445- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدٍ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ فَذَكَرَ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ وَرَدَّ السَّلاَمِ وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ وَإِجَابَةَ الدَّاعِي وَإِبْرَارَ الْمُقْسِمِ"
2446- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ"
قوله: "باب نصر المظلوم" هو فرض كفاية، وهو عام في المظلومين، وكذلك في الناصرين بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح، ويتعين أحيانا على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخير، وشرط الناصر أن يكون عالما بكون الفعل ظلما. ويقع النصر مع وقوع الظلم وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه كمن أنفذ إنسانا من يد إنسان طالبه بمال ظلما وهدده إن لم يبذله، وقد يقع بعد وهو كثير ثم أورد المصنف فيه حديثين. أحدهما حديث البراء في الأمر بسبع والنهي عن سبع فذكره مختصرا وسيأتي الكلام على شرحه مستوفى في كتاب الأدب واللباس إن شاء الله تعالى، والمقصود منه هنا قوله: "ونصر المظلوم" . ثانيهما حديث أبي موسى "المؤمن للمؤمن كالبنيان" وسيأتي الكلام عليه في الأدب إن شاء الله تعالى. وقوله: "يشد بعضه" في رواية الكشميهني يشد بعضهم بصيغة الجمع.

(5/99)


باب الانتصار من الظالم لقوله جل ذكره(لا يحب الله الجهر بالسوء ...الأية)
...
6 - باب: الِانْتِصَارِ مِنْ الظَّالِمِ لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ:
{لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا
قوله: "باب الانتصار من الظالم، لقوله جل ذكره: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ. وَالَّذِينَ} يعني وقوله والذين "{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} " أما الآية الأولى فروى الطبري من طريق السدي قال في قوله: "إلا من ظلم" أي فانتصر بمثل ما ظلم به فليس عليه ملام، وعن مجاهد "إلا من ظلم" فانتصر فإن له أن يجهر بالسوء، وعنه نزلت في رجل نزل بقوم فلم يضيفوه فرخص له أن يقول فيهم. قلت: ونزولها في واقعة عين لا يمنع حملها على عمومها. وعن ابن عباس المراد بالجهر من القول الدعاء فرخص للمظلوم أن يدعو على من ظلمه، وأما الآية الثانية فروى الطبري من طريق السدي أيضا في قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} قال: يعني ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا. وفي الباب حديث أخرجه النسائي وابن ماجة بإسناد حسن من طريق التيمي عن عروة عن عائشة قالت: "دخلت على زينب بنت جحش فسبتني، فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فأبت" فقال لي سبيها. فسببتها حتى جف ريقها في فمها فرأيت وجهه يتهلل" . قوله: "وقال إبراهيم" أي النخعي "كانوا" أي السلف "يكرهون أن يستذلوا" بالذال

(5/99)


المعجمة من الذل وهو بضم أوله وفتح المثناة، وهذا الأثر وصله عبد بن حميد وابن عيينة في تفسيرهما في تفسير الآية المذكورة.

(5/100)


باب عفو المظلوم لقوله تعالى (إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ... الأية)
...
7 - باب: عَفْوِ الْمَظْلُومِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء 149] وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}
[الشورى 40 - 44]
قوله: باب عفو المظلوم لقوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} أي وقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا إلخ} وكأنه يشير إلى ما أخرجه الطبري عن السدي في قوله: {أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} أي عن ظلم، وروى ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} قال: إذا شتمك شتمته بمثلها من غير أن تعتدي {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} وعن الحسن رخص له إذا سبه أحد أن يسبه. وفي الباب حديث أخرجه أحمد وأبو داود من طريق عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: ما من عبد ظلم مظلمة فعفا عنها إلا أعز الله بها نصره" .

(5/100)


8 - باب: الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
2447- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
قوله: "باب الظلم ظلمات يوم القيامة" أورد فيه حديث ابن عمر بهذا اللفظ من غير مزيد، وقد رواه أحمد من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر وزاد في أوله "يا أيها الناس اتقوا الظلم" وفي رواية: "إياكم والظلم" وأخرجه البيهقي في "الشعب" من هذا الوجه وزاد فيه: قال محارب أظلم الناس من ظلم لغيره. وأخرجه مسلم من حديث جابر في أول حديث بلفظ: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح" الحديث، مال ابن الجوزي: الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة، والمعصية فيه أشد من غيرها لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا.

(5/100)


8 - بَاب: الِاتِّقَاءِ وَالْحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ
2448- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ

(5/100)


10 - باب: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلَمَتَهُ؟
2449- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ"
قَالَ: أَبُو عَبْد اللَّهِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: "إِنَّمَا سُمِّيَ الْمَقْبُرِيَّ لِأَنَّهُ كَانَ نَزَلَ نَاحِيَةَ الْمَقَابِرِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَسَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ"
[الحديث 2449- طرفه في: 6534]
قوله: "باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له هل يبين مظلمته" ؟ المظلمة بكسر اللام على المشهور، وحكى ابن قتيبة وابن التين والجوهري فتحها وأنكره ابن القوطية، ورأيت بخط مغلطاي أن القزاز حكى الضم أيضا. وقوله: "هل يبين" فيه إشارة إلى الخلاف في صحة الإبراء من المجهول، وإطلاق الحديث يقوي قول من ذهب إلى صحته، وقد ترجم بعد باب "إذا حلله ولم يبين كم هو" وفيه إشارة إلى الإبراء من المجمل أيضا، وزعم ابن بطال أن في حديث الباب حجة لاشتراط التعيين، لأن قوله: "مظلمة" يقتضي أن تكون معلومة القدر مشارا إليها ا هـ. ولا يخفى ما فيه. قال ابن المنير: إنما وقع في الحديث التقدير حيث يقتص المظلوم من الظالم حتى يأخذ منه بقدر حقه، وهذا متفق عليه، والخلاف إنما هو فيما إذا أسقط المظلوم حقه في الدنيا هل يشترط أن يعرف قدره أم لا؟ وقد أطلق ذلك في الحديث. نعم قام الإجماع على صحة التحليل من المعين المعلوم، فإن كانت العين موجودة صحت هبتها دون الإبراء منها. قوله: "من كانت له مظلمة لأخيه" اللام في قوله: "له" بمعنى على، أي من كانت عليه مظلمة لأخيه، وسيأتي في الرقاق من رواية مالك عن المقبري بلفظ: "من كانت عنده مظلمة لأخيه" ، والترمذي من طريق زيد بن أبي أنيسة عن المقبري "رحم الله عبدا كانت له عند أخيه مظلمة". قوله: "من عرضه أو شيء" أي من الأشياء، وهو من عطف العام على الخاص فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها. وفي رواية الترمذي "من عرض أو مال" . قوله: "قبل أن لا يكون دينار ولا درهم" أي يوم القيامة، وثبت ذلك في رواية علي بن الجعد عن ابن أبي ذئب عند الإسماعيلي. قوله: "أخذ من سيئات صاحبه" أي صاحب المظلمة "فحمل عليه" أي على الظالم، وفي رواية مالك "فطرحت عليه" ، وهذا الحديث قد أخرج مسلم معناه من وجه آخر وهو أوضح سياقا من هذا

(5/101)


ولفظه: "المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه وطرح في النار" ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} لأنه إنما يعاقب بسبب فعله وظلمه ولم يعاقب بغير جناية منه بل بجنايته، فقوبلت الحسنات بالسيئات على ما اقتضاه عدل الله تعالى في عباده، وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. قوله: "قال إسماعيل بن أبي أويس: إنما سمي المقبري إلخ" ثبت هذا في رواية الكشميهني وحده، وإسماعيل المذكور من شيوخ البخاري.

(5/102)


11 - باب: إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ
2450- حدثنا محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} قالت: "الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك"
[الحديث 2450- أطرافه في: 2694 ، 4601 ، 5206]
قوله: "باب إذا حلله من ظلمه فلا رجوع فيه" أي معلوما عند من يشترطه أو مجهولا عند من يجيزه، وهو فيما مضى باتفاق، وأما فيما سيأتي ففيه الخلاف. ثم أورد المصنف حديث عائشة في قصة التي تختلع من زوجها وسيأتي الكلام عليه في تفسير سورة النساء، ومحمد شيخه هو ابن مقاتل، وعبد الله هو ابن المبارك. ومطابقته للترجمة من جهة إن الخلع عقد لازم فلا يصح الرجوع فيه، ويلتحق به كل عقد لازم كذلك، كذا قال الكرماني فوهم، ومورد الحديث والآية إنما هو في حق من تسقط حقها من القسمة، وليس من الخلع في شيء، فمن ثم وقع الإشكال فقال الداودي: ليست الترجمة بمطابقة للحديث، ووجهه ابن المنير بأن الترجمة تتناول إسقاط الحق من المظلمة الفائتة والآية مضمونها إسقاط الحق المستقبل حتى لا يكون عدم الوفاء به مظلمة لسقوطه، قال ابن المنير: لكن البخاري تلطف في الاستدلال فكأنه يقول إذا نفذ الإسقاط في الحق المتوقع فلأن ينفذ في الحق المحقق أولى. قلت: وسيأتي الكلام على هبة المرأة يومها في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى.

(5/102)


باب إذا أذن له أو أحل ولم يبين كم هو
...
12 - باب: إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ أَحَلَّهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ
2451- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ - وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ - فَقَالَ لِلْغُلاَمِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ فَقَالَ الْغُلاَمُ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ"
قوله: "باب إذا أذن له" أي في استيفاء حقه "أو أحله" في رواية الكشميهني: "أو أحل له". "ولم يبين كم

(5/102)


13 - باب: إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنْ الأَرْضِ
2452- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ ظَلَمَ مِنْ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"
[الحديث 2452– طرفه في: 3198]
2453- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبْ الأَرْضَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"
[الحديث 2453- طرفه في: 3195]
2454- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَخَذَ مِنْ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ" . قال: الفربري قال: أبو جعفر بن أبي حاتم قال أبو عبد الله: هذا الحديث ليس بخراسان في كتب ابن المبارك، أملى عليهم بالبصرة.
[الحديث 2454- طرفه في: 3196]
قوله: "باب إثم من ظلم شيئا من الأرض" كأنه يشير إلى توجيه تصوير غصب الأرض، خلافا لمن قال لا يمكن ذلك. قوله: "حدثني طلحة بن عبد الله" أي ابن عوف، وكذا هو عند أحمد عن أبي اليمان، زاد الحميدي في مسنده من وجه آخر في هذا الحديث: "وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف". قوله: "عبد الرحمن بن عمرو بن سهل" هو المدني، وقد ينسب إلى جده، وقد نسبه المزي أنصاريا ولم أر ذلك في شيء من طرق حديثه، بل في رواية ابن إسحاق التي سأذكرها ما يدل على أنه قرشي، وقد ذكر الواقدي فيمن قتل بالحرة عبد الملك بن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر العامري القرشي وأظنه ولد هذا، وكانت الحرة بعد هذه القصة بنحو من عشر سنين، وليس لعبد الرحمن هذا في صحيح البخاري سوى هذا الحديث الواحد. وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق

(5/103)


14 - باب إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لِآخَرَ شَيْئًا جَازَ
2455- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَبَلَةَ كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَصَابَنَا سَنَةٌ فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الإِقْرَانِ إِلاَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ"
[الحديث 2455- أطرافه في: 2489 ، 2490 ، 5446]
2456- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ "أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلاَمٌ لَحَّامٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَامِسَ خَمْسَةٍ وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ هَذَا قَدْ اتَّبَعَنَا أَتَأْذَنُ لَهُ قَالَ: نَعَمْ"
قوله: "باب إذا أذن إنسان لآخر شيئا جاز" قال ابن التين: نصب "شيئا" على نزع الخافض، والتقدير في شيء كقوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} وأورد المصنف فيه حديثين.أحدهما لابن عمر في النهي عن القران، والمراد به أن لا يقرن تمرة بتمرة عند الأكل لئلا يجحف برفقته، فإن أذنوا له في ذلك جاز لأنه حقهم فلهم أن يسقطوه، وهذا يقوي مذهب من يصحح هبة المجهول، وسيأتي الكلام على الحديث مستوفى في كتاب الأطعمة مع بيان حال قوله: "إلا أن يستأذن" ومن قال: إنه مدرج إن شاء الله تعالى. ثانيهما حديث أبي مسعود في قصة الجزار الذي عمل الطعام والرجل الذي تبعهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أتأذن له" وسيأتي الكلام عليه في الأطعمة أيضا، وقوله فيه: "وأبصر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم: " هي جملة حالية أي أنه قال لغلامه "اصنع لي" في حال رؤيته تلك، وقوله: "فتبعهم رجل فقال إن هذا اتبعنا" بتشديد التاء، قال ابن التين: هو افتعل من تبع وهو بمعناه، وخبط الداودي هنا لظنه أنها همزة قطع فقال: معنى اتبعنا سار معنا، وتبعهم أي لحقهم، وأطال ابن التين في تعقب كلامه.

(5/106)


15 - باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [204 البقرة]: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}
2457- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ"
[الحديث 2457- طرفاه في: 4533 ، 7188]
قوله: "باب قول الله تعالى :{وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} " الألد الشديد اللدد أي الجدال، مشتق من اللديدين وهما صفحتا العنق، والمعنى أنه من أي جانب أخذ من الخصومة قوي، وقيل غير ذلك في معناه. حديث عائشة "أن أبغض الرجال الألد الخصم" بفتح المعجمة وكسر المهملة أي الشديد الخصومة، وسيأتي مستوفى في

(5/106)


تفسير سورة البقرة إن شاء الله تعالى.

(5/107)


16 - باب: إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ
2458- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ َلْيَتْرُكْهَا"
[الحديث 2458- أطرافه في: 2680 ، 6967 ، 7169 ، 7181 ، 7185]
قوله: "باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه" أورد فيه حديث أم سلمة "فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض" وفيه: "فإنما هي قطعة من النار" وهو ظاهر فيما ترجم به، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى.

(5/107)


17 - باب: إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ
2459- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ"
قوله: "باب إذا خاصم فجر" أي ذم من إذا خاصم فجر أو إثمه، أورد فيه حديث عبد الله بن عمرو في صفة المنافقين، وفيه: "وإذا خاصم فجر" وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان.

(5/107)


18 - باب: قِصَاصِ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: يُقَاصُّهُ، وَقَرَأَ {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [126 النحل]
2460- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ فَقَالَ: لاَ حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ"
2461- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ

(5/107)


باب ما جاء في السقائف و جلس النبي في سقيفة بني ساعدة
...
19 - باب: مَا جَاءَ فِي السَّقَائِفِ وَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ
2462- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ "أَخْبَرَهُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ"
[الحديث 2462- أطرافه في: 3445 ، 3928 ، 4021 ، 6829 ، 6830 ، 7323]
قوله: "باب ما جاء في السقائف" جمع سقيفة وهي المكان المظلل كالساباط أو الحانوت بجانب الدار، وكأنه أشار إلى أن الجلوس في الأمكنة العامة جائز، وأن اتخاذ صاحب الدار ساباطا أو مستظلا جائز إذا لم يضر المارة. قوله: "وجلس النبي صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة" هو طرف من حديث لسهيل بن سعد أسنده المؤلف في الأشربة في أثناء حديث، وخفي ذلك على الإسماعيلي فقال: ليس في الحديث - يعني حديث عمر - أنه صلى الله عليه وسلم جلس في السقيفة انتهى. والسبب في غفلته عن ذلك أنه حذف الحديث المعلق الذي أشرت إليه واقتصر على الحديث المرفوع عن عمر الموصول، مع أن البخاري لم يترجم بجلوس النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترجم بما جاء في السقائف، ثم ذكر الحديث المصرح بجلوس النبي صلى الله عليه وسلم وأورده معلقا، ثم بالحديث الذي فيه أن الصحابة جلسوا فيها وأورده موصولا، فكأن الإسماعيلي ظن أن قوله: "وجلس" من كلام البخاري لا أنه حديث معلق، وسقيفة بني ساعدة كانوا يجتمعون فيها؛ وكانت مشتركة بينهم، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم معهم فيها عندهم. قوله: "حدثني مالك وأخبرني يونس" أي ابن يزيد عن

(5/109)


ابن شهاب، يعني أن كلا منهما رواه لابن وهب عن ابن شهاب، وكان ابن وهب حريصا على التفرقة بين التحديث والإخبار مراعاة للاصطلاح، ويقال إنه أول من اصطلح على ذلك بمصر. قوله: "أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة" هو مختصر من قصة بيعة أبي بكر الصديق، وسيأتي في الهجرة وفي كتاب الحدود بطوله ونستوفي شرحه هناك إن شاء الله تعالى، والغرض منه أن الصحابة استمروا على الجلوس في السقيفة المذكورة، وقال الكرماني: مطابقة الحديث للترجمة أن الجلوس في السقيفة العامة ليس ظلما.

(5/110)


20 - باب: لاَ يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ
2463- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَاللَّهِ لاَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ"
[الحديث 2463- طرفاه في: 5627 ، 5628]
قوله: "باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره" كذا لأبي ذر بالتنوين على إفراد الخشبة، ولغير بصيغة الجمع وهو الذي في حديث الباب، قال ابن عبد البر. روي اللفظان في "الموطأ" والمعنى واحد لأن المراد بالواحد الجنس انتهى. وهذا الذي يتعين للجمع بين الروايتين، وإلا فالمعنى قد يختلف باعتبار أن أمر الخشبة الواحدة أخف في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير، وروى الطحاوي عن جماعة من المشايخ أنهم رووه بالإفراد، وأنكر ذلك عبد الغني بن سعيد فقال: الناس كلهم يقولونه بالجمع إلا الطحاوي، وما ذكرته من اختلافه الرواة في الصحيح يرد على عبد الغني بن سعيد إلا إن أراد خاصا من الناس كالذين روى عنهم الطحاوي فله اتجاه. قوله: "عن ابن شهاب" كذا في "الموطأ" وقال خالد بن مخلد عن مالك "عن أبي الزناد" بدل الزهري. وقال بشر بن عمرو عن مالك "عن الزهري عن أبي سلمة" بدل الأعرج، ووافقه هشام بن يوسف عن مالك ومعمر عن الزهري، ورواه الدار قطني في "الغرائب" وقال: المحفوظ عن مالك الأول. وقال في "العلل": رواه هشام الدستوائي عن معمر "عن الزهري عن سعيد بن المسيب" بدل الأعرج، وكذا قال عقيل عن الزهري. وقال ابن أبي حفصة "عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن" بدل الأعرج والمحفوظ عن الزهري عن الأعرج وبذلك جزم ابن عبد البر أيضا، ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون عند الزهري عن الجميع. قوله: "ولا يمنع" بالجزم على أن "لا" ناهية، ولأبي ذر بالرفع على أنه خبر بمعني النهي، ولأحمد "لا يمنعن" بزيادة نون التوكيد وهي تؤيد رواية الجزم. قوله: "جار جاره إلخ" استدل به على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه جاز سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع أجبر وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية والشافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان أشهرهما اشتراط إذن المالك فإن امتنع لم يجبر وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب والنهي على التنزيه جمعا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه وفيه نطر كما سيأتي، وجزم الترمذي وأبي عبد البر عن الشافعي بالقول القديم وهو نصه في البويطي، قال البيهقي: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن نخصها، وقد حمله الراوي على ظاهره، وهو أعلم بالمراد

(5/110)


بما حدث به، يشير إلى قول أبي هريرة "ما لي أراكم عنها معرضين" . قوله: "ثم يقول أبو هريرة" في رواية ابن عيينة عند أبي داود "فنكسوا رءوسهم" ولأحمد "فلما حدثهم أبو هريرة بذلك طأطؤوا رءوسهم" . قوله: "عنها" أي عن هذه السنة أو عن هذه المقالة. قوله: "لأرمينها" في رواية أبي داود "لألقينها" أي لأشيعن هذه المقالة فيكم ولأقرعنكم بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته. قوله: "بين أكتافكم" قال ابن عبد البر: رويناه في "الموطأ" بالمثناة وبالنون. والأكناف بالنون جمع كنف بفتحها وهو الجانب، قال الخطابي: معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنها أي الخشبة على رقابكم كارهين، قال وأراد بذلك المبالغة، وبهذا التأويل جزم إمام الحرمين تبعا لغيره وقال: إن ذلك وقع من أبي هريرة حين كان يلي إمرة المدينة، وقد وقع عند ابن عبد البر من وجه آخر "لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم" وهذا يرجح التأويل المتقدم، واستدل المهلب من المالكية بقول أبي هريرة "ما لي أراكم عنها معرضين" بأن العمل كان في ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، قال: لأنه لو كان على الوجوب لما جهل الصحابة تأويله ولا أعرضوا عن أبي هريرة حين حدثهم به، فلولا أن الحكم قد تقرر عندهم بخلافه لما جاز عليهم جهل هذه الفريضة فدل على أنهم حملوا الأمر في ذلك علي الاستحباب انتهى. وما أدري من أين له أن المعرضين كانوا صحابة وأنهم كانوا عددا لا يجهل مثلهم الحكم، ولم لا يجوز أن يكون الذين خاطبهم أبو هريرة بذلك كانوا غير فقهاء، بل ذلك هو المتعين، وإلا فلو كانوا صحابة أو فقهاء ما واجههم بذلك. وقد قوى الشافعي في القديم القول بالوجوب بأن عمر قضى به ولم يخالفه أحد من أهل عصره فكان اتفاقا منهم على ذلك انتهى. ودعوى الاتفاق هنا أولى من دعوى المهلب، لأن أكثر أهل عصر عمر كانوا صحابة، وغالب أحكامه منتشرة لطول ولايته، وأبو هريرة إنما كان يلي إمرة المدينة نيابة عن مروان في بعض الأحيان، وأشار الشافعي إلى ما أخرجه مالك ورواه هو عنه بسند صحيح أن الضحاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجا له فيمر به في أرض محمد بن مسلمة، فكلمه عمر في ذلك فأبى، فقال: والله ليمرن به ولو على بطنك، فحمل عمر الأمر على ظاهره وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه. وفي دعوى العمل على خلافه نظر، فقد روى ابن ماجة والبيهقي من طريق عكرمة بن سلمة أن أخوين من بني المغيرة أعتق أحدهما إن غرز أحد في جداره خشبا، فأقبل مجمع بن جارية ورجال كثير من الأنصار فقالوا: شهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. الحديث، فقال الآخر: يا أخي قد علمت أنك مقضي لك علي وقد حلفت، فاجعل أسطوانا دون جداري فاجعل عليه خشبك. وروى ابن إسحاق في مسنده والبيهقي من طريقه عن يحيى بن جعدة أحد التابعين قال: أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا من شئت من الأنصار يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهاه أن يمنعه، فجبر على ذلك. وقيد بعضهم الوجوب بما إذا تقدم استئذان الجار في ذلك مستندا إلى ذكر الأذن في بعض طرقه، وهو في رواية ابن عيينة عند أبي داود وعقيل أيضا وأحمد عند عبد الرحمن بن مهدي عن مالك " من سأله جاره " وكذا لابن حبان من طريق الليث عن مالك، وكذا لأبي عوانة من طريق زياد بن سعد عن الزهري، وأخرجه البزار من طريق عكرمة عن أبي هريرة، ومنهم من حمل الضمير في جداره على صاحب الجذع أي لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلا ولا يخفى بعده، وقد تعقبه ابن التين بأنه إحداث قول ثالث في معنى الخبر، وقد رده أكثر أهل الأصول، وفيما قال نظر لأن لهذا

(5/111)


القائل أن يقول: هذا مما يستفاد من عموم النهي لا أنه المراد فقط والله أعلم. ومحل الوجوب عند من قال به أن يحتاج إليه الجار ولا يضع عليه ما يتضرر به المالك ولا يقدم على حاجة المالك، ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى نقب الجدار أو لا، لأن رأس الجذع يسد المنفتح ويقوي الجدار

(5/112)


21 - باب: صَبِّ الْخَمْرِ فِي الطَّرِيقِ
2464- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى أَخْبَرَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلاَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ قَالَ فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الْآيَةَ"
[الحديث 2464- أطرافه في: 4617 ، 4620 ، 5580 ، 5582 ، 5583 ، 5584 ، 5600 ، 5622 ، 7253]
قوله: "باب صب الخمر في الطريق" أي المشتركة، إذا تعين ذلك طريقا لإزالة مفسدة تكون أقوى من المفسدة الحاصلة بصبها. قوله: "حدثنا محمد بن عبد الرحيم" هو المعروف بصاعقة، وشيخه عفان من كبار شيوخ البخاري وأكثر ما يحدث عنه في الصحيح بواسطة. قوله: "كنت ساقي القوم" سيأتي تسمية من عرف منهم في كتاب الأشربة مع الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قوله: "فجرت في سكك المدينة" أي طرقها، وفي السياق حذف تقديره حرمت (1) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها فأريقت فجرت ، وسيأتي مزيد بيان لذلك في تفسير المائدة. قال المهلب: إنما صبت الخمر في الطريق للإعلان برفضها وليشهر تركها، وذلك أرجح في المصلحة من التأذي بصبها في الطريق.
ـــــــ
(1) بهامش طبعة بولاق: قوله "وفي السياق حذف إلخ" لعله كتب على رواية أبي ذر، فالرواية التي هنا ليست كذلك

(5/112)


22 - باب: أَفْنِيَةِ الدُّورِ وَالْجُلُوسِ فِيهَا، وَالْجُلُوسِ عَلَى الصُّعُدَاتِ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَابْتَنَى أَبُو بَكْرٍ مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ
فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ
2465- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ فَقَالُوا مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلاَمِ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ"
[الحديث 2465– طرفه في: 6229]

(5/112)


باب الآبار التي على الطريق إذا لم يتأذ بها
...
23 - باب: الْآبَارِ عَلَى الطُّرُقِ إِذَا لَمْ يُتَأَذَّ بِهَا
2466- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلاَ خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لاَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ"

(5/113)


قوله: "باب الآبار" بمدة وتخفيف الموحدة، ويجوز بغير مد وتسكين الموحدة بعدها همزه وهو الأصل في هذا الجمع. قوله: "التي على الطريق إذا لم يتأذ بها" بضم أول "يتأذ" على البناء للمجهول، أي إن حفرها جائز في طرق المسلمين لعموم النفع بها إذا لم يحصل بها تأذ لأحد منهم. وذكر فيه حديث أبي هريرة في الذي وجد بئرا في الطريق فنزل فيها فشرب ثم سقى الكلب، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الشرب، وقوله في هذه الرواية: "يلهث يأكل الثرى" يجوز أن يكون خبرا ثانيا وأن يكون حالا، وقوله: "في كل ذات كبد" أي في إرواء كل ذات كبد.

(5/114)


24 - باب: إِمَاطَةِ الأَذَى
وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمِيطُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ
قوله: "باب إماطة الأذى" أي إزالته. قوله: "وقال همام إلخ" هو طرف من حديث وصله المصنف في الجهاد في باب من أخذ بالركاب بلفظ: "وتميط الأذى عن الطريق صدقة" وسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. ووقع في حديث أبي صالح عن أبي هريرة في ذكر شعب الإيمان "أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" ومعنى كون الإماطة صدقة أنه تسبب إلى سلامة من يمر به من الأذى، فكأنه تصدق عليه بذلك فحصل له أجر الصدقة. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإمساك عن الشر صدقة على النفس.

(5/114)


25 - باب: الْغُرْفَةِ وَالْعُلِّيَّةِ الْمُشْرِفَةِ وَغَيْرِ الْمُشْرِفَةِ فِي السُّطُوحِ وَغَيْرِهَا
2467- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "أَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي أَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ"
2468- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ لَهُمَا {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فَحَجَجْتُ مَعَه فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ فَتَبَرَّزَ حَتَّى جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الإِدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ. فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فَقَالَ وَا عَجَبِاً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الْحَدِيثَ يَسُوقُهُ فَقَالَ إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنْ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الأَمْرِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ. وَكُنَّا مَعْشَرَ

(5/114)


26 - باب: مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى الْبَلاَطِ أَوْ بَابِ الْمَسْجِدِ
2470- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ الْبَلاَطِ فَقُلْتُ هَذَا جَمَلُكَ فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ: قَالَ الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَكَ"
قوله: "باب من عقل بعيره على البلاط" بفتح الموحدة وهي حجارة مفروشة كانت عند باب المسجد، وقوله: "أو باب المسجد" هو بالاستنباط من ذلك، وأشار به إلى ما ورد في بعض طرقه، وأورد فيه طرفا من حديث جابر في قصة جمله الذي باعه النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الشروط، وغرضه هنا قوله: "فعقلت الجمل في ناحية البلاط" فإنه يستفاد منه جواز ذلك إذا لم يحصل به ضرر.

(5/117)


27 - باب: الْوُقُوفِ وَالْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ
2471- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ: لَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا"

(5/117)


28 - باب: مَنْ أَخَذَ الْغُصْنَ وَمَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ فَرَمَى بِهِ
2472- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ"
قوله: "باب من أخذ الغصن وما يؤذي الناس في الطريق فرمى به" في رواية الكشميهني: "من أخر" بتشديد المعجمة بعدها راء، وأورد فيه حديث أبي هريرة في ذلك بلفظ: "غصن شوك" وفي حديث أنس عند أحمد "أن شجرة كانت على طريق الناس تؤذيهم فأتى رجل فعزلها" وقد تقدم في أواخر أبواب الأذان مع الكلام عليه. وقوله: "فغفر له" وقع في حديث أنس المذكور "ولقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة" وينظر في هذه الترجمة وفي التي قبلها بثلاثة أبواب وهي إماطة الأذى. وكأن تلك أعم من هذه لعدم تقييدها بالطريق وإن تساويا في فضل عموم المزال، وفيه أن قليل الخير يحصل به كثير الأجر، قال ابن المنير: إنما ترجم به لئلا يتخيل أن الرمي بالغصن وغيره مما يؤدي تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيمتنع، فأراد أن يبين أن ذلك لا يمتنع لما فيه من الندب إليه، وقد روى مسلم من حديث أبي برزة قال: "قلت يا رسول الله دلني على عمل أنتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين" . "تنبيه": أبو عقيل بفتح المهملة بعدها قاف اسمه بشير بفتح أوله وبالمعجمة ابن عقبة، وسيأتي في الشركة قريبا زهرة بن معبد وكنيته أبو عقيل أيضا وهو غير هذا.

(5/118)


29 - باب: إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ وَهِيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا الْبُنْيَانَ فَتُرِكَ مِنْهَا للطَّرِيقُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ
2473- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ"
قوله: "باب إذا اختلفوا في الطريق الميتاء" بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها مثناة ومد بوزن مفعال من الإتيان والميم زائدة، قال أبو عمرو الشيباني: الميتاء أعظم الطرق وهي التي يكثر مرور الناس بها. وقال غيره: هي الطريق الواسعة وقيل العامرة. قوله: "وهي الرحبة تكون بين الطريقين ثم يريد أهلها البنيان إلخ" وهو مصير منه إلى اختصاص هذا الحكم بالصورة التي ذكرها، وقد وافقه الطحاوي على ذلك فقال: لم نجد لهذا الحديث معنى أولى من حمله على الطريق التي يراد ابتداؤها إذا اختلف من يبتدئها في قدرها كبلد يفتحها المسلمون وليس فيها طريق مسلوك، وكموات يعطيه الإمام لمن يحييها إذا أراد أن يجعل فيها طريقا للمارة ونحو ذلك. وقال غيره: مراد الحديث أن أهل الطريق إذا تراضوا على شيء كان لهم ذلك، وإن اختلفوا جعل سبعة أذرع، وكذلك الأرض التي

(5/118)


30 - باب: النُّهْبَى بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ وَقَالَ عُبَادَةُ بَايَعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لاَ نَنْتَهِبَ
2474- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ وَهُوَ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ"
[الحديث 2474- طرفه في: 5516]
2475- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَعَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. مِثْلَهُ، إِلاَّ النُّهْبَةَ"

(5/119)


قال الفربري: وجدت بخط أبي جعفر "قال أبو عبد الله: تفسيره أن ينزع منه، يريد الإيمان"
[الحديث 2475- أطرافه في: 5578 ، 6772 ، 6810]
قوله: "باب النهبى بغير إذن صاحبه" أي صاحب الشيء المنهوب، والنهبى بضم النون فعلى من النهب، وهو أخذ المرء ما لبس له جهارا، ونهب مال الغير غير حائز، ومفهوم الترجمة أنه إذا أذن جاز، ومحله في المنهوب المشاع كالطعام يقدم للقوم فلكل منهم أن يأخذ مما يليه ولا يجذب من غيره إلا برضاه، وبنحو ذلك فسره النخعي وغيره، وكره مالك وجماعة النهب في نثار العرس، لأنه إما أن يحمل على أن صاحبه أذن للحاضرين في أخذه فظاهره يقتضي التسوية والنهب يقتضي خلافها، وإما أن يحمل على أنه علق التمليك على ما يحصل لكل أحد، ففي صحته اختلاف فلذلك كرهه. وسيأتي لذلك مزيد بيان في أول كتاب الشركة إن شاء الله تعالى. قوله: "وقال عبادة: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا ننتهب" هذا طرف من حديث وصله المؤلف في "وفود الأنصار" وقد تقدمت الإشارة إليه في أوائل كتاب الإيمان، وكان من شأن الجاهلية انتهاب ما يحصل لهم من الغارات، فوقعت البيعة على الزجر عن ذلك. قوله: "سمعت عبد الله بن يزيد" كذا للأكثر، وللكشميهني وحده "ابن زيد" وهو تصحيف. قوله: "وهو" يعني عبد الله "جده" أي جد عدي لأمه، واسم أمه فاطمة وتكنى أم عدي، وعبد الله بن يزيد هو الخطمي مضى ذكره في الاستسقاء، وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري غير هذا الحديث، وله فيه عن الصحابة غير هذا. وقد اختلف في سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم. وروى هذا الحديث يعقوب بن إسحاق الحضرمي عن شعبة فقال فيه: "عن عدي عن عبد الله بن يزيد عن أبي أيوب الأنصاري" أشار إليه الإسماعيلي، وأخرجه الطبراني، والمحفوظ عن شعبة ليس فيه أبو أيوب. وفيه اختلاف آخر على عدي بن ثابت كما سيأتي في كتاب الذبائح. وفي النهي عن النهبة حديث جابر عند أبي داود بلفظ: "من انتهب فليس منا" وحديث أنس عند الترمذي مثله، وحديث عمران عند ابن حبان مثله، وحديث ثعلبة بن الحكم بلفظ: "إن النهبة لا تحل" عند ابن ماجة، وحديث زيد بن خالد عند أحمد "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النهبة" . قوله: "عن النهبى والمثلة" بضم الميم وسكون المثلثة، ويجوز فتح الميم وضم المثلثة، وسيأتي شرحها في كتاب الذبائح إن شاء الله تعالى. ثم أورد المصنف حديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث، وفيه: "ولا ينتهب نهبة ترفع الناس إليه فيها أبصارهم" ومنه يستفاد التقييد بالإذن في الترجمة لأن رفع البصر إلى المنتهب في العادة لا يكون إلا عند عدم الإذن، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. قوله: "وعن سعيد" يعني ابن المسيب "وأبي سلمة" يعني ابن عبد الرحمن "عن أبي هريرة مثله إلا النهبة" يعني أن الزهري روى الحديث عن هؤلاء الثلاثة عن أبي هريرة فانفرد أبو بكر بن عبد الرحمن بزيادة ذكر النهبة فيه، وظاهره أن الحديث عند عقيل عن الزهري عن الثلاثة على هذا الوجه، وقد أخرجه في الحدود فقال فيه: "عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة مثله إلا النهبة" ورواه مسلم من طريق الأوزاعي عن الزهري عن الثلاثة بتمامه، وكأن الأوزاعي حمل رواية سعيد وأبي سلمة على رواية أبي بكر، والذي فصلها أحفظ منه فهو المحفوظ، وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. قوله: "قال الفربري: وجدت بخط أبي جعفر" هو ابن أبي حاتم وراق البخاري، "قال أبو عبد الله" هو المصنف "تفسيره" أي تفسير النفي في قوله: "لا يزني وهو مؤمن" "أن ينزع منه، يريد

(5/120)


الإيمان(1)" وهذا التفسير تلقاه البخاري من ابن عباس، فسيأتي في أول الحدود "وقال ابن عباس: ينزع منه نور الإيمان" وسنذكر هناك من وصله ومن وافقه على هذا التأويل ومن خالفه إن شاء الله تعالى.

(5/121)


31 - باب: كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الْخِنْزِيرِ
2476- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ"
قوله: "باب كسر الصليب وقتل الخنزير" أورد فيه حديث أبي هريرة "ينزل ابن مريم" وسيأتي شرحه في أحاديث الأنبياء، وقد تقدم من وجه آخر في "باب من قتل الخنزير" في أواخر البيوع. وفي إيراده هنا إشارة إلى أن من قتل خنزيرا أو كسر صليبا لا يضمن لأنه فعل مأمورا به، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأن عيسى عليه السلام سيفعله، وهو إذا نزل كان مقررا لشرع نبينا صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. ولا يخفى أن محل جواز كسر الصليب إذا كان مع المحاربين، أو الذمي إذا جاوز به الحد الذي عوهد عليه، فإذا لم يتجاوز وكسره مسلم كان متعديا لأنهم على تقريرهم على ذلك يؤدون الجزية، وهذا هو السر في تعميم عيسى كسر كل صليب لأنه لا يقبل الجزية، وليس ذلك منه نسخا لشرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل الناسخ هو شرعنا على لسان نبينا لإخباره بذلك وتقريره.

(5/121)


باب هل نكسر الدنان التي فيها خمر أو نخرق الزقاق
...
32 - باب: هَلْ تُكْسَرُ الدِّنَانُ الَّتِي فِيهَا الْخَمْرُ أَوْ تُخَرَّقُ الزِّقَاقُ؟
فَإِنْ كَسَرَ صَنَمًا أَوْ صَلِيبًا أَوْ طُنْبُورًا أَوْ مَا لاَ يُنْتَفَعُ بِخَشَبِهِ وَأُتِيَ شُرَيْحٌ فِي طُنْبُورٍ كُسِرَ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ
2477- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ: عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ قَالُوا عَلَى الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ قَالَ: اكْسِرُوهَا وَأَهْرِقُوهَا قَالُوا أَلاَ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا قَالَ: اغْسِلُوا"
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ "الْحُمُرِ الأَنْسِيَّةِ" بِنَصْبِ الأَلِفِ وَالنُّونِ
[الحديث 2477- أطرافه في: 4196 ، 5497 ، 6148 ، 6331 ، 6891]
2478- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاَثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} الْآيَةَ"
[الحديث 2478- أطرافه في: 4287 ، 4720]
ـــــــ
(1) كانت في طبعة بولاق "أن ينزع منه نور الإيمان" والتصحيح من متن صحيح البخاري

(5/121)


33 - باب: مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ
2480- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"
قوله: "باب من قاتل دون ماله" أي ما حكمه؟ قال القرطبي: "دون" في أصلها ظرف مكان بمعنى تحت، وتستعمل للسببية على المجاز، ووجهه أن الذي يقاتل عن ماله غالبا إنما يجعله خلفه أو تحته ثم يقاتل عليه. قوله: "حدثنا عبد الله بن يزيد" هو المقرئ وأبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، ووقع منسوبا هكذا عند الإسماعيلي. قوله: "عن عكرمة" في رواية الطبري عن أبي الأسود "أن عكرمة أخبره" وليس لعكرمة عن عبد الله بن عمرو وهو ابن العاص في صحيح البخاري غير هذا الحديث الواحد. قوله: "من قتل دون ماله فهو شهيد" قال الإسماعيلي وكذا أخرجه البخاري. وكأنه كتبه من حفظه أو حدث به المقرئ من حفظه فجاء به على اللفظ المشهور، وإلا فقد رواه الجماعة عن المقرئ بلفظ: "من قتل دون ماله مظلوما فله الجنة" قال: ومن أتى به على غير اللفظ الذي اعتيد فهو أولى بالحفظ ولا سيما وفيهم مثل دحيم، وكذلك ما زادوه من قوله: "مظلوما" فإنه لا بد من هذا القيد. وساقه من طريق دحيم وابن أبي عمر وعبد العزيز بن سلام، قلت: وكذلك أخرجه النسائي عن عبيد الله بن فضالة عن المقرئ، وكذلك رواه حيوة بن شريح عن أبي الأسود بهذا اللفظ أخرجه الطبري. نعم للحديث طريق أخرى عن عكرمة أخرجها النسائي باللفظ المشهور، وأخرجه مسلم كذلك من طريق ثابت بن عياض عن عبد الله بن عمرو، وفي روايته قصة قال: "لما كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان - يشير للقتال - فركب خالد بن العاص إلى عبد الله بن عمرو فوعظه، فقال عبد الله بن عمرو: أما علمت.." فذكر الحديث، وأشار بقوله: "ما كان" إلى ما بينه حيوة في روايته المشار إليها فإن أولها "أن عاملا لمعاوية أجرى عينا من ماء ليسقي بها أرضا، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص فأراد أن يخرجه ليجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو ومواليه بالسلاح وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحد" فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي سفيان كما ظهر من رواية مسلم، وكان عاملا لأخيه على مكة والطائف، والأرض المذكورة كانت بالطائف، وامتناع عبد الله بن عمرو من ذلك لما يدخل عليه من الضرر فلا حجة فيه لمن عارض به حديث أبي هريرة فيمن أراد أن يضع جذعه على جدار جاره والله أعلم. وأخرجه النسائي من وجهين آخرين، وأبو داود والترمذي من وجه آخر كلهم عن عبيد الله بن عمرو باللفظ المشهور، وفي رواية لأبي داود والترمذي

(5/123)


"من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد" ولابن ماجة من حديث ابن عمر نحوه، وكأن البخاري أشار إلى ذلك في الترجمة لتعبيره بلفظ: "قاتل" وروى الترمذي وبقية أصحاب السنن من حديث سعيد بن زيد نحوه وفيه ذكر الأهل والدم والدين، وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجة "من أريد ماله ظلما فقتل فهو شهيد" قال النووي: فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلا أو كثيرا وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه، وقال بعض المالكية: لا يجوز إذا طلب الشيء الخفيف. قال القرطبي: سبب الخلاف عندنا هل الإذن في ذلك من باب تغيير المنكر فلا يفترق الحال بين القليل والكثير، أو من باب دفع الضرر فيختلف الحال؟ وحكى ابن المنذر عن الشافعي قال: من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله الاختيار أن يكلمه أو يستغيث، فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله وإلا فله أن يدفعه عن ذلك ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة، لكن ليس له عمد قتله. قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث المجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. وفرق الأوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام فحمل الحديث عليها، وأما في حبال الاختلاف والفرقة فليستسلم ولا يقاتل أحدا. ويرد عليه ما وقع في حديث أبي هريرة عند مسلم بلفظ: "أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه. قال: أرأيت أن قاتلني؟ قال: فاقتله. قال: أرأيت أن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال أرأيت أن قتلته؟ قال: فهو في النار" قال ابن بطال: إنما أدخل البخاري هذه الترجمة في هذه الأبواب ليبين أن للإنسان أن يدفع عن نفسه وماله ولا شيء عليه، فإنه إذا كان شهيدا إذا قتل في ذلك فلا قود عليه ولا دية إذا كان هو القاتل.

(5/124)


باب إذا كسر قصعة أو شيء لغيره
...
34 - باب: إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ
2481- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتْ الْقَصْعَةَ فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ كُلُوا وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ" . وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[الحديث 2481- طرفه في: 5225]
قوله: "باب إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره" أي هل يضمن المثل أو القيمة؟ قوله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه" في رواية الترمذي من طريق سفيان الثوري عن حميد عن أنس "أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها" الحديث وأخرجه أحمد عن ابن أبي عدي ويزيد بن هارون عن حميد به وقال: أظنها عائشة. قال الطيبي: إنما أبهمت عائشة تفخيما لشأنها، وإنه مما لا يخفى ولا يلتبس أنها هي، لأن الهدايا إنما كانت تهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها. قوله: "فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم" لم أقف على اسم الخادم، وأما المرسلة فهي زينب بنت جحش ذكره ابن حزم في "المحلى" من طريق الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن

(5/124)


حميد "سمعت أنس بن مالك أن زينب بنت جحش أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة ويومها جفنة من حيس" الحديث، واستفدنا منه معرفة الطعام المذكور. ووقع قريب من ذلك لعائشة مع أم سلمة، فروى النسائي من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي المتوكل "عن أم سلمة أنها أتت بطعام في صحفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة" الحديث، وقد اختلف في هذا الحديث على ثابت فقيل: عنه عن أنس، ورجح أبو زرعة الرازي فيما حكاه ابن أبي حاتم في "العلل" عنه رواية حماد بن سلمة وقال: إن غيرها خطأ، ففي الأوسط للطبراني من طريق عبيد الله العمري "عن ثابت عن أنس أنهم كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة إذ أتى بصحفة خبز ولحم من بيت أم سلمة، قال: فوضعنا أيدينا وعائشة تصنع طعاما عجلة، فلما فرغنا جاءت به ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها" الحديث. وأخرجه الدار قطني من طريق عمران بن خالد عن ثابت عن أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة معه بعض أصحابه ينتظرون طعاما فسبقتها - قال عمران أكثر ظني أنها حفصة - بصحفة فيها ثريد فوضعتها فخرجت عائشة - وذلك قبل أن يحتجبن - فضربت بها فانكسرت" الحديث. ولم يصب عمران في ظنه أنها حفصة بل هي أم سلمة كما تقدم، نعم وقعت القصة لحفصة أيضا، وذلك فيما رواه ابن أبي شيبة وابن ماجة من طريق رجل من بني سواءة غير مسمى عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فصنعت له طعاما وصنعت له حفصة طعاما فسبقتني، فقلت للجارية انطلقي فأكفئي قصعتها فأكفأتها فانكسرت وانتشر الطعام، فجمعه على النطع فأكلوا، ثم بعث بقصعتي إلى حفصة فقال: خذوا ظرفا مكان ظرفكم" وبقية رجاله ثقات، وهي قصة أخرى بلا ريب، لأن في هذه القصة أن الجارية هي التي كسرت الصحفة وفي الذي تقدم أن عائشة نفسها هي التي كسرتها. وروى أبو داود والنسائي من طريق جسرة بفتح الجيم وسكون المهملة عن عائشة قالت: "ما رأيت صانعة طعاما مثل صفية، أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إناء فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته فقلت: يا رسول الله ما كفارته؟ قال: إناء كإناء وطعام كطعام" إسناده حسن: ولأحمد وأبي داود عنها "فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة" فهذه قصة أخرى أيضا، وتحرر من ذلك أن المراد بمن أبهم في حديث الباب هي زينب لمجيء الحديث من مخرجه وهو حميد عن أنس، وما عدا ذلك فقصص أخرى لا يليق بمن يحقق أن يقول في مثل هذا: قيل المرسلة فلانة وقيل فلانة إلخ من غير تحرير. قوله: "بقصعة" بفتح القاف: إناء من خشب. وفي رواية ابن علية في النكاح عند المصنف "بصحفة" وهي قصعة مبسوطة وتكون من غير الخشب. قوله: "فضربت بيدها فكسرت القصعة" زاد أحمد "نصفين" وفي رواية أم سلمة عند النسائي: "فجاءت عائشة ومعها فهر ففلقت به الصحفة" وفي رواية ابن علية "فضربت التي في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت" والفلق بالسكون الشق، ودلت الرواية الأخرى على أنها انشقت ثم انفصلت. قوله: "فضمها" في رواية ابن علية "فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمكم" ولأحمد "فأخذ الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى فجعل فيها الطعام" ولأبي داود والنسائي من طريق خالد بن الحارث عن حميد نحوه وزاد: "كلوا فأكلوا" . قوله: "وحبس الرسول" زاد ابن علية "حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها". قوله: "فدفع القصعة الصحيحة" زاد ابن علية "إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت" زاد الثوري "وقال: إناء كإناء وطعام كطعام" قال ابن بطال: احتج به الشافعي والكوفيون فيمن استهلك عروضا أو حيوانا فعليه مثل ما استهلك، قالوا: ولا يقضى بالقيمة إلا عند

(5/125)


عدم المثل. وذهب مالك إلى القيمة مطلقا. وعنه في رواية كالأول. وعنه ما صنعه الآدمي فالمثل. وأما الحيوان فالقيمة. وعنه ما كان مكيلا أو موزونا فالقيمة وإلا فالمثل وهو المشهور عندهم. وما أطلقه عن الشافعي فيه نظر، وإنما يحكم في الشيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء، وأما القصعة فهي من المتقومات لاختلاف أجزائها. والجواب ما حكاه البيهقي بأن القصعتين كانتا للنبي صلى الله عليه وسلم في بيتي زوجتيه فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها ولم يكن هناك تضمين، ويحتمل على تقدير أن تكون القصعتان لهما أنه رأى ذلك سدادا بينهما فرضيتا بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك في الزمان الذي كانت العقوبة فيه بالمال كما تقدم قريبا، فعاقب الكاسرة بإعطاء قصعتها للأخرى. قلت: ويبعد هذا التصريح بقوله: "إناء كإناء" وأما التوجيه الأول فيعكر عليه قوله في الرواية التي ذكرها ابن أبي حاتم "من كسر شيئا فهو له وعليه مثله" زاد في رواية الدار قطني "فصارت قضية" وذلك يقتضي أن يكون حكما عاما لكل من وقع له مثل ذلك، ويبقى دعوى من اعتذر عن القول به بأنها واقعة عين لا عموم فيها، لكن محل ذلك ما إذا أفسد المكسور، فأما إذا كان الكسر خفيفا يمكن إصلاحه فعلى الجاني أرشه، والله أعلم. وأما مسألة الطعام فهي محتملة لأن يكون ذلك من باب المعونة والإصلاح دون بت الحكم بوجوب المثل فيه لأنه ليس له مثل معلوم، وفي طرق الحديث ما يدل على ذلك وأن الطعامين كانا مختلفين والله أعلم. واحتج به الحنفية لقولهم إذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وعظم منافعها زال ملك المغصوب عنها وملكها الغاصب وضمنها، وفي الاستدلال لذلك بهذا الحديث نظر لا يخفى، قال الطيبي: وإنما وصفت المرسلة بأنها أم المؤمنين إيذانا بسبب الغيرة التي صدرت من عائشة وإشارة إلى غيرة الأخرى حيث أهدت إلى بيت ضرتها، وقوله: "غارت أمكم" اعتذار منه صلى الله عليه وسلم لئلا يحمل صنيعها على ما يذم، بل يجري على عادة الضرائر من الغيرة فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها، وسيأتي مزيد لما يتعلق بالغيرة في كتاب النكاح حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى. وفي الحديث حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وإنصافه وحلمه، قال ابن العربي: وكأنه إنما لم يؤدب الكاسرة ولو بالكلام لما وقع منها من التعدي لما فهم من أن التي أهدت أرادت بذلك أذى التي هو في بيتها والمظاهرة عليها فاقتصر على تغريمها للقصعة، قال: وإنما لم يغرمها الطعام لأنه كان مهدي فإتلافهم له قبول أو في حكم القبول، وغفل رحمه الله عما ورد في الطرق الأخرى والله المستعان. قوله: "وقال ابن أبي مريم" هو سعيد شيخ البخاري، وأراد بذلك بيان التصريح بتحديث أنس لحميد، وقد وقع تصريحه بالسماع منه لهذا الحديث في رواية جرير بن حازم المذكورة أولا من عند ابن حزم.

(5/126)


باب إذا هدم حائطا فليبني مثله
...
35 - باب: إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ
2482- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ يُصَلِّي فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ لاَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا،

(5/126)


فَوَلَدَتْ غُلاَمًا فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلاَمَ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ؟ قَالَ: الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لاَ إِلاَّ مِنْ طِينٍ"
قوله: "باب إذا هدم حائطا فليبن مثله" أي خلافا لمن قال تلزمه القيمة من المالكية وغيرهم. وأورد المصنف حديث أبي هريرة في قصة جريج الراهب مختصرا، وساقه في أحاديث الأنبياء من هذا الوجه مطولا، ويأتي الكلام عليه هناك مستوفى إن شاء الله تعالى. وموضع الحاجة منه هنا قوله: "فقالوا نبني صومعتك من ذهب، قال: لا إلا من طين" وقال قبل ذلك "فكسروا صومعته" وتوجيه الاحتجاج به أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو كذلك إذا لم يأت شرعنا بخلافه كما تقدم غير مرة، لكن في الاستدلال بقصة جريج فيما ترجم به نظر، قال ابن المنير: الاستدلال بذلك غير ظاهر فيما ترجم له؛ لأنهم عرضوا عليه مالا يلزمهم اتفاقا وهو بناؤها من ذهب، وما أجابهم جريج إلا بقوله: "من طين" وأشار بذلك إلى الصفة التي كانت عليها قال: ولا خلاف أن الهادم لو التزم الإعادة ورضي صاحبه في جواز ذلك. قال: ويحتمل على أصل مالك أن لا يجوز، لأنه فسخ لما وجب ناجزا وهو القيمة إلا ما يتأخر وهو البنيان. قال ابن مالك: في قوله: "لا إلا من طين" شاهد على حذف المجزوم بلا، فإن التقدير لا تبنوها إلا من طين.
"خاتمة": اشتمل كتاب المظالم من الأحاديث المرفوعة على ثمانية وأربعين حديثا. المعلق منها ستة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثمانية وعشرون حديثا، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي سعيد "إذا خلص المؤمنون" وحديث أنس "انصر أخاك" وحديث أبي هريرة "من كانت له مظلمة" وحديث ابن عمر "من أخذ شيئا من الأرض" وحديث عبد الله بن يزيد في النهي عن النهبى والمثلة، وحديث أنس في القصعة المكسورة. وفيه من الآثار سبعة آثار. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(5/127)