Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب العتق
باب في العتق وفضله
...
باب: فِي الْعِتْقِ وَفَضْلِهِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى[13 - 15 البلد] {فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ}
2517- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَشَرَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ - أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ - فَأَعْتَقَهُ"
[الحديث 2517- طرفه في: 6715]
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - في العتق وفضله" كذا للأكثر، زاد ابن شبويه بعد البسملة "باب"، وزاد المستملي قبل البسملة "كتاب العتق" ولم يقل باب، وأثبتهما النسفي. والعتق بكسر المهملة إزالة الملك، يقال عتق يعتق عتقا بكسر أوله ويفتح وعتاقا وعتاقة، قال الأزهري: وهو مشتق من قولهم عتق الفرس إذا سبق وعتق الفرخ إذا طار، لأن الرقيق يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء. قوله: "وقول الله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ} ساق إلى قوله: {مَقْرَبَةٍ} ووقع في رواية أبي ذر {أو أطعم} ولغيره {أَوْ إِطْعَامٌ} وهما قراءتان مشهورتان، والمراد بفك الرقبة تخليص الشخص من الرق من تسمية الشيء باسم بعضه، وإنما خصت بالذكر إشارة إلى أن حكم السيد عليه كالغل في رقبته فإذا أعتق فك الغل من عنقه، وجاء في حديث صحيح "أن فك الرقبة مختص بمن أعان في عتقها حتى تعتق" رواه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعتق النسمة وفك الرقبة. قيل يا رسول الله أليستا واحدة؟ قال: لا، إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها"

(5/146)


وهو في أثناء حديث طويل أخرج الترمذي بعضه وصححه، وإذا ثبت الفضل في الإعانة على العتق ثبت الفضل في التفرد بالعتق من باب الأولى. قوله: "حدثنا واقد بن محمد" أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر أخو عاصم الذي روى عنه، وبذلك صرح الإسماعيلي من طريق معاذ العنبري عن عاصم بن محمد عن أخيه واقد. قوله: "حدثني سعيد ابن مرجانة" بفتح الميم وسكون الراء بعدها جيم وهي أمه، واسم أبيه عبد الله ويكنى سعيد أبا عثمان، وقوله: "صاحب علي بن الحسين" أي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان منقطعا إليه فعرف بصحبته، ووهم من زعم أنه سعيد بن يسار أبو الحباب فإنه غيره عند الجمهور، وليس لسعيد ابن مرجانة في البخاري غير هذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان في التابعين وأثبت روايته عن أبي هريرة، ثم غفل فذكره في أتباع التابعين وقال لم يسمع من أبي هريرة ا هـ. وقد قال هنا "قال لي أبو هريرة" ووقع التصريح بسماعه منه عند مسلم والنسائي وغيرهما فانتفى ما زعمه ابن حبان. قوله: "أيما رجل" في رواية الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن عاصم بن محمد " أيما مسلم: "ووقع تقييده بذلك في رواية مسلم والنسائي من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن سعيد ابن مرجانة. قوله: "عضوا من النار" في رواية مسلم: "عضوا منه من النار" وله من رواية علي بن الحسين عن سعيد ابن مرجانة وستأتي مختصرة للمصنف في كفارات الأيمان "أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه" وللنسائي من حديث كعب بن مرة "وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار عظمين منهما بعظم، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار" إسناده صحيح، ومثله للترمذي من حديث أبي أمامة، وللطبراني من حديث عبد الرحمن بن عوف ورجاله ثقات. قوله: "قال سعيد ابن مرجانة" هو موصول بالإسناد المذكور. قوله: "فانطلقت به" أي بالحديث. وفي رواية مسلم: "فانطلقت حين سمعت الحديث من أبي هريرة فذكرته لعلي" زاد أحمد وأبو عوانة من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن سعيد ابن مرجانة "فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال نعم". قوله: "فعمد علي بن الحسين إلى عبد له" اسم هذا العبد مطرف، وقع ذلك في رواية إسماعيل بن أبي حكيم المذكورة عند أحمد وأبي عوانة وأبي نعيم في مستخرجيهما على مسلم، وقوله: "عبد الله عن ابن جعفر" أي ابن أبي طالب وهو ابن عم والد علي بن الحسين وكانت وفاته سنة ثمانين من الهجرة، ومات سعيد ابن مرجانة سنة سبع وتسعين ومات علي بن الحسين قبله بثلاث أو أربع، وروايته عنه من رواية الأقران، وقوله: "عشرة آلاف درهم أو ألف دينار" شك من الراوي، وفيه إشارة إلى أن الدينار إذ ذاك كان بعشرة دراهم، وقد رواه الإسماعيلي من رواية عاصم بن علي فقال: "عشرة آلاف درهم" بغير شك. قوله: "فأعتقه" في رواية إسماعيل المذكورة "فقال اذهب أنت حر لوجه الله" وفي الحديث فضل العتق، وأن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى خلافا لمن فضل عتق الأنثى محتجا بأن عتقها يستدعي صيرورة ولدها حرا سواء تزوجها حر أو عبد بخلاف الذكر، ومقابله في الفضل أن عتق الأنثى غالبا يستلزم ضياعها، ولأن في عتق الذكر من المعاني العامة ما ليس في الأنثى كصلاحيته للقضاء وغيره مما يصلح للذكور دون الإناث، وفي قوله: "أعتق الله بكل عضو منه عضوا" إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون في الرقبة نقصان ليحصل الاستيعاب، وأشار الخطابي إلى أنه يغتفر النقص المجبور بمنفعة كالخصي مثلا إذا كان ينتفع به فيما لا ينتفع بالفحل، وما قاله في مقام المنع، وقد استنكره النووي وغيره وقال: لا شك أن في عتق الخصي وكل ناقص فضيلة، لكن الكامل أولى. وقال ابن المنير: فيه إشارة إلى أنه ينبغي في

(5/147)


الرقبة التي تكون للكفارة أن تكون مؤمنة، لأن الكفارة منقذة من النار فينبغي أن لا تقع إلا بمنقذة من النار. واستشكل ابن العربي قوله: "فرجه بفرجه" لأن الفرج لا يتعلق به ذنب يوجب له النار إلا الزنا، فإن حمل على ما يتعاطاه من الصغائر كالمفاخذة لم يشكل عتقه من النار بالعتق، وإلا فالزنا كبيرة لا تكفر إلا بالتوبة، ثم قال: فيحتمل أن يكون المراد أن العتق يرجح عند الموازنة بحيث يكون مرجحا لحسنات المعتق ترجيحا يوازي سيئة الزنا ا هـ. ولا اختصاص لذلك بالفرج، بل يأتي في غيره من الأعضاء مما آثاره فيه كاليد في الغصب مثلا. والله أعلم.

(5/148)


2 - باب: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ
2518- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ. قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَعْلاَهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ ضَايِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرّ،ِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ"
قوله: "باب أي الرقاب أفضل" أي للعتق. قوله: "حدثنا عبيد الله بن موسى عن هشام بن عروة" هذا من أعلى حديث وقع في البخاري، وهو في حكم الثلاثيات، لأن هشام بن عروة شيخ شيخه من التابعين وإن كان هنا روى عن تابعي آخر وهو أبوه، وقد رواه الحارث بن أسامة عن عبيد الله بن موسى فقال: "أخبرنا هشام بن عروة" أخرجه أبو نعيم في "المستخرج". قوله: "عن أبيه" أي رواية النسائي من طريق يحيى القطان "عن هشام حدثني أبي". قوله: "عن أبي مراوح" بضم الميم بعدها راء خفيفة وكسر الواو بعدها مهملة، زاد مسلم من طريق حماد بن زيد "عن هشام الليثي" ويقال له أيضا الغفاري، وهو مدني من كبار التابعين لا يعرف اسمه، وشذ من قال اسمه سعد، قال الحاكم أبو أحمد: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره. قلت: وما له في البخاري سوى هذا الحديث، ورجاله كلهم مدنيون إلا شيخه. وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق. وقد أخرجه مسلم من رواية الزهري عن حبيب مولى عروة عن عروة فصار في الإسناد أربعة من التابعين. وفي الصحابة أبو مراوح الليثي غير هذا سماه ابن منده واقدا وعزاه لأبي داود، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق يحيى بن سعيد عن هشام أخبرني أبي أن أبا مراوح أخبره، وذكر الإسماعيلي عددا كثيرا نحو العشرين نفسا رووه عن هشام بهذا الإسناد، وخالفهم مالك فأرسله في المشهور عنه عن هشام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه يحيى بن يحيى الليثي وطائفة عنه عن هشام عن أبيه عن عائشة، ورواه سعيد بن داود عنه عن هشام كرواية الجماعة، قال الدار قطني: الرواية المرسلة عن مالك أصح، والمحفوظ عن هشام كما قال الجماعة. قوله: "عن أبي ذر" في رواية يحيى بن سعيد المذكورة "أن أبا ذر أخبره". قوله: "قال أعلاها" بالعين المهملة للأكثر وهي رواية النسائي أيضا، وللكشميهني بالغين المعجمة وكذا للنسفي، قال ابن قرقول: معناهما متقارب. قلت: وقع لمسلم من طريق حماد بن زيد عن هشام "أكثرها ثمنا" وهو يبين المراد، قال النووي: محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلا فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة أو رقبتين مفضولتين فالرقبتان أفضل، قال: وهذا بخلاف

(5/148)


الأضحية فإن الواحدة السمينة فيها أفضل، لأن المطلوب هنا فك الرقبة وهناك طيب اللحم ا هـ. والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب شخص واحد إذا أعتق انتفع بالعتق وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر عددا منه، ورب محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم، فالضابط أن مهما كان أكثر نفعا كان أفضل سواء قل أو كثر، واحتج به لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت أغلى ثمنا من المسلمة أفضل، وخالفه أصبغ وغيره وقالوا: المراد بقوله أغلى ثمنا من المسلمين، وقد تقدم تقييده بذلك في الحديث الأول. قوله: "وأنفسها عند أهلها" أي ما اغتباطهم بها أشد، فإن عتق مثل ذلك ما يقع غالبا إلا خالصا وهو كقوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . قوله: "قلت فإن لم أفعل" في رواية الإسماعيلي: "أرأيت إن لم أفعل" أي إن لم أقدر على ذلك، أطلق الفعل وأراد القدرة. وللدار قطني في "الغرائب" بلفظ: "فإن لم أستطع". قوله: "تعين ضائعا" بالضاد المعجمة وبعد الألف تحتانية لجميع الرواة في البخاري كما جزم به عياض وغيره، وكذا هو في مسلم، إلا في رواية السمرقندي كما قاله عياض أيضا، وجزم الدار قطني وغيره بأن هشاما رواه هكذا دون من رواه عن أبيه، وقال أبو علي الصدفي ونقلته من خطه: رواه هشام بن عروة بالضاد المعجمة والتحتانية، والصواب بالمهملة والنون كما قاله الزهري. وإذا تقرر هذا فقد خبط من قال من شراح البخاري إنه روي بالصاد المهملة والنون، فإن هذه الرواية لم تقع في شيء من طرقه، وروى الدار قطني من طريق معمر عن هشام هذا الحديث بالضاد المعجمة، قال معمر: كان الزهري يقول صحف هشام وإنما هو بالصاد المهملة والنون. قال الدار قطني: وهو الصواب لمقابلته بالأخرق وهو الذي ليس بصانع ولا يحسن العمل، وقال علي بن المديني: يقولون إن هشاما صحف فيه ا هـ. ورواية معمر عن الزهري عند مسلم كما تقدم وهي بالمهملة والنون، وعكس السمرقندي فيها أيضا كما نقله عياض، وقد وجهت رواية هشام بأن المراد بالضائع ذو الضياع من فقر أو عيال فيرجع إلى معنى الأول، قال أهل اللغة: رجل أخرق لا صنعة له والجمع خرق بضم ثم سكون، وامرأة خرقاء كذلك، ورجل صانع وصنع بفتحتين وامرأة صناع بزيادة ألف. قوله: "فإن لم أفعل" أي من الصناعة أو الإعانة، ووقع في رواية الدار قطني في "الغرائب": "أرأيت أن ضعفت" وهو يشعر بأن قوله إن لم أفعل أي للعجز عن ذلك لا كسلا مثلا. قوله: "تدع الناس من الشر" فيه دليل على أن الكف عن الشر داخل في فعل الإنسان وكسبه حتى يؤجر عليه ويعاقب، غير أن الثواب لا يحصل مع الكف إلا مع النية والقصد لا مع الغفلة والذهول قاله القرطبي ملخصا. قوله: "فإنها صدقة تصدق" بفتح المثناة والصاد المهملة الخفيفة على حذف إحدى التاءين والأصل تتصدق ويجوز تشديدها على الإدغام. وفي الحديث أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان، قال ابن حبان: الواو في حديث أبي ذر هذا بمعنى ثم، وهو كذلك في حديث أبي هريرة أي المتقدم في "باب من قال إن الإيمان هو العمل" وقد تقدم الكلام فيه على طريق الجمع بين ما اختلف من الروايات في أفضل الأعمال هناك، وقيل قرن الجهاد بالإيمان هنا لأنه كان إذ ذاك أفضل الأعمال، وقال القرطبي: تفضيل الجهاد في حال تعينه، وفضل بر الوالدين لمن يكون له أبوان فلا يجاهد إلا بإذنهما، وحاصله أن الأجوبة اختلفت باختلاف أحوال السائلين. وفي الحديث حسن المراجعة في السؤال، وصبر المفتي والمعلم على التلميذ ورفقه به، وقد روى ابن حبان والطبري وغيرهما من طريق أبي إدريس الخولاني وغيره عن أبي ذر حدثنا حديثا طويلا فيه أسئلة كثيرة وأجوبتها تشتمل على فوائد كثيرة: منها سؤاله

(5/149)


عن أي المؤمنين أكمل وأي المسلمين أسلم وأي الهجرة والجهاد والصدقة والصلاة أفضل، وفيه ذكر الأنبياء وعددهم وما أنزل عليهم، وآداب كثيرة من أوامر ونواهي وغير ذلك، قال ابن المنير: وفي الحديث إشارة إلى أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع لأن غير الصانع مظنة الإعانة فكل أحد يعينه غالبا، بخلاف الصانع فإنه لشهرته بصنعته يغفل عن إعانته، فهي من جنس الصدقة على المستور.

(5/150)


3 - باب: مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْعَتَاقَةِ فِي الْكُسُوفِ أَوْ الْآيَاتِ
2519- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: "أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ"
تَابَعَهُ عَلِيٌّ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ هِشَامٍ
2520- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا عَثَّامٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: "كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الْخُسُوفِ بِالْعَتَاقَةِ"
قوله: "باب ما يستحب من العتاقة" بفتح العين ووهم من كسرها، يقال عتق يعتق عتاقا وعتاقة والمراد الإعتاق وهو ملزوم العتاقة. قوله: "في الكسوف أو الآيات" كذا لأبي ذر وأبي شبويه وأبي الوقت وللباقين "والآيات" بغير ألف، و "أو" للتنويع لا للشك؛ وقال الكرماني هي بمعنى الواو وبمعنى بل لأن عطف الآيات على الكسوف من عطف العام على الخاص، وليس في حديث الباب سوى الكسوف، وكأنه أشار إلى قوله في بعض طرقه: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده" وأكثر ما يقع التخويف بالنار فناسب وقوع العتق الذي يعتق من النار، لكن يختص الكسوف بالصلاة المشروعة بخلاف بقية الآيات. قوله: "حدثنا موسى بن مسعود" وهو أبو حذيفة النهدي بفتح النون مشهور بكنيته أكثر من اسمه، وقد تقدم الحديث في الكسوف عن راو آخر عن شيخه زائدة. قوله: "تابعه علي" يعني ابن المديني وهو شيخ البخاري، ووهم من قال المراد به ابن حجر، والدراوردي هو عبد العزيز بن محمد. قوله: "حدثنا محمد بن أبي بكر" هو المقدمي، وعثام بفتح المهملة وتشديد المثلثة هو ابن علي بن الوليد العامري الكوفي ما له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد، وهشام هو ابن عروة، وفاطمة زوجته وهي ابنة عمه، وهذا الحديث مختصر من حديث طويل، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في موضعه وتبين برواية زائدة أن الآمر في رواية عثام هو النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو مما يقوي أن قول الصحابي "كنا نؤمر بكذا" في حكم المرفوع.

(5/150)


4 - باب: إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَمَةً بَيْنَ الشُّرَكَاءِ
2521- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعْتَقُ"

(5/150)


باب إذا أعتق نصيبا في عبد ليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة
...
5 - باب: إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا فِي عَبْدٍ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ عَلَى نَحْوِ الْكِتَابَةِ
2526- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْدٍ.."
2527- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا - أَوْ شَقِيصًا - فِي مَمْلُوكٍ فَخَلاَصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلاَ قُوِّمَ عَلَيْهِ فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ"
تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ وَأَبَانُ وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ عَنْ قَتَادَةَ.. اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ
قوله "باب إذا أعتق نصيبا في عبد وليس له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه، على نحو الكتابة" أشار البخاري بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله في حديث ابن عمر "وإلا فقد عتق منه ما عتق" أي وإلا، فإن كان المعتق لا مال له يبلغ قيمة بقية العبد فقد تنجز عتق الجزء الذي كان يملكه وبقي الجزء الذي لشريكه على ما كان عليه أولا إلى أن يستسعي العبد في تحصيل القدر الذي يخلص به باقيه من الرق إن قوي على ذلك، فإن عجز نفسه استمرت حصة الشريك موقوفة. وهو مصير منه إلى القول بصحة الحديثين جميعا والحكم برفع الزيادتين معا وهو قوله في حديث ابن عمر: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" وقد تقدم بيان من جزم بأنها من جملة الحديث، وبيان من توقف فيها أو جزم بأنها من قول نافع. وقوله في حديث أبي هريرة "فاستسعي به غير مشقوق عليه" وسأبين من جزم بأنها من جملة الحديث ومن توقف فيها أو جزم بأنها من قول قتادة، وقد بينت ذلك في كتابي "المدرج" بأبسط مما هنا. وقد استبعد الإسماعيلي إمكان الجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة ومنع الحكم بصحتهما معا وجزم بأنهما متدافعان، وقد جمع غيره بينهما بأوجه أخر يأتي بيانها في أواخر الباب إن شاء الله تعالى. قوله: "جرير بن حازم سمعت قتادة" سيأتي بعد أبواب من رواية جرير بن حازم عن نافع، فله فيه طريقان، وقد حفظ الزيادة التي في كل منهما وجزم برفع كل منهما. قوله: "عن بشير بن نهيك" بفتح الموحدة وكسر المعجمة وبفتح النون وكسر الهاء وزنا واحدا. قوله: "من أعتق شقيصا من عبد" كذا أورده مختصرا وعطف عليه طريق سعيد عن قتادة، وقد تقدم في الشركة من وجه آخر عن جرير بن حازم وبقيته "أعتق كله إن كان له مال وإلا يستسعي غير مشقوق عليه" وأخرجه الإسماعيلي من طريق بشر بن السري ويحيى بن بكير جميعا عن جرير بن حازم بلفظ: "من أعتق شقصا من غلام وكان للذي أعتقه من المال ما يبلغ قيمة العبد أعتق في ماله، وإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه". قوله: "حدثنا سعيد" هو ابن أبي عروبة. قوله: "عن النضر" في رواية جرير - التي قبلها - عن قتادة "حدثني

(5/156)


النضر". قوله: "وإلا قوم عليه فاستسعي به" في رواية عيسى بن يونس عن سعيد عند مسلم: "ثم يستسعي في نصيب الذي لم يعتق" الحديث. وفي رواية عبدة عند النسائي ومحمد بن بشر عند أبي داود كلاهما عن سعيد "فإن لم يكن له مال قوم ذلك العبد قيمة عدل واستسعي في قيمته لصاحبه" الحديث. قوله: "غير مشقوق عليه" تقدم توجيهه. وقال ابن التين: معناه لا يستغلي عليه في الثمن، وقيل معناه غير مكاتب وهو بعيدا جدا. وفي ثبوت الاستسعاء حجة على ابن سيرين حيث قال: يعتق نصيب الشريك الذي لم يعتق من بيت المال. قوله: "تابعه حجاج بن حجاج وأبان وموسى بن خلف عن قتادة واختصره شعبة" أراد البخاري بهذا الرد على من زعم أن الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ. وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به، فاستظهر له برواية جرير بن حازم بموافقته، ثم ذكر ثلاثة تابعوهما على ذكرها. فأما رواية حجاج فهو في نسخة حجاج بن حجاج عن قتادة من رواية أحمد بن حفص أحد شيوخ البخاري عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج وفيها ذكر السعاية، ورواه عن قتادة أيضا حجاج بن أرطاة أخرجه الطحاوي، وأما رواية أبان فأخرجها أبو داود والنسائي من طريقه قال: حدثنا قتادة أخبرنا النضر بن أنس ولفظه: "فإن عليه أن يعتق بقيته إن كان له مال وإلا استسعي العبد" الحديث، ولأبي داود "فعليه أن يعتقه كله والباقي سواء" وأما رواية موسى بن خلف فوصلها الخطيب في "كتاب الفصل والوصل" من طريق أبي ظفر عبد السلام بن مظهر عنه عن قتادة عن النضر ولفظه: "من أعتق شقصا له في مملوك فعليه خلاصه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعي غير مشقوق عليه" وأما رواية شعبة فأخرجها مسلم والنسائي من طريق غندر عنه عن قتادة بإسناده ولفظه: "عن النبي صلى الله عليه وسلم في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبه قال: يضمن" ، ومن طريق معاذ عن شعبة بلفظ: "من أعتق شقصا من مملوك فهو حر من ماله" وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق الطيالسي عن شعبة وأبو داود من طريق روح عن شعبة بلفظ: "من أعتق مملوكا بينه وبين آخر فعليه خلاصه" وقد اختصر ذكر السعاية أيضا هشام الدستوائي عن قتادة إلا أنه اختلف عليه في إسناده: فمنهم من ذكر فيه النضر بن أنس ومنهم من لم يذكره، وأخرجه أبو داود والنسائي بالوجهين ولفظ أبي داود والنسائي جميعا من طريق معاذ بن هشام عن أبيه "من أعتق نصيبا له في مملوك عتق من ماله إن كان له مال" ولم يختلف على هشام في هذا القدر من المتن، وغفل عبد الحق فزعم أن هشاما وشعبة ذكرا الاستسعاء فوصلاه، وتعقب ذلك عليه ابن المواق فأجاد، وبالغ ابن العربي فقال: اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول قتادة. ونقل الخلال في "العلل" عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد في الاستسعاء، وضعفها أيضا الأثرم عن سليمان بن حرب، واستند إلى أن فائدة الاستسعاء أن لا يدخل الضرر على الشريك قال: فلو كان الاستسعاء مشروعا للزم أنه لو أعطاه مثلا كل شهر درهمين أنه يجوز ذلك، وفي ذلك غاية الضرر على الشريك ا هـ، وبمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة، قال النسائي: بلغني أن هماما رواه فجعل هذا الكلام أي الاستسعاء من قول قتادة، وقال الإسماعيلي: قوله: "ثم استسعي العبد" ليس في الخبر مسندا، وإنما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام. وقال ابن المنذر والخطابي: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن. قلت: ورواية همام قد أخرجها أبو داود عن محمد بن كثير عنه عن قتادة لكنه لم يذكر الاستسعاء أصلا ولفظه: "أن رجلا أعتق شقصا من غلام، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم عتقه وغرمه بقية ثمنه" نعم رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن همام فذكر فيه السعاية وفصلها من الحديث المرفوع أخرجه الإسماعيلي وابن المنذر

(5/157)


والدار قطني والخطابي والحاكم في "علوم الحديث"والبيهقي والخطيب في "الفصل والوصل" كلهم من طريقه ولفظه مثل رواية محمد بن كثير سواء وزاد "قال: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعي العبد قال الدار قطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول ما أحسن ما رواه همام ضبطه وفصل بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وبين قول قتادة، هكذا جزم هؤلاء بأنه مدرج. وأبى ذلك آخرون منهم صاحبا الصحيح فصححا كون الجميع مرفوعا، وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد وجماعة، لأن سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره، وهشام وشعبة إن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينافيا ما رواه، وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس متحدا حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، وسعيد لم ينفرد، وقد قال النسائي في حديث أبي قتادة عن أبي المليح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة: هشام وسعيد أثبت في قتادة من همام، وما أعل به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرد به مردود لأنه في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع ووافقه عليه أربعة تقدم ذكرهم وآخرون معهم لا نطيل بذكرهم، وهمام هو الذي انفرد بالتفصيل، وهو الذي خالف الجميع في القدر المتفق على رفعه فإنه جعله واقعة عين وهم جعلوه حكما عاما، فدل على أنه لم يضبطه كما ينبغي. والعجب ممن طعن في رفع الاستسعاء بكون همام جعله من قول قتادة ولم يطعن فيما يدل على ترك الاستسعاء وهو قوله في حديث ابن عمر في الباب الماضي "وإلا فقد عتق منه ما عتق" بكون أيوب جعله من قول نافع كما تقدم شرحه، ففصل قول نافع من الحديث وميزه كما صنع همام سواء فلم يجعلوه مدرجا كما جعلوا حديث همام مدرجا مع كون يحيى بن سعيد وافق أيوب في ذلك وهمام لم يوافقه أحد، وقد جزم بكون حديث نافع مدرجا محمد بن وضاح وآخرون، والذي يظهر أن الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقا لعمل صاحبي الصحيح، وقال ابن المواق: والإنصاف أن لا نوهم الجماعة بقول واحد مع احتمال أن يكون سمع قتادة يفتي به، فليس بين تحديثه به مرة وفتياه به أخرى منافاة. قلت: ويؤيد ذلك أن البيهقي أخرج من طريق الأوزاعي عن قتادة أنه أفتى بذلك، والجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة ممكن بخلاف ما جزم به الإسماعيلي، قال ابن دقيق العيد: حسبك بما اتفق عليه الشيخان فإنه أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعليلات لا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد عليها مثل تلك التعليلات، وكأن البخاري خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة فأشار إلى ثبوتها بإشارات خفية كعادته، فإنه أخرجه من رواية يزيد بن زريع عنه وهو من أثبت الناس فيه وسمع منه قبل الاختلاط، ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته لينفي عنه التفرد، ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما ثم قال: اختصره شعبة، وكأنه جواب عن سؤال مقدر، وهو أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة فكيف لم يذكر الاستسعاء، فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفا لأنه أورده مختصرا وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد والله أعلم. وقد وقع ذكر الاستسعاء في غير حديث أبي هريرة: أخرجه الطبراني من حديث جابر، وأخرجه البيهقي من طريق خالد بن أبي قلابة عن رجل من بني عذرة، وعمدة من ضعف حديث الاستسعاء في حديث ابن عمر قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" وقد تقدم أنه في حق المعسر وأن المفهوم من ذلك الجزء الذي لشريك المعتق باق على حكمه الأول، وليس فيه التصريح بأن يستمر رقيقا، ولا فيه التصريح بأنه يعتق كله. وقد احتج

(5/158)


بعض من ضعف رفع الاستسعاء بزيادة وقعت في الدار قطني وغيره من طريق إسماعيل بن أمية وغيره عن نافع عن ابن عمر قال في آخره: "ورق منه ما بقي" وفي إسناده إسماعيل بن مرزوق الكعبي وليس بالمشهور عن يحيى بن أيوب وفي حفظه شيء عنهم، وعلى تقدير صحتها فليس فيها أنه يستمر رقيقا، بل هي مقتضى المفهوم من رواية غيره، وحديث الاستسعاء فيه بيان الحكم بعد ذلك فللذي صحح رفعه أن يقول: معنى الحديثين أن المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه بل تبقى حصة شريكه على حالها وهي الرق، ثم يستسعي في عتق بقيته فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده ويدفعه إليه ويعتق، وجعلوه في ذلك كالمكاتب، وهو الذي جزم به البخاري. والذي يظهر أنه في ذلك باختياره لقوله: "غير مشقوق عليه" فلو كان ذلك على سبيل اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك لحصل له بذلك غاية المشقة، وهو لا يلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور لأنها غير واجبة فهذه مثلها، وإلى هذا الجمع مال البيهقي وقال: لا يبقى بين الحديثين معارضة أصلا، وهو كما قال إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة الشريك إذا لم يختر العبد الاستسعاء، فيعارضه حديث أبي المليح عن أبيه "أن رجلا أعتق شقصا له من غلام فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لله شريك" وفي رواية: "فأجاز عتقه" أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد قوي وأخرجه أحمد بإسناد حسن من حديث سمرة "أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو كله، فليس لله شريك" ويمكن حمله على ما إذا كان المعتق غنيا أو على ما إذا كان جميعه له فأعتق بعضه، فقد روى أبو داود من طريق ملقام بن التلب عن أبيه "أن رجلا أعتق نصيبه من مملوك فلم يضمنه النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده حسن، وهو محمول على المعسر وإلا لتعارضا. وجمع بعضهم بطريق أخرى فقال أبو عبد الملك: المراد بالاستسعاء أن العبد يستمر في حصة الذي لم يعتق رقيقا فيسعى في خدمته بقدر ما له فيه من الرق، قالوا ومعنى قوله: "غير مشقوق عليه" أي من وجه سيده المذكور فلا يكلفه من الخدمة فوق حصة الرق، لكن يرد على هذا الجمع قوله في الرواية المتقدمة "واستسعي في قيمته لصاحبه"، واحتج من أبطل الاستسعاء بحديث عمران بن حصين عند مسلم: "أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة" ووجه الدلالة منه أن الاستسعاء لو كان مشروعا لنجز من كل واحد منهم عتق ثلثه وأمره بالاستسعاء في بقية قيمته لورثة الميت، وأجاب من أثبت الاستسعاء بأنها واقعة عين فيحتمل أن يكون قبل مشروعية الاستسعاء، ويحتمل أن يكون الاستسعاء مشروعا إلا في هذه الصورة وهي ما إذا أعتق جميع ما ليس له أن يعتقه، وقد أخرج عبد الرزاق بإسناد رجاله ثقات عن أبي قلابة عن رجل من بني عذرة "أن رجلا منهم أعتق مملوكا له عند موته وليس له مال غيره فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثه وأمره أن يسعى في الثلثين" وهذا يعارض حديث عمران، وطريق الجمع بينهما ممكن. واحتجوا أيضا بما رواه النسائي من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "من أعتق عبدا وله فيه شركاء وله وفاء فهو حر ويضمن نصيب شركائه بقيمته لما أساء من مشاركتهم وليس على العبد شيء، والجواب مع تسليم صحته أنه مختص بصورة اليسار لقوله فيه: "وله وفاء"، والاستسعاء إنما هو في صورة الإعسار كما تقدم فلا حجة فيه، وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء إذا كان المعتق معسرا أبو حنيفة وصاحباه والأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد في رواية وآخرون، ثم اختلفوا فقال الأكثر: يعتق جميعه في الحال ويستسعي العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى فقال: ثم يرجع العبد على المعتق الأول بما أداه للشريك، وقال:

(5/159)


فقال: يعتق كله وتقوم حصة الشريك فتؤخذ إن كان المعتق موسرا، وترتب في ذمته إن كان معسرا.

(5/160)


باب الخطأ والنسيان في العتاقةو الطلاق ونحوه ولا عتاقة ألا لوجة الله تعالى وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لكل امري مانوى) ولا نية للناسي والمخطي
...
6 - باب: الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْعَتَاقَةِ وَالطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ وَلاَ عَتَاقَةَ إِلاَّ لِوَجْهِ اللَّهِ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". وَلاَ نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ
2528- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ"
[الحديث 2528- طرفاه في: 5269 ، 6664]
2529- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"
قوله: "باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه" أي من التعليقات لا يقع شيء منها إلا بالقصد، وكأنه أشار إلى رد ما روي عن مالك أنه يقع الطلاق والعتاق عامدا كان أو مخطئا ذاكرا أو ناسيا، وقد أنكره كثير من أهل مذهبه، قال الداودي: وقوع الخطأ في الطلاق والعتاق أن يريد أن يلفظ بشيء غيرهما فيسبق لسانه إليهما، وأما النسيان ففيما إذا حلف ونسي. قوله: "ولا عتاقة إلا لوجه الله" سيأتي في الطلاق نقل معنى ذلك عن علي رضي الله عنه، وفي الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا: "لا طلاق إلا لعدة، ولا عتاق إلا لوجه الله" وأراد المصنف بذلك إثبات اعتبار النية، لأنه لا يظهر كونه لوجه الله إلا مع القصد، وأشار إلى الرد على من قال: من أعتق عبده لوجه الله أو الشيطان أو للصنم عتق لوجود ركن الإعتاق، والزيادة على ذلك لا تخل بالعتق. قوله: هو طر "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكل امرئ ما نوى" ف من حديث عمر، وقد ذكره في الباب بلفظ: "وإنما لامرئ ما نوى" واللفظ المعلق أورده في أول الكتاب حيث قال فيه: "وإنما لكل امرئ ما نوى" وأورده في أواخر الإيمان بلفظ: "ولكل امرئ ما نوى" و "إنما" فيه مقدرة. قوله: "ولا نية للناسي والمخطئ" وقع في رواية القابسي "الخاطئ" بدل المخطئ، قالوا: المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره والخاطئ من تعمد لما لا ينبغي. وأشار المصنف بهذا الاستنباط إلى بيان أخذ الترجمة من حديث: "الأعمال بالنيات" ويحتمل أن يكون أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض الطرق كعادته، وهو الحديث الذي يذكره أهل الفقه والأصول كثيرا بلفظ: "رفع الله عن أمتي

(5/160)


الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عباس، إلا أنه بلفظ: "وضع" بدل "رفع" وأخرجه الفضل بن جعفر التيمي في فوائده بالإسناد الذي أخرجه به ابن ماجة بلفظ: "رفع" ورجاله ثقات، إلا أنه أعل بعلة غير قادحة، فإنه من رواية الوليد عن الأوزاعي عن عطاء عنه، وقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي فزاد: "عبيد بن عمير" بين عطاء وابن عباس أخرجه الدار قطني والحاكم والطبراني. وهو حديث جليل، قال بعض العلماء: ينبغي أن يعد نصف الإسلام، لأن الفعل إما عن قصد واختيار أو لا، الثاني ما يقع عن خطأ أو نسيان أو إكراه فهذا القسم معفو عنه باتفاق وإنما اختلف العلماء: هل المعفو عنه الإثم أو الحكم أو هما معا؟ وظاهر الحديث الأخير، وما خرج عنه كالقتل فله دليل منفصل، وسيأتي بسط القول في ذلك في كتاب الأيمان والنذور إن شاء الله تعالى. وتقدير قوله: "ولكل امرئ ما نوى" يعتد لكل امرئ ما نوى، وهو يحتمل أن يكون في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط وبحسب هذين الاحتمالين وقع الاختلاف في الحكم. قوله: "عن زرارة بن أوفى" يأتي في الأيمان والنذور بلفظ: "حدثنا زرارة" وهو من ثقات التابعين، كان قاضي البصرة، وليس له في البخاري إلا أحاديث يسيرة. قوله: "ما وسوست به صدورها" أتي في الطلاق بلفظ: "ما حدثت به أنفسها" وهو المشهور، و "صدورها" في أكثر الروايات بالضم، وللأصيلي بالفتح على أن وسوست مضمن معنى حدثت، وحكى الطبري هذا الاختلاف في "حدثت به أنفسها" والضم كقوله تعالى: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} . قوله: "ما لم تعمل أو تكلم" ويأتي في النذور بلفظ: "ما لم تعمل به" والمراد نفي الحرج عما يقع في النفس حتى يقع العمل بالجوارح، أو القول باللسان على وفق ذلك. والمراد بالوسوسة تردد الشيء في النفس من غير أن يطمئن إليه ويستقر عنده، ولهذا فرق العلماء بين الهم والعزم كما سيأتي الكلام عليه في حديث: "من هم بحسنة" ، ومن هنا تظهر مناسبة هذا الحديث للترجمة، لأن الوسوسة لا اعتبار لها عند عدم التوطن فكذلك المخطئ والناسي لا توطن لهما، وزاد ابن ماجة عن هشام بن عمار عن ابن عيينة في آخره: "وما استكرهوا عليه" وأظنها مدرجة من حديث آخر، دخل على هشام حديث في حديث. قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأن الترجمة في النسيان والحديث في حديث النفس، وأجاب الكرماني بأنه أشار إلى إلحاق النسيان بالوسوسة فكما أنه لا اعتبار للوسوسة لأنها لا تستقر فكذلك الخطأ والنسيان لا استقرار لكل منهما، ويحتمل أن يقال: إن شغل البال بحديث النفس ينشأ عن الخطأ والنسيان، ومن ثم رتب على من لا يحدث نفسه في الصلاة ما سبق في حديث عثمان في كتاب الطهارة من الغفران. "تنبيه": ذكر خلف في "الأطراف" أن البخاري أخرج هذا الحديث في العتق عن محمد بن عرعرة عن شعبة عن قتادة، ولم نره فيه، ولم يذكره أبو مسعود ولا الطوقي ولا ابن عساكر، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم، وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفى في كتاب الأيمان والنذور إن شاء الله تعالى. قوله: "عن سفيان" هو الثوري. قوله: "الأعمال بالنية ولامرئ ما نوى" كذا أخرجه بحذف إنما في الموضعين، وقد أخرجه أبو داود عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه فقال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى" . قوله: "إلى دنيا" في رواية الكشميهني: "لدنيا" وهي رواية أبي داود المذكورة، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في أول الكتاب، ويأتي بقية منه في ترك الحيل وغيره إن شاء الله تعالى.

(5/161)


باب إذا قال لعبده هو لله ونوى العتق والإشهاد في العتق
...
7 - باب: إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ هُوَ لِلَّهِ وَنَوَى الْعِتْقَ وَالإِشْهَادِ فِي الْعِتْقِ
2530- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلاَمَ - وَمَعَهُ غُلاَمُهُ - ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلاَمُكَ قَدْ أَتَاكَ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ. قَالَ فَهُوَ حِينَ يَقُولُ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا ... عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ
[الحديث 2530- أطرافه في: 2531 ، 3532 ، 4393]
2531- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا ... عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ
قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلاَمٌ لِي فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلاَمُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلاَمُكَ فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَأَعْتَقْتُهُ"
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ "حُرٌّ"
2532- حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: "لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَعَهُ غُلاَمُهُ - وَهُوَ يَطْلُبُ الإِسْلاَمَ فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ - بِهَذَا وَقَالَ - أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ لِلَّهِ"
قوله "باب إذا قال" أي الشخص "لعبده" وفي رواية الأصيلي وكريمة: "إذا قال رجل لعبده": "هو لله ونوى العتق" أي صح. قوله: "والإشهاد في العتق" قيل هو بجر الإشهاد، أي وباب الإشهاد في العتق، وهو مشكل لأنه إن قدر منونا احتاج إلى خبر، وإلا لزم حذف التنوين من الأول ليصح العطف عليه وهو بعيد، والذي يظهر أن يقرأ: "والإشهاد" بالضم فيكون معطوفا على باب لا على ما بعده، وباب بالتنوين، ويجوز أن يكون التقدير: وحكم الإشهاد في العتق، قال: المهلب لا خلاف بين العلماء إذا قال لعبده هو لله ونوى العتق أنه يعتق، وأما الإشهاد في العتق فهو من حقوق المعتق، وإلا فقد تم العتق وإن لم يشهد. قلت: وكأن المصنف أشار إلى تقييد ما رواه هشيم عن مغيرة "أن رجلا قال لعبده أنت لله، فسئل الشعبي وإبراهيم وغيرهما فقالوا: هو حر" أخرجه ابن أبي شيبة، فكأنه قال محل ذلك إذا نوى العتق، وإلا فلو قصد أنه لله بمعنى غير العتق لم يعتق. قوله: "عن إسماعيل" هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم، ورجاله كوفيون إلا الصحابي. قوله: "لما أقبل يريد

(5/162)


الإسلام" ظاهره أنه لم يكن أسلم بعد. قوله: "ومعه غلامه" لم أقف على اسمه. قوله: "ضل كل واحد" أي ضاع. قوله: "فهو حين يقول" أي الوقت الذي وصل فيه إلى المدينة، وقوله في الطريق الثانية "قلت في الطريق" أي عند انتهائه، وظاهره أن الشعر من نظم أبي هريرة، وقد نسبه بعضهم إلى غلامه حكاه ابن التين، وحكى الفاكهي في "كتاب مكة" عن مقدم بن حجاج السوائي أن البيت المذكور لأبي مرثد الغنوي في قصة له، فعلى هذا فيكون أبو هريرة قد تمثل به. قوله في الشعر "يا ليلة" كذا في جميع الروايات. قال الكرماني: ولا بد من إثبات فاء أو واو في أوله ليصير موزونا، وفيه نظر لأن هذا يسمى في العروض الخرم بالمعجمة المفتوحة والراء الساكنة، وهو أن يحذف من أول الجزء حرف من حروف المعاني، وما جاز حذفه لا يقال لا بد من إثباته، وذلك أمر معروف عند أهله. قوله: "وعنائها" بفتح العين وبالنون والمد أي تعبها، و "دارة الكفر" الدارة أخص من الدار، وقد كثر استعمالها في أشعار العرب كقول امرئ القيس: ولا سيما يوما بدارة جلجل. قوله: في الطريق الثانية "حدثنا عبيد الله بن سعيد" هو أبو قدامة السرخسي كذا في جميع الروايات التي اتصلت لنا "عبيد الله" بالتصغير، وفي "مستخرج أبي نعيم": أخرجه البخاري عن أبي سعيد الأشج، وأبو سعيد اسمه عبد الله مكبر فهذا محتمل، وذكر أبو مسعود وخلف أنه أخرجه هنا عن عبيد بن إسماعيل، وعبيد بغير إضافة ممن يروي في البخاري عن أبي أسامة، إلا أن الذي وقفت عليه هو الذي قدمت ذكره والله أعلم. قوله: "وأبق" بفتح الموحدة وحكى ابن القطاع كسرها. قوله: "قلت هو حر لوجه الله فأعتقه" أي باللفظ المذكور، وليس المراد أنه أعتقه بعد ذلك، وهذه الفاء هي التفسيرية. قوله: "لم يقل أبو كريب عن أبي أسامة حر" وصله في أواخر المغازي فقال: "حدثنا محمد بن العلاء وهو أبو كريب حدثنا أبو أسامة" وساق الحديث وقال في آخره: "هو لوجه الله فأعتقه" وكذا أخرجه أحمد بن حنبل ومحمد بن سعد عن أبي أسامة. وكذا أخرجه الإسماعيلي من وجهين عن أبي أسامة ليس فيه: "حر" وكذا أخرجه أبو نعيم من وجهين عن أبي أسامة أثبت قوله: "حر " في أحدهما، ووقع في بعض النسخ من البخاري "هو حر لوجه الله" وهو خطأ ممن ذكره عن البخاري في هذه الرواية لتصريحه بنفيه عن شيخه بعينه. قوله: في الطريق الأخيرة "فضل أحدهما صاحبه" بالنصب على نزع الخافض، وأصله "من صاحبه" كما في الطريق الأولى، ولو كانت أضل معداة بالهمز لم يحتج إلى تقدير، وقد ثبت كذلك في بعض الروايات، وفي الحديث استحباب العتق عند بلوغ الغرض والنجاة من المخاوف، وفيه جواز قول الشعر وإنشاده والتمثل به والتألم من النصب والسهر وغير ذلك.

(5/163)


8 - باب: أُمِّ الْوَلَدِ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا"
2533- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كانَ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ قَالَ عُتْبَةُ إِنَّهُ ابْنِي فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ

(5/163)


اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَخِي، ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "باب أم الولد" أي هل يحكم بعتقها أم لا؟ أورد فيه حديثين وليس فيهما ما يفصح بالحكم عنده، وأظن ذلك لقوة الخلاف في المسألة بين السلف، وإن كان الأمر استقر عند الخلف على المنع حتى وافق في ذلك ابن حزم ومن تبعه من أهل الظاهر على عدم جواز بيعهن ولم يبق إلا شذوذ. قوله: "وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أشراط الساعة أن تلد الأمة ربها" تقدم موصولا مطولا في كتاب الإيمان بمعناه، وتقدم شرحه هناك مستوفى، وأن المراد بالرب السيد أو المالك، وتقدم أنه لا دليل فيه على جواز بيع أم الولد ولا عدمه، قال النووي: استدل به إمامان جليلان أحدهما على جواز بيع أمهات الأولاد والآخر على منعه، فأما من استدل به على الجواز فقال: ظاهر قوله: "ربها" أن المراد به سيدها لأن ولدها من سيدها ينزل منزلة سيدها لمصير مال الإنسان إلى ولده غالبا، وأما من استدل به على المنع فقال: لا شك أن الأولاد من الإماء كانوا موجودين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه كثيرا، والحديث مسوق للعلامات التي قرب قيام الساعة، فدل على حدوث قدر زائد على مجرد التسري. قال: والمراد أن الجهل يغلب في آخر الزمان حتى تباع أمهات الأولاد فيكثر ترداد الأمة في الأيدي حتى يشتريها ولدها وهو لا يدري، فيكون فيه إشارة إلى تحريم بيع أمهات الأولاد، ولا يخفى تكلف الاستدلال من الطرفين، والله أعلم. ثم أورد المصنف حديث عائشة في قصة ابن وليدة زمعة، وسيأتي شرحه في كتاب الفرائض، والشاهد منه قول عبد بن زمعة "أخي ولد على فراش أبي" وحكمه صلى الله عليه وسلم لابن زمعة بأنه أخوه، فإن فيه ثبوت أمية أم الولد، ولكن ليس فيه تعرض لحريتها ولا لإرقاقها، إلا أن ابن المنير أجاب بأن فيه إشارة إلى حرية أم الولد لأنه جعلها فراشا فسوى بينها وبين الزوجة في ذلك، وأفاد الكرماني أنه رأى في بعض النسخ في آخر الباب ما نصه "فسمى النبي صلى الله عليه وسلم أم ولد زمعة أمة ووليدة فدل على أنها لم تكن عتيقة" أ هـ. فعلى هذا فهو ميل منه إلى أنها لا تعتق بموت السيد، وكأنه اختار أحد التأويلين في الحديث الأول، وقد تقدم ما فيه. قال الكرماني: وبقية كلامه لم تكن عتيقة من هذا الحديث، لكن من يحتج بعتقها في هذه الآية: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يكون له ذلك حجة. قال الكرماني: كأنه أشار إلى أن تقرير النبي صلى الله عليه وسلم عبد بن زمعة على قوله: "أمة أبي" ينزل منزلة القول منه صلى الله عليه وسلم، ووجه الدلالة مما قال أن الخطاب في الآية للمؤمنين، وزمعة لم يكن مؤمنا فلم يكن له ملك يمين فيكون ما في يده في حكم الأحرار. قال: ولعل غرض البخاري أن بعض الحنفية لا يقول: إن الولد في الأمة للفراش، فلا يلحقونه بالسيد، إلا إن أقر به، ويخصون الفراش بالحرة، فإذا احتج عليهم بما في هذا الحديث أن الولد للفراش قالوا: ما كانت أمة بل كانت حرة، فأشار البخاري إلى رد حجتهم هذه بما ذكره. وتعلق الأئمة بأحاديث أصحها حديثان: أحدهما

(5/164)


حديث أبي سعيد في سؤالهم عن العزل كما سيأتي شرحه في كتاب النكاح، وممن تعلق به النسائي في السنن فقال: "باب ما يستدل به على منع بيع أم الولد" فساق حديث أبي سعيد، ثم ساق حديث عمرو بن الحارث الخزاعي كما سيأتي في الوصايا، قال: "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا ولا أمة" الحديث، ووجه الدلالة من حديث أبي سعيد أنهم قالوا: "إنا نصيب سبايا فنحب الأثمان، فكيف ترى في العزل"؟ وهذا لفظ البخاري كما مضى في "باب بيع الرقيق" من كتاب البيوع؛ قال البيهقي: لولا أن الاستيلاء يمنع من نقل الملك وإلا لم يكن لعزلهم لأجل محبة الأثمان فائدة. وللنسائي من وجه آخر عن أبي سعيد "فكان منا من يريد أن يتخذ أهلا، ومنا من يريد البيع، فتراجعنا في العزل" الحديث. وفي رواية لمسلم: "وطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل" وفي الاستدلال به نظر، إذ لا تلازم بين حملهن وبين استمرار امتناع البيع، فلعلهم أحبوا تعجيل الفداء وأخذ الثمن، فلو حملت المسبية لتأخر بيعها إلى وضعها. ووجه الدلالة من حديث عمرو بن الحارث أن مارية أم ولده إبراهيم كانت قد عاشت بعده، فلولا أنها خرجت عن الوصف بالرق لما صح قوله: "أنه لم يترك أمة"، وقد ورد الحديث عن عائشة أيضا عند ابن حبان مثله، وهو عند مسلم لكن ليس فيه ذكر الأمة، وفي صحة الاستدلال بذلك وقفة، لاحتمال أن يكون نجز عتقها، وأما بقية أحاديث الباب فضعيفة، ويعارضها حديث جابر "كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبي صلى الله عليه وسلم حي لا يرى بذلك بأسا" وفي لفظ: "بعنا أمهات الأولاد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا" وقول الصحابي: "كنا نفعل" محمول على الرفع على الصحيح، وعليه جرى عمل الشيخين في صحيحهما ولم يستند الشافعي في القول بالمنع إلا إلى عمر فقال: قلته تقليدا لعمر. قال بعض أصحابه: لأن عمر لما نهى عنه فانتهوا صار إجماعا، يعني فلا عبرة بندور المخالف بعد ذلك، ولا يتعين معرفة سند الإجماع. قوله: "أخذ سعد ابن وليدة" سعد بالرفع والتنوين وابن منصوب على المفعولية ويكتب بالألف، وقوله: "هو لك يا عبد بن زمعة" برفع عبد ويجوز نصبه، وكذا ابن، وكذا قوله يا سودة بنت زمعة. "تنبيهان" أحدهما وقع في نسخة الصغاني هنا "قال أبو عبد الله يعني المصنف: سمى النبي صلى الله عليه وسلم أم ولد زمعة أمة ووليدة فلم تكن عتيقة لهذا الحديث، ولكن من يحتج بعتقها في هذه الآية: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يكون له ذلك حجة". الثاني ذكر المزي في "الأطراف" أن البخاري قال عقب طريق شعيب عن الزهري هذه "وقال الحديث عن يونس عن الزهري" ولم أر ذلك في شيء من نسخ البخاري، نعم ذكر هذا التعليق في "باب غزوة الفتح" من كتاب المغازي مقرونا بطريق مالك عن الزهري والله أعلم.

(5/165)


9 - باب: بَيْعِ الْمُدَبَّرِ
2534- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فَبَاعَهُ قَالَ جَابِرٌ مَاتَ الْغُلاَمُ عَامَ أَوَّلَ"
قوله: "باب بيع المدبر" أي جوازه، أو ما حكمه؟ وقد تقدمت هذه الترجمة بعينها في كتاب البيوع، وأورد

(5/165)


هنا حديث جابر مختصرا جدا، وقد تقدم شرحه مستوفى هناك. قوله: "أعتق رجل منا عبدا له" لم يقع واحد منهما مسمى في شيء من طرق البخاري، وقد قدمت في البيوع أن في رواية مسلم من طريق أيوب عن أبي الزبير عن جابر "أن رجلا من الأنصار يقال له أبو مذكور أعتق غلاما له عن دبر يقال له يعقوب" ففيه التعريف بكل منهما، وله من رواية الليث عن أبي الزبير أن الرجل كان من بني عذرة، وكذا للبيهقي من طريق مجاهد عن جابر، فلعله كان من بني عذرة وحالف الأنصار. قوله: "فدعا النبي صلى الله عليه وسلم" حذف المفعول. وفي رواية أيوب المذكورة "فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يشتريه" أي الغلام. قوله: "فاشتراه نعيم بن عبد الله" في رواية ابن المنكدر عن جابر كما مضى في الاستقراض "نعيم بن النحام" وهو نعيم بن عبد الله المذكور، والنحام بالنون والحاء المهملة الثقيلة عند الجمهور، وضبطه ابن الكلبي بضم النون وتخفيف الحاء، ومنعه الصغاني، وهو لقب نعيم، وظاهر الرواية أنه لقب أبيه، قال النووي: وهو غلط لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة من نعيم" ا هـ. وكذا قال ابن العربي وعياض وغير واحد، لكن الحديث المذكور من رواية الواقدي وهو ضعيف، ولا ترد الروايات الصحيحة بمثل هذا، فلعل أباه أيضا كان يقال له النحام. والنحمة بفتح النون وإسكان المهملة: الصوت وقيل السعلة وقيل النحنحة. ونعيم المذكور هو ابن عبد الله بن أسيد بن عبد بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي، وأسيد وعبيد وعويج في نسبه مفتوح أول كل منها، قرشي عدوي أسلم قديما قبل عمر فكتم إسلامه، وأراد الهجرة فسأله بنو عدي أن يقيم على أي دين شاء لأنه كان ينفق على أراملهم وأيتامهم ففعل، ثم هاجر عام الحديبية ومعه أربعون من أهل بيته، واستشهد في فتوح الشام زمن أبي بكر أو عمر. وروى الحارث في مسنده بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه صالحا، وكان اسمه الذي يعرف به نعيما. قوله: "قال جابر مات الغلام عام أول" يأتي في الأحكام من رواية حماد عن عمرو "سمعت جابرا يقول عبدا قبطيا مات عام أول" زاد مسلم من طريق ابن عيينة عن عمرو "في إمارة ابن الزبير" وقد تقدم في "باب بيع المدبر" من البيوع نقل مذاهب الفقهاء في بيع المدبر، وأن الجواز مطلقا مذهب الشافعي وأهل الحديث، وقد نقله البيهقي في "المعرفة" عن أكثر الفقهاء، وحكى النووي عن الجمهور مقابله وعن الحنفية والمالكية أيضا تخصيص المنع بمن دبر تدبيرا مطلقا، أما إذا قيده - كأن يقول: إن مت من مرضي هذا ففلان حر - فإنه يجوز بيعه لأنها كالوصية فيجوز الرجوع فيها، وعن أحمد يمتنع بيع المدبرة دون المدبر، وعن الليث يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه، وعن ابن سيرين لا يجوز بيعه إلا من نفسه، ومال ابن دقيق العيد إلى تقييد الجواز بالحاجة فقال: من منع بيعه مطلقا كان الحديث حجة عليه لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي. ومن أجازه في بعض الصور فله أن يقول: قلت بالحديث في الصورة التي ورد فيها، فلا يلزمه القول به في غير ذلك من الصور. وأجاب من أجازه مطلقا بأن قوله: "وكان محتاجا" لا مدخل له في الحكم، وإنما ذكر لبيان السبب في المبادرة لبيعه ليتبين للسيد جواز البيع، ولولا الحاجة لكان عدم البيع أولى. وأما من ادعى أنه إنما باع خدمته كما تقدمت حكايته في الباب المذكور فقد أجيب عنه بما تقدم، وهو أنه لا تعارض بين الحديثين، وبأن المخالفين لا يقولون بجواز بيع خدمة المدبر، وقد اتفقت طرق رواية عمرو بن دينار عن جابر أيضا على أن البيع وقع في حياة السيد، إلا ما أخرجه الترمذي من طريق ابن عيينة عنه بلفظ: "أن رجلا من الأنصار دبر غلاما له فمات ولم يترك مالا غيره: "الحديث، وقد أعله الشافعي بأنه سمعه من ابن عيينة مرارا لم يذكر قوله: "فمات"، وكذلك رواه الأئمة

(5/166)


أحمد وإسحاق وابن المديني والحميدي وابن أبي شيبة عن ابن عيينة، ووجه البيهقي الرواية المذكورة بأن أصلها "أن رجلا من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به حادث فمات، فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم فباعه من نعيم" كذلك رواه مطر الوراق عن عمرو، قال البيهقي: فقوله فمات من بقية الشرط، أي فمات من ذلك الحدث، وليس إخبارا عن أن المدبر مات، فحذف من رواية ابن عيينة قوله: "إن حدث به حدث" فوقع الغلط بسبب ذلك والله أعلم ا هـ. وقد تقدم الجواب عما وقع من مثل ذلك في رواية عطاء عن جابر من طريق شريك عن سلمة بن كهيل في الباب المذكور والله أعلم.

(5/167)


10 - باب: بَيْعِ الْوَلاَءِ وَهِبَتِهِ
2535- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ بيع الولاء وهبته"
[الحديث 2535- طرفه في: 6756]
2536- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلاَءَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ فَأَعْتَقْتُهَا فَدَعَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا"
قوله "باب بيع الولاء وهبته" أي حكمه، والولاء بالفتح والمد: حق ميراث المعتق من المعتق بالفتح. أورد فيه حديث ابن عمر المشهور، وسيأتي شرحه في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى مع توجيه عدم صحة بيعه من دلالة النهي المذكور. وحديث عائشة في قصة بريرة وسيأتي بعد عشرة أبواب. ووجه دخوله في الترجمة من قوله في أصل الحديث: "فإنما الولاء لمن أعتق" وهو إن كان لم يسقه هنا بهذا اللفظ فكأنه أشار إليه كعادته، ووجه الدلالة منه حصره في المعتق فلا يكون لغيره معه منه شيء، قال الخطابي: لما كان الولاء كالنسب كان من أعتق ثبت له الولاء كمن ولد له ولد ثبت له نسبه؛ فلو نسب إلى غيره لم ينتقل نسبه عن والده، وكذا إذا أراد نقل ولائه عن محله لم ينتقل.

(5/167)


11 - باب: إِذَا أُسِرَ أَخُو الرَّجُلِ أَوْ عَمُّهُ هَلْ يُفَادَى إِذَا كَانَ مُشْرِكًا؟
وَقَالَ أَنَسٌ: "قَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا"
وَكَانَ عَلِيٌّ لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي أَصَابَ مِنْ أَخِيهِ عَقِيلٍ وَعَمِّهِ عَبَّاسٍ
2537- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رِجَالًا مِنْ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: ائْذَنْ

(5/167)


12 - باب: عِتْقِ الْمُشْرِكِ
2538- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ أَخْبَرَنِي أَبِي "أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ قَالَ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا - يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا – قَالَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ"
قوله: "باب عتق المشرك" يحتمل أن يكون مضافا إلى الفاعل أو المفعول، وعلى الثاني جرى ابن بطال فقال لا خلاف في جواز عتق المشرك تطوعا، وإنما اختلفوا في عتقه عن الكفارة، وحديث الباب في قصة حكيم بن حزام حجة في الأول، لأن حكيما لما أعتق وهو كافر لم يحصل له الأجر إلا بإسلامه فمن فعل ذلك وهو مسلم لم يكن بدونه بل أولى ا هـ. وقال ابن المنير: الذي يظهر أن مراد البخاري أن المشرك إذا أعتق مسلما نفذ عتقه وكذا إذا أعتق كافرا فأسلم العبد، قال: وأما قوله: "أسلمت على ما سلف لك من خير" فليس المراد به صحة التقرب منه في حال كفره، وإنما تأويله أن الكافر إذا فعل ذلك انتفع به إذا أسلم لما حصل له من التدرب على فعل الخير فلم يحتج إلى مجاهدة جديدة، فيثاب بفضل الله عما تقدم بواسطة انتفاعه بذلك بعد إسلامه انتهى. وقد قدمت لذلك أجوبة أخرى في كتاب الزكاة مع الكلام على بقية فوائد الحديث المذكور. قوله: "أن حكيم بن حزام أعتق" طاهر سياقه الإرسال لأن عروة لم يدرك زمن ذلك، لكن بقية الحديث أوضحت الوصل وهي قوله: "قال فسألت" ففاعل قال هو حكيم، فكأن عروة قال: قال حكيم، فيكون بمنزلة قوله: عن حكيم، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية عن هشام فقال: "عن أبيه عن حكيم". قوله: "أتبرر بها" بالموحدة وراءين الأولى ثقيلة، أي أطلب بها البر وطرح الحنث، وقد تقدم نقل الخلاف في ضبطه في الزكاة. وقوله: "يعني أتبرر" هو من تفسير هشام بن عروة راويه كما ثبت عند مسلم والإسماعيلي، وقصر من زعم أنه تفسير البخاري.

(5/169)


باب من ملك من العرب رقيفقا فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية وقوله تعالى (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ... الأية)
...
12 - باب: مَنْ مَلَكَ مِنْ الْعَرَبِ رَقِيقًا فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى [النحل 75]: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ}
2539 ، 2540- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: "أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ذَكَرَ عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ إِنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا الْمَالَ وَإِمَّا السَّبْيَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ - وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلاَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ

(5/169)


فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا، تَائِبِينَ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا: لَكَ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّا لاَ نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ. فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ. فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا"
2541- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: "كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ"
2542- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: "رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ فَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ وَهِيَ كَائِنَةٌ"
2543- حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "لاَ أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ.." وحَدَّثَنِي ابْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلاَثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِيهِمْ سَمِعْتُهُ: يَقُولُ هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ"
[الحديث2543- طرفه في: 4366]
قوله: "باب من ملك من العرب رقيقا فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية" هذه الترجمة معقودة لبيان الخلاف في استرقاق العرب، وهي مسألة مشهورة، والجمهور على أن العربي إذا سبي جاز أن يسترق، وإذا تزوج أمة بشرطه كان ولدها رقيقا. وذهب الأوزاعي والثوري وأبو ثور إلى أن على سيد الأمة تقويم الولد ويلزم أبوه بأداء القيمة ولا يسترق الولد أصلا، وقد جنح المصنف إلى الجواز، وأورد الأحاديث الدالة على ذلك، ففي حديث المسور ما ترجم به من الهبة. وفي حديث أنس ما ترجم به من الفداء، وفي حديث ابن عمر ما ترجم به من سبي الذرية،

(5/170)


وفي حديث أبي سعيد ما ترجم به من الجماع ومن الفدية أيضا، ويتضمن ما ترجم به من البيع، وفي حديث أبي هريرة ما ترجم به من البيع لقوله في بعض طرقه: "ابتاعي" كما سأبينه، وقوله في الترجمة: "وقوله الله تعالى: {عَبْداً مَمْلُوكاً} إلى آخر الآية" قال ابن المنير: مناسبة الآية للترجمة من جهة أن الله تعالى أطلق العبد المملوك ولم يقيده بكونه عجميا فدل على أن لا فرق في ذلك بين العربي والعجمي انتهى. وقال ابن بطال: تأول بعض الناس من هذه الآية أن العبد لا يملك، وفي الاستدلال بها لذلك نظر لأنها نكرة في سياق الإثبات فلا عموم فيها، وقد ذكر قتادة أن المراد به الكافر خاصة. نعم ذهب الجمهور إلى كونه لا يملك شيئا واحتجوا بحديث ابن عمر الماضي ذكره في الشرب وغيره. وقالت طائفة: إنه يملك، روي ذلك عن عمر وغيره. واختلف قول مالك فقال: من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا بشرط. وقال فيمن أعتق عبدا وله مال: فإن المال للعبد إلا بشرط. قال: وحجته في البيع حديثه عن نافع المذكور وهو نص في ذلك، وحجته في العتق ما رواه عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر رفعه: "من أعتق عبدا فمال العبد له، إلا أن يستثنيه بسيده". قلت: وهو حديث أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح، وفرق بعض أصحاب مالك بأن الأصل أنه لا يملك، لكن لما كان العتق صورة إحسان إليه ناسب ذلك أن لا ينزع منه ما بيده تكميلا للإحسان، ومن ثم شرعت المكاتبة وساغ له أن يكتسب ويؤدي إلى سيده، ولولا أن له تسلطا على ما بيده في صورة العتق ما أغنى ذلك عنه شيئا، والله أعلم. فأما قصة هوازن سيأتي شرحها مستوفى في المغازي، وقوله في هذه الطريق عن ابن شهاب "قال ذكر عروة" سيأتي في الشروط من طريق معمر عن الزهري "أخبرني عروة" وقوله: "استأنيت" بالمثناة قبل الألف المهموزة الساكنة ثم نون مفتوحة وتحتانية ساكنة أي انتظرت، وقوله: "حتى يفيء (1)" بفتح أوله ثم فاء مكسورة وهمزة بعد التحتانية الساكنة أي يرجع إلينا من مال الكفار من خراج أو غنيمة أو غير ذلك، ولم يرد الفيء الاصطلاحي وحده. وأما قصة بني المصطلق من حديث ابن عمر فعبد الله المذكور في الإسناد هو ابن المبارك، وقوله: "أغار على بني المصطلق" بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف، وبنو المصطلق بطن شهير من خزاعة وهو المصطلق بن سعيد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، ويقال إن المصطلق لقب واسمه جذيمة بفتح الجيم بعدها ذال معجمة مكسورة، وسيأتي شرح هذه الغزاة في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى، وقوله: "وهم غارون" بالغين المعجمة وتشديد الراء جمع غار بالتشديد أي غافل، أي أخذهم على غرة. قوله: "وأصاب يومئذ جويرية" بالجيم مصغرا بنت الحارث بن أبي ضرار بكسر المعجمة وتخفيف الراء ابن الحارث بن مالك بن المصطلق، وكان أبوها سيد قومه وقد أسلم بعد ذلك، وقد روى مسلم هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عون وبين فيه أن نافعا استدل بهذا الحديث على نسخ الأمر بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وسيأتي البحث في ذلك في "باب الدعوة قبل القتال" من كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى. وأما حديث أبي سعيد فسيأتي الكلام عليه في كتاب النكاح مستوفى إن شاء الله تعالى حيث ساقه هناك تاما، وقوله هنا: "ابن حبان"هو بفتح أوله والموحدة الثقيلة، وابن محيريز بالمهملة وراء وزاي مصغر، وقوله: "نسمة" بفتح النون والمهملة أي نفس. وأما حديث أبي هريرة أورده المصنف عن شيخين له كل منهما حدثه به عن جرير لكنه فرقهما، لأن أحدهما زاد فيه عن جرير إسنادا آخر، وساقه هنا على
ـــــــ
(1) لفظ الرواية في المتن "من أول ما يفئ علينا" بضم أوله من "أفاء"

(5/171)


لفظ أحدهما وهو محمد بن سلام، وسيأتي في المغازي على لفظ الآخر وهو زهير بن حرب، ومغيرة هو ابن مقسم الضبي، والحارث هو ابن يزيد، والعكلي بضم المهملة وسكون الكاف وليس له في البخاري إلا هذا الحديث، وقد أغفله الكلاباذي من رجال البخاري، وهو ثقة جليل القدر من أقران الراوي عنه مغيرة لكنه تقدم عليه في الوفاة، والإسناد كله كوفيون غير طرفيه الصحابي وشيخ البخاري. قوله: "ما زلت أحب بني تميم" أي القبيلة الكبيرة المشهورة ينتسبون إلى تميم بن مر بضم الميم بلا هاء ابن أد بضم أوله وتشديد الدال ابن طابخة بموحدة مكسورة ومعجمة ابن إلياس بن مضر. قوله: "منذ ثلاث" أي من حين سمعت الخصال الثلاث، زاد أحمد من وجه آخر عن أبي زرعة عن أبي هريرة "وما كان قوم من الأحياء أبغض إلي منهم فأحببتهم" ا هـ، وكان ذلك لما كان يقع بينهم وبين قومه في الجاهلية من العداوة. قوله: "هم أشد أمتي على الدجال" في رواية الشعبي عن أبي هريرة عند مسلم: "هم أشد الناس قتالا في الملاحم" وهي أعم من رواية أبي زرعة: ويمكن أن يحمل العام في ذلك على الخاص فيكون المراد بالملاحم أكبرها وهو قتال الدجال، أو ذكر الدجال ليدخل غيره بطريق الأولى. قوله: "هذه صدقات قومنا" إنما نسبهم إليه لاجتماع نسبهم بنسبه صلى الله عليه وسلم في إلياس بن مضر، ووقع عند الطبراني في "الأوسط" من طريق الشعبي عن أبي هريرة في هذا الحديث: "وأتي النبي صلى الله عليه وسلم بنعم من صدقة بني سعد، فلما راعه حسنها قال: هذه صدقة قومي" ا هـ، وبنو سعد بطن كبير شهير من تميم، ينسبون إلى سعد بن زيد مناة بن تميم، من أشهرهم في الصحابة قيس بن عاصم بن سنان بن خالد السعدي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا سيد أهل الوبر". قوله: "وكانت سبية منهم عند عائشة" أي من بني تميم، والمراد بطن منهم أيضا، وقد وقع عند الإسماعيلي من طريق أبي معمر عن جرير "وكانت على عائشة نسمة من بني إسماعيل فقدم سبي خولان فقالت عائشة يا رسول الله أبتاع منهم؟ قال: لا. فلما قدم سبي بني العنبر قال: ابتاعي فإنهم ولد إسماعيل"، ووقع عند أبي عوانة من طريق الشعبي عن أبي هريرة أيضا: "وجيء بسبي بني العنبر" ا هـ، وبنو العنبر بطن شهير أيضا من بني تميم ينسبون إلى العنبر - وهو بلفظ الطيب المعروف - ابن عمرو بن تميم. "تنبيه": وقع في نسخة الصحيحين "سبية" بوزن فعيلة مفتوح الأول من السبي أو من السبا، ولم أقف على اسمها، لكن عند الإسماعيلي من طريق هارون بن معروف عن جرير "نسمة" بفتح النون والمهملة أي نفس، وله من رواية أبي معمر المذكورة "وكانت على عائشة نسمة من بني إسماعيل" وفي رواية الشعبي المذكورة عند أبي عوانة "وكان على عائشة محرر" وبين الطبراني في "الأوسط" في رواية الشعبي المذكورة المراد بالذي كان عليها وأنه كان نذرا ولفظه: "نذرت عائشة أن تعتق محررا من بني إسماعيل" وله في "الكبير" من حديث دريح وهو بمهملات مصغرا ابن ذؤيب بن شعثم بضم المعجمة والمثلثة بينهما عين مهملة العنبري "أن عائشة قالت: يا نبي الله إني نذرت عتيقا من ولد إسماعيل، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اصبري حتى يجيء فيء بني العنبر غدا، فجاء فيء بني العنبر فقال لها: خذي منهم أربعة، فأخذت رديحا وزبيبا وزخيا وسمرة" ا هـ. فأما رديح فهو المذكور، وأما زبيب فهو بالزاي والموحدة مصغر أيضا - وضبطه العسكري بنون ثم موحدة - وهو ابن ثعلبة بن عمرو، وزخي بالزاي والخاء المعجمة مصغر أيضا وضبطه ابن عون بالراء أوله، وسمرة وهو ابن عمرو بن قرط بضم القاف وسكون الراء، قال في الحديث المذكور "فمسح النبي رءوسهم وبرك عليهم ثم قال: يا عائشة هؤلاء من بني إسماعيل قصدا" ا هـ. والذي تعين لعتق عائشة من هؤلاء الأربعة إما

(5/172)


رديح وإما زخي، ففي سنن أبي داود من حديث الزبيب بن ثعلبة ما يرشد إلى ذلك، وفي أول الحديث عنده "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى بني العنبر فأخذوهم بركبة من ناحية الطائف فاستاقوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وركبة بضم الراء وسكون الكاف بعدها موحدة موضع معروف وهي غير ركوبة الثنية المعروفة التي بين مكة والمدينة، وذكر ابن سعد أن سرية عيينة بن حصن هذه كانت في المحرم سنة تسع من الهجرة وأنه سبى إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا والله أعلم. وفي قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "ابتاعيها فأعتقيها" دليل للجمهور في حصة تملك العربي، وإن كان الأفضل عتق من يسترق منهم، ولذلك قال عمر: "من العار أن يملك الرجل ابن عمه وبنت عمه" حكاه ابن بطال عن المهلب. وقال ابن المنير: لا بد في هذه المسألة من تفصيل، فلو كان العربي مثلا من ولد فاطمة عليهما السلام وتزوج أمة بشرطه لاستبعدنا استرقاق ولده، قال: وإذا أفاد كون المسبي من ولد إسماعيل يقتضي استحباب إعتاقه فالذي بالمثابة التي فرضناها يقتضي وجوب حريته حتما، والله أعلم. وفي الحديث أيضا فضيلة ظاهرة لبني تميم، وكان فيهم في الجاهلية وصدر الإسلام جماعة من الأشراف والرؤساء. وفيه الإخبار عما سيأتي من الأحوال الكائنة في آخر الزمان. وفيه الرد على من نسب جميع اليمن إلى بني إسماعيل لتفرقته صلى الله عليه وسلم بين خولان وهم من اليمن وبين بني العنبر وهم من مضر، والمشهور في خولان أنه ابن عمرو بن مالك بن الحارث من ولد كهلان بن سبأ. وقال ابن الكلبي خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وسيأتي بسط القول في ذلك في أوائل المناقب إن شاء الله تعالى.

(5/173)


14 - باب: فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا
2544- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَالَهَا فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ"
قوله: "باب فضل من أدب جاريته" سقط لفظ: "فضل" من رواية أبي ذر والنسفي، وزاد النسفي "وأعتقها" أورد فيه حديث أبي موسى مختصرا، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى. مطرف المذكور في السند هو ابن طريف كوفي مشهور. وقوله في هذه الرواية: "فعلمها" في رواية أبي ذر عن المستملي والسرخسي "فعالها"

(5/173)


15 - باب: قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ"
وَقَوْلِهِ تَعَالَى [النساء 36]: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: ذِي الْقُرْبَى الْقَرِيبُ وَالْجُنُبُ الْغَرِيبُ
2545- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ قَالَ سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ قَالَ: "رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ

(5/173)


16 - باب: الْعَبْدِ إِذَا أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ سَيِّدَهُ
2546- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الْعَبْدُ إِذَا نَصَحَ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ"
[الحديث 2546- طرفه في: 2550]
2547- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ صَالِحٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ فَلَهُ أَجْرَانِ"
2548- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي لاَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ"
2549- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الأَعْمَشِ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَ مَا لِأَحَدِهِمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ"
قوله: "باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده" أي بيان فضله أو ثوابه. أورد فيه أربعة أحاديث: أحدها حديث ابن عمر المصرح بأن لمن فعل ذلك أجرين. ثانيها: حديث أبي موسى مثله وزيادة ذكر من كانت له جارية فعلمها وأعتقها فتزوجها، وهو طرف من حديث تقدم في الإيمان بلفظ: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين" فذكر فيه أيضا مؤمن أهل الكتاب. ثالثها: حديث أبي هريرة "للعبد المملوك الصالح أجران" ، واسم الصلاح يشمل ما تقدم من الشرطين وهما إحسان العبادة والنصح للسيد، ونصيحة السيد تشمل أداء حقه من الخدمة وغيرها، وسيأتي في الباب الذي يليه من حديث أبي موسى بلفظ: "ويؤدي إلى سيده الذي له عليه من الحق والنصيحة والطاعة" رابعها حديث أبي هريرة أيضا "نعم ما لأحدهم يحسن عبادة ربه وينصح لسيده" وهو مفسر للحديث الذي قبله

(5/175)


موافق للحديثين الآخرين. "تنبيه": وقع لابن بطال عزو حديث أبي هريرة ثالث أحاديث الباب لأبي موسى، وهو غلط فاحش. قوله: "والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك" ظاهر هذا السياق رفع هذه الجمل إلى آخرها وعلى ذلك مجرى الخطابي فقال: لله أن يمتحن أنبياءه وأصفياءه بالرق كما امتحن يوسف ا هـ. وجزم الداودي وابن بطال وغير واحد بأن ذلك مدرج من قول أبي هريرة، ويدل عليه من حيث المعنى قوله: "وبر أمي" فإنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم حينئذ أم يبرها، ووجهه الكرماني فقال أراد بذلك تعليم أمته، أو أورده على سبيل فرض حياتها أو المراد أمه التي أرضعته ا هـ. وفاته التنصيص على إدراج ذلك فقد فصله الإسماعيلي من طريق أخرى عن ابن المبارك ولفظه: "والذي نفس أبي هريرة بيده إلخ" وكذلك أخرجه الحسين بن الحسن المروزي في "كتاب البر والصلة" عن ابن المبارك، وكذلك أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن وهب وأبي صفوان الأموي والمصنف في "الأدب المفرد" من طريق سليمان بن بلال والإسماعيلي من طريق سعيد بن يحيى اللخمي وأبو عوانة من طريق عثمان بن عمر كلهم عن يونس، زاد مسلم في آخر طريق ابن وهب "قال - يعني الزهري - وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها" ولأبي عوانة وأحمد من طريق سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه كان يسمعه يقول: "لولا أمران لأحببت أن أكون عبدا، وذلك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما خلق الله عبدا يؤدي حق الله عليه وحق سيده إلا وفاه الله أجره مرتين" فعرف بذلك أن الكلام المذكور من استنباط أبي هريرة، ثم استدل له بالمرفوع؛ وإنما استثنى أبو هريرة هذه الأشياء لأن الجهاد والحج يشترط فيهما إذن السيد، وكذلك بر الأم فقد يحتاج فيه إلى إذن السيد في بعض وجوهه، بخلاف بقية العبادات البدنية. ولم يتعرض للعبادات المالية إما لكونه كان إذ ذاك لم يكن له مال يزيد على قدر حاجته فيمكنه صرفه في القربات بدون إذن السيد، وإما لأنه كان يرى أن للعبد أن يتصرف في ماله بغير إذن السيد. "فائدة": اسم أم أبي هريرة أميمة بالتصغير وقيل ميمونة، وهي صحابية ذكر إسلامها في "صحيح مسلم"وبيان اسمها في "ذيل المعرفة" لأبي موسى قال ابن عبد البر: معنى هذا الحديث عندي أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان طاعة ربه في العبادات وطاعة سيده في المعروف فقام بهما جميعا كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته، لأنه قد ساواه في طاعة الله وفضل عليه بطاعة من أمره الله بطاعته، قال ومن هنا أقول: إن من اجتمع عليه فرضان فأداهما أفضل ممن ليس له عليه إلا فرض واحد فأداه كمن وجب عليه صلاة وزكاة فقام بهما فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاة فقط، ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروض فلم يؤد منها شيئا كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها ا هـ ملخصا. والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة لما يدخل عليه من مشقة الرق، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختص العبد بذلك. وقال ابن التين: المراد أن كل عمل يعمله يضاعف له، قال: وقيل سبب التضعيف أنه زاد لسيده نصحا وفي عبادة ربه إحسانا فكان له أجر الواجبين وأجر الزيادة عليهما. قال: والظاهر خلاف هذا وأنه بين ذلك لئلا يظن أنه غير مأجور على العبادة ا هـ. وما ادعى أنه الظاهر لا ينافي ما نقله قبل ذلك، فإن قيل يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات أجاب الكرماني بأن لا محذور في ذلك أو يكون أجره مضاعفا من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أخرى يستحق بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما ا هـ. ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصا بالعمل الذي يتحد

(5/176)


فيه طاعة الله وطاعة السيد فيعمل عملا واحدا ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلف الجهة فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار والله أعلم. واستدل به على أن العبد لا جهاد عليه ولا حج في حال العبودية وإن صح ذلك منه. قوله في حديث أبي هريرة "حدثنا إسحاق بن نصر" هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر، نسب إلى جده. قوله: "نعما لأحدهم" بفتح النون وكسر العين وإدغام الميم في الأخرى، ويجوز كسر النون، وتكسر النون وتفتح أيضا مع إسكان العين وتحريك الميم، فتلك أربع لغات. قال الزجاج "ما" بمعنى الشيء فالتقدير نعم الشيء. ووقع لبعض رواة مسلم: "نعمى" بضم النون وسكون العين مقصور بالتنوين وغيره، وهو متجه المعنى إن ثبتت به الرواية. وقال ابن التين: وقع في نسخة الشيخ أبي الحسن أي القابسي "نعم ما" بتشديد الميم الأولى وفتحها ولا وجه له، وإنما صوابه إدغامها في "ما" وهي كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} . قوله: "يحسن" هو مبين للمخصوص بالمدح في قوله: "نعم"، زاد مسلم من طريق همام عن أبي هريرة "نعما للمملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله" أي يموت على ذلك، وفيه إشارة إلى أن الأعمال بالخواتيم.

(5/177)


باب كراهة التطاول على الرقيق وقوله عبدي أو أمتي
...
17 - باب: كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ وَقَوْلِهِ عَبْدِي أَوْ أَمَتِي
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} ، وَقَالَ {عَبْداً مَمْلُوكاً} {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} وَقَالَ {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ" و {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} عِنْدَ سَيِّدِكَ "وَمَنْ سَيِّدُكُمْ"
2550- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ"
2551- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ لَهُ أَجْرَانِ"
2552- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلاَيَ وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلاَمِي"
2553- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنْ الْعَبْدِ فَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وَأُعْتِقَ مِنْ مَالِهِ، وَإِلاَ فَقَدْ أعَتَقَ مِنْهُ ما عتق"
2554- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ

(5/177)


رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"
2555 ، 2556- حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا زَنَتْ الأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ"
قوله: "باب كراهية التطاول على الرقيق" أي الترفع عليهم، والمراد مجاوزة الحد في ذلك، والمراد بالكراهة كراهة التنزيه. قوله: "عبدي أو أمتي" أي وكراهية ذلك من غير تحريم، ولذلك استشهد للجواز بقوله تعالى: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} وبغيرها من الآيات والأحاديث الدالة على الجواز، ثم أردفها بالحديث الوارد في النهي عن ذلك، واتفق العلماء على أن النهي الوارد في ذلك للتنزيه، حتى أهل الظاهر، إلا ما سنذكره عن ابن بطال في لفظ الرب. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم" هو طرف من حديث أبي سعيد في قصة سعد بن معاذ وحكمه على بني قريظة، وسيأتي تاما في المغازي مع الكلام عليه. قوله: "ومن سيدكم" سقط هذا من رواية النسفي وأبي ذر وأبي الوقت وثبت للباقين، وهو طرف من حديث أخرجه المؤلف في "الأدب المفرد" من طريق حجاج الصواف عن أبي الزبير قال: "حدثنا جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سيدكم يا بني سلمة؟ قلنا: الجد بن قيس، على أنا نبخله. قال: وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح" وكان عمرو يعترض على أصنامهم في الجاهلية، وكان يولم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج. وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه، ورواه ابن عائشة في نوادره من طريق الشعبي مرسلا وزاد: قال فقال بعض الأنصار في ذلك:
وقال رسول الله والقول قوله ... لمن قال منا من تسمون سيدا
فقالوا له جد بن قيس على التي ... نبخله فيها وإن كان أسودا
فسود عمرو بن الجموح لجوده ... وحق لعمرو بالندى أن يسودا
انتهى. والجد بفتح الجيم وتشديد الدال هو ابن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بسكون النون ابن كعب بن سلمة بكسر اللام، يكنى أبا عبد الله، له ذكر في حديث جابر أنه حمله معه في بيعة العقبة. قال ابن عبد البر: كان يرمى بالنفاق، ويقال: إنه تاب وحسنت توبته، وعاش إلى أن مات في خلافة عثمان. وأما عمرو بن الجموح بفتح الجيم وضم الميم الخفيفة وآخره مهملة ابن زيد بن حرام بمهملتين ابن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، قال ابن إسحاق: كان من سادات بني سلمة، وذكر له قصة في صنمه وسبب إسلامه وقوله فيه: تالله لو كنت إلها لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن. وروى أحمد، وعمر بن شبة في "أخبار المدينة" بإسناد حسن عن أبي قتادة أن عمرو بن الجموح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إن قاتلت حتى أقتل في سبيل الله تراني أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ فقال: نعم. وكانت عرجاء. زاد عمر فقتل يوم أحد رحمه الله. وقد روى ابن منده وأبو

(5/178)


الشيخ في "الأمثال" والوليد بن أبان في "كتاب الجود" له من حديث كعب بن مالك " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا جد بن قيس" فذكر الحديث، فقال: "سيدكم بشر بن البراء بن معرور" وهو بسكون العين المهملة ابن صخر يجتمع مع عمرو بن الجموح في صخر، ورجال هذا الإسناد ثقات، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله على الزهري، ويمكن الجمع بأن تحمل قصة بشر على أنها كانت بعد قتل عمرو بن الجموح جمعا بين الحديثين، ومات بشر المذكور بعد خيبر، أكل مع النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة التي سم فيها، وكان قد شهد العقبة وبدرا، ذكره ابن إسحاق وغيره. وما ذكره المصنف يحتاج إلى تأويل الحديث الوارد في النهي عن إطلاق السيد على المخلوق، وهو في حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه عند أبي داود والنسائي والمصنف في "الأدب المفرد" ورجاله ثقات وقد صححه غير واحد، ويمكن الجمع بأن يحمل النهي عن ذلك على إطلاقه على غير المالك، والإذن بإطلاقه على المالك وقد كان بعض أكابر العلماء يأخذ بهذا ويكره أن يخاطب أحدا بلفظه أو كتابته بالسيد، ويتأكد هذا إذا كان المخاطب غير تقي، فعند أبي داود والمصنف في الأدب من حديث بريدة مرفوعا: "لا تقولوا للمنافق سيدا" الحديث ونحوه عند الحاكم. ثم أورد المصنف في الباب غير هذين المعلقين سبعة أحاديث: حديثا ابن عمر وأبي موسى في العبد الذي له أجران وقد تقدما من وجهين آخرين في الباب الذي قبله. والغرض منهما قوله في حديث ابن عمر "إذا نصح سيده" وفي حديث أبي موسى "ويؤدي إلى سيده" . ثالثها حديث أبي هريرة، ومحمد شيخ المؤلف فيه لم أره منسوبا في شيء من الروايات إلا في رواية أبي علي بن شبويه فقال: "حدثنا محمد بن سلام" وكذا حكاه الجياني عن رواية أبي علي بن السكن، وحكي عن الحاكم أنه الذهلي. قلت: وقد أخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق فيحتمل أن يكون هو شيخ البخاري فيه، فقد حدث عنه في الصحيح أيضا، وكلام الطرقي يشير إليه. قوله: "لا يقل أحدكم أطعم ربك إلخ" هي أمثلة، وإنما ذكرت دون غيرها لغلبة استعمالها في المخاطبات، ويجوز في ألف "اسق" الوصل والقطع. وفيه نهي العبد أن يقول لسيده ربي، كذلك نهي غيره فلا يقول له أحد ربك، ويدخل في ذلك أن يقول السيد ذلك عن نفسه فإنه قد يقول لعبده اسق ربك فيضع الظاهر موضع الضمير على سبيل التعظيم لنفسه، والسبب في النهي أن حقيقة الربوبية لله تعالى، لأن الرب هو المالك والقائم بالشيء فلا توجد حقيقة ذلك إلا لله تعالى. قال الخطابي: سبب المنع أن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق في ذلك بين الحر والعبد، فأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة كقوله رب الدار ورب الثوب. وقال ابن بطال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب، كما لا يجوز أن يقال له إله أ هـ. والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} . وقوله {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} وقوله عليه الصلاة والسلام في أشراط الساعة "أن تلد الأمة ربها" فدل على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق، ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه، وما ورد من ذلك فلبيان الجواز. وقيل هو مخصوص بغير النبي صلى الله عليه وسلم ولا يرد ما في القرآن، أو المراد النهي عن الإكثار من ذلك واتخاذ استعمال هذه اللفظة عادة، وليس المراد النهي عن ذكرها في الجملة. قوله: "وليقل سيدي مولاي" فيه جواز إطلاق العبد على مالكه سيدي، قال القرطبي وغيره: إنما فرق بين الرب والسيد لأن الرب من أسماء الله تعالى اتفاقا، واختلف في

(5/179)


السيد، ولم يرد في القرآن أنه من أسماء الله تعالى. فإن قلنا إنه ليس من أسماء الله تعالى فالفرق واضح إذ لا التباس وإن قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الرب فيحصل الفرق بذلك أيضا، وقد روى أبو داود والنسائي وأحمد والمصنف في "الأدب المفرد" من حديث عبد الله بن الشخير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السيد الله" وقال الخطابي: إنما أطلقه لأن مرجع السيادة إلى معنى الرياسة على من تحت يده والسياسة له وحسن التدبير لأمره، ولذلك سمي الزوج سيدا، قال: وأما المولى فكثير التصرف في الوجوه المختلفة من ولي وناصر وغير ذلك، ولكن لا يقال السيد ولا المولى على الإطلاق من غير إضافة إلا في صفة الله تعالى انتهى. وفي الحديث جواز إطلاق مولاي أيضا، وأما ما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في هذا الحديث نحوه وزاد: "ولا يقل أحدكم مولاي فإن مولاكم الله، ولكن ليقل سيدي" فقد بين مسلم الاختلاف في ذلك على الأعمش وأن منهم من ذكر هذه الزيادة ومنهم من حذفها. وقال عياض: حذفها أصح. وقال القرطبي: المشهور حذفها قال: وإنما صرنا إلى الترجيح للتعارض مع تعذر الجمع وعدم العلم بالتاريخ انتهى. ومقتضى ظاهر هذه الزيادة أن إطلاق السيد أسهل من إطلاق المولى، وهو خلاف المتعارف، فإن المولى يطلق على أوجه متعددة منها الأسفل والأعلى، والسيد لا يطلق إلا على الأعلى، فكان إطلاق المولى أسهل وأقرب إلى عدم الكراهة والله أعلم. وقد رواه محمد بن سيرين عن أبي هريرة فلم يتعرض للفظ المولى إثباتا ولا نفيا، أخرجه أبو داود والنسائي والمصنف في "الأدب المفرد" بلفظ: "لا يقولن أحدكم عبدي ولا أمتي ولا يقل المملوك ربي وربتي، ولكن ليقل المالك فتاي وفتاتي والمملوك سيدي وسيدتي، فإنكم المملوكون والرب الله تعالى" ويحتمل أن يكون المراد النهي عن الإطلاق كما تقدم من كلام الخطابي، ويؤيد كلامه حديث ابن الشخير المذكور والله أعلم، وعن مالك تخصيص الكراهة بالنداء فيكره أن يقول يا سيدي ولا يكره في غير النداء. قوله: "ولا يقل أحدكم عبدي أمتي" زاد المصنف في "الأدب المفرد" ومسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة "كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله" ونحو ما قدمته من رواية ابن سيرين، فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى العلة في ذلك لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى، ولأن فيها تعظيما لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه. قال الخطابي: المعنى في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر والتزام الذل والخضوع لله عز وجل، وهو الذي يليق بالمربوب. قوله: "وليقل فتاي وفتاتي وغلامي" زاد مسلم في الرواية المذكورة "وجاريتي" إلى ما يؤدي المعنى مع السلامة من التعاظم، لأن لفظ الفتى والغلام ليس دالا على محض الملك كدلالة العبد، فقد كثر استعمال الفتى في الحر وكذلك الغلام والجارية، قال النووي: المراد بالنهي من استعمله على جهة التعاظم لا من أراد التعريف انتهى. ومحله ما إذا لم يحصل التعريف بدون ذلك استعمالا للأدب في اللفظ كما دل عليه الحديث. الحديث الرابع حديث ابن عمر "من أعتق نصيبا له من عبد" قد تقدم شرحه قريبا، والمراد منه إطلاق لفظ العبد، وكأن مناسبته للترجمة من جهة أنه لو لم يحكم عليه بعتق كله إذا كان موسرا لكان بذلك متطاولا عليه. الخامس حديثه: "كلكم راع" سيأتي الكلام عليه في أول الأحكام، والغرض منه هنا قوله: "والعبد راع على مال سيده" فإنه إن كان ناصحا له في خدمته مؤديا له الأمانة ناسب أن يعينه ولا يتعاظم عليه. السادس والسابع حديث أبي هريرة وزيد بن خالد "إذا زنت الأمة فاجلدوها" سيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. والغرض منه هنا ذكر الأمة وأنها إذا عصت تؤدب، فإن لم تنجع وإلا بيعت،

(5/180)


وكل ذلك مباين للتعاظم عليها.

(5/181)


18 - باب: إِذَا أَتَاهُ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ
2557- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَليُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلاَجَهُ"
[الحديث 2557- طرفه في: 5460]
قوله: "باب إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه" أي فليجلسه معه ليأكل. قوله: "أخبرني محمد بن زياد" هو الجمحي. قوله: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة" هكذا أورده، ويفهم منه إباحة ترك إجلاسه معه، وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى. وقوله: "أكلة" بضم أوله أي لقمة، والشك فيه من شعبة كما سأبينه. وقوله: "ولي علاجه" زاد في الأطعمة "وحره". واستدل به على أن قوله في حديث أبي ذر الماضي "فأطعموهم مما تطعمون" ليس على الوجوب.

(5/181)


19 - باب: الْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَنَسَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَالَ إِلَى السَّيِّدِ
2558- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ – قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلاَءِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"
قوله: "باب العبد راع في مال سيده" أي ويلزمه حفظه، ولا يعمل إلا بإذنه. قوله: "ونسب صلى الله عليه وسلم المال إلى السيد" كأنه يشير بذلك إلى حديث ابن عمر "من باع عبدا وله مال فماله للسيد" وقد تقدمت الإشارة إليه في "باب من باع نخلا قد أبرت" من كتاب البيوع وفي كتاب الشرب، وكلام ابن بطال يشير إلى أن ذلك مستفاد من قوله: "العبد راع في مال سيده" فإنه قال في شرح حديث الباب: فيه حجة لمن قال إن العبد لا يملك، وتعقبه ابن المنير بأنه لا يلزم من كونه راعيا في مال سيده أن لا يكون هو له مال، فإن قيل فاشتغاله برعاية مال سيده يستوعب أحواله، فالجواب أن المطلق لا يفيد العموم، ولا سيما إذا سيق لغير قصد العموم، وحديث الباب إنما سيق للتحذير من الخيانة والتخويف بكونه مسئولا ومحاسبا، فلا تعلق له بكونه يملك أو لا يملك انتهى. وقد تقدم الكلام على مسألة كونه هل يملك قبل ستة أبواب. قوله: "والمرأة في بيت زوجها راعية" إنما قيد بالبيت لأنها لا تصل إلى ما سواه غالبا

(5/181)


20 - باب: إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ
2559- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلاَنٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحَدَّثَنَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ"
قوله: "باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه" العبد بالنصب على المفعولية والفاعل محذوف للعلم به، وذكر العبد ليس قيدا بل هو من جملة الأفراد الداخلين في ذلك، وإنما خص بالذكر لأن المقصود هنا بيان حكم الرقيق، كذا قرره بعض الشراح، وأظن المصنف أشار إلى ما أخرجه في "الأدب المفرد" من طريق محمد بن عجلان أخبرني سعيد عن أبي هريرة فذكر الحديث بلفظ: "إذا ضرب أحدكم خادمه" . قوله في الإسناد "حدثني محمد بن عبيد الله" هو ابن ثابت المدني؛ ورجال الإسناد كلهم مدنيون، وكأن أبا ثابت تفرد به عن ابن وهب، فإني لم أره في شيء من المصنفات إلا من طريقه. قوله: "قال وأخبرني ابن فلان" قائل ذلك هو أبو ثابت فهو موصول وليس بمعلق، وفاعل قال هو ابن وهب، وكأنه سمعه من لفظ مالك وبالقراءة على الآخر. وكان ابن وهب حريصا على تمييز ذلك. وأما "ابن فلان" فقال المزي: يقال هو ابن سمعان، يعني عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المدني، وهو يوهم تضعيف ذلك، وليس كذلك فقد جزم بذلك أبو نصر الكلاباذي وغيره، وقاله قبله بعض القدماء أيضا؛ فوقع في رواية أبي ذر الهروي في روايته عن المستملي: قال أبو حرب الذي قال: "ابن فلان" هو ابن وهب، وابن فلان هو ابن سمعان. قلت: وأبو حرب هذا هو بيان وقد أخرجه الدار قطني في "غرائب مالك" من طريق عبد الرحمن بن خراش بكسر المعجمة عن البخاري "قال حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله المدني" فذكر الحديث لكن قال بدل قوله ابن فلان "ابن سمعان" فكأن البخاري كنى عنه في الصحيح عمدا لضعفه، ولما حدث به خارج الصحيح نسبه، وقد بين ذلك أبو نعيم في "المستخرج" بما خرجه من طريق العباس بن الفضل عن أبي ثابت وقال فيه: "ابن سمعان" وقال بعده: أخرجه البخاري عن أبي ثابت فقال ابن فلان وأخرجه في موضع آخر فقال ابن سمعان، وابن سمعان المذكور مشهور بالضعف متروك الحديث كذبه مالك وأحمد وغيرهما وماله في البخاري شيء إلا في هذا الموضع، ثم إن البخاري لم يسق المتن من طريقه مع كونه مقرونا بمالك بل ساقه على لفظ الرواية الأخرى وهي رواية همام عن أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "فليتق" بدل "فليجتنب" وهي رواية أبي نعيم المذكورة، وأخرجه مسلم أيضا من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: "إذا ضرب" ومثله للنسائي من طريق عجلان، ولأبي داود من طريق أبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة وهو يفيد أن قوله في رواية همام "قاتل" بمعنى قتل، وأن المفاعلة فيه ليست على ظاهرها ويحتمل أن تكون على ظاهرها ليتناول ما يقع عند دفع الصائل مثلا فينهى دافعه عن القصد بالضرب إلى وجهه، ويدخل في النهي كل من ضرب في حد أو تعزير أو تأديب

(5/182)


وقد وقع في حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصة التي زنت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها وقال: "ارموا واتقوا الوجه" وإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه فمن دونه أولى. قال النووي: قال العلماء إنما نهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها، والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها، بل لا يسلم إذا ضربه غالبا من شين ا هـ. والتعليل المذكور حسن، لكن ثبت عند مسلم تعليل آخر، فإنه أخرج الحديث المذكور من طريق أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة وزاد: "فإن الله خلق آدم على صورته" واختلف في الضمير على من يعود؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها. وقال القرطبي: أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" قال: وكأن من رواه أورده بالمعنى متمسكا بما توهمه فغلط في ذلك. وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة ثم قال: وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالباري سبحانه وتعالى. قلت: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في "السنة" والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات وأخرجها ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول قال: "من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن" فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أو من تأويله على ما يليق بالرحمن جل جلاله، وسيأتي في أول كتاب الاستئذان من طريق همام عن أبي هريرة رفعه: خلق الله آدم على صورته الحديث، وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم أي على صفته أي خلقه موصوفا بالعلم الذي فضل به الحيوان وهذا محتمل، وقد قال المازري: غلط ابن قتيبة فأجرى هذا الحديث على ظاهره وقال: صورة لا كالصور انتهى. وقال حرب الكرماني في "كتاب السنة" سمعت إسحاق بن راهويه يقول: صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن. وقال إسحاق الكوسج سمعت أحمد يقول هو حديث صحيح وقال الطبراني في كتاب السنة "حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال رجل لأبي إن رجلا قال خلق الله آدم على صورته - أي صورة الرجل - فقال: كذب هو قول الجهمية" انتهى. وقد أخرج البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد من طريق ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعا: "لا تقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته" وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: " إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة وجهه" ولم يتعرض النووي لحكم هذا النهي، وظاهره التحريم. ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي "أنه رأى رجلا لطم غلامه فقال: أو ما علمت أن الصورة محترمة" أخرجه مسلم وغيره.

(5/183)