Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
مدخل
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
51 - كِتَاب الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا
2566- حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ"
[الحديث 2566- طرفه في:6017]
2567- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لِعُرْوَةَ "ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلاَلِ ثُمَّ الْهِلاَلِ، ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ فَقُلْتُ يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا"
[الحديث 2567- طرفاه في: 6458 ، 6459]
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها" كذا للجميع، إلا للكشميهني وابن شبويه فقالا: "فيها" بدل "عليها". وأخر النسفي البسملة. والهبة بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحدة تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء، وهو هبة الدين ممن هو عليه، والصدقة وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية وهي ما يكرم به الموهوب له. ومن خصها بالحياة أخرج الوصية وهي تكون أيضا بالأنواع الثلاثة. وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض، وصنيع المصنف محمول على المعنى الأعم لأنه أدخل فيها الهدايا، قوله: "عن المقبري عن أبيه عن أبي هريرة" كذا للأكثر وسقط "عن أبيه" من رواية الأصيلي وكريمة، وضبب عليه في رواية النسفي، والصواب إثباته. وكذا أخرجه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى، وأبو نعيم من طريق إسماعيل القاضي، وأبو عوانة عن إبراهيم الحربي كلهم عن عاصم بن علي شيخ البخاري فيه. ومن طريق شبابة وعثمان بن عمرو بن المبارك عند الإسماعيلي، وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" عن آدم كلهم عن ابن أبي ذئب كذلك، وكذلك رواه الليث عن سعيد كما سيأتي في كتاب الأدب، وأخرجه الترمذي من طريق أبي معشر عن سعيد عن أبي هريرة لم يقل "عن أبيه" وزاد في أوله "تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر" الحديث. وقال غريب، وأبو معشر يضعف. وقال الطرقي إنه أخطأ فيه حيث لم يقل فيه: "عن أبيه" كذا قال وقد تابعه محمد بن عجلان عن سعيد، وأخرجه أبو عوانة. نعم من زاد فيه: "عن أبيه" أحفظ وأضبط فروايتهم أولى. والله أعلم. قوله: "عن النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية عثمان بن عمر "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول". قوله: "يا نساء المسلمات" قال عياض: الأصح الأشهر نصب النساء وجر المسلمات على الإضافة، وهي رواية المشارقة من إضافة الشيء إلى صفته كمسجد الجامع، وهو عند الكوفيين على ظاهره، وعند البصريين

(5/197)


يقدرون فيه محذوفا. وقال السهيلي وغيره: جاء برفع الهمزة على أنه منادى مفرد، ويجوز في المسلمات الرفع صفة على اللفظ على معنى يا أيها النساء المسلمات، والنصب صفة على الموضع، وكسرة التاء علامة النصب، وروي ينصب الهمزة على أنه منادى مضاف وكسرة التاء للخفض بالإضافة كقولهم مسجد الجامع، وهو مما أضيف فيه الموصوف إلى الصفة في اللفظ، فالبصريون يتأولونه على حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه نحو يا نساء الأنفس المسلمات أو يا نساء الطوائف المؤمنات أي لا الكافرات، وقيل تقديره يا فاضلات المسلمات كما يقال هؤلاء رجال القوم أي أفاضلهم، والكوفيون يدعون أن لا حذف فيه ويكتفون باختلاف الألفاظ في المغايرة. وقال ابن رشيد: توجيهه أنه خاطب نساء بأعيانهن فأقبل بندائه عليهن فصحت الإضافة على معنى المدح لهن، فالمعنى يا خيرات المؤمنات كما يقال رجال القوم، وتعقب بأنه لم يخصصهن به لأن غيرهن يشاركهن في الحكم، وأجيب بأنهما يشاركنهن بطريق الإلحاق، وأنكر ابن عبد البر رواية الإضافة، ورده ابن السيد بأنها قد صحت نقلا وساعدتها اللغة فلا معنى للإنكار. وقال ابن بطال: يمكن تخريج يا نساء المسلمات على تقدير بعيد وهو أن يجعل نعتا لشيء محذوف كأنه قال يا نساء الأنفس المسلمات، والمراد بالأنفس الرجال، ووجه بعده أنه يصير مدحا للرجال وهو صلى الله عليه وسلم إنما خاطب النساء، قال إلا أن يراد بالأنفس الرجال والنساء معا، وأطال في ذلك، وتعقبه ابن المنير. وقد رواه الطبراني من حديث عائشة بلفظ: "يا نساء المؤمنين" الحديث. قوله: "جارة لجارتها" كذا للأكثر، ولأبي ذر "لجارة" والمتعلق محذوف تقديره هدية مهداة. قوله: "فرسن" بكسر الفاء والمهملة بينهما راء ساكنة وآخره نون هو عظيم قليل اللحم، وهو للبعير موضع الحافر للفرس، ويطلق على الشاة مجازا، ونونه زائدة وقيل أصلية، وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله لا إلى حقيقة الفرسن لأنه لم تجر العادة بإهدائه أي لا تمنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلاله بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر وإن كان قليلا فهو خير من العدم، وذكر الفرسن على سبيل المبالغة، ويحتمل أن يكون النهي إنما وقع للمهدى إليها وأنها لا تحتقر ما يهدى إليها ولو كان قليلا، وحمله على الأعم من ذلك أولى. وفي حديث عائشة المذكور "يا نساء المؤمنين تهادوا ولو فرسن شاة، فإنه ينبت المودة ويذهب الضغائن" وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت، وإذا تواصل اليسير صار كثيرا. وفيه استحباب المودة وإسقاط التكلف. قوله: "ابن أبي حازم" هو عبد العزيز. قوله: "يزيد بن رومان" بضم الراء، ورجال الإسناد كلهم مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق أولهم أبو حازم وهو سلمة بن دينار. قوله: "ابن أختي" بالنصب على النداء وأداة النداء محذوفة، ووقع في رواية مسلم عن يحيى بن يحيى عن عبد العزيز "والله يا ابن أختي". قوله: "إن كنا لننظر" هي المخففة من الثقيلة وضميرها مستتر ولذا دخلت اللام في الخبر. قوله: "ثلاثة أهلة" يجوز في ثلاثة الجر والنصب. قوله: "في شهرين" هو باعتبار رؤية الهلال أول الشهر ثم رؤيته ثانيا في أول الشهر الثاني ثم رؤيته ثالثا في أول الشهر الثالث فالمدة ستون يوما والمرئي ثلاثة أهلة، وسيأتي في الرقاق من طريق هشام بن عروة عن أبيه بلفظ: "كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا" وفي رواية يزيد بن رومان هذه زيادة عليه ولا منافاة بينهما، وقد أخرجه ابن ماجة من طريق أبي سلمة عن عائشة بلفظ: "لقد كان يأتي على آل محمد الشهر ما يرى في بيت من بيوته الدخان". قوله: "ما يعيشكم" بضم أوله يقال أعاشه الله عيشة، وضبطه النووي بتشديد الياء التحتانية، وفي بعض النسخ "ما يغنيكم" بسكون المعجمة بعدها نون مكسورة ثم تحتانية ساكنة. وفي رواية أبي

(5/198)


سلمة عن عائشة "قلت فما كان طعامكم" . قوله: "الأسودان التمر والماء" هو على التغليب وإلا فالماء لا لون له؛ ولذلك قالوا الأبيضان اللبن والماء، وإنما أطلقت على التمر الأسود لأنه غالب تمر المدينة، وزعم صاحب "المحكم" وارتضاه بعض الشراح المتأخرين أن تفسير الأسودين بالتمر والماء مدرج، وإنما أرادت الحرة والليل، واستدل بأن وجود التمر والماء يقتضي وصفهم بالسعة، وسياقها يقتضي وصفهم بالضيق، وكأنها بالغت في وصف حالهم بالشدة حتى إنه لم يكن عندهم إلا الليل والحرة ا هـ. وما ادعاه ليس بطائل، والإدراج لا يثبت بالتوهم، وقد أشار إلى أن مستنده في ذلك أن بعضهم دعا قوما وقال لهم: ما عندي إلا الأسودان فرضوا بذلك، فقال: ما أردت إلا الحرة والليل. وهذا حجة عليه لأن القوم فهموا التمر والماء وهو الأصل، وأراد هو المزح معهم فألغز لهم بذلك، وقد تظاهرت الأخبار بالتفسير المذكور، ولا شك أن أمر العيش نسبي، ومن لا يجد إلا التمر أضيق حالا ممن يجد الخبز مثلا، ومن لم يجد إلا الخبز أضيق حالا ممن يجد اللحم مثلا، وهذا أمر لا يدفعه الحس، وهو الذي أرادت عائشة؛ وسيأتي في الرقاق من طريق هشام عن عروة عن أبيه عنها بلفظ: "وما هو إلا التمر والماء" وهو أصرح في المقصود لا يقبل الحمل على الإدراج. قوله: "جيران" بكسر الجيم زاد الإسماعيلي من طريق محمد بن الصباح عن عبد العزيز "نعم الجيران كانوا" وفي رواية أبي سلمة "جيران صدق" وسيأتي بعد ستة أبواب الإشارة إلى أسمائهم. قوله: "منائح" بنون ومهملة جمع منيحة وهي كعطية لفظا ومعنى، وأصلها عطية الناقة أو الشاة ويقال: لا يقال منيحة إلا للناقة وتستعار للشاة كما تقدم في الفرسن سواء، قال إبراهيم الحربي وغيره: يقولون منحتك الناقة وأعرتك النخلة وأعمرتك الدار وأخدمتك العبد وكل ذلك هبة منافع، وقد تطلق المنيحة على هبة الرقبة، ويأتي مزيد لذلك بعد أبواب. وقوله: "يمنحون" بفتح أوله وثالثه، ويجوز ضم أوله وكسر ثالثه أي يجعلونها له منحة. قوله: "فيسقيناه" في رواية الإسماعيلي: "فيسقينا منه" وفي هذا الحديث ما كان فيه الصحابة من التقلل من الدنيا في أول الأمر. وفيه فضل الزهد، وإيثار الواجد للمعدم، والاشتراك فيما في الأيدي. وفيه جواز ذكر المرء ما كان فيه من الضيق بعد أن يوسع الله عليه تذكيرا بنعمه وليتأسى به غيره.

(5/199)


2 - باب: الْقَلِيلِ مِنْ الْهِبَةِ
2568- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لاَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ"
[الحديث 2568- طرفه في: 5178]
قوله: "باب القليل من الهبة" ذكر فيه حديث أبي هريرة "لو دعيت إلى ذراع أو كراع" وسيأتي شرحه في "باب الوليمة" من كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، ومناسبته للترجمة بطريق الأولى، لأنه إذا كان يجيب من دعاه على ذلك القدر اليسير فلأن يقبله ممن أحضره إليه أولى. الكراع من الدابة ما دون الكعب، وقيل هو اسم مكان ولا يثبت، ويرده حديث أنس عند الترمذي بلفظ: "لو أهدي إلي كراع لقبلت" وللطبراني من حديث أم حكيم الخزاعية "قلت يا رسول الله تكره رد الظلف؟ قال: ما أقبحه، لو أهدي إلي كراع لقبلت" الحديث. وخص

(5/199)


الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير، لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها والكراع لا قيمة له، وفي المثل "أعط العبد كراعا يطلب منك ذراعا" وقوله هنا: "عن سليمان" هو ابن مهران الأعمش، وأبو حازم هو سليمان مولى عزة، وهو أكبر من أبي حازم سلمة المذكور في الباب قبله، قال ابن بطال: أشار عليه الصلاة والسلام بالكراع والفرسن إلى الحض على قبول الهدية ولو قلت لئلا يمتنع الباعث من الهدية لاحتقار الشيء، فحض على ذلك لما فيه من التألف.

(5/200)


3 - باب: مَنْ اسْتَوْهَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ شَيْئًا
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا"
2569- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَكَانَ لَهَا غُلاَمٌ نَجَّارٌ قَالَ لَهَا مُرِي عَبْدَكِ فَلْيَعْمَلْ لَنَا أَعْوَادَ الْمِنْبَرِ فَأَمَرَتْ عَبْدَهَا فَذَهَبَ فَقَطَعَ مِنْ الطَّرْفَاءِ فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا فَلَمَّا قَضَاهُ أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ قَدْ قَضَاهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسِلِي بِهِ إِلَيَّ فَجَاءُوا بِهِ فَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ حَيْثُ تَرَوْنَ"
2570- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ - وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَازِلٌ أَمَامَنَا - وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا - وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي - فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ وَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقُلْتُ لَهُمْ نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقَالُوا لاَ وَاللَّهِ لاَ نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا - وَخَبَأْتُ الْعَضُدَ مَعِي - فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ فَأَكَلَهَا حَتَّى نَفِدَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ" فَحَدَّثَنِي بِهِ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: "باب من استوهب من أصحابه شيئا" أي سواء كان عينا أو منفعة جاز، أي بغير كراهة في ذلك إذا كان يعلم طيب أنفسهم. قوله: "وقال أبو سعيد" هو الخدري. قوله: "اضربوا لي معكم سهما" هو طرف من حديث الرقية وقد تقدم بتمامه مشروحا في كتاب الإجارة. قوله: "حدثنا أبو غسان" هو محمد بن مطرف، وسهل هو ابن سعد، وتقدم الحديث مشروحا في كتاب الجمعة، وفيه استيهابه من المرأة منفعة غلامها، وقد سبق ما نقل في تسمية كل منهما. وأغرب الكرماني هنا فزعم أن اسم المرأة مينا وهو وهم، وإنما قيل ذلك في اسم النجار كما تقدم

(5/200)


وأن قول أبي غسان في هذه الرواية إن المرأة من المهاجرين وهم، ويحتمل أن تكون أنصارية حالفت مهاجريا وتزوجت به أو بالعكس، وقد ساقه ابن بطال في هذا الموضع بلفظ: "امرأة من الأنصار" والذي في النسخ التي وقفت عليها من البخاري ما وصفته. قوله: "حدثنا عبد العزيز بن عبد الله" هو الأويسي، والإسناد كله مدنيون، وقد تقدم حديث أبي قتادة مشروحا في كتاب الحج، وفيه طلب أبي قتادة من أصحابه مناولته رمحه وإنما امتنعوا لكونهم كانوا محرمين، وفيه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "هل معكم منه شيء" وقد ذكرت هناك رواية من زاد فيه: "كلوا وأطعموني" ولعل المصنف أشار إلى هذه الزيادة. وقوله: "فحدثني به زيد بن أسلم" قال ذلك محمد بن جعفر راويه عن أبي حازم، وهو ابن أبي كثير أخو إسماعيل. وقوله فيه: "أخصف نعلي" بمعجمة ثم مهملة مكسورة أي أجعل لها طاقا، كأنها كانت انخرقت فأبدلها. وأغرب الداودي فقال: أعمل لها شسعا، وقوله: "حتى نفدها" بتشديد الفاء المفتوحة أي فرغ من أكلها كلها، وروي بكسر الفاء والتخفيف، ورده ابن التين. قال ابن بطال: استيهاب الصديق حسن إذا علم أن نفسه تطيب به، وإنما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من أبي سعيد وكذا من أبي قتادة وغيرهما ليؤنسهم به ويرفع عنهم اللبس في توقفهم في جواز ذلك. وقوله في السند "عبد الله بن أبي قتادة السلمي" هو بفتح اللام وهذا مشهور في الأنصار، وذكر ابن الصلاح أن من قاله بكسر اللام لحن، وليس كما قال بل كسر اللام لغة معروفة وهي الأصل، ويتعجب من خفاء ذلك عليه.

(5/201)


باب من اسبسقى وقال سهل (قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اسقني)
...
4 - باب: مَنْ اسْتَسْقَى
وَقَالَ سَهْلٌ "قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْقِنِي"
2571- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو طُوَالَةَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ "أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِنَا هَذِهِ فَاسْتَسْقَى فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لَنَا ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِنَا هَذِهِ فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ وَعُمَرُ تُجَاهَهُ وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ هَذَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ ثُمَّ قَالَ الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ أَلاَ فَيَمِّنُوا قَالَ أَنَسٌ فَهِيَ سُنَّةٌ فَهِيَ سُنَّةٌ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ"
قوله: "باب من استسقى" ماء أو لبنا أو غير ذلك مما تطيب به نفس المطلوب منه. قوله: "وقال سهل قال لي النبي صلى الله عليه وسلم اسقني" هو طرف من حديث أوله "ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها" الحديث وفيه: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسقنا يا سهل" . ثم ذكر حديث أنس في تقديم الأيمن في الشرب وسيأتي شرحه في الأشربة، أورده هنا من طريق أبي طوالة وهو بضم المهملة وتخفيف الواو اسمه عبد الله بن عبد الرحمن، والغرض منه قول أنس "فاستسقى". قوله: "الأيمنون الأيمنون" فيه تقدير مبتدأ مضمر، أي المقدم الأيمنون، والثانية للتأكيد. وقوله: "ألا فيمنوا" كذا وقع بصيغة الاستفتاح، والأمر بالتيامن، وقد أخرجه مسلم من الوجه الذي أخرجه منه البخاري إلا أنه قال في الثالثة أيضا: "الأيمنون" ذكر اللفظة ثلاث مرات كما ذكر قول أنس "فهي سنة ثلاث مرار" ، وعلى ذلك شرح ابن التين كأنه وقع كذلك في نسخته، ولم أره في شيء من النسخ إلا كما وصفت أولا، وتوجيهه أنه لما بين أن الأيمن يقدم ثم أكده بإعادته أكمل ذلك بصريح الأمر به، ويستفاد من حذف المفعول

(5/201)


التعميم في جميع الأشياء لقول عائشة "كان يعجبه التيمن في شأنه كله" وأشار الإسماعيلي إلى أن سليمان بن بلال تفرد عن أبي طوالة بقوله: "فاستسقى" وأخرجه من طريق إسماعيل بن جعفر وخالد الواسطي عن أبي طوالة بدونها انتهى وسليمان حافظ وزيادته مقبولة، وقد ثبتت هذه اللفظة في حديث جابر من طريق الأعمش عن أبي صالح عنه في حديث سيأتي في الأشربة. وفيه جواز طلب الأعلى من الأدنى ما يريده من مأكول ومشروب إذا كانت نفس المطلوب منه طيبة به ولا يعد ذلك من السؤال المذموم.

(5/202)


5 - باب: قَبُولِ هَدِيَّةِ الصَّيْدِ وَقَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ عَضُدَ الصَّيْدِ
2572- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا فَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَرِكِهَا - أَوْ فَخِذَيْهَا قَالَ: فَخِذَيْهَا لاَ شَكَّ فِيهِ – فَقَبِلَهُ. قُلْتُ: وَأَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَأَكَلَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: قَبِلَهُ"
[الحديث 2572- طرفاه في: - 5489 ، 5535]
قوله: "باب قبول هدية الصيد، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم من أبي قتادة عضد الصيد" تقدم حديثه في ذلك قبل باب، وقوله في حديث أنس "أنفجنا" بالفاء والجيم أي أثرنا. وقوله: "فلغبوا" بالمعجمة والموحدة أي تعبوا. ووقع كذلك في رواية الكشميهني. وأغرب الداودي، فقال: معناه عطشوا. وتعقبه ابن التين وقال: ضبطوا لغبوا بكسر الغين والفتح أعرف، وسيأتي شرحه إن شاء الله تعالى في كتاب الصيد والذبائح. ومر الظهران واد معروف على خمسة أميال من مكة إلى جهة المدينة، وقد ذكر الواقدي أنه من مكة على خمسة أميال. وزعم ابن وضاح أن بينهما أحدا وعشرين ميلا، وقيل ستة عشر وبه جزم البكري، قال النووي: والأول غلط وإنكار للمحسوس. ومر قرية ذات نخل وزرع ومياه، والظهران اسم الوادي، وتقول العامة بطن مرو. قلت: وقول البكري هو المعتمد والله أعلم. وأبو طلحة هو زوج أم سليم والدة أنس، وقوله: "فخذيها لا شك فيه"يشير إلى أنه يشك في الوركين خاصة، وأن الشك في قوله: "فخذيها أو وركيها" ليس على السواء، أو كان يشك في الفخذين ثم استيقن، وكذلك شك في الأكل ثم استيقن القبول فجزم به آخرا.

(5/202)


6 - باب: قبول الهدية
2573- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ "أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ أَمَا إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ"
قوله: "باب قبول الهدية" كذا ثبت لأبي ذر، وسقطت هذه الترجمة هنا لغيره وهو الصواب. وأورد فيه

(5/103)


7 - باب: قَبُولِ الْهَدِيَّةِ
2574- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدَةُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ يَبْتَغُونَ بِهَا أَوْ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 2574- أطرافه في: 2580 ، 2581 ، 3775]
2575- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ - خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ - إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقِطًا وَسَمْنًا وَأَضُبًّا فَأَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الأَقِطِ وَالسَّمْنِ وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 2575- أطرافه في: 5389 ، 5402 ، 7358]
2576- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ وَإِنْ: قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَ مَعَهُمْ"
2577- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ فَقِيلَ: تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ قَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ"
2578- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وَأَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا وَلاَءَهَا فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ . وَخُيِّرَتْ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: زَوْجُهَا حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ؟ قَالَ شُعْبَةُ: سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْ زَوْجِهَا، قَالَ: لاَ أَدْرِي أَحُرٌّ أَمْ عَبْدٌ"
2579- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ: عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لاَ، إِلاَّ

(5/203)


شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنْ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتَ إِلَيْهَا مِنْ الصَّدَقَةِ قَالَ إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا"
قوله: "باب قبول الهدية" كذا لأبي ذر وهو تكرار بغير فائدة. وهذه الترجمة بالنسبة إلى ترجمة قبول هدية الصيد من العام بعد الخاص. ووقع عند النسفي "باب من قبل الهدية" وذكر فيه ستة أحاديث. الأول حديث عائشة "كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة" وسيأتي شرحه في الباب الذي بعده، وقوله فيه: "مرضاة " هو مصدر بمعنى الرضا، وقوله فيه: "يبتغون" بالموحدة والمعجمة من البغية، وروي "يتبعون" بتقديم مثناة مثقلة وكسر الموحدة وبالمهملة. ثانيها حديث ابن عباس "أهدت أم حفيد" وهي بالمهملة والفاء مصغر، وسيأتي الكلام عليه في الأطعمة في الكلام على الضب، وقوله فيه: "وترك الأضب" كذا لأبي ذر بصيغة الجمع ولغيره: "الضب" والأضب بضم المعجمة جمع ضب مثل أكف وكف، قوله: "تقذرا" بالقاف والمعجمة تقول قذرت الشيء وتقذرته إذا كرهته. وقول: ابن عباس "لو كان حراما ما أكل على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم"استدلال صحيح من جهة التقرير. ثالثها حديث أبي هريرة في قبوله صلى الله عليه وسلم الهدية ورده الصدقة، وقوله فيه: "إذا أتي بطعام" زاد أحمد وابن حبان من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد "من غير أهله". قوله: "ضرب بيده" أي شرع في الأكل مسرعا، ومثله ضرب في الأرض إذا أسرع السير فيها. رابعها حديث عائشة في قصة بريرة من طريق القاسم عن عائشة، وسيأتي شرحه في كتاب النكاح وقد مضى ما يتعلق بشراء بريرة في كتاب العتق قريبا، وشاهد الترجمة منه قوله: "هو لها صدقة ولنا هدية" فيؤخذ منه أن التحريم إنما هو على الصفة لا على العين، ووقع في رواية أبي ذر الهروي "فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم": هذا تصدق به على بريرة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو لها صدقة ولنا هدية" ووقع لغير أبي ذر هنا "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا تصدق به على بريرة؟ هو لها صدقة ولنا هدية" فجعل السؤال والجواب من كلامه صلى الله عليه وسلم، والأول أصوب وهو الثابت في غير هذه الرواية أيضا. خامسها حديث أنس في ذلك قوله: "عن أنس" في رواية الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة عن قتادة "سمع أنس بن مالك". سادسها حديث أم عطية في الشاة من الصدقة وأنها بلغت محلها: قوله فيه "الذي بعثت إليها" كذا للأكثر بصيغة المخاطب، وللكشميهني: "بعثت " بضم أوله على البناء للمجهول. قوله: "أنه قد بلغت" في رواية الكشميهني: "إنها قد بلغت محلها" بكسر المهملة يقع على المكان والزمان، أي زال عنها حكم الصدقة المحرمة علي وصارت لي حلالا. "تنبيه": أم عطية اسمها نسيبة بنون ومهملة وموحدة مصغرا كما تقدم في الكلام على هذا الحديث في أواخر الزكاة، ووقع عند الإسماعيلي من رواية وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله نسيبة بفتح النون ومن رواية يزيد بن زريع عن خالد الحذاء نسيبة بالتصغير وهو الصواب. ثم أخرجه من طريق ابن شهاب عن الحذاء عن أم عطية قالت: "بعثت إلي نسيبة الأنصارية بشاة فأرسلت إلى عائشة منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عندكم شيء؟ قالت: لا إلا ما أرسلت به نسيبة" الحديث. قال الإسماعيلي: هذا يدل على أن نسيبة غير أم عطية. قلت: سبب ذلك تحريف وقع في روايته في قوله: "بعث" والصواب "بعثت" على البناء للمجهول، وفيه نوع التجريد لأن أم عطية أخبرت عن نفسها بما يوهم أن الذي تخبر عنه غيرها، قال ابن بطال: إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس، ولأن أخذ الصدقة منزلة ضعة، والأنبياء منزهون عن ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان كما وصفه الله تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} والصدقة لا تحل للأغنياء. وهذا بخلاف الهدية فإن العادة جارية بالإثابة عليها، وكذلك

(5/204)


كان شأنه. وقوله: "قد بلغت محلها" فيه أن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير الذي أعطيها بالبيع والهدية وغير ذلك، وفيه إشارة إلى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا تحرم عليهن الصدقة كما حرمت عليه، لأن عائشة قبلت هدية بريرة وأم عطية مع علمها بأنها كانت صدقة عليهما، وظنت استمرار الحكم بذلك عليها ولهذا لم تقدمها للنبي صلى الله عليه وسلم لعلمها أنه لا تحل له الصدقة، وأقرها صلى الله عليه وسلم على ذلك الفهم ولكنه بين لها أن حكم الصدقة فيها قد تحول فحلت له صلى الله عليه وسلم أيضا، ويستنبط من هذه القصة جواز استرجاع صاحب الدين من الفقير ما أعطاه له من الزكاة بعينه وأن للمرأة أن تعطي زكاتها لزوجها ولو كان ينفق عليها منها، وهذا كله فيما لا شرط فيه. والله أعلم. "تنبيه": استشكلت قصة عائشة في حديث أم عطية مع حديثها في قصة بريرة لأن شأنهما واحد، وقد أعلمها النبي صلى الله عليه وسلم في كل منهما بما حاصله أن الصدقة إذا قبضها من يحل له أخذها ثم تصرف فيها زال عنها حكم الصدقة وجاز لمن حرمت عليه أن يتناول منها إذا أهديت له أو بيعت، فلو تقدمت إحدى القصتين على الأخرى لأغنى ذلك عن إعادة ذكر الحكم، ويبعد أن تقع القصتان دفعة واحدة.

(5/205)


بَلَى فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهُنَّ فَقُلْنَ ارْجِعِي إِلَيْهِ فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ فَأَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَأَتَتْهُ فَأَغْلَظَتْ وَقَالَتْ إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللَّهَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهِيَ قَاعِدَةٌ فَسَبَّتْهَا حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ هَلْ تَكَلَّمُ قَالَ فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا قَالَتْ فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَائِشَةَ وَقَالَ إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ"
قَالَ الْبُخَارِيُّ: الْكَلاَمُ الأَخِيرُ قِصَّةُ فَاطِمَةَ يُذْكَرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ "كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ"
وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَجُلٍ مِنَ المَوَالِي عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ "قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَتْ فَاطِمَةُ"
قوله: "باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض" يقال تحرى الشيء إذا قصده دون غيره. قوله: "حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان الناس يتحرون بهداياهم يومي. وقالت أم مسلمة إن صواحبي اجتمعن، فذكرت له فأعرض عنها" هكذا أورده مختصرا جدا، وقد أخرجه أبو عوانة وأبو نعيم والإسماعيلي من طريق محمد بن عبيد، زاد الإسماعيلي وخلف بن هشام كلاهما عن حماد بن زيد بهذا الإسناد بلفظ: "كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة فقلن لها: خبري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا له حيث كان، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم، قال فأعرض عني، قالت: فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني" الحديث: وقد أخرجه المصنف في مناقب عائشة عن عبد الله بن عبد الوهاب عن حماد بن زيد فقال: "عن هشام عن أبيه كان الناس يتحرون" فذكره بتمامه مرسلا، وروى ابن سعد في طبقات النساء من حديث أم سلمة قالت: "كان الأنصار يكثرون الطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وعمارة بن حزم وأبو أيوب، وذلك لقرب جوارهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس "حدثني أخي" هو أبو بكر عبد الحميد "عن سليمان" هو ابن بلال. وقد تابع البخاري حميد بن زنجويه عند أبي نعيم وإسماعيل القاضي عند أبي عوانة فروياه عن إسماعيل بن أبي أويس كما قال، وخالفهم محمد بن يحيى الذهلي فرواه عن إسماعيل "حدثني سليمان بن بلال" حذف الواسطة بين إسماعيل وسليمان وهو أخو إسماعيل. قوله: "عن هشام بن عروة" زاد فيه على رواية حماد بن زيد في آخره: "فقالت - أي أم سلمة - أتوب إلى الله من ذلك يا رسول الله" وزاد فيه أيضا إرسالهن فاطمة ثم إرسالهن زينب بنت جحش، وقد تصرف الرواة في هذا الحديث بالزيادة والنقص، ومنهم من جعله ثلاثة أحاديث. قال البخاري "الكلام الأخير قصة فاطمة - أي إرسال أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم إليه - يذكر عن هشام بن عروة عن رجل عن الزهري عن محمد بن عبد الرحمن" يعني أنه اختلف فيه على هشام بن عروة فرواه سليمان بن بلال عنه عن أبيه عن عائشة في جملة الحديث الأول، ورواه عنه غيره بهذا الإسناد الأخير. قوله: "والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي بقيتهن، وهي زينب بنت جحش الأسدية وأم حبيبة الأموية وجويرية بنت الحارث الخزاعية وميمونة بنت الحارث

(5/206)


الهلالية دون زينب بنت خزيمة أم المساكين. رواه ابن سعد من طريق رميثة المذكورة وهي رميثة بالمثلثة مصغرة عن أم سلمة قالت: "كلمني صواحبي وهن - فذكرتهن - وكنا في الجانب الثاني وكانت عائشة وصواحبها في الجانب الآخر، فقلن كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الناس يهدون إليه في بيت عائشة ونحن نحب ما تحب" الحديث قال ابن سعد: ماتت زينب بنت خزيمة قبل أن يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة، وأسكن أم سلمة بيتها لما دخل بها. قوله: "فقلن لها كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس" بالجزم والميم مكسورة لالتقاء الساكنين ويجوز الرفع. قوله: "فليهدها" في رواية الكشميهني: "فليهد" بحذف الضمير. قوله: "فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة" يأتي شرحه في مناقب عائشة إن شاء الله تعالى. قوله: "ثم إنهن دعون فاطمة" في رواية الكشميهني: "دعين" وروى ابن سعد من مرسل علي بن الحسين أن التي خاطبتها بذلك منهن زينب بنت جحش، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سألها "أرسلتك زينب؟ قالت: زينب وغيرها، قال: أهي التي وليت ذلك؟ قالت: نعم". قوله: "إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر" أي يطلبن منك العدل. وفي رواية الأصيلي: "يناشدنك الله العدل" أي يسألنك بالله العدل، والمراد به التسوية بينهن في كل شيء من المحبة وغيرها، زاد في رواية محمد بن عبد الرحمن عن عائشة عند مسلم: "أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في بنت ابن أبي قحافة" وأبو قحافة هو والد أبي بكر. قوله: "فقال: يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى" زاد مسلم في الرواية المذكورة "قال: فأحبي هذه، فقامت فاطمة حين سمعت ذلك" . قوله: "فرجعت إليهن فأخبرتهن" زاد مسلم: "فقلت لها ما نراك أغنيت عنا من شيء" . قوله: "فأبت أن ترجع" في رواية مسلم: "فقالت: والله لا أكلمه فيها أبدا" . قوله: "فأرسلن زينب بنت جحش" زاد مسلم: "وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه ثناء عائشة عليها بالصدقة وذكرها لها بالحدة التي تسرع منها الرجعة. قوله: "فأتته" في مرسل علي بن الحسين "فذهبت زينب حتى استأذنت، فقال: ائذنوا لها. فقالت: حسبك إذا برقت لك بنت ابن أبي قحافة ذراعيها" وفي رواية مسلم: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة في مرطها على الحال التي دخلت فاطمة وهو بها" . قوله: "فأغلظت" في رواية مسلم: "ثم وقعت بي فاستطالت" وفي مرسل علي بن الحسين "فوقعت بعائشة ونالت منها" . قوله: "فسبتها حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تكلم" في رواية مسلم: "وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها. قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر" وفي هذا جواز العمل بما يفهم من القرائن، لكن روى النسائي وابن ماجه مختصرا من طريق عبد الله البهي عن عروة عن عائشة قالت: "دخلت على زينب بنت جحش فسبتني، فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فأبت، فقال سبيها، فسببتها حتى جف ريقها في فمها" وقد ذكرته في "باب انتصار الظالم" من كتاب المظالم فيمكن أن يحمل على التعدد. قوله: "فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها" في رواية لمسلم: "فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها غلبة" ولابن سعد "فلم أنشبها أن أفحمتها" . قوله: "فقال: إنها بنت أبي بكر" أي إنها شريفة عاقلة عارفة كأبيها، وكذا في رواية مسلم، وفي رواية النسائي المذكورة "فرأيت وجهه يتهلل" وكأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أبا بكر كان عالما بمناقب مضر ومثالبها فلا يستغرب من بنته تلقي ذلك عنه "ومن يشابه أبه فما ظلم". وفي هذا الحديث منقبة ظاهرة لعائشة، وأنه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتحف، وإنما اللازم العدل في المبيت والنفقة ونحو

(5/207)


ذلك من الأمور اللازمة، كذا قرره ابن بطال عن المهلب، وتعقبه ابن المنير بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك وإنما فعله الذين أهدوا له وهم باختيارهم في ذلك، وإنما لم يمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرض الرجل إلى الناس بمثل ذلك لما فيه من التعرض لطلب الهدية، وأيضا فالذي يهدي لأجل عائشة كأنه ملك الهدية بشرط، والتمليك يتبع فيه تحجير المالك، مع أن الذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يشركهن في ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطية تصل إليهن من بيت عائشة. وفيه قصد الناس بالهدايا أوقات المسرة ومواضعها ليزيد ذلك في سرور المهدي إليه. وفيه تنافس الضرائر وتغايرهن على الرجل، وأن الرجل يسعه السكوت إذا تقاولن، ولا يميل مع بعض على بعض. وفيه جواز التشكي والتوسل في ذلك، وما كان عليه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من مهابته والحياء منه حتى راسلنه بأعز الناس عنده فاطمة. وفيه سرعة فهمهن ورجوعهن إلى الحق والوقوف عنده. وفيه إدلال زينب بنت جحش على النبي صلى الله عليه وسلم لكونها كانت بنت عمته، كانت أمها أميمة بالتصغير بنت عبد المطلب. قال الداودي: وفيه عذر النبي صلى الله عليه وسلم لزينب، قال ابن التين: ولا أدري من أين أخذه. قلت: كأنه أخذه من مخاطبتها النبي صلى الله عليه وسلم لطلب العدل مع علمها بأنه أعدل الناس، لكن غلبت عليها الغيرة فلم يؤاخذها النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاق ذلك، وإنما خص زينب بالذكر لأن فاطمة عليها السلام كانت حاملة رسالة خاصة، بخلاف زينب فإنها شريكتهن في ذلك بل رأسهن، لأنها هي التي تولت إرسال فاطمة أولا ثم سارت بنفسها. واستدل به على أن القسم كان واجبا عليه، وسيأتي البحث في ذلك في النكاح إن شاء الله تعالى. قوله: "وقال أبو مروان الغساني" كذا للأكثر بغين معجمة وسين مهملة ثقيلة، ووقع في رواية القابسي عن أبي زيد فيه تغيير فغيره: "العثماني" حكاه أبو علي الجياني وقال إنه خطأ، وقد تقدمت لأبي مروان هذا رواية موصولة في كتاب الحج، ووقع للقابسي فيه تصحيف غير هذا. وقوله: "وقال أبو مروان إلخ" يعني أن أبا مروان فصل بين الحديثين في روايته عن هشام فجعل الأول - وهو التحري - كما قال حماد بن زيد عن هشام، وجعل الثاني - وهو قصة فاطمة - عن هشام عن رجل من قريش ورجل من الموالي عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة. قلت: وطريق محمد بن عبد الرحمن عن عائشة بهذه القصة مشهورة من غير هذا الوجه، أخرجها مسلم والنسائي من طريق صالح بن كيسان، زاد مسلم: "ويونس"، وزاد النسائي: "وشعيب بن أبي حمزة" ثلاثتهم عن الزهري عنه، وهكذا قال موسى بن أعين عن معمر عن الزهري، وخالفه عبد الرزاق فقال: "عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة" وخالفهم إسحاق الكلبي فجعل أبا بكر بن عبد الرحمن بدل محمد بن الرحمن، قال الذهلي والدار قطني وغيرهما: المحفوظ من حديث الزهري "عن محمد بن عبد الرحمن عن عائشة" وأبو مروان هذا هو يحيى بن أبي زكريا الغساني، وهو شامي نزل واسط، واسم أبي زكريا يحيى أيضا، ووهم من زعم أنه محمد بن عثمان العثماني فإنه وإن كان يكنى أبا مروان لكنه لم يدرك هشام بن عروة وإنما يروي عنه بواسطة، وطريقه هذه وصلها الذهلي في "الزهريات". وقد اختلف على هشام فيه اختلافا آخر فرواه حماد بن سلمة عنه "عن عوف بن الحارث عن أخته رميثة عن أم سلمة أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم قلن لها: إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة" الحديث أخرجه أحمد، ويحتمل أن يكون لهشام فيه طريقان، فإن عبدة بن سليمان رواه عنه بالوجهين، أخرجه الشيخان من طريقه بالإسناد الأول كما مضى في الباب الذي قبله، وأخرجه النسائي من طريقه متابعا لحماد بن سلمة، والله أعلم.

(5/208)


9 - باب: مَا لاَ يُرَدُّ مِنْ الْهَدِيَّةِ
2582- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيبًا قَالَ كَانَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لاَ يَرُدُّ الطِّيبَ قَالَ وَزَعَمَ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يَرُدُّ الطِّيبَ"
[الحديث 2582- طرفه في: 5929]
قوله: "باب ما لا يرد من الهدية" كأنه أشار إلى ما رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا: "ثلاث لا ترد: الوسائد والدهن واللبن ، قال الترمذي: يعني بالدهن الطيب، وإسناده حسن إلا أنه ليس على شرط البخاري فأشار إليه واكتفى بحديث أنس "أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب" قال ابن بطال: إنما كان لا يرد الطيب من أجل أنه ملازم لمناجاة الملائكة ولذلك كان لا يأكل الثوم ونحوه. قلت: لو كان هذا هو السبب في ذلك لكان من خصائصه، وليس كذلك فإن أنسا اقتدى به في ذلك. وقد ورد النهي عن رده مقرونا ببيان الحكمة في ذلك في حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وأبو عوانة من طريق عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا: "من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف الحمل طيب الرائحة" وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن قال: "ريحان" بدل طيب، ورواية الجماعة أثبت، فإن أحمد وسبعة أنفس معه رووه عن عبد الله بن يزيد المقبري عن سعيد بن أبي أيوب بلفظ: "الطيب" ووافقه ابن وهب عن سعيد عند ابن حبان، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، وقد قال الترمذي عقب حديث أنس وابن عمر: "وفي الباب عن أبي هريرة" فأشار إلى هذا الحديث. قوله: "عزرة" هو بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها راء. قوله: "حدثني ثمامة بن عبد الله قال: دخلت عليه فناولني طيبا قال: كان أنس لا يرد الطيب" فاعل قال هو عزرة والضمير لثمامة، وزعم بعض الشراح أن الضمير لأنس، وليس كذلك فقد أخرجه أبو نعيم من طريق بشر بن معاذ عن عبد الوارث عن عزرة بن ثابت قال: "دخلت على ثمامة فناولني طيبا، قلت قد تطيبت، فقال: كان أنس لا يرد الطيب". قوله: "وزعم" أي قال، والزعم يطلق على القول كثيرا.

(5/209)


10 - باب: مَنْ رَأَى الْهِبَةَ الْغَائِبَةَ جَائِزَةً
2583 ، 2584- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ذَكَرَ عُرْوَةُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمَرْوَانَ أَخْبَرَاهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ قَامَ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا لَكَ"
قوله: "باب من رأى الهبة الغائبة جائزة" ذكر فيه طرفا من حديث المسور ومروان في قصة هوازن، ومراده

(5/209)


منه قوله صلى الله عليه وسلم: "وإني رأيت أن أرد عليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل" فإن في بقية الحديث: "طيبنا لك" وقد تقدم قريبا في العتق في "باب من ملك من العرب رقيقا" بأتم من هذا بهذا الإسناد بعينه، ففيه أنهم وهبوا ما غنموه من السبي من قبل أن يقسم وذلك في معنى الغائب، وحذف في هذه الطريق جواب الشرط من الجملة الثانية وهي "فليفعل" وقد ثبت كذلك في الباب الذي أشرت إليه، قال ابن بطال: فيه أن للسلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة واستئلاف، وتعقبه ابن المنير وقال: ليس كما قال، بل في نفس الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك إلا بعد تطييب نفوس المالكين.

(5/210)


باب المكاقأة في الهبة
...
11 - باب: الْمُكَافَأَةِ فِي الْهِبَةِ
2585- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا" لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ "عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ"
قوله: "باب المكافأة في الهبة" المكافأة بالهمز مفاعلة بمعنى المقابلة، والمراد بالهبة هنا المعنى الأعم كما قررته في أول كتاب الهبة. قوله: "عن هشام" في رواية الإسماعيلي من طريق إبراهيم بن موسى الفراء عن عيسى بن يونس "حدثنا هشام". قوله: "يقبل الهدية ويثيب عليها" أي يعطي الذي يهدي له بدلها، والمراد بالثواب المجازاة وأقله ما يساوي قيمة الهدية. قوله: "لم يذكر وكيع ومحاضر: عن هشام عن أبيه عن عائشة" فيه إشارة إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصله عن هشام، وقد قال الترمذي والبزار: لا نعرفه موصولا إلا من حديث عيسى بن يونس، وقال الآجري سألت أبا داود عنه فقال: تفرد بوصله عيسى بن يونس، وهو عند الناس مرسل. ورواية وكيع وصلها ابن أبي شيبة عنه بلفظ: "ويثيب ما هو خير منها" ورواية محاضر لم أقف عليها بعد. واستدل بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق الواهب وكان ممن يطلب مثله الثواب كالفقير للغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته صلى الله عليه وسلم، ومن حيث المعنى أن الذي أهدى قصد أن يعطي أكثر مما أهدى فلا أقل أن يعوض بنظير هديته، وبه قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد كالحنفية: الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع بثمن مجهول، ولأن موضوع الهبة التبرع فلو أبطلناه لكان في معنى المعاوضة، وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة، فما استحق العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف الهبة. وأجاب بعض المالكية بأن الهبة لو لم تقتض الثواب أصلا لكانت بمعنى الصدقة، وليس كذلك فإن الأغلب من حال الذي يهدي أنه يطلب الثواب ولا سيما إذا كان فقيرا، والله أعلم.

(5/210)


12 - باب: الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ
وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ الْآخَرِينَ مِثْلَهُ وَلاَ يُشْهَدُ عَلَيْهِ
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ"
وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ؟ وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ يَتَعَدَّى؟
"وَاشْتَرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا ثُمَّ أَعْطَاهُ ابْنَ عُمَرَ وَقَالَ اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ"

(5/210)


13 - بَاب: الإِشْهَادِ فِي الْهِبَةِ
2587- حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: "سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لاَ قَالَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ قَالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ"
قوله: "باب الهبة للولد، وإذا أعطى بعض ولده شيئا لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخر مثله" في رواية الكشميهني: "ويعطي الآخرين". قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعدلوا بين أولادكم في العطية" سيأتي موصولا في الباب الذي بعده بدون قوله: "في العطية" وهي بالمعنى. وقد أخرجه الطحاوي من طريق مغيرة عن الشعبي عن النعمان فذكر هذه الزيادة ولفظه: "سووا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يسووا بينكم في البر" ويأتي حديث ابن عباس أيضا في أواخر الباب. قوله: "وهل للوالد أن يرجع في عطيته" يعني لولده "وما يأكل من مال ولده بالمعروف ولا يتعدى" اشتملت هذه الترجمة على أربعة أحكام: الأول الهبة للولد، وإنما ترجم به ليرفع إشكال من يأخذ بظاهر الحديث المشهور "أنت ومالك لأبيك" لأن مال الولد إذا كان لأبيه فلو وهب الأب ولده شيئا كان كأنه وهب نفسه، ففي الترجمة إشارة إلى ضعف الحديث المذكور أو إلى تأويله، وهو حديث أخرجه ابن ماجه من حديث جابر، قال الدار قطني: غريب تفرد به عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، ويوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق عن ابن المنكدر. وقال ابن القطان: إسناده صحيح. وقال المنذري: رجاله ثقات. وله طريق أخرى عن جابر عند الطبراني في "الصغير" والبيهقي في "الدلائل" فيها قصة مطولة. وفي الباب عن عائشة في "صحيح ابن حبان"وعن سمرة وعن عمر كلاهما عند البزار، وعن ابن مسعود عند الطبراني، وعن ابن عمر عند أبي يعلى، فمجموع طرقه لا تحطه عن القوة، وجواز الاحتجاج به، فتعين تأويله. الحكم الثاني العدل بين الأولاد في الهبة، وهي من مسائل الخلاف كما سيأتي. وحديث الباب عن النعمان حجة من أوجبه. الثالث رجوع الوالد فيما وهب للولد، وهي خلافية أيضا، ومنهم من فرق بين الصدقة والهبة فلا يرجع في الصدقة لأنه يراد بها ثواب الآخرة، وحديث الباب ظاهر في الجواز كما سيأتي أيضا، وكأنه أشار إلى حديث: "لا يحل لرجل يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" أخرجه أبو داود وابن ماجه بهذا اللفظ من حديث ابن عباس وابن عمر ورجاله ثقات. الرابع أكل

(5/211)


الوالد من مال الولد بالمعروف، قال ابن المنير: وفي انتزاعه من حديث الباب خفاء، ووجهه أنه لما جاز للأب بالاتفاق أن يأكل من مال ولده إذا احتاج إليه فلأن يسترجع ما وهبه له بطريق الأولى. قوله: "واشترى النبي صلى الله عليه وسلم من عمر بعيرا ثم أعطاه ابن عمر وقال: اصنع به ما شئت" هو طرف من حديث تقدم موصولا في البيوع. ويأتي أيضا موصولا بعد اثني عشر بابا، قال ابن بطال: مناسبة حديث ابن عمر للترجمة أنه صلى الله عليه وسلم لو سأل عمر أن يهب البعير لابنه عبد الله لبادر إلى ذلك، لكنه لو فعل لم يكن عدلا بين بني عمر، فلذلك اشتراه صلى الله عليه وسلم منه ثم وهبه لعبد الله. قال المهلب: وفي ذلك دلالة على أنه لا تلزم المعدلة فيما يهبه غير الأب لولد غيره وهو كما قال. قوله: "عن النعمان بن بشير" كذا لأكثر أصحاب الزهري، وأخرجه النسائي من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب "أن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن حدثاه عن بشير بن سعد" جعله من مسند بشير فشذ بذلك، والمحفوظ أنه عنهما عن النعمان، وبشير والد النعمان هو ابن سعد بن ثعلبة بن الجلاس - بضم الجيم وتخفيف اللام - الخزرجي، صحابي شهير من أهل بدر وشهد غيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، ويقال إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار، وقيل عاش إلى خلافة عمر. وقد روى هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من التابعين، منهم عروة بن الزبير عند مسلم والنسائي وأبي داود، وأبو الضحى عند النسائي وابن حبان وأحمد والطحاوي، والمفضل بن المهلب عند أحمد وأبي داود والنسائي، وعبد الله بن عتبة بن مسعود عند أحمد، وعون بن عبد الله عند أبي عوانة، والشعبي في الصحيحين وأبي داود وأحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم، ورواه عن الشعبي عدد كثير أيضا، وسأذكر ما في رواياتهم من الفوائد الزائدة على هذه الطريق مفصلا إن شاء الله تعالى. قوله: "أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية الشعبي في الباب الذي يليه "أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية" وسيأتي في الشهادات من طريق أبي حبان عن الشعبي سبب سؤالها شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظه: "عن النعمان قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله" زاد مسلم والنسائي من هذا الوجه "فالتوى بها سنة" أي مطلها. وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه "بعد حولين" ويجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئا فجبر الكسر تارة وألغى أخرى، قال: "ثم بدا له فوهبها لي، فقالت له: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، قال فأخذ بيدي وأنا غلام" ولمسلم من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن النعمان "انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويجمع بينهما بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق وحمله في بعضها لصغر سنه، أو عبر عن استتباعه إياه بالحمل، وقد تبين من رواية الباب أن العطية كانت غلاما، وكذا في رواية ابن حبان المذكورة، وكذا لأبي داود من طريق إسماعيل بن سالم عن الشعبي، ولمسلم في رواية عروة وحديث جابر معا، ووقع في رواية أبي حريز بمهملة وراء ثم زاي بوزن عظيم عند ابن حبان والطبراني عن الشعبي "أن النعمان خطب بالكوفة فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام، وإني سميته النعمان، وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي وأنها قالت: أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا أشهد على جور" وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين إحداهما عند ولادة النعمان وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن برك النعمان وكانت العطية عبدا، وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيستشهده على العطية الثانية بعد أن

(5/212)


قال له في الأولى "لا أشهد على جور" وجوز ابن حبان أن يكون بشير ظن نسخ الحكم. وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو ظن أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد. ثم ظهر لي وجه آخر من الجمع يسلم من هذا الخدش ولا يحتاج إلى جواب وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له شيئا يخصه به وهبه الحديقة المذكورة تطييبا لخاطرها، ثم بدا له فارتجعها لأنه لم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضا فقالت له أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد بذلك تثبيت العطية وأن تأمن من رجوعه فيها، ويكون مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم للإشهاد مرة واحدة وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة ويقص بعضها أخرى، فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه، والله أعلم. وعمرة المذكورة هي بنت رواحة بن ثعلبة الخزرجية أخت عبد الله بن رواحة الصحابي المشهور. ووقع عند أبي عوانة من طريق عون بن عبد الله أنها بنت عبد الله بن رواحة والصحيح الأول، وبذلك ذكرها ابن سعد وغيره وقالوا: كانت ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم من النساء، وفيها يقول قيس بن الخطيم بفتح المعجمة:
وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها
قوله: "إني نحلت" بفتح النون والمهملة، والنحلة بكسر النون وسكون المهملة العطية بغير عوض. قوله: "فقال أكل ولدك نحلت" زاد في رواية أبي حيان "فقال ألك ولد سواه؟ قال نعم" وقال مسلم لما رواه من طريق الزهري أما يونس ومعمر فقالا: "أكل بنيك" وأما الليث وابن عيينة فقالا: "أكل ولدك" . قلت: ولا منافاة بينهما لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكورا، أو إناثا وذكورا، وأما لفظ البنين فإن كانوا ذكورا فظاهر وإن كانوا إناثا وذكورا فعلى سبيل التغليب؛ ولم يذكر ابن مسعد لبشير والد النعمان ولدا غير النعمان، وذكر له بنتا اسمها أبية بالموحدة تصغير أبي. قوله: "نحلت مثله" في رواية أبي حيان عند مسلم: "فقال أكلهم وهبت له هذا، قال: لا" وله من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي "فقال ألك بنون سواه؟ قال: نعم. قال: فكلهم أعطيت مثل هذا؟ قال: لا" وفي رواية ابن القاسم في "الموطآت للدار قطني" عن مالك "قال لا والله يا رسول الله". قوله: "قال فارجعه" ولمسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب قال فاردده وله وللنسائي من طريق عروة مثله. وفي رواية الشعبي في الباب الذي يليه قال فرجع فرد عطيته ولمسلم فرد تلك الصدقة زاد في رواية أبي حيان في الشهادات "قال: لا تشهدني على جور" ومثله لمسلم من رواية عاصم عن الشعبي. وفي رواية أبي حريز المذكورة "لا أشهد على جور" وقد علق منها البخاري هذا القدر في الشهادات، ومثله لمسلم من طريق إسماعيل عن الشعبي، وله في رواية أبي حيان "فقال: فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور" وله في رواية المغيرة عن الشعبي "فإني لا أشهد على جور، ليشهد على هذا غيري" وله وللنسائي في رواية داود بن أبي هند قال: "فأشهد على هذا غيري" وفي حديث جابر "فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق" ولعبد الرزاق من طريق طاوس مرسلا "لا أشهد إلا على الحق، لا أشهد بهذه" وفي رواية عروة عند النسائي: "فكره أن يشهد له" وفي رواية المغيرة عن الشعبي عند مسلم: "اعدلوا بين أولادكم في

(5/213)


النحل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر" وفي رواية مجالد عن الشعبي عند أحمد "إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذا" ولأبي داود من هذا الوجه "إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك" ، وللنسائي من طريق أبي الضحى "ألا سويت بينهم" وله ولابن حبان من هذا الوجه "سو بينهم" واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد، وقد تمسك به من أوجب السوية في عطية الأولاد، وبه صرح البخاري، وهو قول طاوس والثوري وأحمد إسحاق. وقال به بعض المالكية. ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة. وعن أحمد تصح، ويجب أن يرجع. وعنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته ودينه أو نحو ذلك دون الباقين. وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار. وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فضل بعضا صح وكره. واستحبت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب والنهي على التنزيه. ومن حجة من أوجبه أنه مقدمة الواجب لأن قطع الرحم والعقوق محرمان فما يؤدي إليهما يكون محرما والتفضيل مما يؤدي إليهما. ثم اختلفوا في صفة التسوية فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية. العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث، واحتجوا بأنه حظها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات. وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى. وظاهر الأمر بالتسوية يشهد لهم. واستأنسوا بحديث ابن عباس رفعه: "سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء" أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريقه وإسناده حسن. وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن حديث النعمان بأجوبة: أحدها أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده ولذلك منعه، فليس فيه حجة على منع التفضيل حكاه ابن عبد البر عن مالك. وتعقبه بأن كثيرا من طرق حديث النعمان صرح بالبعضية. وقال القرطبي: ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب جميع ماله لبعض ولده كما ذهب إليه سحنون، وكأنه لم يسمع في نفس هذا الحديث أن الموهوب كان غلاما وأنه وهبه له لما سألته الأم الهبة من بعض ماله، قال: وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مال غيره. ثانيها أن العطية المذكورة لم تتنجز، وإنما جاء بشير يستشير النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأشار عليه بأن لا تفعل، فترك. حكاه الطحاوي. وفي أكثر طرق حديث الباب ما ينابذه. ثالثها أن النعمان كان كبيرا ولم يكن قبض الموهوب فجاز لأبيه الرجوع، ذكره الطحاوي، وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضا خصوصا قوله: "ارجعه" فإنه يدل على تقدم وقوع القبض، والذي تضافرت عليه الروايات أنه كان صغيرا وكان أبوه قابضا له لصغره، فأمر برد العطية المذكورة بعدما كانت في حكم المقبوض. رابعها أن قوله: "ارجعه" دليل على الصحة، ولو لم تصح الهبة لم يصح الرجوع، وإنما أمره بالرجوع لأن للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده وإن كان الأفضل خلاف ذلك، لكن استحباب التسوية رجح على ذلك فلذلك أمره به، وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله: "ارجعه" أي لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة. خامسها أن قوله: "أشهد على هذا غيري" إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد وإنما من شأنه أن يحكم، حكاه الطحاوي أيضا، وارتضاه ابن القصار. وتعقب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة ولا من أدائها إذا تعينت عليه، وقد صرح المحتج بهذا أن الإمام إذا شهد عند

(5/214)


بعض نوابه جاز، وأما قوله إن قوله: "أشهد" صيغة إذن فليس كذلك، بل هو للتوبيخ لما يدل عليه بقية ألفاظ الحديث، وبذلك صرح الجمهور في هذا الموضع. وقال ابن حبان: قوله: "أشهد" صيغة أمر والمراد به نفي الجواز وهو كقوله لعائشة: "اشترطي لهم الولاء" انتهى. سادسها التمسك بقوله: "ألا سويت بينهم" على أن المراد بالأمر الاستحباب وبالنهي التنزيه، وهذا جيد لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولا سيما أن تلك الرواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضا حيث قال: "سو بينهم" . سابعها: وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدل على أن المحفوظ في حديث النعمان "قاربوا بين أولادكم" لا "سووا" وتعقب بأن المخالفين لا يوجبون المقاربة كما لا يوجبون التسوية. ثامنها: في التشبيه الواقع في التسوية بينهم بالتسوية منهم في بر الوالدين قرينة تدل على أن الأمر للندب، لكن إطلاق الجور على عدم التسوية، والمفهوم من قوله: "لا أشهد إلا على حق (1) " وقد قال في آخر الرواية التي وقع فيها التشبيه "قال فلا إذا" . تاسعها: عمل الخليفتين أبي بكر وعمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم على عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب، فأما أبو بكر فرواه الموطأ بإسناد صحيح عن عائشة أن أبا بكر قال لها في مرض موته "إني كنت نحلتك نحلا فلو كنت اخترتيه لكان لك، وإنما هو اليوم للوارث" وأما عمر فذكره الطحاوي وغيره أنه نحل ابنه عاصما دون سائر ولده، وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك، ويجاب بمثل ذلك عن قصة عمر. عاشر الأجوبة أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم، ذكره ابن عبد البر، ولا يخفى ضعفه لأنه قياس مع وجود النص، وزعم بعضهم أن معنى قوله: "لا أشهد على جور " أي لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض، وفي هذا نظر لا يخفى، ويرده قوله في الرواية: "لا أشهد إلا على الحق" وحكى ابن التين عن الداودي أن بعض المالكية احتج بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النعمان، ثم رده عليه. واستدل به أيضا على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه وكذلك الأم، وهو قول أكثر الفقهاء، إلا أن المالكية فرقوا بين الأب والأم فقالوا للأم أن ترجع إن كان الأب حيا دون ما إذا مات، وقيدوا رجوع الأب بما إذا كان الابن الموهوب له لم يستحدث دينا أو ينكح، وبذلك قال إسحاق، وقال الشافعي: للأب الرجوع مطلقا، وقال أحمد: لا يحل لواهب أن يرجع في هبته مطلقا، وقال الكوفيون: إن كان الموهوب صغيرا لم يكن للأب الرجوع، وكذا إن كان كبيرا وقبضها، قالوا وإن كانت الهبة لزوج من زوجته أو بالعكس أو لذي رحم لم يجز الرجوع في شيء من ذلك، ووافقهم إسحاق في ذي الرحم وقال: للزوجة أن ترجع بخلاف الزوج، والاحتجاج لكل واحد من ذلك يطول، وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه فليس في الحقيقة رجوعا، وعلى تقدير كونه رجوعا فربما اقتضته مصلحة التأديب، ونحو ذلك، سيأتي الكلام على هبة الزوجين في الباب بعده. وفي الحديث أيضا الندب إلى التآلف بين الإخوة وترك ما يوقع بينهم الشحناء أو يورث العقوق للآباء، وأن عطية الأب لابنه الصغير في حجره لا تحتاج إلى قبض، وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض. وقيل إن كانت الهبة ذهبا أو فضة فلا بد من عزلها وإفرازها. وفيه كراهة تحمل الشهادة فيما ليس بمباح وأن الإشهاد في الهبة مشروع وليس بواجب. وفيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات
ـــــــ
(1) قال مصحح طبعة بولاق: لعل هنا سقطا وتمامه "والمفهوم من قوله لا أشهد إلا على حق يدل على أن الأمر للوجوب، أو نحو ذلك

(5/215)


دون بعض وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك. وفيه أن للإمام الأعظم أن يتحمل الشهادة، وتظهر فائدتها إما ليحكم في ذلك بعلمه عند من يجيزه، أو يؤديها عند بعض نوابه. وفيه مشروعية استفصال الحاكم والمفتي عما يحتمل الاستفصال، لقوله: "ألك ولد غيره" فلما قال: "نعم" قال: "أفكلهم أعطيت مثله" فلما قال: "لا" قال: "لا أشهد" فيفهم منه أنه لو قال نعم لشهد. وفيه جواز تسمية الهبة صدقة، وأن للإمام كلاما في مصلحة الولد، والمبادرة إلى قبول الحق، وأمر الحاكم والمفتي بتقوى الله في كل حال. وفيه إشارة إلى سوء عاقبة الحرص والتنطع، لأن عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لما رجع فيه، فلما اشتد حرصها في تثبيت ذلك أفضى إلى بطلانه. وقال المهلب: فيه أن للإمام أن يرد الهبة والوصية ممن يعرف منه هروبا عن بعض الورثة، والله أعلم.

(5/216)


باب الهبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها
...
14 - باب: هِبَةِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا . قَالَ إِبْرَاهِيمُ جَائِزَةٌ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز:ِ
لاَ يَرْجِعَانِ وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ كُلَّهُ ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ فِيهِ قَالَ يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ خَلَبَهَا وَإِنْ كَانَتْ أَعْطَتْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ جَازَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى[4 النساء]: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ}
2588- حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام عن معمر عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله "قالت عائشة رضي الله عنها: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض، في بيتي فأذن له فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض، وكان بين العباس وبين رجل آخر. فقال عبيد الله: فذكرت لابن عباس ما قالت عائشة، فقال: وهل تدري من الرجل الذي لم تسم عائشة؟ قلت: لا، قال: هو علي ابن أبي طالب"
2589- حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا وهيب حدثنا ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه"
[الحديث 2589- أطرافه في: 2621 ، 2622 ، 6975]
قوله: "باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها" أي هل يجوز لأحد منهما الرجوع فيها؟ قوله: "قال إبراهيم" هو النخعي. قوله: "جائزة" أي فلا رجوع فيها. وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: إذا وهبت له أو وهب لها فلكل واحد منهما عطيته. ووصله الطحاوي من طريق أبي عوانة عن منصور قال: قال إبراهيم: إذا وهبت المرأة لزوجها أو وهب الرجل لامرأته فالهبة جائزة، وليس لواحد منهما أن يرجع في هبته. ومن طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم: الزوج والمرأة بمنزلة ذي الرحم، إذا وهب أحدهما لصاحبه لم يكن له أن يرجع. قوله: "وقال عمر بن عبد العزيز: لا يرجعان" وصله عبد الرزاق أيضا عن الثوري عن عبد

(5/216)


الرحمن بن زياد أن عمر بن عبد العزيز قال مثل قول إبراهيم. قوله: "واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم نساءه أن يمرض في بيت عائشة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" أما الحديث الأول فهو موصول في الباب من حديث عائشة، وسيأتي الكلام عليه في أواخر المغازي، ووجه دخوله في الترجمة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهبن لها ما استحققن من الأيام، ولم يكن لهن في ذلك رجوع أي فيما مضى، وإن كان لهن الرجوع في المستقبل. وأما الحديث الثاني فهو موصول أيضا في آخره، ويأتي الكلام عليه بعد خمسة عشر بابا، ووجه دخوله في الترجمة أنه ذم العائد في هبته على الإطلاق، فدخل فيه الزوج والزوجة تمسكا بعمومه. قوله: "وقال الزهري فيمن قال لامرأته هبي لي بعض صداقك إلخ" وصله ابن وهب عن يونس بن يزيد عنه، وقوله فيه: "خلبها" بفتح المعجمة واللام والموحدة أي خدعها. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: رأيت القضاة يقيلون المرأة فيما وهبت لزوجها ولا يقيلون الزوج فبما وهب لامرأته، والجمع بينهما أن رواية معمر عنه منقولة، ورواية يونس عنه اختياره، وهو التفصيل المذكور بين أن يكون خدعها فلها أن ترجع أو لا فلا، وهو قول المالكية إن أقامت البينة على ذلك، وقيل يقبل قولها في ذلك مطلقا، وإلى عدم الرجوع من الجانبين مطلقا ذهب الجمهور، وإلى التفصيل الذي نقله الزهري ذهب شريح، فروى عبد الرزاق والطحاوي من طريق محمد بن سيرين " أن امرأة وهبت لزوجها هبة ثم رجعت فيها، فاختصما إلى شريح فقال للزوج: شاهداك أنها وهبت لك من غير كره ولا هوان، وإلا فيمينها لقد وهبت لك عن كره وهوان " وعند عبد الرزاق بسند منقطع عن عمر أنه كتب " إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت " قال الشافعي: لا يرد شيئا إذا خالعها ولو كان مضرا بها، لقوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} وسيأتي مزيد لذلك في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى.

(5/217)


15 - باب: هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا، وَعِتْقِهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ، فَهُوَ جَائِزٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً
فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى[5 النساء]: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ}
2590- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِيَ مَالٌ إِلاَّ مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: تَصَدَّقِي، وَلاَ تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ"
2591- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أَنْفِقِي وَلاَ تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَلاَ تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ"
2592- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: أو فعلت؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: أَمَا

(5/217)


إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ"
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ "إِنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ"
[الحديث 2592- أطرافه في: 2594]
2593- حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 2593- أطرافه في: 2637 ، 2661 ، 2688 ، 2879 ، 4025 ، 4141 ، 4690 ، 4749 ، 4750 ، 4757 ، 5212 ، 6662 ، 6679 ، 7369 ، 7370 ، 7500 ، 7545]
قوله: "باب هبة المرأة لغير زوجها، وعتقها إذا كان لها زوج" أي ولو كان لها زوج "فهو جائز إذا لم تكن سفيهة، فإذا كانت سفيهة لم يجز. وقال الله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} ، وبهذا الحكم قال الجمهور، وخالف طاوس فمنع مطلقا، وعن مالك لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلا من الثلث، وعن الليث لا يجوز مطلقا إلا في الشيء التافه. وأدلة الجمهور من الكتب والسنة كثيرة، واحتج لطاوس بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "لا تجوز عطية امرأة في مالها إلا بإذن زوجها" أخرجه أبو داود والنسائي، وقال ابن بطال: وأحاديث الباب أصح، وحملها مالك على الشيء اليسير، وجعل حده الثلث فما دونه. وذكر المصنف منها ثلاثة أحاديث: الأول حديث أسماه، قوله: "عن ابن أبي مليكة" في رواية حجاج عن ابن جريج "أخبرني ابن أبي مليكة" وقد تقدمت في الزكاة. قوله: "عن عباد بن عبد الله" أي ابن الزبير بن العوام، وأسماء التي روى عنها هي بنت أبي بكر الصديق وهي جدته لأبيه، وقد روى أيوب هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن عائشة بغير واسطة أخرجه أبو داود والترمذي وصححه النسائي، وصرح أيوب عن ابن أبي مليكة بتحديث عائشة له بذلك، فيحمل على أنه سمعه من عباد عنها ثم حدثته به. قوله: "ما لي مال إلا ما أدخل علي" بالتشديد، والزبير هو ابن العوام كان زوجها. قوله: "فأتصدق" كذا للأكثر بحذف أداة الاستفهام، وللمستملي بإثباتها. قوله: "ولا توعي فيوعي الله عليك" بالنصب لكونه جواب النهي، وكذا قوله في الرواية الثانية "فيحصي الله عليك" والمعنى لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازي بمثل ذلك، وقد تقدم شرحه مبسوطا في أوائل كتاب الزكاة. قوله: "عن فاطمة" هي بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي بنت عم هشام بن عروة الراوي عنها وزوجته، وأسماء هي بنت أبي بكر جدتهما جميعا لأبويهما. الثاني حديث ميمونة عن يزيد هو ابن أبي حبيب، وبكير هو ابن عبد الله بن الأشج، وهذا الإسناد نصفه الأول مصريون ونصفه الآخر مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق يزيد وبكير وكريب. قوله: "أنها أعتقت وليدة" أي جارية، في رواية النسائي من طريق عطاء بن يسار عن ميمونة "أنها كانت لها جارية سوداء" ولم أقف على اسم هذه الجارية، وبين النسائي من طريق أخرى

(5/218)


وسلم فلم يستدرك ذلك عليها بل أرشدها إلى ما هو الأولى، فلو كان لا ينفذ لها تصرف في مالها لأبطله، والله أعلم. الثالث حديث عائشة وصدره طرف من قصة الإفك، وسيأتي شرحها مستوفى في تفسير سورة النور، وقوله: "وكان يقسم لكل امرأة منهن غير سودة إلخ" حديث مستقل، وقد ترجم له في النكاح، وأورده مفردا، ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى، وقد تبين توجيهه هناك في شرح الباب الذي قبله، قال ابن بطال: ليس في أحاديث الباب ما يرد على مالك لأنه يحملها على ما زاد على الثلث انتهى. وهو حمل سائغ إن ثبت المدعي، وهو أنه لا يجوز لها تصرف فيما زاد على الثلث إلا بإذن زوجها، لما في ذلك من الجمع بين الأدلة، والله أعلم. قوله: "وقال بكر" هو ابن مضر "عن عمرو" هو ابن الحارث "عن بكير" هو ابن الأشج "عن كريب أن ميمونة أعتقت" وقع في رواية المستملي: "عتقته" وهو غلط فاحش، فقد ذكره المصنف في الباب الذي يليه بهذا الإسناد وقال فيه: "أعتقت وليدة لها" وأراد المصنف بهذا التعليق شيئين: أحدهما موافقة عمرو بن الحارث ليزيد بن أبي حبيب على قوله: "عن كريب" وقد خالفهما محمد بن إسحاق فرواه عن بكير فقال: "عن سليمان بن يسار" بدل بكير أخرجه أبو داود والنسائي من طريقه، قال الدار قطني: ورواية يزيد وعمرو أصح. ثانيهما: أنه عند بكر بن مضر عن عمرو بصورة الإرسال قال فيه: "عن كريب أن ميمونة أعتقت" فذكر قصة ما أدركها، لكن قد رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث فقال فيه: "عن كريب عن ميمونة" أخرجه مسلم والنسائي من طريقه، وطريق بكر بن مضر المعلقة وصلها البخاري في "كتاب بر الوالدين" له وهو مفرد، وسمعناه من طريق أبي بكر بن دلويه عنه قال: حدثنا عبد الله بن صالح هو كاتب الليث عن بكر بن مضر عنه.

(5/219)


16 - باب: بِمَنْ يُبْدَأُ بِالْهَدِيَّةِ؟
2594- وَقَالَ بَكْرٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ "إِنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا، فَقَالَ لَهَا: وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ"
2595- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ

(5/219)


عَبْدِ اللَّهِ - رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي قَالَ إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا"
قوله: "باب بمن يبدأ بالهدية" أي عند التعارض في أصل الاستحقاق. قوله: "وقال بكر" هو ابن مضر وعمرو هو ابن الحارث، وقد مضى التنبيه على من وصله في الباب الذي قبله، وحديث ميمونة فيه الاستواء في صفة ما من الاستحقاق فيقدم القريب على الغريب، وحديث عائشة المذكور بعده فيه الاستواء في الصفات كلها فيقدم الأقرب في الذات. قوله: "عن أبي عمران الجوني" هو عبد الملك، والإسناد كله بصريون إلا عائشة وقد دخلت البصرة. قوله: "عن طلحة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرة" في رواية حجاج بن منهال عن شعبة كما سيأتي في الأدب "سمعت طلحة" لكنه لم ينسبه، وقد أزالت هذه الرواية اللبس الذي تقدمت الإشارة إليه في كتاب الشفعة، ووقع عند الإسماعيلي: "من بني تيم الرباب" بفتح الراء والموحدة الخفيفة وآخره موحدة أخرى، وهو وهم، والصواب تيم بن مرة وهو رهط أبي بكر الصديق، وقد وافق محمد بن جعفر على ذلك يزيد بن هارون عن شعبة كما حكاه الإسماعيلي، وسيأتي شرح هذا الحديث في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى، وقوله: "بابا" منصوب على التمييز.

(5/220)


17 - باب: مَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ "كَانَتْ الْهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ"
2596- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ "أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ قَالَ صَعْبٌ فَلَمَّا عَرَفَ فِي وَجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي قَالَ لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ وَلَكِنَّا حُرُمٌ"
2597- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي قَالَ فَهَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ - أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ - فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. ثَلاَثًا"
قوله: "باب من لم يقبل الهدية لعلة" أي بسبب ينشأ عنه الريبة كالقرض ونحوه. قوله: "وقال عمر بن عبد العزيز إلخ" وصله ابن سعد بقصة فيه، فروى من طريق فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم

(5/220)


يجد في بيته شيئا يشتري به، فركبنا معه، فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك فقال: لا حاجة لي فيه، فقلت: ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؟ فقال: إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة. ووصله أبو نعيم في "الحلية" من طريق عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز في قصة أخرى. وقوله: "رشوة" بضم الراء وكسرها ويجوز الفتح، وهي ما يؤخذ بغير عوض ويعاب آخذه. وقال ابن العربي: الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عونا على ما لا يحل، والمرتشي قابضه، والراشي معطيه، والرائش الواسطة، وقد ثبت حديث عبد الله بن عمرو في لعن الراشي والمرتشي أخرجه الترمذي وصححه. وفي رواية والرائش والراشي، ثم قال: الذي يهدي لا يخلو أن يقصد ود المهدي إليه أو عونه أو ماله، فأفضلها الأول، والثالث جائز لأنه يتوقع بذلك الزيادة على وجه جميل، وقد تستحب إن كان محتاجا والمهدي لا يتكلف وإلا فيكره، وقد تكون سببا للمودة وعكسها. وأما الثاني فإن كان لمعصية فلا يحل وهو الرشوة، وإن كان لطاعة فيستحب، وإن كان لجائز فجائز، لكن إن لم يكن المهدي له حاكما والإعانة لدفع مظلمة أو إيصال حق فهو جائز، ولكن يستحب له ترك الأخذ، وإن كان حاكما فهو حرام ا هـ ملخصا. وفي معنى ما ذكره عمر حديث مرفوع أخرجه أحمد والطبراني من حديث أبي حميد مرفوعا: "هدايا العمال غلول" وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وروايته عن غير أهل المدينة ضعيفة، وهذا منها، وقيل إنه رواه بالمعنى من قصة ابن اللتبية المذكورة ثاني حديثي الباب، وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وجابر ثلاثتها في الطبراني الأوسط بأسانيد ضعيفة. ثم ذكر المصنف في الباب حديثين: أحدهما حديث الصعب بن جثامة في قصة الحمار الوحشي، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في الحج. الثاني حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، وسبق في أواخر الزكاة تسميته وضبط اللتبية. ووجه دخولهما في الترجمة ظاهر. وأما حديث الصعب فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين العلة في عدم قبوله هديته لكونه كان محرما، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله؛ واستنبط منه المهلب رد هدية من كان ماله حراما أو عرف بالظلم. وأما حديث أبي حميد فلأنه صلى الله عليه وسلم عاب على ابن اللتبية قبوله الهدية التي أهديت إليه لكونه كان عاملا، وأفاد بقوله: "فهلا جلس في بيت أمه" أنه لو أهدي إليه في تلك الحالة لم تكره لأنها كانت لغير ريبة، قال ابن بطال: فيه أن هدايا العمال تجعل في بيت المال، وأن العامل لا يملكها إلا إن طلبها له الإمام، وفيه كراهة قبول هدية طالب العناية. وقوله في حديث أبي حميد: "حتى نظرت عفرة" بضم المهملة وفتحها وسكون الفاء وقد تفتح، وهي بياض ليس بالناصع.

(5/221)


باب إذا وهب هبة أو وعد ثم مات قبل أن تصل إليه
...
18 - باب: إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ عِدَةً ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ
وَقَالَ عَبِيدَةُ: "إِنْ مَاتَ وَكَانَتْ فُصِلَتْ الْهَدِيَّةُ وَالْمُهْدَى لَهُ حَيٌّ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُصِلَتْ فَهِيَ لِوَرَثَةِ الَّذِي أَهْدَى" وَقَالَ الْحَسَنُ: "أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهِيَ لِوَرَثَةِ الْمُهْدَى لَهُ إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ"
2598- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا "ثَلاَثًا" فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ

(5/221)


أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَنِي فَحَثَى لِي ثَلاَثًا"
قوله: "باب إذا وهب هبة أو وعد ثم مات قبل أن تصل إليه" أي الهدية، وفي رواية الكشميهني: "أو وعد عدة" قال الإسماعيلي: هذه الترجمة لا تدخل في الهبة بحال. قلت: قال ذلك بناء على أن الهبة لا تصح إلا بالقبض، وإلا فليست هبة، هذا مقتضى مذهبه، لكن من يقول إنها تصح بدون القبض يسميها هبة، وكأن البخاري جنح إلى ذلك، وسأذكر نقل الخلاف فيه في الباب الذي يليه. وقال ابن بطال: لم يرو عن أحد من السلف وجوب القضاء بالعدة أي مطلقا، وإنما نقل عن مالك أنه يجب منه ما كان بسبب انتهى. وغفل عما ذكره ابن عبد البر عن عمر بن عبد العزيز، وعما نقله هو عن أصبغ، وعما سيأتي في البخاري الذي تصدى لشرحه في "باب من أمر بإنجاز الوعد" في أواخر الشهادات، وسيأتي نقل ما فيه والبحث فيه في مكانه إن شاء الله تعالى. قوله: "وقال عبيدة" بفتح أوله وهو ابن عمرو السلماني بفتح المهملة وسكون اللام، قوله: "إن ماتا" أي المهدي والمهدى إليه إلخ، وتفصيله بين أن تكون انفصلت أم لا مصير منه إلى أن قبض الرسول يقوم مقام قبض المهدى إليه. وذهب الجمهور إلى أن الهدية لا تنتقل إلى المهدى إليه إلا بأن يقبضها أو وكيله. قوله: "وقال الحسن: أيهما مات قبل فهي لورثة المهدى له إذا قبضها الرسول" قال ابن بطال: قال مالك كقول الحسن، وقال أحمد وإسحاق: إن كان حاملها رسول المهدي رجعت إليه، وإن كان حاملها رسول المهدى إليه فهي لورثته. وفي معنى قول عبيدة وتفصيله حديث رواه أحمد والطبراني عن أم كلثوم بنت أبي سلمة وهي بنت أم سلمة قالت: "لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك، قال: وكان كما قال: "الحديث. وإسناده حسن. ثم ذكر المصنف حديث جابر في وفاء أبي بكر الصديق له ما وعده به النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي بسط شرحه في كتاب فرض الخمس إن شاء الله تعالى. قال الإسماعيلي ليس ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لجابر هبة، وإنما هي عدة على وصف، لكن لما كان وعد النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يخلف نزلوا وعده منزلة الضمان في الصحة فرقا بينه وبين غيره من الأمة ممن يجوز أن يفي وأن لا يفي. قلت: وجه إيراده أنه نزل الهدية إذا لم تقبض منزلة الوعد بها، وقد أمر الله بإنجاز الوعد، لكن حمله الجمهور على الندب كما سيأتي.

(5/222)


19 - باب: كَيْفَ يُقْبَضُ الْعَبْدُ وَالْمَتَاعُ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ
2599- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا فَقَالَ مَخْرَمَةُ يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي، قَالَ فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا فَقَالَ: خَبَأْنَا هَذَا لَكَ. قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ"
[الحديث 2599- أطرافه في: 2657 ، 3127 ، 5800 ، 5862 ، 6132]

(5/222)


قوله: "باب كيف يقبض العبد والمتاع" أي الموهوب، قال ابن بطال: كيفية القبض عند العلماء بإسلام الواهب لها إلى الموهوب وحيازة الموهوب لذلك، قال: واختلفوا هل من شرط صحة الهبة الحيازة أم لا؟ فحكي الخلاف، وتحريره قول الجمهور إنها لا تتم إلا بالقبض، وعن القديم - وبه قال أبو ثور وداود - تصح بنفس العقد وإن لم تقبض، وعن أحمد تصح بدون القبض في العين المعينة دون الشائعة، وعن مالك كالقديم لكن قال: إن مات الواهب قبل القبض وزادت على الثلث افتقر إلى إجازة الوارث. ثم إن الترجمة في الكيفية لا في أصل القبض، وكأنه أشار إلى قول من قال يشترط في الهبة حقيقة القبض دون التخلية وسأشير إليه بعد ثلاثة أبواب. قوله: "وقال ابن عمر: كنت على بكر صعب" الحديث تقدم ذكره وشرحه في كتاب البيوع، ثم ذكر المصنف حديث المسور بن مخرمة في قصة أبيه في القباء، وسيأتي الكلام عليه في كتاب اللباس، وقوله: "فقال خبأنا هذا لك؛ قال فنظر إليه فقال: رضي مخرمة" ؟ قال الداودي: هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم على جهة الاستفهام، أي هل رضيت؟ وقال ابن التين: يحتمل أن يكون من قول مخرمة. قلت: وهو المتبادر للذهن.

(5/223)


20 - باب: إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الْآخَرُ وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْتُ
2600- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَلَكْتُ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ قَالَ تَجِدُ رَقَبَةً قَالَ لاَ قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لاَ قَالَ فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لاَ قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ بِعَرَقٍ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ قَالَ عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا قَالَ اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"
قوله: "باب إذا وهب هبة فقبضها الآخر ولم يقل قبلت" أي جازت، ونقل فيه ابن بطال اتفاق العلماء، وأن القبض في الهبة هو غاية القبول، وغفل رحمه الله عن مذهب الشافعي، فإن الشافعية يشترطون القبول في الهبة دون الهدية، إلا إن كانت الهبة ضمنية كما لو قال أعمق عبدك عني فعتقه عنه فإنه يدخل في ملكه هبة ويعتق عنه ولا يشترط القبول، ومقابل إطلاق ابن بطال قول الماوردي: قال الحسن البصري لا يعتبر القبول في الهبة كالعتق، قال: وهو قول شذ به عن الجماعة وخالف فيه الكافة إلا أن يريد الهدية فيحتمل ا هـ، على أن في اشتراط القبول في الهدية وجها عند الشافعية. ثم أورد حديث أبي هريرة في قصة المجامع في رمضان، وقد تقدم شرحه مستوفى في الصيام، والغرض منه أنه صلى الله عليه وسلم أعطى الرجل التمر فقبضه ولم يقل قبلت، ثم قال له: "اذهب فأطعمه أهلك" ولمن اشترط القبول أن يجيب عن هذا بأنها واقعة عين فلا حجة فيها، ولم يصرح فيها بذكر القبول ولا بنفيه، وقد اعترض الإسماعيلي بأنه ليس في الحديث أن ذلك كان هبة، بل لعله كان من الصدقة فيكون قاسما لا واهبا ا هـ، وقد تقدم في الصوم التصريح بأن ذلك كان من الصدقة، وكأن المصنف يجنح إلى أنه لا فرق في ذلك.

(5/223)


21 - باب: إِذَا وَهَبَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ .
قَالَ شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ: هُوَ جَائِزٌ. وَوَهَبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ
عَلَيْهِمَا السَّلاَم لِرَجُلٍ دَيْنَهُ. وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ" فَقَالَ جَابِرٌ "قُتِلَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي"
2601- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ "أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمْتُهُ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطِي وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ وَلَكِنْ قَالَ سَأَغْدُو عَلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي ثَمَرِهِ بِالْبَرَكَةِ فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِعُمَرَ اسْمَعْ - وَهُوَ جَالِسٌ - يَا عُمَرُ فَقَالَ: أَلاَ يَكُونُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ"
قوله: "باب إذا وهب دينا على رجل" أي صح ولو لم يقبضه منه ويقبض له، قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء في صحة الإبراء من الدين إذا قبل البراءة، قال: وإنما اختلفوا إذا وهب دينا له على رجل لرجل آخر، فمن اشترط في صحة الهبة القبض لم يصحح هذه ومن لم يشترطه صححها، لكن شرط مالك أن تسلم إليه الوثيقة بالدين ويشهد له بذلك على نفسه أو يشهد بذلك ويعلنه إن لم يكن به وثيقة ا هـ، وعند الشافعية في ذلك وجهان: جزم الماوردي بالبطلان، وصححه الغزالي ومن تبعه، وصحح العمراني وغيره الصحة. قيل والخلاف مرتب على البيع إن صححنا بيع الدين من غير من عليه فالهبة أولى، وإن منعناه ففي الهبة وجهان. والله أعلم. قوله: "وقال شعبة عن الحكم هو جائز" وصله ابن أبي شيبة عن أبي داود عن شعبة قال: قال لي الحكم: أتاني ابن أبي ليلى - يعني محمد بن عبد الرحمن - فسألني عن رجل كان له على رجل دين فوهبه له، أله أن يرجع فيه؟ قلت: لا. قال شعبة: فسألت حمادا فقال: بلى له أن يرجع فيه. قوله: "ووهب الحسن بن علي دينه لرجل" لم أقف على من وصله. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان عليه حق فليعطه أو ليتحلله منه" أي من صاحبه، وصله مسدد في مسنده من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا: "من كان لأحد عليه حق فليعطه إياه أو ليتحلله منه" الحديث، وقد تقدم موصولا بمعناه في كتاب المظالم، ووجه الدلالة منه لجواز هبة الدين أنه صلى الله عليه وسلم سوى بين أن يعطيه إياه أو يحلله منه، ولم يشترط في التحليل قبضا. قوله: "وقال جابر قتل أبي إلخ" وصله في الباب بأتم منه، وتؤخذ الترجمة من قوله: "فسأل النبي صلى الله عليه وسلم غرماء والد جابر أن يقبلوا ثمر حائطه وأن يحللوه" فلو قبلوا كان في ذلك براءة ذمته من بقية الدين، ويكون في معنى الترجمة، وهو هبة الدين، ولو لم يكن جائزا لما طلبه النبي صل الله عليه وسلم. قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك. قوله: "وقال الليث حدثني يونس" وصله الذهلي في "الزهريات" عن عبد الله بن صالح عن الليث، وقد سبق من وجه آخر في الاستقراض، ويأتي الكلام عليه مستوفى في علامات النبوة إن شاء الله تعالى.

(5/224)


22 - باب: هِبَةِ الْوَاحِدِ لِلْجَمَاعَةِ.
وَقَالَتْ أَسْمَاءُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ:
وَرِثْتُ عَنْ أُخْتِي عَائِشَةَ بِالْغَابَةِ، وَقَدْ أَعْطَانِي بِهِ مُعَاوِيَةُ مِائَةَ أَلْفٍ فَهُوَ لَكُمَا
2602- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلاَمِ إِنْ أَذِنْتَ لِي أَعْطَيْتُ هَؤُلاَءِ فَقَالَ مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدًا فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ"
قوله: "باب هبة الواحد للجماعة" أي يجوز ولو كان شيئا مشاعا، قال ابن بطال: غرض المصنف إثبات هبة المشاع، وهو قول الجمهور خلافا لأبي حنيفة، كذا أطلق، وتعقب بأنه ليس على إطلاقه وإنما يفرق في هبة المشاع بين ما يقبل القسمة وما لا يقبلها، والعبرة بذلك وقت القبض لا وقت العقد. قوله: "وقالت أسماء" هي بنت أبي بكر الصديق، والقاسم بن محمد هو ابن أبي بكر وهو ابن أخيها، وابن أبي عتيق هو أبو بكر عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر وهو ابن ابن أخي أسماء. "تنبيه": ذكر ابن التين أنه وقع عنده في رواية القابسي إسقاط الواو من قوله: "وابن أبي عتيق" فصار القاسم بن محمد بن أبي عتيق وهو غلط، ومع كونه غلطا فإنه يصير غير مناسب للترجمة. قوله: "ورثت عن أختي عائشة" لما ماتت عائشة رضي الله عنها ورثها أختاها أسماء وأم كلثوم وأولاد أخيها عبد الرحمن، ولم يرثها أولاد محمد أخيها لأنه لم يكن شقيقها، وكأن أسماء أرادت جبر خاطر القاسم بذلك وأشركت معه عبد الله لأنه لم يكن وارثا لوجود أبيه. ثم أورد المصنف حديث سهل بن سعد في قصة شرب الأيمن فالأيمن، وقد تقدم في المظالم، ويأتي الكلام عليه مستوفى في الأشربة، وقد اعترض الإسماعيلي بأنه ليس في حديث سهل ما ترجم به وإنما هو من طريق الإرفاق، وأطال في ذلك، والحق - كما قال ابن بطال - أنه صلى الله عليه وسلم سأل الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ، وكان نصيبه منه مشاعا غير متميز، فدل على صحة هبة المشاع، والله أعلم.

(5/225)


23 - باب: الْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ وَغَيْرِ الْمَقْبُوضَةِ وَالْمَقْسُومَةِ وَغَيْرِ الْمَقْسُومَةِ
وَقَدْ وَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ لِهَوَازِنَ مَا غَنِمُوا مِنْهُمْ وَهُوَ غَيْرُ مَقْسُومٍ
2603- حَدَّثَنَا ثَابِتٌ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَضَانِي وَزَادَنِي"
2604- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "بِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا فِي سَفَرٍ فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ: ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ. فَوَزَنَ"
قَالَ شُعْبَةُ: أُرَاهُ "فَوَزَنَ لِي فَأَرْجَحَ، فَمَا زَالَ مَعِي مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى أَصَابَهَا أَهْلُ الشَّأْمِ يَوْمَ الْحَرَّةِ"
2605- حدثنا قتيبة عن مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه "أن رسول

(5/225)


الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحداً فتله في يده"
2606- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا وَقَالَ اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ فَقَالُوا: إِنَّا لاَ نَجِدُ سِنًّا إِلاَّ سِنًّا هِيَ أَفْضَلُ مِنْ سِنِّهِ قَالَ: فَاشْتَرُوهَا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً"
قوله: "باب الهبة المقبوضة وغير المقبوضة، والمقسومة وغير المقسومة" أما المقبوضة فتقدم حكمها، وأما غير المقبوضة فالمراد القبض الحقيقي، وأما القبض التقديري فلا بد منه، لأن الذي ذكره من هبة الغانمين لوفد هوازن ما غنموا قبل أن يقسم فيهم ويقبضوه، فلا حجة فيه على صحة الهبة بغير قبض لأن قبضهم إياه وقع تقديرا باعتبار حيازتهم له على الشيوع، نعم قال بعض العلماء: يشترط في الهبة وقوع القبض الحقيقي ولا يكفي القبض التقديري بخلاف البيع، وهو وجه للشافعية، وأما الهبة المقسومة فحكمها واضح، وأما غير المقسومة فهو المقصود بهذه الترجمة، وهي مسألة هبة المشاع، والجمهور على صحة هبة المشاع للشريك وغيره سواء انقسم أو لا، وعن أبي حنيفة لا يصح هبة جزء مما ينقسم مشاعا لا من الشريك ولا من غيره. قوله: "وقد وهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لهوازن ما غنموا منهم وهو غير مقسوم" سيأتي موصولا في الباب الذي يليه بأتم من هذا، وقوله: "وهو غير مقسوم" من تفقه المصنف. قوله: "حدثني ثابت" هو ابن محمد العابد. وثبت كذلك عند أبي علي بن السكن، كذا للأكثر. وبه جزم أبو نعيم في "المستخرج" وفي رواية أبي زيد المروزي. وقال ثابت: ذكره بصورة التعليق، وهو موصول عند الإسماعيلي وغيره. وفي رواية أبي أحمد الجرجاني، قال البخاري: "حدثنا محمد حدثنا ثابت" فزاد في الإسناد محمدا ولم يتابع على ذلك، و الذي أظنه أن المراد بمحمد هو البخاري المصنف، ويقع ذلك كثيرا، فلعل الجرجاني ظنه غيره والله أعلم. وسيأتي الكلام على حديث جابر في الشروط. ثم أورد المصنف حديث سهل بن سعد المذكور في الباب الذي قبله، وقد قدمت توجيهه. ثم أورد حديث أبي هريرة في الذي كان له على النبي صلى الله عليه وسلم دين فقال: "اشتروا له سنا" وقد تقدم شرحه في الاستقراض، وتوجيهه ظاهر أيضا. وعبد الله بن عثمان شيخ المصنف فيه هو المعروف بعبدان.

(5/226)


24 - باب: إِذَا وَهَبَ جَمَاعَةٌ لِقَوْمٍ
2607 ، 2608- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلاَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ فِي

(5/226)


الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلاَءِ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّا لاَ نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِيهِ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا وَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ هَذَا آخِرُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ يَعْنِي فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا"
قوله: "باب إذا وهب جماعة لقوم" زاد الكشميهني في روايته: "أو وهب رجل جماعة جاز" وهذه الزيادة غير محتاج إليها لأنها تقدمت مفردة قيل بباب، وقد أورد فيه حديث حديث المسور في قصة هوازن، وسيأتي مستوفى في غزوة حنين في المغازي، ووجه الدلالة منه لأصل الترجمة ظاهر، لأن الغانمين وهم جماعة وهبوا بعض الغنيمة لمن غنموها منهم وهم قوم هوازن، وأما الدلالة لزيادة الكشميهني فمن جهة أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم معين - وهو سهم الصفي - فوهبه لهم، أو من جهة أنه صلى الله عليه وسلم استوهب من الغانمين سهامهم فوهبوها له فوهبها هو لهم.

(5/227)


25 - باب: مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ جُلَسَاؤُهُ فَهُوَ أَحَقُّ
وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جُلَسَاءَهُ شُرَكَاءُ وَلَمْ يَصِحَّ
2609- حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخَذَ سِنًّا فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالُوا لَهُ فَقَالَ إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ثُمَّ قَضَاهُ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ وَقَالَ أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً"
2610- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَكَانَ عَلَى بَكْرٍ لِعُمَرَ صَعْبٍ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ أَبُوهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعْنِيهِ فَقَالَ عُمَرُ هُوَ لَكَ فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ قَالَ هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ"
قوله: "باب من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق بها" أي منهم. قوله: "ويذكر عن ابن عباس أن جلساءه شركاؤه، ولم يصح" هذا الحديث جاء عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا والموقوف أصلح إسنادا من المرفوع، فأما المرفوع فوصله عبد بن حميد من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس مرفوعا: "من أهديت له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها" وفي إسناده مندل بن علي وهو ضعيف، ورواه محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو كذلك، واختلف على عبد الرزاق عنه في رفعه ووقفه، والمشهور عنه الوقف وهو أصح الروايتين عنه، وله شاهد مرفوع من حديث الحسن بن علي في "مسند إسحاق بن راهويه" وآخر عن عائشة عند العقيلي وإسنادهما ضعيف أيضا، قال العقيلي: لا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء. قال ابن بطال: لو صح حديث ابن عباس لحمل

(5/227)


على الندب فيما خف من الهدايا وما جرت العادة بترك المشاحة فيه، ثم ذكر حكاية أبي يوسف المشهورة، وفيما قاله نظر لأنه لو صح لكانت العبرة بعموم اللفظ فلا يخص القليل من الكثير إلا بدليل، وأما حمله على الندب فواضح. ثم أورد المصنف في الباب حديثين: أحدهما حديث أبي هريرة في قصة الذي كان له على النبي صلى الله عليه وسلم دين فقال: "اشتروا له سنا" الحديث وقد تقدم شرحه في الاستقراض، ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم وهب لصاحب السن القدر الزائد على حقه ولم يشاركه فيه غيره، وهذا مصير من المصنف إلى اتحاد حكم الهبة والهدية وقد تقدم ما فيه. ثانيهما حديث ابن عمر في هبة النبي صلى الله عليه وسلم له البكر الذي كان راكبه وقد تقدم شرحه في البيوع، ووجه الدلالة منه للترجمة ظاهر كما تقرر من حديث أبي هريرة، وقد نازعه الإسماعيلي فيه، والذي يظهر أن المصنف أراد إلحاق المشاع في ذلك بغير المشاع، وإلحاق الكثير بالقليل لعدم الفارق.

(5/228)


26 - باب: إِذَا وَهَبَ بَعِيرًا لِرَجُلٍ وَهُوَ رَاكِبُهُ فَهُوَ جَائِزٌ
2611- وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، وَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِعُمَرَ بِعْنِيهِ فَابْتَاعَهُ . فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ"
قوله: "باب إذا وهب بعيرا لرجل وهو راكبه فهو جائز" أي وتنزل التخلية منزلة النقل، فيكون ذلك قبضا فتصح الهبة، وقد تقدم توجيه ذلك. قوله: "وقال الحميدي إلخ" وصله أبو نعيم في "المستخرج" من مسند الحميدي بهذا السند، وقد تقدم في "باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته" من كتاب البيوع.

(5/228)


باب هدية مايكره لبسها
...
27 - باب: هَدِيَّةِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهَا
2612- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَهَا فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ قَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ جَاءَتْ حُلَلٌ فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً وَقَالَ: أَكَسَوْتَنِيهَا وَقُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ فَقَالَ إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا"
2613- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا وَجَاءَ عَلِيٌّ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا فَقَالَ مَا لِي وَلِلدُّنْيَا فَأَتَاهَا عَلِيٌّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ قَالَ تُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلاَنٍ أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَةٌ"

(5/228)


28 - باب: قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم بِسَارَةَ، فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ". وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ وَقَالَ: أَبُو حُمَيْدٍ "أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ"
2615- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا"
[الحديث 2615- طرفاه في: 2616 ، 3248]
2616- وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ "إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" .
2617- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ أَلاَ نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لاَ. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
2618- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثِينَ وَمِائَةً، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً قَالَ: لاَ، بَلْ بَيْعٌ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى. وَايْمُ اللَّهِ مَا فِي الثَّلاَثِينَ وَالْمِائَةِ إِلاَّ قَدْ حَزَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتْ الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ"
قوله: "باب قبول الهدية من المشركين" أي جواز ذلك، وكأنه أشار إلى ضعف الحديث الوارد في رد هدية المشرك، وهو ما أخرجه موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم "أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك فأهدى له، فقال إني لا أقبل هدية مشرك" الحديث رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم عن الزهري ولا يصح. وفي الباب حديث عياض بن حماد أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من طريق قتادة عن يزيد بن عبد الله عن عياض قال:

(5/230)


"أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة فقال: أسلمت؟ قلت: لا. قال: إني نهيت عن زبد المشركين" والزبد بفتح الزاي وسكون الموحدة الرفد، صححه الترمذي وابن خزيمة. وأورد المصنف عدة أحاديث دالة على الجواز فجمع بينها الطبري بأن الامتناع فيما أهدي له خاصة والقبول فيما أهدي للمسلمين، وفيه نظر لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له خاصة، وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول. وقيل يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب، والرد على من كان من أهل الأوثان. وقيل يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصه. ومنهم من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكس. وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص. قوله: "وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: هاجر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بسارة" الحديث أورده مختصرا، وسيأتي موصولا مع الكلام عليه في أحاديث الأنبياء. ووجه الدلالة منه ظاهر، وهو مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ولا سيما إذا لم يرد من شرعنا إنكاره. قوله: "وأهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم" ذكره موصولا في هذا الباب. قوله: "وقال أبو حميد أهدى ملك أيلة" بفتح الهمزة وسكون التحتانية بلد معروف بساحل البحر في طريق المصريين إلى مكة وهي الآن خراب، وقد تقدم الحديث مطولا في الزكاة. وقوله: "وكتب إليه ببحرهم" أي ببلدهم، وحمله الداودي على ظاهره فوهم. ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحدايث: أحدها حديث أنس في جبة السندس، وسيأتي شرحه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى قوله: "أهدي" بضم أوله على البناء للمجهول. قوله: "وكان ينهى" أي النبي صلى الله عليه وسلم "عن الحرير" وهي جملة حالية. قوله: "وقال سعيد" هو ابن أبي عروبة "إلخ" وصله أحمد عن روح عن سعيد وهو ابن أبي عروبة به وقال فيه: "جبة سندس أو ديباج شك سعيد" وسيأتي بيان ما فيه من التخالف مع بقية شرحه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى. وأراد البخاري منه بيان الذي أهدى لتظهر مطابقته للترجمة. وقد أخرجه مسلم عن طريق عمرو بن عامر عن قتادة فقال فيه: "إن أكيدر دومة الجندل" وأكيدر دومة هو أكيدر تصغير أكدر، ودومة بضم المهملة وسكون الواو بلد بين الحجاز والشام وهي دومة الجندل، مدينة بقرب تبوك بها نخل وزرع وحصن على عشر مراحل من المدينة وثمان من دمشق، وكان أكيدر ملكها، وهو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن بالجيم والنون ابن أعباء بن الحارث بن معاوية ينسب إلى كندة وكان نصرانيا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليه خالد بن الوليد في سرية فأسره وقتل أخاه حسان وقدم به المدينة، فصالحه النبي صلى الله عليه وسلم على الجزية وأطلقه، ذكر ابن إسحاق قصته مطولة في المغازي. وروى أبو يعلى بإسناد قوي من حديث قيس بن النعمان "أنه لما قدم أخرج قباء من ديباج منسوجا بالذهب، فرده النبي صلى الله عليه وسلم عليه، ثم أنه وجد في نفسه من رد هديته فرجع به، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ادفعه إلى عمر" الحديث، وفي حديث علي عند مسلم: "أن أكيدر دومة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ثوب حرير، فأعطاه عليا فقال: شققه خمرا بين الفواطم" فيستفاد منه أن الحلة التي ذكرها علي في الباب الذي قبله هي هذه التي أهداها أكيدر، وسيأتي المراد بالفواطم في اللباس إن شاء الله تعالى. ثانيها حديث أنس أيضا: "أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها" الحديث وسيأتي شرحه في غزوة خيبر من المغازي، واسم اليهودية المذكورة زينب، وقد اختلف في إسلامها كما سيأتي. قوله: "فأكل منها فجيء بها" زاد مسلم وأحمد في روايته من الوجه المذكور هنا "فأكل منه فقال أنها جعلت فيه سما" وزاد مسلم بعد قوله فجيء بها إلى

(5/231)


رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، قال: ما كان الله ليسلطك علي" . قوله: "فقيل ألا نقتلها" في رواية أحمد ومسلم: "فقالوا يا رسول الله". قوله: "في لهوات" بفتح اللام جمع لهاة، وهي سقف الفم أو اللحمة المشرفة على الحلق، وقيل هي أقصى الحلق، وقيل ما يبدو من الفم عند التبسم. ثالثها حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وقد تقدم بعضه بهذا الإسناد في البيوع. قوله: "عن أبيه" هو سليمان بن طرخان التيمي، والإسناد كله بصريون إلا الصحابي. قوله: "صاع من طعام أو نحوه" بالرفع والضمير للصاع. قوله: "ثم جاء رجل مشرك" لم أقف على اسمه ولا على اسم صاحب الصاع المذكور. قوله: "مشعان" بضم الميم وسكون المعجمة بعدها مهملة وآخره نون ثقيلة، فسره المصنف في آخر الحديث في رواية المستملي بأنه الطويل جدا فوق الطول، وزاد غيره: مع إفراد الطول شعث الرأس، وقد تقدم، وكأنه أقوى لأنه سيأتي في الأطعمة من وجه آخر بلفظ مشعان طويل، ويحتمل أن يكون قوله طويل تفسيرا لمشعان. وقال القزاز: المشعان الجافي الثائر الرأس. قوله: "بيعا أم عطية" انتصب على فعل مقدر. قوله: "فاشترى منه شاة" في رواية الكشميهني: "فاشترى منها" أي من الغنم. قوله: "بسواد البطن" هو الكبد أو كل ما في البطن من كبد وغيرها. قوله: "وايم الله" هو قسم، وقد تقدم أنه يقال بالهمز وبالوصل وغير ذلك. قوله: "أعطاها إياه" هو من القلب وأصله أعطاه إياها. قوله: "فأكلوا أجمعون" يحتمل أن يكونوا اجتمعوا على القصعتين فيكون فيه معجزة أخرى لكونهما وسعتا أيدي القوم، ويحتمل أن يريد أنهم أكلوا كلهم في الجملة، أعم من الاجتماع والافتراق. قوله: "ففضلت القصعتان فحملناه" أي الطعام، ولو أراد القصعتين لقال حملناهما، ووقع في رواية المصنف في الأطعمة "وفضل في القصعتين" وكذا أخرجه مسلم، والضمير على هذا للقدر الذي فضل. قوله: "أو كما قال" شك من الراوي، وفي هذا الحديث قبول هدية المشرك لأنه سأله هل يبيع أو يهدي؟ وفيه فساد قول من حمل رد الهدية على الوثني دون الكتابي لأن هذا الأعرابي كان وثنيا، وفيه المواساة عند الضرورة، وظهور البركة في الاجتماع على الطعام، والقسم لتأكيد الخبر وإن كان المخبر صادقا، ومعجزة ظاهرة وآية باهرة من تكثير القدر اليسير من الصاع ومن اللحم حتى وسع الجمع المذكور وفضل منه، ولم أر هذه القصة إلا من حديث عبد الرحمن، وقد ورد تكثير الطعام في الجملة من أحاديث جماعة من الصحابة محل الإشارة إليها علامات النبوة وستأتي إن شاء الله تعالى.

(5/232)


29 - باب: الْهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ.
وقوله الله تعالى [8 الممتحنة]:
{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}
2619- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "رَأَى عُمَرُ حُلَّةً عَلَى رَجُلٍ تُبَاعُ فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَعْ هَذِهِ الْحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِذَا جَاءَكَ الْوَفْدُ فَقَالَ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا بِحُلَلٍ فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ فَقَالَ عُمَرُ كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، تَبِيعُهَا أَوْ

(5/232)


تَكْسُوهَا. فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ"
2620- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي قَالَ نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ"
[الحديث 2620- أطرافه في: 3183 ، 5978 ، 5979]
قوله: "باب الهدية للمشركين، وقول الله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} ساق إلى آخر الآية، وهي رواية أبي ذر وأبي الوقت، وساق الباقون إلى قوله: {وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} ، والمراد منها بيان من يجوز بره منهم، وأن الهدية للمشرك إثباتا ونفيا ليس على الإطلاق، ومن هذه المادة قوله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} الآية، ثم البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل، والله أعلم. وأورد فيه حديثين: أحدهما حديث ابن عمر في حلة عطارد وقد سبق قريبا، والغرض منه قوله: "فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم" واسم هذا الأخ عثمان بن حكيم وكان أخا عمر من أمه، أمهما خيثمة بنت هشام بن المغيرة، وهي بنت عم أبي جهل بن هشام بن المغيرة. وقال الدمياطي: إنما كان عثمان بن حكيم أخا زيد بن الخطاب أخي عمر لأمه أمهما أسماء بنت وهب. قلت: إن ثبت احتمل أن تكون أسماء بنت وهب أرضعت عمر فيكون عثمان بن حكيم أخاه أيضا من الرضاعة كما هو أخو أخيه زيد من أمه. ثانيهما حديث أسماء بنت أبي بكر، قوله: "عن هشام" هو ابن عروة. وفي رواية ابن عيينة الآتية في الأدب "أخبرني أبي". قوله: "عن أسماء بنت أبي بكر" في رواية ابن عيينة المذكورة "أخبرتني أسماء " كذا قال أكثر أصحاب هشام. وقال بعض أصحاب ابن عيينة عنه "عن هشام عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء" قال الدار قطني وهو خطأ. قلت: حكى أبو نعيم أن عمر بن علي المقدمي ويعقوب القارئ روياه عن هشام كذلك، فيحتمل أن يكونا محفوظين، ورواه أبو معاوية وعبد الحميد بن جعفر عن هشام فقالا: "عن عروة عن عائشة" وكذا أخرجه ابن حبان من طريق الثوري عن هشام، والأول أشهر، قال البرقاني: وهو أثبت ا هـ. ولا يبعد أن يكون عند عروة عن أمه وخالته، فقد أخرجه ابن سعد وأبو داود الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير قال: "قدمت قتيلة - بالقاف والمثناة مصغرة - بنت عبد العزى بن سعد من بني مالك بن حسل - بكسر الحاء وسكون السين المهملتين - على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في الهدنة، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، بهدايا: زبيب وسمن وقرظ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها، وأرسلت إلى عائشة: سلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لتدخلها" الحديث، وعرف منه تسمية أم أسماء وأنها أمها حقيقة، وأن من قال إنها أمها من الرضاعة فقد وهم، ووقع عند الزبير بن بكار أن اسمها قيلة، ورأيته في نسخة مجردة منه بسكون التحتانية وضبطه ابن ماكولا بسكون المثناة، فعلى هذا فمن قال قتيلة صغرها، قال الزبير: أم أسماء وعبد الله ابني أبي بكر قيلة بنت عبد العزى، وساق نسبها إلى حسل بن عامر بن لؤي، وأما قول الداودي أن اسمها أم بكر فقد قال ابن التين لعله كنيتها. قوله: "قدمت علي أمي"

(5/233)


زاد الليث عن هشام كما سيأتي في الأدب "مع ابنها" وكذا في رواية حاتم بن إسماعيل عن هشام كما سيأتي في أواخر الجزية، وذكر الزبير أن اسم ابنها المذكور الحارث بن مدرك بن عبيد بن عمرو بن مخزوم، ولم أر له ذكرا في الصحابة فكأنه مات مشركا، وذكر بعض شيوخنا أنه وقع في بعض النسخ "مع أبيها" بموحدة ثم تحتانية وهو تصحيف. قوله: "وهي مشركة" سأذكر ما قيل فيه إسلامها. قوله: "في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية حاتم "في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأراد بذلك ما بين الحديبية والفتح، وسيأتي بيانه في المغازي. قوله: "فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة" في رواية حاتم "فقالت يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة" ولمسلم من طريق عبد الله بن إدريس عن هشام "راغبة أو راهبة" بالشك، وللطبراني من طريق عبد الله بن إدريس المذكور "راغبة وراهبة" وفي حديث عائشة عند ابن حبان: "جاءتني راغبة وراهبة" وهو يؤيد رواية الطبراني، والمعنى أنها قدمت طالبة في بر ابنتها لها خائفة من ردها إياها خائبة؛ هكذا فسره الجمهور، ونقل المستغفري أن بعضهم أوله فقال: وهي راغبة في الإسلام، فذكرها لذلك في الصحابة، ورده أبو موسى بأنه لم يقع في شيء من الروايات ما يدل على إسلامها، وقولها: "راغبة" أي في شيء تأخذه وهي على شركها، ولهذا استأذنت أسماء في أن تصلها، ولو كانت راغبة في الإسلام لم تحتج إلى إذن ا هـ. وقيل معناه راغبة عن ديني أو راغبة في القرب مني ومجاورتي والتودد إلي، لأنها ابتدأت أسماء بالهدية التي أحضرتها، ورغبت منها في المكافأة، ولو حمل قوله: "راغبة" أي في الإسلام لم يستلزم إسلامها، ووقع في رواية عيسى بن يونس عن هشام عند أبي داود والإسماعيلي: "راغمة" بالميم أي كارهة للإسلام ولم تقدم مهاجرة. وقال ابن بطال: قيل معناه هاربة من قومها، ورده بأنه لو كان كذلك لكان مراغمة، قال وكان أبو عمرو بن العلاء يفسر قوله: "مراغما" بالخروج عن العدو على رغم أنفه فيحتمل أن يكون هذا كذلك، قال: "وراغبة" بالموحدة أظهر في معنى الحديث. قوله: "صلي أمك" زاد في الأدب عقب حديثه عن الحميدي عن ابن عيينة: قال ابن عيينة "فأنزل الله فيها: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" وكذا وقع في آخر حديث عبد الله بن الزبير، ولعل ابن عيينة تلقاه منه، وروى ابن أبي حاتم عن السدي أنها نزلت في ناس من المشركين كانوا ألين شيء جانبا للمسلمين وأحسنه أخلاقا. قلت: ولا منافاة بينهما فإن السبب خاص واللفظ عام فيتناول كل من كان في معنى والدة أسماء. وقيل نسخ ذلك آية الأمر بقتل المشركين حيث وجدوا والله أعلم. وقال الخطابي: فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة، ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان الولد مسلما ا هـ. وفيه موادعة أهل الحرب ومعاملتهم في زمن الهدنة، والسفر في زيارة القريب، وتحري أسماء في أمر دينها، وكيف لا وهي بنت الصديق وزوج الزبير رضي الله عنهم.

(5/234)


30 - باب: لاَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ
2612- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ قَالاَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ"
2622- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ

(5/234)


رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ"
2623- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لاَ تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ"
قوله: "باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته" كذا بت الحكم في هذه المسألة لقوة الدليل عنده فيها، وتقدم في "باب الهبة للولد" أنه أشار في الترجمة إلى أن للوالد الرجوع فيما وهبه للولد، فيمكن أنه يرى صحة الرجوع له وإن كان حراما بغير عذر، واختلف السلف في أصل المسألة، وقد أشرنا إلى تفاصيل مذاهبهم في "باب الهبة للولد" ولا فرق في الحكم بين الهدنة والهبة، وأما الصدقة فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض. وأورد المصنف في الباب حديثين: أحدهما حديث ابن عباس من طريقين، أحدهما: قوله: "حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام" هو الدستوائي "وشعبة" كذا أخرجه، وتابعه أبو قلابة عند أبي عوانة وأبو خليفة عند الإسماعيلي وعلي بن عبد العزيز عند البيهقي كلهم عن مسلم بن إبراهيم، ورواه أبو داود عن مسلم المذكور فقال: "حدثنا شعبة وأبان وهمام" وتابع إسماعيل القاضي عن مسلم بن إبراهيم عند أبي نعيم فكأنه كان عند مسلم عن جماعة. قوله: "عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس" في رواية شهر عن شعبة "أخبرني قتادة سمعت سعيد بن المسيب يحدث أنه سمع ابن عباس" أخرجه أحمد. قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية بكير بن الأشج عن سعيد بن المسيب "سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أخرجه مسلم. قوله: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" زاد أبو داود في آخره: "قال همام قال قتادة: ولا أعلم القيء إلا حراما. الطريق الثانية:قوله "وحدثني عبد الرحمن بن المبارك" هو العيشي بتحتانية ومعجمة، بصري يكنى أبا بكر، وليس أخا لعبد الله بن المبارك المشهور، والإسناد كله بصريون إلا ابن عباس وعكرمة وقد سكناها مدة. قوله: "ليس لنا مثل السوء" أي لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، قال الله سبحانه وتعالى: {لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى } ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك وأدل على التحريم مما لو قال مثلا: لا تعودوا في الهبة، وإلى القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب جمهور العلماء، إلا هبة الوالد لولده جمعا بين هذا الحديث وحديث النعمان الماضي. وقال الطحاوي: وقوله: "لا يحل" لا يستلزم التحريم، وهو كقوله: "لا تحل الصدقة لغني" وإنما معناه لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة، وأراد بذلك التغليظ في الكراهة. قال: وقوله: "كالعائد في قيئه" وإن اقتضى التحريم لكون القيء حراما لكن الزيادة في الرواية الأخرى وهي قوله: "كالكلب" تدل على عدم التحريم، لأن الكلب غير متعبد فالقيء ليس حراما عليه، والمراد التنزيه عن فعل يشبه فعل الكلب. وتعقب باستبعاد ما تأوله ومنافرة سياق الأحاديث له، وبأن عرف الشرع في مثل هذه الأشياء المبالغة في الزجر

(5/235)


كقوله: "من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير" . قوله: "الذي يعود في هبته" أي العائد في هبته إلى الموهوب، وهو كقوله تعالى. {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} . قوله: "كالكلب يرجع في قيئه" هذا التمثيل وقع في طريق سعيد بن المسيب أيضا عند مسلم أخرجه من رواية أبي جعفر محمد الباقر عنه بلفظ: "مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يرجع في قيئه فيأكله" وله في رواية بكير المذكورة "إنما مثل الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يأكل قيئه" . الحديث الثاني حديث عمر قوله: "حدثنا يحيى بن قزعة" بفتح القاف والزاي والمهملة، مكي قديم لم يخرج له غير البخاري. قوله: "عن زيد بن أسلم" سيأتي في آخر حديث في الهبة عن الحميدي "حدثنا سفيان سمعت مالكا يسأل زيد بن أسلم فقال: سمعت أبي" فذكره مختصرا، ولمالك فيه إسناد آخر سيأتي في الجهاد عن نافع عن ابن عمر، وله فيه إسناد ثالث عن عمرو بن دينار عن ثابت الأحنف عن ابن عمر أخرجه ابن عبد البر. قوله: "سمعت عمر بن الخطاب" زاد ابن المديني عن سفيان "على المنبر" وهي في "الموطآت للدار قطني". قوله: "حملت على فرس" زاد القعنبي في الموطأ "عتيق" والعتيق الكريم الفائق من كل شيء، وهذا الفرس أخرج ابن سعد عن الواقدي بسنده عن سهل بن سعد في تسمية خيل النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وأهدى تميم الداري له فرسا يقال له الورد فأعطاه عمر فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده يباع" الحديث، فعرف بهذا تسميته وأصله، ولا يعارضه ما أخرجه مسلم ولم يسق لفظه وساقه أبو عوانة في مستخرجه من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "أن عمر حمل على فرس في سبيل الله فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا" لأنه يحمل على أن عمر لما أراد أن يتصدق به فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اختيار من يتصدق به عليه، أو استشاره فيمن يحمله عليه فأشار به عليه فنسبت إليه العطية لكونه أمره بها. قوله: "في سبيل الله" ظاهره أنه حمله عليه حمل تمليك ليجاهد به إذ لو كان حمل تحبيس لم يجز بيعه، وقيل بلغ إلى حالة لا يمكن الانتفاع به فيما حبس فيه، وهو مفتقر إلى ثبوت ذلك، ويدل على أنه تمليك قوله: "العائد في هبته" ولو كان حبسا لقال في حبسه أو وقفه. وعلى هذا فالمراد بسبيل الله الجهاد لا الوقف، فلا حجة فيه لمن أجاز بيع الموقوف إذا بلغ غاية لا يتصور الانتفاع به فيما وقف له. قوله: "فأضاعه" أي لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤونته وخدمته، وقيل أي لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل معناه استعمله في غير ما جعل له، والأول أظهر، ويؤيده رواية مسلم من طريق روح بن القاسم عن زيد بن أسلم "فوجده قد أضاعه وكان قليل المال" فأشار إلى علة ذلك وإلى العذر المذكور في إرادة بيعه. قوله: "لا تشتره" سمى الشراء عودا في الصدقة لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري، فأطلق على القدر الذي يسامح به رجوعا، وأشار إلى الرخص بقوله: "وإن أعطاكه بدرهم" ويستفاد من قوله: "وإن أعطاكه بدرهم" أن البائع كان قد ملكه ولو كان محبسا كما ادعاه من تقدم ذكره وجاز بيعه لكونه صار لا ينتفع به فيما حبس له لما كان له أن يبيعه إلا بالقيمة الوافرة، ولا كان له أن يسامح منها بشيء ولو كان المشتري هو المحبس، والله أعلم. وقد استشكله الإسماعيلي وقال: إذا كان شرط الواقف ما تقدم ذكره في حديث ابن عمر في وقف عمر لا يباع أصله ولا يوهب فكيف يجوز أن يباع الفرس الموهوب، وكيف لا ينهى بائعه أو يمنع من بيعه؟ قال: فلعل معناه أن عمر جعله صدقة يعطيها من يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعطاءه فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم الرجل المذكور فجرى منه ما ذكر، ويستفاد من التعليل المذكور أيضا أنه لو وجده مثلا يباع بأغلى من ثمنه لم يتناوله النهي. قوله: "فإن العائد في صدقته إلخ" حمل الجمهور هذا النهي

(5/236)


في صورة الشراء على التنزيه، وحمله قوم على التحريم، قال القرطبي وغيره: وهو الظاهر. ثم الزجر المذكور مخصوص بالصورة المذكورة وما أشبهها، لا ما إذا رده إليه الميراث مثلا. قال الطبري: يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب، ومن كان والدا والموهوب ولده، والهبة التي لم تقبض، والتي ردها الميراث إلى الواهب، لثبوت الأخبار باستثناء كل ذلك. وأما ما عدا ذلك كالغني يثيب الفقير ونحو من يصل رحمه فلا رجوع لهؤلاء، قال: ومما لا رجوع فيه مطلقا الصدقة يراد بها ثواب الآخرة. وقد استشكل ذكر عمر مع ما فيه من إذاعة عمل البر وكتمانه أرجح، وأجيب بأنه تعارض عنده المصلحتان - الكتمان وتبليغ الحكم الشرعي - فرجح الثاني فعمل به، وتعقب بأنه كان يمكن أن يقول: حمل رجل على فرس مثلا، ولا يقول: حملت، فيجمع بين المصلحتين. والظاهر أن محل رجحان الكتمان إنما هو قبل الفعل وعنده، وأما بعد وقوعه فلعل الذي أعطيه أذاع ذلك فانتفى الكتمان، ويضاف إليه أن في إضافته ذلك إلى نفسه تأكيدا لصحة الحكم المذكور، لأن الذي تقع له القصة أجدر بضبطها ممن ليس عنده إلا وقوعها بحضوره، فلما أمن ما يخشى من الإعلان بالقصد صرح بإضافة الحكم إلى نفسه، ويحتمل أن يكون محل ترجيح الكتمان لمن يخشى على نفسه من الإعلان العجب والرياء، أما من أمن من ذلك كعمر فلا.

(5/237)


باب حدثني ابراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم
...
31 - باب
2624- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ "أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْبًا فَقَالَ مَرْوَانُ مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ فَدَعَاهُ، فَشَهِدَ لاَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ"
قوله: "باب" كذا للجميع بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، ومناسبته لها أن الصحابة بعد ثبوت عطية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لصهيب لم يستفصلوا هل رجع أم لا؟ فدل على أن لا أثر للرجوع في الهبة. قوله: "أن بني صهيب" هو ابن سنان الرومي، وقد تقدم أصله في العرب في "باب شراء المملوك من الحربي" من كتاب البيوع. وقوله: "مولى بني جدعان" كذا في رواية الكشميهني، وللباقين "مولى ابن جدعان" وهي رواية الإسماعيلي من طريق أبي حاتم عن إبراهيم بن موسى شيخ البخاري فيه، وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وأما صهيب فكان له من الولد ممن روى عنه حمزة وسعد وصالح وصيفي وعباد وعثمان ومحمد وحبيب. قوله: "فقال مروان" هو ابن الحكم حيث كان أمير المدينة لمعاوية، وكان موت صهيب بالمدينة في أواخر خلافة علي. قوله: "من يشهد لكما" كذا فيه بالتثنية؛ وبقية القصة بصيغة الجمع، فيحمل على أن المتولي للدعوى بذلك منهم كانا اثنين ورضي الباقون بذلك فنسب إليهم تارة بصيغة الجمع وتارة بصيغة التثنية، على أن في رواية الإسماعيلي: "فقال مروان من يشهد لكم" ولا إشكال فيه. أجاب الكرماني بأن أقل الجمع اثنان عند بعضهم. قوله: "لأعطى" بفتح اللام هي لام القسم، كأنه أعطى الشهادة حكم القسم أو فيه قسم مقدر أو عبر عن الخبر بالشهادة والخبر يؤكد بالقسم كثيرا وإن كان السامع غير منكر، ويؤيد كونه خبرا أن مروان قضى لهم بشهادة ابن عمر

(5/237)


وحده، ولو كانت شهادة حقيقة لاحتاج إلى شاهد آخر. ودعوى ابن بطال أنه قضى لهم بشهادته ويمينهم فيه نظر، لأنه لم يذكر في الحديث، وقد استدل به بعض المتأخرين لقول بعض السلف كشريح إنه يكفي الشاهد الواحد إذا انضمت إليه قرينة تدل على صدقه، وترجم أبو داود في السنن "باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم" وساق قصة خزيمة بن ثابت في سبب تسميته ذا الشهادتين وهي مشهورة، والجمهور على أن ذلك خاص بخزيمة والله أعلم. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون مروان أعطى ذلك من يستحق عنده العطاء من مال الله، فإن كان النبي عليه الصلاة والسلام أعطاه كان تنفيذا له، وإن لم يكن كان هو المنشئ للعطاء، قال: وقد يكون ذلك خاصا بالفيء كما وقع في قصة أبي قتادة حيث قضى له بدعواه وشهادة من كان عنده السلب. قوله: "بيتين وحجرة" ذكر عمر بن شبة في "أخبار المدينة" أن بيت صهيب كان لأم سلمة فوهبته لصهيب، فلعلها فعلت ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو نسب إليها بطريق المجاز وكان في الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه لصهيب، أو هو بيت آخر غير ما وقعت به الدعوى المذكورة.

(5/238)


32 - باب: مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى
أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى: جَعَلْتُهَا لَهُ. "اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" جَعَلَكُمْ عُمَّارًا
2625- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ"
2626- حدثنا حفص بن عمر حدثنا همام حدثنا قتادة قال حدثني النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العمرى جائزة"
وقال عطاء: حدثني جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم.. مثله
قوله: "باب ما قيل في العمرى والرقبى" أي ما ورد في ذلك من الأحكام، ثبت للأصيلي وكريمة بسملة قبل الباب، والعمرى بضم المهملة وسكون الميم مع القصر، وحكي ضم الميم مع ضم أوله، وحكي فتح أوله مع السكون، مأخوذ من العمر، والرقبى بوزنها مأخوذة من المراقبة، لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية فيعطي الرجل الدار ويقول له: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك فقيل لها عمرى لذلك، وكذا قيل لها رقبى لأن كلا منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه، وكذا ورثته فيقومون مقامه في ذلك، هذا أصلها لغة. أما شرعا فالجمهور على أن العمرى إذا وقعت كانت ملكا للآخذ، ولا ترجع إلى الأول إلا إن صرح باشتراط ذلك. وذهب الجمهور إلى صحة العمرى إلا ما حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الناس والماوردي عن داود وطائفة. لكن ابن حزم قال بصحتها وهو شيخ الظاهرية. ثم اختلفوا إلى ما يتوجه التمليك، فالجمهور أنه يتوجه إلى الرقبة كسائر الهبات، حتى لو كان المعمر عبدا فأعتقه الموهوب له نفذ بخلاف الواهب، وقيل يتوجه إلى المنفعة دون الرقبة وهو قول مالك والشافعي في القديم. وهل يسلك به مسلك العارية أو الوقف؟ روايتان عند المالكية، وعن الحنفية التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة وفي الرقبى إلى

(5/238)


المنفعة، وعنهم أنها باطلة، وقول المصنف "أعمرته الدار فهي عمرى جعلتها له" أشار بذلك إلى أصلها، وأطلق الجعل لأنه يرى أنها تصير ملك الموهوب له كقول الجمهور، ولا يرى أنها عارية كما سيأتي تصريحه بذلك في آخر أبواب الهبة. وقوله: "استعمركم فيها جعلكم عمارا" هو تفسير أبي عبيدة في "المجاز" وعليه يعتمد كثيرا. وقال غيره: استعمركم أطال أعماركم، وقيل معناه أذن لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها. قوله: "عن يحيى" هو ابن أبي كثير. قوله: "عن أبي سلمة عن جابر" في رواية هشام عن يحيى "حدثني أبو سلمة سمعت جابر بن عبد الله" أخرجه مسلم، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن. قوله: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرى أنها لمن وهبت له" هو بفتح "أنها" أي قضى بأنها. وفي رواية الزهري عن أبي سلمة عند مسلم: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث" هذا لفظه من طريق مالك عن الزهري، وله نحوه من طريق ابن جريج عن الزهري، وله من طريق الليث عنه: فقد قطع قوله حقه فيها وهي لمن أعمر ولعقبه، ولم يذكر التعليل الذي في آخره، وله من طريق معمر عنه "إنما العمرى التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هي لك ولعقبك، فأما الذي قال: "هي لك ما عشت" فإنها ترجع إلى صاحبها، قال معمر: كان الزهري يفتي به، ولم يذكر التعليل أيضا، وبين من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري أن التعليل من قول أبي سلمة، وقد أوضحته في كتاب "المدرج" وأخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر قال: "جعل الأنصار يعمرون المهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا ولعقبه" فيجتمع من هذه الروايات ثلاثة أحوال: أحدها أن يقول: "هي لك ولعقبك" فهذا صريح في أنها للموهوب له ولعقبه. ثانيها أن يقول: "هي لك ما عشت، فإذا مت رجعت إلي" فهذه عارية مؤقتة وهي صحيحة، فإذا مات رجعت إلى الذي أعطى، وقد بينت هذه والتي قبلها رواية الزهري، وبه قال أكثر العلماء ورجحه جماعة من الشافعية، والأصح عند أكثرهم لا ترجع إلى الواهب، واحتجوا بأنه شرط فاسد فألغي، وسأذكر الاحتجاج لذلك آخر الباب. ثالثها أن يقول أعمرتكها ويطلق، فرواية أبي الزبير هذه تدل على أن حكمها حكم الأول وأنها لا ترجع إلى الواهب، وهو قول الشافعي في الجديد والجمهور، وقال في القديم: العقد باطل من أصله. وعنه كقول مالك، وقيل القديم عن الشافعي كالجديد. وقد روى النسائي أن قتادة حكى أن سليمان بن هشام بن عبد الملك سأل الفقهاء عن هذه المسألة أعني صورة الإطلاق، فذكر له قتادة عن الحسن وغيره أنها جائزة، وذكر له حديث أبي هريرة بذلك، قال: وذكر له عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، قال فقال الزهري: إنما العمرى أي الجائزة إذا أعمر له ولعقبه من بعده، فإذا لم يجعل عقبه من بعده كان للذي يجعل شرطه. قال قتادة واحتج الزهري بأن الخلفاء لا يقضون بها، فقال عطاء قضى بها عبد الملك بن مروان. قوله "عن بشير" بالمعجمة وزن عظيم "ابن نهيك" بالنون وزن ولده. قوله "العمرى جائزة" فهم قتادة وهو راوي الحديث من هذا الإطلاق ما حكيته عنه وحمله الزهري على التفصيل الماضي وإطلاق الجواز في هذه الرواية لا يفهم الحل أو الصحة وأما حمله على الماضي للذي يعاطاها وهو الذي حمله عليه قتادة فيحتاج إلى قدر زائد على ذلك وقد أخرج النسائي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا لا عمري فمن أعمر شيئا فهو له وهو يشهد لما فهمه قتادة قوله: "وقال عطاء حدثني جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله" في أبي ذر "نحوه" بدل

(5/239)


مثله، وطريق عطاء موصولة بالإسناد المذكور عن قتادة عنه فقتادة هو القائل وقال عطاء ووهم من جعله معلقا وقد بين ذلك أبو الوليد عن همام أخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريقه بالإسنادين جميعا ولفظهما واحد وهو يقوي رواية أبي ذر وقد رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ العمري ميراث لأهلها "تنبيه" ترجم المصنف بالرقبى ولم يذكر الا الحديثين الواردين في العمري وكأنه يرى أنهما متحدا المعنى وهو قول الجمهور ومنع الرقبى مالك وأبو حنيفة ومحمد ووافق أبو يوسف الجمهور وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن بن عباس موقوفا العمري والرقبى سواء وله من طريق إسرائيل عن عبد الكريم عن عطاء قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمري والرقبى قلت وما الرقبى قال يقول الرجل للرجل هي لك حياتك فإن فعلتم فهو جائز هكذا أخرجه مرسلا وأخرجه من طريق بن جريج عن عطاء عن حبيب بن أبي ثابت عن بن عمر مرفوعا لا عمري ولا رقبى فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له حياته ومماته رجاله ثقات لكن اختلف في سماع حبيب له من بن عمر فصرح به النسائي من طريق ومعناه في طريق أخرى قال الماوردي اختلفوا إلى ماذا يوجه النهي والأظهر أنه يتوجه إلى الحكم وقيل يتوجه إلى اللفظ الجاهلي والحكم المنسوخ وقيل النهي إنما يمنع صحة ما يفيد المنهي عنه فائدة أما إذا كان صحة المنهي عنه ضررا على مرتكبه فلا يمنع صحته كالطلاق في زمن الحيض وصحة العمري ضرر على المعمر فإن ملكه يزول بغير عوض هذا كله إذا حمل النهي على التحريم فإن حمل على الكراهة أو الإرشاد لم يحتج إلى ذلك والقرينة الصارفة ما ذكر في آخر الحديث من بيان حكمة ويصرح بذلك قوله العمري جائزة وللترمذي من طريق أبي الزبير عن جابر رفعه العمري جائزة لأهلها والرقبى جائزة لأهلها والله أعلم قال بعض الحذاق إجازة العمري والرقبى بعيد عن قياس الأصول ولكن الحديث مقدم ولو قيل بتحريمهما للنهي وصحتهما للحديث لم يبعد وكأن النهي لأمر خارج وهو حفظ الأموال ولو كان المراد فيهما المنفعة كما قال مالك لم ينه عنهما والظاهر أنه ما كأن مقصود العرب بهما الا تمليك الرقبة بالشرط المذكور فجاء الشرع بمراغمتهم فصحح العقد على نعت الهبة المحمودة وأبطل الشرط المضاد لذلك فإنه يشبه الرجوع في الهبة وقد صح النهي عنه وشبه بالكلب يعود في قيئه وقد روى النسائي من طريق أبي الزبير عن بن عباس رفعه "العمري لمن أعمرها والرقبى لمن أرقبها والعائد في هبته كالعائد في قيئه" فشرط الرجوع المقارن للعقد مثل الرجوع الطاريء بعده فنهى عن ذلك وأمر أن يبقيها مطلقا أو يخرجها مطلقا فإن أخرجها على خلاف ذلك بطل الشرط وصح العقد مراغمة له وهو نحو إبطال شرط الولاء لمن باع عبدا كما تقدم في قصة بريرة

(5/240)


33 - باب: مَنْ اسْتَعَارَ مِنْ النَّاسِ الْفَرَسَ
2627- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: "كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ فَرَكِبَه، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا"
[الحديث 2627- أطرافه في: 2820 ، 2857 ، 2866 ، 2867 ، 2908 ، 2968 ، 2969 ، 3040 ، 6033 ، 6212]
قوله: "باب من استعار من الناس الفرس" زاد أبو ذر عن مشايخه "والدابة" وزاد عن الكشميهني: "وغيرها"

(5/240)


وثبت مثله لابن شبويه لكن قال: "وغيرهما"بالتثنية، وذكر بعض الشراح ممن أدركناه قبل الباب: "كتاب العارية" ولم أره في شيء من النسخ ولا الشروح، والبخاري أضاف العارية إلى الهبة لأنها هبة المنافع. والعارية بتشديد التحتانية ويجوز تخفيفها، وحكي عارة براء خفيفة بغير تحتانية، قال الأزهري: مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء ومنه سمي العيار لأنه يكثر الذهاب والمجيء، وقال البطليوسي: هي من التعاور وهو التناوب، وقال الجوهري: منسوبة إلى العار لأن طلبها عار، وتعقب بوقوعها من الشارع ولا عار في فعله، وهذا التعقب وإن كان صحيحا في نفسه لكنه لا يرد على ناقل اللغة، وفعل الشارع في مثل ذلك لبيان الجواز. وهي في الشرع هبة المنافع دون الرقبة، ويجوز توقيتها. وحكم العارية إذا تلفت في يد المستعير أن يضمنها إلا فيما إذا كان ذلك من الوجه المأذون فيه، هذا قول الجمهور، وعن المالكية والحنفية إن لم يتعد لم يضمن. وفي الباب عدة أحاديث ليس فيها شيء على شرط البخاري، أشهرها حديث أبي أمامة أنه "سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول: العارية مؤداة، والزعيم غارم" أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان. قلت: في الاستدلال به نظر، وليس فيه دلالة على التضمين لأن الله تعالى قال: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" وإذا تلفت الأمانة لم يلزم ردها. نعم روى الأربعة وصححه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة رفعه: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه، فإن ثبت ففيه حجة لقول الجمهور، والله أعلم. قوله: "كان فزع بالمدينة" أي خوف من عدو. قوله: "من أبي طلحة" هو زيد بن سهل زوج أم أنس. قوله: "يقال له المندوب" قيل سمي بذلك من الندب وهو الرهن عند السباق، وقيل لندب كان في جسمه وهو أثر الجرح، زاد في الجهاد من طريق سعيد عن قتادة "كان يقطف أو كان فيه قطاف" كذا فيه بالشك، والمراد أنه كان بطيء المشي. قوله: "وإن وجدناه لبحرا" في رواية المستملي: "وإن وجدنا" بحذف الضمير، قال الخطابي: إن هي النافية واللام في "لبحرا" بمعنى إلا أي ما وجدناه إلا بحرا، قال ابن التين هذا مذهب الكوفيين، وعند البصريين "أن" مخففة من الثقيلة واللام زائدة، كذا قال، قال الأصمعي: يقال للفرس بحر إذا كان واسع الجري، أو لأن جريه لا ينفذ كما لا ينفذ البحر، ويؤيده ما في رواية سعيد عن قتادة "وكان بعد ذلك لا يجارى" وسيأتي في الجهاد، ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى.

(5/241)


34 - باب: الِاسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ الْبِنَاءِ
2628- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَقَالَتْ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلاَّ أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ"
قوله: "باب الاستعارة للعروس عند البناء" أي الزفاف، وقيل له: "بناء" لأنهم يبنون لمن يتزوج قبة يخلو بها مع المرأة. ثم أطلق ذلك على التزويج. قوله: "حدثنا عبد الواحد" تقدم بهذا الإسناد في آخر العتق حديث، وفيه شرح حال أيمن والد عبد الواحد. قوله: "وعليها درع قطر" الدرع قميص المرأة وهو مذكر، قال الجوهري:

(5/141)


باب فضل النيحة
...
35 - باب: فَضْلِ الْمَنِيحَةِ
2629- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: نِعْمَ الصَّدَقَةُ..."
[الحديث 2629- طرفه في: 5608]
2630- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ يَعْنِي شَيْئًا وَكَانَتْ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالْعَقَارِ فَقَاسَمَهُمْ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ وَيَكْفُوهُمْ الْعَمَلَ وَالْمَئُونَةَ وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أَنَسٍ أُمُّ سُلَيْمٍ كَانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ فَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِذَاقًا فَأَعْطَاهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلاَتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ

(5/242)


قَتْالِ أَهْلِ خَيْبَرَ فَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ، فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمِّهِ عِذَاقَهَا وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ"
وَقَالَ: أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ بِهَذَا وَقَالَ "مَكَانَهُنَّ مِنْ خَالِصِهِ"
[الحديث 2630- طرفاه في: 3128 ، 4030 ، 4120]
2631- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلاَهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ"
قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ - مِنْ رَدِّ السَّلاَمِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ - فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً
2632- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضِينَ فَقَالُوا نُؤَاجِرُهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ"
2633- وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ وَيْحَكَ إِنَّ الْهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ: فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا"
2634- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعًا فَقَالَ لِمَنْ هَذِهِ فَقَالُوا اكْتَرَاهَا فُلاَنٌ فَقَالَ أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا"
قوله: "باب فضل المنيحة" حذف "باب" من رواية أبي ذر، والمنيحة بالنون والمهملة وزن عظيمة، هي في الأصل العطية، قال أبو عبيد المنيحة عند العرب على وجهين: أحدهما أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، والآخر أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنا ثم يردها، والمراد بها في أول أحاديث الباب هنا عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنها ثم ترد هي لصاحبها. وقال القزاز: قيل لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة، والأول أعرف. ثم ذكر المصنف فيه ستة أحاديث: الأول حديث أبي هريرة. قوله: "نعم المنيحة اللقحة الصفي منحة" اللقحة الناقة ذات اللبن القريبة العهد بالولادة، وهي مكسورة اللام ويجوز فتحها والمعروف أن اللقحة بفتح اللام المرة

(5/243)


الواحدة من الحلب، والصفي بفتح الصاد وكسر الفاء أي الكريمة الغزيرة اللبن ويقال لها الصفية أيضا، كذا رواه يحيى بن بكير، وذكر المصنف بعده أن عبد الله بن يوسف وإسماعيل يعني ابن أبي أويس روياه بلفظ: "نعم الصدقة اللقحة الصفي منحة" وهذا هو المشهور عن مالك. وكذا رواه شعيب عن أبي الزناد كما سيأتي في الأشربة. قال ابن التين: من روى "نعم الصدقة" روى أحدهما بالمعنى لأن المنحة العطية والصدقة أيضا عطية. قلت: لا تلازم بينهما فكل صدقة عطية وليس كل عطية صدقة. وإطلاق الصدقة على المنحة مجاز، ولو كانت المنحة صدقة لما حلت للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هي من جنس الهبة والهدية، وقوله: "منحة" منصوب على التمييز، قال ابن مالك: فيه وقوع التمييز بعد فاعل نعم ظاهرا، وقد منعه سيبويه إلا مع الإضمار مثل: {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} وجوزه المبرد وهو الصحيح، وقال أبو البقاء: اللقحة هي المخصوصة بالمدح، ومنحة منصوب على التمييز توكيدا وهو كقول الشاعر: "فنعم الزاد زاد أبيك زادا". قوله: "تغدو بإناء وتروح بإناء" أي من اللبن، أي تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشي. ووقع هذا الحديث في رواية مسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد بلفظ: "ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدو بإناء وتروح بإناء إن أجرها لعظيم" . الحديث الثاني حديث أنس، قوله: "وليس بأيديهم" كذا للجميع، وفي رواية الأصيلي وكريمة يعني شيء (1) وثبت لفظ: "شيء" في رواية مسلم عن حرملة وأبي الطاهر عن ابن وهب. قوله: "فقاسمهم الأنصار إلخ" ظاهره مغاير لقوله في حديث أبي هريرة الماضي في المزارعة "قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل قال لا" والجمع بينهما أن المراد بالمقاسمة هنا القسمة المعنوية، وهي التي أجابهم إليها في حديث أبي هريرة حيث قال: "قالوا فيكفوننا المؤنة ونشركهم في الثمر" فكان المراد هنا مقاسمة الثمار والمنفي هناك مقاسمة الأصول. وزعم الداودي وأقره ابن التين أن المراد بقوله هنا: "قاسمهم الأنصار" أي حالفوهم، جعله من القسم بفتح القاف والمهملة لا من القسم بسكون المهملة، وقد تقدم تعقب ما زعمه في كتاب المزارعة. قوله: "وكانت أمه أم أنس إلخ" الضمير في أمه يعود على أنس وأم أنس بدل منه، وكذا أم سليم. وفي رواية مسلم: "وكانت أمه أم أنس بن مالك، وهي تدعى أم سليم" وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة كان أخا أنس لأمه، والذي يظهر أن قائل ذلك هو الزهري الراوي عن أنس، لكن بقية السياق يقتضي أنه من رواية الزهري عن أنس فيحمل على التجريد. قوله: "فكانت أعطت أم أنس" أي كانت أم أنس أعطت. قوله: "عذاقا" بكسر المهملة وبذال معجمة خفيفة جمع عذق بفتح ثم سكون كحبل وحبال والعذق النخلة، وقيل إنما يقال لها ذلك إذا كان حملها موجودا، والمراد أنها وهبت له ثمرها. قوله: "قال ابن شهاب" هو موصول بالإسناد المذكور، وكذا هو عند مسلم. قوله: "إلى أمه" أي إلى أم أنس وهي أم سليم. قوله: "فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانهن" أي بدلهن. قوله: "من حائطه" أي بستانه. قوله: "وقال أحمد بن شبيب أخبرنا أبي عن يونس بهذا" أي بالإسناد والمتن. قوله: "وقال مكانهن من خالصه" يعني أنه وافق ابن وهب في السياق إلا في قوله: "من حائطه" فقال: "من خالصه" أي من خالص ماله، قال ابن التين: المعنى واحد لأن حائطه صار له خالصا. قلت: لكن لفظ: "خالصه" أصرح في الاختصاص من حائطه، وطريق أحمد بن شبيب هذه وصلها البرقاني في "المصافحة" من طريق محمد بن علي الصائغ عن أحمد بن شبيب المذكور مثله، زاد مسلم في
ـــــــ
(1) كذا بالرفع، والرواية التي شرحها القسطلاني " يعني شيئاً"

(5/244)


آخر الحديث: "قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر فأعتقها ثم أنكحها زيد بن حارثة، وتوفيت بعده صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر، وسيأتي في المغازي ذكر سبب إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم أيمن بدل العذاق، وفيه زيادة على رواية الزهري فإنه أخرج من طريق سليمان التيمي عن أنس قال: "كان الرجل يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات" الحديث، وفيه: "وإن أهلي أمروني أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانوا أعطوه. وكان قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي تقول: لا نعطيكم وقد أعطانيه، قال والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لك كذا حتى أعطاها عشرة أمثاله" أو كما قال. الحديث الثالث قوله: "عن حسان بن عطية" في رواية أحمد عن الوليد "حدثنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية". قوله: "عن أبي كبشة" في رواية أحمد المذكورة "حدثني أبو كبشة" وهو بفتح الكاف وسكون الموحدة بعدها معجمة "السلولي" بفتح المهملة وتخفيف اللام المضمومة بعدها واو ساكنة ثم لام لا يعرف اسمه، وزعم الحاكم أن اسمه البراء بن قيس، ووهمه عبد الغني بن سعيد وبين أنه غيره، وليس لأبي كبشة ولا للراوي عنه حسان بن عطية في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر في أحاديث الأنبياء. قوله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية أحمد "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "أربعون خصلة" في رواية أحمد "أربعون حسنة" . قوله: "العنز" بفتح المهملة وسكون النون بعدها زاي معروفة وهي واحدة المعز. قوله: "قال حسان" هو ابن عطية راوي الحديث، وهو موصول بالإسناد المذكور، قال ابن بطال ما ملخصه: ليس في قول حسان ما يمنع من وجدان ذلك وقد حض صلى الله عليه وسلم على أبواب من أبواب الخير والبر لا تحصى كثيرة. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بالأربعين المذكورة إنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك خشية أن يكون التعيين لها مزهدا في غيرها من أبواب البر، قال: وقد بلغني أن بعضهم تطلبها فوجدها تزيد على الأربعين، فمما زاده إعانة الصانع، والصنعة للأخرق، وإعطاء شسع النعل، والستر على المسلم، والذب عن عرضه، وإدخال السرور عليه، والتفسح في المجلس، والدلالة على الخير، والكلام الطيب، والغرس، والزرع، والشفاعة، وعيادة المريض، والمصافحة، والمحبة في الله، والبغض لأجله، والمجالسة لله، والتزاور، والنصح، والرحمة - وكلها في الأحاديث الصحيحة، وفيها ما قد ينازع في كونه دون منيحة العنز، وحذفت مما ذكره أشياء قد تعقب ابن المنير بعضها وقال: الأولى أن لا يعتنى بعدها لما تقدم. وقال الكرماني: جميع ما ذكره رجم بالغيب، ثم إني عرف أنها أدنى من المنيحة؟ قلت. وإنما أردت بما ذكرته منها تقريب الخمس عشرة التي عدها حسان بن عطية، وهي إن شاء الله تعالى لا تخرج عما ذكرته، ومع ذلك فأنا موافق لابن بطال في إمكان تتبع أربعين خصلة من خصال الخير أدناها منيحة العنز، وموافق لابن المنير في رد كثير مما ذكره ابن بطال مما هو ظاهر أنه فوق المنيحة، والله أعلم. الحديث الرابع حديث جابر "كانت لرجال منا فضول أرضين" تقدم في المزارعة مع الكلام عليه، والغرض منه هنا قوله: "أو ليمنحها أخاه". الحديث الخامس قوله: "وقال محمد بن يوسف" يحتمل أن يكون معطوفا على الذي قبله فيكون موصولا، لكن صرح الإسماعيلي وأبو نعيم بأنه لم يذكر فيه الخبر، ويؤيده أنه أورده في الهجرة موصولا من طريق الوليد بن مسلم قال: "وقال محمد بن يوسف" كلاهما عن الأوزاعي، فلو أراد هنا أن يعطفه لقال هناك "حدثنا محمد بن يوسف" كعادته. نعم زعم المزي أنه أخرجه في الهبة "عن محمد بن يوسف" وفي الهجرة "وقال محمد بن يوسف" فالله أعلم. وقد وصله الإسماعيلي

(5/245)


وأبو نعيم من طريق محمد بن يوسف المذكور، وسيأتي شرحه في الهجرة إن شاء الله تعالى. والغرض منه قوله: "فهل تمنح منها شيئا؟ قال: نعم" فإن فيه إثبات فضيلة المنيحة، وقوله: "لن يترك" أي لن ينقصك. الحديث السادس حديث ابن عباس، وقد تقدم في المزارعة أيضا، والمراد منه هنا ما دل من قوله: "لو منحها إياه كان خيرا له" على فضل المنيحة.

(5/246)


باب إذا قال أخدمتك هذه الجارية على ما تعارف الناس
...
36 - باب: إِذَا قَالَ أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ فَهُوَ جَائِزٌ
وَقَالَ: بَعْضُ النَّاسِ هَذِهِ عَارِيَّةٌ وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ فَهُوَ هِبَةٌ
2635- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ فَأَعْطَوْهَا آجَرَ فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ"
قوله: "باب إذا قال أخدمتك هذه الجارية على ما يتعارف الناس فهو جائز، وقال بعض الناس: هذه عارية، وإن قال كسوتك هذا الثوب فهذه هبة" أورد فيه طرفا من حديث أبي هريرة في قصة إبراهيم وهاجر وقال فيه: "وأخدم وليدة" قال: وقال ابن سيرين عن أبي هريرة: "فأخدمها هاجر" وسيأتي موصولا في أحاديث الأنبياء مع الكلام عليه، قال ابن بطال: لا أعلم خلافا أن من قال أخدمتك هذه الجارية أنه قد وهب له الخدمة خاصة، فإن الإخدام لا يقتضي تمليك الرقبة، كما أن الإسكان لا يقتضي تمليك الدار. قال: واستدلاله بقوله: "فأخدمها هاجر" على الهبة لا يصح، وإنما صحت الهبة في هذه القصة من قوله: "فأعطوها هاجر" قال: ولم يختلف العلماء فيمن قال: كسوتك هذا الثوب مدة معينة أن له شرطه، وإن لم يذكر أجلا فهو هبة، وقد قال تعالى:{ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} أَوْ {كِسْوَتُهُمْ} ، ولم تختلف الأمة أن ذلك تمليك للطعام والكسوة انتهى. والذي يظهر أن البخاري لا يخالف ما ذكره عند الإطلاق، وإنما مراده أنه إن وجدت قرينة تدل على العرف حمل عليها، وإلا فهو على الوضع في الموضعين، فإن كان جرى بين قوم عرف في تنزيل الإخدام منزلة الهبة فأطلقه شخص وقصد التمليك نفذ، ومن قال هي عارية في كل حال فقد خالفه، والله أعلم.

(5/246)


باب إذا حمل رجل على فرس فهو كالعمرى والصدقة
...
37 - باب: إِذَا حَمَلَ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ فَهُوَ كَالْعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا
2636- حدثنا الحميدي أخبرنا سفيان قال: سمعت مالكا يسأل زيد بن أسلم فقال: سمعت أبي يقول: "قال عمر رضي الله عنه: حملت على فرس في سبيل الله، فرأيته يباع، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تشتره ولا تعد في صدقتك"
قوله: "باب إذا حمل رجلا على فرس فهو كالعمرى والصدقة. وقال بعض الناس: له أن يرجع فيها" أورد فيه

(5/246)