Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الشهادات
باب ماجاء في البينة على المدعي
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
52 - كِتَاب الشَّهَادَاتِ
قوله: "كتاب الشهادات" هي جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد. قال الجوهري. الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة، مأخوذة من الشهود أي الحضور، لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، وقيل مأخوذة من الإعلام.
1 - باب: مَا جَاءَ فِي الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى [282 البقرة]:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ

(5/247)


وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [135النساء]: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}
قوله: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - باب ما جاء في البينة على المدعي" كذا للأكثر، وسقط لبعضهم لفظ: "باب" وقدم النسفي وابن شبويه البسملة على "كتاب". قوله: "لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} الآية" كذا لابن شبويه، ولأبي ذر بعد قوله: {فَاكْتُبُوهُ} إلى قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وساق في رواية الأصلي وكريمة الآية كلها وكذا التي بعدها. قوله: "وقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} - إلى قوله: {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} " كذا لأبي ذر وابن شبويه ووقع للنسفي بعد قوله في الآية الأولى فاكتبوه: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} - إلى قوله: {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وهو غلط لا محالة، وكأنه سقط منه شيء أوضحته رواية غيره كما ترى، ولم يسق في الباب حديثا إما اكتفاء بالآيتين، وإما إشارة إلى الحديث الماضي قريبا في ذلك في آخر باب الرهن، وستأتي ترجمة الشق الآخر وهي "اليمين على المدعى عليه" قريبا. قال ابن المنير: وجه الاستدلال بالآية للترجمة أن المدعي لو كان القول قوله لم يحتج إلى الإشهاد ولا إلى كتابة الحقوق وإملائها، فالأمر بذلك يدل على الحاجة إليه، ويتضمن أن البينة على المدعي، ولأن الله حين أمر الذي عليه الحق بالإملاء اقتضى تصديقه فيما أقر به، وإذا كان مصدقا فالبينة على من ادعى تكذيبه.

(5/248)


2 - باب: إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ أَحَدًا فَقَالَ لاَ نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا، أَوْ قَالَ مَا عَلِمْتُ إِلاَّ خَيْرًا
وساق حديث الإفك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة حين استشاره، فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيراً
2637- حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا ثوبانُ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: "أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا حِينَ قَالَ: لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ فَأَمَّا أُسَامَةُ فَقَالَ أَهْلُكَ وَلاَ نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا وَقَالَتْ بَرِيرَةُ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَعْذِرُنَا فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا"
قوله: "باب إذا عدل رجل رجلا فقال: لا نعلم إلا خيرا أو ما علمت إلا خيرا" وفي رواية الكشميهني: "أحدا" بدل "رجلا". قال ابن بطال: حكى الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال. إذا قال ذلك قبلت شهادته، ولم يذكر خلافا

(5/248)


عن الكوفيين في ذلك، واحتجوا بحديث الإفك. وقال مالك: لا يكون ذلك تزكية حتى يقول رضا أي بالقصر. وقال الشافعي: حتى يقول عدل، وفي قول: عدل علي ولي. ولا بد من معرفة المزكي حاله الباطنة. والحجة لذلك أنه لا يلزم من أنه لا يعلم منه إلا الخير أن لا يكون فيه شر. وأما احتجاجهم بقصة أسامة فأجاب المهلب بأن ذلك وقع في العصر الذي زكى الله أهله، وكانت الجرحة فيهم شاذة، فكفى في تعديلهم أن يقال: لا أعلم إلا خيرا، وأما اليوم فالجرحة في الناس أغلب، فلا بد من التنصيص على العدالة. قلت: لم يبت البخاري الحكم في الترجمة، بل أوردها مورد السؤال لقوة الخلاف فيها. قوله: "وساق حديث الإفك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأسامة حين استشاره، فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرا" كذا لأبي ذر، ولم يقع هذا كله عند الباقين، وهو اللائق لأن حديث الإفك قد ذكر في الباب موصولا، وإن كان اختصره، وسيأتي مطولا أيضا بعد أبواب، ويأتي الكلام عليه في تفسير سورة النور قوله: "وقال الليث حدثني يونس" وصله هناك أيضا، وقوله: "أهلك ولا نعلم إلا خيرا" بنصب أهلك للأكثر على الإغراء، أو على فعل محذوف تقديره أمسك أهلك، ولبعضهم بالرفع أي هم أهلك، قال ابن المنير: التعديل إنما هو تنفيذ للشهادة، وعائشة رضي الله عنها لم تكن شهدت ولا كانت محتاجة إلى التعديل لأن الأصل البراءة، وإنما كانت محتاجة إلى نفي التهمة عنها حتى تكون الدعوى عليها بذلك غير مقبولة ولا شبهه فيكفي في هذا القدر هذا اللفظ فلا يكون فيه لمن اكتفى في التعديل بقوله: "لا أعلم إلا خيرا" حجة.

(5/249)


3 - باب: شَهَادَةِ الْمُخْتَبِي،
وَأَجَازَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْكَاذِبِ الْفَاجِرِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: السَّمْعُ شَهَادَةٌ وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَمْ يُشْهِدُونِي عَلَى شَيْءٍ، وَإِنِّي سَمِعْتُ كَذَا وَكَذَا
2638- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَالِمٌ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ أَوْ زَمْزَمَةٌ فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لِابْنِ صَيَّادٍ أَيْ صَافِ هَذَا مُحَمَّدٌ فَتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ"
2639- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلاَقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ. وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ.

(5/249)


فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلاَ تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 2639- أطرافه في: 5260 ، 5261 ، 5265 ، 5371 ، 5792 ، 5825 ، 6084]
قوله: "باب شهادة المختبي" بالخاء المعجمة أي الذي يختفي عند التحمل. قوله: "وأجازه" أي الاختباء عند تحمل الشهادة. قوله: "عمرو بن حريث" بالمهملة والمثلثة مصغر ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي من صغار الصحابة، ولأبيه صحبة، وليس له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع. قوله: "قال وكذلك يفعل بالكاذب الفاجر" كأنه أشار إلى السبب في قبول شهادته، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة المختبئ، قال وقال عمرو بن حريث: كذلك يفعل بالخائن الظالم أو الفاجر، وروى سعيد بن منصور من طريق محمد بن عبيد الله الثقفي أن عمرو بن حريث كان يجيز شهادته ويقول: كذلك يفعل بالخائن الفاجر، وروي من طرق عن شريح أنه كان يرد شهادة المختبئ، وكذلك الشعبي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في القديم وأجازها في الجديد إذا عاين المشهود عليه. قوله: "وقال الشعبي وابن سيرين وعطاء وقتادة: السمع شهادة" أما قول الشعبي فوصله ابن أبي شيبة عن هشيم عن مطرفه عنه بهذا، ورويناه في "الجعديات" قال: "حدثنا شريك عن الأشعث عن عامر وهو الشعبي قال: تجوز شهادة السمع إذا قال سمعته يقول وإن لم يشهده، وقول الشعبي هذا يعارض رده لشهادة المختبئ، ويحتمل أن يفرق بأنه إنما رد شهادة المختبئ لما فيها من المخادعة ولا يلزم من ذلك رده لشهادة السمع من غير قصد، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وعن مالك أيضا الحرص على تحمل الشهادة قادح، فإذا اختفى ليشهد فهو حرص، وأما قول ابن سيرين وقتادة فسيأتي في "باب شهادة الأعمى" وأما قول عطاء وهو ابن أبي رياح فوصله الكرابيسي في "أدب القضاء" من رواية ابن جريج عن عطاء "السمع شهادة". قوله: "وكان الحسن يقول: لم يشهدوني على شيء، ولكن سمعت كذا وكذا" وصله ابن أبي شيبة من طريق يونس بن عبيد عنه قال: لو أن رجلا سمع من قوم شيئا فإنه يأتي القاضي فيقول: لم يشهدوني، ولكن سمعت كذا وكذا، وهذا التفصيل حسن لأن الله تعالى قال: "ولا تكتموا الشهادة" ولم يقل: "الإشهاد" فيفترق الحال عند الأداء، فإن سمعه ولم يشهده وقال عند الأداء "أشهدني" لم يقبل، وإن قال: "أشهد أنه قال كذا" قبل. ثم أورد المصنف حديثين أحدهما حديث ابن عمر في قصة ابن صياد وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الفتن، والغرض منه قوله فيه: "وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه" وقوله في آخره: "لو تركته بين" فإنه يقتضي الاعتماد على سماع الكلام وإن كان السامع محتجبا عن المتكلم إذا عرف الصوت، وقوله: "يختل" بفتح أوله وسكون المعجمة وكسر المثناة أي يطلب أن يسمع كلامه وهو لا يشعر. ثانيهما حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة، وسيأتي الكلام عليه في الطلاق والغرض منه إنكار خالد بن سعيد على امرأة رفاعة ما كانت تكلم به عند النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه محجوبا عنها خارج الباب، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه ذلك، فاعتماد خالد على سماع صوتها حتى أنكر عليها هو حاصل ما يقع من شهادة السمع.

(5/250)


باب إذا شهد شاهد أو شهود بشيء وقال آخرون ما علمنا بذلك يحكم بقول من شهد
...
4 - باب: إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بِشَيْءٍوَقَالَ آخَرُونَ مَا عَلِمْنَا ذَلِكَ يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: هَذَا كَمَا أَخْبَرَ بِلاَلٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَقَالَ: الْفَضْلُ لَمْ يُصَلِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ

(5/250)


بِلاَلٍ. كَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِ مِائَةٍ يُقْضَى بِالزِّيَادَةِ
2640- حَدَّثَنَا حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ "عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلاَ أَخْبَرْتِنِي فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ يَسْأَلُهُمْ فَقَالُوا مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ فَفَارَقَهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ"
قوله: "باب إذا شهد شاهد أو شهود بشيء وقال آخرون ما علمنا بذلك يحكم بقول من شهد، قال الحميدي: هذا كما أخبر بلال إلخ" تقدم هذا في "باب العشر" من كتاب الزكاة، وأن المثبت مقدم على النافي، وهو وفاق من أهل العلم إلا من شذ، ولا سيما إذا لم يتعرض إلا لنفي علمه، وأشار إلى ذلك بقوله: "وكذلك إن شهد شاهد أن إلخ" وقد اعترض بأن الشهادتين اتفقتا على الألف وانفردت إحداهما بالخمسمائة، والجواب أن سكوت الأخرى عن خمسمائة في حكم نفيها. ثم أورد حديث عقبة بن الحارث في قصة المرضعة، سيأتي الكلام عليها مستوفي بعد أبواب، والغرض منه هنا أنها أثبتت الرضاع ونفاه عقبة، فاعتمد النبي صلى الله عليه وسلم قولها فأمره بفراق امرأته إما وجوبا عند من يقول به وإما ندبا على طريق الورع. وقوله في هذه الرواية لأبي إهاب بن عزيز بالعين المهملة المفتوحة وزايين منقوطتين وزن عظيم، ووقع عند أبي ذر عن المستملي والحموي عزير بزاي وآخره راء مصغر والأول أصوب.

(5/251)


باب الشهداء العدول وقول الله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم ... الأية)
...
5 - باب: الشُّهَدَاءِ الْعُدُولِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [الطلاق، و282البقرة]:
{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ - وَ - مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}
2641- حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ"
قوله: "باب الشهداء العدول، وقول الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم ْ - وَ - مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} أي وقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ} فالواو عاطفة من كلام المصنف لا من التلاوة، والعدل والرضا عند الجمهور من يكون

(5/251)


مسلما مكلفا حرا غير مرتكب كبيرة ولا مصر على صغيرة، زاد الشافعي: وأن يكون ذا مروءة. ويشترط في قبول شهادته أن لا يكون عدوا للمشهود عليه، ولا متهما فيها بجر نفع ولا دفع ضر، ولا أصلا للمشهود له ولا فرعا منه. واختلف في تفاصيل من ذلك وغيره كما سيأتي بعض ذلك في بعض التراجم إن شاء الله تعالى. قوله: "أن عبد الله بن عتبة" أي ابن مسعود، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود، سمع من كبار الصحابة وله رؤية، وحديثه هذا عن عمر أغفله المزي في "الأطراف" والمرفوع منه ما أشار إليه مما كان الناس عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "وإن الوحي قد انقطع" أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والمراد انقطاع أخبار الملك عن الله تعالى لبعض الآدميين بالأمر في اليقظة. وفي رواية أبي فراس عن عمر عند الحاكم "إنا كنا نعرفكم إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذ الوحي ينزل وإذ يأتينا من أخباركم" وأراد أن النبي قد انطلق ورفع الوحي. قوله: "فمن أظهر لنا خيرا أمناه" بهمزة بغير مد وميم مكسورة ونون مشددة من الأمن أي صيرناه عندنا أمينا، وفي رواية أبي فراس "ألا ومن يظهر منكم خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه". قوله: "الله يحاسب" كذا لأبي ذر عن الحموي بحذف المفعول، وللباقين "الله محاسبه" بميم أوله وهاء آخره. قوله: "سوءا" في رواية الكشميهني: "شرا" وفي رواية أبي فراس "ومن يظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه؛ سرائركم فيما بينكم وبين ربكم" قال المهلب: هذا إخبار من عمر عما كان الناس عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما صار بعده، ويؤخذ منه أن العدل من لم توجد منه الريبة وهو قول أحمد وإسحاق كذا قال، وهذا إنما هو في حق المعروفين لا من لا يعرف حاله أصلا.

(5/252)


6 - باب: تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ؟
2643- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا أَوْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَالَ وَجَبَتْ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ لِهَذَا وَجَبَتْ وَلِهَذَا وَجَبَتْ قَالَ شَهَادَةُ الْقَوْمِ الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ"
2643- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا داود بن أبي الفرات حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود قال: "أتيت المدينة وقد وقع بها مرض وهم يموتون موتاً ذريعاً، فجلست إلى عمر رضي الله عنه، فمرت جنازة فأثني خيراً، فقال عمر: وجبت. ثم مر بأخرى فأثني خيراً فقال عمر: وجبت. ثم مر بالثالثة فأثني شراً فقال: وجبت. فقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة. قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. قلت واثنان؟ قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد"
قوله: "باب" بالتنوين "تعديل كم يجوز" أي هل يشترط في قبول التعديل عدد معين؟ أورد فيه حديثي أنس وعمر في ثناء الناس بالخير والشر على الميتين، وفيهما قوله عليه الصلاة والسلام "وجبت" وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الجنائز، وحكيت عن ابن المنير أنه قال في حاشيته: قال ابن بطال فيه إشارة إلى الاكتفاء بتعديل واحد

(5/252)


وذكرت أن فيه غموضا، وكأن وجهه أن في قوله: "ثم لم نسأله عن الواحد" إشعارا بعيدا بأنهم كانوا يعتمدون قول الواحد في ذلك لكنهم لم يسألوا عن حكمه في ذلك المقام، وسيأتي للمصنف بعد أبواب التصريح بالاكتفاء في شهداء التزكية بواحد، وكأنه لم يصرح به هنا لما فيه من الاحتمال. قوله: "شهادة القوم" هو مبتدأ وخبره محذوفه تقديره مقبولة أو هو خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه شهادة القوم، ووقع في رواية الأصيلي: "شهادة" بالنصب بتقدير فعل ناصب. قوله: "المؤمنون شهداء الله في الأرض" كذا للأكثر، والمؤمنون مبتدأ خبره شهداء، وفي رواية المستملي والسرخسي "شهادة القوم المؤمنين شهداء الله في الأرض" وشهداء على هذا خبر مبتدأ محذوف تقديره هم شهداء. وقال السهيلي: رواه بعضهم برفع القوم. فإن كانت الرواية بتنوين "شهادة" فهي على إضمار المبتدأ أي هذه شهادة، ثم استأنف فقال: "القوم المؤمنون شهداء الله في الأرض" فالقوم مبتدأ والمؤمنون نعت أو بدل وما بعده خبر، قال: وأكثر ما ورد في الحديث حذف المنعوت، لأن الحكم يتعلق بالصفة فلا يحتاج لذكر الموصوف. ثم حكى وجهين آخرين فيهما تكلف، ولم يقع في شيء من الروايات بالتنوين ولا سيما مع رواية من رواه بنصب المؤمنين.

(5/253)


بابالشهادة على الأنساب والضاع المتفيض والموت القديم
...
الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة"
[الحديث 2646- طرفاه في:3105 ، 5099]
2647- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي رَجُلٌ قَالَ يَا عَائِشَةُ مَنْ هَذَا قُلْتُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ قَالَ يَا عَائِشَةُ انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ" . تَابَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ"
[الحديث 2647- طرفه في: 5102]
قوله: "باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم" هذه الترجمة معقودة لشهادة الاستفاضة وذكر منها النسب والرضاعة والموت القديم، فأما النسب فيستفاد من أحاديث الرضاعة فإنه من لازمه، وقد نقل فيه الإجماع. وأما الرضاعة فيستفاد ثبوتها بالاستفاضة من أحاديث الباب، فإنها كانت في الجاهلية وكان ذلك مستفيضا عند من وقع له. وأما الموت القديم فيستفاد منه حكمه بالإلحاق قاله ابن المنير، واحترز بالقديم عن الحادث، والمراد بالقديم ما تطاول الزمان عليه، وحده بعض المالكية بخمسين سنة وقيل بأربعين. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أرضعتني وأبا سلمة ثويبة" هو طرف من حديث وصله في الرضاع من حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان وسيأتي الكلام عليه هناك. وثويبة بالمثلثة ثم الموحدة مصغرة يأتي هناك ذكر شيء من خبرها وخبر أبي سلمة بن عبد الأسد إن شاء الله تعالى. واختلف العلماء في ضابط ما تقبل فيه الشهادة بالاستفاضة، فتصح عند الشافعية في النسب قطعا والولادة، وفي الموت والعتق والولاء والوقف والولاية والعزل والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسفه والملك على الراجح في جميع ذلك، وبلغها بعض المتأخرين من الشافعية بضعة وعشرين موضعا وهي مستوفاة في "قواعد العلائي" وعن أبي حنيفة تجوز في النسب والموت والنكاح والدخول وكونه قاضيا، زاد أبو يوسف والولاء، زاد محمد والوقف، قال صاحب "الهداية" وإنما أجيز استحسانا وإلا فالأصل أن الشهادة لا بد فيها من المشاهدة، وشرط قبولها أن يسمعها من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، وقبل أقل ذلك أربعة أنفس، وقيل يكفي من عدلين، وقيل يكفي من عدل واحد إذا سكن القلب إليه. قوله: "والتثبت فيه" هو بقية الترجمة. وكأنه أشار إلى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة آخر الباب: "انظرن من إخوانكن من الرضاعة" الحديث. ثم أورد المصنف فيه أربعة أحاديث سيأتي الكلام عليها جميعا في الرضاع آخر النكاح إن شاء الله تعالى. والإسناد الثاني كله بصريون إلا الصحابي وقد سكنها. والثالث كله مدنيون إلا شيخه وقد دخلها. والرابع كله كوفيون إلا عائشة. قوله في آخر الباب : "تابعه ابن مهدي عن سفيان" أي أن عبد الرحمن بن مهدي روى حديث عائشة عن سفيان بإسناده كما رواه محمد بن كثير، ورواية ابن مهدي موصولة عند مسلم وأبي يعلى، وسيأتي الخلاف في أفلح هل كان عم عائشة من الرضاعة أو كان أباها.

(5/254)


باب شهادة القذاف والسارق والزاني
...
8 - باب: شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي
وَقَوْلِ اللَّهِ عز وجل [4-5 النور]: {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا}

(5/254)


وَجَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعًا بِقَذْفِ الْمُغِيرَةِ ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ وَقَالَ: مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ وَأَجَازَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ وَشُرَيْحٌ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ إِذَا رَجَعَ الْقَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ: إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا جُلِدَ الْعَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ اسْتُقْضِيَ الْمَحْدُودُ فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ وَإِنْ تَابَ ثُمَّ قَالَ لاَ يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ جَازَ وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ وَأَجَازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ وَالْعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلاَلِ رَمَضَانَ وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّانِيَ سَنَةً وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلاَمِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً
2648- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ "أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ يَدُهَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 2648- أطرافه في: 3475 ، 3732 ، 3733 ، 4304 ، 6787 ، 6788 ، 6800]
2649- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ"
قوله: "باب شهادة القاذف والسارق والزاني" أي هل تقبل بعد توبتهم أم لا. قوله: "وقول الله عز وجل: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} " وهذا الاستثناء عمدة من أجاز شهادته إذا تاب.
وقد أخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً}" ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} فمن تاب فشهادته في كتاب الله تقبل، وبهذا قال الجمهور إن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل ويزول عنه اسم الفسق سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله، وتأولوا قوله تعالى: {أَبَداً} على أن المراد ما دام مصرا على قذفه، لأن أبد كل شيء على ما يليق به كما لو قيل لا تقبل شهادة الكافر أبدا فإن المراد ما دام كافرا، وبالغ الشعبي فقال: إن تاب القاذف قبل إقامة الحد سقط عنه. وذهب الحنفية إلى أن الاستثناء يتعلق بالفسق خاصة فإذا

(5/255)


9 - باب: لاَ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ
2650- حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا أبو حيان التيمي عن الشعبي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: "سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله ثم بدا له فوهبها لي فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا قال ألك ولد سواه؟ قال نعم. قال فأراه قال: لا تشهدني على جور" وقال أبو حريز عن الشعبي: "لا أشهد على جور"
2651- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ

(5/258)


عِمْرَانُ: لاَ أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ وَيَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ وَيَنْذِرُونَ وَلاَ يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ"
[الحديث 2651- أطرافه في: 3650 ، 6428 ، 6695]
2652- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ"
[الحديث 2652- أطرافه في: 3651 ، 6429 ، 6658]
قوله: "باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد" ذكر فيه حديث النعمان بن بشير في قصة هبة أبيه له، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشهدني على جور" وقد مضى الكلام عليه مستوفى في الهبة، وقد أخرجه البيهقي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري هنا بلفظ: "فقال لا أشهد على جور" وقوله في الترجمة: "إذا أشهد" يؤخذ منه أنه لا يشهد على جور إذا لم يستشهد بطريق الأولى، وقوله: "وقال أبو حريز" بفتح المهملة وكسر الراء وآخره زاي "عن الشعبي لا أشهد على جور" أي في روايته عن الشعبي عن النعمان في هذا الحديث، وقد تقدم في الهبة الإشارة إلى من وصله، وإلى التوفيق بين ما في رواية أبي حريز وغيره عن الشعبي. ثم ذكر المصنف حديث: "خير الناس قرني" من رواية عبد الله بن مسعود ومن رواية عمران بن حصين وفي كل منهما زيادة على ما في الآخر، وورد الحديث عن آخرين من الصحابة سأذكر ما في رواياتهم من الفوائد والزوائد مشروحة في أول كتاب فضائل الصحابة إن شاء الله تعالى، والغرض هنا ما يتعلق بالشهادات. قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم" هو موصول بالإسناد المذكور، فهو بقية حديث عمران وسيأتي في الفضائل ما يوضح ذلك. قوله: "إن بعدكم قوما" كذا للأكثر. وفي رواية النسفي وابن شبويه " إن بعدكم قوم" قال الكرماني لعله كتب بغير ألف على اللغة الربيعية، أو حذف منه ضمير الشأن. قوله: "يخونون" كذا في جميع الروايات التي اتصلت لنا بالخاء المعجمة والواو مشتق من الخيانة، وزعم ابن حزم أنه وقع في نسخة يحربون بسكون المهملة وكسر الراء بعدها موحدة؛ قال فإن كان محفوظا فهو من قولهم حربه يحربه إذا أخذ ماله وتركه بلا شيء، ورجل محروب أي مسلوب المال. "تنبيه": قال النووي وقع في أكثر نسخ مسلم: "ولا يتمنون" بتشديد المثناة، قال غيره هو نطير قوله: "ثم يتزر" موضع قوله: "يأتزر" وادعى أنه شاذ، ولكن قد قرأ ابن محيصن {فليؤد الذي اتمن أمانته} ووجهه ابن مالك بأنه شبه بما فاؤه واو أو تحتانية قال: وهو مقصور على السماع. قوله: "ولا يؤتمنون" أي لا يثق الناس بهم ولا يعتقدونهم أمناء بأن تكون خيانتهم ظاهرة بحيث لا يبقى للناس اعتماد عليهم. قوله: "ويشهدون ولا يستشهدون" يحتمل أن يكون المراد التحمل بدون التحميل أو الأداء بدون طلب، والثاني أقرب، ويعارضه ما رواه مسلم من حديث زيد بن خالد مرفوعا: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها" واختلف العلماء في ترجيحهما، فجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة فقدمه على رواية أهل العراق وبالغ فزعم أن حديث عمران هذا لا أصل له. وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد.

(5/259)


وذهب آخرون إلى الجمع بينهما فأجابوا بأجوبة: أحدها أن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان يحق لا يعلم بها صاحبها فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك، وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما. ثانيها أن المراد به شهادة الحسبة، وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضا، ويدخل في الحسبة مما يتعلق بحق الله أو فيه شائبة منه العتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك، وحاصله أن المراد بحديث ابن مسعود الشهادة في حقوق الآدميين، والمراد بحديث زيد بن خالد الشهادة في حقوق الله. ثالثها أنه محمول على المبالغة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدة استعداده لها كالذي أداها قبل أن يسألها، كما يقال في وصف الجواد: إنه ليعطي قبل الطلب، أي يعطي سريعا عقب السؤال من غير توقف. وهذه الأجوبة مبنية على أن الأصل في أداء الشهادة عند الحاكم أن لا يكون إلا بعد الطلب من صاحب الحق، فيخص ذم من يشهد قبل أن يستشهد بمن ذكر ممن يخبر بشهادة عنده لا يعلم صاحبها بها أو شهادة الحسبة. وذهب بعضهم إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم حديث زيد بن خالد، وتأولوا حديث عمران بتأويلات: أحدها أنه محمول على شهادة الزور، أي يؤدون شهادة لم يسبق لهم تحملها، وهذا حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم. ثانيها المراد بها الشهادة في الحلف، يدل عليه قول إبراهيم في آخر حديث ابن مسعود "كانوا يضربوننا على الشهادة" أي قول الرجل أشهد بالله ما كان إلا كذا على معنى الحلف، فكره ذلك كما كره الإكثار من الحلف، واليمين قد تسمى شهادة كما قال تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} وهذا جواب الطحاوي. ثالثها المراد بها الشهادة على المغيب من أمر الناس، فيشهد على قوم أنهم في النار وعلى قوم أنهم في الجنة بغير ذلك، كما صنع ذلك أهل الأهواء، حكاه الخطابي. رابعها المراد به من ينتصب شاهدا وليس من أهل الشهادة. خامسها المراد به التسارع إلى الشهادة وصاحبها بها عالم من قبل أن يسأله. والله أعلم. وقوله: "يشهدون ولا يستشهدون" استدل به على أن من سمع رجلا يقول: لفلان عندي كذا فلا يسوغ له أن يشهد عليه بذلك إلا إن استشهده، وهذا بخلاف من رأى رجلا يقتل رجلا أو يغصبه ماله فإنه يجوز له أن يشهد بذلك وإن لم يستشهده الجاني. قوله: "وينذرون" بفتح أوله وبكسر الذال المعجمة وبضمها "ولا يفون" يأتي الكلام عليه في كتاب النذور. وقوله: "ويظهر فيهم السمن" بكسر المهملة وفتح الميم بعدها نون أي يحبون التوسع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السمن بالتشديد. قال ابن التين: المراد ذم محبته وتعاطيه لا من تخلق بذلك، وقيل: المراد يظهر فيهم كثرة المال، وقيل المراد أنه يتسمنون أي يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف، ويحتمل أن يكون جميع ذلك مرادا. وقد رواه الترمذي من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين بلفظ: "ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن" وهو ظاهر في تعاطي السمن على حقيقته. فهو أولى ما حمل عليه خبر الباب، وإنما كان مذموما لأن السمين غالبا بليد الفهم ثقيل عن العبادة كما هو مشهور. قوله: "عن منصور" هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو النخعي، وعبيدة بفتح أوله هو السلماني، وعبد الله هو ابن مسعود، وهذا الإسناد كله كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق. قوله: "تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" أي في حالين، وليس المراد أن ذلك يقع في حالة واحدة لأنه دور، كالذي يحرص على تزويج شهادة فيحلف على صحتها ليقويها فتارة يحلف قبل أن يشهد وتارة يشهد قبل أن يحلف، ويحتمل أن يقع ذلك في حال واحدة عند من يجيز الحلف في الشهادة فيريد أن يشهد ويحلف. وقال

(5/260)


ابن الجوزي: المراد أنهم لا يتورعون ويستهينون بأمر الشهادة واليمين، وقال ابن بطال: يستدل به على أن الحلف في الشهادة يبطلها، قال وحكى ابن شعبان في الزاهي: من قال أشهد بالله أن لفلان على فلان كذا لم تقبل شهادته، لأنه حلف وليس بشهادة، قال ابن بطال: والمعروف عن مالك خلافه. قوله: "قال إبراهيم إلخ" هو موصول بالإسناد المذكور، ووهم من زعم أنه معلق، وإبراهيم هو النخعي. قوله: "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد" زاد المصنف بهذا الإسناد في أول الفضائل "ونحن صغار" وكذلك أخرجه مسلم بلفظ: "كانوا ينهون ونحن غلمان عن العهد والشهادات" وسيأتي في كتاب الأيمان والنذور نحوه "وكان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان عن الشهادة" وقال أبو عمر بن عبد البر: معناه عندهم النهي عن مبادرة الرجل بقوله أشهد بالله وعلي عهد الله لقد كان كذا ونحو ذلك. وإنما كانوا يضربونهم على ذلك حتى لا يصير لهم به عادة فيحلفوا في كل ما يصلح وما لا يصلح. قلت: ويحتمل أن يكون الأمر في الشهادة على ما قال، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن تعاطي الشهادات والتصدي لها لما في تحملها من الحرج، ولا سيما عند أدائها، لأن الإنسان معرض للنسيان والسهو، ولا سيما وهم إذ ذاك غالبا لا يكتبون، ويحتمل أن يكون المراد بالنهي عن العهد الدخول في الوصية لما يترتب على ذلك من المفاسد، والوصية تسمى العهد، قال الله تعالى: {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} وسيأتي مزيد بيان لهذا في كتاب الأيمان وا لنذور إن شاء الله تعالى.

(5/261)


10 - باب: مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ،
لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ
2653- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكَبَائِرِ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ" . تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ وَبَهْزٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ
[الحديث 2653- طرفاه في: 5977 ، 6871]
2654- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ "ثَلاَثًا"؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ -: أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ. قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ" . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ
[الحديث 2654- أطرافه في: 5976 ، 6273 ، 6274 ، 6919]
قوله: "باب ما قيل في شهادة الزور" أي هن التغليظ والوعيد، قوله: "لقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أشار إلى أن الآية سيقت في ذم متعاطي شهادة الزور، وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها، وقيل المراد بالزور هنا الشرك وقيل الغناء، وقيل غير ذلك. قال الطبري: أصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل لمن سمعه أنه بخلاف ما هو به، قال: وأولى الأقوال عندنا أن المراد به مدح من لا يشهد شيئا من

(5/261)


الباطل، والله أعلم. قوله: "وكتمان الشهادة" هو معطوف على شهادة الزور، أي وما قيل في كتمان الشهادة بالحق من الوعيد. قوله: "لقوله تعالى:{وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ - إلى قوله: - عَلِيمٌ} والمراد منها قوله: {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} . قوله: "تلووا ألسنتكم بالشهادة" هو تفسير ابن عباس أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله: {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا} أي تلووا ألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها، ومن طريق العوفي عن ابن عباس في هذه الآية قال: تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجة فلا تقيم الشهادة على وجهها، والإعراض عنها الترك. وعن مجاهد من طرق حاصلها أنه فسر اللي بالتحريف، والإعراض بالترك، وكأن المصنف أشار بنظم كتمان الشهادة مع شهادة الزور إلى هذا الأثر وإلى أن تحريم شهادة الزور لكونها سببا لإبطال الحق فكتمان الشهادة أيضا سبب لإبطال الحق، وإلى الحديث الذي أخرجه أحمد وابن ماجة من حديث ابن مسعود مرفوعا: "إن بين يدي الساعة - فذكر أشياء ثم قال - وظهور شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق" . ثم ذكر المصنف حديثين أحدهما قوله: "عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس" في رواية محمد بن جعفر الآتية في الأدب عن محمد بن جعفر عن سعيد "حدثني عبيد الله بن أبي بكر سمعت أنس بن مالك". قوله: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكبائر" زاد بهز عن شعبة عند أحمد "أو ذكرها" وفي رواية محمد بن جعفر "ذكر الكبائر أو سئل عنها" وكأن المراد بالكبائر أكبرها كما في حديث أبي بكرة الذي يليه، وكذا وقع في بعض الطرق عن شعبة كما سأبينه، وليس القصد حصر الكبائر فيما ذكر، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في تعريفها والإشارة إلى تعيينها في الكلام على حديث أبي هريرة "اجتنبوا السبع الموبقات" وهو في آخر كتاب الوصايا. قوله: "وشهادة الزور" في رواية محمد بن جعفر "قول الزور أو قال شهادة الزور" قال شعبة: "وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور". قوله: "تابعه غندر" هو محمد بن جعفر المذكور. قوله: "وأبو عامر وبهز وعبد الصمد" أما رواية أبي عامر وهو العقدي فوصلها أبو سعيد النقاش في كتاب الشهود، وابن منده في كتاب الإيمان من طريقه عن شعبة بلفظ: "أكبر الكبائر الإشراك بالله" الحديث، وكذلك أخرجه المصنف في الديات عن عمرو بن عوف عن شعبة بلفظ: "أكبر الكبائر". وأما رواية بهز وهو ابن أسد المذكور فأخرجها أحمد عنه. أما رواية عبد الصمد وهو ابن عبد الوارث فوصلها المؤلف في الديات. قوله: "حدثنا الجريري" بضم الجيم وهو سعيد بن إياس، وسماه في رواية خالد الحذاء عنه في أوائل الأدب، وقد أخرج البخاري للعباس بن فروخ الجريري لكنه إذا أخرجه عنه سماه. قوله: "عن عبد الرحمن بن أبي بكرة" في رواية إسماعيل بن علية عن الجريري "حدثنا عبد الرحمن" وقد علقها المصنف آخر الباب. قوله: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" هذا يقوي - إن كان المجلس متحدا - أحد الوجهين مما شك فيه شعبة، هل قال: ذلك ابتداء، أو لما سئل؟ وقد نظم كل من العقوق وشهادة الزور بالشرك في آيتين: إحداهما قوله تعالى : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} ، ثانيهما قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} . قوله: "ثلاثا" أي قال لهم ذلك ثلاث مرات، وكرره تأكيدا لينتبه السامع على إحضار فهمه، ووهم من قال: المراد بذلك عدد الكبائر، وقد ترجم البخاري في العلم "من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه" وذكر فيه طرفا من هذا الحديث تعليقا. قوله: "الإشراك بالله" يحتمل مطلق الكفر ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، ولا سيما في بلاد العرب، فذكره تنبيها على غيره. ويحتمل أن يراد به

(5/262)


خصوصيته، إلا أنه يرد عليه أن بعض الكفر أعظم قبحا من الإشراك وهو التعطيل، لأنه نفي مطلق والإشراك إثبات مقيد فيترجح الاحتمال الأول. قوله: "وعقوق الوالدين" يأتي الكلام عليه في الأدب مع الكلام على الكبائر وضابطها وبيان ما قيل في عددها إن شاء الله تعالى. قوله: "وجلس وكان متكئا" يشعر بأنه اهتم بذلك حتى جلس بعد أن كان متكئا، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظم قبحه، وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعا على الناس والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعا، بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد، بخلاف الشرك فإن مفسدته قاصرة غالبا. قوله: "ألا وقول الزور" في رواية خالد عن الجريري "ألا وقول الزور وشهادة الزور" وفي رواية ابن عليه "شهادة الزور أو قول الزور" وكذا وقع في العمدة بالواو، قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، لكن ينبغي أن يحمل على التأكيد، فإنا لو حملنا القول على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقا كبيرة، وليس كذلك. قال: ولا شك أن عظم الكذب ومراتبه متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} . قوله: "فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" أي شفقة عليه، وكراهية لما يزعجه. وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه صلى الله عليه وسلم والمحبة له والشفقة عليه. قوله: "وقال إسماعيل بن إبراهيم" أي ابن علية، وروايته موصولة في كتاب استتابة المرتدين، وفي الحديث انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويؤخذ منه ثبوت الصغائر لأن الكبيرة بالنسبة إليها أكبر منها؛ والاختلاف في ثبوت الصغائر مشهور، وأكثر ما تمسك به من قال ليس في الذنوب صغيرة كونه نظر إلى عظم المخالفة لأمر الله ونهيه، فالمخالفة بالنسبة إلى جلال الله كبيرة، لكن لمن أثبت الصغائر أن يقول وهي بالنسبة لما فوقها صغيرة كما دل عليه حديث الباب، وقد فهم الفرق بين الصغيرة والكبيرة من مدارك الشرع، وسبق في أوائل الصلاة ما يكفر الخطايا ما لم تكن كبائر، فثبت به أن من الذنوب ما يكفر بالطاعات، ومنها ما لا يكفر، وذلك هو عين المدعي، ولهذا قال الغزالي: إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقيه. ثم إن مراتب كل من الصغائر والكبائر مختلف بحسب تفاوت مفاسدها. وفي الحديث تحريم شهادة الزور: وفي معناها كل ما كان زورا من تعاطي المرء ما ليس له أهلا.

(5/263)


باب شهدة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحة ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره
...
11 - باب: شَهَادَةِ الأَعْمَى وَأَمْرِهِ وَنِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِه.ِ
وَمَا يُعْرَفُ بِالأَصْوَاتِ. وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا. وَقَالَ الْحَكَمُ: رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ؟ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلًا، إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ أَفْطَرَ. وَيَسْأَلُ عَنْ الْفَجْرِ فَإِذَا قِيلَ لَهُ طَلَعَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي، قَالَتْ: سُلَيْمَانُ؟ ادْخُلْ فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ. وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ

(5/263)


2655- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا" وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ "تَهَجَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا"
[الحديث 2655- أطرافه في: 5037 ، 5038 ، 5043 ، 6335]
2656- حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ - أَوْ قَالَ: حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ - ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ: أَصْبَحْتَ
2657- حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَةٌ فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ فَتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ وَهُوَ يَقُولُ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ خَبَأْتُ هَذَا لَك"
قوله: "باب شهادة الأعمى ونكاحه وأمره وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره وما يعرف بالأصوات" مال المصنف إلى إجازة شهادة الأعمى، فأشار إلى الاستدلال لذلك بما ذكر من جواز نكاحه ومبايعته وقبول تأذينه، وهو قول مالك والليث، سواء علم ذلك قبل العمى أو بعده. وفصل الجمهور فأجازوا ما تحمله قبل العمى لا بعده، وكذا ما يتنزل فيه منزلة المبصر، كأن يشهد شخص بشيء ويتعلق هو به إلى أن يشهد به عليه، وعن الحكم يجوز في الشيء اليسير دون الكثير، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجوز شهادته بحال إلا فيما طريقه الاستفاضة، وليس في جميع ما استدل به المصنف دفع للمذهب المفصل إذ لا مانع من حمل المطلق على المقيد. قوله: "وأجاز شهادته القاسم والحسن وابن سيرين والزهري وعطاء"، أما القاسم فأظنه أراد ابن محمد بن أبي بكر أحد الفقهاء السبعة، وقد روى سعيد بن منصور عن هشيم عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري قال: "سمعت الحكم بن عتيبة - هو بالمثناة والموحدة مصغر - يسأل القاسم بن محمد عن شهادة الأعمى فقال: جائزة". وأما قول الحسن وابن سيرين فوصله ابن أبي شيبة من طريق أشعث عنهما قالا: "شهادة الأعمى جائزة". وأما قول الزهري فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي ذئب عنه "أنه كان يجيز شهادة الأعمى". وأما قول عطاء وهو ابن أبي رباح فوصله الأثرم من طريق ابن جريج عنه قال: "تجوز شهادة الأعمى". قوله: "وقال الشعبي تجوز شهادته إذا كان عاقلا" وصله ابن أبي شيبة عنه بمعناه، وليس مراده بقوله: "عاقلا" الاحتراز من الجنون لأن ذاك أمر لا بد

(5/264)


من الاحتراز منه سواء كان أعمى أو بصيرا، وإنما مراده أن يكون فطنا مدركا للأمور الدقيقة بالقرائن، ولا شك في تفاوت الأشخاص في ذلك. قوله: "وقال الحكم: رب شيء تجوز فيه" وصله ابن أبي شيبة عنه بهذا، وكأنه توسط بين مذهبي الجواز والمنع. قوله: "وقال الزهري: أرأيت ابن عباس لو شهد على شهادة أكنت ترده" ؟ وصله الكرابيسي في "أدب القضاء" من طريق ابن أبي ذئب عنه. قوله: "وكأن ابن عباس يبعث رجلا إلخ" وصله عبد الرزاق بمعناه من طريق أبي رجاء عنه، ووجه تعلقه به كونه كان يعتمد على خبر غيره مع أنه لا يرى شخصه وإنما سمع صوته. قال ابن المنير: لعل البخاري يشير بحديث ابن عباس إلى جواز شهادة الأعمى على التعريف، أي إذا عرف أن هذا فلان، فإذا عرف شهد، قال وشهادة التعريف مختلف فيها عند مالك وغيره، وقد جاء عن ابن عباس أنه كان لا يكتفي برؤية الشمس لأنها تواريها الجبال والسحاب، ويكتفي بغلبة الظلمة على الأفق الذي من جهة المشرق، وأخرجه سعيد بن منصور عنه. قوله: "وقال سليمان بن يسار: استأذنت على عائشة فعرفت صوتي فقالت: سليمان ادخل إلخ" تقدم الكلام عليه في آخر العتق، وفيه دليل على أن عائشة كانت ترى ترك الاحتجاب من العبد سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها لأنه كان مكاتب ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأما من قال يحتمل أنه كان مكاتبا لعائشة فمعارضة للصحيح من الأخبار بمحض الاحتمال وهو مردود، وأبعد من قال يحمل قوله على عائشة بمعنى من عائشة أي استأذنت عائشة في الدخول على ميمونة. قوله: "وأجاز سمرة بن جندب شهادة امرأة متنقبة" كذا قي رواية أبي ذر بالتشديد، ولغيره بسكون النون وتقديمها على المثناة. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: حديث عائشة "سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد" والغرض منه اعتماد النبي صلى الله عليه وسلم على صوته من غير أن يرى شخص. قوله: "وزاد عباد بن عبد الله" أي ابن الزبير عن أبيه عن عائشة، وصله أبو يعلى من طريق محمد بن إسحاق عن يحيي بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة "تهجد النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي، وتهجد عباد بن بشر في المسجد، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فقال: يا عائشة هذا عباد بن بشر، قلت: نعم، فقال: اللهم ارحم عبادا" . قوله: "فسمع صوت عباد" وقوله: "أصوت عباد" هذا في رواية أبي يعلي المذكور عباد بن بشر في الموضعين كما سقته، وبهذا يزول اللبس عمن يظن اتحاد المسموع صوته والراوي عن عائشة، وهما اثنان مختلفا النسبة والصفة، فعباد بن بشر صحابي جليل وعباد بن عبد الله بن الزبير تابعي من وسط التابعين، وظاهر الحال أن المبهم في الرواية التي قبل هذه هو المفسر في هذه الرواية لأن مقتضى قوله: "زاد"أن يكون المزيد فيه والمزيد عليه حديثا واحدا فتتحد القصة، لكن جزم عبد الغني بن سعيد في "المبهمات" بأن المبهم في رواية هشام عن أبيه عن عائشة هو عبد الله بن يزيد الأنصاري، فروى من طريق عمرة عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوت قارئ يقرأ فقال: صوت من هذا؟ قالوا. عبد الله بن يزيد، قال: لقد ذكرني آية يرحمه الله كنت أنسيتها" ويؤيد ما ذهب إليه مشابهة قصة عمرة عن عائشة بقصة عروة عنها، بخلاف قصة عباد بن عبد الله عنها فليس فيه تعرض لنسيان الآية، ويحتمل التعدد من جهة غير الجهة التي اتحدت، وهو أن يقال سمع صوت رجلين فعرف أحدهما فقال: هذا صوت عباد ولم يعرفه الآخر فسأل عنه، والذي لم يعرفه هو الذي تذكر بقراءته الآية التي نسيها، وسيأتي بقية الكلام على شرحه في كتاب فضائل القرآن إن شاء الله تعالى. ثانيها حديث ابن عمر في تأذين بلال وابن أم مكتوم، وقد مضى بتمامه وشرحه في الأذان، والغرض منه ما تقدم من الاعتماد على صوت الأعمى. ثالثها حديث المسور في إعطاء

(5/265)


النبي صلى الله عليه وسلم له القباء، والغرض منه قوله فيه: "فعرف النبي صلى الله عليه وسلم صوته فخرج ومنه قباء وهو يريه محاسنه ويقول: خبأت لك هذا" فإن فيه أنه اعتمد على صوته قبل أن يرى شخصه، وسيأتي شرحه في اللباس إن شاء الله تعالى. واحتج من لم يجز شهادة الأعمى بأن العقود لا تجوز الشهادة عليها إلا باليقين، والأعمى لا يتيقن الصوت لجواز شبهه بصوت غيره، وأجاب المجيزون بأن محل القبول عندهم إذا تحقق الصوت ووجدت القرائن الدالة لذلك، وأما عمد الاشتباه فلا يقول به أحد، ومن ذلك جواز نكاح الأعمى زوجته وهو لا يعرفها إلا بصوتها، لكنه يتكرر عليه سماع صوتها حتى يقع له العلم بأنها هي، وإلا فمتى احتمل عنده احتمالا قويا أنها غيرها لم يجز له الإقدام عليها. وقال الإسماعيلي: ليس في أحاديث الباب دلالة على الجواز مطلقا، لأن نكاح الأعمى يتعلق بنفسه لأنه في زوجته وأمته وليس لغيره فيه مدخل. وأما قصة عباد ومخرمة ففي شيء يتعلق بهما لا يتعلق بغيرهما. وأما التأذين فقد قال في بقية الحديث: "كان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت" فالاعتماد على الجمع الذين يخبرونه بالوقت، قال: وأما ما ذكره الزهري في حق ابن عباس فهو تهويل لا تقوم به حجة، لأن ابن عباس كان أفقه من أن يشهد فيما لا تجوز فيها شهادته، فإنه لو شهد لأبيه أو ابنه أو مملوكه لما قبلت شهادته، وقد أعاذه الله من ذلك.

(5/266)


باب شهادة النساء وقوله تعالى (فإن لم يكنا رجلين ... الأية)
...
12 - باب: شَهَادَةِ النِّسَاءِ،
وَقَوْلِهِ تَعَالَى [282 البقرة]: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ}
2658- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي زَيْدٌ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا"
قوله: "باب شهادة النساء، وقول الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} " قال ابن المنذر أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية، فأجازوا شهادة النساء مع الرجال، وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال وقالوا لا تجوز شهادتهن في الحدود والقصاص، واختلفوا في النكاح والطلاق والنسب والولاء، فمنعها الجمهور وأجازها الكوفيون، قال: واتفقوا على قبول شهادتهن مفردات فيما لا يطلع عليه الرجال كالحيض والولادة والاستهلال وعيوب النساء، واختلفوا في الرضاع كما سيأتي في الباب الذي بعده. وقال أبو عبيد: أما اتفاقهم على جواز شهادتهن في الأموال فللآية المذكورة، وأما اتفاقهم على منعها في الحدود والقصاص فلقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} وأما اختلافهم في النكاح ونحوه فمن ألحقها بالأموال فذلك لما فيها من المهور والنفقات ونحو ذلك، ومن ألحقها بالحدود فلأنها تكون استحلالا للفروج وتحريمها بها، قال: وهذا هو المختار، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ثم سماها حدودا فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} والنساء لا يقبلن في الحدود، قال: وكيف يشهدن فيما ليس لهن فيه تصرف من عقد ولا حل انتهى، وهذا التفصيل لا ينافي الترجمة لأنها معقودة لإثبات شهادتهن في الجملة، وقد اختلفوا فيما لا يطلع عليه الرجال هل يكفي فيه قول المرأة وحدها أم لا؟ فعند الجمهور لا بد من أربع، وعن مالك وابن أبي ليلى يكفي شهادة اثنتين، وعن الشعبي والثوري تجوز شهادتها وحدها في ذلك وهو قول الحنفية. ثم ذكر المصنف حديث أبي سعيد مختصرا وقد مضى بتمامه في الحيض، والغرض منه قوله صلى الله عليه وسلم: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل" ؟ قال المهلب: ويستنبط منه التفاضل بين الشهود بقدر عقلهم وضبطهم، فتقدم

(5/266)


شهادة الفطن اليقظ على الصالح البليد، قال: وفي الآية أن الشاهد إذا نسي الشهادة فذكره بها رفيقه حتى تذكرها أنه يجوز أن يشهد بها. ومن اللطائف ما حكاه الشافعي عن أمه أنها شهدت عند قاضي مكة هي وامرأة أخرى، فأراد أن يفرق بينهما امتحانا فقالت له أم الشافعي: ليس لك ذلك، لأن الله تعالى يقول: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} .

(5/267)


باب شهادة الإيماء والعبيد
...
12 - باب: شَهَادَةِ الإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ
وَقَالَ أَنَسٌ: شَهَادَةُ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَدْلًا وَأَجَازَهُ شُرَيْحٌ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ إِلاَّ الْعَبْدَ لِسَيِّدِهِ وَأَجَازَهُ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ
وَقَالَ شُرَيْحٌ كُلُّكُمْ بَنُو عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ
2659- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ح وحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ "أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ قَالَ فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْرَضَ عَنِّي قَالَ فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ قَالَ وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا فَنَهَاهُ عَنْهَا"
قوله: "باب شهادة الإماء والعبيد" أي في حال الرق، وقد ذهب الجمهور إلى أنها لا تقبل مطلقا. وقالت طائفة: تقبل مطلقا، وقد نقل المصنف بعض ذلك وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور، وقيل تقبل في الشيء اليسير وهو قول الشعبي وشريح والنخعي والحسن. قوله: "وقال أنس: شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا" وصله ابن أبي شيبة من رواية المختار بن فلفل قال: "سألت أنسا عن شهادة العبيد فقال جائزة". قوله: "وأجازه شريح وزرارة بن أبي أوفى" أما شريح فوصله ابن أبي شيبة من رواية عامر وهو الشعبي "أن شريحا أجاز شهادة العبيد" وروى سعيد بن منصور من رواية عمار الدهني قال: "سمعت شريحا أجاز شهادة عبد في الشيء اليسير" ورويناه في "جامع سفيان بن عيينة" عن هشام عن ابن سيرين "كان شريح يجيز شهادة العبد في الشيء اليسير إذا كان مرضيا" وروى ابن أبي شيبة أيضا من طريق أشعث عن الشعبي "كان شريح لا يجيز شهادة العبد، فقال علي: لكننا نجيزها فكان شريح بعد ذلك يجيزها إلا لسيده" وأما قول زرارة بن أبي أوفى وهو قاضي البصرة فلم أقف على سنده إليه. قوله: "وقال ابن سيرين شهادته" أي العبد "جائزة، إلا العبد لسيده" وصله عبد الله بن أحمد بن حنبل في "المسائل" من طريق يحيى بن عتيق عنه بمعناه. قوله: "وأجازه الحسن وإبراهيم في الشيء التافه" وصله ابن أبي شيبة من رواية منصور عن إبراهيم قال: "كانوا يجيزونها في الشيء الخفيف" ومن طريق أشعث الحمراني عن الحسن نحوه. قوله: "وقال شريح: كلكم بنو عبيد وإماء" كذا للأكثر، ولابن السكن "كلكم عبيد وإماء" وصله ابن أبي شيبة من طريق عمار الدهني "سمعت شريحا شهد عنده عبد فأجاز شهادته، فقيل له أنه عبد، فقال: كلنا عبيد وأمنا حواء" وأخرجه سعيد بن منصور

(5/267)


من هذا الوجه نحوه بلفظ: "فقيل له إنه عبد، فقال: كلكم بنو عبيد وبنو إماء" ثم أورد المصنف حديث عقبة بن الحارث في قصة الأمة السوداء المرضعة، وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده، ووجه الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم أمر عقبة بفراق امرأته بقول الأمة المذكورة، فلو لم تكن شهادتها مقبولة ما عمل بها، واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} قالوا فإن كان الذي في الرق رضا فهو داخل في ذلك، وأجيب عن الآية بأنه تعالى قال في آخرها: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} والإباء إنما يتأتى من الأحرار لاشتغال الرقيق بحق السيد، وفي الاستدلال بهذا القدر نظر، وأجاب الإسماعيلي عن حديث الباب فقال: قد جاء في بعض طرقه: "فجاءت مولاة لأهل مكة" قال: وهذا اللفظ يطلق على الحرة التي عليها الولاء فلا دلالة فيه على أنها كانت رقيقة، وتعقب بأن رواية حديث الباب فيه التصريح بأنها أمة فتعين أنها ليست بحرة، وقد قال ابن دقيق العيد: إن أخذنا بظاهر حديث الباب فلا بد من القول بشهادة الأمة، وقد سبق إلى الجزم بأنها كانت أمة أحمد بن حنبل رواه عنه جماعة كأبي طالب ومهنا وحرب وغيرهم، وقد تقدم في العلم تسمية أم يحيى بنت أبي إهاب وإنها غنية بفتح المعجمة وكسر النون بعدها تحتانية مثقلة، ثم وجدت في النسائي أن اسمها زينب فلعل غنية لقبها، أو كان اسمها فغير بزينب كما غير اسم غيرها، والأمة المذكورة لم أقف على اسمها. قوله: "فأعرض عني" زاد في البيوع من طريق عبد الله بن أبي حسين عن ابن أبي مليكة "وتبسم النبي صلى الله عليه وسلم". قوله فيه "فتنحيت فذكرت ذلك له" في رواية النكاح "فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه فقلت: إنها كاذبة" وفي رواية الدار قطني "ثم سألته فأعرض عني وقال في الثالثة أو الرابعة".

(5/268)


14 - باب: شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ
2660- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ دَعْهَا عَنْكَ أَوْ نَحْوَهُ"
قوله: "باب شهادة المرضعة" ذكر فيه حديث عقبة بن الحارث في قصة المرأة التي أخبرته أنها أرضعته وأرضعت امرأته، أخرجه في الباب الذي قبله، وفي هذا الباب عن أبي عاصم، لكن هنا عن عمر بن سعيد وفي الذي قبله عن ابن جريج كلاهما عن ابن أبي مليكة وكأن لأبي عاصم فيه شيخين، فقد وجدت له فيه ثالثا ورابعا أخرجه الدار قطني من طريق محمد بن يحيي عن أبي عاصم عن أبي عامر الخراز ومحمد بن سليم كلاهما عن ابن أبي مليكة أيضا، واحتج به من قبل شهادة المرضعة وحدها، قال علي بن سعد: سمعت أحمد يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع قال: تجوز على حديث عقبة بن الحارث وهو قول الأوزاعي. ونقل عن عثمان وابن عباس والزهري والحسن وإسحاق، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال: "فرق عثمان بين ناس تناكحوا بقول امرأة سوداء أنها أرضعتهم" قال ابن شهاب: الناس يأخذون بذلك من قول عثمان اليوم، واختاره أبو عبيد إلا أنه قال: إن شهدت المرضعة وحدها وجب على الزوج مفارقة المرأة ولا يجب عليه الحكم بذلك وإن شهدت معها أخرى وجب الحكم به. واحتج أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يلزم عقبة بفراق امرأته بل قال له "دعها عنك" وفي رواية ابن جريج "كيف وقد زعمت" فأشار

(5/268)


إلى أن ذلك على التنزيه، وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفي في ذلك شهادة المرضعة لأنها شهادة على فعل نفسها، وقد أخرج أبو عبيد من طريق عمر والمغيرة بن شعبة وعلي بن أبي طالب وابن عباس أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك فقال عمر: فرق بينهما إن جاءت بينة، وإلا فخل بين الرجل وامرأته إلا أن يتنزها، ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين الزوجين إلا فعلت. وقال الشعبي: تقبل مع ثلاث نسوة شرط أن لا تتعرض نسوة لطلب أجرة، وقيل لا تقبل مطلقا، وقيل تقبل في ثبوت المحرمية دون ثبوت الأجرة لها على ذلك، قال مالك تقبل مع أخرى. وعن أبي حنيفة لا تقبل في الرضاع شهادة النساء المتمحضات، وعكسه الإصطخري من الشافعية، وأجاب من لم يقبل شهادة المرضعة وحدها بحمل النهي في قوله: "فنهاه عنها" على التنزيه ويحمل الأمر في قوله: "دعها عنك" على الإرشاد. وفي الحديث جواز إعراض المفتي ليتنبه المستفتي على أن الحكم فيما سأله الكف عنه، وجواز تكرار السؤال لمن لم يفهم المراد والسؤال عن السبب المقتضي لرفع النكاح، وقوله في الإسناد الذي قبله "حدثني عقبة بن الحارث أو سمعته منه" فيه رد على من زعم أن ابن أبي مليكة لم يسمع من عقبة بن الحارث وقد حكاه ابن عبد البر، ولعل قائل ذلك أخذه من الرواية الآتية في النكاح من طريق ابن علية عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث، قال ابن أبي مليكة: "وقد سمعته من عقبة ولكني لحديث عبيد أحفظ" وأخرجه أبو داود من طريق حماد عن أيوب ولفظه: "عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال: وحدثنيه صاحب لي عنه وأنا لحديث صاحبي أحفظ" ولم يسمه، وفيه إشارة إلى التفرقة في صيغ الأداء بين الإفراد والجمع، أو بين القصد إلى التحديث وعدمه، فيقول الراوي فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ أو قصد الشيخ تحديثه بذلك "حدثني" بالإفراد وفيما عدا ذلك "حدثنا" بالجمع أو "سمعت فلانا يقول"ووقع عند الدار قطني من هذا الوجه "حدثني عقبة بن الحارث" ثم قال: "لم يحدثني ولكني سمعته يحدث" وهذا يعين أحد الاحتمالين، وقد اعتمد ذلك النسائي فيما يرويه عن الحارث بن مسكين فيقول: "الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا اسمع" ولا يقول حدثني ولا أخبرني لأنه لم يقصده بالتحديث وإنما كان يسمعه من غير أن يشعر به. قوله فيه "إني قد أرضعتكما" زاد الدار قطني من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة "فدخلت علينا امرأة سوداء فسألت فأبطأنا عليها فقالت: تصدقوا علي، فوالله لقد أرضعتكما جميعا" زاد البخاري في العلم من طريق عمر بن سعيد عن ابن أبي حسين عن ابن أبي مليكة "فقال لها عقبة ما أرضعتني ولا أخبرتني - أي بذلك - قبل التزوج" زاد في "باب إذا شهد بشيء فقال آخر ما علمت ذلك" وفي العلم "فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله" وترجم عليه "الرحلة في المسألة النازلة" وزاد في النكاح "فقالت لي قد أرضعتكما وهي كاذبة". قوله: "دعها عنك أو نحوه" في رواية النكاح "دعها عنك" حسب، زاد الدار قطني في رواية أيوب في آخره: "لا خير لك فيها"، وفي الباب الذي قبله "فنهاه عنها، زاد في الباب المشار إليه من الشهادات "ففارقها ونكحت زوجا غيره".

(5/269)


15 - باب: تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا
2661- حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ - وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ - حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ

(5/269)


اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدْ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لاَ أَرَى مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ لاَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَقَهْتُ فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ مُتَبَرَّزُنَا لاَ نَخْرُجُ إِلاَّ لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَوْ فِي التَّنَزُّهِ فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ نَمْشِي فَعَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَتْ يَا هَنْتَاهْ أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي. فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ فَقَالَ كَيْفَ تِيكُمْ فَقُلْتُ ائْذَنْ لِي إِلَى أَبَوَيَّ قَالَتْ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا -

(5/270)


فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا قَالَتْ فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أَصْبَحْتُ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْوُدِّ لَهُمْ فَقَالَ أُسَامَةُ أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ نَعْلَمُ وَاللَّهِ إِلاَّ خَيْرًا وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ فَقَالَ يَا بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ فَقَالَتْ بَرِيرَةُ لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ الْعَجِينِ فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ مَعِي فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا وَاللَّهِ أَعْذُرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنْ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لاَ تَقْتُلُهُ وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ وَبَكَيْتُ يَوْمِي لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي قَالَتْ فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي إِذْ اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا وَقَدْ مَكَثَ شَهْرًا لاَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ قَالَتْ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً وَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي

(5/271)


رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لِأُمِّي أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لاَ أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ فَقُلْتُ إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ لاَ تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللَّهُ وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيًا وَلاَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي أَمْرِي وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ مَجْلِسَهُ وَلاَ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لِي يَا عَائِشَةُ احْمَدِي اللَّهَ فَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ فَقَالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لاَ وَاللَّهِ لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ وَلاَ أَحْمَدُ إِلاَّ اللَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى[11 النور] {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} الْآيَاتِ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَاللَّهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى[22 النور]: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا - إلى قوله - غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لاَحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ مَا عَلِمْتِ؟ مَا رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلاَّ خَيْرًا قَالَتْ وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ قَالَ وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ قَالَ وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ
قوله: "باب تعديل النساء بعضهن بعضا" كذا للأكثر، زاد أبو ذر قبله حديث الإفك ثم قال باب إلخ. قوله: "حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود" هو الزهراني العتكي بفتح المهملة والمثناة البصري، نزل بغداد، اتفق البخاري ومسلم على الرواية عنه، ومن جملة ما اتفقا عليه إخراج هذا الحديث عنه، وفي طبقته اثنان كل منهما أيضا أبو الربيع سليمان بن داود أحدهما الختلي بضم المعجمة وتشديد المثناة المفتوحة بغدادي انفرد مسلم بالرواية عنه والرشديني بكسر الراء وسكون المعجمة مصري لم يخرجا له وروي عنه أبو داود والنسائي. قوله: "وأفهمني بعضه أحمد قال: حدثنا

(5/272)


فليح" يحتمل أن يكون أحمد رفيقا لأبي الربيع في الرواية عن فليح وأن يكون البخاري حمله عنهما جميعا على الكيفية المذكورة، ويحتمل أن يكون أحمد رفيقا للبخاري في الرواية عن أبي الربيع وهو الأقرب إذ لو كان المراد الأول لكان يقول: قالا: حدثنا فليح بالتثنية. ولم أر ذلك في شيء من الأصول، ويؤيد الأول أيضا صنيع البرقاني فإنه أخرج الحديث في المصافحة ومقتضاه أن القدر المذكور عند البخاري عن أحمد عن أبي الربيع عن فليح، لكن وقع في أطراف خلف حدثنا أبو ربيع وأفهمني بعضه أحمد بن يونس، فإن كان محفوظا فلعل لفظ: "قالا" سقط من الأصل كما جرت العادة بإسقاطها كثيرا في الأسانيد فأثبت بعضهم بدلها "قال": بالإفراد، وبما قال خلف جزم الدمياطي، وأما جزم المزي بأن الذي ذكره خلف وهم فليس هذا الجزم بواضح، وزعم ابن خلفون أن أحمد هذا هو ابن حنبل بناء على القول الثاني، وجوز غيره أن يكون أحمد بن النضر النيسابوري وبه جزم الذهبي في طبقات القراء، وقد حدث به عن أبي الربيع الزهرائي ممن يسمى أحمد أيضا أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم وأبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى وغيرهما، وقد ذكرت في المقدمة طائفة ممن روى هذا الحديث عن فليح ممن تسمي أحمد، وكذلك من رواه عن أبي الربيع ممن يسمي أحمد أيضا، فالله أعلم. ثم ساق المصنف حديث الإفك بطوله من رواية فليح عن الزهري عن مشايخه، ثم من رواية فليح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعبد الله بن الزبير قال مثله، ومن رواية فليح عن ربيعة ويحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال مثله، وسيأتي شرحه مستوفى في تفسير سورة النور وبيان ما زادت رواية كل واحد من هؤلاء على رواية الزهري وما نقصت عنها. وقد أخرجه الإسماعيلي عن جماعة أخبروه به عن أبي الربيع وزاد في آخره عن فليح "قال وسمعت ناسا من أهل العلم يقولون إن أصحاب الإفك جلدوا الحد". قلت: وسيأتي لذلك إسناد آخر في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى. والغرض منه هنا سؤاله صلى الله عليه وسلم بريرة عن حال عائشة وجوابها ببراءتها واعتماد النبي صلى الله عليه وسلم على قولها حتى خطب فاستعذر من عبد الله بن أبي. وكذلك سؤاله من زينب بنت جحش عن حال عائشة وجوابها ببراءتها أيضا وقول عائشة في حق زينب: هي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع، ففي مجموع ذلك مراد الترجمة. قال ابن بطال: فيه حجة لأبي حنيفة في جواز تعديل النساء وبه قال أبو يوسف ووافق محمد الجمهور، قال الطحاوي: التزكية خبر وليست شهادة فلا مانع من القبول، وفي الترجمة الإشارة إلى قول ثالث وهو أن تقبل تزكيتهن لبعضهن لا للرجال لأن من منع ذلك اعتل بنقصان المرأة عن معرفة وجوه التزكية لا سيما في حق الرجال، وقال ابن بطال: لو قيل إنه تقبل تزكيتهن بقول حسن وثناء جميل يكون إبراء من سوء لكان حسنا كما في قصة الإفك، ولا يلزم منه قبول تزكيتهن في شهادة توجب أخذ مال، والجمهور على جواز قبولهن مع الرجال فيما تجوز شهادتهن فيه. قوله: "فأيتهن خرج سهمها أخرج بها معه" كذا للنسفي ولأبي ذر عن غير الكشميهني. وفي رواية الكشميهني والباقين "خرج" وهو الصواب، ولعل الأول أخرج بضم أوله على البناء للمجهول، قوله: "من جزع أظفار" كذا للأكثر. وفي رواية الكشميهني: "ظفار" وهو أصوب، وسيأتي توضيحه عند شرحه. قوله: "فاستيقظت باسترجاعه حتى أناخ راحلته" كذا للأكثر، وفي رواية الكشميهني والنسفي "حين أناخ راحلته". قوله: "وقد بكيت ليلتي ويوما" في رواية الكشميهني: "ليلتين ويوما" وفي رواية النسفي وأبي الوقت "ليلتي ويومي" وسيأتي بقية ألفاظه عند شرحه إن شاء الله تعالى.

(5/273)


باب إذ زكى رجل رجلا كفاه
...
16 - باب: إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ .
وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي قَالَ عَرِيفِي إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ قَالَ كَذَاكَ اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ
2662- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ مِرَارًا ثُمَّ قَالَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلاَنًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ"
[الحديث 2662- طرفاه في: 6061 ، 6162]
قوله: "باب إذا زكى رجل رجلا كفاه" ترجم في أوائل الشهادات "تعديل كم يجوز" فتوقف هناك، وجزم هنا بالاكتفاء بالواحد، ومد قدمت توجيهه هناك. واختلف السلف في اشتراط العدد في التزكية، فالمرجح عند الشافعية والمالكية - وهو قول محمد بن الحسن - اشتراط اثنين كما في الشهادة، واختاره الطحاوي، واستثنى كثير منهم بطانة الحاكم لأنه نائبه فينزل قوله منزلة الحكم، وأجاز الأكثر قبول الجرح والتعديل من واحد لأنه ينزل منزلة الحكم والحكم لا يشترط فيه العدد. وقال أبو عبيد: لا يقبل في التزكية أقل من ثلاثة، واحتج بحديث قبيصة الذي أخرجه مسلم فيمن تحل له المسألة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا فيشهدون له، قال: وإذا كان هذا في حق الحاجة فغيرها أولى، وهذا كله في الشهادة، أما الرواية فيقبل فيها قول الواحد على الصحيح، لأنه إن كان ناقلا عن غيره فهو من جملة الأخبار ولا يشترط العدد فيها، وإن كان من قبل نفسه فهو بمنزلة الحاكم ولا يتعدد أيضا. قوله: "وقال أبو جميلة" بفتح الجيم وكسر الميم واسمه سنين بمهملة ونونين مصغر، ووهم من شدد التحتانية كالداودي، وقيل إنها رواية الأصيلي، قيل اسم أبيه فرقد، قال ابن سعد هو سلمي، وقال غيره هو ضمري، وقيل سليطي. وقد ذكره العجلي وجماعة في التابعين. وسيأتي في غزوة الفتح ما يدل على صحبته، وقد ذكره آخرون في الصحابة، ووقع سياق خبره من طريق معمر عن الزهري عن أبي جميلة قال: "أخبرنا ونحن مع ابن المسيب أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وخرج معه عام الفتح" وذكر أبو عمر أنه جاء في رواية أخرى أنه حج حجة الوداع، وهو وارد على من لم يعرفه فقال إنه مجهول كابن المنذر، ونقل البيهقي عن الشافعي نحو ذلك. وفي الرواة أبو جميلة آخر اسمه ميسرة الطهوي بضم الطاء المهملة وفتح الهاء، وهو كوفي روي عن عثمان وعلي وليست له صحبة اتفاقا، ووهم من جعله صاحب هذه القصة كالكرماني. قوله: "وجدت منبوذا" بفتح الميم وسكون النون وضم الموحدة وسكون الواو بعدها معجمة أي شخصا منبوذا، أي لقيطا. قوله: "قال عسى الغوير أبؤسا" كذا للأصيلي ولأبي ذر عن الكشميهني وحده وسقط للباقين. والغوير بالمعجمة تصغير غار، وأبؤسا جمع بؤس وهو الشدة، وانتصب على أنه خبر عسى عند من يجيزه، أو بإضمار شيء تقديره عسى أن يكون الغوير أبؤسا. وجزم به صاحب المغني. وهو مثل مشهور يقال فيما ظاهره السلامة ويخشى منه العطب. وروى الخلال في علله عن الزهري أن أهل المدينة يتمثلون به في ذلك كثيرا، وأصله كما قال الأصمعي أن ناسا دخلوا غارا يبيتون فيه فانهار عليهم فقتلهم، وقيل وجدوا فيه

(5/274)


عدوا لهم فقتلهم، فقيل ذلك لكل من دخل في أمر لا يعرف عاقبته. وقال ابن الكلبي: الغوير مكان معروف فيه ماء لبني كلب كان فيه ناس يقطعون الطريق، وكان من يمر يتواصون بالحراسة. وقال ابن الأعرابي: ضرب عمر هذا المثل للرجل يعرض بأنه في الأصل ولده وهو يريد نفيه عنه بدعواه أنه التقطه، فهذا معني قوله كأنه يتهمني. وقيل أول من تكلم به الزباء - بفتح الزاي وتشديد الموحدة والمد - لما قتلت جذيمة الأبرش. وأراد قصير - بفتح القاف وكسر المهملة - أن يقتص منها. فتواطأ قصير وعمرو ابن أخت جذيمة على أن قطع عمرو أنف قصير فأظهر أنه هرب منه إلى الزباء فأمنت إليه. ثم أرسلته تاجرا فرجع إليها بربح كثير مرارا ثم رجع المرة الأخيرة ومعه الرجال في الأعدال معهم السلاح، فنظرت إلى الجمال تمشي رويدا لثقل من عليها فقالت: عسى الغوير أبؤسا أي لعل الشر يأتيكم من قبل الغوير، وكأن قصيرا أعلمها أنه سلك في هذه المرة طريق الغوير، فلما دخلت الأحمال قصرها خرجت الرجال من الأعدال فهلكت. قوله: "كأنه يتهمني" أي بأن يكون الولد له، وإنما أراد نفي نسبه عنه لمعني من المعاني، وأراد مع ذلك أن يتولى هو تربيته، وقيل اتهمه بأنه زنى بأمه ثم ادعاه وهو بعيد وما تقدم أولى. وقد أخرج البيهقي هذه القصة موصولة من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن أبي جميلة أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وأنه وجد منبوذا في خلافة عمر فأخذه، قال فذكر ذلك عريفي لعمر، فلما رآني عمر قال فذكره وزاد: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ قلت: وجدتها ضائعة. وقد أخرج مالك في "الموطأ" هذه للزيادة عن الزهري أيضا، وصدر هذا الخبر سيأتي موصولا في أواخر المغازي من وجه آخر عن الزهري، وفي ذلك رد على من زعم أن أبا جميلة هذا هو الطهوي لأن الطهوي لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولا عمر، وأورد ابن الأثير عن البخاري ما ذكرته عنه وزاد فيه: "وأنه التقط منبوذا " فذكر القصة ولم أر ذلك في شيء من النسخ. قوله: "فقال له عريفي إنه رجل صالح" لم أقف على اسم هذا التعريف. إلا أن الشيخ أبا حامد ذكر في تعليقه أن اسمه سنان. وفي الصحابة لابن عبد البر: سنان الضمري استخلفه أبو بكر الصديق مرة على المدينة. فيحتمل أن يكون هو ذا فقد قيل إن أبا جميلة ضمري والله أعلم. قال ابن بطال: كان عمر قسم الناس، وجعل على كل قبيلة عريفا ينطر عليهم. قلت: فإن كان أبو جميلة سلميا فينظر من كان عريف بني سليم في عهد عمر. قوله: "قال كذاك" زاد مالك في روايته: "قال نعم". قوله: "اذهب وعلينا نفقته" في رواية مالك "فقال عمر: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه وعلينا نفقته" وكذلك في رواية البيهقي. قال ابن بطال: في هذه القصة أن القاضي إذا سأل في مجلس نظره عن أحد فإنه يجتزئ بقول الواحد كما صنع عمر. فأما إذا كلف المشهود له أن يعدل شهوده فلا يقبل أقل من اثنين. قلت: غايته أنه حمل القصة على بعض محتملاتها، وقصة التكليف تحتاج إلى دليل من خارج، وفيها جواز الالتقاط وإن لم يشهد، وأن نفقته إذا لم يعرف في بيت المال، وأن ولاءه لملتقطه، وذلك مما اختلف فيه، وستأتي الإشارة إلى ذلك في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى. وقد وجه بعضهم معنى قوله: "لك ولاؤه" بكونه حين التقطه كأنه أعتقه من الموت أو أعتقه من أن يلتقطه غيره ويدعي أنه ملكه. "تنبيه": وقع في "المطالع" أن عمر لما اتهم أبا جميلة شهد له جماعة بالستر ا هـ، وليس في قصته أن الذي شهد ليس إلا عريفه وحده. وفيه تثبت عمر في الأحكام، وأن الحاكم إذا توقف في أمر أحد لم يكن ذلك قادحا فيه، ورجوع الحاكم إلى قول أمنائه. وفيه أن الثناء على الرجل في وجهه عند الحاجة لا يكره، وإنما يكره الإطناب في ذلك، ولهذه النكتة ترجم البخاري عقب هذا بحديث أبي موسى الذي

(5/275)


ساقه بمعنى حديث أبي بكرة الذي أورده في هدا الباب فقال: "ما يكره من الإطناب في المدح"، ووجه احتجاجه بحديث أبى بكرة أنه صلى الله عليه وسلم اعتبر تزكية الرجل إذا اقتصد لأنه لم يعب عليه إلا الإسراف والتغالي في المدح، واعترضه ابن المنير بأن هذا القدر كاف في قبول تزكيته، وأما اعتبار النصاب فمسكوت عنه، وجوابه أن البخاري جرى على قاعدته بأن النصاب لو كان شرطا لذكر، إذ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة. قوله: "أثنى رجل على رجل" يحتمل أن يفسر المثنى بمحجن بن الأدرع الأسلمي، وحديثه بذلك عند الطبراني وأحمد وإسحاق، وعند إسحاق فيه زيادة من وجه آخر قد يفسر منها المثنى عليه بأنه عبد الله ذو النجادين، وسيأتي بيان ذلك في كتاب الأدب مع تمام الكلام على حديث أبي بكرة إن شاء الله تعالى.

(5/276)


17 - باب: مَا يُكْرَهُ مِنْ الإِطْنَابِ فِي الْمَدْحِ وَلْيَقُلْ مَا يَعْلَمُ
2663- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي مَدْحِهِ فَقَالَ أَهْلَكْتُمْ - أَوْ قَطَعْتُمْ - ظَهَرَ الرَّجُلِ"
[الحديث 2663- أطرافه في: 6060]
قوله: "باب ما يكره من الإطناب في المدح، وليقل ما يعلم" أورد فيه حديث أبي موسى "سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل" يمكن أن يفسر بمن فسر في حديث أبي بكرة بناء على اتحاد القصة، قوله: "يطريه" بضم أوله، والإطراء مدح الشخص بزيادة على ما فيه. قوله: "أهلكتم أو قطعتم" شك من الراوي، وليس في الحديث ما زاده في الترجمة من قوله: "وليقل ما يعلم" وكأنه ذهب إلى اتحاد حديثي أبي بكرة وأبي موسى وقد قال في حديث أبي بكرة: "إن كان يعلم ذلك منه" والله أعلم.

(5/276)


باب بلوغ الصبيان وشهادتهم وقول الله تعالى (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا)
...
18 - باب: بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَتِهِمْ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [59 النور]: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} . وَقَالَ مُغِيرَةُ: احْتَلَمْتُ وَأَنَا ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَبُلُوغُ النِّسَاءِ إلى الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ [4 الطلاق]: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ - إلى قوله - أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ أَدْرَكْتُ جَارَةً لَنَا جَدَّةً بِنْتَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً
2664- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي" قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ"
[الحديث 2664- طرفه في: 4097]

(5/276)


19 - باب: سُؤَالِ الْحَاكِمِ الْمُدَّعِيَ هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ قَبْلَ الْيَمِينِ
2666 ، 2667- حدثنا محمد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حلف على يمين - وهو فيها فاجر - ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان قال فقال الأشعث بن قيس: في والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بينة؟ قال قلت: لا قال فقال لليهودي: احلف. قال قلت: يا رسول الله إذن يحلف ويذهب بمالي قال فأنزل الله تعالى [77 آل عمران]: {إِنَّ

(5/279)


الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآية"
قوله: "باب سؤال الحاكم المدعي: هل لك بينة؟ قبل اليمين" أورد فيه حديث الأشعث "كان بيني وبين رجل أرض فجحدني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألك بينة؟ قلت: لا. قال: يحلف" وفيه حديث ابن مسعود. وقوله في الترجمة "قبل اليمين" أي قبل يمين المدعى عليه، وهو المطابق للترجمة ولا يصح حمله على المدعي بأن يطلب منه الحاكم يمين الاستظهار بأن بينته شهدت له بحق لأنه ليس في حديث الأشعث تعرض لذلك، بل فيه ما قد يتمسك به في أن يمين الاستظهار غير واجبة، والله أعلم. وسيأتي مباحث حديثي الأشعث وابن مسعود في التفسير والأيمان والنذور إن شاء الله تعالى. وفي الحديث حجة لمن قال: لا تعرض اليمين على المدعى عليه إذا اعترف المدعي أن له بينة.

(5/280)


باب اليمين على المدعي عليه الأموال والحدود
...
20 - باب: الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ.
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ" وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي فَقُلْتُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [282 البقرة]: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي فَمَا تَحْتَاجُ أَنْ تُذْكِرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأُخْرَى؟
2668- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: "كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ"
2669 ، 2670- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ [77 آل عمران]: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ - إِلَى - عَذَابٌ أَلِيمٌ} ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا قَالَ فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلاَ يُبَالِي: فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ"
قوله: "باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود" أي دون المدعي، ويستلزم ذلك شيئين: أحدهما أن لا تجب يمين الاستظهار، والثاني أن لا يصح القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي. واستشهاد المصنف بقصة ابن شبرمة يشير إلى أنه أراد الثاني. وقوله: "في الأموال والحدود" يشير بذلك إلى الرد على الكوفيين في تخصيصهم اليمين على المدعى عليه في الأموال دون الحدود، وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بعموم ذلك في الأموال والحدود والنكاح

(5/280)


ونحوه، واستثنى مالك النكاح والطلاق والعتاق والفدية فقال: لا يجب في شيء منها اليمين حتى يقيم المدعي البينة ولو شاهدا واحدا. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "شاهداك أو يمينه" وصله في آخر الباب من حديث الأشعث، والغرض منه أنه أطلق اليمين في جانب المدعى عليه ولم يقيده بشيء دون شيء، وارتفع "شاهداك" على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره المثبت لك أو الحجة أو ما يثبت لك، والمعنى ما يثبت لك شهادة شاهديك أو لك إقامة شاهديك فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب إعرابه فارتفع، وحذف الخبر للعلم به. وقد تقدم في الرهن بلفظ: "شهودك" وأنه روي بالرفع والنصب، وتقدم توجيهه. قوله: "وقال قتيبة حدثنا سفيان" هو ابن عيينة، ورأيت بخط القطب أنه رأى في بعض النسخ "حدثنا قتيبة" ورد ذلك مغلطاي بأن البخاري لم يحتج بابن شبرمة، وهو عجيب، فإنه أخرج له في الشواهد كما سيأتي في كتاب الأدب، وهذا من الشواهد فإنه حكاية واقعة اتفقت له مع ابن عيينة ليس فيها حديث مرفوع يحتج به. قوله: "عن ابن شبرمة" بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة، وهو عبد الله بن شبرمة بن الطفيل بن حسان الضبي قاضي الكوفة للمنصور، مات سنة أربع وأربعين ومائة. قوله: "كلمني أبو الزناد" هو قاضي المدينة. قوله: "في شهادة الشاهد ويمين المدعي" أي في القول بجوازها، وكان مذهب أبي الزناد القضاء بذلك كأهل بلده، ومذهب ابن شبرمة خلافه كأهل بلده، فاحتج عليه أبو الزناد بالخبر الوارد في ذلك، فاحتج عليه ابن شبرمة بما ذكر في الآية الكريمة، وإنما تتم له الحجة بذلك على أصل مختلف فيه بين الفريقين وهو أن الخبر إذا ورد متضمنا لزيادة على ما في القرآن هل يكون نسخا والسنة لا تنسخ القرآن؟ أو لا يكون نسخا بل زيادة مستقلة بحكم مستقل إذا ثبت سنده وجب القول به؟ والأول مذهب الكوفيين، والثاني مذهب الحجازيين، ومع قطع النظر عن ذلك لا تنتهض حجة ابن شبرمة لأنه يصير معارضة للنص بالرأي وهو غير معتبر به، وقد أجاب عنه الإسماعيلي فقال؛ الحاجة إلى إذكار الأخرى إنما هو فيما إذا شهدتا، وإن لم تشهدا قامت مقامهما يمين الطالب ببيان السنة الثابتة، واليمين ممن هي عليه لو انفردت لحلت محل البينة في الأداء والإبراء، فكذلك حلت اليمين هنا محل المرأتين في الاستحقاق بها مضافة للشاهد الواحد. قال: ولو لزم إسقاط القول بالشاهد واليمين لأنه ليس في القرآن للزم إسقاط الشاهد والمرأتين لأنهما ليستا في السنة لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "شاهداك أو يمينه" ا هـ. وحاصله أنه لا يلزم من التنصيص على الشيء نفيه عما عداه، لكن مقتضى ما بحثه أن لا يقضي باليمين مع الشاهد الواحد إلا عند فقد الشاهدين أو ما قام مقامهما من الشاهد والمرأتين، وهو وجه للشافعية، وصححه الحنابلة، ويؤيده ما رواه الدار قطني من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "قضى الله ورسوله في الحق بشاهدين فإن جاء بشاهدين اخذ حقه وإن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده" وأجاب بعض الحنفية بأن الزيادة على القرآن نسح، وأخبار الآحاد لا تنسخ المتواتر، ولا تقبل الزيادة من الأحاديث إلا إذا كان الخبر بها مشهورا، وأجيب بأن النسخ رفع الحكم ولا رفع هنا، وأيضا فالناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا على محل واحد وهذا غير متحقق في الزيادة على النص، وغاية ما فيه أن تسمية الزيادة كالتخصيص نسخا اصطلاح فلا يلزم منه نسخ الكتاب بالسنة، لكن تخصيص الكتاب بالسنة جائز وكذلك الزيادة عليه كما في قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وأجمعوا على تحريم نكاح العمة مع بنت أخيها، وسند الإجماع في ذلك السنة الثابتة، وكذلك قطع رجل السارق في المرة الثانية، وأمثلة ذلك كثيرة. وقد أخذ من رد الحكم بالشاهد واليمين لكونه زيادة على القرآن بأحاديث كثيرة في أحكام كثيرة كلها زائدة على ما في القرآن كالوضوء بالنبيذ والوضوء من القهقهة ومن القيء والمضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء واستبراء المسبية

(5/281)


وترك قطع من سرق ما يسرع إليه الفساد وشهادة المرأة الواحدة في الولادة ولا قود إلا بالسيف ولا جمعة إلا في مصر جامع ولا تقطع الأيدي في الغزو ولا يرث الكافر المسلم ولا يؤكل الطافي من السمك ويحرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ولا يقتل الوالد بالولد ولا يرث القاتل من القتيل وغير ذلك من الأمثلة التي تتضمن الزيادة على عموم الكتاب، وأجابوا بأنها أحاديث شهيرة موجب العمل بها لشهرتها، فيقال لهم وحديث القضاء بالشاهد واليمين جاء من طرق كثيرة مشهورة، بل ثبت من طرق صحيحة متعددة، فمنها ما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد" وقال في اليمين إنه حديث صحيح لا يرتاب في صحته، وقال ابن عبد البر لا مطعن لأحد في صحته ولا إسناده، وأما قول الطحاوي: إن قيس بن سعد لا تعرف له رواية عن عمرو بن دينار، لا يقدح في صحة الحديث لأنهما تابعيان ثقتان مكيان وقد سمع قيس من أقدم من عمرو، وبمثل هذا لا ترد الأخبار الصحيحة. ومنها حديث أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد" وهو عند أصحاب السنن ورجاله مدنيون ثقات، ولا يضره أن سهيل بن أبي صالح نسيه بعد أن حدث به ربيعة لأنه كان بعد ذلك يرويه عن ربيعة عن نفسه عن أبيه، وقصته بذلك مشهورة في سنن أبي داود وغيرها. ومنها حديث جابر مثل حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وأبو عوانة. وفي الباب عن نحو من عشرين من الصحابة فيها الحسان والضعاف، وبدون ذلك تثبت الشهرة، ودعوى نسخه مردودة لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وأما احتجاج مالك في الموطأ بأن اليمين تتوجه على المدعي عند النكول ورد اليمين بغير حلف فإذا حلف ثبت الحق بغير خلاف فيكون حلف المدعي ومعه شاهد آخر أولى، فهو متعقب، ولا يرد على الحنفية لأنهم لا يقولون برد اليمين. وقال الشافعي القضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن لأنه لم يمنع أن يجوز أقل مما نص عليه، يعني والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم فضلا عن مفهوم العدد والله أعلم. وقال ابن العربي: أظرف ما وجدت لهم في رد الحكم بالشاهد واليمين أمران: أحدهما أن المراد قضى بيمين المنكر مع شاهد الطالب، والمراد أن الشاهد الواحد لا يكفي في ثبوت الحق فيجب اليمين على المدعى عليه، فهذا المراد بقوله قضى بالشاهد واليمين. وتعقبه ابن العربي بأنه جهل باللغة، لأن المعية تقتضي أن تكون من شيئين في جهة واحدة لا في المتضادين. ثانيهما حمله على صورة مخصوصة وهي أن رجلا اشترى من آخر عبدا مثلا فادعى المشتري أن به عيبا وأقام شاهدا واحدا فقال البائع بعته بالبراءة فيحلف المشتري أنه ما اشترى بالبراءة ويرد العبد، وتعقبه بنحو ما تقدم، ولأنها صورة نادرة ولا يحمل الخبر عليها. قلت: وفي كثير من الأحاديث الواردة في ذلك ما يبطل هذا التأويل والله أعلم. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه، هكذا أخرجه في الرهن، وهنا مختصرا من طريق نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة، وأخرجه في تفسير آل عمران من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة مثله، وذكر فيه قصة المرأتين اللتين ادعت إحداهما على الأخرى أنها جرحتها، وقد أخرجه الطبراني من رواية سفيان عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" وقال: لم يروه عن سفيان إلا الفريابي، وأخرجه الإسماعيلي من رواية ابن جريج بلفظ: "ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب" وأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة قال: كنت قاضيا لابن الزبير على الطائف، فذكر قصة المرأتين، فكتبت إلى

(5/282)


ابن عباس، فكتب إلي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعطي الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وهذه الزيادة ليست في الصحيحين، وإسنادها حسن. وقد بين صلى الله عليه وسلم الحكمة في كون البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: "لو يعطي الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم" وسيأتي في تفسير آل عمران. وقال العلماء الحكمة في ذلك لأن جانب المدعي ضعيف لأنه يقول خلاف الظاهر فكلف الحجة القوية وهي البينة لأنها لا تجلب لنفسها نفعا ولا تدفع عنها ضررا فيقوى بها ضعف المدعي، وجانب المدعى عليه قوي لأن الأصل فراغ في ذمته فاكتفي منه باليمين وهي حجة ضعيفة لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع الضرر فكان ذلك في غاية الحكمة. واختلف الفقهاء في تعريف المدعي والمدعى عليه، والمشهور فيه تعريفان: الأول المدعي من يخالف قوله الظاهر والمدعى عليه بخلافه. والثاني من إذا سكت ترك وسكوته والمدعى عليه من لا يخلى إذا سكت، والأول أشهر، والثاني أسلم. وقد أورد على الأول بأن المودع إذا ادعى الرد أو التلف فإن دعواه تخالف الظاهر، ومع ذلك فالقول قوله وقيل في تعريفهما غير ذلك. واستدل بقوله: "اليمين على المدعى عليه" للجمهور بحمله على عمومه في حق كل واحد سواء كان بين المدعي والمدعى عليه اختلاط أم لا، وعن مالك لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم مرارا، وقريب من مذهب مالك قول الإصطخري من الشافعية: إن قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدعي لم يلتفت إلى دعواه، واستدل بقوله: "لادعى ناس دماء ناس وأموالهم" على إبطال قول المالكية في التدمية، ووجه الدلالة تسويته صلى الله عليه وسلم بين الدماء والأموال. وأجيب بأنهم لم يسندوا القصاص مثلا إلى قول المدعي بل للقسامة، فيكون قوله ذلك لوثا يقوي جانب المدعي في بداءته بالأيمان. الحديث الثاني والثالث حديث الأشعث وعبد الله بن مسعود في سبب نزول قوله تعالى. {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} الآية. وقد مضت الإشارة إليه قبل بباب. والمراد منه قوله: "شاهداك أو يمينه" وقد روي نحو هذه القصة وائل بن حجر وزاد فيها "ليس لك إلا ذلك" أخرجه مسلم وأصحاب السنن واستدل بهذا الحصر على رد القضاء باليمين والشاهد، وأجيب بأن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "شاهداك" أي بينتك سواء كانت رجلين أو رجلا وامرأتين أو رجلا ويمين الطالب، وإنما خص الشاهدين بالذكر لأنه الأكثر الأغلب، فالمعنى شاهداك أو ما يقوم مقامهما، ولو لزم من ذلك رد الشاهد واليمين لكونه لم يذكر للزم رد الشاهد والمرأتين لكونه لم يذكر فوضح التأويل المذكور، والملجئ إليه ثبوت الخبر باعتبار الشاهد واليمين، فدل على أن ظاهر لفظ الشاهدين غير مراد بل المراد هو أو ما يقوم مقامه.

(5/283)


21 - باب: إِذَا ادَّعَى أَوْ قَذَفَ فَلَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَيِّنَةَ وَيَنْطَلِقَ لِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ
2671- حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن هشام حدثنا عكرمة عن بن عباس رضي الله عنهما "أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة، أو حد في ظهرك، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل يقول: البينة وإلا حد في ظهرك. فذكر حديث اللعان"

(5/283)


قوله: "باب إذ ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة وينطلق لطلب البينة" أورد فيه طرفا من حديث ابن عباس في قصة المتلاعنين، وسيأتي الكلام عليه مستوفي في مكانه، والغرض منه تمكين القاذف من إقامة البينة على زنا المقذوف لدفع الحد عنه، ولا يرد عليه أن الحديث ورد في الزوجين، والزوج له مخرج عن الحد باللعان إن عجز عن البينة بخلاف الأجنبي، لأنا نقول: إنما كان ذلك قبل نزول آيه اللعان حيث كان الزوج والأجنبي سواء، وإذا ثبت ذلك للقاذف ثبت لكل مدع من باب الأولى.

(5/284)


22 - باب: الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَصْرِ
2672- حدثنا علي بن عبد الله حدثنا جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه بن السبيل. ورجل بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفي له وإلا لم يف له. ورجل ساوم رجلا بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا فأخذها"
قوله: "باب اليمين بعد العصر" ذكر فيه حديث أبي هريرة "ثلاثة لا يكلمهم الله" الحديث، وفيه: "ورجل ساوم بسلعة بعد العصر فحلف" الحديث، وسيأتي الكلام عليه في الأحكام، ونذكر ما يتعلق به من تغليظ اليمين بالزمان في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى. قال المهلب: إنما خص النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوقت بتعظيم الإثم على من حلف فيه كاذبا لشهود ملائكة الليل والنهار ذلك الوقت انتهى. وفيه نظر، لأن بعد صلاة الصبح يشاركه في شهود الملائكة، ولم يأت فيه ما أتى في وقت العصر، ويمكن أن يكون اختص بذلك لكونه وقت ارتفاع الأعمال.

(5/284)


23 - باب: يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَلاَ يُصْرَفُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ
قَضَى مَرْوَانُ بِالْيَمِينِ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى الْمِنْبَرِ
فَقَالَ: أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي، فَجَعَلَ زَيْدٌ يَحْلِفُ، وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ مِنْهُ
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ" فَلَمْ يَخُصَّ مَكَانًا دُونَ مَكَانٍ"
2673- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد عن الأعمش عن أبي وائل عن بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين ليقتطع بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان"
قوله: "باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره" أي: وجوبا، وهو قول الحنفية والحنابلة، وذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ، ففي المدينة عند المنبر، وبمكة بين الركن والمقام، وبغيرهما بالمسجد الجامع. واتفقوا على أن ذلك في الدماء والمال الكثير لا في القليل، واختلفوا في حد القليل والكثير في ذلك. قوله: "قضى مروان" أي ابن الحكم "على زيد بن ثابت باليمين على المنبر فقال: أحلف له مكاني إلخ" وصله مالك في الموطأ عن داود بن الحصين عن أبي غطفان - بفتح المعجمة ثم المهملة ثم الفاء - المزي بضم الميم

(5/284)


24 - باب: إِذَا تَسَارَعَ قَوْمٌ فِي الْيَمِينِ
2674- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ"
قوله: "باب إذا تسارع قوم في اليمين" أي حيث تجب عليهم جميعا بأيهم يبدأ. قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف" أي قبل الآخر، هذا اللفظ أخرجه النسائي أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق وقال فيه: "فأسرع الفريقان" وقد رواه أحمد عن عبد الرزاق شيخ شيخ البخاري فيه بلفظ: "إذا أكره الاثنان على اليمين واستحباها فليستهما عليها" وأخرجه أبو نعيم في مسند إسحاق بن

(5/285)


راهويه عن عبد الرزاق مثل رواية البخاري، وتعقبه بأنه رآه في أصل إسحاق عن عبد الرزاق باللفظ الذي رواه أحمد، قال: وقد وهم شيخنا أبو أحمد في ذلك انتهى. قلت: وهكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن عبد الرزاق، وأخرجه من طريق الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق مثله لكن قال: "فاستحباها"، وأخرجه أبو داود عن أحمد وسلمة بن شبيب عن عبد الرزاق بلفظ: "أو استحباها" قال الإسماعيلي: هذا هو الصحيح، أي أنه بلفظ: "أو" لا بالفاء ولا بالواو. قلت: ورواية الواو يمكن حملها على رواية أو، وأما رواية الفاء فيمكن توجيهها بأنهما أكرها على اليمين في ابتداء الدعوى، فلما عرفا أنهما لا بد لهما منها أجابا إليها وهو المعبر عنه بالاستحباب، ثم تنازعا أيهما يبدأ فأرشد إلى القرعة. وقال الخطابي وغيره: الإكراه هنا لا يراد به حقيقته، لأن الإنسان لا يكره على اليمين، وإنما المعني إذا توجهت اليمين على اثنين وأرادا الحلف - سواء كانا كارهين لذلك بقلبهما وهو معني الإكراه، أو مختارين لذلك بقلبهما وهو معنى الاستحباب - وتنازعا أيهما يبدأ فلا يقدم أحدهما على الآخر بالتشهي بل بالقرعة، وهو المراد بقوله: "فليستهما" أي فليقترعا. وقيل صورة الاشتراك في اليمين أن يتنازع اثنان عينا ليست في يد واحد منهما ولا بينة لواحد منهما فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف واستحقها. ويؤيد ذلك ما روى أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق أبي رافع عن أبي هريرة "أن رجلين اختصما في متاع ليس لواحد منهما بينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها" وأما اللفظ الذي ذكره البخاري فيحتمل أن يكون عند عبد الرزاق فيه حديث آخر باللفظ المذكور، ويؤيده رواية أبى رافع المذكورة فإنها بمعناها، ويحتمل أن تكون قصة أخرى بأن يكون القوم المذكورون مدعى عليهم بعين في أيديهم مثلا وأنكروا ولا بينة للمدعى عليهم، فتوجهت عليهم اليمين، فتسارعوا إلى الحلف، والحلف لا يقع معتبرا إلا بتلقين المحلف، فقطع النزاع بينهم بالقرعة فمن خرجت له بدأ به في ذلك. والله أعلم.

(5/286)


باب قول الله تعالى (إن الذين يشبرون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ... الأية)
...
25 - باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
2675- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ "أَقَامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِهَا. فَنَزَلَتْ [77 آل عمران]: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}
وَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: "النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ"
2676 ، 2677- حدثنا بشر بن خالد حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين كاذبا ليقتطع مال الرجل - أو قال أخيه - لقي الله وهو عليه غضبان. وأنزل الله تصديق ذلك في القرآن {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ

(5/286)


اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً – إلى قوله - عَذَابٌ أَلِيمٌ} فلقيني الأشعث فقال: ما حدثكم عبد الله اليوم؟ قلت كذا وكذا قال: في أنزلت"
قوله: "باب قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} ذكر فيه حديث ابن أبي أوفى في سبب نزولها، وحديث ابن مسعود والأشعث في نزولها أيضا، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن تكون نزلت في كل من القصتين، وسيأتي مزيد بيان لذلك في التفسير. وقوله في طريق ابن أبي أوفى "حدثنا إسحاق حدثنا يزيد بن هارون" جزم أبو علي الغساني بأنه إسحاق بن منصور، وجزم أبو نعيم الأصبهاني بأنه إسحاق بن راهويه. وقوله: "أخبرنا العوام" هو ابن حوشب، وقوله: "قال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربا خائن" هو موصول بالإسناد المذكور إليه، وتقدم شرحه في باب النجش من كتاب البيوع.

(5/287)


26 - باب: كَيْفَ يُسْتَحْلَفُ؟ قَالَ تَعَالَى {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ}
وَقَوْلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} يُقَالُ بِاللَّهِ وَتَاللَّهِ وَ وَاللَّهِ
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَرَجُلٌ حَلَفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا بَعْدَ الْعَصْرِ" وَلاَ يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللَّهِ
2678- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ رضي الله عنه يَقُولُ "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُهُ عَنْ الإِسْلاَمِ، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ"
2679- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ قَالَ: ذَكَرَ نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ"
[الحديث 2679- أطرافه في: 3836 ، 6108 ، 6646 ، 6648]
قوله: "باب كيف يستحلف" هو بضم أوله وفتح اللام على البناء للمجهول. قوله: وقول الله عز وجل: {ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} إلى آخر ما ذكره من الآيات المناسبة لها، وغرضه بذلك أنه لا يجب تغليظ الحلف بالقول، قال ابن المنذر: اختلفوا فقالت طائفة يحلفه بالله من غير زيادة. وقال مالك: يحلفه بالله الذي لا إله إلا هو، وكذا قال الكوفيون والشافعي، قال: فإن اتهمه القاضي غلظه عليه فيزيد عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ونحو ذلك. قال ابن المنذر: وبأي ذلك استحلفه أجزأ. والأصل في ذلك أنه إذا حلف

(5/287)


بالله صدق عليه أنه حلف اليمين. قوله: "يقال بالله" أي بالموحدة "وتالله" أي بالمثناة "ووالله" أي بالواو، وكلها ورد بها القرآن، قال الله تعالى: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ} وقال تعالى: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وقال تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} . قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ورجل حلف بالله كاذبا بعد العصر" هو طرف من حديث أبي هريرة المتقدم قريبا موصولا في "باب اليمين بعد العصر" لكن بالمعنى، وسيأتي في الأحكام بلفظ: "فحلف لقد أعطي بها كذا فصدقه رجل ولم يعط بها". قوله: "ولا يحلف بغير الله" هو من كلام المصنف على سبيل التكميل للترجمة، وذلك مستفاد من حديث ابن عمر ثاني حديثي الباب حيث قال: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". ثم ذكر المصنف في الباب حديثين: أحدهما حديث طلحة في قصة الرجل الذي سأل عن الإسلام، وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان، والغرض منه قوله: "فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص" فإنه يستفاد منه الاقتصار على الحلف بالله دون زيادة. ثانيهما حديث ابن عمر "من كان حالفا فليحلف بالله" وسيأتي شرحه في كتاب الأيمان والنذور مستوفى إن شاء الله تعالى.

(5/288)


27 – باب: مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْيَمِينِ،
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ" وَقَالَ طَاوُسٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَشُرَيْحٌ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَقُّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ
2680- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا"
قوله: "باب من أقام البينة بعد اليمين" أي يمين المدعى عليه سواء رضي المدعي بيمين المدعى عليه أم لا، وقد ذهب الجمهور إلى قبول البينة. وقال مالك في "المدونة": إن استحلفه ولا علم له بالبينة ثم علمها قبلت وقضي له بها، وإن علمها فتركها فلا حق له. وقال ابن أبي ليلى: لا تسمع البينة بعد الرضا باليمين، واحتج بأنه إذا حلف فقد برئ وإذا برئ فلا سبيل عليه، وتعقب بأنه إنما يبرأ في الصورة الظاهرة لا في نفس الأمر. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض" هو طرف من حديث أم سلمة الموصول في الباب المذكور، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، وفيه الإشارة إلى الرد على ابن أبي ليلى، وأن الحكم الظاهر لا يصير الحق باطلا في نفس الأمر ولا الباطل حقا. قوله: "وقال طاوس وإبراهيم" أي النخعي "وشريح: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة" أما قول طاوس وإبراهيم فلم أقف عليهما موصولين، وأما قول شريح فوصله البغوي في "الجعديات" من طريق ابن سيرين عن شريح قال: من ادعى قضائي فهو عليه حتى يأتي ببينة، الحق أحق من قضائي، الحق أحق من يمين فاجرة. وذكر ابن حبيب في "الواضحة" بإسناد له عن عمر قال: "البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة" قال أبو عبيد: إنما قيد اليمين بالفاجرة إشارة إلى أن محل ذلك ما إذا شهد على الحالف بأنه أقر، بخلاف ما حلف عليه فتبين أن يمينه حينئذ فاجرة، وإلا فقد يوفي الرجل ما عليه من الحق ويحلف على ذلك وهو صادق ثم تقوم عليه البينة التي شهدت بأصل الحق ولم يحضر الوفاء فلا تكون اليمين حينئذ فاجرة. ثم أورد المصنف حديث أم سلمة

(5/288)


مرفوعا: "أنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض" الحديث، قال الإسماعيلي: ليس في حديث أم سلمة دلالة على قبول البينة بعد يمين المنكر. وأجاب ابن المنير فقال: موضع الاستشهاد من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل اليمين الكاذبة مفيدة حلا ولا قطعا لحق المحق، بل نهاه بعد يمينه من القبض، وساوى بين حالتيه بعد اليمين وقبلها في التحريم، فيؤذن ذلك ببقاء حق صاحب الحق على ما كان عليه، فإذا ظفر في حقه ببينة فهو باق على القيام بها لم يسقط، كما لم يسقط أصل حقه من ذمة مقتطعة باليمين. وسيأتي الكلام على بقية شرح حديث أم سلمة في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى.

(5/289)


28 - باب: مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ وَفَعَلَهُ الْحَسَنُ
وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَقَضَى ابْنُ الأَشْوَعِ بِالْوَعْدِ وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ
وَقَالَ: الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ قَالَ وَعَدَنِي فَوَفَى لِي
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَرَأَيْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَشْوَعَ
2681- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: "سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ قَالَ وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ"
2682- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ"
2683- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: "لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلاَءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا قَالَ جَابِرٌ فَقُلْتُ وَعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ قَالَ جَابِرٌ فَعَدَّ فِي يَدِي خَمْسَ مِائَةٍ ثُمَّ خَمْسَ مِائَةٍ ثُمَّ خَمْسَ مِائَةٍ"
2684- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ عَنْ سَالِمٍ الأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ: أَيَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قُلْتُ: لاَ أَدْرِي حَتَّى

(5/289)


أَقْدَمَ عَلَى حَبْرِ الْعَرَبِ فَأَسْأَلَهُ فَقَدِمْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ فَعَلَ"
قوله: "باب من أمر بإنجاز الوعد" وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات أن وعد المرء كالشهادة على نفسه قاله الكرماني. وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض، لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء ا هـ. ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور، لكن القائل به قليل. وقال ابن عبد البر وابن العربي: أجل من قال به عمر بن عبد العزيز. وعن بعض المالكية إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلا فلا، فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا فتزوج لذلك وجب الوفاء به. وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك بالقبض أو قبله. وقرأت بخط أبي رحمه الله في إشكالات على "الأذكار للنووي": ولم يذكر جوابا عن الآية، يعني قوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} وحديث: "آية المنافق" قال: والدلالة للوجوب منها قوية، فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد؟ وينظر هل يمكن أن يقال يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أي يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك. قوله: "وفعله الحسن" أي الأمر بإنجاز الوعد. قوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} في رواية النسفي "وذكر إسماعيل أنه كان صادق الوعد"، وروى ابن أبي حاتم من طريق الثوري أنه بلغه أن إسماعيل عليه السلام دخل قرية هو ورجل فأرسله في حاجة وقال له أنه ينظره، فأقام حولا في انتظاره. ومن طريق ابن شوذب أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنا فسمي من يومئذ صادق الوعد. قوله: وقضى ابن الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب" هو سعيد بن عمرو بن الأشوع، كان قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق وذلك بعد المائة، وقد وقع بيان روايته كذلك عن سمرة بن جندب في تفسير إسحاق بن راهويه. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف "رأيت إسحاق بن إبراهيم" هو ابن راهويه "يحتج بحديث ابن أشوع" أي هذا الذي ذكره عن سمرة بن جندب، والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد. "تنبيه": وقع ذكر إسماعيل بين التعليق عن ابن الأشوع وبين نقل المصنف عن إسحاق في أكثر النسخ. والذي أوردته أولى والله أعلم. ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: أحدها حديث أبي سفيان بن حرب في قصة هرقل، أورد منه طرفا، وقد تقدم موصولا في بدء الوحي مع الإشارة إلى كثير من شرحه. ثانيها حديث أبي هريرة في آية المنافق، وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان. ثالثها حديث جابر في قصته مع أبي بكر فيما وعده به النبي صلى الله عليه وسلم من مال البحرين، وسيأتي الكلام عليه في "باب فرض الخمس" ومضى شيء من ذلك في الكفالة، وأشار غير واحد إلى أن ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن بطال: لما كان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس بمكارم الأخلاق أدى أبو بكر مواعيده عنه، ولم يسأل جابرا البينة على ما ادعاه لأنه لم يدع شيئا في ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ادعى شيئا في بيت المال، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. رابعها حديث ابن عباس في أي الأجلين قضى موسى. قوله: "عن سالم الأفطس" هو ابن عجلان الجزري، شامي ثقة، ليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الطب، وكذا الراوي عنه مروان بن شجاع، وقد تابع سالما على روايته لهذا الحديث حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير، وتابع سعيدا عكرمة عن ابن عباس، ورواه أيضا أبو ذر وأبو هريرة وعتبة

(5/290)


ابن النذر بضم النون وتشديد الذال المعجمة المفتوحة بعدها راء، وجابر وأبو سعيد، ورفعوه كلهم، وجميعها عند ابن مردويه في التفسير، وحديث عتبة وأبي ذر عند البزار أيضا، وحديث جابر عند الطبراني في الأوسط، ورواية عكرمة في مسند الحميدي. قوله: "سألني يهودي" لم أقف على اسمه، والحيرة بكسر المهملة بعدها تحتانية ساكنة بلد معروف بالعراق. قوله: "أي الأجلين" أي المشار إليهما في قوله تعالى: {ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ} . قوله: "حبر العرب" بفتح المهملة وبكسرها ورجحه أبو عبيد، ورجح ابن قتيبة الفتح وسكون الموحدة، والمراد به العالم الماهر، وإنما عبر به سعيد لكونها مستعملة عند الذي خاطبه، وقد أخرج أبو نعيم من حديث ابن عباس مرفوعا أن جبريل سماه بذلك، ومراده بالقدوم على ابن عباس أي بمكة. قوله: "قضى أكثرهما وأطيبهما" كذا رواه سعيد بن جبير موقوفا، وهو في حكم المرفوع لأن ابن عباس كان لا يعتمد على أهل الكتاب كما سيأتي بيانه في الباب الذي يليه. وذكر ابن دريد في "المنثور" أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما غزا المغرب أرسل إلى ابن عباس جريجا فكلمه فقال: ما ينبغي لهذا إلا أن يكون حبر العرب، وقد صرح برفعه عكرمة عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما" أخرجه الحاكم، وفي حديث جابر "أوفاهما" أخرجه الطبراني في الأوسط، وفي حديث أبي سعيد "أتمهما وأطيبهما عشر سنين" والمراد بالأطيب أي في نفس شعيب. قوله: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل" المراد برسول الله صلى الله عليه وسلم من اتصف بذلك ولم يرد شخصا بعينه. وفي رواية حكيم ابن جبير "أن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا وعد لم يخلف" زاد الإسماعيلي من الطريق التي أخرجها البخاري "قال سعيد: فلقيني اليهودي فأعلمته بذلك، فقال: صاحبك والله عالم" والغرض من ذكر هذا الحديث في هذا الباب بيان توكيد الوفاء بالوعد، لأن موسى صلى الله عليه وسلم لم يجزم بوفاء العشر، ومع ذلك فوفاها فكيف لو جزم. قال ابن الجوزي: لما رأى موسى عليه السلام طمع شعيب عليه السلام متعلقا بالزيادة لم يقتض كريم أخلاقه أن يخيب ظنه فيه.

(5/291)


29 - باب: لاَ يُسْأَلُ أَهْلُ الشِّرْكِ عَنْ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمِلَلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِقَوْلِهِ عز وجل [14 المائدة]: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ وَ قُولُوا {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ} الْآيَةَ"
2685- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ فَقَالُوا [79 البقرة]: {هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أَفَلاَ يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ؟ وَلاَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ"
[الحديث 2685- أطرافه في: 7363 ، 7522 ، 7523]

(5/291)


قوله: "باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها" هذه الترجمة معقودة لبيان حكم شهادة الكفار، وقد اختلف في ذلك السلف على ثلاثة أقوال: فذهب الجمهور إلى ردها مطلقا، وذهب بعض التابعين إلى قبولها مطلقا - إلا على المسلمين - وهو مذهب الكوفيين فقالوا تقبل شهادة بعضهم على بعض، وهي إحدى، الروايتين عن أحمد وأنكرها بعض أصحابه واستثنى أحمد حالة السفر فأجاز فيها شهادة أهل الكتاب كما سيأتي بيانه في أواخر الوصايا إن شاء الله تعالى. وقال الحسن وابن أبي ليلى والليث وإسحاق: لا تقيل ملة على ملة وتقبل بعض الملة على بعضها لقوله تعالى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} وهذا أعدل الأقوال لبعده عن التهمة، واحتج الجمهور بقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وبغير ذلك من الآيات والأحاديث. قوله: "وقال الشعبي: لا تجوز شهادة أهل الملل إلخ" وصله سعيد بن منصور "حدثنا هشيم حدثنا داود عن الشعبي: لا تجوز شهادة مله على أخرى إلا المسلمين فإن شهادتهم جائزة على جميع الملل" وروى عبد الرزاق عن الثوري عن عيسى - وهو الخياط - عن الشعبي قال: كان يجيز شهادة النصراني على اليهودي واليهودي على النصراني. وروى ابن أبي شيبة من طريق أشعث عن الشعبي قال: تجوز شهادة أهل الملل للمسلمين بعضهم على بعض. قلت فاختلف فيه على الشعبي. وروى ابن أبي شيبة عن نافع وطائفة الجواز مطلقا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري الجواز مطلقا. قوله: "وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب إلخ" وصله في تفسير البقرة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة وفيه قصة، وسيأتي الكلام عليه ثم إن شاء الله تعالى. والغرض منه هنا النهي عن تصديق أهل الكتاب فيما لا يعرف صدقه من قبل غيرهم، فيدل على رد شهادتهم وعدم قبولها كما يقول الجمهور. قوله في حديث ابن عباس: "يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب" أي من اليهود والنصارى. قوله: "وكتابكم" أي القرآن. قوله: "أحدث الأخبار بالله" أي أقربها نزولا إليكم من عند الله عز وجل، فالحديث بالنسبة إلى المنزول إليهم وهو في نفسه قديم، وقوله: "لم يشب" بضم أوله وفتح المعجمة بعدها موحدة أي لم يخلط، ووقع عند أحمد من حديث جابر مرفوعا: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا" الحديث. وسيأتي مزيد بسط في ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. والغرض منه هنا الرد على من يقبل شهادة أهل الكتاب، وإذا كانت أخبارهم لا تقبل فشهادتهم مردودة بالأولى، لأن باب الشهادة أضيق من باب الرواية.

(5/292)


30 - باب: الْقُرْعَةِ فِي الْمُشْكِلاَتِ
وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ [44 آل عمران]: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اقْتَرَعُوا فَجَرَتْ الأَقْلاَمُ مَعَ الْجِرْيَةِ وَعَالَ قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ الْجِرْيَةَ فَكَفَلَهَا زكَرِيَّاءُ
وَقَوْلِهِ [141الصافات]: {فَسَاهَمَ} أَقْرَعَ {فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ} مِنْ الْمَسْهُومِينَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ "عَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهِمَ بَيْنَهُمْ: أَيُّهُمْ يَحْلِفُ"
2686- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ

(5/292)


اسْتَهَمُوا سَفِينَةً فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلاَهَا فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلاَهَا فَتَأَذَّوْا بِهِ فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا مَا لَكَ قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلاَ بُدَّ لِي مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ"
2687- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ أُمَّ الْعَلاَءِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ قَدْ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ "أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَتْ الأَنْصَارُ سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ قَالَتْ أُمُّ الْعَلاَءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ لاَ أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللَّهِ الْيَقِينُ وَإِنِّي لاَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ قَالَتْ فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ قَالَتْ فَنِمْتُ فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ذَلكِ عَمَلُهُ"
2688- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
2689- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لاَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا"
قوله: "باب القرعة في المشكلات" أي مشروعيتها، ووجه إدخالها في كتاب الشهادات أنها من جملة البينات التي تثبت بها الحقوق، فكما تقطع الخصومة والنزاع بالبينة كذلك تقطع بالقرعة. ووقع في رواية السرخسي وحده "من المشكلات" والأول أوضح، وليست "من" للتبعيض إن كانت محفوظة، ومشروعية القرعة مما اختلف فيه،

(5/293)


والجمهور على القول بها في الجملة، وأنكرها بعض الحنفية، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها، وجعل المصنف ضابطها الأمر المشكل، وفسرها غيره بما ثبت فيه الحق لاثنين فأكثر وتقع المشاححة فيه فيقرع لفصل النزاع. وقال إسماعيل القاضي: ليس في القرعة إبطال الشيء من الحق كما زعم بعض الكوفيين، بل إذا وجبت القسمة بين الشركاء فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ثم يقترعوا فيصير لكل واحد ما وقع له بالقرعة مجتمعا مما كان له في الملك مشاعا فيضم في موضع بعينه ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه لأن مقادير ذلك قد عدلت بالقيمة، وإنما أفادت القرعة أن لا يختار واحد منهم شيئا معينا فيختاره الأخر فيقطع التنازع، وهي إما في الحقوق المتساوية وإما في تعيين الملك، فمن الأول عقد الخلافة إذا استووا في صفة الإمامة، وكذا بين الأئمة في الصلوات والمؤذنين والأقارب في تغسيل الموتى والصلاة عليهم والحاضنات إذا كن في درجة والأولياء في التزويج والاستباق إلى الصف الأول وفي إحياء الموات وفي نقل المعدن ومقاعد الأسواق والتقديم بالدعوى عند الحاكم والتزاحم على أخذ اللقيط والنزول في الخان المسبل ونحوه وفي السفر ببعض الزوجات وفي ابتداء القسم والدخول في ابتداء النكاح وفي الإقراع بين العبيد إذا أوصي بعتقهم ولم يسعهم الثلث، وهذه الأخيرة من صور القسم الثاني أيضا وهو تعيين الملك ومن صور تعيين الملك الإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة. قوله: "وقوله عز وجل: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} أشار بذلك إلى الاحتجاج بهذه القصة في صحة الحكم بالقرعة بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه ولا سيما إذا ورد في شرعنا تقريره، وساقه مساق الاستحسان والثناء على فاعله وهذا منه. قوله: "وقال ابن عباس إلخ" وصله ابن جرير بمعناه. وقوله: "وعال قلم زكريا" أي ارتفع على الماء. وفي رواية الكشميهني: "وعلا" وفي نسخة "وعدا" بالدال. و "الجرية" بكسر الجيم والمعنى أنهم اقترعوا على كفالة مريم أيهم يكفلها فأخرج كل واحد منهم قلما وألقوها كلها في الماء فجرت أقلام الجميع مع. الجرية إلى أسفل وارتفع قلم زكريا فأخذها. وأخرج ابن العديم في "تاريخ حلب" بسنده إلى شعيب بن إسحاق أن النهر الذي ألقوا فيه الأقلام هو نهر قويق النهر المشهور بحلب. قوله: "وقوله" أي وقول الله عز وجل. قوله: "فساهم أقرع" هو تفسير ابن عباس أخرجه ابن جرير من طريق معاوية بن صالح عن علي من أبي طلحة عنه، وروي عن السدي قال: قوله: "فساهم" أي قارع وهو أوضح. قوله: "فكان من المدحضين: من المسهومين" هو تفسير ابن عباس أيضا أخرجه ابن جرير بالإسناد المذكور بلفظ: "فكان من المقروعين". ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: "فكان من المسهومين" والاحتجاج بهذه الآية في إثبات القرعة يتوقف على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو كذلك ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وهذه المسألة من هذا القبيل، لأنه كان في شرعهم جواز إلقاء البعض لسلامة البعض، وليس ذلك في شرعنا لأنهم مستوون في عصمة الأنفس فلا يجوز إلقاؤهم بقرعة ولا بغيرها. قوله: "وقال أبو هريرة: عرض النبي صلى الله عليه وسلم إلخ" وصله قبل بأبواب، وتقدم الكلام عليه في "باب إذا تسارع قوم في اليمين" وهو حجة في العمل بالقرعة. ثم ذكر المصنف في الباب أيضا أربعة أحاديث الأول حديث أم العلاء في قصة عثمان بن مظعون وقد وتقدم الكلام عليه في أوائل الجنائز ويأتي في الهجرة شيء من ترجمة أم العلاء المذكورة وعثمان بن مظعون إن شاء الله تعالى والغرض منه قولها فيه أن عثمان بن مظعون طار له سهمه في

(5/294)


السكنى ومعنى ذلك أن المهاجرين لما دخلوا المدينة لم يكن لهم مساكن فاقترع الأنصار في انزامهم فصار عثمان بن مظعون لآل أم العلاء فنزل فيهم الثاني حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه وهو طرف من أول حديث الإفك وباقيه يتعلق بالقسم وقد تقدم في باب هبة المرأة لغير زوجها وسبقت الإشارة إلى محل شرحه هناك الثالث حديث أبي هريرة لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا وقدتقدم مشروحا في أبواب الأذان من كتاب الصلاة والغرض منه لأن المراد بالاستهام هنا الإقرع وقد تقدم بيانه هناك الرابع حديث النعمان بن بشير. قوله: "مثل المدهن" بضم أوله وسكون المهملة وكسر الهاء بعدها نون أي المحابي بالمهملة والموحدة والمدهن والمداهن وأحد، والمراد به من يرائي ويضيع الحقوق ولا يغير المنكر. قوله: "والواقع فيها" كذا وقع هنا، وقد تقدم في الشركة من وجه آخر عن عامر وهو الشعبي "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها" وهو أصوب لأن المدهن والواقع أي مرتكبها في الحكم واحد، والقائم مقابله. ووقع عند الإسماعيلي في الشركة "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها" وهذا يشمل الفرق الثلاث وهو الناهي عن المعصية والواقع فيها والمرائي في ذلك، ووقع عند الإسماعيلي أيضا هنا "مثل الواقع في حدود الله تعالى والناهي عنها" وهو المطابق للمثل المضروب فإنه لم يقع فيه إلا ذكر فرقتين فقط لكن إذا كان المداهن مشتركا في الذم مع الواقع صارا بمنزلة فرقة واحدة، وبيان وجود الفرق الثلاث في المثل المضروب أن الذين أرادوا خرق السفينة بمنزله الواقع في حدود الله، ثم من عداهم إما منكر وهو القائم، وإما ساكت وهو المدهن. وحمل ابن التين قوله هنا "الواقع فيها" على أن المراد به القائم فيها واستشهد بقوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} أي قامت القيامة ولا يخفى ما فيه، وكأنه غفل عما وقع في الشركة من مقابلة الواقع بالقائم، وقد رواه الترمذي من طريق أبي معاوية عن الأعمش بلفظ: "مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها" وهو مستقيم. وقال الكرماني: قال في الشركة "مثل القائم" وهنا "مثل المدهن" وهما نقيضان، فإن القائم هو الآمر بالمعروف والمدهن هو التارك له، ثم أجاب بأنه حيث قال القائم نظر إلى جهة النجاة، وحيث قال المدهن نظر إلى جهة الهلاك ولا شك أن التشبيه مستقيم على الحالين. قلت: كيف يستقيم هنا الاقتصار على ذكر المدهن وهو التارك للأمر بالمعروف وعلى ذكر الواقع في الحد وهو العاصي وكلاهما هالك، فالذي يظهر أن الصواب ما تقدم. والحاصل أن بعض الرواة ذكر المدهن والقائم وبعضهم ذكر الواقع والقائم وبعضهم جمع الثلاثة، وأما الجمع بين المدهن والواقع دون القائم فلا يستقيم. قوله: "استهموا سفينة" أي اقترعوها، فأخذ كل واحد منهم سهما أي نصيبا من السفينة بالقرعة بأن تكون مشتركة بينهم إما بالإجارة وإما بالملك، وإنما تقع القرعة بعد التعديل، ثم يقع التشاح في الأنصبة فتقع القرعة لفصل النزاع كما تقدم. قال ابن التين: وإنما يقع ذلك في السفينة ونحوها فيما إذا نزلوها معا، أما لو سبق بعضهم بعضا فالسابق أحق بموضعه. قلت: وهذا فيما إذا كان مسبلة مثلا، أما لو كانت مملوكة لهم مثلا فالقرعة مشروعة إذا تنازعوا والله أعلم. قوله: "فتأذوا به" أي بالمار عليهم بالماء حالة السقي. قوله: "فأخذ فأسا" بهمزة ساكنة معروف ويؤنث. قوله: "ينقر" بفتح أوله وسكون النون وضم القاف أي يحفر ليخرقها. قوله: "فإن أخذوا على يديه" أي منعوه من الحفر "أنجوه ونجوا أنفسهم" هو تفسير للرواية الماضية في الشركة حيث قال:

(5/295)


"نجوا ونجوا" أي كل من الآخذين والمأخوذين، وهكذا إقامة الحدود يحصل بها النجاة لمن أقامها وأقيمت عليه، وإلا هلك العاصي بالمعصية والساكت بالرضا بها. قال المهلب وغيره: في هذا الحديث تعذيب العامة بذنب الخاصة، وفيه نظر لأن التعذيب المذكور إذا وقع في الدنيا على من لا يستحقه فإنه يكفر من ذنوب من وقع به أو يرفع من درجته. وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف، وتبيين العالم الحكم بضرب المثل، ووجوب الصبر على أذى الجار إذا خشي وقوع ما هو أشد ضررا، وأنه ليس لصاحب السفل أن يحدث على صاحب العلو ما يضر به، وأنه إن أحدث عليه ضررا لزمه إصلاحه، وأن لصاحب العلو منعه من الضرر. وفيه جواز قسمة العقار المتفاوت بالقرعة وإن كان فيه علو وسفل. "تنبيه": وقع حديث النعمان هذا في بعض النسخ مقدما على حديث أم العلاء، وفي رواية أبي ذر وطائفة كما أوردته.
"خاتمة": اشتمل كتاب الشهادات وما اتصل به من القرعة وغير ذلك من الأحاديث المرفوعة على سنة وسبعين حديثا، المعلق منها أحد عشر حديثا والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثمانية وأربعون حديثا والخالص ثمانية وعشرون، وافقه مسلم على تخريجها سوى خمسة أحاديث وهي حديث عمر "كان الناس يؤخذون بالوحي" وحديث عبد الله بن الزبير في قصة الإفك، وحديث القاسم بن محمد فيه وهو مرسل، وحديث أبي هريرة في الاستهام في اليمين، وحديث ابن عباس في الإنكار على من يأخذ عن أهل الكتاب. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ثلاثة وسبعون أثرا. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(5/296)