Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
باب الجزية و الموادعة ، مع أهل الذمة و الحرب
...
1 - باب الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ
وَقَوْلِ اللَّه تَعَالَى [29 التوبة]: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} يَعْنِي أَذِلاَءُ. وَمَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالْعَجَمِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّأْمِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ
3156- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرًا قَالَ: "كُنْتُ جَالِسًا مَعَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَمْرِو بْنِ أَوْسٍ فَحَدَّثَهُمَا بَجَالَةُ سَنَةَ سَبْعِينَ عَامَ حَجَّ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ عِنْدَ دَرَجِ زَمْزَمَ قَالَ كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الأَحْنَفِ فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ".
3157- حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ".
3158- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الأَنْصَارِيَّ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ

(6/257)


الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتْ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَوَافَتْ صَلاَةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا صَلَّى بِهِمْ الْفَجْرَ انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ لاَ الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ".
[الحديث 3158 – طرفاه في: 4015، 6425]
3159- حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الأَمْصَارِ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ فَأَسْلَمَ الْهُرْمُزَانُ فَقَالَ إِنِّي مُسْتَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّ هَذِهِ قَالَ نَعَمْ مَثَلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنْ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ وَلَهُ جَنَاحَانِ وَلَهُ رِجْلاَنِ فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الْجَنَاحَيْنِ نَهَضَتْ الرِّجْلاَنِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسُ فَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الْآخَرُ نَهَضَتْ الرِّجْلاَنِ وَالرَّأْسُ وَإِنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهَبَتْ الرِّجْلاَنِ وَالْجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ فَالرَّأْسُ كِسْرَى وَالْجَنَاحُ قَيْصَرُ وَالْجَنَاحُ الْآخَرُ فَارِسُ فَمُرْ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى وَقَالَ بَكْرٌ وَزِيَادٌ جَمِيعًا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ فَنَدَبَنَا عُمَرُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَخَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَقَامَ تَرْجُمَانٌ فَقَالَ لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ سَلْ عَمَّا شِئْتَ قَالَ مَا أَنْتُمْ قَالَ نَحْنُ أُنَاسٌ مِنْ الْعَرَبِ كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلاَءٍ شَدِيدٍ نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنْ الْجُوعِ وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ".
3160- فَقَالَ النُّعْمَانُ رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللَّهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنَدِّمْكَ وَلَمْ يُخْزِكَ وَلَكِنِّي شَهِدْتُ الْقِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ".
قوله: "باب الجزية" كذا للأكثر، ووقع عند ابن بطال وأبي نعيم "كتاب الجزية" ووقع لجميعهم البسملة

(6/258)


أوله سوى أبي ذر. قوله: "الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب" فيه لف ونشر مرتب، لأن الجزية مع أهل الذمة، والموادعة مع أهل الحرب. والجزية من جزأت الشيء إذا قسمته ثم سهلت الهمزة، وقيل من الجزاء أي لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام، أو من الإجزاء لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه. والموادعة المتاركة، والمراد بها متاركة أهل الحرب مدة معينة لمصلحة. قال ابن المنير: وليس في أحاديث الباب ما يوافقها إلا الحديث الأخير في تأخير النعمان بن مقرن القتال وانتظاره زوال الشمس. قلت: وليست هذه الموادعة المعروفة، والذي يظهر أن الصواب ما وقع عند أبي نعيم من إثبات لفظ: "كتاب" في صدر هذه الترجمة ويكون الكتاب معقودا للجزية والمهادنة، والأبواب المذكورة بعد ذلك مفرعة عنه، والله أعلم. قال العلماء: الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم ويحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام. واختلف في سنة مشروعيتها فقيل في سنة ثمان، وقيل في سنة تسع. قوله: "وقول الله عز وجل {قَاتِلُوا الَّذِينَ} إلخ" هذه الآية هي الأصل في مشروعية الجزية، ودل منطوق الآية على مشروعيتها مع أهل الكتاب، ومفهومها أن غيرهم لا يشاركهم فيها. قوله: "يعني أذلاء" هو تفسير {وَهُمْ صَاغِرُونَ} قال أبو عبيدة في المجاز: الصاغر الذليل الحقير. قال: وقوله: {عَنْ يَدٍ} أي عن طيب نفس، وكل من أطاع لقاهر وأعطاه عن طيب نفس من يد فقد أعطاه عن يد. وقيل معنى قوله: {عَنْ يَدٍ} أي نعمة منكم عليهم، وقيل يعطيها من يده ولا يبعث بها، وعن الشافعي: المراد بالصغار هنا التزام حكم الإسلام، وهو يرجع إلى التفسير اللغوي. لأن الحكم على الشخص بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله يستلزم الذل. قوله: "والمسكنة مصدر المسكين فلان أسكن من فلان أحوج منه ولم يذهب إلى السكون" هذا الكلام ثبت في كلام أبي عبيدة في المجاز، والقائل "ولم يذهب إلى السكون" قيل هو الفربري الراوي عن البخاري، أراد أن ينبه على أن قول البخاري "أسكن" من المسكنة لا من السكون، وإن كان أصل المادة واحدا، ووجه ذكر المسكنة هنا أنه لما فسر الصغار بالذلة وجاء في وصف أهل الكتاب أنهم {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} ناسب ذكر المسكنة عند ذكر الذلة. قوله: "وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم" هذه بقية الترجمة، قيل وعطف العجم على من تقدم ذكره من عطف الخاص على العام، وفيه نظر، والظاهر أن بينهما خصوصا وعموما وجهيا، فأما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتفاق، وأما المجوس فقد ذكر مستنده في الباب، وفرق الحنفية فقالوا: تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب، وحكى الطحاوي عنهم تقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف، وعن مالك تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام، وحكى ابن القاسم عنه لا تقبل من قريش، وحكى ابن عبد البر الاتفاق على قبولها من المجوس، لكن حكى ابن التين عن عبد الملك أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط، ونقل أيضا الاتفاق على أنه لا يحل نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم، لكن حكى غيره عن أبي ثور حل ذلك، قال ابن قدامة: هذا خلاف إجماع من تقدمه. قلت: وفيه نظر، فقد حكى ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب أنه لم يكن يرى بذبيحة المجوسي بأسا إذا أمره المسلم بذبحها، وروى ابن أبي شيبة عنه وعن عطاء وطاوس وعمرو بن دينار أنهم لم يكونوا يرون بأسا بالتسري بالمجوسية. وقال الشافعي: تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ويلتحق بهم المجوس في ذلك، واحتج بالآية المذكورة فإن مفهومها أنها لا تقبل من غير أهل الكتاب وقد أخذها النبي

(6/259)


صلى الله عليه وسلم من المجوس فدل على إلحاقهم بهم واقتصر عليه. وقال أبو عبيد: ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب وعلى المجوس بالسنة، واحتج غيره بعموم قوله في حديث بريده وغيره: "فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا فالجزية" واحتجوا أيضا بأن أخذها من المجوس يدل على ترك مفهوم الآية، فلما انتفى تخصيص أهل الكتاب بذلك دل على أن لا مفهوم لقوله: "من أهل الكتاب"، وأجيب بأن المجوس كان لهم كتاب ثم رفع، وروى الشافعي وغيره في ذلك حديثا عن علي، وسيأتي في هذا الباب ذكره. وتعقب بقوله تعالى: {إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} ، وأجيب بأن المراد مما اطلع عليه القائلون وهم قريش لأنهم لم يشتهر عندهم من جميع الطوائف من له كتاب إلا اليهود والنصارى، وليس في ذلك نفي بقية الكتب المنزلة كالزبور وصحف إبراهيم وغير ذلك. قوله: "وقال ابن عيينة إلخ" وصله عبد الرزاق عنه به وزاد بعد قوله: "أهل الشام من أهل الكتاب تؤخذ منهم الجزية إلخ" وأشار بهذا الأثر إلى جواز التفاوت في الجزية، وأقل الجزية عند الجمهور دينار لكل سنة، وخصه الحنفية بالفقير، وأما المتوسط فعليه ديناران وعلى الغني أربعة، وهو موافق الأثر مجاهد كما دل عليه حديث عمر، وعند الشافعية أن للإمام أن يماكس حتى يأخذها منهم وبه قال أحمد، روى أبو عبيد من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب "عن عمر أنه بعث عثمان بن حنيف بوضع الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر" وهذا على حساب الدينار باثني عشر. وعن مالك لا يزاد على الأربعين، وينقص منها عمن لا يطيق، وهذا محتمل أن يكون جعله على حساب الدينار بعشرة، والقدر الذي لا بد منه دينار، وفيه حديث مسروق عن معاذ "أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال: خذ من كل حالم دينارا" أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي والحاكم، واختلف السلف في أخذها من الصبي فالجمهور لا على مفهوم حديث معاذ، وكذا لا تؤخذ من شيخ فان ولا زمن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع والديارات في قول، والأصح عند الشافعية الوجوب على من ذكر آخرا. قوله: "سمعت عمرا" هو ابن دينار. قوله: "كنت جالسا مع جابر بن زيد" هو أبو الشعثاء البصري "وعمرو بن أوس" هو الثقفي المتقدم ذكر روايته عن عبد الرحمن بن أبي بكر في الحج وعن عبد الله بن عمرو في التهجد، وليست له هنا رواية، بل ذكره عمرو بن دينار ليبين أن بحالة لم يقصده بالتحدث وإنما حدث غيره فسمعه هو، وهذا وجه من وجوه التحمل بالاتفاق، وإنما اختلفوا هل يسوغ أن يقول: "حدثنا"؟ والجمهور على الجواز، ومنع منه النسائي وطائفة قليلة. وقال البرقاني: يقول: "سمعت فلانا". قوله: "فحدثهما بجالة" هو بفتح الموحدة والجيم الخفيفة تابعي شهير كبير تميمي بصري وهو ابن عبدة بفتح المهملة والموحدة، ويقال فيه عبد بالسكون بلا هاء، وماله في البخاري سوى هذا الموضع. قوله: "عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة" أي وحج حينئذ بحالة معه، وبذلك صرح أحمد في روايته عن سفيان، وكان مصعب أميرا على البصرة من قبل أخيه عبد الله بن الزبير. وقتل مصعب بعد ذلك بسنة أو سنتين. قوله: "كنت كاتبا لجزء" بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة هكذا يقوله المحدثون، وضبطه أهل النسب بكسر الزاي بعدها تحتانية ساكنة ثم همزة. ومن قاله بلفظ التصغير فقد صحف. وهو ابن معاوية ابن حصن بن عبادة التميمي السعدي، عم الأحنف بن قيس. وهو معدود في الصحابة. وكان عامل عمر على الأهواز. ووقع في رواية الترمذي أنه كان على تنادر

(6/260)


"قلت" هي من قرى الأهواز. وذكر البلاذري أنه عاش إلى خلافة معاوية، وولى لزياد بعض عمله. قوله: "قبل موته بسنة" كان ذلك سنة اثنتين وعشرين، لأن عمر قتل سنة ثلاث. قوله: "فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس" زاد مسدد وأبو يعلى في روايتهما: "اقتلوا كل ساحر قال: فقتلنا في يوم ثلاث سواحر، وفرقنا بين المحارم منهم، وصنع طعاما فدعاهم وعرض السيف على فخذيه، فأكلوا بغير زمزمة" قال الخطابي: أراد عمر بالتفرقة بين المحارم من المجوس منعهم من إظهار ذلك وإفشاء عقودهم به، وهو كما شرط على النصارى أن لا يظهروا صليبهم. قلت: قد روى سعيد بن منصور من وجه آخر عن بجالة ما يبين سبب ذلك ولفظه: "أن فرقوا بين المجوس وبين محارمهم كيما نلحقهم بأهل الكتاب" فهذا يدل على أن ذلك عند عمر شرط في قبول الجزية منهم، وأما الأمر بقتل الساحر فهو من مسائل الخلاف، وقد وقع في رواية سعيد بن منصور المذكورة من الزيادة "واقتلوا كل ساحر وكاهن" وسيأتي الكلام على حكم الساحر في "باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر". قوله: "ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف" قلت: إن كان هذا من جملة كتاب عمر فهو متصل وتكون فيه رواية عمر عن عبد الرحمن بن عوف، وبذلك وقع التصريح في رواية الترمذي ولفظه: "فجاءنا كتاب عمر: انظر مجوس من قبلك فخذ منهم الجزية، فإن عبد الرحمن ابن عوف أخبرني" فذكره. لكن أصحاب الأطراف ذكروا هذا الحديث في ترجمة بجالة بن عبدة عن عبد الرحمن ابن عوف، وليس بجيد، وقد أخرج أبو داود من طريق قشير بن عمرو عن بجالة عن ابن عباس قال: "جاء رجل من مجوس هجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خرج قلت له: ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: شر، الإسلام أو القتل. قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن عباس فأخذ الناس بقول عبد الرحمن وتركوا ما سمعت"؛ وعلى هذا فبجالة يرويه عن ابن عباس سماعا وعن عمر كتابة كلاهما عن عبد الرحمن بن عوف، وروى أبو عبيد بإسناد صحيح عن حذيفة "لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها" وفي الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه "أن عمر قال: لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وهذا منقطع مع ثقة رجاله، ورواه ابن المنذر والدار قطني في "الغرائب" من طريق أبي علي الحنفي عن مالك فزاد فيه: "عن جده" وهو منقطع أيضا لأن جده علي بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر، فإن كان الضمير في قوله: "عن جده" يعود على محمد بن علي فيكون متصلا لأن جده الحسين بن علي سمع من عمر بن الخطاب ومن عبد الرحمن بن عوف، وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء بن الحضرمي أخرجه الطبراني في آخر حديث بلفظ: "سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب" قال أبو عمر: هذا من الكلام العام الذي أريد به الخاص، لأن المراد سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط. قلت: وقع في آخر رواية أبي علي الحنفي "قال مالك في الجزية: واستدل بقوله سنة أهل الكتاب على أنهم ليسوا أهل كتاب" لكن روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي "كان المجوس أهل كتاب يقرؤونه وعلم يدرسونه، فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته، فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته، فأطاعوه وقتل من خالفه فأسرى على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شيء" وروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن ابن أبزى "لما هزم المسلمون أهل فارس قال عمر: اجتمعوا. فقال: إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم، ولا من عبدة الأوثان فنجري عليهم أحكامهم

(6/261)


فقال علي: بل هم أهل كتاب" فذكر نحوه لكن قال: "وقع على ابنته" وقال في آخره: "فوضع الأخدود لمن خالفه" فهذا حجة لمن قال كان لهم كتاب، وأما قول ابن بطال: لو كان لهم كتاب ورفع لرفع حكمه ولما استثنى حل ذبائحهم ونكاح نسائهم، فالجواب أن الاستثناء وقع تبعا للأثر الوارد في ذلك لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم، بخلاف النكاح فإنه مما يحتاط له. وقال ابن المنذر: ليس تحريم نسائهم وذبائحهم متفقا عليه، ولكن الأكثر من أهل العلم عليه. وفي الحديث قبول خبر الواحد، وأن الصحابي الجليل قد يغيب عنه علم ما اطلع عليه غيره من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه، وأنه لا نقص عليه في ذلك. وفيه التمسك بالمفهوم لأن عمر فهم من قوله: "أهل الكتاب" اختصاصهم بذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف بإلحاق المجوس بهم فرجع إليه. قوله: "الأنصاري" المعروف عند أهل المغازي أنه من المهاجرين وهو موافق لقوله هنا "وهو حليف لبني عامر بن لؤي" لأنه يشعر بكونه من أهل مكة، ويحتمل أن يكون وصفه بالأنصاري بالمعنى الأعم، ولا مانع أن يكون أصله من الأوس والخزرج ونزل مكة وحالف بعض أهلها فبهذا الاعتبار يكون أنصاريا مهاجريا، ثم ظهر لي أن لفظة الأنصاري وهم، وقد تفرد بها شعيب عن الزهري، ورواه أصحاب الزهري كلهم عنه بدونها في الصحيحين وغيرهما، وهو معدود في أهل بدر باتفاقهم، ووقع عند موسى بن عقبة في المغازي أنه عمير بن عوف بالتصغير، وسيأتي في الرقاق من طريق موسى بن عقبة عن الزهري بغير تصغير، وكأنه كان يقال فيه بالوجهين، وقد فرق العسكري بين عمير بن عوف وعمرو بن عوف والصواب الوحدة. قوله: "بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين" أي البلد المشهور بالعراق، وهي بين البصرة وهجر، وقوله: "يأتي بجزيتها" أي بجزية أهلها، وكان غالب أهلها إذ ذاك المجوس، ففيه تقوية للحديث الذي قبله، ومن ثم ترجم عليه النسائي: "أخذ الجزية من المجوس"، وذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين يدعوه إلى الإسلام فأسلم وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية. قوله: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين" كان ذلك في سنة الوفود سنة تسع من الهجرة، والعلاء بن الحضرمي صحابي شهير واسم الحضرمي عبد الله بن مالك بن ربيعة، وكان من أهل حضرموت فقدم مكة فخالف بها بني مخزوم، وقيل: كان اسم الحضرمي في الجاهلية زهرمز، وذكر عمر ابن شبة في "كتاب مكة" عن أبي غسان عن عبد العزيز بن عمران أن كسرى لما أغار بنو تميم وبنو شيبان على ماله أرسل إليهم عسكرا عليهم زهرمز فكانت وقعة ذي قار فقتلوا الفرس وأسروا أميرهم، فاشتراه صخر بن رزين الديلي فسرقه منه رجل من حضرموت فتبعه صخر حتى افتداه منه فقدم به مكة، وكان صناعا فعتق وأقام بمكة وولد له أولاد نجباء وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة فصارت دعواهم في آل حرب، ثم تزوجها عبيد الله بن عثمان والد طلحة أحد العشرة فولدت له طلحة. قال: وقال غير عبد العزيز: أن كلثوم ابن رزين أو أخاه الأسود خرج تاجرا فرأى بحضرموت عبدا فارسا نجارا يقال له زهرمز فقدم به مكة ثم اشتراه من مولاه وكان حميريا يكنى أبا رفاعة فأقام بمكة فصار يقال له الحضرمي حتى غلب على اسمه، فجاور أبا سفيان وانقطع إليه، وكان آل رزين حلفاء لحرب بن أمية، وأسلم العلاء قديما ومات الثلاثة المذكورون أبو عبيدة والعلاء باليمين وعمرو بن عوف في خلافة عمر رضي الله عنهم. قوله: "فقدم أبو عبيدة" تقدم في كتاب الصلاة بيان المال المذكور وقدره وقصة العباس في الأخذ منه وهي التي ذكرت هنا أيضا. قوله: "فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافقت صلاة الصبح" يؤخذ منه أنهم كانوا لا يجتمعون في كل الصلوات

(6/262)


في التجميع إلا لأمر يطرأ، وكانوا يصلون في مساجدهم، إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه، فلأجل ذلك عرف النبي صلى الله عليه وسلم أنهم اجتمعوا لأمر، ودلت القرينة على تعيين ذلك الأمر وهو احتياجهم إلى المال للتوسعة عليهم فأبوا إلا أن يكون للمهاجرين مثل ذلك، وقد تقدم هناك من حديث أنس، فلما قدم المال رأوا أن لهم فيه حقا. ويحتمل أن يكون وعدهم بأن يعطيهم منه إذا حضر، وقد وعد جابرا بعد هذا أن يعطيه من مال البحرين فوفى له أبو بكر. قوله: "فتعرضوا له" أي سألوه بالإشارة. قوله: "قالوا أجل يا رسول الله" قال الأخفش: أجل في المعنى مثل نعم، لكن نعم يحسن أن تقال جواب الاستفهام، وأجل أحسن من نعم في التصديق. قوله: "فأبشروا" أمر معناه الإخبار بحصول المقصود. قوله: "فتنافسوها" يأتي الكلام عليه في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث أن طلب العطاء من الإمام لا غضاضة فيه، وفيه البشرى من الإمام لأتباعه وتوسيع أملهم منه، وفيه من أعلام النبوة إخباره صلى الله عليه وسلم بما يفتح عليهم، وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم مرفوعا: "تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون" أو نحو ذلك، وفيه إشارة إلى أن كل خصلة من المذكورات مسببة عن التي قبلها، وسيأتي بقية الكلام على ذلك في الرقاق إن شاء الله تعالى. قوله: "حدثنا المعتمر بن سليمان" كذا في جميع النسخ بسكون العين المهملة وفتح المثناة وكسر الميم، وكذا وقع في مستخرج الإسماعيلي وغيره في هذا الحديث، وزعم الدمياطي أن الصواب المعمر بفتح المهملة وتشديد الميم المفتوحة بغير مثناة قال: لأن عبد الله بن جعفر الرقي لا يروي عن المعتمر البصري، وتعقب بأن ذلك ليس بكاف في رد الروايات الصحيحة، وهب أن أحدهما لم يدخل بلد الآخر أما يجوز أن يكونا التقيا مثلا في الحج أو في الغزو؟ وما ذكره معارض بمثله، فأن المعمر بن سليمان رقي وسعيد بن عبيد الله بصري فمهما استبعد من لقاء الرقي البصري جاء مثله في لقاء الرقي للبصري، وأيضا فالذين جمعوا رجال البخاري لم يذكروا فيهم المعمر بن سليمان الرقي وأطبقوا على ذكر المعتمر بن سليمان التيمي البصري، وأغرب الكرماني فحكى أنه قيل: الصواب في هذا معمر بن راشد يعني شيخ عبد الرزاق. قلت: وهذا هو الخطأ بعينه، فليست لعبد الله بن جعفر الرقي عن معمر بن راشد رواية أصلا، والله المستعان. ثم رأيت سلف الدمياطي فيما جزم به فقال ابن قرقول في المطالع: وقع في التوحيد وفي الجزية عن الفضل بن يعقوب عن عبد الله بن جعفر عن معتمر بن سليمان عن سعيد بن عبيد الله كذا للجميع في الموضعين، قالوا وهو وهم، وإنما هو المعمر بن سليمان الرقي، وكذا كان في أصل الأصيلي فزاد فيه التاء وأصلحه في الموضعين، قال الأصيلي: المعتمر هو الصحيح. وقال غيره: المعمر هو الصحيح والرقي لا يروى عن المعتمر، قال: ولم يذكر الحاكم ولا الباجي في رجال البخاري المعمر بن سليمان، بل قال الباجي في ترجمة عبد الله بن جعفر: يروى عن المعتمر، ولم يذكر له البخاري عنه رواية. قوله: "حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي" هو ابن جبير بن حية المذكور بعد، وزياد بن جبير شيخه هو ابن عمه. قوله: "عن جبير بن حية" هو جد زياد وحية أبوه بمهملة وتحتانية مثقلة، وهو من كبار التابعين، واسم جده مسعود بن معتب بمهملة ومثناة ثم موحدة، ومنهم من عده في الصحابة وليس ذلك عندي ببعيد، لأن من شهد الفتوح في وسط خلافة عمر يكون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مميزا، وقد نقل ابن عبد البر أنه لم يبق في سنة حجة الوداع من قريش وثقيف أحد إلا أسلم وشهدها وهذا منهم، وهو من بيت كبير فإن عمه عروة بن مسعود كان رئيس ثقيف في زمانه والمغيرة بن شعبة ابن عمه.

(6/263)


ووقع في رواية الطبري من طريق مبارك بن فضالة عن زياد بن جبير "حدثني أبي" ولسعيد حفيده رواية أخرى في الأشربة والتوحيد، وعمه زياد بن جبير تقدمت له روايات أخرى في الصوم والحج، وذكر أبو الشيخ أن جبير بن حية ولي إمرة أصبهان ومات في خلافة عبد الملك بن مروان. قوله: "بعث عمر الناس في أفناء الأمصار" أي في مجموع البلاد الكبار، والأفناء بالفاء والنون ممدود جمع فنو بكسر الفاء وسكون النون، ويقال فلان من أفناء الناس إذا لم تعين قبيلته. والمصر: المدينة العظيمة، ووقع عند الكرماني "الأنصار" بالنون بدل الميم وشرح عليه ثم قال: وفي بعضها الأمصار. قوله: "فأسلم الهرمزان" في السياق اختصار كثير لأن إسلام الهرمزان كان بعد قتال كثير بينه وبين المسلمين بمدينة تستر، ثم نزل على حكم عمر فأسره أبو موسى الأشعري وأرسل به إلى عمر مع أنس فأسلم فصار عمر يقربه ويستشيره، ثم اتفق أن عبيد الله - بالتصغير - ابن عمر بن الخطاب اتهمه بأنه واطأ أبا لؤلؤة على قتل عمر فعدا على الهرمزان فقتله بعد قتل عمر، وستأتي قصة إسلام الهرمزان بعد عشرة أبواب. وهو بضم الهاء وسكون الراء وضم الميم بعدها زاي، وكان من زعماء الفرس. قوله: "إني مستشيرك في مغازي" بالتشديد، وهذه إشارة إلى ما في قصده، ووقع في رواية ابن أبي شيبة من طريق معقل بن يسار "أن عمر شاور الهرمزان في فارس وأصبهان وأذربيجان" أي بأيها يبدأ، وهذا يشعر بأن المراد أنه استشاره في جهات مخصوصة، والهرمزان كان من أهل تلك البلاد وكان أعلم بأحوالها من غيره، وعلى هذا ففي قوله في حديث الباب: "فالرأس كسرى والجناح قيصر والجناح الآخر فارس" نظر، لأن كسرى هو رأس أهل فارس، وأما قيصر صاحب الروم فلم يكن كسرى رأسا لهم. وقد وقع عند الطبري من طريق مبارك بن فضالة المذكورة قال: "فإن فارس اليوم رأس وجناحان" وهذا موافق لرواية ابن أبي شيبة وهو أولى، لأن قيصر كان بالشام ثم ببلاد الشمال ولا تعلق لهم بالعراق وفارس والمشرق. ولو أراد أن يجعل كسرى رأس الملوك وهو ملك المشرق وقيصر ملك الروم دونه ولذلك جعله جناحان لكان المناسب أن يجعل الجناح الثاني ما يقابله من جهة اليمين كملوك الهند والصين مثلا، لكن دلت الرواية الأخرى على أنه لم يرد إلا أهل بلاده التي هو عالم بها، وكأن الجيوش إذ ذاك كانت بالبلاد الثلاثة، وأكثرها وأعظمها بالبلدة التي فيها كسرى لأنه كان رأسهم. قوله: "فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى" في رواية مبارك أن الهرمزان قال: "فاقطع الجناحين يلن لك الرأس" فأنكر عليه عمر فقال: "بل أقطع الرأس أولا" فيحتمل أنه لما أنكر عليه عاد فأشار عليه بالصواب. قوله: "واستعمل علينا النعمان بن مقرن" بالقاف وتشديد الراء وهو المزني، وكان من أفاضل الصحابة هاجر هو وإخوة له سبعة وقيل عشرة. وقال ابن مسعود "إن للإيمان بيوتا، وإن بيت آل مقرن من بيوت الإيمان" وكان النعمان قدم على عمر بفتح القادسية ففي رواية ابن أبي شيبة المذكورة "فدخل عمر المسجد فإذا هو بالنعمان يصلي فقعد، فلما فرغ قال: إني مستعملك، قال أما جابيا فلا، ولكن غازيا، قال: فإنك غاز، فخرج معه الزبير وحذيفة وابن عمرو والأشعث وعمرو بن معد يكرب" وفي رواية الطبري المذكورة "فأراد عمر المسير بنفسه، ثم بعث النعمان ومعه ابن عمر وجماعة، وكتب إلى أبي موسى أن يسير بأهل البصرة، وإلى حذيفة أن يسير بأهل الكوفة، حتى يجتمعوا بنهاوند، وهي بفتح النون والهاء والواو وسكون الثانية، قال: وإذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرن". قوله: "حتى إذا كنا بأرض العدو" وقد عرف من رواية الطبري أنها نهاوند. قوله: "خرج علينا عامل كسرى" سماه مبارك بن فضالة في

(6/264)


روايته بندار، وعند ابن أبي شيبة أنه ذو الجناحين، فلعل أحدهما لقبه. قوله: "فقام ترجمان" في رواية الطبري من الزيادة "فلما اجتمعوا أرسل بندار إليهم أن أرسلوا إلينا رجلا نكلمه، فأرسلوا إليه المغيرة" وفي رواية ابن أبي شيبة: "وكان بينهم نهر. فسرح إليهم المغيرة، فعبر النهر، فشاور ذو الجناحين أصحابه كيف نقعد للرسول؟ فقالوا له: اقعد في هيئة الملك وبهجته، فقعد على سريره ووضع التاج على رأسه وقام أبناء الملوك حوله سماطين عليهم أساور الذهب والقرطة والديباج، قال فأذن للمغيرة فأخذ بضبعيه رجلان ومعه رمحه وسيفه، فجعل يطعن برمحه في بسطهم ليتطيروا" وفي رواية الطبري "قال المغيرة: فمضيت ونكست رأسي فدفعت فقلت لهم: إن الرسول لا يفعل به هذا". قوله: "ما أنتم" هكذا خاطبه بصيغة من لا يعقل احتقارا له، وفي روايته ابن أبي شيبة: "فقال إنكم معشر العرب أصابكم جوع وجهد فجئتم، فإن شئتم مرناكم" بكسر الميم وسكون الراء أي أعطيناكم الميرة أي الزاد ورجعتم. وفي رواية الطبري "إنكم معشر العرب أطول الناس جوعا وأبعد الناس من كل خير، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسا لجيفكم" قال: "فحمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت: ما أخطأت شيئا من صفتنا، كذلك كنا، حتى بعث الله إلينا رسوله". قوله: "نعرف أباه وأمه" زاد في رواية ابن أبي شيبة: "في شرف منا، أوسطنا حسبا، وأصدقنا حديثا". قوله: "فأمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية" هذا القدر هو الذي يحتاج إليه في هذا الباب، وفيه إخبار المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال المجوس حتى يؤدوا الجزية، ففيه دفع لقول من زعم أن عبد الرحمن بن عوف تفرد بذلك، وزاد في رواية الطبري "وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء حتى نغلبكم على ما في أيديكم". قوله: "فقال النعمان" هكذا وقع في هذه الرواية مختصرا، قال ابن بطال: قول النعمان للمغيرة "ربما أشهدك الله مثلها" أي مثل هذه الشدة، وقوله: "فلم يندمك" أي ما لقيت معه من الشدة "ولم يحزنك" أي لو قتلت معه لعلمك بما تصير إليه من النعيم وثواب الشهادة، قال وقوله: "ولكني شهدت إلخ" كلام مستأنف وابتداء قصة أخرى اهـ، وقد بين مبارك بن فضالة في روايته عن زياد بن جبير ارتباط كلام النعمان بما قبله، وبسياقه يتبين أنه ليس قصة مستأنفة، وحاصله أن المغيرة أنكر على النعمان تأخير القتال فاعتذر النعمان بما قاله، وما أول به قوله: "فلم يندمك إلخ" فيه أيضا نظر، والذي يظهر أنه أراد بقوله: "فلم يندمك" أي على التأني والصبر حتى تزول الشمس، وقوله: "ولم يحزنك" شرحه على أنه بالمهملة والنون من الحزن وفي رواية المستملي بالخاء المعجمة بغير نون وهو أوجه لوفاق ما قبله، وهو نظير ما تقدم في وفد عبد القيس "غير خزايا ولا ندامى" ولفظ مبارك ملخصا أنهم "أرسلوا إليهم إما أن تعبروا إلينا النهر أو نعبر إليكم، قال النعمان اعبروا إليهم، قال فتلاقوا وقد قرن بعضهم بعضا وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا يفروا، قال فرأى المغيرة كثرتهم فقال لم أر كاليوم فشلا أن عدونا يتركون يتأهبون، أما والله لو كان الأمر إلي لقد أعجلتهم" وفي رواية ابن أبي شيبة: "فصاففناهم، فرشقونا حتى أسرعوا فينا، فقال المغيرة للنعمان أنه قد أسرع في الناس فلو حملت، فقال النعمان: إنك لذو مناقب، وقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها" وفي رواية الطبري "قد كان الله أشهدك أمثالها، والله ما منعني أن أناجزهم إلا شيء شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "حتى تهب الأرواح" جمع ريح وأصله الواو، لكن لما انكسر ما قبل الواو الساكنة انقلبت ياء والجمع يرد الأشياء إلى أصولها، وقد حكى ابن جنى جمع ريح على أرياح. قوله: "وتحضر الصلوات" في رواية ابن أبي شيبة: "وتزول الشمس" وهو بالمعنى؛ وزاد في رواية الطبري

(6/265)


"ويطيب القتال" وفي رواية ابن أبي شيبة: "وينزل النصر" وزاد معا واللفظ لمبارك بن فضالة عن زياد بن جبير "فقال النعمان: اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام وذل الكفر والشهادة لي" ثم قال: "إني هاز اللواء فتيسروا للقتال". وفي رواية ابن أبي شيبة: "فليقض الرجل حاجته وليتوطأ، ثم هازه الثانية فتأهبوا" وفي رواية ابن أبي شيبة: "فلينظر الرجل إلى نفسه ويرمى من سلاحه، ثم هازه الثالثة فاحملوا، ولا يلوين أحد على أحد، ولو قتلت، فإن قتلت فعلى الناس حذيفة. قال: فحمل وحمل الناس، فوالله ما علمت أن أحدا يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر. فثبتوا لنا، ثم انهزموا، فجعل الواحد يقع على الآخر فيقتل سبعة، وجعل الحسك الذي جعلوه خلفهم يعقرهم" وفي رواية ابن أبي شيبة: "ووقع ذو الجناحين عن بغلة شهباء فانشق بطنه، ففتح الله على المسلمين" وفي رواية الطبري "وجعل النعمان يتقدم باللواء، فلما تحقق الفتح جاءته نشابة في خاصرته فصرعته، فسجاه أخوه معقل ثوبا وأخذ اللواء، ورجع الناس فنزلوا وبايعوا حذيفة، فكتب بالفتح إلى عمر مع رجل من المسلمين" قلت: وسماه سيف في "الفتوح" طريف بن سهم، وعند ابن أبي شيبة من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان هو النهدي أنه ذهب بالبشارة إلى عمر، فيمكن أن يكونا ترافقا، وذكر الطبري أن ذلك كان سنة تسع عشرة وقيل سنة إحدى وعشرين، وفي الحديث منقبة للنعمان ومعرفة المغيرة بالحرب وقوة نفسه وشهامته وفصاحته وبلاغته، ولقد اشتمل كلامه هذا الوجيز على بيان أحوالهم الدنيوية من المطعم والملبس ونحوهما، وعلى أحوالهم الدينية أولا وثانيا، وعلى معتقدهم من التوحيد والرسالة والإيمان بالمعاد، وعلى بيان معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وإخباره بالمغيبات ووقوعها كما أخبر، وفيه فضل المشورة وأن الكبير لا نقص عليه في مشاورة من هو دونه، وأن المفضول قد يكون أميرا على الأفضل، لأن الزبير بن العوام كان في جيش عليه فيه النعمان بن مقرن والزبير أفضل منه اتفاقا، ومثله تأمير عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر كما سيأتي في أواخر المغازي، وفيه ضرب المثل وجودة تصور الهرمزان ولذلك استشاره عمر، وتشبيه لغائب المجوس بحاضر محسوس لتقريبه إلى الفهم، وفيه البداءة بقتال الأهم فالأهم، وبيان ما كان العرب عليه في الجاهلية من الفقر وشظف العيش، والإرسال إلى الإمام بالبشارة، وفضل القتال بعد زوال الشمس على ما قبله، وقد تقدم ذلك في الجهاد، ولا يعارضه ما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يغير صباحا لأن هذا عند المصاففة وذاك عند الغارة.

(6/266)


2 - باب إِذَا وَادَعَ الإِمَامُ مَلِكَ الْقَرْيَةِ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ؟
3161- حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوكَ وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ".
قوله: "باب إذا وادع الإمام ملك القرية هل يكون ذلك لبقيتهم؟" أي لبقية أهل القرية. حديث أبي حميد الساعدي "غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم تبوك فأهدى ملك أيلة بغلة" الحديث، وقد تقدم بتمامه في كتاب الزكاة، وقوله: "وكساه بردا" كذا فيه بالواو، ولأبي ذر بالفاء وهو أولى لأن فاعل كسا هو النبي صلى الله عليه وسلم.

(6/266)


وقوله: "ببحرهم" أي بقريتهم، قال ابن المنير: لم يقع في لفظ الحديث عند البخاري صيغة الأمان ولا صيغة الطلب لكنه بناه على العادة في أن الملك الذي أهدى إنما طلب إبقاء ملكه، وإنما يبقى ملكه ببقاء رعيته، فيؤخذ من هذا أن موادعته موادعة لرعيته. قلت: وهذا القدر لا يكفي في مطابقة الحديث للترجمة، لأن العادة بذلك معروفة من غير الحديث، وإنما جرى البخاري على عادته في الإشارة إلى بعض طرق الحديث الذي يورده، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق في السيرة فقال: "لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه بحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية، وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله لبحنة بن رؤبة وأهل أيلة" فذكره. قال ابن بطال: العلماء مجمعون على أن الإمام إذا صالح ملك القرية أنه يدخل في ذلك الصلح بقيتهم، واختلفوا في عكس ذلك هو ما إذا استأمن لطائفة معينة هل يدخل هو فيهم؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا بد من تعيينه لفظا. وقال أصبغ وسحنون: لا يحتاج إلى ذلك، بل يكتفي بالقرينة، لأنه لم يأخذ الأمان لغيره إلا وهو يقصد إدخال نفسه.

(6/267)


باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله صلى الله عليه و سلم . و الذمة العهد ، و الإل القرابة
...
3 - باب الْوَصَاةِ بِأَهْلِ ذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالذِّمَّةُ: الْعَهْدُ. وَالإِلُّ: الْقَرَابَةُ.
3162- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ جُوَيْرِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ التَّمِيمِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قُلْنَا: أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ".
قوله: "باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم" الوصاة بفتح الواو والمهملة مخففا بمعنى الوصية، تقول وصيته وأوصيته توصية والاسم الوصاة والوصية. وقد تقدم بسطه في أول كتاب الوصايا. قوله: "والذمة العهد والإل القرابة" هو تفسير الضحاك في قوله تعالى: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً} وهو كقول الشاعر:
وأشهد أن إلك من قريش ... كإل السقب من رأل النعام
وقال أبو عبيدة في "المجاز" الإل: العهد والميثاق واليمين، ومجاز الذمة التذمم والجمع ذمم. وقال غيره: يطلق الإل أيضا على العهد وعلى الجوار. وعن مجاهد: الإل الله، وأنكره عليه غير واحد. قوله: "حدثنا أبو جمرة" هو بالجيم والراء الضبعي صاحب ابن عباس، وجويرية بن قدامة بالجيم مصغر ماله في البخاري سوى هذا الموضع، وهو مختصر من حديث طويل في قصة مقتل عمر، وسأذكر ما فيه من فائدة زائدة في الكلام على حديث عمر المذكور في مناقبه، وقيل إن جويرية هذا هو جارية بن قدامة الصحابي المشهور، وقد بينت في كتابي في الصحابة ما يقويه، فإن ثبت وإلا فهو من كبار التابعين. قوله: "أوصيكم بذمة الله فإنه ذمة نبيكم ورزق عيالكم" في رواية عمرو بن ميمون "وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم" قلت: ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه. وقوله في هذه الرواية: "ورزق عيالكم" أي ما يؤخذ منهم من الجزية والخراج. قال المهلب: في الحديث والحض على الوفاء بالعهد، وحسن النظر في عواقب الأمور، والإصلاح لمعاني المال وأصول الاكتساب.

(6/267)


باب ما أقطع النبي صلى الله عليه و سلم من البحرين ، و ما وعد من مال البحرين و الجزية و لمن يقسم الفيء و الجزية ؟
...
4 - باب مَا أَقْطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ، وَمَا وَعَدَ مِنْ مَالِ الْبَحْرَيْنِ وَالْجِزْيَةِ،وَلِمَنْ يُقْسَمُ الْفَيْءُ وَالْجِزْيَةُ ؟
3163- حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن يحيى بن سعيد قال سمعت أنسا رضي الله عنه قال: "دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ليكتب لهم بالبحرين فقالوا لا والله حتى تكتب لإخواننا من قريش بمثلها فقال ذاك لهم ما شاء الله على ذلك يقولون له. قال: فإنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".
3164- حدثنا علي بن عبد الله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال أخبرني روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي لو قد جاءنا مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء مال البحرين قال أبو بكر من كانت له ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة فليأتني فأتيته فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان قال لي لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فقال لي احثه فحثوت حثية فقال لي عدها فعددتها فإذا هي خمسمائة فأعطاني ألفا وخمسمائة".
3165- وقال إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين فقال انثروه في المسجد فكان أكثر مال أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه العباس فقال يا رسول الله أعطني إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا قال خذ فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلي قال لا قال فارفعه أنت علي قال لا فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يرفعه فقال فمر بعضهم يرفعه علي قال لا قال فارفعه أنت علي قال لا فنثر منه ثم احتمله على كاهله ثم انطلق فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم".
قوله: "باب ما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم من البحرين وما وعد من مال البحرين والجزية ولمن يقسم الفيء والجزية" اشتملت هذه الترجمة على ثلاثة أحكام، وأحاديث الباب ثلاثة موزعة عليها على الترتيب. فأما إقطاعه صلى الله عليه وسلم من البحرين فالحديث الأول دال على أنه صلى الله عليه وسلم هم بذلك وأشار على الأنصار به مرارا فلما لم يقبلوا تركه، فنزل المصنف ما بالقوة منزلة ما بالفعل، وهو في حقه صلى الله عليه وسلم واضح لأنه لا يأمر إلا بما يجوز فعله والمراد بالبحرين البلد المشهور بالعراق، وقد تقدم في فرض الخمس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صالحهم وضرب عليهم الجزية، وتقدم في كتاب الشرب في الكلام على هذا الحديث أن المراد بإقطاعها للأنصار تخصيصهم بما يتحصل من جزيتها وخراجها لا تمليك رقبتها لأن أرض الصلح

(6/268)


لا تقسم ولا تقطع. وأما ما وعد من مال البحرين والجزية فحديث جابر دال عليه وقد مضى في الخمس مشروحا. وأما مصرف الفيء والجزية فعطف الجزية على الفيء من عطف الخاص على العام لأنها من جملة الفيء، قال الشافعي وغيره من العلماء: الفيء كل ما حصل للمسلمين مما لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، وحديث أنس المعلق يشعر بأنه راجع إلى نظر الإمام يفضل من شاء بما شاء، وقد تقدم الحديث بهذا الإسناد المعلق بعينه في المساجد من كتاب الصلاة، وذكرت هناك من وصله وبعض فوائده، وأعاده في الجهاد وغيره بأخصر من هذا، وتقدم في الخمس أن المال الذي أتى به من البحرين كأن من الجزية وأن مصرف الجزية مصرف الفيء، وتقدم بيان الاختلاف في مصرف الفيء، وأن المصنف يختار أنه إلى نظر الإمام والله أعلم. وروى عبد الرزاق في حديث عمر الطويل حين دخل عليه العباس وعلي يختصمان قال: "قرأ عمر {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} الآية، فقالوا: استوعبت هذه المسلمين" ورواه أبو عبيدة من وجه آخر وقال فيه: "فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد إلا له فيها حق، إلا بعض من تملكون من أرقائكم" قال أبو عبيد: حكم الفيء والخراج والجزية واحد، ويلتحق به ما يؤخذ من مال أهل الذمة من العشر إذا اتجروا في بلاد الإسلام، وهو حق المسلمين يعم به الفقير والغني وتصرف منه أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من جميع ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين. واختلف الصحابة في قسم الفيء: فذهب أبو بكر إلى التسوية وهو قول علي وعطاء واختيار الشافعي، وذهب عمر وعثمان إلى التفضيل وبه قال مالك، وذهب الكوفيون إلى أن ذلك إلى رأي الإمام إن شاء فضل وإن شاء سوى، قال ابن بطال: أحاديث الباب حجة لمن قال بالتفضيل، كذا قال، والذي يظهر أن من قال بالتفضيل يشترط التعميم بخلاف من قال إنه إلى نظر الإمام وهو الذي تدل عليه أحاديث الباب والله أعلم. وروى أبو داود من حديث عوف بن مالك "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه في قسمة من يومه، فأعطى الآهل حظين وأعطى الأعزب حظا واحدا". وقال ابن المنذر: انفرد الشافعي بقوله إن في الفيء الخمس كخمس الغنيمة، ولا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم، لأن الآيات التاليات الآية الفيء معطوفات على آية الفيء من قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} إلى آخرها فهي مفسرة لما تقدم من قوله: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} ، والشافعي حمل الآية الأولى على أن القسمة إنما وقعت، لمن ذكر فيها فقط، ثم لما رأى الإجماع على أن أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وغير ذلك من مال الفيء تأول أن الذي ذكر في الآية هو الخمس فجعل خمس الفيء واجبا لهم، وخالفه عامة أهل العلم اتباعا لعمر والله أعلم. وفي قصة العباس دلالة على أن سهم ذوي القربى من الفيء لا يختص بفقيرهم لأن العباس كان من الأغنياء، قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد في قول عمر "ما على الأرض مسلم إلا وله من هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم" قال يقول: الفيء للغني وللفقير، وكذا قال إسحاق بن راهويه.

(6/269)


باب إثم من قبل معاهدا بغير جرم
...
5 - باب إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ
3166- حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ

(6/269)


مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا".
[الحديث 3166 – طرفه في: 6914]
قوله: "باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم" كذا قيده في الترجمة، وليس التقييد في الخبر، لكنه مستفاد من قواعد الشرع، ووقع منصوصا في رواية أبي معاوية الآتي ذكرها بلفظ: "بغير حق" وفيما أخرجه النسائي وأبو داود من حديث أبي بكرة بلفظ: "من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة" وسيأتي الكلام على المتن في الديات فإنه ذكره فيه بهذا الإسناد بعينه. عبد الواحد شيخ شيخه هو ابن زياد، والحسن ابن عمرو هو الفقيمي بالفاء والقاف مصغرا كوفي ثقة ماله في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الأدب. قوله: "مجاهد عن عبد الله بن عمرو" أي ابن العاص، كذا قال عبد الواحد عن الحسن بن عمرو، وتابعه أبو معاوية عند ابن ماجة وعمرو بن عبد الغفار الفقيمي عند الإسماعيلي فهؤلاء ثلاثة رووه هكذا، وخالفهم مروان بن معاوية فرواه عن الحسن بن عمرو فزاد فيه رجلا بين مجاهد وعبد الله بن عمرو وهو جنادة بن أبي أمية أخرجه من طريقه النسائي، ورجح الدار قطني رواية مروان لأجل هذه الزيادة، لكن سماع مجاهد من عبد الله بن عمرو ثابت، وليس بمدلس فيحتمل أن يكون مجاهد سمعه أولا من جنادة ثم لقي عبد الله بن عمرو، أو سمعاه معا وثبته فيه جنادة فحدث به عن عبد الله بن عمرو تارة وحدث به عن جنادة أخرى، ولعل السر في ذلك ما وقع بينهما من زيادة أو اختلاف لفظ فإن لفظ النسائي من طريقه "من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة" فقال: "من أهل الذمة" ولم يقل معاهدا وهو بالمعنى، ووقع في رواية أبي معاوية "بغير حق" كما تقدم، ووقع في رواية الجميع "أربعين عاما" إلا عمرو بن عبد الغفار فقال: "سبعين" ووقع مثله في حديث أبي هريرة عند الترمذي. "تنبيهان": أحدهما اتفقت النسخ على أن الحديث من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، إلا ما رواه الأصيلي عن الجرجاني عن الفربري فقال: "عبد الله بن عمر" بضم العين بغير واو، وهو تصحيف نبه عليه الجياني. ثانيهما قوله: "لم يرح" بفتح الياء والراء وأصله يراح أي وجد ريح، وحكى ابن التين ضم أوله وكسر الراء، قال: والأول أجود وعليه الأكثر، وحكى ابن الجوزي ثالثة وهو فتح أوله وكسر ثانيه من راح يريح، والله أعلم.

(6/270)


باب إخراج اليهود من جزيرة العرب . و قال عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم (( أقركم ما أقركم الله ))
...
6 - باب إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
وَقَالَ عُمَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ بِهِ".
3167- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَالَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ وَإِلاَ فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ".
[الحديث 3167 – طرفاه في: 6944، 7248]
3168- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الأَحْوَلِ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى. قُلْتُ: يَا ابن

(6/270)


عَبَّاسٍ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ قَالَ: "اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا مَا لَهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ فَقَالَ ذَرُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فَأَمَرَهُمْ بِثَلاَثٍ قَالَ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَالثَّالِثَةُ خَيْرٌ". إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا وَإِمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا. قَالَ سُفْيَانُ هَذَا مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ.
قوله: "باب إخراج اليهود من جزيرة العرب" تقدم الكلام على جزيرة العرب في "باب هل يستشفع إلى أهل الذمة" من كتاب الجهاد، وتقدم فيه حديث ابن عباس ثاني حديثي الباب ولفظه: "أخرجوا المشركين" وكأن المصنف اقتصر على ذكر اليهود لأنهم يوحدون الله تعالى إلا القليل منهم ومع ذلك أمر بإخراجهم فيكون إخراج غيرهم من الكفار بطريق الأولى. قوله: "وقال عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أقركم ما أقركم الله" هو طرف من قصة أهل خيبر، وقد تقدم موصولا في المزارعة مع الكلام عليه. حديث أبي هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم لليهود "أسلموا تسلموا" وسيأتي بأتم من هذا السياق في كتاب الإكراه وفي الاعتصام، ولم أر من صرح بنسب اليهود المذكورين والظاهر أنهم بقايا من اليهود تأخروا بالمدينة بعد إخلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم، لأنه كان قبل إسلام أبي هريرة، وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح خيبر كما سيأتي بيان ذلك كله في المغازي، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض كما تقدم، واستمروا إلى أن أجلاهم عمر، ويحتمل والله أعلم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فتح ما بقي من خيبر هم بإجلاء من بقي ممن صالح من اليهود ثم سألوه أن يبقيهم ليعملوا في الأرض فبقاهم، أو كان قد بقي بالمدينة من اليهود المذكورين طائفة استمروا فيها معتمدين على الرضا بإبقائهم للعمل في أرض خيبر ثم منعهم النبي صلى الله عليه وسلم من سكنى المدينة أصلا والله أعلم، بل سياق كلام القرطبي في شرح مسلم يقتضي أنه فهم أن المراد بذلك بنو النضير، ولكن لا يصح ذلك لتقدمه على مجيء أبي هريرة، وأبو هريرة يقول في هذا الحديث إنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وبيت المدراس بكسر أوله هو البيت الذي يدرس فيه كتابهم، أو المراد بالمدراس العالم الذي يدرس كتابهم، والأول أرجح لأن في الرواية الأخرى "حتى أتى المدراس" وقوله: "أسلموا تسلموا" من الجناس الحسن لسهولة لفظه وعدم تكلفه، وقد تقدم نظيره في كتاب هرقل "أسلم تسلم" وقوله: "اعلموا" جملة مستأنفة كأنهم قالوا في جواب قوله أسلموا تسلموا: لم قلت هذا وكررته؟ فقال: اعلموا أني أريد أن أجليكم فإن أسلمتم سلمتم من ذلك ومما هو أشق منه . وقولهم "قد بلغت"(1) كلمة مكر ومداجاة ليدافعوه بما يوهمه ظاهرها ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "ذلك أريد" أي التبليغ. قوله: "فمن يجد منكم بماله" من الوجدان أي يجد مشتريا، أو من الوجد أي المحبة أي يحبه، والغرض أن منهم من يشق عليه فراق شيء من ماله مما يعسر تحويله فقد أذن له في بيعه. حديث ابن عباس فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته، والغرض منه قوله: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ووقع في رواية الجرجاني "أخرجوا اليهود" والأول أثبت. قوله: "حدثنا محمد حدثنا ابن عيينة" محمد هذا هو ابن سلام، وقد تقدم في كتاب الوضوء في حديث آخر "حدثنا محمد بن سلام
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق: وقولهم: "قد بلغت" وقوله بعده: "ذلك أريد" كذا في نسخ الشرح التي بأيدينا، وليس في نسخ البخاري شيء من ذلك، فلعلها رواية وقعت له فكتب عليها.

(6/271)


حدثنا ابن عيينة" وسيأتي الكلام على شرح المتن في الوفاة آخر المغازي إن شاء الله تعالى. قال الطبري: فيه أن على الإمام إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل بلد غلب عليها المسلمون عنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم كعمل الأرض ونحو ذلك، وعلى ذلك أقر عمر من أقر بالسواد والشام، وزعم أن ذلك لا يختص بجزيرة العرب بل يلتحق بها ما كان على حكمها.

(6/272)


7 - باب إِذَا غَدَرَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُمْ
3169- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَبُوكُمْ قَالُوا فُلاَنٌ فَقَالَ كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلاَنٌ قَالُوا صَدَقْتَ قَالَ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا فَقَالَ لَهُمْ مَنْ أَهْلُ النَّارِ قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اخْسَئُوا فِيهَا وَاللَّهِ لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا ثُمَّ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا قَالُوا نَعَمْ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ".
[الحديث 3169 – طرفاه في: 4249، 5777]
قوله: "باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم" ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر. حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في المغازي، ولم يجزم البخاري بالحكم إشارة إلى ما وقع من الاختلاف في معاقبة المرأة التي أهدت السم، وسيأتي بسطه هناك إن شاء الله تعالى.

(6/272)


8 - باب دُعَاءِ الإِمَامِ عَلَى مَنْ نَكَثَ عَهْدًا
3170- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: "سَأَلْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الْقُنُوتِ قَالَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَقُلْتُ إِنَّ فُلاَنًا يَزْعُمُ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ كَذَبَ ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ بَعَثَ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ – يَشُكُّ فِيهِ – مِنْ الْقُرَّاءِ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَعَرَضَ لَهُمْ هَؤُلاَءِ فَقَتَلُوهُمْ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَمَا رَأَيْتُهُ وَجَدَ عَلَى أَحَدٍ مَا وَجَدَ عَلَيْهِمْ".
قوله: "باب دعاء الإمام على من نكث عهدا" ذكر فيه حديث أنس في القنوت. وقد سبق شرحه مستوفى في

(6/272)


باب أمان النساء و جوارهن
...
9 - باب أَمَانِ النِّسَاءِ وَجِوَارِهِنَّ
3171- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: "ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلاَنُ بْنُ هُبَيْرَةَ". فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ وَذَلِكَ ضُحًى".
قوله: "باب أمان النساء وجوارهن" الجوار بكسر الجيم وضمها المجاورة، والمراد هنا الإجارة، تقول جاورته أجاوره مجاورة وجوارا، وأجرته أجيره إجارا وجوارا. ذكر فيه حديث أم هانئ وقد تقدم في أوائل الصلاة ما يتعلق بالمراد بفلان ابن هبيرة وغير ذلك من فوائده، ووقع هنا للداودي الشارح وهم، فإنه قال: قوله عام الحديبية وهم من عبد الله بن يوسف والذي قاله غيره يوم الفتح، وتعقبه ابن التين بأن الروايات كلها على خلاف ما قال الداودي وليس فيها إلا يوم الفتح على الصواب. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئا ذكره عبد الملك - يعني ابن الماجشون صاحب مالك - لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، قال ابن المنذر: وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام، إن أجازه جاز وإن رده رد.

(6/273)


باب . ذمة المسلمين و جوارهم واحدة ، يسعى بها أدناهم
...
10 - باب ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجِوَارُهُمْ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ
3172- حدثني محمد أخبرنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال خطبنا علي فقال: "ما عندنا كتاب نقرأه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فقال فيها الجراحات وأسنان الإبل والمدينة حرم ما بين عير إلى كذا فمن أحدث فيها حدثا أو آوى فيها محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ومن مواليه فعليه مثل ذلك وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك".
قوله: "باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بذمتهم أدناهم" ذكر فيه حديث علي في الصحيفة. ومحمد شيخه

(6/273)


باب إذا قالوا صبأنا و لم يحسنوا أسلمنا
...
11 - باب إِذَا قَالُوا صَبَأْنَا وَلَمْ يُحْسِنُوا أَسْلَمْنَا
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ".
وَقَالَ عُمَرُ: إِذَا قَالَ مَتْرَسْ فَقَدْ آمَنَهُ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ كُلَّهَا. وَقَالَ: تَكَلَّمْ، لاَ بَأْسَ.
قوله: "باب إذا قالوا" أي المشركون حين يقاتلون "صبأنا" أي وأرادوا الإخبار بأنهم أسلموا "ولم يحسنوا أسلمنا" أي جريا منهم على لغتهم، هل يكون ذلك كافيا في رفع القتال عنهم أم لا؟ قال ابن المنير: مقصود الترجمة أن المقاصد تعتبر بأداتها كيفما كانت الأدلة لفظية أو غير لفظية بأي لغة كانت. قوله: "وقال ابن عمر فجعل خالد يقتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبرأ إليك مما صنع خالد" هذا طرف من حديث طويل أخرجه المؤلف في غزوة الفتح من المغازي، ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك، وحاصله أن خالد بن الوليد غزا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قوما فقالوا صبأنا وأرادوا أسلمنا، فلم يقبل خالد ذلك منهم وقتلهم بناء على ظهر اللفظ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأنكره، فدل على أنه يكتفى من كل قوم بما يعرف من لغتهم. وقد عذر النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في اجتهاده، ولذلك لم يقد منه. وقال ابن بطال: لا خلاف أن الحاكم إذا قضى بجور أو بخلاف قول أهل العلم أنه مردود، لكن ينظر فإن كان على وجه الاجتهاد فإن الإثم ساقط، وأما الضمان فيلزم عند الأكثر. وقال الثوري وأهل الرأي وأحمد وإسحاق: ما كان في قتل أو جراح ففي بيت المال. وقال الأوزاعي والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: على العاقلة. وقال ابن الماجشون لا يلزم فيه ضمان. وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الأحكام، وهذا من المواضع التي يتمسك بها في أن البخاري يترجم ببعض ما ورد في الحديث وإن لم يورده في تلك الترجمة فإنه ترجم بقوله: "صبأنا" ولم يوردها، واكتفى بطرف الحديث الذي وقعت هذه اللفظة فيه. قوله: "وقال عمر إذا قال مترس فقد آمنه إن الله يعلم الألسنة كلها" وصله عبد الرزاق من طريق أبي وائل قال: "جاءنا كتاب عمر ونحن نحاصر قصر فارس فقال: إذا حاصرتم قصرا

(6/274)


فلا تقولوا أنزل على حكم الله فإنكم لا تدرون ما حكم الله، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم، وإذا لقي الرجل الرجل فقال لا تخف فقد أمنه، وإذا قال مترس فقد أمنه، إن الله يعلم الألسنة كلها" وأول هذا الأثر أخرجه مسلم من طريق بريدة مرفوعا في حديث طويل. و"مترس" كلمة فارسية معناها لا تخف وهي بفتح الميم وتشديد المثناة وإسكان الراء بعدها مهملة وقد تخفف التاء وبه جزم بعض من لقيناه من العجم، وقيل بإسكان المثناة وفتح الراء ووقع في الموطأ رواية يحيى بن يحيى الأندلسي مطرس بالطاء بدل المثناة، قال ابن قرقول: هي كلمة أعجمية، والظاهر أن الراوي فخم المثناة فصارت تشبه الطاء كما يقع من كثير من الأندلسيين. قوله: "وقال تكلم لا بأس" فاعل قال هو عمر، وروى ابن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان في تاريخه من طرق بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال: "حاصرنا تستر، فنزل الهرمزان على حكم عمر، فلما قدم به عليه استعجم، فقال له عمر: تكلم لا بأس عليك، وكان ذلك تأمينا من عمر" ورويناه مطولا في سنن سعيد ابن منصور حدثنا هشيم أخبرنا حميد، وفي نسخة إسماعيل بن جعفر من طريق ابن خزيمة عن علي بن حجر عنه عن حميد عن أنس قال: "بعث معي أبو موسى بالهرمزان إلى عمر، فجعل عمر يكلمه فلا يتكلم، فقال له: تكلم، قال: أكلام حي أم كلام ميت؟ قال تكلم لا بأس" فذكر القصة، فأل فأراد قتله فقلت: لا سبيل إلى ذلك، قد قلت له تكلم لا بأس، فقال من يشهد لك؟ فشهد لي الزبير بمثل ذلك، فتركه فأسلم، وفرض له في العطاء. قال ابن المنير: يستفاد منه أن الحاكم إذا نسى حكمه فشهد عنده اثنان به نفذه، وأنه إذا توقف في قبول شهادة الواحد فشهد الثاني بوفقه انتفت الريبة ولا يكون ذلك قدحا في شهادة الأول، وقوله: "إن الله يعلم الألسنة كلها" المراد اللغات، ويقال إنها ثنتان وسبعون لغة: ستة عشر في ولد سام، ومثلها في ولد حام، والبقية في ولد يافث.

(6/275)


باب الموادعة و المصالحة مع المشركين بالمال و غيره ، وإثم من لم يف بالعهد و قوله : { و إن جنحوا للسلم ـ جنحوا : طلبوا السلم ـ فاجنح لها }اللآية
...
12 - باب الْمُوَادَعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَإِثْمِ مَنْ لَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ
وَقَوْلِهِ [61 الأنفال]: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} جنحُوا: طلبو السّلم {فَاجْنَحْ لَهَا} الْآيَةَ
3173- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَمَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ كَبِّرْ كَبِّرْ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا فَقَالَ تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ قَالُوا وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ قَالَ فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ فَقَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ".
قوله: "باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره" أي كالأسرى. قوله: "{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} - جنحوا طلبوا السلم – {فَاجْنَحْ لَهَا}" أي أن هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين، وتفسير جنحوا بطلبوا هو للمصنف. وقال غيره: معنى جنحوا مالوا. وقال أبو عبيدة: السلم والسلم واحد وهو الصلح. وقال

(6/275)


أبو عمر: والسلم بالفتح الصلح، والسلم بالكسر الإسلام. ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا. حديث سهل بن أبي حثمة في قصة عبد الله ابن سهل وقتله بخيبر. والغرض منه قوله: "انطلق إلى خيبر وهي يومئذ صلح" وفهم المهلب من قوله في آخره: "فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده" أنه يوافق قوله في الترجمة "والمصالحة مع المشركين بالمال" فقال: إنما وداه من عنده استئلافا لليهود وطمعا في دخولهم في الإسلام. وهذا الذي قاله يرده ما في نفس الحديث من غير هذه الطريق "فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه" فإنه مشعر بأن سبب إعطائه ديته من عنده كان تطيبا لقلوب أهله. ويحتمل أن يكون كل منهما سببا لذلك. وبهذا تتم الترجمة. وأما أصل المسألة فاختلف فيه. فقال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب على مال يؤدونه إليهم فقال: لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة كشغل المسلمين عن حربهم. وقال لا بأس أن يصالحهم على غير شيء يؤدونه إليهم كما وقع في الحديبية. وقال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم، لأن القتل للمسلمين شهادة، وإن الإسلام أعز من أن يعطى المشركون على أن يكفرا عنهم، إلا في حالة مخافة اصطلام المسلمين لكثرة العدو، لأن ذلك من معاني الضرورات، وكذلك إذا أسر رجل مسلم فلم يطلق إلا بفدية جاز. وأما قول المصنف "وإثم من لم يف بالعهد" فليس في حديث الباب ما يشعر به، وسيأتي البحث فيه في كتاب القسامة من كتاب الديات إن شاء الله تعالى. "تنبيه": قوله في نسب محيصة بن مسعود "ابن زيد" يقال إن الصواب "كعب" بدل زيد.

(6/276)


13 - باب فَضْلِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ
3174- حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبره أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره "أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش كانوا تجارا بالشام في المدة التي ماد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان في كفار قريش".
قوله: "باب فضل الوفاء بالعهد" ذكر فيه طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل، قال ابن بطال: أشار البخاري بهذا إلى أن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم، وليس هو من صفات الرسل.

(6/276)


14 - باب هَلْ يُعْفَى عَنْ الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ ؟
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ "عَنْ ابْنِ شِهَابٍ سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ"
3175- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ".
[الحديث 3175 – أطرافه في: 2268، 5763، 5765، 5766، 6063، 6391]

(6/276)


باب ما يحذر من الغدر و قول الله تعالى : { و إن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله }الآية
...
15 - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ الْغَدْرِ
وَقَوْلِ الله تَعَالَى [62 الأنفال]: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} الآية.
3176- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاَءِ بْنِ زَبْرٍ قَالَ سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ قَالَ سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ثُمَّ فِتْنَةٌ لاَ يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلاَّ دَخَلَتْهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا".
قوله: "باب ما يحذر" بضم أوله مخففا ومثقلا "من الغدر". قوله: "وقول الله عز وجل: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} الآية" هو بالجر عطفا على لفظ الغدر، وحسب بإسكان المهملة أي كاف. وفي هذه الآية إشارة إلى أن احتمال طلب العدو للصلح خديعة لا يمنع من الإجابة إذا ظهر للمسلمين، بل يعزم ويتوكل على الله سبحانه. قوله: "سمعت بسر بن عبيد الله" بضم الموحدة وسكون المهملة، والإسناد كله شاميون إلا شيخ البخاري، وفي تصريح عبد الله بن العلاء بالسماع له من بسر دلالة على أن الذي وقع في رواية الطبراني من طريق دحيم عن الوليد عن عبد الله بن العلاء عن زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله، فزاد في الإسناد زيد بن واقد فهو من المزيد في متصل الأسانيد. وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه والإسماعيلي وغيرهم من طرق ليس فيها زيد بن واقد. قوله: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم" زاد في رواية المؤمل بن الفضل عن الوليد عند أبي داود

(6/277)


"فسلمت، فرد، فقال: ادخل . فقلت: أكلي يا رسول الله؟ قال: كلك . فدخلت" فقال الوليد قال عثمان بن أبي العاتكة: "إنما قال ذلك من صغر القبة". قوله: "ستا" أي ست علامات لقيام الساعة، أو لظهور أشراطها المقتربة منها. قوله: "ثم موتان" بضم الميم وسكون الواو، قال القزاز: هو الموت. وقال غيره الموت الكثير الوقوع، ويقال بالضم لغة تميم وغيرهم يفتحونها. ويقال للبليد موتان القلب بفتح الميم والسكون. وقال ابن الجوزي: يغلط بعض المحدثين فيقول موتان بفتح الميم والواو، وإنما ذاك اسم الأرض التي لم تحي بالزرع والإصلاح. "تنبيه": في رواية ابن السكن "ثم موتتان" بلفظ التثنية وحينئذ فهو بفتح الميم. قوله: "كعقاص الغنم" بضم العين المهملة(1) وتخفيف القاف وآخره مهملة، هو داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة. قال أبو عبيدة: ومنه أخذ الإقعاص وهو القتل مكانه. وقال ابن فارس: العقاص داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق. ويقال أن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس. قوله: "ثم استفاضة المال" أي كثرته، وظهرت في خلافة عثمان عند تلك الفتوح العظيمة، والفتنة المشار إليها افتتحت بقتل عثمان، واستمرت الفتن بعده، والسادسة لم تجيء بعد. قوله: "هدنة" بضم الهاء وسكون المهملة بعدها نون هي الصلح على ترك القتال بعد التحرك فيه. قوله: "بني الأصفر" هم الروم. قوله: "غاية" أي راية، وسميت بذلك لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف. ووقع في حديث ذي مخبر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة عند أبي داود في نحو هذا الحديث بلفظ: "راية" بدل غاية. وفي أوله "ستصالحون الروم صلحا أمنا، ثم تغزون أنتم وهم عدوا فتنصرون، ثم تنزلون مرجا فيرفع رجل من أهل الصليب الصليب فيقول غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه، فعند ذلك تغدر الروم ويجتمعون للملحمة فيأتون" فذكره. ولابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا: "إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي يؤيد الله بهم الدين" وله من حديث معاذ بن جبل مرفوعا: "الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر" وله من حديث عبد الله بن بسر رفعه: "بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة" وإسناده أصح من إسناد حديث معاذ، قال ابن الجوزي: رواه بعضهم "غابة" بموحدة بدل التحتانية والغابة الأجمة كأنه شبه كثرة الرماح بالأجمة. وقال الخطابي: الغابة الغيضة، فاستعيرت للرايات ترفع لرؤساء الجيش لما يشرع معها من الرماح، وجملة العدد المشار إليه تسعمائة ألف وستون ألفا، ولعل أصله ألف ألف فألغيت كسوره. ووقع مثله في رواية ابن ماجة من حديث ذي مخبر ولفظه: "فيجتمعون للملحمة، فيأتون تحت ثمانين غابة تحت كل غابة اثنا عشر ألفا" ، ووقع عند الإسماعيلي من وجه آخر عن الوليد بن مسلم قال: تذاكرنا هذا الحديث وشيخنا من شيوخ المدينة فقال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يقول في هذا الحديث مكان فتح بيت المقدس "عمران بيت المقدس" قال المهلب: فيه أن الغدر من أشراط الساعة. وفيه أشياء من علامات النبوة قد ظهر أكثرها. وقال ابن المنير: أما قصة الروم فلم يجتمع إلى الآن ولا بلغنا أنهم غزوا في البر في هذا العدد فهي من الأمور التي لم تقع بعد. وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق: كذا في نسخ الشارح التي بأيدينا، والذي في نسخ البخاري بتقديم القاف على العين، وبه ضبط القسطلاني، وهو المنصوص في كتب اللغة والمتعين من قول أبي عبيد، ومنه أخذ الاقعاص.

(6/278)


أضعاف ما هو عليه. ووقع في رواية للحاكم من طريق الشعبي عن عوف بن مالك في هذا الحديث: "أن عوف بن مالك قال لمعاذ في طاعون عمواس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: أعدد ستا بين يدي الساعة، فقد وقع منهن ثلاث، يعني موته صلى الله عليه وسلم وفتح بيت المقدس والطاعون، قال وبقي ثلاث فقال له معاذ: أن لهذا أهلا". ووقع في الفتن لنعيم بن حماد أن هذه القصة تكون في زمن المهدي على يد ملك من آل هرقل.

(6/279)


16 - باب كَيْفَ يُنْبَذُ إِلَى أَهْلِ الْعَهْدِ
وَقَوْلِ اللَّهِ عزَّ وجَلَّ [58 الأنفال]: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} الْآيَةَ.
3178- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: "بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى لاَ يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَيَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ وَإِنَّمَا قِيلَ الأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الْحَجُّ الأَصْغَرُ فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْرِكٌ".
قوله: "باب كيف ينبذ إلى أهل العهد، وقول الله عز وجل: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي اطرح إليهم عهدهم، وذلك بأن يرسل إليهم من يعلمهم بأن العهد انتقض، قال ابن عباس: أي على مثل، وقيل على عدل، وقيل أعلمهم أنك قد حاربتهم حتى يصيروا مثلك في العلم بذلك. وقال الأزهري: المعنى إذا عاهدت قوما فخشيت منهم النقض فلا توقع بهم بمجرد ذلك حتى تعلمهم. ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة "بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى" الحديث، وقد تقدم شرحه في الحج وأنه سيشرح في تفسير براءة. قال المهلب: خشى رسول الله صلى الله عليه وسلم غدر المشركين فلذلك بعث من ينادي بذلك.

(6/279)


باب إثم من عاهد ثم غدر و قول الله { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة ، و هم لا يتقون }
...
17 - باب إِثْمِ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ
وَقَوْلِ اللَّهِ [56 الأنفال]: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ}
3178- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرْبَعُ خِلاَلٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا".
3179- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا كَتَبْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ الْقُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ

(6/279)


18 - باب
3181- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ الأَعْمَشَ قَالَ: "سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ شَهِدْتَ صِفِّينَ قَالَ نَعَمْ فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَدَدْتُهُ وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلاَّ أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا".
[الحديث 3181 – أطرافه في: 3182، 3189، 4844، 7308]
3182- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ قَالَ: "كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ فَقَالَ بَلَى فَقَالَ أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ قَالَ بَلَى قَالَ فَعَلاَمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَقَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَفَتْحٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ".
3183- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا قَالَ نَعَمْ صِلِيهَا".
قوله: "باب" كذا هو بلا ترجمة عند الجميع، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وذكر فيه حديثين: أحدهما عن سهل بن حنيف في قصة الحديبية، وذكره من وجهين، والطريق الأولى منهما مختصرة، وقد ساقه منها بتمامه في الاعتصام، وقد تقدمت الإشارة إلى فوائده في الكلام على حديث المسور في كتاب الشروط، وسيأتي ما يتعلق منه بصفين في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. وقول سهل بن حنيف "يوم أبي جندل" أراد به يوم الحديبية، وإنما نسبه لأبي جندل لأنه لم يكن فيه على المسلمين أشد من قصته كما تقدم بيانه، وعبد

(6/281)


19 - باب الْمُصَالَحَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوْ وَقْتٍ مَعْلُومٍ
3184- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يَسْتَأْذِنُهُمْ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُقِيمَ بِهَا إِلاَّ ثَلاَثَ لَيَالٍ وَلاَ يَدْخُلَهَا إِلاَّ بِجُلُبَّانِ السِّلاَحِ وَلاَ يَدْعُوَ مِنْهُمْ أَحَدًا قَالَ فَأَخَذَ يَكْتُبُ الشَّرْطَ بَيْنهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نَمْنَعْكَ وَلَبَايَعْنَاكَ وَلكِنِ اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَنَا وَاللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَا وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَكَانَ لاَ يَكْتُبُ قَالَ فَقَالَ لِعَلِيٍّ امْحَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ عَلِيٌّ وَاللَّهِ لاَ أَمْحَاهُ أَبَدًا قَالَ فَأَرِنِيهِ قَالَ فَأَرَاهُ إِيَّاهُ فَمَحَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَلَمَّا دَخَلَ وَمَضَتْ الأَيَّامُ أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا مُرْ صَاحِبَكَ فَلْيَرْتَحِلْ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ ارْتَحَلَ".
قوله: "باب المصالحة على ثلاثة أيام أو وقت معلوم" أي يستفاد من وقوع المصالحة على ثلاثة أيام جوازها في وقت معلوم ولم تكن ثلاثة. وأورد فيه حديث البراء في العمرة وقد تقدم في الصلح، وسيأتي شرح ما يتعلق بكتابة الصلح منه في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى.

(6/282)


باب الموادعة من غير وقت ، و قول النبي صلى الله عليه و سلم : (( أقركم على ما أقركم الله ))
...
20 - باب الْمُوَادَعَةِ مِنْ غَيْرِ وَقْتٍ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُقِرُّكُمْ عَلَى مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ بِهِ".
قوله: "باب الموادعة من غير وقت وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أقركم على ما أقركم الله" هو طرف من حديث معاملة أهل خيبر، وقد تقدم شرحه في المزارعة وبيان الاختلاف في أصل المسألة، وأما ما يتعلق بالجهاد فالموادعة فيه لا حد لها معلوم لا يجوز غيره، بل ذلك راجع إلى رأي الإمام بحسب ما يراه الأحظ والأحوط للمسلمين.

(6/282)


باب طرح جيف المشركين في البئر ، و لا يؤخذ لهم ثمن
...
21 - باب طَرْحِ جِيَفِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْبِئْرِ وَلاَ يُؤْخَذُ لَهمْ ثَمَنٌ
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي

(6/282)


باب إثم الغادر للبر و الفاجر
...
22 - باب إِثْمِ الْغَادِرِ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ
3186، 3187- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَحَدُهُمَا يُنْصَبُ وَقَالَ الْآخَرُ يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ".
3188- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ بِغَدْرَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
[الحديث 3188 – أطرافه في: 6177، 6178، 6966، 7111]
3189- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لاَ هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ قَالَ إِلاَّ الإِذْخِرَ".

(6/283)