Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المجلد السابع
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
...
بسم الله الرحمن الرحيم
62- كتاب فضائل أصحاب النبي صلي الله علية وسلم
1- باب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ رَآهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ
3649- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيَقُولُونَ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ"
3650- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ فَلاَ أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلاَ يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ "
3651- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ "
قوله: "باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي بطريق الإجمال ثم التفصيل. أما الإجمال فيشمل جميعهم، لكنه اقتصر فيه على شيء مما يوافق شرطه. وأما التفصيل فلمن ورد فيه شيء بخصوصه على شرطه. وسقط لفظ: "باب" من رواية أبي ذر وحده. قوله: "ومن صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه" يعني أن اسم صحبة النبي صلى الله عليه وسلم مستحق لمن صحبه أقل ما يطلق عليه اسم صحبة لغة وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة. ويطلق أيضا على من رآه رؤية ولو على بعد. يميز ما رآه أو يكتفي بمجرد حصول الرؤية؟ محل نظر، وعمل من صنف في الصحابة يدل على الثاني، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في الصحيح أن

(7/3)


أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر من الهجرة، ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل، والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الإسفرايني ومن وافقه على رد المراسيل مطلقا حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء لأن أحاديثهم لا من قبيل مراسيل كبار التابعين ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مما يلغز به فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة. ومنهم من بالغ فكان لا يعد في الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية، كما جاء عن عاصم الأحول قال: "رأى عبد الله بن سرجس رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير أنه لم يكن له صحبة" أخرجه أحمد، هذا مع كون عاصم قد روى عن عبد الله بن سرجس هذا عدة أحاديث، وهي عند مسلم وأصحاب السنن، وأكثرها من رواية عاصم عنه، ومن جملتها قوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له. فهذا رأي عاصم أن الصحابي من يكون صحب الصحبة العرفية؛ وكذا روي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد في الصحابة إلا من أقام مع النبي صلى الله عليه وسلم سنة فصاعدا أو غزا غزوة فصاعدا، والعمل على خلاف هذا القول لأنهم اتفقوا على عد جمع جم في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا في حجة الوداع، ومن اشترط الصحبة العرفية أخرج من له رؤية أو من اجتمع به لكن فارقه عن قرب، كما جاء عن أنس أنه قيل له: هل بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غيرك؟ قال: لا، مع أنه كان في ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من الأعراب. ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغا، وهو مردود أيضا لأنه يخرج مثل الحسن بن علي ونحوه من أحداث الصحابة، والذي جزم به البخاري هو قول أحمد والجمهور من المحدثين وقول البخاري"من المسلمين" قيد يخرج به من صحبه أو من رآه من الكفار، فأما من أسلم بعد موته منهم فإن كان قوله: "من المسلمين" حالا خرج من هذه صفته وهو المعتمد. ويرد على التعريف من صحبه أو رآه مؤمنا به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام فإنه ليس صحابيا اتفاقا، فينبغي أن يزاد فيه: "ومات على ذلك". وقد وقع في مسند أحمد حديث ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي وهو ممن أسلم في الفتح وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وحدث عنه بعد موته ثم لحقه الخذلان فلحق في خلافة عمر بالروم وتنصر بسبب شيء أغضبه، وإخراج حديث مثل هذا مشكل، ولعل من أخرجه لم يقف على قصة ارتداده والله أعلم. فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام لكن لم يره ثانيا بعد عوده فالصحيح أنه معدود في الصحابة لإطباق المحدثين على عد الأشعث بن قيس ونحوه ممن وقع له ذلك، وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد، وهل يختص جميع ذلك ببني آدم أو يعم غيرهم من العقلاء؟ محل نظر، أما الجن فالراجح دخولهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم قطعا، وهم مكلفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى فلم يستند في ذلك إلى حجة. وأما الملائكة فيتوقف عدهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافا بين الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته، وعكس بعضهم، وهذا كله فيمن رآه وهو في قيد الحياة الدنيوية، أما من رآه بعد موته وقبل دفنه فالراجح أنه ليس بصحابي وإلا لعد من اتفق أن يرى جسده المكرم وهو في قبره المعظم ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه من الأولياء فرآه كذلك على طريق الكرامة، إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية وإنما هي أخروية لا تتعلق بها أحكام الدنيا، فإن الشهداء أحياء ومع ذلك فإن الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل جارية على أحكام غيرهم من الموتى، والله أعلم. وكذلك المراد بهذه الرؤية من اتفقت له ممن تقدم

(7/4)


شرحه وهو يقظان، أما من رآه في المنام وإن كان قد رآه حقا فذلك مما يرجع إلى الأمور المعنوية لا الأحكام الدنيوية فلذلك لا يعد صحابيا ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به في تلك الحالة والله أعلم. وقد وجدت ما جزم به البخاري من تعريف الصحابي في كلام شيخه علي بن المديني، فقرأت في"المستخرج لأبي القاسم بن منده" بسنده إلى أحمد بن سيار الحافظ المروزي قال: سمعت أحمد بن عتيك يقول قال علي بن المديني: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بسطت هذه المسألة فيما جمعته من علوم الحديث، وهذا القدر في هذا المكان كاف. حديث جابر بن عبد الله عن أبي سعيد، وهو من رواية صحابي عن صحابي. قوله: "يأتي على الناس زمان فيغزو فئام" بكسر الفاء ثم تحتانية بهمزة وحكي فيه ترك الهمزة أي جماعة، وقد تقدم ضبطه في"باب من استعان بالضعفاء" في أوائل الجهاد، ويستفاد منه بطلان قول من ادعى في هذه الأعصار المتأخرة الصحبة لأن الخبر يتضمن استمرار الجهاد والبعوث إلى بلاد الكفار وأنهم يسألون: هل فيكم أحد من أصحابه؟ فيقولون لا، وكذلك في التابعين وفي أتباع التابعين، وقد وقع كل ذلك فيما مضى وانقطعت البعوث عن بلاد الكفار في هذه الأعصار، بل انعكس الحال في ذلك على ما هو معلوم مشاهد من مدة متطاولة ولا سيما في بلاد الأندلس، وضبط أهل الحديث آخر من مات من الصحابة، وهو على الإطلاق، أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي كما جزم بن مسلم في صحيحه، وكان موته سنة مائة وقيل: سنة سبع ومائة وقيل: سنة عشر ومائة، وهو مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر: "على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد" ووقع في رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم ذكر طبقة رابعة ولفظه: "يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون انظروا هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم، ثم يبعث البعث الثاني فيقولون انظروا - إلى أن قال - ثم يكون البعث الرابع"وهذه الرواية شاذة، وأكثر الروايات مقتصر على الثلاثة كما سأوضح ذلك في الحديث الذي بعده. ومثله حديث واثلة رفعه: "لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني وصاحبني" الحديث أخرجه ابن أبي شيبة وإسناده حسن. قوله: "حدثنا إسحاق" هو ابن راهويه وبذلك جزم ابن السكن وأبو نعيم في"المستخرج" والنضر هو ابن شميل، وأبو جمرة بالجيم والراء صاحب ابن عباس وحدث هنا عن تابعي مثله. قوله: "خير أمتي قرني" أي أهل قرني، والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين لكن لم أر من صرح بالسبعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل. وذكر الجوهري بين الثلاثين والثمانين، وقد وقع في حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهور. وقال صاحب المطالع: القرن أمة هلكت فلم يبق منهم أحد، وثبتت المائة في حديث عبد الله بن بسر وهي ما عند أكثر أهل العراق، ولم يذكر صاحب"المحكم" الخمسين وذكر من عشر إلى سبعين ثم قال: هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال وبه صرح ابن الأعرابي وقال: إنه مأخوذ من الأقران، ويمكن أن يحمل عليه المختلف من الأقوال المتقدمة ممن قال إن القرن أربعون فصاعدا، أما من قال إنه دون ذلك فلا يلتئم على هذا القول والله أعلم. والمراد بقرن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث

(7/5)


الصحابة، وقد سبق في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "وبعثت في خير قرون بني آدم" وفي رواية بريدة عند أحمد "خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم" وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعا وتسعين، وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان والله أعلم. واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رءوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن. وظهر قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم يفشو الكذب" ظهورا بينا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات والله المستعان. قوله: "ثم الذين يلونهم" أي القرن الذي بعدهم وهم التابعون "ثم الذين يلونهم" وهم أتباع التابعين، واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، والذي يظهر أن من قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم أو في زمانه بأمره أو أنفق شيئا من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث، والأصل في ذلك قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} الآية. واحتج ابن عبد البر بحديث: "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره: " وهو حديث حسن له طرق قد يرتقى بها إلى الصحة، وأغرب النووي فعزاه في فتاويه إلى مسند أبي يعلى من حديث أنس بإسناد ضعيف، مع أنه عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حديث عمار، وأجاب عنه النووي بما حاصله: أن المراد من يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى ابن مريم عليه السلام ويرون في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإسلام ودحض كلمة الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد ذلك أي الزمانين خير، وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني" والله أعلم. وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير أحد التابعين بإسناد حسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو خير - ثلاثا - ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها" وروى أبو داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة رفعه: "تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين"، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: "بل منكم" وهو شاهد لحديث: "مثل أمتي مثل المطر" ، واحتج ابن عبد البر أيضا بحديث عمر رفعه: "أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني" الحديث أخرجه الطيالسي وغيره، لكن إسناده ضعيف فلا حجة فيه. وروى أحمد والدارمي والطبراني من حديث أبي جمعة قال: "قال أبو عبيدة: يا رسول الله، أأحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك. قال: "قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" وإسناده حسن وقد صححه الحاكم. واحتج بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار حينئذ وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين وتمسكوا به

(7/6)


وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن كانوا أيضا عند ذلك غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أولئك. ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة رفعه: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء" وقد تعقب كلام ابن عبد البر بأن مقتضى كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة، وبذلك صرح القرطبي، لكن كلام ابن عبد البر ليس على الإطلاق في حق جميع الصحابة، فإنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية. نعم والذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما من اتفق له الذب عنه والسبق إليه بالهجرة أو النصرة وضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده، لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر فضلهم. ومحصل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة كما تقدم، فإن جمع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجها، على أن حديث: "للعامل منهم أجر خمسين منكم" لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة، لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل فأما ما فاز به من شاهد النبي صلى الله عليه وسلم من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة، وأما حديث أبي جمعة فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم، ورواه بعضهم بلفظ: "قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرا "؟ الحديث أخرجه الطبراني وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة، وقد تقدم الجواب عنه والله أعلم. قوله: "فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة" وقع مثل هذا الشك في حديث ابن مسعود وأبي هريرة عند مسلم، وفي حديث بريدة عند أحمد، وجاء في أكثر الطرق بغير شك، منها عن النعمان بن بشير عند أحمد، وعن مالك عند مسلم عن عائشة"قال رجل: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: "القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث" ووقع في رواية الطبراني وسمويه ما يفسر به هذا السؤال، وهو ما أخرجاه من طريق بلال بن سعد بن تميم عن أبيه قال قلت: يا رسول الله أي الناس خير؟ فقال: "أنا وقرني" فذكر مثله. وللطيالسي من حديث عمر رفعه: "خير أمتي القرن الذي أنا منهم، ثم الثاني، ثم الثالث " ووقع في حديث جعدة بن هبيرة عند ابن أبي شيبة والطبراني إثبات القرن الرابع ولفظه: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الآخرون أردأ" ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته والله أعلم. قوله: "ثم إن بعدهم(1) قوما" كذا للأكثر، ولبعضهم"قوم" فيحتمل أن يكون من الناسخ على طريقة من لا يكتب الألف في المنصوب، ويحتمل أن تكون"إن" تقريرية بمعنى نعم وفيه بعد وتكلف. واستدل بهذا الحديث على تعديل أهل القرون الثلاثة وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية، فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وجدت فيه الصفات المذكورة المذمومة لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة فإن ذلك كثر فيهم واشتهر، وفيه بيان من ترد شهادتهم وهم من اتصف بالصفات المذكورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "ثم يفشو الكذب" أي يكثر. واستدل به على جواز المفاضلة بين الصحابة قاله المازري، وقد تقدم باقي شرحه في الشهادات. حديث ابن مسعود في المعنى وفد تقدم في الشهادات سندا ومتنا، وتقدم من شرحه هناك ما يتعلق بالشهادات، والله أعلم.
ـــــــ
(1) في نسخ المتن "بعدكم"وعليها شرح القسطلاني وقال : بالكاف

(7/7)


2- باب مَنَاقِبِ الْمُهَاجِرِينَ وَفَضْلِهِمْ
مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ التَّيْمِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [الحشر 8]: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}
وَقَالَ [التوبة 40]: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} إِلَى قَوْلِهِ {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}
قَالَتْ عَائِشَةُ وَأَبُو سَعِيدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ "وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ"
3652- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ عَازِبٍ رَحْلًا بِثَلاَثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَازِبٍ مُرْ الْبَرَاءَ فَلْيَحْمِلْ إِلَيَّ رَحْلِي فَقَالَ عَازِبٌ لاَ حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ أَنْتَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجْتُمَا مِنْ مَكَّةَ وَالْمُشْرِكُونَ يَطْلُبُونَكُمْ قَالَ ارْتَحَلْنَا مِنْ مَكَّةَ فَأَحْيَيْنَا أَوْ سَرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ فَرَمَيْتُ بِبَصَرِي هَلْ أَرَى مِنْ ظِلٍّ فَآوِيَ إِلَيْهِ فَإِذَا صَخْرَةٌ أَتَيْتُهَا فَنَظَرْتُ بَقِيَّةَ ظِلٍّ لَهَا فَسَوَّيْتُهُ ثُمَّ فَرَشْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ اضْطَجِعْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَاضْطَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي هَلْ أَرَى مِنْ الطَّلَبِ أَحَدًا فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلاَمُ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ فَقُلْتُ هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لَنَا قَالَ نَعَمْ فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنْ الْغُبَارِ ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَافَقْتُهُ قَدْ اسْتَيْقَظَ فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ثُمَّ قُلْتُ قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَلَى فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فَقُلْتُ هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ "لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا" {تريحون } بالعشي، {تشرحون} بالغداة.
3653- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لاَبْصَرَنَا فَقَالَ "مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ

(7/8)


اللَّهُ ثَالِثُهُمَا"
[الحديث 3653- طرفاه في : 3922، 4663 ]
قوله: "باب مناقب المهاجرين وفضلهم" سقط لفظ: "باب" من رواية أبي ذر، والمراد بالمهاجرين من عدا الأنصار ومن أسلم يوم الفتح وهلم جرا، فالصحابة من هذه الحيثية ثلاثة أصناف، والأنصار هم الأوس والخزرج وحلفاؤهم ومواليهم. قوله: "منهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة التيمي" هكذا جزم بأن اسم أبي بكر عبد الله وهو المشهور، ويقال كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة وكان يسمى أيضا عتيقا، واختلف هل هو اسم له أصلي أو قيل له ذلك لأنه ليس في نسبه ما يعاب به أو لقدمه في الخير وسبقه إلى الإسلام أو قيل له ذلك لحسنه أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد فلما ولد استقبلت به البيت فقالت اللهم هذا عتيقك من الموت أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بأن الله أعتقه من النار، وقد ورد في هذا الأخير حديث عن عائشة عند الترمذي، وآخر عن عبد الله بن الزبير عند البزار، وصححه ابن حبان وزاد فيه: "وكان اسمه قبل ذلك عبد الله بن عثمان" وعثمان اسم أبي قحافة لم يختلف في ذلك كما لم يختلف في كنية الصديق ولقب الصديق لسبقه إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء. وروى الطبراني من حديث علي"أنه كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق" رجاله ثقات. وأما نسبه فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب، وعدد آبائهما إلى مرة سواء، وأم أبي بكر سلمى وتكنى أم الخير بنت صخر بن مالك بن عامر بن عمرو المذكور، أسلمت وهاجرت، وذلك معدود من مناقبه، لأنه انتظم إسلام أبويه وجميع أولاده. قوله: "وقول الله عز وجل: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} الآية" ساقها الأصيلي وكريمة إلى قوله: {هُمُ الصَّادِقُونَ} وأشار المصنف بهذه الآية إلى ثبوت فضل المهاجرين لما اشتملت عليه من أوصافهم الجميلة وشهادة الله تعالى لهم بالصدق.قوله: "وقال الله تعالى: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} الآية" ساق في رواية الأصيلي وكريمة إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} وأشار المصنف بها إلى ثبوت فضل الأنصار فإنهم امتثلوا الأمر في نصره، وكان نصر الله له في حال التوجه إلى المدينة بحفظه من أذى المشركين الذين اتبعوه ليردوه عن مقصده. وفي الآية أيضا فضل أبي بكر الصديق لأنه انفرد بهذه المنقبة حيث صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السفرة ووقاه بنفسه كما سيأتي، وشهد الله له فيها بأنه صاحب نبيه. قوله: "وقالت عائشة وأبو سعيد وابن عباس: كان أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار" أي لما خرجا من مكة إلى المدينة، حديث عائشة سيأتي مطولا في"باب الهجرة إلى المدينة" وفيه: "ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور" الحديث. وحديث أبي سعيد أخرجه ابن حبان من طريق أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عنه في قصة بعث أبي بكر إلى الحج، وفيه: "فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أخي وصاحبي في الغار" الحديث. وحديث ابن عباس في تفسير براءة في قصة ابن عباس مع ابن الزبير، وفيها قول ابن عباس"وأما جده فصاحب الغار" يريد أبا بكر، ولابن عباس حديث آخر لعله أمس بالمراد، أخرجه أحمد والحاكم من طريق عمرو بن ميمون عنه قال: "كان المشركون يرمون عليا وهم يظنون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله، فقال له علي: إنه انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار" الحديث. وأصله في الترمذي والنسائي دون المقصود منه هنا. وروى الحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن

(7/9)


عباس في قوله تعالى {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} قال: "على أبي بكر "وروى عبد الله بن أحمد في "زيادات المسند" من وجه آخر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار " الحديث" ورجاله ثقات. قوله: "حدثنا عبد الله بن رجاء" هو الغداني بضم المعجمة وتخفيف الدال المهملة وبعد الألف نون بصري ثقة، وكذا بقية رجال الإسناد. قوله: "فقال عازب: لا حتى تحدثنا" كذا وقع في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق، وقد تقدم في"علامات النبوة" من رواية زهير عن أبي إسحاق بلفظ: "فقال لعازب: ابعث ابنك يحمله معي، قال: فحملته معه وخرج أبي ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكر حدثني" وظاهرهما التخالف، فإن مقتضى رواية إسرائيل أن عازبا امتنع من إرسال ولده مع أبي بكر حتى يحدثهم، ومقتضى رواية زهير أنه لم يعلق التحديث على شرط، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن عازبا اشترط أولا وأجابه أبو بكر إلى سؤاله، فلما شرعوا في التوجه استنجز عازب منه ما وعده به من التحديث ففعل، قال الخطابي: تمسك بهذا الحديث من استجاز أخذ الأجرة على التحديث؛ وهو تمسك باطل، لأن هؤلاء اتخذوا التحديث بضاعة، وأما الذي وقع بين عازب وأبي بكر فإنما هو على مقتضى العادة الجارية بين التجار بأن أتباعهم يحملون السلعة مع المشتري سواء أعطاهم أجرة أم لا، كذا قال، ولا ريب أن في الاستدلال للجواز بذلك بعدا، لتوقفه على أن عازبا لو استمر على الامتناع من إرسال ابنه لاستمر أبو بكر على الامتناع من التحديث، والله أعلم. قوله: "فإذا أنا براع" لم أقف على تسميته ولا على تسمية صاحب الغنم، إلا أنه جاء في حديث عبد الله بن مسعود شيء تمسك به من زعم أنه الراعي، وذلك فيما أخرجه أحمد وابن حبان من طريق عاصم، عن زر عن ابن مسعود قال: "كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقال: يا غلام هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكني مؤتمن" الحديث وهذا لا يصلح أن يفسر به الراعي في حديث البراء لأن ذاك قيل له: "هل أنت حالب؟ فقال: نعم" وهذا أشار بأنه غير حالب، وذاك حلب من شاة حافل وهذا من شاة لم تطرق ولم تحمل، ثم إن في بقية هذا الحديث ما يدل على أن قصته كانت قبل الهجرة لقوله فيه: "ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول" فإن هذا يشعر بأنها كانت قبل إسلام ابن مسعود، وإسلام ابن مسعود كان قديما قبل الهجرة بزمان، فبطل أن يكون هو صاحب القصة في الهجرة، والله أعلم. قوله: "فشرب حتى رضيت" وقع في رواية أوس عن خديج عن أبي إسحاق"قال أبو إسحاق فتكلم بكلمة والله ما سمعتها من غيره: "كأنه يعني قوله: "حتى رضيت" فإنها مشعرة بأنه أمعن في الشرب، وعادته المألوفة كانت عدم الإمعان. قوله: "قد آن الرحيل يا رسول الله" أي دخل وقته، وتقدم في علامات النبوة"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألم يأن للرحيل؟ قلت: بلى" فيجمع بينهما بأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بدأ فسأل، فقال له أبو بكر بلى، ثم أعاد عليه بقوله: "قد آن الرحيل" قال المهلب بن أبي صفرة: إنما شرب النبي صلى الله عليه وسلم من لبن تلك الغنم لأنه كان حينئذ في زمن المكارمة، ولا يعارضه حديثه"لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه" لأن ذلك وقع في زمن التشاح، أو الثاني محمول على التسور والاختلاس والأول لم يقع فيه ذلك بل قدم أبو بكر سؤال الراعي هل أنت حالب؟ فقال: نعم، كأنه سأله هل أذن لك صاحب الغنم في حلبها لمن يرد عليك؟ فقال: نعم أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك والإذن في الحلب على المار ولابن السبيل، فكان كل راع مأذونا له في ذلك. وقال الداودي: إنما شرب من ذلك على أنه ابن سبيل وله شرب ذلك إذا احتاج، ولا سيما النبي صلى الله عليه وسلم: "وأبعد من قال: إنما استجازه لأنه مال العربي، لأن

(7/10)


القتال لم يكن فرض بعد ولا أبيحت الغنائم. وقد تقدم شيء من هذه المباحث في هذه المسألة في آخر اللقطة، وفيها الكلام على إباحة ذلك للمسافر مطلقا. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: خدمة التابع الحر للمتبوع في يقظته والذب عنه عند نومه، وشدة محبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم وأدبه معه وإيثاره له على نفسه، وفيه أدب الأكل والشرب واستحباب التنظيف لما يؤكل ويشرب، وفيه استصحاب آلة السفر كالإداوة والسفرة ولا يقدح ذلك في التوكل، وستأتي قصة سراقة في الهجرة مستوفاة إن شاء الله تعالى، وأوردها هنا مختصرة جدا وفي علامات النبوة أتم "تنبيه": أورد الإسماعيلي هذا الحديث عن أبي خليفة عن عبد الله بن رجاء شيخ البخاري فيه فزاد في آخره: "ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى أتينا المدينة ليلا، فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه" فذكر القصة مطولة، وسأذكر ما فيها من الفوائد في"باب الهجرة" إن شاء الله تعالى. قوله: "تريحون بالعشي، تسرحون بالغداة" هو تفسير قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} وهو تفسير أبي عبيدة في"المجاز" وثبت هذا في رواية الكشميهني وحده، والصواب أن يثبت في حديث عائشة في قصة الهجرة فإن فيه: "ويرعى عليها عامر بن فهيرة ويريحهما عليهما" فهذا هو محل شرح هذه اللفظة بخلاف حديث البراء فلم يجر فيه لهذه اللفظة ذكر، والله تعالى أعلم. قوله: "عن ثابت" في رواية حبان بن هلال في التفسير عن همام"حدثنا ثابت". قوله: "عن أنس عن أبي بكر" في رواية حبان المذكورة"حدثنا أنس حدثني أبو بكر". قوله: "قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار"زاد في رواية حبان المذكورة" فرأيت آثار المشركين" وفي رواية موسى بن إسماعيل عن همام في الهجرة"فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم". قوله: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه" فيه مجيء"لو" الشرطية للاستقبال خلافا للأكثر واستدل من جوزه بمجيء الفعل المضارع بعدها كقوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} ، وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى القول الأكثر يكون قاله بعد مضيهم شكرا لله تعالى على صيانتهما منهم. قوله: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه" في رواية موسى"لو أن بعضهم طأطأ بصره" وفي رواية حبان: "رفع قدميه" ووقع مثله في حديث حبشي بن جنادة أخرجه ابن عساكر، وهي مشكلة فإن ظاهرها أن باب الغار استتر بأقدامهم، وليس كذلك إلا أن يحمل على أن المراد أنه استتر بثيابهم، وقد أخرجه مسلم من رواية حبان المذكورة بلفظ: "لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه" وكذا أخرجه أحمد عن عفان عن همام، ووقع في مغازي عروة بن الزبير في قصة الهجرة قال: "وأتى المشركون على الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر أصواتهم فأقبل عليه الهم والخوف، فعند ذلك يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحزن إن الله معنا" ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه السكينة، وفي ذلك يقول الله عز وجل: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} الآية وهذا يقوي أنه قال ما في حديث الباب حينئذ، ولذلك أجابه بقوله: {لا تَحْزَنْ} . قوله: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما" في رواية موسى "فقال اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما" وقوله اثنان خبر مبتدأ محذوف تقديره نحن اثنان، ومعنى ثالثهما ناصرهما ومعينهما، وإلا فالله ثالث كل اثنين بعلمه، وستأتي الإشارة إلى ذلك في تفسير براءة. وفي الحديث منقبة ظاهرة لأبي بكر، وفيه أن باب الغار كان منخفضا إلا أنه كان ضيقا، فقد جاء في"السير للواقدي" أن رجلا كشف عن فرجه وجلس يبول فقال أبو بكر"قد رآنا يا رسول الله. قال: "لو رآنا لم يكشف عن فرجه" وسيأتي مزيد لذلك في قصة الهجرة إن شاء الله تعالى. "تنبيه": اشتهر أن حديث الباب تفرد به همام

(7/11)


عن ثابت، وممن صرح بذلك الترمذي والبزار، وقد أخرجه ابن شاهين في"الأفراد" من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت بمتابعة همام، وقد قدمت له شاهدا من حديث حبشي بن جنادة، ووجدت له آخر عن ابن عباس أخرجه الحاكم في "الإكليل "

(7/12)


باب سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر
...
3-باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "سدوا الأبواب، إلا باب أبي بكر" ، قاله ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم"
3654- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ وَقَالَ "إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ" قَالَ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ وَمَوَدَّتُهُ لاَ يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلاَّ سُدَّ، إِلاَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ"
قوله باب "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "سدوا لأبواب ،أبي بكر"، قال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وصله المصنف في الصلاة بلفظ: "سدوا عني كل خوخة" فكأنه ذكره بالمعنى. الحديث: "حدثنا أبو عامر" هو العقدي و "فليح" هو ابن سليمان، وهو ومن فوقه مدنيون. قوله: "عن عبيد بن حنين(1)" تقدم بيان الاختلاف في إسناده في"باب الخوخة في المسجد" في أوائل الصلاة. قوله: "خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم"في رواية مالك عن أبي النضر الآتية في الهجرة إلى المدينة" جلس على المنبر فقال: "وفي حديث ابن عباس الماضي تلو حديث أبي سعيد في "باب الخوخة" من أوائل الصلاة"في مرضه الذي مات فيه:"ولمسلم من حديث جندب"سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بخمس ليال" وفي حديث أبي بن كعب الذي سأنبه عليه قريبا"إن أحدث عهدي بنبيكم قبل وفاته بثلاث" فذكر الحديث في خطبة أبي بكر، وهو طرف من هذا، وكأن أبا بكر رضي الله عنه فهم الرمز الذي أشار به النبي صلى الله عليه وسلم من قرينة ذكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى. قوله: "بين الدنيا وبين ما عنده" في رواية مالك المذكورة"بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده". قوله: "فعجبنا لبكائه" وقع في رواية محمد بن سنان في"باب الخوخة" المذكورة"فقلت في نفسي" وفي رواية مالك"فقال الناس انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد، وهو يقول فديناك" ويجمع بأن أبا سعيد حدث نفسه بذلك فوافق تحديث غيره بذلك فنقل جميع ذلك. قوله: "وكان أبو بكر أعلمنا" في رواية مالك"وكان أبو بكر هو أعلمنا به" أي بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بالمراد من الكلام المذكور، زاد في رواية محمد بن سنان"فقال: يا أبا بكر لا تبك". قوله: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر" في رواية مالك كذلك. وفي رواية محمد بن سنان"إن من أمن الناس علي" بزيادة من. وقال فيها"أبا بكر" بالنصب للأكثر، ولبعضهم"أبو بكر" بالرفع، وقد قيل إن الرفع خطأ
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق: كذا في النسخ التي بأيدينا وهو غير مذكور في سند الصحيح بأيدينا

(7/12)


والصواب النصب لأنه اسم إن، ووجه الرفع بتقدير ضمير الشأن أي إنه، والجار والمجرور بعده خبر مقدم وأبو بكر مبتدأ مؤخر، أو على أن مجموع الكنية اسم فلا يعرب ما وقع فيها من الأداة أو"إن" بمعنى نعم أو إن"من"زائدة على رأي الكسائي،وقال ابن بري: يجوز الرفع إذا جعلت من صفة لشيء محذوف تقديره إن رجلا أو إنسانا من أمن الناس فيكون اسم إن محذوفا والجار والمجرور في موضع الصفة، وقوله: "أبو بكر" الخبر، وقوله: "أمن" أفعل تفضيل من المن بمعنى العطاء والبذل، بمعنى إن أبذل الناس لنفسه وماله، لا من المنة التي تفسد الصنيعة، وقد تقدم تقرير ذلك في"باب الخوخة" وأغرب الداودي فشرحه على أنه من المنة وقال: تقديره لو كان يتوجه لأحد الامتنان على نبي الله صلى الله عليه وسلم لتوجه له، والأول أولى. وقوله: "أمن الناس" في رواية الباب ما يوافق حديث ابن عباس بلفظ: "ليس أحد من الناس أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر" وأما الرواية التي فيها"من" فإن قلنا زائدة فلا تخالف، وإلا فتحمل على أن المراد أن لغيره مشاركة ما في الأفضلية إلا أنه مقدم في ذلك بدليل ما تقدم من السياق وما تأخر، ويؤيده ما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ: "ما لأحد له عندنا يد إلا كافأناه عليها؛ ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة" فإن ذلك يدل على ثبوت يد لغيره، إلا أن لأبي بكر رجحانا. فالحاصل أنه حيث أطلق أراد أنه أرجحهم في ذلك، وحيث لم يطلق أراد الإشارة إلى من شاركه في شيء من ذلك، ووقع بيان ذلك في حديث آخر لابن عباس رفعه نحو حديث الترمذي وزاد: "منة أعتق بلالا ومنة هاجر بنبيه" أخرجه الطبراني، وعنه في طريق أخرى"ما أحد أعظم عندي يدا من أبي بكر: واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته" أخرجه الطبراني، وفي حديث مالك بن دينار عن أنس رفعه: "إن أعظم الناس علينا منا أبو بكر، زوجني ابنته، وواساني بنفسه. وإن خير المسلمين مالا أبو بكر، أعتق منه بلالا، وحملني إلى دار الهجرة" أخرجه ابن عساكر، وأخرج من رواية ابن حبان التيمي عن أبيه عن علي نحوه، وجاء عن عائشة مقدار المال الذي أنفقه أبو بكر، فروى ابن حبان من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: "أنفق أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ألف درهم" وروى الزبير بن بكار عن عروة عن عائشة"أنه لما مات ما ترك دينارا ولا درهما". قوله: "لو كنت متخذا خليلا" يأتي الكلام عليه بعد باب، قال الداودي: لا ينافي هذا قول أبي هريرة وأبي ذر وغيرهما: "أخبرني خليلي صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك جائز لهم، ولا يجوز للواحد منهم أن يقول أنا خليل النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا يقال إبراهيم خليل الله ولا يقال الله خليل إبراهيم. قلت: ولا يخفى ما فيه. قوله: "ولكن أخوة الإسلام ومودته" أي حاصلة، ووقع في حديث ابن عباس الآتي بعد باب"أفضل" وكذا أخرجه الطبراني من طريق عبيد الله بن تمام عن خالد الحذاء بلفظ: "ولكن أخوة الإيمان والإسلام أفضل" وأخرجه أبو يعلى من طريق يعلى بن حكيم عن عكرمة بلفظ: "ولكن خلة الإسلام أفضل" وفيه إشكال، فإن الخلة أفضل من أخوة الإسلام لأنها تستلزم ذلك وزيادة، فقيل المراد أن مودة الإسلام مع النبي صلى الله عليه وسلم يفضل من مودته مع غيره، وقيل: أفضل بمعنى فاضل، ولا يعكر على ذلك اشتراك جميع الصحابة في هذه الفضيلة لأن رجحان أبي بكر عرف من غير ذلك، وأخوة الإسلام ومودته متفاوتة بين المسلمين في نصر الدين وإعلاء كلمة الحق وتحصيل كثرة الثواب، ولأبي بكر من ذلك أعظمه وأكثره، والله أعلم. ووقع في بعض الروايات"ولكن خوة الإسلام" بغير ألف فقال ابن بطال: لا أعرف معنى هذه الكلمة ولم أجد خوة بمعنى خلة في كلام العرب، وقد وجدت في بعض الروايات

(7/13)


"ولكن خلة الإسلام" وهو الصواب: وقال ابن التين: لعل الألف سقطت من الرواية فإنها ثابتة في سائر الروايات، ووجه ابن مالك بأنه نقلت حركة الهمزة إلى النون فحذف الألف، وجوز مع حذفها ضم نون لكن وسكونها، قال: ولا يجوز مع إثبات الهمزة إلا سكون النون فقط. وفي قوله: "ولو كنت متخذا خليلا إلخ" منقبة عظيمة لأبي بكر لم يشاركه فيها أحد. ونقل ابن التين عن بعضهم أن معنى قوله: "ولو كنت متخذا خليلا" لو كنت أخص أحدا بشيء من أمر الدين لخصصت أبا بكر، قال: وفيه دلالة على كذب الشيعة في دعواهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خص عليا بأشياء من القرآن وأمور الدين لم يخص بها غيره. قلت: والاستدلال بذلك متوقف على صحة التأويل المذكور وما بعدها. قوله: "لا يبقين" بفتح أوله وبنون التأكيد، وفي إضافة النهي إلى الباب تجوز لأن عدم بقائه لازم للنهي عن إبقائه، فكأنه قال: لا تبقوه حتى لا يبقى. وقد رواه بعضهم بضم أوله وهو واضح. قوله: "إلا سد" بضم المهملة. وفي رواية مالك "خوخة" بدل "باب" والخوخة طاقة في الجدار تفتح لأجل الضوء ولا يشترط علوها، وحيث تكون سفلى يمكن الاستطراق منها لاستقراب الوصول إلى مكان مطلوب، وهو المقصود هنا، ولهذا أطلق عليها باب، وقيل: لا يطلق عليها باب إلا إذا كانت تغلق. قوله: "إلا باب أبي بكر" هو استثناء مفرغ، والمعنى لا تبقوا بابا غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سد، قال الخطابي وابن بطال وغيرهما: في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر، وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر. وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة والأمر بالسد كناية عن طلبها كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها، وإلى هذا جنح ابن حبان فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا دليل على أنه الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه حسم بقوله: "سدوا عني كل خوخة في المسجد" أطماع الناس كلهم عن أن يكونوا خلفاء بعده. وقوى بعضهم ذلك بأن منزلا أبي بكر كان بالسنح من عوالي المدينة كما سيأتي قريبا بعد باب فلا يكون له خوخة إلى المسجد، وهذا الإسناد ضعيف لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى وهي أسماء بنت عميس بالاتفاق وأم رومان على القول بأنها كانت باقية يومئذ. وقد تعقب المحب الطبري كلام ابن حبان فقال: وقد ذكر عمر بن شبة في"أخبار المدينة" أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه فباعها فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم فلم تزل بيدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد فامتنعت وقالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها نعطيك دارا أوسع منها ونجعل لك طريقا مثلها، فسلمت ورضيت. قوله: "إلا باب أبي بكر" زاد الطبراني من حديث معاوية في آخر هذا الحديث بمعناه"فإني رأيت عليه نورا". "تنبيه": جاء في سد الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها حديث الباب، منها حديث سعد بن أبي وقاص قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي" أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي. وفي رواية للطبراني في "الأوسط" رجالها ثقات من الزيادة "فقالوا يا رسول الله سددت أبوابنا، فقال: "ما أنا سددتها ولكن الله سدها" وعن زيد بن أرقم قال: "كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سدوا هذه الأبواب إلا باب علي" ،

(7/14)


فتكلم ناس في ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته" أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات، وعن ابن عباس قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي"وفي رواية: "وأمر بسد الأبواب غير باب علي فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره: "أخرجهما أحمد والنسائي ورجالهما ثقات. وعن جابر بن سمرة قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب كلها غير باب علي، فربما مر فيه وهو جنب" أخرجه الطبراني. وعن ابن عمر قال: "كنا نقول في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر، ولقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر" أخرجه أحمد وإسناده حسن. وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرار بمهملات قال: "فقلت لابن عمر: أخبرني عن علي وعثمان - فذكر الحديث وفيه - وأما علي فلا تسأل عنه أحدا وانظر إلى منزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه" ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء وقد وثقه يحيى بن معين وغيره. وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلا عن مجموعها. وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصرا على بعض طرقه عنهم، وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر انتهى، وأخطأ في ذلك خطأ شنيعا فإنه سلك في ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة، مع أن الجمع بين القصتين ممكن، وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة علي، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري يعني الذي أخرجه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبا غيري وغيرك" والمعنى أن باب علي كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره فلذلك لم يؤمر بسده، ويؤيد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في"أحكام القرآن" من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي بن أبي طالب لأن بيته كان في المسجد" ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثني علي لما ذكره، وفي الأخرى استثني أبو بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه، وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخا يستقربون الدخول إلى المسجد منها فأمروا بعد ذلك بسدها، فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، وبها جمع بين الحديثين المذكورين أبو جعفر الطحاوي في مشكل الآثار، وهو في أوائل الثلث الثالث منه، وأبو بكر الكلاباذي في"معاني الأخبار" وصرح بأن بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت علي لم يكن له باب إلا من داخل المسجد، والله أعلم. وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدم فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق وأنه كان متأهلا لأن يتخذه النبي صلى الله عليه وسلم خليلا لولا المانع المتقدم ذكره، ويؤخذ منه أن للخليل صفه خاصة تقتضي عدم المشاركة فيها، وأن المساجد تصان عن التطرق إليها لغير ضرورة مهمة، والإشارة بالعلم الخاص دون التصريح لإثارة أفهام

(7/15)


السامعين وتفاوت العلماء في الفهم وأن من كان أرفع في الفهم استحق أن يطلق عليه أعلم، وفيه الترغيب في اختيار ما في الآخرة على ما في الدنيا، وقيه شكر المحسن والتنويه بفضله والثناء عليه. وقال ابن بطال: فيه أن المرشح للإمامة يخص بكرامة تدل عليه كما وقع في حق الصديق في هذه القصة.

(7/16)


4 - باب فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
3655- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
[الحديث: 3655- طرفه في: 3697]
قوله: "باب فضل أبي بكر - بعد النبي صلى الله عليه وسلم" أي في رتبة الفضل، وليس المراد البعدية الزمانية فإن فضل أبي بكر كان ثابتا في حياته صلى الله عليه وسلم كما دل عليه حديث الباب. الحديث: قوله: "حدثنا سليمان" هو ابن بلال، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري، والإسناد كله مدنيون. قوله: "كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي نقول: فلان خير من فلان إلخ. وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع الآتية في مناقب عثمان"كنا لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نفاضل بينهم" وقوله: "لا نعدل بأبي بكر" أي لا نجعل له مثلا، وقوله: "ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الكلام فيه ولأبي داود من طريق سالم عن ابن عمر"كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان" زاد الطبراني في رواية: "فيسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فلا ينكره" وروى خيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ابن عمر كنا نقول: "إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان استوى الناس، فيسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فلا ينكره" وهكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق ابن أبي أويس عن سليمان بن بلال في حديث الباب دون آخره. وفي الحديث تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر، كما هو المشهور عند جمهور أهل السنة، وذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمان، وممن قال به سفيان الثوري ويقال إنه رجع عنه. وقال به ابن خزيمة، وطائفة قبله وبعده، وقيل لا يفضل أحدهما على الآخر قاله مالك في"المدونة" وتبعه جماعة منهم يحيى القطان، ومن المتأخرين ابن حزم، وحديث الباب حجة للجمهور، وقد طعن فيه ابن عبد البر واستند إلى ما حكاه عن هارون بن إسحاق قال: سمعت ابن معين يقول: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعرف لعلي سابقيته وفضله فهو صاحب سنة، قال فذكرت له من يقول أبو بكر وعمر وعثمان ويسكتون فتكلم فيهم بكلام غليظ، وتعقب بأن ابن معين أنكر رأي قوم وهم العثمانية الذين يغالون في حب عثمان وينتقصون عليا، ولا شك في أن من اقتصر على ذلك ولم يعرف لعلي بن أبي طالب فضله فهو مذموم، وادعى ابن عبد البر أيضا أن هذا الحديث خلاف قول أهل السنة إن عليا أفضل الناس بعد الثلاثة، فإنهم أجمعوا على أن عليا أفضل الخلق بعد الثلاثة، ودل هذا الإجماع على أن حديث ابن عمر غلط وإن كان السند إليه صحيحا، وتعقب أيضا بأنه لا يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله على الدوام، وبأن الإجماع المذكور إنما حدث بعد الزمن الذي قيده ابن عمر فيخرج حديثه عن أن يكون غلطا، والذي أظن أن ابن عبد البر إنما أنكر الزيادة التي

(7/16)


وقعت في رواية عبيد الله بن عمر وهي قول ابن عمر"ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ" لكن لم ينفرد بها نافع فقد تابعه ابن الماجشون أخرجه خيثمة من طريق يوسف بن الماجشون عن أبيه عن ابن عمر"كنا نقول في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان، ثم ندع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نفاضل بينهم" ومع ذلك فلا يلزم من تركهم التفاضل إذ ذاك أن لا يكونوا اعتقدوا بعد ذلك تفضيل علي على من سواه والله أعلم. وقد اعترف ابن عمر بتقديم علي على غيره كما تقدم في حديثه الذي أوردته في الباب الذي قبله، وقد جاء في بعض الطرق في حديث ابن عمر تقييد الخيرية المذكورة والأفضلية بما يتعلق بالخلافة، وذلك فيما أخرجه ابن عساكر عن عبد الله بن يسار عن سالم عن ابن عمر قال: "إنكم لتعلمون أنا كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر وعمر وعثمان، يعني في الخلافة" كذا في أصل الحديث. ومن طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر"كنا نقول في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يكون أولى الناس بهذا الأمر؟ فنقول: أبو بكر ثم عمر". وذهب قوم إلى أن أفضل الصحابة من استشهد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وعين بعضهم منهم جعفر بن أبي طالب. ومنهم من ذهب إلى العباس وهو قول مرغوب عنه ليس قائله من أهل السنة بل ولا من أهل الإيمان، ومنهم من قال: أفضلهم مطلقا عمر متمسكا بالحديث الآتي في ترجمته في المنام الذي فيه في حق أبي بكر"وفي نزعه ضعف" وهو تمسك واه. ونقل البيهقي في"الاعتقاد" بسنده إلى أبي ثور عن الشافعي أنه قال: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.

(7/17)


باب لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا
...
5- باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا" قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ
3656-حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي"
3657-حدثنا معلي بن أسد وموسى بن إسماعيل التبوذكى قالا حدثنا وهيب عن أيوب وقال "لو كنت متخذاَ خليلاً لاتخخذته خليلا،ولكن أخوة الاسلام أفضل"
حدثنا قتيبة حدثنا عبد الوهاب عن أيوب مثله
3658- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ كَتَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْجَدِّ فَقَالَ أَمَّا الَّذِي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلًا لاَتَّخَذْتُهُ أَنْزَلَهُ أَبًا يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ"
3659-حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالاَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ قَالَتْ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تَقُولُ الْمَوْتَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْر"
[الحديث 3659-طرفاه في:7220،7360]

(7/17)


3660- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ سَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مَعَهُ إِلاَّ خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ"
[الحديث 3660- طرفاه في: 3857]
3661- حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِذِ اللَّهِ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ" فَسَلَّمَ وَقَالَ إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَقَالَ "يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ" ثَلاَثًا ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالُوا لاَ فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ "مَرَّتَيْنِ" فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي" مَرَّتَيْنِ. فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا"
[الحديث3661-طرفه في:4640 ]
3662- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلاَسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ عَائِشَةُ فَقُلْتُ مِنْ الرِّجَالِ فَقَالَ أَبُوهَا قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَعَدَّ رِجَالًا
[الحديث 3662-طرفة في:4358]
3663- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَطَلَبَهُ الرَّاعِي فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي وَبَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَتْ إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا وَلَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ" قَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا"
3664- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ

(7/18)


رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ"
[الحديث 3664- أطرافه في: 7021، 7022، 7475]
3665-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي إِلاَّ أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ
فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاَءَ" قَالَ مُوسَى فَقُلْتُ لِسَالِمٍ أَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ قَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ ذَكَرَ إِلاَّ ثَوْبَهُ"
[الحديث3665- أطرافه في: 5783، 5784، 5791، 6062، ]
3666-حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ يَعْنِي الْجَنَّةَ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ وَبَابِ الرَّيَّانِ" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ وَقَالَ هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ "نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ"
3667- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ وَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلاَّ ذَاكَ وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ "
3668-"فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ أَلاَ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ وَقَالَ[30الزمر]: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} .وقال[144 آل

(7/19)


عمران] {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ قَالَ وَاجْتَمَعَتْ الأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالُوا مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلاَّ أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلاَمًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لاَ يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ فَقَالَ فِي كَلاَمِهِ نَحْنُ الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ فَقَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ لاَ وَاللَّهِ لاَ نَفْعَلُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لاَ وَلَكِنَّا الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا فَبَايِعُوا عُمَرَ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَقَالَ عُمَرُ بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ فَقَالَ قَائِلٌ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقَالَ عُمَرُ قَتَلَهُ اللَّهُ"
3669-وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ" شَخَصَ بَصَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ :فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى (ثَلاَثًا) وَقَصَّ الْحَدِيثَ قَالَتْ فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلاَّ نَفَعَ اللَّهُ بِهَا لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ"
3670-" ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى وَعَرَّفَهُمْ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إِلَى {الشَّاكِرِينَ} "
3671-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ "قُلْتُ لِأَبِي أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟قَالَ: أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ ثُمَّ عُمَرُ وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ قُلْتُ ثُمَّ أَنْتَ قَالَ:مَا أَنَا إِلاَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ"
3672-حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ فَعَاتَبَنِي وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلاَ

(7/20)


يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ {فَتَيَمَّمُوا} [43النساء]، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ"
3673-حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ" تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَاضِرٌ عَنْ الأَعْمَشِ
3674-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ أَبُو الْحَسَنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَقُلْتُ :لاَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا قَالَ فَجَاءَ الْمَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: خَرَجَ وَوَجَّهَ هَا هُنَا، فَخَرَجْتُ عَلَى إِثْرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ- وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ- حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ فَتَوَضَّأَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلاَهُمَا فِي الْبِئْرِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ لاَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ:أَبُو بَكْرٍ فَقُلْتُ عَلَى رِسْلِكَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ: "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة"ِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فِي الْقُفِّ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي فَقُلْتُ إِنْ يُرِدْ اللَّهُ بِفُلاَنٍ خَيْرًا يُرِيدُ- أَخَاهُ يَأْتِ بِهِ فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ: "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ" فَجِئْتُ فَقُلْتُ ادْخُلْ وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ إِنْ يُرِدْ اللَّهُ بِفُلاَنٍ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ فَجَاءَ إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقُلْتُ عَلَى رِسْلِكَ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ" فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ ادْخُلْ وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُكَ فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ فَجَلَسَ وِجَاهَهُ مِنْ الشَّقِّ الْآخَرِ قَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ

(7/21)


سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ"
[الحديث 3674- أطرافه في: 3693، 3695، 6216، 7097، 7262، ]
3675-حدثني محمد بن بشار حدثنا يحيى عن سعيد عن قتادة أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثهم "أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"
[الحديث3675، طرفاه في:3686، 3699، ]
3676-حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا صَخْرٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَمَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا جَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ فَنَزَعَ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ" قَالَ وَهْبٌ: الْعَطَنُ مَبْرَكُ الإِبِلِ يَقُولُ: حَتَّى رَوِيَتْ الإِبِلُ، فَأَنَاخَتْ "
3677-حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمَكِّيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي قَوْمٍ فَدَعَوْا اللَّهَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَدْ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ إِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي قَدْ وَضَعَ مِرْفَقَهُ عَلَى مَنْكِبِي يَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ إِنْ كُنْتُ لاَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ لِأَنِّي كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَفَعَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَانْطَلَقْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ" فَإِنْ كُنْتُ لاَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ"
[الحديث 3677-طرفه في: 3685]
3678-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنْ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر28]
[الحديث 3678-طرفاه في: 3856، 4815]

(7/22)


قوله( باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا خليلا قاله أبو سعيد يشير الى حديثه السابق قبل بباب ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث الحديث الأول حديث أبي سعيد المذكور الحديث الثاني حديث ابن عباس أخرجه من طرق ثلاثة: الأولى: قوله: "لو كنت متخذا خليلا" زاد في حديث أبي سعيد "غير ربي" وفي حديث ابن مسعود عند مسلم: "وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا" . وقد تواردت هذه الأحاديث على نفي الخلة من النبي صلى الله عليه وسلم لأحد من الناس، وأما ما روي عن أبي بن كعب قال: "إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس، دخلت عليه وهو يقول: "إنه لم يكن نبي إلا وقد اتخذ من أمته خليلا، وإن خليلي أبو بكر. ألا وإن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا" أخرجه أبو الحسن الحربي في فوائده، وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم كما قدمته أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بخمس "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل" فإن ثبت حديث أبي أمكن أن يجمع بينهما بأنه لما برئ من ذلك تواضعا لربه وإعظاما له أذن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم لما رأى من تشوفه إليه وإكراما لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران، أشار إلى ذلك المحب الطبري. وقد روى من حديث أبي أمامة نحو حديث أبي بن كعب دون التقييد بالخمس، أخرجه الواحدي في تفسيره، والخبران واهيان، والله أعلم. قوله: "ولكن أخي وصاحبي" في رواية خيثمة في"فضائل الصحابة" عن أحمد بن الأسود عن مسلم بن إبراهيم وهو شيخ البخاري فيه: "ولكنه أخي وصاحبي في الله تعالى" وفي الرواية التي بعدها " ولكن أخوة الإسلام أفضل" وقد تقدم توجيهها قبل باب. وقوله: في الرواية الثانية"حدثنا معلى بن أسد وموسى بن إسماعيل التبوذكي" كذا للأكثر وهو الصواب، ووقع في رواية أبي ذر وحده"التنوخي" وهو تصحيف، وقد تقدم تفسير الخليل في ترجمة إبراهيم عليه السلام من أحاديث الأنبياء، واختلف في المودة والخلة والمحبة والصداقة هي مترادفة أو مختلفة، قال أهل اللغة: الخلة أرفع رتبة، وهو الذي يشعر به حديث الباب، وكذا قوله عليه السلام "لو كنت متخذا خليلا غير ربي" فإنه يشعر بأنه لم يكن له خليل من بني آدم، وقد ثبتت محبته لجماعة من أصحابه كأبي بكر وفاطمة وعائشة والحسنين وغيرهم، ولا يعكر على هذا اتصاف إبراهيم عليه السلام بالخلة ومحمد صلى الله عليه وسلم بالمحبة فتكون المحبة أرفع رتبة من الخلة، لأنه يجاب عن ذلك بأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد ثبت له الأمران معا فيكون رجحانه من الجهتين، والله أعلم. وقال الزمخشري: الخليل هو الذي يوافقك في خلالك ويسايرك في طريقك، أو الذي يسد خللك وتسد خلله، أو يداخلك خلال منزلك انتهى. وكأنه جوز أن يكون اشتقاقه مما ذكر. وقيل: أصل الخلة انقطاع الخليل إلى خليله، وقيل: الخليل من يتخلله سرك، وقيل: من لا يسع قلبه غيرك، وقيل: أصل الخلة الاستصفاء، وقيل: المختص بالمودة، وقيل: اشتقاق الخليل من الخلة بفتح الخاء وهي الحاجة، فعلى هذا فهو المحتاج إلى من يخاله، وهذا كله بالنسبة إلى الإنسان، أما خلة الله للعبد فبمعنى نصره له ومعاونته. الحديث: حديث ابن الزبير في المعنى، وسيأتي الكلام على ما يتعلق منه بالجد في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى. والمراد بقوله: "كتب أهل الكوفة" بعض أهلها وهو عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان ابن الزبير جعله على قضاء الكوفة، أخرجه أحمد من طريق سعيد بن جبير قال: "كنت عند عبد الله بن عتبة، وكان ابن الزبير جعله على القضاء فجاءه كتابه: كتبت تسألني عن الجد" فذكره نحوه وزاد بعد قوله: "لاتخذت أبا بكر: ولكنه أخي في الدين، وصاحبي في الغار" ووقع في رواية أحمد من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة في هذا

(7/23)


الحديث: "لو كنت متخذا خليلا سوى الله حتى ألقاه." الحديث الرابع: حديث محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه. قوله: "أتت امرأة" لم أقف على اسمها. قوله: "أرأيت" أي أخبرني. قوله: "إن جئت ولم أجدك، كأنها تقول الموت" في رواية يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عند البلاذري "قالت فإن رجعت فلم أجدك، تعرض بالموت"، وكذا عند الإسماعيلي من طريق ابن معمر عن إبراهيم، وهو يقوي جزم القاضي عياض أنه كلام جيد. وفي رواية الحميدي الآتي ذكرها في الأحكام "كأنها تعني الموت" ومرادها إن جئت فوجدتك قد مت ماذا أعمل؟ واختلف في تعيين قائل "كأنها" فجزم عياض بأنه جبير بن مطعم راوي الحديث وهو الظاهر، ويحتمل من دونه. وروى الطبراني من حديث عصمة بن مالك قال: "قلنا يا رسول الله إلى من ندفع صدقات أموالنا بعدك؟ قال: "إلى أبي بكر الصديق" وهو لو ثبت كان أصرح في حديث الباب من الإشارة إلى أنه الخليفة بعده، لكن إسناده ضعيف. وروى الإسماعيلي في معجمه من حديث سهل بن أبي خيثمة قال: "بايع النبي صلى الله عليه وسلم أعرابيا فسأله إن أتى عليه أجله من يقضيه؟ فقال: أبو بكر. ثم سأله من يقضيه بعده؟ قال: عمر" الحديث. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" من هذا الوجه مختصرا. وفي الحديث أن مواعيد النبي صلى الله عليه وسلم كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها. وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس، وسيأتي شيء من ذلك في "باب الاستخلاف" من كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى. الحديث: قوله: "حدثنا أحمد بن أبي الطيب" هو المروزي، بغدادي الأصل يكنى أبا سليمان واسم أبيه سليمان، وصفه أبو زرعة بالحفظ، وضعفه أبو حاتم؛ وليس له في البخاري غير هذا الحديث. وقد أخرجه من رواية غيره كما سيأتي في "باب إسلام أبي بكر". قوله: "حدثنا إسماعيل بن مجالد" بالجيم هو الكوفي، قواه يحيى بن معين وجماعة، ولينه بعضهم، وليس له عند البخاري أيضا غير هذا الحديث. ووبرة بفتح الواو والموحدة تابعي صغير. قوله: "عن همام" هو ابن الحارث، وعند الإسماعيلي من طريق جهور بن منصور عن إسماعيل "سمعت همام بن الحارث" وهو من كبار التابعين، وعمار هو ابن ياسر، والإسناد من إسماعيل فصاعدا كوفيون. قوله: "وما معه" أي ممن أسلم. قوله: "إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر" أما الأعبد فهم بلال وزيد بن حارثة وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، فإنه أسلم قديما مع أبي بكر، وروى الطبراني من طريق عروة أنه كان ممن كان يعذب في الله فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وأبو فكيهة مولى صفوان بن أمية بن خلف ذكر ابن إسحاق أنه أسلم حين أسلم بلال فعذبه أمية فاشتراه أبو بكر فأعتقه. وأما الخامس فيحتمل أن يفسر بشقران، فقد ذكر ابن السكن في "كتاب الصحابة" عن عبد الله بن داود أن النبي صلى الله عليه وسلم ورثه من أبيه هو وأم أيمن، وذكر بعض شيوخنا بدل أبي فكيهة عمار بن ياسر وهو محتمل، وكان ينبغي أن يكون منهم أبوه فإن الثلاثة كانوا ممن يعذب في الله وأمه أول من استشهدت في الإسلام طعنها أبو جهل في قلبها بحربة فماتت، وأما المرأتان فخديجة والأخرى أم أيمن أو سمية، وذكر بعض شيوخنا تبعا للدمياطي أنها أم الفضل زوج العباس، وليس بواضح لأنها وإن كانت قديمة الإسلام إلا أنها لم تذكر في السابقين، ولو كان كما قال لعد أبو رافع مولى العباس لأنه أسلم حين أسلمت أم الفضل. كذا عند ابن إسحاق. وفي هذا الحديث أن أبا بكر أول من أسلم من الأحرار مطلقا، ولكن مراد عمار بذلك ممن أظهر إسلامه، وإلا فقد كان حينئذ جماعة ممن أسلم لكنهم كانوا يخفونه من أقاربهم، وسيأتي قول سعد إنه كان ثلث الإسلام، وذلك بالنسبة إلى من اطلع على إسلامه ممن سبق إسلامه. قوله: "حدثنا زيد بن واقد"

(7/24)


هو الدمشقي، ثقة قليل الحديث، وليس له في البخاري غير هذا الحديث الواحد، وكلهم دمشقيون، وبسر بضم الموحدة وبالمهملة. قوله: "عن بسر بن عبيد الله" في رواية عبد الله بن العلاء بن زيد عند المصنف في التفسير "حدثني بسر بن عبيد الله حدثني أبو إدريس سألت أبا الدرداء". قوله: "أما صاحبكم" في رواية الكشميهني: "أما صاحبك" بالإفراد. قوله: "فقد غامر" بالغين المعجمة أي خاصم، والمعنى دخل في غمرة الخصومة، والغامر الذي يرمي بنفسه في الأمر العظيم كالحرب وغيره. وقيل هو من الغمر بكسر المعجمة وهو الحقد، أي صنع أمرا اقتضى له أن يحقد على من صنعه معه ويحقد الآخر عليه، ووقع في تفسير الأعراف في رواية أبي ذر وحده "قال أبو عبد الله هو المصنف: غامر أي سبق أي سبق بالخير" وذكر عياض أنه في رواية المستملي وحده عن أبي ذر، وهو تفسير مستغرب والأول أظهر، وقد عزاه المحب الطبري لأبي عبيدة بن المثنى أيضا، فهو سلف البخاري فيه، وقسيم قوله: "أما صاحبكم" محذوف أي وأما غيره فلا. قوله: "فسلم" بتشديد اللام من السلام، ووقع في رواية محمد بن المبارك عن صدقة بن خالد عند أبي نعيم في الحلية "حتى سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقع في الحديث ذكر الرد وهو مما يحذف للعلم به. قوله: "كان بيني وبين ابن الخطاب شيء" في الرواية التي في التفسير "محاورة" وهو بالحاء المهملة أي مراجعة، وفي حديث أبي أمامة عند أبي يعلى "معاتبة" وفي لفظ: "مقاولة". قوله: "فأسرعت إليه" في التفسير "فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه مغضبا فاتبعه أبو بكر". قوله: "ثم ندمت" زاد محمد بن المبارك "على ما كان". قوله: "فسألته أن يغفر لي" في الرواية التي في التفسير "أن يستغفر لي فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه". قوله: "فأبى علي" زاد محمد بن المبارك "فتبعته إلى البقيع حتى خرج من داره" وللإسماعيلي عن الهسنجاني عن هشام بن عمار "وتحرز مني بداره" وفي حديث أبي أمامة "فاعتذر أبو بكر إلى عمر فلم يقبل منه". قوله: "يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا" أي أعاد هذه الكلمة ثلاث مرات. قوله: "يتمعر" بالعين المهملة المشددة أي تذهب نضارته من الغضب، وأصله من العر وهو الجرب يقال أمعر المكان إذا أجرب، وفي بعض النسخ "يتمغر" بالغين المعجمة أي يحمر من الغضب فصار كالذي صبغ بالمغرة، وللمؤلف في التفسير "وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفي حديث أبي أمامة عند أبي يعلى في نحو هذه القصة" فجلس عمر فأعرض عنه - أي النبي صلى الله عليه وسلم - ثم تحول فجلس إلى الجانب الآخر فأعرض عنه، ثم قام فجلس بين يديه فأعرض عنه، فقال: يا رسول الله ما أرى إعراضك إلا لشيء بلغك عني، فما خير حياتي وأنت معرض عني؟ فقال: أنت الذي اعتذر إليك أبو بكر فلم تقبل منه، ووقع في حديث ابن عمر عند الطبراني في نحو هذه القصة "يسألك أخوك أن تستغفر له فلا تفعل" فقال: والذي بعثك بالحق ما من مرة يسألني إلا وأنا أستغفر له، وما خلق الله من أحد أحب إلي منه بعدك. فقال أبو بكر: وأنا والذي بعثك بالحق كذلك. قوله: "حتى أشفق أبو بكر" زاد محمد بن المبارك "أن يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر ما يكره". قوله: "فجثا" بالجيم والمثلثة أي برك. قوله: "والله أنا كنت أظلم" في القصة المذكورة "وإنما قال ذلك لأنه الذي بدأ" كما تقدم في أول القصة. قوله: "مرتين" أي قال ذلك القول مرتين، ويحتمل أنه من قول أبي بكر فيكون معلقا بقوله: "كنت أظلم". قوله: "وواساني" في رواية الكشميهني وحده "واساني" والأول أوجه، وهو من المواساة وهي بلفظ المفاعلة من الجانبين، والمراد به أن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء. قوله: "تاركو ليصاحبي" في التفسير "تاركون لي صاحبي" وهي الموجهة حتى قال أبوالبقاء: إن حذف النون من خطأ الرواة، لأن الكلمة

(7/25)


ليست مضافة ولا فيها ألف ولام، وإنما يجوز الحذف في هذين الموضعين. ووجهها غيره بوجهين: أحدهما: أن يكون "صاحبي" مضافا وفصل بين المضاف إليه بالجار والمجرور عناية بتقديم لفظ الإضافة، وفي ذلك جمع بين إضافتين إلى نفسه تعظيما للصديق، ونظيره قراءة ابن عامر "وكذلك زين للكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم" بنصب أولادهم وخفض شركائهم وفصل بين المضافين بالمفعول، والثاني أن يكون استطال الكلام فحذف النون كما يحذف من الموصول المطول، ومنه ما ذكروه في قوله تعالى: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} . قوله: "مرتين" أي قال ذلك القول مرتين. وفي رواية محمد بن المبارك "ثلاث مرات". قوله: "فما أوذي بعدها" أي لما أظهره النبي صلى الله عليه وسلم لهم من تعظيمه، ولم أر هذه الزيادة من غير رواية هشام بن عمار، ووقع لأبي بكر مع ربيعة بن جعفر قصة نحو هذه: فأخرج أحمد من حديث ربيعة "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه أرضا وأعطى أبا بكر أرضا، قال: فاختلفا في عذق نخلة، فقلت أنا: هي في حدي. وقال أبو بكر: هي في حدي، فكان بيننا كلام، فقال له أبو بكر كلمة ثم ندم فقال: رد على مثلها حتى يكون قصاصا، فأبيت. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك وللصديق - فذكر القصة - فقال: أجل فلا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر، فقلت. فولى أبو بكر وهو يبكي". وفي الحديث من الفوائد فضل أبي بكر على جميع الصحابة، وأن الفاضل لا ينبغي له أن يغاضب من هو أفضل منه، وفيه جواز مدح المرء في وجهه، ومحله إذا أمن عليه الافتتان والاغترار. وفيه ما طبع عليه الإنسان من البشرية حتى يحمله الغضب على ارتكاب خلاف الأولى، لكن الفاضل في الدين يسرع الرجوع إلى الأولى كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا} وفيه أن غير النبي ولو بلغ من الفضل الغاية ليس بمعصوم. وفيه استحباب سؤال الاستغفار والتحلل من المظلوم، وفيه أن من غضب على صاحبه نسبه إلى أبيه أو جده ولم يسمه باسمه وذلك من قول أبي بكر لما جاء وهو غضبان من عمر "كان بيني وبين ابن الخطاب" فلم يذكره باسمه، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا إن كان ابن أبي طالب يريد أن ينكح ابنتهم"، وفيه أن الركبة ليست عورة. الحديث: قوله: "خالد الحذاء حدثنا" هو من تقديم الاسم على الصفة وقد استعملوه كثيرا، والإسناد كله بصريون إلا الصحابي، وأبو عثمان هو النهدي. قوله: "بعثه على جيش ذات السلاسل" بالمهملتين والمشهور أنها بفتح الأولى على لفظ جمع السلسلة، وضبطه كذلك أبو عبيد البكري، قيل سمي المكان بذلك لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وضبطها ابن الأثير بالضم. وقال هو بمعنى السلسال أي السهل، وسيأتي شرحها وتسميتها في المغازي إن شاء الله تعالى. قوله: "أي الناس أحب إليك" زاد في رواية قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص "يا رسول الله فأحبه" أخرجه ابن عساكر من طريق علي بن مسهر عن إسماعيل عن قيس، وقع عند ابن سعد سبب هذا السؤال وأنه وقع في نفس عمرو لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم على الجيش وفيهم أبو بكر وعمر أنه مقدم عنده في المنزلة عليهم فسأله لذلك. قوله: "فقلت من الرجال" في رواية قيس بن أبي حازم عن عمرو عند ابن خزيمة وابن حبان: "قلت إني لست أعني النساء إني أعني الرجال" وفي حديث أنس عند ابن حبان أيضا: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل له ليس عن أهلك نسألك" وعرف بحديث عمر اسم السائل في حديث أنس. قوله: "فقلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب، فعد رجالا" زاد في المغازي من وجه آخر" فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم" ووقع في حديث عبد الله بن شقيق قال: "قلت لعائشة: أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت: ثم

(7/26)


من؟ قالت: عمر، قلت: ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح، قلت: ثم من؟ فسكتت" أخرجه الترمذي وصححه فيمكن أن يفسر بعض الرجال الذي أبهموا في حديث الباب بأبي عبيدة. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح عن النعمان بن بشير قال: "استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول: والله لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي" الحديث، فيكون علي ممن أبهمه عمرو بن العاص، وهو أيضا وإن كان في الظاهر يعارض حديث عمرو لكن يرجح حديث عمرو أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من تقريره، ويمكن الجمع باختلاف جهة المحبة: فيكون في حق أبي بكر على عمومه بخلاف علي، ويصح حينئذ دخوله فيمن أبهمه عمرو، ومعاذ الله أن نقول كما تقول الرافضة من إبهام عمرو فيما روى لما كان بينه وبين علي رضي الله عنهما، فقد كان النعمان مع معاوية على علي ولم يمنعه ذلك من التحديث بمنقبة علي، ولا ارتياب في أن عمرا أفضل من النعمان، والله أعلم. الحديث: حديث أبي هريرة في قصة الذئب الذي كلم الراعي، وفي قصة البقرة التي كلمت من حملها، وقد تقدم الكلام على ما في إسناده في ذكر بني إسرائيل. قوله: "بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب" الحديث لم أقف على اسم هذا الراعي، وقد أورد المصنف الحديث في ذكر بني إسرائيل، وهو مشعر بأنه عنده ممن كان قبل الإسلام، وقد وقع كلام الذئب لبعض الصحابة في نحو هذه القصة، فروى أبو نعيم في"الدلائل" من طريق ربيعة بن أوس عن أنيس بن عمرو عن أهبان بن أوس قال: "كنت في غنم لي، فشد الذئب على شاة منها، فصحت عليه فأقعى الذئب على ذنبه يخاطبني وقال: من لها يوم تشتغل عنها؟ تمنعني رزقا رزقنيه الله تعالى، فصفقت بيدي وقلت: والله ما رأيت شيئا أعجب من هذا، فقال: أعجب من هذا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين هذه النخلات يدعو إلى الله، قال فأتى أهبان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وأسلم" فيحتمل أن يكون أهبان لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كان أبو بكر وعمر حاضرين، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأبو بكر وعمر غائبين، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر" وقد تقدمت هذه الزيادة في هذه القصة من وجه آخر عن أبي سلمة في المزارعة وفيه: "قال أبو سلمة: وما هما يومئذ في القوم" أي عند حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك لما اطلع عليه من غلبة صدق إيمانهما وقوة يقينهما، وهذا أليق بدخوله في مناقبهما. قوله: "يوم السبع" قال عياض: يجوز ضم الموحدة وسكونها، إلا أن الرواية بالضم. وقال الحربي: هو بالضم والسكون وجزم بأن المراد به الحيوان المعروف. وقال ابن العربي: هو بالإسكان والضم تصحيف، كذا قال. وقال ابن الجوزي: هو بالسكون والمحدثون يروونه بالضم وعلى هذا - أي الضم - فالمعنى إذا أخذها السبع لم يقدر على خلاصها منه فلا يرعاها حينئذ غيري، أي إنك تهرب منه وأكون أنا قريبا منه أرعى ما يفضل لي منها. وقال الداودي: معناه من لها يوم يطرقها السبع - أي الأسد - فتفر أنت منه فيأخذ منها حاجته وأتخلف أنا لا راعي لها حينئذ غيري، وقيل: إنما يكون ذلك عند الاشتغال بالفتن فتصير الغنم هملا فتنهبها السباع فيصير الذئب كالراعي لها لانفراده بها. وأما بالسكون فاختلف في المراد به فقيل: هو اسم الموضع الذي يقع فيه الحشر يوم القيامة، وهذا نقله الأزهري في"تهذيب اللغة" عن ابن الأعرابي، ويؤيده أنه وقع في بعض طرقه عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة "يوم القيامة" وقد تعقب هذا بأن الذئب حينئذ لا يكون راعيا للغنم ولا تعلق له بها، وقيل: هو اسم يوم عيد كان لهم في الجاهلية يشتغلون فيه باللهو واللعب فيغفل الراعي عن غنمه فيتمكن الذئب من الغنم، وإنما قال: "ليس لها راع غيري" مبالغة في تمكنه منها، وهذا

(7/27)


نقله الإسماعيلي عن أبي عبيدة، وقيل: هو من سبعت الرجل إذا ذعرته، أي من لها يوم الفزع؟ أو من أسبعته إذا أهملته، أي من لها يوم الإهمال. قال الأصمعي: السبع الهمل، وأسبع الرجل أغنامه إذا تركها تصنع ما تشاء، ورجح هذا القول النووي. وقيل: يوم الأكل، يقال سبع الذئب الشاة إذا أكلها. وحكى صاحب "المطالع" أنه روي بسكون التحتانية آخر الحروف وفسره بيوم الضياع، يقال أسبعت وأضيعت بمعنى، وهذا نقله ابن دحية عن إسماعيل القاضي عن علي بن المديني عن معمر بن المثنى، وقيل: المراد بيوم السبع يوم الشدة كما روي عن ابن عباس أنه سئل عن مسألة فقال: أجرأ من سبع، يريد أنها من المسائل الشداد التي يشتد فيها الخطب على المفتي، والله أعلم. قوله: "وبينما رجل يسوق بقرة" تقدم الكلام عليه في المزارعة، ووقع عند ابن حبان من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة في آخره في القصتين" فقال الناس آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفي الحديث جواز التعجب من خوارق العادات، وتفاوت الناس في المعارف. حديث أبي هريرة في رؤيا النزع من القليب، وسيأتي شرحه في التعبير إن شاء الله تعالى. الحديث: حديث ابن عمر في الزجر عن جر الثوب خيلاء، وسيأتي شرحه في كتاب اللباس، وفيه فضيلة ظاهرة لأبي بكر لشحه على دينه، ولشهادة النبي صلى الله عليه وسلم بما ينافي ما يكره. قوله: "فقلت لسالم" هو مقولة موسى بن عقبة، وسيأتي هناك الإشارة إلى تسوية ابن عمر بين الثوب والإزار في الحكم. الحديث: حديث أبي هريرة فيمن أنفق زوجين أي شيئين. قوله: "من شيء من الأشياء" أي من أصناف المال. قوله: "في سبيل الله" أي في طلب ثواب الله، وهو أعم من الجهاد وغيره من العبادات. قوله: "دعي من أبواب يعني الجنة" كذا وقع هنا وكأن لفظة "الجنة" سقطت من بعض الرواة فلأجل مراعاة المحافظة على اللفظ زاد: "يعني"، وقد تقدم في الصيام من وجه آخر عن الزهري بلفظ: "من أبواب الجنة" بغير تردد. ومعنى الحديث أن كل عامل يدعى من باب ذلك العمل، وقد جاء ذلك صريحا من وجه آخر عن أبي هريرة "لكل عامل باب من أبواب الجنة يدعى منه بذلك العمل" أخرجه أحمد وابن شيبة بإسناد صحيح. قوله: "يا عبد الله هذا خير" لفظ: "خير" بمعنى فاضل لا بمعنى أفضل وإن كان اللفظ قد يوهم ذلك، ففائدته زيادة ترغيب السامع في طلب الدخول من ذلك الباب، وتقدم في أوائل الجهاد بيان الداعي من وجه آخر عن أبي هريرة ولفظه: "دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب" أي خزنة كل باب "أي فل هلم"، ولفظة "فل" لغة في فلان، وهي بالضم، وكذا ثبت في الرواية، وقيل إنها ترخيمها فعلى هذا فتفتح اللام. قوله: "فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة" وقع في الحديث ذكر أربعة أبواب من أبواب الجنة، وتقدم في أوائل الجهاد" وإن أبواب الجنة ثمانية" وبقي من الأركان الحج فله باب بلا شك، وأما الثلاثة الأخرى فمنها باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس رواه أحمد بن حنبل عن روح بن عبادة عن أشعث عن الحسن مرسلا "إن لله بابا في الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة" ومنها الباب الأيمن وهو باب المتوكلين الذي يدخل منه من لا حساب عليه ولا عذاب، وأما الثالث فلعله باب الذكر فإن عند الترمذي ما يومئ إليه، ويحتمل أن يكون باب العلم والله أعلم، ويحتمل أن يكون بالأبواب التي يدعى منها أبواب من داخل أبواب الجنة الأصلية لأن الأعمال الصالحة أكثر عددا من ثمانية، والله أعلم. قوله: "فقال أبو بكر ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة" زاد في الصيام "فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها" وفي الحديث إشعار بقلة من يدعى من تلك الأبواب كلها، وفيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة

(7/28)


لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها، بخلاف التطوعات فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات، ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد، ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه والله أعلم. وأما ما أخرجه مسلم عن عمر "من توضأ ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله" الحديث وفيه: "فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء" فلا ينافي ما تقدم وإن كان ظاهره أنه يعارضه، لأنه يحمل على أنها تفتح له على سبيل التكريم، ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب العلم الذي يكون أغلب عليه كما تقدم، والله أعلم. "تنبيه": الإنفاق في الصلاة والجهاد والعلم والحج ظاهر، وأما الإنفاق في غيرها فمشكل، ويمكن أن يكون المراد بالإنفاق في الصلاة فيما يتعلق بوسائلها من تحصيل آلاتها من طهارة وتطهير ثوب وبدن ومكان، والإنفاق في الصيام بما يقويه على فعله وخلوص القصد فيه، والإنفاق في العفو عن الناس يمكن أن يقع بترك ما يجب له من حق، والإنفاق في التوكل بما ينفقه على نفسه في مرضه المانع له من التصرف في طلب المعاش مع الصبر على المصيبة، أو ينفق على من أصابه مثل ذلك طلبا للثواب، والإنفاق في الذكر على نحو من ذلك، والله أعلم. وقيل المراد بالإنفاق في الصلاة والصيام بذل النفس فيهما، فإن العرب تسمي ما يبذله المرء من نفسه نفقة كما يقال أنفقت في طلب العلم عمري وبذلت فيه نفسي، وهذا معنى حسن. وأبعد من قال المراد بقوله: زوجين النفس والمال لأن المال في الصلاة والصيام ونحوهما ليس بظاهر إلا بالتأويل المتقدم، وكذلك من قال النفقة في الصيام تقع بتفطير الصائم والإنفاق عليه، لأن ذلك يرجع إلى باب الصدقة. قوله: "وأرجو أن تكون منهم" قال العلماء:الرجاء من الله ومن نبيه واقع، وبهذا التقرير يدخل الحديث في فضائل أبي بكر.ووقع في حديث ابن عباس عند ابن حبان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر ولفظه: "قال أجل وأنت هو يا أبا بكر" وفي الحديث من الفوائد أن من أكثر من شيء عرف به، وأن أعمال البر قل أن تجتمع جميعها لشخص واحد على السواء، وأن الملائكة يحبون صالحي بني آدم ويفرحون بهم، فإن الإنفاق كلما كان أكثر كان أفضل، وأن تمني الخير في الدنيا والآخرة مطلوب. حديث عائشة في الوفاة وقصة السقيفة، وسيأتي ما يتعلق بالوفاة في مكانها في أواخر المغازي، وأما السقيفة فتتضمن بيعة أبي بكر بالخلافة، وقد أوردها المصنف أيضا من طريق ابن عباس عن عمر في الحدود، وذكر شيئا منها في الأحكام من طريق أنس عن عمر أيضا، وأتمها رواية ابن عباس، وسأذكر هنا ما فيها من فائدة زائدة. قوله: "مات النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بالسنح" تقدم ضبطه في أول الجنائز وأنه بسكون النون، وضبطه أبو عبيد البكري بضمها وقال: إنه منازل بني الحارث من الخزرج بالعوالي، وبينه وبين المسجد النبوي ميل. قوله: "قال إسماعيل" هو شيخ المصنف فيه وهو ابن أبي أويس، وقوله: "يعني بالعالية" أراد تفسير قول عائشة بالسنح. قوله: "ما كان يقع في نفسي إلا ذاك" يعني عدم موته صلى الله عليه وسلم حينئذ، وقد ذكر عمر مستنده في ذلك كما سأبينه في موضعه. قوله: "لا يذيقك الله الموتتين" تقدم شرحه في أوائل الجنائز، وقد تمسك به من أنكر الحياة في القبر، وأجيب عن أهل السنة المثبتين لذلك بأن المراد نفي الموت اللازم من الذي أثبته عمر بقوله: "وليبعثه الله في الدنيا ليقطع أيدي القائلين بموته" وليس فيه تعرض لما يقع في البرزخ، وأحسن من هذا الجواب أن يقال: إن حياته صلى الله عليه وسلم في القبر لا يعقبها موت بل يستمر حيا، والأنبياء أحياء في قبورهم، ولعل هذا هو الحكمة في تعريف الموتتين حيث قال لا يذيقك الله الموتتين أي المعروفتين المشهورتين الواقعتين لكل أحد غير الأنبياء،

(7/29)


وأما وقوع الحلف من عمر على ما ذكره فبناه على ظنه الذي أداه إليه اجتهاده، وفيه بيان رجحان علم أبي بكر على عمر فمن دونه، وكذلك رجحانه عليهم لثباته في مثل ذلك الأمر العظيم. قوله: "أيها الحالف على رسلك" بكسر الراء أي هينتك ولا تستعجل، وتقدم في الطريق الذي بالجنائز أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس، فأبى، فتشهد أبو بكر، فمال الناس إليه وتركوا عمر. وقد اعتذر عمر عن ذلك كما سيأتي في "باب الاستخلاف" من كتاب الأحكام. قوله: "فنشج الناس" بفتح النون وكسر المعجمة بعدها جيم أي بكوا بغير انتحاب، والنشج ما يعرض في حلق الباكي من الغصة، وقيل: هو صوت معه ترجيع كما يردد الصبي بكاءه في صدره. قوله: "واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة" هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الخزرجي ثم الساعدي، وكان كبير الخزرج في ذلك الوقت. وذكر ابن إسحاق في آخر السيرة أن أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل انحازوا إلى أبي بكر ومن معه وهؤلاء من الأوس. وفي حديث ابن عباس عن عمر "تخلفت عنا الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة" فيجمع بأنهم اجتمعوا أولا ثم افترقوا، وذلك أن الخزرج والأوس كانوا فريقين، وكان بينهم في الجاهلية من الحروب ما هو مشهور، فزال ذلك بالإسلام وبقي من ذلك شيء في النفوس، فكأنهم اجتمعوا أولا، فلما رأى أسيد ومن معه من الأوس أبا بكر ومن معه افترقوا من الخزرج إيثارا لتأمير المهاجرين عليهم دون الخزرج. وفيه أن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر. قوله: "فذهب إليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة" في رواية ابن عباس المذكورة" فقلت له: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار" وزاد أبو يعلى من رواية مالك عن الزهري فيه: "فبينما نحن في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجل ينادي من وراء الجدار أن اخرج إلي يا ابن الخطاب، فقلت: إليك عني فإنا عنك مشاغيل يعني بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: إنه قد حدث أمر، فإن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة فأدركوهم قبل أن يحدثوا أمرا يكون فيه حرب. فقلت لأبي بكر: انطلق - فذكره - قال فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فقالا: لا عليكم ألا تقربوهم، واقضوا أمركم. قال فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: "سعد بن عبادة" وذكر في آخر الحديث عن عروة أن الرجلين الذين لقياهم هما عويم بن ساعدة بن عباس بن قيس بن النعمان من بني مالك بن عوف، ومعن بن عدي بن الجعد بن العجلان حليفهم وهما من الأوس أيضا وكذا وقعت تسميتهما في رواية ابن عيينة عن الزهري، أخرجه الزبير بن بكار. قوله: "فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر إلخ" وفي رواية ابن عباس "قال عمر: أردت أن أتكلم، وقد كنت زورت - أي هيأت وحسنت - مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري صنه بعض الحد - أي الحدة - فقال: على رسلك، فكرهت أن أغضبه". قوله: "ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس" بنصب أبلغ على الحال، ويجوز الرفع على الفاعلية، أي تكلم رجل هذه صفته. وقال السهيلي النصب أوجه ليكون تأكيدا لمدحه وصرف الوهم عن أن يكون أحد موصوفا بذلك غيره. وفي رواية ابن عباس قال: "قال عمر: والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حتى سكت". قوله: "فقال في كلامه" وقع في رواية حميد بن عبد الرحمن بيان ما قال في روايته: "فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا ذكره" ووقع في رواية ابن عباس بيان بعض ذلك الكلام وهو" أما بعد فما ذكرتم من خير فأنتم أهله، ولن تعرف العرب

(7/30)


هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وهم أوسط العرب نسبا ودارا" وعرف المراد بقوله بعد في هذه الرواية: "هم أوسط العرب دارا وأعربهم أحسابا" والمراد بالدار مكة. وقال الخطابي أراد بالدار أهل الدار ومنه قوله: "خير دور الأنصار بنو النجار" وقوله: "أحسابا" الحسب الفعال الحسان مأخوذ من الحساب إذا عدوا مناقبهم، فمن كان أكثر كان أعظم حسبا، ويقال النسب للآباء والحسب للأفعال. قوله: "فقال حباب" بضم المهملة وموحدتين الأولى خفيفة "ابن المنذر" أي ابن عمرو بن الجموح الخزرجي ثم السلمي بفتحتين، وكان يقال له ذو الرأي. قوله: "لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير" زاد في رواية ابن عباس أنه قال: "أنا جديلها المحكك، وعذيقها المرجب" وشرح هاتين الكلمتين أن العذيق بالذال المعجمة تصغير عذق وهو النخلة، والمرجب بالجيم والموحدة أي يدعم النخلة إذا كثر حملها، والجديل بالتصغير أيضا وبالجيم، والجدل عود ينصب للإبل الجرباء لتحتك قيه، والمحكك بكافين الأولى مفتوحة فأراد أنه يستشفى برأيه. ووقع عند ابن سعد من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد" فقام حباب بن المنذر وكان بدريا فقال: منا أمير ومنكم أمير، فإنا والله ما ننفس عليكم هذا الأمر، ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوتهم. قال فقال له عمر: إذا كان ذلك فمت إن استطعت. قال فتكلم أبو بكر فقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم. قال فبايع الناس وأولهم بشير بن سعد والد النعمان" وعند أحمد من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد "فقام خطيب الأنصار فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرنه برجل منا، فتبايعوا على ذلك. فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وإنما الإمام من المهاجرين، فنحن أنصار الله كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو بكر: جزاكم الله خيرا. فبايعوه" ووقع في آخر المغازي لموسى بن عقبة عن ابن شهاب أن أبا بكر قال في خطبته "وكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما ونحن عشيرته وأقاربه وذوو رحمه، ولن تصلح العرب إلا برجل من قريش، فالناس لقريش تبع، وأنتم إخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في دين الله، وأحب الناس إلينا، وأنتم أحق الناس بالرضا بقضاء الله، والتسليم لفضيلة إخوانكم، وأن لا تحسدوهم على خير" وقال فيه: "إن الأنصار قالوا أولا نختار رجلا من المهاجرين وإذا مات اخترنا رجلا من الأنصار، فإذا مات اخترنا رجلا من المهاجرين كذلك أبدا فيكون أجدر أن يشفق القرشي إذا زاغ أن ينقض عليه الأنصاري وكذلك الأنصاري. قال فقال عمر: لا والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه، فقام حباب بن المنذر فقال كما تقدم وزاد: وإن شئتم كررناها خدعة" أي أعدنا الحرب. قال فكثر القول حتى كاد أن يكون بينهم حرب فوثب عمر فأخذ بيد أبي بكر"، وعند أحمد من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في طائفة من المدينة - فذكر الحديث قال - فتكلم أبو بكر فقال: "والله لقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر، فقال له سعد: صدقت". قوله: "هم أوسط العرب" أي قريش. قوله: "فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة" في رواية ابن عباس عن عمر" وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة، فلم أكره مما قال غيرها" وقد استشكل قول أبي بكر هذا مع معرفته بأنه الأحق بالخلافة بقرينة تقديمه في الصلاة وغير ذلك، والجواب أنه استحي أن يزكي نفسه فيقول مثلا رضيت لكم نفسي، وانضم إلى ذلك أنه علم أن كلا منهما لا يقبل ذلك، وقد أفصح عمر بذلك في القصة، وأبو عبيدة بطريق الأولى لأنه دون عمر في الفضل باتفاق أهل السنة، ويكفي أبا بكر كونه جعل الاختيار في ذلك لنفسه فلم ينكر ذلك عليه أحد، ففيه إيماء

(7/31)


إلى أنه الأحق، فظهر أنه ليس في كلامه تصريح بتخليه من الأمر. قوله: "فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" قد أفرد بعض الرواة هذا القدر من هذا الحديث، فأخرجه الترمذي عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن إسماعيل بن أبي أويس شيخ المصنف فيه بهذا الإسناد" إن عمر قال لأبي بكر أنت سيدنا إلخ" وأخرجه ابن حبان من هذا الوجه، وهو أوضح ما يدخل في هذا الباب من هذا الحديث. قوله: "فأخذ عمر بيده فبايعه" في رواية ابن عباس عن عمر" قال فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشينا الاختلاف، فقلت ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم الأنصار" وفي مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب" قال فقام أسيد بن الحضير وبشير بن سعد وغيرهما من الأنصار فبايعوا أبا بكر، ثم وثب أهل السقيفة يبتدرون البيعة" ووقع في حديث سالم بن عبيد عند البزار في قصة الوفاة" فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقال عمر - وأخذ بيد أبي بكر - أسيفان في غمد واحد؟ لا يصطلحان، وأخذ بيد أبي بكر فقال: من له هذه الثلاثة؟ {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} من هما؟ {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} من صاحبه؟ {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} مع من؟ ثم بسط يده فبايعه ثم قال: بايعوه، فبايعه الناس". قوله: "فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة" أي كدتم تقتلونه، وقيل: هو كناية عن الإعراض والخذلان، ويرده ما وقع في رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب" فقال قائل من الأنصار: أبقوا سعد بن عبادة لا تطئوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله". نعم لم يرد عمر الأمر بقتله حقيقة، وأما قوله: "قتله الله" فهو دعاء عليه، وعلى الأول هو إخبار عن إهماله والإعراض عنه، وفي حديث مالك "فقلت وأنا مغضب قتل الله سعدا فإنه صاحب شر وفتنة" قال ابن التين: إنما قالت الأنصار "منا أمير ومنكم أمير" على ما عرفوه من عادة العرب أن لا يتأمر على القبيلة إلا من يكون منا، فلما سمعوا حديث: "الأئمة من قريش" رجعوا عن ذلك وأذعنوا. قلت حديث: "الأئمة من قريش" سيأتي ذكر من أخرجه بهذا اللفظ في كتاب الأحكام،(1) ولم يقع في هذه القصة إلا بمعناه، وقد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابيا لما بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر أنه لم يرو إلا عن أبي بكر الصديق. واستدل به الداودي على أن إقامة الخليفة سنة مؤكدة لأنهم أقاموا مدة لم يكن لهم إمام حتى بويع أبو بكر، وتعقب بالاتفاق على فرضيتها وبأنهم تركوا لأجل إقامتها أعظم المهمات وهو التشاغل بدفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى فرغوا منها، والمدة المذكورة زمن يسير في بعض يوم يغتفر مثله لاجتماع الكلمة، واستدل بقول الأنصار "منا أمير ومنكم أمير" على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وبذلك صرح عمر كما سيأتي؛ ووجه الدلالة أنهم قالوا ذلك في مقام من لا يخاف شيئا ولا يتقيه، وكذلك ما أخرجه مسلم عن ابن أبي مليكة "سألت عائشة: من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفا؟ قالت: أبو بكر. قيل: ثم من؟ قالت: عمر. قيل: ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح" ووجدت في الترمذي من طريق عبد الله بن شقيق ما يدل على أنه هو الذي سأل عائشة عن ذلك. قال القرطبي في "المفهم": لو كان عند أحد من المهاجرين والأنصار نص من النبي صلى الله عليه وسلم على تعيين أحد بعينه للخلافة لما اختلفوا في ذلك ولا تفاوضوا فيه، قال: وهذا قول جمهور أهل السنة، واستند من قال إنه نص على خلافة أبي بكر بأصول كلية وقرائن حالية تقتضي أنه أحق بالإمامة وأولى بالخلافة. قلت: وقد تقدم بعضها
ـــــــ
(1)فى هامش طبعة بولاتى: في نسخة "فى كتاب الاعتصام"

(7/32)


في ترجمته، وسيأتي بعضها في الوفاة النبوية آخر المغازي إن شاء الله تعالى. قوله: "قال عبد الله بن سالم" هو الحمصي الأشعري، تقدم ذكره في المزارعة، والزبيدي هو محمد بن الوليد صاحب الزهري، وعبد الرحمن بن القاسم أي ابن أبي بكر الصديق. وهذه الطريق لم يوردها البخاري إلا معلقة ولم يسقها بتمامها، وقد وصلها الطبراني في مسند الشاميين، وقوله: "شخص" بفتح المعجمتين ثم مهملة أي ارتفع، وقوله: "وقص الحديث: "يعني فيما يتعلق بالوفاة، وقوله عمر: "إنه لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدي رجال من المنافقين وأرجلهم" وقول أبي بكر: "إنه مات" وتلاوته الآيتين كما تقدم. قوله: "قالت عائشة فما كانت من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها" أي من خطبتي أبي بكر وعمر، و"من" الأولى تبعيضية أو بيانية، والثانية زائدة، ثم شرحت ذلك فقالت: "لقد خوف عمر الناس" أي بقوله المذكور، ووقع في رواية الأصيلي: "لقد خوف أبو بكر الناس" وهو غلط، وقولها: "وإن فيهم لنفاقا" أي أن في بعضهم منافقين، وهم الذين عرض بهم عمر في قوله المتقدم. ووقع في رواية الحميدي في الجمع بين الصحيحين" وإن فيهم لتقى" فقيل إنه من إصلاحه، وإنه ظن أن قوله: "وإن فيهم لنفاقا" تصحيف فصيره "لتقى" كأنه استعظم أن يكون في المذكورين نفاقا. وقال عياض: لا أدري هو إصلاح منه أو رواية؟ وعلى الأول فلا استعظام، فقد ظهر في أهل الردة ذلك، ولا سيما عند الحادث العظيم الذي أذهل عقول الأكابر فكيف بضعفاء الإيمان، فالصواب ما في النسخ انتهى. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق البخاري وقال فيه: "إن فيهم لنفاقا". الحديث: قوله: "حدثنا أبو يعلى" هو منذر بن يعلى الكوفي الثوري، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، والإسناد كله كوفيون، ومحمد ابن الحنفية هو ابن علي بن أبي طالب، واسم الحنفية خولة بنت جعفر كما تقدم. قوله: "قلت لأبي: أي الناس خير؟" في رواية محمد بن سوقة عن منذر عن محمد بن علي" قلت لأبي: يا أبتي من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أو ما تعلم يا بني؟ قلت: لا، قال: أبو بكر" أخرجه الدار قطني. وفي رواية الحسن بن محمد ابن الحنفية عن أبيه قال: "سبحان الله يا بني، أبو بكر". وفي رواية أبي جحيفة عند أحمد" قال لي علي: يا أبا جحيفة ألا أخبرك بأفضل هذه الأمة بعد نبيها؟ قلت: بلى، قال: ولم أكن أرى أن أحدا أفضل منه" وقال في آخره: "وبعدهما آخر ثالث لم يسمه". وفي رواية للدار قطني في الفضائل من طريق أبي الضحى عن أبي جحيفة "وإن شئتم أخبرتكم بخير الناس بعد عمر" فلا أدري أستحي أن يذكر نفسه أو شغله الحديث. قوله: "وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت، قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين" في رواية محمد بن سوقة "ثم عجلت للحداثة فقلت: ثم أنت يا أبتي، فقال: أبوك رجل من المسلمين" زاد في رواية الحسن بن محمد "لي ما لهم وعلي ما عليهم" وهذا قاله علي تواضعا مع معرفته حين المسألة المذكورة أنه خير الناس يومئذ لأن ذلك كان بعد قتل عثمان، وأما خشية محمد ابن الحنفية أن يقول عثمان فلأن محمدا كان يعتقد أن أباه أفضل، فخشي أن عليا يقول عثمان على سبيل التواضع منه والهضم لنفسه فيضطرب حال اعتقاده ولا سيما وهو في سن الحداثة كما أشار إليه في الرواية المذكورة. وروى خيثمة في "فضائل الصحابة" من طريق عبيد بن أبي الجعد عن أبيه أن عليا قال، فذكر هذا الحديث وزاد: "ثم قال: ألا أخبركم بخير أمتكم بعد عمر؟ ثم سكت، فظننا أنه يعني نفسه" وفي رواية عبيد خبر عن علي أنه قال ذلك بعد وقعة النهروان وكانت في سنة ثمان وثلاثين، وزاد في آخر حديثه "أحدثنا أمورا يفعل الله فيها ما يشاء" وأخرج ابن عساكر في ترجمة عثمان من طريق ضعيفة في هذا الحديث أن عليا قال: "إن الثالث

(7/33)


عثمان" ومن طريق أخرى أن أبا جحيفة قال: "فرجعت الموالي يقولون: كنى عن عثمان، والعرب تقول: كنى عن نفسه" وهذا يبين أنه لم يصرح بأحد، وقد سبق بيان الاختلاف في أي الرجلين أفضل بعد أبي بكر وعمر: عثمان أو علي؟ وأن الإجماع انعقد بآخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، رضي الله عنهم أجمعين. قال القرطبي في "المفهم" ما ملخصه: الفضائل جمع فضيلة، وهي الخصلة الجميلة التي يحصل لصاحبها بسببها شرف وعلو منزلة إما عند الحق وإما عند الخلق، والثاني لا عبرة به إلا إن أوصل إلى الأول، فإذا قلنا فلان فاضل فمعناه أن له منزلة عند الله، وهذا لا توصل إليه إلا بالنقل عن الرسول، فإذا جاء ذلك عنه إن كان قطعيا قطعنا به أو ظنيا عملنا به، وإذا لم نجد الخبر فلا خفاء أنا إذا رأينا من أعانه الله على الخير ويسر له أسبابه أنا نرجو حصول تلك المنزلة له لما جاء في الشريعة من ذلك، قال: وإذا تقرر ذلك فالمقطوع به بين أهل السنة بأفضلية أبي بكر ثم عمر، ثم اختلفوا فيمن بعدهما: فالجمهور على تقديم عثمان، وعن مالك التوقف، والمسألة اجتهادية، ومستندها أن هؤلاء الأربعة اختارهم الله تعالى لخلافة نبيه وإقامة دينه فمنزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة والله أعلم. الحديث: حديث عائشة في نزول آية التيمم، وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب التيمم، والغرض منه قول أسيد بن الحضير في آخره: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر" وقد تقدم هناك ذكر ألفاظ أخرى تدل على فضلهم. الحديث: حديث أبي سعيد. قوله: "سمعت ذكوان" هو أبو صالح السمان. قوله: "عن أبي سعيد" في رواية أخرى سأبينها "عن أبي هريرة" والأول أولى كما سيأتي. قوله: "لا تسبوا أصحابي" وقع في رواية جرير ومحاضر عن الأعمش - وكذا في رواية عاصم عن أبي صالح - ذكر سبب لهذا الحديث، وهو ما وقع في أوله قال: "كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد"، فذكر الحديث وسيأتي بيان من أخرجه. قوله: "فلو أن أحدكم" فيه إشعار بأن المراد بقوله أولا "أصحابي" أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: "لو أن أحدكم أنفق" وهذا كقوله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} الآية، ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يقتضي زجر من لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب الأولى، وغفل من قال إن الخطاب بذلك لغير الصحابة وإنما المراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلا لمن سيوجد منزلة الموجود للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق. قوله: "أنفق مثل أحد ذهبا" زاد البرقاني في "المصافحة" من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش "كل يوم" قال: وهي زيادة حسنة. قوله: "مد أحدهم ولا نصيفه" أي المد من كل شيء، والنصيف بوزن رغيف هو النصف كما يقال عشر وعشير وثمن وثمين، وقيل النصيف مكيال دون المد، والمد بضم الميم مكيال معروف ضبط قدره في كتاب الطهارة، وحكى الخطابي أنه روي بفتح الميم قال: والمراد به الفضل والطول، وقد تقدم في أول "باب فضائل الصحابة" تقرير أفضلية الصحابة عمن بعدهم، وهذا الحديث دال لما وقع الاختيار له مما تقدم من الاختلاف والله أعلم. قال البيضاوي: معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه. وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية. قلت: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال كما وقع في الآية {مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ

(7/34)


الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيما لشدة الحاجة إليه وقلة المعتنى به بخلاف ما وقع بعد ذلك لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا، فإنه لا يقع ذلك الموقع المتقدم. والله أعلم. قوله: "تابعه جرير" هو ابن عبد الحميد، وعبد الله بن داود هو الخريبي بالمعجمة والموحدة مصغر، وأبو معاوية هو الضرير، ومحاضر بمهملة ثم معجمة بوزن مجاهد، عن الأعمش أي عن أبي صالح عن أبي سعيد، فأما رواية جرير فوصلها مسلم وابن ماجه وأبو يعلى وغيرهم، وأما رواية محاضر فرويناها موصولة في "فوائد أبي الفتح الحداد" من طريق أحمد بن يونس الضبي عن محاضر المذكور فذكره مثل رواية جرير، لكن قال بين خالد بن الوليد وبين أبي بكر بدل عبد الرحمن بن عوف وقول جرير أصح، وقد وقع كذلك في رواية عاصم عن أبي صالح الآتي ذكرها، وأما رواية عبد الله بن داود فوصلها مسدد في مسنده عنه وليس فيه القصة، وكذا أخرجها أبو داود عن مسدد، وأما رواية أبي معاوية فوصلها أحمد عند هكذا، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب ويحيى بن يحيى ثلاثتهم عن أبي معاوية لكن قال فيه: "عن أبي هريرة" بدل أبي سعيد وهو وهم كما جزم به خلف وأبو مسعود وأبو علي الجياني وغيرهم، قال المزي: كأن مسلما وهم في حال كتابته فإنه بدأ بطريق أبي معاوية، ثم ثنى بحديث جرير فساقه بإسناده ومتنه، ثم ثلث بحديث وكيع وربع بحديث شعبة ولم يسق إسنادهما بل قال بإسناد جرير وأبي معاوية، فلولا أن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد لما أحال عليهما معا فإن طريق وكيع وشعبة جميعا تنتهي إلى أبي سعيد دون أبي هريرة اتفاقا، انتهى كلامه. وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة أحد شيوخ مسلم فيه في مسنده ومصنفه عن أبي معاوية فقال: "عن أبي سعيد" كما قال أحمد، وكذا رويناه من طريق أبي نعيم في "المستخرج" من رواية عبيد بن غنام عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأخرجه أبو نعيم أيضا من رواية أحمد ويحيى بن عبد الحميد وأبي خيثمة وأحمد بن جواس كلهم عن أبي معاوية فقال: "عن أبي سعيد "وقال بعده "أخرجه مسلم عن أبي بكر وأبي كريب ويحيى بن يحيى" فدل على أن الوهم وقع فيه ممن دون مسلم إذ لو كان عنده عن أبي هريرة لبينه أبو نعيم، ويقوي ذلك أيضا أن الدار قطني مع جزمه في "العلل" بأن الصواب أنه من حديث أبي سعيد لم يتعرض في تتبعه أوهام الشيخين إلى رواية أبي معاوية هذه، وقد أخرجه أبو عبيدة في "غريب الحديث: "والجوزقي من طريق عبد الله بن هاشم وخيثمة من طريق سعيد بن يحيى والإسماعيلي وابن حبان من طريق علي بن الجعد كلهم عن أبي معاوية فقالوا: "عن أبي سعيد" وأخرجه ابن ماجه عن أبي كريب أحد شيوخ مسلم فيه أيضا عن أبي معاوية فقال: "عن أبي سعيد" كما قال الجماعة، إلا أنه وقع في بعض النسخ عن ابن ماجه اختلاف: ففي بعضها عن أبي هريرة وفي بعضها عن أبي سعيد، والصواب عن أبي سعيد لأن ابن ماجه جمع في سياقه بين جرير ووكيع وأبي معاوية ولم يقل أحد في رواية وكيع وجرير إنها عن أبي هريرة، وكل من أخرجها من المصنفين والمخرجين أورده عنهما من حديث أبي سعيد، وقد وجدته في نسخة قديمة جدا من ابن ماجه قرئت في سنة بضع وسبعين وثلاثمائة وهي في غاية الإتقان وفيها "عن أبي سعيد" واحتمال كون الحديث عند أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة جميعا مستبعد، إذ لو كان كذلك لجمعهما ولو مرة، فلما كان غالب ما وجد عنه ذكر أبي سعيد دون ذكر أبي هريرة دل على أن في قول من قال عنه "عن أبي هريرة" شذوذا والله أعلم، وقد جمعهما أبو عوانة عن الأعمش ذكره الدار قطني وقال في العلل رواه مسدد وأبو كامل وشيبان عن أبي عوانة كذلك، ورواه عفان ويحيى بن حماد عن أبي عوانة فلم

(7/35)


يذكرا فيه أبا سعيد، قال: ورواه زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وكذلك قال نصر بن علي عن عبد الله بن داود، قال والصواب من روايات الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد لا عن أبي هريرة، قال: وقد رواه عاصم عن أبي صالح فقال عن أبي هريرة والصحيح عن أبي صالح عن أبي سعيد انتهى، وقد سبق إلى ذلك علي ابن المديني فقال في "العلل": رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد، ورواه عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال والأعمش أثبت في أبي صالح من عاصم، فعرف من كلامه أن من قال فيه عن أبي صالح عن أبي هريرة فقد شذ، وكأن سبب ذلك شهرة أبي صالح بالرواية عن أبي هريرة فيسبق إليه الوهم ممن ليس بحافظ، وأما الحفاظ فيميزون ذلك. ورواية زيد بن أبي أنيسة التي أشار إليها الدار قطني أخرجها الطبراني في "الأوسط" قال: ولم يروه عن الأعمش إلا زيد بن أبي أنيسة، ورواه شعبة وغيره عن الأعمش فقالوا: "عن أبي سعيد" انتهى. وأما رواية عاصم فأخرجها النسائي في "الكبرى" والبزار في مسنده وقال: ولم يروه عن عاصم إلا زائدة، وممن رواه عن الأعمش فقال: "عن أبي سعيد" أبو بكر بن عياش عند عبد بن حميد، ويحيى بن عيسى الرملي عند أبي عوانة، وأبو الأحوص عند ابن أبي خيثمة، وإسرائيل عند تمام الرازي. وأما ما حكاه الدار قطني عن رواية أبي عوانة فقد وقع لي من رواية مسدد وأبي كامل وشيبان عنه على الشك، قال في روايته: "عن أبي سعيد أو أبي هريرة" وأبو عوانة كان يحدث من حفظه فربما وهم، وحديثه من كتابه أثبت، ومن لم يشك أحق بالتقديم ممن شك، والله أعلم. وقد أمليت على هذا الموضع جزءا مفردا لخصت مقاصده هنا بعون الله تعالى. "تكملة": اختلف في ساب الصحابي، فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنه يعزر، وعن بعض المالكية يقتل، وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين فحكى القاضي حسين في ذلك وجهين، وقواه السبكي في حق من كفر الشيخين، وكذا من كفر من صرح النبي صلى الله عليه وسلم بإيمانه أو تبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر بذلك عنه لما تضمن من تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث: قوله: "عن شريك بن أبي نمر" هو ابن عبد الله، وأبو نمر جده. قوله: "خرج ووجه ها هنا" كذا للأكثر بفتح الواو وتشديد الجيم أي توجه أو وجه نفسه. وفي رواية الكشميهني بسكون الجيم بلفظ الاسم مضافا إلى الظرف أي جهة كذا. قوله: "حتى دخل بئر أريس" بفتح الألف وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة: بستان بالمدينة معروف يجوز فيه الصرف وعدمه، وهو بالقرب من قباء. وفي بئرها سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من إصبع عثمان رضي الله عنه. قوله: "وتوسط قفها" بضم القاف وتشديد الفاء هو الداكة التي تجعل حول البئر، وأصله ما غلظ من الأرض وارتفع، والجمع قفاف. ووقع في رواية عثمان بن غياث عن أبي عثمان عند مسلم: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط من حوائط المدينة وهو متكئ ينكت بعود معه بين الماء والطين". قوله: "فقلت لأكونن بوابا للنبي صلى الله عليه وسلم اليوم" ظاهره أنه اختار ذلك وفعله من تلقاء نفسه، وقد صرح بذلك في رواية محمد بن جعفر عن شريك في الأدب فزاد فيه: "ولم يأمرني" قال ابن التين: فيه أن المرء يكون بوابا للإمام وإن لم يأمره، كذا قال. وقد وقع في رواية أبي عثمان الآتية في مناقب عثمان عن أبي موسى "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا وأمره بحفظ باب الحائط" ووقع في رواية عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب في هذا الحديث: "فقال: يا أبا موسى املك علي الباب، فانطلق فقضى حاجته وتوضأ، ثم جاء فقعد على قف البئر" أخرجه أبو عوانة في صحيحه والروياني في مسنده. وفي رواية الترمذي من طريق أبي عثمان عن أبي موسى "فقال لي: يا أبا موسى املك علي الباب فلا يدخلن علي أحد"

(7/36)


فيجمع بينهما بأنه لما حدث نفسه بذلك صادف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحفظ عليه الباب، وأما قوله: "ولم يأمرني" فيريد أنه لم يأمره أن يستمر بوابا، وإنما أمره بذلك قدر ما يقضي حاجته ويتوضأ ثم استمر هو من قبل نفسه، وسيأتي له توجيه آخر في خبر الواحد، فبطل أن يستدل به لما قاله ابن التين، والعجب أنه نقل ذلك بعد عن الداودي وهذا من مختلف الحديث، وكأنه خفي عليه وجه الجمع الذي قررته. ثم إن قول أبي موسى هذا لا يعارض قول أنس أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن له بواب كما سبق في كتاب الجنائز لأن مراد أنس أنه لم يكن له بواب مرتب لذلك على الدوام. قوله: "فدفع الباب" في رواية أبي بكر "فجاء رجل يستأذن". قوله: "يبشرك بالجنة" زاد أبو عثمان في روايته: "فحمد الله" وكذا قال في عمر. قوله: "وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني" كان لأبي موسى أخوان أبو رهم وأبو بردة، وقيل إن له أخا آخر اسمه محمد، وأشهرهم أبو بردة واسمه عامر، وقد خرج عنه أحمد في مسنده حديثا. قوله: "فإذا إنسان يحرك الباب" فيه حسن الأدب في الاستئذان، قال ابن التين. ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول قوله: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} . قلت: وما أبعد ما قال، فقد وقع في رواية عبد الرحمن بن حرملة" فجاء رجل فاستأذن" وسيأتي في آخر مناقب عمر من طريق أبي عثمان النهدي عن أبي موسى بلفظ: "فجاء رجل فاستفتح" فعرف أن قوله: "يحرك الباب": إنما حركه مستأذنا لا دافعا له ليدخل بغير إذن. قوله: "فقال: عثمان، فقلت: على رسلك، فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: ائذن له" في رواية أبي عثمان "ثم جاء آخر يستأذن فسكت هنية ثم قال ائذن له". قوله: "وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبك" في رواية أبي عثمان "فحمد الله ثم قال: الله المستعان" وفي رواية عند أحمد "فجعل يقول: اللهم صبرا، حتى جلس" وفي رواية عبد الرحمن بن حرملة "فدخل وهو يحمد الله ويقول: اللهم صبرا" ووقع في حديث زيد بن أرقم عند البيهقي في" الدلائل" قال: "بعثني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انطلق حتى تأتي أبا بكر فقل له: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول لك: أبشر بالجنة. ثم انطلق إلى عمر كذلك، ثم انطلق إلى عثمان كذلك وزاد: بعد بلاء شديد. قال فانطلق فذكر أنه وجدهم على الصفة التي قال له وقال: أين نبي الله؟ قلت في مكان كذا وكذا، فانطلق إليه. وقال في عثمان فأخذ بيدي حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن زيدا قال لي كذا، والذي بعثك بالحق ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك، فأي بلاء يصيبني؟ قال هو ذاك" قال البيهقي إسناده ضعيف، فإن كان محفوظا احتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أرسل زيد بن أرقم قبل أن يجيء أبو موسى، فلما جاءوا كان أبو موسى قد قعد على الباب فراسلهم على لسانه بنحو ما أرسل به إليهم زيد بن أرقم والله أعلم. قلت: ووقع نحو قصة أبي موسى لبلال وذلك فيما أخرجه أبو داود من طريق إسماعيل بن جعفر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن نافع بن عبد الحارث الخزاعي قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا من حوائط المدينة فقال لبلال: أمسك علي الباب، فجاء أبو بكر يستأذن" فذكر نحوه. وأخرجه الطبراني في" الأوسط" من حديث أبي سعيد نحوه. وهذا إن صح حمل على التعدد. ثم ظهر لي أن فيه وهما من بعض رواته، فقد أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو وفي حديثه أن نافع بن عبد الحارث هو الذي كان يستأذن، وهو وهم أيضا، فقد رواه أحمد من طريق موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن نافع فذكره وفيه: "فجاء أبو بكر فاستأذن فقال لأبي موسى فيما أعلم ائذن له" وأخرجه النسائي من طريق أبي الزناد عن أبي سلمة عن نافع بن عبد الحارث عن أبي موسى وهو الصواب، فرجع الحديث إلى أبي

(7/37)


موسى واتحدت القصة والله أعلم. وأشار صلى الله عليه وسلم بالبلوى المذكورة إلى ما أصاب عثمان في آخر خلافته من الشهادة يوم الدار، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أصرح من هذا فروى أحمد من طريق كليب بن وائل عن ابن عمر قال: "ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة، فمر رجل فقال: يقتل فيها هذا يومئذ ظلما. قال فنظرت فإذا هو عثمان" إسناده صحيح. قوله: "فجلس وجاهه" بضم الواو وبكسرها أي مقابله. قوله: "قال شريك" هو موصول بالإسناد الماضي. قوله: "قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم" فيه وقوع التأويل في اليقظة وهو الذي يسمى الفراسة والمراد اجتماع الصاحبين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الدفن وانفراد عثمان عنهم في البقيع، وليس المراد خصوص صورة الجلوس الواقعة. وقد وقع في رواية عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب "قال سعيد: فأولت ذلك انتباذ قبره من قبورهم" وسيأتي في الفتن بلفظ: "اجتمعت هاهنا وانفرد عثمان" ولو ثبت الخبر الذي أخرجه أبو نعيم عن عائشة في صفة القبور الثلاثة أبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره لكان فيه تمام التشبيه، ولكن سنده ضعيف، وعارضه ما هو أصح منه. وأخرج أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد قال: "قلت لعائشة: يا أماه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت لي" الحديث وفيه: "فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أبو بكر رأسه بين كتفيه، وعمر رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم". الحديث الثامن عشر: قوله: "حدثنا يحيى" هو ابن سعيد القطان وسعيد هو ابن أبي عروبة. قوله: "صعد أحدا" هو الجبل المعروف بالمدينة، ووقع في رواية لمسلم ولأبي يعلى من وجه آخر عن سعيد "حراء" والأول أصح، ولولا اتحاد المخرج لجوزت تعدد القصة، ثم ظهر لي أن الاختلاف فيه من سعيد. فإني وجدته في مسند الحارث بن أبي أسامة عن روح بن عبادة عن سعيد فقال فيه: "أحدا أو حراء" بالشك، وقد أخرجه أحمد من حديث بريدة بلفظ: "حراء" وإسناده صحيح، وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ: "أحد" وإسناده صحيح، فقوى احتمال تعدد القصة، وتقدم في أواخر الوقف من حديث عثمان أيضا نحوه وفيه: "حراء". وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ما يؤيد تعدد القصة فذكر أنه كان على حراء ومعه المذكورون هنا وزاد معهم غيرهم، والله أعلم. قوله: "وأبو بكر وعمر" قال ابن التين: إنما رفع أبو بكر عطفا على الضمير المرفوع الذي في"صعد" وهو جائز اتفاقا لوجود الحائل وهو قوله: "أحدا" وهو بخلاف قوله الآتي في آخر الباب: "كنت وأبو بكر وعمر. وقوله: "اثبت" وقع في مناقب عمر "فضربه برجله وقال اثبت" بلفظ الأمر من الثبات وهو الاستقرار، وأحد منادى ونداؤه وخطابه يحتمل المجاز، وحمله على الحقيقة أولى. وقد تقدم شيء منه في قوله: "أحد جبل يحبنا ونحبه" ويؤيده ما وقع في مناقب عمر أنه ضربه برجله وقال اثبت. قوله: "فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" في رواية يزيد بن زريع عن سعيد الآتية في مناقب عمر "فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" و"أو" فيها للتنويع و"شهيد" للجنس. الحديث: قوله: "حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله" هو الرباطي واسم جده إبراهيم، وأما السرخسي فكنيته أبو جعفر، واسم جده صخر. قوله: "حدثنا صخر" هو ابن جويرية. قوله: "بينا أنا على بئر" أي في المنام كما تقدم التصريح به في هذا الباب من حديث أبي هريرة "بينا أنا نائم" وسبق من وجه آخر عن ابن عمر قبل مناقب الصحابة بباب "رأيت الناس مجتمعين في صعيد واحد" ويأتي في مناقب عمر بلفظ: "رأيت في المنام". قوله: "أنزع منها" أي أملأ الماء بالدلو. قوله: "فنزع ذنوبا أو ذنوبين" بفتح المعجمة وبالنون وآخره موحدة: الدلو الكبيرة إذا كان فيها الماء واتفق من شرح هذا الحديث على أن ذكر الذنوب إشارة إلى مدة

(7/38)


خلافته، وفيه نظر لأنه ولي سنتين وبعض سنة، فلو كان ذلك المراد لقال ذنوبين أو ثلاثة، والذي يظهر لي أن ذلك إشارة إلى ما فتح في زمانه من الفتوح الكبار وهي ثلاثة، ولذلك لم يتعرض في ذكر عمر إلى عدد ما نزعه من الدلاء وإنما وصف نزعه بالعظمة إشارة إلى كثرة ما وقع في خلافته من الفتوحات والله أعلم. وقد ذكر الشافعي تفسير هذا الحديث في"الأم" فقال بعد أن ساقه: ومعنى قوله: "وفي نزعه ضعف" قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الرد عن الافتتاح والازدياد الذي بلغه عمر في طول مدته، انتهى. فجمع في كلامه ما تفرق في كلام غيره، ويؤيد ذلك ما وقع في حديث ابن مسعود في نحو هذه القصة فقال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: فاعبرها يا أبا بكر، فقال إلي الأمر من بعدك، ثم يليه عمر، قال: كذلك عبرها الملك" أخرجه الطبراني لكن في إسناده أيوب بن جابر وهو ضعيف. قوله: "وفي نزعه ضعف" أي أنه على مهل ورفق. قوله: "والله يغفر له" قال النووي: هذا دعاء من المتكلم، أي أنه لا مفهوم له. وقال غيره: فيه إشارة إلى قرب وفاة أبي بكر، وهو نظير قوله تعالى لنبيه عليه السلام {فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا} فإنها إشارة إلى قرب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صنع له فيه، لأن سببه قصر مدته، فمعنى المغفرة له رفع الملامة عنه. قوله: "فاستحالت في يده غربا" بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة، أي دلوا عظيمة. قوله: "فلم أر عبقريا" بفتح المهملة وسكون الموحدة بعدها قاف مفتوحة وراء مكسورة وتحتانية ثقيلة، والمراد به كل شيء بلغ النهاية، وأصله أرض يسكنها الجن ضرب بها العرب المثل في كل شيء عظيم، قيل: قرية يعمل فيها الثياب البالغة في الحسن، وسيأتي بقية ما فيه في مناقب عمر. قوله: "يفري" بفتح أوله وسكون الفاء وكسر الراء وسكون التحتانية، وقوله: "فريه" بفتح الفاء وكسر الراء وتشديد التحتانية المفتوحة، وروي بسكون الراء وخطأه الخليل، ومعناه يعمل عمله البالغ، ووقع في حديث أبي عمر ينزع نزع عمر. قوله: "حتى ضرب الناس بعطن" بفتح المهملتين وآخره نون، هو مناخ الإبل إذا شربت ثم صدرت، وسيأتي في مناقب عمر بلفظ: "حتى روي الناس وضربوا بعطن" ووقع في حديث أبي الطفيل بإسناد حسن عند البزار والطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينا أنا أنزع الليلة إذ وردت علي غنم سود وعفر، فجاء أبو بكر فنزع" فذكره وقال في عمر "فملأ الحياض وأروى الواردة" وقال فيه: "فأولت السود العرب والعفر العجم" .وله: "قال وهب" هو ابن جرير شيخ شيخه في هذا الحديث، وكلامه هذا موصول بالسند المذكور، وقوله: "يقول حتى رويت الإبل فأناخت" هو مقول وهب المذكور، وسيأتي شيء من مباحثه في كتاب التعبير إن شاء الله تعالى. قال البيضاوي: أشار بالبئر إلى الدين الذي هو منبع ماؤه حياة النفوس وتمام أمر المعاش والمعاد، والنزع منه إخراج الماء، وفيه إشارة إلى إشاعة أمره وإجراء أحكامه. وقوله: "يغفر الله له" إشارة إلى أن ضعفه - المراد به الرفق - غير قادح فيه، أو المراد بالضعف ما وقع في أيامه من أمر الردة واختلاف الكلمة إلى أن اجتمع ذلك في آخر أيامه وتكمل في زمان عمر، وإليه الإشارة بالقوة. وقد وقع عند أحمد من حديث سمرة "أن رجلا قال: يا رسول الله رأيت كأن دلوا من السماء دليت، فجاء أبو بكر فشرب شربا ضعيفا. ثم جاء عمر فشرب حتى تضلع" الحديث، ففي هذا إشارة إلى بيان المراد بالنزع الضعيف والنزع القوي، والله أعلم. الحديث: قوله: "حدثنا الوليد بن صالح" هو أبو محمد الضبي الحزري النخاس بالنون والخاء المعجمة، وثقه أبو حاتم وغيره، ولم يكتب عنه أحمد لأنه كان من أصحاب الرأي فرآه يصلي فلم تعجبه صلاته، وليس له في البخاري إلا هذا

(7/39)


الحديث الواحد، وسيأتي من وجه آخر في مناقب عمر عن ابن أبي حسين، فظهر أن البخاري لم يحتج به. قوله: "كنت وأبو بكر وعمر" قال ابن التين الأحسن عند النحاة أن لا يعطف على الضمير المرفوع إلا بعد تأكيده، حتى قال بعضهم إنه قبيح، لكن يرد عليهم قوله تعالى: {مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} وأجيب بأنه قد وقع الحائل وهو قوله: "لا" وتعقب بأن العطف قد حصل قبل "لا" قال: ويرد عليهم أيضا هذا الحديث انتهى. والتعقيب مردود، فإنه وجد فاصل في الجملة، وأما هذا الحديث فلم تتفق الرواة على لفظه، وسيأتي في مناقب عمر من وجه آخر بلفظ: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر" فعطف مع التأكيد مع اتحاد المخرج، فدل على أنه من تصرف الرواة، وسيأتي شرح هذا الحديث قريبا في مناقب عمر إن شاء تعالى. الحديث: قوله: "حدثنا محمد بن يزيد الكوفي" قيل: هو أبو هشام الرفاعي وهو مشهور بكنيته. وقال الحاكم والكلاباذي: هو غيره، ووقع في رواية ابن السكن عن الفربري "محمد بن كثير" وهو وهم نبه عليه أبو علي الجياني، لأن محمد بن كثير لا تعرف له رواية عن الوليد، والوليد هو ابن مسلم، وسيأتي الحديث في "باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين بمكة" من وجه آخر عن الوليد وفيه تصريحه وتصريح الأوزاعي بالتحديث، ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. "فائدة": مات أبو بكر رضي الله عنه بمرض السل على ما قاله الزبير بن بكار، وعن الواقدي أنه اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوما، وقيل: بل سمته اليهود في حريرة أو غيرها وذلك على الصحيح لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وأياما، وقيل غير ذلك، ولم يختلفوا أنه استكمل سن النبي صلى الله عليه وسلم فمات وهو ابن ثلاث وستين، والله أعلم.

(7/40)


باب مناقب عمر بن الخطاب القرشي العدوي
...
6- باب مَنَاقِبِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَبِي حَفْصٍ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
3679-حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ وَسَمِعْتُ خَشَفَةً فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ هَذَا بِلاَلٌ وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا فَقَالَ لِعُمَرَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ" فَقَالَ عُمَرُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَيْكَ أَغَارُ"؟
[الحديث3679، طرفاه في: 5226، 7024، ]
3680-حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ قَالُوا لِعُمَرَ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا" فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ أَعَلَيْكَ: أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ"؟
3681-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ أَبُو جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ شَرِبْتُ يَعْنِي اللَّبَنَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى الرِّيِّ

(7/40)


يَجْرِي فِي ظُفُرِي أَوْ فِي أَظْفَارِي ثُمَّ نَاوَلْتُ عُمَرَ" فَقَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يارسول الله, قَالَ "الْعِلْم" َ
3682-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "أُرِيتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ نَزْعًا ضَعِيفًا وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ" قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ الْعَبْقَرِيُّ عِتَاقُ الزَّرَابِيِّ وَقَالَ يَحْيَى: الزَّرَابِيُّ الطَّنَافِسُ لَهَا خَمْلٌ رَقِيقٌ .{مَبْثُوثَةٌ} كَثِيرَةٌ
3683-حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ ح حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قُمْنَ فَبَادَرْنَ الْحِجَابَ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عُمَرُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ فَقَالَ عُمَرُ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ اللاَتِي كُنَّ عِنْدِي فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَاب" َ فَقَالَ عُمَرُ فَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلاَ تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقُلْنَ نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ"
3684-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ "مَازِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ"
[الحديث 3684طرفه في: 3863]
3685-حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُول "ُوُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ- وَأَنَا فِيهِمْ فَلَمْ يَرُعْنِي إِلاَّ رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي، فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لاَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ وَحَسِبْتُ إِنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(7/41)


يَقُولُ: " ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ،وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ"
3686-حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ح و قَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ وَكَهْمَسُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالاَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُحُدٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ "اثْبُتْ أُحُدُ فَمَا عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ"
3687-حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ "سَأَلَنِي ابْنُ عُمَرَ عَنْ بَعْضِ شَأْنِهِ يَعْنِي عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِينَ قُبِضَ كَانَ أَجَدَّ وَأَجْوَدَ حَتَّى انْتَهَى مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ"
3688-حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ "وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟" قَالَ لاَ شَيْءَ إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت" َ قَالَ أَنَسٌ فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت" َ قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ"
[الحديث3688- أطرافه في:6167، 6171، 7153، ]
3687-حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنْ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ" زَادَ زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ"
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ نَبِيٍّ وَلاَ مُحَدَّثٍ"
3690-حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالاَ سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَطَلَبَهَا حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ لَهُ مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ" غَيْرِي فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا ثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَر"

(7/42)


3691-حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ" سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ اجْتَرَّهُ" : قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "الدِّينَ"
3692-حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ "لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ جَعَلَ يَأْلَمُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَأَنَّهُ يُجَزِّعُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ قَالَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَنَّ بِهِ عَلَيَّ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنْ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَأَجْلِ أَصْحَابِكَ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلاَعَ الأَرْضِ ذَهَبًا لاَفْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ"
قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ "دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ" بِهَذَا
3693-حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ َقال النبي صلى الله عليه وسلم: : "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة" ِ فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَح فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ" فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لِي "افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ" فَإِذَا عُثْمَانُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،"فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ"
3694-حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ"
[الحديث 3694-طرفاه، 6632]

(7/43)


قوله: "باب مناقب عمر بن الخطاب" أي ابن نفيل بنون وفاء مصغر ابن عبد العزى بن رياح بكسر الراء بعدها تحتانية وآخره مهملة ابن عبد الله بن قرط بن رزاح بفتح الراء بعدها زاي وآخره مهملة ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب، وعدد ما بينهما من الآباء إلى كعب متفاوت بواحد، بخلاف أبي بكر فبين النبي صلى الله عليه وسلم وكعب سبعة آباء، وبين عمر وبين كعب ثمانية، وأم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة ابنة عم أبي جهل والحارث ابني هشام بن المغيرة، ووقع عند ابن منده أنها بنت هشام أخت أبي جهل وهو تصحيف نبه عليه ابن عبد البر وغيره. قوله: "أبي حفص القرشي العدوي" أما كنيته فجاء في السيرة لابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم كناه بها، وكانت حفصة أكبر أولاده، وأما لقبه فهو الفاروق باتفاق، فقيل أول من لقبه به النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه عن طريق ابن عباس عن عمر، ورواه ابن سعد من حديث عائشة، وقيل أهل الكتاب أخرجه ابن سعد عن الزهري، وقيل جبريل رواه البغوي. قوله: "حدثنا عبد العزيز بن الماجشون" كذا لأبي ذر، وسقط لفظ: "ابن" من رواية غيره، وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة المدني، والماجشون لقب جده وتلقب به أولاده. قوله: "حدثنا محمد بن المنكدر" هكذا رواه الأكثر عن ابن الماجشون، ورواه صالح بن مالك عنه" عن حميد عن أنس" أخرجه البغوي في فوائده فلعل لعبد العزيز فيه شيخين، ويؤيده اقتصاره في حديث حميد على قصة القصر فقط، وقد أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان من وجه آخر "عن حميد" كذلك. قوله: "رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة" هي أم سليم، والرميصاء بالتصغير صفة لها لرمص كان بعينها، واسمها سهلة، وقيل رميلة، وقيل غير ذلك، وقيل هو اسمها، ويقال فيه بالغين المعجمة بدل الراء وقيل هو اسم أختها أم حرام. وقال أبو داود هو اسم أخت أم سليم من الرضاعة، وجوز ابن التين أن يكون المراد امرأة أخرى لأبي طلحة. وقوله: "رأيتني" بضم المثناة والضمير من المتكلم، وهو من خصائص أفعال القلوب. قوله: "وسمعت خشفة" بفتح المعجمتين والفاء أي حركة، وزنا ومعنى، ووقع لأحمد "سمعت خشفا" يعني صوتا، قال أبو عبيد: الخشفة الصوت ليس بالشديد، قيل وأصله صوت دبيب الحية، ومعنى الحديث هنا ما يسمع من حس وقع القدم. قوله: "فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال" وهذا قد تقدم في صلاة الليل من حديث أبي هريرة مطولا، وتقدم من شرحه هناك ما يتعلق به، وتقدم بعض الكلام عليه في صفة الجنة حيث أورد هناك من حديث أبي هريرة. قوله: "ورأيت قصرا بفنائه جارية" في حديث أبي هريرة الذي بعده "تتوضأ إلى جانب قصر" وفي حديث أنس عند الترمذي "قصر من ذهب" والفناء بكسر الفاء وتخفيف النون مع المد: جانب الدار. قوله: "فقلت لمن هذا؟ فقال" في رواية الكشميهني: "فقالوا" والظاهر أن المخاطب له بذلك جبريل أو غيره من الملائكة، وقد أفرد هذه القصة في النكاح وفي التعبير من وجه آخر عن ابن المنكدر. قوله: "فذكرت غيرتك" في الرواية التي في النكاح "فأردت أن أدخله فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك" ووقع في رواية ابن عيينة عن ابن المنكدر وعمرو بن دينار جميعا عن جابر في هذه القصة الأخيرة "دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا يسمع في ضوضاء، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لعمر" والضوضاء بمعجمتين مفتوحتين بينهما واو وبالمد، ووقع في حديث أبي هريرة "أن عمر بكى" ويأتي في النكاح بلفظ: "فبكى عمر، وهو في المجلس" وقوله: "بأبي وأمي" أي أفديك بهما، وقوله: "أعليك أغار" معدود

(7/44)


من القلب، والأصل أعليها أغار منك؟ قال ابن بطال: فيه الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه، قال وبكاء عمر يحتمل أن يكون سرورا، ويحتمل أن يكون تشوقا أو خشوعا. ووقع في رواية أبي بكر بن عياش عن حميد من الزيادة "فقال عمر: وهل رفعني الله إلا بك؟ وهل هداني الله إلا بك "؟ رويناه في" فوائد عبد العزيز الحربي" من هذا الوجه وهي زيادة غريبة. حديث أبي هريرة في المعنى، ذكره مقتصرا على قصة رؤيا المرأة إلى جانب القصر وزاد فيه: "قالوا: لعمر، فذكرت غيرته فوليت مدبرا" وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مراعاة الصحبة، وفيه فضيلة ظاهرة لعمر. وقوله فيه: "تتوضأ" يحتمل أن يكون على ظاهره ولا ينكر كونها تتوضأ حقيقة لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها فذاك في زمن الاستقرار بل ظاهر قوله: "تتوضأ إلى جانب قصر" أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير الحقيقة. ورؤيا المنام لا تحمل دائما على الحقيقة بل تحتمل التأويل، فيكون معنى كونها تتوضأ أنها تحافظ في الدنيا على العبادة، أو المراد بقوله تتوضأ أي تستعمل الماء لأجل الوضاءة على مدلوله اللغوي وفيه بعد. وأغرب ابن قتيبة وتبعه الخطابي فزعم أن قوله تتوضأ تصحيف وتغيير من الناسخ، وإنما الصواب امرأة شوهاء، ولم يستند في هذه الدعوى إلا إلى استبعاد أن يقع في الجنة وضوء لأنه لا عمل فيها، وعدم الاطلاع على المراد من الخبر لا يقتضي تغليط الحفاظ. ثم أخذ الخطابي في نقل كلام أهل اللغة في تفسير الشوهاء فقيل هي الحسناء ونقله عن أبي عبيدة، وإنما تكون حسناء إذا وصفت بها الفرس، قال الجوهري: فرس شوهاء صفة محمودة و "الشوهاء" الواسعة الفم وهو مستحسن في الخيل والشوهاء من النساء القبيحة كما جزم به ابن الأعرابي وغيره، وقد تعقب القرطبي كلام الخطابي لكن نسبه إلى ابن قتيبة فقط، قال ابن قتيبة: بدل تتوضأ شوهاء ثم نقل أن الشوهاء تطلق على القبيحة والحسناء، قال القرطبي: والوضوء هنا لطلب زيادة الحسن لا للنظافة لأن الجنة منزهة عن الأوساخ والأقذار، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب التعبير "باب الوضوء في المنام" فبطل ما تخيله الخطابي، وفي الحديث فضيلة الرميصاء وأنها كانت مواظبة على العبادة، كذا نقله ابنالتين عن غيره وفيه نظر. قوله: "حدثنا محمد بن الصلت أبو جعفر" هو الأسيدي، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وله شيخ آخر يقال له محمد بن الصلت يكنى أبا يعلى وهو بصري؛ وأبو جعفر أكبر من أبي يعلى وأقدم سماعا. قوله: "شربت يعني اللبن" كذا أورده مختصرا، وسيأتي في التعبير عن عبدان عن ابن المبارك بلفظ: "بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه" أي من ذلك اللبن. قوله: "حتى أنظر إلى الري" في رواية عبدان"حتى أني" ويجوز فتح همزة أني وكسرها ورؤية الري على سبيل الاستعارة كأنه لما جعل الري جسما أضاف إليه ما هو من خواص الجسم، وهو كونه مرئيا، وأما قوله: "أنظر" فإنما أتى به بصيغة المضارعة والأصل أنه ماض استحضارا لصورة الحال، وقوله: "أنظر" يؤيد أن قوله: "أرى" في الرواية التي في العلم من رؤية البصر لا من العلم، والري بكسر الراء ويجوز فتحها. قوله: "يجري" أي اللبن أو الري وهو حال. قوله: "في ظفري أو أظفاري" شك من الراوي. وفي رواية عبدان "من أظفاري" ولم يشك، وكذا في رواية عقيل في العلم لكن قال: "في أظفاري". قوله: "ثم ناولت عمر" في رواية عبدان "ثم ناولت فضلي" يعني عمر. وفي رواية عقيل في العلم "ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب". قوله: "قالوا فما أولته" أي عبرته "قال العلم" بالنصب أي أولته العلم، وبالرفع أي المؤول به هو العلم، ووقع في "جزء الحسين بن عرفة" من وجه آخر عن

(7/45)


ابن عمر "قال فقالوا: هذا العلم الذي آتاكه الله، حتى امتلأت فضلت منه فضلة فأخذها عمر، قال: أصبتم" وإسناده ضعيف فإن كان محفوظا احتمل أن يكون بعضهم أول وبعضهم سأل، ووجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع، وكونهما سببا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني والعلم للغذاء المعنوي. وفي الحديث فضيلة عمر وأن الرؤيا من شأنها أن لا تحمل على ظاهرها وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي، لكن منها ما يحتاج إلى تعبير ومنها ما يحمل على ظاهره، وسيأتي تقرير ذلك في كتاب التعبير إن شاء الله تعالى. والمراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر، وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان، فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فساس عمر فيها - مع طول مدته - الناس بحيث لم يخالفه أحد، ثم ازدادت اتساعا في خلافة عثمان فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له فنشأت من ثم الفتن، إلى أن أفضى الأمر إلى قتله، واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافا والفتن إلا انتشارا. قوله: "حدثنا عبيد الله" هو ابن عمر العمري. قوله: "حدثني أبو بكر بن سالم" أي ابن عبد الله بن عمر، وهو من أقران الراوي عنه، وهما مدنيان من صغار التابعين، وأما أبو سالم فمعدود من كبارهم، وهو أحد الفقهاء السبعة، وليس لأبي بكر بن سالم في البخاري غير هذا الموضع، ووثقه العجلي. ولا يعرف له راو إلا عبيد الله بن عمر المذكور، وإنما أخرج له البخاري في المتابعات. وقد مضى الحديث من طريق الزهري عن سالم. قوله: "بدلو بكرة" بفتح الموحدة والكاف على المشهور وحكى بعضهم تثليث أوله، ويجوز إسكانها على أن المراد نسبة الدلو إلى الأنثى من الإبل وهي الشابة، أي الدلو التي يسقى بها، وأما بالتحريك فالمراد الخشبة المستديرة التي يعلق فيها الدلو. قوله: "قال ابن جبير: العبقري عتاق الزرابي" وصله عبد بن حميد من طريقه، وكذا رويناه في "صفة الجنة لأبي نعيم" من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير قال في قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} قال: الرفرف رياض الجنة، والعبقري الزرابي. ووقع في رواية الأصيلي وكريمة وبعض النسخ عن أبي ذر هنا "قال ابن نمير" وقيل المراد محمد بن عبد الله بن نمير شيخ المصنف فيه، ويأتي بسط القول في كتاب التعبير، والمراد بالعتاق الحسان، والزرابي جمع زريبة وهي البساط العريض الفاخر، قال في المشارق: العبقري النافذ الماضي الذي لا شيء يفوقه، قال أبو عمر: وعبقري القوم سيدهم وقيمهم وكبيرهم. وقال الفراء: العبقري السيد والفاخر من الحيوان والجوهر والبساط المنقوش، وقيل هو منسوب إلى عبقر موضع بالبادية، وقيل قرية يعمل فيها الثياب البالغة الحسن والبسط، وقيل نسبة إلى أرض تسكنها الجن، تضرب بها العرب المثل في كل شيء عظيم قاله أبو عبيدة، قال ابن الأثير: فصاروا كلما رأوا شيئا غريبا مما يصعب عمله ويدق أو شيئا عظيما في نفسه نسبوه إليها فقالوا عبقري، ثم اتسع فيه حتى سمي به السيد الكبير. ثم استطرد المصنف كعادته فذكر معنى صفة الزرابي الواردة في القرآن في قوله تعالى: {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} . قوله: "وقال يحيى" هو ابن زياد الفراء، ذكر ذلك في "كتاب معاني القرآن" له، وظن الكرماني أنه يحيى بن سعيد القطان فجزم بذلك واستند إلى كون الحديث ورد من روايته كما تقدم في مناقب أبي بكر. قوله: "الطنافس" هي جمع طنفسة وهي البساط.قوله: "لها خمل" بفتح المعجمة والميم بعدها لام أي أهداب، وقوله

(7/46)


"رقيق" أي غير غليظة. قوله: "مبثوثة كثيرة" هو بقية كلام يحيى بن زياد المذكور. قوله: "عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد" أي ابن الخطاب، وفي الإسناد أربعة من التابعين على نسق: قرينان وهما صالح وهو ابن كيسان وابن شهاب، وقريبان وهما عبد الحميد ومحمد بن سعد وكلهم مدنيون. قوله: "استأذن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من قريش" هن من أزواجه، ويحتمل أن يكون معهن من غيرهن لكن قرينة قوله: "يستكثرنه" يؤيد الأول، والمراد أنهن يطلبن منه مما يعطيهن. وزعم الداودي أن المراد أنهن يكثرن الكلام عنده، وهو مردود بما وقع التصريح به في حديث جابر عند مسلم أنهن يطلبن النفقة. قوله: "عالية" بالرفع على الصفة وبالنصب على الحال، وقوله: "أصواتهن على صوته" قال ابن التين: يحتمل أن يكون ذلك قبل نزول النهي عن رفع الصوت على صوته، أو كان ذلك طبعهن انتهى. وقال غيره: يحتمل أن يكون الرفع حصل من مجموعهن لا أن كل واحدة منهن كان صوتها أرفع من صوته، وفيه نظر. قيل ويحتمل أن يكون فيهن جهيرة، أو النهي خاص بالرجال وقيل في حقهن للتنزيه، أو كن في حال المخاصمة فلم يتعمدن، أو وثقن بعفوه. ويحتمل في الخلوة ما لا يحتمل في غيرها. قوله: "أضحك الله سنك" لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك بل لازمه وهو السرور، أو نفي لازمه وهو الحزن. قوله: "أتهبنني" من الهيبة أي توقرنني. قوله: "أنت أفظ وأغلظ" بالمعجمتين بصيغة أفعل التفضيل من الفظاظة والغلظة وهو يقتضي الشركة في أصل الفعل، ويعارضه قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} فإنه يقتضي أنه لم يكن فظا ولا غليظا، والجواب أن الذي في الآية يقتضي نفي وجود ذلك له صفة لازمة فلا يستلزم ما في الحديث ذلك، بل مجرد وجود الصفة له في بعض الأحوال وهو عند إنكار المنكر مثلا والله أعلم. وجوز بعضهم أن الأفظ هنا بمعنى الفظ، وفيه نظر للتصريح بالترجيح المقتضي لحمل أفعل على بابه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدا بما يكره إلا في حق من حقوق الله، وكان عمر يبالغ في الزجر عن المكروهات مطلقا وطلب المندوبات، فلهذا قال النسوة له ذلك. قوله: "إيها ابن الخطاب" قال أهل اللغة "أيها" بالفتح والتنوين معناها لا تبتدئنا بحديث، وبغير تنوين كف من حديث عهدناه، و"إيه" بالكسر والتنوين معناها حدثنا ما شئت وبغير التنوين زدنا مما حدثتنا. ووقع في روايتنا بالنصب والتنوين. وحكى ابن التين أنه وقع له بغير تنوين وقال معناه كف عن لومهن. وقال الطيبي: الأمر بتوقير رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلوب لذاته تحمد الزيادة منه، فكأن قوله صلى الله عليه وسلم: "إيه" استزادة منه في طلب توقيره وتعظيم جانبه، ولذلك عقبه بقوله: "والذي نفسي بيده إلخ" فإنه يشعر بأنه رضي مقالته وحمد فعاله، والله أعلم. قوله: "فجا" أي طريقا واسعا، وقوله: "قط" تأكيد للنفي. قوله: "إلا سلك فجا غير فجك" فيه فضيلة عظيمة لعمر تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه، لا أن ذلك يقتضي وجود العصمة إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان منه أن يشاركه في طريق يسلكها، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته. فإن قيل عدم تسليطه عليه بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة لأنه إذا منع من السلوك في طريق فأولى أن لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له فيمكن أن يكون حفظ من الشيطان، ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له لأنها في حق النبي واجبة وفي حق غيره ممكنة، ووقع في حديث حفصة عند الطبراني في "الأوسط" بلفظ: "أن الشيطان لا يلقى عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه" وهذا دال على صلابته في الدين، واستمرار حاله على الجد الصرف والحق المحض. وقال النووي: هذا الحديث محمول على ظاهره وأن الشيطان يهرب إذا رآه وقال عياض: يحتمل

(7/47)


أن يكون ذاك على سبيل ضرب المثل، وأن عمر فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد فخالف كل ما يحبه الشيطان، والأول أولى، انتهى. قوله: "حدثنا يحيى" ابن سعيد القطان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم، وعبد الله هو ابن مسعود. ووقع في رواية ابن عيينة عن إسماعيل كما سيأتي في" باب إسلام عمر" التصريح بذلك. قوله: "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر" أي لما كان فيه من الجلد والقوة في أمر الله. وروى ابن أبي شيبة والطبراني من طريق القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود "كان إسلام عمر عزا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة. والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر" وقد ورد سبب إسلامه مطولا فيما أخرجه الدار قطني من طريق القاسم بن عثمان عن أنس قال: "خرج عمر متقلدا السيف، فلقيه رجل من بني زهرة - فذكر قصة دخول عمر على أخته وإنكاره إسلامها وإسلام زوجها سعيد بن زيد وقراءته سورة طه ورغبته في الإسلام - فخرج خباب فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، قال: " اللهم أعز الإسلام بعمر أو بعمرو بن هشام" وروى أبو جعفر بن أبي شيبة نحوه في تاريخه من حديث ابن عباس، وفي آخره: "فقلت يا رسول الله ففيم الاختفاء؟ فخرجنا في صنفين: أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر، فنظرت قريش إلينا فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها" وأخرجه البزار من طريق أسلم مولى عمر عن عمر مطولا، وروى ابن أبي خيثمة من حديث عمر نفسه قال: "لقد رأيتني وما أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسعة وثلاثون رجلا فكملتهم أربعين، فأظهر الله دينه، وأعز الإسلام" وروى البزار نحوه من حديث ابن عباس وقال فيه: "فنزل جبريل فقال: يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" وفي" فضائل الصحابة" لخيثمة من طريق أبي وائل عن ابن مسعود قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أيد الإسلام بعمر" ومن حديث علي مثله بلفظ: "أعز" وفي حديث عائشة مثله أخرجه الحاكم بإسناد صحيح، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر بلفظ: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر" ، قال فكان أحبهما إليه عمر" قال الترمذي: حسن صحيح. قلت: وصححه ابن حبان أيضا، وفي إسناده خارجة بن عبد الله صدوق فيه مقال، لكن له شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الترمذي أيضا، ومن حديث أنس كما قدمته في القصة المطولة، ومن طريق أسلم مولى عمر عن خباب، وله شاهد مرسل أخرجه ابن سعد من طريق سعيد بن المسيب والإسناد صحيح إليه، وروى ابن سعد أيضا من حديث صهيب قال: "لما أسلم عمر قال المشركون انتصف القوم منا" وروى البزار والطبراني من حديث ابن عباس نحوه. قوله في السند "أخبرنا عمر بن سعيد" أي ابن أبي حسين، ووقع في رواية القابسي"سعد" بسكون العين وهو وهم. حديث ابن عباس قال: "وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس" بنون وفاء أي أحاطوا به من جميع جوانبه، والأكناف النواحي. قوله: "وضع عمر على سريره" تقدم في آخر مناقب أبي بكر بلفظ: "إني لواقف مع قوم وقد وضع عمر على سريره" أي لما مات، وهي جملة حالية من عمر. قوله: "فلم يرعني" أي لم يفزعني، والمراد أنه رآه بغتة. قوله: "إلا رجل آخذ" بوزن فاعل. وفي رواية الكشميهني: "أخذ" بلفظ الفعل الماضي. قوله: "فترحم على عمر" تقدم في مناقب أبي بكر بلفظ: "فقال يرحمك الله". قوله: "أحب" يجوز نصبه ورفعه، و"أني" يجوز فيه الفتح والكسر. وفي هذا الكلام أن عليا كان لا يعتقد أن لأحد عملا في ذلك الوقت أفضل من عمل عمر. وقد أخرج ابن أبي شيبة ومسدد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي نحو هذا الكلام وسنده صحيح، وهو شاهد جيد لحديث

(7/48)


ابن عباس لكون مخرجه عن آل علي رضي الله عنهم. قوله: "مع صاحبيك" يحتمل أن يريد ما وقع وهو دفنه عندهما، ويحتمل أن يريد بالمعية ما يئول إليه الأمر بعد الموت من دخول الجنة ونحو ذلك، والمراد بصاحبيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وقوله: "وحسبت أني" يجوز فتح الهمزة وكسرها، وتقدم في مناقب أبي بكر بلفظ: "لأني كثيرا ما كنت أسمع" واللام للتعليل، وما إبهامية مؤكدة، وكثيرا ظرف زمان وعامله كان قدم عليه، وهو كقوله تعالى: {قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} ووقع للأكثر "كثيرا مما كنت أسمع" بزيادة "من" ووجهت بأن التقدير أني أجد كثيرا مما كنت أسمع. حديث: "اثبت أحد" تقدم شرحه في مناقب أبي بكر. قوله: "وقال لي خليفة" هو ابن خياط، ومحمد بن سواء بمهملة وتخفيف ومد هو السدوسي البصري، أخرج له هنا وفي الأدب، وكهمس بمهملة وزن جعفر هو ابن المنهال سدوسي أيضا بصري ما له في البخاري غير هذا الموضع، وسعيد هو ابن أبي عروبة، وسقط جميع ذلك من رواية أبي ذر في بعض النسخ واقتصر على طريق يزيد بن زريع. قوله: "فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" تقدم في مناقب أبي بكر بلفظ: "فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" فتكون "أو" في حديث الباب بمعنى الواو، ويكون لفظ شهيد للجنس، ووقع لبعضهم بلفظ: "نبي وصديق أو شهيد" فقيل أو بمعنى الواو، وقيل تغيير الأسلوب للإشعار بمغايرة الحال لأن صفتي النبوة والصديقية كانتا حاصلتين حينئذ بخلاف صفة الشهادة فإنها لم تكن وقعت حينئذ. قوله: "حدثني عمر هو ابن محمد" ووقع في رواية حرملة عن ابن وهب" حدثني عمر بن محمد بن زيد" أي ابن عبد الله بن عمر. قوله: "سألني ابن عمر عن بعض شأنه يعني عمر" يريد أن ابن عمر سأل أسلم مولى عمر عن بعض شأن عمر. قوله: "فقال ما رأيت" هو مقول ابن عمر. قوله: "أجد" بفتح الجيم والتشديد أفعل من جد إذا اجتهد، وأجود أفعل من الجود. قوله: "بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم" يحتمل أن يكون المراد بالبعدية في الصفات ولا يتعرض فيه للزمان فيتناول زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بعده، فيشكل بأبي بكر الصديق وبغيره من الصحابة ممن كان يتصف بالجود المفرط، أو بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشكل بأبي بكر الصديق أيضا، ويمكن تأويله بزمان خلافته، وأجود أفعل من الجود أي لم يكن أحد أجد منه في الأمور ولا أجود بالأموال، وهو محمول على وقت مخصوص وهو مدة خلافته ليخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر من ذلك. قوله: "حتى انتهى" أي إلى عمل آخر عمره، وهذا بناء على أن فاعل انتهى عمر، وقائل ذلك ابن عمر، ويحتمل أن يكون فاعل انتهى ابن عمر أي انتهى في الإنصاف بعد أجد وأجود حتى فرغ مما عنده، وقائل ذلك نافع، والله أعلم. حديث أنس "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة" هو ذو الخويصرة اليماني، وزعم ابن بشكوال أنه أبو موسى الأشعري أو أبو ذر. ثم ساق من حديث أبي موسى "قلت يا رسول الله المرء يحب القوم ولما يلحق بهم" ومن حديث أبي ذر "فقلت يا رسول الله المرء يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم" وسؤال هذين إنما وقع عن العمل، والسؤال في حديث الباب إنما وقع عن الساعة، فدل على التعدد. وسيأتي في الأدب من طريق آخر عن أنس أن السائل عن الساعة أعرابي، وكذا وقع عند الدار قطني من حديث أبي مسعود أن الأعرابي الذي بال في المسجد قال: "يا محمد متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها" فدل على أن السائل في حديث أنس هو الأعرابي الذي بال في المسجد، وتقدم في الطهارة أنه ذو الخويصرة اليماني كما أخرجه أبو موسى المديني في دلائل معرفة الصحابة، وسيأتي شرح هذا الحديث في كتاب الأدب، والمراد منه ذكر أبي بكر وعمر في حديث أنس

(7/49)


هذا وأنه قرنهما في العمل بالنبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم. قوله: "عن أبي هريرة" كذا قال أصحاب إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة وخالفهم ابن وهب فقال: "عن إبراهيم بن سعد بهذا الإسناد عن أبي سلمة عن عائشة" قال أبو مسعود: لا أعلم أحدا تابع ابن وهب على هذا، والمعروف عن إبراهيم بن سعد أنه عن أبي هريرة لا عن عائشة، وتابعه زكريا بن أبي زائدة عن إبراهيم بن سعد يعني كما ذكره المصنف معلقا هنا. وقال محمد بن عجلان: "عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة" أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، قال أبو مسعود: وهو مشهور عن ابن عجلان، فكأن أبا سلمة سمعه من عائشة ومن أبي هريرة جميعا. قلت: وله أصل من حديث عائشة أخرجه ابن سعد من طريق ابن أبي عتيق عنها، وأخرجه من حديث خفاف بن أيماء أنه كان يصلي مع عبد الرحمن بن عوف فإذا خطب عمر سمعه يقول أشهد أنك مكلم. قوله: "محدثون" بفتح الدال جمع محدث، واختلف في تأويله فقيل: ملهم، قاله الأكثر قالوا: المحدث بالفتح هو الرجل الصادق الظن، وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به، وبهذا جزم أبو أحمد العسكري. وقيل من يجري الصواب على لسانه من غير قصد، وقيل مكلم أي تكلمه الملائكة بغير نبوة، وهذا ورد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا ولفظه: "قيل يا رسول الله وكيف يحدث؟ "قال تتكلم الملائكة على لسانه" رويناه في"فوائد الجوهري" وحكاه القابسي وآخرون، ويؤيده ما ثبت في الرواية المعلقة. ويحتمل رده إلى المعنى الأول أي تكلمه في نفسه وإن لم ير مكلما في الحقيقة فيرجع إلى الإلهام، وفسره ابن التين بالتفرس، ووقع في مسند "الحميدي" عقب حديث عائشة "المحدث الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه": وعند مسلم من رواية ابن وهب "ملهمون، وهي الإصابة بغير نبوة" وفي رواية الترمذي عن بعض أصحاب ابن عيينة "محدثون يعني مفهمون" وفي رواية الإسماعيلي: "قال إبراهيم - يعني ابن سعد رواية - قوله محدث أي يلقى في روعه" انتهى، ويؤيده حديث: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر، وأحمد من حديث أبي هريرة، والطبراني من حديث بلال، وأخرجه في "الأوسط" من حديث معاوية وفي حديث أبي ذر عند أحمد وأبي داود "يقول به" بدل قوله: "وقلبه" وصححه الحاكم، وكذا أخرجه الطبراني في "الأوسط" من حديث عمر نفسه. قوله: "زاد زكريا بن أبي زائدة عن سعد" هو ابن إبراهيم المذكور، وفي روايته زيادتان: إحداهما بيان كونهم من بني إسرائيل، والثانية تفسير المراد بالمحدث في رواية غيره فإنه قال بدلها "يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء". قوله: "منهم أحد" في رواية الكشميهني: "من أحد" ورواية زكريا وصلها الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما، وقوله: "وإن يك في أمتي" قيل لم يورد هذا القول مورد الترديد فإن أمته أفضل الأمم، وإذا ثبت أن ذلك وجد في غيرهم فإمكان وجوده فيهم أولى، وإنما أورده مورد التأكيد كما يقول الرجل: إن يكن لي صديق فإنه فلان، يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء، ونحوه قول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي، وكلاهما عالم بالعمل لكن مراد القائل أن تأخيرك حقي عمل من عنده شك في كوني عملت. وقيل الحكمة فيه أن وجودهم في بني إسرائيل كان قد تحقق وقوعه، وسبب ذلك احتياجهم حيث لا يكون حينئذ فيهم نبي، واحتمل عنده صلى الله عليه وسلم أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلك لاستغنائها بالقرآن عن حدوث نبي، وقد

(7/50)


وقع الأمر كذلك حتى إن المحدث منهم إذا تحقق وجوده لا يحكم بما وقع له بل لا بد له من عرضه على القرآن، فإن وافقه أو وافق السنة عمل به وإلا تركه، وهذا وإن جاز أن يقع لكنه نادر ممن يكون أمره منهم مبنيا على اتباع الكتاب والسنة، وتمحضت الحكمة في وجودهم وكثرتهم بعد العصر الأول في زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيه، وقد تكون الحكمة في تكثيرهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فيهم، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيها لكون نبيها خاتم الأنبياء عوضوا بكثرة الملهمين. وقال الطيبي: المراد بالمحدث الملهم البالغ في ذلك مبلغ النبي صلى الله عليه وسلم في الصدق، والمعنى لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء ملهمون، فإن يك في أمتي أحد هذا شأنه فهو عمر، فكأنه جعله في انقطاع قرينه في ذلك هل نبي أم لا(1) فلذلك أتى بلفظ: "إن" ويؤيده حديث: "لو كان بعدي نبي لكان عمر" فلو فيه بمنزلة إن في الآخر على سبيل الفرض والتقدير، انتهى. والحديث المشار إليه أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم من حديث عقبة بن عامر، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي سعيد، ولكن في تقرير الطيبي نظر لأنه وقع في نفس الحديث: "من غير أن يكونوا أنبياء" ولا يتم مراده إلا بفرض أنهم كانوا أنبياء. قوله: "قال ابن عباس من نبي ولا يحدث" أي في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى} الآية، كأن ابن عباس زاد فيها ولا محدث أخرجه سفيان بن عيينة في أواخر جامعه وأخرجه عبد بن حميد من طريقه وإسناده إلى ابن عباس صحيح ولفظه عن عمرو بن دينار قال: "كان ابن عباس يقرأ: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث". والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الموافقات التي نزل القرآن مطابقا لها، ووقع له بعد النبي صلى الله عليه وسلم عدة إصابات. حديث أبي هريرة في الذي كلمه الذئب، أورده مختصرا بدون قصة البقرة، وقد تقدم شرحه في مناقب أبي بكر. قوله: "عن أبي سعيد الخدري" كذا رواه أكثر أصحاب الزهري، ورواه معمر عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأبهمه أخرجه أحمد، وقد تقدم في الإيمان من رواية صالح بن كيسان عن الزهري فصرح بذكر أبي سعيد، ووقع في التعبير من هذا الوجه عن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أبا سعيد. قوله: "رأيت الناس عرضوا علي" الحديث وفيه: "عرض علي عمر وعليه قميص اجتره" أي لطوله، وقد تقدم من رواية صالح بلفظ: "يجره". قوله: "قالوا فما أولت ذلك" سيأتي في التعبير أن السائل عن ذلك أبو بكر، ويأتي بقية شرحه هناك إن شاء الله تعالى. وقد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن عمر أفضل من أبي بكر الصديق، والجواب عنه تخصيص أبي بكر من عموم قوله: "عرض علي الناس" فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر، وأن كون عمر عليه قميص يجره لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبغ، فلعله كان كذلك إلا أن المراد كان حينئذ بيان فضيلة عمر فاقتصر عليها، والله أعلم. قوله: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم" هو الذي يقال له ابن علية. قوله: "عن المسور بن مخرمة" كذا رواه ابن علية ورواه حماد بن زيد كما علقه المصنف بعد فقال: "عن ابن عباس" وأخرجه الإسماعيلي من رواية القواريري عن حماد بن زيد موصولا، ويحتمل أن يكون محفوظا عن الاثنين. قوله: "لما طعن عمر" سيأتي بيان
ـــــــ
(1)قال مصحح طبعة بولاق: لعل فيه سسقطا والاصل "جعله انقطاع قرينه في ذلك في شك هل هو نبي الخ"

(7/51)


ذلك بعد في أواخر مناقب عثمان. قوله: "وكأنه يجزعه" بالجيم والزاي الثقيلة أي ينسبه إلى الجزع ويلومه عليه، أو معنى يجزعه يزيل عنه الجزع، وهو كقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} أي أزيل عنهم الفزع، ومثله مرضه إذا عانى إزالة مرضه، ووقع في رواية الجرجاني "وكأنه جزع" هذا يرجع الضمير فيه إلى عمر بخلاف رواية الجماعة فإن الضمير فيها لابن عباس. ووقع في رواية حماد بن زيد "وقال ابن عباس مسست جلد عمر فقلت جلد لا تمسه النار أبدا، قال فنظر إلي نظرة كنت أرثي له من تلك النظرة". قوله: "ولئن كان ذاك" كذا في رواية الأكثر. وفي رواية الكشميهني: "ولا كل ذلك" أي لا تبالغ في الجزع فيما أنت فيه، ولبعضهم: ولا كان ذلك، وكأنه دعاء، أي لا يكون ما تخافه، أو لا يكون الموت بتلك الطعنة. قوله: "ثم فارقت" كذا بحذف المفعول، وللكشميهني: "ثم فارقته". قوله: "ثم صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم" يعني المسلمين. وفي رواية بعضهم "ثم صحبت صحبتهم" بفتح الصاد والحاء والموحدة، أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وفيه نظر للإتيان بصيغة الجمع موضع التثنية، قال عياض: يحتمل أن يكون "صحبت" زائدة وإنما هو ثم صحبتهم أي المسلمين، قال: والرواية الأولى هي الوجه، ورويناها في أمالي أبي الحسن بن رزقويه من حديث ابن عمر قال: "لماطعن عمر قال له ابن عباس" فذكر حديثا قال فيه: "ولما أسلمت كان إسلامك عزا". قوله: "فإن ذلك من" أي عطاء؛ وفي رواية الكشميهني: "فإنما ذلك". قوله: "فهو من أجلك ومن أجل أصحابك" في رواية أبي ذر عن الحموي المستملي: "أصيحابك" بالتصغير، أي من جهة فكرته فيمن يستخلف عليهم، أو من أجل فكرته في سيرته التي سارها فيهم، وكأنه غلب عليه الخوف في تلك الحالة مع هضم نفسه وتواضعه لربه. قوله: "طلاع الأرض" بكسر الطاء المهملة والتخفيف أي ملأها، وأصل الطلاع ما طلعت عليه الشمس، والمراد هنا ما يطلع عليها ويشرف فوقها من المال. قوله: "قبل أن أراه" أي العذاب، وإنما قال ذلك لغلبة الخوف الذي وقع له في ذلك الوقت من خشية التقصير فيما يجب عليه من حقوق الرعية، أو من الفتنة بمدحهم. قوله: "قال حماد بن زيد" وصله الإسماعيلي كما تقدم والله أعلم، وسيأتي مزيد في الكلام على هذا الحديث في قصة قتل عمر آخر مناقب عثمان. وأخرج ابن سعد من طريق أبي عبيد مولى ابن عباس عن ابن عباس فذكر شيئا من قصة قتل عمر. حديث أبي موسى، تقدم مبسوطا مع شرحه في مناقب أبي بكر بما يغني عن الإعادة. قوله: "أخبرني حيوة" بفتح المهملة والواو بينهما تحتانية ساكنة هو ابن شريح المصري. قوله: "عبد الله بن هشام" أي ابن زهرة بن عثمان التيمي ابن عم طلحة بن عبيد الله. قوله: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب" هو طرف من حديث يأتي تمامه في الأيمان والنذور، وبقيته"فقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء" الحديث وقد ذكرت شيئا من مباحثه في كتاب الإيمان، وسيأتي بيان الوقت الذي قتل فيه عمر في آخر ترجمة عثمان إن شاء الله تعالى

(7/52)


7 - باب مَنَاقِبِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أبي عمرو القرشى رضى الله عنه
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَحْفِرْ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَحَفَرَهَا عُثْمَانُ
وَقَالَ "مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَجَهَّزَهُ عُثْمَانُ"

(7/52)


3695 -حدثناسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ حَائِطًا، وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ بَابِ الْحَائِطِ فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَإِذَا عُمَرُ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ ،فَسَكَتَ هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى سَتُصِيبُهُ فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ"
قَالَ حَمَّادٌ وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ وَعَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ سَمِعَا أَبَا عُثْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى بِنَحْوِهِ وَزَادَ فِيهِ عَاصِمٌ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَاعِدًا فِي مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْ انْكَشَفَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ- أَوْ رُكْبَتِهِ- فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ غَطَّاهَا"
3696-حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يُونُسَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَالاَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَلِّمَ عُثْمَانَ لِأَخِيهِ الْوَلِيدِ فَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ؟ فَقَصَدْتُ لِعُثْمَانَ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ قُلْتُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، وَهِيَ نَصِيحَةٌ لَكَ قَالَ: يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ قَالَ مَعْمَرٌ أُرَاهُ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَانْصَرَفْتُ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمْ إِذْ جَاءَ رَسُولُ عُثْمَانَ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ مَا نَصِيحَتُكَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَكُنْتَ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَاجَرْتَ الْهِجْرَتَيْنِ وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ قَالَ أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْتُ: لاَ وَلَكِنْ خَلَصَ إِلَيَّ مِنْ عِلْمِهِ مَا يَخْلُصُ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي سِتْرِهَا قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ فَكُنْتُ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَآمَنْتُ بِمَا بُعِثَ بِهِ وَهَاجَرْتُ الْهِجْرَتَيْنِ كَمَا قُلْتَ وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَايَعْتُهُ فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلاَ غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ مِثْلُهُ ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُهُ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ، أَفَلَيْسَ لِي مِنْ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ فَمَا هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ؟ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ شَأْنِ الْوَلِيدِ فَسَنَأْخُذُ فِيهِ بِالْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِدَهُ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ"
[الحديث 3696- طرفاه في: 3872، 3927 ]
3699-حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ "صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُحُدًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ وَقَالَ اسْكُنْ أُحُدُ أَظُنُّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ "
3697-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ حَدَّثَنَا شَاذَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنْ عُبَيْدِ

(7/53)


اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ" تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ
3698-حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ حَجَّ الْبَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ مَنْ هَؤُلاَءِ الْقَوْمُ فَقَالُوا هَؤُلاَءِ قُرَيْشٌ قَالَ فَمَنْ الشَّيْخُ فِيهِمْ قَالُوا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ قَالَ نَعَمْ قَالَ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بِيَدِهِ الْيُمْنَى هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ هَذِهِ لِعُثْمَان َ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ اذْهَبْ بِهَا الْآنَ مَعَكَ
قوله: "باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي" هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف. وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت، فالنبي صلى الله عليه وسلم من حيث العدد في درجة عفان كما وقع لعمر سواء، وأما كنيته فهو الذي استقر عليه الأمر، وقد نقل يعقوب بن سفيان عن الزهري أنه كان يكنى أبا عبد الله بابنه عبد الله الذي رزقه من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات عبد الله المذكور صغيرا وله ست سنين، وحكى ابن سعد أن موته كان سنة أربع من الهجرة، وماتت أمه رقية قبل ذلك سنة اثنتين والنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، وكان بعض من ينتقصه يكنيه أبا ليلى يشير إلى لين جانبه، حكاه ابن قتيبة. وقد اشتهر أن لقبه ذو النورين. وروى خيثمة في "الفضائل" والدار قطني في "الأفراد" من حديث علي أنه ذكر عثمان فقال: "ذاك امرؤ يدعى في السماء ذا النورين" وسأذكر اسم أمه ونسبها في الكلام على الحديث الثاني من ترجمته. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يحفر بئر رومة فله الجنة، فحفرها عثمان. وقاله النبي صلى الله عليه وسلم: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزه عثمان" هذا التعليق تقدم ذكر من وصله في أواخر كتاب الوقف وبسطت هناك الكلام عليه، وفيه من مناقب عثمان أشياء كثيرة استوعبتها هناك فأغنى عن إعادتها، والمراد بجيش العسرة تبوك كما سيأتي في المغازي. وأخرج أحمد والترمذي من حديث عبد الرحمن بن حباب السلمي أن عثمان أعان فيها بثلاثمائة بعير، ومن حديث عبد الرحمن بن سمرة أن عثمان أتى فيها بألف دينار فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مضى في الوقف بقية طرقه، وفي حديث حذيفة عند ابن عدي "فجاء عثمان بعشرة آلاف دينار" وسنده واه، ولعلها كانت بعشرة آلاف درهم فتوافق رواية ألف

(7/54)


دينار. ثم ذكر المصنف في هذا الباب خمسة أحاديث الأول حديث أبي موسى في قصة القف أوردها مختصرة من طريق أبي عثمان عن أبي موسى، وقد تقدم شرحها في مناقب أبي بكر الصديق. قوله: "فسكت هنيهة" بالتصغير أي قليلا. قوله: "قال حماد وحدثنا عاصم" كذا للأكثر، وهو بقية الإسناد المتقدم، وحماد هو ابن زيد، ووقع في رواية أبي ذر وحده "وقال حماد بن سلمة حدثنا عاصم إلخ" والأول أصوب، فقد أخرجه الطبراني عن يوسف القاضي عن سليمان بن حرب" حدثنا حماد بن زيد عن أيوب" فذكر الحديث وفي آخره: "قال حماد فحدثني علي بن الحكم وعاصم أنهما سمعا أبا عثمان يحدث عن أبي موسى نحوا من هذا، غير أن عاصما زاد، فذكر الزيادة. وقد وقع لي من حديث حماد بن سلمة لكن عن علي بن الحكم وحده أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن موسى بن إسماعيل، والطبراني من طريق حجاج بن منهال وهدبة بن خالد كلهم عن حماد بن سلمة عن علي بن الحكم وحده به وليست فيه الزيادة، ثم وجدته في نسخة الصغاني مثل رواية أبي ذر، والله أعلم. قوله: "وزاد فيه عاصم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قاعدا في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبته، فلما دخل عثمان غطاها" قال ابن التين: أنكر الداودي هذه الرواية وقال: هذه الزيادة ليست من هذا الحديث بل دخل لرواتها حديث في حديث، وإنما ذلك الحديث أن أبا بكر أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته قد انكشف فخذه فجلس أبو بكر، ثم دخل عمر، ثم دخل عثمان فغطاها قلت: يشير إلى حديث عائشة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحالة" الحديث، وفيه: "ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة " وفي رواية لمسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال في جواب عائشة "إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة لا يبلغ إلي في حاجته انتهى، وهذا لا يلزم منه تغليط رواية عاصم، إذ لا مانع أن يتفق للنبي صلى الله عليه وسلم أن يغطي ذلك مرتين حين دخل عثمان، وأن يقع ذلك في موطنين، ولا سيما مع اختلاف مخرج الحديثين وإنما يقال ما قاله الداودي حيث تتفق المخارج فيمكن أن يدخل حديث في حديث لا مع افتراق المخارج كما في هذا، والله أعلم. قوله: "ما يمنعك أن تكلم عثمان" في رواية معمر عن الزهري الآتية في هجرة الحبشة "أن تكلم خالك"، ووجه كون عثمان خاله أن أم عبيد الله هذا هي أم قتال بنت أسيد بن أبي العاص بن أمية وهي بنت عم عثمان، وأقارب الأم يطلق عليهم أخوال وأما أم عثمان فهي أروى بنت كريز بالتصغير ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، وهي شقيقة عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال إنهما ولدا توأما حكاه الزبير بن بكار، فكان ابن بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ابن خال والدته، وقد أسلمت أم عثمان كما بينت ذلك في كتاب الصحابة. وروى محمد بن الحسين المخزومي في كتاب المدينة أنها ماتت في خلافة ابنها عثمان وأنه كان ممن حملها إلى قبرها. وأما أبوه فهلك في الجاهلية. قوله: "لأخيه" اللام للتعليل أي لأجل أخيه، ويحتمل أن تكون بمعنى عن، ووقع في رواية الكشميهني: "في أخيه". قوله: "الوليد" أي ابن عقبة، وصرح بذلك في رواية معمر، وعقبة هو ابن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس وكان أخا عثمان لأمه، وكان عثمان ولاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاص، فإن عثمان كان ولاه الكوفة لما ولي الخلافة بوصية من عمر كما سيأتي في آخر ترجمة عثمان في قصة مقتل عمر، ثم عزله بالوليد وذلك سنة خمس وعشرين، وكان سبب ذلك أن سعدا كان أميرها وكان عبد الله بن مسعود على بيت المال فاقترض سعد

(7/55)


منه مالا، فجاءه يتقاضاه فاختصما، فبلغ عثمان فغضب عليهما وعزل سعدا، واستحضر الوليد وكان عاملا بالجزيرة على عسر بها فولاه الكوفة، وذكر ذلك الطبري في تاريخه. قوله: "فقد أكثر الناس فيه" أي في شأن الوليد أي من القول ووقع في رواية معمر وكان أكثر الناس فيما فعل به، أي من تركه إقامة الحد عليه، وإنكارهم عليه عزل سعد بن أبي وقاص به مع كون سعد أحد العشرة ومن أهل الشورى واجتمع له من الفضل والسنن والعلم والدين والسبق إلى الإسلام ما لم يتفق شيء منه للوليد بن عقبة، والعذر لعثمان في ذلك أن عمر كان عزل سعدا كما تقدم بيانه في الصلاة وأوصى عمر من يلي الخلافة بعده أن يولي سعدا قال: "لأني لم أعزله عن خيانة ولا عجز" كما سيأتي ذلك في حديث مقتل عمر قريبا، فولاه عثمان امتثالا لوصية عمر، ثم عزله للسبب الذي تقدم ذكره وولى الوليد لما ظهر له من كفايته لذلك وليصل رحمه، فلما ظهر له سوء سيرته عزله، وإنما أخر إقامة الحد عليه ليكشف عن حال من شهد عليه بذلك، فلما وضح له الأمر أمر بإقامة الحد عليه. وروى المدائني من طريق الشعبي أن عثمان لما شهدوا عنده على الوليد حبسه. قوله: "فقصدت لعثمان حتى خرج" أي أنه جعل غاية القصد خروج عثمان. وفي رواية الكشميهني: "حين خرج" وهي تشعر بأن القصد صادف وقت خروجه، بخلاف الرواية الأخرى فإنها تشعر بأنه قصد إليه ثم انتظره حتى خرج، يؤيد الأول رواية معمر "فانتصبت لعثمان حين خرج". قوله: "إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك، فقال: يا أيها المرء منك" كذا في رواية يونس. قوله: "قال معمر أعوذ بالله منك" هذا تعليق أراد به المصنف بيان الخلاف بين الروايتين، ورواية معمر قد وصلها في هجرة الحبشة كما قدمته ولفظه هناك" فقال يا أيها المرء أعوذ بالله منك" قال ابن التين: إنما استعاذ منه خشية أن يكلمه بشيء يقتضي الإنكار عليه وهو في ذلك معذور فيضيق بذلك صدره. قوله: "فانصرفت فرجعت إليهما" زاد في رواية معمر"فحدثتهما بالذي قلت لعثمان وقال لي، فقالا: قد قضيت الذي كان عليك". قوله: "إذ جاء رسول عثمان" في رواية معمر "فبينما أنا جالس معهما إذ جاءني رسول عثمان فقالا لي: قد ابتلاك الله، فانطلقت" ولم أقف في شيء من الطرق على اسم هذا الرسول. قوله: "وكنت ممن استجاب" هو بفتح كنت على المخاطبة وكذا هاجرت وصحبت، وأراد بالهجرتين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة، وسيأتي ذكرهما قريبا، وزاد في رواية معمر "ورأيت هديه" أي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بفتح الهاء وسكون الدال الطريقة. وفي رواية شعيب عن الزهري الآتية في هجرة الحبشة" وكنت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "وقد أكثر الناس في شأن الوليد" زاد معمر "ابن عقبة" فحق عليك أن تقيم عليه الحد. قوله: "قال أدركت رسول الله؟ فقلت لا" في رواية معمر "فقال لي: يا ابن أختي" وفي رواية صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عمر بن شبة" قال هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فال لا" ومراده بالإدراك إدراك السماع منه والأخذ عنه، وبالرؤية رؤية المميز له، ولم يرد هنا الإدراك بالسن فإنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فسيأتي في المغازي في قصة مقتل حمزة من حديث وحشي بن حرب ما يدل على ذلك، ولم يثبت أن أباه عدي بن الخيار قتل كافرا وإن ذكر ذلك ابن ماكولا وغيره، فإن ابن سعد ذكره في طبقة الفتحيين، وذكر المدائني وعمر بن شبة في "أخبار المدينة" أن هذه القصة المحكية هنا وقعت لعدي بن الخيار نفسه مع عثمان فالله أعلم. قال ابن التين: إنما استثبت عثمان في ذلك لينبهه على أن الذي ظنه من مخالفة عثمان ليس كما ظنه. قلت: ويفسر المراد من ذلك ما رواه أحمد من طريق سماك بن حرب عن عبادة بن زاهر "سمعت عثمان خطب فقال: إنا والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

(7/56)


في السفر والحضر إن ناسا يعلموني سنته عسى أن لا يكون أحدهم رآه قط". قوله: "خلص" بفتح المعجمة وضم اللام ويجوز فتحها بعدها مهملة أي وصل، وأراد ابن عدي بذلك أن علم النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مكتوما ولا خاصا بل كان شائعا حتى وصل إلى العذراء المستترة، فوصوله إليه مع حرصه عليه أولى. قوله: "ثم أبو بكر مثله ثم عمر مثله" يعني قال في كل منهما فما عصيته ولا غششته. وصرح بذلك في رواية معمر. قوله: "ثم استخلفت" بضم التاء الأولى والثانية. قوله: "أفليس لي من الحق مثل الذي لهم" في رواية معمر "أفليس لي عليكم من الحق مثل الذي كان لهم علي" ووقع في رواية الأصيلي وهم يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: "فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم" كأنهم كانوا يتكلمون في سبب تأخيره إقامة الحد على الوليد، وقد ذكرنا عذره في ذلك. قوله: "فأمره أن يجلد" في رواية الكشميهني: "أن يجلده". قوله: "فجلده ثمانين" في رواية معمر "فجلد الوليد أربعين جلدة" وهذه الرواية أصح من رواية يونس، والوهم فيه من الراوي عنه شبيب بن سعيد، ويرجح رواية معمر ما أخرجه مسلم من طريق أبي ساسان قال: "شهدت عثمان أتى بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين ثم قال أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران يعني مولى عثمان أنه قد شرب الخمر، فقال عثمان يا علي قم فاجلده، فقال علي قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن ول حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده، وعلي يعد، حتى بلغ أربعين فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل ذلك سنة، وهذا أحب إلي" انتهى والشاهد الآخر الذي لم يسم في هذه الرواية قيل هو الصعب بن جثامة الصحابي المشهور رواه يعقوب بن سفيان في تاريخه، وعند الطبري من طريق سيف في الفتوح أن الذي شهد عليه ولد الصعب واسمه جثامة كاسم جده. وفي رواية أخرى أن ممن شهد عليه أبا زينب بن عوف الأسدي وأبا مورع الأسدي، وكذلك روى عمر بن شبة في "أخبار المدينة" بإسناد حسن إلى أبي الضحى وقال: "لما بلغ عثمان قصة الوليد استشار عليا فقال: أرى أن تستحضره فإن شهدوا عليه بمحضر منه حددته، ففعل فشهد عليه أبو زينب وأبو مورع وجندب بن زهير الأزدي وسعد بن مالك الأشعري" فذكر نحو رواية أبي ساسان وفيه: "فضربه بمخصرة لها رأسان، فلما بلغ أربعين قال له: أمسك".
وأخرج من طريق الشعبي قال: قال الحطيئة في ذلك:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
نادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيدكم سفها وما يدري
فأتوا أبا وهب ولو أذنوا ... لقرنت بين الشفع والوتر
كفوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري
وذكر المسعودي في "المروج" أن عثمان قال للذين شهدوا: وما يدريكم أنه شرب الخمر؟ قالوا: هي التي كنا نشربها في الجاهلية.وذكر الطبري أن الوليد ولي الكوفة خمس سنين، قالوا وكان جوادا، فولى عثمان بعده سعيد بن العاص فسار فيهم سيرة عادلة فكان بعض الموالي يقول:
ويلنا قد عزل الوليد ... وجاءنا مجوعا سعيد
ينقص في الصاع ولا يزيد
لحديث الثالث حديث أنس اسكن أحد بضم الدال على انه منادى مفرد وحذف منه حرف النداء وقد

(7/57)


قدم الكلام عليه في مناقب أبي بكر ومن رواه بلفظ حراء وانه يمكن الجمع بالحمل على التعدد ثم وجدت مايؤيده فعند مسلم من حديث أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وفي رواية له وسعد وله شاهد من حديث سعيد بن زيد ثم الترمذي واخر عن علي ثم الدارقطني قوله: "حدثنا شاذان" هو الأسود بن عامر، وعبيد الله هو ابن عمر. قوله: "ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم" تقدم الكلام عليه في مناقب أبي بكر، قال الخطابي: إنما لم يذكر ابن عمر عليا لأنه أراد الشيوخ وذوي الأسنان الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر شاورهم، وكان علي في زمانه صلى الله عليه وسلم حديث السن. قال ولم يرد ابن عمر الازدراء به ولا تأخيره عن الفضيلة بعد عثمان انتهى. وما اعتذر به من جهة السن بعيد لا أثر له في التفضيل المذكور، وقد اتفق العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا لما تقرر عند أهل السنة قاطبة من تقديم علي بعد عثمان ومن تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم ومن تقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك، فالظاهر أن ابن عمر إنما أراد بهذا النفي أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل، فيظهر لهم فضائل الثلاثة ظهورا بينا فيجزمون به ولم يكونوا حينئذ اطلعوا على التنصيص، ويؤيده ما روى البزار عن ابن مسعود قال: "كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة علي بن أبي طالب" رجاله موثقون، وهو محمول على أن ذلك قاله ابن مسعود بعد قتل عمر، وقد حمل حديث ابن عمر على ما يتعلق بالترتيب في التفضيل، واحتج في التربيع بعلي بحديث سفينة مرفوعا: "الخلافة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا" أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره.وقال الكرماني: لا حجة في قوله: "كنا نترك" لأن الأصوليين اختلفوا في صيغة "كنا نفعل" لا في صيغة كنا لا نفعل لتصور تقرير الرسول في الأول دون الثاني، وعلى تقدير أن يكون حجة فما هو من العمليات حتى يكفي فيه الظن، ولو سلمنا فقد عارضه ما هو أقوى منه. ثم قال: ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد أن ذلك كان وقع لهم في بعض أزمنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمنع ذلك أن يظهر بعد ذلك لهم، وقد مضت تتمة هذا في مناقب أبي بكر، والله أعلم. قوله: "تابعه عبد الله بن صالح عن عبد العزيز" أي ابن أبي سلمة بإسناده المذكور، وابن صالح هذا هو الجهني كاتب الليث، وقيل هو العجلي والد أحمد صاحب" كتاب الثقات" والله أعلم. وكأن البخاري أراد بهذه المتابعة إثبات الطريق إلى عبد العزيز بن أبي سلمة لأن عباسا الدوري روى هذا الحديث عن شاذان فقال: "عن الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن نافع" فكأن لشاذان فيه شيخين، والله أعلم وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق أبي عمار والرمادي وعثمان بن أبي شيبة وغير واحد عن أسود بن عامر المذكور، وكذلك رواه عن عبد العزيز عبدة أبو سلمة الخزاعي وحجين بن المثنى. قوله: "حدثنا موسى" هو ابن إسماعيل. قوله: "عثمان هو ابن موهب" نسبه إلى جده وهو عثمان بن عبد الله بن موهب بفتح الميم وسكون الواو وفتح الهاء بعدها موحدة مولى بني تيم، بصري تابعي وسط من طبقة الحسن البصري وهو ثقة باتفاقهم، وفي الرواة آخر يقال له عثمان بن موهب بصري أيضا لكنه أصغر من هذا، روى عن أنس، روى عنه زيد بن الحباب وحده أخرج له النسائي. قوله: "جاء رجل من أهل مصر وحج البيت" لم أقف على اسمه ولا على اسم من أجابه من القوم ولا على أسماء القوم، وسيأتي في تفسير قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} من سورة البقرة ما قد يقرب أنه العلاء بن عيزار، وهو بمهملات، وكذا في مناقب علي بعد هذا، ويأتي في سورة الأنفال

(7/58)


أن الذي باشر السؤال اسمه حكيم، وعليه اقتصر شيخنا ابن الملقن، وهذا كله بناء على أن الحديثين في قصة واحدة. قوله: "قال فمن الشيخ" أي الكبير "فيهم" الذي يرجعون إلى قوله. قوله: "هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد إلخ" الذي يظهر من سياقه أن السائل كان ممن يتعصب على عثمان فأراد بالمسائل الثلاث أن يقرر معتقده فيه، ولذلك كبر مستحسنا لما أجابه به ابن عمر. قوله: "قال ابن عمر: تعال أبين لك" كأن ابن عمر فهم منه مراده لما كبر، وإلا لو فهم ذلك من أول سؤاله لقرن العذر بالجواب، وحاصله أنه عابه بثلاثة أشياء فأظهر له ابن عمر العذر عن جميعها: أما الفرار فبالعفو، وأما التخلف فبالأمر، وقد حصل له مقصود من شهد من ترتب الأمرين الدنيوي وهو السهم والأخروي وهو الأجر، وأما البيعة فكان مأذونا له في ذلك أيضا، ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لعثمان من يده كما ثبت ذلك أيضا عن عثمان نفسه فيما رواه البزار بإسناد جيد أنه عاتب عبد الرحمن بن عوف فقال له: لم ترفع صوتك علي؟ فذكر الأمور الثلاثة، فأجابه بمثل ما أجاب به ابن عمر. قال في هذه: فشمال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لي من يميني. قوله: "فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له" يريد قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} . قوله: "وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم" هي رقية، فروى الحاكم في"المستدرك" من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "خلف النبي صلى الله عليه وسلم عثمان وأسامة بن زيد على رقية في مرضها لما خرج إلى بدر، فماتت رقية حين وصل زيد بن حارثة بالبشارة، وكان عمر رقية لما ماتت عشرين سنة، قال ابن إسحاق: ويقال إن ابنها عبد الله بن عثمان مات بعدها سنة أربع من الهجرة وله ست سنين. قوله: "فلو كان أحد ببطن مكة أعز من عثمان" أي على من بها "لبعثه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "مكانه" أي بدل عثمان. قوله: "فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عثمان وكانت بيعة الرضوان" أي بعد أن بعثه والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عثمان ليعلم قريشا أنه إنما جاء معتمرا لا محاربا، ففي غيبة عثمان شاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين، فاستعد المسلمون للقتال وبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ تحت الشجرة على أن لا يفروا وذلك في غيبة عثمان. وقيل بل جاء الخبر بأن عثمان قتل، فكان ذلك سبب السعة، وسيأتي إيضاح ذلك في عمرة الحديبية من المغازي. قوله: "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بيده اليمنى" أي أشار بها. قوله: "هذه يد عثمان" أي بدلها، فضرب بها على يده اليسرى فقال: "هذه - أي البيعة - لعثمان" أي عن عثمان. قوله: "فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك" أي اقرن هذا العذر بالجواب حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقده من غيبة عثمان. وقال الطيبي. قال له ابن عمر تهكما به، أي توجه بما تمسكت به فإنه لا ينفعك بعدما بينت لك، وسيأتي بقية لما دار بينهما في ذلك في مناقب علي إن شاء الله تعالى. "تنبيه": وقع هنا عند الأكثر حديث أنس المذكور قبل بحديثين، والذي أوردناه هو ترتيب ما وقع في رواية أبي ذر، والخطب في ذلك سهل.

(7/59)


8 - باب قِصَّةِ الْبَيْعَةِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضى الله عنه
وَفِيهِ مَقْتَلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
3700- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن حصين عن عمرو بن ميمون قال "رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف

(7/59)


قال كيف فعلتما أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق قالا حملناها أمرا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل قال انظرا أن تكوناحملتما الأرض ما لا تطيق قال قالا لا فقال عمر لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا قال فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب قال إني لقائم ما بيني بينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان إذا مر بين الصفين قال استووا حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى وأما نواحي المسجد فإنهم لا أنهم قد عمر وهم يقولون سبحان الله سبحان الله فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال يا بن عباس انظر من قتلني فجال ساعة ثم جاء فقال غلام المغيرة قال الصنع قال نعم قال قاتله الله لقد أمرت به معروفا الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة وكان العباس أكثرهم رقيقا فقال إن شئت فعلت أي إن شئت قتلنا قال كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ فقائل يقول لا بأس وقائل يقول أخاف عليه فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه فعلموا أنه ميت فدخلنا عليه وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه وجاء رجل شاب فقال أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من البغوي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم في الإسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت ثم شهادة قال وددت أن ذلك كفافلا علي ولا لي فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض قال ردوا علي الغلام قال بن أخي ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه قال إن وفي له مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم فأد عني هذا المال انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبه فسلم

(7/60)


واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على نفسي فلما أقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء قال ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال ما لديك قال الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت قال الحمد لله ما كان من شيء أهم إلي من ذلك فإذا أنا قضيت فاحملوني ثم سلم فقل يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ساعة واستأذن الرجال فولجت داخلا لهم فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة وقال أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم وأن يعفى عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم ويرد على فقرائهم وأوصيه بذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم فلما قبض خرجنا به فانطلقنا عبد الله بن عمر قال يستأذن عمر بن الخطاب قالت أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي فقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم قالا نعم فأخذ بيد أحدهما فقال لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمع

(7/61)


ولتطيعن ثم خلا وصله فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه"
قوله "باب قصة البيعة" أي بعد عمر قوله "والاتفاق على عثمان" زاد السرخسي في روايته ومقتل عمر بن الخطاب قوله عن عمرو بن ميمون هو الأزدي وهذا الحديث بطوله قد رواه عن عمرو بن ميمون أيضا أبو إسحاق السبيعي وروايته ثم بن أبي شيبة والحارث وابن سعد وفي روايته زوائد ليست في رواية حصين وروى بعض قصة مقتل عمر أيضا أبو رافع وروايته ثم أبي يعلى وابن حبان وجابر وروايته ثم بن أبي عمر وعبد الله بن عمر وروايته في الأوسط للطبراني ومعدان بن أبي طلحة وروايته ثم مسلم وعند كل منهم ما ليس ثم الاخر وساذكر ما فيها وفي غيرها من فائدة زائدة ان شاء الله تعالى قوله رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل ان يصاب أي قبل ان يقتل بأيام أي أربعة كما سيأتي قوله بالمدينة أي بعد ان صدر من الحج وقد تقدم في الجنائز من حديث بن عباس ان ذلك كان لما رجع من الحج وفيه قصة صهيب ويأتي في الاحكام بنحو ذلك وكان ذلك سنة ثلاث وعشرين بالاتفاق قوله ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال كيف فعلتما أتخافان ان تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق الأرض المشار إليها هي وكان عمر بعثهما يضربان عليها الخراج وعلى أهلها الجزية بين ذلك أبو عبيد في كتاب الأموال من رواية عمرو بن ميمون المذكور وقوله انظرا أي في التحميل أو هو كناية عن الحذر لأنه يستلزم النظر قوله قالا حملناها أمرا هي له مطيقة في رواية بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن حصين بهذا الإسناد فقال حذيفة لو شئت لأضعفت ارضي أي جعلت خراجها ضعفين وقال عثمان بن حنيف لقد حملت ارضي أمرا هي له مطيقة وله من طريق الحكم عن عمرو بن ميمون ان عمر قال لعثمان بن حنيف لئن زدت على كل رأس درهمين وعلى كل جريب درهما وقفيزا من طعام لأطاقوا ذلك قال نعم قوله اني لقائم أي في الصف ننتظر صلاة الصبح قوله مابيني وبينه أي عمر الا عبد الله بن عباس في رواية أبي إسحاق الا رجلان قوله وكان إذا مر بين الصفين قال استووا حتى إذا لم ير فيهن أي في الصفوف وفي رواية الكشميهني فيهم أي في أهلها خللا تقدم فكبر وفي رواية الإسماعيلي من طريق جرير عن حصين وكان إذا دخل المسجد واقيمت الصلاة تأخر بين كل صفين فقال استووا حتى لا يرى خللا ثم يتقدم ويكبر وفي رواية أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون شهدت عمر يوم طعن فما منعني ان اكون في الصف الا هيبته وكان رجلا مهيبا وكنت في الصف الذي يليه وكان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المقدم بوجهه فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو متأخرا ضربه بالدرة فذلك الذي منعني منه قوله قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه في رواية جرير فتقدم فما هو الا ان كبر فطعنه أبو لؤلؤة فقال قتلني الكلب في رواية أبي إسحاق المذكورة فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فتأخر بعيد ثم طعنه ثلاث طعنات فرأيت عمر قائلا بيده هكذا يقول دونكم الكلب فقد قتلني واسم أبي لؤلؤة فيروز كما سيأتي فروى بن سعد بإسناد صحيح الى الزهري قال كان عمر لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده

(7/62)


صانعا ويستأذنه ان يدخله المدينة ويقول ان عنده اعمالا تنفع الناس انه حداد نقاش نجار فأذن له فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة فشكى الى عمر شدة الخراج فقال له ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل فانصرف ساخطا فلبث عمر ليالي فمر به العبد فقال الم أحدث انك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح فالتفت اليه عابسا فقال لاصنعن لك رحى يتحدث الناس بها فاقبل عمر على من معه فقال توعدني العبد فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس الصلاة الصلاة وكان عمر يفعل ذلك فلما دنا منه عمر وثب اليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة قد خرقت الصفاق وهي التي قتلته وفي حديث أبي رافع كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة وكان يستغله أربعة دراهم أي كل يوم فلقي عمر فقال ان المغيرة اثقل علي فقال اتق الله واحسن اليه ومن نية عمر ان يلقى المغيرة فيكلمه فيخفف عنه فقال العبد وسع الناس عدله غيري واضمر على قتله فاصطنع له خنجرا له رأسان وسمه فتحرى صلاة الغداة حتى قام عمر فقال اقيموا صفوفكم فلما كبر طعنه في كتفه وفي خاصرته فسقط وعند مسلم من طريق معدان بن أبي طلحة ان عمر خطب فقال رأيت ديكا نقرني ثلاث نقرات الا حضور اجلي وفي رواية جويرية بن قدامة عن عمر نحوه وزاد فما مر الا تلك الجمعة حتى طعن وعند بن سعد من رواية سعيد بن أبي هلال قال بلغني ان عمر ذكر نحوه وزاد فحدثتها أسماء بنت عميس فحدثتني انه يقتلني رجل من الأعاجم وروى عمر بن شبة في كتاب المدينة من حديث بن عمر بإسناد حسن ان عمر دخل بأبي لؤلؤة البيت ليصلح له ضبة له فقال له مر المغيرة ان يضع عني من خراجي قال انك لتكسب كسبا كثيرا فاصبر الحديث وللطبراني في الأوسط بسند صحيح عن المبارك بن فضالة عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر طعن أبو لؤلؤة عمر طعنتين ويحمل على انه لم يذكر الثالثة التي قتلته قوله حتى طعن ثلاثة عشر رجلا في رواية أبي إسحاق اثني عشر رجلا معه وهو ثالث عشر زاد بن سعد من رواية إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون وعلى عمر ازار اصفر قد رفعه على صدره فلما طعن قال وكان أمر الله قدرا مقدورا قوله مات منهم سبعة أي وعاش الباقون ووقفت من اسمائهم على كليب بن البكير الليثي وله ولأخوته عاقل وعامر وإياس صحبة، فروينا في "جزء أبي الجهم" بالإسناد الصحيح إلى ابن عمر أنه "كان مع عمر صادرا من الحج، فمر بامرأة فدفنها كليب الليثي فشكر له ذلك عمر وقال: أرجو أن يدخله الله الجنة، قال فطعنه أبو لؤلؤة لما طعن عمر فمات" وروى عبد الرزاق من طريق نافع نحوه ومن طريق الزهري "طعن أبو لؤلؤة اثني عشر رجلا فمات منهم عمر وكليب" وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن في قصة قتل عمر" فطعن أبو لؤلؤة كليب بن البكير فأجهز عليه". قوله: "فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا" وقع في ذيل الاستيعاب لابن فتحون من طريق سعيد بن يحيى الأموي قال: "حدثنا أبي حدثني من سمع حصين بن عبد الرحمن في هذه القصة قال: فلما رأى ذلك رجل من المهاجرين يقال له حطان التميمي اليربوعي طرح عليه برنسا" وهذا أصح مما رواه ابن سعد بإسناد ضعيف منقطع قال: "طعن أبو لؤلؤة نفرا فأخذ أبا لؤلؤة رهط من قريش منهم عبد الله بن عوف وهاشم بن عتبة الزهريان ورجل من بني سهم، وطرح عليه عبد الله بن عوف خميصة كانت عليه" فإن ثبت هذا حمل أن الكل اشتركوا في ذلك. وروى سعد عن الواقدي بإسناد آخر" أن عبد الله بن عوف المذكور احتز رأس أبي لؤلؤة". قوله: "وتناول عمر يد

(7/63)


عبد الرحمن بن عوف فقدمه" أي للصلاة بالناس. قوله: "فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة" في رواية أبي إسحاق" بأقصر سورتين في القرآن: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ، و {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} وزاد في رواية ابن شهاب المذكور" ثم غلب عمر النزف حتى غشي عليه، فاحتملته في رهط حتى أدخلته بيته فلم يزل في غشيته حتى أسفر فنظر في وجوهنا فقال: أصلى الناس؟ فقلت نعم، قال: لا إسلام لمن ترك الصلاة. ثم توضأ وصلى" وفي رواية ابن سعد من طريق ابن عمر قال: "فتوضأ وصلى فقرأ في الأولى والعصر وفي الثانية يا أيها الكافرون، قال: وتساند إلي وجرحه يثغب دما، إني لأضع أصبعي الوسطى فما تسد الفتق". قوله: "فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني" في رواية أبي إسحاق "فقال عمر يا عبد الله بن عباس اخرج فناد في الناس: أعن ملأ منكم كان هذا؟ فقالوا: معاذ الله، ما علمنا ولا اطلعنا" وزاد مبارك بن فضالة "فظن عمر أن له ذنبا إلى الناس لا يعلمه فدعا ابن عباس - وكان يحبه ويدنيه - فقال: أحب أن تعلم عن ملأ من الناس كان هذا؟ فخرج لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون، فكأنما فقدوا أبكار أولادهم، قال ابن عباس: فرأيت البشر في وجهه. قوله: "الصنع" بفتح المهملة والنون. وفي رواية ابن فضيل عن حصين عند ابن أبي شيبة وابن سعد "الصناع" بتخفيف النون، قال أهل اللغة رجل صنع اليد واللسان وامرأة صناع اليد، وحكى أبو زيد الصناع والصنع يقعان معا على الرجل والمرأة. قوله: "لم يجعل ميتتي" بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها مثناة أي قتلتي. وفي رواية الكشميهني: "منيتي" بفتح الميم وكسر النون وتشديد التحتانية. قوله: "رجل يدعي الإسلام" في رواية ابن شهاب "فقال الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط" وفي رواية مبارك بن فضالة "يحاجني بقول لا إله إلا الله"، ويستفاد من هذا أن المسلم إذا قتل متعمدا ترجى له المغفرة خلافا لمن قال إنه لا يغفر له أبدا، وسيأتي بسط ذلك في تفسير سورة النساء. وفي رواية ابن أبي شيبة: "قاتله الله، لقد أمرت به معروفا" أي أنه لم يخف عليه فيما أمره به، وفي حديث جابر" فقال عمر: لا تعجلوا على الذي قتلني، فقيل: إنه قتل نفسه، فاسترجع عمر، فقيل له إنه أبو لؤلؤة، فقال الله أكبر". قوله: "قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة" في رواية ابن سعد من طريق محمد بن سيرين عن ابن عباس" فقال عمر: هذا من عمل أصحابك، كنت أريد أن لا يدخلها علج من السبي فغلبتموني" وله من طريق أسلم مولى عمر قال: "قال عمر من أصابني؟ قالوا أبو لؤلؤة واسمه فيروز، قال قد نهيتكم أن تجلبوا عليها من علوجهم أحدا فعصيتموني" ونحوه في رواية مبارك بن فضالة، وروى عمر بن شبة من طريق ابن سيرين قال: "بلغني أن العباس قال لعمر لما قال لا تدخلوا علينا من السبي إلا الوصفاء: إن عمل المدينة شديد لا يستقيم إلا بالعلوج". قوله: "إن شئت فعلت" قال ابن التين: إنما قال له ذلك لعلمه بأن عمر لا يأمر بقتلهم. قوله: "كذبت" هو على ما ألف من شدة عمر في الدين، لأنه فهم من ابن عباس من قوله: "إن شئت فعلنا" أي قتلناهم فأجابه بذلك، وأهل الحجاز يقولون "كذبت" في موضع أخطأت، وإنما قال له "بعد أن صلوا" لعلمه أن المسلم لا يحل قتله، ولعل ابن عباس إنما أراد قتل من لم يسلم منهم. قوله: "فأتي بنبيذ فشربه" زاد في حديث أبي رافع "لينظر ما قدر جرحه" وفي رواية أبي إسحاق "فلما أصبح دخل عليه الطبيب فقال: أي الشراب أحب إليك؟ قال: النبيذ، فدعا بنبيذ فشرب فخرج من جرحه، فقال: هذا صديد ائتوني بلبن، فأتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فقال الطبيب: أوص فإني لا أظنك إلا ميتا من يومك أو من غد".قوله: "فخرج من جوفه" في رواية الكشميهنيمن

(7/64)


"من مجرحه" وهي أصوب. وفي رواية أبي رافع" فخرج النبيذ فلم يدر أهو نبيذ أم دم" وفي روايته: "فقالوا لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، فقال: إن يكن القتل بأسا فقد قتلت" وفي رواية ابن شهاب قال: "فأخبرني سالم قال: سمعت ابن عمر يقول: فقال عمر: أرسلوا إلي طبيب ينظر إلى جرحي، قال: فأرسلوا إلى طبيب من العرب فسقاه نبيذا فشبه النبيذ بالدم حين خرج من الطعنة التي تحت السرة، قال فدعوت طبيبا آخر من الأنصار فسقاه لبنا فخرج اللبن من الطعنة أبيض فقال: اعهد يا أمير المؤمنين. فقال عمر: صدقني، ولو قال غير ذلك لكذبته" وفي رواية مبارك بن فضالة "ثم دعا بشربة من لبن فشربها فخرج مشاش اللبن من الجرحين فعرف أنه الموت فقال: الآن لو أن لي الدنيا كلها لافتديت به من هول المطلع، وما ذاك والحمد لله أن أكون رأيت إلا خيرا". "تنبيه": المراد بالنبيذ المذكور تمرات نبذت في ماء أي نقعت فيه، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء، وسيأتي بسط القول فيه في الأشربة. قوله: "وجاء الناس يثنون عليه" في رواية الكشميهني: "فجعلوا يثنون عليه" ووقع في حديث جابر عند ابن سعد من تسمية من أثنى عليه عبد الرحمن بن عوف. وأنه أجابه بما أجاب به غيره. وروى عمر بن شبة من طريق سليمان بن يسار أن المغيرة أثنى عليه وقال له هنيئا لك الجنة وأجابه بنحو ذلك. وروى ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة أنه ممن دخل على عمر حين طعن. وعند ابن سعد من طريق جويرية بن قدامة "فدخل عليه الصحابة ثم أهل المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق، فكلما دخل عليه قوم بكوا وأثنوا عليه" وقد تقدم طرف منه من هذا الوجه في الجزية، ووقع في رواية أبي إسحاق عند ابن مسعد" وأتاه كعب - أي كعب الأحبار - فقال: ألم أقل لك إنك لا تموت إلا شهيدا، وإنك تقول من أين وإني في جزيرة العرب". قوله: "وجاء رجل شاب" في رواية جرير عن حصين السابقة في الجنائز" وولج عليه شاب من الأنصار" وقد وقع في رواية سماك الحنفي عن ابن عباس عند ابن سعد أنه أثنى على عمر فقال له نحوا مما قال هنا للشاب، فلو [لا أنه] قال في هذه الرواية إنه من الأنصار لساغ أن يفسر المبهم بابن عباس، لكن لا مانع من تعدد المثنين مع اتحاد جوابه كما تقدم. ويؤيده أيضا أن في قصة هذا الشام أنه لما ذهب رأى عمر إزاره يصل إلى الأرض فأنكر عليه، ولم يقع ذلك في قصة ابن عباس، وفي إنكاره على ابن عباس ما كان عليه من الصلابة في الدين، وأنه لم يشغله ما هو فيه من الموت عن الأمر بالمعروف، وقوله: "ما قد علمت" مبتدأ وخبره "لك" وقد أشار إلى ذلك ابن مسعود فروى عمر بن شبة من حديثه نحو هذه القصة وزاد: "قال عبد الله يرحم الله عمر، لم يمنعه ما كان فيه من قول الحق". قوله: "وقدم" بفتح القاف وكسرها فالأول بمعنى الفضل والثاني بمعنى السبق. قوله: "ثم شهادة" بالرفع عطفا على ما قد علمت، وبالجر عطفا على صحبة، ويجوز النصب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف والأول أقوى، وقد وقع في رواية ابن جرير "ثم الشهادة بعد هذا كله". قوله: "لا علي ولا لي" أي سواء بسواء. قوله: "أنقى لثوبك" بالنون ثم القاف للأكثر، وبالموحدة بدل النون للكشميهني، ووقع في رواية المبارك بن فضالة قال ابن عباس: وإن قلت ذلك فجزاك خيرا، أليس قد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعز الله بك الدين والمسلمين إذ يخافون بمكة، فلما أسلمت كان إسلامك عزا، وظهر بك الإسلام، وهاجرت فكانت هجرتك فتحا، ثم لم تغب عن مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال المشركين، ثم قبض وهو عنك راض، ووازرت الخليفة بعده على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم فضربت من أدبر بمن أقبل، ثم قبض الخليفة وهو عنك راض، ثم وليت بخير ما ولى الناس: مصر الله بك الأمصار، وجيا بك الأموال، ونفى بك العدو، وأدخل بك على أهل

(7/65)


بيت من سيوسعهم في دينهم وأرزاقهم، ثم ختم لك بالشهادة، فهنيئا لك. فقال: والله إن المغرور من تغرونه. ثم قال: أتشهد لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة، فقال: نعم. فقال: اللهم لك الحمد" وفي رواية مبارك بن فضالة أيضا: "قال الحسن البصري - وذكر له فعل عمر عند موته وخشيته من ربه فقال -: هكذا المؤمن جمع إحسانا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وعزة. والله ما وجدت إنسانا ازداد إحسانا إلا وجدته ازداد مخافة وشفقة، ولا ازداد إساءة إلا ازداد عزة". قوله: "يا عبد الله بن عمر، انظر ماذا علي من الدين. فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه" في حديث جابر "ثم قال: يا عبد الله، أقسمت عليك بحق الله وحق عمر إذا مت فدفنتني أن لا تغسل رأسك حتى تبيع من رباع آل عمر بثمانين ألفا فتضعها في بيت مال المسلمين، فسأله عبد الرحمن بن عوف، فقال: أنفقتها في حجج حججتها، وفي نوائب كانت تنوبني" وعرف بهذا جهة دين عمر. قال ابن التين: قد علم عمر أنه لا يلزمه غرامة ذلك، إلا أنه أراد أن لا يتعجل من عمله شيء في الدنيا. ووقع في "أخبار المدينة لمحمد بن الحسن بن زبالة" أن دين عمر كان ستة وعشرين ألفا، وبه جزم عياض، الأول هو المعتمد. قوله: "إن وفى له مال آل عمر" كأنه يريد نفسه، ومثله يقع في كلامهم كثيرا، ويحتمل أن يريد رهطه. وقوله: "وإلا فسل في بني عدي بن كعب" هم البطن الذي هو منهم، وقريش قبيلته، وقوله: "لا تعدهم" بسكون العين أي لا تتجاوزهم، وقد أنكر نافع مولى ابن عمر أن يكون على عمر دين، فروى عمر بن شبة في "كتاب المدينة" بإسناد صحيح أن نافعا قال: من أين يكون على عمر دين وقد باع رجل من ورثته ميراثه بمائة ألف؟ انتهى. وهذا لا ينفي أن يكون عند موته عليه دين. فقد يكون الشخص كثير المال ولا يستلزم نفي الدين عنه، فلعل نافعا أنكر أن يكون دينه لم يقض. قوله: "فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا" قال ابن التين: إنما قال ذلك عندما أيقن بالموت، إشارة بذلك إلى عائشة حتى لا تحابيه لكونه أمير المؤمنين، وسيأتي في كتاب الأحكام ما يخالف ظاهره ذلك، فيحمل هذا النفي على ما أشار إليه ابن التين أنه أراد أن يعلم أن سؤاله لها بطريق الطلب لا بطريق الأمر. قوله: "ولأوثرنه به اليوم على نفسي" استدل به وباستئذان عمر لها على ذلك أنها كانت تملك البيت، وفيه نظر، بل الواقع أنها كانت تملك منفعته بالسكنى فيه والإسكان ولا يورث عنها، وحكم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كالمعتدات لأنهن لا يتزوجن بعده صلى الله عليه وسلم وقد تقدم شيء من هذا في أواخر الجسر، وتقدم فيه وجه الجمع بين قول عائشة" لأوثرنه على نفسي" وبين قولها لابن الزبير "لا تدفني عندهم" باحتمال أن تكون ظنت أنه لم يبق هناك وسع ثم تبين لها إمكان ذلك بعد دفن عمر، ويحتمل أن يكون مرادها بقولها "لأوثرنه على نفسي" الإشارة إلى أنها لو أذنت في ذلك لامتنع عليها الدفن هناك لمكان عمر لكونه أجنبيا منها بخلاف أبيها وزوجها، ولا يستلزم ذلك أن لا يكون في المكان سعة أم لا، ولهذا كانت تقول بعد أن دفن عمر" لم أضع ثيابي عني منذ دفن عمر في بيتي" أخرجه ابن سعد وغيره، وروى عنها في حديث لا يثبت أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم إن عاشت بعده أن تدفن إلى جانبه فقال لها: "وأنى لك بذلك وليس في ذلك الموضع إلا قبري وقبر أبي بكر وعمر وعيسى ابن مريم" وفي "أخبار المدينة" من وجه ضعيف عن سعيد بن المسيب قال: "إن قبور الثلاثة في صفة بيت عائشة، وهناك موضع قبر يدفن فيه عيسى عليه السلام". قوله: "ارفعوني" أي من الأرض، كأنه كان مضطجعا فأمرهم أن يقعدوه. قوله: "فأسنده رجل إليه" لم أقف على اسمه، ويحتمل أنه ابن عباس ويؤيده ما في رواية المبارك أن ابن عباس لما فرغ من الثناء عليه قال: "فقال له

(7/66)


عمر: ألصق خدي بالأرض يا عبد الله بن عمر، قال ابن عباس: فوضعته من فخذي على ساقي فقال: ألصق خدي بالأرض، فوضعته حتى وضع لحيته وخده بالأرض فقال: ويلك عمر إن لم يغفر الله لك". قوله: "ما كان شيء أهم إلي من ذلك" وقوله: "إذا مت فاستأذن"(1) ذكر ابن سعد عن معن بن عيسى عن مالك أن عمر كان يخشى أن تكون أذنت في حياته حياء منه وأن ترجع عن ذلك بعد موته، فأراد أن لا يكرهها على ذلك، وقد تقدم ما فيه في أواخر الجنائز. قوله: "وجاءت أم المؤمنين حفصة" أي بنت عمر. قوله: "فولجت عليه" أي دخلت على عمر فمكثت. وفي رواية الكشميهني: "فبكت" وذكر ابن سعد بإسناد صحيح عن المقدام بن معد يكرب أنها قالت: "يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا صهر رسول الله، يا أمير المؤمنين. فقال عمر: لا صبر لي على ما أسمع، أحرج عليك بمالي عليك من الحق أن تندبينني بعد مجلسك هذا، فأما عينيك فلن أملكهما". قوله: "فولجت داخلا لهم" أي مدخلا كان في الدار. قوله: "فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف" سيأتي في الأحكام ما يدل على أن الذي قال له ذلك هو عبد الله بن عمر، وروى ابن شبة بإسناد فيه انقطاع أن أسلم مولى عمر قال لعمر حين وقف لم يول أحدا بعده "يا أمير المؤمنين، ما يمنعك أن تصنع كما صنع أبو بكر" ويحتمل أن يكون ذلك قبل أن يطعنه أبو لؤلؤة، فقد روى مسلم من طريق معدان بن أبي طلحة أن عمر قال في خطبته قبل أن يطعن "إن أقواما يأمرونني أن أستخلف". قوله: "من هؤلاء النفر أو الرهط" شك من الراوي. قوله: "فسمى عليا وعثمان إلخ" وقع عند ابن سعد من رواية ابن عمر أنه ذكر عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعليا، وفيه: "قلت لسالم أبدأ بعبد الرحمن بن عوف قبلهما؟ قال: نعم" فدل هذا على أن الرواة تصرفوا لأن الواو لا ترتب، واقتصار عمر على الستة من العشرة لا إشكال فيه لأنه منهم، وكذلك أبو بكر ومنهم أبو عبيدة وقد مات قبل ذلك، أما سعيد بن زيد فهو ابن عم عمر فلم يسمه عمر فيهم مبالغة في التبري من الأمر، وقد صرح في رواية المدايني بأسانيده أن عمر عد سعيد بن زيد فيمن توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض، إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه، وقد صرح بذلك المدايني بأسانيده قال: "فقال عمر: لا أرب لي في أموركم فأرغب فيها لأحد من أهلي". قوله: "وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر" ووقع في رواية الطبري من طريق المدايني بأسانيده قال: "فقال له رجل: استخلف عبد الله بن عمر، قال: والله ما أردت الله بهذا" وأخرج ابن سعد بسند صحيح من مرسل إبراهيم النخعي نحوه قال: "فقال عمر: قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا، أستخلف من لم يحسن أن يطلق امرأته". قوله: "كهيئة التعزية له" أي لابن عمر، لأنه لما أخرجه من أهل الشورى في الخلافة أراد جبر خاطره بأن جعله من أهل المشاورة في ذلك. وزعم الكرماني أن قوله: "كهيئة التعزية له" من كلام الراوي لا من كلام عمر، فلم أعرف من أين تهيأ له الجزم بذلك مع الاحتمال. وذكر المدايني أن عمر قال لهم: "إذا اجتمع ثلاثة على رأي فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم ترضوا بحكمه فقدموا من معه عبد الرحمن بن عوف". قوله: "فإن أصابت الإمرة" بكسر الهمزة، وللكشميهني الإمارة "سعدا" يعني ابن أبي وقاص، وزاد المدايني" وما أظن أن يلي هذا الأمر إلا علي أو عثمان فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي فستختلف عليه الناس، وإن ولي سعد وإلا فليستعن
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق" هكذا في نسخ الصرح، ولعله رواية له". والذى تقدم في المتن" فاذا أنا قضيت فاحملونى،ثم سلم: يستاذن عمر"

(7/67)


به الوالي". ثم قال لأبي طلحة: إن الله قد نصر بكم الإسلام، فاختر خمسين رجلا من الأنصار، واستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. قوله: "وقال: أوصي الخليفة من بعدي" في رواية أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون" فقال ادعوا لي عليا وعثمان وعبد الرحمن وسعدا والزبير، وكان طلحة غائبا" قال فلم يكلم أحدا منهم غير عثمان وعلي فقال: "يا علي، لعل هؤلاء القوم يعلمون لك حقك وقرابتك من رسول الله وصهرك وما آتاك الله من الفقه والعلم فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه". ثم دعا عثمان فقال: يا عثمان" فذكر له نحو ذلك. ووقع في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق في قصة عثمان" فإن ولوك هذا الأمر فاتق الله فيه ولا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس" ثم قال: "ادعوا لي صهيبا" فدعي له فقال: "صل بالناس ثلاث. وليحل هؤلاء القوم في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالف فاضربوا عنقه" فلما خرجوا من عنه قال: "إن تولوها الأجلح يسلك بهم الطريق. فقال له ابنه: ما يمنعك يا أمير المؤمنين منه؟ قال: أكره أن أتحملها حيا وميتا" وقد اشتمل هذا الفصل على فوائد عديدة، وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه ابن سعد بإسناد صحيح قال: "دخل الرهط على عمر، فنظر إليهم فقال: إني قد نظرت في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقا، فإن كان فهو فيكم، وإنما الأمر إليكم - وكان طلحة يومئذ غائبا في أمواله - قال: فإن كان قومكم لا يؤمرون إلا لأحد الثلاثة عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعلي فمن ولي منكم فلا يحمل قرابته على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا" ثم قال عمر: "أمهلوا فإن حدث لي حدث فليصل لكم صهيب ثلاثا فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه". قوله: "بالمهاجرين الأولين" هم من صلى إلى القبلتين، وقيل: من شهد بيعة الرضوان، والأنصار سيأتي ذكرهم في باب مفرد. وقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ} أي سكنوا المدينة قبل الهجرة، وقوله: {وَالْأِيمَانَ} ادعى بعضهم أنه من أسماء المدينة وهو بعيد، والراجح أنه ضمن"تبوءوا" معنى لزم أو عامل نصبه محذوف وتقديره واعتقدوا، أو أن الإيمان لشدة ثبوته في قلوبهم كأنه أحاط بهم وكأنهم نزلوه، والله أعلم. قوله: "فإنهم ردء الإسلام" أي عون الإسلام الذي يدفع عنه "وغيظ العدو" أي يغيظون العدو بكثرتهم وقوتهم. قوله: "وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم" أي إلا ما فضل عنهم، في رواية الكشميهني: "ويؤخذ منهم" والأول هو الصواب. قوله: "من حواشي أموالهم" أي التي ليست بخيار، والمراد بذمة الله أهل الذمة، والمراد بالقتال من ورائهم أي إذا قصدهم عدو لهم. وقد استوفى عمر في وصيته جميع الطوائف لأن الناس إما مسلم وإما كافر، فالكافر إما حربي ولا يوصى به وإما ذمي وقد ذكره، والمسلم إما مهاجري وإما أنصاري أو غيرهما، وكلهم إما بدوي وإما حضري، وقد بين الجميع. ووقع في رواية المدايني من الزيادة "وأحسنوا مؤازرة من يلي أمركم وأعينوه وأدوا إليه الأمانة". وقوله: "ولا يكلفوا إلا طاقتهم" أي من الجزية. قوله: "فانطلقنا" في رواية الكشميهني: "فانقلبنا أي رجعنا". قوله: "فوضع هنالك مع صاحبيه" اختلف في صفة القبور المكرمة الثلاثة، فالأكثر على أن قبر أبي بكر وراء قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبر عمر وراء قبر أبي بكر. وقيل: إن قبره صلى الله عليه وسلم مقدم إلى القبلة، وقبر أبي بكر حذاء منكبيه. وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر. وقيل: قبر أبي بكر عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم وقبر عمر عند رجليه. وقيل: قبر أبي بكر عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر. وقيل: غير ذلك كما تقدم بيانه وذكر أدلته في أواخر كتاب الجنائز. قوله: "فقال عبد الرحمن" هو ابن عوف.قوله: "اجعلوا أمركم إلى ثلاثة" أي في الاختيار ليقل الاختلاف، كذا قال ابن التين وفيه نظر، وصرح المدايني في روايته بخلاف ما قاله.

(7/68)


قوله: "فقال طلحة: قد جعلت أمري" فيه دلالة على أنه حضر، وقد تقدم أنه كان غائبا عند وصية عمر، ويحتمل أنه حضر بعد أن مات وقيل أن يتم أمر الشورى، وهذا أصح مما رواه المدايني أنه لم يحضر إلا بعد أن بويع عثمان. قوله: "والله عليه والإسلام(1)" بالرفع فيهما والخبر محذوف أي عليه رقيب أو نحو ذلك. قوله: "لينظرن أفضلهم في نفسه" أي معتقده، زاد المدايني في رواية: "فقال عثمان: أنا أول من رضي. وقال علي: أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا تخصن ذا رحم، قال نعم. ثم قال أعطوني مواثيقكم أن تكونوا معي على من خالف". قوله: "فأسكت" بضم الهمزة وكسر الكاف كأن مسكتا أسكتهما، ويجوز فتح الهمزة والكاف وهو بمعنى سكت، والمراد بالشيخين علي وعثمان. قوله: "فأخذ بيد أحدهما" هو علي وبقية الكلام يدل عليه، ووقع مصرحا به في رواية ابن فضيل عن حصين. قوله: "والقدم" بكسر القاف وفتحها وقد تقدم، زاد المدايني أنه قال له "أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر من كنت ترى أحق بها من هؤلاء الرهط؟ قال: عثمان". قوله: "ما قد علمت" صفة أو بدل عن القدم. قوله: "ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك" زاد المدايني أنه قال له كما قال لعلي فقال علي وزاد فيه أن سعدا أشار عليه بعثمان، وأنه دار تلك الليالي كلها على الصحابة ومن وافى المدينة من أشراف الناس لا يخلو برجل منهم إلا أمره بعثمان. وقد أورد المصنف قصة الشورى في كتاب الأحكام من رواية حميد بن عوف عن المسور بن مخرمة وساقها نحو هذا وأتم مما هنا، وسأذكر شرح ما فيها هناك إن شاء الله تعالى. وفي قصة عمر هذه من الفوائد شفقته على المسلمين، ونصيحته لهم، وإقامته السنة فيهم، وشدة خوفه من ربه، واهتمامه بأمر الدين أكثر من اهتمامه بأمر نفسه، وأن النهي عن المدح في الوجه مخصوص بما إذا كان غلو مفرط أو كذب ظاهر، ومن ثم لم ينه عمر الشاب عن مدحه له مع كونه أمره بتشمير إزاره، والوصية بأداء الدين، والاعتناء بالدفن عند أهل الخير والمشورة في نصب الإمام وتقديم الأفضل، وأن الإمامة تنعقد بالبيعة وغير ذلك مما هو ظاهر بالتأمل، والله الموفق. وقال ابن بطال: فيه دليل على جواز تولية المفضول على الأفضل منه لأن ذلك لو لم يجز لم يجعل الأمر شورى إلى ستة أنفس مع علمه أن بعضهم أفضل من بعض، قال: ويدل على ذلك أيضا قول أبي بكر: "قد رضيت لكم أحد الرجلين عمر وأبي عبيدة" مع علمه بأنه أفضل منهما. وقد استشكل جعل عمر الخلافة في ستة ووكل ذلك إلى اجتهادهم، ولم يصنع ما صنع أبو بكر في اجتهاده فيه، لأنه إن كان لا يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل فصنيعه يدل على أن من عدا الستة كان عنده مفضولا بالنسبة إليهم، وإذا عرف ذلك فلم يخف عليه أفضلية بعض الستة على بعض، وإن كان يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل فمن ولاه منهم أو من غيرهم كان ممكنا، والجواب عن الأول يدخل فيه الجواب عن الثاني وهو أنه تعارض عنده صنيع النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يصرح باستخلاف شخص بعينه وصنيع أبي بكر حيث صرح، فتلك طريق تجمع التنصيص وعدم التعيين، وإن شئت قل تجمع الاستخلاف وترك تعيين الخليفة وقد أشار بذلك إلى قوله: "لا أتقلدها حيا وميتا" لأن الذي يقع ممن يستخلف بهذه الكيفية إنما ينسب إليه بطريق الإجمال لا بطريق التفصيل، فعينهم ومكنهم من المشاورة في ذلك والمناظرة فيه لتقع ولاية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة وبها معظم الصحابة، وكل من كان ساكنا غيرهم في بلد غيرها كان تبعا لهم فيما يتفقون عليه.
ـــــــ
(1)الذى تقدم في المتن "والله عليه وكذا الاسلام"

(7/69)


9-باب مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ أَبِي الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
وقال النبي صلي الله عليه وسلم لعلي "أنت مني وأنا منك" وقال عمر "توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو عنه راض"
3701-حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ قَالَ فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لاَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ"
3702-حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَيْبَرَ وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ فَقَالَ أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَعْطِيَنَّ الرَّايَةَ أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ قَالَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ فَقَالُوا هَذَا عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّايَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ"
3703-حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ هَذَا فُلاَنٌ لِأَمِيرِ الْمَدِينَةِ يَدْعُو عَلِيًّا عِنْدَ الْمِنْبَرِ قَالَ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ يَقُولُ لَهُ أَبُو تُرَابٍ" فَضَحِكَ قَالَ وَاللَّهِ مَا سَمَّاهُ إِلاَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا كَانَ لَهُ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ فَاسْتَطْعَمْتُ الْحَدِيثَ سَهْلًا وَقُلْتُ يَا أَبَا عَبَّاسٍ كَيْفَ ذَلِكَ" قَالَ دَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى فَاطِمَةَ ثُمَّ خَرَجَ فَاضْطَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ قَالَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَوَجَدَ رِدَاءَهُ قَدْ سَقَطَ عَنْ ظَهْرِهِ وَخَلَصَ التُّرَابُ إِلَى ظَهْرِهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ فَيَقُولُ: اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ مَرَّتَيْنِ"
3704-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ عُثْمَانَ فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ قَالَ لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ نَعَمْ قَال: فَأَرْغَمَ

(7/70)


اللَّهُ بِأَنْفِكَ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ قَالَ: هُوَ ذَاكَ، بَيْتُهُ أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ أَجَلْ قَالَ فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ"
3705-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَم شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: أَلاَ أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلاَثًا ،وَثَلاَثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلاَثً،ا وَثَلاَثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ"
3706-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِعَلِيٍّ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى" ؟
[الحديث 3706-طرفه في 4416]
3707-حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلاَفَ، حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي. فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَرَى أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ الْكَذِبُ"
(قوله: "باب مناقب علي بن أبي طالب) أي ابن عبد المطلب (القرشي الهاشمي أبي الحسن)وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم شقيق أبيه واسمه عبد مناف على الصحيح.ولد قبل البعثة بعشر سنين على الراجح وكان قد رباه النبي صلى الله عليه وسلم من صغره لقصة مذكورة في السيرة النبوية، فلازمه من صغره فلم يفارقه إلى أن مات.وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكانت ابنة عمة أبيه وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وقد أسلمت وصحبت وماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قال أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي وكأن السبب في ذلك أنه تأخر، ووقع الاختلاف في زمانه وخروج من خرج عليه، فكان ذلك سببا لانتشار مناقبه من كثرة من كان بينها من الصحابة ردا على من خالفه، فكان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة جدا.ثم كان من أمر علي ما كان فنجمت طائفة أخرى حاربوه، ثم اشتد الخطب فتنقصوه واتخذوا لعنه على المنابر سنة، ووافقهم الخوارج على بغضه وزادوا حتى كفروه، مضموما ذلك منهم إلى عثمان، فصار الناس في حق علي ثلاثة: أهل السنة والمبتدعة من الخوارج والمحاربين له من بني أمية وأتباعهم، فاحتاج أهل السنة إلى بث فضائله فكثر الناقل لذلك لكثرة من يخالف ذلك، وإلا فالذي في نفس الأمر أن لكل من الأربعة من الفضائل إذا حرر بميزان العدل لا يخرج عن قول أهل السنة والجماعة أصلا.وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن عروة قال: "أسلم

(7/71)


علي وهو ابن ثمان سنين" وقال ابن إسحاق "عشر سنين" وهذا أرجحها، وقيل غير ذلك.وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت مني وأنا منك" هو طرف من حديث البراء بن عازب في قصة بنت حمزة، وقد وصله المصنف في الصلح وفي عمرة القضاء مطولا، ويأتي شرحه في المغازي مستوفى إن شاء الله تعالى.وقال عمر: "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض" تقدم ذلك في الحديث الذي قبله موصولا، وكانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام فكان بينهم بعدما حديث سلمة بن الأكوع في المعنى سيأتي شرحه في المغازي.
وقوله: في الحديثين: "إن عليا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" أراد بذلك وجود حقيقة المحبة، وإلا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة.وفي الحديث تلميح بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فكأنه أشار إلى أن عليا تام الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اتصف بصفة محبة الله له، ولهذا كانت محبته علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق كما أخرجه مسلم من حديث علي نفسه قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" وله شاهد من حديث أم سلمة عند أحمد.قوله: "عن أبيه" هو أبو حازم سلمة بن دينار.قوله: "إن رجلا جاء إلى سهل بن سعد" لم أقف على اسمه.قوله: "هذا فلان لأمير المدينة" أي عنى أمير المدينة، وفلان المذكور لم أقف على اسمه صريحا، ووقع عند الإسماعيلي: "هذا فكان فلان ابن فلان".قوله: "يدعو عليا عند المنبر، قال فيقول ماذا" في رواية الطبراني من وجه آخر عن عبد العزيز بن أبي حازم" يدعوك لتسب عليا".قوله: "والله ما سماه إلا النبي صلى الله عليه وسلم" يعني أبا تراب. قوله: "فاستطعمت الحديث سهلا" أي سألته أن يحدثني، واستعار الاستطعام للكلام لجامع ما بينهما من الذوق للطعام الذوق الحسي وللكلام الذوق المعنوي.وفي رواية الإسماعيلي: "فقلت يا أبا عباس كيف كان أمره".قوله: "أين ابن عمك؟ قالت: في المسجد" في رواية الطبراني كان بيني وبينه شيء فغاضبني. قوله: "وخلص التراب إلى ظهره" أي وصل، في رواية الإسماعيلي: "حتى تخلص ظهره إلى التراب" وكان نام أولا على مكان لا تراب فيه ثم تقلب فصار ظهره على التراب أو سفى عليه التراب.قوله: "اجلس يا أبا تراب.مرتين" ظاهره أن ذلك أول ما قال له ذلك، وروى ابن إسحاق من طريقه وأحمد من حديث عمار بن ياسر قال: "نمت أنا وعلي في غزوة العسيرة في نخل فما أفقنا إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله يقول لعلي: قم يا أبا تراب لما يرى عليه من التراب" وهذا إن ثبت حمل على أنه خاطبه بذلك في هذه الكائنة الأخرى.ويروى من حديث ابن عباس أن سبب غضب علي كان لما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ولم يؤاخ بينه وبين أحد فذهب إلى المسجد، فذكر القصة وقال في آخرها" قم فأنت أخي" أخرجه الطبراني، وعند ابن عساكر نحوه من حديث جابر بن سمرة، وحديث الباب أصح، ويمتنع الجمع بينهما لأن قصة المؤاخاة كانت أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وتزويج علي بفاطمة ودخوله عليها كان بعد ذلك بمدة والله أعلم.حديث ابن عمر.قوله: "حدثنا حسين" هو ابن علي الجعفي، وأبو حصين بفتح أوله والمهملتين، وسعد بن عبيدة بضم العين.قوله: "جاء رجل إلى ابن عمر" تقدم في مناقب عثمان.قوله: "فذكر عن محاسن عمله" كأنه ضمن ذكر معنى أخبر فعداها بعن.وفي رواية الإسماعيلي: "فذكر أحسن عمله" وكأنه ذكر له إنفاقه في جيش

(7/72)


أي ابن أبي وقاص.قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعلي" بين سعد سبب ذلك من وجه آخر أخرجه المصنف في غزوة تبوك من آخر المغازي، وسيأتي بيان ذلك هناك إن شاء الله تعالى.قوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" أي نازلا مني منزلة هارون من موسى، والباء زائدة.وفي رواية سعيد بن المسيب عن سعد فقال علي: "رضيت رضيت" أخرجه أحمد، ولابن سعد من حديث البراء وزيد بن أرقم في نحو هذه القصة" قال: بلى يا رسول الله، قال: فإنه كذلك" وفي أول حديثهما أنه عليه الصلاة والسلام قال لعلي" لا بد أن أقيم أو تقيم، فأقام علي فسمع ناسا يقولون: إنما خلفه لشيء كرهه منه، فاتبعه فذكر له ذلك، فقال له الحديث، وإسناده قوي.ووقع في رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص عند مسلم والترمذي قال: قال معاوية لسعد: "ما منعك أن تسب أبا تراب؟ قال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه" فذكر هذا الحديث وقوله: "لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله وقوله: "لما نزلت: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} دعا عليا وفاطمة والحسن والحسين فقال: اللهم هؤلاء أهلي" وعند أبي يعلى عن سعد من وجه آخر لا بأس به قال لو وضع المنشار على مفرقي على أن أسب عليا ما سببته أبدا وهذا الحديث أعني حديث الباب دون الزيادة روي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن غير سعد من حديث عمر وعلي نفسه وأبي هريرة وابن عباس وجابر بن عبد الله والبراء وزيد بن أرقم وأبي سعيد وأنس وجابر بن سمرة وحبشي بن جنادة ومعاوية وأسماء بنت عميس وغيرهم، وقد استوعب طرقه ابن عساكر في ترجمة علي.وقريب من هذا الحديث في المعنى حديث جابر بن سمرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعلي: من أشقى الأولين؟ قال: عاقر الناقة، قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم.قال: قاتلك" أخرجه الطبراني وله شاهد من حديث عمار بن ياسر عند أحمد، ومن حديث صهيب عند الطبراني، وعن علي نفسه عند أبي يعلى بإسناد لين، وعند البزار بإسناد جيد، واستدل بحديث الباب على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة، فإن هارون كان خليفة موسى، وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته لأنه مات قبل موسى باتفاق، أشار إلى ذلك الخطابي وقال الطيبي: معنى الحديث أنه متصل بي نازل مني منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه مبهم بينه بقوله: "إلا أنه لا نبي بعدي" فعرف أن الاتصال المذكور بينهما ليس من جهة النبوة بل من جهة ما دونها وهو الخلافة، ولما كان هارون المشبه به إنما كان خليفة في حياة موسى دل ذلك على تخصيص خلافة علي للنبي صلى الله عليه وسلم بحياته والله أعلم وقد أخرج المصنف من مناقب علي أشياء في غير هذا الموضع، منها حديث عمر "علي أقضانا" وسيأتي في تفسير البقرة.وله شاهد صحيح من حديث ابن مسعود عند الحاكم، ومنها حديث قتاله البغاة وهو حديث أبي سعيد "تقتل عمارا الفئة الباغية" وكان عمار مع علي، وقد تقدمت الإشارة إلى الحديث المذكور في الصلاة.ومنها حديث قتاله الخوارج وقد تقدم من حديث أبي سعيد في علامات النبوة، وغير ذلك مما يعرف بالتتبع، وأوعب من جمع مناقبه من الأحاديث الجياد النسائي في كتاب "الخصائص" وأما حديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جدا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، وقد روينا عن الإمام أحمد قال: ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن علي بن أبي طالب."تنبيه": وقع حديث سعد مؤخرا عن حديث علي في رواية أبي ذر ومقدما عليه في رواية الباقين، والخطب في ذلك قريب، والله أعلم.

(7/74)


10- - باب مَنَاقِبِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي"
3708-حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ" أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِي حَتَّى لاَ آكُلُ الْخَمِيرَ وَلاَ أَلْبَسُ الْحَبِيرَ وَلاَ يَخْدُمُنِي فُلاَنٌ وَلاَ فُلاَنَةُ وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ مِنْ الْجُوعِ وَإِنْ كُنْتُ لاَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ هِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمِسْكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا"
[الحديث 3708- طرفه في: 5432]
3709حدثنا- عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ" أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ :قَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ"
قال أبو عبد الله : الجناحان كل ناحيتين
[الحديث3709-طرفه في: 4264]
قوله (باب مناقب جعفر بن أبى طالب الهاشمى )سقطت الأبواب كلها من رواية أب ذر، وأبقى التراجم بغير لفظ"باب" وثبت ذلك في رواية الباقين. وجعفر هو أخو علي شقيقه، وكان أسن منه بعشر سنين، واستشهد بمؤتة كما سيأتي بيان ذلك في المغازي وقد جاوز الأربعين. قوله: "وقال له النبي صلى الله عليه وسلم أشبهت خلقي وخلقي " هو من حديث البراء الذي ذكره في أول مناقب علي، وسيأتي بتمامه مع الكلام عليه في عمرة الحديبية. قوله: "حدثنا أحمد بن أبي بكر" هو أبو مصعب الزهري، والإسناد كله مدنيون، وقد تقدم في كتاب العلم بهذا الإسناد حديث آخر غير هذا فيما يتعلق بسبب كثرة حديث أبي هريرة أيضا. قوله: "أن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة" أي من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم مثله في العلم عن أبي هريرة من طريق أخرى لكنه أجاب بأنه "لولا آية من كتاب الله ما حدثت" وأشار بذلك إلى مثل قول ابن عمر لما ذكر له أنه يروى في حديث: "من صلى على جنازة فله قيراط ": أكثر أبو هريرة، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الجنائز، واعتراف ابن عمر بعد ذلك له بالحفظ. وروى البخاري في"التاريخ" وأبو يعلى بإسناد حسن من طريق مالك بن أبي عامر قال: "كنت عند طلحة بن عبيد الله، فقيل له: ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله منكم، أو هو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل؟ قال فقال: والله ما نشك أنه سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا أقواما لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي النبي صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع، وكان أبو هريرة مسكينا لا مال له ولا أهل، إنما كانت يده مع يد النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يدور معه حيثما دار،

(7/75)


فما نشك أنه قد سمع ما لم نسمع" وروى البيهقي في مدخله من طريق أشعث عن مولى لطلحة قال: "كان أبو هريرة جالسا، فمر رجل بطلحة فقال له: لقد أكثر أبو هريرة، فقال طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا".وأخرج ابن سعد في "باب أهل العلم والفتوى من الصحابة" في طبقاته بإسناد صحيح عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: "قالت عائشة لأبي هريرة: إنك لتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا ما سمعته منه، قال: شغلك عنه يا أمه المرآة والمكحلة، وما كان يشغلني عنه شيء".قوله: "بشبع بطني" في رواية الكشميهني: "شبع" أي لأجل الشبع.قوله: "حين لا آكل" في رواية الكشميهني: "حتى" والأول أوجه.قوله: "ولا ألبس الحبير" بالموحدة قبلها مهملة مفتوحة، وللكشميهني: "الحرير" والأول أرجح، والحبير من البرد ما كان موشى مخططا، يقال برد حبير وبرد حبرة بوزن عنبة على الوصف والإضافة.قوله: "لأستقرئ الرجل" أي أطلب منه القرى فيظن أني أطلب منه القراءة، ووقع بيان ذلك في رواية لأبي نعيم في "الحلية" عن أبي هريرة أنه وجد عمر فقال أقريني، فظن أنه من القراءة فأخذ يقرئه القرآن ولم يطعمه، قال: وإنما أردت منه الطعام.قوله: "كي ينقلب بي" أي يرجع بي إلى منزله، وللترمذي من طريق ضعيفة عن أبي هريرة" إن كنت لأسأل الرجل عن الآية أنا أعلم بها منه، ما أسأله إلا ليطعمني شيئا" وفي رواية الترمذي "وكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله".قوله: "وكان أخير" بوزن أفضل ومعناه، وللكشميهني خير.قوله: "للمساكين" في رواية الكشميهني بالإفراد والمراد الجنس، وهذا التقييد يحمل عليه المطلق الذي جاء عن عكرمة عن أبي هريرة وقال: "ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب" أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد صحيح.قوله: "العكة" بضم المهملة وتشديد الكاف: ظرف السمن، وقوله: "ليس فيها شيء" مع قوله: "فنلعق ما فيها" لا تنافي بينهما، لأنه أراد بالنفي أي لا شيء فيها يمكن إخراجه منها بغير قطعها، وبالإثبات ما يبقى في جوانبها.وفي رواية الترمذي "ليقول لامرأته أسماء بنت عميس: أطعمينا، فإذا أطعمتنا أجابني، وكان جعفر يحب المساكين ويسكن إليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكنيه بأبي المساكين" انتهى.وإنما كان يجيبه عن سؤاله مع معرفته بأنه إنما سأله ليطعمه ليجمع بين المصلحتين، ولاحتمال أن يكون السؤال الذي وقع حينئذ وقع منه على الحقيقة. قوله: "أن ابن عمر كان إذا سلم على ابن جعفر" يعني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقع في رواية الإسماعيلي من طريق هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلنا للشعبي كان ابن جعفر يقال له: ابن ذي الجناحين؟ قال: نعم، رأيت ابن عمر أتاه يوما أو لقيه فقال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين: "السلام عليك يا ابن ذي الجناحين" كأنه يشير إلى حديث عبد الله بن جعفر قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيئا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء " أخرجه الطبراني بإسناد حسن، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة" أخرجه الترمذي والحاكم وفي إسناده ضعف، لكن له شاهد من حديث علي عند ابن سعد، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم" أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد على شرط مسلم.وأخرج أيضا هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعا: "دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفرا يطير مع الملائكة" وفي طريق أخرى عنه "أن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه" وإسناد هذه جيد، وطريق أبي هريرة في الثانية قوي إسناده على شرط مسلم، وقد ادعى السهيلي أن الذي يتبادر من ذكر

(7/76)


الجناحين والطيران أنهما كجناحي الطائر لهما ريش، وليس كذلك، وسيأتي بقية القول في ذلك في غزوة مؤتة إن شاء الله تعالى."تنبيه": وقع في رواية النسفي وحده في هذا الموضع" قال أبو عبد الله يعني المصنف: يقال لكل ذي ناحيتين جناحان" ولعله أراد بهذا حمل الجناحين في قول ابن عمر" يا ابن ذي الجناحين" على المعنوي دون الحسي، والله أعلم.

(7/77)


11- باب ذِكْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
3710-حدثنا الحسن بن محمد حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني أبي عبد الله بن المثنى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس رضي الله عنه "أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم رآه فاسقنا قال فيسقون"
[الحديث 3710-طرفه في:1010]
قوله: "باب ذكر العباس بن عبد المطلب" ذكر فيه حديث أنس "إن عمر كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس" وهذه الترجمة وحديثها سقطا من رواية أبي ذر والنسفي، وقد تقدم الحديث المذكور مع شرحه في الاستسقاء، وكان العباس أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين أو بثلاث، وكان إسلامه على المشهور قبل فتح مكة، قيل: قبل ذلك، وليس ببعيد، فإن في حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط ما يؤيد ذلك.وأما قول أبي رافع في قصة بدر" كأن الإسلام دخل علينا أهل البيت" فلا يدل على إسلام العباس حينئذ فإنه كان ممن أسر يوم بدر وفدى نفسه وعقيلا ابن أخيه أبي طالب كما سيأتي، ولأجل أنه لم يهاجر قبل الفتح لم يدخله عمر في أهل الشورى مع معرفته بفضله واستسقائه به، وسيأتي حديث عائشة في إجلال النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس في آخر المغازي في الوفاة النبوية.وكنية العباس أبو الفضل، ومات العباس في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين وله بضع وثمانون سنة.

(7/77)


12- - باب مَنَاقِبِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَمَنْقَبَةِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَم بِنْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ"
3711-حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَم أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْلُبُ صَدَقَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ"
3712 فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ يَعْنِي مَالَ اللَّهِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَأْكَلِ وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَاتِ رسول

(7/77)


13- باب مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ "هُوَ حَوَارِيُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَسُمِّيَ الْحَوَارِيُّونَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ
3717-حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ "أَصَابَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رُعَافٌ شَدِيدٌ سَنَةَ الرُّعَافِ حَتَّى حَبَسَهُ عَنْ الْحَجِّ وَأَوْصَى فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ اسْتَخْلِفْ قَالَ: وَقَالُوهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ: وَمَنْ؟ فَسَكَتَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ أَحْسِبُهُ الْحَارِثَ فَقَالَ اسْتَخْلِفْ فَقَالَ عُثْمَانُ وَقَالُوا؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ وَمَنْ هُوَ فَسَكَتَ قَالَ فَلَعَلَّهُمْ قَالُوا الزُّبَيْرَ قَالَ نَعَمْ قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَخَيْرُهُمْ مَا عَلِمْتُ، وَإِنْ كَانَ لاَحَبَّهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 3717-طرفة في: 3718]
3718-حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسمامة عن هاشم أخبرني أبي سمعت مروان بن الحكم "كمنت عند عثمان أتاه رجل فقال :أستخلف .قال: وقيل ذلك؟ قال: نعم، الزبيرقال:أما والله إنكم لتعلمون أنه خيركم ثلاثاً"
3719-حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ

(7/79)


رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ"
3720-حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أنبأنا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ" كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ قَالَ أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:َ مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ؟ فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَوَيْهِ فَقَالَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي "
3721-حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلزُّبَيْرِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَلاَ تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ عُرْوَةُ فَكُنْتُ أُدْخِلُ أَصَابِعِي فِي تِلْكَ الضَّرَبَاتِ أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ"
[الحديث 3721-طرفاه في :3973، 3975 ]
قوله: "باب مناقب الزبير بن العوام" أي ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي، وعدد ما بينهما من الآباء سواء، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم وكان يكنى أبا عبد الله، وروى الحاكم بإسناد صحيح عن عروة قال أسلم الزبير وهو ابن ثمان سين.قوله: "وقال ابن عباس: هو حواري النبي صلى الله عليه وسلم" هو طرف من حديث سيأتي في تفسير براءة من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس، ولهذا الحديث طرق من أغربها ما أخرجه الزبير بن بكار من مرسل أبي الخير مرثد بن اليزني بلفظ: "حواري من الرجال الزبير ومن النساء عائشة" ورجاله موثقون لكنه مرسل.قوله: "وسمي الحواريون لبياض ثيابهم" وصله ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به وزاد: "إنهم كانوا صيادين" وإسناده صحيح إليه.وأخرج عن الضحاك أن الحواري هو الغسال بالنبطية، لكنهم يجعلون الحاء هاء.وعن قتادة: الحواري هو الذي يصلح للخلافة وعنه: هو الوزير.وعن ابن عيينة: هو الناصر، أخرجه الترمذي وغيره عنه.وعند الزبير بن بكار من طريق مسلمة بن عبد الله بن عروة مثله.وهذه الثلاثة الأخيرة متقاربة.وقال الزبير عن محمد بن سلام: سألت يونس بن حبيب عن الحواري، قال: الخالص.وعن ابن الكلبي الحواري الخليل.قوله: "سنة الرعاف" كان ذلك سنة إحدى وثلاثين أشار إلى ذلك عمر بن شبة في "كتاب المدينة" وأفاد أن عثمان كتب العهد بعده لعبد الرحمن بن عوف واستكتم ذلك حمران كاتبه، فوشى حمران بذلك إلى عبد الرحمن، فعاتب عثمان على ذلك، فغضب عثمان على حمران فنفاه من المدينة إلى البصرة، ومات عبد الرحمن بعد ستة أشهر، وكانت وفاته سنه اثنتين وثلاثين.قوله: "فدخل عليه رجل من قريش" لم أقف على اسمه.قوله: "فدخل عليه رجل آخر أحسبه الحارث" أي ابن الحكم وهو أخو مروان راوي الخبر، ووقع منسوبا كذلك في "مشيخة يوسف بن خليل الحافظ" من طريق سويد بن

(7/80)


سعيد عن علي بن مسهر بسند حديث الباب، وقد شهد الحارث بن الحكم المذكور حصار عثمان، وعاش بعد ذلك إلى خلافة معاوية.وفي "نسب قريش للزبير" أنه تحاكم مع خصم له إلى أبي هريرة.قوله: "فلعلهم قالوا إنه الزبير" لم أقف على اسم من قال ذلك.قوله: "إنه ما علمت" سيأتي ما فيه.قوله: "إنه كان لخيرهم ما علمت" ما مصدرية أي في علمي، ويحتمل أن تكون موصولة وهو خبر مبتدأ محذوف، قال الداودي: يحتمل أن يكون المراد الخيرية في شيء مخصوص كحسن الخلق، وإن حمل على ظاهره ففيه ما يبين أن قول ابن عمر" ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم" لم يرد به جميع الصحابة، فإن بعضهم قد وقع منه تفضيل بعضهم على بعض وهو عثمان في حق الزبير.قلت: قول ابن عمر قيده بحياة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعارض ما وقع منهم بعد ذلك.قوله: "وإن حواري الزبير" بتشديد الياء وفتحها كقوله: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} ويجوز كسرها.وقد مضى تفسير الحواري، وتقدم سبب هذا الحديث في "باب الطليعة" في أوائل الجهاد.قوله: "أنبأنا عبد الله" هو ابن المبارك.قوله: "كنت يوم الأحزاب" أي لما حاصرت قريش ومن معها المسلمين بالمدينة وحفر الخندق بسبب ذلك، وسيأتي شرح ذلك في المغازي.قوله: "وعمر بن أبي سلمة" أي ابن عبد الأسد ربيب النبي صلى الله عليه وسلم وأمه أم سلمة.قوله: "في النساء" في رواية علي بن مسهر عن هشام بن عروة عند مسلم: "في أطم حسان" وله في رواية أبي أسامة عن هشام" في الأطم الذي فيه النسوة "يعني نسوة النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده في رواية علي بن مسهر المذكورة" وكان يطأطئ لي مرة فأنظر، وأطأطئ له مرة فينظر، فكنت أعرف أبي إذا مر على فرسه في السلاح".قوله: "يختلف إلى بني قريظة" أي يذهب ويجيء.وفي رواية أبي أسامة عند الإسماعيلي: "مرتين أو ثلاثا".قوله: "فلما رجعت، قلت: يا أبت رأيتك" بين مسلم أن في هذه الرواية إدراجا، فإنه ساقه من رواية علي بن مسهر عن هشام إلى قوله: "إلى بني قريظة.قال هشام: وأخبرني عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير قال: فذكرت ذلك لأبي" إلى آخر ثم ساقه من طريق أبي أسامة عن هشام قال: "فساق الحديث نحوه، ولم يذكر عبد الله بن عروة ولكن أدرج القصة في حديث هشام عن أبيه" انتهى.ويؤيده أن النسائي أخرج القصة الأخيرة من طريق عبدة عن هشام عن أخيه عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير عن أبيه، والله أعلم.قوله: "قال أو هل رأيتني يا بني؟ قلت نعم" فيه صحة سماع الصغير، وأنه لا يتوقف على أربع أو خمس، لأن ابن الزبير كان يومئذ ابن سنتين وأشهر أو ثلاث وأشهر بحسب الاختلاف في وقت مولده وفي تاريخ الخندق، فإن قلنا إنه ولد في أول سنة من الهجرة وكانت الخندق سنة خمس فيكون ابن أربع وأشهر، وإن قلنا ولد سنة اثنتين وكانت الخندق سنة أربع فيكون ابن سنتين وأشهر، إن عجلنا إحداهما وأخرنا الأخرى فيكون ابن ثلاث سنين وأشهر، وسأبين الأصح من ذلك في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى، وعلى كل حال فقد حفظ من ذلك ما يستغرب حفظ مثله، وقد تقدم البحث في ذلك في "باب متى يصح سماع الصغير" من كتاب العلم.قوله: "جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبويه فقال: فداك أبي وأمي" وسيأتي ما يعارضه في ترجمة سعد قريبا ووجه الجمع بينهما.قوله: "حدثنا علي بن حفص" هو المروزي، وقد تقدم ذكره في الجهاد "أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أي الذين شهدوا وقعة اليرموك "قالوا للزبير" لم أقف على تسمية أحد منهم.قوله: "يوم وقعة اليرموك" هو بفتح التحتانية وسكون الراء وضم الميم وآخره كاف: موضع بالشام، وكانت فيه وقعة في أول خلافة عمر، وكان النصر للمسلمين على الروم، واستشهد من المسلمين جماعة.قوله: "ألا تشد" بضم المعجمة أي على

(7/81)


المشركين.قوله: "إن شددت كذبتم"(1) أي تتأخرون عما أقدم عليه فيختلف موعدكم هذا، وأهل الحجاز يطلقون الكذب على ما يذكر على خلاف الواقع.قوله: "فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر" كذا في هذه الرواية، وسيأتي في غزوة بدر في المغازي ما يغاير ذلك ويأتي شرحه، ووجه الجمع بين الروايتين هناك إن شاء الله تعالى، وكان قتل الزبير في شهر رجب سنة ست وثلاثين، انصرف من وقعة الجمل تاركا للقتال فقتله عمرو بن جرموز - بضم الجيم والميم بينهما راء ساكنة وآخره زاي - التميمي غيلة، وجاء إلى علي متقربا إليه بذلك فبشره بالنار، أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما وصححه الحاكم من طرق بعضها مرفوع."تنبيه": تقدم الكلام على تركة الزبير وما وقع فيها من البركة بعده في كتاب الخمس.
ـــــــ
(1)الذي في المتن (ألا تشد فتشد معك ) وليس فيه هذه الزيادة

(7/82)


14-- باب ذِكْرِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالَ عُمَرُ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ
3723،3722-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ عَنْ حَدِيثِهِمَا"
[الحديث3722-طرفه في:4060]
[الحديث3723-طرفه في:4061]
3724-حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالِدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ"رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ الَّتِي وَقَى بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَلَّتْ"
[الحديث3724-طرفه في:4063]
قوله: "ذكر طلحة بن عبيد الله" أي ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب ومع أبي بكر الصديق في تيم بن مرة، وعدد ما بينهم من الآباء سواء. يكنى أبا محمد، وأمه الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء، أسلمت وهاجرت وعاشت بعد أبيها قليلا، وروى الطبراني من حديث ابن عباس قال: "أسلمت أم أبي بكر وأم عثمان وأم طلحة وأم عبد الرحمن بن عوف" وقتل طلحة يوم الجمل سنة ست وثلاثين، رمي بسهم، جاء من طرق كثيرة أن مروان بن الحكم رماه فأصاب ركبته فلم يزل ينزف الدم منها حتى مات، وكان يومئذ أول قتيل، واختلف في سنه على أقوال: أكثرها أنه خمس وسبعون، وأقلها ثمان وخمسون. قوله: "معتمر عن أبيه" هو سليمان التيمي، وأبو عثمان هو النهدي. قوله: "في بعض تلك الأيام" يريد يوم أحد، وقوله: "عن حديثهما" يعني أنهما حدثا بذلك، ووقع في فوائد أبي بكر بن المقرئ من وجه آخر عن معتمر بن سليمان عن أبيه" فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال هما أخبراني بذلك". قوله: "حدثنا خالد" هو ابن عبد الله الواسطي، وابن أبي خالد هو إسماعيل. قوله: "التي وقى بها" أي يوم أحد، وصرح بذلك علي بن مسهر عن إسماعيل عند الإسماعيلي، وعند الطبراني من طريق موسى بن طلحة عن أبيه أنه أصابه في يده سهم، حديث أنس "وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد بعض المشركين أن يضربه" وفي مسند الطيالسي من حديث عائشة عن

(7/82)


أبي بكر الصديق قال: "ثم أتينا طلحة - يعني يوم أحد - وجدنا به بضعا وسبعين جراحة، وإذا قد قطعت إصبعه" وفي الجهاد لابن المبارك من طريق موسى بن طلحة أن إصبعه التي أصيبت هي التي تلي الإبهام، وجاء عن يعقوب بن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن أبيه قال: "أصيبت إصبع طلحة البنصر من اليسرى من مفصلها الأسفل فشلت، ترس بها على النبي صلى الله عليه وسلم". قوله: "قد شلت" بفتح المعجمة ويجوز ضمها في لغة ذكرها اللحياني. وقال ابن درستويه: هي خطأ. والشلل نقص في الكف وبطلان لعملها، وليس معناه القطع كما زعم بعضهم، زاد الإسماعيلي في روايته من طريق علي بن مسهر وغيره عن إسماعيل" قال قيس: كان يقال إن طلحة من حكماء قريش" وروى الحميدي في الفوائد من وجه أخرجه عن قيس بن أبي حازم قال: "صحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلا أعطى لجزيل مال عن غير مسألة منه".

(7/83)


15- باب مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيِّ
وَبَنُو زُهْرَةَ أَخْوَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ
3725-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ جَمَعَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ"
[الحديث 3725-أطرافه في: 4055، 4056، 4057 ]
3726-حدثنا مكى بن إبراهيم حدثنا هاشم بن هاشم عن عامر بن سعدٍ عن أبيه قال"لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام"
[الحديث:3726- طرفاه في: 3727، 3808]
3727-ثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلاَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلاَمِ تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هَاشِمٌ
3728-حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ "إِنِّي لاَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا يَضَعُ الْبَعِيرُ أَوْ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلاَمِ لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي وَكَانُوا وَشَوْا بِهِ إِلَى عُمَرَ قَالُوا: لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي"
[الحديث 3728- طرفاه في:5412، 6453]
قوله: "مناقب سعد بن أبي وقاص الزهري" أي أحد العشرة يكنى أبا إسحاق. قوله: "وبنو زهرة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم أي لأن أمه آمنة منهم، وأقارب الأم أخوال.قوله: "وهو سعد بن مالك" أي اسم أبي وقاص مالك بن

(7/83)


وهيب - ويقال أهيب - ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرة، وعدد ما بينهما من الآباء متقارب. وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس لم تسلم، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين وقيل: بند ذلك إلى ثمانية وخمسين، وعاش نحوا من ثمانين سنة. أي في التفدية، وهي قوله: "فداك أبي وأمي" وبينه حديث علي "ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي" وقد تقدم في الجهاد. وفي هذا الحصر نظر لما تقدم في ترجمة الزبير أنه صلى الله عليه وسلم جمع له أبويه يوم الخندق ويجمع بينهما بأن عليا رضي الله عنه لم يطلع على ذلك، أو مراده بذلك بقيد يوم أحد، والله أعلم. قوله: "ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه" ظاهره أنه لم يسلم أحد قبله لكن اختلف في هذه اللفظة كما سأذكره. قوله: "ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام" سيأتي القول فيه. قوله: "وإني لثلث الإسلام" قال ذلك بحسب اطلاعه، والسب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه، ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر، أو النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وقد كانت خديجة أسلمت قطعا فلعله خصن الرجال، وقد تقدم في ترجمة الصديق حديث عمار "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وأبو بكر" وهو يعارض حديث سعد، والجمع بينهما ما أشرت إليه، أو يحمل قول سعد على الأحرار البالغين ليخرج الأعبد المذكورون وعلي رضي الله عنه، أو لم يكن اطلع على أولئك، ويدل على هذا الأخير أنه وقع عند الإسماعيلي من رواية يحيى بن سعيد الأموي عن هاشم بلفظ: "ما أسلم أحد قبلي" ومثله عند ابن سعد من وجه آخر عن عامر بن سعد عن أبيه، وهذا مقتضى رواية الأصيلي، وهي مشكله؛ لأنه قد أسلم قبله جماعة، لكن يحمل ذلك على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ وقد رأيت في" المعرفة لابن منده" من طريق أبي بدر عن هاشم بلفظ: "ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه: "وهذا لا إشكال فيه إذ لا مانع أن لا يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم، لكن أخرجه الخطيب من الوجه الذي أخرجه ابن منده فأثبت فيه: "إلا" كبقية الروايات فتعين الحمل على ما قلته.قوله: "تابعه أبو أسامة حدثنا هاشم" وصله المؤلف في" باب إسلام سعد" من السيرة النبوية وهو مثل رواية ابن أبي زائدة هذه. قوله: "إني لأول العرب رمى" كان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب، وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين، وهي أول سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من الهجرة، بعث ناسا من المسلمين إلى رابغ ليلقوا عيرا لقريش فتراموا بالسهام ولم يكن بينهم مسايفة، فكان سعد أول من رمى، ذكر ذلك الزبير بن بكار بسند له وقال فيه عن سعد أنه أنشد يومئذ:
ألا هل أتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي
وذكرها يونس بن بكير في زيادة المغازي من طريق الزهري نحوه، وابن سعد من وجه آخر عن سعد "أنا أول من رمى بسهم ثم خرجنا مع عبيدة بن الحارث ستين راكبا". قوله: "ماله خلط" بكسر المعجمة أي لا يختلط بعضه ببعض من شدة جفافه وتفتته.ى قوله: "ثم أصبحت بنو أسد" أي ابن خزيمة بن مدركة، وكانوا ممن شكاه لعمر في القصة التي تقدم بيانها في صفة الصلاة، ووقع عند ابن بطال أنه عرض في ذلك بعمر بن الخطاب وليس بصواب، فإن عمر من بني عدي بن كعب بن لؤي ليس من بني أسد.ووقع عند النووي" أسد بن عبد

(7/84)


العزى" يعني رهط الزبير بن العوام، وهو وهم أيضا. قوله: "تعزرني على الإسلام" أي تؤدبني، والمعنى تعلمني الصلاة، أو تعيرني بأني لا أحسنها. قوله: "خبت" أي إن كنت محتاجا إلى تعليمهم، وقد تقدمت قصته مع الذي زعموا أنه لا يحسن يصلي في صفة الصلاة. قوله: "وضل عملي" في رواية ابن سعد عن يعلى بن عبيد عن إسماعيل" وضل عمليه" بزيادة هاء السكت.

(7/85)


16- باب ذِكْرِ أَصْهَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ
3729-حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ
قَالَ "إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لاَ تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ أَمَّا بَعْدُ أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا وَاللَّهِ لاَ تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ"
وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مِسْوَرٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَأَحْسَنَ قَالَ حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي"
قوله: "ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وسلم" أي الذين تزوجوا إليه، والصهر يطلق على جميع أقارب المرأة والرجل، ومنهم من يخصه بأقارب المرأة.قوله: "منهم أبو العاص بن الربيع" أي ابن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، ويقال بإسقاط ربيعة، وهو مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على أقوال أثبتها عند الزبير مقسم.وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة فكان ابن أختها، وأصل المصاهرة المقاربة.وقال الراغب: الصهر الختن، وأهل بيت المرأة يقال لهم الأصهار قاله الخليل.وقال ابن الأعرابي: الأصهار ما يتحرم بجوار أو نسب أو تزوج، وكأنه لمح بالترجمة إلى ما جاء عن عبد الله بن أبي أوفى رفعه: "سألت ربي أن لا أتزوج أحدا من أمتي ولا أتزوج إليه إلا كان معي في الجنة، فأعطاني" أخرجه الحاكم في مناقب علي.وله شاهد عن عبد الله بن عمر وعند الطبراني في"الأوسط" بسند واه.وقال النووي الصهر يطلق على أقارب الزوجين، والمصاهرة مقاربة بين المتباعدين، وعلى هذا عمل البخاري فإن أبا العاص بن الربيع ليس من أقارب نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا من جهة كونه ابن أخت خديجة، وليس المراد هنا نسبته إليها بل إلى تزوجه بابنتها، وتزوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وهي أكبر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وقد أسر أبو العاص ببدر مع المشركين وفدته زينب فشرط عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسلها إليه فوفى له بذلك، فهذا معنى قوله في آخر الحديث: "ووعدني فوفى لي" ، ثم أسر أبو العاص مرة أخرى فأجارته زينب فأسلم، فردها النبي صلى الله عليه وسلم إلى نكاحه، وولدت أمامة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها وهو يصلي كما تقدم في الصلاة، وولدت له أيضا ابنا اسمه علي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مراهقا، فيقال إنه مات قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما أبو العاص فمات سنة اثنتي عشرة وأشار المصنف بقوله: "منهم" إلى من لم يذكره ممن تزوج إلى النبي كعثمان وعلي، وقد تقدت ترجمة كل منهما،

(7/85)


ولم يتزوج أحد من بنات النبي صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء الثلاثة، إلا ابن أبي لهب فإنه كان تزوج رقية قبل عثمان ولم يدخل بها، فأمره أبوه بمفارقتها ففارقها، فتزوجها عثمان.وأما من تزوج النبي صلى الله عليه وسلم إليه فلم يقصده البخاري بالذكر هنا، والله أعلم.قوله: "إن عليا خطب بنت أبي جهل" اسمها جويرية كما سيأتي، ويقال العوراء ويقال جميلة، وكان علي قد أخذ بعموم الجواز، فلما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم أعرض علي عن الخطبة، فيقال تزوجها عتاب بن أسيد، وإنما خطب النبي صلى الله عليه وسلم ليشيع الحكم المذكور بين الناس ويأخذوا به إما على سبيل الإيجاب وإما على سبيل الأولوية.
وغفل الشريف المرتضى عن هذه النكتة(1) فزعم أن هذا الحديث موضوع لأنه من رواية المسور وكان فيه انحراف عن علي، وجاء من رواية ابن الزبير وهو أشد في ذلك، ورد كلامه بأطباق أصحاب الصحيح على تخريجه، وسيأتي بسط ما يتعلق بذلك في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى.قوله: "وهذا علي ناكح بنت أبي جهل" في رواية الطبراني عن أبي اليمان "وهذا علي ناكحا" بالنصب، وكذا عند مسلم من هذا الوجه، أطلقت عليه اسم ناكح مجازا باعتبار ما كان قصد يفعل، واختلف في اسم ابنة أبي جهل فروى الحاكم في "الإكليل" جويرية وهو الأشهر، وفي بعض الطرق اسمها العوراء أخرجه ابن طاهر في "المبهمات"، وقيل اسمها الحنفاء ذكره ابن جرير الطبري، وقيل: جرهمة حكاه السهيلي، وقيل: اسمها جميلة ذكره شيخنا ابن الملقن في شرحه.وكان لأبي جهل بنت تسمى صفية تزوجها سهل بن عمرو سماها ابن السكيت وغيره وقال هي الحيفاء المذكورة.قوله: "حدثني فصدقني" لعله كان شرط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، وكذلك علي، فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن عليا نسي ذلك الشرط فلذلك أقدم على الخطبة، أو لم يقع عليه شرط إذ لم يصرح بالشرط لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر فلذلك وقعت المعاتبة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قل أن يواجه أحدا بما يعاب به، ولعله إنما جهر بمعاتبة علي مبالغة في رضا فاطمة عليها السلام، وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ تأخر من بنات النبي صلى الله عليه وسلم غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بإخوتها فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها، وزاد محمد بن عمرو بن حلحلة - بمهملتين مفتوحتين ولامين الأولى ساكنة - وقد تقدم هذا الحديث من روايته موصولا في أوائل فرض الخمس مطولا وفيه ذكر بعض ما يتعلق به.
ـــــــ
(1)المرتضى شعبي من خاصة دعاهم، ومقايسه في الجرح والتعديل تختلف عن مقايس أهل السنة

(7/86)


17- - باب مَنَاقِبِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَالَ الْبَرَاءُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلاَنَا"
3730-حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَنْ تَطْعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ"
[الحديث 3730- أطرافه في :4250، 4468، 4469، 6627، 7187]

(7/86)


3731-حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ قَائِفٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهِدٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ فَقَالَ إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ قَالَ فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْجَبَهُ، فَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ"
قوله: "مناقب زيد بن حارثه مولى النبي صلى الله عليه وسلم" وهو من بني كلب، أسر في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة فاستوهبه النبي صلى الله عليه وسلم منها، ذكر قصته محمد بن إسحاق في السيرة وأن أباه وعمته أتيا مكة فوجداه فطلبا أن يفدياه فخيره النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يدفعه إليهما أو يثبت عنده فاختار أن يبقى عنده، وقد أخرج ابن منده في "معرفة الصحابة" وتمام فوائده بإسناد مستغرب عن آل بيت زيد بن حارثة أن حارثة أسلم يومئذ، وهو حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبد العزى الكلبي.وأخرج الترمذي من طريق جبلة بن حارثة قال: قلت: يا رسول الله، ابعث معي أخي زيدا قال: إن انطلق منك لم أمنعه، فقال زيد: يا رسول الله والله لا أختار عليك أحدا.واستشهد زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ومات أسامة بن زيد بالمدينة أو بوادي القرى سنة أربع وخمسين وقيل قبل ذلك، وكان قد سكن المزة من عمل دمشق مدة.قوله: "وقال البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنت أخونا ومولانا" هو طرف من الحديث المشار إليه في ترجمة جعفر بن أبي طالب.قوله: "حدثنا سليمان" هو ابن بلال.قوله: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا" هو البعث الذي أمر بتجهيز في مرض وفاته وقال: "أنفذوا بعث أسامة" فأنفذه أبو بكر رضي الله عنه بعده، وسيأتي بيانه في أواخر الوفاة النبوية إن شاء الله تعالى.قوله: "فطعن بعض الناس في إمارته" سمى ممن طعن في ذلك عياش بن أبي ربيعة المخزومي كما سيأتي بسط ذلك في آخر المغازي.قوله: "تطعنون" بفتح العين يقال طعن يطعن بالفتح في العرض والنسب، وبالضم بالرمح واليد، ويقال هما لغتان فيهما.قوله: "فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل" يشير إلى إمارة زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، وعند النسائي عن عائشة قالت: "ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم" وفيه جواز إمارة المولى وتولية الصغار على الكبار والمفضول على الفاضل.لأنه كان في الجيش - الذي كان عليهم أسامة - أبو بكر وعمر.حديث عائشة في قصة القائف سيأتي شرحه مستوفى في كتاب الفرائض وفيه تسمية القائف المذكور.

(7/87)


18- باب ذِكْرِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ
3732-حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا
أهمهم شأن المخزومي فقالوا من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم "
3733- وحدثنا علي حدثنا سفيان قال ثم ذهبت أسأل الزهري عن حديث المخزومية فصاح بي قلت لسفيان فلم تحتمله عن أحد قال وجدته في كتاب كان كتبه أيوب بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة من بني مخزوم سرقت فقالوا من يكلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجترئ أحد أن يكلمه فكلمه أسامة بن زيد فقال إن بني إسرائيل كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا

(7/87)


سرق فيهم الضعيف قطعوه لو كانت فاطمة لقطعت يدها"
3734- حدثني الحسن بن محمد حدثنا أبو عباد يحيى بن عباد حدثنا الماجشون أخبرنا عبد الله بن دينار قال ثم نظر بن عمر يوما وهو في المسجد إلى رجل يسحب ثيابه في ناحية من المسجد فقال انظر من هذا ليت هذا عندي قال له إنسان أما تعرف هذا يا أبا عبد الرحمن هذا محمد بن أسامة قال فطأطأ بن عمر رأسه ونقر بيديه في الأرض ثم قال لو رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبه"
3735- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَدَّثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحِبُّهُمَا"
[الحديث 3735- طرفه في: 6003]
3736- وَقَالَ نُعَيْمٌ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي مَوْلًى لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ أَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ وَكَانَ أَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ أَخَا أُسَامَةَ لِأُمِّهِ-وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَرَآهُ ابْنُ عُمَرَ لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلاَ سُجُودَهُ فَقَالَ أَعِدْ"
[الحديث3736-طرفه في: 3737]
3737-قالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ و حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ مَوْلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ دَخَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَيْمَنَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلاَ سُجُودَهُ فَقَالَ أَعِدْ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ مَنْ هَذَا قُلْتُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَوْ رَأَى هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَحَبَّهُ فَذَكَرَ حُبَّهُ وَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّ أَيْمَنَ" قَالَ: و حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي عَنْ سُلَيْمَانَ وَكَانَتْ حَاضِنَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم".
قوله: "ذكر أسامة بن زيد" ذكر فيه حديث المخزومية التي سرقت، وسيأتي شرحه مستوفى في الحدود، والغرض منه قوله في بعض طرقه: "ومن يجترئ أن يكلمه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وكانوا يسمون أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسر المهملة أي محبوبه لما يعرفون من منزلته عنده، لأنه كان يحب أباه قله حتى تبناه فكان يقال له زيد ابن محمد.وأمه أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هي أمي بعد أمي" وكان يجلسه على فخذه بعد أن كبر كما سيأتي في مناقب الحسن عن قريب. "حدثنا الحسن بن محمد" هو الزعفراني وأبو عباد هو يحيى بن عباد الضبعي البصري، والمراد بالماجشون عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة. قوله: قوله: "ليت هذا عندي" أي قريبا مني حتى أنصحه وأعظه، وقد روي بالباء الموحدة من العبودية، وكأنه على ما قيل كان أسود اللون.قوله: "قال له إنسان" لم أقف على اسمه.قوله: "لو رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبه" إنما جزم ابن

(7/88)


عمر بذلك لما رأى من محبة النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة وأم أيمن وذريتهما فقاس ابن أسامة على ذلك.قوله: "اللهم أحبهما فإني أحبهما" هذا يشعر بأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يحب إلا لله وفي الله، ولذلك رتب محبة الله على محبته، وفي ذلك أعظم منقبة لأسامة والحسن.قوله: "وقال نعيم" هو ابن حماد.قوله: "أخبرني مولى لأسامة" في رواية ابن أبي الدنيا" أخبرني ابن حرملة مولى أسامة" وابن حرملة هو إياس، ويقال إنه حرملة بن إياس في الرواية التي بعده.قوله: "وهو رجل من الأنصار" أي أيمن ابن أم أيمن، وأبوه هو عبيد بن عمرو بن هلال من بني الحبلي من الخزرج، ويقال إنه كان حبشيا من موالي الخزرج وتزوج أم أيمن زيد بن حارثة فولدت له أيمن، واستشهد أيمن يوم حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونسب أيمن إلى أمه لشرفها على أبيه وشهرتها عند أهل البيت النبوي، وتزوج زيد بن حارثة أم أيمن، وكانت حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم ورثها من أبيه فولدت له أسامة بن زيد وعاشت أم أيمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم قليلا.قوله: "فرآه ابن عمر" هو معطوف على شيء مقدر تقديره أن الحجاج بن أيمن دخل المسجد فصلى فرآه ابن عمر، يوضح ذلك الرواية التي بعد هذه.قوله: "فقاله أعد" أي أعد صلاتك.وفي رواية الإسماعيلي: "فقال أي ابن أخي، تحسب أنك قد صليت؟ إنك لم تصل، فأعد صلاتك".قوله: "بينما هو" فيه تجريد، كأن حرملة قال: بينما أنا، فجرد من نفسه شخصا فقال: بينما هو.قوله: "فذكر حبه وما ولدته أم أيمن" كذا ثبت بواو العطف في رواية أبي ذر، والضمير على هذا لأسامة في قوله: "فذكر حبه" أي ميله.وفي رواية غير أبي ذر "فذكر حبه ما ولدته أم أيمن" فعلى هذا فالضمير للنبي صلى الله عليه وسلم، و "ما ولدته إلخ" هو المفعول، والمراد بما ولدته أم أيمن ما ولدته من ذكر وأنثى.قوله: "وزادني بعض أصحابي" هو إما يعقوب بن سفيان فإنه رواه في تاريخه عن سليمان بن عبد الرحمن بالإسناد المذكور وزاد فيه: "وكانت أم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم: "وأما الذهلي فإنه أخرجه في الزهريات عن سليمان أيضا، وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" عن أبي عامر محمد بن إبراهيم الصوري عن سليمان كذلك، وأخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم من طريق إبراهيم الزهري عن سليمان كذلك، وكأن هذا القدر لم يسمعه البخاري من سليمان فحمله عن بعض أصحابه فبين ما سمعه مما لم يسمعه.

(7/89)


باب مناقب عبدالله بن عمر بن الخطاب
...
19- باب مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما
3738-حَدَّثَنَامحمد إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ غُلاَمًا شَابًّا أَعْزَبَ وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيْ الْبِئْرِ وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي لَنْ تُرَاعَ فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ"
3739-"فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ قَالَ

(7/89)


سَالِمٌ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لاَ يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلاً
03740، 3741 -حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ "
قوله مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو أحد العبادلة وفقهاء الصحابة والمكثرين منهم وأمه زينب ويقال رائطة بنت مظعون أخت عثمان وقدامة ابني مظعون للجميع البغوي وكان مولده في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث لأنه ثبت انه كان يوم بدر بن ثلاث عشرة سنة وكانت بدر بعد البعثة بخمس عشرة سنة وقد تقدم تاريخ وفاته في الصلاة وانها كانت بسبب من دسه عليه الحجاج فمس رجله بحربة مسمومة فمرض بها الى ان مات أوائل سنة أربع وسبعين ثم ذكر المصنف حديث ابن عمر في رؤياه وفيه: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل" وقد تقدم توجيهه في"باب قيام الليل" وقوله في أوله: "حدثنا محمد حدثنا إسحاق بن نصر" كذا لأبي ذر وحده، وبين أن محمدا هو المصنف. ووقع عند ابن السكن وحده" حدثنا إسحاق بن منصور" وقوله: "لن ترع" كذا للقابسي، قال ابن التين: هي لغة قليلة، يعني الجزم بلن، قال القزاز: ولا أحفظ لها شاهدا. وروى الأكثر بلفظ: "لن تراع" وهو الوجه. أورد المصنف من طريق يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن أخته حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "إن عبد الله رجل صالح" وهو طرف من الحديث الذي قبله، وهذا القدر هو الذي يتعلق منه بمسند حفصة، وسيأتي في التعبير من طريق نافع عن ابن عمر عن حفصة مثله وزاد: "لو كان يصلي من الليل" وتقدمت الإشارة إلى ذلك أيضا في قيام الليل، ويأتي بقية ذلك في التعبير إن شاء الله تعالى.

(7/90)


20 - باب مَنَاقِبِ عَمَّارٍ وَحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
3742حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأْمَ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْتُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَأَتَيْتُ قَوْمًا فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَقُلْتُ إِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَيَسَّرَكَ لِي قَالَ مِمَّنْ أَنْتَ قُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ أَوَلَيْسَ عِنْدَكُمْ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادِ وَالْمِطْهَرَةِ وَفِيكُمْ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ يَعْنِي عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لاَ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ يَقْرَأُ عَبْدُ اللَّهِ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى} قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ"
3743-حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ "ذَهَبَ عَلْقَمَةُ إِلَى الشَّأْمِ،

(7/90)


فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَجَلَسَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِمَّنْ أَنْتَ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لاَ يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ يَعْنِي حُذَيْفَةَ قَالَ قُلْتُ بَلَى قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ يَعْنِي عَمَّارًا قُلْتُ بَلَى قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالْوِسَادِ أَوْ السِّرَارِ قَالَ بَلَى قَالَ كَيْفَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} قُلْتُ "وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى" قَالَ مَا زَالَ بِي هَؤُلاَءِ حَتَّى كَادُوا يَسْتَنْزِلُونِي عَنْ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
قوله: "باب مناقب عمار وحذيفة" أما عمار فهو ابن ياسر، يكنى أبا اليقظان العنسي بالنون، وأمه سمية بالمهملة مصغر، أسلم هو وأبوه قديما، وعذبوا لأجل الإسلام، وقتل أبو جهل أمه فكانت أول شهيد في الإسلام ومات أبوه قديما، وعاش هو إلى أن قتل بصفين مع علي رضي الله عنهم، وكان قد ولي شيئا من أمور الكوفة لعمر فلهذا نسبه أبو الدرداء إليها. وأما حذيفة فهو ابن اليمان بن جابر بن عمرو العبسي بالموحدة حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، وأسلم هو وأبوه اليمان كما سيأتي، وولي حذيفة بعض أمور الكوفة لعمر، وولي إمرة المدائن، ومات بعد قتل عثمان بيسير بها، وكان عمار من السابقين الأولين، وحذيفة من القدماء في الإسلام أيضا إلا أنه متأخر فيه عن عمار، وإنما جمع المصنف بينهما في الترجمة لوقوع الثناء عليهما من أبي الدرداء في حديث واحد وقد أفرد ذكر ابن مسعود، وإن كان ذكر معهما لوجوده ما يوافق شرطه غير ذلك من مناقبه، وقد أفرد ذكر حذيفة في أواخر المناقب، وهو مما يؤيد ما سنذكره أنه لم يهذب ترتيب من ذكره من أصحاب هذه المناقب، ويحتمل أن يكون إفراده بالذكر لأنه أراد ذكر ترجمة والده اليمان.قوله: "عن إبراهيم عن علقمة مال: قدمت الشام" في رواية شعبة التي بعد هذه عن إبراهيم قال: "ذهب علقمة إلى الشام" وهذا الثاني صورته مرسل، لكن قال في أثنائه" قال: قلت: بلى" فاقتضى أنه موصول، ووقع في التفسير من وجه آخر عن إبراهيم عن علقمة قال: "قدمت الشام في نفر من أصحاب ابن مسعود، فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا".قوله: "حتى يجلس إلى جنبي" أي يجعل غاية مجيئه جلوسه، وعبر بلفظ المضارع مبالغة، زاد الإسماعيلي في روايته: "فقلت: الحمد لله، إني لأرجو أن يكون الله استجاب دعوتي". قوله: "قالوا أبو الدرداء" لم أقف على اسم القائل. قوله: "قال أو ليس عندكم ابن أم عبد" يعني عبد الله بن مسعود، ومراد أبي الدرداء بذلك أنه فهم منهم أنهم قدموا في طلب العلم، فبين لهم أن عندهم من العلماء من لا يحتاجون معهم إلى غيرهم، ويستفاد منه أن المحدث لا يرحل عن بلده حتى يستوعب ما عند مشايخها. قوله: "صاحب النعلين" أي نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ابن مسعود يحملهما ويتعاهدهما. قوله: "والوساد" في رواية شعبة" صاحب السواك - بالكاف - أو السواد" بالدال ووقع في رواية الكشميهني هنا" الوساد" ورواية غيره أوجه، والسواد السرار براءين يقال ساودته سوادا أي ساررته سرارا، وأصله أدنى السواد وهو الشخص من السواد. قوله: "والمطهرة" في رواية السرخسي "والمطهر" بغير هاء، وأغرب الداودي فقال: معناه أنه لم يكن يملك من الجهاز غير هذه الأشياء الثلاثة، كذا قال، وتعقب ابن التين كلامه فأصاب، وقد روى مسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له

(7/91)


"إذنك علي أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي" أي سراري، وهي خصوصية لابن مسعود، وسيأتي في مناقبه قريبا حديث أبي موسى" قدمت أنا وأختي من اليمن، فمكثنا حينا لا نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لما نرى من دخوله ودخول أمه" والصواب ما قال غير الداودي أن المراد الثناء عليه بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لشدة ملازمته له لأجل هذه الأمور ينبغي أن يكون عنده من العلم ما يستغني طالبه به عن غيره. قوله: "أفيكم" بهمزة الاستفهام. وفي رواية الكشميهني: "وفيكم" بواو العطف. وفي رواية شعبة "أليس فيكم أو منكم" بالشك في الموضعين. قوله: "الذي أجاره الله من الشيطان، يعني على لسان نبيه" في رواية شعبة" أجاره الله على لسان نبيه يعني من الشيطان" وزاد في رواية شعبة" يعني عمارا" وزعم ابن التين أن المراد بقوله: "على لسان نبيه" قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" وهو محتمل، ويحتمل أن يكون المراد بذلك حديث عائشة مرفوعا: "ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما" أخرجه الترمذي، ولأحمد من حديث ابن مسعود مثله أخرجهما الحاكم، فكونه يختار أرشد الأمرين دائما يقتضي أنه قد أجبر من الشيطان الذي من شأنه الأمر بالغي، وروى البزار من حديث عائشة "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مليء إيمانا إلى مشاشه " يعني عمارا وإسناده صحيح، ولابن سعد في"الطبقات" من طريق الحسن قال: "قال عمار: نزلنا منزلا فأخذت قربتي ودلوي لأستقي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سيأتيك من يمنعك من الماء، فلما كنت على رأس الماء إذا رجل أسود كأنه مرس، فصرعته" فذكر الحديث، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ذاك الشيطان" فلعل ابن مسعود أشار إلى هذه القصة، ويحتمل أن تكون الإشارة بالإجازة المذكورة إلى ثباته على الإيمان لما أكرهه المشركون على النطق بكلمة الكفر، فنزلت فيه: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} وقد جاء في حديث آخر" إن عمارا مليء إيمانا إلى مشاشه" أخرجه النسائي بسند صحيح، والمشاش بضم الميم ومعجمتين الأولى خفيفة، وهذه الصفة لا تقع إلا ممن أجاره الله من الشيطان، وقد تقدم شرح الحديث الذي أشار إليه ابن التين في "باب التعاون في بناء المسجد" مستوفى ولله الحمد. قوله: "أو ليس فيكم صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلم أحد غيره" كذا فيه بحذف المفعول. وفي رواية الكشميهني: "الذي لا يعلمه" والمراد بالسر ما أعلمه به النبي صلى الله عليه وسلم من أحوال المنافقين. قوله: "ثم قال: كيف يقرأ عبد الله" يعني ابن مسعود، وسيأتي الكلام على ما يتعلق بهذا القدر من القراءة في تفسير {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} إن شاء الله تعالى حيث أورده المصنف وفيه زيادة فيما يتعلق به على ما هنا. "تنبيه": توارد أبو هريرة في وصف المذكورين مع أبي الدرداء بما وصفهم به وزاد عليه، فروى الترمذي من طريق خيثمة بن عبد الرحمن قال: "أتيت المدينة فسألت الله أن يسر لي جليسا صالحا، فيسر لي أبا هريرة فقال: ممن أنت؟ قلت: من الكوفة، جئت ألتمس الخير، قال: أليس منكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعليه، وحذيفة صاحب سره، وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه، وسلمان صاحب الكتابين".

(7/92)


باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح وباب ذكر مصعب بن عمير
...
21 - باب مَنَاقِبِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
3744-حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ

(7/92)


أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ"
[الحديث 4744-طرفاه في:4382، 7255 ]
3745-حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ صِلَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِأَهْلِ نَجْرَانَ لاَبْعَثَنَّ يَعْنِي عَلَيْكُمْ يَعْنِي أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ فَأَشْرَفَ أَصْحَابُهُ فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"
قوله: "باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح" كذا أخر ذ كره عن إخوانه من العشرة، ولم أقف في شيء من نسخ البخاري على ترجمة لمناقب عبد الرحمن بن عوف، ولا لسعيد بن زيد، وهما من العشرة، وإن كان قد أفرد ذكر إسلام سعيد بن زيد بترجمة في أوائل السيرة النبوية، وأظن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب البخاري، كما تقدم مرارا أنه ترك الكتاب مسودة، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم يقع فيهم مراعاة الأفضلية ولا السابقية ولا الأسنية، وهذه جهات التقديم في الترتيب، فلما لم يراع واحدا منها دل على أنه كتب كل ترجمة على حدة فضم بعض النقلة بعضها إلى بعض حسبما اتفق.وأبو عبيدة اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في فهر بن مالك، وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت جدا بخمسة آباء، فيكون أبو عبيدة من حيث العدد في درجة عبد مناف، ومنهم من أدخل في نسبه بين الجراح وهلال ربيعة فيكون على هذا في درجة هاشم، وبذلك جزم أبو الحسن بن سميع ولم يذكره غيره، وأم أبي عبيدة هي من بنات عم أبيه، ذكر أبو أحمد الحاكم أنها أسلمت وقتل أبوه كافرا يوم بدر، ويقال إنه هو الذي قتله، ورواه الطبراني وغيره من طريق عبد الله بن شوذب مرسلا، ومات أبو عبيدة وهو أمير على الشام من قبل عمر بالطاعون سنه ثمان عشرة باتفاق.قوله: "حدثنا عبد الأعلى" هو ابن عبد الأعلى البصري السامي بالمهملة من بني سامة بن لؤي، وخالد شيخه هو الحذاء.قوله: "إن لكل أمة أمينا إن أميننا أيتها الأمة" صورته صورة النداء، لكن المراد فيه الاختصاص أي أمتنا مخصوصون من بين الأمم، وعلى هذا فهو بالنصب على الاختصاص، ويجوز الرفع، والأمين هو الثقة الرضي وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره لكن السياق يشعر بأن له مزيدا في ذلك، لكن خص النبي صلى الله عليه وسلم كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها، فأشعر بقدر زائد فيها على غيره، كالحياء لعثمان، والقضاء لعلي ونحو ذلك."تنبيه": أورد الترمذي وابن حبان هذا الحديث من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء بهذا الإسناد مطولا وأوله " أرحم أمتي بأمي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرأهم لكتاب الله أبي، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، ألا وإن لكل أمة أمينا" الحديث وإسناده صحيح، إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، والله أعلم.قوله: "عن صلة" بكسر المهملة وتخفيف اللام هو ابن زفر وذكر الجياني أنه وقع هنا في رواية القابسي صلة بن حذيفة وهو تحريف.قوله: "عن حذيفة" وقع في رواية النسائي: "عن صلة عن ابن مسعود" وسيأتي بيان ذلك في المغازي.قوله: "لأهل نجران" هم أهل بلد قريب من اليمن، وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد

(7/93)


ومن معهما، ذكر ابن سعد أنهم وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في سنة تسع وسماهم، وسيأتي شرح ذلك مطولا في أواخر المغازي حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى.ووقع في حديث أنس عند مسلم: "أن أهل اليمن قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة وقال: هذا أمين هذه الأمة " فإن كان الراوي تجوز عن أهل نجران بقوله: "أهل اليمن" لقرب نجران من اليمن وإلا فهما واقعتان، والأول أرجح، والله أعلم.قوله: "لأبعثن حق أمين" في رواية غير أبي ذر" لأبعثن - يعني عليكم - أمينا حق أمين" ولمسلم: "لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين".قوله: "فأشرف أصحابه" في رواية مسلم والإسماعيلي: "فاستشرف لها أصحاب رسولا الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم.قوله: "فبعث أبا عبيدة" في رواية أبي يعلى "قم يا أبا عبيدة، فأرسله معهم" ووقع في رواية لأبي يعلى من طريق سالم عن أبيه "سمعت عمر يقول: ما أحببت الإمارة قط إلا مرة واحدة" فذكر القصة.وقال في الحديث: "فتعرضت أن تصيبني، فقال: قم يا أبا عبيدة".
باب ذكر مصعب بن عمير
قوله "ذكر مصعب بن عمير"أى ابن هاشم بن عبد الدار بن عبد مناف، وقع كذلك في رواية أبى ذر الهروى، وكأنه بيض له، وقد تقدم من فضائله في كتاب الجنائز أنه لما استشهد لم يوجد له ما يكفن فيه

(7/94)


22-- باب مَنَاقِبِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
قَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَانَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ"
3746-حَدَّثَنَا صَدَقَةُ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى عَنْ الْحَسَنِ سَمِعَ أَبَا بَكْرَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً وَيَقُولُ: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ "
3747- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ "عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا أَوْ كَمَا قَالَ"
3748-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أُتِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلاَم فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ فَجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا فَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مَخْضُوبًا بِالْوَسْمَةِ"
3749-حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيٌّ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ "

(7/94)


3750-حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحَمَلَ الْحَسَنَ وَهُوَ يَقُولُ بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ"
3751-حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَصَدَقَةُ قَالاَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "قَالَ أَبُو بَكْرٍ ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ"
3752-حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسٌ قَالَ "لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ"
3753-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نُعْمٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ عَنْ الْمُحْرِمِ قَالَ شُعْبَةُ أَحْسِبُهُ يَقْتُلُ الذُّبَابَ فَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونَ عَنْ الذُّبَابِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنْ الدُّنْيَا"
[الحديث 3753-طرفه في: 5994]
قوله: "باب مناقب الحسن والحسين" كأنه جمعهما لما وقع لهما من الاشتراك في كثير من المناقب. وكان مولد الحسن في رمضان سنة ثلاث من الهجرة عند الأكثر، وقيل بعد ذلك، ومات بالمدينة مسموما سنة خمسين ويقال قبلها ويقال بعدها. وكان مولد الحسين في شعبان سنة أربع في قول الأكثر وقتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق، وكان أهل الكوفة لما مات معاوية واستخلف يزيد كاتبوا الحسين بأنهم في طاعته، فخرج الحسين إليهم، فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فخذل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة ورهبة، وقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وكان الحسين قد قدمه قبله ليبايع له الناس، ثم جهز إليه عسكرا فقاتلوه إلى أن قتل هو وجماعة من أهل بيته، والقصة مشهورة فلا نطيل بشرحها، وعسى أن يقع لنا إلمام بها في كتاب الفتن. قوله: "وقال نافع بن جبير" أي ابن مطعم، وحديثه المذكور طرف من حديث تقدم موصولا في البيوع. حديث أبي بكرة" إن ابني هذا سيد" وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الفتن، وزاد أبو ذر هنا: أبو موسى اسمه إسرائيل بن موسى من أهل البصرة نزل الهند، لم يروه عن الحسن غيره. قوله: "سمعت أبي" هو سليمان التيمي. قوله: "حدثنا أبو عثمان" وقع في رواية الأدب من وجه آخر عن معتمر عن أبيه سمعت أبا تميمة يحدث عن أبي عثمان، قال الإسماعيلي: كأن سليمان سمعه من أبي تميمة عن أبي عثمان، ثم لقي أبا عثمان فسمعه منه. قلت: بل هما حديثان، فإن لفظ سليمان عن أبي عثمان " اللهم إني أحبهما" ولفظ سليمان عن أبي تميمة" إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأخذني فيضعني على فخذه ويضع على الفخذ الأخر الحسن بن

(7/95)


علي ثم يضمهما ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما ". قوله: "حدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم" هو ابن أشكاب أخو علي. قوله: "حدثنا جرير" هو ابن أبي حازم "عن محمد" هو ابن سيرين. قوله: "أتى عبيد الله بن زياد" هو بالتصغير، وزياد هو الذي يقال له ابن أبي سفيان وكان أمير الكوفة عن يزيد بن معاوية وقتل الحسين في إمارته كما تقدم فأتي برأسه. قوله: "فجعل ينكت" في رواية الترمذي وابن حبان من طريق حفصة بنت سيرين عن أنس: فجعل يقول بقضيب له في أنفه، وللطبراني من حديث زيد بن أرقم: فجعل قضيبا في يده في عينه وأنفه، فقلت ارفع قضيبك فقد رأيت فم رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضعه. وله من وجه آخر عن أنس نحوه وسيأتي. قوله: "كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم" أي أشبه أهل البيت، وزاد البزار من وجه آخر عن أنس قال: "فقلت له إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثم حيث تضع قضيبك، قال: "فانقبض". قوله: "وكان مخضوبا" أي الحسين "بالوسمة" بفتح الواو - وأخطأ من ضمها - وبسكون المهملة ويجوز فتحها: نبت يختضب به يميل إلى سواد، وسيأتي البحث في ذلك في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى.الحديث الرابع قوله: "والحسن بن علي" وقع عند الإسماعيلي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة "الحسن أو الحسين" بالشك، ثم ذكر أن أكثر أصحاب شعبة رووه فقالوا "الحسن" بغير شك، ثم عد منهم ثمانية.قوله: "عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث" هذا هو الصحيح.وقال زمعة بن صالح عن ابن أبي مليكة" كانت فاطمة تنقز - بالقاف والزاي أي ترقص - الحسن بن علي" فذكر هذا الحديث، وأخرجه أحمد، ويحتمل إن كان حفظه أن يكون كل من أبي بكر وفاطمة توافقا على ذلك، أو يكون أبو بكر عرف أن فاطمة كانت تقول ذلك فتابعها على تلك المقالة.قوله: "بأبي شبيه بالنبي" تقدم في أول صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ووقع عند أحمد من وجه آخر عن ابن أبي مليكة قال: "وكانت فاطمة عليها السلام ترقص الحسن وتقول: ابني شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي" وفيه إرسال، فإن كان محفوظا فلعلها تواردت في ذلك مع أبي بكر أو تلقي ذلك أحدهما من الآخر.قوله: "ليس شبيه بعلي" قال ابن مالك كذا وقع برفع "شبيه" على أن ليس حرف عطف وهو مذهب كوفي، قال: ويجوز أن يكون "شبيه" اسم ليس، ويكون خبرها ضميرا متصلا حذف استغناء عن لفظه بنيته، ونحوه قوله في خطبة يوم النحر "أليس ذو الحجة" وقال الطيبي في قوله: "بأبي شبيه بالنبي" يحتمل أن يكون التقدير هو مفدى بأبي شبيه فيكون خبرا بعد خبر أو أفديه بأبي وشبيه بالنبي خبر مبتدأ محذوف.وفيه إشعار بعلية الشبه للتفدية.وفي قوله: "شبيه بالنبي" ما قد يعارض قول علي في صفة النبي صلى الله عليه وسلم -"لم أر قبله ولا بعده مثله" أخرجه الترمذي في الشمائل، والجواب أن يحمل المنفي على عموم الشبه والمثبت على معظمه، والله أعلم.حديث ابن عمر عن أبي بكر، تقدم متنا وسندا وشرحا قريبا في مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.قوله: "وقال عبد الرزاق إلخ" وصله أحمد وعبد بن حميد جميعا عن عبد الرزاق، وأخرجه الترمذي من روايته، وقصد البخاري بهذا التعليق بيان سماع الزهري له من أنس. حديث ابن عمر. قوله: "لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي" هذا يعارض رواية ابن سيرين الماضية في الحديث الثالث، فإنه قال في حق الحسين بن علي" كان أشبههم بالنبي صلى الله عليه وسلم ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع في رواية الزهري في حياة الحسن لأنه يومئذ كان أشد شبها بالنبي صلى الله عليه وسلم من أخيه الحسين، وأما ما وقع في رواية ابن سيرين فكان بعد ذلك كما

(7/96)


هو ظاهر من سياقه، أو المراد بمن فضل الحسين عليه في الشبه من عدا الحسن، ويحتمل أن يكون كل منهما كان أشد شبها به في بعض أعضائه؛ فقد روى الترمذي وابن حبان من طريق هانئ بن هانئ عن علي قال: "الحسن أشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه النبي صلى الله عليه وسلم ما كان أسفل من ذلك" ووقع في رواية عبد الأعلى عن معمر عند الإسماعيلي في رواية الزهري هذه" وكان أشبههم وجها بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يؤيد حديث علي هذا والله أعلم. والذين كانوا يشبهون بالنبي صلى الله عليه وسلم غير الحسن والحسين جعفر بن أبي طالب وابنه عبد الله بن جعفر وقثم - بالقاف - ابن العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ومسلم بن عقيل بن أبى طالب، ومن غير بني هاشم السائب بن يزيد المطلبي الجد الأعلى للإمام الشافعي وعبد الله بن عامر بن كريز العبشمي وكابس بن ربيعة بن عدي، فهؤلاء عشرة نظم منهم أبو الفتح بن سيد الناس خمسة، أنشدنا محمد بن الحسن المقري عنه:
بخمسة أشبهوا المختار من مضر ... يا حسن ما خولوا من شبهه الحسن
بجعفر وابن عم المصطفى قثم ... وسائب وأبي سفيان والحسن
وزادهم شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ اثنين، وهما الحسين وعبد الله بن عامر بن كريز، ونظم ذلك في بيتين وأنشدناهما وهما:
وسبعة شبهوا بالمصطفى فما ... لهم بذلك قدر قد زكا ونما
سبطا النبي أبو سفيان سائبهم ... وجعفر وابنه ذو الجود مع قثما
وزاد فيهم بعض أصحابنا ثامنا وهو عبد الله بن جعفر، ونظم ذلك في بيتين أيضا، وقد زدت فيهما مسلم بن عقيل وكابس بن ربيعة فصاروا عشرة، ونظمت ذلك في بيتين وهما:
شبه النبي لعشر سائب وأبي ... سفيان والحسنين الطاهرين هما
وجعفر وابنه ثم ابن عامر هم ... ومسلم كابس يتلوه مع قثما
وقد وجدت بعد ذلك أن فاطمة ابنته عليها السلام كانت تشبهه، فيمكن أن يغير من البيت الأول قوله: "لعشر" فيجعل"لياء" وهو بالحساب أحد عشر ويغير "الطاهرين هما" فيجعل "ثم أمهما". ثم وجدت أن إبراهيم ولده عليه السلام كان يشبهه فيغير قوله لياء فيجعل "ليب" وبدل الطاهرين هما" الخال أمهما" ثم وجدت في قصة جعفر بن أبي طالب أن ولديه عبد الله وعوفا كانا يشبهانه فيجعل أول البيت "شبه النبي ليج" والبيت الثاني" وجعفر ولداه وابن عامرهم" إلخ، ووجدت من نظم الإمام أبي الوليد بن الشحنة قاضي حلب ولم أسمعه منه:
وخمس عشر لهم بالمصطفى شبه
سبطاه وابنا عقيل سائب قثم
وجعفر وابنه عبدان مسلم أبو
سفيان كابس عثم ابن النجادهم
فزاد ابن عقيل الثاني وعثمان وابن النجاد، وأخل ممن ذكرته بابن جعفر الثاني، وأراد هو بقوله: "عبدان" تثنية عبد وهما عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الحارث، ولو كان أراد اسما مفردا لم يتم له خمسة عشرة. وقد تعقب قوله

(7/97)


"ابنا عقيل" بالتثنية مع قوله: "ومسلم: "لأن مسلما هو ابن عقيل، ثم وجدت الجواب عنه يؤخذ مما ذكره أبو جعفر بن حبيب أن مسلم بن معتب بن أبي لهب ممن كان يشبه، ومسلم بن عقيل ذكره ابن حبان في ثقاته. ومحمد بن عقيل ذكره المزي في تهذيبه، وذكر ف"المحبر" أن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الملقب ببه كان يشبه، وذكر ذلك ابن عبد البر في "الاستيعاب" أيضا، وأراد ابن الشحنة بقوله: "عثم" ترخيم عثمان، واعتمد على ما جاء في حديث عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته أم كلثوم لما زوجها عثمان: إنه أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد " وهو حديث موضوع كما قاله الذهبي في ترجمة عمرو بن الأزهر أحد رواته. وهو وشيخه خالد بن عمر وكذبهما الأئمة، وانفرد بهذا الحديث، والمعروف في صفة عثمان خلاف ذلك، وأراد بابن النجاد علي بن علي بن النجاد بن رفاعة، واعتمد على ما ذكره ابن سعد عن عثمان أنه كان يشبه، وهذا تابعي صغير متأخر عن الذين تقدم ذكرهم فلذلك لم أعول عليه، وعلى تقدير اعتباره يكون قد فاته ممن وصف بذلك القاسم بن عبد الله بن محمد بن عقيل، وإبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ويحيى بن القاسم بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، فكل من هؤلاء مذكور في كتب الأنساب أنه كان يشبه، حتى إن يحيى المذكور كان يقال له "الشبيه" لأجل ذلك، والمهدي الذي يخرج في آخر الزمان جاء أنه يشبه وواطأ اسمه واسم أبيه اسم النبي صلى الله عليه وسلم واسم أبيه، وذكر ابن حبيب أيضا محمد بن جعفر بن أبي طالب، وهو غلط لأنه وقع في الخبر الذي تقدم في جعفر أنه قال في حق محمد بن جعفر شبيه عمه أبي طالب، وقد سلم ابن الشحنة منه، وقد غيرت بيتي هكذا:
شبه النبي ليه سائب وأبي ... سفيان والحسنين الخال أمهما
وجعفر ولديه وابن عامر كا ... بس ونجلي عقيل ببة قثما
فاقتصرت على ثلاثة عشر ممن ذكرهم ابن الشحنة، وأبدلتهما باثنين فوفيت عدته مع السلامة مما تعقب عليه، والله الموفق. وذكر ابن يونس في "تاريخ مصر" عبد الله بن أبي طلحة الخولاني وأنه شهد فتح مصر وأمره عمر بأن لا يمشي إلا مقنعا لأنه كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وكان له عبادة وفضل، وفي قصة الكاهنة مع أويس أنها قالت لهم أشبه الناس بصاحب المقام - أي إبراهيم الخليل - هذا، تشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: "عن محمد بن أبي يعقوب" هو محمد بن عبد الله البصري الضبي، ويقال إنه تميمي. وقال شعبة مرة "حدثني محمد بن أبي يعقوب وكان سيد بني تميم" وهو ثقة باتفاق. قوله: "سمعت ابن أبي نعم" بضم النون وسكون المهملة وهو عبد الرحمن يكنى أبا الحكم البجلي. قوله: "وسأله عن المحرم" في رواية مهدي بن ميمون عن ابن أبي يعقوب كما سيأتي في الأدب "وسأله رجل" ورأيت في بعض النسخ من رواية أبي ذر الهروي "وسألته" فإن كانت محفوظة فقد عرف اسم السائل، لكن يبعده أن في رواية جرير بن حازم عن محمد بن أبي يعقوب عند الترمذي" أن رجلا من أهل العراق سأل" وفي رواية لأحمد "وأنا جالس عنده" ونحوها في رواية مهدي المذكورة في الأدب. قوله: "قال شعبة: أحسبه يقتل الذباب" وقع عند أبي داود الطيالسي عن شعبة بغير شك. وفي رواية جرير بن حازم المذكورة" سئل ابن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب" وكذا هو في رواية مهدي بن ميمون المذكورة، يحتمل أن يكون السؤال وقع عن الأمرين، والله أعلم. قوله: "فقال: أهل العراق يسألون عن الذباب" في رواية أبي داود" فقال: يا أهل العراق، تسألونني

(7/98)


عن الذباب" أورد ابن عمر هذا متعجبا من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير وتفريطهم في الشيء الجليل. قوله: "ريحانتاي" كذا للأكثر بالتثنية، ولأبي ذر "ريحاني" بالإفراد والتذكير، وشبههما بذلك لأن الولد يشم ويقبل، ووقع في رواية جرير بن حازم" أن الحسن والحسين هما ريحانتي" وعند الترمذي من حديث أنس" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إليه" وفي رواية الطبراني في "الأوسط" من طريق أبي أيوب قال: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين يلعبن بين يديه، فقلت: أتحبهما يا رسول الله؟ قال: "وكيف لا وهما ريحانتاي من الدنيا أشمهما"

(7/99)


23- باب مَنَاقِبِ بِلاَلِ بْنِ رَبَاحٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ"
3754-حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "كَانَ عُمَرُ يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا يَعْنِي بِلاَلًا"
3755-حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ أَنَّ بِلاَلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ فَأَمْسِكْنِي وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِلَّهِ فَدَعْنِي وَعَمَلَ اللَّهِ"
قوله: "مناقب بلال بن رباح" بفتح الراء والموحدة وآخره مهملة، وقد تقدم في "باب البيع والشراء مع المشركين" من البيوع بيان الاختلاف في كيفية شرائه، وذكر ابن سعد أنه كان من مولدي السراة، واسم أمه حمامة وكانت لبعض بني جمح، وجاء عن أنس عند الطبراني وغيره إنه حبشي وهو المشهور، وقيل نوبي. قوله: "مولى أبي بكر" روى أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن قيس بن أبي حازم قال: "اشترى أبو بكر بلالا بخمس أواق، وهو مدفون بالحجارة". قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سمعت دف نعليك في الجنة" هو طرف من حديث أورده في صلاة الليل، وقد تقدم شرحه. قوله: "كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا، يعني بلالا" قال ابن التين: يعني أن بلالا من السادة، ولم يرد أنه أفضل من عمر. وقال غيره: السيد الأول حقيقة والثاني قاله تواضعا على سبيل المجاز، أو أن السيادة لا تثبت الأفضلية، فقال ابن عمر "ما رأيت أسود من معاوية" مع أنه رأى أبا بكر وعمر. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي خالد "عن قيس" هو ابن أبي حازم. قوله: "أن بلالا قال لأبي بكر" كأن قوله ذلك لأبي بكر في خلافة أبي بكر، وقد وقع ذلك صريحا في رواية أحمد عن أبي أسامة عن إسماعيل بلفظ: "قال بلال لأبي بكر حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "فدعني وعمل الله" في رواية الكشميهني: "وعملي لله" وفي رواية أبي أسامة "فذرني أعمل لله" وذكر ابن سعد في" الطبقات" في هذه القصة من الزيادة" أنه قال رأيت أفضل عمل المؤمن الجهاد، فأردت أن أرابط في سبيل الله، وأن أبا بكر قال لبلال: أنشدك الله وحقي، فأقام معه بلال حتى توفي، فلما مات أذن له عمر فتوجه إلى الشام مجاهدا فمات بها في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، وقيل: سنة عشرين" والله أعلم. وكانت وفاته بدمشق ودفن بباب الصغير وبهذا جزم النووي، وقيل: دفن بباب كيسان، وقيل: بداريا، وقيل: بحلب، ورده المنذري وقال: الذي مات بحلب أخوه خالد، وزعم ابن السمعاني

(7/99)


أن بلالا مات بالمدينة، وغلطوه.

(7/100)


24 - باب ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
3756-حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال"ضمنى النبي صلي الله علية وسلم إلى صدرهِ وقال: اللهم علمه الحكمة .وحدثنا عبد الوارث"وقال: اللهم علمه الكتاب ":
حدثنا موسى حدثنا وهيب عن خالد ... مثله. والحكمة الإصابة في غير النبوة
قوله: "ذكر ابن عباس" أي عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، يكنى أبا العباس، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين. ومات بالطائف سنة ثمان وستين، وكان من علماء الصحابة حتى كان عمر يقدمه مع الأشياخ وهو شاب، أورد فيه حديثه قال: "ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقال اللهم علمه الحكمة ، وفي لفظ علمه الكتاب " وهو يؤيد من فسر الحكمة هنا بالقرآن، وقد استوعبت ما قيل في تفسيرها في أوائل كتاب العلم، وقد تقدم هذا الحديث في كتاب العلم وفي الطهارة مع بيان سببه وبيان من زاد فيه: "وعلمه التأويل" وهذه الفظة اشتهرت على الألسنة "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" حتى نسبها بعضهم للصحيحين ولم يصب، والحديث عند أحمد بهذا اللفظ من طريق ابن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعند الطبراني من وجهين آخرين، وأوله في هذا الصحيح من طريق عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس دون قوله: "وعلمه التأويل" وأخرجها البزار من طريق شعيب بن بشر عن عكرمة بلفظ: "اللهم علمه تأويل القرآن" وعند أحمد من وجه آخر عن عكرمة "اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل" واختلف في المراد بالحكمة هنا فقيل: الإصابة في القول، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب بالصواب، وقيل غير ذلك. وكان ابن عباس من أعلم الصحابة بتفسير القرآن. وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: "لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل" وكان يقول: "نعم ترجمان القرآن ابن عباس" وروى هذه الزيادة ابن سعد من وجه آخر بن عبد الله بن مسعود، وروى أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن ابن عمر قال: "هو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد" وأخرج ابن أبي خيثمة نحوه بإسناد حسن، وروى يعقوب أيضا بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: "قرأ ابن عباس سورة النور ثم جعل يفسرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت" ورواه أبو نعيم في "الحلية" من وجه آخر بلفظ: "سورة البقرة" وزاد أنه" كان على الموسم" يعني سنة خمس وثلاثين، كان عثمان أرسله لما حضر

(7/100)


25- باب مَنَاقِبِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
3757-حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ

(7/100)


26 - باب مَنَاقِبِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
3758-حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ ذُكِرَ عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ ذَاكَ رَجُلٌ لاَ أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَبَدَأَ بِهِ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ لاَ أَدْرِي بَدَأَ بِأُبَيٍّ أَوْ بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.قال: لا أدرى،بدأ بأبي أو بمعاذ"
[الحديث 3758-أطرفه في: 3760، 3806، 3808، 4999]
قوله: "باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة" أي ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان مولاه أبو حذيفة بن عتبة من أكابر الصحابة وشهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل أبو يومئذ كافرا فساءه ذلك فقال: "كنت أرجو أن يسلم، لما كنت أرى من عقله" واستشهد أبو حذيفة باليمامة، وأما سالم فكان من السابقين الأولين، وقد أشير في هذا الحديث إلى أنه كان عارفا بالقرآن، وسبق في كتاب الصلاة أنه كان يؤم المهاجرين بقباء لما قدموا من مكة،

(7/101)


وشهد سالم بدرا وما بعدها، ويقال إن اسم أبيه معقل، وكان مولى لامرأة من الأنصار فتبناه أبو حذيفة لما تزوجها فنسب إليه، وسيأتي بيان ذلك في الرضاع، واستشهد سالم باليمامة أيضا. قوله: "ذكر" بالضم ولم أعرف اسم فاعله. قوله: "عبد الله" أي ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو أي ابن العاص. قوله: "فبدأ به" فيه أن التقديم يفيد الاهتمام، وقوله: "لا أدري بدأ بأبي أو بمعاذ" فيه أن الواو تقتضي الترتيب ظاهرا، وتخصيص هؤلاء الأربعة بأخذ القرآن عنهم إما لأنهم كانوا أكثر ضبطا له وأتقن لأدائه، أو لأنهم تفرغوا لأخذه منه مشافهة وتصدوا لأدائه من بعده، فلذلك ندب إلى الأخذ عنهم، لا أنه لم يجمعه غيرهم.

(7/102)


باب مناقب عبدالله بن مسعود
...
27- باب مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
3759-حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن سليمان قال سمعت أبا وائل قال سمعت مسروقاً قال قال عبد الله بن عمرو"إن رسول الله صلى لله علية وسلم لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً.وقال: إن من احبكم إلىً أحسنكم أخلاقا "
3760-"وقال: ا ستقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود،وسالم ومولى أبى حذيفة، وأبي ابن كعب، ومعاذ بن جبل "
3761-حدثنا موسى عن أبي عوانة عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة ثم دخلت الشام فصليت ركعتين فقلت اللهم يسر لي جليسا صالحا فرأيت شيخا مقبلا فلما دنا قلت أرجو أن يكون استجاب قال من أين أنت قلت من أهل الكوفة قال أفلم يكن فيكم صاحب النعلين والوساد والمطهرة أو لم الذي أجير من الشيطان أو لم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره كيف قرأ بن أم عبد والليل إذا يغشى فقرأت والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى قال أقرأنيها النبي صلى الله عليه وسلم فاه إلي في فما زال هؤلاء حتى كادوا يردونني"
3762-حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَأَلْنَا حُذَيْفَةَ عَنْ رَجُلٍ قَرِيبِ السَّمْتِ وَالْهَدْيِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَأْخُذَ عَنْهُ فَقَالَ مَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَقْرَبَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ"
[الحديث 3762-طرفه في:6097]
3763-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي

(7/102)


مِنْ الْيَمَنِ فَمَكُثْنَا حِينًا مَا نُرَى إِلاَّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا نَرَى مِنْ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 3763-طرفه في: 4384]
قوله: "باب مناقب عبد الله بن مسعود" وهو ابن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، مات أبوه في الجاهلية وأسلمت أمه وصحبت، فلذلك نسب إليها أحيانا، وكان هو من السابقين. وقد روى ابن حبان من طريقه أنه كان سادس ستة في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وسيأتي في غزوة بدر شهوده إياها، وولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان، وقدم في أواخر عمره المدينة، ومات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، وقد جاوز الستين، وكان من علماء الصحابة، وممن انتشر علمه بكثرة أصحابه والآخذين عنه. حديث حذيفة "ما أعلم أقرب أحدا سمتا" أي خشوعا "وهديا" أي طريقة "ودلا" بفتح المهملة والتشديد أي سيرة وحالة وهيئة وكأنه مأخوذ مما يدل ظاهر حاله على حسن فعاله. قوله: "من ابن أم عبد" هو عبد الله بن مسعود، وكانت أمه تكنى أم عبد، وقد ذكرت في الحديث الذي بعده حديث أبي موسى وتقدم التنبيه عليه في مناقب عمار، وقد روى الحاكم وغيره من طريق أبي وائل عن حذيفة قال: "لقد علم المحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله وسيلة يوم القيامة". قوله: "في حديث أبي موسى: قدمت أنا وأخي" تقدم بيان اسمه في مناقب أبي بكر الصديق، وقوله: "ما نرى" حال من فاعل مكثنا أو صفة لقوله حينا، والحديث دال على ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يستلزم ثبوت فضله.

(7/103)


28-- باب ذِكْرِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
3764-حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 3764-طرفه فى:3765]
3765-حدثنا ابن مريم حدثنا نافع بن عمر حدثنى ابن أبي ملكية "قيل لابن عباسٍ:هل لك في أمير المؤمنين معاوية فانه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه"
3766-حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلاَةً لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ"

(7/103)


قوله: "باب ذكر معاوية" أي ابن أبي سفيان واسمه صخر ويكنى أيضا أبا حنظلة بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أسلم قبل الفتح، وأسلم أبواه بعده، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم وكتب له، وولي إمرة دمشق عن عمر بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان سنة تسع عشرة واستمر عليها بعد ذلك إلى خلافة عثمان، ثم زمان محاربته لعلي وللحسن، ثم اجتمع عليه الناس في سنة إحدى وأربعين إلى أن مات سنة ستين، فكانت ولايته بين إمارة ومحاربة ومملكة أكثر من أربعين سنة متوالية.قوله: "حدثنا المعافى" هو ابن عمران الأزدي الموصلي يكنى أبا مسعود، وكان من الثقات النبلاء، وقد لقي بعض التابعين، وتلمذ لسفيان الثوري، وكان يلقب ياقوتة العلماء، وكان الثوري شديد التعظيم له، مات سنة خمس أو ست وثمانين ومائة، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وموضع آخر تقدم في الاستسقاء، وفي الرواة آخر يقال له المعافى بن سليمان أصغر من هذا، ووهم من عكس ذلك على ما يظهر من كلام ابن التين، ومات المعافى بن سليمان سنة مائتين وأربع وثلاثين، أخرج له النسائي وحده وأخرج للمعافى بن عمران مع البخاري أبو داود والنسائي.قوله: "وعنده مولى لابن عباس" هو كريب، روي ذلك محمد بن نصر المروزي في "كتاب الوتر" له من طريق ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن كريب.وأخرج من طريق علي بن عبد الله بن عباس قال: "بت مع أبي عند معاوية، فرأيته أوتر بركعة، فذكرت ذلك لأبي فقال: يا بني، هو أعلم".قوله: "فقال دعه" فيه حذف يدل عليه السياق تقديره: فأتى ابن عباس فحكى له ذلك فقال له: دعه، وقوله: "دعه" أي اترك القول فيه والإنكار عليه "فإنه قد صحت" أي فلم يفعل شيئا إلا بمستند.وفي قوله في الرواية الأخرى "أصاب، إنه فقيه" ما يؤيد ذلك، ولا التفات إلى قول ابن التين: إن الوتر بركعة لم يقل به الفقهاء، لأن الذي نفاه قول الأكثر، وثبت فيه عدة أحاديث، نعم الأفضل أن يتقدمها شفع وأقله ركعتان، واختلف أيما الأفضل وصلهما بها ثم اورد حديث معاوية في النهي عن الصلاة بعد العصر، والغرض منه قوله: "لقد صحبنا النبي صلى الله عليه وسلم": والكلام على الصلاة بعد صلاة العصر تقدم في مكانه في كتاب الصلاة."تنبيه": عير البخاري في هذه الترجمة بقوله ذكر ولم يقل فضيلة ولا منقبة لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب، لأن ظاهر شهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة دالة على الفضل الكثير، وقد صنف ابن أبي عاصم جزءا في مناقبه، وكذلك أبو عمر غلام ثعلب، وأبو بكر النقاش وأورد ابن الجوزي في الموضوعات بعض الأحاديث التي ذكروها ثم ساق عن إسحاق بن راهويه أنه قال لم يصح في فضائل معاوية شيء، فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ منقبة اعتمادا على قول شيخه، لكن بدقيق نظره استنبط ما يدفع به رءوس الروافض، وقصة النسائي في ذلك مشهورة، وكأنه اعتمد أيضا على قول شيخه إسحاق، وكذلك في قصة الحاكم.وأخرج ابن الجوزي أيضا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثم قال: اعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا، فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيادا منهم لعلي، فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما، والله أعلم

(7/104)


29-- باب مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَم
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ"
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي"
قوله: "باب مناقب فاطمة" أي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة عليها السلام، ولدت فاطمة في الإسلام، وقيل: قبل البعثة، وتزوجها علي رضي الله عنه بعد بدر في السنة الثانية، وولدت له وماتت سنة إحدى عشرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة، وقيل: بل عاشت بعده ثمانية وقيل: ثلاثة وقيل: شهرين وقيل: شهرا واحدا، ولها أربع وعشرون سنة وقيل: غير ذلك فقيل إحدى وقيل: خمس وقيل: تسع وقيل: عاشت ثلاثين سنة وسيأتي من مناقب فاطمة في ذكر أمها خديجة في أول السيرة النبوية.وأقوى ما يستدل به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها ومن بعدهن ما ذكر من قوله صلى الله عليه وسلم أنها سيدة نساء العالمين إلا مريم وأنها رزئت بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيرها من بناته فإنهن متن في حياته فكن في صحيفته ومات هو في حياتها فكان في صحيفتها، وكنت أقول ذلك استنباطا إلى أن وجدته منصوصا: قال أبو جعفر الطبري في تفسير آل عمران من التفسير الكبير من طريق فاطمة بنت الحسين بن علي: إن جدتها فاطمة قالت: "دخل رسول صلى الله عليه وسلم يوما وأنا عند عائشة فناجاني فبكيت، ثم ناجاني فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك فقلت: لقد علمت أأخبرك بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتركتني.فلما توفي سألت فقلت: "ناجاني" فذكر الحديث في معارضة جبريل له بالقرآن مرتين وأنه قال: "أحسب أني ميت في عامي هذا؛ وأنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين مثل ما رزئت، فلا تكوني دون امرأة منهن صبرا ، فبكيت، فقال: أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم فضحكت" .قلت: وأصل الحديث في الصحيح دون هذه الزيادة.قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" هو طرف من حديث وصله المؤلف في "علامات النبوة" وعند الحاكم من حديث حذيفة بسند جيد "أتى النبي صلى الله عليه وسلم ملك وقال إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" وقد تقدم في آخر أحاديث الأنبياء ما ورد في بعض طرقه من ذكر مريم عليها السلام وغيرها مشاركة لها في ذلك.قوله: "عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة" كذا رواه عنه عمرو بن دينار، وتابعه الليث وابن لهيعة وغيرهما رواه أيوب عن ابن أبي مليكة فقال: عن عبد الله بن الزبير، أخرجه الترمذي وصححه وقال:يحتمل أن يكون ابن أبي مليكة سمعه منهما جميعا، ورجح الدار قطني وغيره طريق المسور، والأول أثبت بلا ريب لأن المسور قد روى هذا الحديث قصة مطولة قد تقدمت في "باب أصهار النبي صلى الله عليه وسلم".نعم يحتمل أن يكون ابن الزبير سمع هذه القطعة فقط أو سمعها من المسور فأرسلها.قوله: "بضعة" بفتح الموحدة وحكي ضمها وكسرها أيضا وسكون المعجمة أي قطعة لحم.قوله: "فمن أغضبها أغضبني" استدل به السهيلي على أن من سبها فإنه يكفر، وتوجيهه أنها تغضب ممن سبها، وقد سوى بين غضبها وغضبه ومن أغضبه صلى الله عليه وسلم يكفر، وفي هذا التوجيه نظر لا يخفى، وسيأتي بقية ما يتعلق بفضلها في ترجمة والدتها خديجة إن شاء الله تعالى، وفيه أنها أفضل بنات النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ما أخرجه الطحاوي وغيره من حديث عائشة في قصة مجيء زيد بن حارثة بزينب بنت رسول صلى الله عليه وسلم من مكة وفي آخره: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هي أفضل

(7/105)


بناتي أصيبت في" فقد أجاب عنه بعض الأئمة بتقدير ثبوته بأن ذلك كان متقدما، ثم وهب الله لفاطمة من الأحوال السنية والكمال ما لم يشاركها أحد من نساء هذه الأمة مطلقا والله أعلم.وقد مضى تقرير أفضليتها في ترجمة مريم من حديث الأنبياء، ويأتي أيضا في ترجمة خديجة إن شاء الله تعالى.

(7/106)


30 - باب فَضْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
3768-حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ إِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَوْمًا يَا عَائِشَ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلاَمَ فَقُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى مَا لاَ أَرَى تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
3769-حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ و حَدَّثَنَا عَمْرٌو أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ"
3770-حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال حدثني محمد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"
[الحديث 3770-طرفاه في:5416، 5428]
3771-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ اشْتَكَتْ فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقْدَمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ"
[الحديث 3771- طرفاه فيك4753، 4754 ]
3772-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ لَمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارًا وَالْحَسَنَ إِلَى الْكُوفَةِ لِيَسْتَنْفِرَهُمْ خَطَبَ عَمَّارٌ فَقَالَ إِنِّي لاَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلاَكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا"
[الحديث 3772- طرفاه في: 7100، 7101 ]
3773-حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلاَةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ جَزَاكِ

(7/106)


اللَّهُ خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً"
3774--"حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ وَيَقُولُ أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا حِرْصًا عَلَى بَيْتِ عَائِشَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ"
3775-حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَاجْتَمَعَ صَوَاحِبِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ وَاللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ وَإِنَّا نُرِيدُ الْخَيْرَ كَمَا تُرِيدُهُ عَائِشَةُ فَمُرِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا إِلَيْهِ حَيْثُ مَا كَانَ أَوْ حَيْثُ مَا دَارَ قَالَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَلَمَّا عَادَ إِلَيَّ ذَكَرْتُ لَهُ ذَاكَ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ ذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ لاَ تُؤْ ذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا "
قوله "باب فضل عائشة رضي الله عنها" هي الصديقة بنت الصديق وأمها أم رومان تقدم ذكرها في علامات النبوة وكان مولدها في الإسلام قبل الهجرة بثمان سنين أو نحوها ومات النبي صلى الله عليه وسلم ولها نحو ثمانية عشر عاما وقد حفظت عنه شيئا كثيرا وعاشت بعده قريبا من خمسين سنة فأكثر الناس الاخذ عنها ونقلوا عنها من الاحكام والاداب شيئا كثيرا حتى قيل ان ربع الاحكام الشرعية منقول عنها رضي الله عنها وكان موتها في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين وقيل في التي بعدها ولم تلد للنبي صلى الله عليه وسلم شيئا على الصواب وسألته ان تكتني فقال اكتني بابن اختك فاكتنت أم عبد الله واخرج بن حبان في صحيحه من حديث عائشة انه كناها بذلك لما احضر اليه بن الزبير ليحنكه فقال هو عبد الله وأنت أم عبد الله قالت فلم ازل اكنى بها ثم ذكر فيه المصنف ثمانية أحاديث الأول، قوله "ياعائش" بضم الشين ويجوز فتحها وكذلك يجوز في كل اسم مرخم قوله "ترى ما لاارى" تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من قول عائشة وقد استنبط بعضهم من هذا الحديث فضل خديجة على عائشة لان الذي ورد في حق خديجة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لها "ان جبريل يقرئك السلام من ربك" وأطلق هنا السلام من جبريل نفسه وسيأتي تقرير ذلك في مناقب خديجة الحديث الثاني حديث أبي موس ى كمل بتثليث الميم من الرجال كثير وتقدم الكلام عليه في قصة موسى عليه السلام ثم الكلام على هذا الحديث في ذكر اسية امرأة فرعون وتقرير ان قوله "وفضل عائشة الخ" لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة وقد أشار بن حبان الى ان افضليتها التي يدل عليها هذا الحديث وغيره مقيدة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم حتى لايدخل فيها مثل فاطمة عليها السلام جمعا بين هذا الحديث وبين حديث "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة" الحديث وقد أخرجه الحاكم بهذا اللفظ من حديث بن عباس وسيأتي في مناقب خديجة من حديث علي مرفوعا خير نسائها خديجة ويأتي بقية الكلام عليه هناك ان شاء الله تعالى وقوله "كفضل الثريد" زاد معمر من وجه اخر مرثد باللحم وهو اسم الثريد الكامل وعليه قول الشاعر:

(7/107)


ذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك امانة الله الثريد
الحديث الثالث حديث أنس" فضل عائشة على النساء كفضل الثريد وهو طرف من الحديث الذي قبله وكأن المصنف اخذ منه لفظ الترجمة فقال فضل عائششة ولم يقل مناقب ولا ذكر كما قال في غيرها الحديث الرابع حديث بن عباس، قوله "ان عائشة اشتكت" أي ضعفت قوله "تقدمين" بفتح الدال "على فرط" بفتح الفاء والراء بعدها مهملة وهو المتقدم من كل شيء قال بن التين فيه انه قطع لها بدخول الجنة إذ لا يقول ذلك الا بتوقيف وقوله على رسول الله بدل بتكرير العامل وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في تفسير سورة النور الحديث الخامس حديث عمار "اني لأعلم انها زوجته" أي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة وعند بن حبان من طريق سعيد بن كثير عن أبيه حدثتنا عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لها اما ترضين ان تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة فلعل عمارا كان سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وقوله في الحديث لتتبعوه أو إياها قيل الضمير لعلي لأنه الذي كان عمارا يدعو اليه والذي يظهر انه لله والمراد باتباع حكمه الشرعي في طاعة الامام وعدم الخروج عليه ولعله أشار الى قوله تعالى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} فإنه أمر حقيقي خوطب به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كانت أم سلمة تقول لا يحركني ظهر بعير حتى ألقى النبي صلى الله عليه وسلم والعذر في ذلك عن عائشة انها كانت متأولة هي وطلحة والزبير وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنهم أجمعين وكان رأي علي على الإجماع على الطاعة وطلب أولياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه الحديث السادس حديث عائشة في قصة القلادة وقد تقدم شرحه مستوفى في أول كتاب التيمم قال بن التين ليست هذه اللفظة محفوظة يعني انهم اتوا بالعقد أي ان المحفوظ قولها فأثرنا البعير فوجدنا العقد تحته الحديث السابع، قوله عن هشام عن أبيه "ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور الحديث" وهذا صورته مرسل ولكن تبين انه موصول عن عائشة في اخر الحديث حيث قال فقالت عائشة فلما كان يومي سكن وسيأتي في الوفاة من وجه اخر موصولا كله ويأتي سائر شرحه هناك ان شاء الله تعالى قال الكرماني قولها سكن أي مات أو سكت عن ذلك القول قلت الثاني هو الصحيح والأول خطأ صريح قال بن التين في الرواية الأخرى انهن اذن له ان يقيم ثم عائشة فظاهره يخالف هذا ويجمع باحتمال ان يكن اذن له بعد ان صار الى يومها يعني فيتعلق الإذن بالمستقبل وهو جمع حسن الحديث الثامن حديثها في ان الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة وفيه "والله مانزل علي الوحي وانا في لحاف امرأة منكن غيرها" وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الهبة وقوله في أوله حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب كذا للأكثر ووقع في رواية القابسي وعبدوس عن أبي زيد المروزي عبيد الله بالتصغير والصواب بالتكبير وقوله في هذه الرواية فقال "يا أم سلمة لاتؤذيني في عائشة فإنه والله مانزل علي الوحي وانا في لحاف امرأة منكن غيرها" وقع في الهبة "فان الوحي لم يأتني وانا في ثوب امرأة الا عائشة" فقلت اتوب الى الله تعالى وفي هذا الحديث منقبة عظيمة لعائشة وقد استدل به على فضل عائشة على خديجة وليس ذلك بلازم لأمرين أحدهما احتمال ان لا يكون أراد إدخال خديجة في هذا وان المراد بقوله منكن المخاطبة وهي أم سلمة ومن ارسلها أو من كان موجودا حينئذ من النساء والثاني على تقدير إرادة الدخول فلا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق كحديث "اقرؤكم أبي وافرضكم زيد" ونحو

(7/108)


ذلك ومما يسأل عنه الحكمة في اختصاص عائشة بذلك فقيل لمكان أبيها وانه لم يكن يفارق النبي صلى الله عليه وسلم في اغلب أحواله فسرى سره لابنته مع ما كان لها من مزيد حبه صلى الله عليه وسلم وقيل انها كانت تبالغ في تنظيف ثيابها التي تنام فيها مع النبي صلى الله عليه وسلم والعلم ثم الله تعالى وسيأتي مزيد لهذا في ترجمة خديجة ان شاء الله تعالى قال السبكي الكبير الذي لدين الله به ان قاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة والخلاف شهير ولكن الحق أحق ان يتبع وقال بن تيمية جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة وكأنه رأى التوقف وقال بن القيم ان أريد بالتفضيل كثرة الثواب ثم الله فذاك أمر لا يطلع عليه فان عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح وان أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة وان أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة وهي فضيلة لا يشاركها اخواتها وان أريد شرف السيادة فقد ثبت النص لفاطمة وحدها قلت امتازت فاطمة عن اخواتها بانهن متن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم واما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فان لخديجة ما يقابله وهي انها أول من أجاب الى الإسلام ودعا اليه واعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام فيها مثل أجر من جاء بعدها ولا يقدر قدر ذلك الا الله وقيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة فرع ذكر الرافعي ان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أفضل نساء هذه الأمة فان استثنيت فاطمة لكونها بضعة فاخواتها شاركها وقد اخرج الطحاوي والحاكم بسند جيد عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق زينب ابنته لما اوذيت ثم خروجها من مكة "هي أفضل بناتي اصيبت في" وقد وقع في حديث خطبة عثمان زيادة في مسند أبي يعلى تزوج عثمان خيرا من حفصة وتزوج حفصة خير من عثمان والجواب عن قصة زينب تقدم ويحتمل ان يقدر من وان يقال كان ذلك قبل ان يحصل لفاطمة جهة التفضيل التي امتازت بها عن غيرها من اخواتها كما تقدم قال بن التين فيه ان الزوج لايلزمه التسوية في النفقة بل يفضل من شاء بعد ان يقوم للاخرى بما يلزمه لها قال ويمكن ان لا يكون فيها دليل لاحتمال ان يكون من خصائصه كما قيل ان القسم لم يكن واجبا وانما كان يتبرع به

(7/109)