Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب المغازي
باب غزوة العشيرة , أو العسيرة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
64 - كِتَاب الْمَغَازِي
1 - باب غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ أَوْ الْعُسَيْرَةِ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ "أَوَّلُ مَا غَزَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَبْوَاءَ ثُمَّ بُوَاطَ ثُمَّ الْعُشَيْرَةَ"
3949- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَهْبٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ "كُنْتُ إِلَى جَنْبِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَقِيلَ لَهُ كَمْ غَزَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةٍ قَالَ تِسْعَ عَشْرَةَ قِيلَ كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ قَالَ سَبْعَ عَشْرَةَ قُلْتُ فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلَ قَالَ الْعُسَيْرَةُ أَوْ الْعُشَيْرُ فَذَكَرْتُ لِقَتَادَةَ فَقَالَ الْعُشَيْرُ"
[الحديث 3949- طرفاه في: 4471,4404]
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب المغازي. باب غزوة العشيرة": بالشين المعجمة كذا لأبي ذر، ولغيره تأخير البسملة عن قوله: "كتاب المغازي" وزادوا "باب غزوة العشيرة أو العسيرة" بالشك هل هي بالإهمال أو بالإعجام، مكانها عند منزل الحج بينبع، وليس بينها وبين البلد إلا الطريق. وخرج في خمسين ومائة وقيل مائتين، واستخلف فيها أبا سلمة بن عبد الأسد. والمغازي جمع مغزى، يقال غزا يغزو غزوا ومغزى والأصل غزوا والواحدة غزوة والميم زائدة، وعن ثعلب الغزوة المرة والغزاة عمل سنة كاملة، وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والمراد بالمغازي هنا ما وقع من قصد النبي صلى الله عليه وسلم الكفار بنفسه أو بجيش من قبله، وقصدهم أعم من أن يكون إلى بلادهم أو إلى الأماكن التي حلوها حتى دخل مثل أحد والخندق. قوله: "قال ابن إسحاق أول ما غزا النبي صلى الله عليه وسلم الأبواء ثم بواط ثم العشيرة" كذا للأكثر، وسقط لأبي ذر إلا عن المستملي وحده لكنه ذكره آخر الباب، والأبواء بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالمد قرية من عمل الفرع بينها وبين الجحفة من جهة المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، قيل سميت بذلك لما كان فيها من الوباء وهي على القلب وإلا لقيل الأوباء، والذي وقع في مغازي ابن إسحاق ما صورته: غزوة ودان بتشديد المهملة، قال: وهي أول غزوات النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة يريد قريشا، فوادع بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة من كنانة، وادعه رئيسهم مجدي بن عمرو الضميري ورجع بغير قتال. قال ابن هشام: وكان قد استعمل على المدينة سعد بن عبادة ا هـ. وليس بين ما وقع في السيرة وبين ما نقله البخاري عن ابن إسحاق اختلاف، لأن الأبواء وودان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال أو ثمانية، ولهذا وقع في حديث الصعب بن جثامة" وهو بالأبواء أو بودان" كما تقدم في كتاب الحج، ووقع في "مغازي الأموي" حدثني أبي عن ابن إسحاق قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غازيا بنفسه حتى انتهى إلى ودان وهي الأبواء. وقال موسى بن عقبة: أول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم - يعني بنفسه - الأبواء. وفي الطبراني من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: أول غزاة غزوناها مع النبي الأبواء. وأخرجه البخاري في "التاريخ الصغير" عن إسماعيل وهو ابن أبي أويس عن كثير بن

(7/279)


عبد الله مقتصرا عليه، وكثير ضعيف عند الأكثر، لكن البخاري مشاه وتبعه الترمذي، وذكر أبو الأسود في مغازيه عن عروة ووصله ابن عائذ من حديث ابن عباس" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين رجلا فلقوا جمعا من قريش فتراموا بالنبل، فرمى سعد بن أبي وقاص بسهم، وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله" وعند الأموي: يقال إن حمزة بن عبد المطلب أول من عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام راية، وكذا جزم به موسى بن عقبة وأبو معشر والواقدي في آخرين قالوا: وكان حامل رايته أبو مرثد حليف حمزة، وذلك في شهر رمضان من السنة الأولى، وكانوا ثلاثين رجلا ليعترضوا عير قريش، فلقوا أبا جهل في جمع كثير، فحجز بينهم مجدي. وأما بواط فبفتح الموحدة وقد تضم وتخفيف الواو وآخره مهملة: جبل من جبال جهينة بقرب ينبع، قال ابن إسحاق. ثم غزا في شهر ربيع الأول يريد قريشا أيضا حتى بلغ بواط من ناحية رضوي ورجع ولم يلق أحدا، ورضوي بفتح الراء وسكون المعجمة مقصور: جبل مشهور عظيم بينبع، قال ابن هشام: وكأن استعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، وفي نسخة السائب بن مظعون، وعليه جرى السهيلي. وقال الواقدي سعد بن معاذ. وأما العشيرة فلم يختلف على أهل المغازي أنها بالمعجمة والتصغير وآخرها هاء، قال ابن إسحاق هي ببطن ينبع، وخرج إليها جمادى الأولى يريد قريشا أيضا، فوادع فيها بني مدلج من كنانة. قال ابن هشام استعمل فيها على المدينة أبا مسلمة بن عبد الأسد. وذكر الواقدي أن هذه السفرات الثلاث كان يخرج فيها ليلتقي تجار قريش حين يمرون إلى الشام ذهابا وإيابا، وسبب ذلك أيضا أنها كانت وقعة بدر وكذلك السرايا التي بعثها قبل بدر كما سيأتي، قال ابن إسحاق: ولما رجع إلى المدينة لم يقم إلا ليالي حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ سفران - بفتح المهملة والفاء - من ناحية بدر، فقاتله كرز بن جابر، وهذه هي بدر الأولى، وقد تقدم في العلم البيان عن سرية عبد الله بن جحش وأنه ومن معه لقوا ناسا من قريش راجعين بتجارة من الشام فقاتلوهم، واتفق وقوع ذلك في رجب، فقتلوا منهم وأسروا وأخذوا الذي كان معهم، وكان أول قتل وقع في الإسلام وأول مال غنم، وممن قتل عبد الله بن الحضرمي أخو عمرو بن الحضرمي الذي حرض به أبو جهل قريشا على القتال ببدر. وقال الزهري: أول آية نزلت في القتال كما أخبرني عروة عن عائشة {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} أخرجه النسائي وإسناده صحيح. وأخرج هو والترمذي وصححه الحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، ليهلكن. فنزلت: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} الآية. قال ابن عباس: فهي أول آية أنزلت في القتال" وذكر غيره أنهم أذن لهم في قتال من قاتلهم بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ثم أمروا بالقتال مطلقا بقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا} الآية. قوله: "حدثنا وهب" هو ابن جرير بن حازم، وأبو إسحاق هو السبيعي. قوله: "فقيل له" القائل هو الراوي أبو إسحاق بينه إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق كما سيأتي آخر المغازي بلفظ: "سألت زيد بن أرقم" ويؤيده أيضا قوله في هذه الرواية آخرا "فأيهم". قوله: "تسع عشرة" كذا قال ومراده الغزوات التي خرج النبي صلى الله عليه وسلم فيها بنفسه سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون وإسناده صحيح وأصله في مسلم، فعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها ولعلهما الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ: "قلت أول غزوة غزاها؟ قال:

(7/280)


ذات العشير أو العشيرة" ا هـ والعشيرة كما تقدم هي الثالثة، وأما قول ابن التين: يحمل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو، أي زيد بن أرقم، فقلت ما أول غزوة غزاها أي وأنت معه؟ قال: العشير، فهو محتمل أيضا، ويكون قد خفي عليه ثنتان مما بعد ذلك. أو عد الغزوتين واحدة، فقد قال موسى بن عقبة" قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه في ثمان: بدر ثم أحد ثم الأحزاب ثم المصطلق ثم خيبر ثم مكة ثم حنين ثم الطائف" ا هـ وأهمل غزوة قريظة لأنه ضمها إلى الأحزاب لكونها كانت في أثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عد الطائف وحنين واحدة لتقاربهما، فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر، وقد توسع ابن سعد فبلغ عدة المغازي التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعا وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي، وهو مطابق لما عده ابن إسحاق إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السهيلي، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يحمل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: "غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين" وأخرجه يعقوب بن سفيان عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق فيه أن سعيدا قال أولا ثماني عشرة ثم قال أربعا وعشرين، قال الزهري: فلا أدري أو هم أو كان شيئا سمعه بعد. قلت: وحمله على ما ذكرته يدفع الوهم ويجمع الأقوال والله أعلم. وأما البعوث والسرايا فعد ابن إسحاق ستا وثلاثين وعد الواقدي ثمانيا وأربعين. وحكى ابن الجوزي في "التلقيح" ستا وخمسين، وعد المسعودي ستين، وبلغها شيخنا في "نظم السيرة" زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في "الإكليل" أنها تزيد على مائة فلعله أراد ضم المغازي إليها. قوله: "قلت فأيهم كان أول"؟ كذا للجميع، قال ابن مالك: والصواب "فأيها" أو "أيهن" ووجهه بعضهم على أن المضاف محذوف والتقدير فأي غزوتهم؟ قلت: وقد أخرجه الترمذي عن محمود بن غيلان عن وهب بن جرير بالإسناد الذي ذكره المصنف بلفظ: "قلت فأيتهن"؟ فدل على أن التعبير من البخاري أو من شيخه عبد الله بن محمد المسندي أو من شيخه وهب بن جرير حدث به مرة على الصواب ومرة على غيره إن لم يصح له توجيه. قوله: "العشير أو العشيرة" كذا بالتصغير والأول بالمعجمة بلا هاء والثانية بالمهملة وبالهاء، ووقع في الترمذي العشير أو العسير بلا هاء فيهما. قوله: "فذكرت لقتادة" القائل هو شعبة، وقول قتادة" العشيرة" هو بالمعجمة وبإثبات الهاء ومنهم من حذفها، وقول قتادة هو الذي اتفق عليه أهل السير وهو الصواب، وأما غزوة العسيرة بالمهملة فهي غزوة تبوك قال الله تعالى: {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} وسميت بذلك لما كان فيها من المشقة كما سيأتي بيانه، وهي بغير تصغير، وأما هذه فنسبت إلى المكان الذي وصلوا إليه واسمه العشير أو العشيرة يذكر ويؤنث وهو موضع، وذكر ابن سعد أن المطلوب في هذه الغزاة هي عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة ففاتتهم، وكانوا يترقبون رجوعها فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يتلقاها ليغنمها، فبسبب ذلك كانت وقعة بدر، قال ابن إسحاق: فإن السبب في غزوة بدر ما حدثني يزيد بن رومان عن عروة أن أبا سفيان كان بالشام في ثلاثين راكبا منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص، فأقبلوا في قافلة عظيمة فيها أموال قريش، فندب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وكان أبو سفيان يتجسس الأخبار فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفر أصحابه بقصدهم، فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى قريش بمكة يحرضهم على المجيء لحفظ أموالهم ويحذرهم المسلمين فاستنفرهم ضمضم، فخرجوا في ألف راكب ومعهم مائة فرس، واشتد حذر أبي سفيان فأخذ طريق الساحل وجد في السير حتى فات المسلمين، فلما أمن أرسل إلى من يلقى قريشا يأمرهم

(7/281)


بالرجوع، فامتنع أبو جهل من ذلك، فكان ما كان من وقعة بدر.

(7/282)


2 - باب ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُقْتَلُ بِبَدْرٍ
3950- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ فَقَالَ لِأُمَيَّةَ انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ يَا أَبَا صَفْوَانَ مَنْ هَذَا مَعَكَ فَقَالَ هَذَا سَعْدٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ أَلاَ أَرَاكَ تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا وَقَدْ أَوَيْتُمْ الصُّبَاةَ وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلاَ أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لاَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ لاَ تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِي فَقَالَ سَعْدٌ دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ قَالَ بِمَكَّةَ قَالَ لاَ أَدْرِي فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ يَا أُمَّ صَفْوَانَ أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ قَالَتْ وَمَا قَالَ لَكَ قَالَ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ فَقُلْتُ لَهُ بِمَكَّةَ قَالَ لاَ أَدْرِي فَقَالَ أُمَيَّةُ وَاللَّهِ لاَ أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ قَالَ أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ يَا أَبَا صَفْوَانَ إِنَّكَ مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي فَوَاللَّهِ لاَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي فَقَالَتْ لَهُ يَا أَبَا صَفْوَانَ وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ قَالَ لاَ مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلاَّ قَرِيبًا فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لاَ يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلاَّ عَقَلَ بَعِيرَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِبَدْرٍ"
قوله "باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يقتل ببدر" أي قبل وقعة بدر بزمان فكان كما قال ووقع عند مسلم من حديث أنس عن عمر قال"أن النبي صلى الله عليه وسلم ليرنا مصارع أهل بدر يقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله وهذا مصرع فلان . فو الذي بعثه بالحق ما أخطأوا تلك الحدود" الحديث وهذا وقع وهم ببدر في الليلة التي التقوا في صبيحتها, بخلاف حديث الباب فإنه قبل ذلك بزمان. قوله: "شريح" هو بمعجمة وآخره مهملة، وإبراهيم بن يوسف عن أبيه هو يوسف بن إسحاق السبيعي. قوله: "أنه سمع عبد الله بن مسعود حدث عن سعد بن

(7/282)


معاذ قال كان صديقا" فيه التفات على رأي، والسياق يقتضي أن يقول كنت صديقا، ويحتمل أن يكون" قال: "زائدة ويكون قوله: "قال: "من كلام ابن مسعود، والمراد سعد بن معاذ، وهي رواية النسفي. قوله: "على أمية" بن خلف ووقع في علامات النبوة من طريق إسرائيل عن ابن إسحاق "أمية بن خلف بن صفوان"، كذا للمروزي، وكذا أخرجه أحمد والبيهقي من طريق إسرائيل، والصواب ما عند الباقين" أمية بن خلف أبي صفوان"، وعند الإسماعيلي: "أبي صفوان أمية بن خلف" وهي كنية أمية كني بابنه صفوان بن أمية، وكذلك اتفق أصحاب أبي إسحاق ثم أصحاب إسرائيل على أن المنزول عليه أمية بن خلف، وخالفهم أبو علي الحنفي فقال: نزل على عتبة بن ربيعة، وساق القصة كلها، أخرجه البزار. وقول الجماعة أولى. وعتبة بن ربيعة قتل ببدر أيضا لكنه لم يكن كارها في الخروج من مكة إلى بدر، وإنما حرض الناس على الرجوع بعد أن سلمت تجارتهم فخالفه أبو جهل، وفي سياق القصة البيان الواضح أنها لأمية بن خلف لقوله فيها" فقال لامرأته يا أم صفوان" ولم يكن لعتبة بن ربيعة امرأة يقال لها أم صفوان. قوله: "فقال" أي سعد بن معاذ "لأمية" بن خلف "انظر لي ساعة خلوة" في رواية إسرائيل" فقال أمية لسعد: ألا تنظر حتى يكون نصف النهار" والجمع بينهما بأن سعدا سأله وأشار عليه أمية، وإنما اختار له نصف النهار لأنه مظنة الخلوة. قوله: "ألا أراك" بتخفيف اللام للاستفتاح، وللكشميهني بحذف همزة الاستفهام وهي مرادة. قوله: "أو يتم" بالمد والقصر، والصباة بضم المهملة وتخفيف الموحدة جمع صابي بموحدة مكسورة ثم تحتانية خفيفة بغير همز وهو الذي ينتقل من دين إلى دين. وفي رواية إسرائيل "وقد أويتم محمدا وأصحابه". قوله: "طريقك على المدينة" أي ما يقاربها أو يحاذيها، قالا الكرماني: طريقك بالنصب والرفع. قلت: النصب أصح لأن عامله لأمنعنك، فهو بدل من قوله ما هو أشد عليك، وأما الرفع فيحتاج إلى تقدير. وفي رواية إسرائيل متجرك إلى الشام، وهو المراد بقطع طريقه على المدينة. قوله: "على أبي الحكم" هي كنية أبي جهل، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي لقبه بأبي جهل. قوله: "فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنهم قاتلوك" كذا أتى بصيغة الجمع والمراد المسلمون، أو النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره بهذه الصيغة تعظيما، وفي بقية سياق القصة ما يؤيد هذا الثاني، ووقع لبعضهم "قاتليك" بتحتانية بدل الواو وقالوا هي لحن، ووجهت بحذف الأداة والتقدير أنهم يكونون قاتليك. وفي رواية إسرائيل "أنه قاتلك" بالإفراد، وقد قدمت في "علامات النبوة" بيان وهم الكرماني في شرح هذا الموضع وأنه ظن أن الضمير لأبي جهل فاستشكله فقال إن أبا جهل لم يقتل أمية، ثم تأول ذلك بأنه كان سببا في خروجه حتى قتل. قلت: ورواية الباب كافية في الرد عليه، فإن فيها" أن أمية قال لامرأته: إن محمدا أخبرهم أنه قاتلي" ولم يتقدم في كلامه لأبي جهل ذكر. قوله: "ففزع لذلك أمية فزعا شديدا" بين سبب فزعه في رواية إسرائيل ففيها" قال فوالله ما يكذب محمدا إذا حدث" ووقع عند البيهقي "فقال والله ما يكذب محمد، فكاد أن يحدث" كذا وقع عنده بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الدال من الحدث وهو خروج الخارج من أحد السبيلين، والضمير لأمية أي أنه كاد أن يخرج منه الحدث من شدة فزعه، وما أظن ذلك إلا تصحيفا. قوله: "فلما رجع أمية إلى أهله" أي امرأته "فقال يا أم صفوان" هي كنيتها، واسمها صفية ويقال كريمة بنت معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وهي من رهط أمية فأمية ابن عم أبيها، وقيل اسمها فاختة بنت الأسود. قوله: "ما قال لي سعد" وفي رواية إسرائيل "ما قال لي أخي اليثربي" ذكر الأخوة باعتبار ما كان بينهما من المؤاخاة في الجاهلية، ونسبه إلى يثرب وهو

(7/283)


اسم المدينة قبل الإسلام. قوله: "فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة" يؤخذ منه أن الأخذ بالمحتمل حيث يتحقق الهلاك في غيره أو يقوى الظن أولى. قوله: "فلما كان يوم بدر" زاد إسرائيل "وجاء الصريخ" وفيه إشارة إلى ما أخرجه ابن إسحاق كما تقدم قبل هذا الباب، وعرف أن اسم الصريخ ضمضم بن عمرو الغفاري، وذكر ابن إسحاق بأسانيده أنه لما وصل إلى مكة جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وصرخ: يا معشر قريش أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد، الغوث الغوث. قوله: "أدركوا عيركم" بكسر المهملة وسكون التحتانية أي القافلة التي كانت مع أبي سفيان. قوله: "انك من يراك الناس" في رواية الكشميهني وحده "متى ما يراك الناس" بزيادة "ما" وهي الزائدة الكافة عن العمل، وبحذفها كان حق الألف من "يراك" أن تحذف، لأن متى للشرط وهي تجزم الفعل المضارع، قال ابن مالك: يخرج ثبوت الألف على أن قوله: "يراك" مضارع راء بتقديم الألف على الهمزة وهي لغة في رأي قال الشاعر: إذا راءني أبدي بشاشة واصل ومضارعه يراء بمد ثم همز، فلما جزمت حذفت الألف ثم أبدلت الهمزة ألفا فصار يرا، وعلى أن متى شبهت بإذا فلم يجزم بها، وهو كقول عائشة الماضي في الصلاة في أبي بكر "متى يقوم مقامك" أو على إجراء المعتل مجرى الصحيح كقول الشاعر: ولا ترضاها ولا تملق أو على الإشباع كما قرئ "أنه من يتقي". قلت: ووقع في رواية الأصيلي: "متى يرك الناس" بحذف الألف وهو الوجه. قوله: "وأنت سيد أهل الوادي" أي وادي مكة، قد تقدم أن أمية وصف بها أبا جهل لما خاطب سعدا بقوله: "لا ترفع صوتك على أبي الحكم وهو سيد أهل الوادي" فتقارضا الثناء وكان كل منهما سيدا في قومه. قوله: "فلم يزل به أبو جهل" بين ابن إسحاق الصفة التي كاد بها أبو جهل أمية حتى خالف رأي نفسه في ترك الخروج من مكة فقال: "حدثني ابن أبي نجيح أن أمية بن خلف كان قد أجمع على عدم الخروج، وكان شيخا جسيما، فأتاه عقبة بن أبي معيط بمجمرة حتى وضعها بين يديه فقال: إنما أنت من النساء، فقال: قبحك الله". وكأن أبا جهل سلط عقبة عليه حتى صنع به ذلك، وكان عقبة سفيها. قوله: "لأشترين أجود بعير بمكة" يعني فأستعد عليه للهرب إذا خفت شيئا. قوله: "ثم قال أمية" في الكلام حذف تقديره: فاشترى البعير الذي ذكر ثم قال لامرأته. قوله: "لا يترك منزلا إلا عقل بعيره" في رواية الكشميهني: "ينزل" بنون وزاي ولام من النزول وهي أوجه من رواية غيره: "يترك" بمثناة وراء وكاف. قوله: "فلم يزل بذلك" أي على ذلك. قوله: "حتى قتله الله ببدر" تقدم في الوكالة حديث عبد الرحمن بن عوف في صفة قتله، وستأتي الإشارة إليه في هذه الغزوة. وذكر الواقدي أن الذي ولي قتله خبيب وهو بالمعجمة وموحدة مصغر، ابن إساف بكسر الهمزة ومهملة خفيفة الأنصاري. وقال ابن إسحاق: قتله رجل من بني مازن من الأنصار. وقال ابن هشام: يقال اشترك فيه معاذ بن عفراء وخارجة بن زيد وخبيب المذكور. وذكر الحاكم في "المستدرك" أن رفاعة بن رافع طعنه بالسيف، ويقال قتله بلال. وأما ابنه علي بن أمية فقتله غمار. وفي الحديث معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة، وما كان عليه سعد بن معاذ من قوة النفس واليقين. وفيه أن شأن العمرة كان قديما، وأن الصحابة كان مأذونا لهم في الاعتمار من قبل أن يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف الحج، والله أعلم.

(7/284)


3 - باب قِصَّةِ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [123- 126 آل عمران]:
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ

(7/284)


أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ}
وَقَالَ وَحْشِيٌّ قَتَلَ حَمْزَةُ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى[7 الأنفال]: {وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} الْآيَةَ
3951- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ "لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلاَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ".
قوله: "قصة غزوة بدر" كذا للأكثر وثبت" باب" في رواية كريمة. قوله: "قول الله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} إلى {فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} كذا للأكثر، وللأصيلي نحوه قال بعد قوله: {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} : إلى قوله: {فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} وساق الآيات كلها في رواية كريمة. قوله: "ببدر" هي قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها، ويقال بدر بن الحارث، ويقال بدر اسم البئر التي بها، سميت بذلك لاستدارتها أو لصفاء مائها فكان البدر يرى فيها، وحكى الواقدي إنكار ذلك كله عن غير واحد من شيوخ بني غفار، وإنما هي مأوانا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. قوله: {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} أي قليلون بالنسبة إلى من لقيهم من المشركين، ومن جهة أنهم كانوا مشاة إلا القليل منهم، ومن جهة أنهم كانوا عارين من السلاح وكان المشركون على العكس من ذلك، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى تلقي أبي سفيان لأخذ ما معه من أموال قريش، وكان من معه قليلا فلم يظن أكثر الأنصار أنه يقع قتال فلم يجز معه منهم إلا القليل، ولم يأخذوا أهبة الاستعداد كما ينبغي، بخلاف المشركين فإنهم خرجوا مستعدين ذابين عن أموالهم. وأما قوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} فاختلف فيها أهل التأويل، فمنهم من قال: هي متعلقة بقوله: {نَصَرَكُمُ} فعلى هذا هي في قصة بدر، وعليه عمل المصنف، وهو قول الأكثر وبه جزم الداودي، وأنكره ابن التين فذهل. وقيل هي متعلقة بقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} فعلى هذا فهي متعلقة بغزوة أحد وهو قول عكرمة وطائفة، ويؤيد الأول ما روى ابن أبي حاتم بسند صحيح إلى الشعبي" أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فأنزل الله تعالى: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ} الآية قال يمد كرز المشركين ولم يمد المسلمين بالخمسة، ومن طريق سعيد عن قتادة قال: "أمد الله المسلمين بخمسة آلاف من الملائكة" وعن الربيع بن أنس قال: "أمد الله المسلمين يوم بدر بألف، ثم زادهم فصاروا ثلاثة آلاف ثم زادهم فصاروا خمسة آلاف" وكأنه جمع بذلك بين آل عمران والأنفال، وقد لمح المصنف بالاختلاف في

(7/285)


النزول فذكر قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} في غزوة أحد، وكذلك قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} وذكر ما عدا ذلك في غزوة بدر وهو المعتمد. قوله: "فورهم: غضبهم" ثبت هكذا في رواية الكشميهني وهو قول عكرمة ومجاهد وروي عن ابن عباس.وقال الحسن وقتادة والسدي: معناه من وجههم. قوله: "وقال وحشي" أي ابن حرب "قتل حمزة" أي ابن عبد المطلب "طعيمة بن عدي بن الخيار يوم بدر" كذا وقع فيه: "ابن الخيار" وهو وهم وصوابه" ابن نوفل" وسأبين ذلك في الكلام على قصة مقتل حمزة في غزوة أحد إن شاء الله تعالى. قوله: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} هذه الآية نزلت في قصة بدر بلا خلاف، بل جميع سورة الأنفال أو معظمها نزلت في قصة بدر، وسيأتي في تفسير قول سعيد بن جبير" قلت لابن عباس سورة الأنفال قال نزلت في بدر" والمراد بالطائفتين العير والنفير، فكان في العير أبو سفيان ومن معه كعمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل وما معه من الأموال، وكان في النفير أبو جهل وعتبة بن ربيعة وغيرهما من رؤساء قريش مستعدين بالسلاح متأهبين للقتال، وكان ميل المسلمين إلى حصول العير لهم، وهو المراد بقوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} والمراد بذات الشوكة الطائفة التي فيها السلاح. قوله: "الشوكة الحد" هو قول أبي عبيدة، قال في كتاب المجاز" ويقال ما أشد شوكة بني فلان أي حدهم، وكأنها استعارة من واحدة الشوك، وروى الطبراني وأبو نعيم في "الدلائل" من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس قال: "أقبلت عير لأهل مكة من الشام، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يريدها، فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا إليها وسبقت العير المسلمين، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم وأيسر شوكة وأخص مغنما من أن يلقوا النفير، فلما فاتهم العير نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين بدرا فوقع القتال". ذكر المصنف طرفا من حديث كعب بن مالك في قصة توبته، وسيأتي في غزوة تبوك، والغرض منه هنا قوله: "ولم يعاتب أحد" وهو بفتح التاء على البناء للمجهول، ووقع في رواية الكشميهني: "ولم يعاتب الله أحدا" وقوله فيه: "إنما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش" أي ولم يرد القتال. وقوله: "حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد" أي ولا إرادة قتال. والعير المذكورة يقال كانت ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، وكان فيها ثلاثون رجلا من قريش وقيل أربعون وقيل ستون، وقوله: "غير أني تخلفت في غزوة بدر" وهو استثناء من المفهوم في قوله: "لم أتخلف إلا في تبوك" فإن مفهومه أني حضرت في جميع الغزوات ما خلا غزوة تبوك، والسبب في كونه لم يستثنهما معا بلفظ واحد كونه تخلف في تبوك مختارا لذلك مع تقدم الطلب ووقوع العتاب على من تخلف، بخلاف بدر في ذلك كله، فلذلك غاير بين التخلفين.

(7/286)


باب قول الله تعالى {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم}
...
4 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى[9-12 الأنفال]
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ

(7/286)


آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
3952- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ شَهِدْتُ مِنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ مَشْهَدًا لاَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لاَ نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ} وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ يَعْنِي قَوْلَهُ"
[الحديث 3952-طرفه في:4609]
3953- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ بَدْرٍ اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} "
قوله: "باب قول الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} - إلى قوله: {شَدِيدُ الْعِقَابِ} " كذا للأكثر، وساق في رواية كريمة الآيات كلها، وقد تقدمت الإشارة إليه في الذي قبله، والجمع أيضا بين قوله: {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ} وبين قوله: {ثَلاثَةِ آلافٍ} ، وأورد البخاري فيه حديثين: فقصة المقداد فيها بيان ما وقع قبل الوقعة، وحديث ابن عباس فيه بيان الاستغاثة. قوله: "عن مخارق" بضم الميم وتخفيف المعجمة هو ابن عبد الله بن جابر البجلي الأحمسي بمهملتين ويقال اسم أبيه عبد الرحمن ويقال خليفة، وهو كوفي ثقة عند الجميع يكنى أبا سعيد، ولم أر له رواية عن غير طارق وهو ابن شهاب وله رؤية. قوله: "شهدت من المقداد بن الأسود" تقدم أن اسم أبيه عمرو، وأن الأسود كان تبناه فصار ينسب إليه. قوله: "مما عدل به" بضم المهملة وكسر الدال المهملة أي وزن أي من كل شيء يقابل ذلك من الدنيويات، وقيل: من الثواب، أو المراد الأعم من ذلك، والمراد المبالغة في عظمة ذلك المشهد، وأنه كان لو خير بين أن يكون صاحبه وبين أن يحصل له ما يقابل ذلك كائنا ما كان لكان حصوله له أحب إليه، وقوله: "لأن أكون صاحبه" هو بالنصب. وفي رواية الكشميهني: "لأن أكون أنا صاحبه" ويجوز فيه الرفع والنصب، قال ابن مالك: النصب أجود. قوله: "وهو يدعو على المشركين" زاد النسائي في روايته: "جاء المقداد على فرس يوم بدر فقال: "وذكر ابن إسحاق أن هذا الكلام قاله المقداد لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم الصفراء وبلغه أن قريشا قصدت بدرا وأن أبا سفيان نجا بمن معه، فاستشار الناس، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر كذلك، ثم المقداد فذكر نحو ما في حديث الباب وزاد: "فقال والذي بعثك بالحق لو سلكت بنا برك الغماد لجاهدنا معك من دونه. قال: فقال أشيروا علي. قال: فعرفوا أنه يريد الأنصار، وكان يتخوف أن لا يوافقوه لأنهم لم يبايعوه إلا على نصرته ممن يقصده لا أن يسير بهم إلى العدو، فقال له سعد بن معاذ: امض يا رسول الله لما أمرت به فنحن معك. قال فسره قوله ونشطه" وكذا ذكره موسى بن عقبة مبسوطا، وأخرجه ابن عائذ من طريق أبي الأسود عن عروة، وعند

(7/287)


ابن أبي شيبة من مرسل علقمة بن وقاص في نحو قصة المقداد" فقال سعد بن معاذ لئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى - فذكره وفيه - ولعلك خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت" قال: وإنما خرج يريد غنيمة ما مع أبي سفيان فأحدث الله له القتال، وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي أيوب قال: "قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة: إن ي أخبرت عن عير أبي سفيان، فهل لكم أن تخرجوا إليها لعل الله يغنمناها؟ قلنا: نعم، فخرجنا. فلما سرنا يوما أو يومين قال: قد أخبروا خبرنا فاستعدوا للقتال ، فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم، فأعاده، فقال له المقداد: لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول: إنا معكما مقاتلون. قال فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا كما قال المقداد. فأنزل الله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} وأخرج ابن مردويه من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص عن أبيه عن جده نحوه لكن فيه أن معاذ هو الذي قال ما قال المقداد، والمحفوظ أن الكلام المذكور للمقداد كما في حديث الباب، وأن سعد بن معاذ إنما قال: "لو سرت بنا حتى تبلغ برك الغماد لسرنا معك" كذلك ذكره موسى بن عقبة. وعند ابن عائذ في حديث عروة" فقال سعد بن معاذ: لو سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمد ذي يمن" ووقع في مسلم أن سعد بن عبادة هو الذي قال ذلك، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة، وفيه نظر لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدرا، وإن كان يعد فيهم لكونه ممن ضرب له بسهمه كما سأذكره في آخر الغزوة، ويمكن الجمع بأن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم في غزوة بدر مرتين: الأولى وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان، وذلك بين في رواية مسلم ولفظه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان" والثانية كانت بعد أن خرج كما في حديث الباب، ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب، وقد تقدم في الهجرة شرح برك الغماد، ودلت رواية ابن عائذ هذه على أنها من جهة اليمن، وذكر السهيلي أنه رأى في بعض الكتب أنها أرض الحبشة، وكأنه أخذه من قصة أبي بكر مع ابن الدغنة، فإن فيها أنه لقيه ذاهبا إلى الحبشة ببرك الغماد فأجاره ابن الدغنة كما تقدم في هذا الكتاب، ويجمع بأنها من جهة اليمن تقابل الحبشة وبينهما عرض البحر. قوله: "ولكنا نقاتل عن يمينك إلخ" وفي رواية سفيان عن مخارق "ولكن امض ونحن معك" وفي رواية محمد بن عمرو المذكورة "ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون" ولأحمد من حديث عتبة بن عبد بإسناد حسن "قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نقول كما قالت بنو إسرائيل، ولكن انطلق أنت وربك إنا معكم". قوله: "حدثنا عبد الوهاب" هو ابن عبد المجيد الثقفي، وخالد هو الحذاء. قوله: "عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم" هذا من مراسيل الصحابة فإن ابن عباس لم يحضر ذلك، ولعله أخذه عن عمر أو عن أبي بكر، ففي مسلم من طريق أبي زميل بالزاي مصغر واسمه سماك بن الوليد عن ابن عباس قال: "حدثني عمر: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر، فاستقبل القبلة ثم مد يديه، فلم يزل يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه" الحديث، وعن سعيد بن منصور من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وتكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلهم، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهو في صلاته: اللهم لا تودع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم لا تترني، اللهم

(7/288)


أنشدك ما وعدتني" ، وعند ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها وفخرها تجادل وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني" . قوله: "يوم بدر" زاد في رواية وهيب الآتية في التفسير عن خالد"وهو في قبة" والمراد بها العريش الذي اتخذه الصحابة لجلوس النبي صلى الله عليه وسلم فيه. قوله: "اللهم إني أنشدك" بفتح الهمزة وسكون النون والمعجمة وضم الدال، أي أطلب منك. وعند الطبراني بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: "ما سمعنا مناشدا ينشد ضالة أشد مناشدة من محمد لربه يوم بدر: "اللهم إني أنشدك ما وعدتني" قال السهيلي: سبب شدة اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ونصبه في الدعاء لأنه رأى الملائكة تنصب في القتال، والأنصار يخوضون غمار الموت، والجهاد تارة يكون بالسلاح وتارة بالدعاء، ومن السنة أن يكون الإمام وراء الجيش لأنه لا يقاتل معهم فلم يكن ليريح نفسه، فتشاغل بأحد الأمرين وهو الدعاء. قوله: "اللهم إن شئت لم تعبد" في حديث عمر " اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" . أما "تهلك" فبفتح أوله وكسر اللام، و "العصابة" بالرفع، وإنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين فلو هلك هو ومن معه حينئذ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان، ولاستمر المشركون يعيدون غير الله، فالمعني لا يعبد في الأرض بهذه الشريعة. ووقع عند مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام أيضا يوم أحد، وروى النسائي والحاكم من حديث علي قال: "قاتلت يوم بدر شيئا من قتال، ثم جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: يا حي يا قيوم ، فرجعت فقاتلت، ثم جئت فوجدته كذلك". قوله: "فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك" زاد في رواية وهيب عن خالد كما سيأتي في التفسير" قد ألححت على ربك" وكذا أخرجه الطبراني عن عثمان عن عبد الوهاب الثقفي عن أبيه، زاد في رواية مسلم المذكورة" فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك.فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} الآية، فأمده الله بالملائكة" ا هـ. وعرف بهذه الزيادة مناسبة الحديث للترجمة. وقوله في رواية مسلم: "كذاك" وهو بالذال المعجمة وهو بمعني كفاك، قال قاسم بن ثابت "كذاك" يراد بها الإغراء والأمر بالكف عن الفعل وهو المراد هنا، ومنه قول الشاعر: كذاك القول إن عليك عيبا أي حسبك من القول فاتركه ا هـ وقد أخطأ من زعم أنه تصحيف وأن الأصل كفاك. قال الخطابي: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال؛ بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، لأنه كان أول مشهد شهده، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة، فلهذا عقب بقوله. {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} انتهى ملخصا. وقال غيره: وكان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة في مقام الخوف، وهو أكمل حالات الصلاة، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة، وإنما كان مجملا. هذا الذي يظهر، وزل من لا علم عنده ممن ينسب إلى الصوفية في هذا الموضع زللا شديدا فلا يلتفت إليه، ولعل الخطابي أشار إليه. قوله: "فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} وفي رواية أيوب عن عكرمة عن ابن عباس" لما نزلت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} قال عمر: أي جمع يهزم؟ قال: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدروع ويقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} أخرجه الطبري وابن مردويه. وله من حديث أبي هريرة عن عمر" لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أي جمع

(7/289)


يهزم "؟ فذكر نحوه، وهذا مما يؤيد ما قدمته أن ابن عباس حمل هذا الحديث عن عمر، وسيأتي في التفسير عن عائشة" نزلت بمكة وأنا جارية ألعب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} الآية".

(7/290)


باب قول الله تعالى {لا يستوي القاعدون} عن بدر
...
5- باب
3954- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ "أَنَّهُ سَمِعَ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ"
[الحديث 3954- طرفه في: 4595]
قوله: "باب" كذا للجميع بغير ترجمة، ووقع في شرح شيخنا ابن الملقن "باب فضل من شهد بدرا" وتبع في ذلك بعض النسخ، وهو خطأ من جهة أن هذه الترجمة بعينها ستأتي فيما بعد، فلا معنى لتكررها. قوله: "أخبرني عبد الكريم" هو الجزري، بينه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج قال: "حدثني عبد الكريم الجزري" انتهى. وفي طبقته ممن يروي عن مقسم ويروي عنه ابن جريج عبد الكريم بن أبي المخارق أحد الضعفاء، ولم يخرج له البخاري شيئا مسندا، ومقسم بكسر الميم هو أبو القاسم مولى ابن عباس وهو في الأصل مولى عبد الله بن الحارث الهاشمي، وإنما قيل له مولى ابن عباس لشدة لزومه له، وما له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد، وسيأتي شرحه في تفسير سورة النساء إن شاء الله تعالى.

(7/290)


6 - باب عِدَّةِ أَصْحَابِ بَدْرٍ
3955- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ "اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ ...."
[الحديث 3955- طرفه في: 3956]
3956- وحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا وَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ "اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا عَلَى سِتِّينَ وَالأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ"
3957- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ "سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ حَدَّثَنِي أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّهُمْ كَانُوا عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَازُوا مَعَهُ النَّهَرَ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلاَثَ مِائَةٍ قَالَ الْبَرَاءُ لاَ وَاللَّهِ مَا جَاوَزَ مَعَهُ النَّهَرَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ"
[الحديث3957- طرفاه في: 3959,3958]
3958- حدثني عبد الله بن رجاء حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال"كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر, ولم يجاوز معه إلا مؤمن, بضعة عشر وثلاثمائة"

(7/290)


7 - باب دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ
"شَيْبَةَ وَعُتْبَةَ وَالْوَلِيدِ وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَهَلاَكِهِمْ"

(7/292)


3960- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَعْبَةَ فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى قَدْ غَيَّرَتْهُمْ الشَّمْسُ وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا"
قوله: "باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على كفار قريش". قوله: "شيبة بن ربيعة" مجرور بالفتح على البدل وكذا عتبة. قوله: "وأبي جهل بن هشام وهلاكهم" المراد دعاؤه صلى الله عليه وسلم السابق وهو بمكة، وقد مضى بيانه في كتاب الطهارة حيث أورده المصنف من حديث ابن مسعود المذكور في هذا الباب بأتم منه سياقا، وأورده في الطهارة لقصة سلى الجزور ووضعه على ظهر المصلي فلم تفسده صلاته، وفي الصلاة مستدلا به على أن ملاصقة المرأة في الصلاة لا تفسدها، وفي الجهاد في" باب الدعاء على المشركين" وفي الجزية مستدلا به على أن جيف المشركين لا يفادى بها، وفي المبعث في" باب ما لقي المسلمون من المشركين بمكة". قوله في هذه الرواية: "فأشهد بالله" أي أقسم، وإنما حلف على ذلك مبالغة في تأكيد خبره "قد غيرتهم الشمس" أي غيرت ألوانهم إلى السواد، أو غيرت أجسادهم بالانتفاخ، وقد بين سبب ذلك بقوله: "وكان يوما حارا".

(7/293)


8 - باب قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ
3961- حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنَا قَيْسٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّهُ أَتَى أَبَا جَهْلٍ وَبِهِ رَمَقٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ هَلْ أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ"
3962- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ح و حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ قَالَ أَأَنْتَ أَبُو جَهْلٍ قَالَ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ قَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ أَوْ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ"؟ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ "أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟"
[الحديث 3962 طرفاه في: 4020و3963]
3963- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ بَدْرٍ مَنْ يَنْظُرُ مَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ قَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ أَوْ قَالَ قَتَلْتُمُوهُ" حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ نَحْوَهُ

(7/293)


3964- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَتَبْتُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي بَدْرٍ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنَيْ عَفْرَاءَ.
"تنبيه": ثبتت هذه الترجمة للأكثر، وسقطت لأبي ذر عن المستملي والكشميهني، وثبوتها أوجه إذ لا تعلق لحديثها بباب عدة أهل بدر، وثبت لغير أبي ذر عقب حديثها" باب قتل أبي جهل بن هشام" وسقط لأبي ذر، وهو أوجه لأن فيه ذكر هلاك غير أبي جهل فهو لائق بالترجمة المذكورة، والله أعلم. وعلى هذا فقد اشتملت الترجمة على ثلاثة عشر حديثا: قوله: "حدثنا ابن نمير" هو محمد بن عبد الله بن نمير؛ ولم يدرك البخاري أباه، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم، والإسناد كله كوفيون. قوله: "عن عبد الله" هو ابن مسعود. قوله: "أنه أتى أبا جهل" وبه رمق، كأن أبا جهل قد ضرب في المعركة بالسيوف حتى خر صريحا كما سيأتي بيانه. قوله: "فقال أبو جهل هل أعمد" في الكلام حذف تقديره فكلمه أي بكلام تشفى منه فأجابه بذلك، ووقع بيان دلك في رواية عمرو بن ميمون عند الطبراني عن ابن مسعود قال: "أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا، فقلت أي عدو الله قد أخزاك الله قال: وبما أخزاني من رجل قتله قومه" الحديث وهذا تفسير المراد بقوله: "هل أعمد من رجل قتله قومه" وأعمد بالمهملة أفعل تفضيل من عمد أي هلك، يقال عمد البعير يعمد عمدا بالتحريك إذا ورم سنامه من عض القتب فهو عميد، ويكنى بذلك عن الهلاك، وقيل: هو أن يكون سنامه وارما فيحمل عليه الشيء الثقيل فيكسره فيموت فيه شحمه، وقيل معنى أعمد أعجب، وقيل: بمعنى أغضب، وقيل: معناه هل زاد على سيد قتله قومه قاله أبو عبيدة. قال: وكان أبو عبيدة يحكي عن العرب أعمد من كل محق أي هل زاد على مكيال نقص كيله، وأنشد ذلك:
وأعمد من قوم كفاهم أخوهم ... صدام الأعادي حين قلت بيوتها
أي لا زيادة على فعلنا فإننا كفينا إخواننا أعاديهم. وفي" مغازي أحمد بن محمد بن أيوب" قلت لابن إسحاق: ما أعمد من رجل؟ قال: يقول هل هو إلا رجل قتلتموه. ورجح السهيلي الأول. ويؤيد تفسير أبي عبيدة ما وقع في حديث أنس بعده بلفظ: "وهل فوق رجل قتلتموه" ووقع في رواية الكشميهني في حديث ابن مسعود "أغدر" بدل أعمد فإن ثبت فلا إشكال فيه. قوله: "أن أنسا حدثهم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم" وقع في رواية الإسماعيلي من طريق يحيى القطان عن سليمان التيمي أن أنسا سمعه من ابن مسعود ولفظه عن أنس "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يوم بدر: من يأتينا بخبر أبي جهل؟ قال - يعني ابن مسعود - فانطلقت، فإذا ابنا عفراء قد اكتنفاه فضرباه، فأخذت بلحيته" الحديث. قوله: "فانطلق ابن مسعود" وفي رواية ابن خزيمة ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج "فقال ابن مسعود أنا، فانطلق". قوله: "ابنا عفراء" هما معاذ ومعوذ كما سيأتي بيانه. قوله: "حتى برد" بفتح الموحدة والراء أي مات، هكذا فسروه، ووقع في رواية السمرقندي في مسلم: "حتى برك" بكاف بدل الدال أي سقط، وكذا هو عند أحمد عن الأنصاري عن التيمي، قال عياض: وهذه الرواية أولى، لأنه قد كلم ابن مسعود، فلو كان مات كيف كان يكلمه؟ انتهى. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "حتى برد" أي صار في حالة من مات، ولم يبق فيه سوى حركة المذبوح، فأطلق عليه باعتبار ما سيئول إليه، ومنه قولهم للسيوف بوارد أي قواتل، وقيل لمن قتل

(7/294)


بالسيف برد أي أصابه متن الحديد لأن طبع الحديد البرودة، وقيل: معنى قوله برد أي فتر وسكن، يقال جد في الأمر حتى برد أي فتر، وبرد النبيذ أي سكن غليانه. قوله: "قتلتموه، أو رجل قتله قومه" شك من الراوي، بينه ابن علية عن سليمان التيمي وأن الشك من التيمي كما سيأتي في أواخر الغزوة. وفيه من الزيادة "قال سليمان - أي التيمي - قال أبو مجلز" هو التابعي المشهور" قال أبو جهل: فلو غير أكار قتلني" هذا مرسل والأكار بتشديد الكاف الزراع، وعني بذلك أن الأنصار أصحاب زرع فأشار إلى تنقيص من قتله منهم بذلك. ووقع في رواية مسلم: "لو غيرك كان قتلني" وهو تصحيف. قوله: "أنت أبا جهل" كذا للأكثر، وللمستملي وحده" أنت أبو جهل" والأول هو المعتمد في حديث أنس هذا، فقد صرح إسماعيل بن علية عن سليمان التيمي بأنه هكذا نطق بها أنس، وسيأتي ذلك في أواخر غزوة بدر ولفظه: "فقال أنت أبا جهل" قال ابن علية قال سليمان: هكذا قالها أنس، قال: "أنت أبا جهل" انتهى. وقد أخرجه ابن خزيمة ومن طريقه أبو نعيم عن محمد بن المثني شيخ البخاري فيه فقال فيه: "أنت أبو جهل" وكأنه من إصلاح بعض الرواة، وكذلك نطق بها يحيى القطان أخرجه الإسماعيلي من طريق المقدمي عن يحيى القطان عن التيمي فذكر الحديث وفيه: "قال أنت أبا جهل" قال المقدمي: هكذا قالها يحيى القطان. وقد وجهت الرواية المذكورة بالحمل على لغة من يثبت الألف في الأسماء الستة في كل حالة كقوله: "إن أباها وأبا أباها" وقيل: هو منصوب بإضمار أعني، وتعقبه ابن التين بأن شرط هذا الإضمار أن تكثر النعوت. وقال الداودي: كأن ابن مسعود تعمد اللحن ليغيظ أبا جهل كالمصغر له، وما أبعد ما قال، وقيل: إن قوله أنت مبتدأ محذوف الخبر، وقوله أبا جهل - منادي محذوف الأداة، والتقدير أنت المقتول يا أبا جهل، وخاطبه بذلك مقرعا له ومتشفيا منه لأنه كان يؤذيه بمكة أشد الأذى. وفي حديث ابن عباس عند ابن إسحاق والحاكم" قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق، فوضعت رجلي على عنقه فقلت: أخزاك الله يا عدو الله، قال: وبما أخزاني؟ هل أعمد رجل قتلتموه" قال وزعم رجال من بني مخزوم أنه قال له: "لقد ارتقيت يا رويع الغنم مرتقى صعبا" قال: "ثم احتززت رأسه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: هذا رأس عدو الله أبي جهل، فقال: والله الذي لا إله إلا هو؟ فحلف له" وفي زيادة المغازي رواية يونس بن بكير من طريق الشعبي عن عبد الرحمن بن عوف نحو الحديث الذي بعده وفيه: "فحلف له، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم انطلق حتى أتاه فقام عنده فقال: الحمد لله الذي أعز الإسلام وأهله "ثلاث مرات". قوله: "حدثنا سليمان" هو التيمي المذكور قبل. قوله: "أخبرنا أنس بن مالك نحوه" قد ساق ابن خزيمة ومن طريقه أبو نعيم لفظه فأخرجه عن محمد من المثني شيخ البخاري فيه بلفظ: "فقال ابن مسعود أنا يا نبي الله" وقال فيه: "قال فأخذت بلحيته" والباقي مثله. وقوله: "قال فأخذت بلحيته" يؤيد الرواية الماضية للإسماعيلي من طريق يحيى القطان، فإن أنسا أخذه عن ابن مسعود. قوله: "حدثنا علي بن عبد الله" هو ابن المديني. قوله: "كتبت عن يوسف بن الماجشون" ظاهره أنه كتبه عنه ولم يسمعه منه، وقد تقدم في الخمس مطولا عن مسدد عن يوسف. قوله: "عن صالح بن إبراهيم عن أبيه" هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قوله: "عن جده في بدر" أي في قصة غزوة بدر. قوله: "يعني حديث ابني عفراء" أي الحديث المقدم ذكره في الخمس عن مسدد عن يوسف بن الماجشون بهذا الإسناد مطولا، وسيأتي في "باب شهود الملائكة بدرا" من وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ملخصا، وحاصله أن كلا من ابني عفراء سأل عبد الرحمن بن عوف فدلهما عليه فشدا عليه فضرباه

(7/295)


حتى قتلاه، وفي آخر حديث مسدد" وهما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ ابن عفراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نظر في سيفيهما وقال: كلاكما قتله ، وأنه قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح" انتهى. وعفراء والدة معاذ، واسم أبيه الحارث، وأما ابن عمرو بن الجموح فليس اسم أمه عفراء وإنما أطلق عليه تغليبا، ويحتمل أن تكون أم معوذ أيضا تسمى عفراء أو أنه لما كان لمعوذ أخ يسمى معاذا باسم الذي شركه في قتل أبي جهل ظنه الراوي أخاه، وقد أخرج الحاكم من طريق ابن إسحاق" حدثني ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس، قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح: سمعتهم يقولون وأبو جهل في مثل الجرحة: أبو جهل بن الحكم لا يخلص إليه، فجعلته من شأني فعمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي" قال: ثم عاش معاذ إلى زمن عثمان. قال: ومر بأبي جهل معوذ ابن عفراء فضربه حتى أثبته وبه رمق، ثم قاتل معوذ حتى قتل، فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل فوجده بآخر رمق" فذكر ما تقدم. فهذا الذي رواه ابن إسحاق يجمع بين الأحاديث، لكنه يخالف ما في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه رأى معاذا ومعوذا شدا عليه جميعا حتى طرحاه، وابن إسحاق يقول: إن ابن عفراء هو معوذ، وهو بتشديد الواو، والذي في الصحيح معاذ وهما أخوان، فيحتمل أن يكون معاذ ابن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو كما في الصحيح وضربه بعد ذلك معوذ حتى أثبته ثم حز رأسه ابن مسعود، فتجمع الأقوال كلها، وإطلاق كونهما قتلاه يخالف في الظاهر حديث ابن مسعود أنه وجده وبه رمق، وهو محمول على أنهما بلغا به بضربهما إياه بسيفيهما منزلة المقتول حتى لم يبق به إلا مثل حركة المذبوح، وفي تلك الحالة لقيه ابن مسعود فضرب عنقه، والله أعلم. وأما ما وقع عند موسى بن عقبة وكذا عند أبي الأسود عن عروة أن ابن مسعود وجد أبا جهل مصروعا بينه وبين المعركة غير كثير متقنعا في الحديد واضعا سيفه على فخذه لا يتحرك منه عضو، وظن عبد الله أنه ثبت جراحا فأتاه من ورائه فتناول قائم سيف أبي جهل فاستله ورفع بيضة أبي جهل عن قفاه فضربه فوقع رأسه بين يديه، فيحمل على أن ذلك وقع له بعد أن خاطبه بما تقدم، والله أعلم.
3965- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ "أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} قَالَ: هُمْ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ وَعُبَيْدَةُ أَوْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْحَارِثِ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ"
[الحديث 3965- طرفاه في: 4744,3967]
3966- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَزَلَتْ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} فِي سِتَّةٍ مِنْ قُرَيْشٍ عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ
[الحديث 3966- أطرافه في:4743,3969,3968]

(7/296)


3967- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّوَّافُ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ كَانَ يَنْزِلُ فِي بَنِي ضُبَيْعَةَ وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِي سَدُوسَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: "قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [19 الحج]
3968- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ "سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُقْسِمُ لَنَزَلَتْ هَؤُلاَءِ الْآيَاتُ فِي هَؤُلاَءِ الرَّهْطِ السِّتَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ......" نَحْوَهُ
3969- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ "سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ حَمْزَةَ وَعَلِيٍّ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ"
3970- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ "سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ أَشَهِدَ عَلِيٌّ بَدْرًا قَالَ بَارَزَ وَظَاهَرَ"
الحديث الخامس والسادس حديث علي وأبي ذر في المبارزة، أورده من طرق. وأبو مجلز بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي هو لاحق بن حميد، تابعي وكذا شيخه والراوي عنه - وقيس بن عباد بضم المهملة وتخفيف الموحدة تقدم في مناقب عبد الله بن سلام، وليس له في البخاري سوى ذلك الحديث وحديث الباب مع الاختلاف عليه هل هو عن علي أو أبي ذر، والذي يظهر أنه سمعه من كل منهما، ويدل عليه اختلاف السياقين. قوله: "من يجثو" بالجيم والمثلثة أي يقعد على ركبتيه مخاصما، والمراد بهذه الأولية تقييده بالمجاهدين من هذه الأمة، لأن المبارزة المذكورة أول مبارزة وقعت في الإسلام. قوله: "وقال قيس" هو ابن عباد المذكور، وهو موصول بالإسناد المذكور. قوله: "وفيهم أنزلت" هكذا وقع في رواية معتمر بن سليمان عن أبيه مرسلا، ووقع في رواية يوسف بن يعقوب بعدها عن سليمان التيمي عن أبي مجلز عن قيس قال: "قال علي: فينا نزلت: وسيأتي في تفسير الحج أن منصورا رواه عن أبي هاشم عن أبي مجلز فوقفه عليه. حديث علي وأبي ذر في المبارزة، أورده من طرق. وأبو مجلز بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي هو لاحق بن حميد، تابعي وكذا شيخه والراوي عنه - وقيس بن عباد بضم المهملة وتخفيف الموحدة تقدم في مناقب عبد الله بن سلام، وليس له في البخاري سوى ذلك الحديث وحديث الباب مع الاختلاف عليه هل هو عن علي أو أبي ذر، والذي يظهر أنه سمعه من كل منهما، ويدل عليه اختلاف السياقين. قوله: "في ستة من قريش" يعني ثلاثة من المسلمين من بني عبد مناف: اثنين من بني هاشم، وواحد من بني المطلب. وثلاثة من المشركين من بني عبد شمس بن عبد مناف. قوله: "علي وحمزة" أي ابن عبد المطلب بن هاشم وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. قوله: "وشيبة بن ربيعة" أي ابن عد شمس، وعتبة هو أخوه، والوليد بن عتبة ولده. ولم يقع في هذه الرواية تفصيل المبارزين. وذكر ابن إسحاق أن عبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة كانا أسن القوم، فبرز عبيدة لعتبة، وحمزة لشيبة، وعلي للوليد. وعند موسى بن عقبة: برز حمزة لعتبة، وعبيدة لشيبة، وعلي للوليد. ثم اتفقا فقتل علي الوليد، وقتل حمزة الذي بارزه، واختلف عبيدة ومن بارزه بضربتين فوقعت الضربة في ركبة عبيدة فمات منها لما رجعوا بالصفراء، ومال حمزة وعلي إلى الذي بارز عبيدة فأعاناه على قتله. وعند الحاكم من طريق عبد خير عن علي مثل قول موسى بن عقبة، وعند الأسود عن عروة مثله. وأورد ابن سعد من طريق عبيدة السلماني أن شيبة لحمزة

(7/297)


وعبيدة لعتبة وعليا للوليد، ثم قال الليث: إن عتبة لحمزة وشيبة لعبيدة ا هـ. قال بعض من لقيناه: اتفقت الروايات على أن عليا للوليد، وإنما اختلفت في عتبة وشيبة أيهما لعبيدة وحمزة، والأكثر على أن شيبة لعبيدة. قلت: وفي دعوى الاتفاق نظر، فقد أخرج أبو داود من طريق حارثة بن مضرب عن علي قال: "تقدم عتبة وتبعه ابنه وأخوه، فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة . فأقبل حمزة إلى عتبة وأقبلت إلى شيبة واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة" قلت: وهذا أصح الروايات، لكن الذي في السير من أن الذي بارزه علي هو الوليد هو المشهور وهو اللائق بالمقام، لأن عبيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة، بخلاف علي والوليد فكانا شابين. وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن علي قال: "أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحارث على الوليد بن عتبة، فلم يعب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك علينا" وهذا موافق لرواية أبي داود، فالله أعلم. وفي الحديث جواز المبارزة خلافا لمن أنكرها كالحسن البصري. وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق للجواز إذن الأمير على الجيش، وجواز إعانة المبارز رفيقه، وفيه فضيلة ظاهرة لحمزة وعلي وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم. قوله: "حدثنا يوسف بن يعقوب كان ينزل في بني ضبيعة" بالمعجمة والموحدة مصغر. قوله: "وهو مولى لبني سدوس" قلت: ولذلك كان يقال له السدوسي تارة والضبعي تارة، وكان يقال له السلعي بمهملتين ولام ساكنة وقد تحرك ويقال له أيضا صاحب السلعة نسب إلى سلعة كانت بقفاه، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث. قوله: "فينا نزلت هذه الآية: هذان خصمان اختصموا في ربهم" هكذا أورده مختصرا، وأورده الإسماعيلي عن ابن صاعد عن هلال بن بشر عن يوسف بن يعقوب المذكور بلفظ: "فينا نزلت هذه الآية، وفي مبارزتنا يوم بدر" وأخرجه من وجه آخر عن سليمان التيمي بلفظ: "في الذين برزوا يوم بدر في الفريقين" وسماهم. قوله في طريق وكيع عن سفيان "في هؤلاء الرهط الستة يوم بدر نحوه" الضمير يعود إلى سياق قبيصة عن سفيان، ويوضح ذلك ما أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن وكيع، فإنه ذكر الباب هنا وزاد تسمية الستة، وعنده من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الذين اختصموا في يوم بدر. قوله: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم" زاد أبو ذر في روايته: "الدورقي" الحديث السابع: حديث البراء بن عازب. قوله: "إسحاق بن منصور السلولي" وإبراهيم بن يوسف هو ابن أبي إسحاق السبيعي. قوله: "سأل رجل" لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو الراوي فأبهم اسمه. قوله: "أشهد" بهمزة الاستفهام. قوله: "وبارز وظاهر" بلفظ الفعل الماضي فيهما، وقد تقدم حديث المبارزة في الذي قبله، وقوله: "ظاهر" أي لبس درعا على درع، وقوله في الجواب "قال بارز وظاهر" فيه حذف تقديره: قال نعم شهد، فإنه بارز فيها وظاهر. ووقع في رواية الإسماعيلي: "أشهد علي بدرا؟ قال حقا". "تنبيه": حديث البراء هذا من مراسيل الصحابة لأنه لم يشهد بدرا، فكأنه تلقى ذلك عمن شهدها من الصحابة أو سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك.
3971- حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال حدثني يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن قال "كاتبت أمية بن خلف, فلما كان يوم بدر – فذكر قتله وقتل إبنه – فقال بلال: لانجوت إن نجا أمية".

(7/298)


3972- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ {وَالنَّجْمِ} فَسَجَدَ بِهَا وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ فَقَالَ يَكْفِينِي هَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا".
3973- أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ كَانَ
فِي الزُّبَيْرِ ثَلاَثُ ضَرَبَاتٍ بِالسَّيْفِ إِحْدَاهُنَّ فِي عَاتِقِهِ قَالَ إِنْ كُنْتُ لاَدْخِلُ أَصَابِعِي فِيهَا قَالَ ضُرِبَ ثِنْتَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ وَوَاحِدَةً يَوْمَ الْيَرْمُوكِ قَالَ عُرْوَةُ وَقَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ حِينَ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَا عُرْوَةُ هَلْ تَعْرِفُ سَيْفَ الزُّبَيْرِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَمَا فِيهِ قُلْتُ فِيهِ فَلَّةٌ فُلَّهَا يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ صَدَقْتَ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى عُرْوَةَ قَالَ هِشَامٌ فَأَقَمْنَاهُ بَيْنَنَا ثَلاَثَةَ آلاَفٍ وَأَخَذَهُ بَعْضُنَا وَلَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ أَخَذْتُهُ"
3974- حَدَّثَنَا فَرْوَةُ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ قَالَ هِشَامٌ "وَكَانَ سَيْفُ عُرْوَةَ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ"
3975- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلزُّبَيْرِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَلاَ تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ فَقَالَ إِنِّي إِنْ شَدَدْتُ كَذَبْتُمْ فَقَالُوا لاَ نَفْعَلُ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى شَقَّ صُفُوفَهُمْ فَجَاوَزَهُمْ وَمَا مَعَهُ أَحَدٌ ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلًا فَأَخَذُوا بِلِجَامِهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ عُرْوَةُ كُنْتُ أُدْخِلُ أَصَابِعِي فِي تِلْكَ الضَّرَبَاتِ أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ قَالَ عُرْوَةُ وَكَانَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ وَوَكَّلَ بِهِ رَجُلًا"
قوله:الحديث الثامن "عن الأسود" هو ابن يزيد. قوله: "أنه قرأ والنجم" تقدم الكلام عليه في سجود القرآن وفي المبعث، ويأتي في تفسير سورة النجم التصريح بأن المراد بقول ابن مسعود "فلقد رأيته بعد قتل كافرا" أمية بن خلف، وبه يعرف مناسبته للترجمة. قوله: "عن هشام" هو ابن عروة. قوله: "كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف إحداهن في عاتقه" تقدم في مناقب الزبير من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام أن الضربات الثلاث كن في عاتقه، وكذا هو في الرواية التي بعد هذه. قوله: "أصابعي فيها" في رواية الكشميهني: "فيهن" زاد في المناقب وفي الرواية التي بعدها "ألعب وأنا صغير". قوله: "ضرب ثنتين يوم بدر وواحدة يوم اليرموك" في رواية ابن المبارك أنه ضرب يوم اليرموك ضربتين على عاتقه وبينهما ضربة ضربها يوم بدر، فإن كان اختلافا على هشام فرواية ابن المبارك أثبت لأن في حديث معمر عن هشام مقالا، وإلا فيحتمل أن يكون فيه في غير عاتقه ضربتان أيضا فيجمع بذلك بين الخبرين. ووقعة اليرموك كانت أول خلافة عمر بين المسلمين والروم بالشام سنة

(7/299)


ثلاث عشر وقيل: سنة خمسة عشر، ويؤيد الأول قوله في الحديث الذي بعده إن سن عبد الله بن الزبير كان عشر سنين، واليرموك - بفتح التحتانية وبضمها أيضا وسكون الراء - موضع من نواحي فلسطين، ويقال إنه نهر، والتحرير أنه موضع بين أذرعات ودمشق كانت به الواقعة المشهورة، وقتل في تلك الوقعة من الروم سبعون ألفا في مقام واحد، لأنهم كانوا سلسلوا أنفسهم لأجل الثبات، فلما وقعت عليهم الهزيمة قتل أكثرهم، وكان اسم أمير الروم من قبل هرقل باهان أوله موحدة ويقال ميم، وكان أبو عبيدة الأمير على المسلمين يومئذ، ويقال إنه شهدها من أهل بدر مائة نفس والله أعلم. قوله في الرواية الأولى "قال عروه وقال لي عبد الملك إلخ" هو موصول بالإسناد المذكور، وكان عروة مع أخيه عبد الله بن الزبير لما حاصره الحجاج بمكة، فلما قتل عبد الله أخذ الحجاج ما وجده له فأرسل به إلى عبد الملك، فكان من ذلك سيف الزبير الذي سأل عبد الملك عروة عنه، وخرج عروة إلى عبد الملك بن مروان بالشام. قوله: "فلة" بفتح الفاء "فلها" بضم الفاء، أي كسرت قطعة من حده. قوله: "قال صدقت، بهن فلول من قراع الكتائب" هذا شطر من بيت مشهور من قصيدة مشهورة للنابغة الذبياني وأولها:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
يقول فيها:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وهو من المدح في معرض الذم، لأن الفل في السيف نقص حسي، لكنه لما كان دليلا على قوة ساعد صاحبه كان من جملة كماله. قوله: "قال هشام" هو ابن عروة وهو موصول أيضا، وقوله: "فأقمناه" أي ذكرنا قيمته، تقول قومت الشيء وأقمته أي ذكرت ما يقوم مقامه من الثمن. قوله: "وأخذه بعضنا" أي بعض الورثة، وهو عثمان بن عروة أخو هشام، وقوله: "ولوددت إلخ" هو من كلام هشام. قوله: "حدثني فروة" هو ابن مغراء بفتح الميم وسكون المعجمة ممدود، وعلي هو ابن مسهر، وهشام هو ابن عروة. وقوله محلى بالمهملة وتشديد اللام من الحلية.
3976- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ "ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَلَمَّا

(7/300)


كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلاَّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ يَا فُلاَنُ بْنَ فُلاَنٍ وَيَا فُلاَنُ بْنَ فُلاَنٍ أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالَ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لاَ أَرْوَاحَ لَهَا فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ قَالَ قَتَادَةُ أَحْيَاهُمْ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا"
3977- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا} قَالَ هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ قَالَ عَمْرٌو هُمْ قُرَيْشٌ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَةُ اللَّهِ {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} قَالَ النَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ
[الحديث 3977- طرفه في:4700]
3978- حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ فَقَالَتْ وَهَلَ إِنَّمَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ"
3979- قَالَتْ وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ إِنَّمَا قَالَ إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ ثُمَّ قَرَأَتْ [80 النمل] {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} يَقُولُ حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنْ النَّارِ"
3981,3980- حدثنا عثمان حدثنا عبدة عن هسام عن أبيه عن بن عمر رضي الله عنهما قال "وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدثم ما وعد ربكم حقا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول . فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق .ثم قرأت {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} حتى قرأت الآية".
الحديث الحادي عشر قوله: "حدثني عبد الله بن محمد" هو الجعفي.قوله: "سمع روح بن عبادة "أي أنه سمع، ولفظة "أنه" تحذف خطا كما حذفت قال من قوله حدثنا سعيد. قوله: "ذكر لنا أنس بن مالك" فيه تصريح لقتادة وهو من رواية صحابي عن صحابي: أنس عن أبي طلحة، وقد رواه شيبان عن قتادة فلم يذكر أبا طلحة أخرجه أحمد

(7/301)


ورواية سعيد أولى، وكذا أخرجه مسلم من طريق حماد بن مسلمة عن ثابت عن أنس بغير ذكر أبي طلحة. قوله: "بأربعة وعشرين رجلا من صناديد" بالمهملة والنون جمع صنديد بوزن عفريت وهو السيد الشجاع، ووقع عند ابن عائذ عن سعيد بن بشير عن قتادة "ببضعة وعشرين" وهي لا تنافي رواية الباب لأن البضع يطلق على الأربع أيضا، ولم أقف على تسمية هؤلاء جميعهم، بل سيأتي تسمية بعضهم، ويمكن إكمالهم مما سرده ابن إسحاق من أسماء من قتل من الكفار ببدر بأن يضيف على من كان يذكر منهم بالرياسة ولو بالتبعية لأبيه، وسيأتي من حديث البراء أن قتلى بدر من الكفار كانوا سبعين، وكأن الذين طرحوا في القليب كانوا الرؤساء منهم ثم من قريش، وخصوا بالمخاطبة المذكورة لما كان تقدم منهم من المعاندة، وطرح باقي القتلى في أمكنة أخرى. وأفاد الواقدي أن القليب المذكور كان حفره رجل من بني النار فناسب أن يلقى فيه هؤلاء الكفار. قوله: "على شفة الركي" أي طرف البئر. وفي رواية الكشميهني: "على شفير الركي" والركي بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد آخره: البئر قبل أن تطوى. والأطواء جمع طوى وهي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار، ويجمع بين الروايتين بأنها كانت مطوية فاستهدمت فصارت كالركي. قوله: "فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان" في رواية حميد عن أنس "فنادى يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام" أخرجه ابن إسحاق وأحمد وغيرهما، وكذا وقع عند أحمد ومسلم من طريق ثابت عن أنس، فسمى الأربعة، لكن قدم وأخر، وسياقه أتم. قال في أوله "تركهم ثلاثة أيام حتى جيفوا" فذكره، وفيه من الزيادة "فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ ويقول الله تعالى: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكن لا يستطيعون أن يجيبوا" وفي بعضه نظر، لأن أمية بن خلف لم يكن في القليب لأنه كان ضخما فانتفخ فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيبه. وقد أخرج ذلك ابن إسحاق من حديث عائشة. لكن يجمع بينهما بأنه كان قريبا من القليب فنودي فيمن نودي، لكونه كان من جملة رؤسائهم. ومن رؤساء قريش ممن يصح إلحاقه بمن سمي من بني عبد شمس بن عبد مناف، عبيدة والعاص والد أبي أحيحة، وسعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة بن ربيعة. ومن بني نوفل بن عبد مناف الحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي. ومن سائر قريش نوفل بن خويلد بن أسد، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وأخوه عقيل، والعاصي بن هشام أخو أبي جهل، وأبو قيس بن الوليد أخو خالد، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهمي، وعلي بن أمية بن خلف، وعمرو بن عثمان عم طلحة أحد العشرة، ومسعود بن أبي أمية أخو أم سلمة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، والأسود بن عبد الأسد أخو أبي سلمة، وأبو العاص بن قيس بن عدي السهمي، وأميمة بن رفاعة بن أبي رفاعة، فهؤلاء العشرون تنضم إلى الأربعة فتكمل العدة. ومن جملة مخاطبتهم ما ذكره ابن إسحاق "حدثني بعض أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا أهل القليب بئس عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم كنتم، كذبتموني وصدقني الناس" الحديث. قوله: "قال قتادة" هو موصول بالإسناد المذكور. قوله: "أحياهم الله" زاد الإسماعيلي: "بأعيانهم". قوله: "توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما" في رواية الإسماعيلي: "وتندما وذلة وصغارا" والصغار الذلة والهوان، وأراد قتادة بهذا التأويل الرد على من أنكر أنهم يسمعون كما جاء عن عائشة أنها استدلت بقوله تعالى: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} وسيأتي البحث في ذلك في تالي الحديث الذي بعده.الحديث الثاني عشر

(7/302)


قوله: "حدثنا عمرو" هو ابن دينار، وعطاء هو ابن أبي رباح. قوله: "عن ابن عباس" في رواية أبي نعيم في المستخرج "سمعت ابن عباس". قوله: "هم والله كفار قريش" وقع في التفسير "هم والله كفار أهل مكة" ورواه عبد الرزاق عن ابن عيينة قال: "هم لكفار قريش أو أهل مكة" وللطبراني عن كريب عن ابن عيينة "هم والله أهل مكة" قال ابن عيينة: يعني كفارهم. وعند عبد بن حميد في التفسير من طريق أبي الطفيل قال: "قال عبد الله بن الكواء لعلي رضي الله عنه: من الذين بدلوا نعمة الله كفرا؟ قال: هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو مخزوم قد كبتهم يوم بدر" وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن علي نحوه لكن فيه: "فأما بنو مخزوم فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين" وأخرج الطبري عن عمر نحوه، وله من وجه آخر ضعيف عن ابن عباس قال: "هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم" والأول المعتمد، ويحتمل أن يكون مراده أن عموم الآية يتناول هؤلاء أيضا. قوله: "قال عمرو" هو ابن دينار، وهو موصول بالإسناد المذكور. قوله: "ومحمد صلى الله عليه وسلم نعمة الله" هدا موقوف على عمرو بن دينار، وكذا {دَارَ الْبَوَارِ} النار يوم بدر، وهكذا رويناه في تفسير ابن عيينة رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه عن عمرو بن دينار في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ} قال: هم كفار قريش، ومحمد النعمة، ودار البوار النار يوم بدر انتهى. وقوله: "يوم بدر" ظرف لقوله أحلوا أي أنهم أهلكوا قومهم يوم بدر فأدخلوا النار، والبوار الهلاك وسميت جهنم دار البوار لإهلاكها من يدخلها، وعند الطبراني من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: البوار الهلاك ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قد فسرها الله تعالى فقال: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} قوله: "ذكر" بضم أوله، وعند الإسماعيلي: "أن عائشة بلغها" ولم أقف على اسم المبلغ، ولكن عنده من رواية أخرى ما يشعر بأن عروة هو الذي بلغها ذلك. قوله: "وهل" قيل بفتح الهاء، والمشهور الكسر، أي غلط وزنا ومعني، وبالفتح معناه فزع ونسي وجبن وقلق. وقال الفارابي والأزهري وابن القطاع وابن فارس والقابسي وغيرهم: وهلت إليه بفتح الهاء أهل بالكسر وهلا بالسكون إذا ذهب وهمك إليه. زاد القالي والجوهري: وأنت تريد غيره. وزاد ابن القطاع.1 قوله: "إن الميت ليعذب في قبره" الحديث تقدم شرحه في الجنائز، وقوله: "ذلك مثل قوله: "أي ابن عمر، وقوله: "فقال لهم ما قال: "ووقع عند الكشميهني: "فقال لهم مثل ما قال: "و" مثل" زائدة لا حاجة إليها. قوله: "يقول حين تبوءوا مقاعدهم من النار "القائل" يقول: "هو عروة، يريد أن يبين مراد عائشة فأشار إلى أن إطلاق النفي في قوله: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} مقيد باستقرارهم في النار، وعلى هذا فلا معارضة بين إنكار عائشة وإثبات ابن عمر كما تقدم توضيحه في الجنائز، لكن الرواية التي بعد هذه تدل على أن عائشة كانت تنكر ذلك مطلقا لقولها إن الحديث إنما هو بلفظ: "إنهم ليعلمون" وأن ابن عمر وهم في قوله: "ليسمعون" قال البيهقي: العلم لا يمنع من السماع، والجواب عن الآية أنه لا يسمعهم وهم موتى ولكن الله أحياهم حتى سمعوا كما قال قتادة، ولم ينفرد عمر ولا ابنه بحكاية ذلك بل وافقهما أبو طلحة كما تقدم، وللطبراني من حديث ابن مسعود مثله بإسناد صحيح. ومن حديث عبد الله بن سيدان نحوه وفيه: "قالوا يا رسول الله وهل يسمعون؟ قال: يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون" وفي حديث ابن مسعود "ولكنهم اليوم لا يجيبون" ومن الغريب
ـــــــ
1 بياض الأصل

(7/303)


أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة، قال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن، لأن قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: "إنهم الآن يسمعون" لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال إنهم ليعلمون فإن كانت سمعت ذلك فلا ينافي رواية يسمعون بل يؤيدها. وقال السهيلي ما محصله: إن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، لقول الصحابة له: "أتخاطب أقواما قد جيفوا؟ فأجابهم" قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين جاز أن يكونوا سامعين، وذلك إما بآذان رءوسهم على قول الأكثر أو بآذان قلوبهم، قال: وقد تمسك بهذا الحديث من يقول: إن السؤال يتوجه على الروح والبدن، ورده من قال: إنما يتوجه على الروح فقط بأن الإسماع يحتمل أن يكون لأذن الرأس ولأذن القلب فلم يبق فيه حجة. قلت: إذا كان الذي وقع حينئذ من خوارق العادة للنبي صلى الله عليه وسلم حينئذ لم يحسن التمسك به في مسألة السؤال أصلا. وقد اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى في قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} وكذلك المراد بمن في القبور، فحملته عائشة على الحقيقة وجعلته أصلا احتاجت معه إلى تأويل قوله: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" وهذا قول الأكثر، وقيل: هو مجاز والمراد بالموتى وبمن في القبور الكفار، شبهوا بالموتى وهم أحياء، والمعنى من هم في حال الموتى أو في حال من سكن القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة رضي الله عنها، والله أعلم.

(7/304)


9 - باب فَضْلُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا
3982- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ "أُصِيبَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ غُلاَمٌ فَجَاءَتْ أُمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي فَإِنْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ وَإِنْ تَكُ الأُخْرَى تَرَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ وَيْحَكِ أَوَهَبِلْتِ أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّهُ فِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ ".
3983- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَقُلْنَا الْكِتَابُ فَقَالَتْ مَا مَعَنَا كِتَابٌ فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا فَقُلْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ

(7/304)


أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ حَاطِبٌ وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لاَ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلاَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَ وَلاَ تَقُولُوا لَهُ إِلاَّ خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ"
قوله: "باب فضل من شهد بدرا" أي مع النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين مقاتلا للمشركين، وكأن المراد بيان أفضليتهم لا مطلق فضلهم. قوله: "أصيب حارثة يوم بدر" هو بالمهملة والمثلثة ابن سراقة بن الحارث بن عدي الأنصاري بن عدي بن النجار، وأبوه سراقة له صحبة واستشهد يوم حنين. قوله: "فجاءت أمه" هي الربيع بالتشديد بنت النضر عمة أنس بن مالك، ووقع في أوائل الجهاد من طريق شيبان عن قتادة عن أنس "أن أم الربيع بالتخفيف ابن البراء وهي أم حارثة" وقال: هو وهم وإنما الصواب أن أم حارثة الربيع عمة البراء، وقد ذكرت مباحث ذلك مستوفاة هناك مع شرح الحديث. وقوله: "ويحك" هي كلمة رحمة، وزعم الداودي أنها للتوبيخ وقوله: "هبلت" بضم الهاء بعدها موحدة مكسورة، أي ثكلت وهو بوزنه. وقد تفتح الهاء يقال هبلته أمه تهبله بتحريك الهاء أي ثكلته، وقد يرد بمعني المدح والإعجاب، قالوا أصله إذا مات الولد في الهبل هو موضع الولد من الرحم فكأن أمه وجع مهبلها بموت الولد فيه. وزعم الداودي أن المعنى أجهلت، ولم يقع عند أحد من أهل اللغة أن هبلت بمعني جهلت. ذكر المصنف حديث علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وسيأتي شرح القصة في فتح مكة مستوفى وذكر البرقاني أن مسلما أخرج نحو هذا الحديث من طريق ابن عباس عن عمر مستوفى، والمراد منه هنا الاستدلال على فضل أهل بدر بقوله صلى الله عليه وسلم المذكور، وهي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم، ووقع الخبر بألفاظ: منها "فقد غفرت لكم" ومنها "فقد وجبت لكم الجنة" ومنها "لعل الله اطلع" لكن قال العلماء إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله الموقوع وعند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة بالجزم ولفظه: "إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وعند أحمد بإسناد على شرط مسلم من حديث جابر مرفوعا: "لن يدخل النار أحد شهد بدرا" وقد استشكل قوله: "اعملوا ما شئتم" فإن ظاهره أنه للإباحة وهو خلاف عقد الشرع، وأجيب بأنه إخبار عن الماضي أي كل عمل كان لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقع بلفظ الماضي ولقال فسأغفره لكم، وتعقب بأنه لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به في قصة حاطب لأنه صلى الله عليه وسلم خاطب به عمر منكرا عليه ما قال في أمر حاطب، وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين فدل على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه. وقيل: إن صيغة الأمر في قوله: "اعملوا" للتشريف والتكريم والمراد عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك، وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم

(7/305)


السابقة، وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت، أي كل ما عملتموه بعد هذه الواقعة من أي عمل كان فهو مغفور. وقيل: إن المراد ذنوبهم تقع إذا وقعت مغفورة. وقيل: هي بشارة بعدم وقوع الذنوب منهم، وفيه نظر ظاهر لما سيأتي في قصة قدامة بن مظعون حين شرب الخمر في أيام عمر وحده عمر، فهاجر بسبب ذلك، فرأى عمر في المنام من يأمره بمصالحته، وكان قدامة بدريا. والذي يفهم من سياق القصة الاحتمال الثاني وهو الذي فهمه أبو عبد الرحمن السلمي التابعي حيث قال لحيان بن عطية: قد علمت الذي جرأ صاحبك على الدماء، وذكر له هذا الحديث، وسيأتي ذلك في "باب استتابة المرتدين". واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها، والله أعلم.

(7/306)


باب إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم
...
10-باب
3984- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ "
3985- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ وَالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ إِذَا أَكْثَبُوكُمْ يَعْنِي كَثَرُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ "
قوله: "باب" كذا في الأصول بغير ترجمة. وهو فيما يتعلق ببدر أيضا، وأبو أحمد هو محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري كما نسبه في الرواية التي بعدها. قوله: "عن حمزة بن أبي أسيد والزبير بن المنذر بن أبي أسيد" كذا في هذه الرواية، ووقع في التي بعدها الزبير بن أبي أسيد، فقيل هو عمه وقيل: هو هو لكن نسب إلى جده، والأول أصوب. وأبعد من قال إن الزبير هو المنذر نفسه. قوله: "عن أبي أسيد" بالتصغير وهو مالك بن ربيعة الخزرجي الساعدي. قوله: "إذا أكثبوكم" بمثلثة ثم موحدة أي إذا قربوا منكم، ووقع في الرواية الثانية "يعني أكثروكم" وهو تفسير لا يعرفه أهل اللغة، وقد قدمت في الجهاد أن الداودي فسره بذلك وأنه أنكر عليه، فعرفنا الآن مستنده قي ذلك وهو ما وقع في هذه الرواية، لكن يتجه الإنكار لكونه تفسيرا لا يعرفه أهل اللغة وكأنه من بعض رواته، فقد وقع في رواية أبي داود في هذا الموضع "يعني غشوكم" وهو بمعجمتين والتخفيف وهو أشبه بالمراد، ويؤيده ما وقع عند ابن إسحاق "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن لا يحملوا على المشركين حتى يأمرهم وقال: إذا أكثبوكم فانضحوهم عنكم بالنبل" والهمزة في قوله: "أكثبوكم" للتعدية من كثب بفتحتين وهو القرب، قال ابن فارس: أكثب الصيد إذا أمكن من نفسه، فالمعنى إذا قربوا منكم فأمكنوكم من أنفسهم فارموهم. قوله: "فارموهم واستبقوا نبلكم" بسكون الموحدة فعل أمر بالاستبقاء، أي طلب الإبقاء، قال الداودي: معنى قوله: "ارموهم" أي بالحجارة لأنها لا تكاد تخطئ إذا رمي بها في الجماعة، قال، ومعني قوله: "استبقوا نبلكم" أي إلى أن تحصل المصادمة، كذا قال. وقال غيره: المعنى ارموهم ببعض نبلكم لا بجميعها. والذي يظهر لي أن معنى قوله: "واستبقوا نبلكم" لا يتعلق بقوله: "ارموهم" وإنما هو كالبيان للمراد بالأمر بتأخير الرمي حتى يقربوا منهم، أي

(7/306)


إنهم إذا كانوا بعيدا لا تصيبهم السهام غالبا، فالمعنى استبقوا نبلكم في الحالة التي إذا رميتم بها لا تصيب غالبا، وإذا صاروا إلى الحالة التي يمكن فيها الإصابة غالبا فارموا.
3986- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ"
3987- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ بَعْدُ وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ" .
الحديث الثاني حديث البراء في قصة الرماة يوم أحد، وذكر طرفا منه، وسيأتي بتمامه في غزوة أحد والمراد منه. قوله: "أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا" هذا هو الحق في عدد القتلى، وأطبق أهل السير على أنهم خمسون قتيلا يزيدون قليلا أو ينقصون، سرد ابن إسحاق فبلغوا خمسين، وزاد الواقدي ثلاثة أو أربعة، وأطلق كثير من أهل المغازي أنهم بضعة وأربعون لكن لا يلزم من معرفة أسماء من قتل منهم على التعيين أن يكونوا جميع من قتل. وقول البراء إن عدتهم سبعون قد وافقه على ذلك ابن عباس وآخرون. وأخرج ذلك مسلم من حديث ابن عباس. وقال الله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} واتفق أهل العلم بالتفسير على أن المخاطبين بذلك أهل أحد، وأن المراد بأصبتم مثليها يوم بدر، وعلى أن عدة من استشهد من المسلمين بأحد سبعون نفسا، وبذلك جزم ابن هشام، واستدل له بقول كعب بن مالك من قصيدة له:
فأقام بالطعن المطعن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود
يعني عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وقد تقدم اسم من قتله. والأسود بن عبد الأسد بن هلال المخزومي قتله حمزة بن عبد المطلب. ثم سرد ابن هشام أسماء أخرى ممن قتل ببدر غير من ذكره ابن إسحاق فزادوا على الستين فقوى ما قلناه، والله أعلم. حديث أبي موسى في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أورده مختصرا جدا، وقد تقدمت الإشارة إليه في الهجرة، فإنه علق طرفا منه هناك. وأورده في علامات النبوة بتمامه فأحلت شرحه على غزوة أحد، ولم يذكر في غزوة أحد منه هذه القطعة التي ذكرها هنا، وسأذكر شرحها في كتاب التعبير إن شاء الله تعالى.
3988- حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِنِّي لَفِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ الْتَفَتُّ فَإِذَا عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَتَيَانِ حَدِيثَا السِّنِّ فَكَأَنِّي لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهِمَا إِذْ قَالَ لِي أَحَدُهُمَا سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ يَا عَمِّ أَرِنِي أَبَا جَهْلٍ فَقُلْتُ يَا ابْنَ أَخِي وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟

(7/307)


قَالَ عَاهَدْتُ اللَّهَ إِنْ رَأَيْتُهُ أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أَمُوتَ دُونَهُ فَقَالَ لِي الْآخَرُ سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ مِثْلَهُ قَالَ فَمَا سَرَّنِي أَنِّي بَيْنَ رَجُلَيْنِ مَكَانَهُمَا فَأَشَرْتُ لَهُمَا إِلَيْهِ فَشَدَّا عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّقْرَيْنِ حَتَّى ضَرَبَاهُ وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ"
الحديث الرابع حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة قتل أبي جهل قوله: "حدثني يعقوب بن إبراهيم" كذا لأبي ذر والأصيلي، وللباقين "حدثنا يعقوب" غير منسوب، فجزم الكلاباذي بأنه ابن حميد بن كاسب، وبه جزم الحاكم عن مشايخه، ثم جوز أن يكون يعقوب بن محمد الزهري. قلت: وسيأتي ما يقويه. قال الحاكم: وقد ناظرني شيخنا أبو أحمد الحاكم في أن البخاري روى في الصحيح عن يعقوب بن حميد، فقلت له: إنما روى عن يعقوب بن محمد فلم يرجع عن ذلك. قلت: وجزم ابن منده وأبو إسحاق الحبال وغير واحد بما قال أبو أحمد، وهو متعقب بما وقع في رواية الأصيلي وأبي ذر. وقال أبو علي الجياني: وقع عند ابن السكن هنا "حدثنا يعقوب بن محمد" وعند أبي ذر والأصيلي: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم" وأهمله الباقون. وجزم أبو مسعود في "الأطراف" بأنه ابن إبراهيم، وجوز أنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: وهو غلط، فإن يعقوب مات قبل أن يرحل البخاري، وقد روى له الكثير بواسطة، وبني الكرماني على أنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد فقال: هذا السند مسلسل بالرواية عن الآباء، ومال المزي إلى أنه يعقوب بن إبراهيم الدورقي انتهى. وقد تقدم في أواخر الصلاة في "باب الصلاة في مسجد قباء" وفي المناقب في "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار أنتم أحب الناس إلي " التصريح بالرواية عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي فقال البرقاني في "المصافحة" يعقوب بن حميد ليس من شرط الصحيح، وقد قيل إنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد ولكن سقطت الواسطة من النسخة لأن البخاري لم يسمع منه انتهى. والراجح عدم السقوط وأنه إما الدورقي وإما ابن محمد الزهري، والله أعلم. قوله: "عن أبيه عن جده" أبوه هو سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وقد تقدمت الإشارة في الباب الماضي إلى أن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف روى هذا الحديث أيضا عن أبيه، وأنه ساقه في الحمس بتمامه. وقوله في هذه الرواية فكأني لم آمن بمكانهما أي من العدو. وقيل: مكانهما كناية عنهما، كأنه لم يثق بهما لأنه لم يعرفهما فلم يأمن أن يكونا من العدو ثم وجدت في مغازي ابن عائذ ما يرفع الإشكال، فإنه أخرج هذه القصة مطوله بإسناد منقطع وقال فيها فأشفقت أن يؤتي الناس من ناحيتي لكوفي بين غلامين حديثين". قوله: "الصقرين" بالمهملة ثم القاف تثنية صقر، وهو من سباع الطير وأحد الجوارح الأربعة وهي الصقر والبازي والشاهين والعقاب، وشبههما به لما اشتهر عنه من الشجاعة والشهامة والإقدام على الصيد، ولأنه إذا تشبث بشيء لم يفارقه حتى يأخذه وأول من صاد به من العرب الحارث بن معاوية بن ثور الكندي، ثم اشتهر الصيد به بعده.
3989- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَةِ بَيْنَ عَسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ فَاقْتَصُّوا

(7/308)


آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ فَقَالُوا تَمْرُ يَثْرِبَ فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ فَلَمَّا حَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى مَوْضِعٍ فَأَحَاطَ بِهِمْ الْقَوْمُ فَقَالُوا لَهُمْ انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لاَ نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَيُّهَا الْقَوْمُ أَمَّا أَنَا فَلاَ أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخَرُ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ وَاللَّهِ لاَ أَصْحَبُكُمْ إِنَّ لِي بِهَؤُلاَءِ أُسْوَةً يُرِيدُ الْقَتْلَى فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَانْطُلِقَ بِخُبَيْبٍ وَزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ خُبَيْبًا وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسًى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ فَوَجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ قَالَتْ فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فَقَالَ أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ خُبَيْبًا فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ وَاللَّهِ لَوْلاَ أَنْ تَحْسِبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلاَ تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلاَةَ وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ أَنْ يُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ فَبَعَثَ اللَّهُ لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنْ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ذَكَرُوا مَرَارَةَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيَّ وَهِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيَّ رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا"
3990- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ نَافِعٍ "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ذُكِرَ لَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَكَانَ بَدْرِيًّا مَرِضَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فَرَكِبَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ تَعَالَى النَّهَارُ وَاقْتَرَبَتْ الْجُمُعَةُ

(7/309)


وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ
3991-0وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا وَعَنْ مَا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اسْتَفْتَتْهُ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَرْقَمِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لَهَا مَا لِي أَرَاكِ تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ تُرَجِّينَ النِّكَاحَ فَإِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ قَالَتْ سُبَيْعَةُ فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي" تَابَعَهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ مَوْلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا -أَخْبَرَهُ
[الحديث 3991- طرفه في: 5319]
الحديث الخامس حديث أبي هريرة في قصة أصحاب بئر معونة وسيأتي شرحه بتمامه في غزوة الرجيع، والغرض منه هنا قوله فيه: "وكان قد قتل عظيما من عظمائهم" فإنه سيأتي في الطريق الأخرى التصريح بأن ذلك كان يوم بدر، والذي قتله عاصم المذكور يوم بدر من المشركين في قول ابن إسحاق ومن تبعه عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية قتله صبرا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "أخبرني عمرو بن جارية" بالجيم. وفي رواية الكشميهني: "عمرو بن أبي أسيد بن جارية" وكذا للأصيلي، وهو نسب إلى جده، بل هو جد أبيه لأنه ابن أسيد بن العلاء بن جارية، ووقع في غزوة الرجيع كما سيأتي "عمرو بن أبي سفيان" وهي كنية أبيه أسيد والله أعلم. وأسيد بفتح الهمزة للجميع، وأكثر أصحاب الزهري قالوا فيه: "عمرو" بفتح العين وقال بعضهم عمر بضم العين، ورجح البخاري أنه عمرو، وكذا وقع في الجهاد في "باب هل يستأسر الرجل" للأكثر عمرو، أما النسفي وأبو زيد المروزي فلم يسمياه قالا: "أخبرنا ابن أسيد" وقال ابن السكن في روايته: "عمير" بالتصغير، والراجح عمرو بفتح العين، وسيأتي مزيد لذلك في غزوة الرجيع. قوله: "عشرة عينا" سيأتي بيانهم في غزوة الرجيع، وأمر عليهم عاصم بن ثابت جد عاصم بن عمر بن الخطاب يعني لأمه، قال: وهو وهم من بعض رواته فإن عاصم بن ثابت خال عاصم بن عمر لا جده لأن والدة عاصم هي جميلة بنت ثابت أخت عاصم، وكان اسمها عاصية فغيرها النبي صلى الله عليه وسلم، قال عياض: إذا قرئ حد بالكسر على أنه صفة لثابت استقام الكلام وارتفع الوهم. الحديث السادس: قوله: "وقال كعب بن مالك ذكروا مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي رجلين صالحين قد شهدا بدرا" هذا طرف من حديث كعب الطويل في قصة توبته، وسيأتي

(7/310)


موصولا في غزوة تبوك مطولا، وكأن المصنف عرف أن بعض الناس ينكر أن يكون مرارة وهلال شهدا بدرا وينسب الوهم في ذلك إلى الزهري فرد ذلك بنسبة ذلك إلى كعب بن مالك، وهو الظاهر من السياق فإن الحديث عنه قد أخذ وهو أعرف بمن شهد بدرا ممن لم يشهدها ممن جاء بعده، والأصل عدم الإدراج فلا يثبت إلا بدليل صريح، ويؤيد كون وصفهما بذلك من كلام كعب أن كعبا ساقه في مقام التأسي بهما فوصفهما بالصلاح وبشهود بدر التي هي أعظم المشاهد. فلما وقع لهما نظير ما وقع له من القعود عن غزوة تبوك ومن الأمر بهجرهما كما وقع له تأسى بهما. وأما قول بعض المتأخرين كالدمياطي: لم يذكر أحد مرارة وهلالا فيمن شهد بدرا فمردود عليه، فقد جزم به البخاري هنا وتبعه جماعة، وأما قوله: وإنما ذكروهما في الطبقة الثانية ممن شهد أحدا، فحصر مردود، فإن الذي ذكرهما كذلك هو محمد بن سعد وليس ما يقتضيه صنيعه بحجة على مثل هذا الحديث الصحيح المثبت لشهودهما وقد ذكر هشام بن الكلبي وهو من شيوخ محمد بن سعد أن مرارة شهد بدرا فإنه ساق نسبه إلى الأوس ثم قال: شهد بدرا، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم. وقد استقريت أول من أنكر شهودهما بدرا فوجدته الأثرم صاحب الإمام أحمد واسمه أحمد بن محمد بن هانئ، قال ابن الجوزي: لم أزل متعجبا من هذا الحديث وحريصا على كشف هذا الموضع وتحقيقه حتى رأيت الأثرم ذكر الزهري وفضله وقال: لا يكاد يحفظ عنه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه ذكر أن مرارة وهلالا شهدا بدرا، وهذا لم يقله أحد، والغلط لا يخلو منه إنسان. قلت: وهذا ينبني على أن قوله شهدا بدرا مدرج في الخبر من كلام الزهري، وفي ثبوت ذلك نظر لا يخفى كما قدمته، واحتج ابن القيم في الهدى بأنهما لو شهدا بدرا ما عوقبا بالهجر الذي وقع لهما بل كانا يسامحان بذلك كما سومح حاطب بن أبي بلتعة كما وقع في قصته المشهورة، قلت: وهو قياس مع وجود النص، ويمكن الفرق، وبالله التوفيق والله أعلم. قوله: "عن يحيى" هو ابن سعيد الأنصاري. قوله: "ذكر له" بضم أوله ولم أقف على اسم ذاكر ذلك، والغرض منه قوله: "وكان بدريا" وإنما نسب إلى بدر وإن كان لم يحضر القتال لأنه كان ممن ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم، كما تقدم قريبا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه هو وطلحة يتجسسان الأخبار، فوقع القتال قبل أن يرجعا، فألحقهما النبي صلى الله عليه وسلم بمن شهدها وضرب لهما بسهميهما وأجرهما. قوله: "وقال الليث حدثني يونس إلخ" يأتي شرحه مستوفى في العدد من كتاب النكاح، والغرض منه ذكر سعد بن خولة وأنه شهد بدرا، وقد وصل طريق الليث هذه قاسم بن أصبغ في مصنفه فأخرجه عن مطلب بن شهيب عن عبد الله بن صالح عن الليث بتمامه. قوله: "تابعه أصبغ عن ابن وهب" وصله الإسماعيلي من طريق محمد بن عبد الملك بن زنجويه عن أصبغ بن الفرج.
الحديث التاسع: قوله: "وقال الليث" وصله المصنف في "التاريخ الكبير" قال: "قال لنا عبد الله بن صالح أنبأنا الليث" فذكره بتمامه. قوله: "وسألناه فقال حدثه" في رواية الكشميهني: "حدثني". قوله: "البكير" بالتصغير وضبط أيضا بكسر الموحدة وبتشديد الكاف. قوله: "وكان أبوه شهد بدرا" زاد في التاريخ أنه سأل أبا هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمر، و "مثله" يعني مثل حديث قبله إذا طلق ثلاثا لم تصلح له المرأة فاقتصر المصنف من الحديث على موضع حاجته منه وهي قوله: "وكان أبوه شهد بدرا" وقد روى هذا الحديث قتيبة عن الليث عن ابن شهاب بغير واسطة وساقه مطولا، والله أعلم.

(7/311)


11 - باب شُهُودِ الْمَلاَئِكَةِ بَدْرًا
3992- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ

(7/311)


عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ قَالَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلاَئِكَةِ
[الحديث 3992- طرفه في: 3994]
3993- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ وَكَانَ رِفَاعَةُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَكَانَ رَافِعٌ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ فَكَانَ يَقُولُ لِابْنِهِ "مَا يَسُرُّنِي أَنِّي شَهِدْتُ بَدْرًا بِالْعَقَبَةِ قَالَ سَأَلَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .....بِهَذَا"
3994- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا يَحْيَى سَمِعَ مُعَاذَ بْنَ رِفَاعَةَ أَنَّ مَلَكًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَعَنْ يَحْيَى أَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْهَادِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ يَوْمَ حَدَّثَهُ مُعَاذٌ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ يَزِيدُ "فَقَالَ مُعَاذٌ إِنَّ السَّائِلَ هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم"
3995- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ "
[الحديث3995- طرفه في:4041]
قوله: "باب شهود الملائكة بدرا" تقدم القول في ذلك قبل بابين. وأخرج يونس بن بكير في زيادات المغازي والبيهقي من طريق الربيع بن أنس قال: "كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة من قتلى الناس بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل وسم النار" وفي مسند إسحاق" عن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة القوم ببدر مثل النجاد الأسود أقبل من السماء كالنمل فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم" وعند مسلم من حديث ابن عباس "بينما رجل مسلم يشتد في أثر رجل مشرك إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس" الحديث وفيه: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك مدد من السماء الثالثة". قوله: "يحيى بن سعيد" هو الأنصاري. قوله: "عن معاذ بن رفاعة" أورده عنه من ثلاثة طرق، ففي رواية جرير معاذ عن أبيه وهذه موصولة. وفي رواية حماد وهو ابن زيد معاذ بن رفاعة بن رافع وكان رفاعة من أهل بدر إلخ. وهذا صورته مرسل ولكن عند التأمل يظهر أن فيه رواية لمعاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه عن جده، ورواية يزيد وهو ابن هارون وهي الثالثة قال فيها معاذ: "إن ملكا سأله" وهذا ظاهره الإرسال، لكن أفاد التصريح بسماع يحيى بن سعيد للحديث من معاذ، ولهذا قال الإسماعيلي: هذا الحديث وصله عن يحيى بن سعيد وجرير بن عبد الحميد، وتابعه يحيى بن أيوب فأرسله عنه حماد بن زيد ويزيد بن هارون وقوله في آخره: "وعن يحيى أن يزيد بن الهاد حدثه" يستفاد منه أن تسمية الملك السائل جبريل إنما تلقاها يحيى بن سعيد من يزيد بن الهاد عن معاذ، فيقتضي ذلك أن في رواية جرير الجزم بتسميته في رواية يحيى بن سعيد إدراجا. قوله: "بدرا بالعقبة" أي بدل العقبة، يريد أن شهود العقبة عنده أفضل من شهود بدر، وقوله في آخر رواية حماد

(7/312)


"بهذا" يريد ما تقدم في رواية جرير، وقد أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه بلفظ: "عن معاذ بن رفاعة بن رافع" وكان رفاعة بدريا وكان رافع عقبيا وكان يقول لابنه ما أحب أني شهدت بدرا ولم أشهد العقبة" قال سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أهل بدر فيكم؟ قال خيارنا، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة هم خيار الملائكة" وقوله في رواية يزيد "نحوه" ساق الإسماعيلي لفظ يزيد من طريق محمد بن شجاع عنه بلفظ: "إن ملكا من الملائكة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال يحيى بن سعيد: حدثني يزيد بن الهاد أن السائل هو جبريل" والذي يظهر أن رافع بن مالك لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم التصريح بتفضيل أهل بدر على غيرهم فقال ما قال باجتهاد منه، وشبهته أن العقبة كانت منشأ نصرة الإسلام وسبب الهجرة التي نشأ منها الاستعداد للغزوات كلها، لكن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله أعلم. قوله في حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: هذا جبريل " الحديث هو من مراسيل الصحابة، ولعل ابن عباس حمله عن أبي بكر، فقد ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم بدر خفق خفقة ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه الغبار " ووقعت في بعض المراسيل تتمة لهذا الحديث مقيدة، وهي ما أخرج سعيد بن منصور من مرسل عطية بن قيس" أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعدما فرغ من بدر على فرس حمراء معقودة الناصية قد تخضب الغبار بثنيته عليه درعه وقال: يا محمد إن الله بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، أفرضيت؟ قال: "نعم" ووقع عند ابن إسحاق من حديث أبي واقد الليثي قال: "إني لأتبع يوم بدر رجلا من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي" ووقع عند البيهقي من طريق ابن محمد بن جبير بن مطعم أنه سمع عليا يقول: "هبت ريح شديدة لم أر مثلها، ثم هبت ريح شديدة، وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبريل والثانية ميكائيل والثالثة إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره وأنا فيها" ومن طريق أبي صالح عن علي قال: "قيل لي ولأبي بكر يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال" وأخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه الحاكم، والجمع بينه وبين الذي قبله ممكن، قال الشيخ تقي الدين السبكي: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي صلى الله عليه وسلم مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عبادة. والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم.

(7/313)


باب مات أبو زيد ولم يترك عقبا وكان بدريا
...
12- باب
3996- حَدَّثَنِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "مَاتَ أَبُو زَيْدٍ وَلَمْ يَتْرُكْ عَقِبًا وَكَانَ بَدْرِيًّا".
3997- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ خَبَّابٍ "أَنَّ أَبَا سَعِيدِ بْنَ مَالِكٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا مِنْ لُحُومِ الأَضْحَى فَقَالَ مَا أَنَا بِآكِلِهِ حَتَّى أَسْأَلَ فَانْطَلَقَ إِلَى أَخِيهِ لِأُمِّهِ وَكَانَ بَدْرِيًّا قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ إِنَّهُ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ نَقْضٌ لِمَا كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضْحَى بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ"
[الحديث 3997- طرفه في: 5568]

(7/313)


3998- حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "قَالَ الزُّبَيْرُ لَقِيتُ يَوْمَ بَدْرٍ عُبَيْدَةَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ مُدَجَّجٌ لاَ يُرَى مِنْهُ إِلاَّ عَيْنَاهُ وَهُوَ يُكْنَى أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ فَقَالَ أَنَا أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالْعَنَزَةِ فَطَعَنْتُهُ فِي عَيْنِهِ فَمَاتَ قَالَ هِشَامٌ فَأُخْبِرْتُ أَنَّ الزُّبَيْرَ قَالَ لَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي عَلَيْهِ ثُمَّ تَمَطَّأْتُ فَكَانَ الْجَهْدَ أَنْ نَزَعْتُهَا وَقَدْ انْثَنَى طَرَفَاهَا قَالَ عُرْوَةُ فَسَأَلَهُ إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا ثُمَّ طَلَبَهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْطَاهُ فَلَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ سَأَلَهَا إِيَّاهُ عُمَرُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَلَمَّا قُبِضَ عُمَرُ أَخَذَهَا ثُمَّ طَلَبَهَا عُثْمَانُ مِنْهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَقَعَتْ عِنْدَ آلِ عَلِيٍّ فَطَلَبَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى قُتِلَ"
3999- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "بَايِعُونِي"
4000- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الأَنْصَارِ كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى[5 الأحزاب]: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} فَجَاءَتْ سَهْلَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..........."فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[الحديث 4000-طرفه في: 5088]
قوله: "باب" كذا للجميع بغير ترجمة، وهو فيما يتعلق ببيان من شهد بدرا. قوله: "حدثني خليفة" هو ابن خياط بالمعجمة ثم التحتانية الشديدة "قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري" هو من كبار شيوخ البخاري، وربما حدث عنه بواسطة كما في هذا الموضع، وسعيد هو ابن أبي عروبة. قوله: "مات أبو زيد ولم يترك عقبا وكان بدريا" كذا أورده مختصرا، وقد مضى في مناقب الأنصار بأتم من هذا أنه سأل أنسا عن أبي زيد الذي جمع القرآن فقال: هو قيس بن السكن، رجل من بني عدي بن النجار، مات فلم يترك عقبا، نحن ورثناه. وقد تقدم نقل الخلاف في اسمه هناك. قوله: "عن ابن خباب" بالمعجمة وموحدتين الأولى ثقيلة واسمه عبد الله، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق، وسيأتي شرح الحديث في كتاب الأضاحي، والغرض منه هنا وصف قتادة بن النعمان بكونه شهد بدرا. قوله: "قال الزبير" هو ابن العوام. قوله: "عبيدة" بالضم أي ابن سعيد بن العاص بن أمية، وكان لسعيد بن العاص عدة إخوة أسلم منهم عمرو وخالد وأبان، وقتل العاص كافرا. قوله: "مدجج" بجيمين الأولى ثقيلة ومفتوحة وقد تكسر، أي مغطى بالسلاح ولا يظهر منه شيء. قوله:

(7/314)


"قال هشام" هو ابن عروة، وهو موصول بالإسناد المذكور. وقوله: "فأخبرت" بضم الهمزة على البناء للمجهول ولم أقف على تعيين المخبر بذلك. قوله: "ثم تمطأت" قيل: الصواب تمطيت بالتحتانية غير مهموز. قوله: "فكان الجهد" بفتح الجيم وبضمها "أن" بفتح الهمزة "نزعتها". قوله: "قال عروة" هو موصول بالإسناد المذكور. وقوله: "أخدها" يعني الزبير "ثم طلبها أبو بكر" أي من الزبير وقوله: "وقعت عند آل علي" أي عند علي نفسه ثم عند أولاده. قوله: "فطلبها عبد الله بن الزبير" أي من آل علي. حديث عبادة بن الصامت في البيعة قد تقدم بتمامه في الإيمان. قوله: "أن أبا حذيفة" هو ابن عتبة بن ربيعة الذي تقدم صفه قتل والده قريبا. وقوله: "تبنى سالما" أي ادعى أنه ابنه، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} فإنها لما نزلت صار يدعى مولى أبي حذيفة، وقد شهد سالم بدرا مع مولاه المذكور. والوليد بن عتبة والد هند قتل مع أبيه كما تقدم، وسميت هند هذه باسم عمتها هند بنت عتبة، قال الدمياطي: رواه يونس ويحيى بن سعيد وشعيب وغيرهم عن الزهري فقالوا: "هند" وروى مالك عنه فقال: "فاطمة" واقتصر أبو عمر في الصحابة على فاطمة بنت الوليد فلم يترجم لهند بنت الوليد، ولا ذكرها محمد بن سعد في الصحابة. ووقع عنده فاطمة بنت عتبة، فإما نسبها لجدها وإما كانت لهند أخت اسمها فاطمة. وحكى أبو عمر عن غيره أن اسم جد فاطمة بنت الوليد المغيرة، فإن ثبت فليست هي بنت أخي أبي حذيفة، ويمكن الجمع بأن بنت أبي حذيفة كان لها اسمان والله أعلم. قوله: "مولى لامرأة من الأنصار" هي ثبيتة بمثلثة ثم موحدة ثم مثناة مصغر بنت يعار بفتح التحتانية ثم مهملة خفيفة، وقد تقدم في مناقب الأنصار أن سالما مولى أبي حذيفة، وهي نسبة مجازية باعتبار ملازمته له، وهو في الحقيقة مولى الأنصارية المذكورة، والمراد يزيد الذي مثل به زيد بن حارثة الصحابي المشهور، وسهلة هي بنت سهيل بن عمرو زوج أبي حذيفة. وقوله: "فذكر الحديث: "سيأتي بيان ذلك في كتاب النكاح إن شاء تعالى.
4002- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ"
[الحديث 4001- طرفه في: 5174]
4002- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ ح حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "أَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةٌ يُرِيدُ التَّمَاثِيلَ الَّتِي فِيهَا الأَرْوَاحُ"

(7/315)


4003- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ ح و حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِمْ السَّلاَم أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَم بِنْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا فِي بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ فَأَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنْ الصَّوَّاغِينَ فَنَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مِنْ الأَقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ حَتَّى جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ فَإِذَا أَنَا بِشَارِفَيَّ قَدْ أُجِبَّتْ أَسْنِمَتُهَا وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ الْمَنْظَرَ قُلْتُ مَنْ فَعَلَ هَذَا قَالُوا فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنْ الأَنْصَارِ عِنْدَهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابُهُ فَقَالَتْ فِي غِنَائِهَا أَلاَ يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ فَوَثَبَ حَمْزَةُ إِلَى السَّيْفِ فَأَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا وَأَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا قَالَ عَلِيٌّ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَقِيتُ فَقَالَ مَا لَكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ فَأَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ فَارْتَدَى ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأُذِنَ لَهُ فَطَفِقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ فَإِذَا حَمْزَةُ ثَمِلٌ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتِهِ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ وَهَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لِأَبِي فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ثَمِلٌ فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ"
قوله: الحديث السادس "حدثنا علي" هو ابن عبد الله المديني، والربيع بالتشديد بنت معوذ وهو ابن عفراء الذي تقدم ذكره في قتل أبي جهل. قوله: "يندبن من قتل من آبائي" كان الذي قتل ببدر ممن يدخل في هذه العبارة ولو بالمجاز أبوها وعمها عوف أو عوذ ومن يقرب لهما من الخزرج كحارثة بن سراقة، وقولها: "يندبن" الندب دعاء الميت بأحسن أوصافه، وهو مما يهيج التشوق إليه والبكاء عليه. والدف معروف وداله مضمومة ويجوز فتحها، وفيه جواز سماع الضرب بالدف صبيحة العرس، وكراهة نسبة علم الغيب لأحد من المخلوقين. حديث أبي طلحة الأنصاري في الصور، وسيأتي شرحه في اللباس، وأورده هنا لقوله فيه: "وكان قد شهد بدرا". حديث علي في قصة الشارفين وحمزة بن عبد المطلب. وقد مضى شرحه في الخمس، وأورده هنا لقوله فيه: "من نصيبي من المغنم يوم بدر" واستدل بقوله: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ" أن غنيمة بدر خمست خلافا لما ذهب إليه أبو عبيد في" كتاب الأموال" أن آية الخمس

(7/316)


إنما نزلت بعد قسمة غنائم بدر، وموضع الدلالة منه قوله: "يومئذ" ولكن تقدم الحديث في كتاب الخمس بلفظ: "وأعطاني شارفا من الخمس" ليس فيه: "يومئذ" وفي رواية مسلم: "وأعطاني شارفا آخر" ولم يقيده باليوم ولا بالخمس، والجمهور على أن آية الخمس نزلت في قصة بدر.
4004- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ أَنْفَذَهُ لَنَا ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ مَعْقِلٍ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَقَالَ إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا"
4005- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ قَالَ عُمَرُ فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ قَالَ سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ فَقَالَ قَدْ بَدَا لِي أَنْ لاَ أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا قَالَ عُمَرُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ إِلاَّ أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرَهَا فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا".
[الحديث4005- أطرافه في: 5145,5129,5122]
4006- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ"
4007- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي إِمَارَتِهِ أَخَّرَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الْعَصْرَ وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الأَنْصَارِيُّ جَدُّ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ نَزَلَ جِبْرِيلُ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا أُمِرْتُ كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ"
4008- حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهُمَا فِي

(7/317)


لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَلَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِيهِ"
[الحديث 4008- أطرافه في: 5051,5040,5009,5008]
الحديث التاسع قوله: "حدثنا محمد بن عباد" هو المكي نزيل بغداد، ثقة مشهور، وليس له عند البخاري غير هذا الحديث. قوله: "أنفذه لنا ابن الأصبهاني" أي بلغ منتهاه من الرواية وتمام السياق فنفذ فيه، كقولك أنفذت السهم أي رميت به فأصبت، وقيل: المراد بقوله: "أنفذه لنا" أي أرسله، فكأنه حمله عنه مكاتبة أو إجازة. وابن الأصبهاني هو عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي، وعبد الله بن معقل بسكون المهملة وكسر القاف قال أبو مسعود. هذا الحديث مما كان ابن عيينة سمعه من إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عبد الله بن معقل، ثم أخذه عاليا بدرجتين عن ابن الأصبهاني عن عبد الله بن معقل. قوله: "كبر على سهل بن حنيف" أي الأنصاري. قوله: "فقال لقد شهد بدرا" كذا في الأصول لم يذكر عدد التكبير، وقد أورده أبو نعيم في "المستخرج" من طريق البخاري بهذا الإسناد فقال فيه: "كبر خمسا"، وأخرجه البغوي في "معجم الصحابة" عن محمد بن عباد بهذا الإسناد، والإسماعيلي والبرقاني والحاكم من طريقه فقال: "ستا" وكذا أورده البخاري في "التاريخ" عن محمد بن عباد، وكذا أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة وأورده بلفظ: "خمسا" زاد في رواية الحاكم "التفت إلينا فقال إنه من أهل بدر" وقول علي رضي الله عنه "لقد شهد بدرا" يشير إلى أن لمن شهدها فضلا على غيرهم في كل شيء حتى في تكبيرات الجنازة، وهذا يدل على أنه كان مشهورا عندهم أن التكبير أربع وهو قول أكثر الصحابة، وعن بعضهم التكبير خمس، وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم حديث مرفوع في ذلك. وقد تقدم في الجنائز أن أنسا قال: "إن التكبير على الجنازة ثلاث، وإن الأولى للاستفتاح" وروى ابن أبي خيثمة من وجه آخر مرفوعا: "إنه كان يكبر أربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانيا، حتى مات النجاشي فكبر عليه أربعا، وثبت على ذلك حتى مات" وقال أبو عمر: انعقد الإجماع على أربع، ولا نعلم من فقهاء الأمصار من قال بخمس إلا ابن أبي ليلى، انتهى. وفي "المبسوط" للحنفية عن أبي يونس مثله. وقال النووي في "شرح المهذب" كان بين الصحابة خلاف ثم انقرض وأجمعوا على أنه أربع، لكن لو كبر الإمام خمسا لم تبطل صلاته إن كان ناسيا، وكذا إن كان عامدا على الصحيح، لكن لا يتابعه المأموم على الصحيح، والله أعلم. حديث عمر حين تأيمت حفصة. وتأيمت بالتحتانية، الثقيلة أي صارت أيما، وهي من مات زوجها. وخنيس بخاء معجمة ثم نون مهملة مصغر وهو أخو عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي، وسيأتي شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب النكاح، والغرض منه هنا قوله فيه: "قد شهد بدرا" وقوله: "أوجد مني عليه" أي أشد غضبا وهو من الموجدة، وإنما قال عمر ذلك لما كان لأبي بكر عنده وله عند أبي بكر من مزيد المحبة والمنزلة، فلذلك كان غضبه منه أشد من غضبه من عثمان. حديث أبي مسعود "نفقة الرجل على أهله صدقة" وسيأتي في كتاب النكاح، والغرض منه إثبات كون أبي مسعود شهد بدرا. قوله: "حدثنا مسلم" هو ابن إبراهيم، وعدي هو ابن ثابت. قوله: "سمع أبا مسعود البدري" سيأتي اسمه في الذي يليه. واختلف في شهوده بدرا فالأكثر على أنه لم يشهدها، ولم يذكره محمد بن إسحاق ومن اتبعه من أصحاب المغازي في البدريين. وقال الواقدي وإبراهيم الحربي: لم يشهد بدرا، وإنما نزل بها فنسب إليها، وكذا قال الإسماعيلي: لم يصح شهود أبي مسعود بدرا، وإنما كانت مسكنه فقيل له البدري، فأشار إلى أن الاستدلال بأنه شهدها بما يقع في الروايات أنه بدري ليس بقوي، لأنه

(7/318)


يستلزم أن يقال لكل من شهد بدرا البدري وليس ذلك مطردا، قلت: لم يكتف البخاري في جزمه بأنه شهد بدرا بذلك بل بقوله في الحديث الذي يليه إنه شهد بدرا، فإن الظاهر أنه من كلام عروة بن الزبير وهو حجة في ذلك لكونه أدرك أبا مسعود، وإن كان روي عنه هذا الحديث بواسطة، ويرجح اختيار البخاري ذلك بقول نافع حين حدثه أبو لبابة البدري فإنه نسبه إلى شهود بدر لا إلى نزولها وقد اختار أبو عبيد القاسم بن سلام أنه شهدها ذكره البغوي في معجمه عن عمه علي بن عبد العزيز عنه، وبذلك جزم ابن الكلبي ومسلم في الكنى. وقال الطبراني وأبو أحمد الحاكم يقال إنه شهدها. وقال البرقي: لم يذكره ابن إسحاق في البدريين. وفي غير هذا الحديث أنه شهدها انتهى. والقاعدة أن المثبت مقدم على النافي. وإنما رجح من نفي شهوده بدرا باعتقاده أن عمدة من أثبت ذلك وصفه بالبدري وأن تلك نسبة إلى نزول بدر لا إلى شهودها، لكن يضعف ذلك تصريح من صرح منهم بأنه شهدها كما في قوله: "فدخل عليه أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري جد زيد بن حسن شهد بدرا" قد مضى شرح الحديث في المواقيت من الصلاة، وزيد بن الحسن أي ابن علي بن أبي طالب لأن أمه أم بشير بنت أبي مسعود وكانت قبل الحسن عند سعيد بن زيد، ثم بعد الحسن عند عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة. مضى شرح الحديث في المواقيت من الصلاة. حديث أبي مسعود في فضل آخر البقرة، وسيأتي شرحه في فضائل القرآن، وشيخه موسى هو ابن إسماعيل التبوذكي، وفي إسناده أربعة من التابعين في نسق كلهم كوفيون.
4009- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ "أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
4010- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ هُوَ ابْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: "ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ فَصَدَّقَهُ"
4011- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ بَنِي عَدِيٍّ وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ خَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ".
4013,4012- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ قَالَ "أَخْبَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّ عَمَّيْهِ وَكَانَا شَهِدَا بَدْرًا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ قُلْتُ لِسَالِمٍ فَتُكْرِيهَا أَنْتَ قَالَ نَعَمْ إِنَّ رَافِعًا أَكْثَرَ عَلَى نَفْسِهِ"
4014- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيَّ قَالَ "رَأَيْتُ رِفَاعَةَ بْنَ رَافِعٍ الأَنْصَارِيَّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا"
4015- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَيُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ

(7/319)


أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ "أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتْ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَوَافَوْا صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قَالَ أَ ظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ "
4016- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ كُلَّهَا"
4017- حَتَّى حَدَّثَهُ أَبُو لُبَابَةَ الْبَدْرِيُّ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ فَأَمْسَكَ عَنْهَا"
الحديث الرابع عشر ذكر في الحديث طرفا من حديث عتبان بن مالك في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وشيخه أحمد هو ابن صالح المصري، وعنبسة هو ابن خالد، ويونس هو ابن يزيد، ولم يورد البخاري موضع الحاجة من الحديث وهي قوله في أوله: "إن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار" وقد تقدم في أبواب المساجد من كتاب الصلاة، وكأنه اكتفى بالإيماء إليه كعادته. قوله: "وكان من أكبر بني عدي" أي ابن كعب بن لؤي، ولم يكن منهم وإنما كان حليفا لهم، ووصفه بكونه أكبر منهم بالنسبة لمن لقيه الزهري منهم. قوله: "وكان أبوه شهد بدرا" هو عامر بن ربيعة المزني، تقدم ذكره في أوائل الهجرة وأنه كان ممن سبق بالهجرة. قوله: "أن عمر استعمل قدامة بن مظعون" أي ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحي، وهو أخو عثمان بن مظعون أحد السابقين، ولم يذكر البخاري القصة لكونها موقوفة ليست على شرطه، لأن غرضه ذكر من شهد بدرا فقط، وقد أوردها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري فزاد: "فقدم الجارود العقدي على عمر فقال: إن قدامة سكر، فقال: من يشهد معك؟ فقال: أبو هريرة، فشهد أبو هريرة أنه رآه سكران يقيء، فأرسل إلى قدامة، فقال له الجارودي: أقم عليه الحد. فقال له عمر: أخصم أنت أم شاهد؟ فصمت. ثم عاوده فقال: لتمسكن أو لأسوأنك. فقال ليس في الحق أن يشرب ابن عمك وتسوءني. فأرسل عمر إلى زوجته هند بنت الوليد فشهدت على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني أريد أن أحدك، فقال: ليس لك ذلك لقول الله عز وجل: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الآية. فقال: أخطأت التأويل، فإن بقية الآية {إِذَا مَا اتَّقَوْا} فإنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك، ثم أمر به فجلد، فغاضبه قدامة، ثم حجا جميعا، فاستيقظ عمر من نومه فزعا فقال: عجلوا بقدامة، أتاني آت فقال: صالح قدامة فإنه أخوك، فاصطلحا". قوله: "أخبر رافع بن خديج" بالرفع على الفاعلية "عبد الله بن عمر"

(7/320)


بالنصب على المفعولية ووقع في رواية المستملي: "أخبرني رافع" بزيادة النون والياء وهو خطأ. قوله: "أن عميه" هما ظهير ومظهر1 وقد تقدم ذلك في المزارعة مع شرح الحديث. قوله: "وكانا شهدا بدرا" أنكر ذلك الدمياطي وقال: إنما شهدا أحدا واعتمد على ابن سعد في ذلك، ومن أثبت شهودهما أثبت ممن نفاه. قوله: "رأيت رفاعة بن رافع الأنصاري وكان قد شهد بدرا" قد تقدم ذكر رفاعة ونسبه في باب شهود الملائكة بدرا، وبقية هذا الحديث أخرجه الإسماعيلي من طريق معاذ بن معاذ عن شعبة بلفظ: "سمع رجلا من أهل بدر يقال له رفاعة بن رافع كبر في صلاته حين دخلها" ومن طريق ابن أبي عدي عن شعبة ولفظه: "عن رفاعة رجل من أهل بدر أنه دخل في الصلاة فقال الله أكبر كبيرا" ولم يذكر البخاري ذلك لأنه موقوف ليس من غرضه. قوله: "أن عمرو بن عوف" هو الأنصاري حليف بني عامر بن لؤي، تقدم حديثه مشروحا في كتاب الجزية، وفي الإسناد صحابيان وتابعيان، وسيأتي في الرقاق بزيادة تابعي ثالث. الحديث التاسع عشر حديث أبي لبابة وسيأتي شرحه في اللباس، وأبو لبابة ممن ضرب له بسهمه وأجره ولم يحضر القتال.
4018- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ "أَنَّ رِجَالًا مِنْ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لِابْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ قَالَ وَاللَّهِ لاَ تَذَرُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا "
4019- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ ح حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ أَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقْتُلْهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ"
[الحديث 4019- طرفه في: 6865]
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ حَدَّثَنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ بَدْرٍ مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْل ٍ فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ فَقَالَ آنْتَ أَبَا جَهْلٍ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ سُلَيْمَانُ هَكَذَا قَالَهَا أَنَسٌ قَالَ أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟
ـــــــ
1 تقدم في كتاب المزارعة(أوائل ج 5) ترجيح أن اسمه ظهير

(7/321)


قَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ قَالَ سُلَيْمَانُ أَوْ قَالَ قَتَلَهُ قَوْمُهُ قَالَ وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ قَالَ أَبُو جَهْلٍ فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي".
4021- حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ "لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنْ الأَنْصَارِ فَلَقِينَا مِنْهُمْ رَجُلاَنِ صَالِحَانِ شَهِدَا بَدْرًا فَحَدَّثْتُ بِهِ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ هُمَا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ".
الحديث العشرون قوله: "أن رجالا من الأنصار" أي ممن شهد بدرا، لأن العباس كان أسر ببدر كما سيأتي، وكان المشركون أخرجوه معهم إلى بدر، فأخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: قد عرفت أن رجالا من بني هاشم قد أخرجوا كرها. فمن لقي أحدا منهم فلا يقتله " وروى أحمد من حديث البراء قال: "جاء رجل من الأنصار بالعباس قد أسره، فقال العباس: ليس هذا أسرني بل أسرني رجل أنزع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "للأنصاري: أيدك الله بملك كريم " واسم هذا الأنصاري أبو اليسر بفتح التحتانية والمهملة، وهو كعب بن عمرو الأنصاري. وروى الطبراني من حديث أبي اليسر أنه أسر العباس. ومن حديث ابن عباس "قلت لأبي كيف أسرك أبو اليسر؟ ولو شئت لجعلته في كفك. قال: لا تقل ذلك يا بني". قوله: "فلنترك" بصيغة الأمر واللام للمبالغة. قوله: "لابن اختنا عباس" أي ابن عبد المطلب، وأم العباس ليست من الأنصار بل جدته أم عبد المطلب هي الأنصارية، فأطلقوا على جدة العباس أختا لكونها منهم، وعلى العباس ابنها لكونها جدته، وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد من بني عدي بن النجار ثم من بني الخزرج. وأما أم العباس فهي نتيلة بنون ومثناة من فوق ثم لام مصغر بنت جناب - بجيم ونون خفيفة بعد الألف موحدة - من ولد تيم اللات بن النمر بن قاسط، ووهم الكرماني فقال: أم العباس بن عبد المطلب كانت من الأنصار، وأخذ ذلك من ظاهر قول الأنصار "ابن أختنا" وليس كما فهمه، بل فيه تجوز كما بينته. وروى ابن عائذ في المغازي من طريق مرسل أن عمر لما ولي وثاق الأسرى شد وثاق العباس، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم يئن فلم يأخذه النوم، فبلغ الأنصار فأطلقوا العباس، فكأن الأنصار لما فهموا رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفك وثاقه سألوه أن يتركوا له الفداء طلبا لتمام رضاه فلم يجبهم إلى ذلك. وأخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا عباس افد نفسك وابن أخويك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عمرو فإنك ذو مال ، قال: إني كنت مسلما، ولكن القوم استكرهوني، قال: الله أعلم بما تقول إن كنت ما تقول حقا إن الله يجزيك، ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا" وذكر موسى بن عقبة أن فداءهم كان أربعين أوقية ذهبا، وعند أبي نعيم في "الأوائل" بإسناد حسن من حديث ابن عباس" كان فداء كل واحد أربعين أوقية، فجعل على العباس مائة أوقية، وعلى عقيل ثمانين، فقال له العباس: أللقرابة صنعت هذا؟ قال فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ} الآية، فقال العباس: وددت لو كنت أخذت مني أضعافها لقوله تعالى: {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} . قوله: "لا تذرون" بفتح الذال المعجمة أي لا تتركون من الفداء شيئا، وزاد الكشميهني في روايته: "لا تذرون له" أي للعباس. قبل: والحكمة في ذلك أنه خشي أن

(7/322)


يكون في ذلك محاباة له لكونه عمه لا لكونه قريبهم من النساء فقط، وفيه إشارة إلى أن القريب لا ينبغي له أن يتظاهر بما يؤذي قريبه وإن كان في الباطن يكره ما يؤذيه، ففي ترك قبول ما يتبرع له الأنصار به من الفداء تأديب لمن يقع له مثل ذلك. حديث المقداد بن الأسود، وفي إسناده ثلاثة من التابعين في نسق وهم مدنيون، وسيأتي شرحه في الديات مع ما يرفع الإشكال في قوله: "فإنك بمنزلته" والغرض من إيراده هنا قوله: "وكان ممن شهد بدرا" وقد تقدم أنه كان فارسا يومئذ. وإسحاق في الطريق الثانية شيخه هو ابن منصور. حديث أنس في قصة قتل أبي جهل. تقدم شرحه في أوائل هذه الغزوة، والغرض منه هنا بيان كون ابني عفراء شهدا بدرا. ذكر طرفا من حديث السقيفة والغرض منه ذكر عويم بن ساعدة ومعن بن عدي في أهل بدر فأما عويم فهو بالمهملة مصغر ابن ساعدة بن عياش بتحتانية ومعجمة ابن قيس بن النعمان وهو أوسي من بني عمرو بن عوف. وأما معن فهو بفتح الميم وسكون المهملة أي ابن عدي بن الجد بن عجلان أخو عاصم بن عدي، وهو بكري من حلفاء بني عمرو بن عوف. وموسى شيخه هو ابن إسماعيل، وعبد الواحد هو ابن زياد، وعبيد الله أي ابن عتبة بن مسعود، وقد مضى شرح حديث السقيفة في المناقب.
4022- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ "كَانَ عَطَاءُ الْبَدْرِيِّينَ خَمْسَةَ آلاَفٍ خَمْسَةَ آلاَفٍ وَقَالَ عُمَرُ لاَفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ"
4023- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي"
4024- وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ "لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاَءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ"
وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ الأُولَى يَعْنِي مَقْتَلَ عُثْمَانَ فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا ثُمَّ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ يَعْنِي الْحَرَّةَ فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًا ثُمَّ وَقَعَتْ الثَّالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ"
4025-حدثنا الحجاج بن منهال حدثنا عبد الله بن عمر النميري حدثنا يونس بن يزيد قال سمعت الزهري قال سمعت عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله عن حديث عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم كل حدثني طائفة من الحديث قالت "فأقبلت أنا وأم مسطح فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح, فقلت: بئس ما قلت,تسبين رجلا شهد بدرا" فذكر حديث الإفك.
4026- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ

(7/323)


قَالَ "هَذِهِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ "فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَهُوَ يُلْقِيهِمْ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالَ مُوسَى قَالَ نَافِعٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُنَادِي نَاسًا أَمْوَاتًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا قُلْتُ مِنْهُمْ " قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ قَالَ الزُّبَيْرُ "قُسِمَتْ سُهْمَانُهُمْ فَكَانُوا مِائَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ"
4027- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْرِ قَالَ ضُرِبَتْ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْمُهَاجِرِينَ بِمِائَةِ سَهْمٍ"
الحديث الرابع والعشرون قوله: "عن إسماعيل" هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم. قوله: "كان عطاء البدريين خمسة آلاف" أي المال الذي يعطاه كل واحد منهم في كل سنة من عهد عمر فمن بعده. قوله: "وقال عمر لأفضلنهم" أي على غيرهم في زيادة العطاء، وفي حديث مالك بن أوس عن عمر" أنه أعطى المهاجرين خمسة آلاف خمسة آلاف، والأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف، وفضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأعطى كل واحده اثني عشر ألفا". حديث جبير بن مطعم في القراءة في المغرب بالطور، تقدم شرحه في الصلاة، وقد عزا المزي في "الأطراف" طريق إسحاق بن منصور هذه إلى التفسير فوهم، وهي في المغازي كما ترى، ووجه إيراده هنا ما تقدم في الجهاد أنه كان قدم في أسارى بدر، أي في طلب فدائهم. حديث جبير بن مطعم أيضا، وهو موصول بالإسناد الذي قبله، والمطعم هو والد جبير المذكور، والمراد بالنتنى - جمع نتن وهو بالنون والمثناة - أسارى بدر من المشركين، وقوله: "ليتركنهم له" أي بغير فداء، وبين ابن شاهين من وجه آخر السبب في ذلك وأن المراد باليد المذكورة ما وقع منه حين رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي، وقد ذكر ابن إسحاق القصة في ذلك مبسوطة، وكذلك أوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل وفيه: "أن المطعم أمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح، وقام كل واحد منهم عند ركن من الكعبة. فبلغ ذلك قريشا فقالوا له: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك" وقيل المراد باليد المذكورة أنه كان من أشد من قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشعب، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل السيرة، وروى الطبراني من طريق محمد بن صالح التمار عن الزهري عن محمد بن جبير عن أبيه قال قال المطعم بن عدي لقريش: إنكم قد فعلتم بمحمد ما فعلتم، فكونوا أكف الناس عنه" وذلك بعد الهجرة ثم مات المطعم بن عدي قبل وقعة بدر وله بضع وتسعون سنة، وذكر الفاكهي بإسناد مرسل أن حسان بن ثابت رثاه لما مات مجازاة له على ما صنع للنبي صلى الله عليه وسلم. وروى الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح عن علي قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال: خير أصحابك في الأسرى: إن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عاما مقبلا مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا". وأخرج مسلم هذه القصة مطولة من حديث عمر ذكر فيها السبب "هو أنه قال ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: أرى أن نأخذ منهم فدية تكون قوة لنا، وعسى الله أن يهديهم. فقال عمر: أرى أن

(7/324)


تمكنا منهم فتضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر" الحديث، وفيه نزول قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} وقد تقدم نقل خلاف الأئمة في جواز فداء أسرى الكفار بالمال في باب {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} من كتاب الجهاد، وقد اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب؟ فقال بعضهم كان رأي أبي بكر لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر ولما استقر الأمر عليه، ولدخول كثير منهم في الإسلام إما بنفسه وإما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب كما ثبت ذلك عن الله في حق من كتب له الرحمة، وأما العتاب على الأخذ ففيه إشارة إلى ذم من آثر شيئا من الدنيا على الآخرة ولو قل، والله أعلم. الحديث السابع والعشرون: قوله: "وقال الليث عن يحيى بن سعيد" لم يقع لي هذا الأثر من طريق الليث، وصله أبو نعيم في "المستخرج" من طريق أحمد بن حنبل" عن يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري" نحوه. قوله: "وقعت الفتنة الأولى" يعني مقتل عثمان فلم تبق من أصحاب بدرا أحدا، أي أنهم ماتوا منذ قامت الفتنة بمقتل عثمان إلى أن قامت الفتنة الأخرى بوقعة الحرة، وكان آخر من مات من البدريين سعد بن أبي وقاص، ومات قبل وقعة الحرة ببضع سنين، وغفل من زعم أن قوله في الخبر "يعني مقتل عثمان" غلط مستندا إلى أن عليا وطلحة والزبير وغيرهم من البدريين عاشوا بعد عثمان زمانا، لأنه ظن أن المراد أنهم قتلوا عند مقتل عثمان، وليس ذلك مرادا، وقد أخرج ابن أبي خيثمة هذا الأثر من وجه آخر عن يحيى بن سعيد بلفظ: "وقعت فتنة الدار" الحديث، وفتنة الدار هي مقتل عثمان، وزعم الداودي أن المراد بالفتنة الأولى مقتل الحسين بن علي، وهو خطأ فإن في زمن مقتل الحسين بن علي لم يكن أحد من البدريين موجودا. قوله: "ثم وقعت الفتنة الثانية يعني الحرة إلخ" كانت الحرة في آخر زمن يزيد بن معاوية، وسيأتي شيء من خبرها في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. قوله: "ثم وقعت الثالثة" كذا في الأصول، ووقع في رواية ابن أبي خيثمة "ولو قد وقعت الثالثة" ورجحها الدمياطي بناء على أن يحيى بن سعيد قال ذلك قبل أن تقع الثالثة، ولم يفسر الثالثة كما فسر غيرها، وزعم الداودي أن المراد بها فتنة الأزارقة، وفيه نظر لأن الذي يظهر أن يحيى بن سعيد أراد الفتن التي وقعت بالمدينة دون غيرها، وقد وقعت فتنة الأزارقة عقب موت يزيد بن معاوية واستمرت أكثر من عشرين سنة. وذكر ابن التين أن مالكا روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: "لم تترك الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا يوم قتل عثمان ويوم الحرة" قال مالك "ونسيت الثالثة" قال ابن عبد الحكم: هو يوم خروج أبي حمزة الخارجي، قلت: كان ذلك في خلافة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم سنة ثلاثين ومائة، وكان ذلك قبل موت يحيى بن سعيد بمدة. ثم وجدت ما أخرجه الدار قطني في غرائب مالك بإسناد صحيح إليه عن يحيى بن سعيد نحو هذا الأثر وقال في آخره: "وإن وقعت الثالثة لم ترتفع وبالناس طباخ" وأخرجه ابن أبي خيثمة بلفظ: "ولو وقعت" وهذا بخلاف الجزم بالثالثة في حديث الباب، ويمكن بأن يكون يحيى بن سعيد قال هذا أولا ثم وقعت الفتنة الثالثة المذكورة وهو حي فقال ما نقله عنه الليث بن سعد، وقوله: "طباخ" بفتح المهملة والموحدة الخفيفة وآخره معجمة أي قوة، قال الخليل: أصل الطباخ السمن والقوة، ويستعمل في العقل والخير، قال حسان:
المال يغشى رجالا لا طباخ لهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي
انتهى. والدندن بكسر المهملتين وسكون النون الأولى ما اسود من النبات. الحديث الثامن والعشرون ذكر

(7/325)


طرفا من حديث الإفك المذكور في هذا السند، وسيأتي شرحه في التفسير مستوفى، والغرض منه شهادة عائشة لمسطح بأنه من أهل بدر، وهو مسطح بن أثاثة بضم الهمزة وتخفيف المثلثة ابن عباد بن المطلب وليس لعبد الله بن عمر النميري عند البخاري غير هذا الحديث. الحديث التاسع والعشرون قوله: "عن ابن شهاب قال: هذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث" أي ما حمله موسى بن عقبة عن ابن شهاب من ذلك. قوله: "وهو يلقيهم" بتشديد القاف المكسورة بعدها تحتانية ساكنة. وفي رواية المستملي بسكون اللام وتخفيف القاف من الإلقاء وفي رواية الكشميهني بعين مهملة ونون من اللعن، وكذا هو في" مغازي موسى بن عقبة". قوله: "قال موسى بن عقبة" هو بالإسناد المذكور إليه، وعبد الله هو ابن عمر. قوله: "قال ناس من أصحابه" تقدم شرحه وأن ممن خاطبه بذلك عمر. قوله: "فجميع من شهد بدرا من قريش" هو بقية كلام موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وقوله: "ممن ضرب له بسهمه أحد وثمانون" يريد بقوله: "ضرب له بسهمه" أي أعطاه نصيبا من الغنيمة وإن لم يشهدها لعذر له فصيره كمن شهدها. قوله: "وكان عروة بن الزبير يقول "هو بقية كلام موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وقد استظهر له المصنف بالحديث الذي بعده، لكن العدد الذي ذكره يغاير حديث البراء الماضي في أوائل هذه القصة وهي قوله: "أن المهاجرين كانوا زيادة على ستين" فيجمع بينهما بأن حديث البراء أورده فيمن شهدها حسا، وحديث الباب فيمن شهدها حسا وحكما. ويحتمل أن يكون المراد بالعدد الأول الأحرار والثاني بانضمام مواليهم وأتباعهم، وقد سرد ابن إسحاق أسماء من شهد بدرا من المهاجرين وذكر معهم حلفاءهم ومواليهم فبلغوا ثلاثة وثمانين رجلا، وزاد عليه ابن هشام في "تهذيب السيرة" ثلاثة. وأما الواقدي فسردهم خمسة وثمانين رجلا. وروى أحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس "أن المهاجرين ببدر كانوا سبعة وسبعين رجلا" فلعله لم يذكر من ضرب له بسهم ممن لم يشهدها حسا. قوله: "أخبرنا هشام" هو ابن يوسف الصنعاني. قوله: "ضربت يوم بدر للمهاجرين بمائة سهم" عند ابن عائذ من طريق أبي الأسود عن عروة "سألت الزبير على كم سهم جاء للمهاجرين يوم بدر؟ قال على مائة سهم" قال الداودي هذا يغاير قوله: "كانوا إحدى وثمانين" قال فإن كان قوله بمائة سهم من كلام الزبير فلعله دخله شك في العدد، ويحتمل أن يكون من قول الراوي عنه، قال: وإنما كانوا على التحرير أربعة وثمانين، وكان معهم ثلاثة أفراس فأسهم لها سهمين سهمين، وضرب لرجال كان أرسلهم في بعض أمره بسهامهم فصح أنها كانت مائة بهذا الاعتبار. قلت: هذا الذي قاله أخيرا لا بأس به، لكن ظهر أن إطلاق المائة إنما هو باعتبار الخمس، وذلك أنه عزل خمس الغنيمة ثم قسم ما عداه على الغانمين على ثمانين سهما عدد من شهدها ومن ألحق بهم، فإذا أضيف إليه الخمس كان ذلك من حساب مائة سهم، والله أعلم.

(7/326)


باب من سمى من أهل بدر في الجامع الذي وضعه البخاري على حروف المعجم
...
13 - باب تَسْمِيَةُ مَنْ سُمِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْر
ٍفِي الْجَامِعِ الَّذِي وَضَعَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ
النَّبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَاسُ بْنُ الْبُكَيْرِ بِلاَلُ بْنُ رَبَاحٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الْقُرَشِيِّ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ حَلِيفٌ لِقُرَيْشٍ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ حَارِثَةُ

(7/326)


ابْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ كَانَ فِي النَّظَّارَةِ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الأَنْصَارِيُّ رِفاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَبُو لُبَابَةَ الأَنْصَارِيُّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ أَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الزُّهْرِيُّ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْقُرَشِيُّ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِيُّ ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ الأَنْصَارِيُّ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْقُرَشِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيُّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْقُرَشِيُّ خَلَّفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَتِهِ وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الأَنْصَارِيُّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيُّ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيُّ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الأَنْصَارِيُّ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ وَأَخُوهُ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ أَبُو أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ مِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ هِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الأَنْصَارِيُّ رضي الله عنهم".
قوله: "باب تسمية من سمي من أهل بدر في الجامع" أي دون من لم يسم فيه، ودون من لم يذكر فيه أصلا. والمراد بالجامع هذا الكتاب، والمراد بمن سمي من جاء فيه برواية عنه أو عن غيره بأنه شهدها لا بمجرد ذكره دون التنصيص على أنه شهدها، وبهذا يجاب عن ترك إيراده مثل أبي عبيدة بن الجراح فإنه شهدها باتفاق، وذكر في الكتاب في عدة مواضع، إلا أنه لم يقع فيه التنصيص على أنه شهد بدرا. قوله: "النبي محمد بن عبد الله الهاشمي صلى الله عليه وسلم" قلت بدأ به تبركا وتيمنا بذكره، وإلا فذلك من المقطوع به. قوله: "أبو بكر" تقدم ذكره في مواضع منها في" باب إذ تستغيثون ربكم". قوله: "عمر" ذكره في حديث أبي طلحة. قوله: "عثمان" قلت لم يتقدم له ذكر في هذه القصة، إلا أنه تقدم في المناقب من قول ابن عمر أنه ضرب له بسهمه. قوله: "علي بن أبي طالب" تقدم في حديث المبارزة وفي غيره. قوله: "إياس بن البكير" تقدم قبل "باب شهود الملائكة بدرا" وقد سرد المصنف من هذه الأسماء على حروف المعجم، وذكر بعض ذوي الكنى معتمدا على الاسم دون أداة الكنية فلهذا قال أبو حذيفة في حرف الحاء، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم والأربعة قبل الباقين لشرفهم، وفي بعض النسخ قدم النبي صلى الله عليه وسلم فقط وذكر الأربعة في حرف العين والخطب فيه سهل. ثم إن إياس بن البكير المذكور بكسر الهمزة بعدها تحتانية وآخره مهملة، ووهم من ضبطه بفتح الهمزة، وأما أبوه فتقدم ضبطه، وقد شهد مع إياس بدرا إخوته عاقل وعامر وغيرهما، ولكن لما لم يقع ذكرهم في الجامع لم يذكرهم. قوله: "بلال" تقدم في حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل أمية بن خلف. قوله: "حمزة" تقدم في أول القصة. قوله: "حاطب" تقدم في فضل من شهد بدرا. قوله: "أبو حذيفة"

(7/327)


تقدم في الحديث الخامس من الباب الأخير. قوله: "حارثة بن الربيع" يعني بالتشديد هو ابن سراقة، تقدم في أول "باب فضل من شهد ا" وقوله: "كان في النظارة" أشار إلى ما وقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه خرج نظارا أخرجه أحمد والنسائي وزاد: "ما خرج لقتال". قوله: "خبيب بن عدي" تقدم في حديث أبي هريرة، وسيأتي ما قيل فيه في الكلام على غزوة الرجيع. قوله: "خنيس بن حذافة" تقدم في العاشر في الباب الأخير. قوله: "رفاعة بن رافع" تقدم في "باب فضل من شهد بدرا". قوله: "رفاعة بن عبد المنذر أبو لبابة" تقدم في التاسع عشر من الباب الأخير، وجزمه بأن اسمه رفاعة خالف فيه الأكثر فإنهم قالوا إن اسمه بشير وإن رفاعة أخوه. قوله: "الزبير بن العوام" تقدم في عدة أحاديث. قوله: "زيد بن سهل أبو طلحة" تقدم في "باب الدعاء على المشركين". قوله: "أبو زيد الأنصاري" تقدم من حديث أنس. قوله: "سعد بن مالك" هو ابن أبي وقاص، ولم يتقدم له ذكر في هذه القصة، ولكن هو منهم بالاتفاق، ويحتمل أن يكون أخذه من أثر سعيد بن المسيب على بعد في ذلك. قوله: "سعد بن خولة" تقدم في قصة سبيعة الأسلمية. قوله: "سعيد بن زيد" تقدم في أثر نافع عن ابن عمر. قوله: "سهل بن حنيف" تقدم في حديث علي أنه كبر عليه خمسا. قوله: "ظهير بن رافع" تقدم في حديث رافع بن خديج وأنه عمه وأن اسم أخيه مظهر، ولم يسم البخاري أخاه. قوله: "عبد الله بن مسعود" تقدم في أوائله. قوله: "عتبة بن مسعود" يعني أخاه. قلت: ولم يتقدم له ذكر بل ولا ذكره أحد ممن صنف في المغازي في البدريين، وقد سقط ذكره من رواية النسفي ولم يذكره الإسماعيلي ولا أبو نعيم في مستخرجيهما وهو المعتمد. قوله: "عبد الرحمن بن عوف" تقدم في قتل أبي جهل وغيره. قوله: "عبيدة بن الحارث" تقدم في حديث علي. قوله: "عبادة بن الصامت" تقدم بعد "باب شهود الملائكة بدرا". قوله: "عمرو بن عوف" تقدم فيه. قوله: "عقبة بن عمرو" أبو مسعود البدري تقدم مترجما بثلاثة أحاديث. قوله: "عامر بن ربيعة العنزي" بالنون والزاي، وقع في رواية الكشميهني: "العدوي" وكلاهما صواب، فإنه عنزي الأصل عدوي الحلف. قوله: "عاصم بن ثابت" تقدم في حديث أبي هريرة. قوله: "عويم بن ساعدة" تقدم في حديث السقيفة. قوله: "عتبان بن مالك" تقدم في "باب شهود الملائكة بدرا". قوله: "قدامة بن مظعون" تقدم فيه. قوله: "قتادة بن النعمان" تقدم في أول الباب في حديث أبي سعيد. قوله: "معاذ بن عمرو بن الجموح" بفتح الجيم وتخفيف الميم المضمومة وآخره مهملة، تقدم في قتل أبي جهل. قوله: "معوذ ابن عفراء" هي أمه، واسم أبيه الحارث، ومعوذ بتشديد الواو وبفتحها على الأشهر، وجزم الوقشي بأنه بالكسر. قوله: "وأخوه" عوف بن الحارث، تقدم ذكرهما. قوله: "مالك بن ربيعة أبو أسيد" تقدم في أول "باب من شهد بدرا" ونبه عياض على أن من لا معرفة له قد يتوهم أن مالكا أخو معاذ لأن سياق البخاري هكذا" معاذ ابن عفراء أخوه مالك بن ربيعة "وليس ذلك مراده بل قوله أخوه أي عوف ولم يسمه، ثم استأنف فقال: "مالك بن ربيعة" ولو كتبه بواو العطف لارتفع اللبس، وكذا وقع عند بعض الرواة. قوله: "مرارة بن الربيع" تقدم في حديث كعب بن مالك. قوله: "معن بن عدي" تقدم مع عويم بن ساعدة. قوله: "مسطح بن أثاثة" تقدم في أواخر الباب الأخير، ووقع هنا لأبي زيد في نسبته "عباد بن عبد المطلب" والصواب حذف "عبد". قوله: "المقداد بن عمرو" تقدم، ووقع في رواية الكشميهني: "المقدام" بميم في آخره وهو غلط. قوله: "هلال بن أمية" تقدم مع مرارة. قلت فجملة من

(7/328)


ذكر من أهل بدر هنا أربعة وأربعون رجلا، وقد سبق البخاري إلى ترتيب أهل بدر على حروف المعجمة وهو أضبط لاستيعاب أسمائهم، ولكنه اقتصر على ما وقع عنده منهم، واستوعبهم الحافظ ضياء الدين المقدسي في "كتاب الأحكام" وبين اختلاف أهل السير في بعضهم وهو اختلاف غير فاحش، وأورد ابن سيد الناس أسماءهم في "عيون الأثر" لكن على القبائل كما صنع ابن إسحاق وغيره، واستوعب ما وقع له من ذلك فزادوا - على ثلاثمائة وثلاثة عشر - خمسين رجلا، قال: وسبب الزيادة الاختلاف في بعض الأسماء قلت: ولولا خشية التطويل لسردت أسماءهم مفصلا مبينا للراجح، لكن في هذه الإشارة كفاية، والله المستعان.

(7/329)


باب حديث بني النضير ومخرج رول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في دية الرجلين
...
14 - باب حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ
وَمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ وَمَا أَرَادُوا مِنْ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ أُحُدٍ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى[2 الحشر] {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} وَجَعَلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ.
4028- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "حَارَبَتْ َقُرَيْظَةُ و النَّضِيرُ فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلاَدَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ وَكُلَّ يَهُودِ الْمَدِينَةِ"
4029- حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ "قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ قَالَ قُلْ سُورَةُ النَّضِيرِ" تَابَعَهُ هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ
[الحديث 4029- أطرافه في: 4883,4882,4645]
4030- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخَلاَتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ"
4031- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَنَزَلَتْ [59 الحشر] {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ}
4032- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ قَالَ وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ

(7/329)


قَالَ فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ:
أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ ... وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ
سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ ... وَتَعْلَمُ أَيُّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ
قوله: "حديث بني النضير" بفتح النون وكسر الضاد المعجمة، هم قبيلة كبيرة من اليهود، وقد مضت الإشارة إلى التعريف بهم في أوائل الكلام على أحاديث الهجرة. وكان الكفار بعد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع. وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش. وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحاربهم في شوال بعد وقعه بدر فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات. ثم نقض العهد بنو النضير كما سيأتي، وكان رئيسهم حيي بن أخطب. ثم نقضت قريظة كما سيأتي شرح حالهم بعد غزوة الخندق إن شاء الله تعالى. قوله: "ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم" سيأتي شرح ذلك في نقل كلام ابن إسحاق في هذا الباب. قوله: "وقال الزهري عن عروة بن الزبير: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل وقعة أحد" وصله عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري أتم من هذا ولفظه عن الزهري وهو في حديثه عن عروة" ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال لا الحلقة يعني السلاح فأنزل الله فيهم: {سَبَّحَ لِلَّهِ} - إلى قوله: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء. وقوله: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} فكان جلاؤهم أول حشر حشرا في الدنيا إلى الشام وحكى ابن التين عن الداودي أنه رجح ما قال ابن إسحاق من أن غزوة بني النضير كانت بعد بئر معونة، مستدلا بقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ} قال: وذلك في قصة الأحزاب. قلت: وهو استدلال واه، فإن الآية نزلت في شأن بني قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأما بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من جلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي بن أخطب وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب كما سيأتي، حتى كان من هلاكهم ما كان، فكيف يصير السابق لاحقا؟. قوله: "وقول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} - إلى قوله: {أَنْ يَخْرُجُوا} وقد وضح المراد من ذلك في أثر عبد الرزاق المذكور، وقد أورد ابن إسحاق تفسيرها لما ذكر هذه الغزوة. واتفق أهل العلم على أنها نزلت في هذه القصة، قاله السهيلي، قال: ولم يختلفوا في أن أموال بني النضير كانت خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأن المسلمين لم يوجفوا بخيل ولا ركاب وأنه لم يقع بينهم قتال أصلا. قوله: "وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد" كذا هو في المغازي لابن إسحاق مجزوما به، ووقع في رواية القابسي

(7/330)


"وجعله إسحاق" قال عياض: وهو وهم والصواب "ابن إسحاق" وهو كما قال. ووقع في شرح الكرماني "محمد بن إسحاق بن نصر" وهو غلط، وإنما اسم جده يسار، وقد ذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيره من أهل العلم أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو ممن أنتما؟ فذكرا أنهما من بني عامر فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو وظن أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: لقد قتلت قتيلين لأودينهما. انتهى. وسيأتي خبر غزوة بئر معونة بعد غزوة أحد، وفيها عن عروة "أن عمرو بن أمية الضمري كان مع المسلمين، فأسره المشركون" قال ابن إسحاق" فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم يستعينهم قالوا: نعم. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال. قال: وكان جالسا إلى جانب جدار لهم، فقالوا من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأتاه الخبر من السماء فقام مظهرا أنه يقضي حاجة وقال لأصحابه: لا تبرحوا، ورجع مسرعا إلى المدينة، واستبطأه أصحابه فأخبروا أنه توجه إلى المدينة، فلحقوا به، فأمر بحربهم والمسير إليهم، فتحصنوا، فأمر بقطع النخل والتحريق" وذكر ابن إسحاق أنه حاصرهم ست ليال، وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم، فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب فلم ينصروهم، فسألوا أن يخلوا عن أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل فصولحوا على ذلك. وروى البيهقي في "الدلائل" من حديث محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام، قال ابن إسحاق: فاحتملوا إلى خبير وإلى الشام، قال فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنهم جلوا الأموال من الخيل والمزارع فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة. قال ابن إسحاق: ولم يسلم منهم إلا يامين بن عمير وأبو سعيد بن وهب فأحرزا أموالهما. وروى ابن مردويه قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر عن الزهري" أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فهم ابن أبي ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن تلقوا بأسكم بينكم ، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرقوا. فلما كانت وقعة بدر كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود: أنكم أهل الحلقة والحصون، يتهدمونهم، فأجمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك. ففعل. فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليهم، فرجع، وصبحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام. وكذا أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق، وفي ذلك رد على ابن

(7/331)


التين في زعمه أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد، قلت: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله أعلم. وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به صلى الله عليه وسلم، وهو إنما وقع عند ما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قال ابن إسحاق، لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق. وأغرب السهيلي فرجح ما قال الزهري، ولولا ما ذكر في قصة عمرو بن أمية لأمكن أن يكون ذلك في غزوة الرجيع، والله أعلم. حديث ابن عمر" حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير" كذا فيه ولم يعين المفعول من حاربت ولم يسم فاعل أجلى، والمراد النبي صلى الله عليه وسلم. وكان سبب وقوع المحاربة نقضهم العهد: أما النضير فبالسبب الآتي ذكره وهو ما ذكره موسى بن عقبة في المغازي قال: كانت النضير قد دسوا إلى قريش وحضوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلوهم على العورة ثم ذكر نحوا مما تقدم عن ابن إسحاق من مجيء النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرجلين قال وفي ذلك نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} الآية. وعند ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بعد أن هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرا. وأما قريظة فبمظاهرتهم الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق كما سيأتي. قوله: "حتى حاربت قريظة" سيأتي شرح ذلك بعد غزوة الخندق إن شاء الله تعالى. كذا وقع تقديم قريظة على النضير وكأنه لشرفهم، وإلا فإجلاء النضير كان قبل قريظة بكثير. قوله: "والنضير" ذكر ابن إسحاق في قصته أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل إليهم أن اخرجوا وأجلهم عشرا وأرسل إليهم عبد الله بن أبي يثبطهم أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنا لا نخرج، فاصنع ما بدا لك. فقال: الله أكبر، حاربت يهود فخرج إليهم، فخذلهم ابن أبي ولم تعنهم قريظة. وروى عبد بن حميد في تفسيره من طريق عكرمة أن غزوة بني النضير كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف، يعني الآتي ذكره عقب هذا. قوله: "بني قينقاع" هو بالنصب على البدلية، ونون قينقاع مثلثة والأشهر فيها الضم، وكانوا أول من أخرج من المدينة كما تقدم في أول الباب. وروى ابن إسحاق في المغازي عن أبيه عن عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال: "لما حاربت بنو قينقاع قام بأمرهم عبد الله بن أبي فمشى عبادة بن الصامت وكان له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فتبرأ عبادة منهم. قال: فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} إلى قوله: {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} وكان عبد الله بن أبي لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يمن عليهم قال: يا محمد إنهم منعوني من الأسود والأحمر، وإني امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم له. وذكر الواقدي أن إجلاءهم كان في شوال سنة اثنتين، يعني بعد بدر بشهر. ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: "لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال يا يهود: أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا يوم بدر ، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلتنا لعرفت أنا الرجال. فأنزل الله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} إلى قوله: {لِأُولِي الْأَبْصَارِ} وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق كما تقدم بسطه. حديث ابن عباس في تسمية سورة الحشر سورة النضير لأنها نزلت فيهم، قال الداودي: كأن ابن عباس كره تسميتها سورة الحشر لئلا يظن أن المراد بالحشر يوم القيامة،

(7/332)


أو لكونه مجملا فكره النسبة إلى غير معلوم. كذا قال، وعند ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس قال: نزلت سورة الحشر في بني النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النقمة. قوله: "حدثنا الحسن بن مدرك" كذا للجميع، وفي نسخة "إسحاق" بدل الحسن وهو غلط. قوله: "تابعه هشيم إلخ" وصله المصنف في التفسير كما سيأتي هناك. قوله: "عن أبيه" هو سليمان التيمي. قوله: "كان الرجل يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات" تقدم هذا الحديث بهذا الإسناد في الخمس، وسيأتي في أول غزوة قريظة بأتم من هذا السياق. وقوله: "فكان بعد ذلك يرد عليهم" زاد في الرواية الأخرى "ما كانوا أعطوه" وروى الحاكم في "الإكليل" من حديث أم العلاء قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "للأنصار لما فتح النضير: إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله علي، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا عنكم، فاختاروا الثاني". قوله: "حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير" في رواية الكشميهني: "نخل النضير". قوله: "وهي البويرة" بالموحدة مصغر بؤرة وهي الحفرة، وهي هنا مكان معروف بين المدينة وبين تيماء، وهي من جهة قبلة مسجد قباء إلى جهة الغرب ويقال لها أيضا البويلة باللام بدل الراء. قوله: "فنزل: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ}" هي صنف من النخل، قال السهيلي: في تخصيصها بالذكر إيماء إلى أن الذي يجوز قطعه من شجر العدو ما لا يكون معدا للاقتيات، لأنهم كانوا يقتاتون العجوة والبرني دون اللينة. وفي الجامع: اللينة النخلة وقيل الدفل، وعن الفراء كل شيء من النخل سوى العجوة فهو من اللين. قوله في الرواية الثانية "أخبرنا حبان" هو ابن هلال، وهو بفتح المهملة بعدها موحدة ثقيلة، وإسحاق الراوي عنه هو ابن راهويه. قوله: "ولها يقول حسان بن ثابت: وهان على سراة بني لؤي" كذا للأكثر. وفي رواية الكشميهني: "لهان باللام" بدل الواو، وسقطت اللام والواو من رواية الإسماعيلي. وقوله: "سراة" بفتح المهملة وتخفيف الراء جمع سري وهو الرئيس، وقوله: "حريق بالبويرة مستطير" أي مشتعل، وإنما قال حسان ذلك تعييرا لقريش لأنهم كانوا أغروهم بنقض العهد وأمروهم به ووعدوهم أن ينصروهم إن قصدهم النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "فأجابه أبو سفيان بن الحارث" أي ابن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حينئذ لم يسلم وقد أسلم بعد في الفتح وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم بحنين، وذكر إبراهيم بن المنذر أن اسمه المغيرة وجزم ابن قتيبة أن المغيرة أخوه، وبه جزم ابن عبد البر والسهيلي. قوله: "ستعلم أينا منها بنزه" بنون ثم زاي ساكنة أي ببعد وزنا ومعنى، ويقال بفتح النون أيضا. وقوله: "وتعلم أي أرضينا" بالتثنية، وقوله: "تضير" بفتح المثناة وكسر الضاد المعجمة من الضير وهو بمعنى الضر، ويطلق الضير ويراد به المضرة. ونسبة هذه الأبيات لحسان بن ثابت وجوابها لأبي سفيان بن الحارث هو المشهور كما وقع في هذا الصحيح، وعند مسلم بعض ذلك، وعند شيخ شيوخنا أبي الفتح بن سيد الناس في "عيون الأثر" له عن أبي عمرو الشيباني أن الذي قال له "وهان على سراة بني لؤي" هو أبو سفيان بن الحارث، وأنه إنما قال: "عز" يدل هان، وأن الذي أجاب بقوله: "أدام الله ذلك من صنيع" البيتين هو حسان، قال: وهو أشبه من الرواية التي وقعت في البخاري ا هـ. ولم يذكر مستندا للترجيح، والذي يظهر أن الذي في الصحيح أصح، وذلك أن قريشا كانوا يظاهرون كل من عادى النبي صلى الله عليه وسلم عليه ويعدونهم النصر والمساعدة، فلما وقع لبني النضير من الخذلان ما وقع قال حسان الأبيات المذكورة موبخا لقريش - وهم بنو لؤي - كيف خذلوا أصحابهم. وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان قال ذلك في غزوة بني قريظة، وأنه إنما ذكر بني

(7/333)


النضير استطرادا، فمن الأبيات المذكورة:
ألا يا سعد سعد بني معاذ ... فما فعلت قريظة والنضير
وفيها:
وقد قال الكريم أبو حباب ... أقيموا قينقاع ولا تسيروا
وأولها:
تقاعد معشر نصروا قريشا ... وليس لهم ببلدتهم نصير
هم أوتوا الكتاب فضيعوه ... فهم عمي عن التوراة بور
كفرتم بالقرآن لقد لقيتم ... بتصديق الذي قال النذير
وفي جواب أبي سفيان بن الحارث في قوله: و "تعلم أي أرضينا تضير" ما يرجح ما وقع في الصحيح، لأن أرض بني النضير مجاورة لأرض الأنصار، فإذا خربت أضرت بما جاورها، بخلاف أرض قريش فإنها بعيدة منها بعدا شديدا فلا تبالي بخرابها، فكان أبو سفيان يقول تخربت أرض بني النضير وتخريبها إنما يضر أرض من جاورها، وأرضكم هي التي تجاورها فهي التي تتضرر لا أرضنا، ولا يتهيأ مثل هذا في عكسه إلا بتكلف، وهو أن يقال: إن الميرة كانت تحمل من أرض بني النضير إلى مكة فكانوا يرتفقون بها، فإذا خربت تضرهم، بخلاف المدينة فإنها في غنية عن أرض بني النضير بغيرها كخيبر ونحوها فيتجه بعض اتجاه، لكن إذا تعارضا كان ما في الصحيح أصح. ويحتمل إن كان ما قال أبو عمرو الشيباني محفوظا أن أبا سفيان بن الحارث ضمن في جوابه بيتا من قصيدة حسان فاهتدمه، فلما قال حسان: "وهان على سراة بني لؤي" اهتدمه أبو سفيان فقال: "وعز على سراة بني لؤي" وهو عمل سائغ، وكأن من أنكر ذلك استبعد أن يدعو أبو سفيان بن الحارث على أرض الكفرة مثله بالتحريق في قوله: "أدام الله ذلك من صنيع" والجواب عنه أن اسم الكفرة وإن جمعهم لكن العداوة الدينية كانت قائمة بينهم كما بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان من التباين، وأيضا فقوله: "وحرق في نواحيها السعير" يريد بنواحيها المدينة فيرجع ذلك دعاء على المسلمين أيضا. ولكعب بن مالك في هذه القصة قصيدة على هذا الوزن والروي أيضا ذكرها ابن إسحاق أولها:
لقد منيت بغدرتها الحبور ... كذاك الدهر ذو صرف يدور
يقول فيها:
فغودر منهم كعب صريعا ... فذلت عند مصرعه النضير
يشير إلى كعب بن الأشرف الذي سيذكر قتله عقب هذا، وفيها:
فذاقوا غب أمرهم وبالا ... لكل ثلاثة منهم بعير
فأجلوا عامدين بقينقاع ... وغودر منهم نخل ودور
4033- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيُّ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ إِذْ جَاءَهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ فَقَالَ نَعَمْ فَأَدْخِلْهُمْ فَلَبِثَ قَلِيلًا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ يَسْتَأْذِنَانِ قَالَ

(7/334)


نَعَمْ فَلَمَّا دَخَلاَ قَالَ عَبَّاسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِي الَّذِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ فَاسْتَبَّ عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ فَقَالَ الرَّهْطُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ فَقَالَ عُمَرُ اتَّئِدُوا أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ قَالُوا قَدْ قَالَ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَالاَ نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ [6 الحشر] {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} إِلَى قَوْلِهِ {قَدِيرٌ} فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلاَ اسْتَأْثَرَهَا عَلَيْكُمْ لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَقَسَمَهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ مِنْهَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ فَعَمِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيَاتَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَضَهُ أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهِ بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ وَقَالَ تَذْكُرَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِيهِ كَمَا تَقُولاَنِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهِ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ فَقَبَضْتُهُ سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي أَعْمَلُ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي فِيهِ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ جِئْتُمَانِي كِلاَكُمَا وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ فَجِئْتَنِي يَعْنِي عَبَّاسًا فَقُلْتُ لَكُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلاَنِ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَمَا عَمِلْتُ فِيهِ مُنْذُ وَلِيتُ وَإِلاَ فَلاَ تُكَلِّمَانِي فَقُلْتُمَا ادْفَعْهُ إِلَيْنَا بِذَلِكَ فَدَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ أَقْضِي فِيهِ بِقَضَاءٍ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهُ فَادْفَعَا إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهُ"
4034- قَالَ فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ صَدَقَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ أَنَا سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ ثُمُنَهُنَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنْتُ أَنَا أَرُدُّهُنَّ فَقُلْتُ لَهُنَّ أَلاَ تَتَّقِينَ اللَّهَ أَلَمْ تَعْلَمْنَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ فَانْتَهَى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ

(7/335)


صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا أَخْبَرَتْهُنَّ قَالَ فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ مَنَعَهَا عَلِيٌّ عَبَّاسًا فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا ثُمَّ كَانَ بِيَدِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ثُمَّ بِيَدِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ثُمَّ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ كِلاَهُمَا كَانَا يَتَدَاوَلاَنِهَا ثُمَّ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ وَهِيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا"
[الحديث 4034- طرفاه في:6730,6727]
4035- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَم وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا أَرْضَهُ مِنْ فَدَكٍ وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ"
4036- فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ "سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ وَاللَّهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي"
الحديث الخامس حديث مالك أوس بن الحدثان عن عمر، وفيه قصة مخاصمة العباس وعلي عنده مطولة، وقد تقدم شرحه في فرض الخمس مستوفى، والغرض منه قوله: "وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النضير". حديث عائشة. قوله: "قال فحدثت هذا الحديث عروة" القائل هو الزهري، وهو موصول بالإسناد المذكور، وقد ذكرت شرحه أيضا مع حديث مالك بن أوس في فرض الخمس. حديث أبي بكر الصديق تقدم أيضا في أول فرض الخمس بزيادة فيه. وزاد هنا قول أبي بكر" والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي" وظاهر سياقه الإدراج، وقد بينه الإسماعيلي بلفظ: "فتشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أم بعد فوالله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي" قال أبو بكر ذلك معتذرا عن منعه القسمة، وأنه لا يلزم منها أن لا يصلهم ببره من جهة أخرى. ومحصل كلامه أن قرابة الشخص مقدمة في بره إلا إن عارضهم في ذلك من هو أرجح منهم، والله أعلم.

(7/336)


15 - باب قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ
4037- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا قَالَ قُلْ فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ قَالَ وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ قَالَ إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ و حَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ أَوْ فَقُلْتُ لَهُ فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ فَقَالَ أُرَى فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ فَقَالَ نَعَمِ ارْهَنُونِي قَالُوا أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ قَالَ ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ قَالُوا

(7/336)


كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ قَالَ فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللاَمَةَ قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي السِّلاَحَ فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو قَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ قَالَ إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لاَجَابَ قَالَ وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ قِيلَ لِسُفْيَانَ سَمَّاهُمْ عَمْرٌو قَالَ سَمَّى بَعْضَهُمْ قَالَ عَمْرٌو جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ عَمْرٌو جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ فَقَالَ إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ وَقَالَ مَرَّةً ثُمَّ أُشِمُّكُمْ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا أَيْ أَطْيَبَ وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو قَالَ عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ قَالَ عَمْرٌو فَقَالَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ قَالَ نَعَمْ فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ ثُمَّ قَالَ أَتَأْذَنُ لِي قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ دُونَكُمْ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ"
قوله: "باب قتل كعب بن الأشرف" أي اليهودي، قال ابن إسحاق وغيره: كان عربيا من بني نبهان وهم بطن من طيئ، وكان أبوه أصاب دما في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعبا، وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة فنزل على ابن وداعة السهمي والد المطلب. فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية فطردته، فرجع كعب إلى المدينة وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه "أن كعب بن الأشرف كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر. فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه" وذكر ابن سعد أن قتله كان في ربيع الأول من السنة الثالثة. قوله: "قال عمرو" هو ابن دينار، كذا هنا وفي رواية قتيبة عن سفيان في الجهاد وعند أبي نعيم من طريق الحميدي عن سفيان" حدثنا عمرو". قوله: "من لكعب بن الأشرف"؟ أي من الذي ينتدب إلى قتله. قوله: "آذى الله ورسوله" في رواية محمد بن محمود بن محمد بن مسلمة عن جابر عند الحاكم في الإكليل" فقد آذانا بشعره وقوى المشركين" وأخرج ابن عائذ من طريق الكلبي أن كعب بن الأشرف قدم على مشركي قريش فحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين. ومن طريق أبي الأسود عن عروة" أنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ويحرض قريشا

(7/337)


عليهم، وأنه لما قدم على قريش قالوا له: أديننا أهدى أم دين محمد؟ قال: دينكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من لنا بابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا " ووجدت في "فوائد عبد الله بن إسحاق الخراساني" من مرسل عكرمة بسند ضعيف إليه لقتل كعب سببا آخر، وهو أنه صنع طعاما وواطأ جماعة من اليهود أنه يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوليمة فإذا حضر فتكوا به، ثم دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه، فأعلمه جبريل بما أضمروه بعد أن جالسه، فقام فستره جبريل بجناحه فخرج، فلما فقدوه تفرقوا، فقال حينئذ: من ينتدب لقتل كعب . ويمكن الجمع بتعدد الأسباب. قوله: "فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله "؟ في مرسل عكرمة" فقال محمد بن مسلمة هو خالي". قوله: "قال نعم" في رواية محمد بن محمود "فقال أنت له" وفي رواية ابن إسحاق "قال فافعل إن قدرت على ذلك" وفي رواية عروة" فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال محمد بن مسلمة: أقر صامت" ومثله عند سمويه في فوائده، فإن ثبت احتمل أن يكون سكت أولا ثم أذن له، فإن في رواية عروة أيضا أنه قال له" إن كنت فاعلا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ ، قال فشاوره فقال له: توجه إليه واشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعاما". قوله: "فأذن لي أن أقول شيئا، قال قل" كأنه استأذنه أن يفتعل شيئا يحتال به، ومن ثم بوب عليه المصنف" الكذب في الحرب" وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه، ولفظه: "فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة" وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى معهم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم فقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم ". قوله: "إن هذا الرجل" يعني النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "قد سألنا صدقة" في رواية الواقدي "سألنا الصدقة، ونحن لا نجد ما نأكل "وفي مرسل عكرمة" فقالوا: يا أبا سعيد، إن نبيا أراد منا الصدقة، وليس لنا مال نصدقه". قوله: "قد عنانا" بالمهملة وتشديد النون الأولى من العناء وهو التعب. قوله: "قال و أيضا" أي وزيادة على ذلك، وقد فسره بعد ذلك قوله: "والله لتملنه" بفتح المثناة والميم وتشديد اللام والنون من الملال، وعند الواقدي" أن كعبا قال لأبي نائلة: أخبرني ما في نفسك، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتخلي عنه، قال: سررتني". قوله: "وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين، وحدثنا عمرو غير مرة فلم يذكر وسقا أو وسقين" قائل ذلك علي بن المديني، ولم يقع ذلك في رواية الحميدي، ووقع في رواية عروة "وأحب أن تسلفنا طعاما. قال: أين طعامكم؟ قالوا: أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه. قال ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل". "تنبيه": وقع في هذه الرواية الصحيحة أن الذي خاطب كعبا بذلك هو محمد بن مسلمة، والذي عند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنه أبو نائلة، وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه، ويحتمل أن يكون كل منهما كلمه في ذلك، لأن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخته. وفي مرسل عكرمة في الكل بصيغة الجمع "قالوا"، وفي مرسل عكرمة" وائذن لنا أن نصيب منك فيطمئن إلينا، قال قولوا ما شئتم" وعنده "أما مالي فليس عندي اليوم، ولكن عندي التمر" وذكر ابن عائذ أن سعد بن معاذ بعث محمدا ابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ. قوله: "ارهنوني" أي ادفعوا لي شيئا يكون رهنا على التمر الذي تريدونه. قوله: "وأنت أجمل العرب" لعلهم قالوا له ذلك تهكما، وإن كان هو في نفسه كان جميلا. زاد ابن سعد من مرسل عكرمة "ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك" وفي المرسل الآخر الذي أشرت إليه "وأنت رجل حسان تعجب النساء" وحسان بضم الحاء وتشديد السين

(7/338)


المهملتين. قوله: "ولكن نرهنك اللأمة" بتشديد اللام وسكون الهمزة. قوله: "قال سفيان: يعني السلاح" كذا قال. وقال غيره من أهل اللغة: اللأمة الدرع، فعلى هذا إطلاق السلاح عليها من إطلاق اسم الكل على البعض. وفي مرسل عكرمة "ولكنا نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إليه، قال نعم" وفي رواية الواقدي "وإنما قالوا ذلك لئلا ينكر مجيئهم إليه بالسلاح". قوله: "فجاء ليلا ومعه أبو نائلة" بنون وبعد الألف تحتانية واسمه سلكان بن سلامة. قوله: "وكان أخاه من الرضاعة" يعني كان أبو نائلة أخا كعب، وذكروا أنه كان نديمه في الجاهلية فكان يركن إليه. وقد ذكر الواقدي أن محمد بن مسلمة أيضا كان أخاه، زاد الحميدي في روايته: "وكانوا أربعة سمى عمرو منهم اثنين". قلت: وستأتي تسميتهم قريبا. وعند الخراساني في مرسل عكرمة "فلما كان في القائلة أتوه ومعهم السلاح فقالوا: يا أبا سعيد. فقال: سامعا دعوت". قوله: "فقالت له امرأته" لم أقف على اسمها. قوله: "وقال غير عمرو: قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم" في رواية الكلبي "فتعلقت به امرأته وقالت، مكانك، فوالله إني لأرى حمرة الدم مع الصوت" وبين الحميدي في روايته عن سفيان أن الغير الذي أبهمه سفيان في هذه القصة هو العبسي وأنه حدثه بذلك عن عكرمة مرسلا، وعند ابن إسحاق" فهتف به أبو نائلة - وكان حديث عهد بعرس - فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت له: أنت امرؤ محارب، لا تنزل في هذه الساعة. فقال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائما ما أيقظني. فقالت: والله إني لأعرف من صوته الشر" وفي مرسل عكرمة "أخذت بثوبه فقالت: أذكرك الله أن لا تنزل إليهم، فوالله إني لأسمع صوتا يقطر منه الدم". قوله: "قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين، قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمى بعضهم، قال عمرو: جاء معه برجلين. وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر" قلت: ووقع في رواية الحميدي "قال فأتاه ومعه أبو نائلة وعباد بن بشر وأبو عبس بن جبر والحارث بن معاذ إن شاء الله" كذا أدرجه ورواية علي بن المديني مفصلة، ونسب الحارث بن معاذ إلى جده، ووقعت تسميتهم كذلك في رواية ابن سعد، فعلى هذا فكانوا خمسة، ويؤيده قول عباد بن بشر من قصيدة في هذه القصة:
فشد بسيفه صلتا عليه ... فقطعه أبو عبس بن جبر
وكان الله سادسنا فأبنا ... بأنعم نعمة وأعز نصر
وهو أولى مما وقع في رواية محمد بن محمود "كان مع محمد بن مسلمة أبو عبس بن جبر وأبو عتيك" ولم يذكر غيرهما، وكذا في مرسل عكرمة "ومعه رجلان من الأنصار" ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرة ثلاثة وفي الأخرى خمسة. قوله: "فإني قائل بشعره فأشمه" وهو من إطلاق القول على الفعل. قوله: "وقال مرة فأشمكم" أي أمكنكم من الشم، وهو ينفح بالفاء والمهملة. قوله: "ريح الطيب" في رواية ابن سعد "وكان حديث عهد بعرس" وفي مرسل عكرمة فقال: "يا أبا سعيد أدن مني رأسك أشمه وأمسح به عيني ووجهي". قوله: "عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب" وعند الأصيلي وأجمل بالجيم بدل الكاف وهي أشبه، وفي مرسل عكرمة "فقال هذا عطر أم فلان"يعني امرأته. وفي رواية الواقدي "وكان كعب يدهن بالمسك المفتت والعنبر حتى يتلبد في صدغيه" وفي رواية أخرى "وعندي أعطر سيد العرب" وكأن "سيد" تصحيف من نساء، فإن كانت محفوظة فالمعنى أعطر

(7/339)


نساء سيد العرب على الحذف. قوله: "دونكم فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه" في رواية عروة "وضربه محمد بن مسلمة فقتله وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس، وأقبلوا حتى إذا كانوا بجرف بعاث تخلف الحارث ونزف، فلما افتقده أصحابه رجعوا فاحتملوه، ثم أقبلوا سراعا حتى دخلوا المدينة" وفي رواية الواقدي "أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل على جرح الحارث بن أوس فلم يؤذه". وفي مرسل عكرمة "فبرق فيها ثم ألصقها فالتحمت" وفي رواية ابن الكلي "فضربوه حتى برد، وصاح عند أول ضربة، واجتمعت اليهود فأخذوا على غير طريق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففاتوهم" وفي رواية ابن سعد "أن محمد بن مسلمة لما أخذ بقرون شعره قال لأصحابه: اقتلوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم، فالتفت عليه فلم تغن شيئا. قال محمد: فذكرت معولا كان في سيفي فوضعته في سرته، ثم تحاملت عليه فغططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح وصاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير مرتين". قوله: "فأخبروه" في رواية عروة "فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد الله تعالى" وفي رواية ابن سعد" فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فقال: أفلحت الوجوه ، فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا رأسه بين يديه، فحمد الله على قتله" وفي مرسل عكرمة "فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا قتل سيدنا غيلة، فذكرهم النبي صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين" زاد ابن سعد "فخافوا فلم ينطقوا". قال السهيلي: في قصة كعب بن الأشرف قتل المعاهد إذا سب الشارع، خلافا لأبي حنيفة. قلت: وفيه نظر، وصنيع المصنف في الجهاد يعطي أن كعبا كان، محاربا حيث ترجم لهذا الحديث: "الفتك بأهل الحرب" وترجم له أيضا: "الكذب في الحرب" وفيه جواز قتل المشرك بغير دعوة إذا كانت الدعوة العامة قد بلغته. وفيه جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته. وقد تقدم البحث في ذلك مستوفى في كتاب الجهاد. وفيه دلالة على قوة فطنة امرأته المذكورة وصحة حديثها، وبلاغتها في إطلاقها أن الصوت يقطر منه الدم.

(7/340)


باب قتل أبي رافع عبدالله بن أبي الحقيق
...
16 - باب قَتْلِ أَبِي رَافِعٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ
وَيُقَالُ سَلاَمُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ كَانَ بِخَيْبَرَ وَيُقَالُ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ "هُوَ بَعْدَ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ".
4038- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ
4039- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنْ الأَنْصَارِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِينُ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ

(7/340)


وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنْ الْبَابِ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ ثُمَّ عَلَّقَ الأَغَالِيقَ عَلَى وَتَدٍ قَالَ فَقُمْتُ إِلَى الأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ وَكَانَ فِي عَلاَلِيَّ لَهُ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ قُلْتُ إِنْ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ لاَ أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنْ الْبَيْتِ فَقُلْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ قَالَ مَنْ هَذَا فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا وَصَاحَ فَخَرَجْتُ مِنْ الْبَيْتِ فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ فَقَالَ لِأُمِّكَ الْوَيْلُ إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ قَالَ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ ثُمَّ وَضَعْتُ ظِبَةَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدْ انْتَهَيْتُ إِلَى الأَرْضِ فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ لاَ أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ فَقَالَ أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ النَّجَاءَ فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ ابْسُطْ رِجْلَكَ فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ"
4040- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ هُوَ ابْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي رَافِعٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ فِي نَاسٍ مَعَهُمْ فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَنَوْا مِنْ الْحِصْنِ فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ امْكُثُوا أَنْتُمْ حَتَّى أَنْطَلِقَ أَنَا فَأَنْظُرَ قَالَ فَتَلَطَّفْتُ أَنْ أَدْخُلَ الْحِصْنَ فَفَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ قَالَ فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ يَطْلُبُونَهُ قَالَ فَخَشِيتُ أَنْ أُعْرَفَ قَالَ فَغَطَّيْتُ رَأْسِي وَجَلَسْتُ كَأَنِّي أَقْضِي حَاجَةً ثُمَّ نَادَى صَاحِبُ الْبَابِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فَلْيَدْخُلْ قَبْلَ أَنْ أُغْلِقَهُ فَدَخَلْتُ ثُمَّ اخْتَبَأْتُ فِي مَرْبِطِ حِمَارٍ عِنْدَ بَابِ الْحِصْنِ فَتَعَشَّوْا عِنْدَ أَبِي رَافِعٍ وَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ فَلَمَّا هَدَأَتْ الأَصْوَاتُ وَلاَ أَسْمَعُ حَرَكَةً خَرَجْتُ قَالَ وَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْبَابِ حَيْثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الْحِصْنِ فِي كَوَّةٍ فَأَخَذْتُهُ فَفَتَحْتُ بِهِ بَابَ الْحِصْنِ قَالَ قُلْتُ إِنْ نَذِرَ بِي الْقَوْمُ انْطَلَقْتُ عَلَى مَهَلٍ ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ فَغَلَّقْتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ ثُمَّ صَعِدْتُ

(7/341)


إِلَى أَبِي رَافِعٍ فِي سُلَّمٍ فَإِذَا الْبَيْتُ مُظْلِمٌ قَدْ طَفِئَ سِرَاجُهُ فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ الرَّجُلُ فَقُلْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ فَعَمَدْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ وَصَاحَ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا قَالَ ثُمَّ جِئْتُ كَأَنِّي أُغِيثُهُ فَقُلْتُ مَا لَكَ يَا أَبَا رَافِعٍ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي فَقَالَ أَلاَ أُعْجِبُكَ لِأُمِّكَ الْوَيْلُ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ قَالَ فَعَمَدْتُ لَهُ أَيْضًا فَأَضْرِبُهُ أُخْرَى فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا فَصَاحَ وَقَامَ أَهْلُهُ قَالَ ثُمَّ جِئْتُ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي كَهَيْئَةِ الْمُغِيثِ فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ ثُمَّ أَنْكَفِئُ عَلَيْهِ حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ الْعَظْمِ ثُمَّ خَرَجْتُ دَهِشًا حَتَّى أَتَيْتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أَنْ أَنْزِلَ فَأَسْقُطُ مِنْهُ فَانْخَلَعَتْ رِجْلِي فَعَصَبْتُهَا ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي أَحْجُلُ فَقُلْتُ انْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ صَعِدَ النَّاعِيَةُ فَقَالَ أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ قَالَ فَقُمْتُ أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ فَأَدْرَكْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَشَّرْتُهُ".
قوله: "قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق - ويقال سلام بن أبي الحقيق - كان بخيبر"، والحقيق بمهملة وقاف مصغر، والذي سماه عبد الله هو عبد الله بن أنيس، وذلك فيما أخرجه الحاكم في "الإكليل" من حديثه مطولا وأوله "أن الرهط الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي الحقيق ليقتلوه وهم عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة وحليف لهم ورجل من الأنصار، وأنهم قدموا خيبر ليلا" فذكر الحديث. وقال ابن إسحاق: هو سلام أي بتشديد اللام قال: "لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر، فأذن لهم. قال: فحدثني الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانا يتصاولان تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئا إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلا علينا. وكذلك الأوس. فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف تذاكرت الخزرج من رجل له من العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان لكعب؟ فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر. قوله: "ويقال في حصن له بأرض الحجاز" وهو قول وقع في سياق الحديث الموصول في الباب، ويحتمل أن يكون حصنه كان قريبا من خيبر في طرف أرض الحجاز. ووقع عند موسى بن عقبة "فطرقوا أبا رافع بن أبي الحقيق بخيبر فقتلوه في بيته" ولأبي رافع المذكور أخوان مشهوران من أهل خيبر: أحدهما: كنانة وكان زوج صفية بنت حيي قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وأخوه الربيع بن أبي الحقيق، وقتلهما النبي صلى الله عليه وسلم جميعا بعد فتح خيبر. قوله: "وقال الزهري: هو بعد كعب بن الأشرف" وصله يعقوب بن سفيان في تاريخه عن حجاج بن أبي منيع عن جده عن الزهري، وقد ذكرت من عند ابن إسحاق عن الزهري أنه أخذ ذلك عن عبد الله بن كعب بن مالك بزيادة فيه، قال ابن سعد كانت في رمضان سنة ست، وقيل: في ذي الحجة سنة خمس، وقيل فيها: سنة أربع، وقيل: في رجب سنة ثلاث. ثم أورد البخاري قصته من رواية ثلاثة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب. الأولى: رواية زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء" بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله" هكذا أورده مختصرا، وقوله: "بيته" للأكثر بسكون التحتانية وبالنصب على

(7/342)


المفعولية، وللسرخسي والمستملي بتشديد التحتانية بلفظ الفعل الماضي من التبييت، وقد أخرجه المصنف في الجهاد من هذا الوجه مطولا نحو رواية إبراهيم بن يوسف الآتية. قوله: "حدثنا يوسف بن موسى" هو القطان، وعبيد الله بن موسى هو العبسي شيخ البخاري، وقد حدث عنه هنا بواسطة. قوله: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار" في رواية يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق الآتية بعد هذه" بعث إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في أناس معهم" وعبد الله بن عتيك بالنصب مفعول بعث وهو المبعوث إلى أبي رافع وليس هو اسم أبي رافع، وعبد الله بن عتبة لم يذكر إلا في هذا الطريق، وزعم ابن الأثير في "جامع الأصول" أنه ابن عتبة بكسر العين وفتح النون، وهو غلط منه فإنه خولاني لا أنصاري، ومتأخر الإسلام وهذه القصة متقدمة والرواية بضم العين وسكون المثناة لا بالنون والله أعلم. قوله: "رجالا من الأنصار" قد سمي منهم في هذا الباب عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة، وعند ابن إسحاق عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة وخزاعي بن أسود، فإن كان عبد الله بن عتبة محفوظا فقد كانوا ستة، فأما الأول فهو ابن عتيك بفتح المهملة وكسر المثناة ابن قيس بن الأسود من بني سلمة بكسر اللام، وأما عبد الله بن عتبة فقد شرحت ما فيه، وأما مسعود فهو ابن سنان الأسلمي حليف بني سلمة، شهد أحدا واستشهد باليمامة، وأما عبد الله بن أنيس فهو الجهني حليف الأنصار، وقد فرق المنذري بين عبد الله بن أنيس الجهني وعبد الله بن أنيس الأنصاري، وجزم بأن الأنصاري هو الذي كان في قتل ابن أبي الحقيق وتبع في ذلك ابن المديني، وجزم غير واحد بأنهما واحد وهو جهني حالف الأنصار، وأما أبو قتادة فمشهور، وأما خزاعي بن أسود فقد قلبه بعضهم فقال أسود بن خزاعي، وفي حديث عبد الله بن أنيس في "الإكليل" أسود بن حرام، وكذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي، فإن كان غير من ذكر وإلا فهو تصحيف ثم وجدته في "دلائل البيهقي" من طريق موسى بن عقبة على الشك هل هو أسود بن خزاعي أو أسود بن حرام. قوله: "وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه" ذكر ابن عائذ من طريق الأسود عن عروة أنه كان ممن أعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: "وقد دخل الناس" ذكر في رواية يوسف سببا لتأخير غلق الباب فقال: "ففقدوا حمارا لهم فخرجوا بقبس - أي شعلة من نار - يطلبونه، قال فخشيت أن أعرف فغطيت رأسي". قوله: "وراح الناس بسرحهم" أي رجعوا بمواشيهم التي ترعى، وسرح بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مهملة هي السائمة من إبل وبقر وغنم. قوله: "تقنع بثوبه" أي تغطى به ليخفى شخصه لئلا يعرف. قوله: "فهتف به" أي ناداه. وفي رواية يوسف "ثم نادى صاحب الباب: "أي البواب ولم أقف على اسمه. قوله: "فكمنت" أي اختبأت. وفي رواية يوسف "ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن". قوله: "ثم علق الأغاليق على ود" بفتح الواو وتشديد الدال هو الوتد. وفي رواية يوسف "وضع مفتاح الحصن في كوة" والأغاليق بالمعجمة جمع غلق بفتح أوله ما يغلق به الباب والمراد بها المفاتيح، كأنه كان يغلق بها ويفتح بها، كذا في رواية أبي ذر. وفي رواية غيره بالعين المهملة وهو المفتاح بلا إشكال، والكوة بالفتح وقد تضم وقيل بالفتح غير النافذة وبالضم النافذة. قوله: "فقمت إلى الأقاليد" هي جمع إقليد وهو المفتاح. وفي رواية يوسف "ففتحت باب الحصن".

(7/343)


قوله: "يسمر عنده" أي يتحدثون ليلا. وفي رواية يوسف "فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم". قوله: "في علالي له" بالمهملة جمع علية بتشديد التحتانية وهي الغرفة. وفي رواية ابن إسحاق "وكان في علية له إليها عجلة" والعجلة بفتح المهملة والجيم السلم من الخشب، وقيده ابن قتيبة بخشب النخل. قوله: "فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل" في حديث عبد الله بن أنيس عند الحاكم فلم يدعوا بابا إلا أغلقوه. قوله: "نذروا بي" بكسر الذال المعجمة أي علموا، أصله من الإنذار وهو الإعلام بالشيء الذي يحذر منه، وذكر ابن سعد أن عبد الله بن عتيك كان يرطن باليهودية، فاستفتح، فقالت له امرأة أبي رافع من أنت؟ قال: جئت أبا رافع بهدية. ففتحت له وفي رواية يوسف "فلما هدأت الأصوات" أي سكنت، وعنده "ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فأغلقتها عليهم من ظاهر. ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم". قوله: "فأهويت نحو الصوت" أي قصدت نحو صاحب الصوت. وفي رواية يوسف "فعمدت نحو الصوت". قوله: "وأنا دهش" بكسر الهاء بعدها معجمة. قوله: "فما أغنيت شيئا" أي لم أقتله. قوله: "فقلت ما هذا الصوت يا أبا رافع" في حديث عبد الله بن أنيس "فقالت امرأته يا أبا رافع هذا صوت عبد الله بن عتيك. فقال ثكلتك أمك وأين عبد الله بن عتيك". قوله: "هدأت الأصوات" بهمزة أي سكنت، وزعم ابن التين أنه وقع عنده "هدت" بغير همز وأن الصواب بالهمز. قوله: "فأضربه" ذكره بلفظ المضارع مبالغة لاستحضار صورة الحال وإن كان ذلك قد مضى. قوله: "فلم يغن" أي لم ينفع. قوله: "ثم دخلت إليه" في رواية يوسف "ثم جئت كأني أغيثه فقلت مالك؟ وغيرت صوتي". قوله: "لأمك الويل" في رواية يوسف "زاد وقال ألا أعجلتك" وزاد في رواية: "قال فعمدت له أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا فصاح وقام أهله. ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المستغيث فإذا هو مستلق على ظهره" وفي رواية ابن إسحاق "فصاحت امرأته" فنوهت بنا، فجعلنا نرفع السيف عليها ثم نذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء فنكف عنها". قوله: "ضبيب السيف" بضاد معجمة مفتوحة وموحدتين وزن رغيف، قال الخطابي: هكذا يروي، وما أراه محفوظا وإنما هو ظبة السيف وهو حرف السيف ويجمع على ظبات، قال: والضبيب لا معنى له هنا لأنه سيلان الدم من الفم، قال عياض: هو في رواية أبي ذر بالصاد المهملة، وكذا ذكره الحربي وقال: أظنه طرفه. وفي رواية غير أبي ذر بالمعجمة وهو طرف السيف. وفي رواية يوسف "فأضع السيف في بطنه ثم أتكئ عليه حتى سمعت صوت العظم". قوله: "فوضعت رجلي وأنا أرى" بضم الهمزة أي أظن، وذكر ابن إسحاق في روايته أنه كان سيء البصر. قوله: "فانكسرت ساقي فعصبتها" في رواية يوسف "ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فسقطت منه فانخلعت رجلي فعصبتها" ويجمع بينهما بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت الساق. وقال الداودي: هذا اختلاف وقد يتجوز في التعبير بأحدهما عن الآخر، لأن الخلع هو زوال المفصل من غير بينونة، أي بخلاف الكسر. قلت: والجمع بينهما بالحمل على وقوعهما معا أولى، ووقع في رواية ابن إسحاق "فوثبت يده" وهو وهم والصواب رجله، وإن كان محفوظا فوقع جميع ذلك، وزاد أنهم كمنوا في نهر، وأن قومه أوقدوا النيران وذهبوا في كل وجه يطلبون حتى أيسوا رجعوا إليه وهو يقضي. قوله: "قام الناعي" في رواية يوسف "صعد الناعية". قوله: "أنعي أبا رافع" كذا ثبت في الروايات بفتح العين، قالا ابن التين: هي لغة والمعروف انعوا، والنعي خبر الموت والاسم الناعي. وذكر الأصمعي أن العرب كانوا إذا مات فيهم الكبير ركب راكب فرسا وسار فقال: نعي فلان. قوله: "فقلت النجاء" بالنصب

(7/344)


أي أسرعوا، في رواية يوسف "ثم أتيت أصحابي أحجل فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: "أحجل" هو بمهملة ثم جيم، الحجل هو أن يرفع رجلا ويقف على أخرى من العرج، وقد يكون بالرجلين معا إلا أنه حينئذ يسمى قفزا لا مشيا، ويقال حجل في مشيه إذا مشى مثل المقيد أي قارب خطوه، وفي حديث عبد الله بن أنيس "قال وتوجهنا من خيبر، فكنا نكمن النهار ونسير الليل، وإذا كمنا بالنهار أقعدنا منا واحدا يحرسنا، فإذا رأى شيئا يخافه أشار إلينا، فلما قربنا من المدينة كانت نوبتي، فأشرفت إليهم فخرجوا سراعا، ثم لحقتهم فدخلنا المدينة، فقالوا: ماذا رأيت؟ قلت: ما رأيت شيئا، ولكن خشيت أن تكونوا أعييتم فأحببت أن يحملكم الفزع. قوله: "فمسحها فكأنها لم أشتكها قط" ووقع في رواية يوسف أنه "لما سمع الناعي قال: فقمت أمشي ما بي قلبة" وهو بفتح القاف واللام والموحدة أي علة أنقلب بها. وقال الفراء. أصل القلاب بكسر القاف داء يصيب البعير فيموت من يومه، فقيل لكل من سلم من علة ما به قلبة، أي ليست به علة تهلكه. قوله: "فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته" يحمل على أنه لما سقط من الدرجة وقع له جميع ما تقدم، لكنه من شدة ما كان فيه من الاهتمام بالأمر ما أحس بالألم وأعين على المشي أولا، وعليه يدل قوله: "ما بي قلبة" ثم لما تمادى عليه المشي أحس بالألم فحمله أصحابه كما وقع في رواية ابن إسحاق، ثم لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم مسح عليه فزال عنه جميع الألم ببركته صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث من الفوائد جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر، وقتل من أعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أو ماله أو لسانه، وجواز التجسيس على أهل الحرب وتطلب غرتهم. والأخذ بالشدة في محاربة المشركين، وجواز إبهام القول للمصلحة، وتعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين؛ والحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته، والله أعلم.

(7/345)


17 - باب غَزْوَةِ أُحُدٍ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [121 آل عمران]: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ [140 آل عمران] {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} وَقَوْلِهِ [152 آل عمران]: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} -تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا- {بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وَقَوْلِهِ {وَلاَ تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} الْآيَةَ
"باب غزوة أحد" سقط لفظ: "باب" من رواية أبي ذر. و "أحد" بضم الهمزة والمهملة جبل معروف بينه وبين المدينة أقل من فرسخ. وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "جبل يحبنا ونحبه" كما سيأتي في آخر باب من

(7/345)


هذه الغزوة مع مزيد فوائد فيما يتعلق به. ونقل السهيلي عن الزبير بن بكار في فضل المدينة أن قبر هارون عليه السلام بأحد، وأنه قدم مع موسى في جماعة من بني إسرائيل حجاجا فمات هناك. قلت: وسند الزبير بن بكار في ذلك ضعيف جدا من جهة شيخه محمد بن الحسن بن زبالة، ومنقطع أيضا وليس بمرفوع. وكانت عنده الوقعة المشهورة في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور، وشذ من قال سنة أربع. قال ابن إسحاق: لإحدى عشرة ليلة خلت منه وقيل: لسبع ليال وقيل: لثمان وقيل: لتسع وقيل: في نصفه. وقال مالك: كانت بعد بدر بسنة، وفيه تجوز لأن بدرا كانت في رمضان باتفاق فهي بعدها بسنة وشهر لم يكمل، ولهذا قال مرة أخرى: كانت بعد الهجرة بأحد وثلاثين شهرا. وكان السبب فيها ما ذكر ابن إسحاق عن شيوخه وموسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبو الأسود عن عروة قالوا: وهذا ملخص ما ذكره موسى بن عقبة في سياق القصة كلها قال: لما رجعت قريش استجلبوا من استطاعوا من العرب وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد. وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر وتمنوا لقاء العدو، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال. رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح، والله خير وأبقى، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته أو قال به فلول فكرهته وهما مصيبتان، ورأيت أني في درع حصينة وأني مردف كبشا . قالوا: وما أولتها؟ قال: أولت البقر بقرا يكون فينا، وأولت الكبش كبش الكتيبة، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا، فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت ، فقال أولئك القوم: يا نبي الله كنا نتمنى هذا اليوم، وأبى كثير من الناس إلا الخروج فلما صلى الجمعة وانصرف دعا باللأمة فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج، فندم ذوو الرأي منهم فقالوا: يا رسول الله أمكث كما أمرتنا، فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل ، نزل فخرج بهم وهم ألف رجل وكان المشركون ثلاثة آلاف حتى نزل بأحد، ورجع عنه عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلاثمائة فبقي في سبعمائة، فلما رجع عبد الله سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين وهما بنو حارثة وبنو سلمة، وصف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة وتعبوا للقتال، وعلى خيل المشركين - وهي مائة فرس - خالد بن الوليد، وليس مع المسلمين فرس وصاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جبير على الرماة وهم خمسون رجلا وعهد إليهم أن لا يتركوا منازلهم، وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير، فبارز طلحة بن عثمان فقتله، وحمل المسلمون على المشركين حتى أجهضوهم عن أثقالهم، وحملت خيل المشركين فنضحتهم الرماة بالنبل ثلاث مرات، فدخل المسلمون عسكر المشركين فانتبهوهم، فرأى ذلك الرماة فتركوا مكانهم، ودخل العسكر، فأبصر ذلك خالد بن الوليد ومن معه فحملوا على المسلمين في الخيل فمزقوهم، وصرخ صارخ: قتل محمد أخراكم، فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون، وانهزم طائفة منهم إلى جهة المدينة وتفرق سائرهم ووقع فيهم القتل؛ وثبت نبي الله حين انكشفوا عنه وهو يدعوهم في أخراهم، حتى رجع إليه بعضهم وهو عند المهراس في الشعب، وتوجه النبي صلى الله عليه وسلم يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته، فمر مصعدا في الشعب ومعه طلحة والزبير، وقيل: معه طائفة من الأنصار منهم سهل بن بيضاء والحارث بن الصمة، وشغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنهم أصابوا النبي صلى الله عليه وسلم وأشراف أصحابه، فقال أبو سفيان يفتخر بآلهته: اعل هبل، فناداه عمر: الله أعلى وأجل. ورجع المشركون إلى أثقالهم

(7/346)


فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأصحابه: إن ركبوا وجعلوا الأثقال تتبع آثار الخيل، فهم يريدون البيوت، وإن ركبوا الأثقال وتجنبوا الخيل فهم يريدون الرجوع ، فتبعهم سعد بن أبي وقاص، ثم رجع فقال: رأيت الخيل مجنوبة، فطابت أنفس المسلمين ورجعوا إلى قتلاهم فدفنوهم في ثيابهم ولم يغسلوهم ولم يصلوا عليهم، وبكى المسلمون على قتلاهم، فسر المنافقون وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق، فقالت اليهود: لو كان نبيا ما ظهروا عليه. وقالت المنافقون: لو أطاعونا ما أصابهم هذا. قال العلماء: وكان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة: منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول أن لا يبرحوا منه. ومنها أن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة كما تقدم في قصة هرقل مع أبي سفيان، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائما دخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائما لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيا عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحا، وعرف المسلمون أن لهم عدوا في دورهم فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم. ومنها أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضما للنفس وكسرا لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا وجزع المنافقون. ومنها أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها. ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم. ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق بذلك الكافرين. ثم ذكر المصنف آيات من آل عمران في هذا الباب وفيما بعده كلها تتعلق بوقعة أحد، وقد قال ابن إسحاق: أنزل الله في شأن أحد ستين آية من آل عمران، وروى ابن أبي حاتم من طريق المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف أخبرني عن قصتكم يوم أحد، قال. اقرأ العشرين ومائه من آل عمران تجدها: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} - إلى قوله – {أَمَنَةً نُعَاساً} . قوله: "وقول الله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وقوله: {غَدَوْتَ} أي خرجت أول النهار، والعامل في إذ مضمر تقديره واذكر إذ غدوت، وقوله {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ} أي تنزلهم، وأصله من المآب وهو المرجع، والمقاعد جمع مقعد والمراد به مكان القعود. وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال: "غدا نبي الله من أهله يوم أحد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال" ومن طريق مجاهد والسدي وغيرهما نحوه، ومن طريق الحسن أن ذلك كان يوم الأحزاب ووهاه. قوله: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} الأصل توهنوا فحذفت الواو، والوهن الضعف يقال وهن بالفتح يهن بالكسر في المضارع، وهذا هو الأفصح، ويستعمل وهن لازما ومتعديا، قال تعالى: {وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} وفي الحديث: "وهنتهم حمى يثرب" والأعلون جمع أعلى، وقوله: إن كنتم مؤمنين محذوف الجواب وتقديره فلا تهنوا ولا تحزنوا. وأخرج الطبري من طريق مجاهد في قوله ولا تهنوا أي لا تضعفوا، ومن طريق الزهري قال: "كثر في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم القتل والجراح حتى خلص إلى كل امرئ منهم نصيب، فاشتد حزنهم، فعزاهم الله أحسن تعزية" ومن طريق قتادة نحوه قال: "فعزاهم وحثهم على قتال عدوهم ونهاهم عن العجز" ومن طريق ابن جريح قال في قوله: {وَلا تَهِنُوا} أي لا تضعفوا في أمر عدوكم {وَلا

(7/347)


تَحْزَنُوا} في أنفسكم فإنكم أنتم الأعلون قال: والسبب فيها أنهم لما تفرقوا ثم رجعوا إلى الشعب قالوا: ما فعل فلان ما فعل فلان؟ فنعى بعضهما بعضا، وتحدثوا بينهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل فكانوا في هم وحزن، فبينما هم كذلك إذ علا خالد بن الوليد بخيل المشركين فوقهم، فثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبل والتقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو الجبل عليهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلون علينا ، فأنزل الله تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} . قوله: "وقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} تستأصلونهم قتلا "بإذنه" الآية إلى قوله: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أخرج الطبري من طريق السدي وغيره أن المراد بالوعد قوله صلى الله عليه وسلم للرماة " أنكم ستظهرون عليهم فلا تبرحوا من مكانكم حتى آمركم" وقد ذكر المصنف قصة الرماة في هذا الباب، وسأذكر شرحها إن شاء الله تعالى. ومن طريق قتادة ومجاهد في قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} أي تقتلونهم، وقول المصنف في تفسير {تَحُسُّونَهُمْ} تستأصلونهم هو كلام أبي عبيدة. وأخرج الطبري من طريق السدي قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "للرماة " إنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم" وكان أول من برز طلحة بن عثمان فقتل، ثم حمل المسلمون على المشركين فهزموهم، وحمل خالد بن الوليد وكان في خيل المشركين على الرماة فرموه بالنبل فانقمع، ثم ترك الرماة مكانهم ودخلوا العسكر في طلب الغنيمة، فصاح خالد في خيله فقتل من بقي من الرماة، منهم أميرهم عبد الله بن جبير. ولما رأى المشركون خيلهم ظاهرة تراجعوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وأثخنوا فيهم في القتل. وقوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} أي جبنتم {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} أي اختلفتم، وحتى حرف جر وهي متعلقة بمحذوف أي دام لكم ذلك إلى وقت فشلكم، ويجوز أن تكون ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية وجوابها محذوف، وقوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} فيه إشارة إلى رجوع المسلمين عن المشركين بعد أن ظهروا عليهم لما وقع من الرماة من الرغبة في الغنيمة، وإلى ذلك الإشارة بقوله – {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} قال السدي عن عبد خير قال: قال عبد الله بن مسعود" ما كنت أرى أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية يوم أحد: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} وقوله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً} الآية أخرج مسلم من طريق مسروق قال: "سألنا عبد الله بن مسعود عن هؤلاء الآيات قال: أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها" الحديث.
4042- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ أُحُدٍ هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ ".
4042- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ وَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ الْحَوْضُ وَإِنِّي

(7/348)


لاَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا قَالَ فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
ثم ذكر المصنف تلو هذه الآيات أحاديث كالمفسرة للآيات المذكورة. الأول حديث عقبة بن عامر قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد" الحديث، وهو متعلق بقوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً} وقوله: "بعد ثمان سنين" فيه تجوز تقدم بيانه في "باب الصلاة على الشهداء" من كتاب الجنائز. وقوله: ثم طلع المنبر فقال: "إني بين أيديكم فرط" وقد وقع في مرسل أيوب بن بشر من رواية الزهري عنه عند ابن أبي شيبة: "خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم" وهذا يحمل على أن المراد أول ما تكلم به أي عند خروجه قبل أن يصعد المنبر. قوله: "كالمودع للأحياء والأموات" تابع حيوة بن شريح على هذه الزيادة عن يزيد بن أبي حبيب يحيى بن أيوب عند مسلم ولفظه: "ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات" وتوديع الأحياء ظاهر، لأن سياقه يشعر بأن ذلك كان في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وأما توديع الأموات فيحتمل أن يكون الصحابي أراد بذلك انقطاع زيارته الأموات بجسده، لأنه بعد موته وإن كان حيا فهي حياة أخروية لا تشبه الحياة الدنيا، والله أعلم. ويحتمل أن يكون المراد بتوديع الأموات ما أشار إليه في حديث عائشة من الاستغفار لأهل البقيع، وقد سبق شرح هذا الحديث في الجنائز وفي علامات النبوة، وتأتي بقيته في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. "تنبيه": وقع في رواية أبي الوقت والأصيلي هنا قبل حديث عقبة بن عامر حديث ابن عباس" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يوم أحد: هذا جبريل آخذ برأس فرسه " الحديث، وهو وهم من وجهين: أحدهما: أن هذا الحديث تقدم بسنده ومتنه في "باب شهود الملائكة بدرا" ولهذا لم يذكره هنا أبو ذر ولا غيره من متقني رواة البخاري، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم ثانيهما. أن المعروف في هذا المتن يوم بدر كما تقدم لا يوم أحد، والله المستعان.
4043- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا مِنْ الرُّمَاةِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ وَقَالَ لاَ تَبْرَحُوا إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلاَ تَبْرَحُوا وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلاَ تُعِينُونَا فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلاَخِلُهُنَّ فَأَخَذُوا يَقُولُونَ الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لاَ تَبْرَحُوا فَأَبَوْا فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ فَقَالَ لاَ تُجِيبُوهُ فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ قَالَ لاَ تُجِيبُوهُ فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ إِنَّ هَؤُلاَءِ قُتِلُوا فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لاَجَابُوا فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ اعْلُ هُبَلُ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أَجِيبُوهُ قَالُوا مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَنَا الْعُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أَجِيبُوهُ قَالُوا

(7/349)


مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي"
الحديث الثاني حديث البراء بن عازب في قصة الرماة قوله: "عن البراء" في رواية زهير في الجهاد عن أبي إسحاق "سمعت البراء بن عازب". قوله: "لقينا المشركين يومئذ" في رواية لأبي نعيم "لما كان يوم أحد لقينا المشركين". قوله: "الرماة" في رواية زهير "وكانوا خمسين رجلا" وهذا هو المعتمد، ووقع في الهدي أن الخمسين عدد الفرسان يومئذ، وهو غلط بين، وقد جزم موسى بن عقبة بأنه لم يكن معهم في أحد شيء من الخيل.ووقع عند الواقدي: كان معهم فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس لأبي بردة. قوله: "وأمر عليهم عبد الله" في رواية زهير "عبد الله بن جبير" وعند ابن إسحاق أنه قال لهم: "انضحوا الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا" . قوله: "لا تبرحوا" في رواية زهير "حتى أرسل لكم". قوله: "وإن رأيتموهم ظهروا علينا" في رواية زهير" وإن رأيتمونا تخطفنا الطير" وفي حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال لهم "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا" . قوله: "رأيت النساء يشتددن" كذا للأكثر بفتح أوله وسكون المعجمة وفتح المثناة بعدها دال مكسورة ثم أخرى ساكنة أي يسرعن المشي، يقال اشتد في مشيه إذا أسرع، وكذا للكشميهني في رواية زهير، وله هنا "يسندن" بضم أوله وسكون المهملة بعدها نون مكسورة ودال مهملة أي يصعدن، يقال أسند في الجبل يسند إذا صعد، وللباقين في رواية زهير "يشددن" بفتح أوله وسكون المعجمة وضم المهملة الأولى وسكون الثانية. قال عياض: ووقع للقابسي في الجهاد "يشتددن" وكذا لابن السكن فيه وفي الفضائل، وعند الإسماعيلي والنسفي "يشتدون" بمعجمة ودال واحدة وللكشميهني: "يستندون" ولرفيقه "يشدون" وكله بمعنى. وقد تقدم في أول الباب أن قريشا خرجوا معهم بالنساء لأجل الحفيظة والثبات، وسمى ابن إسحاق النساء المذكورات وهن: هند بنت عتبة خرجت مع أبي سفيان، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع زوجها صفوان بن أمية وهي والدة ابن صفوان، وريطة بنت شيبة السهمية مع زوجها عمرو بن العاص وهي والدة ابنه عبد الله، وسلافة بنت سعد مع زوجها طلحة بن أبي طلحة الحجبي، وخناس بنت مالك والدة مصعب بن عميرة، وعمرة بنت علقمة بن كنانة. وقال غيره كان النساء اللاتي خرجن مع المشركين يوم أحد خمس عشرة امرأة. قوله: "رفعن عن سوقهن" جمع ساق أي ليعينهن ذلك على سرعة الهرب. وفي حديث الزبير بن العوام عند ابن إسحاق قال: "والله لقد رأيتني أنظر إلى خذم هند بنت عتبة وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون إحداهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حتى كشف القوم عنه وخلوا ظهرنا للجبل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ. ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب لوائهم حتى ما يدنو منه أحد من القوم. قوله: "فأخذوا يقولون الغنيمة الغنيمة فقال عبد الله بن جبير: عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا، فأبوا" في رواية زهير "فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة - أي يوم الغنيمة - ظهر أصحابكم، فما تنتظرون" وزاد: "فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبين من الغنيمة" وفي حديث ابن عباس "فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا

(7/350)


عسكر المشركين انكفت الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التفت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم هكذا - وشبك بين أصابعه - فلما أخلت الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على الصحابة، فضرب بعضهم بعضا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، قد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين تسعة أو سبعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، وصاح الشيطان: قتل محمد" وقد ذكرنا من حديث الزبير نحوه. قوله: "فلما أبوا صرفت وجوههم" في رواية زهير "فلما أتوهم" بالمثناة وقوله: "صرفت وجوههم" أي تحيروا فلم يدروا أين يتوجهون. وزاد زهير في روايته: "فذلك "إذ يدعوهم الرسول في أخراهم" فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا" وجاء في رواية مرسلة أنهم من الأنصار، وسأذكرها في الكلام على الحديث السابع من الباب الذي يليه. وروى النسائي من طريق أبي الزبير عن جابر قال: "لما ولى الناس يوم أحد كان النبي صلى الله عليه وسلم في اثني عشر رجلا من الأنصار وفيهم طلحة" الحديث. ووقع عند الطبري من طريق السدي قال: "تفرق الصحابة: فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله، فرماه ابن قمئة بحجر فكسر أنفه ورباعيته، وشجه في وجه فأثقله، فتراجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون رجلا فجعلوا يذبون عنه. فحمله منهم طلحة وسهل بن حنيف، فرمى طلحة بسهم ويبست يده. وقال بعض من فر إلى الجبل: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي يستأمن لنا من أبي سفيان، فقال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قتل فرب محمد لم يقتل. فقاتلوا على ما قاتل عليه" ثم ذكر قصة قتله كما سيأتي قريبا. وقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبل فأراد رجل من أصحابه أن يرميه بسهم، فقال له: أنا رسول الله فلما سمعوا ذلك فرحوا به واجتمعوا حوله وتراجع الناس. وسيأتي في باب مفرد ما يتعلق بمن شج وجهه عليه الصلاة والسلام. قوله: "فأصيب سبعون قتيلا" في رواية زهير "فأصابوا منها" أي من طائفة المسلمين. وفي رواية الكشميهني: "فأصابوا منا" وهي أوجه. وزاد زهير "كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، وقد تقدم بسط القول في ذلك. وروى سعيد بن منصور من مرسل أبي الضحى قال: "قتل يومئذ - يعني يوم أحد - سبعون: أربعة من المهاجرين حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان، وسائرهم من الأنصار". قلت: وبهذا جزم الواقدي. وفي كلام ابن سعد ما يخالف ذلك. ويمكن الجمع كما تقدم. وأخرج ابن حبان والحاكم في صحيحيهما عن أبي بن كعب قال: "أصيب يوم أحد من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة، وكان الخامس سعد مولى حاطب بن أبي بلتعة. والسادس يوسف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس"، وذكر المحب الطبري عن الشافعي أن شهداء أحد اثنان وسبعون. وعن مالك خمسة وسبعون من الأنصار خاصة أحد وسبعون، وسرد أبو الفتح اليعمري أسماءهم فبلغوا ستة وتسعين، ومن المهاجرين أحد عشر وسائرهم من الأنصار، منهم من ذكره ابن إسحاق والزيادة من عند موسى بن عقبة أو محمد بن سعد أو هشام بن الكلبي. ثم ذكر عن ابن عبد البر وعن الدمياطي أربعة أو خمسة، قال فزادوا عن المائة. قال اليعمري: قد ورد في تفسير قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} أنها نزلت تسلية للمؤمنين عمن أصيب منهم يوم أحد، فإنهم أصابوا من المشركين يوم بدر سبعين قتيلا وسبعين أسيرا في عدد من قتل. قال اليعمري: إن ثبتت فهذه الزيادة ناشئة عن الخلاف في التفصيل. قلت: وهو الذي يعول عليه، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي والنسائي من طريق الثوري عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن عبيدة بن عمرو عن علي "أن جبريل هبط فقال: خيرهم في أسارى بدر من

(7/351)


القتل أو الفداء على أن يقتل من قابل مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا" قال الترمذي حسن، ورواه ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة مرسلا. قلت: ورواه ابن عون عند الطبري، ووصلها من وجه آخر عنه، وله شاهد من حديث عمر عند أحمد وغيره، قال اليعمري: ومن الناس من يقول السبعين من الأنصار خاصة، وبذلك جزم ابن سعد. قلت: "وكأن الخطاب بقوله: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ} للأنصار خاصة، ويؤيده قول أنس "أصيب منا يوم أحد سبعون" وهو في الصحيح بمعناه. قوله: "وأشرف أبو سفيان" أي ابن حرب، وكان رئيس المشركين يومئذ. قوله: "فقال أفي القوم محمد" زاد زهير ثلاث مرات في المواضع الثلاث. قوله: "فقال: لا تجيبوه" وقع في حديث ابن عباس "أين ابن أبي كبشة، أين ابن أبي قحافة، أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: ألا أجيبه؟ قال: بلى" وكأنه نهى عن إجابته في الأولى وأذن فيها في الثالثة. قوله: "فقال إن هؤلاء قتلوا" في رواية زهير "ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا". قوله: "أبقى الله عليك ما يخزيك" زاد زهير "إن الذي عددت لأحياء كلهم". قوله: "اعل هبل" في رواية زهير "ثم أخذ يرتجز: اعل هبل" قال ابن إسحاق: معنى قوله اعل هبل أي ظهر دينك. وقال السهيلي. معناه زاد علوا. وقال الكرماني: فإن قلت ما معنى اعل ولا علو في هبل؟ فالجواب هو بمعنى العلى، أو المراد أعلى من كل شيء ا هـ، وزاد زهير "قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال" بكسر المهملة وتخفيف الجيم، وفي حديث ابن عباس "الأيام دول والحرب سجال" وفي رواية ابن إسحاق أنه قال: أنعمت فعال إن الحرب سجال ا هـ. وفعال بفتح الفاء وتخفيف المهملة قالوا معناه أنعمت الأزلام، وكان استقسم بها حين خرج إلى أحد. ووقع في خبر السدي عمد الطبراني: اعل هبل، حنظلة بحنظلة، ويوم أحد بيوم بدر. وقد استمر أبو سفيان على اعتقاد ذلك حتى قال لهرقل لما سأله كيف كان حربكم معه - أي النبي صلى الله عليه وسلم - كما تقدم بسطه في بدء الوحي، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان على ذلك، بل نطق النبي صلى الله عليه وسلم بهذه اللفظة كما في حديث أوس بن أبي أوس عند ابن ماجه وأصله عند أبي داود" الحرب سجال" ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} بعد قوله: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} فإنها نزلت في قصة أحد بالاتفاق.
والقرح الجرح. وأخرج ابن أبي حاتم من مرسل عكرمة قال: "لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم الجبل جاء أبو سفيان فقال: الحرب سجال - فذكر القصة قال - فأنزل الله تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} وزاد في حديث ابن عباس" قال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذا وخسرنا". قوله: "وتجدون" في رواية الكشميهني: "وستجدون". قوله: "مثلة" بضم الميم وسكون المثلثة، ويجوز فتح أوله. وقال ابن التين: بفتح الميم وضم المثلثة، قال ابن فارس: مثل بالقتل إذا جدعه، قال ابن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان قال: "خرجت هند والنسوة منها يمثلن بالقتلى، يجدعن الآذان والأنف، حتى اتخذت هند من ذلك حزما وقلائد، وأعطت حزمها وقلائدها - أي اللائي كن عليها - لوحشي جزاء له على قتل حمزة، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. قوله: "لم آمر بها، ولم تسؤني" أي لم أكرهها وإن كان وقوعها بغير أمري. وفي حديث ابن عباس: ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا، أدركته حمية الجاهلية فقال: أما إنه كان لم يكرهه. وفي رواية ابن إسحاق" والله ما رضيت وما سخطت، وما نهيت وما أمرت" وفي هذا الحديث من الفوائد منزلة أبي بكر وعمر من النبي صلى الله عليه وسلم وخصوصيتهما به بحيث كان أعداؤه لا يعرفون بذلك غيرهما، إذ لم يسأل أبو سفيان عن

(7/352)


غيرهما. وأنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعمة الله ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها. وفيه شؤم ارتكاب النهي، وأنه يعم ضرره من لم يقع منه، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} وأن من آثر دنياه أضر بأمر آخرته ولم تحصل له دنياه. واستفيد من هذه الكائنة أخذ الصحابة الحذر من العود إلى مثلها، والمبالغة في الطاعة، والتحرز من العدو الذين كانوا يظهرون أنهم منهم وليسوا منهم، وإلى ذلك أشار سبحانه وتعالى في سورة آل عمران أيضا {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} إلى أن قال {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} .وقال: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} .
4044- أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ "اصْطَبَحَ الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ نَاسٌ ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ"
الحديث الثالث قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار.قوله: "اصطبح الخمر يوم أحد ناس ثم قتلوا شهداء" سمي جابر منهم فيما رواه وهب بن كيسان عنه أباه عبد الله بن عمرو، أخرجه الحاكم في "الإكليل"، ودل ذلك على أن تحريم الخمر كان بعد أحد، وصرح صدقة بن الفضل عن ابن عيينة كما سيأتي في تفسير المائدة بذلك فقال في آخر الحديث: "وذلك قبل تحريمها" وقد تقدم التنبيه على شيء من فوائده في أول الجهاد.
4045- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ "أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلاَهُ بَدَا رَأْسُهُ وَأُرَاهُ قَالَ وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنْ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ"
الحديث الرابع قوله: "حدثنا عبد الله" هو ابن المبارك. قوله: "عن سعد بن إبراهيم" أي ابن عبد الرحمن بن عوف. قوله: "أتي عبد الرحمن بن عوف بطعام" في رواية نوفل بن إياس أن الطعام كان خبزا ولحما، أخرجه الترمذي في "الشمائل". قوله: "وهو صائم" ذكر ابن عبد البر أن ذلك كان في مرض موته. قوله: "قتل مصعب بن عمير" تقدم نسبه وذكره في أول الهجرة، وأنه كان من السابقين إلى الإسلام وإلى الهجرة، وكان يقرئ الناس بالمدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قتله يوم أحد، وذكر ذلك ابن إسحاق وغيره. وقال ابن إسحاق: وكان الذي قتل مصعب بن عمير عمرو بن قمئة الليثي، فظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى قريش فقال لهم: قتلت محمدا. وفي الجهاد لابن المنذر من مرسل عبيد بن عمير قال: "وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصعب بن عمير وهو متجعف على وجهه، وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحديث. قوله: "وهو خير مني" لعله قال ذلك تواضعا. ويحتمل أن يكون ما استقر عليه الأمر من تفضيل العشرة على غيرهم بالنظر إلى من لم يقتل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقع من أبي بكر الصديق نظير ذلك، فذكر ابن هشام أن رجلا دخل على أبي بكر

(7/353)


الصديق وعنده بنت سعد بن الربيع وهي صغيرة فقال: من هذه؟ قال: هذه بنت رجل خير مني، سعد بن الربيع، كان من نقباء العقبة شهد بدرا واستشهد يوم أحد. قوله: "كفن في بردة" تقدم شرحه في كتاب الجنائز. قوله: "وقتل حمزة" أي ابن عبد المطلب، ستأتي كيفية قتله في هذا الباب. قوله: "ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط" يشير إلى ما فتح لهم من الفتوح والغنائم وحصل لهم من الأموال، وكان لعبد الرحمن من ذلك الحظ الوافر. قوله: "وقد خشينا أن تكون حسناتنا" في رواية الجنائز "طيباتنا". وفي رواية نوفل بن إياس "ولا أرانا أخرنا لما هو خير لنا". قوله: "ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام" في رواية أحمد عن غندر عن شعبة "وأحسبه لم يأكله". وفي الحديث فضل الزهد، وأن الفاضل في الدين ينبغي له أن يمتنع من التوسع في الدنيا لئلا تنقص، حسناته، وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت. وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. قال ابن بطال: وفيه أنه ينبغي ذكر سير الصالحين وتقللهم في الدنيا لتقل رغبته فيها قال: وكان بكاء عبد الرحمن شفقا أن لا يلحق بمن تقدمه.
4046- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا قَالَ فِي الْجَنَّةِ فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ".
4047- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ وَمِنَّا مَنْ مَضَى أَوْ ذَهَبَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا كَانَ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ يَتْرُكْ إِلاَّ نَمِرَةً كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلاَهُ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلِهِ الإِذْ خِرَ أَوْ قَالَ أَلْقُوا عَلَى رِجْلِهِ مِنْ الإِذْخِرِ وَمِنَّا مَنْ قَدْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا".
الحديث الخامس قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار. قوله: "قال رجل" لم أقف على اسمه، وزعم ابن بشكوال أنه عمير بن الحمام وهو بضم المهملة وتخفيف الميم، وسبقه إلى ذلك الخطيب واحتج بما أخرجه مسلم من حديث أنس "أن عمير بن الحمام أخرج تمرات فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا أحييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم قاتل حتى قتل". قلت: لكن وقع التصريح في حديث أنس أن ذلك كان يوم بدر، والقصة التي في الباب وقع التصريح في حديث جابر أنها كانت يوم أحد، فالذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لرجلين، والله أعلم. وفيه ما كان الصحابة عليه من حب نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة ابتغاء مرضاة الله. حديث خباب، وقد تقدم شرحه في كتاب الجنائز، ويأتي أيضا بعد سبعة أبواب، ويأتي شرحه في كتاب الرقاق.
4048- أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عَمَّهُ غَابَ عَنْ بَدْرٍ فَقَالَ "غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أُجِدُّ

(7/354)


فَلَقِيَ يَوْمَ أُحُدٍ فَهُزِمَ النَّاسُ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ أَيْنَ يَا سَعْدُ إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ فَمَضَى فَقُتِلَ فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشَامَةٍ أَوْ بِبَنَانِهِ وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ"
الحديث السابع قوله: "أخبرنا حسان بن حسان" هو أبو علي البصري نزيل مكة ويقال أيضا حسان بن أبي عباد، ووهم من جعله اثنين، وهو من قدماء شيوخ البخاري مات سنة ثلاث عشر، وما له عنده سوى هذا الحديث وآخر في أبواب العمرة. ومحمد بن طلحة أي ابن مصرف بتشديد الراء المكسورة كوفي فيه مقال، إلا أنه لم ينفرد بهذا عن حميد، فقد تقدم في الجهاد من رواية عبد الأعلى بأتم من هذا السياق فيه عن حميد "سألت أنسا". قوله: "ليرين الله" بفتح التحتانية والراء ثم التحتانية وتشديد النون والله بالرفع، ومراده أن يبالغ في القتال ولو زهقت روحه. وقال أنس في رواية ثابت "وخشي أن يقول غيرها" أي غير هذه الكلمة، وذلك على سبيل الأدب منه والخوف لئلا يعرض له عارض فلا يفي بما يقول فيصير كمن وعد فأخلف. قوله: "ما أجد" بضم أوله وكسر الجيم وتشديد الدال للأكثر من الرباعي، يقال أجد في الشيء يجد إذا بالغ فيه. وقال ابن التين: صوابه بفتح الهمزة وضم الجيم، يقال أحد يجد إذا اجتهد في الأمر، أما أجد فإنما يقال لمن سار في أرض مستوية، ولا معني لها هنا. قال وضبطه بعضهم بفتح الهمزة وكسر الجيم وتخفيف الدال من الوجدان أي ما ألتقي من الشدة في القتال. قوله: "إني أجد ريح الجنة دون أحد" يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة بأن يكون شم رائحة طيبة زائدة عما يعهد فعرف أنها ريح الجنة. ويحتمل أن يكون أطلق ذلك باعتبار ما عنده من اليقين حتى كأن الغائب عنه صار محسوسا عنده، والمعنى أن الموضع الذي أقاتل فيه يئول بصاحبه إلى الجنة. قوله: "فمضى فقتل" في رواية عبد الأعلى "قال سعد بن معاذ: فما استطعت يا رسول الله ما صنع". قلت. وهذا يشعر بأن أنس بن مالك إنما سمع هذا الحديث من سعد بن معاذ لأنه لم يحضر قتل أنس بن النضر، ودل ذلك على شجاعة مفرطة في أنس بن النضر بحيث أن سعد بن معاذ مع ثباته يوم أحد وكمال شجاعته ما جسر على ما صنع أنس بن النضر. قوله: "فما عرف حتى عرفته أخته بشامة، أو ببنانه" كذا هنا بالشك والأول بالمعجمة والميم والثاني بموحدتين ونونين بينهما ألف والثاني هو المعروف وبه جزم عبد الأعلى في روايته وكذا وقع في رواية ثابت عن أنس عند مسلم. قوله: "وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم" ووقع في رواية عبد الأعلى بلفظ: "ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بالسهم"وليست "أو" للشك بل هي للتقسيم وزاد في روايته: "ووجدناه قد مثل به المشركون "وعنده" قال أنس: كنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى} إلى آخر الآية" وفي رواية ثابت المذكورة" قال أنس فنزلت هذه الآية {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه، وكذا وقع الجزم بأنها نزلت في ذلك عند المصنف في تفسير الأحزاب من طريق ثمامة عن أنس ولفظه: "هذه الآية نزلت في أنس بن النضر"

(7/355)


فذكرها، وفي الحديث جواز الأخذ بالشدة في الجهاد، وبذل المرء نفسه في طلب الشهادة، والوفاء بالعهد، وتقدمت بقية فوائده في كتاب الجهاد.
4049- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ فَقَدْتُ آيَةً مِنْ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ"
4050- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً تَقُولُ نُقَاتِلُهُمْ وَفِرْقَةً تَقُولُ لاَ نُقَاتِلُهُمْ فَنَزَلَتْ {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} وَقَالَ إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ "
الحديث الثامن حديث زيد بن ثابت أورده مختصرا، وسيأتي تاما في فضائل القرآن مع شرحه. قوله: "عبد الله بن يزيد" هو الخطمي بفتح المعجمة وسكون المهملة صحابي صغير. قوله: "رجع ناس ممن خرج معه" يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، وقد ورد ذلك صريحا في رواية موسى بن عقبة في المغازي وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأي النبي صلى الله عليه وسلم على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج قال عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني. علام نقتل أنفسنا؟ فرجع بثلث الناس. قال ابن إسحاق في روايته: فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام وهو والد جابر وكان خزرجيا كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا فأبوا فقال: أبعدكم الله. قوله: "وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين" أي في الحكم فيمن انصرف مع عبد الله بن أبي. قوله: "فنزلت" هذا هو الصحيح في سبب نزولها. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبي سعيد بن معاذ قال: "نزلت هذه الآية في الأنصار، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من لي بمن يؤذيني؟ فذكر منازعة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير ومحمد بن مسلمة، قال: فأنزل الله هذه الآية" وفي سبب نزولها قول آخر أخرجه أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه" أن قوما أتوا المدينة فأسلموا، فأصابهم الوباء فرجعوا، واستقبلهم ناس من الصحابة فأخبروهم، فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لا، فنزلت: وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة مرسلا، فإن كان محفوظا احتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا. قوله: "وقال إنها طيبة تنفي الذنوب" كذا في هذه الرواية، وتقدم في الحج" تنفي الدجال" ويأتي في التفسير بلفظ: "تنفي الخبث" وهو المحفوظ، وقد سبق الكلام عليه في أواخر الحج مستوفى. قوله: "كما تنفي النار إلخ" هو حديث آخر تقدم في أواخر الحج، وقد فرقه مسلم حديثين، فذكر ما يتعلق بهذه القصة في" باب ذكر المنافقين" وهو في أواخر كتابه، وذكر قوله: "إنها طيبة إلخ" في فضل المدينة من أواخر كتاب الحج،

(7/356)


وهو من نادر صنيعه، بخلاف البخاري فإنه يقطع الحديث كثيرا في الأبواب.

(7/357)


باب قول الله تعالى {إذا همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما}
...
18 - باب {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ}
4051- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا [122 آل عمران] {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ} بَنِي سَلِمَةَ وَبَنِي حَارِثَةَ وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ وَاللَّهُ يَقُولُ { وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا}
[الحديث 4051- طرفه في: 4558]
4052- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ نَكَحْتَ يَا جَابِرُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ مَاذَا أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ لاَ بَلْ ثَيِّبًا قَالَ فَهَلاَ جَارِيَةً تُلاَعِبُكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ كُنَّ لِي تِسْعَ أَخَوَاتٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ مِثْلَهُنَّ وَلَكِنْ امْرَأَةً تَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ: أَصَبْتَ "
4053- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ "حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ فَلَمَّا حَضَرَ جِزَازُ النَّخْلِ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي قَدْ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ فَقَالَ اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُهُ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلاَ أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا وَحَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً"
قوله: "باب {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} الآية" الفشل بالفاء والمعجمة الجبن، وقيل الفشل في الرأي العجز، وفي البدن الإعياء وفي الحرب الجبن، والولي الناصر. قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار. قوله: "نزلت هذه الآية فينا" أي في قومه بني سلمة وهم من الخزرج، وفي أقاربهم بني حارثة وهم من الأوس. قوله: "وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} أي وإن الآية وإن كان في ظاهرها غض منهم لكن في آخرها غاية الشرف لهم، قال ابن إسحاق: قوله: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} أي الدافع عنهما ما هموا به من الفشل، لأن ذلك كان من وسوسة الشيطان من غير وهن منهم. قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار. قوله: "تسع بنات" في رواية الشعبي" ست بنات" فكأن ثلاثا

(7/357)


باب قول الله تعالى {إن الذين تولوامنكم يوم إلتقى الجمعان}
...
19 - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى[155 آل عمران] {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِإِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
4066 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ مَنْ هَؤُلاَءِ الْقُعُودُ قَالُوا هَؤُلاَءِ قُرَيْشٌ قَالَ مَنْ الشَّيْخُ قَالُوا ابْنُ عُمَرَ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي قَالَ أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَكَبَّرَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ تَعَالَ لِأُخْبِرَكَ وَلِأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ فَبَعَثَ عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَمَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ
فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بِيَدِهِ الْيُمْنَى هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ هَذِهِ لِعُثْمَانَ اذْهَبْ بِهَذَا الْآنَ مَعَكَ"
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} اتفق أهل العلم بالنقل على أن المراد به هنا يوم أحد. وغفل من قال يوم بدر، لأنه لم يول فيها أحد من المسلمين. نعم المراد بقوله تعالى:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} وهي في سورة الأنفال يوم بدر، ولا يلزم منه أن يكون حيث جاء {الْتَقَى الْجَمْعَانِ} المراد به يوم بدر. قوله: {اسْتَزَلَّهُمُ} أي زين لهم أن يزلوا، وقوله: {بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} قال ابن التين: يقال إن الشيطان
19 - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى[155 آل عمران] {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِإِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
4066 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ مَنْ هَؤُلاَءِ الْقُعُودُ قَالُوا هَؤُلاَءِ قُرَيْشٌ قَالَ مَنْ الشَّيْخُ قَالُوا ابْنُ عُمَرَ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي قَالَ أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَكَبَّرَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ تَعَالَ لِأُخْبِرَكَ وَلِأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِ نَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ فَبَعَثَ عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَمَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ
فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بِيَدِهِ الْيُمْنَى هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ هَذِهِ لِعُثْمَانَ اذْهَبْ بِهَذَا الْآنَ مَعَكَ "
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} اتفق أهل العلم بالنقل على أن المراد به هنا يوم أحد. وغفل من قال يوم بدر، لأنه لم يول فيها أحد من المسلمين. نعم المراد بقوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} وهي في سورة الأنفال يوم بدر، ولا يلزم منه أن يكون حيث جاء {الْتَقَى الْجَمْعَانِ} المراد به يوم بدر. قوله: {اسْتَزَلَّهُمُ} أي زين لهم أن يزلوا، وقوله: {بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} قال ابن التين: يقال إن الشيطان

(7/363)


ذكرهم خطاياهم فكرهوا القتال قبل التوبة؟ ولم يكرهوه معاندة ولا نفاقا، فعفا الله عنهم. قلت: ولم يتعين ما قال، فيحتمل أن يكونوا فروا جبنا ومحبة في الحياة لا عنادا ولا نفاقا، فتابوا فعفا الله عنهم. ثم ذكر حديث ابن عمر في قصة عثمان، وقد تقدم شرحه في مناقب عثمان، وقدمت أني لم أقف على اسمه صريحا، إلا أنه يحتمل يكون هو العلاء بن عرار. ثم رأيت لبعضهم أن اسمه حكيم فليحرر. وفي الرواية المتقدمة أنه من أهل مصر، ثم وجدت الجزم بالعلاء بن عرار وهما بالمهملات وذلك في مناقب عثمان، ويأتي بأبسط من ذلك في تفسير {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} من سورة البقرة. وقوله في هذه الرواية: "أنشدك بحرمة هذا البيت" فيه جواز مثل هذا القسم عند أثر عبد الله بن عمر لكونه لم ينكر عليه، وسيأتي البحث في شيء من هذا في كتاب الأيمان والنذور إن شاء الله تعالى. قوله: "إني سائلك عن شيء، أتحدثني؟" زاد في رواية أبي نعيم المذكورة "قال: نعم".

(7/364)


باب قول الله تعالى {إذ تصعدون ولا تلون على أحد}
...
20 - باب
{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [153 آل عمران] تُصْعِدُونَ: تَذْهَبُونَ. أَصْعَدَ وَصَعِدَ فَوْقَ الْبَيْتِ
4067- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ {إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ}
قوله: "باب:{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} إلى قوله: {بِمَا تَعْمَلُونَ} . قوله: "تصعدون تذهبون، أصعد وصعد فوق البيت" سقط هذا التفسير للمستملي، كأنه يريد الإشارة إلى التفرقة بين الثلاثي والرباعي، فالثلاثي بمعنى ارتفع والرباعي بمعنى ذهب. وقال بعض أهل اللغة: أصعد إذا ابتدأ السير. وقوله: {فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} روى عبد بن حميد من طريق مجاهد قال: "كان الغم الأول حين سمعوا الصوت أن محمدا قد قتل، والثاني لما انحازوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصعدوا في الجبل فتذكروا قتل من قتل منهم فاغتموا" ومن طريق سعيد عن قتادة نحوه وزاد: "وقوله: {لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} أي من الغنيمة {وَلا مَا أَصَابَكُمْ} أي من الجراح وقتل إخوانكم". وروى الطبري من طريق السري نحوه لكن قال: "الغم الأول ما فاتهم من الغنيمة والثاني ما أصابهم من الجراح" وزاد قال: "لما صعدوا أقبل أبو سفيان بالخيل حتى أشرف عليهم فنسوا ما كانوا فيه من الحزن على من قتل منهما واشتغلوا بدفع المشركين". حديث البراء في قصة الرماة تقدم شرحه قريبا.

(7/364)


باب قول الله تعالى {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا}
...
21 - باب
{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ

(7/364)


باب قول الله تعالى {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم}
...
21 - باب
{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}
قَالَ حُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ شُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ فَنَزَلَتْ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ
4069- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ} إِلَى قَوْلِهِ {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}
[الحديث 4069- أطرافه في: 7346,4559,4070]
4070- وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَزَلَتْ {لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ} إِلَى قَوْلِهِ {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}
قوله: "باب قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} أي بيان سبب نزول هذه الآية، وقد ذكر في الباب سببين، ويحتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا فإنهما كانا في قصة واحدة، وسأذكر في آخر الباب سببا آخر. قوله: "وقال حميد وثابت عن أنس: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} أما حديث حميد فوصله أحمد والترمذي والنسائي من طرق عن حميد به. وقال ابن إسحاق في المغازي" حدثني حميد الطويل عن أنس قال: كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم

(7/365)


22 - باب ذِكْرِ أُمِّ سَلِيطٍ
4071- حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب وقال ثعلبة بن مالك "إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطا بين نساء من نساء أهل المدينة,فبقي منها مرط جيد فقال له

(7/366)


بعض من عنده: يا أمير المؤمنين,أعط هذابنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك – يريدون أم كلثوم بنت علي فقال عمر: أم سليط احق به وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القريب يوم أحد"
قوله: "باب ذكر أم سليط" بفتح المهملة وكسر اللام، ذكر فيه حديث عمر في قصة المروط، وقد تقدم شرحه في كتاب الجهاد، وأم سليط المذكورة هي والدة أبي سعيد الخدري كانت زوجا لأبي سليط فمات عنها قبل الهجرة، فتزوجها مالك بن سنان الخدري فولدت له أبا سعيد.

(7/367)


باب قتل حمزة بن عبدالمطلب
...
23 - باب قَتْلِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
4072- حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ "خَرَجْتُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ فَلَمَّا قَدِمْنَا حِمْصَ قَالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ هَلْ لَكَ فِي وَحْشِيٍّ نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ قُلْتُ نَعَمْ وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَسْكُنُ حِمْصَ فَسَأَلْنَا عَنْهُ فَقِيلَ لَنَا هُوَ ذَاكَ فِي ظِلِّ قَصْرِهِ كَأَنَّهُ حَمِيتٌ قَالَ فَجِئْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَيْهِ بِيَسِيرٍ فَسَلَّمْنَا فَرَدَّ السَّلاَمَ قَالَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَتِهِ مَا يَرَى وَحْشِيٌّ إِلاَّ عَيْنَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ يَا وَحْشِيُّ أَتَعْرِفُنِي قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لاَ وَاللَّهِ إِلاَّ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ الْخِيَارِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قِتَالٍ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ فَوَلَدَتْ لَهُ غُلاَمًا بِمَكَّةَ فَكُنْتُ أَسْتَرْضِعُ لَهُ فَحَمَلْتُ ذَلِكَ الْغُلاَمَ مَعَ أُمِّهِ فَنَاوَلْتُهَا إِيَّاهُ فَلَكَأَنِّي نَظَرْتُ إِلَى قَدَمَيْكَ قَالَ فَكَشَفَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ أَلاَ تُخْبِرُنَا بِقَتْلِ حَمْزَةَ قَالَ نَعَمْ إِنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ بِبَدْرٍ فَقَالَ لِي مَوْلاَيَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمِّي فَأَنْتَ حُرٌّ قَالَ فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاسُ عَامَ عَيْنَيْنِ وَعَيْنَيْنِ جَبَلٌ بِحِيَالِ أُحُدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَادٍ خَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى الْقِتَالِ فَلَمَّا أَنْ اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ خَرَجَ سِبَاعٌ فَقَالَ هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ قَالَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ يَا سِبَاعُ يَا ابْنَ أُمِّ أَنْمَارٍ مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ أَتُحَادُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ قَالَ وَكَمَنْتُ لِحَمْزَةَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا فِي ثُنَّتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ وَرِكَيْهِ قَالَ فَكَانَ ذَاكَ الْعَهْدَ بِهِ فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ رَجَعْتُ مَعَهُمْ فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ حَتَّى فَشَا فِيهَا الإِسْلاَمُ ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الطَّائِفِ فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا فَقِيلَ لِي إِنَّهُ لاَ يَهِيجُ الرُّسُلَ قَالَ فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ آنْتَ وَحْشِيٌّ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ قُلْتُ قَدْ كَانَ مِنْ الأَمْرِ مَا بَلَغَكَ قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي قَالَ فَخَرَجْتُ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ

(7/367)


اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ قُلْتُ لاَخْرُجَنَّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ حَمْزَةَ قَالَ فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ قَالَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ثَلْمَةِ جِدَارٍ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ ثَائِرُ الرَّأْسِ قَالَ فَرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ قَالَ وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ فَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ فَقَالَتْ جَارِيَةٌ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ وَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَتَلَهُ الْعَبْدُ الأَسْوَدُ"
قوله: "قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه" كذا لأبي ذر، ولغيره: "باب قتل حمزة" فقط، وللنسفي "قتل حمزة سيد الشهداء" وهذا اللفظ قد ثبت في حديث مرفوع أخرجه الطبراني من طريق الأصبغ بن نباته عن علي قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ". قوله: "حدثني أبو جعفر محمد بن عبد الله" أي ابن المبارك المخرمي بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء البغدادي، روى عنه البخاري هنا وفي الطلاق، وشيخه حجين بن المثنى بمهملة ثم جيم وآخره نون مصغر، أصله من اليمامة وسكن بغداد وولي قضاء خراسان، وهو من أقران كبار شيوخ البخاري لكن لم يسمع منه البخاري، وليس له عنده سوى هذا الموضع. قوله: "عن عبد الله بن الفضل" هو ابن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني من صغار التابعين. قوله: "عن جعفر بن عمرو بن أمية" هو الضمري، وأبوه هو الصحابي المشهور، هذا هو المحفوظ، وكذا رواه أحمد بن خالد الوهبي عن عبد العزيز أخرجه الطبراني وقد رواه أبو داود الطيالسي عن عبد العزيز شيخ حجين بن المثنى فيه فقال: "عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن سليمان بن يسار عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: أقبلنا من الروم" فذكر الحديث، والمحفوظ" عن جعفر بن عمرو قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي" وكذا أخرجه ابن إسحاق" عن عبد الله بن الفضل عن سليمان عن جعفر قال: خرجت أنا وعبيد الله" فذكره، وكذا أخرجه ابن عائذ في المغازي "عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن جعفر بن عمرو بن أمية قال خرجت أنا وعبيد الله بن عدي" وللطبراني من وجه آخر عن ابن جابر.قوله: "خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار" النوفلي الذي تقدم ذكره في مناقب عثمان، زاد أحمد بن خالد الوهبي عن عبد العزيز بن عبد الله "فأدربنا" أي دخلنا درب الروم مجاهدين "فلما مررنا بحمص" وكذا في رواية ابن إسحاق. وفي رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر "خرجت أنا وعبيد الله بن عدي غازيين الطائفة زمن معاوية، فلما قفلنا مررنا بحمص". قوله: "هل لك في وحشي" أي ابن حرب الحبشي مولى جبير بن مطعم. قوله: "نسأله عن قتل حمزة" في رواية الكشميهني: "فنسأله عن قتله حمزة" زاد ابن إسحاق كيف قتله؟ قوله: "فسألنا عنه، فقيل لنا" في رواية ابن إسحاق "فقال لنا رجل ونحن نسأل عنه: إنه غلب عليه الخمر، فإن تجداه صاحيا تجداه عربيا يحدثكما بما شئتما، وإن تجداه على غير ذلك فانصرفا عنه" وفي رواية الطيالسي نحوه وقال فيه: "إن أدركتماه شاربا فلا تسألاه". قوله: "كأنه حميت" بمهملة وزن رغيف، أي زق كبير، وأكثر ما يقال ذلك إذا كان مملوءا. وفي رواية لابن عائذ "فوجدناه رجلا سمينا محمرة عيناه" وفي رواية الطيالسي "فإذا به قد ألقي له شيء على بابه وهو جالس صاح" وفي رواية ابن إسحاق "على طنفسة له" وزاد:

(7/368)


"فإذا شيخ كبير مثل البغاث" يعني بفتح الموحدة والمعجمة الخفيفة وآخره مثلثة وهو طائر ضعيف الجثة كالرخمة ونحوها مما لا يصيد ولا يصاد. قوله: "معتجر" أي لاف عمامته على رأسه من غير تحنيك. قوله: "يا وحشي أتعرفني" في رواية ابن إسحاق "فلما انتهينا إليه سلمنا عليه فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عدي فقال ابن العدي بن الخيار أنت؟ قال: نعم. فيحتمل أن يكون قال له ذلك بعد أن قال له "أتعرفني". قوله: "أم قتال" بكسر القاف بعدها مثناة خفيفة. وفي رواية الكشميهني بموحدة، والأول أصح، وهي عمة عتاب بن أسيد أي ابن أبي العيص بن أمية. قوله: "أسترضع له" أي أطلب له من يرضعه، زاد في رواية ابن إسحاق "والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى، فإني ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك، فلمعت لي قدمك حين رفعتك، فما هو إلا أن وقفت علي فعرفتها" وهذا يوضح قوله في رواية الباب: "فكأني نظرت إلى قدميك" يعني أنه شبه قدميه بقدم الغلام الذي حمله فكان هو هو، وبين الرؤيتين قريب من خمسين سنة، فدل ذلك على ذكاء مفرط، ومعرفة تامة بالقيافة. قوله: "ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم" في رواية الطيالسي "فقال سأحدثكما كما حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألني". قوله: "فلما أن خرج الناس" أي قريش ومن معهم "عام عينين" أي سنة أحد وقوله: "عينين جبل بحيال أحد" أي من ناحية أحد، يقال فلان حيال كذا بالمهملة المكسورة بعد تحتانية خفيفة أي مقابله، وهو تفسير من بعض رواته. والسبب في نسبة وحشي العام إليه دون أحد أن قريشا كانوا نزلوا عنده. قال ابن إسحاق: نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة. قوله: "خرجت مع الناس إلى القتال" في رواية الطيالسي "فانطلقت يوم أحد معي حربتي، وأنا رجل من الحبشة ألعب لعبهم، قال: وخرجت ما أريد أن أقتل ولا أقاتل إلا حمزة، وعند ابن إسحاق: وكان وحشي يقذف بالحربة قذف الحبشة قلما يخطئ. قوله: "خرج سباع" بكسر المهملة بعدها موحدة خفيفة وهو ابن عبد العزى الخزاعي ثم الغبشاني بضم المعجمة وسكون الموحدة ثم معجمة، ذكر ابن إسحاق أن كنيته أبو نيار بكسر النون وتخفيف التحتانية. قوله: "فخرج إليه حمزة" في رواية الطيالسي "فإذا حمزة كأنه جمل أورق ما يرفع له أحد إلا قمعه بالسيف، فهبته. وبادر إليه رجل من ولد سباع" كذا قال، والذي في الصحيح هو الصواب، وعند ابن إسحاق "فجعل يهد الناس بسيفه" وعند ابن عائذ "فرأيت رجلا إذا حمل لا يرجع حتى يهزمنا، فقلت: من هذا؟ قالوا: حمزة. قلت: هذا حاجتي". قوله: "يا ابن أم أنمار" بفتح الهمزة وسكون النون هي أمه، كانت مولاة لشريق بن عمرو الثقفي والد الأخنس. قوله: "مقطعة البظور" بالظاء المعجمة جمع بظر وهي اللحمة التي تقطع من فرج المرأة عند الختان، قال ابن إسحاق: كانت أمه ختانة بمكة تختن النساء ا هـ والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم، وإلا قالوا خاتنة وذكر عمر بن شبة في "كتاب مكة" عن عبد العزيز بن المطلب أنها أم سباع وعبد العزى الخزاعي، وكانت أمة وهي والدة خباب بن الأرت الصحابي المشهور. قوله: "أتحاد" بمهملتين وتشديد الدال أي أتعاند، وأصل المحاددة أن يكون ذا في حد وذا في حد، ثم استعمل في المحاربة والمعاداة. وقوله: "كأمس الذاهب" هي كناية عن قتله أي صيره عدما. وفي رواية ابن إسحاق "فكأنما أخطأ رأسه" وهدا يقال عند المبالغة في الإصابة. قوله: "وكمنت" بفتح الميم أي اختفيت. وفي رواية ابن عائذ "عند شجرة" وعند ابن أبي شيبة من مرسل عمير بن إسحاق أن حمزة عثر فانكشفت الدرع عن بطنه فأبصره العبد الحبشي فرماه بالحربة. قوله: "في ثنته" بضم المثلثة

(7/369)


وتشديد النون هي العانة، وقيل ما بين السرة والعانة، وللطيالسي "فجعلت ألوذ من حمزة بشجرة ومعي حربتي حتى إذا استمكنت منه هززت الحربة حتى رضيت منها، ثم أرسلتها فوقعت بين ثندوتيه، وذهب يقوم فلم يستطع" ا هـ والثندوة بفتح المثلثة وسكون النون وضم المهملة بعدها واو خفيفة هي من الرجل موضع الثدي من المرأة. والذي في الصحيح أن الحربة أصابت ثنته أصح. قوله: "فلما رجع الناس" أي إلى مكة، زاد الطيالسي "فلما جئت عتقت" ولابن إسحاق "فلما قدمت مكة عتقت، وإنما قتلته لأعتق". قوله: "حتى فشا فيها الإسلام" في روية ابن إسحاق "فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف". قوله: "فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية ابن إسحاق "فلما خرج وفد الطائف ليسلموا تغمت علي المذاهب فقلت ألحق باليمن أو الشام أو غيرها. قوله: "رسلا" كذا لأبي ذر وأبي الوقت، ولغيرهما رسولا بالإفراد، كان أول من قدم من ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عروة بن مسعود فأسلم، ورجع فدعاهم إلى الإسلام فقتلوه، ثم ندموا فأرسلوا وفدهم - وهم عمرو بن وهب بن مغيث وشرحبيل بن غيلان بن مسلمة وعبد يا ليل بن عمرو بن عمير، هؤلاء الثلاثة من الأحلاف، وعثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف ونمير بن حرشة، وهؤلاء الثلاثة من بني مالك، ذكر ذلك محمد بن إسحاق مطولا، وزاد ابن إسحاق أن الوفد كانوا سبعين رجلا، وكان الستة رؤساءهم، وقيل كان الجميع سبعة عشر، قال وهو أثبت. قوله: "فقيل لي إنه لا يهيج الرسل" أي لا ينالهم منه إزعاج. وفي رواية الطيالسي "فأردت الهرب إلى الشام، فقال لي رجل: ويحك، والله ما يأتي محمدا أحد بشهادة الحق إلا خلى عنه، قال فانطلقت فما شعر بي إلا وأنا قائم على رأسه أشهد بشهادة الحق" وعند ابن إسحاق" فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه". قوله: "قال: أنت قتلت حمزة؟ قلت: قد كان من الأمر ما قد بلغك" في رواية الطيالسي "فقال ويحك، حدثني عن قتل حمزة. قال فأنشأت أحدثه كما حدثتكما" وعند يونس بن بكير في المغازي عند ابن إسحاق قال: "فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وحشي، فقال: دعوه فلإسلام رجل واحد أحب إلي من قتل ألف كافر ". قوله: "فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني" في رواية الطيالسي "فقال غيب وجهك عني فلا أراك". قوله: "قال فخرجت" زاد الطيالسي "فكنت أتقي أن يراني". ولابن عائذ "فما رآني حتى مات". وعند الطبراني "فقال: يا وحشي، اخرج فقاتل في سبيل الله كما كنت تصد عن سبيل الله". قوله: "فقلت لأخرجن إلى مسيلمة" في رواية الطيالسي "فلما كان من أمر مسيلمة ما كان انبعث مع البعث فأخذت حربتي" ولابن إسحاق نحوه. قوله: "فأكافئ به حمزة" بالهمز أي أساويه به، وقد فسره بعد بقوله: "فقتلت خير الناس وشر الناس" قوله: "فكان من أمره ما كان" أي من محاربته، وقتل جمع من الصحابة في الواقعة التي كانت بينهم وبينه، ثم كان الفتح للمسلمين بقتل مسيلمة كما سيأتي بيان ذلك في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. قوله: "في ثلمة جدار" أي خلل جدار. قوله: "جمل أورق" أي لونه مثل الرماد، وكان ذلك من غبار الحرب. وقوله: "ثائر الرأس" أي شعره منتفش. قوله: "فوضعتها" في رواية الكشميهني: "فأضعها". قوله: "ووثب إليه رجل من الأنصار" هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني كما جزم به الواقدي وإسحاق بن راهويه والحاكم، وقيل هو عدي بن سهل جزم به سيف في "كتاب الردة" وقيل أبو دجانة، وقيل زيد بن الخطاب الأول أشهر، ولعل عبد الله بن زيد هو الذي أصابته ضربته، وأما الآخران فحملا عليه في الجملة. وأغرب وثيمة في "كتاب الردة" فزعم أن الذي ضرب مسيلمة هو شن بفتح المعجمة وتشديد النون ابن عبد الله، وأنشد له:

(7/370)


ألم تر أني ووحشيهم ... ضربنا مسيلمة المفتن
يسائلني الناس عن قتله ... فقلت ضربت وهذا طعن
فلست بصاحبه دونه ... وليس بصاحبه دون شن
وأغرب من ذلك ما حكى ابن عبد البر أن الذي قتل مسيلمة هو خلاس بن بشير بن الأصم. قوله: "فضربه بالسيف على هامته" في رواية الطيالسي "فربك أعلم أينا قتله، فإن أك قتلته فقد قتلت خير الناس وشر الناس". قوله: "قال عبد الله بن الفضل" هو موصول بالإسناد المذكور أولا. وفي رواية الطيالسي "فقال سليمان بن يسار: سمعت ابن عمر يقول: "زاد ابن إسحاق في روايته: "وكان قد شهد اليمامة". قوله: "فقالت جارية على ظهر بيت: وا أمير المؤمنين، قتله العبد الأسود" هذا فيه تأييد لقول وحشي إنه قتله، لكن في قول الجارية أمير المؤمنين نظر لأن مسيلمة كان يدعي أنه نبي مرسل من الله، وكانوا يقولون له يا رسول الله ونبي الله، والتلقيب بأمير المؤمنين حدث بعد ذلك، وأول من لقب به عمر، وذكر بعد قتل مسيلمة بمدة، فليتأمل هذا. وأما قول ابن التين: كان مسيلمة تسمى تارة بالنبي وتارة بأمير المؤمنين، فإن كان أخذه من هذا الحديث فليس بجيد، وإلا فيحتاج إلى نقل بذلك والذي في رواية الطيالسي "قال ابن عمر: كنت في الجيش يومئذ، فسمعت قائلا يقول في مسيلمة: قتله العبد الأسود" ولم يقل أمير المؤمنين، ويحتمل أن تكون الجارية أطلقت عليه الأمير باعتبار أن أمر أصحابه كان إليه وأطلقت على أصحابه المؤمنين باعتبار إيمانهم به، ولم يقصد إلى تلقيبه بذلك، والله أعلم. ثم وجدت في كلام أبي الخطاب بن دحية الإنكار على من أطلق أن عمر أول من لقب أمير المؤمنين وقال: قد تسمى به مسيلمة قبله، كما أخرجه البخاري في قصة وحشي، يشير إلى هذه الرواية. وتعقبه ابن الصلاح ثم النووي. قال النووي: وذكر ابن الصلاح أن الذي ذكره ابن دحية ليس بصحيح، فإنه ليس في هذا الحديث إلا أن الجارية صاحت لما أصيب مسيلمة: وا أمير المؤمنين، ولا يلزم من ذلك تسميته بذلك ا هـ. واعترض مغلطاي أيضا بأن أول من قيل له أمير المؤمنين عبد الله بن جحش، وهو متعقب أيضا بأنه لم يلقب به، وإنما خوطب بذلك لأنه كان أول أمير في الإسلام على سرية. وفي حديث وحشي من الفوائد غير ما تقدم ما كان عليه من الذكاء المفرط، ومناقب كثيرة لحمزة، وفيه أن المرء يكره أن يرى من أوصل إلى قريبه أو صديقه أذى، ولا يلزم من ذلك وقوع الهجرة المنهية بينهما. وفيه أن الإسلام يهدم ما قبله، والحذر في الحرب، وأن لا يحتقر المرء منها أحدا، فإن حمزة لا بد أن يكون رأى وحشيا في ذلك اليوم لكنه لم يحترز منه احتقارا منه إلى أن أتي من قبله. وذكر ابن إسحاق قال: "حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد مثل به، فقال: لولا أن تحزن صفية - يعني بنت عبد المطلب - وتكون سنة بعدي لتركته حتى يحشر من بطون السباع وحواصل الطير " زاد ابن هشام قال: "وقال لن أصاب بمثلك أبدا. ونزل جبريل فقال: إن حمزة مكتوب في السماء أسد الله وأسد رسوله" وروى البزار والطبراني بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة قد مثل به قال: رحمة الله عليك، لقد كنت وصولا للرحم، فعولا للخير، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى . ثم حلف وهو بمكانه لأمثلن بسبعين منهم ، فنزل القرآن {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} الآية" وعند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند

(7/371)


والطبراني من حديث أبي بن كعب قال: "مثل المشركون بقتلى المسلمين، فقال الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما من الدهر لنزيدن عليهم، فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل: لا قريش بعد اليوم، فأنزل الله {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفوا عن القوم ". وعند ابن مردويه من طريق مقسم عن ابن عباس نحو حديث أبي هريرة باختصار. وقال في آخره: "فقال: بل نصبر يا رب" وهذه طرق يقوي بعضها بعضا.

(7/372)


24 - باب مَا أَصَابَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِرَاحِ يَوْمَ أُحُدٍ
4073- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"
4074- حَدَّثَنِي مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
[الحديث 4074- طرفه في: 4076]
4075- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ "أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لاَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ وَبِمَا دُووِيَ قَالَ كَانَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلاَم بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغْسِلُهُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ الْمَاءَ بِالْمِجَنِّ فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لاَ يَزِيدُ الدَّمَ إِلاَّ كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَئِذٍ وَجُرِحَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ".
4076- حدثني عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال"اشتد غضب الله على من قتله نبي, واشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم"
قوله: "باب ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح يوم أحد" وقد تقدم شيء من ذلك في "باب قوله ليس لك من الأمر شيء" ومجموع ما ذكر في الأخبار أنه شج وجهه وكسرت رباعيته وجرحت وجنته وشفته السفلى من باطنها ووهى منسكبة من ضربة ابن قمئة وجحشت ركبته. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: "ضرب وجه النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بالسيف سبعين ضربة وقاه الله شرها كلها" وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة في الكثرة. قوله: "رباعيته" بفتح الراء وتخفيف الموحدة. قوله: "اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله" زاد سعيد بن منصور من مرسل عكرمة" يقتله رسول الله بيده" ولابن عائذ من

(7/372)


طريق الأوزاعي "بلغنا أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أخذ شيئا فجعل ينشف به دمه وقال: لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليكم العذاب من السماء . ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". حديث ابن عباس بمعنى الذي قبله، أورده من وجهين عن ابن جريج. ووقع هنا قبل حديث سهل بن سعد وبعده، ولعله قدم وأخر. قوله: "دموه1" بتشديد الميم أي جرحوه حتى خرج منه الدم. "تنبيه": حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس هذا من مراسيل الصحابة، فإنهما لم يشهدا الوقعة، فكأنما حملاها عمن شهدها أو سمعاها من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. قوله: "يعقوب" هو ابن عبد الرحمن الإسكندراني. قوله: "فلما رأت فاطمة" هي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوضح سعيد بن عبد الرحمن عن أبي حازم فيما أخرجه الطبراني من طريقه سبب مجيء فاطمة إلى أحد ولفظه: "لما كان يوم أحد وانصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير فأحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم". وله من طريق زهير بن محمد عن أبي حازم" فأحرقت حصيرا حتى صارت رمادا، فأخذت من ذلك الرماد فوضعته فيه حتى رقأ الدم" وقال في آخر الحديث: "ثم قال يومئذ: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله. ثم مكث ساعة ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" وقال ابن عائذ أخبرنا الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن الذي رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بأحد فجرحه في وجهه قال: خذها مني وأنا ابن قمئة، فقال: أقمأك الله. قال فانصرف إلى أهله فخرج إلى غنمه فوافاها على ذروة جبل، فدخل فيها فشد عليه تيسها فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل فتقطع" وفي الحديث جواز التداوي، وأن الأنبياء قد يصابون ببعض العوارض الدنيوية من المراحات والآلام والأسقام ليعظم لهم بذلك الأجر وتزداد درجاتهم رفعة، وليتأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره، والعاقبة للمتقين.
ـــــــ
1 الذي في المتن "دموا وجه نبي الله صلى الله عليه وسلم".

(7/373)


باب قول الله تعالى{الذين إستجابوا لله والرسول}
...
25 - باب {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [172 آل عمران]
4077- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} قَالَتْ لِعُرْوَةَ يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ أَبَوَاكَ مِنْهُمْ الزُّبَيْرُ وَأَبُو بَكْرٍ لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا قَالَ مَنْ يَذْهَبُ فِي إِثْرِهِمْ فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا قَالَ كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ"
قوله: "باب {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} أي سبب نزولها، وأنها تتعلق بأحد، قال ابن إسحاق: كان أحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد يوم الأحد سادس عشر شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأن لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس، فاستأذنه جابر بن عبد الله في الخروج منه فأذن له، وإنما

(7/373)


خرج مرهبا للعدو وليظنوا أن الذي أصابهم لم يوهنهم عن طلب عدوهم، فلما بلغ حمراء الأسد لقيه سعيد بن أبي معبد الخزاعي فيما حدثني عبد الله بن أبي بكر فعزاه بمصاب أصحابه، فأعلمه أنه لقي أبا سفيان ومن معه وهم بالروحاء وقد تلوموا في أنفسهما وقالوا: أصبنا جل أصحاب محمد وأشرافهم وانصرفنا قبل أن نستأصلهم، وهموا بالعود إلى المدينة، فأخبرهم معبد أن محمدا قد خرج في طلبكم في جمع لم أر مثله ممن تخلف عنه بالمدينة، قال: فثناهم ذلك عن رأيهم فرجعوا إلى مكة. وعند عبد بن حميد من مرسل عكرمة نحو هذا. قوله: "حدثني محمد" هو ابن سلام. وقال أبو نعيم في مستخرجه: أراه ابن سلام. قوله: "عن عائشة الذين استجابوا" في الكلام حذف تقديره: عن عائشة أنها قرأت هذه الآية {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا} " أو أنها سئلت عن هذه الآية أو نحو ذلك. قوله: "كان أبوك منهم الزبير" أي الزبير بن العوام. قوله: "فانتدب منهم" أي من المسلمين. قوله: "سبعون رجلا" وقع في نسخة الصغاني "كان فيهم أبو بكر والزبير" ا هـ. وقد سمي منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمار بن ياسر وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وحذيفة وابن مسعود، أخرجه الطبري من حديث ابن عباس. وعند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن ذكر الخمسة الأولين، وعند عبد الرزاق من مرسل عروة ذكر ابن مسعود. وقد ذكرت عائشة في حديث الباب أبا بكر والزبير.

(7/374)


26 - باب مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ
مِنْهُمْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالْيَمَانُ وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ
4078- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ "مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَكْثَرَ شَهِيدًا أَعَزَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الأَنْصَارِ قَالَ قَتَادَةُ وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ وَيَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ سَبْعُونَ قَالَ وَكَانَ بِئْرُ مَعُونَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَوْمُ الْيَمَامَةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ"
4079- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا"
4080- وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ "لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَبْكِي وَأَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَجَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَوْنِي وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَبْكِيهِ مَا زَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ"
4081- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ

(7/374)


عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُرَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ بِهِ اللَّهُ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ"
4082- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ خَبَّابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ
"هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى أَوْ ذَهَبَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا كَانَ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَتْرُكْ إِلاَّ نَمِرَةً كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلاَهُ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَطُّ وا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الإِذْخِرَ أَوْ قَالَ أَلْقُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الإِذْخِرِ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا"
قوله: "باب من قتل من المسلمين يوم أحد، منهم حمزة بن عبد المطلب واليمان والنضر بن أنس ومصعب بن عمير" أما حمزة فتقدم ذكره في باب مفرد، وأما اليمان وهو والد حذيفة فتقدم في آخر باب {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ} وأما النضر بن أنس فكذا وقع لأبي ذر عن شيوخه، وكذا وقع عند النسفي، وهو خطأ والصواب ما وقع عند الباقين "أنس بن النضر" وقد تقدم ذكره في أوائل الغزوة على الصواب، فأما النضر بن أنس فهو ولده، وكان إذ ذاك صغيرا، وعاش بعد ذلك زمانا، وقد تقدم في هذه الأبواب ممن استشهد بها عبد الله بن عمرو والد جابر، ومن المشهورين عبد الله بن جبير أمير الرماة، وسعد بن الزبير ومالك بن سنان والد أبي سعيد وأوس بن ثابت أخو حسان وحنظلة بن أبي عامر المعروف بغسيل الملائكة وخارجة بن زيد بن أبي زهير صهر أبي بكر الصديق وعمرو بن الجموح، ولكل من هؤلاء قصة مشهورة عند أهل المغازي. قوله: "ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أغر" كذا للكشميهني بغين معجمة وراء، ولغيره بالمهملة والزاي. قوله: "قال قتادة" هو موصول بالإسناد المذكور، وأراد بذلك الاستدلال على صحة قول الأول. قوله: "قتل منهم يوم أحد سبعون" هذا هو المقصود بالذكر من هذا الحديث هنا، وظاهره أن الجميع من الأنصار، وهو كذلك إلا القليل. وقد سرد ابن إسحاق أسماء من استشهد من المسلمين بأحد فبلغوا خمسة وستين، منهم أربعة من المهاجرين: حمزة وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان ومصعب بن عمير، وأغفل ذكر سعد مولى حاطب، وقد ذكره موسى بن عقبة. وروى الحاكم في "الإكليل" وابن منده من حديث أبي بن كعب قال: "قتل من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة" وصححه ابن حبان من هذا الوجه، ولعل السادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس فقد عده الواقدي منهم، وعد ابن سعد ممن استشهد بأحد من غير الأنصار الحارث بن عقبة بن قابوس المزني وعمه وهب بن قابوس وعبد الله وعبد الرحمن ابني الهبيب بموحدتين مصغر من بني سند بن ليث ومالكا والنعمان ابني خلف بن عوف الأسلميين قال: إنهما كانا طليعة للنبي صلى الله عليه وسلم فقتلا. قلت: ولعل هؤلاء كانوا من حلفاء الأنصار فعدوا فيهم، فإن كانوا من غير المعدودين أولا فحينئذ تكمل العدة سبعين من الأنصار،

(7/375)


ويكون جملة من قتل من المسلمين أكثر من سبعين، فمن قال قتل منهم سبعون ألغى الكسر، والله أعلم. وقد تقدم في أول هذه الغزوة النقل عن ابن إسحاق وغيره أن الاختلاف في عدد من قتل من المسلمين يومئذ. قوله: "ويوم بئر معونة سبعون" سيأتي شرح ذلك قريبا، ويوضح أن الجميع لم يكونوا من الأنصار، بل كان بعضهم من المهاجرين مثل عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ونافع بن ورقاء الخزاعي وغيرهما. قوله: "ويوم اليمامة سبعون" قد سرد أسماءهم الذين صنفوا في الردة كسيف ووثيمة. قوله: "وكان بئر معونة إلخ" قائل ذلك قتادة، قاله شرحا لحديث أنس، وقد بينه أبو نعيم في "المستخرج". قوله: "ويوم اليمامة على عهد أبي بكر ويوم مسيلمة الكذاب" كذا بالواو وهي زائدة لأن يوم اليمامة هو يوم مسيلمة. ووقع عند أحمد من طريق حماد عن ثابت عن أنس نحو حديث قتادة في عدة من قتل من الأنصار وزاد: ويوم مؤتة سبعون، وصححه أبو عوانة وأخرجه الحاكم في "الإكليل" ولفظه: "عن أنس أنه كان يقول: يا رب سبعين من الأنصار يوم أحد، وسبعين يوم بئر معونة، وسبعين يوم مؤتة، وسبعين يوم مسيلمة" ثم أخرج من طريق إبراهيم بن المنذر أن هذه الزيادة خطأ. ثم أسند من وجهين عن سعيد بن المسيب فذكر بدل يوم مؤتة يوم جسر أبي عبيدة، قال إبراهيم بن المنذر: وهذا هو المعروف. قلت: وهي وقعة بالعراق كانت في خلافة عمر. قوله: "قدمه في اللحد" في حديث عبد الله بن ثعلبة عند ابن إسحاق" فكان يقول: انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه، وذكر ابن إسحاق ممن دفن جميعا عبد الله بن جحش وخاله حمزة بن عبد المطلب، ومن وجه آخر أنه أمر بدفن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو والد جابر. قوله فيه "ولم يصل عليهم" تقدم الكلام عليه في الجنائز، وقد أجاب بعض الحنفية عنه بأنه ناف وغيره مثبت. وأجيب بأن الإثبات مقدم على النفي غير المحصور، وأما نفي الشيء المحصور إذا كان راويه حافظا فإنه يترجح على الإثبات إذا كان راويه ضعيفا كالحديث الذي فيه إثبات الصلاة على الشهيد، وعلى تقدير التسليم فالأحاديث التي فيها ذلك إنما هي في قصة حمزة فيحتمل أن يكون ذلك مما خص به حمزة من الفضل. وأجيب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. ويجاب بأنه يوقف الاستدلال. قالوا: ويمكن الجمع بأنه لم يصل عليهم ذلك اليوم كما قال جابر ثم صلى عليهم ثاني يوم كما قال غيره. قوله: "وقال أبو الوليد عن شعبة" وصله الإسماعيلي: "حدثنا أبو خليفة حدثنا أبو الوليد" بسنده. قوله: "لما قتل أبي" زاد في الجنائز "يوم أحد". قوله: "والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه" في رواية الإسماعيلي: "لا ينهاني". قوله: "لا تبكه" كذا هنا، وظاهره أنه نهى لجابر، وليس كذلك، وإنما هو نهي لفاطمة بنت عمرو عمة جابر، وقد أخرجه مسلم من طريق غندر عن شعبة بلفظ: "قتل أبي - فذكر الحديث إلى أن قال - وجعلت فاطمة بنت عمرو عمتي تبكيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تبكيه" وكذا تقدم عند المصنف في الجنائز نحو هذا، ومن طريق ابن عيينة عن ابن المنكدر نحوه، والله أعلم. قوله: "أرى عن النبي صلى الله عليه وسلم" كذا في الأصول "أرى" وهو بضم الهمزة بمعنى أطن، والقائل ذلك هو البخاري كأنه شك هل سمع من شيخه صيغة الرفع أم لا، وقد ذكر هذه العبارة في هذا الحديث في علامات النبوة وفي التعبير وغيرهما، وأخرجه مسلم وأبو يعلى عن أبي كريب شيخ البخاري فلم يترددا فيه. قوله: "رأيت" في رواية الكشميهني: "أريت". قوله: "أني هززت سيفا" في رواية الكشميهني: "سيفي" وقد تقدم في أول الغزوة إنه ذو الفقار. قوله: "فانقطع صدره" عند ابن إسحاق "ورأيت في ذباب سيفي ثلما" وعند أبي الأسود في المغازي

(7/376)


عن عروة "رأيت سيفي ذا الفقار قد انقصم من عند ظبته" وكذا عند ابن سعد، وأخرجه البيهقي في "الدلائل" من حديث أنس، وسبق موصولا. وفي رواية عروة "كأن الذي رأى بسيفه ما أصاب وجهه المكرم" وعند ابن هشام "حدثني بعض أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: وأما الثلم في السيف فهو رجل من أهل بيتي يقتل ". قوله: "ورأيت فيها بقرا" بالموحدة والقاف. وفي رواية أبي الأسود عن عروة "بقرا تذبح" وكذا في حديث أبي عباس عند أبي يعلى. قوله: "والله خير" هذا من جملة الرؤيا كما جزم به عياض وغيره كذا بالرفع فيهما على أنه مبتدأ وخبر، وفيه حذف تقديره وصنع الله خير، قال السهيلي: معناه رأيت يقرأ تنحر، والله عنده خير. قلت: في رواية ابن إسحاق وإني رأيت والله خيرا، رأيت بقرا. وهي أوضح، والواو للقسم والله بالجر وخيرا مفعول رأيت. وقال السهيلي: البقر في التعبير بمعنى رجال متسلحين يتناطحون. قلت: وفيه نظر، فقد رأى الملك بمصر البقر وأولها يوسف عليه السلام بالسنين. وقد وقع في حديث ابن عباس ومرسل عروة "تأولت البقر التي رأيت بقرا يكون فينا، قال فكان ذلك من أصيب من المسلمين" ا هـ، وقوله بقر هو بسكون القاف وهو شق البطن، وهذا أحد وجوه التعبير أن يشتق من الاسم معني مناسب، ويمكن أن يكون ذلك لوجه آخر من وجوه التأويل وهو التصحيف فإن لفظ بقر مثل لفظ نفر بالنون والفاء خطا. وعند أحمد والنسائي وابن سعد من حديث جابر بسند صحيح في هذا الحديث: "ورأيت بقرا منحرة - وقال فيه - فأولت أن الدرع المدينة والبقر نفر" هكذا فيه بنون وفاء، وهو يؤيد الاحتمال المذكور فالله أعلم. وسيأتي بقية لهذا في كتاب التعبير إن شاء الله تعالى. حديث خباب تقدم بهذا السند والمتن مع الكلام عليه.

(7/377)


باب قول الرسول صلى الله عليه وسلم "أحد جبل يحبنا ونحبه"
...
27- باب أُحُدٌ جبل يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ
قَالَهُ عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
4084- حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ "
4084- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ هَ ذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا "
4085- حدثني عمرو بن خالد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت,ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم, وإني لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الرض – أو مفاتيح الأرض – وإني والله ماأخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها "
قوله: "باب أحد جبل يحبنا ونحبه" وقال السهيلي: سمي أحدا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك، أو

(7/377)


لما وقع من أهله من نصر التوحيد. قوله: "قال عباس بن سهل عن أبي حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم" هو طرف من حديث وصله البزار في الزكاة مطولا، وقد تقدم شرح ما فيه هناك، إلا ما يتعلق بأحد. ونسبه مغلطاي إلى تخريجه موصولا في كتاب الحج، وإنما خرج هناك أصله دون خصوص هذه الزيادة. قوله: "أخبرني أبي" هو علي بن نصر الجهضمي. قوله: "هذا جبل يحبنا ونحبه" ظهر من الرواية التي بعدها أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من الحج ووقع في رواية أبي حميد أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف على المدينة قال: "هذه طابة، فلما رأى أحدا قال: هذا جبل يحبنا ويحبه" فكأنه صلى الله عليه وسلم تكرر منه ذلك القول. وللعلماء في معنى ذلك أقوال: أحدها: أنه على حذف مضاف والتقدير أهل أحد والمراد بهما الأنصار لأنهم جيرانه. ثانيها: أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قدم من سفر لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب. ثالثها: أن الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره لكون أحد من جبال الجنة كما ثبت حديث أبي عبس بن جبر مرفوعا: "جبل أحد يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة" أخرجه أحمد. ولا مانع في جانب البلد من إمكان المحبة منه كما جاز التسبيح منها، وقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب "اسكن أحد" الحديث. وقال السهيلي: كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية. قال ومع كونه مشتقا من الأحدية فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب من النبي صلى الله عليه وسلم لفظا ومعنى فخص من بين الجبال بذلك والله أعلم. وقد تقدم شيء من الكلام على قوله: "يحبنا ونحبه" في "باب من غزا بصبي للخدمة "من باب الجهاد. ثم ذكر المصنف حديث عقبة بن عامر في صلاته صلى الله عليه وسلم على أهل أحد، وقد تقدم مع الكلام عليه في أول الباب. قوله: "هذا جبل يحبنا ونحبه" ظهر من الرواية التي بعدها أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من الحج ووقع في رواية أبي حميد أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف على المدينة قال: "هذه طابة، فلما رأى أحدا قال: هذا جبل يحبنا ويحبه" فكأنه صلى الله عليه وسلم تكرر منه ذلك القول. وللعلماء في معنى ذلك أقوال: أحدها: أنه على حذف مضاف والتقدير أهل أحد والمراد بهما الأنصار لأنهم جيرانه. ثانيها: أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قدم من سفر لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب. ثالثها: أن الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره لكون أحد من جبال الجنة كما ثبت حديث أبي عبس بن جبر مرفوعا: "جبل أحد يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة" أخرجه أحمد. ولا مانع في جانب البلد من إمكان المحبة منه كما جاز التسبيح منها، وقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب "اسكن أحد" الحديث. وقال السهيلي: كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية. قال ومع كونه مشتقا من الأحدية فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب من النبي صلى الله عليه وسلم لفظا ومعنى فخص من بين الجبال بذلك والله أعلم. وقد تقدم شيء من الكلام على قوله: "يحبنا ونحبه" في "باب من غزا بصبي للخدمة" من باب الجهاد.

(7/378)


باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة وحديث عضل والفارة وعاصم بن ثابت وخبيب وأصحابه
...
28 - باب غَزْوَةِ الرَّجِيعِ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبِئْرِ مَعُونَةَ
وَحَدِيثِ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ وَعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ وَخُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ أَنَّهَا بَعْدَ أُحُدٍ"
4086- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ وَهُوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلًا نَزَلُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ فَلَمَّا انْتَهَى عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فَقَالُوا لَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لاَ نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلًا فَقَالَ عَاصِمٌ أَمَّا أَنَا فَلاَ أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ بِالنَّبْلِ وَبَقِيَ خُبَيْبٌ وَزَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ فَأَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ فَلَمَّا أَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ نَزَلُوا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ الَّذِي مَعَهُمَا هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَجَرَّرُوهُ

(7/378)


وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَتَلُوهُ وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدٍ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ فَاشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ اسْتَعَارَ مُوسًى مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ لِيَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ قَالَتْ فَغَفَلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي فَدَرَجَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَ ذَاكَ مِنِّي وَفِي يَدِهِ الْمُوسَى فَقَالَ أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَاكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَكَانَتْ تَقُولُ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا كَانَ إِلاَّ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ فَخَرَجُوا بِهِ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَوْلاَ أَنْ تَرَوْا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنْ الْمَوْتِ لَزِدْتُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ هُوَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ثُمَّ قَالَ:
مَا أن أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ وَكَانَ عَاصِمٌ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنْ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ"
4087- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ "الَّذِي قَتَلَ خُبَيْبًا هُوَ أَبُو سِرْوَعَةَ"
قوله: "باب غزوة الرجيع" سقط لفظ: "باب" لأبي ذر. والرجيع بفتح الراء وكسر الجيم هو في الأصل اسم للروث، سمي بذلك لاستحالته. والمراد هنا اسم موضع من بلاد هذيل كانت الوقعة بقرب منه فسميت به. قوله: "ورعل وذكوان" أي غزوة رعل وذكوان، فأما رعل فبكسر الراء وسكون المهملة بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن لهيعة بن سليم وأما ذكوان فبطن. من بني سليم أيضا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم فنسبت الغزوة إليهما. قوله: "وبئر معونة" بفتح الميم وضم المهملة وسكون الواو بعدها نون: موضع في بلاد هذيل بين مكة وعسفان، وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكانت مع بني رعل وذكوان المذكورين، وسيذكر ذلك في حديث أنس المذكور في الباب. قوله: "وحديث عضل والقارة" أما عضل فبفتح المهملة ثم المعجمة بعدها لام: بطن من بني الهول بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ينسبون إلى عضل بن الديش بن محكم، وأما القارة فبالقاف وتخفيف الراء بطن من الهول أيضا ينسبون إلى الديش المذكور. وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء فيها حجارة كأنهم نزلوا عندها فسموا بها، ويضرب بهم المثل في إصابة الرمي وقال الشاعر: قد انصف القارة من راماها وقصة العضل والقارة كانت في غزوة الرجيع لا في سرية بئر معونة وقد فصل بينهما ابن إسحاق فذكر غزوة

(7/379)


الرجيع في أواخر سنة ثلاث، وبئر معونة في أوائل سنة أربع، ولم يقع ذكر عضل والقارة عند المصنف صريحا، وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق فإنه بعد أن استوفى قصة أحد قال: "ذكر يوم الرجيع. حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا فبعث منهم ستة من أصحابه" فذكر القصة، وعرف بها بيان قول المصنف "قال ابن إسحاق حدثنا عاصم بن عمر أنها بعد أحد" وأن الضمير يعود على غزوة الرجيع لا على غزوة بئر معونة، وسأذكر ما عنده فيهما من فائدة زائدة في شرح حديث أبي هريرة في الباب. قوله: "وعاصم بن ثابت" أي ابن أبي الأقلح بالقاف والمهملة الأنصاري، وخبيب بالمعجمة والموحدة مصغر. قوله: "وأصحابه" يعني العشرة كما ستذكره في حديث أبي هريرة. "تنبيه" سياق هذه الترجمة يوهم أن غزوة الرجيع وبئر معونة شيء واحد وليس كذلك كما أوضحته، فغزوة الرجيع كانت سرية عاصم وخبيب في عشرة أنفس وهي مع عضل والقارة، وبئر معونة كانت سرية القراء السبعين وهي مع رعل وذكوان، وكأن المصنف أدرجها معها لقربها منها، ويدل على قربها منها ما في حديث أنس من تشريك النبي صلى الله عليه وسلم بين بني لحيان وبني عصية وغيرهم في الدعاء عليهم. وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة، ورجح السهيلي أن رواية البخاري أن عاصم كان أميرهم أرجح، وجمع غيره بأن أمير السرية مرثد، وأن أمير العشرة عاصم بناء على التعدد. ولم يرد المصنف أنهما قصة واحدة والله أعلم. قوله: "عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي" هكذا يقول معمر ووافقه شعيب وآخرون، وقد تقدم مستوفى في الجهاد بأتم من هذا، وإبراهيم بن سعد يقول عن الزهري عن عمر بضم العين، كذا أخرجه ابن سعد عن معن بن عيسى عنه، وكذا قال الطيالسي عن إبراهيم، وبذلك جزم الذهلي في "الزهريات"، لكن وقع في غزو بدر عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد "عمرو" بفتح العين، وأخرجه أبو داود عن موسى المذكور فقال: "عمر" كذا قال ابن أخي الزهري ويونس من رواية الليث عنه عن الزهري عن عمر، قال البخاري في تاريخه عمرو أصح، وقد ذكرت ما فيه في غزوة بدر. قوله: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية" في رواية الكشميهني: "بسرية" بزيادة موحدة في أوله. وفي رواية إبراهيم بن سعد التي مضت في غزوة بدر "بعث عشرة عينا يتجسسون له" وفي رواية أبي الأسود عن عروة، "بعثهم عيونا إلى مكة ليأتوه بخبر قريش" وذكر الواقدي أن سبب خروج بني لحيان عليهم قتل سفيان بن نبيح الهذلي، قلت: وكان قتل سفيان المذكور على يد عبد الله بن أنيس، وقصته عند أبي داود بإسناد حسن، وذكر ابن إسحاق أنهم كانوا ستة وسماهم وهم: عاصم بن ثابت المذكور، ومرثد بن أبي مرثد، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة وهو بفتح الدال وكسر المثلثة بعدها نون، وعبد الله بن طارق، وخالد بن البكير. وجزم ابن سعد بأنهم كانوا عشرة وساق أسماء الستة المذكورين وزاد: معتب بن عبيد قال: وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه، وكذا سمي موسى بن عقبة السبعة المذكورين لكن قال: معتب بن عوف. قلت: فلعل الثلاثة الآخرين كانوا أتباعا لهم فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم. قوله: "وأمر عليهم عاصم بن ثابت" كذا في الصحيح وفي السيرة أن الأمير عليهم كان مرثد بن أبي مرثد، وما في الصحيح أصح. قوله: "حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة" تقدم في غزوة بدر حتى إذا كانوا بالهدأة وهي للأكثر بسكون الدال بعدها همزة مفتوحة، وللكشميهني بفتح الدال وتسهيل الهمزة، وعند ابن إسحاق الهدة بتشديد الدال بغير ألف قال: وهي على سبعة أميال من عسفان. قوله:

(7/380)


"وهو جد عاصم بن عمر" تقدم أنه خال عاصم لا جده، وأن الرواية المتقدمة يمكن ردها إلى الصواب بأن يقرأ جد بالكسر، وأما هذه فلا حيلة فيها. وقد أخذ بظاهرها بعضهم فقال: تزوج عمر جميلة بنت عاصم بن ثابت فولدت له عاصما. قوله: "يقال لهم بنو لحيان" بكسر اللام وقيل بفتحها وسكون المهملة ولحيان هو ابن هذيل نفسه وهذيل هو ابن مدركة بن إلياس بن مضر. وزعم الهمداني النسابة أن أصل بني لحيان من بقايا جرهم دخلوا في هذيل فنسبوا إليهم. قوله: "فتبعوهم بقريب من مائة رام" في رواية شعيب في الجهاد" فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل "والجمع بينهما واضح بأن تكون المائة الأخرى غير رماة، ولم أقف على اسم أحد منهم. قوله: "فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر" في رواية أبي معشر في مغازيه "فنزلوا بالرجيع سحرا فأكلوا تمر عجوة فسقطت نواة بالأرض، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنما فرأت النواة فأنكرت صغرها وقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها أتيتم، فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد كمنوا في الجبل". قوله: "حتى لحقوهم" في رواية ابن سعد فلم يرع القوم إلا بالرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم. قوله: "لجئوا إلى فدفد" بفاءين مفتوحتين ومهملتين الأولى ساكنة وهي الرابية المشرفة، ووقع عند أبي داود إلى قردد بقاف وراء ودالين، قال ابن الأثير: هو الموضع المرتفع، ويقال: الأرض المستوية. والأول أصح. قوله: "فقالوا لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا" في رواية ابن سعد فقالوا لهم "إما والله ما نريد قتالكم إنما تريد أن نصيب منكم شيئا من أهل مكة". قوله: "فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر" في مرسل بريدة بن سفيان عن سعيد بن منصور "فقال عاصم: اليوم لا أقبل عهدا من مشرك". قوله: "فقال اللهم أخبر عنا رسولك" في رواية الطيالسي عن إبراهيم بن سند "فاستجاب الله لعاصم، فأخبر رسوله خبره، فأخبر أصحابه بذلك يوم أصيبوا" وفي رواية بريدة "فقال عاصم: اللهم إني أحمي لك دينك، فاحمي لي لحمي" وسيأتي ما يتعلق بذلك في آخر الكلام على الحديث. قوله: "في سبعة" أي في جملة سبعة. قوله: "وبقي خبيب وزيد ورجل آخر" في رواية ابن إسحاق "فأما خبيب بن عدي بن الدثنة وعبد الله بن طارق فاستأسروا" وعرف منه تسمية الرجل الثالث وأنه عبد الله بن طارق. وفي رواية أبي الأسود عن عروة أنهم صعدوا في الجبل فلم يقدروا عليهم حتى أعطوهم العهد والميثاق. قوله: "فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر إلخ" وهو يقتضي أن ذلك وقع منه أول ما أسروهم، لكن في رواية ابن إسحاق "فخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن الطارق يده وأخذ سيفه" فذكر قصة قتله، فيحتمل أنهم إنما ربطوهم بعد أن وصلوا إلى مر الظهران، وإلا فما في الصحيح أصح. قوله: "حتى باعوهما بمكة" في رواية ابن إسحاق وابن سعد" فأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه" وعند ابن سعد أن الذي تولى قتله نسطاس مولى صفوان. قوله: "فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل" بين ابن إسحاق أن الذي تولى شراءه هو حجين بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل، وكان أخا الحارث بن عامر لأمه. وفي رواية بريدة بن سفيان أنهم اشتروا خبيبا بأمة سوداء. وقال ابن هشام باعوهما بأسيرين من هذيل كانا بمكة، ويمكن الجمع. قوله: "وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر" كذا وقع في حديث أبي هريرة، واعتمد البخاري على ذلك فذكر خبيب بن عدي فيمن شهد بدرا، وهو اعتماد متجه، لكن تعقبه الدمياطي بأن أهل المغازي لم يذكر أحد منهم أن خبيب بن عدي شهد بدرا ولا قتل الحارث بن عامر

(7/381)


وإنما ذكروا أن الذي قتل الحارث بن عامر ببدر خبيب بن أساف، وهو غير خبيب بن عدي، وهو خزرجي وخبيب بن عدي أوسي والله أعلم. قلت: يلزم من الذي قال ذلك رد هذا الحديث الصحيح، فلو لم يقتل خبيب بن عدي الحارث بن عامر ما كان لاعتناء الحارث بن عامر بأسر خبيب معنى ولا بقتله، مع التصريح في الحديث الصحيح أنهم قتلوه به، لكن يحتمل أن يكون قتلوه بخبيب بن عدي لكون خبيب بن أساف قتل الحارث على عادتهم في الجاهلية بقتل بعض القبيلة عن بعض، ويحتمل أن يكون خبيب بن عدي شرك في قتل الحارث، والعلم عند الله تعالى. قوله: "فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله" في رواية ابن سعد فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم، ثم أخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما. وفي رواية بريدة بن سفيان فأساءوا إليه في إساره، فقال لهم: ما تصنع القوم الكرام هذا بأسيرهم، قال فأحسنوا إليه بعد ذلك، وجعلوه عند امرأة تحرسه. وروى ابن سعد من طريق موهب مولى آل نوفل قال قال لي خبيب وكانوا جعلوه عندي: يا موهب أطلب إليك ثلاثا، أن تسقيني العذب، وأن تجنبني ما ذبح على النصب، وأن تعلمني إذا أرادوا قتلي. قوله: "حتى إذا أجمعوا على قتله استعار موسى" هكذا وقعت هذه القصة مدرجة في رواية معمر، وكذا إبراهيم بن سعد كما تقدم في غزوة بدر، وقد وصلها شعيب في روايته كما تقدم في الجهاد" قال: فلبث خبيب عندهم أسيرا، فأخبرني عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى" ووقع في الأطراف لخلف أن اسمها زينب بنت الحارث، وهي أخت عقبة بن الحارث الذي قتل خبيبا، وقيل: امرأته. وعبيد الله بن عياض المذكور قال الدمياطي: أغفله من صنف في رجال البخاري قلت: لكن ترجم له المزي وذكر أنه تابعي روي عن عائشة وغيرها، وروى عنه الزهري وعبد الله بن عثمان بن خثيم وغيرهما، والقائل "فأخبرني" هو الزهري، ووهم من زعم أنه عمرو بن أبي سفيان، وعند ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح قال: "حدثت مارية مولاة حجين بن أبي إهاب وكانت قد أسلمت قالت: حبس خبيب في بيتي، ولقد اطلعت عليه يوما وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه" فإن كان محفوظا احتمل أن يكون كل من مارية وزينب رأت القطف في يده يأكله، وأن التي حبس في بيتها مارية والتي كانت تحرسه زينب جمعا بين الروايتين، ويحتمل أن يكون الحارث أبا لمارية من الرضاع، ووقع عند ابن بطال أن اسم المرأة جويرية، فيحتمل أن يكون لما رأى قول ابن إسحاق إنها مولاة حجين بن أبي إهاب أطلق عليها جويرية لكونها أمة، أو يكون وقع له رواية فيها أن اسمها جويرية. وقوله: "موسى" يجوز فيه الصرف وعدمه، وقوله: "ليستحد بها" في رواية بريدة بن سفيان "ليستطيب بها" والمراد أنه يحلق عانته. قوله: "قالت فغفلت عن صبي لي" ذكر الزبير بن بكار أن هذا الصبي هو أبو حسين بن الحارث من عدي بن نوفل بن عبد مناف، وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي المحدث، وهو من أقران الزهري. وفي رواية بريدة بن سفيان "وكان لها ابن صغير، فأقبل إليه الصبي فأخذه فأجلسه عنده، فخشيت المرأة أن يقتله فناشدته" وعند أبي الأسود عن عروة "فأخذ خبيب بيد الغلام فقال: هل أمكن الله منكم؟ فقالت ما كان هذا ظني بك، فرمى لها الموسى وقال: إنما كنت مازحا" وفي رواية بريدة بن سفيان "ما كنت لأغدر" وعند ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح وعاصم بن عمر جميعا أن مارية قالت: "قاله لي خبيب حين حضره القتل: ابعثي لي بحديدة أتطهر بها، قالت فأعطيته غلاما من الحي" قال ابن هشام. يقال إن الغلام ابنها.

(7/382)


ويجمع بين الروايتين بأنه طلب الموسى من كل من المرأتين، وكان الذي أوصله إليه ابن إحداهما، وأما الابن الذي خشيت عليه ففي رواية هذا الباب: "فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه" فهذا غير الذي أحضر إليه الحديدة. والله أعلم. قوله: "لقد رأيته يأكل من قطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة" القطف بكسر القاف العنقود. وفي رواية ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح كما تقدم "وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل". قوله: "وما كان إلا رزق رزقه الله" في رواية ابن سعد "رزقه الله خبيبا" وفي رواية شعيب وثابت "تقول إنه لرزق من الله رزقه خبيبا" قال ابن بطال: هذا يمكن أن يكون الله جعله آية على الكفار وبرهانا لنبيه لتصحيح رسالته قال: فأما من يدعي وقوع ذلك له اليوم بين ظهراني المسلمين فلا وجه له، إذ المسلمون قد دخلوا في الدين وأيقنوا بالنبوة، فأي معنى لإظهار الآية عندهم؟ ولو لم يكن في تجويز ذلك إلا أن يقول جاهل إذا جاز ظهور هذه الآيات على يد غير نبي فكيف نصدقها من نبي والفرض أن غيره يأتي بها لكان في إنكار ذلك قطعا للذريعة، إلى أن قال. إلا أن وقوع ذلك مما لا يخرق عادة ولا يقلب عينا، مثل أن يكرم الله عبدا بإجابة دعوة في الحين، ونحو ذلك مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة الولي، ومن ذلك حماية الله تعالى عاصما لئلا ينتهك عدوه حرمته انتهى. والحاصل أن ابن بطال توسط بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها فجعل الذي يثبت ما قد تجري به العادة لآحاد الناس أحيانا، والممتنع ما يقلب الأعيان مثلا، والمشهور عن أهل السنة إثبات الكرامات مطلقا، لكن استثنى بعض المحققين منهم كأبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء فقال، ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك، وهذا أعدل المذاهب في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال وتكثير الطعام والماء والمكاشفة بما يغيب عن العين والإخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جدا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخارق الآن فيما قاله القشيري، وتعين تقييد قول من أطلق أن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي، ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك من أولياء الله تعالى، وهو غلط ممن يقوله، فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له ذلك فإن كان متمسكا بالأوامر الشرعية والنواهي كان ذلك علامة ولايته ومن لا فلا وبالله التوفيق. قوله: "فلما خرجوا به من الحرم" بين ابن إسحاق أنهم أخرجوه إلى التنعيم. قوله: "دعوني أصل" كذا للكشميهني بغير ياء، ولغيره بثبوت الياء ولكل وجه، ولموسى بن عقبة أنه صلى ركعتين في موضع مسجد التنعيم. قوله: "لزدت" في رواية بريدة بن سفيان" لزدت سجدتين أخريين". قوله: "ثم قال: اللهم أحصهم عددا" زاد في رواية إبراهيم بن سعد "واقتلهم بددا" أي متفرقين "ولا تبق منهم أحدا" وفي رواية بريدة بن سفيان "فقال خبيب: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه" وفيه فلما رفع على الخشبة استقبل الدعاء قال: فلبد رجل بالأرض خوفا من دعائه" فقال: "اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا" قال فلم يحل الحول ومنهم أحد حي غير ذلك الرجل الذي لبد بالأرض. وحكى ابن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان قال: "كنت مع أبي فجعل يلقيني إلى الأرض حين سمع دعوة خبيب" وفي رواية أبي الأسود عن عروة "ممن حضر ذلك أبو إهاب بن عزيز والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم السلمي وأمية بن

(7/383)


عتبة بن همام" وعنده أيضا: "فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأخبر أصحابه بذلك" وعند موسى بن عقبة "فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك اليوم وهو جالس: وعليك السلام يا خبيب، قتلته قريش". قوله: "ما إن أبالي" هكذا للأكثر وللكشميهني: "فلست أبالي" وهو أوزن، والأول جائز لكنه مخروم، ويكمل بزيادة الفاء، وما نافية وإن بعدها بكسر الهمزة نافية أيضا للتأكيد. وفي رواية شعيب للكشميهني: "وما إن أبالي" بزيادة واو، ولغيره: "ولست أبالي" وقوله: "وذلك في ذات الإله" الكلام على هذه اللفظة في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. قوله: "أوصال شلو ممزع" الأوصال جمع وصل وهو العضو، والشلو بكسر المعجمة الجسد، وقد يطلق على العضو ولكن المراد به هنا الجسد، والممزع بالزاي ثم المهملة المقطع، ومعنى الكلام أعضاء جسد يقطع. وعند أبي الأسود عن عروة زيادة في هذا الشعر:
لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وفيه:
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
وساقها ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتا، قال ابن هشام: ومنهم من ينكرها لخبيب: قوله: "ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله" سيأتي البحث فيه في الحديث الذي بعده. وفي رواية أبي الأسود عن عروة" فلما وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب نادوه وناشدوه: أتحب أن محمدا مكانك؟ قال: لا والله العظيم، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه". قوله: "وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر" لعل العظيم المذكور عقبة بن أبي معيط، فإن عاصما قتله صبرا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انصرفوا من بدر. ووقع عند ابن إسحاق، وكذا في رواية بريدة بن سفيان أن عاصما لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وهي أم مسافع وجلاس ابني طلحة العبدري، وكان عاصما قتلهما يوم أحد، وكانت نذرت لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن الخمر في قحفه، فمنعته الدبر، فإن كان محفوظا احتمل أن تكون قريش لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الدبر لها من أخذ رأس عاصم، فأرسلت من يأخذه، أو عرفوا بذلك ورجوا أن تكون الدبر تركته فيتمكنوا من أخذه. قوله: "مثل الظلة من الدبر" الظلة بضم المعجمة السحابة، والدبر بفتح المهملة وسكون الموحدة الزنابير، وقيل ذكور النحل ولا واحد له من لفظه. وقوله: "فحمته" بفتح المهملة والميم أي منعته منهم. قوله: "فلم يقدروا منه على شيء" في رواية شعبة "فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئا" وفي رواية أبي الأسود عن عروة "فبعث الله عليهم الدبر تطير في وجوههم وتلدغهم، فحالت بينهم وبين أن يقطعوا" وفي رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عمرو عن قتادة قال: "كان عاصم بن ثابت أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا، فكان عمر يقول لما بلغه خبره: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه في حياته" وفي الحديث أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكن من نفسه ولو قتل، أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة له أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك. وقال سفيان الثوري: أكره ذلك، وفيه الوفاء للمشركين بالعهد، والتورع عن قتل أولادهم، والتلطف بمن أريد قتله، وإثبات كرامة الأولياء، والدعاء على المشركين بالتعميم، والصلاة عند القتل، وفيه إنشاء الشعر وإنشاده عند القتل ودلالة على

(7/384)


قوة يقين خبيب وشدته في دينه، وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه، ولو شاء ربك ما فعلوه. وفيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيا وميتا وغير ذلك من الفوائد مما يظهر بالتأمل. وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه. وفيه ما كان عليه مشركو قريش من تعظيم الحرم والأشهر الحرم. قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار. قوله: "الذي قتل خبيبا هو أبو سروعة" زاد سعيد بن منصور عن سفيان" واسمه عقبة بن الحارث "ووقع عند الإسماعيلي من رواية ابن أبي عمر عن سفيان مدرجا، وهذا خالف فيه جماعة من أهل السير والنسب فقالوا: أبو سروعة أخو عقبة بن الحارث، حتى قال أبو أحمد العسكري: من زعم أنهما واحد فقد وهم وذكر ابن إسحاق بإسناد صحيح عن عقبة بن الحارث قال: "ما أنا قتلت خبيبا لأني كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله".
4088- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعِينَ رَجُلًا لِحَاجَةٍ يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ فَعَرَضَ لَهُمْ حَيَّانِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ عِنْدَ بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا بِئْرُ مَعُونَةَ فَقَالَ الْقَوْمُ وَاللَّهِ مَا إِيَّاكُمْ أَرَدْنَا إِنَّمَا نَحْنُ مُجْتَازُونَ فِي حَاجَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلُوهُمْ فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ شَهْرًا فِي صَلاَةِ الْغَدَاةِ وَذَلِكَ بَدْءُ الْقُنُوتِ وَمَا كُنَّا نَقْنُتُ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَسَأَلَ رَجُلٌ أَنَسًا عَنْ الْقُنُوتِ أَبَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ عِنْدَ فَرَاغٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَالَ لاَ بَلْ عِنْدَ فَرَاغٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ"
4089- حدثنا مسلم حدثنا هشام حدثنا قتادة عن أنس قال "قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب"
4090- حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنْ الأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمْ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ قَالَ أَنَسٌ فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لِحْيَانَ زَادَ خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ مِنْ الأَنْصَارِ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا كِتَابًا نَحْوَهُ"
4091- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسٌ

(7/385)


أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالَهُ أَخٌ لِأُمِّ سُلَيْمٍ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا وَكَانَ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ خَيَّرَ بَيْنَ ثَلاَثِ خِصَالٍ فَقَالَ يَكُونُ لَكَ أَهْلُ السَّهْلِ وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ أَوْ أَكُونُ خَلِيفَتَكَ أَوْ أَغْزُوكَ بِأَهْلِ غَطَفَانَ بِأَلْفٍ وَأَلْفٍ فَطُعِنَ عَامِرٌ فِي بَيْتِ أُمِّ فُلاَنٍ فَقَالَ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَكْرِ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ آلِ فُلاَنٍ ائْتُونِي بِفَرَسِي فَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ فَانْطَلَقَ حَرَامٌ أَخُو أُمِّ سُلَيْمٍ وَهُوَ رَجُلٌ أَعْرَجُ وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي فُلاَنٍ قَالَ كُونَا قَرِيبًا حَتَّى آتِيَهُمْ فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُمْ وَإِنْ قَتَلُونِي أَتَيْتُمْ أَصْحَابَكُمْ فَقَالَ أَتُؤْمِنُونِي أُبَلِّغْ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ وَأَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ قَالَ هَمَّامٌ أَحْسِبُهُ حَتَّى أَنْفَذَهُ بِالرُّمْحِ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَلُحِقَ الرَّجُلُ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ غَيْرَ الأَعْرَجِ كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنَا ثُمَّ كَانَ مِنْ الْمَنْسُوخِ إِنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاَثِينَ صَبَاحًا عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لَحْيَانَ وَعُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
4092- حَدَّثَنِي حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ "أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لَمَّا طُعِنَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ وَكَانَ خَالَهُ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ قَالَ بِالدَّمِ هَكَذَا فَنَضَحَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"
الحديث الثالث, وهو أول حديث بئر معونة وجميعها عن أنس. قوله: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا لحاجة" فسر قتادة الحاجة كما سيأتي قريبا بقوله: "أن رعلا وغيرهم استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار "وقد تقدم في الجهاد من وجه آخر عن سعيد عن قتادة بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان فزعموا أنهم أسلموا واستمدوا على قومهم. وفي هذا رد على من قال رواية قتادة وهم، وأنهم لم يستمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما الذي استمدهم عامر بن الطفيل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. ولا مانع أن يستمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظاهر ويكون قصدهم الغدر بهم، ويحتمل أن يكون الذين استمدوا غير الذين استمدهم عامر بن الطفيل وإن كان الكل من بني سليم. وفي رواية عاصم آخر الباب عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أقواما إلى ناس من المشركين بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد" ويحتمل أنه لم يكن استمدادهم لهم لقتال عدو، وإنما هو للدعاء إلى الإسلام. وقد أوضح ذلك ابن إسحاق قال: "حدثني أبي عن المغيرة بن عبد الرحمن وغيره قال: قدم أبو براء عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنة على رسول صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك وأنا جار لهم، فبعث المنذر بن عمرو في أربعين رجلا منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان ورافع بن بديل بن ورقاء وعروة بن أسماء وعامر بن فهيرة وغيرهم من خيار المسلمين" وكذلك أخرج هذه القصة موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم نحوه، لكن لم يسم المذكورين. ووصله الطبري من وجه آخر

(7/386)


عن ابن شهاب عن ابن كعب بن مالك عن كعب، ووصلها أيضا ابن عائذ من حديث ابن عباس لكن بسند ضعيف، وهي عند مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مختصرا ولم يسم أبا براء، بل قال: "إن ناسا" ويمكن الجمع بينه وبين الذي في الصحيح بأن الأربعين كانوا رؤساء وبقية العدة أتباعا. ووهم من قال كانوا ثلاثين فقط. وذكر المصنف في مرسل عروة أن عامر بن الطفيل أسر عمرو بن أمية يوم بئر معونة، وهو شاهد لمرسل ابن إسحاق. قوله: "يقال لهم القراء" قد بين قتادة في روايته أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل. وفي رواية ثابت" ويشترون به الطعام لأهل الصفة ويتدارسون القرآن بالليل ويتعلمون". قوله: "فعرض لهم حيان" بالمهملة والتحتانية تثنية حي أي جماعة من بني سليم. قوله: في رواية قتادة "أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان" ذكر بني لحيان في هذه القصة وهم، وإنما كان بنو لحيان في قصة خبيب في غزوة الرجيع التي قبل هذه. قوله: "قال أنس فقرأنا فيهم قرآنا، ثم إن ذلك "أي القرآن "رفع" أي نسخت تلاوته. وفي الرواية المتقدمة "ثم رفع بعد ذلك" ورواه أحمد عن غندر عن شعبة بلفظ: "ثم نسخ ذلك". قوله: "زاد خليفة" هو ابن خياط وهو أحد شيوخ البخاري. قوله: "قرآنا كتابا نحوه" أي نحو رواية عبد الأعلى بن حماد عن يزيد بن زريع. قوله في رواية إسحاق بن أبي طلحة "عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خاله أخا أم سليم في سبعين راكبا" قد سماه في هذه الرواية حراما، وكذا في رواية ثمامة عن أنس التي بعدها، والضمير في خاله لأنس، وقد قال في الرواية الأخرى الآتية عن ثمامة عن أنس "لما طعن حرام بن ملحان وكان خاله" وعجب تجويز الكرماني أن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم قال: وحرام خاله من الرضاعة يجوز أن يكون من جهة النسب، كذا قاله. قوله في رواية إسحاق "وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل" أي ابن مالك بن جعفر بن كلاب وهو ابن أخي أبي براء عامر بن مالك. قوله: "خير" بفتح أوله وحذف المفعول أي خير النبي صلى الله عليه وسلم، وبينه البيهقي في "الدلائل" من رواية عثمان بن سعيد عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري فيه ولفظه: "وكان أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أخيرك بين ثلاث خصال" فذكر الحديث. ووقع في بعض النسخ "خير" بضم أوله، وخطأها ابن قرقول. قوله: "بألف وألف" في رواية عثمان بن سعيد بألف أشقر وألف شقراء. قوله: "غدة كغدة البكر" يحوز فيه الرفع بتقدير أصابتني غدة أو غدة بي، ويجوز النصب على المصدر أي أغده غدة مثل بعيرة، والغدة بضم المعجمة من أمراض الإبل وهو طاعونها. قوله: "في بيت امرأة من آل بني فلان" بينها الطبراني من حديث سهل بن سعد فقال: "امرأة من آل سلول" وبين قدوم عامر بن الطفيل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال فيه: "لأغزونك بألف أشقر وألف شقراء" وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أصحاب بئر معونة بعد أن رجع عامر، وأنه غدر بهم وأخفر ذمة عمه أبي براء وأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه فقال: "اللهم اكفني عامرا" فجاء إلى بيت امرأة من بني سلول. قلت: سلول امرأة، وهي بنت ذهل بن شيبان، وزوجها مرة بن صعصعة أخو عامر بن صعصعة فنسب بنوه إليها. قوله: "فانطلق حرام أخو أم سليم وهو رجل أعرج" كذا هنا على أنها صفة حرام، وليس كذلك بل الأعرج غيره، وقد وقع في رواية عثمان بن سعيد" فانطلق حرام ورجلان منه أعرج من بني فلان" فالذي يظهر أن الواو في قوله: "وهو" قدمت سهوا من الكاتب، والصواب تأخيرها، وصواب الكلام: فانطلق حرام هو ورجل أعرج، فأما الأعرج فاسمه كعب بن زيد، وهو من بني دينار بن النجار، وأما الآخر فاسمه المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح

(7/387)


الخزرجي سماهما ابن هشام في زيادات السيرة. ووقع في بعض النسخ" هو ورجل أعرج" وهو الصواب. قوله: "فإن آمنوني كنتم" وقع هنا بطريق الاكتفاء، ووقع في رواية عثمان بن سعيد المذكور" فإن آمنوني كنتم كذا" ولعل لفظة كذا من الراوي كأنه كتبها على قوله كنتم أي كذا وقع بطريق الاكتفاء، ولأبي نعيم في "المستخرج" من طريق عبيد الله بن زيد المقري عن همام" فإن آمنوني كنتم قريبا مني" فهذه رواية مفسرة. قوله: "فجعل يحدثهم" في رواية الطبري من طريق عكرمة عن عمار عن إسحاق بن أبي طلحة في هذه القصة" فخرج حرام فقال: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج رجل من كسر البيت برمح فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر". قوله: "فأومئوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه" لم أعرف اسم الرجل الذي طعنه، ووقع في السيرة لابن إسحاق ما ظاهره أنه عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه بئر معونة بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا عليه فقتله، لكن وقع في الطبراني من طريق ثابت عن أنس أن قاتل حرام بن ملحان أسلم، وعامر بن الطفيل مات كافرا كما تقدم في هذا الباب وأما ما أخرجه المستغفري في "الصحابة" من طريق القاسم عن أبي أمامة" عن عامر بن الطفيل أنه قال: يا رسول الله زودني بكلمات، قال: يا عامر أفش السلام وأطعم الطعام، واستحي من الله، وإذا أسأت فأحسن" الحديث فهو أسلمي، ووهم المستغفري في كونه ساق في ترجمته نسب عامر بن الطفيل العامري، وقد روى البغوي في ترجمة أبي براء عامر بن مالك العامري عن طريق عبد الله بن بريدة الأسلمي قال: "حدثني عمي عامر بن الطفيل" فذكر حديثا فعرف أن الصحابي أسلمي، ووافق اسمه واسم أبيه العامري فكان ذلك سبب الوهم. قوله: "قال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، فلحق الرجل فقتلوا كلهم" أشكل ضبط قوله: "فلحق الرجل" في هذا السياق فقيل: يحتمل أن يكون المراد بالرجل الذي كان رفيق حرام، وفيه حذف تقديره فلحق الرجل بالمسلمين. ويحتمل أن يكون المراد به قاتل حرام، والتقدير فطعن حراما فقال: فزت ورب الكعبة فلحق الرجل المشرك الطاعن بقومه المشركين فاجتمعوا على المسلمين فقتلوا كلهم. يحتمل أن يكون "فلحق" بضم اللام والرجل هو حرام أي لحقه أجله، أو الرجل رفيقه بمعنى أنهم لم يمكنوه أن يرجع إلى المسلمين بل لحقه المشركون فقتلوه وقتلوا أصحابه، ويحتمل أن يضبط الرجل بسكون الجيم وهو صيغة جمع والمعنى أن الذي طعن حراما لحق بقومه وهم الرجال الذين استنصر بهم عامر بن الطفيل. والرجل بسكون الجيم هم المسلمون القراء فقتلوا كلهم، وهذا أوجه التوجيهات إن ثبتت الرواية بسكون الجيم. والله أعلم. قوله: "فقتلوا كلهم غير الأعرج كان في رأس جبل" في رواية حفص بن عمر عن همام في كتاب الجهاد" فقتلوهم إلا رجلا أعرج صعد الجبل "قال همام "وآخر معه" وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه" فقتلوا أصحابه غير الأعرج وكان في رأس الجبل". قوله: "ثم كان من المنسوخ" أي المنسوخ تلاوته فلم يبق له حكم حرمة القرآن كتحريمه على الجنب وغير ذلك. قوله: في رواية ثمامة "وكان خاله" أي خال أنس. قوله: "قال بالدم هكذا" هو من إطلاق القول على الفعل، وقد فسره بأنه نضح الدم. قوله: "فزت ورب الكعبة" أي بالشهادة.
4093- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخُرُوجِ حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الأَذَى فَقَالَ لَهُ أَقِمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ

(7/388)


أَتَطْمَعُ أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنِّي لاَرْجُو ذَلِكَ قَالَتْ فَانْتَظَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ظُهْرًا فَنَادَاهُ فَقَالَ أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ فَقَالَ أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الصُّحْبَةَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ا لصُّحْبَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي نَاقَتَانِ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ فَأَعْطَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الْجَدْعَاءُ فَرَكِبَا فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ وَهُوَ بِثَوْرٍ فَتَوَارَيَا فِيهِ فَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ غُلاَمًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ أَخُو عَائِشَةَ لِأُمِّهَا وَكَانَتْ لِأَبِي بَكْرٍ مِنْحَةٌ فَكَانَ يَرُوحُ بِهَا وَيَغْدُو عَلَيْهِمْ وَيُصْبِحُ فَيَدَّلِجُ إِلَيْهِمَا ثُمَّ يَسْرَحُ فَلاَ يَفْطُنُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الرِّعَاءِ فَلَمَّا خَرَجَ خَرَجَ مَعَهُمَا يُعْقِبَانِهِ حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ فَقُتِلَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَعَنْ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَأَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ لَمَّا قُتِلَ الَّذِينَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ قَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ مَنْ هَذَا فَأَشَارَ إِلَى قَتِيلٍ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ هَذَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ فَقَالَ لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَ مَا قُتِلَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى إِنِّي لاَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْضِ ثُمَّ وُضِعَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرُهُمْ فَنَعَاهُمْ فَقَالَ إِنَّ أَصْحَابَكُمْ قَدْ أُصِيبُوا وَإِنَّهُمْ قَدْ سَأَلُوا رَبَّهُمْ فَقَالُوا رَبَّنَا أَخْبِرْ عَنَّا إِخْوَانَنَا بِمَا رَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا فَأَخْبَرَهُمْ عَنْهُمْ وَأُصِيبَ يَوْمَئِذٍ فِيهِمْ عُرْوَةُ بْنُ أَسْماءَ بْنِ الصَّلْتِ فَسُمِّيَ عُرْوَةُ بِهِ وَمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو سُمِّيَ بِهِ مُنْذِرًا"
4094- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "قَنَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَيَقُولُ عُصَيَّةُ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ".
4095- حدثنا يحيى بن بكار حدثنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ثلاثين صحابيا حين يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قال أنس: فأنزل الله تعالى لنبيه في الين قتلوا أصحاب بئر معونة قرآنا قرأناه حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا, فقد لقينا ربنا, فرضي عنا ورضينا عنه".
3096- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ قَالَ "سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الْقُنُوتِ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ قَبْلَهُ قُلْتُ فَإِنَّ فُلاَنًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَهُ قَالَ كَذَبَ إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا أَنَّهُ كَانَ بَعَثَ نَاسًا يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا إِلَى نَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ قِبَلَهُمْ فَظَهَرَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ"

(7/389)


قوله: "عن عائشة قالت: استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر في الخروج" يعني في الهجرة، وقد تقدم شرح الحديث مستوفي بطوله في أبواب الهجرة، وإنما ذكر منه هاهنا هذه القطعة من أجل ذكر عامر بن فهيرة لينبه أنه كان من السابقين. قوله فيه "فكان عامر بن فهيرة غلاما لعبد الله بن الطفيل بن سخبرة أخو عائشة" في رواية الكشميهني: "أخي عائشة" وهما جائزان الأولى على القطع والثانية على البدل. وفي قوله: "عبد الله بن الطفيل" نظر وكأنه مقلوب والصواب كما قال الدمياطي الطفيل بن عبد الله بن سخبرة، وهو أزدي من بني زهران، وكان أبوه زوج أم رومان والدة عائشة، فقدما في الجاهلية مكة فخالف أبا بكر، ومات وخلف الطفيل، فتزوج أبو بكر امرأته أم رومان فولدت له عبد الرحمن وعائشة، فالطفيل أخوهما من أمهما، واشترى أبو بكر عامر بن فهيرة من الطفيل. قوله: "وعن أبي أسامة" هو معطوف على قوله: "حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة" وإنما فصله ليبين الموصول من المرسل، وكأن هشام بن عروة حدث به عن أبيه هكذا فذكر قصة الهجرة موصولة بذكر عائشة فيه، وقصة بئر معونة مرسلة ليس فيه ذكر عائشة. ووجه تعلقه به من جهة ذكر عامر بن فهيرة، فإنه ذكر في شأن الهجرة أنه كان معهم، وفيه: "فلما خرجا - أي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر - خرج معهم" أي إلى المدينة، وقوله يعقبانه بالقاف أي يركبانه عقبة، وهو أن ينزل الراكب ويركب رفيقه ثم ينزل الآخر ويركب الماشي، هذا الذي يقتضيه ظاهر اللفظ في العقبة، ويحتمل أن يكون المراد أن هذا يركبه مرة وهذا يركبه أخرى، ولو كان كذلك لكان التعبير بيردفانه أظهر. قوله: "فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة" هذا آخر الحديث الموصول، ثم ساق هشام بن عروة عن أبيه صفة قتل عامر بن فهيرة مرسلة، وقد وقع عند الإسماعيلي والبيهقي في "الدلائل" سياق هذه القصة في حديث الهجرة موصولا به مدرجا، والصواب ما وقع في الصحيح. قوله: "لما قتل الذين ببئر معونة" أي القراء الذين تقدم ذكرهم "وأسر عمرو بن أمية الضمري" قد ساق عروة ذلك في المغازي من رواية أبي الأسود عنه، وفي روايته: "وبعث النبي صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي إلى بئر معونة وبعث معه المطلب السلمي ليدلهم على الطريق، فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه، إلا عمرو بن أمية فإنهم أسروه واستحيوه" وفي رواية ابن إسحاق في المغازي أن عامر بن الطفيل اجتز ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه. قوله: "قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيل" في رواية الواقدي بإسناده عن عروة "أن عامر بن الطفيل قال لعمرو بن أمية: هل تعرف أصحابك؟ قال: نعم فطاف في القتلى فجعل يسأله عن أنسابهم". قوله: "هذا عامر بن فهيرة" وهو مولى أبي بكر المذكور في حديث الهجرة. قوله: "لقد رأيته بعدما قتل" في رواية عروة المذكورة "فأشار عامر بن الطفيل إلى رجل فقال: هذا طعنه برمحه ثم انتزع رمحه فذهب بالرجل علوا في السماء حتى ما أراه". قوله: "ثم وضع" أي إلى الأرض. وذكر الواقدي في روايته أن الملائكة وارته ولم يره المشركون، وهذا واقع عند ابن المبارك عن يونس عن الزهري، وفي ذلك تعظيم لعامر بن فهيرة وترهيب للكفار وتخويف. وفي رواية عروة المذكورة" وكان الذي قتله رجل من بني كلاب جبار بن سلمى، ذكر أنه لما طعنه قال: فزت والله قال: فقلت في نفسي: ما قوله فزت؟ فأتيت الضحاك بن سفيان فسألته فقال: بالجنة. قال: فأسلمت، ودعاني إلى ذلك ما رأيت من عامر بن فهيرة" انتهى. وجبار بالجيم والموحدة مثقل معدود في الصحابة، ووقع في ترجمة عامر بن فهيرة في "الاستيعاب" أن عامر بن الطفيل قتله، وكأن نسبته له على سبيل التجوز لكونه كان رأس القوم. قوله: "فأتى النبي

(7/390)


صلى الله عليه وسلم خبرهم" قد ظهر من حديث أنس أن الله أخبره بذلك على لسان جبريل. وفي رواية عروة المذكورة فجاء خبرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة. قوله: "وأصيب فيهم يومئذ عروة بن أسماء بن الصلت" أي ابن أبي حبيب بن حارثة السلمي حليف بني عمرو بن عوف. قوله: "فسمي عروة به "قيل المراد ابن الزبير، كان الزبير سمي ابنه عروة لما ولد له باسم عروة بن أسماء المذكور، وكان بين قتل عروة بن أسماء ومولد عروة بن الزبير بضعة عشر عاما، وقد يستبعد هذا بطول المدة وبأنه لا قرابة بين الزبير وعروة بن أسماء. قوله: "ومنذر بن عمرو" أي ابن أبي حبيش بن لوذان من بني ساعدة من الخزرج، وكان عقبيا بدريا من أكابر الصحابة "سمي به منذرا" كذا ثبت بالنصب، والأول سمي به منذر كما تقدم تقريره في الذي قبله، أي أن الزبير سمى ابنه منذرا باسم المنذر بن عمرو هذا، فيحتمل أن تكون الرواية بفتح السين على البناء للفاعل وهو محذوف والمراد به الزبير، أو المراد به أبو أسيد لما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بابن لأبي أسيد فقال: ما اسمه؟ قالوا: فلان، قال: بل هو المنذر. قال النووي في شرح مسلم: قالوا إنه سماه المنذر تفاؤلا باسم عم أبيه المنذر بن عمرو، وكان استشهد ببئر معونة، فتفاءل به ليكون خلفا منه، وهذا مما يؤيد البحث الذي ذكرته في عروة. ويحتمل أن يوجه النصب على مذهب الكوفيين في إقامة الجار والمجرور في قوله به مقام الفاعل كما قرئ {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ومن المناسبة هنا أن عروة بن الزبير هو عروة ابن أسماء بنت أبي بكر، وكأنه لما كان عروة ابن أسماء ناسب أن يسمى باسم عروة ابن أسماء، ولما سمي الزبير ابنه باسم أحد الرجلين المشهورين ناسب أن يسمى الآخر باسم الثاني. قوله: "حدثني محمد" هو ابن مقاتل، وعبد الله هو ابن المبارك. قوله: "عن أبي مجلز" بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي اسمه لاحق بن حميد، وروايته هذه مختصرة لما ظهر من رواية إسحاق بن أبي طلحة التي تقدمت، وكذلك رواية مالك عن إسحاق التي بعد هذه مختصرة بالنسبة إلى رواية همام عن إسحاق المتقدمة. قوله: "حدثنا عبد الواحد" هو ابن زياد. قوله: "فإن فلانا" كأنه محمد بن سيرين، وقد تقدم بيان ذلك في أواخر كتاب الوتر. قوله: "إلى ناس من المشركين وبينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد قبلهم، فظهر هؤلاء الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد" هكذا ساقه هنا، وقوله قبلهم بكسر القاف وفتح الموحدة واللام أي من جهتهم، وأورده في آخر كتاب الوتر عن مسدد عن عبد الواحد بلفظ: "إلى قوم من المشركين دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد" وليس المراد من ذلك أيضا بواضح، وقد ساقه الإسماعيلي مبينا فأورده يوسف القاضي عن مسدد شيخ البخاري فيه ولفظه: "إلى قوم من المشركين فقتلهم قوم مشركون دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد" فظهر أن الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد غير الذين قتلوا المسلمين، وقد بين ابن إسحاق في المغازي عن مشايخه وكذلك موسى بن عقبة عن ابن شهاب أصحاب الطائفتين وأن أصحاب العهد هم بنو عامر ورأسهم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة وأن الطائفة الأخرى من بني سليم، وأن عامر بن الطفيل وهو ابن أخي ملاعب الأسنة أراد الغدر بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بني عامر إلى قتالهم، فامتنعوا وقالوا: لا تخفر ذمة أبي براء. فاستصرخ عليهم عصية وذكوان من بني سليم فأطاعوه وقتلوهم، وذكر لحسان شعرا يعيب فيه أبا براء ويحرضه على قتال عامر بن الطفيل فيما صنع فيه، فعمد ربيعة بن أبي براء إلى عامر بن الطفيل فطعنه فأرداه، فقال له عامر بن الطفيل: إن عشت نظرت في أمري، وإن مت فدمي لعمي، قالوا: ومات أبو براء عقب ذلك أسفا على ما صنع به عامر بن الطفيل، وعاش عامر بن

(7/391)


الطفيل بعد ذلك ومات بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما قدمته. ووقع في آخر الحديث في الدعوات" فقنت شهرا في صلاة الفجر وقال: إن عصية عصت الله ورسوله" وعصية بطن من بني سليم مصغر قبيلة تنسب إلى عصية بن خفاف بن ندبة بن بهثة بن سليم.

(7/392)


29 - باب غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَهِيَ الأَحْزَابُ
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ
4097- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ"
4098- حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ"
4099- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَنْدَقِ فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
4100- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الإِسْلاَمِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
قَالَ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُجِيبُهُمْ اللَّهُمَّ إِنَّهُ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الْآخِرَهْ فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ قَالَ يُؤْتَوْنَ بِمِلْءِ كَفِّي مِنْ الشَّعِيرِ فَيُصْنَعُ لَهُمْ بِإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَوْمِ وَالْقَوْمُ جِيَاعٌ وَهِيَ بَشِعَةٌ فِي الْحَلْقِ وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ".
قوله: "باب غزوة الخندق وهي الأحزاب" يعني أن لها اسمين، وهو كما قال، والأحزاب جمع حزب أي طائفة، فأما تسميتها الخندق فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر

(7/392)


أصحاب المغازي منهم أو معشر قال: "قال سلمان للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه، وجاء المشركون فحاصروهم" وأما تسميتها الأحزاب فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريش وغطفان واليهود ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصة صدر سورة الأحزاب، وذكر موسى بن عقبة في المغازي قال: "خرج حيي بن أخطب بعد قتل بني النضير إلى مكة يحرض قريشا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في بني غطفان ويحضهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لهم نصف ثمر خيبر، فأجابه عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طلحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش فنزلوا بمر الظهران، فجاءهم من أجابهم من بني سليم مددا لهم فصاروا في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله تعالى الأحزاب". وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدتهم عشرة آلاف، قال: وكان المسلمون ثلاثة آلاف، وقيل: كان المشركون أربعة آلاف والمسلمون نحو الألف، وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يوما، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل والحجارة، وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم فكان سبب موته كما سيأتي. وذكر أهل المغازي سبب رحيلهم، وأن نعيم بن مسعود الأشجعي ألقى بينهم الفتنة فاختلفوا، وذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك. ثم أرسل الله عليهم الريح فتفرقوا، وكفى الله المؤمنين القتال. قوله: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" هكذا رويناه في مغازيه. قلت: وتابع موسى على ذلك مالك، وأخرجه أحمد عن موسى بن داود عنه. وقال ابن إسحاق. كانت في شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي، ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة وقواه بما أخرجه أول أحاديث الباب من قول ابن عمر أنه عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة ويوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فيكون بينهما سنة واحدة. وأحد كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق سنة أربع، ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس لاحتمال أن يكون ابن عمر في أحد كان في أول ما طعن في الرابعة عشر وكان في الأحزاب قد استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي، ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من السنة المقبلة إلى بدر، فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ. وقال لقومه إنما يصلح الغزو في سنة الخصب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان أو دونها، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي. وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أحد كانت في الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، لكنه بناء واه مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية وأحد في الثالثة والخندق في الخامسة وهو المعتمد. ثم ذكر المصنف في الباب سبعة عشر حديثا: قوله: "عرضه يوم أحد" عرض الجيش اختبار أحوالهم قبل مباشرة القتال للنظر في هيئتهم وترتيب منازلهم وغير ذلك. قوله: "وهو ابن أربع عشرة سنة" في رواية مسلم: "عرضني يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة" وقد تقدم مع شرحه ومباحثه في كتاب الشهادات بما يغني

(7/393)


عن إعادته وقوله: "فأجازه" أي أمضاه وأذن له في القتال. وقال الكرماني: أجازه من الإجازة وهي الأنفال أي أسهم له، قلت: والأول أولى، ويرد الثاني هنا أنه لم يكن في غزوة الخندق غنيمة يحصل منها نفل. وفي حديث أبي واقد الليثي" رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض الغلمان وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز ورد من رد إلى الذراري" فهذا يوضح أن المراد بالإجازة الإمضاء للقتال، لأن ذلك كان في مبدأ الأمر قبل حصول الغنيمة أن لو حصلت غنيمة، والله أعلم. قوله: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون" قد تقدم ذكر السبب في حفر الخندق في مغازي ابن عقبة، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم جمعهم أخذ في حفر الخندق حول المدينة ووضع يده في العمل معهم مستعجلين يبادرون قدوم العدو، وكذا ذكر ابن إسحاق نحوه، وعند موسى أنهم أقاموا في عمله قريبا من عشرين ليلة، وعند الواقدي أربعا وعشرين، وفي الروضة للنووي خمسة عشر يوما، وفي الهدي لابن القيم أقاموا شهرا. قوله: "ونحن ننقل التراب على أكتادنا" بالمثناة جمع كتد بفتح أوله وكسر المثناة وهو ما بين الكاهل إلى الظهر، وقد تقدم في الجهاد من حديث أنس بلفظ: "على متونهم" والمتن مكتف الصلب بين اللحم والعصب، ووهم ابن التين فعزا هذه اللفظة لحديث سهل بن سعد. ووقع في بعض النسخ "على أكبادنا" بالموحدة وهو موجه على أن يكون المراد به ما يلي الكبد من الجنب. قوله: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" قال ابن بطال. هو قول ابن رواحة، يعني تمثل به النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن من لفظه لم يكن بذلك النبي صلى الله عليه وسلم شاعرا، قال: وإنما يسمى شاعرا من قصده وعلم النسب والوتد وجميع معانيه من الزحاف ونحو ذلك، كذا قال وعلم السبب والوتد إلى آخره إنما تلقوه من العروض التي اخترع ترتيبها الخليل بن أحمد، وقد كان شعر الجاهلية والمخضرمين والطبقة الأولى والثانية من شعراء الإسلام قبل أن يصنفه الخليل كما قال أبو العتاهية أنا أقدم من العروض، يعني أنه نظم الشعر قبل وضعه. وقال أبو عبد الله بن الحجاج الكاتب:
قد كان شعر الورى قديما ... من قبل أن يخلق الخليل
وقال الداودي فيما نقله ابن التين: إنما قال ابن رواحة "لا هم إن العيش" بلا ألف ولام، فأورد بعض الرواة على المعنى، كذا قال وحمله على ذلك ظنه أنه يصير بالألف واللام غير موزون، وليس كذلك بل يكون دخله الخزم ومن صوره زيادة شيء من حروف المعاني في أول الجزء. قوله: "فاغفر للمهاجرين والأنصار" في حديث أنس بعده "فاغفر للأنصار والمهاجرة" وكلاهما غير موزون، ولعله صلى الله عليه وسلم تعمد ذلك، ولعل أصله فاغفر للأنصار والمهاجرة بتسهيل لام الأنصار وباللام في المهاجرة، وفي الرواية الأخرى "فبارك" بدل فاغفر. حديث أنس، أورده من وجهين في الثاني زيادة. قوله: "ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك" أي أنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إلى ذلك لا لمجرد الرغبة في الأجر. قوله: "فلما رأى ما بهم من النصب والجوع" فيه بيان لسبب قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إن العيش عيش الآخرة" وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في هذا الرجز:
والعن عضلا والقارة ... هم كلفونا ننقل الحجارة
والأول غير موزون أيضا ولعله كان والعن إلهي عضلا والقارة، وفي الطريق الثانية لأنس أنه قال ذلك جوابا

(7/394)


لقولهم نحن الذين بايعوا محمدا إلخ، ولا أثر للتقديم والتأخير فيه لأنه يحمل على أنه كان يقول إذا قالوا ويقولون إذا قال، وفيه أن في إنشاد الشعر تنشيطا في العمل، وبذلك جرت عادتهم في الحرب، وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز. قوله: "نحن الذين بايعوا" هو صفة الذين لا صفة نحن. قوله: "على الجهاد ما بقينا أبدا" في رواية عبد العزيز على الإسلام بدل الجهاد والأول أثبت. "تنبيه": تقدم طريق عبد العزيز سندا ومتنا في أوائل الجهاد سوى قوله: "قال يؤتون إلخ" وسيأتي بعد أحاديث من حديث البراء أنه كان يقول: "اللهم لولا أنت ما اهتدينا". قوله: "قال يؤتون" قائل ذلك أنس بن مالك، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه. قوله: "بملء كفي" روي بالإفراد والتثنية "فيصنع لهم الشعير" أي يطبخ، وقوله: "بإهالة" بكسر الهمزة وتخفيف الهاء: الدهن الذي يؤتدم به سواء كان زيتا أو سمنا أو شحما. وأغرب الداودي فقال: الإهالة وعاء من جلد فيه سمن. وقوله: "سنخة" أي تغير طعمها ولونها من قدمها، ولهذا وصفها بكونها بشعة. وقوله: بشعة بموحدة ومعجمة وعين مهملة، وقيل بنون وغين معجمة، والنشغ الغثى أي أنهم كان يحصل لهم عند ازدرادها شبيه بالغثى، والأول أصوب. وقوله: "في الحلق" هو بالحاء المهملة. قوله: "ولها ريح منتن" يدل على أنها عتيقة جدا حتى عفنت وأنتنت. وفي رواية الإسماعيلي: "ولها ريح منكر" قال ابن التين: الصواب ريح منتنة لأن الريح مؤنثة، قال: إلا أنه يجوز في المؤنث غير الحقيقي أن يعبر عنه بالمذكر. ومنتن بضم الميم ويجوز كسرها.
4101- حَدَّثَنَا خَلاَدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ "أَتَيْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ فَجَاءُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ أَنَا نَازِلٌ ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ وَلَبِثْنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ نَذُوقُ ذَوَاقًا فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ فَعِنْدَكِ شَيْءٌ قَالَتْ عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ فَذَبَحَتْ الْعَنَاقَ وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَجِينُ قَدْ انْكَسَرَ وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ فَقُلْتُ طُعَيِّمٌ لِي فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلاَنِ قَالَ كَمْ هُوَ فَذَكَرْتُ لَهُ قَالَ كَثِيرٌ طَيِّبٌ قَالَ قُلْ لَهَا لاَ تَنْزِعْ الْبُرْمَةَ وَلاَ الْخُبْزَ مِنْ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ فَقَالَ قُومُوا فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ قَالَتْ هَلْ سَأَلَكَ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ ادْخُلُوا وَلاَ تَضَاغَطُوا فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ قَالَ كُلِي هَذَا وَأَهْدِي فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ ".
4102- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ

(7/395)


سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لاَ تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَنْ مَعَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ فَصَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِهَلّكُمْ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلاَ تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ بِكَ وَبِكَ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلاَ تُنْزِلُوهَا وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ"
الحديث الرابع قوله: "عن أبيه" في رواية يونس بن بكير في زيادات المغازي" عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي". قوله: "أتيت جابرا فقال إنا يوم الخندق" في رواية الإسماعيلي من طريق المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه "قال قلت لجابر بن عبد الله حدثني بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرويه عنك فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق". قوله: "فعرضت كيدة" كذا لأبي ذر بفتح الكاف وسكون التحتانية، قيل: هي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض. وقال عياض: كأن المراد أنها واحدة الكيد كأنهم أرادوا أن الكيد - وهي الجبلة - أعجزهم فلجئوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أحمد عن وكيع عن عبد الواحد بن أيمن "وهاهنا كدية من الجبل" وفي رواية الإسماعيلي: "فعرضت كدية" وهي بضم الكاف وتقديم الدال على التحتانية، وهي القطعة الصلبة الصماء. ووقع في رواية الأصيلي عن الجرجاني "كندة" بنون، وعند ابن السكن "كتدة" بمثناة من فوق قال عياض: لا أعرف لهما معنى. وفي رواية الإسماعيلي: "فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: هذه كدية قد عرضت في الخندق" وزاد في روايته: "فقال: رشوها بالماء فرشوها". قوله: "أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر" زاد يونس "من الجوع" وفي رواية أحمد "أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم بطنه حجرا من الجوع" وفائدة ربط الحجر على البطن أنها تضمر من الجوع فيخشى على انحناء الصلب بواسطة ذلك فإذا وضع فوقها الحجر وشد عليها العصابة استقام الظهر. وقال الكرماني: لعله لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر، ولأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء فلا يتحلل شيء مما في البطن فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل. قوله: "ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا" هي جملة معترضة أوردها لبيان السبب في ربطه صلى الله عليه وسلم الحجر على بطنه، وزاد الإسماعيلي: "لا نطعم شيئا أو لا نقدر عليه". قوله: "فأخذ المعول" بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو بعدها لام أي

(7/396)


المسحاة. وفي رواية أحمد" فأخذ المعول أو المسحاة" بالشك. قوله: "فضرب" في رواية الإسماعيلي: "ثم سمي ثلاثا ثم ضرب" وعند الحارث بن أبي أسامة من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان قال: "ضرب النبي صلى الله عليه وسلم: في الخندق ثم قال:
بسم الله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا
فحبذا ربا وحب دينا
قوله: "فعاد كثيبا" أي رملا. قوله: "أهيل أو أهيم" شك من الراوي، في رواية الإسماعيلي: "أهيل" بغير شك، وكدا عند يونس. وفي رواية أحمد" كثيبا يهال" والمعنى أنه صار رملا يسيل ولا يتماسك، قال الله تعالى: {وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً} أي رملا سائلا، وأما "أهيم" فقال عياض ضبطها بعضهم بالمثلثة وبعضهم بالمثناة وفسرها بأنها تكسرت، والمعروف بالتحتانية وهي بمعنى أهيل، وقد قال في قوله تعالى: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} المراد الرمال التي لا يرويها الماء، وقد تقدم الخلاف في تفسيرها في كتاب البيوع. ووقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال. "لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول فقال: بسم الله ، فضرب ضربة فكسر ثلثها. وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة ، ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض . ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله ؛ فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة " وللطبراني من حديث عبد الله بن عمرو نحوه، وأخرجه البيهقي مطولا من طريق كثير بن عبد الرحمن بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وفي أوله "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع - وفيه - فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا. حتى نشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلنا إليه سلمان - وفيه - فضرب ضربة صدع الصخرة وبرق منها برقة فكبر وكبر المسلمون - وفيه - رأيناك تكبر فكبرنا بتكبيرك فقالا: إن البرقة الأولى أضاءت لها قصور الشام، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم - وفي آخره - ففرح المسلمون واستبشروا" وأخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه. قوله: "فقلت يا رسول الله ائذن لي إلى البيت" زاد أبو نعيم في "المستخرج" فأذن لي، وفي المسند من زيادات عبد الله بن أحمد من حديث ابن عباس" احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة؟ قال رجل: نعم، قال: أما لا فتقدم " الحديث، وكأنه جابر، ويؤخذ من هذه النكتة في قوله: "ائذن لي يا رسول الله". قوله: "فقلت لامرأتي" اسمها سهيلة بنت مسعود الأنصارية. قوله: "عندي شعير" بين يونس بن بكير في روايته أنه صاع. قوله: "وعناق" بفتح العين المهملة وتخفيف النون هي الأنثى من المعز. وفي رواية سعيد بن ميناء التي تلو هذه" فأخرجت إلي جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن" أي سمينة، والداجن التي تترك في البيت ولا تفلت للمرعى، ومن شأنها أن تسمن. وفي رواية أحمد من طريق سعيد بن ميناء" سمينة". قوله: "فذبحت" بسكون المهملة وضم التاء، وقوله: "طحنت" بفتح المهملة وفتح النون، فالذي ذبح هو جابر، وامرأته هي التي طحنت. وفي رواية سعيد عند أحمد" فأمرت امرأتي فطحنت لنا الشعير وصنعت لنا منه خبزا". قوله: "والعجين قد انكسر"

(7/397)


أي لان ورطب وتمكن منه الخمير. قوله: "والبرمة بين الأثافي" بمثلثة وفاء أي الحجارة التي توضع عليها القدر وهي ثلاثة. قوله: "حتى جعلنا" في رواية الكشميهني: "حتى جعلت". قوله: "في البرمة" بضم الموحدة وسكون الراء. قوله: "طعيم" بتشديد التحتانية على طريقة المبالغة في تحقيره، قالوا: من تمام المعروف تعجيله وتحقيره، قال ابن التين ضبطه بعضهم بتخفيف الياء وهو غلط. قوله: "فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان "في رواية يونس "ورجلان" بالجزم. وفي رواية سعيد بعد هذه "فقم أنت ونفر معك" وفي رواية أحمد "وكنت أريد أن ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده". قوله: "فقال: قوموا، فقام المهاجرون" في رواية يونس "فقال للمسلمين جميعا قوموا" وهي أوضح، فإن الأحاديث تدل على أنه لم يخص المهاجرين بذلك، فكأن المراد فقام المهاجرون ومن معهم، وخصهم بالذكر لشرفهم، وفي بقية الحديث ما يؤيد هذا فإنه قال: "فلما دخل على امرأته قال ويحك جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار". قوله: "قالت هل سألك؟ قال نعم. فقال: ادخلوا "في هذا السياق اختصار، وبيانه في رواية يونس" قال فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله عز وجل وقلت: جاء الخلق على صاع من شعير وعناق، فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، ونحن قد أخبرناه بما عندنا، فكشف عني غما شديدا" وفي الرواية التي تلي هذه" فجئت امرأتي فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت". وكان قد ذكر في أوله أنها" قالت له لا تفضحني برسول الله وبمن معه، فجئت فساررته" ويجمع بينهما بأنها أوصته أولا بأن يعلمه بالصورة، فلما قال لها إنه جاء بالجميع ظنت أنه لم يعلمه فخاصمته، فلما أعلمها أنه أعلمه سكن ما عندها لعلمها بإمكان خرق العادة، ودل ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها. وقد وقع لها مع جابر في قصة التمر "أن جابرا أوصاها لما زارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تكلمه، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف نادته: يا رسول الله صل علي وعلى زوجي، فقال: صلى الله عليك وعلى زوجك ، فعاتبها جابر، فقالت له: أكنت تظن أن الله يورد رسوله بيتي ثم يخرج ولا أسأله الدعاء" أخرجه أحمد بإسناد حسن في حديث طويل، ووقع في رواية أبي الزبير عن جابر في نحو هذه القصة أنها قالت لجابر" فارجع إليه فبين له، فأتيته فقلت: يا رسول الله، إنما هي عناق وصاع من شعير، قال: فارجع فلا تحركن شيئا من التنور ولا من القدر حتى آتيها، واستعر صحافا". قوله: "ولا تضاغطوا" بضاد معجمة وغير معجمة وطاء مهملة مشالة، أي لا تزدحموا، وفي الرواية التي بعدها" فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك". قوله: "ويخمر البرمة" أي يغطيها. قوله: "ثم ينزع" أي يأخذ اللحم من البرمة. وفي رواية سعيد التي تلو هذه" فقال ادع خابزة فلتخبز معك" أي تساعدك، وقوله: "واقدحي من برمتك" أي اغرفي، والمقدحة المغرفة. وفي رواية أبي الزبير عن جابر "وأقعدهم عشرة عشرة فأكلوا". قوله: "وبقي بقية" في رواية سعيد "فأقسم بالله لأكلوا - أي لقد أكلوا - حتى تركوه وانحرفوا" بالحاء المهملة والفاء أي رجعوا. وفي رواية يونس بن بكير" فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعون، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا". قوله: "كلي هذا وأهدي" بهمزة قطع فعل أمر للمرأة من الهدية، ثم بين سبب ذلك بقوله: "فإن الناس أصابتهم مجاعة" وفي رواية يونس "كلي وأهدي، فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع" وفي رواية أبي الزبير عن جابر "فأكلنا نحن وأهدينا لجيراننا، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ذلك" وقد تقدم في علامات النبوة حديث أنس في تكثير الطعام القليل أيضا في قصة أخرى بما يغني

(7/398)


عن الإعادة. قوله: "أبو عاصم" هو الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، وقد روى عنه هنا بواسطة، وهو من كبار شيوخه، فكأن هذا فاته سماعه منه كغيره من الأحاديث التي يدخل بينه وبينه فيها واسطة. قوله: "خمصا" بمعجمة وميم مفتوحتين وصاد مهملة وقد تسكن الميم وهو خموص البطن. قوله: "فانكفيت" بفاء مفتوحة بعدها تحتانية ساكنة أي انقلبت، وأصله انكفأت بهمزة وكأنه سهلها. قوله: "إن جابرا قد صنع سورا" بضم المهملة وسكون الواو بغير همز، هو هنا الصنيع بالحبشية وقيل: العرس بالفارسية، ويطلق أيضا على البناء الذي يحيط بالمدينة، وأما الذي بالهمز فهو البقية. قوله: "فحي هلا بكم" هي كلمة استدعاء فيها حث، أي هلموا مسرعين. ووقع في رواية القابسي "أهلا بكم" بزيادة ألف والصواب حذفها. قوله: "وهم ألف" أي الذين أكلوا. وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج" فأخبرني أنهم كانوا تسعمائة أو ثمانمائة. وفي رواية عبد الواحد بن أيمن عند الإسماعيلي: "كانوا ثمانمائة أو ثلاثمائة" وفي رواية أبي الزبير "كانوا ثلاثمائة" والحكم للزائد لمزيد علمه، لأن القصة متحدة. قوله: "وانحرفوا" أي مالوا عن الطعام. قوله: "لتغط" بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي تغلي وتفور.
4103- حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} قَالَتْ كَانَ ذَاكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ"
4104- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ يَقُولُ:
وَاللَّهِ لَوْلاَ اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتْ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ: أَبَيْنَا أَبَيْنَا
4105- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ"
4106- حدثني أحمد حدثنا شريح بن مسلمة قال حدثنى إبراهيم بن يوسف قال حدثني أبي عن أبي إسحاق قال سمعت البراء يحدث قال "لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه – وكان كثير الشعر – فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحه وهو ينقل من التراب يقول:

(7/399)


اللهم لَوْلاَ أنت مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتْ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... وإن أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
قال" ثم يمد صوته بآخرها"
4107- حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "أَوَّلُ يَوْمٍ شَهِدْتُهُ يَوْمُ الْخَنْدَقِ"
الحديث السادس قوله: "عن عائشة رضي الله عنها {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} قالت: "كان ذلك يوم الخندق" هكذا وقع مختصرا، وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ} قال: عيينة بن حصن. {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} : أبو سفيان بن حرب. وبين ابن إسحاق في المغازي صفة نزولهم قال: نزلت قريش بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة، ونزل عيينة في غطفان ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف، والخندق بينه وبين القوم، وجعل النساء والذراري في الآطام، قال: وتوجه حيي بن أخطب إلى بني قريظة فلم يزل بهم حتى غدروا كما سيأتي بيانه في الباب الآتي، وبلغ المسلمين غدرهم فاشتد بهم البلاء، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي عيينة بن حصن ومن معه ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا، فمنعه من ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وقالا كنا نحن وهم على الشرك لا يطمعون منا في شيء من ذلك، فكيف نفعله بعد أن أكرمنا الله عز وجل بالإسلام وأعزنا بك؟ نعطيهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، ولا نعطيهم إلا السيف. فاشتد بالمسلمين الحصار، حتى تكلم معتب بن قشير وأوس بن قيظي وغيرهما من المنافقين بالنفاق، وأنزل الله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً} الآيات قال: وكان الذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة ومن أسفل منهم قريش وغطفان، قال ابن إسحاق في روايته: ولم يقع بينهم حرب إلا مراماة بالنبل لكن كان عمرو بن عبد ود العامري اقتحم هو ونفر منه خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق حتى صاروا بالسبخة فبارزه علي فقتله، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي فبارزه الزبير فقتله، ويقال قتله علي، ورجعت بقية الخيول منهزمة. وروى البيهقي في "الدلائل" من طريق زيد بن أسلم" أن رجلا قال لحذيفة: أدركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندركه، فقال: يا بن أخي، والله لا تدري لو أدركته كيف تكون، لقد رأيتنا ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. من يذهب فيعلم لنا علم القوم جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة ، فوالله ما قام أحد، فقال لنا الثانية. جعله الله رفيقي ، فلم يقم أحد. فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، فقال: اذهب ، فقلت أخشى أن أؤسر، قال: إنك لن تؤسر ، فذكر أنه انطلق، وأنهم تجادلوا، وبعث الله عليهم الريح فما تركت لهم بناء إلا هدمته ولا إناء إلا أكفأته" ومن طريق عمرو بن سريع بن حذيفة نحوه وفيه: "إن علقمة بن علاثة صار يقول: يا آل

(7/400)


عامر، إن الريح قاتلتي وتحملت قريش وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم" وروى الحاكم من طريق عبد العزيز ابن أخي حذيفة عن أبي حذيفة قال: "لقد رأيتنا ليلة الأحزاب وأبو سفيان ومن معه من فوقنا، وقريظة أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا أشد ظلمة ولا ريحا منها، فجعل المنافقون يستأذنون ويقولون: إن بيوتنا عورة، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جاث على ركبتي ولم يبق معه إلا ثلاثمائة فقال: اذهب فأتني بخبر القوم ، قال: فدعا لي فأذهب الله عني القر والفزع، فدخلت عسكرهم فإذا الريح فيه لا تجاوزه شبرا، فلما رجعت رأيت فوارس في طريقي فقالوا: أخبر صاحبك أن الله عز وجل كفاه القوم" وأصل هذا الحديث عند مسلم باختصار، وسيأتي في الحديث الذي يليه شيء يتعلق بحديث عائشة. قوله: "عن البراء" سيأتي بعد حديث ابن عباس الطريق الأخرى لحديث البراء، وفيه تصريح أبي إسحاق بسماعه له من البراء. قوله: "حتى أغمر بطنه أو اغبر بطنه" كذا وقع بالشك بالغين المعجمة فيهما، فأما التي بالموحدة فواضح من الغبار، وأما التي بالميم فقال الخطابي: إن كانت محفوظة فالمعنى وارى التراب جلدة بطنه، ومنه غمار الناس وهو جمعهم إذا تكاثف ودخل بعضهم في بعض، قال: وروى أعفر بمهملة وفاء، والعفر بالتحريك التراب. وقال عياض: وقع للأكثر بمهملة وفاء ومعجمة وموحدة فمنهم من ضبطه بنصب بطنه ومنهم من ضبطه برفعها، وعند النسفي" حتى غبر بطنه أو اغبر" بمعجمة فيهما وموحدة، ولأبي ذر وأبي زيد "حتى أغمر" قال ولا وجه لها إلا أن يكون بمعنى ستر كما في الرواية الأخرى" حتى وارى عني التراب بطنه" قال: وأوجه هذه الروايات اغبر بمعجمة وموحدة وبرفع بطنه. قلت: وفي حديث أم سلمة عند أحمد بسند صحيح" كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاطيهم اللبن يوم الخندق، وقد اغبر شعر صدره" وفي الرواية الآتية "حتى وارى عني الغبار جلد بطنه وكان كثير الشعر" وظاهر هذا أنه كان كثير شعر الصدر، وليس كذلك فإن في صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان دقيق المسربة أي الشعر الذي في الصدر إلى البطن، فيمكن أن يجمع بأنه كان مع دقته كثيرا أي لم يكن منتشرا بل كان مستطيلا والله أعلم. قوله: "يقول: والله لولا الله ما اهتدينا" بين في الرواية التي بعد هذه أن هذا الرجز من كلام عبد الله بن رواحة، وقوله: "إن الألى قد بغوا علينا" ليس بموزون، وتحريره أن الذين قد بغوا علينا فذكر الراوي الألى بمعني الذين وحذف قد، وزعم ابن التين أن المحذوف "قد" و "هم" قال: والأصل أن الألى هم قد بغوا علينا، وهو يتزن بما قال. لكن لا يتعين. وذكره بعض الرواة في مسلم بلفظ: "أبوا" بدل بغوا ومعناه صحيح، أي أبوا أن يدخلوا في ديننا. ووقع في الطريق الثانية لحديث البراء "إن الألى قد رغبوا علينا" كذا للسرخسي والكشميهني وأبي الوقت والأصيلي، وكذا في نسخة ابن عساكر، وللباقين "قد بغوا" كالأولى. وأما الأصيلي فضبطها بالغين المثقلة والموحدة، وضبطها في "المطالع" بالغين المعجمة، وضبطت في رواية أبي الوقت كذا لكن بزاي أوله والمشهور ما في "المطالع". قوله: "ورفع بها صوته: أبينا أبينا" كذا للأكثر بموحدة وفي آخر الرواية الآتية قال: "ثم يمد صوته بآخرها" وهو يبين أن المراد بقوله: "أبينا" ما وقع في آخر القسم الأخير وهو قوله: "إذا أرادوا فتنة أبينا" ويحتمل أن يريد ما وقع في القسم الأخير وهو قوله: "إنا إذا صيح بنا أبينا" فإنه روي بالوجهين، ووقع في رواية أبي ذر وأبي الوقت وكريمة: "أتينا" بمثناة بدل الموحدة، والأصيلي والسجزي بمثناة، قال عياض: كلاهما صحيح المعنى، أما الأول فمعناه إذا صيح بنا لفزع أو حادث أبينا الفرار وثبتنا، وأما الثاني فمعناه جئنا

(7/401)


وأقدمنا على عدونا. قال: والرواية في هذا القسم بالمثناة أوجه لأن إعادة الكلمة في قوافي الرجز عن قرب عيب معلوم عنده، فالراجح أن قوله: "إذا أرادوا فتنة أبينا" بالموحدة، وقوله: "إنا إذا صيح بنا أتينا" بالمثناة، والله أعلم. ووقع في بعض النسخ" وإن أرادونا على فتنة أبينا" وهو تغيير. قوله: "نصرت بالصبا" بفتح المهملة وتخفيف الموحدة وهي الريح الشرقية، والدبور هي الريح الغربية، وروى أحمد من حديث أبي سعيد قال. "قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء تقوله؟ قد بلغت القلوب الحناجر، قال: نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا. قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح، فهزمهم الله عز وجل بالريح" وروى ابن مردويه في التفسير من طريق أخرى عن ابن عباس أيضا قال: "قالت الصبا للشمال: اذهبي بنا ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن الحرائر لا تهب بالليل، فغضب الله عليها فجعلها عقيما" وفي رواية له من هذا الوجه" فكانت الريح التي نصر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبا" وقد تقدم في الاستسقاء ذكر النكتة في تخصيص الدبور بعاد والصبا بالمسلمين، وعرف بهذا وجه إيراد المصنف هذا الحديث هنا، وأن الله نصر نبيه في غزوة الخندق بالريح، قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} قال مجاهد: سلط الله عليهم الريح فكفأت قدورهم، ونزعت خيامهم حتى أظعنتهم. وذكر ابن إسحاق في سبب رحيلهم" أن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما ولم يعلم به قومه، فقال له: خذل عنا. فمضى إلى بني قريظة - وكان نديما لهم - فقال: قد عرفتم محبتي، قالوا: نعم. فقال: إن قريشا وغطفان ليست هذه بلادهم، وإنهم إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا رجعوا إلى بلادهم وتركوكم في البلاء مع محمد، ولا طاقة لكم به. قالوا: فما ترى؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا رهنا منهم. فقبلوا رأيه. فتوجه إلى قريش فقال لهم: إن اليهود ندموا على الغدر بمحمد فراسلوه في الرجوع إليه، فراسلهم بأنا لا نرضي حتى تبعثوا إلى قريش فتأخذوا منهم رهنا فاقتلوهم. ثم جاء غطفان بنحو ذلك. قال: فلما أصبح أبو سفيان بعث عكرمة بن أبي جهل إلى بني قريظة بأنا قد ضاق بنا المنزل ولم نجد مرعى، فأخرجوا بنا حتى نناجز محمدا. فأجابوهم: إن اليوم يوم السبت ولا نعمل فيه شيئا، ولا بد لنا من الرهن منكم لئلا تعذروا بنا. فقالت قريش: هذا ما حذركم نعيم، فراسلوهم ثانيا أن لا نعطيكم رهنا، فإن شئتم أن تخرجوا فافعلوا. فقالت قريظة: هذا ما أخبرنا نعيم" قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة" أن نعيما كان رجلا نموما، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إن اليهود بعثت إلي إن كان يرضيك أن تأخذ من قريش وغطفان رهنا ندفعهم إليك فتقتلهم فعلنا ، فرجع نعيم مسرعا إلى قومه فأخبرهم، فقالوا: والله ما كذب محمد عليهم، وإنهم لأهل غدر. وكذلك قال لقريش. فكان ذلك سبب خذلانهم ورحيلهم" وقد تقدم في الحديث السادس بيان ما أرسل عليهم من الريح. قوله: "حدثنا عبد الصمد" هو ابن عبد الوارث بن سعيد. قوله: "أول مشهد شهدته يوم الخندق" أي باشرت فيه القتال، وهذا يوافق رواية نافع عنه الماضية في أول الباب. وروى الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: "بعثني خالي عثمان بن مظعون في حاجة، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم فأذن لي وقال: من لقيت فقل لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا، قال: فلا والله ما عطف علي منهم اثنان".
4108- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَنَسْوَاتُهَا تَنْطُفُ قُلْتُ قَدْ كَانَ

(7/402)


مِنْ أَمْرِ النَّاسِ مَا تَرَيْنَ فَلَمْ يُجْعَلْ لِي مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ فَقَالَتْ الْحَقْ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِي احْتِبَاسِكَ عَنْهُمْ فُرْقَةٌ فَلَمْ تَدَعْهُ حَتَّى ذَهَبَ فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ خَطَبَ مُعَاوِيَةُ قَالَ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الأَمْرِ فَلْيُطْلِعْ لَنَا قَرْنَهُ فَلَنَحْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ قَالَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَهَلاَ أَجَبْتَهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَحَلَلْتُ حُبْوَتِي وَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْكَ مَنْ قَاتَلَكَ وَأَبَاكَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَخَشِيتُ أَنْ أَقُولَ كَلِمَةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الْجَمْعِ وَتَسْفِكُ الدَّمَ وَيُحْمَلُ عَنِّي غَيْرُ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِي الْجِنَانِ قَالَ حَبِيبٌ حُفِظْتَ وَعُصِمْتَ قَالَ مَحْمُودٌ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ "وَنَوْسَاتُهَا"
الحديث العاشر قوله: "هشام" هو ابن يوسف الصنعاني. قوله: "قال وأخبرني ابن طاوس" قائل ذلك هو معمر، واسم ابن طاوس عبد الله. قوله: "دخلت على حفصة" أي بنت عمر أخته. قوله: "ونسواتها" بفتح النون والمهملة. قال الخطابي: كذا وقع، وليس بشيء، وإنما هو "نوساتها" أي ذوائبها، ومعنى تنطف أي تقطر كأنها قد اغتسلت، والنوسات جمع نوسة والمراد أن ذوائبها كانت تنوس أي تتحرك، وكل شيء تحرك فقد ناس، والنوس والاضطراب، ومنه قول المرأة في حديث أم زرع "أناس من حلى أذني" قال ابن التين: قوله نوسات هو بسكون الواو وضبط بفتحها، وأما نسوات فكأنه على القلب. قوله: "قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء" مراده بذلك ما وقع بين علي ومعاوية من القتال في صفين يوم اجتماع الناس على الحكومة بينهم فيما اختلفوا فيه، فراسلوا بقايا الصحابة من الحرمين وغيرهما وتواعدوا على الاجتماع لينظروا في ذلك، فشاور ابن عمر أخته في التوجه إليهم أو عدمه فأشارت عليه باللحاق بهم خشية أن ينشأ من غيبته اختلاف يفضي إلى استمرار الفتنة. قوله: "فلما تفرق الناس" أي بعد أن اختلف الحكمان، وهما أبو موسى الأشعري وكان من قبل علي وعمرو بن العاص وكان من قبل معاوية. ووقع في رواية عبد الرزاق عن معمر في هذا الحديث: "فلما تفرق الحكمان" وهو يفسر المراد ويعين أن القصة كانت بصفين، وجوز بعضهم أن يكون المراد الاجتماع الأخير الذي كان بين معاوية والحسن بن علي ورواية عبد الرزاق ترده، وعلى هذا تقدير الكلام، فلم تدعه حتى ذهب إليهم في المكان الذي فيه الحكمان فحضر معهم، فلما تفرقوا خطب معاوية إلخ، وأبعد من ذلك قول ابن الجوزي في "كشف المشكل" أشار بذلك إلى جعل عمر الخلافة شورى في ستة ولم يجعل له من الأمر شيئا فأمرته باللحاق، قال: وهذا حكاية الحال التي جرت قبل، وأما قوله فلما تفرق الناس خطب معاوية، كان هذا في زمن معاوية لما أراد أن يجعل ابنه يزيد ولي عهده، كذا قال ولم يأت له بمستند، والمعتمد ما صرح به في رواية عبد الرزاق. ثم وجدت في رواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر قال: "لما كان في اليوم الذي اجتمع فيه معاوية بدومة الجندل قالت حفصة: إنه لا يجمل بك أن تتخلف عن صلح يصلح الله به بين أمة محمد. وأنت صهر رسول الله وابن عمر بن الخطاب، قال فأقبل معاوية يومئذ على بختي عظيم فقال: من يطمع في هذا الأمر أو يرجوه أو يمد إليه عنقه" الحديث أخرجه الطبراني. قوله: "أن يتكلم في هذا الأمر" أي الخلافة. قوله: "فليطلع لنا قرنه" بفتح القاف، قال ابن التين يحتمل أن يريد بدعته كما جاء في الخبر الآخر "كلما نجم قرن" أي طلع قرن، ويحتمل أن يكون المعنى

(7/403)


فليبد لنا صفحة وجهه، والقرن من شأنه أن يكون في الوجه، والمعنى فليظهر لنا نفسه ولا يخفيها. قيل: أراد عليا وعرض بالحسن والحسين، وقيل: أراد عمر وعرض بابنه عبد الله، وفيه بعد لأن معاوية كان يبالغ في تعظيم عمر ووقع في رواية حبيب بن أبي ثابت أيضا قال ابن عمر: ما حدثت نفسي بالدنيا قبل يومئذ أردت أن أقول له يطمع فيه من ضربك وأباك على الإسلام حتى أدخلكما فيه، فذكرت الجنة فأعرضت عنه. ومن هنا يظهر مناسبة إدخال هذه القصة في غزوة الخندق، لأن أبا سفيان كان قائد الأحزاب يومئذ. قوله: "قال حبيب بن مسلمة" أي ابن مالك الفهري، صحابي صغير، ولأبيه صحبة، وكان قد سكن الشام وأرسله معاوية في عسكر لنصر عثمان فقتل عثمان قبل أن يصل، فرجع فكان مع معاوية وولاه غزوة الروم، فكان يقال له حبيب الروم لكثرة دخوله عليهم ومات في خلافة معاوية. قوله: "فهلا أجبته" أي هلا أجبت معاوية عن تلك المقالة، فأعلمه ابن عمر بالذي منعه عن ذلك قال: حللت حبوتي إلخ، ووقع في رواية عبد الرزاق عند قوله: "فلنحن أحق به منه ومن أبيه "يعرض بابن عمر فعرف بهذه الزيادة مناسبة قول حبيب بن مسلمة لابن عمر: هلا أجبته. والحبوة بضم المهملة وسكون الموحدة ثوب يلقى على الظهر ويربط طرفاه على الساقين بعد ضمهما. قوله: "من قاتلك وأباك على الإسلام" يعني يوم أحد ويوم الخندق، ويدخل في هذه المقاتلة علي وجميع من شهدها من المهاجرين، ومنهم عبد الله بن عمر. ومن هنا تظهر مناسبة إدخال هذه القصة في غزوة الخندق لأن أبا سفيان والد معاوية كان رأس الأحزاب يومئذ. ووقع في رواية حبيب بن أبي ثابت أيضا: "قال ابن عمر فما حدثت نفسي بالدنيا قبل يومئذ، أردت أن أقول له يطمع فيه من قاتلك وأباك على الإسلام حتى أدخلكما فيه فذكرت الجنة فأعرضت عنه "وكان رأي معاوية في الخلافة تقديم الفاضل في القوة والرأي والمعرفة على الفاضل في السبق إلى الإسلام والدين والعبادة، فلهذا أطلق أنه أحق، ورأى ابن عمر بخلاف ذلك، وأنه لا يبايع المفضول إلا إذا خشي الفتنة، ولهذا بايع بعد ذلك معاوية ثم ابنه يزيد ونهى بنيه عن نقض بيعته كما سيأتي في الفتن، وبايع بعد ذلك لعبد الملك بن مروان. قوله: "ويحمل عني غير ذلك" أي غير ما أردت، ووقع في رواية منقطعة عند سعيد بن منصور أخرجها عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال: "نبئت أن ابن عمر لما قال معاوية من أحق بهذا الأمر منا ومن ينازعنا، فهممت أن أقول الذين قاتلوك وأباك على الإسلام، فخشيت أن يكون في قولي هراقة الدماء، وأن يحمل قولي على غير الذي أردت". قوله: "فذكرت ما أعد الله في الجنان" أي لمن صبر وآثر الآخرة على الدنيا. قوله: "قال حبيب" أي ابن مسلمة المذكور "حفظت وعصمت" بضم أولهما أي أنه صوب رأيه في ذلك. وقد قدمنا أن حبيب بن مسلمة المذكور كان من أصحاب معاوية. قوله: "قال محمود عن عبد الرزاق: ونوساتها" أي إن عبد الرزاق روى عن معمر شيخ هشام بن يوسف هذا الحديث كما رواه هشام فخالف في هذه اللفظة فقال: "نوساتها" وهذا هو الصواب كما تقدم، وطريق محمود هذا وهو ابن غيلان المروزي وصلها محمد بن قدامة الجوهري في كتاب "أخبار الخوارج" له قال: حدثنا محمود بن غيلان المروزي أنبأنا عبد الرزاق عن معمر فذكره بالإسنادين معا، وساق المتن بتمامه، وأوله "دخلت على حفصة ونوساتها تنطف" وقد ذكرت ما في روايته من فائدة زائدة، وكذلك أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق.

(7/404)


4109- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ قال النبي صلى الله
عليه وسلم: "يَوْمَ الأَحْزَابِ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَنَا "
[الحديث 4109- طرفه في: 4110]
4110- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ يَقُولُ "سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ حِينَ أَجْلَى الأَحْزَابَ عَنْهُ الْ آنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ "
4111- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَلاَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ "
4112- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَنَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ"
الحديث الحادي عشر حديث سليمان بن صرد بضم الصاد المهملة وفتح الراء بعدها مهملة ابن الجون بفتح الجيم الخزاعي صحابي مشهور، يقال كان اسمه يسار فغيره النبي صلى الله عليه وسلم، ليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في صفة إبليس، وله طريق في الأدب. وقد صرح في الرواية الثانية بسماع أبي إسحاق له منه، وكان سليمان المذكور أسن من خرج من أهل الكوفة في طلب ثأر الحسين بن علي فقتل هو وأصحابه بعين الوردة في سنة خمس وستين. قوله: "نغزوهم ولا يغزوننا" في رواية أبي نعيم في "المستخرج" من طريق بشر بن موسى عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه: "الآن نغزوهم" وهي في رواية إسرائيل التي تلو هذه، وقوله في رواية إسرائيل "حين أجلي" بضم الهمزة وسكون الجيم وكسر اللام أي رجعوا عنه، وفيه إشارة إلى أنهم رجعوا بغير اختيارهم بل بصنع الله تعالى لرسوله، وذكر الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك بعد أن انصرفوا، وذلك لسبع بقين من ذي القعدة، وفيه علم من أعلام النبوة فإنه صلى الله عليه وسلم اعتمر في السنة المقبلة فصدته قريش عن البيت ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها فكان ذلك سبب فتح مكة، فوقع الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم. وأخرج البزار بإسناد حسن من حديث جابر شاهدا لهذا الحديث ولفظه: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب وقد جمعوا له جموعا كثيرة: لا يغزونكم بعد هذا أبدا، ولكن أنتم تغزونهم ".الحديث الثاني عشرحديث علي. قوله: "حدثنا إسحاق" هو ابن منصور، وهشام كنت ذكرت في الجهاد أنه الدستوائي لكن جزم المزي في الأطراف أنه ابن حسان، ثم وجدته مصرحا به في عدة طرق

(7/405)


فهذا هو المعتمد، وأما تضعيف الأصيلي للحديث به فليس بمعتمد كما سأوضحه في التفسير إن شاء الله تعالى. قوله: "عن محمد" هو ابن سيرين وعبيدة بفتح العين هو ابن عمرو السلماني. قوله: "قال يوم الخندق" في رواية الجهاد "يوم الأحزاب" وهو بالمعنى. وفي رواية يحيى بن الجزار عن علي عند مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوم الأحزاب قاعدا على فرصة من فرص الخندق فذكره. قوله: "كما شغلونا" في رواية الكشميهني: "كلما شغلونا" بزيادة لام وهو خطأ. قوله: "الصلاة الوسطى" زاد مسلم: "صلاة العصر" وسيأتي الكلام عليها وعلى شرح هذا الحديث مستوفى في تفسير سورة البقرة. قوله: "حدثنا هشام" أي ابن عبد الله الدستوائي، ويحيى هو ابن كثير. قوله: "جعل يسب كفار قريش" قد سبق شرح هذا الحديث في المواقيت من كتاب الصلاة وبينت فيه المذاهب في ترتيب فائتة الصلاة.
4113- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَوْمَ الأَحْزَابِ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ "
4114- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ أَعَزَّ جُنْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَغَلَبَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ فَلاَ شَيْءَ بَعْدَ هُ"
4115- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ وَعَبْدَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ "دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الأَحْزَابِ فَقَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ".
4116- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ وَنَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ الْغَزْوِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ يَبْدَأُ فَيُكَبِّرُ ثَلاَثَ مِرَارٍ ثُمَّ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ "
الحديث الرابع عشر حديث جابر أيضا في ذكر الزبير، وقد تقدم شرحه في المناقب. قوله: "من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير أنا" ذكرها ثلاث مرات، وقد تقدم في الجهاد في "باب فضل الطليعة" ذكرها مرتين، ومضى شرح الحديث في مناقب الزبير، وقد استشكل ذكر الزبير في هذه القصة فقال شيخنا ابن الملقن: اعلم أنه وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب لكشف خبر بني قريظة والمشهور كما قاله شيخنا أبو الفتح اليعمري أن الذي توجه ليأتي بخبر

(7/406)


القوم حذيفة كما رويناه من طريق ابن إسحاق وغيره. قلت: وهذا الحصر مردود، فإن القصة التي ذهب لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها، فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين ووافقوا قريشا على محاربة المسلمين، وقصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين بالخندق وتمالأت عليهم الطوائف ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف وحذرت كل طائفة من الأخرى وأرسل الله تعالى عليهم الريح واشتد البرد تلك الليلة فانتدب النبي صلى الله عليه وسلم من يأتيه بخبر قريش، فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك، وقصته في ذلك مشهورة لما دخل بين قريش في الليل وعرف قصتهم ورجع وقد اشتد عليه البرد، فغطاه النبي صلى الله عليه وسلم حتى دفيء، وبين الواقدي أن المراد بالقوم بنو قريظة، وروى ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة "أن رجلا من المشركين قال يوم الخندق: من يبارز؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم يا زبير ، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: واحدي يا رسول الله، فقال: قم يا زبير ، فقام الزبير فقتله ثم جاء بسلبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنفله إياه". الحديث قوله: "عن أبيه" هو أبو سعيد المقبري. قوله: "وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده" هو من السجع المحمود، والفرق بينه وبين المذموم ما يأتي بتكلف واستكراه، والمحمود ما جاء بانسجام واتفاق، ولهذا قال في مثل الأول: أسجع مثل سجع الكهان؟ وكذا قال: كان يكره السجع في الدعاء. ووقع في كثير من الأدعية والمخاطبات ما وقع مسجوعا لكنه في غاية الانسجام المشعر بأنه وقع بغير قصد، ومعنى قوله: "لا شيء بعده" أي جميع الأشياء بالنسبة إلى وجوده كالعدم، أو المراد أن كل شيء يفنى وهو الباقي، فهو بعد كل شيء فلا شيء بعده كما قال تعالى: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} . الحديث السادس عشر قوله: "حدثني محمد بن سلام" والفزاري هو مروان بن معاوية، وعبدة هو ابن سليمان. قوله: "دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب" قد تقدم شرحه في "باب لا تتمنوا لقاء العدو" من كتاب الجهاد. قوله: "أو الحج أو العمرة" ليست أو للشك بل هي للتنويع، وذكره هنا لقوله: "وهزم الأحزاب وحده" وسيأتي شرحه في الدعوات إن شاء الله تعالى.

(7/407)


30 - باب مَرْجِعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الأَحْزَابِ
وَمَخْرَجِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ
4117- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلاَحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم فَقَالَ قَدْ وَضَعْتَ السِّلاَحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ قَالَ فَإِلَى أَيْنَ قَالَ هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ"
4118- حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ بَنِي غَنْمٍ مَوْكِبَ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ"
4119- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

(7/407)


قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ الأَحْزَابِ لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ"
قوله: "باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب" أي من الموضع الذي كان يقاتل فيه الأحزاب إلى منزله بالمدينة. قوله: "ومخرجه إلى بني قريظة، ومحاصرته إياهم" قد تقدم السبب في ذلك، وهو ما وقع من بني قريظة من نقض عهده وممالأتهم لقريش وغطفان عليه، وتقدم نسب بني قريظة في غزوة بني النضير، وذكر عبد الملك بن يوسف في "كتاب الأنواء" له أنهم كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي الله عليه السلام وهو بمحتمل وإن شعيبا كان من بني جذام القبيلة المشهورة وهو بعيد جدا، وتقدم أن توجه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم كان لسبع بقين من ذي القعدة، وأنه خرج إليهم في ثلاثة آلاف. وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسا. حديث عائشة رضي الله عنها، ذكره مختصرا وسيأتي مطولا في الباب مع شرحه. قوله: "حدثنا موسى" هو ابن إسماعيل التبوذكي. قوله: "كأني أنظر إلى الغبار" يشير إلى أنه يستحضر القصة حتى كأنه ينظر إليها مشخصة له بعد تلك المدة الطويلة. قوله: "ساطعا" أي مرتفعا. قوله: "بني غنم" بفتح المعجمة وسكون النون، كما تقدم شرحه في أوائل بدء الخلق، وتقدم إعراب قوله: "موكب جبريل" ووقع هذا الحديث عند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال مطولا لكن ليس فيه أنس، وأوله "كان بين بني قريظة وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد، فلما جاءت الأحزاب نقضوه وظاهروهم. فلما هزم الله عز وجل الأحزاب تحصنوا، فجاء جبريل ومن معه من الملائكة فقال: يا رسول الله انهض إلى بني قريظة، فقال: إن في أصحابي جهدا قال: انهض إليهم فلأضعضعنهم. قال: فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار". قوله: "جويرية" بالجيم مصغر هو عم عبد الله الراوي عنه. قوله: "لا يصلين أحد العصر" كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم: "الظهر" مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد، وقد وافق مسلما أبو يعلى وآخرون، وكذلك أخرجه ابن سعد عن أبي عتبان مالك بن إسماعيل عن جويرية بلفظ: "الظهر" وابن حبان من طريق أبي عتبان1 كذلك، ولم أره من رواية جويرية إلا بلفظ: "الظهر" غير أن أبا نعيم في "المستخرج" أخرجه من طريق أبي حفص السلمي عن جويرية فقال: "العصر" وأما أصحاب المغازي فاتفقوا على أنها العصر، قال ابن إسحاق: لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق راجعا إلى المدينة أتاه جبريل الظهر فقال: إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فأمر بلالا فأذن في الناس: من كان سامعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وكذلك أخرجه الطبراني والبيهقي في "الدلائل" بإسناد صحيح إلى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن عمه عبيد الله بن كعب" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من طلب الأحزاب وجمع عليه اللأمة واغتسل واستجمر تبدى له جبريل فقال: عذيرك من محارب، فوثب فزعا، فعزم على الناس أن لا يصلوا العصر حتى يأتوا بني قريظة، قال فلبس الناس السلاح فلم يأتوا
ـــــــ
1 في هامش طبعة بولاق في نسخة "أبي غسان"

(7/408)


قريظة حتى غربت الشمس، قال فاختصموا عند غروب الشمس فصلت طائفة العصر وتركتها طائفة وقالت: إنا في عزمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس علينا إثم، فلم يعنف واحدا من الفريقين" وأخرجه الطبراني من هذا الوجه موصولا بذكر كعب بن مالك فيه، وللبيهقي من طريق القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها نحوه مطولا وفيه: "فصلت طائفة إيمانا واحتسابا وتركت طائفة إيمانا واحتسابا" وهذا كله يؤيد رواية البخاري في أنها العصر، وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر وبعضهم لم يصلها فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر ولمن صلاها لا يصلين أحد العصر. وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة فقيل للطائفة الأولى الظهر وقيل للطائفة التي بعدها العصر، وكلاهما جمع لا بأس به، لكن يبعده اتحاد مخرج الحديث لأنه عند الشيخين كما بيناه بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه، فيبعد أن يكون كل من رجال إسناده قد حدث به على الوجهين، إذ لو كان كذلك لحمله واحد منهم عن بعض رواته على الوجهين ولم يوجد ذلك. ثم تأكد عندي أن الاختلاف في اللفظ المذكور من حفظ بعض رواته فإن سياق البخاري وحده مخالف لسياق كل من رواه عن عبد الله بن محمد بن أسماء وعن عمه جويرية، ولفظ البخاري" قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها. وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم" ولفظ مسلم وسائر من رواه "نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف عن الأحزاب أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة ، فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة. وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، قال فما عنف واحدا من الفريقين "فالذي يظهر من تغاير اللفظين أن عبد الله بن محمد بن أسماء شيخ الشيخين فيه لما حدث به البخاري حدث به على هذا اللفظ، ولما حدث به الباقين حدثهم به على اللفظ الأخير وهو اللفظ الذي حدث به جويرية، بدليل موافقة أبي عتبان له عليه بخلاف اللفظ الذي حدث به البخاري أو أن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيرا، وإنما لم يجوز عكسه لموافقة من وافق مسلما على لفظه بخلاف البخاري، لكن موافقة أبي حفص السلمي له تؤيد الاحتمال الأول، وهذا كله من حيث حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال الظهر لطائفة والعصر لطائفة متجه فيحتمل أن تكون رواية الظهر هي التي سمعها ابن عمر ورواية العصر هي التي سمعها كعب بن مالك وعائشة رضي الله عنها والله أعلم. قال السهيلي وغيره. في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه، وفيه أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب، قال السهيلي: ولا يستحيل أن يكون الشيء صوابا في حق إنسان وخطأ في حق غيره وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، قال: والأصل في ذلك أن الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان قال: فكل مجتهد وافق اجتهاده وجها من التأويل فهو مصيب انتهى. والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد، وخالف الجاحظ والعنبري. وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور أيضا: المصيب واحد، وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره، ونقل عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تابع لظن المجتهد. وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية. وهو مصيب باجتهاده، وإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ وله أجر واحد، وسيأتي بسط هذه المسألة في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى. ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق

(7/409)


ليس بواضح. وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه. وحاصل ما وقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحا للنهي الثاني على النهي الأول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب بنظير ما وقع في تلك الأيام بالخندق فقد تقدم حديث جابر المصرح بأنهم صلوا العصر بعدما غربت الشمس وذلك لشغلهم بأمر الحرب، فجوزوا أن يكون ذلك عاما في كل شغل يتعلق بأمر الحرب ولا سيما والزمان زمان التشريع، والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة. وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعنف أحدا من الطائفتين، فلو كان هناك إثم لعنف من أثم، واستدل به ابن حبان على أن تارك الصلاة حتى يخرج وقتها لا يكفر، وفيه نظر لا يخفى. واستدل به غيره على جواز الصلاة على الدواب في شدة الخوف، وفيه نظر قد أوضحته في باب صلاة الخوف. وعلى أن الذي يتعمد تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها يقضيها بعد ذلك لأن الذين لم يصلوا العصر صلوها بعد ذلك كما وقع عند ابن إسحاق أنهم صلوها في وقت العشاء، وعند موسى بن عقبه أنهم صلوها بعد أن غابت الشمس، وكذا في حديث كعب بن مالك، وفيه نظر أيضا لأنهم لم يؤخروها إلا لعذر تأولوه، والنزاع إنما هو فيمن أخر عمدا بغير تأويل، وأغرب ابن المنير فادعى أن الطائفة الذين صلوا العصر لما أدركتهم في الطريق إنما صلوها وهم على الدواب، واستند إلى أن النزول إلى الصلاة ينافي مقصود الإسراع في الوصول، قال: فإن الذين لم يصلوا عمدوا بالدليل الخاص وهو الأمر بالإسراع فترك عموم إيقاع العصر في وقتها إلى أن فات، والذين صلوا جمعوا بين دليلي وجوب الصلاة ووجوب الإسراع فصلوا ركبانا، لأنهم لو صلوا نزولا لكان مضادة لما أمروا به من الإسراع ولا يظن ذلك بهم مع ثقوب أفهامهم انتهى. وفيه نظر لأنه لم يصرح لهم بترك النزول، فلعلهم فهموا أن المراد بأمرهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة المبالغة في الأمر بالإسراع فبادروا إلى امتثال أمره، وخصوا وقت الصلاة من ذلك لما تقرر عندهم من تأكيد أمرها، فلا يمتنع أن ينزلوا فيصلوا ولا يكون في ذلك مضادة لما أمروا به، ودعوى أنهم صلوا ركبانا يحتاج إلى دليل ولم أره صريحا في شيء من طرق هذه القصة، وقد تقدم بحث ابن بطال في ذلك في "باب صلاة الخوف". وقال ابن القيم في الهدى ما حاصله: كل من الفريقين مأجور بقصده، إلا أن من صلى حاز الفضيلتين: امتثال الأمر في الإسراع، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت ولا سيما ما في هذه الصلاة بعينها من الحث على المحافظة عليها وأن من فاتته حبط عمله، وإنما لم يعنف الذين أخروها لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر، ولأنهم اجتهدوا فأخروا لامتثالهم الأمر. لكنهم لم يصلوا إلى أن يكون اجتهادهم أصوب من اجتهاد الطائفة الأخرى. وأما من احتج لمن أخر بأن الصلاة حينئذ كانت تؤخر كما في الخندق وكان ذلك بين في قوله صلى الله عليه وسلم لعمر لما قال له ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال: والله ما صليتها. لأنه لو كان ذاكرا لها لبادر إليها كما صنع عمر انتهى. وقد تقدم تأخير الصلاة في الخندق في كتاب الصلاة بما يغني عن إعادته.
4120- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ح و حَدَّثَنِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخَلاَتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي

(7/410)


أَنْ آتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْأَلَهُ الَّذِي كَانُوا أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فَجَعَلَتْ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي تَقُولُ كَلاَ وَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لاَ يُعْطِيكَهُمْ وَقَدْ أَعْطَانِيهَا أَوْ كَمَا قَالَتْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكِ كَذَا وَتَقُولُ كَلاَ وَاللَّهِ حَتَّى أَعْطَاهَا حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ أَوْ كَمَا قَالَ"
الحديث الرابع قوله: "حدثني ابن أبي الأسود" هو عبد الله كما تقدم بيانه في كتاب الخمس، وساق هذا الحديث عنه هناك أتم وتقدم باختصاره في غزوة بني النضير، وتقدم ما يتعلق بالزيادة التي فيه هنا في حديث الزهري عن أنس في كتاب الهبة، وحاصله أن الأنصار كانوا واسوا المهاجرين بنخيلهم لينتفعوا بثمرها، فلما فتح الله النضير ثم قريظة قسم في المهاجرين من غنائمهم فأكثر، وأمرهم برد ما كان للأنصار لاستغنائهم عنه، ولأنهم لم يكونوا ملكوهم رقاب ذلك، وامتنعت أم أيمن من رد ذلك ظنا أنها ملكت الرقبة، فلاطفها النبي صلى الله عليه وسلم لما كان لها عليه من حق الحضانة حتى عوضها عن الذي كان بيدها بما أرضاها. قوله: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن" في هذا السياق حذف يوضحه رواية مسلم من هذا الوجه بلفظ: "أعطاه أم أيمن فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطانيه. فجاءت أم أيمن". قوله: "والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لك كذا" أي يقول لأم أيمن لك كذا، في رواية مسلم: "والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا أم أيمن اتركيه ولك كذا " وقوله: ولك كذا كناية عن القدر الذي ذكره لها النبي صلى الله عليه وسلم، قال النووي: ظنت أم أيمن أن تلك المنحة مؤبدة فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليها هذا الظن تطييبا لقلبها لكونها حاضنته وزادها من عنده حتى طاب قلبها. قوله: "أو كما قالت" إشارة إلى شك وقع في اللفظ مع حصول المعنى. قوله: "حتى أعطاها، حسبت أنه قال عشرة أمثاله أو كما قال" في رواية مسلم: "حتى أعطاها عشرة أمثاله أو قريبا من عشرة أمثاله" وعرف بهذا أن معنى قوله: "ولك كذا" أي مثل الذي لك مرة، ثم شرع يزيدها مرتين أو ثلاثا إلى أن بلغها عشرة. وفي الحديث مشروعية هبة المنفعة دون الرقبة، وفرط جود النبي صلى الله عليه وسلم وكثرة حلمه وبره، ومنزلة أم أيمن عند النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها وهي والدة أسامة بن زيد، وابنها أيمن أيضا له صحبة واستشهد بحنين، وهو أسن من أسامة، وعاشت أم أيمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم قليلا رضي الله عنهم. المناقب عاليا، وكذا في المغازي قبل هذا بقليل.
4121- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ "نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سَعْدٍ فَأَتَى عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَ لِلْأَنْصَارِ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ فَقَالَ هَؤُلاَءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ فَقَالَ تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ وَتَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ قَالَ قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ وَرُبَّمَا قَالَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ "
4122- حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ حِبَّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ وَهُوَ حِبَّانُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ بَنِي مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ رَمَاهُ فِي الأَكْحَلِ فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلاَحَ وَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنْ الْغُبَارِ فَقَالَ قَدْ وَضَعْتَ السِّلاَحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ

(7/411)


اخْرُجْ إِلَيْهِمْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَأَيْنَ فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ قَالَ هِشَامٌ فَأَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ سَعْدًا قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجُوهُ اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ فَأَبْقِنِي لَهُ حَتَّى أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتَتِي فِيهَا فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلاَّ الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا فَمَاتَ مِنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"
الحديث الخامس حديث ابي سعيد أورده من طريق شعبة بنزول وقد تقدم له المناقب عاليا, وكذا في المغازي قبل هذا بقليل قوله: "عن سعد بن إبراهيم عن أبي أمامة بن سهل" هكذا رواه شعبة عن سعد بن إبراهيم، ورواه محمد بن صالح بن دينار التمار المدني عن سعد بن إبراهيم فقال: "عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه" أخرجه النسائي، ورواية شعبة أصح، ويحتمل أن يكون لسعد بن إبراهيم فيه إسنادان. قوله: "نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ" سيأتي بيان ذلك في الحديث الذي يليه. وفي رواية محمد بن صالح المذكورة" حكم أن يقتل منهم كل من جرت عليه الموسى" وفيه زيادة بيان الفرق بين المقاتلة والذرية. قوله: "فلما دنا من المسجد" قيل: المراد المسجد الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم أعده للصلاة فيه في ديار بني قريظة أيام حصارهم، وليس المراد به المسجد النبوي بالمدينة، لكن كلام ابن إسحاق يدل على أنه كان مقيما في مسجد المدينة حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم في بني قريظة فإنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل سعدا في خيمة رفيدة عند مسجده، وكانت امرأة تداوي الجرحى فقال: اجعلوه في خيمتها لأعوده من قريب، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة وحاصرهم وسأله الأنصار أن ينزلوا على حكم سعد أرسل إليه فحملوه على حمار ووطؤوا له وكان جسيما" فدل قوله: "فلما خرج إلى بني قريظة" أن سعدا كان في مسجد المدينة. قوله: "قوموا إلى سيدكم" يأتي البحث فيه في كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى، وفيه البيان عما اختلف فيه هل المخاطب بذلك الأنصار خاصة أم هم وغيرهم، ووقع في مسند عائشة رضي الله عنها من مسند أحمد من طريق علقمة بن وقاص عنها في أثناء حديث طويل" قال أبو سعيد: فلما طلع قال النبي صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فقال عمر: السيد هو الله". قوله: "حكمت فيه بحكم الله، وربما قال بحكم الملك" هو بكسر اللام، والشك فيه من أحد رواته أي اللفظين قال. وفي رواية محمد بن صالح المذكورة" لقد حكمت فيهم اليوم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات" وفي حديث جابر عند ابن عائذ" فقال: احكم فيهم يا سعد، قال: الله ورسوله أحق بالحكم. قال: قد أمرك الله تعالى أن تحكم فيهم" وفي رواية ابن إسحاق من مرسل علقمة بن وقاص "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" وأرقعة بالقاف جمع رقيع وهو من أسماء السماء، قيل: سميت بذلك لأنها رقعت بالنجوم، وهذا كله يدفع ما وقع عند الكرماني بحكم الملك بفتح اللام وفسره بجبريل، لأنه الذي ينزل بالأحكام، قال السهيلي: قوله: "من فوق سبع سماوات" معناه أن الحكم نزل من فوق، قال ومثله قول

(7/412)


زينب بنت جحش "زوجني الله من نبيه من فوق سبع سموات" أي نزل تزويجها من فوق، قال ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله لا على المعنى الذي يسبق إلى الوهم من التحديد الذي يفضي إلى التشبيه، وبقية الكلام على هذا الحديث في الذي بعده. قوله: "أصيب سعد" في الرواية التي في المناقب "سعد بن معاذ". قوله: "حبان" بكسر المهملة وتشديد الموحدة "ابن العرقة" بفتح المهملة وكسر الراء ثم قاف. قوله: "وهو حبان بن قيس" يعني أن العرقة أمه وهي بنت سعيد بن سعد بن سهم. قوله: "من بني معيص" بفتح الميم وكسر المهملة ثم تحتانية ساكنة ثم مهملة، وهو حبان بن قيس ويقال ابن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف. قوله: "رماه في الأكحل" بفتح الهمزة والمهملة بينهما كاف ساكنة وهو عرق في وسط الذراع، قال الخليل: هو عرق الحياة ويقال إن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر وفي الفخذ النسا إذا قطع لم يرقأ الدم. قوله: "خيمة في المسجد" تقدم بيانها في الذي قبله "فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل" هذا السياق يبين أن الواو زائدة في الطريق التي في الجهاد حيث وقع فيه بلفظ: "لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح فأتاه جبريل" وهو أولى من دعوى القرطبي أن الفاء زائدة قال: وكأنها زيدت كما زيدت الواو في جواب لما، انتهى. ودعوى زيادة الواو في قوله: "وضع" أولى من دعوى زيادة الفاء لكثرة مجيء الواو زائدة، ووقع في أول هذه الغزاة" لما رجع من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل" فمن هنا ادعى القرطبي أن الفاء زائدة، ووقع عند الطبراني والبيهقي من طريق القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سلم علينا رجل ونحن في البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا، فقمت في أثره فإذا بدحية الكلبي فقال: هذا جبريل" وفي حديث علقمة "يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة" وذلك لما رجع من الخندق، قالت: فكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه جبريل، وفي حديث علقمة بن وقاص عن عائشة عند أحمد والطبراني "فجاءه جبريل وإن على ثناياه ليقع الغبار، وفي مرسل يزيد بن الأصم عند ابن سعد "فقال له جبريل: عفا الله عنك، وضعت السلاح ولم تضعه ملائكة الله" وفي رواية حماد بن سلمة عن هشام بن عروة في حديث الباب: "قالت عائشة: لقد رأيته من خلل الباب قد عصب التراب رأسه". وفي رواية جابر عند ابن عائذ "فقال: قم فشد عليه سلاحك، فوالله لأدقنهم دق البيض على الصفا". قوله: "فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي فحاصرهم، وروى ابن عائذ من مرسل قتادة قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي، فنادى: يا خيل الله اركبي" وفي رواية أبي الأسود عن عروة عند الحاكم والبيهقي" وبعث عليا على المقدمة ودفع إليه اللواء، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثره" وعند موسى بن عقبة نحوه وزاد: "وحاصرهم بضع عشرة ليلة "وعند ابن سعد "خمس عشرة" وفي حديث علقمة بن وقاص المذكور "خمسا وعشرين" ومثلها عند ابن إسحاق عن أبيه عن معبد بن كعب قال: "حاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار وقذف في قلوبهم الرعب، فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا، أو يقتلوا نساءهم وأبناءهم ويخرجوا مستقتلين، أو يبيتوا المسلمين ليلة السبت. فقالوا: لا نؤمن، ولا نستحل ليلة السبت، وأي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟ فأرسلوا إلى أبي لبابة بن عبد المنذر وكانوا حلفاءه فاستشاروه في النزول على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فأشار إلى حلقه - يعني الذبح - ثم ندم، فتوجه إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فارتبط به حتى تاب الله عليه". قوله: "فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد" كأنهم أذعنوا للنزول على حكمه صلى الله عليه وسلم، فلما سأله الأنصار فيهم رد الحكم إلى سعد. ووقع بيان ذلك عند ابن إسحاق قال: "لما

(7/413)


اشتد بهم الحصار أذعنوا إلى أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله قد فعلت في موالي الخزرج - أي بني قينقاع، ما علمت. فقال: ألا ترضون أي يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ" وفي كثير من السير أنهم نزلوا على حكم سعد، ويجمع بأنهم نزلوا على حكمه قبل أن يحكم فيه سعد. وفي رواية علقمة بن وقاص المذكورة" فلما اشتد بهم البلاء قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استشاروا أبا لبابة قال ننزل على حكم سعد بن معاذ" ونحوه في حديث جابر عند ابن عائذ، فحصل في سبب رد الحكم إلى سعد بن معاذ أمران: أحدهما: سؤال الأوس، والآخر: إشارة أبي لبابة، ويحتمل أن تكون الإشارة إثر توقفهم، ثم لما اشتد الأمر بهم في الحصار عرفوا سؤال الأوس فأذعنوا إلى النزول على حكم النبي صلى الله عليه وسلم؛ وأيقنوا بأنه يرد الحكم إلى سعد. وفي رواية علي بن مسهر عن هشام بن عروة عند مسلم: "فرد الحكم فيهم إلى سعد وكانوا حلفاءه". قوله: "فإني أحكم فيهم" أي في هذا الأمر. وفي رواية النسفي "وإني أحكم فيهم". قوله: "أن تقتل المقاتلة" قد تقدم في الذي قبله بيان ذلك، وذكر ابن إسحاق أنهم حبسوا في دار بنت الحارث. وفي رواية أبي الأسود عن عروة في دار أسامة بن زيد، ويجمع بينهما بأنهم جعلوا في بيتين. ووقع في حديث جابر عند ابن عائذ التصريح بأنهم جعلوا في بيتين، قال ابن إسحاق: فخندقوا لهم خنادق فضربت أعناقهم فجرى الدم في الخنادق، وقسم أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأسهم للخيل فكان أول يوم وقعت فيه السهمان لها. وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال "أن سعد بن معاذ حكم أيضا أن تكون دارهم للمهاجرين دون الأنصار، فلامه فقال: إني أحببت أن تستغنوا عن دورهم " واختلف في عدتهم: فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة "كانوا سبعمائة" وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة. وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعا، وقد حكى أبو إسحاق أنه قيل: إنهم كانوا تسعمائة. قوله: "قال هشام فأخبرني أبي" هو موصول بالإسناد المذكور أولا، وقد تقدم هذا القدر من هذا الحديث موصولا من طريق أخرى عن هشام في أوائل الهجرة. وفي رواية عبد الله بن نمير عن هشام عند مسلم قال: "قال سعد وتحجر كلمه للبرء: اللهم إنك تعلم إلخ" أي أنه دعا بذلك لما كاد جرحه أن يبرأ، ومعنى تحجر أي يبس. قوله: "فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم" قال بعض الشراح: ولم يصب في هذا الظن لما وقع من الحروب في الغزوات بعد ذلك، قال فيحمل على أنه دعا بذلك فلم تقع الإجابة وادخر له ما هو أفضل من ذلك كما ثبت في الحديث الآخر في دعاء المؤمن، أو أن سعدا أراد بوضع الحرب أي في تلك الغزوة الخاصة لا فيما بعدها. وذكر ابن التين عن الداودي أن الضمير لقريظة، قال ابن التين: وهو بعيد جدا لنصه على قريش. قلت: وقد تقدم الرد عليه أيضا في أول الهجرة في الكلام على هذا الحديث، والذي يظهر لي أن ظن سعد كان مصيبا. وأن دعاءه في هذه القصة كان مجابا، وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيها من المشركين، فإنه صلى الله عليه وسلم تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة وكاد الحرب أن يقع بينهم فلم يقع كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} ثم وقعت الهدنة واعتمر صلى الله عليه وسلم من قابل، واستمر ذلك إلى أن نقضوا العهد، فتوجه إليهم غازيا ففتحت مكة. فعلى هذا فالمراد بقوله: "أظن أنك وضعت الحرب" أي أن

(7/414)


يقصدونا محاربين، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الماضي قريبا في أواخر غزوة الخندق "إلا أن نغزوهم ولا يغزوننا" قوله: "فأبقني له" أي للحرب، في رواية الكشميهني: "فأبقني لهم". قوله: "فافجرها" أي الجراحة. قوله: "فانفجرت من لبته" بفتح اللام وتشديد الموحدة هي موضع القلادة من الصدر، وهي رواية مسلم والإسماعيلي. وفي رواية الكشميهني: "من ليلته" وهو تصحيف. فقد رواه حماد بن سلمة عن هشام فقال في روايته: "فإذا لبته قد انفجرت من كلمه" أي من جرحه، أخرجه ابن خزيمة. وكان موضع الجرح ورم حتى اتصل الورم إلى صدره فانفجر من ثم. قوله: "فانفجرت" بين سبب ذلك في مرسل حميد بن هلال عند ابن سعد ولفظه: "أنه مرت به عنز وهو مضطجع فأصاب ظلفها موضع الجرح فانفجر حتى مات". قوله: "فلم يرعهم" بالمهملة أي أهل المسجد، أي لم يفزعهم. قوله: "وفي المسجد خيمة" هي جملة حالية. قوله: "خيمة من بني غفار" تقدم أن ابن إسحاق ذكر أن الخيمة كانت لرفيدة الأسلمية، فيحتمل أن تكون كان لها زوج من بني غفار. قوله: "يغذو" بغين وذال معجمتين أي يسيل. قوله: "فمات منها" في رواية ابن خزيمة في آخر هذه القصة "فإذا الدم له هدير" ووقع في رواية علقمة بن وقاص عن عائشة عند أحمد "فانفجر كلمه وكان قد برئ إلا مثل الخرص" وهو بضم المعجمة وسكون الراء ثم مهملة، وهو من حلي الأذن. ولمسلم من طريق عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة" فما زال الدم يسيل حتى مات". قال فذلك حين يقول الشاعر:
ألا يا سعد سعد بني معاذ ... لما فعلت قريظة والنضير
لعمرك إن سعد بني معاذ ... غداة تحملوا لهم الصبور
تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور
وقد قال الكريم أبو حباث ... أقيموا قينقاع ولا تسيروا
وقد كانوا ببلدتهم ثفالا ... كما ثفلت بميطان الصخور
وقوله: "أبو حباث" بضم المهملة وتخفيف الموحدة وآخرها مثلثة هو عبد الله بن أبي رئيس الخزرج، وكان شفع في بني قينقاع فوهبهم النبي صلى الله عليه وسلم له وكانوا حلفاءه، وكانت قريظة حلفاء سعد بن معاذ فحكم بقتلهم فقال هذا الشاعر يوبخه بذلك. وقوله: "تركتم قدركم" أراد به ضرب المثل، وميطان موضع في بلاد مزينة من الحجاز كثير الأوعار، وأشار بذلك إلى أن بني قريظة كانوا في بلادهم راسخين من كثرة ما لهم من القوة والنجدة والمال، كما رسخت الصخور بتلك البلدة. وذكر ابن إسحاق أن هذه الأبيات لجبل بن جوال الثعلبي وهو بفتح الجيم والموحدة وأبوه بالجيم وتشديد الواو والثعلبي بمثلثة ومهملة ثم موحدة، ووقع عنده بدل قوله: "وقد قال الكريم" البيت:
وأما الخزرجي أبو حباث ... فقال لقينقاع لا تسيروا
وزاد فيها أبياتا منها:
أقيموا يا سراة الأوس فيها ... كأنكم من المخزاة غور
وأراد بذلك توبيخ سعد بن معاذ لأنه رئيس الأوس، وكان جبل بن جوال حينئذ كافرا. ولعل قصيدة كعب بن مالك التي قدمناها في غزوة بني النضير كانت جوابا لجبل، والله أعلم. وذكر ابن إسحاق لحسان بن ثابت قصيدة

(7/415)


على هذا الوزن والقافية يقول فيها:
تفاقد معشر نصروا قريشا ... وليس لهم ببلدتهم نصير
وهم أوتوا الكتاب فضيعوه ... فهم عمي عن التوراة بور
وهي من جملة قصيدته التي تقدم بعضها في غزوة بني النضير، وأجابه أبو سفيان بن الحارث عنها. وفي قصة بني قريظة من الفوائد وخبر سعد بن معاذ جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت. وفيها تحكيم الأفضل من هو مفضول. وفيها جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي خلافية في أصول الفقه، والمختار الجواز سواء كان بحضور النبي صلى الله عليه وسلم أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك، لأنه بالتقرير يصير قطعيا، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته صلى الله عليه وسلم كما في هذه القصة وقصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قتيل أبي قتادة كما سيأتي في غزوة حنين وغير ذلك، وسيأتي مزيد له في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى.
4123- حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيٌّ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِحَسَّانَ اهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ "
4124- وَزَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ اهْجُ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ "
الحديث السابع قوله: "عدي" هو ابن ثابت. قوله: "اهجهم أو هاجهم" بالشك، والثاني أخص من الأول. قوله: "وزاد إبراهيم بن طهمان" وصله النسائي وإسناده على شرط البخاري، وأبو إسحاق هو الشيباني واسمه سليمان، وزيادته في هذا الحديث معينة أن الأمر له بذلك وقع يوم قريظة، ووقع في حديث جابر رضي الله عنه عند ابن مردويه "لما كان يوم الأحزاب وردهم الله بغيظهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يحمي أعراض المسلمين؟ فقام كعب وابن رواحة وحسان، فقال لحسان: اهجهم أنت فإنه سيعينك عليهم روح القدس " فهذا يؤيد زيادة الشيباني المذكورة، فإن يوم بني قريظة مسبب عن يوم الأحزاب والله أعلم. ولا مانع أن يتعدد وقوع الأمر له بذلك. وأورد ابن إسحاق لحسان في شأن بني قريظة عدة قصائد وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في الحديث الذي قبله.

(7/416)


31 - باب غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ
"وَهِيَ غَزْوَةُ مُحَارِبِ خَصَفَةَ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ فَنَزَلَ نَخْلًا وَهِيَ بَعْدَ خَيْبَرَ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى جَاءَ بَعْدَ خَيْبَرَ"
4125- و قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ السَّابِعَةِ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ ابْنُ

(7/416)


عَبَّاسٍ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَوْفَ بِذِي قَرَدٍ"
[الحديث 4125- أطرافه في: 4137,4130,4127,4126]
4126- وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ جَابِرًا حَدَّثَهُمْ "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ يَوْمَ مُحَارِبٍ وَثَعْلَبَةَ"
4127- وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ سَمِعْتُ جَابِرًا "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ فَلَقِيَ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ فَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ وَأَخَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْ الْخَوْفِ"
وَقَالَ يَزِيدُ عَنْ سَلَمَةَ "غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقَرَدِ"
4128- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي وَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنْ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا وَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا ثُمَّ كَرِهَ ذَاكَ قَالَ مَا كُنْتُ أَصْنَعُ بِأَنْ أَذْكُرَهُ كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ".
قوله: "باب غزوة ذات الرقاع" هذه الغزوة اختلف فيها متى كانت، واختلف في سبب تسميتها بذلك. وقد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واستدل لذلك في هذا الباب بأمور سيأتي الكلام عليها مفصلا، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر فلا أدري هل تعمد ذلك تسليما لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها كما سيأتي، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين مختلفتين كما أشار إليه البيهقي، على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، قال ابن إسحاق: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بني النضير شهر ربيع وبعض جمادى - يعني من سنته - وغزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع. وعند ابن سعد وابن حبان أنها كانت في المحرم سنة خمس، وأما أبو معشر فجزم بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وهو موافق لصنيع المصنف، وقد تقدم أن غزوة قريظة كانت في ذي القعدة سنة خمس فتكون ذات الرقاع في آخر السنة وأول التي تليها، وأما موسى بن عقبة فجزم بتقديم وقوع غزوة ذات الرقاع، لكن تردد في وقتها فقال: لا ندري كانت قبل بدر أو بعدها أو قبل أحد أو بعدها، وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوه بني قريظة، لأنه تقدم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع فدل على تأخرها بعد الخندق، وسأذكر بيان ذلك واضحا في الكلام على رواية هشام عن أبي الزبير عن جابر في هذا الباب إن شاء الله تعالى. قوله: "وهي غزوة محارب خصفة" كذا فيه، وهو متابع في ذلك لرواية مذكورة

(7/417)


في أواخر الباب، وخصفة بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة ثم الفاء هو ابن قيس بن عيلان بن إلياس بن مضر، ومحارب هو ابن خصفة، والمحاربيون من قيس ينسبون إلى محارب بن خصفة هذا، وفي مضر محاربيون أيضا لكونهم ينسبون إلى محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة من إلياس بن مضر، وهم بطن من قريش منهم حبيب بن مسلمة الذي ذكره في أواخر غزوة الخندق. ولم يحرر الكرماني في هذا الموضع فإنه قال: قوله محارب هي قبيلة من فهر، وخصفة هو ابن قيس بن عيلان. وفي شرح قول البخاري محارب خصفة بهذا الكلام من الفساد ما لا يخفى، ويوضحه أن بني فهر لا ينسبون إلى قيس بوجه، نعم وفي العرنيين محارب بن صباح، وفي عبد القيس محارب بن عمرو ذكر ذلك الدمياطي وغيره، فلهذه النكتة أضيفت محارب إلى خصفة لقصد التمييز عن غيرهم من المحاربيين، كأنه قال محارب الذين ينسبون إلى خصفة لا الذين ينسبون إلى فهر ولا غيرهم. قوله: "من بني ثعلبة بن غطفان" بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة بعدها فاء، كذا وقع فيه، وهو يقتضي أن ثعلبة جد لمحارب وليس كذلك. ووقع في رواية القابسي "خصفة بن ثعلبة "وهو أشد في الوهم، والصواب ما وقع عند ابن إسحاق وغيره: "وبني ثعلبة" بواو العطف فإن غطفان هو ابن سعد بن قيس بن عيلان، فمحارب وغطفان ابنا عم فكيف يكون الأعلى منسوبا إلى الأدنى؟ وسيأتي في الباب من حديث جابر بلفظ: "محارب وثعلبة" بواو العطف على الصواب. وفي قوله: "ثعلبة بن غطفان" بباء موحدة ونون نظر أيضا. والأولى ما وقع عند ابن إسحاق "وبني ثعلبة من غطفان" بميم ونون فإنه ثعلبة بن سعد بن دينار بن معيص بن ريث بن غطفان، على أن لقوله: "ابن غطفان" وجها بأن يكون نسبه إلى جده الأعلى، وسيأتي في الباب من رواية بكر بن سوادة "يوم محارب وثعلبة" فغاير بينهما، وليس في جميع العرب من ينسب إلى بني ثعلبة بالمثلثة والمهملة الساكنة واللام المفتوحة بعدها موحدة إلا هؤلاء، وفي بني أسد بنو ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة وهم قليل. والثعلبيون يشتبهون بالتغلبيين بالمثناة ثم المعجمة واللام المكسورة فأولئك قبائل أخرى ينسبون إلى تغلب بن وائل أخي بكر بن وائل وهم من ربيعة إخوة مضر. قوله: "فنزل" أي النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "نخلا" هو مكان من المدينة على يومين، وهو بواد يقال له شرخ بشين معجمة بعدها مهملة ساكنة ثم خاء معجمة، وبذلك الوادي طوائف من قيس من بني فزارة وأنمار وأشجع، ذكره أبو عبيد البكري. "تنبيه": جمهور أهل المغازي على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب كما جزم به ابن إسحاق، وعند الواقدي أنهما ثنتان، وتبعه القطب الحلبي في شرح السيرة، والله أعلم بالصواب. قوله: "وهي" أي هذه الغزوة "بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر" هكذا استدل به، وقد ساق حديث أبي موسى بعد قليل، وهو استدلال صحيح، وسيأتي الدليل على أن أبا موسى إنما قدم من الحبشة بعد فتح خيبر في "باب غزوة خيبر" ففيه في حديث طويل "قال أبو موسى: فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر" وإذا كان كذلك ثبت أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع، ولزم أنها كانت بعد خيبر. وعجبت من ابن سيد الناس كيف قال: جعل البخاري حديث أبي موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر، قال: وليس في خبر أبي موسى ما يدل على شيء من ذلك انتهى. وهذا النفي مردود والدلالة من ذلك واضحة كما قررته. وأما شيخه الدمياطي فادعى غلط لحديث الصحيح، وأن جميع أهل السير على خلافه، وقد قدمت أنهم مختلفون في زمانها، فالأولى الاعتماد على ما ثبت في الحديث الصحيح، وقد ازداد قوة بحديث أبي هريرة وبحديث ابن عمر كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقد قيل إن الغزوة التي شهدها أبو موسى

(7/418)


وسميت ذات الرقاع غير غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف، لأن أبا موسى قال في روايته أنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف كان المسلمون فيها أضعاف ذلك، والجواب عن ذلك أن العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على من كان موافقا له من الرامة لا أنه أراد جميع من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، واستدل على التعدد أيضا بقول أبي موسى إنها سميت ذات الرقاع لما لفوا في أرجلهم من الخرق، وأهل المغازي ذكروا في تسميتها بذلك أمورا غير هذا، قال ابن هشام وغيره: سميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجر بذلك الموضع يقال له ذات الرقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض قاله ابن حبان. وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع، وهذا لعله مستند ابن حبان ويكون قد تصحف جبل بخيل، وبالجملة فقد اتفقوا على غير السبب الذي ذكره أبو موسى، لكن ليس ذلك مانعا من اتحاد الواقعة ولازما للتعدد، وقد رجح السهيلي السبب الذي ذكره أبو موسى، وكذلك النووي ثم قال: ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع، وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها. ومما يدل على التعدد أنه لم يتعرض أبو موسى في حديثه إلى أنهم صلوا صلاة الخوف ولا أنهم لقوا عدوا، ولكن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع، فإن أبا هريرة في ذلك نظير أبي موسى لأنه إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر كما سيأتي هناك، ومع ذلك فقد ذكر في حديثه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في غزوة نجد كما سيأتي في أواخر هذا الباب واضحا، وكذلك عبد الله بن عمر ذكر أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بنجد، وقد تقدم أن أول مشاهده الخندق فتكون ذات الرقاع بعد الخندق. قوله: "وقال لي عبد الله بن رجاء" كذا لأبي ذر، ولغيره: "قال عبد الله بن رجاء" ليس فيه: "لي" وعبد الله بن رجاء هذا هو الغداني البصري قد سمع منه البخاري، وأما عبد الله بن رجاء المكي فلم يدركه. وقد وصله أبو العباس السراج في مسنده المبوب فقال: "حدثنا جعفر بن هاشم حدثنا عبد الله بن رجاء" فذكره. قوله: "أخبرنا عمران القطان" هو بصري لم يخرج له البخاري إلا استشهادا. قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في الخوف" زاد السراج أربع ركعات، صلى بهم ركعتين ثم ذهبوا ثم جاء أولئك فصلى بهم ركعتين. وسيأتي في آخر الباب من وجه آخر عن يحيى بن أبي كثير بسنده، وهذا بزيادة فيه، وذلك كله في غزوة ذات الرقاع. ولجابر حديث آخر فيه ذكر صلاة الخوف على صفة أخرى، وسيأتي الكلام فيه قريبا. قوله: "في غزوة السابعة" هي من إضافة الشيء إلى نفسه على رأي، أو فيه حذف تقديره غزوة السفرة السابعة. وقال الكرماني وغيره غزوة السنة السابعة أي من الهجرة. قلت: وفي هذا التقدير نظر، إذ لو كان مرادا لكان هذا نصا في أن غزوة ذات الرقاع تأخرت بعد خيبر، ولم يحتج المصنف إلى تكلف الاستدلال لذلك بقصة أبي موسى وغير ذلك مما ذكره في الباب. نعم في التنصيص على أنها سابع غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم تأييد لما ذهب إليه البخاري من أنها بعد خيبر، فإنه إن كان المراد الغزوات التي خرج النبي صلى الله عليه وسلم فيها بنفسه مطلقا وإن لم يقاتل فإن السابعة منها تقع قبل أحد، ولم يذهب أحد إلى أن ذات الرقاع قبل أحد إلا ما تقدم من تردد موسى بن عقبة، وفيه نظر لأنهم متفقون على أن صلاة الخوف متأخرة عن غزوة الخندق، فتعين أن تكون ذات الرقاع بعد بني قريظة فتعين أن المراد الغزوات التي وقع فيها القتال، والأولى منها بدر والثانية أحد والثالثة الخندق والرابعة قريظة والخامسة المريسيع والسادسة خيبر، فيلزم من هذا أن تكون ذات الرقاع بعد

(7/419)


خيبر للتنصيص على أنها السابعة، فالمراد تاريخ الوقعة لا عدد المغازي، وهذه العبارة أقرب إلى إرادة السنة من العبارة التي وقعت عند أحمد بلفظ: "وكانت صلاة الخوف في السابعة" فإنه يصح أن يكون التقدير في الغزوة السابعة كما يصح في غزوة السنة السابعة. قوله: "وقال ابن عباس: صلى النبي صلى الله عليه وسلم - يعني صلاة الخوف - بذي قرد" بفتح القاف والراء هو موضع على نحو يوم من المدينة مما يلي بلاد غطفان، وحديث ابن عباس هذا وصله النسائي والطبراني من طريق أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد صلاة الخوف مثل صلاة حذيفة" وأخرجه أحمد وإسحاق من هذا الوجه بلفظ: "فصف الناس خلفه صفين: صف موازي العدو وصف خلفه. فصلى بالذي يليه ركعة ثم ذهبوا إلى مصاف الآخرين، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة أخرى" انتهى. وقد تقدم حديث ابن عباس في "باب صلاة الخوف" من طريق الزهري عن عبيد الله به نحو هذا، لكن ليس فيه: "بذي قرد" وزاد فيه: "والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضا" وحمله الجمهور على أن العدو كانوا في جهة القبلة كما سيأتي بعد قليل. وهذه الصفة تخالف الصفة التي وصفها جابر، فيظهر أنهما قصتان، لكن البخاري أراد من إيراد حديث ابن عباس وحديث سلمة بن الأكوع الموافق له في تسميته الغزوة الإشارة أيضا إلى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد خيبر، لأن في حديث سلمة التنصيص على أنها كانت بعد الحديبية، وخيبر كانت قرب الحديبية، لكن يعكر عليه اختلاف السبب والقصد، فإن سبب غزوة ذات الرقاع ما قيل لهم إن محارب يجمعون لهم فخرجوا إليهم إلى بلاد غطفان، وسبب غزوة القرد إغارة عبد الرحمن بن عيينة على لقاح المدينة فخرجوا في آثارهم، ودل حديث سلمة على أنه بعد أن هزمهم وحده واستنقذ اللقاح منهم أن المسلمين لم يصلوا في تلك الخرجة إلى بلاد غطفان فافترقا، وأما الاختلاف في كيفية صلاة الخوف بمجرده فلا يدل على التغاير لاحتمال أن تكون وقعت في الغزوة الواحدة على كيفيتين في صلاتين في يومين بل في يوم واحد. قوله: "وقال بكر بن سوادة: حدثني زياد بن نافع عن أبي موسى أن جابرا حدثهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يوم محارب وثعلبة" أما بكر بن سوادة فهو الجذامي المصري يكنى أبا ثمامة، وكان أحد الفقهاء بمصر، وأرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقههم فمات بها سنة ثمان وعشرين ومائة. وثقه ابن معين والنسائي، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع المعلق، وقد وصله سعيد بن منصور والطبري من طريقه بهذا الإسناد. وأما زياد بن نافع فهو التجيبي المصري تابعي صغير، وليس له أيضا في البخاري سوى هذا الموضع، وأما أبو موسى فيقال إنه علي بن رباح، وهو تابعي معروف أخرج له مسلم، ويقال هو الغافقي واسمه مالك بن عبادة وهو صحابي معروف أيضا ويقال أنه مصري لا يعرف اسمه، وليس له في البخاري أيضا إلا هذا الموضع. وقوله: "يوم محارب وثعلبة" يؤيد ما وقع من الوهم في أول الترجمة. قوله: "وقال ابن إسحاق سمعت وهب بن كيسان سمعت جابرا قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذات الرقاع من نخل فلقي جمعا من غطفان إلخ" لم أر هذا الذي ساقه عن ابن إسحاق هكذا في شيء من كتب المغازي ولا غيرها، والذي في السير تهذيب ابن هشام" قال ابن إسحاق حدثني وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي صعب" فساق قصة الجمل. وكذلك أخرجه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق. وقال ابن إسحاق قبل ذلك "وغزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع فلقي بها جمعا من غطفان، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وقد أخاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

(7/420)


بالناس صلاة الخوف ثم انصرف الناس" وهذا القدر هو الذي ذكره البخاري تعليقا مدرجا بطريق وهب بن كيسان عن جابر، وليس هو عند ابن إسحاق عن وهب كما أوضحته إلا أن يكون البخاري اطلع على ذلك من وجه آخر لم نقف عليه، أو في النسخة تقديم وتأخير فظنه موصولا بالخبر المسند، فالله أعلم. ولم أر من نبه على ذلك في هذا الموضع. ونخل بالخاء المعجمة كما تقدم: موضع من نجد من أراضي غطفان، قال أبو عبيدة البكري: لا يصرف وغفل من قال إن المراد نخل بالمدينة، واستدل به على مشروعية صلاة الخوف في الحضر، وليس كما قال. وصلاة الخوف في الحضر قال بها الشافعي والجمهور إذا حصل الخوف، وعن مالك تختص بالسفر، والحجة للجمهور قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} فلم يقيد ذلك بالسفر، والله أعلم. قوله: "وقال يزيد عن سلمة: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم القرد" أما يزيد فهو ابن أبي عبيد، وأما سلمة فهو ابن الأكوع، وسيأتي حديثه هذا موصولا قبل غزوة خيبر، وترجم له المصنف" غزوة ذي قرد وهي الغزوة التي أغاروا فيها على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم: "ثم ساقه مطولا، وليس فيه لصلاة الخوف ذكر، وإنما ذكره هنا من أجل حديث ابن عباس المذكور قبل أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بذي قرد، ولا يلزم من ذكر ذي قرد في الحديثين أن تتحد القصة، كما لا يلزم من كونه صلى الله عليه وسلم صلى الخوف في مكان أن لا يكون صلاها في مكان آخر، قال البيهقي: الذي لا نشك فيه أن غزوة ذي قرد كانت بعد الحديبية وخيبر، وحديث سلمة بن الأكوع مصرح بذلك، وأما غزوة ذات الرقاع فمختلف فيها، فظهر تغاير القصتين كما حررته واضحا. قوله: "عن أبي موسى" هو الأشعري. قوله: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن في ستة نفر" لم أقف على أسمائهم وأظنهم من الأشعريين. قوله: "بيننا بعير نعتقبه" أي نركبه عقبة عقبة، وهو أن يركب هذا قليلا ثم ينزل فيركب الآخر بالنوبة حتى يأتي على سائرهم. قوله: "فنقبت أقدامنا" بفتح النون وكسر القاف بعدها موحدة أي رقت، يقال نقب البعير إذا رق خفه. قوله: "لما كنا" أي من أجل ما فعلناه من ذلك. قوله: "نعصب" بفتح أوله وكسر الصاد المهملة. قوله: "وحدث أبو موسى بهذا" هو موصول بالإسناد المذكور، وهو مقول أبي بردة بن أبي موسى. قوله: "كره ذلك" أي لما خاف من تزكية نفسه. قوله: "كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه" وذكر أن كتمان العمل الصالح أفضل من إظهاره، إلا لمصلحة راجحة كمن يكون ممن يقتدي به وعند الإسماعيلي في رواية منقطعة قال: والله يجزي به.
4129- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَّى صَلاَةَ الْخَوْفِ "أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلاَتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ"
4130- وَقَالَ مُعَاذٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَخْلٍ فَذَكَرَ صَلاَةَ الْخَوْفِ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ"
تَابَعَهُ اللَّيْثُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ"

(7/421)


4131- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ يَقُومُ الإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ قِبَلِ الْعَدُوِّ وُجُوهُهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ فَيُصَلِّي بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَرْكَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وَيَسْجُدُونَ سَجْدَتَيْنِ فِي مَكَانِهِمْ ثُمَّ يَذْهَبُ هَؤُلاَءِ إِلَى مَقَامِ أُولَئِكَ فَيَرْكَعُ بِهِمْ رَكْعَةً فَلَهُ ثِنْتَانِ ثُمَّ يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ سَجْدَتَيْنِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ يَحْيَى سَمِعَ الْقَاسِمَ أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلٍ حَدَّثَهُ قَوْلَهُ
4132- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ"
4133- حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين, والطائفة الأخرى مواجهة العدو, ثم انصرفوا فقاموا في مقام أصحابهم,فجاء أولئك فصلى بهم ركعة ثم سلم عليهم ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء فقضو ركعتهم"
قوله: "عن صالح بن خوات" بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو وآخره مثناة أي ابن جبير بن النعمان الأنصاري، وصالح تابعي ثقة ليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد، وأبوه أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وهو صحابي جليل أول مشاهده أحد ومات بالمدينة سنة أربعين. قوله: "عمن شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف" قيل إن اسم هذا المبهم سهل ابن أبي حثمة، لأن القاسم بن محمد روى حديث صلاة الخوف عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة، وهذا هو الظاهر من رواية البخاري، ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير، لأن أبا أويس روى هذا الحديث عن يزيد بن رومان شيخ مالك فيه فقال: "عن صالح بن خوات عن أبيه" أخرجه ابن منده في "معرفة الصحابة" من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه، وجزم النووي في تهذيبه بأنه خوات بن جبير وقال: أنه محقق من رواية مسلم وغيره. قلت: وسبقه لذلك الغزالي فقال: إن صلاة ذات الرقاع في رواية خوات بن جبير. وقال الرافعي في شرح الوجيز اشتهر هذا في كتب الفقه، والمنقول في كتب الحديث رواية صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة وعمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: فلعل المبهم هو خوات والد صالح. قلت: وكأنه لم يقف على رواية خوات التي ذكرتها وبالله التوفيق. ويحتمل أن صالحا سمعه من أبيه ومن سهل بن أبي حثمة فلذلك يبهمه تارة ويعينه أخرى، إلا أن تعيين كونها كانت ذات الرقاع إنما هو في روايته عن أبيه وليس في رواية صالح عن سهل أنه صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وينفع هذا فيما سنذكره قريبا من استبعاد أن يكون سهل بن أبي حثمة كان في سن من يخرج في تلك الغزاة، فإنه لا يلزم من ذلك أن لا يرويها فتكون روايته إياها مرسل صحابي،

(7/422)


فبهذا يقوى تفسير الذي صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم بخوات والله أعلم. قوله: "أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو" وجاه بكسر الواو وبضمها أي مقابل. قوله: "فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت وأتموا لأنفسهم" هذه الكيفية تخالف الكيفية التي تقدمت عن جابر في عدد الركعات، وتوافق الكيفية التي تقدمت عن ابن عباس في ذلك، لكن تخالفها في كونه صلى الله عليه وسلم ثبت قائما حتى أتمت الطائفة لأنفسها ركعة أخرى، وفي أن الجميع استمروا في الصلاة حتى سلموا بسلام النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "وقال معاذ حدثنا هشام" كذا للأكثر، وعند النسفي "وقال معاذ بن هشام حدثنا هشام" وفيه رد على أبي نعيم ومن تبعه في الجزم بأن معاذا هذا هو ابن فضالة شيخ البخاري، ومعاذ بن هشام ثقة صاحب غرائب، وقد تابعه ابن علية عن أبيه هشام وهو الدستوائي أخرجه الطبري في تفسيره، وكذلك أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن هشام عن أبي الزبير، ولمعاذ بن هشام عن أبيه فيه إسناد آخر أخرجه الطبري عن بندار عن معاذ بن هشام عن أبيه عن سليمان اليشكري عن جابر، وسأذكر ما في رواياتهم من الاختلاف قريبا إن شاء الله تعالى. قوله: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بنخل فذكر صلاة الخوف" أورده مختصرا معلقا لأن غرضه الإشارة إلى أن روايات جابر متفقة على أن الغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة ذات الرقاع، لكن فيه نظر لأن سياق رواية هشام عن أبي الزبير هذه تدل على أنه حديث آخر في غزوة أخرى، وبيان ذلك أن في هذا الحديث عند الطيالسي وغيره: "أن المشركين قالوا: دعوهم فإن لهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم. قال فنزل جبريل فأخبره، فصلى بأصحابه العصر، وصفهم صفين" فذكر صفة صلاة الخوف، وهذه القصة إنما هي في غزوة عسفان، وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق زهير بن معاوية عن أبي الزبير بلفظ يدل على مغايرة هذه القصة لغزوة محارب في ذات الرقاع، ولفظه عن جابر قال: "غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم قوما من جهينة، فقاتلونا قتالا شديدا، فلما أن صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة واحدة لأفظعناهم، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال وقالوا: ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد" فذكر الحديث. وروى أحمد والترمذي وصححه النسائي من طريق عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضبحان وعسفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم" فذكر الحديث في نزول جبريل لصلاة الخوف، وروى أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان من حديث أبي عياش الزرقي قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان فصلى بنا الظهر وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلة، ثم قال: إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر ففرقنا فرقتين" الحديث وسياقه نحو رواية زهير عن أبي الزبير عن جابر، وهو ظاهر في اتحاد القصة. وقد روى الواقدي من حديث خالد بن الوليد قال: "لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية لقيته بعسفان فوقفت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر، فهممنا أن نغير عليهم فلم يعزم لنا، فأطلع الله نبيه على ذلك فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف" الحديث، وهو ظاهر فيما قررته أن صلاة الخوف بعسفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وأن جابرا روى القصتين معا. فأما رواية أبي الزبير عنه ففي قصة عسفان، وأما رواية أبي سلمة ووهب بن كيسان وأبي موسى المصري عنه ففي غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب وثعلبة، وإذا تقرر أن أول ما صليت صلاة الخوف في عسفان وكانت في عمرة الحديبية وهي بعد الخندق وقريظة وقد صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع وهي بعد عسفان فتعين تأخرها

(7/423)


عن الخندق وعن قريظة وعن الحديبية أيضا، فيقوى القول بأنها بعد خيبر، لأن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية، وأما قول الغزالي إن غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات فهو غلط واضح، وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره. وقال بعض من انتصر للغزالي: لعله أراد آخر غزوة صليت فيها صلاة الخوف، وهذا انتصار مردود أيضا، لما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أبي بكرة أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، وإنما أسلم أبو بكرة في غزوة الطائف باتفاق، وذلك بعد غزوة ذات الرقاع قطعا، وإنما ذكرت هذا استطرادا لتكمل الفائدة. قوله: "قال مالك" هو موصول بالإسناد المذكور. قوله: "وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف" يقتضي أنه سمع في كيفيتها صفات متعددة، وهو كذلك، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة صلاة الخوف كيفيات حملها بعض العلماء على اختلاف الأحوال، وحملها آخرون على التوسع والتخيير، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في "باب صلاة الخوف" وما ذهب إليه مالك من ترجيح هذه الكيفية وافقه الشافعي وأحمد وداود على ترجيحها لسلامتها من كثرة المخالفة ولكونها أحوط لأمر الحرب، مع تجويزهم الكيفية التي في حديث ابن عمر. ونقل عن الشافعي أن الكيفية التي في حديث ابن عمر منسوخة ولم يثبت ذلك عنه، وظاهر كلام المالكية عدم إجازة الكيفية التي في حديث ابن عمر، واختلفوا في كيفية رواية سهل بن أبي حثمة في موضع واحد وهو أن الإمام هل يسلم قبل أن تأتي الطائفة الثانية بالركعة الثانية أو ينتظرها في التشهد ليسلموا معه؟ فبالأول قال المالكية، وزعم ابن حزم أنه لم يرد عن أحد من السلف القول بذلك والله أعلم. ولم تفرق المالكية والحنفية حيث أخذوا بالكيفية التي في هذا الحديث بين أن يكون العدو في جهة القبلة أم لا، وفرق الشافعي والجمهور فحملوا حديث سهل على أن العدو كان في غير جهة القبلة فلذلك صلى بكل طائفة وحدها جميع الركعة، وأما إذا كان العدو في جهة القبلة فعلى ما تقدم في حديث ابن عباس أن الإمام يحرم بالجميع ويركع بهم، فإذا سجد سجد معه صف وحرس صف إلخ. ووقع عند مسلم من حديث جابر "صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة" وقال السهيلي: اختلف العلماء في الترجيح، فقالت طائفة يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن. وقالت طائفة يجتهد في طلب الأخير منها فإنه الناسخ لما قبله. وقالت طائفة يؤخذ بأصحها نقلا وأعلاها رواة. وقالت طائفة يؤخذ بجميعها على حساب اختلاف أحوال الخوف، فإذا أشتد الخوف أخذ بأيسرها مؤنة، والله أعلم. قوله: "تابعه الليث عن هشام عن زيد بن أسلم أن القاسم بن محمد حدثه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بني أنمار" قلت: لم يظهر لي مراد البخاري بهذه المتابعة، لأنه إن أراد المتابعة في المتن لم يصح، لأن الذي قبله غزوة محارب وثعلبة بنخل، وهذه غزوة أنمار، ولكن يحتمل الاتحاد لأن ديار بني أنمار تقرب من ديار بني ثعلبة، وسيأتي بعد باب أن أنمار في قبائلهم منهم بطن من غطفان، وإن أراد المتابعة في الإسناد فليس كذلك، بل الروايتان متخالفتان من كل وجه: الأولى متصلة بذكر الصحابي وهذه مرسلة، ورجال الأولى غير رجال الثانية، ولعل بعض من لا بصر له بالرجال يظن أن هشاما المذكور قبل هو هشام المذكور ثانيا، وليس كذلك فإن هشاما الراوي عن أبي الزبير هو الدستوائي كما بينته قبل وهو بصري، وهشام شيخ الليث فيه هو ابن سعد وهو مدني، والدستوائي لا رواية له عن زيد بن أسلم ولا رواية لليث بن سعد عنه، وقد وصل البخاري في تاريخه هذا المعلق قال: "قال لي يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا الليث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم سمع القاسم بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في غزوة بني أنمار نحوه" يعني نحو حديث صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة

(7/424)


في صلاة الخوف. قلت: فظهر لي من هذا وجه المتابعة، وهو أن حديث سهل بن أبي حثمة في غزوة ذات الرقاع متحد مع حديث جابر، لكن لا يلزم من اتحاد كيفية الصلاة في هذه وفي هذه أن تتحد الغزوة، وقد أفرد البخاري غزوة بني أنمار بالذكر كما سيأتي بعد باب. نعم ذكر الواقدي أن سبب غزوة ذات الرقاع أن أعرابيا قدم بجلب إلى المدينة فقال: إني رأيت ناسا من بني ثعلبة ومن بني أنمار وقد جمعوا لكم جموعا وأنتم في غفلة عنهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في أربعمائة ويقال سبعمائة، فعلى، هذا فغزوة بني أنمار متحدة مع غزوة بني محارب وثعلبة، وهي غزوة ذات الرقاع، والله أعلم. ويحتمل أن يكون موضع هذه المتابعة بعد حديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات فيكون متأخرا عنه، ويكون تقديمه من بعض النقلة عن البخاري، ويؤيد ذلك ما ذكرته عن تاريخ البخاري فإنه بين في ذلك، والله أعلم. قوله: "حدثنا يحيى عن يحيى" الأول هو ابن سعيد القطان وشيخه هو ابن سعيد الأنصاري، والقاسم بن محمد أي ابن أبي بكر الصديق، وصالح بن خوات تقدم التعريف به، ففي الإسناد ثلاثة من التابعين المدنيين في نسق: يحيى الأنصاري فمن فوقه وسهل بن أبي حثمة بفتح المهملة وسكون المثناة واسمه عبد الله وقيل عامر وقيل اسم أبيه عبد الله وأبو حثمة جده واسمه عامر بن ساعدة، وهو أنصاري من بني الحارث بن الخزرج، اتفق أهل العلم بالأخبار على أنه كان صغيرا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما ذكر ابن أبي حاتم عن رجل من ولد سهل أنه حدثه أنه بايع تحت الشجرة وشهد المشاهد إلا بدرا وكان الدليل ليلة أحد. وقد تعقب هذا جماعة من أهل المعرفة وقالوا: إن هذه الصفة لأبيه، وأما هو فمات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين، وممن جزم بذلك الطبري وابن حبان وابن السكن وغير واحد، وعلى هذا فتكون روايته لقصة صلاة الخوف مرسلة ويتعين أن يكون مراد صالح بن خوات ممن شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف غيره، والذي يظهر أنه أبوه كما تقدم والله أعلم. قوله: "يقوم الإمام" هذا ذكره موقوفا، وقد أخرجه المصنف بعد حديث من طريق ابن أبي حاتم واسمه عبد العزيز عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وأورده من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه مرفوعا. قوله: "عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله" أي مثل المتن الموقوف من رواية يحيى عن يحيى، وقد أورده مسلم وأبو داود من هذا الوجه بلفظ: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في الخوف فصفهم خلفه صفين" فذكر الحديث، وهو مما يقوي ما قدمته أن سهل بن أبي حثمة لم يشهد ذلك وأن المراد بقول صالح بن خوات ممن شهد أبوه لا سهل والله أعلم. قوله: "أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فوازينا" بالزاي أي قاتلنا "العدو فصاففنا لهم" وقد تقدم في "باب صلاة الخوف" أن رواية الكشميهني: "فصففناهم" وكذا أخرجه أحمد عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه، وهكذا أورده البخاري من طريق شعيب هنا مقتصرا منها على هذا القدر، وعقبها بطريق معمر فلم يتعرض لصدر الحديث بل أوله "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين والطائفة الأخرى مواجهة العدو" الحديث، فأما رواية شعيب فتقدمت في "باب صلاة الخوف" تامة، وأما رواية معمر فأخرجها أبو داود عن مسدد شيخ البخاري فيه كذلك، ووقع في آخرها "ثم قام فقضوا ركعتهم، وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم" ولفظ القضاء فيها على معنى الأداء لا على معنى القضاء الاصطلاحي، وقد وقع في رواية شعيب "فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين" وهي تبين المراد في رواية ابن جريج عن الزهري عند أحمد نحوه، وقد تقدم الكلام على بقية هذا الحديث في "باب صلاة الخوف".

(7/425)


4134- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سِنَانٌ وَأَبُو سَلَمَةَ أَنَّ جَابِرًا أَخْبَرَ "أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ...."
4135- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ قَالَ جَابِرٌ فَنِمْنَا نَوْمَةً ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا فَجِئْنَاهُ فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا فَقَالَ لِي مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قُلْتُ اللَّهُ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
4136- وَقَالَ أَبَانُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَاتِ الرِّقَاعِ فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ فَاخْتَرَطَهُ فَقَالَ تَخَافُنِي قَالَ لاَ قَالَ فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ اللَّهُ فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعٌ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ وَقَالَ مُسَدَّدٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ اسْمُ الرَّجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ وَقَاتَلَ فِيهَا مُحَارِبَ خَصَفَةَ"
4137- وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَخْلٍ فَصَلَّى الْخَوْفَ" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ نَجْدٍ صَلاَةَ الْخَوْفِ" وَإِنَّمَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ خَيْبَرَ.
قوله: "حدثني سنان وأبو سلمة" أما سنان فهو ابن أبي سنان الدؤلي كما في الرواية الثانية، والدؤلي بضم المهملة وفتح الهمزة، وهو مدني اسم أبيه يزيد بن أمية، وثقه العجلي وغيره وما له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر من روايته عن أبي هريرة في الطب، وأما أبو سلمة فهو عبد الرحمن بن عوف كذا رواه شعيب عنهما، ورواه إبراهيم بن سعد كما تقدم في الجهاد فلم يذكر فيه أبا سلمة، وكذا رواه مسلم عن محمد بن جعفر الوركاني عن إبراهيم بن سعد، ورواه الحارث بن أبي أسامة عن محمد الوركاني هذا فأثبت فيه أبا سلمة، ورواه ابن أبي عتيق عن الزهري فلم يذكر أبا سلمة، ورواه معمر عن الزهري كما سيأتي بعد أحاديث قليلة فلم يذكر سنانا، فكأن الزهري كان تارة يجمعهما وتارة يفرد أحدهما. وإسماعيل في الرواية الثانية هو ابن أبي أويس،

(7/426)


وأخوه هو عبد الحميد، وسليمان شيخه هو ابن بلال، ومحمد بن أبي عتيق نسب إلى جده، فإن أبا عتيق هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ومحمد هذا الراوي هو ابن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، وقد ساق البخاري الحديث على لفظ ابن أبي عتيق فيه ذكر أبي سلمة، وذكر من طريق شعيب وهي عن سنان وأبي سلمة معا قطعة يسيرة، فإن جابرا أخبر أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، وتقدم في الجهاد عن أبي اليمان وحده بتمامه، ورأيتها موافقة لرواية ابن أبي عتيق إلا في آخره كما سأبينه. وأما رواية إبراهيم بن سعد ففيها اختصار. وقد رواه عن جابر أيضا سليمان بن قيس كما في رواية مسدد التي بعد هذه بحديث. ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة كما في الرواية المعلقة بعده، فذكر بعض ما في حديث الزهري وزاد قصة صلاة الخوف. قوله: "أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد" في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع". قوله: "فأدركتهم القائلة" أي وسط النهار وشدة الحر. قوله: "كثير العضاه" بكسر المهملة وتخفيف الضاد المعجمة: كل شجر يعظم له شوك، وقيل هو العظيم من السمر مطلقا، وقد تقدم غير مرة. قوله: "فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة" أي شجرة كثيرة الورق. وفي رواية معمر "فاستظل بها" ويفسره ما في رواية يحيى" فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي صلى الله عليه وسلم". قوله: "قال جابر" هو موصول بالإسناد المذكور، وسقط ذلك من رواية معمر. قوله: "فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، فجئناه، فإذا عنده أعرابي" هذا السياق يفسر رواية يحيى، فإن فيها "فجاء رجل من المشركين إلخ" فبينت هذه الرواية أن هذا القدر لم يحضره الصحابة وإنما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دعاهم واستيقظوا. قوله: "أعرابي جالس" في رواية معمر "فإذا أعرابي قاعد بين يديه" وسيأتي ذكر اسمه قريبا. قوله: "وهو في يده صلتا" بفتح المهملة وسكون اللام بعدها مثناة، أي مجردا عن غمده. قوله: "فقال لي: من يمنعك مني"؟ في رواية يحيى "فقال: تخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني "؟ وكرر ذلك في رواية أبي اليمان في الجهاد ثلاث مرات، وهو استفهام إنكار، أي لا يمنعك مني أحد، لأن الأعرابي كان قائما والسيف في يده والنبي صلى الله عليه وسلم جالس لا سيف معه. ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن الله سبحانه وتعالى منع نبيه صلى الله عليه وسلم منه، وإلا فما أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه "الله" أي يمنعني منك إشارة إلى ذلك، ولذلك أعادها الأعرابي فلم يزده على الجواب، وفي ذلك غاية التهكم به وعدم المبالاة به أصلا. قوله: "فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية يحيى بن أبي كثير "فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهرها يشعر بأنهم حضروا القصة وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، بل وقع في رواية إبراهيم بن سعد في الجهاد بعد قوله: قلت الله "فشام السيف" وفي رواية معمر "فشامه" والمراد أغمده، وهذه الكلمة من الأضداد، يقال شامه إذا استله وشامه إذا أغمده، قاله الخطابي وغيره، وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم وعرف أنه حيل بينه وبينه تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه فألقى السلاح وأمكن من نفسه. ووقع في رواية ابن إسحاق بعد قوله قال الله "فدفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك أنت مني؟ قال: لا أحد. قال: قم فاذهب لشأنك . فلما ولى قال: أنت خير مني" وأما قوله في الرواية: "فها هو جالس ثم لم يعاقبه" فيجمع مع رواية ابن إسحاق بأن قوله: "فاذهب" كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته، فمن عليه لشدة رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في استئلاف الكفار ليدخلوا في

(7/427)


الإسلام، ولم يؤخذ بما صنع، بل عفا عنه. وقد ذكر الواقدي في نحو هذه القصة وأنه أسلم وأنه رجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير. ووقع في رواية ابن إسحاق التي أشرت إليها" ثم أسلم بعد". قوله: "وقال أبان" هو ابن يزيد العطار، وروايته هذه وصلها مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان عنه بتمامه. قوله: "وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين إلخ" هذه الكيفية مخالفة للكيفية التي في طريق أبي الزبير عن جابر، وهو مما يقوي أنهما واقعتان. قوله: "وقال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث، وقاتل فيها محارب خصفة" هكذا أورده مختصرا من الإسناد ومن المتن، فأما الإسناد فأبو عوانة هو الوضاح البصري وأما أبو بشر فهو جعفر بن أبي وحشية، وبقية الإسناد ظاهر فيما أخرجه مسدد في مسنده رواية معاذ بن المثنى عنه، وكذلك أخرجها إبراهيم الحربي في كتاب "غريب الحديث: "له عن مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر عن سليمان بن قيس عن جابر، وأما المتن فتمامه عن جابر قال: "غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفه بنخل فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف" فذكره وفيه: "فقال الأعرابي: غير أني أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله. فجاء إلى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس. فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس". الحديث. وغورث وزن جعفر وقيل بضم أوله وهو بغين معجمة وراء ومثلثة مأخوذ من الغرث وهو الجوع، ووقع عند الخطيب بالكاف بدل المثلثة، وحكى الخطابي فيه غويرث بالتصغير، وحكى عياض أن بعض المغاربة قال في البخاري بالعين المهملة قال: وصوابه بالمعجمة. ومحارب خصفة تقدم بيانه في أول الباب. ووقع عند الواقدي في سبب هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور وأنه أسلم، لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين فالله أعلم. وفي الحديث فرط شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال. وفيه جواز تفرق العسكر في النزول ونومهم، وهذا محله إذا لم يكن هناك ما يخافون منه. قوله: "وقال أبو الزبير عن جابر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخل فصلى الخوف" تقدمت الإشارة إلى ذكر من وصله قبل مع التنبيه على ما فيه من المغايرة. قوله: "وقال أبو هريرة صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة نجد صلاة الخوف" وصله أبو داود وابن حبان والطحاوي من طريق أبي الأسود أنه سمع عروة يحدث عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة هل صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ قال هريرة: نعم قال مروان: متى؟ قال: عام غزوة نجد. قوله: "وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أيام خيبر" يريد بذلك تأكيد ما ذهب إليه من أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد خيبر. لكن لا يلزم من كون الغزوة كانت من جهة نجد أن لا تتعدد، فإن نجدا وقع القصد إلى جهتها في عدة غزوات، وقد تقدم تقرير كون جابر روى قصتين في صلاة الخوف بما يغني عن إعادته، فيحتمل أن يكون أبو هريرة حضر التي بعد خيبر لا التي قبل خيبر.

(7/428)


باب غزوة بني المصطلق من خزاعة المريسيع
...
32 - باب غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ
وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: "وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ" وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: "سَنَةَ أَرْبَعٍ" وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: "كَانَ حَدِيثُ الإِفْكِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ"
4138- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى

(7/428)


بْنِ حَبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْعَزْلِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ "
4139- حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ نَجْدٍ فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ وَهُوَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَاسْتَظَلَّ بِهَا وَعَلَّقَ سَيْفَهُ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الشَّجَرِ يَسْتَظِلُّونَ وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْنَا فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاخْتَرَطَ سَيْفِي فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي مُخْتَرِطٌ صَلْتًا قَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قُلْتُ اللَّهُ فَشَامَهُ ثُمَّ قَعَدَ فَهُوَ هَذَا قَالَ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"

(7/429)


33 - باب غَزْوَةِ أَنْمَارٍ
حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارٍ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا قِبَلَ الْمَشْرِقِ مُتَطَوِّعًا".
قوله: "باب" هكذا وقع هنا، وذكر ما يتعلق بها. ثم أورد حديث أبي سعيد في العزل ثم قال بعد ذلك "حدثني محمود "يعني ابن غيلان" حدثنا عبد الرزاق" فذكر حديث جابر في غزوة نجد، وفيه قصة الأعرابي، وهذا محله في غزوة ذات الرقاع. وقد وقع في رواية أبي ذر عن المستملي: "في غزوة ذات الرقاع" وهو أنسب. ثم ذكر بعد هذه ترجمة وهي غزوة أنمار ذكر فيها حديث جابر "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أنمار يصلي على راحلته" وهذا الحديث قد تقدم في "باب قصر الصلاة" وكان محل هذا قبل غزوة بني المصطلق لأنه عقبه بترجمة حديث الإفك والإفك كان في غزوة بني المصطلق فلا معنى لإدخال غزوة أنمار بينهما، بل غزوة أنمار يشبه أن تكون هي غزوة محارب وبني ثعلبة، لما تقدم من قول أبي عبيد: إن الماء لبني أشجع وأنمار وغيرهما من قيس، والذي يظهر أن التقديم والتأخير في ذلك من النساخ والله أعلم. ولم يذكر أهل المغازي غزوة أنمار، وذكر مغلطاي أنها غزوة أمر بفتح الهمزة وكسر الميم، فقد ذكر ابن إسحاق أنها كانت في صفر، وعند ابن سعد" قدم قادم بجلب فأخبر أن أنمار وثعلبة قد جمعوا لهم، فخرج لعشر خلون من المحرم فأتى محلهم بذات الرقاع" وقيل: إن غزوة أنمار وقعت في أثناء غزوة بني المصطلق لما روى أبو الزبير عن جابر "أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعير" الحديث. ويؤيده رواية الليث عن القاسم بن محمد "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في غزوة بني أنمار صلاة الخوف" ويحتمل أن رواية جابر لصلاته صلى الله عليه وسلم تعددت. قوله:

(7/429)


"غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع" أما المصطلق فهو بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء المهملة وكسر اللام بعدها قاف، وهو لقب، واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة، بطن من بني خزاعة. وقد تقدم بيان نسب خزاعة في أوائل السيرة النبوية. وأما المريسيع فبضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانيتين بينهما مهملة مكسورة وآخره عين مهملة، هو ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة يوم. وقد روى الطبراني من حديث سفيان بن وبرة قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق". قوله: "قال ابن إسحاق وذلك سنة ست" كذا هو في مغازي ابن إسحاق رواية يونس بن بكير وغيره عنه وقال: في شعبان وبه جزم خليفة والطبري، وروى البيهقي من رواية قتادة وعروة وغيرهما أنها كانت في شعبان سنة خمس، وكذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق. قوله: "وقال موسى بن عقبة سنة أربع" كذا ذكره البخاري، وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع. والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس، ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب "ثم قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس" ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد "عن ابن عمر أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق في شعبان سنة أربع" ولم يؤذن له في القتال لأنه إنما أذن له فيه في الخندق كما تقدم وهي بعد شعبان سواء قلنا إنها كانت سنة خمس أو سنة أربع. وقال الحاكم في "الإكليل" قول عروة وغيره إنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق. قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك كما سيأتي، فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهي أشد، فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل الخندق لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضا فتكون بعدها فيكون سعد بن معاذ موجودا في المريسيع ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جراحته في قريظة. وسأذكر ما وقع لعياض من ذلك في أثناء الكلام على حديث الإفك إن شاء الله تعالى. ويؤيده أيضا أن حديث الإفك كان سنة خمس إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة فيكون المريسيع بعد ذلك فيرجح أنها سنة خمس، أما قول الواقدي إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس فمردود، وقد جزم خليفة وأبو عبيدة وغير واحد بأنه كان سنة ثلاث، فحصلنا في الحجاب على ثلاثة أقوال أشهرها سنة أربع والله أعلم. قوله: "وقال النعمان بن راشد عن الزهري: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع" وصله الجوزقي والبيهقي في "الدلائل" من طريق حماد بن زيد عن النعمان بن راشد ومعمر عن الزهري عن عائشة فذكر قصة الإفك في غزوة المريسيع، وبهذا قال ابن إسحاق وغير واحد من أهل المغازي إن قصة الإفك كانت في رجوعهم من غزوة المريسيع. وذكر ابن إسحاق عن مشايخه عاصم بن عمر بن قتادة وغيره أنه صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار فخرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع قريبا من الساحل، فزاحف الناس واقتتلوا، فهزمهم الله، وقتل منهم، ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وأبناءهم وأموالهم. كذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة، والذي في الصحيح كما تقدم في كتاب العتق من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم

(7/430)


على حين غفلة منهم فأوقع بهم ولفظه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم" الحديث، فيحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلا، فلما كثر فيهم القتل انهزموا بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافوا ووقع القتال بين الطائفتين ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم، وقد ذكر هذه القصة ابن سعد نحو ما ذكر ابن إسحاق، وأن الحارث كان جمع جموعا وأرسل عينا تأتيه بخبر المسلمين فظفروا به فقتلوه، فلما بلغه ذلك هلع وتفرق الجمع وانتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الماء وهو المريسيع فصف أصحابه للقتال ورموهم بالنبل ثم حملوا عليهم حملة واحدة فما أفلت منهم إنسان بل قتل منهم عشرة وأسر الباقون رجالا ونساء، وساق ذلك اليعمري في "عيون الأثر" ثم ذكر حديث ابن عمر ثم قال: أشار ابن سعد إلى حديث ابن عمر ثم قال: الأول أثبت. قلت: آخر كلام ابن سعد، والحكم بكون الذي في السير أثبت مما في الصحيح مردود، ولا سيما مع إمكان الجمع والله أعلم. ثم ذكر المصنف حديث ابن محيريز واسمه عبد الله ومحيريز بمهملة وراء ثم زاي بصيغة التصغير عن أبي سعيد في قصة العزل، وسيأتي شرحه في كتاب النكاح إن شاء تعالى، والغرض منه هنا ذكر غزوة بني المصطلق في الجملة، وقد أشرت إلى قصتها مجملا ولله الحمد.

(7/431)


34 - باب حَدِيثِ الإِفْكِ
وَالأَفَكُ بِمَنْزِلَةِ النِّجْسِ وَالنَّجَسِ يُقَالُ إِفْكُهُمْ وَأَفْكُهُمْ وَأَفَكُهُمْ
فَمَنْ قَالَ {أَفَكَهُمْ} يَقُولُ صَرَفَهُمْ عَنْ الإِيمَانِ وَكَذَّبَهُمْ
كَمَا قَالَ[9 الذاريات]: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} : يُصْرَفُ عَنْهُ مَنْ صُرِفَ
4141- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصًا وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ قَالُوا قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدْ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ قَالَتْ وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ

(7/431)


خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلاَ مُجِيبٌ فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي وَ وَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ وَلاَ سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَهُمْ نُزُولٌ قَالَتْ فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الإِفْكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الإِفْكِ أَيْضًا إِلاَّ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي نَاسٍ آخَرِينَ لاَ عِلْمَ لِي بِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّ كِبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وَتَقُولُ إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ لاَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لاَ أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلاَ أَشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا وَكُنَّا لاَ نَ