Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب التفسير
مدخل
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
65- كِتَاب تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اسْمَانِ مِنْ الرَّحْمَةِ الرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْعَلِيمِ وَالْعَالِمِ
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب التفسير" في رواية أبي ذر "كتاب تفسير القرآن" وأخر غيره البسملة والتفسير تفعيل من الفسر وهو البيان، تقول: فسرت الشيء بالتخفيف أفسره فسرا، وفسرته بالتشديد أفسره تفسيرا إذا بينته. وأصل الفسر نظر الطبيب إلى الماء ليعرف العلة. وقيل: هو من فسرت الفرس إذا ركضتها محصورة لينطلق حصرها. وقيل هو مقلوب من سفر كجذب وجبذ، تقول: سفر إذا كشف وجهه، ومنه أسفر الصبح إذا أضاء. واختلفوا في التفسير والتأويل، قال أبو عبيدة وطائفة: هما بمعنى. وقيل التفسير هو بيان المراد باللفظ، والتأويل هو بيان المراد بالمعنى، وقيل في الفرق بينهما غير ذلك، وقد بسطته في أواخر كتاب التوحيد. قوله: "الرحمن الرحيم اسمان من الرحمة" أي مشتقان من الرحمة، والرحمة لغة الرقة والانعطاف، وعلى هذا فوصفه به تعالى مجاز عن إنعامه على عباده، وهي صفة فعل لا صفة ذات. وقيل: ليس الرحمن مشتقا لقولهم وما الرحمن؟ وأجيب بأنهم جهلوا الصفة والموصوف، ولهذا لم يقولوا: ومن الرحمن؟ وقيل: هو علم بالغلبة لأنه جاء غير تابع لموصوف في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ} {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا} وغير ذلك. وتعقب بأنه لا يلزم من مجيئه غير تابع أن لا يكون صفة، لأن الموصوف إذا علم جاز حذفه وإبقاء صفته. قوله: "الرحيم والراحم بمعنى واحد كالعليم والعالم" هذا بالنظر إلى أصل المعنى، وإلا فصيغة فعيل من صيغ المبالغة، فمعناها زائد على معنى الفاعل، وقد ترد صيغة فعيل بمعنى الصفة المشبهة، وفيها أيضا زيادة لدلالتها على الثبوت، بخلاف مجرد الفاعل فإنه يدل على الحدوث ويحتمل أن يكون المراد أن فعيلا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول لأنه قد يرد بمعنى مفعول فاحترز عنه، واختلف هل الرحمن والرحيم بمعنى واحد كالندمان والنديم فجمع بينهما تأكيدا؟ أو بينهما مغايرة بحسب المتعلق فهو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لأن رحمته في الدنيا تعم المؤمن والكافر وفي الآخرة تخص المؤمن، أو التغاير بجهة أخرى فالرحمن أبلغ لأنه يتناول جلائل النعم وأصولها. تقول فلان غضبان إذا امتلأ غضبا. وأردف بالرحيم ليكون كالتتمة ليتناول ما دق. وقيل الرحيم أبلغ لما يقتضيه صيغة فعيل، والتحقيق أن جهة المبالغة فيهما مختلفة. وروى ابن جرير من طريق عطاء الخراساني أن غير الله لما تسمى بالرحمن كمسيلمة جيء بلفظ الرحيم لقطع التوهم فإنه لم يوصف بهما أحد إلا الله، وعن ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسأل يغضب، ومن الشاذ ما روي عن المبرد وثعلب أن الرحمن عبراني والرحيم عربي، وقد ضعفه ابن الأنباري والزجاج وغيرهما، وقد وجد في اللسان العبراني لكن بالخاء المعجمة. والله أعلم

(8/155)


باب ما جاء في سورة الفاتحة
...
1- باب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلاَةِ

(8/155)


وَالدِّينُ الْجَزَاءُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ بِالدِّينِ بِالْحِسَابِ مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ
قوله: "باب ما جاء في فاتحة الكتاب" أي من الفضل، أو من التفسير، أو أعم من ذلك، مع التقييد بشرطه في كل وجه. قوله: "وسميت أم الكتاب أنه" بفتح الهمزة "يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة" هو كلام أبي عبيدة في أول "، مجاز القرآن" لكن لفظه: "ولسور القرآن أسماء: منها أن الحمد لله تسمى أم الكتاب لأنه يبدأ بها في أول القرآن، وتعاد قراءتها فيقرأ بها في كل ركعة قبل السورة، ويقال لها فاتحة الكتاب لأنه يفتتح بها في المصاحف فتكتب قبل الجميع" انتهى. وبهذا تبين المراد مما اختصره المصنف. وقال غيره: سميت أم الكتاب لأن أم الشيء ابتداؤه وأصله، ومنه سميت مكة أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها. وقال بعض الشراح: التعليل بأنها يبدأ بها يناسب تسميتها فاتحة الكتاب لا أم الكتاب، والجواب أنه يتجه ما قال بالنظر إلى أن الأم مبدأ الولد، وقيل سميت أم القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى والتعبد بالأمر والنهي والوعد ولوعيد. وعلى ما فيها من ذكر الذات والصفات والفعل. واشتمالها على ذكر المبدأ والمعاد والمعاش. ونقل السهيلي عن الحسن وابن سيرين ووافقهما بقي بن مخلد كراهية تسمية الفاتحة أم الكتاب، وتعقبه السهيلي. قلت وسيأتي في حديث الباب تسميتها بذلك، ويأتي في تفسير الحجر حديث أبي هريرة مرفوعا: "أم القرآن هي السبع المثاني" ولا فرق بين تسميتها بأم القرآن وأم الكتاب. ولعل الذي كره ذلك وقف عند لفظ الأم، وإذا ثبت النص طاح ما دونه. وللفاتحة أسماء أخرى جمعت من آثار أخرى: الكنز والوافية والشافعية والكافية وسورة الحمد لله وسورة الصلاة وسورة الشفاء والأساس وسورة الشكر وسورة الدعاء. قوله: "الدين الجزاء في الخير والشر. كما تدين تدان" هو كلام أبي عبيدة أيضا قال: الدين الحساب والجزاء، يقال في المثل: كما تدين تدان. انتهى، وقد ورد هذا في حديث مرفوع أخرجه عبد الرازق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا وهو مرسل رجاله ثقات. ورواه عبد الرزاق بهذا الإسناد أيضا عن أبي قلابة عن أبي الدرداء موقوفا وأبو قلابة لم يدرك أبا الدرداء. وله شاهد موصول من حديث ابن عمر أخرجه ابن عدي وضعفه. قوله: "وقال مجاهد: بالدين بالحساب. مدينين محاسبين" وصله عبد بن حميد في التفسير من طريق منصور عن مجاهد في قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} قال: بالحساب. ومن طريق ورقاء بن عمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} غير محاسبين. والأثر الأول جاء موقوفا عن ناس من الصحابة أخرجه الحاكم من طريق السدي عن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: هو يوم الحساب ويوم الجزاء وللدين معان أخرى: منها العادة والحكم والحال والخلق والطاعة والقهر والملة والشريعة والورع والسياسة، وشواهد ذلك يطول ذكرها.
4474- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: " كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي فَقَالَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ثُمَّ قَالَ لِي لاَعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ أَلَمْ تَقُلْ

(8/156)


لاَعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَالَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُه" .
[4474- أطرافه في: 4647، 4703، 5006]
قوله: "حدثني خبيب" بالمعجمة مصغر "ابن عبد الرحمن" أي ابن خبيب بن يساف الأنصاري، وحفص ابن عاصم أي ابن عمر بن الخطاب. قوله: "عن أبي سعيد بن المعلى" بين في رواية أخرى تأتي في تفسير الأنفال سماع خبيب له من حفص وحفص له من أبي سعيد، وليس لأبي سعيد هذا في البخاري سوى هذا الحديث. واختلف في اسمه فقيل: رافع، وقيل: الحارث وقواه ابن عبد البر ووهى الذي قبله. وقيل أوس وقيل بل أوس اسم أبيه والمعلى جده. ومات أبو سعيد سنة ثلاث أو أربع وسبعين من الهجرة، وأرخ ابن عبد البر وفاته سنة أربع وسبعين، وفيه نظر بينته في كتابي في الصحابة.
" تنبيهان " يتعلقان بإسناد هذا الحديث: " أحدهما " نسب الغزالي والفخر الرازي وتبعه البيضاوي هذه القصة لأبي سعيد الخدري، وهو وهم، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى، " ثانيهما " روى الواقدي هذا الحديث عن محمد بن معاذ عن خبيب بن عبد الرحمن بهذا الإسناد فزاد في إسناده عن أبي سعيد بن المعلى عن أبي بن كعب. والذي في الصحيح أصح. والواقدي شديد الضعف إذا انفرد فكيف إذا خالف. وشيخه مجهول. وأظن الواقدي دخل عليه حديث في حديث فإن مالكا أخرج نحو الحديث المذكور من وجه آخر فيه ذكر أبي بن كعب فقال: عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي سعيد مولى عامر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب" ومن الرواة عن مالك من قال: "عن أبي سعيد عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم ناداه" وكذلك أخرجه الحاكم، ووهم ابن الأثير حيث ظن أن أبا سعيد شيخ العلاء هو أبو سعيد بن المعلى، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري من أنفسهم مدني، وذلك تابعي مكي من موالي قريش، وقد اختلف فيه على العلاء أخرجه الترمذي من طريق الدراوردي والنسائي من طريق روح بن القاسم وأحمد في طريق عبد الرحمن بن إبراهيم وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة كلهم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب" فذكر الحديث وأخرجه الترمذي وابن خزيمة من طريق عبد الحميد بن جعفر والحاكم من طريق شعبة كلاهما عن العلاء مثله لكن قال: "عن أبي هريرة رضي الله عنه" ورجح الترمذي كونه من مسند أبي هريرة، وقد أخرجه الحاكم أيضا من طريق الأعرج عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب" وهو مما يقوي ما رجحه الترمذي، وجمع البيهقي بأن القصة وقعت لأبي بن كعب ولأبي سعيد بن المعلى ويتعين المصير إلى ذلك لاختلاف مخرج الحديثين واختلاف سياقهما كما سأبينه. قوله: "كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه" زاد في تفسير الأنفال من وجه آخر عن شعبة "فلم آته حتى صليت ثم أتيته" وفي رواية أبي هريرة "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب وهو يصلي فقال: أي أبي، فألتفت فلم يجبه، ثم صلى فخفف. ثم انصرف فقال: سلام عليك يا رسول الله قال: ويحك ما منعك إذ دعوتك أن لا تجيبني" الحديث. قوله: "ألم يقل الله تعالى {اسْتَجِيبُوا} في حديث أبي هريرة " أو ليس تجد فيما أوحى الله إلي أن {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الآية؟ فقلت: بلى يا رسول الله، لا أعود إن شاء الله" .
" تنبيه " نقل ابن التين عن الداودي أن في حديث الباب تقديما وتأخيرا، وهو قوله: "ألم يقل الله {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} قبل قول أبي سعيد" كنت في الصلاة "قال: فكأنه تأول أن من هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب قال: والذي تأول القاضيان عبد الوهاب وأبو الوليد أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض يعصى المرء بتركه، وأنه

(8/157)


حكم يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم قلت: وما ادعاه الداودي لا دليل عليه، وما جنح إليه القاضيان من المالكية هو قول الشافعية على اختلاف عندهم بعد قولهم بوجوب الإجابة هل تبطل الصلاة أم لا. قوله : "لأعلمنك سورة هي أعظم السور" في رواية روح في تفسير الأنفال " لأعلمنك أعظم سورة في القرآن " وفي حديث أبي هريرة أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها "قال ابن التين معناه أن ثوابها أعظم من غيرها، واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض وقد منع ذبك الأشعري وجماعة، لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل وأسماء الله وصفاته وكلامه لا نقص فيها، وأجابوا عن ذلك بأن معنى التفاضل أن ثواب بعضه أعظم من ثواب بعض، فالتفضيل إنما هو من حيث المعاني لا من حيث الصفة، ويؤيد التفضيل قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} وقد روى ابن أبي حاتم من طريق علي ابن طلحة عن ابن عباس في قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} أي في المنفعة والرفق والرفعة، وفي هذا تعقب على من قال: فيه تقديم وتأخير والتقدير نأت منها بخير، وهو كما قيل في قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} لكن قوله في آية الباب {أَوْ مِثْلِهَا} يرجح الاحتمال الأول، فهو المعتمد، والله أعلم. قوله: "ثم أخذ بيدي" زاد في حديث أبي هريرة "يحدثني وأنا أتباطأ مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث" . قوله: "ألم تقل لأعلمنك سورة" في حديث أبي هريرة "قلت يا رسول الله ما السورة التي قد وعدتني؟ قال: كيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأت عليه أم الكتاب" . قوله: "قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم" في رواية معاذ في تفسير الأنفال "فقال: هي الحمد لله رب العالمين، السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" وفي حديث أبي هريرة "فقال: إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " وفي هذا تصريح بأن المراد بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي} هي الفاتحة. وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس "أن السبع المثاني هي السبع الطوال" أي السور من أول البقرة إلى آخر الأعراف ثم براءة، وقيل يونس. وعلى الأول فالمراد بالسبع الآي لأن الفاتحة سبع آيات، وهو قول سعيد بن جبير. واختلف في تسميتها "مثاني" فقيل لأنها تثنى كل ركعة أي تعاد، وقيل لأنها يثنى بها على الله تعالى، وقيل لأنها استثنيت لهذه الأمة لم تنزل على من قبلها، قال ابن التين: فيه دليل على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست آية من القرآن، كذا قال، عكس غيره لأنه أراد السورة، ويؤيده أنه لو أراد { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الآية لم يقل هي السبع المثاني لأن الآية الواحدة لا يقال لها سبع فدل على أنه لو أراد بها السورة. والحمد لله رب العالمين من أسمائها، وفيه قوة لتأويل الشافعي في حديث أنس قال: كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، قال الشافعي: أراد السورة وتعقب بأن هذه السورة تسمى سورة الحمد لله، ولا تسمى الحمد لله رب العالمين، وهذا الحديث يرد هذا التعقب، وفيه أن الأمر يقتضي الفور لأنه عاتب الصحابي على تأخير إجابته. وفيه استعمال صيغة العموم في الأحوال كلها قال الخطابي: فيه أن حكم لفظ العموم أن يجري على جميع مقتضاه، وأن الخاص والعام إذا تقابلا كان العام منزلا على الخاص، لأن الشارع حرم الكلام في الصلاة على العموم، ثم استثنى منه إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وفيه أن إجابة المصلي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا تفسد الصلاة، هكذا صرح به جماعة من الشافعية وغيرهم. وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقا سواء كان المخاطب مصليا أو غير مصل، أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج فليس من الحديث ما يستلزمه. فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج

(8/158)


المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية، وهل يختص هذا الحكم بالنداء أو يشمل ما هو أعم حتى تجب إجابته إذا سأل؟ فيه بحث وقد جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة في قصة ذي اليدين كان كذلك. قوله: "والقرآن العظيم الذي أوتيته" قال الخطابي: في قوله: "هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم، وأن الواو ليست بالعاطفة التي تفصل بين الشيئين. وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل كقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} وقوله: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} انتهى. وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله: "والقرآن العظيم" محذوف الخبر والتقدير ما بعد الفاتحة مثلا فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله: "هي السبع المثاني" ثم عطف قوله: "والقرآن العظيم" أب ما زاد على الفاتحة وذكر ذلك رعاية لنظم الآية ويكون التقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة.
" تنبيه " يستنبط من تفسير السبع المثاني بالفاتحة أن الفاتحة مكية وهو قول الجمهور، خلافا لمجاهد. ووجه الدلالة أنه سبحانه أمتن على رسوله بها، وسورة الحجر مكية اتفاقا فيدل على تقديم نزول الفاتحة عليها. قال الحسين بن الفضل: هذه هفوة من مجاهد، لأن العلماء على خلاف قوله، وأغرب بعض المتأخرين فنسب القول بذنك لأبي هريرة والزهري وعطاء بن يسار، وحكى القرطبي أن بعضهم زعم أنها نزلت مرتين، وفيه دليل على أن الفاتحة سبع آيات، ونقلوا فيه الإجماع لكن جاء عن حسين بن علي الجعفي أنها ست آيات لأنه لم يعد البسملة وعن عمرو بن عبيد أنها ثمان آيات لأنه عدها وعد {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وقيل لم يعدها وعد {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وهذا أغرب الأقوال.

(8/159)


2- باب {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}
4475- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} فَقُولُوا آمِينَ فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه"
قوله: "باب {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} قال أهل العربية "لا" زائدة لتأكيد معنى النفي المفهوم من غير، لئلا يتوهم عطف الضالين على الذين أنعمت. وقيل لا بمعنى غير، ويؤيده قراءة عمر "غير المغضوب عليهم وغير الضالين" ذكرها أبو عبيد وسعيد بن منصور بإسناد صحيح، وهي للتأكيد أيضا وروى أحمد وابن حبان من حديث عدي بن حاتم "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المغضوب عليهم اليهود، ولا الضالين النصارى" هكذا أورده مختصرا، وهو عند الترمذي في حديث طويل. وأخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر، وأخرجه أحمد من طريق عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافا، قال السهيلي: وشاهد ذلك قوله تعالى في اليهود {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} وفي النصارى {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً} . حديث أبي هريرة في موافقة الإمام في التأمين، وقد تقدم شرحه في صفة الصلاة، وروى أحمد وأبو داود والترمذي من حديث وائل بن حجر قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال: آمين، ومد بها صوته" وروى أبو داود وابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة.

(8/159)


سورة البقرة: باب قول الله {وعلم آدم الأسماء كلها}
...
2- سورة الْبَقَرَةِ 10- باب قَوْلِ اللَّهِ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}
4476- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح و قَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ فَيَسْتَحِي فَيَقُولُ ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ لِي فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُود" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى خَالِدِينَ فِيهَا" .
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم سورة البقرة" كذا لأبي ذر وسقطت البسملة لغيره. واتفقوا على أنها مدنية وأنها أول سورة أنزلت بها. وسيأتي قول عائشة "ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صلى الله عليه وسلم:"ولم يدخل عليها إلا بالمدينة. قوله: "باب قول الله تعالى {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} كذا لأبي ذر وسقطت لغيره: "باب قول الله" . قوله: "حدثنا مسلم" هو ابن إبراهيم، وهشام هو الدستوائي، وساق المصنف حديث الشفاعة لقول أهل الموقف لآدم وعلمك أسماء كل شيء، واختلف في المراد بالأسماء: فقيل أسماء ذريته، وقيل أسماء الملائكة، وقيل أسماء الأجناس دون أنواعها، وقيل أسماء كل ما في الأرض، وقيل أسماء كل شيء حتى القصعة. وقد غفل المزي في "الأطراف" فنسب هذه الطريقة إلى كتاب الإيمان وليس لها فيه ذكر. وإنما هي في التفسير. وسيأتي شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف.

(8/160)


2- باب - قَالَ مُجَاهِدٌ {إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} أَصْحَابِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ {مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} اللَّهُ جَامِعُهُمْ عَلَى الْخَاشِعِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا قَالَ مُجَاهِدٌ {بِقُوَّةٍ} يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ مَرَضٌ شَكٌّ وَمَا خَلْفَهَا عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ لاَ شِيَةَ لاَ بَيَاضَ وَقَالَ غَيْرُهُ {يَسُومُونَكُمْ} يُولُونَكُمْ الْوَلاَيَةُ مَفْتُوحَةٌ مَصْدَرُ الْوَلاَءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ إِذَا كُسِرَتْ الْوَاوُ فَهِيَ الإِمَارَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا {فُومٌ} وَقَالَ قَتَادَةُ {فَبَاءُوا} فَانْقَلَبُوا وَقَالَ غَيْرُهُ يَسْتَفْتِحُونَ يَسْتَنْصِرُونَ شَرَوْا بَاعُوا رَاعِنَا مِنْ الرُّعُونَةِ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا رَاعِنًا لاَ يَجْزِي لاَ يُغْنِي خُطُوَاتِ مِنْ الْخَطْوِ وَالْمَعْنَى آثَارَهُ ابْتَلَى اخْتَبَر"
قوله: "باب" كذا لهم بغير ترجمة. قوله: "قال مجاهد إلى آخر ما أورده عنه من التفاسير" سقط جميع ذلك للسرخسي. قوله: "إلى شياطينهم: أصحابهم من المنافقين والمشركين" وصله عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} قال: إلى أصحابهم، فذكره. ومن طريق شيبان عن قتادة قال: إلى إخوانهم من المشركين ورءوسهم وقادتهم في الشر. وروى الطبراني نحوه عن ابن مسعود، ومن طريق ابن عباس قال: كان رجال من اليهود إذا لقوا الصحابة قالوا إنا على دينكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم - وهم أصحابهم - قالوا: إنا معكم. والنكتة في تعدية خلوا بإلى مع أن أكثر ما يتعدى بالباء أن الذي يتعدى بالباء يحتمل الانفراد والسخرية تقول: خلوت به إذا سخرت منه، والذي يتعدى بإلى نص في الانفراد، أفاد ذلك الطبري ويحتمل أن يكون ضمن "خلا" معنى ذهب. وعلى طريقة الكوفيين بأن حروف الجر تتناوب، فإلى بمعنى الباء أو بمعنى مع. قوله: "محيط بالكافرين: الله جامعهم" وصله عبد بن حميد بالإسناد المذكور عن مجاهد، ووصله الطبري من وجه آخر عنه وزاد: "في جهنم" ومن طريق ابن عباس في قوله: {مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} قال منزل بهم النقمة. "تنبيه" قوله: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} جملة مبتدأ وخبر اعترضت بين جملة {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ} وجملة "يكاد البرق يخطف أبصارهم" . قوله: {صبغة}: دين" وصله عبد بن حميد من طريق منصور عن مجاهد قال قوله صبغة الله أي دين الله، ومن طريق ابن أبي نجيح عنه قال: صبغة الله أي فطرة الله، ومن طريق قتادة قال: إن اليهود تصبغ أبناءها تهودا، وكذلك النصارى، وإن صبغة الله الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به نوحا ومن بعده انتهى وقراءة الجمهور ضبغة بالنصب وهو مصدر انتصب عن قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} على الأرجح، وقيل منصوب على الإغراء أي ألزموا، وكأن لفظ صبغة ورد بطريق المشاكلة لأن النصارى كانوا يغمسون من ولد منهم في ماء المعمودية ويزعمون أنهم يطهرونهم بذلك، فقيل للمسلمين ألزموا صبغة الله فإنها أطهر. قوله: {عَلَى الْخَاشِعِينَ} : على المؤمنين حقا" وصله عبد بن حميد عن شبابة بالسند المذكور عن مجاهد، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي العالية قال في قوله: {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} قال: يعني الخائفين، ومن طريق مقاتل بن حبان قال: يعني به المتواضعين. قوله: "بقوة يعمل بما فيه" وصله عبد بالسند المذكور، وروى ابن أبي حاتم والطبري من طريق أبي العالية قال القوة الطاعة، ومن طريق قتادة والسدي قال: القوة الجد والاجتهاد. قوله: "وقال أبو العالية: مرض شك" وصله ابن

(8/161)


أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي عن أبي العالية في قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي شك، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مثله، ومن طريق عكرمة قال: الرياء. ومن طريق قتادة في قوله: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} أي نفاقا وروى الطبري من طريق قتادة في قوله: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} قال ريبة وشك في أمر الله تعالى. قوله: "وما خلفها عبرة لمن بقي" وصله ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي عن أبي العالية في قوله: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم {مَا خَلْفَهَا} أي عبرة لمن بقي بعدهم من الناس. قوله: "لا شية فيها لا بياض فيها" تقدم في ترجمة موسى من أحاديث الأنبياء. قوله: "وقال غيره يسومونكم يولونكم" هو بضم أوله وسكون الواو والغير المذكور هو أبو عبيد القاسم بن سلام ذكره كذلك في "الغريب المصنف" وكذا قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في "المجاز: ومنه قول عمرو بن كلثوم:
إذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الخسف فينا
ويحتمل أن يكون السوم بمعنى الدوام أي يديمون تعذيبكم، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي. وقال الطبري معنى يسومونكم يوردونكم أو يذيقونكم أو يولونكم. قوله: "الولاية مفتوحة" أي مفتوحة الواو "مصدر الولاء وهي الربوبية وإذا كسرت الواو فهي الإمارة" هو معنى كلام أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: {هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} : الولاية بالفتح مصدر الولي. وبالكسر. ووليت العمل والأمر تليه. وذكر البخاري هذه الكلمة وإن كانت في الكهف لا في البقرة ليقوى تفسير يسومونكم يولونكم. قوله: "وقال بعضهم: الحبوب التي تؤكل كلها فوم" هذا حكاه الفراء في معاني القرآن عن عطاء وقتادة قال: الفوم كل حب يختبز وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أن الفوم الحنطة، وحكى ابن جرير أن في قراءة ابن مسعود الثوم بالمثلثة. وبه فسره سعيد بن جبير وغيره، فإن كان محفوظا فالفاء تبدل من الثاء في عدة أسماء فيكون هذا منها والله أعلم. قوله: "وقال قتادة فباءوا فانقلبوا" وصله عبد بن حميد من طريقه. قوله: "وقال غيره: {يَسْتَفْتِحُونَ} يستنصرون" هو تفسير أبي عبيدة، وروى مثله الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس. ومن طريق، الضحاك عن ابن عباس قال: أي يستطهرون. وروى ابن إسحاق في السيرة النبوية عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ لهم قالوا: فينا وفي اليهود نزلت، وذلك أنا كنا قد علوناهم في الجاهلية فكانوا يقولون: إن نبيا سيبعث قد أظل زمانه فنقتلكم معه، فلما بعث الله نبيه واتبعناه كفروا به. فنزلت. وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن ابن عباس مطولا. قوله: {شَرَوْا} باعوا هو قول أبي عبيدة أيضا، قال في قوله: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أي باعوا، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي. قوله: {رَاعِنَا} عن الرعونة، إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانا قالوا راعنا" قلت هذا على قراءة من نون وهي قراءة الحسن البصري وأبي حيوة، ووجهه أنها صفة لمصدر محذوف أي لا تقولوا قولا راعنا أي قولا ذا رعونة. وروى ابن أبي حاتم من طريق عباد بن منصور عن الحسن قال: الراعن السخري من القول، نهاهم الله أن يسخروا من محمد. ويحتمل أن يضمن القول التسمية أي لا تسموا نبيكم راعنا. الراعن الأحمق والأرعن مبالغة فيه. وفي قراءة أبي بن كعب {لا تقولوا راعونا} وهي بلفظ الجمع. وكذا في مصحف ابن مسعود وفيه أيضا: "أرعونا" وقرأ الجمهور {رَاعِنَا} بغير تنوين على أنه فعل أمر من المراعاة. إنما نهوا عن ذلك لأنها كلمة تقتضي المساواة، وقد فسرها مجاهد: لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك. وعن عطاء: كانت لغة تقولها

(8/162)


الأنصار فنهوا عنها. وعن السدي قال: كان رجل يهودي يقال له رفاعة بن زيد يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له: ارعني سمعك واسمع غير مسمع، فكان المسلمون يحسبون أن في ذلك تفخيما للنبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يقولون ذلك فنهوا عنه، وروى أبو نعيم في "الدلائل" بسند ضعيف جدا عن ابن عباس قال: راعنا بلسان اليهود السبب القبيح فسمع سعد بن معاذ ناسا من اليهود خاطبوا بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لئن سمعتها من أحد منكم لأضربن عنقه. قوله: "لا تجزي: لا تغني" هو قول أبي عبيدة في قوله تعالى: {لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} أي لا تغني، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: يعني لا تعني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئا. قوله: "خطوات من الخطو والمعنى آثاره" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} : هي الخطأ واحدتها خطوة ومعناها آثار الشيطان، وروى ابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال: خطوات الشيطان نزغات الشيطان.
ومن طريق مجاهد خطوات الشيطان خطاه. ومن طريق القاسم بن الوليد: قلت لقتادة فقال: كل معصية الله فهي من خطوات الشيطان، وروى سعيد بن منصور عن أبي مجلز قال: خطوات الشيطان النذور في المعاصي. كذا قال. واللفظ أعم من ذلك فمن في كلامه مقدرة. قوله: "ابتلى اختبر" هو تفسير أبي عبيدة والأكثر. وقال الفراء: أمره، وثبت هذا في نسخة الصغاني

(8/163)


باب قول الله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون}
...
3- باب قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
4477- حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك"
[الحديث 4477- أطرافه في: 4761، 6001، 6811، 6861، 7520، 7532]
قوله: "باب قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الأنداد جمع ند بكسر النون وهو النظير، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي العالية قال: الند العدل. ومن طريق الضحاك عن ابن عباس قال: الأنداد الأشباه وسقط لفظ: "باب" لأبي ذر. حديث ابن مسعود "أي الذنب أعظم" وسيأتي شرحه في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى.

(8/163)


4- باب {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْمَنُّ صَمْغَةٌ وَالسَّلْوَى الطَّيْرُ
4478- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْن"
[الحديث 4478- طرفاه في: 4639، 5708]

(8/163)


باب {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها رغدا حيث شئتم...}
...
5- باب {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} رَغَدًا وَاسِعٌ كَثِيرٌ
4479- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ فَبَدَّلُوا وَقَالُوا حِطَّةٌ حَبَّةٌ فِي شَعَرَة"
قوله: "باب {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ} الآية كذا لأبي ذر، وساق غيره الآية إلى قوله: {الْمُحْسِنِينَ} . قوله: "رغدا" واسعا كثيرا هو من تفسير أبي عبيدة قال: الرغد الكثير الذي لا يتعب يقال قد أرغد فلان إذا أصاب عيشا واسعا كثيرا. وعن الضحاك عن ابن عباس في قوله: {وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} قال: الرغد سعة المعيشة، أخرجه الطبري. وأخرج من طريق السدي عن رجاله قال: الرغد الهنيء، ومن طريق مجاهد قال: الرغد الذي لا حساب فيه. حديث أبي هريرة في قوله تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} وقد تقدم ذكره في قصة موسى من أحاديث الأنبياء وأحلت بشرحه على تفسير سورة الأعراف، وسأذكره هناك إن شاء الله تعالى، وقوله في أول هذا الإسناد "حدثنا محمد" لم يقع منسوبا إلا في رواية أبي علي بن السكن عن الفربري فقال: "محمد بن سلام" ويحتمل عندي أن يكون محمد بن يحيى الذهلي، فإنه يروى عن عبد الرحمن بن مهدي

(8/164)


أيضا، وأما أبو على الجياني فقال: الأشبه أنه محمد بن بشار.

(8/165)


باب قوله {من كان عدوا لجبريل}
...
6- باب {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ}
وَقَالَ عِكْرِمَةُ جَبْرَ وَمِيكَ وَسَرَافِ عَبْدٌ إِيلْ اللَّهُ
4480- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِيٌّ فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا قَالَ جِبْرِيلُ قَالَ نَعَمْ قَالَ ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلاَمِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي فَجَاءَتْ الْيَهُودُ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ قَالُوا خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا قَالَ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ فَقَالُوا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَانْتَقَصُوهُ قَالَ فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ"
قوله: "باب {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} كذا لأبي ذر ولغيره. قوله: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} قيل سبب عداوة اليهود لجبريل أنه أمر باستمرار النبوة فيهم فنقلها لغيرهم، وقيل لكونه يطلع على أسرارهم. قلت: وأصح منهما ما سيأتي بعد قليل لكونه الذي ينزل عليهم بالعذاب. قوله: "قال عكرمة: جبر وميك وسراف: عبد، إيل: الله" وصله الطبري في طريق عاصم عنه قال: جبريل عبد الله، وميكائيل عبد الله، إيل: الله. ومن وجه آخر عن عكرمة: جبر عبد، وميك عبد، وإيل الله. ومن طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس نحو الأول وزاد: وكل اسم فيه إيل فهو الله. ومن طريق عبد الله بن الحارث البصري أحد التابعين قال. أيل الله بالعبرانية. ومن طريق علي بن الحسين قال: اسم جبريل عبد الله وميكائيل عبيد الله يعني بالتصغير وإسرافيل عبد الرحمن وكل اسم فيه إيل فهو معبد لله. وذكر عكس هذا وهو أن إيل معناه عبد وما قبله معناه اسم لله كما تقول عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم فلفظ عبد لا يتغير وما بعده يتغير لفظه وإن كان المعنى واحدا، ويؤيده أن الاسم المضاف في لغة غير العرب غالبا يتقدم فيه المضاف إليه على المضاف. وقال الطبري وغيره: في جبريل لغات، فأهل الحجاز يقولون بكسر الجيم بغير همز وعلى ذلك عامة القراء وبنو أسد مثله لكن آخره نون، وبعض أهل نجد وتميم وقيس

(8/165)


يقولون جبرئيل بفتح الجيم والراء بعدها همزة وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر وخلف واختيار أبي عبيد، وقراءة يحيى بن وثاب وعلقمة مثله لكن بزيادة ألف، وقراءة يحيى بن آدم مثله لكن بغير ياء، وذكر عن الحسن وابن كثير أنهما قرآ كالأول لكن بفتح الجيم، وهذا الوزن ليس في كلام العرب فزعم بعضهم أنه اسم أعجمي وعن يحيى بن يعمر جبرئيل بفتح الجيم والراء بعدها همزة مكسورة وتشديد اللام. ثم ذكر حديث أنس في قصة عبد الله بن سلام وقد تقدمت قبيل كتاب المغازي، وتقدم معظم شرحها هناك. وقوله ذاك عدو اليهود في الملائكة فقرأ هذه الآية {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} ظاهر السياق أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قرأ الآية ردا لقول اليهود. ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ وهذا هو المعتمد، فقد روى أحمد والترمذي والنسائي في سبب نزول الآية قصة غير قصة عبد الله بن سلام، فأخرجوا من طريق بكير بن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم. إنا نسألك عن خمسة أشياء. فإن أنبأتنا بها عرفنا أنك نبي واتبعناك - فذكر الحديث وفيه - أنهم سألوه عما حرم إسرائيل على نفسه، وعن علامة النبوة، وعن الرعد وصوته وكيف تذكر المرأة وتؤنث، وعمن يأتيه بالخبر من السماء فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه" وفي رواية لأحمد والطبري من طريق شهر بن حوشب عن ابن عباس "عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتبايعني؟ فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق" فذكر الحديث لكن ليس فيه السؤال عن الرعد. وفي رواية شهر بن حوشب " لما سألوه عمن يأتيه من الملائكة قال: جبريل، قال: ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه. فقالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة لبايعناك وصدقناك. قال فما منعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا، فنزلت" وفي رواية بكير بن شهاب" قالوا جبريل ينزل بالحرب والقتل والعذاب، لو كان ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر" فنزلت وروى الطبري من طريق الشعبي "أن عمر كان يأتي اليهود فيسمع من التوراة فيتعجب كيف تصدق ما في القرآن، قال فمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم فقلت نشدتكم بالله أتعلمون أنه رسول الله؟ فقال له عالمهم: نعم نعلم أنه رسول الله. قال: فلم لا تتبعونه؟ قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وسلما، وإنه قرن بنبوته من الملائكة عدونا" فذكر الحديث وأنه لحق النبي صلى الله عليه وسلم فتلا عليه الآية. وأورده. من طريق قتادة عن عمر نحوه. وأورد ابن أبي حاتم والطبري أيضا من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى "أن يهوديا لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا. فقال عمر: من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين. فنزلت على وفق ما قال:"وهذه طرق يقوى بعضها بعضا، ويدل على أن سبب نزول الآية قول اليهودي المذكور لا قصة عبد الله ابن سلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له عبد الله بن سلام: إن جبريل عدو اليهود، تلا عليه الآية مذكرا له سبب نزولها والله أعلم. وحكى الثعلبي من ابن عباس أن سبب عداوة اليهود لجبريل أن نبيهم أخبرهم أن بختنصر سيخرب بيت المقدس، فبعثوا رجلا ليقتله فوجده شابا ضعيفا فمنعه جبريل من قتله وقال له: إن كان الله أراد هلاككم على يده فلن تسلط عليه. وإن كان غيره فعلى أي حق تقتله؟ فتركه، فكبر بختنصر وغزا بيت المقدس فقتلهم وخربه، فصاروا يكرهون جبريل لذلك، وذكر أن الذي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك هو عبد الله بن صوريا. وقوله: "أما أول أشراط الساعة فنار " يأتي شرح ذلك في أواخر كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. وقوله: "أما أول أشراط الساعة فنار " يأتي شرح ذلك في أواخر كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى.

(8/166)


7- باب قَوْلِهِ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِأهَا}
4481- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ وَأَقْضَانَا عَلِيٌّ وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ وَذَاكَ أَنَّ أُبَيًّا يَقُولُ لاَ أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِأهَا} " .
[الحديث 4481- طرفه في: 5005]
قوله: "باب قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} كذا لأبي ذر ننسها بضم أوله كسر السين بغير همز، ولغيره: "ننسأها" والأول قراءة الأكثر واختارها أبو عبيدة وعليه أكثر المفسرين، والثانية قراءة ابن كثير وأبي عمرو وطائفة، وسأذكر توجيههما، وفيها قراءات أخرى في الشواذ. قوله: "حدثنا يحيى" هو القطان، وسفيان هو الثوري. قوله: "عن حبيب" هو ابن أبي ثابت، وورد منسوبا في رواية صدقة ابن الفضل عن يحيى القطان في فضائل القرآن. وفي رواية الإسماعيلي من طريق ابن خلاد "عن يحيى بن سعيد عن سفيان حدثنا حبيب" . قوله: "قال عمر أقرؤنا أبي وأقضانا علي" كذا أخرجه موقوفا، وقد أخرجه الترمذي وغيره من طريق أبي قلابة عن أنس مرفوعا في ذكر أبي وفيه ذكر جماعة وأوله "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر - وفيه - وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب" الحديث وصححه، لكن قال غيره: إن الصواب إرساله، وأما قوله: "وأقضانا علي" فورد في حديث مرفوع أيضا عن أنس رفعه: "أقضي أمتي على بن أبي طالب" أخرجه البغوي، وعن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأقضاهم علي" الحديث ورويناه موصولا في "فوائد أبي بكر محمد بن العباس بن نجيح" من حديث أبي سعيد الخدري مثله، وروى البزار من حديث ابن مسعود قال: "كنا نتحدث أن أقضي أهل المدينة على بن أبي طالب رضي الله عنه. قوله: "وإنا لندع من قول أبي" في رواية صدقة "من لحن أبي" واللحن اللغة. وفي رواية ابن خلاد "وإنا لنترك كثيرا من قراءة أبي" . قوله: "سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية صدقة "أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أتركه لشيء" لأنه بسماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يحصل له العلم القطعي به، فإذا أخبره غيره عنه بخلافه لم ينتهض معارضا له حتى يتصل إلى درجة العلم القطعي، وقد لا يحصل ذلك غالبا. "تنبيه" هذا الإسناد فيه ثلاثة من الصحابة في نسق: ابن عباس عن عمر عن أبي بن كعب. قوله: "وقد قال الله تعالى إلخ" هو مقول عمر محتجا به على أبي بن كعب ومشيرا إلى أنه ربما قرأ ما نسخت تلاوته لكونه لم يبلغه النسخ، واحتج عمر لجواز وقوع ذلك بهذه الآية. وقد أخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "خطبنا عمر فقال: إن الله يقول: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِأهَا} أي نؤخرها" وهذا يرجح رواية من قرأ بفتح أوله وبالهمز، وأما قراءة من قرأ بضم أوله فمن النسيان، وكذلك كان سعيد بن المسيب يقرؤها فأنكر عليه سعد بن أبي وقاص أخرجه النسائي وصححه الحاكم، وكانت قراءة سعد "أو ننساها" بفتح المثناة خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم واستدل بقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} وروى ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: "ربما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل ونسيه بالنهار فنزلت واستدل بالآية المذكورة على وقوع النسخ خلافا لمن شذ فمنعه، وتعقب بأنها قضية شرطية لا تستلزم الوقوع، وأجيب بأن السياق وسبب

(8/167)


النزول كان في ذلك لأنها نزلت جوابا لمن أنكر ذلك.

(8/168)


8- باب {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ}
4482- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا"
قوله: "باب وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه" كذا للجميع وهي قراءة الجمهور، وقرأ ابن عامر "قالوا" بحذف الواو، واتفقوا على أن الآية نزلت فيمن زعم أن لله ولدا من يهود خيبر ونصارى نجران ومن قال من مشركي العرب الملائكة بنات الله فرد الله تعالى عليهم. قوله: "قال الله تعالى" هذا من الأحاديث القدسية. قوله: " وأما شتمه إياي فقوله لي ولد" إنما سماه شتما لما فيه من التنقيص لأن الولد إنما يكون عن والدة تحمله ثم تضعه ويستلزم ذلك سبق النكاح، والنكاح يستدعى باعثا له على ذلك. والله سبحانه منزه عن جميع ذلك، ويأتي شرحه في تفسير سورة الإخلاص.

(8/168)


9- باب قوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} {مَثَابَةً} يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ
4483- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ: "عُمَرُ وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلاَثٍ أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلاَثٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ قَالَ وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ نِسَائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ إِنْ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا مِنْكُنَّ حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ قَالَتْ يَا عُمَرُ أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ} الآيَة"
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعْتُ أَنَسًا عَنْ عُمَر"
قوله: "باب {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} كذا لهم، والجمهور على كسر الخاء من قوله: "واتخذوا" بصيغة الأمر، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء بصيغة الخبر، والمراد في اتبع إبراهيم. وهو معطوف على قوله: "جعلنا" فالكلام جملة واحدة، وقيل على "وإذ جعلنا" فيحتاج إلى تقدير "إذ" ويكون الكلام جملتين، وقيل على محذوف تقديره فثابوا أي رجعوا واتخذوا، وتوجيه قراءة الجمهور أنه معطوف على ما تضمنه قوله: "مثابة" كأنه قال ثوبوا واتخذوا، أو معمول لمحذوف أي وقلنا اتخذوا، ويحتمل أن يكون الواو للاستئناف. قوله: {مَثَابَةً}

(8/168)


10- باب قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الْقَوَاعِدُ أَسَاسُهُ وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ وَاحِدُهَا قَاعِدٌ

(8/169)


4484- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أَلَمْ تَرَيْ أَنْ قَوْمَكِ بَنَوْا الْكَعْبَةَ وَاقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ" فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ اسْتِلاَمَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلاَّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيم"
قوله: "باب {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} ساق إلى - العليم. قوله: "القواعد أساسه. واحدتها قاعدة" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} قال: قواعده أساسه. وقال الفراء: يقال القواعد أساس البيت. قال الطبري: اختلفوا في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل أهما أحدثاها أم كانت قبلهما ثم روى بسند صحيح عن ابن عباس قال: "كانت قواعد البيت قبل ذلك" ومن طريق عطاء قال: قال آدم أي رب لا أسمع أصوات الملائكة، قال: ابن لي بيتا ثم أحفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل حتى بناه إبراهيم بعد، وقد تقدم بزيادة فيه في قصة إبراهيم عليه السلام من أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قوله: "والقواعد من النساء واحدتها قاعد" أراد الإشارة إلى أن لفظ الجمع مشترك، وتظهر التفرقة بالواحد، فجمع النساء اللواتي قعدن عن الحيض والاستمتاع قاعد بلا هاء ولولا تخصيصهن بذلك لثبت الهاء نحو قاعدة من القعود المعروف. ثم ذكر المصنف حديث عائشة في بناء قريش البيت، وقد سبق بسطه في كتاب الحج. حديث عائشة في بناء قريش البيت، وقد سبق بسطه في كتاب الحج.

(8/170)


باب {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا}
...
11- باب قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}
4485- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلاَمِ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الْآيَةَ
[الحديث 4485- طرفاه في: 7262، 7542]
قوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} "سقط لفظ: "باب" لغير أبي ذر. قوله: "كان أهل الكتاب" أي اليهود. قوله: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه. أو كذبا فتصدقوه فتقعوا في الحرج. ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد بخلافه. ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفائه. نبه على ذلك الشافعي رحمه الله ويؤخذ من هذا الحديث التوقف عن الخوض في المشكلات والجزم فيها بما يقع في الظن، وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف من ذلك. قوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية" زاد في الاعتصام { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} وزاد الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن المثنى

(8/170)


عن عثمان بن عمر بهذا الإسناد "وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون".

(8/171)


باب {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها}
...
12- باب قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة 142]
4486- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ سَمِعَ زُهَيْرًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ وَأَنَّهُ صَلَّى أَوْ صَلاَهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ قَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيم} "
قوله: "باب قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ} الآية كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى قوله: " {مُسْتَقِيمٍ} والسفهاء جمع سفيه وهو خفيف العقل، وأصله من قولهم ثوب سفيه أي خفيف النسج، واختلف في المراد بالسفهاء فقال البراء في حديث الباب وابن عباس ومجاهد: هم اليهود. وأخرج ذلك الطبري عنهم بأسانيد صحيحة، وروي من طريق السدي قال: هم المنافقون، والمراد بالسفهاء الكفار وأهل النفاق واليهود، أما الكفار فقالوا لما حولت القبلة: رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا فإنه علم أنا على الحق، وأما أهل النفاق فقالوا، إن كان أولا على الحق فالذي انتقل إليه باطل وكذلك بالعكس، وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء ولو كان نبيا لما خالف، فلما كثرت أقاويل هؤلاء السفهاء أنزلت هذه الآيات من قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} إلى قوله تعالى:َ {فلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} الآية. قوله: "ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا" تقدم الكلام عليه وعلى شرح الحديث في كتاب الإيمان.

(8/171)


باب {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}
...
13- باب قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
4487- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَأَبُو أُسَامَةَ وَاللَّفْظُ لِجَرِيرٍ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا

(8/171)


باب {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ...}
...
14- باب قَوْلِهِ: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [143 البقرة]
4488- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ إِذْ جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرْآنًا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَة"
قوله: "باب قول الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} الآية" كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى قوله: {رَءُوفٌ رَحِيمٌ} حديث ابن عمر في تحويل القبلة، أورده مختصرا، وقد تقدم شرحه في أوائل الصلاة مستوفى.

(8/173)


15- باب: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ- إِلَى- عَمَّا تَعْمَلُونَ }
4489- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ غَيْرِي"
قوله: "باب قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} الآية" وفي رواية كريمة إلى {عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
قوله: "عن أنس" صرح في رواية الإسماعيلي وأبي نعيم بسماع سليمان له من أنس. قوله: "لم يبق ممن صلى القبلتين غيري" يعني الصلاة إلى بيت المقدس وإلى الكعبة، وفي هذا إشارة إلى أن أنسا آخر من مات ممن صلى إلى القبلتين، والظاهر أن أنسا قال ذلك وبعض الصحابة ممن تأخر إسلامه موجود، ثم تأخر أنس إلى أن كان آخر من مات بالبصرة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله علي بن المديني والبزار وغيرهما. بل قال ابن عبد البر: هو آخر الصحابة موتا مطلقا، لم يبق بعده غيره أبي الطفيل، كذا قال وقيه نظر، فقد ثبت لجماعة ممن سكن البوادي من الصحابة تأخرهم عن أنس وكانت وفاة أنس سنة تسعين أو إحدى أو ثلاث وهو أصح ما قيل، وله مائة وثلاث سنين على الأصح أيضا، وقيل أكثر من ذلك، وقيل أقل. وقوله تعالى: { فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} هي الكعبة وروى الحاكم من حديث ابن عمر في قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} قال: نحو ميزاب الكعبة، وإنما قال ذلك لأن تلك الجهة قبلة أهل المدينة.

(8/173)


16- باب - {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ - إِلَى قَوْلِهِ- إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ}
4490- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "بَيْنَمَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ أَلاَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الْكَعْبَة"
قوله: "باب {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} الآية" كذا لأبي ذر، ولغيره إلى "لمن الظالمين" ذكر فيه حديث ابن عمر المشار إليه قبل باب من وجه آخر.

(8/174)


17- باب- {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ- إِلَى قَوْلِهِ- فَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ}
4491- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَة"
قوله: باب {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} كذا لأبي ذر ولغيره: "إلى آخر الآية" وساق فيه حديث ابن عمر المذكور من وجه آخر.

(8/174)


18- باب - {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
4492- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْوَ الْقِبْلَة"
قوله: "باب {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} الآية كذا لأبي ذر، ولغيره:"إلى {كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} . قوله: "صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ثم صرفه نحو القبلة" في رواية الكشميهني: "ثم صرفوا" وهذا طرف من حديث البراء المشار إليه قريبا.

(8/174)


19- باب- {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} شَطْرُهُ تِلْقَاؤُهُ

(8/174)


20- باب- {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ -إِلَى قَوْلِهِ- وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
4494- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ "بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْقِبْلَة"
قوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية" كذا لأبي ذر ولغيره إلى {عَمَّا تَعْمَلُونَ} . قوله: "شطره تلقاؤه" قال الفراء في قوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} يريد نحوه، قال: وفي بعض القراءات "تلقاءه" وروى الطبري من طريق أبي العالية قال: {شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} تلقاءه "ومن طريق قتادة نحوه. ثم ذكر حديث ابن عمر من طريق أخرى.

(8/175)


باب قوله {إن الصفا والمروة من شعائر الله...}
...
21- باب- قَوْلِه:ِ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}
شَعَائِرُ عَلاَمَاتٌ وَاحِدَتُهَا شَعِيرَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
الصَّفْوَانُ الْحَجَرُ وَيُقَالُ الْحِجَارَةُ الْمُلْسُ الَّتِي لاَ تُنْبِتُ شَيْئًا وَالْوَاحِدَةُ صَفْوَانَةٌ بِمَعْنَى الصَّفَا وَالصَّفَا لِلْجَمِيعِ.
4495- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فَمَا أُرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَلاَ لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ كَانَتْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} "

(8/175)


22- باب: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا} أضدادا، واحدها ند
4497- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ وَهْوَ لاَ يَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا دَخَلَ الْجَنَّة"
قوله: "باب قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} يعني أضدادا واحدها ند" قد تقدم تفسير الأنداد في أوائل هذه السورة، وتفسير الأنداد بالأضداد لأبي عبيدة وهو تفسير باللازم، وذكر هنا أيضا حديث ابن مسعود "من مات وهو يجعل لله ندا" وقد مضى شرحه في أوائل كتاب الجنائز، ويأتي الإلمام بشيء منه الأيمان والنذور. حديث ابن مسعود "من مات وهو يجعل لله ندا" قد مضى شرحه في أوائل كتاب الجنائز، ويأتي الإلمام بشيء منه الأيمان والنذور.

(8/176)


23- باب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ} إِلَى قَوْلِهِ {عَذَابٌ أَلِيمٌ} عُفِيَ تُرِكَ
4498- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ "كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} يَتَّبِعُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ { ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ

(8/176)


24- باب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
4501- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ "كَانَ عَاشُورَاءُ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْه" .
4502- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ عَاشُورَاءُ يُصَامُ قَبْلَ رَمَضَانَ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَر"

(8/177)


4503- حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "دَخَلَ عَلَيْهِ الأَشْعَثُ وَهْوَ يَطْعَمُ فَقَالَ الْيَوْمُ عَاشُورَاءُ فَقَالَ كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ فَادْنُ فَكُل"
4504- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْه"
قوله: "باب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أما قوله:"كتب" فمعناه فرض، والمراد بالمكتوب فيه اللوح المحفوظ، وأما قوله: "كما" فاختلف في التشبيه الذي دلت عليه الكاف هل هو على الحقيقة فيكون صيام رمضان قد كتب على الذين من قبلنا؟ أو المراد مطلق الصيام دون وقته وقدره؟ فيه قولان. وورد في أول حديث مرفوع عن عمر أورده ابن أبي حاتم بإسناد فيه مجهول ولفظه: "صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم" وبهذا قال الحسن البصري والسدي وله شاهد آخر أخرجه الترمذي في طريق معقل النسابة وهو من المخضرمين ولم يثبت له صحبة، ونحوه عن الشعبي وقتادة. والقول الثاني أن التشبيه واقع على نفس الصوم وهو قول الجمهور، وأسنده ابن أبي حاتم والطبري عن معاذ وابن مسعود وغيرهما في الصحابة والتابعين، وزاد الضحاك "ولم يزل الصوم مشروعا من زمن نوح" وفي قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إشارة إلى أن من قبلنا كان فرض الصوم عليهم من قبيل الآصار والأثقال التي كلفوا بها، وأما هذه الأمة فتكليفها بالصوم ليكون سببا لاتقاء المعاصي وحائلا بينهم وبينها، فعلى هذا المفعول المحذوف يقدر بالمعاصي أو بالمنهيات. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: حديث ابن عمر تقدم في كتاب الصيام من وجه آخر مع شرحه حديث عائشة أورده من وجهين عن عروة عنها وقد تقدم شرحه كذلك قوله: "حدثني محمود" هو ابن غيلان وثبت كذلك في رواية كذا قال أبو علي الجياني، وقد وقع في نسخة الأصيلي عن أبي أحمد الجرجاني "حدثنا محمد" بدل "محمود" وقد ذكر الكلاباذي أن البخاري روى عن محمود ابن غيلان وعن محمد وهو ابن يحيى الذهلي عن عبيد الله بن موسى، قال أبو علي الجياني: لكن هنا الاعتماد على ما قال الجماعة عن محمود بن غيلان المروزي. قوله: "عن عبد الله" هو ابن مسعود. قوله: "قال: دخل عليه الأشعث وهو يطعم" أي يأكل وفي رواية مسلم من وجه آخر عن إسرائيل بسنده المذكور إلى علقمة قال: "دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل" وهو ظاهر في أن علقمة حضر القصة، ويحتمل أن يكون لم يحضرها وحملها عن ابن مسعود كما دل عليه سياق رواية الباب. ولمسلم أيضا من طريق عبد الرحمن بن يزيد قال: "دخل الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغذى". قوله: "فقال: اليوم عاشوراء" كذا وقع مختصرا، وتمامه في رواية مسلم بلفظ: "فقال - أي الأشعث - يا أبا عبد الرحمن" وهي كنية ابن مسعود وأوضح في ذلك رواية عبد الرحمن بن يزيد المذكورة "فقال - أي ابن مسعود - يا أبا محمد" وهي كنية الأشعث "أدن إلى الغداء فقال: أو ليس اليوم يوم عاشوراء" . قوله: "كان يصام

(8/178)


قبل أن ينزل رمضان" في رواية عبد الرحمن بن يزيد "إنما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان. قوله: "فلما نزل رمضان ترك" زاد مسلم في روايته فإن كنت مفطرا فأطعم، للنسائي من طريق عبد الرحمن بن يزيد عند عبد الله "كنا نصوم عاشوراء، فلما نزل رمضان لم نؤمر به ولم ننه عنه، وكنا نفعله" ولمسلم من حديث جابر بن سمرة نحو هذه الرواية واستدل بهذا الحديث على أن صيام عاشوراء كان مفترضا قبل أن ينزل فرض رمضان ثم نسخ، وقد تقدم القول فيه مبسوطا في أواخر كتاب الصيام، وإيراد هذا الحديث في هذه الترجمة يشعر بأن المصنف كان يميل إلى ترجيح القول الثاني، ووجهه أن رمضان لو كان مشروعا قبلنا لصامه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصم عاشوراء أولا، والظاهر أن صيامه عاشوراء ما كان إلا عن توقيف ولا يضرنا في هذه المسألة اختلافهم هل كان صومه فرضا أو نفلا.

(8/179)


25- باب {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
وَقَالَ عَطَاءٌ يُفْطِرُ مِنْ الْمَرَضِ كُلِّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي الْمُرْضِعِ أَوْ الْحَامِلِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقْ الصِّيَامَ فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ يُطِيقُونَهُ وَهْوَ أَكْثَر.
4505- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلاَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لاَ يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا"
قوله: "باب قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} إلى قوله: { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ساق الآية كلها، وانتصب "أياما" بفعل مقدر يدل عليه سياق الكلام كصوموا أو صاموا، وللزمخشري في إعرابه كلام متعقب ليس هذا موضعه. قوله: "وقال عطاء: يفطر من المرض كله كما قال الله تعالى" وصله عبد الرزاق عن ابن جريح قال: قلت لعطاء من أي وجع أفطر في رمضان؟ قال: في المرض كله، قلت: يصوم فإذا غلب عليه أفطر؟ قال: نعم. وللبخاري في هذا الأثر قصة مع شيخه إسحاق بن راهويه ذكرتها في ترجمة البخاري من "تعليق التعليق" وقد اختلف السلف في الحد الذي إذا وجده المكلف جاز له الفطر، والذي عليه الجمهور أنه المرض الذي يبيح له التيمم مع وجود الماء، وهو ما إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصوم أو على عضو من أعضائه أو زيادة في المرض الذي بدأ به أو تماديه. وعن ابن سيرين: متى حصل للإنسان حال يستحق بها اسم المرض فله الفطر، وهو نحو قول عطاء، وعن الحسن والنخعي: إذا لم يقدر على الصلاة قائما يفطر. قوله: "وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان" كذا وقع لأبي ذر، وللأصيلي بلفظ: "أو الحامل" ولغيرهما: "والحامل" بالواو وهو أظهر. وأما أثر الحسن فوصله عبد بن حميد من طريق يونس بن حميد

(8/179)


عن الحسن هو البصري قال: المرضع إذا خافت على ولدها أفطرت وأطعمت والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت، وهي بمنزلة المريض. ومن طريق قتادة عن الحسن: تفطران وتقضيان. وأما قول إبراهيم وهو النخعي فوصله عبد بن حميد أيضا من طريق أبي معشر عن النخعي قال: الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرنا وقضتا صوما. قوله: "وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر عاما أو عامين كل يوم مسكينا خبزا ولحما وأفطر" وروى عبد حميد في طريق النضر بن أنس عن أنس أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر، فأطعم مسكينا كان يوم. ورويناه في "فوائد محمد بن هشام بن ملاس" عن مروان عن معاوية عن حميد قال: ضعف أنس عن الصوم عام توفى، فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا، فلما عرف أنه لا يطيق القضاء أمر بجفان من خبز ولحم فأطعم العدة أو أكثر. "تنبيه" قوله: "أطعم" الفاء جواب الدليل الدال على جواز الفطر وتقدير الكلام وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام فإنه يجوز له أن يفطر ويطعم، فقد أطعم إلخ. وقوله: "كبر" بفتح الكاف وكسر الموحدة أي أسن، وكان أنس حينئذ في عشر المائة كما تقدم التنبيه عليه قريبا. قوله: "قراءة العامة يطيقونه وهو أكثر" يعني من أطاق يطيق، وسأذكر ما خالف ذلك في الذي بعده. قوله: "حدثني إسحاق" هو ابن راهويه، وروح بفتح الراء هو ابن عبادة. قوله: "سمع ابن عباس يقول" في رواية الكشميهني: "يقرا" . قوله: {يُطِيقُونَهُ} بفتح الطاء بشديد الواو مبنيا للمفعول مخفف الطاء من طوق بضم أوله بوزن قطع، وهذه قراءة ابن مسعود أيضا، وقد وقع عند النسائي من طريق ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار: يطوقونه يكلفونه، وهو تفسير حسن أي يكلفون إطاقته. و قوله: {طَعَامُ مِسْكِينٍ} زاد في رواية النسائي: "واحد" وقوله: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} زاد في رواية النسائي: "فزاد مسكين آخر" . قوله: "قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة" هذا مذهب ابن عباس، وخالفه الأكثر، وفي هذا الحديث الذي بعده ما يدل على أنها منسوخة. وهذه القراءة تضعف تأويل من زعم أن "لا" محذوفة من القراءة المشهورة، وأن المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وأنه كقول الشاعر "فقلت يمين الله أبرح قاعدا" أي لا أبرح قاعدا، ورد بدلالة القسم على النفي بخلاف الآية، ويثبت هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله: {يُطِيقُونَهُ} للصيام فيصير تقدير الكلام وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق وإنما تجب على غيره، والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفا تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر، وقد تقدم في الصيام حديث ابن أبي ليلى قال: "حدثنا أصحاب محمد لما نزل رمضان شق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك فنسختها: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ لأنه يجعل الفدية على من تكلف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفر، وهذا الحكم باق. وفي الحديث حجة لقول الشافعي ومن وافقه أن الشيخ الكبير ومن ذكر معه إذا شق عليهم الصوم فأفطروا فعليهم الفدية خلافا لمالك ومن وافقه. واختلف في الحامل والمرضع ومن أفطر لكبر ثم قوى على القضاء بعد فقال الشافعي وأحمد: يقضون ويطعمون. وقال الأوزاعي والكوفيون: لا إطعام.

(8/180)


26- باب {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}
4506- حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ

(8/180)


عَنْهُمَا أَنَّهُ قَرَأَ فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَة"
4507- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ "لَمَّا نَزَلَتْ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتْ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ"
قوله: "باب {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ذكر فيه حديث ابن عمر أنه قرأ: {فِدْيَةٌ طَعَامُ} بالإضافة و "مساكين" بلفظ الجمع وهي قراءة نافع وابن ذكوان، والباقون بتنوين "فدية" وتوحيد {مِسْكِينٍ} وطعام بالرفع على البدلية، وأما الإضافة فهي من إضافة الشيء إلى نفسه، والمقصود به البيان مثل خاتم حديد وثوب حرير، لأن الفدية تكون طعاما وغيره، ومن جمع مساكين فلمقابلة الجمع بالجمع ومن أفراد فمعناه فعلى كل واحد ممن يطيق الصوم، ويستفاد من الإفراد أن الحكم لكل يوم يفطر فيه إطعام مسكين، ولا يفهم ذلك من الجمع، والمراد بالطعام الإطعام. الحديث: قوله: "قال هي منسوخة" هو صريح في دعوى النسخ ورجحه ابن المنذر من جهة قوله: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} قال لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} مع أنه لا يطيق الصيام. قوله في حديث ابن الأكوع "لما نزلت {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} إلخ" هذا أيضا صريح في دعوى النسخ وأصرح منه ما تقدم من حديث ابن أبي ليلى، ويمكن إن كانت القراءة بتشديد الواو ثابتة أن يكون الوجهان ثابتين بحسب مدلول القرائن. والله أعلم. قوله: "مات أبو عبد الله" هو المصنف، وثبت هذا الكلام في رواية المستملى وحده. قوله: "مات بكير قبل يزيد" أي مات بكير بن عبد الله بن الأشج الراوي عن يزيد وهو ابن أبي عبيد قبل شيخه يزيد، وكانت وفاته سنة عشرين ومائة وقيل قبلها أو بعدها، ومات يزيد سنة ست أو سبع وأربعين ومائة.

(8/181)


27- باب {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}
4508- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ ح و حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لاَ يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ}
قوله: "باب: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} كذا لأبي ذر، وساق في رواية كريمة الآية كلها. قوله: "لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء" قد تقدم في كتاب الصيام من حديث البراء أيضا أنهم كانوا لا يأكلون ولا يشربون إذا ناموا، وأن الآية نزلت في ذلك، وبينت هناك أن الآية نزلت في الأمرين معا، وظاهر سياق حديث الباب أن الجماع كان ممنوعا في جميع الليل والنهار، بخلاف الأكل

(8/181)


والشرب فكان مأذونا فيه ليلا ما لم يحصل النوم، لكن بقية الأحاديث الواردة في هذا المعنى تدل على عدم الفرق كما سأذكرها بعد، فيحمل قوله: "كانوا لا يقربون النساء" على الغالب جمعا بين الأخبار. قوله: "وكان رجال يخونون أنفسهم" سمي من هؤلاء عمر وكعب بن مالك رضي الله عنهما فروى أحمد وأبو داود والحاكم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال: "أحل الصيام ثلاثة أحوال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء. ثم إن الله فرض عليه الصيام وأنزل عليه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} فذكر الحديث إلى أن قال: "وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا. ثم إن رجلا من الأنصار صلى العشاء ثم نام فأصبح مجهودا، وكان عمر أصاب من النساء بعدما نام، فأنزل الله عز وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وهذا الحديث مشهور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، لكنه لم يسمع من معاذ، وقد جاء عنه فيه: "حدثنا أصحاب محمد" كما تقدم التنبيه عليه قريبا، فكأنه سمعه من غير معاذ أيضا، وله شواهد: منها ما أخرجه ابن مردويه من طريق كريب عن ابن عباس قال: "بلغنا" ومن طريق عطاء عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: "كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده، فأراد امرأته، فقالت: إني قد نمت، قال: ما نمت، ووقع عليها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك. فنزلت: وروى ابن جرير من طريق ابن عباس نحوه، ومن طريق أصحاب مجاهد وعطاء وعكرمة وغير واحد من غيرهم كالسدي وقتادة وثابت نحو هذا الحديث، لكن لم يزد واحد منهم في القصة على تسمية عمر إلا في حديث كعب بن مالك، والله أعلم.

(8/182)


باب وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ....}
...
28- باب {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} إِلَى قَوْلِهِ {يَتَّقُونَ} الْعَاكِفُ الْمُقِيمُ
4509- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيٍّ قَالَ أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالاً أَبْيَضَ وَعِقَالاً أَسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينَا فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادِي عِقَالَيْنِ قَالَ: "إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِك"
4510- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ أَهُمَا الْخَيْطَانِ قَالَ إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ ثُمَّ قَالَ لاَ بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَار"
4511- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ

(8/182)


قَالَ وَأُنْزِلَتْ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} وَلَمْ يُنْزَلْ مِنْ الْفَجْرِ وَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ وَلاَ يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهُ {مِنْ الْفَجْرِ} فَعَلِمُوا أَنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ مِنْ النَّهَار"
قوله: "باب وكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر" الآية. العاكف المقيم" ثبت هذا التفسير في رواية المستملى وحده، وهو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: {سَوَاءً العَاكفُ فِيهِ وَالبَادِ} أي المقيم والذي لا يقيم. حديث عدي بن حاتم من وجهين في تفسير الخيط الأبيض والأسود، وحديث سهل بن سعد في ذلك، وقد تقدما في الصيام مع شرحهما. حديث عدي بن حاتم من وجهين في تفسير الخيط الأبيض والأسود، وحديث سهل بن سعد في ذلك، وقد تقدما في الصيام مع شرحهما. حديث عدي بن حاتم من وجهين في تفسير الخيط الأبيض والأسود، وحديث سهل بن سعد في ذلك، وقد تقدما في الصيام مع شرحهما.

(8/183)


29- باب {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
4512- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَتَوْا الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} "
قوله باب {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى} الآية" كذا لأبي ذر، وساق في رواية كريمة إلى آخرها، ثم ذكر حديث البراء في سبب نزولها، وقد تقدم شرحه في كتاب الحج. قوله باب {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى} الآية" كذا لأبي ذر، وساق في رواية كريمة إلى آخرها، ثم ذكر حديث البراء في سبب نزولها، وقد تقدم شرحه في كتاب الحج.

(8/183)


30– باب {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} .
4513- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَتَاهُ رَجُلاَنِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ فَقَالَ يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي فَقَالاَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} فَقَالَ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّه"
4514- وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي فُلاَنٌ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلاً أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا وَتَتْرُكَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللَّهُ فِيهِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي

(8/183)


باب {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا والله يحب المحسنين}
...
31-باب {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} التَّهْلُكَةُ وَالْهَلاَكُ وَاحِدٌ
4516- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قَالَ نَزَلَتْ فِي النَّفَقَة"
قوله: "باب قوله: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} "وساق إلى آخر الآية. قوله: "التهلكة والهلاك واحد" هو تفسير أبي عبيدة وزاد: والهلاك والهلك يعني بفتح الهاء وبضمها واللام ساكنة فيهما، وكل هذه مصادر هلك بلفظ الفعل الماضي، وقيل: التهلكة ما أمكن التحرز منه، والهلاك بخلافه. وقيل التهلكة نفس الشيء المهلك. وقيل ما تضر عاقبته، والمشهور الأول.
قوله باب قوله: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وساق إلى آخر الآية قوله: {التَّهْلُكَةِ } والهلاك واحد هو تفسير أبي عبيدة وزاد والهلاك والهلك يعني بفتح الهاء وبضمها واللام ساكنة فيهما وكل هذه مصادر هلك بلفظ الفعل الماضي وقيل التهلكة ما أمكن التحرز منه والهلاك بخلافه وقيل التهلكة نفس الشيء المهلك وقيل ما تضر عاقبته والمشهور الأول ثم ذكر المصنف حديث حذيفة في هذه الآية قال: نزلت في النفقة، أي في ترك النفقة في سبيل الله عز وجل، وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسرا في حديث أبي أيوب الذي أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أسلم بن عمران قال: "كنا بالقسطنطينية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم رجع مقبلا. فصاح الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها. وصح عن ابن عباس وجماعة من التابعين نحو ذلك في تأويل الآية. وروى ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم أنها كانت نزلت في ناس كانوا يغزون بغير نفقة، فيلزم على قوله اختلاف المأمورين، فالذين قيل لهم {أنفقوا، وأحسنوا} أصحاب الأموال، والذين قيل لهم {وَلا تُلْقُوا} الغزاة بغير نفقة، ولا يخفى ما فيه. ومن طريق الضحاك بن أبي جبيرة" كان الأنصار يتصدقون، فأصابتهم سنة فأمسكوا، فنزلت: {وروى ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال: "إني لعند عمر، فقلت: إن لي جارا رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس: ألقي بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذبوا، لكنه اشترى الآخرة بالدنيا" وجاء عن البراء بن عازب في الآية تأويل آخر أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه بإسناد صحيح عن أبي إسحاق قال: "قلت للبراء: أرأيت قول الله عز وجل: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} هو الرجل يحمل على الكتيبة فيها ألف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يذنب فيلقى بيده فيقول لا توبة لي" وعن النعمان بن بشير نحوه، والأول أظهر لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر، لأن العبرة بعموم اللفظ، على أن أحمد أخرج الحديث المذكور من طريق أبي بكر - وهو ابن عياش - عن أبي إسحاق بلفظ آخر قال: "قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، لأن الله تعالى قد بعث محمدا فقال: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} فإنما ذلك في النفقة" فإن كان محفوظا فلعل للبراء فيه جوابين، والأول من رواية الثوري وإسرائيل وأبي الأحوص ونحوهم وكل منهم أتقن من أبي بكر فكيف مع اجتماعهم وانفراده ا هـ. وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة

(8/185)


فهو حسن، ومتى. كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين، والله أعلم.

(8/186)


باب {فمن كان مريضا أو به أذى من رأسه}
...
32- باب {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ}
4517- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ "قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْكُوفَةِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ فَقَالَ حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: " مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا أَمَا تَجِدُ شَاةً قُلْتُ لاَ قَالَ صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَاحْلِقْ رَأْسَكَ" فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهْيَ لَكُمْ عَامَّة"
قوله: "باب قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} حديث كعب بن عجرة في سبب نزول هذه الآية، وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الحج.

(8/186)


33- باب {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}
4518- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاء"
قوله: باب {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} ذكر فيه حديث عمران بن حصين "أنزلت آية المتعة في كتاب الله" يعني متعة الحج. تقدم شرحه وأن المراد بالرجل في قوله هنا "قال رجل برأيه ما شاء" هو عمر.

(8/186)


34- باب {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}
4519- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "كَانَتْ عُكَاظُ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} فِي مَوَاسِمِ الْحَج"
قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} ذكر فيه حديث ابن عباس، وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الحج.

(8/186)


35- باب {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}
4520- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ

(8/186)


36-بَاب {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
4522- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(8/187)


اللَّهُمَّ {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}"
[الحديث 4522- طرفه في: 6389]
قوله: باب ومنهم من يقول {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} الآية ذكر فيه حديث أنس في قوله ذلك، وسيأتي بأتم من هذا في الكتاب الدعوات. وعبد العزيز الراوي عنه هو ابن صهيب

(8/188)


37- باب {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} وَقَالَ عَطَاءٌ: النَّسْلُ الْحَيَوَانُ
4523- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ قَالَ: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ" وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم"
قوله: باب {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} ألد أفعل تفضيل من اللدد وهو من شدة الخصومة، والخصام جمع خصم وزن كلب وكلاب، والمعنى وهو أشد المخاصمين مخاصمة، ويحتمل أن يكون مصدرا تقول خاصم خصاما كقاتل قتالا، والتقدير وخاصمه أشد الخصام مخاصمة، وقيل أفعل هنا ليست بالتفضيل بل بمعنى الفاعل أي وهو لديه الخصام أي شدة المخاصمة فيكون من إضافة الصفة المشبهة. قوله: "وقال عطاء: النسل الحيوان" وصله الطبري من طريق ابن جرير" قلت لعطاء في قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} قال: الحرث الزرع، النسل من الناس والأنعام" وزعم مغلطاي أن ابن أبي حاتم أخرجه من طريق العوفي عن عطاء، ووهم في ذلك، وإنما هو عند ابن أبي حاتم وغيره رواه عن العوفي عن ابن عباس. قوله: "عن عائشة ترفعه" أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "الألد الخصم" بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد أي الشديد اللدد الكثير الخصومة، وسيأتي شرح الحديث في كتاب الأحكام. قوله: "وقال عبد الله" هو ابن الوليد العدني، وسفيان هو الثوري. وأورده لتصريحه برفع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو موصول بالإسناد في "جامع سفيان الثوري" من رواية عبد الله بن الوليد هذا، ويحتمل أن يكون عبد الله هو الجعفي شيخ البخاري، وسفيان هو ابن عيينة، فقد أخرج الحديث المذكور الترمذي وغيره من رواية ابن علية، لكن بالأول جزم خلف والمزي، وقد تقدم هذا الحديث في كتاب المظالم.

(8/188)


38- باب {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} إِلَى {قَرِيبٌ}
4524- حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام عن بن جريج قال سمعت بن أبي مليكة يقول: "قال ابن عباس رضي الله عنهما: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} خفيفة ذهب بها هناك وتلا {حتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك"
4525- "فقال قالت عائشة معاذ الله والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن

(8/188)


باب {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدم لأنفسكم}
...
39- باب {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ} الآيَةَ
4526- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ قُلْتُ لاَ قَالَ أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى"
[الحدبث 4526- طرفه في: 4527]
4527- وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} قَالَ يَأْتِيهَا فِي. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَر"
4528- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} "
قوله: باب {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} اختلف في معنى {أَنَّى} فقيل كيف، وقيل حيث، وقيل متى، ويحسب هذا الاختلاف جاء الاختلاف في تأويل الآية. قوله: "حدثني إسحاق" هو ابن راهويه. قوله: "فأخذت عليه يوما" أي أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلب، وجاء ذلك صريحا في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع قال: "قال لي ابن عمر أمسك علي المصحف يا نافع، فقرأ: {أخرجه الدار قطني في "غرائب مالك" . قوله: "حتى انتهى إلى مكان قال: تدري فيما أنزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا ثم مضى" هكذا أورده مبهما لمكان الآية والتفسير، وسأذكر ما فيه بعد. قوله: "وعن عبد الصمد" هو معطوف على قوله: "أخبرنا النضر بن شميل" وهو عند المصنف أيضا عن إسحاق بن راهويه عن عبد الصمد وهو ابن عبد الوارث بن سعيد، وقد أخرج أبو نعيم في "المستخرج" هذا الحديث من طريق إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل بسنده، وعن عبد الصمد بسنده. قوله: "يأتيها في" هكذا وقع في جميع النسخ لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور، ووقع في "الجمع بين الصحيحين للحميدي" يأتيها في الفرج، وهو من عنده بحسب ما فهمه. ثم وقفت على سلفه فيه وهو البرقاني فرأيت في نسخة الصغاني "زاد البرقاني يعني الفرج" وليس مطابقا لما في نفس الرواية عن ابن عمر لما سأذكره، وقد قال أبو بكر بن العربي في "سراج المريدين" : أورد البخاري هذا الحديث في التفسير فقال: "يأتيها في" وترك بياضا، والمسألة مشهورة صنف فيها محمد بن سحنون جزءا، وصنف فيها ابن شعبان كتابا، وبين أن حديث ابن عمر في

(8/189)


إتيان المرأة في دبرها. قوله: "رواه محمد بن يحيى بن سعيد" أي القطان" عن أبيه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر" هكذا أعاد الضمير على الذي قبله، والذي قبله قد اختصره كما ترى، فأما الرواية الأولى وهي رواية ابن عون فقد أخرجها إسحاق بن راهويه في مسنده وفي تفسيره بالإسناد المذكور. وقال بدل قوله حتى انتهى إلى مكان" حتى انتهى إلى قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} فقال: أتدرون فيما أنزلت هذه الآية؟ قلت لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. وهكذا أورده ابن جرير من طريق إسماعيل بن علية عن ابن عون مثله، ومن طريق إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي عن ابن عون نحوه، أخرجه أبو عبيدة في "فضائل القرآن" عن معاذ عن ابن عون فأبهمه فقال في كذا وكذا. وأما رواية عبد الصمد فأخرجها ابن جرير في التفسير عن أبي قلابة الرقاشي عن عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي فذكره بلفظ يأتيها في الدبر، وهو يؤيد قول ابن العربي ويرد قول الحميدي. وهذا الذي استعمله البخاري نوع من أنواع البديع يسمى الاكتفاء، ولا بد له من نكتة يحس بسببها استعماله. وأما رواية محمد بن يحيى بن سعيد القطان فوصلها الطبراني في "الأوسط" من طريق أبي بكر الأعين عن محمد بن يحيى المذكور بالسند المذكور إلى ابن عمر قال: "إنما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} رخصة في إتيان الدبر، قال الطبراني: لم يروه عن عبد الله ابن عمر إلا يحيى بن سعيد، تفرد به ابنه محمد، كذا قال، ولم يتفرد به يحيى ابن سعيد فقد رواه عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله بن عمر أيضا كما سأذكره بعد، وقد روي هذا الحديث عن نافع أيضا جماعة غير ما ذكرنا ورواياتهم بذلك ثابتة عند ابن مردويه في تفسيره وفي "فوائد الأصبهانيين لأبي الشيخ" و "تاريخ نيسابور للحاكم" و "غرائب مالك للدار قطني" وغيرها. وقد عاب الإسماعيلي صنيع البخاري فقال: جميع ما أخرج عن ابن عمر مبهم لا فائدة فيه، وقد رويناه عن عبد العزيز - يعني الدراوردي - عن مالك وعبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب ثلاثتهم عن نافع بالتفسير، وعن مالك من عدة أوجه ا هـ. كلامه. ورواية الدراوردي المذكورة قد أخرجها الدار قطني في "غرائب مالك" من طريقه عن الثلاثة عن نافع نحو رواية ابن عون عنه ولفظه: "نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم الناس في ذلك فنزلت. قال فقلت له من دبرها في قبلها، فقال: لا إلا في دبرها" . وتابع نافعا في ذلك على زيد بن أسلم عن ابن عمر وروايته عند النسائي بإسناد صحيح. وتكلم الأزدي في بعض رواته ورد عليه ابن عبد البر فأصاب قال: ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحة مشهورة من رواية نافع عنه يغير نكير أن يرويها عنه زيد بن أسلم. قلت: وقد رواه عن عبد الله بن عمر أيضا ابنه عبد الله أخرجه النسائي أيضا وسعيد بن يسار وسالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه مثل ما قال نافع، وروايتهما عنه عند النسائي وابن جرير ولفظه: "عن عبد الرحمن بن القاسم قلت لمالك: إن ناسا يروون عن سالم: كذب العبد على أبي، فقال مالك: أشهد على زيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه مثل ما قال نافع، فقلت له: إن الحارث بن يعقوب يروي عن سعيد بن يسار عن ابن عمر أنه قال أف، أو يقول ذلك مسلم؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن سعيد بن يسار عن ابن عمر مثل ما قال نافع، وأخرجه الدار قطني من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك وقال: هذا محفوظ عن مالك صحيح اهـ. وروى الخطيب في "الرواة عن مالك" من طريق إسرائيل بن روح قال: سألت مالكا عن ذلك فقال: ما أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ وعلى هذه القصة اعتمد المتأخرون من المالكية، فلعل مالكا رجع عن قوله الأول، أو كان يرى أن العمل على خلاف حديث ابن

(8/190)


عمر فلم يعمل به، وإن كانت الرواية فيه صحيحة على قاعدته. ولم ينفرد ابن عمر بسبب هذا النزول، فقد أخرج أبو يعلى وابن مردويه وابن جرير والطحاوي من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخضري "أن رجلا أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه وقالوا: نعيرها، فأنزل الله عز وجل هذه الآية" وعلقه النسائي عن هشام بن سعيد عن زيد، وهذا السبب في نزول هذه الآية مشهور، وكأن حديث أبي سعيد لم يبلغ ابن عباس وبلغه حديث ابن عمر فوهمه فيه، فروى أبو داود من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: "إن ابن عمر وهم والله يغفر له، إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب فكانوا يأخذون بكثير من فعلهم، وكان أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فأخذ ذلك الأنصار عنهم، وكان هذا الحي من قريش يتلذذون بنسائهم مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار فذهب يفعل فيها ذلك فامتنعت، فسرى أمرهما حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} مقبلات ومدبرات ومستلقيات، في الفرج" أخرجه أحمد والترمذي من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: "جاء عمر فقال: يا رسول الله هلكت. حولت رحلي البارحة، فأنزلت هذه الآية، {نسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة" وهذا الذي حمل عليه الآية موافق لحديث جابر المذكور في الباب في سبب نزول الآية كما سأذكر عند الكلام عليه. وروى الربيع في "الأم" عن الشافعي قال: احتملت الآية معنيين أحدهما أن تؤتى المرأة حيث شاء زوجها، لأن "أنى" بمعنى أين شئتم، واحتملت أن يراد بالحرث موضع النبات، والموضع الذي يراد به الولد هو الفرج دون ما سواه، قال فاختلف أصحابنا في ذلك، وأحسب أن كلا من الفريقين تأول ما وصفت من احتمال الآية، قال فطلبنا الدلالة فوجدنا حديثين: أحدهما ثابت وهو حديث خزيمة بن ثابت في التحريم، فقوى عنده التحريم. وروى الحاكم في "مناقب الشافعي" من طريق ابن عبد الحكم أنه حكى عن الشافعي مناظرة جرت بينه وبين محمد الحسن في ذلك، وأن ابن الحسن احتج عليه بأن الحرث إنما يكون في الفرج، فقال له: فيكون ما سوى الفرج محرما، فالتزمه. فقال أرأيت لو وطئها بين ساقها أو في أعكانها أنى ذلك حرث؟ قال: لا. قال أفيحرم؟ قال لا. قال: فكيف تحتج بما لا تقول به. قال الحاكم: لعل الشافعي كان يقول ذلك في القديم، وأما في الجديد فصرح بالتحريم اهـ. ويحتمل أن يكون ألزم محمدا بطريق المناظرة وإن كان لا يقول بذلك، وإنما انتصر لأصحابه المدنيين، والحجة عنده في التحريم غير المسلك الذي سلكه محمد كما يشير إليه كلامه في "الأم" . وقال المازري: اختلف الناس في هذه المسألة وتعلق في قال بالحل بهذه الآية، وانفصل عنها من قال يحرم بأنها نزلت بالسبب الوارد في حديث جابر في الرد على اليهود، يعنى كما في حديث الباب الآتي. قال: والعموم إذا خرج على سبب قصر عليه عند بعض الأصوليين، وعند الأكثر العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا يقتضى أن تكون الآية حجة في الجواز، لكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع فتكون مخصصة لعموم الآية، وفي تخصيص عموم القرآن ببعض خبر الآحاد خلاف ا هـ. وذهب جماعة من أئمة الحديث - كالبخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري - إلى أنه لا يثبت فيه شيء. قلت: لكن طرقها كثيرة فمجموعها صالح للاحتجاج به، ويؤيد القول بالتحريم أنا لو قدمنا أحاديث الإباحة للزم أنه أبيح بعد أن حرم والأصل عدمه، فمن الأحاديث الصالحة الإسناد حديث خزيمة بن ثابت أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه

(8/191)


وصححه ابن حبان، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان أيضا، وحديث ابن عباس وقد تقدمت إشارة إليه. وأخرجه الترمذي من وجه آخر بلفظ: " لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر" وصححه ابن حبان أيضا، وإذا كان ذلك صلح أن يخصص عموم الآية ويحمل على الإتيان في غير هذا المحل بناء على أن معنى "أنى" حيث وهو المتبادر إلى السياق، ويغني ذلك عن حملها على معنى آخر غير المتبادر، والله أعلم. قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري قوله: "كانت اليهود إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت" هذا السياق قد يوهم أنه مطابق لحديث ابن عمر، وليس كذلك، فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثوري بلفظ: "باركة مدبرة في فرجها من ورائها" وكذا أخرجه مسلم من طريق سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر بلفظ: "إذا أتيت امرأة من دبرها في قبلها" ومن طريق أبي حازم عن ابن منكدر بلفظ: "إذا أتيت المرأة من دبرها فحملت" وقوله: "فحملت" يدل على أن مراده أن الإتيان في الفرج لا في الدبر، وهذا كله يؤيد تأويل ابن عباس الذي رد به على ابن عمر، وقد أكذب الله اليهود في زعمهم وأباح للرجال أن يتمتعوا بنسائهم كيف شاءوا، وإذا تعارض المجمل والمفسر قدم المفسر، وحديث جابر مفسر فهو أولى أن يعمل به من حديث ابن عمر، والله أعلم. وأخرج مسلم أيضا من حديث جابر زيادة في طريق الزهري عن ابن المنكدر بلفظ: "إن شاء محبية وإن شاء غير محبية غير أن ذلك في صمام واحد" وهذه الزيادة يشبه أن تكون من تفسير الزهري لخلوها من رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر مع كثرتهم. وقوله: "محبية" بميم ثم موحدة أي باركة وقوله: "صمام" بكسر المهملة والتخفيف هو المنفذ.

(8/192)


باب {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تضلوهن أن ينكحن أزواجهن}
...
40- باب {وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}
4529- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: "كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ح حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} "
[الحديث 4529- أطرافه في: 5130، 5330، 5331]
قوله: باب {وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} اتفق أهل التفسير على أن المخاطب بذلك الأولياء، ذكره ابن جرير وغيره. وروى ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي في الرجل يطلق امرأته فتقضى عدتها، فيبدو له أن يراجعها وتريد المرأة ذلك فيمنعه وليها. ثم ذكر المصنف حديث معقل بن يسار في سبب نزول الآية، لكنه ساقه مختصرا، وقد أورده في النكاح بتمامه وسيأتي شرحه، وكذا ما جاء في تسمية أخت معقل واسم زوجها هناك إن شاء الله تعالى. و قوله: "وقال إبراهيم عن يونس عن الحسن حدثني معقل" أراد بهذا التعليق بيان تصريح الحسن بالتحديث عن معقل، ورواية إبراهيم هذا وهو ابن طهمان وصلها المؤلف في النكاح كما سيأتي، وقد صرح الحسن بتحديث معقل له أيضا في رواية عباد بن راشد كما سيأتي أيضا.

(8/192)


باب {والذين يتوفون ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرا وعشرا ...}
...
41- باب {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ـ إلى ـ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} يَعْفُونَ يَهَبْنَ
4530- حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} قَالَ قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا قَالَ يَا ابْنَ أَخِي لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِه"
4531- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} قَالَ كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} قَالَ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} قَالَ عَطَاءٌ إِنْ شَاءَتْ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ} قَالَ عَطَاءٌ ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلاَ سُكْنَى لَهَا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا وَعَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} نَحْوَه"
[الحديث 4531- طرفه في: 5344]
4532- حَدَّثَنَا حِبَّانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: "جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنْ الأَنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لاَ يَقُولُ ذَلِكَ فَقُلْتُ إِنِّي لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ أَوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْيَ حَامِلٌ فَقَالَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلاَ تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى"

(8/193)


وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِر"
[الحديث 4532- طرفه في: 4910]
قوله: "باب {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} ساق الآية إلى قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} . قوله: "يعفون يهبن" ثبت هذا هنا في نسخة الصغاني، وهو تفسير أبو عبيدة قال: يعفون يتركن يهبن، وهو على رأي الحميدي خلافا لمحمد بن كعب فإنه قال المراد عفو الرجال، وهذه اللفظة ونظائرها مشتركة بين الجمع والمذكر والمؤنث، لكن في الرجال النون علامة الرفع، وفي النساء النون ضمير لهن، ووزن جمع المذكر يعفون وجمع المؤنث يفعلن. قوله: "عن حبيب" هو ابن الشهيد كما سيأتي بعد بابين. قوله: "عن ابن أبي مليكة" في رواية الإسماعيلي من طريق علي بن المديني عن يزيد بن زريع "حدثنا حبيب بن الشهيد حدثني عبد الله بن أبي مليكة" . قوله: "قال ابن الزبير" في رواية بن المديني المذكورة" عن عبد الله الزبير" وله من وجه آخر" عن يزيد بن زريع بسنده أن عبد الله ابن الزبير قال قلت لعثمان" . قوله: "فلم تكتبها أو تدعها" كذا في الأصول بصيغة الاستفهام الإنكاري كأنه قال لم تكتبها وقد عرفت أنها منسوخة، أو قال لم تدعها أي تتركها مكتوبة، وهو شك من الراوي أي اللفظين قال. ووقع في الرواية الآتية بعد بابين "فلم تكتبها؟ قال تدعها يا ابن أخي" وفي رواية الإسماعيلي: "لم تكتبها وقد نسخها الآية الأخرى" وهو يؤيد التقدير الذي ذكرته. وله من رواية أخرى "قلت لعثمان: هذه الآية {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} قال: نسختها الآية الأخرى. قلت: تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير منها شيئا عن مكانه" . وهذا السياق أولى من الذي قبله. وأو للتخيير لا للشك. وفي جواب عثمان هذا دليل على أن ترتيب الآي توقيفي. وكأن عبد الله بن الزبير ظن أن الذي ينسخ حكمه لا يكتب، فأجابه عثمان بأن ذلك ليس بلازم والمتبع فيه التوقف، وله فوائد: منها ثواب التلاوة، والامتثال على أن من السلف من ذهب إلى أنها ليست منسوخة وإنما خص من الحول بعضه وبقي البعض وصية لها إن شاءت أقامت كما في الباب عن مجاهد، لكن الجمهور على خلافه. وهذا الموضع مما وقع فيه الناسخ مقدما في ترتيب التلاوة على المنسوخ. وقد قيل إنه لم يقع نظير ذلك إلا هنا وفي الأحزاب على قول من قال أن إحلال جميع النساء هو الناسخ، وسيأتي البحث فيه هناك إن شاء الله تعالى. وقد ظفرت بمواضع أخرى منها في البقرة أيضا قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فإنها محكمة في التطوع مخصصة لعموم قوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} كونها مقدمة في التلاوة، ومنها في البقرة أيضا قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} على قول من قال إن سبب نزولها أن اليهود طعنوا في تحويل القبلة، فإنه يقتضي أن تكون مقدمة في التلاوة متأخرة في النزول، وقد تتبعت من ذلك شيئا كثيرا ذكرته في غير هذا الموضع، ويكفي هنا الإشارة إلى هذا القدر. قوله وقول عثمان لعبد الله "يا ابن أخي" يريد في الإيمان أو بالنسبة إلى السن، وزاد الكرماني: أو على عادة مخاطبة العرب. ويمكن أن يتحد مع الذي قبله. قال أو لأنهما يجتمعان في قصي. قال: إلا أن عثمان وعبد الله في العدد إلى قصي سواء بين كل منهما وبينه أربعة آباء فلو أراد ذلك لقال يا أخي. قوله: "حدثني إسحاق" هو ابن راهويه. وروح هو ابن عبادة، وشبل هو ابن عباد، وابن أبي نجيح هو عبد الله. قوله: "زعم ذلك عن مجاهد" قائل ذلك هو شبل، وفاعل زعم هو ابن أبي نجيح، وبهذا جزم الحميدي في جمعه: وقوله: "وقال عطاء" هو عطف على قوله مجاهد، وهو من رواية ابن أبي نجيح عن

(8/194)


عطاء، ووهم من زعم أنه معلق، وقد أبدى المصنف ما نبهت عليه برواية ورقاء التي ذكرها بعد هذه، وقوله: "عن محمد بن يوسف" هو معطوف على قوله: "أنبأنا روح" وقد أورد أبو نعيم في "المستخرج" هذا الحديث من طريق محمد بن عبد الملك بن زنجويه عن محمد بن يوسف هو الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وعن عطاء بتمامه وقال: ذكره البخاري عن الفريابي، هذا يدل على أنه فهم أن البخاري علقه عن شيخه والله أعلم. ثم ذكر المصنف حديث ابن مسعود "أنزلت صورة النساء القصرى بعد الطولى" وسيأتي شرحه في تفسير سورة الطلاق، وقوله: "وقال أيوب" وصله هناك بتمامه.

(8/195)


42- باب {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى}
4533- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال النبي صلى الله عليه وسلم ح. و حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: " حَبَسُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ مَلاَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ أَوْ أَجْوَافَهُمْ شَكَّ يَحْيَى نَارًا"
قوله: "باب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" هي تأنيث الأوسط والأوسط الأعدل من كل شيء، وليس المراد به التوسط بين الشيئين لأن فعلى معناها التفضيل، ولا ينبني للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى الخيار، والعدل يقبلهما، بخلاف المتوسط فلا يقبلهما فلا يبني منه أفعل تفضيل. قوله: "حدثني عبد الله بن محمد" هو الجعفي ويزيد هو ابن هارون وهشام هو ابن حسان ومحمد هو ابن سيرين وعبيدة بفتح العين هو ابن عمرو، وعبد الرحمن في الطريق الثانية هو ابن بشر بن الحكم ويحيى بن سعيد هو القطان. قوله: "حبسونا عن صلاة الوسطى" أي منعونا عن الصلاة الوسطى أي عن إيقاعها، زاد مسلم من طريق شتير بن شكل عن علي "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" وزاد في آخره: "ثم صلاها بين المغرب والعشاء" ولمسلم عن ابن مسعود نحو حديث علي، وللترمذي والنسائي من طريق زر بن حبيش عن على مثله، ولمسلم أيضا من طريق أبي حسان الأعرج عن عبيدة السلماني عن علي فذكر الحديث بلفظ: "كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس" يعني العصر، وروى أحمد والترمذي من حديث سمرة رفعه قال: "صلاة الوسطى صلاة العصر" وروى ابن جرير من حديث أبي هريرة رفعه: "الصلاة الوسطى صلاة العصر" ومن طريق كهيل بن حرملة "سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى فقال. اختلفنا فيها ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفينا أبو هاشم بن عتبة فقال: أنا أعلم لكم، فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر" ومن طريق عبد العزيز بن مروان أنه أرسل إلى رجل فقال: أي شيء سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة الوسطى؟ فقال أرسلني أبو بكر وعمر أسأله وأنا غلام صغير فقال: هي العصر، ومن حديث أبي مالك الأشعري رفعه: "الصلاة الوسطى صلاة العصر" وروى الترمذي وابن حبان من حديث ابن مسعود مثله، وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر" وروى ابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس قال: "شغل الأحزاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فقال: شغلونا عن الصلاة

(8/195)


الوسطى" وأخرج أحمد من حديث أم سلمة وأبي أيوب وأبي سعيد وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عباس من قولهم إنها صلاة العصر، وقد اختلف السلف في المراد بالصلاة الوسطى، وجمع الدمياطي في ذلك جزءا مشهورا سماه "كشف الغطا عن الصلاة الوسطى". فبلغ تسعة عشر قولا: أحدها الصبح أو الظهر أو العصر أو المغرب أو جميع الصلوات، فالأول قول أبي أمامة وأنس وجابر وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء وعكرمة ومجاهد وغيرهم نقله ابن أبي حاتم عنهم وهو أحد قولي ابن عمر وابن عباس ونقله مالك والترمذي عنهما ونقله مالك بلاغا عن علي والمعروف عنه خلافه، وروى ابن جرير من طريق عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال: "صليت خلف ابن عباس الصبح فقنت فيها ورفع يديه ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين" وأخرجه أيضا من وجه آخر عنه وعن ابن عمرو من طريق أبي العالية "صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة في زمن عمر صلاة الغداة فقلت لهم: ما الصلاة الوسطى؟ قال هي هذه الصلاة. وهو قول مالك والشافعي فيما نص عليه في "الأم" واحتجوا له بأن فيها القنوت، وقد قال الله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} وبأنها لا تقصر في السفر، وبأنها بين صلاتي جهر وصلاتي سر. والثاني قول زيد بن ثابت أخرجه أبو داود من حديثه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} الآية" وجاء عن أبي سعيد وعائشة القول بأنها الظهر أخرجه ابن المنذر وغيره، وروى مالك في "الموطا" عن زيد بن ثابت الجزم بأنها الظهر وبه قال أبو حنيفة في رواية، وروى الطيالسي من طريق زهرة بن معبد قال: "كنا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى فقال: هي الظهر" ورواه أحمد من وجه آخر وزاد: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان والناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فنزلت" . والثالث قول علي بن أبي طالب فقد روى الترمذي والنسائي من طريق زر بن حبيش قال: "قلنا لعبيدة سل عليا عن الصلاة الوسطى، فسأله فقال: كنا نرى أنها الصبح، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" انتهى. وهذه الرواية تدفع دعوى من زعم أن قوله صلاة العصر مدرج من تفسير بعض الرواة وهي نص في أن كونها العصر من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأن شبهة من قال إنها الصبح قوية، لكن كونها العصر هو المعتمد، وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة وقول أحمد والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه، قال الترمذي: هو قول أكثر علماء الصحابة. وقال الماوردي: هو قول جمهور التابعين. قال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية، ويؤيده أيضا ما روى مسلم عن البراء بن عازب "نزل حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخت فنزلت {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} فقال رجل: فهي إذن صلاة العصر، فقال: أخبرتك كيف نزلت" . والرابع نقله ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس قال: "صلاة الوسطى هي المغرب، وبه قال قبيصة بن ذؤيب أخرجه أبو جرير، حجه وحجتهم أنها معتدلة في عدد الركعات وأنها لا تقصر في الأسفار وأن العمل مضى على المبادرة إليها والتعجيل لها في أول ما تغرب الشمس وأن قبلها صلاتا سر وبعدها صلاتا جهر. والخامس وهو آخر ما صححه ابن أبي حاتم أخرجه أيضا بإسناد حسن عن نافع قال: "سئل ابن عمر فقال: هي كلهن، فحافظوا عليهن" وبه قال معاذ بن جبل، واحتج له بأن قوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} يتناول الفرائض

(8/196)


والنوافل، فعطف عليه الوسطى وأريد بها كل الفرائص تأكيدا لها، واختار هذا القول ابن عبد البر. وأما بقية الأقوال فالسادس أنها الجمعة، ذكره ابن حبيب من المالكية واحتج بما اختصت به من الاجتماع والخطبة، وصححه القاضي حسين في صلاة الخوف من تعليقه، ورجحه أبو شامة. السابع الظهر في الأيام والجمعة يوم الجمعة. الثامن العشاء نقله ابن التين والقرطبي واحتج له بأنها بين صلاتين لا تقصران ولأنها تقع عند النوم فلذلك أمر بالمحافظة عليها واختاره الواحدي. التاسع الصبح والعشاء للحديث الصحيح في أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، وبه قال الأبهري من المالكية. العاشر الصبح والعصر لقوة الأدلة في أن كلا منهما قيل إنه الوسطى، فظاهر القرآن الصبح ونص السنة العصر. الحادي عشر صلاة الجماعة. الثاني عشر الوتر وصنف فيه علم الدين السخاوي جزءا ورجحه القاضي تقي الدين الأخنائي واحتج له في جزء رأيته بخطه. الثالث عشر صلاة الخوف. الرابع عشر صلاة عيد الأضحى. الخامس عشر صلاة عيد الفطر. السادس عشر صلاة الضحى. السابع عشر واحدة من الخمس غير معينة قاله الربيع بن خثيم وسعيد بن جبير وشريح القاضي وهو اختيار إمام الحرمين من الشافعية ذكره في النهاية قال كما أخفيت ليلة القدر. الثامن عشر أنها الصبح أو العصر على الترديد وهو غير القول المتقدم الجازم بأن كلا منهما يقال له الصلاة الوسطى. التاسع عشر التوقف فقد روى ابن جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه. العشرون صلاة الليل وجدته عندي وذهلت الآن عن معرفة قائله، وأقوى شبهة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث حديث البراء الذي ذكرته عند مسلم فإنه يشعر بأنها أبهمت بعدما عينت كذا قاله القرطبي، قال وصار إلى أنها أبهمت جماعة من العلماء المتأخرين، قال: وهو الصحيح لتعارض الأدلة وعسر الترجيح. وفي دعوى أنها أبهمت ثم عينت من حديث البراء نظر، بل فيه أنها عينت ثم وصفت، ولهذا قال الرجل فهي إذن العصر ولم ينكر عليه البراء، نعم جواب البراء يشعر بالتوقف لما نظر فيه من الاحتمال، وهذا لا يدفع التصريح بها في حديث علي، ومن حجتهم أيضا ما روى مسلم وأحمد من طريق أبي يونس عن عائشة أنها أمرته أن يكتب لها مصحفا، فلما بلغت {حافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} قال فأملت على "وصلاة العصر" قالت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى مالك عن عمرو ابن رافع قال كنت أكتب مصحفا لحفصة فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني، فأملت على "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن عن عمرو ابن رافع، وروى ابن المنذر من طريق عبيد الله ابن رافع "أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفا" فذكر مثل حديث عمرو ابن رافع سواء، ومن طريق سالم ابن عبد الله بن عمر أن حفصة أمرت إنسانا أن يكتب لها مصحفا نحوه ومن طريق نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فذكر مثله وزاد: "كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها" قال نافع فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه الواو فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى. وأجيب بأن حديث علي ومن وافقه أصح إسنادا وأصرح وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها "وهي العصر" فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيدة بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر" بغير واو أو هي عاطفة لكن عطف صفة لا عطف ذات، وبأن قوله والصلاة الوسطى والعصر لم يقرأ بها أحد، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولا والعصر ثم نزلت ثانيا بدلها والصلاة الوسطى، فجمع الراوي بينهما، ومع وجود

(8/197)


الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدما على النص الصريح بأنها صلاة العصر، قال شيخ شيوخنا الحافظ صلاح الدين العلائي: حاصل أدلة من قال إنها غير العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع: أحدها تنصيص بعض الصحابة وهو معارض بمثله ممن قال منهم إنها العصر، ويترجح قول العصر بالنص الصريح المرفوع، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره فتبقى حجة المرفوع قائمة. ثانيها معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحث على المواظبة على الصبح والعشاء وقد تقدم في كتاب الصلاة، وهو معارض بما هو أقوى منه وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر، وقد تقدم أيضا. ثالثها ما جاء عن عائشة وحفصة من قراءة "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" فإن العطف يقتضي المغايرة، وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد وهو ممتنع، وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلف فيه، سلمنا لكن لا يصلح معارضا للمنصوص صريحا، وأيضا فليس العطف صريحا في اقتضاء المغايرة لوروده في نسق الصفات كقوله تعالى: {الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} انتهى ملخصا. وقد تقدم شرح أحوال يوم الخندق في المغازي وما يتعلق بقضاء الفائتة في المواقيت من كتاب الصلاة. قوله: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم - أو أجوافهم - نارا شك يحيى" هو القطان راوي الحديث، وأشعر هذا بأنه ساق المتن على لفظه، وأمل لفظ يزيد بن هارون فأخرجه أحمد عنه بلفظ: "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا" ولم يشك، وهو لفظ روح بن عبادة كما مضى في المغازي وعيسى بن يونس كما مضى في الجهاد، ولمسلم مثله عن أبي أسامة عن هشام، وكذا له في رواية أبي حسان الأعرج عن عبيدة بن عمرو، ومن طريق شتير ابن شكل عن على مثله، وله من رواية يحيى بن الجزار عن على "قبورهم وبيوتهم - أو قال - قبورهم وبطونهم" ومن حديث بن مسعود " ملأ الله أجوافهم - أو قبورهم - نارا، أو حشى الله أجوافهم وقبورهم نارا" ولا بن حبان من حديث حذيفة "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا أو قلوبهم " وهذه الروايات التي وقع فيها الشك مرجوحة بالنسبة إلى التي لا شك فيها. وفي هذا الحديث جواز الدعاء على المشركين بمثل ذلك. قال ابن دقيق العيد: تردد الراوي في قوله: " ملأ الله" أو "حشى" يشرط بأن شرط الرواية بالمعنى أن يتفق المعنى في اللفظين، وملأ ليس مرادفا لحشى، فإن حشى يقتضي التراكم وكثرة أجزاء المحشو بخلاف ملأ، فلا يكون في ذلك متمسك لمن منع الرواية بالمعنى، وقد استشكل هذا الحديث بأنه تضمن دعاء صدر من النبي صلى الله عليه وسلم على من يستحقه وهو من مات منهم مشركا، ولم يقع أحد الشقين وهو البيوت أما القبور فوقع في حق من مات منهم مشركا لا محالة. ويجاب بأن يحمل على سكانها وبه يتبين رجحان الرواية بلفظ قلوبهم أو أجوافهم.

(8/198)


43- باب {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أَيْ مُطِيعِينَ
4534- حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت هذه الآية {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} فأمرنا بالسكوت
قوله: "باب {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ، أي مطيعين" هو تفسير ابن مسعود أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح، ونقله أيضا عن ابن عباس وجماعة من التابعين. وذكر من وجه آخر عن ابن عباس قال: قانتين أي مصلين. وعن

(8/198)


مجاهد قال: من القنوت الركوع والخشوع وطول القيام وغض البصر وخفض الجناح والرهبة لله. وأصح ما دل عليه حديث الباب - وهو حديث زيد بن أرقم - في أن المراد بالقنوت في الآية السكوت، وقد تقدم شرحه في أبواب. العمل في الصلاة من أواخر كتاب الصلاة، والمراد به السكوت عن كلام الناس لا مطلق الصمت، لأن الصلاة لا صمت فيها بل جميعها قرآن وذكر، والله أعلم.

(8/199)


44- باب {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ كُرْسِيُّهُ عِلْمُهُ يُقَالُ بَسْطَةً زِيَادَةً وَفَضْلاً أَفْرِغْ أَنْزِلْ وَلاَ يَئُودُهُ لاَ يُثْقِلُهُ آدَنِي أَثْقَلَنِي وَالْآدُ وَالأَيْدُ الْقُوَّةُ السِّنَةُ نُعَاسٌ يَتَسَنَّهْ يَتَغَيَّرْ فَبُهِتَ ذَهَبَتْ حُجَّتُهُ خَاوِيَةٌ لاَ أَنِيسَ فِيهَا عُرُوشُهَا أَبْنِيَتُهَا نُنْشِرُهَا نُخْرِجُهَا إِعْصَارٌ رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنْ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ صَلْدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَابِلٌ مَطَرٌ شَدِيدٌ الطَّلُّ النَّدَى وَهَذَا مَثَلُ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ يَتَسَنَّهْ يَتَغَيَّر"
4535- حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا مالك عن نافع "أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال يتقدم الإمام وطائفة من الناس فيصلي بهم الإمام ركعة وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين فيقوم كل واحد من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة مستقبليها" قال مالك قال نافع لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"
قوله: "باب قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ} الآية" ذكر فيه حديث بن عمر في صلاة الخوف، وقد تقدم البحث فيه في أبواب صلاة الخوف مبسوطا. قوله: "وقال ابن جبير: كرسيه علمه" وصله سفيان الثوري في تفسيره في رواية أبي حذيفة عنه بإسناد صحيح، وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير فزاد فيه: "عن ابن عباس" وأخرجه العقيلي من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عند الطبراني في "كتاب السنة" من هذا الوجه مرفوعا، وكذا رويناه في "فوائد أبي الحسن علي بن عمر الحربي" مرفوعا والموقوف أشبه. وقال العقيلي: إن رفعه خطأ، ثم هذا التفسير غريب، وقد روى ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أن الكرسي موضوع القدمين. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أبي موسى مثله، وأخرجا عن السدي أن الكرسي بين يدي العرش، وليس ذلك مغايرا لما قبله، والله أعلم. قوله يقال: "بسطة زيادة وفضلا" هكذا ثبت لغير أبي ذر، وهو تفسير أبي عبيدة قال في قوله: {بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} أي زيادة وفضلا وكثرة، وجاء عن ابن عباس نحوه، وذكره ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك عن

(8/199)


ابن عباس قال في قوله: {وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} يقول: فضيلة. قوله: "أفرغ: أنزل" ثبت هذا أيضا لغير أبي ذر، وهو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} أي أنزع علينا. قوله: "ولا يئوده: لا يثقله" هو تفسير ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وذكر مثله عن جماعة من التابعين، ولسقوط ما قبله من رواية أبي ذر صار كأنه من كلام سعيد ابن جبير لعطفه على تفسير الكرسي، ولم أره منقولا عنه. قوله: "آدني: أثقلني، والآد والأيد القوة" هو كلام أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: {ولا يئوده} أي لا يثقله، تقول آدنى هذا الأمر أثقلني، وتقول ما آدك فهو لي آيد أي ما أثقلك فهو لي مثقل. وقال في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ} أي ذا القوة. قوله: "السنة النعاس" أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. قوله: " لمْ يَتَسَنَّهْ} لم يتغير" أخرجه ابن أبي حاتم من وجهين عن ابن عباس، وعن السدي مثله قال: لم يحمض التين والعنب ولم يختمر العصير بل هما حلوان كما هما، وعي هذا فالهاء فيه أصلية، وقيل هي هاء السكت، وقيل أصله يتسنن مأخوذ من الحمأ المسنون أي المستن، وفي قراءة يعقوب "لم يتسن" بتشديد النون بلا هاء أي لم تمضي عليه السنون الماضية كأنه ابن ليلة. قوله: "فبهت: ذهبت حجته" هو كلام أبي عبيدة قاله في قوله: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} قال: انقطع وذهبت حجته. قوله: "خاوية لا أنيس فيها" ذكره ابن أبي حاتم بنحوه من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: "وهي خاوية" قال: ليس فيها أحد. قوله: "عروشها: أبنيتها" ثبت هذا والذي بعده لغير أبي ذر، وقد ذكره ابن أبي حاتم من طريق الضحاك والسدي بمعناه. قوله: "ننشرها: نخرجها" أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي بمعناه في قوله: {كَيْفَ نُنْشِزُهَا} يقول نخرجها، قال: فبعث الله ريحا فحملت عظامه من كل مكان ذهب به الطير والسباع فاجتمعت، فركب بعضها في بعض وهو ينظر، فصار عظما كله لا لحم له ولا دم. "تنبيه" : أخرج ابن أبي حاتم من حديث علي أن هذه القصة وقعت لعزيز، وهو قول عكرمة وقتادة والسدي والضحاك وغيرهم، وذكر بعضهم قصة في ذلك، وأن القرية بيت القدس، وأن ذلك لما خربه بختنصر. وقال وهب بن منبه ومن تبعه: هي أرمياء، وساق ابن إسحاق قصة في المبتدأ.
" تكملة " : استدل بهذه الآية بعض أئمة الأصول على مشروعية القياس بأنها تضمنت قياس إحياء هذه القرية وأهلها وعمارتها لما فيها من الرزق بعد خرابها على إحياء هذا المار وإحياء حماره بعد موتهما بما كان مع المار من الرزق. قوله: "إعصار: ريح عاصف تهب من الأرض إلى السماء كعمود نار" ثبت هذا لأبي ذر عن الحموي وحده، وهو كلام أبي عبيدة، قال في قوله: {إعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} قال: الإعصار ريح عاصف إلخ، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الإعصار ريح فيها سموم شديدة. قوله: "وقال ابن عباس صلدا: ليس عليه شيء" سقط من هنا إلى آخر الباب من رواية أبي ذر، وتفسير قوله: "صلدا" وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وروى ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عباس قال: فتركه يابسا لا ينبت شيئا. قوله: "قال عكرمة وابل: مطر شديد، الطل الندى، وهذا مثل عمل المؤمن" وصله عبد بن حميد عن روح بن عبادة عن عثمان بن غياث سمعت عكرمة بهذا، وسيأتي شرح حديث ابن عباس مع عمر في ذلك قريبا. قوله: "يتسنه يتغير" تقدم تفسيره عن ابن عباس، وأما عن عكرمة فذكره ابن أبي حاتم من روايته.

(8/200)


45- باب {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}
4536- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالاَ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: "قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} إِلَى قَوْلِهِ {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا قَالَ تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ قَالَ حُمَيْدٌ أَوْ نَحْوَ هَذَا"
قوله: "باب {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} "حديث ابن الزبير مع عثمان، وقد تقدم قبل بابين، وسقطت الترجمة لغير أبي ذر فصار من الباب الذي قبله عندهم.

(8/201)


باب {وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى}
...
46- باب {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}
4537- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}
قوله: "باب {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} فصرهن: قطعهن" ثبت هذا لأبي ذر وحده، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من وجهين عن ابن عباس، ومن طريق جماعة من التابعين، ومن وجه آخر عن ابن عباس قال: صرهن أي أو ثقهن ثم اذبحهن. وقد اختلف نقلة القراءات في ضبط هذه اللفظة عن ابن عباس فقيل: بكسر أوله كقراءة حمزة، وقيل بضمه كقراءة الجمهور، وقيل بتشديد الراء مع ضم أوله وكسره من صره يصره إذا جمعه ونقل أبو البقاء تثليث الراء في هذه القراءة وهي شاذة، قال عياض تفسير صرهن بقطعهن غريب والمعروف أن معناها أملهن، يقال صاره يصيره ويصوره إذا أماله، قال ابن التين: صرهن بضم الصاد معناها ضمهن، وبكسرها قطعهن. قلت: ونقل أبو علي الفارسي أنهما بمعنى واحد، وعن الفراء الضم مشترك والكسر القطع فقط، وعنه أيضا هي مقلوبة من قوله صراه عن كذا أي قطعه، يقال صرت الشيء فانصار أي انقطع، وهذا يدفع قول من قال: يتعين حمل تفسير ابن عباس بالقطع على قراءة كسر الصاد، وذكر صاحب "المغرب" أن هذه اللفظة بالسريانية وقيل بالنبطية، لكن المنقول أولا يدل على أنها بالعربية، والعلم عند الله تعالى. حديث أبي هريرة "نحن أحق بالشك من إبراهيم" وقد تقدم شرحه مستوفى في أحاديث الأنبياء.

(8/201)


باب قوله {أيود أحدكم أن تكون له جنة ...}
...
47- باب ـ قَوْلِهِ: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ إِلَى قَوْلِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}
4538- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَسَمِعْتُ أَخَاهُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: "قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا

(8/201)


48- باب {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}
يُقَالُ أَلْحَفَ عَلَيَّ وَأَلَحَّ عَلَيَّ وَأَحْفَانِي بِالْمَسْأَلَةِ فَيُحْفِكُمْ يُجْهِدْكُمْ
4539- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيَّ قَالاَ سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلاَ اللُّقْمَةُ وَلاَ اللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ : {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}
قوله: "باب {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} يقال ألحف علي، وألح، وأحفاني بالمسألة" زاد في نسخة الصغاني

(8/202)


"فيحفكم يجهدكم" هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى: {وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} يقال أحفاني بالمسألة وألحف علي وألح علي بمعنى واحد، واشتقاق ألحف من اللحاف لأنه يشتمل على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف في التغطية. وقال أبو عبيدة في قوله: {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} قال: إلحاحا انتهى. وانتصب "إلحافا" على أنه مصدر في موضع الحال أي لا يسألون في حال الإلحاف، أو مفعول لأجله أي لا يسألون لأجل الإلحاف، وهل المراد نفي المسألة فلا يسألون أصلا، أو نفي السؤال بالإلحاف خاصة فلا ينتفي السؤال بغير إلحاف فيه احتمال، والثاني أكثر في الاستعمال. ويحتمل أن يكون المراد لو سألوا لم يسألوا إلحافا فلا يستلزم الوقوع. ثم ذكر المصنف حديث أبي هريرة "ليس المسكين الذي ترده التمرة" الحديث، وقد تقدم شرحه في كتاب الزكاة، وقوله: "اقرءوا إن شئتم، يعني قوله: {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} ووقع عند الإسماعيلي بيان قائل "يعني" فإنه أخرجه عن الحسن بن سفيان عن حميد بن زنجويه عن سعيد بن أبي مريم بسنده وقال في آخره: "قلت لسعيد بن أبي مريم: ما تقرأ؟ قال: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية" فيستفاد منه أن قائل يعني هو سعيد بن أبي مريم شيخ البخاري فيه. وقد أخرج مسلم والإسماعيلي هذا الحديث من طريق إسماعيل بن جعفر عن شريك بن أبي نمر بلفظ: اقرءوا إن شئتم {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} فدل على صحة ما فسرها به سعيد بن أبي مريم. وكذا أخرجه الطبري من طريق صالح بن سويد عن أبي هريرة، لكنه لم يرفعه. وروى أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه مرفوعا: "من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف" وفي رواية ابن خزيمة: "فهو ملحف" والأوقية أربعون درهما. لأحمد من حديث عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد رفعه: "من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا" ولأحمد والنسائي من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "من سأل وله أربعون درهما فهو ملحف" .

(8/203)


49- باب {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} الْمَسُّ الْجُنُونُ
4540- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "لَمَّا نَزَلَتْ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْر"
قوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} إلى آخر الآية. قوله: "المس الجنون" هو تفسير الفراء، قال في قوله تعالى: {لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} أي لا يقوم في الآخرة، قال: والمس الجنون، والعرب تقول ممسوس أي مجنون انتهى. وقال أبو عبيدة: المس اللمم من الجن. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا" ومن طريق ابن عبد الله بن مسعود عن أبيه "أنه كان يقرأ: {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} يوم القيامة" وقوله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} يحتمل أن يكون من تمام اعتراض الكفار حيث قالوا {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا} أي فلم أحل هذا وحرم هذا؟ ويحتمل أن يكون ردا عليهم ويكون اعتراضهم بحكم العقل والرد عليهم بحكم الشرع الذي لا معقب لحكمه، وعلى الثاني أكثر المفسرين، واستبعد بعض الحذاق الأول، وليس ببعيد إلا من جهة أن جوابهم بقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} إلى

(8/203)


آخره يحتاج إلى تقدير، والأصل عدمه. قوله: "فقرأها" أي الآيات. وفي رواية شعبة التي بعد هذه "في المسجد" وقد مضى ما يتعلق به في المساجد من كتاب الصلاة، واقتضى صنيع المصنف في هذه التراجم أن المراد بالآيات آيات الربا كلها إلى آية الدين. قوله: "ثم حرم التجارة في الخمر" تقدم توجيهه في البيوع، وأن تحريم التجارة في الربا وقع بعد تحريم الخمر بمدة فيحصل به جواب من استشكل الحديث بأن آيات الربا من آخر ما نزل من القرآن، وتحريم الخمر تقدم قبل ذلك بمدة.

(8/204)


50- باب {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} يُذْهِبُهُ
4541- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ سَمِعْتُ أَبَا الضُّحَى يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "لَمَّا أُنْزِلَتْ الْآيَاتُ الأَوَاخِرُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلاَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْر"
قوله: "باب : {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا} : يذهبه" هو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا} أي يذهبه. وأخرج أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم من حديث ابن مسعود رفعه: "أن الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قلة" . حديث عائشة المذكور قبله من وجه آخر عن الأعمش، ومراده الإشارة إلى أن هذه الآية من جملة الآيات التي ذكرتها عائشة.

(8/204)


51- باب {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَاعْلَمُوا}
4542- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "لَمَّا أُنْزِلَتْ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْجِدِ وَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْر"
قوله: "باب {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} : فاعلموا" هو تفسير "فَأْذَنُوا" على القراءة المشهورة بإسكان الهمزة وفتح الذال، قال أبو عبيدة: معنى قوله: "فأذنوا" أيقنوا، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم "فآذنوا" بالمد وكسر الذال أي آذنوا غيركم وأعلموهم، والأول أوضح في مراد السياق. حديث عائشة عن شيخ له آخر.

(8/204)


52- باب {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
4543- وَ قَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا أُنْزِلَتْ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْر"
قوله: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} الآية "كذا لأبي ذر، وساق غيره بقية الآية، وهي خبر بمعنى

(8/204)


53- باب {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}
4544- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةُ الرِّبَا"
قوله: "باب {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} قرأ الجمهور بضم التاء من ترجعون مبنيا للمجهول، وقرأ أبو عمرو وحده بفتحها مبنيا للفاعل. قوله: "سفيان" هو الثوري، وعاصم هو ابن سليمان الأحول. قوله: "عن ابن عباس" كذا قال عاصم عن الشعبي، وخالفه داود بن أبي هند عن الشعبي فقال: "عن عمر" أخرجه الطبري بلفظ: "كان من آخر ما نزل من القرآن آيات الربا" وهو منقطع فإن الشعبي لم يلق عمر. قوله: "آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا" كذا ترجم المصنف بقوله: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله" وأخرج هذا الحديث بهذا اللفظ، ولعله أراد أن يجمع بين قولي ابن عباس فإنه جاء عنه ذلك من هذا الوجه، وجاء عنه من وجه آخر: آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} وأخرجه الطبري من طرق عنه، وكذا أخرجه من طرق جماعة من التابعين وزاد عن ابن جريج قال: "يقولون إنه مكث بعدها تسع ليال" ونحوه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وروي عن غيره أقل من ذلك وأكثر فقيل إحدى وعشرين، وقيل سبعا، وطريق الجمع بين هذين القولين أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن، وأما ما سيأتي في آخر سورة النساء من حديث البراء "آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة" فيجمع بينه وبين قول ابن عباس بأن الآيتين نزلتا جميعا، فيصدق أن كلا منهما آخر بالنسبة لما عداهما، ويحتمل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلا، بخلاف آية البقرة، ويحتمل عكسه، والأول أرجح لما في آية البقرة من الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول، وحكى ابن عبد السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعد نزول الآية المذكورة إحدى وعشرين يوما، وقيل سبعا، وأما ما ورد في {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} أنها آخر سورة نزلت فسأذكر ما يتعلق به في تفسيرها إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
" تنبيه " المراد بالآخرية في الربا تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة، وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة على ما يدل عليه قوله تعالى في آل عمران في أثناء قصة أحد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً} الآية.

(8/205)


54- باب {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
4545- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ ابْنُ عُمَرَ "أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآيَة"

(8/205)


55- باب {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ}
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِصْرًا عَهْدًا وَيُقَالُ غُفْرَانَكَ مَغْفِرَتَكَ فَاغْفِرْ لَنَا"

(8/206)


4546- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ {إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} قَالَ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا"
قوله: "باب {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} أي إلى آخر السورة. قوله: "وقال ابن عباس: إصرا عهدا" وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً} أي عهدا، وأصل الإصر الشيء الثقيل، ويطلق على الشديد، وتفسيره بالعهد تفسير باللازم لأن الوفاء بالعهد شديد. وروى الطبري من طريق ابن جريج في قوله: {إِصْراً} قال: عهدا لا نطيق القيام به. قوله: "ويقال غفرانك مغفرتك فاغفر لنا" هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله غفرانك أي مغفرتك أي اغفر لنا. وقال الفراء: غفرانك مصدر وقع في موضع أمر فنصب. وقال سيبوبه التقدير اغفر غفرانك، وقيل يحتمل أن يقدر جملة خبرية أي نستغفرك غفرانك والله أعلم. قوله: "نسختها الآية التي بعدها" قد عرف بيانه من حديثي ابن عباس وأبي هريرة والمراد بقوله نسختها أي أزالت ما تضمنته من الشدة وبينت أنه وإن وقعت المحاسبة به لكنها لا تقع المؤاخذة به أشار إلى ذلك الطبري فرارا من إثبات دخول النسخ في الأخبار. وأجيب بأنه وإن كان خبرا لكنه يتضمن حكما ومهما كان من الأخبار يتضمن الأحكام أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار ما كان خبرا محضا لا يتضمن حكما كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك ويحتمل أن يكون المراد بالنسخ في الحديث التخصيص فإن المتقدمين يطلقون لفظ النسخ عليه كثيرا، والمراد بالمحاسبة بما يخفى الإنسان ما يصمم عليه ويشرع فيه دون ما يخطر له ولا يستمر عليه، والله أعلم.

(8/207)


3- سورة آلِ عِمْرَانَ
تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ وَاحِدَةٌ صِرٌّ بَرْدٌ شَفَا حُفْرَةٍ مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ وَهْوَ حَرْفُهَا تُبَوِّئُ تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا الْمُسَوَّمُ الَّذِي لَهُ سِيمَاءٌ بِعَلاَمَةٍ أَوْ بِصُوفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ رِبِّيُّونَ الْجَمِيعُ وَالْوَاحِدُ رِبِّيٌّ تَحُسُّونَهُمْ تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا غُزًّا وَاحِدُهَا غَازٍ سَنَكْتُبُ سَنَحْفَظُ نُزُلاً ثَوَابًا وَيَجُوزُ وَمُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَقَوْلِكَ أَنْزَلْتُهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى الرَّاعِيَةُ الْمُسَوَّمَةُ وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَحَصُورًا لاَ يَأْتِي النِّسَاءَ وَقَالَ عِكْرِمَةُ مِنْ فَوْرِهِمْ مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ مِنْ النُّطْفَةِ تَخْرُجُ مَيِّتَةً وَيُخْرِجُ مِنْهَا الْحَيَّ الإِبْكَارُ أَوَّلُ الْفَجْرِ وَالْعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ أُرَاهُ إِلَى أَنْ تَغْرُب"
قوله: "سورة آل عمران - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كذا لأبي ذر ولم أر البسملة لغيره. قوله: "صر: برد" هو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} : الصر شدة البرد. قوله: "شفا حفرة مثل شفا الركية" بفتح الراء كسر الكاف وتشديد التحتانية "وهو حرفها" كذا للأكثر بفتح المهملة وسكون الراء وللنسفي بضم

(8/207)


الجيم والراء والأول الصوب، والجرف الذي أضيف إليه شفا في الآية الأخرى غير شفا هنا، وقد قال أبو عبيدة في قوله تعالى:{شَفَا حُفْرَةٍ} شفا جرف، وهو يقتضي التسوية بينهما في الإضافة وإلا فمدلول جرف غير مدلول حفرة، فإن لفظ شفا يضاف إلى أعلى الشيء ومنه قوله: {شَفَا جُرُفٍ} وإلى أسفل الشيء منه "شفا حفرة" ويطلق شفا أيضا على القليل تقول ما بقي منه شيء غير شفا أي غير قليل، ويستعمل في القرب ومنه أشفى على كذا أي قرب منه. قوله: {تُبَوِّئُ} : تتخذ معسكرا "هو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} أي تتخذ لهم مصاف ومعسكرا. وقال غيره: تبوئ تنزل، بوأه أنزله، وأصله من المباءة وهي المرجع. والمقاعد جمع مقعد وهو مكان القعود، وقد تقدم شيء من ذلك في غزوة أحد. قوله: "ربيون: الجموع، واحدها ربي" هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله: { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قال: الربيون الجماعة الكثيرة، واحدها ربي، وهو بكسر الراء في الواحد، والجمع قراءة الجمهور. وعن على وجماعة بضم الراء وهو من تغيير النسب في القراءتين إن كانت النسب إلى رب، وعليها قراءة ابن عباس ربيون بفتح الراء وقيل بل هو منسوب إلى الربة أي الجماعة وهو بضم الراء وبكسرها، فإن كان كذلك فلا تغيير والله أعلم. قوله: "تحسونهم: تستأصلونهم قتلا" وقع هذا بعد قوله: "واحدها ربي" وهو تفسير أبي عبيدة أيضا بلفظه وزاد: يقال حسسناهم من عند آخرهم أي استأصلناهم، وقد تقدم بيان ذلك في غزوة أحد. قوله: "غزا واحدها غاز: هو تفسير أبي عبيدة أيضا، قال في قوله: {أو كانوا غزاً} لا يدخلها رفع ولا جر لأن واحدها غاز، فخرجت مخرج قائل وقول انتهى. وقرأ الجمهور "غزا" بالتشديد جمع غاز وقياسه غزاة، لكن حملوا المعتل على الصحيح كما قال أبو عبيدة، وقرأ الحسن وغيره: "غزا" بالتخفيف فقيل خفف الزاي كراهية التثقيل، وقيل أصله غزاة وحذف الهاء. قوله: "سنكتب ما قالوا: سنحفظ" هو تفسير أبي عبيدة أيضا، لكنه ذكره بضم الياء التحتانية على البناء للمجهول وهي قراءة حمزة، وكذلك قرأ: {وقتلهم} بالرفع عطفا على الموصول لأنه منصوب المحل، وقراءة الجمهور بالنون للمتكلم العظيم، وقتلهم بالنصب على الموصول لأنه منصوب المحل، وتفسير الكتابة بالحفظ تفسير باللازم، وقد كثر ذلك في كلامهم كما مضى ويأتي. قوله: "نزلا: ثوابا: ويجوز ومنزل من عند الله كقولك أنزلته" هو قول أبي عبيدة أيضا بنصه، والنزل ما يهيأ للنزيل وهو الضيف، ثم اتسع فيه حتى سمى به الغداء وإن لم يكن للضيف. وفي نزل قولان: أحدهما مصدر والآخر أنه جمع نازل كقول الأعشى "أو تنزلون فإنا معشر نزل" أي نزول، وفي نصب نزلا في الآية أقوال: منها أنه منصوب على المصدر المؤكد لأنه معنى "لهم جنات" ننزلهم جنات نزلا، وعلى هذا يتخرج التأويل الأول لأن تقديره ينزلهم جنات رزقا وعطاء من عند الله. ومنها أنه حال من الضمير في "فيها" أي منزلة على أن نزلا مصدر بمعنى المفعول، وعليه يتخرج التأويل الثاني. قوله: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} : المسوم الذي له سيماء بعلامة، أو بصوفة، أو بما كان. وقال مجاهد: الخيل المسومة المطهمة الحسان. وقال سعيد بن جبير وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي: المسومة الراعية "أما التفسير الأول فقال أبو عبيدة: الخيل المسومة المعلمة بالسيماء. وقال أيضا في قوله: {مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ} أي معلمين. والمسموم الذي له سيماء بعلامة أو بصوفة أو بما كان. وأما قول مجاهد فرويناه في تفسير الثوري رواية أبي حذيفة عنه بإسناد صحيح، وكذا أخرجه عبد الرزاق عن الثوري. وأما قول ابن جبير فوصله أبو حذيفة أيضا بإسناد صحيح إليه. وأما قول

(8/208)


ابن أبزي فوصله الطبري من طريقه، وأورد مثله عن ابن عباس من طريق للعوفي عنه. وقال أبو عبيدة أيضا يجوز أن يكون معنى {مُسَوَّمَةً} مرعاة، من أسمتها فصارت سائمة. قوله: "وقال سعيد جبير: وحصورا لا يأتي النساء" وقع هذا بعد ذكر المسومة، وصله الثوري في تفسيره عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير به، وأصل الحصر الحبس والمنع، يقال لمن لا يأتي النساء أعم من أن يكون ذلك بطبعة كالعنين أو بمجاهدة نفسه، وهو الممدوح والمراد في وصف السيد يحيى عليه السلام. قوله: "وقال عكرمة: من فورهم غضبهم يوم بدر" وصله الطبري من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة في قوله: {وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} قال: فورهم ذلك كان يوم أحد غضبوا ليوم بدر بما لقوا، وأخرجه عبد بن حميد من وجه آخر عن عكرمة في قولهم "من فورهم هذا" قال من وجوههم هذا، وأصل الفور العجلة والسرعة، ومنه فارت القدر، يعبر به عن الغضب لأن الغضبان يسارع إلى البطش. قوله: "وقال مجاهد: يخرج الحي من الميت" النطفة تخرج ميتة ويخرج منها الحي" وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} قال: الناس الأحياء من النطف الميتة والنطف الميتة من الناس الأحياء. قوله: "الإبكار أول الفجر، والعشي ميل الشمس إلى أن تغرب" وقع هذا أيضا عند غير أبي ذر، وقد تقدم شرحه في بدء الخلق

(8/209)


1- باب {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} وَكَقَوْلِهِ {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} {زَيْغٌ} شَكٌّ {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} الْمُشْتَبِهَاتِ {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} يَعْلَمُونَ تأويله {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}
4547- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ} قَالَتْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُم"
قوله: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} قال مجاهد: الحلال والحرام {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} يصدق بعضها بعضا، كقوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} وكقوله: "ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون" وكقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} هكذا وقع فيه، وفيه تغيير وبتحريره يستقيم الكلام. وقد أخرجه عبد بن حميد بالإسناد الذي ذكرته قريبا إلى مجاهد، قال في قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} قال ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضا، هو مثل قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} إلى آخر ما ذكره. قوله: {زَيْغٌ} شك {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} المشتبهات "هو تفسير مجاهد أيضا وصله عبد بن حميد بهذا الإسناد كذلك ولفظه: وأما

(8/209)


{الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قال: شك {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} المشتبهات، الباب الذي ضلوا منه وبه هلكوا. قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} يعلمون و {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} الآية" وصله عبد بن حميد من الطريق المذكور عن مجاهد في قوله: "والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به" ومن طريق قتادة قال: "قال الراسخون كما يسمعون آمنا به كل من عند ربنا المتشابه والمحكم، فآمنوا بمتشابهه وعملوا بمحكمه فأصابوا" وهذا الذي ذهب إليه مجاهد من تفسير الآية يقتضي أن تكون الواو والراسخون عاطفة على معمول الاستثناء، وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} ، ويقول الراسخون في العلم آمنا به فهذا يدل على أن الواو للاستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة لكن أقل درجاتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه في ذلك على من دونه، ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متبعي المتشابه لوصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وصرح بوفق ذلك حديث الباب، ودلت الآية على مدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب. وحكى الفراء أن في قراءة أبي بن كعب مثل ذلك أعني ويقول الراسخون في العلم آمنا به.
" تنبيه " : سقط جميع هذه الآثار من أول السورة إلى هنا لأبي ذر عن السرخسي، وثبت عند أبي ذر عن شيخه قبل قوله منه آيات محكمات "باب" بغير ترجمة، ووقع عند أبي ذر آثار أخري: ففي أول السورة قوله: "تقاة وتقية واحد" هو تفسير أبي عبيده أي أنهما مصدران بمعنى واحد وقد قرأ عاصم في رواية عنه "إلا أن تتقوا منهم تقية" . قوله: "التستري" بضم المثناة وسكون المهملة وفتح المثناة. قوله: "عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة" قد سمع ابن أبي مليكة من عائشة كثيرا وكثيرا أيضا ما يدخل بينها وبينه واسطة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث فأخرجه الترمذي من طريق أبي عامر الجزار عن ابن أبي مليكة عن عائشة، ومن طريق زيد بن إبراهيم كما في الباب بزيادة القاسم، ثم قال: روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي ملكية عن عائشة ولم يذكروا القاسم، وإنما ذكره يزيد بن إبراهيم انتهى. وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي الوليد الطيالسي عن يزيد بن إبراهيم وحماد بن سلمة جميعا عن أبي مليكة عن القاسم، فلم ينفرد يزيد بزيادة القاسم: وممن رواه عن ابن أبي مليكة بغير ذكر القاسم أيوب أخرجه ابن ماجه من طريقه، ونافع بن عمر، وابن جريج وغيرهما. قوله: "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي قرأ: هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} . قال أبو البقاء: أصل المتشابه أن يكون بين اثنين، فإذا اجتمعت الأشياء المتشابهة كان كل منها مشابها للآخر فصح وصفها بأنها متشابهة، وليس المراد أن الآية وحدها متشابهة في نفسها. وحاصله أنه ليس من شرط صحة الوصف في الجمع صحة انبساط مفردات الأوصاف على مفردات الموصوفات، وإن كان الأصل ذلك. قوله: "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه" قال الطبري قبل إن هذه الآية نزلت في الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى، وقيل في أمر مدة هذه الأمة، والثاني أولى لأن أمر عيسى قد بينه الله لنبيه فهو معلوم لأمته، بخلاف أمر هذه الأمة فإن علمه خفي عن العباد. وقال غيره: المحكم من القرآن ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه. وسمى المحكم بذلك لوضوح مفردات كلامه وإتقان تركيبه، بخلاف المتشابه. وقيل المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أخرى غير هذه نحو العشرة ليس هذا موضع بسطها، وما ذكرته أشهرها وأقربها إلى الصواب

(8/210)


وذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي أن الأخير هو الصحيح عندنا، وابن السمعاني أنه أحسن الأقوال والمختار على طريقة أهل السنة، وعلى القول الأول جرى المتأخرون والله أعلم. وقال الطيبي: المراد بالمحكم ما اتضح معناه، والمتشابه بخلافه، لأن اللفظ الذي يقبل معنى إما أن يقبل غيره أو لا، الثاني النص، والأول إما أن تكون دلالته على ذلك المعنى راجحة أو لا، والأول هو الظاهر، والثاني إما أن يكون مساويه أو لا، والأول هو المجمل، والثاني المؤول. فالمشترك هو النص، والظاهر هو المحكم، والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتشابه. ويؤيد هذا التقسيم أنه سبحانه وتعالى أوقع المحكم مقابلا للمتشابه، فالواجب أن يفسر المحكم بما يقابله، ويؤيد ذلك أسلوب الآية وهو الجمع مع التقسيم لأنه تعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن قال: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} أراد أن يضيف إلى كل منهما ما شاء منهما من الحكم فقال أولا { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} - إلى أن قال – {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} وكان يمكن أن يقال: وأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم، لكنه وضع موضع ذلك الراسخون في العلم لإتيان لفظ الرسوخ لأنه لا يحصل إلا بعد التتبع التام والاجتهاد البليغ، فإذا استقام القلب على طريق الرشاد ورسخ القدم في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق، وكفى بدعاء الراسخين في العلم {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} إلخ شاهدا على أن {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مقابل لقوله : {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} وفيه إشارة على أن الوقف على قوله: {إلاَّ الله} تام وإلى أن علم بعض المتشابه مختص بالله تعالى، وأن من حاول معرفته هو الذي أشار إليه في الحديث بقوله: "فاحذروهم" وقال بعضهم: العقل مبتلي باعتقاد حقيقة المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادة، كالحكيم إذا صنف كتابا أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه، وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سر وقيل: لو لم يقبل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد، فبذلك يستأنس إلى التذلل بعز العبودية، والمتشابه هو موضع خضوع العقول لباريها استسلاما واعترافا بقصورها، وفي ختم الآية بقوله تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ} تعريض بالزائغين ومدح للراسخين، يعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه فليس من أولى العقول، ومن ثم قال الراسخون {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} إلى آخر الآية، فخضعوا لباريهم لاشترك العلم اللدني بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفساني وبالله التوفيق. وقال غيره. دلت الآية على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه، ولا يعارض ذلك قوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} ولا قوله: {كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ} حتى زعم بعضهم أن كله محكم، وعكس آخرون، لأن المراد بالإحكام في قوله: {أُحْكِمَتْ} الإتقان في النظم وأن كلها حق من عند الله، والمراد بالمتشابه كونه يشبه بعضه بعضا في حسن السياق والنظم أيضا، وليس المراد اشتباه معناه على سامعه. وحاصل الجواب أن المحكم ورد بإزاء معنيين، والمتشابه ورد بإزاء معنيين، والله أعلم. قوله: "فهم الذين سمى الله فاحذروهم" في رواية الكشميهني فاحذرهم "بالإقراد والأولى أولى، والمراد التحذير من الإصغار إلى الذين يتبعون المتشابه من القرآن، وأول ما ظهر ذلك من اليهود كما ذكره ابن إسحاق في تأويلهم الحروف المقطعة وأن عددها بالجمل مقدار مدة هذه الأمة، ثم أول ما ظهر في الإسلام من الخوارج حتى جاء ابن عباس أنه فسر بهم الآية، وقصة عمر في إنكاره على ضبيع لما بلغه أنه يتبع المتشابه فضربه على رأسه حتى أدماه، أخرجها الدارمي وغيره. وقال الخطابي: المتشابه على ضربين: أحدهما ما إذا رد إلى المحكم واعتبر به عرف معناه، والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهو الذي يتبعه أهل الزيغ

(8/211)


فيطلبون تأويله، ولا يبلغون كنهه، فيرتابون فيه فيفتنون، والله أعلم.

(8/212)


2- باب {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}
4548- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}
قوله: "باب {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أورد فيه حديث أبي هريرة" ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه" الحديث، وقد تقدم الكلام على شرحه واختلاف ألفاظه في أحاديث الأنبياء. وقد طعن صاحب "الكشاف" في معنى هذا الحديث وتوقف في صحته فقال: إن صح هذا الحديث فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك من كان في صفتهما، لقوله تعالى :{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} قال: واستهلال الصبي صارخا من مس الشيطان تخييل لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول هذا ممن أغويه. وأما صفة النخس كما يتوهمه أهل الحشو فلا، ولو ملك إبليس على الناس نخسهم لامتلأت الدنيا صراخا انتهى. وكلامه متعقب من وجوه، والذي يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مخالفة لما ثبت من عصمة الأنبياء بل ظاهر الخبر أن إبليس ممكن من مس كل مولود عند ولادته، لكن من عباد الله المخلصين لم يضره ذلك المس أصلا، واستثنى من المخلصين مريم وابنها فإنه ذهب يمس على عادته فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزم منه تسلطه على غيرهما من المخلصين. وأما قوله: "لو ملك إبليس إلخ" فلا يلزم من كونه جعل له ذلك عند ابتداء الوضع أن يستمر ذلك في حق كل أحد، وقد أورد الفخر الرازي هذا الإشكال وبالغ في تقريره على عادته وأجمل الجواب فما زاد على تقريره أن الحديث خبر واحد ورد على خلاف الدليل، لأن الشيطان إنما يغوي من يعرف الخير والشر، والمولود بخلاف ذلك، وأنه لو مكن من هذا القدر لفعل أكثر من ذلك من إهلاك وإفساد، وأنه لا اختصاص لمريم وعيسى بذلك دون غيرهما، إلى آخر كلام "الكشاف" . ثم أجاب بأن هذه الوجوه محتملة، ومع الاحتمال لا يجوز دفع الخبر انتهى وقد فتح الله تعالى بالجواب كما تقدم، والجواب عن إشكال الإغواء يعرف مما تقدم أيضا، وحاصله أن ذلك جعل علامة في الابتداء على من يتمكن من إغوائه، والله أعلم.

(8/212)


3- باب {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ} لَهُمْ لاَ خَيْرَ {أَلِيمٌ} مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ مِنْ الأَلَمِ وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ
4549، 4550- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ

(8/212)


4- باب {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ} سَوَاءٍ قَصْدٍ
4553- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ مَعْمَرٍ ح و حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ "حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ قَالَ انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأْمِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ قَالَ وَكَانَ دَحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ قَالَ فَقَالَ هِرَقْلُ هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَايْمُ اللَّهِ لَوْلاَ أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ قَالَ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قَالَ قُلْتُ لاَ قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لاَ قَالَ أَيَتَّبِعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ قُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ قَالَ قُلْتُ لاَ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ قَالَ قُلْتُ لاَ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قَالَ قُلْتُ تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالاً يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قَالَ قُلْتُ لاَ وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا قَالَ وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ

(8/214)


أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ لاَ ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ فَقُلْتُ لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ فَقُلْتَ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يُزِيدُونَ وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لاَ يَغْدِرُ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ فَقُلْتُ لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ قَالَ ثُمَّ قَالَ بِمَ يَأْمُرُكُمْ قَالَ قُلْتُ يَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ قَالَ إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ وَلَمْ أَكُ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لاَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ قَالَ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلاَمٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ- إِلَى قَوْلِهِ- اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتْ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا قَالَ فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ قَالَ الزُّهْرِيُّ فَدَعَا هِرَقْلُ عُظَمَاءَ الرُّومِ فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لَهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلاَحِ وَالرَّشَدِ آخِرَ الأَبَدِ وَأَنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ قَالَ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَقَالَ عَلَيَّ بِهِمْ فَدَعَا بِهِمْ فَقَالَ إِنِّي إِنَّمَا اخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمْ الَّذِي أَحْبَبْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْه"

(8/215)


قوله: "باب قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ} كذا للأكثر، ولأبي ذر "وبينكم الآية" . قوله: "سواء قصدا" كذا لأبي ذر بالنصب، ولغيره بالجر فيهما وهو أظهر على الحكاية، لأنه يفسر قوله: {إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} وقد قرئ في الشواذ بالنصب وهي قراءة الحسن البصري قال الحوفي: أنتصب على المصدر، أي استوت استواء. والقصد بفتح القاف وسكون المهملة: الوسط المعتدل. قال أبو عبيدة في قوله: {إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} أي عدل. وكذا أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس. وأخرج الطبري عن قتادة مثله، ونسبها الفراء إلى قراءة ابن مسعود. وأخرج عن أبي العالية أن المراد بالكلمة لا إله إلا الله، وعلى ذلك يدل سياق الآية الذي تضمنه قوله: "أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" فإن جميع ذلك داخل تحت كلمة الحق وهي لا إله إلا الله، والكلمة على هذا بمعنى الكلام، وذلك سائغ في اللغة، فتطلق الكلمة على الكلمات لأن بعضها ارتبط ببعض فصارت في قوة الكلمة الواحدة، بخلاف اصطلاح النحاة في تفريقهم بين الكلمة والكلام. ثم ذكر المصنف حديث أبي سفيان في قصة هرقل بطوله، وقد شرحته في بدء الوحي، وأحلت بقية شرحه على الجهاد فلم يقدر إيراده هناك. فأوردته هنا. وهشام في أول الإسناد هو ابن يوسف الصنعاني. قوله: "حدثني أبو سفيان من فيه إلى في" إنما لم يقل إلى أذني يشير إلى أنه كان متمكنا من الإصغاء إليه بحيث يجيبه إذا احتاج إلى الجواب، فلذلك جعل التحديث متعلقا بفمه، وهو في الحقيقة إنما يتعلق بأذنه. واتفق أكثر الروايات على أن الحديث كله من رواية ابن عباس عن أبي سفيان إلا ما وقع من رواية صالح بن كيسان عن الزهري في الجهاد فإنه ذكر أول الحديث عن ابن عباس إلى قوله: "فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين قرأه التمسوا لي هاهنا أحدا من قومه لأسألهم عنه، قال ابن عباس فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشام" الحديث. كذا وقع عند أبي يعلى من رواية الوليد بن محمد عن الزهري، وهذه الرواية المفصلة تشعر بأن فاعل "قال:"الذي وقع هنا من قوله: "قال وكان دحية إلخ" هو ابن عباس لا أبو سفيان، وفاعل "قال وقال هرقل هل هنا أحد" هو أبو سفيان. قوله: "هرقل" بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف على المشهور في الروايات، وحكى الجوهري وغير واحد من أهل اللغة سكون الراء وكسر القاف، وهو اسم غير عربي فلا ينصرف للعلمية والعجمة. قوله: "فدعيت في نفر من قريش فدخلنا على هرقل" فيه حذف تقديره: فجاءنا رسوله، فتوجهنا معه، فاستأذن لنا فأذن فدخلنا. وهذه الفاء تسمى الفصيحة، وهي الدالة على محذوف قبلها هو سبب لما بعدها، سميت فصيحة لإفصاحها عما قبلها. وقيل لأنها تدل على فصاحة المتكلم بها فوصفت بالفصاحة على الإسناد المجازي، ولهذا لا تقع إلا في كلام بليغ. ثم إن ظاهر السياق أن هرقل أرسل إليه بعينه، وليس كذلك، وإنما كان المطلوب من يوجد من قريش. ووقع في الجهاد "قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصر ببعض الشام، فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إلى إيلياء" وتقدم في بدء الوحي أن المراد بالبعض غزة، وقيصر هو هرقل وهرقل اسمه وقيصر لقبه. قوله: "فدخلنا على هرقل" تقدم في بدء الوحي بلفظ: "فأتوه وهو بإيلياء. وفي رواية هناك" وهم بإيلياء "واستشكلت ووجهت أن المراد الروم مع ملكهم، والأول أصوب. قوله: "فأجلسنا بين يديه فقال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا. فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه" وهذا يقتضي أن هرقل خاطبهم أولا بغير ترجمان، ثم دعا بالترجمان،

(8/216)


لكن وقع في الجهاد بلفظ: "فقال لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسبا إلخ" فيجمع بين هذا الاختلاف بأن قوله: "ثم دعا بترجمانه" أي فأجلسه إلى جنب أبي سفيان، لا أن المراد أنه كان غائبا فأرسل في طلبه فحضر، وكأن الترجمان كان واقفا في المجلس كما جرت به عادة ملوك الأعاجم، فخاطبهم هرقل بالسؤال الأول، فلما تحرر له حال الذي أراد أن يخاطبه من بين الجماعة أمر الترجمان بالجلوس إليه ليعبر عنه بما أراد، والترجمان من يفسر لغة بلغة فعلى هذا لا يقال ذلك لمن فسر كلمة غريبة بكلمة واضحة، فإن اقتضى معنى الترجمان ذلك فليعرف أنه الذي يفسر لفظا بلفظ. وقد اختلف هل هو عربي أو معرب؟ والثاني أشهر، وعلى الأول فنونه زائدة اتفاقا. ثم قيل هو من ترجيم الظن، وقيل من الرجم، فعلى الثاني تكون التاء أيضا زائدة، ويوجب كونه من الرجم أن الذي يلقي الكلام كأنه يرجم الذي يلقيه إليه. قوله: "أقرب نسبا من هذا الرجل" من كأنها ابتدائية والتقدير "أيكم أقرب نسبا مبدؤه من هذا الرجل" أو هي بمعنى الباء ويؤيده أن في الرواية التي في بدء الوحي "بهذا الرجل" وفي رواية الجهاد "إلى هذا الرجل" ولا إشكال فيه فإن أقرب يتعدى بإلى، قال الله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} والمفضل عليه محذوف تقديره من غيره، ويحتمل أن يكون في رواية الباب بمعنى الغاية فقد ثبت ورودها للغاية مع قلة. قوله: "وأجلسوا أصحابي خلفي" في رواية الجهاد "عند كتفي" وهي أخص، وعند الواقدي "فقال لترجمانه: قل لأصحابه إنما جعلتكم عن كتفيه لتردوا عليه كذبا إن قاله. قوله:"عن هذا الرجل "أشار إليه إشارة القرب لقرب العهد بذكره، أو لأنه معهود في أذهانهم لاشتراك الجميع في معاداته. ووقع عند ابن إسحاق من الزيادة في هذه القصة" قال أبو سفيان: فجعلت أزهده في شأنه وأصغر أمره وأقول: إن شأنه دون ما بلغك، فجعل لا يلتفت إلى ذلك" . قوله: "فإن كذبني" بالتخفيف "فكذبوه" بالتشديد، أي قال لترجمانه: يقول لكم ذلك. ولما جرت العادة أن مجالس الأكابر لا يواجه أحد فيها بالتكذيب احتراما لهم، أذن لهم هرقل في ذلك للمصلحة التي أرادها. قال محمد بن إسماعيل التيمي: كذب بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين مثل صدق، تقول كذبني الحديث وصدقني الحديث، قال الله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ} وكذب بالتشديد يتعدى إلى مفعول واحد، وهما من غرائب الألفاظ لمخالفتهما الغالب لأن الزيادة تناسب الزيادة وبالعكس، والأمر هنا بالعكس. قوله: "وأيم الله" بالهمزة وبغير الهمزة وفيها لغات أخرى تقدمت. قوله: "يؤثر" بفتح المثلثة أي ينقل. قوله: "كيف حسبه" كذا هنا، وفي غيرها "كيف نسبه"؟ والنسب الوجه الذي يحصل به الأدلاء من جهة الآباء، والحسب ما يعده المرء من مفاخر آبائه وقوله: "هو فينا ذو حسب" في غيرها "ذو نسب" واستشكل الجواب لأنه لم يزد على ما في السؤال لأن السؤال تضمن أن له نسبا أو حسبا، والجواب كذلك. وأجيب بأن التنوين يدل على التعظيم كأنه قال: هو فينا ذو نسب كبير أو حسب رفيع. ووقع في رواية ابن إسحاق "كيف نسبه فيكم؟ قال في الذروة" وهي بكسر المعجمة وسكون الراء أعلى ما في البعير من السنام، فكأنه قال هو من أعلانا نسبا. وفي حديث دحية عند البزار "حدثني عن هذا الذي خرج بأرضكم ما هو؟ قال: شاب. قال: كيف حسبه فيكم؟ قال هو في حسب ما لا يفضل عليه أحد. قال: هذه آية" . قوله: "هل كان في آبائه ملك" في رواية الكشميهني: "من آبائه" وملك هنا بالتنوين وهي تؤيد أن الرواية السابقة في بدء الوحي بلفظ: "من ملك" ليست بلفظ الفعل الماضي. قوله: "قال يزيدون أم ينقصون" كذا فيه بإسقاط همزة الاستفهام، وقد جزم ابن مالك بجوازه مطلقا خلافا لمن خصه بالشعر. قوله: "قال هل يرتد إلخ" إنما لم

(8/217)


يستغن هرقل بقوله بل يزيدون عن هذا السؤال لأنه لا ملازمة بين الارتداد والنقص، فقد يرتد بعضهم ولا يظهر فيهم النقص باعتبار كثرة من يدخل وقلة من يرتد مثلا. قوله: "سخطة له" يريد أن من دخل في الشيء على بصيرة يبعد رجوعه عنه، بخلاف من لم يكن ذلك من صميم قلبه فإنه يتزلزل بسرعة، وعلى هذا يحمل حال من ارتد من قريش، ولهذا لم يعرج أبو سفيان على ذكرهم، وفيهم صهره زوج ابنته أم حبيبة وهو عبيد الله بن جحش، فإنه كان أسلم وهاجر إلى الحبشة بزوجته ثم تنصر بالحبشة ومات على نصرانيته، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بعده، وكأنه ممن لم يكن دخل في الإسلام على بصيرة، وكان أبو سفيان وغيره من قريش يعرفون ذلك منه ولذلك لم يعرج عليه خشية أن يكذبوه، ويحتمل أن يكونوا عرفوه بما وقع له من التنصر وفيه بعد، أو المراد بالارتداد الرجوع إلى الدين الأول، ولم يقع ذلك لعبيد الله بن جحش، ولم يطلع أبو سفيان على من وقع له ذلك. زاد في حديث دحية "أرأيت من خرج من أصحابه إليكم هل يرجعون إليه؟ قال نعم" . قوله: "فهل قاتلتموه" نسب ابتداء القتال إليهم ولم يقل قاتلكم فينسب ابتداء القتال إليه محافظة على احترامه، أو لاطلاعه على أن النبي لا يبدأ قومه بالقتال حتى يقاتلوه، أو لما عرفه من العادة من حمية من يدعي إلى الرجوع عن دينه. وفي حديث دحية "هل ينكب إذا قاتلكم؟ قال: قد قاتله قوم فهزمهم وهزموه هذه آية" . قوله: "يصيب منا ونصيب منه" وقعت المقاتلة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش قبل هذه القصة في ثلاثة مواطن: بدر واحد والخندق، فأصاب المسلمون من المشركين في بدر وعكسه في أحد، وأصيب من الطائفتين ناس قليل في الخندق، فصح قول أبي سفيان يصيب منا ونصيب منه، ولم يصب من تعقب كلامه وأن فيه دسيسة لم ينبه عليها كما نبه على قوله: "ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها" والحق أنه لم يدس في هذه القصة شيئا وقد ثبت مثل كلامه هذا من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم كما أشرت إليه في بدء الوحي. قوله: "إني سألتك عن حسبه فيكم" ذكر الأسئلة والأجوبة على ترتيب ما وقعت، وأجاب عن كل جواب بما يقتضيه الحال، وحاصل الجميع ثبوت علامات النبوة في الجميع: فالبعض مما تلقفه من الكتب، والبعض مما استقرأه بالعادة، ووقع في بدء الوحي إعادة الأجوبة مشوشة الترتيب، وهو من الراوي، بدليل أنه حذف منها واحدة وهي قوله: "هل قاتلتموه إلخ" ووقع في رواية الجهاد شيء خالفت فيه ما في الموضعين، فإنه أضاف قوله: "بم يأمركم" إلى بقية الأسئلة فكملت بها عشرة، وأما هنا فإنه أخر قوله: "بم يأمركم" إلى ما بعد إعادة الأسئلة والأجوبة وما رتب عليها وقوله: "قال لترجمانه قل له - أي قل لأبي سفيان - إني سألتك" أي قل له حاكيا عن هرقل إني سألتك، أو المراد إني سألتك على لسان هرقل، لأن الترجمان يعيد كلام هرقل ويعيد لهرقل كلام أبي سفيان، ولا يبعد أن يكون هرقل كان يفقه بالعربية ويأنف من التكلم بغير لسان قومه كما جرت به عادة الملوك من الأعاجم. قوله: "قلت لو كان من آبائه" أي قلت في نفسي، وأطلق على حديث النفس قولا. قوله: "ملك أبيه" أفرده ليكون أعذر في طلب الملك، بخلاف ما لو قال ملك آبائه، أو المراد بالأب ما هو أعم من حقيقته ومجازه. قوله: "وكذلك الإيمان إذا خالط" يرجح أن الرواية التي في بدء الوحي بلفظ: "حتى يخالط" وهم والصواب "حين" كما للأكثر. قوله: "قلت يأمرنا بالصلاة إلخ" في بدء الوحي "فقلت يقول اعبدوا الله إلخ" واستدل به على إطلاق الأمر على صيغة افعل وعلى عكسه، وفيه نظر لأن الظاهر أنه من تصرف الرواة، ويستفاد منه أن المأمورات كلها كانت معروفة عند هرقل ولهذا لم يستفسره عن حقائقها. قوله: "إن يك ما تقول فيه حقا فإنه نبي" وقع في رواية الجهاد "وهذه صفة نبي"

(8/218)


وفي مرسل سعيد بن المسيب عند ابن أبي شيبة: "فقال هو نبي" ووقع في "أمالي المحاملي" رواية الأصبهانيين من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي سفيان أن صاحب بصري أخذه وناسا معه وهم في تجارة فذكر القصة مختصرة دون الكتاب وما فيه وزاد في آخرها "قال فأخبرني هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت: نعم، فأدخلت كنيسة لهم فيها الصور فلم أره، ثم أدخلت أخرى فإذا أنا بصورة محمد وصورة أبي بكر إلا أنه دونه. وفي دلائل النبوة لأبي نعيم" بإسناد ضعيف "إن هرقل أخرج لهم سفطا من ذهب عليه قفل من ذهب فأخرج منه حريرة مطوية فيها صور فعرضها عليهم إلى أن كان آخرها صورة محمد، فقلنا بأجمعنا: هذه صورة محمد، فذكر لهم أنها صور الأنبياء وأنه خاتمهم صلى الله عليه وسلم. أرادها. قال: قوله: "وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أك أظنه منكم" أي أعلم أن نبيا سيبعث في هذا الزمان، لكن لم أعلم تعيين جنسه. وزعم بعض الشراح أنه كان يظن أنه من بني إسرائيل لكثرة الأنبياء فيهم، وفيه نظر لأن اعتماد هرقل في ذلك كان على ما اطلع عليه من الإسرائيليات، وهي طافحة بأن النبي الذي في آخر الزمان من ولد إسماعيل، فيحمل قوله: "لم أكن أظن أنه منكم" أي من قريش. قوله: "لأحببت لقاءه" في بدء الوحي "لتجشمت" بجيم ومعجمة أي تكلفت، ورجحها عياض لكن نسبها لرواية مسلم خاصة، وهي عند البخاري أيضا. وقال النووي: قوله: "لتجشمت لقاءه" أي تكلفت الوصول إليه وارتكبت المشقة في ذلك، ولكني أخاف أن أقتطع دونه. قال ولا عذر له في هذا لأنه عرف صفة النبي، لكنه شح بملكه ورغب في بقاء رياسته فآثرها. وقد جاء مصرحا به في صحيح البخاري، قال شيخنا شيخ الإسلام: كذا قال، ولم أر في شيء من طرق الحديث في البخاري ما يدل على ذلك. قلت: والذي يظهر لي أن النووي عنى ما وقع في آخر الحديث عند البخاري دون مسلم من القصة التي حكاها ابن الناطور، وأن في آخرها في بدء الوحي أن هرقل قال: "إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت" وزاد في آخر حديث الباب: "فقد رأيت الذي أحببت" فكأن النووي أشار إلى هذا والله أعلم. وقد وقع التعبير بقوله: "شح بملكه" في الحديث الذي أخرجه. قوله: "ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه" ظاهره أن هرقل هو الذي قرأ الكتاب، ويحتمل أن يكون الترجمان قرأه ونسبت قراءته إلى هرقل مجازا لكونه الآمر به، وقد تقدم في رواية الجهاد بلفظ: "ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرئ"وفي مرسل محمد بن كعب القرظي عند الواقدي في هذه القصة" فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية فقرأه" ووقع في رواية الجهاد ما ظاهره أن قراءة الكتاب وقعت مرتين، فإن في أوله "فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين قرأه: التمسوا لي هاهنا أحدا من قومه لأسألهم عنه، قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشام في رجال من قريش" فذكر القصة إلى أن قال: "ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرئ"والذي يظهر لي أن هرقل قرأه بنفسه أولا ثم لما جمع قومه وأحضر أبا سفيان ومن معه وسأله وأجابه أمر بقراءة الكتاب على الجميع، ويحتمل أن يكون المراد بقوله أولا "فقال حين قرأه" أي قرأ عنوان الكتاب لأن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم كان مختوما بختمه وختمه محمد رسول الله، ولهذا قال إنه يسأل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، ويؤيد هذا الاحتمال أن من جملة الأسئلة قول هرقل "بم يأمركم؟ فقال أبو سفيان: يقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا" وهذا بعينه في الكتاب، فلو كان هرقل قرأه أولا ما احتاج إلى السؤال عنه ثانيا، نعم يحتمل أن يكون سأل عن ثانيا مبالغة في تقريره، قال النووي: في هذه القصة فوائد، منها جواز مكاتبة الكفار ودعاؤهم إلى الإسلام قبل القتال، وفيه

(8/219)


تفصيل: فمن بلغته الدعوة وجب إنذارهم قبل قتالهم، وإلا استحب. ومنها وجوب العمل بخبر الواحد وإلا لم يكن في بعث الكتاب مع دحية وحده فائدة. ومنها وجوب العمل بالخط إذا قامت القرائن بصدقه. قوله: "فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم" قال النووي: فيه استحباب تصدير الكتب ببسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافرا، ويحمل قوله في حديث أبي هريرة "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع " أي بذكر الله كما جاء في رواية أخرى فإنه روى على أوجه بذكر الله ببسم الله بحمد الله. قال: وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام ولم يبدأ فيه بلفظ الحمد بل بالبسملة انتهى والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عوانة في صحيحه وصححه ابن حبان أيضا وفي إسناده مقال وعلى تقدير صحته فالرواية المشهورة فيه بلفظ حمد الله، وما عدا ذلك من الألفاظ التي ذكرها النووي وردت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية. ثم اللفظ وإن كان عاما لكن أريد به الخصوص وهي الأمور التي تحتاج إلى تقدم الخطبة، وأما المراسلات فلم تجر العادة الشرعية ولا العرفية بابتدائها بذلك، وهو نظير الحديث الذي أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة أيضا بلفظ: " كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء" فالابتداء بالحمد واشتراط التشهد خاص بالخطبة، بخلاف بقية الأمور المهمة فبعضها يبدأ فيه بالبسملة تامة كالمراسلات، وبعضها ببسم الله فقط كما في أول الجماع والذبيحة، وبعضها بلفظ من الذكر مخصوص كالتكبير، وقد جمعت كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وغيرهم فلم يقع في واحد منها البداءة بالحمد بل بالبسملة، وهو يؤيد ما قررته والله أعلم. وقد تقدم في الحيض استدلال المصنف بهذا الكتاب على جواز قراءة الجنب القرآن وما يرد عليه، وكذا في الجهاد الاستدلال به على جواز السفر بالقرآن إلى أرض العدو وما يرد عليه بما أغنى عن الإعادة ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند ابن أبي شيبة: "أن هرقل لما قرأ الكتاب قال: هذا كتاب لم أسمعه بعد سليمان عليه السلام كأنه يريد الابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا يؤيد ما قدمناه أنه كان عالما بأخبار أهل الكتاب. قوله: "من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقع في بدء الوحي وفي الجهاد "من محمد بن عبد الله ورسوله" وفيه إشارة إلى أن رسل الله وإن كانوا أكرم الخلق على الله فهم مع ذلك مقرون بأنهم عبيد الله، وكأن فيه إشارة إلى بطلان ما تدعيه النصارى في عيسى عليه السلام. وذكر المدائني أن القارئ لما قرأ من محمد رسول الله إلى عظيم الروم غضب أخو هرقل واجتذب الكتاب، فقال له هرقل: مالك؟ فقال: بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم فقال هرقل: إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه؟ لئن كان رسول الله إنه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكهم. وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده من طريق عبد الله بن شداد عن دحية "بعثني النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى هرقل، فقدمت عليه فأعطيته الكتاب" وعنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الرأس، فلما قرأ الكتاب نخر ابن أخيه نخرة فقال: لا تقرأ، فقال قيصر: لم؟ قال: لأنه بدأ بنفسه وقال: صاحب الروم ولم يقل ملك الروم. قال: اقرأ فقرأ الكتاب" . قوله: "إلى هرقل عظيم الروم" عظيم بالجر على البدل ويجوز الرفع على القطع والنصب على الاختصاص، والمراد من تعظمه الروم وتقدمه للرياسة عليها. قوله: "أما بعد" تقدم في كتاب الجمعة في "باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد" الإشارة إلى عدد من روى من الصحابة هذه الكلمة وتوجيهها، ونقلت هناك أن سيبويه قال: إن معنى أما بعد مهما يكن من شيء. وأقول هنا: سيبويه لا يخص ذلك بقولنا أما بعد بل كل كلام أوله أما وفيه معنى الجزاء، قاله في مثل عبد الله فمنطلق، والفاء لازمة في أكثر الكلام،

(8/220)


وقد تحذف وهو نادر. قال الكرماني: "فإن قلت أم التفصيل فأين القسيم؟ ثم أجاب بأن التقدير أما الابتداء فهو بسم الله، وأما المكتوب فهو من محمد إلخ، وأما المكتوب به فهو ما ذكر في الحديث. وهو توجيه مقبول، لكنه لا يطرد في كل موضع، ومعناها الفصل بين الكلامين. واختلف في أول من قالها فقيل: داود عليه السلام، وقبل يعرب بن قحطان، وقيل كعب بن لؤي، وقيل قس بن ساعدة، وقيل سحبان. وفي "غرائب مالك للدار قطني" أن يعقوب عليه السلام قالها، فإن ثبت وقلنا إن قحطان من ذرية إسماعيل فيعقوب أول من قالها مطلقا، وإن قلنا إن قحطان قبل إبراهيم عليه السلام فيعرب أول من قالها، والله أعلم. قوله: "أسلم تسلم" فيه بشارة لمن دخل في الإسلام أنه يسلم من الآفات اعتبارا بأن ذلك لا يختص بهرقل، كما أنه لا يختص بالحكم الآخر وهو قوله أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، لأن ذلك عام في حق من كان مؤمنا بنبيه ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. قوله: "وأسلم يؤتك" فيه تقوية لأحد الاحتمالين المتقدمين في بدء الوحي، وأنه أعاد أسلم تأكيدا، ويحتمل أن يكون قوله أسلم أولا أي لا تعتقد في المسيح ما تعتقده النصارى، وأسلم ثانيا أي ادخل في دين الإسلام، فلذلك قال بعد ذلك "يؤتك الله أجرك مرتين" .
" تنبيه " : لم يصرح في الكتاب بدعائه إلى الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، لكن ذلك منطو في قوله: "والسلام على من اتبع الهدى" وفي قوله: "أدعوك بدعاية الإسلام" وفي قوله: "أسلم" فإن جميع ذلك يتضمن الإقرار بالشهادتين. قوله: "إثم الأريسيين" تقدم ضبطه وشرحه في بدء الوحي، ووجدته هناك في أصل معتمد بتشديد الراء، وحكى هذه الرواية أيضا صاحب "المشارق" وغيره، وفي أخرى "الأريسين" بتحتانية واحدة، قال ابن الأعرابي: أرس يأرس بالتخفيف فهو أريس، وأرس بالتشديد يؤرس فهو إريس. وقال الأزهري: بالتخفيف وبالتشديد الأكار لغة شامية، وكان أهل السواد أهل فلاحة وكانوا مجوسا، وأهل الروم أهل صناعة فأعلموا بأنهم وإن كانوا أهل كتاب فإن عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم إثم المجوس انتهى. وهذا توجيه آخر لم يتقدم ذكره. وحكى غيره أن الأريسيين ينسبون إلى عبد الله بن أريس رجل كان تعظمه النصارى ابتدع في دينهم أشياء مخالفة لدين عيسى، وقيل إنه من قوم بعث إليهم نبي فقتلوه، فالتقدير على هذا: فإن عليك مثل إثم الأريسيين. وذكر ابن حزم أن أتباع عبد الله بن أريس كانوا أهل مملكة هرقل، ورده بعضهم بأن الأريسيين كانوا قليلا وما كانوا يظهرون رأيهم، فإنهم كانوا ينكرون التثليث. وما أظن قول ابن حزم إلا عن أصل، فإنه لا يجازف في النقل. ووقع في رواية الأصيلي اليريسين بتحتانية في أوله، وكأنه بتسهيل الهمزة. وقال ابن سيده في "المحكم" : الأريس الأكار عند ثعلب، والأمين عند كراع، فكأنه من الأضداد، أي يقال للتابع والمتبوع، والمعنى في الحديث صالح على الرأيين، فإن كان المراد التابع فالمعنى إن عليك مثل إثم التابع لك على ترك الدخول في الإسلام، وإن كان المراد المتبوع فكأنه قال فإن عليك إثم المتبوعين، وإثم المتبوعين يضاعف باعتبار ما وقع لهم من عدم الإذعان إلى الحق من إضلال أتباعهم. وقال النووي: نبه بذكر الفلاحين على بقية الرعية لأنهم الأغلب، ولأنهم أسرع انقيادا. وتعقب بأن من الرعايا غير الفلاحين من له صرامة وقوة وعشيرة، فلا يلزم من دخول الفلاحين في الإسلام دخول بقية الرعايا حتى يصح أنه نبه بذكرهم على الباقين، كذا تعقبه شيخنا شيخ الإسلام. والذي يظهر أن مراد النووي أنه نبه طائفة من الطوائف على بقية الطوائف كأنه يقول إذا امتنعت كان عليك إثم كل من امتنع بامتناعك وكان يطيع لو أطعت الفلاحين، فلا وجه للتعقب عليه. نعم قول أبي عبيد في "كتاب الأموال" ليس المراد

(8/221)


بالفلاحين الزراعين فقط بل المراد به جميع أهل المملكة، إن أراد به على التقرير الذي قررت به كلام النووي فلا اعتراض عليه، وإلا فهو معترض. وحكى أبو عبيد أيضا أن الأريسيين هم الخول والخدم، وهذا أخص من الذي قبله، إلا أن يريد بالخول ما هو أعم بالنسبة إلى من يحكم الملك عليه. وحكى الأزهري أيضا أن الأريسيين قوم من المجوس كانوا يعبدون النار ويحرمون الزنا وصناعتهم الحراثة ويخرجون العشر مما يزرعون، لكنهم يأكلون الموقوذة. وهذا أثبت فمعنى الحديث فإن عليك مثل إثم الأريسيين كما تقدم. قوله: "فلما فرغ" أي القارئ، ويحتمل أن يريد هرقل ونسب إليه ذلك مجازا لكونه الآمر به، ويؤيده قوله بعده "عنده" فإن الضمير فيه وفيما بعده لهرقل جزما. قوله: "ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط" ووقع في الجهاد "فلما أن قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظماء الروم وكثر لغطهم، فلا أدري ما قالوا" لكن يعرف من قرائن الحال أن اللغط كان لما فهموه من هرقل من ميله إلى التصديق. قوله: "لقد أمر ابن أبي كبشة" تقدم ضبطه في بدء الوحي وأن "أمر" الأول بفتح الهمزة وكسر الميم، والثاني بفتح الهمزة وسكون الميم، وحكى ابن التين أنه روى بكسر الميم أيضا. وقد قال كراع في "المجرد" ورع أمر بفتح ثم كسر أي كثير فحينئذ يصير المعنى لقد كثر كثير ابن أبي كبشة وفيه قلق، وفي كلام الزمخشري ما يشعر بأن الثاني بفتح الميم فإنه قال أمرة على وزن بركة الزيادة، ومنه قول أبي سفيان "لقد أمر أمر محمد" انتهى. هكذا أشار إليه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين في شرحه ورده، والذي يظهر لي أن الزمخشري إنما أراد تفسير اللفظة الأولى وهي أمر بفتح ثم كسر وأن مصدرها أمر بفتحتين والأمر بفتحتين الكثرة والعظم والزيادة، ولم يرد ضبط اللفظة الثانية والله أعلم. قوله: "قال الزهري فدعا هرقل عظماء الروم فجمعهم إلخ" هذه قطعة من الرواية التي وقعت في بدء الوحي عقب القصة التي حكاها ابن الناطور، وقد بين هناك أن هرقل دعاهم في دسكرة له بحمص وذلك بعد أن رجع هذا من بيت المقدس وكاتب صاحبه الذي برومية فجاءه جوابه يوافقه على خروج النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالفاء في قوله: "فدعا" فصيحة، والتقدير قال الزهري فسار هرقل إلى حمص فكتب إلى صاحبه برومية فجاءه جوابه فدعا الروم.
" تنبيه " : وقع في "سيرة ابن إسحاق" من روايته عن الزهري بإسناد حديث الباب إلى أبي سفيان بعض القصة التي حكاها الزهري عن ابن الناطور، والذي يظهر لي أنه دخل عليه حديث في حديث، ويؤيده أنه حكى قصة الكتاب عن الزهري قال: "حدثني أسقف من النصارى قد أدرك ذلك الزمان" قلت: وهذا هو ابن الناطور، وقصة الكتاب إنما ذكرها الزهري من طريق أبي سفيان، وقد فصل شعيب بن أبي حمزة عن الزهري الحديث تفصيلا واضحا، وهو أوثق من ابن إسحاق وأتقن، فروايته هي المحفوظة ورواية ابن إسحاق شاذة، ومحل هذا التنبيه أن يذكر في الكلام على الحديث في بدء الوحي، لكن فات ذكره هناك فاستدركته هنا. قوله: "فجمعهم في دار له فقال" تقدم في بدء الوحي أنه جمعهم في مكان وكان هو في أعلاه فاطلع وصنع ذلك خوفا على نفسه أن ينكروا مقالته فيبادروا إلى قتله. قوله: "آخر الأبد" أي يدوم ملككم إلى آخر الزمان. لأنه عرف من الكتب أن لا أمة بعد هذه الأمة ولا دين بعد دينها، وأن من دخل فيه آمن على نفسه فقال لهم ذلك. قوله: "فقال علي بهم، فدعا بهم فقال" فيه حذف تقديره فردوهم فقال. قوله: "فقد رأيت منكم الذي أحببت" يفسرها ما وقع مختصرا في بدء الوحي مقتصرا على قوله: "فقد رأيت" واكتفى بذلك عما بعده. قوله: "فسجدوا له ورضوا عنه" يشعر بأنه كان من عائدهم السجود لملوكهم، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى تقبيلهم الأرض حقيقة. فإن الذي

(8/222)


يفعل ذلك ربما صار غالبا كهيئة الساجد، وأطلق أنهم رضوا عنه بناء على رجوعهم عما كانوا هموا به عند تفرقهم عنه من الخروج والله أعلم. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: البداءة باسم الكاتب قبل المكتوب إليه، وقد أخرج أحمد وأبو داود عن العلاء بن الحضرمي أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان عامله على البحرين فبدأ بنفسه "من العلاء إلى محمد رسول الله" وقال ميمون: كانت عادة ملوك العجم إذا كتبوا إلى ملوكهم بدعوا باسم ملوكهم فتبعتهم بنو أمية. قلت: وسيأتي في الأحكام أن ابن عمر كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية، وإلى عبد الملك كذلك، وكذا جاء عن يزيد بن ثابت إلى معاوية، عند البزار بسند ضعيف عن حنظلة الكاتب أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه عليا وخالد بن الوليد فكتب إليه خالد فبدأ بنفسه وكتب إليه علي فبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعب واحد منهما، وقد تقدم الكلام على "أما بعد" في كتاب الجمعة.

(8/223)


5- باب {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ـ إِلَى ـ {بِهِ عَلِيمٌ}
4554- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلاً وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَخْ ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ" قَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ مَالٌ رَايِح"
4555- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيٍّ وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا"
قوله: "باب {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} الآية" كذا لأبي ذر. ولغيره: إلى {بِهِ عَلِيمٌ} ثم ذكر المصنف حديث أنس في قصة بيرحاء، وقد تقدم ضبطها في الزكاة، وشرح الحديث في الوقف. قوله: "وقال عبد الله بن يوسف وروح بن عبادة عن مالك قال رابح" يعني أن المذكورين رويا الحديث عن مالك بإسناده فوافقا فيه إلا في هذه اللفظة، فأما رواية عبد الله بن يوسف فوصلها المؤلف في الوقف عنه، ووقع عند المزي أنه أوردها في التفسير موصولة عن عبد الله بن يوسف أيضا، وأما رواية روح بن عبادة فتقدم في الوكالة أن أحمد وصلها عنه، وذكرت هناك ما وقع للرواة عن مالك في ضبط هذه اللفظة وهل هي رايح بالموحدة أو التحتانية مع الشرح. قوله: "حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك رايح" كذا اختصره، وكان قد ساقه بتمامه من هذا الوجه في كتاب الوكالة.

(8/223)


" تنبيه " : وقع هنا لغير أبي ذر "حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني أبي عن ثمامة عن أنس قال: فجعلها لحسان وأبي بن كعب، وأنا أقرب إليه منهما، ولم يجعل لي منها شيئا" وهذا طرف من الحديث، وقد تقدم بتمامه في الوقف مع شرحه، وأغفل المزي التنبيه على هذا الطريق هنا، وممن عمل بالآية ابن عمر فروى البزار من طريقه أنه قرأها، قال فلم أجد شيئا أحب إلي من مرجانة جارية لي رومية فقلت: هي حرة لوجه الله، فلولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لتزوجتها.

(8/224)


6- باب {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}
4556- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ: " كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ" قَالُوا نُحَمِّمُهُمَا وَنَضْرِبُهُمَا فَقَالَ: "لاَ تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ " فَقَالُوا لاَ نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ كَذَبْتُمْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَوَضَعَ مِدْرَاسُهَا الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَطَفِقَ يَقْرَأُ مَا دُونَ يَدِهِ وَمَا وَرَاءَهَا وَلاَ يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ فَنَزَعَ يَدَهُ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ فَقَالَ مَا هَذِهِ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا يَحْنِي عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَة"
قوله: "باب {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ذكر فيه حديث ابن عمر في قصة اليهوديين اللذين زنيا وسيأتي شرحه في الحدود. وقوله في هذه الرواية: "كيف تفعلون" في رواية الكشميهني: "كيف تعملون" وقوله: "نحممهما" بمهملة ثم ميم مثقلة أي نسكب عليهما الماء الحميم، وقيل نجعل في وجوهما الحمة بمهملة وميم خفيفة أي السواد، وسيأتي ما في ذلك عند شرح الحديث. وقوله: "فوضع مدراسها" بكسر أوله كذا للكشميهني. ولغيره: "مدارسها" بضم أوله وتقديم الألف بوزن المفاعلة من الدراسة، والأول أوجه. قوله: "فلما رأوا ذلك قالوا" في رواية الكشميهني بالإفراد فيهما. قوله: "يجنا" بجيم ساكنة ثم نون مفتوحة ثم همزة، وللكشميهني: "يجني" بالمهملة وكسر النون بغير همز

(8/224)


7- باب {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}
4557- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قَالَ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلاَسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلاَم"
قوله: "باب {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ذكر فيه حديث أبي هريرة في تفسيرها غير مرفوع، وقد تقدم في أواخر الجهاد من وجه آخر مرفوعا، وهو يرد قول من تعقب البخاري فقال: هذا موقوف لا معنى لإدخاله في

(8/224)


8- باب {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ}
4558- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "فِينَا نَزَلَتْ {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} قَالَ نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلِمَةَ وَمَا نُحِبُّ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لَمْ تُنْزَلْ لِقَوْلِ اللَّهِ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا"
قوله: "باب {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ} ذكر فيه حديث جابر، وقد تقدم مشروحا في غزوة أحد. وقوله: "والله وليهما" ذكر الفراء أن في قراءة ابن مسعود "والله وليهم" قال: وهو كقوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} . ذكر الفراء أن في قراءة ابن مسعود "والله وليهم" قال: وهو كقوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} .

(8/225)


9- باب {لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ}
4559- حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ

(8/225)


10- باب {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ}
وَهْوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً
4561- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً"
قوله: "باب قوله تعالى: {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} وهو تأنيث آخركم" كذا وقع فيه، وهو تابع لأبي عبيدة فإنه قال: أخراكم آخركم، وفيه نظر لأن أخرى تأنيث آخر بفتح الخاء لا كسرها، وقد حكى الفراء أن من العرب من يقول في أخراتكم بزيادة المثناة. قوله: "وقال ابن عباس: إحدى الحسنيين فتحا أو شهادة" كذا وقع هذا التعليق بهذه الصورة؛ ومحله في سورة براءة ولعله أورده هنا للإشارة إلى أن إحدى الحسنيين وقعت في أحد

(8/227)


وهي الشهادة، وقد وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس مثله. حديث البراء في قصة الرماة يوم أحد، وقد تقدم بتمامه مع شرحه في المغازي.

(8/228)


11- باب {أَمَنَةً نُعَاسًا}
4562- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ "أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ وَيَسْقُطُ وَآخُذُه"
قوله: "باب قوله: {أَمَنَةً نُعَاسًا} قوله: "حدثني إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن أبو يعقوب "هو بغدادي لقبه لؤلؤ، ويقال يؤيؤ بتحتانيتين، وهو ابن عم أحمد بن منيع، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في كتاب الرقاق، وهو ثقة باتفاق، وعاش بعد البخاري ثلاث سنين، مات سنة تسع وخمسين. ثم ذكر حديث أبي طلحة في النعاس يوم أحد، وقد تقدم في المغازي من وجه آخر عن قتادة مع شرحه.

(8/228)


12- باب {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} الْقَرْحُ الْجِرَاحُ اسْتَجَابُوا أَجَابُوا يَسْتَجِيبُ يُجِيبُ
قوله:"باب قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ} ساق الآية إلى "عظيم" . قوله: "القرح الجراح" هو تفسير أبي عبيدة، وكذا أخرجه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير مثله، وروى سعيد بن منصور بإسناد جيد عن ابن مسعود أنه قرأ: {القرح} بالضم. قلت: وهي قراءة أهل الكوفة. وذكر أبو عبيد عن عائشة أنها قالت أقرأها بالفتح لا بالضم" قال الأخفش: القرح بالضم وبالفتح المصدر، فالضم لغة أهل الحجاز والفتح لغة غيرهم كالضعف والضعف، وحكى الفراء أنه بالضم الجرح وبالفتح ألمه. وقال الراغب: القرح بالفتح أثر الجراحة وبالضم أثرها من داخل. قوله: {اسْتَجَابُوا} أجابوا، ويستجيب يجيب" هو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ} أي أجابهم، تقول العرب: استجبتك أي أجبتك، قال كعب الغنوي:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وقال في قوله تعالى: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي يجيب الذين آمنوا، وهذه في سورة الشورى وإنما أوردها المصنف استشهادا للآية الأخرى.
" تنبيه " : لم يسق البخاري في هذا الباب حديثا؛ وكأنه بيض له، واللائق به حديث عائشة أنها قالت لعروة في هذه الآية "يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر" وقد تقدم في المغازي مع شرحه. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب ردفتم، بئسما صنعتم، فرجعوا، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد، فبلغ المشركين فقالوا: نرجع من قابل، فأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} الآية" أخرجه النسائي وابن مردويه ورجاله رجال الصحيح، إلا أن المحفوظ إرساله عن عكرمة ليس فيه ابن عباس

(8/228)


13-باب {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} الْآيَةَ
4563- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ أُرَاهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}
[الحديث 4563- طرفه في: 4564]
4564- حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي حصين عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: "كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار حسبي الله ونعم الوكيل"
قوله: "باب قوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} في رواية أبي ذر" باب {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} وزاد غيره: "الآية" . قوله: "حدثنا أحمد بن يونس أراه قال حدثنا أبو بكر" كذا وقع، القائل "أراه" هو البخاري، وهو بضم الهمزة بمعنى أظنه، وكأنه عرض له شك في اسم شيخ شيخه، وقد أخرجه الحاكم من طريق أحمد بن إسحاق "عن أحمد بن يونس حدثنا أبو بكر بن عياش" بإسناده المذكور بغير شك، لكن وهم الحاكم في استدراكه. قوله: "عن أبي حصين" بفتح المهملة واسمه عثمان بن عاصم، ولأبي بكر بن عياش في هذا الحديث إسناد آخر أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عنه عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فنزلت هذه الآية" . قوله: "عن أبي الضحى" اسمه مسلم بن صبيح بالتصغير. قوله: "قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار" في الرواية التي بعدها" إن ذلك آخر ما قال: "وكذا وقع في رواية الحاكم المذكورة، ووقع عند النسائي من طريق يحيى بن أبي بكير عن أبي بكر كذلك، وعند أبي نعيم في "المستخرج" من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بهذا الإسناد" أنها أول ما قال: "فيمكن أن يكون أول شيء وآخر شيء قال، والله أعلم. قوله: "حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم" فيه إشارة إلى ما أخرجه ابن إسحاق مطولا في هذه القصة، وأن أبا سفيان رجع بقريش بعد أن توجه من أحد فلقيه معبد الخزاعي فأخبره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في جمع كثير، وقد اجتمع معه من كان تخلف عن أحد وندموا، فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه فرجعوا، وأرسل أبو سفيان ناسا فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان وأصحابه يقصدونهم فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. ورواه الطبري من طريق السدي نحوه ولم يسم معبدا قال: "أعرابيا" ومن طريق ابن عباس موصولا لكن بإسناد لين قال: "استقبل أبو سفيان عيرا واردة المدينة" ومن طريق مجاهد أن ذلك كان من أبي سفيان في العام المقبل بعد أحد، وهي غزوة بدر الموعد، ورجح الطبري الأول. ويقال إن الرسول بذلك نعيم بن مسعود الأشجعي، ثم أسلم نعيم فحسن إسلامه. قيل إطلاق الناس على الواحد لكونه من جنسهم كما قال فلان يركب الخيل وليس له إذ ذاك إلا فرس واحد. قلت: وفي صحة هذا المثال نظر.

(8/229)


باب {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله...}
...
14- باب {وَلاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} {سَيُطَوَّقُونَ} كَقَوْلِكَ طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ
4565- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ" ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الْآيَةَ {وَلاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} إِلَى آخِرِ الآيَةِ"
قوله: {وَلاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الآية" ساق غير أبي ذر إلى قوله: "خبير" قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وفي صحة هذا النقل نظر، فقد قيل إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد، قاله ابن جريج، واختاره الزجاج: وقيل فيمن يبخل بالنفقة في الجهاد، وقيل على العيال وذي الرحم المحتاج، نعم الأول هو الراجح وإليه أشار البخاري. قوله: {سَيُطَوَّقُونَ} كقولك طوقته بطوق" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي يلزمون، كقولك طوقته بالطوق. وروى عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي بإسناد جيد في هذه الآية "سيطوقون" قال: بطوق من النار. ثم ذكر حديث أبي هريرة فيمن لم يؤد الزكاة، وقد تقدم مع شرحه في أوائل كتاب الزكاة، وكذا الاختلاف في التطويق المذكور هل يكون حسيا أو معنويا. وروى أحمد والترمذي والنسائي وصححه ابن خزيمة من طريق أبي وائل عن عبد الله مرفوعا: "لا يمنع عبد زكاة ماله إلا جعل له شجاعا أقرع يطوق في عنقه" . ثم قرأ مصداقه في كتاب الله {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وقد قيل إن الآية نزلت في اليهود الذين سئلوا أن يخبروا بصفة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم فبخلوا بذلك وكتموه، ومعنى قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا} أي بإثمه.

(8/230)


باب {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كبيرا}
...
15باب {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا}
4566- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَالَ حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلاَطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ لاَ تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أَيُّهَا الْمَرْءُ إِنَّهُ لاَ أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا فَلاَ تُؤْذِنَا بِهِ

(8/230)


فِي مَجْلِسِنَا ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَة:َ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَابَّتَهُ فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ" يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ لَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} الْآيَةَ وَقَالَ اللَّهُ: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ فَبَايَعُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَأَسْلَمُوا"
قوله: "باب {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنها نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الشعر، وقد تقدم في المغازي خبره، وفيه شرح حديث:"من لكعب بن الأشرف، فإنه آذى الله ورسوله" وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر بإسناد حسن عن ابن عباس أنها نزلت فيما كان بين أبي بكر وبين فنحاص اليهودي في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} تعالى الله عن قوله، فغضب أبو بكر فنزلت. قوله: "على قطيفة فدكية" أي كساء غليظ منسوب إلى فدك بفتح الفاء والدال، وهي بلد مشهور على مرحلتين من المدينة. قوله: "يعود سعد بن عبادة" فيه عيادة الكبير بعض أتباعه في داره. و قوله: "في بني الحارث بن الخزرج" أي في منازل بني الحارث وهم قوم سعد بن عبادة. قوله: "قبل وقعة بدر" في رواية الكشميهني: "وقيعة" . قوله: "وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي" أي قبل الإسلام. قوله: "فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين" كذا فيه تكرار لفظ المسلمين آخرا بعد البداءة به، والأولى حذف أحدهما، وسقطت الثانية من رواية مسلم وغيره. وأما قوله: "عبدة الأوثان" فعلى البدل من المشركين، وقوله: "اليهود" يجوز أن يكون معطوفا على البدل أو على المبدل منه وهو أظهر لأن اليهود مقرون بالتوحيد، نعم من لازم قول من قال منهم عزيز ابن الله تعالى عن قولهم الإشراك، وعطفهم على أحد التقديرين تنويها بهم في الشر، ثم ظهر لي رجحان أن يكون عطفا على المبدل منه كأنه فسر المشركين بعبدة الأوثان وباليهود، ومنه يظهر توجيه إعادة لفظ المسلمين

(8/231)


كأنه فسر الأخلاط بشيئين المسلمين والمشركين، ثم لما فسر المشركين بشيئين رأى إعادة ذكر المسلمين تأكيدا، ولو كان قال: لا هن المسلمين والمشركين واليهود ما احتاج إلى إعادة، وإطلاق المشركين على الشهود لكونهم يضاهون قولهم ويرجحونهم على المسلمين ويوافقونهم في تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ومعاداته وقتاله بعدما تبين لهم الحق، ويؤيد ذلك أنه قال في آخر الحديث: "قال عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان" فعطف عبدة الأوثان على المشركين، وبالله التوفيق. قوله: "عجاجة" بفتح المهملة وجيمين الأولى خفيفة أي غبارها وقوله: "خمر" أي غطى، وقوله: "أنفه" في رواية الكشميهني: "وجهه" . قوله: "فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم" يؤخذ منه جواز السلام على المسلمين إذا كان معهم كفار وينوي حينئذ بالسلام المسلمين، ويحتمل أن يكون الذي سلم به عليهم صيغة عموم فيها تخصيص كقوله السلام على من اتبع الهدى. قوله: "ثم وقف فنزل" عبر عن انتهاء مسيره بالوقوف. قوله: "إنه لا أحسن مما تقول" بنصب أحسن وفتح أوله على أنه أفعل تفضيل، ويجوز في أحسن الرفع على أنه خير لا والاسم محذوف أي لا شيء أحسن من هذا، ووقع في رواية الكشميهني بضم أوله كسر السين وضم النون، ووقع في رواية أخرى لأحسن بحذف الألف لكن بفتح السين وضم النون على أنها لام القسم كأنه قال أحسن من هذا أن تقعد في بيتك، حكاه عياض عن أبي علي واستحسنه، وحكى ابن الجوزي تشديد السين المهملة بغير نون من الحس أي لا أعلم منه شيئا. قوله: "يتثاورون" بمثلثة أي يتواثبون، أي قاربوا أي يثب بعضهم على بعض فيقتتلوا، يقال ثار إذا قام بسرعة وانزعاج. قوله: "حتى سكنوا" بالنون كذا للأكثر، وعند الكشميهني بالمثناة، ووقع في حديث أنس أنه نزل في ذلك {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} الآية، وقد قدمت ما فيه من الإشكال وجوابه عند شرح حديث أنس في كتاب الصلح. قوله: "أيا سعد" في رواية مسلم: "أي سعد". قوله: "أبو حباب" بضم المهملة وبموحدتين الأول خفيفة وهي كنية عبد الله بن أبي، وكناه النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة لكونه كان مشهورا بها أو لمصلحة التألف. قوله: "ولقد اصطلح" بثبوت الواو للأكثر وبحذفها لبعضهم. قوله: "أهل هذه البحرة" في رواية الحموي "البحيرة" بالتصغير، وهذا اللفظ يطلق على القرية وعلى البلد، والمراد به هنا المدينة النبوية، ونقل ياقوت أن البحرة من أسماء المدينة النبوية. قوله: "على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة" يعني يرئسوه عليهم ويسودوه، وسمى الرئيس معصبا لما يعصب برأسه من الأمور، أو لأنهم يعصبون رءوسهم بعصابة لا تنبغي لغيرهم يمتازون بها، ووقع في غير البخاري "فيعصبونه" والتقدير فهم يعصبونه أو فإذا هم يعصبونه؛ وعند ابن إسحاق لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فهذا تفسير المراد وهو أولى مما تقدم. قوله: "شرق بذلك" بفتح المعجمة وكسر الراء أي غص به، وهو كناية عن الحسد، يقال غص بالطعام وشجي بالعظم وشرق بالماء إذا اعترض شيء من ذلك في الحلق فمنعه الإساغة. قوله: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب" هذا حديث آخر أفرده ابن حاتم في التفسير عن الذي قبله وإن كان الإسناد متحدا، وقد أخرج مسلم الحديث الذي قبله مقتصرا عليه ولم يخرج شيئا من هذا الحديث الآخر. قوله: "وقال الله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} إلى آخر الآية" ساق في رواية أبي نعيم في "المستخرج" من وجه آخر عن أبي اليمان بالإسناد المذكور الآية وبما بعدما ساقه المصنف منها تتبين المناسبة وهو قوله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} . قوله: "حتى أذن الله فيهم" أي في قتالهم، أي فترك العفو عنهم، وليس المراد أنه تركه أصلا بل بالنسبة إلى ترك القتال أولا وقوعه آخرا، وإلا فعفوه صلى الله عليه وسلم كثير من المشركين واليهود

(8/232)


بالمن والفداء وصفحه عن المنافقين مشهور في الأحاديث والسير. قوله: "صناديد" بالمهملة ثم نون خفيفة جمع صنديد بكسر ثم سكون وهو الكبير في قومه. قوله: "هذا أمر قد توجه" أي ظهر وجهه. قوله: "فبايعوا" بلفظ الماضي، ويحتمل أن يكون بلفظ الأمر. والله أعلم.

(8/233)


باب {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا}
...
16- باب {لاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا}
4567- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رِجَالاً مِنْ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ لاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا الْآيَة"
4568- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ "أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأَرَوْهُ أَنْ قَدْ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ { يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ح
حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بِهَذَا"
قوله: "باب {لاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} سقط لفظ: "باب" لغير أبي ذر. قوله: "حدثنا محمد بن جعفر" أي ابن أبي كثير المدني، والإسناد كله مدنيون إلى شيخ البخاري. قوله: "إن رجالا من المنافقين" هكذا ذكره أبو سعيد الخدري في سبب نزول الآية وأن المراد من كان يعتذر عن التخلف من المنافقين، وفي حديث ابن عباس الذي بعده أن المراد من أجاب من اليهود بغير ما سئل عنه وكتموا ما عندهم من ذلك، ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معا، وبهذا أجاب القرطبي وغيره، وحكى الفراء أنها نزلت في قول اليهود نحن أهل الكتاب الأول والصلاة والطاعة، ومع ذلك لا يقرون بمحمد فنزلت: {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} وروى ابن أبي حاتم من طرق أخرى عن جماعة من التابعين نحو ذلك ورجحه الطبري، ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك، أو نزلت في أشياء خاصة وعمومها يتناول كل من أتى بحسنة ففرح بها فرح إعجاب وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه، والله أعلم. قوله: "أخبرنا هشام" هو ابن يوسف الصنعاني. قوله: "عن ابن أبي مليكة" في رواية

(8/233)


عبد الرزاق عن ابن جريج "أخبرني ابن أبي مليكة" وسيأتي، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج. قوله: "أن علقمة بن وقاص" هو الليثي من كبار التابعين وقد قيل إن له صحبة. وهو راوي حديث الأعمال عن عمر. قوله: "إن مروان" هو ابن الحكم بن أبي العاص الذي ولي الخلافة. وكان يومئذ أمير المدينة من قبل معاوية. قوله: "قال لبوابه اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل" رافع هذا لم أر له ذكرا في كتاب الرواة إلا بما جاء في هذا الحديث، والذي يظهر من سياق الحديث أنه توجه إلى ابن عباس فبلغه الرسالة ورجع إلى مروان بالجواب فلولا أنه معتمد عند مروان ما قنع برسالته، لكن قد ألزم الإسماعيلي البخاري أن يصحح حديث يسرة بن صفوان في نقض الوضوء من مس الذكر فإن عروة ومروان اختلفا في ذلك فبعث مروان حرسيه إلى يسرة فعاد إليه بالجواب عنها فضار الحديث من رواية عروة عن رسول مروان عن يسرة" ورسول مروان مجهول الحال فتوقف عن القول بصحة الحديث جماعة من الأئمة لذلك، فقال الإسماعيلي أن القصة التي في حديث الباب شبيهة بحديث يسرة، فإن كان رسول مروان معتمدا في هذه فليعتمد في الأخرى فإنه لا فرق بينهما. إلا أنه في هذه القصة سمى رافعا ولم يسم الحرسي، قال ومع هذا فاختلف على ابن جريج في شيخ شيخه فقال عبد الرزاق وهشام عنه عن ابن أبي مليكة عن علقمة. وقال حجاج بن محمد عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن، ثم ساقه من رواية محمد بن عبد الملك بن جريج عن أبيه عن ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن، فصار لهشام متابع وهو عبد الرزاق ولحجاج بن محمد متابع وهو محمد، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج كما قال عبد الرزاق: والذي يتحصل لي من الجواب عن هذا الاحتمال أن يكون علقمة بن وقاص كان حاضرا عند ابن عباس لما أجاب، فالحديث من رواية علقمة عن ابن عباس، وإنما قص علقمة سبب تحديث ابن عباس بذلك فقط، وكذا أقول في حميد بن عبد الرحمن فكأن ابن أبي مليكة حمله عن كل منهما، وحدث به ابن جريج عن كل منهما، فحدث به ابن جريج تارة عن هذا وتارة عن هذا. وقد روى ابن مردويه في حديث أبي سعيد ما يدل على سبب إرساله لابن عباس فأخرج من طريق الليث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كان أبو سعيد وزيد بن ثابت ورافع بن خديج عند مروان فقال: يا أبا سعيد أرأيت قول الله - فذكر الآية - فقال: إن هذا ليس من ذاك، إنما ذاك أن ناسا من المنافقين - فذكر نحو حديث الباب وفيه - فإن كان لهم نصر وفتح حلفوا لهم على سرورهم بذلك ليحمدوهم على فرحهم وسرورهم، فكأن مروان توقف في ذلك، فقال أبو سعيد: هذا يعلم بهذا، فقال: أكذلك يا زبد؟ قال: نعم صدق. ومن طريق مالك عن زيد ابن أسلم عن رافع بن خديج أن مروان سأله عن ذلك فأجابه بنحو ما قال أبو سعيد فكأن مروان أراد زيادة الاستظهار، فأرسل بوابه رافعا إلى ابن عباس يسأله عن ذلك، والله أعلم. وأما قول البخاري عقب الحديث: تابعه عبد الرزاق عن ابن جريج، فيريد أنه تابع هشام بن يوسف على روايته إياه عن ابن جريج. عن ابن أبي مليكة عن علقمة، ورواية عبد الرزاق وصلها في التفسير وأخرجها الإسماعيلي والطبري وأبو نعيم وغيرهم من طريقه، وقد ساق البخاري إسناد حجاج عقب هذا ولم يسق المتن بل قال: عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه أخبره أن مروان بهذا، وساقه مسلم والإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: "أن مروان قال لبوابه اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقال له" فذكر نحو حديث هشام. قوله: "لنعذبن أجمعون" في رواية حجاج بن محمد "لنعذبن أجمعين" . قوله: "إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهودا فسألهم عن شيء" في رواية حجاج بن محمد "إنما نزلت هذه الآية في أهل

(8/234)


الكتاب" . قوله: "فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم" في رواية حجاج بن محمد" فخرجوا قد أروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه" وهذا أوضح. قوله: {بِمَا أَتَوْا} كذا للأكثر بالقصر بمعنى جاءوا أي بالذي فعلوه، وللحموي "بما أوتوا" بضم الهمزة بعدها واو أي أعطوا، أي من العلم الذي كتموه، كما قال تعالى: {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} والأول أولى لموافقته التلاوة المشهورة، على أن الأخرى قراءة السلمي وسعيد بن جبير، وموافقة المشهورة أولى مع موافقته لتفسير ابن عباس. قوله: "ثم قرأ ابن عباس وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب" فيه إشارة إلى أن الذين أخبر الله عنهم في الآية المسئول عنها هم المذكورون في الآية التي قبلها. وأن الله ذمهم بكتمان العلم الذي أمرهم أن لا يكتموه، وتوعدهم بالعذاب على ذلك ووقع في رواية محمد بن ثور المذكورة" فقال ابن عباس: قال الله جل ثناؤه في التوراة إن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده وإن محمدا رسول الله" .
" تنبيه " الشيء الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه اليهود لم أره مفسرا، وقد قيل إنه سألهم عن صفته عندهم بأمر واضح، فأخبروه عنه بأمر مجمل. وروى عبد الرزاق من طريق سعيد بن جبير في قوله: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} قال: محمد: وفي قوله: {يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} قال: بكتمانهم محمدا. وفي قوله: {أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} قال: قولهم نحن على دين إبراهيم.

(8/235)


باب {إن في خلق السوات والأرض}
...
17- باب {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} الآية
4569- حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر قال أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الْأَلْبَابِ} ثم قام فتوضأ واستن فصلى إحدى عشرة ركعة ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الصبح"
قوله: "باب قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} ساق إلى "الألباب" وذكر حديث ابن عباس في بيت ميمونة أورده مختصرة، وقد تقدم شرحه مستوفى في أبواب الوتر. وورد في سبب نزول هذه الآية ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "أتت قريش اليهود فقالوا أيما جاء به موسى؟ قالوا: العصا ويده" الحديث، إلى أن قال: "فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا الصفا ذهبا، فنزلت هذه الآية" ورجاله ثقات، إلا الحماني فإنه تكلم فيه. وقد خالفه الحسن بن موسى فرواه عن يعقوب عن جعفر عن سعيد مرسلا وهو أشبه، وعلى تقدير كونه محفوظا وصله ففيه إشكال من جهة أن هذه السورة مدنية وقريش من أهل مكة. قلت: ويحتمل أن يكون سؤالهم لذلك بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولا سيما في زمن الهدنة.

(8/235)


باب {الذين يذكرون الله قياما وقعودا ويتفكرون في خلق السماوات والأرض}
...
18- باب {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} الآية

(8/235)


19- باب {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}
4571- حدثنا علي بن عبد الله حدثنا ينعقد بن عيسى حدثنا مالك عن مخرمة بن سليمان عن كريب مولى عبد الله بن عباس أن عبد الله بن عباس أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته قال فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن الدفع ثم قام يصلي فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي وأخذ بيده اليمنى يفتلها فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح"
قوله: "باب {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} "ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور، وليس فيه إلا تغيير شيخ شيخه فقط، وسياق الرواية في هذا الباب أتم من تلك. ووقع في رواية الأصلي هنا" وأخذ بيدي اليمنى" وهو وهم والصواب "بأذني" كما في سائر الروايات.

(8/236)


20- باب {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ} الْآيَةَ
4572- حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن مخرمة بن سليمان عن كريب مولى بن عباس أن بن عباس رضي الله عنهما أخبره ثم أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته قال فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم والحاصل يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن الدفع ثم قام يصلي قال بن عباس فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح"
قوله: "باب {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ} الآية" ذكر فيه الحديث المذكور عن شيخ له آخر عن مالك، وساقه أيضا بتمامه.

(8/237)


4- سورة النِّسَاءِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَنْكِفُ يَسْتَكْبِرُ قِوَامًا قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ لَهُنَّ سَبِيلاً يَعْنِي الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ وَقَالَ غَيْرُهُ مَثْنَى وَثُلاَثَ يَعْنِي اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثًا وَأَرْبَعًا وَلاَ تُجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ
قوله: "سورة النساء - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم" سقطت البسملة لغير أبي ذر. قوله: "قال ابن عباس: يستنكف يستكبر" وقع هذا في رواية المستملي والكشميهني حسب، وقد وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ} قال يستكبر، وهو عجيب، فإن في الآية عطف الاستكبار على الاستنكاف فالظاهر أنه غيره، ويمكن أن يحمل على التوكيد. وقال الطبري: معنى يستنكف يأنف، وأسند عن قتادة قال: يحتشم. وقال الزجاج: هو استفعال من النكف وهو الأنفة، والمراد دفع ذلك عنه، ومنه نكفت الدمع بالإصبع إذا منعته من الجري على الخد. قوله: "قواما قوامكم من معايشكم" هكذا وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ووصله الطبري من هذا الوجه بلفظ {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} يعني قوامكم من معايشكم، يقول لا تعمد إلى مالك الذي جعله الله لك معيشة فتعطيه امرأتك ونحوها، وقوله: {قِيَاماً} القراءة المشهورة بالتحتانية بدل الواو، لكنهما بمعنى، قال أبو عبيدة: يقال قيام أمركم وقوام أمركم، والأصل بالواو فأبدلوها ياء لكسرة القاف، قال بعض الشراح: فأورده المصنف على الأصل. قلت: ولا حاجة لذلك لأنه ناقل لها عن ابن عباس، وقد ورد عنه كلا الأمرين: وقيل إنها أيضا قراءة ابن عمر أعني بالواو، وقد قرئ في المشهور عن أهل المدينة أيضا: "قيما" بلا ألف، وفي

(8/237)


الشواذ قراءات أخرى. وقال أبو ذر الهروي قوله: "قوامكم" إنما قاله تفسيرا لقوله: {قِيَاماً} على القراءة الأخرى. قلت: ومن كلام أبي عبيدة يحصل جوابه. قوله: {مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} يعني اثنتين وثلاثا وأربعا، ولا تجاوز العرب رباع" كذا وقع لأبي ذر فأوهم أنه عن ابن عباس أيضا كالذي قبله، ووقع لغيره. وقال غيره مثنى إلخ" وهو الصواب فإن ذلك لم يرو عن ابن عباس وإنما هو تفسير أبي عبيدة قال: لا تنوين في مثنى لأنه مصروف عن حده، والحد أن يقولوا اثنين وكذلك ثلاث ورباع لأنه ثلاث وأربع، ثم أنشد شواهد لذلك ثم قال: ولا تجاوز العرب رباع غير أن الكميت قال:
فلم يستريثوك حتى رمي ... ت فوق الرجال خصالا عشارا
انتهى وقيل: بل يجوز إلى سداس، وقيل إلى عشار. قال الحريري في "درة الغواص" غلط المتنبي في قوله: "أحاد أم سداس في أحاد" لم يسمع في الفصيح إلا مثنى وثلاث ورباع، والخلاف في خماس إلى عشار. ويحكى عن خلف الأحمر أنه أنشد أبياتا من خماس إلى عشار. وقال غيره: في هذه الألفاظ المعدولة هل يقتصر فيها على السماع أو يقاس عليها؟ قولان أشهرهما الاقتصار، قال ابن الحاجب: هذا هو الأصح، ونص عليه البخاري في صحيحه. كذا قال. قلت: وعلى الثاني يحمل بيت الكميت، وكذا قول الآخر:
ضربت خماس ضربة عبشمي ... أراد سداس أن لا تستقيما
وهذه المعدولات لا تقع إلا أحوالا كهذه الآية، أو أوصافا كقوله تعالى: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} أو إخبارا كقوله عليه الصلاة والسلام الليل مثنى" ولا يقال فيها مثناة وثلاثة، بل تجري مجرى واحدا، وهل يقال موحد كما يقال مثنى؟ الفصيح لا. وقيل يجوز. وكذا مثلث إلخ. وقول أبي عبيدة إن معنى مثنى اثنتين فيه اختصار وإنما معناه اثنتين اثنتين وثلاث ثلاث، وكأنه ترك ذلك لشهرته، أو كان لا يرى التكرار فيه، وسيأتي ما يتعلق بعدد ما ينكح من النساء في أوائل النكاح إن شاء الله تعالى. قوله: {لَهُنَّ سَبِيلاً} يعني الرجم للثيب والجلد للبكر" ثبت هذا أيضا في رواية المستملي والكشميهني حسب، وهو من تفسير ابن عباس أيضا وصله عبد بن حميد عنه بإسناد صحيح، وروى مسلم وأصحاب السنن من حديث عبادة بن الصامت "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" والمراد الإشارة إلى قوله تعالى: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} وقد روى الطبراني من حديث ابن عباس قال: فلما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حبس بعد سورة النساء" وسيأتي البحث في الجمع بين الجلد والرجم للثيب في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى.

(8/238)


1- باب {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى}
4573- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ رَجُلاً كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} أَحْسِبُهُ قَالَ كَانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ

(8/238)


وَفِي مَالِه"
4574- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ "أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ قَالَتْ فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلاَّ بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلاَتِ الْمَالِ وَالْجَمَال"
قوله: "باب {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، ومعنى "خفتم" ظننتم، ومعنى "تقسطوا" تعدلوا، وهو من أقسط يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل، وقيل الهمزة فيه للسلب أي أزال القسط، ورجحه ابن التين بقوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} لأن أفعل في أبنية المبالغة لا تكون في المشهور إلا من الثلاثي، نعم حكى السيرافي في جواز التعجب بالرباعي، وحكى غيره أن أقسط من الأضداد، والله أعلم. قوله: "أخبرنا هشام" هو ابن يوسف، وهذه الترجمة من لطائف أنواع الإسناد، وهي ابن جريج عن هشام، وهشام الأعلى هو ابن عروة والأدنى ابن يوسف. قوله: "إن رجلا كانت له يتيمة فنكحها" هكذا قال هشام عن ابن جريج فأوهم أنها نزلت في شخص معين، والمعروف عن هشام بن عروة التعميم، وكذلك أخرجه الإسماعيلي من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج ولفظه: "أنزلت في الرجل يكون عنده اليتيمة إلخ" وكذا هو عند المصنف في الرواية التي تلي هذه من طريق ابن شهاب عن عروة، وفيه شيء آخر نبه عليه الإسماعيلي وهو قوله: "فكان لها عذق فكان يمسكها عليه" فإن هذا نزل في التي يرغب عن نكاحها، وأما التي يرغب في نكاحها فهي التي يعجبه مالها وجمالها فلا يزوجها لغيره ويريد أن يتزوجها بدون صداق مثلها، وقد وقع في رواية ابن شهاب التي بعد هذه التنصيص على القصتين، ورواية حجاج بن محمد سالمة من هذا الاعتراض فإنه قال فيها "أنزلت في الرجل يكون عنده اليتيمة وهي ذات مال إلخ" وكذا أخرجه المصنف في أواخر هذه السورة من طريق أبي أسامة، وفي النكاح من طريق وكيع كلاهما عن هشام. قوله: "عذق" بفتح العين المهملة وسكون المعجمة: النخلة، وبالكسر الكباسة والقنو، وهو من النخلة كالعنقود من الكرمة، والمراد هنا الأول. وأغرب الداودي ففسر العذق في حديث عائشة هذا بالحائط. قوله: "وكان يمسكها عليه" أي لأجله. وفي رواية الكشميهني: "فيمسك بسببه" قوله: "أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق" هو شك من هشام بن يوسف، ووقع مبينا مجزوما به في رواية أبي أسامة ولفظه: "هو الرجل يكون

(8/239)


عنده اليتيمة هو وليها وشريكته في ماله حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله فيعضلها، فنهوا عن ذلك" ورواية ابن شهاب شاملة للقصتين، وقد تقدمت في الوصايا من رواية شعيب عنه. قوله: "اليتيمة" أي التي مات أبوها. قوله: "في حجر وليها" أي الذي يلي مالها. قوله: "بغير أن يقسط في صداقها" في النكاح من رواية عقيل عن ابن شهاب "ويريد أن ينتقص من صداقها" . قوله: "فيعطيها مثل ما يعطينها غيره" هو معطوف على معمول بغير أي يريد أن يتزوجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره، أي ممن يرغب في نكاحها سواه، ويدل على هذا قوله بعد ذلك "فنهول عن ذلك إلا أن يبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق" وقد تقدم في الشركة من رواية يونس عن ابن شهاب بلفظ: "بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره" . قوله: "فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن" أي بأي مهر توافقوا عليه، وتأويل عائشة هذا جاء عن ابن عباس مثله أخرجه الطبري، وعن مجاهد مناسبة ترتب قوله: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء" على قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} شيء آخر، قال في معنى قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} أي إذا كنتم تخافون أن لا تعدلوا في مال اليتامى فتحرجتم أن لا تلوها فتحرجوا من الزنا وانكحوا ما طاب لكم من النساء، وعلى تأويل عائشة يكون المعنى وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى. قوله: "قال عروة قالت عائشة" هو معطوف على الإسناد المذكور وإن كان بغير أداة عطف. وفي رواية عقيل وشعيب المذكورين "قالت عائشة فاستفتى الناس" إلخ. قوله: "بعد هذه الآية" أي بعد نزول هذه الآية بهذه القصة. وفي رواية عقيل "بعد ذلك" . قوله: "فأنزل الله {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} قالت عائشة وقول الله تعالى في آية أخرى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} كذا وقع في رواية صالح وليس ذلك في آية أخرى وإنما هو في نفس الآية وهي قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} ووقع في رواية شعيب وعقيل" فأنزل الله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} إلى قوله: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} ثم ظهر لي أنه سقط من رواية البخاري شيء اقتضى هذا الخطأ، ففي صحيح مسلم والإسماعيلي والنساء واللفظ له من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا الإسناد في هذا الموضع" فأنزل الله {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} فذكر الله أن يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى وهي قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} رغبة أحدكم إلخ كذا أخرجه مسلم من طريق يونس عن ابن شهاب، وتقدم للمصنف أيضا في الشركة من طريق يونس عن ابن شهاب مقرونا بطريق صالح بن كيسان المذكورة هنا، فوضح بهذا في رواية صالح أن في الباب اختصارا، وقد تكلف له بعض الشراح فقال: معنى قوله: "في آية أخرى" أي بعد قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ} وما أوردناه أوضح والله أعلم.
" تنبيه " : أغفل المزي في الأطراف عزو هذه الطريق أي طريق صالح عن ابن شهاب إلى كتاب التفسير واقتصر على عزوها إلى كتاب الشركة. قوله: "وترغبون أن تنكحوهن، رغبة أحدكم عن يتيمته" فيه تعيين أحد الاحتمالين في قوله: "وترغبون" لأن رغب يتغير معناه بمتعلقه يقال رغب فيه إذا أراده ورغب عنه إذا لم يرده، لأنه يحتمل أن تحذف في وأن تحذف عن، وقد تأوله سعيد بن جبير على المعنيين فقال: نزلت في الغنية والمعدمة، والمروي هنا عن عائشة أوضح في أن الآية الأولى نزلت في الغنية، وهذه الآية نزلت في المعدمة. قوله: "فنهوا" أي نهوا

(8/240)


عن نكاح المرغوب فيها لجمالها ومالها لأجل زهدهم فيها إذا كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل، وفي الحديث اعتبار مهر المثل في المحجورات وأن غيرهن يجوز نكاحها بدون ذلك، وفيه أن للولي أن يتزوج من هي تحت حجره لكن يكون العاقد غيره، وسيأتي البحث فيه في النكاح، وفيه جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ لأنهن بعد البلوغ لا يقال لهن يتيمات إلا أن يكون أطلق استصحابا لحالهن، وسيأتي البحث فيه أيضا في كتاب النكاح.

(8/241)


2- باب {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} الآية { وَبِدَارًا} مُبَادَرَةً {أَعْتَدْنَا} أَعْدَدْنَا أَفْعَلْنَا مِنْ الْعَتَادِ
4575- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوف"
قوله: "باب {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} ساق إلى قوله: "حسيبا" . قوله: "وبدارا مبادرة" هو تفسير أول الآية المترجم بها. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً} : الإسراف الإفراط، وبدارا مبادرة، وكأنه فسر المصدر بأشهر منه، يقال بادرت بدارا ومبادرة. وأخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعني يأكل مال اليتيم ويبادر إلى أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله. قوله: "أعتدنا أعددنا أفعلنا من العتاد" كذا للأكثر، وهو تفسير أبي عبيدة، ولأبي ذر عن الكشميهني اعتددنا: افتعلنا والأول هو الصواب، والمراد أن أعتدنا وأعددنا بمعنى واحد، لأن العتيد هو الشيء المعد.
" تنبيه " : وقعت هذه الكلمة في هذا الموضع سهوا من بعض نساخ الكتاب، ومحلها بعد هذا قبل "باب {لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً} . قوله: "حدثني إسحاق" هو ابن راهويه، وأما أبو نعيم في "المستخرج" فأخرجه من طريق ابن راهويه ثم قال: أخرجه البخاري عن إسحاق بن منصور. قوله: "في مال اليتيم" في رواية الكشميهني: "في والي اليتيم" والمراد بوالي اليتيم المتصرف في ماله بالوصية ونحوها، والضمير في كان على الرواية الأولى ينصرف إلى مصرف المال بقرينة المقام، ووقع في البيوع من طريق عثمان ابن فرقد عن هشام بن عروة بلفظ: "أنزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلح ماله، إن كان فقيرا أكل منه بالمعروف" وفي الباب حديث مرفوع أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن الجارود وابن أبي حاتم من طريق حسين المكتب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "جاء جل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي يتيما له مال، وليس عندي شيء، أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف " وإسناده قوي. قوله: "إذا كان فقيرا" مصير منه إلى أن الذي يباح له الأجرة من مال اليتيم من اتصف بالفقر، وقد قدمت البحث في ذلك في كتاب الوصايا، وذكر الطبري من طريق السدي "أخبرني من سمع ابن عباس يقول في قوله: {وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوف} قال: بأطراف أصابعه. ومن طريق عكرمة" يأكل ولا يكتسى" ومن طريق إبراهيم النخعي "يأكل ما سد الجوعة ووارى العورة" وقد مضى بقية نقل الخلاف فيه في الوصايا. وقال الحسن بن حي: يأكل وصي الأب بالمعروف، وأما قيم الحاكم فله أجرة فلا يأكل شيئا. وأغرب ربيعة فقال:

(8/241)


المراد خطاب الوفي بما يصنع باليتيم إن كان غنيا وسع عليه، وإن كان فقيرا أنفق عليه بقدره، وهذا أبعد الأقوال كلها.
" تنبيه " : وقع لبعض الشراح ما نصه: قوله: "فمن كان غنيا فليستعفف" التلاوة ومن كان بالواو انتهى، وأنا ما رأيته في النسخ التي وقفت عليها إلا بالواو.

(8/242)


3- باب {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ} الآيَةَ
4576- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ} قَالَ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ تَابَعَهُ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاس"
قوله: "باب {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ} الآية" سقط "باب" لغير أبي ذر. قوله: "حدثنا أحمد بن حميد" هو القرشي الكوفي صهر عبيد الله بن موسى قال له دار أم سلمة لقب بذلك لجمعه حديث أم سلمة وتتبعه لذلك. وقال ابن عدي: كان له اتصال بأم سلمة يعني زوج السفاح الخليفة فلقب بذلك، ووهم الحاكم فقال: يلقب جار أم سلمة، وثقه مطين وقال: كان يعد في حفاظ أهل الكوفة، ومات سنة عشرين ومائتين، ووهم من قال خلاف ذلك، وما له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد، وشيخه عبيد الله الأشجعي هو ابن عبيد الرحمن الكوفي، وأبوه فرد في الأسماء مشهور في أصحاب سفيان الثوري، والشيباني هو أبو إسحاق، والإسناد إلى عكرمة كوفيون. قوله: "هي محكمة وليست بمنسوخة" زاد الإسماعيلي من وجه آخر عن الأشجعي" وكان ابن عباس إذا ولى رضخ، وإذا كان في المال قلة اعتذر إليهم، فذلك القول بالمعروف" . وعند الحاكم من طريق عمرو بن أبي قيس عن الشيباني بالإسناد المذكور في هذه الآية قال: "ترضخ لهم وإن كان في المال تقصير اعتذر إليهم" . قوله: "تابعه سعيد بن جبير عن ابن عباس" وصله في الوصايا بلفظ: "إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت، ولا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون الناس بها، هما واليان: وال يرث وذلك الذي يرزق، ووال لا يرث وذلك الذي يقال له بالمعروف يقول: لا أملك لك أن أعطيك" وهذان الإسنادان الصحيحان عن ابن عباس هما المعتمدان، وجاءت عنه روايات من أوجه ضعيفة عند ابن أبي حاتم وابن مردويه أنها منسوخة، نسختها آية الميراث، وصح ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قول القاسم بن محمد وعكرمة وغير واحد، وبه قال الأئمة الأربعة وأصحابهم، وجاء عن ابن عباس قول آخر أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد "أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن في حياة عائشة، فلم يدع في الدار ذا قرابة ولا مسكينا إلا أعطاه من ميراث أبيه" وتلا الآية قال القاسم فذكرته لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له، إنما ذلك إلى الوصي، وإنما ذلك في العصبة أي ندب للميت أن يوصى لهم. قلت: وهذا لا ينافي حديث الباب، وهو أن الآية محكمة وليست بمنسوخة. وقيل معنى الآية: وإذا حضر قسمة الميراث قرابة الميت ممن لا يرث واليتامى والمساكين فإن نفوسهم تتشوف إلى أخذ شيء منه، ولا سيما إن كان جزيلا، فأمر الله سبحانه أن يرضخ لهم بشيء على سبيل البر والإحسان. واختلف من قال بذلك هل الأمر فيه على الندب أو الوجوب؟ فقال مجاهد وطائفة: هي على الوجوب وهو قول ابن حزم أن على الوارث أن يعطي هذه الأصناف ما طابت به نفسه. ونقل ابن الجوزي عن أكثر أهل العلم أن المراد بأولى

(8/242)


القرابة من لا يرث، وأن معنى {فَارزُقُوهُمْ} أعطوهم من المال. وقال آخرون: أطعموهم، وأن ذلك على سبيل الاستحباب وهو المعتمد، لأنه لو كان على الوجوب لاقتضى استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث بجهة مجهولة فيفضي إلى التنازع والتقاطع، وعلى القول بالندب فقد قبل: يفعل ذلك ولي المحجور، وقيل لا بل يقول: ليس المال لي وإنما هو لليتيم، وأن هذا هو المراد بقوله: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً} وعلى هذا فتكون الواو في قوله: { وَقُولُوا} للتقسيم وعن ابن سيرين وطائفة: المراد بقوله: {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ } اصنعوا لهم طعاما يأكلونه، وأنها على العموم في مال المحجور وغيره، والله أعلم

(8/243)


4- باب {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}
4577- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "عَادَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ مَاشِيَيْنِ فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ أَعْقِلُ شَيْئًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}
قوله: "باب {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} سقط لغير أبي ذر "باب" و "في أولاكم" والمراد بالوصية هنا بيان قسمة الميراث. قوله: "أخبرنا هشام" هو ابن يوسف، وابن المنكدر هو محمد. قوله: "عن جابر" في رواية شعبة عن ابن المنكدر "سمعت جابرا" وتقدمت في الطهارة. قوله: "عادني النبي صلى الله عليه وسلم" سيأتي ما يتعلق بذلك في كتاب المرضى قبيل كتاب الطب. قوله: "في بني سلمة" بفتح المهملة وكسر اللام هم قوم جابر، وهم بطن من الخزرج. قوله: "لا أعقل" زاد الكشميهني: "شيئا" . قوله: "ثم رش على" بينت في الطهارة الرد على من زعم أنه رش عليه من الذي فضل، وسيأتي في الاعتصام التصريح بأنه صب عليه نفس الماء الذي توضأ به. قوله: "فقلت ما تأمرني أن أصنع في مالي" في رواية شعبة المذكورة "فقلت يا رسول الله لمن الميراث، إنما يرثني كلالة" وسيأتي بيان ذلك في الفرائض. قوله: {فنزلت يوصيكم الله في أولادكم" هكذا وقع في رواية ابن جريج، وقيل إنه وهم في ذلك وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء وهي {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} لأن جابرا يومئذ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة من لا ولد له ولا والد، وقد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد، والنسائي عن محمد بن منصور كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المنكدر فقال في هذا الحديث:"حتى نزلت عليه آية الميراث: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} ولمسلم أيضا من طريق شعبة عن ابن المنكدر قال في آخر هذا الحديث: "فنزلت آية الميراث، فقلت لمحمد بن المنكدر: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} ؟ قال: هكذا أنزلت: {وقد تفطن البخاري بذلك فترجم في أول الفرائض" قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} - إلى قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} ثم ساق حديث جابر المذكور عن قتيبة عن ابن عيينة وفي آخره: "حتى نزلت آية الميراث" ولم يذكر ما زاده الناقد، فأشعر بأن الزيادة عنده مدرجة من كلام ابن عيينة. وقد أخرجه أحمد عن ابن عيينة مثل رواية الناقد وزاد في آخره: "كان ليس له ولد وله أخوات" وهذا من كلام ابن عيينة أيضا، وقد اضطرب فيه فأخرجه

(8/243)


ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء عنه بلفظ: "حتى نزلت آية الميراث: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} وقال مرة "حتى نزلت آية الكلالة" وأخرجه عبد بن حميد، الترمذي عنه عن يحيى بن آدم عن ابن عيينة بلفظ: "حتى نزلت {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} وأخرجه الإسماعيلي من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عنه فقال في آخره:"حتى نزلت آية الميراث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} "فمراد البخاري بقوله في الترجمة" إلى قوله: {واللهُ عليم حليم} الإشارة إلى أن مراد جابر من آية الميراث قوله: "إن كان رجل يورث كلالة" وأما الآية الأخرى وهي قوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} فسيأتي في آخر تفسير هذه السورة أنها من آخر ما نزل، فكأن الكلالة لما كانت مجملة في آية المواريث استفتوا عنها فنزلت الآية الأخيرة. ولم ينفرد ابن جريج بتعين الآية المذكورة، فقد ذكرها ابن عيينة أيضا على الاختلاف عنه، وكذا أخرجه الترمذي والحاكم من طريق عمرو بن أبي قيس عن ابن المنكدر، وفيه نزلت: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} وقد أخرجه البخاري أيضا عن ابن المديني وعن الجعفي مثل رواية قتيبة بدون الزيادة وهو المحفوظ، كذا أخرجه مسلم من طريق سفيان الثوري عن ابن المنكدر بلفظ: "حتى نزلت آية الميراث" فالحاصل أن المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: "آية الميراث أو آية الفرائض" والظاهر أنها "يوصيكم الله" كما صرح به في رواية ابن جريج ومن تابعه، وأما من قالها إنها "يستفتونك" فعمدته أن جابرا لم يكن له حينئذ ولد وإنما يورث كلالة فكان المناسب لقصته نزول الآية الأخيرة، لكن ليس ذلك بلازم، لأن الكلالة مختلف في تفسيرها: فقيل هي اسم المال الموروث، وقيل اسم الميت، قيل اسم الإرث، وقيل ما تقدم. فلما لم يعين تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد لم يصح الاستدلال لما قدمته أنها نزلت في آخر الأمر وآية المواريث نزلت قبل ذلك كما أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: "جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت: " يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد، إن عمهما أخذ مالهما. قال: يقضي الله في ذلك" . فنزلت آية الميراث. فأرسل إلى عمها فقال: أعط ابنتا سعد الثلثين وأمهما الثمن فما بقي فهو لك" وهذا ظاهر في تقدم نزولها. نعم وبه احتج من قال إنها لم تنزل في قصة جابر إنما نزلت في قصة ابنتا سعد بن الربيع، وليس ذلك بلازم إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معا. ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين وآخرها وهي قوله: "وإن كان رجل يورث كلالة" في قصة جابر، ويكون مراد جابر فنزلت: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية والله أعلم. وإذا تقرر جميع ذلك ظهر أن ابن جريج لم يهم كما جزم به الدمياطي ومن تبعه، وأن من وهمه هو الواهم والله أعلم. وسيأتي بقية ما يتعلق بشرح هذا الحديث في الفرائض إن شاء الله تعالى

(8/244)


5- باب {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}
4578- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ وَرْقَاءَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وَللزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُع"

(8/244)


قوله: "باب قوله: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} سقط قوله: "باب" لغير أبي ذر، وثبت قوله: "قوله: "للمستملي فقط. قوله: "كان المال للولد" يشير إلى ما كانوا عليه قبل، وقد روى الطبري من وجه آخر عن ابن عباس أنها" لما نزلت قالوا يا رسول الله أنعطي الجارية الصغيرة نصف الميراث وهي لا تركب الفرس ولا تدافع العدو؟ قال وكانوا في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم" . قوله: "فنسخ الله من ذلك ما أحب" هذا يدل على أن الأمر الأول استمر إلى نزول الآية، وفيه رد على من أنكر النسخ، ولم ينقل ذلك عن أحد من المسلمين إلا عن أبي مسلم الأصبهاني صاحب التفسير فإنه أنكر النسخ مطلقا، ورد عليه بالإجماع على أن شريعة الإسلام ناسخة لجميع الشرائع، أجيب عنه بأنه يرى أن الشرائع الماضية مستقرة الحكم إلى ظهور هذه الشريعة، قال فسمي ذلك تخصيصا لا نسخا، ولهذا قال ابن السمعاني: إن كان أبو مسلم لا يعترف بوقوع الأشياء التي نسخت في هذه الشريعة فهو مكابر، وإن قال لا أسميه نسخا كان الخلاف لفظيا، والله أعلم. قوله: "وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث" قال الدمياطي: قوله والثلث زيادة هنا، وقد أخرج المصنف هذا الحديث بهذا الإسناد في كتاب الفرائض فلم يذكرها قلت: اختصرها هناك، ولكنها ثابتة في تفسير محمد بن يوسف الفريابي شيخه فيه، والمعنى أن لكل واحد منهما السدس في حال وللأم الثلث في حال، ووزان ذلك ما ذكره في بقية الحديث: "وللزوج النصف والربع" أي كل منهما في حال.

(8/245)


باب {لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن}
...
6- باب {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} الْآيَةَ وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ {لاَ تَعْضُلُوهُنَّ} لاَ تَقْهَرُوهُنَّ {حُوبًا} إِثْمًا {تَعُولُوا} تَمِيلُوا {نِحْلَةً} النِّحْلَةُ الْمَهْرُ
4579- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الشَّيْبَانِيُّ وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ وَلاَ أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلاَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} قَالَ كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِك"
[الحديث 4579- طرفه في: 6948]
قوله: "باب قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} الآية" سقط "باب" وما بعد "كرها" لغير أبي ذر، وقوله: "كرها" مصدر في موضع الحال، قرأها حمزة والكسائي بالضم والباقون بالفتح. قوله: "ويذكر عن ابن عباس: لا تعضلوهن لا تقهروهن" في رواية الكشميهني: "تنتهروهن" بنون بعدها مثناة من الانتهار، وهي رواية القابسي أيضا، وهذه الرواية وهم والصواب ما عند الجماعة. وهذا الأثر وصله الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: "لا تعضلوهن" لا تقهروهن {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي وأسند عن السدي والضحاك نحوه. وعن مجاهد أن المخاطب بذلك أولياء المرأة كالعضل المذكور

(8/245)


في سورة البقرة، ثم ضعف ذلك ورجح الأول. قوله: "حوبا إثما" وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً} قال: إثما عظيما. ووصله الطبري من طريق مجاهد والسدي والحسن وقتادة مثله. والجمهور على ضم الحاء، وعن الحسن بفتحها. قوله: "تعولوا تميلوا" وصله سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: "ذلك أدنى أن لا تعولوا" قال أن لا تميلوا. ورويناه في "فوائد أبي بكر الآجري" بإسناد آخر صحيح إلى الشعبي عن ابن عباس، ووصله الطبري من طريق الحسن ومجاهد وعكرمة والنخعي والسدي وقتادة وغيرهم مثله، وأنشد في رواية عكرمة لأبي طالب من أبيات "بميزان صدق وزنه غير عائل" وجاء مثله مرفوعا صححه ابن حبان من حديث عائشة، وروى ابن المنذر عن الشافعي "أن لا تعولوا" أن لا يكثر عيالكم، وأنكره المبرد وابن داود والثعلبي وغيرهم، لكن قد جاء عن زيد بن أسلم نحو ما قال الشافعي أسنده الدار قطني، وإن كان الأول أشهر، واحتج من رده أيضا من حيث المعنى بأنه أحل من ملك اليمين ما شاء الرجل بلا عدد، ومن لازم ذلك كثرة العيال، وإنما ذكر النساء وما يحل منهن، فالجور والعدل يتعلق بهن. وأيضا فإنه لو كان المراد كثرة العيال لكان أعال يعيل من الرباعي. وأما تعولوا فمن الثلاثي، لكن نقل الثعلبي عن أبي عمرو الدوري قال وكان من أئمة اللغة قال: هي لغة حمير. ونقل عن طلحة ابن مصرف أنه قرأ: {أن لا تعيلوا}. قوله: "نحلة فالنحلة المهر" كذا لأبي ذر، ولغيره بغير فاء "قال الإسماعيلي: إن كان ذلك من تفسير البخاري ففيه نظر، فقد قيل فيه غير ذلك، وأقرب الوجوه أن النحلة ما يعطونه من غير عوض وقيل المراد نحلة ينتحلونها أي يتدينون بها ويعتقدون ذلك. قلت: والتفسير الذي ذكره البخاري قد وصله ابن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} قال: النحلة المهر. وروى الطبري عن قتادة قال: نحلة أي فريضة. ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: النحلة في كلام العرب الواجب، قال: ليس ينبغي لأحد أن ينكح إلا بصداق. كذا قال. والنحلة في كلام العرب العطية لا كما قال ابن زيد، ثم قال الطبري: وقيل إن المخاطب بذلك أولياء النساء، كان الرجل إذا زوج امرأة أخذ صداقها دونها فنهوا عن ذلك. ثم أسنده إلى سيار عن أبي صالح بذلك، واختار الطبري القول الأول، واستدل له.
" تنبيه " : محل هذه التفاسير من قوله: "حوبا" إلى آخرها في أول السورة، وكأنه من بعض نساخ الكتاب كما قدمناه غير مرة، وليس هذا خاصا بهذا الموضع ففي التفسير في غالب السور أشباه هذا. قوله: "حدثنا أسباط بن محمد" هو بفتح الهمزة وسكون المهملة بعدها موحدة، كوفي ثقة، ليس له في البخاري سوى هذا الحديث. وأورده في كتاب الإكراه عن حسين بن منصور عنه أيضا. وقد قال الدوري عن ابن معين: كان يخطئ عن سفيان، فذكره لأجل ذلك ابن الجوزي في الضعفاء، لكن قال: كان ثبتا فيما يروى عن الشيباني ومطرف. وذكره العقيلي وقال: ربما وهم في الشيء. وقد أدركه البخاري بالسن لأنه مات في أول سنة مائتين. قوله: "قال الشيباني" سماه في كتاب الإكراه سليمان بن فيروز. قوله: "وذكره أبو الحسن السوائي، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس" حاصله أن للشيباني فيه طريقين إحداهما موصولة وهي عكرمة عن ابن عباس، والأخرى مشكوك في وصلها وهي أبو الحسن السوائي عن ابن عباس. والشيباني هو أبو إسحاق، والسوائي بضم المهملة وتخفيف الواو ثم ألف ثم همزة واسمه عطاء، ولم أقف له على ذكر إلا في هذا الحديث. قوله: "كانوا إذا مات الرجل" في رواية السدي تقييد

(8/246)


ذلك بالجاهلية. وفي رواية الضحاك تخصيص ذلك بأهل المدينة، وكذلك أورده الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس، لكن لا يلزم من كونه في الجاهلية أن لا يكون استمر في أول الإسلام إلى أن نزلت الآية، فقد جزم الواحدي أن ذلك كان في الجاهلية وفي أول الإسلام، وساق القصة مطولة، وكأنه نقله من تفسير الشعبي، ونقل عن تفسير مقاتل نحوه إلا أنه خالف في اسم ابن أبي قيس فالأول قال قيس ومقاتل قال حصين، روى الطبري من طريق ابن جريح عن عكرمة أنها نزلت في قصة خاصة قال: نزلت في كبشة بنت معن بن عاصم من الأوس وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي ولا تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية. وبإسناد حسن عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: "لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية فأنزل الله هذه الآية" . قوله: "كان أولياؤه أحق بامرأته" في رواية أبي معاوية عن الشيباني عن عكرمة وحده عن ابن عباس في هذا الحديث تخصيص ذلك بمن مات زوجها قبل أن يدخل بها. قوله: "إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها وهم أحق بها من أهلها" في رواية أبي معاوية المذكورة "حبسها عصبته أن تنكح أحدا حتى تموت فيرثوها" قال الإسماعيلي: هذا مخالف لرواية أسباط. قلت ويمكن ردها إليها بأن يكون المراد أن تنكح إلا منهم أو بإذنهم، نعم هي مخالفة لها في التخصيص السابق، وقد روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "كان الرجل إذا مات وترك امرأة ألقى عليها حميمه ثوبا فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت ويرثها" وروى الطبري أيضا من طريق الحسن والسدي وغيرهما: "كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه الصداق" وزاد السدي "إن سبق الوارث فألقي عليها ثوبه كان أحق بها، وإن سبقت هي إلى أهلها فهي أحق بنفسها" .

(8/247)


7- باب {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا}
وَقَالَ مَعْمَرٌ: أَوْلِيَاءُ مَوَالِي وَأَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهْوَ الْحَلِيفُ وَالْمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ
4580- حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِدْرِيسَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قَالَ وَرَثَةً {وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نُسِخَتْ ثُمَّ قَالَ {وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} مِنْ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ إِدْرِيسَ وَسَمِعَ إِدْرِيسُ طَلْحَة"
قوله: "باب {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} ساق إلى قوله: {شَهِيدًا} وسقط ذلك لغير أبي

(8/247)


ذر. قوله: "وقال معمر أولياء {مَوَالِيَ} أولياء ورثة" عاقدت أيمانكم "هو مولى اليمين وهو الحليف، والمولى أيضا ابن العم، والمولى المنعم المعق" أي بكسر المثناة "والمولى المعتق" أي بفتحها "والمولى المليك، والمولى مولى في الدين" انتهى. ومعمر هذا بسكون المهملة وكنت أظنه معمر بن راشد إلى أن رأيت الكلام المذكور في المجاز لأبي عبيدة واسمه معمر بن المثنى، ولم أره عن معمر بن راشد، وإنما أخرج عبد الرزاق عنه في قوله: "ولكل جعلنا موالي" قال: الموالي الأولياء، الأب والأخ والابن وغيرهم من العصبة. وكذا أخرجه إسماعيل القاضي في "الأحكام" من طريق محمد بن ثور عن معمر. وقال أبو عبيدة { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} أولياء ورثة "والذين عاقدت أيمانكم" فالمولى ابن العم. وساق ما ذكره البخاري، وأنشد في المولى ابن العم "مهلا بني عمنا مهلا موالينا" ومما لم يذكره وذكره غيره من أهل اللغة: المولى المحب، والمولى الجار، والمولى الناصر، والمولى الصهر، والمولى التابع، والمولى القرار، والمولى الولي، والمولى الموازي. وذكروا أيضا العم والعبد وابن الأخ والشريك والنديم، ويلتحق بهم معلم القرآن جاء فيه حديث مرفوع "من علم عبدا آية من كتاب الله فهو مولاه" الحديث أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة، ونحوه قول شعبة: من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد. وقال أبو إسحاق الزجاج: كل من يليك أو والاك فهو مولى. قوله: "حدثنا الصلت بن محمد" تقدم هذا الحديث سندا ومتنا في الكفالة، وأحيل بشرحه على هذا الموضع. قوله: "عن إدريس" هو ابن يزيد الأودي بفتح الألف وسكون الواو والد عبد الله بن إدريس الفقيه الكوفي، وإدريس ثقة عندهم، وما له في البخاري سوى هذا الحديث. ووقع في رواية الطبري عن أبي كريب عن أبي أسامة "حدثنا إدريس بن يزيد". قوله: "عن طلحة بن مصرف" وقع في الفرائض "عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي أسامة عن إدريس حدثنا طلحة" . قوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قال: ورثة" هذا متفق عليه بين أهل التفسير من السلف، أسنده الطبري عن مجاهد وقادة والسدي وغيرهم، ثم قال: وتأويل الكلام ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والده وأقربوه من ميراثهم له. وذكر غيره الآية تقديرا غير ذلك فقيل: التقدير جعلنا لكل ميت ورثة ترث مما ترك الوالدان والأقربون. وقيل: التقدير ولكل مال مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا ورثة يجوزونه. فعلى هذا "كل" متعلقة بجعل و "مما ترك" صفة لكل و "الوالدان" فاعل ترك، ويلزم عليه الفصل بين الموصوف وصفته، وقد سمع كثيرا، وفي القرآن {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ} فإن فاطر صفة الله اتفاقا، وقيل: التقدير ولكل قوم جعلناهم مولى أي ورثة نصيب مما ترك والداهم وأقربوهم، وهذا يقتضي أن "لكل" خبر مقدم و "نصيب" مبتدأ مؤخر و "جعلناهم" صفة لقوم و "مما ترك" صفة للمبتدأ الذي حذف و "نصيب" صفته، وكذا حذف ما أضيفت إليه كل وبقيت صفته، وكذا حذف العائد على الموصوف، هذا حاصل ما ذكره المعربون، وذكروا غير ذلك مما ظاهره التكلف. وأوضح من ذلك أن الذي يضاف إليه كل هو ما تقدم في الآية التي قبلها وهو قوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} ثم قال: "ولكل" أي من الرجال والنساء "جعلنا" أي قدرنا "نصيبا" أي ميراثا "مما ترك الوالدان والأقربون، والذين عاقدت أيمانكم" أي بالحلف أو الموالاة والمؤاخاة {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} خطاب لمن يتولى ذلك أي من ولي على ميراث أحد فليعط لكل من يرثه نصيبه، وعلى هذا المعنى المتضح ينبغي أن يقع الإعراب ويترك ما عداه من التعسف. قوله: "والذين عاقدت أيمانكم: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري

(8/248)


الأنصاري دون من ذوي رحمه لأخوة" هكذا حملها ابن عباس على من آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، وحملها غيره على أعم من ذلك فأسند الطبري عنه قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهم نسب فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك. ومن طريق سعيد بن جبير قال: كان الرجل يعاقد الرجل فيرثه، وعاقد أبو بكر مولى فورثه. قوله: "فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخت" هكذا وقع في هذه الرواية أن ناسخ ميراث الحليف هذه الآية. وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "كان الرجل يعاقد الرجل، فإذا مات ورثه الأخر، فأنزل الله عز وجل: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً} يقول إلا أن توصوا لأوليائكم الذين عاقدتم. ومن طريق قتادة: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول دمي دمك وترثني وأرثك، فلما جاء الإسلام أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نسخ بالميراث فقال: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} ، ومن طرق شتى عن جماعة من العلماء كذلك، وهذا هو المعتمد ويحتمل أن يكون النسخ وقع مرتين: الأولى حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة فنزلت: {وَلُِكلٍّ} وهي آية الباب فصاروا جميعا يرثون، وعلى هذا يتنزل حديث ابن عباس، ثم نسخ ذلك آية الأحزاب وخص الميراث بالعصبة وبقي للمعاقد النصر والأرفاد ونحوهما، وعلى هذا يتنزل بقية الآثار. وقد تعرض له ابن عباس في حديثه أيضا لكن لم يذكر الناسخ الثاني، ولا بد منه، والله أعلم. قوله:"ثم قال: "والذين عاقدت أيمانكم" من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصى له "كذا وقع فيه، وسقط منه شيء بينه الطبري في روايته عن أبي كريب عن أبي أسامة بهذا الإسناد ولفظه: ثم قال: { والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} من النصر إلخ، فقوله من النصر يتعلق بأتوهم لا بعاقدت ولا بأيمانكم، وهو وجه الكلام. والرفادة بكسر الراء بعدها فاء خفيفة الإعانة بالعطية. قوله: "سمع أبو أسامة إدريس وسمع إدريس طلحة" وقع هذا في رواية المستملي وحده، وقد قدمت التنبيه على من وقع عنده التصريح بالتحديث لأبي أسامة من إدريس ولإدريس من طلحة في هذا الحديث بعينه، وإلى ذلك أشار المصنف، والله أعلم.

(8/249)


8- باب {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} يَعْنِي زِنَةَ ذَرَّةٍ
4581- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ قَالُوا لاَ قَالَ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ قَالُوا لاَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلاَّ يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ وَغُبَّرَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ

(8/249)


تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلاَ وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ فَقَالُوا عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ أَلاَ تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلاَ وَلَدٍ فَيُقَالُ لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الأَوَّلِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا فَيُقَالُ مَاذَا تَنْتَظِرُونَ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ قَالُوا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ لاَ نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا"
قوله: "باب قوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} يَعْنِي زِنَةَ ذَرَّةٍيعني زنة ذرة" هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي زنة ذرة، ويقال هذا مثقال هذا أي وزنه وهو مفعال من الثقل والذرة النملة الصغيرة ويقال واحدة الهباء، والذرة يقال زنتها ربع ورقة نخالة وورقة النخالة وزن ربع خردلة وزنة الخردلة ربع سمسمة. ويقال الذرة لا وزن لها وإن شخصا ترك رغيفا حتى علاه الذر فوزنه فلم يزد شيئا حكاه الثعلبي. حديث أبي سعيد في الشفاعة وسيأتي شرحه مستوفي في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى مع حديث أبي هريرة المذكور هناك وهو بطوله في معناه، وقد وقع ذكرهما بتمامهما متواليين في كتاب التوحيد. وشيخه محمد بن عبد العزيز هو الرملي يعرف بابن الواسطي وثقه العجلي ولينه أبو زرعة وأبو حاتم، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الاعتصام. إن شخصا ترك رغيفا حتى علاه الذر فوزنه فلم يزد شيئا حكاه الثعلبي. ثم ذكر المصنف حديث أبي سعيد في الشفاعة وسيأتي شرحه مستوفي في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى مع حديث أبي هريرة المذكور هناك وهو بطوله في معناه، وقد وقع ذكرهما بتمامهما متواليين في كتاب التوحيد. وشيخه محمد بن عبد العزيز هو الرملي يعرف بابن الواسطي وثقه العجلي ولينه أبو زرعة وأبو حاتم، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الاعتصام.

(8/250)


9- باب {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا}
الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ نَطْمِسَ وُجُوهًا نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ طَمَسَ الْكِتَابَ مَحَاهُ جَهَنَّمَ سَعِيرًا وُقُودًا
4582- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ يَحْيَى بَعْضُ الْحَدِيثِ "عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ فَكَيْفَ {إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا} قَالَ: أَمْسِكْ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَان"
[الحديث 4582- أطرافه في: 5049، 5050، 5055، 5056]
قوله: "باب {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا} وقع في الباب تفاسير لا تتعلق بالآية، وقد قدمت الاعتذار عن ذلك. قوله: "المختال والختال واحد" كذا للأكثر بمثناة فوقانية ثقيلة. وفي رواية الأصيلي: "المختال والخال واحد" وصوبه ابن مالك، وكذلك هو في كلام أبي عبيدة، قال في قوله تعالى :{مُخْتَالاً فَخُوراً} : المختال ذو الخيلاء والخال واحد. قال: ويجئ مصدرا قال العجاج" والخال ثوب من ثياب الجبال" . قلت: والخال يطلق لمعان كثيرة نظمها بعضهم في قصيدة فبلغ نحوا من العشرين، ويقال إنه وجدت قصيدة، تزيد على ذلك عشرين أخرى، وكلام عياض يقتضي أن الذي في رواية الأكثر بالمثناة التحتانية لا. الفوقانية

(8/250)


ولهذا قال كله صحيح، لكنه أورده في الخاء والتاء الفوقانية، والختال بمثناة فوقانية لا معنى له هنا كما قال ابن مالك وإنما هو فعال من الختل وهو العذر، ولأن عينه ياء تحتانية لا فوقانية، والاسم الخلاء، والمعنى أنه يختل في صورة من هو أعظم منه على سبيل التكبير والتعاظم. قوله: "نطمس وجوها نسويها حتى تعود كأقفائهم، طمس الكتاب محاه" هو مختصر من كلام أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً} أي نسويها حتى تعود كأقفائهم، يقال للريح طمست الآثار أي محتها، وطمس الكتاب أي محاه. وأسند الطبري عن قتادة: المراد أن تعود الأوجه في الأقفية. وقيل هو تمثيل وليس المراد حقيقته حسا. قوله: "بجهنم سعيرا وقودا" هو قول أبي عبيدة أيضا، قال في قوله تعالى: {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} أي وقودا. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك مثله.
" تنبيه " : هذه التفاسير ليست لهذه الآية، وكأنه من النساخ كما نبهت عليه غير مرة. قوله: "حدثنا صدقة" هو ابن الفضل، ويحيى هو القطان، وسفيان هو الثوري، وسليمان هو الأعمش، وإبراهيم هو النخعي، وعبيدة بفتح أوله هو ابن عمرو، وعبد الله بن مسعود. والإسناد كله سوى شيخ البخاري وشيخه كوفيون، فيه ثلاثة من التابعين في نسق أولهم الأعمش. قوله: "قال يحيى" هو القطان، وهو موصول بالإسناد المذكور. قوله: "بعض الحديث عن عمرو بن مرة" أي من رواية الأعمش عن عمرو بن مرة عن إبراهيم، وقد ورد ذلك واضحا في فضائل القرآن حيث أخرجه المصنف عن مسدد عن يحيى القطان بالإسناد المذكور وقال بعده "قال الأعمش وبعض الحديث حدثني عمرو بن مرة عن إبراهيم" يعني بإسناده، ويأتي شرح الحديث هناك إن شاء الله تعالى. وقال الكرماني: إسناد عمرو مقطوع، وبعض الحديث مجهول. قلت: عبر عن المقتطع بالمقطوع لقلة اكتراثه بمراعاة الاصطلاح، وأما قوله مجهول فيزيد ما حدثه به عمرو بن مرة فكأنه ظن أنه أراد أن البعض عن هذا والبعض عن هذا، وليس كذلك وإنما هو عنده كله في الرواية الآتية، وبعضه في أثنائه أيضا

(8/251)


10- باب {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ}
{صَعِيدًا} وَجْهَ الأَرْضِ وَقَالَ جَابِرٌ كَانَتْ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ وَقَالَ عُمَرُ الْجِبْتُ السِّحْرُ وَالطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ وَقَالَ عِكْرِمَةُ الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ شَيْطَانٌ وَالطَّاغُوتُ الْكَاهِنُ
4583- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ "هَلَكَتْ قِلاَدَةٌ لأَسْمَاءَ فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِهَا رِجَالاً فَحَضَرَتْ الصَّلاَةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ يَعْنِي آيَةَ التَّيَمُّم"
قوله: "باب قوله {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ} هذا القدر مشترك في آيتي النساء والمائدة، وإيراد المصنف له في تفسير سورة النساء يشعر بأن آية النساء نزلت في قصة عائشة، وقد سبق ما فيه في كتاب التيمم. قوله: " {صَعِيداً} وجه الأرض" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} : تيمموا أي

(8/251)


تعمدوا. قال والصعيد وجه الأرض. قال الزجاج: لا أعلم خلافا بين أهل اللغة أن الصعيد وجه الأرض، سواء كان عليها تراب أم لا، ومنه قوله تعالى: {صَعِيداً} جرزا "و" صعيدا زلقا" وإنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يصعد من الأرض. وقال الطبري بعد أن روى من طريق قتادة قال: الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. ومن طريق عمرو بن قيس قال: الصعيد التراب. ومن طريق ابن زيد قال: الصعيد الأرض المستوية. الصواب أن الصعيد وجه الأرض المستوية الخالية من الغرس والنبات والبناء، وأما الطيب فهو الذي تمسك به من اشترط في التيمم التراب، لأن الطيب هو التراب المنبت، قال الله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} وروى عبد الرزاق من طريق ابن عباس: الصعيد الطيب الحرث. قوله: "وقال جابر: كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها في جهينة واحد وفي أسلم واحد وفي كل حي واحد، كهان ينزل عليهم الشيطان" وصله ابن أبي حاتم من طريق وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت فذكر مثله وزاد: "وفي هلال واحد" وقد تقدم نسب جهينة وأسلم في غزوة الفتح، وأما هلال فقبيلة ينتسبون إلى هلال بن عامر بن صعصعة، منهم ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وجماعة من الصحابة وغيرهم. قوله: "الجبت السحر والطاغوت الشيطان" وصله عبد بن حميد في تفسيره ومسدد في مسنده وعبد الرحمن بن رستة في كتاب الإيمان كلهم من طريق أبي إسحاق عن حسان بن فائد عن عمر مثله وإسناده قوي، وقد وقع التصريح بسماع أبي إسحاق له من حسان وسماع حسان من عمر في رواية رستة وحسان بن فائد بالفاء عبسا بالموحدة، قال أبو حاتم شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات. وروى الطبري عن مجاهد مثل قول عمر وزاد: والطاغوت الشيطان له صورة إنسان يتحاكمون إليه، ومن طريق سعيد بن جبير وأبي العالية قال: الجبت الساحر، والطاغوت الكاهن. وهذا يمكن رده بالتأويل إلى الذي قبله. قوله: "وقال عكرمة: الجبت بلسان الحبشة شيطان، والطاغوت الكاهن" وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح عنه، وروى الطبري من طريق قتادة مثله بغير ذكر الحبشة قال: كنا نتحدث أن الجبت الشيطان، والطاغوت الكاهن. ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: الجبت الأصنام، والطواغيت الذين كانوا يعبرون عن الأصنام بالكذب. قال: وزعم. رجال أن الجبت الكاهن، والطاغوت رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف. ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. واختار الطبري أن المراد بالجبت والطاغوت جنس من كان يعبد من دون الله سواء كان صنما أو شيطانا جنيا أو آدميا، فيدخل فيه الساحر والكاهن، والله أعلم. وأما قول عكرمة إن الجبت بلسان الحبشة الشيطان فقد وافقه سعيد بن جبير على ذلك، لكن عبر عنه بالساحر، أخرجه الطبري بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال: الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن. وهذا مصير منهما إلى وقوع المعرب في القرآن، وهي مسألة اختلف فيها، فبالغ الشافعي وأبو عبيدة اللغوي وغيرهما في إنكار ذلك، فحملوا ما ورد من ذلك على توارد اللغتين، وأجاز ذلك جماعة واختاره ابن الحاجب واحتج له بوقوع أسماء الأعلام فيه كإبراهيم فلا مانع من وقوع أسماء الأجناس، وقد وقع في صحيح البخاري جملة من هذا، وتتبع القاضي تاج الدين السبكي ما وقع في القرآن من ذلك ونظمه في أبيات ذكرها في شرحه على المختصر، وعبر بقوله يجمعها هذه الأبيات فذكرها، وقد تتبعت بعده زيادة كثيرة على ذلك تقرب من عدة ما أورد، ونظمتها أيضا، وليس جميع ما أورده هو متفقا على أنه من ذلك، لكن اكتفى بإيراد ما نقل في الجملة فتبعته في ذلك، وقد رأيت إيراد الجميع للفائدة، فأول بيت منها من نظمي والخمسة التي تليه له وباقيها لي أيضا فقلت:

(8/252)


من المعرب عد التاج "كز: وقد ... ألحقت "كد" وضمتها الأساطير
السلسبيل وطه كورت بيع ... روم وطوبي وسجيل وكافور
والزنجيل ومشكاة سرادق مع ... استبرق صلوات سندس طور
كذا قراطيس ربانيهم وغسا ... ق ثم دينار القسطاس مشهور
كذاك كسورة واليم ناشئة ... ويؤت كفلين مذكور ومستور
له مقاليد فردوس يعد كذا فيما ... حكى ابن دريد منه تنور
وزدت حرم ومهل والسجل كذا ... السرى والأب ثم الجبت مذكور
وقطنا بناه ثم متكأ ... دارست يصهر منه فهو مصهور
وهيت والسكر الأواه مع حصب ... وأوبي معه والطاغوت منظور
صرهن أصرى وغيض الماء مع وزر ... ثم الرقيم مناص والسنا النور
والمراد بقولي "كز: أن عدة ما ذكره التاج سبعة وعشرون وبقولي "كد" أن عدة ما ذكرته أربعة وعشرون وأنا معترف أنني لم أستوعب ما يستدرك عليه، فقد ظفرت بعد نظمي هذا بأشياء تقدم منها في هذا الشرح الرحمن وراعنا، وقد عزمت أني إذا أتيت على آخر شرح هذا التفسير إن شاء الله تعالى ألحق ما وقفت عليه من زيادة في ذلك منظوما إن شاء الله تعالى. ثم أورد المصنف طرفا من حديث عائشة في سقوط عقدها ونزول آية التيمم، وقد مضى شرحه مستوفي في كتاب التيمم.

(8/253)


11- باب {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} ذَوِي الأَمْرِ
4584- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} قَالَ "نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّة"
قوله: "باب {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} ذوي الأمر" كذا لأبي ذر ولغيره: "أولي الأمر منكم ذوي الأمر" وهو تفسير أبي عبيدة قال ذلك في هذه الآية وزاد: والدليل على ذلك أن واحدها ذو أي واحد أولى لأنها لا واحد لها من لفظها. قوله: "حدثنا صدقة بن الفضل" كذا للأكثر. وفي رواية ابن السكن وحده عن الفربري عن البخاري "حدثنا سنيد" وهو ابن داود المصيصي واسمه الحسين وسنيد لقب، وهو من حفاظ الحديث وله تفسير مشهور، لكن ضعفه أبو حاتم والنسائي، وليس له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع إن كان ابن السكن حفظه، ويحتمل أن يكون البخاري أخرج الحديث عنهما جميعا، واقتصر الأكثر على صدقة لإتقانه، واقتصر ابن السكن على سنيد بقرينة التفسير، وقد ذكر أحمد أن سنيدا ألزم حجاجا - يعني حجاج بن محمد شيخه في

(8/253)


هذا الحديث إلا أنه كان يحمله على تدليس التسوية، وعابه بذلك وكأن هذا هو السبب في تضعيف من ضعفه. والله أعلم. قوله: "عن يعلى بن مسلم" في رواية الإسماعيلي من طريق حجاج عن ابن جريج "أخبرني يعلى بن مسلم" . قوله: "نزلت في عبد الله بن حذافة" كذا ذكره مختصرا، والمعنى نزلت في قصة عبد الله بن حذافة أي المقصود منها في قصته قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} الآية، وقد غفل الداودي عن هذا المراد فقال: هذا وهم على بن عباس، فإن عبد الله بن حذافة خرج على جيش فغضب فأوقدوا نارا وقال اقتحموها فامتنع بعض، وهم بعض أن يفعل. قال: فإن كانت الآية نزلت قبل فكيف يخص عبد الله بن حذافة بالطاعة دون غيره، وإن كانت نزلت بعد فإنما قيل لهم إنما الطاعة في المعروف، وما قيل لهم لم لم تطيعوا؟ انتهى. وبالحمل الذي قدمته يظهر المراد، وينتفي الإشكال الذي أبداه، لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به، وسببه أن الذين هموا أن يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة، والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار من النار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع وهو الرد إلى الله وإلى رسوله، أي إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه فارجعوا إلى الكتاب والسنة، والله أعلم. وقد روى الطبري أن هذه الآية في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد بن الوليد وكان خالد أميرا فأجار عمار رجلا بغير أمره فتخاصما فنزلت، فالله أعلم. وقد تقدم شرح حال هذه السرية والاختلاف في اسم أميرها في المغازي بعد غزوة حنين بقليل. واختلف في المراد بأولى الأمر في الآية، فعن أبي هريرة قال: هم الأمراء أخرجه الطبري بإسناد صحيح. وأخرج عن ميمون بن مهران وغيره نحوه، وعن جابر بن عبد الله قال: هم أهل العلم والخير، وعن مجاهد وعطاء والحسن وأبي العالية: هم العلماء، ومن وجه آخر أصح منه عن مجاهد قال: هم الصحابة، وهذا أخص. وعن عكرمة قال: أبو بكر وعمر، وهذا أخص من الذي قبله، ورجح الشافعي الأول واحتج له بأن قريشا كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير، فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "من أطاع أميري فقد أطاعني" متفق عليه. واختار الطبري حملها على العموم وإن نزلت في سبب خاص، والله أعلم.

(8/254)


12- باب {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}
4585- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: "خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنْ الأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنْ الْحَرَّةِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ" وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الأَنْصَارِيُّ كَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ قَالَ الزُّبَيْرُ فَمَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَاتِ إِلاَّ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}
قوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} سقط "باب" لغير أبي ذر وذكر فيه قصة الزبير مع الأنصاري الذي خاصمه في شراج الحرة، وقد تقدم شرحه مستوفي في كتاب الشرب، بينت هناك الاختلاف على

(8/254)


عروة في وصله وإرساله بحمد الله تعالى. وقوله هنا "أن كان ابن عمتك" بفتح أن للجميع أي من أجل، ووقع عند أبي ذر "وأن" بزيادة واو، وفي روايته عن الكشميهني: "آن" بزيادة همزة ممدودة وهي الاستفهام. وقوله هنا "أن كان ابن عمتك" بفتح أن للجميع أي من أجل، ووقع عند أبي ذر "وأن" بزيادة واو، وفي روايته عن الكشميهني: "آن" بزيادة همزة ممدودة وهي الاستفهام.

(8/255)


13- باب {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ}
4586- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلاَّ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّر"
قوله: "باب فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين" ذكر فيه حديث عائشة، وقد تقدم شرحه في الوفاة النبوية ولله الحمد. وقوله: "في شكواه الذي قبض فيه، في رواية الكشميهني: "التي قبض فيها" .

(8/255)


باب قوله {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ...}
...
14- باب {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - إلى - الظَّالِمِ أَهْلُهَا}
4587-حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: "سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِين"
4588- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ "أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلاَ إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ حَصِرَتْ ضَاقَتْ تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُرَاغَمُ الْمُهَاجَرُ رَاغَمْتُ هَاجَرْتُ قَوْمِي مَوْقُوتًا مُوَقَّتًا وَقْتَهُ عَلَيْهِم"
قوله: "باب {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - إلى - الظَّالِمِ أَهْلُهَا} ولأبي ذر {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ} الآية، والأظهر أن المستضعفين مجرور بالعطف على اسم الله أي وفي سبيل المستضعفين، أو على سبيل الله أي وفي خلاص المستضعفين، وجوز الزمخشري أن يكون منصوبا على الاختصاص. قوله:"عن عبيد الله" هو ابن أبي يزيد، وفي مسند أحمد عن سفيان. حدثني عبيد الله بن أبي يزيد". قوله: "كنت أنا وأمي من المستضعفين" كذا للأكثر، زاد أبو ذر {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} وأراد حكاية الآية، وإلا فهو الولدان وأمه من المستضعفين، ولم يذكر في هذا الحديث من الرجال أحدا، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق إسحاق بن موسى عن ابن عيينة بلفظ: "كنت أنا وأمي من المستضعفين: أنا من الولدان، وأمي من النساء" . قوله في الطريق الأخرى "أن ابن عباس تلا" في رواية المستملي: "عن ابن عباس أنه تلا" . قوله: "كنت أنا وأمي ممن عذر الله" أي في الآية المذكورة. وفي رواية لأبي نعيم في "المستخرج" من طريق محمد بن عبيد عن حماد بن زيد "كنت أنا وأمي من المستضعفين" قلت: واسم أمه لبابة بنت الحارث الهلالية أم الفضل أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم،

(8/255)


15- باب {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَدَّدَهُمْ فِئَةٌ جَمَاعَةٌ
4589- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالاَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ} فِئَتَيْنِ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُحُدٍ وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ فَرِيقٌ يَقُولُ اقْتُلْهُمْ وَفَرِيقٌ يَقُولُ لاَ فَنَزَلَتْ {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} وَقَالَ: "إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ" {أَذَاعُوا بِهِ} أَيْ أَفْشَوْهُ {يَسْتَنْبِطُونَهُ} يَسْتَخْرِجُونَهُ {حَسِيبًا} كَافِيًا {إِلاَّ إِنَاثًا} يَعْنِي الْمَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ {مَرِيدًا} مُتَمَرِّدًا {فَلَيُبَتِّكُنَّ} بَتَّكَهُ قَطَّعَهُ قِيلاً ـ وَقَوْلاً وَاحِدٌ {طَبَعَ} خَتَم"
قوله: "باب {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} قال ابن عباس: بددهم" وصله الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} قال: بددهم. ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أوقعهم. ومن طريق قتادة قال: أهلكهم، وهو تفسير باللازم، لأن الركس الرجوع، فكأنه

(8/256)


16- باب {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ}
4590- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: "آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ وَمَا نَسَخَهَا شَيْء"

(8/257)


17- باب {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} السِّلْمُ وَالسَّلَمُ وَالسَّلاَمُ وَاحِدٌ
4591- حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ قَالَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ السَّلاَم"
قوله: "باب {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} السلم والسلام والسلم واحد" يعني أن الأول بفتحتين والثالث بكسر ثم سكون، فالأول قراءة نافع وابن عامر وحمزة، والثاني قراءة الباقين، والثالث قراءة رويت عن عاصم بن أبي النجود. وروي عن عاصم الجحدري بفتح ثم سكون، فأما الثاني فمن التحية، وأما ما عداه فمن الانقياد. قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار. وفي رواية ابن أبي عمر عن سفيان "حدثنا عمرو بن دينار" كذا أخرجها أبو نعيم في مستخرجه من طريقه. قوله: "كان رجل في غنيمة" بالتصغير. وفي رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه "مر رجل من بني سليم بنفر من الصحابة وهو يسوق غنما له فسلم عليهم" . قوله: "فقتلوه" زاد في رواية سماك "وقالوا ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا" . قوله: "وأخذوا غنيمته" في رواية سماك "وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت. وروى البزار من طريق حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قصة أخرى قال:"بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف لك بلا إله إلا الله غدا . وأنزل الله هذه الآية "وهذه القصة يمكن الجمع بينها وبين التي قبلها، ويستفاد منها تسمية القاتل، وأما المقتول فروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه واللفظ للكلبي، أن اسم المقتول مرداس بن نهيك من أهل فدك، وأن اسم القاتل أسامة بن زيد، وأن اسم أمير السرية غالب بن فضالة الليثي، وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي هو وحده وكان ألجأ غنمه بجبل، فلما لحقوه قال لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، فلما رجعوا نزلت الآية" وكذا

(8/258)


أخرج الطبري من طريق السدي نحوه، وفي آخر رواية قتادة "لأن تحية المسلمين السلام بها يتعارفون" وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال: "أنزلت هذه الآية {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ} في مرداس" وهذا شاهد حسن. وورد في سبب نزولها عن غير ابن عباس شيء آخر، فروى ابن إسحاق في "المغازي" وأخرجه أحمد من طريقه عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة، فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم علينا، فحمل عليه محلم فقتله، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل القرآن" فذكر هذه الآية. وأخرجها ابن إسحاق من طريق ابن عمر أتم سياقا من هذا وزاد أنه كان بين عامر ومحلم عداوة في الجاهلية، وهذه عندي قصة أخرى، ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معا. قوله في آخر الحديث "قال قرأ ابن عباس السلام" هو مقول عطاء، وهو موصول بالإسناد المذكور، وقد قدمت أنها قراءة الأكثر، وفي الآية دليل على أن من أظهر شيئا من علامات الإسلام لم يحل دمه حتى يختبر أمره، لأن السلام تحية المسلمين، وكانت تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك. فكانت هذه علامة. وأما على قراءة السلم على اختلاف ضبطه فالمراد به الانقياد وهو علامة الإسلام لأن معنى الإسلام في اللغة الانقياد، ولا يلزم من الذي ذكرته الحكم بإسلام من اقتصر على ذلك وإجراء أحكام المسلمين عليه، بل لا بد من التلفظ بالشهادتين على تفاصيل في ذلك بين أهل الكتاب وغيرهم، والله أعلم.

(8/259)


18- باب {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ - وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}
4592- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْلَى عَلَيْهِ {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ - وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهْوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أَعْمَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ} "
4593- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا فَكَتَبَهَا فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ} "
4594- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ادْعُوا فُلاَنًا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوْ الْكَتِفُ فَقَالَ اكْتُبْ {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَخَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ:

(8/259)


يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا ضَرِيرٌ فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} "
4595- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ ح و حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْر"
قوله: "باب {يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} الآية" كذا لأبي ذر، ولغيره: {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ} "واختلفت القراءة في {غيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بالرفع على البدل من القاعدون، وقرأ الأعمش بالجر على الصفة للمؤمنين، وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء. قوله: "عن صالح" هو ابن كيسان. قوله: "حدثني سهل بن سعد" كذا قال صالح، وتابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن ابن شهاب عند الطبري، وخالفهما معمر فقال: "عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت" أخرجه أحمد. قوله: "أنه رأى مروان بن الحكم" أي ابن أبي العاص أمير المدينة الذي صار بعد ذلك خليفة. قوله: "فأقبلت حتى جلست إلى جنبه. فأخبرنا" قال الترمذي في هذا الحديث رواية رجل من الصحابة وهو سهل بن سعد عن رجل من التابعين وهو مروان بن الحكم، ولم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من التابعين. قلت: لا يلزم من عدم السماع عدم الصحة، والأولى ما قال فيه البخاري: لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكره ابن عبد البر في الصحابة لأنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل عام أحد وقيل عام الخندق وثبت عن مروان أنه قال لما طلب الخلافة فذكروا له ابن عمر فقال: ليس ابن عمر بأفقه مني. ولكنه أسن مني وكانت له صحبة. فهذا اعتراف منه بعدم صحبته وإنما لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان سماعه منه ممكنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى أباه إلى الطائف فلم يرده إلا عثمان لما استخلف، وقد تقدمت روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الشروط مقرونة بالمسور بن مخرمة، ونبهت هناك أيضا على أنها مرسلة، والله الموفق. قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أملي عليه: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في رواية قبيصة المذكورة عن زيد بن ثابت" كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفي رواية خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه" إني لقاعد إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم إذ أوحى إليه وغشيته السكينة فوضع فخذه على فخذي قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئا قط أثقل منها "وفي حديث البراء بن عازب الذي في الباب بعد هذا" لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم: ادع لي فلانا، فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف" وفي الرواية الأخرى عنه في الباب أيضا: "دعا زيدا فكتبها" فيجمع بينهما بأن المراد بقوله: "لما نزلت" كادت أن تنزل لتصريح رواية خارجة بأن نزولها كان بحضرة زيد. قوله: "فجاءه ابن أم مكتوم "في رواية قبيصة المذكورة" فجاء عبد الله بن أم مكتوم "وعند الترمذي من طريق الثوري وسليمان التيمي كلاهما عن أبي إسحاق عن البراء" جاء عمرو بن أم مكتوم "وقد نبه الترمذي على أنه يقال له عبد الله وعمرو، وأن اسم أبيه زائدة وأن أم مكتوم أمه. قلت: واسمها عاتكة، وقد تقدم شيء من خبره في كتاب الأذان. قوله: "وهو يملها" بضم أوله وكسر الميم وتشديد اللام هو مثل يمليها، يملى ويملل بمعنى، ولعل الياء منقلبة من إحدى اللامين. قوله: "والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت" أي لو استطعت، وعبر بالمضارع إشارة إلى الاستمرار واستحضارا

(8/260)


لصورة الحال، قال وكان أعمى، هذا يفسر ما في حديث البراء "فشكا ضرارته" وفي الرواية الأخرى عنه "فقال أنا ضرير" وفي رواية خارجة "فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان أعمى فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو أعمى وأشباه ذلك" وفي رواية قبيصة "فقال إني أحب الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الزمانة ما ترى، ذهب بصري" . قوله: "أن ترض فخذي" أي تدقها. قوله: "ثم سرى" بضم المهملة وتشديد الراء أي كشف. قوله: "فأنزل الله: {غيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} في رواية قبيصة" ثم قال اكتب: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} وزاد في رواية خارجة بن زيد "قال زيد بن ثابت: فوالله لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف. قوله في الحديث الثاني" عن أبي إسحاق" هو السبيعي. قوله: "عن البراء" في رواية محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي إسحاق "أنه سمع البراء" أخرجه أحمد عنه، ووقع في رواية الطبراني من طريق أبي سنان الشيباني عن أبي إسحاق عن زيد بن أرقم، وأبو سنان اسمه ضرار بن مرة، وهو ثقة إلا أن المحفوظ "عن أبي إسحاق عن البراء" كذا اتفق الشيخان عليه من طريق شعبة ومن طريق إسرائيل، وأخرجه الترمذي وأحمد من رواية سفيان الثوري، والترمذي أيضا والنسائي وابن حبان من رواية سليمان التيمي، وأحمد أيضا من رواية زهير، والنسائي أيضا من رواية أبي بكر بن عياش، وأبو عوانة من طريق زكريا بن أبي زائدة ومسعر ثمانيتهم عن أبي إسحاق. قوله: "ادعوا فلانا" كذا أبهمه إسرائيل في روايته وسماه غيره كما تقدم. قوله: "وخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم" كذا في رواية إسرائيل. وفي رواية شعبة التي قبلها "دعا زيدا فكتبها فجاء ابن أم مكتوم" فيجمع بأن معنى قوله جاء أنه قام من مقامه خلف النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء مواجهه فخاطبه. قوله: "فنزلت مكانها" قال ابن التين: يقال إن جبريل هبط ورجع قبل أن يجف القلم. قوله: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قال ابن المنير: لم يقتصر الراوي في الحال الثاني على ذكر الكلمة الزائدة وهي {غيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} فإن كان الوحي نزل بزيادة قوله: {غيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} فقط فكأنه رأى إعادة الآية من أولها حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها فقد حكى الراوي صورة الحال. قلت: الأول أظهر، فإن في رواية سهل بن سعد" فأنزل الله {غيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} وأوضح من ذلك رواية خارجة بن زيد عن أبيه ففيها: ثم سرى عنه فقال: اقرأ، فقرأت عليه "لا يستوي القاعدون من المؤمنين" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {غيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} وفي حديث الفلتان - بفتح الفاء واللام وبمثناة فوقانية - ابن عاصم في هذه القصة "قال فقال الأعمى: ما ذنبنا؟ فأنزل الله، فقلنا له إنه يوحى إليه فخاف أن ينزل في أمره شيء، فجعل يقول: أتوب إلى الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"للكاتب أكتب {غيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} أخرجه البزار والطبراني وصححه ابن حبان، ووقع في غير هذا الحديث ما يؤيد الثاني وهو في حديث البراء بن عازب "فأنزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، ثم نزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} . قوله: "وحدثني إسحاق" جزم أبو نعيم في "المستخرج" وأبو مسعود في "الأطراف" بأنه إسحاق بن منصور وكنت أظن أنه ابن راهويه لقوله: "أخبرنا عبد الرزاق" ثم أريت في أصل النسفي "حدثني إسحاق حدثنا عبد الرزاق" فعرفت أنه ابن منصور، لأن ابن راهويه لا يقول في شيء من حديثه "حدثنا" . قوله: "أخبرني عبد الكريم" تقدم في غزوة بدر أنه الجزوي. قوله: "أن مقسما مولى عبد الله بن الحارث أخبره" أما مقسم فتقدم

(8/261)


ذكره في غزوة بدر، وأما عبد الله بن الحارث فهو ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، لأبيه ولجده صحبة وله هو رؤية، وكان يلقب ببة بموحدتين مفتوحتين الثانية ثقيلة. قوله: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر" كذا أورده مختصرا، وظن ابن التين أنه مغاير لحديثي سهل والبراء فقال: القرآن ينزل في الشيء ويشتمل على ما في معناه، وقد أخرجه الترمذي من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج بهذا مثله، وزاد: "لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم الأعميان: يا رسول الله هل لنا رخصة؟ فنزلت: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ} على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر، هكذا أورده سياقا واحدا، ومن قوله: "درجة إلخ" مدرج في الخبر من كلام ابن جريج، بينه الطبري، فأخرج من طريق حجاج نحو ما أخرجه الترمذي إلى قوله: "درجة" ووقع عنده "فقال عبد الله بن أم مكتوم وأبو أحمد بن جحش وهو الصواب في ابن جحش" فإن عبد الله أخوه، وأما هو فاسمه عبد بغير إضافة وهو مشهور بكنيته. ثم أخرجه بالسند المذكور عن ابن جريج قال: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ} قال: على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر "وحاصل تفسير ابن جريج أن المفضل عليه غير أولي الضرر، وأما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم كما تقدم في المغازي من حديث أنس" إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم حسبهم العذر" . ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة" أي من أولى الضرر وغيرهم، وقوله: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ} أي على القاعدين من غير أولي الضرر، ولا ينافي ذلك الحديث المذكور عن أنس، ولا ما دلت عليه الآية من استواء أولي الضرر مع المجاهدين لأنها استثنت أولي الضرر من عدم الاستواء فأفهمت إدخالهم في الاستواء، إذ لا واسطة بين الاستواء وعدمه، لأن المراد منه استواؤهم في أصل الثواب لا في المضاعفة لأنها تتعلق بالفعل. ويحتمل أن يلتحق بالجهاد في ذلك سائر الأعمال الصالحة. وفي أحاديث الباب من الفوائد أيضا اتخاذ الكاتب، وتقريبه، وتقييد العلم بالكتابة.

(8/262)


باب {الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض...}
...
19- باب {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} الآيَةَ
4596- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالاَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الأَسْوَدِ قَالَ قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآيَةَ رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ"
[الحديث 4596- طرفه في: 7085]

(8/262)


قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} الآية" كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى {فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} وليس عند الجميع لفظ: "باب" . قوله: "حدثنا حيوة" بفتح المهملة وسكون التحتانية وفتح الواو وهو ابن شريح المصري يكنى أبا زرعة. قوله: "وغيره" هو ابن لهيعة أخرجه الطبري، وقد أخرجه إسحاق بن راهويه عن المقرئ عن حيوة وحده، وكذا أخرجه النسائي عن زكريا بن يحيى عن إسحاق، والإسماعيلي من طريق يوسف بن موسى عن المقرئ كذلك. قوله: "قالا حدثنا محمد بن عبد الرحمن" هو أبو الأسود الأسدي يتيم عروة بن الزبير. قوله: "قطع" بضم أوله. قوله: "بعث" أي جيش، والمعنى أنهم ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام، وكان ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة. قوله: "فاكتتبت" بضم المثناة الأولى وكسر الثانية بعدها موحدة ساكنة على البناء للمجهول. قوله: "أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين" سمي منهم في رواية أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والوليد بن عتبة بن ربيعة وعمرو بن أمية بن سفيان وعلي بن أمية بن خلف، وذكر في شأنهم أنهم خرجوا إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين دخلهم شك وقالوا غر هؤلاء دينهم فقتلوا ببدر، أخرجه ابن مردويه. ولابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عكرمة نحوه وذكر فيهم الحارث بن زمعة بن الأسود والعاص بن منبه بن الحجاج وكذا ذكرهما ابن إسحاق. قوله: "يرمى به" بضم أوله على البناء المجهول. قوله: "فأنزل الله" هكذا جاء في سبب نزولها. وفي رواية عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس عند ابن المنذر والطبري، "كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يخفون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر فأصيب بعضهم فقال المسلمون هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت، فكتبوا بها إلى من بقي بمكة منهم وأنهم لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون ففتنوهم فرجعوا فنزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} فكتب إليهم المسلمون بذلك فحزنوا، فنزلت: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} الآية، فكتبوا إليهم بذلك، فخرجوا فلحقوهم، فنجا من نجا وقتل من قتل" . قوله: "رواه الليث عن أبي الأسود" وصله الإسماعيلي والطبراني في "الأوسط" من طريق أبي صالح كاتب الليث عن الليث عن أبي الأسود عن عكرمة فذكره بدون قصة أبي الأسود، قال الطبراني: لم يروه عن أبي الأسود إلا الليث وابن لهيعة. قلت: ورواية البخاري من طريق حيوة ترد على، ورواية ابن لهيعة أخرجها ابن أبي حاتم أيضا، وفي هذه القصة دلالة على براءة عكرمة مما ينسب إليه من رأى الخوارج لأنه بالغ في النهي عن قتال المسلمين وتكثير سواد من يقاتلهم. وغرض عكرمة أن الله ذم من كثر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، قال فكذلك أنت لا تكثر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافقتهم لأنهم لا يقاتلون في سبيل الله، وقوله: "فيم كنتم" سؤال توبيخ وتقريع، واستنبط سعيد بن جبير من هذه الآية وجوب الهجرة من الأرض التي يعمل فيها بالمعصية.

(8/263)


20- باب {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}
4597- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ} قَالَ كَانَتْ أُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّه"

(8/263)


قوله: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ} الآية" فيه معذرة من اتصف بالاستضعاف من المذكورين، وقد ذكروا في الآية الأخرى في سياق الحث على القتال عنهم. وتقدم حديث ابن عباس المذكور والكلام عليه قبل ستة أبواب.

(8/264)


21- باب {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}
4598- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ إِذْ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُف"
قوله: "باب قوله {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} الآية" كذا لأبي ذر، ولغيره: "فعسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا" كذا وقع عند أبي نعيم في "المستخرج" وهو خطأ من النساخ بدليل وقوعه على الصواب في رواية أبي ذر "فأولئك عسى الله" وهي التلاوة. ووقع في "تنقيح الزركشي" هنا "وكان الله غفورا رحيما" قال وهو خطأ أيضا. قلت: لكن لم أقف عليه في رواية. حديث أبي هريرة في الدعاء للمستضعفين، وقد تقدم الكلام عليه في أول الاستسقاء.

(8/264)


22- باب {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ}
4599- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى} قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ جَرِيحًا"
قوله: "باب {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ} الآية" كذا لأبي ذر، وله عن المستملي: "باب قوله ولا جناح إلخ" وسقط لغيره: "باب" وزادوا {أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} . قوله: "حجاج" هو ابن محمد، ويعلى هو ابن مسلم. قوله: {نْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى} قال عبد الرحمن بن عوف وكان جريحا" في رواية: "كان" بغير واو، كذا وقع عنده مختصرا، ومقول ابن عباس ما ذكر عن عبد الرحمن، وقوله: "كان جريحا" أي فنزلت الآية فيه. وقال الكرماني: يحتمل هذا ويحتمل أن التقدير قال ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف يقول من كان جريحا فحكمه كذلك فكان عطف الجريح على المريض إلحاقا به على سبيل القياس، أو لأن الجرح نوع من المرض فيكون كله مقول عبد الرحمن وهو مروي عن ابن عباس. قلت: وسياق ما أورده غير البخاري يدفع هذا الاحتمال، فقد وقع عند أبي نعيم في "المستخرج" من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري عن حجاج بن محمد قال: كان عبد الرحمن بن عوف جريحا" وهو ظاهر في أن فاعل قال هو ابن عباس، وأنه لا رواية لابن عباس في هذا عن عبد الرحمن. قوله في الآية الكريمة {أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} رخص لهم في وضع السلاح لثقلها عليهم

(8/264)


23- باب {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ}
4600- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا {يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} قَالَتْ عَائِشَةُ هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ
قوله: "باب {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} كذا لأبي ذر وله عن غير المستملي: "باب {وَيَسْتَفْتُونَكَ} وسقط لغيره: "باب" وقوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ} أي يطلبون الفتيا أو الفتوى وهما بمعنى واحد، أي جواب السؤال عن الحادثة التي تشكل على السائل وهي مشتقة من الفتى، ومنه الفتى وهو الشاب القوي. حديث عائشة في قصة الرجل يكون عنده اليتيمة فتشركه في ماله، وقد تقدم الكلام عليه في أوائل هذه السورة مستوفي، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: كان لجابر بنت عم دميمة ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت.

(8/265)


باب {وإن إمرأة خافت من بعلها نشورا أو إعراضا}
...
24- باب {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} َقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ شِقَاقٌ تَفَاسُدٌ {وَأُحْضِرَتْ الأَنْفُسُ الشُّحَّ} هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ {كَالْمُعَلَّقَةِ} لاَ هِيَ أَيِّمٌ وَلاَ ذَاتُ زَوْجٍ {نُشُوزًا} بُغْضًا
4601- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} قَالَتْ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا فَتَقُولُ أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِك"
قوله: {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} كذا للجميع بغير باب. قوله: "وقال ابن عباس: شقاق تفاسد" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال غيره: الشقاق العداوة لأن كلا من المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه. قوله: "وأحضرت الأنفس الشح، قال هواه في الشيء يحرص عليه" وصله ابن أبي حاتم أيضا بهذا الإسناد عن ابن عباس. قوله: "كالمعلقة لا هي أيم ولا ذات زوج" وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} : قال لا هي أيم ولا ذات زوج انتهى، والأيم بفتح الهمزة وتشديد التحتانية هي التي لا زوج لها. قوله: {نُشُوزًا} بغضا" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا} قال يعني البغض.

(8/265)


25- باب {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّار}
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْفَلَ النَّارِ نَفَقًا سَرَبًا
4602- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ الأَسْوَدِ قَالَ كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ قَالَ الأَسْوَدُ سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ} فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ فَرَمَانِي بِالْحَصَا فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِم"
قوله: "باب {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّار} كذا لأبي ذر، وسقط لغيره: "باب" . قوله: "قال ابن عباس أسفل النار" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الدرك الأسفل أسفل النار. قال العلماء: عذاب المنافق أشد من عذاب الكافر لاستهزائه بالدين. قوله: "نفقا سربا" وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس به، وهذه الكلمة ليست من سورة النساء، وإنما هي من سورة الأنعام، ولعل مناسبة ذكرها هنا للإشارة إلى اشتقاق النفاق لأن النفاق إظهار غير ما يبطن، كذا وجهه الكرماني، وليس ببعيد مما قالوه في اشتقاق النفاق أنه من النافقاء وهو جحر اليربوع. وقيل هو من النفق وهو السرب حكاه في النهاية. قوله: "إبراهيم" هو النخعي، والأسود خاله وهو ابن يزيد النخعي. قوله: "كنا في حلقة عبد الله" يعني ابن مسعود. قوله: "فجاء حذيفة" هو ابن اليمان. قوله: "لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم" أي ابتلوا به لأنهم كانوا من طبقة الصحابة فهم خير من طبقة التابعين، لكن الله ابتلاهم فارتدوا ونافقوا فذهبت الخيرية منهم، ومنهم من تاب فعادت له الخيرية، فكأن حذيفة حذر الذين خاطبهم وأشار لهم أن لا يغتروا فإن القلوب تتقلب، فحذرهم من

(8/266)


الخروج من الإيمان لأن الأعمال بالخاتمة، وبين لهم أنهم وإن كانوا في غاية الوثوق بإيمانهم فلا ينبغي لهم أن يأمنوا مكر الله، فإن الطبقة الذين من قبلهم وهم الصحابة كانوا خيرا منهم، ومع ذلك وجد بينهم من ارتد ونافق، فالطبقة التي هي من بعدهم أمكن من الوقوع في مثل ذلك. وقوله: "فتبسم عبد الله" كأنه تبسم تعجبا من صدق مقالته. قوله: "فرماني" أي حذيفة رمى الأسود يستدعيه إليه. قوله: "عجبت من ضحكه" أي من اقتصاره على ذلك، وقد عرف ما قلت أي فهم مرادي وعرف أنه الحق. قوله: "ثم تابوا فتاب الله عليهم" أي رجعوا عن النفاق. ويستفاد من حديث حذيفة أن الكفر والإيمان والإخلاص والنفاق كل بخلق الله تعالى وتقديره وإرادته، ويستفاد من قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ} صحة توبة الزنديق وقبولها على ما عليه الجمهور، فإنها مستثناة من المنافقين من قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} وقد استدل بذلك جماعة منهم أبو بكر الرازي في أحكام القرآن، والله أعلم.

(8/267)


26- باب {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} إِلَى قَوْلِهِ {وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ}
4603- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"
4604- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا هِلاَلٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَب"
قوله: "باب قوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} إلى قوله: {وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ} كذا لأبي ذر وزاد في رواية أبي الوقت "والنبيين من بعده" والباقي سواء لكن سقط لغير أبي ذر "باب" . قوله: "ما ينبغي لأحد" في رواية المستملي والحموي "لعبد" . قوله: "أن يقول أنا خير من يونس" يحتمل أن يكون المراد أن العبد القائل هو الذي لا ينبغي له أن يقول ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "أنا" رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاله تواضعا، ودل حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب على أن الاحتمال الأول أولى. قوله: "فقد كذب" أي إذا قال ذلك بغير توقيف، وقد تقدم شرح هذا الحديث في أحاديث الأنبياء بما أغنى عن إعادته هنا، والله المستعان.

(8/267)


27- باب {يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} وَالْكَلاَلَةُ مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبٌ أَوْ ابْنٌ وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ
4605- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ {يَسْتَفْتُونَكَ}
قوله: "باب {يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} ساقوا الآية إلى قوله: {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} وسقط "باب" لغير أبي ذر، والمراد بقوله: {يَسْتَفْتُونَكَ} أي عن مواريث الكلالة، وحذف لدلالة السياق عليه في قوله: {قُلْ

(8/267)


سورة المائدة: باب{حرم}
...
5- سورة الْمَائِدَةِ
1- باب {حُرُمٌ} وَاحِدُهَا حَرَامٌ {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} بِنَقْضِهِمْ {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ} جَعَلَ اللَّهُ {تَبُوءُ} تَحْمِلُ {دَائِرَةٌ} دَوْلَةٌ وَقَالَ غَيْرُهُ الإِغْرَاءُ التَّسْلِيطُ {أُجُورَهُنَّ} مُهُورَهُنَّ {الْمُهَيْمِنُ} الأَمِينُ الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ.
قوله: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سورة المائدة" سقطت البسملة لأبي ذر، والمائدة فاعلة بمعنى مفعولة أي ميد بها صاحبها، وقيل على بابها، وسيأتي ذكر ذلك مبينا بعد. قوله: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} واحدها حرام" هو قول أبي عبيدة، وزاد: حرام بمعنى محرم. وقرأ الجمهور بضم الراء ويحيى بن وثاب بإسكانها وهي لغة كرسل ورسل. قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} بنقضهم" هو تفسير قتادة، أخرجه الطبري من طريقه، وكذا قال أبو عبيدة {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} أي فبنقضهم قال: والعرب تستعمل ما في كلامهم توكيدا، فإن كان الذي قبلها يجر أو يرفع أو ينصب

(8/268)


عمل فيما بعدها. قوله: {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ} أي جعل الله، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي جعل الله لكم وقضى، وعن ابن إسحاق: كتب لكم أي وهب لكم أخرجه الطبري. وأخرج من طريق السدي أن معناه أمر، قال الطبري: والمراد أنه قدرها لسكنى بني إسرائيل في الجملة فلا يرد كون المخاطبين بذلك لم يسكنوها لأن المراد جنسهم بل قد سكنها بعض أولئك كيوشع وهو ممن خوطب بذلك قطعا. قوله: "تبوء تحمل" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ} أي تحمل إثمي وإثمك. قال: وله تفسير آخر تبوء أي تقر، وليس مرادا هنا. وروى الطبري من طريق مجاهد قال: إني أريد أن تبوء أن تكون عليك خطيئتك ودمي، قال: والجمهور على أن المراد بقوله إثمي أي إثم قتلى، ويحتمل أن يكون على بابه من جهة أن القتل يمحو خطايا المقتول، وتحمل على القاتل إذا لم تكن له حسنات يوفي منها المقتول. قوله: "وقال غيره الإغراء التسليط" هكذا وقع في النسخ التي وقفت عليها، ولم أعرف الغير ولا من عاد عليه الضمير لأنه لم يفصح بنقل ما تقدم عن أحد، نعم سقط "وقال غيره:"من رواية النسفي، وكأنه أصوب، ويحتمل أن يكون المعنى: وقال غير من فسر ما تقدم ذكره. وفي رواية الإسماعيلي عن الفربري بالإجازة وقال ابن عباس: مخمصة مجاعة. وقال غيره: الإغراء التسليط. وهذا أوجه. تفسير المخمصة وقع في النسخ الأخرى بعد هذا، وقد وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا فسره أبو عبيدة، والحاصل أن التقديم والتأخير في وضع هذه التفاسير وقع ممن نسخ كتاب البخاري كما قدمناه غير مرة، ولا يضر ذلك غالبا. تفسير الإغراء بالتسليط يلازم معنى الإغراء حقيقة الإغراء كما قال أبو عبيدة التهنيج للإفساد، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد في قوله: "وأغرينا" قال ألقينا، وهذا تفسير بما وقع في الآية الأخرى. قوله: "أجورهن مهورهن" هو تفسير أبي عبيدة. قوله: "المهيمن القرآن أمين على كل كتاب قبله" أورد ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} قال القرآن أمين على كل كتاب كان قبله. وروى عبد بن حميد من طريق أربدة التميمي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} قال: مؤتمنا عليه. وقال ابن قتيبة وتبعه جماعة "مهيمنا" مفيعل من أيمن قلبت همزته هاء، وقد أنكر ذلك ثعلب فبالغ حتى نسب قائله إلى الكفر لأن المهيمن من الأسماء الحسنى وأسماء الله تعالى لا تصغر، والحق أنه أصل بنفسه ليس مبدلا من شيء، وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب تقول: هيمن فلان على فلا إذا صار رقيبا عليه فهو مهيمن، قال أبو عبيدة. لم يجيء في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة ألفاظ: مبيطر ومسيطر ومهيمن ومبيقر. قوله: "وقال سفيان: ما في القرآن آية أشد علي من {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني أن من لم يعمل بما أنزل الله في كتابه فليس على شيء، ومقتضاه أن من أخل ببعض الفرائض فقد أخل بالجميع، ولأجل ذلك أطلق كونها أشد من غيرها، ويحتمل أن يكون هذا مما كان على أهل الكتاب من الإصر. وقد روى ابن أبي حاتم أن الآية نزلت في سبب خاص، فأخرج بإسناد حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "جاء مالك بن الصيف وجماعة من الأحبار فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم، تؤمن بما في التوراة، تشهد أنها حق؟ قال: بلى، ولكنكم كتمتم منها ما أمرتم ببيانه، فأنا أبرأ مما أحدثتموه. قالوا: فإنا نتمسك بما في أيدينا من الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا بما جئت به، فأنزل الله هذه الآية. وهذا يدل على أن المراد بما أنزل إليكم

(8/269)


من ربكم أي القرآن. ويؤيد هذا التفسير قوله تعالى في الآية التي قبلها {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا} - إلى قوله: {أَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ} ا لآية
" تنبيه " : سفيان المذكور وقع في بعض النسخ أنه الثوري، ولم يقع لي إلى الآن موصولا. قوله: {مَنْ أحْيَاهَا} يعني من حرم قتلها إلا بحق حيا الناس منه جميعا" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس. قوله: "شرعة ومنهاجا سبيلا وسنة" وقد تقدم في الإيمان. وقال أبو عبيدة {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً} أي سنة "ومنهاجا" أي سبيلا بينا واضحا. قوله: "عثر ظهر الأوليان وأحدهما أولى" أي أحق به طعامهم وذبائحهم، كذا ثبت في بعض النسخ هنا، وقد تقدم في الوصايا إلا الأخير فسيأتي في الذبائح.

(8/270)


2- باب {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وقال ابن عباس: مخمصة مجاعة
4604- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَتْ الْيَهُودُ لِعُمَرَ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لاَتَّخَذْنَاهَا عِيدًا فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي لاَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَإِنَّا وَاللَّهِ بِعَرَفَةَ قَالَ سُفْيَانُ وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لاَ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}
قوله: "باب قوله {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} سقط "باب" لغير أبي ذر. قوله: "وقال ابن عباس: مخمصة مجاعة" كذا ثبت لغير أبي ذر هنا، وتقدم قريبا. قوله: "حدثنا عبد الرحمن" هو ابن مهدي. قوله: "عن قيس" هو ابن مسلم. قوله: "قالت اليهود" في رواية أبي العميس عن قيس في كتاب الإيمان "أن رجلا من اليهود" وقد تقدمت تسميته هناك وأنه كعب الأحبار، واحتمل أن يكون الراوي حيث أفرد السائل أراد تعيينه، وحيث جمع أراد باعتبار من كان معه على رأيه، وأطلق على كعب هذه الصفة إشارة إلى أن سؤاله عن ذلك وقع قبل إسلامه لأن إسلامه كان في خلافة عمر على المشهور، وأطلق عليه ذلك باعتبار ما مضى. قوله: "إني لأعلم" وقع في هذه الرواية اختصار، وقد تقدم في الإيمان من وجه آخر عن قيس بن مسلم: "فقال عمر أي آية إلخ" . قوله: "حيث أنزلت وأين أنزلت" في رواية أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي "حيث أنزلت وأي يوم أنزلت" . وبها يظهر أن لا تكرار في قوله حيث وأين، بل أراد بإحداهما المكان وبالأخرى الزمان. قوله: "وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت يوم عرفة" كذا لأبي ذر ولغيره: "حين" بدل حيث. وفي رواية أحمد "وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت، أنزلت يوم عرفه "بتكرار" أنزلت: وهي أوضح، وكذا لمسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الرحمن في الموضعين. قوله: "وإنا والله بعرفة" كذا للجميع، وعند أحمد "ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة" وكذا لمسلم، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن بشار وبندار شيخ البخاري فيه. قوله: "قال سفيان وأشك كان يوم الجمعة أم لا" قد تقدم في الإيمان من وجه آخر عن قيس بن مسلم الجزم بأن ذلك كان يوم الجمعة، وسيأتي الجزم بذلك من رواية مسعر عن قيس في كتاب الاعتصام، وقد تقدم في كتاب الإيمان بيان مطابقة جواب عمر للسؤال لأنه سأله عن اتخاذه عيدا فأجاب بنزولها بعرفة يوم الجمعة، ومحصله أن في بعض الروايات "وكلاهما بحمد الله لنا عيد" قال الكرماني: أجاب بأن النزول كان يوم عرفة، ومن المشهور أن اليوم الذي بعد عرفة هو عيد للمسلمين، فكأنه قال:

(8/270)


جعلناه عيدا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتعبد فيه، قال: وإنما لم يجعله يوم النزول لأنه ثبت أن النزول كان بعد العصر، ولا يتحقق العيد إلا من أول النهار، ولهذا قال الفقهاء: إن رؤية الهلال نهارا تكون لليلة المستقبلة انتهى. والتنصيص على أن تسمية يوم عرفة يوم عيد يغني عن هذا التكلف. فإن العيد مشتق من العود وقيل له ذلك لأنه يعود في كل عام. وقد نقل الكرماني عن الزمخشري أن العيد هو السرور العائد وأقر ذلك، فالمعنى أن كل يوم شرع تعظيمه يسمى عيدا انتهى. ويمكن أن يقال هو عيد لبعض الناس دون بعض وهو للحجاج خاصة ولهذا يكره لهم صومه، بخلاف غيرهم فيستحب، ويوم العيد لا يصام. وقد تقدم في شرح هذا الحديث في كتاب الإيمان بيان من روى في حديث الباب أن الآية نزلت يوم عيد وأنه عند الترمذي من حديث ابن عباس، وأما تعليله لترك جعله عيدا بأن نزول الآية كان بعد العصر فلا يمنع أن يتخذ عيدا، ويعظم ذلك اليوم من أوله لوقوع موجب التعظيم في أثنائه، والتنظير الذي نظر به ليس بمستقيم، لأن مرجع ذلك من جهة سير الهلال، وإني لأتعجب من خفاء ذلك عليه. وفي الحديث بيان ضعف ما أخرجه الطبري بسند فيه ابن لهيعة عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت يوم الاثنين، وضعف ما أخرجه من طريق العوفي عن ابن عباس أن اليوم المذكور ليس بمعلوم، وعلى ما أخرجه البيهقي بسند منقطع أنها نزلت يوم التروية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة فأمر الناس أن يروحوا إلى منى وصلى الظهر بها، قال البيهقي: حديث عمر أولى، هو كما قال. واستدل بهذا الحديث على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام، لأن الله تعال إنما يختار لرسوله الأفضل، وأن الأعمال تشرف بشرف الأزمنة كالأمكنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة" الحديث، ولأن في يوم الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء ولا سيما على قول من قال إنها بعد العصر، وأما ما ذكره رزين في جامعه مرفوعا: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة من في غيرها" فهو حديث لا أعرف حاله لأنه لم يذكر صحابيه ولا من أخرجه بل أدرجه في حديث الموطأ الذي ذكره مرسلا عن طلحة بن عبد الله بن كريز، وليست الزيادة المذكورة في شيء من الموطآت فإن كان له أصل احتمل أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة، وعلى كل منهما فثبتت المزية بذلك، والله أعلم

(8/271)


باب {فلم تجدوا فتيمموا صعيدا طيبا}
...
3- باب {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} تَيَمَّمُوا تَعَمَّدُوا آمِّينَ عَامِدِينَ
أَمَّمْتُ وَتَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَسْتُمْ وَ تَمَسُّوهُنَّ وَ اللاَتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وَالإِفْضَاءُ النِّكَاحُ
4607- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ

(8/271)


يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي وَلاَ يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا الْعِقْدُ تَحْتَه"
4608- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَقَطَتْ قِلاَدَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ فَأَنَاخَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً وَقَالَ حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلاَدَةٍ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَوْجَعَنِي ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتْ الصُّبْحُ فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ فَنَزَلَتْ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} الآيَةَ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَرَكَةٌ لَهُم"
قوله: "باب قوله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} كذا في الأصول، وزعم ابن التين وتبعه بعض الشراح المتأخرين أنه وقع هنا "فإن لم تجدوا ماء" ورد عليه بأن التلاوة "فلم تجدوا ماء" وهذا الذي أشار إليه إنما وقع في كتاب الطهارة، وهو في بعض الروايات دون بعض كما تقدم التنبيه عليه. قوله: "تيمموا تعمدوا، آمين عامدين، أممت وتيممت واحد" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} أي فتعمدوا. وقال في قوله تعالى: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} أي ولا عامدين، ويقال أممت، وبعضهم يقول تيممت، قال الشاعر:
إني كذاك إذا ما ساءني بلد ... يممت صدر بعيري غيره بلدا
" تنبيه " : قرأ الجمهور {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ} بإثبات النون، وقرأ الأعمش بحذف النون مضافا كقوله محلى الصيد. قوله: "وقال ابن عباس لمستم وتمسوهن، واللاتي دخلتم بهن، والإفصاء النكاح" أما قوله: "لمستم" فروى إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} قال: هو الجماع. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير بإسناد صحيح، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن ابن عباس قال: هو الجماع، ولكن الله يعفو ويكنى. وأما قوله: { تَمَسُّوهُنَّ} فروى ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: { مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} أي تنكحوهن. وأما قوله: {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} فروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} قال: الدخول النكاح. وأما قوله: "والإفضاء" فروى ابن أبي حاتم من طريق بكر بن عبد الله المزني عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} قال: الإفضاء الجماع. وروى عبد بن حميد من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والغشيان والجماع كله النكاح، ولكن الله يكنى. وروى عبد الرزاق من طريق بكر المزني عن ابن عباس: إن الله حيي كريم يكنى عما شاء، فذكر مثله. لكن قال: "التغشي" بدل الغشيان، وإسناده صحيح. قال الإسماعيلي: أراد بالتغشي قوله تعالى :{فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} وسيأتي شيء من هذا في النكاح. والذي يتعلق

(8/272)


بالباب قوله: "لمَسْتُم" وهي قراءة الكوفيين حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب، وخالفهم عاصم من الكوفيين فوافق أهل الحجاز فقرءوا {أَوْ لامَسْتُمُ} بالألف ووافقهم أبو عمرو بن العلاء من البصريين. ذكر المصنف حديث عائشة في سبب نزول الآية المذكورة من وجهين، وقد تقدم الكلام عليها مستوفي في كتاب. التيمم، واستدل به على أن قيام الليل لم يكن واجبا عليه صلى الله عليه وسلم، وتعقب باحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم صلى أول ما نزل ثم نام، وفيه نظر لأن التهجد القيام إلى الصلاة بعد هجعة، ثم يحتمل أنه هجع فلم ينتقض وضوءه لأن قلبه لا ينام، ثم قام فصلى ثم نام، والله أعلم.

(8/273)


باب {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}
...
4- باب {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ}
4609- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ شَهِدْتُ مِنْ الْمِقْدَادِ ح و حَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لاَ نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} وَلَكِنْ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقٍ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم"
قوله: "باب قوله {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} كذا للمستملي، ولغيره: "باب فاذهب إلخ" وأغرب الداودي فقال: مرادهم بقولهم "وربك" أخوه هارون لأنه كان أكبر منه سنا، وتعقبه ابن التين بأنه خلاف قول أهل التفسير كلهم. قوله: "وحدثني حمدان بن عمر" هو أبو جعفر البغدادي واسمه أحمد وحمدان لقبه، وليس له في البخاري إلا هذا الموضع، وهو من صغار شيوخه وعاش بعد البخاري سنتين، وقد تقدم الكلام على الحديث في غزوة بدر. قوله: "ورواه وكيع عن سفيان إلخ" يريد بذلك أن صورة سياقه أنه مرسل، بخلاف سياق الأشجعي، لكن استظهر المصنف لرواية الأشجعي الموصولة برواية إسرائيل التي ذكرها قبل. وطريق وكيع هذه وصلها أحمد وإسحاق في مسنديهما عنه، وكذا أخرجها ابن أبي خيثمة من طريقه.
" تنبيه " : وقع قوله: "ورواه وكيع إلخ" مقدما في الباب على بقية ما فيه عند أبي ذر، مؤخرا عند الباقين، وهو أشبه بالصواب.

(8/273)


5- باب {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} إِلَى قَوْلِهِ {أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الأَرْضِ} الْمُحَارَبَةُ لِلَّهِ الْكُفْرُ بِهِ
4610- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَلْمَانُ أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا وَقَالُوا قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي قِلاَبَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ أَوْ قَالَ مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلاَبَةَ قُلْتُ مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الإِسْلاَمِ إِلاَّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتَلَ نَفْسًا

(8/273)


6- باب {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}
4611- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَسَرَتْ الرُّبَيِّعُ وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنْ الأَنْصَارِ فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ لاَ وَاللَّهِ لاَ تُكْسَرُ سِنُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ" فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لاَبَرَّه"

(8/274)


قوله: "باب قوله {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} كذا للمستملي، ولغيره: "باب والجروح قصاص" وأورد فيه حديث أنس "أن الربيع" أي بالتشديد عمته "كسرت ثنية جارية" وسيأتي شرحه مستوفي في الديات.
" تنبيه " : الفزاري المذكور في هذا الإسناد هو مروان بن معاوية، ووهم من زعم أنه أبو إسحاق ".

(8/275)


باب {يا أيها الرسول بلغ ما أرسل إليك من ربك}
...
7 - باب {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الآية"
4612- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَاللَّهُ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} الآية.
قوله باب {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} ذكر فيه طرفا من حديث عائشة من "حدثك أن محمد كتم شيئا مما انزل الله عليه فقد كذب" وسيأتي بتمامه مع كمال شرحه في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى

(8/275)


8- باب {لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}
4613- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لاَ وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّه"
[الحديث 4613- طرفه في: 6663]
4614- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أَبَاهَا كَانَ لاَ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لاَ أَرَى يَمِينًا أُرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْر"
[الحديث 4616- طرفه في: 6631]
قوله: "باب قوله {لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} سقط "باب" قوله: "لغير أبي ذر، وفسرت عائشة لغو اليمين بما يجري على لسان المكلف من غير قصد، وقيل هو الحلف على غلبة الظن، وقيل في الغضب، وقيل في المعصية، وفيه خلاف آخر سيأتي بيانه في الأيمان، والنذور إن شاء الله تعالى. وقولها "لا والله وبلى والله" أي كل واحد منهما إذا قالها لغو، فلو أن رجلا قال الكلمتين معا فالأولى لغو والثانية منعقدة لأنها استدراك مقصودة، قاله الماوردي. قوله: "حدثنا علي بن عبد الله" كذا لأبي ذر عن الكشميهني والحموي، وله عن المستملي: "حدثنا علي بن سلمة" وهي رواية الباقين إلا النسفي فقال: "حدثنا علي" فلم ينسبه. وعلي بن سلمة هذا يقال له اللبقي بفتح اللام والموحدة الخفيفة بعدها قاف خفيفة وهو ثقة من صغار شيوخ البخاري، ولم يقع له عنده ذكر إلا في هذا الموضع وقد نبهت على موضع آخر في الشفعة، ويأتي آخر في الدعوات. قوله: "حدثنا مالك بن سعير" بمهملتين مصغر، ضعفه أبو داود. وقال أبو حاتم وأبو زرعة والدار قطني: صدوق وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الدعوات،

(8/275)


باب {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}
...
9- باب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}
4615- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا أَلاَ نَخْتَصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ قَرَأَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}
[الحديث 4615- طرفه في: 5071، 5075]
قوله: "باب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} سقط "باب قوله: "لغير أبي ذر. قوله: "خالد" هو ابن عبد الله الطحان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم، وعبد الله هو ابن مسعود. وسيأتي شرح الحديث في كتاب النكاح وفي الترمذي محسنا من حديث ابن عباس "أن رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت، وإني حرمت علي اللحم فنزلت" وروى ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أنها نزلت في ناس قالوا "نترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض" الحديث. وسيأتي ما يتعلق به أيضا في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى.

(8/276)


10- باب {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {الأَزْلاَمُ} الْقِدَاحُ يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الأُمُورِ وَالنُّصُبُ أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا وَقَالَ غَيْرُهُ الزَّلَمُ الْقِدْحُ لاَ رِيشَ لَهُ وَهُوَ وَاحِدُ الأَزْلاَمِ وَالاسْتِقْسَامُ أَنْ يُجِيلَ الْقِدَاحَ فَإِنْ نَهَتْهُ انْتَهَى وَإِنْ أَمَرَتْهُ فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ بِهِ يُجِيلُ يُدِيرُ وَقَدْ أَعْلَمُوا الْقِدَاحَ أَعْلاَمًا بِضُرُوبٍ يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا وَفَعَلْتُ مِنْهُ قَسَمْتُ وَالْقُسُومُ الْمَصْدَرُ
4616- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ فِي الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا

(8/276)


11- باب {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا -إِلَى قَوْلِهِ - وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
4620- حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه ثم أن الخمر التي أهريقت الفضيخ وزادني محمد عن أبي النعمان قال كنت ساقي القوم أبي طلحة فنزل تحريم الخمر فأمر مناديا فنادى فقال أبو طلحة أخرج فانظر ما هذا الصوت قال فخرجت فقلت هذا منادي ينادي ألا إن الخمر قد حرمت فقال لي اذهب فأهرقها قال فجرت في سكك المدينة قال وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ فقال بعض القوم قتل قوم وهي في بطونهم قال فأنزل الله {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} "

(8/278)


قوله: "باب {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الآية" كذا لأبي ذر، ولغيره: "إلى قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وذكر في حديث أنس" أن الخمر التي هريقت الفضيخ" وسيأتي شرحه الأشربة. وقوله: "وزادني محمد البيكندي عن أبي النعمان" كذا ثبت لأبي ذر وسقط لغيره البيكندي، ومراده أن البيكندي سمعه من شيخهما أبي النعمان بالإسناد المذكور فزاده فيه زيادة. والحاصل أن البخاري سمع الحديث من أبي النعمان مختصرا ومن محمد بن سلام البيكندي عن أبي النعمان مطولا، وتصرف الزركشي فيه غافلا عن زيادة أبي ذر فقال: القائل "وزادني" هو الفربري، ومحمد هو البخاري. وليس كما ظن رحمه الله وإنما هو كما قدمته. قوله: "فنزلت تحريم الخمر فأمر مناديا" الآمر بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم، والمنادي لم أر التصريح باسمه، والوقت الذي وقع ذلك فيه زعم الواحدي أنه عقب قول حمزة "إنما أنتم عبيد لأبي" وحديث جابر يرد عليه. والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان، لما روى أحمد من طريق عبد الرحمن بن وعلة قال: "سألت ابن عباس عن بيع الخمر فقال: "كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف أو دوس فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال: يا فلان أما علمت أن الله حرمها؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: بعها. فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها " . وأخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي وعلة نحوه، ولكن ليس فيه تعيين الوقت. وروى أحمد من طريق نافع بن كيسان الثقفي عن أبيه "أنه كان يتجر في الخمر، وأنه أقبل من الشام فقال: يا رسول الله إني جئتك بشراب جيد، فقال: يا كيسان إنها حرمت بعدك، قال: فأبيعها؟ قال، إنها حرمت وحرم ثمنها" وروى أحمد وأبو يعلى من حديث تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام رواية خمر، فلما كان عام حرمت جاء براوية فقال: أشعرت أنها قد حرمت بعدك؟ قال: أفلا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فنهاه. ويستفاد من حديث كيسان تسمية المبهم في حديث ابن عباس، ومن حديث تميم تأييد الوقت المذكور فإن إسلام تميم كان بعد الفتح، وقوله: "فقال بعض القوم قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله تعالى إلخ" لم أقف على اسم القائل.
" فائدة " : في رواية الإسماعيلي عن ابن ناجية عن أحمد بن عبيدة ومحمد بن موسى عن حماد في آخر هذا الحديث: "قال حماد فلا أدري هذا في الحديث - أي عن أنس - أو قاله ثابت" أي مرسلا يعني قوله: "فقال بعض القوم" إلى آخر الحديث. وكذا عند مسلم عن أبي الربيع الزهراني عن حماد نحو هذا. وتقدم للمصنف في المظالم عن أنس بطوله من طريق عفان عن حماد كما وقع عنده في هذا الباب فالله أعلم. وأخرجه ابن مردويه من طريق قتادة عن أنس بطوله وفيه الزيادة المذكورة. وروى النسائي والبيهقي من طريق ابن عباس قال: "نزل تحريم الخمر في ناس شربوا، فلما ثملوا وعبثوا، فلما صحوا جعل بعضهم يرى الأثر بوجه الآخر فنزلت، فقال ناس من المكلفين هي رجس وهي في بطن فلان وقد قتل بأحد، فنزلت {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} إلى آخرها. وروى البزار من حديث جابر أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود، وروى أصحاب السنن من طريق أبي ميسرة عن عمر أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في البقرة {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت التي في النساء {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت التي في المائدة {فَاجْتَنِبُوهُ} - إلى قوله: {مُنْتَهُونَ} فقال عمر: انتهينا انتهينا" وصححه علي بن المديني والترمذي. وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة نحوه دون قصة عمر، لكن قال عند نزول آية البقرة" فقال الناس: ما حرم علينا، فكانوا

(8/279)


يشربون، حتى أم رجل أصحابه في المغرب فخلط في قراءته فنزلت الآية التي في النساء، فكانوا يشربون ولا يقرب الرجل الصلاة حتى يفيق، ثم نزلت آية المائدة فقالوا: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فرشهم وكانوا يشربونها، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو حرم عليهم لتركوه كما تركتموه" وفي مسند الطيالسي من حديث ابن عمر نحوه. وقال: "في الآية الأولى قيل حرمت الخمر، فقالوا دعنا يا رسول الله ننتفع بها، وفي الثانية فقيل حرمت الخمر، فقالوا لا أنا لا نشربها قرب الصلاة. وقال في الثالثة فقالوا يا رسول الله حرمت الخمر" قال ابن التين وغيره: في حديث أنس وجوب قبول خبر الواحد والعمل به في النسخ وغيره، وفيه عدم مشروعية تخليل الخمر، لأنه لو جاز لما أراقوها، وسيأتي مزيد لذلك في الأشربة إن شاء الله تعالى. "تنبيه" : في رواية عبد العزيز بن صهيب "أن رجلا أخبرهم أن الخمر حرمت فقالوا: أرق يا أنس" وفي رواية ثابت عن أنس "أنهم سمعوا المنادي فقال أبو طلحة: أخرج يا أنس فانظر ما هذا الصوت" وظاهرهما التعارض لأن الأول يشعر بأن المنادي بذلك شافههم، والثاني يشعر بأن الذي نقل لهم ذلك غير أنس، فنقل ابن التين عن الداودي أنه قال لا اختلاف بين الروايتين، لأن الآتي أخبر أنسا وأنس أخبر القوم. وتعقبه ابن التين بأن نص الرواية الأولى أن الآتي أخبر القوم مشافهة بذلك. قلت: فيمكن الجمع بوجه آخر، وهو أن المنادي غير الذي أخبرهم، أو أن أنسا لما أخبرهم عن المنادي جاء المنادي أيضا في أثره فشافههم.

(8/280)


12- باب {لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}
4621- حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً" قَالَ فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي قَالَ فُلاَنٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} رَوَاهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَة"
4622- حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِهْزَاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ مَنْ أَبِي وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ أَيْنَ نَاقَتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} حَتَّى فَرَغَ مِنْ الآيَةِ كُلِّهَا"
قوله: "باب قوله {لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} سقط" باب قوله: "لغير أبي ذر، وقد تعلق بهذا النهي من كره السؤال عما لم يقع. وقد أسنده الدارمي في مقدمة كتابه عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقال ابن العربي: اعتقد قوم من الغافلين منع أسئلة النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية، وليس كذلك، لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المساءة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك. وهو كما قال، إلا أنه أساء في قوله الغافلين على

(8/280)


عادته كما نبه عليه القرطبي. وقد روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رفعه: "أعظم المسلمين بالمسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" وهذا يبين المراد من الآية، ليس مما أشار إليه ابن العربي في شيء. قوله: "حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن" أي ابن حبيب بن علياء بن حبيب بن الجارود العبدي البصري الجارودي نسبة إلى جده الأعلى، وهو ثقة، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وآخر في كفارات الأيمان، وأبوه ما له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع، ولا رأيت عنه راويا إلا ولده، وحديثه هذا في المتابعات، فإن المصنف أورده في الاعتصام من رواية غيره كما سأبينه.
" تنبيه " : وقع في كلام أبي علي الغساني فيما حكاه الكرماني أن البخاري روى هذا الحديث عن محمد غير منسوب عن منذر هذا وأن محمدا المذكور هو ابن يحيى الذهلي، ولم أر ذلك في شيء من الروايات التي عندنا من البخاري، وأظنه وقع في بعض النسخ "حدثنا محمد" غير منسوب والمراد به البخاري المصنف والقائل ذلك الراوي عنه وظنوه شيخا للبخاري، وليس كذلك، والله أعلم. قوله: "عن أنس" في رواية روح بن عبادة عن شعبة في الاعتصام "أخبرني موسى قال سمعت أنس بن مالك يقول" . قوله: "خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط قال: لو تعلمون ما أعلم" وقع عند مسلم من طريق النضر بن شميل عن شعبة في أوله زيادة يظهر منها سبب الخطبة ولفظه: "بلغ صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء، فخطب فقال: عرضت على الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولن تعلمون ما أعلم" . قوله: "لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، قال فغطى" في رواية النضر بن شميل "قال فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كان أشد من ذلك، غطوا رءوسهم" . قوله: "لهم حنين" بالحاء المهملة للأكثر، وللكشهميني بالخاء المعجمة، والأول الصوت الذي يرتفع بالبكاء من الصدر، والثاني من الأنف. وقال الخطابي: الحنين بكاء دون الانتحاب، وقد يجعلون الحنين والخنين واحدا إلا أن الحنين من الصدر أي المهملة والحنين من الأنف بالمعجمة. وقال عياض 13 قوله: "فقال رجل من أبي؟ قال: أبوك فلان" تقدم في العلم أنه عبد الله بن حذافة. وفي رواية للعسكري "نزلت في قيس بن حذافة" وفي رواية للإسماعيلي يأتي التنبيه عليها في كتاب الفتن "خارجة بن حذافة" والأول أشهر، وكلهم له صحبة، وتقدم فيه أيضا زيادة من حديث أبي موسى وأحدث بشرحه على كتاب الاعتصام، وسيأتي إن شاء الله تعالى، فاقتصر هنا على بيان الاختلاف في سبب نزول الآية. قوله: "فنزلت هذه الآية" هكذا أطلق ولم يقع ذلك في سياق الزهري عن أنس مع أنه أشبع سياقا من رواية موسى بن أنس كما تقدم في أوائل المواقيت، ولذا لم يذكر ذلك هلال بن علي عن أنس كما سيأتي في كتاب الرقاق. ووقع في الفتن من طريق قتادة عن أنس في آخر هذا الحديث بعد أن ساقه مطولا قال: "فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ} وروى ابن أبي حاتم من وجه آخر عن قتادة عن أنس قال: "سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به ، فجعلت ألتفت عن يمين وشمال فإذا كان رجل لاف ثوبه برأسه يبكي" الحديث، وفيه قصة عبد الله بن حذافة، وقول عمر روى الطبري من طريق أبي صالح عن أبي هريرة قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: "أين أنا قال: في النار. فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: حذافة" . فقام عمر - فذكر كلامه وزاد فيه - وبالقرآن إماما، قال فسكن غضبه ونزلت هذه الآية" وهذا شاهد جيد لحديث موسى بن أنس
ـــــــ
1 بياض في الأصل.

(8/281)


المذكور. وأما ما روى الترمذي من حديث علي قال: "لما نزلت: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت. ثم قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فقال: لا، ولو قلت نعم لوجبت. فأنزل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا} فهذا لا ينافي حديث أبي هريرة لاحتمال أن تكون نزلت في الأمرين، ولعل مراجعتهم له في ذلك هي سبب غضبه. وقد روى أحمد من حديث أبي هريرة والطبري من حديث أبي أمامة نحو حديث على هذا، وكذا أخرجه من وجه ضعيف ومن آخر منقطع عن ابن عباس، وجاء في سبب نزولها قول ثالث وهو ما يدل عليه حديث ابن عباس في الباب عقب هذا وهو أصح إسنادا، لكن لا مانع أن يكون الجميع سبب نزولها والله أعلم. وجاء في سبب نزولها قولان آخران، فأخرج الطبري وسعيد بن منصور من طريق خصيف عن مجاهد عن ابن عباس: أن المراد بالأشياء البحيرة والوصيلة والسائبة والحام. قال فكان عكرمة يقول: إنهم كانوا يسألون عن الآيات، فنهوا عن ذلك. قال: والمراد بالآيات نحو سؤال قريش أن يجعل الصفا لهم ذهبا، وسؤال اليهود أن ينزل عليهم كتابا من السماء ونحو ذلك. أخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الكريم عن عكرمة قال: "نزلت في الذي سأل عن أبيه. وعن سعيد بن جبير في الذين سألوا عن البحيرة وغيرها، وعن مقسم فيما سأل الأمم أنبياءها عن الآيات. قلت: وهذا الذي قاله محتمل، وكذا ما أخرج ابن أبي حاتم من طريق عطية قال: "نهوا أن يسألوا مثل ما سأل النصارى من المائدة فأصبحوا بها كافرين" وقد رجحه الماوردي، وكأنه من حيث المعنى، لوقوع قصة المائدة في السورة بعد ذلك، واستبعد نزولها في قصة من سأل عن أبيه أو عن الحج كل عام، وهو إغفال منه لما في الصحيح، ورجح ابن المنير نزولها في النهي عن كثرة المسائل عما كان وعما لم يكن، واستند إلى كثير مما أورده المصنف في "باب ما يكره من كثرة السؤال" في كتاب الاعتصام وهو متجه، لكن لا مانع أن تتعدد الأسباب، وما في الصحيح أصح. وفي الحديث إيثار الستر على المسلمين، وكراهة التشديد عليهم، وكراهة التنقيب عما لم يقع، وتكلف الأجوبة لمن يقصد بذلك التمرن على التفقه، فالله أعلم. وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى. قوله: "رواه النضر" هو ابن شميل "وروح بن عبادة عن شعبة" أي بإسناده، ورواية النضر وصلها مسلم، ورواية روح بن عبادة وصلها المؤلف في كتاب الاعتصام. قوله: "حدثني الفضل بن سهل" هو البغدادي، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وشيء تقدم الصلاة وأبو النضر هاشم بن القاسم، وأبو خيثمة هو زهير بن معاوية، وأبو الجويرية بالجيم مصغر اسمه حطان بكسر المهملة وتشديد الطاء ابن خفاف بضم المعجمة وفاءين الأولى خفيفة، ثقة ما له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في الزكاة ويأتي في الأشربة له ثالث. قوله: "عن ابن عباس" في رواية ابن أبي حاتم من طريق أبي النضر عن أبي خيثمة حدثنا أبو الجويرية سمعت أعرابيا من بني سليم سأله يعني ابن عباس. قوله: "كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء" قد تقدم طريق الجمع بينه وبين الذي قبله، والحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم تسأل عنه لكان على الإباحة، وفي أول رواية الطبري من طريق حفص بن نفيل عن أبي خيثمة عن أبي الجويرية" قال ابن عباس: قال أعرابي من بني سليم: هل تدري فيم أنزلت هذه الآية" فذكره ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج" من وجه آخر عن أبي خيثمة عن أبي الجويرية عن ابن عباس أنه سئل عن الضالة فقال ابن عباس: "من أكل الضالة فهو ضال" .

(8/282)


13- باب {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ} يَقُولُ قَالَ اللَّهُ وَإِذْ هَا هُنَا صِلَةٌ الْمَائِدَةُ أَصْلُهَا مَفْعُولَةٌ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ وَالْمَعْنَى مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا مِنْ خَيْرٍ يُقَالُ مَادَنِي يَمِيدُنِي وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُتَوَفِّيكَ مُمِيتُكَ
4623- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلاَ يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لاَ يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ" وَالْوَصِيلَةُ النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الإِبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ وَالْحَامِ فَحْلُ الإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ و قَالَ لِي أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ سَمِعْتُ سَعِيدًا قَالَ يُخْبِرُهُ بِهَذَا قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْهَادِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم"
4624- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَرْمَانِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب"
قوله: "باب {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} أي ما حرم، ولم يرد حقيقة الجعل لأن الكل خلقه وتقديره، ولكن المراد بيان ابتداعهم ما صنعوه من ذلك. قوله: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ} يقول قال الله، وإذ هاهنا صلة" كذا ثبت هذا وما بعده هنا، وليس بخاص به وهو على ما قدمنا من ترتيب بعض الرواة، وهذا الكلام ذكره أبو عبيدة في قوله تعالى : {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} قال مجازه يقول الله، وإذ من حروف الزوائد، وكذلك قوله {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ} أي وعلمتك. قوله: "المائدة أصلها مفعولة كعيشة راضية وتطليقة بائنة، والمعنى ميد بها صاحبها من خير يقال مادني يميدني" قال ابن التين: هو قول أبي عبيدة. وقال غيره: هي من ماد يمتد إذا تحرك، وقيل من ماد يمتد إذا أطعم. قال ابن التين: وقوله تطليقة بائنة غير واضح إلا أن يريد أن الزوج أبان المرأة بها، وإلا فالظاهر أنها فرقت بين الزوجين فهي فاعل على بابها. قوله: "وقال ابن عباس: {مُتَوَفِّيكَ} مميتك" هكذا ثبت هذا هنا، وهذه اللفظة إنما هي في سورة آل عمران، فكأن بعض الرواة ظنها من سورة المائدة فكتبها فيها، أو ذكرها المصنف هنا لمناسبة قوله في هذه السورة { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ} ثم ذكر المصنف حديث ابن

(8/283)


شهاب عن سعيد بن المسيب في تفسير البحيرة والسائبة، والاختلاف في وقفه ورفعه. قوله: "البحيرة التي يمنع درها للطواغيت" وهي الأصنام، فلا يحلبها أحد من الناس، والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي التي بحرت أذنها أي حرمت. قال أبو عبيدة: جعلها قوم من الشاة خاصة إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها أي شقوها وتركت فلا يمسها أحد. وقال آخرون: بل البحيرة الناقة كذلك، وخلوا عنها فلم تركب ولم يضربها فحل، وأما قوله: "فلا يحلبها أحد من الناس" فهكذا أطلق نفي الحلب، وكلام أبي عبيدة يدل على أن المنفي إنما هو الشرب الخاص، قال أبو عبيدة: كانوا يحرمون وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النساء ويحلون ذلك للرجال، وما ولدت فهو بمنزلتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: البحيرة من الإبل كانت الناقة إذا نتجت خمس بطون فإن كان الخامس ذكرا كان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى بتكت أذنها ثم أرسلت فلم يجزوا لها وبرا ولم يشربوا لها لبنا ولم يركبوا لها ظهرا، وإن تكن ميتة فهم فيه شركاء الرجال والنساء. ونقل أهل اللغة في تفسير البحيرة هيأت أخرى تزيد بما ذكرت على العشر. وهي فعيلة بمعنى مفعولة، والبحر شق الأذن، كان ذلك علامة لها. قوله: "والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء" قال أبو عبيدة: كانت السائبة من جميع الأنعام، وتكون من النذور للأصنام فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا عن ماء ولا يركبها أحد، قال: وقيل السائبة لا تكون إلا من الإبل، كان الرجل ينذر إن برئ من مرضه أو قدم من سفره ليسيبن بعيرا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: السائبة كانوا يسيبون بعض إبلهم فلا تمنع حوضا أن تشرب فيه. قوله: "قال وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت عمر بن عامر الخزاعي إلخ" هكذا وقع في الرواية إيراد القدر المرفوع من الحديث في أثناء الموقوف، وسأبين ما فيه بعد. قوله: "والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى، ثم تثنى بعد بأنثى" هكذا أورده متصلا بالحديث المرفوع، وهو يوهم أنه من جملة المرفوع، وليس كذلك، بل هو بقية تفسير سعيد بن المسيب، والمرفوع من الحديث إنما هو ذكر عمرو بن عامر فقط، وتفسير البحيرة وسائر الأربعة المذكورة في الآية عن سعيد بن المسيب ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا الإسناد مثل رواية الباب، إلا أنه بعد إيراد المرفوع قال: "وقال ابن المسيب: والوصيلة الناقة إلخ" فأوضح أن التفسير جميعه موقوف، وهذا هو المعتمد، وهكذا أخرجه ابن مردويه من طريق يحيى بن سعيد وعبيد الله بن زياد عن ابن شهاب مفصلا. قوله: "أن وصلت" أي من أجل. وقال أبو عبيدة: كانت السائبة مهما ولدته فهو بمنزلة أمها إلى ستة أولاد، فإن ولدت السابع أنثيين تركتا فلم تذبحا، وإن ولدت ذكرا ذبح وأكله الرجال دون النساء، وكذا إذا ولدت ذكرين، وإن أتت بتوأم ذكر وأنثى سموا الذكر وصيلة فلا يذبح لأجل أخته، وهذا كله إن لم تلد ميتا، فإن ولدت بعد البطن السابع ميتا أكله النساء دون الرجال. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: الوصيلة الشاة كانت إذا ولدت سبعة فإن كان السابع ذكرا ذبح وأكل وإن كان أنثى تركت وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فترك ولم يذبح. قوله: "والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود إلخ" وكلام أبي عبيدة يدل على أن الحام إنما يكون من ولد السائبة. وقال أيضا: كانوا إذا ضرب فحل من ولد البحيرة فهو عندهم حام. وقال أيضا: الحام من فحول الإبل خاصة إذا نتجوا منه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره، فأحموا ظهره ووبره وكل شيء منه فلم يركب ولم يطرق. وعرف بهذا بيان العدد المبهم في رواية سعيد. وقيل الحام فحل الإبل إذا ركب ولد ولده، قال الشاعر:

(8/284)


حماها أبو قابوس في غير ملكه ... كما قد حمى أولاد أولاده الفحلا
وقال الفراء: اختلف في السائبة فقيل كان الرجل يسيب من ماله ما شاء يذهب به إلى السدنة وهم الذين يقومون على الأصنام. وقيل: السائبة الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يجز لها وبر ولم يشرب لها لبن. وإذا ولدت بنتها بحرت أي شقت أذنها، فالبحيرة ابنة السائبة وهي بمنزلة أمها. والوصيلة من الشاة إذا ولدت سبعة أبطن إذا ولدت في آخرها ذكرا وأنثى قيل وصلت أخاه فلا تشرب النساء لبن الأم وتشربه الرجال وجرت مجرى السائبة إلا في هذا. وأما الحام فهو فحل الإبل كان إذا لقح ولد ولده قيل حمى ظهره فلا يركب ولا يجز له وبر ولا يمنع من مرعى. قوله: "وقال لي أبو اليمان" عند غير أبي ذر "وقال أبو اليمان" بغير مجاورة. قوله: "سمعت سعيدا يخبره بهذا قال وقال أبو هريرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم نحوه" هكذا للأكثر يخبر بصيغة الفعل المضارع من الخبر متصل بهاء الضمير، ووقع لأبي ذر عن الحموي والمستملي بحيرة بفتح الموحدة وكسر المهملة، وكأنه أشار إلى تفسير البحيرة وغيرها كما في رواية إبراهيم بن سعد، وأن المرفوع منه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عمرو ابن عامر حسب، وهذا هو المعتمد، فإن المصنف أخرجه في مناقب قريش قال حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري سمعت سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها إلخ، لكنه أورده باختصار قال: "وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر إلخ" . قوله: "ورواه ابن الهاد عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم" أما طريق ابن الهاد فأخرجها ابن مردويه من طريق خالد بن حميد المهري عن ابن الهاد - وهو يزيد بن عبد الله ابن أسامة بن الهاد الليثي - بهذا الإسناد، ولفظ المتن "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار" وكان أول من سيب السوائب، والسائبة التي كانت تسيب فلا يحمل عليها شيء إلى آخر التفسير المذكور، وقد أخرجه أبو عوانة وابن أبي عاصم في "الأوائل" والبيهقي والطبراني من طريق عن الليث عن ابن الهاد بالمرفوع فقط، وظهر أن في رواية خالد بن حميد إدراجا وأن التفسير من كلام سعيد بن المسيب والله أعلم. قوله في المرفوع "وهو أول من سيب السوائب" زاد في رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند مسلم: "وبحر البحيرة وغير دين إسماعيل" وروى عبد الرزاق عن معمر عن يزيد بن أسلم مرسلا "أول من سيب السوائب عمرو بن لحي، وأول من بحر البحائر رجل من بني مدلج جدع أذن ناقته وحرم شرب ألبانها" والأول أصح، والله أعلم. ثم ذكر المصنف حديث عائشة "رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا يجر قصبه في النار، وهو أول من سيب السوائب " هكذا وقع هنا مختصرا، وتقدم في أبواب العمل في الصلاة من وجه آخر عن يونس عن زيد مطولا وأوله "خسفت الشمس، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة طويلة" الحديث وفيه: " لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء" وفيه القدر المذكور هنا، وأورده في أبواب الكسوف من وجه آخر عن يونس بدون الزيادة، وكذا من طريق عقيل عن الزهيري، وقد تقدم بيان نسب عمرو الخزاعي في مناقب قريش، وكذا بيان كيفية تغييره لملة إبراهيم عليه السلام ونصبه الأصنام وغير ذلك

(8/285)


باب {ةكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ....}
...
14- باب {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}

(8/285)


4625- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ثُمَّ قَالَ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ: "أَلاَ وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلاَئِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ أَلاَ وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلاَءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُم"
قوله: "باب {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} ذكر فيه حديث ابن عباس "إنكم محشورون إلى الله حفاة" الحديث، وسيأتي شرحه في الرقاق، والغرض منه" فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} وقوله أصيحابي كذا للأكثر بالتصغير، وللكشميهني بغير تصغير، قال الخطابي: فيه إشارة إلى قلة عدد من وقع لهم ذلك، وإنما وقع لبعض جفاة العرب، ولم يقع من أحد الصحابة المشهورين.

(8/286)


15- باب {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
قوله: "باب قوله: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية" ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور قبل، أورده مختصرا.
4626- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ وَإِنَّ نَاسًا يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} إِلَى قَوْلِهِ {الْعَزِيزُ الْحَكِيم} "
قوله: "باب قوله: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية" ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور قبل، أورده مختصرا.

(8/286)


6- سورة الأَنْعَامِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} مَعْذِرَتُهُمْ {مَعْرُوشَاتٍ} مَا يُعْرَشُ مِنْ الْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ {حَمُولَةً} مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا {وَلَلَبَسْنَا} لَشَبَّهْنَا { لأُنْذِرَكُمْ بِهِ} أَهْلَ مَكَّةَ {يَنْأَوْنَ} يَتَبَاعَدُونَ {تُبْسَلُ} تُفْضَحُ {أُبْسِلُوا} أُفْضِحُوا {بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} الْبَسْطُ الضَّرْبُ وَقَوْلُهُ {اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنْسِ} أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا {مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ} جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا وَلِلشَّيْطَانِ وَالأَوْثَانِ نَصِيبًا {أَكِنَّةً} وَاحِدُهَا كِنَانٌ {أَمَّا اشْتَمَلَتْ} يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ إِلاَّ عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا {مَسْفُوحًا} مُهْرَاقًا {صَدَفَ} أَعْرَضَ {أُبْلِسُوا} أُويِسُوا وَ أُبْسِلُوا أُسْلِمُوا {سَرْمَدًا} دَائِمًا {اسْتَهْوَتْهُ} أَضَلَّتْهُ {تَمْتَرُونَ} تَشُكُّونَ {وَقْرٌ} صَمَمٌ وَأَمَّا الْوِقْرُ فَإِنَّهُ الْحِمْلُ {أَسَاطِيرُ} وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَإِسْطَارَةٌ وَهْيَ

(8/286)


1- باب {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}
4627- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنْزِلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} "
قوله: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} المفاتح جمع مفتح بكسر الميم الآلة التي يفتح بها، مثل منجل ومناجل، وهي لغة قليلة في الآلة، والمشهور مفتاح بإثبات الألف وجمعه مفاتيح بإثبات الياء، وقد قرئ بها في الشواذ، قرأ ابن السميع {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} وقيل بل هو جمع مفتح بفتح الميم وهو المكان. ويؤيده تفسير السدي فيما رواه الطبري قال: مفاتح الغيب خزائن الغيب، وجوز الواحدي أنه جمع مفتح بفتح الميم على أنه مصدر بمعنى الفتح، أي وعنده فتوح الغيب أي يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ولا يخفى بعد هذا التأويل للحديث المذكور في الباب، وأن مفاتح الغيب لا يعلمها أحد إلا الله سبحانه وتعالى. وروى الطبري من طريق ابن مسعود قال: أعطي نبيكم صلى الله عليه وسلم علم كل شيء إلا مفاتح الغيب، ويطلق المفتاح على ما كان محسوسا مما يحل غلقا كالقفل، وعلى ما كان معنويا كما جاء في الحديث: "إن من الناس مفاتيح للخير" الحديث صححه ابن حبان من حديث أنس ثم ذكر المصنف في الباب حديث ابن عمر "مفاتح الغيب خمس " أورده مختصرا، وساقه في تفسير سورة لقمان مطولا، وسيأتي شرحه هناك مستوفى إن شاء الله تعالى.

(8/291)


2- باب {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} الآيَةَ
يَلْبِسَكُمْ يَخْلِطَكُمْ مِنْ الالْتِبَاسِ يَلْبِسُوا يَخْلِطُوا شِيَعًا فِرَقًا
4628- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَعُوذُ بِوَجْهِكَ" قَالَ {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قَالَ: "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ" {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَر"
[الحديث 4628- طرفاه في: 7313، 7406]
قوله: "باب {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} الآية، يلبسكم يخلطكم من الالتباس يلبسوا يخلطوا" هو من كلام أبي عبيدة في الموضعين "وعند ابن أبي حاتم من طريق أسباط بن نصر عن السدي مثله. قوله: "شيعا فرقا" هو كلام أبي عبيدة أيضا وزاد: واحدتها شيعة، وللطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن

(8/291)


3- باب {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}
4629- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} قَالَ أَصْحَابُهُ وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ فَنَزَلَتْ {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} "
قوله: "باب {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ذكر فيه حديث سليمان وهو الأعمش عن إبراهيم وهو النخعي عن علقمة وهو ابن قيس عن عبد الله وهو ابن مسعود قال: "لما نزلت: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} قال أصحابه" أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الإيمان بما أغنى عن إعادته.

(8/294)


4- باب {وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ}
4630- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"
4631- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"
قوله: "باب قوله {وَيُونُسَ وَلُوطًا} ذكر فيه حديثي ابن عباس وأبي هريرة " ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" وقد تقدم شرحه في أحاديث الأنبياء. قوله: "باب قوله: {وَيُونُسَ وَلُوطًا} ذكر فيه حديثي ابن عباس وأبي هريرة "ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" وقد تقدم شرحه في أحاديث الأنبياء.

(8/264)


باب {أولائك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}
...
5- باب {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}
4632- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَفِي "ص" سَجْدَةٌ فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ تَلاَ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إِلَى قَوْلِهِ {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ثُمَّ قَالَ هُوَ مِنْهُمْ زَادَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ الْعَوَّامِ عَنْ مُجَاهِدٍ قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِم"
قوله: "باب قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ذكر فيه حديث ابن عباس في السجود في "ص" ، وسيأتي شرحه في تفسير "ص" . قوله: "زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهل بن يوسف عن العوام" هو ابن حوشب "عن مجاهد قلت لابن عباس فقال: نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أمر أن يقتدي بهم" حاصله أن الزيادة لفظية، وإلا فالكلام

(8/294)


المذكور داخل في قوله في الرواية الأولى "هو منهم" أي داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به في قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} وطريق يزيد بن هارون المذكورة وصلها الإسماعيلي، وطريق محمد بن عبيد وصلها المصنف في تفسير "ص" . وطريق سهل بن يوسف وصلها المصنف في أحاديث الأنبياء. وقد اختلف: هل كان عليه الصلاة والسلام متعبدا بشرع من قبله حتى نزل عليه ناسخه؟ فقيل: نعم، وحجتهم هذه الآية ونحوها. وقيل لا، وأجابوا عن الآية بأن المراد اتباعهم فيما أنزل عليه وفاقه ولو على طريق الإجمال فيتبعهم في التفصيل، وهذا هو الأصح عند كثير من الشافعية، واختاره إمام الحرمين ومن تبعه، واختار الأول ابن الحاجب، والله أعلم.

(8/295)


باب {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها}
...
6- باب {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} الآيَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ الْبَعِيرُ وَالنَّعَامَةُ الْحَوَايَا الْمَبْعَرُ وَقَالَ غَيْرُهُ هَادُوا صَارُوا يَهُودًا وَأَمَّا قَوْلُهُ هُدْنَا تُبْنَا هَائِدٌ تَائِبٌ
4633- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوهَا" وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَه"
قوله: "باب {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} زاد أبو ذر في روايته:"إلى قوله: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} . قوله: "كل ذي ظفر البعير والنعامة" وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مثله، وروي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله، وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "كل ذي ظفر هو الذي ليس بمنفرج الأصابع، يعني ليس بمشقوق الأصابع، منها الإبل والنعام، وإسناده حسن. وأخرجه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير مثله مفرقا وليس فيها ابن عباس، ومن طريق قتادة قال: البعير والنعامة وأشباهه من الطير والحيوانات والحيتان. قوله: "الحوايا المبعر" في رواية أبي الوقت المباعر، وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: الحوايا هو المبعر، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة مثله. وقال سعيد بن جبير الحوايا المباعر أخرجه ابن جرير وقال: الحوايا جمع حوية وهي ما تحوى واجتمع واستدار من البطن وهي نبات اللبن وهي المباعر وفيها الأمعاء. قال: ومعنى الكلام إلا ما حملت ظهورهما وإلا ما حملت الحوايا، أي فهو حلال لهم.
" تنبيه " : المبعر بفتح الميم ويجوز كسرها. ثم ذكر المصنف حديث جابر "قاتل الله اليهود حرمت عليهم شحومها" الحديث، وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب البيوع، وقد تقدم أيضا بيان من وصل رواية أبي عاصم المذكور هنا، ونبه ابن التين على أنه وقع في الرواية هنا "لحومها" قال: والصواب شحومها. قوله: "هادوا تابوا، هدنا تبنا، هائد تائب" هو كلام أبي عبيدة وقد تقدم في أوائل الهجرة.

(8/295)


7- باب {وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}
4634- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(8/295)


8- باب وَكِيلٌ حَفِيظٌ وَمُحِيطٌ بِهِ. قُبُلاً جَمْعُ قَبِيلٍ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضُرُوبٌ لِلْعَذَابِ كُلُّ ضَرْبٍ مِنْهَا قَبِيلٌ زُخْرُفَ الْقَوْلِ كُلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وَوَشَّيْتَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ فَهُوَ زُخْرُفٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ حَرَامٌ وَكُلُّ مَمْنُوعٍ فَهْوَ حِجْرٌ مَحْجُورٌ وَالْحِجْرُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ وَيُقَالُ لِلأُنْثَى مِنْ الْخَيْلِ حِجْرٌ وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ حِجْرٌ وَحِجًى وَأَمَّا الْحِجْرُ فَمَوْضِعُ ثَمُودَ وَمَا حَجَّرْتَ عَلَيْهِ مِنْ الأَرْضِ فَهُوَ حِجْرٌ وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرًا كَأَنَّه مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومٍ مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ وَأَمَّا حَجْرُ الْيَمَامَةِ فَهْوَ مَنْزِل"
قوله: "وكيل حفيظ محيط به" قال أبو عبيدة في قوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي حفيظ محيط. قوله: "قبلا جمع قبيل، والمعنى أنه ضروب للعذاب كل ضرب منها قبيل" انتهى. هو من كلام أبي عبيدة أيضا لكن بمعناه، قال في قوله تعالى: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} قال فمعنى حشرنا جمعنا وقبلا جمع قبيل أي صنف. وروى ابن جرير عن مجاهد قال: قبلا أي أفواجا قال ابن جرير: أي حشرنا عليهم كل شيء قبيلة قبيلة صنفا صنفا وجماعة جماعة، فيكون القبل جمع قبيل الذي جمع قبيلة، فيكون القبل جمع الجمع. قال أبو عبيدة: ومن قرأها قبلا أي بكسر القاف فإنه يقول معناها عيانا انتهى. ويجوز أن يكون بمعنى ناحية يقول: لي قبل فلان كذا، أي من جهته، فهو نصب على الظرفية. وقال آخرون: قبلا أي مقابلا انتهى. وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} أي معاينة، فكأنه قرأها بكسر القاف وهي قراءة أهل المدينة وابن عامر، مع أنه يجوز أن يكون بالضم ومعناه المعاينة يقول: رأيته قبلا لا دبرا إذا أتيته من قبل وجهه وتستوي على هذا القراءتان. قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون القبل جمع قبيل وهو الضمين والكفيل، أي وحشرنا عليهم كل شيء كفيلا يكفلون لهم أن الذي نعدهم حق، وهو بمعنى قوله في الآية الأخرى {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً} انتهى، ولم أر من فسر بأصناف العذاب، فليحرر هذا.
" تنبيه " : ثبت هذا والذي بعده لأبي ذر عن المستملي والكشميهني حسب. قوله: "زخرف القول كل شيء حسنته، وزينته وهو باطل فهو زخرف" هو كلام أبي عبيدة، وزاد: يقال زخرف فلان كلامه وشهادته. وقيل أصل الزخرف في اللغة التزيين والتحسين، ولذلك سموا الذهب زخرفا. قوله: "وحرث حجر حرام إلخ" تقدم الكلام عليه في قصة ثمود من أحاديث الأنبياء مستوفى، وسقط هنا من رواية أبي ذر والنسفي وهو أولى.

(8/296)


9- باب {هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ} لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ
4635- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا عمارة حدثنا أبو زرعة حدثنا أبو هريرة

(8/296)


10- باب {لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا}
4636- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ وَذَلِكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ"
قوله: "باب {لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} ذكر فيه حديث أبي هريرة في طلوع الشمس من المغرب، وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. وإسحاق في الطريق الأخرى جزم خلف بأنه ابن نصر، وأبو مسعود بأنه ابن منصور، وقول خلف أقوى. والله أعلم.

(8/297)


7- سورة الأَعْرَافِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرِيَاشًا الْمَالُ {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ عَفَوْا كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ الْفَتَّاحُ الْقَاضِي {افْتَحْ بَيْنَنَا} اقْضِ بَيْنَنَا {نَتَقْنَا الْجَبَلَ} رَفَعْنَا {انْبَجَسَتْ} انْفَجَرَتْ {مُتَبَّرٌ} {خُسْرَانٌ} آسَى أَحْزَنُ تَأْسَ تَحْزَنْ وَقَالَ غَيْرُهُ {مَا مَنَعَكَ أَنْ لاَ تَسْجُدَ} يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ {يَخْصِفَانِ} أَخَذَا الْخِصَافَ {مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ {سَوْآتِهِمَا} كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا {وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} هُوَ هَا هُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَالاَ يُحْصَى عَدَدُهُ الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّبَاسِ {قَبِيلُهُ} جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ {ادَّارَكُوا} اجْتَمَعُوا وَمَشَاقُّ الإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا يُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ {غَوَاشٍ} مَا غُشُّوا بِهِ نُشُرًا مُتَفَرِّقَةً {نَكِدًا} قَلِيلاً {يَغْنَوْا} يَعِيشُوا {حَقِيقٌ} حَقٌّ {اسْتَرْهَبُوهُمْ} مِنْ الرَّهْبَةِ {تَلَقَّفُ} تَلْقَمُ {طَائِرُهُمْ} حَظُّهُمْ {طُوفَانٌ} مِنْ السَّيْلِ وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ {الْقُمَّلُ} الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ {عُرُوشٌ} وَعَرِيشٌ بِنَاءٌ سُقِطَ كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ {الأَسْبَاطُ} قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ {يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} يَتَعَدَّوْنَ لَهُ يُجَاوِزُونَ تَجَاوُزٌ بَعْدَ تَجَاوُزٍ تَعْدُ تُجَاوِزْ {شُرَّعًا} شَوَارِعَ {بَئِيسٍ} شَدِيدٍ {أَخْلَدَ} قَعَدَ

(8/297)


باب {إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن}
...
1- باب {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}
4637- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ وَرَفَعَهُ قَالَ: "لاَ أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ فَلِذَلِكَ حَرَّمَ

(8/301)


الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ فَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَه"
قوله: "باب قول الله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ذكر فيه حديث ابن مسعود "لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش" وسيأتي شرحه في كتاب التوحيد، وقد حكى ابن جرير أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بالفواحش، فمنهم من حملها على العموم وساق ذلك عن قتادة قال: المراد سر الفواحش وعلانيتها، ومنهم من حملها على نوع خاص وساق عن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسا في السر ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية. ومن طريق سعيد بن جبير ومجاهد: ما ظهر نكاح الأمهات، وما بطن الزنا. ثم اختار ابن جرير القول الأول قال: وليس ما روي عن ابن عباس وغيره بمدفوع، ولكن الأولى الحمل على العموم، والله أعلم.

(8/302)


2- باب {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَرِنِي أَعْطِنِي
4638- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِكَ مِنْ الأَنْصَارِ لَطَمَ فِي وَجْهِي قَالَ ادْعُوهُ فَدَعَوْهُ قَالَ لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَرَرْتُ بِالْيَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ فَقُلْتُ وَعَلَى مُحَمَّدٍ وَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ قَالَ لاَ تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلاَ أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ"
قوله: "باب {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} الآية. قال ابن عباس: أرني أعطني" . وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} قال أعطني. وأخرج من طريق السدي قال: لما كلم الله موسى أحب أن ينظر إليه قال: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} . "تكملة" : تعلق بقوله تعالى: {لَنْ تَرَانِي} نفاه رؤية الله تعالى مطلقا من المعتزلة فقالوا لن لتأكيد النفي الذي يدل عليه لا فيكون النفي على التأييد. وأجاب أهل السنة بأن التعميم في الوقت مختلف فيه، سلمنا لكن خص بحالة الدنيا التي وقع فيها الخطاب، وجاز في الآخرة لأن أبصار المؤمنين فيها باقية فلا استحالة أن يرى الباقي بالباقي. بخلاف حالة الدنيا فإن أبصارهم فيها فانية فلا يرى الباقي بالفاني، وتواترت الأخبار النبوية بوقوع هذه الرؤية للمؤمنين في الآخرة وبإكرامهم بها في الجنة، ولا استحالة فيها فوجب الإيمان بها، وبالله التوفيق. وسيأتي مزيد لهذا في كتاب التوحيد حيث ترجم المصنف {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . قوله: "جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه" الحديث تقدم شرحه مستوفى في أحاديث الأنبياء، وقوله فيه: "أم جزي" كذا للأكثر ولأبي ذر

(8/302)


عن الحموي والمستملي: "جوزي" وهو المشهور في غير هذا الموضع.
الْمَنَّ وَالسَّلْوَى 4639- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءُ الْعَيْن"
ذكر فيه حديث سعيد بن زيد في الكمأة، وسيأتي شرحه في الطب، وقوله: "شفاء من العين" أي وجع العين. وفي رواية الكشميهني: "شفاء للعين" تقدم شرح المن والسلوى في تفسير البقرة، وهو المشهور في غير هذه. وقوله في أول الإسناد "حدثنا مسلم:"وقع لأبي ذر غير منسوب، وعند غيره مسلم ابن إبراهيم

(8/303)


3- باب {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
4640- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالاَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاَءِ بْنِ زَبْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ" قَالَ وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ غَامَرَ سَبَقَ بِالْخَيْر"
قوله: "باب {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} ذكر فيه حديث أبي الدرداء فيما كان بين أبي بكر وعمر، وقد تقدم شرحه مستوفى في مناقب أبي بكر، وقوله في أول الإسناد" حدثني عبد الله "كذا وقع غير منسوب عند الأكثر، ووقع عند ابن السكن عن الفربري عن البخاري" حدثني عبد الله بن حماد "وبذلك جزم الكلاباذي وطائفة وعبد الله بن حماد هذا هو الآملي بالمد وضم الميم الخفيفة يكنى أبا عبد الرحمن قال الأصيلي: هو من تلامذة البخاري، وكان يورق بين يديه. قلت: وقد شاركه في كثير من شيوخه، وكان من الحفاظ، مات قبل السبعين، أو بعدها فقال غنجار في" تاريخ بخاري "مات ستة تسع وستين وقيل سنة ثلاث وسبعين. وسليمان بن عبد الرحمن هو الدمشقي من شيوخ البخاري، وأما موسى بن هارون فهو البني بضم الموحدة وتشديد النون. والبردي وهو بضم الموحدة وسكون الراء، كوفي قدم مصر ثم سكن الفيوم ومات بها سنة أربع وعشرين ومائتين، وما له في

(8/303)


البخاري سوى هذا الموضع. قوله: "قال أبو عبد الله: غامر سبق بالخير" تقدم شرحه أيضا في مناقب أبي بكر.

(8/304)


4- بَاب {وَقُولُوا حِطَّةٌ}
4641- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعَرَة"
"حدثني إسحاق" هو ابن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه. قوله: "قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة" قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} قال الحسن: أي احطط عنا خطايانا، وهذا يليق بقراءة من قرأ حطة بالنصب، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة، وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة، وقيل أمروا أن يقولوا على هذه الكيفية، فالرفع على الحكاية، وهي في محل نصب بالقول، وإنما منع النصب حركة الحكاية، وقيل رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله سلام، واختلف في معنى هذه الكلمة فقيل: هي اسم للهيئة من الحط كالجلسة، وقيل هي التوبة كما قال الشاعر:
فاز بالحطة التي صير اللـ ... ـه بها ذنب عبده مغفورا
وقيل لا يدري معناها، وإنما تعبدوا بها. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره قال: قيل لهم قولوا مغفرة. قوله: "فبدلوا" أي غيروا، وقوله سبحانه وتعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} التقدير فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولا غير الذي قيل لهم، ويحتمل أن يكون ضمن بدل معنى قال. قوله: "فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة" كذا للأكثر، وكذا في رواية الحسن المذكورة بفتحتين، وللكشميهني: "في شعيرة" يكسر المهملة وزيادة تحتانية بعدها. والحاصل أنهم خالفوا ما أمروا به من الفعل والقول فإنهم أمروا بالسجود عند انتهائهم شكرا لله تعالى وبقولهم حطة، فبدلوا السجود بالزحف وقالوا حنطة بدل حطة، أو قالوا حطة وزادوا فيها حبة في شعيرة. وروى الحاكم من طريق السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: "قالوا هطى سمقا" وهي بالعربية حنطة حمراء قوية فيها شعيرة سوداء، ويستنبط منه أن الأقوال المنصوصة إذا تعبد بلفظها لا يجوز تغييرها ولو وافق المعنى. وليست هذه مسألة الرواية بالمعنى بل هي متفرعة منها، وينبغي أن يكون ذلك قيدا في الجواز، أعني يزاد في الشرط أن لا يقع التعبد بلفظه ولا بد منه، ومن أطلق فكلامه محمول عليه.

(8/304)


5- باب {خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ} الْعُرْفُ الْمَعْرُوفُ
قوله باب {خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ} العرف: المعروف" وصله عبد الرزاق من طريق هشام بن عروة عن أبيه بهذا، وكذا أخرجه الطبري من طريق السدي وقتادة.
4642- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّانًا فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أَخِيهِ يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ قَالَ سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاسْتَأْذَنَ

(8/304)


سورة الأنفال: باب {يسألونك عن الأنفال ...}
...
8- سورة الأَنْفَالِ
1- باب قَوْلُهُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الأَنْفَالُ الْمَغَانِمُ قَالَ قَتَادَةُ رِيحُكُمْ الْحَرْبُ يُقَالُ نَافِلَةٌ عَطِيَّةٌ
4645- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سُورَةُ الأَنْفَالِ قَالَ نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ الشَّوْكَةُ الْحَدُّ مُرْدَفِينَ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ رَدِفَنِي وَأَرْدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي ذُوقُوا بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ فَيَرْكُمَهُ يَجْمَعَهُ شَرِّدْ فَرِّقْ وَإِنْ جَنَحُوا طَلَبُوا السِّلْمُ وَالسَّلْمُ وَالسَّلاَمُ وَاحِدٌ يُثْخِنَ يَغْلِبَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ مُكَاءً إِدْخَالُ أَصَابِعِهِمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَتَصْدِيَةً الصَّفِيرُ لِيُثْبِتُوكَ لِيَحْبِسُوك"
قوله: "سورة الأنفال - بسم الله الرحمن الرحيم" سقطت البسملة لغير أبي ذر. قوله: "قال ابن عباس الأنفال المغانم" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "الأنفال المغانم، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لأحد فيها شيء" وروى أبو داود والنسائي وابن حبان من طريق دواد بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صنع كذا فله كذا ، الحديث فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ} قوله: "نافلة عطية" قال في رواية النسفي "يقال:"فذكره. وقد قال أبو عبيدة في قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} أي غنيمة. قوله: "وإن جنحوا طلبوا" قال أبو عبيدة في قوله: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} أي رجعوا إلى المسالمة وطلبوا الصلح. قوله: "السلم والسلم والسلام واحد" ثبت هذا لأبي ذر وحده، وقد تقدم في تفسير سورة النساء. قوله: "يثخن" أي يغلب. قال أبو عبيدة في قوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} يثخن أي يبالغ ويغلب. قوله: "وقال مجاهد: مكاء إدخالهم أصابعهم في أفواههم" وصله عبد ابن حميد والفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. قوله: "وتصدية الصفير" وصله عبد بن حميد أيضا كذلك.
" تنبيه " : وقع هذا في رواية أبي ذر متراخيا عن الذي قبله، وعند غيره بعقبه وهو أولى، وقد قال الفريابي "حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً} قال: إدخالهم أصابعهم في أفواههم وتصدية الصفير، يخلطون على محمد صلاته" وقال أبو عبيدة: المكاء الصفير والتصدية صفق الأكف

(8/306)


ووصله ابن مردويه من حديث ابن عمر مثله من قوله. قوله: "وقال قتادة ريحكم الحرب" تقدم في الجهاد. قوله: "الشوكة الحد" ثبت لغير أبي ذر، قال أبو عبيدة في قوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} مجاز الشوكة الحد، يقال ما أشد شوكة بني فلان أي حدهم. قوله: "مردفين فوجا بعد فوج، يقال ردفني وأردفني جاء بعدي" وقال أبو عبيدة في قوله: {مُرْدِفِينَ} بكسر الدال فاعلين من أردفوا أي جاءوا بعد قوم قبلهم، وبعضهم يقول ردفني جاء بعدي وهما لغتان، ومن قرأ بفتح الدال فهو من أردفهم الله من بعد من قبلهم انتهى. وقراءة الجمهور بكسر الدال ونافع بفتحها. وقال الأخفش: بنو فلان يردفوننا أي يجيئون بعدنا. قوله: "فيركمه يجمعه" قال أبو عبيدة في قوله: {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} أي فيجمعه بعضه فوق بعض. قوله: "شرد فرق" هو قول أبي عبيدة أيضا. قوله: "ليثبتوك يحبسوك" وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عنه، وروى أحمد والطبراني من حديث ابن عباس قال: "تشاورت قريش فقال بعضهم: إذا أصبح محمد فأثبتوه بالوثاق" الحديث. قوله: "ذوقوا باشروا وجربوا، وليس هذا من ذوق الفم" هو قول أبي عبيدة أيضا، ونظيره قوله تعالى: {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ} . قوله: "حدثني محمد بن عبد الرحيم" كذا ثبت هذا الحديث في آخر هذه التفاسير عند أبي ذر، وثبت عند غيره في أثنائها والخطب فيه سهل. والحديث المذكور سيأتي بأتم من هذا في تفسير سورة الحشر، ويأتي شرحه هناك، وقد تقدم طرف منه أيضا في المغازي.

(8/307)


باب {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}
4646- حدثنا محمد بن يوسف حدثنا ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} قال: هم نفر من بني عبد الدار"
قوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ} ذكر فيه حديث مجاهد عن ابن عباس قال: هم نفر من بني عبد الدار. وفي رواية الإسماعيلي: "نزلت في نفر" زاد ابن جرير من طريق شبل بن عباد عن ابن أبي نجيح "لا يتبعون الحق" ثم أورد من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: "لا يعقلون" : لا يتبعون الحق، قال مجاهد قال ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار.

(8/307)


2- باب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} اسْتَجِيبُوا: أَجِيبُوا لِمَا يُحْيِيكُمْ يُصْلِحُكُمْ
4647- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} ثُمَّ قَالَ لاَعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخْرُجَ فَذَكَرْتُ لَهُ" وَقَالَ مُعَاذٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَ حَفْصًا سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ

(8/307)


باب {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء...}
...
3- باب {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَطَرًا فِي الْقُرْآنِ إِلاَّ عَذَابًا وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا}
4648- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ هُوَ ابْنُ كُرْدِيدٍ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: { اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} فَنَزَلَتْ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآيَةَ
[الحديث 4648- طرفه في: 4649]
قوله: "باب قوله: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ} الآية" كذا لأبي ذر، وساق غيره الآية. قوله: "قال ابن عيينة إلخ" كذا في تفسير ابن عيينة رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه قال: ويقول ناس ما سمى الله المطر في القرآن إلا عذابا، ولكن تسميه العرب الغيث يريد قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ} كذا وقع في تفسير حم عسق، وقد تعقب كلام ابن عيينة بورود المطر بمعنى الغيث في القرآن في قوله تعالى : {إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ} فالمراد به هنا الغيث قطعا، معنى التأذي به البلل الحاصل منه للثوب والرجل وغير ذلك. وقال أبو عبيدة: إن كان من العذاب فهو أمطرت، وإن كان من الرحمة فهو مطرت. وفيه مطرت. وفيه نظر أيضا. قوله: "حدثني أحمد" كذا في جميع الروايات غير منسوب، وجزم الحاكمان أبو أحمد وأبو عبد الله أنه ابن النضر بن عبد الوهاب النيسابوري، وقد روى البخاري الحديث المذكور بعينه عقب هذا عن محمد بن النضر أخي أحمد هذا، قال الحاكم: بلغني أن البخاري كان ينزل عليهما ويكثر الكمون عندهما إذا قدم نيسابور. قلت: وهما من طبقة مسلم وغيره من تلامذة البخاري وإن شاركوه في بعض شيوخه. وقد أخرج مسلم هذا الحديث بعينه عن شيخهما عبيد الله بن معاذ نفسه، وعبيد الله بن معاذ المذكور من الطبقة الوسطى من شيوخ البخاري، فنزل في هذا الإسناد درجتين لأن عنده الكثير عن أصحاب شعبة بواسطة واحدة بينه وبين شعبة، قال الحاكم: أحمد بن النضر يكنى أبا

(8/308)


الفضل وكان من أركان الحديث انتهى. وليس له في البخاري ولا لأخيه سوى هذا الموضع. وقد روى البخاري عن أحمد في التاريخ الصغير ونسبه. قوله: "عن عبد الحميد صاحب الزيادي" هو عبد الحميد بن دينار تابعي صغير، ويقال له ابن كرديد بضم الكاف وسكون الراء وكسر الدال المهملة ثم تحتانية ساكنة ثم دال أخرى، ووقع كذلك في بعض النسخ، والزيادي الذي نسب إليه من ولد زياد الذي يقال له ابن أبي سفيان. قوله: "قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا إلخ" ظاهر في أنه القائل ذلك، وإن كان هذا القول نسب إلى جماعة فعله بدأ به ورضي الباقون فنسب إليهم، وقد روى الطبراني من طريق ابن عباس أن القائل ذلك هو النضر بن الحارث قال: فأنزل الله تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} وكذا قال مجاهد وعطاء والسدي، ولا ينافي ذلك ما في الصحيح لاحتمال أن يكونا قالاه، ولكن نسبته إلى أبي جهل. وعن قتادة قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها. وروى ابن جرير من طريق يزيد بن رومان أنهم قالوا ذلك ثم لما أمسوا ندموا فقالوا غفرانك اللهم، فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن معنى قوله: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي من سبق له من الله أنه سيؤمن، وقيل المراد من كان بين أظهرهم حينئذ من المؤمنين، قاله الضحاك وأبو مالك ويؤيده ما أخرجه الطبري من طريق ابن أبزى قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} ثم خرج إلى المدينة فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} وكان من بقي من المسلمين بمكة يستغفرون، فلما خرجوا أنزل الله {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية، فأذن الله في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم الله تعالى. وروى الترمذي من حديث أبي موسى رفعه قال: "أنزل الله على أمتي أمانين" فذكر هذه الآية. قال: "فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار" ، وهو يقوي القول الأول والحمل عليه أولى، وأن العذاب حل بهم لما تركوا الندم على ما وقع منهم وبالغوا في معاندة المسلمين ومحاربتهم وصدهم عن المسجد الحرام، والله أعلم.

(8/309)


4- باب {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}
4649- حدثنا محمد بن النضر حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن عبد الحميد صاحب الزيادي سمع أنس بن مالك قال قال أبو جهل: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} فنزلت {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ومَا لَهُمْ أنْ لا يُعَذِبَهُمُ الله وهُم يَصُدّونَ عن المَسْجِدِ الحَرَامِ} الآية
قوله: "باب قوله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} تقدم شرحه في الذي قبله.

(8/309)


باب {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}
...
5- باب {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}
4650- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا حَيْوَةُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلاً جَاءَهُ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلاَ تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ

(8/309)


6- باب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ}
4652- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا نَزَلَتْ {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لاَ يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ لاَ يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ ثُمَّ نَزَلَتْ {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} الآيَةَ فَكَتَبَ أَنْ لاَ يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مِائَتَيْنِ وَزَادَ سُفْيَانُ مَرَّةً نَزَلَتْ {حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَأُرَى الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا"
[الحديث 4652- طرفه في: 4653]
قوله: "باب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} الآية" ساق غير أبي ذر الآية إلى {يَفْقَهُونَ} وسقط عندهم "باب" . قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار. قوله: "فكتب عليهم أن لا يفر" أي فرض عليهم، والسياق وإن كان بلفظ الخبر لكن المراد منه الأمر لأمرين: أحدهما أنه لو كان خبرا محضا للزم وقوع خلاف المخبر به وهو محال فدل على أنه أمر، والثاني لقرينة التخفيف فإنه لا يقع إلا بعد تكليف، والمراد بالتخفيف هنا التكليف بالأخف لا رفع الحكم أصلا. قوله: "أن لا يفر واحد من عشرة، فقال سفيان غير مرة أن لا يفر عشرون من مائتين" أي أن سفيان كان يرويه بالمعنى، فتارة يقول باللفظ الذي وقع في القرآن محافظة على التلاوة وهو الأكثر، وتارة يرويه بالمعنى

(8/311)


وهو أن لا يفر واحد من العشرة، ويحتمل أن يكون سمعه باللفظين ويكون التأويل من غيره، ويؤيده الطريق التي بعد هذه فإن ذلك ظاهر في أنه من تصرف ابن عباس. وقد روى الطبري من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: "جعل على الرجل عشرة من الكفار، ثم خفف عنهم فجعل على الرجل رجلان" وروى أيضا الطبري من طريق علي بن أبي طلحة ومن طريق العوفي وغيرهما عن ابن عباس نحوه مطولا ومختصرا. قوله: "وزاد سفيان" كأنه حدث مرة بالزيادة ومرة بدونها. وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: "كان الرجل لا ينبغي له أن يفر من عشرة، ثم أنزل الله {الآنَ خَفْفَ اللهُ عَنْكُم} الآية فجعل الرجل منهم لا ينبغي له أن يفر من اثنين" وهذا يؤيد ما قلناه أنه من تصرف ابن عباس لا ابن عيينة، فكأنه سمعه من عمرو بن دينار باللفظين، وسأذكر ما فيه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. قوله: "قال سفيان وقال ابن شبرمة" هو عبد الله قاضي الكوفة وهو موصول، ووهم من زعم أنه معلق فإن في رواية ابن أبي عمر عن سفيان عند أبي نعيم في المستخرج" قال سفيان فذكرته لابن شبرمة فذكر مثله" . قوله: "وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا" أي أنه عنده في حكم الجهاد، لجامع ما بينهما من إعلاء كلمة الحق وإخماد كلمة الباطل

(8/312)


7- باب {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا} الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}
4653- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ خِرِّيتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لاَ يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَجَاءَ التَّخْفِيفُ فَقَالَ {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} قَالَ فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُم"
قوله باب {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا} الآية "زاد غير أبي ذر" إلى قوله: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} . قوله: "أخبرني الزبير بن الخريت" بكسر المعجمة وتشديد الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم مثناة فوقانية بصري ثقة من صغار التابعين، وقد تقدم ذكره في كتاب المظالم. ولجرير بن حازم راوي هذا الحديث عن الزبير بن الخريت شيخ آخر أخرجه ابن مردويه من طريق إسحاق بن إبراهيم بن راهويه في تفسيره عن وهب ابن جرير بن حازم عن أبيه عن محمد بن إسحاق" حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس" وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق زياد بن أيوب عن وهب بن جرير عن أبيه عن الزبير، وهو مما يؤيد أن لجرير فيه طريقين، ولفظ رواية عطاء "افترض الله عليهم أن يقاتل الواحد عشرة، فشق عليهم، فوضع الله عنهم إلى أن يقاتل الواحد الرجلين" ثم ذكر الآية وزاد بعدها "ثم قال لولا كتاب من الله سبق" فذكر تفسيرها ثم قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى} فذكر قول العباس في العشرين وفي قوله: "فأعطاني عشرين عبدا كلهم قد تاجر بمالي مع ما أرجوه من مغفرة الله تعالى". قلت: وفي سند طريق عطاء محمد بن إسحاق، وليست هذه القصة عنده مسندة بل معضلة، وصنيع ابن إسحاق - وتبعه الطبراني وابن مردويه - يقتضي أنها موصولة، والعلم عند الله تعالى.
قوله:

(8/312)


"شق ذلك على المسلمين" زاد الإسماعيلي من طريق سفيان بن أبي شيبة عن جرير "جهد الناس ذلك وشق عليهم" . قوله: "فجاء التخفيف" في رواية الإسماعيلي:"فنزلت الآية الأخرى - وزاد - ففرض عليهم أن لا يفر رجل من رجلين ولا قوم من مثلهم" واستدل بهذا الحديث على وجوب ثبات الواحد المسلم إذا قاوم رجلين من الكفار وتحريم الفرار عليه منهما، سواء طلبه أو طلبهما، سواء وقع ذلك وهو واقف في الصف مع العسكر أو لم يكن هناك عسكر، وهذا هو ظاهر تفسير ابن عباس ورجحه ابن الصباغ من الشافعية وهو المعتمد لوجود نص الشافعي عليه في الرسالة الجديدة رواية الربيع ولفظه ومن نسخة عليها خط الربيع نقلت قال بعد أن ذكر للآية آيات في كتابه أنه وضع عنهم أن يقوم الواحد بقتال العشرة وأثبت عليهم أن يقوم الواحد بقتال الاثنين، ثم ذكر حديث ابن عباس المذكور في الباب وساق الكلام عليه، لكن المنفرد لو طلباه وهو على غير أهبة جاز له التولي عنهما جزما، وإن طلبهما فهل يحرم؟ وجهان أصحهما عند المتأخرين لا، لكن ظاهر هذه الآثار المتضافرة عن ابن عباس يأباه وهو ترجمان القرآن وأعرف الناس بالمراد، لكن يحتمل أن يكون ما أطلقه إنما هو في صورة ما إذا قاوم الواحد المسلم من جملة الصف في عسكر المسلمين اثنين من الكفار، أما المنفرد وحده بغير العسكر فلا، لأن الجهاد إنما عهد بالجماعة دون الشخص المنفرد، وهذا فيه نظر، فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه سرية وحده. وقد استوعب الطبري وابن مردويه طرق هذا الحديث عن ابن عباس وفي غالبها التصريح بمنع تولي الواحد عن الاثنين، واستدل ابن عباس في بعضها بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} وبقوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} . قوله: "فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر" كذا في رواية ابن المبارك. وفي رواية وهب بن جرير عن أبيه عند الإسماعيلي: "نقص من النصر" وهذا قاله ابن عباس توقيفا على ما يظهر، ويحتمل أن يكون قاله بطريق الاستقراء.

(8/313)


9- سورة بَرَاءَةَ
{وَلِيجَةً} كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ {الشُّقَّةُ} السَّفَرُ الْخَبَالُ الْفَسَادُ وَالْخَبَالُ الْمَوْتُ وَلاَ تَفْتِنِّي لاَ تُوَبِّخْنِي كَرْهًا وَ كُرْهًا وَاحِدٌ مُدَّخَلًا يُدْخَلُونَ فِيهِ يَجْمَحُونَ يُسْرِعُونَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ائْتَفَكَتْ انْقَلَبَتْ بِهَا الأَرْضُ أَهْوَى أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ عَدْنٍ خُلْدٍ عَدَنْتُ بِأَرْضٍ أَيْ أَقَمْتُ وَمِنْهُ مَعْدِنٌ وَيُقَالُ فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ فِي مَنْبَتِ صِدْقٍ الْخَوَالِفُ الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنْ الْخَالِفَةِ وَإِنْ كَانَ جَمْعَ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ إِلاَّ حَرْفَانِ فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ الْخَيْرَاتُ وَاحِدُهَا خَيْرَةٌ وَهِيَ الْفَوَاضِلُ مُرْجَئُونَ مُؤَخَّرُونَ الشَّفَا شَفِيرٌ وَهُوَ حَدُّهُ وَالْجُرُفُ مَا تَجَرَّفَ مِنْ السُّيُولِ وَالأَوْدِيَةِ هَارٍ هَائِرٍ يُقَالُ تَهَوَّرَتْ الْبِئْرُ إِذَا انْهَدَمَتْ وَانْهَارَ مِثْلُهُ لاَوَّاهٌ شَفَقًا وَفَرَقًا وَقَالَ:
إِذَا ما قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ

(8/313)


قوله: "سورة براءة" هي سورة التوبة وهي أشهر أسمائها، ولها أسماء أخرى تزيد على العشرة، واختلف في ترك البسملة أولها فقيل لأنها نزلت بالسيف والبسملة أمان، وقيل لأنهم لما جمعوا القرآن شكوا هل هي والأنفال واحدة أو ثنتان ففصلوا بينهما بسطر لا كتابة فيه ولم يكتبوا فيه البسملة. وروى ذلك ابن عباس عن عثمان وهو المعتمد، وأخرجه أحمد والحاكم وبعض أصحاب السنن. قوله: "مرصد طريق" كذا في بعض النسخ، وسقط للأكثر وهو قول أبو عبيدة قال في قوله تعالى: {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي كل طريق، والمراصد الطرق. قوله: "إلا: الإل القرابة والذمة والعهد" تقدم في الجزية. قوله: "وليجة: كل شيء أدخلته في شيء" تقدم في بدء الخلق وسقط هو والذي قبله لأبي ذر. قوله: "الشقة السفر" هو كلام أبي عبيدة وزاد: "البعيد" وقيل الشقة الأرض التي يشق سلوكها. قوله: "الخبال الفساد" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: { مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً} : الخبال الفساد. قوله: "والخبال الموت" كذا لهم والصواب الموتة بضم الميم وزيادة هاء في آخره وهو ضرب من الجنون. قوله: "ولا تفتني لا توبخني" كذا للأكثر بالموحدة والخاء المعجمة من التوبيخ، وللمستملي والجرجاني "توهني" بالهاء وتشديد النون من الوهن وهو الضعف، ولابن السكن "تؤثمني" بمثلثة ثقيلة وميم ساكنة من الإثم، قال عياض وهو الصواب، وهي الثابتة في كلام أبي عبيدة الذي يكثر المصنف النقل عنه، وأخرجه الطبري من طريق سعيد عن قتادة في قوله: "ولا تفتني" قال: لا تؤثمني {أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} ألا في الإثم سقطوا. قوله: "كرها وكرها واحد" أي بالضم والفتح وهو كلام أبي عبيدة أيضا، وسقط لأبي ذر، وبالضم قرأ الكوفيون حمزة والأعمش ويحيى بن وثاب والكسائي والباقون بالفتح. قوله: "مدخلا يدخلون فيه" قال أبو عبيدة في قوله: "ملجأ يلجئون إليه أو مغارات أو مدخلا" يدخلون فيه ويتغيبون انتهى، وأصل مدخلا مدتخلا فأدغم وقرأ الأعمش وعيسى بن عمر بتشديد الخاء أيضا، وعن ابن كثير في رواية مدخلا بفتحتين بينهما سكون "يجمحون" يسرعون هو قول أبي عبيدة وزاد: لا يرد وجوههم شيء، ومنه فرس جموح. قوله: "والمؤتفكات ائتفكت انقلبت بها الأرض" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ} هم قوم لوط ائتفكت بهم الأرض أي انقلبت بهم. قوله: "أهوى ألقاه في هوة" هذه اللفظة لم تقع في سورة براءة وإنما هي في سورة النجم، ذكرها المصنف هنا استطرادا من قوله: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} . قوله: "عدن خلد إلخ" واقتصر أبو ذر على ما هنا، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي خلد يقال: عدن فلان بأرض كذا أي أقام، ومنه المعدن، عدنت بأرض أقمت، ويقال في معدن صدق. قوله: "الخوالف الخالف الذي خلفني فقعد بعدي، ومنه يخلفه في الغابرين" قال أبو عبيدة في قوله: {مَعَ الْخَالِفِينَ} الخالف الذي خلف بعد شاخص فقعد في رحله، وهو من تخلف عن القوم، ومنه اللهم اخلفني في ولدي. وأشار بقوله: "ومنه يخلفه في الغابرين" إلى حديث عوف بن مالك في الصلاة على الجنازة. قوله: "ويجوز أن يكون النساء من الخالفة، وإن كان جمع الذكور فإنه لم يوجد على تقدير جمعه إلا حرفان فارس وفوارس وهالك وهوالك" قال أبو عبيدة في قوله: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} يجوز أن يكون الخوالف هاهنا النساء، ولا يكادون يجمعون الرجال على فواعل، غير أنهم قد قالوا فارس وفوارس وهالك وهوالك انتهى. وقد استدرك عليه ابن مالك شاهق وشواهق وناكس ونواكس وداجن ودواجن، وهذه الثلاثة مع الاثنين جمع فاعل وهو شاذ، والمشهور في فواعل جمع فاعلة، فإن كان من صفة النساء فواضح وقد تحذف الهاء في صفة المفرد

(8/314)


من النساء وإن كان من صفة الرجال فالهاء للمبالغة يقال رجل خالفة لا خير فيه: والأصلي في جمعه بالنون. واستدرك بعض الشراح على الخمسة المتقدمة كأهل وكواهل وجائح وجوائح وغارب وغوارب وغاش وغواش، ولا يرد شيء منها لأن الأولين ليسا من صفات الآدميين، والآخران جمع غارب وغاشية والهاء للمبالغة إن وصف بها المذكر، وقد قال المبرد في الكامل في قول الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأذقان
احتاج الفرزدق لضرورة الشعر فأجرى نواكس على أصله، ولا يكون مثل هذا أبدا إلا في ضرورة، ولا تجمع النجاة ما كان من فاعل نعتا على فواعل لئلا يلتبس بالمؤنث، ولم يأت ذا إلا في حرفين فارس وفوارس، وهالك وهوالك، أما الأول فإنه لا يستعمل في الفرد فأمن فيه اللبس، وأما الثاني فلأنه جرى مجرى المثل يقولون هالك في الهوالك فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال. قلت: فظهر أن الضابط في هذا أن يؤمن اللبس أو يكثر الاستعمال أو تكون الهاء للمبالغة أو يكون في ضرورة الشعر والله أعلم. وقال ابن قتيبة: الخوالف النساء ويقال خساس النساء ورذالتهم، ويقال فلان خالفه أهله إذا كان دينا فيهم. والمراد بالخوالف في الآية النساء والرجال العاجزون والصبيان فجمع جمع المؤنث تغليبا لكونهن أكثر في ذلك من غيرهن. وأما قوله: {مَعَ الْخَالِفِينَ} فجمع جمع الذكور تغليبا لأنه الأصل. قوله: "الخيرات واحدها خيرة وهي الفواضل" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} جمع خيرة ومعناها الفاضلة من كل شيء. قوله: "مرجون مؤخرون" سقط هذا لأبي ذر. قوله: "الشفا الشفير وهو حده" في رواية الكشميهني وهو حرفه. قوله: "والجرف ما تجرف من السيول والأودية" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {شَفَا جُرُفٍ} الشفا الشفير، والجرف ما لم بين من الركايا، قال: والآية على التمثيل لأن الذي يبني على الكفر فهو على شفا جرف وهو ما تجرف من السيول والأودية ولا يثبت البناء عليه. قوله: "هار هائر، تهورت البئر إذا انهدمت، وانهار مثله" قال أبو عبيدة في قوله تعالى :{هَارٍ} أي هائر: والعرب تنزع الياء التي في الفاعل، وقيل لا قلب فيه وإنما هو بمعنى ساقط، وقد تقدم شيء من هذا في آل عمران قوله: "لأواه شفقا وفرقا، قال الشاعر:
إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين
قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ} : هو فعاله من التأوه ومعناه متضرع شفقا وفرقا لطاعة ربه قال الشاعر فذكره. وقوله: "أرحلها" هو بفتح الهمزة والحاء المهملة، وقوله: "آهة" بالمد للأكثر وفي رواية الأصيلي بتشديد الهاء بلا مد. "تنبيه" هذا الشعر للمثقب العبدي واسمه جحاش بن عائذ، وقيل ابن نهار وهو من جملة قصيدة أولها:
أفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني
ولا تعدي مواعد كاذبات ... تمر بها رياح الصيف دوني
فإني لو تخالفني شمالي ... لما أتبعتها أبدا يميني
ويقول فيها:
فأما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثي من سميني

(8/315)


وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوا أتقيك وتتقيني
وهي كثيرة الحكم والأمثال. وكان أبو محمد بن العلاء يقول: لو كان الشعر مثلها وجب على الناس أن يتعلموه.

(8/316)


1- باب {بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} أَذَانٌ إِعْلاَمٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أُذُنٌ يُصَدِّقُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ وَالزَّكَاةُ الطَّاعَةُ وَالإِخْلاَصُ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ لاَ يَشْهَدُونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يُضَاهُونَ يُشَبِّهُون"
قوله: "باب قوله: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} - إلى – {الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . أذان إعلام" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال علم من الله، وهو مصدر من قولك أذنتهم أي أعلمتهم. قوله: "وقال ابن عباس: أذن يصدق" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: "ويقولون هو أذن" يعني أنه يسمع من كل أحد، قال الله {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} يعني يصدق بالله، وظهر أن يصدق تفسير يؤمن لا تفسير أذن كما يفهمه صنيع المصنف حيث اختصره. قوله: "تطهرهم وتزكيهم بها ونحوها كثير" وفي بعض النسخ "ومثل هذا كثير" أي في القرآن، ويقال التزكية "والزكاة الطاعة والإخلاص" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} قال: الزكاة طاعة الله والإخلاص. قوله: "لا يؤتون الزكاة لا يشهدون أن لا إله إلا الله" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} قال: هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وهذه الآية من تفسير فصلت ذكرها هنا استطرادا. وفي تفسير ابن عباس الزكاة بالطاعة والتوحيد دفع لاحتجاج من احتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. قوله: "يضاهون يشبهون" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي يشبهون. وقال أبو عبيدة: المضاهاة التشبيه. ثم ذكر حديث البراء في آخر آية نزلت وآخر سورة نزلت، فأما الآية فتقدم حديث ابن عباس في سورة البقرة وأن آخر آية نزلت آية الربا، ويجمع بأنهما لم ينقلاه وإنما ذكراه عن استقراء بحسب ما اطلعا عليه، وأولى من ذلك أن كلا منهما أراد آخرية مخصوصة، وأما السورة فالمراد بعضها أو معظمها وإلا ففيها آيات كثيرة نزلت قبل سنة الوفاة النبوية، وأوضح من ذلك أن أول براءة نزل عقب فتح مكة في سنة تسع عام حج أبي بكر وقد نزل {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وهي في المائدة في حجة الوداع سنة عشر، فالظاهر أن المراد. معظمها، ولا شك أن غالبها نزل في غزوة تبوك وهي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في تفسير {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} أنها آخر سورة نزلت وأذكر الجمع هناك إن شاء الله تعالى. وقد قيل في آخرية نزول براءة أن المراد بعضها، فقيل قوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ} الآية وقيل {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} وأصح

(8/316)


الأقوال في آخرية الآية قوله تعالى: {واتْقُوا يَومَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللهِ} كما تقدم في البقرة، ونقل ابن عبد السلام "آخر آية نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوما ثم نزلت آية البقرة" والله أعلم.

(8/317)


باب {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرا...}
...
2- باب {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} سِيحُوا: سِيرُوا
4655- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ وَأَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَان"
قوله: "باب {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} ساق إلى "الكافرين" . "فسيحوا سيروا" هو كلام أبي عبيدة بزيادة قال في قوله تعالى:{فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} قال: سيروا وأقبلوا وأدبروا. قوله: "حدثني الليث عن عقيل" في الرواية التي بعدها "حدثني الليث حدثني عقيل" ولليث فيه شيخ آخر تقدم في كتاب الحج عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس. قوله: "عن ابن شهاب وأخبرني حميد" قال الكرماني: بواو العطف إشعارا بأنه أخبره أيضا بغير ذلك، وقيل فهو عطف على مقدر. قلت: لم أر في طرق حديث أبي هريرة عن أبي بكر الصديق زيادة إلا ما وقع في رواية شعيب عن الزهري، فإن فيه: "كان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع بها المسلمون، فلما حرم الله على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من التجارة، فنزلت: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} الآية ثم أحل في الآية الأخرى الجزية" الحديث أخرجه الطبراني وابن مردويه مطولا من طريق شعيب، وهو عند المصنف في كتاب الجزية من هذا الوجه. قوله: "أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: بعثني" في رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب في الباب الذي يليه "أن أبا هريرة أخبره" .

(8/317)


3- باب {وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} آذَنَهُمْ أَعْلَمَهُمْ
4656- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي الْمُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ قَالَ حُمَيْدٌ ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(8/317)


4- بَاب {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ}
4657- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ أَنْ لاَ يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة"
قوله: "حدثني إسحاق" هو ابن منصور كما جزم به المزي ويعقوب بن إبراهيم أي ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وصالح هو ابن كيسان، وقد تقدم في أوائل الصلاة من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن

(8/320)


ابن أخي ابن شهاب عن عمه، فله فيه طريقان، وسياقه عن ابن أخي ابن شهاب موافق لسياق عقيل، وأما رواية صالح فوقع في آخرها "فكان حميد يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة" وهذه الزيادة قد أدرجها شعيب عن الزهري كما تقدم في الجزية ولفظه عن أبي هريرة "بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مشرك" انتهى وقوله: "ويوم الحج الأكبر يوم النحر" هو قول حميد بن عبد الرحمن استنبطه من قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر، فدل على أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر، وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر، وليس كذلك فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان: منع حج المشركين، ومنع طواف العريان، وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد: من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وكأن هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك، وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها، ولهذا قال العلماء: إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال: "لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي" وروى أحمد والنسائي من طريق محرر بن أبي هريرة عن أبيه قال كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فأجله أربعة أشهر فإذا مضت فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صحل صوتي "وقوله وإنما قيل الأكبر إلخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه:"أي يوم هذا؟ قالوا: هذا يوم النحر، قال: هذا يوم الحج الأكبر" واختلف في المراد بالحج الأصغر فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرزاق من طريق عبد الله بن شداد أحد كبار التابعين، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد. وقيل يوم الحج الأصغر يوم عرفة ويوم الحج الأكبر يوم النحر لأن فيه تتكمل بقية المناسك. وعن الثوري: أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر كما يقال يوم الفتح. وأيده السهيلي بأن عليا أمر بذلك في الأيام كلها. وقيل لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كانت صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه، وعن الحسن: سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه: وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره: أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة. ومن طريق سعيد بن جبير أنه النحر. واحتج بأن اليوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج بخلاف العاشر فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات. وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعا وموقوفا "يوم الحج الأكبر يوم النحر" ورجح الموقوف، وقوله: "فنبذ أبو بكر إلخ" وهو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل إنما لم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ أبي بكر عنه ببراءة لأنها تضمنت مدح أبي بكر، فأراد أن يسمعوها من غير أبي بكر، وهذه غفلة من قائله حمله عليها ظنة أن المراد تبليغ براءة كلها، وليس الأمر كذلك

(8/321)


لما قدمناه، وإنما أمر بتبليغه منها أوائلها فقط، وقد قدمت حديث جابر وفيه: "أن عليا قرأها حتى ختمها" وطريق الجمع فيه، واستدل به علي أن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة على خلاف المنقول عن مجاهد وعكرمة بن خالد، وقد قدمت النقل عنهما بذلك في المغازي، ووجه الدلالة أن أبا هريرة قال: "بعثني أبو بكر في تلك الحجة يوم النحر" وهذا لا حجة فيه لأن قول مجاهد إن ثبت فالمراد بيوم النحر الذي هو صبيحة يوم الوقوف سواء كان الوقوف وقع في ذي القعدة أو في ذي الحجة. نعم روى ابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كانوا يجعلون عاما شهرا وعاما شهرين" يعنى يحجون في شهر واحد مرتين في سنتين ثم يحجون في الثالث في شهر آخر غيره، قال: فلا يقع الحج في أيام الحج إلا في كل خمسة وعشرين سنة، فلما كان حج أبي بكر وافق ذلك العام شهر الحج فسماه الله الحج الأكبر. "تنبيه" : اتفقت الروايات على أن حجة أبي بكر كانت سنة تسع، ووقع في حديث لعبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في قوله: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال: "لما كان زمن خيبر اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة. ثم أمر أبا بكر الصديق على تلك الحجة. قال الزهري: وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمره أن يؤذن ببراءة، ثم أتبع النبي صلى الله عليه وسلم عليا، الحديث. قال الشيخ عماد الدين بن كثير: هذا فيه غرابة من جهة أن الأمير في سنة عمرة الجعرانة كان عتاب بن أسيد، وأما حجة أبي بكر فكانت سنة تسع. قلت: يمكن رفع الإشكال بأن المراد بقوله: "ثم أمر أبا بكر" يعني بعد أن رجع إلى المدينة وطوى ذلك من ولي الحج سنة ثمان. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من العمرة إلى الجعرانة فأصبح بها توجه هو ومن معه إلى المدينة، إلى أن جاء أوان الحج فأمر أبا بكر وذلك سنة تسع. وليس المراد أنه أمر أبا بكر أن يحج في السنة التي كانت فيها عمرة الجعرانة. وقوله: "على تلك الحجة" يريد الآتية بعد رجوعهم إلى المدينة.

(8/322)


5- باب {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ}
4658- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الآيَةِ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ وَلاَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ إِنَّكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُخْبِرُونَا فَلاَ نَدْرِي فَمَا بَالُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتَنَا وَيَسْرِقُونَ أَعْلاَقَنَا قَالَ أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ أَجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ لَمَا وَجَدَ بَرْدَه"

(8/322)


6- باب {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}
4659- حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَع"
4660- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ مَرَرْتُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ فَقُلْتُ مَا أَنْزَلَكَ بِهَذِهِ الأَرْضِ قَالَ كُنَّا بِالشَّأْمِ فَقَرَأْتُ {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ

(8/322)


7- باب {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ}
4661- وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ
قوله: "باب قوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} الآية" . قوله: "يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع" كذا أورده مختصرا، وهو عند أبي نعيم في "المستخرج" من وجه آخر عن أبي اليمان وزاد: "يفر منه صاحبه ويطلبه، أنا كنزك، فلا يزال به حتى يلقمه إصبعه" وكذا أخرجه النسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب، وقد تقدم من وجه آخر عن أبي هريرة في كتاب الزكاة مع شرح حديث أبي ذر في قصته مع معاوية في تأويل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّه} وقد تقدم في الزكاة أيضا مع شرحه. قوله باب قوله عز وجل: { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا} الآية" قوله: "وقال أحمد بن شبيب" كذا أورده مختصرا، وتقدم بأتم منه في كتاب الزكاة مع شرحه.

(8/324)


8- باب {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} هُوَ الْقَائِمُ
4662- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَان"
قوله: "باب قوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} أي إن الله سبحانه وتعالى لما ابتدأ خلق السموات والأرض جعل السنة اثني عشر شهرا. قوله: "منها أربعة حرم" قد ذكر تفسيرها في حديث الباب. قوله: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} قال أبو عبيدة في قوله: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} مجازة القائم أي المستقيم، فخرج مخرج سيد، من ساد يسود كقام يقوم. قوله: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي في الأربعة باستحلال القتال، وقيل بارتكاب المعاصي. قوله: "إن الزمان قد استدار كهيئته" تقدم الكلام عليه في أوائل بدء الخلق، وأن المراد بالزمان السنة. وقوله: "كهيئته" أي استدار استدارة مثل حالته. ولفظ: "الزمان" يطلق على قليل الوقت وكثيره، والمراد باستدارته وقوع تاسع ذي الحجة في الوقت الذي حلت فيه الشمس برج الحمل حيث يستوي الليل والنهار. ووقع في حديث ابن عمر عند ابن مردويه "أن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" . قوله: "السنة اثنا عشر شهرا" أي السنة العربية الهلالية،

(8/324)


9- باب {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}
أَيْ نَاصِرُنَا السَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مِنْ السُّكُونِ
4663- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا حَبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا قَالَ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا"

(8/325)


4664- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ قُلْتُ أَبُوهُ الزُّبَيْرُ وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ إِسْنَادُهُ فَقَالَ حَدَّثَنَا فَشَغَلَهُ إِنْسَانٌ وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ جُرَيْج"
[الحديث 4664- طرفه في: 4665، 4666]
4665- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَغَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَتُحِلَّ حَرَمَ اللَّهِ فَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَبَنِي أُمَيَّةَ مُحِلِّينَ وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُحِلُّهُ أَبَدًا قَالَ قَالَ النَّاسُ بَايِعْ لابْنِ الزُّبَيْرِ فَقُلْتُ وَأَيْنَ بِهَذَا الأَمْرِ عَنْهُ أَمَّا أَبُوهُ فَحَوَارِيُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ الزُّبَيْرَ وَأَمَّا جَدُّهُ فَصَاحِبُ الْغَارِ يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ وَأُمُّهُ فَذَاتُ النِّطَاقِ يُرِيدُ أَسْمَاءَ وَأَمَّا خَالَتُهُ فَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُ عَائِشَةَ وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ خَدِيجَةَ وَأَمَّا عَمَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَدَّتُهُ يُرِيدُ صَفِيَّةَ ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الإِسْلاَمِ قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ وَاللَّهِ إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ وَإِنْ رَبُّونِي رَبُّونِي أَكْفَاءٌ كِرَامٌ فَآثَرَ التُّوَيْتَاتِ وَالأُسَامَاتِ وَالْحُمَيْدَاتِ يُرِيدُ أَبْطُنًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ بَنِي تُوَيْتٍ وَبَنِي أُسَامَةَ وَبَنِي أَسَدٍ إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعَاصِ بَرَزَ يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَإِنَّهُ لَوَّى ذَنَبَهُ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْر"
4666- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ دَخَلْنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ أَلاَ تَعْجَبُونَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ قَامَ فِي أَمْرِهِ هَذَا فَقُلْتُ لاَحَاسِبَنَّ نَفْسِي لَهُ مَا حَاسَبْتُهَا لِأَبِي بَكْرٍ وَلاَ لِعُمَرَ وَلَهُمَا كَانَا أَوْلَى بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْهُ وَقُلْتُ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ وَابْنُ أُخْتِ عَائِشَةَ فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي وَلاَ يُرِيدُ ذَلِكَ فَقُلْتُ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَعْرِضُ هَذَا مِنْ نَفْسِي فَيَدَعُهُ وَمَا أُرَاهُ يُرِيدُ خَيْرًا وَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ لاَنْ يَرُبَّنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي غَيْرُهُم"
قوله: "باب قوله: {ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} أي ناصرنا" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} أي ناصرنا وحافظنا. قوله: "السكينة فعيلة من السكون" هو قول أبي عبيدة أيضا. قوله: "حدثنا عبد الله بن محمد" هو الجعفي وهو المذكور في جميع أحاديث الباب إلا الطريق الأخير، وفي شيوخه عبد الله بن محمد جماعة منهم أبو بكر بن أبي شيبة، ولكن حيث يطلق ذلك فالمراد به الجعفي لاختصاصه به وإكثاره عنه. وحبان بفتح أوله ثم الموحدة الثقيلة هو ابن هلال، وقد تقدم الحديث مع شرحه في مناقب أبي بكر. قوله: "حين وقع بينه وبين ابن الزبير" أي بسبب البيعة، وذلك أن ابن الزبير حين مات معاوية امتنع من البيعة

(8/326)


ليزيد بن معاوية وأصر على ذلك حتى أغرى يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة بالمدينة فكانت وقعة الحرة، ثم توجه الجيش إلى مكة فمات أميرهم مسلم بن عقبة وقام بأمر الجيش الشامي حصين بن نمير فحصر ابن الزبير بمكة، ورموا الكعبة بالمنجنيق حتى احترقت. ففجأهم الخبر بموت يزيد بن معاوية فرجعوا إلى الشام، وقام ابن الزبير في بناء الكعبة، ثم دعا إلى نفسه فبويع بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز ومصر والعراق وخراسان وكثير من أهل الشام، ثم غلب مروان على الشام وقتل الضحاك بن قيس الأمير من قبل ابن الزبير بمرج راهط، ومضى مروان إلى مصر وغلب عليها، وذلك كله في سنة أربع وستين، وكمل بناء الكعبة في سنة خمس، ثم مات مروان في سنة خمس وستين وقام عبد الملك ابنه مقامه، وغلب المختار بن أبي عبيد على الكوفة ففر منه من كان من قبل ابن الزبير، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة منذ قتل الحسين، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له فامتنعا وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما جماعة على ذلك، فشدد عليهم ابن الزبير وحصرهم، فبلغ المختار فجهز إليهم جيشا فأخرجوهما واستأذنوهما في قتال ابن الزبير فامتنعا، وخرجا إلى الطائف فأقاما بها حتى مات ابن عباس سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رضوى جبل بينبع فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام فتوجه إلى نحو أيلة فمات في آخر سنة ثلاث أو أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقب قتل ابن الزبير على الصحيح، وقيل عاش إلى سنة ثمانين أو بعد ذلك، وعند الواقدي أنه مات بالمدينة سنة إحدى وثمانين، وزعمت الكيسانية أنه حي لم يمت وأنه المهدي وأنه لا يموت حتى يملك الأرض، في خرافات لهم كثيرة ليس هذا موضعها. وإنما لخصت ما ذكرته من طبقات ابن سعد وتاريخ الطبري وغيره لبيان المراد بقول ابن أبي مليكة" حين وقع بينه وبين ابن الزبير" ، ولقوله في الطريق الأخرى" فغدوت على ابن عباس فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزبير؟ وقول ابن عباس: قال الناس بايع لابن الزبير، فقلت: وأين بهذا الأمر عنه" أي أنه مستحق لذلك لما له من المناقب المذكورة، ولكن امتنع ابن عباس من المبايعة له لما ذكرناه. وروى الفاكهي من طريق سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال:"كان ابن عباس وابن الحنفية بالمدينة ثم سكنا مكة، وطلب منهما ابن الزبير البيعة فأبيا حتى يجتمع الناس على رجل، فضيق عليهما فبعث رسولا إلى العراق فخرج إليهما جيش في أربعة آلاف فوجدوهما محصورين، وقد أحضر الحطب فجعل على الباب يخوفهما بذلك، فأخرجوهما إلى الطائف" وذكر ابن سعد أن هذه القصة وقعت بين ابن الزبير وابن عباس في سنة ست وستين. قوله:"وأمه أسماء" أي بنت أبي بكر الصديق، وقوله:"وجدته صفية" أي بنت عبد المطلب، وقوله في الرواية الثانية" وأما عمته فزوج النبي صلى الله عليه وسلم يريد خديجة أطلق عليها عمته تجوزا وإنما هي عمة أبيه لأنها خديجة بنت خويلد أي ابن أسد، والزبير هو ابن العوام بن خويلد بن أسد، وكذا تجوز في الرواية الثالثة حيث قال: "ابن أبي بكر" وإنما هو ابن بنته، وحيث قال: "ابن أخي خديجة" وإنما هو ابن ابن أخيها العوام. قوله: "فقلت لسفيان إسناده" بالنصب أي اذكر إسناده، أو بالرفع أي ما إسناده. فقال: "حدثنا فشغله إنسان ولم يقل ابن جريج" ظاهر هذا أنه صرح له بالتحديث لكن لما يقل ابن جريج احتمل أن يكون أراد أن يدخل بينهما واسطة، واحتمل عدم الواسطة، ولذلك استظهر البخاري بإخراج الحديث من وجه آخر عن ابن جريج، ثم من وجه آخر عن شيخه. قوله في الطريق الثانية "حجاج" هو ابن محمد المصيصي. قوله: "قال ابن أبي مليكة وكان بينهما شيء" كذا أعاد الضمير بالتثنية على غير مذكور اختصارا

(8/327)


ومراده ابن عباس وابن الزبير، وهو صريح في الرواية الأولى حيث قال قال ابن عباس حين وقع بينه وبين ابن الزبير. قوله: "فتحل ما حرم الله" أي من القتال في الحرم. قوله: "كتب" أي قدر. قوله: "محلين" أي أنهم كانوا يبيحون القتال في الحرم، وإنما نسب ابن الزبير إلى ذلك وإن كان بنو أمية هم الذين ابتدءوه بالقتال وحصروه وإنما بدأ منه أولا دفعهم عن نفسه لأنه بعد أن ردهم الله عنه حصر بني هاشم ليبايعوه، فشرع فيما يؤذن بإباحته القتال في الحرم، وكان بعض الناس يسمى ابن الزبير "المحل" لذلك، قال الشاعر يتغزل في أخته رملة:
ألا من لقلب معنى غزل ... بحب المحلة أخت المحل
وقوله لا أحله أبدا أي لا أبيح القتال فيه، وهذا مذهب ابن عباس أنه لا يقاتل في الحرم ولو قوتل فيه. قوله: "قال قال الناس" القائل هو ابن عباس وناقل ذلك عنه ابن أبي مليكة فهو متصل، والمراد بالناس من كان من جهة ابن الزبير وقوله: "بايع" بصيغة الأمر وقوله: "وأين بهذا الأمر" أي الخلافة أي ليست بعيدة عنه لما له من الشرف بأسلافه الذين ذكرهم ثم صفته التي أشار إليها بقوله عفيف في الإسلام قارئ للقرآن. وفي رواية ابن قتيبة من طريق محمد بن الحكم عن عوانة ومن طريق يحيى بن سعد عن الأعمش قال: "قال ابن عباس لما قيل له بايع لابن الزبير: أين المذهب عن ابن الزبير وسيأتي الكلام على قوله في الرواية الثانية ابن أبي بكر في تفسير الحجرات. قوله: "والله إن وصلوني وصلوني من قريب" أي بسبب القرابة. قوله: "وإن ربوني" بفتح الراء وضم الموحدة الثقيلة من التربية. قوله: "ربوني" في رواية الكشميهني ربني بالإفراد، وقوله: "أكفاء" أي أمثال واحدها كفء، وقوله: "كرام" أي في أحسابهم، وظاهر هذا أن مراد ابن عباس بالمذكورين بنو أسد رهط ابن الزبير وكلام أبي مخنف الإخباري يدل على أنه أراد بني أمية، فإنه ذكر من طريق أخرى أن ابن عباس لما حضرته الوفاة بالطائف جمع بنيه فقال: "يا بني إن ابن الزبير لما خرج بمكة شددت أزره ودعوت الناس إلى بيعته وتركت بني عمنا من بني أمية الذين إن قبلونا قبلونا أكفاء، وإن ربونا ربونا كراما. فلما أصاب ما أصاب جفاني" ويؤيد هذا ما في آخر الرواية الثالثة حيث قال: "وإن كان لا بد لأن يربني بنو عمي أحب إلي من أن يربني غيرهم" فإن بني عمه هم بنو أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف لأنهم من بني عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف فعبد المطلب جد عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم أمية جد مروان بن الحكم بن أبي العاص، وكان هاشم وعبد شمس شقيقين، قال الشاعر:
عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأم ولأب
وأصرح من ذلك ما في خبر أبي مخنف فإن في آخره: "أن ابن عباس قال لبنيه: فإذا دفنتموني فالحقوا ببني عمكم بني أمية" ثم رأيت بيان ذلك واضحا فيما أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه في الحديث المذكور فإنه قال بعد قوله ثم عفيف في الإسلام قارئ للقرآن "وتركت بني عمي إن وصلوني وصلوني عن قريب" أي أذعنت له وتركت بني عمي فآثر على غيري، وبهذا يستقيم الكلام، وأصرح من ذلك في رواية ابن قتيبة المذكورة أن ابن عباس قال لابنه علي "الحق بابن عمك، فإن أنفك منك وإن كان أجدع، ف