Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المجلد التاسع
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
باب كيف نزل الوحي وأول مانزل
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
66- كتاب فضائل القرآن".
1- باب كَيْفَ نَزَلَ الْوَحْيُ وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُهَيْمِنُ الأَمِينُ الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ
4978، 4979- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالاَ لَبِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ"
4980- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لِأُمِّ سَلَمَةَ مَنْ هَذَا أَوْ كَمَا قَالَ قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ فَلَمَّا قَامَ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلاَّ إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ أَبِي: قُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا قَالَ مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ"
4981- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
[الحديث 4981- طرفه في: 7274]
4982- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيَ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ"
4983- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ اشْتَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ يَا مُحَمَّدُ مَا أُرَى شَيْطَانَكَ إِلاَّ قَدْ تَرَكَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}

(9/3)


"كِتَاب فَضَائِلِ الْقُرْآنِ" ثبتت البسملة و "كتاب" لأبي ذر ووقع لغبره "فضائل القرآن" حسب "باب فضائل نزل الوحي وأول ما نزل" كذا لأبي ذر "نزل" بلفظ الفعل الماضي، ولغيره: "كيف قوله: "باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل" كذا لأبي ذر "نزل" بلفظ الفعل الماضي، ولغيره: "كيف نزول الوحي" بصيغة الجمع، وقد تقدم البحث في كيفية نزوله في حديث عائشة "إن الحارث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي" في أول الصحيح، وكذا أول نزوله في حديثها "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة" لكن التعبير بأول ما نزل أخص من التعبير بأول ما بدئ لأن النزول يقتضي وجود من ينزل به، وأول ذلك مجيء الملك له عيانا مبلغا عن الله بما شاء من الوحي، وإيحاء الوحي أعم من أن يكون بإنزال أو بإلهام، سواء وقع ذلك في النوم أو في اليقظة. وأما انتزاع ذلك من أحاديث الباب فسأذكره إن شاء الله تعالى عند شرح كل حديث منها. قوله: "قال ابن عباس: المهيمن الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله" تقدم بيان هذا الأثر وذكر من وصله في تفسير سورة المائدة، وهو يتعلق بأصل الترجمة وهي فضائل القرآن، وتوجيه كلام ابن عباس أن القرآن تضمن تصديق جميع ما أنزل قبله، لأن الأحكام التي فيه إما مقررة لما سبق وإما ناسخة - وذلك يستدعي إثبات المنسوخ - وإما مجددة، وكل ذلك دال على تفضيل المجدد. ثم ذكر المصنف في الباب ستة أحاديث: الأول والثاني حديثا ابن عباس وعائشة معا.قوله: "عن شيبان" هو ابن عبد الرحمن، ويحيى هو ابن أبي كثير، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن. قوله: "لبث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين" كذا للكشميهني، ولغيره: "وبالمدينة عشرا" بإبهام المعدود، وهذا ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم عاش ستين سنة إذا انضم إلى المشهور أنه بعث على رأس الأربعين، لكن يمكن أن يكون الراوي ألغى الكسر كما تقدم بيانه في الوفاة النبوية، فإن كل من روي عنه أنه عاش ستين أو أكثر من ثلاث وستين جاء عنه أنه عاش ثلاثا وستين، فالمعتمد أنه عاش ثلاثا وستين، وما يخالف ذلك إما أن يحمل على إلغاء الكسر في السنين، وإما على جبر الكسر في الشهور، وأما حديث الباب فيمكن أن يجمع بينه وبين المشهور بوجه آخر، وهو أنه بعث على رأس الأربعين، فكانت مدة وحي المنام ستة أشهر إلى أن نزل عليه الملك في شهر رمضان من غير فترة، ثم فتر الوحي، ثم تواتر وتتابع، فكانت مدة تواتره وتتابعه بمكة عشر سنين من غير فترة، أو أنه على رأس الأربعين قرن به ميكائيل أو إسرافيل فكان يلقي إليه الكلمة أو الشيء مدة ثلاث سنين كما جاء من وجه مرسل، ثم قرن به جبريل فكان ينزل عليه بالقرآن مدة عشر سنين بمكة. ويؤخذ من هذا الحديث مما يتعلق بالترجمة أنه نزل مفرقا ولم ينزل جملة واحدة، ولعله أشار إلى ما أخرجه النسائي وأبو عبيد والحاكم من وجه آخر عن ابن عباس قال: "أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة. وقرأ: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} الآية" وفي رواية للحاكم والبيهقي في الدلائل "فرق في السنين" وفي أخرى صحيحة لابن أبي شيبة والحاكم أيضا: "وضع في بيت العزة في السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم: "وإسناده صحيح، ووقع في "المنهاج للحليمي" : أن جبريل كان ينزل منه من اللوح المحفوظ في ليلة القدر إلى السماء الدنيا قدر ما ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم في تلك السنة إلى ليلة القدر التي تليها، إلى أن أنزله كله في عشرين ليلة من عشرين سنة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وهذا أورده ابن الأنباري من طريق ضعيفة ومنقطعة أيضا وما تقدم من أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم أنزل بعد ذلك مفرقا هو الصحيح المعتمد وحكى الماوردي في تفسير ليلة القدر

(9/4)


أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة وأن جبريل نجمه على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، وهذا أيضا غريب، والمعتمد أن جبريل كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان بما ينزل به عليه في طول السنة، كذا جزم به الشعبي فيما أخرجه عنه أبو عبيد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وسيأتي مزيد لذلك بعد ثلاثة أبواب. وقد تقدم في بدء الوحي أن أول نزول جبريل بالقرآن كان في شهر رمضان، وسيأتي في هذا الكتاب أن جبريل كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن في شهر رمضان، وفي ذلك حكمتان: إحداهما تعاهده، والأخرى تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفا لإنزاله جملة وتفصيلا وعرضا وأحكاما. وقد أخرج أحمد والبيهقي في "الشعب" عن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت التوراة لست مضين من رمضان. والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه، والزبور لثمان عشرة خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان". وهذا كله مطابق لقوله تعالى :{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ولقوله تعالى :{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة، فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ويستفاد من حديث الباب أن القرآن نزل كله بمكة والمدينة خاصة، وهو كذلك، لكن نزل كثير منه في غير الحرمين حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر حج أو عمرة أو غزاة، ولكن الاصطلاح أن كل ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني، سواء نزل في البلد حال الإقامة أو في غيرها حال السفر، وسيأتي مزيد لذلك في "باب تأليف القرآن". قوله: "حدثنا معتمر" هو ابن سليمان التيمي. قوله: "قال أنبئت أن جبريل" فاعل "قال: "هو أبو عثمان النهدي. قوله: "أنبئت" بضم أوله على البناء للمجهول، وقد عينه في آخر الحديث. ووقع عند مسلم في أوله زيادة حذفها البخاري عمدا لكونها موقوفة ولعدم تعلقها بالباب وهي: عن أبي عثمان عن سلمان قال: "لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق" الحديث موقوف، وقد أورده البرقاني في مستخرجه من طريق عاصم عن أبي عثمان عن سلمان مرفوعا. قوله: "فقال لأم سلمة: من هذا" ؟ فاعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، استفهم أم سلمة عن الذي كان يحدثه هل فطنت لكونه ملكا أو لا. قوله: "أو كما قال" يريد أن الراوي شك في اللفظ مع بقاء المعنى في ذهنه، وهذه الكلمة كثر استعمال المحدثين لها في مثل ذلك. قال الداودي. هذا السؤال إنما وقع بعد ذهاب جبريل، وظاهر سياق الحديث يخالفه. كذا قال، ولم يظهر لي ما ادعاه من الظهور، بل هو محتمل للأمرين. قوله: "قالت هذا دحية" أي ابن خليفة الكلبي الصحابي المشهور، وقد تقدم ذكره في حديث أبي سفيان الطويل في قصة هرقل أول الكتاب، وكان موصوفا بالجمال، وكان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم غالبا على صورته. قوله: "فلما قام" أي النبي صلى الله عليه وسلم أي قام ذاهبا إلى المسجد، وهذا يدل على أنه لم ينكر عليها ما ظنته من أنه دحية اكتفاء بما سيقع منه في الخطبة مما يوضح لها المقصود. قوله: "ما حسبته إلا إياه" هذا كلام أبي سلمة، وعند مسلم: "فقالت أم سلمة أيمن الله ما حسبته إلا إياه" وأيمن من حروف القسم، وفيها لغات قد تقدم بيانها. قوله: "حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بخبر جبريل أو كما قال" في رواية مسلم: "يخبرنا خبرنا" وهو تصحيف نبه عليه عياض، قال النووي: وهو الموجود في نسخ بلادنا. قلت: ولم أر هذا الحديث في شيء من المسانيد إلا من هذا الطريق فهو من غرائب الصحيح. ولم أقف في شيء من الروايات على بيان هذا الخبر في أي قصة، ويحتمل أن يكون في قصة بني قريظة، فقد وقع في "دلائل البيهقي" وفي

(9/5)


"الغيلانيات" من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه "عن عائشة أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يكلم رجلا وهو راكب، فلما دخل قلت: من هذا الذي كنت تكلمه، قال: بمن تشبهينه؟ قلت: بدحية بن خليفة، قال: ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة". قوله: "قال أبي" بفتح الهمزة وكسر الموحدة الخفيفة، والقائل هو معتمر بن سليمان، وقوله: "فقلت لأبي عثمان، أي النهدي الذي حدثه بالحديث، وقوله: "ممن سمعت هذا؟ قال من أسامة بن زيد" فيه الاستفسار عن اسم من أبهم من الرواة ولو كان الذي أبهم ثقة معتمدا، وفائدته احتمال أن لا يكون عند السامع كذلك، ففي بيانه رفع لهذا الاحتمال، قال عياض وغيره: وفي هذا الحديث أن للملك أن يتصور على صورة الآدمي. وأن له هو في ذاته صورة لا يستطيع الآدمي أن يراه فيها لضعف القوى البشرية إلا من يشاء الله أن يقويه على ذلك، ولهذا كان غالب ما يأتي جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الرجل كما تقدم في بدء الوحي "وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا" ولم ير جبريل على صورته التي خلق عليها إلا مرتين كما ثبت في الصحيحين. ومن هنا يتبين وجه دخول حديث أسامة هذا في هذا الباب. قالوا وفيه فضيلة لأم سلمة ولدحية، وفيه نظر، لأن أكثر الصحابة رأوا جبريل في صورة الرجل لما جاء فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، ولأن اتفاق الشبه لا يستلزم إثبات فضيلة معنوية، وغايته أن يكون له مزية في حسن الصورة حسب، وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن قطن حين قال إن الدجال أشبه الناس به فقال: "أيضرني شبهه؟ قال: لا" قوله: "عن أبيه" هو أبو سعيد المقبري كيسان، وقد وقع سعيد المقبري الكثير من أبي هريرة وسمع من أبيه عن أبي هريرة، ووقع الأمران في الصحيحين، وهو دال على تثبت سعيد وتحريه. قوله: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطى" هذا دال على أن النبي لا بد له من معجزة تقتضي إيمان من شاهدها بصدقه، ولا يضره من أصر على المعاندة. من الآيات" أي المعجزات الخوارق. قوله: "ما مثله آمن عليه البشر" ما موصولة وقعت مفعولا ثانيا لأعطى، ومثله مبتدأ، وآمن خبره، والمثل يطلق ويراد به عين الشيء وما يساويه، والمعنى أن كل نبي أعطى آية أو أكثر من شأن من يشاهدها من البشر أن يؤمن به لأجلها، وعليه بمعنى اللام أو الباء الموحدة، والنكتة في التعبير بها تضمنها معنى الغلبة، أي يؤمن بذلك مغلوبا عليه بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه، لكن قد يجحد فيعاند، كما قال الله تعالى :{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً} وقال الطيبي: الراجع إلى الموصول ضمير المجرور في عليه وهو حال، أي مغلوبا عليه في التحدي، والمراد بالآيات المعجزات وموقع المثل موقعه من قوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} أي على صفته من البيان وعلو الطبقة في البلاغة. "تنبيه": قوله: "آمن" وقع في رواية حكاها ابن قرقول "أومن" بضم الهمز ثم واو. وسيأتي في كتاب الاعتصام. قال وكتبها بعضهم. بالياء الأخيرة بدل الواو. وفي رواية القابسي "أمن" بغير مد من الأمان، والأول هو المعروف. قوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي" أي إن معجزتي التي تحديت بها الوحي الذي أنزل علي وهو القرآن لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد حصر معجزاته فيه ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره، لأن كل نبي أعطي معجزة خاصة به لم يعطها بعينها غيره تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه كما كان السحر فاشيا عند فرعون فجاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره وكذلك إحياء عيسى الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لكون

(9/6)


الأطباء والحكماء كانوا في ذلك الزمان في غاية الظهور، فأتاهم من جنس عملهم بما لم تصل قدرتهم إليه، ولهذا لما كان العرب الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم في الغاية من البلاغة جاءهم بالقرآن الذي تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم يقدروا على ذلك. وقيل المراد أن القرآن ليس له مثل لا صورة ولا حقيقة، بخلاف غيره من المعجزات فإنها لا تخلو عن مثل. وقيل المراد أن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله صورة أو حقيقة، والقرآن لم يؤت أحد قبله مثله، فلهذا أردفه بقوله: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا". وقيل المراد أن الذي أوتيته لا يتطرق إليه تخييل، وإنما هو كلام معجز لا يقدر أحد أن يأتي بما يتخيل منه التشبيه به، بخلاف غيره فإنه قد يقع في معجزاتهم ما يقدر الساحر أن يخيل شبهه فيحتاج من يميز بينهما إلى نظر، والنظر عرضة للخطأ، فقد يخطئ الناظر فيظن تساويهما. وقيل المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه، وهذا أقوى المحتملات، وتكميله في الذي بعده. وقيل المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا. قلت: ويمكن نظم هذه الأقوال كلها في كلام واحد؛ فإن محصلها لا ينافي بعضه بعضا. قوله: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" رتب هذا الكلام على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة لكثرة فائدته وعموم نفعه، لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما سيكون، فعم نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرجوى المذكورة على ذلك، وهذه الرجوى قد تحققت، فإنه أكثر الأنبياء تبعا، وسيأتي بيان ذلك واضحا في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. وتعلق هذا الحديث بالترجمة من جهة أن القرآن إنما نزل بالوحي الذي يأتي به الملك لا بالمنام ولا بالإلهام. وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء: أحدها حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة، ثانيها صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظما ونثرا حتى حارت فيه عقولهم ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك وتقريعه لهم على العجز عنه، ثالثها ما اشتمل عليه من الإخبار عما مضى من أحوال الأمم السالفة والشرائع الداثرة مما كان لا يعلم منه بعضه إلا النادر من أهل الكتاب، رابعها الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبوي وبعضها بعده. ومن غير هذه الأربعة آيات وردت بتعجيز قوم في قضايا أنهم لا يفعلونها فعجزوا عنها مع توفر دواعيهم على تكذيبه، كتمني اليهود الموت، ومنها الروعة التي تحصل لسامعه، ومنها أن قارئه لا يمل من ترداده وسامعه لا يمجه ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طراوة ولذاذة. ومنها أنه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لا تنقضي عجائبها ولا تنتهي فوائدها. ا ه ملخصا من كلام عياض، وغيره. قوله: "حدثنا عمرو بن محمد" هو الناقد، وبذلك جزم أبو نعيم في "المستخرج". وكذا أخرجه مسلم عن عمرو بن محمد الناقد وغيره عن يعقوب بن إبراهيم. ووقع في الأطراف لخلف "حدثنا عمرو بن علي الفلاس" ورأيت في نسخة معتمدة من رواية النسفي عن البخاري "حدثنا عمرو بن خالد" وأظنه تصحيفا، والأول هو المعتمد، فإن الثلاثة وإن كانوا

(9/7)


معروفين من شيوخ البخاري، لكن الناقد أخص من غيره بالرواية عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ورواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب من رواية الأقران، بل صالح بن كيسان أكبر سنا من ابن شهاب وأقدم سماعا، وإبراهيم بن سعد قد سمع من ابن شهاب كما سيأتي تصريحه بتحديثه له في الحديث الآتي بعد باب واحد. قوله: "إن الله تابع على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته" كذا للأكثر. وفي رواية أبي ذر "إن الله تابع على رسوله الوحي قبل وفاته" أي أكثر إنزاله قرب وفاته صلى الله عليه وسلم، والسر في ذلك أن الوفود بعد فتح مكة كثروا وكثر سؤالهم عن الأحكام فكثر النزول بسبب ذلك. ووقع لي سبب تحديث أنس بذلك من رواية الدراوردي عن الإمامي عن الزهري "سألت أنس بن مالك: هل فتر الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت؟ قال: أكثر ما كان وأجمه" أورده ابن يونس في "تاريخ مصر" في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي مريم. قوله: "حتى توفاه أكثر ما كان الوحي" أي الزمان الذي وقعت فيه وفاته كان نزول الوحي فيه أكثر من غيره من الأزمنة. قوله: "ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد" فيه إظهار ما تضمنته الغاية في قوله: "حتى توفاه الله"، وهذا الذي وقع أخيرا على خلاف ما وقع أولا، فإن الوحي في أول البعثة فتر فترة ثم كثر، وفي أثناء النزول بمكة لم ينزل من السور الطوال إلا القليل، مما بعد الهجرة نزلت السور الطوال المشتملة على غالب الأحكام، إلا أنه كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر الأزمنة نزولا بالسبب المتقدم، وبهذا تظهر مناسبة هذا الحديث للترجمة لتضمنه الإشارة إلى كيفية النزول. قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري، وقد تقدم شرح الحديث قريبا في سورة والضحى، ووجه إيراده في هذا الباب الإشارة إلى أن تأخير النزول أحيانا إنما كان يقع لحكمة تقتضي ذلك لا لقصد تركه أصلا، فكان نزوله على أنحاء شتى: تارة يتتابع، وتارة يتراخى. وفي إنزاله مفرقا وجوه من الحكمة: منها تسهيل حفظه لأنه لو نزل جملة واحدة على أمة أمية لا يقرأ غالبهم ولا يكتب لشق عليهم حفظه. وأشار سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله ردا على الكفار {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ - أي أنزلناه مفرقا - لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} وبقوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}. ومنها ما يستلزمه من الشرف له والعناية به لكثرة تردد رسول ربه إليه يعلمه بأحكام ما يقع له وأجوبة ما يسأل عنه من الأحكام والحوادث. ومنها أنه أنزل على سبعة أحرف، فناسب أن ينزل مفرقا، إذ لو نزل دفعة واحدة لشق بيانها عادة. ومنها أن الله قدر أن ينسخ من أحكامه ما شاء، فكان إنزاله مفرقا لينفصل الناسخ من المنسوخ أولى من إنزالهما معا. وقد ضبط النقلة ترتيب نزول السور كما سيأتي في "باب تأليف القرآن"ولم يضبطوا من ترتيب نزول الآيات إلا قليلا وقد تقدم في تفسير { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} أنها أول سورة نزلت ومع ذلك فنزل من أولها أولا خمس آيات ثم نزل باقيها بعد ذلك وكذلك سورة المدثر التي نزلت بعدها نزل أولها أولا ثم نزل سائرها بعد وأوضح من ذلك ما أخرجه أصحاب السنن الثلاثة وصححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس عن عثمان قال " كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الآيات فيقول :ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

(9/8)


2- باب نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}
4984- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ فَأَمَرَ عُثْمَانُ زَيْدَ

(9/8)


3- باب جَمْعِ الْقُرْآنِ
4986- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عُمَرُ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا

(9/10)


4- باب كَاتِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
4989- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ ابْنَ السَّبَّاقِ قَالَ إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّبِعْ الْقُرْآنَ فَتَتَبَّعْتُ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} إِلَى آخِرِهِ"
4990- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ أَوْ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ ثُمَّ قَالَ اكْتُبْ {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} وَخَلْفَ ظَهْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنِي فَإِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}
قوله: "باب كاتب النبي صلى الله عليه وسلم "قال ابن كثير: ترجم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر سوى حديث زيد بن ثابت وهذا عجيب، فكأنه لم يقع له على شرطه غير هذا. ثم أشار إلى أنه استوفى بيان ذلك في السيرة النبوية. قلت: لم أقف في شيء من النسخ إلا بلفظ: "كاتب" بالإفراد وهو مطابق لحديث الباب، نعم قد كتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة غير زيد بن ثابت، أما بمكة فلجميع ما نزل بها لأن زيد بن ثابت إنما أسلم بعد الهجرة، وأما بالمدينة فأكثر ما كان يكتب زيد، ولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه الكاتب بلام العهد كما في حديث البراء بن عازب ثاني حديثي الباب، ولهذا قال له أبو بكر: إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان زيد بن ثابت ربما غاب فكتب الوحي غيره. وقد كتب له قبل زيد ابن ثابت أبي بن كعب وهو أول من كتب له بالمدينة، وأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح، وممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة والزبير بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية وحنظلة بن الربيع الأسدي ومعيقيب بن أبي فاطمة وعبد الله بن الأرقم الزهري وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة في آخرين، وروى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول : ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا" الحديث. ثم ذكر المصنف في الباب حديثين: الأول حديث زيد بن ثابت في قصته مع أبي بكر في جمع القرآن، أورد منه طرفا، وغرضه منه قول أبي بكر لزيد "إنك كنت تكتب الوحي" وقد مضى البحث فيه مستوفى في الباب الذي قبله. الثاني حديث البراء وهو ابن عازب "لما نزلت: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} "قال النبي صلى الله عليه وسلم: ادع لي زيدا" وقد تقدم في تفسير سورة النساء بلفظ: "ادع لي فلانا" من رواية إسرائيل أيضا. وفي رواية غيره: "ادع لي زيدا" أيضا وتقدمت

(9/22)


القصة هناك من حديث زيد بن ثابت نفسه. ووقع هنا فنزلت مكانها {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله غير أولي الضرر} هكذا وقع بتأخير لفظ {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} والذي في التلاوة {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} قبل {والْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وقد تقدم على الصواب من وجه آخر عن إسرائيل.

(9/23)


5- باب أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ
4991- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ"
4992- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلاَةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ كَذَبْتَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرْسِلْهُ اقْرَأْ يَا هِشَامُ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ يَا عُمَرُ فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ"
قوله: "باب أنزل القرآن على سبعة أحرف" أي على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة، فإن قيل فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه، فالجواب أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوهما. وقيل ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كما يطلق السبعين في العشرات والسبعمائة في المئين ولا يراد العدد المعين، وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه. وذكر القرطبي عن ابن حبان أنه بلغ الاختلاف في معنى الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولا ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة. وقال المنذري: أكثرها غير مختار، ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه من صحيحه، وسأذكر ما انتهى إلي من أقوال العلماء في ذلك مع بيان المقبول منها والمردود إن شاء الله تعالى في آخر هذا الباب. ثم ذكر المصنف في الباب حديثين: أحدهما حديث ابن عباس. قوله: "حدثنا سعيد بن عفير" بالمهملة والفاء مصعر، وهو سعيد بن كثير بن

(9/23)


عفير ينسب إلى جده، وهو من حفاظ المصريين وثقاتهم. قوله: "أن ابن عباس رضي الله عنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "هذا مما لم يصرح ابن عباس بسماعه له من النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه سمعه من أبي بن كعب، فقد أخرج النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب نحوه، والحديث مشهور عن أبي أخرجه مسلم وغيره من حديثه كما سأذكره. قوله: "أقرأني جبريل على حرف" في أول حديث النسائي عن أبي بن كعب "أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة، فبينما أنا في المسجد إذ سمعت رجلا يقرؤها يخالف قراءتي" الحديث. ولمسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب قال: "كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما فقرأ، فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما قال فسقط في نفسي ولا إذ كنت في الجاهلية، فضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا، فقال لي يا أبي، أرسل إلى أن اقرأ القرآن على حرف" الحديث. وعند الطبري في هذا الحديث: "فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي، فضرب في صدري وقال: اللهم اخسأ عنه الشيطان". وعند الطبري من وجه آخر عن أبي أن ذلك وقع بينه وبين ابن مسعود، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كلاكما محسن قال أبي فقلت: ما كلانا أحسن ولا أجمل، قال فضرب في صدري" الحديث. وبين مسلم من وجه آخر عن أبي ليلى عن أبي المكان الذي نزل فيه ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار فآتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف الحديث. وبين الطبري من هذه الطريق أن السورة المذكورة سورة النحل. قوله: "فراجعته" في رواية مسلم عن أبي "فرددت إليه أن هون على أمتي " وفي رواية له "إن أمتي لا تطيق ذلك". ولأبي داود من وجه آخر عن أبي "فقال لي الملك الذي معي: قل على حرفين، حتى بلغت سبعة أحرف". وفي رواية للنسائي من طريق أنس عن أبي بن كعب "أن جبريل وميكائيل أتياني فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل استزده" ولأحمد من حديث أبي بكرة نحوه. قوله: "فلم أزل أستزيده ويزيدني" في حديث أبي "ثم أتاه الثانية فقال على حرفين" ثم أتاه الثالثة فقال على ثلاثة أحرف، ثم جاءه الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا" وفي رواية للطبري "على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة" وفي أخرى له "من قرأ حرفا منها فهو كما قرأ: {وفي رواية أبي داود "ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف إن قلت سميعا عليما عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب" وللترمذي من وجه آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط" الحديث. وفي حديث أبي بكرة عند أحمد "كلها كاف شاف كقولك هلم وتعال ما لم تختم" الحديث. وهذه الأحاديث تقوى أن المراد بالأحرف اللغات أو القراءات، أي أنزل القرآن على سبع لغات أو قراءات، والأحرف جمع حرف مثل فلس وأفلس، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللغات لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه كقوله تعال {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} وعلى الثاني يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازا لكونه بعضها. قوله: "إن المسور بن مخرمة" أي ابن نوفل الزهري، كذا رواه عقيل ويونس وشعيب وابن أخي الزهري عن الزهري، واقتصر مالك عنه على عروة فلم يذكر المسور في إسناده، واقتصر عبد

(9/24)


الأعلى عن معمر عن الزهري فيما أخرجه النسائي عن المسور بن مخرمة فلم يذكر عبد الرحمن، وذكره عبد الرزاق عن معمر أخرجه الترمذي، وأخرجه مسلم من طريقه لكن أحال به قال: كرواية يونس وكأنه أخرجه من طريق ابن وهب عن يونس فذكرهما، وذكره المصنف في المحاربة عن الليث عن يونس تعليقا. قوله: "وعبد الرحمن بن عبد" هو بالتنوين غير مضاف لشيء. قوله: "القاري" بتشديد الياء التحتانية نسبة إلى القارة بطن من خزيمة بن مدركة، والقارة لقب واسمه أثيع بالمثلثة مصغر ابن مليح بالتصغير وآخره مهملة ابن الهون بضم الهاء ابن خزيمة. وقيل بل القارة هو الديش بكسر المهملة وسكون التحتانية بعدها معجمة من ذرية أثيع المذكور، وليس هو منسوبا إلى القراءة، وكانوا قد حالفوا بني زهرة وسكنوا معهم بالمدينة بعد الإسلام، وكان عبد الرحمن من كبار التابعين، وقد ذكر في الصحابة لكونه أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، أخرج ذلك البغوي في مسند الصحابة بإسناد لا بأس به، ومات سنة ثمان وثمانين في قول الأكثر وقيل سنة ثمانين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وقد ذكره في الأشخاص، وله عنده حديث آخر عن عمر في الصيام. قوله: "سمعت هشام بن حكيم" أي ابن حزام الأسدي، له ولأبيه صحبة، وكان إسلامهما يوم الفتح، وكان لهشام فضل، ومات قبل أبيه، وليس له في البخاري رواية. وأخرج له مسلم حديثا واحدا مرفوعا من رواية عروة عنه، وهذا يدل على أنه تأخر إلى خلافة عثمان وعلي، ووهم من زعم أنه استشهد في خلافة أبي بكر أو عمر. وأخرج ابن سعد عن معن بن عيسى عن مالك عن الزهري: كان هشام بن حكيم يأمر بالمعروف، فكان عمر يقول إذا بلغه الشيء: أما ما عشت أنا وهشام فلا يكون ذلك. قوله: "يقرأ سورة الفرقان" كذا للجميع، وكذا في سائر طرق الحديث في المسانيد والجوامع، وذكر بعض الشراح أنه وقع عند الخطيب في "المبهمات" سورة الأحزاب بدل الفرقان، وهو غلط من النسخة التي وقف عليها، فإن الذي في كتاب الخطيب الفرقان كما في رواية غيره. قوله: "فكدت أساوره" بالسين المهملة أي آخذ برأسه قاله الجرجاني. وقال غيره: "أواثبه" وهو أشبه، قال النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلة
من الرقش في أنيابها السم ناقع
أي واثبتني، وفي بانت سعاد:
إذا يساور قرنا لا يحل له
أن يترك القرن إلا وهو مخذول
ووقع عند الكشميهني والقابسي في رواية شعيب الآتية بعد أبواب "أثاوره" بالمثلثة عوض المهملة، قال عياض: والمعروف الأول. قلت: لكن معناها أيضا صحيح، ووقع في رواية مالك "أن أعجل عليه". قوله: "فتصبرت" في رواية مالك "ثم أمهلته حتى انصرف" أي من الصلاة، لقوله في هذه الرواية: "حتى سلم". قوله: "فلببته بردائه" بفتح اللام وموحدتين الأولى مشددة والثانية ساكنة، أي جمعت عليه ثيابه عند لبته لئلا يتفلت مني. وكان عمر شديدا في الأمر بالمعروف، وفعل ذلك عن اجتهاد منه لظنه أن هشاما خالف الصواب، ولهذا لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بل قال له أرسله. قوله: "كذبت" فيه إطلاق ذلك على غلبة الظن، أو المراد بقوله كذبت أي أخطأت لأن أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ. قوله: "فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها" هذا قاله عمر استدلالا على ما ذهب إليه من تخطئة هشام، وإنما ساغ له ذلك لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته، بخلاف

(9/25)


هشام فإنه كان قريب العهد بالإسلام فخشي عمر من ذلك أن لا يكون أتقن القراءة، بخلاف نفسه فإنه كان قد أتقن ما سمع، وكان سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قديما ثم لم يسمع ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهده، ولأن هشاما من مسلمة الفتح فكان النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه على ما نزل أخيرا فنشأ اختلافهما من ذلك، ومبادرة عمر للإنكار محمولة على أنه لم يكن سمع حديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" إلا في هذه الوقعة. قوله: "فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "كأنه لما لببه بردائه صار يجره به، فلهذا صار قائدا له، ولولا ذلك لكان يسوقه، ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم لما وصلا إليه: أرسله. قوله: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" هذا أورده النبي صلى الله عليه وسلم تطمينا لعمر لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين، وقد وقع عند الطبري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده قال: "قرأ رجل فغير عليه عمر، فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل: ألم تقرئني يا رسول الله؟ قال: بلى، قال فوقع في صدر عمر شيء عرفه النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه، قال فضرب في صدره وقال: أبعد شيطانا. قالها ثلاثا. ثم قال: يا عمر، القرآن كله صواب، ما لم تجعل رحمة عذابا أو عذابا رحمة" ومن طريق ابن عمر "سمع عمر رجلا يقرأ: "فذكر نحوه ولم يذكر" فوقع في صدر عمر "لكن قال في آخره: "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف". ووقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام، منها لأبي ابن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل كما تقدم، ومنها ما أخرجه أحمد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو "أن رجلا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو إنما هي كذا وكذا، فذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأي ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا فيه:" إسناده حسن، ولأحمد أيضا وأبي عبيد والطبري من حديث أبي جهم بن الصمة "أن رجلين اختلفا في آية من القرآن كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فذكر نحو حديث عمرو بن العاص. وللطبري والطبراني عن زيد بن أرقم قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيهم آخذ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وعلى إلى جنبه - فقال علي: ليقرأ كل إنسان منكم كما علم فإنه حسن جميل" ولابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود "أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة من آل حم، فرحت إلى المسجد فقلت لرجل: اقرأها، فإذا هو يقرأ حروفا ما أقرؤها، فقال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه، فتغير وجهه وقال: إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف، ثم أسر إلى علي شيئا، فقال علي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم. قال فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حروفا لا يقرؤها صاحبه" وأصل هذا سيأتي في آخر حديث في كتاب فضائل القرآن. وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة بلغها أبو حاتم بن حبان إلى خمسة وثلاثين قولا. وقال المنذري: أكثرها غير مختار. قوله :{فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} أي من المنزل. وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القارئ، وهذا يقوي قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان من لغة واحدة، لأن لغة هشام بلسان قريش وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما. نبه على ذلك ابن عبد البر، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة. وذهب أبو عبيد وآخرون إلى أن المراد، اختلاف اللغات، وهو اختيار ابن عطية، وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأن المراد أفصحها، فجاء عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات. منها خمس بلغة

(9/26)


العجز من هوازن قال: والعجز سعد ابن بكر وجثم ابن بكر ونصر بن معاوية وثقيف، وهؤلاء كلهم من هوازن. وقال لهم عليا هوازن، ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم. وأخرج أبو عبيد من وجه آخر عن ابن عباس قال: نزل القرآن بلغة الكعبين كعب قريش، وكعب خزاعة قيل وكيف ذاك؟ قال: لأن الدار واحدة يعني أن خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم لغتهم. وقال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش وهذيل وتيم الرباب والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر واستنكره ابن قتيبة واحتج بقوله تعالى :{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} فعلى هذا فتكون اللغات السبع في بطون قريش، وبذلك جزم أبو علي الأهوازي وقال أبو عبيد: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بلى اللغات السبع مفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن وبعضه بلغة اليمن وغيرهم. قال: وبعض اللغات أسعد بها من بعض وأكثر نصيبا وقيل: نزل بلغة مضر خاصة لقول عمر نزل القرآن بلغة مضر. وعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر أنهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسد بن خزيمة وقريش فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات. ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد كل ذلك مع اتفاق المعنى. وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة كما تقدم، وتصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا منهم. قلت: وتتمة ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي إن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعي في ذلك السماع من النبي صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعا له، ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود قراءته "حتى حين" أي "حتى حين" وكتب إليه: إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل. وكان ذلك قبل أن يجمع عثمان الناس على قراءة واحدة. قال ابن عبد البر بعد أن أخرجه من طريق أبي داود بسنده: يحتمل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار، لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز. قال: وإذا أبيحت قراءته على سبعة أوجه أنزلت جاز الاختيار فيما أنزل، قال أبو شامة: ويحتمل أن يكون مراد عمر ثم عثمان بقولهما "نزلا بلسان قريش" أن ذلك كان أول نزوله، ثم إن الله تعالى سهله على الناس فجوز لهم أن يقرءوه على لغاتهم على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب لكونه بلسان عربي مبين. فأما من أراد قراءته من غير العرب فالاختيار له أن يقرأه بلسان قريش لأنه الأولى، وعلى هذا يحمل ما كتب به عمر إلى ابن مسعود لأن جميع اللغات بالنسبة لغير العربي مستوية في التعبير، فإذا لا بد من واحدة، فلتكن بلغة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما العربي المجبول على لغته فلو كلف قراءته بلغة قريش لعثر عليه التحول مع إباحة الله له أن يقرأه بلغته، ويشير إلى هذا قوله في حديث أبي كما تقدم "هون على أمتي" وقوله: "إن أمتي لا تطيق ذلك" ، وكأنه انتهى عند السبع لعلمه أنه لا تحتاج لفظة من ألفاظه إلى أكثر من ذلك العدد غالبا، وليس المراد كما تقدم أن كل لفظة منه تقرأ على سبعة أوجه قال ابن عبد البر: وهذا مجمع عليه، بل هو غير ممكن بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا الشيء القليل مثل

(9/27)


"عبد الطاغوت". وقد أنكر ابن قتيبة أن يكون في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه، ورد عليه ابن الأنباري بمثل "عبد الطاغوت، ولا تقل لهما أف، وجبريل" ويدل على ما قرره أنه أنزل أولا بلسان قريش ثم سهل على الأمة أن يقرءوه بغير لسان قريش وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام، فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة كما تقدم في حديث أبي بن كعب "أن جبريل لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند أضاة بني غفار فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك" الحديث أخرجه مسلم، وأضاة بني غفار هي بفتح الهمزة والضاد المعجمة بغير همز وآخره تاء تأنيث، هو مستنقع الماء كالغدير، وجمعه أضا كعصا، وقيل بالمد والهمز مثل إناء، وهو موضع بالمدينة النبوية ينسب إلى بني غفار بكسر المعجمة وتخفيف الفاء لأنهم نزلوا عنده. وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء أن معنى قوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" أي أنزل موسعا على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه، أي يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من صاحبه، كأنه قال أنزل على هذا الشرط أو على هذه التوسعة وذلك لتسهيل قراءته، إذ لو أخذوا بأن يقرءوه على حرف واحد لشق عليهم كما تقدم. قال ابن قتيبة في أول "تفسير المشكل" له: كان من تيسير الله أن أمر نبيه أن يقرأ كل قوم بلغتهم، فالهذلي يقرأ حتى حين يريد "حتى حين" والأسدي يقرأ تعلمون بكسر أوله، والتميمي يهمز والقرشي لا يهمز، قال ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغته وما جرى عليه لسانه طفلا وناشئا وكهلا لشق عليه غاية المشقة، فيسر عليهم ذلك بمنه، ولو كان المراد أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه لقال مثلا أنزل سبعة أحرف، وإنما المراد أن يأتي في الكلمة وجه أو وجهان أو ثلاثة أو أكثر إلى سبعة. وقال ابن عبد البر: أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات، لما تقدم من اختلاف هشام وعمر ولغتهما واحدة، قالوا: وإنما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة، نحو أقبل وتعال وهلم. ثم ساق الأحاديث الماضية الدالة على ذلك. قلت: ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار ذلك في سبع لغات، لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى، وهي ما نبه عليه أبو عمرو الداني أن الأحرف السبعة ليست متفرقة في القرآن كلها ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية واحدة فإنما قرأ ببعض الأحرف السبعة لا بكلها، وهذا إنما يتأتى على القول بأن المراد بالأحرف اللغات، وأما قول من يقول بالقول الآخر فيتأتى ذلك في ختمة واحدة بلا ريب، بل يمكن على ذلك القول أن تصل الأوجه السبعة في بعض القرآن كما تقدم. وقد حمل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور على الوجوه التي يقع بها التغاير في سبعة أشياء: الأول ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته، مثل {وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} بنصب الراء ورفعها. الثاني ما يتغير بتغير الفعل مثل {بعد بين أسفارنا} و {بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} بصيغة الطلب والفعل الماضي. الثالث ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة مثل "ثم ننشرها بالراء والزاي". الرابع ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر مثل {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} في قراءة على وطلع منضود. الخامس ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} في قراءة أبي بكر الصديق وطلحة بن مصرف وزين العابدين {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ}. السادس ما يتغير بزيادة أو نقصان كما تقدم في التفسير عن ابن مسعود وأبي الدرداء {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى -والذكر والأنثى} هذا في النقصان، وأما في الزيادة فكما تقدم في تفسير {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} في

(9/28)


حديث ابن عباس "وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين". السابع ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها مثل "العهن المنفوش" في قراءة ابن مسعود وسعيد بن جبير كالصوف المنفوش، وهذا وجه حسن لكن استبعده قاسم بن ثابت في "الدلائل" لكون الرخصة في القراءات إنما وقعت وأكثرهم يومئذ لا يكتب ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف بمخارجها. قال: وأما ما وجد من الحروف المتباينة المخرج المتفقة الصورة مثل "ننشرها وننشرها" فإن السبب في ذلك تقارب معانيها، واتفق تشابه صورتها في الخط. قلت: ولا يلزم من ذلك توهين ما ذهب إليه ابن قتيبة، لاحتمال أن يكون الانحصار المذكور في ذلك وقع اتفاقا، وإنما اطلع عليه بالاستقراء، وفي ذلك من الحكمة البالغة ما لا يخفى. وقال أبو الفضل الرازي: الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف: الأول اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع أو تذكير وتأنيث. الثاني اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر، الثالث وجوه الإعراب، الرابع النقص والزيادة، الخامس التقديم والتأخير، السادس الإبدال، السابع اختلاف اللغات كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والإدغام والإظهار ونحو ذلك. قلت: وقد أخذ كلام ابن قتيبة ونقحه. وذهب قوم إلى أن السبعة الأحرف سبعة أصناف من الكلام، واحتجوا بحديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا" أخرجه أبو عبيد وغيره، قال ابن عبد البر: هذا حديث لا يثبت، لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود ولم يلق ابن مسعود، وقد رده قوم من أهل النظر منهم أبو جعفر أحمد بن أبي، عمران. قلت: وأطنب الطبري في مقدمة تفسيره في الرد على من قال به، وحاصله أنه يستحيل أن يجتمع في الحرف الواحد هذه الأوجه السبعة. وقد صحح الحديث المذكور ابن حبان والحاكم، وفي تصحيحه نظر لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهري عن أبي سلمة مرسلا وقال هذا مرسل جيد، ثم قال: إن صح فمعنى قوله في هذا الحديث: "سبعة أحرف" أي سبعة أوجه كما فسرت في الحديث، وليس المراد الأحرف السبعة التي تقدم ذكرها في الأحاديث الأخرى، لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا، بل هي ظاهرة في أن المراد أن الكلمة الواحدة تقرأ على وجهين وثلاثة وأربعة إلى سبعة تهوينا وتيسيرا، والشيء الواحد لا يكون حراما وحلالا في حالة واحدة. وقال أبو علي الأهوازي وأبو العلاء الهمداني: قوله زاجر وآمر استئناف كلام آخر، أي هو زاجر أي القرآن؛ ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنما توهم ذلك من توهمه من جهة الاتفاق في العدد. ويؤيده أنه جاء في بعض طرقه زاجرا وآمرا إلخ بالنصب أي نزل على هذه الصفة من الأبواب السبعة. وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب لا للأحرف، أي هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، وأنزله الله على هذه الأصناف لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب. قلت: ومما يوضح أن قوله زاجر وآمر إلخ ليس تفسيرا للأحرف السبعة ما وقع في مسلم من طريق يونس عن ابن شهاب عقب حديث ابن عباس الأول من حديثي هذا الباب: قال ابن شهاب بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنما هي في الأمر الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام، قال أبو شامة: وقد اختلف السلف في الأحرف

(9/29)


السبعة التي نزل بها القرآن هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم أو ليس فيه إلا حرف واحد منها، مال ابن الباقلاني إلى الأول، وصرح الطبري وجماعة بالثاني وهو المعتمد. وقد أخرج ابن أبي داود في "المصاحف" عن أبي الطاهر بن أبي السرح قال: سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين هل هي الأحرف السبعة؟ قال: لا، وإنما الأحرف السبعة مثل هلم وتعال وأقبل، أي ذلك قلت أجزأك. قال وقال لي ابن وهب مثله. والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه بعض ما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي "تجري من تحتها الأنهار" في آخر براءة وفي غيره بحذف "من" وكذا ما وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة بعضها دون بعض، وعدة هاءات وعدة لامات ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معا، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابته لشخصين أو أعلم بذلك شخصا واحد وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعة على الناس وتسهيلا؛ فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان وكفر بعضهم بعضا اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته وتركوا الباقي. قال الطبري: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار كمن اقتصر مما خير فيه على خصلة واحدة، لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب بل على سبيل الرخصة. قلت: ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب: "فاقرءوا ما تيسر منه" وقد قرر الطبري ذلك تقريرا أطنب فيه ووهى من قال بخلافه، ووافقه على ذلك جماعة منهم أبو العباس بن عمار في "شرح الهداية" وقال: أصح ما عليه الحذاق أن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في قراءتها لا كلها، وضابطه ما وافق رسم المصحف، فأما ما خالفه مثل "أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج" ومثل "إذا جاء فتح الله والنصر" فهو من تلك القراءات التي تركت إن صح السند بها، ولا يكفي صحة سندها في إثبات كونها قرآنا، ولا سيما والكثير منها مما يحتمل أن يكون من التأويل الذي قرن إلى التنزيل فصار يظن أنه منه. وقال البغوي في "شرح السنة" : المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك قطعا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم وقال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. وقال ابن عمار أيضا: لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة، ووقع له أيضا في اقتصاره عن كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راو ثالث غيرهما أبطلها وقد تكون هي أشهر وأصح وأظهر وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أو كفر. وقال أبو بكر بن العربي: ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر وشيبة والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم. وكذا قال غير واحد منهم مكي بن أبي طالب وأبو العلاء الهمداني وغيرهم من أئمة القراء. وقال أبو حيان: ليس في كتاب ابن مجاهد ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويا، ثم ساق أسماءهم. واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي، واشتهر عن اليزيدي عشرة أنفس فكيف

(9/30)


يقتصر على السوسي والدوري وليس لهما مزية على غيرهما لأن الجميع مشتركون في الضبط والإتقان والاشتراك في الأخذ، قال: ولا أعرف لهذا سببا إلا ما قضى من نقص العلم فاقتصر هؤلاء على السبعة ثم اقتصر من بعدهم من السبعة على النزر اليسير. وقال أبو شامة: لم يرد ابن مجاهد ما نسب إليه، بل أخطأ من نسب إليه ذلك، وقد بالغ أبو طاهر بن أبي هاشم صاحبه في الرد على من نسب إليه أن مراده بالقراءات السبع الأحرف السبعة المذكورة في الحديث، قال ابن أبي هشام: إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، قال فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعا عن الصحابة بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط، امتثالا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة. وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. ثم ساق نحو ما تقدم قال: وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما، قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنا، وهذا غلط عظيم، فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين - كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي حاتم السجستاني، وأبي، جعفر الطبري، وإسماعيل بن إسحاق، والقاضي - قد ذكروا أضعاف هؤلاء قلت: اقتصر أبو عبيدة في كتابه على خمسة عشر رجلا من كل مصر ثلاثة أنفس فذكر من مكة ابن كثير وابن محيصن، وحميدا الأعرج ومن أهل المدينة: أبا جعفر وشيبة ونافعا ومن أهل البصرة، أبا عمرو، وعيسى بن عمر، وعبد الله بن أبي إسحاق، ومن أهل الكوفة: يحيى بن وثاب، وعاصما، والأعمش ومن أهل الشام: عبد الله بن عامر، ويحيى بن الحارث. قال وذهب عني اسم الثالث ولم يذكر في الكوفيين حمزة، ولا الكسائي بل قال: إن جمهور أهل الكوفة بعد الثلاثة صاروا إلى قراءة حمزة ولم يجتمع عليه جماعتهم قال: وأما الكسائي فكان يتخير القراءات. فأخذ من قراءة الكوفيين بعضا وترك بعضا وقال بعد أن ساق أسماء من نقلت عنه القراءة من الصحابة والتابعين. فهؤلاء هم الذين يحكي عنهم عظم القراءة وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث، قال: ثم قام بعدهم بالقراءات قوم ليست لهم أسنانهم ولا تقدمهم غير أنهم تجردوا للقراءة واشتدت عنايتهم بها وطلبهم لها حتى صاروا بذلك أئمة يقتدي الناس بهم فيها فذكرهم، وذكر أبو حاتم زيادة على عشرين رجلا ولم يذكر فيهم ابن عامر ولا حمزة ولا الكسائي، وذكر الطبري في كتابه اثنين وعشرين رجلا، قال مكي: وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالكوف على قراءة حمزة وعاصم وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك. فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب، قال: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجل منهم قدرا ومثلهم أكثر من عددهم أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا - مما يوافق خط المصحف - على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة والاتفاق على الأخذ عنه فأفردوا من كل مصر إماما واحدا، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به كقراءة يعقوب وعاصم الجحدري وأبي

(9/31)


جعفر وشيبة وغيرهم، قال وممن اختار من القراءات كما اختار الكسائي أبو عبيد وأبو حاتم والمفضل وأبو جعفر الطبري وغيرهم وذلك واضح في تصانيفهم في ذلك، وقد صنف ابن جبير المكي وكان قبل ابن مجاهد كتابا في القراءات فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إماما، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال إنه وجه بسبعة هذه الخمسة ومصحفا إلى اليمن ومصحفا إلى البحرين لكن لم نسمع لهذين المصحفين خبرا، وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف فاستبدلوا من غير البحرين واليمن قارئين يكمل بهما العدد فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر بها وهو أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة ولم يكن له فطنة فظن أن المراد بالقراءات السبع الأحرف السبعة، ولا سيما وقد كثر استعمالهم الحرف في موضع القراءة فقالوا: قرأ بحرف نافع بحرف ابن كثير، فتأكد الظن بذلك، وليس الأمر كما ظنه، والأصل المعتمد عليه عند الأئمة في ذلك أنه الذي يصح سنده في السماع ويستقيم وجهه في العربية ويوافق خط المصحف، وربما زاد بعضهم الاتفاق عليه ونعني بالاتفاق كما قال مكي بن أبي طالب ما اتفق عليه قراء المدينة والكوفة ولا سيما إذا اتفق نافع وعاصم، قال وربما أرادوا بالاتفاق ما اتفق عليه أهل الحرمين، قال: وأصح القراءات سندا نافع وعاصم، وأفصحها أبو عمرو والكسائي. وقال ابن السمعاني1 في "الشافي" : التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر رأيهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك قال: وقد صنف غيره في السبع أيضا فذكر شيئا كثيرا من الروايات عنهم غير ما في كتابه، فلم يقل أحد إنه لا تجوز القراءة بذلك لخلو ذلك المصحف عنه. وقال أبو الفضل الرازي في "اللوائح" بعد أن ذكر الشبهة التي من أجلها ظن الأغبياء أن أحرف الأئمة السبعة هي المشار إليها في الحديث وأن الأئمة بعد ابن مجاهد جعلوا القراءات ثمانية أو عشرة لأجل ذلك قال: واقتفيت أثرهم لأجل ذلك وأقول: لو اختار إمام من أئمة القراء حروفا وجرد طريقا في القراءة بشرط الاختيار لم يكن ذلك خارجا عن الأحرف السبعة. وقال الكواشي: كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ووافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة فعلى هذا الأصل بنى قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ قلت: وإنما أوسعت القول في هذا لما تجدد في الأعصار المتأخرة من توهم أن القراءات المشهورة منحصرة في مثل "التيسير" والشاطبية، وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن ذلك كأبي شامة وأبي حيان، وآخر من صرح بذلك السبكي فقال في "شرح المنهاج" عند الكلام على القراءة بالشاذ صرح كثير من الفقهاء بأن ما عدا السبعة شاذ توهما منه انحصار المشهور فيها، والحق أن الخارج عن السبعة على قسمين: الأول ما يخالف رسم المصحف فلا شك في أنه ليس بقرآن، والثاني ما لا يخالف رسم المصحف وهو على قسمين أيضا: الأول ما ورد من طريق غريبة فهذا ملحق بالأول، والثاني ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءة به قديما وحديثا فهذا لا وجه للمنع منه كقراءة يعقوب وأبي جعفر وغيرهما. ثم نقل كلام البغوي وقال: هو أولى من يعتمد عليه في ذلك، فإنه فقيه محدث مقرئ. ثم قال: وهذا التفصيل بعينه وارد في الروايات عن السبعة، فإن عنهم شيئا كثيرا من الشواذ وهو الذي لم يأت إلا
ـــــــ
1 في نسخة أخرى: قال إسماعيل الخ.

(9/32)


من طريق غريبة وإن اشتهرت القراءة من ذلك المنفرد. وكذا قال أبو شامة. ونحن وإن قلنا إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت وعنهم نقلت فلا يلزم أن جميع ما نقل عنهم بهذه الصفة، بل فيه الضعيف لخروجه عن الأركان الثلاثة: ولهذا ترى كتب المصنفين مختلفة في ذلك، فالاعتماد في غير ذلك على الضابط المتفق عليه. "فصل" لم أقف في شيء من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان. وقد زعم بعضهم فيما حكاه ابن التين أنه ليس في هذه السورة عند القراء خلاف فيما ينقص من خط المصحف سوى قوله: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً} وقرئ "سرجا" جمع سراج، قال: وباقي ما فيها من الخلاف لا يخالف خط المصنف. قلت: وقد تتبع أبو عمر بن عبد البر ما اختلف فيه القراء من ذلك من لدن الصحابة ومن بعدهم من هذه السورة، فأوردته ملخصا وزدت عليه قدر ما ذكره وزيادة على ذلك، وفيه تعقب على ما حكاه ابن التين في سبعة مواضع أو أكثر، قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} قرأ أبو الجوزاء وأبو السوار "أنزل" بألف. قوله: {عَلَى عَبْدِهِ} قرأ عبد الله بن الزبير وعاصم الجحدري "على عباده" ومعاذ أبو حليمة وأبو نهيك "على عبيده". قوله: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا} قرأ طلحة بن مصرف ورويت عن إبراهيم النخعي بضم المثناة الأولى وكسر الثانية مبنيا للمفعول، وإذا ابتدأ ضم أوله. قوله: {مَلَكٌ فَيَكُونَ} قرأ عاصم الجحدري وأبو المتوكل ويحيى بن يعمر "فيكون" بضم النون. قوله: {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ} قرأ الأعمش وأبو حصين "يكون" بالتحتانية. قوله: {يَأْكُلُ مِنْهَا} قرأ الكوفيون سوى عاصم "نأكل" بالنون ونقله في الكامل عن القاسم وابن سعد وابن مقسم. قوله: {وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً} قرأ ابن كثير وابن عامر وحميد وتبعهم أبو بكر وشيبان عن عاصم وكذا محجوب عن أبي عمرو وورش "يجعل" برفع اللام والباقون بالجزم عطفا على محل جعل وقيل لإدغامها، وهذا يجري على طريقة أبي عمرو بن العلاء، وقرأ بنصب اللام عمر بن ذر وابن أبي عبلة وطلحة ابن سليمان وعبد الله بن موسى، وذكرها الفراء جوازا على إضمار إن ولم ينقلها، وضعفها ابن جني. قوله: {مَكَاناً ضَيِّقاً} قرأ ابن كثير والأعمش وعلى بن نصر ومسلمة بن محارب بالتخفيف، ونقلها عقبة بن يسار عن أبي عمرو أيضا. قوله: {مُقَرَّنِينَ} قرأ عاصم الجحدري ومحمد بن السميفع "مقرنون". قوله: {ثُبُوراً} قرأ المذكوران بفتح المثلثة. قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب والأعرج والجحدري وكذا الحسن وقتادة والأعمش على اختلاف عنهم بالتحتانية وقرأ الأعرج1 بكسر الشين، قال ابن جني وهي قوية في القياس متروكة في الاستعمال. قوله: {وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} قرأ ابن مسعود وأبو نهيك وعمر بن ذر " وما يعبدون من دوننا". قوله: {فَيَقُولُ} قرأ ابن عامر وطلحة ابن مصرف وسلام وابن حسان وطلحة بن سليمان وعيسى بن عمر وكذا الحسن وقتادة على اختلاف عنهما ورويت عن عبد الوارث عن أبي عمرو بالنون. قوله: {مَا كَانَ يَنْبَغِي} قرأ أبو عيسى الأسواري وعاصم الجحدري بضم الياء وفتح الغين. قوله: {أَنْ نَتَّخِذَ} قرأ أبو الدرداء وزيد بن ثابت والباقر وأخوه زيد وجعفر الصادق ونصر بن علقمة ومكحول وشيبة وحفص ابن حميد وأبو جعفر القارئ وأبو حاتم السجستاني والزعفران - وروى عن مجاهد - وأبو رجاء
ـــــــ
1 في نسخة الأعمش

(9/33)


والحسن بضم أوله وفتح الخاء على البناء للمفعول، وأنكرها أبو عبيد وزعم الفراء أن أبا جعفر تفرد بها. قوله: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} حكى القرطبي أنها قرئت بالتخفيف. قوله: {بِمَا تَقُولُونَ} قرأ ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير والأعمش وحميد بن قيس وابن جريج وعمر بن ذر وأبو حيوة ورويت عن قنبل بالتحتانية. قوله: "فما يستطيعون" قرأ حفص في الأكثر عنه عن عاصم بالفوقانية وكذا الأعمش وطلحة بن مصرف وأبو حيوة. قوله: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ} قرى "يذقه" بالتحتانية. قوله {إِلَّا إِنَّهُمْ} قرئ "أنهم" بفتح الهمزة والأصل لأنهم فحذفت اللام، نقل هذا والذي قبله من "إعراب السمين". قوله: {وَيَمْشُونَ} قرأ علي وابن مسعود وابنه عبد الرحمن وأبو عبد الرحمن السلمي بفتح الميم وتشديد الشين مبنيا للفاعل وللمفعول أيضا. قوله: {حِجْراً مَحْجُوراً} قرأ الحسن والضحاك وقتادة وأبو رجاء والأعمش "حجرا" بضم أوله وهي لغة، وحكى أبو البقاء الفتح عن بعض المصريين ولم أر من نقلها قراءة. قوله :{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ} قرأ الكوفيون وأبو عمر والحسن في المشهور عنهما وعمرو بن ميمون ونعيم بن ميسرة بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد ووافقهم عبد الوارث ومعاذ عن أبي عمرو وكذا محبوب وكذا الحمصي من الشاميين في نقل الهذلي. قوله: {وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ} قرأ الأكثر بضم النون وتشديد الزاي وفتح اللام الملائكة بالرفع، وقرأ خارجة بن مصعب عن أبي عمرو ورويت عن معاذ أبي حليمة بتخفيف الزاي وضم اللام، والأصل تنزل الملائكة فحذفت تخفيفا، وقرأ أبو رجاء ويحيى بن يعمر وعمر بن ذر ورويت عن ابن مسعود ونقلها ابن مقسم عن المكي واختارها الهذلي بفتح النون وتشديد الزاي وفتح اللام على البناء للفاعل الملائكة بالنصب، وقرأ جناح بن حبيش والخفاف عن أبي عمرو بالتخفيف الملائكة بالرفع على البناء للفاعل، ورويت عن الخفاف على البناء للمفعول أيضا، وقرأ ابن كثير في المشهور عنه وشعيب عن أبي عمرو "وننزل" بنونين الثانية خفيفة الملائكة بالنصب، وقرئ بالتشديد عن ابن كثير أيضا، وقرأ هارون عن أبي عمرو بمثناة أوله وفتح النون وكسر الزاي الثقيلة الملائكة بالرفع أي تنزل ما أمرت به، وروي عن أبي بن كعب مثله لكن بفتح الزاي وقرأ أبو السمال وأبو الأشهب كالمشهور عن ابن كثير لكن بألف أوله، وعن أبي بن كعب "نزلت: بفتح وتخفيف وزيادة مثناة في آخره، وعنه مثله لكن بضم أوله مشددا، وعنه "تنزلت: بمثناة في أوله وفي آخره بوزن تفعلت. قوله: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ} قرأ أبو عمرو بفتح الياء الأخيرة من {لَيْتَنِي} قوله: {يَا وَيْلَتَى} قرأ الحسن بكسر المثناة بالإضافة، ومنهم من أمال. قوله: {إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا} قرأ أبو عمرو وروح وأهل مكة - إلا رواية ابن مجاهد عن قنبل - بفتح الياء "من قومي". قوله:{لِنُثَبِّتَ}قرأ ابن مسعود بالتحتانية بدل النون، وكذا روى عن حميد ابن قيس وأبي حصين وأبي عمران الجوني. قوله: {فَدَمَّرْنَاهُمْ} قرأ علي ومسلمة بن محارب" فدمرانهم" بكسر الميم وفتح الراء وكسر النون الثقيلة بينهما ألف تثنية، وعن علي بغير نون، والخطاب لموسى وهارون. قوله: {وَعَاداً وَثَمُودَ} قرأ حمزة ويعقوب وحفص وثمود بغير صرف. قوله: {أُمْطِرَتْ} قرأ معاذ أبو حليمة وزيد بن علي وأبو نهيك "مطرت" بضم أوله وكسر الطاء مبنيا للمفعول، وقرأ ابن مسعود "أمطروا" وعنه "أمطرناهم". قوله: {مَطَرَ السَّوْءِ} قرأ أبو السمال وأبو العالية وعاصم الجحدري بضم السين، وأبو السمال أيضا مثله بغير همز. وقرأ علي وحفيده زين العابدين وجعفر بن محمد بن زين العابدين بفتح السين وتشديد الواو بلا همز. وكذا قرأ الضحاك لكن بالتخفيف. قوله: {هُزُواً} قرأ حمزة وإسماعيل بن جعفر والمفضل بإسكان الزاي

(9/34)


وحفص بالضم بغير همز. قوله: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ} قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب "اختاره الله من بيننا". قوله: "عن آلهتنا" قرأ ابن مسعود وأبي عن عبادة آلهتنا. قوله: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ} قرأ ابن مسعود بمد الهمزة وكسر اللام والتنوين بصيغة الجمع، وقرأ الأعرج بكسر أوله وفتح اللام بعدها ألف وهاء تأنيث وهو اسم الشمس، وعنه بضم أوله أيضا. قوله: {أَمْ تَحْسَبُ} قرأ الشامي بفتح السين. قوله: {أَوْ يَعْقِلُونَ} قرأ ابن مسعود "أو يبصرون" قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ} قرأ ابن مسعود "جعل" قوله: " {الرِّيَاحِ} قرأ ابن كثير وابن محيصن والحسن "الريح" . قوله :" نشرا" اقرأ ابن عامر وقتادة وأبو رجاء وعمرو بن ميمون بسكون الشين، وتابعهم هارون الأعور وخارجة بن مصعب كلاهما عن أبي عمرو، وقرأ الكوفيون سوى عاصم وطائفة بفتح أوله ثم سكون، وكذا قرأ الحسن وجعفر بن محمد والعلاء بن شبابة، وقرأ عاصم بموحدة بدل النون، وتابعه عيسى الهمداني وأبان بن ثعلب، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي في رواية وابن السميفع بضم الموحدة مقصور بوزن حبلى قوله: {لِنُحْيِيَ بِهِ} قرأ ابن مسعود "لننشر به". قوله :{مَيْتاً} قرأ أبو جعفر بالتشديد. قوله: {وَنُسْقِيَهُ} قرأ أبو عمرو وأبو حيوة وابن أبي عبلة بفتح النون، وهي رواية عن أبي عمرو وعاصم والأعمش. قوله: {وَأَنَاسِيَّ} قرأ يحيى بن الحارث بتخفيف آخره، وهي رواية عن الكسائي وعن أبي بكر بن عياش وعن قتيبة الميال وذكرها الفراء جوازا لا نقلا. قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ} قرأ عكرمة بتخفيف الراء. قوله: {لِيَذَّكَّرُوا} قرأ الكوفيون سوى عاصم بسكون الدال مخففا. قوله: {وَهَذَا مِلْحٌ } قرأ أبو حصين وأبو الجوزاء وأبو المتوكل وأبو حيوة وعمر بن ذر ونقلها الهذلي عن طلحة بن مصرف، ورويت عن الكسائي وقتيبة الميال بفتح الميم وكسر اللام، واستنكرها أبو حاتم السجستاني. وقال ابن جني يجوز أن يكون أراد مالح فحذف الألف تخفيفا قال: مع أن مالح ليست فصيحة. قوله: {وَحِجْراً} تقدم، قوله: {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ} قرأ زيد بن علي بجر النون نعتا للحي، وابن معدان بالنصب قال على المدح. قوله: {فَاسْأَلْ بِهِ} قرأ المكيون والكسائي وخلف وأبان بن يزيد وإسماعيل بن جعفر، ورويت عن أبي عمرو وعن نافع "فسل به" بغير همز. قوله: "لما تأمرنا" قرأ الكوفيون بالتحتانية، لكن اختلف عن حفص، وقرأ ابن مسعود "لما تأمرنا به". قوله: "سراجا" قرأ الكوفيون سوى عاصم {سِرَاجاً} بضمتين، لكن سكن الراء الأعمش ويحيى بن وثاب وأبان بن ثعلب والشيرازي. قوله: "وقمر" قرأ الأعمش وأبو حصين والحسن ورويت عن عاصم بضم القاف وسكون الميم، وعن الأعمش أيضا فتح أوله. قوله: {أَنْ يُذْكَرَ} قرأ حمزة بالتخفيف وأبي بن كعب يتذكر ورويت عن علي وابن مسعود وقرأها أيضا إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب والأعمش وطلحة بن مصرف وعيسى الهمداني والباقر وأبوه وعبد الله بن إدريس ونعيم ابن ميسرة. قوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} قرأ أبي بن كعب بضم العين وتشديد الموحدة، والحسن بضمتين بغير ألف وأبو المتوكل وأبو نهيك وأبو الجوزاء بفتح ثم كسر ثم تحتانية ساكنة قوله: {يَمْشُونَ} قرأ علي ومعاذ القارئ وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو المتوكل وأبو نهيك وابن السميفع بالتشديد مبنيا للفاعل" وعاصم الجحدري وعيسى بن، عمر مبنيا للمفعول. قوله: {سُجَّداً} قرأ إبراهيم النخعي "سجودا". قوله: {وَمُقَاماً} قرأ أبو زيد بفتح الميم. قوله: {وَلَمْ يَقْتُرُوا} قرأ ابن عامر والمدنيون هي رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي وعن الحسن وأبي رجاء ونعيم بن ميسرة والمفضل والأزرق والجعفي وهي رواية عن أبي بكر بضم أوله من الرباعي

(9/35)


وأنكرها أبو حاتم، وقرأ الكوفيون إلا من تقدم منهم وأبو عمرو في رواية بفتح أوله وضم التاء، وقرأ عاصم الجحدري وأبو حيوة وعيسى بن عمر وهي رواية عن أبي عمرو أيضا بضم أوله وفتح القاف وتشديد التاء والباقون بفتح أوله. وكسر التاء. قوله: {قَوَاماً} قرأ حسان بن عبد الرحمن صاحب عائشة بكسر القاف، وأبو حصين وعيسى بن عمر بتشديد الواو مع فتح القاف. قوله: {يَلْقَ أَثَاماً} قرأ ابن مسعود وأبو رجاء "يلقى" بإشباع القاف، وقرأ عمر بن ذر بضم أوله وفتح اللام وتشديد القاف بغير إشباع. قوله: {يُضَاعِفُ} قرأ أبو بكر عن عاصم برفع الفاء، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر وشيبة ويعقوب يضعف بالتشديد. وقرأ طلحة بن سليمان بالنون، "العذاب" بالنصب. قوله: {َيَخْلُدْ} قرأ ابن عامر والأعمش وأبو بكر عن عاصم بالرفع. وقرأ أبو حيوة بضم أوله وفتح الخاء وتشديد اللام، ورويت عن الجعفي عن شعبة ورويت عن أبي عمرو لكن بتخفيف اللام، وقرأ طلحة بن مصرف ومعاذ القارئ وأبو المتوكل وأبو نهيك وعاصم الجحدري بالمثناة مع الجزم على الخطاب. قوله: {فِيهِ مُهَاناً} قرأ ابن كثير بإشباع الهاء من "فيه:" حيث جاء، وتابعه حفص عن عاصم هنا فقط. قوله: "وذريتنا" قرأ أبو عمرو والكوفيون سوى رواية عن عاصم بالإفراد، والباقون بالجمع. قوله: {قُرَّةَ أَعْيُنٍ} قرأ أبو الدرداء وابن مسعود وأبو هريرة وأبو المتوكل وأبو نهيك وحميد بن قيس وعمر بن ذر "قرأت" بصيغة الجمع. قوله: {يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} قرأ ابن مسعود "يجزون الجنة". قوله:"ويلقون فيها" قرأ الكوفيون سوى حفص وابن معدان بفتح أوله وسكون اللام، وكذا قرأ النميري عن المفضل. قوله: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} قرأ ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير "فقد كذب الكافرون" وحكى الواقدي عن بعضهم تخفيف الذال. قوله: {فَسَوْفَ يَكُونُ} قرأ أبو السمال وأبو المتوكل وعيسى بن عمر وأبان بن تغلب بالفوقانية. قوله: {لِزَاماً} قرأ أبو السمال بفتح اللام أسنده أبو حاتم السجستاني عن أبي زيد عنه ونقلها الهذلي عن أبان بن تغلب. قال أبو عمر بن عبد البر بعد أن أورد بعض ما أوردته: هذا ما في سورة الفرقان من الحروف التي بأيدي أهل العلم بالقرآن. والله أعلم بما أنكر منها عمر على هشام وما قرأ به عمر، فقد يمكن أن يكون هناك حروف أخرى لم تصل إلي، وليس كل من قرأ بشيء نقل ذلك عنه، ولكن إن فات من ذلك بشيء فهو النزر اليسير. كذا قال، والذي ذكرناه يزيد على ما ذكره مثله أو أكثر، ولكنا لا نتقلد عهدة ذلك، ومع ذلك فنقول يحتمل أن تكون بقيت أشياء لم يطلع عليها، على أني تركت أشياء مما يتعلق بصفة الأداء من الهمز والمد والروم والإشمام ونحو ذلك. ثم بعد كتابتي هذا وإسماعه وقفت على الكتاب الكبير المسمى "بالجامع الأكبر والبحر الأزخر" تأليف شيخ شيوخنا أبي القاسم عيسى بن عبد العزيز اللخمي الذي ذكر أنه جمع فيه سبعة آلاف رواية من طريق غير ما لا يليق. وهو في نحو ثلاثين مجلدة، فالتقطت منه ما لم يتقدم ذكره من الاختلاف فقارب قدر ما كنت ذكرته أولا وقد أوردته على ترتيب السورة قوله: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} قرأ أدهم السدوسي بالمثناة فوق قوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} قرأ سعيد بن يوسف بكسر الهمزة وفتح اللام بعدها ألف قوله: {ويمشي} قرأ العلاء بن شبابة وموسى بن إسحاق بضم أوله وفتح الميم وتشديد الشين المفتوحة، ونقل عن الحجاج بضم أوله وسكون الميم وبالسين المهملة المكسورة وقالوا هو تصحيف. قوله: {إِنْ تَتَّبِعُونَ} قرأ ابن أنعم بتحتانية أوله، وكذا محمد بن جعفر بفتح المثناة الأولى وسكون الثانية. قوله: "فلا يستطيعون" قرأ زهير بن

(9/36)


أحمد بمثناة من فوق. قوله: {جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} قرأ سالم بن عامر "جنات" بصيغة الجمع. قوله: {مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ} قرأ عبد الله بن سلام "مقرنين" بالتخفيف وقرأ سهل "مقرنون" بالتخفيف مع الواو. قوله: {أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ} قرأ أبو هشام "أم جنات" بصيغة الجمع. قوله: {عِبَادِي هَؤُلاءِ} قرأها الوليد بن مسلم بتحريك الياء. قوله: {نسُوا الذِّكْرَ} قرأ أبو مالك بضم النون وتشديد السين. قوله: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً} قرأ ابن مسعود "فما يستطيعون لكم" وأبي بن كعب "فما يستطيعون لك" حكى ذلك أحمد بن يحيى بن مالك عن عبد الوهاب عن هارون الأعور، وروى عن ابن الأصبهاني عن أبي بكر بن عياش وعن يوسف بن سعيد عن خلف ابن تميم عن زائدة كلاهما عن الأعمش بزيادة "لكم" أيضا. قوله: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ} قرأ يحيى بن واضح. "ومن يكذب" بدل يظلم ووزنها، وقرأها أيضا هارون الأعور "يكذب" بالتشديد. قوله: {عَذَاباً كَبِيراً} قرأ شعيب عن أبي حمزة بالمثلثة بدل الموحدة. قوله: {لَوْلا أُنْزِلَ} قرأ جعفر بن محمد بفتح الهمزة والزاي ونصب الملائكة. قوله: {عُتُوّاً كَبِيراً} قرئ "عتيا" بتحتانية بدل الواو، وقرأ أبو إسحاق الكوفي "كثيرا" بالمثلثة بدل الموحدة. قوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ} قرأ عبد الرحمن بن عبد الله "ترون" بالمثناة من فوق. قوله: {وَيَقُولُونَ} قرأ هشيم عن يونس "وتقولون" بالمثناة من فوق أيضا. قوله :{وَقَدِمْنَا} قرأ سعيد بن إسماعيل بفتح الدال. قوله: "إلى ما عملوا من عمل " قرأ الوكيعي "من عمل صالح" بزيادة "صالح". قوله: {هَبَاءً} قرأ محارب بضم الهاء مع المد، وقرأ نصر بن يوسف بالضم والقصر والتنوين، وقرأ ابن دينار كذلك لكن بفتح الهاء. قوله: {مُسْتَقَرّاً} قرأ طلحة بن موسى بكسر القاف. قوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ} قرأ أبو ضمام "ويوم" بالرفع والتنوين، وأبو وجرة بالرفع بلا تنوين، وقرأ عصمة عن الأعمش يوم "يرون السماء تشقق" بحذف الواو وزيادة يرون. قوله: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ} قرأ سليمان بن إبراهيم "الملك" بفتح الميم وكسر اللام. قوله: {الْحَقُّ} قرأ أبو جعفر بن بزيد بنصب الحق. قوله: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ} قرأ عامر بن نصير "تخذت". قوله: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} قرأ المعلى عن الجحدري بفتح النون والزاي مخففا، وقرأ زيد بن علي وعبيد الله بن خليد كذلك لكن مثقلا. قوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ} قرأها الحسن بن محمد بن أبي سعدان عن أبيه بالرفع. قوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} قرأ حامد الرمهرمزي "آيات" بالجمع. قوله: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ} قرأ سورة بن إبراهيم "القريات" بالجمع، وقرأ بهرام "القرية" بالتصغير مثقلا. قوله: {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} قرأ أبو حمزة عن شعبة بالمثناة من فوق فيهما. قوله: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ} قرأ عثمان بن المبارك بالمثناة من فوق فيهما قوله: {أَمْ تَحْسَبُ} قرأ حمزة بن حمزة بضم التحتانية وفتح السين المهملة. قوله :{سُبَاتاً} قرأ يوسف بن أحمد بكسر المهملة أوله وقال: معناه الراحة. قوله: {جِهَاداً كَبِيراً} قرأ محمد بن الحنفية بالمثلثة. قوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} قرأ ابن عرفة "مرج" بتشديد الراء. قوله: "هذا عذب" قرأ الحسن بن محمد بن أبي سعدان بكسر الذال المعجمة. قوله: {فَجَعَلَهُ نَسَباً} قرأ الحجاج بن يوسف سببا بمهملة ثم موحدتين. قوله: {أَنَسْجُدُ} قرأ أبو المتوكل بالتاء المثناة من فوق. قوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} قرأ الحسن بن محمد بن أبي سعدان عن أبيه "خلفه" بفتح الخاء وبالهاء ضمير يعود على الليل. قوله: {عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً} قرأ ابن السميفع بضم الهاء. قوله: {قَالُوا سَلاماً} قرأ حمزة بن عروة سلما بكسر السين وسكون اللام. قوله: {بَيْنَ ذَلِكَ} قرأ جعفر بن إلياس بضم النون وقال: هو

(9/37)


اسم كان. قوله: {لا يَدْعُونَ} قرأ جعفر بن محمد بتشديد الدال. قوله: {وَلا يَقْتُلُونَ} قرأ ابن جامع بضم أوله وفتح القاف وتشديد التاء المكسورة، وقرأها معاذ كذلك لكن بألف قبل المثناة. قوله: {أَثَاماً} قرأ عبد الله بن صالح العجلي عن حمزة "إثما" بكسر أوله وسكون ثانيه بغير ألف قبل الميم، وروي عن ابن مسعود بصيغة الجمع {أَثَاماً} قوله: {يُبَدِّلُ اللَّهُ} قرأ عبد الحميد عن أبي بكر وابن أبي عبلة وأبان وابن مجالد عن عاصم، وأبو عمارة والبرهمي عن الأعمش، بسكون الموحدة. قوله: {لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} قرأ أبو المظفر بنون بدل الراء قوله: {ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ} قرأ تميم بن زياد بفتح الذال والكاف. قوله: {بِآياتِ رَبِّهِمْ} قرأ سليمان بن يزيد "بآية" بالإفراد. قوله: {قُرَّةَ أَعْيُنٍ} قرأ معروف بن حكيم "قرة عين" بالإفراد وكذا أبو صالح من رواية الكلبي عنه لكن قال: "قرات عين".
قوله: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ} قرأ جعفر بن محمد "واجعل لنا من المتقين إماما". قوله :{يُجْزَوْنَ} قرأ أبي في رواية: "يجازون". قوله: {الغرفة} قرأ أبو حامد "الغرفات". قوله :{تحية} قرأ ابن عمير "تحيات" بالجمع. قوله: "وسلاما" قرأ الحارث "وسلما" في الموضعين. قوله: {مستقرا ومقاما} قرأ عمير بن عمران "ومقاما" بفتح الميم. قوله: {فقد كذبتم} قرأ عبد ربه بن سعيد بتخفيف الذال. فهذه ستة وخمسون موضعا ليس فيها من المشهور شيء، فليضف إلى ما ذكرته أولا فتكون جملتها نحوا من مائة وثلاثين موضعا، والله أعلم واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن بالشروط المتقدمة، وهي شروط لا بد من اعتبارها، فمتى اختل شرط منها لم تكن تلك القراءة معتمدة، وقد قرر ذلك أبو شامة في "الوجيز" تقريرا بليغا وقال: لا يقطع بالقراءة بأنها منزلة من عند الله إلا إذا اتفقت الطرق عن ذلك الإمام الذي قام بإمامة المصر بالقراءة وأجمع أهل عصره ومن بعدهم على إمامته في ذلك، قال: أما إذا اختلفت الطرق عنه فلا، فلو اشتملت الآية الواحدة على قراءات مختلفة مع وجود الشرط المذكور جازت القراءة بها بشرط أن لا يختل المعنى ولا يتغير الإعراب. وذكر أبو شامة في "الوجيز" أن فتوى وردت من العجم لدمشق سألوا عن قارئ يقرأ عشرا من القرآن فيخلط القراءات، فأجاب ابن الحاجب وابن الصلاح وغير واحد من أئمة ذلك العصر بالجواز بالشروط التي ذكرناها. كمن يقرأ مثلا {فتلقى آدم من ربه كلمات} فلا يقرأ لابن كثير بنصب آدم ولأبي عمرو بنصب كلمات، وكمن يقرأ: {نَغْفِرْ لَكُمْ} بالنون "خطاياتكم" بالرفع، قال أبو شامة: لا شك في منع مثل هذا، وما عداه فجائز والله أعلم. وقد شاع في زماننا من طائفة من القراء إنكار ذلك حتى صرح بعضهم بتحريمه فظن كثير من الفقهاء أن لهم في ذلك معتمدا فتابعوهم وقالوا: أهل كل فن أدرى بفنهم، وهذا ذهول ممن قاله، فإن علم الحلال والحرام إنما يتلقى من الفقهاء، والذي منع ذلك من القراء إنما هو محمول على ما إذا قرأ برواية خاصة فإنه متى خلطها كان كاذبا على ذلك القارئ الخاص الذي شرع في إقراء روايته، فمن أقرأ رواية لم يحسن أن ينتقل عنها إلى رواية أخرى كما قاله الشيخ محيي الدين، وذلك من الأولوية لا على الحتم، أما المنع على الإطلاق فلا، والله أعلم.

(9/38)


6- باب تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ
4993- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ

(9/38)


مَاهَكٍ قَالَ إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ قَالَتْ وَيْحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ قَالَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ قَالَتْ لِمَ قَالَ لَعَلِّي أُوَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ قَالَتْ وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لاَ تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا لاَ نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا وَلَوْ نَزَلَ لاَ تَزْنُوا لَقَالُوا لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ {بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلاَّ وَأَنَا عِنْدَهُ قَالَ فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ"
4994- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطه وَالأَنْبِيَاءِ إِنَّهُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ تِلاَدِي"
4995- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ سَمِعَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ تَعَلَّمْتُ {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
4996- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَقَدْ تَعَلَّمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ وَدَخَلَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ آخِرُهُنَّ الْحَوَامِيمُ حم الدُّخَانِ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ"
قوله: "باب تأليف القرآن" أي جمع آيات السورة الواحدة، أو جمع السور مرتبة في المصحف. قوله: "أن ابن جريج أخبرهم قال وأخبرني يوسف" كذا عندهم، وما عرفت ماذا عطف عليه، ثم رأيت الواو ساقطة في رواية النسفي، وكذا ما وقفت عليه من طرق هذا الحديث. قوله: "إذ جاءها عراقي" أي رجل من أهل العراق، ولم أقف على اسمه. قوله: "أي الكفن خير؟ قالت ويحك وما يضرك" ؟ لعل هذا العراقي كان سمع حديث سمرة المرفوع "البسوا من ثيابكم البياض وكفنوا فيها موتاكم فإنها أطهر وأطيب" وهو عند الترمذي مصححا، وأخرجه أيضا عن ابن عباس: فلعل العراقي سمعه فأراد أن يستثبت عائشة في ذلك، وكان أهل العراق اشتهروا بالتعنت في السؤال، فلهذا قال له عائشة: وما يضرك؟ تعني أي كفن كفنت فيه أجزأ. وقول ابن عمر الذي سأله عن دم البعوض مشهور حيث قال: انظروا إلى أهل العراق، يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "أؤلف عليه القرآن، فإنه يقرأ غير مؤلف" قال ابن كثير: كأن قصة هذا العراقي كانت قبل أن يرسل عثمان المصحف إلى الآفاق، كذا قال وفيه نظر، فإن يوسف بن ماهك لم يدرك زمان أرسل عثمان المصاحف إلى الآفاق، فقد ذكر المزي أن روايته عن أبي بن كعب مرسلة وأبي عاش بعد إرسال المصاحف على الصحيح، وقد صرح يوسف في

(9/39)


هذا الحديث أنه كان عند عائشة حين سألها هذا العراقي، والذي يظهر لي أن هذا العراقي كان ممن يأخذ بقراءة ابن مسعود، وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه كما سيأتي بيانه بعد الباب الذي يلي هذا، فكان تأليف مصحفه مغايرا لتأليف مصحف عثمان. ولا شك أن تأليف المصحف العثماني أكثر مناسبة من غيره، فلهذا أطلق العراقي أنه غير مؤلف، وهذا كله على أن السؤال إنما وقع عن ترتيب السور. ويدل على ذلك قولها له "وما يضرك أيه قرأت قبل" ويحتمل أن يكون أراد تفصيل آيات كل سورة لقوله في آخر الحديث: "فأملت عليه آي السور" أي آيات كل سورة كأن تقول له سورة كذا مثلا كذا كذا آية، الأولى كذا الثانية إلخ، وهذا يرجع إلى اختلاف عدد الآيات، وفيه اختلاف بين المدني والشامي والبصري، وقد اعتنى أئمة القراء بجمع ذلك وبيان الخلاف فيه، والأول أظهر - ويحتمل أن يكون السؤال وقع عن الأمرين والله أعلم. قال ابن بطال: لا نعلم أحدا قال بوجوب ترتيب السور في القراءة لا داخل الصلاة ولا خارجها، بل يجوز أن يقرأ الكهف قبل البقرة والحج قبل الكهف مثلا، وأما ما جاء عن السلف من النهي عن قراءة القرآن منكوسا فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها، وكان جماعة يصنعون ذلك في القصيدة من الشعر مبالغة في حفظها وتذليلا للسانه في سردها، فمنع السلف ذلك في القرآن فهو حرام فيه. وقال القاضي عياض في شرح حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاته في الليل بسورة النساء قبل آل عمران: هو كذلك في مصحف أبي بن كعب، وفيه حجة لمن يقول أن ترتيب السور اجتهاد وليس بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول جمهور العلماء واختاره القاضي الباقلاني قال: وترتيب السور ليس بواجب في التلاوة ولا في الصلاة ولا في الدرس ولا في التعليم فلذلك اختلفت المصاحف، فلما كتب مصحف عثمان رتبوه على ما هو عليه الآن، فلذلك اختلف ترتيب مصاحف الصحابة. ثم ذكر نحو كلام ابن بطال ثم قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن في المصحف توقيف من الله تعالى وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم. قوله: "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار" هذا ظاهره مغاير لما تقدم أن أول شيء نزل {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وليس فيها ذكر الجنة والنار، فلعل "من" مقدرة أي من أول ما نزل، أو المراد سورة المدثر فإنها أول ما نزل بعد فترة الوحي وفي آخرها ذكر الجنة والنار، فلعل آخرها نزل قبل نزول بقية سورة اقرأ، فإن الذي نزل أولا من اقرأ كما تقدم خمس آيات فقط. قوله: "حتى إذا ثاب" بالمثلثة ثم الموحدة أي رجع. قوله: "نزل الحلال والحرام" أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام، ولهذا قالت: "ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندعها" وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف، وسيأتي بيان المراد بالمفصل في الحديث الرابع. قوله: "لقد نزل بمكة إلخ" أشارت بذلك إلى تقوية ما ظهر لها من الحكمة المذكورة، وقد تقدم نزول سورة القمر - وليس فيها شيء من الأحكام - على نزول سورة البقرة والنساء مع كثرة ما اشتملتا عليه من الأحكام، وأشارت بقولها "وأنا عنده" أي بالمدينة، لأن دخولها عليه إنما كان بعد الهجرة اتفاقا، وقد تقدم ذلك في مناقبها. وفي الحديث رد على النحاس في زعمه أن سورة النساء مكية مستندا إلى قوله تعالى :{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} نزلت بمكة اتفاقا في قصة مفتاح الكعبة، لكنها حجة واهية، فلا يلزم من نزول آية أو آيات من سورة طويلة بمكة

(9/40)


إذا نزل معظمها بالمدينة أن تكون مكية، بل الأرجح أن جميع ما نزل بعد الهجرة معدود من المدني. وقد اعتنى بعض الأئمة ببيان ما نزل من الآيات بالمدينة في السور المكية. وقد أخرج ابن الضريس في "فضائل القرآن" من طريق عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عباس أن الذي نزل بالمدينة البقرة ثم الأنفال ثم الأحزاب ثم المائدة ثم الممتحنة والنساء ثم إذا زلزلت ثم الحديد ثم القتال ثم الرعد ثم الرحمن ثم الإنسان ثم الطلاق ثم إذا جاء نصر الله ثم النور ثم المنافقون ثم المجادلة ثم الحجرات ثم التحريم ثم الجاثية ثم التغابن ثم الصف ثم الفتح ثم براءة، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن سورة الكوثر مدنية فهو المعتمد، واختلف في الفاتحة والرحمن والمطففين وإذا زلزلت والعاديات والقدر وأرأيت والإخلاص والمعوذتين، وكذا اختلف مما تقدم في الصف والجمعة والتغابن، وهذا بيان ما نزل بعد الهجرة من الآيات مما في المكي، فمن ذلك الأعراف: نزل بالمدينة منها {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} إلى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ}". يونس: نزل منها بالمدينة {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} آيتان وقيل {وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} آية، وقيل من رأس أربعين إلى آخرها مدني. هود: ثلاث آيات {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ} {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ}". النخل {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا} الآية {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا} إلى آخر السورة. الإسراء {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ} {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي} {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ} {إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ} {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا}". الكهف: مكية إلا أولها إلى {جُرُزا} وآخرها من {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا}. مريم: آية السجدة. الحج: من أولها إلى {شَدِيدٌ} و " {مَنْ كَانَ يَظُنُّ} و {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} و {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ}، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ}، و {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} ، و {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} وما بعدها، وموضع السجدتين و {هَذَانِ خَصْمَانِ}. الفرقان: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} إلى {رَحِيماً} ، الشعراء: آخرها من {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ}. القصص: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} إلى {الْجَاهِلِينَ} و {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ}. العنكبوت: من أولها إلى {ويعلم المنافقين}. لقمان: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ}. ألم تنزيل: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً} وقيل من {تَتَجَافَى}. سبأ: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}. الزمر: {قُلْ يَا عِبَادِيَ} إلى {يَشْعُرُونَ}. المؤمن: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ} والتي تليها. الشورى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى} و {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ} إلى {شَدِيدٌ}. الجاثية: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا}. الأحقاف: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ} وقوله: {فَاصْبِرْ}. ق: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ} إلى {لُغُوبٍ}. النجم: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ} إلى {اتَّقَى}. الرحمن: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. الواقعة: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ}. ن: من {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} إلى {يَعْلَمُونَ} ومن {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} إلى {الصَّالِحِينَ}. المرسلات: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} فهذا ما نزل بالمدينة من آيات من سور تقدم نزولها بمكة. وقد بين ذلك حديث ابن عباس عن عثمان قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ينزل عليه الآيات فيقول: ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا". وأما عكس ذلك وهو نزول شيء من سورة بمكة تأخر نزول تلك السورة إلى المدينة فلم أره إلا نادرا، فقد اتفقوا على أن الأنفال مدنية، لكن قيل إن قوله تعالى :{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية نزلت بمكة ثم نزلت سورة الأنفال بالمدينة، وهذا غريب جدا. نعم نزل من السور المدنية التي تقدم ذكرها بمكة ثم نزلت سورة الأنفال بعد الهجرة في العمرة والفتح والحج

(9/41)


ومواضع متعددة في الغزوات كتبوك وغيرها أشياء كثيرة كلها تسمى المدني اصطلاحا والله أعلم. حديث ابن مسعود، تقدم شرحه في تفسير سبحان وفي الأنبياء، والغرض منه هنا أن هذه السور نزلن بمكة وأنها مرتبة في مصحف ابن مسعود كما هي في مصحف عثمان، ومع تقديمهن في النزول فهن مؤخرات في ترتيب المصاحف. والمراد بالعتاق وهو بكسر المهملة أنهن من قديم ما نزل." تعلمت سورة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم: "هو طرف من حديث تقدم شرحه في أحاديث الهجرة، والغرض منه أن هذه السورة متقدمة النزول، وهي في أواخر المصحف مع ذلك. قوله: "عن شقيق" هو ابن سلمة وهو أبو وائل مشهور بكنيته أكثر من اسمه: وفي رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عن الأعمش "سمعت أبا وائل" أخرجه الترمذي. قوله: "قال عبد الله" سيأتي في "باب الترتيل" بلفظ: "غدونا على عبد الله" وهو ابن مسعود. قوله: "لقد تعلمت النظائر" تقدم شرحه مستوفى في "باب الجمع بين سورتين في الصلاة" من أبواب صفة الصلاة، وفيه أسماء السور المذكورة، وأن فيه دلالة على أن تأليف مصحف ابن مسعود على غير تأليف العثماني، وكان أوله الفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ولم يكن على ترتيب النزول، ويقال إن مصحف على كان على ترتيب النزول أوله اقرأ ثم المدثر ثم ن والقلم ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير ثم سبح وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني والله أعلم. وأما ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بترتيبه هكذا، ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصحابة، ثم رجح الأول بما سيأتي في الباب الذي بعد هذا أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يعارض به جبريل في كل سنة. فالذي يظهر أنه عارضه به هكذا على هذا الترتيب، وبه جزم ابن الأنباري، وفيه نظر، بل الذي يظهر أنه كان يعارضه به على ترتيب النزول. نعم ترتيب بعض السور على بعض أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفا وإن كان بعضه من اجتهاد بعض الصحابة، وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس قال: "قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المبين فقرنتم بهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ينزل عليه السورة ذات العدد، فإذا نزل عليه الشيء - يعني منها - دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن وكان قصتها شبيهة بها فظننت أنها منها. فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ا ه. فهذا يدل على أن ترتيب الآيات في كل سورة كان توقيفا، ولما لم يفصح النبي صلى الله عليه وسلم بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهادا منه رضي الله تعالى عنه. ونقل صاحب" الإقناع "أن البسملة لبراءة ثابتة في مصحف ابن مسعود، قال: ولا يؤخذ بهذا. وكان من علامة ابتداء السورة نزول {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أول ما ينزل شيء منها كما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم السورة حتى ينزل {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}" وفي رواية: "فإذا نزلت بسم الرحمن الرحيم علموا أن السورة قد انقضت" ومما يدل على أن ترتيب المصحف كان توقيفا ما أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي قال: "كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف" فذكر الحديث وفيه: "فقال لنا رسول صلى الله عليه وسلم: طرأ علي حزبي من القرآن فأردت

(9/42)


أن لا أخرج حتى أقضيه. قال فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة وثلاث عشرة، وحزب المفصل من ق حتى تختم. قلت: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن الذي كان مرتبا حينئذ حزب المفصل خاصة، بخلاف ما عداه فيحتمل أن يكون كان فيه تقديم وتأخير كما ثبت من حديث حذيفة "أنه صلى الله عليه وسلم قرأ النساء بعد البقرة قبل آل عمران" ويستفاد من هذا الحديث - حديث أوس - أن الراجح في المفصل أنه من أول سورة ق إلى آخر القرآن، لكنه مبني على أن الفاتحة لم تعد في الثلث الأول فإنه يلزم من عدها أن يكون أول المفصل من الحجرات وبه جزم جماعة من الأئمة، وقد نقلنا الاختلاف في تحديده في "باب الجهر بالقراءة في المغرب" من أبواب صفة الصلاة، والله أعلم.

(9/43)


7- باب كَانَ جِبْرِيلُ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَالَ مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَم أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ حَضَرَ أَجَلِي"
4997- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ"
4998- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَام الَّذِي قُبِضَ فِيهِ"
قوله: "باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم" بكسر الراء من العرض وهو بفتح العين وسكون الراء أي يقرأ، والمراد يستعرضه ما أقرأه إياه. قوله: "وقال مسروق عن عائشة عن فاطمة قالت: أسر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يعارضني بالقرآن" هذا طرف من حديث وصله بتمامه في علامات النبوة، وتقدم شرحه في "باب الوفاة النبوية" من آخر المغازي، وتقدم بيان فائدة المعارضة في الباب الذي قبله. والمعارضة مفاعلة من الجانبين كأن كلا منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع. قوله: "وأنه عارضني" في رواية السرخسي "وأني عارضني". قوله: "إبراهيم بن سعد عن الزهري" تقدم في الصيام من وجه آخر عن إبراهيم بن سعد قال أنبأنا الزهري، وإبراهيم بن سعد سمع من الزهري ومن صالح بن كيسان عن الزهري، وروايته على الصفتين تكررت في هذا الكتاب كثيرا وقد تقدمت فوائد حديث ابن عباس هذا في بدء الوحي فنذكر هنا نكتا مما لم يتقدم. قوله "كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود

(9/43)


الناس" فيه احتراس بليغ لئلا يتخيل من قوله: "وأجود ما يكون في رمضان" أن الأجودية خاصة منه برمضان فيه فأثبت له الأجودية المطلقة أولا ثم عطف عليها زيادة ذلك في رمضان. قوله: "وأجود ما يكون في رمضان" تقدم في بدء الوحي من وجه آخر عن الزهري بلفظ: "وكان أجود ما يكون في رمضان" وتقدم أن المشهور في ضبط أجود أنه بالرفع وأن النصب موجه، وهذه. الرواية مما تؤيد الرفع. قوله: "لأن جبريل كان يلقاه" فيه بيان سبب الأجودية المذكورة، وهي أبين من الرواية التي في بدء الوحي بلفظ: "وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل". قوله: "في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ" أي رمضان، وهذا ظاهر في أنه كان يلقاه كذلك في كل رمضان منذ أنزل عليه القرآن ولا يختص ذلك برمضانات الهجرة، وإن كان صيام شهر رمضان إنما فرض بعد الهجرة لأنه كان يسمى رمضان قبل أن يفرض صيامه. قوله: "يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن" هذا عكس ما وقع في الترجمة لأن فيها أن جبريل كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض على جبريل، وتقدم في بدء الوحي بلفظ: "وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن" فيحمل على أن كلا منهما كان يعرض على الآخر، ويؤيده ما وقع في رواية أبي هريرة آخر أحاديث الباب كما سأوضحه. وفي الحديث إطلاق القرآن على بعضه وعلى معظمه، لأن أول رمضان من بعد البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده، إلى رمضان الأخير فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور، وكان في سنة عشر إلى أن مات النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ومما نزل في تلك المدة قوله تعالى :{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فإنها نزلت يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم بها بالاتفاق، وقد تقدم في هذا الكتاب، وكأن الذي نزل في تلك الأيام لما كان قليلا بالنسبة لما تقدم اغتفر أمر معارضته، فيستفاد من ذلك أن القرآن يطلق على البعض مجازا، ومن ثم لا يحنث من حلف ليقرأن القرآن فقرأ بعضه، إلا إن قصد الجميع. واختلف في العرضة الأخيرة هل كانت بجميع الأحرف المأذون في قراءتها أو بحرف واحد منها؟ وعلى الثاني فهل هو الحرف الذي جمع عليه عثمان جميع الناس أو غيره؟ وقد روى أحمد وابن أبي داود والطبري من طريق عبيدة بن عمرو السلماني "أن الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة" ومن طريق محمد بن سيرين قال: "كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن - الحديث نحو حديث ابن عباس وزاد في آخره -: فيرون أن قراءتنا أحدث القراءات عهدا بالعرضة الأخيرة". وعند الحاكم نحوه من حديث سمرة وإسناده حسن، وقد صححه هو ولفظه: "عرض القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضات، ويقولون إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة" ومن طريق مجاهد "عن ابن عباس قال: أي القراءتين ترون كان آخر القراءة؟ قالوا: قراءة زيد ابن ثابت، فقال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن كل سنة على جبريل، فلما كان في السنة التي قبض فيها عرضه عليه مرتين وكانت قراءة ابن مسعود آخرهما" وهذا يغاير حديث سمرة ومن وافقه، وعند مسدد في مسنده من طريق إبراهيم النخعي "أن ابن عباس سمع رجلا يقول: الحرف الأول، فقال: ما الحرف الأول؟ قال إن عمر بعث ابن مسعود إلى الكوفة معلما فأخذوا بقراءته فغير عثمان القراءة، فهم يدعون قراءة ابن مسعود الحرف الأول، فقال ابن عباس: إنه لآخر حرف عرض به النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل" وأخرج النسائي من طريق أبي ظبيان قال: "قال لي ابن عباس: أي القراءتين تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن أم عبد - يعني عبد الله بن مسعود - قال: بل هي الأخيرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض

(9/44)


على جبريل - الحديث وفي آخره - فحضر ذلك ابن مسعود فعلم ما نسخ من ذلك وما بدل" وإسناده صحيح، ويمكن الجمع بين القولين بأن تكون العرضتان الأخيرتان وقعتا بالحرفين المذكورين. فيصح إطلاق الآخرية على كل منهما. قوله: "أجود بالخير من الريح المرسلة" فيه جواز المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنوي بالمحسوس ليقرب لفهم سامعه، وذلك أنه أثبت له أولا وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ في ذلك منها، لأن الريح قد تسكن. وفيه الاحتراس لأن الريح منها العقيم الضارة ومنها المبشرة بالخير فوصفها بالمرسلة ليعين الثانية، وأشار إلى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً} 1 {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} ونحو ذلك، فالريح المرسلة تستمر مدة إرسالها، وكذا كان عمله صلى الله عليه وسلم في رمضان ديمة لا ينقطع، وفيه استعمال أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي، لأن الجود من النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة ومن الريح مجاز فكأنه استعار للريح جودا باعتبار مجيئها بالخير فأنزلها منزلة من جاد، وفي تقديم معمول أجود على المفضل عليه نكتة لطيفة، وهي أنه لو أخره لظن تعلقه بالمرسلة، وهذا وإن كان لا يتغير به المعنى المراد بالوصف من الأجودية إلا أنه تفوت فيه المبالغة لأن المراد وصفه بزيادة الأجودية على الريح المرسلة مطلقا. وفي الحديث من الفوائد غير ما سبق تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن فيه، ثم معارضته ما نزل منه فيه، ويلزم من ذلك كثر، نزول جبريل فيه. وفي كثرة نزوله من توارد الخيرات والبركات ما لا يحصى، ويستفاد منه أن فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة. وفيه أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير. وفيه استحباب تكثير العبادة في آخر العمر، ومذاكرة الفاضل بالخير والعلم وإن كان هو لا يخفى عليه ذلك لزيادة التذكرة والاتعاظ. وفيه أن ليل رمضان أفضل من نهاره، وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء فيقرأ كل ليلة جزءا في جزء من الليلة، والسبب في ذلك ما كان يشتغل به في كل ليلة من سوى ذلك من تهجد بالصلاة ومن راحة بدن ومن تعاهد أهل، ولعله كان يعيد ذلك الجزء مرارا بحسب تعدد الحروف المأذون في قراءتها ولتستوعب بركة القرآن جميع الشهر، ولولا التصريح بأنه كان يعرضه مرة واحدة وفي السنة الأخيرة عرضه مرتين لجاز أنه كان يعرض جميع ما نزل عليه كل ليلة ثم يعيده في بقية الليالي. وقد أخرج أبو عبيد من طريق داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: قوله تعالى :{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} أما كان ينزل عليه في سائر السنة؟ قال: بلى. ولكن جبريل كان يعارض مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان ما أنزل الله فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء. ففي هذا إشارة إلى الحكمة في التقسيط الذي أشرت إليه لتفصيل ما ذكره من المحكم والمنسوخ. ويؤيده أيضا الرواية الماضية في بدء الخلق بلفظ: "فيدارسه القرآن" فإن ظاهره أن كلا منهما كان يقرأ على الآخر، وهي موافقة لقوله: "يعارضه" فيستدعي ذلك زمانا زائدا على ما لو قرأ الواحد، ولا يعارض ذلك قوله تعالى :{سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} إذا قلنا إن "لا" نافية كما هو المشهور وقول الأكثر، لأن المعنى أنه إذا أقرأه فلا ينسى ما أقرأه، ومن جملة الإقراء مدارسة جبريل، أو المراد أن المنفي بقوله: {فَلا تَنْسَى} النسيان الذي لا ذكر بعده لا النسيان الذي يعقبه الذكر في الحال حتى لو قدر
ـــــــ
(1 )في الأصل "مبشرات" والتصحيح من سورة الأعراف57، وأما "مبشرات" فآية أرخى في سورة الروم 46.

(9/45)


أنه نسى شيئا فإنه يذكره إياه في الحال، وسيأتي مزيد بيان لذلك في "باب نسيان القرآن" إن شاء الله تعالى. وقد تقدمت بقية فوائد حديث ابن عباس في بدء الوحي. قوله: "حدثنا خالد بن يزيد" هو الكاهلي، وأبو بكر هو ابن عياش بالتحتانية والمعجمة. وأبو حصين بفتح أوله عثمان بن عاصم، وذكوان هو أبو صالح السمان. قوله: "كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم" كذا لهم بضم أوله على البناء للمجهول، وفي بعضها بفتح أوله بحذف الفاعل، فالمحذوف هو جبريل صرح به إسرائيل في روايته عن أبي حصين أخرجه الإسماعيلي ولفظه: "كان جبريل يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في كل رمضان" وإلى هذه الرواية أشار المصنف في الترجمة. قوله: "القرآن كل عام مرة" سقط لفظ: "القرآن" لغير الكشميهني، زاد إسرائيل عند الإسماعيلي: "فيصبح وهو أجود بالخير من الريح المرسلة" وهذه الزيادة غريبة في حديث أبي هريرة، وإنما هي محفوظة من حديث ابن عباس. قوله: "فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه" في رواية إسرائيل "عرضتين" وقد تقدم ذكر الحكمة في تكرار العرض في السنة الأخيرة، ويحتمل أيضا أن يكون السر في ذلك أن رمضان من السنة الأولى لم يقع فيه مدارسة لوقوع ابتداء النزول في رمضان، ثم فتر الوحي ثم تتابع فوقعت المدارسة في السنة الأخيرة مرتين ليستوي عدد السنين والعرض. قوله: "وكان يعتكف في كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه" ظاهره أنه اعتكف عشرين يوما من رمضان وهو مناسب لفعل جبريل حيث ضاعف عرض القرآن في تلك السنة، ويحتمل أن يكون السبب ما تقدم في الاعتكاف أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتكف عشرا فسافر عاما فلم يعتكف فاعتكف من قابل عشرين يوما، وهذا إنما يتأتى في سفر وقع في شهر رمضان "وكان رمضان من سنة تسع دخل وهو صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وهذا بخلاف القصة المتقدمة في كتاب الصيام أنه شرع في الاعتكاف في أول العشر الأخير فلما رأى ما صنع أزواجه من ضرب الأخبية تركه ثم اعتكف عشرا في شوال، ويحتمل اتحاد القصة، ويحتمل أيضا أن تكون القصة التي في حديث الباب هي التي أوردها مسلم وأصلها عند البخاري من حديث أبي سعيد قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاوز العشر التي في وسط الشهر، فإذا استقبل إحدى وعشرين رجع، فأقام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها ثم قال: إني كنت أجاور هذه العشر الوسط ثم بدا لي أن أجاور العشر الأواخر، فجاور العشر الأخير" الحديث، ليكون المراد بالعشرين العشر الأوسط والعشر الأخير.

(9/46)


باب القراءة من أصحاب النبي صلى الله وعليه وسلم
...
8- باب الْقُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
4999- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ لاَ أَزَالُ أُحِبُّهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ"
5000- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ خَطَبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ قَالَ شَقِيقٌ فَجَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ فَمَا سَمِعْتُ رَادًّاً

(9/46)


يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ"
5001- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ رَجُلٌ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحْسَنْتَ وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ فَقَالَ أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَتَشْرَبَ الْخَمْرَ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ"
5002- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ وَلاَ أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ"
5003- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنْ الأَنْصَارِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ تَابَعَهُ الْفَضْلُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ"
5004- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَثُمَامَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَجْمَعْ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ قَالَ وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ"
5005- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ أُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَيٍّ وَأُبَيٌّ يَقُولُ أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ أَتْرُكُهُ لِشَيْءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}"
قوله: "باب القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي الذين اشتهروا بحفظ القرآن والتصدي لتعليمه، وهذا اللفظ كان في عرف السلف أيضا لمن تفقه في القرآن. وذكر فيه ستة أحاديث الأول عن عمرو هو ابن مرة، وقد نسبه المصنف في المناقب من هذا الوجه، وذهل الكرماني. فقال: هو عمرو بن عبد الله أبو إسحاق السبيعي، وليس كما قال. قوله: "عن مسروق" جاء عن إبراهيم وهو النخعي فيه شيخ آخر أخرجه الحاكم من طريق أبي سعيد المؤدب عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، وهو مقلوب فإن المحفوظ في هذا عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق كما تقدم في المناقب، ويحتمل أن يكون إبراهيم حمله عن شيخين والأعمش حمله عن شيخين. قوله: "خذوا القرآن من أربعة" أي تعلموه منهما، والأربعة المذكورون اثنان من المهاجرين وهما المبدأ بهما واثنان من الأنصار، وسالم هو ابن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ هو ابن جبل. وقد تقدم هذا الحديث في مناقب سالم مولى أبي حذيفة من هذا الوجه وفي أوله "ذكر عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو فقال: ذاك رجل لا أزال أحبه

(9/47)


بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خذوا القرآن من أربعة فبدأ به" فذكر حديث الباب. ويستفاد منه محبة من يكون ماهرا في القرآن، وأن البداءة بالرجل في الذكر على غيره في أمر اشترك فيه مع غيره يدل على تقدمه فيه، وتقدم بقية شرحه هناك. وقال الكرماني: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد الإعلام بما يكون بعده، أي أن هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك، وتعقب بأنهم لم ينفردوا بل الذين مهروا في تجويد القرآن بعد العصر النبوي أضعاف المذكورين، وقد قتل سالم مولى أبي حذيفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة اليمامة، ومات معاذ في خلافة عمر، ومات أبي وابن مسعود في خلافة عثمان، وقد تأخر زيد بن ثابت وانتهت إليه الرياسة في القراءة وعاش بعدهم زمانا طويلا، فالظاهر أنه أمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صدر فيه ذلك القول، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل كان الذين يحفظون مثل الذين حفظوه وأزيد منهم جماعة من الصحابة، وقد تقدم في غزوة بئر معونة أن الذين قتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم القراء وكانوا سبعين رجلا. قوله: "حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي" كذا للأكثر، وحكى الجياني أنه وقع في رواية الأصيلي عن الجرجاني "حدثنا حفص بن عمر حدثنا أبي" وهو خطأ مقلوب، وليس لحفص بن عمر أب يروي عنه في الصحيح، وإنما هو عمر بن حفص بن غياث بالغين المعجمة والتحتانية والمثلثة، وكان أبوه قاضي الكوفة، وقد أخرج أبو نعيم الحديث المذكور في "المستخرج" من طريق سهل بن بحر عن عمر بن حفص بن غياث ونسبه ثم قال: أخرجه البخاري عن عمر بن حفص. قوله: "حدثنا شقيق بن سلمة" في رواية مسلم والنسائي جميعا عن إسحاق عن عبدة عن الأعمش عن أبي وائل وهو شقيق المذكور، وجاء عن الأعمش فيه شيخ آخر أخرجه النسائي عن الحسن بن إسماعيل عن عبدة بن سليمان عنه عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم عن ابن مسعود، فإن كان محفوظا احتمل أن يكون للأعمش فيه طريقان، وإلا فإسحاق وهو ابن راهويه أتقن من الحسن بن إسماعيل، مع أن المحفوظ عن أبي إسحاق فيه ما أخرجه أحمد وابن أبي داود من طريق الثوري وإسرائيل وغيرهما عن أبي إسحاق عن خمير بالخاء المعجمة مصغر عن ابن مسعود، فحصل الشذوذ في رواية الحسن بن إسماعيل في موضعين. قوله: "خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة" زاد عاصم عن بدر عن عبد الله "وأخذت بقية القرآن عن أصحابه" وعند إسحاق بن راهويه في روايته المذكورة في أوله {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ثم قال: على قراءة من تأمرونني أن أقرأ وقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فذكر الحديث. وفي رواية النسائي وأبي عوانة وابن أبي داود من طريق ابن شهاب عن الأعمش عن أبي وائل قال: "خطبنا عبد الله بن مسعود على المنبر فقال: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} غلوا مصاحفكم، وكيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله" وفي رواية خمير بن مالك المذكورة بيان السبب في قول ابن مسعود هذا ولفظه: "لما أمر بالمصاحف أن تغير ساء ذلك عبد الله بن مسعود فقال من استطاع - وقال في آخره - أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وفي رواية له فقال: "إني غال مصحفي، فمن استطاع أن يغل مصحفه فليفعل" وعند الحاكم من طريق أبي ميسرة قال: "رحت فإذا أنا بالأشعري وحذيفة وابن مسعود، فقال ابن مسعود: والله لا أدفعه - يعني مصحفه أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فذكره. قوله: "والله لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله" وقع في رواية عبدة وأبي شهاب جميعا عن الأعمش "أني أعلمهم بكتاب الله" بحذف "من" وزاد: "ولو أعلم

(9/48)


أن أحدا أعلم مني لرحلت إليه" وهذا لا ينفي إثبات "من" فإنه نفى الأغلبية ولم ينف المساواة، وسيأتي مزيد لذلك في الحديث الرابع. قوله: "وما أنا بخيرهم" يستفاد منه أن الزيادة في صفة من صفات الفضل لا تقتضي الأفضلية المطلقة، فالأعلمية بكتاب الله لا تستلزم الأعلمية المطلقة، بل يحتمل أن يكون غيره أعلم منه بعلوم أخرى فلهذا قال: "وما أنا بخيرهم" وسيأتي في هذا بحث في "باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه" إن شاء الله تعالى. قوله: "قال شقيق" أي بالإسناد المذكور: "فجلست في الحلق" بفتح المهملة واللام "فما سمعت رادا يقول غير ذلك" يعني لم يسمع من يخالف ابن مسعود يقول غير ذلك، أو المراد من يرد قوله ذلك. ووقع في رواية مسلم: "قال شقيق فجلست في حلق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما سمعت أحدا يرد ذلك ولا يعيبه" وفي رواية أبي شهاب "فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق فما أحد ينكر ما قال:" وهذا يخصص عموم قوله: "أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: "بمن كان منهم بالكوفة ولا يعارض ذلك ما أخرجه ابن أبي داود من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود فذكر نحو حديث الباب وفيه: "قال الزهري: فبلغني أن ذلك كرهه من قول ابن مسعود رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأنه محمول على أن الذين كرهوا ذلك من غير الصحابة الذين شاهدهم شقيق بالكوفة، ويحتمل اختلاف الجهة. فالذي نفى شقيق أن أحدا رده أو عابه وصف ابن مسعود بأنه أعلمهم بالقرآن، والذي أثبته الزهري ما يتعلق بأمره بغل المصاحف، وكأن مراد ابن مسعود بغل المصاحف كتمها وإخفاؤها لئلا تخرج فتعدم وكأن ابن مسعود رأى خلاف ما رأى عثمان ومن وافقه في الاقتصار على قراءة واحدة وإلغاء ما عدا ذلك، أو كان لا ينكر الاقتصار لما في عدمه من الاختلاف، بل كان يزيد أن تكون قراءته هي التي يعول عليها دون غيرها لما له من المزية في ذلك مما ليس لغيره كما يؤخذ ذلك من ظاهر كلامه، فلما فاته ذلك ورأى أن الاقتصار على قراءة زيد ترجيح بغير مرجح عنده اختار استمرار القراءة على ما كانت عليه، على أن ابن أبي داود ترجم "باب رضي ابن مسعود بعد ذلك بما صنع عثمان" لكن لم يورد ما يصرح بمطابقة ما ترجم به. قوله: "كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف" هذا ظاهره أن علقمة حضر القصة، وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه، وأخرجه أبو نعيم من طريق يوسف القاضي عن محمد بن كثير فقال فيه: "عن علقمة قال: كان عبد الله بحمص" وقد أخرجه مسلم من طريق جرير عن الأعمش ولفظه: "عن عبد الله بن مسعود قال: كنت بحمص، فقرأت" فذكر الحديث، وهذا يقتضي أن علقمة لم يحضر القصة وإنما نقلها عن ابن مسعود، وكذا أخرجه أبو عوانة من طرق عن الأعمش ولفظه: "كنت جالسا بحمص" وعند أحمد عن أبي معاوية عن الأعمش قال:" عن عبد الله أنه قرأ سورة يوسف" ورواية أبي معاوية عند مسلم لكن أحال بها. قوله:" فقال رجل ما هكذا أنزلت" لم أقف على اسمه، وقد قيل إنه نهيك بن سنان الذي تقدمت له مع ابن مسعود في القرآن قصة غير هذه، لكن لم أر ذلك صريحا. وفي رواية مسلم:" فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأت عليهم سورة يوسف، فقال رجل من القوم: ما هكذا أنزلت: {فإن كان السائل هو القائل وإلا ففيه مبهم آخر. قوله:" فقال قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية مسلم:" فقلت ويحك، والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله:" ووجد منه ريح الخمر" هي جملة حالية، ووقع في رواية مسلم:" فبينما أنا أكلمه إذ وجدت منه ريح الخمر". قوله:" فضربه الحد" في رواية مسلم:" فقلت لا تبرح حتى أجلدك، قال فجلدته الحد" قال النووي: هذا محمول على أن ابن مسعود كانت

(9/49)


له ولاية إقامة الحدود نيابة عن الإمام، إما عموما وإما خصوصا، وعلى أن الرجل اعترف بشربها بلا عذر، وإلا فلا يجب الحد بمجرد ريحها. وعلى أن التكذيب كان بإنكار بعضه جاهلا، إذ لو كذب به حقيقة لكفر، فقد أجمعوا على أن من جحد حرفا مجمعا عليه من القرآن كفر ا ه، والاحتمال الأول جيد، ويحتمل أيضا أن يكون قوله:" فضربه الحد" أي رفعه إلى الأمير فضربه فأسند الضرب إلى نفسه مجازا لكونه كان سببا فيه. وقال القرطبي: إنما أقام عليه الحد لأنه جعل له ذلك من له الولاية، أو لأنه رأى أنه قام عن الإمام بواجب، أو لأنه كان ذلك في زمان ولايته الكوفة فإنه وليها في زمن عمر وصدرا من خلافة عثمان انتهى، والاحتمال الثاني موجه، وفي الأخير غفلة عما في أول الخبر أن ذلك كان بحمص، ولم يلها ابن مسعود وإنما دخلها غازيا وكان ذلك في خلافة عمر. وأما الجواب الثاني عن الرائحة فيرده النقل عن ابن مسعود أنه كان يرى وجوب الحد بمجرد وجود الرائحة، وقد وقع مثل ذلك لعثمان في قصة الوليد بن عقبة، ووقع عند الإسماعيلي إثر هذا الحديث النقل عن علي أنه أنكر على ابن مسعود جلده الرجل بالرائحة وحدها إذ لم يقر ولم يشهد عليه. وقال القرطبي: في الحديث حجة على من يمنع وجوب الحد بالرائحة كالحنفية وقد قال به مالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز. قلت: والمسألة خلافية شهيرة، وللمانع أن يقول: إذا احتمل أن يكون أقر سقط الاستدلال بذلك، ولما حكى الموفق في" المغني" الخلاف في وجوب الحد بمجرد الرائحة اختار أن لا يحد بالرائحة وحدها بل لا بد معها من قرينة كأن يوجد سكران أو يتقيأها، ونحوه أن يوجد جماعة شهروا بالفسق ويوجد معهم خمر ويوجد من أحدهم رائحة الخمر، وحكى ابن المنذر عن بعض السلف أن الذي يجب عليه الحد بمجرد الرائحة من يكون مشهورا بإدمان شرب الخمر وقيل بنحو هذا التفصيل فيمن شك وهو في الصلاة هل خرج منه ريح أو لا فإن قارن ذلك وجود رائحة دل ذلك على وجود الحدث فيتوضأ وإن كان في الصلاة فلينصرف، ويحمل ما ورد من ترك الوضوء مع الشك على ما إذا تجرد الظن عن القرينة، وسيكون لنا عودة إلى هذه المسألة في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. وأما الجواب عن الثالث فجيد أيضا، لكن يحتمل أن يكون ابن مسعود كان لا يرى بمؤاخذة السكران بما يصدر منه من الكلام في حال سكره. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الرجل كذب ابن مسعود ولم يكذب بالقرآن، وهو الذي يظهر من قوله:" ما هكذا أنزلت: فإن ظاهره أنه أثبت إنزالها ونفى الكيفية التي أوردها ابن مسعود. وقال الرجل ذلك إما جهلا منه أو قلة حفظ أو عدم تثبت بعثه عليه السكر، وسيأتي مزيد بحث في ذلك في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى. قوله:" حدثنا مسلم" هو أبو الضحى الكوفي، وقع كذلك في رواية أبي حمزة عن الأعمش عند الإسماعيلي، وفي طبقة مسلم هذا رجلان من أهل الكوفة يقال لكل منهما مسلم أحدهما يقال له الأعور والآخر يقال له البطين، فالأول هو مسلم بن كيسان والثاني مسلم بن عمران، ولم أر لواحد منهما رواية عن مسروق فإذا أطلق مسلم عن مسروق عرف أنه هو أبو الضحى، ولو اشتركوا في أن الأعمش روى عن الثلاثة. قوله:" قال عبد الله" في رواية قطبة عن الأعمش عند مسلم:" عن عبد الله بن مسعود". قوله:" والله" في رواية جرير عن الأعمش عند ابن أبي داود" قال عبد الله لما صنع بالمصاحف ما صنع: والله إلخ". قوله:" فيمن أنزلت" في رواية الكشميهني:" فيما أنزلت: {ومثله في رواية قطبة وجرير: قوله:" ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل" في رواية الكشميهني:" تبلغنيه" وهي رواية جرير. قوله:" لركبت إليه" تقدم في الحديث الثاني بلفظ:" لرحلت إليه" ولأبي عبيدة من طريق ابن سيرين" نبئت

(9/50)


أن ابن مسعود قال: لو أعلم أحدا تبلغنيه الإبل أحدث عهدا بالعرضة الأخيرة مني لأتيته - أو قال - لتكلفت أن أتيه" وكأنه احترز بقوله تبلغنيه الإبل عمن لا يصل إليه على الرواحل إما لكونه كان لا يركب البحر فقيد بالبر أو لأنه كان جازما بأنه لا أحد يفوقه في ذلك من البشر فاحترز عن سكان السماء. وفي الحديث جواز ذكر الإنسان نفسه بما فيه من الفضيلة بقدر الحاجة، ويحمل ما ورد من ذم ذلك على من وقع ذلك منه فخرا أو إعجابا. حديث أنس، ذكره من وجهين قوله:" سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار" في رواية الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في أول الحديث:" افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقال الأوس: منا أربعة: من اهتز له العرش سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة ابن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدبر عاصم بن ثابت. فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم. فذكرهم. قوله:" وأبو زيد" تقدم في مناقب زيد بن ثابت من طريق شعبة عن قتادة" قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي" وتقدم بيان الاختلاف في اسم أبي زيد هناك وجوزت هناك أن لا يكون لقول أنس" أربعة" مفهوم، لكن رواية سعيد التي ذكرتها الآن من عند الطبري صريحة في الحصر، وسعيد ثبت في قتادة. ويحتمل مع ذلك أن مراد أنس" لم يجمعه غيرهم" أي من الأوس بقرينة المفاخرة المذكورة، ولم يرد نفي ذلك عن المهاجرين، ثم في رواية سعيد أن ذلك من قول الخزرج، ولم يفصح باسم قائل ذلك، لكن لما أورده أنس ولم يتعقبه كان كأنه قائل به ولا سيما وهو من الخزرج. وقد أجاب القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره عن حديث أنس هذا بأجوبة: أحدها أنه لا مفهوم له، فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جمعه. ثانيها المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بها إلا أولئك. ثالثها لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ إلا أولئك، وهو قريب من الثاني، رابعها أن المراد بجمعه تلقيه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بواسطة، بخلاف غيرهم فيحتمل أن يكون تلقى بعضه بالواسطة. خامسها أنهم تصدوا لإلقائه وتعليمه فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عمن عرف حالهم فحصر ذلك فيهم بحسب علمه، وليس الأمر في نفس الأمر كذلك، أو يكون السبب في خفائهم أنهم خافوا غائلة الرياء والعجب، وأمن ذلك من أظهره. سادسها المراد بالجمع الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا عن ظهر قلب، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة وحفظوه عن ظهر قلب. سابعها المراد أن أحدا لم يفصح بأنه جمعه بمعنى أكمل حفظه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أولئك، بخلاف غيرهم فلم يفصح بذلك لأن أحدا منهم لم يكمله إلا عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت آخر آية منه، فلعل هذه الآية الأخيرة وما أشبهها ما حضرها إلا أولئك الأربعة ممن جمع جميع القرآن قبلها، وإن كان قد حضرها من لم يجمع غيرها الجمع البين. ثامنها أن المراد بجمعه السمع والطاعة له والعمل بموجبه. وقد أخرج أحمد في الزهد من طريق أبي الزاهرية" أن رجلا أتى أبا الدرداء فقال: إن ابني جمع القرآن، فقال: اللهم غفرا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع" وفي غالب هذه الاحتمالات تكلف ولا سيما الأخير وقد أومأت قبل هذا إلى احتمال آخر، وهو أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فقط، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين من المهاجرين ومن جاء بعدهم، ويحتمل أن يقال: إنما اقتصر عليهم أنس لتعلق غرضه بهم، ولا يخفى بعده. والذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر كان يحفظ القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تقدم في المبعث أنه بنى مسجدا بفناء داره فكان يقرأ فيه القرآن، وهو محمول على ما كان نزل منه إذ ذاك، وهذا مما لا يرتاب فيه

(9/51)


مع شدة حرص أبي بكر على تلقي القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وفراغ باله له وهما بمكة وكثرة ملازمة منهما للآخر حتى قالت عائشة كما تقدم في الهجرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يأتيهم بكرة وعشية. وقد صحح مسلم حديث:" يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" وتقدمت الإشارة إليه، وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم في مكانه لما مرض فيدل على أنه كان أقرأهم، وتقدم عن علي أنه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج النسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر قال:" جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأه في شهر" الحديث، وأصله في الصحيح وتقدم في الحديث الذي مضى ذكر ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وكل هؤلاء من المهاجرين، وقد ذكر أبو عبيد القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعد من المهاجرين الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدا وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة، ومن النساء عائشة وحفصة وأم سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنما أكمله بعد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يرد على الحصر المذكور في حديث أنس، وعد ابن أبي داود في" كتاب الشريعة" من المهاجرين أيضا تميم بن أوس الداري وعقبة بن عامر" ومن الأنصار عبادة بن الصامت ومعاذا الذي يكنى أبا حليمة ومجمع بن حارثة وفضالة بن عبيد ومسلمة بن مخلد وغيرهم، وصرح بأن بعضهم إنما جمعه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وممن جمعه أيضا أبو موسى الأشعري ذكره أبو عمرو الداني، وعد بعض المتأخرين من القراء عمرو بن العاص وسعد بن عباد وأم ورقة. قوله:" تابعه الفضل بن موسى عن حسين بن واقد عن ثمامة عن أنس" هذا التعليق وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن الفضل بن موسى به، ثم أخرجه المصنف من طريق عبد الله بن المثنى" حدثني ثابت البناني وثمامة عن أنس قال مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة" فذكر الحديث، فخالف رواية قتادة من وجهين: أحدهما التصريح بصيغة الحصر في الأربعة، ثانيهما ذكر أبي الدرداء بدل أبي بن كعب. فأما الأول فقد تقدم الجواب عنه من عدة أوجه، وقد استنكره جماعة من الأئمة. قال المازري: لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك لأن التقدير أن لا يعلم أن سواهم جمعه، وإلا فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد، وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا في غاية البعد في العادة، وإذا كان المرجع إلى طخا ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك. قال وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة، ولا متمسك لهم فيه فإنا لا نسلم حمله على ظاهره. سلمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه، لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجم الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه، بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى، واستدل القرطبي على ذلك ببعض ما تقدم من أنه قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ببئر معونة مثل هذا العدد، قال: وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم. وأما الوجه الثاني من المخالفة فقال الإسماعيلي: هذان الحديثان مختلفان، ولا يجوزان في الصحيح مع تباينهما، بلى الصحيح أحدهما. وجزم البيهقي بأن ذكر أبي الدرداء وهم والصواب أبي بن كعب. وقال الداودي: لا أرى ذكر أبي الدرداء محفوظا. قلت: وقد أشار البخاري إلى عدم الترجيح إسرجيح باستواء الطرفين، فطريق قتادة على شرطه وقد وافقه عليها ثمامة في إحدى الروايتين عنه، وطريق ثابت أيضا على شرطه وقد وافقه عليها أيضا ثمامة في الرواية الأخرى، لكن مخرج الرواية عن ثابت وثمامة بموافقته،

(9/52)


وقد وقع عن عبد الله بن المثنى وفيه مقال وإن كان عند البخاري مقبولا لكن لا تعادل روايته رواية قتادة، ويرجح رواية قتادة حديث عمر في ذكر أبي بن كعب وهو خاتمة أحاديث الباب، ولعل البخاري أشار بإخراجه إلى ذلك لتصريح عمر بترجيحه لا القراءة على غيره، ويحتمل أن يكون أنس حدث بهذا الحديث في وقتين فذكره مرة أبي بن كعب ومرة بدله أبا الدرداء، وقد روى ابن أبي داود من طريق محمد بن كعب القرظي قال:" جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري" وإسناده حسن مع إرساله، وهو شاهد جيد لحديث عبد الله بن المثنى في ذكر أبي الدرداء وإن خالفه في العدد والمعدود، ومن طريق الشعبي قال:" جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة منهم أبو الدرداء ومعاذ وأبو زيد وزيد بن ثابت، وهؤلاء الأربعة هم الذين ذكروا في رواية عبد الله بن المثنى، وإسناده صحيح مع إرساله.فلله در البخاري ما أكثر اطلاعه. وقد تبين بهذه الرواية المرسلة قوة رواية عبد الله بن المثنى وأن لروايته أصلا والله أعلم. وقال الكرماني: لعل السامع كان يعتقد أن هؤلاء الأربعة لم يجمعوا وكان أبو الدرداء ممن جمع فقال أنس ذلك ردا عليه، وأتى بصيغة الحصر ادعاء ومبالغة، ولا يلزم منه النفي عن غيرهم بطريق الحقيقة والله أعلم. قوله:" وأبو زيد قال ونحن ورثناه" القائل ذلك هو أنس، وقد تقدم في مناقب زيد بن ثابت قال قتادة: قلت ومن أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي، وتقدم في غزوة بدر من وجه آخر عن قتادة عن أنس قال:" مات أبو زيد وكان بدريا ولم يترك عقبا" وقال أنس: نحن، ورثناه. وقوله:" أحد عمومتي" يرد قول من سمي أبا زيد المذكور سعد بن عبيد بن النعمان أحد بني عمرو بن عوف لأن أنسا خزرجي وسعد بن عبيد أوسي، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون سعد بن عبيد ممن جمع ولم يطلع أنس على ذلك، وقد قال أبو أحمد العسكري: لم يجمعه من الأوس غيره. وقال محمد بن حبيب في" المجبر" : سعد بن عبيد ونسبه كان أحد من جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ووقع في رواية الشعبي التي أشرت إليها المغايرة بين سعد بن عبيد وبين أبي زيد فإنه ذكرهما جميعا فدل، على أنه غير المراد في حديث أنس. وقد ذكر ابن أبي داود فيمن جمع القرآن قيس بن أبي صعصعة وهو خزرجي وتقدم أنه يكنى أبا زيد، وسعد بن المنذر بن أوس بن زهير وهو خزرجي أيضا لكن لم أر التصريح بأنه يكنى أبا زيد، ثم وجدت عند أبي داود ما يرفع الإشكال من أصله، فإنه روى بإسناد على شرط البخاري إلى ثمامة عن أنس أن أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن، قال:" وكان رجلا منا من بني عدي بن النجار أحد عمومتي ومات، ولم يدع عقبا، ونحن ورثناه" قال ابن أبي داود: حدثنا أنس بن خالد الأنصاري قال هو قيس بن السكن من زعوراء من بني عدي بن النجار، قال ابن أبي داود: مات قريبا من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فذهب علمه ولم يؤخذ عنه وكان عقبيا بدريا. قوله:" يحيى" هو القطان، وسفيان هو الثوري. قوله:" عن حبيب بن أبي ثابت" عند الإسماعيلي:" حدثنا حبيب". قوله:" أبي أقرؤنا" كذا للأكثر وبه جزم المزي في" الأطراف" فقال: ليس في رواية صدقة ذكر علي. قلت: وقد ثبت في رواية النسفي عن البخاري، فأول الحديث عنده" علي أقضانا، وأبي أقرؤنا" وقد ألحق الدمياطي في نسخته في حديث الباب ذكر علي وليس بجيد، لأنه ساقط من رواية الفربري التي عليها مدار روايته، وقد تقدم في تفسير البقرة عن عمرو بن علي عن يحيى القطان بسنده هذا وفيه ذكر علي عند الجميع. قوله:" من لحن أبي" أي من قراءته، ولحن القول فحواه ومعناه المراد به هنا القول. وكان أبي بن كعب

(9/53)


لا يرجع عما حفظه من القرآن الذي تلقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أخبره غيره أن تلاوته نسخت، لأنه إذا سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم حصل عنده القطع به فلا يزول عنه بإخبار غيره أن تلاوته نسخت، وقد استدل عليه عمر بالآية الدالة على النسخ وهو من أوضح الاستدلال في ذلك، وقد تقدم بقية شرحه في التفسير.

(9/54)


9- باب فَضْلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
5006- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي قَالَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} ثُمَّ قَالَ أَلاَ أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لاَعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ"
5007- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا وَهْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا فَنَزَلْنَا فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ وَإِنَّ نَفَرَنَا غَيْبٌ فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ فَرَقَاهُ فَبَرَأَ فَأَمَرَ لَهُ بِثَلاَثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِي قَالَ لاَ مَا رَقَيْتُ إِلاَّ بِأُمِّ الْكِتَابِ قُلْنَا لاَ تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ أَوْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِهَذَا"
قوله:" باب فضل فاتحة الكتاب" ذكر فيه حديثين: أحدهما حديث أبي سعيد بن المعلى في أنها أعظم سورة في القرآن، والمراد بالعظيم عظم القدر بالثواب المرتب على قراءتها وإن كان غيرها أطول منها، وذلك لما اشتملت عليه من المعاني المناسبة لذلك، وقد تقدم شرح ذلك مبسوطا في أول التفسير. ثانيهما حديث أبي سعيد الخدري في الرقية بفاتحة الكتاب، وقد تقدم شرحه مستوفي في كتاب الإجارة، وهو ظاهر الدلالة على فضل الفاتحة. قال القرطبي: اختصت الفاتحة بأنها مبدأ القرآن وحاوية لجميع علومه، لاحتوائها على الثناء على الله والإقرار بعبادته والإخلاص له وسؤال الهداية منه والإشارة إلى الاعتراف بالعجز عن القيام بنعمه، وإلى شأن المعاد وبيان عاقبة الجاحدين، إلى غير ذلك مما يقتضي أنها كلها موضع الرقية. وذكر الروياني في البحر أن البسملة أفضل آيات القرآن وتعقب بحديث آية الكرسي وهو الصحيح. قوله:" وقال أبو معمر حدثنا عبد الوارث إلخ" أراد بهذا التعليق

(9/54)


التصريح بالتحديث من محمد بن سيرين لهشام ومن معبد لمحمد، فإنه في الإسناد الذي ساقه أولا بالعنعنة في الموضعين، وقد وصله الإسماعيلي من طريق، محمد بن يحيى الذهلي عن أبي معمر كذلك، وذكر أبو علي الجياني أنه وقع عند القابسي عن أبي زيد السند إلى محمد بن سيرين" وحدثني معبد بن سيرين" بواو العطف قال والصواب حذفها.

(9/55)


10- باب فَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ
5008- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ"
5009- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم :" مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ"
5010- وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لاَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَّ الْحَدِيثَ فَقَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلاَ يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم :" صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ"
قوله:" باب فضل سورة البقرة" أورد فيه حديثين: الأول. قوله:" عن سليمان" هو الأعمش، ولشعبة فيه شيخ آخر وهو منصور أخرجه أبو داود عن حفص بن عمر عن شعبة عنه، وأخرجه النسائي من طريق يزيد بن زريع عن شعبة كذلك، وجمع غندر عن شعبة فأخرجه مسلم عن أبي موسى وبندار وأخرجه النسائي عن بشر بن خالد ثلاثتهم عن غندر، أما الأولان فقالا عنه عن شعبة عن منصور وأما بشر فقال عنه عن شعبة عن الأعمش وكذا أخرجه أحمد عن غندر. قوله:" عن عبد الرحمن" هو ابن يزيد النخعي. قوله:" عن أبي مسعود" في رواية أحمد عن غندر عن عبد الرحمن بن يزيد عن علقمة عن أبي مسعود وقال في آخره:" قال عبد الرحمن ولقيت أبا مسعود فحدثني به" وسيأتي نحوه للمصنف من وجه آخر في" باب كم يقرأ من القرآن" وأخرجه في" باب من لم ير بأسا أن يقول سورة كذا" من وجه آخر عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن وعلقمة جميعهما عن أبي مسعود، فكأن إبراهيم حمله عن علقمة أيضا بعد أن حدثه به عبد الرحمن عنه، كما لقي عبد الرحمن أبا مسعود فحمله عنه بعد أن حدثه به علقمة، وأبو مسعود هذا هو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري الذي تقدم بيان حاله في غزوة بدر من المغازي، ووقع في رواية عبدوس بدله" ابن مسعود" وكذا عند الأصيلي عن أبي زيد المروزي1 وصوبه الأصيلي فأخطأ في ذلك بل هو تصحيف، قال أبو علي الجياني: الصواب" عن أبي مسعود" وهو عقبة بن
ـــــــ
1 في نسخة أخرى " من أبي أحمد الجرجاني "

(9/55)


عمرو. قلت: وقد أخرجه أحمد من وجه آخر عن الأعمش فقال فيه:" عن عقبة بن عمرو". قوله :" من قرأ بالآيتين" كذا اقتصر البخاري من المتن على هذا القدر، ثم حول السند إلى طريق منصور عن إبراهيم بالسند المذكور وأكمل المتن فقال :" من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" وقد أخرجه أحمد عن حجاج ابن محمد عن شعبة فقال فيه: " من سورة البقرة" لم يقل " آخر" فلعل هذا هو السر في تحويل السند ليسوقه على لفظ منصور. على أنه وقع في رواية غندر عند أحمد بلفظ:" من قرأ الآيتين الأخيرتين" فعلى هذا فيكون اللفظ الذي ساقه البخاري لفظ منصور، وليس بينه وبين لفظ الأعمش الذي حوله عنه مغايرة في المعنى والله أعلم. قوله:" من آخر سورة البقرة" يعني من قوله تعالى :{آمَنَ الرَّسُولُ} إلى آخر السورة، وآخر الآية الأولى {الْمَصِيرُ} ومن ثم إلى آخر السورة آية واحدة، وأما {مَا اكْتَسَبَتْ} فليست رأس آية باتفاق العادين. وقد أخرج علي بن سعيد العسكري في" ثواب القرآن" حديث الباب من طريق عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن علقمة بن قيس عن عقبة بن عمرو بلفظ:" من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتا: آمن الرسول إلى آخر السورة" ومن حديث النعمان بن بشير رفعه :" إن الله كتب كتابا أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة وقال في آخره: آمن الرسول" وأصله عند الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم. ولأبي عبيد في" فضائل القرآن" من مرسل جبير بن نفير نحوه وزاد :" فأقرءوهما وعلموهكا أبناءكم ونساءكم، فإنهما قرآن وصلاة ودعاء". قوله:" كفتاه" أي أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالا، وقيل معناه كفتاه كل سوء، وقيل كفتاه شر الشيطان، وقيل دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل معناه كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، وكأنهما اختصتا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم، وذكر الكرماني عن النووي أنه قال: كفتاه عن قراءة سورة الكهف وآية الكرسي، كذا نقل عنه جازما به، ولم يقل ذلك النووي وإنما قال ما نصه: قيل معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل من الشيطان، وقيل من الآفات، ويحتمل من الجميع. هذا آخر كلامه. وكأن سبب الوهم أن عند النووي عقب هذا باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي فلعل النسخة التي وقعت للكرماني سقط منها لفظ باب وصحفت فضل فصارت وقيل، واقتصر النووي في" الأذكار" على الأول والثالث نقلا ثم قال: قلت ويجوز أن يراد الأولان انتهى. وعلى هذا فأقول: يجوز أن يراد جميع ما تقدم والله أعلم. والوجه الأول ورد صريحا من طريق عاصم عن علقمة عن أبي مسعود رفعه :" من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة" ويؤيد الرابع حديث النعمان بن بشير رفعه :" إن الله كتب كتابا وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال" أخرجه الحاكم وصححه، وفي حديث معاذ لما أمسك الجنى وآية ذلك " لا يقرأ أحد منكم خاتمة سورة البقرة فيدخل أحد منها بيته تلك الليلة" أخرجه الحاكم أيضا. الحديث الثاني حديث أبي هريرة، تقدم شرحه في الوكالة، وقوله في آخره :" صدقك وهو كذوب" هو من التتميم البليغ، لأنه لما أوهم مدحه بوصفه الصدق في قوله صدقك استدرك نفي الصدق عنه بصيغة مبالغة، والمعنى صدقك في هذا القول مع أن عادته الكذب المستمر، وهو كقولهم قد يصدق الكذوب، وقوله:" ذاك شيطان" كذا للأكثر، وتقدم في الوكالة أنه وقع هنا" ذاك الشيطان" واللام فيه للجنس أو العهد الذهني من الوارد

(9/56)


أن لكل آدمي شيطانا وكل به، أو اللام بدل من الضمير كأنه قال: ذاك شيطانك، أو المراد الشيطان المذكور في الحديث الآخر حيث قال في الحديث :" ولا يقربك شيطان" وشرحه الطيبي على هذا فقال: هو - أي قوله فلا يقربك شيطان - مطلق شائع في جنسه، والثاني فرد من أفراد ذلك الجنس. وقد استشكل الجمع بين هذه القصة وبين حديث أبي هريرة أيضا الماضي في الصلاة وفي التفسير وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم قال :" إن" شيطانا تفلت على البارحة" الحديث وفيه :" ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية" وتقرير الإشكال أنه صلى الله عليه وسلم امتنع من إمساكه من أجل دعوة سليمان عليه السلام حيث قال: {وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} قال الله تعالى :{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ} ثم قال :{وَالشَّيَاطِينَ} وفي حديث الباب أن أبا هريرة أمسك الشيطان الذي رآه وأراد حمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والجواب أنه يحتمل أن يكون المراد بالشيطان الذي هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يوثقه هو رأس الشياطين الذي يلزم من التمكن منه التمكن منهم فيضاهي حينئذ ما حصل لسليمان عليه السلام من تسخير الشياطين فيما يريد والتوثق منهم، والمراد بالشيطان في حديث الباب إما شيطانه بخصوصه أو آخر في الجملة لأنه يلزم من تمكنه منه اتباع غيره من الشياطين في ذلك التمكن، أو الشيطان الذي هم النبي صلى الله عليه وسلم بربطه تبدى له في صفته التي خلق عليها، وكذلك كانوا في خدمة سليمان عليه السلام على هيئتهم، وأما الذي تبدي لأبي هريرة في حديث الباب فكان على هيئة الآدميين فلم يكن في إمساكه مضاهاة لملك سليمان، والعلم عند الله تعالى

(9/57)


1- باب فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ
5011- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ"
قوله:" باب فضل الكهف" في رواية أبي الوقت" فضل سورة الكهف" وسقط لفظ:" باب" في هذا والذي قبله والثلاثة بعده لغير أبي ذر. قوله:" حدثنا زهير" هو ابن معاوية. قوله:" عن البراء" في رواية الترمذي من طريق شعبة عن أبي إسحاق" سمعت البراء". قوله:" كان رجل" قيل هو أسيد بن حضير كما سيأتي من حديثه نفسه بعد ثلاثة أبواب، لكن فيه أنه كان يقرأ سورة البقرة وفي هذا أنه كان يقرأ سورة الكهف وهذا ظاهره التعدد وقد وقع قريب من القصة التي لأسيد لثابت بن قيس بن شماس لكن في سورة البقرة أيضا. وأخرج أبو داود من طريق مرسلة قال:" قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ألم تر ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح؛ قال: فلعله قرأ سورة البقرة. فسئل قال: قرأت سورة البقرة" ويحتمل أن يكون قرأ سورة البقرة وسورة الكهف جميعا أو من كل منهما. قوله:" بشطنين" جمع شطن بفتح المعجمة وهو الحبل، وقيل بشرط طوله، وكأنه كان شديد الصعوبة. قوله:" وجعل فرسه ينفر" بنون وفاء ومهملة وقد وقع في رواية لمسلم:" ينقز" بقاف وزاي، وخطأه عياض، فإن كان من حيث الرواية فذاك وإلا فمعناها هنا واضح. قوله:" تلك السكينة" بمهملة وزن عظيمة، وحكى ابن قرقول والصغاني فيها كسر أولها والتشديد بلفظ المرادف للمدية؛ وقد نسبه ابن قرقول للحربي وأنه حكاه عن

(9/57)


بعض أهل اللغة. وتقرر لفظ السكينة في القرآن والحديث، فروى الطبري وغيره عن علي قال: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، وقيل لها رأسان، وعن مجاهد لها رأس كرأس الهر وعن الربيع بن أنس لعينها شعاع وعن السدي: السكينة طست من ذهب من الجنة يغسل فيها قلوب الأنبياء، وعن أبي مالك قال: هي التي ألقى فيها موسى الألواح والتوراة والعصا، وعن وهب بن منبه: هي روح من الله، وعن الضحاك بن مزاحم قال: هي الرحمة، وعنه هي سكون القلب وهذا اختيار الطبري، وقيل هي الطمأنينة، وقيل الوقار، وقيل الملائكة ذكره الصغاني. والذي يظهر أنها مقولة بالاشتراك على هذه المعاني، فيحمل كل موضع وردت فيه على ما يليق به، والذي يليق بحديث الباب هو الأول، وليس قول وهب ببعيد. وأما قوله: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} وقوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} فيحتمل الأول ويحتمل قول وهب والضحاك، فقد أخرج المصنف حديث الباب في تفسير سورة الفتح كذلك، وأما التي في قوله تعالى :{فيه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} فيحتمل قول السدي وأبي مالك. وقال النووي: المختار أنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة. قوله :" تنزلت" في رواية الكشميهني :" تنزل" بضم اللام بغير تاء والأصل تتنزل. وفي رواية الترمذي" نزلت مع القرآن أو على القرآن"

(9/58)


2- باب فَضْلِ سُورَةِ الْفَتْحِ
5012- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ عُمَرُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لاَ يُجِيبُكَ قَالَ عُمَرُ فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي قَالَ فَقُلْتُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ قَالَ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}"
قوله:" باب فضل سورة الفتح" في رواية غير أبي ذر" فضل سورة الفتح" بغير" باب". قوله:" عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره" تقدم في غزوة الفتح وفي التفسير أن هذا السياق صورته الإرسال وأن الإسماعيلي والبزار أخرجاه من طريق محمد بن خالد ابن عثمة عن مالك بصريح الاتصال ولفظه:" عن أبيه عن عمر" ثم وجدته في التفسير من جامع الترمذي من هذا الوجه فقال:" عن أبيه سمعت عمر" ثم قال:" حديث حسن غريب" وقد رواه بعضهم عن مالك فأرسله فأشار إلى الطريق التي أخرجها البخاري وما وافقها، وقد بينت في المقدمة أن في أثناء السياق ما يدل على أنه من رواية أسلم عن عمر لقوله فيه:" قال عمر فحركت بعيري إلخ" وتقدمت بقية شرحه في تفسير سورة الفتح

(9/58)


3- باب {فَضْلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فِيهِ عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5013- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي

(9/58)


14- باب فَضْلِ الْمُعَوِّذَاتِ
5016- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا"
5017- حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا المفضل عن عقيل عن بن شهاب عن عروة عن عائشة ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات"
[الحديث 5017- طرفاه في: 5748، 6319]
قوله:" باب فصل المعوذات" أي الإخلاص والفلق والناس، وقد كنت جوزت في" باب الوفاة النبوية" من كتاب المغازي أن الجمع فيه بناء على أن أقل الجمع اثنان، ثم ظهر من حديث هذا الباب أنه على الظاهر، وأن المراد بأنه كان يقرأ بالمعوذات أي السور الثلاث، وذكر سورة الإخلاص معهما تغليبا لما اشتملت عليه من صفة الرب وإن لم يصرح فيها بلفظ التعويذ. وقد أخرج أصحاب السنن الثلاثة أحمد وابن خزيمة وابن حبان من حديث عقبة بن عامر قال:" قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس تعوذ بهن، فإنه لم يتعوذ بمثلهن، اقرأ المعوذات دبر كل صلاة" فذكرهن. قوله:" كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات" الحديث تقدم في الوفاة النبوية من طريق عبد الله بن المبارك عن يونس عن ابن شهاب، وأحلت بشرحه على كتاب الطب، ورواية عقيل عن ابن شهاب في هذا الباب وإن اتحد سندها بالذي قبله من ابن شهاب فصاعدا لكن فيها أنه كان يقرأ المعوذات عند النوم، فهي مغايرة لحديث مالك المذكور، فالذي يترجح أنهما حديثان عند ابن شهاب بسند واحد عند بعض الرواة عنه ما ليس عند بعض، فأما مالك ومعمر ويونس وزياد بن سعد عند مسلم فلم تختلف الرواة عنهم في أن ذلك كان عند الوجع، ومنهم من قيده بمرض، الموت، ومنهم من زاد فيه فعل عائشة، ولم يفسر أحد منهم المعوذات، وأما عقيل فلم تختلف الرواة عنه في ذلك عند النوم. ووقع في رواية يونس من طريق سليمان بن بلال عنه أنه فعل عائشة كان بأمره صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في كتاب الطب، وقد جعلهما أبو مسعود حديثا واحدا، وتعقبه أبو العباس الطرقي، وفرق بينهما خلف، وتبعه المزي والله أعلم. وسيأتي شرحه في كتاب الطب إن شاء الله تعالى

(9/62)


15- باب نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالْمَلاَئِكَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
5018- وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتْ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ فَقَرَأَ فَجَالَتْ الْفَرَسُ فَسَكَتَ وَسَكَتَتْ الْفَرَسُ ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتْ الْفَرَسُ فَانْصَرَفَ وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ قَالَ فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ فَخَرَجَتْ حَتَّى لاَ أَرَاهَا قَالَ وَتَدْرِي مَا ذَاكَ قَالَ لاَ قَالَ تِلْكَ الْمَلاَئِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لاَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لاَ تَتَوَارَى مِنْهُمْ"
قَالَ ابْنُ الْهَادِ وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ"
قوله:" باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن" كذا جمع بين السكينة والملائكة، ولم يقع في حديث الباب ذكر السكينة ولا في حديث البراء الماضي في فضل سورة الكهف ذكر الملائكة، فلعل المصنف كان يرى أنهما قصة واحدة، ولعله أشار إلى أن المراد بالظلة في حديث الباب السكينة، لكن ابن بطال جزم بأن الظلة السحابة وأن الملائكة كانت فيها ومعها السكينة. قال ابن بطال قضية الترجمة أن السكينة تنزل أبدا مع الملائكة، وقد تقدم بيان الخلاف في السكينة ما هي وما قال النوي في ذلك. قوله:" وقال الليث إلخ" وصله أبو عبيد في" فضائل القرآن" عن يحيى بن بكير عن الليث بالإسنادين جميعا. قوله:" حدثني يزيد بن الهاد" هو ابن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد. قوله:" عن محمد بن إبراهيم" هو التيمي وهو من صغار التابعين، ولم يدرك أسيد بن حضير فروايته عنه منقطعة، لكن الاعتماد في وصل الحديث المذكور على الإسناد الثاني، قال الإسماعيلي: محمد بن إبراهيم عن أسيد ابن حضير مرسل، وعبد الله بن خباب عن أبي سعيد متصل. تم ساقه من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن يزيد بن الهاد بالإسنادين جميعا وقال: هذه الطريق على شرط البخاري. قلت: وجاء عن الليث فيه إسناد ثالث أخرجه النسائي من طريق شعيب بن الليث وداود بن منصور كلاهما عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد عن ابن أبي هلال عن يزيد بن الهاد بالإسناد الثاني فقط، وأخرجه مسلم والنسائي أيضا من طريق إبراهيم بن سعد عن يزيد بن الهاد بالإسناد الثاني لكن وقع في روايته:" عن أبي سعيد عن أسيد ابن حضير" وفي لفظ:" عن أبي سعيد أن أسيد بن حضير قال:" لكن في سياقه ما يدل على أن أبا سعيد إنما حمله عن أسيد فإنه قال في أثنائه" قال أسيد: فخشيت أن يطأ يحيى. فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فالحديث من مسند أسيد بن حضير، وليحيى بن بكير فيه عن الليث إسناد آخر أخرجه أبو عبيد أيضا من هذا الوجه فقال:" عن ابن شهاب عن أبي بن كعب بن مالك عن أسيد بن حضير". قوله:" بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة" رواية ابن أبي ليلى عن أسيد بن حضير" بينما أنا أقرأ سورة، فلما انتهيت إلى آخرها" أخرجه أبو عبيد، ويستفاد منه أنه ختم السورة

(9/63)


التي ابتدأ بها. ووقع في رواية إبراهيم بن سعد المذكورة" بينما هو يقرأ في مربده" أي المكان الذي فيه التمر. وفي رواية أبي بن كعب المذكورة أنه كان يقرأ على ظهر بيته وهذا مغاير للقصة التي فيها أنه كان في مربده، وفي حديث الباب أن ابنه كان إلى جانبه وفرسه مربوطة فخشي أن تطأه، وهذا كله مخالف لكونه كان حينئذ على ظهر البيت، إلا أن يراد بظهر البيت خارجه لا أعلاه فتتحد القصتان. قوله:" إذ جالت الفرس فسكت فسكنت" في رواية إبراهيم بن سعد أن ذلك تكرر ثلاث مرار وهو يقرأ. وفي رواية ابن أبي ليلى" سمعت رجة من خلفي حتى ظننت أن فرسي تنطلق". قوله:" فلما اجتره" بجيم ومثناه وراء ثقيلة والضمير لولده أي اجتر ولده من المكان الذي هو فيه حتى لا تطأه الفرس، ووقع في رواية القابسي" آخره:" بمعجمة ثقيلة وراء خفيفة أي عن الموضع الذي كان به خشية عليه. قوله:" رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها" كذا فيه باختصار، وقد أورده أبو عبيد كاملا ولفظه:" رفع رأسه إلى السماء فإذا هو بمثل الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها" وفي رواية إبراهيم بن سعد" فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج، فعرجت في الجو حتى ما أراها". قوله :" اقرأ يا ابن حضير" أي كان ينبغي أن تستمر على قراءتك، وليس أمرا له بالقراءة في حالة التحديث، وكأنه استحضر صورة الحال فصار كأنه حاضر عنده لما رأى ما رأى، فكأنه يقول: استمر على قراءتك لتستمر لك البركة بنزول الملائكة واستماعها لقراءتك، وفهم أسيد ذلك فأجاب بعذره في قطع القراءة، وهو قوله:" خفت أن تطأ يحيى" أي خشيت إن استمريت على القراءة أن تطأ الفرس ولدى، ودل سياق الحديث على محافظة أسيد على خشوعه في صلاته لأنه كان يمكنه أول، ما جالت الفرس أن يرفع رأسه، وكأنه كان بلغه حديث النهي عن رفع المصلي رأسه إلى السماء فلم يرفعه حتى اشتد به الخطب، ويحتمل أن يكون رفع رأسه بعد انقضاء صلاته فلهذا تمادى به الحال ثلاث مرات. ووقع في رواية ابن أبي ليلى المذكورة " اقرأ أباعتيك" وهي كنية أسيد. قوله :" دنت لصوتك" في رواية إبراهيم بن سعد " تستمع لك" وفي رواية ابن كعب المذكورة" وكان أسيد حسن الصوت" وفي رواية يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهاد عند الإسماعيلي أيضا:" اقرأ أسيد فقد أوتيت من مزامير آل داود" وفي هذه الزيادة إشارة إلى الباعث على استماع الملائكة لقراءته. قوله :" ولو قرأت" في رواية ابن أبي ليلى " أما إنك لو مضيت". قوله: " ما يتوارى منهم" في رواية إبراهيم بن سعد" ما تستتر منهم" وفي رواية ابن أبي ليلى" لرأيت الأعاجيب" قال النووي: في هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة، كذا أطلق، وهو صحيح لكن الذي يظهر التقييد بالصالح مثلا والحسن الصوت، قال: وفيه فضيلة القراءة وأنها سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة. قلت: الحكم المذكور أعم من الدليل، فالذي في الرواية إنما نشأ عن قراءة خاصة من سورة خاصة بصفة خاصة، ويحتمل من الخصوصية ما لم يذكر، وإلا لو كان الإطلاق لحصل ذلك لكل قارئ. وقد أشار في آخر الحديث بقوله :" ما يتوارى منهم" إلى أن الملائكة لاستغراقهم في الاستماع كانوا يستمرون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم، وفيه منقبة لأسيد بن حضير، وفضل قراءة سورة البقرة في صلاة الليل، وفضل الخشوع في الصلاة، وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا ولو كان من المباح قد يفوت الخير الكثير فكيف لو كان بغير الأمر المباح

(9/64)


باب من قال لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا مابين الدفتين
...
16- باب مَنْ قَالَ لَمْ يَتْرُكْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ
5019- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ

(9/64)


عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ أَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ مَا تَرَكَ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ قَالَ وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ مَا تَرَكَ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ"
قوله:" باب من قال: لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين" أي ما في المصحف، وليس المراد أنه ترك القرآن مجموعا بين الدفتين لأن ذلك يخالف ما تقدم من جمع أبي بكر ثم عثمان. وهذه الترجمة للرد على من زعم أن كثيرا من القرآن ذهب لذهاب حملته، وهو شيء اختلقه الروافض لتصحيح دعواهم أن التنصيص على إمامة علي واستحقاقه الخلافة عند موت النبي صلى الله عليه وسلم كان ثابتا في القرآن وأن الصحابة كتموه، وهي دعوى باطلة لأنهم لم يكتموا مثل " أنت عندي بمنزلة هارون من موسى" وغيرها من الظواهر التي قد يتمسك بها من يدعي إمامته، كما لم يكتموا ما يعارض ذلك أو يخصص عمومه أو يقيد مطلقه. وقد تلطف المصنف في الاستدلال على الرافضة بما أخرجه عن أحد أئمتهم الذين يدعون إمامته وهو محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب. فلو كان هناك شيء ما يتعلق بأبيه لكان هو أحق الناس بالاطلاع عليه، وكذلك ابن عباس فإنه ابن عم علي وأشد الناس له لزوما واطلاعا على حاله. قوله:" عن عبد العزيز بن رفيع" في رواية علي بن المديني عن سفيان" حدثنا عبد العزيز" أخرجه أبو نعيم في" المستخرج". قوله:" دخلت أنا وشداد بن معقل" هو الأسدي الكوفي، تابعي كبير من أصحاب ابن مسعود وعلي. ولم يقع له في رواية البخاري ذكر إلا في هذا الموضع، وأبوه بالمهملة والقاف، وقد أخرج البخاري في خلق أفعال العباد من طريق عبد العزيز بن رفيع عن شداد بن معقل عن عبد الله بن مسعود حديثا غير هذا. قوله:" أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شيء" ؟ في رواية الإسماعيلي:" شيئا سوى القرآن". قوله:" إلا ما بين الدفتين" بالفاء تثنية دفة بفتح أوله وهو اللوح، ووقع في رواية الإسماعيلي، بين اللوحين". قوله:" قال ودخلنا" القائل هو عبد العزيز، ووقع عند الإسماعيلي:" لم يدع إلا ما في هذا المصحف" أي لم يدع من القرآن ما يتلى إلا ما هو داخل المصحف الموجود ولا يرد على هذا ما تقدم في كتاب العلم عن علي أنه قال:" ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة" لأن عليا أراد الأحكام التي كتبها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينف أن عنده أشياء أخر من الأحكام التي لم يكن كتبها. وأما جواب ابن عباس وابن الحنفية فإنما أرادا من القرآن الذي يتلى، أو أرادا مما يتعلق بالإمامة، أي لم يترك شيئا يتعلق بأحكام الإمامة إلا ما هو بأيدي الناس، ويؤيد ذلك ما ثبت عن جماعة من الصحابة من ذكر أشياء نزلت من القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها أو لم يبق، مثل حديث عمر" الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وحديث أنس في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة، قال فأنزل الله فيهم قرآنا " بلغوا عنا قومنا أنا لقد لقينا ربنا" وحديث أبي بن كعب" كانت الأحزاب قدر البقرة" وحديث حذيفة ما يقرءون ربعها يعني براءة، وكلها أحاديث صحيحة. وقد أخرج ابن الضريس من حديث ابن عمر أنه" كان يكره أن يقول الرجل قرأت القرآن كله، ويقول: إن منه قرآنا قد رفع" وليس في شيء من ذلك ما يعارض حديث الباب، لأن جميع ذلك مما نسخت تلاوته في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

(9/65)


17- باب فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلاَمِ
5020- حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي مُوسَى

(9/65)


الأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَالَّذِي لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلاَ رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلاَ رِيحَ لَهَا"
[الحديث 5020- أطرافه في: 5059، 5427، 7560]
5021- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلاَ مِنْ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لاَ قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ"
قوله:" باب فضل القرآن على سائر الكلام" هذه الترجمة لفظ حديث أخرج الترمذي معناه من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يقول الرب عز وجل: من شغله القرآن عن ذكري وعن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" ورجاله ثقات إلا عطية العوفي فقيه ضعف؛ وأخرجه ابن عدي من رواية شهر بن حوشب عن أبي هريرة مرفوعا:" فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وفي إسناده عمر بن سعيد الأشج وهو ضعيف، وأخرجه ابن الضريس من وجه آخر عن شهر بن حوشب مرسلا ورجاله لا بأس بهم، وأخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده من حديث عمر بن الخطاب وفي إسناده صفوان بن أبي الصهباء مختلف فيه، وأخرجه ابن الضريس أيضا من طريق الجراح بن الضحاك عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان رفعه :" خيركم من تعلم القرآن وعلمه - ثم قال - وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه وذلك أنه منه" وحديث عثمان هذا سيأتي بعد أبواب بدون هذه الزيادة، وقد بين العسكري أنها من قول أبي عبد الرحمن السلمي. وقال المصنف في خلق أفعال العباد" وقال أبو عبد الرحمن السلمي" فذكره، وأشار في خلق أفعال العباد إلى أنه لا يصح مرفوعا، وأخرجه العسكري أيضا عن طاوس والحسن من قولهما. ثم ذكر المصنف في الباب حديثين: أحدهما حديث أبي موسى. قوله: " مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة" بضم الهمزة والراء بينهما مثناة ساكنة وآخره جيم ثقيلة، وقد تخفف. ويزاد قبلها نون ساكنة، ويقال بحذف الألف مع الوجهين فتلك أربع لغات وتبلغ مع التخفيف إلى ثمانية. قوله :" طعمها طيب وريحها طيب" قيل خص صفة الإيمان بالطعم وصفة التلاوة بالريح لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح فقد يذهب ريح الجوهر ويبقى طعمه، ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة لأنه

(9/66)


يتداوى بقشرها وهو مفرح بالخاصية، ويستخرج من حبها دهن له منافع وقيل إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حبه أبيض فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضا من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها وتفريح لونها ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة ودباغ معدة وجودة هضم، ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات. ووقع في رواية شعبة عن قتادة كما سيأتي بعد أبواب" المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به" وهي زيادة مفسرة للمراد وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي لا مطلق التلاوة، فإن قيل لو كان كذلك لكثر التقسيم كأن يقال الذي يقرأ ويعمل وعكسه والذي يعمل ولا يقرأ وعكسه، والأقسام الأربعة ممكنة في غير المنافق وأما المنافق فليس له إلا قسمان فقط لأنه لا اعتبار بعمله إذا كان نفاقه نفاق كفر، وكأن الجواب عن ذلك أن الذي حذف من التمثيل قسمان. الذي يقرأ ولا يعمل، الذي لا يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق فيمكن تشبيه الأول بالريحانة والثاني بالحنظلة فاكتفى بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذكرا. قوله :" ولا ريح فيها" في رواية شعبة" لها". قوله :" ومثل الفاجر الذي يقرأ" في رواية شعبة " ومثل المنافق" في الموضعين. قوله :" ولا ريح لها" في رواية شعبة " وريحها مر" واستشكلت هذه الرواية من جهة أن المرارة من أوصاف الطعوم فكيف يوصف بها الريح؟ وأجيب بأن ريحها لما كان كريها استعير له وصف المرارة، وأطلق الزركشي هنا أن هذه الرواية وهم وأن الصواب ما في رواية هذا الباب :" ولا ريح لها" ثم قال في كتاب الأطعمة لما جاء فيه :" ولا ريح لها" هذا أصوب من رواية الترمذي " طعمها مر وريحها مر" ثم ذكر توجيهها وكأنه ما استحضر أنها في هذا الكتاب وتكلم عليها فلذلك نسبها للترمذي. وفي الحديث فضيلة حاملي القرآن، وضرب المثل للتقريب لفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه. حديث ابن عمر " إنما أجلكم في أجل من قبلكم" الحديث، وقد تقدم شرحه مستوفى في المواقيت من كتاب الصلاة، ومطابقة الحديث الأول للترجمة من جهة ثبوت فضل قارئ القرآن على غيره فيستلزم فضل القرآن على سائر الكلام كما فضل الأترج على سائر الفواكه، ومناسبة الحديث الثاني من جهة ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وثبوت الفضل لها بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به

(9/67)


باب الوصاة بكتاب الله عز وجل
...
18- باب الْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
5022- حدثنا محمد بن يوسف حدثنا مالك بن مغول حدثنا طلحة قال ثم سألت عبد الله بن أبي أوفى آوصى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا فقلت كيف كتب على الناس الوصية أمروا بها ولم يوص قال أوصى بكتاب الله"
قوله:" باب الوصاة بكتاب الله" في رواية الكشميهني:" الوصية" وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الوصايا، وتقدم فيه حديث الباب مشروحا، وقوله فيه:" أوصى بكتاب الله" بعد قوله:" لا" حين قال له" هل أوصى بشيء" ظاهرهما التخالف، وليس كذلك لأنه نفى ما يتعلق بالإمارة ونحو ذلك لا مطلق الوصية، والمراد بالوصية بكتاب الله حفظه حسا ومعنى، فيكرم ويصان ولا يسافر به إلى أرض العدو، ويتبع ما فيه فيعمل بأوامره ويجتنب نواهيه ويداوم تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحوه ذلك.

(9/67)


باب من لم يتغنى بالقرآن
...
19- باب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ}
5023- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ"
الحديث 5023- أطرافه في: 5024، 7482، 7544]
5024- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ قَالَ سُفْيَانُ تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ"
قوله:" باب من لم يتغن بالقرآن" هذه الترجمة لفظ حديث أورده المصنف في الأحكام من طريق ابن جريج عن ابن شهاب بسند حديث الباب بلفظ:" من لم يتغن بالقرآن فليس منا" وهو في السنن من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره. قوله:" وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} أشار بهذه الآية إلى ترجيح تفسير ابن عيينة: يتغنى يستغنى، كما سيأتي هذا الباب عنه، وأخرجه أبو داود عن ابن عيينة ووكيع جميعا وقد بين إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة أنه استغناء خاص، وكذا قال أحمد عن وكيع: يستغنى به عن أخبار الأمم الماضية، وقد أخرج الطبري وغيره من طريق عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال:" جاء ناس من المسلمين بكتب وقد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كفى تقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم، فنزل : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم" وقد خفي وجه مناسبة تلاوة هذه الآية هنا على كثير من الناس كابن كثير فنفى أن يكون لذكرها وجه، على أن ابن بطال مع تقدمه قد أشار إلى المناسبة فقال: قال أهل التأويل في هذه الآية. فذكر ابن يحيى بن جعدة مختصرا قال: فالمراد بالآية الاستغناء عن أخبار الأمم الماضية، وليس المراد الاستغناء الذي هو ضد الفقر، قال: وإتباع البخاري الترجمة بالآية يدل على أنه يذهب إلى ذلك. وقال ابن التين: يفهم من الترجمة أن المراد بالتغني الاستغناء لكونه أتبعه الآية التي تتضمن الإنكار على من لم يستغن بالقرآن عن غيره، فحمله على الاكتفاء به وعدم الافتقار إلى غيره وحمله على ضد الفقر من جملة ذلك. قوله:" عن أبي هريرة" في رواية شعيب عن ابن شهاب" حدثني أبو سلمة أنه سمع أبا هريرة" أخرجه الإسماعيلي. قوله :" لم يأذن الله لنبي" كذا لهم بنون وموحدة، وعند الإسماعيلي:" لشيء" بشين معجمة وكذا عند مسلم من جميع طرقه. ووقع في رواية سفيان التي تلي هذه في الأصل كالجمهور. وفي رواية الكشميهني كرواية عقيل. قوله:" ما أذن لنبي" كذا للأكثر، وعند أبي ذر" للنبي" بزيادة اللام، فإن كانت محفوظة فهي للجنس، ووهم من ظنها للعهد وتوهم أن المراد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ما أذن للنبي صلى الله عليه وسلم، وشرحه على ذلك. قوله :" أن يتغنى" كذا لهم، وأخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه بدون" أن" وزعم ابن الجوزي أن الصواب حذف" أن" وأن إثباتها وهم من بعض الرواة لأنهم كانوا يروون بالمعنى فربما ظن بعضهم المساواة فوقع في الخطأ لأن الحديث لو كان بلفظ:" أن" لكان من الإذن بكسر الهمزة وسكون

(9/68)


الذال بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس ذلك مرادا هنا وإنما هو من الأذن بفتحتين وهو الاستماع، وقوله أذن أي استمع، والحاصل أن لفظ أذن بفتحة ثم كسرة في الماضي وكذا في المضارع مشترك بين الإطلاق والاستماع، تقول أذنت آذن بالمد، فإن أردت الإطلاق فالمصدر بكسرة ثم سكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين، قال عدي بن زيد:
أيها القلب تعلل بددن
إن همي في سماع وأذن
أي في سماع واستماع. وقال القرطبي: أصل الأذن بفتحتين أن المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حق الله لا يراد به ظاهره وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف المخاطب، والمراد به في حق الله تعالى إكرام ا لقارئ وإجزال ثوابه، لأن ذلك ثمرة الإصغاء. ووقع عند مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث :" ما أذن لشيء كأذنه" بفتحتين، ومثله عند ابن أبي داود من طريق محمد بن أبي حفصة عن عمرو بن دينار عن أبي سلمة، وعند أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث فضالة بن عبيد الله" أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته". قلت: ومع ذلك كله فليس ما أنكره ابن الجوزي بمنكر بل هو موجه، وقد وقع عند مسلم في رواية أخرى كذلك ووجهها عياض بأن المراد الحث على ذلك والأمر به. قوله:" وقال صاحب له يجهر به" الضمير في" له" لأبي سلمة، والصاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، بينه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث أخرجه ابن أبي داود عن محمد بن يحيى الذهلي في" الزهريات" من طريقه بلفظ: " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن عن أبي سلمة " يتغنى بالقرآن يجهر به" فكأن هذا التفسير لم يسمعه ابن شهاب من أبي سلمة وسمعه من عبد الحميد عنه فكان تارة يسميه وتارة يبهمه، وقد أدرجه عبد الرزاق عن معمر عنه، قال الذهلي: وهو غير محفوظ في حديث معمر، وقد رواه عبد الأعلى عن معمر بدون هذه الزيادة. قلت: وهي ثابتة عن أبي سلمة من وجه آخر أخرجه مسلم من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به" وكذا ثبت عنده من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة. قوله:" عن سفيان" هو ابن عيينة. قوله:" عن الزهري" هو ابن شهاب المذكور في الطريق الأولى، ونقل ابن أبي داود عن علي بن المديني شيخ البخاري فيه قال: لم يقل لنا سفيان قط في هذا الحديث:" حدثنا ابن شهاب" قلت: قد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان قال:" سمعت الزهري" ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في" المستخرج"، والحميدي من أعرف الناس، بحديث سفيان وأكثرهم تثبتا عته للسماع من شيوخهم. قوله:" قال سفيان تفسيره يستغنى به" كذا فسره سفيان، ويمكن أن يستأنس بما أخرجه أبو داود وابن الضريس، وصححه أبو عوانة عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن أبي نهيك قال:" لقيني سعد بن أبي وقاص وأنا في السوق فقال: تجار كسبة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وقد ارتضى أبو عبيد تفسير يتغنى بيستغني وقال إنه جائز في كلام العرب، وأنشد الأعشى:
وكنت امرءا زمنا بالعراق
خفيف المناخ طويل التغني

(9/69)


أي كثير الاستغناء وقال المغيرة بن حبناء:
كلانا غنى عن أخيه حياته
ونحن إذا متنا أشد تغانيا
قال: فعلى هذا يكون المعنى من لم يستغن بالقرآن عن الإكثار من الدنيا فليس منا، أي على طريقتنا. واحتج أبو عبيد أيضا بقول ابن مسعود" من قرأ سورة آل عمران فهو غني" ونحو ذلك. وقال ابن الجوزي: اختلفوا في معنى قوله يتغنى على أربعة أقوال. أحدها تحسين الصوت، والثاني الاستغناء، والثالث التحزن قاله الشافعي، والرابع التشاغل به تقول العرب تغنى بالمكان أقام به. قلت: وفيه قول آخر حكاه ابن الأنباري في" الزاهر" قال. المراد به التلذذ الاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب بالغناء، فأطلق عليه تغنيا من حيث أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء، وهو كقول النابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلا
مفجعة على فنن تغنى
أطلق على صوتها غناء لأنه يطرب كما يطرب الغناء وإن لم يكن غناء حقيقة، وهو كقولهم" العمائم تيجان العرب، لكونها تقوم مقام التيجان، وفيه قول آخر حسن وهو أن يجعله هجيراه كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء، قال ابن الأعرابي: كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى وإذا جلست في أفنيتها وفي أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هجيراهم القراءة مكان التغني. ويؤيد القول الرابع بيت الأعشى المتقدم فإنه أراد بقوله:" طويل التغني" طول الإقامة لا الاستغناء لأنه أليق بوصف الطول من الاستغناء، يعني أنه كان ملازما لوطنه بين أهله كانوا يتمدحون بذلك قال حسان:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم
قبر ابن مارية الكريم المفضل
أراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتجاع ولا يبرحون من أوطانهم، فيكون معنى الحديث الحث على ملازمة القرآن وأن لا يتعدى إلى غيره، وهو يئول من حيث المعنى إلى ما اختاره البخاري من تخصيص الاستغناء وأنه يستغنى به عن غيره من الكتب، وقيل المراد من لم يغنه القرآن وينفعه في إيمانه ويصدق بما فيه من وعد ووعيد وقيل معناه من لم يرتح لقراءته وسماعه، وليس المراد ما اختاره أبو عبيد أنه يحصل به الغنى دون الفقر، لكن الذي اختاره أبو عبيد غير مدفوع إذا أريد به الغنى المعنوي وهو غنى النفس وهو القناعة لا الغنى المحسوس الذي هو ضد الفقر، لأن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القراءة إلا إن كان ذلك بالخاصية، وسياق الحديث يأبى الحمل على ذلك فإن فيه إشارة إلى الحث على تكلف ذلك، وفي توجيهه تكلف كأنه قال ليس منا من لم يتطلب الغنى بملازمة تلاوته، وأما الذي نقله عن الشافعي فلم أره صريحا عنه تفسير الخبر. وإنما قال في مختصر المزني: وأحب أن يقرأ حدرا وتخزينا انتهى. قال أهل اللغة: حدرت القراءة أدرجتها ولم أمططها، وقرأ فلان تحزينا إذا رفق صوته وصيره كصوت الحزين. وقد روى ابن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة أنه قرأ سورة فحزنها شبه الرثى، وأخرجه أبو عوانة عن الليث بن سعد قال يتغنى به يتحزن به ويرقق به قلبه. وذكر الطبري عن الشافعي أنه سئل عن تأويل ابن عيينة للتغني بالاستغناء فلم يرتضه وقال: لو أراد الاستغناء لقال لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت. قال ابن بطال: وبذلك فسره ابن أبي مليكة وعبد الله بن المبارك والنضر بن شميل، ويؤيده

(9/70)


رواية عبد الأعلى عن معمر عن ابن شهاب في حديث الباب بلفظ: " ما أذن لنبي في الترنم في القرآن" أخرجه الطبري، وعنده في رواية عبد الرزاق عن معمر " ما أذن لنبي حسن الصوت" وهذا اللفظ عند مسلم من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة، وعند ابن أبي داود والطحاوي من رواية عمرو بن دينار عن أبي سلمة عن أبي هريرة" حسن الترنم بالقرآن" قال الطبري: والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارئ وطرب به، قال ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى. وأخرج ابن ماجه والكجي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد مرفوعا:" الله أشد أذنا - أي استماعا - للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" والقينة المغنية، وروى ابن أبي شيبة من حديث عقبة بن عامر رفعه:" تعلموا القرآن وغنوا به وأفشوه" كذا وقع عنده والمشهور عند غيره في الحديث:" وتغنوا به" والمعروف في كلام العرب أن التغني الترجيع بالصوت كما قال حسان:
تغن بالشعر إما أنت قائله
إن الغناء بهذا الشعر مضمار
قال: ولا نعلم في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى ولا في أشعارهم، وبيت الأعشى لا حجة فيه لأنه أراد طول الإقامة، ومنه قوله تعالى :{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} وقال: بيت المغيرة أيضا لا حجة فيه، لأن التغاني تفاعل بين اثنين وليس هو بمعنى تغنى، قال: وإنما يأتي" تغني" من الغنى الذي هو ضد الفقر بمعنى تفعل أي يظهر خلاف ما عنده، وهذا فاسد المعنى. قلت: ويمكن أن يكون بمعنى تكلفه أي تطلبه وحمل نفسه عليه ولو شق عليه كما تقدم قريبا، ويؤيده حديث: " فإن لم تبكوا فتباكوا" وهو في حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي عوانة. وأما إنكاره أن يكون تغنى بمعنى استغنى في كلام العرب فمردود، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد تقدم في الجهاد في حديث الخيل " ورجل ربطها تعففا وتغنيا" وهذا من الاستغناء بلا ريب، والمراد به يطلب الغنى بها عن الناس بقرينة قوله تعففا. وممن أنكر تفسير يتغنى بيستغني أيضا الإسماعيلي فقال: الاستغناء به لا يحتاج إلى استماع، لأن الاستماع أمر خاص زائد على الاكتفاء به، وأيضا فالاكتفاء به عن غيره أمر واجب على الجميع، ومن لم يفعل ذلك خرج عن الطاعة. ثم ساق من وجه آخر عن ابن عيينة قال: يقولون إذا رفع صوته فقد تغنى. قلت: الذي نقل عنه أنه بمعنى يستغنى أتقن لحديثه، وقد نقل أبو داود عنه مثله، ويمكن الجمع بينهما بأن تفسير يستغنى من جهته ويرفع عن غيره. وقال عمر بن شبة: ذكرت لأبي عاصم النبيل تفسير ابن عيينة فقال: لم يصنع شيئا حدثني ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال:" كان داود عليه السلام يتغنى - يعني حين يقرأ - ويبكي ويبكي" وعن ابن عباس: أن داود كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم. وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر ولا بحر إلا أنصتت له واستمعت وبكت. وسيأتي حديث: " إن أبا موسى أعطى مزمارا من مزامير داود" في" باب حسن الصوت بالقراءة". وفي الجملة ما فسر به ابن عيينة ليس بمدفوع، وإن كانت ظواهر الأخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت ويؤيده قوله:" يجهر به" فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة، وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره ولا سيما إذا كان فقها، وقد جزم الحليمي بأنها من قول أبي هريرة والعرب تقول: سمعت فلانا يتغنى بكذا. أي يجهر به. وقال أبو عاصم: أخذ بيدي ابن جريج فأوقفني على

(9/71)


أشعب فقال: غن ابن أخي ما بلغ من طمعك؟ فذكر قصة. فقوله غن أي أخبرني جهرا صريحا. ومنه قول ذي الرمة:
أحب المكان القفر من أجلي أنني
به أتغنى باسمها غير معجم
أي أجهر ولا أكنى، والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة، وهو أنه يحسن به صوته جاهرا به مترنما على طريق التحزن، مستغنيا به عن غيره من الأخبار، طالبا به غنى النفس راجيا به غنى اليد، وقد نظمت ذلك في بيتين:
تغن بالقرآن حسن به الصو
ت حزينا جاهرا رنم
واستغن عن كتب الألى طالبا
غنى يد والنفس ثم الزم
وسيأتي ما يتعلق بحسن الصوت بالقرآن في ترجمة مفردة. ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثيرا في رقة القلب وإجراء الدمع. وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك، فحكى عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطيب الطبري والماوردي وابن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابن بطال وعياض والقرطبي من المالكية والماوردي والبندنيجي والغزالي من الشافعية، وصاحب الذخيرة من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى وابن عقيل من الحنابلة، وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز، وهو المنصوص للشافعي ونقله الطحاوي عن الحنفية. وقال الفوراني من الشافعية في الإبانة يجوز بل يستحب، ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغير قال النووي في" التبيان" أجمعوا على تحريمه ولفظه: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفا أو أخفاه حرم، قال: وأما القراءة بالألحان فقد نص الشافعي في موضع على كراهته وقال في موضع آخر لا بأس به، فقال أصحابه: ليس على اختلاف قولين، بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان على المنهج القويم جاز وإلا حرم. وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخارجها حرم وكذا حكى ابن حمدان الحنبلي في" الرعاية". وقال الغزالي والبندنيجي وصاحب الذخيرة من الحنفية: إن لم يفرط في التمطيط الذي يشوش النظم استحب وإلا فلا. وأغرب الرافعي فحكى عن" أمالي السرخسي" أنه لا يضر التمطيط مطلقا، وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهذا شذوذ لا يعرج عليه. والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح. ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معا فلا شك في أنه أرجح من غيره لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء والله أعلم

(9/72)


20- باب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ
5025- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :" لاَ حَسَدَ إِلاَّ عَلَى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ"
[الحديث5025- طرفه في: 7529]
5026- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :" لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلاَنٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلاَنٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ".
[الحديث 5026- طرفاه في: 7233، 7528]
قوله:" باب اغتباط صاحب القرآن" تقدم في أوائل كتاب العلم" باب الاغتباط في العلم والحكمة" وذكرت هناك تفسير الغبطة، والفرق بينها وبين الحسد، وأن الحسد في الحديث أطلق عليها مجازا، وذكرت كثيرا من مباحث المتن هناك. وقال الإسماعيلي هنا ترجمة الباب:" اغتباط صاحب القرآن" وهذا فعل صاحب القرآن فهو الذي يغتبط وإذا كان يغتبط بفعل نفسه كان معناه أنه يسر ويرتاح بعمل نفسه، وهذا ليس مطابقا. قلت: ويمكن الجواب بأن مراد البخاري بأن الحديث لما كان دالا على أن غير صاحب القرآن يغتبط صاحب القرآن بما أعطيه من العمل بالقرآن فاغتباط صاحب القرآن بعمل نفسه أولى إذا سمع هذه البشارة الواردة في حديث الصادق. قوله :" لا حسد" أي لا رخصة في الحسد إلا في خصلتين، أو لا يحسن الحسد إن حسن، أو أطلق الحسد مبالغة في الحث على تحصيل الخصلتين كأنه قيل لو لم يحصلا إلا بالطريق المذموم لكان ما فيهما من الفضل حاملا على الإقدام عل تحصيلهما به فكيف والطريق المحمود يمكن تحصيلهما به، وهو من جنس قوله تعالى :{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} فإن حقيقة السبق أن يتقدم على غيره في المطلوب. قوله :" إلا على اثنتين" في حديث ابن مسعود الماضي وكذا في حديث أبي هريرة المذكور تلو هذا" إلا في اثنتين" تقول حسدته على كذا أي على وجود ذلك له، وأما حسدته في كذا فمعناه حسدته في شأن كذا وكأنها سببية. قوله :" وقام به آناء الليل" كذا في النسخ التي وقفت عليها من البخاري، وفي" مستخرج أبي نعيم" من طريق أبي بكر بن زنجويه عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه :" آناء الليل وآناء النهار" وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق إسحاق بن يسار عن أبي اليمان، وكذا هو عند مسلم من وجه آخر عن الزهري، وقد تقدم في العلم أن المراد بالقيام به العمل به تلاوة وطاعة. قوله:" حدثنا علي بن إبراهيم" هو الواسطي في قول الأكثر، واسم جده عبد المجيد اليشكري، وهو ثقة متقن، عاش بعد البخاري نحو عشرين سنة. وقيل ابن أشكاب وهو علي بن الحسن بن إبراهيم بن أشكاب نسب إلى جده، وبهذا جزم ابن عدي. وقيل علي بن عبد الله بن إبراهيم نسب إلى جده وهو قول

(9/73)


تي في النكاح رواية الفربري عن علي بن عبد الله بن إبراهيم عن حجاج بن محمد. وقال الحاكم: قيل هو علي بن إبراهيم المروزي وهو مجهول، وقيل الواسطي. قوله:" روح" هو ابن عبادة وقد تابعه بشر بن منصور وابن أبي عدي والنضر بن شميل كلهم عن شعبة، قال الإسماعيلي: رفعه هؤلاء ووقفه غندر عن شعبة. قوله:" عن سليمان" هو الأعمش،" قال سمعت ذكوان" هو أبو صالح السمان. قلت. ولشعبة عن الأعمش فيه شيح آخر أخرجه أحمد عن محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن أبي كبشة الأنماري. قلت: وقد أشرت إلى متن أبي كبشة في كتاب العلم، وسياقه أتم من سياق أبي هريرة. وأخرجه أبو عوانة في صحيحه أيضا من طريق أبي زيد الهروي عن شعبة، وأخرجه أيضا من طريق جرير عن الأعمش بالإسنادين معا، وهو ظاهر في أنهما حديثان متغايران سندا ومتنا اجتمعا لشعبة وجرير معا عن الأعمش، وأشار أبو عوانة إلى أن مسلما لم يخرج حديث أبي هريرة لهذه العلة، وليس ذلك بواضح لأنها ليست علة قادحة. قوله :" فهو يهلكه في الحق" فيه احتراس بليغ، كأنه لما أوهم الإنفاق في التبذير من جهة عموم الإهلاك قيده بالحق والله أعلم.

(9/74)


21- باب خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
5027- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ قَالَ وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ قَالَ وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا"
[الحديث 5027- طرفه في: 5028]
5028- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ"
5029- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا قَالَ أَعْطِهَا ثَوْبًا قَالَ لاَ أَجِدُ قَالَ أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَاعْتَلَّ لَهُ فَقَالَ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ"
قوله :" باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه" كذا ترجم بلفظ المتن، وكأنه أشار إلى ترجيح الرواية بالواو. قوله:" عن سعد بن عبيدة" كذا يقول شعبة، يدخل بين علقمة بن مرثد وأبي عبد الرحمن سعد بن عبيدة. وخالفه سفيان الثوري فقال:" عن علقمة عن أبي عبد الرحمن" ولم يذكر سعد بن عبيدة. وقد أطنب الحافظ أبو العلاء العطار في كتابه" الهادي في القرآن" في تخريج طرقه، فذكر ممن تابع شعبة ومن تابع سفيان جمعا كثيرا، وأخرجه

(9/74)


أبو بكر بن أبي داود في أول الشريعة له وأكثر من تخريج طرقه أيضا، ورجح الحفاظ رواية الثوري وعدوا رواية شعبة من المزيد في متصل الأسانيد. وقال الترمذي كأن رواية سفيان أصح من رواية شعبة. وأما البخاري فأخرج الطريقين فكأنه ترجح عنده أنهما جميعا محفوظان، فيحمل على أن علقمة سمعه أولا من سعد ثم لقي أبا عبد الرحمن فحدثه به، أو سمعه مع سعد من أبي عبد الرحمن فثبته فيه سعد، ويؤيد ذلك ما في رواية سعد بن عبيدة من الزيادة الموقوفة وهي قول أبي عبد الرحمن" فذلك الذي أقعدني هذا المقعد" كما سيأتي البحث فيه. وقد شذت رواية عن الثوري بذكر سعد بن عبيدة فيه، قال الترمذي" حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى القطان حدثنا سفيان وشعبة عن علقمة عن سعد بن عبيدة به" وقال النسائي:" أنبأنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان أن علقمة حدثهما عن سعد" قال الترمذي قال محمد بن بشار: أصحاب سفيان لا يذكرون فيه سعد بن عبيدة وهو الصحيح ا هـ. وهكذا حكم علي بن المديني علي يحيى القطان فيه بالوهم. وقال ابن عدي: جمع يحيى القطان بين شعبة وسفيان، فالثوري لا يذكر في إسناده سعد بن عبيدة. وهذا مما عد في خطأ يحيى القطان على الثوري. وقال في موضع آخر: حمل يحيى القطان رواية الثوري على رواية شعبة فساق الحديث عنهما، وحمل إحدى الروايتين على الأخرى فساقه على لفظ شعبة، وإلى ذلك أشار الدار قطني. وتعقب بأنه فصل بين لفظيهما في رواية النسائي فقال:" قال شعبة خيركم وقال سفيان أفضلكم". قلت: وهو تعقب واه، إذ لا يلزم من تفصيله للفظهما في المتن أن يكون فصل لفظهما في الإسناد" قال ابن عدي: يقال إن يحيى القطان لم يخطئ قط إلا في هذا الحديث. وذكر الدار قطني أن خلاد بن يحيى تابع يحيى القطان عن الثوري على زيادة سعد بن عبيدة وهي رواية شاذة. وأخرج ابن عدي من طريق يحيى بن آدم عن الثوري وقيس بن الربيع. وفي رواية عن يحيى بن آدم عن شعبة وقيس بن الربيع جميعا عن علقمة عن سعد بن عبيدة قال وكذا رواه سعيد بن سالم القداح عن الثوري ومحمد بن أبان كلاهما عن علقمة بزيادة سعد وزاد في إسناده رجلا آخر كما سأبينه، وكل هذه الروايات وهم، والصواب عن الثوري بدون ذكر سعد وعن شعبة بإثباته. قوله:" عن عثمان" في رواية شريك عن عاصم بن بهدلة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود أخرجه ابن أبي داود بلفظ:" خيركم من قرأ القرآن وأقرأه" وذكره الدار قطني وقال: الصحيح عن أبي عبد الرحمن عن عثمان. وفي رواية خلاد بن يحيى عن الثوري بسنده قال:" عن أبي عبد الرحمن عن أبان بن عثمان عن عثمان" قال الدار قطني: هذا وهم، فإن كان محفوظا احتمل أن يكون السلمي أخذه عن أبان بن عثمان عن عثمان ثم لقي عثمان فأخذه عنه، وتعقب بأن أبا عبد الرحمن أكثر من أبان. وأبان اختلف في سماعه من أبيه أشد مما اختلف في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان فبعد هذا الاحتمال. وجاء من وجه آخر كذلك أخرجه ابن أبي داود من طريق سعيد بن سلام" عن محمد بن أبان سمعت علقمة يحدث عن أبي عبد الرحمن عن أبان بن عثمان عن عثمان" فذكره وقال تفرد به سعيد بن سلام يعني عن محمد بن أبان قلت: وسعيد ضعيف، وقد قال أحمد: حدثنا حجاج بن محمد عن شعبة قال لم يسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان وكذا نقله أبو عوانة في صحيحه عن شعبة ثم قال: اختلف أهل التمييز في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان ونقل ابن أبي داود عن يحيى بن معين مثل ما قال شعبة. ذكر الحافظ أبو العلاء أن مسلما سكت عن إخراج هذا الحديث في صحيحه. قلت: قد وقع في بعض الطرق التصريح بتحديث عثمان لأبي عبد الرحمن، وذلك فيما أخرجه ابن عدي في ترجمة عبد الله بن محمد بن أبي مريم من طريق ابن جريج عن عبد الكريم عن أبي عبد

(9/75)


الرحمن" حدثني عثمان" وفي إسناده مقال، لكن ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصله وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة، وهي أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان ولم يوصف بالتدليس اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه وهو عثمان رضي الله عنه ولا سيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ القرآن على عثمان، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال إنه لم يسمع منه. قوله :" خيركم من تعلم القرآن وعلمه" كذا للأكثر وللسرخسي " أو علمه" وهي للتنويع لا للشك، وكذا لأحمد عن غندر عن شعبة وزاد في أوله" إن" وأكثر الرواة عن شعبة يقولونه بالواو، وكذا وقع عند أحمد عن بهز وعند أبي داود عن حفص بن عمر كلاهما عن شعبة وكذا أخرجه الترمذي من حديث علي وهي أظهر من حيث المعنى لأن التي بأو تقتضي إثبات الخيرية المذكورة لمن فعل أحد الأمرين فيلزم أن من تعلم القرآن ولو لم يعلمه غيره. أن يكون خيرا ممن عمل بما فيه مثلا وإن لم يتعلمه، ولا يقال يلزم على رواية الواو أيضا أن من تعلمه وعلمه غيره أن يكون أفضل ممن عمل بما فيه من غير أن يتعلمه ولم يعلمه غيره، لأنا نقول يحتمل أن يكون المراد بالخيرية من جهة حصول التعليم بعد العلم، والذي يعلم غيره يحصل له النفع المتعدي بخلاف من يعمل فقط، بل من أشرف العمل تعليم الغير، فمعلم غيره يستلزم أن يكون تعلمه، وتعليمه لغيره عمل وتحصيل نفع متعد، ولا يقال لو كان المعنى حول النفع المتعدي لاشترك كل من علم غيره علما ما في ذلك، لأنا نقول القرآن أشرف العلوم فيكون من تعلمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير القرآن وإن علمه فيثبت المدعي. ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من عنى سبحانه وتعالى بقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهو أشرف الجميع، وعكسه الكافر المانع لغيره من الإسلام كما قال تعالى :{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} فإن قيل: فيلزم على هذا أن يكون المقرئ أفضل من الفقيه قلنا: لا، لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس لأنهم كانوا أهل اللسان فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر مما يدريها من بعدهم بالاكتساب، فكان الفقه لهم سجية، فمن كان في مثل شأنهم شاركهم في ذلك، لا من كان قارئا أو مقرئا محضا لا يفهم شيئا من معاني ما يقرؤه أو يقرئه. فإن قيل فيلزم أن يكون المقرئ أفضل ممن هو أعظم غناء في الإسلام بالمجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا، قلنا حرف المسألة يدور على النفع المتعدي فمن كان حصوله عنده أكثر كان أفضل، فلعل" من" مضمرة في الخبر، ولا بد مع ذلك من مراعاة الإخلاص في كل صنف منهم. ويحتمل أن تكون الخيرية وإن أطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين خوطبوا بذلك كان اللائق بحالهم ذلك، أو المراد خير المتعلمين من يعلم غيره لا من يقتصر على نفسه، أو المراد مراعاة الحيثية لأن القرآن خير الكلام فمتعلمه خير من متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن، وكيفما كان فهو مخصوص بمن علم وتعلم بحيث يكون قد علم ما يجب عليه عينا. قوله:" قال وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج" أي حتى ولى الحجاج على العراق قلت: بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج العراق ثمان وثلاثون سنة، ولم أقف على تعيين ابتداء إقراء

(9/76)


أبي عبد الرحمن وآخره فالله أعلم بمقدار ذلك، ويعرف من الذي ذكرته أقصى المدة وأدناها، والقائل" وأقرأ إلخ" هو سعد بن عبيدة فإنني لم أر هذه الزيادة إلا من رواية شعبة عن علقمة، وقائل" وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا" هو أبو عبد الرحمن، وحكى الكرماني أنه وقع في بعض نسخ البخاري" قال سعد بن عبيدة وأقرأني أبو عبد الرحمن" قال وهي أنسب لقوله:" وذاك الذي أقعدني إلخ" أي أن إقراءه إياي هو الذي حملني على أن قعدت هذا المقعد الجليل ا هـ. والذي في معظم النسخ" وأقرأ: {بحذف المفعول وهو الصواب، وكأن الكرماني ظن أن قائل" وذاك الذي أقعدني" هو سعد بن عبيدة، وليس كذلك بل قائله أبو عبد الرحمن، ولو كان كما ظن للزم أن تكون المدة الطويلة سيقت لبيان زمان إقراء أبي عبد الرحمن لسعد بن عبيدة، وليس كذلك بل إنما سيقت لبيان طول مدته لإقراء الناس القرآن، وأيضا فكان يلزم أن يكون سعد بن عبيدة قرأ على أبي عبد الرحمن من زمن عثمان، وسعد لم يدرك زمان عثمان، فإن أكبر شيخ له المغيرة بن شعبة وقد عاش بعد عثمان خمس عشرة سنة، وكان يلزم أيضا أن تكون الإشارة بقوله:" وذلك" إلى صنيع أبي عبد الرحمن، وليس كذلك بل الإشارة بقوله ذلك إلى الحديث المرفوع، أي أن الحديث الذي حدث به عثمان في أفضلية من تعلم القرآن وعلمه حمل أبا عبد الرحمن أن قعد يعلم الناس القرآن لتحصيل تلك الفضيلة، وقد وقع الذي حملنا كلامه عليه صريحا في رواية أحمد عن محمد بن جعفر وحجاج بن محمد جميعا عن شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة قال:" قال أبو عبد الرحمن فذاك الذي أقعدني هذا المقعد" وكذا أخرجه الترمذي من رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة وقال فيه:" مقعدي هذا"، قال وعلم أبو عبد الرحمن القرآن في زمن عثمان حتى بلغ الحجاج، وعند أبي عوانة من طريق بشر بن أبي عمرو وأبي غياث وأبي الوليد ثلاثتهم عن شعبة بلفظ:" قال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا، وكان يعلم القرآن" والإشارة بذلك إلى الحديث كما قررته، وإسناده إليه إسناد مجازي، ويحتمل أن تكون الإشارة به إلى عثمان وقد وقع رواية أبي عوانة أيضا عن يوسف بن مسلم عن حجاج بن محمد بلفظ:" قال أبو عبد الرحمن: وهو الذي أجلسني هذا المجلس" وهو محتمل أيضا. قوله:" حدثنا سفيان" هو الثوري، وعلقمة بن مرثد بمثلثة بوزن جعفر، ومنهم من ضبطه بكسر المثلثة، وهو من ثقات أهل الكوفة من طبقة الأعمش، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر في الجنائز من روايته عن سعد بن عبيدة أيضا، وثالث في مناقب الصحابة وقد تقدما. قوله :" إن أفضلكم من تعلم القرآن أو علمه" كذا ثبت عندهم بلفظ:" أو" وفي رواية الترمذي من طريق بشر بن السري عن سفيان" خيركم أو أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه" فاختلف في رواية سفيان أيضا في أن الرواية بأو أو بالواو، وقد تقدم توجيهه. وفي الحديث الحث على تعليم القرآن، وقد سئل الثوري عن الجهاد وإقراء القرآن فرجح الثاني واحتج بهذا الحديث أخرجه ابن أبي داود. وأخرج عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرئ القرآن خمس آيات خمس آيات، وأسند من وجه آخر عن أبي العالية مثل ذلك وذكر أن جبريل كان ينزل به كذلك، وهو مرسل جيد، وشاهده ما قدمته في تفسير المدثر وفي تفسير سورة اقرأ. ثم ذكر المصنف طرفا من حديث سهل بن سعد في قصة التي وهبت نفسها، قال ابن بطال: وجه إدخاله في هذا الباب أنه صلى الله عليه وسلم زوجه المرأة لحرمة القرآن؛ وتعقبه ابن التين بأن السياق يدل على أنه زوجها له على أن يعلمها، وسيأتي البحث فيه مع استيفاء شرحه في كتاب النكاح. وقال غيره وجه دخوله أن فضل القرآن ظهر على صاحبه في العاجل بأن قام له مقام المال الذي يتوصل به إلى بلوغ

(9/77)


الغرض، وأما نفعه في الآجل فظاهر لا خفاء به. قوله:" وهبت نفسها لله ولرسوله" في رواية الحموي" وللرسول". قوله :" ما معك من القرآن؟ قال: كذا وكذا" ووقع في الباب الذي يلي هذا" سورة كذا وسورة كذا" وسيأتي بيان ذلك عند شرحه إن شاء الله تعالى

(9/78)


22 - باب الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ
5030- حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست فقام رجل من أصحابه فقال يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها فقال : هل عندك من شيء فقال لا والله يا رسول الله قال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا فذهب ثم رجع فقال لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا قال: انظر ولو خاتما من حديد فذهب ثم رجع فقال لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد ولكن هذا إزاري قال سهل ما له رداء فلها نصفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك شيء والحاصل الرجل حتى طال مجلسه ثم قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا فأمر به فدعي فلما جاء قال ماذا معك من القرآن قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا عدها قال أتقرؤهن عن ظهر قلبك قال: نعم قال اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن"
قوله:" باب القراءة عن ظهر القلب" ذكر فيه حديث سهل في الواهبة مطولا، وهو ظاهر فيما ترجم له لقوله فيه:" أتقرأهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم" فدل على فضل القراءة عن ظهر القلب لأنها أمكن في التوصل إلى التعليم وقال ابن كثير: إن كان البخاري أراد بهذا الحديث الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرا من المصحف ففيه نظر، لأنها قضية عين فيحتمل أن يكون الرجل كان لا يحسن الكتابة وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فلا يدل ذلك على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل في حق من يحسن ومن لا يحسن، وأيضا فإن سياق هذا الحديث إنما هو لاستثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ليتمكن من تعليمه لزوجته، وليس المراد أن هذا أفضل من التلاوة نظرا ولا عدمه. قلت: ولا يرد على البخاري شيء مما ذكر، لأن المراد بقوله:" باب القراءة عن ظهر قلب" مشروعيتها أو استحبابها، والحديث مطابق لما ترجم به، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرا. وقد صرح كثير من العلماء بأن القراءة من المصحف نظرا أفضل من القراءة عن ظهر قلب. وأخرج أبو عبيد في" فضائل القرآن" من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفعه قال:" فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرؤه ظهرا كفضل الفريضة على النافلة" وإسناده ضعيف، ومن طريق ابن مسعود موقوفا" أديموا النظر في المصحف" وإسناده صحيح، ومن حيث المعنى أن القراءة في المصحف أسلم من الغلط، لكن القراءة عن ظهر قلب

(9/78)


أبعد من الرياء وأمكن للخشوع. والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. وأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة" اقرءوا القرآن، ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة، فإن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن" وزعم ابن بطال أن في قوله :" أتقرأهن عن ظهر قلب" ؟ ردا لما تأوله الشافعي في إنكاح الرجل على أن صداقها أجرة تعليمها، كذا قال: ولا دلالة فيه لما ذكر، بل ظاهر سياقه أنه استثبته كما تقدم. والله أعلم

(9/79)


23 - باب اسْتِذْكَارِ الْقُرْآنِ وَتَعَاهُدِهِ
5031- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ"
5032- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ نُسِّيَ وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ"
[الحديث 5023- طرفه في: 5039]
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلَهُ تَابَعَهُ بِشْرٌ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ شُعْبَةَ وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدَةَ عَنْ شَقِيقٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
5033- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا"
قوله:" باب استذكار القرآن" أي طلب ذكره بضم الذال" وتعاهده" أي تجديد العهد به بملازمة تلاوته. وذكر في الباب ثلاثة أحاديث: الأول. قوله :" إنما مثل صاحب القرآن" أي مع القرآن، والمراد بالصاحب الذي ألفه، قال عياض: المؤالفة المصاحبة، وهو كقوله أصحاب الجنة، وقوله ألفه أي ألف تلاوته، وهو أعم من أن يألفها نظرا من المصحف أو عن ظهر قلب، فإن الذي يداوم على ذلك يذل له لسانه ويسهل عليه قراءته، فإذا هجره ثقلت عليه القراءة وشقت عليه، وقوله :" إنما" يقتضي الحصر على الراجح، لكنه حصر مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك. قوله:" كمثل صاحب الإبل المعقلة" أي مع الإبل المعقلة. والمعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد القاف أي المشدودة بالعقال وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير، شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد، فما زال التعاهد موجودا فالحفظ موجود، كما أن البعير ما دام مشدودا بالعقال فهو محفوظ. وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورا، وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة. قوله :" إن عاهد عليها أمسكها" أي استمر إمساكه لها. وفي رواية أيوب عن نافع عند مسلم:" فإن عقلها حفظها". قوله :" وإن أطلقها ذهبت" أي انفلتت. وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عند مسلم :" إن تعاهدها صاحبها فعقلها أمسكها، وإن أطلق عقلها ذهبت" وفي رواية موسى بن عقبة عن نافع إذا قام

(9/79)


صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه. قوله:" حدثنا محمد بن عرعرة" بعين مهملة مفتوحة وراء ساكنة مكررتين، ومنصور هو ابن المعتمر، وأبو وائل هو شقيق بن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود، وسيأتي في الرواية المعلقة التصريح بسماع شقيق له من ابن مسعود. قوله:" بئس ما لأحدهم أن يقول" قال القرطبي: بئس هي أخت نعم، فالأولى للذم والأخرى للمدح، وهما فعلان غير متصرفين يرفعان الفاعل ظاهرا أو مضمرا إلا أنه إذا كان ظاهرا لم يكن في الأمر العام إلا بالألف واللام للجنس أو مضاف إلى ما هما فيه حتى يشتمل على الموصوف بأحدهما، ولا بد من ذكره تعينا كقوله نعم الرجل زيد وبئس الرجل عمرو، فإن كان الفاعل مضمرا فلا بد من ذكر اسم نكرة ينصب على التفسير للضمير كقوله نعم رجلا زيد، وقد يكون هذا التفسير" ما" على ما نص عليه سيبويه كما في هذا الحديث وكما في قوله تعالى: {فَنِعِمَّا هِيَ} . وقال الطيبي: و" ما" نكرة موصوفة و" أن يقول:" مخصوص بالذم، أي بئس شيئا كان الرجل يقول. قوله:" نسيت" بفتح النون وتخفيف السين اتفاقا. قوله:" آية كيت وكيت" قال القرطبي: كيت وكيت يعبر بهما عن الجمل الكثيرة والحديث الطويل، ومثلهما ذيت وذيت. وقال ثعلب: كيت للأفعال وذيت للأسماء. وحكى ابن التين عن الداودي أن هذه الكلمة مثل كذا إلا أنها خاصة بالمؤنث، وهذا من مفردات الداودي. قوله:" بل هو نسي" بضم النون وتشديد المهملة المكسورة، قال القرطبي: رواه بعض رواة مسلم مخففا. قلت: وكذا هو في مسند أبي يعلى، وكذا أخرجه ابن أبي داود في" كتاب الشريعة" من طرق متعددة مضبوطة بخط موثوق به على سين علامة التخفيف وقال عياض: كان الكناني - يعني أبا الوليد الوقشي - لا يجيز في هذا غير التخفيف. قلت: والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاري، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في" الغريب" بعد قوله كيت وكيت: ليس هو نسي ولكنه نسي. الأول بفتح النون وتخفيف السين والثاني بضم النون وتثقيل السين، قال القرطبي: التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه لتفريطه في معاهدته واستذكاره، قال: ومعنى التخفيف أن الرجل ترك غير ملتفت إليه، وهو كقوله تعالى :{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} أي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة. واختلف في متعلق الذم من قوله:" بئس" على أوجه: الأول قيل هو على نسبة الإنسان إلى نفسه النسيان وهو لا صنع له فيه فإذا نسبه إلى نفسه أوهم أنه انفرد بفعله، فكان ينبغي أن يقول آنسيت أو نسيت بالتثقيل على البناء للمجهول فيهما، أي أن الله هو الذي أنساني كما قال: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} وقال: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}؟ وبهذا الوجه جزم ابن بطال فقال: أراد أن يجري على ألسن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها لما في ذلك من الإقرار له بالعبودية والاستسلام لقدرته، وذلك أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها مع أن نسبتها إلى مكتسبنها جائز بدليل الكتاب والسنة. ثم ذكر الحديث الآتي في" باب نسيان القرآن" قال: وقد أضاف موسى عليه السلام النسيان مرة إلى نفسه ومرة إلى الشيطان فقال : {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} ولكل إضافة منها معنى صحيح، فالإضافة إلى الله بمعنى أنه خالق الأفعال كلها، وإلى النفس لأن الإنسان هو المكتسب لها، وإلى الشيطان بمعنى الوسوسة ا هـ. ووقع له ذهول فيما نسبه لموسى، وإنما هو كلام فتاه. وقال القرطبي: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نسب النسيان إلى نفسه يعني كما سيأتي في" باب نسيان القرآن" وكذا نسبه يوشع إلى نفسه حيث قال: {نسِيتُ الْحُوتَ} وموسى إلى نفسه حيث قال:

(9/80)


{لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} وقد سبق قول الصحابة {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا} مساق المدح، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} فالذي يظهر أن ذلك ليس متعلق الذم وجنح إلى اختيار الوجه الثاني وهو كالأول لكن سبب الذم ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان نسيت الآية الفلانية فكأنه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه الذي يورث النسيان. الوجه الثالث، قال الإسماعيلي: يحتمل أن يكون كره له أن يقول نسيت بمعنى تركت لا بمعنى السهو العارض، كما قال تعالى :{نسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} وهذا اختيار أبي عبيد وطائفة. الوجه الرابع، قال الإسماعيلي أيضا: يحتمل أن يكون فاعل نسيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قال: لا يقل أحد عني إني نسيت آية كذا، فإن الله هو الذي نساني ذلك لحكمة نسخه ورفع تلاوته، وليس لي في ذلك صنع بل الله هو الذي ينسيني لما تنسخ تلاوته؛ وهو كقوله تعالى :{سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} فإن المراد بالمنسي ما ينسخ تلاوته فينسى الله نبيه ما يريد نسخ تلاوته. الوجه الخامس، قال الخطابي: يحتمل أن يكون ذلك خاصا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من ضروب النسخ نسيان الشيء الذي ينزل ثم ينسخ منه بعد نزوله الشيء فيذهب رسمه وترفع تلاوته ويسقط حفظه عن حملته، فيقول القائل نسيت آية كذا فنهوا عن ذلك لئلا يتوهم على محكم القرآن الضياع، وأشار لهم إلى أن الذي يقع من ذلك إنما هو بإذن الله لما رآه من الحكمة والمصلحة. الوجه السادس، قال الإسماعيلي: وفيه وجه آخر وهو أن النسيان الذي هو خلاف الذكر إضافته إلى صاحبه مجاز لأنه عارض له لا عن قصد منه، لأنه لو قصد نسيان الشيء لكان ذاكرا له في حال قصده، فهو كما قال ما مات فلان ولكن أميت. قلت: وهو قريب من الوجه الأول. وأرجح الأوجه الوجه الثاني، ويؤيده عطف الأمر باستذكار القرآن عليه. وقال عياض: أول ما يتأول عليه ذم الحال لا ذم القول، أي بئس الحال حال من حفظه ثم غفل عنه حتى نسيه. وقال النووي: الكراهة فيه للتنزيه. قوله :" واستذكروا القرآن" أي واظبوا على تلاوته واطلبوا من أنفسكم المذاكرة به، قال الطيبي: وهو عطف من حيث المعنى على قوله:" بئس ما لأحدكم" أي لا تقصروا في معاهدته واستذكروه، وزاد ابن أبي داود من طريق عاصم عن أبي وائل في هذا الموضع" فإن هذا القرآن وحشي". وكذا أخرجها من طريق المسيب بن رافع عن ابن مسعود. قوله:" فإنه أشد تفصيا" بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة الثقيلة بعدها تحتانية خفيفة أي تفلتا وتخلصا، تقول تفصيت كذا أي أحطت بتفاصيله. والاسم الفصة، ووقع في حديث عقبة بن عامر بلفظ:" تفلتا" وكذا وقعت عند مسلم في حديث أبي موسى ثالث أحاديث الباب، ونصب على التمييز. وفي هذا الحديث زيادة على حديث ابن عمر، لأن في حديث ابن عمر تشبيه أحد الأمرين بالآخر وفي هذا أن هذا أبلغ في النفور من الإبل، ولذا أفصح به في الحديث الثالث حيث قال :" لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها" لأن من شأن الإبل تطلب التفلت ما أمكنها فمتى لم يتعاهدها برباطها تفلتت، فكذلك حافظ القرآن إن لم يتعاهده تفلت بل هو أشد في ذلك. وقال ابن بطال: هذا الحديث يوافق الآيتين قوله تعالى :{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} وقوله تعالى :{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ}، فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له، ومن أعرض عنه تفلت منه. قوله:" حدثنا عثمان" هو ابن أبي شيبة، وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو المذكور في الإسناد الذي قبله. وهذه الطريق عند الكشميهني وحده،

(9/81)


وثبتت أيضا في رواية النسفي، وقوله:" مثله" الضمير للحديث الذي قبله، وهو يشعر بأن سياق جرير مساو لسياق شعبة. وقد أخرجه مسلم عن عثمان بن أبي شيبة مقرونا بإسحاق بن راهويه وزهير بن حرب ثلاثتهم عن جرير ولفظه مساو للفظ شعبة المذكور إلا أنه قال :" استذكروا" بغير واو. وقال:" فلو أشد" بدل قوله :" فإنه" وزاد بعد قوله من النعم " بعقلها" وقد أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شيبة بإثبات الواو وقال في آخره :" من عقله" وهذه الزيادة ثابتة عنده في حديث شعبة أيضا من رواية غندر عنه بلفظ:" بئسما لأحدكم - أو لأحدهم - أن يقول: إني نسيت آية كيت وكيت. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو نسي، ويقول استذكروا القرآن إلخ" وكذا ثبتت عنده في رواية الأعمش عن شقيق بن سلمة عن ابن مسعود. قوله:" تابعه بشر عن ابن المبارك عن شعبة" يريد أن عبد الله بن المبارك تابع محمد بن عرعرة في رواية هذا الحديث عن شعبة وبشر هو ابن محمد المروزي شيخ البخاري، قد أخرج عنه في بدء الوحي وغيره، ونسبة المتابعة إليه مجازية، وقد يوهم أنه تفرد بذلك عن ابن المبارك وليس كذلك. فإن الإسماعيلي أخرج الحديث من طريق حبان بن موسى عن ابن المبارك، ويوهم أيضا أن ابن عرعرة وابن المبارك انفردا بذلك عن شعبة وليس كذلك لما ذكر فيه من رواية غندر وقد أخرجها أحمد أيضا عنه، وأخرجه عن حجاج بن محمد وأبي داود الطيالسي كلاهما عن شعبة، وكذا أخرجه الترمذي من رواية الطيالسي. قوله:" وتابعه ابن جريج عن عبدة عن شقيق سمعت عبد الله" أما عبدة فهو بسكون الموحدة وهو ابن أبي لبابة بضم اللام وموحدتين مخففا، وشقيق هو أبو وائل، وعبد الله هو ابن مسعود، وهذه المتابعة وصلها مسلم من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج قال:" حدثني عبدة بن أبي لبابة عن شقيق بن سلمة سمعت عبد الله بن مسعود" فذكر الحديث إلى قوله :" بل هو نسي" ولم يذكر ما بعده. وكذا أخرجه أحمد عن عبد الرزاق، وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق محمد بن جحادة عن عبدة، وكأن البخاري أراد بإيراد هذه المتابعة دفع تعليل من أعل الخبر برواية حماد بن زيد وأبي الأحوص له عن منصور موقوفة على ابن مسعود، قال الإسماعيلي: روى حماد بن زيد عن منصور وعاصم الحديثين معا موقوفين، وكذا رواهما أبو الأحوص عن منصور. وأما ابن عيينة فأسند الأول ووقف الثاني، قال ورفعهما جميعا إبراهيم بن طهمان وعبيدة بن حميد عن منصور، وهو ظاهر سياق سفيان الثوري. قلت: ورواية عبيدة أخرجها ابن أبي داود. ورواية سفيان ستأتي عند المصنف قريبا مرفوعا لكن اقتصر على الحديث الأول. وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله مرفوعا الحديثين معا. وفي رواية عبدة بن أبي لبابة تصريح ابن مسعود بقوله:" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وذلك يقوي رواية من رفعه عن منصور والله أعلم. قوله:" عن بريد" بالموحدة هو ابن عبد الله بن أبي بردة، وشيخه أبو بردة هو جده المذكور، وأبو موسى هو الأشعري. قوله :" في عقلها" بضمتين ويجوز سكون القاف جمع عقال بكسر أوله وهو الحبل، ووقع في رواية الكشميهني :" من عقلها" وذكر الكرماني أنه وقع في بعض النسخ" من عللها" بلامين؛ ولم أقف على هذه الرواية، بل هي تصحيف. ووقع في رواية الإسماعيلي :" بعقلها" قال القرطبي: من رواه " من عقلها" فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ التفلت، وأما من رواه بالباء أو بالفاء فيحتمل أن يكون بمعنى" من" أو للمصاحبة أو الظرفية، والحاصل تشبيه من يتفلت منه القرآن بالناقة التي تفلتت من عقالها وبقيت متعلقة به، كذا قال، والتحرير أن التشبيه وقع بين

(9/82)


ثلاثة بثلاثة: فحامل القرآن شبه بصاحب الناقة، والقرآن بالناقة، والحفظ بالربط. قال الطيبي: ليس بين القرآن والناقة مناسبة لأنه قديم وهي حادثة، لكن وقع التشبيه في المعنى. وفي هذه الأحاديث الحض على محافظة القرآن بدوام دراسته وتكرار تلاوته، وضرب الأمثال لإيضاح المقاصد، وفي الأخير القسم عند الخبر المقطوع بصدقه مبالغة في تثبيته في صدور سامعيه وحكى ابن التين عن الداودي أن في حديث ابن مسعود حجة لمن قال فيمن ادعى عليه بمال فأنكر وحلف ثم قامت عليه البينة فقال: كنت نسيت، أو ادعى بينة أو إبراء، أو التمس يمين المدعي أن ذلك يكون له ويعذر في ذلك، كذا قال.

(9/83)


24- باب الْقِرَاءَةِ عَلَى الدَّابَّةِ
5034- حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة قال أخبرني أبو إياس قال سمعت عبد الله بن مغفل قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح"
قوله:" باب القراءة على الدابة" أي لراكبها، وكأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك، وقد نقله ابن أبي داود عن بعض السلف، وتقدم البحث في كتاب الطهارة في قراءة القرآن في الحمام وغيرها. وقال ابن بطال: إنما أراد بهذه الترجمة أن في القراءة على الدابة سنة موجودة، وأصل هذه السنة قوله تعالى :{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} الآية. ثم ذكر المصنف حديث عبد الله بن مغفل مختصرا، وقد تقدم بتمامه في تفسير سورة الفتح، ويأتي بعد أبواب

(9/83)


باب تعليم الصبيان للقرآن
...
25- باب تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ
5035- حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ"
[الحديث 5025- طرفه في: 5036]
قوله:" باب تعليم الصبيان القرآن" كأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك، وقد جاءت كراهية ذلك عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وأسنده ابن أبي داود عنهما، ولفظ إبراهيم" كانوا يكرهون أن يعلموا الغلام القرآن حتى يعقل" وكلام سعيد بن جبير يدل على أن كراهة ذلك من جهة حصول الملال له، ولفظه عند ابن أبي داود أيضا:" كانوا يحبون أن يكون يقرأ الصبي بعد حين" وأخرج بإسناد صحيح عن الأشعث بن قيس أنه قدم غلاما صغيرا، فعابوا عليه فقال: ما قدمته، ولكن قدمه القرآن. وحجة من أجاز ذلك أنه أدعى إلى ثبوته ورسوخه عنده، كما يقال التعلم في الصغر كالنقش في الحجر. وكلام سعيد بن جبير يدل على أنه يستحب أن يترك الصبي أولا مرفها ثم

(9/83)


26- باب نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَهَلْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ}
5037- حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ

(9/84)


سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا"
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا عِيسَى عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ"
5038- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا"
5039- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ"
قوله:" باب نسيان القرآن، وهل يقول نسيت آية كذا وكذا" ؟ كأنه يريد أن النهي عن قول نسيت آية كذا وكذا ليس للزجر عن هذا اللفظ، بل للزجر عن تعاطي أسباب النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ، ويحتمل أن ينزل المنع والإباحة على حالتين: فمن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر ديني كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك لأن النسيان لم ينشأ عن إهمال ديني، وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من نسبة النسيان إلى نفسه. ومن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوي - ولا سيما إن كان محظورا - امتنع عليه لتعاطيه أسباب النسيان. قوله:" وقول الله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ} هو مصير منه إلى اختيار ما عليه الأكثر أن" لا" في قوله: {فَلاَ تَنْسَى} نافية، وأن الله أخبره أنه لا ينسى ما أقرأه إياه، وقد قيل إن" لا" ناهية، وإنما وقع الإشباع في السين لتناسب رءوس الآي، والأول أكثر. واختلف في الاستثناء فقال الفراء: هو للتبرك وليس هناك شيء استثنى، وعن الحسن وقتادة {إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ} أي قضى أن ترفع تلاوته. وعن ابن عباس: إلا ما أراد الله أن ينسيكه لتسن، وقيل لما جبلت عليه من الطباع البشرية لكن سنذكره بعد، وقيل المعنى {فَلاَ تَنْسَى} أي لا تترك العمل به إلا ما أراد الله أن ينسخه فتترك العمل به. قوله:" سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا" أي صوت رجل، وقد تقدم بيان اسمه في كتاب الشهادات. قوله :" لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا" لم أقف على تعيين الآيات المذكورة، وأغرب من زعم أن المراد بذلك إحدى وعشرون آية، لأن ابن عبد الحكم قال فيمن أقر أن عليه كذا وكذا درهما أنه يلزمه أحد وعشرون درهما. وقال الداودي: يكون مقرأ بدرهمين لأنه أقل ما يقع عليه ذلك. قال: فإن قال له علي كذا درهما كان مقرا بدرهم واحد. قوله في الطريق الثانية" حدثنا عيسى" هو ابن يونس بن أبي إسحاق. قوله:" عن هشام وقال أسقطتهن" يعني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بالمتن المذكور وزاد فيه هذه اللفظة وهي" أسقطتهن وقد تقدم في الشهادات من هذا الوجه بلفظ:" فقال: رحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا". قوله:" تابعه علي بن مسهر وعبدة عن هشام" كذا للأكثر، ولأبي ذر عن الكشميهني:" تابعه علي بن مسهر عن عبدة" وهو غلط، فإن عبدة رفيق علي بن مسهر لا شيخه. وقد أخرج

(9/85)


المصنف طريق علي بن مسهر في آخر الباب الذي يلي هذا بلفظ:" أسقطتها" وأخرج طريق عبدة وهو ابن سليمان في الدعوات ولفظه مثل لفظ علي بن مسهر سواء. قوله في الرواية الثالثة " كنت أنسيتها" هي مفسرة لقوله :" أسقطتها" فكأنه قال أسقطتها نسيانا لا عمدا. وفي رواية معمر عن هشام عند الإسماعيلي :" كنت نسيتها" بفتح النون ليس قبلها همزة قال الإسماعيلي: النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم لشيء من القرآن يكون على قسمين: أحدهما نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود في السهو " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون" والثاني أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ} قال: فإما القسم الأول فعارض سريع الزوال لظاهر قوله تعالى :{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وأما الثاني فداخل في قوله تعالى :{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزة. قلت: وقد تقدم توجيه هذه القراءة وبيان من قرأ بها في تفسير لبقرة. وفي الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم فيما ليس طريقه البلاغ مطلقا، وكذا فيما طريقه البلاغ لكن بشرطين: أحدهما أنه بعدما يقع منه تبليغه، والآخر أنه لا يستمر على نسيانه بل يحصل له تذكره إما بنفسه وإما بغيره. وهل يشترط في هذا الفور؟ قولان، فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلا. وزعم بعض الأصولين وبعض الصوفية أنه لا يقع منه نسيان أصلا وإنما يقع منه صورته ليسن، قال عياض: لم يقل به من الأصوليين أحد إلا أبا المظفر الأسفرايني، وهو قول ضعيف. وفي الحديث أيضا جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد والدعاء لمن حصل له من جهته خير وإن لم يقصد المحصول منه ذلك، واختلف السلف في نسيان القرآن فمنهم من جعل ذلك من الكبائر. وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفا قال: ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه، لأن الله يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} ونسيان القرآن من أعظم المصائب واحتجوا أيضا بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس مرفوعا :" عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها" في إسناده ضعف. وقد أخرج ابن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه ولفظه:" أعظم من حامل القرآن وتاركه" ومن طريق أبي العالية موقوفا" كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه" وإسناده جيد. ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح الذي ينسى القرآن كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولا شديدا ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعا:" من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم" وفي إسناده أيضا مقال، وقد قال به من الشافعية أبو المكارم والروياني واحتج بأن الإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به والتهاون بأمره. وقال القرطبي: من حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخل بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد. وقال إسحاق بن راهويه: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوما لا يقرأ فيها القرآن. ثم ذكر حديث عبد الله وهو ابن مسعود" بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت" وقد تقدم شرحه قريبا. وسفيان في السند هو الثوري. واختلف في معنى" أجذم" فقيل مقطوع اليد، وقيل مقطوع الحجة، وقيل مقطوع السبب من الخير وقيل خالي اليد من الخير، وهي متقاربة. وقيل يحشر مجذوما حقيقة. ويؤيده أن في رواية زائدة بن قدامة عند

(9/86)


عبد بن حميد " أتى الله يوم القيامة وهو مجذوم" وفيه جواز قول المرء أسقطت آية كذا من سورة كذا إذا وقع ذلك منه. وقد أخرج ابن أبي داود من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال: لا تقل أسقطت كذا؛ بل قل أغفلت. وهو أدب حسن وليس واجبا.

(9/87)


باب من لم يرى بأساً أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا
...
27- باب مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ كَذَا وَكَذَا
5040- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم :" الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ"
5041- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلاَةِ فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَبْتُهُ فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ كَذَبْتَ فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقُودُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا وَإِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ فَقَالَ يَا هِشَامُ اقْرَأْهَا فَقَرَأَهَا الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ يَا عُمَرُ فَقَرَأْتُهَا الَّتِي أَقْرَأَنِيهَا فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ"
5042- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِئًا يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا"
قوله:" باب من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا" أشار بذلك إلى الرد على من كره ذلك وقال: لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها كذا، وقد تقدم في الحج من طريق الأعمش أنه سمع الحجاج بن يوسف على المنبر يقول: السورة التي يذكر فيها كذا، وأنه رد عليه بحديث أبي مسعود، قال عياض: حديث أبي مسعود حجة في جواز قول سورة البقرة ونحوها، وقد اختلف في هذا فأجازه بعضهم وكرهه بعضهم وقال: تقول السورة التي تذكر فيها البقرة. قلت: وقد تقدم في أبواب الرمي من كتاب الحج أن إبراهيم النخعي أنكر قول الحجاج لا تقولوا سورة البقرة. وفي رواية مسلم أنها سنة، وأورد حديث أبي مسعود، وأقوى من هذا في الحجة ما أورده

(9/87)


المصنف من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، قال النووي في" الأذكار" : يجوز أن يقول سورة البقرة - إلى أن قال - وسورة العنكبوت وكذلك الباقي ولا كراهة في ذلك. وقال بعض السلف: يكره ذلك، والصواب الأول، وهو قول الجماهير، والأحاديث فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصر، وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم. قلت: وقد جاء فيما يوافق ما ذهب إليه حديث المشار إليه حديث مرفوع عن أنس رفعه :" لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذلك القرآن كله" أخرجه" أبو الحسين بن قانع في فوائده" والطبراني" الأوسط"، وفي سنده عبيس بن ميمون العطار وهو ضعيف. وأورد ابن الجوزي في" الموضوعات" ونقل عن أحمد أنه قال: هو حديث منكر. قلت: وقد تقدم في" باب تأليف القرآن" حديث يزيد الفارسي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا" قال ابن كثير في تفسيره: ولا شك أن ذلك أحوط، ولكن استقر الإجماع على الجواز في المصاحف والتفاسير قلت: وقد تمسك بالاحتياط المذكور جماعة من المفسرين منهم أبو محمد بن أبي حاتم ومن المتقدمين الكلبي وعبد الرزاق، ونقله القرطبي في تفسيره عن الحكيم الترمذي أن من حرمة القرآن أن لا يقال سورة كذا كقولك سورة البقرة وسورة النحل وسورة النساء، وإنما يقال السورة التي يذكر فيها كذا. وتعقبه القرطبي بأن حديث أبي مسعود يعارضه، ويمكن أن يقال لا معارضة مع إمكان، فيكون حديث أبي مسعود ومن وافقه دالا على الجواز، وحديث أنس إن ثبت محمود على أنه خلاف الأولى والله أعلم. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث تشهد لما ترجم له: أحدها حديث أبي مسعود في الآيتين من آخر سورة البقرة، وقد تقدم شرحه قريبا. الثاني حديث عمر" سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان" وقد تقدم شرحه في" باب أنزل القرآن على سبعة أحرف". الثالث حديث عائشة المذكور في الباب قبله، وقد تقدم التنبيه عليه

(9/88)


28- باب التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}
وَقَوْلِهِ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}
وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ فِيهَا يُفْرَقُ يُفَصَّلُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَقْنَاهُ فَصَّلْنَاهُ
5043- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ رَجُلٌ قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ فَقَالَ هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ وَإِنِّي لاَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم"
5044- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ : {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي فِي {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي

(9/88)


صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} قَالَ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ قَالَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ"
قوله:" باب الترتيل في القراءة" أي تبيين حروفها والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها. قوله:" وقوله تعالى {وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}" كأنه يشير إلى ما ورد عن السلف في تفسيرها، فعند الطبري بسند صحيح عن مجاهد في قوله تعالى {وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ}" قال: بعضه إثر بعض على تؤدة. وعن قتادة قال: بينه بيانا. والأمر بذلك إن لم يكن للوجوب يكون مستحبا. قوله:" وقوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}" سيأتي توجيهه. قوله:" وما يكره أن يهذ كهذ الشعر" كأنه يشير إلى أن استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع، وإنما الذي يكره الهذ وهو الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها. وقد ذكر في الباب إنكار ابن مسعود على من يهذ القراءة كهذ الشعر، ودليل جواز الإسراع ما تقدم في أحاديث الأنبياء من حديث أبي هريرة رفعه :" خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيفرغ من القرآن قبل أن تسرج". قوله فيها" يفرق يفصل" هو تفسير أبي عبيدة. قوله:" قال ابن عباس {فَرَقْنَاهُ} فصلناه" وصله ابن جريج من طريق، علي بن أبي طلحة عنه، وعند أبي عبيد من طريق مجاهد أن رجلا سأله عن رجل قرأ البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة فقط قيامهما واحد ركوعهما واحد وسجودهما واحد، فقال: الذي قرأ البقرة فقط أفضل. ثم تلا : {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} ومن طريق أبي حمزة" قلت لابن عباس إني سريع القراءة، وإني لأقرأ القرآن في ثلاث فقال: لأن أقرأ البقرة أرتلها فأتدبرها خير من أن أقرأ كما تقول" وعند ابن أبي داود من طريق أخرى عن أبي حمزة" قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ليلة. فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أحب إلي. إن كنت لا بد فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها أذنيك ويوعها قلبك" والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات، وقد يكون بالعكس. ثم ذكر المصنف في الباب حديثين: قوله:" حدثنا واصل" هو ابن حيان بمهملة وتحتانية ثقيلة الأحدب الكوفي، ووقع صريحا عند الإسماعيلي، وزعم خلف في" الأطراف" أنه واصل مولى أبي عينة بن المهلب، وغلطوه في ذلك فإن مولى أبي عيينة بصري وروايته عن البصريين، وليست له رواية عن الكوفيين وأبو وائل شيخ واصل هذا كوفي. قوله:" عن أبي وائل عن عبد الله قال: غدونا على عبد الله" أي ابن مسعود" فقال رجل: قرأت المفصل" كذا أورده مختصرا، وقد أخرجه مسلم من الوجه الذي أخرجه معه البخاري فزاد في أوله" غدونا على عبد الله بن مسعود يوما بعدما صلينا الغداة، فسلمنا بالباب فأذن لنا، فمكثنا بالباب هنيهة، فخرجت الجارية فقالت: ألا تدخلون؟ فدخلنا، فإذا هو جالس يسبح فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أذن لكم؟ قلنا: ظننا أن بعض أهل البيت نائم، قال: ظننتم بآل أم عبد غفلة. فقال رجل من القوم: قرأت المفصل البارحة كله، فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر" ولأحمد من طريق الأسود بن يزيد" عن عبد الله بن مسعود أن رجلا أتاه

(9/89)


فقال: قرأت المفصل في ركعة، فقال: بل هذذت كهذ الشعر وكنثر الدقل" وهذا الرجل هو نهيك بن سنان كما أخرجه مسلم من طريق منصور عن أبي وائل في هذا الحديث. وقوله:" هذا" بفتح الهاء وبالذال المعجمة المنوبة قال الحطابي معناه سرعة القراءة بغير تأمل كما ينشد الشعر، وأصل الهذ سرعة الدفع. وعند سعيد بن منصور من طريق يسار عن أبي وائل عن عبد الله أنه قال في هذه القصة" إنما فصل لتفصلوه". قوله:" ثماني عشرة" تقدم في" باب تأليف القرآن" من طريق الأعمش عن شقيق فقال فيه:" عشرين سورة من أول المفصل" والجمع بينهما أن الثمان عشرة غير سورة الدخان والتي معها، وإطلاق المفصل على الجميع تغليبا، وإلا فالدخان ليست من المفصل على المرجح، لكن يحتمل أن يكون تأليف ابن مسعود على خلاف تأليف غيره، فإن في آخر رواية الأعمش على تأليف ابن مسعود آخر من حم الدخان وعم، فعلى هذا لا تغليب. قوله:" من آل حاميم" أي السورة التي أولها حم، وقيل: يريد حم نفسها كما في حديث أبي موسى" أنه أوتى مزمارا من مزامير آل داود" يعني داود نفسه، قال الخطابي: قوله:" آل داود" يريد به داود نفسه، وهو كقوله تعالى :{أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} وتعقبه ابن التين بأن دليله يخالف تأويله، قال: وإنما يتم مراده لو كان الذي يدخل أشد العذاب فرعون وحده. وقال الكرماني: لولا أن هذا الحرف ورد في الكتابة منفصلا يعني" آل" وحدها و" حم" وحدها لجاز أن تكون الألف واللام التي لتعريف الجنس، والتقدير: وسورتين من الحواميم. قلت: لكن الرواية أيضا ليست فيها واو، نعم في رواية الأعمش المذكورة" آخرهن من الحواميم" وهو يؤيد الاحتمال المذكور والله أعلم. وأغرب الداودي فقال: قوله:" من آل حاميم" من كلام أبي وائل، وإلا فإن أول المفصل عند ابن مسعود من أول الجاثية ا هـ، وهذا إنما يرد لو كان ترتيب مصحف ابن مسعود كترتيب المصحف العثماني، والأمر بخلاف ذلك فإن ترتيب السور في مصحف ابن مسعود يغاير الترتيب في المصحف العثماني، فلعل هذا منها ويكون أول المفصل عنده أول الجاثية والدخان متأخرة في ترتيبه عن الجاثية لا مانع من ذلك. وقد أجاب النووي على طريق التنزل بأن المراد بقوله عشرين من أول المفصل أي معظم العشرين. حديث ابن عباس في نزول قوله تعالى :{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير القيامة، وجرير المذكور في إسناده هو ابن عبد الحميد بخلاف الذي في الباب بعده، وقوله فيه:" وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه" كذا للأكثر وتقدم توجيهه في بدء الوحي، ووقع عند المستملي هنا" وكان ممن يحرك" ويتعين أن يكون" من" فيه للتبعيض و" من" موصولة والله أعلم. وشاهد الترجمة منه النهي عن تعجيله بالتلاوة، فإنه يقتضي استحباب التأني فيه وهو المناسب للترتيل. وفي الباب حديث حفصة أم المؤمنين أخرجه مسلم في أثناء حديث وفيه:" كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها" وقد تقدم في أواخر المغازي حديث علقمة أنه قرأ على ابن مسعود فقال:" رتل فداك أبي وأمي فإنه زينة القرآن" وأن هذه الزيادة وقعت عند أبي نعيم في" المستخرج" وأخرجها ابن أبي داود أيضا. والله أعلم

(9/90)


29- باب مَدِّ الْقِرَاءَةِ
5045- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ الأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ

(9/90)


مَالِكٍ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كَانَ يَمُدُّ مَدًّا"
[الحديث 5045- طرفه في: 5046]
5046- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ"
قوله:" باب مد القراءة" المد عند القراءة على ضربين: أصلي وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي وهو ما إذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة. وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما كان من نفس الكلمة والمنفصل ما كان بكلمة أخرى، فالأول يؤتى فيه بالألف والواو والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني يزاد في تمكين الألف. والواو والياء زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أولا وقد يزاد على ذلك قليلا، وما أفرط فهو غير محمود، والمراد من الترجمة الضرب الأول. وقوله في الرواية الأولى 1كأن يمد مدا بين في الرواية الثانية المراد بقوله:" يمد" بسم الله إلخ يمد اللام التي قبل الهاء من الجلالة، والميم التي قبل النون من الرحمن، والحاء من الرحيم. قوله في الرواية الثانية" حدثنا عمرو بن عاصم" وقع في بعض النسخ عمرو بن حفص وهو غلط ظاهر. قوله:" سئل أنس" ظهر من الرواية الأولى أن قتادة الراوي هو السائل، وقوله الرواية الثانية" كانت مدا" أي كانت ذات مد، ووقع عند أبي نعيم من طريق أبي النعمان عن جرير بن حازم في هذه الرواية:" كان يمد صوته مدا" وكذا أخرجه الإسماعيلي من ثلاثة طرق أخرى عن جرير بن حازم، وكذا أخرجه ابن أبي داود من وجه آخر عن جرير. وفي رواية له" كان يمد قراءته" وأفاد أنه لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا جرير بن حازم وهمام بن يحيى، وقوله في الثانية" يمد ببسم الله" كذا وقع بموحدة قبل الموحدة التي في بسم الله، كأنه حكى لفظ بسم الله كما حكى لفظ الرحمن في قوله:" ويمد بالرحمن" أو جعله كالكلمة الواحدة علما لذلك. ووقع عند أبي نعيم من طريق الحسن الحلواني عن عمرو بن عاصم شيخ البخاري فيه:" يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم" من غير موحدة في الثلاثة وأخرجه ابن أبي داود عن يعقوب بن إسحاق عن عمرو بن عاصم عن همام وجرير جميعا عن قتادة بلفظ:" يمد ببسم الله الرحمن الرحيم" بإثبات الموحدة في أوله أيضا، وزاد في الإسناد جريرا مع همام في رواية عمرو بن عاصم. وأخرج ابن أبي داود من طريق قطبة بن مالك" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر ق فمر بهذا الحرف {لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} فمد نضيد" وهو شاهد جيد لحديث أنس، وأصله عند مسلم والترمذي والنسائي من حديث قطبة نفسه." تنبيه": استدل بعضهم بهذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، ورام بذلك معارضة حديث أنس أيضا المخرج في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يقرؤها في الصلاة، وفي الاستدلال لذلك بحديث الباب نظر، وقد أوضحته فيما كتبته من النكت على علوم الحديث لابن الصلاح، وحاصله أنه لا يلزم من وصفه بأنه كان إذا قرأ البسملة يمد فيها أن يكون قرأ البسملة في أول الفاتحة في كل ركعة، ولأنه إنما ورد بصورة المثال فلا تتعين البسملة، والعلم عند الله تعالى.
ـــــــ
1) )الصواب" في الرواية الثانية"

(9/91)


باب الترجيح
...
30- باب التَّرْجِيعِ
حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة حدثنا أبو إياس قال سمعت عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ وهو على ناقته، أو جمله، وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح، أو من سورة الفتح قراءة لينة يقرأ وهو يرجع"
قوله:" باب الترجيع" هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق، وقد فسره كما سيأتي في حديث عبد الله بن مغفل المذكور في هذا الباب في كتاب التوحيد بقوله:" أ ا أ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى" ثم قالوا: يحتمل أمرين: أحدهما أن ذلك حدث من هز الناقة، والآخر أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق فإن في بعض طرقه:" لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن" أي النغم. وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع، فأخرج الترمذي في" الشمائل" والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود واللفظ له من حديث أم هانئ" كنت أسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن" والذي يظهر أن في الترجيع قدرا زائدا على الترتيل، فعند ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن علقمة قال:" بت مع عبد الله بن مسعود في داره، فنام ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه لا يرفع صوته ويسمع من حوله، ويرتل ولا يرجع" وقال الشيخ أبو محمد بن أبي، جمرة: معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة. قال: وفي الحديث ملازمته صلى الله عليه وسلم للعبادة لأنه حالة ركوبه الناقة وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة، وفي جهره بذلك إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وهو عند التعليم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك

(9/92)


31- باب حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ
5048- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَهُ يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ"
قوله" باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن" كذا لأبي ذر، وسقط قوله:" للقرآن" لغيره. وقد تقدم في" باب من لم يتغن بالقرآن" نقل الإجماع على استحباب سماع القرآن من ذي الصوت الحسن. وأخرج ابن أبي داود من طريق ابن أبي مسجعة قال:" كان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم". قوله:" حدثنا محمد بن خلف أبو بكر" هو الحدادي بالمهملات وفتح أوله والتثقيل، بغدادي مقرئ من صغار شيوخ البخاري، وعاش بعد البخاري خمس سنين. وأبو يحيى الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم اسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي وهو والد يحيى بن عبد الحميد الكوفي الحافظ صاحب المسند. وليس لمحمد ابن خلف ولا لشيخه أبي يحيى في البخاري إلا هذا الموضع، وقد أدرك البخاري أبا يحيى بالسن، لكنه لم يلقه. قوله:" حدثني بريد" في رواية الكشميهني:

(9/92)


"سمعت بريد بن عبد الله" قوله:" يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود" كذا وقع عنده مختصرا من طريق بريد، وأخرجه مسلم من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة بلفظ:" لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة" الحديث. وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه بزيادة فيه:" أن النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة مرا بأبي موسى وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنهما مضيا. فلما أصبح لقي أبو موسى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا موسى، مررت بك" فذكر الحديث فقال:" أما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرا" ولابن سعد من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم:" أن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم صوته - وكان حلو الصوت - فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له، فقال: لو علمت لحبرته لهن تحبيرا" وللروياني من طريق مالك بن مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه نحو سياق سعيد بن أبي بردة وقال فيه:" لو علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع قراءتي لحبرتها تحبيرا" وأصلها عند أحمد، وعند الدارمي من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لأبي موسى - وكان حسن الصوت بالقرآن - لقد أوتي هذا من مزامير آل داود" فكأن المصنف أشار إلى هذه الطريق في الترجمة، وأصل هذا الحديث عند النسائي من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري موصولا بذكر أبي هريرة فيه ولفظه:" أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع قراءة أبي موسى فقال: لقد أوتي من مزامير آل داود" وقد اختلف فيه على الزهري، فقال معمر وسفيان" عن الزهري عن عروة عن عائشة" أخرجه النسائي. وقال الليث" عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب" مرسلا، ولأبي يعلى من طريق عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء" سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى فقال: كأن صوت هذا من مزامير آل داود" وأخرج ابن أبي داود من طريق، أبي عثمان النهدي قال:" دخلت دار أبي موسى الأشعري فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا ناي أحسن من صوته" سنده صحيح وهو في" الحلية لأبي نعيم" والصنج بفتح المهملة وسكون النون بعدها جيم هو آلة تتخذ من نحاس كالطبقين يضرب أحدهما بالآخر، والبربط بالموحدتين بينهما راء ساكنة ثم طاء مهملة بوزن جعفر هو آلة تشبه العود فارسي معرب، والناي بنون بغير همز هو المزمار. قال الخطابي: قوله :" آل داود" يريد داود نفسه، لأنه لم ينقل أن أحدا من أولاد داود ولا من أقاربه كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي. قلت: ويؤيده ما أورده من الطريق الأخرى، وقد تقدم في" باب من لم يتغن بالقرآن" ما نقل عن السلف في صفة صوت داود، والمراد بالمزمار الصوت الحسن، وأصله الآلة أطلق اسمه على الصوت للمشابهة. وفي الحديث دلالة بينة على أن القراءة غير المقروء وسيأتي مزيد بحث في ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى

(9/93)


32- باب مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ
5049- حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي عن الأعمش قال حدثني إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ عليّ القرآن. قلت: آقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري"
قوله:" باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره" في رواية الكشميهني:" القراءة" ذكر فيه حديث ابن مسعود" قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي القرآن" أورده مختصرا، ثم أورده مطولا في الباب الذي بعده" باب قول المقرئ

(9/93)


للقارئ حسبك" والمراد بالقرآن بعض القرآن، والذي في معظم الروايات " اقرأ علي" ليس فيه لفظ:" القرآن" بل أطلق فيصدق بالبعض، قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض؛ القرآن سنة، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب كما تقدم في المناقب وغيرها فإنه، أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف ونحو ذلك، ويأتي شرح الحديث بعد أبواب في" باب البكاء عند قراءة القرآن"

(9/94)


باب قول المقريء للقاريء :حسبك
...
33- بَاب قَوْلِ الْمُقْرِئِ لِلْقَارِئِ حَسْبُكَ
5050- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ نَعَمْ فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا قَالَ حَسْبُكَ الْآنَ فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ"

(9/94)


34- باب فِي كَمْ يُقْرَأُ الْقُرْآنُ؟ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}
5051- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ لِي ابْنُ شُبْرُمَةَ نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنْ الْقُرْآنِ فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثِ آيَاتٍ فَقُلْتُ لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثِ آيَاتٍ قَالَ عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ عَلْقَمَةُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَلَقِيتُهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ"
5052- حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا فَتَقُولُ نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْقَنِي بِهِ فَلَقِيتُهُ بَعْدُ فَقَالَ كَيْفَ تَصُومُ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ وَكَيْفَ تَخْتِمُ قَالَ كُلَّ لَيْلَةٍ قَالَ صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةً وَاقْرَئِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَالَ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْجُمُعَةِ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا قَالَ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَاكَ أَنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ السُّبْعَ مِنْ الْقُرْآنِ بِالنَّهَارِ وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنْ النَّهَارِ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ

(9/94)


باب البكاء عند قراءة القرآن
...
عمرو بن مرة من هذا الحديث من قوله:" فقرأت النساء" إلى آخر الحديث، وأما ما قبله إلى قوله :" أن أسمعه من غيري" فهو عند الأعمش عن إبراهيم هو في الطريق الثانية في هذا الباب، وكذا أخرجه المصنف من وجه آخر عن الأعمش قبل ببابين، وتقدم قبل بباب واحد عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري مقتصرا على طريق الأعمش عن إبراهيم من غير تبيين التفصيل الذي في رواية يحيى القطان عن الثوري، وهو يقتضي أن في رواية الفريابي إدراجا. وقوله في هذه الرواية:" عن أبيه" هو معطوف على قوله:" عن سليمان" وهو الأعمش، وحاصله أن سفيان الثوري روى هذا الحديث عن الأعمش، ورواه أيضا عن أبيه وهو سعيد بن مسروق الثوري عن أبي الضحى، ورواية إبراهيم عن عبيدة بن عمرة عن ابن مسعود موصولة، ورواية أبي الضحى عن عبد الله بن مسعود منقطعة، ووقع في رواية أبي الأحوص عن سعيد بن مسروق عن أبي الضحى" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود" فذكره، وهذا أشد انقطاعا أخرجه سعيد بن منصور، وقوله :" اقرأ علي" وقع في رواية علي بن مسهر عن الأعمش بلفظ: " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر اقرأ علي" ووقع في رواية محمد بن فضالة الظفري أن ذلك كان وهو صلى الله عليه وسلم في بني ظفر أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه" أن النبي صلى الله عليه وسلم آتاهم في بني طفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه، فأمر قارئا فقرأ، فأتى على هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} فبكى حتى ضرب لحياه ووجنتاه فقال : يا رب، هذا على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره. وأخرج ابن المبارك في الزهد من طريق سعيد بن المسيب قال:" ليس من يوم إلا يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم. فلذلك يشهد عليهم" ففي هذا المرسل ما يرفع الإشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة والله أعلم. قال ابن بطال: إنما بكى صلى الله عليه وسلم عند تلاوته هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر بحق له طول البكاء انتهى. والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته، لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم وعملهم قد لا يكون مستقيما فقد يفضي إلى تعذيبهم، والله أعلم

(9/99)


باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو قجر به
...
36- باب إِثْمُ مَنْ رَاءَى بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ تَأَكَّلَ بِهِ أَوْ فَخَرَ بِهِ
5057- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
5058- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :" يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ وَيَقْرَءُونَ

(9/99)


الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ"
5059- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلاَ رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ أَوْ خَبِيثٌ وَرِيحُهَا مُرٌّ"
قوله:" باب إثم من راءى بقراءة القرآن، أو تأكل به" كذا للأكثر. وفي رواية:" رايا" بتحتانية بدل المعجمة، وتأكل أي طلب الأكل، وقوله:" أو فجر به" للأكثر بالجيم، وحكى ابن التين أن في رواية بالخاء المعجمة. حديث علي في ذكر الخوارج، وقد تقدم في علامات النبوة. وأغرب الداودي فزعم أنه وقع هنا" عن سويد بن غفلة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم:" قال واختلف في صحبة سويد، والصحيح ما هنا أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال معتمدا على الغلط الذي نشأ له عن السقط، والذي في جميع نسخ صحيح البخاري" عن سويد بن غفلة عن علي رضي الله عنه قال: سمعت" وكذا في جميع المسانيد، وهو حديث مشهور لسويد بن غفلة عن علي، ولم يسمع سويد من النبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح، وقد قيل إنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح، والذي يصح أنه قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصح سماعه من الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة، وصح أنه أدى صدقة ماله في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين. وقال أبو عبيد سنة إحدى. وقال عمرو بن علي سنة اثنتين، وبلغ مائة وثلاثين سنة. وهو جعفي يكنى أبا أمية، نزل الكوفة ومات بها. وسيأتي البحث في قتال الخوارج في كتاب المحاربين، وقوله :" الأحلام" أي العقول، وقوله :" يقولون من خير قول البرية" هو من المقلوب والمراد من" قول خير البرية" أي من قول الله، وهو المناسب للترجمة، وقوله: " لا يجاوز حناجرهم" قال الداودي: يريد أنهم تعلقوا بشيء منه. قلت: إن كان مراده بالتعلق الحفظ فقط دون العلم بمدلوله فعسى أن يتم له مراده، وإلا فالذي فهمه الأئمة من السياق أن المراد أن الإيمان لم يرسخ في قلوبهم لأن ما وقف عند الحلقوم فلم يتجاوزه لا يصل إلى القلب. وقد وقع في حديث حذيفة نحو حديث أبي سعيد من الزيادة " لا يجاوز تراقيهم ولا تعيه قلوبهم". حديث أبي سلمة عن أبي سعيد في ذكر الخوارج أيضا، وسيأتي شرحه أيضا في استتابة المرتدين، وتقدم من وجه آخر في علامات النبوة. ومناسبة هذين الحديثين للترجمة أن القراءة إذا كانت لغير الله فهي للرياء أو للتأكل به ونحو ذلك، فالأحاديث الثلاثة دالة لأركان الترجمة لأن منهم من رايا به وإليه الإشارة في حديث أبي موسى، ومنهم من تأكل به وهو مخرج من حديثه أيضا، ومنهم من فجر به وهو مخرج من حديث علي وأبي سعيد. وقد أخرج أبو عبيد في" فضائل القرآن" من وجه آخر عن أبي سعيد وصححه الحاكم رفعه :" تعلموا القرآن واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهى به، ورجل يستأكل به. ورجل يقرؤه لله" وعند ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس موقوفا " لا تضربوا

(9/100)


كتاب الله بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم" وأخرج أحمد وأبو يعلى من حديث عبد الرحمن بن شبل رفعه: " اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تحفوا عنه ولا تأكلوا به" الحديث وسنده قوي. وأخرج أبو عبيد عن عبد الله بن مسعود " سيجيء زمان يسأل فيه بالقرآن، فإذا سألوكم فلا تعطوهم". حديث أبي موسى الذي تقدم مشروحا في" باب فضل القرآن على سائر الكلام" وهو ظاهر فيما ترجم له. ووقع هنا عند الإسماعيلي من طريق معاذ بن معاذ عن شعبة بسنده" قال شعبة وحدثني شبل يعني ابن عزرة أنه سمع أنس بن مالك" بهذا. قلت: وهو حديث آخر أخرجه أبو داود في مثل الجليس الصالح والجليس السوء.

(9/101)


أقرءوا القرآن ماائتلفت عليه قلوبكم
...
37- باب اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ
5060- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ"
[الحديث 5060- أطرافه في: 5061، 7364، 7365]
5061- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سَلاَمُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ جُنْدَبٍ قال النبي صلى الله عليه وسلم :" اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ تَابَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبَانُ وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَوْلَهُ وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ عُمَرَ قَوْلَهُ وَجُنْدَبٌ أَصَحُّ وَأَكْثَرُ"
5062- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ آيَةً سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلاَفَهَا فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كِلاَكُمَا مُحْسِنٌ فَاقْرَأَا أَكْبَرُ عِلْمِي قَالَ فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَأُهْلِكُوا"
قوله :" باب اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم" أي اجتمعت. قوله :" فإذا اختلفتم" أي في فهم معانيه " فقوموا عنه" أي تفرقوا لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر، قال عياض: يحتمل أن يكون النهي خاصا بزمنه صلى الله عليه وسلم لئلا يكون ذلك سببا لنزول ما يسوؤهم كما في قوله تعالى :{لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ، ويحتمل أن يكون المعنى اقرءوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة، وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة واعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم :" فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم" ويحتمل أنه ينهي عن القراءة إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء بأن يتفرقوا عند الاختلاف ويستمر كل منهم على قراءته، ومثله ما تقدم عن ابن مسعود لما وقع بينه وبين الصحابيين الآخرين الاختلاف في الأداء، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" كلكم محسن"

(9/101)


وبهذه النكتة تظهر الحكمة في ذكر حديث ابن مسعود عقيب حديث جندب. قوله:" تابعه الحارث بن عبيد وسعيد بن زيد عن أبي عمران" أي في رفع الحديث، فأما متابعة الحارث وهو ابن قدامة الإيادي فوصلها الدارمي عن أبي غسان مالك بن إسماعيل عنه، ولفظه مثل رواية حماد بن زيد، وأما متابعة سعيد بن زيد وهو أخو حماد بن زيد فوصلها الحسن بن سفيان في مسنده من طريق أبي هشام المخزومي عنه قال:" سمعت أبا عمران قال حدثنا جندب" فذكر الحديث مرفوعا وفي آخره :" فإذا اختلفتم فيه فقوموا". قوله:" ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان" يعني ابن سعيد العطار، أما رواية حماد بن سلمة فلم تقع لي موصولة، وأما رواية أبان فوقعت في صحيح مسلم من طريق حبان بن هلال عنه ولفظه:" قال لنا جندب ونحن غلمان" فذكره لكن مرفوعا أيضا، فلعله وقع للمصنف من وجه آخر عنه موقوفا. قوله:" وقال غندر عن شعبة عن أبي عمران سمعت جندبا قوله" وصله الإسماعيلي من طريق بندار عن غندر. قوله:" وقال ابن عون عن أبي عمران عن عبد الله بن الصامت عن عمر قوله" ابن عون هو عبد الله البصري الإمام المشهور وهو من أقران أبي عمران، وروايته هذه وصلها أبو عبيد عن معاذ بن معاذ عنه، وأخرجها النسائي من وجه آخر عنه. قوله:" وجندب أصح وأكثر" أي أصح إسنادا وأكثر طوقا، وهو كما قال فإن الجم الغفير رووه عن أبي عمران عن جندب، إلا أنهم اختلفوا عليه في رفعه ووقفه، والذين رفعوه ثقات حفاظ فالحكم لهم. وأما رواية ابن عون فشاذة لم يتابع عليها، قال أبو بكر بن أبي داود: لم يخطئ ابن عون قط إلا في هذا، والصواب عن جندب انتهى. ويحتمل أن يكون ابن عون حفظه ويكون لأبي عمران فيه شيخ آخر وإنما توارد الرواة على طريق جندب لعلوها والتصريح برفعها، وقد أخرج مسلم من وجه آخر عن أبي عمران هذا حديثا آخر في المعنى أخرجه من طريق حماد عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن رباح عن عبد الله بن عمر قال:" هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع رجلين اختلفا في آية فخرج يعرف الغضب في وجهه فقال. إنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف في الكتاب" وهذا مما يقوي أن يكون لطريق ابن عون أصل والله أعلم. قوله:" النزال" بفتح النون وتشديد الزاي وآخره لام" ابن سبرة" بفتح المهملة وسكون الموحدة الهلالي، تابعي كبير، وقد قيل إنه له صحبه، وذهل المزي فجزم في" الأطراف" بأن له صحبة، وجزم في" التهذيب" بأن له رواية عن أبي بكر الصديق مرسلة. قوله:" أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي صلى الله عليه وسلم قرأ خلافها" هذا الرجل يحتمل أن يكون هو أبي بن كعب، فقد أخرج الطبري من حديث أبي بن كعب أنه سمع ابن مسعود يقرأ آية قرأ خلافها وفيه:" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كلاكما محسن" الحديث، وقد تقدم في" باب أنزل القرآن على سبعة أحرف" بيان عدة ألفاظ لهذا الحديث. قوله:" فاقرا" بصيغة الأمر للاثنين. قوله:" أكبر علمي" هذا الشك من شعبة، وقد أخرجه أبو عبيد عن حجاج بن محمد عن شعبة قال:" أكبر علمي أني سمعته وحدثني عنه مسعود" فذكره. قوله:" فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم" في رواية المستملي :" فأهلكوا" بضم أوله، وعند ابن حبان والحاكم من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه القصة " فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف" وقد تقدم القول في معنى الاختلاف في حديث جندب الذي قبله. وفي رواية زر المذكورة من الفائدة أن السورة التي اختلف فيها أبي وابن مسعود كانت من آل حم، وفي" المبهمات" للخطيب أنها الأحقاف، ووقع عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند في هذا الحديث أن اختلافهم كان في عددها هل هي خمس وثلاثون آية أو ست وثلاثون الحديث، وفي هذا الحديث والذي قبله الحض على الجماعة والألفة

(9/102)


والتحذير من الفرقة والاختلاف والنهي عن المراء في القرآن بغير حق، ومن شر ذلك أن تظهر دلالة الآية على شيء يخالف الرأي فيتوسل بالنظر وتدقيقه إلى تأويلها وحملها على ذلك الرأي ويقع اللجاج في ذلك والمناضلة عليه" خاتمة" اشتمل كتاب فضائل القرآن من الأحاديث المرفوعة على تسعة وتسعين حديثا، المعلق منها وما التحق به من المتابعات تسعة عشر حديثا والباقي موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة وسبعون حديثا والباقي خالص، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أنس فيمن جمع القرآن، وحديث قتادة بن النعمان في فضل قل هو الله أحد، وحديث أبي سعيد في ذلك، وحديثه أيضا: " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن" وحديث عائشة في قراءة المعوذات عند النوم، وحديث ابن عباس في قراءته المفصل، وحديثه" لم يترك إلا ما بين الدفتين" وحديث أبي هريرة" لا حسد إلا في اثنتين" وحديث عثمان" إن خيركم من تعلم القرآن" وحديث أنس" كانت قراءته مدا" وحديث عبد الله بن مسعود" أنه سمع رجلا يقرأ آية". وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم سبعة آثار. والله أعلم.

(9/103)