Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الطلاق
باب قوله تعالى:(ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة)
...
3- كِتَاب الطَّلاَقِ
1- باب قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} أَحْصَيْنَاهُ حَفِظْنَاهُ وَعَدَدْنَاهُ وَطَلاَقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَيُشْهِدَ شَاهِدَيْنِ
5251- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ

(9/345)


وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ"
قوله: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كتاب الطلاق" الطلاق في اللغة حل الوثاق مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك. وفلان طلق اليد بالخير أي كثير البذل وفي الشرع حل عقدة التزويج فقط، وهو موافق لبعض أقراد مدلوله اللغوي. قال إمام الحرمين: هو لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره. وطلقت المرأة بفتح الطاء وضم اللام وبفتحها أيضا وهو أفصح، وطلقت أيضا بضم أوله وكسر اللام الثقيلة، فإن خففت فهو خاص بالولادة والمضارع فيهما بضم اللام، والمصدر في الولادة طلقا ساكنة اللام، فهي طالق فيهما. ثم الطلاق قد يكون حراما أو مكروها أو واجبا أو مندوبا أو جائزا، أما الأول ففيما إذا كان بدعيا وله صور، وأما الثاني ففيما إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال، وأما الثالث ففي صور منها الشقاق إذا رأى ذلك الحكمان، وأما الرابع ففيما إذا كانت غير عفيفة، وأما الخامس فنفاه النووي وصوره غيره بما إذا كان لا يريدها ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع، فقد صرح الإمام أن الطلاق في هذه الصورة لا يكره. قوله: "وقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}" أما قوله تعالى :{إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} "فخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الجمع تعظيما أو على إرادة ضم أمته إليه، والتقدير يا أيها النبي وأمته. وقيل هو على إضمار قل أي قل لأمتك، والثاني أليق، فخص النبي عليه الصلاة والسلام بالنداء لأنه إمام أمته اعتبارا بتقدمه وعم بالخطاب كما يقال لأمير القوم يا فلان افعلوا كذا، وقوله: {إِذَا طَلَّقْتُمُ} أي إذا أردتم التطليق جزما، ولا يمكن حمله على ظاهره. وقوله: {لِعِدَّتِهِنَّ} أي عند ابتداء شروعهن في العدة، واللام للتوقيت كما يقال لقيته لليلة بقيت من الشهر، قال مجاهد في قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}" قال ابن عباس: في قبل عدتهن، أخرجه الطبري بسند صحيح. ومن وجه آخر أنه قرأها كذلك، وكذا وقع عند مسلم من رواية أبي الزبير عن ابن عمر في آخر حديثه قال ابن عمر "وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن" ونقلت هذه القراءة أيضا عن أبي وعثمان وجابر وعلي بن الحسين وغيرهم، وسيأتي في حديث ابن عمر في الباب مزيد بيان في ذلك. قوله: "أحصيناه حفظناه" هو تفسير أبي عبيدة. وأخرج الطبري معناه عن السدي، والمراد الأمر بحفظ ابتداء وقت العدة لئلا يلتبس الأمر بطول العدة فتتأذى بذلك المرأة. قوله: "وطلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع" روى الطبري بسند صحيح عن ابن مسعود في قوله تعالى :{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} قال: في الطهر من غير جماع، وأخرجه عن جمع من الصحابة ومن بعدهم كذلك، وهو عند الترمذي أيضا. قوله: "ويشهد شاهدين" مأخوذ من قوله تعالى :{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وهو واضح، وكأنه لمح بما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: "كان نفر من المهاجرين يطلقون لغير عدة ويراجعون بغير شهود فنزلت: {وقد قسم الفقهاء الطلاق إلى سني، وبدعي، وإلى قسم ثالث لا وصف له. فالأول ما تقدم. والثاني أن يطلق في الحيض أو في طهر جامعها فيه ولم يتبين أمرها أحملت أم لا، ومنهم من أضاف له أن يزيد على طلقة ومنهم من أضاف له الخلع. والثالث تطليق الصغيرة والآيسة والحامل التي قربت ولادتها، وكذا إذا وقع السؤال منها في وجه بشرط أن تكون عالمة بالأمر، وكذا إذا وقع الخلع بسؤالها وقلنا إنه طلاق، ويستثنى من تحريم طلاق الحائض صور: مها ما لو كانت حاملا ورأت الدم وقلنا الحامل تحيض

(9/346)


فلا يكون طلاقها بدعيا ولا سيما إن وقع بقرب الولادة، ومنها إذا طلق الحاكم على المولى واتفق وقوع ذلك في الحيض، وكذا في صورة الحكمين إذا تعين ذلك طريقا لرفع الشقاق، وكذلك الخلع والله أعلم. قوله: "أنه طلق امرأته" في مسلم من رواية الليث عن نافع "أن ابن عمر طلق امرأة له" وعنده من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "طلقت امرأتي" وكذا في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر، قال النووي في تهذيبه: اسمها آمنة بنت غفار قاله ابن باطيش، ونقله عن النووي جماعة ممن بعده منهم الذهبي في "تجريد الصحابة" لكن قال في مبهماته: فكأنه أراد مبهمات التهذيب. وأوردها الذهبي في آمنة بالمد وكسر الميم ثم نون وأبوها غفار ضبطه ابن يقظة بكسر المعجمة وتخفيف الفاء، ولكني رأيت مستند ابن باطيش في أحاديث قتيبة جمع سعيد العيار بسند فيه ابن لهيعة أن ابن عمر طلق امرأته آمنة بنت عمار؛ كذا رأيتها في بعض الأصول بمهملة مفتوحة ثم ميم ثقيلة والأول أولى، وأقوى من ذلك ما رأيته في مسند أحمد قال: " حدثنا يونس حدثنا الليث عن نافع أن عبد الله طلق امرأته وهي حائض، فقال عمر: يا رسول الله إن عبد الله طلق امرأته النوار، فأمره أن يراجعها" الحديث، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، ويونس شيخ أحمد هو ابن محمد المؤدب من رجالهما، وقد أخرجه الشيخان عن قتيبة عن الليث ولكن لم تسم عندهما، ويمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة ولقبها النوار. قوله: "وهي حائض" في رواية قاسم بن أصبغ من طريق عبد الحميد بن جعفر عن نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي في دمها حائض، وعند البيهقي من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر أنه طلق امرأته في حيضها. قوله: "على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" كذا في رواية مالك ومثله عند مسلم من رواية أبي الزبير عن ابن عمر، وأكثر الرواة لم يذكروا ذلك استغناء بما في الخبر أن عمر سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستلزم أن ذلك وقع في عهده، وزاد الليث عن نافع "تطليقة واحدة" أخرجه مسلم. وقال في آخره: "جود الليث في قوله تطليقة واحدة" ا هـ، وكذا وقع عند مسلم من طريق محمد بن سيرين قال: "مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فأمر أن يراجعها، فكنت لا أتهمهم ولا أعرف وجه الحديث، حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه "طلق امرأته تطليقة وهي حائض" وأخرجه الدار قطني والبيهقي من طريق الشعبي قال: "طلق ابن عمر امرأته وهي حائض واحدة" ومن طريق عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر أنه "طلق امرأته تطليقة وهي حائض". قوله:" فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك" في رواية ابن أبي ذئب عن نافع "فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك" أخرجه الدار قطني، وكذا سيأتي للمصنف من رواية قتادة عن يونس بن حبير عن ابن عمر، وكذا عند مسلم من رواية يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين عن يونس بن جبير، وكذا عنده في رواية طاوس عن ابن عمر، وكذا في رواية الشعبي المذكورة، وزاد فيه الزهري في روايته كما تقدم في التفسير "عن سالم أن ابن عمر أخبره، فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ولم أر هذه الزيادة في رواية غير سالم، وهو أجل من روى الحديث عن ابن عمر، وفيه إشعار بأن الطلاق في الحيض كان تقدم النهي عنه. وإلا لم يقع التغيظ على أمر لم يسبق النهي عنه. ولا يعكر على ذلك مبادرة عمر بالسؤال عن ذلك لاحتمال أن يكون عرف حكم الطلاق في الحيض وأنه منهي عنه ولم يعرف ماذا يصنع من وقع له ذلك، قال ابن العربي: سؤال عمر محتمل لأن يكون أنهم لم يروا قبلها مثلها فسأل ليعلم، ويحتمل أن يكون لما رأى في القرآن قوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ

(9/347)


ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} أراد أن يعلم إن هذا قرء أم لا؟ ويحتمل أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم النهي فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك. وقال ابن دقيق العيد: وتغيظ النبي صلى الله عليه وسلم إما لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرا فكان مقتضى الحال التثبت في ذلك، أو لأنه كان مقتضى الحال مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك إذا عزم عليه. قوله: "مره فليراجعها" قال ابن دقيق العيد: يتعلق به مسألة أصولية، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك أم لا؟ فإنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر مره، فأمره بأن يأمره. قلت: هذه المسألة ذكرها ابن الحاجب فقال: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بذلك الشيء، لنا لو كان لكان مر عبدك بكذا تعديا، ولكان يناقض قولك للعبد لا تفعل. قالوا: فهم ذلك من أمر الله ورسوله ومن قول الملك لوزيره قل لفلان افعل. قلنا للعلم بأنه مبلغ. قلت: والحاصل أن النفي إنما هو حيث تجرد الأمر، وأما إذا وجدت قرينة تدل على أن الآمر الأول أمر المأمور الأول أن يبلغ المأمور الثاني فلا، وينبغي أن ينزل كلام الفريقين على هذا التفصيل فيرتفع الخلاف. ومنهم من فرق بين الأمرين فقال: إن كان الأمر الأول بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثاني فهو آمر له وإلا فلا، وهذا قوي، وهو مستفاد من الدليل الذي استدل به ابن الحاجب على النفي، لأنه لا يكون متعديا إلا إذا أمر من لا حكم له عليه لئلا يصير متصرفا في ملك غيره بغير إذنه، والشارع حاكم على الآمر والمأمور فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين، ومنه قوله تعالى :{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ} فإن كل أحد يفهم منه أمر الله لأهل بيته بالصلاة، ومثله حديث الباب، فإن عمر إنما استفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ليمتثل ما يأمره به ويلزم ابنه به، فمن مثل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالط، فإن القرينة واضحة في أن عمر في هذه الكائنة كان مأمورا بالتبليغ، ولهذا وقع في رواية أيوب عن نافع "فأمره أن يراجعها" وفي رواية أنس بن سيرين ويونس بن جبير وطاوس عن ابن عمر وفي رواية الزهري عن سالم "فليراجعها" وفي رواية لمسلم: "فراجعها عبد الله كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وفي رواية أبي الزبير عن ابن عمر "ليراجعها" وفي رواية الليث عن نافع عن ابن عمر "فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا" وقد اقتضى كلام سليم الرازي في "التقريب" أنه يجب على الثاني الفعل جزما وإنما الخلاف في تسميته آمرا فرجع الخلاف عنده لفظيا. وقال الفخر الرازي في "المحصول" : الحق أن الله تعالى إذا قال لزيد أوجبت على عمرو كذا وقال لعمرو كل ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك كان الأمر بالأمر بالشيء أمرا بالشيء. قلت: وهذا يمكن أن يؤخذ منه التفرقة بين الأمر الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن غيره، فمهما أمر الرسول أحدا أن يأمر به غيره وجب لأن الله أوجب طاعته وهو أوجب طاعة أميره كما ثبت في الصحيح "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني" وأما غيره ممن بعده فلا، وفيهم تظهر صورة التعدي التي أشار إليها ابن الحاجب. وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يتردد في اقتضاء ذلك الطلب، وإنما ينبغي أن ينظر في أن لوازم صيغة الأمر هل هي لوازم صيغة الأمر بالأمر أو لا؟ بمعنى أنهما يستويان في الدلالة على الطلب من وجه واحد أو لا. قلت: وهو حسن، فإن أصل المسألة التي انبنى عليها هذا الخلاف حديث: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع" فإن الأولاد ليسوا بمكلفين فلا يتجه عليهم الوجوب، وإنما الطلب متوجه على أوليائهم أن يعلموهم ذلك، فهو مطلوب من الأولاد بهذه الطريق وليس مساويا للأمر الأول، وهذا إنما عرض من أمر خارج وهو امتناع توجه الأمر على غير المكلف، وهو بخلاف القصة التي في حديث الباب. والحاصل أن الخطاب إذا توجه لمكلف أن يأمر مكلفا آخر بفعل شيء كان المكلف الأول مبلغا محضا والثاني مأمور من قبل

(9/348)


الشارع، وهذا كقوله لمالك بن الحويرث وأصحابه "ومروهم بصلاة كذا في حين كذا" وقوله لرسول ابنته صلى الله عليه وسلم: "مرها فلتصبر ولتحتسب" ونظائره كثيرة، فإذا أمر الأول الثاني بذلك فلم يمتثله كان عاصيا، وإن توجه الخطاب من الشارع لمكلف أن يأمر غير مكلف أو توجه الخطاب من غير الشارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأول عليه لم يكن الأمر بالأمر بالشيء أمرا بالشيء فالصورة الأولى هي التي نشأ عنها الاختلاف وهو أمر أولياء الصبيان أن يأمروا الصبيان، والصورة الثانية هي التي يتصور فيها أن يكون الأمر متعديا بأمره للأول أن يأمر الثاني، فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة والله المستعان. واختلف في وجوب المراجعة، فذهب إليه مالك وأحمد في رواية، والمشهور عنه - وهو قول الجمهور - أنها مستحبة، واحتجوا بأن ابتداء النكاح لا يجب فاستدامته كذلك، لكن صحح صاحب "الهداية" من الحنفية أنها واجبة، والحجة، لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرما في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، فلو تمادى الذي طلق في الحيض حتى طهرت قال مالك وأكثر أصحابه: يجبر على الرجعة أيضا. وقال أشهب منهم إذا طهرت انتهى الأمر بالرجعة، واتفقوا على أنها إذا انقضت عدتها أن لا رجعة، وأنه لو طلق في طهر قد مسها فيه لا يؤمر بمراجعتها، كذا نقله ابن بطال وغيره، لكن الخلاف فيه ثابت قد حكاه الحناطي من الشافعية وجها، واتفقوا على أنه لو طلق قبل الدخول وهي حائض لم يؤمر بالمراجعة إلا ما نقل عن زفر فطرد الباب. قوله: "ثم ليمسكها" أي يستمر بها في عصمته. قوله: "حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر" في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع "ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى فإذا طهرت فليطلقها" ونحوه في رواية الليث وأيوب عن نافع، وكذا عند مسلم من رواية عبد الله بن دينار، وكذا عندهما من رواية الزهري عن سالم، وعند مسلم من رواية محمد بن عبد الرحمن عن سالم بلفظ: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا" قال الشافعي: غير نافع إنما روى "حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها. ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق" رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسالم قلت: وهو كما قال، لكن رواية الزهري عن سالم موافقة لرواية نافع، وقد نبه على ذلك أبو داود، والزيادة من الثقة مقبولة ولا سيما إذا كان حافظا. وقد اختلف في الحكمة في ذلك فقال الشافعي: يحتمل أن يكون أراد بذلك - أي بما في رواية نافع - أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيها بطهر تام ثم حيض تام ليكون تطليقها وهي تعلم عدتها إما بحمل أو بحيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو غير جاهل بما صنع إذ يرغب فيمسك للحمل أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكف عنه. وقيل: الحكمة فيه أن لا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زمانا يحل له فيه طلاقها ظهرت فائدة الرجعة، لأنه قد يطول مقامه معها، فقد يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها. وقيل: إن الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقها فيه كقرء واحد، فلو طلقها قيه لكان كمن طلق في الحيض، وهو ممتنع من الطلاق في الحيض، فلزم أن يتأخر إلى الطهر الثاني. واختلف في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة. وفيه للشافعية وجهان أصحهما المنع، وبه قطع المتولي، وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث. وعبارة الغزالي في "الوسيط" وتبعه مجلي: هل يجوز أن يطلق في هذا الطهر؟ وجهان. وكلام المالكية يقتضي أن التأخير مستحب. وقال ابن تيمية في "المحرر" : ولا يطلقها في الطهر المتعقب له فإنه بدعة، وعنه - أي عن أحمد - جواز ذلك. وفي كتب الحنفية

(9/349)


عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع، ووجه الجواز أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطهر إن لم يتقدم طلاق في الحيض، وقد ذكرنا حجج المانعين، ومنها أنه لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة فإنها شرعت لإيواء المرأة ولهذا سماها إمساكا فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر لتكون الرجعة للإمساك لا للطلاق، ويؤيد ذلك أن الشارع أكد هذا المعنى حيث أمر بأن يمسكها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقها فيه، لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر "مره أن يراجعها فإذا طهرت أمسكها حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها" فإذا كان قد أمره بأن يمسكها في ذلك الطهر فكيف يبيح له أن يطلقها فيه؟ وقد ثبت النهي عن الطلاق في طهر جامعها فيه. قوله: "ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس" في رواية أيوب "ثم يطلقها قبل أن يمسها" وفي رواية عبيد الله بن عمر "فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها أو يمسكها" ونحوه في رواية الليث. وفي رواية الزهري عن سالم "فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها" وفي رواية محمد بن عبد الرحمن عن سالم "ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا" وتمسك بهذه الزيادة من استثنى من تحرم الطلاق في طهر جامع فيه ما إذا ظهر الحمل فإنه لا يحرم. والحكمة فيه أنه إذا ظهر الحمل فقد أقدم على ذلك على بصيرة فلا يندم على الطلاق، وأيضا فإن زمن الحمل زمن الرغبة في الوطء فإقدامه على الطلاق فيه يدل على رغبته عنها، ومحل ذلك أن يكون الحمل من المطلق، فلو كان من غيره بأن نكح حاملا من زنا ووطئها ثم طلقها أو وطئت منكوحة بشبهة ثم حملت منه فطلقها زوجها فإن الطلاق يكون بدعيا، لأن عدة الطلاق تقع بعد وضع الحمل والنقاء من النفاس، فلا تشرع عقب الطلاق في العدة كما في الحامل منه، قال الخطابي: في قوله: "ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق" دليل على أن من قال لزوجته وهي حائض: إذا طهرت فأنت طالق لا يكون مطلقا للسنة، لأن المطلق للسنة هو الذي يكون مخيرا عند وقوع طلاقه بين إيقاع الطلاق وتركه، واستدل بقوله: "قبل أن يمس" على أن الطلاق في طهر جامع فيه حرام، وبه صرح الجمهور، فلو طلق هل يجبر على الرجعة كما يجبر عليها إذا طلقها وهي حائض؟ طرده بعض المالكية فيهما، والمشهور عنهم إجباره في الحائض دون الطاهر. وقالوا فيما إذا طلقها وهي حائض: يجبر على الرجعة، فإن امتنع أدبه الحاكم، فإن أصر ارتجع الحاكم عليه. وهل يجوز له وطؤها؟ بذلك روايتان لهم أصحهما الجواز، وعن داود يجبر على الرجعة إذا طلقها حائضا ولا يجبر إذا طلقها نفساء؛ وهو جمود. ووقع فيه رواية مسلم من طريق محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سالم عن ابن عمر "ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا" وفي روايته من طريق ابن أخي الزهري عن الزهري "فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا من حيضها" واختلف الفقهاء في المراد بقوله طاهرا هل المراد به انقطاع الدم أو التطهر بالغسل؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد، والراجح الثاني، لما أخرجه النسائي من طريق معتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذه القصة قال: "مر عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها، وإن شاء يمسكها فليمسكها" وهذا مفسر لقوله: "فإذا طهرت" فليحمل عليه، ويتفرغ من هذا أن العدة هل تنقضي بانقطاع الدم وترتفع الرجعة، أو لا بد من الاغتسال؟ فيه خلاف أيضا. والحاصل أن الأحكام المرتبة على الحيض نوعان: الأول يزول بانقطاع الدم كصحة الغسل والصوم وترتب الصلاة في الذمة،

(9/350)


والثاني لا يزول إلا بالغسل كصحة الصلاة والطواف وجواز اللبث في المسجد، فهل يكون الطلاق من النوع الأول أو من الثاني؟ وتمسك بقوله: "ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا" من ذهب إلى أن طلاق الحامل سني، وهو قول الجمهور، وعن أحمد رواية أنه ليس بسني ولا بدعي. قوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" أي أذن، وهذا بيان لمراد الآية وهي قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وصرح معمر في روايته عن أيوب عن نافع بأن هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية الزبير عند مسلم قال ابن عمر "وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} الآية" واستدل به من ذهب إلى أن الإقراء طهار للأمر بطلاقها في الطهر، وقوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}" أي وقت ابتداء عدتهن، وقد جعل للمطلقة تربص ثلاثة قروء، فلما نهى عن الطلاق في الحيض وقال إن الطلاق في الطهر هو الطلاق المأذون فيه علم أن الإقراء الإطهار، قاله ابن عبد البر. وسأذكر بقية فوائد حديث ابن عمر في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى.

(9/351)


2- باب إِذَا طُلِّقَتْ الْحَائِضُ تَعْتَدُّ بِذَلِكَ الطَّلاَقِ
5252- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِيُرَاجِعْهَا قُلْتُ تُحْتَسَبُ قَالَ فَمَهْ"
وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا قُلْتُ تُحْتَسَبُ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ"
5253- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ"
قوله: "باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق" كذا بت الحكم بالمسألة، وفيها خلاف قديم عن طاوس وعن خلاس بن عمرو وغيرهما أنه لا يقع، ومن ثم نشأ سؤال من سأل ابن عمر عن ذلك. قوله: "شعبة عن أنس بن سيرين قال سمعت ابن عمر قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليراجعها. قلت: تحتسب؟ قال: فمه" ؟ القائل "قلت" هو أنس بن سيرين والمقول له ابن عمر بين ذلك أحمد في روايته عن محمد بن جعفر عن شعبة، وكذا أخرجه مسلم من طريق محمد بن جعفر، وقد ساقه مسلم من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن ابن سيرين مطولا كما سأذكره بعد ذلك. قوله: "وعن قتادة عن يونس بن جبير" هو معطوف على قوله: "عن أنس بن سيرين" فهو موصول، وهو من رواية شعبة عن قتادة، ولقد أفرده مسلم من رواية محمد بن جعفر عن شعبة عن قتادة "سمعت يونس بن جبير". قوله: "عن ابن عمر قال: مره فليراجعها" هكذا اختصره، ومراده أن يونس بن جبير حكى القصة نحو ما ذكرها أنس بن سيرين سوى ما بين من سياقه. قوله: "قلت تحتسب" هو بضم أوله، والقائل هو يونس بن جبير. قوله: "قال أرأيته" في رواية الكشميهني: "أرأيت إن عجز واستحمق" وقد اختصره البخاري اكتفاء بسياق أنس بن سيرين، وقد ساقه مسلم حيث أفرده

(9/351)


ولفظه: "سمعت ابن عمر يقول: طلقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: ليراجعها، فإذا طهرت فإن شاء فليطلقها. قال قلت لابن عمر: أفيحسب بها؟ قال: ما يمنعه؟ أرأيت إن عجز واستحمق". وقال أحمد "حدثنا محمد بن جعفر وعبد الله بن بكير قالا حدثنا شعبة" فذكره أتم منه وفي أوله أنه "سأل ابن عمر عن رجل طلق امرأته وهي حائض - وفيه - فقال مره فليراجعها ثم إن بدا له طلاقها طلقها في قبل عدتها وفي قبل طهرها. قال قلت لابن عمر: أفتحتسب طلاقها ذلك طلاقا؟ قال: نعم، أرأيت إن عجز واستحمق" وقد ساقه البخاري في آخر الباب الذي بعد هذا نحو هذا السياق من رواية همام عن قتادة بطوله وفيه: "قلت: فهل عد ذلك طلاقا؟ قال: أرأيت أن عجز واستحمق" وسيأتي في أبواب العدد في "باب مراجعة الحائض" من طريق محمد بن سيرين عن يونس ابن جبير مختصرا وفيه: "قلت: فتعتد بتلك التطليقة؟ قال: أرأيت إن عجز واستحمق" وأخرجه مسلم من وجه آخر عن محمد بن سيرين مطولا ولفظه: "فقلت له: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض أيعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه؟ أو إن عجز واستحمق" وفي رواية له "فقلت: أفتحتسب عليه" والباقي مثله. وقوله: "فمه" أصله فما، وهو استفهام فيه اكتفاء أي فما يكون إن لمن تحتسب، ويحتمل أن تكون الهاء أصلية وهي كلمة تقال للزجر أي كف عن هذا الكلام فإنه لا بد من وقوع الطلاق بذلك، قال ابن عبد البر: قول ابن عمر "فمه" معناه فأي شيء يكون إذا لم يعتد بها؟ إنكارا لقول السائل "أيعتد بها" فكأنه قال: وهل من ذلك بد؟ وقوله: "أرأيت إن عجز واستحمق" أي إن عجز عن فرض فلم يقمه، أو استحمق فلم يأت به أيكون ذلك عذرا له؟ وقال الخطابي: في الكلام حذف، أي أرأيت إن عجز واستحمق أيسقط عنه الطلاق حمقه أو يبطله عجزه؟ وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. وقال الكرماني يحتمل أن تكون "إن" نافية بمعنى ما أي لم يعجر ابن عمر ولا استحمق، لأنه ليس بطفل ولا مجنون. قال: وإن كانت الرواية بفتح ألف أن فمعناه أظهر، والتاء من استحمق مفتوحة قاله ابن الخشاب وقال: المعنى فعل فعلا يصيره أحمق عاجزا فيسقط عنه حكم الطلاق عجزه أو حمقة، والسين والتاء فيه إشارة إلى أنه تكلف الحمق بما فعله من تطليق امرأته وهي حائض. وقد وقع في بعض الأصول بضم التاء مبنيا للمجهول، أي إن الناس استحمقوه بما فعل، وهو موجه. وقال المهلب: معنى قوله: "إن عجز واستحمق" يعني عجز في المراجعة التي أمر بها عن إيقاع الطلاق أو فقد عقله فلم تمكن منه الرجعة أتبقى المرأة معلقة لا ذات بعل ولا مطلقة؟ وقد نهى الله عن ذلك، فلا بد أن تحتسب بتلك التطليقة التي أوقعها على غير وجهها، كما أنه لو عجز عن فرض آخر لله فلم يقمه واستحمق فلم يأت به ما كان يعذر بذلك ويسقط عنه. قوله: "حدثنا أبو معمر" كذا في رواية أبي ذر، وهو ظاهر كلام أبي نعيم في "المستخرج" وللباقين "وقال أبو معمر" وبه جزم الإسماعيلي، وسقط هذا الحديث من رواية النسفي أصلا. قوله: "عن ابن عمر قال: حسبت علي بتطليقة" هو بضم أوله من الحساب، وقد أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه مثل ما أخرجه البخاري مختصرا وزاد: "يعني حين طلق امرأته فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك" قال النووي: شذ بعض أهل الظاهر فقال إذا طلق الحائض لم يقع الطلاق لأنه غير مأذون فيه فأشبه طلاق الأجنبية وحكاه الخطابي عن الخوارج والروافض. وقال ابن عبد البر: لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال يعني الآن. قال: وروى مثله عن بعض التابعين وهو شذوذ وحكاه ابن العربي وغيره عن ابن علية يعني إبراهيم بن

(9/352)


إسماعيل بن علية الذي قال الشافعي في حقه: إبراهيم ضال، جلس في باب الضوال يضل الناس. وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها. وكان من فقهاء المعتزلة. وقد غلط فيه من ظن أن المنقول عنه المسائل الشاذة أبوه، وحاشاه، فإنه من كبار أهل السنة. وكأن النووي أراد ببعض الظاهرية ابن حزم، فإنه ممن جرد القول بذلك وانتصر له وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة بأن ابن عمر كان اجتنبها فأمره أن يعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة فحمل المراجعة على معناها اللغوي، وتعقب بأن الحمل على الحقيقة الشرعية مقدم على اللغوية اتفاقا، وأجاب عن قول ابن عمر "حسبت علي بتطليقة" بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعقب بأنه مثل قول الصحابي "أمرنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا" فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينئذ وهو النبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال بعض الشراح، وعندي أنه لا ينبغي أن يجئ فيه الخلاف الذي في قول الصحابي أمرنا بكذا فإن ذاك محله حيث يكون اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ليس صريحا، وليس كذلك في قصة ابن عمر هذه فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الآمر بالمراجعة وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي صلى الله عليه وسلم بعيدا جدا مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك، كيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئا برأيه وهو ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم تغيظ من صنيعه كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة، وقد أخرج ابن وهب في مسنده عن ابن أبي ذئب أن نافعا أخبره "أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر" قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وهي واحدة" قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالما يحدث عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخرجه الدار قطني من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعا عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هي واحدة"، وهذا نص في موضع الخلاف فيجب المصير إليه. وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم فأجابه بأن قوله: "هي واحدة" لعله ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فألزمه بأنه نقض أصله لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال. وعند الدار قطني في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصة "فقال عمر: يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم". ورجاله إلى شعبة ثقات. وعنده من طريق سعيد ابن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "أن رجلا قال: إني طلقت امرأتي البتة وهي حائض، فقال: عصيت ربك، وفارقت امرأتك. قال فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر أن يراجع امرأته، قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأتت لم تبق ما ترتجع به امرأتك" وفي هذا السياق رد على من حمل الرجعة في قصة ابن عمر على المعنى اللغوي، وقد وافق ابن حزم على ذلك من المتأخرين ابن تيمية، وله كلام طويل في تقرير ذلك والانتصار له. وأعظم ما احتجوا به ما وقع في رواية أبي الزبير عن ابن عمر عند مسلم وأبي داود والنسائي وفيه: "فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليراجعها، فردها وقال: إذا طهرت فليطلق أو يمسك" لفظ مسلم، وللنسائي وأبي داود "فردها علي" زاد أبو داود "ولم يرها شيئا" وإسناده على شرط الصحيح فإن مسلما أخرجه من رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج، وساقه على لفظه ثم أخرجه من رواية أبي عاصم عنه وقال نحو هذه القصة، ثم أخرجه من رواية عبد الرزاق عن ابن جريج قال مثل حديث حجاج وفيه بعض الزيادة، فأشار إلى هذه الزيادة، ولعله طوى ذكرها عمدا. وقد أخرج أحمد الحديث عن روح بن

(9/353)


عبادة عن ابن جريج فذكرها، فلا يتخيل انفراد عبد الرزاق بها. قال أبو داود: روى هذا الحديث عنه ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلها على خلاف ما قال أبو الزبير وقال ابن عبد البر: قوله: "ولم يرها شيئا" منكر لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف بمن هو أثبت منه، ولو صح فمعناه عندي والله أعلم: ولم يرها شيئا مستقيما لكونها لم تقع على السنة. وقال الخطابي قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه: ولم يرها شيئا تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئا جائزا في السنة ماضيا في الاختيار وإن كان لازما له مع الكراهة. ونقل البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي أنه ذكر رواية أبي الزبير فقال: نافع أثبت من أبي الزبير والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعا غيره من أهل الثبت. قال: وبسط الشافعي القول في ذلك وحمل قوله لم يرها شيئا على أنه لم يعدها شيئا صوابا غير خطأ، بل يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه لأنه أمره بالمراجعة، ولو كان طلقها طاهرا لم يؤمر بذلك، فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله أو أخطأ في جوابه لم يصنع شيء أي لم يصنع شيئا صوابا، قال ابن عبد البر: واحتج بعض من ذهب إلى أن الطلاق لا يقع بما روي عن الشعبي قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض لم يعتد بها في قول ابن عمر، قال ابن عبد البر: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنما معناه لم تعتد المرأة بتلك الحيضة في العدة، كما روى ذلك عنه منصوصا أنه قال: يقع عليها الطلاق ولا تعتد بتلك الحيضة ا هـ. وقد روى عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر نحوا ما نقله ابن عبد البر عن الشعبي أخرجه ابن حزم بإسناد صحيح، والجواب عنه مثله. وروى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك "عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك بشيء" وهذه متابعات لأبي الزبير، إلا أنها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر إنها حسبت عليه بتطليقة. وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبد البر وغيره يتعين، وهو أولى من تغليظ بعض الثقات وأما قول ابن عمر "إنها حسبت عليه بتطليقة" فإنه وإن لم يصرح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال إنها حسبت عليه، فكيف يجتمع مع هذا قوله إنه لم يعتد بها أو لم يرها شيئا على المعنى الذي ذهب إليه المخالف؟ لأنه إن جعل الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة بخصوصها لأنه قال إنها حسبت عليه بتطليقة فيكون من حسبها عليه خالف كونه لم يرها شيئا، وكيف يظن به ذلك مع اهتمامه واهتمام أبيه بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ليفعل ما يأمره به؟ وإن جعل الضمير في لم يعتد بها أو لم يرها لابن عمر لزم منه التناقض في القصة الواحدة فيفتقر إلى الترجيح، ولا شك أن الأخذ بما رواه الأكثر والأحفظ أولى من مقابله عند تعذر الجمع عند الجمهور والله أعلم. واحتج ابن القيم لترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة ترجع إلى مسألة أن النهي يقتضي الفساد فقال: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطل كالنكاح وسائر العقود، وأيضا فكما أن النهي يقتضي التحريم فكذلك يقتضي الفساد، وأيضا فهو طلاق منع منه الشرع فأفاد منعه عدم جواز إيقاعه فكذلك يفيد عدم نفوذه وإلا لم يكن للمنع فائدة، لأن الزوج لو وكل رجلا أن يطلق امرأته على وجه فطلقها على غير الوجه المأذون فيه لم ينفذ، فكذلك لم يأذن الشارع للمكلف في الطلاق إلا إذا كان مباحا، فإذا طلق طلاقا محرما لم يصح. وأيضا فكل ما حرمه الله من العقود مطلوب الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرمه أقرب إلى

(9/354)


تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه، ومعلوم أن الحلال المأذون فيه ليس الحرام الممنوع منه. ثم أطال من هذا الجنس بمعارضات كثيرة لا تنهض مع التنصيص على صريح الأمر بالرجعة فإنها فرع وقوع الطلاق على تصريح صاحب القصة بأنها حسبت عليه تطليقة، والقياس في معارضة النص فاسد الاعتبار والله أعلم. وقد عورض بقياس أحسن من قياسه فقال ابن عبد البر: ليس الطلاق من أعمال البر التي يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي، فكيفما أوقعه وقع، سواء أجر في ذلك أم أثم، ولو لزم المطيع ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخف حالا من المطيع. ثم قال ابن القيم: لم يرد التصريح بأن ابن عمر احتسب بتلك التطليقة إلا في رواية سعيد بن جبير عنه عند البخاري، وليس فيها تصريح بالرفع، قال: فانفراد سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزبير بقوله لم يرها شيئا، فإما أن يتساقطا وإما أن ترجح رواية أبي الزبير لتصريحها بالرفع، وتحمل رواية سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث بعد أن كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتسب عليهم به ثلاثا إذا كان بلفظ واحد. قلت: وغفل رحمه الله عما ثبت في صحيح مسلم من رواية أنس بن سيرين على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: "سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق فقال: طلقتها وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلقها لطهرها، قال فراجعتها ثم طلقها لطهرها قلت فاعتددت بتلك التطليقة وهي حائض؟ فقال ما لي لا اعتد بها وإن كنت عجزت واستحمقت" وعند مسلم أيضا من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن سالم في حديث الباب: "وكان عبد الله بن عمر طلقها تطليقة فحسبت من طلاقها فراجعها كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وله من رواية الزبيدي عن ابن شهاب "قال ابن عمر فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقتها" وعند الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج "أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه: هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم". وفي حديث ابن عمر من الفوائد غير ما تقدم أن الرجعة يستقل بها الزوج دون الولي ورضا المرأة، لأنه جعل ذلك إليه دون غيره، وهو كقوله تعالى :{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} وفيه أن الأب يقوم عن ابنه البالغ الرشيد في الأمور التي تقع له مما يحتشم الابن من ذكره، ويتلقى عنه ما لعله يلحقه من العتاب على فعله شفقة منه وبرا. وفيه أن طلاق الطاهرة لا يكره لأنه أنكر إيقاعه في الحيض لا في غيره، ولقوله في آخر الحديث:" فإن شاء أمسك وإن شاء طلق". وفيه أن الحامل لا تحيض لقوله في طريق سالم المتقدمة "ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا" فحرم صلى الله عليه وسلم الطلاق في زمن الحيض وأباحه في زمن الحمل، فدل على أنهما لا يجتمعان. وأجيب بأن حيض الحامل لما لم يكن له تأثير في تطويل العدة ولا تخفيفها لأنها بوضع الحمل فأباح الشارع طلاقها حاملا مطلقا، وأما غير الحامل ففرق بين الحائض والطاهر لأن الحيض يؤثر في العدة فالفرق بين الحامل وغيرها إنما هو بسبب الحمل لا بسبب الحيض ولا الطهر. وفيه أن الأقراء في العدة هي الأطهار، وسيأتي تقرير ذلك في كتاب العدة. وفيه تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه وبه قال الجمهور. وقال المالكية لا يحرم؛ وفي رواية كالجمهور، ورجحها الفاكهاني لكونه شرط في الإذن في الطلاق عدم المسيس، والمعلق بشرط معدوم عند عدمه

(9/355)


5254- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ لَهَا لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ الْحَقِي بِأَهْلِكِ"
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ رَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ عَنْ جَدِّهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:
5255- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَسِيلٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجْلِسُوا هَا هُنَا وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَوْنِيَّةِ فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَبِي نَفْسَكِ لِي قَالَتْ وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ قَالَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ فَقَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ يَا أَبَا أُسَيْدٍ اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا"
[الحديث 5255- طرفه في: 5257]
5256، 5257- وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي أُسَيْدٍ قَالاَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ رَازِقِيَّيْنِ"
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا"
[الحديث 5256- طرفه في: 5637]
5258- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي غَلاَبٍ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ تَعْرِفُ ابْنَ عُمَرَ إِنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِذَا طَهُرَتْ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قُلْتُ فَهَلْ عَدَّ ذَلِكَ طَلاَقًا قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ"
قوله: "باب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق" كذا للجميع وحذف ابن بطال من الترجمة قوله: "من طلق" فكأنه لم يظهر له وجهه، وأظن المصنف قصد إثبات مشروعية جواز الطلاق وحمل حديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" على ما إذا وقع من غير سبب، وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره، وأعل بالإرسال، وأما المواجهة فأشار إلى أنها خلاف الأولى لأن ترك المواجهة أرفق وألطف إلا أن احتيج إلى ذكر ذلك. ثم ذكر

(9/356)


المصنف في الباب ثلاثة أحاديث. قوله: "إن ابنة الجون" زاد في نسخة الصغاني "الكلبية" وهو بعيد على ما سأبينه، ووقع في "كتاب الصحابة لأبي نعيم" من طريق عبيد بن القاسم عن هشام بن عروة عن أبيه "عن عائشة أن عمرة بنت الجون تعوذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدخلت عليه، قال: لقد عذت بمعاذ" الحديث. وعبيد متروك. والصحيح أن أسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل كما في حديث أبي أسيد. وقال مرة: أميمة بنت شراحيل فنسبت لجدها، وقيل اسمها أسماء كما سأبينه في حديث أبي أسيد مع شرحه مستوفى، وروى ابن سعد عن الواقدي عن ابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "تزوج النبي صلى الله عليه وسلم الكلابية" فذكر مثل حديث الباب، وقوله الكلابية غلط وإنما هي الكندية، فكأنما الكلمة تصحفت. نعم للكلابية قصة أخرى ذكرها ابن سعد أيضا بهذا السند إلى الزهري وقال: اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، فاستعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعر وتقول: أنا الشقية. قال وتوفيت سنة ستين. ومن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن الكندية لما وقع التخيير اختارت قومها ففارقها، فكانت تقول: أنا الشقية". ومن طريق سعيد بن أبي هند أنها استعاذت منه فأعاذها. ومن طريق الكلبي اسمها العالية بنت ظبيان بن عمرو، وحكى ابن سعد أيضا أن اسمها عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل بنت يزيد بن الجون. وأشار ابن سعد إلى أنها واحدة اختلف في اسمها، والصحيح أن التي استعاذت منه هي الجونية. وروى ابن سعد من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: لم تستعذ منه امرأة غيرها. قلت: وهو الذي يغلب على الظن، لأن ذلك إنما وقع للمستعيذة بالخديعة المذكورة فيبعد أن تخدع أخرى بعدها بمثل ما خدعت به بعد شيوع الخبر بذلك. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج الجونية. واختلفوا في سبب فراقه فقال قتادة: لما دخل عليها دعاها فقالت: تعالى أنت. فطلقها. وقيل كان بها وضح كالعامرية قال وزعم بعضهم أنها قالت أعوذ بالله منك فقال قد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني فطلقها. قال وهذا باطل إنما قال له هذا امرأة من بني العنبر وكانت جميلة فحاف نساؤه أن تغلبهن عليه فقلن لها إنه يعجبه أن يقال له نعوذ بالله منك ففعلت فطلقها، كذا قال، وما أدري لم حكم ببطلان ذلك مع كثرة الروايات الواردة فيه وثبوته في حديث عائشة في صحيح البخاري، وسيأتي مزيد لذلك في الحديث الذي بعده. والقول الذي نسبه لقتادة ذكر مثله أبو سعيد النيسابوري عن شرقي ابن قطامي. قوله: "رواه حجاج بن أبي منيع عن جده" هو حجاج بن يوسف بن أبي منيع وأبو منيع هو عبيد الله بن أبي زياد الوصافي بفتح الواو وتشديد المهملة وبالفاء وكان يكون بحلب، ولم يخرج له البخاري إلا معلقا وكذا لجده. وهذه الطريق وصلها الذهلي في "الزهريات" ورواه ابن أبي ذئب أيضا عن الزهري نحوه وزاد في آخره: "قال الزهري جعلها تطليقة" أخرجه البيهقي، وقوله: "الحقي بأهلك" بكسر الألف من الحقي وفتح الحاء بخلاف قوله في الحديث الثاني ألحقها فإنه بفتح الهمزة وكسر الحاء. قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن غسيل" كذا في رواية الأكثر بغير ألف ولام وفي رواية النسفي "ابن الغسيل" وهو أوجه ولعلها كانت ابن غسيل الملائكة فسقط لفظ الملائكة، والألف واللام بدل الإضافة، وعبد الرحمن ينسب إلى جد أبيه وهو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري، وحنظلة هو غسيل الملائكة استشهد بأحد وهو جنب فغسلته الملائكة وقصته مشهورة، ووقع في رواية الجرجاني عبد الرحيم والصواب عبد الرحمن كما نبه عليه الجياني. قوله: "إلى حائط يقال له الشوط" بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة وقيل معجمة هو بستان في المدينة معروف. قوله:

(9/357)


"حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجلسوا هاهنا ودخل" أي إلى الحائط. له رواية لابن سعد عن أبي أسيد قال: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني الجون فأمرني أن آتيه بها فأتيته بها فأنزلتها بالشوط من وراء ذباب في أطم، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فخرج يمشي ونحن معه. وذباب بضم المعجمة وموحدتين مخففا جبل معروف بالمدينة، والأطم الحصون وهو الأجم أيضا والجمع آطام وآجام كعنق وأعناق. وفي رواية لابن سعد أن النعمان بن الجون الكندي أتى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما فقال: ألا أزوجك أجمل أيم في العرب؟ فتزوجها وبعث معه أبا أسيد الساعدي، قال أبو أسيد: فأنزلتها في بني ساعدة فدخل عليها نساء الحي فرحين بها وخرجن فذكرن من جمالها. قوله: "فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل" هو بالتنوين في الكل، وأميمة بالرفع إما بدلا عن الجونية وإما عطف بيان، وظن بعض الشراح أنه بالإضافة فقال في الكلام على الرواية التي بعدها: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل ولعل التي نزلت في بيتها بنت أخيها؛ وهو مردود فإن مخرج الطريقين واحد، وإنما جاء الوهم من إعادة لفظ: "في بيت" وقد رواه أبو بكر بن أبي قتيبة في مسنده عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال: "في بيت في النخل أميمة إلخ" وجزم هشام بن الكلبي بأنها أسماء بنت النعمان بن شراحيل بن الأسود بن الجون الكندية، وكذا جزم بتسميتها أسماء محمد بن إسحاق ومحمد بن حبيب وغيرهما، فلعل اسمها أسماء ولقبها أميمة. ووقع في المغازي رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق "أسماء بنت كعب الجونية" فلعل في نسبها من اسمه كعب نسبها إليه، وقيل هي أسماء بنت الأسود بن الحارث بن النعمان. قوله: "ومعها دايتها حاضنة لها" الداية بالتحتانية الظئر المرضع وهي معربة، ولم أقف على تسمية هذه الحاضنة. قوله: "هبي نفسك لي إلخ" السوقة بضم السين المهملة يقال للواحد من الرعية والجمع، قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم فيساقون إليه ويصرفهم على مراده، وأما أهل السوق فالواحد منهم سوقي، قال ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس بملك كائنا من كان، فكأنها استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك، وكان صلى الله عليه وسلم قد خير أن يكون ملكا نبيا فاختار أن يكون عبدا نبيا تواضعا منه صلى الله عليه وسلم لربه. ولم يؤاخذها النبي صلى الله عليه وسلم بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها. وقال غيره يحتمل أنها لم تعرفه صلى الله عليه وسلم فخاطبته بذلك، وسياق القصة من مجموع طرقها يأبى هذا الاحتمال، نعم سيأتي في أواخر الأشربة من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال: "ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد الساعدي أن يرسل إليها فقدمت، فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء بها فدخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها قالت: أعوذ بالله منك، قال: لقد أعذتك مني. فقالوا لها أتدرين من هذا؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليخطبك، قالت كنت أنا أشقى من ذلك. فإن كانت القصة واحدة فلا يكون قوله في حديث الباب ألحقها بأهلها ولا قوله في حديث عائشة الحقي بأهلك تطليقا، ويتعين أنها لم تعرفه. وإن كانت القصة متعددة ولا مانع من ذلك فلعل هذه المرأة هي الكلابية التي وقع فيها الاضطراب. وقد ذكر ابن سعد بسند فيه العزرمي الضعيف عن ابن عمر قال: "كان في نساء النبي صلى الله عليه وسلم سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا أسيد الساعدي يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر، قال ابن سعد: اختلف علينا اسم الكلابية فقيل فاطمة بنت الضحاك بن سفيان وقيل عمرة بنت يزيد بن عبيد وقيل سنا بنت سفيان بن عوف وقيل العالية بنت ظبيان بن

(9/358)


عمرو بن عوف، فقال بعضهم هي واحدة اختلف في اسمها. وقال بعضهم بل كن جمعا ولكن لكل واحدة منهن قصة غير قصة صاحبتها". ثم ترجم الجونية فقال: أسماء بنت النعمان. ثم أخرج من طريق عند الواحد بن أبي عون قال: "قدم النعمان بن أبي الجون الكندي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما فقال: يا رسول الله ألا أزوجك أجمل أيم في العرب، كانت تحت ابن عم لها فتوفي وقد رغبت فيك؟ قال: نعم. قال: فابعث من يحملها إليك. فبعث معه أبا أسيد الساعدي. قال أبو أسيد فأقمت ثلاثة أيام ثم تحملت معي في محفة فأقبلت بها حتى قدمت المدينة فأنزلتها في بني ساعدة، ووجهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بني عمرو بن عوف فأخبرته" الحديث. قال ابن أبي عون: وكان ذلك في ربيع الأول سنة تسع. ثم أخرج من طريق أخرى عن عمر بن الحكم عن أبي أسيد قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجونية فحملتها حتى نزلت بها في أطم بني ساعدة، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فخرج يمشي على رجليه حتى جاءها" الحديث. ومن طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: اسم الجونية أسماء بنت النعمان بن أبي الجون، قيل لها استعيذي منه فإنه أحظى لك عنده، وخدعت لما رؤى من جمالها، وذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حملها على ما قالت فقال: إنهن صواحب يوسف وكيدهن. فهذه تتنزل قصتها على حديث أبي حازم عن سهل بن سعد، وأما القصة التي في حديث الباب من رواية عائشة فيمكن أن تنزل على هذه أيضا فإنه ليس فيها إلا الاستعاذة، والقصة التي في حديث أبي أسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصة، فيقوى التعدد، ويقوى أن التي في حديث أبي أسيد اسمها أميمة والتي في حديث سهل اسمها أسماء والله أعلم. وأميمة كان قد عقد عليها ثم فارقها وهذه لم يعقد عليها بل جاء ليخطبها فقط. قوله: "فأهوى بيده" أي أمالها إليها. ووقع في رواية ابن سعد "فأهوى إليها ليقبلها، وكان إذا اختلى النساء أقعى وقبل" وفي رواية لابن سعد "فدخل عليها داخل من النساء وكانت من أجمل النساء فقالت: إنك من الملوك فإن كنت تريدين أن تحظي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جاءك فاستعيذي منه" ووقع عنده عن هشام بن محمد عن عبد الرحمن بن الغسيل بإسناد حديث الباب: "إن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت فمشطتاها وخضبتاها. وقالت لها إحداهما: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول أعوذ بالله منك". قوله: "فقال : قد عذت بمعاذ" هو بفتح الميم ما يستعاذ به، أو اسم مكان العوذ، والتنوين فيه للتعظيم. وفي رواية ابن سعد "فقال بكمه على وجهه وقال: عذت معاذا. ثلاث مرات" وفي أخرى له "فقال أمن عائذ الله". قوله: "ثم خرج علينا فقال: يا أبا أسيد اكسها رازقيين" براء ثم زاي ثم قاف بالتثنية صفة موصوف محذوف للعلم به، والرازقية ثياب من كتان بيض طوال قاله أبو عبيدة. وقال غيره. يكون في داخل بياضها زرقة، والرازقي الصفيق. قال ابن التين: متعها بذلك إما وجوبا وإما تفضلا. قلت: وسيأتي حكم المتعة في كتاب النفقات. قوله: "وألحقها بأهلها" قال ابن بطال: ليس في هذا أنه واجهها بالطلاق. وتعقبه ابن المنير بأن ذلك ثبت في حديث عائشة أول أحاديث الباب، فيحمل على أنه قال لها الحقي بأهلك، ثم لما خرج إلى أبي أسيد قال له ألحقها بأهلها، فلا منافاة، فالأول قصد به الطلاق والثاني أراد به حقيقة اللفظ وهو أن يعيدها إلى أهلها، لأن أبا أسيد هو الذي كان أحضرها كما ذكرناه. ووقع في رواية لابن سعد عن أبي أسيد قال: "فأمرني فرددتها إلى قومها" وفي أخرى له "فلما وصلت بها تصايحوا وقالوا: إنك لغير مباركة، فما دهاك؟ قالت: خدعت. قال فتوفيت في خلافة عثمان". قال: "وحدثني هشام بن محمد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية أنها ماتت كمدا" ثم روي بسند فيه الكلبي "أن المهاجرين

(9/359)


أبي أمية تزوجها، فأراد عمر معاقبتها فقالت: ما ضرب علي الحجاب، ولا سميت أم المؤمنين. فكف عنها "وعن الواقدي: سمعت من يقول إن عكرمة بن أبي جهل خلف عليها، قال: وليس ذلك بثبت. ولعل ابن بطال أراد أنه لم يواجهها بلفظ الطلاق. وقد أخرج ابن سعد من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الوليد بن عبد الملك كتب إليه يسأله، فكتب إليه: ما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم كندية إلا أخت بني الجون فملكها. فلما قدمت المدينة نظر إليها فطلقها ولم يبن بها. فقوله فطلقها يحتمل أن يكون باللفظ المذكور قبل ويحتمل أن يكون واجهها بلفظ الطلاق، ولعل هذا هو السر في إيراد الترجمة بلفظ الاستفهام دون بت الحكم. واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها إذ لم يجر ذكر صورة العقد، وامتنعت أن تهب له نفسها فكيف يطلقها؟ والجواب أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يزوج من نفسه بغير إذن المرأة وبغير إذن وليها، فكان مجرد إرساله إليها وإحضارها ورغبته فيها كافيا في ذلك، ويكون قوله: "هبي لي نفسك" تطييبا لخاطرها واستمالة لقلبها، ويؤيده قوله في رواية لابن سعد "إنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، وأن أباها قال له: إنها رغبت فيك وخطبت إليك". قوله: "وقال الحسين بن الوليد النيسابوري عن عبد الرحمن "هو ابن الغسيل" عن عباس بن سهل عن أبيه وأبي أسيد" هذا التعليق وصله أبو نعيم في "المستخرج" من طريق أبي أحمد الفراء عن الحسين، ومراد البخاري منه أن الحسين بن الوليد شارك أبا نعيم في روايته لهذا الحديث عن عبد الرحمن بن الغسيل، لكن اختلفا في شيخ عبد الرحمن فقال أبو نعيم حمزة وقال الحسين عباس بن سهل، ثم ساقه من طريق ثالثة عن عبد الرحمن فبين أنه عند عبد الرحمن بالإسنادين، لكن طريق أبي أسيد عن حمزة ابنه عنه وطريق سهل بن سعد عن عباس ابنه عنه، وكأن حمزة حذف في رواية الحسين بن الوليد فصار الحديث من رواية عباس بن سهل عن أبي أسيد وليس كذلك، والتحرير ما وقع في الرواية الثالثة وهي رواية إبراهيم بن أبي الوزير واسم أبي الوزير عمر بن مطرف، وهو حجازي نزل البصرة، وقد أدركه البخاري ولم يلقه فحدث عنه بواسطة، وذكره في تاريخه فقال: مات بعد أبي عاصم سنة اثنتي عشرة، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع، وقد وافقه على إقامة إسناده أبو أحمد الزبيري أخرجه أحمد في مسنده عنه. "تنبهان": الأول قال القاضي عياض في أوائل كتاب الجهاد من "شرح مسلم:" قال البخاري في تاريخه: الحسين بن الوليد بن علي النيسابوري القرشي مات سنة ثلاث ومائتين، ولم يذكر في باب الحسن مكبرا من اسمه الحسن بن الوليد، وذكر في صحيحه في كتاب الطلاق الحسن بن الوليد النيسابوري عن عبد الرحمن عن عباس ابن سهل عن أبيه وأبي أسيد "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل" كذا ذكره مكبرا. قلت: لم أره في شيء من النسخ المعتمدة من البخاري إلا مصغرا، ويؤيده اقتصاره عليه في تاريخه والله أعلم. الثاني وقع في رواية أبي أحمد الجرجاني في السند الأول "عن حمزة بن أبي أسيد عن عباس بن سهل عن أبيه" وهو خطأ سقطت الواو من قوله: "وعن عباس" وقد ثبتت عند جميع الرواة، وفي الحديث أن من قال لامرأته الحقي بأهلك وأراد الطلاق طلقت، فإن لم يرد الطلاق لم تطلق على ما وقع في حديث كعب بن مالك الطويل في قصة توبته "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل إليه أن يعتزل امرأته قال لها الحقي بأهلك فكوني فيهم حتى يقضي الله هذا الأمر" وقد مضى الكلام عليه مستوفى في شرحه. حديث ابن عمر في طلاق امرأته، وقد مضى شرحه مستوفى قبل، وقوله في هذه الرواية: "أتعرف ابن عمر" إنما قال له ذلك مع أنه يعرف أنه يعرفه وهو الذي يخاطبه ليقرره على اتباع السنة، وعلى القبول من ناقلها، وأنه يلزم العامة الاقتداء بمشاهير العلماء، فقرره على

(9/360)


ما يلزمه من ذلك لا أنه ظن أنه لا يعرفه، قال ابن المنير: ليس فيه مواجهة ابن عمر المرأة بالطلاق، وإنما فيه: "طلق ابن عمر امرأته" لكن الظاهر من حاله المواجهة لأنه إنما طلقها عن شقاق ا هـ. ولم يذكر مستنده في الشقاق المذكور، فقد يحتمل أن لا يكون عن شقاق بل عن سبب آخر، وقد روى أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: "كان تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها فقال: طلقها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أطع أباك" فيحتمل أن تكون هي هذه، ولعل عمر لما أمره بطلاقها وشاور النبي صلى الله عليه وسلم فامتثل أمره اتفق أن الطلاق وقع وهي في الحيض فعلم عمر بذلك فكان ذلك هو السر في توليه السؤال عن ذلك لكونه وقع من قبله.

(9/361)


باب من جوز الطلاق الثلاث
...
4- باب مَنْ أَجَازَ طَلاَقَ الثَّلاَثِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي مَرِيضٍ طَلَّقَ لاَ أَرَى أَنْ تَرِثَ مَبْتُوتَتُهُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ تَرِثُهُ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ تَزَوَّجُ إِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ مَاتَ الزَّوْجُ الْآخَرُ فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ
5259- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلاَنِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ يَا عَاصِمُ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَاصِمٌ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا قَالَ عُوَيْمِرٌ وَاللَّهِ لاَ أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسْطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا قَالَ سَهْلٌ فَتَلاَعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ"
5260- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاَقِي وَإِنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ الْقُرَظِيَّ وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لاَ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ"

(9/361)


5261- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا فَتَزَوَّجَتْ فَطَلَّقَ فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَحِلُّ لِلْأَوَّلِ قَالَ لاَ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الأَوَّلُ"
قوله: "باب من جوز الطلاق الثلاث" كذا لأبي ذر، وللأكثر "من أجاز". وفي الترجمة إشارة إلى أن من السلف من لم يجز وقوع الطلاق الثلاث، فيحتمل أن يكون مراده بالمنع من كره البينونة الكبرى، وهي بإيقاع الثلاث أعم من أن تكون مجموعة أو مفرقة، ويمكن أن يتمسك له بحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" وقد تقدم في أوائل الطلاق. وأخرج سعيد بن منصور عن أنس "أن عمر كان إذا أتى برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره" وسنده صحيح. ويحتمل أن يكون مراده بعدم الجواز من قال لا يقع الطلاق إذا أوقعها مجموعة للنهي عنه وهو قول للشيعة وبعض أهل الظاهر، وطرد بعضهم ذلك في كل طلاق منهي كطلاق الحائض وهو شذوذ، وذهب كثير منهم إلى وقوعه مع منع جوازه، واحتج له بعضهم بحديث محمود بن لبيد قال: "أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" ؟ الحديث أخرجه النسائي ورجاله ثقات، لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع، وقد قال النسائي بعد تخريجه: لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير يعني ابن الأشج عن أبيه ا هـ. ورواية مخرمة عن أبيه عند مسلم في عدة أحاديث، وقد قيل إنه لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صحة حديث محمود فليس فيه بيان أنه هل أمضى عليه الثلاث مع إنكاره عليه إيقاعها مجموعة أو لا؟ فأقل أحواله أن يدل على تحريم ذلك وإن لزم، وقد تقدم في الكلام على حديث ابن عمر في طلاق الحائض "أنه قال لمن طلق ثلاثا مجموعة: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك" وله ألفاظ أخرى نحو هذه عند عبد الرزاق وغيره. وأخرج أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال: "كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس يا ابن عباس، إن الله قال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك" وأخرج أبو داود له متابعات عن ابن عباس بنحوه. ومن القائلين بالتحريم واللزوم من قال: إذا طلق ثلاثا مجموعة وقعت واحدة، وهو قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي، واحتج بما رواه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا في مجلس واحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت. فارتجعها" وأخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه من طريق محمد ابن إسحاق. وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات الآتي ذكرها. وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء: أحدها أن محمد بن إسحاق وشيخه مختلف فيهما، وأجيب بأنهم احتجوا في عدة من الأحكام بمثل هذا الإسناد كحديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على أبي العاص بن الربيع زينب ابنته بالنكاح الأول" وليس كل مختلف فيه مردودا. والثاني معارضته بفتوى ابن عباس بوقوع الثلاث كما تقدم من رواية مجاهد وغيره؛ فلا يظن بابن

(9/362)


عباس أنه كان عنده هذا الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يفتي بخلافه إلا بمرجح ظهر له، وراوي الخبر أخبر من غيره بما روى. وأجيب بأن الاعتبار برواية الراوي لا برأيه لما يطرق رأيه من احتمال النسيان وغير ذلك، وأما كونه تمسك بمرجح فلم ينحصر في المرفوع لاحتمال التمسك بتخصيص أو تقييد أو تأويل، وليس قول مجتهد حجة على مجتهد آخر. الثالث أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث فقال طلقها ثلاثا، فهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس. الرابع أنه مذهب شاذ فلا يعمل به، وأجيب بأنه نقل عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير مثله، نقل ذلك ابن مغيث في "كتاب الوثائق" له وعزاه لمحمد بن وضاح، ونقل الغنوي ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهما، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاوس وعمرو بن دينار. ويتعجب من ابن التين حيث جزم بأن لزوم الثلاث لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في التحريم مع ثبوت الاختلاف كما ترى، ويقوى حديث ابن إسحاق المذكور ما أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم" ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس نعم" ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم" وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود، لكن لم يسم إبراهيم بن ميسرة وقال بدله "عن غير واحد" ولفظ المتن "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة" الحديث، فتمسك بهذا السياق من أعل الحديث وقال: إنما قال ابن عباس ذلك في غير المدخول بها، وهذا أحد الأجوبة عن هذا الحديث وهي متعددة، وهو جواب إسحاق بن راهويه وجماعة، وبه جزم زكريا الساجي من الشافعية، ووجهوه بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها أنت طالق، فإذا قال ثلاثا لغا العدد لوقوعه بعد البينونة. وتعقبه القرطبي بأن قوله أنت طالق ثلاثا كلام متصل غير منفصل، فكيف يصح جعله كلمتين وتعطى كل كلمة حكما؟ وقال النووي: أنت طالق معناه أنت ذات الطلاق، وهذا اللفظ يصح تفسيره بالواحدة وبالثلاث وغير ذلك. الجواب الثاني دعوى شذوذ رواية طاوس، وهي طريقة البيهقي، فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ويفتي بخلافه، فيتعين المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم. وقال ابن العربي: هذا حديث مختلف في صحته، فكيف يقدم على الإجماع؟ قال: ويعارضه حديث محمود بن لبيد - يعني الذي تقدم أن النسائي أخرجه - فإن فيه التصريح بأن الرجل طلق ثلاثا مجموعة ولم يرده النبي صلى الله عليه وسلم بل أمضاه، كذا قال، وليس في سياق الخبر تعرض لإمضاء ذلك ولا لرده. الجواب الثالث دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئا نسخ ذلك، قال البيهقي: ويقويه ما

(9/363)


أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك. وقد أنكر المازري ادعاء النسخ فقال: زعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخ وهو غلط فإن عمر لا ينسخ، ولو نسخ - وحاشاه - لبادر الصحابة إلى إنكار. وإن أراد القائل أنه نسخ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمتنع لكن يخرج عن ظاهر الحديث، لأنه لو كان كذلك لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر. فإن قيل فقد يجمع الصحابة ويقبل منهم ذلك، قلنا إنما يقبل ذلك لأنه يستدل بإجماعهم على ناسخ، وأما أنهم ينسخون من تلقاء أنفسهم فمعاذ الله لأنه إجماع على الخطأ وهم معصومون عن ذلك. فإن قيل فلعل النسخ إنما ظهر في زمن عمر، قلنا: هذا أيضا غلط لأنه يكون قد حصل الإجماع على الخطأ في زمن أبي بكر، وليس انقراض العصر شرطا في صحة الإجماع على الراجح. قلت: نقل النووي هذا ا الفصل في شرح مسلم وأقره، وهو متعقب في مواضع: أحدها أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر، وإنما قال ما تقدم يشبه أن يكون علم شيئا من ذلك نسخ، أي اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعا، ولذلك أفتى بخلافه. وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن جماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ. الثاني إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب، فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتما. الثالث أن تغليطه من قال المراد ظهور النسخ عجيب أيضا، لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ، وما أشار إليه من مسألة انقراض العصر لا يجئ هنا، لأن عصر الصحابة لم ينقرض في زمن أبي بكر بل ولا عمر، فإن المراد بالعصر الطبقة من المجتهدين وهم في زمن أبي بكر وعمر بل وبعدهما طبقة واحدة. الجواب الرابع دعوى الاضطراب قال القرطبي في "المفهم" : وقع فيه مع الاختلاف على ابن عباس الاضطراب في لفظه، وظاهر سياقه يقتضي النقل عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره إن لم يقتض القطع ببطلانه. الجواب الخامس دعوى أنه ورد في صورة خاصة، فقال ابن سريج وغيره: يشبه أن يكون. ورد في تكرير اللفظ كأن يقول أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وكانوا أولا على سلامة صدورهم يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم، وهذا الجواب ارتضاه القرطبي وقواه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، وكذا قال النووي إن هذا أصح الأجوبة. الجواب السادس تأويل قوله: "واحدة" وهو أن معنى قوله: "كأن الثلاث واحدة" إن الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يطلقون واحدة فلما كان زمن عمر كانوا يطلقون ثلاثا، ومحصله أن المعنى أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثا كان يوقع قبل ذلك واحدة لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا أو كانوا يستعملونها نادرا، وأما في عصر عمر فكثر استعمالهم لها، ومعنى قوله فأمضاه عليهم وأجازه وغير ذلك أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة الرازي، وكذا أورده البيهقي بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندي أن ما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة، قال النووي: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة لا عن تغير الحكم في الواحدة فالله أعلم. الجواب السابع

(9/364)


دعوى وقفه، فقال بعضهم: ليس في هذا السياق أن ذلك كان يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فيقره، والحجة إنما هي في تقريره. وتعقب بأن قول الصحابي "كنا نفعل كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:" في حكم الرفع على الراجح حملا على أنه اطلع على ذلك فأقره لتوفر دواعيهم على السؤال عن جليل الأحكام وحقيرها. الجواب الثامن حمل قوله: "ثلاثا" على أن المراد بها لفظ البتة كما تقدم في حديث ركانة سواء. وهو من رواية ابن عباس أيضا، وهو قوي ويؤيده إدخال، البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها البتة والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا إن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث لاشتهار التسوية بينهما فرواها بلفظ الثلاث وإنما المراد لفظ البتة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال أردت بالبتة الواحدة فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم. قال القرطبي: وحجة الجمهور في اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدا، وهو أن المطلقة ثلاثا لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعا، وما يتخيل من الفرق صوري ألغاه الشرع اتفاقا في النكاح والعتق والأقارير، فلو قال الولي أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد كما لو قال أنكحتك هذه وهذه وهذه، وكذا في العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام، واحتج من قال إن الثلاث إذا وقعت مجموعة حملت على الواحدة بأن من قال أحلف بالله ثلاثا لا يعد حلفه إلا يمينا واحدة، فليكن المطلق مثله. وتعقب باختلاف الصيغتين فإن المطلق ينشئ طلاق امرأته وقد جعل أمد طلاقها ثلاثا، فإذا قال أنت طالق ثلاثا فكأنه قال أنت طالق جميع الطلاق، وأما الحلف فلا أمد لعدد أيمانه فافترقا. وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء، أعني قول جابر إنها كانت تفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق والله أعلم. وقد أطلت في هذا الموضع لالتماس من التمس ذلك مني والله المستعان. قوله: "لقول الله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} قد استشكل وجه استدلال المصنف بهذه الآية على ما ترجم به من تجويز الطلاق الثلاث، والذي يظهر لي أنه كان أراد بالترجمة مطلق وجود الثلاث مفرقة كانت أو مجموعة، فالآية واردة على المانع لأنها دلت على مشروعية ذلك من غير نكير، وإن كان أراد تجويز الثلاث مجموعة وهو الأظهر فأشار بالآية إلى أنها مما احتج به المخالف للمنع من الوقوع لأن ظاهرها أن الطلاق المشروع لا يكون بالثلاث دفعة بل على الترتيب المذكور، فأشار إلى أن الاستدلال بذلك على منع جميع الثلاث غير متجه إذ ليس في السياق المنع من غير الكيفية المذكورة، بل انعقد الإجماع على أن إيقاع المرتين ليس شرطا ولا راجحا، بل اتفقوا على أن إيقاع الواحدة أرجح من إيقاع الثنتين كما تقدم تقريره في الكلام على حديث ابن عمر، فالحاصل أن مراده دفع دليل المخالف بالآية لا الاحتجاج بها لتجويز الثلاث، هذا الذي ترجح عندي. وقال الكرماني: وجه استدلاله بالآية أنه تعالى قال: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} فدل على جواز جمع الثنتين وإذا جاز جمع الثنتين دفعة جاز جمع الثلاث دفعة كذا، قال: وهو قياس مع وضوح الفارق، لأن جمع الثنتين لا يستلزم البينونة الكبرى بل تبقى له الرجعة إن كانت رجعية وتجديد العقد بغير

(9/365)


انتظار عدة إن كانت بائنا، بخلاف جمع الثلاث. ثم قال الكرماني: أو التسريح بإحسان عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة. قلت: وهذا لا بأس به لكن التسريج في سياق الآية إنما هو فيما بعد إيقاع الثنتين فلا يتناول إيقاع الطلقات الثلاث، فإن معنى قوله تعالى :{الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} فيما ذكر أهل العلم بالتفسير أي أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك أو التسريح مرتان، ثم حينئذ إما أن يختار استمرار العصمة فيمسك الزوجة أو المفارقة فيسرحها بالطلقة الثالثة، وهذا التأويل نقله الطبري وغيره عن الجمهور، ونقلوا عن السدي والضحاك أن المراد بالتسريج في الآية ترك الرجعة حتى تنقضي العدة فتحصل البينونة، ويرجح الأول ما أخرجه الطبري وغيره من طريق إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال: "قال رجل: يا رسول الله الطلاق مرتان، فأين الثالثة؟ قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" وسنده حسن، لكنه مرسل لأن أبا رزين لا صحبة له، وقد وصله الدار قطني من وجه آخر عن إسماعيل فقال: "عن أنس" لكنه شاذ، والأول هو المحفوظ، وقد رجح الكيا الهراسي من الشافعية في كتاب "أحكام القرآن" له قول السدي، ودفع الخبر لكونه مرسلا، وأطال في تقرير ذلك بما حاصله أن فيه زيادة فائدة، وهي بيان حال المطلقة وأنها تبين إذا انقضت عدتها، قال: وتؤخذ الطلقة الثالثة من قوله تعالى:{فإن طلقها" ا هـ والأخذ بالحديث أولى فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند صحيح قال: "إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا" وقال القرطبي في تفسيره: ترجم البخاري على هذه الآية من أجاز الطلاق الثلاث لقوله تعالى :{الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} وهذه إشارة منه إلى أن هذا العدد إنما هو بطريق الفسحة لهم، فمن ضيق على نفسه لزمه، كذا قال ولم يظهر لي وجه اللزوم المذكور، والله المستعان. قوله: "وقال ابن الزبير: لا أرى أن ترث مبتوتة" كذا لأبي ذر، ولغيره: "مبتوتته" بزيادة ضمير للرجل، وكأنه حذف للعلم به، وهذا التعليق عن عبد الله بن الزبير وصله الشافعي وعبد الرزاق من طريق ابن أبي مليكة قال: سألت عبد الله بن الزبير عن الرجل يطلق امرأته فيبتها ثم يموت وهي في عدتها، قال: أما عثمان فورثها، وأما أنا فلا أرى أن أورثها لبينونته إياها. قوله: "وقال الشعبي ترثه" وصله سعيد بن منصور عن أبي عوانة عن مغيرة عن إبراهيم والشعبي في رجل طلق ثلاثا في مرضه قال: تعتد عدة المتوفي عنها زوجها وترثه ما كانت في العدة. قوله: "وقال ابن شبرمة" هو عبد الله قاضي الكوفة.قوله: "تزوج" بفتح أوله وضم آخره، وهو استفهام محذوف الأداة. قوله: "إذا انقضت العدة؟ قال: نعم" هذا ظاهره أن الخطاب دار بين الشعبي وابن شبرمة، لكن الذي رأيت في "سنن سعيد بن منصور" أنه كان مع غيره فقال سعيد: حدثنا حماد بن زيد عن أبي هاشم في الرجل يطلق امرأته وهو مريض إن مات في مرضه ذلك ورثته؟ فقال له ابن شبرمة: أرأيت إن انقضت العدة. قوله: "قال أرأيت إن مات الزوج الآخر فرجع عن ذلك" هكذا وقع عند البخاري مختصرا، والذي في رواية سعيد بن منصور المذكورة فقال ابن شبرمة: أتتزوج؟ قال: نعم. قال: فإن مات هذا ومات الأول أترث زوجين؟ قال: لا. فرجع إلى العدة فقال ترثه ما كانت في العدة. ولعله سقط ذكر الشعبي من الرواية. وأبو هاشم المذكور هو الرماني بضم الراء وتشديد الميم اسمه يحيى، وهو واسطي كان يتردد إلى الكوفة، وهو ثقة. ومحل المسألة المذكورة كتاب الفرائض، وإنما ذكرت هنا استطرادا. والمبتوتة بموحدة ومثناتين من قيل لها أنت طالق البتة وتطلق على من أبينت بالثلاث، ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث. الحديث الأول

(9/366)


حديث سهل ابن سعد في قصة المتلاعنين وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب اللعان، والغرض منه هنا قوله في آخر الحديث، "فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الحديث، وقد تعقب بأن المفارقة في الملاعنة وقعت بنفس اللعان فلم يصادف تطليقه إياها ثلاثا موقعا، وأجيب بأن الاحتجاج به من كون النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة، فلو كان ممنوعا لأنكره، ولو وقعت الفرقة بنفس اللعان. حديث عائشة في قصة رفاعة القرظي وامرأته، سيأتي شرحه مستوفى في "باب إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد العدة زوجا غيره فلم يمسها" وشاهد الترجمة منه قوله: "فبت طلاقي" فإنه ظاهر في أنه قال لها أنت طالق البتة، ويحتمل أن يكون المراد أنه طلقها طلاقا حصل به قطع عصمتها منه، وهو أعم من أن يكون طلقها ثلاثا مجموعة أو مفرقة، ويؤيد الثاني أنه سيأتي في كتاب الأدب من وجه آخر أنها قالت طلقني آخر ثلاث تطليقات، وهذا يرجح أن المراد بالترجمة بيان من أجاز الطلاق الثلاث ولم يكرهه، ويحتمل أن يكون مراد الترجمة أعم من ذلك، وكل حديث يدل على حكم فرد من ذلك. حديث عائشة أيضا: "أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول؟ قال: لا" الحديث، وهو وإن كان مختصرا من قصة رفاعة فقد ذكرت توجيه المراد به، وإن كان في قصة أخرى فالتمسك بظاهر قوله: "طلقها ثلاثا" فإنه ظاهر في كونها مجموعة، وسيأتي في شرح قصة رفاعة أن غيره وقع له مع امرأة نظير ما وقع لرفاعة، فليس التعدد في ذلك ببعيد.

(9/367)


5- باب مَنْ خَيَّرَ نِسَاءَهُ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}
5262- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا"
[الحديث 5262- طرفه في: 5263]
5263- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَامِرٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ الْخِيَرَةِ فَقَالَتْ خَيَّرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَكَانَ طَلاَقًا قَالَ مَسْرُوقٌ لاَ أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي"
قوله: "باب من خير أزواجه، وقول الله تعالى: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} تقدم في تفسير الأحزاب بيان سبب التخيير المذكور، وفيما إذا وقع التخيير، ومتى كان التخيير؟ وأذكر هنا بيان حكم من خير امرأته مع بقية شرح حديث الباب. ووقع هنا في نسخة الصغاني قبل حديث مسروق عن عائشة حديث أبي سلمة عنها في المعنى، قال فيه: "حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري. وقال الليث حدثنا يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه" الحديث وساقه على لفظ يونس، وقد تقدم الطريقان في تفسير سورة الأحزاب، وساق رواية شعيب وأولها "أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء لها حين أمره الله بتخيير أزواجه" الحديث. ثم ساق رواية الليث معلقة أيضا في ترجمة

(9/367)


أخرى. قوله: "حدثنا عمر بن حفص" أي ابن غياث الكوفي، وقوله: "مسلم:" هو ابن صبيح بالتصغير أبو الضحى مشهور بكنيته أكثر من اسمه، وفي طبقته مسلم البطين وهو من رجال البخاري لكنه وإن روى عنه الأعمش لا يروي عن مسروق، وفي طبقتهما مسلم بن كيسان الأعور وليس هو من رجال الصحيح ولا له رواية عن مسروق. قوله: "خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية الشعبي عن مسروق "خير نساءه" أخرجه مسلم. قوله: "فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد" بتشديد الدال وضم العين من العدد. وفي رواية فلم "يعدد" بفك الإدغام وفي أخرى "فلم يعتد" بسكون العين وفتح المثناة وتشديد الدال من الاعتداد، وقوله: "فلم يعد ذلك علينا شيئا" في رواية مسلم: "فلم يعده طلاقا". قوله:" إسماعيل "هو ابن أبي خالد. قوله: "سألت عائشة عن الخيرة" بكسر المعجمة وفتح التحتانية بمعنى الخيار. قوله: "أفكان طلاقا؟" هو استفهام إنكار، ولأحمد عن وكيع عن إسماعيل "فهل كان طلاقا؟" وكذا للنسائي من رواية يحيى القطان عن إسماعيل. قوله: "قال مسروق: لا أبالي أخيرتها واحدة أو مائة بعد أن تختارني" هو موصول بالإسناد المذكور، وقد أخرجه مسلم من رواية علي بن مسهر عن إسماعيل فقدم كلام مسروق المذكور ولفظه عن مسروق "قال ما أبالي" فذكر مثله وزاد: "أو ألفا، ولقد سألت عائشة" فذكر حديثها، وبقول عائشة المذكور بقول جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وهو أن من خير زوجته فاختارته لا يقع عليه بذلك طلاق، لكن اختلفوا فيما إذا اختارت نفسها هل يقع طلقة واحدة رجعية أو بائنا أو يقع ثلاثا؟ وحكى الترمذي عن علي: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية، وعن زيد بن ثابت: إن اختارت نفسها فثلاث وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وعن عمر وابن مسعود: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وعنهما رجعية، وإن اختارت زوجها فلا شيء. ويؤيد قول الجمهور من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقا لاتحدا، فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة، وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق زاذان قال: "كنا جلوسا عند علي فسئل عن الخيار فقال: سألني عنه عمر فقلت: إن اختارت نفسها فواحدة بائن، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية، قال: ليس كما قلت، إن اختارت زوجها فلا شيء، قال: فلم أجد بدا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف، قال علي: وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت فقال: "فذكر مثل ما حكاه عنه الترمذي. وأخرج ابن أبي شيبة من طرق عن علي نظير ما حكاه عنه زاذان من اختياره، وأخذ مالك بقول زيد بن ثابت واحتج بعض أتباعه لكونها إذا اختارت نفسها يقع ثلاثا بأن معنى الخيار بت أحد الأمرين: إما الأخذ، وإما الترك، فلو قلنا إذا اختارت نفسها تكون طلقة رجعية لم يعمل بمقتضى اللفظ لأنها تكون بعد في أسر الزوج وتكون كمن خير بين شيئين فاختار غيرهما، وأخذ أبو حنيفة بقول عمر وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها فواحدة بائنة ولا يرد عليه الإيراد السابق. وقال الشافعي: التخيير كناية، فإذا خير الزوج امرأته وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلق منه وبين أن تستمر في عصمته فاختارت نفسها وأرادت بذلك الطلاق طلقت، فلو قالت: لم أرد باختيار نفسي الطلاق صدقت، ويؤخذ من هذا أنه لو وقع التصريح في التخيير بالتطليق أن الطلاق يقع جزما، نبه على ذلك شيخنا حافظ الوقت أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذي" ونبه صاحب. "الهداية" من الحنفية على اشتراط ذكر النفس في التخيير، فلو قال مثلا اختاري فقالت اخترت لم يكن تخييرا بين الطلاق وعدمه وهو ظاهر، لكن

(9/368)


محله الإطلاق فلو قصد ذلك بهذا اللفظ ساغ. وقال صاحب "الهداية" أيضا إن قال: "اختاري" ينوي به الطلاق فلها أن تطلق نفسها ويقع بائنا، فلو لم ينو فهو باطل، وكذا لو قال اختاري فقالت اخترت فلو نوى فقالت اخترت نفسي وقعت طلقة رجعية. وقال الخطابي: يؤخذ من قول عائشة "فاخترناه فلم يكن ذلك طلاقا" أنها لو اختارت نفسها لكان ذلك طلاقا، ووافقه القرطبي في "المفهم" فقال: في الحديث أن المخيرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الاختيار يكون طلاقا من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدل على الطلاق، قال: وهو مقتبس من مفهوم قول عائشة المذكور. قلت: لكن ظاهر الآية أن ذلك بمجرده لا يكون طلاقا، بل لا بد من إنشاء الزوج الطلاق؛ لأن فيها {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ} أي بعد الاختيار، ودلالة المنطوق مقدمه على دلالة المفهوم. واختلفوا في التخيير هل بمعنى التمليك أو بمعنى التوكيل؟ وللشافعي فيه قولان المصحح عند أصحابه أنه تمليك، وهو قول المالكية بشرط مبادرتها له حتى لو أخرت بقدر ما ينقطع القبول عن الإيجاب في العقد ثم طلقت لم يقع، وفي وجه لا يضر التأخير ما داما في المجلس وبه جزم ابن القاص، وهو الذي رجحه المالكية والحنفية، وهو قول الثوري والليث والأوزاعي. وقال ابن المنذر: الراجح أنه لا يتقيد ولا يشترط فيه الفور، بل متى طلقت نفذ، وهو قول الحسن والزهري، وبه قال أبو عبيد ومحمد بن نصر من الشافعية والطحاوي من الحنفية، وتمسكوا بحديث الباب حيث وقع فيه: "إني ذاكر لك أمرا فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك" الحديث، فإنه ظاهر في أنه فسخ لها إذ أخبرها أن لا تختار شيئا حتى تستأذن أبويها ثم تفعل ما يشيران به عليها، وذلك يقتضي عدم اشتراط الفور في جواب التخيير. قلت: ويمكن أن يقال يشترط الفور أو ما داما في المجلس عند الإطلاق، فأما لو صرح الزوج بالفسحة في تأخيره بسبب يقتضي ذلك فيتراخى، وهذا الذي وقع في قصة عائشة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل خيار كذلك، والله أعلم.

(9/369)


باب إذا قال فارقتك أو سرحتك أو الخلية أو البرية أو ماعني به الطلاق فهو على نيته
...
6- باب إِذَا قَالَ فَارَقْتُكِ أَوْ سَرَّحْتُكِ أَوْ الْخَلِيَّةُ أَوْ الْبَرِيَّةُ أَوْ مَا عُنِيَ بِهِ الطَّلاَقُ فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} وَقَالَ: {وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} وَقَالَ {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وَقَالَ: {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} وَقَالَتْ عَائِشَةُ قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ
قوله: "باب إذا قال فارقتك أو سرحتك أو الخلية أو البرية أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته" هكذا بت المصنف الحكم في هذه المسألة، فاقتضى أن لا صريح عنده إلا لفظ الطلاق أو ما تصرف منه، وهو قول الشافعي في القديم، ونص في الجديد على أن الصريح لفظ الطلاق والفراق والسراح لورود ذلك في القرآن بمعنى الطلاق. وحجة القديم أنه ورد في القرآن لفظ الفراق والسراح لغير الطلاق بخلاف الطلاق فإنه لم يرد إلا للطلاق، وقد رجح جماعة القديم كالطبري في "العدة" والمحاملي وغيرهما، وهو قول الحنفية، واختاره القاضي عبد الوهاب من المالكية، وحكى الدارمي عن ابن خير أن من لم يعرف إلا الطلاق فهو صريح في حقه فقط، وهو تفصيل قوي، ونحوه للروياني فإنه قال: لو قال عربي فارقتك ولم يعرف أنها صريحة لا يكون صريحا في حقه. واتفقوا على أن لفظ

(9/369)


الطلاق وما تصرف منه صريح، لكن أخرج أبو عبيد في "غريب الحديث:" من طريق عبد الله بن شهاب الخولاني عن عمر أنه "رفع إليه رجل قالت له امرأته. شبهني، فقال: كأنك ظبية، قالت: لا. قال: كأنك حمامة قالت: لا أرضى حتى تقول أنت خلية طالق، فقالها، فقال له عمر: خد بيدها فهي امرأتك" قال أبو عبيد قوله خلية طالق أي ناقة كانت معقولة ثم أطلقت من عقالها وخلى عنها فتسمى خلية لأنها خليت عن العقال؛ وطالق لأنها طلقت منه، فأراد الرجل أنها تشبه الناقة ولم يقصد الطلاق بمعنى الفراق أصلا، فأسقط عنه عمر الطلاق. قال أبو عبيد: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء من ألفاظ الطلاق ولم يرد الفراق بل أراد غيره فالقول قوله فيه فيما بينه وبين الله تعالى ا هـ. وإلى هذا ذهب الجمهور، لكن المشكل من قصة عمر كونه رفع إليه وهو حاكم، فإن كان أجراه مجرى الفتيا ولم يكن هناك حكم فيوافق وإلا فهو من النوادر. وقد نقل الخطابي الإجماع على خلافه، لكن أثبت غيره الخلاف وعزاه لداود. وفي البويطي ما يقتضيه، وحكاه الروياني، ولكن أوله الجمهور وشرطوا قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق ليخرج العجمي مثلا إذا لقن كلمة الطلاق فقالها وهو لا يعرف معناها أو العربي بالعكس، وشرطوا مع النطق بلفظ الطلاق تعمد ذلك احترازا عما يسبق به اللسان والاختيار ليخرج المكره، لكن إن أكره فقالها مع القصد إلى الطلاق وقع في الأصح. قوله: "وقول الله تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} كأنه يشير إلى أن في هذه الآية لفظ التسريح بمعنى الإرسال لا بمعنى الطلاق لأنه أمر من طلق قبل الدخول أن يمتع ثم يسرح، وليس المراد من الآية تطليقها بعد التطليق قطعا. قوله: "وقال: {وَأُسَرِّحْكُنَّ} يعني قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} والتسريح في هذه الآية محتمل للتطليق والإرسال، وإذا كانت صالحة للأمرين انتفى أن تكون صريحة في الطلاق، وذلك راجع إلى الاختلاف فيما خير به النبي صلى الله عليه وسلم نساءه: هل كان في الطلاق والإقامة، فإذا اختارت نفسها طلقت وإن اختارت الإقامة لم تطلق كما تقدم تقريره في الباب قبله؟ أو كان في التخيير بين الدنيا والآخرة، فمن اختارت الدنيا طلقها ثم متعها ثم سرحها، ومن اختارت الآخرة أقرها في عصمته؟ قوله: "وقال تعالى :{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} تقدم في الباب قبله بيان الاختلاف في المراد بالتسريح هنا وأن الراجح أن المراد به التطليق. قوله: "وقال: {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} يريد أن هذه الآية وردت بلفظ الفراق في موضع ورودها في البقرة بلفظ السراح؛ والحكم فيهما واحد لأنه ورد في الموضعين بعد وقوع الطلاق، فليس المراد به الطلاق بل الإرسال. وقد اختلف السلف قديما وحديثا في هذه المسألة: فجاء عن علي بأسانيد يعضد بعضها بعضا وأخرجها ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما قال: "البرية والخلية والبائن والحرام والبت ثلاث ثلاث" وبه قال مالك وابن أبي ليلى والأوزاعي، لكن قال في الخلية إنها واحدة رجعية، ونقله عن الزهري وعن زيد بن ثابت في البرية والبتة والحرام ثلاث ثلاث، وعن ابن عمر في الخلية والبرية ثلاث وبه قال قتادة، ومثله عن الزهري في البرية فقط، واحتج بعض المالكية بأن قول الرجل لامرأته أنت بائن وبتة وبتلة وخلية وبرية يتضمن إيقاع الطلاق لأن معناه أنت طالق مني طلاقا تبينين به مني، أو تبت أي يقطع عصمتك مني، والبتلة بمعناه، أو تخلين به من زوجيتي أو تبرين منها، قال: وهذا لا يكون في المدخول بها إلا ثلاثا إذا لم يكن هناك خلع، وتعقب بأن الحمل على ذلك ليس صريحا والعصمة الثابتة لا ترفع بالاحتمال، وبأن من يقول إن من قال لزوجته أنت طالق طلقة بائنة إذا لم يكن هناك خلع أنها تقع رجعية مع التصريح كيف لا يقول يلغو مع التقدير

(9/370)


وبأن كل لفظة من المذكورات إذا قصد بها الطلاق ووقع وانقضت العدة أنه يتم المعنى المذكور، فلم ينحصر الأمر فيما ذكروا وإنما النظر عند الإطلاق، فالذي يترجح أن الألفاظ المذكورات وما في معناها كنايات لا يقع الطلاق بها إلا مع القصد إليه، وضابط ذلك أن كل كلام أفهم الفرقة ولو مع دقته يقع به الطلاق مع القصد، فأما إذا لم يفهم الفرقة من اللفظ فلا يقع الطلاق ولو قصد إليه، كما لو قال كلي أو اشربي أو نحو ذلك، وهذا تحرير مذهب الشافعي في ذلك. وقاله قبله الشعبي وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم، وبهذا قال الأوزاعي وأصحاب الرأي، واحتج لهم الطحاوي بحديث أبي هريرة الآتي قريبا "تجاوز الله عن أمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم" فإنه يدل على أن النية وحدها لا تؤثر إذا تجردت عن الكلام أو الفعل. وقال مالك: إذا خاطبها بأي لفظ كان وقصد الطلاق طلقت حتى لو قال يا فلانة يريد به الطلاق، وبه قال الحسن بن صالح بن حي. قوله: "وقالت عائشة: قد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه" هذا التعليق طرف من حديث التخيير، وقد تقدم عن عائشة في آخر حديث عمر في "باب موعظة الرجل ابنته" من كتاب النكاح، وبيان الاختلاف على الزهري في إسناده، وأرادت عائشة بالفراق هنا الطلاق جزما، ولا نزاع في الحمل عليه إذا قصد إليه، وإنما النزاع في الإطلاق إذا تقدم1

(9/371)


7- باب مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ
وَقَالَ الْحَسَنُ نِيَّتُهُ وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِذَا طَلَّقَ ثَلاَثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَسَمَّوْهُ حَرَامًا بِالطَّلاَقِ وَالْفِرَاقِ وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ لِأَنَّهُ لاَ يُقَالُ لِطَعَامِ الْحِلِّ حَرَامٌ وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ حَرَامٌ وَقَالَ فِي الطَّلاَقِ ثَلاَثًا {لاَ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}
5264- وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلاَثًا قَالَ لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا فَإِنْ طَلَّقْتَهَا ثَلاَثًا حَرُمَتْ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ "
5265- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَطَلَّقَهَا وَكَانَتْ مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ زَوْجًا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلاَّ هَنَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ فَأَحِلُّ لِزَوْجِي الأَوَّلِ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ"
قوله: "باب من قال لامرأته: أنت علي حرام. وقال الحسن: نيته" أي يحمل على نيته. وهذا التعليق وصله البيهقي، ووقع لنا عاليا في "جزء محمد بن عبد الله الأنصاري" شيخ البخاري قال: "حدثنا الأشعث عن الحسن في الحرام إن نوى يمينا فيمين، وإن طلاقا فطلاق" وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن الحسن، وبهذا قال النخعي

(9/371)


والشافعي وإسحاق، وروى نحوه عن ابن مسعود وابن عمر وطاوس، وبه قال النووي لكن قال: إن نوى واحدة فهي بائن. وقال الحنفية مثله لكن قالوا: إن نوى ثنتين فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو طلاقا فهي يمين ويصير موليا، وهو عجيب والأول أعجب. وقال الأوزاعي وأبو ثور: يمين الحرام تكفر، وروى نحوه عن أبي بكر وعمر وعائشة وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس، واحتج أبو ثور بظاهر قوله تعالى :{لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} وسيأتي بيانه في الباب الذي بعده. وقال أبو قلابة وسعيد بن جبير: من قال لامرأته أنت علي حرام لزمته كفارة الظهار. ومثله عن أحمد. وقال الطحاوي: يحتمل أنهم أرادوا أن من أراد به الظهار كان مظاهرا، وإن لم ينوه كان عليه كفارة يمين مغلظة وهي كفارة الظهار، لا أنه يصير مظاهرا ظهارا حقيقة، وفيه بعد. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يكون مظاهرا ولو أراده. وروي عن علي وزيد بن ثابت وابن عمر والحكم وابن أبي ليلى: في الحرام ثلاث تطليقات ولا يسأل عن نيته، وبه قال مالك، وعن مسروق والشعبي وربيعة: لا شيء فيه، وبه قال أصبغ من المالكية. وفي المسألة اختلاف كثير عن السلف بلغها القرطبي المفسر إلى ثمانية عشر قولا، وزاد غيره عليها. وفي مذهب مالك فيها تفاصيل أيضا يطول استيعابها. قال القرطبي: قال بعض علمائنا سبب الاختلاف أنه لم يقع في القرآن صريحا ولا في السنة نص ظاهر صحيح يعتمد عليه في حكم هذه المسألة، فتجاذبها العلماء، فمن تمسك بالبراءة الأصلية قال لا يلزمه شيء، ومن قال إنها يمين أخذ بظاهر قوله تعالى :{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} بعد قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}، ومن قال تجب الكفارة وليست بيمين بناه على أن معنى اليمين التحريم فوقعت الكفارة على المعنى، ومن قال تقع به طلقة رجعية حمل اللفظ على أقل وجوهه الظاهرة وأقل ما تحرم به المرأة طلقة تحرم الوطء ما لم يرتجعها، ومن قال بائنة فلاستمرار ا التحريم بها ما لم يجدد العقد، ومن قال ثلاث حمل اللفظ على منتهى وجوهه، ومن قال ظهار نظر إلى معنى التحريم وقطع النظر عن الطلاق فانحصر الأمر عنده في الظهار، والله أعلم. قوله: "وقال أهل العلم: إذا طلق ثلاثا فقد حرمت عليه فسموه حراما بالطلاق والفراق" أي فلا بد أن يصرح القائل بالطلاق أو يقصد إليه، فلو أطلق أو نوى عير الطلاق فهو محل النظر. قوله: "وليس هذا كالذي يحرم الطعام، لأنه لا يقال للطعام الحل حرام ويقال للمطلقة حرام. وقال في الطلاق ثلاثا: لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره" قال المهلب: من نعم الله على هذه الأمة فيما خفف عنهم أن من قبلهم كانوا إذا حرموا على أنفسهم شيئا حرم عليهم كما وقع ليعقوب عليه السلام، فخفف الله ذلك عن هذه الأمة، ونهاهم أن يحرموا على أنفسهم شيئا مما أحل لهم فقال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} ا هـ. وأظن البخاري أشار إلى ما تقدم عن أصبغ وغيره ممن سوى بين الزوجة وبين الطعام والشراب كما تقدم نقله عنهم، فبين أن الشيئين وإن استويا من جهة فقد يفترقان من جهة أخرى، فالزوجة إذا حرمها الرجل على نفسه وأراد بذلك تطليقها حرمت، والطعام والشراب إذا حرمه على نفسه لم يحرم، ولهذا احتج باتفاقهم على أن المرأة بالطلقة الثالثة تحرم على الزوج لقوله تعالى :{فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} وورد عن ابن عباس ما يؤيد ذلك، فأخرج يزيد بن هارون في كتاب النكاح ومن طريقه البيهقي بسند صحيح عن يوسف بن ماهك "أن أعرابيا أتى ابن عباس فقال: إني جعلت امرأتي حراما، قال: ليست عليك بحرام. قال: أرأيت قول الله تعالى :{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ

(9/372)


عَلَى نَفْسِهِ} الآية؟ فقال ابن عباس: إن إسرائيل كان به عرق النسا فجعل على نفسه إن شفاه الله أن لا يأكل العروق من كل شيء، وليست بحرام يعني على هذه الأمة". وقد اختلف العلماء فيمن حرم على نفسه شيئا، فقال الشافعي: إن حرم زوجته أو أمته ولم يقصد الطلاق ولا الظهار ولا العتق فعليه كفارة يمين، وإن حرم طعاما أو شرابا فلغو. وقال أحمد: عليه في الجميع كفارة يمين. وتقدم بيان بقية الاختلاف في الباب الذي قبله. قال البيهقي بعد أن أخرج الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه بسند رجاله ثقات من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق "عن عائشة قالت: آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم، فجعل الحرام حلالا، وجعل في اليمين كفارة" قال فإن في هذا الخبر تقوية لقول من قال إن لفظ الحرام لا يكون بإطلاقه طلاقا ولا ظهارا ولا يمينا. قوله: "وقال الليث عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سئل عمن طلق ثلاثا قال: لو طلقت مرة أو مرتين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا، فإن طلقها ثلاثا حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك" كذا للأكثر وفي رواية الكشميهني: "فإن طلقها وحرمت عليه" بضمير الغائب في الموضعين، وهذا الحديث مختصر من قصة تطليق ابن عمر امرأته وقد سبق شرحه في أول الطلاق، وظن ابن التين أن هذا جملة الخبر فاستشكل على مذهب مالك قولهم إن الجمع بين تطليقتين بدعة، قال والنبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بالبدعة، وجوابه أن الإشارة في قول ابن عمر "فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني بذلك" إلى ما أمره من ارتجاع امرأته في آخر الحديث، ولم يرد ابن عمر أنه أمره أن يطلق امرأته مرة أو مرتين وإنما هو كلام ابن عمر، ففصل لسائله حال المطلق. وقد روينا الحديث المذكور من طريق الليث التي علقها البخاري مطولا موصولا عاليا في "جزء أبي الجهم العلاء بن موسى الباهلي" رواية أبي القاسم البغوي عنه عن الليث، وفي أوله قصة ابن عمر في طلاق امرأته، وبعده "قال نافع وكان ابن عمر" إلخ وأخرج مسلم الحديث من طريق الليث لكن ليس بتمامه. وقال الكرماني: قوله: "لو طلقت" جزاؤه محذوف تقديره لكان خيرا أو هو للتمني فلا يحتاج إلى جواب وليس كما قال بل الجواب: لكان لك الرجعة لقوله: "فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا" والتقدير فإن كان في طهر لم يجامعها فيه كان طلاق سنة، وإن وقع في الحيض كان طلاق بدعة، ومطلق البدعة ينبغي أن يبادر إلى الرجعة. ولهذا قال: "فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا" أي بالمراجعة لما طلقت الحائض، وقسيم ذلك وله "وإن طلقت ثلاثا" وكأن ابن عمر ألحق الجمع بين المرتين بالواحدة فسوى بينهما، وإلا فالذي وقع منه إنما هو واحدة كما تقدم بيانه صريحا هناك وأراد البخاري بإيراد هذا هنا الاستشهاد بقول ابن عمر "حرمت عليك" فسماها حراما بالتطليق ثلاثا كأنه يريد أنها لا تصير حراما بمجرد قوله أنت علي حرام حتى يريد به الطلاق أو يطلقها بائنا، وخفي هذا على الشيخ مغلطاي ومن تبعه فنفوا مناسبة هذا الحديث للترجمة، ولكن عرج شيخنا ابن الملقن تلويحا على شيء مما أشرت إليه. ذكر المصنف حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة لقوله فيه: "لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر عسيلتك" وسيأتي شرحه قريبا. وقوله في هذه الرواية: "فلم يقربني إلا هنة واحدة" هو بلفظ حرف الاستثناء، والتي بعده بفتح الهاء وتخفيف النون، وحكى الهروي تشديدها وقد أنكره الأزهري قبله. وقال الخليل: هي كلمة يكني بها عن الشيء يستحيا من ذكره باسمه، قال ابن التين معناه لم يطأني إلا مرة واحدة يقال هن امرأته إذا غشيها. ونقل الكرماني أنه في أكثر النسخ بموحدة ثقيلة أي مرة، والذي ذكر صاحب "المشارق" أن الذي رواه بالموحدة هو ابن السكن قال: وعند الكافة بالنون، وحكى في معنى هبة بالموحدة ما تقدم وهو أن المراد بها مرة واحدة،

(9/373)


قال وقيل المراد بالهبة الوقعة يقال حدر هبة السيف أي وقعته، وقيل هي من هب إذا احتاج إلى الجماع يقال هب التيس يهب هبيبا. "تنبيه": زعم ابن بطال أن البخاري يرى أن التحريم يتنزل منزلة الطلاق الثلاث، وشرح كلامه على ذلك فقال بعد أن ساق الاختلاف في المسألة: وفي قول مسروق ما أبالي حرمت امرأتي أو جفنة ثريد، وقول الشعبي أنت علي حرام أهون من فعلي هذا القول شذوذ، وعليه رد البخاري، قال واحتج من ذهب أن من حرم زوجته أنها ثلاث تطليقات بالإجماع على أن من طلق امرأته ثلاثا أنها تحرم عليه، قال فلما كانت الثلاث تحرمها كان التحريم ثلاثا، قال وإلى هذه الحجة أشار البخاري بإيراد حديث رفاعة لأنه طلق امرأته ثلاثا فلم تحل له مراجعتها إلا بعد زوج، فكذلك من حرم على نفسه امرأته فهو كمن طلقها ا هـ. وقيما قاله نظر، والذي يظهر من مذهب البخاري أن الحرام ينصرف إلى نية القائل، ولذلك صدر الباب بقول الحسن البصري، وهذه عادته في موضع الاختلاف مهما صدر به من النقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره، وحاشا البخاري أن يستدل بكون الثلاث تحرم أن كل تحريم له حكم الثلاث مع ظهور منع الحصر، لأن الطلقة الواحدة تحرم غير المدخول بها مطلقا والبائن تحرم المدخول بها إلا بعد عقد جديد، وكذلك الرجعية إذا انقضت عدتها فلم ينحصر التحريم في الثلاث، وأيضا فالتحريم أعم من التطليق ثلاثا فكيف يستدل بالأعم على الأخص؟ ومما يؤيد ما اخترناه أولا تعقيب البخاري الباب بترجمة {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} وساق فيه قول ابن عباس "إذا حرم امرأته فليس بشيء" كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

(9/374)


باب لم تحرم ماأحل الله لك
...
8- باب {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}
5266- حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ سَمِعَ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَقَالَ {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}"
5267- حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لاَ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ} لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا"
5268- حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْعَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ

(9/374)


فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ فَغِرْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ فَسَقَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ شَرْبَةً فَقُلْتُ أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ لاَ فَقُولِي لَهُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقُولِي لَهُ جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ وَسَأَقُولُ ذَلِكِ وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ ذَاكِ قَالَتْ تَقُولُ سَوْدَةُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِيَهُ بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ فَرَقًا مِنْكِ فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ قَالَ لاَ قَالَتْ فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ قَالَ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقَالَتْ جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ أَسْقِيكَ مِنْهُ قَالَ لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ قَالَتْ تَقُولُ سَوْدَةُ وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ قُلْتُ لَهَا اسْكُتِي"
قوله: "باب {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} كذا للأكثر وسقط من رواية النسفي لفظ: "باب" ووقع بدله "قوله تعالى". قوله: "حدثني الحسن بن الصباح" هو البزار آخره راء مهملة وهو واسطي نزل بغداد، وثقه الجمهور ولينه النسائي قليلا. وأخرج عنه البخاري في الإيمان والصلاة وغيرهما فلم يكثر. وأخرج البخاري عن الحسن بن الصباح الزعفراني، لكن إذا وقع هكذا يكون نسب لجده فهو الحسن بن محمد بن الصباح وهو المروي عنه في الحديث الثاني من هذا الباب، وفي الرواة من شيوخ البخاري ومن في طبقتهم محمد بن الصباح الدولابي أخرج عنه البخاري في الصلاة والبيوع وغيرهما، وليس هو أخا للحسن بن الصباح ومحمد بن الصباح الجرجرائي أخرج عنه أبو داود وابن ماجه، وهو غير الدولابي، وعبد الله بن الصباح العطار أخرج عنه البخاري في البيوع وغيره وليس أحد من هؤلاء أخا للآخر. قوله: "سمع الربيع بن نافع" أي أنه سمع ولفظ: "أنه" يحذف خطا وينطق به، وقل من نبه عليه كما وقع التنبيه على لفظ: "قال". والربيع بن نافع هو أبو توبة بفتح المثناة وسكون الواو بعدها موحدة مشهور بكنيته أكثر من اسمه، حلبي نزل طرسوس، أخرج عنه الستة إلا الترمذي بواسطة إلا أبا داود فأخرج عنه الكثير بغير واسطة وأخرج عنه بواسطة أيضا. وأدركه البخاري ولكن لم أر له عنه في هذا الكتاب شيئا بغير واسطة. وأخرج عنه بواسطة إلا الموضع المتقدم في المزارعة فإنه قال فيه: "قال الربيع بن نافع" ولم يقل "حدثنا" فما أدري لقيه أو لم يلقه، وليس له عنده إلا هذان الموضعان. قوله: "حدثنا معاوية" هو ابن سلام بتشديد اللام وشيخه يحيى ومن فوقه ثلاثة من التابعين في نسق. قوله: "إذا حرم امرأته ليس بشيء" كذا للكشمهيني وللأكثر "ليست" أي الكلمة وهي قوله أنت علي حرام أو محرمة أو نحو ذلك. قوله: "وقال" أي ابن عباس مستدلا على ما ذهب إليه بقوله تعالى :{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} يشير بذلك إلى قصة التحريم، وقد وقع بسط ذلك في تفسير سورة التحريم، وذكرت في "باب موعظة الرجل ابنته" في كتاب النكاح في شرح الحديث المطول في ذلك من رواية ابن عباس عن عمر بيان الاختلاف هل المراد تحريم العسل أو تحريم ماريه وأنه قيل في

(9/375)


السبب غير ذلك، واستوعبت ما يتعلق بوجه الجمع بين تلك الأقوال بحمد الله تعالى. وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله تعالى هذه الآية : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} وهذا أصح طرق هذا السبب، وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال: "أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه، فقالت: يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي، فجعلها عليه حراما، فقالت: يا رسول الله كيف تحرم عليك الحلال! فحلف لها بالله لا يصيبها، فنزلت {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} قال زيد بن أسلم: فقول الرجل لامرأته أنت علي حرام لغو، وإنما تلزمه كفارة يمين إن حلف. وقوله: "ليس بشيء" يحتمل أن يريد بالنفي التطليق، ويحتمل أن يريد به ما هو أعم من ذلك والأول أقرب، ويؤيده ما تقدم في التفسير من طريق هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد موضعها "في الحرام يكفر" وأخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن المبارك الصوري عن معاوية بن سلام بإسناد حديث الباب بلفظ: "إذا حرم الرجل امرأته فإنما هي يمين يكفرها" فعرف أن المراد بقوله: "ليس بشيء" أي ليس بطلاق. وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "أن رجلا جاءه فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما، قال: كذبت ما هي بحرام، ثم تلا: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} ثم قال له "عليك رقبة"، ا هـ وكأنه أشار عليه بالرقبة لأنه عرف أنه موسر، فأراد أن يكفر بالأغلظ من كفارة اليمين لا أنه تعين عليه عتق الرقبة، ويدل عليه ما تقدم عنه من التصريح بكفارة اليمين. ثم ذكر المصنف حديث عائشة في قصة شرب النبي صلى الله عليه وسلم العسل عند بعض نسائه فأورده من وجهين: أحدهما من طريق عبيد بن عمير عن عائشة وفيه أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش، والثاني من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وفيه أن شرب العسل كان عند حفصة بنت عمر، فهذا ما في الصحيحين. وأخرج ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن شرب العسل كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما اللتان تواطأتا على وفق ما في رواية عبيد بن عمير وإن اختلفا في صاحبة العسل. وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدد فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد، فإن جنح إلى الترجيح فرواية عبيد بن عمير أثبت لموافقة ابن عباس لها على أن المتظاهرتين حفصة وعائشة على ما تقدم في التفسير وفي الطلاق من جزم عمر بذلك، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقرن في التظاهر بعائشة، لكن يمكن تعدد القصة في شرب العسل وتحريمه واختصاص النزول بالقصة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصة التي وقع فيها شرب العسل عند حفصة كانت سابقة. ويؤيد هذا الحمل أنه لم يقع في طريق هشام بن عروة التي فيها أن شرب العسل كان عند حفصة تعرض للآية ولا لذكر سبب النزول، والراجح أيضا أن صاحبة العسل زينب لا سودة لأن طريق عبيد بن عمير أثبت من طريق ابن أبي مليكة بكثير، ولا جائز أن تتحد بطريق هشام بن عروة لأن فيها أن سودة كانت ممن وافق عائشة على قولها "أجد ريح مغافير" ويرجحه أيضا ما مضى في كتاب الهبة عن عائشة "إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن حزبين: أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب" فهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل ولهذا غارت عائشة منها لكونا من غير حزبها والله أعلم، وهذا أولى من جزم الداودي بأن تسمية التي شربت العسل حفصة غلط وإنما هي صفية بنت حيي أو زينب بنت جحش، وممن جنح إلى الترجيح عياض،

(9/376)


ومنه تلقف القرطبي، وكذا نقله النووي عن عياض وأقره فقال عياض: رواية عبيد بن عمير أولى لموافقتها ظاهر كتاب الله، لأن فيه {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} فهما ثنتان لا أكثر، ولحديث ابن عباس عن عمر، قال فكأن الأسماء انقلبت على راوي الرواية الأخرى، وتعقب الكرماني مقالة عياض فأجاد فقال: متى جوزنا هذا ارتفع الوثوق بأكثر الروايات. وقال القرطبي: الرواية التي فيها أن المتظاهرات عائشة وسودة وصفية ليست بصحيحة لأنها مخالفة للتلاوة لمجيئها بلفظ خطاب الاثنين ولو كانت كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنث. ثم نقل عن الأصيلي وغيره أن رواية عبيد بن عمير أصح وأولى، وما المانع أن تكون قصة حفصة سابقة، فلما قيل له ما قيل ترك الشرب من غير تصريح بتحريم ولم ينزل في ذلك شيء، ثم لما شرب في بيت زينب تظاهرت عائشة وحفصة على ذلك القول فحرم حينئذ العسل فنزلت الآية. قال: وأما ذكر سودة مع الجزم بالتثنية فيمن تظاهر منهن فباعتبار أنها كانت كالتابعة لعائشة ولهذا وهبت يومها لها، فإن كان ذلك قبل الهبة فلا اعتراض بدخوله عليها، وإن كان بعده فلا يمتنع هبتها يومها لعائشة أن يتردد إلى سودة. قلت: لا حاجة إلى الاعتذار عن ذلك، فإن ذكر سودة إنما جاء في قصة شرب العسل عند حفصة ولا تثنية فيه ولا نزول على ما تقدم من الجمع الذي ذكره، وأما قصة العسل عند زينب بنت جحش فقد صرح فيه بأن عائشة قالت: "تواطأت أنا وحفصة" فهو مطابق لما جزم به عمر من أن المتظاهرتين عائشة وحفصة وموافق لظاهر الآية والله أعلم. ووجدت لقصة شرب العسل عند حفصة شاهدا في تفسير ابن مردويه من طريق يزيد بن رومان عن ابن عباس ورواته لا بأس بهم، وقد أشرت إلى غالب ألفاظه، ووقع تفسير السدي أن شرب العسل كان عند أم سلمة أخرجه الطبري وغيره وهو مرجوح لإرساله وشذوذه، والله أعلم. قوله: "حدثنا حجاج" هو ابن محمد المصيصي. قوله: "زعم عطاء" هو ابن أبي رباح، وأهل الحجاز يطلقون الزعم على مطلق القول. ووقع في رواية هشام ابن يوسف عن ابن جريج عن عطاء وقد مضى في التفسير. قوله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا" في رواية هشام "يشرب عسلا عند زينب ثم يمكث عندها" ولا مغايرة بينهما لأن الواو لا ترتب. قوله: "فتواصيت" كذا هنا بالصاد من المواصاة. وفي رواية هشام "فتواطيت" بالطاء من المواطأة، وأصله تواطأت بالهمزة فسهلت الهمزة فصارت ياء، وثبت كذلك في رواية أبي ذر. قوله: "أن أيتنا دخل" في رواية أحمد عن حجاج بن محمد "أن أيتنا ما دخل" بزيادة ما وهي زائدة. قوله: "إني لأجد ريح مغافير، أكلت مغافير" في رواية هشام بتقديم أكلت مغافير وتأخير إني أجد. وأكلت استفهام محذوف الأداة، والمغافير بالغين المعجمة والفاء وبإثبات التحتانية بعد الفاء في جميع نسخ البخاري، ووقع في بعض النسخ عن مسلم في بعض المواضع من الحديث بحذفها، قال عياض والصواب إثباتها لأنها عوض من الواو التي في المفرد وإنما حذفت في ضرورة الشعر ا هـ، ومراده أن المغافير جمع مغفور بضم أوله ويقال بثاء مثلثة بدل الفاء حكاه أبو حنيفة الدينوري في النبات، قال ابن قتيبة: ليس في الكلام مفعول بضم أوله إلا مغفور ومغزول بالغين المعجمة من أسماء الكمأة ومنخور بالخاء المعجمة من أسماء الأنف ومغلوق بالغين المعجمة واحد المغاليق، قال: والمغفور صمغ حلو له رائحة كريهة، وذكر البخاري أن المغفور شبيه بالصمغ يكون في الرمث يكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة وهو من الشجر التي ترعاها الإبل وهو من الحمض، وفي الصمغ المذكور حلاوة، يقال أغفر الرمث إذا ظهر ذلك فيه. وذكر أبو زيد الأنصاري أن المغفور يكون

(9/377)


أيضا في العشر بضم المهملة وفتح المعجمة، وفي الثمام والسلم والطلح. واختلف في ميم مغفور فقيل زائدة وهو قول الفراء وعند الجمهور أنها من أصل الكلمة، ويقال له أيضا مغفار بكسر أوله ومغفر بضم أوله وبفتحه وبكسره عن الكسائي والفاء مفتوحة في الجميع. وقال عياض: زعم المهلب أن رائحة المغافير والعرفط حسنة وهو خلاف ما يقتضيه الحديث وخلاف ما قاله أهل اللغة ا هـ، ولعل المهلب قال: "خبيثة" بمعجمة ثم موحدة ثم تحتانية ثم مثلثة فتصحفت أو استند إلى ما نقل عن الخليل وقد نسبه ابن بطال إلى العين أن العرفط شجر العضاه والعضاه كل شجر له شوك وإذا استيك به كانت له رائحة حسنة تشبه رائحة طيب النبيذ ا هـ، وعلى هذا فيكون ريح عيدان العرفط طيبا وريح الصمغ الذي يسيل منه غير طيبة ولا منافاة في ذلك ولا تصحيف، وقد حكى القرطبي في "المفهم" أن رائحة ورق العرفط طيبة فإذا رعته الإبل خبثت رائحته، وهذا طريق آخر في الجمع حسن جدا. قوله: "فدخل على إحداهما" لم أقف على تعيينها، وأظنها حفصة. قوله: "فقال لا بأس شربت عسلا" كذا وقع هنا في رواية أبي ذر عن شيوخه، ووقع للباقين "لا بل شربت عسلا" وكذا وقع كتاب الأيمان والنذور للجميع حيث ساقة المصنف من هذا الوجه إسنادا ومتنا، كذا أخرجه أحمد عن حجاج ومسلم وأصحاب السنن والمستخرجات من طريق حجاج، فظهر أن لفظة "بأس" هنا مغيرة من لفظه: "بل" وفي رواية هشام "فقال لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش". قوله: "ولن أعود له" زاد في رواية هشام "وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا" وبهذه الزيادة تظهر مناسبة قوله في رواية حجاج بن محمد فنزلت: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}" قال عياض حذفت هذه الزيادة من رواية حجاج بن محمد فصار النظم مشكلا، فزال الإشكال برواية هشام بن يوسف. واستدل القرطبي وغيره بقوله: "حلفت" على أن الكفارة التي أشير إليها في قوله تعالى :{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله: "حلفت" فتكون الكفارة لأجل اليمين لا لمجرد التحريم، وهو استدلال قوي لمن يقول إن التحريم لغو لا كفارة فيه بمجرده، وحمل بعضهم قوله: "حلفت" على التحريم ولا يخفى بعده، والله أعلم قوله: "إن تتوبا إلى الله" أي تلا من أول السورة إلى هذا الموضع "فقال لعائشة وحفصة" أي الخطاب لهما، ووقع في رواية غير أبي ذر "فنزلت: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله : {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} وهذا أوضح من رواية أبي ذر. قوله: "وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا، لقوله بل شربت عسلا" هذا القدر بقية الحديث، كنت أظنه من ترجمة البخاري على ظاهر ما سأذكره عن رواية النسفي حتى وجدته مذكورا في آخر الحديث عند مسلم وكأن المعنى: وأما المراد بقوله تعالى :{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} "فهو لأجل قوله: "بل شربت عسلا"، والنكتة فيه أن هذه الآية داخلة في الآيات الماضية لأنها قبل قوله: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} واتفقت الروايات عن البخاري على هذا إلا النسفي فوقع عنده بعد قوله: "فنزلت: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} ما صورته: قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} لعائشة وحفصة {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} لقوله: "بل شربت عسلا" فجعل بقية الحديث ترجمة للحديث الذي يليه، والصواب ما وقع عند الجماعة لموافقة مسلم وغيره على أن ذلك من بقية حديث ابن عمير. قوله: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل والحلوى" قد أفرد هذا القدر من هذا الحديث كما سيأتي في الأطعمة وفي الأشربة وفي غيرهما من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة، وهو عنده بتقديم الحلوى على العسل، ولتقديم كل منهما على الآخر جهة من جهات التقديم، فتقديم العسل لشرفه

(9/378)


ولأنه أصل من أصول الحلوى ولأنه مفرد والحلوى مركبة، وتقديم الحلوى لشمولها وتنوعها لأنها تتخذ من العسل ومن غيره، وليس ذلك من عطف العام على الخاص كما زعم بعضهم وإنما العام الذي يدخل الجميع فيه، الحلو بضم أوله وليس بعد الواو شيء، ووقعت الحلواء في أكثر الروايات عن أبي أسامة بالمد وفي بعضها بالقصر وهي رواية علي بن مسهر، وذكرت عائشة هذا القدر في أول الحديث تمهيدا لما سيذكره من قصة العسل، وسأذكر ما يتعلق بالحلوى والعسل مبسوطا في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى. قوله: "وكان إذا انصرف من العصر" كذا للأكثر، وخالفهم حماد بن سلمة عن هشام بن عروة فقال: "الفجر" أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن أبي النغمان عن حماد، ويساعده رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس ففيها "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح جلس في مصلاه وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها" الحديث أخرجه ابن مردويه، ويمكن الجمع بأن الذي كان يقع في أول النهار سلاما ودعاء محضا، والذي في آخره معه جلوس واستئناس ومحادثة، لكن المحفوظ في حديث عائشة ذكر العصر ورواية حماد بن سلمة شاذة. قوله: "دخل على نسائه" في رواية أبي أسامة أجاز إلى نسائه أي مشى، ويجيء بمعنى قطع المسافة ومنه فأكون أنا وأمتي أول من يجيز أي أول من يقطع مسافة الصراط. قوله: "فيدنو منهن" أي فيقبل ويباشر من غير جماع كما في الرواية الأخرى. قوله: "فاحتبس" أي أقام، زاد أبو أسامة "عندها". قوله:" فسألت عن ذلك" ووقع في حديث ابن عباس بيان ذلك ولفظه: "فأنكرت عائشة احتباسه عند حفصة فقالت لجويرية حبشيه عندها يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظري ما يصنع". قوله: "أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل" لم أقف على اسم هذه المرأة ووقع في حديث ابن عباس "أنها أهديت لحفصة عكة فيها عسل من الطائف". قوله: "فقلت لسودة بنت زمعة أنه سيدنو منك" في رواية أبي أسامة "فذكرت ذلك لسودة وقلت لها: إنه إذا دخل عليك سيدنو منك" وفي رواية حماد بن سلمة "إذا دخل على إحداكن فلتأخذ بأنفها، فإذا قال: ما شأنك؟ فقولي: ريح المغافير" وقد تقدم شرح المغافير قبل. قوله: "سقتني حفصة شربة عسل" في رواية حماد بن سلمة "إنما هي عسيلة سقتنيها حفصة". قوله: "جرست" بفتح الجيم والراء بعدها مهملة أي رعت نحل هذا العسل الذي شربته الشجر المعروف بالعرفط، وأصل الجرس الصوت الخفي، ومنه في حديث صفة الجنة "يسمع جرس الطير" ولا يقال جرس بمعنى رعي إلا للنحل. وقال الخليل جرست النحل العسل تجرسه جرسا إذا لحسته. وفي رواية حماد بن سلمة "جرست نحلها العرفط إذا" والضمير للعسيلة على ما وقع في روايته. قوله: "العرفط" بضم المهملة والفاء بينهما راء ساكنة وآخره طاء مهملة هو الشجر الذي صمغه المغافير، قال ابن قتيبة: هو نبات مر له ورقة عريضة تفرش بالأرض وله شوكة وثمرة بيضاء كالقطن مثل زر القميص، وهو خبيث الرائحة. قلت: وقد تقدم في حكاية عياض عن المهلب ما يتعلق برائحة العرفط والبحث معه فيه قبل. قوله: "وقولي أنت يا صفية" أي بنت حيي أم المؤمنين. وفي رواية أبي أسامة "وقوليه أنت يا صفية" أي قولي، الكلام الذي علمته لسودة، زاد أبو أسامة في روايته: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح" أي الغير الطيب. وفي رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس "وكان أشد شيء عليه أن يوجد منه ريح سيئ" وفي رواية حماد بن سلمة "وكان يكره أن يوجد منه ريح كريهة لأنه يأتيه الملك" وفي رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس "وكان يعجبه أن يوجد منه الريح الطيب". قوله:

(9/379)


"قالت تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب فأردت أن أبادئه بالذي أمرتني به فرقا منك" أي خوفا. وفي رواية أبي أسامة "فلما دخل على سودة قالت تقول سودة: والله لقد كدت أن أبادره بالذي قلت لي" وضبط "أبادئه" في أكثر الروايات بالموحدة من المبادأة وهي بالهمزة، وفي بعضها بالنون بغير همزة من المناداة، وأما أبادره في رواية أبي أسامة فمن المبادرة، ووقع فيها عند الكشميهني والأصيلي وأبي الوقت كالأول بالهمزة بدل الراء. وفي رواية ابن عساكر بالنون. قوله: "فلما دار إلى قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك" كذا في هذه الرواية بلفظ نحو عند إسناد القول لعائشة وبلفظ مثل عند إسناده لصفية، ولعل السر فيه أت عائشة لما كانت المبتكرة لذلك عبرت عنه بأي لفظ حسن ببالها حينئذ فلهذا قالت نحو ولم تقل مثل، وأما صفية فإنها مأمورة بقول شيء فليس لها فيه تصرف، إذ لو تصرفت فيه لخشيت من غضب الآمرة لها، فلهذا عبرت عنه بلفظ مثل، هذا الذي ظهر لي في الفرق أو لا، ثم راجعت سياق أبي أسامة فوجدته عبر بالمثل في الموضعين، فغلب على الظن أن تغيير ذلك من تصرف الرواة والله أعلم. قوله: "فلما دار إلى حفصة" أي في اليوم الثاني. قوله: "لا حاجة لي فيه" كأنه اجتنبه لما وقع عنده من توارد النسوة الثلاث على أنه نشأت من شربه له ريح منكرة فتركه حسما للمادة. قوله: "تقول سودة" زاد ابن أبي أسامة في روايته: "سبحان الله". قوله: "والله لقد حرمناه" بتخفيف الراء أي منعناه. قوله: "قلت لها اسكتي" كأنها خشيت أن يفشو ذلك فيظهر ما دبرته من كيدها لحفصة. وفي الحديث من الفوائد ما جبل عليه النساء من الغيرة، وأن الغيراء تعذر فيما يقع منها من الاحتيال فيما يدفع عنها ترفع ضرتها عليها بأي وجه كان، وترجم عليه المصنف في كتاب ترك الحيل "ما يكره من احتيال المرأة من الزوج والضرائر" وفيه الأخذ بالحزم في الأمور وترك ما يشتبه الأمر فيه من المباح خشية من الوقوع في المحذور. وفيه ما يشهد بعلو مرتبة عائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى كانت ضرتها تهابها وتطيعها في كل شيء تأمرها به حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدرا. وفيه إشارة إلى ورع سودة لما ظهر منها من التندم على ما فعلت لأنها وافقت أولا على دفع ترفع حفصة عليهن بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل، ورأت أن التوصل إلى بلوغ المراد من ذلك لحسم مادة شرب العسل الذي هو سبب الإقامة، لكن أنكرت بعد ذلك أنه يترتب عليه منع النبي صلى الله عليه وسلم من أمر كان يشتهيه وهو شرب العسل مع ما تقدم من اعتراف عائشة الآمرة لها بذلك في صدر الحديث، فأخذت سودة تتعجب مما وقع منهن في ذلك، ولم تجسر على التصريح بالإنكار، ولا راجعت عائشة بعد ذلك لما قالت لها "اسكتي" بل أطاعتها وسكتت لما تقدم من اعتذارها في أنها كانت تهابها وإنما كانت تهابها لما تعلم من مزيد حب النبي صلى الله عليه وسلم لها أكثر منهن، فخشيت إذا خالفتها أن تغضبها، وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغير عليها خاطر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحتمل ذلك، فهذا معنى خوفها منها. وفيه أن عماد القسم الليل، وأن النهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع لكن بشرط أن لا تقع المجامعة إلا مع التي هو في نوبتها كما تقدم تقريره. وفيه استعمال الكنايات فيما يستحيا من ذكره لقوله في الحديث: "فيدنو منهن" والمراد فيقبل ونحو ذلك، ويحقق ذلك قول عائشة لسودة "إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له إني أجد كذا" وهذا إنما يتحقق بقرب الفم من الأنف، ولا سيما إذا لم تكن الرائحة طافحة، بل المقام يقتضي أن الرائحة لم تكن طافحة لأنها لو كانت طافحة لكانت بحيث يدركها النبي صلى الله عليه وسلم ولأنكر عليها عدم وجودها منه، فلما أقر على ذلك دل على ما قررناه أنها لو قدر وجودها لكانت خفية وإذا كانت خفية لم تدرك بمجرد المجالسة والمحادثة

(9/380)


من غير قرب الفم من الأنف، والله أعلم.

(9/381)


باب لاطلاق قبل نكاح
...
9- باب لاَ طَلاَقَ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَعَلَ اللَّهُ الطَّلاَقَ بَعْدَ النِّكَاحِ وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَشُرَيْحٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَمْرِو بْنِ هَرِمٍ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهَا لاَ تَطْلُقُ"
قوله: "باب لا طلاق قبل نكاح، وقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} سقط من رواية أبي ذر "لا طلاق قبل نكاح" وثبت عنده {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} فساق من الآية إلى قوله: {مِنْ عِدَّةٍ} وحذف الباقي وقال: الآية. واقتصر النسفي على قوله: "باب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} الآية" قال ابن التين: احتجاج البخاري بهذه الآية على عدم الوقوع لا دلالة فيه. وقال ابن المنير: ليس فيها دليل لأنها إخبار عن صورة وقع فيها الطلاق بعد النكاح، ولا حصر هناك، وليس في السياق ما يقتضيه. قلت: المحتج بالآية لذلك قبل البخاري ترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما سأذكره. قوله: "وقال ابن عباس جعل الله الطلاق بعد النكاح" هذا التعليق طرف من أثر أخرجه أحمد فيما رواه عنه حرب من مسائله من طريق قتادة عن عكرمة عنه وقال: سنده جيد. وأخرج الحاكم من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما قالها ابن مسعود وإن يكن قالها فزلة من عالم في الرجل يقول إذا تزوجت فلانة فهي طالق، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} ولم يقل إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن؛ وروى ابن خزيمة والبيهقي من طريقه من وجه آخر عن سعيد بن جبير "سئل ابن عباس عن الرجل يقول: إذا تزوجت فلانة فهي طالق، قال: ليس بشيء، إنما الطلاق لما ملك. قالوا فابن مسعود قال إذا وقت وقتا فهو كما قال، قال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لو كان كما قال لقال الله إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن" وروى عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير "عن ابن عباس قال سأله مروان عن نسيب له وقت امرأة إن أتزوجها فهي طالق، فقال ابن عباس: لا طلاق حتى تنكح، ولا عتق حتى تملك" وأخرج ابن أبي حاتم من طريق آدم مولى خالد عن سعيد بن جبير "عن ابن عباس فيمن قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق: ليس بشيء، من أجل أن الله يقول يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات الآية" وأخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه بنحوه، ورويناه مرفوعا في "فوائد أبي إسحاق بن أبي ثابت" بسنده إلى أبي أمية أيوب بن سليمان قال: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة فدخلت على عطاء فسئل عن رجل عرضت عليه امرأة ليتزوجها فقال: هي يوم أتزوجها طالق البتة قال لا طلاق فيما لا يملك عقدته يؤثر ذلك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي إسناده من لا يعرف. قوله: "وروى في ذلك عن علي وسعيد بن المسيب وعروة

(9/381)


بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة وأبان بن عثمان وعلي بن حسين وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وسالم وطاوس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعد وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبي أنها لا تطلق" قلت: اقتصر البخاري في هذا الباب على الآثار التي ساقها فيه ولم يذكر فيه خبرا مرفوعا صريحا، رمزا منه إلى ما سأبينه في ضمنها من ذلك، فأما الأثر عن علي في ذلك فرواه عبد الرزاق من طريق الحسن البصري قال: "سأل رجل عليا قال: قلت إن تزوجت فلانة فهي طالق، فقال علي: ليس بشيء" ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من على. وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن الحسن عن علي، ومن طريق النزال بن سبرة عن علي، وقد روى مرفوعا أيضا أخرجه البيهقي وأبو داود من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش أنه سمع خاله عبد الله بن أبي أحمد بن جحش يقول: "قال علي بن أبي طالب: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طلاق إلا من بعد نكاح، ولا يتم بعد احتلام" الحديث لفظ البيهقي، ورواية أبي داود مختصرة. وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر عن علي مطولا، وأخرجه ابن ماجه مختصرا وفي سنده ضعف، وأما سعيد بن المسيب فرواه عبد الرزاق عن ابن جريج" أخبرني عبد الكريم الجزري أنه سأل سعيد بن المسيب سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح عن طلاق الرجل ما لم ينكح، فكلهم قال: لا طلاق قبل أن ينكح إن سماها وان لم يسمها" وإسناده صحيح. وروى سعيد بن منصور من طريق داود بن أبي هند "عن سعيد بن المسيب قال: لا طلاق قبل نكاح" وسنده صحيح أيضا، ويأتي له طريق أخرى مع مجاهد. وقال سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا محمد بن خالد قال: "جاء رجل إلى سعيد بن المسيب فقال: ما تقول في رجل قال إن تزوجت فلانة فهي طالق، فقال له سعيد: كم أصدقها؟ قال له الرجل، لم يتزوجها بعد فكيف يصدقها؟ فقال له سعيد: فكيف يطلق من لم يتزوج" ؟ وأما عروة بن الزبير فقال سعيد بن منصور حدثنا حماد بن زيد "عن هشام بن عروة أن أباه كان يقول: كل طلاق أو عتق قبل الملك فهو باطل" وهذا سند صحيح. وأما أبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله فجاء في أثر واحد مجموعا عن سعيد بن المسيب والثلاثة المذكورين بعده وزيادة أبي سلمة بن عبد الرحمن، فرواه يعقوب بن سفيان والبيهقي من طريقه من رواية يزيد بن الهاد "عن المنذر بن علي بن أبي الحكم أن ابن أخيه خطب بنت عمه فتشاجروا في بعض الأمر. فقال الفتى: هي طالق إن نكحتها حتى آكل الغضيض، قال: والغضيض طلع النخل الذكر، ثم ندموا على ما كان من الأمر، فقال المنذر: أنا آتيكم بالبيان من ذلك فانطلق إلى سعيد بن المسيب فذكر له فقال ابن المسيب: ليس عليه شيء، طلق ما لم يملك. قال ثم إني سألت عروة بن الزبير فقال مثل ذلك. ثم سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن فقال مثل ذلك. ثم سألت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال مثل ذلك. ثم سألت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فقال مثل ذلك. ثم سألت عمر بن عبد العزيز فقال: هل سألت أحدا؟ قلت نعم، فسماهم، قال: ثم رجعت إلى القوم فأخبرتهم" وقد روى عن عروة مرفوعا فذكر الترمذي في "العلل" أنه سأل البخاري: أي حديث في الباب أصح؟ فقال: حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث هشام بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة. قلت: إن البشر بن السري وغيره قالوا عن هشام بن سعد عن الزهري عن عروة مرسلا، قال: فإن حماد بن خالد رواه عن هشام بن سعد فوصله. قلت: أخرجه ابن أبي شيبة عن حماد بن خالد كذلك، وخالفهم علي بن الحسين بن واقد

(9/382)


فرواه عن هشام بن سعد عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة مرفوعا أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، لكن هشام بن سعد أخرجا له في المتابعات ففيه ضعف، وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في مناكيره، وله طريق أخرى عن عروة عن عائشة أخرجه الدار قطني من طريق معمر بن بكار السعدي عن إبراهيم بن سعد عن الزهري فذكره بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا سفيان على نجران" فذكر قصة وفي آخره: "فكان فيها عهد إلى أبي سفيان أوصاه بتقوى الله وقال: لا يطلقن رجل ما لم ينكح، ولا يعتق ما لم يملك، ولا نذر في معصية الله" ومعمر ليس بالحافظ. وأخرجه الدار قطني أيضا من رواية الوليد بن سلمة الأردني عن يونس عن الزهري. والوليد واه، ولما أورد الترمذي في الجامع حديث عمرو بن شعيب قال: ليس بصحيح. وفي الباب عن علي ومعاذ وجابر وابن عباس وعائشة. وقد ذكرت أثناء الكلام على تخريج أقوال من علق عنهم البخاري في هذا الباب روايات هؤلاء المرفوعة. وفات الترمذي أنه ورد من حديث المسور بن مخرمة وعائشة كما تقدم، ومن حديث عبد الله بن عمر؛ ومن حديث أبي ثعلبة الخشني، فحديث ابن عمر يأتي ذكره في أثر سعيد بن جبير، وحديث أبي ثعلبة أخرجه الدار قطني بسند شامي فيه بقية بن الوليد وقد عنعنه وأظن فيه إرسالا أيضا، وأما أبان ابن عثمان فلم أقف إلى الآن على الإسناد إليه بذلك، وأما علي بن الحسن فرويناه في "الغيلانيات" من طريق شعبة عن الحكم هو ابن عتيبة "سمعت علي بن الحسن يقول: لا طلاق إلا بعد نكاح" وكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن غندر عن شعبة، وروينا في "فوائد عبد الله بن أيوب المخرمي" من طريق أبي إسحاق السبيعي عن علي ابن الحسين مثله وكلا السندين صحيح، وله طريق أخرى عنه تأتي مع سعيد بن جبير، ورواه سعيد بن منصور عن حماد بن شعيب عن حبيب بن أبي ثابت قال: "جاء رجل إلى علي بن الحسين فقال: إني قلت يوم أتزوج فلانة فهي طلاق، فقرأ هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} قال علي بن الحسين: لا أرى الطلاق إلا بعد نكاح". وأما شريح فرواه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من طريق سعيد بن جبير عنه قال: "لا طلاق قبل نكاح" وسنده صحيح ولفظ ابن أبي شيبة عن رجل قال يوم أتزوج فلانة فهي طالق ثلاثا". وأما سعيد بن جبير فرواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير "في الرجل يقول يوم أتزوج فلانة فهي طلاق، قال: ليس بشيء، إنما الطلاق بعد النكاح" وسنده صحيح. وله طريق أخرى تأتي مع مجاهد. وقال سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن سليمان بن أبي المغيرة "سألت سعيد بن جبير وعلي بن حسين عن الطلاق قبل النكاح فلم يرياه شيئا" وقد روى مرفوعا أخرجه الدار قطني من طريق أبي هاشم الرماني عن سعيد بن جبير "عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن رجل قال يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فقال: طلق ما لا يملك" وفي سنده أبو خالد الواسطي، وهو واه. ولحديث ابن عمر طريق أخرى أخرجها ابن عدي من رواية عاصم بن هلال "عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رفعه لا طلاق إلا بعد نكاح" قال ابن عدي قال ابن صاعد لما حدث به: لا أعلم له علة. قلت: استنكروه على ابن صاعد ولا ذنب له فيه وإنما علته ضعف حفظ عاصم. وأما القاسم وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق وسالم وهو ابن عبد الله بن عمر فرواه أبو عبيد في كتاب النكاح له عن هشيم ويزيد بن هارون كلاهما عن يحيى بن سعيد قال: "كان القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز لا يرون الطلاق قبل النكاح" وهذا إسناد صحيح أيضا. وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن سالم والقاسم

(9/383)


وقوعه في المعينة. وقال ابن أبي شيبة حدثنا حفص هو ابن غياث عن حنظلة قال: "سئل القاسم وسالم عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، قالا: هي كما قال: "وعن أبي أسامة" عن عمر بن حمزة أنه سأل سالما والقاسم وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعبد الله بن عبد الرحمن عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق البتة، فقال كلهم: لا يتزوجها" وهو محمول على الكراهة دون التحريم، لما أخرجه إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" من طريق جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد أن القاسم سئل عن ذلك فكرهه، فهذا طريق التوفيق بين ما نقل عنه من ذلك. وأما طاوس فأخرجه عبد الرزاق عن معمر قال: "كتب الوليد بن يزيد إلى أمراء الأمصار أن يكتبوا إليه بالطلاق قبل النكاح وكان قد ابتلى بذلك، فكتب إلى عامله باليمن فدعا ابن طاوس وإسماعيل بن شروس وسماك بن الفضل فأخبرهم ابن طاوس عن أبيه وإسماعيل بن شروس عن عطاء وسماك بن الفضل عن وهب بن منبه أنهم قالوا: لا طلاق قبل النكاح. قال سماك من عنده: إنما النكاح عقدة تعقد والطلاق يحلها، فكيف يحل عقدة قبل أن تعقد" وأخرجه سعيد بن منصور من طريق خصيف وابن أبي شيبة من طريق الليث بن أبي سليم كلاهما عن عطاء وطاوس جميعا، وقد روى مرفوعا، قال عبد الرزاق عن الثوري عن ابن المنكدر عمن سمع طاوسا يحدث "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا طلاق لمن لم ينكح" وكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري، وهذا مرسل وفيه راو لم يسم، وقيل فيه عن طاوس عن ابن عباس أخرجه الدار قطني وابن عدي بسندين ضعيفين عن طاوس، وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريق ابن جريج" عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك" ورجاله ثقات إلا أنه منقطع بين طاوس ومعاذ، وقد اختلف فيه على عمرو بن شعيب فرواه عامر الأحول ومطر الوراق وعبد الرحمن بن الحارث وحسين المعلم كلهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده والأربعة ثقات وأحاديثهم في السنن، ومن ثم صححه من يقوى حديث عمرو بن شعيب وهو قوي لكن فيه علة الاختلاف، وقد أختلف عليه فيه اختلافا أخر فأخرج سعيد بن منصور من وجه آخر" عن عمرو ابن شعيب أنه سئل عن ذلك فقال: كان أبي عرض على امرأة يزوجنيها، فأبيت أن أتزوجها وقلت: هي طالق البتة يوم أتزوجها، ثم ندمت، فقدمت المدينة فسألت سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير فقالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طلاق إلا بعد نكاح" وهذا يشعر بأن من قال فيه عن أبيه عن جده سلك الجادة، وإلا فلو كان عنده عن أبيه عن جده لما احتاج أن يرحل فيه إلى المدينة ويكتفي فيه بحديث مرسل، وقد تقدم أن الترمذي حكى عن البخاري أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أصح شيء في الباب، وكذلك نقل ما هنا عن الإمام أحمد فالله أعلم. وأما الحسن فقال عبد الرزاق "عن معمر عن الحسن وقتادة قالا: لا طلاق قبل النكاح، ولا عتق قبل الملك" وعن هشام عن الحسن مثله. وأخرج ابن منصور عن هشيم عن منصور ويونس "عن الحسن أنه كان يقول: لا طلاق إلا بعد الملك" وقال ابن أبي شيبة حدثنا خلف بن خليفة "سألت منصورا عمن قال يوم أتزوجها فهي طالق فقال: كان الحسن لا يراه طلاقا" وأما عكرمة فرواه أبو بكر الأثرم عن الفضل بن دكين عن سويد بن نجيح قال: "سألت عكرمة مولى ابن عباس قلت: رجل قالوا له تزوج فلانة قال هي يوم أتزوجها طالق كذا وكذا، قال: إنما الطلاق بعد النكاح" وأما عطاء فتقدم مع طاوس ويأتي له طريق مع مجاهد، وجاء من طريقه مرفوعا أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن موسى بن هارون حدثنا

(9/384)


محمد بن المنهال حدثنا أبو بكر الحنفي عن ابن أبي ذئب عن عطاء "عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا طلاق إلا بعد النكاح، ولا عتق إلا بعد ملك" قال الطبراني: لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا أبو بكر الحنفي ووكيع ولا رواه عن أبي بكر الحنفي إلا محمد بن المنهال ا هـ. وأخرجه أبو يعلى عن محمد بن المنهال أيضا وصرح فيه بتحديث عطاء من ابن أبي ذئب، ولذلك قال أيوب بن سويد عن ابن أبي ذئب "حدثنا عطاء" لكن أيوب بن سويد ضعيف. وكذا أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق محمد بن سنان القزاز عن أبي بكر الحنفي وصرح فيه بتحديث عطاء لابن أبي ذئب وتحديث جابر لعطاء وفي كل من ذلك نظر، والمحفوظ فيه العنعنة، فقد أخرجه الطيالسي في مسنده عن ابن أبي ذئب عمن سمع عطاء، وكذلك رويناه في "الغيلانيات" من طريق حسين بن محمد المروزي عن ابن أبي ذئب، وكذلك أخرجه أبو قرة في السنن عن ابن أبي ذئب، ورواية وكيع التي أشار إليها الطبراني أخرجها ابن أبي شيبة عنه عن ابن أبي ذئب عن عطاء وعن محمد بن المنكدر "عن جابر قال: لا طلاق قبل نكاح" ولرواية محمد بن المنكدر عن جابر طريق أخرى أخرجها البيهقي من طريق صدقة بن عبد الله قال: "جئت محمد بن المنكدر وأنا مغضب فقلت: أنت أحللت للوليد بن يزيد أم سلمة؟ قال: ما أنا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حدثني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا طلاق لمن لا ينكح، ولا عتق لمن لا يملك" وأما عامر بن سعد فهو البجلي الكوفي من كبار التابعين، وجزم الكرماني في شرحه بأنه ابن سعد بن أبي وقاص وفيه نظر، وأما جابر بن زيد وهو أبو الشعثاء البصري فأخرجه سعيد بن منصور من طريقه وفي سنده رجل لم يسم، وأما نافع بن جبير أي ابن مطعم ومحمد بن كعب أي القرظي: فأخرجه ابن أبي شيبة عن جعفر بن عون عن أسامة بن زيد عنهما قالا لا طلاق إلا بعد نكاح، وأما سليمان بن يسار فأخرجه سعيد بن منصور عن عتاب بن بشير عن خصيف عن سليمان بن يسار أنه حلف في امرأة إن أتزوجها فهي طالق فتزوجها، فأخبر بذلك عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة، فأرسل إليه: بلغني أنك حلفت في كذا؛ قال نعم، قال: أفلا تخلي سبيلها؟ قال: لا، فتركه عمر ولم يفرق بينهما. وأما مجاهد فرواه ابن أبي شيبه من طريق الحسن بن الرماح سألت سعيد بن المسيب ومجاهدا وعطاء عن رجل قال يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فكلهم قال ليس بشيء، زاد سعيد: أيكون سيل قبل مطر؟ وقد روي عن مجاهد خلافه أخرجه أبو عبيد عن طريق خصيف أن أمير مكة قال لامرأته كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قال خصيف فذكرت ذلك لمجاهد وقلت له إن سعيد بن جبير قال: ليس بشيء، طلق ما لم يملك. قال: فكره ذلك مجاهد وعابه. وأما القاسم بن عبد الرحمن وهو ابن عبد الله بن مسعود فرواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن معروف بن واصل قال سألت القاسم بن عبد الرحمن فقال: لا طلاق إلا بعد نكاح. وأما عمرو بن هرم وهو الأزدي من أتباع التابعين فلم أقف على مقالته موصولة، إلا أن في كلام بعض الشراح أن أبا عبيد أخرجه من طريقه. وأما الشعبي فرواه وكيع في مصنفه عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: إن قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فليس بشيء، وإذا وقت لزمه، وكذلك أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن زكريا بن أبي زائدة وإسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: إذا عمم فليس بشيء. وممن رأى وقوعه في المعينة دون التعميم - غير من تقدم - إبراهيم النخعي أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن منصور عنه قال: إذا وقت وقع، وبإسناده إذا قال: "كل" فليس بشيء، ومن طريق حماد بن أبي سليمان مثل قول إبراهيم، وأخرجه من طريق الأسود بن يزيد عن ابن مسعود، وإلى ذلك أشار ابن

(9/385)


عباس كما تقدم. فابن مسعود أقدم من أفتى بالوقوع، وتبعه من أخذ بمذهبه كالنخعي ثم حماد، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن القاسم أنه قال هي طالق، واحتج بأن عمر سئل عمن قال يوم أتزوج فهي علي كظهر أمي، قال: لا يتزوجها حتى يكفر فلا يصح عنه، فإنه من رواية عبد الله بن عمر العمري عن القاسم والعمري ضعيف والقاسم لم يدرك عمر، وكأن البخاري تبع أحمد في تكثير النقل عن التابعين، فقد ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل في "العلل" أن سفيان بن وكيع حدثه قال: احفظ عن أحمد منذ أربعين سنة أنه سئل عن الطلاق قبل النكاح فقال: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن علي وابن عباس وعلي بن حسين وابن المسيب ونيف وعشرين من التابعين أنهم لم يروا به بأسا، قال عبد الله فسألت أبي عن ذلك فقال: أنا قلته. قلت: وقد تجوز البخاري في نسبة جميع من ذكر عنهم إلى القول بعدم الوقوع مطلقا، مع أن بعضهم يفصل وبعضهم يختلف عليه، ولعل ذلك هو النكتة في تصديره النقل عنهم بصيغة التمريض، وهذه المسألة من الخلافيات الشهيرة، وللعلماء فيها مذاهب: الوقوع مطلقا، وعدم الوقوع مطلقا، والتفصيل بين ما إذا عين أو عمم، ومنهم من توقف: فقال بعدم الوقوع الجمهور كما تقدم وهو قول الشافعي وابن مهدي وأحمد وإسحاق وداود وأتباعهم وجمهور أصحاب الحديث. وقال بالوقوع مطلقا أبو حنيفة وأصحابه. وقال بالتفصيل ربيعة والثوري والليث والأوزاعي وابن أبي ليلى ومن قبلهم ممن تقدم ذكره وهو ابن مسعود وأتباعه ومالك في المشهور عنه، وعنه عدم الوقوع مطلقا ولو عين، وعن ابن القاسم مثله، وعنه أنه توقف، كذا عن الثوري وأبي عبيد. وقال جمهور المالكية بالتفصيل، فإن سمى امرأة أو طائفة أو قبيلة أو مكانا أو زمانا يمكن أن يعيش إليه لزمه الطلاق والعتق، وجاء عن عطاء مذهب آخر مفصل بين أن يشرط ذلك في عقد نكاح امرأته أو لا، فإن شرطه لم يصح تزويج من عينها وإلا صح أخرجه ابن أبي شيبة، وتأول الزهري ومن تبعه قوله: "لا طلاق قبل نكاح" أنه محمول على من لم يتزوج أصلا، فإذا قيل له مثلا تزوج فلانة فقال هي طالق البتة لم يقع بذلك شيء وهو الذي ورد فيه الحديث وأما إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فإن الطلاق إنما يقع حين تزوجها، وما ادعاه من التأويل ترده الآثار الصريحة عن سعيد بن المسيب وغيره من مشايخ الزهري في أنهم أرادوا عدم وقوع الطلاق عمن قال إن تزوجت فهي طالق سواء خصص أم عمم أنه لا يقع، ولشهرة الاختلاف كره أحمد مطلقا وقال إن تزوج لا آمره أن يفارق، وكذا قال إسحاق في المعينة. قال البيهقي بعد أن أخرج كثيرا من الأخبار، ثم من الآثار الواردة في عدم الوقوع: هذه الآثار تدل على أن معظم الصحابة والتابعين فهموا من الأخبار أن الطلاق أو العتاق الذي علق قبل النكاح والملك لا يعمل بعد وقوعهما، وأن تأويل المخالف في حمله عدم الوقوع على ما إذا وقع قبل الملك، والوقوع فيما إذا وقع بعده، ليس بشيء. لأن كل أحد يعلم بعدم الوقوع قبل وجود عقد النكاح أو الملك فلا يبقى في الإخبار فائدة، بخلاف ما إذا حملناه على ظاهره فإن فيه فائدة وهو الإعلام بعدم الوقوع ولو بعد وجود العقد، فهذا يرجح ما ذهبنا إليه من حمل الأخبار على ظاهرها والله أعلم. وأشار البيهقي بذلك إلى ما تقدم عن الزهري وإلى ما ذكره مالك في الموطأ أن قوما بالمدينة كانوا يقولون إذا حلف الرجل بطلاق امرأة قبل أن ينكحها ثم حنث لزم إذا نكحها، حكاه ابن بطال قال: وتأولوا حديث: "لا طلاق قبل نكاح" على من يقول امرأة فلان طالق، وعورض من ألزم بذلك بالاتفاق على أن من قال لامرأة: إذا قدم فلان فأذني لوليك أن يزوجنيك، فقالت: إذا قدم فلان فقد أذنت لوليي في ذلك، أن فلانا إذا قدم لم ينعقد التزويج حتى تنشئ عقدا جديدا. وعلى

(9/386)


أن من باع سلعة لا يملكها ثم دخلت في ملكه لم يلزم ذلك البيع. ولو قال لامرأته: إن طلقتك فقد راجعتك فطلقها لا تكون مرتجعة، فكذلك الطلاق، ومما احتج به من أوقع الطلاق قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} قال: والتعليق عقد التزمه بقوله وربطه بنيته وعلقه بشرطه، فإن وجد الشرط نفذ واحتج آخر بقوله تعالى :{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} وآخر بمشروعية الوصية، وكل ذلك لا حجة فيه لأن الطلاق ليس من العقود، والنذر يتقرب به إلى الله بخلاف الطلاق فإنه أبغض الحلال إلى الله، ومن ثم فرق أحمد بين تعليق العتق وتعليق الطلاق فأوقعه في العتق دون الطلاق، ويؤيده أن من قال: لله علي عتق لزمه، ولو قال: لله علي طلاق كان لغوا. والوصية إنما تنفذ بعد الموت. ولو علق الحي الطلاق بما بعد الموت لم ينفذ. واحتج بعضهم بصحة تعليق الطلاق؛ وأن من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت طلقت. والجواب أن الطلاق حق ملك الزوج، فله أن ينجزه ويؤجله وأن يعلقه بشرط وأن يجعله بيد غيره كما يتصرف المالك في ملكه، فإذا لم يكن زوجا فأي شيء ملك حتى يتصرف؟ وقال ابن العربي من المالكية: الأصل في الطلاق أن يكون في المنكوحة المقيدة بقيد النكاح، وهو الذي يقتضيه مطلق اللفظ، لكن الورع يقتضي التوقف عن المرأة التي يقال فيها ذلك وإن كان الأصل تجويزه وإلغاء التعليق، قال: ونظر مالك ومن قال بقوله في مسالة الفرق بين المعينة وغيرها أنه إذا عم سد على نفسه باب النكاح الذي ندب الله إليه فعارض عنده المشروع فسقط، قال: وهذا على أصل مختلف فيه وهو تخصيص الأدلة بالمصالح، وإلا فلو كان هذا لازما في الخصوص للزم في العموم والله أعلم.

(9/387)


باب إذا قال لامرأته وهو مكره : هذه أختي فلا شئ عليه
...
10- باب إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُكْرَهٌ هَذِهِ أُخْتِي فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِسَارَةَ هَذِهِ أُخْتِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"
قوله: "باب إذا قال لامرأته وهو مكره: هذه أختي، فلا شيء عليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال إبراهيم لسارة هذه أختي، وذلك في ذات الله" قال ابن بطال: أراد بذلك رد من كره أن يقول لامرأته يا أختي، وقد روى عبد الرزاق من طريق أبي تميمة الهجيمي "مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يقول لامرأته. يا أخية، فزجره" قال ابن بطال: ومن ثم قال جماعة من العلماء: يصير بذلك مظاهرا إذا قصد ذلك، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى اجتناب اللفظ المشكل. قال: وليس بين هذا الحديث وبين قصة إبراهيم معارضة، لأن إبراهيم إنما أراد بها أخته في الدين، فمن قال ذلك ونوى أخوة الدين لم يضره. قلت: حديث أبي تميمة مرسل، وقد أخرجه أبو داود من طريق مرسلة، وفي بعضها "عن أبي تميمة عن رجل من قومه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم:" وهذا متصل، وذكر أبو داود قبله حديث أبي هريرة في قصة إبراهيم وسارة، فكأنه وافق البخاري، وقد قيد البخاري بكون قائل ذلك إذا كان مكرها لم يضره وتعقبه بعض الشراح بأنه لم يقع في قصة إبراهيم إكراه، وهو كذلك لكن لا تعقب على البخاري لأنه أراد بذكر قصة إبراهيم الاستدلال على أن من قال ذلك في حالة الإكراه لا يضره قياسا على ما وقع في قصة إبراهيم، لأنه إنما قال ذلك خوفا من الملك أن يغلبه على سارة، وكان من شأنهم أن لا يقربوا الخلية إلا بخطبة ورضا، بخلاف المتزوجة فكانوا يغتصبونها من زوجها إذا أحبوا ذلك كما تقدم تقريره في الكلام على الحديث في المناقب، فلخوف إبراهيم على سارة قال إنها أخته وتأول أخوة الدين، والله أعلم. "تنبيه": أورد النسفي في هذا الباب جميع ما في الترجمة

(9/387)


التي بعده، وعكس ذلك أبو نعيم في المستخرج" والله أعلم.

(9/388)


11- باب الطَّلاَقِ فِي الإِغْلاَقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلاَقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" وَتَلاَ الشَّعْبِيُّ {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وَمَا لاَ يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَبِكَ جُنُونٌ وَقَالَ عَلِيٌّ بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ فَطَفِقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُومُ حَمْزَةَ فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ هَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لِأَبِي فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ وَقَالَ عُثْمَانُ لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلاَ لِسَكْرَانَ طَلاَقٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ طَلاَقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ لاَ يَجُوزُ طَلاَقُ الْمُوَسْوِسِ وَقَالَ عَطَاءٌ إِذَا بَدَا بِالطَّلاَقِ فَلَهُ شَرْطُهُ وَقَالَ نَافِعٌ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلاَثًا يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِنْ قَالَ لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ نِيَّتُهُ وَطَلاَقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانهِمْ وَقَالَ قَتَادَةُ إِذَا قَالَ إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَقَالَ الْحَسَنُ إِذَا قَالَ الْحَقِي بِأَهْلِكِ نِيَّتُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الطَّلاَقُ عَنْ وَطَرٍ وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِنْ قَالَ مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي نِيَّتُهُ وَإِنْ نَوَى طَلاَقًا فَهُوَ مَا نَوَى وَقَالَ عَلِيٌّ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَقَالَ عَلِيٌّ وَكُلُّ الطَّلاَقِ جَائِزٌ إِلاَّ طَلاَقَ الْمَعْتُوهِ"
5269- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ قَالَ قَتَادَةُ إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ"
5270- حدثنا أصبغ أخبرنا بن وهب عن يونس عن بن شهاب قال أخبرني أبو سلمة عن جابر أن رجلا من أسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال إنه قد زنى فأعرض عنه فتنحى لشقه الذي أعرض فشهد على نفسه أربع شهادات فدعاه فقال "هل بك جنون، هل أحصنت؟ قال نعم فأمر به أن يرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أدرك بالحرة فقتل"
[الحديث 5270- أطرافه في: 5272، 6814، 6816، 6820، 6826، 7168]

(9/388)


5271- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى يَعْنِي نَفْسَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لَهُ الرَّابِعَةَ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ فَقَالَ هَلْ بِكَ جُنُونٌ قَالَ لاَ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ"
[الحديث 5271- أطرافه في: 6815، 6825، 7167]
5272- وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ"
قوله: "باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق، والشرك وغيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى" اشتملت هذه الترجمة على أحكام يجمعها أن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الغالط والناسي والذي يكره على الشيء. وحديث الأعمال بهذا اللفظ وصله المؤلف في كتاب الإيمان أول الكتاب، ووصله بألفاظ أخرى في أماكن أخرى، وتقدم شرحه مستوفي هناك. وقوله الإغلاق هو بكسر الهمزة وسكون المعجمة الإكراه على المشهور، قيل له ذلك لأن المكره يتغلق عليه أمره ويتضيق عليه تصرفه، وقيل هو العمل في الغضب، وبالأول جزم أبو عبيد وجماعة، وإلى الثاني أشار أبو داود فإنه أخرج حديث عائشة "لا طلاق ولا إعتاق في غلاق" قال أبو داود: والغلاق أظنه الغضب، وترجم على الحديث: "الطلاق على غيظ" ووقع عنده بغير ألف في أوله، وحكى البيهقي أنه روى على الوجهين، ووقع عند ابن ماجه في هذا الحديث الإغلاق بالألف وترجم عليه "طلاق المكره" فإن كانت الرواية بغير أنف هي الراجحة فهو غير الإغلاق، قال المطرزي: قولهم إياك والغلق أي الضجر والغضب، ورد الفارسي في "مجمع الغرائب" على من قال الإغلاق الغضب وغلطه في ذلك وقال: إن طلاق الناس غالبا إنما هو في حال الغضب. وقال ابن المرابط: الإغلاق حرج النفس، وليس كل من وقع له فارق عقله، ولو جاز عدم وقوع طلاق الغضبان لكان لكل أحد أن يقول فيما جناه: كنت غضبانا ا هـ. وأراد بذلك الرد على من ذهب إلى أن الطلاق في الغضب لا يقع، وهو مروي عن بعض متأخري الحنابلة ولم يوجد عن أحد من متقدميهم إلا ما أشار إليه أبو داود، وأما قوله في "المطالع" الإغلاق الإكراه وهو من أغلقت الباب، وقيل الغضب وإليه ذهب أهل العراق، فليس بمعروف عن الحنفية، وعرف بعلة الاختلاف المطلق إطلاق أهل العراق على الحنفية، وإذا أطلقه الفقيه الشافعي فمراده مقابل المراوزة منهم. ثم قال: وقيل معناه النهي عن إيقاع الطلاق البدعي مطلقا، والمراد النفي عن فعله لا النفي لحكمه، كأنه يقول بل يطلق للسنة كما أمره الله. وقول البخاري "والكره" هو في النسخ بضم الكاف وسكون الراء، وفي عطفه

(9/389)


على الإغلاق نظر، إلا إن كان يذهب إلى أن الإغلاق الغضب، ويحتمل أن يكون قبل الكاف ميم لأنه عطف عليه السكران فيكون التقدير باب حكم الطلاق في الإغلاق وحكم المكره والسكران والمجنون إلخ. وقد اختلف السلف في طلاق المكره، فروى ابن أبي شيبه وغيره عن إبراهيم النخعي أنه يقع، قال لأنه شيء افتدى به نفسه، وبه قال أهل الرأي، وعن إبراهيم النخعي تفصيل آخر إن ورى المكره لم يقع وإلا وقع. وقال الشعبي: إن أكرهه اللصوص وقع وإن أكرهه السلطان فلا أخرجه ابن أبي شيبة، ووجه بأن اللصوص من شأنهم أن يقتلوا من يخالفهم غالبا بخلاف السلطان. وذهب الجمهور إلى عدم اعتبار ما يقع فيه، واحتج عطاء بآية النحل {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} قال عطاء: الشرك أعظم من الطلاق، أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح، وقرره الشافعي بأن الله لما وضع الكفر عمن تلفظ به حال الإكراه وأسقط عنه أحكام الكفر فكذلك يسقط عن المكره ما دون الكفر لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى، وإلى هذه النكتة أشار البخاري بعطف الشرك على الطلاق في الترجمة. وأما قوله: "والسكران" فسيأتي ذكر حكمه في الكلام على أثر عثمان في هذا الباب، وقد يأتي السكران في كلامه وفعله بما لا يأتي به وهو صاح لقوله تعالى :{حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فإن فيها دلالة على أن من علم ما يقول لا يكون سكرانا، وأما المجنون فسيأتي في أثر علي مع عمر، وقوله: "وأمرهما" فمعناه هل حكمهما واحد أو يختلف؟ وقوله: "والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره:" أي إذا وقع من المكلف ما يقتضي الشرك غلطا أو نسيانا هل يحكم عليه به وإذا كان لا يحكم عليه به فليكن الطلاق كذلك، وقوله: "وغيره:" أي وغير الشرك مما هو دونه، وذكر شيخنا ابن الملقن أنه لا بعض النسخ "والشك" بدل الشرك، قال: وهو الصواب، وتبعه الزركشي لكن قال: وهو أليق، وكأن مناسبة لفظ الشرك خفيت عليهما، ولم أره في شيء من النسخ التي وقفت عليها بلفظ الشك، فإن ثبتت فتكون معطوفة على النسيان لا على الطلاق. ثم رأيت سلف شيخنا وهو قول ابن بطال وقع في كثير من النسخ "والنسيان في الطلاق والشرك" وهو خطأ والصواب "والشك" مكان الشرك ا هـ، ففهم شيخنا من قوله في كثير من النسخ أن في بعضها للفظ الشك فجزم بذلك. واختلف السلف في طلاق الناسي فكان الحسن سراه كالعمد إلا إن اشترط فقال إلا أن أنسى أخرجه ابن أبي شيبة. وأخرج ابن أبي شيبة أيضا عن عطاء أنه كان لا يراه شيئا ويحتج بالحديث المرفوع الآتي كما سأقرره بعد وهو قول الجمهور، وكذلك اختلف في طلاق المخطئ فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع، وعن الحنفية ممن أراد أن يقول لامرأته شيئا فسبقه لسانه فقال أنت طالق يلزمه الطلاق، وأشار البخاري بقوله: "الغلط والنسيان" إلى الحديث الوارد عن ابن عباس مرفوعا: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فإنه سوى بين الثلاثة في التجاوز، فمن حمل التجاوز على رفع الإثم خاصة دون الوقوع في الإكراه لزم أن قول مثل ذلك في النسيان، والحديث قد أخرجه ابن ماجة وصححه ابن حبان. واختلف أيضا في طلاق المشرك فجاء عن الحسن وقتادة وربيعة أنه لا يقع، ونسب إلى مالك وداود. وذهب الجمهور إلى أنه يقع كما يصح نكاحه وعتقه وغير ذلك من أحكامه. قوله: "وتلا الشعبي: لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" ورويناه موصولا في "فوائد هناد بن السري الصغير" من رواية سليم مولى الشعبي عنه بمعناه. قوله: "وما لا يجوز من إقرار الموسوس" بمهملتين والواو الأولى مفتوحة والثانية مكسورة. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "للذي أقر على نفسه: أبك جنون" ؟ هو طرف من حديث ذكره المصنف في هذا الباب بلفظ:

(9/390)


"هل بك جنون" وأورده في الحدود، ويأتي شرحه هناك مستوفى إن شاء الله تعالى. ووقع في بعض طرقه ذكر السكر. قوله: "وقال علي: بقر حمزة خواصر شارفي" الحديث هو طرف من الحديث الطويل في قصة الشارفين وقد تقدم شرحه مستوفى في غزوة بدر من كتاب المغازي. و "بقر" بفتح الموحدة وتخفيف القاف أي شق، والخواصر بمعجمة ثم مهملة جمع خاصرة، وقوله في آخره: "إنه ثمل" بفتح المثلثة وكسر الميم بعدها لأم أي سكران، وهو من أقوى أدلة من لم يؤاخذ السكران بما يقع منه في حال سكره من طلاق وغيره، واعترض المهلب بأن الخمر حينئذ كانت مباحة، قال: فبذلك سقط عنه حكم ما نطق به في تلك الحال، قال: وبسبب هذه القصة كان تحريم الخمر ا هـ. وفيما قاله نظر، أما أولا فإن الاحتجاج من هذه القصة إنما هو بعد مؤاخذة السكران بما يصدر منه، ولا يفترق الحال بين أن يكون الشرب مباحا أو لا، وأما ثانيا فدعواه أن تحريم الخمر كان بسبب قصة الشارفين ليس بصحيح، فإن قصة الشارفين كانت قبل أحد اتفاقا لأن حمزة استشهد بأحد وكان ذلك بين بدر وأحد عند تزويج علي بفاطمة وقد ثبت في الصحيح أن جماعة اصطبحوا الخمر يوم أحد واستشهدوا ذلك اليوم، فكان تحريم الخمر بعد أحد لهذا الحديث الصحيح. قوله: "وقال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق" وصله ابن أبي شيبة عن شبابة، ورويناه في الجزء الرابع من "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" عن آدم بن أبي إياس كلاهما عن ابن أبي ذئب عن الزهري قال: "قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي وأنا سكران، فكان رأي عمر بن عبد العزيز مع رأينا أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته، حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه أنه قال: ليس على المجنون ولا على السكران طلاق، قال عمر: تأمرونني وهذا يحدثني عن عثمان؟ فجلده، ورد إليه امرأته" وذكر البخاري أثر عثمان ثم ابن عباس استظهارا لما دل عليه حديث علي في قصة حمزة، وذهب إلى عدم وقوع طلاق السكران أيضا أبو الشعثاء وعطاء وطاوس وعكرمة والقاسم وعمر بن عبد العزيز، ذكره ابن أبي شيبة عنهم بأسانيد صحيحه، وبه قال ربيعة والليث وإسحاق والمزني، واختاره الطحاوي واحتج بأنهم أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع قال: والسكران معتوه بسكره. وقال بوقوعه طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم والزهري والشعبي، وبه قال الأوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة، وعن الشافعي قولان: المصحح منهما وقوعه، والخلاف عند الحنابلة لكن الترجيح بالعكس. وقال ابن المرابط: إذا تيقنا ذهاب عقل السكران. لم يلزمه طلاق، وإلا لزمه. وقد جعل الله حد السكر الذي تبطل به الصلاة أن لا يعلم ما يقول، وهذا التفصيل لا يأباه من يقول بعدم طلاقه، وإنما استدل من قال بوقوعه مطلقا بأنه عاص بفعله لم يزل عنه الخطاب بذلك، ولا الإثم لأنه يؤمر بقضاء الصلوات وغيرها مما وجب عليه قبل وقوعه في السكر أو فيه، وأجاب الطحاوي بأنه لا تختلف أحكام فاقد العقل بين أن يكون ذهاب عقله بسبب من جهته أو من جهة غيره، إذ لا فرق بين من عجز عن القيام في الصلاة بسبب من قبل الله أو من قبل نفسه كمن كسر رجل نفسه فإنه يسقط عنه فرض القيام، وتعقب بأن القيام انتقل إلى بدل وهو القعود فافترقا. وأجاب ابن المنذر عن الاحتجاج بقضاء الصلوات بأن النائم يجب عليه قضاء الصلاة ولا يقع طلاقه فافترقا. وقال ابن بطال: الأصل في السكران العقل، والسكر شيء طرأ على عقله، فمهما وقع منه من كلام مفهوم فهو محمول على الأصل حتى يثبت ذهاب عقله. قوله: "وقال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز" وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور جميعا عن هشيم عن عبد الله بن طلحة الخزاعي عن أبي يزيد المزني عن

(9/391)


عكرمة عن ابن عباس قال: "ليس لسكران ولا لمضطهد طلاق" المضطهد: بضاد معجمة ساكنة ثم طاء مهملة مفتوحة ثم هاء ثم مهملة هو المغلوب المقهور، وقوله: "ليس بجائز" أي بواقع، إذ لا عقل للسكران المغلوب على عقله ولا اختيار للمستكره. قوله: "وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس" أي لا يقع، لأن الوسوسة حديث النفس، ولا مؤاخذة بما يقع في النفس كما سيأتي. قوله: "وقال عطاء: إذا بدأ بالطلاق فله شرطه" تقدم مشروحا في "باب الشروط في الطلاق" وتقدم عن عطاء وسعيد بن المسيب والحسن، وبينت من وصله عنهم ومن خالف في ذلك. قوله: "وقال نافع: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بتت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء" أما قوله: "البتة" فإنه بالنصب على المصدر. قال الكرماني هنا قال النحاة: قطع همزة البتة بمعزل عن القياس ا هـ، وفي دعوى أنها يقال بالقطع نظر فإن ألف البتة ألف وصل قطعا، والذي قاله أهل اللغة البتة القطع وهو تفسيرها بمرادفها لا أن المراد أنها تقال بالقطع، وأما قوله: "بتت" فبضم الموحدة وتشديد المثناة المفتوحة على البناء للمجهول، ومناسبة ذكر هذا هنا - وإن كانت المسائل المتعلقة بالبتة تقدمت - موافقة ابن عمر للجمهور في أن لا فرق في الشرط بين أن يتقدم أو يتأخر، وبهذا تظهر مناسبة أثر عطاء وكذا ما بعد هذا. وقد أخرج سعيد بن منصور من وجه صحيح عن ابن عمر أنه قال: "في الخلية والبتة ثلاث ثلاث". قوله: "وقال الزهري فيمن قال إن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثا: يسأل عما قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين، فإن سمى أجلا أراده وعقد عليه قلبه حين حلف جعل ذلك في دينه وأمانته" أي يدين فيما بينه وبين الله تعالى، أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري مختصرا ولفظه: "في الرجلين يحلفان بالطلاق والعتاقة على أمر يختلفان فيه ولم يقم على واحد منهما بينه" على قوله قال: يدينان ويحملان من ذلك ما تحملا. وعن معمر عمن سمع الحسن مثله. قوله: "وقال إبراهيم: إن قال لا حاجة لي فيك نيته" أي إن قصد طلاقا طلقت وإلا فلا، قال ابن أبي شيبة حدثنا حفص هو ابن غياث عن إسماعيل عن إبراهيم في رجل قال لامرأته لا حاجة لي فيك قال: نيته. وعن وكيع عن شعبة سألت الحكم وحمادا قالا: إن نوى طلاقا فواحدة، وهو أحق بها. قوله: "وطلاق كل قوم بلسانهم" وصله ابن أبي شيبة قال: "حدثنا إدريس قال حدثنا ابن أبي إدريس وجرير فالأول عن مطرف والثاني عن المغيرة كلاهما عن إبراهيم قال: طلاق العجمي بلسانه جائز" ومن طريق سعيد بن جبير قال: "إذا طلق الرجل بالفارسية يلزمه". قوله: "وقال قتادة: إذا قال إذا حملت فأنت طالق ثلاثا يغشاها عند كل طهر مرة، فإن استبان حملها فقد بانت منه" وصله ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروة عن قتادة مثله لكن قال: "عند كل طهر مرة ثم يمسك حتى تطهر" وذكر بقيته نحوه، ومن طريق أشعث عن الحسن "يغشاها إذا طهرت من الحيض ثم يمسك عنها إلى مثل ذلك" وقال ابن سيرين "يغشاها حتى تحمل" وبهذا قال الجمهور، واختلفت الرواية عن مالك: ففي رواية ابن القاسم إن وطئها مرة بعد التعليق طلقت سواء استبان بها حملها أم لا، وإن وطئها في الطهر الذي قال لها ذلك بعد الوطء طلقت مكانها. وتعقبه الطحاوي بالاتفاق على أن مثل ذلك إذا وقع في تعليق العتق لا يقع إلا إذا وجد الشرط، قال: فكذلك الطلاق فليكن. قوله: "وقال الحسن: إذا قال الحقي بأهلك نيته" وصله عبد الرزاق بلفظ: "هو ما نوى" وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن الحسن "في رجل قال لامرأته أخرجي استبرئي، اذهبي لا حاجة لي فيك هي تطليقة إن نوى الطلاق". قوله: "وقال ابن عباس: الطلاق عن وطر، والعتاق ما أريد به

(9/392)


وجه الله" أي أنه لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته إلا عند الحاجة كالنشوز، بخلاف العتق فإنه مطلوب دائما، والوطر بفتحتين الحاجة، قال أهل اللغة: ولا يبنى منها فعل. قوله: "وقال الزهري: إن قال ما أنت بامرأتي نيته، وإن نوى طلاقا فهو ما نوى" وصله ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري "في رجل قال لامرأته لست لي بامرأة قال: هو ما نوى" ومن طريق قتادة "إذا واجهها به وأراد الطلاق فهي واحدة" وعن إبراهيم "إن كرر ذلك مرارا ما أراه أراد إلا الطلاق" وعن قتادة "إن أراد طلاقا طلقت" وتوقف سعيد بن المسيب. وقال الليث "هي كذبة" وقال أبو يوسف ومحمد "لا يقع بذلك طلاق". قوله: "وقال علي: ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ" وصله البغوي في "الجعديات" عن علي بن الجعد عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس "أن عمر أتى بمجنونة قد زنت وهي حبلى، فأراد أن يرجمها فقال له علي: أما بلغك أن القلم قد وضع عن ثلاثة" فذكره، وتابعه ابن نمير ووكيع وغير واحد عن الأعمش، ورواه جرير بن حازم عن الأعمش فصرح فيه بالرفع أخرجه أبو داود وابن حبان من طريقه، وأخرجه النسائي من وجهين آخرين عن أبي ظبيان مرفوعا وموقوفا لكن لم يذكر فيهما ابن عباس، جعله عن أبي ظبيان عن علي ورجح الموقوف على المرفوع، وأخذ بمقتضى هذا الحديث الجمهور، لكن اختلفوا في إيقاع طلاق الصبي، فعن ابن المسيب والحسن يلزمه إذا عقل وميز، وحده عند أحمد أن يطيق الصيام ويحصى الصلاة، وعند عطاء إذا بلغ اثنتي عشرة سنة، وعن مالك رواية إذا ناهز الاحتلام. قوله: "وقال علي: وكل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه" وصله البغوي في "الجعديات" عن علي بن الجعد عن شعبة عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن عابس بن ربيعة "أن عليا قال: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه" وهكذا أخرجه سعيد بن منصور عن جماعة من أصحاب الأعمش عنه صرح في بعضها بسماع عابس ابن ربيعة من علي، وقد ورد فيه حديث مرفوع أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة مثل قول علي وزاد في آخره: "المغلوب على عقله" وهو من رواية عطاء بن عجلان وهو ضعيف جدا. والمراد بالمعتوه - وهو بفتح الميم وسكون المهملة وضم المثناة وسكون الواو بعدها هاء - الناقص العقل، فيدخل فيه الطفل والمجنون والسكران؛ والجمهور على عدم اعتبار ما يصدر منه، وفيه خلاف قديم ذكر ابن أبي شيبة من طريق نافع أن المحبر بن عبد الرحمن طلق امرأته وكان معتوها فأمرها ابن عمر بالعدة، فقيل له: إنه معتوه، فقال: إني لم أسمع الله استثنى للمعتوه طلاقا ولا غيره. وذكر ابن أبي شيبة عن الشعبي وإبراهيم وغير واحد مثل قول علي. قوله: "حدثنا مسلم" هو ابن إبراهيم، وهشام هو الدستوائي. قوله: "عن زرارة" تقدم القول فيه في أوائل العتق، وذكرت فيه بعض فوائده، ويأتي بقيتها في كتاب الإيمان والنذور، وقوله: "ما حدثت به أنفسها" بالفتح على المفعولية، وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنهم يقولونه بالضم يريدون بغير اختيارها، وقد أسند الإسماعيلي عن عبد الرحمن بن مهدي قال ليس عند قتادة حديث أحسن من هذا، وهذا الحديث حجة في أن الموسوس لا يقع طلاقه والمعتوه والمجنون أولى منه بذلك، واحتج الطحاوي بهذا الحديث للجمهور فيمن قال لامرأته أنت طلاق ونوى في نفسه ثلاثا أنه لا يقع إلا واحدة - خلافا للشافعي ومن وافقه - قال: لأن الخبر دل على أنه لا يجوز وقوع الطلاق بنية لا لفظ معها، وتعقب بأنه لفظ بالطلاق ونوى الفرقة التامة فهي نية صحبها لفظ؛ واحتج به أيضا لمن قال فيمن قال لامرأته يا فلانة ونوى بذلك طلاقها أنها لا تطلق، خلافا لمالك وغيره، لأن الطلاق لا يقع بالنية دون اللفظ ولم

(9/393)


يأت بصيغة لا صريحة ولا كناية، واستدل به على أن من كتب الطلاق طلقت امرأته لأنه عزم بقلبه وعمل بكتابته وهو قول الجمهور، وشرط مالك فيه الإشهاد على ذلك، واحتج من قال: إذا طلق نفسه طلقت - وهو مروي عن ابن سيرين والزهري - وعن مالك رواية ذكرها أشهب عنه وقواها ابن العربي، بأن من اعتقد الكفر بقلبه كفر ومن أصر على المعصية أثم، وكذلك من راءى بعمله وأعجب، وكذا من قذف مسلما بقلبه، وكل ذلك من أعمال القلب دون اللسان. وأجيب بأن العفو عن حديث النفس من فضائل هذه الأمة، والمصر على الكفر ليس منهم، وبأن المصر على المعصية الآثم من تقدم له عمل المعصية لا من لم يعمل معصية قط، وأما الرياء والعجب وغير ذلك فكله متعلق بالأعمال. واحتج الخطابي بالإجماع على أن من عزم على الظهار لا يصير مظاهرا قال: وكذلك الطلاق، وكذا لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفا، ولو كان حديث النفس يؤثر لأبطل الصلاة، وقد دل الحديث الصحيح على أن ترك الحديث مندوب فلو وقع لم تبطل، وتقدم البحث في الصلاة في ذلك في قول عمر "إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة" الحديث الثاني حديث جابر في قصة الذي أقر بالزنا فرجم، ذكرها من طريق يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر، ويأتي شرحه مستوفى في كتاب الحدود، والمراد منه ما أشار إليه في الترجمة من قوله: "هل بك جنون" فإن مقتضاه أنه لو كان مجنونا لم يعمل بإقراره، ومعنى الاستفهام هل كان بك جنون أو هل تجن تارة وتفيق تارة؟ وذلك أنه كان حين المخاطبة مفيقا. ويحتمل أن يكون وجه له الخطاب والمراد استفهام من حضر ممن يعرف حاله، وسيأتي بسط ذلك إن شاء الله تعالى. الحديث الثالث حديث أبي هريرة في القصة المذكورة، أوردها من طريق شعيب عن الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب جميعا عن أبي هريرة، وسيأتي شرحها أيضا في الحدود، وقوله في هذه الرواية: "أن الآخر قد زنى" بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة أي المتأخر عن السعادة وقيل معناه الأرذل. قوله: "وقال قتادة إذا طلق في نفسه فليس بشيء" وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والحسن قالا: من طلق سرا في نفسه فليس طلاقه ذلك بشيء، وهذا قول الجمهور وخالفهم ابن سيرين وابن شهاب فقالا تطليق، وهي رواية عن مالك. "تنبيه": وقع هذا الأثر عن قتادة في رواية النسفي عقب حديث قتادة المرفوع المذكور هنا بعد، فلما ساقه من طريق قتادة عن زرارة عن أبي هريرة فذكر الحديث المرفوع قال بعده "قال قتادة" فذكره. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث. قوله: "وعن الزهري قال فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله" هو معطوف على قوله: "شعيب عن الزهري إلخ" وقد تقدم من رواية يونس عن الزهري عن أبي سلمة فيحتمل أن يكون أبهمه لما حدث به شعيبا، ويحتمل أن يكون هذا القدر عنده عن غير أبي سلمة فأدرج في رواية يونس عنه، وقوله في هذه الزيادة "أذلقته" بذال معجمة وقاف أي أصابته بحدها، وقوله: "جمز" بفتح الجيم والميم وبزاي أي أسرع هاربا

(9/394)


12- باب الْخُلْعِ وَكَيْفَ الطَّلاَقُ فِيهِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} إِلَى قَوْلِهِ {الظَّالِمُونَ} وَأَجَازَ عُمَرُ الْخُلْعَ دُونَ السُّلْطَانِ وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا وَقَالَ طَاوُسٌ إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ لاَ يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ لاَ أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ

(9/394)


5273- حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلاَمِ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ لاَ يُتَابَعُ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ"
[الحديث 5273- أطرافه في: 5274، 5275، 5276، 5277]
5274- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بِهَذَا وَقَالَ تَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ فَرَدَّتْهَا وَأَمَرَهُ يُطَلِّقْهَا وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلِّقْهَا"
5275- وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لاَ أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلاَ خُلُقٍ وَلَكِنِّي لاَ أُطِيقُهُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ"
5276- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ حَدَّثَنَا قُرَادٌ أَبُو نُوحٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلاَ خُلُقٍ إِلاَّ أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ فَقَالَتْ نَعَمْ فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا"
5277- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ جَمِيلَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ"
قوله: "باب الخلع" بضم المعجمة وسكون اللام، وهو في اللغة فراق الزوجة على مال، مأخوذ من خلع الثوب لأن المرأة لباس الرجل معنى، وضم مصدره تفرقة بين الحسي والمعنوي. وذكر أبو بكر بن دريد في أماليه أنه أول خلع كان في الدنيا أن عامر بن الظرب - بفتح المعجمة وكسر الراء ثم موحدة - زوج ابنته من ابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلما دخلت عليه نفرت منه، فشكا إلى أبيها فقال: لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها، قال فزعم العلماء أن هذا كان أول خلع في العرب ا هـ. وأما أول خلع في الإسلام فسيأتي ذكره بعد قليل. ويسمى أيضا فدية وافتداء. وأجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور فإنه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئا لقوله تعالى :{فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً}، فأوردوا عليه {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ به} فادعى نسخها بآية النساء. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه، وتعقب مع شذوذه بقوله تعالى: في النساء أيضا {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ} وبقوله فيها {فَلا

(9/395)


جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا} الآية، وبالحديث وكأنه لم يثبت عنده أو لم يبلغه، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الآخرتين، وضابطه شرعا فراق الرجل زوجته ببذل قابل للعوض يحصل لجهة الزوج. وهو مكروه إلا في حال مخافة أن لا يقيما - أو واحد منهما - ما أمر به، وقد ينشأ ذلك عن كراهة العشرة إما لسوء خلق أو خلق، وكذا ترفع الكراهة إذا احتاجا إليه خشية حنث يئول إلى البينونة الكبرى. قوله: "وكيف الطلاق فيه" أي هل يقع الطلاق بمجرده أو لا يقع حتى يذكر الطلاق إما باللفظ وإما بالنية، وللعلماء فيما إذا وقع الخلع مجردا عن الطلاق لفظا ونية ثلاثة آراء وهي أقوال للشافعي: أحدها ما نص عليه في أكثر كتبه الجديدة أن الخلع طلاق وهو قول الجمهور، فإذا وقع بلفظ الخلع وما تصرف منه نقص العدد، وكذا إن وقع بغير لفظه مقرونا بنيته، وقد نص الشافعي في "الإملاء" على أنه من صرائح الطلاق، وحجة الجمهور أنه لفظ لا يملكه إلا الزوج فكان طلاقا، ولو كان فسخا لما جاز على غير الصداق كالإقالة، لكن الجمهور على جوازه بما قل وكثر فدل على أنه طلاق. والثاني وهو قول الشافعي في القديم ذكره في "أحكام القرآن" من الجديد أنه فسخ وليس بطلاق، وصح ذلك عن ابن عباس أخرجه عبد الرزاق، وعن ابن الزبير، ما يقويه، وقد استشكله إسماعيل القاضي بالاتفاق على أن من جعل أمر المرأة بيدها ونوى الطلاق فطلقت نفسها طلقت، وتعقب بأن محل الخلاف ما إذا لم يقع لفظ طلاق ولا نية وإنما وقع لفظ الخلع صريحا أو ما قام مقامه من الألفاظ مع النية فإنه لا يكون فسخا تقع به الفرقة ولا يقع به طلاق، واختلف الشافعية فيما إذا نوى بالخلع الطلاق وفرعنا على أنه فسخ هل يقع الطلاق أو لا؟ ورجح الإمام عدم الوقوع، واحتج بأنه صريح في بابه وجد نفاذا في محله فلا ينصرف بالنية إلى غيره، وصرح أبو حامد والأكثر بوقوع الطلاق، ونقله الخوارزمي عن نص القديم قال: هو فسخ لا ينقص عدد الطلاق إلا أن ينويا به الطلاق "ويخدش فيما اختاره الإمام أن الطحاوي نقل الإجماع على أنه إذا نوى بالخلع الطلاق وقع الطلاق، وأن محل الخلاف فيما إذا لم يصرح بالطلاق ولم ينوه. والثالث إذا لم ينو الطلاق لا يقع به فرقة أصلا ونص عليه في "الأم" وقواه السبكي من المتأخرين، وذكر محمد ابن نصر المروزي به "كتاب اختلاف العلماء" أنه آخر قولي الشافعي. قوله: "وقوله عز وجل: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} زاد غير أبي ذر" إلى قوله :{الظَّالِمُونَ} وعند النسفي بعد قوله يخافا "الآية" ويذكر ذلك يتبين تمام المراد وهو بقوله: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} وتمسك بالشرط من قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ} من منع الخلع إلا إذا حصل الشقاق من الزوجين معا، وسأذكر في الكلام على أثر طاوس بيان ذلك. قوله: "وأجاز عمر الخلع دون السلطان" أي بغير إذنه، وصله ابن أبي شيبة من طريق خيثمة بن عبد الرحمن قال: "أتى بشر بن مروان في خلع كان بين رجل وامرأة فلم يجزه، فقال له عبد الله بن شهاب الخولاني: قد أتى عمر في خلع فأجازه "وأشار المصنف إلى خلاف في ذلك أخرجه سعيد بن منصور "حدثنا هشيم أنبأنا يونس عن الحسن البصري قال: لا يجوز الخلع دون السلطان" وقال حماد بن زيد "عن يحيى بن عتيق عن محمد ابن سيرين: كانوا يقولون" فذكر مثله، واختاره أبو عبيد واستدل بقوله تعالى :{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} وبقوله تعالى :{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} قال: فجعل الخوف لغير الزوجين، ولم يقل فإن خافا، وقوى ذلك بقراءة حمزة في

(9/396)


آية الباب: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} بضم أوله على البناء للمجهول قال: والمراد الولاة، ورده النحاس بأنه قول لا يساعده الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى، والطحاوي بأنه شاذ مخالف لما عليه الجم الغفير، ومن حيث النظر أن الطلاق جائز دون الحاكم فكذلك الخلع. ثم الذي ذهب إليه مبني على أن وجود الشقاق شرط في الخلع والجمهور على خلافه وأجابوا عن الآية بأنها جرت على حكم الغالب، وقد أنكر قتادة هذا على الحسن فأخرج سعيد بن أبي عروبة في "كتاب النكاح" عن قتادة بن الحسن فذكره، قال قتادة: ما أخذ الحسن هذا إلا عن زياد، يعني حيث كان أمير العراق لمعاوية: قلت: وزياد ليس أهلا أن يقتدي به. قوله: "وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها" العقاص بكسر المهملة وتخفيف القاف وآخره صاد مهملة جمع عقصه وهو ما يربط به شعر الرأس بعد جمعه، وأثر عثمان هذا رويناه موصولا في "أمالي أبي القاسم بن بشران" من طريق شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل "عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي فأجاز ذلك عثمان" وأخرجه البيهقي من طريق روح بن القاسم عن ابن عقيل مطولا وقال في آخره: "فدفعت إليه كل شيء حتى أجفت الباب بيني وبينه" وهذا يدل على أن معنى "دون" سوى، أي أجاز للرجل أن يأخذ من المرأة في الخلع ما سوى عقاص رأسها. وقال سعيد بن منصور "حدثنا هشام عن مغيرة عن إبراهيم: كان يقال الخلع ما دون عقاص رأسها" وعن سفيان "عن ابن أبي نجيح عن مجاهد يأخذ من المختلعة حتى عقاصها" ومن طريق قبيصة بن ذويب "إذا خلعها جاز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها. ثم تلا: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}" وسنده صحيح. ووجدت أثر عثمان بلفظ آخر أخرجه ابن سعد في ترجمة الربيع بنت معوذ من "طبقات النساء" قال أنبأنا يحيى بن عباد حدثنا فليح بن سليمان حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل "عن الربيع بنت معوذ قالت: كان بيني وبين ابن عمي كلام، وكان زوجها، قالت فقلت له: لك كل شيء وفارقني. قال: قد فعلت. فأخذ والله كل شيء حتى فراشي، فجئت عثمان وهو محصور فقال: الشرط أملك، خذ كل شيء حتى عقاص رأسها" قال ابن بطال ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاه. وقال مالك: لم أر أحدا ممن يقتدي به يمنع ذلك. لكنه ليس من مكارم الأخلاق. وسيأتي ذكر حجة القائلين بعدم الزيادة في الكلام على حديث الباب. قوله: "وقال طاوس: إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة، ولم يقل قول السفهاء لا يحل حتى تقول لا أغتسل لك من جنابة" هذا التعليق اختصره البخاري من أثر وصله عبد الرزاق قال: "أنبأنا ابن جريج أخبرني ابن طاوس وقلت له: ما كان أبوك يقول في الفداء؟ قال: كان يقول ما قال الله تعالى :{إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} ولم يكن يقول قول السفهاء: لا يحل حتى تقول لا أغتسل لك من جنابة، ولكنه يقول إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة". قال ابن التين: ظاهر سياق البخاري أن قوله: "ولم يقل إلخ" من كلامه، ولكن قد نقل الكلام المذكور عن ابن جريج، قال: ولا يبعد أن يكون ظهر له ما ظهر لابن جريج. قلت: وكأنه لم يقف على الأثر موصولا فتكلف ما قال، والذي قال: "ولم يقل" هو ابن طاوس، والمحكي عنه النفي هو أبوه طاوس، وأشار ابن طاوس بذلك إلى ما جاء عن غير طاوس وأن الفداء لا يجوز حتى تعصى المرأة الرجل فيما يرومه منها حتى تقول لا أغتسل لك من جنابة، وهو منقول عن الشعبي وغيره، أخرج سعيد بن منصور عن هشيم "أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن امرأة قالت لزوجها: لا أطيع لك أمرا ولا أبر لك قسما ولا

(9/397)


أغتسل لك من جنابة، قال: إذا كرهته فليأخذ منها وليخل عنها". وأخرج ابن أبي شيبة عن وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن الحسن في قوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} قال: ذلك في الخلع إذا قالت لا أغتسل لك من جنابة. ومن طريق حميد بن عبد الرحمن قال: "يطيب الخلع إذا قالت لا أغتسل لك من جنابة. نحوه" ومن طريق علي نحوه ولكن بسند واه، والظاهر أن المنقول في ذلك عن الحسن وغيره ما هو إلا على سبيل المثال ولا يتعين شرطا في جواز الخلع، والله أعلم. وقد جاء عن غير طاوس نحو قوله، فروى ابن أبي شيبة من طريق القاسم أنه سئل عن قوله تعالى :{إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} قال فيما افترض عليهما في العشرة والصحبة. ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول: لا يحل له الفداء حتى يكون الفساد من قبلها، ولم يكن يقول لا يحل له حتى تقول لا أبر لك قسما ولا أغتسل لك من جنابة. قوله: "حدثني أزهر بن جميل" هو بصري يكنى أبا محمد، مات سنة إحدى وخمسين ومائتين، ولم يخرج عنه البخاري في "الجامع" غير هذا الموضع، وقد أخرجه النسائي أيضا عنه، وذكر البخاري أنه لم يتابع على ذكر ابن عباس فيه كما سيأتي، لكن جاء الحديث موصولا من طريق أخرى كما ذكره في الباب أيضا. قوله: "حدثنا خالد" هو ابن مهران الحذاء. قوله: "إن امرأة ثابت بن قيس" أي ابن شماس بمعجمة ثم مهملة خطيب الأنصار، تقدم ذكره في المناقب، وأبهم في هذه الطريق اسم المرأة وفي الطرق التي بعدها، وسميت في آخر الباب في طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا جميلة، ووقع الرواية الثانية أن أخت عبد الله بن أبي يعني كبير الخزرج ورأس النفاق الذي تقدم خبره في تفسير سورة براءة وفي تفسير سورة المنافقين، فظاهره أنها جميلة بنت أبي ويؤيده أن في رواية قتادة عن عكرمة عن ابن عباس "أن جميلة بنت سلول جاءت" الحديث أخرجه ابن ماجه والبيهقي، وسلول امرأة اختلف فيها هل هي أم أبي أو امرأته. ووقع في رواية النسائي والطبراني من حديث الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فأتى أخوها يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث، وبذلك جزم ابن سعد في "الطبقات" فقال: جميلة بنت عبد الله بن أبي أسلمت وبايعت وكانت تحت حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة فقتل عنها بأحد وهي حامل فولدت له عبد الله بن حنظلة فخلف عليها ثابت بن قيس فولدت له ابنه محمدا ثم اختلعت منه فتزوجها مالك بن الدخشم ثم خبيب بن أساف، ووقع في رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول وكان أصدقها حديقة فكرهته، الحديث أخرجه الدار قطني والبيهقي وسنده قوي مع إرساله، ولا تنافي بينه وبين الذي قبله لاحتمال أن يكون لها اسمان أو أحدهما لقب، وإن لم يؤخذ بهذا الجمع فالموصول أصح، وقد اعتضد بقول أهل النسب أن اسمها جميلة، وبه جزم الدمياطي وذكر أنها كانت أخت عبد الله بن عبد الله بن أبي شقيقة أمهما خولة بنت المنذر بن حرام. قال الدمياطي والذي وقع في البخاري من أنها بنت أبي وهم. قلت: ولا يليق إطلاق كونه وهما فإن الذي وقع فيه أخت عبد الله بن أبي وهي أخت عبد الله بلا شك، لكن نسب أخوها في هذه الرواية إلى جده أبي كما نسبت هي في رواية قتادة إلى جدتها سلول، فبهذا يجمع بين المختلف من ذلك. وأما ابن الأثير وتبعه النووي فجزما بأن قول من قال إنها بنت عبد الله بن أبي وهم وأن الصواب أنها أخت عبد الله بن أبي، وليس كما قالا بل الجمع أولى، وجمع بعضهم باتحاد اسم المرأة وعمتها وأن ثابتا خالع الثنتين واحدة بعد أخرى، ولا يخفى بعده، ولا سيما مع اتحاد

(9/398)


المخرج. وقد كثرت نسبة الشخص إلى جده إذا كان مشهورا، والأصل عدم التعدد حتى يثبت صريحا. وجاء في اسم امرأة ثابت بن قيس قولان آخران أحدهما أنها مريم المغالية أخرجه النسائي وابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق "حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الربيع بنت معوذ قالت اختلعت من زوجي" فذكرت قصة فيها "وإنما تبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه" وإسناده جيد، قال البيهقي: اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، ويمكن أن يكون الخلع تعدد من ثابت انتهى. وتسميتها مريم يمكن رده للأول لأن المغالية وهي بفتح الميم وتخفيف الغين المعجمة نسبة إلى مغالة وهي امرأة من الخزرج ولدت لعمرو بن مالك بن النجار ولده عديا، فبنو عدي بن النجار يعرفون كلهم ببني مغالة، ومنهم عبد الله بن أبي وحسان بن ثابت وجماعة من الخزرج، فإذا كان آل عبد الله بن أبي من بني مغالة فيكون الوهم وقع في اسمها، أو يكون مريم اسما ثالثا، أو بعضها لقب لها. والقول الثاني في اسمها أنها حبيبة بنت سهل أخرجه مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن حبيبة بنت سهل أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة عند بابه في الغلس [قال]: من هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنت سهل. قال: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس. لزوجها" الحديث، وأخرجه أصحاب السنن الثلاثة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن حزم "عن عمرة عن عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت "قال ابن عبد البر اختلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل. قلت: والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين، بخلاف ما وقع من الاختلاف في تسمية جميلة ونسبها فإن سياق قصتها متقارب فأمكن رد الاختلاف قيه إلى الوفاق، وسأبين اختلاف القصتين عند سياق ألفاظ قصة جميلة. وقد أخرج البزار من حديث عمر قال: "أول مختلعة في الإسلام حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس الحديث، وهذا على تقدير التعدد يقتضي أن ثابتا تزوج حبيبة قبل جميلة، ولو لم يكن في ثبوت ما ذكره البصريون إلا كون محمد بن ثابت بن قيس من جميلة لكان دليلا على صحة تزوج ثابت بجميلة. "تنبيه": وقع لابن الجوزي في تنقيحه أنها سهلة بنت حبيب، فما أظنه إلا مقلوبا، والصواب حبيبة بنت سهل، وقد ترجم لها ابن سعد في "الطبقات" فقال: بنت سهل بن ثعلبة بن الحارث، وساق نسبها إلى مالك ابن النجار وأخرج حديثها عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: "كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس، وكان في خلقه شدة" فذكر نحو حديث مالك وزاد في آخره: "وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أن يتزوجها ثم كره ذلك لغيرة الأنصار وكره أن يسوءهم في نسائهم. قوله: "أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس" في رواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب وهي التي علقت هنا ووصلها الإسماعيلي: "جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري". وفي رواية سعيد عن قتادة عن عكرمة في هذه القصة "فقالت بأبي وأمي" أخرجها البيهقي. قوله: "ما أعتب عليه" بضم المثناة من فوق، ويجوز كسرها من العتاب يقال عتبت على فلان أعتب عتبا والاسم المعتبة، والعتاب هو الخطاب بالإدلال. وفي رواية بكسر العين بعدها تحتانية ساكنة من العيب وهي أليق بالمراد. قوله: "في خلق ولا دين" بضم الخاء المعجمة واللام ويجوز إسكانها، أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه، زاد في رواية أيوب

(9/399)


المذكورة "ولكني لا أطيقه" كذا فيه لم يذكر مميز عدم الطاقة، وبينه الإسماعيلي في روايته ثم البيهقي بلفظ: "لا أطيقه بغضا" وهذا ظاهره أنه لم يصنع بها شيئا يقتضي الشكوى منه بسببه، لكن تقدم من رواية النسائي أنه كسر يدها، فيحمل على أنها أرادت أنه سيء الخلق، لكنها ما تعيبه بذلك بل بشيء آخر. وكذا وقع في قصة حبيبة بنت سهل عند أبي داود أنه ضربها فكسر بعضها لكن لم تشكه واحدة منهما بسبب ذلك، بل وقع التصريح بسبب آخر وهو أنه كان دميم الخلقة، ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن ماجه: "كانت حبيبة بنت سهل عند ثابت بن قيس وكان رجلا دميما، فقالت: والله لولا مخافة الله إذا دخل علي لبصقت في وجهه" وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال: "بلغني أنها قالت: يا رسول الله بي من الجمال ما ترى، وثابت رجل دميم" وفي رواية معتمر بن سليمان عن فضيل عن أبي جرير عن عكرمة عن ابن عباس "أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها. فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته. ففرق بينهما". قوله: "ولكني أكره الكفر في الإسلام" أي أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر، وانتفى أنها أرادت أن يحملها على الكفر ويأمرها به نفاقا بقولها "لا أعتب عليه في دين" فتعين الحمل على ما قلناه. ورواية جرير بن حازم في أواخر الباب تؤيد ذلك حيث جاء فيها "إلا أني أخاف الكفر" وكأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدة كراهتها له على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه، وهي كانت تعرف أن ذلك حرام لكن خشيت أن تحملها شدة البغض على الوقوع فيه، ويحتمل أن تريد بالكفر كفران العشير إذ هو تقصير المرأة في حق الزوج. وقال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه من نشوز وفرك وغيره مما يتوقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر. ويحتمل أن يكون في كلامها إضمار، أي إكراه لوازم الكفر من المعاداة والشقاق والخصومة. ووقع في رواية إبراهيم بن طهمان "ولكني لا أطيقه" وفي رواية المستملي: "ولكن" وقد تقدم ما فيه. قوله: "أتردين" في رواية إبراهيم بن طهمان "فتردين" والفاء عاطفة على مقدر محذوف. وفي رواية جرير بن حازم "تردين" وهي استفهام محذوف الأداة كما دلت عليه الرواية الأخرى. قوله: "حديقته" أي بستانه، ووقع في حديث عمر أنه كان أصدقها الحديقة المذكورة ولفظه: "وكان تزوجها على حديقة نخل". قوله: "قالت نعم" زاد في حديث عمر "فقال ثابت أيطيب ذلك يا رسول الله؟ قال نعم". قوله: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب، ووقع في رواية جرير بن حازم "فردت عليه وأمره بفراقها" واستدل بهذا السياق على أن الخلع ليس بطلاق، وفيه نظر فليس في الحديث ما يثبت ذلك ولا ما ينفيه، فإن قوله: "طلقها إلخ" يحتمل أن يراد طلقها على ذلك فيكون طلاقا صريحا على عوض، وليس البحث فيه إنما الاختلاف فيما إذا وقع لفظ الخلع أو ما كان في حكمه من غير تعرض لطلاق بصراحة ولا كناية هل يكون الخلع طلاقا وفسخا؟ وكذلك ليس فيه التصريح بأن الخلع وقع قبل الطلاق أو بالعكس، نعم في رواية خالد المرسلة ثانية أحاديث الباب: "فردتها وأمره فطلقها" وليس صريحا في تقديم العطية على الأمر بالطلاق، بل يحتمل أيضا أن يكون المراد إن أعطتك طلقها، وليس فيه أيضا التصريح بوقوع صيغة الخلع، ووقع في مرسل أبي الزبير عند الدار قطني "فأخذها له وخلى سبيلها" وفي حديث حبيبة بنت سهل

(9/400)


"فأخذها منها وجلست في أهلها "لكن معظم الروايات في الباب تسميته خلعا، ففي رواية عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس "أنها اختلعت من زوجها" أخرجه أبو داود والترمذي. قوله: "قال أبو عبد الله" هو البخاري. قوله: "لا يتابع فيه عن ابن عباس" أي لا يتابع أزهر بن جميل عن ذكر ابن عباس في هذا الحديث بل أرسله غيره، ومراده بذلك خصوص طريق خالد الحذاء عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد وهو ابن عبد الله الطحان عن خالد وهو الحذاء عن عكرمة مرسلا ثم برواية إبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء مرسلا وعن أيوب موسولا، ورواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب الموصولة وصلها الإسماعيلي. قوله في هذه الرواية "لا أطيقه" تقدم بيانه وهو في جميع النسخ بالقاف، وذكر الكرماني أن في بعضها أطيعه "بالعين المهملة وهو تصحيف. ثم أشار البخاري إلى أنه اختلف على أيوب أيضا في وصل الخبر وإرساله فاتفق إبراهيم بن طهمان وجرير بن حازم على وصله، وخالفهما حماد بن زيد فقال: "عن أيوب عن عكرمة" مرسلا. ويؤخذ من إخراج البخاري هذا الحديث في الصحيح فوائد: منها أن الأكثر إذا وصلوا وأرسل الأقل قدم الواصل ولو كان الذي أرسل أحفظ، ولا يلزم منه أنه تقدم رواية الواصل على المرسل دائما. ومنها أن الراوي إذا لم يكن في الدرجة العليا من الضبط ووافقه من هو مثله اعتضد وقاومت الروايتان رواية الضابط المتقن. ومنها أن أحاديث الصحيح متفاوتة المرتبة إلى صحيح وأصح. وفي الحديث من الفوائد - غير ما تقدم - أن الشقاق إذا حصل من قبل المرأة فقط جاز الخلع والفدية، ولا يتقيد ذلك بوجوده منهما جميعا، وأن ذلك يشرع إذا كرهت المرأة عشرة الرجل ولو لم يكرهها ولم ير منها ما يقتضي فراقها. وقال أبو قلابة ومحمد بن سيرين: لا يجوز له أخذ الفدية منها إلا أن يرى على بطنها رجلا، أخرجه ابن أبي شيبة، وكأنهما لم يبلغهما الحديث. واستدل ابن سيرين بظاهر قوله تعالى :{إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} وتعقب بأن آية البقرة فسرت المراد بذلك مع ما دل عليه الحديث. ثم ظهر لي قاله ابن سيرين توجيه، وهو تخصيصه بما إذا كان ذلك من قبل الرجل بأن يكرهها وهي لا تكرهه فيضاجرها لتفتدي منه. فوقع النهي عن ذلك إلا أن يراها على فاحشة ولا يجد بينة ولا يحب أن يفضحها فيجوز حينئذ أن يفتدي منها ويأخذ منها ما تراضيا عليه ويطلقها، فليس في ذلك مخالفة للحديث لأن الحديث ورد فيما إذا كانت الكراهة من قبلها، واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق بينهما جميعا، وإن وقع من أحدهما لا يندفع الإثم، وهو قوي موافق لظاهر الآيتين ولا يخالف ما ورد فيه، وبه قال طاوس والشعبي وجماعة من التابعين، وأجاب الطبري وغيره عن ظاهر الآية بأن المرأة إذا لم تقم بحقوق الزوج التي أمرت بها كان ذلك منفرا للزوج عنها غالبا ومقتضيا لبغضه لها فنسبت المخافة إليهما لذلك، وعن الحديث بأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفسر ثابتا هل أنت كارهها كما كرهتك أم لا؟ وفيه أن المرأة إذا سألت زوجها الطلاق على مال فطلقها وقع الطلاق. فإن لم يقع الطلاق صريحا ولا

(9/401)


نوياه ففيه الخلاف المتقدم من قبل. واستدل لمن قال بأنه فسخ بما وقع في بعض طرق حديث الباب من الزيادة، ففي رواية عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس عند أبي داود والترمذي في قصة امرأة ثابت بن قيس "فأمرها أن تعتد بحيضة" وعند أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث الربيع بنت معوذ "أن عثمان أمرها أن تعتد بحيضة" قال: "وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس" وفي رواية للنسائي والطبري من حديث الربيع بنت معوذ "أن ثابت بن قيس ضرب امرأته - فذكر نحو حديث الباب وقال في آخره - خذ الذي لها وخل سبيلها، قال: نعم، فأمرها أن تتربص حيضة وتلحق بأهلها" قال الخطابي في هذا أقوى دليل لمن قال أن الخلع فسخ وليس بطلاق، إذ لو طلاقا لم تكتف بحيضة للعدة ا هـ. وقد قال الإمام أحمد إن الخلع فسخ. وقال في رواية: وإنها لا تحل لغير زوجها حتى بمضي ثلاثة أقراء. فلم يكن عنده بين كونه فسخا وبين النقص من العدة تلازم، واستدل به على أن الفدية لا تكون إلا بما أعطى الرجل المرأة عينا أو قدرها لقوله صلى الله عليه وسلم: "أتردين عليه حديقته" وقد وقع في رواية سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في آخر حديث الباب عند ابن ماجه والبيهقي "فأمره أن يأخذ منها ولا يزداد" وفي رواية عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد قال أيوب لا أحفظ "ولا تزدد" ورواه ابن جريج عن عطاء مرسلا ففي رواية ابن المبارك وعبد الوهاب عنه "أما الزيادة فلا"، زاد ابن المبارك عن مالك وفي رواية الثوري "وكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى" ذكر ذلك كله البيهقي، قال ووصله الوليد بن مسلم عن ابن جريج بذكر ابن عباس فيه أخرجه أبو الشيخ قال: وهو غير محفوظ، يعني الصواب إرساله. وفي مرسل أبي الزبير عند الدار قطني والبيهقي "أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟ قالت، نعم وزيادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الزيادة فلا، ولكن حديقته، قالت نعم. فأخذ ماله وخلى سبيلها" ورجال إسناده ثقات. وقد وقع في بعض طرقه سمعه أبو الزبير من غير واحد فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح وإلا فيعتضد بما سبق، لكن ليس فيه دلالة على الشرط، فقد يكون ذلك وقع على سبيل الإشارة رفقا بها. وأخرج عبد الرزاق عن علي "لا يأخذ منها فوق ما أعطاها" وعن طاوس وعطاء والزهري مثله، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق. وأخرج إسماعيل بن إسحاق عن ميمون بن مهران "من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرح بإحسان" ومقابل هذا ما أخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال: "ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها ليدع لها شيئا" وقال مالك لم أزل أسمع أن الفدية تجوز بالصداق وبأكثر منه لقوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ولحديث حبيبة بنت سهل، فإذا كان النشوز من قبلها حل للزوج ما أخذ منها برضاها، وإن كان من قبله لم يحل له ويرد عليها إن أخذ وتمضي الفرقة. وقال الشافعي: إذا كانت غير مؤدية لحقه كارهة له حل له أن يأخذ، فإنه يجوز أن يأخذ منها ما طابت به نفسا بغير سبب فبالسبب أولى. وقال إسماعيل القاضي: ادعى بعضهم أن المراد بقوله تعالى :{فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أي بالصداق وهو مردود لأنه لم يقيد في الآية بذلك. وفيه أن الخلع جائز في الحيض لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصلها أحائض هي أم لا؟ لكن يجوز أن يكون ترك دلك لسبق العلم به أو كان قبل تقريره فلا دلالة فيه لمن يخصه من منع طلاق الحائض، وهذا كله تفريع على أن الخلع طلاق. وفيه أن الأخبار الواردة في ترهيب المرأة من طلب طلاق زوجها محمولة على ما إذا لم يكن بسبب يقتضي ذلك لحديث ثوبان "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق فحرام عليها رائحة الجنة" رواه

(9/402)


أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان؛ ويدل على تخصيصه قوله في بعض طرقه: "من غير ما بأس" ولحديث أبي هريرة "المنتزعات والمختلعات هن المنافقات" أخرجه أحمد والنسائي، وفي صحته نظر لأن الحسن عند الأكثر لم يسمع من أبي هريرة، لكن وقع في رواية النسائي: قال الحسن لم أسمع من أبي هريرة غير هذا الحديث. وقد تأوله بعضهم على أنه أراد لم يسمع هذا إلا من حديث أبي هريرة، وهو تكلف، وما المانع أن يكون سمع هذا منه فقط وصار يرسل عنه غير ذلك فتكون قصته في ذلك كقصته مع سمرة في حديث العقيقة كما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى. وقد أخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر عن الحسن مرسلا لم يذكر فيه أبا هريرة. وفيه أن الصحابي إذا أفتى بخلاف ما روى أن المعتبر ما رواه لا ما رآه، لأن ابن عباس روى قصة امرأة ثابت بن قيس الدالة على أن الخلع طلاق وكان يفتي بأن الخلع ليس بطلاق، لكن ادعى ابن عبد البر شذوذ ذلك عن ابن عباس إذ لا يعرف له أحد نقل عنه أنه فسخ وليس بطلاق إلا طاوس، وفيه نظر لأن طاوسا ثقة حافظ فقيه فلا يضره تفرده، وقد تلقى العلماء ذلك بالقبول. ولا أعلم من ذكر الاختلاف في المسألة إلا وجزم أن ابن عباس كان يراه فسخا. نعم أخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح عن ابن أبي نجيح "أن طاوسا لما قال إن الخلع ليس بطلاق أنكره عليه أهل مكة، فاعتذر وقال: إنما قاله ابن عباس" قال إسماعيل: لا نعلم أحدا قاله غيره ا هـ. ولكن الشأن في كون قصة ثابت صريحة في كون الخلع طلاقا. "تكميل": نقل ابن عبد البر عن مالك أن المختلعة هي التي اختلعت من جميع مالها، وأن المفتدية التي افتدت ببعض مالها، وأن المبارئة التي بارأت زوجها قبل الدخول. قال ابن عبد البر: وقد يستعمل بعض ذلك موضع بعض

(9/403)


13- باب الشِّقَاقِ وَهَلْ يُشِيرُ بِالْخُلْعِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} إِلَى قَوْلِهِ {خَبِيرًا}
5279- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يَنْكِحَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُمْ فَلاَ آذَنُ"
قوله:" باب الشقاق، وهل يشير بالخلع عند الضرورة؟ وقوله تعالى :{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} الآية كذا لأبي ذر والنسفي، ولكن وقع عنده "الضرر" وزاد غيرهما {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} - إلى قوله :{خَبِيرًا} "قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن المخاطب بقوله تعالى :{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} الحكام، وأن المراد بقوله: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً} الحكمان، وأن الحكمين يكون أحدهما من جهة الرجل والآخر من جهة المرأة إلا أن لا يوجد من أهلهما من يصلح فيجوز أن يكون من الأجانب ممن يصلح لذلك، وأنهما إذا اختلفا لم ينفذ قولهما، وإن اتفقا نفذ في الجمع بينهما من غير توكيل. واختلفوا فيما إذا اتفقا على الفرقة، فقال مالك والأوزاعي وإسحاق: ينفذ بغير توكيل ولا إذن من الزوجين. وقال الكوفيون والشافعي وأحمد: يحتاجان إلى الإذن، فأما مالك ومن تابعه فألحقوه بالعنين والمولى فإن الحاكم يطلق عليهما فكذلك هذا، وأيضا فلما كان المخاطب بذلك الحكام وأن الإرسال إليهم دل على أن بلوغ الغاية من الجمع أو التفريق إليهم، وجرى الباقون على الأصل وهو أن الطلاق بيد

(9/403)


الزوج فإن إذن في ذلك وإلا طلق عليه الحاكم. ثم ذكر طرفا من حديث المسور في خطبة على بنت أبي جهل وقد تقدمت الإشارة إليه في النكاح، واعترضه ابن التين بأنه ليس فيه دلالة على ما ترجم به، ونقل ابن بطال قبله عن المهلب قال: إنما حاول البخاري بإيراده أن يجعل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فلا آذن" خلعا ولا يقوى ذلك لأنه قال في الخبر "إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي" فدل على الطلاق، فإن أراد أن يستدل بالطلاق على الخلع فهو ضعيف وإنما يؤخذ منه الحكم بقطع الذرائع. وقال ابن المنير في الحاشية: يمكن أن يؤخذ من كونه صلى الله عليه وسلم أشار بقوله: "فلا آذن" إلى أن عليا يترك الخطبة، فإذا ساغ جواز الإشارة بعدم النكاح التحق به جواز الإشارة بقطع النكاح. وقال الكرماني تؤخذ مطابقة الترجمة من كون فاطمة ما كانت ترضى بذلك، فكان الشقاق بينها وبين علي متوقعا، فأراد صلى الله عليه وسلم دفع وقوعه بمنع على من ذلك بطريق الإيماء والإشارة، وهي مناسبة جيدة، ويؤخذ من الآية ومن الحديث العمل بسد الذرائع، لأن الله تعالى أمر ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق قبل وقوعه، كذا قال المهلب، ويحتمل أن يكون المراد بالخوف وجود علامات الشقاق المقتضى لاستمرار النكد وسوء المعاشرة

(9/404)


14- باب لاَ يَكُونُ بَيْعُ الأَمَةِ طَلاَقًا
5279- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاَثُ سُنَنٍ إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا وَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لاَ تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ"
قوله: "باب لا يكون بيع الأمة طلاقا" في رواية المستملي: "طلاقها" ثم أورد فيه قصة بريرة، قال ابن التين: لم يأت في الباب بشيء مما يدل عليه التبويب، لكن لو كانت عصمتها عليه باقية ما خيرت بعد عتقها، لأن شراء عائشة كان العتق بإزائه، وهذا الذي قاله عجيب، أما أولا فإن الترجمة مطابقة فإن العتق إذا لم يستلزم الطلاق فالبيع بطريق الأولى، وأيضا فإن التخيير الذي جر إلى الفراق لم يقع إلا بسبب العتق لا بسبب البيع، وأما ثانيا فإنها لو طلقت بمجرد البيع لم يكن للتخيير فائدة، وأما ثالثا فإن آخر كلامه يرد أوله، فإنه يثبت ما نفاه من المطابقة، قال ابن بطال: اختلف السلف هل يكون بيع الأمة طلاقا؟ فقال الجمهور: لا يكون بيعها طلاقا، وروى عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب ومن التابعين عن سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد قالوا: يكون طلاقا وتمسكوا بظاهر قوله تعالى :{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وحجة الجمهور حديث الباب، وهو أن بريرة عتقت فخيرت في زوجها، فلو كان طلاقها يقع بمجرد البيع لم يكن للتخيير معنى. ومن حيث النظر أنه عقد على منفعة فلا يبطله بيع الرقبة كما في العين المؤجرة، والآية نزلت في المسبيات فهن المراد بملك اليمين على ما ثبت في الصحيح من سبب نزولها ا هـ ملخصا. وما نقله عن الصحابة أخرجه ابن أبي شيبة بأسانيد فيها انقطاع، وفيه عن جابر وأنس أيضا، وما نقله عن التابعين فيه بأسانيد صحيحة، وفيه أيضا عن عكرمة والشعبي نحوه، وأخرجه سعيد بن منصور عن

(9/404)


ابن عباس بسند صحيح، وروى حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا زوج عبده بأمته فالطلاق بيد العبد وإذا اشترى أمة لها زوج فالطلاق بيد المشتري. وأخرج سعيد بن منصور من طريق الحسن قال: إباق العبد طلاقه. حديث عائشة في قصة بريرة أورد المصنف في أول الصلاة وفي عدة أبواب مطولا ومختصرا، وطريق ربيعة التي أوردها هنا أوردها موصولة من طريق مالك عنه عن القاسم عن عائشة، وأوردها في الأطعمة من طريق إسماعيل بن جعفر عنه عن القاسم مرسلا، ولا يضر إرساله لأن مالكا أحفظ من إسماعيل وأتقن، وقد وافقه أسامة بن زيد وغير واحد عن القاسم، وكذلك رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، لكن صدره بقصة اشتراط الذين باعوها على عائشة أن يكون لهم الولاء، وقد تقدم مستوفى في كتاب العتق، وكذا رواه عروة وعمرة والأسود وأيمن المكي عن عائشة، وكذا رواه نافع عن ابن عمر أن عائشة، ومنهم من قال عن ابن عمر عن عائشة، وروى قصة البرمة واللحم أنس وتقدم حديثه في الهبة ويأتي، وروى ابن عباس قصة تخييرها لما عتقت كما يأتي بعد وطرقه كلها صحيحة. قوله: "كان في بريرة" تقدم ذكرها وضبط اسمها في أواخر العتق، وقيل إنها نبطية بفتح النون والموحدة وقيل إنها قبطة بكسر القاف وسكون الموحدة، وقيل إن اسم أبيها صفوان وأن له صحبة، واختلف في مواليها ففي رواية أسامة بن زيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة أن بريرة كانت لناس من الأنصار، وكذا عند النسائي من رواية سماك عن عبد الرحمن، ووقع في بعض الشروح لآل أبي لهب وهو وهم من قائله انتقل وهمه من أيمن أحد رواة قصة بريرة عن عائشة إلى بريرة، وقيل لآل بني هلال أخرجه الترمذي من رواية جرير عن هشام ابن عروة. قوله: "ثلاث سنن" وفي رواية هشام بن عروة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه "ثلاث قضيات" وفي حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود "قضى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أربع قضيات" فذكر نحو حديث عائشة وزاد: "وأمرها أن تعتد عدة الحرة" أخرجه الدار قطني، وهذه الزيادة لم تقع في حديث عائشة فلذلك اقتصرت على ثلاث، لكن أخرج ابن ماجه من طريق الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: "أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض" وهذا مثل حديث ابن عباس في قوله: "تعتد عدة الحرة" ويخالف ما وقع في رواية أخرى عن ابن عباس "تعتد بحيضة" وقد تقدم البحث في عدة المختلعة وأن من قال الخلع فسخ قال تعتد بحيضة، وهنا ليس اختيار العتيقة نفسها طلاقا فكان القياس أن تعتد بحيضة، لكن الحديث الذي أخرجه ابن ماجه على شرط الشيخين بل هو في أعلى درجات الصحة، وقد أخرج أبو يعلى والبيهقي من طريق أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عدة بريرة عدة المطلقة" وهو شاهد قوي، لأن أبا معشر وإن كان فيه ضعف لكن يصلح في المتابعات. وأخرج ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وآخرين "أن الأمة إذا أعتقت تحت العبد فطلاقها طلاق عبد وعدتها عدة حرة" وقد قدمت في العتق أن العلماء صنفوا في قصة بريرة تصانيف، وأن بعضهم أوصلها إلى أربعمائة فائدة، ولا يخالف ذلك قول عائشة "ثلاث سنن" لأن مراد عائشة ما وقع من الأحكام فيها مقصودا خاصة، لكن لما كان كل حكم منها يشتمل على تقعيد قاعدة يستنبط العالم الفطن منها فوائد جمة وقع التكثر من هذه الحيثية، وانضم إلى ذلك ما وقع في سياق القصة غير مقصود، فإن في ذلك أيضا فوائد تؤخذ بطريق التنصيص أو الاستنباط، أو اقتصر على الثلاث أو الأربع لكونها أظهر ما فيها وما عداها إنما يؤخذ بطريق الاستنباط، أو لأنها أهم والحاجة إليها أمس. قال القاضي عياض: معنى ثلاث أو أربع

(9/405)


أنها شرعت في قصتها، وما يظهر فيها مما سوى ذلك فكان قد علم من غير قصتها، وهذا أولى من قول من قال: ليس في كلام عائشة حصر، ومفهوم العدد ليس بحجة وما أشبه ذلك من الاعتذارات التي لا تدفع سؤال ما الحكمة في الاقتصار على ذلك. قوله: "إنها أعتقت فخيرت" زاد في رواية إسماعيل بن جعفر "في أن تقر تحت زوجها أو تفارقه" وتقر بفتح وتشديد الراء أي تدوم، وتقدم في العتق من طريق الأسود عن عائشة "فدعاها النبي صلى الله عليه وسلم فخيرها من زوجها فاختارت نفسها" وفي رواية للدار قطني من طريق أبان صالح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: اذهبي فقد عتق معك بضعك" زاد ابن سعد من طريق الشعبي مرسلا "فاختاري" ويأتي تمام ذلك في شرح الباب الذي بعد هذا ببابين. قوله: "وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن أعتق" هذه السنة الثانية، وقد تقدم بيان سببها مستوفى في العتق والشروط. وفي رواية نافع عن ابن عمر الماضية وكذا عن عدة طرق عن عائشة "إنما الولاء لمن أعتق" ويستفاد منه أن كلمة "إنما" تفيد الحصر وإلا لما لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره وهو الذي أريد من الخبر، ويؤخذ منه أنه لا ولاء للإنسان على أحد بغير العتق فينتفي من أسلم على يده أحد، وسيأتي البحث فيه في الفرائض وأنه لا ولاء للملتقط خلافا لإسحاق، ولا لمن حالف إنسانا خلافا لطائفة من السلف، وبه قال أبو حنيفة. ويؤخذ من عمومه أن الحربي لو أعتق عبدا ثم أسلما أنه يستمر ولاؤه له وبه قال الشافعي. وقال ابن عبد البر إنه قياس قول مالك، ووافق على ذلك أبو يوسف، وخالف أصحابه فإنهم قالوا للعتيق في هذه الصورة أن يتولى من يشاء. قوله: "ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم" زاد في رواية إسماعيل بن جعفر "بيت عائشة". قوله: "والبرمة تفور بلحم، فقرب إليه خبز وأدم" في رواية إسماعيل بن جعفر "فدعا بالغداء فأتى بخبز". قوله: "ألم أر البرمة فيها لحم؟ قالوا: بلى، ولكن ذاك لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة" وقع في رواية الأسود عن عائشة في الزكاة "وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بلحم فقالوا هذا ما تصدق به على بريرة" وكذا في حديث أنس في الهبة، ويجمع بينهما بأنه لما سأل عنه أتى به وقيل له هل ذلك. ووقع في رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة في كتاب الهبة "فأهدى لها لحم فقيل هذا تصدق به على بريرة" فإن كان الضمير لبريرة فكأنه أطلق على الصدقة عليها هدية لها، وإن كان لعائشة فلأن بريرة لما تصدقوا عليها باللحم أهدت منه لعائشة. ويؤيده ما وقع في رواية أسامة بن زيد عن القاسم عند أحمد وابن ماجه: "ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرجل يفور بلحم، فقال: من أين لك هذا؟ قلت: أهدته لنا بريرة وتصدق به عليها" وعند أحمد ومسلم من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة "وكان الناس يتصدقون عليها فتهدي لنا" وقد تقدم في الزكاة ما يتعلق بهذا المعنى، واللحم المذكور وقع في بعض الشروح أنه كان لحم بقر، وفيه نظر بل جاء عن عائشة "تصدق على مولاتي بشاة من الصدقة" فهو أولى أن يؤخذ به، ووقع بعد قوله: "هو عليها صدقة ولنا هدية" من رواية أبي معاوية المذكورة "فكلوه"، وسأذكر فوائده بعد بابين إن شاء الله تعالى

(9/406)


15- باب خِيَارِ الأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ
5280- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَهَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَأَيْتُهُ عَبْدًا يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ"
[الحديث 5280- أطرافه في: 5281، 5282، 5283]

(9/406)


5281- حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلاَنٍ يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا"
5282- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ عَبْدًا لِبَنِي فُلاَنٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ"
قوله: "باب خيار الأمة تحت العبد" يعني إذا عتقت، وهذا مصير من البخاري إلى ترجيح قول من قال إن زوج بريرة كان عبدا، وقد ترجم في أوائل النكاح بحديث عائشة في قصة بريرة "باب الحرة تحت العبد" وهو جزم منه أيضا بأنه كان عبدا، ويأتي بيان ذلك في الباب الذي يليه، واعترض عليه هناك ابن المنير بأنه ليس في حديث الباب أن زوجها كان عبدا، وإثبات الخيار لها لا يدل لأن المخالف يدعي أن لا فرق في ذلك بين الحر والعبد، والجواب أن البخاري جرى على عادته من الإشارة إلى ما في بعض طرق الحديث الذي يورده، ولا شك أن قصة بريرة لم تتعدد، وقد رجح عنده أن زوجها كان عبدا فلذلك جزم به، واقتضت الترجمة بطريق المفهوم أن الأمة إذا كانت تحت حر فعتقت لم يكن لها خيار، وقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب الجمهور إلى ذلك، وذهب الكوفيون إلى إثبات الخيار لمن عتقت سواء كانت تحت حر أم عبد، وتمسكوا بحديث الأسود بن يزيد عن عائشة أن زوج بريرة كان حرا، وقد اختلف فيه على راوية هل هو من قول الأسود أو رواه عن عائشة أو هو قول غيره كما سأبينه، قال إبراهيم بن أبي طالب أحد حفاظ الحديث وهو من أقارن مسلم فيما أخرجه البيهقي عنه: خالف الأسود الناس في زوج بريرة. وقال الإمام أحمد إنما يصح أنه كان حرا عن الأسود وحده، وما جاء عن غيره فليس بذاك، وصح عن ابن عباس وغيره انه كان عبدا، ورواه علماء المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئا وعملوا به فهو أصح شيء، وإذا عتقت الأمة تحت الحر فعقدها المتفق على صحته لا يفسخ بأمر مختلف فيه ا هـ. وسيأتي مزيد لهذا بعد بابين وحاول بعض الحنفية ترجيح رواية من قال كان حرا على رواية من قال كان عبدا فقال: الرق تعقبه الحرية بلا عكس، وهو كما قال، لكن محل طريق الجمع إذا تساوت الروايات في القوة أما مع التفرد في مقابلة الاجتماع فتكون الرواية المنفردة شاذة والشاذ مردود، ولهذا لم يعتبر الجمهور طريق الجمع بين الروايتين مع قولهم إنه لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع، والذي يتحصل من كلام محققيهم وقد أكثر منه الشافعي ومن تبعه أن محل الجمع إذا لم يظهر الغلط في إحدى الروايتين، ومنهم من شرط التساوي في القوة، قال ابن بطال: أجمع العلماء أن الأمة إذا عتقت تحت عبد فإن لها الخيار، والمعنى فيه ظاهر لأن العبد غير مكافئ للحرة في أكثر الأحكام، فإذا عتقت ثبت لها الخيار من البقاء في عصمته أو المفارقة لأنها في وقت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار، واحتج من قال إن لها الخيار ولو كانت تحت حر بأنها عند التزويج لم يكن لها رأي لاتفاقهم على أن لمولاها أن يزوجها بغير رضاها فإذا عتقت تجدد لها حال لم يكن قبل ذلك. وعارضهم الآخرون بأن ذلك لو كان مؤثرا لثبت الخيار للبكر إذا زوجها أبوها ثم بلغت رشيدة وليس كذلك فكذلك الأمة تحت الحر فإنه لم يحدث لها بالعتق حال ترتفع به عن

(9/407)


الحر فكانت كالكتابية تسلم تحت المسلم، واختلف في التي تختار الفراق هل يكون ذلك طلاقا أو فسخا؟ فقال مالك والأوزاعي والليث: تكون طلقه بائنة، وثبت مثله عن الحسن وابن سيرين أخرجه ابن أبي شيبة. وقال الباقون يكون فسخا لا طلاقا. قوله: "عن ابن عباس قال: رأيته عبدا يعني زوج بريرة" هكذا أورده مختصرا من هذا الوجه وهو لفظ شعبة، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق مربع عن أبي الوليد شيخ البخاري فيه عن شعبة وحده، وزاد الإسماعيلي من طريق عبد الصمد عن شعبة "رأيته يبكي" وفي رواية له "لقد رأيته يتبعها" وأما لفظ همام فأخرجه أبو داود من طريق عفان عنه بلفظ: "أن زوج بريرة كان عبدا أسود يسمى مغيثا، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم وأمرها أن تعتد" وساقه أحمد عن عفان عن همام مطولا وفيه أنها تعتد عدة الحرة. ثم أورد البخاري الحديث من وجهين عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال في أحدهما "ذاك مغيث عبد بني فلان" يعني زوج بريرة، وفي الأخرى "كان زوج بريرة عبدا أسود يقال له مغيث" وهكذا جاء من غير وجه أن اسمه مغيث، وضبط في البخاري بضم أوله كسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة ثم مثلثة، ووقع عند العسكري بفتح المهملة وتشديد التحتانية وآخره موحدة، والأول أثبت وبه جزم ابن ماكولا وغيره، ووقع عند المستغفري في "الصحابة" من طريق محمد ابن عجلان عن يحيى بن عروة عن عروة عن عائشة في قصة بريرة أن اسم زوج بريرة مقسم، وما أظنه إلا تصحيفا. قوله: "عبدا لبني فلان" عند الترمذي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن أيوب "كان عبدا أسود لبني المغيرة" وفي رواية هشيم عن سعيد بن منصور "وكان عبدا لآل المغيرة من بني مخزوم" ووقع في المعرفة لابن منده مغيث مولى أحمد بن جحش، ثم ساق الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة مثل ما وقع في الترمذي، لكن عند أبي داود بسند فيه ابن إسحاق "وهي عند مغيث عبد لآل أبي أحمد" وقال ابن عبد البر "مولى بني مطيع" والأول أثبت لصحة إسناده ويبعد الجمع لأن بني المغيرة من آل مخزوم في رواية هشيم وبني جحش من أسد بن خزيمة وبني مطيع من آل عدي بن كعب، ويمكن أن يدعي أنه كان مشتركا بينهم على بعده، أو انتقل. قوله: "عبدا لبني فلان" عند الترمذي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن أيوب "كان عبدا أسود لبني المغيرة" وفي رواية هشيم عن سعيد بن منصور "وكان عبدا لآل المغيرة من بني مخزوم" ووقع في المعرفة لابن منده مغيث مولى أحمد بن جحش، ثم ساق الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة مثل ما وقع في الترمذي، لكن عند أبي داود بسند فيه ابن إسحاق "وهي عند مغيث عبد لآل أبي أحمد" وقال ابن عبد البر "مولى بني مطيع" والأول أثبت لصحة إسناده ويبعد الجمع لأن بني المغيرة من آل مخزوم في رواية هشيم وبني جحش من أسد بن خزيمة وبني مطيع من آل عدي بن كعب، ويمكن أن يدعي أنه كان مشتركا بينهم على بعده، أو انتقل.

(9/408)


16- باب شَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ
5283- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِعبَّاسٍ يَا عَبَّاسُ أَلاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَوْ رَاجَعْتِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي قَالَ إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ قَالَتْ لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ"
قوله: "باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في زوج بريرة" أي عند بريرة لترجع إلى عصمته، قال ابن المنير: موقع هذه الترجمة من الفقه تسويغ الشفاعة للحاكم عند الخصم في خصمه أن يحط عنه أو يسقط ونحو ذلك، وتعقب بأن قصة بريرة لم تقع الشفاعة فيها عند الترافع، وفيه نظر لأن ظاهر حديث الباب أنه بعد الحكم؛ لكن لم يصرح بالترافع إذ رؤية ابن عباس لزوجها يبكي، وقول العباس وبعده لو راجعته، فيحتمل أن يكون القول عند الترافع لأن الواو لا تقتضي الترتيب. قوله: "حدثني محمد" هو ابن سلام على ما بينت في المقدمة وقد أخرجه النسائي عن محمد بن بشار

(9/408)


وابن ماجه عن محمد بن المثنى ومحمد بن خلاد الباهلي قالوا "حدثنا عبد الوهاب الثقفي"، وابن بشار وابن المثنى من شيوخ البخاري فيحتمل أن يكون المراد أحدهما. قوله: "حدثنا عبد الوهاب" هو ابن عبد المجيد الثقفي وخالد شيخه هو الحذاء، وقد سبق في الباب الذي قبله عن قتيبة عن عبد الوهاب وهو الثقفي هذا عن أيوب، فكأن له فيه شيخين لكن رواية خالد الحذاء أتم سياقا كما ترى، وطريق أيوب أخرجها الإسماعيلي من طريق محمد بن الوليد البصري عن عبد الوهاب الثقفي، وطريق خالد أخرجها من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي عن الثقفي أيضا وساقه عنهما نحو ما وقع عند البخاري. قوله: "يطوف خلفها يبكي" في رواية وهيب عن أيوب في الباب الذي قبله "يتبعها في سكك المدينة يبكي عليها" والسكك بكسر المهملة وفتح الكاف جمع سكة وهي الطرق، ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة "في طرق المدينة ونواحيها، وأن دموعه تسيل على لحيته يترضاها لمختاره فلم تفعل" وهذا ظاهره أن سؤاله لها كان قبل الفرقة، وظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الباب: "لو راجعته" أن ذلك كان بعد الفرقة، وبه جزم ابن بطال فقال: لو كان قبل الفرقة لقال لو اخترته، قلت: ويحتمل أن يكون وقع له ذلك قيل وبعد. وقد تمسك برواية سعيد من لم يشترط الفور في الخيار هنا، وسيأتي البحث فيه بعد. قوله: "يا عباس" هو ابن عبد المطلب والد راوي الحديث، وتقدم ما فيه. وفي رواية ابن ماجه: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "للعباس يا عباس" وعند سعيد بن منصور عن هشيم قال: "أنبأنا خالد هو الحذاء بسنده أن العباس كان كلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب إليها في ذلك" وفيه دلالة على أن قصة بريرة كانت متأخرة في السنة التاسعة أو العاشرة، لأن العباس إنما سكن المدينة بعد رجوعهم من غزوة الطائف وكان ذلك في أواخر سنة ثمان، ويؤيده أيضا قول ابن عباس أنه شاهد ذلك، وهو إنما قدم المدينة مع أبويه. ويؤيد تأخر قصتها أيضا - بخلاف قول من زعم أنها كانت قبل الإفك - أن عائشة في ذلك الزمان كانت صغيرة، فيبعد وقوع تلك الأمور والمراجعة والمسارعة إلى الشراء والعتق منها يومئذ، وأيضا فقول عائشة "إن شاء مواليك أن أعدها لهم عدة واحدة" فيه إشارة إلى وقوع ذلك في آخر الأمر لأنهم كانوا في أول الأمر في غاية الضيق ثم حصل لهم التوسع بعد الفتح، وفي كل ذلك رد على من زعم أن قصتها كانت متقدمة قبل قصة الإفك، وحمله على ذلك وقوع ذكرها في حديث الإفك، وقد قدمت الجواب عن ذلك هناك. ثم رأيت الشيخ تقي الدين السبكي استشكل القصة ثم جوز أنها كانت تخدم عائشة قبل شرائها أو اشترتها وأخرت عتقها إلى بعد الفتح أو دام حزن زوجها عليها مدة طويلة أو كان حصل الفسخ وطلب أن ترده بعقد جديد أو كانت لعائشة ثم باعتها ثم استعادتها بعد الكتابة ا هـ، وأقوى الاحتمالات الأول كما ترى. قوله: "لو راجعته" كذا في الأصول بمثناة واحدة ووقع في رواية ابن ماجه: "لو راجعتيه" بإثبات تحتانية ساكنة بعد المثناة وهي لغة ضعيفة، وزاد ابن ماجه: "فإنه أبو ولدك" وظاهره أنه كان له منها ولد. قوله: "تأمرني" زاد الإسماعيلي: "قال لا" وفيه إشعار بأن الأمر لا ينحصر في صيغة افعل لأنه خاطبها بقوله: "لو راجعته. فقالت: أتأمرني "أي تريد بهذا القول الأمر فيجب علي؟ وعند ابن مسعود من مرسل ابن سيرين يسند صحيح "فقالت: يا رسول الله. أشيء واجب على؟ قال: لا". قوله: "قال: إنما أنا أشفع" في رواية ابن ماجه: "إنما أشفع" أي أقول ذلك على سبيل الشفاعة له لا على سبيل الحتم عليك. قوله: "فلا حاجة لي فيه" أي فإذا لم تلزمني بذلك لا اختيار العود إليه. وقد وقع في الباب الذي بعده "لو أعطاني كذا وكذا ما كنت عنده".

(9/409)


باب الولاء لمن اعتق
...
17- باب 5284- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَأَبَى مَوَالِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلاَءَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ فَقِيلَ إِنَّ هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّة"ٌ
حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَزَادَ فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِهَا"
قوله: "باب" كذا لهم بغير ترجمة، وهو من متعلقات ما قبله، وأورد فيه قصة بريرة عن عبد الله بن رجاء عن شعبة عن الحكم وهو ابن عتيبة بمثناة وموحدة مصغر عن إبراهيم وهو النخعي عن الأسود وهو ابن يزيد "أن عائشة أرادت أن تشتري بريرة" فساق القصة مختصرة وصورة سياقه الإرسال، لكن أورده في كفارات الأيمان مختصرا عن سليمان بن حرب عن شعبة فقال فيه: "عن الأسود عن عائشة" وكذا أورده في الفرائض عن حفص ابن عمر عن شعبة وزاد في آخره: "قال الحكم: وكان زوجها حرا" ثم أورده بعده من طريق منصور عن إبراهيم عن الأسود أن عائشة فساق نحو سياق الباب وزاد فيه: "وخيرت فاختارت نفسها وقالت: لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه، قال الأسود: وكان زوجها حرا" قال البخاري: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس "رأيته عبدا" أصح. وقال في الذي قبله في قول الحكم نحو ذلك، وقد أورد البخاري عقب رواية عبد الله بن رجاء هذه عن آدم عن شعبة ولم يسق لفظه لكن قال: "وزاد: فخيرت من زوجها" وقد أورده في الزكاة عن آدم بهذا الإسناد فلم يذكر هذه الزيادة، وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن آدم شيخ البخاري فيه فجعل الزيادة من قول إبراهيم ولفظه في آخره: "قال الحكم قال إبراهيم: وكان زوجها حرا فخيرت من زوجها" فظهر أن هذه الزيادة مدرجة وحذفها في الزكاة لذلك، وإنما أوردها هنا مشيرا إلى أن أصل التخيير في قصة بريرة ثابت من طريق أخرى وقد قال الدار قطني في "العلل" : لم يختلف على عروة عن عائشة أنه كان عبدا، وكذا قال جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن عائشة، وأبو الأسود وأسامة بن زيد عن القاسم. قلت: وقع لبعض الرواة فيه غلط، فأخرج قاسم بن أصبغ في مصنفه وابن حزم من طريقه قال أنبأنا أحمد بن يزيد المعلم حدثنا موسى بن معاوية عن جرير عن هشام عن أبيه عن عائشة "كان زوج بريرة حرا" وهذا وهم من موسى أو من أحمد، فإن الحفاظ من أصحاب هشام ومن أصحاب جرير قالوا كان عبدا، منهم إسحاق بن راهويه وحديثه عن النسائي، وعثمان بن أبي شيبة وحديثه عند أبي داود، وعلي بن حجر وحديثه عند الترمذي، وأصله عند مسلم وأحال به على رواية أبي أسامة عن هشام وفيه أنه كان عبدا، قال الدار قطني: وكذا قال أبو معاوية عن هشام بن عروة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه. قلت: ورواه شعبة عن عبد الرحمن فقال كان حرا، ثم رجع عبد الرحمن فقال ما أدري، وقد تقدم في العتق قال الدار قطني وقال عمران بن حدير عن عكرمة عن عائشة كان حرا وهو وهم، قلت: في شيئين في قوله حر وفي قوله عائشة، وإنما هو من رواية عكرمة عن ابن عباس، ولم يختلف على ابن عباس في أنه كان عبدا، وكذا جزم به الترمذي عن ابن عمر وحديثه عند الشافعي والدار قطني وغيرهما، وكذا أخرجه النسائي من حديث صفية بنت أبي عبيد قالت كان زوج بريرة عبدا

(9/410)


وسنده صحيح. وقال النووي: يؤيد قول من قال أنه كان عبدا قول عائشة كان عبدا، ولو كان حرا لم يخيرها، فأخبرت وهي صاحبة القصة بأنه كان عبدا، ثم عللت بقولها "ولو كان حرا لم يخيرها" ومثل هذا لا يكاد أحد يقوله إلا توقيفا، وتعقب بأن هذه الزيادة في رواية جرير عن هشام بن عروة في آخر الحديث، وهي مدرجة من قول عروة، بين ذلك في رواية مالك وأبي داود والنسائي. نعم وقع في رواية أسامة بن زيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: "كانت بريرة مكاتبة لأناس من الأنصار وكانت تحت عبد" الحديث أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي، وأسامة فيه مقال، وأما دعوى أن ذلك لا يقال إلا بتوقيف فمردودة فإن للاجتهاد فيه مجالا، وقد تقدم قريبا توجيهه من حيث النظر أيضا، قال الدار قطني "وقال إبراهيم عن الأسود عن عائشة: كان حرا". قلت: وأصرح ما رأيته في ذلك رواية أبي معاوية "حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كان زوج بريرة حرا فلما عتقت خيرت" الحديث أخرجه أحمد عنه. وأخرج ابن أبي شيبة عن إدريس عن الأعمش بهذا السند عن عائشة قالت: "كان زوج بريرة حرا" ومن وجه آخر عن النخعي عن الأسود أن عائشة حدثته "أن زوج بريرة كان حرا حين أعتقت" فدلت الروايات المفصلة التي قدمتها آنفا على أنه مدرج من قول الأسود أو من دونه فيكون من أمثلة ما أدرج في أول الخبر وهو نادر فإن الأكثر أن يكون في آخره ودونه أن يقع في وسطه، وعلى تقدير أن يكون موصولا فترجح رواية من قال كان عبدا بالكثرة، وأيضا فآل المرء أعرف بحديثه، فإن القاسم ابن أخي عائشة وعروة ابن أختها وتابعهما غيرهما فروايتهما أولى من رواية الأسود فإنهما أقعد بعائشة وأعلم بحديثها والله أعلم. ويترجح أيضا بأن عائشة كانت تذهب إلى أن الأمة إذا عتقت تحت الحر لا خيار لها، وهذا بخلاف ما روى العراقيون عنها فكان يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها ويدعوا ما روي عنها لا سيما وقد اختلف عنها فيه، وادعى بعضهم أنه يمكن الجمع بين الروايتين بحمل قول من قال كان عبدا على اعتبار ما كان عليه ثم أعتق، فلذلك قال من قال كان حرا، ويرد هذا الجمع ما تقدم من قول عروة "كان عبدا ولو كان حرا لم تخير" وأخرجه الترمذي بلفظ: "أن زوج بريرة كان عبدا أسود يوم أعتقت" فهذا يعارض الرواية المتقدمة عن الأسود، ويعارض الاحتمال المذكور احتمال أن يكون من قال كان حرا أراد ما آل إليه أمره، وإذا تعارضا إسنادا واحتمالا احتيج إلى الترجيح ورواية الأكثر يرجح بها وكذلك الأحفظ وكذلك الألزم، وكل ذلك موجود في جانب من قال كان عبدا. وفي قصة بريرة من الفوائد وقد تقدم بعضها في المساجد وفي الزكاة والكثير منها في العتق: جواز المكاتبة بالسنة تقريرا لحكم الكتاب، وقد روى ابن أبي شيبة في "الأوائل" بسند صحيح أنها أول كتابة كانت في الإسلام، ويرد عليه قصة سلمان، فيجمع بأن أوليته في الرجال وأولية بريرة في النساء، وقد قيل إن أول مكاتب الإسلام أبو أمية عبد عمر، وادعى الروياني أن الكتابة لم تكن تعرف في الجاهلية وخولف. ويؤخذ من مشروعية نجوم الكتابة البيع إلى أجل والاستقراض ونحو ذلك، وفيه إلحاق الإماء بالعبيد لأن الآية طاهرة في الذكور، وفيه جواز كتابة أحد الزوجين الرقيقين، ويلحق به جواز بيع أحدهما دون الآخر، وجواز كتابة من لا مال له ولا حرفة، كذا قيل وفيه نظر لأنه لا يلزم من طلبها من عائشة الإعانة على حالها أن يكون لا مال لها ولا حرفة، وفيه جواز بيع المكاتب إذا رضي ولم يعجز نفسه إذا وقع التراضي بذلك، وحمله من منع على أنها عجزت نفسها قبل البيع ويحتاج إلى دليل، وقيل إنما وقع البيع على نجوم الكتابة وهو

(9/411)


بعيد جدا ويؤخذ منه أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء، فيتفرع منه إجراء أحكام الرقيق كلها في النكاح والجنايات والحدود وغيرها. وقد أكثر بسردها من ذكرنا أنهم جمعوا الفوائد المستنبطة من حديث بريرة. ومن ذلك أن من أدى أكثر نجومه لا يعتق تغليبا لحكم الأكثر، وأن من أدى من النجوم بقدر قيمته يعتق، وأن من أدى بعض نجومه لم يعتق منه بقدر ما أدى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في شراء بريرة من غير استفصال. وفيه جواز بيعه المكاتب والرقيق بشرط العتق، وأن بيع الأمة المزوجة ليس طلاقا كما تقدم تقريره قريبا وأن عتقها ليس طلاقا ولا فسخا لثبوت التخيير، فلو طلقت بذلك واحدة لكان لزوجها الرجعة ولم يتوقف على إذنها، أو ثلاثا لم يقل لها لو راجعته لأنها ما كانت تحل له إلا بعد زوج آخر، وأن بيعها لا يبيح لمشتريها وطأها لأن تخييرها يدل على بقاء علقة العصمة وأن سيد المكاتب لا يمنعه من الاكتساب وأن اكتسابه من حين الكتابة يكون له جواز سؤال المكاتب من يعينه على بعض نجومه وإن لم تحل، وأن ذلك لا يقتضي تعجيزه، وجواز سؤال ما لا يضطر السائل إليه في الحال، وجواز الاستعانة بالمرأة المزوجة، وجواز تصرفها في مالها بغير إذن زوجها، وبذل المال في طلب الأجر حتى في الشراء بالزيادة على ثمن المثل بقصد التقرب بالعتق، ويؤخذ منه جواز شراء من يكون مطلق التصرف السلعة بأكثر من ثمنها لأن عائشة بذلت نقدا ما جعلوه نسيئة في تسع سنين لحصول الرغبة في النقد أكثر من النسيئة، وجواز السؤال في الجملة لمن يتوقع الاحتياج إليه فيتحمل الأخبار الواردة في الزجر عن السؤال على الأولوية. وفيه جواز سعي المرقوق في فكاك رقبته ولو كان بسؤال من يشتري ليعتق وإن أضر ذلك بسيده لتشوف الشارع إلى العتق، وفيه بطلان الشروط الفاسدة في المعاملات وصحة الشروط المشروعة لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" وقد تقدم بسطه في الشروط، ويؤخذ منه أن من استثنى خدمة المرقوق عند بيعه لم يصح شرطه، وأن من شرط شرطا فاسدا لم يستحق العقوبة إلا أن علم بتحريمه وأصر عليه، وأن سيد المكاتب لا يمنعه من السعي في تحصيل مال الكتابة ولو كان حقه في الخدمة ثابتا، وأن المكاتب إذا أدى نجومه من الصدقة لم يردها السعيد وإذا أدى نجومه قبل حلولها كذلك، ويؤخذ منه أنه يعتق أخذا من قول موالي بريرة "إن شاءت أن تحتسب عليك" فإن ظاهره في قبول تعجيل ما اتفقوا على تأجيله ومن لازمه حصول العتق، ويؤخذ منه أيضا أن من تبرع عن المكاتب بما عليه عتق، واستدل به على عدم وجوب الوضع عن المكاتب لقول عائشة "أعدها لهم عدة واحدة" ولم ينكر، وأجيب بجواز قصد دفعهم لها بعد القبض. وفيه جواز إبطال الكتابة وفسخ عقدها إذا تراضى السيد والعبد، وإن كان فيه إبطال التحرير لتقرير بريرة على السعي بين عائشة ومواليها في فسخ كتابتها لتشتريها عائشة. وفيه ثبوت الولاء للمعتق والرد على من خالفه، ويؤخذ من ذلك عدة مسائل كعتق السائبة واللقيط والحليف ونحو ذلك كثر بها العدد من تكلم على حديث بريرة. وفيه مشروعية الخطبة في الأمر المهم والقيام فيها، وتقدمة الحمد والثناء، وقول أما بعد عند ابتداء الكلام في الحاجة، وأن من وقع منه ما ينكر استحب عدم تعيينه؛ وأن استعمال السجع في الكلام لا يكره إلا إذا قصد إليه ووقع متكلفا. وفيه جواز اليمين فيما لا تجب فيه ولا سيما عند العزم على فعل شيء، وأن لغو اليمين لا كفارة فيه لأن عائشة حلفت أن لا تشترط ثم قال لها النبي صلى الله عليه وسلم اشترطي ولم ينقل كفارة. وفيه مناجاة الاثنين بحضرة الثالث في الأمر يستحي منه المناجي ويعلم أن من ناجاه يعلم الثالث به ويستثنى ذلك من النهي الوارد فيه، وفيه جواز سؤال الثالث عن المناجاة المذكورة إذا ظن أن له تعلقا به وجواز

(9/412)


إظهار السر في ذلك ولا سيما إن كان فيه مصلحة للمناجي. وفيه جواز المساومة في المعاملة والتوكيل فيها ولو للرقيق، واستخدام الرقيق في الأمر الذي يتعلق بمواليه وإن لم يأذنوا في ذلك بخصوصه. وفيه ثبوت الولاء للمرأة المعتقة فيستثنى من عموم الولاء لحمة كلحمة النسب فإن الولاء لا ينتقل إلى المرأة بالإرث بخلاف النسب. وفيه أن الكافر يرث ولاء عتيقه المسلم وإن كان لا يرث قريبه المسلم، وأن الولاء لا يباع ولا يوهب وقد تقدم في باب مفرد في العتق، ويؤخذ منه أن معنى قوله في الرواية الأخرى "الولاء لمن أعطى الورق" أن المراد بالمعطى المالك لا من باشر الإعطاء مطلقا فلا يدخل الوكيل، ويؤيده قوله في رواية الثوري عند أحمد "لمن أعطى الورق وولى النعمة" وفيه ثبوت الخيار للأمة إذا عتقت على التفصيل المتقدم وأن خيارها يكون على الفور لقوله في بعض طرقه: "إنها عتقت فدعاها فخيرها فاختارت نفسها" وللعلماء في ذلك أقوال: أحدها وهو قول الشافعي أنه على الفور، وعنه يمتد خيارها ثلاثا، وقيل بقيامها من مجلس الحاكم وقيل من مجلسها وهما عن أهل الرأي، وقيل يمتد أبدا وهو قول مالك والأوزاعي وأحمد وأحد أقوال الشافعي، واتفقوا على أنه إن مكنته من وطئها سقط خيارها، وتمسك من قال به بما جاء في بعض طرقه وهو عند أبي داود من طريق ابن إسحاق بأسانيد عن عائشة أن بريرة أعتقت فذكر الحديث وفي آخره: "إن قربك فلا خيار لك" وروى مالك بسند صحيح عن حفصة أنها أفتت بذلك. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله، قال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفا من الصحابة. وقال به جمع من التابعين منهم الفقهاء السبعة، واختلف فيما لو وطئها قبل علمها بأن لها الخيار هل يسقط أو لا؟ على قولين للعلماء أصحهما عند الحنابلة لا فرق، وعند الشافعية تعذر بالجهل. وفي رواية الدار قطني: إن وطئك فلا خيار لك، ويؤخذ من هذه الزيادة أن المرأة إذا وجدت بزوجها عيبا ثم مكنته من الوطء بطل خيارها. وفيه أن الخيار فسخ لا يملك الزوج فيه رجعة، وتمسك من قال له الرجعة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو راجعته" ولا حجة فيه وإلا لما كان لها اختيار فتعين حمل المراجعة في الحديث على معناها اللغوي والمراد رجوعها إلى عصمته، ومنه قوله تعالى :{فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} مع أنها في المطلق ثلاثا. وفيه إبطال قول من زعم استحالة أن يحب أحد الشخصين الآخر والآخر يبغضه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تعجب من حيث مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا" ؟ نعم يؤخذ منه أن ذلك هو الأكثر الأغلب، ومن ثم وقع التعجب لأنه على خلاف المعتاد، وجوز الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به أن يكون ذلك مما ظهر من كثرة استمالة مغيث لها بأنواع من الاستمالات كإظهاره حبها وتردده خلفها وبكائه عليها مع ما ينضم إلى ذلك من استمالته لها بالقول الحسن والوعد الجميل، والعادة في مثل ذلك أن يميل القلب ولو كان نافرا فلما خالفت العادة وقع التعجب، ولا يلزم منه ما قال الأولون. وفيه أن المرء إذا خير بين مباحين فآثر ما ينفعه لم يلم ولو أضر ذلك برفيقه. وفيه اعتبار الكفاءة في الحرية. وفيه سقوط الكفاءة برضا المرأة التي لا ولي لها، وأن من خير امرأته فاختارت فواقه وقع وانفسخ النكاح بينهما وقد تقدم، وأنها لو اختارت البقاء معه لم ينقص عدد الطلاق. وكثر بعض من تكلم على حديث بريرة هنا في سرد تفاريع التخيير. وفيه أن المرأة إذا ثبت لها الخيار فقالت لا حاجة لي به ترتب على ذلك حكم الفراق، كذا قيل وهو مبني على أن ذلك وقع قبل اختيارها الفراق ولم يقع إلا بهذا الكلام وفيه من النظر ما تقدم. وفيه جواز دخول النساء الأجانب بيت الرجل سواء كان فيه أم لا. وفيه أن المكاتبة لا يلحقها في العتق ولدها ولا زوجها. وفيه تحريم الصدقة على النبي

(9/413)


صلى الله عليه وسلم مطلقا، وجواز التطوع منها على ما يلحق به في تحريم صدقة الفرض كأزواجه ومواليه، وأن موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا تحرم عليهن الصدقة وإن حرمت على الأزواج، وجواز أكل الغنى ما تصدق به على الفقير إذا أهداه له وبالبيع أولى، وجواز قبول الغني هدية الفقير. وفيه الفرق قين الصدقة والهدية في الحكم. وفيه نصح أهل الرجل له في الأمور كلها وجواز أكل الإنسان من طعام من يسر بأكله منه ولو لم يأذن له فيه بخصوصه، وبأن الأمة إذا عتقت جاز لها التصرف بنفسها في أمورها ولا حجر لمعتقها عليها إذا كانت رشيدة، وأنها تتصرف في كسبها دون إذن زوجها إن كان لها زوج. وفيه جواز الصدقة على من يمونه غيره لأن عائشة كانت تمون بريرة ولم ينكر عليها قبولها الصدقة، وأن لمن أهدى لأهله شيء أن يشرك نفسه معهم في الإخبار عن ذلك لقوله: "وهو لنا هدية" وأن من حرمت عليه الصدقة جاز له أكل عينها إذا تغير حكمها، وأنه يجوز للمرأة أن تدخل إلى بيت زوجها ما لا يملكه بغير علمه، وأن تتصرف في بيته بالطبخ وغيره بالاته ووقوده، وجواز أكل المرء ما يجده في بيته إذا غلب الحل في العادة، وأنه ينبغي تعريفه بما يخشى توقفه عنه، واستحباب السؤال عما يستفاد به علم أو أدب أو بيان حكم أو رفع شبهة وقد يجب، وسؤال الرجل عما لم يعهده في بيته، وأن هدية الأدنى للأعلى لا تستلزم الإثابة مطلقا، وقبول الهدية وإن نزر قدرها جبر للمهدي، وأن الهدية تملك بوضعها في بيت المهدي له ولا يحتاج إلى التصريح بالقبول، وأن لمن تصدق عليه بصدقة أن يتصرف فيها بما شاء ولا ينقص أجر المتصدق، وأنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إذا لم يكن فيه شبهة، ولا عن الذبيحة إذا ذبحت بين المسلمين، وأن من تصدق عليه قليل لا يتسخطه. وفيه مشاورة المرأة زوجها في التصرفات، وسؤال العالم عن الأمور الدينية، وإعلام العالم بالحكم لمن رآه يتعاطى أسبابه ولو لم يسأل ومشاورة المرأة إذا ثبت لها حكم التخيير في فراق زوجها أو الإقامة عنده، وأن على الذي يشاور بذل النصيحة. وفيه جواز مخالفة المشير فيما يشير به في غير الواجب، واستحباب شفاعة الحاكم في الرفق بالخصم حيث لا ضرر ولا إلزام، ولا لوم على من خالف ولا غضب ولو عظم قدر الشافع، وترجم له النسائي: "شفاعة الحاكم في الخصوم قبل فصل الحكم ولا يجب على المشفوع عنده القبول"، ويؤخذ منه أن التصميم في الشفاعة لا يسوغ فيما تشق الإجابة فيه على المسئول بل يكون على وجه العرض والترغيب. وفيه جواز الشفاعة قبل أن يسألها المشفوع له لأنه لم ينقل أن مغيثا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع له، كذا قيل، وقد قدمت أن في بعض الطرق أن العباس هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فيحتمل أن يكون مغيث سأل العباس في ذلك ويحتمل أن يكون العباس ابتدأ ذلك من قبل نفسه شفقة منه على مغيث، ويؤخذ منه استحباب إدخال السرور على قلب المؤمن. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به: فيه أن الشافع يؤجر ولو لم تحصل إجابته، وأن المشفوع عنده إذا كان دون قدر الشافع لم تمتنع الشفاعة، قال: وفيه تنبيه الصاحب صاحبه على الاعتبار بآيات الله وأحكامه لتعجيب النبي صلى الله عليه وسلم العباس من حب مغيث بريرة، قال: ويؤخذ منه أن نظره صلى الله عليه وسلم كان كله بحضور وفكر، وأن كل ما خالف العادة يتعجب منه ويعتبر به. وفيه حسن أدب بريرة لأنها لم تفصح برد الشفاعة وإنما قالت: "لا حاجة لي فيه". وفيه أن فرط الحب يذهب الحياء لما ذكر من حال مغيث وغلبة الوجد عليه حتى لم يستطع كتمان حبها، وفي ترك النكير عليه بيان جواز قبول عذر من كان في مثل حاله ممن يقع منه ما لا يليق بمنصبه إذا وقع بغير اختياره، ويستنبط من هذا معذرة أهل المحبة في الله إذا حصل لهم الوجد من سماع ما يفهمون منه الإشارة إن أحوالهم حيث

(9/414)


يظهر منهم مالا يصدر عن اختيار من الرقص ونحوه، وفيه استحباب الإصلاح بين المتنافرين سواء كانا زوجين أم لا، وتأكيد الحرمة بين الزوجين إذا كان بينهما ولد لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنه أبو ولدك" ويؤخذ منه أن الشافع يذكر للمشفوع عنده ما يبعث إلى قبوله من مقتضى الشفاعة والحامل عليها، وفيه جواز شراء الأمة دون ولدها وأن الولد يثبت بالفراش والحكم بظاهر الأمر في ذلك. قلت: ولم أقف على تسمية أحد من أولاد بريرة، والكلام محتمل لأن يريد به أنه أبو ولدها بالقوة لكنه خلاف الظاهر. وفيه جواز نسبة الولد إلى أمه. وفيه أن المرأة الثيب لا إجبار عليها ولو كانت معتوقة، وجواز خطبة الكبير والشريف لمن هو دونه. وفيه حسن الأدب في المخاطبة حتى من الأعلى مع الأدنى، وحسن التلطف في الشفاعة. وفيه أن للعيد أن يخطب مطلقته بغير إذن سيد، وأن خطبة المعتدة لا تحرم على الأجنبي إذا خطبها لمطلقها، وأن فسخ النكاح لا رجعة فيه إلا بنكاح جديد، وأن الحب والبغض بين الزوجين لا لوم فيه على واحد منهما لأنه بغير اختيار، وجواز بكاء المحب على فراق حبيبه وعلى ما يفوته من الأمور الدنيوية ومن الدينية بطريق الأولى، وأنه لا عار على الرجل في إظهار حبه لزوجته، وأن المرأة إذا أبغضت الزوج لم يكن لوليها إكراهها على عشرته، وإذا أحبته لم يكن لوليها التفريق بينهما، وجواز ميل الرجل إلى امرأة يطمع في تزويجها أو رجعتها، وجواز كلام الرجل لمطلقته في الطرق واستعطافه لها واتباعها أين سلكت كذلك، ولا يخفى أن محل الجواز عند أمن الفتنة، وجواز الإخبار عما يظهر من حال المرء وإن لم تفصح به لقوله صلى الله عليه وسلم للعباس ما قال. وفيه جواز رد الشافع المنة على المشفوع إليه بقبول شفاعته، لأن قول بريرة للنبي صلى الله عليه وسلم: "أتأمرني" ظاهر في أنه لو قال: "نعم" لقبلت شفاعته، فلما قال: "لا" علم أنه رد عليها ما فهم من المنة في امتثال الأمر، كذا قيل وهو متكلف، بل يؤخذ منه أن بريرة علمت أن أمره وجب الامتثال، فلما عرض عليها ما عرض استفصلت هل هو أمر فيجب عليها امتثاله، أو مشورة فتتحير فيها؟ وفيه أن كلام الحاكم بين الخصوم في مشورة وشفاعة ونحوهما ليس حكما. وفيه أنه يجوز لمن سئل قضاء حاجة أن يشترط على الطالب ما يعود عليه نفعه، لأن عائشة شرطت أن يكون لها الولاء إذا أدت الثمن دفعة واحدة. وفيه جواز أداء الدين على المدين، وأنه يبرأ بأداء غيره عنه، وإفتاء الرجل زوجته فيما لها حظ وغرض إذا كان حقا، وجواز حكم الحاكم لزوجته بالحق، وجواز قول مشتري الرقيق اشتريته لأعتقه ترغيبا للبائع في تسهل البيع، وجواز المعاملة بالدراهم والدنانير عددا إذا كان قدرها بالكتابة معلوما لقولها "أعدها" ولقولها "تسع أواق" ويستنبط منه جواز بيع المعاطاة. وفيه جواز عقد البيع بالكتابة لقوله: "خذيها" ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في حديث الهجرة "قد أخذتها بالثمن". وفيه أن حق اللد مقدم على حق الآدمي لقوله: "شرط الله أحق وأوثق" ومثله الحديث الآخر "دين الله أحق أن يقضي" وفيه جواز الاشتراك في الرقيق لتكرر ذكر أهل بريرة في الحديث. وفي رواية: "كانت لناس من الأنصار" ويحتمل مع ذلك الوحدة وإطلاق ما في الخبر على المجاز. وفيه أن الأيدي ظاهرة في الملك، وأن مشتري السلعة لا يسأل عن أصلها إذا لم تكن ريبة. وفيه استحباب إظهار أحكام العقد للعالم بها إذا كان العاقد يجهلها. وفيه أن حكم الحاكم لا يغير الحكم الشرعي فلا يحل حراما ولا عكسه. وفيه قبول خبر الواحد الثقة وخبر العبد والأمة وروايتهما. وفيه أن البيان بالفعل أقوى من القول، وجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة والمبادرة إليه عند الحاجة، وفيه أن الحاجة إذا اقتضت بيان حكم عام وجب إعلانه أو ندب بحسب الحال. وفيه جواز الرواية بالمعنى والاختصار من الحديث،

(9/415)


والاقتصار على بعضه بحسب الحاجة، فإن الواقعة واحدة وقد رويت بألفاظ مختلفة وزاد بعض الرواة ما لم يذكر الآخر ولم يقدح ذلك في صحته عند أحد العلماء. وفيه أن العدة بالنساء لما تقدم من حديث ابن عباس أنها أمرت أن تعتد عدة الحرة، ولو كان بالرجال لأمرت أن تعتد بعدة الإماء. وفيه أن عدة الأمة إذا عتقت تحت عبد فاختارت نفسها ثلاثة قروء، وأما ما وقع في بعض طرقه: "تعتد بحيضة" فهو مرجوح، ويحتمل أن أصله "تعتد بحيض" فيكون المراد جنس ما تستبرئ به رحمها لا الوحدة وفيه تسمية الأحكام سننا وإن كان بعضها واجبا، وأن تسمية ما دون الواجب سنة اصطلاح حادث. وفيه جواز جبر السيد أمته على تزويج من لا تختاره إما لسوء خلقه أو خلقه وهي بالضد من ذلك، فقد قيل إن بريرة كانت جميلة غير سوداء بخلاف زوجها وقد زوجت منه وظهر عدم اختيارها لذلك بعد عتقها. وفيه أن أحد الزوجين قد يبغض الآخر ولا يظهر له ذلك، ويحتمل أن تكون بريرة مع بغضها مغيثا كانت تصير على حكم الله عليها في ذلك ولا تعامله بما يقضيه البغض إلى أن فرج الله عنها. وفيه تنبيه صاحب الحق على ما وجب له إذا جهله، واستقلال المكاتب بتعجيز نفسه، وإطلاق الأهل على السادة وإطلاق العبيد على الأرقاء، وجواز تسمية العبد مغيثا، وأن مال الكتابة لا حد لأكثره وأن للمعتق أن يقبل الهدية من معتقه ولا يقدح ذلك في ثواب العتق، وجواز الهدية لأهل الرجل بغير استئذانه، وقبول المرأة ذلك حيث لا ريبة وفيه سؤال الرجل عما لم يعهده في بيته، ولا يرد على هذا ما تقدم في قصة أم زرع حيث وقع في سياق المدح "ولا يسأل عما عهد" لأن معناه كما تقدم ولا يسأل عن شيء عهده وفات فلا يقول لأهله أين ذهب؟ وهنا سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء رآه وعاينه ثم أحضر له غيره فسأل عن سبب ذلك لأنه يعلم أنهم لا يتركون إحضاره له شحا عليه بل لتوهم تحريمه، فأراد أن يبين لهم الجواز. وقال ابن دقيق العيد: فيه دلالة على تبسيط الإنسان في السؤال عن أحوال منزله وما عهده فيه قبل والأول أظهر، وعندي أنه مبني على خلاف ما انبنى عليه الأول، لأن الأول بنى على أنه علم حقيقة الأمر في اللحم وأنه مما تصدق به على بريرة، والثاني بنى على أنه لم يتحقق من أين هو فجائز أن يكون مما أهدى لأهل بيته من بعض إلزامها كأقاربها مثلا ولم يتعين الأول. وفيه أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إليه إذا لم يظن تحريمه أو تظهر فيه شبهة، إذ لم يسأل صلى الله عليه وسلم عمن تصدق على بريرة ولا عن حاله، كذا قيل، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أرسل إلى بريرة بالصدقة فلم يتم هذا.

(9/416)


باب قوله تعالى:(ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم)
...
18- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : {وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلاَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}
285- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ أَعْلَمُ مِنْ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ"
قوله: "باب قول الله سبحانه {وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} كذا للأكثر؛ وساق في رواية كريمة إلى قوله: {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} ولم يبت البخاري حكم المسألة لقيام الاحتمال عنده في تأويلها، فالأكثر أنها على العموم وأنها خصت

(9/416)


بآية المائدة، وعن بعض السلف أن المراد بالمشركات هنا عبدة الأوثان والمجوس حكاه ابن المنذر وغيره. ثم أورد المصنف فيه قول ابن عمر في نكاح النصرانية وقوله لا أعلم من الإشراك شيئا أكثر من أن تقول المرأة ربها عيسى" وهذا مصير منه إلى استمرار حكم عموم آية البقرة، فكأنه يرى أن آية المائدة منسوخة وبه جزم إبراهيم الحربي، ورده النحاس فحمله على التورع كما سيأتي، وذهب الجمهور إلى أن عموم آية البقرة خص بآية المائدة وهي قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} فبقي سائر المشركات على أصل التحريم وعن الشافعي قول آخر أن عموم آية البقرة أريد به خصوص آية المائدة، وأطلق ابن عباس أن آية البقرة منسوخة بآية المائدة، وقد قيل إن ابن عمر شذ بذلك فقال ابن المنذر لا يحفظ عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك ا ه، لكن أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن أن عطاء كره نكاح اليهوديات والنصرانيات وقال: كان ذلك والمسلمات قليل، وهذا ظاهر في أنه خص الإباحة بحال دون حال. وقال أبو عبيد: المسلمون اليوم على الرخصة. وروى عن عمر أنه كان يأمر بالتنزه عنهن من غير أن يحرمهن. وزعم ابن المرابط تبعا للنحاس وغيره أن هذا مراد ابن عمر أيضا لكنه خلاف ظاهر السياق، لكن الذي احتج به ابن عمر يقتضي تخصيص المنع بمن يشرك من أهل الكتاب لا من يوحد، وله أن يحمل آية الحل على من لم يبدل دينه مهم، وقد فصل كثير من العلماء كالشافعية بين من دخل آباؤها في ذلك الدين قبل التحريف أو النسخ أو بعد ذلك، وهو من جنس مذهب ابن عمر بل يمكن أن يحمل عليه، وتقدم بحث في ذلك الكلام على حديث هرقل في كتاب الإيمان، فذهب الجمهور إلى تحريم النساء المجوسيات، وجاء عن حذيفة أنه تسرى بمجوسية أخرجه ابن أبي شيبة وأورده أيضا عن سعيد بن المسيب وطائفة وبه قال أبو ثور. وقال ابن بطال هو محجوج بالجماعة والتنزيل، وأجيب بأنه لا إجماع مع ثبوت الخلاف عن بعض الصحابة والتابعين، وأما التنزيل فظاهره أن المجوس ليسوا أهل كتاب لقوله تعالى :{أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} لكن لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من المجوس دل على أنهم أهل كتاب، فكان القياس أن يجري عليهم بقية أحكام الكتابيين، لكن أجيب عن أخذ الجزية من المجوس أنهم اتبعوا فيهم الخير، ولم يرد مثل ذلك في النكاح والذبائح، وسيأتي تعرض. لذلك في كتاب الذبائح إن شاء الله تعالى.

(9/417)


19- باب نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ
5286- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لاَ يُقَاتِلُهُمْ وَلاَ يُقَاتِلُونَهُ وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ"

(9/417)


5287- وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَتْ قَرِيبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَتْ أُمُّ الْحَكَمِ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ الْفِهْرِيِّ فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمانَ الثَّقَفِيُّ"
قوله: "باب نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن" أي قدرها، والجمهور على أنها تعتد عدة الحرة، وعن أبي حنيفة يكفي أن تستبرأ بحيضة. قوله: "أنبأنا هشام" هو ابن يوسف الصنعاني. قوله: "وقال عطاء" هو معطوف على شيء محذوف، كأنه كان في جملة أحاديث حدث بها ابن جريج عن عطاء ثم قال: "وقال عطاء" كما قال بعد فراغه من الحديث: "قال وقال عطاء" فذكر الحديث الثاني بعد سياقه ما أشار إليه من أنه مثل حديث مجاهد. وفي هذا الحديث بهذا الإسناد علة كالتي تقدمت في تفسير سورة نوح، وقد قدمت الجواب عنها، وحاصلها أن أبا مسعود الدمشقي ومن تبعه جزموا بأن عطاء المذكور هو الخراساني، وأن ابن جرير لم يسمع منه التفسير وإنما أخذه عن أبيه عثمان عنه، وعثمان ضعيف، وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس وحاصله الجواب جواز أن يكون الحديث عند ابن جريج بالإسنادين، لأن مثل ذلك لا يخفى على البخاري مع تشدده في شرط الاتصال، مع كون الذي نبه على العلة المذكورة هو على بن المديني شيخ البخاري المشهور به، وعليه يعول غالبا في هذا الفن خصوصا علل الحديث. وقد ضاق مخرج هذا الحديث على الإسماعيلي ثم على أبي نعيم فلم يخرجاه إلا من طريق البخاري نفسه. قوله: "لم تخطب" بضم أوله "حتى تحيض وتطهر" تمسك بظاهره الحنفية، وأجاب الجمهور بأن المراد تحيض ثلاث حيض، لأنها صارت بإسلامها وهجرتها من الحرائر بخلاف ما لو سبيت. وقوله: "فإن هاجر زوجها معها" يأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده. قوله: "وإن هاجر عبد منهم" أي من أهل الحرب. قوله: "ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد" يحتمل أن يعني بحديث مجاهد الذي وصفه بالمثلية الكلام المذكور بعد هذا وهو قوله: "وإن هاجر عبد أو أمة للمشركين إلخ"، ويحتمل أن يريد به كلاما آخر يتعلق بنساء أهل العهد وهو أولى، لأنه قسم المشركين إلى قسمين: أهل حرب، وأهل عهد. وذكر حكم نساء أهل الحرب ثم حكم أرقائهم، فكأنه أحال بحكم نساء أهل العهد على حديث مجاهد، ثم عقبه بذكر حكم أرقائهم. وحديث مجاهد في ذلك وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} أي إن أصبتم مغنما من قريش فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا عوضا، وسيأتي بسط هذا في الباب الذي يليه. قوله: "وقال عطاء عن ابن عباس" هو موصول بالإسناد المذكور أولا عن ابن جريج كما بينته قبل. قوله: "كانت قريبة" بالقاف والموحدة مصغرة في أكثر النسخ، وضبطها الدمياطي بفتح القاف وتبعه الذهبي، وكذلك هو في نسخة معتمدة من طبقات ابن سعد. وكذا للكشميهني في حديث عائشة الماضي في الشروط. وللأكثر بالتصعير كالذي هنا، وحكى ابن التين في هذا الاسم الوجهين. وقال شيخنا في القاموس بالتصغير وقد تفتح. قوله: "ابنة أبي أمية" أي ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهي أخت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ظاهر في أنها لم تكن أسلمت في هذا الوقت، وهو ما بين عمرة الحديبية وفتح مكة، وفيه نظر لأنه ثبت في النسائي بسند صحيح من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة في قصة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بها ففيه: "وكانت أم سلمة

(9/418)


ترضع زينب بنتها فجاء عمار فأخذها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أين زناب؟ فقالت قريبة بنت أبي أمية صادفها عندها: أخذها عمار" الحديث فهذا يقتضي أنها هاجرت قديما لأن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة كان بعد أحد وقبل الحديبية بثلاث سنين أو أكثر، لكن يحتمل أن تكون جاءت إلى المدينة زائرة لأختها قبل أن تسلم، أو كانت مقيمة عند زوجها عمر على دينها قبل أن تنزل الآية، وليس في مجرد كونها كانت حاضرة عند تزويج أختها أن تكون حينئذ مسلمة. لكن يرده أن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري لما نزلت: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} فذكر القصة وفيها "فطلق عمر امرأتين كانتا له بمكة" فهذا يرد أنها كانت مقيمة ولا يرد أنها جاءت زائرة، ويحتمل أن يكون لأم سلمة أختان كل منهما تسمى قريبة تقدم إسلام إحداهما وهي التي كانت حاضرة عند تزويج أم سلمة وتأخر إسلام الأخرى وهي المذكورة هنا، ويؤيد هذا الثاني أن ابن سعد قال في "الطبقات" قريبة الصغرى بنت أبي أمية أخت أم سلمة تزوجها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فولدت له عبد الله وحفصة وأم حكيم، وساق بسند صحيح أن قريبة قالت لعبد الرحمن وكان في خلقه شدة "لقد حذروني منك، قال: فأمرك بيدك، قالت: لا أختار على ابن الصديق أحدا. فأقام عليها" وتقدم في الشروط من وجه آخر في هذه القصة في آخر حديث الزهري عن عروة عن مروان والمسور فذكر الحديث ثم قال: "وبلغنا أن عمر طلق امرأتين كانتا له في الشرك قريبة وابنة أبي جرول، فتزوج قريبة معاوية وتزوج الأخرى أبو جهم بن حذيفة" وهو مطابق لما هنا وزائد عليه، وتقدم من وجه آخر مثله لكن قال: "وتزوج الأخرى صفوان بن أمية" فيمكن الجمع بأن يكون أحدهما تزوج قبل الآخر وأما بنت أبي جرول فوقع في المغازي الكبرى لابن إسحاق "حدثني الزهري عن عروة أنها أم كلثوم بنت عمرو بن جرول" فكأن أباها كنى باسم والده، وجرول بفتح الجيم، وقد بينت ق آخر الحديث الطويل في الشروط أن القائل "وبلغنا" هو الزهري وبينت هناك من وصله عنه من الرواة وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن من رواية بني طلحة مسلسلا بهم عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: "لما نزلت هذه الآية {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} طلقت امرأتي أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وطلق عمر قريبة وأم كلثوم بنت جرول" وقد روى الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال: "قال الزهري: لما نزلت هذه الآية طلق عمر قريبة وأم كلثوم وطلق طلحة أروى بنت ربيعة فرق بينهما الإسلام، حتى نزلت: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} ثم تزوجها بعد أن أسلمت خالد بن سعيد بن العاصي". واختلف في ترك رد النساء إلى أهل مكة مع وقوع الصلح بينهم وبين المسلمين في الحديبية على أن من جاء منهم إلى المسلمين ردوه ومن جاء من المسلمين إليهم لم يردوه هل نسخ حكم النساء من ذلك فمنع المسلمون مم ردهن أو لم يدخلن في أصل الصلح أو هو عام أريد به الخصوص وبين ذلك عند نزول الآية؟ وقد تمسك من قال بالثاني بما وقع في بعض طرقه: "على أن لا يأتيك منا رجل إلا رددته" فمفهومه أن النساء لم يدخلن وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيان "أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: رد علينا من هاجر من نسائنا، فإن شرطنا أن من أتاك منا أن ترده علينا. فقال: كان الشرط في الرجال ولم يكن في النساء" وهذا لو ثبت كان قاطعا للنزاع، لكن يؤيد الأول والثالث ما تقدم في أول الشروط أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط لما هاجرت جاء أهلها يسألون ردها فلم يردها لما نزلت: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} الآية، والمراد قوله فيها {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ}" وذكر ابن الطلاع في أحكامه أن سبيعة الأسلمية هاجرت فأقبل زوجها في طلبها، فنزلت الآية، فرد على زوجها

(9/419)


مهرها والذي أنفق عليها ولم يردها، واستشكل هذا بما في الصحيح أن سبيعة الأسلمية مات عنها سعد بن خولة وهو ممن شهد بدرا في حجة الوداع، فإنه دال على أنها تقدمت هجرتها وهجرة زوجها، ويمكن الجمع بأن يكون سعد بن خولة إنما تزوجها بعد أن هاجرت، ويكون الزوج الذي جاء في طلبها ولم ترد عليه آخر لم يسلم يومئذ، وقد ذكرت في أول الشروط أسماء عدة ممن هاجر من نساء الكفار في هذه القصة.

(9/420)


20- باب إِذَا أَسْلَمَتْ الْمُشْرِكَةُ أَوْ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الذِّمِّيِّ أَوْ الْحَرْبِيِّ وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا أَسْلَمَتْ النَّصْرَانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَقَالَ دَاوُدُ عَنْ إِبْراهِيمَ الصَّائِغِ سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ أَهِيَ امْرَأَتُهُ قَالَ لاَ إِلاَّ أَنْ تَشَاءَ هِيَ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ إِذَا أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ يَتَزَوَّجُهَا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ فِي مَجُوسِيَّيْنِ أَسْلَمَا هُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَبَى الْآخَرُ بَانَتْ لاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ جَاءَتْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَيُعَاوَضُ زَوْجُهَا مِنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} قَالَ لاَ إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَهْدِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ هَذَا كُلُّهُ فِي صُلْحٍ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ
5288- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كَانَتْ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ لاَ وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلاَمِ وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النِّسَاءِ إِلاَّ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلاَمًا"
قوله: "باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي" كذا اقتصر على ذكر النصرانية وهو مثال وإلا فاليهودية كذلك، فلو عبر بالكتابية لكان أشمل، وكأنه راعى لفظ الأثر المنقول في ذلك ولم يجزم بالحكم لإشكاله، بل أورد الترجمة مورد السؤال فقط، وقد جرت عادته أن دليل الحكم إذا كان محتملا لا يجزم بالحكم، والمراد بالترجمة بيان حكم إسلام المرأة قبل زوجها هل تقع الفرقة بينهما بمجرد إسلامها، أو يثبت لها الخيار، أو يوقف في العدة فإن أسلم استمر النكاح وإلا وقعت الفرقة بينهما؟ وفيه خف مشهور وتفاصيل يطول شرحها، وميل البخاري إلى أن الفرقة تقع بمجرد الإسلام كما سأبينه. قوله: "وقال عبد الوارث عن خالد" هو

(9/420)


الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس لم يقع لي موصولا عن عبد الوارث، لكن أحرج ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام عن خالد الحذاء نحوه. قوله: "إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه" وهو عام في المدخول بها وغيرها، ولكن قوله: "حرمت عليه" ليس بصريح في المراد. ووقع في رواية ابن أبي شيبة: "فهي أملك بنفسها" وأخرج الطحاوي من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس في اليهودية أو النصرانية تكون تحت اليهودي أو النصراني فتسلم فقال: "يفرق بينهما الإسلام، ويعلو ولا يعلى عليه" وسنده صحيح. قوله: "وقال داود" هو ابن أبي الفرات، واسم أبي الفرات عمرو بن الفرات، وإبراهيم الصائغ هو ابن ميمون. قوله: "سئل عطاء" هو ابن أبي رباح "عن امرأة من أهل العهد أسلمت ثم أسلم زوجها في العدة أهي امرأته؟ قال: لا، إلا أن تشاء هي بنكاح جديد وصداق" وصله ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عطاء بمعناه، وهو ظاهر في أن الفرقة تقع بإسلام أحد الزوجين ولا تنتظر انقضاء العدة. قوله: "وقال مجاهد إذا أسلم في العدة يتزوجها" وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه. قوله: "وقال الله إلخ" هذا ظاهر في اختياره القول الماضي فإنه كلام البخاري، وهو استدلال منه لتقوية قول عطاء المذكور في هذا الباب، وهو معارض في الظاهر لروايته عن ابن عباس في الباب الذي قبله وهي قوله: "لم تخطب حتى تحيض وتطهر" ويمكن الجمع بينهما لأنه كما يحتمل أن يريد بقوله: "لم تخطب حتى تحيض وتطهر" انتظار إسلام زوجها ما دامت في عدتها يحتمل أيضا أن تأخير الخطبة إنما هو لكون المعتدة لا تخطب ما دامت في العدة، فعلى هذا الثاني لا يبقى بين الخبرين تعارض، وبظاهر قول ابن عباس في هذا وعطاء قال طاوس والثوري وفقهاء الكوفة ووافقهم أبو ثور واختاره ابن المنذر وإليه جنح البخاري، وشرط أهل الكوفة ومن وافقهم أن يعرض على زوجها الإسلام في تلك المدة فيمتنع إن كانا معا في دار الإسلام، وبقول مجاهد قال قتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، واحتج الشافعي بقصة أبي سفيان لما أسلم عام الفتح بمر الظهران في ليلة دخول المسلمين مكة في الفتح كما تقدم في المغازي، فإنه لما دخل مكة أخذت امرأته هند بنت عقبة بلحيته وأنكرت عليه إسلامه فأشار عليها بالإسلام فأسلمت بعد ولم يفرق بينهما ولا ذكر تجديد عقد، وكذا وقع لجماعة من الصحابة أسلمت نساؤهم قبلهم كحكيم بن حزام وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما ولم ينقل أنه جددت عقود أنكحتهم، وذلك مشهور عند أهل المغازي لا اختلاف بينهم في ذلك، إلا أنه محمول عند الأكثر على أن إسلام الرجل وقع قبل انقضاء عدة المرأة التي أسلمت قبله، وأما ما أخرج مالك في "الموطأ" عن الزهري قال: لم يبلغنا أن امرأة هاجرت وزوجها مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، فهذا محتمل للقولين لأن الفرقة يحتمل أن تكون قاطعة ويحتمل أن تكون موقوفة وأخرج حماد بن سلمة وعبد الرزاق في مصنفيهما بإسناد صحيح عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيا أسلمت امرأته فخيرها عمر إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه. قوله: "وقال الحسن وقتادة في مجوسيين أسلما: عما على نكاحهما فإذا سبق أحدهما صاحبه" بالإسلام "لا سبيل له عليها". أما أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه بلفظ: "فإن أسلم أحدهما قبل صاحبه فقد انقطع ما بينهما من النكاح" ومن وجه آخر صحيح عنه بلفظ: "فقد بانت منه" وأما أثر قتادة فوصله ابن أبي شيبة أيضا بسند صحيح عنه بلفظ: "فإذا سبق أحدهما صاحبه بالإسلام فلا سبيل له عليها إلا بخطبة" وأخرج أيضا عن عكرمة وكتاب عمر بن عبد العزيز نحو ذلك. قوله: "وقال ابن جريج: قلت لعطاء امرأة من المشركين جاءت

(9/421)


إلى المسلمين أيعاوض زوجها منها" وقع في رواية ابن عساكر أيعاض بغير واو وقوله: "لقوله تعالى :{وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} قال لا إنما كان ذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل العهد". وصله عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء أرأيت اليوم امرأة من أهل الشرك فذكره سواء، وعن معمر عن الزهري نحو قول مجاهد الآتي وزاد: وقد انقطع ذلك يوم الفتح فلا يعاوض زوجها منها بشيء. قوله: "وقال مجاهد هذا كله في صلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش" وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى :{وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا} قال: من ذهب من أزواج المسلمين إلى الكفار فليعطهم الكفار صدقاتهن وليمسكوهن، ومن ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فكذلك، هذا كله في صلح كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وقد تقدم في أواخر الشروط من وجه آخر عن الزهري قال: بلغنا أن الكفار لما أبوا أن يقروا بما أنفق المسلمون على أزواجهم، أي أبوا أن يعملوا بالحكم المذكور في الآية وهو أن المرأة إذا جاءت من المشركين إلى المسلمين مسلمة لم يردها المسلمون إلى زوجها المشرك بل يعطونه ما أنفق عليها من صداق ونحوه وكذا بعكسه، فامتثل المسلمون ذلك وأعطوهم، وأبى المشركون أن يمتثلوا ذلك فحبسوا من جاءت إليهم مشركة ولم يعطوا زوجها المسلم ما أنفق عليها، فلهذا نزلت: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} قال والعقب ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار إلى الكفار. وأخرج هذا الأثر للطبري من طريق يونس عن الزهري وفيه: "فلو ذهبت امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين رد المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم الذي أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرن، ثم ردوا إلى المشركين فضلا إن كان بقي لهم "ووقع في الأصل" فأمر أن يعطي من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللاتي هاجرن" ومعناه أن العقب المذكور في قوله: {فَعَاقَبْتُمْ} أي أصبتم من صدقات المشركات عوض ما فات من صدقات المسلمات، وهذا تفسير الزهري. وقاله مجاهد أي أصبتم غنيمة فأعطوا منها، وبه صرح جماعة من التابعين كما أخرجه الطبري، لكن جمله على ما إذا لم يحصل من الجهة الأولى شيء، وهو حمل حسن. وقوله في آخر الخبر المذكور "وما يعلم أن أحدا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها" وهذا النفي لا يرده ظاهر ما دلت عليه الآية والقصة، لأن مضمون القصة أن بعض أزواج المسلمين ذهبت إلى زوجها الكافر فأبى أن يعطي زوجها المسلم ما أنفق عليها، فعلى تقدير أن تكون مسلمة فالنفي مخصوص بالمهاجرات فيحتمل كون من وقع منها ذلك من غير المهاجرات كالأعرابيات مثلا، أو الحصر على عمومه فتكون نزلت في المرأة المشركة إذا كانت تحت مسلم مثلا فهربت منه إلى الكفار، ويؤيده رواية يونس الماضية. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث عن الحسن في قوله تعالى :{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} قال نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان ارتدت فتزوجها رجل ثقفي، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها، ثم أسلمت مع ثقيف حين أسلموا، فإن ثبت هذا استثنى من الحصر المذكور في حديث الزهري، لأن أم الحكم هي أخت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم في حديث ابن عباس أنها كانت تحت عياض بن غنم، وظاهر سياقه أنها كانت عند نزول قوله تعالى :{وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} مشركة وأن عياض بن غنم فارقها لذلك فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي، فهذا أصح من رواية الحسن. "تنبيه": استطرد البخاري من أصل ترجمة الباب إلى شيء مما يتعلق بشرح آية الامتحان، فذكر أثر عطاء فيما يتعلق بالمعاوضة المشار إليها في الآية بقوله تعالى :{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ

(9/422)


مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} ثم ذكر أثر مجاهد المقوى لدعوى عطاء أن ذلك كان خاصا بذلك العهد الذي وقع بين المسلمين وبين قريش وأن ذلك انقطع يوم الفتح، وكأنه أشار بذلك إلى أن الذي وقع في ذلك الوقت من تقرير المسلمة تحت المشرك لانتظار إسلامه ما دامت في العدة منسوخ لما دلت عليه هذه الآثار من اختصاص ذلك بأولئك، وأن الحكم بعد ذلك فيمن أسلمت أن لا تقر تحت زوجها المشرك أصلا ولو أسلم وهي في العدة، وقد ورد في أصل المسألة حديثان متعارضان: أحدهما أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: "حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنتين على النكاح الأول ولم يحدث شيئا" وأخرجه أصحاب السنن إلا النسائي. وقال الترمذي لا بأس بإسناده، وصححه الحاكم، ووقع في رواية بعضهم "بعد سنتين" وفي أخرى "بعد ثلاث" وهو اختلاف جمع بينه على أن المراد بالست ما بين هجرة زينب وإسلامه وهو بين في المغازي فإنه أسر ببدر فأرسلت زينب من مكة في فدائه فأطلق لها بغير فداء، وشرط النبي صلى الله عليه وسلم عليه أن يرسل له زينب فوفي له بذلك، وإليه الإشارة في الحديث الصحيح بقوله صلى الله عليه وسلم في حقه "حدثني فصدقني، ووعدني فوفي لي" والمراد بالسنتين أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى :{لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} وقدومه مسلما فإن بينهما سنتين وأشهرا. الحديث الثاني أخرجه الترمذي وابن ماجه من رواية حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد" قال الترمذي: وفي إسناده مقال. ثم أخرج عن يزيد بن هارون أنه حدث بالحديثين عن ابن إسحاق وعن حجاج بن أرطاة ثم قال يزيد: حديث ابن عباس أقوى إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب، يريد عمل أهل العراق. وقال الترمذي في حديث ابن عباس: لا يعرف وجهه، وأشار بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد سنتين أو ثلاث مشكل لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة، ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسألة تحت المشرك إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها، وممن نقل الإجماع في ذلك ابن عبد البر، وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر قال بجوازه ورده بالإجماع المذكور، وتعقب بثبوت الخلاف فيه قديما وهو منقول عن على وعن إبراهيم النخعي أخرجه ابن أبي شيبة عنهما بطرق قوية، وبه أفتى حماد شيخ أبي حنيفة، وأجاب الخطابي عن الإشكال بأن بقاء العدة في تلك المدة ممكن وإن لم تجر العادة غالبا به ولا سيما إذا كانت المدة إنما هي سنتان وأشهر فإن الحيض قد يبطئ عن ذوات الإقراء لعارض علة أحيانا. وبحاصل هذا أجاب البيهقي، وهو أولى ما يعتمد في ذلك. وحكى الترمذي في "العلل المفرد" عن البخاري أن حديث ابن عباس أصح من حديث عمرو بن شعيب، وعلته تدليس حجاج بن أرطاة، وله علة أشد من ذلك وهي ما ذكره أبو عبيد في كتاب النكاح عن يحيى القطان أن حجاجا لم يسمعه من عمرو بن شعيب وإنما حمله عن العزرمي والعزرمي ضعيف جدا، وكذا قال أحمد بعد تخريجه، قال: والعزرمي لا يساوي حديثه شيئا، قال: والصحيح أنهما أقرا على النكاح الأول. وجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب وأن حديث ابن عباس لا يخالفه قال: والجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما، فحمل قوله في حديث ابن عباس "بالنكاح الأول" أي بشروطه، وأن معنى قوله: "لم يحدث شيئا" أي لم يزد على ذلك شيئا، قال: وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول، وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد ومهر جديد والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل، ويؤيده مذهب ابن عباس المحكي

(9/423)


عنه في أول الباب فأنه موافق لما دل عليه حديث عمرو بن شعيب، فإن كانت الرواية المخرجة عنه في السنن ثابتة فلعله كان يرى تخصيص ما وقع في قصة أبي العاص بذلك العهد كما جاء ذلك عن أتباعه كعطاء ومجاهد، ولهذا أفتى بخلاف ظاهر ما جاء عنه في ذلك الحديث، على أن الخطابي قال في إسناد حديث ابن عباس: هذه نسخة ضعفها على ابن المديني وغيره من علماء الحديث، يشير إلى أنه من رواية داود بن الحصين عن عكرمة قال: وفي حديث عمرو بن شعيب زيادة ليست في حديث ابن عباس، والمثبت مقدم على النافي، غير أن الأئمة رجحوا إسناد حديث ابن عباس ا ه. والمعتمد ترجيح إسناد حديث ابن عباس على حديث عمرو بن شعيب لما تقدم، ولإمكان حمل حديث ابن عباس على وجه ممكن. وادعى الطحاوي أن حديث ابن عباس منسوخ وأن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته على أبي العاص بعد رجوعه من بدر لما أسر فيها ثم افتدى وأطلق، وأسند ذلك عن الزهري وفيه نظر، فإن ثبت عنه فهو مؤول لأنها كانت مستقرة عنده بمكة، وهي التي أرسلت في افتدائه كما هو مشهور في المغازي، فيكون معنى قوله: "ردها" أقرها، وكان ذلك قبل التحريم. والثابت أنه لما أطلق اشترط عليه أن يرسلها ففعل كما تقدم، وإنما ردها عليه حقيقة بعد إسلامه. ثم حكى الطحاوي عن بعض أصحابهم أنه جمع بين الحديثين بطريق أخرى، وهي أن عبد الله بن عمرو كان قد اطلع على تحريم نكاح الكفار بعد أن كان جائزا فلذلك قال: "ردها عليه فنكاح جديد" ولم يطلع ابن عباس على ذلك فلذلك قال: "ردها بالنكاح الأول" وتعقب بأنه لا يظن بالصحابة أن يجزموا بحكم بناء على أن البناء بشيء قد يكون الأمر بخلافه، وكيف يظن بابن عباس أن يشتبه عليه نزول آية الممتحنة والمنقول من طريق كثيرة عنه يقتضي إطلاعه على الحكم المذكور وهو تحريم استقرار المسلمة تحت الكافر، فلو قدر اشتباهه عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز استمرار الاشتباه عليه بعده حتى يحدث به بعد دهر طويل، وهو يوم حدث به يكاد أن يكون أعلم أهل عصره. وأحسن المسالك في هذين الحديثين ترجيح حديث ابن عباس كما رجحه الأئمة وحمله على تطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلام أبي العاص، ولا مانع من ذلك من حيث العادة فضلا عن مطلق الجواز. وأغرب ابن حزم فقال ما ملخصه: إن قوله: "ردها إليه بعد كذا" مراده جمع بينهما، وإلا فإسلام أبي العاص كان قبل الحديبية، وذلك قبل أن ينزل تحريم المسلمة على المشرك. هكذا زعم وهو مخالف لما أطبق عليه أهل المغازي أن إسلامه كان في الهدنة بعد نزول آية التحريم. وقد سلك بعض المتأخرين فيه مسلكا آخر فقرأت في "السيرة النبوية للعماد بن كثير" بعد ذكر بعض ما تقدم قال: وقال آخرون بل الظاهر انقضاء عدتها، وضعف رواية من قال جدد عقدها، وإنما يستفاد منه أن المرأة إذا أسلمت وتأخر إسلام زوجها أن نكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك بل تتخير بين أن تتزوج غيره أو تتربص إلى أن يسلم فيستمر عهده عليها، وحاصله أنها زوجته ما لم تتزوج، ودليل ذلك ما وقع في حديث الباب في عموم قوله: "فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه" والله أعلم، ثم ذكر البخاري حديث عائشة في شأن الامتحان وبيانه لشدة تعلقه بأصل المسألة. قوله: "وقال إبراهيم بن المنذر حدثني ابن وهب" ذكر أبو مسعود أنه وصله عن إبراهيم بن المنذر، وقد وصله أيضا الذهلي في "الزهريات" عن إبراهيم بن المنذر وسيأتي اللفظ في البخاري كرواية يونس، فإن مسلما أخرجه عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب كذلك، وأما لفظ رواية عقيل فتقدمت في أول الشروط، وأشار الإسماعيلي إلى أن رواية عقيل المذكورة في الباب لا تخالفها. قوله: "كانت المؤمنات إذا هاجرن" أي من

(9/424)


مكة إلى المدينة قبل عام الفتح. قوله: "يمتحنهن بقول الله تعالى" أي يختبرهن فيما يتعلق بالإيمان فيما يرجع إلى ظاهر الحال دون الاطلاع على ما في القلوب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى :{اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ}. قوله: {مُهَاجِرَاتٍ} جمع مهاجرة والمهاجرة بفتح الجيم المغاضبة، قال الأزهري: أصل الهجرة خروج البدوي من البادية إلى القرية وإقامته بها، والمراد بها هاهنا خروج النسوة من مكة إلى المدينة مسلمات. قوله: "إلى آخر الآية" يحتمل الآية بعينها وآخرها {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ويحتمل أن يريد بالآية القصة وآخرها {غَفُورٌ رَحِيمٌ} وهذا هو المعتمد، فقد تقدم في أوائل الشروط من طريق عقيل وحده عن ابن شهاب عقب حديثه عن عروة عن المسور ومروان "قال عروة فأخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات - إلى - غفور رحيم" وكذا وقع في رواية ابن أخي الزهري عن الزهري في تفسير الممتحنة. قوله: "قالت عائشة" هو موصول بالإسناد المذكور. قوله: "فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة" يشير إلى شرط الإيمان، وأوضح من هذا ما أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: "كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" وأما ما أخرجه الطبري أيضا والبزار من طريق أبي نصر عن ابن عباس "كان يمتحنهن: والله ما خرجت من بغض زوج، والله ما خرجت رغبة عن أرض، إلى أرض، والله ما خرجت التماس دنيا، والله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله" ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد نحو هذا ولفظه: "فاسألوهن عما جاء بهن، فإن كان من غضب على أزواجهن أو سخطه أو غيره ولم يؤمن فأرجعوهن إلى أزواجهن" ومن طريق قتادة "كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن نشوز، وما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله فإذا قلن ذلك قبل منهن" فكل ذلك لا ينافي رواية العوفي لاشتمالها على زيادة لم يذكرها. قوله: "انطلقن فقد بايعتكن" بينته بعد ذلك بقولها في آخر الحديث "فقد بايعتكن كلاما" أي كلاما يقوله. ووقع في رواية عقيل المذكورة "كلاما يكلمها به ولا يبايع بضرب اليد على اليد، كما كان يبايع الرجال" وقد أوضحت ذبك بقولها "ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، زاد في رواية عقيل في المبايعة غير أنه بايعهن بالكلام. وقد تقدم في تفسير الممتحنة وفي غير موضع حديث ابن عباس وفيه:" حتى أتى النساء فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} - الآية كلها. ثم قال حين فرغ -: أنتن على ذلك؟ فقالت امرأة منهن نعم "وقد ورد ما قد يخالف ذلك، ولعلها أشارت إلى رده، وقد تقدم بيان ذلك مستوفى في تفسير سورة الممتحنة. واختلف في استمرار حكم امتحان من هاجر من المؤمنات: فقيل منسوخ،. بل ادعى بعضهم الإجماع على نسخه، والله أعلم

(9/425)


باب قوله تعالى(للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر ـإلى قوله ـ سميع عليم).
...
21- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} إلى قوله { سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فَإِنْ فَاءُوا رَجَعُوا
5289- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ آلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتْ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ"

(9/425)


5290- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يَقُولُ فِي الإِيلاَءِ الَّذِي سَمَّى اللَّهُ لاَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَ الأَجَلِ إِلاَّ أَنْ يُمْسِكَ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يَعْزِمَ بِالطَّلاَقِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ و قَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ وَلاَ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلاَقُ حَتَّى يُطَلِّقَ"
وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: "باب قول الله تعالى {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} كذا للأكثر، وساق في رواية كريمة إلى {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. ووقع في "شرح ابن بطال" : باب الإيلاء قوله تعالى إلخ. ووقع لأبي ذر والنسفي بعد قوله: {فَإِنْ فَاءُوا}: رجعوا وهذا تفسير أبي عبيدة قاله في هذه الآية قال: فإن فاءوا أي رجعوا عن اليمين، فاء يفي فيئا وفيوءا ا ه. وأخرج الطبري عن إبراهيم النخعي قال: الفيء الرجوع باللسان، ومثله عن أبي قلابة، وعن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة: الفيء الرجوع بالقلب واللسان لمن به مانع عن الجماع، وفي غيره بالجماع. ومن طريق أصحاب ابن مسعود منهم علقمة مثله، ومن طريق سعيد بن المسيب أيضا: إن حلف أن لا يكلم امرأته يوما أو شهرا فهو إيلاء، إلا أن كان يجامعها وهو لا يكلمها فليس بمول. ومن طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس: الفيء الجماع، وعن مسروق وسعيد بن جبير والشعبي مثله، والأسانيد بكل ذلك عنهم قوية. قال الطبري: اختلافهم في هذا من اختلافهم في تعريف الإيلاء، فمن خصه بترك الجماع قال: لا يفيء إلا بفعل الجماع، ومن قال: الإيلاء الحلف على ترك كلامها أو على أن يغيظها أو يسوءها أو نحو ذلك لم يشترط في الفيء الجماع، بل رجوعه بفعل ما حلف أن لا يفعله. ونقل عن ابن شهاب: لا يكون الإيلاء إلا أن يحلف المرء بالله فيما يريد أن يضار به امرأته من اعتزالها، فإذا لم يقصد الإضرار لم يكن إيلاء. ومن طريق علي وابن عباس والحسن وطائفة لا إيلاء إلا في غضب، فإذا حلف أن لا يطأها بسبب كالخوف على الولد الذي يرضع منها من الغيلة فلا إيلاء. ومن طريق الشعبي: كلي يمين بين الرجل وبين امرأته فهي إيلاء، ومن طريق القاسم وسالم فيمن قال لامرأته إن كلمتك سنة فأنت طالق: إن مضت أربعة أشهر ولم يكلمها طلقت، وإن كلمها قبل سنة فهي طالق. ومن طريق يزيد بن الأصم أن ابن عباس قال له: ما فعلت امرأتك، لعهدي بها سيئة الخلق؟ قال: لقد خرجت وما أكلمها. قال: أدركها قبل أن يمضي أربعة أشهر فإن مضت فهي تطليقة. ومن طريق أبي بن كعب أنه قرأ: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} يقسمون، قال الفراء: التقدير على نسائهم، و "من" بمعنى على. وقال غيره بل فيه حذف تقديره: يقسمون على الامتناع من نسائهم، والإيلاء مشتق من الألية بالتشديد وهي اليمين، والجمع ألايا بالتخفيف وزن عطايا، قال الشاعر:
قليل الألايا حافظ ليمينه
...
فإن سبقت منه الألية برت
فجمع بين المفرد والجمع. ثم ذكر البخاري حديث أنس "آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه" الحديث، وإدخاله في هذا الباب على طريقة من لا يشترط في الإيلاء ذكر الجماع، ولهذا قال ابن العربي: ليس في هذا الباب - يعني من

(9/426)


المرفوع - سوى هذه الآية وهذا الحديث. ا ه، وأنكر شيخنا في "التدريب" إدخال هذا الحديث في هذا الباب فقال: الإيلاء المعقود له الباب حرام يأثم به من علم بحاله فلا تجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ا ه، وهو مبني على اشتراط ترك الجماع فيه، وقد كنت أطلقت في أوائل الصلاة والمظالم أن المراد بقول أنس "آلى" أي حلف، وليس المراد به الإيلاء العرفي في كتب الفقه اتفاقا، ثم ظهر لي أن فيه الخلاف قديما فليقيد ذلك بأنه على رأى معظم الفقهاء، فإنه لم ينقل عن أحد من فقهاء الأمصار أن الإيلاء ينعقد حكمه بغير ذكر ترك الجماع إلا عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وإن كان ذلك قد ورد عن بعض من تقدمه كما تقدم. وفي كونه حراما أيضا خلاف، وقد جزم ابن بطال وجماعة بأنه صلى الله عليه وسلم امتنع من جماع نسائه في ذلك الشهر، ولم أقف على نقل صريح في ذلك، فإنه لا يلزم من ترك دخوله عليهن أن لا تدخل إحداهن عليه في المكان الذي اعتزل فيه، إلا إن كان المذكور من المسجد فيتم استلزام عدم الدخول عليهن مع استمرار الإقامة في المسجد العزم على ترك الوطء لامتناع الوطء في المسجد، وقد تقدم في النكاح في آخر حديث عمر مثل حديث أنس في أنه آلى من نسائه شهرا، ومن حديث أم سلمة أيضا آلى من نسائه شهرا، ومن حديث ابن عباس أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا، ومن حديث جابر عند مسلم اعتزل نساءه شهرا. وأخرج الترمذي من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: "آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالا" ورجاله موثقون، لكن رجح الترمذي إرساله على وصله. وقد يتمسك بقوله: "حرم" من ادعى أنه امتنع من جماعهن، لكن تقدم البيان الواضح أن المراد بالتحريم تحريم شرب العسل أو تحريم وطء مارية سريته فلا يتم الاستدلال لذلك بحديث عائشة، وأقوى ما يستدل به لفظ: "اعتزل" مع ما فيه. قوله: "حدثنا إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه" هو أبو بكر بن عبد الحميد بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله الأصبحي ابن عم مالك، وسليمان هو ابن بلال، وقد نزل البخاري في هذا الإسناد بالنسبة لحميد درجتين، لأنه أخرج في كتابه عن بعض أصحابه بلا واسطة كمحمد بن عبد الله الأنصاري، ودرجة بالنسبة لسليمان بن بلال فإنه أخرج عنه الكثير بواسطة واحد فقط، وقد تقدم في هذا الحديث بعينه في الصيام وفي النكاح كذلك، والنكتة في اختيار هذا الإسناد النازل التصريح فيه عن حميد بسماعه له من أنس، وقد تقدم بيان قوله: "آلى من نسائه شهرا" وشرحه في أواخر الكلام على شرح حديث عمر في المتظاهرتين في النكاح، ووقع في حديث أنس هذا في أوائل الصلاة زيادة قصة مشهورة سقوطه صلى الله عليه وسلم عن الفرس وصلاته بأصحابه جالسا، وتقدم شرح الزيادة هناك. ومن أحكام الإيلاء أيضا عند الجمهور أن يخالف على أربعة أشهر فصاعدا فإن حلف على أنقص منها لم يكن موليا. وقال إسحاق إن حلف أن لا يطأ على يوم فصاعدا ثم لم يطأ حتى مضت أربعة أشهر كان إيلاء، وجاء عن بعض التابعين مثله وأنكره الأكثر، وصنيع البخاري ثم الترمذي في إدخال حديث أنس في باب الإيلاء يقتضي موافقة إسحاق في ذلك، وحمل هؤلاء قوله تعالى :{تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} على المدة التي تضرب للمولى، فإن فاء بعدها وإلا ألزم بالطلاق. وقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء "إذا حلف أن لا يقرب امرأته - سمى أجلا أو لم يسمه - فإن مضت أربعة أشهر" يعني ألزم حكم الإيلاء. وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن البصري "إذا قال لامرأته: والله لا أقربها الليلة، فتركها أربعة أشهر من أجل يمينه تلك فهو إيلاء" وأخرج الطبري من حديث ابن عباس "كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، فوقت الله لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء". قوله: "إن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول في الإيلاء الذي سمى

(9/427)


الله تعالى:{لا يحل لأحد بعد الأجل "الذي يحلف عليه بالامتناع من زوجته" إلا أن يمسك بالمعروف، أو يعزم كما أمر الله عز وجل" هو قول الجمهور في أن المدة إذا انقضت بخير الحالف: فإما أن يفيء، وإما أن يطلق.وذهب الكوفيون إلى أنه إن فاء بالجماع قبل انقضاء المدة استمرت عصمته، وإن مضت المدة وقع الطلاق بنفس مضي المدة قياسا على العدة، لأنه لا تربص على المرأة بعد انقضائها. وتعقب بأن ظاهر القرآن التفصيل في الإيلاء بعد مضي المدة، بخلاف العدة فإنها شرعت في الأصل للبائنة والمتوفي عنها بعد انقطاع عصمتها لبراءة الرحم فلم يبق بعد مضي المدة تفصيل وأخرج الطبري بسند صحيح عن ابن مسعود، وبسند آخر لا بأس به عن علي "إن مضت أربعة أشهر ولم يفئ طلقت طلقة بائنة" وبسند حسن عن علي وزيد بن ثابت مثله، وعن جماعة من التابعين من الكوفيين ومن غيرهم كابن الحنفية وقبيصة بن ذؤيب وعطاء والحسن وابن سيرين مثله، ومن طريق سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وربيعة ومكحول والزهري والأوزاعي تطلق لكن طلقة رجعية. وأخرج سعيد بن منصور من طريق جابر بن زيد "إذا آلى فمضت أربعة اشهر طلقت بائنا ولا عدة عليها" وأخرج إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" بسند صحيح عن ابن عباس مثله. وأخرج سعيد بن منصور من طريق مسروق "إذا مضت الأربعة بانت بطلقة وتعتد بثلاث حيض" وأخرج إسماعيل من وجه آخر عن مسروق عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي قلابة "أن النعمان بن بشير آلى من امرأته، فقال ابن مسعود. إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه بتطليقة". "تنبيه": سقط أثر ابن عمر هذا وأثره المذكور بعد ذلك وكذا ما بعده إلى آخر الباب من رواية النسفي، وثبت للباقين. قوله: "وقال لي إسماعيل" هو ابن أبي أويس المذكور قبل، وفي بعض الروايات "قال إسماعيل" مجردا وبه جزم بعض الحفاظ فعلم عليه علامة التعليق، والأول المعتمد، وهو ثابت في رواية أبي ذر وغيره. قوله: "إذا مضت أربعة أشهر يوقف"، في رواية الكشميهني يوقفه "حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق" كذا وقع من هذا الوجه مختصرا، وهو في "الموطأ" عن مالك أخصر منه، وأخرجه الإسماعيلي من طريق معن بن عيسى عن مالك بلفظ: "أنه كان يقول: أيما رجل آلى من امرأته فإذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق أو يفيء، ولا يقع عليه طلاق إذا مضت حتى يوقف" وكذا أخرجه الشافعي عن مالك وزاد: "فإما أن يطلق وإما أن يفيء" وهذا تفسير للآية من ابن عمر، وتفسير الصحابة في مثل هذا له حكم الرفع عند الشيخين البخاري ومسلم كما نقله الحاكم، فيكون فيه ترجيح لمن قال يوقف. قوله: "ويذكر ذلك "أي الإيقاف "عن عثمان وعلى وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" أما قول عثمان فوصله الشافعي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريق طاوس "إن عثمان بن عفان كان يوقف المولى، فإما أن يفيء وإما أن يطلق" وفي سماع طاوس من عثمان نظر، لكن قد أخرجه إسماعيل القاضي في "الأحكام" من وجه آخر منقطع عن عثمان "أنه كان لا يرى الإيلاء شيئا وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف" ومن طريق سعيد بن جبير عن عمر نحوه، وهذا منقطع أيضا، والطريقان عن عثمان يعضد أحدهما الآخر. وجاء عن عثمان خلافه: فأخرج عبد الرزاق والدار قطني من طريق عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عثمان وزيد بن ثابت "إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة" وقد سئل أحمد عن ذلك فرجح رواية طاوس. وأما قول على فوصله الشافعي وأبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمرو بن سلمة "أن عليا وقف المولى" وسنده صحيح. وأخرج مالك عن جعفر بن محمد

(9/428)


عن أبيه عن على نحو قول ابن عمر "إذا مضت الأربعة أشهر لم يقع عليه الطلاق حتى يوقف، فإما أن يطلق وإما أن يفيء" وهذا منقطع يعتضد بالذي قبله. وأخرج سعيد بن منصور من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى "شهدت عليا أوقف رجلا عند الأربعة بالرحبة إما أن يفيء وإما أن يطلق" وسنده صحيح أيضا. وأخرج إسماعيل القاضي من وجه آخر عن علي نحوه وزاد في آخره: "ويجبر على ذلك". وأما قول أبي الدرداء فوصله ابن أبي شيبة وإسماعيل القاضي من طريق سعيد بن المسيب "أن أبا الدرداء قال يوقف في الإيلاء عند انقضاء الأربعة، فأما أن يطلق وإما أن يفيء" وسنده صحيح إن ثبت سماع سعيد بن المسيب من أبي الدرداء. وأما قول عائشة فأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة "أن أبا الدرداء وعائشة قالا" فذكر مثله، وهذا منقطع. وأخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن عائشة بلفظ: "أنها كانت لا ترى الإيلاء شيئا حتى يوقف" وللشافعي عنها نحوه وسنده صحيح أيضا. وأما الرواية بذلك عن اثنى عشر رجلا من الصحابة فأخرجها البخاري في التاريخ من طريق عبد ربه بن سعيد "عن ثابت بن عبيد مولى زيد ابن ثابت عن اثنى عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: الإيلاء لا يكون طلاقا حتى يوقف" وأخرجه الشافعي من هذا الوجه فقال: "بضعة عشر" وأخرج إسماعيل القاضي من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري "عن سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: الإيلاء لا يكون طلاقا حتى يوقف" وأخرج الدار قطني من طريق "سهل بن أبي صالح عن أبيه أنه قال سألت اثنى عشر رجلا من الصحابة عن الرجل يولى، فقالوا: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق وأخرج إسماعيل من وجه آخر عن يحيى بن سعيد "عن سليمان بن يسار قال: أدركنا الناس يقفون الإيلاء إذا مضت الأربعة" وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وسائر أصحاب الحديث، إلا أن للمالكية والشافعية بعد ذلك تفاريع يطول شرحها: منها أن الجمهور ذهبوا إلى أن الطلاق يكون فيه رجعيا، لكن قال مالك لا تصح رجعته إلا إن جامع في العدة. وقال الشافعي: ظاهر كتاب الله تعالى على أن له أربعة أشهر، ومن كانت له أربعة أشهر أجلا فلا سبيل عليه فيها حتى تنقضي، فإذا انقضت فعليه أحد أمرين: إما أن يفيء وإما أن يطلق، فلهذا قلنا لا يلزمه الطلاق بمجرد مضي المدة حتى يحدث رجوعا أو طلاقا، ثم رجح قول الوقف بأن أكثر الصحابة قال به، والترجيح قد يقع بالأكثر مع موافقة ظاهر القرآن. ونقل ابن المنذر عن بعض الأئمة قال لم يجد في شيء من الأدلة أن العزيمة على الطلاق تكون طلاقا، ولو جاز لكان العزم على الفيء يكون فيئا ولا قائل به، وكذلك ليس في شيء من اللغة أن اليمين التي لا ينوي بها الطلاق تقتضي طلاقا. وقال غيره: العطف على الأربعة أشهر بالفاء يدل على أن التخيير بعد مضي المدة، والذي يتبادر من لفظ التربص أن المراد به المدة المضروبة ليقع التخيير بعدها. وقال غيره: جعل الله الفيء والطلاق معلقين بفعل المولى بعد المدة، وهو من قوله تعالى :{فَإِنْ فَاءُوا، وَإِنْ عَزَمُوا} فلا يتجه قول من قال أن الطلاق يقع بمجرد مضي المدة. والله أعلم

(9/429)


22- باب حُكْمِ الْمَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِذَا فُقِدَ فِي الصَّفِّ عِنْدَ الْقِتَالِ تَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ سَنَةً وَاشْتَرَى ابْنُ مَسْعُودٍ جَارِيَةً وَالْتَمَسَ صَاحِبَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْهُ وَفُقِدَ فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ وَقَالَ اللَّهُمَّ عَنْ فُلاَنٍ فَإِنْ أَتَى فُلاَنٌ فَلِي وَعَلَيَّ وَقَالَ هَكَذَا فَافْعَلُوا بِاللُّقَطَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ وَقَالَ

(9/429)


الزُّهْرِيُّ فِي الأَسِيرِ يُعْلَمُ مَكَانُهُ لاَ تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ وَلاَ يُقْسَمُ مَالُهُ فَإِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَسُنَّتُهُ سُنَّةُ الْمَفْقُودِ
5292- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ وَسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ فَغَضِبَ وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَقَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا الْحِذَاءُ وَالسِّقَاءُ تَشْرَبُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا وَسُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ وِكَاءهَا وَعِفَاصَهَا وَعَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا وَإِلاَ فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ قَالَ سُفْيَانُ فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سُفْيَانُ وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا فَقُلْتُ أَرَأَيْتَ حَدِيثَ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ فِي أَمْرِ الضَّالَّةِ هُوَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ يَحْيَى وَيَقُولُ رَبِيعَةُ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ سُفْيَانُ فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ فَقُلْتُ لَهُ
قوله: "باب حكم المفقود في أهله وماله" كذا أطلق ولم يفصح بالحكم، ودخول حكم الأهل يتعلق بأبواب الطلاق بخلاف المال، لكن ذكره معه استطرادا. قوله: "وقال ابن المسيب: إذا فقد في الصف عند القتال تربص امرأته سنة" وصله عبد الرزاق أتم منه عن الثوري عن داود بن أبي هند عنه قال: "إذا فقد في الصف تربصت امرأته سنة، وإذا فقد في غير الصف فأربع سنين" وقوله في الأصل "تربص" بفتح أوله على حذف إحدى التاءين، واتفقت النسخ والشروح والمستخرجات على قوله: "سنة" إلا ابن التين قوقع عنده "ستة أشهر" ولفظ ستة تصحيف ولفظ أشهر زيادة وإلى قول سعيد ابن المسيب في هذا ذهب مالك، لكن فرق بين ما إذا وقع القتال في دار الحرب أو في دار الإسلام. قوله: "واشترى ابن مسعود جارية فالتمس صاحبها سنة فلم يجده وفقد، فأخذ يعطي الدرهم والدرهمين وقال: اللهم عن فلان فإن أتى فلان فلي وعلي" وقع في رواية الأكثر "أتى" بالمثناة بمعنى جاء، وللكشميهني بالموحدة من الامتناع، وسقط هذا التعليق من رواية أبي ذر عن السرخسي، وقد وصله سفيان بن عيينة في جامعه رواية سعيد بن عبد الرحمن عنه، وأخرجه أيضا سعيد بن منصور عنه بسند له جيد "أن ابن مسعود اشترى جارية بسبعمائة درهم، فإما غاب صاحبها وإما تركها، فنشده حولا فلم يجده، فخرج بها إلى مساكين عند سدة بابه فجعل يقبض ويعطي ويقول: اللهم عن صاحبها، فإن أتى فمني وعلى الغرم، وأخرجه الطبراني من هذا الوجه أيضا وفيه: "أبي" بالموحدة. قوله: "وقال هكذا فافعلوا باللقطة" يشير إلى أنه انتزع فعله في ذلك من حكم اللقطة للأمر بتعريفها سنة والتصرف فيها بعد ذلك فإن جاء صاحبها غرمها له، فرأى ابن مسعود أن يجعل التصرف صدقة فإن أجازها صاحبها إذا جاء حصل له أجرها وإن لم يجزها كان الأجر للمتصدق وعليه الغرم لصاحبها، وإلى ذلك أشار بقوله: "فلي وعلي" أي فلي الثواب وعلى الغرامة وغفل بعض الشراح فقال: معنى قوله فلي وعلي لي الثواب وعلي العقاب أي أنهما مكتسبان له بفعله. والذي قلته أولى لأنه ثبت مفسرا في رواية ابن عيينة كما ترى. وأما قوله في رواية الباب: "فلي" فمعناه فلي ثواب الصدقة، وإنما حذفه للعلم به. قوله: "وقال ابن عباس نحوه" ثبت هذا التعليق في رواية أبي ذر فقط عن المستملى والكشميهني خاصة، وقد وصله سعيد بن منصور من طريق عبد العزيز بن رفيع عن أبيه "أنه ابتاع ثوبا من رجل بمكة فضل منه في الزحام، قال فأتيت ابن عباس فقال: إذا كان العام المقبل فانشد الرجل في

(9/430)


المكان الذي اشتريت منه، فإن قدرت عليه وإلا تصدق بها؛ فإن جاء فخيره بين الصدقة وإعطاء الدراهم" وأخرج دعلج في "مسند ابن عباس" له بسند صحيح عن ابن عباس قال: "انظر هذه الضوال فشد يدك بها عاما، فإن جاء ربها فادفعها إليه، وإلا فجاهد بها وتصدق، فإن جاء فخيره بين الأجر والمال. قوله: "وقال الزهري في الأسير يعلم مكانه: تتزوج امرأته ولا يقسم ماله، فإذا انقطع خبره فسنته سنة المفقود" وصله ابن أبي شيبة من طريق الأوزاعي قال: "سألت الزهري عن الأسير في أرض العدو متى تزوج امرأته؟ فقال: لا تزوج ما علمت أنه حي" ومن وجه آخر عن الزهري قال: يوقف مال الأسير وامرأته حتى يسلما أو يموتا. وأما قوله فسنته سنة المفقود فإن مذهب الزهري في امرأة المفقودة أنها تربص أربع سنين، وقد أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عمر، منها لعبد الرزاق من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب "أن عمر وعثمان قضيا بذلك" وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عمر وابن عباس قالا "تنتظر امرأة المفقود أربع سنين" وثبت أيضا عن عثمان وابن مسعود في رواية وعن جمع من التابعين كالنخعي وعطاء والزهري ومكحول والشعبي واتفق أكثرهم على أن التأجيل من يوم ترفع أمرها للحاكم، وعلى أنها تعتد عدة الوفاة بعد مضي الأربع سنين. واتفقوا أيضا على أنها إن تزوجت فجاء الزوج الأول خير بين زوجته وبين الصداق. وقال أكثرهم إذا اختار الأول الصداق غرمه له الثاني، ولم يفرق أكثرهم بين أحوال الفقد إلا ما تقدم عن سعيد بن المسيب، وفرق مالك بين من فقد في الحرب فتؤجل الأجل المذكور، وبين من فقد في غير الحرب فلا تؤجل بل تنتظر مضي العمر الذي يغلب على الظن أنه لا يعيش أكثر منه. وقال أحمد وإسحاق: من غاب عن أهله فلم يعلم خبره لا تأجيل فيه، وإنما يؤجل من فقد في الحرب أو في البحر أو في نحو ذلك. وجاء عن علي: إذا فقدت المرأة زوجها لم تزوج حتى يقدم أو يموت أخرجه أبو عبيد في كتاب النكاح. وقال عبد الرزاق: بلغني عن بن مسعود أنه وافق عليا في امرأة المفقود أنها تنتظره أبدا. وأخرج أبو عبيد أيضا بسند حسن عن علي: لو تزوجت فهي امرأة الأول دخل بها الثاني أو لم يدخل. وأخرج سعيد بن منصور عن الشعبي: إذا تزوجت فبلغها أن الأول حي فرق بينها وبين الثاني واعتدت منه، فإن مات الأول اعتدت منه أيضا وورثته. ومن طريق النخعي: لا تزوج حتى يستبين أمره، وهو قول فقهاء الكوفة والشافعي وبعض أصحاب الحديث، واختار ابن المنذر التأجيل لاتفاق خمسة من الصحابة عليه والله أعلم. قوله: "حدثنا علي بن عبد الله" هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة. قوله: "عن يحيى بن سعيد" هو الأنصاري. وفي رواية الحميدي عن سفيان "حدثنا يحيى بن سعيد". قوله: "عن يزيد مولى المنبعث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل" في رواية الحميدي "سمعت يزيد مولى المنبعث قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم:" فذكر حديث اللقطة، وهذا صورته الإرسال، ولهذا قال بعد فراغ المتن: قال سفيان فلقيت ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال سفيان: ولم أحفظ عنه شيئا غير هذا، فقلت: أرأيت حديث يزيد مولى المنبعث في أمر الضالة هو عن زيد بن خالد؟ قال: نعم. قال سفيان: قال يحيى يعني ابن سعيد الذي حدثه مرسلا، ويقول ربيعة عن يزيد مولى المنبعث عن يزيد بن خالد قال سفيان: فلقيت ربيعة فقلت له، أي قلت له الكلام الذي تقدم وهو قوله: "أرأيت حديث يزيد إلخ" وحاصل ذلك أن يحيى بن سعيد حدث به عن يزيد مولى المنبعث مرسلا، ثم ذكر لسفيان أن ربيعة يحدث به عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد فيوصله فحمل ذلك سفيان على أن لقي ربيعة فسأله عن ذلك فاعترف له به، وقد أخرجه

(9/431)


الإسماعيلي من وجه آخر عن سفيان عن يحيى بن سعيد عن يزيد مرسلا وعن ربيعة موصولا وساقه بسياقة واحدة، وما وقع في رواية ابن المديني من التفصيل أتقن وأضبط، فإنه دل على أن السياق ليحيى بن سعيد وأن ربيعة لم يحدث سفيان إلا بإسناده فقط. وأخرجه النسائي عن إسحاق بن إسماعيل عن سفيان عن يحيى بن سعيد عن ربيعة قال سفيان: فلقيت ربيعة فصال حدثني به يزيد عن زيد، وهذا أيضا فيه إيهام، ورواية ابن المديني أوضح وقد وافقه الحميدي ولفظه: قال سفيان فأتيت ربيعة فقلت له: الحديث الذي يحدثه يزيد مولى المنبعث في اللقطة هو عن زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال سفيان: كنت أكرهه للرأي، أي لأجل كثرة فتواه بالرأي، قال فلذلك لم أسأله إلا عن إسناده وهذا السبب في قلة رواية سفيان عن ربيعة أولى من السبب الذي أبداه ابن التين فقال: كان قصد سفيان لطلب الحديث أكثر من قصده لطلب الفقه، وكان الفقه عند ربيعة أكثر منه عند الزهري فلذلك أكثر عنه سفيان دون ربيعة، مع أن الزهري تقدمت وفاته على وفاة ربيعة بنحو عشر سنين بل أكثر ا ه. واقتضى قول سفيان بن عيينة هذا أن يحيى بن سعيد ما سمعه من شيخه يزيد مولى المنبعث موصولا وإنما وصله له ربيعة، ولكن تقدم الحديث لا اللقطة من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن يزيد عن زيد موصولا، فلعل يحيى بن سعيد لما حدث به ابن عيينة ما كان يتذكر وصله أو دلسه لسليمان بن بلال حين حدثه به موصولا وإنما سمع وصله من ربيعة فأسقط ربيعة. وقد أخرجه مسلم من رواية سليمان بن بلال موصولا أيضا، ومن رواية حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد وربيعة جميعا عن يزيد عن زيد موصولا، وهذا يقتضي أنه حمل إحدى الروايتين على الأخرى. وقد تقدم شرح حديث اللقطة مستوفى في بابها، وأراد المصنف بذكره هاهنا الإشارة إلى أن التصرف في مال الغير إذا غاب جائز ما لم يكن المال مما لا يخشى ضياعه كما دل عليه التفصيل بين الإبل والغنم. وقال ابن المنير: لما تعارضت الآثار في هذه المسألة وجب الرجوع إلى الحديث المرفوع فكان فيه أن ضالة الغنم يجوز التصرف فيها قبل تحقق وفاة صاحبها، فكان إلحاق المال المفقود بها متجها. وفيه أن ضالة الإبل لا يتعرض لها لاستقلالها بأمر نفسها فاقتضى أن الزوجة كذلك لا يتعرض لها حتى يتحقق، خبر وفاته، فالضابط أن كل شيء يخشى ضياعه يجوز التصرف فيه صونا له عن الضياع، وما لا فلا وأكثر أهل العلم على أن حكم ضالة الغنم حكم المال في وجوب تعويضه لصاحبه إذا حضر. والله أعلم

(9/432)


23- باب الظِّهَارِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا- إِلَى قَوْلِهِ- فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ ظِهَارِ الْعَبْدِ فَقَالَ نَحْوَ ظِهَارِ الْحُرِّ قَالَ مَالِكٌ وَصِيَامُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ ظِهَارُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِنْ الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ سَوَاءٌ وَقَالَ عِكْرِمَةُ إِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ إِنَّمَا الظِّهَارُ مِنْ النِّسَاءِ وَفِي الْعَرَبِيَّةِ لِمَا قَالُوا أَيْ فِيمَا قَالُوا وَفِي بَعْضِ مَا قَالُوا وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمُنْكَرِ وَقَوْلِ الزُّورِ
قوله: "باب الظهار" بكسر المعجمة، هو قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الأعضاء لأنه محل الركوب غالبا، ولذلك سمى المركوب ظهرا، فشبهت الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل،

(9/432)


فلو أضاف لغير الظهر - كالبطن مثلا - كان ظهارا على الأظهر عند الشافعية. واختلف فيما إذا لم يعين الأم كأن قال: كظهر أختي مثلا فعن الشافعي في القديم لا يكون ظهارا بل يختص بالأم كما ورد في القرآن، وكذا في حديث خولة التي ظاهر منها أوس. وقال في الجديد: يكون ظهارا، وهو قول الجمهور لكن اختلفوا فيمن لم تحرم على التأبيد: فقال الشافعي لا يكون ظهارا، وعن مالك هو ظهار وعن أحمد روايتان كالمذهبين، فلو قال كظهر أبي مثلا فليس بظهار عند الجمهور، وعن أحمد رواية أنه ظهار، وطرده في كل من يحرم عليه وطؤه حتى في البهيمة. ويقع الظهار بكل لفظ يدل على تحريم الزوجة لكن بشرط اقترانه بالنية، وتجب الكفارة على قائله كما قال الله تعالى لكن بشرط العود عند الجمهور وعند الثوري وروى عن مجاهد: تجب الكفارة بمجرد الظهار. قوله: "وقول الله تعالى :{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إلى قوله :{فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} كذا لأبي ذر والأكثر، وساق في رواية كريمة الآيات إلى الموضع المذكور وهو قوله: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} واستدل بقوله تعالى :{وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً} على أن الظهار حرام. وقد ذكر المصنف في الباب آثارا اقتصر على الآية وعليها، وكأنه أشار بذكر الآية إلى الحديث المرفوع الوارد في سبب ذلك، وقد ذكر بعض طرقه تعليقا في أوائل كتاب التوحيد من حديث عائشة وسيأتي ذكره، وفيه تسمية المظاهر، وتسمية المجادلة وهي التي ظاهر منها وأن الراجح أنها خولة بنت ثعلبة؛ وأنه أول ظهار كان في الإسلام كما أخرجه الطبراني وابن مردويه من حديث ابن عباس قال: "كان الظهار في الجاهلية يحرم النساء، فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت، وكانت امرأته خولة" الحديث وقال الشافعي: سمعت من أرضي من أهل العلم بالقرآن يقول: كان أهل الجاهلية يطلقون بثلاث الظهار والإيلاء والطلاق، فأقر الله الطلاق طلاقا وحكم في الإيلاء والظهار بما بين في القرآن انتهى. وجاء من حديث خوله بنت ثعلبة نفسها عند أبي داود قالت: "ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه" الحديث. وأخرج أصحاب السنن من حديث سلمة بن صخر أنه ظاهر من امرأته، وقد تقدمت الإشارة إلى حديثه في كتاب الصيام في قصة المجامع في رمضان، وأن الأصح أن قصته كانت نهارا. ولأبي داود والترمذي من حديث ابن عباس "أن رجلا ظاهر من امرأته فوقع عليها قبل أن يكفر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فاعتزلها حتى تكفر عنك" وفي رواية أبي داود "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله" وأسانيد هذه الأحاديث حسان.وحكم كفارة الظهار منصوص بالقرآن، واختلف السلف في أحكامه في مواضع ألم البخاري ببعضها في الآثار التي أوردها في الباب، واستدل بآية الظهار وبآية اللعان على القول بالعموم ولو ورد في سبب خاص، واتفقوا على دخول السبب، وأن أوس بن الصامت شمله حكم الظهار، لكن استشكله السبكي من جهة تقدم السبب وتأخر النزول فكيف ينعطف على ما مضى مع أن الآية لا تشمل إلا من وجد منه الظهار بعد نزولها، لأن الفاء في قوله تعالى :{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يدل على أن المبتدأ تضمن معنى الشرط والخبر تضمن معنى الجزاء ومعنى الشرط مستقبل، وأجاب عنه بأن دخول الفاء في الخبر يستدعي العموم في كل مظاهر، وذلك يشمل الحاضر والمستقبل، قال: وأما دلالة الفاء على الاختصاص بالمستقبل ففيه نظر، كذا قال، ويمكن أن يحتج للإلحاق بالإجماع. قوله: "وقال لي إسماعيل" هو ابن أبي أويس كذا للأكثر، ووقع في رواية النسفي "وقال إسماعيل" بدون حرف الجر والأول أولى، وهو موصول، فعند جماعة أنه يستعمل هذه الصيغة فيما تحمله عن شيوخه مذاكرة، والذي ظهر لي بالاستقراء أنه إنما يستعمل ذلك فيما

(9/433)


يورده موصولا من الموقوفات أو مما لا يكون من المرفوعات على شرطه. وقد أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق القعنبي عن مالك أنه سأل ابن شهاب فذكر مثله وزاد: "وهو عليه واجب". قوله: "قال مالك" هو موصول بالإسناد المذكور. قوله: "وصيام العبد شهران" يحتمل أن يكون ابن شهاب الذي نقل مالك عنه أن ظهار العبد نحو ظهار الحر كأن يعطي العبد في ذلك جميع أحكام الحر، ويحتمل أن يكون أراد بالتشبيه مطلق صحة الظهار من العبد كما يصح من الحر ولا يلزم أن يعطي جميع أحكامه، لكن نقل ابن بطال الإجماع على أن العبد إذا ظاهر لزمه، وأن كفارته بالصيام شهران كالحر نعم اختلفوا في الإطعام والعتق، فقال الكوفيون والشافعي: لا يجزئه إلا الصيام فقط. وقال ابن القاسم عن مالك: إن أطعم بإذن مولاه أجزأه. وما ادعاه من الإجماع مردود فقد نقل الشيخ الموفق في "المغني" عن بعضهم أنه لا يصح ظهار العبد لأن الله تعالى قال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} والعبد لا يملك الرقاب، وتعقبه بأن تحرير الرقبة إنما هو على من يجدها فكان كالمعسر ففرضه الصيام. وأما ما ذكره من قدر صيامه فقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن إبراهيم: لو صام شهرا أجزأ عنه. وعن الحسن يصوم شهرين. وعن ابن جريج عن عطاء في رجل ظاهر من زوجة أمة قال: شطر الصوم. قوله: "وقال الحسن بن الحر" كذا للأكثر. وفي رواية أبي ذر عن المستملي: "الحسن بن حي" وفي رواية: "وقال الحسن" فقط، فأما الحسن بن الحر فهو بضم المهملة وتشديد الراء ابن الحكم النخعي الكوفي نزيل دمشق، ثقة عندهم، وليس له في البخاري ذكر إلا هذا الموضع إن ثبت ذلك، وأما الحسن بن حي فبفتح المهملة وتشديد التحتانية نسب لجد أبيه وهو الحسن بن صالح بن صالح بن حي واسم حي حيان كوفي ثقة فقيه عابد من طبقة سفيان الثوري، وقد تقدم ذكر أبيه في أوائل هذا الكتاب، وقد أخرج الطحاوي في كتاب "اختلاف العلماء" هذا الأثر "عن الحسن بن حي" وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن إبراهيم النخعي قال: "الظهار من الأمة كالظهار من الحرة" وقد وقع لنا الكلام المذكور من قول الحسن البصري وذلك فيما أخرجه ابن الأعرابي في معجمه من طريق همام "سئل قتادة عن رجل ظاهر من سريته، فقال: قال الحسن وابن المسيب وعطاء وسليمان بن يسار: مثل ظهار الحرة، وهو قول الفقهاء السبعة، وبه قال مالك وربيعة والثوري والليث، واحتجوا بأنه فرج حلال فيحرم بالتحريم. وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن الحسن: إن وطئها فهو ظهار، وإن لم يكن وطئها فلا ظهار عليه، وهو قول الأوزاعي. قوله: "وقال عكرمة: إن ظاهر من أمته فليس بشيء، إنما الظهار من النساء" وصله إسماعيل القاضي بسند لا بأس به، وجاء أيضا عن مجاهد مثله أخرجه سعيد بن منصور من رواية داود بن أبي هند سألت مجاهدا عن الظهار من الأمة فكأنه لم يره شيئا فقلت: أليس الله يقول: {مِنْ نِسَائِهِمْ} أفليست من النساء؟ فقال: قال الله تعالى :{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} أو ليس العبيد من الرجال؟ أفتجوز شهادة العبيد؟ وقد جاء عن عكرمة خلافه، قال عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة مولى ابن عباس قال، يكفر عن ظهار الأمة مثل كفارة الحرة، وبقول عكرمة الأول قال الكوفيون والشافعي والجمهور، واحتجوا بقوله تعالى :{مِنْ نِسَائِهِمْ} وليست الأمة من النساء، واحتجوا أيضا بقول ابن عباس: إن الظهار كان طلاقا ثم أحل بالكفارة، فكما لا حظ للأمة في الطلاق لا حظ لها في الظهار، ويحتمل أن يكون المنقول عن عكرمة في الأمة المزوجة قلا يكون بين قوليه اختلاف. قوله: "وفي العربية لما قالوا أي فيما قالوا" أي يستعمل في كلام العرب

(9/434)


عاد لكذا بمعنى أعاد فيه وأبطله. قوله: "وفي نقض ما قالوا" كذا للأكثر بنون وقاف. وفي رواية الأصيلي والكشميهني: "بعض" بموحدة ثم مهملة والأول أصح، والمعنى أنه يأتي بفعل ينقض قوله الأول. وقد اختلف العلماء هل يشترط الفعل فلا يجوز له وطؤها إلا بعد أن يكفر، أو يكفي العزم على وطئها، أو العزم على إمساكها وترك فراقها؟ والأول قول الليث والثاني قول الحنفية ومالك، وحكى عنه أنه الوطء بعينه يشرط أن يقدم عليه الكفارة، وحكى عنه العزم على الإمساك والوطء معا وعليه أكثر أصحابه، والثالث قول الشافعي ومن تبعه، وثم قول رابع سنذكره هنا. قوله: "وهذا أولى لأن الله تعالى لم يدل على المنكر وقول الزور" هذا كلام البخاري ومراده الرد على من زعم أن شرط العود هنا أن يقع بالقول وهو إعادة لفظ الظهار، فأشار إلى هذا القول وجزم بأنه مرجوح وإن كان هو ظاهر الآية وهو قول أهل الظاهر، وقد روى ذلك عن أبي العالية ويكبر بن الأشج من التابعين وبه قال الفراء النحوي، ومعنى قوله: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا لِمَا قَالُوا} أي إلى قول ما قالوا: وقد بالغ ابن العربي في إنكاره ونسب قائله إلى الجهل لأن الله تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزور فكيف يقال إذا أعاد القول المحرم المنكر يجب عليه أن يكفر ثم تحل له المرأة؟ انتهى. وإلى هذا أشار البخاري بقوله: "لأن الله لم يدل على المنكر والزور" وقال إسماعيل القاضي: لما وقع بعد قوله: " ثُمَّ يَعُودُونَ} {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} دل على أن المراد وقوع ضد ما وقع منه من المظاهرة، فإن رجلا لو قال إذا أردت أن تمس فأعتق رقبة قبل أن تمس لكان كلاما صحيحا، بخلاف ما لو قال إذا لم ترد أن تمس فأعتق رقبة قبل أن تمس.وقد جرى بحث بين أبي العباس بن سريج ومحمد بن داود الظاهري فاحتج عليه ابن سريج بالإجماع، فأنكره ابن داود وقال: الذين خالفوا القرآن لا أعد خلافهم خلافا. وأنكر ابن العربي أن يصح عن بكير الأشج، واختلف المعربون في معنى اللام في قوله: {لِمَا قَالُوا} فقيل معناها ثم يعودون إلى الجماع فتحرير رقبة لما قالوا أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا، فادعوا أن اللام في قوله: {لِمَا قَالُوا} متعلق بالمحذوف وهو قوله عليهم قاله الأخفش، وقيل المعنى الذين كانوا يظاهرون في الجاهلية ثم يعودون لما قالوا أي إلى المظاهرة في الإسلام، وقيل اللام بمعنى عن أي يرجعون عن قولهم، وهذا موافق قول من يوجب الكفارة بمجرد وقوع كلمة الظهار. وقال ابن بطال: يشبه أن تكون ما بمعنى من، أي اللواتي قالوا لهن أنتن علينا كظهور أمهاتنا، قال ويجوز أن يكون قالوا بتقدير المصدر أي يعودون للقول فسمى المقول فيهن باسم المصدر وهو القول كما قالوا درهم ضرب الأم وهو مضروب الأم، والله أعلم بالصواب.

(9/435)


الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ ثَدْيَيْهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ شَيْئًا إِلاَّ مَادَّتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ يُنْفِقُ إِلاَّ لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا فَهُوَ يُوسِعُهَا فَلاَ تَتَّسِعُ وَيُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِلَى حَلْقِهِ"
قوله: "باب الإشارة في الطلاق والأمور" أي الحكمية وغيرها، وذكر فيه عدة أحاديث معلقة وموصولة: أولها قوله: "وقال ابن عمر" هو طرف من حديث تقدم موصولا في الجنائز، وفيه قصة لسعد بن عبادة وفيها "ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه "ثانيها" وقال كعب بن مالك "هو أيضا طرف من حديث تقدم موصولا في الملازمة وفيها" وأشار إلى أن خذ النصف "ثالثها" وقالت أسماء "هي بنت أبي بكر. قوله: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف" الحديث تقدم موصولا في كتاب الإيمان بلفظ: "فأشارت إلى السماء" وفيه: "فأشارت برأسها أي نعم" وفي صلاة الكسوف بمعناه، وفي صلاة السهو باختصار. رابعها "وقال أنس أومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يتقدم" هو طرف من حديث ابن عباس. خامسها "وقال ابن عباس" هو طرف من حديث تقدم موصولا في العلم في "باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس" وفيه: "وأومأ بيده ولا حرج"، سادسها "وقال أبو قتادة" هو أيضا طرف من حديث تقدم موصولا في "باب لا يشير المحرم إلى الصيد" من كتاب الحج، وفيه: "أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها". قوله: "أبو عامر" هو العقدي، وإبراهيم شيخه جزم المزي بأنه ابن طهمان، وزعم بعض، الشراح أنه أبو إسحاق الفزاري والأول أرجح. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق يحيى بن أبي بكير عن إبراهيم بن طهمان عن خالد وهو الحذاء، وتقدم الحديث مشروحا في كتاب الحج، وفيه: "كلما أتى على الركن أشار إليه". الثامن. قولة "وقالت زينب" هي بنت جحش أم المؤمنين. قوله: "مثل هذه وهذه وعقد تسعين" تقدم في أحاديث الأنبياء وعلامات النبوة موصولا، ويأتي في الفتن لكن بلفظ: "وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها وهي صورة عقد التسعين" وسيأتي في الفتن من حديث أبي هريرة بلفظ: "وعقد تسعين" ووجه إدخاله في الترجمة أن العقد على صفة مخصوصة لإرادة عدد معلوم يتنزل منزلة الإشارة المفهمة، فإذا اكتفى بها عن النطق مع القدرة عليه دل على اعتبار الإشارة ممن لا يقدر على النطق بطريق الأولى. قوله: "سلمة بن علقمة" بفتح المهملة واللام شيخ ثقة، وهو بصري وكذا سائر رواه هذا الإسناد، وقد يلتبس بمسلمة بن علقمة شيخ بصري أيضا لكن في أول اسمه زيادة ميم والمهملة ساكنة وهو دون سلمة بن علقمة في الطبقة والثقة. قوله: "وقال بيده" أي أشار بها وهو من إطلاق القول على الفعل. قوله: "ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر قلنا يزهدها" أي يقللها، بين أبو مسلم الكحبي في روايته عن مسدد شيخ البخاري أن الذي فعل ذلك هو بشر بن المفضل راويه عن سلمة بن علقمة، فعل هذا ففي سياق البخاري إدراج وقد قيل إن المراد بوضع الأنملة في وسط الكف الإشارة إلى أن ساعة الجمعة في وسط يوم الجمعة، وبوضعها على الخنصر الإشارة إلى أنها في آخر النهار لأن الخنصر آخر أصابع الكف، وقد تقدم بسط الأقاويل في تعيين وقتها في كتاب الجمعة.قوله: "وقال الأويسي" هو عبد العزيز بن عبد الله شيخ البخاري، أخرج عنه الكثير في العلم وفي غيره، وقد أورده أبو نعيم في "المستخرج" من طريق يعقوب بن سفيان عنه، ويأتي في الديات من وجه آخر عن شعبة مع شرحه. وقوله فيه: "أوضاحا"

(9/337)


25- باب اللِّعَانِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ}
إِلَى قَوْلِهِ { مِنْ الصَّادِقِينَ} فَإِذَا قَذَفَ الأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ بِإِيمَاءٍ مَعْرُوفٍ فَهُوَ كَالْمُتَكَلِّمِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَجَازَ الإِشَارَةَ فِي الْفَرَائِضِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} وَقَالَ الضَّحَّاكُ إِلاَّ "رَمْزًا" إِلاَّ إِشَارَةً وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لاَ حَدَّ وَلاَ لِعَانَ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ الطَّلاَقَ بِكِتَابٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِيمَاءٍ جَائِزٌ وَلَيْسَ بَيْنَ الطَّلاَقِ وَالْقَذْفِ فَرْقٌ فَإِنْ قَالَ الْقَذْفُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِكَلاَمٍ قِيلَ لَهُ كَذَلِكَ الطَّلاَقُ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِكَلاَمٍ وَإِلاَ بَطَلَ الطَّلاَقُ وَالْقَذْفُ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَكَذَلِكَ الأَصَمُّ يُلاَعِنُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ إِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ تَبِينُ مِنْهُ بِإِشَارَتِهِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ الطَّلاَقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ وَقَالَ حَمَّادٌ الأَخْرَسُ وَالأَصَمُّ إِنْ قَالَ بِرَأْسِهِ جَازَ"
5300- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَنُو النَّجَّارِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو سَاعِدَةَ ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ فَقَبَضَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كَالرَّامِي بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ"
5301- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَبُو حَازِمٍ سَمِعْتُهُ مِنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى"
5302- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي ثَلاَثِينَ ثُمَّ قَالَ وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَقُولُ مَرَّةً ثَلاَثِينَ وَمَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ"
5303- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ وَأَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ الإِيمَانُ هَا هُنَا مَرَّتَيْنِ أَلاَ وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ"
5304- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا"
[الحديث 5304- طرفه في: 600]

(9/439)


قوله: "باب اللعان" هو مأخوذ من اللعن، لأن الملاعن يقول: "لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين" واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية لأنه قول الرجل، وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضا يبدأ به، وله أن يرجع عنه فيسقط عن المرأة بغير عكس، وقيل سمى لعانا لأن اللعن الطرد والإبعاد وهو مشترك بينهما، وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها، لأن الرجل إذا كان كاذبا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرمية، وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما. واللعان والالتعان والملاعنة بمعنى، ويقال تلاعنا والتعنا ولاعن الحاكم بينهما والرجل ملاعن والمرأة ملاعنة لوقوعه غالبا من الجانبين وأجمعوا على مشروعية اللعان وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقق. واختلف في وجوبه على الزوج، لكن لو تحقق أن الولد ليس منه قوي الوجوب. قوله: "وقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} - إلى قوله: {إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} كذا للأكثر، وساق في رواية كريمة الآيات كلها، وكأن البخاري تمسك بعموم قوله تعالى :{يَرْمُونَ} لأنه أعم من أن يكون باللفظ أو بالإشارة المفهمة، وقد تمسك غيره للجمهور بها في أنه لا يشترط في الالتعان أن يقول الرجل رأيتها تزني، ولا أن ينفي حملها إن كانت حاملا أو ولدها إن كانت وضعت خلافا لمالك، بل يكفي أن يقول إنها زانية أو زنت، ويؤيده أن الله شرع حد القذف على الأجنبي برمي المحصنة، ثم شرع اللعان برمي الزوجة، فلو أن أجنبيا قال يا زانية وجب عليه حد القذف، فكذلك حكم اللعان. وأوردوا على المالكية الاتفاق على مشروعية اللعان للأعمى فانفصل عنه ابن القصار بأن شرطه أن يقول لمست فرجه في فرجها، والله أعلم. قوله: "فإذا قذف الأخرس امرأته بكتابة" بمثناة ثم موحدة، وعند الكشميهني: "بكتاب" بلا هاء. قوله: "أو إشارة أو إيماء معروف فهو كالمتكلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز الإشارة في الفرائض" أي في الأمور المفروضة. قوله: "وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العلم" أي من غيرهم، وخالف الحنفية والأوزاعي وإسحاق، وهي رواية عن أحمد اختارها بعض المتأخرين. قوله: "وقال الله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} أخرج ابن أبي حاتم من طريق ميمون بن مهران قال: لما قالوا لمريم {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} إلخ" أشارت إلى عيسى أن كلموه، فقالوا: تأمرنا أن نكلم من هو في المهد زيادة على ما جاءت به من الداهية ووجه الاستدلال به أن مريم كانت نذرت أن لا تتكلم فكانت في حكم الأخرس فأشارت إشارة مفهمة اكتفوا بها عن معاودة سؤالها وان كانوا أنكروا عليها ما أشارت به، وقد ثبت من حديث أبي بن كعب وأنس بن مالك أن معنى قوله تعالى : {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} أي صمتا أخرجه الطبراني وغيره. قوله: "وقال الضحاك" أي ابن مزاحم "إلا رمزا إشارة" وصله عبد بن حميد وأبو حذيفة في تفسير سفيان الثوري ولفظهما عنه في قوله تعالى :{آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً} استثنى الرمز من الكلام فدل على أن له حكمه. وأغرب الكرماني فقال: الضحاك هو ابن شراحيل الهمداني، فلم يصب فإن المشهور بالتفسير هو ابن مزاحم، وقد وجد الأثر المذكور عنه مصرحا أنه ابن مزاحم، وأما ابن شراحيل ويقال ابن شرحبيل فهو من التابعين لكن لم ينقلوا عنه شيئا من التفسير، بل له عند البخاري حديثان فقط أحدهما في فضائل القرآن والآخر في استتابة المرتدين وكلاهما من روايته عن أبي سعيد الخدري قال: الرمز الإشارة. قوله: "وقال بعض الناس لا حد ولا لعان" أي بالإشارة من الأخرس وغيره "ثم زعم إن طلق بكتابة أو إشارة

(9/440)


أو إيماء جاز" كذا لأبي ذر، ولغيره أن الطلاق بكتابة إلخ. قوله: "وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال القذف لا يكون إلا بكلام قيل له: كذلك الطلاق لا يكون إلا بكلام" أي وأنت وافقت على وقوعه بغير الكلام فليزمك مثله في اللعان والحد. قوله: "وإلا بطل الطلاق والقذف، وكذلك العتق" يعني إما أن يقال باعتبار الإشارة فيها كلها أو بترك اعتبارها فتبطل كلها بالإشارة، وإلا فالتفرقة بينهما بغير دليل تحكم، وقد وافقه بعض الحنفية على هذا البحث وقال: القياس بطلان الجميع، لكن عملنا به في غير اللعان والحد استحسانا، ومنهم من قال: منعناه في اللعان والحد للشبهة لأنه يتعلق بالصريح كالقذف فلا يكتفي فيه بالإشارة لأنها غير صريحة، وهذه عمدة من وافق الحنفية من الحنابلة وغيرهم، ورده ابن التين بأن المسألة مفروضة فيما إذا كانت الإشارة مفهمة إفهاما واضحا لا يبقى معه ريبة، ومن حجتهم أيضا أن القذف يتعلق بصريح الزنا دون معناه، بدليل أن من قال لآخر وطئت وطأ حراما لم يكن قذفا لاحتمال أن يكون وطئ وطء شبهة فاعتقد القائل أنه حرام، والإشارة لا يتضح بها التفصيل بين المعنيين، ولذلك لا يجب الحد في التعريض، وأجاب ابن القصار بالنقض عليهم بنفوذ القذف بغير اللسان العربي وهو ضعيف، ونقض غيره بالقتل فإنه ينقسم إلى عمد وشبه عمد وخطأ ويتميز بالإشارة وهو قوي، واحتجوا أيضا بأن اللعان شهادة وشهادة الأخرس مردودة بالإجماع، وتعقب بأن مالكا ذكر قبولها فلا إجماع، وبأن اللعان عند الأكثر يمين كما سيأتي البحث فيه. قوله: "وكذلك الأصم يلاعن" أي إذا أشير إليه حتى فهم، قال المهلب: في أمره إشكال، لكن قد يرتفع بترداد الإشارة إلى أن تفهم معرفة ذلك عنه. قلت: والإطلاع على معرفته بذلك سهل لأنه يعرف من نطقه. قوله: "وقال الشعبي وقتادة: إذا قال أنت طالق فأشار بأصابعه تبين منه بإشارته" وصله ابن أبي شيبة بلفظ: سئل الشعبي فقال سئل رجل مرة أطلقت امرأتك قال فأومأ بيده بأربع أصابع ولم يتكلم ففارق امرأته. قال ابن التين: معناه أنه عبر عما نواه من العدد بالإشارة فاعتلوا عليه بذلك. قوله: "وقال إبراهيم: الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه" وصله ابن أبي شيبة بلفظه، وأخرجه الأثرم عن ابن أبي شيبة كذلك، وأخرجه عبد الرزاق بلفظ الرجل يكتب الطلاق ولا بلفظ به أنه كان يراه لازما، ونقل ابن التين عن مالك أن الأخرس إذا كتب الطلاق أو نواه لزمه؛ وقال الشافعي: لا يكون طلاقا، يعني أن كلا منهما على انفراده لا يكون طلاقا، أما لو جمعهما فإن الشافعي يقول بالوقوع سواء كان ناطقا أم أخرس. قوله: "وقال حماد: الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز" هو حماد بن أبي سليمان شيء أبي حنيفة، فكأن البخاري أراد إلزام الكوفيين بقول شيخهم، ولا يخفى أن محل الجواز حيث يسبق ما ينطبق عليه من الإيماء بالرأس الجواب. ثم ذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث تتعلق بالإشارة أيضا. حديث أنس في فضل دور الأنصار وقد تقدم شرحه في المناقب، فإنه أورده هناك من وجه آخر عن أنس عن أبي أسيد الساعدي، وأورده هنا عن أنس بغير واسطة والطريقان صحيحان، وفي زيادة أنس هذه الإشارة وليست في روايته عن أبي أسيد. وفي رواية عن أبي أسيد من الزيادة قصة لسعد بن عبادة كما تقدم. والمقصود من الحديث هنا قوله: "ثم قال بيده فقبض أصابعه ثم بسطهن كالرامي بيده" ففيه استعمال الإشارة المفهمة مقرونة بالنطق، وقوله كالرامي بيده أي كالذي يكون بيده الشيء قد ضم أصابعه عليه ثم رماه فانتشرت. قوله: "قال أبو حازم" كذا وقع عنده وأخرجه الإسماعيلي من وجهين عن سفيان بلفظ: "عن أبي حازم" وصرح الحميدي

(9/441)


عن سفيان بالتحديث فقال في روايته: "حدثنا أبو حازم أنه سمع سهلا" أخرجه أبو نعيم. قوله: "كهذه من هذه أو كهاتين" شيء من الراوي، واقتصر الحميدي على قوله: "كهذه من هذه". قوله: "وفرق وأشار سفيان بالسبابة" سيأتي شرحه مستوفي في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. قال الكرماني: قد انقضى من يوم بعثته إلى يومنا هذا - يعني سنة سبع وستين وسبعمائة - سبعمائة وثمانون سنة، فكيف تكون المقاربة؟ وأجاب الخطابي أن المراد أن الذي بقي بالنسبة إلى ما مضى قدر فضل الوسطى إلى السبابة. قلت: وسيأتي البحث في ذلك حيث أشرت إليه حديث ابن عمر "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" تقدم شرحه مستوفي في كتاب الصيام. حديث أبي مسعود - وهو عقبة بن عمرو - ووقع في رواية القابسي والكشميهني: "ابن مسعود" قال عياض: وهو وهم، وهو كما قال، فقد تقدم كذلك في بدء الخلق والمناقب والمغازي من طرق عن إسماعيل وهو ابن أبي خالد عن قيس وهو ابن أبي حازم، وصرح في بدء الخلق باسمه ولفظه: "حدثني قيس عن عقبة بن عمرو أبي مسعود" "وقد تقدم شرحه في ذكر الجن في بدء الخلق، وبقية شرحه في أول المناقب. حديث سهل في فضل كافل اليتيم، وسيأتي شرحه في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى، وقوله فيه: "بالسبابة" في رواية الكشميهني: "بالسباحة" وهما بمعنى.

(9/442)


26- باب إِذَا عَرَّضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ
5305- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ لِي غُلاَمٌ أَسْوَدُ فَقَالَ هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَا أَلْوَانُهَا قَالَ حُمْرٌ قَالَ هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَنَّى ذَلِكَ قَالَ لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ قَالَ فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ"
[الحديث 5305- طرفه في: 6847، 7314]
قوله: "باب إذا عرض بنفي الولد" بتشديد الراء من التعريض، وهو ذكر شيء يفهم منه شيء آخر لم يذكر، ويفارق الكناية بأنها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع يقوم مقامه، وترجم البخاري لهذا الحديث في الحدود "ما جاء في التعريض" وكأنه أخذه من قوله في بعض طرقه: "يعرض بنفيه:" وقد اعترضه ابن المنير فقال: ذكر ترجمة التعريض عقب ترجمة الإشارة لاشتراكهما في إفهام المقصود، لكن كلامه يشعر بإلغاء حكم التعريض فيتناقض مذهبه في الإشارة. والجواب أن الإشارة المعتبرة هي التي لا يفهم منها إلا المعنى المقصود، بخلاف التعريض فإن الاحتمال فيه إما راجح وإما مساو فافترقا، قال الشافعي في "الأم" : ظاهر قول الأعرابي أنه اتهم امرأته، لكن لما كان لقوله وجه غير القذف لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم فيه بحكم القذف فدل ذلك على أنه لا حد في التعريض، ومما يدل على أن التعريض لا يعطي حكم التصريح الإذن بخطبة المعتدة بالتعريض لا بالتصريح فلا يجوز، والله أعلم. قوله: "عن ابن شهاب" قال الدار قطني: أخرجه أبو مصعب في "الموطأ" عن مالك، وتابعه جماعة من الرواة خارج الموطأ، ثم ساقه من رواية محمد بن الحسن عن مالك "أنا الزهري" ومن طريق عبد الله بن محمد بن أسماء عن مالك، ومن طريق ابن وهب "أخبرني ابن أبي ذئب ومالك كلاهما عن ابن شهاب" وطريق ابن وهب هذه أخرجها أبو داود. قوله: "إن سعيد بن المسيب أخبره" كذا لأكثر أصحاب الزهري، وخالفهم يونس فقال

(9/442)


عنه "عن أبي سلمة عن أبي هريرة" وسيأتي في كتاب الاعتصام من طريق ابن وهب عنه، وهو مصير من البخاري إلى أنه عند الزهري عن سعيد وأبي سلمة معا، وقد وافقه مسلم على ذلك، ويؤيده رواية يحيى بن الضحاك عن الأوزاعي عن الزهري عنهما جميعا، وقد أطلق الدار قطني أن المحفوظ رواية مالك ومن تابعه، وهو محمول على العمل بالترجيح، وأما طريق الجمع فهو ما صنعه البخاري، ويتأيد أيضا بأن عقيلا رواه عن الزهري قال: "بلغنا عن أبي هريرة" فإن ذلك، يشعر بأنه عنده عن غير واحد، وإلا لو كان عن واحد فقط كسعيد مثلا لاقتصر عليه. قوله: "إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية أبي مصعب "جاء أعرابي" وكذا سيأتي في الحدود عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك، وللنسائي: "جاء رجل من أهل البادية" وكذا في رواية أشهب عن مالك عند الدار قطني. وفي رواية ابن وهب التي عند أبي داود "أن أعرابيا من بني فزارة" وكذا عند مسلم وأصحاب السنن من رواية سفيان بن عيينة عن ابن شهاب، واسم هذا الأعرابي ضمضم بن قتادة أخرج حديثه عبد الغني بن سعيد في "المبهمات" له من طريق قطبة بنت عمرو بن هرم أن مدلوكا حدثها "إن ضمضم بن قتادة ولد له مولود أسود من امرأة من بني عجل فشكا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل لك من إبل" ؟ قوله: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية ابن أبي ذئب "صرخ بالنبي صلى الله عليه وسلم". قوله: "فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود" لم أقف على اسم المرأة ولا على اسم الغلام، وزاد في رواية يونس "وإني أنكرته" أي استنكرته بقلبي ولم يرد أنه أنكر كونه ابنه بلسانه وإلا لكان تصريحا بالنفي لا تعريضا، ووجه التعريض، أنه قال غلاما أسود أي وأنا أبيض فكيف يكون مني؟ ووقع في رواية معمر عن الزهري عند مسلم: "وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه:" ويؤخذ منه أن التعريض بالقذف ليس قذفا وبه قال الجمهور، واستدل الشافعي بهذا الحديث لذلك، وعن المالكية يجب به الحد إذا كان مفهوما، وأجابوا عن الحديث بما سيأتي بيانه في آخر شرحه. وقال ابن دقيق العيد: في الاستدلال بالحديث نظر، لأن المستفتي لا يجب عليه حد ولا تعزير. قلت: وفي هذا الإطلاق نظر، لأنه قد يستفتي بلفظ لا يقتضي القذف وبلفظ يقتضيه، فمن الأول أن يقول مثلا إذا كان زوج المرأة أبيض فأتت بولد أسود: ما الحكم؟ ومن الثاني أن يقول مثلا: أن امرأتي أتت بولد أسود وأبا أبيض فيكون تعريضا، أو يزيد فيه مثلا زنت فيكون تصريحا، والذي ورد في حديث الباب هو الثاني فيتم الاستدلال. وقد نبه الخطابي على عكس هذا فقال: لا يلزم الزوج إذا صرح بأن الولد الذي وضعته امرأته ليس منه حد قذفه لجواز أن يريد أنها وطئت بشهبة أو وضعته من الزوج الذي قبله إذا كان ذلك ممكنا. قوله: "قال : فما ألوانها؟ قال: حمر" في رواية محمد بن مصعب عن مالك عند الدار قطني "قال رمك" والأرمك الأبيض إلى حمرة، وقد تقدم تفسيره في شرح حديث جمل جابر في الشرط. قوله: "فهل فيها من أورق" بوزن أحمر. قوله: "إن فيها لورقا" بضم الواو بوزن حمر، والأورق الذي فيه سواد ليس بحالك بل يميل إلى الغبرة، ومنه قبل للحمامة ورقاء. قوله: "فأني ذلك" بفتح النون الثقيلة أي من أين أتاها اللون الذي خالفها، هل هو بسب فحل من غير لونها طرأ عليها أو لأمر آخر؟. قوله: "لعل نزعه عرق" في رواية كريمة: "لعله" ولا إشكال فيها بخلاف الأول فجزم جمع بأن الصواب النصب أي لعل عرقا نزعه. وقال الصغاني: ويحتمل أن يكون في الأصل "لعله" فسقطت الهاء، ووجهه ابن مالك باحتمال أنه حذف منه ضمير الشأن، ويؤيد توجيهه ما وقع في رواية كريمة، والمعنى يحتمل أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور فاجتذبه إليه فجاء على لونه، وادعى الداودي أن لعل هنا للتحقيق. قوله: "ولعل ابنك هذا نزعه" كذا في رواية أبي ذر

(9/443)


بحذف الفاعل، ولغيره: "نزعه عرق" وكذا في سائر الروايات، والمراد بالعرق الأصل من النسب شبهه بعرق الشجرة، ومنه قولهم: فلان عريق في الأصالة أي أن أصله متناسب، وكذا معرق في الكرم أو اللؤم، وأصل النزع الجذب، وقد يطلق على الميل، ومنه ما وقع في قصة عبد الله بن سلام حين سئل عن شبه الولد بأبيه أو بأمه: نزع إلى أبيه أو إلى أمه، وفي الحديث ضرب المثل، وتشبيه المجهول بالمعلوم تقريبا لفهم السائل، واستدل به لصحة العمل بالقياس، قال الخطابي: هو أصل في قياس الشبه. وقال ابن العربي: فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظير؛ وتوقف فيه ابن دقيق العيد فقال: هو تشبيه في أمر وجودي، والنزاع إنما هو في التشبيه في الأحكام الشرعية من طريق واحدة قوية. وفيه أن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرد الظن، وأن الولد يلحق به ولو خالف لونه لون أمه. وقال القرطبي تبعا لابن رشد: لا خلاف في أنه لا يحل نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة كالأدمة والسمرة، ولا في البياض والسواد إذا كان قد أقر بالوطء ولم تمض مدة الاستبراء، وكأنه أراد في مذهبه، وإلا فالخلاف ثابت عند الشافعية بتفصيل فقالوا: إن لم ينضم إليه قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذي اتهمها به جاز النفي على الصحيح، وفي حديث ابن عباس الآتي في اللعان ما يقويه. وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقا، والخلاف إنما هو عند عدمها، وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشافعية. وفيه تقديم حكم الفراش على ما يشعر به مخالفة الشبه. وفيه الاحتياط للأنساب وإبقائها مع الإمكان، والزجر عن تحقيق ظن السوء. وقال القرطبي: يؤخذ منه منع التسلسل، وأن الحوادث لا بد لها أن تستند إلى أول ليس بحادث. وفيه أن التعريض بالقذف لا يثبت حكم القذف حتى يقع التصريح خلافا للمالكية، وأجاب بعض المالكية أن التعريض الذي يجب به القذف عندهم هو ما يفهم منه القذف كما يفهم من التصريح، وهذا الحديث لا حجة فيه لدفع ذلك، فإن الرجل لم يرد قذفا، بل جاء سائلا مستفتيا عن الحكم لما وقع له من الريبة، فلما ضرب له المثل أذعن. وقال المهلب: التعريض إذا كان على سبيل السؤال لا حد فيه، وإنما يجب الحد في التعريض إذا كان على سبيل المواجهة والمشاتمة. وقال ابن المنير: الفرق بين الزوج والأجنبي في التعريض أن الأجنبي يقصد الأذية المحضة، والزوج قد يعذر بالنسبة إلى صيانة النسب، والله أعلم.

(9/444)


باب إخلاف الملاعن
...
27- باب إِحْلاَفِ الْمُلاَعِنِ
5306- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا"
قوله: "باب إحلاف الملاعن" ذكر فيه حديث ابن عمر من رواية جويرية بن أسماء عن نافع مختصرا بلفظ: "فأحلفهما" وكذا سيأتي بعد ستة أبواب من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، وتقدم في تفسير النور من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ: "لاعن بين رجل وامرأة" حديث ابن عمر من رواية جويرية بن أسماء عن نافع مختصرا بلفظ: "فأحلفهما" وكذا سيأتي بعد ستة أبواب من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، وتقدم في تفسير النور من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ: "لاعن بين رجل وامرأة" والمراد بالإحلاف هنا النطق بكلمات اللعان، وقد تمسك به من قال أن اللعان يمين، وهو قول مالك والشافعي والجمهور. وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة وهو وجه للشافعية، وقيل شهادة فيها شائبة اليمين، وقيل بالعكس، ومن ثم قال بعض العلماء: ليس بيمين ولا شهادة، وانبنى على الخلاف أن اللعان يشرع بين كل زوجين مسلمين أو كافرين حرين أو عبدين عدلين أو فاسقين بناء على أنه

(9/444)


يمين، فمن صح يمينه صح لعانه، وقيل لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين، لأن اللعان شهادة ولا يصح من محدود في قذف، وهذا الحديث حجة للأولين لتسوية الراوي بين لاعن وحلف، ويؤيده أن اليمين ما دل على حث أو منع أو تحقيق خبر وهو هنا كذلك، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق حديث ابن عباس "فقال له: احلف بالله الذي لا إله إلا هو إني لصادق، يقول ذلك أربع مرات أخرجه الحاكم والبيهقي من رواية جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة عنه، وسيأتي قريبا "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" واعتل بعض الحنفية بأنها لو كانت يمينا لما تكررت، وأجيب بأنها خرجت عن القياس تغليظا لحرمة الفروج كما خرجت القسامة لحرمة الأنفس، وبأنها لو كانت شهادة لم تكرر أيضا. والذي تحرر لي أنها من حيث الجزم بنفي الكذب وإثبات الصدق يمين، لكن أطلق عليها شهادة لاشتراط أن لا يكتفي في ذلك بالظن بل لا بد من وجود علم كل منهما بالأمرين علما يصح معه أن يشهد به، ويؤيد كونها يمينا أن الشخص لو قال أشهد بالله لقد كان كذا لعد حالفا. وقد قال القفال في "محاسن الشريعة" : كررت أيمان اللعان لأنها أقيمت مقام أربع شهود في غيره ليقام عليها الحد، ومن ثم سميت شهادات.

(9/445)


28- باب يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلاَعُنِ
5307- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَجَاءَ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ"
قوله: "باب يبدأ الرجل بالتلاعن" ذكر فيه حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية مختصرا وكأنه أخذ الترجمة من قوله: "ثم قامت فشهدت" فإنه ظاهر في أن الرجل يقدم قبل المرأة في الملاعنة، وقد ورد ذلك صريحا من حديث ابن عمر كما سأذكره في "باب صداق الملاعنة" وبه قال الشافعي ومن تبعه وأشهب من المالكية ورجحه ابن العربي وقال ابن القاسم لو ابتدأت به المرأة صح واعتد به وهو قول أبي حنيفة، واحتجوا بأن الله عطفه بالواو وهي لا تقتضي الترتيب. واحتج للأولين بأن اللعان شرع لدفع الحد عن الرجل، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لهلال "البينة وإلا حد في ظهرك"، فلو بدئ بالمرأة لكان دفعا لأمر لم يثبت، وبأن الرجل يمكنه أن يرجع بعد أن يلتعن كما تقدم فيندفع عن المرأة، بخلاف ما لو بدأت به المرأة. قوله: "عن عكرمة عن ابن عباس" كذا وصله هشام بن حسان عن عكرمة، وتابعه عباد بن منصور عن عكرمة أخرجه أبو داود في السنن، وساقه أبو داود الطيالسي في مسنده مطولا، واختلف على أيوب: فرواه جرير ابن حازم عنه موصولا أخرجه الحاكم والبيهقي في "الخلافيات" وغيرها وكذا أخرجه النسائي وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه من رواية حماد بن زيد عن أيوب موصولا، وأخرجه الطبري من طريق حماد مرسلا، قال الترمذي سألت محمدا عن هذا الاختلاف فقال: حديث عكرمة عن ابن عباس في هذا محفوظ. قوله: "إن هلال بن أمية قذف امرأته فجاء فشهد" كذا أورده هنا مختصرا، وتقدم في تفسير النور مطولا، وفيه شرح قوله: "البينة أو حد في ظهرك" وفيه قول هلال "لينزلن الله ما يبرئ ظهري من

(9/445)


الجلد فنزلت" ووقع فيه أنه اتهمهما بشريك بن سحماء، ووقع في رواية مسلم من حديث أنس "إن شريك بن سحماء كان أخا البراء بن مالك لأمه" وهو مشكل فإن أم البراء هي أم أنس بن مالك وهي أم سليم ولم تكن سحماء ولا تسمى سحماء فلعل شريكا كان أخاه من الرضاعة. وقد وقع عند البيهقي في الخلافيات من مرسل محمد بن سيرين "أن شريكا كان يأوي إلى منزل هلال" وفي تفسير مقاتل: أن والدة شريك التي يقال لها سحماء كانت حبشية وقيل كانت يمانية، وعند الحاكم من مرسل ابن سيرين "كانت أمة سوداء" واسم والد شريك عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان، وحكى عبد الغني بن سعيد وأبو نعيم في الصحابة أن لفظ شريك صفة لا اسم، وأنه كان شريكا لرجل يهودي يقال له ابن سحماء، وحكى البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي أن شريك بن سحماء كان يهوديا، وأشار عياض إلى بطلان هذا القول وجزم بذلك النووي تبعا له وقال: كان صحابيا، وكذا عده جمع في الصحابة فيجوز أن يكون أسلم بعد ذلك. ويعكر على هذا قول ابن الكلبي: أنه شهد أحدا؛ وكذا قول غيره أن أباه شهد بدرا وأحدا؛ فالله أعلم. قوله في هذه الرواية "فجاء فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله يعلم أن أحد كما كاذب" ظاهره أن هذا الكلام صدر منه صلى الله عليه وسلم في حال ملاعنتهما، بخلاف من زعم أنه قاله بعد فراغهما، وزاد في تفسير النور من هذا الوجه بعد قوله فشهدت "فلما كان عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة" ووقع عند النسائي في هذه القصة "فأمر رجلا أن يضع يده عند الخامسة على فيه، ثم على فيها. وقال: إنها موجبة" قال ابن عباس "فتلكأت ونكصت حتى قلنا إنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت" وفيه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "أبصروها فإن جاءت إلخ" وسأذكر شرحه في "باب التلاعن في المسجد"

(9/446)


29- باب اللِّعَانِ وَمَنْ طَلَّقَ بَعْدَ اللِّعَانِ
5308- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلاَنِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ يَا عَاصِمُ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ عُوَيْمِرٌ وَاللَّهِ لاَ أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا قَالَ سَهْلٌ فَتَلاَعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلاَعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ"

(9/446)


قوله: "باب اللعان" تقدم معنى اللعان قبل، وهو ينقسم إلى واجب ومكروه وحرام، فالأول أن يراها تزني أو أقرت بالزنا فصدقها، وذلك في طهر لم يجامعها فيه ثم اعتزلها مدة العدة فأتت بولد لزمه قذفها لنفي الولد لئلا يلحقه فيترتب عليه المفاسد. الثاني أن يرى أجنبيا يدخل عليها بحيث يغلب على ظنه أنه زنى بها فيجوز له أن يلاعن، لكن لو ترك لكان أولى للستر لأنه يمكنه فراقها بالطلاق الثالث ما عدا ذلك، لكن لو استفاض فوجهان لأصحاب الشافعي وأحمد، فمن أجار تمسك بحديث: "انظروا فإن جاءت به" فجعل الشبه دالا على نفيه منه، ولا حجة فيه لأنه سبق اللعان في الصورة المذكورة كما سيأتي، ومن تمسك بحديث الذي أنكر شبه ولده به. قوله: "ومن طلق" أي بعد أن لاعن، في هذه الترجمة إشارة إلى الخلاف هل تقع الفرقة في اللعان بنفس اللعان أو بإيقاع الحاكم بعد الفراغ أو بإيقاع الزوج، فذهب مالك والشافعي ومن تبعهما إلى أن الفرقة نقع بنفس اللعان، قال مالك وغالب أصحابه: بعد فراغ المرأة. وقال الشافعي وأتباعه وسحنون من المالكية: بعد فراغ الزوج، واعتل بأن التعان المرأة إنما شرع لدفع الحد عنها بخلاف الرجل فإنه يزيد على ذلك في حقه نفي النسب ولحاق الولد وزوال الفراش، وتظهر فائدة الخلاف في التوارث لو مات أحدهما عقب فراع الرجل، وفيما إذا علق طلاقه امرأة بفراق أخرى ثم لاعن الأخرى. وقال الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما لا تقع الفرقة حتى يوقعها عليهما الحاكم، واحتجوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان كما سيأتي بيانه، وعن أحمد روايتان، وسيأتي مزيد بحث في ذلك بعد خمسة أبواب، وذهب عثمان البتي أنه لا تقع الفرقة حتى يوقعها الزوج، واعتل بأن الفرقة لم تذكر في القرآن، ولأن ظاهر الأحاديث أن الزوج هو الذي طلق ابتداء، ويقال إن عثمان تفرد بذلك لكن نقل الطبري عن أبي الشعثاء جابر بن زيد البصري أحد أصحاب ابن عباس، من فقهاء التابعين نحوه، ومقابله قول أبي عبيد: أن الفرقة بين الزوجين تقع بنفس القذف ولو لم يقع اللعان، وكأنه مفرع على وجوب اللعان على من تحقق ذلك من المرأة، فإذا أخل به عوقب بالفرقة تغليطا عليه. قوله: "عن ابن شهاب" في رواية الشافعي عن مالك "حدثني ابن شهاب". قوله: "إن عويمرا العجلاني" في رواية القعنبي عن مالك "عويمر بن أشقر" وكذا أخرجه أبو داود وأبو عوانة من طريق عياض بن عبد الله الفهري عن الزهري، ووقع في "الاستيعاب" عويمر بن أبيض، وعند الخطيب في "المبهمات" عويمر بن الحارث، وهذا هو المعتمد فإن الطبري نسبه في "تهذيب الآثار" فقال: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان، فلعل أباه كان يلقب أشقر أو أبيض، وفي الصحابة ابن أشقر آخر وهو مازني أخرج له ابن ماجه. واتفقت الروايات عن ابن شهاب على أنه في مسند سهل إلا ما أخرجه النسائي من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة وإبراهيم بن سعد كلاهما عن الزهري فقال فيه: "عن سهل عن عاصم بن عدي قال: كان عويمر رجلا من بنى العجلان، فقال: "أي عاصم فذكر الحديث، والمحفوظ الأول، وسيأتي عن سهل أنه حضر القصة، فستأتي في الحدود من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري قال: "قال سهل بن سعيد شهدت المتلاعن وأنا ابن خمس عشرة سنة" ووقع في نسخة أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن سهل بن سعد قال: "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة" فهذا يدل على أن قصة اللعان كانت في السنة الأخيرة من زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لكن جزم الطبري وأبو حاتم وابن حبان بأن اللعان كان في شعبان سنة تسع، وجزم به غير واحد من المتأخرين، ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الدار قطني أن قصة اللعان كانت بمنصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، وهو قريب من قول الطبري، ومن وافقه،

(9/447)


لكن في إسناده الواقدي فلا بد من تأويل أحد القولين، فإن أمكن وإلا فطريق شعيب أصح. ومما يوهن رواية الواقدي ما اتفق عليه أهل السير أن التوجه إلى تبوك كان في رجب، وما ثبت في الصحيحين أن هلال بن أمية أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وفي قصته أن امرأته استأذنت له النبي صلى الله عليه وسلم أن تخدمه فأذن لها بشرط أن لا يقربها فقالت: إنه لا حراك به، وفيه أن ذلك كان بعد أن مضى لهم أربعون يوما، فكيف تقع قصة اللعان في الشهر الذي انصرفوا فيه من تبوك ويقع لهلال مع كونه فيما ذكر من الشغل بنفسه وهجران الناس له وغير ذلك، وقد ثبت في حديث ابن عباس أن آية اللعان نزلت في حقه، وكذا عند مسلم من حديث أنس أنه أول من لاعن في الإسلام، ووقع في رواية عباد بن منصور في حديث ابن عباس عند أبي داود وأحمد "حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم فوجد عند أهله رجلا" الحديث، فهذا يدل على أن قصة اللعان تأخرت عن قصة تبوك والذي يظهر أن القصة كانت متأخرة، ولعلها كانت في شعبان سنة عشر لا تسع، وكانت الوفاة النبوية في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة باتفاق، فيلتئم حينئذ مع حديث سهل بن سعد، ووقع عند مسلم من حديث ابن مسعود "كنا ليلة جمعة في المسجد إذ جاء رجل من الأنصار" فذكر القصة في اللعان باختصار، فعين اليوم لكن لم يعين الشهر ولا السنة. قوله: "جاء إلى عاصم بن عدي" أي ابن الجد بن العجلان العجلاني، وهو ابن عم والد عويمر. وفي رواية الأوزاعي عن الزهري التي مضت في التفسير "وكان عاصم سيد بني عجلان" والجد بفتح الجيم وتشديد الدال والعجلان بفتح المهملة وسكون الجيم هو ابن حارثة بن ضبيعة من بني بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وكان العجلان حالف بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس من الأنصار في الجاهلية وسكن المدينة فدخلوا في الأنصار. وقد ذكر ابن الكلبي أن امرأة عويمر هي بنت عاصم المذكور وأن اسمها خولة. وقال ابن منده في "كتاب الصحابة" خولة بنت عاصم التي. قذفها زوجها فلاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، لها ذكر ولا تعرف لها رواية، وتبعه أبو نعيم، ولم يذكرا سلفهما في ذلك وكأنه ابن الكلبي، وذكر مقاتل بن سليمان فيما حكاه القرطبي أنها خولة بنت قيس، وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم، فأخرج من طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى "أن عاصم بن عدي لما نزلت: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} قال: يا رسول الله أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلى به في بنت أخيه" وفي سنده مع إرساله ضعف. وأخرج ابن أبي حاتم في التفسير عن مقاتل بن حيان قال: "لما سأل عاصم عن ذلك ابتلى به في أهل بيته، فأتاه ابن عمه تحته ابنة عمه رماها بابن عمة المرأة والزوج والحليل ثلاثتهم بنو عم عاصم" وعن ابن مردويه في مرسل ابن أبي ليلى المذكور أن الرجل الذي رمي عويمر امرأته به هو شريك بن سحماء. وهو يشهد لصحة هذه الرواية لأنه ابن عم عويمر كما بينت نسبه في الباب الماضي، وكذا في مرسل مقاتل بن حيان عند أبي حاتم، فقال الزوج لعاصم: يا ابن عم أقسم بالله لقد رأيت شريك بن سحماء على بطنها وإنها لحبلى وما قربتها منذ أربعة أشهر، وفي حديث عبد الله بن جعفر عند الدار قطني "لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها وقال: هو لابن سحماء" ولا يمتنع أن يتهم شريك بن سحماء بالمرأتين معا. وأما قول ابن الصباغ في "الشامل" أن المزني ذكر في "المختصر" أن العجلاني قذف زوجته بشريك بن سحماء وهو سهو في النقل، وإنما القاذف بشريك هلال بن أمية، فكأنه لم يعرف مستند المزني في ذلك وإذا جاء الخبر من طرق متعددة فإن بعضها يعضد بعضا، والجمع ممكن فيتعين المصير إليه فهو أولى من التغليط. قوله: "أرأيت رجلا" أي أخبرني عن حكم. رجل. قوله: "وجد مع امرأته

(9/448)


رجلا" كذا اقتصر على قوله: "مع" فاستعمل الكناية، فإن مراده معية خاصة، ومراده أن يكون وجده عند الرؤية. قوله: "أيقتله فتقتلونه" أي قصاصا لتقدم علمه بحكم القصاص لعموم قوله تعالى :{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} لكن في طرقه احتمال أن يخص من ذلك ما يقع بالسبب الذي لا يقدر على الصبر عليه غالبا من الغيرة التي في طبع البشر، ولأجل هذا قال: "أم كيف يفعل" ؟ وقد تقدم في أول "باب الغيرة" استشكال سعد بن عبادة مثل ذلك وقوله: "لو رأيته لضربته بالسيف غير مصفح" وتقدم في تفسير النور قول النبي صلى الله عليه وسلم لهلال ابن أمية لما سأله عن مثل ذلك "البينة، وإلا حد في ظهرك" وذلك كله قبل أن ينزل اللعان. وقد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلا فتحقق الأمر فقتله هل يقتل به؟ فمنع الجمهور الإقدام وقالوا: يقتص منه إلا أن يأتي ببينة الزنا أو على المقتول بالاعتراف أو يعترف به ورثته فلا يقتل القاتل به بشرط أن يكون المقتول محصنا، وقيل بل يقتل به لأنه ليس له أن يقيم الحد بغير إذن الإمام. وقال بعض السلف: بل لا يقتل أصلا ويعزر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه، وشرط أحمد وإسحاق ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم وابن حبيب من المالكية، لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن، قال القرطبي: ظاهر تقرير عويمر على ما قال يؤيد قولهم، كذا قال والله أعلم. وقوله: "أم كيف يفعل" ؟ يحتمل أن تكون "أم" متصلة والتقدير: أم يصبر على ما به من المضض، ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى الإضراب أي بل هناك حكم آخر لا يعرفه ويريد أن يطلع عليه، فلذلك قال: سل لي يا عاصم. وإنما خص عاصما بذلك لما تقدم من أنه كان كبير قومه وصهره على ابنته أو ابنة أخيه، ولعله كان اطلع على مخايل ما سأل عنه لكن لم يتحققه فلذلك لم يفصح به، أو اطلع حقيقة لكن خشي إذا صرح به من العقوبة التي تضمنها من رمي المحصنة بغير بينة، أشار إلى ذلك ابن العربي قال: ويحتمل أن يكون لم يقع له شيء من ذلك لكن اتفق أنه وقع في نفسه إرادة الاطلاع على الحكم فابتلى به كما يقال البلاء موكل بالمنطق، ومن ثم قال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به. وقد وقع في حديث ابن عمر عند مسلم في قصة العجلاني "فقال: أرأيت إن وجد رجل مع امرأته رجلا، فإن تكلم به تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك". وفي حديث ابن مسعود عنده أيضا: "إن تكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ" وهذه أتم الروايات في هذا المعنى. قوله: "فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر" بفتح الكاف وضم الموحدة أي عظم وزنا ومعنى، وسببه أن الحامل لعاصم على السؤال غيره فأختص هو بالإنكار عليه، ولهذا قال لعويمر لما رجع فاستفهمه عن الجواب: لم تأبني بخير. "تنبيهات": الأول تقدم في تفسير النور أن النووي نقل عن الواحدي أن عاصما أحد من لاعن، وتقدم إنكار ذلك. ثم وقفت على مستنده وهو مذكور في "معاني القرآن للفراء" لكنه غلط. الثاني وقع في السيرة لابن حبال في حوادث سنة تسع "ثم لاعن بين عويمر بن الحارث العجلاني وهو الذي يقال له عاصم وبين امرأته بعد العصر في المسجد" وقد أنكر بعض شيوخنا قوله: "وهو الذي يقال له عاصم" والذي يظهر لي أنه تحريف، وكأنه كان في الأصل "الذي سأل له عاصم" والله أعلم. وسبب كراهة ذلك ما قال الشافعي: كانت المسائل فيما لم ينزل فيه حكم زمن نزول الوحي ممنوعة لئلا ينزل الوحي بالتحريم فيما لم يكن قبل ذلك محرما فيحرم، ويشهد له الحديث المخرج في الصحيح "أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" وقال النووي: المراد كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها، لا سيما ما كان فيه هتك ستر مسلم أو إشاعة فاحشة أو شناعة عليه، وليس المراد المسائل المحتاج إليها إذا

(9/449)


وقعت، فقد كان المسلمون يسألون عن النوازل فيجيبهم صلى الله عليه وسلم بغير كراهة، فلما كان في سؤال عاصم شناعة ويترتب عليه تسليط اليهود والمنافقين على أعراض المسلمين كره مسألته، وربما كان في المسألة تضييق، وكان صلى الله عليه وسلم يحب التيسير على أمته وشواهد ذلك في الأحاديث كثيرة، وفي حديث جابر "ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال" أخرجه الخطيب في "المبهمات" من طريق مجالد عن عامر عنه. قوله: "فقال عويمر: والله لا انتهي" في رواية الكشميهني: "ما انتهى" أي ما أرجع عن السؤال ولو نهيت عنه، زاد ابن أبي ذئب في روايته عن ابن شهاب في هذا الحديث كما سيأتي الاعتصام "فأنزل الله القرآن خلف عاصم" أي بعد أن رجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية ابن جريج في الباب الذي بعد هذا "فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر الملاعنة "وفي رواية إبراهيم بن سعد "فأتاه فوجده قد أنزل الله عليه". قوله: "فأقبل عويمر حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم" بالنصب "وسط الناس" بفتح السين وبسكونها. قوله: "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك" ظاهر هذا السياق أنه كان تقدم منه إشارة إلى خصوص ما وقع له مع امرأته، فيترجح أحد الاحتمالات التي أشار إليها ابن العربي، لكن ظهر لي من بقية الطرق أن في السياق اختصارا، ويوضح ذلك ما وقع في حديث ابن عمر في قصة العجلاني بعد قوله: "إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك" فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فدل على أنه لم يذكر امرأته إلا بعد أن انصرف ثم عاد. ووقع في حديث ابن مسعود "إن الرجل لما قال: وإن سكت سكت على غيظ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان" وهذا ظاهره أن الآية نزلت عقب السؤال، لكن يحتمل أن يتخلل بين الدعاء والنزول زمن بحيث يذهب عاصم ويعود عويمر، وهذا كله ظاهر جدا في أن القصة نزلت بسبب عويمر، ويعارضه ما تقدم في تفسير النور من حديث ابن عباس "أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة أو حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إنني لصادق، ولينزلن الله في ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل فأنزل عليه: والذين يرمون أزواجهم" الحديث. وفي رواية عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في هذا الحديث عند أبي داود "فقال هلال: وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا. قال فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك إذ نزل عليه الوحي" وفي حديث أنس عند مسلم: "أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لاعن في الإسلام" فهذا يدل على أن الآية نزلت بسبب هلال، وقد قدمت اختلاف أهل العلم في الراجح من ذلك، وبينت كيفية الجمع بينهما في تفسير سورة النور بأن يكون هلال سأل أولا ثم سأل عويمر فنزلت في شأنهما معا، وظهر لي الآن احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول ثم جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها "إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به" فوجد الآية نزلت في شأن هلال، فأعلمه صلى الله عليه وسلم بأنها نزلت فيه، يعني أنها نزلت في كل من وقع له ذلك، لأن ذلك لا يختص بهلال. وكذا يجاب على سياق حديث ابن مسعود يحتمل أنه لما شرع يدعو بعد توجه العجلاني جاء هلال فذكر قصته فنزلت، فجاء عويمر فقال: قد نزل فيك وفي صاحبتك. قوله: "فاذهب فأت بها" يعني فذهب فأتي بها. واستدل به على أن اللعان يكون عند الحاكم وبأمره، فلو تراضيا بمن يلاعن بينهما فلاعن لم يصح، لأن في اللعان من التغليظ ما يقتضي أن يختص به الحكام. وفي حديث ابن عمر "فتلاهن عليه" أي الأياب التي في سورة النور ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب

(9/450)


الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها. ثم دعاها فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة قالت: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب. قوله: "قال سهل" هو موصول بالإسناد المبدأ به. قوله: "فتلاعنا" فيه حذف تقديره فذهب فأتى بها فسألها فأنكرت؛ فأمر باللعان فتلاعنا. قوله: "وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم" زاد ابن جريج كما في الباب الذي بعده "في المسجد" وزاد ابن إسحاق روايته عن ابن شهاب في هذا الحديث: "بعد العصر" أخرجه أحمد. وفي حديث عبد الله بن جعفر "بعد العصر عند المنبر" وسنده ضعيف، واستدل بمجموع ذلك على أن اللعان يكون بحضرة الحكام وبمجمع من الناس، وهو أحد أنواع التغليظ. ثانيها الزمان. ثالثها المكان. وهذا التغليظ مستحب وقيل واجب. "تنبيه" لم أر في شيء من طرق حديث سهل صفة تلاعنهما إلا ما في رواية الأوزاعي الماضية في التفسير فإنه قال: "فأمرهما بالملاعنة بما سمى في كتابه" وظاهره أنهما لم يزيدا على ما في الآية، وحديث ابن عمر عند مسلم صريح في ذلك فإن فيه: "فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة" الحديث. وحديث ابن مسعود نحوه لكن زاد فيه: "فذهبت لتلتعن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مه، فأبت، فالتعنت" وفي حديث أنس عند أبي يعلى وأصله في مسلم: "فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا؟ فشهد بذلك أربعا ثم قال له في الخامسة: ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين؟ ففعل، ثم دعاها فذكر نحوه، فلما كان في الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول" . وفي حديث ابن عباس من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عنه عند أبي داود والنسائي وابن أبي حاتم" فدعا الرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فأمر به فأمسك على فيه، فوعظه فقال: كل شيء أهون عليك من لعنة الله. ثم أرسله فقال: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وقال في المرأة نحو ذلك" وهذه الطريق لم يسم فيها الزوج ولا الزوجة، بخلاف حديث أنس فصرح فيه بأنها في قصة هلال بن أمية، فإن كانت القصة واحدة وقع الوهم في تسمية الملاعن كما جزم به غير واحد ممن ذكرته في التفسير. فهذه زيادة من ثقة فتعتمد، وإن كانت متعددة فقد ثبت بعضها في قصه امرأة هلال كما ذكرته في آخر "باب يبدأ الرجل بالتلاعن". قوله: "فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها" في رواية الأوزاعي "إن حبستها فقد ظلمتها". قوله: "فطلقها ثلاثا" في رواية ابن إسحاق "ظلمتها إن أمسكتها فهي الطلاق فهي الطلاق" وقد تفرد بهذه الزيادة ولم يتابع عليها، وكأنه رواه بالمعنى لاعتقاده منع جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة، وقد تقدم البحث فيه من قبل في أوائل الطلاق، واستدل بقوله: "طلقها ثلاثا" أن الفرقة بين المتلاعنين تتوقف على تطليق الرجل كما تقدم نقله عن عثمان البتي، وأجيب بقوله في حديث ابن عمر "فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين" فإن حديث سهل وحديث ابن عمر في قصة واحدة، وظاهر حديث ابن عمر أن الفرقة وقعت بتفريق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقع في "شرح مسلم للنووي" قوله: "كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها" هو كلام مستقل، وقوله: "فطلقها" أي ثم عقب قوله ذلك بطلاقها وذلك لأنه ظن أن اللعان لا يحرمها عليه، فأراد تحريمها بالطلاق فقال: "هي طالق ثلاثا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا سبيل لك عليها" أي لا ملك لك عليها فلا يقع طلاقك انتهى. وهو يوهم أن قوله: "لا سبيل لك عليها" وقع منه صلى الله عليه وسلم

(9/451)


عقب قول الملاعن هي طالق ثلاثا وأنه موجود كذلك في حديث سهل بن سعد الذي شرحه، وليس كذلك فإن قوله لا سبيل لك عليها لم يقع في حديث سهل، وإنما وقع في حديث ابن عمر عقب قوله: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها" وفيه: "قال يا رسول الله مالي" الحديث كذا في الصحيحين، وظهر من ذلك أن قوله : "لا سبيل لك عليها" إنما استدل من استدل به من أصحابنا لوقوع الفرقة بنفس الطلاق من عموم لفظه لا من خصوص السياق والله أعلم. قوله: "قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين" زاد أبو داود عن القعنبي عن مالك "فكانت تلك وهي إشارة إلى الفرقة. وفي رواية ابن جريج في الباب بعده" فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذلك تفريق بين كل متلاعنين "كذا للمستملي، وللباقين" فكان ذلك تفريقا، وللكشميهني: "فصار" بدل "فكان" وأخرجه مسلم من طريق ابن جريج بلفظ: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك التفريق بين كل متلاعنين" وهو يؤيد رواية المستملي، ومن طريق يونس عن ابن شهاب قال بمثل حديث مالك، قال مسلم: لكن أدرج قوله: "وكان فراقه إياها بعد سنة بين المتلاعنين" وكذا ذكر الدار قطني في "غرائب مالك" اختلاف الرواة على ابن شهاب ثم على مالك في تعيين من قال: "فكان فراقها سنة" هل هو من قول سهل أو من قول ابن شهاب، وذكر ذلك الشافعي وأشار إلى أن نسبته إلى ابن شهاب لا تمنع نسبته إلى سهل، ويؤيده ما وقع عند أبي داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري عن ابن شهاب عن سهل قال: "فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما صنع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة" قال سهل "حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا" فقوله: "فمضت السنة" ظاهر في أنه من تمام قول سهل، ويحتمل أنه من قول ابن شهاب، ويؤيده أن ابن جريج كما في الباب الذي بعده أورد قول ابن شهاب في ذلك بعد ذكر حديث سهل فقال بعد قوله ذلك تفريق بين كل متلاعنين: قال ابن جريج قال ابن شهاب كانت السنة بعدها أن يفرق بين المتلاعنين، ثم وجدت في نسخة الصغاني آخر الحديث. قال أبو عبد الله: قوله: "ذلك تفريق بين المتلاعنين" من قول الزهري وليس من الحديث. انتهى، وهو خلاف ظاهر سياق ابن جريج فكأن المصنف رأى أنه مدرج فنبه عليه.

(9/452)


30- باب التَّلاَعُنِ فِي الْمَسْجِدِ
5309- حَدَّثَنَا يَحْيَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ الْمُلاَعَنَةِ وَعَنْ السُّنَّةِ فِيهَا عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِهِ مَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرِ الْمُتَلاَعِنَيْنِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قَدْ قَضَى اللَّهُ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ قَالَ فَتَلاَعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَرَغَا مِنْ التَّلاَعُنِ فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ذَاكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاَعِنَيْنِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَكَانَتْ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ وَكَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ قَالَ ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا أَنَّهَا تَرِثُهُ

(9/452)


وَيَرِثُ مِنْهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلاَ أُرَاهَا إِلاَّ قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ
قوله: "باب التلاعن في المسجد" أشار بهذه الترجمة إلى خلاف الحنفية أن اللعان لا يتعين في المسجد وإنما يكون حيث كان الإمام أو حيث شاء. قوله: "حدثنا يحيى" هو ابن جعفر. قوله: "أخبرني ابن شهاب عن الملاعنة وعن السنة فيها عن حديث سهل بن سعد أخي بني ساعدة" وقع عند الطبري في أول الإسناد زيادة، فإنه أخرج من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عكرمة في هذه الآية {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} نزلت في هلال بن أمية فذكره مختصرا، قال ابن جريج: وأخبرني ابن شهاب فذكره، فكأن ابن جريج أشار إلى بيان الاختلاف في الذي نزل ذلك فيه، وقد ذكرت ما في رواية ابن جريج من الفائدة في الباب الذي قبله. قوله: "قال وكانت حاملا وكان ابنها يدعي لأمه، قال: ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله لها" هذه الأقوال كلها أقوال ابن شهاب، وهو موصول إليه بالسند المبدأ به، وقد وصله سويد بن سعيد عن مالك عن ابن شهاب عن سهل بن سعد، قال الدار قطني في "غرائب مالك" : لا أعلم أحدا رواه عن مالك غيره. قلت: وقد تقدم في التفسير من طريق فليح بن سليمان عن الزهري عن سهل، فذكر قصة المتلاعنين مختصرة وفيه: "ففارقها، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملا - إلى قوله :{ما فرض الله لها" ، وظاهر أنه من قول سهل مع احتمال أن يكون من قول ابن شهاب كما تقدم، وهذا صريح في أن اللعان بينهما وقع وهي حامل، ويتأيد بما في رواية العباس بن سهل بن سعد عن أبيه عند أبي داود" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعاصم بن عدي: أمسك المرأة عندك حتى تلد"، وتقدم في أثناء الباب الذي قبله من مرسل مقاتل ابن حيان ومن حديث عبد الله بن جعفر أيضا التصريح بذلك. قوله: "قال ابن جريج عن ابن شهاب عن سهل ابن سعد الساعدي في هذا الحديث" هو موصول بالسند المبدأ به. قوله: "إن جاءت به أحمر" في رواية أبي داود من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب "أحيمر" بالتصغير، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند الشافعي "أشقر" قال ثعلب المراد بالأحمر الأبيض، لأن الحمرة إنما تبدو في البياض، قال: والعرب لا تطلق الأبيض لا اللون وإنما تقوله في نعت الطاهر والنقي والكريم ونحو ذلك. قوله: "قصيرا كأنه وحرة" بفتح الواو والمهملة: دويبة تترامى على الطعام واللحم فتفسده، وهي من نوع الوزغ. قوله: "فلا أراها إلا صدقت" في رواية عباس بن سهل عن أبيه عند أبي داود فهو لأبيه الذي انتفى منه. قوله: "وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين" أي عظيمتين، ويوضحه ما في رواية أبي داود المذكورة من طريق إبراهيم بن سعد "أدعج العينين عظيم الأليتين" ومثله في رواية الأوزاعي الماضية في التفسير وزاد: "خدلج الساقين" والدعج شدة سواد الحدقة والأعين الكبير العين. وفي رواية عباس بن سهل المذكورة "وإن ولدته قطط الشعر أسود اللسان فهو لابن سحماء" والقطط تفلفل الشعر. قوله: "فجاءت به على المكروه من ذلك" في رواية الأوزاعي "فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر" وفي رواية عباس المذكورة "قال عاصم: فلما وقع أخذته إلى فإذا رأسه مثل فروة الحمل الصغير، ثم أخذت بفقميه فإذا هو مثل النبعة، واستقبلني لسانه أسود مثل الثمرة فقلت: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم"، والحمل بفتح المهملة والميم ولد

(9/453)


الضأن، والنبعة واحدة النبع بفتح النون وسكون الموحدة بعدها مهملة، وهو شجر يتخذ منه القسي والسهام، ولون قشره أحمر إلى الصفرة.

(9/454)


31- باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ
5310- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذُكِرَ التَّلاَعُنُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَالَ عَاصِمٌ مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا الأَمْرِ إِلاَّ لِقَوْلِي فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبْطَ الشَّعَرِ وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ بَيِّنْ فَجَاءَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ فَلاَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ هِيَ الَّتِي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ فَقَالَ لاَ تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الإِسْلاَمِ السُّوءَ قَالَ أَبُو صَالِحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ آدَمَ خَدِلًا"
[الحديث 5310- أطرافه في: 5316، 6855، 6856، 7238]
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت راجما بغير بينة" أي من أنكر، وإلا فالمعترف أيضا يرجم. قوله: "عن يحيى بن سعد" هو الأنصاري. قوله: "عن عبد الرحمن بن القاسم" في رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد "أخبرني عبد الرحمن بن القاسم" وسيأتي بعد ستة أبواب. قوله: "عن القاسم بن محمد" أي ابن أبي بكر الصديق وهو والد عبد الرحمن راويه عنه، ووقع في رواية النسائي: "عن أبيه". قوله: "عن ابن عباس أنه ذكر التلاعن" يعني أنه قال ذكر فحذف لفظ: "قال:" وصرح بذلك في رواية سليمان الآتية، وقوله: "ذكر" بضم أوله على البناء للمجهول، وقوله: "التلاعن" وقع في رواية سليمان "المتلاعنان" والمراد ذكر حكم الرجل يرمي امرأته بالزنا فعبر عنه بالتلاعن باعتبار ما آل إليه الأمر بعد نزول الآية. قوله: "فقال عاصم بن عدي في ذلك قولا ثم انصرف" قال الكرماني: معنى قوله: "قولا" أي كلاما لا يليق به كعجب النفس والنخوة والمبالغة في الغيرة وعدم المرد إلى إرادة الله وقدرته. قلت: وكل ذلك بمعزل عن الواقع، وإنما المراد بقول عاصم ما تقدم في حديث سهل بن سعد أنه سأل عن الحكم الذي أمره عويمر أن يسأل له عنه. وإنما جزمت بذلك لأنه تبين لي أن حديثي سهل بن سعد وابن عباس من رواية القاسم بن محمد عنه في قصة واحدة، بخلاف رواية عكرمة عن ابن عباس فإنها في قصة أخرى كما تقدم في تفسير النور عن ابن عبد البر أن القاسم روي قصة اللعان عن ابن عباس كما رواه سهل بن سعد وغيره في أن الملاعن، وبينت هناك توجيهه، وعلى هذا فالقول المبهم عن عاصم في رواية القاسم هذه هو قوله: "أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه" ؟ الحديث، ولا مانع أن يروى ابن عباس القصتين معا، ويؤيد التعدد اختلاف السياقين وخلو أحدهما عما وقع في الآخر وما وقع بين القصتين من المغايرة كما أبينه. قوله:

(9/454)


"فأتاه رجل من قومه" هو عويمر كما تقدم، ولا يمكن تفسيره بهلال بن أمية لأنه لا قرابة بينه وبين عاصم، لأنه هلال بن أمية بن عامر بن عبد قيس من بني واقف، وهو مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، فلا يجتمع مع بني عمرو بن عوف الذي ينتهي عاصم إلى حلفهم إلا في مالك بن الأوس لأن عمرو بن عوف هو ابن مالك. قوله: "فقال عاصم ما ابتليت بهذا إلا لقولي" تقدم بيان المراد من ذلك، لأن عويمر بن عمرو كانت تحته بنت عاصم أو بنت أخيه فلذلك أضاف ذلك إلى نفسه بقوله: "ما ابتليت" وقوله: "إلا بقولي" أي بسؤالي عما لم يقع، كأنه قال فعوقبت بوقوع ذلك في آل بيتي، وزعم الداودي أن معناه أنه قال مثلا لو وجدت أحدا يفعل ذلك لقتلته، أو عير أحدا بذلك فابتلى به، وكلامه أيضا بمعزل عن الواقع، فقد وقع في مرسل مقاتل بن حيان عند ابن أبي حاتم "فقال عاصم: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا والله بسؤالي عن هذا الأمر بين الناس فابتليت به" والذي كان قال: "لو رأيته لضربته بالسيف" هو سعد بن عبادة كما تقدم في "باب الغيرة" وقد أورد الطبري من طريق أيوب عن عكرمة مرسلا، ووصله ابن مردويه بذكر ابن عباس قال: "لما نزلت: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} قال سعد بن عبادة: إن أنا رأيت لكاع يفجر بها رجل" فذكر القصة وفيه: "فوالله ما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية فذكر قصته، وهو عند أبي داود في رواية عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس، فوضح أن قول عاصم كان في قصة عويمر وقول سعد بن عبادة كان في قصة هلال، فالكلامان مختلفان، وهو مما يؤيد تعدد القصة، ويؤيد التعدد أيضا أنه وقع في آخر حديث ابن عباس عند الحاكم" قال ابن عباس: فما كان بالمدينة أكثر غاشية منه" وعند أبي داود وغيره: "قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرا على مصر وما يدعى لأب" فهذا يدل على أن ولد الملاعنة عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم زمانا، وقوله: "على مصر" أي من الأمصار، وظن بعض شيوخنا أنه أراد مصر البلد المشهور فقال: فيه نظر، لأن أمراء مصر معروفون معدودون ليس فيهم هذا، ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند ابن سعد في "الطبقات" أن ولد الملاعنة عاش بعد ذلك سنتين ومات، فهذا أيضا مما يقوي التعدد والله أعلم. قوله: "وكان ذلك الرجل" أي الذي رمى امرأته. قوله: "مصفرا" بضم أوله وسكون الصاد المهملة وفتح الفاء وتشديد الراء، أي قوي الصفرة، وهذا لا يخالف قوله في حديث سهل أنه كان أحمر أو أشقر لأن ذاك لونه الأصلي والصفرة عارضة، وقوله قليل اللحم أي نحيف الجسم، وقوله سبط الشعر بفتح المهملة وكسر الموحدة هو ضد الجعودة. قوله: "وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله آدم" بالمد أي لونه قريب من السواد. قوله: "خدلا" بفتح المعجمة ثم المهملة وتشديد اللام أي ممتلئ الساقين. وقال أبو الحسين بن فارس "ممتلئ الأعضاء". وقال الطبري: لا يكون إلا مع غلظ العظم مع اللحم. قوله: "كثير اللحم" أي في جميع جسده. يحتمل أن تكون صفة شارحة لقوله: "خدلا" بناء على أن الخدل الممتلئ البدن، وأما على قول من قال أنه المملئ الساق فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، وزاد في رواية سليمان بن بلال الآتية "جعدا قططا" وقد تقدم تفسيره في شرح حديث سهل قريبا، وهذه الصفة موافقة للتي في حديث سهل بن سعد حيث فيه: "عظيم الأليتين خدلج الساقين إلخ". قوله: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم بين" يأتي الكلام عليه بعد أربعة أبواب. قوله: "فجاءت" في رواية سليمان بن بلال "فوضعت". قوله: "فلاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينهما" هذا ظاهره أن الملاعنة بينهما تأخرت حتى وضعت فيحمل على أن قوله: "فلاعن" معقب بقوله فذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، واعترض قوله: "وكان ذلك الرجل إلخ" والحامل على ذلك

(9/455)


ما قدمناه من الأدلة على أن رواية القاسم هذه موافقة لحديث سهل بن سعد. قوله: "لو كنت راجما بغير بينة" تمسك به من قال إن نكول المرأة عن اللعان لا يوجب عليها الحد، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي، واحتجوا بأن الحدود لا تثبت بالنكول، وبأن قوله صلى الله عليه وسلم لو كنت راجما لم يقع بسبب اللعان فقط. وقال أحمد: إذا امتنعت تحبس، وأهاب أن أقول ترجم، لأنها لو أقرت صريحا ثم رجعت لم ترجم فكيف ترجم إذا أبت الالتعان. قوله: "فقال رجل لابن عباس في المجلس" يأتي بيانه في "باب قول الإمام اللهم بين" قريبا. قوله: "قال أبو صالح وعبد الله بن يوسف: آدم خدلا" يعني بسكون الدال ويقال بفتحها مخففا في الوجهين وبالسكون ذكره أهل اللغة. وأبو صالح هذا هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد وقع في بعض النسخ عن أبي ذر "وقال لنا أبو صالح" ورواية عبد الله بن يوسف وصلها المؤلف في الحدود

(9/456)


32- باب صَدَاقِ الْمُلاَعَنَةِ
5311- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ فَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلاَنِ وَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا وَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا فَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَيُّوبُ فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ إِنَّ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا لاَ أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ قَالَ قَالَ الرَّجُلُ مَالِي قَالَ قِيلَ لاَ مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ"
[ الحديث 5311، أطرافه في: 5312، 5349، 5350]
قوله: "باب صداق الملاعنة" أي بيان الحكم فيه، وقد انعقد الإجماع على أن المدخول بها تستحق جميعه، واختلف في غير المدخول بها: فالجمهور على أن لها النصف كغيرها من المطلقات قبل الدخول، وقيل بل لها جميعه قاله أبو الزناد والحكم وحماد، وقيل لا شيء لها أصلا قاله الزهري وروى عن مالك. قوله: "أخبرنا إسماعيل" هو المعروف بابن علية. قوله: "قلت لابن عمر: رجل قذف امرأته" أي ما الحكم فيه؟ وقد أورده مسلم من وجه آخر عن سعيد ابن جبير فزاد في أوله" قال لم يفرق المصعب - يعني ابن الزبير - بين المتلاعنين، أي حيث كان أميرا على العراق، قال سعد فذكرت ذلك لابن عمر. ومن وجه آخر عن سعيد "سئلت عن المتلاعنين في امرأة مصعب ابن الزبير فما دريت ما أقول، فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة" الحديث وفيه: "فقلت يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله، نعم، إن أول من سأل عن ذلك فلان ابن فلان، وعرف من قوله بمكة أن في الرواية التي قبلها حذفا تقديره فسافرت إلى مكة فذكرت ذلك لابن عمر، ووقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: "كنا بالكوفة نختلف في الملاعنة، يقول بعضنا يفرق بينهما ويقول بعضنا لا يفرق" ويؤخذ منه أن الخلاف في ذلك كان قديما، وقد استمر عثمان البتي من فقهاء البصرة على أن اللعان لا يقتضي الفرقة كما تقدم نقله عنه. وكأنه لم يبلغه حديث ابن عمر. قوله: "فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان" سيأتي البحث فيه بعد باب، وتقدمت تسميتهما في حديث سهل بن سعد، ووقع في رواية أبي أحمد الجرجاني

(9/456)


"بين أحد بني العجلان" بحاء ودال مهملتين وهو تصحيف. قوله: "وقال: الله يعلم أن أحدكما لكاذب" كذا للمستملي وسقطت اللام لغيره. قوله: "فهل منكما تائب؟ فأبيا" ظاهره أن ذلك كان قبل صدور اللعان بينهما، وسيأتي أيضا. قوله: "قال أيوب" هو موصول بالسند المبدأ به. قوله: "فقال لي عمرو بن دينار أن في الحديث شيئا لا أراك تحدثه، قال قال الرجل: مالي، قال قيل لا مال لك إلى آخره" حاصله أن عمرو بن دينار وأيوب سمعا الحديث جميعا من سعيد بن جبير فحفظ فيه عمرو ما لم يحفظه أيوب، وقد بين ذلك سفيان بن عيينة حيث رواه عنهما جميعا في الباب الذي بعد هذا، فوقع في روايته عن عمرو بسنده قال النبي صلى الله عليه وسلم: "للمتلاعنين: حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها. قال: مالي قال لا مال لك" أما معنى قوله: "لا سبيل لك" أي لا تسليط، وأما قوله: "مالي" فإنه فاعل فعل محذوف، كأنه لما سمع لا سبيل لك عليها قال: أيذهب مالي؟ والمراد به الصداق. قال ابن العربي: قوله: "مالي" أي الصداق الذي دفعته إليها، فأجيب بأنك استوفيته بدخولك عليها، وتمكينها لك من نفسها. ثم أوضح له ذلك بتقسيم مستوعب فقال: إن كنت صادقا فيما ادعيته عليها فقد استوفيت حقك منها قبل ذلك، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك من مطالبتها لئلا تجمع عليها الظلم في عرضها ومطالبتها بمال قبضته منك قبضا صحيحا تستحقه. وعرف من هذه الرواية اسم القائل "لا مال لك" حيث أبهم في حديث الباب بلفظ: "قيل لا مال لك" مع أن النسائي رواه عن زياد بن أيوب عن ابن علية بلفظ: "قال لا مال لك" وقوله: "فقد دخلت بها" فسره في رواية سفيان بلفظ: "فهو بما استحللت من فرجها" وقوله: "فهو أبعد منك" كذا عند النسائي أيضا، ووقع عند الإسماعيلي من رواية عثمان بن أبي شيبة عن ابن علية "فهو أبعد لك" وسيأتي قبل كتاب النفقات سواء من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير بلفظ: "فذلك أبعد وأبعد لك منها" وكرر لفظ أبعد تأكيدا، قوله: "ذلك" الإشارة إلى الكذب، لأنه مع الصدق يبعد عليه استحقاق إعادة المال ففي الكذب أبعد، ويستفاد من قوله: "فهو بما استحللت من فرجها" أن الملاعنة لو أكذبت نفسها بعد اللعان وأقرت بالزنا وجب عليها الحد، لكن لا يسقط مهرها.

(9/457)


باب قول الإمام للمتلاعنين إن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب
...
33- باب قَوْلِ الإِمَامِ لِلْمُتَلاَعِنَيْنِ إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ
5312- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ حَدِيثِ الْمُتَلاَعِنَيْنِ فَقَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِلْمُتَلاَعِنَيْنِ حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا قَالَ مَالِي قَالَ لاَ مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ قَالَ سُفْيَانُ حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو وَقَالَ أَيُّوبُ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ لاَعَنَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ وَفَرَّقَ سُفْيَانُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلاَنِ وَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ قَالَ سُفْيَانُ حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ كَمَا أَخْبَرْتُكَ"
قوله: "باب قول الإمام للمتلاعنين إن أحدكما كاذب" فيه تغليب المذكر على المؤنث. وقال عياض وتبعه

(9/457)


النووي: في "قوله أحدكما" رد على من قال من النحاة إن لفظ أحد لا يستعمل إلا في النفي، وعلى من قال منهم لا يستعمل إلا في الوصف، وأنها لا توضع موضع واحد ولا توقع موقعه. وقد أجازه المبرد. وجاء في هذا الحديث في غير وصف ولا نفي وبمعنى واحد ا هـ. قال الفاكهي: هذا من أعجب ما وقع للقاضي مع براعته وحذقه، فإن الذي قاله النحاة إنما هو في "أحد" التي للعموم نحو ما في الدار من أحد وما جاءني من أحد، وأما أحد بمعنى واحد فلا خلاف في استعمالها في الإثبات نحو {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ونحو {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} ونحو "أحدكما كاذب". قوله: "فهل منكما من تائب" ؟ يحتمل أن يكون إرشادا لا أنه لم يحصل منهما ولا من أحدهما اعتراف، ولأن الزوج لو أكذب نفسه كانت توبة منه. قوله: "سفيان قال عمرو" هو ابن دينار. وفي رواية الحميدي "عن سفيان أنبأنا عمرو" فذكره. وقد بينت ما فيه في الذي قبله. قوله: "قال سفيان حفظته من عمرو" هذا كلام علي بن عبد الله يريد بيان سماع سفيان له من عمرو. قوله: "قال أيوب" هو موصول بالسند المبدأ به وليس بتعليق، وحاصله أن الحديث كان عند سفيان عن عمرو بن دينار وعن أيوب جميعا عن ابن عمر، وقد وقع في رواية الحميدي عن سفيان "قال وحدثنا أيوب في مجلس عمرو بن دينار فحدثه عمرو بحديثه هذا فقال له أيوب: أنت أحسن حديثا مني" وقد بينت في الذي قبله سبب ذلك، وهو أن فيه عند عمرو ما ليس عند أيوب. قوله: "فقال بإصبعيه" هو من إطلاق القول على الفعل، وقوله: "وفرق سفيان بين السبابة والوسطى" جملة معترضة أراد بها بيان الكيفية، والذي يظهر أنه لا يجزم بذلك إلا عن توقيف، وقوله فرق النبي صلى الله عليه وسلم إلخ هو جواب السؤال. قوله: "وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب" قال عياض ظاهره أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، فيؤخذ منه عرض التوبة على المذنب ولو بطريق الإجمال، وأنه يلزم من كذبه التوبة من ذلك. وقال الداودي: قال ذلك قبل اللعان تحذيرا لهما منه، والأول أظهر وأولى بسياق الكلام. قلت: والذي قاله الداودي أولى من جهة أخرى وهي مشروعية الموعظة قبل الوقوع في المعصية، بل هو أحرى مما بعد الوقوع، وأما سياق الكلام فمحتمل في رواية ابن عمر للأمرين، وأما حديث ابن عباس فسياقه ظاهر فيما قال الداودي، ففي رواية جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عند الطبري والحاكم والبيهقي في قصة هلال بن أمية "قال فدعاهما حين نزلت آية الملاعنة فقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فقال هلال: والله إني لصادق" الحديث، وقد قدمت أن حديث ابن عباس من رواية عكرمة في قصة غير القصة التي في حديث سهل بن سعد وابن عمر، فيصح الأمران معا باعتبار التعدد.

(9/458)


بلا ترجمة، وسقط ذلك للباقين، والأول أنسب، وفيه حديث ابن عمر من طريق عبيد الله بن عمر العمري عن نافع من وجهين، ولفظ الأول "فرق بين رجل وامرأة قذفها فأحلفهما" ولفظ الثاني "لاعن بين رجل وامرأة فأحلفهما" ويؤخذ منه أن إطلاق يحيى بن معين وغيره تخطئة الرواية بلفظ: "فرق بين المتلاعنين" إنما المراد به في حديث سهل بن سعد بخصوصه، فقد أخرجه أبو داود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عنه بهذا اللفظ وقال بعده "لم يتابع ابن عيينة على ذلك أحد" ثم أخرج من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عمر "فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان" قال ابن عبد البر: لعل ابن عيينة دخل عليه حديث في حديث. وذكر ابن أبي خيثمة أن يحيى بن معين سئل عن الحديث فقال: إنه غلط. قال ابن عبد البر: إن أراد من حديث سهل فسهل، وإلا فهو مردود. قلت: تقدم أيضا في حديث سهل من طريق ابن جريج "فكانت سنة في المتلاعنين لا يجتمعان أبدا" ولكن ظاهر سياقه أنه من كلام الزهري فيكون مرسلا، وقد بينت من وصله وأرسله في "باب اللعان ومن طلق"، وعلى تقدير ذلك فقد ثبت هذا اللفظ من هذا الوجه فتمسك به من قال إن الفرقة بين المتلاعنين لا تقع بنفس اللعان حتى يوقعها الحاكم، ورواية ابن جريج المذكورة تؤيد أن الفرقة تقع بنفس اللعان، وعلى تقدير إرسالها فقد جاء عن ابن عمر بلفظه عند الدار قطني، ويتأيد بذلك قول من حمل التفريق في حديث الباب على أنه بيان حكم لا إيقاع فرقة، واحتجوا أيضا بقوله في الرواية الأخرى "لا سبيل لك عليها" وتعقب بأن ذلك وقع جوابا لسؤال الرجل عن ماله الذي أخذته منه، وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ وهو نكرة في سياق النفي فيشمل المال والبدن، ويقتضي نفي تسليطه عليها بوجه من الوجوه. ووقع في آخر حديث ابن عباس عند أبي داود "وقضى أن ليس عليه نفقة ولا سكنى من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى عنها" وهو ظاهر في أن الفرقة وقعت بينهما بنفس اللعان، ويستفاد منه أن قوله في حديث سهل "فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراقها" أن الرجل إنما طلقها قبل أن يعلم أن الفرقة تقع بنفس اللعان فبادر إلى تطليقها لشدة نفرته منها، واستدل بقوله: "لا يجتمعان أبدا" على أن فرقة اللعان على التأبيد "وأن الملاعن لو أكذب نفسه لم يحل له أن يتزوجها بعد. وقال بعضهم: يجوز له أن يتزوجها، وإنما يقع باللعان طلقة واحدة بائنة، هذا قول حماد وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وصح عن سعيد بن المسيب، قالوا: ويكون الملاعن إذا أكذب نفسه خاطبا من الخطاب، وعن الشعبي والضحاك: إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته. قال ابن عبد البر: هذا عندي قول ثالث. قلت: ويحتمل أن يكون معنى قوله: "ردت إليه" أي بعد العقد الجديد فيوافق الذي قبله، قال ابن السمعاني: لم أقف على دليل لتأبيد الفرقة من حيث النظر، وإنما المتبع في ذلك النص. وقال ابن عبد البر أبدى بعض أصحابنا له فائدة وهو أن لا يجتمع ملعون مع غير ملعون، لأن أحدهما ملعون في الجملة بخلاف ما إذا تزوجت المرأة غير الملاعن فإنه لا يتحقق، وتعقب بأنه لو كان كذلك لامتنع عليهما معا التزويج لأنه يتحقق أن أحدهما ملعون، ويمكن أن يجاب بأن في هذه الصورة افترقا في الجملة. قال السمعاني: وقد أورد بعض الحنفية أن قوله: "المتلاعنان" يقتضي أن فرقة التأبيد يشترط لها أن يقع التلاعن من الزوجين، والشافعية يكتفون في التأبيد بلعان الزوج فقط كما تقدم، وأجاب بأنه لما كان لعانه بسبب لعانها وصريح لفظ اللعن يوجد في جانبه دونها سمي الموجود منه ملاعنة، ولأن لعانه سبب في إثبات الزنا عليها فيستلزم انتفاء نسب الولدية فينتفي الفراش فإذا انتفى الفراش انقطع النكاح، فإن قيل إذا أكذب الملاعن نفسه يلزم ارتفاع الملاعنة حكما وإذا

(9/459)


ارتفعت صارت المرأة محل استمتاع، قلنا: اللعان عندكم شهادة، والشاهد إذا رجع بعد الحكم لم يرتفع الحكم، وأما عندنا فهو يمين واليمين إذا صارت حجة وتعلق بها الحكم لا ترتفع، فإذا أكذب نفسه فقد زعم أنه لم يوجد منه ما يسقط الحد عنه فيجب عليه الحد ولا يرتفع موجب اللعان.

(9/460)


35- باب يَلْحَقُ الْوَلَدُ بِالْمُلاَعِنَةِ
5315- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ"
قوله: "باب يلحق الولد بالملاعنة" أي إذا انتفى الزوج منه قبل الوضع أو بعده. قوله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين رجل وامرأته فانتفى من ولدها" قال الطيبي: الفاء سببية أي الملاعنة سبب الانتفاء، فإن أراد أن الملاعنة سبب ثبوت الانتفاء فجيد، وإن أراد أن الملاعنة سبب وجود الانتفاء فليس كذلك، فإنه إن لم يتعرض لنفي الولد في الملاعنة لم ينتف، والحديث في الموطأ بلفظ: "وانتقى" بالواو لا بالفاء. وذكر ابن عبد البر أن بعض الرواة عن مالك ذكره بلفظ: "وانتقل" يعني بقاف بدل الفاء ولام آخره وكأنه تصحيف، وإن كان محفوظا فمعناه قريب من الأول، وقد تقدم الحديث في تفسير النور من وجه آخر عن نافع بلفظ: "إن رجلا رمى امرأته وانتفى من ولدها، فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم فتلاعنا" فوضح أن الانتفاء سبب الملاعنة لا العكس، واستدل بهذا الحديث على مشروعية اللعان لنفي الولد، وعن أحمد ينتفي الولد بمجرد اللعان ولو لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان، وفيه نظر لأنه لو استلحقه لحقه، وإنما يؤثر لعان الرجل دفع حد القذف عنه وثبوت زنا المرأة ثم يرتفع عنها الحد بالتعانها. وقال الشافعي: إن نفي الولد في الملاعنة انتفى وإن لم يتعرض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم فأخر بغير عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة. واستدل به على أنه لا يشترط في نفي الحمل تصريح الرجل بأنها ولدت من زنا، ولا أنه استبرأها بحيضة، وعن المالكية يشترط ذلك، واحتج بعض من خالفهم بأنه نفى الحمل عنه من غير أن يتعرض لذلك بخلاف اللعان الناشئ عن قذفها، واحتج الشافعي بأن الحامل قد تحيض فلا معنى لاشتراط الاستبراء، قال ابن العربي: ليس عن هذا جواب مقنع. قوله: "ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة" قال الدار قطني: تفرد مالك بهذه الزيادة، قال ابن عبد البر: ذكروا أن مالكا تفرد بهذه اللفظة في حديث ابن عمر، وقد جاءت من أوجه أخرى في حديث سهل بن سعد كما تقدم من رواية يونس عن الزهري عند أبي داود بلفظ: "ثم خرجت حاملا فكان الولد إلى أمه" ومن رواية الأوزاعي عن الزهري "وكان الولد يدعى إلى أمه" ومعنى قوله ألحق الولد بأمه أي صيره لها وحدها ونفاه عن الزوج فلا توارث بينهما، وأما أمه فترث منه ما فرض الله لها كما وقع صريحا في حديث سهل بن سعد كما تقدم في شرح حديثه في آخره، وكان ابنها يدعى لأمه، ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله لها. وقيل معنى إلحاقه بأمه أنه صيرها له أبا وأما فترث جميع ماله إذا لم يكن له وارث آخر من ولد ونحوه، وهو قول ابن مسعود وواثلة وطائفة ورواية عن أحمد وروى أيضا عن ابن القاسم، وعنه معناه أن عصبة أمه تصير عصبة له وهو قول علي وابن عمر والمشهور عن أحمد، وقيل ترثه أمه وإخوته منها بالفرض والرد وهو قول أبي عبيد ومحمد بن الحسن ورواية عن أحمد،

(9/460)


قال: فإن لم يرثه ذو فرض بحال فعصبته عصبة أمه، واستدل به على أن الولد المنفي باللعان لو كان بنتا حل للملاعن نكاحها، وهو وجه شاذ لبعض الشافعية، والأصح كقول الجمهور أنها تحرم لأنها ربيبته في الجملة

(9/461)


36- باب قَوْلِ الإِمَامِ اللَّهُمَّ بَيِّنْ
5316- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ ذُكِرَ الْمُتَلاَعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَالَ عَاصِمٌ مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا الأَمْرِ إِلاَّ لِقَوْلِي فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبْطَ الشَّعَرِ وَكَانَ الَّذِي وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ آدَمَ خَدْلًا كَثِيرَ اللَّحْمِ جَعْدًا قَطَطًا فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ بَيِّنْ فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَهَا فَلاَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ هِيَ الَّتِي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ السُّوءَ فِي الإِسْلاَمِ"
قوله: "باب قول الإمام اللهم بين" قال ابن العربي: ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما فقط بل معناه أن تلد ليظهر الشبه، ولا يمتنع دلالتها بموت الولد مثلا فلا يظهر البيان، والحكمة فيه ردع من شاهد ذلك عن التلبس بمثل ما وقع لما يترتب على ذلك من القبح ولو اندرأ الحد. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس ويحيى بن سعيد هو الأنصاري. قوله: "أخبرني عبد الرحمن بن القاسم" ثبتت هذه الرواية وكذا رواية الليث السابقة قبل أربعة أبواب أن رواية ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن القاسم التي أخرجها الشافعي وغيره وقعت فيها تسوية، ويحيى وإن كان سمع من القاسم لكنه ما سمع هذا الحديث إلا من ولده عبد الرحمن عنه. قوله: "فوضعت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجد عندها فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما" ظاهره أن الملاعنة تأخرت إلى وضع المرأة لكن قد أوضحت أن رواية ابن عباس هذه هي في القصة التي في حديث سهل بن سعد، وتقدم قبل من حديث سهل أن اللعان وقع بينهما قبل أن تضع، فعلى هذا تكون الفاء في قوله: "فلاعن" معقبة بقوله: "فأخبره بالذي وجد عليه امرأته" وأما قوله: "وكان ذلك الرجل مصفرا إلخ" فهو كلام اعترض بين الجملتين، ويحتمل - على بعد - أن تكون الملاعنة وقعت مرة بسبب القذف وأخرى بسبب الانتفاء والله أعلم. قوله: "فقال رجل لابن عباس" هذا السائل هو عبد الله بن شداد بن الهاد، وهو ابن خالة ابن عباس، سماه أبو الزناد عن القاسم بن محمد في هذا الحديث كما سيأتي في كتاب الحدود. قوله: "كانت تظهر في الإسلام السوء" أي كانت تعلن بالفاحشة، ولكن لم يثبت عليها ذلك ببينة ولا اعت راف. قال الداودي: فيه جواز عيب من يسلك مسالك السوء، وتعقب بأن ابن عباس لم يسمها. فإن أراد إظهار العيب على الإبهام فمحتمل، وقد مضى في التفسير في رواية عكرمة عن ابن عباس "إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن" أي لولا ما سبق من حكم الله، أي أن اللعان يدفع الحد عن

(9/461)


المرأة لأقمت عليها الحد من أجل الشبه الظاهر بالذي رميت به، ويستفاد منه أنه صلى الله عليه وسلم كان يحكم بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي خاص فإذا أنزل الوحي بالحكم في تلك المسألة قطع النظر وعمل بما نزل وأجرى الأمر على الظاهر ولو قامت قرينة تقتضي خلاف الظاهر، وفي أحاديث اللعان من الفوائد غير ما تقدم أن المفتي إذا سئل عن واقعة ولم يعلم حكمها ورجا أن يجد فيها نصا لا يبادر إلى الاجتهاد فيها. وفيه الرحلة في المسألة النازلة، لأن سعيد بن جبير رحل من العراق إلى مكة من أجل مسألة الملاعنة. وفيه إتيان العالم في منزله ولو كان في قائلته إذا عرف الآتي أنه لا يشق عليه. وفيه تعظيم العالم ومخاطبته بكنيته. وفيه التسبيح عند التعجب، وإشعار بسعة علم سعيد بن جبير لأن ابن عمر عجب من خفاء مثل هذا الحكم عليه، ويحتمل أن يكون تعجبه لعلمه بأن الحكم المذكور كان مشهورا من قبل فتعجب كيف خفي على بعض الناس. وفيه بيان أوليات الأشياء والعناية بمعرفتها لقول ابن عمر "أول من سأل عن ذلك فلان" وقوله أنس "أول لعان كان" وفيه أن البلاء موكل بالمنطق، وأنه إن لم يقع بالناطق وقع بمن له به وصلة، وأن الحاكم يردع الخصم عن التمادي على الباطل بالموعظة والتذكير والتحذير ويكرر ذلك ليكون أبلغ. وفيه ارتكاب أخف المفسدتين بترك أثقلهما، لأن مفسدة الصبر على خلاف ما توجبه الغيرة مع قبحه وشدته أسهل من الإقدام على القتل الذي يؤدي إلى الاقتصاص من القاتل، وقد نهج له الشارع سبيلا إلى الراحة منها إما بالطلاق وإما باللعان. وفيه أن الاستفهام بأرأيت كان قديما، وأن خبر الواحد يعمل به إذا كان ثقة، وأنه يسن للحاكم وعظ المتلاعنين عند إرادة التلاعن، ويتأكد عند الخامسة، ونقل ابن دقيق العيد عن الفقهاء أنهم خصوه بالمرأة عند إرادة تلفظها بالغضب، واستشكله بما في حديث ابن عمر، لكن قد صرح جماعة من الشافعية وغيرهم باستحباب وعظهما معا. وفيه ذكر الدليل مع بيان الحكم. وفيه كراهة المسائل التي يترتب عليها هتك المسلم أو التوصل إلى أذيته بأي سبب كان، وفي كلام الشافعي إشارة إلى أن كراهة ذلك كانت خاصة بزمنه صلى الله عليه وسلم من أجل نزول الوحي لئلا تقع المسألة عن شيء مباح فيقع التحريم بسبب المسألة، وقد ثبت في الصحيح "أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" وقد استمر جماعة من السلف على كراهة السؤال عما لم يقع، لكن عمل الأكثر على خلافه فلا يحصى ما فرعه الفقهاء من المسائل قبل وقوعها. وفيه أن الصحابة كانوا يسألون عن الحكم الذي لم ينزل فيه وحي. وفيه أن للعالم إذا كره السؤال أن يعيبه ويهجنه، وأن من لقي شيئا من المكروه بسبب غيره يعاتبه عليه، وأن المحتاج إلى معرفة الحكم لا يرده كراهة العالم لما سأل عنه ولا غضبه عليه ولا جفاؤه له بل يعاود ملاطفته إلى أن يقضي حاجته، وأن السؤال عما يلزم من أمور الدين مشروع سرا وجهرا، وأن لا عيب في ذلك على السائل ولو كان مما يستقبح. وفيه التحريض على التوبة، والعمل بالستر، وانحصار الحق في أحد الجانبين عند تعذر الواسطة لقوله: "إن أحدكما كاذب" وأن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب واحد منهما وإن أحاط العلم بكذب أحدهما لا بعينه. وفيه أن اللعان إذا وقع سقط حد القذف عن الملاعن للمرأة وللذي رميت به، لأنه صرح في بعض طرقه بتسمية المقذوف، ومع ذلك لم ينقل أن القاذف حد، قال الداودي: لم يقل به مالك لأنه لم يبلغه الحديث ولو بلغه لقال به وأجاب بعض من قال يحد من المالكية والحنفية بأن المقذوف لم يطلب وهو حقه فلذلك لم ينقل أن القاذف حد لأن الحد سقط من أصله باللعان. وذكر عياض أن بعض أصحابهم اعتذر عن ذلك بأن شريكا كان يهوديا، وقد بينت ما فيه في "باب يبدأ الرجل بالتلاعن". وفيه أنه ليس على الإمام أن يعلم المقذوف بما

(9/462)


وقع من قاذفه. وفيه أن الحامل تلاعن قبل الوضع لقوله في الحديث: "انظروا فإن جاءت به إلخ" كما تقدم في حديث سهل وفي حديث ابن عباس. وعند مسلم من حديث ابن مسعود "فجاء يعني الرجل هو وامرأته فتلاعنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لعلها أن تجيء به أسود جعدا، فجاءت به أسود جعدا" وبه قال الجمهور خلافا لمن أبى ذلك من أهل الرأي معتلا بأن الحمل لا يعلم لأنه قد يكون نفخة، وحجة الجمهور أن اللعان شرع لدفع حد القذف عن الرجل ودفع حد الرجم عن المرأة، فلا فرق بين أن تكون حاملا أو حائلا، ولذلك يشرع اللعان مع الآيسة. وقد اختلف في الصغيرة: فالجمهور على أن الرجل إذا قذفها فله أن يلتعن لدفع حد القذف عنه دونها. واستدل به على أن لا كفارة في اليمين الغموس لأنها لو وجبت لبينت في هذه القصة، وتعقب بأنه لم يتعين الحانث، وأجيب بأنه لو كان واجبا لبينه مجملا بأن يقول مثلا فليكفر الحانث منكما عن يمينه كما أرشد أحدهما إلى التوبة. وفي قوله عليه السلام "البينة وإلا حد في ظهرك" دلالة على أن القاذف لو عجز عن البينة فطلب تحليف المقذوف لا يجاب، لأن الحصر المذكور لم يتغير منه إلا زيادة مشروعية اللعان. وفيه جواز ذكر الأوصاف المذمومة عند الضرورة الداعية إلى ذلك ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة، واستدل به على أن اللعان لا يشرع إلا لمن ليست له بينة، وفيه نظر لأنه لو استطاع إقامة البينة على زناها ساغ له أن يلاعنها لنفي الولد لأنه لا ينحصر في الزنا، وبه قال مالك والشافعي ومن تبعهما. وفيه أن الحكم يتعلق بالظاهر وأمر السرائر موكول إلى الله تعالى، قال ابن التين وبه احتج الشافعي على قبول توبة الزنديق، وفيه نظر لأن الحكم يتعلق بالظاهر فيما لا يتعلق فيه حكم للباطن، والزنديق قد علم باطنه بما تقدم فلا يقبل منه ظاهر ما يبديه بعد ذلك كذا قال، وحجة الشافعي ظاهرة لأنه صلى الله عليه وسلم قد تحقق أن أحدهما كاذب وكان قادرا على الاطلاع على عين الكاذب لكن أخبر أن الحكم بظاهر الشرع يقتضي أنه لا ينقب عن البواطن، وقد لاحت القرائن بتعيين الكاذب في المتلاعنين ومع ذلك فأجراهما على حكم الظاهر ولم يعاقب المرأة. ويستفاد منه أن الحاكم لا يكتفي بالمظنة والإشارة في الحدود إذا خالفت الحكم الظاهر كيمين المدعى عليه إذا أنكر ولا بينة، واستدل به الشافعي على إبطال الاستحسان لقوله: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن". وفيه أن الحاكم إذا بذل وسعه واستوفى الشرائط لا ينقض حكمه إلا إن ظهر عليه إخلال شرط أو تفريط في سبب. وفيه أن اللعان يشرع في كل امرأة دخل بها أو لم يدخل، ونقل فيه ابن المنذر الإجماع، وفي صداق غير المدخول بها خلاف للحنابلة تقدمت الإشارة إليه في بابه. فلو نكح فاسدا أو طلق بائنا فولدت فأراد نفي الولد فله الملاعنة. وقال أبو حنيفة: يلحقه الولد ولا نفي ولا لعان لأنها أجنبية. وكذا لو قذفها ثم أبانها بثلاث فله اللعان. وقال أبو حنيفة: لا، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن هشيم عن مغيرة قال الشعبي إذا طلقها ثلاثا فوضعت فانتفى منه فله أن يلاعن، فقال له الحارث: إن الله يقول: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} أفتراها له زوجة؟ فقال الشعبي: إني لأستحي من الله إذا رأيت الحق أن لا أرجع إليه، فلو التعن ثلاث مرات فقط فالتعنت المرأة مثله ففرق الحاكم بينهما لم تقع الفرقة عند الجمهور لأن ظاهر القرآن أن الحد وجب عليهما وأنه لا يندفع إلا بما ذكر فيتعين الإتيان بجميعه. وقال أبو حنيفة: أخطأ السنة وتحصل الفرقة لأنه أتى بالأكثر فتعلق به الحكم، واستدل به على أن الالتعان ينتفي به الحمل خلافا لأبي حنيفة ورواية عن أحمد لقوله: "انظروا فإن جاءت به" إلخ، فإن الحديث ظاهر في أنها كانت حاملا وقد ألحق الولد مع ذلك بأمه. وفيه جواز الحلف على ما يغلب على الظن ويكون المستند

(9/463)


التمسك بالأصل أو قوة الرجاء من الله عند تحقق الصدق لقول من سأله هلال "والله ليجلدنك" ولقول هلال "والله لا يضربني وقد علم أني رأيت حتى استفتيت". وفيه أن اليمين التي يعتد بها في الحكم ما يقع بعد إذن الحاكم لأن هلالا قال: "والله إني لصادق" ثم لم يحتسب بها من كلمات اللعان الخمس. وتمسك به من قال بإلغاء حكم القافة، وتعقب بأن إلغاء حكم الشبه هنا إنما وقع حيث عارضه حكم الظاهر بالشرع، وإنما يعتبر حكم القافة حيث لا يوجد ظاهر يتمسك به، ويقع الاشتباه فيرجع حينئذ إلى القافة، والله أعلم

(9/464)


باب إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد المدة زوجا غيره فلم يمسها
...
37- باب إِذَا طَلَّقَهَا ثَلاَثًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَمْ يَمَسَّهَا
5317- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لاَ يَأْتِيهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلاَّ مِثْلُ هُدْبَةٍ فَقَالَ لاَ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"
قوله: "باب إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد العدة زوجا غيره فلم يمسها" أي هل تحل للأول إن طلقها الثاني بغير مسيس؟ "تنبيه": لم يفرد كتاب العدة عن كتاب اللعان فيما وقفت عليه من النسخ. ووقع في شرح ابن بطال قبل الباب الذي يلي هذا وهو "باب واللائي يئسن من المحيض" : "كتاب العدة" ولبعضهم "أبواب العدة" والأولى إثبات ذلك هنا، فإن هذا الباب لا تعلق له باللعان لأن الملاعنة لا تعود للذي لاعن منها ولو تزوجت غيره سواء جامعها أم لم يجامع. قوله: "يحيى" هو ابن سعيد القطان، وهشام هو ابن عروة. وقوله: "حدثني عثمان بن أبي شيبة إلخ" ساقه على لفظ عبدة، وإنما احتاج إلى رواية يحيى لتصريح هشام في روايته بقوله: "حدثني أبي". قوله: "إن رفاعة القرظي" هو رفاعة القرظي بن سموأل بفتح المهملة والميم وسكون الواو بعدها همزة ثم لام، والقرظي بالقاف والظاء المعجمة وقد تقدم ضبط قريظة والنضير في أوائل المغازي. قوله: "تزوج امرأة" في رواية عمرو بن علي عند الإسماعيلي: "امرأة من بني قريظة" وسماها مالك من حديث عبد الرحمن بن الزبير نفسه كما أخرجه ابن وهب والطبراني والدار قطني في "الغرائب" موصولا وهو في الموطأ مرسل تميمة بنت وهب، وهي بمثناة واختلف هل هي بفتحها أو بالتصغير والثاني أرجح ووقع مجزوما به في النكاح لسعيد بن أبي عروبة من روايته عن قتادة، وقيل اسمها سهيمة بسين مهملة مصغر أخرجه أبو نعيم وكأنه تصحيف، وعند ابن منده أميمة بألف أخرجها من طريق أبي صالح عن ابن عباس وسمي أباها الحارث، وهي واحدة اختلف في التلفظ باسمها والراجح الأول. قوله: "ثم طلقها فتزوجت آخر" سماه مالك في روايته عبد الرحمن بن الزبير وأبوه بفتح الزاي، واتفقت الروايات كلها عن هشام بن عروة أن الزوج الأول رفاعة والثاني عبد الرحمن، وكذا قال عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة في كتاب النكاح له عن قتادة أن تميمة بنت أبي عبيد القرظية كانت تحت رفاعة فطلقها فخلف عليها عبد الرحمن بن الزبير، وتسميته لأبيها لا تنافي رواية مالك فلعل اسمه وهب وكنيته أبو عبيد إلا ما وقع عند ابن إسحاق في المغازي من رواية سلمة بن الفضل عنه وتفرد به عنه عن هشام عن أبيه قال كانت امرأة من قريظة

(9/464)


يقال لها تميمة تحت عبد الرحمن بن الزبير فطلقها. فتزوجها رفاعة ثم فارقها، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرحمن بن الزبير، وهو مع إرساله مقلوب، والمحفوظ ما اتفق عليه الجماعة عن هشام، وقد وقع لامرأة أخرى قريب من قصتها فأخرج النسائي من طريق سليمان بن يسار عن عبيد الله بن العباس أي ابن عبد المطلب "أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو من زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء فقال: إنها كاذبة ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: ليس ذلك لها حتى تذوق عسيلته" ورجاله ثقات لكن اختلف فيه على سليمان بن يسار. ووقع عند شيخنا في شرح الترمذي "عبد الله بن عباس" مكبر وتعقب على ابن عساكر والمزي أنهما لم يذكرا هذا الحديث في "الأطراف" ولا تعقب عليهما فإنهما ذكراه في مسند عبيد الله بالتصغير وهو الصواب، وقد اختلف في سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه ولد في عصره فذكر لذلك في الصحابة، واسم زوج الغميصاء هذه عمرو بن حزم أخرجه الطبراني وأبو مسلم الكجي وأبو نعيم في الصحابة من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن عمرو بن حزم طلق الغميصاء فتزوجها رجل قبل أن يمسها فأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول الحديث ولم أعرف اسم زوجها الثاني، ووقعت لثالثة قصة أخرى مع رفاعة رجل آخر غير الأول والزوج الثاني عبد الرحمن بن الزبير أيضا أخرجه مقاتل بن حيان في تفسيره ومن طريقه ابن شاهين في "الصحابة" ثم أبو موسى قوله تعالى: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} قال: "نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عقيل النضرية كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها فطلقها طلاقا بائنا فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ثم طلقها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى ابن عمي زوجي الأول؟ قال: لا" الحديث وهذا الحديث إن كان محفوظا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى وأن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص، وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموأل هو رفاعة بن وهب فقال اختلف في امرأة رفاعة على خمسة أقوال، فذكر الاختلاف في النطق بتميمة وضم إليها عائشة والتحقيق ما تقدم. ووقعت لأبي ركانة قصة أخرى سأذكرها آخر هذا الباب. قوله: "فأتت النبي صلى الله عليه وسلم" في الكلام حذف تقديره يظهر من الروايات الأخرى، فعند المصنف من طريق أبي معاوية عن هشام "فتزوجت زوجا غيره فلم يصل منها إلى شيء يريده" وعند أبي عوانة من طريق الدراوردي عن هشام "فنكحها عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها" وكذا في رواية مالك بن عبد الرحمن ابن الزبير نفسه وزاد: "فلم يستطع أن يمسها" وقوله فاعترض بضم المثناة وآخره ضاد معجمة أي حصل له عارض حال بينه وبين إتيانها إما من الجن وإما من المرض. قوله: "فذكرت له أنه لا يأتيها" وقع في رواية أبي معاوية عن هشام "فلم يقربني إلا هنة واحدة ولم يصل مني إلى شيء" والهنة بفتح الهاء وتخفيف النون المرة الواحدة الحقيرة. قوله: "وإنه ليس معه إلا مثل هدبة" بضم الهاء وسكون المهملة بعدها موحدة مفتوحة هو طرف الثوب الذي لم ينسج مأخوذ من هدب العين وهو شعر الجفن، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار، واستدل به على أن وطء الزوج الثاني لا يكون محللا ارتجاع الزوج الأول للمرأة إلا إن كان حال وطئه منتشرا فلو كان ذكره أشل أو كان هو عنينا أو طفلا لم يكف على أصح قولي العلماء، وهو الأصح عند الشافعية أيضا. قوله: "فقال لا" هكذا وقع من هذا الوجه مختصرا، ووقع في رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة كما

(9/465)


تقدم قريبا في "باب من قال لامرأته أنت علي حرام" : "ولم يكن معه إلا مثل الهدبة فلم يقربني إلا هنة واحدة ولم يصل مني إلى شيء أفأحل لزوجي الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحلين لزوجك الأول" الحديث. وفي رواية الزهري عن عروة كما تقدم أيضا في أوائل الطلاق "وإنما معه مثل الهدبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا" الحديث. وسيأتي في اللباس من طريق أيوب عن عكرمة "أن رفاعة طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، قالت عائشة: فجاءت وعليها خمار أخضر فشكت إليها - أي إلى عائشة - من زوجها وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والنساء يبصرن بعضهن بعضا قالت عائشة "ما رأيت ما يلقى المؤمنات، لجلدها أشد خضرة من ثوبها. وسمع زوجها فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله مالي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه - وأخذت هدبة من ثوبها - فقال: كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشزة تريد رفاعة. قال: فإن كان ذلك لم تحل له" الحديث. وكأن هذه المراجعة بينهما هي التي حملت خالد بن سعيد بن العاص على قوله الذي وقع في رواية الزهري عن عروة فإن في آخر الحديث كما سيأتي في كتاب اللباس من طريق شعيب عنه "قال فسمع خالد بن سعيد قولها وهو بالباب فقال: يا أبا بكر ألا تنهي هذه عما تجهر به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فوالله ما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على التبسم". وفيه ما كان الصحابة عليه من سلوك الأدب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وإنكارهم على من خالف ذلك بفعله أو قوله لقول خالد بن سعيد لأبي بكر الصديق وهو جالس "ألا تنهي هذه" ؟ وإنما قال خالد ذلك لأنه كان خارج الحجرة، فاحتمل عنده أن يكون هناك ما يمنعه من مباشرة نهيها بنفسه، فأمر به أبا بكر لكونه كان جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم مشاهدا لصورة الحال، ولذلك لما رأى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم عند مقالتها لم يزجرها، وتبسمه صلى الله عليه وسلم كان تعجبا منها، إما لتصريحها بما يستحي النساء من التصريح به غالبا، وإما لضعف عقل النساء لكون الحامل لها على ذلك شدة بغضها في الزوج الثاني ومحبتها في الرجوع إلى الزوج الأول، ويستفاد منه جواز وقوع ذلك. "تنبيه": وقع في جميع الطرق من قول خالد بن سعيد لأبي بكر "ألا تنهي هذه عما تجهر به" ؟ أي ترفع به صوتها، وذكره الداودي بلفظ: "تهجر" بتقديم التاء على الجيم، والهجر بضم الهاء الفحش من القول، والمعنى هنا عليه، لكن الثابت في الروايات ما ذكرته، وذكر عياض أنه وقع كذلك في غير الصحيح. وتقدم البحث في الشهادات مع من استدل بكلام خالد هذا لجواز الشهادة على الصوت. قوله: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" كذا في الموضعين بالتصغير، واختلف في توجيهه فقيل: هي تصغير العسل لأن العسل مؤنث، جزم به القزاز ثم قال وأحسب التذكير لغة. وقال الأزهري يذكر ويؤنث، وقيل لأن العرب إذا حفرت الشيء أدخلت فيه هاء التأنيث، ومن ذلك قولهم دريهمات فجمعوا الدرهم جمع المؤنث عند إرادة التحقير. وقالوا أيضا في تصغير هند هنيدة. وقيل التأنيث باعتبار الوطأة إشارة إلى أنها تكفي في المقصود من تحليلها للزوج الأول، وقيل المراد قطعة من العسل والتصغير للتقليل إشارة إلى أن القدر القليل كاف في تحصيل الحل، قال الأزهري: الصواب أن معنى العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، وأنث تشبيها بقطعة من عسل. وقال الداودي: صغرت لشدة شبهها بالعسل وقيل: معنى العسيلة النطفة، وهذا يوافق قول الحسن البصري. وقال جمهور العلماء: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة، وزاد الحسن البصري: حصول الإنزال. وهذا الشرط انفرد به

(9/466)


عن الجماعة قاله ابن المنذر وآخرون. وقال ابن بطال: شذ الحسن في هذا، وخالفه سائر الفقهاء وقالوا: يكفي من ذلك ما يوجب الحد ويحصن الشخص ويوجب كمال الصداق ويفسد الحج والصوم. قال أبو عبيد: العسيلة لذة الجماع والعرب تسمي كل شيء تستلذه عسلا، وهو في التشديد يقابل قول سعيد بن المسيب في الرخصة، ويرد قول الحسن أن الإنزال لو كان شرطا لكان كافيا، وليس كذلك لأن كلا منهما إذا كان بعيد العهد بالجماع مثلا أنزل قبل تمام الإيلاج، وإذا أنزل كل منهما قبل تمام الإيلاج لم يذق عسيلة صاحبه، لا إن فسرت العسيلة بالإمناء ولا بلذة الجماع قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، إلا سعيد بن المسيب. ثم ساق بسنده الصحيح عنه قال: يقول الناس لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني، وأنا أقول: إذا تزوجها تزويجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها للأول فلا بأس أن يتزوجها الأول. وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور، وفيه تعقب على من استبعد صحته عن سعيد، قال ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن. قلت: سياق كلامه يشعر بذلك. وفيه دلالة على ضعف الخبر الوارد في ذلك. وهو ما أخرجه النسائي من رواية شعبة عن علقمة بن مرثد عن سالم بن رزين عن سالم بن عبد الله عن سعيد بن المسيب "عن ابن عمر رفعه في الرجل تكون له المرأة فيطلقها ثم يتزوجها آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها فترجع إلى الأول، فقال: لا، حتى تذوق العسيلة، وقد أخرجه النسائي أيضا من رواية سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد فقال عن رزين بن سليمان الأحمري عن ابن عمر نحوه، قال النسائي: هذا أولى بالصواب، وإنما قال ذلك لأن الثوري أتقن وأحفظ من شعبة، وروايته أولى بالصواب من وجهين: أحدهما أن شيخ علقمة شيخهما هو رزين بن سليمان كما قال الثوري لا سالم بن رزين كما قال شعبة، فقد رواه جماعة عن علقمة كذلك، منهم غيلان بن جامع أحد الثقات. ثانيهما أن الحديث لو كان عند سعيد بن المسيب عن ابن عمر مرفوعا ما نسبه إلى مقالة الناس الذين خالفهم، ويؤخذ من كلام ابن المنذر أن نقل أبي جعفر النحاس في "معاني القرآن" وتبعه عبد الوهاب المالكي في "شرح الرسالة" القول بذلك عن سعيد بن جبير وهم، وأعجب منه أن أبا حبان جزم به عن السعيد بن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، ولا يعرف له سند عن سعيد بن جبير في شيء من المصنفات، وكفى قول ابن المنذر حجة في ذلك. وحكى ابن الجوزي عن داود أنه وافق سعيد بن المسيب على ذلك، قال القرطبي: ويستفاد من الحديث على قول الجمهور أن الحكم يتعلق بأقل ما ينطلق عليه الاسم، خلافا لمن قال لا بد من حصول جميعه. وفي قوله: "حتى تذوقي عسيلته إلخ" إشعار بإمكان ذلك، لكن قولها "ليس معه إلا مثل هذه الهدبة" ظاهر في تعذر الجماع المشترط، فأجاب الكرماني بأن مرادها بالهدبة التشبيه بها في الدقة والرقة لا في الرخاوة وعدم الحركة واستبعد ما قال، وسياق الخبر يعطي بأنها شكت منه عدم الانتشار، ولا يمنع من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حتى تذوقي" لأنه علقه على الإمكان وهو جائز الوقوع، فكأنه قال صبري حتى يتأتى منه ذلك، وإن تفارقا فلا بد لها من إرادة الرجوع إلى رفاعة من زوج آخر يحصل لها م نه ذلك. واستدل بإطلاق وجود الذوق منهما لاشتراط على الزوجين به حتى لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم يكف ولو أنزل هو. وبالغ ابن المنذر فنقله عن جميع الفقهاء. وتعقب وقال القرطبي: فيه حجة لأحد القولين في أنه لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل. وجزم ابن القاسم بأن وطء المجنون يحلل، وخالفه أشهب، واستدل به على جواز رجوعها لزوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني، لكن

(9/467)


شرط المالكية ونقل عن عثمان وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مخادعة من الزوج الثاني ولا إرادة تحليلها للأول. وقال الأكثر: إن شرط ذلك في العقد فسد وإلا فلا، واتفقوا على أنه إذا كان في نكاح فاسد لم يحلل، وشذ الحكم فقال يكفي، وأن من تزوج أمة ثم بت طلاقها ثم ملكها لم يحل له أن يطأها حتى تتزوج غيره. وقال ابن عباس وبعض أصحابه والحسن البصري: تحل له بملك اليمين، واختلفوا فيما إذا وطئها حائضا أو بعد أن طهرت قبل أن تطهر أو أحدهما صائم أو محرم. وقال ابن حزم: أخذ الحنفية بالشرط الذي في هذا الحديث عن عائشة، وهو زائد على ظاهر القرآن، ولم يأخذوا بحديثها في اشتراط خمس رضعات لأنه زائد على ما في القرآن، فيلزمهم الأخذ به أو ترك حديث الباب، وأجابوا بأن النكاح عندهم حقيقة في الوطء فالحديث موافق لظاهر القرآن، واستدل بقولها "بت طلاقي" على أن البتة ثلاث تطليقات، وهو عجب ممن استدل به فإن البت بمعنى القطع والمراد به قطع العصمة، وهو أعم من أن يكون بالثلاث مجموعة أو بوقوع الثالثة التي هي آخر ثلاث تطليقات، وسيأتي في اللباس صريحا أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات فبطل الاحتجاج به. ونقل ابن العربي عن بعضهم أنه أورد على حديث الباب ما ملخصه أنه يلزم من القول به إما الزيادة بخير الواحد على ما في القرآن فيستلزم نسخ القرآن بالسنة التي لم تتواتر، أو حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين مع ما فيه من الإلباس. والجواب عن الأول أن الشرط إذا كان من مقتضيات اللفظ لم تكن إضافته نسخا ولا زيادة، وعن الثاني أن النكاح في الآية أضيف إليها وهي لا تتولى العقد بمجردها فتعين أن المراد به في حقها الوطء، ومن شرطه اتفاقا أن يكون وطأ مباحا فيحتاج إلى سبق العقد. ويمكن أن يقال: لما كان اللفظ محتملا للمعنيين بينت السنة أنه لا بد من حصولهما، فاستدل به على أن المرأة لا حق لها في الجماع لأن هذه المرأة شكت أن زوجها لا يطؤها وأن ذكره لا ينتشر وأنه ليس معه ما يغني عنها ولم يفسخ النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها بذلك، ومن ثم قال إبراهيم بن إسماعيل بن علية وداود بن علي: لا يفسخ بالعنة ولا يضرب للعنين أجل. وقال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثر إن وطئها بعد أن دخل بها مرة واحدة لم يؤجل أجل العنين، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق. وقال أبو ثور: إن ترك جماعها لعلة أجل له سنة، وإن كان لغير علة فلا تأجيل. وقال عياض، اتفق كافة العلماء على أن للمرأة حقا في الجماع، فيثبت الخيار لها إذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما، ويضرب للعنين أجل سنة لاحتمال زوال. ما به. وأما استدلال داود ومن يقول بقوله بقصة امرأة رفاعة فلا حجة فيها، لأن في بعض طرقه أن الزوج الثاني كان أيضا طلقها كما وقع عند مسلم صريحا من طريق القاسم عن عائشة قالت: "طلق رجل امرأته ثلاثا فتزوجها رجل آخر فطلقها قبل أن يدخل بها فأراد زوجها الأول أن يتزوجها، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: لا" الحديث، وأصله عند البخاري وقد تقدم في أوائل الطلاق. ووقع في حديث الزهري عن عروة كما سيأتي في اللباس في آخر الحديث بعد قوله: لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك "قال ففارقته بعد" زاد ابن جريج عن الزهري في هذا الحديث أنها "جاءت بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إنه - يعني زوجها الثاني - مسها فمنعها أن ترجع إلى زوجها الأول" وصرح مقاتل بن حيان في تفسيره مرسلا أنها "قالت: يا رسول الله إنه كان مسني، فقال كذبت بقولك الأول فلن أصدقك في الآخر، وأنها أتت أبا بكر ثم عمر فمنعاها" وكذا وقعت هذه الزيادة الأخيرة في رواية ابن جريج المذكورة أخرجها عبد الرزاق عنه، ووقع عند مالك في "الموطأ" عن المسور

(9/468)


بن رفاعة عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، زاد خارج الموطأ فيما رواه ابن وهب عنه وتابعه إبراهيم بن طهمان عن مالك عند الدار قطني في "الغرائب" عن أبيه "أن رفاعة طلق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثا، فنكحها عبد الرحمن، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها، فأراد رفاعة أن يتزوجها" الحديث. ووقع عند أبي داود من طريق الأسود عن عائشة "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته فتزوجت غيره فدخل بها وطلقها قبل أن يواقعها أتحل للأول؟ قال: لا" الحديث. وأخرج الطبري وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة نحوه، والطبري أيضا والبيهقي من حديث أنس كذلك، وكذا وقع في رواية حماد ابن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة "أن عمرو بن حزم طلق الغميصاء فنكحها رجل فطلقها قبل أن يمسها، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته" وأخرجه الطبراني ورواته ثقات، فإن كان حماد بن سلمة حفظه فهو حديث آخر لعائشة في قصة أخرى غير قصة امرأة رفاعة، وله شاهد من حديث عبيد الله - بالتصغير - ابن عباس عند النسائي في ذكره الغميصاء، لكن سياقه يشبه قصة رفاعة كما تقدم في أول شرح هذا الحديث، وقد قدمت أنه وقع لكل من رفاعة بن سموأل ورفاعة بن وهب أنه طلق امرأته وأن كلا منهما تزوجها عبد الرحمن بن الزبير وأن كلا منهما شكت أنه ليس معه إلا مثل الهدبة، فلعل إحدى المرأتين شكته قبل أن يفارقها والأخرى بعد أن فارقها، ويحتمل أن تكون القصة واحدة ووقع الوهم من بعض الرواة في التسمية أو في النسبة وتكون المرأة شكت مرتين من قبل المفارقة ومن بعدها، والله أعلم. وأما ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس قال: "طلق عبد يزيد أبو ركانة أم ركانة ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - ففرق بيني وبينه، قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعبد يزيد: طلقها وراجع أم ركانة، ففعل" فليس فيه حجة لمسألة العنين، والله أعلم بالصواب.

(9/469)


38- باب {وَاللاَئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ}
قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا يَحِضْنَ أَوْ لاَ يَحِضْنَ وَاللاَئِي قَعَدْنَ عَنْ الْمَحِيضِ وَاللاَئِي لَمْ يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ

(9/469)


باب (وألات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)
...
39- بَاب {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}
5318- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا سُبَيْعَةُ كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ حُبْلَى فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ فَمَكُثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ ثُمَّ جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ انْكِحِي"
5319- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الأَرْقَمِ أَنْ يَسْأَلَ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ كَيْفَ أَفْتَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ

(9/469)


باب قوله تعالى :(والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)
...
40- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ فَحَاضَتْ عِنْدَهُ ثَلاَثَ حِيَضٍ بَانَتْ مِنْ الأَوَّلِ وَلاَ تَحْتَسِبُ بِهِ لِمَنْ بَعْدَهُ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ تَحْتَسِبُ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَى سُفْيَانَ يَعْنِي قَوْلَ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ مَعْمَرٌ يُقَالُ أَقْرَأَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا دَنَا حَيْضُهَا وَأَقْرَأَتْ إِذَا دَنَا طُهْرُهَا وَيُقَالُ مَا قَرَأَتْ بِسَلًى قَطُّ إِذَا لَمْ تَجْمَعْ وَلَدًا فِي بَطْنِهَا.
قوله: "باب قول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} سقط لفظ: "باب" لأبي ذر، والمراد بالمطلقات هنا ذوات الحيض كما دلت عليه آية سورة الطلاق المذكورة قبل، والمراد بالتربص الانتظار وهو خبر بمعنى الأمر، وقرأ الجمهور "قروء" بالهمز وعن نافع بتشديد الواو بغير همز. قوله: "وقال إبراهيم" هو النخعي "فيمن تزوج في العدة فحاضت عنده ثلاث حيض بانت من الأول ولا تحتسب به لمن بعده. وقال الزهري: تحتسب، وهذا أحب إلى سفيان" زاد في نسخة الصغاني "يعني قول الزهري" وصله ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي "عن سفيان وهو الثوري عن مغيرة عن إبراهيم في رجل طلق فحاضت فتزوجها رجل فحاضت، قال: بانت من الأول، ولا تحتسب الذي بعده "وعن سفيان عن معمر عن الزهري "تحتسب" قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا ممن قال الأقراء الأطهار يقول هذا غير الزهري قال: ويلزم على قوله أن المعتدة لا تحل حتى تدخل في الحيضة الرابعة، وقد اتفق علماء المدينة من الصحابة فمن بعدهم وكذا الشافعي ومالك وأحمد وأتباعهم على أنها إذا طعنت في الحيضة الثالثة طهرت بشرط أن يقع طلاقها في الطهر، وأما لو وقع في الحيض لم تعتد بتلك الحيضة. وذهب الجمهور إلى أن من اجتمعت عليها عدتان أنها تعتد عدتين، وعن الحنفية ورواية عن مالك يكفي لها عدة واحدة كقول الزهري والله أعلم. قوله: "وقال معمر: يقال أقرأت المرأة إلخ" معمر هو أبو عبيدة بن المثنى، وقد تقدم بيان ذلك عنه في أوائل تفسير سورة النور، وقوله: "بسلي" بكسر الموحدة وفتح المهملة والتنوين بغير همز، السلي هو غشاء الولد. وقال الأخفش: أقرأت المرأة إذا صارت ذات حيض، والقرء انقضاء الحيض ويقال هو الحيض نفسه، ويقال هو من الأضداد. ومراد أبي عبيدة أن القرء يكون بمعنى الطهر وبمعنى الحيض وبمعنى الضم والجمع وهو كذلك، وجزم به ابن بطال وقال: لما احتملت الآية واختلف العلماء في المراد بالأقراء فيها ترجح قول من قال إن الأقراء الأطهار بحديث ابن عمر حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق في الطهر. وقال في حديثه "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" فدل على أن المراد بالأقراء الأطهار والله أعلم.

(9/476)


41- باب قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَقَوْلِ اللَّهِ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ- إِلَى قَوْلِهِ- بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}
5321، 5322- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِيِنَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ اتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا قَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ غَلَبَنِي وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ لاَ يَضُرُّكَ أَنْ لاَ تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ الشَّرِّ"
[الحديث 5321- أطرافه في: 5323، 5325، 3527]
[الحديث 5322- أطرافه في: 5324، 5326، 5328]
5323، 5324- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ مَا لِفَاطِمَةَ أَلاَ تَتَّقِي اللَّهَ يَعْنِي فِي قَوْلِهَا لاَ سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةَ"
5325، 5326- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلاَنَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ فَخَرَجَتْ فَقَالَتْ بِئْسَ مَا صَنَعَتْ قَالَ أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ فَاطِمَةَ قَالَتْ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ وَقَالَتْ إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "قصة فاطمة بنت قيس" كذا للأكثر، ولبعضهم "باب" وبه جزم ابن بطال والإسماعيلي؛ وفاطمة هي بنت قيس بن خالد من بني محارب بن فهر بن مالك، وهي أخت الضحاك بن قيس الذي ولى العراق ليزيد ابن معاوية وقتل بمرج راهط، وهو من صغار الصحابة، وهي أسن منه وكانت من المهاجرات الأول، وكان لها عقل وجمال وتزوجها أبو عمرو بن حفص - ويقال أبو حفص بن عمرو - بن المغيرة المخزومي وهو ابن عم خالد بن الوليد بن المغيرة فخرج مع علي لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فبعث إليها بتطليقة ثالثة بقيت لها، وأمر ابني عميه الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة أن يدفعا لها تمرا وشعيرا، فاستقلت ذلك وشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: ليس لك

(9/477)


سكنى ولا نفقة، هكذا أخرج مسلم قصتها من طرق متعددة عنها، ولم أرها في البخاري وإنما ترجم لها كما ترى، وأورد أشياء من قصتها بطريق الإشارة إليها، ووهم صاحب "العمدة" فأورد حديثها بطوله في المتفق. واتفقت الروايات عن فاطمة على كثرتها عنها أنها بانت بالطلاق، ووقع في آخر صحيح مسلم في حديث الجساسة عن فاطمة بنت قيس "نكحت ابن المغيرة، وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما تأيمت خطبني أبو جهم" الحديث. وهذه الرواية وهم، ولكن أولها بعضهم على أن المراد أصيب بجراحة أو أصيب في ماله أو نحو ذلك حكاه النووي وغيره، والذي يظهر أن المراد بقولها "أصيب" أي مات على ظاهره، وكان في بعث علي إلى اليمن، فيصدق أنه أصيب في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من ذلك أن تكون بينونتها منه بالموت بل بالطلاق السابق على الموت، فقد ذهب جمع جم إلى أنه مات مع علي باليمن وذلك بعد أن أرسل إليها بطلاقها، فإذا جمع بين الروايتين استقام هذا التأويل وارتفع الوهم، ولكن يبعد بذلك قول من قال إنه بقي إلى خلافة عمر. قوله: "وقول الله عز وجل :{وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} الآية" كذا للأكثر، وللنسفي بعد قوله بيوتهن "إلى قوله :{بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} ، وساق الآيات كلها إلى "يسرا" في رواية كريمة. قوله: "إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "يحيى بن سعيد بن العاص" أي ابن سعيد بن العاص بن أمية وكان أبوه أمير المدينة لمعاوية؛ ويحيى هو أخو عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق. قوله: "طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم" هي بنت أخي مروان الذي كان أمير المدينة أيضا لمعاوية حينئذ وولي الخلافة بعد ذلك، واسمها عمرة فيما قيل، وسيأتي في الخبر الثالث أنه طلقها البتة. قوله: "قال مروان في حديث سليمان أن عبد الرحمن غلبني" وهو موصول بالإسناد المذكور إلى يحيى بن سعيد، وهو الذي فصل بين حديثي شيخيه فساق ما اتفقا عليه ثم بين لفظ سليمان وهو ابن يسار وحده ولفظ القاسم بن محمد وحده، وقول مروان أن عبد الرحمن غلبني أي لم يطعني في ردها إلى بيتها، وقيل مراده غلبني بالحجة لأنه احتج بالشر الذي كان بينهما. قوله: "قالت لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة" أي لأنه لا حجة فيه لجواز انتقال المطلقة من منزلها بغير سبب. قوله: "فقال مروان بن الحكم إن كان بك شر" أي إن كان عندك أن سبب خروج فاطمة ما وقع بينها وبين أقارب زوجها من الشر فهذا السبب موجود ولذلك قال: "فحسبك ما بين هذين من الشر"، وهذا مصير من مروان إلى الرجوع عن رد خبر فاطمة فقد كان أنكر ذلك على فاطمة بنت قيس كما أخرجه النسائي من طريق شعيب عن الزهري "أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان طلق بنت سعيد بن زيد البتة وأمها حزمة بنت قيس، فأمرتها خالتها فاطمة بنت قيس بالانتقال، فسمع بذلك مروان فأنكر، فذكرت أن خالتها أخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتاها بذلك، فأرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة يسألها عن ذلك فذكرت" الحديث، وأخرجه مسلم من طريق معمر عن الزهري دون ما في أوله وزاد: "فقال مروان لم يسمع هذا الحديث إلا من امرأة فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا عليها الناس" وسيأتي له طريق أخرى في الباب الذي بعده، فكأن مروان أنكر الخروج مطلقا ثم رجع إلى الجواز بشرط وجود عارض يقتضي جواز خروجها من منزل الطلاق كما سيأتي. قوله: "حدثنا محمد بن بشار" كذا في الروايات التي اتصلت لنا من طريق الفربري، وكذا أخرجه الإسماعيلي عن ابن عبد الكريم عن بندار وهو محمد بن بشار. وقال المزي في "الأطراف" أخرجه البخاري عن محمد غير منسوب وهو محمد بن بشار كذا

(9/478)


نسبه أبو مسعود. قلت ولم أره غير منسوب إلا في رواية النسفي عن البخاري، وكأنه وقع كذلك في "أطراف خلف" ومنها نقل المزي، ولم أنبه على هذا الموضع في المقدمة اعتمادا على ما اتصل لنا من الروايات إلى الفربري. قوله: "عن عائشة أنها قالت: ما لفاطمة، ألا تتقي الله؟ يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة" وقع في رواية مسلم من هذا الوجه "ما لفاطمة خير أن تذكر هذا" كأنها تشير إلى أن سبب الإذن في انتقال فاطمة ما تقدم في الخبر الذي قبله، ويؤيده ما أخرج النسائي من طريق ميمون بن مهران قال: "قدمت المدينة فقلت لسعيد ابن المسيب: إن فاطمة بنت قيس طلقت فخرجت من بيتها، فقال: إنها كانت لسنة" ولأبي داود من طريق سليمان بن يسار "إنما كان ذلك من سوء الخلق". قوله: "سفيان" هو الثوري. قوله: "قال عروة" أي ابن الزبير "لعائشة: ألم ترى إلى فلانة بنت الحكم" نسبها إلى جدها، وهي بنت عبد الرحمن بن الحكم كما في الطريق الأولى. قوله: "فقالت بئس ما صنعت" في رواية الكشميهني: "ما صنع" أي زوجها في تمكينها من ذلك، أو أبوها في موافقتها، ولهذا أرسلت عائشة إلى مروان عمها وهو الأمير أن يردها إلى منزل الطلاق. قوله: "ألم تسمعي قول فاطمة" يحتمل أن يكون فاعل "قال: "هو عروة. قوله: "قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث" في رواية مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه "تزوج يحيى بن سعيد بن العاص بنت عبد الرحمن بن الحكم فطلقها وأخرجها، فأتيت عائشة فأخبرتها فقالت: ما لفاطمة خير في أن تذكر هذا الحديث:" كأنها تشير إلى ما تقدم وأن الشخص لا ينبغي له أن يذكر شيئا عليه فيه غضاضة. قوله: "وزاد ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه: عابت عائشة أشد العيب وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم" وصله أبو داود من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد بلفظ: "لقد عابت" وزاد: "يعني فاطمة بنت قيس" وقوله: "وحش" بفتح الواو وسكون المهملة بعدها معجمة أي خال لا أنيس به، ولرواية ابن أبي الزناد هذه شاهد من رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة لكن قال: "عن أبيه عن فاطمة بنت قيس قالت: قلت يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثا فأخاف أن يقتحم علي، فأمرها فتحولت" وقد أخذ البخاري الترجمة من مجموع ما ورد في قصة فاطمة فرتب الجواز على أحد الأمرين: إما خشية الاقتحام عليها وإما أن يقع منها على أهل مطلقها فحش من القول، ولم ير بين الأمرين في قصة فاطمة معارضة لاحتمال وقوعهما معا في شأنها. وقال ابن المنير: ذكر البخاري في الترجمة علتين وذكر في الباب واحدة فقط، وكأنه أومأ إلى الأخرى إما لورودها على غير شرطه وإما لأن الخوف عليها إذا اقتضى خروجها، فمثله الخوف منها، بل لعله أولى في جواز إخراجها، فلما صح عنده معنى العلة الأخرى ضمنها الترجمة. وتعقب بأن الاقتصار في بعض طرق الحديث على بعضه لا يمنع قبول بعض آخر إذا صح طريقه، فلا مانع أن يكون أصل شكواها ما تقدم من استقلال النفقة، وأنه اتفق أنه بدا منها بسبب ذلك شر لأصهارها واطلع النبي صلى الله عليه وسلم عليه من قبلهم وخشي عليها إن استمرت هناك أن يتركوها بغير أنيس فأمرت بالانتقال. قلت: ولعل البخاري أشار بالثاني إلى ما ذكره في الباب قبله من قول مروان لعائشة "إن كان بك شر" فإنه يومئ إلى أن السبب في ترك أمرها بملازمة السكن ما وقع بينها وبين أقارب زوجها من الشر. وقال ابن دقيق العيد: سياق الحديث يقتضي أن سبب الحكم أنها اختلفت مع الوكيل بسبب استقلالها ما أعطاها، وأنها لما قال لها الوكيل لا نفقة لك سألت النبي صلى الله عليه وسلم فأجابها بأنها لا نفقة لها ولا سكنى، فاقتضى أن التعليل إنما هو

(9/479)


بسبب ما جرى من الاختلاف لا بسبب الاقتحام والبذاءة، فإن قام دليل أقوى من هذا الظاهر عمل به. قلت: المتفق عليه في جميع طرقه أن الاختلاف كان في النفقة، ثم اختلفت الروايات: ففي بعضها "فقال لا نفقة لك ولا سكنى" وفي بعضها أنه لما قال لها "لا نفقة لك" استأذنته في الانتقال فأذن لها، وكلها في صحيح مسلم، فإذا جمعت ألفاظ الحديث من جميع طرقه خرج منها أن سبب استئذانها في الانتقال ما ذكر من الخوف عليها ومنها، واستقام الاستدلال حينئذ على أن السكنى لم تسقط لذاتها وإنما سقطت للسبب المذكور. نعم كانت فاطمة بنت قيس تجزم بإسقاط سكنى البائن ونفقتها وتستدل لذلك كما سيأتي ذكره، ولهذا كانت عائشة تنكر عليها. "تنبيه": طعن أبو محمد بن حزم في رواية ابن أبي الزناد المعلقة فقال: عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف جدا، وحكم على روايته هذه بالبطلان، وتعقب بأنه مختلف فيه، ومن طعن فيه لم يذكر ما يدل على تركه فضلا عن بطلان روايته، وقد جزم يحيى بن معين بأنه أثبت الناس في هشام بن عروة، وهذا من روايته عن هشام، فلله در البخاري ما أكثر استحضاره وأحسن تصرفه في الحديث والفقه. وقد اختلف السلف في نفقة المطلقة البائن وسكناها: فقال الجمهور لا نفقه لها. ولها السكنى، واحتجوا لإثبات السكنى بقوله تعالى :{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} ولإسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فإن مفهومه أن غير الحامل لا نفقة لها وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى، والسياق يفهم أنها في غير الرجعية، لأن نفقة الرجعية واجبة لو لم تكن حاملا. وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه لا نفقه لها ولا سكنى على ظاهر حديث فاطمة بنت قيس، ونازعوا في تناول الآية الأولى المطلقة البائن، وقد احتجت فاطمة بنت قيس صاحبة القصة على مروان حين بلغها إنكاره بقولها: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى :{لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} إلى قوله : {يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} قالت هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ وإذا لم يكن لها نفقة وليست حاملا فعلام يحبسونها؟ وقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى: {يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} المراجعة قتادة والحسن والسدي والضحاك أخرجه الطبري عنهم ولم يحك عن أحد غيرهم خلافه، وحكى غيره أن المراد بالأمر ما يأتي من قبل الله تعالى من نسخ أو تخصيص أو نحو ذلك فلم ينحصر ذلك في المراجعة، وأما ما أخرجه أحمد من طريق الشعبي عن فاطمة في آخر حديثها مرفوعا: "إنما السكنى والنفقة لمن يملك الرجعة" فهو من أكثر الروايات موقوف عليها، وقد بين الخطيب في "المدرج" أن مجالد بن سعيد تفرد برفعه وهو ضعيف، ومن أدخله في رواية غير رواية مجالد عن الشعبي فقد أدرجه، وهو كما قال، وقد تابع بعض الرواة عن الشعبي في رفعه مجالدا لكنه أضعف منه. وأما قولها "إذا لم يكن لها نفقة فعلام يحبسونها" ؟ فأجاب بعض العلماء عنه بأن السكنى التي تتبعها النفقة هو حال الزوجية الذي يمكن معه الاستمتاع ولو كانت رجعية، وأما السكنى بعد البينونة فهو حق لله تعالى بدليل أن الزوجين لو اتفقا على إسقاط العدة لم تسقط بخلاف الرجعية فدل على أن لا ملازمة بين السكنى والنفقة. وقد قال بمثل قول فاطمة أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأتباعهم. وذهب أهل الكوفة من الحنفية وغيرهم إلى أن لها النفقة والكسوة، وأجابوا عن الآية بأنه تعالى إنما قيد النفقة بحالة الحمل ليدل على إيجابها في غير حالة الحمل بطريق الأولى، لأن مدة الحمل تطول غالبا. ورده ابن السمعاني بمنع العلة في طول مدة الحمل، بل تكون مدة الحمل أقصر من غيرها تارة وأطول أخرى فلا أولوية؛ وبأن قياس الحائل على الحامل فاسد، لأنه يتضمن إسقاط تقييد ورد به النص في

(9/480)


القرآن والسنة. وأما قول بعضهم إن حديث فاطمة أنكره السلف عليها كما تقدم من كلام عائشة، وكما أخرج مسلم من طريق، أبي إسحاق "كنت مع الأسود بن يزيد في المسجد فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به وقال: ويلك تحدث بهذا؟ قال عمر: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قال الله تعالى :{لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} فالجواب عنه أن الدار قطني قال: قوله في حديث عمر "وسنة نبينا" غير محفوظ والمحفوظ "لا ندع كتاب ربنا" وكأن الحامل له على ذلك أن أكثر الروايات ليست فيها هذه الزيادة، لكن ذلك لا يرد رواية النفقة، ولعل عمر أراد بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ما دلت عليه أحكامه من اتباع كتاب الله، لا أنه أراد سنة مخصوصة في هذا، ولقد كان الحق ينطق على لسان عمر، فإن قوله: "لا ندري حفظت أو نسيت" قد ظهر مصداقه في أنها أطلقت في موضع التقييد أو عممت في موضع التخصيص كما تقدم بيانه، وأيضا فليس في كلام عمر ما يقتضي إيجاب النفقة وإنما أنكر إسقاط السكنى. وادعى بعض الحنفية أن في بعض طرق حديث عمر "للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة" ورده ابن السمعاني بأنه من قول بعض المجازفين فلا تحل روايته، وقد أنكر أحمد ثبوت ذلك عن عمر أصلا، ولعله أراد ما ورد من طريق إبراهيم النخعي عن عمر لكونه لم يلقه، وقد بالغ الطحاوي في تقرير مذهبه فقال: خالفت فاطمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن عمر روى خلاف ما روت، فخرج المعنى الذي أنكر عليها عمر خروجا صحيحا، وبطل حديث فاطمة فلم يجب العمل به أصلا، وعمدته على ما ذكر من المخالفة ما روي عمر بن الخطاب، فإنه أورده من طريق إبراهيم النخعي عن عمر قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لها السكنى والنفقة" وهذا منقطع لا تقوم به حجة.

(9/481)


باب المطلقة إذا خشي عليها في مسكن زوجها أن يقتحم عليها أوتبذو على أهلها بفاحشة
...
42 - باب الْمُطَلَّقَةِ إِذَا خُشِيَ عَلَيْهَا فِي مَسْكَنِ زَوْجِهَا أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيْهَا أَوْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِهَا بِفَاحِشَةٍ
5327، 5328- حَدَّثَنِي حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ"
قوله: "باب المطلقة إذا خشي عليها في مسكن زوجها أن يقتحم عليها أو قبل تبذو على أهلها بفاحشة" في رواية الكشميهني: "على أهله". والاقتحام الهجوم على الشخص بغير إذن، والبذاء بالموحدة والمعجمة القول الفاحش. قوله: "حبان" بكسر أوله والموحدة هو ابن موسى، وعبد الله هو ابن المبارك. قوله: "إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة" كذا أورده من طريق ابن جريج عن ابن شهاب مختصرا، وأورده مسلم من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره "أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم الأعمى، فأبى مروان أن يصدق في خروج المطلقة من بيتها" وقال عروة "إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس".

(9/481)


باب قوله تعالى:(ولا يحل لهن أن يكتمن ماخلق الله في أرحامهن) من الحيض والحبل
...
43- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} مِنْ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ
5329- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ

(9/481)


44- باب {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} فِي الْعِدَّةِ
وَكَيْفَ يُرَاجِعُ الْمَرْأَةَ إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ
5330- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ زَوَّجَ مَعْقِلٌ أُخْتَهُ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً"
5331- و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ كَانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ خَلَّى عَنْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ خَطَبَهَا فَحَمِيَ مَعْقِلٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَفًا فَقَالَ خَلَّى عَنْهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَخْطُبُهَا فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَتَرَكَ الْحَمِيَّةَ وَاسْتَقَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ"
5332- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً

(9/482)


أُخْرَى ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ لِأَحَدِهِمْ إِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلاَثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ وَزَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا"
قوله: "باب وبعولتهن أحق بردهن" في العدة، وكيف يراجع المرأة إذا طلقها واحدة أو ثنتين، وقوله: فلا تعضلوهن" كذا للأكثر، وفصل أبو ذر أيضا بين قوله: "بردهن" وبين قوله: "في العدة" بدائرة إشارة إلى أن المراد بأحقية الرجعة من كانت في العدة، وهو قول مجاهد وطائفة من أهل التفسير، وسقط قوله: "فلا تعضلوهن" من رواية النسفي. ثم ذكر المصنف في الباب حديثين. حديث معقل بن يسار في تزويج أخته، أورده من طريقين: الأولى قوله: "حدثني محمد" كذا للجميع غير منسوب وهو ابن سلام، وعبد الوهاب شيخه هو ابن عبد المجيد الثقفي، ويونس هو ابن عبيد البصري. الطريق الثانية من طريق سعيد وهو ابن أبي عروبة عن قتادة قال في روايته: "حدثنا الحسن أن معقل بن يسار كانت أخته تحت رجل" وقال في رواية يونس عن الحسن "زوج معقل أخته" وقد تقدم هذا الحديث وشرحه في "باب لا نكاح إلا بولي" من كتاب النكاح وبينت هناك من وصله وأرسله، وتقدم في تفسير البقرة أيضا موصولا ومرسلا. سعيد هو ابن أبي عروبة عن قتادة قال في روايته: "حدثنا الحسن أن معقل بن يسار كانت أخته تحت رجل" وقال في رواية يونس عن الحسن "زوج معقل أخته" وقد تقدم هذا الحديث وشرحه في "باب لا نكاح إلا بولي" من كتاب النكاح وبينت هناك من وصله وأرسله، وتقدم في تفسير البقرة أيضا موصولا ومرسلا، وقوله: "فحمى" بوزن علم بكسر ثانيه، وقوله: "أنفا" بفتح الهمزة والنون منون أي ترك الفعل غيظا وترفعا، وقوله: "فترك الحمية" بالتشديد، وقوله: "واستقاد لأمر الله" كذا للأكثر بقاف أي أعطى مقادته، والمعنى أطاع وامتثل. وفي رواية الكشميهني: "واستراد" براء بدل القاف من الرود وهو الطلب، أو المعنى أراد رجوعها ورضي به. ونقل ابن التين عن رواية القابسي واستقاد بتشديد الدال، ورده بأن المفاعلة لا تجتمع مع سين الاستفعال. حديث ابن عمر في طلاق الحائض، وتقدم شرحه مستوفى في أول كتاب الطلاق، وقوله: "وزاد فيه غيره عن الليث" تقدم بيانه في أول الطلاق أيضا حيث قال فيه: "وقال الليث إلخ" وفيه تسمية الغير المذكور. وقال ابن بطال ما ملخصه. المراجعة على ضربين، إما في العدة فهي على ما في حديث ابن عمر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بمراجعتها ولم يذكر أنه احتاج إلى عقد جديد، وإما بعد العدة فعلى ما في حديث معقل، وقد أجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحق برجعتها ولو كرهت المرأة ذلك، فإن لم يراجع حتى انقضت العدة فتصير أجنبية فلا تحل له إلا بنكاح مستأنف. واختلف السلف فيما يكون به الرجل مراجعا، فقال الأوزاعي إذا جامعها فقد راجعها وجاء ذلك عن بعض التابعين وبه قال مالك وإسحاق بشرط أن ينوي به الرجعة. وقال الكوفيون كالأوزاعي وزادوا: ولو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة. وقال الشافعي لا تكون الرجعة إلا بالكلام، وانبنى على هذا الخلاف جواز الوطء وتحريمه، وحجة الشافعي أن الطلاق مزيل للنكاح، وأقرب ما يظهر ذلك في حل الوطء وعدمه، لأن الحل معنى يجوز أن يرجع في النكاح ويعود كما في إسلام أحد المشركين ثم إسلام الآخر في العدة، وكما يرتفع بالصوم والإحرام والحيض ثم يعود بزوال هذه المعاني. وحجة من أجاز أن النكاح لو زال لم تعد المرأة إلا بعقد جديد وبصحة الخلع في الرجعية ولوقوع الطلقة الثانية، والجواب عن كل ذلك أن النكاح ما زال أصله وإنما زال وصفه. وقال

(9/483)


ابن السمعاني: الحق إن القياس يقتضي أن الطلاق إدا وقع زال النكاح كالعتق، لكن الشرع أثبت الرحمة في النكاح دون العتق فافترقا.

(9/484)


45- باب مُرَاجَعَةِ الْحَائِضِ
5333- حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهَا قُلْتُ فَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ"
قوله: "باب مراجعة الحائض" ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك، وهو ظاهر فيما ترجم له، وقد تقدم شرحه مستوفى في أوائل الطلاق. حديث ابن عمر في ذلك، ظاهر فيما ترجم له، وقد تقدم شرحه مستوفى في أوائل الطلاق.

(9/484)


باب نحد المتوفي عنها أربعة أشهر وعشرا
...
46- باب تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَقَالَ الزُّهْرِيُّ لاَ أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الطِّيبَ لِأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الثَّلاَثَةَ:
5334- قَالَتْ زَيْنَبُ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لاَ يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
5335- قالت زينب: "فدخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: أما والله ما لي بالطيب من أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا"
5336- قَالَتْ زَيْنَبُ وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَتَكْحُلُهَا فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ لاَ ثُمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ"
[الحديث 5336- طرفاه في: 5338، 5706]
5337- قَالَ حُمَيْدٌ فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ فَقَالَتْ زَيْنَبُ كَانَتْ الْمَرْأَةُ

(9/484)


47- باب الْكُحْلِ لِلْحَادَّةِ
5338- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَخَشُوا عَلَى عَيْنَيْهَا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ فَقَالَ لاَ تَكَحَّلْ قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلاَسِهَا أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ فَلاَ حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ"
5339- وَسَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
5340- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ
قوله: "باب الكحل للحادة" كذا وقع من الثلاثي، ولو كان من الرباعي لقال المحدة. قال ابن التين: الصواب الحاد بلا هاء لأنه نعت للمؤنث كطالق وحائض. قلت: لكنه جائز فليس بخطأ وإن كان الآخر أرجح. ذكر فيه حديث أم سلمة الماضي في الباب قبله، وكذا حديث أم حبيبة، أوردهما من طريق شعبة باختصار، وقد تقدم ما فيه قبل. حديث أم سلمة الماضي في الباب قبله، وكذا حديث أم حبيبة، أوردهما من طريق شعبة باختصار، وقد تقدم

(9/490)


ما فيه قبل. وقوله: "لا تكتحل" في رواية المستملي بلا تاء بين الكاف والحاء. أورد حديث أم عطية مختصرا، وفي الباب الذي يليه مطولا، وقوله: "إلا بزوج" في رواية الكشميهني: "إلا على زوج"

(9/491)


48- باب الْقُسْطِ لِلْحَادَّةِ عِنْدَ الطُّهْرِ
5341- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلاَ نَكْتَحِلَ وَلاَ نَطَّيَّبَ وَلاَ نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ"
قوله: "باب القسط للحادة عند الطهر" أي عند طهرها من المحيض إذا كانت ممن تحيض. قوله: "كنا ننهى" بضم أوله، وقد صرح برفعه في الباب الذي بعده. قوله: "ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب" بمهملتين مفتوحة ثم ساكنة ثم موحدة وهو بالإضافة وهي برود اليمن يعصب غزلها أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبا فيخرج موشى لبقاء ما عصب به أبيض لم ينصبغ، وإنما يعصب السدي دون اللحمة. وقال صاحب "المنتهى" العصب هو المفتول من برود اليمن. وذكر أبو موسى المدني في "ذيل الغريب" عن بعض أهل اليمن أنه من دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها الخرز وغيره ويكون أبيض، وهذا غريب، وأغرب منه قول السهيلي: إنه نبات لا ينبت إلا باليمن وعزاه لأبي حنيفة الدينوري، وأغرب منه قول الداودي: المراد بالثوب العصب الخضرة وهي الحبرة، وليس له سلف في أن العصب الأخضر، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة، إلا ما صبغ بسواد فرخص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتخذ للزينة بل هو من لباس الحزن، وكره عروة العصب أيضا، وكره مالك غليظه. قال النووي: الأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقا، وهذا الحديث حجة لمن أجازه. وقال ابن دقيق العيد: يؤخذ من مفهوم الحديث جواز ما ليس بمصبوغ وهي الثياب البيض، ومنع بعض المالكية المرتفع منها الذي يتزين به، وكذلك الأسود إذا كان مما يتزين به، قال النووي: ورخص أصحابنا فيما لا يتزين به ولو كان مصبوغا. واختلف في الحرير فالأصح عند الشافعية منعه مطلقا مصبوغا أو غير مصبوغ، لأنه أبيح للنساء للتزين به والحادة ممنوعة من التزين فكان في حقها كالرجال، وفي التحلي بالذهب والفضة وباللؤلؤ ونحوه وجهان الأصح جوازه، وفيه نظر من جهة المعنى في المقصود بلبسه، وفي المقصود بالإحداد، فإنه عند تأملها يترجح المنع والله أعلم. قوله: "وقد رخص لنا" بضم أوله أيضا وقد صرح برفعه في الباب الذي بعده. قوله: "عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها" في رواية الكشميهني: "حيضها" وفي الذي بعده "ولا تمس طيبا إلا أدنى طهرها إذا طهرت". قوله: "في نبذة" بضم النون وسكون الموحدة بعدها معجمة أي قطعة، وتطلق على الشيء اليسير. قوله: "من كست أظفار" كذا فيه بالكاف وبالإضافة، وفي الذي بعده "من قسط وأظفار" بقاف وواو عاطفة وهو أوجه، وخطأ عياض الأول، وقد تقدم بيانه في كتاب الحيض. وقال بعده "قال أبو عبد الله" وهو البخاري "القسط والكست مثل الكافور والقافور" أي يجوز في كل منهما الكاف

(9/491)


والقاف وزاد القسط أنه يقال بالتاء المثناة بدل الطاء، فأراد المثلية في الحرب الأول فقط. قال النووي: القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب. قلت: المقصود من التطيب بهما أن يخلطا في أجزاء أخر من غيرهما ثم تسحق فتصير طيبا، والمقصود بهما هنا كما قال الشيخ أن تتبع بهما أثر الدم لإزالة الرائحة لا للتطيب، وزعم الداودي أن المراد أنها تسحق القسط وتلقيه في الماء آخر غسلها لتذهب رائحة الحيض، ورده عياض بأن ظاهر الحديث يأباه، وأنه لا يحصل منه رائحة طيبة إلا من التبخر به، كذا قال وفيه نظر، واستدل به على جواز استعمال ما فيه منفعة لها من جنس ما منعت منه إذا لم يكن للتزين أو التطيب كالتدهن بالزيت في شعر الرأس أو غيره.

(9/492)


49- باب تَلْبَسُ الْحَادَّةُ ثِيَابَ الْعَصْبِ
5342- حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا لاَ تَكْتَحِلُ وَلاَ تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ"
5343- وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ حَدَّثَتْنِي أُمُّ عَطِيَّةَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ تَمَسَّ طِيبًا إِلاَّ أَدْنَى طُهْرِهَا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الْقُسْطُ وَالْكُسْتُ مِثْلُ الْكَافُورِ وَالْقَافُورِ"
قوله: "باب تلبس الحادة ثياب العصب" ذكر فيه حديث أم عطية مصرحا برفعه، وزاد في أوله "لا يحل لامرأة" الحديث مثل حديث أم حبيبة الماضي قبله. حديث أم عطية مصرحا برفعه، وزاد في أوله "لا يحل لامرأة" الحديث مثل حديث أم حبيبة الماضي قبله، وزاد بعد قوله إلا على زوج "فإنها لا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب" وقد تقدم شرحه في الذي قبله، ووقع فيه: "فوق ثلاث" وتقدم في حديث أم حبيبة في الطريق الأولى "ثلاث ليال" وفي الطريق الثانية "ثلاثة أيام" وجمع بإرادة الليالي بأيامها، ويحمل المطلق هنا على المقيد الأول ولذلك أنث، وهو محمول أيضا على أن المراد ثلاث ليال بأيامها، وذهب الأوزاعي إلى أنها تحد ثلاث ليال فقط، فإن مات في أول الليل أقلعت في أول اليوم الثالث وإن مات في أثناء الليل أو في أول النهار أو في أثنائه لم تقلع إلا في صبيحة اليوم الرابع، ولا تلفيق. قوله: "وقال الأنصاري" هو محمد بن عبد الله بن المثنى شيخ البخاري، وقد أخرج عنه الكثير بواسطة وبلا واسطة، وهشام هو الدستوائي المذكور في الذي قبله. قوله: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم ولا تمس طيبا" كذا أورده مختصرا، وهو في الأصل مثل الحديث الذي قبله، وقد وصله البيهقي من الطريق أبي حاتم الرازي عن الأنصاري بلفظ. "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تحد المرأة فوق ثلاثة أيام، إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا". قوله: "إلا أدنى طهرها" أي عند قرب طهرها أو أقل طهرها، وقد تقدم شرحه قبل. ثم ذكر المصنف حديث أم حبيبة من طريق سفيان وهو الثوري عن عبد الله بن أبي بكر وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم شيخ مالك فيه، وقد مضى شرحه أيضا

(9/492)


باب(والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً إلى قوله ـ بما تعملون خبير)
...
50- باب {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} إِلَى قَوْلِهِ {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}
5344- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} قَالَ كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} قَالَ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} وَقَالَ عَطَاءٌ إِنْ شَاءَتْ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهَا وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} قَالَ عَطَاءٌ ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلاَ سُكْنَى لَهَا"
5345- حدثنا محمد بن كثير عن سفيان عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم حدثني حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة بنت أبي سفيان لما جاءها نعي أبيها دعت بطيب فمسحت ذراعيها وقالت ما لي بالطيب من حاجة لولا أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا"
قوله: "باب {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} إلى قوله: {خَبِيرٌ} كذا لأبي ذر والأكثر، وساق في رواية كريمة الآية بكمالها. قوله: "حدثني إسحاق بن منصور" تقدم في تفسير البقرة هذا الحديث بهذا السند، وبينت هناك ما قيل فيه من تعليق وغيره، ووقع هناك "إسحاق" غير منسوب وفسر بابن راهويه، وقد ظهر من هذه الطريق أنه ابن منصور، ولعله كان عنده عنهما جميعا. وقوله: "كانت هذه العدة، تعتد عند أهل زوجها واجبا" كذا لأبي ذر عن الكشميهني، وذكر "واجبا" إما لأنه صفة محذوف أي أمرا واجبا، أو ضمن العدة معنى الاعتداد. وفي رواية كريمة: "واجب" على أنه خبر مبتدأ محذوف، قال ابن بطال: ذهب مجاهد إلى أن الآية وهي قوله تعالى :{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} نزلت قبل الآية التي فيها {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} كما هي قبلها في التلاوة، وكأن الحامل له على ذلك استشكال أن يكون الناسخ قبل المنسوخ، فرأى أن استعمالها ممكن بحكم غير متدافع، لجواز أن يوجب الله على المعتدة تربص أربعة أشهر وعشر ويوجب على أهلها أن تبقى عندهم سبعة أشهر وعشرين ليلة تمام الحول إن أقامت عندهم ا هـ ملخصا. قال: وهو قول لم يقله أحد من المفسرين غيره ولا تابعه عليها من الفقهاء أحد، وأطبقوا على أن آية الحول منسوخة وأن السكنى تبع للعدة، فلما نسخ الحول في العدة بالأربعة أشهر وعشر نسخت السكنى أيضا. وقال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء أن العدة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر، وإنما اختلفوا في قوله: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} فالجمهور على أنه نسخ أيضا،

(9/493)


وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد فذكر حديث الباب قال: ولم يتابع على ذلك، ولا قال أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين به في مدة العدة، بل روى ابن جريج عن مجاهد في قدرها مثل ما عليه الناس، فارتفع الخلاف واختص ما نقل عن مجاهد وغيره بمدة السكنى، على أنه أيضا شاذ لا يعول عليه. والله أعلم

(9/494)


51- باب مَهْرِ الْبَغِيِّ وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ.وَقَالَ الْحَسَنُ:
إِذَا تَزَوَّجَ مُحَرَّمَةً وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَهَا مَا أَخَذَتْ وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ لَهَا صَدَاقُهَا.
5346- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ"
5347- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ الْبَغِيِّ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ"
5348- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ"
قوله: "باب مهر البغي والنكاح الفاسد" البغي بكسر المعجمة وتشديد التحتانية بوزن فعيل من البغاء وهو الزنا، يستوي في لفظه المذكر والمؤنث. قال الكرماني: وقيل وزنه فعول، لأن أصله بغوي أبدلت الواو ياء ثم كسرت الغين لأجل الياء التي بعدها، والتقدير ومهر من نكحت في النكاح الفاسد، أي بشبهة من إخلال شرط أو نحو ذلك. قوله: "وقال الحسن" هو البصري "إذا تزوج محرمة" بتشديد الراء والمستملي بفتح الميم والراء وسكون الحاء بينهما وبالضمير، وبهذا الثاني حزم ابن التين وقال: أي ذا محرمه. قوله: "وهو لا يشعر" احتراز عما إذا تعمد، وبهذا القيد ومفهومه يطابق الترجمة. وقال ابن بطال: اختلف العلماء فيها على قولين: فمنهم من قال لها المسمى، ومنهم من قال لها مهر المثل وهم الأكثر. قوله: "فرق بينهما" بضم أوله. قوله: "وليس لها غيره. ثم قال بعد: لها صداقها" هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة عن هشيم عن يونس عن الحسن مثله إلى قوله: "وليس لها غيره:" ومن طريق مطر الوراق عن الحسن نحوه وقال: لها صداقها، أي صداق مثلها. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث. حديث أبي مسعود - وهو عقبة بن عمرو الأنصاري - في النهي عن ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي، وقوله: "عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن" هو ابن الحارث بن هشام، في رواية الحميدي "عن سفيان حدثنا الزهري أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن". وتقدم شرحه في آخر البيوع حديث أبي جحيفة في لعن الواشمة الحديث، وفيه: "ونهى عن ثمن الكلب وكسب البغي ولعن المصورين" وتقدم شرحه في آخر البيوع حديث أبي هريرة في النهي عن كسب الإماء، قد تقدم شرح الأحاديث الثلاثة في آخر البيوع. قال ابن بطال: قال الجمهور من عقد على محرم وهو عالم بالتحريم وجب عليه الحد للإجماع على تحريم العقد، فلم يكن هناك شبهة يدرأ بها الحد. وعن أبي حنيفة العقد شبهة. واحتج له بما لو وطئ جارية له فيها شركة فإنها محرمة عليه بالاتفاق ولا حد عليه للشبهة. وأجيب بأن حصته من الملك

(9/494)


اقتضت حصول الشبهة، بخلاف المحرم له فلا ملك له فيها أصلا فافترقا ومن ثم قال ابن القاسم من المالكية: يجب الحد في وطء الحرة ولا يجب في المملوكة والله أعلم.

(9/495)


52- باب الْمَهْرِ لِلْمَدْخُولِ عَلَيْهَا وَكَيْفَ الدُّخُولُ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمَسِيسِ
5349- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ فَرَّقَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلاَنِ وَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا فَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَيُّوبُ فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ لاَ أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ قَالَ قَالَ الرَّجُلُ مَالِي قَالَ لاَ مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ"
قوله: "باب المهر للمدخول عليها" أي وجوبه أو استحقاقه. وقوله: "كيف الدخول" يشير إلى الخلاف فيه، وقد تمسك بقوله في حديث الباب: "فقد دخلت بها" على أن من أغلق بابا وأرخى سترا على المرأة فقد وجب لها الصداق وعليها العدة، وبذلك قال الليث والأوزاعي وأهل الكوفة وأحمد، وجاء ذلك عن عمر وعلي وزيد ابن ثابت ومعاذ بن جبل وابن عمر، قال الكوفيون: الخلوة الصحيحة يجب معها المهر كاملا سواء وطئ أم لم يطأ، إلا إن كان أحدهما مريضا أو صائما أو محرما أو كانت حائضا فلها النصف وعليها العدة كاملة، واحتجوا أيضا بأن الغالب عند إغلاق الباب وإرخاء الستر على المرأة وقوع الجماع فأقيمت المظنة مقام المئنة لما جبلت عليه النفوس في تلك الحالة من عدم الصبر عن الوقاع غالبا لغلبة الشهوة وتوفر الداعية. وذهب الشافعي وطائفة إلى أن المهر لا يجب كاملا إلا بالجماع، واحتج بقوله تعالى :{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} وقال: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} وجاء ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وشريح والشعبي وابن سيرين. والجواب عن حديث الباب أنه ثبت في الرواية الأخرى في حديث الباب: "فهو بما استحللت من فرجها" فلم يكن في قوله: "دخلت عليها" حجة لمن قال إن مجرد الدخول يكفي. وقال مالك: إذا دخل بالمرأة في بيته صدقت عليه، وإن دخل بها في بيتها صدق عليها، ونقله عن ابن المسيب. وعن مالك رواية أخرى كقول الكوفيين. قوله: "أو طلقها قبل الدخول" قال ابن بطال: التقدير أو كيف طلاقها؟ فاكتفى بذكر الفعل عن ذكر المصدر لدلالته عليه. قلت: ويحتمل أن يكون التقدير: أو كيف الحكم إذا طلقها قبل الدخول؟ قوله: "والمسيس" ثبت هذا في رواية النسفي والتقدير وكيف المسيس؟ وهو معطوف على الدخول أي إذا طلقها قبل الدخول وقبل المسيس. حديث ابن عمر من رواية سعيد بن جبير عنه في قصة الملاعنة وقد تقدم شرحه مستوفى في أبواب اللعان.

(9/495)


53- باب الْمُتْعَةِ لِلَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} إِلَى قَوْلِهِ - بَصِيرٌ} وَقَوْلِهِ: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ

(9/495)