Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الأطعمة
باب قوله تعالى:(كلوا من طيبات مارزقناكم)
...
5- كتاب الأطعمة
1- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} الآية
وَقَوْلِهِ: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} وَقَوْلِهِ {كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}
5373- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ قَالَ سُفْيَانُ وَالْعَانِي الأَسِيرُ"
5374- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَعَامٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ"
5375- وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَلَيَّ فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنْ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَقَامَنِي وَعَرَفَ الَّذِي بِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَحْلِهِ فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ عُدْ يَا أَبَا هِرٍّ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ ثُمَّ قَالَ عُدْ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالْقِدْحِ قَالَ فَلَقِيتُ عُمَرَ وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي

(9/517)


كَانَ مِنْ أَمْرِي وَقُلْتُ لَهُ فَوَلَّى اللَّهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَقْرَأْتُكَ الْآيَةَ وَلاَنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ قَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لاَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ"
[الحديث5375- طرفاه في: 6246، 6452]
"بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الأطعمة وقول الله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} الآية. وقوله: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} وقوله {كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} : كذا في أكثر الروايات في الآية الثانية "أنفقوا" على وفق التلاوة، ووقع في رواية النسفي "كلوا" بدل أنفقوا، وهكذا في بعض الروايات عن أبي الوقت وفي قليل من غيرها وعليها شرح ابن بطال، وأنكرها وتبعه من بعده، حتى زعم عياض أنها كذلك للجميع، ولم أرها في رواية أبي ذر إلا على وفق التلاوة كما ذكرت، وكذا في نسخة معتمدة من رواية كريمة، ويؤيد ذلك أن المصنف ترجم بهذه الآية وحدها في كتاب البيوع فقال: "باب قوله أنفقوا من طيبات ما كسبتم" كذا وقع على وفق التلاوة للجميع إلا النسفي، وعليه شرح ابن بطال أيضا، وفي بعض النسخ من رواية أبي الوقت وزعم عياض أنه وقع للجميع "كلوا" إلا أبا ذر عن المستملي فقال: "أنفقوا"، وتقدم هناك التنبيه على أنه وقع على الصواب في كتاب الزكاة حيث ترجم "باب صدقة الكسب والتجارة" لقول الله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} ولا اختلاف بين الرواة في ذلك، ويحسن التمسك به في أن التغيير فيما عداه من النساخ. والطيبات جمع طيبة وهي تطلق على المستلذ مما لا ضرر فيه وعلى النظيف، وعلى ما لا أذى فيه، وعلى الحلال. فمن الأول قوله تعالى :{يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} وهذا هو الراجح في تفسيرها، إذ لو كان المراد الحلال لم يزد الجواب على السؤال، ومن الثاني {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} ، ومن الثالث: هذا يوم طيب وهذه ليلة طيبة، ومن الرابع الآية الثانية في الترجمة، فقد تقدم في تفسيرها في الزكاة أن المراد بالتجارة الحلال، وجاء أيضا ما يدل على أن المراد بها الجيد لاقترانها بالنهي عن الإنفاق من الخبيث والمراد به الرديء، كذلك فسره ابن عباس، وورد فيه حديث مرفوع ذكره في "باب تعليق القنو في المسجد" من أوائل الصلاة من حديث عوف بن مالك، وأوضح منه فيما يتعلق بهذه الترجمة ما أخرجه الترمذي من حديث البراء قال: "كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي بالقنو فيعلقه في المسجد؛ وكان بعض من لا يرغب في الخير يأتي بالقنو من الحشف والشيص فيعلقه، فنزلت هذه الآية {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} فكنا بعد ذلك يجيء في الصدقة، فنزلت هذه الآية" وليس بين تفسير الطيب في هذه الآية بالحلال وبما يستلذ منافاة، ونظيرها قوله تعالى :{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وقد جعلها الشافعي أصلا في تحريم ما تستخبثه العرب مما لم يرد فيه نص بشرط سيأتي بيانه، وكأن المصنف - حيث أورد هذه الآيات - لمح بالحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} الحديث:" وهو من رواية فضيل بن مرزوق، وقد قال الترمذي إنه تفرد به، وهو ممن انفرد مسلم بالاحتجاج به دون

(9/518)


البخاري، وقد وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: يهم كثيرا ولا يحتج به، وضعفه النسائي. وقال ابن حبان: كان يخطئ على الثقات. وقال الحاكم: عيب على مسلم إخراجه. فكأن الحديث لما لم يكن على شرط البخاري اقتصر على إيراده في الترجمة. قال ابن بطال لم يختلف أهل التأويل في قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} وأنها نزلت فيمن حرم على نفسه لذيذ الطعام واللذات المباحة. ثم ذكر المصنف ثلاثة أحاديث تتعلق بالجوع والشبع. قوله: "أطعموا الجائع، وعودوا المريض" الحديث تقدم في الوليمة من كتاب النكاح بلفظ: "أجيبوا الداعي" بدل أطعموا الجائع ومخرجهما واحد، وكأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر. قال الكرماني: الأمر هنا للندب وقد يكون واجبا في بعض الأحوال ا هـ. ويؤخذ من الأمر بإطعام الجائع جواز الشبع لأنه ما دام قبل الشبع فصفة الجوع قائمة به والأمر بإطعامه مستمر. قوله: "وفكوا العاني" أي خلصوا الأسير، من فككت الشيء فانفك. قوله: "قال سفيان: والعاني الأسير" تقدم بيان من أدرجه في النكاح، وقيل للأسير عان من عنا يعنو إذا خضع. قوله: "ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض" في رواية مسلم من طريق يزيد بن كيسان عن أبي حازم بلفظ: "ما شبع محمد وأهله ثلاثة أيام تباعا" أي متوالية، وسيأتي بعد هذا من حديث عائشة التقييد أيضا بثلاث، لكن فيه: "من خبز البر" وعند مسلم: "ثلاث ليال" ويؤخذ منها أن المراد بالأيام هنا بلياليها، كما أن المراد بالليالي هناك بأيامها، وأن الشبع المنفي بقيد التوالي لا مطلقا. ولمسلم والترمذي من طريق الأسود عن عائشة "ما شبع من خبز شعير يومين متتابعين" ويؤخذ مقصوده من جواز الشبع في الجملة من المفهوم، والذي يظهر أن سبب عدم شبعهم غالبا كان بسب قلة الشيء عندهم، على أنهم كانوا قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم، وسيأتي بعد هذا وفي الرقاق أيضا من وجه آخر عن أبي هريرة "خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير" ويأتي بسط القول في شرحه في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. قوله: "وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: أصابني جهد شديد" هو موصول بالإسناد الذي قبله. وذكر محدث الديار الحلبية برهان الدين أن شيخنا الشيخ سراج الدين البلقيني استشكل هذا التركيب وقال: قوله: "وعن أبي حازم" لا يصح عطفه على قوله عن أبيه لأنه يلزم منه إسقاط فضيل فيكون منقطعا إذ يصير التقدير عن أبيه وعن أبي حازم، قال: ولا يصح عطفه على قوله: "وعن أبي حازم" لأن المحدث الذي لم يعين هو محمد ابن فضيل فيلزم الانقطاع أيضا. قال: وكان اللائق أن يقول: وبه إلى أبي حازم انتهى. وكأنه تلقفه من شيخنا في مجلس بسماعه للبخاري، وإلا فلم يسمع بأن الشيخ شرح هذا الموضع، والأول مسلم، والثاني مردود لأنه لا مانع من عطف الراوي لحديث على الراوي بعينه لحديث آخر، فكأن يوسف قال: حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم بكذا وعن أبي حازم بكذا، واللائق الذي ذكره صحيح لكنه لا يتعين، بل لو قال: وبه إلى أبيه عن أبي حازم لصح، أو حذف قوله: "عن أبيه" فقال: وبه عن أبي حازم لصح، وحدثنا تكون به مقدرة والمقدرة في حكم الملفوظ. وأوضح منه أن قوله: "وعن أبي حازم" معطوف على قوله: "حدثنا محمد بن فضيل إلخ" فحذف ما بينهما للعلم به، وزعم بعض الشراح أن هذا متعلق، وليس كما قال، فقد أخرجه أبو يعلى عن عبد الله بن عمر بن أبان عن محمد بن فضيل بسند البخاري فيه، فظهر أنه معطوف على السند المذكور كما قلته أولا ولله الحمد. قوله: "أصابني جهد شديد" أي من الجوع، والجهد تقدم أنه بالضم وبالفتح بمعنى

(9/519)


والمراد به المشقة، وهو في كل شيء بحسبه. قوله: "فاستقرأته آية" أي سألته أن يقرأ علي آية من القرآن معينة على طريق الاستفادة، وفي غالب النسخ "فاستقريته" بغير همزة، وهو جائز على التسهيل وإن كان أصله الهمزة. قوله: "فدخل داره وفتحها علي" أي قرأها علي وأفهمني إياها، ووقع في ترجمة أبي هريرة في "الحلية لأبي نعيم" من وجه آخر عن أبي هريرة أن الآية المذكورة من سورة آل عمران، وفيه: "فقلت له أقرئني وأنا لا أريد القراءة وإنما أريد الإطعام" وكأنه سهل الهمزة فلم يفطن عمر لمراده. قوله: "فخررت لوجهي من الجهد" أي الذي أشار إليه أولا وهو شدة الجوع، ووقع في الرواية التي في "الحلية" أنه كان يومئذ صائما وأنه لم يجد ما يفطر عليه. قوله: "فأمر لي بعس" بضم العين المهملة بعدها مهملة هو القدح الكبير. قوله: "حتى استوى بطني" أي استقام من امتلائه من اللبن. قوله: "كالقدح" بكسر القاف وسكون الدال بعدها حاء مهملة هو السهم الذي لا ريش له، وسيأتي لأبي هريرة قصه في شرب اللبن مطولة في كتاب الرقاق، وفيها أنه قال: "اشرب، فقال: لا أجد له مساغا" ويستفاد منه جواز الشبع ولو حمل المراد بنفي المساغ على ما جرت به عادته لا أنه أراد أنه زاد على الشبع، والله أعلم. "تنبيه": ذكر لي محدث الديار الحلبية برهان الدين أن شيخنا سراج الدين البلقيني قال: ليس في هذه الأحاديث الثلاثة ما يدل على الأطعمة المترجم عليها المتلو فيها الآيات المذكورة قلت: وهو ظاهر إذا كان المراد مجرد ذكر أنواع الأطعمة، أما إذا كان المراد بها ذلك وما يتعلق به من أحوالها وصفاتها فالمناسبة ظاهرة، لأن من جملة أحوالها الناشئة عنها الشبع والجوع؛ ومن جملة صفاتها الحل والحرمة والمستلذ والمستخبث، ومما ينشأ عنها الإطعام وتركه، وكل ذلك ظاهر من الأحاديث الثلاثة. وأما الآيات فإنها تضمنت الإذن في تناول الطيبات، فكأنه أشار بالأحاديث إلى أن ذلك لا يختص بنوع من الحلال ولا المستلذ ولا بحالة الشبع ولا بسد الرمق، بل يتناول ذلك بحسب الوجدان وبحسب الحاجة، والله أعلم. قوله: "تولى ذلك" أي باشره من إشباعي ودفع الجوع عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكى الكرماني أن في رواية: "تولى الله ذلك" قال و "من" على هذا مفعول، وعلى الأول فاعل انتهى. ويكون "تولى" على الثاني بمعنى ولى. قوله: "ولأنا أقرأ لها منك" فيه إشعار بأن عمر لما قرأها عليه توقف فيها أو في شيء منها حتى ساغ لأبي هريرة ما قال، ولذلك أقره عمر على قوله. قوله: "أدخلتك" أي الدار وأطعمتك. قوله: "حمر النعم" أي الإبل، وللحمر منها فضل، على غيرها من أنواعها، وقد تقدم في المناقب البحث في تخصيصها بالذكر والمراد به، وتقدم من وجه آخر عن أبي هريرة "كنت أستقرئ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب معي فيطعمني" قال ابن بطال: فيه أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحبه القرآن أن يحمله إلى منزله ويطعمه ما تيسر، ويحمل ما وقع من عمر على أنه كان له شغل عاقه عن ذلك، أو لم يكن عنده ما يطعمه حينئذ انتهى ويبعد الأخير تأسف عمر على فوت ذلك. وذكر لي محدث الديار الحلبية أن شيخنا سراج الدين البلقيني استبعد قول أبي هريرة لعمر "لأنا أقرأ لها منك يا عمر" من وجهين: أحدهما مهابة عمر، والثاني عدم اطلاع أبي هريرة على أن عمر لم يكن يقرؤها مثله. قلت: عجبت من هذا الاعتراض، فإنه يتضمن الطعن على بعض رواة الحديث المذكور بالغلط مع وضوح توجيهه، أما الأول فإن أبا هريرة خاطب عمر بذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي حالة كان عمر فيها في صورة الخجلان منه فجسر عليه، وأما الثالث فيعكس ويقال: وما كان أبو هريرة ليقول ذلك إلا بعد اطلاعه، فلعله سمعها من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت وما سمعها عمر مثلا إلا بواسطة.

(9/520)


2- باب التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ وَالأَكْلِ بِالْيَمِينِ
5376- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ كُنْتُ غُلاَمًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ"
[الحديث 5376- طرفاه في: 5377، 5378]
قوله: "باب التسمية على الطعام، والأكل باليمين" المراد بالتسمية على الطعام قول بسم الله في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة مرفوعا: "إذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره:" وله شاهد من حديث أمية ابن مخشي عند أبي داود والنسائي، وأما قول النووي في أدب الأكل من "الأذكار" : صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته، والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنة. فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلا خاصا، وأما ما ذكره الغزالي في آداب الأكل من "الإحياء" أنه لو قال في كل لقمة بسم الله كان حسنا، وأنه يستحب أن يقول مع الأولى بسم الله ومع الثانية بسم الله الرحمن ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم، فلم أر لاستحباب ذلك دليلا، والتكرار قد بين هو وجهه بقوله حتى لا يشغله الأكل عن ذكر الله. وأما قوله: "والأكل باليمين" فيأتي البحث فيه، وهو يتناول من يتعاطى ذلك بنفسه، وكذا بغيرة بأن يحتاج إلى أن يلقمه غيره ولكنه بيمينه لا بشماله. قوله: "أخبرنا سفيان، قال الوليد بن كثير أخبرني" كذا وقع هنا وهو من تأخير الصيغة عن الراوي، وهو جائز. وقد أخرجه الحميدي في مسنده وأبو نعيم في "المستخرج" من طريقه عن سفيان قال: "حدثنا الوليد بن كثير" وأخرجه الإسماعيلي من رواية محمد بن خلاد عن سفيان عن الوليد بالعنعنة ثم قال آخره: "فسألوه عن إسناده فقال: حدثني الوليد بن كثير" ولعل هذا هو السر في سياق علي بن عبد الله له على هذه الكيفية، ولسفيان بن عيينة في هذا الحديث سند آخر أخرجه النسائي عن محمد بن منصور وابن ماجه عن محمد بن الصباح كلاهما عن سفيان عن هشام عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة، وقد اختلف على هشام في سنده فكأن البخاري عرج عن هذه الطريق، لذلك. قوله: "عمر بن أبي سلمة" أي ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبي سلمة عبد الله، وأم عمر المذكور هي أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك جاء في آخر الباب الذي يليه وصفه بأنه "ربيب النبي صلى الله عليه وسلم:" قوله: "كنت غلاما" أي دون البلوغ، يقال للصبي من حين يولد إلى أن يبلغ الحلم غلام، وقد ذكر ابن عبد البر أنه ولد في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة بأرض الحبشة، وتبعه غير واحد، وفيه نظر بل الصواب أنه ولد قبل ذلك، فقد صح في حديث عبد الله بن الزبير أنه قال: "كنت أنا وعمر بن أبي سلمة مع النسوة يوم الخندق، وكان أكبر مني بسنتين" انتهى. ومولد ابن الزبير في السنة الأولى على الصحيح فيكون مولد عمر قبل الهجرة بسنتين. قوله: "في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم" بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم، أي في تربيته وتحت نظره وأنه يربيه في حضنه تربية الولد، قال عياض: الحجر يطلق على الحضن وعلى الثوب فيجوز فيه الفتح والكسر، وإذا أريد به معنى الحضانة فبالفتح لا غير، فإن أريد به المنع من التصرف فبالفتح في المصدر

(9/521)


وبالكسر في الاسم لا غير. قوله: "وكانت يدي تطيش في الصحفة" أي عند الأكل، ومعنى تطيش - وهو بالطاء المهملة والشين المعجمة بوزن تطير تتحرك فتميل إلى نواحي القصعة ولا تقتصر على موضع واحد، قاله الطيبي قال: والأصل أطيش بيدي فأسند الطيش إلى يده مبالغة. وقال غيره: معنى تطيش تخف وتسرع وسيأتي في الباب الذي يليه بلفظ: "أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاما فجعلت آكل من نواحي الصحفة" وهو يفسر المراد، والصحفة ما تشبع خمسة ونحوها، وهي أكبر من القصعة. ووقع في رواية الترمذي من طريق عروة "عن عمر بن أبي سلمة أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده طعام فقال: ادن يا بني" ويأتي في الرواية التي في آخر الباب الذي يليه "أتى النبي صلى الله عليه وسلم بطعام وعنده ربيبه" والجمع بينهما أن مجيء الطعام وافق دخوله. قوله: "يا غلام سم الله" قال النووي: أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله، وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر، إلا إن أريد بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، وهو قضية القول بإيجاب الأكل باليمين لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة. قوله: "وكل بيمينك ومما يليك" قال شيخنا في "شرح الترمذي". حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالي ثم النووي، لكن نص الشافعي في "الرسالة" وفي موضع آخر من "الأم" على الوجوب. قلت: وكذا ذكره عنه الصيرفي في "شرح الرسالة" ونقل "البويطي في مختصره" أن الأكل من رأس الثريد والتعريس على الطريق والقران في التمر وغير ذلك مما ورد الأمر بضده حرام، ومثل البيضاوي في منهاجه للندب بقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مما يليك" وتعقبه تاج الدين السبكي في شرحه بأن الشافعي نص في غير موضع على أن من أكل مما لا يليه عالما بالنهي كان عاصيا آثما. قال: وقد جمع والدي نظائر هذه المسألة في كتاب له سماه "كشف اللبس عن المسائل الخمس" ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب. قلت: ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال ففي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يأكل بشماله فقال: كل بيمينك قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت. فما رفعها إلى فيه بعد" وأخرج الطبراني من حديث سبيعة الأسلمية من حديث عقبة بن عامر "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها فقال: أخذها داء غزة، فقال: إن بها قرحة، قال: وإن، فمرت بغزة فأصابها طاعون فماتت" وأخرج محمد بن الربيع الجيزي في "مسند الصحابة الذين نزلوا مصر" وسنده حسن وثبت النهي عن الأكل بالشمال وأنه من عمل الشيطان من حديث ابن عمر ومن حديث جابر عند مسلم وعند أحمد بسند حسن عن عائشة رفعته "من أكل بشماله أكل معه الشيطان" الحديث. ونقل الطيبي أن معنى قوله: "إن الشيطان يأكل بشماله أي يحمل أولياءه من الإنس على ذلك ليضاد به عباد الله الصالحين" قال الطيبي: وتحريره لا تأكلوا بالشمال، فإن فعلتم كنتم من أولياء الشيطان، فإن الشيطان يحمل أولياءه على ذلك انتهي. وفيه عدول عن الظاهر، والأولى حمل الخبر على ظاهره وأن الشيطان يأكل حقيقة لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخبر به فلا يحتاج إلى تأويله، وحكى القرطبي في ذلك احتمالين ثم قال: والقدرة صالحة. ثم ذكر من عند مسلم أن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، قال: وهذا عبارة عن تناوله، وقيل معناه استحسانه رفع البركة من ذلك الطعام إذا لم يذكر اسم الله قال القرطبي وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن الشيطان يأكل بشماله" ظاهره أن من فعل ذلك تشبه بالشيطان، وأبعد وتعسف من أعاد الضمير في شماله على الآكل، قال النووي: في هذه الأحاديث استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهة ذلك بالشمال، وكذلك كل أخذ وعطاء كما وقع في بعض طرق حديث ابن عمر،

(9/522)


وهذا إذا لم يكن عذر من مرض أو جراحة فإن كان فلا كراهة كذا قال، وأجاب عن الإشكال في الدعاء على الرجل الذي فعل ذلك واعتذر فلم يقبل عذره بأن عياضا ادعى أنه كان منافقا، وتعقبه النووي بأن جماعة ذكروه في الصحابة وسموه بسرا بضم الموحدة وسكون المهملة، واحتج عياض بما ورد في خبره أن الذي حمله على ذلك الكبر، ورده النووي بأن الكبر والمخالفة لا يقتضي النفاق لكنه معصية إن كان الأمر أمر إيجاب. قلت: ولم ينفصل عن اختياره أن الأمر أمر ندب، وقد صرح ابن العربي بإثم من أكل بشماله، واحتج بأن كل فعل ينسب إلى الشيطان حرام. وقال القرطبي هذا الأمر على جهة الندب لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال لأنها أقوى في الغالب وأسبق للأعمال وأمكن في الأشغال، وهي مشتقة من اليمن، وقد شرف الله أصحاب الجنة إذ نسبهم إلى اليمين، وعكسه في أصحاب الشمال قال: وعلى الجملة فاليمين وما نسب إليها وما اشتق منها محمود لغة وشرعا ودينا، والشمال على نقيض ذلك، وإذا تقرر ذلك فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال النظيفة. وقال أيضا: كل هذه الأوامر من المحاسن المكملة والمكارم المستحسنة والأصل فيما كان من هذا الترغيب والندب قال: وقوله: "كل مما يليك" محله ما إذا كان الطعام نوعا واحدا، لأن كل أحد كالحائز لما يليه من الطعام، فأخذ الغير له تعد عليه، مع ما فيه من تقذر النفس مما خاضت فيه الأيدي، ولما فيه من إظهار الحرص والنهم، وهو مع ذلك سوء أدب بغير فائدة، أما إذا اختلفت الأنواع فقد أباح ذلك العلماء. كذا قال. قوله: "فما زالت تلك طعمتي بعد" بكسر الطاء أي صفة أكلي، أي لزمت ذلك وصار عادة لي. قال الكرماني: وفي بعض الروايات بالضم يقال طعم إذا أكل والطعمة الأكلة، والمراد جميع ما تقدم من الابتداء بالتسمية والأكل باليمين مما يليه. وقوله بعد بالضم على البناء أي استمر ذلك من صنيعي في الأكل، وفي الحديث أنه ينبغي اجتناب الأعمال التي تشبه أعمال الشياطين والكفار، وأن للشيطان يدين، وأنه يأكل ويشرب ويأخذ ويعطي. وفيه جواز ا الدعاء على من خالف الحكم الشرعي. وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في حال الأكل. وفيه استحباب تعليم أدب الأكل والشرب. وفيه منقبة لعمر بن أبي سلمة لامتثاله الأمر ومواظبته على مقتضاه.

(9/523)


3- باب الأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ
وَقَالَ أَنَسٌ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ
5377- حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلْ مِمَّا يَلِيكَ"
5378- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"
قوله: "باب الأكل مما يليه. وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه" هذا التعليق

(9/523)


طرف من حديث الجعد أبي عثمان عن أنس في قصة الوليمة على زينب بنت جحش، وقد تقدم في "باب الهدية للعروس" في أوائل النكاح معلقا من طريق إبراهيم بن طهمان عن الجعد، وفيه: "ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون ويقول لهم: اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه" وقد ذكرت هناك من وصله، وسيأتي أصله موصولا بعد بابين من وجه آخر عن أنس لكن ليس فيه مقصود الترجمة، وعزاه شيخنا ابن الملقن تبعا لمغلطاي لتخريج ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق بكر وثابت عن أنس، وهو ذهول منهما، فليس في الحديث المذكور مقصود الترجمة، وهو عند أبي يعلى والبزار أيضا من الوجه الذي أخرجه ابن أبي عاصم. قوله: "حدثني محمد بن جعفر" يعني ابن أبي كثير المدني، وحلحلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة ثم لام مفتوحة. قوله: "عن وهب بن كيسان أبي نعيم قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم" كذا رواه أصحاب مالك في "الموطأ" عنه وصورته الإرسال وقد وصله خالد بن مخلد ويحيى بن صالح الوحاظي فقالا "عن مالك عن وهب بن كيسان عن جابر" وهو منكر، وإنما استجاز البخاري إخراجه - وإن كان المحفوظ فيه عن مالك الإرسال - لأنه تبين بالطريق الذي قبله صحة سماع وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة، واقتضى ذلك أن مالكا قصر بإسناده حيث لم يصرح بوصله وهو في الأصل موصول، ولعله وصله مرة فحفظ ذلك عنه خالد ويحيى بن صالح وهما ثقتان، أخرج ذلك الدار قطني في "الغرائب" عنهما، واقتصر ابن عبد البر في "التمهيد" على ذكر رواية خالد بن مخلد وحده.

(9/524)


4- باب مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً
5379- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ أَنَسٌ فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ"
قوله: "باب من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه" حوالي بفتح اللام وسكون التحتانية أي جوانب، يقال رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه واللام مفتوحة في الجميع ولا يجوز كسرها. قوله: "إذا لم يعرف منه كراهية" ذكر فيه حديث أنس في تتبع النبي صلى الله عليه وسلم الدباء من الصحفة، وهذا ظاهره يعارض الذي قبله في الأمر بالأكل مما يليه، فجمع البخاري بينهما يحمل الجواز على ما إذا علم رضا من يأكل معه، ورمز بذلك إلى تضعيف حديث عكراش الذي أخرجه الترمذي حيث جاء فيه التفصيل بين ما إذا كان لونا واحدا فلا يتعدى ما يليه، أو أكثر من لون فيجوز، وقد حمل بعض الشراح فعله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على ذلك فقال: كان الطعام مشتملا على مرق ودباء وقديد فكان يأكل مما يعجبه وهو الدباء ويترك ما لا يعجبه وهو القديد، وحمله الكرماني كما تقدم له في "باب الخياط" من كتاب البيع على أن الطعام كان للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، قال: فلو كان له ولغيره لكان المستحب أن يأكل مما يليه قلت: إن أراد بالوحدة أن غيره لم يأكل معه فمردود لأن أنسا أكل معه، وإن أراد به المالك وأذن لأنس أن يأكل معه فليطرده في كل مالك ومضيف، وما أظن أحدا يوافقه عليه. وقد نقل ابن بطال عن مالك جوابا يجمع الجوابين

(9/524)


المذكورين فقال: إن المؤاكل لأهله وخدمه يباح له أن يتبع شهوته حيث رآها إذا علم أن ذلك لا يكره منه، فإذا علم كراهتهم لذلك لم يأكل إلا مما يليه. وقال أيضا إنما جالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطعام لأنه علم أنه أحدا لا يتكره ذلك منه ولا يتقذره، بل كانوا يتباكون بريقه ومماسة يده، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلكون بها، فكذلك من لم يتقذر من مؤاكله يجوز له أن تجول يده في الصحفة. وقال ابن التين: إذا أكل المرء مع خادمه وكان في الطعام نوع منفرد جاز له أن ينفرد به. وقال في موضع آخر: إنما فعل ذلك لأنه كان يأكل وحده فسيأتي في رواية أن الخياط أقبل على عمله. قلت: هي رواية ثمامة عن أنس كما سيأتي بعد أبواب، لكن لا يثبت المدعي لأن أنسا أكل مع النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "إن خياطا" لم أقف على اسمه لكن في رواية ثمامة عن أنس أنه كان غلام النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ: "إن مولى له خياطا دعاه". قوله: "لطعام صنعه" كان الطعام المذكور ثريدا كما سأبينه. قوله: "قال أنس فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يتتبع الدباء" هكذا أورده مختصرا، وأخرجه مسلم عن قتيبة شيخ البخاري فيه بتمامه، وقد تقدم في البيوع عن عبد الله بن يوسف عن مالك بالزيادة ولفظه: "فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا ومرقا فيه دباء وقديد" وأفاد شيخنا ابن الملقن عن "مستخرج الإسماعيلي:" أن الخبز المذكور كان خبز شعير وغفل عما أورده البخاري في "باب المرق" كما سيأتي عن عبد الله بن مسلمة عن مالك بلفظ: "خبز شعير" والثاني مثله، وكذا أورده بعد باب آخر عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك بتمامه، وهو عند مسلم عن قتيبة أيضا، وقد أفرد البخاري لكل واحدة ترجمة، وهي المرق والدباء والثريد والقديد. قوله: "الدباء" بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة ممدود ويجوز القصر حكاه القزاز وأنكره القرطبي هو القرع، وقيل خاص بالمستدير منه، ووقع في "شرح المهذب للنووي" أنه القرع اليابس، وما أظنه إلا سهوا، وهو اليقطين أيضا واحده دباة ودبة، وكلام أبي عبيد الهروي يقتضي أن الهمزة زائدة فإنه أخرجه في "دبب" وأما الجوهري فأخرجه في المعتل على أن همزته منقلبة، وهو أشبه بالصواب، لكن قال الزمخشري: لا ندري هي منقلبة عن واو أو ياء، ويأتي في رواية ثمامة عن أنس "فلما رأيت ذلك جعلت أجمعه بين يديه. وفي رواية حميد عن أنس "فجعلت أجمعه وأدنيه منه". قوله:" فلم أزل أحب الدباء من يومئذ" في رواية ثمامة "قال أنس: لا أزال أحب الدباء بعدما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع ما صنع" وفي رواية مسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس فجعلت ألقيه إليه ولا أطعمه "وله من طريق معمر عن ثابت وعاصم عن أنس فذكر الحديث: "قال ثابت فسمعت أنسا يقول: فما صنع لي طعام بعد أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع"، ولابن ماجه بسند صحيح عن حميد عن أنس قال: "بعثت معي أم سليم بمكتل فيه رطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجده، وخرج قريبا إلى مولى له دعاه فصنع له طعاما، فأتيته وهو يأكل فدعاني فأكلت معه، قال وصنع له ثريدة بلحم وقرع فإذا هو يعجبه القرع، فجعلت أجمعه فأدنيه منه" الحديث. وأخرج مسلم بعضه من هذا الوجه بلفظ: "كان يعجبه القرع" وللنسائي: "كان يحب القرع ويقول: إنها شجرة أخي يونس" ويجمع بين قوله في هذه الرواية: "فلم أجده" وبين حديث الباب: "ذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أنه أطلق المعية باعتبار ما آل إليه الحال، ويحتمل تعدد القصة على بعد، وفي الحديث جواز أكل الشريف طعام من دونه من محترف وغيره وإجابة دعوته، ومؤاكلة الخادم، وبيان ما كان في النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع واللطف بأصحابه وتعاهدهم بالمجيء إلى منازلهم، وفيه الإجابة إلى الطعام ولو كان قليلا ومناولة الضيفان بعضهم بعضا مما

(9/525)


وضع بين أيديهم، وإنما يمتنع من يأخذ من قدام الآخر شيئا لنفسه أو لغيره، وسيأتي البحث فيه في باب مفرد. وفيه جواز ترك المضيف الأكل مع الضيف لأن في رواية ثمامة عن أنس في حديث الباب: "أن الخياط قدم لهم الطعام ثم أقبل على عمله" فيؤخذ جواز ذلك من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون الطعام كان قليلا فآثرهم به، ويحتمل أن يكون كان مكتفيا من الطعام أو كان صائما أو كان شغله قد تحتم عليه تكميله. وفيه الحرص على التشبه بأهل الخير والاقتداء بهم في المطاعم وغيرها. وفيه فضيلة ظاهرة لأنس لاقتفائه أثر النبي صلى الله عليه وسلم حتى في الأشياء الجبلية، وكان يأخذ نفسه باتباعه فيها، رضي الله عنه.

(9/526)


باب التين في الأكل وغيره
...
5- باب التَّيَمُّنِ فِي الأَكْلِ وَغَيْرِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلْ بِيَمِينِكَ
5380- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَكَانَ قَالَ بِوَاسِطٍ قَبْلَ هَذَا فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ"
قوله: "باب التيمن في الأكل وغيره" ذكر في حديث عائشة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن" الحديث، وهو ظاهر فيما ترجم له، وظن بعضهم أن في هذه الترجمة تكرارا لأنه تقدم في قوله: "باب التسمية على الطعام، والأكل باليمين" وقد أجاب عنه ابن بطال بأن هذه الترجمة أعم من الأولى، لأن الأولى لفعل الأكل فقط وهذه لجميع الأفعال فيدخل فيه الأكل والشرب بطريق التعميم ا هـ، ومن جملة العموم عموم متعلقات الأكل كالأكل من جهة اليمين وتقديم من على اليمين في الأتحاف ونحوه على من على الشمال وغير ذلك. قوله: "قال عمر بن أبي سلمة قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: كل بيمينك" كذا ثبت هذا التعليق في رواية أبي ذر عن الحموي والكشميهني وسقط للباقين وهو الأشبه وقد مضى موصولا قبل باب، والذي يظهر لي أن محله بعد الترجمة التي تليه. قوله: "وكان قال بواسط قبل هذا في شأنه كله" القائل هو شعبة، والمقول عنه أنه قال بواسط هو أشعث وهو ابن أبي الشعثاء، وقد تقدم بيان ذلك مع مباحث الحديث في "باب التيمن" من كتاب الوضوء. وقال الكرماني قال بعض المشايخ: القائل بواسط هو أشعث، كذا نقل، وليس بصواب ممن قال.

(9/526)


6- باب مَنْ أَكَلَ حَتَّى شَبِعَ
5381- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِطَعَامٍ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ أَبُو

(9/526)


باب:(ليس على الأعمى حرج إلى قوله تعالى لعلكم تعقلون) والنهد والإجتماع على الطعام
...
7- باب {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ - إِلَى قَوْلِهِ- لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} والنهد والإجتماع على الطعام
5384- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ سَمِعْتُ بُشَيْرَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ قَالَ يَحْيَى وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ إِلاَّ بِسَوِيقٍ فَلُكْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ قَالَ سُفْيَانُ سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْدًا وَبَدْءًا"
قوله: "باب {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} إلى هنا للأكثر، وساق في رواية أبي ذر الصنفين الآخرين ثم قال: "الآية" وأراد بقبة الآية التي في سورة النور لا التي في سورة الفتح لأنها المناسبة لأبواب الأطعمة، ويؤيد ذلك أنه وقع عند الإسماعيلي إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وكذا لبعض رواة الصحيح. قوله: "والنهد والاجتماع على الطعام" ثبتت هذه الترجمة في رواية المستملي وحده، والنهد بكسر النون وسكون الهاء تقدم تفسيره في أول الشركة حيث قال: "باب الشركة في الطعام والنهد" وتقدم هناك بيان حكمه، وذكر فيه عدة أحاديث في ذلك، ثم ذكر حديث سويد بن النعمان وفيه: "دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام فلم يؤت إلا بسويق الحديث:" وليس هو ظاهرا في المراد من النهد لاحتمال أن يكون ما جيء بالسويق إلا من جهة واحدة، لكن مناسبته لأصل الترجمة ظاهرة في اجتماعهم على لوك السويق من غير تمييز بين أعمى وبصير وبين صحيح ومريض، وحكى ابن بطال عن المهلب قال: مناسبة الآية لحديث سويد ما ذكره أهل التفسير أنهم كانوا إذا اجتمعوا للأكل عزل الأعمى على حدة والأعرج على حدة والمريض على حده لتقصيرهم عن أكل الأصحاء فكانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم وهذا عن ابن الكلبي. وقال عطاء بن يزيد: كان الأعمى يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعله يده في غير موضعها، والأعرج كذلك لاتساعه في موضع الأكل، والمريض لرائحته، فنزلت هذه الآية، فأباح لهم الأكل مع غيرهم. وفي حديث سويد معنى الآية، لأنهم جعلوا أيديهم فيما حضر من الزاد سواء، مع أنه لا يمكن أن يكون أكلهم بالسواء لاختلاف أحوال الناس في ذلك، وقد سوغ لهم الشارع ذلك مع ما فيه من الزيادة والنقصان، فكان مباحا والله أعلم. ا هـ كلامه. وقد جاء في سبب نزول الآية أثر آخر من وجه صحيح، قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد "كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج أو المريض إلى بيت أبيه أو أخيه أو قريبه، فكان الزمنى يتحرجون من ذلك ويقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت الآية رخصة لهم" وقال ابن المنير: موضع المطابقة من الترجمة وسط الآية وهي قوله تعالى :{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} وهي أصل في جواز أكل المخارجة، ولهذا ذكر في الترجمة النهد، والله أعلم.

(9/529)


8- باب الْخُبْزِ الْمُرَقَّقِ وَالأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ وَالسُّفْرَةِ
8385- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ فَقَالَ مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا مُرَقَّقًا وَلاَ شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ"
[الحديث 5385- طرفاه في: 5421، 6357]
5386- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يُونُسَ قَالَ عَلِيٌّ هُوَ الإِسْكَافُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ عَلَى سُكْرُجَةٍ قَطُّ وَلاَ خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ وَلاَ أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ قِيلَ لِقَتَادَةَ فَعَلاَمَ كَانُوا يَأْكُلُونَ قَالَ عَلَى السُّفَرِ"
[الحديث 5386- طرفاه في: 5415، 6455]
5387- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْنِي بِصَفِيَّةَ فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالأَقِطُ وَالسَّمْنُ وَقَالَ عَمْرٌو عَنْ أَنَسٍ بَنَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ"
5388- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ كَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ يُعَيِّرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُونَ يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ يَا بُنَيَّ إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطَاقَانِ إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ فَأَوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَحَدِهِمَا وَجَعَلْتُ فِي سُفْرَتِهِ آخَرَ قَالَ فَكَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ يَقُولُ إِيهًا وَالإِلَهِ تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا"
5389- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا فَدَعَا بِهِنَّ فَأُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَتَرَكَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْمُسْتَقْذِرِ لَهُنَّ وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا مَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ"
قوله: "باب الخبز المرقق "والأكل على الخوان والسفرة" أما الخبز المرقق فقال عياض قوله مرققا أي ملينا محسنا كخبز الحواري وشبهه، والترقيق التليين، ولم يكن عندهم مناخل. وقد يكون المرقق الرقيق الموسع ا هـ. وهذا هو المتعارف، وبه جزم ابن الأثير قال: الرقاق الرقيق مثل طوال وطويل، وهو الرغيف الواسع الرقيق، وأغرب ابن التين فقال: هو السميد وما يصنع منه من كعك وغيره. وقال ابن الجوزي: هو الخفيف كأنه مأخوذ من

(9/530)


الرقاق وهي الخشبة التي يرقق بها. وأما الخوان فالمشهور فيه كسر المعجمة، ويجوز ضمها، وفيه لغة ثالثة إخوان بكسر الهمزة وسكون الخاء، وسئل ثعلب: هل يسمى الخوان لأنه يتخون ما عليه أي ينتقص؟ فقال: ما يبعد. قال الجواليقي: والصحيح أنه أعجمي معرب، ويجمع على أخونة في القلة، وخون مضموم الأول في الكثرة. وقال غيره: الخوان المائدة ما لم يكن عليها طعام، وأما السفرة فاشتهرت لما يوضع عليها الطعام، وأصلها الطعام نفسه. قوله: "كنا عند أنس وعنده خباز له" لم أقف على تسميته، ووقع عند الإسماعيلي عن قتادة "كنا نأتي أنسا وخبازه قائم" زاد ابن ماجه: "وخوانه موضوع، فيقول: كلوا" وفي الطبراني من طريق راشد بن أبي راشد قال: "كان لأنس غلام يعمل له النقانق يطبخ له لونين طعاما ويخبز له الحواري ويعجنه بالسمن" ا هـ. والحواري بضم المهملة وتشديد الواو وفتح الراء: الخالص الذي ينخل مرة بعد مرة. قوله: "ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم خبزا مرققا ولا شاة مسموطة" المسموط الذي أزيل شعره بالماء المسخن وشوي بجلده أو يطبخ، وإنما يصنع ذلك في الصغير السن الطري، وهو من فعل المترفين من وجهين: أحدهما المبادرة إلى ذبح ما لو بقي لازداد ثمنه، وثانيهما أن المسلوخ ينتفع بجلده في اللبس وغيره والسمط يفسده، وقد جرى ابن بطال على أن المسموط المشوي، فقال ما ملخصه: يجمع بين هذا وبين حديث عمرو بن أمية "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يجتز من كتف شاة" وحديث أم سلمة الذي أخرجه الترمذي "أنها قربت للنبي صلى الله عليه وسلم جنبا مشويا فأكل منه" بأن يقال: محتمل أن يكون لم يتفق أن تسمط له شاة بكمالها، لأنه قد احتز من الكتف مرة ومن الجنب أخرى، وذلك لحم مسموط. أو يقال: إن أنسا قال: "لا أعلم" ولم يقطع به، ومن علم حجة على من لم يعلم. وتعقبه ابن المنير بأنه ليس في حز الكتف ما يدل على أن الشاة كانت مسموطة، بل إنما حزها لأن العرب كانت عادتها غالبا أنها لا تنضج اللحم فاحتيج إلى الحز، قال: ولعل ابن بطال لما رأى البخاري ترجم بعد هذا "باب شاة مسموطة، والكتف والجنب" ظن أن مقصوده إثبات أنه أكل السميط. قلت: ولا يلزم أيضا من كونها مشوية واحتز من كتفها أو جنبها أن تكون مسموطة؛ فإن شي المسلوخ أكثر من شي المسموط، لكن قد ثبت أنه أكل الكراع وهو لا يؤكل إلا مسموطا. وهذا لا يرد على أنس في نفي رواية الشاة المسموطة، وقد وافقه أبو هريرة على نفي أكل الرقاق أخرجه ابن ماجه من طريق ابن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة أنه "زار قومه فأتوه برقاق فبكى وقال: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بعينه" قال الطيبي: قول أنس "ما أعلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم إلخ" نفى العلم وأراد نفي المعلوم، وهو من باب نفي الشيء بنفي لازمه، وإنما صح هذا من أنس لطول لزومه النبي صلى الله عليه وسلم وعدم مفارقته له إلى أن مات. قوله: "عن يونس قال عن علي: هو الإسكاف" علي هو شيخ البخاري فيه وهو ابن المديني "ومراده أن يونس وقع في السند غير منسوب فنسبه علي ليتميز، فإن في طبقته يونس بن عبيد البصري أحد الثقات المكثرين، وقد وقع في رواية ابن ماجه عن محمد بن مثنى عن معاذ بن هشام عن أبيه عن يونس بن أبي الفرات الإسكاف، وليس ليونس هذا في البخاري إلا هذا الحديث الواحد، وهو بصري وثقه أحمد وابن معين وغيرهما. وقال ابن عدي: ليس بالمشهور. وقال ابن سعد: كان معروفا وله أحاديث. وقال ابن حبان. لا يجوز أن يحتج به، كذا قال ومن وثقه أعرف بحاله من ابن حبان، والراوي عنه هشام هو الدستوائي وهو من المكثرين عن قتادة وكأنه لم يسمع منه هذا، وفي الحديث رواية الأقران لأن هشاما

(9/531)


ويونس من طبقة واحدة، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وصرح بالتحديث كما سيأتي في الرقاق، لكن ذكر ابن عدي أن يزيد بن زريع رواه عن سعيد فقال: "عن يونس عن قتادة" فيحتمل أن يكون سمعه أولا عن قتادة بواسطة ثم حمله عنه بغير واسطة فكان يحدث به على الوجهين. قوله: "عن أنس" هذا هو المحفوظ ورواه سعيد بن بشر عن قتادة فقال: "عن الحسن قال دخلنا على عاصم ابن حدرة فقال: ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان قط" الحديث أخرجه ابن منده في "المعرفة" فإن كان سعيد بن بشر حفظه فهو حديث آخر لقتادة لاختلاف مساق الخبرين. قوله: "على سكرجة" بضم السين والكاف والراء الثقيلة بعدها جيم مفتوحة، قال عياض: كذا قيدناه ونقل عن ابن مكي أنه صوب فتح الراء، قلت: وبهذا جزم التوربشتي وزاد: لأنه فارس معرب، والراء في الأصل مفتوحة ولا حجة في ذلك لأن الاسم الأعجمي إذا نطقت به العرب لم تبقه على أصله غالبا. وقال ابن الجوزي: قاله لنا شيخنا أبو منصور اللغوي يعني الجواليقي بفتح الراء، قال: وكان بعض أهل اللغة يقول: الصواب أسكرجة وهي فارسية معربة، وترجمتها مقرب الخل، وقد تكلمت بها العرب قال أبو علي فإن حقرت حذفت الجيم والراء1، وقلت أسكر، ويجوز إشباع الكاف حتى تزيد ياء، وقياس ما ذكره سيبويه في "بريهم بريهيم" أن يقال في سكيرجة سكيريجة، والذي سبق أولى. قال ابن مكي وهي صحاف صغار يؤكل فيها، ومنها الكبير والصغير، فالكبيرة تحمل قدر ست أواق وقيل ما بين ثلثي أوقية إلى أوقية، قال: ومعنى ذلك أن العجم كانت تستعمله في الكواميخ والجوارش للتشهي والهضم، وأغرب الداودي فقال: السكرجة قصعة مدهونة، ونقل ابن قرقول عن غيره أنها قصعة ذات قوائم من عود كمائدة صغيرة والأول أولى، قال شيخنا في "شرح الترمذي" : تركه الأكل في السكرجة إما لكونها لم تكن تصنع عندهم إذ ذاك أو استصغارا لها لأن عادتهم الاجتماع على الأكل أو لأنها - كما تقدم - كانت تعد لوضع الأشياء التي تعين على الهضم ولم يكونوا غالبا يشبعون، فلم يكن لهم حاجة بالهضم. قوله: "قيل لقتادة" القائل هو الراوي. قوله: "فعلام" كذا للأكثر ووقع في رواية المستملي بالإشباع. قوله: "يأكلون" كذا عدل عن الواحد إلى الجمع، إشارة إلى أن ذلك لم يكن مختصا بالنبي صلى الله عليه وسلم وحده بل كان أصحابه يقتفون أثره ويقتدون بفعله. قوله: "على السفر" جمع سفرة وقد تقدم بيانها في الكلام على حديث عائشة الطويل في الهجرة إلى المدينة، وأن أصلها الطعام الذي يتخذه المسافر، وأكثر ما يصنع في جلد فنقل اسم الطعام إلى ما يوضع فيه كما سميت المزادة رواية ثم ذكر المصنف حديث أنس في قصة صفية فساقه مختصرا، وقد ساقه في غزوة خيبر بالإسناد الذي أورده هنا بعينه أتم من سياقه هنا ولفظه: "أقام النبي صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية" وزاد فيه أيضا بين قوله إلى وليمته وبين قوله أمر بالإنطاع "وما كان فيها من خبز ولا لحم وما كان فيها إلا أن أمر" فذكره وزاد بعد قوله والسمن "فقال المسلمون إحدى أمهات المؤمنين" الحديث، وقد تقدم شرحه مستوفى هناك. قوله: "وقال عمرو عن أنس: بنى بها النبي صلى الله عليه وسلم ثم صنع حيسا في نطع" هو أيضا طرف من حديث وصله المؤلف في المغازي مطولا من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك بتمامه. قوله: "هشام عن أبيه وعن وهب بن كيسان" هشام هو ابن عروة حمل هذا الحديث عن أبيه وعن وهب ابن كيسان، وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق أحمد بن يونس عن أبي معاوية فقال فيه: "عن هشام عن وهب بن كيسان" فقط وتقدم أصل هذا الحديث في "باب الهجرة
ـــــــ
1 لعله "والهاء"

(9/532)


إلى المدينة" من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه وعن امرأته فاطمة بنت المنذر كلاهما عن أسماء، وهو محمول على أن هشاما حمله عن أبيه وعن امرأته وعن وهب بن كيسان ولعل عنده عن بعضهم ما ليس عند الآخر، فإن الرواية التي تقدمت ليس فيها قوله يعيرون وهو بالعين المهملة من العار، وابن الزبير هو عبد الله، والمراد بأهل الشام عسكر الحجاج بن يوسف حيث كانوا يقاتلونه من قبل عبد الملك بن مروان، أو عسكر الحصين بن نمير الذين قاتلوه قبل ذلك من قبل يزيد ابن معاوية. قوله: "يعيرونك بالنطاقين" قيل الأفصح أن يعدي التعيير بنفسه تقول عيرته كذا، وقد سمع هكذا مثل ما هنا. قوله: "وهل تدري ما كان النطاقين" كذا أورده بعض الشراح، وتعقبه بأن الصواب النطاقان بالرفع، وأنا لم أقف عليه في النسخ إلا بالرفع، فإن ثبت رواية بغير الألف أمكن توجيهها، ويحتمل أن يكون كان في الأصل "وهل تدري ما كان شأن النطاقين" فسقط لفظ شأن أو نحوه. قوله: "إنما كان نطاقي شققته نصفين فأوكيت" تقدم في الهجرة إلى المدينة أن أبا بكر الصديق هو الذي أمرها بذلك لما هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. قوله: "يقول إيها" كذا للأكثر ولبعضهم "ابنها" بموحدة ونون وهو تصحيف، وقد وجه بأنه مقول الراوي والضمير لأسماء وابنها هو ابن الزبير، وأغرب ابن التين فقال: هو في سائر الروايات "ابنها" وذكره الخطابي بلفظ: "إيها" ا هـ و قوله: "والإله" في رواية أحمد بن يونس "إيها ورب الكعبة" قال الخطابي إيها بكسر الهمزة وبالتنوين معناها الاعتراف بما كانوا يقولونه والتقرير له، تقول العرب في استدعاء القول من الإنسان: إيها وإيه بغير تنوين، وتعقب بأن الذي ذكره ثعلب وغيره إذا استزدت من الكلام قلت إيه، وإذا أمرت بقطعه قلت إيها ا هـ. وليس هذا الاعتراض بجيد لأن، غير ثعلب قد جزم بأن إيها كلمة استزادة، وارتضاه وحرره بعضهم فقال: إيها بالتنوين، للاستزادة وبغير التنوين لقطع الكلام، وقد تأتي أيضا بمعنى كيف. قوله: "تلك شكاة ظاهر عنك عارها" شكاة بفتح الشين المعجمة معناه رفع الصوت بالقول القبيح، ولبعضهم بكسر الشين، والأول أولى. وهو مصدر شكا يشكو شكاية وشكوى وشكاة، وظاهر أي زائل، قال الخطابي أي ارتفع عنك فلم يعلق بك، والظهور يطلق على الصعود والارتفاع، ومن هذا قول الله تعالى :{فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} أي يعلوا عليه منه {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} قال: وتمثل ابن الزبير بمصراع بيت لأبي ذؤيب الهذلي وأوله "وعيرها الواشون أني أحبها" يعني لا بأس بهذا القول ولا عار فيه، قال مغلطاي: وبعد بيت الهذلي:
فإن أعتذر منها فإني مكذب
...
وإن تعتذر يردد عليك اعتذارها
وأول هذه القصيدة:
هل الدهر إلا ليلة ونهارها
...
وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
أبى القلب إلا أم عمرو فأصبحت
...
تحرق ناري بالشكاة ونارها
وبعده "وعيرها الواشون أني أحبها" البيت، وهي قصيدة تزيد على ثلاثين بيتا. وتردد ابن قتيبة هل أنشأ ابن الزبير هذا المصراع أو أنشده متمثلا به؟ والذي جزم به غيره الثاني وهو المعتمد، لأن هذا مثل مشهور، وكان ابن الزبير يكثر التمثل بالشعر، وقلما أنشأه. ذكر حديث ابن عباس في أكل خالد الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيأتي شرحه بعد في كتاب الصيد والذبائح. وقوله: "على مائدته" أي الشيء الذي يوضع على الأرض صيانة للطعام كالمنديل والطبق وغير ذلك، ولا يعارض هذا حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أكل على الخوان" لأن

(9/533)


الخوان أخص من المائدة. ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، وهذا أولى من جواب بعض الشراح بأن أنسا إنما نفى علمه قال: ولا يعارضه قول من علم، واختلف في المائدة فقال الزجاج هي عندي من ماد يميد إذا تحرك. وقال غيره: من ماد يميد إذا أعطى، قال أبو عبيد: وهي فاعلة بمعنى مفعولة من العطاء قال الشاعر كنت للمنتجعين مائدا

(9/534)


9- باب السَّوِيقِ
5390- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّهْبَاءِ وَهِيَ عَلَى رَوْحَةٍ مِنْ خَيْبَرَ فَحَضَرَتْ الصَّلاَةُ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَلَمْ يَجِدْهُ إِلاَّ سَوِيقًا فَلاَكَ مِنْهُ فَلُكْنَا مَعَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ ثُمَّ صَلَّى وَصَلَّيْنَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"
قوله: "باب السويق" ذكر فيه حديث سويد بن النعمان، وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة

(9/534)


باب ماكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل حتى يسمى له فيعلم ماهو
...
10- باب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْكُلُ حَتَّى يُسَمَّى لَهُ فَيَعْلَمُ مَا هُوَ
5391- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَيْفُ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا قَدْ قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لاَ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَيَّ"
[الحديث 5391- طرفاه في : 5400، 5537 ]
قوله: "باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل حتى يسمى له فيعلم ما هو" كذا في جميع النسخ التي وقفت عليها بالإضافة، وشرحه الزركشي على أنه "باب" بالتنوين فقال قال ابن التين: إنما كان يسأل لأن العرب كانت لا تعاف شيئا من المآكل لقلتها عندهم، وكان هو صلى الله عليه وسلم قد يعاف بعض الشيء فلذلك كان يسأل. قلت: ويحتمل أن يكون سبب السؤال أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يكثر الكون في البادية فلم يكن له خبرة بكثير من الحيوانات، أو لأن الشرع ورد بتحريم بعض الحيوانات وإباحة بعضها وكانوا لا يحرمون منها شيئا، وربما أتوا به مشويا أو مطبوخا فلا يتميز عن غيره إلا بالسؤال عنه. حديث ابن عباس في قصة الضب، سيأتي شرحه في كتاب الصيد والذبائح. ووقع

(9/534)


11- باب طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ
5392- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ح و حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاَثَةِ وَطَعَامُ الثَّلاَثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ"
قوله: "باب طعام الواحد يكفي الاثنين" أورد فيه حديث أبي هريرة "طعام الاثنين يكفي الثلاثة وطعام الثلاثة يكفي الأربعة" واستشكل الجمع بين الترجمة والحديث، فإن قضية الترجمة مرجعها النصف وقضية الحديث مرجعها الثلث ثم الربع. وأجيب بأنه أشار بالترجمة إلى لفظ حديث آخر ورد ليس على شرطه وبأن الجامع بين الحديثين أن مطلق طعام القليل يكفي الكثير لكن أقصاه الضعف، وكونه يكفي مثله لا ينفي أن يكفي دونه. نعم كون طعام الواحد يكفي الاثنين يؤخذ منه أن طعام الاثنين يكفي الثلاثة بطريق الأولى بخلاف عكسه. حديث أبي هريرة "طعام الاثنين يكفي الثلاثة وطعام الثلاثة يكفي الأربعة" واستشكل الجمع بين الترجمة والحديث، فإن قضية الترجمة مرجعها النصف وقضية الحديث مرجعها الثلث ثم الربع. وأجيب بأنه أشار بالترجمة إلى لفظ حديث آخر ورد ليس على شرطه وبأن الجامع بين الحديثين أن مطلق طعام القليل يكفي الكثير لكن أقصاه الضعف، وكونه يكفي مثله لا ينفي أن يكفي دونه. نعم كون طعام الواحد يكفي الاثنين يؤخذ منه أن طعام الاثنين يكفي الثلاثة بطريق الأولى بخلاف عكسه. ونقل عن إسحاق بن راهويه عن جرير قال: معنى الحديث أن الطعام الذي يشبع الواحد يكفي قوت الاثنين، ويشبع الاثنين قوت الأربعة. وقال المهلب المراد بهذه الأحاديث الحض على المكارم والتقنع بالكفاية، يعني وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المواساة وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما وإدخال رابع أيضا بحسب من يحضر. وقد وقع في حديث عمر عند ابن ماجه بلفظ: "طعام الواحد يكفي الاثنين وأن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة وأن طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة" ووقع في حديث عبد الرحمن بن أبي بكر في قصة أضياف أبي بكر "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس" وعند الطبراني من حديث ابن عمر ما يرشد إلى العلة في ذلك وأوله "كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين" الحديث فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة وقد أشار الترمذي إلى حديث ابن عمر وعند البزار من حديث سرة نحو حديث عمر وزاد به آخره: "ويد الله على الجماعة" وقال ابن المنذر يؤخذ من حديث أبي هريرة استحباب الاجتماع على الطعام، وأن لا يأكل المرء وحده ا ه. وفي الحديث أيضا الإشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصلت معها البركة فتعم الحاضرين. وفيه أنه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء، بمعنى حصول سد الرمق وقيام البنية، لا حقيقة الشبع. وقال ابن المنير: ورد حديث بلفظ الترجمة لكنه لم يوافق شرط البخاري فاستقرأ معناه من حديث الباب، لأن من أمكنه ترك الثلث أمكنه ترك النصف لتقاربهما انتهى. وتعقبه مغلطاي بأن الترمذي أخرج الحديث من طريق أبي سفيان عن جابر، وهو على شرط البخاري انتهى. وليس كما زعم فإن البخاري وإن كان أخرج لأبي سفيان،

(9/535)


لكن أخرج له مقرونا بأبي صالح عن جابر ثلاثة أحاديث فقط، فليس على شرطه، ثم لا أدري لم خصه بتخريج الترمذي مع أن مسلما أخرجه من طريق الأعمش عن أبي سفيان أيضا، ولعل ابن المنير اعتمد على ما ذكره ابن بطال أن ابن وهب روى الحديث بلفظ الترجمة عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر، وابن لهيعة ليس من شرط البخاري قطعا، لكن يرد عليه أن ابن بطال قصر بنسبه الحديث، وإلا فقد أخرجه مسلم أيضا من طريق ابن جريج ومن طريق سفيان الثوري كلاهما عن أبي الزبير عن جابر وصرح بطريق ابن جريج بسماع أبي الزبير عن جابر، فالحديث صحيح لكن لا على شرط البخاري والله أعلم. وفي الباب عن ابن عمر وسمرة كما تقدم، وفيه عن ابن مسعود أيضا في الطبراني.

(9/536)


12- باب الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5393- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا فَقَالَ يَا نَافِعُ لاَ تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ"
5394- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَإِنَّ الْكَافِرَ أَوْ الْمُنَافِقَ فَلاَ أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ"
وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ"
[الحديث 5393- طرفاه في: 5394، 5395]
5395- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ كَانَ أَبُو نَهِيكٍ رَجُلًا أَكُولًا فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ فَقَالَ فَأَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ"
5396- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ"
[الحديث 5396- طرفه في: 5397]
5397- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا قَلِيلًا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ"

(9/536)


قوله: "باب المؤمن يأكل في معي واحد" المعي بكسر الميم مقصور، وفي لغة حكاها في المحكم بسكون العين بعدها تحتانية، والجمع أمعاء ممدود وهي المصارين. وقد وقع في شعر القطامي بلفظ الإفراد في الجمع فقال في أبيات له حكاها أبو حاتم "حوالب غزرا ومعي جياعا". وهو كقوله تعالى :{ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} وإنما عدي يأكل بفي لأنه بمعنى يوقع الأكل فيها ويجعلها ظرفا للمأكول، ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ} أي ملء بطونهم قال أبو حاتم السجستاني: المعي مذكر ولم أسمع من أثق به يؤنثه فيقول معي واحدة، لكن قد رواه من لا يوثق به. قوله: "باب المؤمن يأكل في معي واحد، فيه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" كذا ثبت هذا الكلام في رواية أبي ذر عن السرخسي وحده، وليس هو في رواية أبي الوقت عن الداودي عن السرخسي، ووقع في رواية النسفي ضم الحديث الذي قبله إلى ترجمة "طعام الواحد يكفي الاثنين" وإيراد هذه الترجمة لحديث ابن عمر بطرقه وحديث أبي هريرة بطريقيه ولم يذكر فيها التعليق، وهذا أوجه فإنه ليس لإعادة الترجمة بلفظها معنى، وكذا ذكر حديث أبي هريرة في الترجمة ثم إيراده فيها موصولا من وجهين. قوله: "حدثنا عبد الصمد" هو ابن عبد الوارث، ووقع في رواية أبي نعيم في "المستخرج" منسوبا. قوله: "عن واقد بن محمد" هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر. قوله: "فأدخلت رجلا يأكل معه فأكل كثيرا" لعله أبو نهيك المذكور بعد قليل. ووقع في رواية مسلم: "فجعل ابن عمر يضع بين يديه ويضع بين يديه فجعل يأكل أكلا كثيرا. قوله: "لا تدخل هذا على" وذكر الحديث هكذا حمل ابن عمر الحديث على ظاهره، ولعله كره دخوله عليه لما رآه متصفا بصفة وصف بها الكافر. قوله: "عبدة" هو ابن سليمان، وعبيد الله هو ابن عمر العمري قوله: "وإن الكافر، أو المنافق فلا أدري أيهما قال عبيد الله" هذا الشك من عبدة، وقد أخرجه مسلم من طريق يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر بلفظ: "الكافر" بغير شك، وكذا رواه عمرو بن دينار كما يأتي في الباب، وكذا هو في رواية غير ابن عمر ممن روى الحديث من الصحابة، إلا أنه ورد عند الطبراني في رواية له من حديث سمرة بلفظ: "المنافق" بدل الكافر. قوله: "وقال ابن بكير" هو يحيى بن عبد الله بن بكير، وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريقه، ووقع لنا في الموطأ من روايته عن مالك ولفظه: "المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" وأخرجه الإسماعيلي من طريق ابن وهب "أخبرني مالك وغير واحد أن نافعا حدثهم" فذكره بلفظ: "المسلم:" فظهر أن مراد البخاري بقوله: "مثله" أي مثل أصل الحديث لا خصوص الشك الواقع في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع. قوله: "سفيان" هو ابن عيينة. قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار، ووقع التصريح بتحديثه لسفيان في رواية الحميدي في مسنده ومن طريقه أبو نعيم في "المستخرج". قوله: "كن أبو نهيك" بفتح النون وكسر الهاء" رجلا أكولا "في رواية الحميدي" قيل لابن عمر إن أبا نهيك رجل من أهل مكة يأكل أكلا كثيرا". قوله: "فقال فأنا أومن بالله ورسوله" في رواية الحميدي "فقال الرجل أنا أومن بالله" إلخ ومن ثم أطبق العلماء على حمل الحديث على غير ظاهره كما سيأتي إيضاحه. قوله في حديث أبي هريرة "يأكل المسلم في معي واحد" في رواية مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة "المؤمن يشرب في معي واحد" الحديث. قوله: "عن أبي حازم" هو سلمان بسكون اللام الأشجعي وليس هو سلمة بن دينار الزاهد فإنه أصغر من الأشجعي ولم يدرك أبا هريرة. قوله: "إن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم" وقع في رواية مسلم من طريق أبي

(9/537)


صالح عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف وهو كافر فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى ثم أخرى حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له بشاة فشرب حلابها ثم بأخرى فلم يستتمها" الحديث وهذا الرحل يشبه أن يكون جهجاه الغفاري، فأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار والطبراني من طريقه أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام، فحضروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب، فلما سلم قال : ليأخذ كل رجل بيد جليسه، فلم يبق غيري، فكنت رجلا عظيما طويلا لا يقدم على أحد، فذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله فحلب لي عنزا فأتيت عليه ثم حلب لي آخر حتى حلب سبعة أعنز فأتيت عليها، ثم أتيت بصنيع برمة فأتيت عليها، فقالت أم أيمن: أجاع الله من أجاع رسول الله، فقال: مه يا أم أيمن، أكل رزقه، ورزقنا على الله. فلما كانت الليلة الثانية وصلينا المغرب صنع ما صنع في التي قبلها فحلب لي عنزا ورويت وشبعت، فقالت أم أيمن: أليس هذا ضيفنا؟ قال: إنه أكل في معي واحد الليلة وهو مؤمن، وأكل قبل ذلك في سبعة أمعاء، الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد" وفي إسناد الجميع موسى بن عبيدة وهو ضعيف. وأخرج الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن عمر وقال: "جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم سبعة رجال، فأخذ كل رجل من الصحابة رجلا وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رجلا، فقال له ما اسمك؟ قال: أبو غزوان. قال فحلب له سبع شياه فشرب لبنها كله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك يا أبا غزوان أن تسلم؟ قال: نعم. فأسلم، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، فلما أصبح حلب له شاة واحدة فلم يتم لبنها، فقال: مالك يا أبا غنوان؟ قال: والذي بعثك نبيا لقد رويت. قال: إنك أمس كان لك سبعة أمعاء وليس لك اليوم إلا معي واحد" وهذه الطريق أقوى من طريق جهجاه، ويحتمل أن تكون تلك كنيته، لكن يقوى التعدد أن أحمد أخرج من حديث أبي بصرة الغفاري قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجرت قبل أن أسلم، فحلب لي شويهة كان يحلبها لأهله فشربتها، فلما أصبحت أسلمت حلب لي فشربت منها فرويت، فقال: أرويت؟ قلت: قد رويت مالا رويت قبل اليوم" الحديث، وهذا لا يفسر به المبهم في حديث الباب وإن كان المعنى واحدا، لكن ليس في قصته خصوص العدد. ولأحمد أيضا ولأبي مسلم الكجي وقاسم بن ثابت في "الدلائل" والبغوي في "الصحابة" من طريق محمد بن معن بن نضلة الغفاري "حدثني جدي نضلة بن عمرو قال: أقبلت في لقاح لي حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ثم أخذت علبة فحلبت فيها فشربها فقلت: يا رسول الله إن كنت لأشربها مرارا لا أمتلئ" وفي لفظ: "إن كنت لأشرب السبعة، فما أمتلئ" فذكر الحديث. وهذا أيضا لا ينبغي أن يفسر به مبهم حديث الباب لاختلاف السياق. ووقع في كلام النووي تبعا لعياض أنه نضرة بن نضرة الغفاري، وذكر ابن إسحاق في السيرة من حديث أبي هريرة في قصة ثمامة بن أثال أنه لما أسر ثم أسلم وقعت له قصة تشبه قصة جهجاه، فيجوز أن يفسر به، وبه صدر المازري كلامه. واختلف في معنى الحديث فقيل: ليس المراد به ظاهره وإنما هو مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا والكافر وحرصه عليها، فكان المؤمن لتقلله من الدنيا يأكل في معي واحد، والكافر لشدة رغبته فيها واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقة الأمعاء ولا خصوص الأكل وإنما المراد التقلل من الدنيا والاستكثار مها، فكأنه عبر عن تناول الدنيا بالأكل وعن أسباب ذلك بالأمعاء، ووجه العلاقة ظاهر، وقيل المعنى أن المؤمن يأكل الحلال والكافر يأكل الحرام، والحلال أقل من الحرام في الوجود نقله ابن التين، ونقل الطحاوي نحو الذي قبله عن أبي جعفر بن أبي عمران فقال: حمل قوم هذا الحديث على الرغبة في الدنيا كما تقول فلان يأكل

(9/538)


الدنيا أكلا أي يرغب فيها ويحرص عليها، فمعنى المؤمن يأكل في معي واحد أي يزهد فيها فلا يتناول منها إلا قليلا، والكافر في سبعة أي يرغب فيها فيستكثر منها. وقيل المراد حض المؤمن على قلة الأكل إذا علم أن كثرة الأكل صفة الكافر، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكافر، ويدل على أن كثرة الأكل من صفة الكفار قوله تعالى :{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} وقيل بل هو على ظاهره. ثم اختلفوا في ذلك على أقوال: أحدها أنه ورد في شخص بعينه واللام عهدية لا جنسية، جزم بذلك ابن عبد البر فقال: لا سبيل إلى حمله على العموم لأن المشاهدة تدفعه، فكم من كافر يكون أقل أكلا من مؤمن وعكسه، وكم من كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله، قال: وحديث أبي هريرة يدل على أنه ورد في رجل بعينه، ولذلك عقب به مالك الحديث المطلق، وكذا البخاري، فكأنه قال: هذا إذا كان كافرا كان يأكل في سبعة أمعاء فلما أسلم عوفي وبورك له في نفسه فكفاه جزء من سبعة أجزاء مما كان يكفيه وهو كافر ا ه. وقد سبقه إلى ذلك الطحاوي في "مشكل الآثار" فقال: قيل إن هذا الحديث كان في كافر مخصوص وهو الذي شرب حلاب السبع شياه، قال: وليس للحديث عندنا محمل غير هذا الوجه، والسابق إلى ذلك أولا أبو عبيدة، وقد تعقب هذا الحمل بأن ابن عمر راوي الحديث فهم منه العموم فلذلك منع الذي رآه يأكل كثيرا من الدخول عليه واحتج بالحديث. ثم كيف يتأتى حمله على شخص بعينه مع ما تقدم من ترجيح بعدد الواقعة ويورد الحديث المذكور عقب كل واحدة منها في حق الذي وقع له نحو ذلك. القول الثاني أن الحديث خرج مخرج الغالب، وليست حقيقة العدد مرادة، قالوا تخصيص السبعة للمبالغة في التكثير كما قوله تعالى :{وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} والمعنى أن من شأن المؤمن التقلل من الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة ولعلمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما يسد الجوع ويمسك الرمق ويعين على العبادة، ولخشيته أيضا من حساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك كله فإنه لا يقف مع مقصود الشرع، بل هو تابع لشهوة نفسه مسترسل فيها غير خائف من تبعات الحرام، فصار أكل المؤمن - لما ذكرته - إذا نسب إلى أكل الكافر كأنه بقدر السبع منه، ولا يلزم من هذا اطراده في حق كل مؤمن وكافر، فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيرا إما بحسب العادة وإما لعارض يعرض له من مرض باطن أو لغير ذلك، ويكون في الكفار من يأكل قليلا إما لمراعاة الصحة على رأي الأطباء، وإما للرياضة على رأي الرهبان، وإما لعارض كضعف المعدة. قال الطيبي: ومحصل القول أن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبلغة، بخلاف الكافر، فإذا وجد مؤمن أو كافر على غير هذا الوصف لا يقدح في الحديث. ومن هذا قوله تعالى :{الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} الآية، وقد يوجد من الزاني نكاح الحرة ومن الزانية نكاح الحر. القول الثالث أن المراد بالمؤمن في هذا الحديث التام الإيمان، لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده فيمنعه شدة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته، كما ورد في حديث لأبي أمامة رفعه: "من كثر تفكره قل طعمه، ومن قل تفكره كثر طعمه وقسا قلبه" ويشير إلى ذلك حديث أبي سعيد الصحيح "إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع" فدل على أن المراد بالمؤمن، من يقتصد في مطعمه، وأما الكافر فمن شأنه الشره فيأكل بالنهم كما تأكل البهيمة ولا يأكل بالمصلحة لقيام البنية، وقد رد هذا الخطابي وقال: قد ذكر عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل الكثير، فلم يكن ذلك نقصا في إيمانهم. الرابع أن المراد

(9/539)


أن المؤمن يسمى الله تعالى عند طعامه وشرابه فلا يشركه الشيطان فيكفيه القليل، والكافر لا يسمى فيشركه الشيطان كما تقدم تقريره قبل، وفي صحيح مسلم في حديث مرفوع "إن الشيطان يستحل الطعام إن لم يذكر اسم الله تعالى عليه". الخامس أن المؤمن يقل حرصه على الطعام فيبارك له فيه وفي مأكله فيشبع من القليل، والكافر طامح البصر إلى المأكل كالأنعام فلا يشبعه القليل، وهذا يمكن ضمه إلى الذي قبله ويجعلان جوابا واحدا مركبا. السادس قال النووي المختار أن المراد أن بعض المؤمنين يأكل في معي واحد وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، ولا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل معي المؤمن ا ه، ويدل على تفاوت الأمعاء ما ذكره عياض عن أهل التشريح أن أمعاء الإنسان سبعة: المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها: البواب، ثم الصائم. ثم الرقيق والثلاثة رقاق، ثم الأعور، والقولون، والمستقيم وكلها غلاظ. فيكون المعنى أن الكافر لكونه يأكل بشراهة لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معي واحد. ونقل الكرماني عن الأطباء في تسمية الأمعاء السبعة أنها المعدة، ثم ثلاثة متصلة بها رقاق وهي الاثنا عشري، والصائم، والقولون، ثم ثلاثة غلاظ وهي الفانفي بنون وفاءين أو قافين، والمستقيم، والأعور. السابع قال النووي يحتمل أن يريد بالسبعة في الكافر صفات هي الحرص والشره وطول الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد وحب السمن، وبالواحد في المؤمن سد خلته. الثامن قال القرطبي: شهوات الطعام سبع. شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع. ثم رأيت أصل ما ذكره في كلام القاضي أبي بكر بن العربي ملخصا وهو أن الأمعاء السبعة كناية عن الحواس الخمس والشهوة والحاجة، قال العلماء يؤخذ من الحديث الحض على التقلل من الدنيا والحث على الزهد فيها والقناعة بما تيسر منها، وقد كان العقلاء في الجاهلية والإسلام يتمدحون بقلة الأكل ويذمون كثرة الأكل كما تقدم في حديث أم زرع أنها قالت في معرض المدح لابن أبي زرع "ويشبعه ذراع الجفرة" وقال حاتم الطائي:
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله
...
وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وسيأتي مزيد لهذا في الباب الذي يليه. وقال ابن التين: قيل إن الناس في الأكل على ثلاث طبقات: طائفة تأكل كل مطعوم من حاجة وغير حاجة وهذا فعل أهل الجهل، وطائفة تأكل عند الجوع بقدر ما يسد الجوع حسب، وطائفة يجوعون أنفسهم يقصدون بذلك قمع شهوة النفس وإذا أكلوا أكلوا ما يسد الرمق ا هـ ملخصا. وهو صحيح، لكنه لم يتعرض لتنزيل الحديث عليه وهو لائق بالقول الثاني.

(9/540)


13- باب الأَكْلِ مُتَّكِئًا
5398- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا"
[الحديث 5398- 5399]
5399- حدثني عثمان بن أبي شيبة أخبرنا جرير عن منصور عن علي بن الأقمر عن أبي جحيفة قال: كنت ثم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده لا آكل وأنا متكئ"

(9/540)


قوله: "باب الأكل متكئا" أي ما حكمه؟ وإنما لم يجزم به لأنه لم يأت فيه نهي صريح. قوله: "حدثنا مسعر" كذا أخرجه البخاري عن أبي نعيم، وأخرجه أحمد عن أبي نعيم فقال: "حدثنا سفيان هو الثوري" فكان لأبي نعيم فيه شيخين. قوله: "عن علي بن الأقمر" أي ابن عمرو بن الحارث بن معاوية الهمداني بسكون الميم الوادعي الكوفي، ثقة عند الجميع، وماله في البخاري سوى هذا الحديث. قوله: "سمعت أبا جحيفة" في رواية سفيان عن علي بن الأقمر "عن عون بن أبي جحيفة" وهذا يوضح أن رواية رقية لهذا الحديث عن علي بن الأقمر عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه من المزيد في متصل الأسانيد لتصريح علي بن الأقمر في رواية مسعر بسماعه له من أبي جحيفة بدون واسطة. ويحتمل أن يكون سمعه من عون أولا عن أبيه ثم لقي أباه، أو سمعه من أبي جحيفة وثبته فيه عون. قوله: "إني لا آكل متكئا" ذكر في الطريق التي بعدها له سببا مختصرا ولفظه: "فقال لرجل عنده لا آكل وأنا متكئ" قال الكرماني: اللفظ الثاني أبلغ من الأول في الإثبات، وأما في النفي فالأول أبلغ ا هـ. وكان سبب هذا الحديث قصة الأعرابي المذكور في حديث عبد الله بن يسر عند ابن ماجه والطبراني بإسناد حسن قال: "أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فجثا على ركبتيه يأكل، فقال له أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا" قال ابن بطال: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعا لله. ثم ذكر من طريق أيوب عن الزهري قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم ملك لم يأته قبلها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا أو ملكا نبيا، قال فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أن تواضع، فقال: بل عبدا نبيا. قال فما أكل متكئا" ا هـ وهذا مرسل أو معضل، وقد وصله النسائي من طريق الزبيدي عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن عباس قال: كان ابن عباس يحدث، فذكر نحوه. وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "ما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا قط" وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: "ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم متكئا إلا مرة ثم نزع فقال: اللهم إني عبدك ورسولك" وهذا مرسل، ويمكن الجمع بأن تلك المرة التي في أثر مجاهد ما اطلع عليها عبد الله بن عمرو، فقد أخرج ابن شاهين في ناسخه من مرسل عطاء بن يسار "أن جبريل رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا فنهاه" ومن حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهاه جبريل عن الأكل متكئا لم يأكل متكئا بعد ذلك" واختلف في صفة الاتكاء فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي صفة كان، وقيل أن يميل على أحد شقيه، وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض، قال الخطابي تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، قال ومعنى الحديث إني لا أقعد متكئا على الوطاء عند الأكل فعل من يستكثر من الطعام، فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد فلذلك أقعد مستوفزا. وفي حديث أنس "أنه صلى الله عليه وسلم أكل تمرا وهو مقع" وفي رواية: "وهو محتفز" والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن. وأخرج ابن عدي بسند ضعيف: زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل، قال مالك هو نوع من الاتكاء. قلت: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الآكل فيه متكئا، ولا يختص بصفة بعينها. وجزم ابن الجوزي في تفسير الاتكاء بأنه بالميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك. وحكى ابن الأثير في "النهاية" أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطب بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلا ولا يسيغه هنيئا وربما تأذى به، واختلف السلف في حكم الأكل متكئا فزعم ابن القاص أن ذلك من الخصائص النبوية، وتعقبه البيهقي فقال: قد يكره لغيره

(9/541)


أيضا لأنه من فعل المتعظمين وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئا لم يكن في ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة، وفي الحمل نظر. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس وخالد بن الوليد وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار والزهري جواز ذلك مطلقا، وإذا ثبت كونه مكروها أو خلاف الأولى فالمستحب في صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثيا على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى، واستثنى الغزالي من كراهة الأكل مضطجعا أكل البقل، واختلف في علة الكراهة، وأقوى ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال: "كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاءة مخافة أن تعظم بطونهم" وإلى ذلك بقية ما ورد فيه من الأخبار فهو المعتمد، ووجه الكراهة فيه ظاهر، وكذلك ما أشار إليه ابن الأثير من جهة الطب والله أعلم.

(9/542)


14- باب الشِّوَاءِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَجَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أَيْ مَشْوِيٍّ
5400- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ فَأَهْوَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُ ضَبٌّ فَأَمْسَكَ يَدَهُ فَقَالَ خَالِدٌ أَحَرَامٌ هُوَ قَالَ لاَ وَلَكِنَّهُ لاَ يَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ فَأَكَلَ خَالِدٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ قَالَ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ"
قوله: "باب الشواء" بكسر المعجمة وبالمد معروف. قوله: "وقول الله تعالى فجاء بعجل حنيذ" كذا في الأصل وهو سبق قلم والتلاوة "إن جاء" كما سيأتي. قوله: "مشوي" كذا ثبت قوله مشوي في رواية السرخسي، وأورده النسفي بلفظ: "أي مشوي" وهو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى :{فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي محنوذ وهو المشوي مثل قتيل في مقتول، وروى الطبري عن وهب بن منبه عن سفيان الثوري مثله، وعن ابن عباس أخص منه قال حنيذ أي نضيج، ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد الحنيذ المشوي النضيج، ومن طرق عن قتادة والضحاك وابن إسحاق مثله، ومن طريق السدي قال: الحنيذ المشوي في الرضف أي الحجارة المحماة، وعن مجاهد والضحاك نحوه، وهذا أخص من جهة أخرى وبه جزم الخليل صاحب اللغة. ومن طريق شمر بن عطية قال: الحنيذ قال الذي يقطر ماؤه بعد أن يشوي، وهذا أخص من جهة أخرى والله أعلم. ثم ذكر المصنف حديث ابن عباس في قصة خالد بن الوليد في الضب، وسيأتي شرحها في كتاب الصيد والذبائح إن شاء الله تعالى. وأشار ابن بطال إلى أن أخذ الحكم للترجمة ظاهر من جهة أنه صلى الله عليه وسلم أهوى ليأكل ثم لم يمتنع إلا لكونه ضبا فلو كان غير ضب لأكل. حديث ابن عباس في قصة خالد بن الوليد في الضب، سيأتي شرحها في كتاب الصيد والذبائح إن شاء الله تعالى. وأشار ابن بطال إلى أن أخذ الحكم للترجمة ظاهر من جهة أنه صلى الله عليه وسلم أهوى ليأكل ثم لم يمتنع إلا لكونه ضبا فلو كان غير ضب لأكل. قوله في آخره "وقال مالك عن ابن شهاب بضب محنوذ" يأتي موصولا في الذبائح من طريق مالك

(9/542)


15- باب الْخَزِيرَةِ، قَالَ النَّضْرُ الْخَزِيرَةُ مِنْ النُّخَالَةِ وَالْحَرِيرَةُ مِنْ اللَّبَنِ
5401- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ

(9/542)


16- باب الأَقِطِ. وَقَالَ حُمَيْدٌ سَمِعْتُ أَنَسًا بَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَفِيَّةَ فَأَلْقَى التَّمْرَ وَالأَقِطَ وَالسَّمْنَ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ أَنَسٍ صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْسًا"
5402- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضِبَابًا وَأَقِطًا وَلَبَنًا فَوُضِعَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَتِهِ فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُوضَعْ وَشَرِبَ اللَّبَنَ وَأَكَلَ الأَقِطَ"
قوله: "باب الأقط" بفتح الهمزة وكسر القاف وقد تسكن بعدها طاء مهملة، وهو جبن اللبن المستخرج زبده وقد تقدم تفسيره في "باب زكاة الفطر" وغيره. قوله: "وقال حميد إلخ" تقدم موصولا في "باب الخبز المرقق". قوله: "وقال عمرو بن أبي عمرو عن أنس" تقدم أيضا في الباب المذكور لكن معلقا. وبينت الموضع الذي وصله فيه مع شرحه. ذكر طرفا من حديث ابن عباس في الضب لقوله فيه: "أهدت خالتي ضبابا وأقطا ولبنا" وسيأتي شرحه في الذبائح.

(9/544)


17- باب السِّلْقِ وَالشَّعِيرِ
5403- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ إِذَا صَلَّيْنَا زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلاَ نَقِيلُ إِلاَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَاللَّهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلاَ وَدَكٌ"

(9/544)


18- باب النَّهْسِ وَانْتِشَالِ اللَّحْمِ
5404- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ تَعَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتِفًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"
5405- وَعَنْ أَيُّوبَ وَعَاصِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْتَشَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرْقًا مِنْ قِدْرٍ فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"
قوله: "باب النهش وانتشال اللحم" النهش بفتح النون وسكون الهاء بعدها شين معجمة أو مهملة، وهما بمعنى عند الأصمعي وبه جزم الجوهري، وهو القبض على اللحم بالفم وإزالته عن العظم وغيره، وقيل بالمعجمة هذا وبالمهملة تناوله بمقدم الفم، وقيل النهس بالمهملة للقبض على اللحم ونتره عند الأكل، قال شيخنا في "شرح الترمذي" الأمر فيه محمول على الإرشاد، فإنه علله بكونه أهنأ وأمرأ أي أشد هناء ومراءة، ويقال هنيء صار هنيئا ومريء صار مريئا وهو أن لا يثقل على المعدة وينهضم عنها، قال: ولم يثبت النهي عن قطع اللحم بالسكين بل ثبت الحز من الكتف، فيختلف باختلاف اللحم كما إذا عسر نهشه بالسن قطع بالسكين، وكذا إذا لم تحضر السكين، وكذا يختلف بحسب العجلة والتأني والله أعلم. والانتشال بالمعجمة التناول والقطع والاقتلاع، يقال نشلت اللحم من المرق أخرجته منه، ونشلت اللحم إذا أخذت بيدك عضوا فتركت ما عليه، وأكثر ما يستعمل في أخذ اللحم قبل أن ينضح، ويسمى اللحم نشيلا. وقال الإسماعيلي: ذكر الانتشال مع النهش، والانتشال التناول والاستخراج، ولا يسمى نهشا حتى يتناول من اللحم. قلت: فحاصله أن النهش بعد الانتشال، ولم يقع في شيء من الطريقين اللذين ساقهما البخاري بلفظ النهش وإنما ذكره بالمعنى حيث قال: "تعرق كتفا" أي تناول اللحم الذي عليه بفمه، وهذا هو النهش كما تقدم، ولعل البخاري أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف الحديث الذي سأذكره في الباب الذي يلي الباب الذي بعد هذا في النهي عن قطع اللحم بالسكين. قوله: "عن محمد" هو ابن سيرين. ووقع منسوبا رواية الإسماعيلي، قال ابن بطال: لا يصح لابن سيرين، سماع من ابن عباس ولا من ابن عمر. قلت: سبق

(9/545)


إلى ذلك يحيى بن معين، وكذا قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لم يسمع محمد بن سيرين من ابن عباس، يقول: بلغنا. وقال ابن المديني قال شعبة: أحاديث محمد بن سيرين عن عبد الله بن عباس إنما سمعها من عكرمة، لقيه أيام المختار. قلت: وكذا قال خالد الحذاء: كل شيء يقول ابن سيرين "ثبت عن ابن عباس" سمعه من عكرمة ا هـ. واعتماد البخاري في هذا المتن إنما هو على السند الثاني، وقد ذكرت أن ابن الطباع أدخل في الأول عكرمة بين ابن سيرين وابن عباس، وكأن البخاري أشار بإيراد السند الثاني إلى ما ذكرت من أن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس قلت: وماله في البخاري عن ابن عباس غير هذا الحديث، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن عيسى بن الطباع عن حماد بن زيد فأدخل بين محمد بن سيرين وابن عباس عكرمة، وإنما صح عنده لمجيئه بالطريق الأخرى الثانية فأورده على الوجه الذي سمعه. قوله: "تعرق رسول الله صلى الله عليه وسلم كتفا" في رواية عطاء بن يسار عن ابن عباس كما تقدم في الطهارة "أكل كتفا" وعند مسلم من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس "أتى النبي صلى الله عليه وسلم بهدية خبز ولحم فأكل ثلاث لقم" الحديث، فأفادت تعيين جهة اللحم ومقدار ما أكل منه. قوله: "وعن أيوب" هو معطوف على السند الذي قبله، وأخطأ من زعم أنه معلق. وقد أورده أبو نعيم في "المستخرج" من طريق الفضل بن الحباب عن الحجبي وهو عبد الله بن عبد الوهاب شيخ البخاري فيه بالسند المذكور، حاصله أن الحديث عند حماد بن زيد عن أيوب بسندين على لفظين: أحدها عن ابن سيرين باللفظ الأول، والثاني عنه عن عكرمة وعاصم الأحول باللفظ الثاني، ومفاد الحديثين واحد وهو ترك إيجاب الوضوء مما مست النار، قال الإسماعيلي: وصله إبراهيم بن زياد وأحمد بن إبراهيم الموصلي وعارم ويحيى بن غيلان والحوضي كلهم عن حماد بن زيد، وأرسله محمد بن عبيد بن حساب فلم يذكر فيه ابن عباس. قلت: ووصله صحيح اتفاقا لأنهم أكثر وأحفظ وقد وصلوا وأرسل فالحكم لهم عليه، وقد وصله آخرون غير من سمي عن حماد بن زيد، والله أعلم

(9/546)


19- باب تَعَرُّقِ الْعَضُدِ
5406- حدثني محمد بن المثنى قال حدثني عثمان بن عمر حدثنا فليح حدثنا أبو حازم المدني حدثنا عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو مكة"
5407- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَازِلٌ أَمَامَنَا وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي فَلَمْ يُؤْذِنُونِي لَهُ وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ فَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقُلْتُ لَهُمْ نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقَالُوا لاَ وَاللَّهِ لاَ نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ فَرُحْنَا وَخَبَأْتُ الْعَضُدَ مَعِي فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:

(9/546)


مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ فَأَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِثْلَهُ"
قوله: "باب تعرق العضد" مضى تفسير التعرق، وأما العضد فهو العظم الذي بين الكتف والمرفق. ذكر المصنف حديث أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي، وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب الحج. وأبو حازم المدني في إسناده هو سلمة بن دينار صاحب سهل بن سعد، ومراده منه قوله في آخره: "فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها" أي حتى لم يبق على عظمها لحما. وقوله في آخره: "قال محمد بن جعفر وحدثني زيد بن أسلم" هو معطوف على السند الذي قبله. والحاصل أن لمحمد بن جعفر - أي ابن أبي كثير شيخ شيخ البخاري - فيه إسنادين، ووقع للنسفي والأكثر "قال ابن جعفر" غير مسمى. وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: "قال أبو جعفر" فإن كان محمد بن جعفر يكنى أبا جعفر صحت رواية الكشمهيني، وإلا فهو ابن لا أب. والله أعلم

(9/547)


20- باب قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ
5408- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَبَاهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"
قوله: "باب قطع اللحم بالسكين" ذكر فيه حديث عمرو بن أمية أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة الحديث وقد تقدم مشروحا في كتاب الطهارة، حديث عمرو بن أمية أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة الحديث وقد تقدم مشروحا في كتاب الطهارة، ومعنى يحتز يقطع. و أخرج أصحاب السنن الثلاثة من حديث المغيرة بن شعبة "بت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يجز لي من جنب حتى أذن بلال، فطرح السكين. وقال: ماله تربت يداه؟ قال ابن بطال: هذا الحديث يرد حديث أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رفعته " لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم، وانهشوه فإنه أهنأ وأمرأ " قال أبو داود: وهو حديث ليس بالقوى. قلت: له شاهد من حديث صفوان بن أمية أخرجه الترمذي بلفظ: "انهشوا اللحم نهشا فإنه أهنأ وأمرأ" وقال لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم ا هـ. وعبد الكريم هو أبو أمية بن أبي المخارق ضعيف، لكن أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن صفوان بن أمية فهو حسن، لكن ليس فيه ما زاده أبو معشر من التصريح بالنهي عن قطع اللحم بالسكين وأكثر ما في حديث صفوان أن النهش أولى، وقد وقع في أول حديث الشفاعة الطويل الماضي في التفسير من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة "أتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم الذراع فنهش منها نهشة" الحديث.

(9/547)


باب ماعاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً
...
21- باب مَا عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا
5409- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ"
قوله: "باب ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما" أي مباحا، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهي عنه، وذهب بعضهم

(9/547)


22- باب النَّفْخِ فِي الشَّعِيرِ
5410- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَهْلًا هَلْ رَأَيْتُمْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ قَالَ لاَ فَقُلْتُ فَهَلْ كُنْتُمْ تَنْخُلُونَ الشَّعِيرَ قَالَ لاَ وَلَكِنْ كُنَّا نَنْفُخُهُ"
قوله: "باب النفخ في الشعير" أي بعد طحنه لتطير منه قشوره وكأنه نبه بهذه الترجمة على أن النهي عن النفخ في الطعام خاص بالطعام المطبوخ. قوله: "أبو غسان" هو محمد بن مطرف، وأبو حازم هو سلمة بن دينار وهو غير الذي قبله وهو أصغر منه وإن اشتركا في كون كل منهما تابعيا. قوله: "النقي" بفتح النون أي خبز الدقيق الحواري وهو النظيف الأبيض، وفي حديث البعث "يحشر الناس على أرض عفراء كقرصة النقي" وذكره في الباب الذي بعده من وجه آخر عن أبي حازم أتم منه. قوله: "قال لا" هو موافق لحديث أنس المتقدم "ما رأى مرققا قط". قوله: "فهل كنتم تنخلون الشعير" أي بعد طحنه. قوله: "ولكن كنا ننفخه" ذكره في الباب الذي بعده بلفظ: "هل كانت لكم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مناخل؟ قال: ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منخلا من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله تعالى" وأظنه احترز عما قبل البعثة لكونه صلى الله عليه وسلم كان سافر في تلك المدة إلى الشام تاجرا وكانت الشام إذ ذاك مع الروم، والخبز النقي عندهم كثير، وكذا المناخل وغيرها من آلات الترفه، فلا ريب أنه رأى ذلك عندهم، فأما بعد البعثة فلم يكن إلا بمكة والطائف والمدينة، ووصل إلى تبوك وهي من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته بها، وقول الكرماني: نخلت الدقيق أي غربلته، الأولى أن يقول: أي أخرجت منه النخالة.

(9/548)


باب ماكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون
...
23- باب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَأْكُلُونَ
5411- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ فَأَعْطَانِي سَبْعَ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهَا شَدَّتْ فِي مَضَاغِي"
[الحديث 5411- طرفاه في: 5441، 5441]
5412- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ أَوْ الْحَبَلَةِ حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا تَضَعُ الشَّاةُ ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلاَمِ خَسِرْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي"
5413- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَقُلْتُ هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ فَقَالَ سَهْلٌ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ قَالَ فَقُلْتُ هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَاخِلُ قَالَ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ قَالَ قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ قَالَ كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ"
5414- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ وَقَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ"
5415- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا مُعَاذٌ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِوَانٍ وَلاَ فِي سُكْرُجَةٍ وَلاَ خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قُلْتُ لِقَتَادَةَ عَلاَمَ يَأْكُلُونَ قَالَ عَلَى السُّفَرِ"
5416- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلاَثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ"
[الحديث 5416- طرفه في: 6454]
قوله: "باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون" أي في زمانه صلى الله عليه وسلم، وذكر فيه ستة أحاديث. حديث أبي هريرة في قسمة التمر، سيأتي شرحه في باب بعد "باب القثاء والرطب" وقوله في هذه الرواية: "شدت من مضاغي" بفتح الميم وقد تكسر وتخفيف الضاد المعجمة وبعد الألف غين معجمة هو ما يمضغ أو هو المضغ نفسه

(9/549)


ومراده أنها كانت فيها قوة عند مضغها فطال مضغه لها كالعلك، وسيأتي بعد أبواب بلفظ: "هي أشدهن لضرسي". حديث إسماعيل وهو ابن خالد عن قيس وهو ابن أبي حازم عن سعد وهو ابن أبي وقاص، ووقع في شرح ابن بطال وتبعه ابن المقن "عن قيس بن سعد عن أبيه" كأنه توهمه قيس بن سعد بن عيادة، وهو غلط فاحش، فقد مضى الحديث في مناقب سعد من طريق وهو ابن أبي حازم "سمعت سعدا" ووقع في رواية مسلم عن قيس "سمعت سعد بن أبي وقاص". قوله: "رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" هذا فيه إشارة إلى قدم إسلامه، وقد تقدم بيان ذلك في مناقبه من كتاب المناقب، ووقع عند ابن أبي خيثمة أن السبعة المذكورين أبو بكر وعثمان وعلي وزيد ابن حارثة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وكان إسلام الأربعة بدعاء أبي بكر لهم إلى الإسلام في أوائل البعثة، وأما علي وزيد بن حارثة فأسلما مع النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بعث. قوله: "إلا ورق الحبلة أو الحبلة" الأول بفتح المهملة وسكون الموحدة، والثاني بضمهما وقيل غير ذلك، والمراد به ثمر العضاه وثمر السمر، وهو يشبه اللوبيا، وقيل المراد عروق الشجر وسيأتي بسطه في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. حديث سهل في النقي والمناخل، تقدم في الباب الذي قبله، وقوله في آخره: "وما بقي ثريناه" بمثلثة وراء ثقيلة أي بللناه بالماء. قوله: "فأكلناه" يحتمل أن يريد أكلوه بغير عجن ولا خبز، ويحتمل أنه أشار بذلك إلى عجنه بعد البل وخبزه ثم أكله. والمنخل من الأدوات التي جاءت بضم أولها. حديث أبي هريرة أنه "مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية" أي مشوية، والصلاء بالكسر والمد الشي. قوله: "فدعوه فأبى أن يأكل" ليس هذا من ترك إجابة الدعوة لأنه في الوليمة لا في كل الطعام، وكأن أبا هريرة استحضر حينئذ ما كان النبي صلى الله عليه وسلم فيه من شدة العيش فزهد في أكل الشاة ولذلك قال: "خرج ولم يشبع من خبز الشعير" وقد مضت الإشارة إلى ذلك في أول الأطعمة، ويأتي مزيد له في كتاب الرقاق. حديث أنس في الخوان والسكرجة، تقدم شرحه قريبا. حديث عائشة في طعام البر، تقدمت الإشارة إليه في أول الأطعمة، ويأتي في الرقاق أيضا إن شاء الله تعالى.

(9/550)


24- باب التَّلْبِينَةِ
5417- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلاَّ أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتْ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ كُلْنَ مِنْهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ"
[ الحديث 5417، طرفاه في:5686، 5690]
قوله: "باب التلبينة" بفتح المثناة وسكون اللام كسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم نون: طعام يتخذ من دقيق أو نخالة وربما جعل فيها عسل، سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض والرقة، والنافع منه ما كان رقيقا نضيجا لا غليظا نيئا. وقوله: "مجمة" بفتح الجيم والميم الثقيلة أي مكان الاستراحة، ورويت بضم الميم أي مريحة، والجمام بكسر الجيم الراحة، وجم الفرس إذا ذهب إعياؤه. سيأتي شرح حديث عائشة في كتاب الطب إن شاء الله تعالى.

(9/550)


25- باب الثَّرِيدِ
5418- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجَمَلِيِّ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ"
5419- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي طُوَالَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ"
5420- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا حَاتِمٍ الأَشْهَلَ بْنَ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غُلاَمٍ لَهُ خَيَّاطٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَصْعَةً فِيهَا ثَرِيدٌ قَالَ وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ قَالَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ قَالَ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ فَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ فَمَا زِلْتُ بَعْدُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ"
قوله: "باب الثريد "بفتح المثلثة وكسر الراء معروف وهو أن يثرد الخبر بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم، ومن أمثالهم الثريد أحد اللحمين" وربما كان أنفع وأقوى من نفس اللحم النضيج إذا ثرد بمرقته. وذكر المصنف فيه ثلاثة أحاديث. حديث أبي موسى في فضل عائشة، قد تقدم في المناقب وفي أحاديث الأنبياء في ترجمة موسى عليه السلام عند ذكر امرأة فرعون وفي ترجمة مريم. والجملي في إسناد حديث أبي موسى بفتح الجيم وتخفيف الميم نسبة إلى بني جمل حي من مراد، وقد تقدم شرح الحديث هناك، وتقرير فضل الثريد، وورد فيه أخص من هذا: فعند أحمد من حديث أبي هريرة "دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة في السحور والثريد" وفي سنده ضعف، وللطبراني من حديث سلمان رفعه: "البركة في ثلاثة: الجماعة والسحور والثريد" حديث أنس في فضل عائشة، قد تقدم في المناقب وفي أحاديث الأنبياء وأبو طوالة في حديث أنس هو عبد الله بن عبد الرحمن بن حرم، ورعم عياض أنه وقع في رواية أبي ذر هنا "عن ابن أبي طوالة" وهو خطأ ولم أره في النسخة التي عندنا من طريق أبي ذر إلا على الصواب، وذكر القابسي "حدثنا خالد بن عبد الله بن أبي طوالة" وهو تصحيف، وإنما هو "عن أبي طوالة" حديث أنس في الخياط. قوله: "سمع أبا حاتم" هو أشهل بن حاتم البصري، ووقع في نسخه الصغاني تسميته وتسمية أبيه في الأصل وفي نسخة حدثنا أشهل بن حاتم، وابن عون هو عبد الله. قوله: "على غلام له خياط" تقدم أنه لم يسم، وتقدم شرح الحديث في "باب من تتبع حوالي القصعة"

(9/551)


26- باب شَاةٍ مَسْمُوطَةٍ وَالْكَتِفِ وَالْجَنْبِ
5421- حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ

(9/551)


اللَّهُ عَنْهُ وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ قَالَ كُلُوا فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ وَلاَ رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ"
5422- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"
قوله: "باب شاة مسموطة والكتف والجنب" ذكر فيه حديث أنس وفيه: "ولا رأى شاة سميطة" وفي رواية الكشميهني: "مسموطة" وحديث عمرو بن أمية "يحتز من كتف شاة" وقد تقدما قريبا. وأما الجنب فأشار به إلى حديث أم سلمة "إنها قربت إلى النبي صلى الله عليه وسلم جنبا مشويا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة" أخرجه الترمذي وصححه، وتقدم في "باب قطع اللحم بالسكين" الإشارة إلى حديث المغيرة بن شعبة، وفيه عند أبي داود والنسائي: "ضعفت النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بجنب فشوى، فأخذ الشفرة - فجعل يحتز لي بها منه" قال ابن بطال: يجمع بين هذا الحديث وكذا حديث عمرو بن أمية وبين قول أنس "إنه صلى الله عليه وسلم ما رأى شاة مسموطة" فذكر ما تقدم في "باب الخبز المرقق" وقد مضى البحث فيه مستوفى.

(9/552)


باب ماكان السلف يدخرون في بيوتهم وأسفارهم من الطعام واللحم وغيره
...
27- باب مَا كَانَ السَّلَفُ يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَأَسْفَارِهِمْ مِنْ الطَّعَامِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ صَنَعْنَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ سُفْرَةً
5423- حَدَّثَنَا خَلاَدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ أَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ قَالَتْ مَا فَعَلَهُ إِلاَّ فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الْكُرَاعَ فَنَأْكُلُهُ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ قِيلَ مَا اضْطَرَّكُمْ إِلَيْهِ فَضَحِكَتْ قَالَتْ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ"
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ بِهَذَا"
[الحديث5423- أطرافه في: 5438، 5570، 6687]
5424- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْهَدْيِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ تَابَعَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَقَالَ حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ لاَ"
قوله: "باب ما كان السلف يدخرون في بيوتهم وأسفارهم من الطعام واللحم" ليس في شيء من أحاديث الباب للطعام ذكر، وإنما يؤخذ منها بطريق الإلحاق، أو من مقتضى قول عائشة "ما شبع من خبز البر المأدوم ثلاثا" فإنه

(9/552)


لا يلزم من نفي كونه مأدوما نفي كونه مطلقا، وفي وجود ذلك ثلاثا مطلقا دلالة على جواز تناوله وإبقائه في البيوت، ويحتمل أن يكون المراد بالطعام ما يطعم فيدخل فيه كل إدام. قوله: "وقالت عائشة وأسماء: صنعنا للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر سفرة" تقدم حديث عائشة موصولا في "باب الهجرة إلى المدينة" مطولا، وحديث أسماء تقدم في الجهاد وسبق الكلام فيه قريبا. قوله: "عن عبد الرحمن بن عابس عن أبيه" هو عابس بمهملة ثم موحدة ثم مهملة ابن ربيعة النخعي الكوفي، تابعه كبير، ويلتبس به عابس بن ربيعة الغطبفي صحابي ذكره ابن يونس وقال: له صحبة وشهد فتح مصر، ولم أحد لهم عنه رواية. قوله: "قالت ما فعله إلا في عام جاع الناس فيه، فأراد أن يطعم الغني الفقير" بينت عائشة في هذا الحديث أن النهي عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث نسخ وأن سبب النهي كان خاصا بذلك العام للعلة التي ذكرتها، وسيأتي بسط هذا في أواخر كتاب الأضاحي إن شاء الله تعالى. وغرض البخاري منه قولها "وإن كنا لنرفع الكراع إلخ" فإن فيه بيان جواز ادخار اللحم وأكل القديد، وثبت أن سبب ذلك قلة اللحم عندهم بحيث أنهم لم يكونوا يشبعون من خبز البر ثلاثة أيام متوالية. قوله: "وقال ابن كثير" هو محمد وهو من مشايخ البخاري، وغرضه تصريح سفيان وهو الثوري بإخبار عبد الرحمن بن عابس له به وقد وصله الطبراني في "الكبير" عن معاذ بن المثنى عن محمد بن كثير به. قوله في حديث جابر "حدثنا سفيان" هو ابن عيينة، وسفيان الذي قبله لي حديث عائشة هو الثوري كما بينته. قوله: "تابعه محمد عن ابن عيينة" قيل إن محمدا هذا هو ابن سلام. وقد وقع لي الحديث في مسند محمد ابن يحيى بن أبي عمر عن سفيان ولفظه: "كنا نعزل عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل، وكنا نتزود لحوم الهدي إلى المدينة". قوله: "وقال ابن جريج إلخ" وصل المصنف أصل الحديث في "باب ما يؤكل من البدن" من كتاب الحج ولفظه: "كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث. فرخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كلوا وتزودوا" ولم يذكر هذه الزيادة، وقد ذكرها مسلم في روايته عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد بالسند الذي أخرجه به البخاري فقال بعد قوله كلوا وتزودوا "قلت لعطاء: أقال جابر حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم" كذا وقع عنده بخلاف ما وقع عند البخاري "قال لا" والذي وقع عند البخاري هو المعتمد، فإن أحمد أخرجه في مسنده عن يحيى بن سعيد كذلك، وكذلك أخرجه النسائي عن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد، وقد نبه على اختلاف البخاري ومسلم في هذه اللفظة الحميدي في جمعه وتبعه عياض ولم يذكرا ترجيحا، وأغفل ذلك شراح البخاري أصلا فيما وقفت عليه. ثم ليس المراد بقوله: "لا" نفي الحكم بل مراده أن جابرا لم يصرح باستمرار ذلك منهم حتى قدموا، فيكون على هذا معنى قوله في رواية عمرو بن دينار عن عطاء "كنا نتزود لحوم الهدي إلى المدينة" أي لتوجهنا إلى المدينة، ولا يلزم من ذلك بقاؤها معهم حتى يصلوا المدينة والله أعلم، لكن قد أخرج مسلم من حديث ثوبان قال: "ذبح النبي صلى الله عليه وسلم أضحيته ثم قال لي: يا ثوبان أصلح لحم هذه، فلم أزل أطعمه منه حتى قدم المدينة. قال ابن بطال: في الحديث رد على من زعم من الصوفية أنه لا يجوز ادخار طعام لغد، وأن اسم الولاية لا يستحق لمن ادخر شيئا ولو قل، وأن من ادخر أساء الظن بالله. وفي هذه الأحاديث كفاية في الرد على من زعم ذلك.

(9/553)


28- باب الْحَيْسِ
5425- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

(9/553)


حَنْطَبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِأَبِي طَلْحَةَ الْتَمِسْ غُلاَمًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ بِكِسَاءٍ ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ"
قوله: "باب الحيس" بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها مهملة، تقدم تفسيره مع شرح حديث الباب في قصة صفية في غزوة خيبر من كتاب المغازي. وأصل الحيس ما يتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط الفتيت أو الدقيق. قوله: "وضلع الدين" بفتح الضاد المعجمة واللام أي ثقله، وحكى ابن التين سكون اللام وفسره بالميل، ويأتي مزيد لشرح هذا الدعاء في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى. وقوله: "يحوي" بحاء مهملة وواو ثقيلة أي يجعل لها حوية، وهو كساء محشو يدار حول سنام الراحلة يحفظ راكبها من السقوط ويستريح بالاستناد إليه. قوله: "ثم أقبل حتى بدا له أحد" تقدم الكلام عليه في أواخر الحج، وقوله: "مثل ما حرم به إبراهيم مكة" قال الكرماني "مثل" منصوب بنزع الخافض أي بمثل ما حرم به، وليست لفظة "به" زائدة.

(9/554)


باب الأكل في إناء مغضض
...
29- باب الأَكْلِ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ
5426- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَاسْتَسْقَى فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ فَلَمَّا وَضَعَ الْقَدَحَ فِي يَدِهِ رَمَاهُ بِهِ وَقَالَ لَوْلاَ أَنِّي نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ مَرَّتَيْنِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَمْ أَفْعَلْ هَذَا وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلاَ الدِّيبَاجَ وَلاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ"
قوله: "باب الأكل في إناء مفضض" أي الذي جعلت فيه الفضة، كذا اقتصر من الآنية على هذا، والأكل في جميع الآنية مباح إلا إناء الذهب وإناء الفضة، واختلف في الإناء الذي فيه شيء من ذلك إما بالتضبيب وإما بالخلط وإما بالطلاء، وحديث حذيفة الذي ساقه في الباب فيه النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، ويؤخذ منع الأكل بطريق الإلحاق وهذا بالنسبة لحديث حذيفة، وقد ورد في حديث أم سلمة عند مسلم كما سيأتي التنبيه عليه في كتاب الأشربة ذكر الأكل، فيكون المنع منه بالنص أيضا، وهذا في الذي جميعه من ذهب أو فضة أما المخلوط أو المضبب

(9/554)


أو المموه وهو المطلي فورد فيه حديث أخرجه الدار قطني والبيهقي عن ابن عمر رفعه: "من شرب في آنية الذهب والفضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم" قال البيهقي: المشهور عن ابن عمر موقوف عليه، ثم أخرجه كذلك وهو عند ابن أبي شيبة من طريق أخرى عنه أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضه، ومن طريق أخرى عنه "أنه كان يكره ذلك" وفي "الأوسط للطبراني" من حديث أم عطية "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفضيض الأقداح، ثم رخص فيه للنساء. قال مغلطاي: لا يطابق الحديث الترجمة إلا إن كان الإناء الذي سقى فيه حذيفة كان مضببا فإن الضبة موضع الشفة عند الشرب، وأجاب الكرماني بأن لفظ مفضض وإن كان ظاهرا فيما فيه فضة لكنه يشمل ما إذا كان متخذا كله من فضة، والنهي عن الشرب في آنية الفضة يلحق به الأكل للعلة الجامعة فيطابق الحديث الترجمة، والله أعلم.

(9/555)


30- باب ذِكْرِ الطَّعَامِ
5427- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لاَ رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ"
5428- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالِدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ"
5429- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ"
قوله: "باب ذكر الطعام" ذكر فيه ثلاثة أحاديث. حديث أبي موسى "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن" وقد سبق شرحه في فضائل القرآن، والغرض منه تكرار ذكر الطعم فيه، والطعام يطلق بمعنى الطعم. حديث أنس في فضل عائشة، وقد مضى التنبيه عليه قريبا وذكر فيه الطعام. "السفر قطعة من العذاب" ذكره لقوله فيه: "يمنع أحدكم نومه وطعامه" وقد مضى شرحه في أواخر أبواب العمرة بعد كتاب الحج، قال ابن بطال: معنى هذه الترجمة إباحة أكل الطعام الطيب، وأن الزهد ليس في خلاف ذلك، فإن تشبيه المؤمن بما طعمه طيب وتشبيه الكافر بما طعمه مر ترغيبا في أكل الطعام الطيب والحلو، قال: وإنما كره السلف الإدمان على أكل الطيبات خشية أن يصير ذلك عادة فلا تصبر النفس على فقدها. قال: وأما حديث أبي هريرة ففيه إشارة إلى أن الآدمي لا بد له في الدنيا من طعام يقيم به جسده ويقوى به على طاعة ربه، وأن الله جل وعلا جبل النفوس على ذلك لقوام الحياة، لكن المؤمن يأخذ من ذلك بقدر إيثاره أمر الآخرة على الدنيا. وزعم مغلطاي أن ابن بطال قال قبل حديث أبي هريرة ما معناه: ليس فيه ذكر الطعام، قال مغلطاي: قوله: "ليس

(9/555)


فيه ذكر الطعام" ذهول شديد، فإن لفظ المتن "يمنع أحدكم نومه وطعامه" ا هـ وتعقبه صاحبه الشيخ سراج الدين بن الملقن بأنه لا ذهول، فإن عبارة ابن بطال ليس فيها ذكر أفضل الطعام ولا أدناه، وهو كما قال فلم يذهل.

(9/556)


31- باب الأُدْمِ
5430- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاَثُ سُنَنٍ أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَهَا فَتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا وَلَنَا الْوَلاَءُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ شِئْتِ شَرَطْتِيهِ لَهُمْ فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ قَالَ وَأُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي أَنْ تَقِرَّ تَحْتَ زَوْجِهَا أَوْ تُفَارِقَهُ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَيْتَ عَائِشَةَ وَعَلَى النَّارِ بُرْمَةٌ تَفُورُ فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ أَلَمْ أَرَ لَحْمًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَأَهْدَتْهُ لَنَا فَقَالَ هُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا وَهَدِيَّةٌ لَنَا"
قوله: "باب الأدم" بضم الهمزة والدال المهملة ويجوز إسكانها، جمع إدام، وقيل هو بالإسكان المفرد وبالضم الجمع. ذكر فيه حديث عائشة في قصة بريرة، وفيه: "فأتى بأدم من أدم البيت" وفيه ذكر اللحم الذي تصدق به على بريرة وقد مضى شرحه مستوفى في الكلام على قصة بريرة في الطلاق. وحكى ابن بطال عن الطبري قال: دلت القصة على إيثاره عليه الصلاة والسلام اللحم إذا وجد إليه السبيل. حديث عائشة في قصة بريرة، وفيه: "فأتى بأدم من أدم البيت" وفيه ذكر اللحم الذي تصدق به على بريرة وقد مضى شرحه مستوفى في الكلام على قصة بريرة في الطلاق. وحكى ابن بطال عن الطبري قال: دلت القصة على إيثاره عليه الصلاة والسلام اللحم إذا وجد إليه السبيل. ثم ذكر حديث بريرة رفعه: "سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم" وأما ما ورد عن عمر وغيره من السلف من إيثار أكل غير اللحم على اللحم فإما لقمع النفس عن تعاطي الشهوات والإدمان عليها، وإما لكراهة الإسراف والإسراع في تبذير المال لقلة الشيء عندهم إذ ذاك. ثم ذكر حديث جابر لما أضاف النبي صلى الله عليه وسلم وذبح له الشاة، فلما قدمها إليه قال له: كأنك قد علمت حبنا للحم. وكان ذلك لقلة الشيء عندهم فكان حبهم له لذلك ا هـ ملخصا. وحديث بريرة أخرجه ابن ماجه، وحديث جابر أخرجه أحمد مطولا من طريق نبيح العنزي عنه، وأصله في الصحيح بدون الزيادة. وقد اختلف الناس في الأدم: فالجمهور أنه ما يؤكل به الخبز بما يطيبه سواء كان مرقا أم لا، واشترط أبو حنيفة وأبو يوسف الاصطناع، وسيأتي بسط ذلك في كتاب الأيمان والنذور إن شاء الله تعالى ووقع في حديث عائشة "فقال أهلها ولنا الولاء" هو معطوف على محذوف تقديره نبيعها ولنا الولاء، وفيه: "فقال لو شئت شرطتيه" بإثبات التحتانية وهي ناشئة عن إشباع حركة المثناة، وفيه: "وأعتقت، فخيرت بين أن تقر تحت زوجها أو تفارقه" قال ابن التين: يصح أن يكون أصله من وقر فتكون الراء مخففة يعني والقاف مكسورة، يقال وقرت أقر إذا جلست مستقرا والمحذوف فاء الفعل، قال: ويصح أن تكون القاف مفتوحة - يعني مع تشديد الراء - من قولهم قررت بالمكان أقر، يقال بفتح القاف ويجوز بكسرها من قريقر ا هـ ملخصا، والثالث هو المحفوظ في الرواية. "تنبيه": أورد البخاري هذا الحديث هنا من طريق إسماعيل بن جعفر عن ربيعة عن القاسم بن محمد قال: كان في بريرة ثلاث سنن. وساق الحديث. وليس فيه أنه أسنده عن عائشة وتعقبه الإسماعيلي فقال: هذا الحديث الذي صححه مرسل. وهو كما قال من ظاهر سياقه، لكن البخاري اعتمد على إيراده موصولا من طريق مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة كما تقدم في النكاح والطلاق، ولكنه

(9/556)


جرى على عادته من تجنب إيراد الحديث على هيئته كلها في باب آخر، وقد بينت وصل هذا الحديث في "باب لا يكون بيع الأمة طلاقا" من كتاب الطلاق، والله أعلم.

(9/557)


باب الحلوة والعسل
...
32- باب الْحَلْوَاءِ وَالْعَسَلِ
5431- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ"
5432- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الْفُدَيْكِ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنْتُ أَلْزَمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشِبَعِ بَطْنِي حِينَ لاَ آكُلُ الْخَمِيرَ وَلاَ أَلْبَسُ الْحَرِيرَ وَلاَ يَخْدُمُنِي فُلاَنٌ وَلاَ فُلاَنَةُ وَأُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ وَهِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشْتَقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا"
قوله: "باب الحلوى والعسل" كذا لأبي ذر مقصور، ولغيره ممدود وهما لغتان، قال ابن ولاد: هي عند الأصمعي بالقصر تكتب بالياء، وعند الفراء بالمد تكتب بالألف، وقيل تمد وتقصر. وقال الليث: الأكثر على المد، وهو كل حلو يؤكل. وقال الخطابي: اسم الحلوى لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة. وفي المخصص لابن سيده: هي ما عولج من الطعام بحلاوة، وقد تطلق على الفاكهة. قوله: "يحب الحلوى والعسل" كذا في الرواية للجميع بالقصر، وقد تقدم في أبواب الطلاق بالوجهين. وهو طرف من حديث تقدم في قصة التخيير، قال ابن بطال: الحلوى والعسل من جملة الطيبات المذكورة في قوله تعالى :{كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} وفيه تقوية لقول من قال المراد به المستلذ من المباحات. ودخل في معنى هذا الحديث كل ما يشابه الحلوى والعسل من أنواع المآكل اللذيذة كما تقدم تقريره في أول كتاب الأطعمة. وقال الخطابي وتبعه ابن التين: لم يكن حبه صلى الله عليه وسلم لها على معنى كثرة التشهي لها وشدة نزاع النفس إليها، وإنما كان ينال منها إذا أحضرت إليه نيلا صالحا فيعلم بذلك أنها تعجبه. ويؤخذ منه جواز اتخاذ الأطعمة من أنواع شتى، وكان بعض أهل الورع يكره ذلك ولا يرخص أن يأكل من الحلاوة إلا ما كان حلوه بطبعه كالتمر والعسل، وهذا الحديث يرد عليه، وإنما تورع عن ذلك من السلف من آثر تأخير تناول الطيبات إلى الآخرة مع القدرة على ذلك في الدنيا تواضعا لا شحا. ووقع في كتاب "فقه اللغة للثعالبي" أن حلوى النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يحبها هي المجيع بالجيم وزن عظيم، وهو ثمر يعجن بلبن، وسيأتي في باب الجمع بين لونين ذكر من روى حديث الله أنه كان يحب الزبد والتمر، وفيه رد على من زعم أن المراد بالحلوى أنه صلى الله عليه وسلم كان يشرب كل يوم قدح عسل يمزج بالماء، وأما الحلوى المصنوعة فما كان يعرفها. وقيل المراد بالحلوى الفالوذج لا المعقودة على النار والله أعلم. قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن شيبة" هو عبد الرحمن بن عبد الملك بن محمد بن شيبة الحزامي بالمهملة والزاي المدني نسبه إلى جد أبيه، وغلط بعضهم فقال: عبد الرحمن بن أبي شيبة ولفظ: "أبي"

(9/557)


زيادة على سبيل الغلط المحض، وما لعبد الرحمن في البخاري سوى موضعين هذا أحدهما. قوله: "ابن أبي الفديك" هو محمد بن إسماعيل، وأكثر ما يرد بغير ألف ولام. قوله: "كنت ألزم" تقدم هذا الحديث في المناقب من وجه آخر عن ابن أبي ذئب وأوله "يقول الناس أكثر أبو هريرة" الحديث. قوله: "لشبع بطني" في رواية الكشميهني: "بشبع" بالموحدة والمعنى مختلف، فإن الذي بالباء يشعر بالمعاوضة لكن رواية اللام لا تنفيها. قوله: "ولا ألبس الحرير" كذا هنا للجميع. وتقدم في المناقب بلفظ: "الحبير" بالموحدة بدل الراء الأولى، وتقدم أنه للكشميهني براءين. وقال عياض: هو بالموحدة في رواية القابسي والأصيلي وعبدوس، وكذا لأبي ذر عن الحموي وكذا هو للنسفي، وللباقين براءين كالذي هنا، ورجح عياض الرواية بالموحدة وقال: هو الثوب المحبر، وهو المزين الملون مأخوذ من التحبير وهو التحسين، وقيل الحبير ثوب وشي مخطط، وقيل هو الجديد. وإنما كانت رواية الحرير مرجوحة لأن السياق يشعر بأن أبا هريرة كان يفعل ذلك بعد أن كان لا يفعله، وهو كان لا يلبس الحرير لا أولا ولا آخرا، بخلاف أكله الخمير ولبسه الحبير فإنه صار يفعله بعد أن كان لا يجده. قوله: "ولا يخدمني فلان وفلانة" يحتمل أن يكون أبو هريرة هو الذي كنى وقصد الإبهام لإرادة التعظيم والتهويل، ويحتمل أن يكون سمي معينا وكنى عنه الراوي. وقد أخرج ابن سعد من طريق أيوب عن ابن سرين عن أبي هريرة قال: "ولقد رأيتني وإني لأجير لابن عفان وبنت غزوان بطعام بطنى وعقبة رجلي أسوق بهم إذا ارتحلوا وأخدمهم إذا نزلوا، فقالت لي يوما، لتردن حافيا ولتركبن قائما، فزوجنيها الله تعالى فقلت لها لتردن حافية ولتركبن قائمة" وسنده صحيح، وهو في آخر حديث أخرجه البخاري، والترمذي بدون هذه الزيادة. وأخرج ابن سعد أيضا وابن ماجه من طريق سليم بن حيان سمعت أبي يقول: "سمعت أبا هريرة يقول: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان" الحديث. قوله: "واستقرئ الرجل الآية وهي معي" تقدم شرح قصته في ذلك مع عمر في أوائل الأطعمة، وقصته في ذلك مع جعفر في كتاب المناقب. قوله: "وخير الناس للمساكين جعفر" تقدم شرحه في المناقب، ووقع في رواية الإسماعيلي من الزيادة في هذا الحديث من طريق إبراهيم المخزومي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة "وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه أبا المساكين" قلت: وإبراهيم المخزومي هو ابن الفضل ويقال ابن إسحاق المخزومي مدني ضعيف ليس من شرط هذا الكتاب، وقد أوردت هذه الزيادة في المناقب عن الترمذي وهي من رواية إبراهيم أيضا وأشار إلى ضعف إبراهيم، قال ابن المنير: مناسبة حديث أبي هريرة للترجمة أن الحلوى تطلق على الشيء الحلو، ولما كانت العكة يكون فيها غالبا العسل وربما جاء مصرحا به في بعض طرقه ناسب التبويب قلت: إذا كان ورد في بعض طرقه العسل طابق الترجمة لأنها مشتملة على ذكر الحلوى والعسل معا، فيؤخذ من الحديث أحد ركني الترجمة ولا يشترط أن يشتمل كل حديث في الباب على جميع ما تضمنته الترجمة بل يكفي التوزيع، وإطلاق الحلوى على كل شيء حلو خلاف العرف، وقد جزم الخطابي بخلافه كما تقدم فهو المعتمد. قوله: "فنشتفها" قيده عياض بالشين المعجمة والفاء، ورجح ابن التين أنه بالقاف لأن معنى الذي بالفاء أن يشرب ما في الإناء كما تقدم، والمراد هنا أنهم لعقوا ما في العكة بعد أن قطعوها ليتمكنوا من ذلك.

(9/558)


33- باب الدُّبَّاءِ
5433- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مَوْلًى لَهُ خَيَّاطًا فَأُتِيَ بِدُبَّاءٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُهُ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُهُ"
قوله: "باب الدباء" ذكر فيه حديث أنس في قصة الخياط من طريق ثمامة عن أنس وقد تقدم شرحه وضبطه، وتقدمت الإشارة إلى موضع شرحه قريبا حديث أنس في قصة الخياط من طريق ثمامة عن أنس وقد تقدم شرحه وضبطه، وتقدمت الإشارة إلى موضع شرحه قريبا وأخرج الترمذي والنساء وابن ماجه من طريق حكيم بن جابر عن أبيه قال: "دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وعنده هذا الدباء فقلت ما هذا؟ قال القرع، وهو الدباء، نكثر به طعامنا".

(9/559)


باب الرجل يتكف الطعام لإخوانه
...
24- باب الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ الطَّعَامَ لِإِخْوَانِه ِ
5434- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ كَانَ مِنْ الأَنْصَارِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ وَكَانَ لَهُ غُلاَمٌ لَحَّامٌ فَقَالَ اصْنَعْ لِي طَعَامًا أَدْعُو رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَامِسَ خَمْسَةٍ فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَامِسَ خَمْسَةٍ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ وَهَذَا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنَا فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ قَالَ بَلْ أَذِنْتُ لَهُ"
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيْلَ يَقُولُ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَى الْمَائِدَةِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوا مِنْ مَائِدَةٍ إِلَى مَائِدَةٍ أُخْرَى وَلَكِنْ يُنَاوِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي تِلْكَ الْمَائِدَةِ أَوْ يَدَعُوا
قوله: "باب الرجل يتكلف الطعام لإخوانه" قال الكرماني وجه التكلف من حديث الباب أنه حصر العدد بقوله خامس خمسة، ولولا تكلفه لما حصر، وسبق إلى نحو ذلك ابن التين وزاد أن التحديد ينافي البركة، ولذلك لما لم يحدد أبو طلحة حصلت في طعامه البركة حتى وسع العدد الكثير. قوله: "عن أبي وائل عن أبي مسعود" في رواية أبي أسامة عن الأعمش "حدثنا شقيق وهو أبو وائل حدثنا أبو مسعود" وسيأتي بعد اثنين وعشرين بابا. وللأعمش فيه شيخ آخر نبهت عليه في أوائل البيوع أخرجه مسلم من طريق زهير وغيره عن أبي سفيان عن جابر مقرونا برواية أبي وائل عن أبي مسعود وهو عقبة بن عمرو، ووقع في بعض النسخ المتأخرة "عن ابن مسعود" وهو تصحيف. قوله: "كان من الأنصار رجل يقال له أبو شعيب" لم أقف على اسمه، وقد تقدم في أوائل البيوع أن ابن نمير عند أحمد والمحاملي رواه عن الأعمش فقال فيه عن أبي مسعود عن أبي شعيب "جعله من مسند أبي شعيب. قوله: "وكان له غلام لحام" لم أقف على اسمه، وقد تقدم في البيوع من طريق حفص بن غياث عن الأعمش بلفظ: "قصاب" ومضى تفسيره. قوله: "فقال اصنع لي طعاما أدعو رسول الله خامس خمسة" زاد في رواية حفص "اجعل لي طعاما يكفي خمسة فإني أريد أن أدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عرفت في وجهه الجوع" وفي رواية أبي أسامة "اجعل لي طعيما" وفي رواية جرير عن الأعمش عند مسلم: "اصنع لنا طعاما لخمسة نفر". قوله: "فدعا النبي صلى الله عليه وسلم خامس خمسة" في الكلام حذف تقديره فصنع فدعاه، وصرح بذلك في رواية أبي أسامة، ووقع في رواية أبي معاوية عن الأعمش عند مسلم والترمذي وساق لفظها "فدعاه وجلساءه الذين معه" وكأنهم كانوا أربعة وهو

(9/559)


خامسهم، يقال خامس أربعة وخامس خمسة بمعنى، قال الله تعالى :{ثَانِيَ اثْنَيْنِ} وقال: {ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} "وفي حديث ابن مسعود "رابع أربعة" ومعنى خامس أربعة أي زائد عليهم وخامس خمسة أي أحدهم، والأجود نصب خامس على الحال، ويجوز الرفع على تقدير حذف أي وهو خامس أو وأنا خامس والجملة حينئذ حالية. قوله: "فتبعهم رجل" في رواية أبي عوانة عن الأعمش في المظالم "فاتبعهم" وهي بالتشديد بمعنى تبعهم وكذا في رواية جرير وأبي معاوية، وذكرها الداودي بهمزة قطع، وتكلف ابن التين في توجهها، ووقع في رواية حفص بن غياث "فجاء معهم رجل". قوله: "وهذا رجل تبعنا" في رواية أبي عوانة وجرير "اتبعنا" بالتشديد. وفي رواية أبي معاوية "لم يكن معنا حين دعوتنا". قوله: "فإن شئت أذنت له وإن شئت تركته" في رواية أبي عوانة "وإن شئت أن يرجع رجع" وفي رواية جرير "وإن شئت رجع" وفي رواية أبي معاوية "فإنه اتبعنا ولم يكن معنا حين دعوتنا فإن أذنت له دخل" قوله: "بل أذنت له" في رواية أبي أسامة "لا بل أذنت له" وفي رواية جرير "لا بل أذنت له يا رسول الله" وفي رواية أبي معاوية "فقد أذنا له فليدخل" ولم أقف على اسم هذا الرجل في شيء من طرق هذا الحديث ولا على اسم واحد من الأربعة. وفي الحديث من الفوائد جواز الاكتساب بصنعة الجزارة واستعمال العبد فيما يطيق من الصنائع وانتفاعه بكسبه منها. وفيه مشروعية الضيافة وتأكد استحبابها لمن غلبت حاجته لذلك. وفيه أن من صنع طعاما لغيره فهو بالخيار بين أن يرسله إليه أو يدعوه إلى منزله، وأن من دعا أحدا استحب أن يدعو معه من يرى من أخصائه وأهل مجالسته، وفيه الحكم بالدليل لقوله: "إني عرفت في وجهه الجوع". وأن الصحابة كانوا يديمون النظر إلى وجهه تبركا به، وكان منهم من لا يطيل النظر في وجهه حياء منه كما صرح به عمرو بن العاص فيما أخرجه مسلم، وفيه أنه كان صلى الله عليه وسلم يجوع أحيانا، وفيه إجابة الإمام والشريف والكبير دعوة من دونهم وأكلهم طعام ذي الحرفة غير الرفيعة كالجزار وأن تعاطى مثل تلك الحرفة لا يضع قدر من يتوقى فيها ما يكره ولا تسقط بمجرد تعاطيها شهادته، وإن من صنع طعاما لجماعة فليكن على قدرهم إن لم يقدر على أكثر ولا ينقص من قدرهم مستندا إلى أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وفيه أن من دعا قوما متصفين بصفة ثم طرأ عليهم من لم يكن معهم حينئذ أنه لا يدخل في عموم الدعوة، وإن قال قوم إنه يدخل في الهدية كما تقدم أن جلساء المرء شركاؤه فيما يهدي إليه، وأن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه، وإن من قصد التطفيل لم يمنع ابتداء لأن الرجل تبع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرده لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له، وينبغي أن يكون هذا الحديث أصلا في جواز التطفيل لكن يقيد بمن احتاج إليه، وقد جمع الخطيب في أخبار الطفيليين جزءا فيه عدة فوائد: منها أن الطفيلي منسوب إلى رجل كان يقال له طفيل من بني عبد الله بن غطفان كثر منه الإتيان إلى الولائم بغير دعوة فسمى "طفيل العرائس" فسمى من اتصف بعد بصفته طفيليا، وكانت العرب تسميه الوارش بشين معجمة وبقول لمن يتبع المدعو بغير دعوه "ضيفين" بنون زائدة. قال الكرماني: في هذه التسمية مناسبة اللفظ للمعنى في التبعية من حيث أنه تابع للضيف والنون تابعة للكلمة، واستدل به على منع استتباع المدعو غيره إلا إذا علم من الداعي الرضا بذلك، وأن الطفيلي يأكل حراما، ولنصر بن علي الجهضمي في ذلك قصة جرت له مع طفيلي، واحتج نصر بحديث ابن عمر رفعه: "من دخل بغير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا" وهو حديث ضعيف أخرجه أبو داود، واحتج عليه الطفيلي بأشياء يؤخذ منها تقييد المنع بمن لا

(9/560)


يحتاج إلى ذلك ممن يتطفل، وبمن يتكره صاحب الطعام الدخول إليه إما لقلة الشيء أو استثقال الداخل، وهو يوافق قول الشافعية لا يجوز التطفيل إلا لمن كان بينه وبين صاحب الدار انبساط. وفيه أن المدعو لا يمتنع من الإجابة إذا امتنع الداعي من الإذن لبعض من صحبه، وأما ما أخرجه مسلم من حديث أنس "أن فارسيا كان طيب المرق صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما ثم دعاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهذه لعائشة؟ قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا" فيجاب عنه بأن الدعوة لم تكن لوليمة وإنما صنع الفارسي طعاما يقدر ما يكفي الواحد فخشي إن أذن لعائشة أن لا يكفي النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون الفرق أن عائشة كانت حاضرة عند الدعوة بخلاف الرجل، وأيضا فالمستحب للداعي أن يدعو خواص المدعو معه كما فعل اللحام بخلاف الفارسي فلذلك امتنع من الإجابة إلا أن يدعوها، أو علم حاجة عائشة لذلك الطعام بعينه، أو أحب أن تأكل معه منه لأنه كان موصوفا بالجودة ولم يعلم مثله في قصة اللحام، وأما قصة أبي طلحة حيث دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى العصيدة كما تقدم في علامات النبوة فقال لمن معه: قوموا، فأجاب عنه المازري أنه يحتمل أن يكون علم رضا أبي طلحة فلم يستأذنه ولم يعلم رضا أبي شعيب فاستأذنه، ولأن الذي أكله القوم عند أبي طلحة كان مما خرق الله فيه العادة لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكان جل ما أكلوه من البركة التي لا صنيع لأبي طلحة فيها فلم يفتقر إلى استئذانه، أو لأنه لم يكن بينه وبين القصاب من المودة ما بيته وبين أبي طلحة، أو لأن أبا طلحة صنع الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم فتصرف فيه كيف أراد وأبو شعيب صنعه له ولنفسه ولذلك حدد بعدد معين ليكون ما يفضل عنهم له ولعياله مثلا وأطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فاستأذنه لذلك لأنه أخبر بما يصلح نفسه وعياله. وفيه أنه ينبغي لمن استؤذن في مثل ذلك أن يأذن للطارئ كما فعل أبو شعيب وذلك من مكارم الأخلاق، ولعله سمع الحديث الماضي "طعام الواحد يكفي الاثنين" أو رجا أن يعم الزائد بركة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما استأذنه النبي صلى الله عليه وسلم تطييبا لنفسه، ولعله علم أنه لا يمنع الطارئ. وأما توقف الفارسي في الإذن لعائشة ثلاثا وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من إجابته فأجاب عياض بأنه لعله إنما صنع قدر ما يكفي النبي صلى الله عليه وسلم وحده علم حاجته لذلك فلو تبعه غيره لم يسد حاجته، والنبي صلى الله عليه وسلم اعتمد على ما ألف من إمداد الله تعالى له بالبركة وما اعتاده من الإيثار على نفسه ومن مكارم الأخلاق مع أهله، وكان من شأنه أن لا يراجع بعد ثلاث فلذلك رجع الفارسي عن المنع. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "إنه اتبعنا رجل لم يكن معنا حين دعوتنا" إشارة إلى أنه لو كان معهم حالة الدعوة لم يحتج إلى الاستئذان عليه، فيؤخذ منه أن الداعي لو قال لرسوله ادع فلانا وجلساءه جاز لكل من كان جليسا له أن يحضر معه، وإن كان ذلك لا يستحب أو لا يجب حيث قلنا بوجوبه إلا بالتعيين. وفيه أنه لا ينبغي أن يظهر الداعي الإجابة وفي نفسه الكراهة لئلا يطعم ما تكرهه نفسه، ولئلا يجمع الرياء والبخل وصفة ذي الوجهين، كذا استدل به عياض، وتعقبه شيخنا في "شرح الترمذي" بأنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل فيه مطلق الاستئذان والإذن ولم يكلفه أن يطلع على رضاه بقلبه؛ قال: وعلى تقدير أن يكون الداعي يكره ذلك في نفسه فينبغي له مجاهدة نفسه على دفع تلك الكراهة. وما ذكره من أن النفس تكون بذلك طيبة لا شك أنه أولى لكن ليس في سياق هذه القصة ذلك فكأنه أخذه من غير هذا الحديث، والتعقب عليه واضح لأنه ساقه مساق من يستنبطه من حديث الباب وليس ذلك فيه. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "اتبعنا رجل" فأبهمه ولم يعينه أدب حسن لئلا ينكسر خاطر الرجل، ولا بد أن ينضم إلى هذا أنه اطلع على أن الداعي لا يرده وإلا فكان يتعين في ثاني الحال فيحصل كسر خاطره، وأيضا ففي رواية لمسلم: "إن هذا اتبعنا" ويجمع بين الروايتين

(9/561)


بأنه أبهمه لفظا وعينه إشارة، وفيه نوع رفق به بحسب الطاقة. "تنبيه": وقع هنا عند أبي ذر عن المستملي وحده "قال محمد بن يوسف وهو الفريابي سمعت محمد بن إسماعيل هو البخاري يقول: إذا كان القوم على المائدة فليس لهم أن يناولوا من مائدة إلى مائدة أخرى، ولكن يناول بعضهم بعضا في تلك المائدة أو يدعوا" أي يتركوا، وكأنه استنبط ذلك من استئذان النبي صلى الله عليه وسلم الداعي في الرجل الطارئ، ووجه أخذه منه أن الذين دعوا صار لهم بالدعوة عموم إذن بالتصرف في الطعام المدعو إليه بخلاف من لم يدع فيتنزل من وضع بين يديه الشيء منزلة من دعي له أو ينزل الشيء الذي وضع بين يدي غيره منزلة من لم يدع إليه، وأغفل من وقفت على كلامه من الشراح التنبيه على ذلكبأنه أبهمه لفظا وعينه إشارة، وفيه نوع رفق به بحسب الطاقة. "تنبيه": وقع هنا عند أبي ذر عن المستملي وحده "قال محمد بن يوسف وهو الفريابي سمعت محمد بن إسماعيل هو البخاري يقول: إذا كان القوم على المائدة فليس لهم أن يناولوا من مائدة إلى مائدة أخرى، ولكن يناول بعضهم بعضا في تلك المائدة أو يدعوا" أي يتركوا، وكأنه استنبط ذلك من استئذان النبي صلى الله عليه وسلم الداعي في الرجل الطارئ، ووجه أخذه منه أن الذين دعوا صار لهم بالدعوة عموم إذن بالتصرف في الطعام المدعو إليه بخلاف من لم يدع فيتنزل من وضع بين يديه الشيء منزلة من دعي له أو ينزل الشيء الذي وضع بين يدي غيره منزلة من لم يدع إليه، وأغفل من وقفت على كلامه من الشراح التنبيه على ذلك

(9/562)


35- باب مَنْ أَضَافَ رَجُلًا إِلَى طَعَامٍ وَأَقْبَلَ هُوَ عَلَى عَمَلِهِ
4535- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ النَّضْرَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ غُلاَمًا أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غُلاَمٍ لَهُ خَيَّاطٍ فَأَتَاهُ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ وَعَلَيْهِ دُبَّاءٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ قَالَ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أَجْمَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ فَأَقْبَلَ الْغُلاَمُ عَلَى عَمَلِهِ قَالَ أَنَسٌ لاَ أَزَالُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مَا صَنَعَ"
قوله: "باب من أضاف رجلا وأقبل هو على عمله" أشار بهذه الترجمة إلى أنه لا يتحتم على الداعي أن يأكل مع المدعو. حديث أنس في قصة الخياط، قد تقدم شرحه مستوفى، وقد تعقبه الإسماعيلي بأن قوله: "وأقبل على عمله" ليس فيه فائدة، قال: وإنما أراد البخاري إيراده من رواية النضر بن شميل عن ابن عون. قلت: بل لترجمته فائدة، ولا مانع من إرادة الفائدتين الإسنادية والمتنية، ومع اعتراف الإسماعيلي بغرابة الحديث من حديث النضر فإنما أخرجه من رواية أزهر عن ابن عون فكأنه لم يقع له من حديث النضر. وقال ابن بطال: لا أعلم في اشتراط أكل الداعي مع الضيف إلا أنه أبسط لوجهه، وأذهب لاحتشامه، فمن فعل فهو أبلغ في قرى الضيف ومن ترك فجائز، وقد تقدم في قصة أضياف أبي بكر أنهم امتنعوا أن يأكلوا حتى يأكل معهم وأنه أنكر ذلك

(9/562)


36- باب الْمَرَقِ
5436- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ"
قوله: "باب المرق" أورد فيه حديث أنس المذكور قيل وهو ظاهر فيما ترجم له، قال ابن التين: في قصة الخياط روايات فيما أحضر، ففي بعضها قوب مرقا وفي بعضها قديدا وفي أخرى خبز شعير وفي أخرى ثريدا، قال:

(9/562)


37- باب الْقَدِيدِ
5437- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمَرَقَةٍ فِيهَا دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ يَأْكُلُهَا"
5438- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا فَعَلَهُ إِلاَّ فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الْكُرَاعَ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلاَثًا"
قوله: "باب القديد" ذكر فيه حديث أنس المذكور وهو ظاهر فيه، وحديث عائشة "ما فعله إلا في عام جاع الناس أراد أن يطعم الغني الفقير" الحديث، قلت. وهو مختصر من حديثها الماضي في "باب ما كان السلف يدخرون" وقد تقدم قريبا وأوله سؤال التابعي عن النهي عن الأكل من لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأجابت بذلك، فيعرف منه أن مرجع الضمير في قولها "ما فعله" إلى النهى عن ذلك. قوله: "باب القديد" ذكر فيه حديث أنس المذكور وهو ظاهر فيه، وحديث عائشة "ما فعله إلا في عام جاع الناس أراد أن يطعم الغني الفقير" الحديث، قلت. وهو مختصر من حديثها الماضي في "باب ما كان السلف يدخرون" وقد تقدم قريبا وأوله سؤال التابعي عن النهي عن الأكل من لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأجابت بذلك، فيعرف منه أن مرجع الضمير في قولها "ما فعله" إلى النهى عن ذلك. حديث عائشة "ما فعله إلا في عام جاع الناس أراد أن يطعم الغني الفقير" الحديث، قلت. وهو مختصر من حديثها الماضي في "باب ما كان السلف يدخرون" وقد تقدم قريبا وأوله سؤال التابعي عن النهي عن الأكل من لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأجابت بذلك، فيعرف منه أن مرجع الضمير في قولها "ما فعله" إلى النهى عن ذلك.

(9/563)


38- باب مَنْ نَاوَلَ أَوْ قَدَّمَ إِلَى صَاحِبِهِ عَلَى الْمَائِدَةِ شَيْئًا
قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُنَاوِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلاَ يُنَاوِلُ مِنْ هَذِهِ الْمَائِدَةِ إِلَى مَائِدَةٍ أُخْرَى
5439- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ أَنَسٌ فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الصَّحْفَةِ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ وَقَالَ ثُمَامَةُ عَنْ أَنَسٍ فَجَعَلْتُ أَجْمَعُ الدُّبَّاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ"
قوله: "باب من ناول أو قدم إلى صاحبه على المائدة شيئا. قال ابن المبارك لا بأس أن يناول بعضهم بعضا ولا يناول من هذه المائدة إلى مائدة أخرى" تقدم هذا المعنى قريبا والأثر فيه عن ابن المبارك موصول عنه في كتاب

(9/563)


39- باب الرُّطَبِ بِالْقِثَّاءِ
5440- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ"
قوله: "باب القثاء بالرطب" أي أكلهما معا، وقد ترجم له بعد سبعة أبواب "الجمع بين اللونين". قوله: "عن أبيه" هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من صغار التابعين، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب من صغار الصحابة. قوله: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الرطب بالقثاء" قال الكرماني: في الحديث أكل الرطب بالقثاء والترجمة بالعكس، وأجاب بأن الباء للمصاحبة أو للملاصقة، فكل منهما مصاحب للآخر أو ملاصق. قلت: وقد وقعت الترجمة في رواية النسفي على وفق لفظ الحديث، وهو عند مسلم عن يحيى بن يحيى وعبد الله ابن عون جميعا عن إبراهيم بن سعد بسند البخاري فيه بلفظ: "يأكل القثاء بالرطب" كلفظ الترجمة، وكذلك أخرجه الترمذي، وسيأتي الكلام على الحديث في "باب الجمع بين اللونين".

(9/564)


باب تضيفت أباهريرة سبعاً فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً
...
40- باب 5441- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعًا فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلاَثًا يُصَلِّي هَذَا ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَصْحَابهِ تَمْرًا فَأَصَابَنِي سَبْعُ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ"
5441م- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَنَا تَمْرًا فَأَصَابَنِي مِنْهُ خَمْسٌ أَرْبَعُ تَمَرَاتٍ وَحَشَفَةٌ ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَشَفَةَ هِيَ أَشَدُّهُنَّ لِضِرْسِي"
قوله باب كذا هو في رواية الجميع بغير ترجمة وسقط ثم الإسماعيلي فاعترض بأنه ليس فيه للرطب والقثاء

(9/564)


41- باب الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}
5442- وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ حَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ شَبِعْنَا مِنْ الأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ"
5443- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ يَهُودِيٌّ وَكَانَ يُسْلِفُنِي فِي تَمْرِي إِلَى الْجِدَادِ وَكَانَتْ لِجَابِرٍ الأَرْضُ الَّتِي بِطَرِيقِ رُومَةَ فَجَلَسَتْ فَخَلاَ عَامًا فَجَاءَنِي الْيَهُودِيُّ عِنْدَ الْجَدَادِ وَلَمْ أَجُدَّ مِنْهَا شَيْئًا فَجَعَلْتُ أَسْتَنْظِرُهُ إِلَى قَابِلٍ فَيَأْبَى فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ امْشُوا نَسْتَنْظِرْ لِجَابِرٍ مِنْ الْيَهُودِيِّ فَجَاءُونِي فِي نَخْلِي فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ الْيَهُودِيَّ فَيَقُولُ أَبَا الْقَاسِمِ لاَ أُنْظِرُهُ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ ثُمَّ جَاءَهُ فَكَلَّمَهُ فَأَبَى فَقُمْتُ فَجِئْتُ بِقَلِيلِ رُطَبٍ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ عَرِيشُكَ يَا جَابِرُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ افْرُشْ لِي فِيهِ فَفَرَشْتُهُ فَدَخَلَ فَرَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَجِئْتُهُ بِقَبْضَةٍ أُخْرَى فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ قَامَ فَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ فَأَبَى عَلَيْهِ فَقَامَ فِي الرِّطَابِ فِي النَّخْلِ الثَّانِيَةَ ثُمَّ قَالَ يَا جَابِرُ جُدَّ وَاقْضِ فَوَقَفَ فِي الْجَدَادِ فَجَدَدْتُ مِنْهَا مَا قَضَيْتُهُ وَفَضَلَ مِنْهُ فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَشَّرْتُهُ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ بِنَاءٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْرُوشَاتٍ مَا يُعَرَّشُ مِنْ الْكُرُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يُقَالُ عُرُوشُهَا أَبْنِيَتُهَا. قال محمد بن يوسف قال أبو جعفر قال محمد بن إسماعيل فحلا ليس عندي مقيدا ثم قال فخلا ليس فيه شك"
قوله: "باب الرطب والتمر" كذا للجميع فيما وقفت عليه، إلا ابن بطال ففيه: "باب الرطب بالتمر" وقع فيه بموحدة بدل الواو، ووقع لعياض في باب ح ل إن في البخاري "باب أكل التمر بالرطب" وليس في حديثي الباب ما يدل لذلك أصلا. قوله: "وقول الله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} الآية" وروى عبد بن حميد من طريق شقيق بن سلمة قال: "لو علم الله أن شيئا للنفساء خير من الرطب لأمر مريم به" ومن طريق عمرو بن ميمون قال: "ليس للنفساء خير من الرطب أو التمر" ومن طريق الربيع بن خثيم قال: "ليس للنفساء مثل الرطب، ولا للمريض مثل العسل" أسانيدها صحيحه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى من حديث على رفعه قال: "أطعموا نفساءكم الولد الرطب فإن لم يكن رطب فتمر" وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم "وفي إسناده ضعف. وقد قرأ الجمهور {تُسَاقِطْ} بتشديد السين وأصله تتساقط، وقراءة حمزة وهي رواية عن أبي عمرو التخفيف على حذف إحدى التاءين، وفيها قراءات أخرى في الشواذ ثم ذكر فيه حديثين: الأول حديث عائشة. قوله: "وقال محمد بن يوسف" هو الفريابي شيخ البخاري، وسفيان هو الثوري، وقد تقدم الحديث

(9/566)


وشرحه في أوائل الأطعمة من طريق، أخرى عن منصور وهو ابن عبد الرحمن بن طلحة العبدري ثم الشيبي الحجبي وأمه هي صفية بنت شيبة من صغار الصحابة، وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق ومن رواية ابن مهدي كلاهما عن سفيان الثوري مثله، وأخرجه مسلم من رواية أبي أحمد الزبيري عن سفيان بلفظ: "وما شبعنا" والصواب رواية الجماعة، فقد أخرجه أحمد ومسلم أيضا من طريق داود بن عبد الرحمن عن منصور بلفظ: "حين شبع الناس" وإطلاق الأسود على الماء من باب التغليب، وكذا إطلاق الشبع موضع الري، والعرب تفعل ذلك في الشيئين يصطحبان فتسميهما معا باسم الأشهر منهما، وأما التسوية بين الماء والتمر مع أن الماء كان عندهم متيسرا لأن الري معه لا يحصل بدون الشبع من الطعام لمضرة شرب الماء صرفا بغير أكل، لكنها قرنت بينهما لعدم التمتع بأحدهما إذا فات ذلك من الآخر، ثم عبرت عن الأمرين الشبع والري بفعل أحدها كما عبرت عن التمر والماء بوصف أحدهما، وقد تقدم شيء من هذا في "باب من أكل حتى شبع". الثاني حديث جابر. قوله: "أبو غسان" هو محمد بن مطرف، وأبو حازم هو سلمة بن دينار. قوله: "عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة" هو المخزومي، واسم أبي ربيعة عمرو ويقال حذيفة وكان يلقب ذا الرمحين، وعبد الله بن أبي ربيعة من مسلمة الفتح وولي الجند من بلاد اليمن لعمر فلم يزل بها إلى أن جاء سنة حصر عثمان لينصره فسقط عن راحلته فمات، ولإبراهيم عنه رواية في النسائي، قال أبو حاتم إنها مرسلة، وليس لإبراهيم في البخاري سوى هذا الحديث، وأمه أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وله رواية عن أمه وخالته عائشة. قوله: "كان بالمدينة يهودي" لم أقف على اسمه. قوله: "وكان يسلفني في تمري إلى الجذاذ" بكسر الجيم ويجوز فتحها والذال معجمة ويجوز إهمالها، أي زمن قطع ثمر النخل وهو الصرام، قد استشكل الإسماعيلي ذلك وأشار إلى شذوذ هذه الرواية فقال: هذه القصة - يعني دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في النخل بالبركة - رواها الثقات المعروفون فيما كان على والد جابر من الدين، وكذا قال ابن التين: الذي في أكثر الأحاديث أن الدين كان على والد جابر قال الإسماعيلي والسلف إلى الجذاذ مما لا يجيزه البخاري وغيره. وفي هذا الإسناد نظر. قلت: ليس في الإسناد من ينظر في حاله سوى إبراهيم، وقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وروى عنه أيضا ولده إسماعيل والزهري، وأما ابن القطان فقال: لا يعرف حاله. وأما السلف إلى الجذذ فيعارضه الأمر بالسلم إلى أجل معلوم فيحمل على أنه وقع في الاقتصار على الجذاذ اختصار، وأن الوقت كان في أصل العقد معينا، وأما الشذوذ الذي أشار إليه فيندفع بالتعدد، فإن في السياق اختلافا ظاهرا، فهو محمول على أنه صلى الله عليه وسلم برك في النخل المخلف عن والد جابر حتى وفى ما كان على أبيه من التمر كما تقدم بيان طرقه واختلاف ألفاظه في علامات النبوة، ثم برك أيضا في النخل المختص بجابر فيما كان عليه هو من الدين والله أعلم. قوله: "وكانت لجابر الأرض التي بطريق رومة" فيه التفات، أو هو مدرج من كلام الراوي، لكن يرده ويعضد الأول أن في رواية أبي نعيم في "المستخرج" من طريق الرمادي عن سعيد بن أبي مريم شيخ البخاري فيه: "وكانت لي الأرض التي بطريق رومة" ورومة بضم الراء وسكون الواو هي البئر التي اشتراها عثمان رضي الله عنه وسبلها وهي في نفس المدينة، وقد قيل إن رومة رجل من بني غفار كانت له البئر قبل أن يشتريها عثمان نسبت إليه، ونقل الكرماني أن في بعض الروايات "دومة" بدال بدل الراء قال ولعلها دومة الجندل. قلت: وهو باطل فإن دومة الجندل لم تكن إذ ذاك فتحت حتى يمكن أن يكون لجابر فيها أرض، وأيضا ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى إلى أرض جابر وأطعمه

(9/567)


من رطبها ونام فيها وقام فبرك فيها حتى أوفاه، فلو كانت بطريق دوم الجندل لاحتاج إلى السفر، لأن بين دومة الجندل وبين المدينة عشر مراحل كل بينه أبو عبيد البكري، وقد أشار صاحب "المطالع" إلى أن دومة هذه هي بئر رومة التي اشتراها عثمان وسبلها وهي داخل المدينة فكأن أرض جابر كانت بين المسجد النبوي ورومة. قوله: "فجلست فخلا عاما" قال عياض: كذا للقابسي وأبي ذر وأكثر الرواة بالجيم واللام، قال: وكان أبو مروان بن سراج يصوب هذه الرواية إلا أنه يضبطها فجلست أي بسكون السين وضم التاء على أنها مخاطبة جابر وتفسيره. أي تأخرت عن القضاء، فخلا بفاء معجمة ولام مشددة من التخلية أو مخففة من الخلو أي تأخر السلف عاما، قال عياض: لكن ذكر الأرض أول الحديث يدل على أن الخبر عن الأرض لا عن نفسه انتهى، فاقتضى ذلك أن ضبط الرواية عند عياض بفتح السين المهملة وسكون التاء والضمير للأرض، وبعده نخلا بنون ثم معجمة ساكنة أي تأخرت الأرض عن الإثمار من جهة النخل، قال: ووقع للأصيلي: "فحبست" بحاء مهملة ثم موحدة، وعند أبي الهيثم "فخاست" بعد الخاء المعجمة ألف أي خالفت معهودها وحملها، يقال خاس عهده إذا خانه أو تغير عن عادته وخاس الشيء إذا تغير قال وهذه الرواية أثبتها. قلت: وحكى غيره: "خنست" بخاء معجمة ثم نون أي تأخرت، ووقع في رواية أبي نعيم في "المستخرج" بهذه الصورة، فما أدري بحاء مهملة ثم موحدة أو بمعجمة ثم نون. وفي رواية الإسماعيلي فخنست علي عاما وأظنها بمعجمة ثم سين مهملة ثقيلة وبعدها على بفتحتين وتشديد التحتانية، فكأن الذي وقع في الأصل بصورة نخلا وكذا فخلا تصحيف من هذه اللفظة، وهي على كتب الياء بألف ثم حرف العين والعلم عند الله. ووقع في رواية أبي ذر عن المستملي: "قال محمد بن يوسف" هو الفربري قال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم وراق البخاري قال محمد بن إسماعيل هو البخاري فحلا ليس عندي مقيدا أي مضبوطا ثم قال: "فخلا ليس فيه شك". قلت: وقد تقدم توجيهه، لكني وجدته في النسخة بجيم وبالحاء المعجمة أظهر. قوله: "ولم أجد" بفتح الهمزة وكسر الجيم بشديد الدال. قوله: "أستنظره" أي أستمهله "إلى قابل" أي إلى عام ثان. قوله: "فأخبر" بضم الهمزة وكسر الموحدة وفتح الراء على الفعل الماضي المبني للمجهول، ويحتمل أن يكون بضم الراء على صيغة المضارعة والفاعل جابر، وذكره كذلك مبالغة في استحضار صورة الحال، ووقع في رواية أبي نعيم في "المستخرج" فأخبرت. قوله: "فيقول أبا القاسم لا أنظره" كذا فيه بحذف أداة النداء. قوله: "أين عريشك" أي المكان الذي اتخذته في البستان لتستظل به وتقيل فيه، وسيأتي الكلام عليه في آخر الحديث. قوله: "فجئته بقبضة أخرى" أي من طب. قوله: "فقام في الرطاب في النخل الثانية" أي المرة الثانية. وفي رواية أبي نعيم "فقام فطاف" بدل قوله في الرطاب. قوله: "ثم قال يا جابر جذ" فعل أمر بالجذاذ "واقض" أي أوف. قوله: "فقال أشهد أني رسول الله" قال ذلك صلى الله عليه وسلم لما فيه من خرق العادة الظاهر من إيفاء الكثير من القليل الذي لم يكن يظن أنه يوفي منه البعض فضلا عن الكل فضلا عن أن تفضل فضلة فضلا عن أن يفضل قدر الذي كان عليه من الدين. قوله: "عرش وعريش بناء. وقال ابن عباس: معروشات ما يعرش من الكرم وغير ذلك، يقال عروشها أبنيتها" ثبت هذا في رواية المستملي، والنقل عن ابن عباس في ذلك تقدم موصولا في أول سورة الأنعام، وفيه النقل عن غيره بأن المعروش من الكرم ما يقوم على ساق، وغير المعروش ما يبسط على وجه الأرض، وقوله عرش وعريش بناء هو تفسير أبي عبيدة، وقد تقدم نقله عنه في تفسير الأعراف،

(9/568)


وقوله: "عروشها أبنيتها" هو تفسير قوله: {خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} وهو تفسير أبي عبيدة أيضا، والمراد هنا تفسير عرش جابر الذي رقد النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فالأكثر على أن المراد به ما يستظل به، وقيل المراد به السرير، قال ابن التين: في الحديث أنهم كانوا لا يخلون من دين لقلة الشيء إذ ذاك عندهم، وأن الاستعاذة من الدين أريد بها الكثير منه أو ما لا يجد له وفاء، ومن ثم مات النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على شعير أخذه لأهله. وفيه زيارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ودخول البساتين والقيلولة فيها والاستظلال بظلالها، والشفاعة في إنظار الواجد غير العين التي استحقت عليه ليكون أرفق به.

(9/569)


42- باب أَكْلِ الْجُمَّارِ
5444- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسٌ إِذَا أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي النَّخْلَةَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هِيَ النَّخْلَةُ"
قوله: "باب أكل الجمار" بضم الجيم وتشديد الميم، ذكر فيه حديث ابن عمر في النخلة، وقد تقدم شرحه في كتاب العلم مستوفى، وتقدم الكلام على خصوص الترجمة بأكل الجمار في كتاب البيوع. حديث ابن عمر في النخلة، قد تقدم شرحه في كتاب العلم مستوفى.

(9/569)


43- باب الْعَجْوَةِ
5445- حَدَّثَنَا جُمْعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ أَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ"
قوله: "باب العجوة" بفتح العين المهملة وسكون الجيم نوع من التمر معروف. قوله: "حدثنا جمعة" بضم الجيم وسكون الميم "ابن عبد الله" أي ابن زياد بن شداد السلمي أبو بكر البلخي، يقال إن اسمه يحيى وجمعه لقبه. ويقال له أيضا أبو خاقان، كان من أئمة الرأي أولا ثم صار من أئمة الحديث قاله ابن حبان في الثقات، ومات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وماله في البخاري بل ولا في الكتب الستة سوى هذا الحديث، وسيأتي شرح حديث العجوة في كتاب الطب إن شاء الله تعالى. وقوله هنا "من تصبح كل يوم سبع تمرات" وقع في نسخة الصغاني بزيادة الباء في أوله فقال: "بسبع".

(9/569)


44- باب الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ
4556- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ قَالَ أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَرَزَقَنَا تَمْرًا فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا وَنَحْنُ نَأْكُلُ وَيَقُولُ لاَ تُقَارِنُوا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(9/569)


45- باب الْقِثَّاءِ
5447- حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ"
قوله: "باب القثاء" يأتي شرح حديثه في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى.

(9/572)


46 - باب بَرَكَةِ النَّخْلِ
5448- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً تَكُونُ مِثْلَ الْمُسْلِمِ وَهِيَ النَّخْلَةُ"
قوله: "باب بركة النخلة" ذكر فيه حديث ابن عمر مختصرا وقد تقدم التنبيه عليه قريبا وأنه مر شرحه مستوفي في كتاب العلم.

(9/572)


47- باب جَمْعِ اللَّوْنَيْنِ أَوْ الطَّعَامَيْنِ بِمَرَّةٍ
5449- حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ"
قوله: "باب جمع اللونين أو الطعامين بمرة" أي في حالة واحدة، ورأيت في بعض الشروح "بمرة مرة" ولم أر التكرار في الأصول، ولعل البخاري لمح إلى تضعيف حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بإناء - أو بقعب - فيه لبن وعسل فقال : أدمان في إناء، لا آكله ولا أحرمه" أخرجه الطبراني وفيه راو مجهول. قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك، وقد تقدم إخراج البخاري لهذا الحديث قبل هذا الباب سواء وكذا فيما قبله بأبواب بأعلى من هذا درجة والسبب في ذلك أن مداره على إبراهيم بن سعد، قال الترمذي صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه. قوله: "يأكل الرطب بالقثاء" وقع في رواية الطبراني كيفية أكله لهما، فأخرج في "الأوسط" من حديث عبد الله بن جعفر قال: "رأيت في يمين النبي صلى الله عليه وسلم قثاء وفي شماله رطبا وهو يأكل من ذا مرة ومن ذا مرة" وفي سنده ضعف. وأخرج فيه وهو في الطب لأبي نعيم من حديث أنس "كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه" وسنده ضعيف أيضا. وأخرج النسائي بسند صحيح عن حميد عن أنس "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرطب والخربز" وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها زاي نوع من البطيخ الأصفر، وقد تكبر القثاء فتصفر من شدة الحر فتصير كالخربز كما شاهدته كذلك بالحجاز، وفي هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث الأخضر، واعتل بأن في الأصفر حرارة كما في الرطب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفئ حرارة الأخر، والجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة وإن كان فيه - لحلاوته - طرف حرارة، والله أعلم. وفي النسائي أيضا بسند صحيح عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل البطيخ بالرطب" وفي رواية له جمع بين البطيخ والرطب جميعا. وأخرج ابن ماجه عن عائشة "أرادت أمي تعالجني للسمنة لتدخلني على النبي صلى الله عليه وسلم فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب بالقثاء فسمنت كأحسن سمنة" وللنسائي من حديثها "لما تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم عالجوني بغير شيء، فأطعموني القثاء بالتمر فسمنت عليه كأحسن الشحم" وعند أبي نعيم في الطب من وجه آخر عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبويها بذلك" ولابن ماجه من حديث ابن بسر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الزبد والتمر" الحديث، ولأحمد من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه قال: "دخلت على رجل وهو يتمجع لبنا بتمر فقال: ادن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماهما الأطيبين" وإسناده قوي، قال النووي: في حديث الباب جواز أكل الشيئين من الفاكهة وغيرها معا وجواز أكل طعامين معا، ويؤخذ منه جواز التوسع في المطاعم، ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك. وما نقل عن السلف من خلاف هذا محمول على الكراهة منعا لاعتياد التوسع والترفه والإكثار لغير مصلحة دينية. وقال القرطبي، يؤخذ منه جواز مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على الوجه اللائق بها على قاعدة الطب، لأن في الرطب حرارة وفي القثاء برودة، فإذا أكلا معا اعتدلا، وهذا أصل كبير في المركبات من الأدوية. وترجم أبو نعيم في الطب "باب الأشياء التي تؤكل مع الرطب ليذهب ضرره" فساق هذا الحديث، لكن لم يذكر الزيادة التي ترجم بها، وهي عند أبي داود في حديث عائشة بلفظ: "كان يأكل البطيخ بالرطب فيقول: يكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا" والطبيخ بتقديم الطاء لغة في البطيخ بوزنه،والمراد

(9/573)


به الأصفر بدليل ورود الحديث بلفظ الخربز بدل البطيخ، وكان يكثر وجوده بأرض الحجاز بخلاف البطيخ الأخضر. "تنبيه": سقطت هذا الترجمة وحديثها من رواية النسفي، ولم يذكرهما الإسماعيلي أيضا.

(9/574)


48- باب مَنْ أَدْخَلَ الضِّيفَانَ عَشَرَةً عَشَرَةً وَالْجُلُوسِ عَلَى الطَّعَامِ عَشَرَةً عَشَرَةً
5450- حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَنَسٍ ح وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ سِنَانٍ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ أُمَّهُ عَمَدَتْ إِلَى مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ جَشَّتْهُ وَجَعَلَتْ مِنْهُ خَطِيفَةً وَعَصَرَتْ عُكَّةً عِنْدَهَا ثُمَّ بَعَثَتْنِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَدَعَوْتُهُ قَالَ وَمَنْ مَعِي فَجِئْتُ فَقُلْتُ إِنَّهُ يَقُولُ وَمَنْ مَعِي فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَنَعَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَدَخَلَ فَجِيءَ بِهِ وَقَالَ أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً فَدَخَلُوا فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ قَالَ أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً فَدَخَلُوا فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ قَالَ أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ"
قوله: "باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة، والجلوس على الطعام عشرة عشرة" أي إذا احتيج إلى ذلك لضيق الطعام أو مكان الجلوس عليه. قوله: "عن الجعد أبي عثمان عن أنس، وعن هشام عن محمد عن أنس، وعن سنان أبي ربيعة عن أنس" هذه الأسانيد الثلاثة لحماد بن زيد، وهشام هو ابن حسان، ومحمد هو ابن سيرين، وسنان أبو ربيعة قال عياض وقع في رواية ابن السكن سنان بن أبي ربيعة وهو خطأ وإنما هو سنان أبو ربيعة وأبو ربيعة كنيته. قلت: الخطأ فيه ممن دون ابن السكن، وسنان هو ابن ربيعة وهو أبو ربيعة وافقت كنيته اسم أبيه، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وهو مقرون بغيره، وقد تكلم فيه ابن معين وأبو حاتم. وقال ابن عدي: له أحاديث قليلة، وأرجو أنه لا بأس به. قوله: "جشته" بجيم وشين معجمة أي جعلته جشيشا، والجشيش دقيق غير ناعم. قوله: "خطيفة" بخاء معجمة وطاء مهملة وزن عصيدة ومعناه، كذا تقدم الجزم به في "علامات النبوة" وقيل أصله أن يؤخذ لبن ويدر عليه دقيق ويطبخ ويلعقها الناس فيخطفونها بالأصابع والملاعق فسميت بذلك، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وقد تقدم شرح هذه القصة مستوفى في "علامات النبوة" وسياق الحديث هناك أتم مما هنا. وقوله في هذه الرواية: "إنما هو شيء صنعته أم سليم" أي هو شيء قليل، لأن الذي يتولى صنعته امرأة بمفردها لا يكون كثيرا في العادة، وقد قدمت في "علامات النبوة" أن في بعض روايات مسلم ما يدل على أن في سياق الباب هنا اختصارا مثل قوله في رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس "فقال أبو طلحة يا رسول الله إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى" وفي رواية عمرو بن عبد الله عن أنس "فقال أبو طلحة: إنما هو قرص، فقال: إن الله سيبارك فيه:" قال ابن بطال: الاجتماع على الطعام من أسباب البركة، وقد روى أبو داود من حديث وحشي بن حرب رفعه: "اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم" قال: وإنما أدخلهم عشرة عشرة والله أعلم لأنها كانت قصعة واحدة ولا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا

(9/574)


على التناول منها مع قلة الطعام، فجعلهم عشرة عشرة ليتمكنوا من الأكل ولا يزدحموا، قال: وليس في الحديث المنع عن اجتماع أكثر من عشرة على الطعام.

(9/575)


باب مايكره من الثوم والبقول
...
49- باب مَا يُكْرَهُ مِنْ الثُّومِ، وَالْبُقُولِ فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5441- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ قِيلَ لِأَنَسٍ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الثُّومِ فَقَالَ مَنْ أَكَلَ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا"
5452- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا زَعَمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا"
قوله: "باب ما يكره من الثوم والبقول" أي التي لها رائحة كريهة، وهل النهي عن دخول المسجد لأكلها على التعميم أو على من أكل النيئ منها دون المطبوخ؟ وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الصلاة. ثم ذكر المصنف ثلاثة أحاديث أحدها قوله: "فيه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم" تقدم في أواخر صفة الصلاة قبيل كتاب الجمعة من رواية نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة خيبر "من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن مسجدنا" ووقع لنا سبب هذا الحديث: فأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في "كتاب الأطعمة" من رواية أبي عمرو هو بشر بن حرب عنه قال: "جاء قوم مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وقد أكلوا الثوم والبصل، فكأنه تأذى بذلك فقال:" فذكره. ثانيها حديث أنس أورده عن مسدد، وتقدم في الصلاة عن أبي معمر، كلاهما عن عبد الوارث وهو ابن سعيد عن عبد العزيز هو ابن صهيب. ثالثها حديث جابر، وقد تقدم أيضا هناك موصولا ومعلقا وفيه ذكر البقول، ولكنه اختصره هنا. وقوله: "كل فإني أناجي من لا تناجي" فيه إباحته لغير صلى الله عليه وسلم حيت لا يتأذى به المصلون جمعا بين الأحاديث. واختلف في حقه هو صلى الله عليه وسلم فقيل: كان ذلك محرما عليه، والأصح أنه مكروه لعموم قوله: "لا" في جواب أحرام هو؟ وحجة الأول أن العلة في المنع ملازمة الملك له صلى الله عليه وسلم، وأنه ما من ساعة إلا وملك يمكن أن يلقاه فيها. وفي هذه الأحاديث بيان جواز أكل الثوم والبصل والكراث، إلا أن من أكلها يكره له حضور المسجد، وقد ألحق بها الفقهاء ما في معناها من البقول الكريهة الرائحة كالفجل، وقد ورد فيه حديث في الطبراني وقيده عياض بمن يتجشى منه، وألحق به بعض الشافعية الشديد البخر ومن به جراحة تفوح رائحتها، واختلف في الكراهية: فالجمهور على التنزيه، وعن الظاهرية التحريم، وأغرب عياض فنقل عن أهل الظاهر تحريم تناول هذه الأشياء مطلقا لأنها تمنع حضور الجماعة، والجماعة فرض عين، ويكن صرح ابن حزم بالجواز، ثم يحرم على من يتعاطى ذلك حضور المسجد، وهو أعلم بمذهبه من غيره.

(9/575)


باب الكباث وهو ورق الأراك
...
50- باب الْكَبَاثِ وَهُوَ ثَمَرُ الأَرَاكِ
5453- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ

(9/575)


باب المضمضة بعض الطعام
...
51- باب الْمَضْمَضَةِ بَعْدَ الطَّعَامِ
5445- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ دَعَا بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ إِلاَّ بِسَوِيقٍ فَأَكَلْنَا

(9/576)


فَقَامَ إِلَى الصَّلاَةِ فَتَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا"
5455- قَالَ يَحْيَى سَمِعْتُ بُشَيْرًا يَقُولُ حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ قَالَ يَحْيَى وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ دَعَا بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ إِلاَّ بِسَوِيقٍ فَلُكْنَاهُ فَأَكَلْنَا مَعَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا مَعَهُ ثُمَّ صَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَقَالَ سُفْيَانُ كَأَنَّكَ تَسْمَعُهُ مِنْ يَحْيَى"
قوله: "باب المضمضة بعد الطعام" ذكر فيه حديث سويد بن النعمان في المضمضة بعد السويق، وساقه بسند واحد بلفظين قال في أحدهما "فأكلنا" وزاد في الآخر "فلكناه" وقد تقدم بإسناده ومتنه في أوائل الأطعمة. حديث سويد بن النعمان في المضمضة بعد السويق، وساقه بسند واحد بلفظين قال في أحدهما "فأكلنا" وزاد في الآخر "فلكناه" وقد تقدم بإسناده ومتنه في أوائل الأطعمة. وقال في آخره هناك "قال سمعته منه عودا على بدء" وقال في آخره هنا "قال سفيان: كأنك تسمعه من يحيى بن سعيد" وهو محمول على أن عليا وهو ابن المديني سمعه من سفيان مرارا فربما غير في بعضها بعض الألفاظ.

(9/577)


52- باب لَعْقِ الأَصَابِعِ وَمَصِّهَا قَبْلَ أَنْ تُمْسَحَ بِالْمِنْدِيلِ
5456- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا"
قوله: "باب لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل" كذا قيده بالمنديل، وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرق الحديث كما أخرجه مسلم من طريق سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: "فلا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه لكن حديث جابر المذكور في الباب الذي يليه صريح في أنهم لم يكن لهم مناديل، ومفهومه يدل على أنهم لو كانت لهم مناديل لمسحوا بها، فيحمل حدث النهي على من وجد ولا مفهوم له بل الحكم كذلك لو مسح بغير المنديل، وأما قوله في الترجمة "ومصها" فيشير إلى ما وقع في بعض طرقه عن جابر أيضا، وذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي سفيان عنه بلفظ: "إذا طعم أحدكم فلا يمسح يده حتى يمصها" وذكر القفال في "محاسن الشريعة" أن المراد بالمنديل هنا المنديل المعد لإزالة الزهومة، لا المنديل المعد للمسح بعد الغسل. قوله: "عن عمرو بن دينار عن عطاء" في رواية الحميدي ومن طريقه الإسماعيلي: "حدثنا عمرو بن دينار أخبرني عطاء". قوله: "عن ابن عباس" في رواية ابن جريج عند مسلم: "سمعت عطاء سمعت ابن عباس" زاد ابن أبي عمر في روايته عن سفيان سمعت عمر بن قيس يسأل عمرو بن دينار عن هذا الحديث فقال: هو عن ابن عباس، قال: فإن عطاء حدثناه عن جابر، قال حفظناه عن عطاء عن ابن عباس قبل أن يقدم علينا جابر" ا ه. وهذا إن كان عمر بن قيس حفظه احتمل أن يكون عطاء سمعه من جابر بعد أن سمعه من ابن عباس، ويؤيده ثبوته من حديث جابر عند سلم وإن كان من غير طريق عطاء، وفي سياقه زيادة ليست في حديث ابن عباس، ففي أوله "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط ما كان بها من أذى ولا يدعها للشيطان" ثم ذكر حديث الباب، وفي آخره زيادة أيضا سأذكرها، فلعل ذلك سبب أخذ عطاء له عن جابر. قوله: "إذا أكل أحدكم" زاد مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وآخرين عن سفيان "طعاما". وفي رواية ابن جريج "إذا أكل أحدكم من الطعام". قوله: "فلا يمسح يده" في حديث كعب بن

(9/577)


مالك عند مسلم : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها" فيحتمل أن يكون أطلق على الأصابع اليد، ويحتمل وهو الأولى أن يكون المراد باليد الكف كلها فيشمل الحكم من أكل بكفه كلها أو بأصابعه فقط أو ببعضها: وقال ابن العربي في "شرح الترمذي" : يدل على الأكل بالكف كلها أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعرق العظم وينهش اللحم، ولا يمكن ذلك عادة إلا بالكف كلها. وقال شيخنا: فيه نظر لأنه يمكن بالثلاث، سلمنا لكن هو ممسك بكفه كلها لا آكل بها، سلمنا لكن محل الضرورة لا يدل على عموم الأحوال. ويؤخذ من حديث كعب بن مالك أن السنة الأكل بثلاث أصابع وإن كان الأكل بأكثر منها جائزا، وقد أخرج سعيد بن منصور عن سفيان "عن عبيد الله ابن أبي يزيد أنه رأى ابن عباس إذا أكل أصابعه الثلاث" قال عياض: والأكل بأكثر منها من الشره وسوء الأدب وتكبير اللقمة، ولأنه غير مضطر إلى ذلك لجمعه اللقمة وإمساكها من جهاتها الثلاث، فإن اضطر إلى ذلك لخفة الطعام وعدم تلفيفه بالثلاث فيدعمه بالرابعة أو الخامسة، وقد أخرج سعيد بن منصور من مرسل ابن شهاب "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل أكل بخمس" فيجمع بينه وبين حديث كعب باختلاف الحال. قوله: "حتى يلعقها" بفتح أوله من الثلاثي أي يلعقها هو "أو يلعقها" بضم أوله من الرباعي أي يلعقها غيره، قال النووي: المراد إلعاق غيره ممن لا يتقذر ذلك من زوجة وجارية وخادم وولد، وكذا من كان في معناهم كتلميذ يعتقد البركة بلعقها، وكذا لو ألعقها شاة ونحوها. وقال البيهقي: إن قوله: "أو" شك من الراوي، ثم قال: فإن كانا جميعا محفوظين فإنما أراد أن يلعقها صغيرا أو من يعلم أنه لا يتقدر بها، ويحتمل أن يكون أراد أن يلعق إصبعه فمه فيكون بمعنى يلعقها، يعني فتكون "أو" للشك. قال ابن دقيق العيد: جاءت علة هذا مبينة في بعض الروايات فإنه "لا يدري في أي طعامه البركة" وقد يعلل بأن مسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث لما يمسح به مع الاستغناء عنه بالريق، لكن إذا صح الحديث بالتعليل لم يعدل عنه. قلت: الحديث صحيح أخرجه مسلم في آخر حديث جابر ولفظه من حديث جابر "إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما أصابها من أذى وليأكلها، ولا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها، فإنه لا يدري أي طعامه البركة" زاد فيه النسائي من هذا الوجه "ولا يرفع الصحفة حتى يلعقها أو يلعقها" ولأحمد من حديث ابن عمر نحوه بسند صحيح، وللطبراني من حديث أبى سعيد نحوه بلفظ: "فإنه لا يدري في أي طعامه يبارك له" ولمسلم نحوه من حديث أنس ومن حديث أبي هريرة أيضا، والعلة المذكورة لا تمنع ما ذكره الشيخ، فقد يكون للحكم علتان فأكثر، والتنصيص على واحدة لا ينفي غيرها، وقد أبدى عياض علة أخرى فقال: إنما أمر بذلك لئلا يتهاون بقليل الطعام. قال النووي: معنى قوله: "في أي طعامه البركة" : أن الطعام الذي يحضر الإنسان فيه بركة لا يدري أن تلك البركة فيما أكل أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي في أسفل القصعة أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصيل البركة ا ه. وقد وقع لمسلم في رواية أبي سفيان عن جابر أول الحديث: "إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان" وله نحوه في حديث أنس وزاد: "وأمر بأن تسلت القصعة" قال الخطابي: السلت تتبع ما بقي فيها من الطعام، قال النووي: والمراد بالبركة ما تحصل به التغذية وتسلم عاقبته من الأذى ويقوى على الطاعة، والعلم عند الله. وفي الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذارا، نعم يحصل ذلك لو فعله في أثناء الأكل لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه، قال الخطابي: عاب قوم أفسد

(9/578)


عقلهم الترفه فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع أو الصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرا لم يكن الجزء اليسير منه مستقذرا، وليس في ذلك أكبر من مصه أصابعه بباطن شفتيه. ولا يشك عاقل في أن لا بأس بذلك، فقد يمضمض الإنسان فيدخل إصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه ثم لم يقل أحد إن ذلك قذارة أو سوء أدب. وفيه استحباب مسح اليد بعد الطعام، قال عياض: محله فيما لم يحتج فيه إلى الغسل مما ليس فيه غمر ولزوجة مما لا يذهبه إلا الغسل، لما جاء في الحديث من الترغيب في غسله والحذر من تركه. كذا قال وحديث الباب يقتضي منع الغسل والمسح بغير لعق لأنه صريح في الأمر باللعق دونهما تحصيلا للبركة، نعم قد يتعين الندب إلى الغسل بعد اللعق لإزالة الرائحة، وعليه يحمل الحديث الذي أشار إليه، وقد أخرجه أبو داود بسند صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة رفعه: "من بات وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه" أخرجه الترمذي دون قوله: "ولم يغسله" وفيه المحافظة على عدم إهمال شيء من فضل الله كالمأكول أو المشروب وإن كان تافها حقيرا في العرف. "تكملة": وقع في حديث كعب بن عجرة عند الطبراني في "الأوسط" صفة لعق الأصابع ولفظه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بأصابعه الثلاث: بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها: الوسطى، ثم التي تليها، ثم الإبهام" قال شيخنا في "شرح الترمذي" كأن السر فيه أن الوسطى أكثر تلويثا لأنها أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطولها أول ما تنزل في الطعام، ويحتمل أن الذي يلعق يكون بطن كفه إلى جهة وجهه، فإذا ابتدأ بالوسطى انتقل إلى السبابة على جهة يمينه وكذلك الإبهام، والله أعلم

(9/579)


53- باب الْمِنْدِيلِ
5457- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ فَقَالَ لاَ قَدْ كُنَّا زَمَانَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الطَّعَامِ إِلاَّ قَلِيلًا فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلاَّ أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا ثُمَّ نُصَلِّي وَلاَ نَتَوَضَّأُ"
قوله: "باب المنديل" ترجم له ابن ماجه: "مسح اليد بالمنديل". قوله: "حدثني محمد بن فليح" أي ابن سليمان المدني. قوله: "حدثني أبي عن سعيد بن الحارث" أي ابن يحيى المعلى الأنصاري، وقد أخرجه ابن ماجه من رواية ابن وهب عن محمد بن أبي يحيى عن أبيه عن سعيد، فجزم أبو نعيم في "المستخرج" بأن محمد بن أبي يحيى هو ابن فليح لأن فليحا يكنى أبا يحيى وهو معرف بالرواية عن سعيد بن الحارث. وقال غيره: هو محمد بن أبي يحيى الأسلمي والد إبراهيم شيخ الشافعي، واسم أبي يحيى سمعان، وكأن الحامل على ذلك كون ابن وهب يروي عن فليح نفسه فاستبعد قائل ذلك أن يروى عن ابنه محمد بن فليح عنه، ولا عجب في ذلك. والذي ترجح عندي الأول فإن لفظهما واحد. قوله: "سأله عن الوضوء مما مست النار" في رواية الإسماعيلي من طريق أبي عامر عن فليح عن سعيد "قلت لجابر: هل علي فيما مست النار وضوء" ؟ وقد تقدم حكم المسح في الباب الذي قبله، وحكم الوضوء مما مست

(9/579)


النار في كتاب الطهارة.

(9/580)


باب مايقول إذا فرغ من طعامه
...
54- باب مَا يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ
5458- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا"
[الحديث 5458- طرفه في: 5459]
5459- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ وَقَالَ مَرَّةً إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مَكْفُورٍ وَقَالَ مَرَّةً الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّنَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى رَبَّنَا"
قوله: "باب ما يقول إذا فرغ من طعامه" قال ابن بطال: اتفقوا على استحباب الحمد بعد الطعام، ووردت في ذلك أنواع، يعني لا يتعين شيء منها. قوله: "سفيان" هو الثوري، وثور بن يزيد هو الشامي، وأول اسم أبيه ياء تحتانية. وقد أورد البخاري هذا الإسناد عن ثور نازلا ثم أورده عاليا عنه ومداره في أكثر الطرق عليه، وقد تابعه بعضه عامر بن جشيب وهو بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة وآخره موحدة وزن عظيم، أخرجه الطبراني وابن أبي عاصم من طريقه فقال في سياقه "عن عامر عن خالد قال: شهدنا صنيعا - أي وليمة - في منزل عبد الأعلى ومعنا أبو أمامة" وذكره البخاري في تاريخه من هذا الوجه فقال: "عبد الأعلى بن هلال السلمي". قوله: "إذا رفع مائدته" قد ذكره في الباب بلفظ: "إذا فرغ من طعامه" وأخرجه الإسماعيلي من طريق وكيع عن ثور بلفظ: "إذا فرغ من طعامه ورفعت مائدته" فجمع اللفظين، ومن وجه آخر عن ثور بلفظ: "إذا رفع طعامه من بين يديه" ووقع في رواية عامر بن جشيب بسنده عن أبي أمامة "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول عند فراغي من الطعام ورفع المائدة" الحديث، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم لم يأكل على خوان قط، وقد فسروا المائدة بأنها خوان عليه طعام، وأن بعضهم أجاب أن أنسا ما رأى ذلك ورواه غيره، والمثبت مقدم على النافي، أو المراد بالخوان صفة مخصوصة، والمائدة تطل على كل ما يوضع عليه الطعام لأنها إما من ماد يميد إذا تحرك أو أطعم، ولا يختص ذلك بصفة مخصوصة، وقد تطلق المائدة ويراد بها نفس الطعام أو بقيته أو إناؤه، وقد نقل عن البخاري أنه قال: إذا أكل الطعام على شيء ثم رفع قيل رفعت المائدة. قوله: "الحمد لله كثيرا" في رواية الوليد عن ثور عند ابن ماجه: "الحمد لله حمدا كثيرا". قوله: "غير مكفي" بفتح الميم وسكون الكاف وكسر الفاء وتشديد التحتانية، قال ابن بطال يحتمل أن يكون من كفأت الإناء، فالمعنى: غير مردود عليه إنعامه. ويحتمل أن يكون من الكفاية أي أن الله غير مكفي رزق عباده، لأنه يكفيهم أحد غيره. وقال ابن التين: أي غير محتاج إلى أحد، لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم، وهذا قول الخطابي. وقال القزاز:. معناه أنا غير مكتف بنفسي عن كفايته. وقال الداودي: معناه لم أكتف من فضل الله ونعمته. وقال ابن التين: وقول الخطابي أولى لأن مفعولا بمعنى مفتعل فيه بعد وخروج عن الظاهر، وهذا كله على أن الضمير لله، ويحتمل أن يكون الضمير للحمد. وقال إبراهيم الحربي: الضمير للطعام، ومكفي بمعنى

(9/580)


مقلوب من الإكفاء وهو القلب غير أنه لا يكفي الإناء للاستغناء عنه. وذكر ابن الجوزي عن أبي منصور الجواليقي أن الصواب غير مكافأ بالهمزة، أي أن نعمة الله لا تكافأ. قلت: وثبتت هذه اللفظة هكذا في حديث أبي هريرة، لكن الذي في حديث الباب غير مكفي بالياء، ولكل معنى. قوله: "كفانا وأروانا" هذا يؤيد الضمير إلى الله تعالى لأنه تعالى هو الكافي لا المكفي، وكفانا هو من الكفاية، وهي أعم من الشبع والري وغيرهما، فأروانا على هذا من الخاص بعد العام. ووقع في رواية ابن السكن عن الفربري "وأوانا" بالمد من الإيواء. ووقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" ولأبي داود والترمذي من حديث أبي أيوب "الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا" وأخرج النسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة ما في حديث أبي سعيد وأبي أمامة وزيادة في حديث مطول، وللنسائي من طريق عبد الرحمن بن جبير المصري أنه حدثه رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين أنه "كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرب إليه طعامه يقول: بسم الله، فإذا فرغ قال: اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت وأحييت، فلك الحمد على ما أعطيت" وسنده صحيح. قوله: "ولا مكفور" أي مجحود فضله ونعمته، وهذا مما يقوى أن الضمير لله تعالى. قوله: "ولا مودع" بفتح الدال الثقيلة أي غير متروك، ويحتمل كسرها على أنه حال من القائل أي غير تارك. قوله: "ولا مستغنى عنه" بفتح النون وبالتنوين. قوله: "ربنا" بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو ربنا، أو على أنه مبتدأ خبره متقدم، ويجوز النصب على المدح أو الاختصاص أو إضمار أعنى، قال ابن التين ويجوز الجر على أنه يدل على الضمير في عنه. وقال غيره على البدل من الاسم في قوله: "الحمد لله" وقال ابن الجوزي "ربنا" بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء. قال الكرماني: بحسب رفع غير أي ونصبه ورفع ربنا ونصبه، والاختلاف في مرجع الضمير يكثر التوجيهات في هذا الحديث.

(9/581)


55- باب الأَكْلِ مَعَ الْخَادِمِ
5460- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلاَجَهُ"
قوله: "باب الأكل مع الخادم" أي على قصد التواضع، والخادم يطلق على الذكر والأنثى أعم من أن يكون رقيقا أو حرا، محله فيما إذا كان السيد رجلا أن يكون الخادم إذا كان أنثى ملكه أو محرمه أو ما في حكمه وبالعكس قوله: "محمد بن زياد" هو الجمحي. قوله: "إذا أتى أحدكم" بالنصب "خادمه" بالرفع. قوله: "فإن لم يجلسه معه" في رواية مسلم: "فليقعده معه فليأكل" وفي رواية إسماعيلي بن أبي خالد عن أبيه عن أبي هريرة عند أحمد والترمذي "فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه فليناوله" وفي رواية لأحمد عن عجلان عن أبي هريرة "فادعه فإن أبي فأطعمه منه" ولابن ماجه من طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة "فليدعه فليأكل معه، فإن لم يفعل" وفاعل أبي وكذا إن لم يفعل يحتمل أن يكون السيد، والمعنى إذا ترفع عن مؤاكلة غلامه، ويحتمل أن يكون الخادم إذا تواضع عن مؤاكلة سيده، ويؤيد الاحتمال الأول أن في رواية جابر عند أحمد "أمرنا أن ندعوه، فإن كره أحدنا

(9/581)


أن يطعم معه فليطعمه في يده" وإسناده حسن. قوله: "فليناوله أكلة أو أكلتين" بضم الهمزة أي اللقمة، وأو للتقسيم بحسب حال الطعام وحال الخادم، وقوله: "أو لقمة أو لقمتين" هو شك من الراوي وقد رواه الترمذي بلفظ: "لقمة" فقط وفي رواية مسلم تقييد ذلك بما إذا كان الطعام قليلا ولفظه: "فإن كان الطعام مشفوها قليلا" وفي رواية أبي داود "يعني قليلا فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين" قال أبو داود: يعني لقمة أو لقمتين، ومقتضى ذلك أن الطعام إذا كان كثيرا فإما أن يقعده معه وإما أن يجعل حظه منه كثيرا. قوله: "فإنه ولي حره" أي عند الطبخ "وعلاجه" أي عند تحصيل آلاته، وقبل وضع القدر على النار، ويؤخذ من هذا أن في معنى الطباخ حامل الطعام لوجود المعنى فيه وهو تعلق نفسه به، بل يؤخذ منه الاستحباب في مطلق خدم المرء ممن يعاني ذلك، وإلى ذلك يومئ إطلاق الترجمة، وفي هذا تعليل الأمر المذكور، وإشارة إلى أن للعين حظا في المأكول فينبغي صرفها بإطعام صاحبها من ذلك الطعام لتسكن نفسه فيكون أكف لشره. قال المهلب: هذا الحديث يفسر حديث أبي ذر في الأمر بالتسوية مع الخادم في المطعم والملبس، فإنه جعل الخيار إلى السيد في إجلاس الخادم معه وتركه. قلت: وليس في الأمر في قوله في حديث أبي ذر "أطعموهم مما تطعمون" إلزام بمؤاكلة الخادم، بل فيه أن لا يستأثر عليه بشيء بل يشركه في كل شيء، لكن بحسب ما يدفع به شر عينه. وقد نقل ابن المنذر عن جميع أهل العلم أن الواجب إطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في تلك البلد، وكذلك القول في الأدم والكسوة، وأن للسيد أن يستأثر بالنفيس من ذلك وإن كان الأفضل أن يشرك معه الخادم في ذلك والله أعلم. واختلف حكم هذا الأمر بالإجلاس أو المناولة، فقال الشافع بعد أن ذكر الحديث: هذا عندنا والله أعلم على وجهين: أولهما بمعناه أن إجلاسه معه أفضل، فإن لم فعل فليس بواجب، أو يكون بالخيار بين أن يجلسه أو يناوله، وقد يكون أمره اختيارا غير حتم ا ه. ورجح الرافعي الاحتمال الأخير، وحمل الأول على الوجوب، ومعناه أن الإجلاس لا يتعين، لكن إن فعله كان أفضل وإلا تعينت المناولة، ويحتمل أن الواجب أحدهما لا بعينه. والثاني أن الأمر للندب مطلقا. "تنبيه": في قوله في رواية مسلم: "فإن كان الطعام مشفوها" بالشين المعجمة والفاء فسره بالقليل، وأصله الماء الذي تكثر عليه الشفاه حتى يقل إشارة إلى أن محل الإجلاس أو المناولة ما إذا كان الطعام قليلا وإنما كان كذلك لأنه إذا كان كثيرا وسع السيد والخادم، وقد تقدم أن العلة في الأمر بذلك أن تسكن نفس الخادم بذلك، وهو حاصل مع الكثرة دون القلة، فإن القلة مظنة أن لا يفضل منه شيء. ويؤخذ من قوله: "فإن كان مشفوها" أن الأمر الوارد لمن طبخ بتكثير المرق ليس على سبيل الوجوب، والله أعلم.

(9/582)


56- باب الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ. فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: "باب الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر. فيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" هذا الحديث من الأحاديث المعلقة التي لم تقع في هذا الكتاب موصولة، وقد أخرجه المصنف في "التاريخ" والحاكم في "المستدرك" من رواية سليمان بن بلال عن محمد بن عبد الله بن أبي حرة بضم المهملة وتشديد الراء عن عمه حكيم بن أبي، حرة عن سليمان الأغر عن أبي هريرة ولفظه: "إن للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر" وقد اختلف فيه على محمد فأخرجه ابن ماجه من رواية الدراوردي عنه عن عمه حكيم عن سنان بن سنة الأسلمي وقيل عن الدراوردي عن موسى بن عقبة

(9/582)


عن محمد عن عمه عن رجل من أسلم، لكن صرح الدراوردي في رواية أحمد بأن محمد بن أبي حرة أخبره، فلعله كان حمله عن موسى بن عقبة عنه ثم سمعه منه، وقد رجح أبو زرعة رواية الدراوردي هذه، وذكر البخاري في التاريخ من رواية وهيب عن موسى بن عقبة عن حكيم بن أبي حرة عن بعض الصحابة. وأخرج ابن خزيمة وابن ماجه من رواية محمد بن معن بن محمد الغفاري عن أبيه عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم من رواية محمد بن معن عن أبيه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وأخرجه ابن خزيمة من رواية عمر بن علي عن معن بن محمد عن سعيد المقبري قال: "كنت أنا وحنظلة بن علي الأسلمي بالبقيع مع أبي هريرة، فحدثنا أبو هريرة به" وهذا محمول على أن معن بن محمد حمله عن سعيد ثم حمله عن حنظلة، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية معتمر بن سليمان عن معمر عن سعيد المقبري به لكن هذه الرواية انقطاع خفي على ابن حبان فقد رويناه في "مسند مسدد" عن معتمر عن معمر عن رجل من بني غفار عن المقبري، وكذلك أخرجه عبد الرزاق في جامعه عن معمر، وهذا الرجل هو معن بن محمد الغفاري فيما أظن لاشتهار الحديث من طريقه، قال ابن التين: الطاعم هو الحسن الحال في المطعم وقال ابن بطال: هذا من تفضل الله على عباده أن جعل للطاعم إذا شكر ربه على ما أنعم به عليه ثواب الصائم الصابر. وقال الكرماني: التشبيه هنا في أصل الثواب لا في الكمية ولا الكيفية، والتشبيه لا يستلزم المماثلة من جميع الأوجه. وقال الطيبي: ربما توهم متوهم أن ثواب الشكر بقصر عن ثواب الصبر فأزيل توهمه، أو وجه الشبه اشتراكهما في حبس النفس، فالصابر يحبس نفسه على طاعة المنعم والشاكر يحبس نفسه على محبته ا ه. وفي الحديث الحث على شكر الله على جميع نعمه إذ لا يختص ذلك بالأكل. وفيه رفع الاختلاف المشهور في الغنى الشاكر والفقير الصابر وأنهما سواء، كذا قيل، ومساق الحديث يقتضي تفضيل الفقير الصابر لأن الأصل أن المشبه به أعلى درجة من المشبه، والتحقيق عند أهل الحذق أن لا يجاب في ذلك بجواب كلي، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأحوال. نعم عند الاستواء من كل جهة، وفرض رفع العوارض بأسرها، فالفقير أسلم عاقبة في الدار الآخرة، ولا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيء، والله أعلم. وسيكون لنا عودة إلى الكلام على هذه المسألة في كتاب الرقاق إن لله تعالى. وقد تقدم القول فيها في أواخر صفة الصلاة قبيل كتاب الجمعة في الكلام على حديث: "ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى".

(9/583)


57- باب الرَّجُلِ يُدْعَى إِلَى طَعَامٍ فَيَقُولُ وَهَذَا مَعِي
وَقَالَ أَنَسٌ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مُسْلِمٍ لاَ يُتَّهَمُ فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ
5461- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ وَكَانَ لَهُ غُلاَمٌ لَحَّامٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَعَرَفَ الْجُوعَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ إِلَى غُلاَمِهِ اللَّحَّامِ فَقَالَ اصْنَعْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَامِسَ خَمْسَةٍ فَصَنَعَ لَهُ طُعَيِّمًا ثُمَّ أَتَاهُ فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم : "يَا أَبَا شُعَيْبٍ إِنَّ رَجُلًا تَبِعَنَا فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ قَالَ لاَ بَلْ أَذِنْتُ لَهُ"

(9/583)


قوله: "باب الرجل يدعى إلى طعام فيقول: وهذا معي" ذكر فيه حديث أبي مسعود في قصة الغلام اللحام، وقد مضى شرحه مستوفى قبل أكثر من عشرين بابا، واعترضه الإسماعيلي فقال: ترجم الباب بالطاعم الشاكر ولم يذكر فيه شيئا وقال: "وهذا معي" ثم نازعه في أن القصة ليس فيها ما ذكر، وأن الرجل تبعهم من تلقاء نفسه. قلت: أما الجواب عن الأول فكأنه سقط من روايته قول البخاري "فيه عن أبي هريرة" وأما الثاني فأشار به البخاري إلى حديث أنس في قصة الخياط الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "وهذه" يعني عائشة، وقد تقدم شرح ذلك مستوفى، وإنما عدل البخاري عن إيراد حديث أنس هنا إلى حديث أبي مسعود إشارة منها إلى تغاير القصتين واختلاف الحالين. قوله: "وقال أنس إذا دخلت على مسلم لا يهتم فكل من طعامه واشرب من شرابه" وصله ابن أبي شيبة من طريق عمير الأنصاري "سمعت أنسا يقول مثله" لكن قال: "على رجل لا تتهمه" وجاء نحو ذلك عن أبي هريرة مرفوعا أخرجه أحمد والحاكم والطبراني من طرق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأله عن" قال الطبراني: تفرد به مسلم بن خالد. قلت: وفيه مقال لكن أخرج له الحاكم شاهد من رواية ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رواية بنحوه. وأخرج ابن أبي شيبة من هذا الوجه موقوفا، ومطابقة الأثر للحديث من جهة كون اللحام لم يكن متهما، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم من طعامه ولم يسأله وعلى هذا القيد يحمل مطلق حديث أبي هريرة، والله أعلم حديث أبي مسعود في قصة الغلام اللحام، قد مضى شرحه مستوفى قبل أكثر من عشرين بابا.

(9/584)


58- باب إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ فَلاَ يَعْجَلْ عَنْ عَشَائِهِ
5462- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَبَاهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي كَانَ يَحْتَزُّ بِهَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"
5463- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ"
وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ"
5464- وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَعَشَّى مَرَّةً وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ"
5465- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ"
قَالَ وُهَيْبٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ"
قوله: "باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه" قال الكرماني العشاء في الترجمة يحتمل أن يراد به ضد الغداء وهو بالفتح، ويحتمل أن يراد به صلاة العشاء وهي بالكسر ولفظ: "عن عشائه" بالفتح لا غير. قلت:

(9/584)


الرواية عندنا بالفتح، وإنما في الترجمة عدول عن المضمر إلى المظهر لمعنى قصده، ويبعد الكسر أن الحديث إنما ورد في صلاة المغرب، وقد ورد النهي عن تسميتها عشاء، ولفظ هذه الترجمة وقع معناه في حديث أورده المصنف في الصلاة في أوائل صلاة الجماعة من طريق ابن شهاب عن أنس بلفظ: "إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم" وأورده فيه من حديث ابن عمر بلفظ: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه". قوله: "وقال الليث حدثني يونس" أي ابن يزيد "عن ابن شهاب" وصله الذهلي في الزهريات عن أبي صالح عن الليث، وأخرجه الإسماعيلي من رواية أبي ضمرة عن يونس. قوله: "فألقاها" أي القطعة اللحم التي كان احتزها. وقال الكرماني: الضمير للكتف، وأنث باعتبار أنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه أو هو مؤنث سماعي، قال: ودلالته على الترجمة من جهة أنه استنبط من اشتغاله صلى الله عليه وسلم بالأكل وقت الصلاة. قلت: ويظهر لي أن البخاري أراد بتقديم هذا الحديث بيان أن الأمر في حديث ابن عمر وعائشة بترك المبادرة إلى الصلاة قبل تناول الطعام ليس على الوجوب. قوله: "وعن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه" هو معطوف على السند الذي قبله، وهو من رواية وهيب عن أيوب، وكذا أثر ابن عمر أنه تعشى، مرة وهو يسمع قراءة الإمام، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية محمد بن سهل بن عسكر عن معلى بن أسد شيخ البخاري فيه بهذا الإسناد الثاني ولفظه: "إذا وضع العشاء" الحديث. وأخرج أثر ابن عمر من طريق عبد الوارث عن أيوب ولفظه: "قال فتعشى ابن عمر ليلة وهو يسمع قراءة الإمام". قوله في رواية عائشة "قال وهيب ويحيى بن سعيد عن هشام" يعني ابن عروة "إذا وضع العشاء" يعني أن هذين روياه عن هشام بلفظ: "إذا وضع" بدل "إذا حضر" وهي التي وصلها في الباب من رواية سفيان وهو الثوري عن هشام، فأما رواية وهيب فوصلها الإسماعيلي من رواية يحيى بن حسان ومعلى بن أسد قالا حدثنا وهيب به ولفظه: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء" وأما رواية يحيى بن سعيد وهو القطان فوصلها أحمد عنه بهذا اللفظ أيضا، وقد أخرجها المصنف بلفظ: "إذا حضر" وفي بعض الروايات عنه "وضع" وأخرجه الإسماعيلي من رواية عمرو بن علي الفلاس عن يحيى بن سعيد بلفظ: "إذا أقيمت الصلاة وقرب العشاء فكلوا ثم صلوا" وذكر الإسماعيلي أن أكثر أصحاب هشام رووه عنه بلفظ: "إذا وضع" وأن بعضهم قال: "إذا حضر" وجاء عن شعبة وضع وحضر. وقال ابن إسحاق "إذا قدم". قلت: قدم وقرب ووضع متقاربات المعنى، فيحمل حضر عليها، وإن كان معناها في الأصل أعم، والله أعلم.

(9/585)


باب قوله تعالى:(فإذا طعمتم فانتشروا).
...
59- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا}
5466- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسًا قَالَ أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ الْقَوْمُ حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ثُمَّ

(9/585)


ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ"
قوله: "باب قول الله تعالى :{فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} ذكر فيه حديث أنس في قصة زينب بنت جحش والبناء عليها ونزول آية الحجاب وقوله: "أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عروسا بزينب" العروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة والعرس مدة بناء الرجل بالمرأة وأصله اللزوم، وقد تقدم بيان الاختلاف في الأمر بالانتشار بعد صلاة الجمعة في أول البيع في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} وأما الانتشار هنا بعد الأكل فالمراد به التوجه عن مكان الطعام للتخفيف عن صاحب المنزل هو مقتضى الآية، وقد مر مستوفى في تفسير سورة الأحزاب. حديث أنس في قصة زينب بنت جحش والبناء عليها ونزول آية الحجاب وقوله: "أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عروسا بزينب" العروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة والعرس مدة بناء الرجل بالمرأة وأصله اللزوم، وقد تقدم بيان الاختلاف في الأمر بالانتشار بعد صلاة الجمعة في أول البيع في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} وأما الانتشار هنا بعد الأكل فالمراد به التوجه عن مكان الطعام للتخفيف عن صاحب المنزل هو مقتضى الآية، وقد مر مستوفى في تفسير سورة الأحزاب. "خاتمة": اشتمل كتاب الأطعمة من الأحاديث المرفوعة على مائة حديث واثني عشر حديثا، المعلق أربعة عشر طريقا والباقي موصول، المكرر منه فيه وفيما مضى تسعون حديثا والخالص اثنان وعشرون حديثا، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة في استقرائه عمر الآية، وحديث أنس "ما رأى شاة سميطا"، وحديث أبى جحيفة "لا آكل متكئا"، وحديث سهل "ما رأى النقى"، وحديث جابر في وفاء دينه لما تقرر أنها قصة له غير قصته في وفاء دين أبيه، وحديث أنس "إذا حضر الطعام والصلاة"، وحديث جابر في المناديل، وحديث أبي أمامة في الدعاء بعد الأكل، وحديث أبي هريرة في الطاعم الشاكر. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ستة آثار. والله أعلم.

(9/586)