Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
باب التسمية على الصيد
...
7- كِتَاب الذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ
1- باب التَّسْمِيَةِ عَلَى الصَّيْدِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ {عَذَابٌ أَلِيمٌ} وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْعُقُودُ الْعُهُودُ مَا أُحِلَّ وَحُرِّمَ إِلاَّ {مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} الْخِنْزِيرُ يَجْرِمَنَّكُمْ يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُ عَدَاوَةُ الْمُنْخَنِقَةُ تُخْنَقُ فَتَمُوتُ الْمَوْقُوذَةُ تُضْرَبُ بِالْخَشَبِ يُوقِذُهَا فَتَمُوتُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ تَتَرَدَّى مِنْ الْجَبَلِ وَالنَّطِيحَةُ تُنْطَحُ الشَّاةُ فَمَا أَدْرَكْتَهُ يَتَحَرَّكُ بِذَنَبِهِ أَوْ

(9/598)


بِعَيْنِهِ فَاذْبَحْ وَكُلْ"
5475- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ قَالَ مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ فَقَالَ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ أَوْ كِلاَبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ"
قوله: "باب التسمية على الصيد" سقط "باب" لكريمة والأصيلي وأبي ذر، وثبت للباقين. والصيد في الأصل مصدر صاد يصيد صيدا، وعومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصاد. قوله وقول الله تعالى :{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ - إلى قوله- فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} وقول الله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} كذا لأبي ذر، وقدم وأخر في رواية كريمة والأصيلي، وزاد بعد قوله: "الصيد" : {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} الآية إلى قوله- عَذَابٌ أَلِيمٌ} وعند النسفي من قوله :{ أحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} الآيتين، وكذا لأبي الوقت لكن قال: "إلى قوله: {فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} وفرقهما في رواية كريمة والأصيلي. قوله: "قال ابن عباس: العقود العهود، ما أحل وحرم" وصله ابن أبي حاتم أتم منه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال في قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}: يعني بالعهود، ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن، ولا تغدروا ولا تنكثوا. وأخرجه الطبري من هذا الوجه مفرقا، ونقل مثله عن مجاهد والسدي وجماعة، ونقل عن قتادة: المراد ما كان في الجاهلية من الحلف. ونقل عن غيره: هي العقود التي يتعاقدها الناس. قال: والأول أولى، لأن الله أتبع ذلك البيان عما أحل وحرم، قال: والعقود جمع عقد، وأصل عقد الشيء بغيره وصله به كما يعقد الحبل بالحبل. قوله: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} :الخنزير، وصله أيضا ابن أبي حاتم عنه من هذا الوجه بلفظ :{ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} يعني الميتة والدم ولحم الخنزير". قوله: "يجرمنكم: يحملنكم" يعني قوله تعالى :{وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} أي لا يحملنكم بغض قوم على العدوان، وقد وصله ابن أبي حاتم أيضا من الوجه المذكور إلى ابن عباس، وحكى الطبري عن غيره غير ذلك لكنه راجع إلى معناه. قوله: "المنخنقة إلخ" وصله البيهقي بتمامه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقال في آخره: "فما أدركته من هذا يتحرك له ذنب أو تطرف له عين فاذبح واذكر اسم الله عليه فهو حلال" وأخرجه الطبري من هذا الوجه بلفظ: "المنخنقة التي تخنق فتموت، والموقوذة التي تضرب بالخشب حتى يوقذها فتموت، والمتردية التي تتردى من الجبل، والنطيحة الشاة تنطح الشاة، وما أكل السبع ما أخذ السبع، إلا ما ذكيتم إلا ما أدركتم ذكاته من هذا كله يتحرك له ذنب أو تطرف له عين فاذبح واذكر اسم الله عليه فهو حلال" ومن وجه آخر عن ابن عباس أنه قرأ: {وأكيل السبع "ومن طريق قتادة" كل ما ذكر غير الخنزير إذا أدركت منه عينا تطرف أو ذنبا يتحرك أو قائمة ترتكض فذكيته فقد أحل لك "ومن طريق علي نحو قول ابن عباس، ومن طريق قتادة: كان أهل الجاهلية يضربون الشاة بالعصا حتى إذا ماتت أكلوها

(9/599)


قال: والمتردية التي تتردى في البئر. قوله: "حدثنا زكريا" هو ابن أبي زائدة، وعامر هو الشعبي، وهذا السند كوفيون. قوله: "عن عدي بن حاتم" هو الطائي، في رواية الإسماعيلي من طريق عيسى بن يونس عن زكريا حدثنا عامر حدثنا عدي قال الإسماعيلي ذكرته بقوله: "حدثنا عامر حدثنا عدي" يشير إلى أن زكريا مدلس وقد عنعنه. قلت: وسيأتي في رواية عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي "سمعت عدي بن حاتم" وفي رواية سعيد بن مسروق "حدثني الشعبي سمعت عدي بن حاتم وكان لنا جارا ودخيلا وربيطا بالنهرين" أخرجه مسلم، وأبوه حاتم هو المشهور بالجود، وكان هو أيضا جوادا، وكان إسلامه سنة الفتح، وثبت هو وقومه على الإسلام، وشهد الفتوح بالعراق، ثم كان مع علي وعاش إلى سنة ثمان وستين. قوله: "المعراض" بكسر الميم وسكون المهملة وآخره معجمة، قال الخليل وتبعه جماعة: سهم لا ريش له ولا نصل. وقال ابن دريد وتبعه ابن سيده: سهم طويل له أربع قذذ رقاق، فإذا رمى به اعترض. وقال الخطابي: المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة، وقيل عود رقيق الطرفين غليظ الوسط وهو المسمى بالحذافة، وقيل خشبة ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها وقد لا يحدد؛ وقوى هذا الأخير النووي تبعا لعياض. وقال القرطبي: إنه المشهور. وقال ابن التين: المعراض عصا في طرفها حديدة يرمي الصائد بها الصيد، فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ. قوله: "وما أصاب بعرضه فهو وقيذ" في رواية ابن أبي السفر عن الشعبي في الباب الذي يليه "بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل" وقيذ بالقاف وآخره ذال معجمة وزن عظيم، فعيل بمعنى مفعول، وهو ما قتل بعصا أو حجر أو ما لا حد له، والموقوذة تقدم تفسيرها وأنها التي تضرب بالخشبة حتى تموت. ووقع في رواية همام بن الحارث عن عدي الآتية بعد باب "قلت إنا نرمي بالمعراض قال: كل ما خزق" وهو بفتح المعجمة والزاي بعدها قاف أي نفذ، يقال سهم خازق أي نافذ، ويقال بالسين المهملة بدل الزاي، وقيل الخزق - بالزاي وقيل تبدل سينا - الخدش ولا يثبت فيه، فإن قيل بالراء فهو أن يثقبه. وحاصله أن السهم وما في معناه إذا أصاب الصيد بحده حل وكانت تلك ذكاته، وإذا أصابه بعرضه لم يحل لأنه في معنى الخشبة الثقيلة والحجر ونحو ذلك من المثقل، وقوله: "بعرضه" بفتح العين أي بغير طرفه المحدد، وهو حجة للجمهور في التفصيل المذكور، وعن الأوزاعي وغيره من فقهاء الشام حل ذلك، وسيأتي في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.قوله: "وسألته عن صيد الكلب فقال: ما أمسك عليك فكل، فإن أخذ الكلب ذكاة" في رواية ابن أبي السفر "إذا أرسلت كلبك فسميت فكل" وفي رواية بيان بن عمرو عن الشعبي الآتية بعد أبواب "إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك" والمراد بالمعلمة التي إذا أغراها صاحبها على الصيد طلبته، وإذا زجرها انزجرت وإذا أخذت الصيد حبسته على صاحبها.وهذا الثالث مختلف في اشتراطه، واختلف متى يعلم ذلك منها فقال البغوي في "التهذيب" : أقله ثلاث مرات، وعن أبي حنيفة وأحمد يكفي مرتين.وقال الرافعي: لم يقدره المعظم لاضطراب العرف واختلاف طباع الجوارح فصار المرجع إلى العرف. ووقع في رواية مجالد عن الشعبي عن عدي في هذا الحديث عند أبي داود والترمذي أما الترمذي فلفظه: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فكل" وأما أبو داود فلفظه: "ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك.قلت: وإن قتل؟ قال: إذا قتل ولم يأكل منه" قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بصيد الباز والصقور بأسا ا ه.وفي معنى الباز الصقر والعقاب والباشق والشاهين، وقد فسر مجاهد الجوارح في الآية

(9/600)


بالكلاب والطيور، وهو قول الجمهور إلا ما روى عن ابن عمر وابن عباس من التفرقة بين صيد الكلب والطير.قوله: "إذ أرسلت كلابك المعلمة فإن وجدت مع كلبك كلبا غيره" في رواية بيان "وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل" وزاد في روايته بعد قوله مما أمسكن عليك "وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" وفي رواية ابن أبي السفر "قلت، فإن أكل؟ قال: فلا تأكل، فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه"، وسيأتي بعد أبواب زيادة في رواية عاصم عن الشعبي في رمي الصيد إذا غاب عنه ووجده بعد يوم أو أكثر.وفي الحديث اشتراط التسمية عند الصيد، وقد وقع في حديث أبي ثعلبة كما سيأتي بعد أبواب "وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل" وقد أجمعوا على مشروعيتها إلا أنهم اختلفوا في كونها شرطا في حل الأكل فذهب الشافعي وطائفة - وهي رواية عن مالك وأحمد - أنها سنة، فمن تركها عمدا أو سهوا لم يقدح في حل الأكل. وذهب أحمد في الراجح عنه وأبو ثور وطائفة إلى أنها واجبة لجعلها شرطا في حديث عدي، ولإيقاف الإذن في الأكل عليها في حديث أبي ثعلبة، والمعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه عند من يقول بالمفهوم، والشرط أقوى من الوصف، ويتأكد القول بالوجوب بأن الأصل تحريم الميتة، وما أذن فيه منها تراعي صفته، فالمسمى عليها وافق الوصف وغير المسمى باق على أصل التحريم. وذهب أبو حنيفة ومالك والثوري وجماهير العلماء إلى الجواز لمن تركها ساهيا لا عمدا، لكن اختلف عن المالكية: هل تحرم أو تكره؟ وعند الحنفية تحرم، وعند الشافعية في العمد ثلاثة أوجه: أصحها يكره الأكل، وقيل خلاف الأولى، وقيل يأثم بالترك ولا يحرم الأكل. والمشهور عن أحمد التفرقة بين الصيد والذبيحة، فذهب في الذبيحة إلى هذا القول الثالث، وسيأتي حجة من لم يشترطه فيها في الذبائح مفصلة، وفيه إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة، واستثنى أحمد وإسحاق الكلب الأسود وقالا: لا يحل الصيد به لأنه شيطان ونقل عن الحسن وإبراهيم وقتادة نحو ذلك. وفيه جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المتقدمة ولو لم يذبح لقوله: "إن أخذ الكلب ذكاة" فلو قتل الصيد بظفره أو نابه حل، وكذا بثقله على أحد القولين للشافعي وهو الراجح عندهم، وكذا لو لم يقتله الكلب لكن تركه وبه رمق ولم يبق زمن يمكن صاحبه فيه لحاقه وذبحه فمات حل، لعموم قوله: "فإن أخذ الكلب ذكاة" وهذا في المعلم، فلو وجده حيا حياة مستقرة وأدرك ذكاته لم يحل إلا بالتذكية، فلو لم يذبحه مع الإمكان حرم، سواء كان عدم الذبح اختيارا أو إضرارا كعدم حضور آلة الذبح، فإن كان الكلب غير معلم اشترط إدراك تذكيته، فلو أدركه ميتا لم يحل. وفيه أنه لا يحل أكل ما شاركه فيه كلب آخر في اصطياده، ومحله ما إذا استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الذكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حل، ثم ينظر فإن أرسلاهما معا فهو لهما وإلا فللأول، ويؤخذ ذلك من التعليل في قوله: "فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره:" فإنه يفهم منه أن المرسل لو سمي على الكلب لحل. ووقع في رواية بيان عن الشعبي "وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل" فيؤخذ منه أنه لو وجده حيا وفيه حياة مستقرة فذكاة حل، لأن الاعتماد في الإباحة على التذكية لا على إمساك الكلب. وفيه تحريم أكل الصيد الذي أكل الكلب منه ولو كان الكلب معلما، وقد علل في الحديث بالخوف من أنه "إنما أمسك على نفسه" وهذا قول الجمهور، وهو الراجح من قولي الشافعي. وقال في القديم - وهو قول مالك ونقل عن بعض الصحابة - يحل، واحتجوا بما ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إن لي كلابا مكلبة، فأفتني في صيدها. قال: كل مما

(9/601)


أمسكن عليك. قال: وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه" أخرجه أبو داود. ولا بأس بسنده. وسلك الناس في الجمع بين الحديثين طرقا: منها للقائلين بالتحريم حمل حديث أبي ثعلبة: على ما إذا قتله وخلاه ثم عاد فأكل منه، ومنها الترجيح فرواية عدي في الصحيحين متفق على صحتها، ورواية أبي ثعلبة المذكورة في غير الصحيحين مختلف في تضعيفها، وأيضا فرواية عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم وهو خوف الإمساك على نفسه متأيدة بأن الأصل في الميتة التحريم، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل وظاهر القرآن أيضا وهو قوله تعالى :{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} فإن مقتضاها أن الذي يمسكه من غير إرسال لا يباح، ويتقوى أيضا بالشاهد من حديث ابن عباس عند أحمد "إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه. وإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل، فإنما أمسك على صاحبه" وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عباس وابن أبي شيبة من حديث أبي رافع بمعناه، ولو كان مجرد الإمساك كافيا لما احتيج إلى زيادة {عَلَيْكُمْ}. ومنها للقائلين بالإباحة حمل حديث عدي على كراهة التنزيه، وحديث أبي ثعلبة على بيان الجواز. قال بعضهم: ومناسبة ذلك أن عديا كان موسرا فاختير له الحمل على الأولى، بخلاف أبي ثعلبة فإنه كان بعكسه. ولا يخفى ضعف هذا التمسك مع التصريح بالتعليل في الحديث بخوف الإمساك على نفسه. وقال ابن التين: قال بعض أصحابنا هو عام فيحمل على الذي أدركه ميتا من شدة العدو أو من الصدمة فأكل منه، لأنه صار على صفة لا يتعلق بها الإرسال ولا الإمساك على صاحبه، قال: ويحتمل أن يكون معنى قوله: "فإن أكل فلا تأكل أي لا يوجد منه غير مجرد الأكل دون إرسال الصائد له، وتكون هذه الجملة مقطوعة عما قبلها. ولا يخفى تعسف هذا وبعده. وقال ابن القصار: مجرد إرسالنا الكلب إمساك علينا، لأن الكلب لا نية له ولا يصح منه ميزها، وإنما يتصيد بالتعليم؛ فإذا كان الاعتبار بأن يمسك علينا أو على نفسه واختلف الحكم في ذلك وجب أن يتميز ذلك بنية من له نية وهو مرسله، فإذا أرسله فقد أمسك عليه وإذا لم يرسله لم يمسك عليه، كذا قال: ولا يخفى بعده أيضا ومصادمته لسياق الحديث. وقد قال الجمهور: إن معنى قوله: " {أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} صدن لكم، وقد جعل الشارع أكله منه علامة على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه فلا يعدل عن ذلك، وقد وقع في رواية لابن أبي شيبة: "إن شرب من دمه فلا تأكل فإنه لم يعلم ما علمته" وفي هذا إشارة إلى أنه إذا شرع في أكله دل على أنه ليس بمعلم التعليم المشترط. وسلك بعض المالكية الترجيح فقال: هذه اللفظة ذكرها الشعبي ولم يذكرها همام، وعارضها حديث أبي ثعلبة، وهذا ترجيح مردود لما تقدم. وتمسك بعضهم بالإجماع على جواز أكله إذا أخذه الكلب بفيه وهم بأكله فأدرك قبل أن يأكل، قال فلو كان أكله منه دالا على أنه أمسك على نفسه لكان تناوله بفيه وشروعه في أكله كذلك، ولكن يشترط أن يقف الصائد حتى ينظر هل يأكل أو لا والله أعلم. وفيه إباحة الاصطياد للانتفاع بالصيد للأكل والبيع وكذا اللهو، بشرط قصد التذكية والانتفاع، وكرهه مالك، وخالفه. الجمهور. قال الليث: لا أعلم حقا أشبه بباطل منه، فلو لم يقصد الانتفاع به حرم لأنه من الفساد في الأرض بإتلاف نفس عبثا. وينقدح أن يقال: يباح، فإن لازمه وأكثر منه كره، لأنه قد يشغله عن بعض الواجبات وكثير من المندوبات. وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس رفعه: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل" وله شاهد عن أبي هريرة عند الترمذي أيضا وآخر عند الدار قطني في "الأفراد" من حديث البراء بن عازب وقال: تفرد به شريك. وفيه جواز اقتناء الكلب المعلم للصيد، وسيأتي البحث فيه في حديث: "من اقتنى

(9/602)


كلبا" واستدل به على جواز بيع كلب الصيد للإضافة في قوله: "كلبك" وأجاب من منع بأنها إضافة اختصاص، واستدل به على طهارة سؤر كلب الصيد دون غيره من الكلاب للإذن في الأكل من الموضع الذي أكل منه، ولم يذكر الغسل ولو كان واجبا لبينه لأنه وقت الحاجة إلى البيان. وقال بعض العلماء: يعفى عن معض الكلب ولو كان نجسا لهذا الحديث، وأجاب من قال بنجاسته بأن وجوب الغسل كان قد اشتهر عندهم وعلم فاستغنى عن ذكره، وفيه نظر، وقد يتقوى القول بالعفو لأنه بشدة الجري يجف ريقه فيؤمن معه ما يخشى من إصابة لعابه موضع العض، واستدل بقوله: "كل ما أمسك عليك" بأنه لو أرسل كلبه على صيد فاصطياد غيره حل، للعموم الذي في قوله: "ما أمسك" وهذا قول الجمهور. وقال مالك: لا يخل، وهو رواية البويطي عن الشافعي. "تنبيه": قال ابن المنير ليس في جميع ما ذكر من الآي والأحاديث تعرض للتسمية المترجم عليها إلا آخر حديث عدي، فكأنه عده بيانا لما أجملته الأدلة من التسمية، وعند الأصوليين خلاف في المجمل إذا اقترنت به قرينة لفظية مبينة هل يكون ذلك الدليل المجمل معها أو إباها خاصة؟ انتهى. وقوله: "الأحاديث" يوهم أن في الباب عدة أحاديث، وليس كذلك لأنه لم يذكر فيه إلا حديث عدي، نعم ذكر فيه تفاسير ابن عباس فكأنه عدها أحاديث، بحثه في التسمية المذكورة في آخر حديث عدي مردود، وليس ذلك مراد البخاري، وإنما جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي يورده، وقد أورد البخاري بعده بقليل من طريق ابن أبي السفر عن الشعبي "إذا أرسلت كلبك وسميت فكل" ومن رواية بيان عن الشعبي "إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل" فلما كان الأخذ بقيد "المعلم" متفقا عليه وإن لم يذكر في الطريق الأولى كانت التسمية كذلك، والله أعلم

(9/603)


2- باب صَيْدِ الْمِعْرَاضِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الْمَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقَةِ تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ وَكَرِهَهُ سَالِمٌ وَالْقَاسِمُ وَمُجَاهِدٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَكَرِهَ الْحَسَنُ رَمْيَ الْبُنْدُقَةِ فِي الْقُرَى وَالأَمْصَارِ وَلاَ يَرَى بَأْسًا فِيمَا سِوَاهُ
5476- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ فَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلاَ تَأْكُلْ فَقُلْتُ أُرْسِلُ كَلْبِي قَالَ إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ قُلْتُ فَإِنْ أَكَلَ قَالَ فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنَّهُ لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ قُلْتُ أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ قَالَ لاَ تَأْكُلْ فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرَ"
قوله: "باب صيد المعراض" تقدم تفسيره في الذي قبله. قوله: "وقال ابن عمر في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة، وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن" أما أثر ابن عمر فوصله البيهقي من طريق أبي عامر العقدي عن زهير هو ابن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن عمر أنه كان يقول: "المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة" وأخرج ابن أبي شيبة من طريق نافع عن ابن عمر أنه "كان لا يأكل ما أصابت البندقة" ولمالك في الموطأ عن

(9/603)


نافع "رميت طائرين بحجر فأصبتهما، فإما أحدهما فمات فطرحه ابن عمر". وأما سالم وهو ابن عبد الله بن عمر والقاسم وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق فأخرج ابن أبي شيبة عن الثقفي عن عبيد الله بن عمر عنهما "إنهما كانا يكرهان البندقة، إلا ما أدركت ذكاته". ولمالك في "الموطأ" أنه "بلغه أن القاسم بن محمد كان يكره ما قتل بالمعراض والبندقة". وأما مجاهد فأخرج ابن أبي شيبة من وجهين أنه كرهه، زاد في أحدهما "لا تأكل إلا أن يذكى". وأما إبراهيم وهو النخعي فأخرج ابن أبي شيبة من رواية الأعمش عنه "لا تأكل ما أصبت بالبندقة إلا أن يذكى". وأما عطاء فقال عبد الرزاق عن ابن جريج "قال عطاء: إن رميت صيدا ببندقة فأدركت ذكاته فكله، وإلا فلا تأكله" وأما الحسن وهو البصري فقال ابن أبي شيبة: "حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن: إذا رمى الرجل الصيد بالجلاهقة فلا تأكل، إلا أن تدرك ذكاته". والجلاهقة بضم الجيم وتشديد اللام وكسر الهاء بعدها قاف هي البندقة بالفارسية والجمع جلاهق. قوله: "وكره الحسن رمي البندقة في القرى والأمصار، ولا يرى به بأسا فيما سواه" وصله1 ثم ذكر حديث عدي بن حاتم من طريق عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي، وقد تقدم شرحه مستوفى في الباب الذي قبله.

(9/604)


باب مأصاب المعراض بعرضه
...
3- باب مَا أَصَابَ الْمِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ
5477- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُرْسِلُ الْكِلاَبَ الْمُعَلَّمَةَ قَالَ كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ قُلْتُ وَإِنْ قَتَلْنَ قَالَ وَإِنْ قَتَلْنَ قُلْتُ وَإِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ قَالَ كُلْ مَا خَزَقَ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلاَ تَأْكُلْ"
قوله: "باب ما أصاب المعراض بعرضه" ذكر فيه حديث عدي بن حاتم من طريق همام بن الحارث عنه مختصرا وقد بينت ما فيه في الباب الأول.

(9/604)


4- باب صَيْدِ الْقَوْسِ
وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ إِذَا ضَرَبَ صَيْدًا فَبَانَ مِنْهُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ لاَ تَأْكُلُ الَّذِي بَانَ وَكُلْ سَائِرَهُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ أَوْ وَسَطَهُ فَكُلْهُ وَقَالَ الأَعْمَشُ عَنْ زَيْدٍ اسْتَعْصَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ حِمَارٌ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوهُ حَيْثُ تَيَسَّرَ دَعُوا مَا سَقَطَ مِنْهُ وَكُلُوهُ"
5478- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ فَمَا يَصْلُحُ لِي قَالَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلاَ تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ

(9/604)


باب الخذف والبندقية
...
5- باب الْخَذْفِ وَالْبُنْدُقَةِ
5473- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَاللَّفْظُ لِيَزِيدَ عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ لاَ تَخْذِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ وَقَالَ إِنَّهُ لاَ يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلاَ يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ وَأَنْتَ تَخْذِفُ لاَ أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا"
قوله: "باب الخذف والبندقة" أما الخذف فسيأتي تفسيره في الباب، وأما البندقة معروفة تتخذ من طين وتيبس فيرمى بها، وقد تقدمت أشياء تتعلق بها في "باب صيد المعراض". قوله: "حدثني يوسف بن راشد" وهو يوسف بن موسى بن راشد بن بلال القطان الرازي نزيل بغداد، نسبه البخاري إلى جده، وفي طبقته يوسف بن موسى التستري نزل الري. فلعل البخاري كان يخشى أن يلتبس به. قوله: "واللفظ ليزيد" قلت قد أخرج أحمد الحديث عن وكيع مقتصرا على المتن دون القصة، وأخرجه الإسماعيلي من رواية يحيى القطان ووكيع كلاهما عن كهمس مقرونا وقال: إن السياق ليحيى والمعنى واحد. قوله: "إنه رأى رجلا" لم أقف على اسمه، ووقع في رواية مسلم من رواية معاذ بن معاذ عن كهمس "رأى رجلا من أصحابه" وله من رواية سعيد بن جبير عن عبد الله بن مغفل أنه قريب لعبد الله بن مغفل. قوله: "يخذف" بخاء معجمة وآخره فاء أي يرمي بحصاة أو نواة بين سبابتيه أو بين الإبهام والسبابة أو على ظاهر الوسطى وباطن الإبهام. وقال ابن فارس: خذفت الحصاة رميتها بين أصبعيك، وقيل في حصى الخذف: أن يجعل الحصاة بين السبابة من اليمنى والإبهام من اليسرى ثم يقذفها بالسبابة من اليمين. وقال ابن سيده: خذف بالشيء يخذف فارسي وخص بعضهم به الحصى، قال: والمخذفة التي يوضع فيها الحجر ويرمي بها الطير ويطلق على المقلاع أيضا قاله في الصحاح. قوله: "نهى عن الخذف، أو كان يكره الخذف" في رواية أحمد عن وكيع "نهى عن الحذف" ولم يشك، وأخرجه عن محمد بن جعفر عن كهمس بالشك وبين أن الشك من كهمس. قوله: "إنه لا يصاد به صيد" قال المهلب: أباح الله الصيد على صفة فقال: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} وليس الرمي بالبندقة ونحوها من ذلك وإنما هو وقيذ، وأطلق الشارع أن الحذف لا يصاد به لأنه ليس من المجهزات، وقد اتفق العلماء - إلا من شذ منهم - على تحريم أكل ما قتلته البندقة والحجر انتهى. وإنما كان كذلك لأنه يقتل الصيد بقوة راميه لا بحده. قوله: "ولا ينكأ به عدو" قال عياض: الرواية بفتح الكاف وبهمزة في آخره وهي لغة،

(9/607)


والأشهر بكسر الكاف بغير همز. وقال في شرح مسلم: لا ينكأ بفتح الكاف مهموز، وروى لا ينكي بكسر الكاف وسكون التحتانية، وهو أوجه لأن المهموز إنما هو من نكأت القرحة وليس هذا موضعه فإنه من النكاية، لكن قال في "العين" نكأت لغة في نكيت، فعلى هذا تتوجه هذه الرواية قال: ومعناه المبالغة في الأذى. وقال ابن سيده، نكأ العدو نكاية أصاب منه، ثم قال: نكأت العدو أنكؤهم لغة في نكيتهم، فظهر أن الرواية صحيحة المعنى ولا معنى لتخطئتها. وأغرب ابن التين فلم يعرج على الرواية التي بالهمز أصلا بل شرحه على التي بكسر الكاف بغير همز، ثم قال: ونكأت القرحة بالهمز. قوله: "ولكنها قد تكسر السن" أي الرمية، وأطلق السن فيشمل سن المرمى وغيره من آدمي وغيره. قوله: "لا أكلمك كذا وكذا" في رواية معاذ ومحمد بن جعفر "لا أكلمك كلمة كذا وكذا" وكلمة بالنصب والتنوين، كذا وكذا أبهم الزمان، ووقع في رواية سعيد بن جبير عند مسلم: "لا أكلمك أبدا" وفي الحديث جواز هجران من خالف السنة وترك كلامه، ولا يدخل ذلك في النهي عن الهجر فوق ثلاث فإنه يتعلق بمن هجر لحظ نفسه، وسيأتي بسط ذلك في كتاب الأدب، وفيه تغيير المنكر ومنع الرمي بالبندقة لأنه إذا نفى الشارع أنه لا يصيد فلا معنى للرمي به بل فيه تعريض للحيوان بالتلف لغير مالكه وقد ورد النهي عن ذلك، نعم قد يدرك ذكاة ما رمي بالبندقة فيحل أكله، ومن ثم اختلف في جوازه فصرح مجلي في "الذخائر" بمنعه وبه أفتى ابن عبد السلام، وجزم النووي له لأنه طريق إلى الاصطياد، والتحقيق التفصيل: فإن كان الأغلب من حال الرمي ما ذكر في الحديث امتنع، وإن كان عكسه جاز ولا سيما أن كان المرمى مما لا يصل إليه الرمي إلا بذلك ثم لا يقتله غالبا، وقد تقدم قبل بابين من هذا الباب قول الحسن في كراهية رمي البندقة في القرى والأمصار، ومفهومه أنه لا يكره في الفلاة، فجعل مدار النهي على خشية إدخال الضرر على أحد من الناس والله أعلم

(9/608)


6- باب مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ
5480- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيَةٍ نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ"
[الحديث 5480- طرفاه في: 5481، 5482]
5481- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ"
5482- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ"

(9/608)


قوله: "باب من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد أو ماشية" يقال اقتنى الشيء إذا اتخذه للادخار، ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك من ثلاثة طرق عنه، ووقع في الرواية الأولى "ليس بكلب ماشية أو ضارية" وفي الثانية "إلا كلبا ضاريا لصيد أو كلب ماشية" وفي الثالثة "إلا كلب ماشية أو ضاربا" فالرواية الثانية تفسر الأولى والثالثة، فالأولى إما للاستعارة على أن ضاربا صفة للجماعة الضارين أصحاب الكلاب المعتادة الضارية على الصيد، يقال ضرا على الصيد ضراوة أي تعود ذلك واستمر عليه، وضرا الكلب وأضراه صاحبه أي عوده وأغراه بالصيد، والجمع ضوار، وإما للتناسب للفظ ماشية مثل لا دريت ولا تليت والأصل تلوت، والرواية الثالثة فيها حذف تقديره أو كلبا ضاريا، ووقع في الرواية الثانية في غير رواية أبي ذر "إلا كلب ضاري" بالإضافة وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، أو لفظ ضاري صفة للرجل الصائد أي إلا كلب رجل معتاد للصيد، وثبوت الياء في الاسم المنقوص مع حذف الألف واللام منه لغة. وقد أورد المصنف حديث الباب من حديث أبي هريرة في المزارعة وفي بدء الخلق، وأورده فيهما أيضا من حديث سفيان بن أبي زهير، وتقدم شرح المتن مستوفى في كتاب المزارعة، وفيه التنبيه على زيادة أبي هريرة وسفيان بن أبي زهير في الحديث: "أو كلب زرع"، وفي لفظ: "حرث" وكذا وقعت الزيادة في حديث عبد الله بن مغفل عند الترمذي.

(9/609)


7- باب إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} مكلبين وَالْكَوَاسِبُ اجْتَرَحُوا اكْتَسَبُوا {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ - سَرِيعُ الْحِسَابِ} وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَقَدْ أَفْسَدَهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَاللَّهُ يَقُولُ {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ} فَتُضْرَبُ وَتُعَلَّمُ حَتَّى يَتْرُكَ وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ وَقَالَ عَطَاءٌ إِنْ شَرِبَ الدَّمَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ
5483- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَيَانٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلاَبِ فَقَالَ إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَإِنْ قَتَلْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَطَهَا كِلاَبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلاَ تَأْكُلْ"
قوله: "باب إذا أكل الكلب" ذكر فيه حديث عدي بن حاتم من رواية بيان بن عمرو عن الشعبي عنه، وقد تقدم شرحه مستوفى في الباب الأول. قوله: "وقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} الآية. مكلبين الكواسب" في رواية الكشميهني: "الصوائد" وجمعهما في نسخة الصغاني، وهو صفة محذوف تقديره الكلاب الصوائد أو الكواسب، وقوله: "مكلبين" أي مؤدبين أو معودين، قيل وليس هو تفعيل من الكلب الحيوان المعروف وإنما هو من الكلب بفتح اللام وهو الحرص، نعم هو راجع إلى الأول لأنه أصل فيه لما طبع عليه من شدة الحرص، ولأن الصيد غالبا إنما بكون بالكلاب، فمن علم الصيد من غيرها كان في معناها. وقال أبو عبيدة في قوله: "مكلبين" : أي أصحاب كلاب. وقال الراغب: الكلاب والمكلب الذي يعلم الكلاب. قوله: "اجترحوا اكتسبوا" هو تفسير

(9/609)


أبي عبيدة، وليست هذه الآية في هذا الموضع وإنما ذكرها استطرادا لبيان أن الاجتراح يطلق على الاكتساب وأن المراد بالمكلبين المعلمين، وهو وإن كان أصل المادة الكلاب لكن ليس الكلب شرطا فيصح الصيد بغير الكلب من أنواع الجوارح، ولفظ أبي عبيدة، وما علمتم من الجوارح أي الصوائد، ويقال فلان جارحة أهله أي كاسبهم. وفي رواية أخرى: ومن يجترح أي يكتسب. وفي رواية أخرى: الذين اجترحوا السيئات اكتسبوا. "تنبيه": اعترض بعض الشراح على قوله: "الكواسب والجوارح" فإنه قال في تفسير براءة في الهوالك ما تقدم ذكره فألزمه التناقض، وليس كما قال، بل الذي هنا على الأصل في جمع المؤنث. قوله: "وقال ابن عباس: إن أكل الكلب فقد أفسده، إنما أمسك على نفسه، والله يقول: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ} فتضرب وتعلم حتى تترك وصله سعيد بن منصور مختصرا من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه. وأخرج أيضا من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا أرسلت كلبك المعلم فسميت فأكل فلا تأكل، وإذا أكل قبل أن يأتي صاحبه فليس بعالم لقول الله عز وجل :{مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} وينبغي إذا فعل ذلك أن يضربه حتى يدع ذلك الخلق، فعرف بهذا المراد بقوله: "حتى يترك" أي يترك خلقه في الشره ويتمرن على الصبر عن تناول الصيد حتى يجئ صاحبه. قوله: "وكرهه ابن عمر" وصله ابن أبي شيبة من طريق مجاهد عن ابن عمر قل: إذا أكل الكلب من صيده فإنه ليس بعلم. وأخرج من وجه آخر عن ابن عمر الرخصة فيه. وكذا أخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق. قوله: "وقال عطاء إن شرب الدم ولم يأكل فكل" وصله ابن أبي شيبة من طريق ابن جريج عنه بلفظ: "إن أكل فلا تأكل وإن شرب فلا" وتقدمت مباحث هذه المسألة في الباب الأول. حديث عدي بن حاتم من رواية بيان بن عمرو عن الشعبي عنه، قد تقدم شرحه مستوفى في الباب الأول.

(9/610)


8- باب الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً
5484- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِذَا خَالَطَ كِلاَبًا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلاَّ أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلاَ تَأْكُلْ وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَقْتَفِرُ أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ قَالَ يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ"
قوله: "باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة" أي عن الصائد. قوله: "ثابت بن يزيد" هو أبو زيد البصري الأحول وحكى الكلاباذي أنه قيل فيه ثابت بن زيد قال والأول أصح. قلت: زيد كنيته لا اسم أبيه، وشيخه عاصم هو ابن سليمان الأحول وقد زاد عن الشعبي في حديث عدي قصة السهم. قوله: "وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل" ومفهومه أنه إن وجد فيه أثر غير سهمه لا يأكل، وهو نظير ما تقدم في الكلب من التفصيل فيما إذا خالط الكلب الذي أرسله الصائد كلب آخر، لكن التفصيل في مسألة الكلب فيما إذا

(9/610)


شارك الكلب في قتله كلب آخر، وهنا الأثر الذي يوجد فيه من غير سهم الرامي أعم من أن يكون أثر سهم رام آخر أو غير ذلك من الأسباب القاتلة فلا يحل أكله مع التردد، وقد جاءت فيه زيادة من رواية سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم عند الترمذي والنسائي والطحاوي بلفظ: "إذا وجدت سهمك فيه ولم يجد به أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكل منه" قال الرافعي: يؤخذ منه أنه لو جرحه ثم غاب ثم جاء فوجده ميتا أنه لا يحل، وهو ظاهر نص الشافعي في "المختصر". وقال النووي: الحل أصح دليلا. وحكى البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي أنه قال في قول ابن عباس "كل ما أصميت ودع ما أنميت" : معنى "ما أصميت" ما قتله الكلب وأنت تراه، وما "أنميت" وما غاب عنك مقتله. قال وهذا لا يجوز عندي غيره إلا أن يكون جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء فيسقط كل شيء خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقوم معه رأي ولا قياس، قال البيهقي: وقد ثبت الخبر يعني حديث الباب فينبغي أن يكون هو قول الشافعي. قوله: "وإن وقع في الماء فلا تأكل" يؤخذ سبب منع أكله من الذي قبله، لأنه حينئذ يقع التردد هل قتله السهم أو الغرق في الماء؟ فلو تحقق أن السهم أصابه فملت فلم يقع في الماء إلا بعد أن قتله السهم فهذا يحل أكله، قال النووي في "شرح مسلم:" إذا وجد الصيد في الماء غريقا حرم بالاتفاق ا ه، وقد صرح الرافعي بأن محله ما لم ينته الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح، فإن انتهى إليها بقطع الحلقوم مثلا فقد تمت زكاته، ويؤيده قوله في رواية مسلم: "فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك" فدل على أنه إذا علم أن سهمه هو الذي قتله أنه يحل. قوله: "وقال عبد الأعلى" يعني ابن عبد الأعلى السامي بالمهملة البصري، وداود هو ابن أبي هند، وعامر هو الشعبي، وهذا التعليق وصله أبو داود عن الحسين بن معاذ عن عبد الأعلى به. قوله: "فيفتقر" بفاء ثم مثناة ثم قاف أي يتبع فقاره حتى يتمكن منه، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن بطال. وفي رواية الكشميهني فيقتفي أي يتبع، وكذا لمسلم والأصيلي وفي رواية: "فيقفو" وهي أوجه. قوله: "اليومين والثلاثة" فيه زيادة على رواية عاصم بن سليمان "بعد يوم أو يومين" ووقع في رواية سعيد بن جبير "فيغيب عنه الليلة والليلتين" ووقع عند مسلم في حديث أبي ثعلبة بسند فيه معاوية بن صالح "إذا رميت سهمك فغاب عنك فأدركته فكل ما لم ينتن" وفي لفظ في الذي يدرك الصيد بعد ثلاث "كله ما لم ينتن" ونحوه عند أبي داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما تقدم التنبيه عليه قريبا، فجعل الغاية أن ينتن الصيد فلو وجده مثلا بعد ثلاث ولم ينتن حل، وإن وجده بلونها وقد أنتن فلا، هذا ظاهر الحديث، وأجاب النووي بأن النهي عن أكله إذا أنتن للتنزيه، وسأذكر في ذلك بحثا في "باب صيد البحر" واستدل به على أن الرامي لو أخر الصيد عقب الرمي إلى أن يجده أن يحل بالشروط المتقدمة ولا يحتاج إلى استفصال عن سبب غيبته عنه أكان مع الطلب أو عدمه، لكن يستدل للطلب بما وقع في الرواية الأخيرة حيث قال: "فيقتفي أثره" فدل على أن الجواب خرج على حسب السؤال، فاختصر بعض الرواة السؤال، فلا يتمسك فيه بترك الاستفصال. واختلف في صفة الطلب: فعن أبي حنيفة إن أخر ساعة فلم يطلب لم يحل، وإن اتبعه عقب الرمي فوجده ميتا حل. وعن الشافعية لا بد أن يتبعه. وفي اشتراط العدو وجهان أظهرهما يكفي المشي على عادته حتى لو أسرع وجده حيا حل. وقال إمام الحرمين: لا بد من الإسراع قليلا ليتحقق صورة الطلب، وعند الحنفية نحو هذا الاختلاف.

(9/611)


9- باب إِذَا وَجَدَ مَعَ الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ
5486- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَأَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ قُلْتُ إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي أَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ لاَ أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ فَقَالَ لاَ تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلاَ تَأْكُلْ"
قوله: "باب إذا وجد مع الصيد كلبا آخر" ذكر فيه حديث عدي بن حاتم من رواية عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي، وقد تقدم البحث في ذلك في الباب الأول.

(9/612)


باب ماجاء في التصيد
...
10- باب مَا جَاءَ فِي التَّصَيُّدِ
5487- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنِي ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَيَانٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ إِنَّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهَذِهِ الْكِلاَبِ فَقَالَ إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَطَهَا كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلاَ تَأْكُلْ"
5488- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ح و حَدَّثَنِي أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ وَالَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلاَ تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ"
5489- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَوْا عَلَيْهَا حَتَّى لَغِبُوا فَسَعَيْتُ عَلَيْهَا حَتَّى أَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَرِكَيْهَا أَوْ فَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ"

(9/612)


5490- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ ثُمَّ سَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطًا فَأَبَوْا فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَى بَعْضُهُمْ فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ"
5490- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِثْلَهُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ"؟
قوله: "باب ما جاء في التصيد". قال ابن المنير مقصوده بهذه الترجمة التنبيه على أن الاشتغال بالصيد لمن هو عيشه به مشروع، ولمن عرض له ذلك وعيشه بغيره مباح، وأما التصيد لمجرد اللهو فهو محل الخلاف. قلت: وقد تقدم البحث في ذلك في الباب الأول. وذكر فيه أربعة أحاديث. حديث عدي بن حاتم من رواية بيان بن عمرو عن الشعبي عنه وقد تقدم ما فيه. حديث أبي ثعلبة أخرجه عاليا عن أبي عاصم عن حيوة، ونازلا من رواية ابن المبارك عن حيوة وهو ابن شريح، وساقه على رواية ابن المبارك، وسيأتي لفظ أبي عاصم حيث أفرده بعد ثلاثة أبواب، وقد تقدم قبل خمسة أبواب من وجه آخر عاليا. "أنفجنا أرنبا" يأتي شرحه في أواخر الذبائح حيث عقد للأرنب ترجمة مفردة، ومعنى "أنفجنا" أثرنا. وقوله هنا "لغبوا" بغين معجمة بعد اللام أي تعبوا وزنه ومعناه، وثبت بلفظ تعبوا في رواية الكشميهني، وقوله: "بوركها" كذا للأكثر بالإفراد، وللكشميهني: "بوركيها" بالتثنية. حديث أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي، وتقدم شرحها مستوفى في كتاب الحج.

(9/613)


11- باب التَّصَيُّدِ عَلَى الْجِبَالِ
5492- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَأَنَا رَجُلٌ حِلٌّ عَلَى فَرَسٍ وَكُنْتُ رَقَّاءً عَلَى الْجِبَالِ فَبَيْنَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ مُتَشَوِّفِينَ لِشَيْءٍ فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ فَقُلْتُ لَهُمْ مَا هَذَا قَالُوا لاَ نَدْرِي قُلْتُ هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ فَقَالُوا هُوَ مَا رَأَيْتَ وَكُنْتُ نَسِيتُ سَوْطِي فَقُلْتُ لَهُمْ نَاوِلُونِي سَوْطِي فَقَالُوا لاَ نُعِينُكَ عَلَيْهِ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُ ثُمَّ ضَرَبْتُ فِي أَثَرِهِ فَلَمْ يَكُنْ إِلاَّ ذَاكَ حَتَّى عَقَرْتُهُ فَأَتَيْتُ إِلَيْهِمْ فَقُلْتُ لَهُمْ قُومُوا فَاحْتَمِلُوا قَالُوا لاَ نَمَسُّهُ فَحَمَلْتُهُ حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ فَأَبَى بَعْضُهُمْ وَأَكَلَ بَعْضُهُمْ فَقُلْتُ لَهُمْ أَنَا أَسْتَوْقِفُ لَكُمْ

(9/613)


النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْرَكْتُهُ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ لِي أَبَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ كُلُوا فَهُوَ طُعْمٌ أَطْعَمَكُمُوهُ اللَّهُ"
قوله: "باب التصيد على الجبال" هو بالجيم جمع جبل بالتحريك. أورد فيه حديث أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي لقوله فيه: "كنت رقاء على الجبال" وهو بتشديد القاف مهموز أي كثير الصعود عليها. قوله: "أخبرنا عمرو" هو ابن الحارث المصري، وأبو النضر هو المدني واسمه سالم. قوله: "وأبي صالح" هو مولى التوأمة واسمه نبهان، ليس له في البخاري إلا هذا الحديث، وقرنه بنافع مولى أبي قتادة. وغفل الداودي فظن أن أبا صالح هذا هو ولده صالح مولى التوأمة فقال: إنه تغير بأخرة، فمن أخذ عنه قديما مثل ابن أبي ذئب وعمرو بن الحارث فهو صحيح، وذكر أبو علي الجياني أن أبا أحمد كتب على حاشية نسخته مقابل "وأبي صالح" : هذا خطأ، يعني أن الصواب عن نافع وصالح، قال: وليس هو كما ظن، فإن الحديث محفوظ لنبهان لا لابنه صالح، وقد نبه على ذلك عبد الغني بن سعيد الحافظ، فإنه سئل عمن روى هذا الحديث فقال: "عن صالح مولى التوأمة"، فقال: هذا خطأ إنما هو عن نافع وأبي صالح وهو والد صالح، ولم يأت عنه غير هذا الحديث فلذلك غلط فيه. والتوأمة ضبطت في بعض النسخ بضم المثناة حكاه عياض عن المحدثين قال: والصواب بفتح أوله، قال: ومنهم من ينقل حركة الهمزة فيفتح بها الواو، وحكى ابن التين التومة بوزن الحطمة ولعل هذه الضمة أصل ما حكى عن المحدثين، وقوله: "رقاء على الجبال" في رواية أبي صالح دون نافع مولى أبي قتادة، قال ابن المنير: نبه بهذه الترجمة على جواز ارتكاب المشاق لمن له غرض لنفسه أو لدابته إذا كان الغرض مباحا، وأن التصيد في الجبال كهو في السهل، وأن إجراء الخيل في الوعر جائز للحاجة وليس هو من تعذيب الحيوان.

(9/614)


باب قوله تعالى:(أحل لكم صيد البحر)
...
12- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ}
وَقَالَ عُمَرُ صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ وَطَعَامُهُ مَا رَمَى بِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الطَّافِي حَلاَلٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ طَعَامُهُ مَيْتَتُهُ إِلاَّ مَا قَذِرْتَ مِنْهَا وَالْجِرِّيُّ لاَ تَأْكُلُهُ الْيَهُودُ وَنَحْنُ نَأْكُلُهُ وَقَالَ شُرَيْحٌ صَاحِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ مَذْبُوحٌ وَقَالَ عَطَاءٌ أَمَّا الطَّيْرُ فَأَرَى أَنْ يَذْبَحَهُ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ صَيْدُ الأَنْهَارِ وَقِلاَتِ السَّيْلِ أَصَيْدُ بَحْرٍ هُوَ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ تَلاَ {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا}.
وَرَكِبَ الْحَسَنُ عَلَيْهِ السَّلاَم عَلَى سَرْجٍ مِنْ جُلُودِ كِلاَبِ الْمَاءِ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لَوْ أَنَّ أَهْلِي أَكَلُوا الضَّفَادِعَ لاَطْعَمْتُهُمْ وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بِالسُّلَحْفَاةِ بَأْسًا
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُلْ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ نَصْرَانِيٍّ أَوْ يَهُودِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي الْمُرِي ذَبَحَ الْخَمْرَ النِّينَانُ وَالشَّمْسُ"

(9/614)


5493- حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن بن جريج قال أخبرني عمرو انه سمع جابرا رضي الله عنه يقول: غزونا جيش الخبط وأميرنا أبو عبيدة فجعنا جوعا شديدا فألقى البحر حوتا ميتا لم ير مثله يقال له العنبر فأكلنا منه نصف شهر فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه فمر الراكب تحته"
حدثنا عبد الله بن محمد أخبرنا سفيان عن عمرو قال سمعت جابرا يقول: بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة نرصد عيرا لقريش فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فسمى جيش الخبط وألقى البحر حوتا يقال له العنبر فأكلنا نصف شهر وادهنا بودكه حتى صلحت أجسامنا قال فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه فمر الراكب تحته وكان فينا رجل فلما اشتد الجوع نحر ثلاث جزائر ثم ثلاث جزائر ثم نهاه أبو عبيدة"
قوله: "باب قول الله تعالى :{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ} كذا للنسفي، واقتصر الباقون على "أحل لكم صيد البحر". قوله: "وقال عمر" هو ابن الخطاب "صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به" وصله المصنف في "التاريخ" وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر فأمرتهم أن يأكلوه، فلما قدمت على عمر - فذكر قصة - قال فقال عمر قال الله عز وجل في كتابه {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} فصيده ما صيد، وطعامه ما قذف به". قوله: "وقال أبو بكر" هو الصديق "الطافي حلال" وصله أبو بكر بن أبي شيبة والطحاوي والدار قطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: أشهد على أبي بكر أنه قال: "السمكة الطافية حلال" زاد الطحاوي "لمن أراد أكله" وأخرجه الدار قطني وكذا عبد بن حميد والطبري منها وفي بعضها "أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء" ا ه والطافي بغير همز من طفا يطفو إذا علا الماء ولم يرسب، وللدار قطني من وجه آخر عن ابن عباس عن أبي بكر: إن الله ذبح لكم ما في البحر، فكلوه كله فإنه ذكي. قوله: "وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها" وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى :{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} قال طعامه ميتته. وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عباس وذكر صيد البحر: لا تأكل منه طافيا. في سنده الأجلح وهو لين، ويوهنه حديث ابن عباس الماضي قبله. قوله: "والجري لا تأكله اليهود ونحن نأكله" وصله عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس أنه سأل عن الجري فقال: لا بأس به، إنما هو كرهته اليهود، وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري به. وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري فقال: لا بأس به، إنما تحرمه اليهود ونحن نأكله. وهذا على شرط الصحيح. وأخرج عن علي وطائفة نحوه. والجري بفتح الجيم قال ابن التين: وفي نسخة بالكسر وهو ضبط الصحاح وكسر الراء الثقيلة قال: ويقال له أيضا الجريت وهو ما لا قشر له. قال وقال ابن حبيب من المالكية: أنا أكرهه لأنه يقال إنه من الممسوخ. وقال الأزهري: الجريت نوع من السمك يشبه الحيات، وقيل سمك لا قشر له، ويقال له أيضا المرماهي والسلور مثله. وقال الخطابي: هو ضرب من السمك يشبه الحيات. وقال غيره: نوع عريض الوسط دقيق الطرفين. قوله: "وقال

(9/615)


شريح صاحب النبي صلى الله عليه وسلم: كل شيء في البحر مذبوح. وقال عطاء: أما الطير فأرى أن تذبحه" وصله المصنف في "التاريخ" وابن منده في "المعرفة" من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير أنهما سمعا شريحا صاحب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "كل شيء في البحر مذبوح. قال: فذكرت ذلك لعطاء فقال: أما الطير فأرى أن تذبحه". وأخرجه الدار قطني وأبو نعيم في "الصحابة" مرفوعا من حديث شريح، والموقوف أصح. وأخرجه ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق عمرو بن دينار سمعت شيخا كبيرا يحلف بالله ما في البحر دابة إلا قد ذبحها الله لبني آدم" وأخرج الدار قطني من حديث عبد الله بن سرجس رفعه: "إن الله قد ذبح كل ما في البحر لبني آدم" وفي سنده ضعف. والطبراني من حديث ابن عمر رفعه نحوه وسنده ضعيف أيضا. وأخرج عبد الرزاق بسندين جيدين عن عمر ثم عن علي: الحوت ذكي كله. "تنبيه": سقط هذا التعليق من رواية أبي زيد وابن السكن والجرجاني، ووقع في رواية الأصيلي: "وقال أبو شريح وهو وهم نبه على ذلك أبو علي الجياني وتبعه عياض وزاد: وهو شريح بن هانئ أبو هانئ كذا قال، والصواب أنه غيره وليس له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع، وشريح بن هانئ لأبيه صحبة، وأما هو فله إدراك ولم يثبت له سماع ولا لقاء. وأما شريح المذكور فذكره البخاري في "التاريخ" وقال: له صحبة. وكذا قال أبو حاتم الرازي وغيره. قوله: "وقال ابن جريج: قلت لعطاء صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم، ثم تلا: {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} وصله عبد الرزاق في التفسير عن ابن جريج بهذا سواء، وأخرجه الفاكهي في "كتاب مكة" من رواية عبد المجيد بن أبي داود عن ابن جريج أتم من هذا وفيه: وسألته عن حيتان بركة القشيري - وهي بئر عظيمة في الحرم - أتصاد؟ قال: نعم. وسألته عن ابن الماء وأشباهه أصيد بحر أم صيد بر؟ فقال حيث يكون أكثر فهو صيد. وقلات بكسر القاف وتخفيف اللام وآخره مثناة، ووقع في رواية الأصيلي مثلثة والصواب الأول: جمع قلت بفتح أوله مثل بحر وبحار هو النقرة في الصخرة يستنقع فيها الماء. قوله: "وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء، وفال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا" أما قول الحسن الأول فقيل إنه ابن علي وقيل البصري؛ ويؤيد الأول أنه وقع في رواية: "وركب الحسن عليه السلام" وقوله: "على سرج من جلود" أي متخذ من جلود "كلاب الماء"، وأما قول الشعبي فالضفادع جمع ضفدع بكسر أوله وبفتح الدال وبكسرها أيضا، وحكى ضم أوله مع فتح الدال، والضفادي بغير عين لغة فيه، قال ابن التين. لم يبين الشعبي هل تذكى أم لا؟ ومذهب مالك أنها تؤكل بغير تذكية، ومنهم من فصل بين ما مأواه الماء وغيره، وعن الحنفية ورواية عن الشافعي لا بد من التذكية، وأما قول الحسن في السلحفاة فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى بأكل السلحفاة بأسا، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن قال: لا بأس بها، كلها. والسلحفاة بضم المهملة وفتح اللام وسكون المهملة بعدها فاء ثم ألف ثم هاء، ويجوز بدل الهاء همزة حكاه ابن سيده وهي رواية عبدوس، وحكى أيضا في "المحكم" سكون اللام وفتح الحاء، وحكى أيضا سلحفية كالأول لكن بكسر الفاء بعدها تحتانية مفتوحة. قوله: "وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي" قال الكرماني: كذا في النسخ القديمة وفي بعضها "ما صاده" قبل لفظ نصراني. قلت: وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: كل ما ألقى البحر وما صيد منه صاده يهودي أو نصراني

(9/616)


أو مجوسي، قال ابن التين: مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء، وهو كذلك عند قوم. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير، وبسند آخر عن علي كراهية صيد المجوسي السمك. قوله: "وقال أبو الدرداء في المري ذبح الخمر النينان والشمس" قال البيضاوي: ذبح بصيغة الفعل الماضي ونصب راء الخمر على أنه المفعول، قال: ويروى بسكون الموحدة على الإضافة والخمر بالكسر أي تطهيرها. قلت: والأول هو المشهور وهذا الأثر سقط من رواية النسفي، وقد وصله إبراهيم الحربي في "غريب الحديث:" له من طريق أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء فذكره سواء، قال الحربي: هذا مري يعمل بالشام: يؤخذ الخمر فيجعل فيه الملح والسمك ويوضع في الشمس فيتغير عن طعم الخمر. وأخرج أبو بشر الدولابي في "الكنى" من طريق يونس بن ميسرة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء أنه قال في مري النينان: غيرته الشمس. ولابن أبي شيبة من طريق مكحول عن أبي الدرداء: لا بأس بالمري ذبحته النار والملح. وهذا منقطع، وعليه اقتصر مغلطاي ومن تبعه، واعترضوا على جزم البخاري به وما عثروا على كلام الحربي، وهو مراد البخاري جزما، وله طرق أخرى أخرجها الطحاوي من طريق بشر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني: أن أبا الدرداء كان يأكل المري الذي يجعل فيه الخمر ويقول ذبحته الشمس والملح. وأخرجه عبد الرزاق من طريق سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس قال: مر رجل من أصحاب أبي الدرداء بآخر - فذكر قصة في اختلافهم في المري - فأتيا أبا الدرداء فسألاه فقال: ذبحت خمرها الشمس والملح والحيتان. ورويناه في جزء إسحاق بن الفيض من طريق عطاء الخراساني قال: سئل أبو الدرداء عن أكل المري فقال: ذبحت الشمس سكر الخمر، فنحن نأكل، لا نرى به بأسا. قال أبو موسى في "ذيل الغريب" : عبر عن قوة الملح والشمس وغلبتهما على الخمر وإزالتهما طعمها ورائحتها بالذبح، وإنما ذكر النينان دون الملح لأن المقصود من ذلك يحصل بدونه، ولم يرد أن النينان وحدها هي التي خللته. قال: وكان أبو الدرداء ممن يفتي بجواز تخليل الخمر فقال: إن السمك بالآلة التي أضيفت إليه يغلب على ضراوة الخمر ويزيل شدتها، والشمس تؤثر في تخليلها فتصير حلالا. قال: وكان أهل الريف من الشام يعجنون المري بالخمر وربما يجعلون فيه أيضا السمك الذي يربى بالملح والأبزار مما يسمونه الصحناء، والقصد من المري هضم الطعام فيضيفونه إليه كل ثقيف أو حريف ليزيد في جلاء المعدة واستدعاء الطعام بحرافته. وكان أبو الدرداء وجماعة من الصحابة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر وأدخله البخاري في طهارة صيد البحر يريد أن السمك طاهر حلال وأن طهارته وحله يتعدى إلى غيره كالملح حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهرا حلالا، وهذا رأي من يجوز تحليل الخمر، وهو قول أبي الدرداء وجماعة. وقال ابن الأثير في "النهاية" استعار الذبح للإحلال فكأنه يقول: كما أن الذبح يحل أكل المذبوحة دون الميتة فكذلك هذه الأشياء إذا وضعت في الخمر قامت مقام الذبح فأحلتها. وقال البيضاوي: يريد أنها حلت بالحوت المطروح فيها وطبخها بالشمس، فكان ذلك كالذكاة للحيوان. وقال غيره معنى ذبحتها أبطلت فعلها، وذكر الحاكم في النوع العشرين من "علوم الحديث:" من حديث ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه سمع عثمان بن عفان يقول: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث. قال ابن شهاب: في هذا الحديث أن لا خير في الخمر، وأنها إذا أفسدت لا خير فيها حتى يكون الله هو الذي يفسدها فيطيب حينئذ الخل. قال ابن وهب: وسمعت مالكا يقول سمعت ابن شهاب يسأل عن خمر جعلت في قلة وجعل معها ملح وأخلاط كثيرة ثم تجعل في الشمس حتى

(9/617)


تعود مريا، فقال ابن شهاب: شهدت قبيصة ينهى أن يجعل الخمر مريا إذا أخذ وهو خمر. قلت: وقبيصة من كبار التابعين وأبوه صحابي وولد هو في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فذكر في الصحابة لذلك، وهذا يعارض أثر أبي الدرداء المذكور ويفسر المراد به. والنينان بنونين الأول مكسورة بينهما تحتانية ساكنة جمع نون وهو الحوت، والمري بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتانية، وضبط في "النهاية" تبعا للصحاح بتشديد الراء نسبة إلى المر وهو الطعم المشهور، وجزم الشيخ محيي الدين بالأول، ونقل الجواليقي في "لحن العامة" أنهم يحركون الراء والأصل بسكونها، ثم ذكر المصنف حديث جابر في قصة جيش الخبط من طريقين: إحداهما رواية ابن جريج: أخبرني عمرو وهو ابن دينار أنه سمع جابرا، وقد تقدم بسنده ومتنه في المغازي، وزاد هناك عن أبي الزبير عن جابر، وتقدمت مشروحة مع شرح سائر الحديث. الطريق الثانية رواية سفيان عن عمرو بن دينار أيضا، وفيه من الزيادة "وكان فينا رجل نحر ثلاث جزائر ثم ثلاث جزائر ثم نهاه أبو عبيدة، وهذا الرجل هو قيس بن سعد بن عبادة كما تقدم إيضاحه في المغازي، وكان اشترى الجزر من أعرابي جهني كل جزور بوسق من تمر يوفيه إياه بالمدينة، فلما رأى عمر ذلك - وكان في ذلك الجيش - سأل أبا عبيدة أن ينهى قيسا عن النحر، فعزم عليه أبو عبيدة أن ينتهي عن ذلك فأطاعه، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك هناك أيضا. والمراد بقوله: "جزائر" جمع جزور، وفيه نظر فإن جزائر جزيرة والجزور إنما يجمع على جزر بضمتين، فلعله جمع الجمع، والغرض من إيراده هنا قصة الحوت فإنه يستفاد منها جواز أكل ميتة البحر لتصريحه في الحديث بقوله: "فألقى البحر حوتا ميتا لم ير مثله يقال له العنبر" وتقدم في المغازي أن في بعض طرقه في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منه، وبهذا تتم الدلالة، وإلا فمجرد أكل الصحابة منه وهم في حالة المجاعة قد يقال إنه للاضطرار، ولا سيما وفيه قول أبي عبيدة "ميتة" ثم قال: "لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا" وهذه رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم، وتقدمت للمصنف في المغازي من هذا الوجه، لكن قال: "قال أبو عبيدة كلوا" ولم يذكر بقيته. وحاصل قول أبي عبيدة أنه بناه أولا على عموم تحريم الميتة، ثم تذكر تخصيص المضطر بإباحة أكلها إذا كان غير باغ ولا عاد، وهم بهذه الصفة لأنهم في سبيل الله وفي طاعة رسوله وقد تبين من آخر الحديث أن جهة كونها حلالا ليست سبب الاضطرار بل كونها من صيد البحر، ففي آخره عندهما جميعا "فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كلوا رزقا أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم بعضو فأكله" فتبين لهم أنه حلال مطلقا. وبالغ في البيان بأكله منها لأنه لم يكن مضطرا، فيستفاد منه إباحة ميتة البحر سواء مات بنفسه أو ما مات بالاصطياد، وهو قول الجمهور. وعن الحنفية يكره، وفرقوا بين ما لفظه فمات وبين ما مات فيه من غير آفة، وتمسكوا بحديث أبي الزبير عن جابر "ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه" أخرجه أبو داود مرفوعا من رواية يحيى بن سليم الطائفي عن أبي الزبير عن جابر ثم قال: رواه الثوري وأيوب وغيرهما عن أبي الزبير هذا الحديث موقوفا. وقد أسند من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا. وقال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال ليس بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه ا هـ. ويحيى بن سليم صدوق وصفوه بسوء الحفظ. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال يعقوب بن سفيان: إذا حدث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدث حفظا يعرف وينكر. وقال أبو حازم: لم يكن بالحافظ. وقال ابن حبان في الثقات: كان يخطئ، وقد توبع على رفعه. وأخرجه الدار قطني من رواية أبي أحمد الزبيري عن

(9/618)


الثوري مرفوعا لكن قال: خالفه وكيع وغيره فوقفوه عن الثوري وهو الصواب، وروى عن ابن أبي ذئب وإسماعيل بن أمية مرفوعا ولا يصح والصحيح موقوف، وإذا لم يصح إلا موقوفا فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، والقياس يقتضي حله، لأنه سمك لو مات في البر لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء أو قتلته سمكة أخرى فمات لأكل، فكذلك إذا مات وهو في البحر. ويستفاد من قوله: "أكلنا منه نصف شهر" جواز أكل اللحم ولو أنتن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكل منه بعد ذلك، واللحم لا يبقى غالبا بلا نتن في هذه المدة لا سيما في الحجاز مع شدة الحر، لكن يحتمل أن يكونوا ملحوه وقددوه فلم يدخله نتن، وقد تقدم قريبا قول النووي: إن النهي عن أكل اللحم إذا أنتن للتنزيه إلا أن خيف منه الضرر فيحرم، وهذا الجواب على مذهبه، ولكن المالكية حملوه على التحريم مطلقا. وهو الظاهر والله أعلم. ويأتي في الطافي نظير ما قاله في النتن إذا خشي منه الضرر، وفيه جواز أكل حيوان البحر مطلقا لأنه لم يكن عند الصحابة نص يخص العنبر وقد أكلوا منه، كذا قال بعضهم، ويخدش فيه أنهم أولا إنما أقدموا عليه بطريق الاضطرار، ويجاب بأنهم أقدموا عليه مطلقا من حيث كونه صيد البحر ثم توقفوا من حيث كونه ميتة، فدل على إباحة الإقدام على أكل ما صيد من البحر، وبين لهم الشارع آخرا أن ميتته أيضا حلال، ولم يفرق بين طاف ولا غيره. واحتج بعض المالكية بأنهم أقاموا يأكلون منه أياما، فلو كانوا أكلوا منه على أنه ميتة بطريق الاضطرار ما داوموا عليه، لأن المضطر إذا أكل الميتة يأكل منها بحسب الحاجة ثم ينتقل لطلب المباح غيرها، وجمع بعض العلماء بين مختلف الأخبار في ذلك بحمل النهي على كراهة التنزيه وما عدا ذلك على الجواز، ولا خلاف بين العلماء في حل السمك على اختلاف أنواعه، وإنما اختلف فيما كان على صورة حيوان البر كالآدمي والكلب والخنزير والثعبان، فعند الحنفية - وهو قول الشافعية - يحرم ما عدا السمك، واحتجوا عليه بهذا الحديث، فإن الحوت المذكور لا يسمى سمكا. وفيه نظر، فإن الخبر ورد في الحوت نصا، وعن الشافعية الحل مطلقا على الأصح المنصوص. وهو مذهب المالكية إلا الخنزير في رواية، وحجتهم قوله تعالى :{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} وحديث: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهم، وعن الشافعية ما يؤكل نظيره في البر حلال ومالا فلا، واستثنوا على الأصح ما يعيش في البحر والبر وهو نوعان: النوع الأول ما ورد في منع أكله شيء يخصه كالضفدع، وكذا استثناه أحمد للنهي عن قتله ورد ذلك من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي أخرجه أبو داود والنسائي وصححه والحاكم، وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن أبي عاصم، وآخر عن عبد الله بن عمر، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" وزاد: فإن نقيقها تسبيح. وذكر الأطباء أن الضفدع نوعان بري وبحري، فالبري يقتل آكله والبحري يضره. ومن المستثنى أيضا التمساح لكونه يعدو بنابه. وعند أحمد فيه رواية، ومثله القرش في البحر الملح خلافا لما أفتى به المحب الطبري، والثعبان والعقرب والسرطان والسلحفاة للاستخباث والضرر اللاحق من السم، ودنيلس قيل إن أصله السرطان فإن ثبت حرم. النوع الثاني ما لم يرد فيه مانع فيحل لكن بشرط التذكية، كالبط وطير الماء والله أعلم. "تنبيه": وقع في أواخر صحيح مسلم في الحديث الطويل من طريق الوليد بن عبادة بن الصامت أنهم "دخلوا على جابر فرأوه يصلي في ثوب" الحديث وفيه قصة النخامة في المسجد، وفيه أنهم خرجوا في غزاة ببطن بواط، وفيه قصة الحوض، وفيه قيام المأمومين خلف الإمام كل ذلك مطول، وفيه قال: "سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قوت كل رجل منا تمرة

(9/619)


كل يوم فكان يمصها وكنا نختبط بقسينا ونأكل، وسرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح" فذكر قصة الشجرتين اللتين التقتا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم حتى تستر بهما عند قضاء الحاجة، وفيه قصة القبرين اللذين غرس في كل منهما غصنا، وفيه: "فأتينا العسكر فقال: يا جابر ناد الوضوء" فذكر القصة بطولها في نبع الماء من بين أصابعه، وفيه: "وشكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، فقال: عسى الله أن يطعمكم. فأتينا سيف البحر، فزجر البحر زجرة فألقى دابة فأورينا على شقها النار فاطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا". وذكر أنه دخل هو وجماعة في عينها، وذكر قصة الذي دخل تحت ضلعها ما يطأطئ رأسه وهو أعظم رجل في الركب على أعظم جمل، وظاهر سياق هذه القصة يقتضي مغايرة القصة المذكورة في هذا الباب وهي من رواية جابر أيضا، حتى قال عبد الحق في "الجمع بين الصحيحين" : هذه واقعة أخرى غير تلك، فإن هذه كانت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. وما ذكره ليس بنص في ذلك لاحتمال أن تكون الفاء في قول جابر "فأتينا سيف البحر" هي الفصيحة وهي معقبة لمحذوف تقديره فأرسلنا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي عبيدة فأتينا سيف البحر فتتحد القصتان، وهذا هو الراجح عندي، والأصل عدم التعدد. ومما تنبه عليه هنا أيضا أن الواقدي زعم أن قصة بعث أبي عبيدة كانت في رجب سنة ثمان، وهو عندي خطأ لأن في نفس الخبر الصحيح أنهم خرجوا يترصدون عير قريش وقريش في سنة ثمان كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة، وقد نبهت على ذلك في المغازي، وجوزت أن يكون ذلك قبل الهدنة في سنة ست أو قبلها، ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك بقول جابر في رواية مسلم هذه أنهم خرجوا في غزاة بواط وغزاة بواط كانت في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم خرج في مائتين من أصحابه يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف فبلغ بواطا، وهي بضم الموحدة جبال لجهينة مما يلي الشام، بينها وبين المدينة أربعة برد، فلم يلق أحدا فرجع، فكأنه أفرد أبا عبيدة فيمن معه يرصدون العير المذكورة. ويؤيد تقدم أمرها ما ذكر فيها من القلة والجهد، والواقع أنهم في سنة ثمان كان حالهم اتسع بفتح خيبر وغيرها، والجهد المذكور في القصة يناسب ابتداء الأمر فيرجح ما ذكرته، والله أعلم.

(9/620)


13- باب أَكْلِ الْجَرَادِ
5495- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ سِتًّا كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ"
قَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَإِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى "سَبْعَ غَزَوَاتٍ"
قوله: "باب أكل الجراد" بفتح الجيم وتخفيف الراء معروف والواحدة جرادة والذكر والأنثى سواء كالحمامة ويقال إنه مشتق من الجرد لأنه لا ينزل على شيء إلا جرده، وخلقه الجراد عجيبة فيها عشرة من الحيوانات ذكر بعضها ابن الشهرزوري في قوله:
لها فخدا بكر وساقا نعامة
وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم
حبتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت
عليها جياد الخيل بالرأس والفم
قيل وفاته عين الفيل وعنق الثور وقرن الآيل وذنب الحية. وهو صنفان طيار ووثاب، ويبيض في الصخر

(9/620)


فيتركه حتى ييبس وينتشر فلا يمر بزرع إلا اجتاحه، وقيل.1 واختلف في أصله فقيل إنه نثرة حوت فلذلك كان أكله بغير ذكاة، وهذا ورد في حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه عن أنس رفعه: "أن الجراد نثرة حوت من البحر" ومن حديث أبى هريرة "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضرب بنعالنا وأسواطنا، فقال: كلوه فإنه من صيد البحر" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وسنده ضعيف، ولو صح لكان فيه حجة لمن قال لا جزاء فيه إذا قتله المحرم، وجمهور العلماء على خلافه، قال ابن المنذر: لم يقل لا جزاء فيه غير أبي سعيد الخدري وعروة بن الزبير، واختلف عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء دل على أنه بري. وقد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته. واختلفوا في صفتها فقيل بقطع رأسه وقيل إن وقع في قدر أو نار حل.وقال ابن وهب أخذه ذكاته، ووافق مطرف منهم الجمهور في أنه لا يفتقر إلى ذكاته لحديث ابن عمر "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال" أخرجه أحمد والدار قطني مرفوعا وقال إن الموقوف أصح، ورجح البيهقي أيضا الموقوف إلا أنه قال إن له حكم الرفع. قوله: "عن أبي يعفور" بفتح التحتانية وسكون المهملة وضم الفاء هو العبدي، واسمه وقدان وقيل واقد. وقال مسلم اسمه واقد ولقبه وقدان، وهو الأكبر، وأبو يعفور الأصغر اسمه عبد الرحمن بن عبيد، وكلاهما ثقة من أهل الكوفة، وليس للأكبر في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في الصلاة في أبواب الركوع من صفة الصلاة، وقد ذكرت كلام النووي فيه وجزمه بأنه الأصغر وأن الصواب أنه الأكبر، وبذلك جزم الكلاباذي وغيره والنووي تبع في ذلك ابن العربي وغيره والذي يرجح كلام الكلاباذي جزم الترمذي بعد تخريجه بأن راوي حديث الجراد هو الذي اسمه واقد ويقال وقدان وهذا هو الأكبر، ويؤيده أيضا أن ابن أبي حاتم جزم في ترجمة الأصغر بأنه لم يسمع من عبد الله بن أبي أوفى قوله: "سبع غزوات أو ستا" كذا للأكثر ولا إشكال فيه، ووقع في رواية النسفي "أو ست" بغير تنوين، ووقع في "توضيح ابن مالك، سبع غزوات أو ثماني" وتكلم عليه فقال: الأجود أن يقال سبع غزوات أو ثمانية بالتنوين لأن لفظ ثمان وإن كان كلفظ جوار في أن ثالث حروفه ألف بعدها حرفان ثانيهما ياء فهو يخالفه في أن جواري جمع وثمانية ليس بجمع واللفظ بهما في الرفع والجر سواء، ولكن تنوين ثمان تنوين صرف وتنوين جوار تنوين عوض، وإنما يفترقان بالنصب. واستمر يتكلم على ذلك ثم قال: وفي ذكره له بلا تنوين ثلاثة أوجه أجودها أن يكون حذف المضاف إليه وأبقى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف، ومثله قول الشاعر خمس ذود أو ست عوضت منها البيت. الوجه الثاني أن يكون المنصوب كتب بغير ألف على لغة ربيعة، وذكر وجها آخر يختص بالثمان، ولم أره في شيء من طرق الحديث لا في البخاري ولا في غيره بلفظ ثمان، فما أدري كيف وقع هذا. وهذا الشك في عدد الغزوات من شعبة، وقد أخرجه مسلم من رواية شعبة بالشك أيضا؛ والنسائي من روايته بلفظ الست من غير شك، والترمذي من طريق غندر عن شعبة فقال: "غزوات" ولم يذكر عددا. قوله: "وكنا نأكل معه الجراد" يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو دون ما تبعه من أكل الجراد، ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدل على الثاني أنه وقع في رواية أبي نعيم
ـــــــ
1 بياض بالأصل

(9/621)


في الطب "ويأكل معنا" وهذا إن صح يرد على الصيمري من الشافعية في زعمه أنه صلى الله عليه وسلم عافه كما عاف الضب. ثم وقفت على مستند الصيمري وهو ما أخرجه أبو داود من حديث سلمان "سئل صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال: لا آكله ولا أحرمه" والصواب مرسل، ولابن عدي في ترجمة ثابت بن زهير عن نافع عن ابن عمر "أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب فقال: لا آكله ولا أحرمه، وسئل عن الجراد فقال مثل ذلك" وهذا ليس ثابتا لأن ثابتا قال فيه النسائي ليس بثقة، ونقل النووي الإجماع على حل أكل الجراد، لكن فصل ابن العربي في شرح الترمذي بين جراد الحجاز وجراد الأندلس فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل لأنه ضرر محض. وهذا إن ثبت أنه يضر أكله بأن يكون فيه سمية تخصه دون غيره من جراد البلاد تعين استثناؤه والله أعلم. قوله: "وقال سفيان" هو الثوري وقد وصله الدارمي عن محمد بن يوسف وهو الفريابي عن سفيان وهو الثوري ولفظه: "غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد" وكذا أخرجه الترمذي من وجه آخر عن الثوري وأفاد أن سفيان بن عيينة روى هذا الحديث أيضا عن أبي يعفور لكن قال: "ست غزوات". قلت: وكذا أخرجه أحمد بن حنبل عن ابن عيينة جازما بالست. وقال الترمذي: كذا قال ابن عيينة ست وقال غيره سبع. قلت: ودلت رواية شعبة على أن شيخهم كان يشك فيحمل على أنه جزم مرة بالسبع ثم لما طرأ عليه الشك صار يجزم بالست لأنه المتيقن، ويؤيد هذا الحمل أن سماع سفيان بن عيينة عنه متأخر دون الثوري ومن ذكر معه، ولكن وقع عند ابن حبان من رواية أبي الوليد شيخ البخاري فيه: "سبعا أو ستا، يشك شعبة". قوله: "وأبو عوانة" وصله مسلم عن أبي كامل عنه ولفظه مثل الثوري، وذكره البزار من رواية يحيى بن حماد عن أبي عوانة فقال مرة عن أبي يعفور ومرة عن الشيباني، وأشار إلى ترجيح كونه عن أبي يعفور، وهو كذلك كما تقدم صريحا أنه عند أبي داود. قوله: "وإسرائيل" وصله الطبراني من طريق عبد الله بن رجاء عنه ولفظه: "سبع غزوات فكنا نأكل معه الجراد".

(9/622)


14- باب آنِيَةِ الْمَجُوسِ وَالْمَيْتَةِ
5496- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ أَهْلِ كِتَابٍ فَلاَ تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إِلاَّ أَنْ لاَ تَجِدُوا بُدًّا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْهُ"
5497- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عَلاَمَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ قَالُوا لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ قَالَ أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا فَقال

(9/622)


النبي صلى الله عليه وسلم: "أَوْ ذَاكَ"
قوله: "باب آنية المجوس" قال ابن التين: كذا ترجم وأتى بحديث أبي ثعلبة وفيه ذكر أهل الكتاب فلعله يرى أنهم أهل كتاب. وقال ابن المنير: ترجم للمجوس والأحاديث في أهل الكتاب لأنه بنى على أن المحذور منهما واحد وهو عدم توقيهم النجاسات. وقال الكرماني: أو حكمه على أحدهما بالقياس على الآخر، أو باعتبار أن المجوس يزعمون أنهم أهل كتاب. قلت: وأحسن من ذلك أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث منصوصا على المجوس، فعند الترمذي من طريق أخرى عن أبي ثعلبة "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس، فقال: أنقوها غسلا واطبخوا فيها" وفي لفظ من وجه آخر عن أبى ثعلبة "قلت إنا نمر بهذا اليهود والنصارى والمجوس فلا تجد غير آنيتهم، الحديث، وهذه طريقة يكثر منها البخاري فما كان في سنده مقال يترجم به ثم يورد في الباب ما يؤخذ الحكم منه بطريق الإلحاق ونحوه، والحكم في آنية المجوس لا يختلف مع الحكم في آنية أهل الكتاب لأن العلة إن كانت لكونهم تحل ذبائحهم كأهل الكتاب فلا إشكال، أو لا تحل كما سيأتي البحث فيه بعد أبواب فتكون الآنية التي يطبخون فيها ذبائحهم ويغرقون قد تنجست بملاقاة الميتة، فأهل الكتاب كذلك باعتبار أنهم لا يتدينون باجتناب النجاسة وبأنهم يطبخون فيها الخنزير ويضعون فيها الخمر وغيرها، ويؤيد الثاني ما أخرجه أبو داود والبزار عن جابر "كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين فنستمتع بها فلا يعيب ذلك علينا" لفظ أبي داود. وفي رواية البزار "فنغسلها ونأكل فيها". قوله: "والميتة" قال ابن المنير: نبه بذكر الميتة على أن الحمير لما كانت محرمة لم تؤثر فيها الذكاة فكانت ميتة، ولذلك أمر بغسل الآنية منها. حديث أبي ثعلبة عن أبي عاصم عاليا وساقه على لفظه، وقد تقدم شرحه قبل حديث سلمة بن الأكوع في الحمر الأهلية أورده عاليا وهو من ثلاثياته، وسيأتي شرحه بعد ثلاثة عشر بابا.

(9/623)


15- باب التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَمَنْ تَرَكَ مُتَعَمِّدًا
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ نَسِيَ فَلاَ بَأْسَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} وَالنَّاسِي لاَ يُسَمَّى فَاسِقًا وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}
5498- حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَدُفِعَ إِلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا قَالَ وَقَالَ جَدِّي إِنَّا لَنَرْجُو أَوْ نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ فَقَالَ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا

(9/623)


الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ"
قوله: "باب التسمية على الذبيحة ومن تركه متعمدا" كذا للجميع ووقع في بعض الشروح هنا "كتاب الذبائح" وهو خطأ لأنه ترجم أولا كتاب الصيد والذبائح أو كتاب الذبائح والصيد فلا يحتاج إلى تكرار، وأشار بقوله متعمدا إلى ترجيح التفرقة بين المتعمد لترك التسمية فلا تخل تذكيته ومن نسي فتحل، لأنه استظهر لذلك بقول ابن عباس وبما ذكر بعده من قوله تعالى :{وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ثم قال: "والناسي لا يسمى فاسقا" يشير إلى قوله تعالى الآية {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فاستنبط منها أن الوصف للعامد فيختص الحكم به، والتفرقة بين الناسي والعامد في الذبيحة قول أحمد وطائفة وقواه الغزالي في "الإحياء" محتجا بأن ظاهر الآية الإيجاب مطلقا وكذلك الأخبار، وأن الأخبار الدالة على الرخصة تحتمل التعميم وتحتمل الاختصاص بالناسي فكان حمله عليه أولى لتجري الأدلة كلها على ظاهرها ويعذر الناسي دون العامد. قوله: "وقال ابن عباس: من نسي فلا بأس" وصله الدار قطني من طريق شعبة عن مغيرة عن إبراهيم في المسلم يذبح وينسى التسمية قال: لا بأس به. وبه عن شعبة عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء حدثني "ع" عن ابن عباس أنه لم ير به بأسا. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عيينة بهذا الإسناد فقال في سنده عن "ع" يعني عكرمة عن ابن عباس فيمن ذبح ونسي التسمية فقال: المسلم فيه اسم الله وإن لم يذكر التسمية، وسنده صحيح، وهو موقوف. وذكره مالك بلاغا عن ابن عباس، وأخرجه الدار قطني من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا. وأما قول المصنف وقوله تعالى:{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} فكأنه يشير بذلك إلى الزجر عن الاحتجاج لجواز ترك التسمية بتأويل الآية وحملها على غير ظاهرها لئلا يكون ذلك من وسوسة الشيطان ليصد عن ذكر الله تعالى، وكأنه لمح بما أخرجه أبو داود وابن ماجه والطبري بسند صحيح عن ابن عباس في قوله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} قال: "كانوا يقولون ما ذكر عليه اسم الله فلا تأكلوه وما لم يذكر عليه اسم الله فكلوه، قال الله تعالى :{وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وأخرج أبو داود والطبري أيضا من وجه آخر عن ابن عباس قال: "جاءت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تأكل مما قتلنا ولا تأكل مما قتله الله؟ فنزلت: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إلى آخر الآية. وأخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه وساق إلى قوله: {لَمُشْرِكُونَ} إن أطعتموهم فيما نهيتكم عنه، ومن طريق معمر عن قتادة في هذه الآية {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} قال جادلهم المشركون في الذبيحة فذكر نحوه، ومن طريق أسباط عن السدي نحوه، ومن طريق ابن جريج قلت لعطاء: ما قوله: { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ؟ قال: يأمركم بذكر اسمه على الطعام والشراب والذبح، قلت: فما قوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} قال ينهي عن ذبائح كانت في الجاهلية على الأوثان. قال الطبري: من قال إن ما ذبحه المسلم فنسى أن يذكر اسم الله عليه لا يحل فهو قول بعيد من الصواب لشذوذه وخروجه عما عليه الجماعة، قال: وأما قوله :{وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فإنه يعني أن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة وما أهل به لغير الله فسق، ولم يحك الطبري عن أحد خلاف ذلك. وقد استشكل بعض المتأخرين كون قوله:{وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} منسوقا على ما قبله، لأن الجملة الأولى طلبية وهذه خبرية وهذا غير سائغ، ورد هذا القول بأن سيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك، ولهم شواهد كثيرة، وادعى المانع أن الجملة مستأنفة، ومنهم من قال الجملة حالية أي لا تأكلوه والحال أنه فسق

(9/624)


أي لا تأكلوه في حال كونه فسقا، والمراد بالفسق قد بين في قوله تعالى في الآية الأخرى {أ َوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} فرجع الزجر إلى النهي عن أكل ما ذبح لغير الله، فليست الآية صريحة في فسق من أكل ما ذبح بغير تسمية ا هـ، ولعل هذا القدر هو الذي حذرت منه الآية، وقد نوزع المذكور فيما حمل عليه الآية ومنع ما ادعاه من كون الآية مجملة والأخرى مبينة لأن ثم شروطا ليست هنا. قوله: "عن سعيد بن مسروق" هو الثوري والد سفيان، ومدار هذا الحديث في الصحيحين عليه. قوله: "عن عباية" بفتح المهملة وتخفيف الموحدة وبعد الألف تحتانية. قوله: "عن جده رافع بن خديج" كذا قال أكثر أصحاب سعيد بن مسروق عنه كما سيأتي في آخر كتاب الصيد والذبائح. وقال أبو الأحوص "عن سعيد عن عباية عن أبيه عن جده" وليس لرفاعة بن رافع ذكر في كتب الأقدمين ممن صنف في الرجال، وإنما ذكروا ولده عباية بن رفاعة. نعم ذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال: إنه يكنى أبا خديج، وتابع أبا الأحوص على زيادته في الإسناد حسان بن إبراهيم الكرماني عن سعيد بن مسروق أخرجه البيهقي من طريقه، وهكذا رواه ليث بن أبي سليم عن أبي سليم عن عباية عن أبيه عن جده، قاله الدار قطني في "العلل"، قال: وكذا قال مبارك بن سعيد الثوري عن أبيه، وتعقب بأن الطبراني أخرجه من طريق مبارك فلم يقل في الإسناد عن أبيه، فلعله اختلف على المبارك فيه فإن الدار قطني لا يتكلم في هذا الفن جزافا، ورواية ليث بن أبي سليم عند الطبراني، وقد أغفل الدار قطني ذكر طريق حسان بن إبراهيم، قال الجياني: روى البخاري حديث رافع من طريق أبي الأحوص فقال: "عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رافع عن أبيه عن جده" هكذا عند أكثر الرواة، وسقط قوله: "عن أبيه" في رواية أبي علي بن السكن عند الفربري وحده وأظنه من إصلاح ابن السكن فإن ابن أبي شيبة أخرجه عن أبي الأحوص بإثبات قوله: "عن أبيه" ثم قال أبو بكر: لم يقل أحد في هذا السند عن أبيه غير أبي الأحوص ا هـ. وقد قدمت في "باب التسمية على الذبيحة" ذكر من تابع أبا الأحوص على ذلك. ثم نقل الجياني عن عبد الغني بن سعيد حافظ مصر أنه قال: خرج البخاري هذا الحديث عن مسدد عن أبي الأحوص على الصواب، يعني بإسقاط "عن أبيه"، قال: وهو أصل يعمل به من بعد البخاري إذا وقع في الحديث خطأ لا يعول عليه، قال: وإنما يحسن هذا في النقص دون الزيادة فيحذف الخطأ، قال الجياني: وإنما تكلم عبد الغني على ما وقع في رواية ابن السكن ظنا منه أنه من عمل البخاري، وليس كذلك لما بينا أن الأكثر رووه عن البخاري بإثبات قوله:" عن أبيه". قوله: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة" زاد سفيان الثوري عن أبيه "من تهامة" تقدمت في الشركة، وذو الحليفة هذا مكان غير ميقات المدينة، لأن الميقات في طريق الذاهب من المدينة ومن الشام إلى مكة، وهذه بالقرب من ذات عرق بين الطائف ومكة، كذا جزم به أبو بكر الحازمي وياقوت، ووقع للقابسي أنها الميقات المشهور وكذا ذكر النووي قالوا: وكان ذلك عند رجوعهم من الطائف سنة ثمان. وتهامة اسم لكل ما نزل من بلاد الحجاز، سميت بذلت من التهم بفتح المثناة والهاء وهو شدة الحر وركود الريح وقيل تغير الهواء. قوله: "فأصاب الناس جوع" كأن الصحابي قال هذا ممهدا لعذرهم في ذبحهم الإبل والغنم التي أصابوا. قوله: "فأصبنا إبلا وغنما" في رواية أبي الأحوص "وتقدم سرعان الناس فأصابوا من المغانم" ووقع في رواية الثوري الآتية بعد أبواب "فأصبنا نهب إبل وغنم". قوله: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس" أخريات جمع أخرى. وفي رواية أبي الأحوص "في آخر الناس"، وكان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك صونا للعسكر

(9/625)


وحفظا، لأنه لو تقدمهم لخشي أن ينقطع الضعيف منهم دونه، وكان حرصهم على مرافقته شديدا فيلزم من سيره في مقام الساقة صون الضعفاء لوجود من يتأخر معه قصدا من الأقوياء. قوله: "فعجلوا فنصبوا القدور" يعني من الجوع الذي كان بهم، فاستعجلوا فذبحوا الذي غنموه ووضعوه في القدور، ووقع في رواية داود بن عيسى عن سعيد بن مسروق "فانطلق ناس من سرعان الناس فذبحوا ونصبوا قدورهم قبل أن يقسم" وقد تقدم في الشركة من رواية علي بن الحكم عن أبي عوانة "فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور" وفي رواية الثوري "فأغلوا القدور" أي أوقدوا النار تحتها حتى غلت. وفي رواية زائدة عن عمر بن سعيد عند أبي نعيم في "المستخرج على مسلم:" وساق مسلم إسنادها "فعجل أولهم فذبحوا ونصبوا القدور". قوله: "فدفع النبي صلى الله عليه وسلم إليهم" دفع بضم أوله على البناء للمجهول، والمعنى أنه وصل إليهم، ووقع في رواية زائدة عن سعيد بن مسروق "فانتهى إليهم" أخرجه الطبراني. قوله: "فأمر بالقدور فأكفئت" بضم الهمزة وسكون الكاف أي قلبت وأفرغ ما فيها، وقد اختلف في هذا المكان في شيئين: أحدهما سبب الإراقة، والثاني هل أتلف اللحم أم لا؟ فأما الأول فقال عياض: كانوا انتهوا إلى دار الإسلام والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة إلا بعد القسمة، وأن محل جواز ذلك قبل القسمة إنما هو ما داموا دار الحرب، قال: ويحتمل أن سبب ذلك كونهم انتهبوها، ولم يأخذوها باعتدال وعلى قدر الحاجة. قال: وقد وقع في حديث آخر ما يدل لذلك، يشير إلى ما أخرجه أبو داود من طريق عاصم بن كليب عن أبيه وله صحبة عن رجل من الأنصار قال: "أصاب الناس مجاعة شديدة وجهد فأصابوا غنما فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلي بها إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب، ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة" ا ه. وهذا يدل على أنه عملهم من أجل استعجالهم بنقيض قصدهم كما عومل القاتل بمنع الميراث. وأما الثاني فقال النووي: المأمور به من إراقة القدور إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم، وأما اللحم فلم يتلفوه بل يحمل على أنه جمع ورد إلى المغنم، ولا يظن أنه أمر بإتلافه مع أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال وهذا من مال الغانمين، وأيضا فالجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة فإن منهم من لم يطبخ ومنهم المستحقون للخمس فإن قيل لم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم قلنا: ولم ينقل أنهم أحرقوه أو أتلفوه، فيجب تأويله على وفق القواعد ا هـ. ويرد عليه حديث أبي داود فإنه جيد الإسناد وترك تسمية الصحابي لا يضر، ورجال الإسناد على شرط مسلم، ولا يقال لا يلزم من تتريب اللحم إتلافه لإمكان تداركه بالغسل، لأن السياق يشعر بأنه أريد المبالغة في الزجر عن ذلك الفعل، فلو كان بصدد أن ينتفع به بعد ذلك لم يكن فيه كبير زجر، لأن الذي يخص الواحد منهم نزر يسير فكان إفسادها عليهم مع تعلق قلوبهم بها وحاجتهم إليها وشهوتهم لها أبلغ في الزجر. وأبعد المهلب فقال: إنما عاقبهم لأنهم استعجلوا وتركوه في آخر القوم متعرضا لمن يقصده من عدو ونحوه، وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم كان مختارا لذلك كما تقدم تقريره، ولا معنى للحمل على الظن مع ورود النص بالسبب. وقال الإسماعيلي: أمره صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور يجوز أن يكون من أجل أن ذبح من لا يملك الشيء كله لا يكون مذكيا، ويجوز أن يكون من أجل أنهم تعجلوا إلى الاختصاص بالشيء دون بقية من يستحقه من قبل أن يقسم ويخرج منه الخمس، فعاقبهم بالمنع من تناول ما سبقوا إليه زجرا لهم عن معاودة مثله، ثم رجح الثاني وزيف الأول بأنه لو كان كذلك لم يحل أكل البعير الناد الذي رماه أحدهم بسهم، إذ لم يأذن لهم الكل في رميه، مع أن رميه ذكاة له كما نص عليه في نفس حديث الباب ا هـ ملخصا.

(9/626)


وقد جنح البخاري إلى المعنى الأول وترجم عليه كما سيأتي في أواخر أبواب الأضاحي، ويمكن الجواب عما ألزمه به الإسماعيلي من قصة البعير بأن يكون الرامي رمى بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فأقروه، فدل سكوتهم على رضاهم بخلاف ما ذبحه أولئك قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، فافترقا، والله أعلم. قوله: "ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير" في رواية1. وهذا محمول على أن هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإبل كانت قليلة أو نفيسة والغنم كانت كثيرة أو هزيلة بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزئ عن سبع شياه، لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين، وأما هذه القسمة فكانت واقعة عين فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإبل دون الغنم، وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" والبدنة تطلق على الناقة والبقرة، وأما حديث ابن عباس "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في البقرة تسعة وفي البدنة عشرة" فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وعضده بحديث رافع بن خديج هذا. والذي يتحرر في هذا أن الأصل أن البعير بسبعة ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك. ثم الذي يظهر من القسمة المذكورة أنها وقعت فيما عدا ما طبخ وأريق من الإبل والغنم التي كانوا غنموها، ويحتمل - إن كانت الواقعة تعددت - أن تكون القصة التي ذكرها ابن عباس أتلف فيها اللحم لكونه كان قطع للطبخ والقصة التي في حديث رافع طبخت الشياه صحاحا مثلا فلما أريق مرقها ضمت إلى المغنم لتقسم ثم يطبخها من وقعت في سهمه، ولعل هذا هو النكتة في انحطاط قيمة الشياه عن العادة، والله أعلم. قوله: "فند" بفتح النون وتشديد الدال أي هرب نافرا. قوله: "منها" أي من الإبل المقسومة. قوله: "وكان في القوم خيل يسيرة" فيه تمهيد لعذرهم في كون البعير الذي ند أتعبهم ولم يقدروا على تحصيله، فكأنه يقول: لو كان فيهم خيول كثيرة لأمكنهم أن يحيطوا به فيأخذوه. ووقع في رواية أبي الأحوص "ولم يكن معهم خيل" أي كثيرة أو شديدة الجري، فيكون النفي لصفة في الخيل لا لأصل الخيل جمعا بين الروايتين. قوله: "فطلبوه فأعياهم" أي أتعبهم ولم يقدروا على تحصيله. قوله: "فأهوى إليه رجل" أي قصد نحوه ورماه، ولم أقف على اسم هذا الرامي. قوله: "فحبسه الله" أي أصابه السهم فوقف. قوله: "إن لهذه البهائم" في رواية الثوري وشعبة المذكورتين بعد "إن لهذه الإبل" قال بعض شراح المصابيح: هذه "اللام" تفيد معنى "من" لأن البعضية تستفاد من اسم إن لكونه نكرة. قوله: "أوابد" جمع آبدة بالمد وكسر الموحدة أي غريبة، يقال جاء فلان بآبدة أي بكلمة أو فعلة منفرة، يقال أبدت بفتح الموحدة تأبد بضمها ويجوز الكسر أبودا، ويقال تأبدت أي توحشت، والمراد أن لها توحشا. قوله: "فما ند عليكم منها فاصنعوا به هكذا" في رواية الثوري "فما غلبكم منها" وفي رواية أبي الأحوص "فما فعل منها هذا فافعلوا مثل هذا" زاد عمر بن سعيد بن مسروق عن أبيه "فاصنعوا به ذلك وكلوه" أخرجه الطبراني، وفيه جواز أكل ما رمى بالسهم فجرح في أي موضع كان من جسده، بشرط أن يكون وحشيا أو متوحشا، وسيأتي البحث فيه بعد ثمانية أبواب. قوله: "وقال جدي" زاد عبد الرزاق عن الثوري في روايته: "يا رسول الله" وهذا صورته مرسل، فإن
ـــــــ
(1) بيان بالأصل.

(9/627)


عباية ابن رفاعة لم يدرك زمان القول، وظاهر سائر الروايات أن عباية نقل ذلك عن جده، ففي رواية شعبة عن جده أنه قال: "يا رسول الله" وفي رواية عمر بن عبيد الآتية أيضا: "قال قلت يا رسول الله" وفي رواية أبي الأحوص "قلت يا رسول الله. قوله: "إنا لنرجو أو نخاف" هو شك من الراوي، وفي التعبير بالرجاء إشارة إلى حرصهم على لقاء العدو لما يرجونه من فضل الشهادة أو الغنيمة، وبالخوف إشارة إلى أنهم لا يحبون أن يهجم عليهم العدو بغتة، ووقع في رواية أبي الأحوص "إنا نلقى العدو غدا" بالجزم، ولعله عرف ذلك بخبر من صدقه أو بالقرائن. وفي رواية يزيد ابن هارون عن الثوري عند أبي نعيم في المستخرج على مسلم: "إنا نلقى العدو غدا وإنا نرجو" كذا بحذف متعلق الرجاء، ولعل مراده الغنيمة. قوله: "وليست معنا مدى" بضم أوله - مخفف مقصور - جمع مدية بسكون الدال بعدها تحتانية وهي السكين، سميت بذلك لأنها تقطع مدى الحيوان أي عمره، والرابط بين قوله: "نلقى العدو وليست معنا مدى" يحتمل أن يكون مراده أنهم إذا لقوا العدو صاروا بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه، ويحتمل أن يكون مراده أنهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلونه ليتقووا به على العدو إذا لقوه، ويؤيده ما تقدم من قسمة الغنم والإبل بينهم فكان معهم ما يذبحونه، وكرهوا أن يذبحوا بسيوفهم لئلا يضر ذلك بحدها والحاجة ماسة له. فسأل عن الذي يجزئ في الذبح غير السكين والسيف، وهذا وجه الحصر في المدية والقصب ونحوه مع إمكان ما في معنى المدية وهو السيف. وقد وقع في حديث غير هذا "إنكم لاقو العدو غدا والفطر أقوى لكم" فندبهم إلى الفطر ليتقووا. قوله: "أفنذبح بالقصب" ؟ يأتي البحث فيه بعد بابين. قوله: "ما أنهر الدم" أي أساله وصبه بكثرة، شبه بجري الماء في النهر. قال عياض: هذا هو المشهور في الروايات بالراء، وذكره أبو ذر الخشني بالزاي وقال: النهر بمعنى الرفع وهو غريب، و "ما" موصولة في موضع رفع بالابتداء وخبرها "فكلوا" والتقدير ما أنهر الدم فهو حلال فكلوا، ويحتمل أن تكون شرطية، ووقع في رواية أبي إسحاق عن الثوري "كل ما أنهر الدم ذكاة" و "ما" في هذا موصوفة. قوله: "وذكر اسم الله" هكذا وقع هنا، وكذا هو عند مسلم بحذف قوله: "عليه" وثبتت هذه اللفظة في هذا الحديث عند المصنف في الشركة، وكلام النووي في "شرح مسلم:" يوهم أنها ليست في البخاري إذ قال: هكذا هو في النسخ كلها يعني من مسلم وفيه محذوف أي ذكر اسم الله عليه أو معه، ووقع في رواية أبي داود وغيره: "وذكر اسم الله عليه" ا هـ فكأنه لما لم يرها في الذبائح من البخاري أيضا عزاها لأبي داود، إذ لو استحضرها من البخاري ما عدل عن التصريح بذكرها فيه اشتراط التسمية، لأنه علق الإذن بمجموع الأمرين وهما الإنهار والتسمية، والمعلق على شيئين لا يكتفي فيه إلا باجتماعهما وينتفي بانتفاء أحدهما، وقد تقدم البحث في اشتراط التسمية أول الباب، ويأتي أيضا قريبا. قوله: "ليس السن والظفر" بالنصب على الاستثناء بليس، ويجوز الرفع أي ليس السن والظفر مباحا أو مجزئا. ووقع في رواية أبي الأحوص "ما لم يكن سن أو ظفر" وفي رواية عمر بن عبيد "غير السن والظفر". وفي رواية داود بن عيسى "إلا سنا أو ظفرا". قوله: "وسأحدثكم عن ذلك" في رواية غير أبي ذر "وسأخبركم" وسيأتي البحث فيه وهل هو من جملة المرفوع أو مدرج في "باب إذا أصاب قوم غنيمة" قبيل كتاب الأضاحي. قوله: "أما السن فعظم" قال البيضاوي: هو قياس حذفت منه المقدمة الثانية لشهرتها عندهم، والتقدير أما السن فعظم، وكل عظم لا يحل الذبح به، وطوى النتيجة لدلالة الاستثناء عليها. وقال ابن الصلاح في

(9/628)


"مشكل الوسيط" هذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان قد قرر كون الذكاة لا تحصل بالعظم فلذلك اقتصر على قوله: "فعظم"، قال: ولم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يعقل، وكذا وقع في كلام ابن عبد السلام. وقال النووي: معنى الحديث لا تذبحوا بالعظام فإنها تنجس بالدم وقد نهيتكم عن تنجيسها لأنها زاد إخوانكم من الجن ا هـ، وهو محتمل ولا يقال كان يمكن تطهيرها بعد الذبح بها لأن الاستنجاء بها كذلك، وقد تقرر أنه لا يجزئ. وقال ابن الجوزي في "المشكل" : هذا يدل على أن الذبح بالعظم كان معهودا عندهم أنه لا يجزئ، وقررهم الشارع على ذلك وأشار إليه هنا. قلت: وسأذكر بعد بابين من حديث حذيفة ما يصلح أن يكون مستندا لذلك إن ثبت. قوله: "وأما الظفر فمدى الحبشة" أي وهم كفار وقد نهيتم عن التشبه بهم، قاله ابن الصلاح وتبعه النووي: وقيل نهى عنهما لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان، ولا يقع به غالبا إلا الخنق الذي ليس هو على صورة الذبح، وقد قالوا: إن الحبشة تدمي مذابح الشاة بالظفر حتى تزهق نفسها خنقا. واعترض على التعليل الأول بأنه لو كان كذلك لامتنع الذبح بالسكين وسائر ما يذبح به الكفار، وأجيب بأن الذبح بالسكين هو الأصل وأما ما يلتحق بها فهو الذي يعتبر فيه التشبيه لضعفها، ومن ثم كانوا يسألون عن جواز الذبح بغير السكين وشبهها كما سيأتي واضحا، ثم وجدت في "المعرفة للبيهقي" من رواية حرملة عن الشافعي أنه حمل الظفر في هذا الحديث على النوع الذي يدخل في البخور فقال: معقول في الحديث أن السن إنما يذكى بها إذا كانت منتزعة، فأما وهي ثابتة فلو ذبح بها لكانت منخنقة، يعني فدل على أن المراد بالسن السن المنتزعة وهذا بخلاف ما نقل عن الحنفية من جوازه بالسن المنفصلة قال: وأما الظفر فلو كان المراد به ظفر الإنسان لقال فيه ما قال في السن، لكن الظاهر أنه أراد به الظفر الذي هو طيب من بلاد الحبشة وهو لا يفري فيكون في معنى الخنق. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم تحريم التصرف في الأموال المشتركة من غير إذن ولو قلت ولو وقع الاحتياج إليها، وفيه انقياد الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حتى في ترك ما بهم إليه الحاجة الشديدة. وفيه أن للإمام عقوبة الرعية بما فيه إتلاف منفعة ونحوها إذا غلبت المصلحة الشرعية، وأن قسمة الغنيمة يجوز فيها التعديل والتقويم، ولا يشترط قسمة كل شيء منها على حدة، وأن ما توحش من المستأنس يعطي حكم المتوحش وبالعكس، وجواز الذبح بما يحصل المقصود سواء كان حديدا أم لا، وجواز عقر الحيوان الناد لمن عجز عن ذبحه كالصيد البري والمتوحش من الإنسي ويكون جميع أجزائه مذبحا فإذا أصيب فمات من الإصابة حل، أما المقدور عليه فلا يباح إلا بالذبح أو النحر إجماعا. وفيه التنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها فيها. وفيه منع الذبح بالسن والظفر متصلا كان أو منفصلا طاهرا كان أو متنجسا، وفرق الحنفية بين السن والظفر المتصلين فخصوا المنع بهما وأجازوه بالمنفصلين، وفرقوا بأن المتصل يصير في معنى الخنق والمنفصل في معنى الحجر، وجزم ابن دقيق العيد بحمل الحديث على المتصلين ثم قال: واستدل به قوم على منع الذبح بالعظم مطلقا لقوله: "أما السن فعظم" فعلل منع الذبح به لكونه عظما، والحكم يعم بعموم علته، وقد جاء عن مالك في هذه المسألة أربع روايات ثالثها يجوز بالعظم دون السن مطلقا رابعها يجوز بهما مطلقا حكاها ابن المنذر، وحكى الطحاوي الجواز مطلقا عن قوم، واحتجوا بقوله في حديث عدي بن حاتم "أمر الدم بما شئت" أخرجه أبو داود، لكن عمومه مخصوص بالنهي الوارد صحيحا في حديث رافع عملا بالحديثين، وسلك الطحاوي طريقا آخر فاحتج لمذهبه بعموم حديث عدي قال: والاستثناء في حديث رافع يقتضي تخصيص هذا العموم، لكنه في المنزوعين غير محقق وفي غير

(9/629)


المنزوعين محقق من حيث النظر، وأيضا فالذبح بالمتصلين يشبه الخنق وبالمنزوعين يشبه الآلة المستقلة من حجر وخشب. والله أعلم.

(9/630)


باب ماذبح على النصب والأصنام
...
16- باب مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَالأَصْنَامِ
5499- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ الْمُخْتَارِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ إِنِّي لاَ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلاَ آكُلُ إِلاَّ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ"
قوله: "باب ما ذبح على النصب والأصنام" النصب بضم أوله وبفتحه واحد الأنصاب، وهي حجارة كانت تنصب حول البيت يذبح عليها باسم الأصنام، وقيل النصب ما يعبد من دون الله، فعلى هذا فعطف الأصنام عطف تفسيري، والأول هو المشهور وهو اللائق بحديث الباب. حديث ابن عمر في قصة زيد ابن عمرو بن نفيل ووقع فيه من الاختلاف نظير ما وقع في الرواية التي في أواخر المناقب، وهو أنه وقع للأكثر "فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة" وللكشميهني: "فقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة" وجمع ابن المنير بين هذا الاختلاف بأن القوم الذين كانوا هناك قدموا السفرة للنبي صلى الله عليه وسلم فقدمها لزيد، فقال زيد مخاطبا لأولئك القوم ما قال، وقوله: "سفرة لحم" في رواية أبي ذر "سفرة فيها لحم" وقد سبق شرح الحديث مستوفى في أواخر المناقب.

(9/630)


17- باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ
5500- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ قَالَ ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُضْحِيَةً ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا أُنَاسٌ قَدْ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَآهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَدْ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَقَالَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم فليذبح على اسم الله" ذكر فيه حديث جندب بن عبد الله في ذبح الضحايا قبل صلاة العيد، وفيه اللفظ المذكور وهو يحتمل أن يكون المراد به الإذن في الذبيحة حينئذ، أو المراد به الأمر بالتسمية على الذبيحة، وسيأتي شرح الحديث مستوفى في كتاب الأضاحي إن شاء الله تعالى. حديث جندب بن عبد الله في ذبح الضحايا قبل صلاة العيد، وفيه اللفظ المذكور وهو يحتمل أن يكون المراد به الإذن في الذبيحة حينئذ، أو المراد به الأمر بالتسمية على الذبيحة، وسيأتي شرح الحديث مستوفى في كتاب الأضاحي إن شاء الله تعالى. وقد استدل به ابن المنير على اشتراط تسمية العامد دون الناسي، ويأتي تقريره هناك إن شاء الله تعالى. ووقع في هذه الرواية: "ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحاة" بفتح أوله بمعنى الأضحية.

(9/630)


باب ماأنهر الدم من القصب والمروة والحديد
...
18- باب مَا أَنْهَرَ الدَّمَ مِنْ الْقَصَبِ وَالْمَرْوَةِ وَالْحَدِيدِ
5501- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ

(9/630)


19- باب ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالأَمَةِ
5504- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ يُخْبِرُ عَبْدَ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبٍ بِهَذَا"
5505- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كُلُوهَا"
قوله: "باب ذبيحة الأمة والمرأة" كأنه يشير إلى الرد على من منع ذلك، وقد نقل محمد بن عبد الحكم عن مالك كراهته، وفي "المدونة" جوازه، وفي وجه للشافعية يكره ذبح المرأة الأضحية، وعند سعيد بن منصور بسند صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال في ذبيحة المرأة والصبي: لا بأس إذا أطاق الذبيحة وحفظ التسمية، وهو قول الجمهور. قوله: "عبدة" هو ابن سليمان الكلابي الكوفي وافق معتمر بن سليمان التيمي البصري على روايته عن عبيد الله بن عمر، وذكر الدار قطني أن غيرهما رواه عن عبيد الله فقال: "عن نافع أن رجلا من الأنصار". قلت: وكذا تقدم في الباب الذي قبله من رواية جويرية عن نافع، وكذا علقه هنا من رواية الليث عن نافع، ووصله الإسماعيلي من رواية أحمد بن يونس عن الليث به، قال الدار قطني "وكذا قال محمد بن إسحاق عن نافع" وهو أشبه، وسلك الجادة قوم منهم يزيد بن هارون فقال عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر، وكذا قال مرحوم العطار عن داود العطار عن نافع، وذكر الدار قطني عن غيرهم أنهم رووه كذلك، قال: ومنهم من أرسله عن نافع وهو أشبه بالصواب، وأغفل ما ذكره البخاري أواخر الباب من رواية مالك عن نافع عن رجل من الأنصار عن معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ "أن جارية لكعب" وقد أورده في "الموطآت" له كذلك من حديث جماعة عن مالك، منهم محمد بن الحسن. وقال في روايته عن رجل من الأنصار معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ، وأشار إلى تفرد محمد بذلك. وقال الباقون عن رجل عن معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ، ومنهم ابن وهب أخرجه من طريقه كالجماعة قال: وأخرجه ابن وهب في غير الموطأ فقال: "أخبرني مالك وغيره من أهل العلم عن رجل من الأنصار أن جارية لكعب بن مالك" فذكره وقال: الصواب ما في الموطأ يعني عن مالك، وأما عن غيره فيحتمل أن يكون ابن وهب أراد الليث وحمل

(9/632)


رواية مالك على روايته، وأغرب ابن التين فقال: فيه رواية صحابي عن تابعي لأن ابن كعب تابعي وابن عمر صحابي قلت: لكن ليس في شيء من طرقه أن ابن عمر رواه عنه، وإنما فيها أن ابن كعب حدث ابن عمر بذلك فحمله عنه نافع، وأما الرواية التي فيها عن ابن عمر فقال راويها فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر ابن كعب، وقد تقدم أنها شاذة والله أعلم. وقال الكرماني الشك من الراوي في معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ لا يقدح لأن الصحابة كلهم عدول، وهو كما قال، لكن الراوي الذي لم يسم يقدح في صحة الخبر إلا أنه قد تبين بالطريق الأخرى أن له أصلا. قوله: "جارية" وفي لفظ: "أمة" لا ينافي قوله في الرواية الأخرى "امرأة" لأنها أعم، فيؤخذ بقول من زاد في روايته صفة وهي كونها أمة. قوله: "فذبحتها" في رواية الكشميهني: "فذكتها" ووقع في رواية معن بن عيسى عن مالك في "الموطأ" فأدركت ذكاتها بحجر. قوله: "فسئل النبي صلى الله عليه وسلم "في رواية الليث" فكسرت حجرا فذبحتها به فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: كلوها " فيستفاد من روايته تعيين الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقد سبق في الباب الذي قبله من رواية جويرية عن نافع فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم من رواية عبيد الله بن عمر فيه على الشك والله أعلم. وفي الحديث تصديق الأجير الأمين فيما ائتمن عليه حتى يظهر عليه دليل الخيانة. وفيه جواز تصرف الأمين كالمودع بغير إذن المالك بالمصلحة، وقد تقدمت ترجمة المصنف بذلك في كتاب الوكالة. وقال ابن القاسم: إذا ذبح الراعي شاة بغير إذن المالك وقال خشيت عليها الموت لم يضمن على ظاهر هذا الحديث، وتعقب بأن الجارية كانت أمة لصاحب الغنم فلا يتصور تضمينها، وعلى تقدير أن تكون غير ملكه فلم ينقل في الحديث أنه أراد تضمينها، وكذا لو أنزى على الإناث فحلا بغير إذن فهلكت، قال ابن القاسم لا يضمن لأنه من صلاح المال، وقد أومأ البخاري في كتاب الوكالة إلى موافقته حيث قدم الجواز بقصد الإصلاح، وقد تقدم بيان ذلك، وفيه جواز أكل ما ذبح بغير إذن مالكه ولو ضمن الذابح، وخالف في ذلك طاوس وعكرمة كما سيأتي في أواخر كتاب الذبائح، وهو قول إسحاق وأهل الظاهر، وإليه جنح البخاري لأنه أورد في الباب المذكور حديث رافع بن خديج في الأمر بإكفاء القدور وقد سبق ما فيه، وعورض بحديث الباب، وبما أخرجه أحمد وأبو داود بسند قوي من طريق عاصم بن كليب عن أبيه في قصة الشاة التي ذبحتها المرأة بغير إذن صاحبها فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من أكلها لكنه قال: "أطعموها الأسارى" فلو لم تكن ذكية ما أمر بإطعامها الأسارى. وفيه جواز أكل ما ذبحته المرأة سواء كانت حرة أو أمة كبيرة أو صغيرة مسلمة أو كتابية طاهرا أو غير طاهر، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بأكل ما ذبحته ولم يستفصل، نص على ذلك الشافعي، وهو قول الجمهور، وقد تقدم في صدر الباب.

(9/633)


باب لايذكى بالسن والعظم والظفر
...
20- باب لاَ يُذَكَّى بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ وَالظُّفُرِ
5506- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلْ يَعْنِي مَا أَنْهَرَ الدَّمَ إِلاَّ السِّنَّ وَالظُّفُرَ"
قوله: "باب لا يذكي بالسن والعظم والظفر" قال الكرماني: السن عظم خاص وكذلك الظفر ولكنهما في العرف ليسا بعظمين، وكذا عند الأطباء، وعلى الأول فذكر العظم من عطف العام على الخاص ثم الخاص على العام، ذكر فيه طرفا من حديث رافع بن خديج وقد تقدمت مباحثه، وسفيان هو الثوري. قال الكرماني: ترجم

(9/633)


بالعظم ولم يذكره في الحديث ولكن حكمه يعلم منه. قلت: والبخاري في هذا ماش على عادته في الإشارة إلى ما يتضمنه أصل الحديث، فإن فيه: "أما السن فعظم" وإن كانت هذه الجملة لم تذكر هنا لكنها ثابتة مشهورة في نفس الحديث. حديث رافع بن خديج قد تقدمت مباحثه، وسفيان هو الثوري قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل يعني ما أنهر الدم إلا السن والظفر" كذا عند الجميع، ولم أره عند أحمد ممن رواه عن الثوري بهذا اللفظ، و "كل" فعل أمر بالأكل ولفظ: "يعني" تفسير، كأن الراوي قال كلاما هذا معناه، وقد أخرجه البيهقي من طريق الباغندي عن قبيصة شيخ البخاري فيه بلفظ: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فأصاب الناس إبلا وغنما" قال وذكر الحديث بنحوه وزاد في آخره: "قال عباية: ثم إن ناضحا تردى بالمدينة فذبح من قبل شاكلته، فأخذ منه ابن عمر عشيرا بدرهمين" وسيأتي الحديث بعد قليل من طريق يحيى القطان عن الثوري مطولا.

(9/634)


21- باب ذَبِيحَةِ الأَعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ
5507- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لاَ نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لاَ فَقَالَ سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ قَالَتْ وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ تَابَعَهُ عَلِيٌّ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَتَابَعَهُ أَبُو خَالِدٍ وَالطُّفَاوِيُّ"
قوله: "باب ذبيحة الأعراب ونحوهم" كذا للأكثر بالواو والكشميهني بالراء بدل الواو وكذا هو عند النسفي ولكل وجه. قوله: "أسامة بن حفص المدني" هو شيخ لم يزد البخاري في التاريخ في تعريفه على ما في هذا الإسناد، وذكر غيره أنه روى عنه أيضا يحيى بن إبراهيم بن أبي قتيلة بالقاف والمثناة مصغر، ولم يحتج البخاري بأسامة هذا لأنه قد أخرج هذا الحديث من رواية الطفاوي وغيره كما سأبينه. قوله: "تابعه على عن الدراوردي" هو علي بن عبد الله بن المديني شيخ البخاري والدراوردي هو عبد العزيز ابن محمد، وإنما يخرج له البخاري في المتابعات، ومراد البخاري أن الدراوردي رواه عن هشام بن عروة مرفوعا كما رواه أسامة بن حفص، وقد أخرجه الإسماعيلي من طر يق يعقوب بن حميد عن الدراوردي به. قوله: "وتابعه أبو خالد والطفاوي" يعني عن هشام بن عروة في رفعه أيضا، فأما رواية أبي خالد - وهو سليمان بن حبان الأحمر - فقد وصلها عنه المصنف في كتاب التوحيد وقال عقبه "وتابعه محمد بن عبد الرحمن والدراوردي وأسامة بن حفص" وأما رواية الطفاوي وهو محمد بن عبد الرحمن فقد وصلها عنه المصنف في كتاب البيوع، وحالفهم مالك فرواه عن هشام عن أبيه مرسلا ليس فيه عائشة، قال الدار قطني في "العلل" : رواه عبد الرحيم بن سليمان ومحاضر بن المورع والنضر بن شميل وآخرون عن هشام موصولا ورواه مالك مرسلا عن هشام، ووافق مالكا على إرساله الحمادان وابن عيينة والقطان عن هشام، وهو أشبه بالصواب، وذكر أيضا أن يحيى بن أبي طالب رواه عن عبد الوهاب بن عطاء عن مالك موصولا. قلت: رواية عبد الرحيم عند ابن ماجه ورواية النضر عند النسائي ورواية محاضر عند أبي داود، وقد أخرجه البيهقي من رواية جعفر بن عون عن هشام مرسلا، ويستفاد من صنيع البخاري أن الحديث إذا اختلف في وصله وإرساله حكم للواصل بشرطين: أحدهما أن يزيد عدد من وصله على من أرسله، والآخر أن يحتف بقرينة تقوي

(9/634)


الرواية الموصولة، لأن عروة معروف بالرواية عن عائشة مشهور بالأخذ عنها، ففي ذلك إشعار بحفظ من وصله عن هشام دون من أرسله. ويؤخذ من صنيعه أيضا أنه وإن اشترط في الصحيح أن يكون راويه من أهل الضبط والإتقان أنه إن كان في الراوي قصور عن ذلك ووافقه على رواية ذلك الخبر من هو مثله انجبر ذلك القصور بذلك وصح الحديث على شرطه. قوله: "إن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم" لم أقف على تعيينهم، ووقع في رواية مالك "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "إن قوما يأتوننا بلحم" في رواية أبي خالد "يأتونا بلحمان" وفي رواية النضر بن شميل عن هشام عند النسائي: "إن ناسا من الأعراب" وفي رواية مالك "من البادية". قوله: "لا ندري أذكر اسم الله عليه" كذا هنا بضم الذال على البناء للمجهول. وفي رواية الطفاوي الماضية في البيوع "اذكروا" وفي رواية أبي خالد "لا ندري يذكرون" زاد أبو داود في روايته: "أم لم يذكروا، أفنأكل منها" ؟. قوله: "سموا عليه أنتم وكلوا" في رواية الطفاوي "سموا الله" وفي رواية النضر وأبي خالد "اذكروا اسم الله" زاد أبو خالد "أنتم". قوله: "قالت وكانوا حديثي عهد بالكفر" وفي لفظ: "حديث عهدهم" وهي جملة إسمية قدم خبرها ووقعت صفة لقوله: "أقواما" ويحتمل أن يكون خبرا ثانيا بعد الخبر الأول وهو قوله: "يأتوننا بلحم". قوله: "بالكفر" وفي لفظ: "بكفر" وفي رواية أبي خالد "بشرك" وفي رواية أبي داود "بجاهلية" زاد مالك في آخره: "وذلك في أول الإسلام" وقد تعلق بهذه الزيادة قوم فزعموا أن هذا الجواب كان قبل نزول قوله تعالى :{وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} قال ابن عبد البر: وهو تعلق ضعيف، وفي الحديث نفسه ما يرده لأنه أمرهم فيه بالتسمية عند الأكل فدل على أن الآية كانت نزلت بالأمر بالتسمية عند الأكل، وأيضا فقد اتفقوا على أن الأنعام مكية وأن هذه القصة جرت بالمدينة، وأن الأعراب المشار إليهم في الحديث هم بادية أهل المدينة، وزاد ابن عيينة في روايته: "اجتهدوا أيمانهم كلوا" أي حلفوهم على أنهم سموا حين ذبحوا، وهذه الزيادة غريبة في هذا الحديث، وابن عيينة ثقة لكن روايته هذه مرسلة، نعم أخرج الطبراني من حديث أبي سعيد نحوه لكن قال: "اجتهدوا أيمانهم أنهم ذبحوها" ورجاله ثقات، وللطحاوي في "المشكل" : "سأل ناس من الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أعاريب يأتوننا بلحمان وجبن وسمن ما ندري ما كنه إسلامهم، قال: انظروا ما حرم الله عليكم فأمسكوا عنه، وما سكت عنه فقد عفا لكم عنه، وما كان ربك نسيا، اذكروا اسم الله عليه" قال المهلب: هذا الحديث أصل في أن التسمية على الذبيحة لا تجب، إذ لو كانت واجبة لاشترطت على كل حال، وقد أجمعوا على أن التسمية على الأكل ليست فرضا، فلما نابت عن التسمية على الذبح دل على أنها سنة لأن السنة لا تنوب عن الفرض، ودل هذا على أن الأمر في حديث عدي وأبي ثعلبة محمول على التنزيه من أجل أنهما كانا يصيدان على مذهب الجاهلية فعلمهما النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصيد والذبح فرضه ومندوبه لئلا يواقعا شبهة من ذلك، وليأخذا بأكمل الأمور فيما يستقبلان، وأما الذين سألوا عن هذه الذبائح فإنهم سألوا عن أمر قد وقع ويقع لغيرهم ليس فيه قدرة على الأخذ بالأكمل، فعرفهم بأصل الحل فيه. وقال ابن التين: يحتمل أن يراد بالتسمية هنا عند الأكل، وبذلك جزم النووي، قال ابن التين: وأما التسمية على ذبح تولاه غيرهم من غير علمهم فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يحمل على غير الصحة إذا تبين خلافها، ويحتمل أن يريد أن تسميتكم الآن تستبيحون بها أكل ما لم تعلموا أذكر اسم الله عليه أم لا إذا كان الذابح ممن تصح ذبيحته إذا سمي. ويستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة، وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين، لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية،

(9/635)


وبهذا الأخير جزم ابن عبد البر فقال: فيه أن ما ذبحه المسلم يؤكل ويحمل على أنه سمي، لأن المسلم لا يظن به في كل شيء إلا الخير حتى يتبين خلاف ذلك، وعكس هذا الخطابي فقال: فيه دليل على أن التسمية غير شرط على الذبيحة لأنها لو كانت شرطا لم تستبح الذبيحة بالأمر المشكوك فيه، كما لو عرض الشك في نفس الذبح فلم يعلم هل وقعت الذكاة المعتبرة أو لا، وهذا هو المتبادر من سياق الحديث حيث وقع الجواب فيه: "فسموا أنتم وكلوا" كأنه قيل لهم لا تهتموا بذلك بل الذي يهمكم أنتم أن تذكروا اسم الله وتأكلوا، وهذا من أسلوب الحكيم كما نبه عليه الطيبي. ومما يدل على عدم الاشتراط قوله تعالى :{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فأباح الأكل من ذبائحهم مع وجود الشك في أنهم سموا أم لا. "تكملة": قال الغزالي في "الأحياء" في مراتب الشبهات: المرتبة الأولى ما يتأكد الاستحباب في التورع عنه. هو ما يقوى فيه دليل المخالف، فمنه التورع عن أكل متروك التسمية، فإن الآية ظاهرة في الإيجاب، والأخبار متواترة بالأمر بها، ولكن لما صح قوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن يذبح على اسم الله سمي أو لم يسم" احتمل أن يكون عاما موجبا لصرف الآية والإخبار عن ظاهر الأمر، واحتمل أن يخصص بالناسي ويبقى من عداه على الظاهر، وهذا الاحتمال الثاني أولى والله أعلم. قلت: الحديث الذي اعتمد عليه وحكم بصحته بالغ النووي في إنكاره فقال: هو مجمع على ضعفه، قال: وقد أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة وقال: منكر لا يحتج به. وأخرج أبو داود في "المراسيل" عن الصلت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر" قلت: الصلت يقال له السدوسي وذكره ابن حبان في الثقات، وهو مرسل جيد، وحديث أبي هريرة فيه مروان بن سالم وهو متروك، لكن ثبت ذلك عن ابن عباس كما تقدم في أول "باب التسمية على الذبيحة" واختلف في رفعه ووقفه، فإذا انضم إلى المرسل المذكور قوي، أما كونه يبلغ درجة الصحة فلا. والله أعلم.

(9/636)


22- باب ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشُحُومِهَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِمْ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} وَقَالَ الزُّهْرِيُّ لاَ بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّي لِغَيْرِ اللَّهِ فَلاَ تَأْكُلْ وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ لاَ بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الأَقْلَفِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ
5508- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ فَنَزَوْتُ لِآخُذَهُ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ"
قوله: "باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها، من أهل الحرب وغيرهم" أشار إلى جواز ذلك، وهو قول الجمهور وعن مالك وأحمد تحريم ما حرم الله على أهل الكتاب كالشحوم. وقال ابن القاسم: لأن الذي أباحه الله طعامهم، وليس الشحوم من طعامهم ولا يقصدونها عند الزكاة. وتعقب بأن ابن عباس فسر طعامهم بذبائحهم كما سيأتي آخر

(9/636)


الباب، وإذا أبيحت ذبائحهم لم يحتج إلى قصدهم أجزاء المذبوح، والتذكية لا تقع على بعض أجزاء المذبوح دون بعض، وإن كانت التذكية شائعة في جميعها دخل الشحم لا محالة، وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى نص بأنه حرم عليهم كل ذي ظفر، فكان يلزم على قول هذا القائل أن اليهودي إذا ذبح ماله ظفر لا يحل للمسلم أكله، وأهل الكتاب أيضا يحرمون أكل الإبل فيقع الإلزام كذلك. قوله: "وقوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى قوله: {حِلٌّ لَهُمْ}، وبهذه الزيادة يتبين مراده من الاستدلال على الحل لأنه لم يخص ذميا من حربي ولا خص لحما من شحم، وكون الشحوم محرمة على أهل الكتاب لا يضر، لأنها محرمة عليهم لا علينا، وغايته بعد أن يتقرر أن ذبائحهم لنا حلال أن الذي حرم عليهم منها مسكوت في شرعنا عن تحريمه علينا فيكون على أصل الإباحة. قوله: "وقال الزهري: لا بأس بذبيحة نصارى العرب. وإن سمعته يهل لغير الله فلا تأكل، وإن لم تسمعه فقد أحله الله لك وعلم كفرهم" وصله عبد الرزاق عن معمر قال: سألت الزهري عن ذبائح نصارى العرب فذكر نحوه وزاد في آخره قال: وإهلاله أن يقول: باسم المسيح، وكذا قال الشافعي إن كان لهم ذبح يسمون عليه غير اسم الله مثل اسم المسيح لم يحل، وإن ذكر المسيح على معنى الصلاة عليه لم يحرم، وحكى البيهقي عن الحليمي بحثا أن أهل الكتاب إنما يذبحون لله تعالى، وهم في أصل دينهم لا يقصدون بعبادتهم إلا الله، فإذا كان قصدهم في الأصل ذلك اعتبرت ذبيحتهم ولم يضر قول من قال منهم مثلا باسم المسيح لأنه لا يريد بذلك إلا الله وإن كان قد كفر بذلك الاعتقاد. قوله: "ويذكر عن علي نحوه" لم أقف على من وصله، وكأنه لا يصح عنه، ولذلك ذكره بصيغة التمريض. بل قد جاء عن علي من وجه آخر صحيح المنع من ذبائح بعض نصارى العرب أخرجه الشافعي وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة "عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب، فإنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر" ولا تعارض بين الروايتين عن علي لأن منع الذي منعه فيه أخص من الذي نقل فيه عنه الجواز قوله: "وقال الحسن وإبراهيم لا بأس بذبيحة الأقلف" بالقاف ثم الفاء: هو الذي لم يختن، والقلفة بالقاف ويقال بالغين المعجمة الغرلة وهي الجلدة التي تستر الحشفة، وأثر الحسن أخرجه عبد الرزاق عن معمر قال: كان الحسن يرخص في الرجل إذا أسلم بعدما يكبر فخاف على نفسه إن اختتن أن لا يختتن، وكان لا يرى بأكل ذبيحته بأسا. وأما أثر إبراهيم فأخرجه أبو بكر الخلال من طريق سعيد بن أبي عروبة عن مغيرة عن إبراهيم النخعي قال: لا بأس بذبيحة الأقلف. وقد ورد ما يخالفه فأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: الأقلف لا تؤكل ذبيحته ولا تقبل صلاته ولا شهادته. وقال ابن المنذر: قال جمهور أهل العلم تجوز ذبيحته لأن الله سبحانه أباح ذبائح أهل الكتاب ومنهم من لا يختتن. قوله: "وقال ابن عباس طعامهم ذبائحهم" كذا ثبت هذا التعليق هنا عند المستملي، وثبت عند السرخسي والحموي في آخر الباب عقب الحديث المرفوع، وهو موصول عند البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} قال: ذبائحهم، وقائل هذا يلزمه أن يجيز ذبيحة الأقلف لأن كثيرا من أهل الكتاب لا يختتنون، وقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم هرقل وقومه بقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} وهرقل وقومه ممن لا يختتن وقد سموا أهل الكتاب. حديث عبد الله بن مغفل "كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم فنزوت" بنون وزاي أي وثبت. وفي رواية الكشميهني: "فبدرت" أي سارعت، وقد تقدمت مباحثه في فرض الخمس، وفيه حجة على من منع ما حرم

(9/637)


عليهم كالشحوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر ابن مغفل على الانتفاع بالجراب المذكور، وفيه جواز أكل الشحم مما ذبحه أهل الكتاب ولو كانوا أهل حرب.

(9/638)


باب ماند من البهائم فهو بمنزلة الوحش
...
23- باب مَا نَدَّ مِنْ الْبَهَائِمِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْشِ
وَأَجَازَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا أَعْجَزَكَ مِنْ الْبَهَائِمِ مِمَّا فِي يَدَيْكَ فَهُوَ كَالصَّيْدِ وَفِي بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَذَكِّهِ وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ
5509- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لاَقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى فَقَالَ اعْجَلْ أَوْ أَرِنْ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا"
قوله: "باب ما ند" أي نفر "من البهائم" أي الإنسية "فهو بمنزلة الوحش" أي في جواز عقره على أي صفة اتفقت، وهو مستفاد من قوله في الخبر "فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا" وأما قوله: "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش" فالظاهر أن تقديم ذكر هذا التشبيه كالتمهيد لكونها تشارك المتوحش في الحكم. وقال ابن المنير: بل المراد أنها تنفر كما ينفر الوحش لا أنها تعطي حكمها، كذا قال، وآخر الحديث يرد عليه. قوله: "وأجازه ابن مسعود" يشير إلى ما تقدم في "باب صيد القوس" عن ابن مسعود. وأخرج البيهقي من طريق أبي العميس عن غضبان بن يزيد البجلي عن أبيه قال: "أعرس رجل من الحي فاشترى جزورا فندت فعرقبها وذكر اسم الله، فأمرهم عبد الله - يعني ابن مسعود - أن يأكلوا، فما طابت أنفعهم حتى جعلوا له منها بضعة ثم أتوه بها فأكل". قوله: "وقال ابن عباس: ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو كالصيد، وفي بعير تردى في بئر فذكه من حيث قدرت" في رواية كريمة: "من حيث قدرت عليه فذكه". أما الأثر الأول فوصله ابن أبي شيبة من طريق عكرمة عنه بهذا قال: فهو بمنزلة الصيد، وأما الثاني فوصله عبد الرزاق من وجه آخر عن عكرمة عنه قال: إذا وقع البعير في البئر فاطعنه من قبل خاصرته واذكر اسم الله وكل. قوله:" ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة "أما أثر علي فوصله ابن أبي شيبة من طريق أبي راشد السلماني قال: كنت أرعى منائح لأهلي بظهر الكوفة، فتردى منها بعير، فخشيت أن يسبقني بذكاته" فأخذت حديدة فوجأت بها في جنبه أو سنامه، ثم قطعته أعضاء وفرقته على أهلي، فأبوا أن يأكلوه، فأتيت عليا فقمت على باب قصره ففلت: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين، فقال: يالبيكاه يالبيكاه، فأخبرته خبره، فقال: كل وأطعمني. وأما أثر ابن عمر فوصله عبد الرزاق في أثر حديث رافع بن خديج من رواية سفيان عن أبيه عن عباية بن رفاعة، وقد تقدم في "باب لا يذكى بالسن والعظم" وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عباية بلفظ: "تردى بعير في ركية، فنزل رجل لينحره فقال: لا أقدر على نحره، فقال له ابن عمر: اذكر اسم الله ثم اقتل

(9/638)


شاكلته - يعني خاصرته - ففعل" وأخرج مقطعا، فأخذ منه ابن عمر عشيرا بدرهمين أو أربعة. وأما أثر عائشة فلم أقف عليه بعد موصولا؛ وقد نقله ابن المنذر وغيره عن الجمهور، وخالفهم مالك والليث، ونقل أيضا عن سعيد بن المسيب وربيعة فقالوا: لا يحل أكل الإنسي إذا توحش إلا بتذكيته في حلقه أو لبته، وحجة الجمهور حديث رافع، ثم ذكر حديث رافع بن خديج من رواية يحيى القطان عن سفيان الثوري، ولم يذكر فيه قصة نصب القدور وإكفائها وذكر سائر الحديث. قوله فيه "عن عباية بن رفاعة بن خديج" كذا فيه نسب رفاعة إلى جده، ووقع في رواية كريمة: "رفاعة بن رافع بن خديج" بغير نقص فيه. قوله: "فقال أعجل أو أرن" في رواية كريمة بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون، وكذا ضبطه الخطابي في سنن أبي داود. وفي رواية أبي ذر بسكون الراء وكسر النون، ووقع في رواية الإسماعيلي من هذا الوجه الذي هنا "وأرني" بإثبات الياء آخره، قال الخطابي: هذا حرف طالما استثبت فيه الرواة، وسألت عنه أهل اللغة فلم أجد عندهم ما يقطع بصحته، وقد طلبت له مخرجا. فذكر أوجها: أحدها أن يكون على الرواية بكسر الراء من أران القوم إذا هلكت مواشيهم فيكون المعنى أهلكها ذبحا. ثانيها أن يكون على الرواية بسكون الراء بوزن أعط يعني انظروا نظروا نتظر بمعنى، قال الله تعالى حكاية عمن قال: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} أي انظرونا، أو هو بضم الهمزة بمعنى أدم الحز من قولك رنوت إذا أدمت النظر إلى الشيء، وأراد أدم النظر إليه وراعه ببصرك. ثالثها أن يكون مهموزا من قولك أر أن يرئن إذا نشط وخف، كأنه فعل أمر بالإسراع لئلا يموت خنقا ورجح في "شرح السنن" هذا الوجه الأخير فقال: صوابه أرئن بهمزة ومعناه خف واعجل لئلا تخنقها، فإن الذبح إذا كان بغير الحديد احتاج صاحبه إلى خفة يد وسرعة في إمرار تلك الآلة والإتيان على الحلقوم والأوداج كلها قبل أن تهلك الذبيحة بما ينالها من ألم الضغط قبل قطع مذابحها. ثم قال: وقد ذكرت هذا الحرف في "غريب الحديث:" وذكرت فيه وجوها يحتملها التأويل وكأن قال فيه يجوز أن تكون الكلمة تصحفت، وكان في الأصل أزز بالزاي من قولك أزز الرجل إصبعه إذا جعلها في الشيء، وأززت الجرادة أززا إذا أدخلت ذنبها في الأرض، والمعنى شد يدك على النحر. وزعم أن هذا الوجه أقرب الجميع. قال ابن بطال عرضت كلام الخطابي على بعض أهل النقد فقال: أما أخذه من أران القوم فمعترض لأن أران لا يتعدى وإنما يقال أران هو ولا يقال أران الرجل غنمه. وأما الوجه الذي صوبه ففيه نظر وكأنه من جهة أن الرواية لا تساعده. وأما الوجه الذي جعله أقرب الجميع فهو أبعدها لعدم الرواية به. وقال عياض: ضبطه الأصيلي أرني فعل أمر من الرؤية، ومثله في مسلم لكن الراء ساكنة قال: وأفادني بعضهم أنه وقف على هذه اللفظة في "مسند علي بن عبد العزيز" مضبوطة هكذا أرني أو أعجل، فكأن الراوي شك في أحد اللفظين وهما بمعنى واحد، والمقصود الذبح بما يسرع القطع ويجري الدم، ورجح النووي أن أرن بمعنى أعجل وأنه شك من الراوي، وضبط أعجل بكسر الجيم، وبعضهم قال في رواية لمسلم أرني بسكون الراء وبعد النون ياء أي أحضرني الآلة التي تذبح بها لأراها ثم أضرب عن ذلك فقال: أو أعجل، وأو تجي. للإضراب فكأنه قال قد لا يتيسر إحضار الآلة فيتأخر البيان فعرف الحكم فقال أعجل ما أنهر الدم إلخ، قال وهذا أولى من حمله على الشك. وقال المنذري: اختلف في هذه اللفظة هلى هي بوزن أعط أو بوزن أطع أو هي فعل أمر من الرؤية؟ فعلى الأول المعنى أدم الحز من رنوت إذا أدمت النظر، وعلى الثاني أهلكها ذبحا من أران القوم إذا هلكت مواشيهم، وتعقب بأنه لا يتعدى، وأجيب بأن المعنى كن ذا

(9/639)


شاة هالكة إذا أزهقت نفسها بكل ما أنهر الدم. قلت: ولا يخفى تكلفه. وأما على أنه بصيغة فعل الأمر فمعناه أرني سيلان الدم، ومن سكن الراء اختلس الحركة، ومن حذف الياء جاز، وقوله واعجل بهمزة وصل وفتح الجيم وسكون اللام فعل أمر من العجلة أي اعجل لا تموت الذبيحة خنقة قال: ورواه بعضهم بصيغة أفعل التفضيل أي ليكن الذبح أعجل ما أنهر الدم، قلت: وهذا وإن تمشى على رواية أبي داود بتقديم لفظ أرني على أعجل لم يستقم على رواية البخاري بتأخيرها، وجوز بعضهم في رواية أرن بسكون الراء أن يكون من أرناني حسن ما رأيته أي حملني على الرنو إليه، والمعنى على هذا أحسن الذبح حتى تحب أن ننظر إليك، ويؤيده حديث: "إذا ذبحتم فأحسنوا" أخرجه مسلم. وقد سبقت مباحث هذا الحديث مستوفاة قبل، وسياقه هناك أتم مما هنا. والله أعلم.

(9/640)


باب الذبح والنحر
...
24- باب النَّحْرِ وَالذَّبْحِ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ لاَ ذَبْحَ وَلاَ مَنْحَرَ إِلاَّ فِي الْمَذْبَحِ وَالْمَنْحَرِ قُلْتُ أَيَجْزِي مَا يُذْبَحُ أَنْ أَنْحَرَهُ قَالَ نَعَمْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَبْحَ الْبَقَرَةِ فَإِنْ ذَبَحْتَ شَيْئًا يُنْحَرُ جَازَ وَالنَّحْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ وَالذَّبْحُ قَطْعُ الأَوْدَاجِ قُلْتُ فَيُخَلِّفُ الأَوْدَاجَ حَتَّى يَقْطَعَ النِّخَاعَ قَالَ لاَ إِخَالُ وَأَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَهَى عَنْ النَّخْعِ يَقُولُ يَقْطَعُ مَا دُونَ الْعَظْمِ ثُمَّ يَدَعُ حَتَّى تَمُوتَ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً - إلى- فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ إِذَا قَطَعَ الرَّأْسَ فَلاَ بَأْسَ"
5510- حَدَّثَنَا خَلاَدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ امْرَأَتِي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ"
[الحديث 5510- أطرافه في: 5511، 5512، 5519]
5511- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ سَمِعَ عَبْدَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ ذَبَحْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ فَأَكَلْنَاهُ"
5512- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ تَابَعَهُ وَكِيعٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ فِي النَّحْرِ"
قوله: "باب النحر والذبح" في رواية أبي ذر "والذبائح" بصيغة الجمع، وكأنه جمع باعتبار أنه الأكثر فالنحر في الإبل خاصة، وأما غير الإبل فيذبح، وقد جاءت أحاديث في ذبح الإبل وفي نحر غيرها. وقال ابن التين الأصل في الإبل النحر، وفي الشاة ونحوها الذبح، وأما البقر فجاء في القرآن ذكر ذبحها وفي السنة ذكر نحرها، واختلف في ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح فأجازه الجمهور ومنع ابن القاسم. قوله: "وقال ابن جريج عن عطاء إلخ" وصله عبد الرزاق عن ابن جريج مقطعا، وقوله والذبح قطع الأوداج جمع ودج بفتح الدال المهملة والجيم وهو العرق الذي في الأخدع، وهما عرقان متقابلان، قيل ليس لكل بهيمة غير ودجين فقط وهما محيطان

(9/640)


بالحلقوم، ففي الإتيان بصيغة الجمع نظر، ويمكن أن يكون أضاف كل ودجين إلى الأنواع كلها، هكذا اقتصر عليه بعض الشراح، وبقي وجه آخر وهو أنه أطلق على ما يقطع في العادة ودجا تغليبا، فقد قال أكثر الحنفية في كتبهم: إذا قطع من الأوداج الأربعة ثلاثة حصلت التذكية، وهما الحلقوم والمريء وعرقان من كل جانب، وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن: إذا قطع الحلقوم والمريء وأكثر من نصف الأوداج أجزأ، فإن قطع أقل فلا خير فيها. وقال الشافعي يكفي ولو لم يقطع من الودجين شيئا، لأنهما قد يسلان من الإنسان وغيره فيعيش. وعن الثوري إن قطع الودجين أجزأ ولو لم يقطع الحلقوم والمريء، وعن مالك والليث يشترط قطع الودجين والحلقوم فقط، واحتج له بما في حديث رافع "ما أنهر الدم" وإنهاره إجراؤه، وذلك يكون بقطع الأوداج لأنها مجرى الدم، وأما المريء فهو مجرى الطعام وليس به من الدم ما يصل به إنهار، كذا قال. وقوله: "فأخبرني نافع" القائل هو ابن جريج، وقوله: "النخع" بفتح النون وسكون الخاء المعجمة فسره في الخبر بأنه قطع ما دون العظم، والنخاع عرق أبيض في فقار الظهر إلى القلب، يقال له خيط الرقبة. وقال الشافعي: النخع أن تذبح الشاة ثم يكسر قفاها من موضع المذبح، أو تضرب ليعجل قطع حركتها. وأخرج أبو عبيد في "الغريب" عن عمر أنه نهى عن الفرس في الذبيحة، ثم حكى عن أبي عبيدة أن الفرس هو النخع، يقال فرست الشاة ونخعتها، وذلك أن ينتهي بالذبح إلى النخاع وهو عظم في الرقبة، قال: ويقال أيضا هو الذي يكون في فقار الصلب شبيه بالمخ وهو متصل بالقفا، نهى أن ينتهي بالذبح إلى ذلك. قال أبو عبيد أما النخع فهو على ما قال، وأما الفرس فيقال هو الكسر، وإنما نهى أن تكسر رقبة الذبيحة قبل أن تبرد. ويبين ذلك أن في الحديث: "ولا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق" قلت يعني في حديث عمر المذكور، وكذا ذكره الشافعي عن عمر. قوله: "وإذ قال موسى لقومه {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً - إلى– فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} زاد في رواية كريمة:" وقول الله تعالى :{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} وهذا من تمام الترجمة، وأراد أن يفسر به قول ابن جريج في الأثر المذكور ذكر الله ذبح البقرة، وفي هذا إشارة منه إلى اختصاص البقر بالذبح، وقد روى شيخه إسماعيل بن أبي أويس عن مالك "من نحر البقر فبئس ما صنع. ثم تلا هذه الآية" وعن أشهب إن ذبح بعيرا من غير ضرورة لم يؤكل. قوله: "وقال سعيد عن ابن عباس: الذكاة في الحلق واللبة" وصله سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الذكاة في الحلق واللبة، وهذا إسناد صحيح، وأخرجه سفيان الثوري في جامعه عن عمر مثله، وجاء مرفوعا من وجه واه. واللبة بفتح اللام وتشديد الموحدة هي موضع القلادة من الصدر وهي المنحر، وكأن المصنف لمح بضعف الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من رواية حماد ابن سلمة عن أبي المعشر الدارمي عن أبيه قال: "قلت يا رسول الله ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة، قال لو طعنت في فخذها لأجزأك" لكن من قواه حمله على الوحش والمتوحش. قوله: "وقال ابن عمر وابن عباس وأنس: إذا قطع الرأس فلا بأس" أما أثر ابن عمر فوصله أبو موسى الزمن من رواية أبي مجلز "سألت ابن عمر عن ذبيحة قطع رأسها، فأمر ابن عمر بأكلها" وأما أثر ابن عباس فوصله ابن أبي شيبة بسند صحيح "أن ابن عباس سئل عمن ذبح دجاجة فطير رأسها فقال ذكاة وحية بفتح الواو وكسر الحاء المهملة بعدها تحتانية ثقيلة أي سريعة، منسوبة إلى الوحاء وهو الإسراع والعجلة. وأما

(9/641)


أثر أنس فوصله ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس "أن جزارا لأنس ذبح دجاجة فاضطربت فذبحها من قفاها فأطار رأسها، فأرادوا طرحها، فأمرهم أنس بأكلها. ذكر المصنف في الباب حديث أسماء بنت أبي بكر في أكل الفرس، أورده من رواية سفيان الثوري ومن رواية جرير كلاهما عن هشام بن عروة موصولا بلفظ: "نحرنا" وقال في آخره: "تابعه وكيع وابن عيينة عن هشام في النحر"، وأورده أيضا من رواية عبدة وهو ابن سليمان عن هشام بلفظ: "ذبحنا" ورواية ابن عيينة التي أشار إليها ستأتي موصولة بعد بابين من رواية الحميدي عن سفيان وهو ابن عيينة به وقال: "نحرنا".ورواية وكيع أخرجها أحمد عنه بلفظ: "نحرنا"، وأخرجها مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير "حدثنا أبي وحفص بن غياث ووكيع ثلاثتهم عن هشام" بلفظ: "نحرنا"، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر والثوري جميعا عن هشام بلفظ: "نحرنا" وقال الإسماعيلي: قال همام وعيسى بن يونس وعلي بن مسهر عن هشام بلفظ: "نحرنا"، واختلف على حماد بن زيد وابن عيينة فقال أكثر أصحابهما "نحرنا" وقال بعضهم "ذبحنا"، وأخرجه الدار قطني من رواية مؤمل بن إسماعيل عن الثوري ووهيب بن خالد ومن رواية ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ومن رواية يحيى القطان كلهم عن هشام بلفظ: "ذبحنا" ومن رواية أبي معاوية عن هشام "انتحرنا" وكذا أخرجه مسلم من رواية أبي معاوية وأبي أسامة ولم يسق لفظه، وساقه أبو عوانة عنهما بلفظ: "نحرنا" وهذا الاختلاف كله عن هشام، وفيه إشعار بأنه كان تارة يرويه بلفظ - "ذبحنا" وتارة بلفظ: "نحرنا" وهو مصير منه إلى استواء اللفظين في المعنى، وأن النحر يطلق عليه ذبح والذبح يطلق عليه نحر ولا يتعين مع هذا الاختلاف ما هو الحقيقة في ذلك من المجاز إلا إن رجح أحد الطريقين، وأما أنه يستفاد من هذا الاختلاف جواز نحر المذبوح وذبح المنحور كما قاله بعض الشراح فبعيد، لأنه يستلزم أن يكون الأمر في ذلك وقع مرتين، والأصل عدم التعدد مع اتحاد المخرج، وقد جرى النووي على عادته في الحمل على التعدد فقال بعد أن ذكر اختلاف الرواة في قولها نحرنا وذبحنا: يجمع بين الروايتين بأنهما قضيتان، فمرة نحروها ومرة ذبحوها: ثم قال: ويجوز أن تكون قصة واحدة وأحد اللفظين مجاز والأول أصح، كذا قال والله أعلم

(9/642)


باب مايكره من المثلة والمصبورة والمجثمة
...
25- باب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْمُثْلَةِ وَالْمَصْبُورَةِ وَالْمُجَثَّمَةِ
5513- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ أَنَسٍ عَلَى الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ فَرَأَى غِلْمَانًا أَوْ فِتْيَانًا نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا فَقَالَ أَنَسٌ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ"
5514- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغُلاَمٌ مِنْ بَنِي يَحْيَى رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا فَمَشَى إِلَيْهَا ابْنُ عُمَرَ حَتَّى حَلَّهَا ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا وَبِالْغُلاَمِ مَعَهُ فَقَالَ ازْجُرُوا غُلاَمَكُمْ عَنْ أَنْ يَصْبِرَ هَذَا الطَّيْرَ لِلْقَتْلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ"

(9/642)


5515- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَمَرُّوا بِفِتْيَةٍ أَوْ بِنَفَرٍ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَنْ فَعَلَ هَذَا إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ وَقَالَ عَدِيٌّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
5516- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ"
قوله: "باب ما يكره من المثلة" بضم الميم وسكون المثلثة هي قطع أطراف الحيوان أو بعضها وهو حي، يقال مثلت به أمثل بالتشديد للمبالغة. قوله: "والمصبورة" بصاد مهملة ساكنة وموحدة مضمومة، "والمجثمة" بالجيم والمثلثة المفتوحة: التي تربط وتجعل غرضا للرمي، فإذا ماتت من ذلك لم يحل أكلها، والجثوم للطير ونحوها بمنزلة البروك للإبل، فلو جثمت بنفسها فهي جاثمة ومجثمة بكسر المثلثة، وتلك إذا صيدت على تلك الحالة فذبحت جاز أكلها، وإن رميت فماتت لم يجز لأنها تصير موقذة. ثم ذكر في الباب أربعة أحاديث. قوله: "عن هشام بن زيد" يعني ابن أنس بن مالك. قوله: "دخلت مع أنس على الحكم بن أيوب" يعني ابن أبي عقيل الثقفي ابن عم الحجاج بن يوسف ونائبه على البصرة وزوج أخته زينب بنت يوسف، وهو الذي يقول فيه جرير يمدحه:
حتى أنخناها على باب الحكم
...
خليفة الحجاج غير المتهم
وقع ذكره في عدة أحاديث، وكان يضاهي في الجور ابن عمه، وليزيد الضبي معه قصة طويلة تدل على ذلك أوردها أبو يعلى الموصلي في مسند أنس له، ووقع في رواية الإسماعيلي بلفظ خرجت مع أنس بن مالك من دار الحكم بن أيوب أمير البصرة. قوله: "فرأى غلمانا أو فتيانا" شك من الراوي، ولم أقف على أسمائهم، وظاهر السياق أنهم من أتباع الحكم بن أيوب المذكور. قوله: "أن تصبر" بضم أوله أي تحبس لترمي حتى تموت. وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: "سمعت أنس بن مالك يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح" وأصل الصبر الحبس. وأخرج العقيلي في "الضعفاء" من طريق الحسن عن سمرة قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهيمة، وأن يؤكل لحمها إذا صبرت" قال العقيلي: جاء في النهي عن صبر البهيمة أحاديث جياد، وأما النهي عن أكلها فلا يعرف إلا في هذا. قلت: إن ثبت فهو محمول على أنها ماتت بذلك بغير تذكية كما تقدم في المقتول بالبندقة. قوله: "أنه دخل على يحيى بن سعيد" أي ابن العاص وهو أخو عمرو المعروف بالأشدق ابن سعيد بن العاص والد سعيد بن عمرو راويه من ابن عمر. قوله: "وغلام من بني يحيى" أي ابن سعيد المذكور لم أقف على اسمه، وكان ليحيى من الذكور عثمان وعنبسة وأبان وإسماعيل وسعيد ومحمد وهشام وعمرو، وكان يحيى بن سعيد قد ولى إمرة المدينة وكذا أخوه عمرو. قوله: "فمشى إليها ابن عمر حتى حلها" بتشديد اللام، في رواية السرخسي والمستلمي "حملها" ورواية الكشميهني أوضح لقوله في أول الحديث: "رابط دجاجة" ووقع في رواية الإسماعيلي وأبي نعيم في "المستخرج" : فحل الدجاجة. قوله: "ازجروا غلامكم" في رواية الكشميهني: "غلمانكم".

(9/643)


"عن أن يصبر" في رواية الكشميهني: "أن يصبروا" بصيغة الجمع وهو على نسق الذي قبله، وزاد أبو نعيم في آخر الحديث: "وإن أردتم ذبحها فاذبحوها". قوله: "هذا الطير" قال الكرماني: هذا على لغة قليلة وهي إطلاق الطير على الواحد، واللغة المشهورة في الواحد طائر والجمع الطير. قلت: وهو هنا محتمل لإرادة الجمع، بل الأولى أنه لإرادة الجنس. قوله: "أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل" "أو" للتنويع لا للشك، وهو زائد على حديث أنس فيدخل فيه البهائم والطيور وغيرهما، ونحوه حديث أبي أيوب قال: "والذي نفسي بيده لو كانت دجاجة ما صبرتها، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن قتل الصبر" أخرجه أبو داود بسند قوي، ويجمع ذلك حديث شداد بن أوس عند مسلم رفعه: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" قال ابن أبي جمرة: فيه رحمة الله لعباده حتى في حال القتل، فأمر بالقتل، وأمر بالرفق فيه. ويؤخذ منه قهره لجميع عباده لأنه لم يترك لأحد التصرف في شيء إلا وقد حد له فيه كيفية. قوله: "عن أبي بشر" هو جعفر بن أبي وحشية. قوله: "فمروا بفتية أو بنفر" شك من الراوي. وفي رواية الإسماعيلي: "فإذا فتية نصبوا دجاجة يرمونها وله كل خاطئة" يعني أن الذي يصيبها يأخذ السهم الذي ترمي به إذ لم يصبها. قوله: "وقال ابن عمر: من فعل هذا" زاد في رواية الإسماعيلي: "فتفرقوا". قوله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا" في رواية مسلم: "لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا" بمعجمتين والفتح أي منصوبا للرمي. وفي رواية الإسماعيلي: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل بالحيوان" وفي رواية له "بالبهائم" وفي رواية له "من تجثم" واللعن من دلائل التحريم، ولأحمد من وجه آخر عن أبي صالح الحنفي عن رجل من الصحابة أراه عن ابن عمر رفعه: "من مثل بذي روح ثم لم يتب مثل الله به يوم القيامة" رجاله ثقات. قوله: "تابعه سليمان" هو ابن حرب. قوله: "لعن النبي صلى الله عليه وسلم من مثل بالحيوان" أي صبره مثله بضم الميم وبالمثلثة، وهذه المتابعة وصلها البيهقي من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب، وزاد فيه أيضا قصة أن ابن عمر خرج في طريق من طرق المدينة فرأى غلمانا، فذكر مثل رواية أبي بشر، وفيه: "فلما رأوه فروا فغضب" الحديث. ووهم مغلطاي وتبعه شيخنا ابن الملقن وغيره فجزموا بأن سليمان هذا هو أبو داود الطيالسي، واستند إلى أن أبا نعيم أخرجه في مستخرجه من طريق أبي خليفة عن الطيالسي. قلت: وهو غلط ظاهر، فإن الطيالسي الذي يروي عنه أبو خليفة هو أبو الوليد واسمه هشام بن عبد الملك، ولم يدرك أبو خليفة أبا داود الطيالسي فإن مولده بعد وفاته بسنتين، مات أبو داود سنة أربع ومائتين على الصحيح، وولد أبو خليفة سنة ست ومائتين، والمنهال المذكور في السند هو ابن عمرو، يعني أنه تابع أبا بشر في روايته لهذا الحديث عن سعيد بن جبير وخالفهما عدي بن ثابت فرواه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس كما بينه في الطريق التي بعدها. قوله: "وقال عدي" هو ابن ثابت "عن عيد" هو ابن جبير "عن ابن عباس" هو موصول بالإسناد الذي ساقه إلى عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد، وقد ساقه البخاري في تاريخه عن حجاج بن منهال الذي ساق حديث عبد الله بن يزيد به، ولكن لفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا". قوله: "سمعت عبد الله بن يزيد" هو الخطمي بفتح المعجمة وسكون المهملة، تقدم ذكره في الاستسقاء. قوله: "نهى عن النهبى" بضم النون وسكون الهاء ثم بالموحدة مقصور، أي أخذ مال المسلم قهرا جهرا، ومنه أخذ مال الغنيمة قبل القسمة اختطافا بغير تسوية. قوله: "والمثلثة" تقدم ضبطها وتفسيرها وتقدم في المغازي في

(9/644)


"باب قصة عكل وعرينة" لهذا الحديث طريق أخرى، وذكر الإسماعيلي الاختلاف على شعبة فيه، وبين أن يعقوب الحضرمي رواه عن شعبة كما قال حجاج بن منهال، لكن أدخل بين عبد الله بن يزيد والنبي صلى الله عليه وسلم أبا أيوب، ورواية يعقوب بن إسحاق المذكورة وصلها الطبراني. وفي هذه الأحاديث تحريم تعذيب الحيوان الآدمي وغيره، وفي الحديث الأول قوة أنس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع معرفته بشدة الأمير المذكور، لكن كان الخليفة عبد الملك بن مروان نهى الحجاج عن التعرض له بعد أن كان صدر من الحجاج في حقه خشونة، فشكاه لعبد الملك فأغلظ للحجاج وأمره بإكرامه.

(9/645)


26- باب لَحْمِ الدَّجَاجِ
5517- حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى يَعْنِي الأَشْعَرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ دَجَاجًا"
5518- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أَحْمَرُ فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ ادْنُ فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهُ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُهُ أَكَلَ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أَنْ لاَ آكُلَهُ فَقَالَ ادْنُ أُخْبِرْكَ أَوْ أُحَدِّثْكَ إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَحْمِلَنَا قَالَ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبٍ مِنْ إِبِلٍ فَقَالَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ قَالَ فَأَعْطَانَا خَمْسَ ذَوْدٍ غُرَّ الذُّرَى فَلَبِثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ لاَ نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا اسْتَحْمَلْنَاكَ فَحَلَفْتَ أَنْ لاَ تَحْمِلَنَا فَظَنَنَّا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ حَمَلَكُمْ إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا"
قوله: "باب لحم الدجاج" هو اسم جنس مثلث الدال، ذكره المنذري في الحاشية وابن مالك وغيرهما، ولم يحك النووي الضم، والواحدة دجاجة مثلث أيضا، وقيل إن الضم فيه ضعيف، قال الجوهري دخلتها الهاء للوحدة مثل الحمامة، وأفاد إبراهيم الحربي في "غريب الحديث:" أن الدجاج بالكسر اسم للذكران دون الإناث والواحد منها ديك، وبالفتح الإناث دون الذكران والواحدة دجاجة بالفتح أيضا، قال: وسمى لإسراعه في الإقبال والإدبار من دج يدج إذا أسرع. قلت: ودجاجة اسم امرأة وهي بالفتح فقط، ويسمى بها الكبة من الغزل. قوله: "حدثنا يحيى" هو ابن موسى البلخي، نسبه أبو علي بن السكن، وجزم الكلاباذي وأبو نعيم بأنه

(9/645)


ابن جعفر. قوله: "عن أيوب" في الرواية الثانية "ابن أبي تميمة" وهو السختياني، وعند أحمد عن عبد الله بن الوليد عن سفيان "حدثنا أيوب حدثني أبو قلابة". قوله: "عن أبي قلابة" كذا رواه سفيان الثوري عن أيوب ووافقه سفيان بن عيينة عن أيوب عند مسلم، وهكذا قال عبد السلام بن حرب عن أيوب كما مضى في المغازي. وقال عبد الوارث كما في الحديث الذي يليه "عن أيوب عن القاسم" بدل أبي قلابة، وكذا قال ابن علية عن أيوب كما يأتي في الأيمان والنذور أيضا. وقال حماد بن زيد "عن أيوب عن أبي قلابة والقاسم" قال: "وأنا لحديث قاسم أحفظ" أخرجه في فرض الخمس، وكذا قال وهيب عن أيوب عنهما عند مسلم. قوله: "عن زهدم" بفتح الزاي هو ابن مضرب بضم أوله وبفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها موحدة "الجرمي" بفتح الجيم، بصرى ثقة، ليس له في البخاري سوى حديثين: هذا الحديث وقد أخرجه في مواضع له، وحديث آخر أخرجه عن عمران بن حصين تقدم في المناقب وذكره في مواضع أخرى أيضا. قوله: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل دجاجا" كذا أورده مختصرا، وكذا ساقه أحمد عن وكيع، وأخرجه عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان أتم منه، وساقه الترمذي في "الشمائل" من وجه آخر مطولا، كما ذكره المصنف من طريق عبد الوارث عن أيوب عن القاسم وهو ابن عاصم التميمي، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، فقد أورده عنه في مواضع مقرونا ومفردا مختصرا ومطولا مشتملا على قصة الرجل الذي امتنع من أكل الدجاج وحلف على ذلك، وفتوى أبي موسى له بأن يكفر عن يمينه ويأكل، وقص له الحديث في ذلك وسببه، وهو طلبهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم، وقد أورد المصنف قصة الاستحمال وما يليها من حكم اليمين وكفارته دون قصة الدجاج أيضا من رواية غيلان بن جرير عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه في كفارة الأيمان، وأوردها أيضا في المغازي من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة أتم سياقا منه في قصة الاستحمال، وليس فيه ذكر كفارة اليمين، وقد أحلت في فرض الخمس وفي المغازي بشرحه على كتاب الأيمان والنذور، فأذكر هنا ما يتعلق بالدجاج. قوله: "كنا عند أبي موسى الأشعري وكان بيننا وبينه هذا الحي" بالخفض بدل من الضمير في بينه كذا قال ابن التين، وليس بجيد لأنه يصير تقدير الكلام أن زهدما الجرمي قال كان بيننا وبين هذا الحي من جرم إخاء، وليس ذلك المراد، وإنما المراد أن أبا موسى وقومه الأشعريين كانوا أهل مودة وإخاء لقوم زهدم وهم بنو جرم، وقد وقع هنا في رواية الكشميهني: "وكان بيننا وبين هذا الحي" وكذا وقع في رواية إسماعيل عن أيوب عن القاسم وأبي قلابة كما سيأتي في كفارة الأيمان، وهو يؤيد ما قال ابن التين إلا أن المعنى لا يصح، وقد أخرجه في أواخر كتاب التوحيد من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة والقاسم كلاهما عن زهدم قال: "كان بين هذا الحي من جرم وبين الأشعريين ود أو إخاء" وهذه الرواية هي المعتمدة. قوله: "إخاء" بكسر أوله والمد قال ابن التين ضبطه بعضهم بالقصر وهو خطأ. قوله: "وفي القوم رجل جالس أحمر" أي اللون. وفي رواية حماد بن زيد رجل من بني تيم الله أحمر كأنه من الموالي أي العجم، وهذا الرجل هو زهدم الراوي أبهم نفسه، فقد أخرج الترمذي من طريق قتادة عن زهدم قال: "دخلت على أبي موسى وهو يأكل دجاجا فقال: ادن فكل، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكله" مختصرا. وقد أشكل هذا لكونه وصف الرجل في رواية الباب بأنه من بني تيم الله وزهدم من بني جرم، فقال بعض الناس: الظاهر أنهما امتنعا معا زهدم والرجل التيمي، وحمله على دعوى التعدد استبعاد أن يكون

(9/646)


الشخص الواحد ينسب إلى تيم الله وإلى جرم، ولا بعد في ذلك بل قد أخرج أحمد الحديث المذكور عن عبد الله ابن الوليد هو العدني عن سفيان هو الثوري فقال في روايته: "عن رجل من بني تيم الله يقال له زهدم قال: كنا عند أبي موسى، فأتى بلحم دجاج" فعلى هذا فلعل زهدما كان تارة ينسب إلى بني جرم وتارة إلى بني تيم الله، وجرم قبيلة في قضاعة ينسبون إلى جرم بن زبان بزاي وموحدة ثقيلة ابن عمران بن الحاف بن قضاعة، وتيم الله بطن من بني كلب وهم قبيلة في قضاعة أيضا ينسبون إلى تيم الله بن رفيدة - براء وفاء مصغرا - ابن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، فحلوان عم جرم، قال الرشاطي في الأنساب: وكثيرا ما ينسبون الرجل إلى أعمامه. قلت: وربما أبهم الرجل نفسه كما تقدم في عدة مواضع، فلا بعد في أن يكون زهدم صاحب القصة والأصل عدم التعدد، وقد أخرج البيهقي من طريق الفريابي عن الثوري بسنده المذكور في هذا الباب إلى زهدم قال: "رأيت أبا موسى يأكل الدجاج فدعاني فقلت: إني رأيته يأكل نتنا، قال ادنه فكل" فذكر الحديث المرفوع. ومن طريق الصعق بن حزن عن مطر الوراق عن زهدم قال: "دخلت على أبي موسى وهو يأكل لحم دجاج فقال: ادن فكل، فقلت إني حلفت لا آكله" الحديث، وقد أخرجه موسى عن شيبان بن فروخ عن الصعق لكن لم يسق لفظه، وكذا أخرجه أبو عوانة في صحيحه من وجه آخر عن زهدم نحوه وقال فيه: "فقال لي: ادن فكل، فقلت: إني لا أريده" الحديث. فهذه عدة طرق صرح زهدم فيها بأنه صاحب القصة فهو المعتمد، ولا يعكر عليه إلا ما وقع في الصحيحين مما ظاهره المغايرة بين زهدم والممتنع من أكل الدجاج، ففي رواية عن زهدم "كنا عند أبي موسى فدخل رجل من بني تيم الله أحمر شبيه بالموالي فقال: هلم، فتلكأ" الحديث، فإن ظاهره أن الداخل دخل وزهدم جالس عند أبي موسى، لكن يجوز أن يكون مراد زهدم بقوله: "كنا" قومه الذين دخلوا قبله على أبي موسى، وهذا مجاز قد استعمل غيره مثله كقول ثابت البناني "خطبنا عمران بن حصين" أي خطب أهل البصرة، ولم يدرك ثابت خطبة عمران المذكورة، فيحتمل أن يكون زهدم دخل فجرى له ما ذكر، وغاية ما فيه أنه أبهم نفسه، ولا عجب فيه والله أعلم. قوله: "إني رأيته يأكل شيئا فقذرته" بكسر الذال المعجمة. وفي رواية أبي عوانة "إني رأيتها تأكل قذرا" وكأنه ظن أنها أكثرت من ذلك بحيث صارت جلاله فبين له أبو موسى أنها ليست كذلك أو أنه لا يلزم من كون تلك الدجاجة التي رآها كذلك أن يكون كل الدجاج كذلك. قوله: "فقال ادن" كذا للأكثر فعل أمر من الدنو، ووقع عند المستملي والسرخسي "إذا" بكسر الهمزة وبذال معجمة مع التنوين حرف نصب، وعلى الأول فقوله: "أخبرك" مجزوم، وعلى الثاني هو منصوب، وقوله: "أو أحدثك" شك من الراوي. قوله: "إني أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم" سيأتي شرحه في الأيمان والنذور، وقوله: "فأعطانا خمس ذود غر الذري" الغر بضم المعجمة جمع أغر والأغر الأبيض. والذري بضم المعجمة والقصر جمع ذروة وذروة كل شيء أعلاه، والمراد هنا أسنمة الإبل ولعلها كانت بيضاء حقيقة، أو أراد وصفها بأنها لا علة فيها ولا دبر، ويجوز في غر النصب والجر، وقوله: "خمس ذود" كذا وقع بالإضافة، واستنكره أبو البقاء في غريبه قال: والصواب تنوين خمس وأن يكون ذود بدلا من خمس، فإنه لو كان بغير تنوين لتغير المعنى، لأن العدد المضاف غير المضاف إليه فيلزم أن يكون خمس ذود خمسة عشر بعيرا لأن الإبل الذود ثلاثة انتهى، وما أدري كيف يحكم بفساد المعنى إذا كان العدد كذا؛ وليكن عدد الإبل خمسة عشر بعيرا فما الذي يضر؟ وقد ثبت في بعض طرقه: "خذ هذين

(9/647)


القرينين والقرينين" إلى أن عد ست مرات، والذي قاله إنما يتم أن لو جاءت رواية صريحة أنه لم يعطهم سوى خمسة أبعرة، وعلى تقدير ذلك فأطلق لفظ ذود على الواحد مجازا كإبل، وهذه الرواية الصحيحة لا تمنع إمكان التصوير. وفي الحديث دخول المرء على صديقه في حال أكله، واستدناء صاحب الطعام الداخل وعرضه الطعام عليه ولو كان قليلا، لأن اجتماع الجماعة على الطعام سبب للبركة فيه كما تقدم. وفيه جواز أكل الدجاج إنسيه ووحشيه، وهو بالاتفاق إلا عن بعض المتعمقين على سبيل الورع، إلا أن بعضهم استثنى الجلالة وهي ما تأكل الأقذار، وظاهر صنيع أبي موسى أنه لم يبال بذلك، والجلالة عبارة عن الدابة التي تأكل الجلة بكسر الجيم والتشديد وهي البعر، وادعى ابن حزم اختصاص الجلالة بذوات الأربع، والمعروف التعميم. وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا. وقال مالك والليث: لا بأس بأكل الجلالة من الدجاج وغيره، وإنما جاء النهي عنها للتقذر، وقد ورد النهي عن أكل الجلالة من طرق أصحها ما أخرجه الترمذي وصححه وأبو داود والنسائي من طريق قتادة عن عكرمة عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المجثمة، وعن لبن الجلالة، وعن الشرب من في السقاء" وهو على شرط البخاري في رجاله، إلا أن أيوب رواه عن عكرمة فقال: "عن أبي هريرة" وأخرجه البيهقي والبزار من وجه آخر عن أبي هريرة "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة وعن شرب ألبانها وأكلها وركوبها" ولابن أبي شيبة بسند حسن عن جابر "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة أن يؤكل لحمها أو يشرب لبنها، ولأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الجلالة، عن ركوبها وأكل لحمها" وسنده حسن. وقد أطلق الشافعية كراهة أكل الجلالة إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، وفي وجه إذا أكثرت من ذلك، ورجح أكثرهم أنها كراهة تنزيه، وهو قضية صنيع أبي موسى، ومن حجتهم أن العلف الظاهر إذا صار في كرشها تنجس فلا تتغذى إلا بالنجاسة، ومع ذلك فلا يحكم على اللحم واللبن بالنجاسة. فكذلك هذا. وتعقب بأن العلف الطاهر إذا تنجس بالمجاورة جاز إطعامه للدابة لأنها إذا أكلته لا تتغذى بالنجاسة وإنما تتغذى بالعلف، بخلاف الجلالة، وذهب جماعة من الشافعية وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم، وبه جزم ابن دقيق العيد عن الفقهاء، وهو الذي صححه أبو إسحاق المروزي والقفال وإمام الحرمين والبغوي والغزالي وألحقوا بلبنها ولحمها بيضها، وفي معنى الجلالة ما يتغذى بالنجس كالشاة ترضع من كلبة، والمعتبر في جواز أكل الجلالة زوال رائحة النجاسة بعد أن تعلف بالشيء الطاهر على الصحيح، وجاء عن السلف فيه توقيت فعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا، كما تقدم. وأخرج البيهقي بسند فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعا أنها لا تؤكل حتى تعلف أربعين يوما.

(9/648)


27- باب لُحُومِ الْخَيْلِ
5519- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَاهُ"
5520- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ"

(9/648)


قوله: "باب لحوم الخيل" قال ابن المنير: لم يذكر الحكم لتعارض الأدلة، كذا قال، ودليل الجواز ظاهر القوة كما سيأتي. قوله: "سفيان" هو ابن عيينة، وهشام هو ابن عروة. وفاطمة هي بنت المنذر بن الزبير وهي ابنة عم هشام المذكور وزوجته، وقد تقدم ذلك صريحا في "باب النحر والذبح". وقد اختلف في سنده على هشام فقال أيوب من رواية عبد الوهاب الثقفي عنه عن أبيه عن أسماء، وكذا قال ابن ثوبان من رواية عتبة بن حماد عنه عن هشام ابن عروة. وقال المغيرة بن مسلم عن هشام عن أبيه عن الزبير بن العوام أخرجه البزار، وذكر الدار قطني الاختلاف ثم رجح رواية ابن عيينة ومن وافقه. قوله: "نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه" زاد عبدة بن سليمان عن هشام "ونحن بالمدينة" وقد تقدم ذلك قبل بابين. وفي رواية للدار قطني "فأكلناه نحن وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وتقدم الاختلاف في قولها "نحرنا" و "ذبحنا" واختلف الشارحون في توجيهه فقيل يحمل النحر على الذبح مجازا. وقيل وقع ذلك مرتين، وإليه جنح النووي، وفيه نظر لأن الأصل عدم التعدد والمخرج متحد، والاختلاف فيه على هشام: فبعض الرواة قال عنه نحرنا وبعضهم قال ذبحنا، والمستفاد من ذلك جواز الأمرين عندهم وقيام أحدهما في التذكية مقام الآخر، وإلا لما ساغ لهم الإتيان بهذا موضع هذا، وأما الذي وقع بعينه فلا يتحرر لوقوع التساوي بين الرواة المختلفين في ذلك، ويستفاد من قولها "ونحن بالمدينة" أن ذلك بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع أكلها بعلة أنها من آلات الجهاد، ومن قولها "نحن وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم:" الرد على من زعم أنه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شيء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وعندهم العلم بجوازه، لشدة اختلاطهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤاله عن الأحكام، ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: "كنا نفعل كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:" كان له حكم الرفع، لأن الظاهر إطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابي فكيف بآل أبي بكر الصديق. قوله: "حماد" هو ابن زيد، وعمرو هو ابن دينار، ومحمد بن علي أي ابن الحسين بن علي وهو الباقر أبو جعفر كذا أدخل حماد بن زيد بين عمرو بن دينار وبين جابر في هذا الحديث محمد بن علي ولما أخرجه النسائي قال: لا أعلم أحدا وافق حمادا على ذلك، وأخرجه من طريق حسين بن واقد، وأخرجه هو والترمذي من رواية سفيان بن عيينة كلاهما عن عمرو بن دينار عن جابر ليس فيه محمد بن علي، ومال الترمذي أيضا إلى ترجيح رواية ابن عيينة وقال: سمعت محمدا يقول ابن عيينة أحفظ من حماد. قلت: لكن اقتصر البخاري ومسلم على تخريج طريق حماد بن زيد، وقد وافقه ابن جريج عن عمرو على إدخال الواسطة بين عمرو وجابر لكنه لم يسمه، أخرجه أبو داود من طريق ابن جريج، وله طريق أخرى عن جابر أخرجها مسلم من طريق ابن جريج، وأبو داود من طريق حماد، والنسائي من طريق حسين بن واقد كلهم عن أبي الزبير عنه، وأخرجه النسائي صحيحا عن عطاء عن جابر أيضا، وأغرب البيهقي فجزم بأن عمرو بن دينار لم يسمعه من جابر، واستغرب بعض الفقهاء دعوى الترمذي أن رواية ابن عيينة أصح مع إشارة البيهقي إلى أنها منقطعة، وهو ذهول فإن كلام الترمذي محمول على أنه صح عنده اتصاله، ولا يلزم من دعوى البيهقي انقطاعه كون الترمذي يقول بذلك، والحق أنه إن وجدت رواية فيها تصريح عمرو بالسماع من جابر فتكون رواية حماد من المزيد في متصل بالأسانيد وإلا فرواية حماد بن زيد هي المتصلة وعلى تقدير وجود التعارض

(9/649)


من كل جهة فللحديث طرق أخرى عن جابر غير هذه، فهو صحيح على كل حال. قوله: "يوم خيبر عن لحوم الحمر" زاد مسلم في روايته: "الأهلية". قوله: "ورخص في لحوم الخيل" في رواية مسلم: "وأذن" بدل "رخص"، وله في رواية ابن جريج "أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي" وفي حديث ابن عباس عند الدار قطني "أمر". قال الطحاوي: وذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل وخالفه صاحباه وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر لما كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار إذا صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يقال بها مما يوجبه النظر، ولا سيما وقد أخبر جابر أنه صلى الله عليه وسلم أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر، فدل ذلك على اختلاف حكمهما. قلت: وقد نقل الحل بعض التابعين عن الصحابة من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عطاء قال: "لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم". وأما ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين، ويدل على ضعف ذلك عنه ما سيأتي في الباب الذي بعده صحيحا عنه أنه استدل لإباحة الحمر الأهلية بقوله تعالى :{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} فإن هذا إن صلح مستمسكا لحل الحمر صلح للخيل ولا فرق، وسيأتي فيه أيضا أنه توقف في سبب المنع من أكل الحمر هل كان تحريما مؤبدا أو بسبب كونها كانت حمولة الناس؟ وهذا يأتي مثله من الخيل أيضا فيبعد أن يثبت عنه القول بتحريم الخيل والقول بالتوقف في الحمر الأهلية، بل أخرج الدار قطني بسند قوي عن ابن عباس مرفوعا مثل حديث جابر ولفظه: "نهى رسول صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل" وصح القول بالكراهة عن الحكم بن عيينة ومالك وبعض الحنفية، وعن بعض المالكية والحنفية التحريم. وقال الفاكهي: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم. وقال أبو حنيفة في "الجامع الصغير" : أكره لحم الخيل فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم وليس هو عنده كالحمار الأهلي، وصحح عنه أصحاب المحيط والهداية والذخيرة التحريم، وهو قول أكثرهم، وعن بعضهم يأثم آكله ولا يسمى حراما، وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك المنع وإنه احتج بالآية الآتي ذكرها. وأخرج محمد بن الحسن في "الآثار" عن أبي حنيفة بسند له عن ابن عباس نحو ذلك. وقال القرطبي في "شرح مسلم:" : مذهب مالك الكراهة، واستدل له ابن بطال بالآية. وقال ابن المنير: الشبه الخلقي بينها وبين البغال والحمير مما يؤكد القول بالمنع، فمن ذلك هيئتها وزهومة لحمها، وغلظة، وصفة أرواثها، وأنها لا تجتر، قال: وإذا تأكد الشبة الخلقي التحق بنفي الفارق وبعد الشبه بالأنعام المتفق على أكلها ا هـ. وقد تقدم من كلام الطحاوي ما يؤخذ منه الجواب عن هذا. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: الدليل في الجواز مطلقا واضح، لكن سبب كراهة مالك لأكلها لكونها تستعمل غالبا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله ولو كثر لأدى إلى قتلها فيفضي إلى فنائها فيئول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به في قوله تعالى :{وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}. قلت: فعلى هذا فالكراهة لسبب خارج وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكاب محذور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه، وكذا قوله إن وقوع أكلها في الزمن النبوي كان نادرا، فإذا قيل بالكراهة قل استعماله فيوافق ما وقع قبل انتهى. وهذا لا ينهض دليلا للكراهة بل غايته أن يكون خلاف الأولى، ولا يلزم من كون أصل

(9/650)


الحيوان حل أكله فناؤه بالأكل. وأما قول بعض المانعين لو كانت حلالا لجازت الأضحية بها فمنتض بحيوان البر فإنه مأكول ولم تشرع الأضحية به، ولعل السبب في كون الخيل لا تشرع الأضحية بها استبقاؤها لأنه لو شرع فيها جميع ما جاز في غيرها لفاتت المنفعة بها في أهم الأشياء منها وهو الجهاد. وذكر الطحاوي وأبو بكر الرازي وأبو محمد بن حزم من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال : "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر والخيل والبغال" قال الطحاوي: وأهل الحديث يضعفون عكرمة ابن عمار. قلت: لا سيما في يحيى بن أبي كثير، فإن عكرمة وإن كان مختلفا في توثيقه فقد أخرج له مسلم، لكن إنما أخرج له من غير روايته عن يحيى بن أبي كثير، وقد قال يحيى بن سعيد القطان: أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير ضعيفة. وقال البخاري حديثه عن يحيى مضطرب. وقال النسائي: ليس به بأس إلا في يحيى. وقال أحمد: حديثه عن غير إياس بن سلمة مضطرب، وهذا أشد مما قبله، ودخل في عمومه يحيى بن أبي كثير أيضا، وعلى تقدير صحة هذه الطريق فقد اختلف عن عكرمة فيها، فإن الحديث عند أحمد والترمذي من طريقه ليس فيه للخيل ذكر، وعلى تقدير أن يكون الذي زاده حفظه فالروايات المتنوعة عن جابر المفصلة بين لحوم الخيل والحمر في الحكم أظهر اتصالا وأتقن رجالا وأكثر عددا، وأعل بعض الحنفية حديث جابر بما نقله عن ابن إسحاق أنه لم يشهد خيبر، وليس بعلة لأن غايته أن يكون مرسل صحابي، ومن حجج من منع أكل الخيل حديث خالد ابن الوليد المخرج في السنن "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل" وتعقب بأنه شاذ منكر، لأن في سياقه أنه شهد خيبر، وهو خطأ فإنه لم يسلم إلا بعدها على الصحيح، والذي جزم به الأكثر أن إسلامه كان سنة الفتح، والعمدة في ذلك على ما قال مصعب الزبيري وهو أعلم الناس بقريش قال: "كتب الوليد ابن الوليد إلى خالد حين فر من مكة في عمرة القضية حتى لا يرى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فذكر القصة في سبب إسلام خالد، وكانت عمرة القضية بعد خيبر جزما، وأعل أيضا بأن في السند راويا مجهولا، لكن قد أخرج الطبري من طريق يحيى بن أبي كثير عن رجل من أهل حمص قال: كنا مع خالد، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها، وأعل بتدليس يحيى وإبهام الرجل، وادعى أبو داود أن حديث خالد بن الوليد منسوخ ولم يبين ناسخه، وكذا قال النسائي: الأحاديث في الإباحة أصح، وهذا إن صح كان منسوخا، وكأنه لما تعارض عنده الخبران ورأى في حديث خالد "نهى" وفي حديث جابر "أذن" حمل الإذن على نسخ التحريم وفيه نظر لأنه لا يلزم من كون النهي سابقا على الإذن أن يكون إسلام خالد سابقا على فتح خيبر، والأكثر على خلافه والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد قرر الحازمي النسخ بعد أن ذكر حديث خالد وقال: هو شامي المخرج، جاء من غير وجه بما ورد في حديث جابر من "رخص" و "أذن" لأنه من ذلك يظهر أن المنع كان سابقا والإذن متأخرا فيتعين المصير إليه، قال: ولو لم ترد هذه اللفظة لكانت دعوى النسخ مردودة لعدم معرفة التاريخ ا هـ. وليس في لفظ رخص وأذن ما يتعين معه المصير إلى النسخ، بل الذي يظهر أن الحكم في الخيل والبغال والحمير كان على البراءة الأصلية، فلما نهاهم الشارع يوم خيبر عن الحمر والبغال خشي أن يظنوا أن الخيل كذلك لشبهها بها فأذن في أكلها دون الحمير والبغال، والراجح أن الأشياء قبل بيان حكمها في الشرع لا توصف لا بحل ولا حرمة فلا يثبت النسخ في هذا. ونقل الحازمي أيضا تقرير النسخ بطريق أخرى فقال: إن النهي عن أكل الخيل والحمير كان عاما من أجل أخذهم لها قبل القسمة والتخميس، ولذلك أمر بإكفاء القدور، ثم بين بندائه بأن لحوم الحمر رجس أن تحريمها

(9/651)


لذاتها، وأن النهي عن الخيل إنما كان بسبب ترك القسمة خاصة. ويعكر عليه أن الأمر بإكفاء القدور إنما كان بطبخهم فيها الحمر كما هو مصرح به في الصحيح لا الخيل فلا يتم مراده، والحق أن حديث خالد ولو سلم أنه ثابت لا ينهض معارضا لحديث جابر الدال على الجواز، وقد وافقه حديث أسماء، وقد ضعف حديث خالد أحمد والبخاري وموسى بن هارون والدار قطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون، وجمع بعضهم بين حديث جابر وخالد بأن حديث جابر دال على الجواز في الجملة وحديث خالد دال على المنع في حالة دون حالة، لأن الخيل في خيبر كانت عزيزة وكانوا محتاجين إليها للجهاد، فلا يعارض النهي المذكور، ولا يلزم وصف أكل الخيل بالكراهة المطلقة فضلا عن التحريم. وقد وقع عند الدار قطني في حديث أسماء "كانت لنا فرس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادت أن تموت فذبحناها فأكلناها" وأجاب عن حديث أسماء بأنها واقعة عين فلعل تلك الفرس كانت كبرت بحيث صارت لا ينتفع بها في الجهاد فيكون النهي عن الخيل لمعنى خارج لا لذاتها، وهو جمع جيد، وزعم بعضهم أن حديث جابر في الباب دال على التحريم لقوله: "رخص" لأن الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل على أنه رخص لهم فيها بسبب المخمصة التي أصابتهم بخيبر، فلا يدل ذلك على الحل المطلق. وأجيب بأن أكثر الروايات جاء بلفظ الإذن وبعضها بالأمر فدل على أن المراد بقوله رخص أذن لا خصوص الرخصة باصطلاح من تأخر عن عهد الصحابة. ونوقض أيضا بأن الإذن في أكل الخيل لو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها وعزة الخيل حينئذ، ولأن الخيل ينتفع بها فيما ينتفع بالحمير من الحمل وغيره، والحمير لا ينتفع بها فيما ينتفع بالخيل من القتال عليها، والواقع كما سيأتي صريحا في الباب الذي يليه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإراقة القدور التي طبخت فيها الحمر مع ما كان بهم من الحاجة فدل ذلك على أن الإذن في أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة، وأما ما نقل عن ابن عباس ومالك وغيرهما من الاحتجاج للمنع بقوله تعالى :{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} فقد تمسك بها أكثر القائلين بالتحريم، وقرروا ذلك بأوجه: أحدها أن اللام للتعليل فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية. ثانيها عطف البغال والحمير فدل على اشتراكها معها في حكم التحريم فيحتاج من أفرد حكمها عن حكم ما عطفت عليه إلى دليل. ثالثها أن الآية سبقت مساق الامتنان، فلو كانت ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم لأنه يتعلق به بقاء البنية بغير واسطة، والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها. رابعها لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة، هذا ملخص ما تمسكوا به من هذه الآية، والجواب على سبيل الإجمال أن آية النحل مكية اتفاقا والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي صلى الله عليه وسلم من الآية المنع لما أذن في الأكل. وأيضا فآية النحل ليست نصا في منع الأكل، والحديث صريح في جوازه. وأيضا على سبيل التنزل فإنما يدل ما ذكر على ترك الأكل، والترك أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه أو خلاف الأولى، وإذا لم يتعين واحد منها بقي التمسك بالأدلة المصرحة بالجواز وعلى سبيل التفصيل، أما أولا فلو سلمنا أن اللام للتعليل لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما وفي غير الأكل اتفاقا، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل، ونظيره حديث البقرة المذكور في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: "إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث" فإنه مع كونه أصرح في الحصر لم يقصد به الأغلب،

(9/652)


وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقا، وأيضا فلو سلم الاستدلال للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير، ولا قائل به. وأما ثانيا فدلالة العطف إنما هي دلالة اقتران، وهي ضعيفة. وأما ثالثا فالامتنان إنما قصد به غالبا ما كان يقع به انتفاعهم بالخيل فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، بخلاف الأنعام فإن أكثر انتفاعهم بها كان لخمل الأثقال وللأكل فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق للزم مثله في الشق الآخر. وأما رابعا فلو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى للزم مثله في البقر وغيرها مما أبيح أكله ووقع الامتنان بمنفعة له أخرى، والله أعلم.

(9/653)


28- باب لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ فِيهِ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5521- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَالِمٍ وَنَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ"
5522- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ تَابَعَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَالِمٍ"
5523- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ حُمُرِ الإِنْسِيَّةِ"
5524- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ"
5525، 5526- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَدِيٌّ عَنْ الْبَرَاءِ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالاَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ"
5527- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ قَالَ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ وَعُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ وَالْمَاجِشُونُ وَيُونُسُ وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ"
5528- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ أُكِلَتْ الْحُمُرُ ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ أُكِلَتْ الْحُمُرُ ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ أُفْنِيَتْ الْحُمُرُ فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ

(9/653)


فَإِنَّهَا رِجْسٌ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ"
5529- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فَقَالَ قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ وَلَكِنْ أَبَى ذَاكَ الْبَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ {قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا}"
قوله: "باب لحوم الحمر الإنسية" القول في عدم جزمه بالحكم في هذا كالقول في الذي قبله، لكن الراجح في الحمر المنع بخلاف الخيل، والإنسية بكسر الهمزة وسكون النون منسوبة إلى الإنس، ويقال فيه أنسية بفتحتين، وزعم ابن الأثير أن في كلام أبي موسى المديني ما يقتضي أنها بالضم ثم السكون لقوله الأنسية هي التي تألف البيوت، والأنس ضد الوحشة، ولا حجة في ذلك لأن أبا موسى إنما قاله بفتحتين، وقد صرح الجوهري أن الأنس بفتحتين ضد الوحشة، ولم يقع في شيء من روايات الحديث بضم ثم سكون مع احتمال جوازه، نعم زيف أبو موسى الرواية بكسر أوله ثم السكون، فقال ابن الأثير: إن أراد من جهة الرواية فعسى، وإلا فهو ثابت في اللغة. ونسبتها إلى الأنس، وقد وقع في حديث أبي ثعلبة وغيره: "الأهلية" بدل الأنسية، ويؤخذ من التقييد بها جواز أكل الحمر الوحشية، وقد تقدم صريحا في حديث أبي قتادة في الحج. قوله: "فيه سلمة" هو ابن الأكوع وقد تقدم حديثه موصولا في المغازي مطولا. ثم ذكر في الباب أحاديث. قوله: "عبدة" هو ابن سليمان وعبيد الله هو العمري. قوله: "عن سالم ونافع" كذا قال عبد الله بن نمير عن عبيد الله عند مسلم ومحمد بن عبيد عنه كما سبق في المغازي، ثم ساقه المصنف من طريق يحيى القطان عن عبيد الله عن نافع وحده، وقوله: "تابعه ابن المبارك" وصله المؤلف في المغازي. قوله: "وقال أبو أسامة عن عبيد الله عن سالم" وصله في المغازي من طريقه، وفصل في روايته بين أكل الثوم والحمر، فبين أن النهي عن الثوم من رواية نافع فقط، وأن النهي عن الحمر عن سالم فقط، وهو تفصيل بالغ، لكن يحيى القطان حافظ فلعل عبيد الله لم يفصله إلا لأبي أسامة، وكان يحدث به عن سالم ونافع معا مدمجا فاقتصر بعض الرواة عنه على أخذ شيخه تمسكا بظاهر الإطلاق. حديث علي، ذكره مختصرا وتقدم مطولا في كتاب النكاح. حديث جابر، قد سبق في الباب الذي قبله. حديث البراء وابن أبي أوفى أورده مختصرا، وقد تقدم عنهما أتم سياقا من هذا في المغازي، وأفرده عن ابن أبي أوفى هنا وفي فرض الخمس وفيه زيادة اختلافهم في السبب. قوله: "حدثنا إسحاق" هو ابن راهويه، ويعقوب بن إبراهيم أي ابن سعيد، وصالح هو ابن كيسان. قوله: "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية" تابعه الزبيدي وعقيل عن الزهري، فرواية الزبيدي وصلها النسائي من طريق بقية قال: "حدثني الزبيدي - ولفظه - نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن لحوم الحمر الأهلية" ورواية عقيل وصلها أحمد بلفظ الباب وزاد: "ولحم كل ذي ناب من السباع" وسيأتي البحث فيه بعد هذا. ووقع عند النسائي من وجه آخر عن أبي ثعلبة فيه قصة ولفظه: "غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر والناس جياع، فوجدوا حمرا أنسية فذبحوا منها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف فنادى: ألا إن لحوم الحمر الأنسية لا تحل". قوله: "وقال مالك ومعمر والماجشون ويونس وابن إسحاق عن الزهري: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع " يعني لم يتعرضوا فيه لذكر الحمر، فأما حديث مالك

(9/654)


فسيأتي موصولا في الباب الذي يليه، وأما حديث معمر ويونس فوصلهما الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن المبارك عنهما، وأما حديث الماجشون وهو يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة فوصله مسلم عن يحيى بن يحيى عنه، وأما حديث ابن إسحاق فوصلة إسحاق بن راهويه عن عبدة بن سليمان ومحمد بن عبيد كلاهما عنه. حديث أنس في النداء بالنهي عن لحوم الحمر، وقع عند مسلم أن الذي نادى بذلك هو أبو طلحة وعزاه النووي لرواية أبي يعلى فنسب إلى التقصير، ووقع عند مسلم أيضا أن بلالا نادى بذلك، وقد تقدم قريبا عند النسائي أن المنادي بذلك عبد الرحمن بن عوف، ولعل عبد الرحمن نادى أولا بالنهي مطلقا، ثم نادى أبو طلحة وبلال بزيادة على ذلك وهو قوله: "فإنها رجس، فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم" ووقع في "الشرح الكبير للرافعي" أن المنادي بذلك خالد بن الوليد وهو غلط فإنه لم يشهد خيبر وإنما أسلم بعد فتحها. قوله: "جاءه جاء فقال: أكلت الحمر" لم أعرف اسم هذا الرجل ولا اللذين بعده، ويحتمل أن يكونوا واحدا فإنه قال أولا: "أكلت" فإما لم يسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وإما لم يكن أمر فيها بشيء، وكذا في الثانية، فلما قال الثالثة "أفنيت الحمر" أي لكثرة ما ذبح منها لتطبخ صادف نزول الأمر بتحريمها، ولعل هذا مستند من قال: إنما نهى عنها لكونها كانت حمولة الناس كما سيأتي. قوله: "سفيان" هو ابن عيينة وعمرو هو ابن دينار. قوله: "قلت لجابر بن زيد" هو أبو الشعثاء بمعجمة ومثلثة البصري. قوله: "يزعمون" لم أقف على تسمية أحد منهم، وقد تقدم في الباب الذي قبله أن عمرو بن دينار روى ذلك عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله، وأن من الرواة من قال عنه عن جابر بلا واسطة. قوله: "قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة" زاد الحميدي في مسنده عن سفيان بهذا السند "قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وأخرجه أبو داود من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار مضموما إلى حديث جابر بن عبد الله في النهي عن لحوم الحمر مرفوعا. ولم يصرح برفع حديث الحكم. قوله: "ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس" و "أبى" من الإباء أي امتنع، والبحر صفة لابن عباس قيل له لسعة علمه، وهو من تقديم الصفة على الموصوف مبالغة في تعظيم الموصوف كأنه صار علما عليه، وإنما ذكر لشهرته بعد ذلك لاحتمال خفائه على بعض الناس، ووقع في رواية ابن جريج "وأبى ذلك البحر يريد ابن عباس" وهذا يشعر بأن في رواية ابن عيينة إدراجا. قوله: "وقرأ {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} في رواية ابن مردويه وصححه الحاكم من طريق محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: "كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا" فبعث لله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فيه فهو حلال، وما حرم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. وتلا هذه: قل لا أجد إلى آخرها "والاستدلال بهذا للحل إنما يتم فيما لم يأت فيه نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريمه، وقد تواردت الأخبار بذلك والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس، وقد تقدم في المغازي عن ابن عباس أنه توقف في النهي عن الحمر: هل كان لمعنى خاص، أو للتأييد؟ ففيه عن الشعبي عنه أنه قال: لا أدري أنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمها البتة يوم خيبر؟ وهذا التردد أصح من الخبر الذي جاء عنه بالجزم بالعلة المذكورة، وكذا فيما أخرجه الطبراني وابن ماجه من طريق شقيق بن سلمة عن ابن عباس قال: "إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمر الأهلية مخافة قلة الظهر" وسنده ضعيف، وتقدم في المغازي في حديث ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس "وقال بعضهم نهى

(9/655)


عنها لأنها كانت تأكل العذرة. قلت: وقد أزال هذه الاحتمالات من كونها لم تخمس أو كانت جلالة أو كانت انتهبت حديث أنس المذكور قبل هذا حيث جاء فيه: "فإنها رجس" وكذا الأمر بغسل الإناء في حديث سلمة، قال القرطبي: قوله: "فإنها رجس" ظاهر في عود الضمير على الحمر لأنها المتحدث عنها المأمور بإكفائها من القدور وغسلها، وهذا حكم المتنجس، فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دال على تحريمها لعينها لا لمعنى خارج. وقال ابن دقيق العيد: الأمر بإكفاء القدر ظاهر إنه سبب تحريم لحم الحمر، وقد وردت علل أخرى إن صح رفع شيء منها وجب المصير إليه، لكن لا مانع أن يعلل الحكم بأكثر من علة، وحديث أبي ثعلبة صريح في التحريم فلا معدل عنه. وأما التعليل بخشية قلة الظهر فأجاب عنه الطحاوي بالمعارضة بالخيل، فإن في حديث جابر النهي عن الحمر والإذن في الخيل مقرونا، فلو كانت العلة لأجل الحمولة لكانت الخيل أولى بالمنع لقلتها عندهم وعزتها وشدة حاجتهم إليها. والجواب عن آية الأنعام أنها مكية وخبر التحريم متأخر جدا فهو مقدم، وأيضا فنص الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها، فإنه حينئذ لم يكن نزل في تحريم المأكول إلا ما ذكر فيها، وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها كالخمر في آية المائدة، وفيها أيضا تحريم ما أهل لغير الله به والمنخنقة إلى آخره، وكتحريم السباع والحشرات، قال النووي: قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا لهم إلا عن ابن عباس، وعند المالكية ثلاث روايات ثالثها الكراهة، وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود عن غالب بن الحر قال: "أصابتنا سنة، فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة، قال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل حوالي القرية" يعني الجلالة، وإسناده ضعيف، والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، فالاعتماد عليها. وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أم نصر المحاربية "أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر الأهلية فقال: أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر؟ قال: نعم، قال فأصب من لحومها" وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مرة قال: "سألت" فذكر نحوه، ففي السندين مقال، ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التحريم. قال الطحاوي: لو تواتر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الحمر الأهلية لكان النظر يقتضي حلها لأن كل ما حرم من الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا كالخنزير، وقد أجمع العلماء على حل الحمار الوحشي فكان النظر يقتضي حل الحمار الأهلي. قلت: ما ادعاه من الإجماع مردود، فإن كثيرا من الحيوان الأهلي مختلف في نظيره من الحيوان الوحشي كالهر، وفي الحديث أن الذكاة لا تطهر ما لا يحل أكله، وإن كل شيء تنجس بملاقاة النجاسة يكفي غسله مرة واحدة لإطلاق الأمر بالغسل فإنه يصدق بالامتثال بالمرة، والأصل أن لا زيادة عليها، وأن الأصل في الأشياء الإباحة لكون الصحابة أقدموا على ذبحها وطبخها كسائر الحيوان من قبل أن يستأمروا مع توفر دواعيهم على السؤال عما يشكل، وأنه ينبغي لأمير الجيش تفقد أحوال رعيته، ومن رآه فعل ما لا يسوغ في الشرع أشاع منعه إما بنفسه كأن يخاطبهم وإما بغيره بأن يأمر مناديا فينادي لئلا يغتر به من رآه فيظنه جائزا.

(9/656)


29- باب أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ
5530- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيِّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ تَابَعَهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالْمَاجِشُونُ عَنْ الزُّهْرِيِّ"
قوله: "باب أكل كل ذي ناب من السباع" لم يبت القول بالحكم للاختلاف فيه أو للتفصيل كما سأبينه. قوله: "من السباع" يأتي في الطب بلفظ: "من السبع" وليس المراد حقيقة الإفراد بل هو اسم جنس. وفي رواية ابن عيينة في الطب أيضا عن الزهري "قال ولم أسمعه حتى أتيت الشام" ولمسلم من رواية يونس عن الزهري "ولم أسمع ذلك من علمائنا بالحجاز حتى حدثني أبو إدريس وكان من فقهاء أهل الشام" وكأن الزهري لم يبلغه حديث عبيدة بن سفيان وهو مدني عن أبي هريرة، وهو صحيح أخرجه مسلم من طريقه ولفظه: "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام" ولمسلم أيضا من طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير" والمخلب بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة وهو للطير كالظفر لغيره لكنه أشد منه وأغلظ واحد فهو له كالناب للسبع. وأخرج الترمذي من حديث جابر بسند لا بأس به قال: "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير" ومن حديث العرباض بن سارية مثله وزاد: "يوم خيبر". قوله: "تابعه يونس ومعمر وابن عيينة والماجشون عن الزهري" تقدم بيان من وصل أحاديثهم في الباب قبله، إلا ابن عيينة فقد أشرت إليه في هذا الباب قريبا، قال الترمذي: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وعن بعضهم لا يحرم، وحكى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك كالجمهور. وقال ابن العربي: المشهور عنه الكراهة. وقال ابن عبد البر: اختلف فيه علي ابن عباس وعائشة وجابر عن ابن عمر من وجه ضعيف، وهو قول الشعبي وسعيد بن جبير، واحتجوا بعموم {قُلْ لا أَجِدُ} والجواب أنها مكية وحديث التحريم بعد الهجرة. ثم ذكر نحوه ما تقدم من أن نصر الآية عدم تحريم غير ما ذكر إذ ذاك، فليس فيها نفي ما سيأتي، وعن بعضهم أن آية الأنعام خاصة ببهيمة الأنعام لأنه تقدم قبلها حكاية عن الجاهلية أنهم كانوا يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم فنزلت الآية {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} أي من المذكورات إلا الميتة منها والدم المسفوح، ولا يرد كون لحم الخنزير ذكر معها لأنها قرنت به علة تحريمه وهو كونه رجسا، ونقل إمام الحرمين عن الشافعي أنه يقول بخصوص السبب إذا ورد في مثل هذه القصة لأنه لم يجعل الآية حاصرة لما يحرم من المأكولات مع ورود صيغة العموم فيها، وذلك أنها وردت في الكفار الذين يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ويحرمون كثيرا مما أباحه الشرع، فكأن الغرض من الآية إبانة حالهم وأنهم يضادون الحق، فكأنه قيل لا حرام إلا ما حللتموه مبالغة في الرد عليهم، وحكى القرطبي عن قوم أن آية الأنعام المذكورة نزلت في حجة الوداع فتكون ناسخة، ورد بأنها مكية كما صرح به كثير من العلماء، ويؤيده ما تقدم قبلها من الآيات من الرد على مشركي العرب في تحريمهم ما حرموه من الأنعام وتخصيصهم بعض ذلك بآلهتهم إلى غير ذلك مما سبق للرد عليهم، وذلك كله قبل الهجرة إلى المدينة. واختلف القائلون بالتحريم في المراد بما له ناب فقيل: إنه ما يتقوى به ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالبا كالأسد والفهد والصقر والعقاب، وأما ما لا يعود كالضبع والثعلب فلا، وإلى

(9/657)


هذا ذهب الشافعي والليث ومن تبعهما، وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها، وأما الثعلب فورد في تحريمه حديث خزيمة بن جزء عند الترمذي وابن ماجه، ولكن سنده ضعيف.
[الحديث 5530- طرفاه في: 5780، 5781]

(9/658)


30- باب جُلُودِ الْمَيْتَةِ
5531- حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ هَلاَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا قَالُوا إِنَّهَا مَيِّتَةٌ قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا"
5532- حَدَّثَنَا خَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلاَنَ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَنْزٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوْ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا"
قوله: "باب جلود الميتة" زاد في البيوع "قبل أن تدبغ" فقيده هناك بالدباغ وأطلق هنا، فيحمل مطلقه على مقيده. قوله: "عن صالح" هو ابن كيسان. قوله: "مر بشاة" كذا للأكثر عن الزهري، وزاد في بعض الرواة عن الزهري "عن ابن عباس عن ميمونة" أخرجه مسلم وغيره من رواية ابن عيينة، والراجح عند الحفاظ في حديث الزهري ليس فيه ميمونة، نعم أخرج مسلم والنسائي من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس "أن ميمونة أخبرته". قوله: "بإهابها" بكسر الهمزة وتخفيف الهاء هو الجلد قبل أن يدبغ، وقيل هو الجلد دبغ أو لم يدبغ، وجمعه أهب بفتحتين ويجوز بضمتين، زاد مسلم من طريق ابن عيينة "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" وأخرج مسلم أيضا من طريق ابن عيينة أيضا عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس نحوه قال: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به" وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الدار قطني وقال حسن. قوله: "قالوا إنها ميتة" لم أقف على تعيين القائل. قوله: "قال إنما حرم أكلها" قال ابن أبي جمرة: فيه مراجعة الإمام فيما لا يفهم السامع معنى ما أمره، كأنهم قالوا كيف تأمرنا بالانتفاع بها وقد حرمت علينا؟ فبين له وجه التحريم. ويؤخذ منه جواز تخصيص الكتاب بالسنة، لأن لفظ القرآن {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وهو شامل لجميع أجزائها في كل حال، فخصت السنة ذلك بالأكل، وفيه حسن مراجعتهم وبلاغتهم في الخطاب لأنهم جمعوا معاني كثيرة في كلمة واحدة وهي قولهم "إنها ميتة" واستدل به الزهري بجواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقا سواء أدبغ أم لم يدبغ، لكن صح التقييد من طرق أخرى بالدباغ، وهي حجة الجمهور، واستثنى الشافعي من الميتات الكلب والخنزير وما تولد منهما لنجاسة عينها عنده، ولم يستثن أبو يوسف وداود شيئا أخذا بعموم الخبر، وهي رواية عن مالك، وقد أخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" ولفظ الشافعي والترمذي وغيرهما من هذا الوجه "أيما إهاب دبغ ففد طهر" وأخرج مسلم إسنادها ولم يسق لفظها، فأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من هذا الوجه باللفظ المذكور، وفي لفظ مسلم من هذا الوجه عن ابن عباس "سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: دباغه طهوره" وفي رواية للبزار من وجه آخر قال: "دباغ الأديم طهوره" وجزم الرافعي وبعض أهل الأصول أن هذا اللفظ ورد في شاة ميمونة، ولكن لم أقف على ذلك صريحا مع قوة الاحتمال فيه لكون الجميع من رواية

(9/658)


ابن عباس، وقد تمسك بعضهم بخصوص هذا السبب فقصر الجواز على المأكول لورود الخبر في الشاة، ويتقوى ذلك من حيث النظر بأن الدباغ لا يزيد في التطهير على الذكاة، وغير المأكول لو ذكى لم يطهر بالذكاة عند الأكثر فكذلك الدباغ، وأجاب من عمم بالتمسك بعموم اللفظ فهو أولى من خصوص السبب وبعموم الإذن بالمنفعة، ولأن الحيوان طاهر ينتفع به قبل الموت فكان الدباغ بعد الموت قائما له مقام الحياة والله أعلم. وذهب قوم إلى أنه لا ينتفع من الميتة بشيء سواء دبغ الجلد أم لم يدبغ، وتمسكوا بحديث عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" أخرجه الشافعي وأحمد والأربعة وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي. وفي رواية للشافعي ولأحمد ولأبي داود "قبل موته بشهر" قال الترمذي: كان أحمد يذهب إليه ويقول: هذا آخر الأمر، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده، وكذا قال الخلال نحوه، ورد ابن حبان على من ادعى فيه الاضطراب وقال: سمع ابن عكيم الكتاب يقرأ وسمعه من مشايخ من جهينة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا اضطراب، وأعله بعضهم بالانقطاع وهو مردود، وبعضهم بكونه كتابا وليس بعلة قادحة؛ وبعضهم بأن ابن أبي ليلى راويه عن ابن عكيم لم يسمعه منه لما وقع عند أبي داود عنه أنه "انطلق وناس معه إلى عبد الله بن عكيم قال: فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إلي فأخبروني" فهذا يقتضي أن في السند من لم يسم، ولكن صح تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بسماعه من ابن عكيم فلا أثر لهذه العلة أيضا، وأقوى ما تمسك به من لم يأخذ بظاهره معارضة الأحاديث الصحيحة له وأنها عن سماع وهذا عن كتابة وأنها أصح مخارج، وأقوى من ذلك الجمع بين الحديثين بحمل الإهاب عل الجلد قبل الدباغ وأنه بعد الدباغ لا يسمى إهابا إنما يسمى قربة وغير ذلك، وقد نقل ذلك عن أئمة اللغة كالنضر بن شميل، وهذه طريقة ابن شاهين وابن عبد البر والبيهقي، وأبعد من جمع بينهما بحمل النهي على جلد الكلب والخنزير لكونهما لا يدبغان، وكذا من حمل النهي على باطن الجلد والإذن على ظاهره "وحكى الماوردي عن بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات كان لعبد الله ابن عكيم سنة، وهو كلام باطل فإنه كان رجلا". قوله: "حدثنا خطاب بن عثمان" هو الفوزي بفتح الفاء وسكون الواو بعدها زاي، ومحمد بن حمير بكسر المهملة وسكون الميم وفتح التحتانية، وأخطأ من قاله بالتصغير، وهو قضاعي حمصي، وكذا شيخه والراوي عنه حمصيون ما لهم في البخاري سوى هذا الحديث، إلا محمد بن حمير وله آخر سبق في الهجرة إلى المدينة، فأما ثابت فوثقه ابن معين ودحيم. وقال أحمد: أنا أتوقف فيه، وساق له ابن عدي ثلاثة أحاديث غرائب قال العقيلي: لا يتابع في حديثه، وأما محمد بن حمير فوثقه أيضا ابن معين ودحيم. وقال أبو حاتم لا يحتج به، وأما خطاب فوثقه الدار قطني وابن حبان لكن قال ربما أخطأ، فهذا الحديث من أجل هؤلاء من المتابعات لا من الأصول، والأصل فيه الذي قبله، ويستفاد منه خروج الحديث عن الغرابة، وقد ادعى الخطيب تفرد هؤلاء الرواة به فقال بعد أن أخرجه من طريق عمر بن يحيى بن الحارث الحراني "حدثنا جدي خطاب بن عثمان به هذا حديث عزيز ضيق المخرج" انتهى. وقد وجدت لمحمد بن حمير فيه متابعا أخرجه الطبراني من رواية عبد الملك بن محمد الصغائي عن ثابت بن عجلان، ووجدت لخطاب فيه متابعا أخرجه الإسماعيلي من رواية علي بن بحر عن محمد بن حمير، ولابن عباس حديث آخر في المعنى سيأتي في الأيمان والنذور من طريق عكرمة عنه عن سودة قالت: "ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها" الحديث، والمسك بفتح الميم وسكون المهملة الجلد، وهذا غير حديث الباب جزما، وهو مما يتأيد به من زاد ذكر الدباغ في الحديث؛ وقد أخرجه أحمد مطولا من

(9/659)


طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: "ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة، فقال: فلولا أخذتم مسكها، فقالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال: إنما قال الله {ُقلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} الآية وإنكم لا تطعمونه، إن تدبغوه تنتفعوا به، قال فأرسلت إليها فسخلت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة. الحديث. قوله: "بعنز" بفتح المهملة وسكون النون بعدها زاي هي الماعزة وهي الأنثى من المعز، ولا ينافي رواية سماك "ماتت شاة" لأنه يطلق عليها شاة كالضأن.

(9/660)


31- باب الْمِسْكِ
5533- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ"
5534- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً"
قوله: "باب المسك" بكسر الميم الطيب المعروف. قال الكرماني مناسبة ذكره في الذبائح أنه فضلة من الظبي. قلت: ومناسبته للباب الذي قبله وهو جلد الميتة إذا دبغ تطهر مما سأذكره، قال الجاحظ: هو من دويبة تكون في الصين تصاد لنوافجها وسررها، فإذا صيدت شدت بعصائب وهي مدلية يجتمع فيها دمها، فإذا ذبحت قورت السرة التي عصبت ودفنت في الشعر حتى يستحيل ذلك الدم المختنق الجامد مسكا ذكيا بعد أن كان لا يرام من النتن، ومن ثم قال القفال: إنها تندبغ بما فيها من المسك فتطهر كما يطهر غيرها من المدبوغات، والمشهور أن غزال المسك كالظبي لكن لونه أسود وله نابان لطيفان أبيضان في فكه الأسفل، وإن المسك دم يجتمع في سرته في وقت معلوم من السنة فإذا اجتمع ورم الموضع فمرض الغزال إلى أن يسقط منه، ويقال إن أهل تلك البلاد يجعلون لها أوتادا في البرية تحتك بها ليسقط. ونقل ابن الصلاة في "مشكل الوسيط" أن النافجة في جوف الظبية كالأنفحة في جوف الجدي، وعن علي بن مهدي الطبري الشافعي أنها تلقيها من جوفها كما تلقى الدجاجة البيضة، ويمكن الجمع بأنها تلقيها من سرتها فتتعلق بها إلى أن تحتك، قال النووي: أجمعوا على أن المسك طاهر يجوز استعماله في البدن والثوب، ويجوز بيعه. ونقل أصحابنا عن الشيعة فيه مذهبا باطلا وهو مستثنى من القاعدة: ما أبين من حي فهو ميت ا هـ، وحكى ابن التين عن ابن شعبان من المالكية أن فأرة المسك إنما تؤخذ في حال الحياة أو بذكاة من لا تصح ذكاته من الكفرة، وهي مع ذلك محكوم بطهارتها لأنها تستحيل عن كونها دما حتى تصير مسكا كما يستحيل الدم إلى اللحم فيطهر ويحل أكله، وليست بحيوان حتى يقال نجست بالموت، وإنما هي شيء يحدث بالحيوان كالبيض، وقد أجمع

(9/660)


المسلمون على طهارة المسك إلا ما حكى عن عمر من كراهته، وكذا حكى ابن المنذر عن جماعة ثم قال: ولا يصح المنع فيه إلا عن عطاء بناء على أنه جزء منفصل، وقد أخرج مسلم في أثناء حديث عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسك أطيب الطيب" وأخرجه أبو داود مقتصرا منه على هذا القدر. قوله: "ما من مكلوم" أي مجروح "وكلمه" بفتح الكاف وسكون اللام "يدمى" بفتح أوله وثالثه، وقد تقدم شرح هذا الحديث في كتاب الجهاد، قال النووي: ظاهر قوله: "في سبيل الله" اختصاصه بمن وقع له ذلك في قتال الكفار، لكن يلتحق به من قتل في حرب البغاة وقطاع الطريق وإقامة المعروف لاشتراك الجميع في كونهم شهداء. وقال ابن عبد البر أصل الحديث في الكفار ويلتحق هؤلاء بهم بالمعنى، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد" وتوقف بعض المتأخرين في دخول من قاتل دون ماله لأنه يقصد صون ماله بداعية الطبع، وقد أشار في الحديث إلى اختصاص ذلك بالمخلص حيث قال: "والله أعلم بمن يكلم في سبيله" والجواب أنه يمكن فيه الإخلاص مع إرادة صون المال، كأن يقصد بقتال من أراد أخذه منه صون الذي يقاتله عن ارتكاب المعصية وامتثال أمر الشارع بالدفع، ولا يمحض القصد لصون المال، فهو كمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا مع تشوفه إلى الغنيمة. قال ابن المنير: وجه استدلال البخاري بهذا الحديث على طهارة المسك وكذا بالذي بعده وقوع تشبيه دم الشهيد به، لأنه في سياق التكريم والتعظيم، فلو كان نجسا لكان من الخبائث ولم يحسن التمثيل به في هذا المقام. تقدم شرح حديث أبي موسى في الجليس الصالح في أوائل البيوع، وقوله فيه: "يحذيك" بضم أوله ومهملة ساكنة وذال معجمة مكسورة أي يعطيك وزنا ومعنى.

(9/661)


32- باب الأَرْنَبِ
5535- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغِبُوا فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا أَوْ قَالَ بِفَخِذَيْهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَهَا"
قوله: "باب الأرنب" هو دويبة معروفة تشبه العناق لكن في رجليها طول بخلاف يديها، والأرنب اسم جنس للذكر والأنثى، ويقال للذكر أيضا الخزز وزن عمر بمعجمات، وللأنثى عكرشة، وللصغير خرنق بكسر المعجمة وسكون الراء وفتح النون بعدها قاف، هذا هو المشهور. وقال الجاحظ: لا يقال أرنب إلا للأنثى، ويقال إن الأرنب شديدة الجبن كثيرة الشبق وأنها تكون سنة ذكرا وسنة أنثى وأنها تحيض، وسأذكر من خرجه، ويقال إنها تنام مفتوحة العين. قوله: "أنفجنا" بفاء مفتوحة وجيم ساكنة أي أثرنا. وفي رواية مسلم: "استنفجنا" وهو استفعال منه، يقال نفج الأرانب إذا ثار وعدا، وانتفج كذلك، وأنفجته إذا أثرته من موضعه، ويقال إن الانتفاج الاقشعرار فكأن المعنى جعلناها بطلبنا لها تنتفج، والانتفاج أيضا ارتفاع الشعر وانتفاشه. ووقع في "شرح مسلم: "للمازري" بعجنا "بموحدة وعين مفتوحة، وفسره بالشق من بعج بطنه إذا شقه، وتعقبه عياض بأنه تصحيف، وبأنه لا يصح معناه من سياق الخبر لأن فيه أنهم سعوا في طلبها بعد ذلك، فلو كان شقوا بطنها كيف كانوا يحتاجون إلى السعي خلفها. قوله: "بمر الظهران" مر بفتح الميم وتشديد الراء، والظهران بفتح المعجمة بلفظ تثنية الظهر، اسم موضع على مرحلة من مكة. وقد يسمى بإحدى الكلمتين تخفيفا، وهو المكان الذي

(9/661)


تسميه عوام المصريين بطن مرو والصواب مر بتشديد الراء. قوله: "فسعى القوم فلغبوا" بمعجمة وموحدة أي تعبوا وزنه ومعناه، ووقع بلفظ: "تعبوا" في رواية الكشميهني، وتقدم في الهبة بيان ما وقع للداودي فيه من غلط. قوله: "فأخذتها" زاد في الهبة "فأدركتها فأخذتها" ولمسلم: "فسعيت حتى أدركتها" ولأبي داود من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن زيد "وكنت غلاما حزورا" وهو بفتح المهملة والزاي والواو المشددة بعدها راء ويجوز سكون الزاي وتخفيف الواو وهو المراهق. قوله: "إلى أبي طلحة" وهو زوج أمه. قوله: "فذبحها" زاد في رواية الطيالسي "بمروة" وزاد في رواية حماد المذكورة "فشويتها". قوله: "فبعث بوركيها أو قال بفخذيها" هو شك من الراوي، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الهبة، ووقع في رواية حماد "بعجزها". قوله: "فقبلها" أي الهدية، وتقدم في الهبة من هذا الوجه "قلت وأكل منه؟ قال: وأكل منه" ثم قال: فقبله، وللترمذي من طريق أبي داود الطيالسي فيه: "فأكله، قلت: أكله؟ قال قبله" وهذا الترديد لهشام بن زيد وقف جده أنسا على قوله: "أكله" فكأنه توقف في الجزم به وجزم بالقبول، وقد أخرج الدار قطني من حديث عائشة "أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرنب وأنا نائمة فخبأ لي منها العجز، فلما قمت أطعمني" وهذا لو صح لأشعر بأنه أكل منها، لكن سنده ضعيف. ووقع في "الهداية" للحنفية أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الأرنب حين أهدى إليه مشويا وأمر أصحابه بالأكل منه، وكأنه تلقاه من حديثين: فأوله من حديث الباب وقد ظهر ما فيه، والآخر من حديث أخرجه النسائي من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها فوضعها بين يديه، فأمسك وأمر أصحابه أن يأكلوا" ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافا كثيرا. وفي الحديث جواز أكل الأرنب وهو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمر من الصحابة وعن عكرمة من التابعين وعن محمد ابن أبي ليلى من الفقهاء، واحتج بحديث خزيمة بن جزء "قلت يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال لا آكله ولا أحرمه، قالت فإني آكل ما لا تحرمه. ولم يا رسول الله؟ قال نبئت أنها تدمي" وسنده ضعيف، ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة كما سيأتي تقريره في الباب الذي بعد، وله شاهد عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "جيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأكلها ولم ينه عنها" زعم أنها تحيض "أخرجه أبو داود، وله شاهد عن عمر عند إسحاق بن راهويه في مسنده، وحكى الرافعي عن أبي حنيفة أنه حرمها، وغلطه النووي في النقل عن أبي حنيفة. وفي الحديث أيضا جواز استثارة الصيد والغدو في طلبه، وأما ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس رفعه: "من اتبع الصيد غفل" فهو محمول على من واظب على ذلك حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها. وفيه أن أخذ الصيد يملكه بأخذه ولا يشاركه من أثاره معه. وفيه هدية الصيد وقبولها من الصائد وإهداء الشيء اليسير الكبير القدر إذا علم من حاله الرضا بذلك، وفيه أن ولي الصبي يتصرف فيما يملكه الصبي بالمصلحة. وفيه استثبات الطالب شيخه عما يقع في حديثه مما يحتمل أنه يضبطه كما وقع لهشام بن زيد مع أنس رضي الله عنه.

(9/662)


33- باب الضَّبِّ
5536- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلاَ أُحَرِّمُهُ"

(9/662)


5537- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَقَالُوا هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ يَدَهُ فَقُلْتُ أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لاَ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ"
قوله: "باب الضب" هو دويبة تشبه الجرذون، لكنه أكبر من الجرذون، ويكنى أباحل بمهملتين مكسورة ثم ساكنة، ويقال للأنثى ضبة، وبه سميت القبيلة، وبالخيف من منى جبل يقال له ضب، والضب داء في خف البعير، ويقال إن لأصل ذكر الضب فرعين، ولهذا يقال له ذكران. وذكر ابن خالويه أن الضب يعيش سبعمائة سنة، وأنه لا يشرب الماء، ويبول في كل أربعين يوما قطرة، ولا يسقط له سن، ويقال بل أسنانه قطعة واحدة، وحكى غيره أن أكل لحمه يذهب العطش، ومن الأمثال "لا أفعل كذا حتى يرد الضب" يقوله من أراد أن لا يفعل الشيء لأن الضب لا يرد بل يكتفي بالنسيم وبرد الهواء، ولا يخرج من جحره في الشتاء. وذكر المصنف في الباب حديثين. قوله: "الضب لست آكله ولا أحرمه" كذا أورده مختصرا، وقد أخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار بلفظ: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الضب، فقال: لا آكله ولا أحرمه" ومن طريق نافع عن ابن عمر "سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم:" زاد في رواية عن نافع أيضا: "وهو على المنبر" وهذا السائل يحتمل أن يكون خزيمة بن جزء، فقد أخرج ابن ماجه من حديثه "قلت يا رسول الله ما تقول؟ فقال: لا آكله ولا أحرمه، قال: قلت فإني آكل ما لم تحرم" وسنده ضعيف. وعند مسلم والنسائي من حديث أبي سعيد "قال رجل: يا رسول الله أنا بأرض مضبة، فما تأمرنا؟ قال: ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسخت، فلم يأمر ولم ينه" وقوله: "مضبة" بضم أوله وكسر المعجمة أي كثيرة الضباب، وهذا يمكن أن يفسر بثابت بن وديعة، فقد أخرج أبو داود والنسائي من حديثه قال: "أصبت ضبابا فشويت منها ضبا، فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عودا فعد به أصابعه ثم قال: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي، فلم يأكل ولم ينه" وسنده صحيح. قوله: "عن أبي أمامة بن سهل" أي ابن حنيف الأنصاري، له رؤية ولأبيه صحبة، وتقدم الحديث في أوائل الأطعمة من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: "أخبرني أبو أمامة". قوله: "عن عبد الله بن عباس عن خالد بن الوليد" في رواية يونس المذكورة "أن ابن عباس أخبره أن خالد ابن الوليد الذي يقال له سيف الله أخبره" وهذا الحديث مما اختلف فيه على الزهري هل هو من مسند ابن عباس أو من مسند خالد، وكذا اختلف فيه على مالك فقال الأكثر عن ابن عباس عن خالد. وقال يحيى بن بكير في "الموطأ" وطائفة عن مالك بسنده عن ابن عباس وخالد أنهما دخلا. وقال يحيى بن يحيى التميمي عن مالك بلفظ: "عن ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد على النبي صلى الله عليه وسلم:" أخرجه مسلم عنه وكذا أخرجه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بلفظ: "عن ابن عباس قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في بيت ميمونة بضبين مشويين

(9/663)


وقال هشام بن يوسف عن معمر كالجمهور كما تقدم في أوائل الأطعمة، والجمع بين هذه الروايات أن ابن عباس كان حاضرا للقصة في بيت خالته ميمونة كما صرح به في إحدى الروايات، وكأنه استثبت خالد بن الوليد في شيء منه لكونه الذي كان باشر السؤال عن حكم الضب وباشر أكله أيضا، فكان ابن عباس ربما رواه عنه، ويؤيد ذلك أن محمد بن المنكدر حدث به عن أبي أمامة بن سهل عن ابن عباس قال:" أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت ميمونة وعنده خالد بن الوليد بلحم ضب" الحديث أخرجه مسلم، وكذا رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس فلم يذكر فيه خالدا، وقد تقدم في الأطعمة. قوله: "إنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة" زاد يونس في روايته وهي خالته وخالة ابن عباس. قلت: واسم أم خالد لبابة الصغرى، واسم أم ابن عباس لبابة الكبرى وكانت تكنى أم الفضل بابنها الفضل ابن عباس، وهما أختا ميمونة والثلاث بنات الحارث بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي الهلالي. قوله: "فأتى بضب محنوذ" بمهملة ساكنة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة أي مشوي بالحجارة المحماة ووقع في رواية معمر بضب مشوي، والمحنوذ أخص والحنيذ بمعناه، زاد يونس في روايته: "قدمت به أختها حفيدة" وهي بمهملة وفاء مصغر ومضى في رواية سعيد بن جبر "أن أم حفيدة بنت الحارث بن حزن خالة ابن عباس أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم سمنا وأقطا وأضبا" وفي رواية عوف عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن الطحاوي "جاءت أم حفيدة بضب وقنفذ" وذكر القنفذ فيه غريب، وقد قيل في اسمها هزيلة بالتصغير وهي رواية الموطأ من مرسل عطاء بن يسار، فإن كان محفوظا فلعل لها اسمين أو اسم ولقب، وحكى بعض شراح العمدة في اسمها حميدة بميم وفي كنيتها أم حميد بميم بغير هاء. وفي رواية بهاء وبفاء ولكن براء بدل الدال وبعين مهملة بدل الحاء بغير هاء، وكلها تصحيفات. قوله: "فأهوى" زاد يونس "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يقدم يده لطعام حتى يسمى له" وأخرج إسحاق بن راهويه والبيهقي في "الشعب" من طريق يزيد بن الحوتكية عن عمر رضي الله عنه "أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب يهديها إليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل من الهدية حتى يأمر صاحبها فيأكل منها من أجل الشاة التي أهديت إليه بخيبر" الحديث وسنده حسن. قوله: "فقال بعض النسوة أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضب" في رواية يونس "فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدمتن له، هو الضب يا رسول الله" وكأن المرأة أرادت أن غيرها يخبره، فلما لم يخبروا بادرت هي فأخبرت، وسيأتي في "باب إجازة خبر الواحد" من طريق الشعبي عن ابن عمر قال: "كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سعد بعني ابن أبي وقاص فذهبوا يأكلون من لحم فنادتهم امرأة من بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم:" ولمسلم من طريق يزيد بن الأصم "عن ابن عباس أنه بينما هو عند ميمونة وعندها الفضل بن عباس وخالد بن الوليد وامرأة أخرى إذ قرب إليهم خوان عليه لحم، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل قالت له ميمونة إنه لحم ضب، فكف يده"، وعرف بهذه الرواية اسم التي أبهمت في الرواية الأخرى، وعند الطبراني في "الأوسط" من وجه آخر صحيح "فقالت ميمونة أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو". قوله: "فرفع يده" زاد يونس "عن الضب" ويؤخذ منه أنه أكل من غير الضب مما كان قدم له من غير الضب، كما تقدم أنه كان فيه غير الضب، وقد جاء صريحا في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس كما تقدم في الأطعمة، قال فأكل الأقط وشرب اللبن. قوله : "لم يكن بأرض قومي" في رواية يزيد بن الأصم "هذا لحم لم آكله قط" قال ابن العربي: اعترض بعض الناس على هذه اللفظة "لم يكن بأرض قومي" بأن الضباب كثيرة بأرض الحجاز،

(9/664)


قال ابن العربي: فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد كذب هو، فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء، أو ذكرت له بغير اسمها أو حدثت بعد ذلك، وكذا أنكر ابن عبد البر ومن تبعه أن يكون ببلاد الحجاز شيء من الضباب. قلت: ولا يحتاج إلى شيء من هذا بل المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "بأرض قومي" قريشا فقط فيختص النفي بمكة وما حولها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز، وقد وقع في رواية يزيد بن الأصم عند مسلم: "دعانا عروس بالمدينة فقرب إلينا ثلاثة عشر ضبا، فآكل وتارك" الحديث، فبهذا يدل على كثرة وجدانها بتلك الديار. قوله: "فأجدني أعافه" بعين مهملة وفاء خفيفة أي أتكره أكله، يقال عفت الشيء أعافه، ووقع في رواية سعيد بن جبير "فتركهن النبي صلى الله عليه وسلم كالمتقذر لهن، ولو كن حراما لما أكلن على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم ولما أمر بأكلهن" كذا أطلق الأمر وكأنه تلقاه من الإذن المستفاد من التقرير، فإنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن عباس بصيغة الأمر إلا في رواية يزيد بن الأصم عند مسلم فإن فيها "فقال لهم كلوا، فأكل الفضل وخالد والمرأة" وكذا في رواية الشعبي عن ابن عمر "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلوا وأطعموا فإنه حلال - أو قال لا بأس به - ولكنه ليس طعامي"، وفي هذا كله بيان سبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بسبب أنه ما اعتاده، وقد ورد لذلك سبب آخر أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار فذكر معنى حديث ابن عباس وفي آخره: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا - يعني لخالد وابن عباس - فإنني يحضرني من الله حاضرة" قال المازري يعني الملائكة، وكأن للحم الضب ريحا فترك أكله لأجل ريحه، كما ترك أكل الثوم مع كونه حلالا. قلت: وهذا إن صح يمكن ضمه إلى الأول ويكون لتركه الأكل من الضب سببان. قوله: "قال خالد فاجتررته" بجيم ورائين، هذا هو المعروف في كتب الحديث، وضبطه بعض شراح "المهذب" بزاي قبل الراء وقد غلطه النووي. قوله: "ينظر" زاد يونس في روايته: "إلى". وفي هذا الحديث من الفوائد جواز أكل الضب، وحكى عياض عن قوم تحريمه وعن الحنفية كراهته وأنكر ذلك النووي وقال: لا أظنه يصح عن أحد، فإن صح فهو محجوج بالنصوص وبإجماع من قبله. قلت: قد نقله ابن المنذر عن علي، فأي إجماع يكون مع مخالفته؟ ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم؛ وقال الطحاوي في "معاني الآثار" : كره قوم أكل الضب، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، قال: واحتج محمد بحديث عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى له ضب فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعطينه مالا تأكلين" ؟ قال الطحاوي: ما في هذا دليل على الكراهة لاحتمال أن تكون عافته، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يكون ما يتقرب به إلى الله إلا من خير الطعام، كما نهى أن يتصدق بالتمر الرديء ا هـ. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الضب أخرجه أبو داود بسند حسن، فإنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عتبة عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل، وحديث ابن عياش عن الشاميين قوي، وهؤلاء شاميون ثقات، ولا يغتر بقول الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقول ابن حزم: فيه ضعفاء ومجهولون، وقول البيهقي: تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة، وقول ابن الجوزي: لا يصح، ففي كل ذلك تساهل لا يخفى، فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاري وقد صحح الترمذي بعضها، وقد أخرج أبو داود من حديث عبد الرحمن بن حسنة "نزلنا أرضا كثيرة الضباب" الحديث، وفيه أنهم "طبخوا منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض فأخشى أن تكون هذه فاكفئوها" أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والطحاوي وسنده على شرط

(9/665)


الشيخين إلا الضحاك فلم يخرجا له. وللطحاوي من وجه آخر عن زيد بن وهب ووافقه الحارث بن مالك ويزيد بن أبي زياد ووكيع في آخره: "فقيل له إن الناس قد اشتووها أكلوها، فلم يأكل ولم ينه عنه" والأحاديث الماضية وإن دلت على الحل تصريحا وتلويحا نصا وتقريرا، فالجمع بينها وبين هذا حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ وحينئذ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه، وحمل الأذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له، ثم بعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه، وأكل على مائدته فدل على الإباحة، وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره، وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره، ولا يلزم من ذلك أنه يكره مطلقا. وقد أفهم كلام ابن العربي أنه لا يحل في حق من يتقذره لما يتوقع في أكله من الضرر وهذا لا يختص بهذا، ووقع في حديث يزيد بن الأصم "أخبرت ابن عباس بقصة الضب، فأكثر القوم حوله حتى قال بعضهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحرمه، فقال ابن عباس: بئس ما قلتم، ما بعث نبي الله إلا محرما أو محللا" أخرجه مسلم. قال ابن العربي: ظن ابن عباس أن الذي أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم لا آكله أراد لا أحله فأنكر عليه لأن خروجه من قسم الحلال والحرام محال. وتعقبه شيخنا في "شرح الترمذي" بأن الشيء إذا لم يتضح إلحاقه بالحلال أو الحرام يكون من الشبهات فيكون من حكم الشيء قبل ورود الشرع، والأصح كما قال النووي أنه لا يحكم عليها بحل ولا حرمة. قلت: وفي كون مسألة الكتاب من هذا النوع نظر، لأن هذا إنما هو إذا تعارض الحكم على المجتهد، أما الشارع إذ سئل عن واقعة فلا بد أن يذكر فيها الحكم الشرعي "وهذا هو الذي أراده ابن العربي وجعل محط كلام ابن عباس عليه. ثم وجدت في الحديث زيادة لفظة سقطت من رواية مسلم وبها يتجه إنكار ابن عباس ويستغنى عن تأويل ابن العربي لا آكله بلا أحله وذلك أن أبا بكر بن أبي شيبة وهو شيخ مسلم فيه أخرجه في مسنده بالسند الذي ساقه به عند مسلم فقال في روايته: "لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحله ولا أحرمه" ولعل مسلما حذفها عمدا لشذوذها، لأن ذلك لم يقع في شيء من الطرق لا في حديث ابن عباس ولا غيره، وأشهر من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا آكله ولا أحرمه" ابن عمر كما تقدم، وليس في حديثه "لا أحله" بل جاء التصريح عنه بأنه حلال فلم تثبت هذه اللفظة وهي قوله: "لا أحله" لأنها وإن كانت من رواية يزيد بن الأصم وهو ثقة لكنه أخبر بها عن قوم كانوا عند ابن عباس فكانت رواية عن مجهول، ولم يقل يزيد بن الأصم إنهم صحابة حتى يغتفر عدم تسميتهم. واستدل بعض من منع أكله بحديث أبي سعيد عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسخت" وقد ذكرته وشواهده قبل. وقال الطبري: ليس في الحديث الجزم بأن الضب مما مسخ، وإنما خشي أن يكون منهم فتوقف عنه، وإنما قال ذلك قبل أن يعلم الله تعالى نبيه أن الممسوخ لا ينسل، وبهذا أجاب الطحاوي ثم أخرج من طريق المعرور بن سويد عن عبد الله بن مسعود قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ؟ قال: إن الله لم يهلك قوما - أو يمسخ قوما - فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة، وأصل هذا الحديث في مسلم، وكأن لم يستحضره من صحيح مسلم، ويتعجب من ابن العربي حيث قال: قوله إن الممسوخ لا ينسل دعوى، فإنه أمر لا يعرف بالعقل وإنما طريقه النقل، وليس فيه أمر يعول عليه. كذا قال ثم قال الطحاوي بعد أن أخرجه من طرق ثم أخرج حديث ابن عمر: فثبت بهذه الآثار أنه لا بأس بأكل الضب، وبه أقول. قال: وقد احتج محمد ابن الحسن لأصحابه بحديث عائشة، فساقه الطحاوي من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة

(9/666)


"أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه فقال لها: أتعطيه ما لا تأكلين" ؟ قال محمد: دل ذلك على كراهته لنفسه ولغيره وتعقبه الطحاوي باحتمال أن يكون دلك من جنس ما قال الله تعالى: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} ثم ساق الأحاديث الدالة على كراهة التصدق بحشف التمر، وقد مر ذكرها في كتاب الصلاة في "باب تعليق القنو في المسجد" وبحديث البراء "كانوا يحبون الصدقة بأرداء تمرهم، فنزلت: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} الآية. قال: فلهذا المعنى كره لعائشة الصدقة بالضب لا لكونه حراما ا هـ. وهذا يدل على أنه فهم عن محمد أن الكراهة فيه للتحريم، والمعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه. وجنح بعضهم إلى التحريم وقال: اختلفت الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم فرجحنا جانب التحريم تقليلا للنسخ ا هـ. ودعواه التعذر ممنوعة لما تقدم والله أعلم. ويتعجب من ابن العربي حيث قال: قولهم إن الممسوخ لا ينسل دعوى، فإنه أمر لا يعرف بالعقل وإنما طريقه النقل، وليس فيه أمر يعول عليه، كذا قال وكأنه لم يستحضره من صحيح مسلم، ثم قال: وعلى تقدير ثبوت كون الضب ممسوخا فذلك لا يقتضي تحريم أكله لأن كونه آدميا قد زال حكمه ولم يبق له أثر أصلا، وإنما كره صلى الله عليه وسلم الأكل منه لما وقع عليه من سخط الله كما كره الشرب من مياه ثمود ا هـ. ومسألة جواز أكل الآدمي إذا مسخ حيوانا مأكولا لم أرها في كتب فقهائنا. وفي الحديث أيضا الإعلام بما شك فيه لإيضاح حكمه، وأن مطلق النفرة وعدم الاستطابة لا يستلزم التحريم، وأن المنقول عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يعيب الطعام إنما هو فيما صنعه الآدمي لئلا ينكسر خاطره وينسب إلى التقصير فيه؛ وأما الذي خلق كذلك فليس نفور الطبع منه ممتنعا. وفيه أن وقوع مثل ذلك ليس بمعيب ممن يقع منه خلافا لبعض المتنطعة. وفيه أن الطباع تختلف في النفور عن بعض المأكولات، وقد يستنبط منه أن اللحم إذا أنتن لم يحرم لأن بعض الطباع لا تعافه. وفيه دخول أقارب الزوجة بيتها إذا كان بإذن الزوج أو رضاه، وذهل ابن عبد البر هنا ذهولا فاحشا فقال: كان دخول خالد بن الوليد بيت النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة قبل نزول الحجاب، وغفل عما ذكره هو أن إسلام خالد كان بين عمرة القضية والفتح، وكان الحجاب قبل ذلك اتفاقا، وقد وقع في حديث الباب: "قال خالد: أحرام هو يا رسول الله" ؟ فلو كانت القصة قبل الحجاب لكانت قبل إسلام خالد، ولو كانت قبل إسلامه لم يسأل عن حلال ولا حرام، ولا خاطب بقوله يا رسول الله. وفيه جواز الأكل من بيت القريب والصهر والصديق، وكأن خالدا ومن وافقه في الأكل أرادوا جبر قلب الذي أهدته، أو لتحقق حكم الحل، أو لامتثال قوله صلى الله عليه وسلم: "كلوا" وفهم من لم يأكل أن الأمر فيه للإباحة. وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤاكل أصحابه ويأكل اللحم حيث تيسر؛ وأنه كان لا يعلم من المغيبات إلا ما علمه الله تعالى. وفيه وفور عقل ميمونة أم المؤمنين وعظيم نصحتها للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنها فهمت مظنة نفوره عن أكله بما استقرت منه، فخشيت أن يكون ذلك كذلك فيتأذى بأكله لاستقذاره له فصدقت فراستها. ويؤخذ منه أن من خشي أن يتقذر شيئا لا ينبغي أن يدلس له لئلا يتضرر به، وقد شوهد ذلك من بعض الناس.

(9/667)


34- باب إِذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ أَوْ الذَّائِبِ
5538- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

(9/667)


عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُهُ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا فَقَالَ أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ قِيلَ لِسُفْيَانَ فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ إِلاَّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا"
5539- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَهُوَ جَامِدٌ أَوْ غَيْرُ جَامِدٍ الْفَأْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ ثُمَّ أُكِلَ عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ"
5540- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَتْ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ"
قوله: "باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب" أي هل يفترق الحكم أو لا؟ وكأنه ترك الجزم بذلك لقوة الاختلاف، وقد تقدم في الطهارة ما يدل على أنه يختار أنه لا ينجس إلا بالتغير، ولعل هذا هو السر في إيراده طريق يونس المشعرة بالتفصيل. قوله: "عن ميمونة" تقدم في أواخر كتاب الوضوء بيان الاختلاف فيه على الزهري في إثبات ميمونة في الإسناد وعدمه، وأن الراجح إثباتها فيه، وتقدم هناك الاختلاف على مالك في وصله وانقطاعه. قوله: "فقال ألقوها وما حولها" هكذا أورده أكثر أصحاب ابن عيينة عنه ووقع في مسند إسحاق بن راهويه ومن طريقه أخرجه ابن حبان بلفظ: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائبا فلا تقربوه" وهذه الزيادة في رواية ابن عيينة غريبة وسيأتي القول فيها. قوله: "قيل لسفيان" القائل لسفيان ذلك هو علي بن المديني شيخ البخاري، كذلك ذكره في علله. قوله: "فإن معمرا يحدث به إلخ" طريق معمر هذه وصلها أبو داود عن الحسن بن علي الحلواني وأحمد بن صالح كلاهما عن عبد الرزاق عن معمر بإسناده المذكور إلى أبي هريرة، ونقل الترمذي عن البخاري أن هذه الطريق خطأ والمحفوظ رواية الزهري من طريق ميمونة، وجزم الذهلي بأن الطريقين صحيحان، وقد قال أبو داود في روايته عن الحسن بن علي "قال الحسن: وربما حدث به معمر عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة" وأخرجه أبو داود أيضا عن أحمد بن صالح عن عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن بوذويه عن معمر كذلك من طريق ميمونة، وكذا أخرجه النسائي عن خشيش بن أصرم عن عبد الرزاق، وذكر الإسماعيلي أن الليث رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: "بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن جامد" الحديث، وهذا يدل على أن لرواية الزهري عن سعيد أصلا، وكون سفيان بن عيينة لم يحفظه عن الزهري إلا من طريق ميمونة لا يقتضي أن لا يكون له عنده إسناد آخر، وقد جاء عن الزهري فيه إسناد ثالث أخرجه الدار قطني من طريق عبد الجبار بن عمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر به، وعبد

(9/668)


الجبار مختلف فيه. قال البيهقي: وجاء من رواية ابن جريج عن الزهري كذلك، لكن السند إلى ابن جريج ضعيف والمحفوظ أنه من قول ابن عمر. قوله: "قال ما سمعت الزهري" القائل هو سفيان "وقوله ولقد سمعته منه مرارا" أي من طريق ميمونة فقط، ووقع في رواية الإسماعيلي عن جعفر الفريابي عن علي بن المديني شيخ البخاري فيه قال سفيان: كم سمعناه من الزهري يعيده ويبدئه. قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك، ويونس هو ابن زيد. قوله: "عن الزهري عن الدابة" أي في حكم الدابة "تموت في الزيت والسمن إلخ" ظاهر في أن الزهري كان في هذا الحكم لا يفرق بين السمن وغيره ولا بين الجامد منه والذائب، لأنه ذكر ذلك في السؤال ثم استدل بالحديث في السمن، فأما غير السمن فإلحاقه به في القياس عليه واضح، وأما عدم الفرق بين الذائب والجامد فلأنه لم يذكر في اللفظ الذي استدل به، وهذا يقدح في صحة من زاد في هذا الحديث عن الزهري التفرقة بين الجامد والذائب كما ذكر قبل عن إسحاق، وهو مشهور من رواية معمر عن الزهري أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححه ابن حبان وغيره على أنه اختلف عن معمر فيه، فأخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن معمر بغير تفصيل، نعم وقع عند النسائي من رواية ابن القاسم عن مالك وصف السمن في الحديث بأنه جامد، وتقدم التنبيه عليه في الطهارة وكذا وقع عند أحمد من رواية الأوزاعي عن الزهري، وكذا عند البيهقي من رواية حجاج بن منهال عن ابن عيينة، وكذا أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن سفيان وتقدم التنبيه على الزيادة التي وقعت في رواية إسحاق ابن راهويه عن سفيان وأنه تفرد بالتفصيل عن سفيان دون حفاظ أصحابه مثل أحمد والحميدي ومسدد وغيرهم، ووقع التفصيل فيه أيضا في رواية عبد الجبار بن عمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، وقد تقدم أن الصواب في هذا الإسناد أنه موقوف، وهذا الذي ينفصل به الحكم فيما يظهر لي بأن التقييد عن الزهري عن سالم عن أبيه من قوله، والإطلاق من روايته مرفوعا، لأنه لو كان عنده مرفوعا ما سوى في فتواه بين الجامد وغير الجامد، وليس الزهري ممن يقال في حقه لعله نسي الطريق المفصلة المرفوعة لأنه كان أحفظ الناس في عصره فخفاء ذلك عنه في غاية البعد. قوله: "عن حديث عبيد الله بن عبد الله" يعني بسنده لكن يظهر لنا هل فيه ميمونة أو لا؟ وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق نعيم بن حماد عن ابن المبارك فقال فيه: "عن عبيد الله بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم:" فذكره مرسلا وأغرب أبو نعيم في "المستخرج" فساقه من طريق الفربري عن البخاري عن عبدان موصولا بذكر ابن عباس وميمونة بالمرفوع دون الموقوف وقال: "أخرجه البخاري عن عبدان، وذكر فيه كلاما، واستدل بهذا الحديث لإحدى الروايتين عن أحمد أن المائع إذا حلت فيه النجاسة لا ينجس إلا بالتغير، وهو اختيار البخاري وقول ابن نافع من المالكية وحكى عن مالك، وقد أخرج أحمد عن إسماعيل بن علية عن عمارة ابن أبي حفصة عن عكرمة "أن ابن عباس سئل عن فأرة ماتت في سمن قال: تؤخذ الفارة وما حولها، فقلت إن أثرها كان في السمن كله، قال إنما كان وهي حية وإنما ماتت حيث وجدت" ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه أحمد من وجه آخر وقال فيه عن جر فيه زيت وقع فيه جرذ وفيه: "أليس جال في الجر كله؟ قال: إنما جال وفيه الروح، ثم استقر حيث مات" وفرق الجمهور بين المائع والجامد عملا بالتفصيل المقدم ذكره، وقد تمسك ابن العربي بقوله: "وما حولها" على أنه كان جامدا، قال: لأنه لو كان مائعا لم يكن له حول، لأنه لو نقل من أي جانب مهما نقل لخلفه غيره في الحال فيصير مما حولها فيحتاج إلى إلقائه كله، كذا قال، وأما ذكر السمن والفأرة فلا عمل بمفهومهما، وجمد ابن حزم

(9/669)


على عادته فخص التفرقة بالفأرة، فلو وقع غير جنس الفأر من الدواب في مائع لم ينجس إلا بالتغير، وضابط المائع عند الجمهور أن يتراد بسرعة إذا أخذ منه شيء. واستدل بقوله: "فماتت" على أن تأثيرها في المائع إنما يكون بموتها فيه فلو وقعت فيه وخرجت بلا موت لم يضره، ولم يقع في رواية مالك التقييد بالموت، فيلزم من لا يقول بحمل المطلق على المقيد أن يقول بالتأثير ولو خرجت وهي في الحياة، وقد التزمه ابن حزم فخالف الجمهور أيضا. قوله: "ألقوها وما حولها" لم يرد في طريق صحيحة تحديد ما يلقي، لكن أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عطاء بن يسار أنه يكون قدر الكف وسنده جيد لولا إرساله، وقد وقع عند الدار قطني من رواية يحيى القطان عن مالك في هذا الحديث: "فأمر أن يقور ما حولها فيرمي به" وهذا أظهر في كونه جامدا من قوله: "وما حولها" فيقوى ما تمسك به ابن العربي، وأما ما أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعا من التقييد في المأخوذ منه ثلاث غرفات بالكفين فسنده ضعيف، ولو ثبت لكان ظاهرا في المائع. واستدل بقوله في الرواية المفصلة "وإن كان مائعا فلا تقربوه" على أنه لا يجوز الانتفاع به في شيء، فيحتاج من أجاز الانتفاع به في غير الأكل كالشافعية وأجاز بيعه كالحنفية إلى الجواب - أعني الحديث - فإنهم احتجوا به في التفرقة بني الجامد والمائع، وقد احتج بعضهم بما وقع في رواية عبد الجبار بن عمر عند البيهقي في حديث ابن عمر "إن كان السمن مائعا انتفعوا به ولا تأكلوه" وعنده في رواية ابن جريج مثله، وقد تقدم أن الصحيح وقفه. وعنده من طريق الثوري عن أيوب عن نافع عن ابن عمر في فأرة وقعت في زيت قال: "استصبحوا به وادهنوا به أدمكم" وهذا السند على شرط الشيخين إلا أنه موقوف، واستدل به على أن الفأرة طاهرة العين، وأغرب ابن العربي فحكى عن الشافعي وأبي حنيفة أنها نجسة. قوله في رواية مالك "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم" هو كذلك في أكثر الروايات بإبهام السائل، ووقع في رواية الأوزاعي عن أحمد تعيين من سأل، ولفظه عن ميمونة "إنها استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فأرة" الحديث، ومثله في رواية يحيى القطان عن مالك عند الدار قطني بلفظ: "عن ابن عباس أن ميمونة استفتت" والله أعلم.

(9/670)


باب الوهم والعلم في الصورة
...
35- باب الْوَسْمِ وَالْعَلَمِ فِي الصُّورَةِ
5541- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَمَ الصُّورَةُ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُضْرَبَ" تَابَعَهُ قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا الْعَنْقَزِيُّ عَنْ حَنْظَلَةَ وَقَالَ تُضْرَبُ الصُّورَةُ"
5542- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَخٍ لِي يُحَنِّكُهُ وَهُوَ فِي مِرْبَدٍ لَهُ فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ شَاةً حَسِبْتُهُ قَالَ فِي آذَانِهَا"
قوله: "باب العلم" بفتحتين "والوسم" بفتح أوله وسكون المهملة، وفي بعض النسخ بالمعجمة فقيل هو بمعنى الذي بالمهملة وقيل بالمهملة في الوجه وبالمعجمة في سائر الجسد، فعلى هذا فالصواب هنا بالمهملة لقوله في الصورة، والمراد بالوسم أن يعلم الشيء بشيء يؤثر فيه تأثيرا بالغا، وأصله أن يجعل في البهيمة علامة ليميزها عن غيرها. قوله: "عن حنظلة" هو ابن أبي سفيان الجمحي، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر. قوله: "أن تعلم" بضم أوله أي تجعل فيها

(9/670)


علامة. قوله: "الصورة" في رواية الكشميهني في الموضعين "الصور" بفتح الواو بلا هاء جمع صورة والمراد بالصورة الوجه. قوله: "وقال ابن عمر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تضرب" هو موصول بالسند المذكور، بدأ بالموقوف وثنى بالمرفوع مستدلا به على ما ذكر من الكراهة، لأنه إذا ثبت النهي عن الضرب كان منع الوسم أولى، ويحتمل أن يكون أشار إلى ما أخرجه مسلم من حديث جابر "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه" وفي لفظ له "مر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بحمار قد وسم في وجه فقال: لعن الله من وسمه". قوله: "تابعه قتيبة قال حدثنا العنقزي" بفتح المهملة والقاف بينهما نون ساكنة وبعد القاف زاي، منسوب إلى العنقز وهو نبت طيب الريح، ويقال هو المرزنجوش بفتح الميم وسكون الراء ثم فتح الزاي وسكون النون بعدها جيم مضمومة وآخره معجمة، وهذا تفسير للشيء بمثله في الخفاء، والمرزنجوش هو الشمار أو الشذاب، وقيل العنقز الريحان، وقيل القصب الغض، واسم العنقزي عمرو بن محمد الكوفي وثقه أحمد والنسائي وغيرهما. وقال ابن حبان في الثقات كان يبيع العنقز. وهذه المتابعة لها حكم الوصل عند ابن الصلاح لأن قتيبة من شيوخ البخاري، وإنما ذكرها لزيادة المحذوف في رواية عبيد الله بن موسى حيث قال: "أن تضرب" فإن الضمير في روايته للصورة لكونها ذكرت أولا وأفصح العنقزي في روايته بذلك، وقوله عن حنظلة يريد بالسند المذكور وهو عن سالم عن أبيه، وقد أخرج الإسماعيلي الحديث من طريق بشر بن السري ومحمد بن عدي فرقهما كلاهما عن حنظلة بالسند المذكور واللفظ المذكور، لكن لفظ رواية بشر بن السري "عن الصورة تضرب" وأخرجه من طريق وكيع عن حنظلة بلفظ: "أن تضرب وجوه البهائم" ومن وجه آخر عنه "أن تضرب الصورة" يعني الوجه، وأخرجه أيضا من طريق محمد بن بكر يعني البرساني وإسحاق بن سليمان الرازي كلاهما عن حنظلة قال: "سمعت" سالما يسأل عن العلم في الصورة فقال: كان ابن عمر يكره أن تعلم الصورة "وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تضرب الصورة" يعني بالصورة الوجه. قال الإسماعيلي المسند منه على اضطراب فيه ضرب الصورة، وأما العلم فإنه من قول ابن عمر وكان المعنى فيه الكي، قلت وهذه الرواية الأخيرة هي المطابقة للفظ الترجمة، وعطفه الوسم عليها إما عطف تفسيري وإما من عطف الأعم على الأخص. وأشار الإسماعيلي بالاضطراب إلى الرواية الأخيرة حيث قال فيها "وبلغنا" فإن الظاهر أنه من قول سالم فيكون مرسلا بخلاف الروايات الأخرى أنها ظاهرة الاتصال لكن اجتماع العدد الكثير أولى من تقصير من قصر به والحكم لهم. ومثل هذا لا يسمى اضطرابا في الاصطلاح لأن شرط الاضطراب أن يتعذر الترجيح بعد تعذر الجمع وليس الأمر هنا كذلك. وجاء في ذكر الوسم في الوجه صريحا حديث جابر قال: "مر النبي صلى الله عليه وسلم بحمار قد وسم في وجهه فقال: لعن الله من فعل هذا. لا يسم أحد الوجه ولا يضرب أحد الوجه" أخرجه عبد الرزاق ومسلم والترمذي. وهو شاهد جيد لحديث ابن عمر. وتقدم البحث في ضرب وجه الآدمي في كتاب الجهاد في الكلام على حديث أبي هريرة، وتقدم قبل أبواب النهي عن صبر البهيمة وعن المثلة. قوله: "عن هشام بن زيد" أي ابن أنس ابن مالك. قوله: "عن أنس" هو جده. قوله: "بأخ لي يحنكه" هو أخوه من أمه وهو عبد الله بن أبي طلحة، وسيأتي مطولا في اللباس من وجه آخر. قوله: "في مربد" بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة بعدها مهملة مكان الإبل وكأن الغنم أدخلت فيه مع الإبل. قوله: "وهو يسم شاة" في رواية الكشميهني: "شاء" بالهمز وهو جمع شاة مثل شياه، وسيأتي في الرواية التي في اللباس بلفظ: "وهو يسم الظهر الذي قدم عليه" وفيه ما يدل على أن

(9/671)


ذلك بعد رجوعهم من غزوة الفتح وحنين، والمراد بالظهر الإبل، وكأنه كان يسم الإبل والغنم فصادف أول دخول أنس وهو يسم شاة، ورآه يسم غير ذلك، وقد تقدم في العقيقة بيان شيء من هذا. قوله: "حسبته" القائل شعبة، والضمير لهشام بن زيد وقع مبينا في رواية مسلم. قوله: "في آذانها" هذا محل الترجمة وهو العدول عن الوسم في الوجه إلى الوسم في الأذن، فيستفاد منه أن الأذن ليست من الوجه، وفيه حجة للجمهور في جواز وسم البهائم بالكي، وخالف فيه الحنفية تمسكا بعموم النهي عن التعذيب بالنار، ومنهم من ادعى بنسخ وسم البهائم وجعله الجمهور مخصوصا من عموم النهي. والله أعلم.

(9/672)


36- باب إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ غَنِيمَةً فَذَبَحَ بَعْضُهُمْ غَنَمًا أَوْ إِبِلًا بِغَيْرِ أَمْرِ أَصْحَابِهِمْ لَمْ تُؤْكَلْ
لحَدِيثِ رَافِعٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ طَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ فِي ذَبِيحَةِ السَّارِقِ اطْرَحُوهُ"
5543- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّنَا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى فَقَالَ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلُوهُ مَا لَمْ يَكُنْ سِنٌّ وَلاَ ظُفُرٌ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ وَتَقَدَّمَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَأَصَابُوا مِنْ الْغَنَائِمِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ النَّاسِ فَنَصَبُوا قُدُورًا فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ وَعَدَلَ بَعِيرًا بِعَشْرِ شِيَاهٍ ثُمَّ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ أَوَائِلِ الْقَوْمِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ فَقَالَ إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا فَافْعَلُوا مِثْلَ هَذَا"
قوله: "باب إذا أصاب قوم غنيمة" يفتح أوله وزن عظيمة. قوله: "فذبح بعضهم غنما أو إبلا بغير أمر أصحابه لم تؤكل لحديث رافع" هذا مصير من البخاري إلى أن سبب منع الأكل من الغنم التي طبخت في القصة التي ذكرها رافع بن خديج كونها لم تقسم، وقد تقدم البحث في ذلك في "باب التسمية على الذبيحة" وقوله فيه: "وسأحدثكم عن ذلك" جزم النووي بأنه من جملة المرفوع وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الظاهر من السياق، وجزم أبو الحسن بن القطان في "كتاب بيان الوهم والإيهام" بأنه مدرج من قول رافع بن خديج راوي الخبر، وذكر ما حاصله أن أكثر الرواة عن سعيد ومسروق أوردوه على ظاهر الرفع، وأن أبا الأحوص قال في روايته عنه بعد قوله: "أو ظفر" : "قال رافع وسأحدثكم عن ذلك" ونسبت ذلك لرواية أبي داود وهو عجيب فإن أبا داود أخرجه عن مسدد وليس في شيء من نسخ السنن قوله: "قال رافع" وإنما فيه كما عند المصنف هنا بدونها، وشيخ أبي داود فيه مسدد هو شيخ البخاري فيه هنا، وقد أورده البخاري في الباب الذي بعد هذا بلفظ: "غير السن والظفر فإن السن عظم إلخ" وهو ظاهر جدا في أن الجميع مرفوع. قوله: "وقال طاوس وعكرمة في ذبيحة السارق: اطرحوه" وصله عبد الرزاق من حديثهما بلفظ: "إنهما سئلا عن ذلك فكرهاها ونهيا عنها" وتقدم بيان الحكم في ذلك في ذبيحة المرأة. ذكر المصنف حديث رافع بن خديج وقد تقدم شرحه مستوفي قبل.

(9/672)


37- باب إِذَا نَدَّ بَعِيرٌ لِقَوْمٍ فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَأَرَادَ إِصْلاَحَهُمْ فَهُوَ جَائِزٌ
لِخَبَرِ رَافِعٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5544- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ الإِبِلِ قَالَ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ قَالَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَكُونُ فِي الْمَغَازِي وَالأَسْفَارِ فَنُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلاَ تَكُونُ مُدًى قَالَ أَرِنْ مَا نَهَرَ أَوْ أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ وَالظُّفُرَ مُدَى الْحَبَشَةِ"
قوله: "باب إذا ند بعير لقوم فرماه بعضهم بسهم فقتله فأراد إصلاحهم فهو جائز" في رواية الكشميهني: "إصلاحه" ولكريمة: "صلاحه" بغير ألف بالإفراد أي البعير وضمير الجمع القوم. ذكر المصنف حديث رافع ابن خديج، وقد تقدم التنبيه عليه في الذي قبله، ومضى في "باب ذبيحة المرأة" بحث في خصوص هذه الترجمة، وقوله في هذه الرواية ما أنهر الدم أو نهر شك من الراوي والصواب "أنهر" بالهمز، وقد ألزمه الإسماعيلي التناقض في هذه الترجمة والتي قبلها. وأشار إلى عدم الفرق بين الصورتين، والجامع أن كلا منهما متعد بالتذكية، وأجيب بأن الذين ذبحوا في القصة الأولى ذبحوا ما لم يقسم ليختصوا به فعوقبوا بحرمانه إذ ذاك حتى يقسم، والذي رمى البعير أراد إبقاء منفعته لمالكه فافترقا. وقال ابن المنير: نبه بهذه الترجمة على أن ذبح غير المالك إذا كان بطريق التعدي كما في القصة الأولى فاسد، وأن ذبح غير المالك إذا كان بطريق الإصلاح للمالك خشية أن تفوت عليه المنفعة ليس بفاسد.

(9/673)


باب أكل المضطر
...
38- باب إِذَا أَكَلَ الْمُضْطَرُّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} وَقَالَ {فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} وَقَوْلِهِ {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَنْ لاَ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فُصِّلَ لَكُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلاَ {قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَقَالَ {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلاَلًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}"
قوله: "باب إذا أكل المضطر" أي من الميتة، وكأنه أشار إلى الخلاف في ذلك وهو في موضعين: أحدهما

(9/673)


في الحالة التي يصح الوصف بالاضطرار فيها ليباح الأكل، والثاني في مقدار ما يؤكل، فأما الأول فهو أن يصل به الجوع إلى حد الهلاك أو إلى مرض يفضي إليه، هذا قول الجمهور، وعن بعض المالكية تحديد ذلك بثلاثة أيام، قال ابن أبي جمرة: الحكمة في ذلك أن في الميتة سمية شديدة فلو أكلها ابتداء لأهلكته، فشرع له أن يجوع ليصير في بدنه بالجوع سمية أشد من سمية الميتة فإذا أكل منها حينئذ لا يتضرر ا هـ، وهذا إن ثبت حسن بالغ في غاية الحسن، وأما الثاني فذكره في تفسير قوله تعالى :{ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} وقد فسره قتادة بالمتعدي وهو تفسير معنى. وقال غيره الإثم أن يأكل فوق سد الرمق، وقيل فوق العادة وهو الراجح لإطلاق الآية. ثم محل جواز الشبع أن لا يتوقع غير الميتة عن قرب، فإن توقع امتنع إن قوى على الجوع إلا أن يجده، وذكر إمام الحرمين أن المراد بالشبع ما ينتفي الجوع لا الامتلاء حتى لا يبقى لطعام آخر مساغ فإن ذلك حرام. واستشكل بما في حديث جابر في قصة العنبر حيث قال أبو عبيدة "وقد اضطررتم فكلوا، قال فأكلنا حتى سمنا" وقد تقدم البحث فيه مبسوطا. قوله: "لقوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ - إلى قوله- فَلا إِثْمَ} كذا لأبي ذر، وساق في رواية كريمة ما حذف، وقوله: {غَيْرَ بَاغٍ} أي في أكل الميتة، وجعل الجمهور من البغي العصيان فمنعوا العاصي بسفره أن يأكل الميتة وقالوا: طريقه أن يتوب ثم يأكل، وجوزه بعضهم مطلقا. قوله: "وقال {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} أي مجاعة {غير مُتَجَانِفٍ} أي مائل. قوله: "وقوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ} زاد في رواية كريمة الآية التي بعدها إلى قوله: {مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} وفيه نسخة "إلي بالمعتدين" وبه تظهر مناسبة ذكر ذلك هنا، وإطلاق الاضطرار هنا تمسك به من أجاز أكل الميتة للعاصي وحمل الجمهور المطلق على المقيد في الآيتين الأخيرتين. قوله: "وقوله جل وعلا: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} ساق في رواية كريمة إلى آخر الآية وهي قوله: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} وبذلك يظهر أيضا وجه المناسبة وهو قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ}. قوله: "وقال ابن عباس: مهراقا" أي فسر ابن عباس المسفوح بالمهراق، وهو موصول عند الطبراني من طريق علي بن أبي طلحة عنه. قوله: "وقوله: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً} كذا ثبت هنا لكريمة والأصيلي وسقط للباقين، وساق في نسخة الصغاني إلى قوله: "خنزير" ثم قال إلى قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قال الكرماني وغيره: عقد البخاري هذه للترجمة ولم يذكر فيها حديثا إشارة إلى أن الذي ورد فيها ليس فيه شيء على شرطه، فاكتفى بما ساق فيها من الآيات، ويحتمل أن يكون بيض فانضم بعض ذلك إلى بعض عند تبيض الكتاب. قلت: والثاني أوجه، واللائق بهذا الباب على شرطه حديث جابر في قصة العنبر، فلعله قصد أن يذكر له طريقا أخرى.

(9/674)


الخاتمة
...
"خاتمة": اشتمل كتاب الذبائح والصيد من الأحاديث المرفوعة على ثلاثة وتسعين حديثا، المعلق منها أحد وعشرون حديثا والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى تسعة وسبعون حديثا، والخالص أربعة عشر حديثا، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عمر في النهي عن أن تصبر البهيمة، وحديث ابن عباس فيه، وحديث عبد الله بن زيد في النهي عن المثلة، وحديث ابن عباس والحكم بن عمرو في الحمر الأهلية، وحديث ابن عمر في النهي عن ضرب الصورة. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم أربعة وأربعون أثرا، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(9/674)