Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الأشربة
باب قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}
...
بسم الله الرحمن الرحيم
74 - كتاب الأشربة
1 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
5575- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ" .
5576- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ وَلَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ" .
تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَابْنُ الْهَادِ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَالزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ
5577- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثاً لاَ يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ" .
5578- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولاَنِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ . وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ . وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ" . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَقُولُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ: "وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ" .
قوله: "كتاب الأشربة" وقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ} " الآية، كذا لأبي ذر، وساق الباقون إلى {الْمُفْلِحُونَ} كذا ذكر الآية وأربعة أحاديث تتعلق بتحريم الخمر، وذلك أن الأشربة منها

(10/30)


ما يحل وما يحرم فينظر في حكم كل منهما ثم في الآداب المتعلقة بالشرب، فبدأ بتبيين المحرم منها لقلته بالنسبة إلى الحلال، فإذا عرف ما يحرم كان ما عداه حلالا، وقد بينت في تفسير المائدة الوقت الذي نزلت فيه الآية المذكورة وأنه كان في عام الفتح قبل الفتح، ثم رأيت الدمياطي في سيرته جزم بأن تحريم الخمر كان سنة الحديبية، والحديبية كانت سنة ست. وذكر ابن إسحاق أنه كان في واقعة بني النضير، وهي بعد وقعة أحد وذلك سنة أربع على الراجح، وفيه نظر لأن أنسا كما سيأتي في الباب الذي بعده كان الساقي يوم حرمت، وأنه لما سمع المنادي بتحريمها بادر فأراقها، فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك، وكأن المصنف لمح بذكر الآية إلى بيان السبب في نزولها، وقد مضى بيانه في تفسير المائدة أيضا من حديث عمر وأبي هريرة وغيرهما. وأخرج النسائي والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس أنه لما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر فيقول: صنع هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله لو كان بي رحيما ما صنع بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى {مُنْتَهُونَ} قال فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان وقد قتل يوم أحد، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} إلى {الْمُحْسِنِينَ} ووقعت هذه الزيادة في حديث أنس في البخاري كما مضى في المائدة، ووقعت أيضا في حديث البراء عند الترمذي وصححه، ومن حديث ابن عباس عند أحمد "لما حرمت الخمر قال ناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها" وسنده صحيح. وعند البزار من حديث جابر أن الذي سأل عن ذلك اليهود، وفي حديث أبي هريرة الذي ذكرته في تفسير المائدة نحو الأول، وزاد في آخره: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم" قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: يستفاد تحريم الخمر من هذه الآية من تسميتها رجسا. وقد سمي به ما أجمع على تحريمه وهو لحم الخنزير ومن قوله: "من عمل الشيطان" لأن مهما كان من عمل الشيطان حرم تناوله، ومن الأمر بالاجتناب وهو للوجوب وما وجب اجتنابه حرم تناوله، ومن الفلاح المرتب على الاجتناب، ومن كون الشرب سببا للعداوة والبغضاء بين المؤمنين وتعاطي ما يوقع ذلك حرام، ومن كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن ختام الآية بقوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ؟ فإنه استفهام معناه الردع والزجر، ولهذا قال عمر لما سمعها: انتهينا انتهينا. وسبقه إلى نحو ذلك الطبري. وأخرجه الطبراني وابن مردويه وصححه الحاكم من طريق طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لما نزل تحريم الخمر مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض فقالوا: حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك" قيل: يشير إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ} الآية، فإن الأنصاب والأزلام من عمل المشركين بتزيين الشيطان، فنسب العمل إليه. قال أبو الليث السمرقندي: المعنى أنه لما نزل فيها أنها رجس من عمل الشيطان وأمر باجتنابها عادلت قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} . وذكر أبو جعفر النحاس أن بعضهم استدل لتحريم الخمر بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} وقد قال تعالى في الخمر والميسر {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} فلما أخبر أن في الخمر إثما كبيرا ثم صرح بتحريم الإثم ثبت تحريم الخمر بذلك، قال: وقول من قال إن الخمر تسمى الإثم لم نجد له أصلا في الحديث ولا في اللغة، ولا دلالة أيضا في قول الشاعر:

(10/31)


شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول
فإنه أطلق الإثم على الخمر مجازا بمعنى أنه ينشأ عنها الإثم. واللغة الفصحى تأنيث الخمر، وأثبت أبو حاتم السجستاني وابن قتيبة وغيرهما جواز التذكير، ويقال لها الخمرة أثبته فيها جماعة من أهل اللغة منهم الجوهري. وقال ابن مالك في المثلث: الخمرة هي الخمر في اللغة، وقيل: سميت الخمر لأنها تغطي العقل وتخامره أي تخالطه، أو لأنها هي تخمر أي تغطى حتى تغلي، أو لأنها تختمر أي تدرك كما يقال للعجين اختمر، أقوال سيأتي بسطها عند شرح قول عمر رضي الله عنه: "والخمر ما خامر العقل" إن شاء الله تعالى. الحديث الأول: حديث ابن عمر من طريق مالك عن نافع عنه وهو من أصح الأسانيد. قوله: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة" حرمها بضم المهملة وكسر الراء الخفيفة من الحرمان، زاد مسلم عن القعنبي عن مالك في آخره: "لم يسقها"، وله من طريق أيوب عن نافع بلفظ: " فمات وهو مدمنها لم يشربها في الآخرة" وزاد مسلم في أول الحديث مرفوعا: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" وأورد هذه الزيادة مستقلة أيضا من رواية موسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع، وسيأتي الكلام عليها في "باب الخمر من العسل" ويأتي كلام ابن بطال فيها في آخر هذا الباب. وقوله: "ثم لم يتب منها " أي من شربها، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. قال الخطابي والبغوي في "شرح السنة": معنى الحديث لا يدخل الجنة، لأن الخمر شراب أهل الجنة، فإذا حرم شربها دل على أنه لا يدخل الجنة. وقال ابن عبد البر: هذا وعيد شديد يدل على حرمان دخول الجنة، لأن الله تعالى أخبر أن في الجنة أنهار الخمر لذة للشاربين، وأنهم لا يصدعون عنها ولا ينزفون. فلو دخلها - وقد علم أن فيها خمرا أو أنه حرمها عقوبة له - لزم وقوع الهم والحزن في الجنة، ولا هم فيها ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودها في الجنة ولا أنه حرمها عقوبة له لم يكن عليه في فقدها ألم، فلهذا قال بعض من تقدم: إنه لا يدخل الجنة أصلا، قال: وهو مذهب غير مرضي، قال: ويحمل الحديث عند أهل السنة على أنه لا يدخلها ولا يشرب الخمر فيها إلا إن عفا الله عنه كما في بقية الكبائر وهو في المشيئة، فعلى هذا فمعنى الحديث: جزاؤه في الآخرة أن يحرمها لحرمانه دخول الجنة إلا إن عفا الله عنه. قال: وجائز أن يدخل الجنة بالعفو ثم لا يشرب فيها خمرا ولا تشتهيها نفسه وإن علم بوجودها فيها، ويؤيده حديث أبي سعيد مرفوعا: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" قلت: أخرجه الطيالسي وصححه ابن حبان. وقريب منه حديث عبد الله بن عمرو رفعه: "من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة" أخرجه أحمد بسند حسن، وقد لخص عياض كلام ابن عبد البر وزاد احتمالا آخر وهو أن المراد بحرمانه شربها أنه يحبس عن الجنة مدة إذا أراد الله عقوبته، ومثله الحديث الآخر "لم يرح رائحة الجنة" قال: ومن قال لا يشربها في الجنة بأن ينساها أو لا يشتهيها يقول ليس عليه في ذلك حسرة ولا يكون ترك شهوته إياها عقوبة في حقه، بل هو نقص نعيم بالنسبة إلى من هو أتم نعيما منه كما تختلف درجاتهم، ولا يلحق من هو أنقص درجة حينئذ بمن هو أعلى درجة منه استغناء بما أعطي واغتباطا له. وقال ابن العربي: ظاهر الحديثين أنه لا يشرب الخمر في الجنة ولا يلبس الحرير فيها، وذلك لأنه استعجل ما أمر بتأخيره ووعد به فحرمه عند ميقاته، كالوارث فإنه إذا قتل مورثه فإنه يحرم ميراثه لاستعجاله. وبهذا قال نفر من الصحابة ومن العلماء، وهو موضع احتمال وموقف إشكال، والله أعلم كيف يكون الحال. وفصل بعض المتأخرين بين من يشربها مستحلا

(10/32)


فهو الذي لا يشربها أصلا لأنه لا يدخل الجنة أصلا، وعدم الدخول يستلزم حرمانها، وبين من يشربها عالما بتحريمها فهو محل الخلاف، وهو الذي يحرم شربها مدة ولو في حال تعذيبه إن عذب، أو المعنى أن ذلك جزاؤه إن جوزي والله أعلم. وفي الحديث أن التوبة تكفر المعاصي الكبائر، وهو في التوبة من الكفر قطعي وفي غيره من الذنوب خلاف بين أهل السنة هل هو قطعي أو ظني. قال النووي: الأقوى أنه ظني. وقال القرطبي: من استقرأ الشريعة علم أن الله يقبل توبة الصادقين قطعا. وللتوبة الصادقة شروط سيأتي البحث فيها في كتاب الرقاق، ويمكن أن يستدل بحديث الباب على صحة التوبة من بعض الذنوب دون بعض، وسيأتي تحقيق ذلك. وفيه أن الوعيد يتناول من شرب الخمر وإن لم يحصل له السكر، لأنه رتب الوعيد في الحديث على مجرد الشرب من غير قيد، وهو مجمع عليه في الخمر المتخذ من عصير العنب وكذا فيما يسكر من غيرها، وأما ما لا يسكر من غيرها فالأمر فيه كذلك عند الجمهور كما سيأتي بيانه، ويؤخذ من قوله: "ثم لم يتب منها" أن التوبة مشروعة في جميع العمر ما لم يصل إلى الغرغرة، لما دل عليه "ثم" من التراخي، وليس المبادرة إلى التوبة شرطا في قبولها، والله أعلم. الحديث الثاني: حديث أبي هريرة. قوله: "بإيلياء" بكسر الهمز وسكون التحتانية وكسر اللام وفتح التحتانية الخفيفة مع المد: هي مدينة بيت المقدس، وهو ظاهر في أن عرض ذلك عليه صلى الله عليه وسلم وقع وهو في بيت المقدس، لكن وقع في رواية الليث التي تأتي الإشارة إليها "إلى إيلياء" وليست صريحة في ذلك، لجواز أن يريد تعيين ليلة الإيتاء لا محله، وقد تقدم بيان ذلك مع بقية شرحه في أواخر الكلام على حديث الإسراء قبل الهجرة إلى المدينة. وقوله فيه: "ولو أخذت الخمر غوت أمتك" هو محل الترجمة قال ابن عبد البر(1): يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم نفر من الخمر لأنه تفرس أنها ستحرم لأنها كانت حينئذ مباحة، ولا مانع من افتراق مباحين مشتركين في أصل الإباحة في أن أحدهما سيحرم والآخر تستمر إباحته. قلت: ويحتمل أن يكون نفر منها لكونه لم يعتد شربها فوافق بطبعه ما سيقع من تحريمها بعد، حفظا من الله تعالى له ورعاية، واختار اللبن لكونه مألوفا له، سهلا طيبا طاهرا، سائغا للشاربين، سليم العاقبة، بخلاف الخمر في جميع ذلك. والمراد بالفطرة هنا الاستقامة على الدين الحق. وفي الحديث مشروعية الحمد عند حصول ما يحمد ودفع ما يحذر. وقوله: "غوت أمتك" يحتمل أن يكون أخذه من طريق الفأل، أو تقدم عنده علم بترتب كل من الأمرين وهو أظهر. قوله: "تابعه معمر وابن الهاد وعثمان بن عمر عن الزهري" يعني بسنده. ووقع في غير رواية أبي ذر زيادة الزبيدي مع المذكورين بعد عثمان بن عمر، فأما متابعة معمر فوصلها المؤلف في قصة موسى من أحاديث الأنبياء، وأول الحديث ذكر موسى وعيسى وصفتهما، وليس فيه ذكر إيلياء، وفيه: "اشرب أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته" . وأما رواية ابن الهاد - وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي ينسب لجد أبيه - فوصلها النسائي وأبو عوانة والطبراني في "الأوسط" من طريق الليث عنه عن عبد الوهاب بن بخت عن ابن شهاب وهو الزهري، قال الطبراني: تفرد به يزيد بن الهاد عن عبد الوهاب، فعلى هذا فقد سقط ذكر عبد الوهاب من الأصل بين ابن الهاد وابن شهاب، على أن ابن الهاد قد روى عن الزهري أحاديث غير هذا بغير واسطة، منها ما تقدم في تفسير المائدة قال البخاري فيه: "وقال يزيد بن الهاد عن الزهري" فذكره، ووصله أحمد وغيره من طريق ابن الهاد عن
ـــــــ
(1) في نسخة أخرى "قال ابن المنير".

(10/33)


الزهري بغير واسطة. وأما رواية الزبيدي فوصلها النسائي وابن حبان والطبراني في "مسند الشاميين" من طريق محمد بن حرب عنه لكن ليس فيه ذكر إيلياء أيضا. وأما رواية عثمان بن عمر فوصلها "تمام الرازي في فوائده" من طريق إبراهيم بن المنذر عن عمر بن عثمان عن أبيه عن الزهري به. وأما ما ذكره المزي في "الأطراف" عن الحاكم أنه قال: أراد البخاري بقوله: "تابعه ابن الهاد وعثمان بن عمر عن الزهري" حديث ابن الهاد عن عبد الوهاب وحديث عثمان بن عمر بن فارس عن يونس كلاهما عن الزهري. قلت: وليس كما زعم الحاكم وأقره المزي في عثمان بن عمر، فإنه ظن أنه عثمان بن عمر بن فارس الراوي عن يونس بن يزيد، وليس به، وإنما هو عثمان بن عمر بن موسى بن عبد الله بن عمر التيمي، وليس لعثمان بن عمر بن فارس ولد اسمه عمر يروي عنه، وإنما هو ولد التيمي كما ذكرته من "فوائد تمام" وهو مدني، وقد ذكر عثمان الدارمي أنه سأل يحيى بن معين عن عمر بن عثمان بن عمر المدني عن أبيه عن الزهري فقال: لا أعرفه ولا أعرف أباه. قلت: وقد عرفهما غيره، وذكر الزبير بن بكار في النسب عن عثمان المذكور فقال: إنه ولي قضاء المدينة في زمن مروان بن محمد، ثم ولي القضاء للمنصور ومات معه بالعراق وذكره ابن حبان في الثقات، وأكثر الدار قطني من ذكره في "العلل" عند ذكره للأحاديث التي تختلف رواتها عن الزهري، وكثيرا ما ترجح روايته عن الزهري، والله أعلم. الحديث الثالث: حديث أنس. قوله: "هشام" هو الدستوائي. قوله: "لا يحدثكم به غيري" كأن أنسا حدث به في أواخر عمره فأطلق ذلك، أو كان يعلم أنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم إلا من كان قد مات. قوله: "وتشرب الخمر" في رواية الكشميهني: "وشرب الخمر" بالإضافة، ورواية الجماعة أولى للمشاكلة. قوله: "حتى يكون لخمسين" في رواية الكشميهني: "حتى يكون خمسون امرأة قيمهن رجل واحد" وسبق شرح الحديث مستوفى في كتاب العلم، والمراد أن من أشراط الساعة كثرة شرب الخمر كسائر ما ذكر في الحديث. الحديث الرابع: حديث أبي هريرة "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وقع في أكثر الروايات هنا "لا يزني حين يزني " بحذف الفاعل، فقدر بعض الشراح الرجل أو المؤمن أو الزاني، وقد بينت هذه الرواية تعيين الاحتمال الثالث. قوله: "ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" قال ابن بطال: هذا أشد ما ورد في شرب الخمر، وبه تعلق الخوارج فكفروا مرتكب الكبيرة عامدا عالما بالتحريم، وحمل أهل السنة الإيمان هنا على الكامل، لأن العاصي يصير أنقص حالا في الإيمان ممن لا يعصي، ويحتمل أن يكون المراد أن فاعل ذلك يئول أمره إلى ذهاب الإيمان، كما وقع في حديث عثمان الذي أوله " اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث - وفيه - وإنها لا تجتمع هي والإيمان إلا وأوشك أحدهما أن يخرج صاحبه " أخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا، وصححه ابن حبان مرفوعا. قال ابن بطال: وإنما أدخل البخاري هذه الأحاديث المشتملة على الوعيد الشديد في هذا الباب ليكون عوضا عن حديث ابن عمر "كل مسكر حرام" وإنما لم يذكره في هذا الباب لكونه روي موقوفا، كذا قال، وفيه نظر، لأن في الوعيد قدرا زائدا على مطلق التحريم، وقد ذكر البخاري ما يؤدي معنى حديث ابن عمر كما سيأتي قريبا. قوله: "قال ابن شهاب" هو موصول بالإسناد المذكور. قوله: "إن أبا بكر أخبره" هو والد عبد الملك شيخ ابن شهاب فيه. قوله: "ثم يقول كان أبو بكر" هو ابن عبد الرحمن المذكور، والمعنى أنه كان يزيد ذلك في حديث أبي هريرة، وقد مضى بيان ذلك عند ذكر شرح الحديث في كتاب المظالم، ويأتي مزيد لذلك في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى.

(10/34)


2 - باب الْخَمْرُ مِنْ الْعِنَبِ وغيرِه
5579- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "لَقَدْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ".
5580- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلاَّ قَلِيلاً وَعَامَّةُ خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ".
5581- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ حَدَّثَنَا عَامِرٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "أَمَّا بَعْدُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ".
قوله: "باب الخمر من العنب وغيره" كذا في شرح ابن بطال، ولم أر لفظ: "وغيره" في شيء من نسخ الصحيح ولا المستخرجات ولا الشروح سواه. قال ابن المنير: غرض البخاري الرد على الكوفيين إذ فرقوا بين ماء العنب وغيره فلم يحرموا من غيره إلا القدر المسكر خاصة، وزعموا أن الخمر ماء العنب خاصة، قال: لكن في استدلاله بقول ابن عمر - يعني الذي أورده في الباب: "حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء" - على أن الأنبذة التي كانت يومئذ تسمى خمرا نظر، بل هو بأن يدل على أن الخمر من العنب خاصة أجدر، لأنه قال: وما منها بالمدينة شيء - يعني الخمر - وقد كانت الأنبذة من غير العنب موجودة حينئذ بالمدينة، فدل على أن الأنبذة ليست خمرا، إلا أن يقال إن كلام ابن عمر يتنزل على جواب قول من قال لا خمر إلا من العنب، فيقال: قد حرمت الخمر وما بالمدينة من خمر العنب شيء، بل كان الموجود بها من الأشربة ما يصنع من البسر والتمر ونحو ذلك، وفهم الصحابة من تحريم الخمر تحريم ذلك كله، ولولا ذلك ما بادروا إلى إراقتها. قلت: ويحتمل أن يكون مراد البخاري بهذه الترجمة وما بعدها أن الخمر يطلق على ما يتخذ من عصير العنب، ويطلق على نبيذ البسر والتمر، ويطلق على ما يتخذ من العسل، فعقد لكل واحد منها بابا، ولم يرد حصر التسمية في العنب، بدليل ما أورده بعده. ويحتمل أن يريد بالترجمة الأولى الحقيقة وبما عداها المجاز، والأول أظهر من تصرفه. وحاصله أنه أراد بيان الأشياء التي وردت فيها الأخبار على شرطه لما يتخذ منه الخمر، فبدأ بالعنب لكونه المتفق عليه، ثم أردفه بالبسر والتمر، والحديث الذي أورده فيه عن أنس ظاهر في المراد جدا، ثم ثلث بالعسل إشارة إلى أن ذلك لا يختص بالتمر والبسر، ثم أتى بترجمة عامة لذلك وغيره وهي "الخمر ما خامر العقل" والله أعلم. وفيه إشارة إلى ضعف الحديث الذي جاء عن أبي هريرة مرفوعا: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة" أو أنه ليس المراد به الحصر فيهما، والمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتد فإنه يحرم تناول قليله وكثيره بالاتفاق. وحكى ابن قتيبة عن قوم من مجان أهل الكلام أن النهي عنها للكراهة، وهو قول مهجور لا يلتفت إلى قائله. وحكى أبو جعفر النحاس عن قوم أن الحرام ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه ليس بحرام، قال: وهذا عظيم من القول يلزم منه القول بحل كل شيء اختلف في تحريمه، ولو كان

(10/35)


مستند الخلاف واهيا. ونقل الطحاوي في "اختلاف العلماء" عن أبي حنيفة: الخمر حرام قليلها وكثيرها، والسكر من غيرها حرام وليس كتحريم الخمر، والنبيذ المطبوخ لا بأس به من أي شيء كان، وإنما يحرم منه القدر الذي يسكر. وعن أبي يوسف: لا بأس بالنقيع من كل شيء وإن غلا إلا الزبيب والتمر، قال: وكذا حكاه محمد عن أبي حنيفة. وعن محمد: ما أسكر كثيره فأحب إلي أن لا أشربه ولا أحرمه. وقال الثوري: أكره نقيع التمر ونقيع الزبيب إذا غلى، ونقيع العسل لا بأس به. قوله: "حدثني الحسن بن صباح" هو البزار آخره راء، ومحمد بن سابق من شيوخ البخاري، وقد يحدث عنه بواسطة كهذا. قوله: "حدثنا مالك هو ابن مغول" كان شيخ البخاري حدث به فقال: "حدثنا مالك" ولم ينسبه فنسبه هو لئلا يلتبس بمالك بن أنس، وقد أخرج الإسماعيلي الحديث المذكور من طريق محمد بن إسحاق الصغاني عن محمد بن سابق فقال: "عن مالك بن مغول". قوله: "وما بالمدينة منها شيء" يحتمل أن يكون ابن عمر نفى ذلك بمقتضى ما علم، أو أراد المبالغة من أجل قلتها حينئذ بالمدينة فأطلق النفي، كما يقال فلان ليس بشيء مبالغة، ويؤيده قول أنس المذكور في الباب: "وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا" ويحتمل أن يكون مراد ابن عمر وما بالمدينة منها شيء أي يعصر، وقد تقدم في تفسير المائدة من وجه آخر عن ابن عمر قال: "نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب" وحمل على ما كان يصنع بها لا على ما يجلب إليها. وأما قول عمر في ثالث أحاديث الباب: "نزل تحريم الخمر وهي من خمسة" فمعناه أنها كانت حينئذ تصنع من الخمسة المذكورة في البلاد، لا في خصوص المدينة كما سيأتي تقريره بعد بابين مع شرحه. قوله: "عن يونس" هو ابن عبيد البصري. قوله: "وعامة خمرنا البسر والتمر" أي النبيذ الذي يصير خمرا كان أكثر ما يتخذ من البسر والتمر. قال الكرماني: قوله: "البسر والتمر" مجاز عن الشراب الذي يصنع منهما، وهو عكس "إني أراني أعصر خمرا" أو فيه حذف تقديره عامة أصل خمرنا أو مادته، وسيأتي في الباب الذي بعده من وجه آخر عن أنس قال: "إن الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر" وتقرير الحذف فيه ظاهر. وأخرج النسائي وصححه الحاكم من رواية محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الزبيب والتمر هو الخمر" وسنده صحيح، وظاهره الحصر لكن المراد المبالغة، وهو بالنسبة إلى ما كان حينئذ بالمدينة موجودا كما تقرر في حديث أنس، وقيل: مراد أنس الرد على من خص اسم الخمر بما يتخذ من العنب، وقيل: مراده أن التحريم لا يختص بالخمر المتخذة من العنب بل يشركها في التحريم كل شراب مسكر، وهذا أظهر والله أعلم. قوله: "يحيى" هو ابن سعيد القطان، وأبو حيان هو يحيى بن سعيد التيمي، وعامر هو الشعبي. قوله: "قام عمر على المنبر فقال: أما بعد نزل تحريم الخمر" ساقه من هذا الوجه مختصرا، وسيأتي بعد قليل مطولا. قال ابن مالك: فيه جواز حذف الفاء في جواب "أما بعد". قلت: لا حجة فيه، لأن هذه رواية مسدد هنا، وسيأتي قريبا عن أحمد بن أبي رجاء عن يحيى القطان بلفظ: "خطب عمر على المنبر فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر" ليس فيه: "أما بعد" وأخرجه الإسماعيلي هنا من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي عن يحيى بن سعيد القطان شيخ مسدد وفيه بلفظ: "أما بعد فإن الخمر" فظهر أن حذف الفاء وإثباتها من تصرف الرواة.

(10/36)


3 - باب نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ
5582- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ

(10/36)


عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مِنْ فَضِيخِ زَهْوٍ وَتَمْرٍ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا فَأَهْرَقْتُهَا".
5583- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَساً قَالَ كُنْتُ قَائِماً عَلَى الْحَيِّ أَسْقِيهِمْ عُمُومَتِي وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ الْفَضِيخَ فَقِيلَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فَقَالُوا أَكْفِئْهَا فَكَفَأْتُهَا قُلْتُ لِأَنَسٍ مَا شَرَابُهُمْ؟ قَالَ: رُطَبٌ وَبُسْرٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ وَكَانَتْ خَمْرَهُمْ فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ".
وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ".
5584- حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ حَدَّثَنَا يُوسُفُ أَبُو مَعْشَرٍ الْبَرَّاءُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ وَالْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ
قوله: "باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر" أي تصنع أو تتخذ، وذكر فيه حديث أنس من رواية إسحاق بن أبي طلحة عنه أتم سياقا من رواية ثابت عنه المتقدمة في الباب قبله. قوله: "كنت أسقي أبا عبيدة" هو ابن الجراح، "وأبا طلحة" هو زيد بن سهل زوج أم سليم أم أنس، "وأبي بن كعب"، كذا اقتصر في هذه الرواية على هؤلاء الثلاثة، فأما أبو طلحة فلكون القصة كانت في منزله كما مضى في التفسير من طريق ثابت عن أنس "كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة" وأما أبو عبيدة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين أبي طلحة كما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أنس، وأما أبي بن كعب فكان كبير الأنصار وعالمهم. ووقع في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس في تفسير المائدة "إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا" كذا وقع بالإبهام، وسمى في رواية مسلم منهم أبا أيوب، وسيأتي بعد أبواب من رواية هشام عن قتادة عن أنس "إني كنت لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل ابن بيضاء" وأبو دجانة بضم الدال المهملة وتخفيف الجيم وبعد الألف نون اسمه سماك بن خرشة بمعجمتين بينهما راء مفتوحات، ولمسلم من طريق سعيد عن قتادة نحوه وسمى فيهم معاذ بن جبل، ولأحمد عن يحيى القطان عن حميد عن أنس "كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب وسهيل ابن بيضاء ونفرا من الصحابة عند أبي طلحة" ووقع عند عبد الرزاق عن معمر بن ثابت وقتادة وغيرهما عن أنس أن القوم كانوا أحد عشر رجلا، وقد حصل من الطرق التي أوردتها تسمية سبعة منهم، وأبهمهم في رواية سليمان التيمي عن أنس وهي في هذا الباب ولفظه: "كنت قائما على الحي أسقيهم عمومتي" وقوله عمومتي في موضع خفض على البدل من قوله: "الحي" وأطلق عليهم عمومته لأنهم كانوا أسن منه ولأن أكثرهم من الأنصار. ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه في تفسيره من طريق عيسى بن طهمان عن أنس أن أبا بكر وعمر كانا فيهم، وهو منكر مع نظافة سنده، وما أظنه إلا غلطا. وقد أخرج أبو نعيم في "الحلية" في ترجمة شعبة من حديث عائشة قالت: "حرم أبو بكر الخمر على نفسه فلم يشربها في جاهلية ولا إسلام" ويحتمل إن كان محفوظا أن يكون أبو بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم ولم يشربا معهم. ثم وجدت عند البزار من وجه آخر عن أنس قال: "كنت ساقي القوم، وكان في القوم رجل يقال له

(10/37)


أبو بكر، فلما شرب قال: "تحيى بالسلامة أم بكر" الأبيات، فدخل علينا رجل من المسلمين فقال: قد نزل تحريم الخمر" الحديث. وأبو بكر هذا يقال له ابن شغوب، فظن بعضهم أنه أبو بكر الصديق، وليس كذلك، لكن قرينة ذكر عمر تدل على عدم الغلط في وصف الصديق، فحصلنا تسمية عشرة، وقد قدمت في غزوة بدر من المغازي ترجمة أبي بكر بن شغوب المذكور. وفي "كتاب مكة، للفاكهي" من طريق مرسل ما يشيد ذلك. قوله: "من فضيخ زهو وتمر" أما الفضيخ فهو بفاء وضاد معجمتين وزن عظيم: اسم للبسر إذا شدخ ونبذ، وأما الزهو فبفتح الزاي وسكون الهاء بعدها واو: وهو البسر الذي يحمر أو يصفر قبل أن يترطب. وقد يطلق الفضيخ على خليط البسر والرطب، كما يطلق على خليط البسر والتمر، وكما يطلق على البسر وحده وعلى التمر وحده كما في الرواية التي آخر الباب. وعند أحمد من طريق قتادة عن أنس "وما خمرهم يومئذ إلا البسر والتمر مخلوطين" ووقع عند مسلم من طريق قتادة عن أنس "أسقيهم من مزادة فيها خليط بسر وتمر". قوله: "فجاءهم آت" لم أقف على اسمه، ووقع في رواية حميد عن أنس عند أحمد بعد قوله: "أسقيهم": "حتى كاد الشراب يأخذ فيهم" ولابن مردويه "حتى أسرعت فيهم" ولابن أبي عاصم "حتى مالت رءوسهم، فدخل داخل" ومضى في المظالم من طريق ثابت عن أنس "فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى" ولمسلم من هذا الوجه "فإذا مناد ينادي أن الخمر قد حرمت" وله من رواية سعيد عن قتادة عن أنس نحوه وزاد: "فقال أبو طلحة: أخرج فانظر ما هذا الصوت" ومضى في التفسير من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس بلفظ: "إذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: قد حرمت الخمر" وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو المنادي، ويحتمل أن يكون غيره سمع المنادي فدخل إليهم فأخبرهم. وقد أخرج ابن مردويه من طريق بكر بن عبد الله عن أنس قال: "لما حرمت الخمر وحلف على أناس من أصحابي وهي بين أيديهم، فضربتها برجلي وقلت: نزل تحريم الخمر" فيحتمل أن يكون أنس خرج فاستخبر الرجل، لكن أخرجه من وجه آخر أن الرجل قام على الباب فذكر لهم تحريمها، ومن وجه آخر "أتانا فلان من عند نبينا فقال: قد حرمت الخمر، قلنا: ما تقول؟ فقال: سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم الساعة، ومن عنده أتيتكم". قوله: "فقال أبو طلحة: قم يا أنس، فهرقها" بفتح الهاء وكسر الراء وسكون القاف، والأصل أرقها، فأبدلت الهمزة هاء، وكذا قوله: "فهرقتها" وقد تستعمل هذه الكلمة بالهمزة والهاء معا وهو نادر، وقد تقدم بسطه في الطهارة. ووقع في رواية ثابت عن أنس في التفسير بلفظ: "فأرقها"، ومن رواية عبد العزيز بن صهيب "فقالوا أرق هذه القلال يا أنس" وهو محمول على أن المخاطب له بذلك أبو طلحة، ورضي الباقون بذلك فنسب الأمر بالإراقة إليهم جميعا. ووقع في الرواية الثانية في الباب: "أكفئها" بكسر الفاء مهموز بمعنى أرقها، وأصل الإكفاء الإمالة. ووقع في "باب إجازة خبر الواحد" من رواية أخرى عن مالك في هذا الحديث: "قم إلى هذه الجرار فاكسرها، قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت" وهذا لا ينافي الروايات الأخرى بل يجمع بأنه أراقها وكسر أوانيها، أو أراق بعضا وكسر بعضا. وقد ذكر ابن عبد البر أن إسحاق بن أبي طلحة تفرد عن أنس بذكر الكسر، وأن ثابتا وعبد العزيز بن صهيب وحميدا وعد جماعة من الثقات رووا الحديث بتمامه عن أنس منهم من طوله ومنهم من اختصره، فلم يذكروا إلا إراقتها. والمهراس بكسر الميم وسكون الهاء وآخره مهملة إناء يتخذ من صخر وينقر وقد يكون كبيرا كالحوض وقد يكون صغيرا بحيث يتأتى الكسر به، وكأنه لم يحضره ما

(10/38)


يكسر به غيره، أو كسر بآلة المهراس التي يدق بها فيه كالهاون فأطلق اسمه عليها مجازا. ووقع في رواية حميد عن أنس عند أحمد " فوالله ما قالوا حتى ننظر ونسأل " وفي رواية عبد العزيز بن صهيب في التفسير "فوالله ما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل" ووقع في المظالم "فجرت في سكك المدينة" أي طرقها، وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى جرت في الأزقة من كثرتها. قال القرطبي تمسك بهذه الزيادة بعض من قال إن الخمر المتخذة من غير العنب ليست نجسة لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن التخلي في الطرق، فلو كانت نجسة ما أقرهم على إراقتها في الطرقات حتى تجري. والجواب أن القصد بالإراقة كان لإشاعة تحريمها، فإذا اشتهر ذلك كان أبلغ فتحتمل أخف المفسدتين لحصول المصلحة العظيمة الحاصلة من الاشتهار، ويحتمل أنها إنما أريقت في الطرق المنحدرة بحيث تنصب إلى الأسربة والحشوش أو الأودية فتستهلك فيها، ويؤيده ما أخرجه ابن مردويه من حديث جابر بسند جيد في قصة صب الخمر قال: "فانصبت حتى استنقعت في بطن الوادي". والتمسك بعموم الأمر باجتنابها كاف في القول بنجاستها. قوله: "قلت لأنس" القائل هو سليمان التيمي والد معتمر، وقوله: "فقال أبو بكر بن أنس: وكانت خمرهم" زاد مسلم من هذا الوجه "يومئذ" وقوله: "فلم ينكر أنس" زاد مسلم: "ذلك" والمعنى أن أبا بكر بن أنس كان حاضرا عند أنس لما حدثهم فكأن أنسا حينئذ لم يحدثهم بهذه الزيادة إما نسيانا وإما اختصارا، فذكره بها ابنه أبو بكر فأقره عليها، وقد ثبت تحديث أنس بها كما سأذكره. قوله: "وحدثني بعض أصحابي" القائل هو سليمان التيمي أيضا، وهو موصول بالسند المذكور، وقد أفرد مسلم هذه الطريق عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: "حدثني بعض من كان معي أنه سمع أنسا يقول: "كان خمرهم يومئذ" فيحتمل أن يكون أنس حدث بها حينئذ فلم يسمعه سليمان، أو حدث بها في مجلس آخر فحفظها عنه الرجل الذي حدث بها سليمان، وهذا المبهم يحتمل أن يكون هو بكر بن عبد الله المزني، فإن روايته في آخر الباب تومئ إلى ذلك. ويحتمل أن يكون قتادة، فسيأتي بعد أبواب من طريقه عن أنس بلفظ: "وإنا نعدها يومئذ الخمر" وهو من أقوى الحجج على أن الخمر اسم جنس لكل ما يسكر، سواء كان من العنب أو من نقيع الزبيب أو التمر أو العسل أو غيرها. وأما دعوى بعضهم أن الخمر حقيقة في ماء العنب، مجاز في غيره، فإن سلم في اللغة لزم من قال به جواز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والكوفيون لا يقولون بذلك انتهى. وأما من حيث الشرع فالخمر حقيقة في الجميع، لثبوت حديث: "كل مسكر خمر" فمن زعم أنه جمع بين الحقيقة والمجاز في هذا اللفظ لزمه أن يجيزه، وهذا ما لا انفكاك لهم عنه. قوله: "حدثني يوسف" هو ابن يزيد، وهو أبو معشر البراء بالتشديد، وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه، ويقال له أيضا القطان وشهرته بالبراء أكثر، وكان يبري السهام؛ وهو بصرى، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر سيأتي في الطب وكلاهما في المتابعات، وقد لينه ابن معين وأبو داود، ووثقه المقدمي، وسعيد بن عبيد الله بالتصغير اسم جده جبير بالجيم والموحدة مصغرا ابن حية بالمهملة وتشديد التحتانية وثقه أحمد وابن معين. وقال الحاكم عن الدار قطني: ليس بالقوي، وما له أيضا في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر تقدم في الجزية. قوله: "أن الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر" هكذا رواه أبو معشر مختصرا، وأخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن سعيد بن عبيد الله بهذا السند مطولا ولفظه عن أنس "نزل تحريم الخمر، فدخلت على أناس من أصحابي وهي بين أيديهم فضربتها برجلي فقلت: انطلقوا فقد نزل تحريم الخمر، وشرابهم

(10/39)


يومئذ البسر والتمر" وهذا الفعل من أنس كأنه بعد أن خرج فسمع النداء بتحريم الخمر، فرجع فأخبرهم. ووقع عند ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أنس "فأراقوا الشراب وتوضأ بعض واغتسل بعض، وأصابوا من طيب أم سليم وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقرأ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية. واستدل بهذا الحديث على أن شرب الخمر كان مباحا لا إلى نهاية، ثم حرمت. وقيل: كان المباح الشرب لا السكر المزيل للعقل، وحكاه أبو نصر بن القشيري في تفسيره عن القفال، ونازعه فيه. وبالغ النووي في "شرح مسلم" فقال: ما يقوله بعض من لا تحصيل عنده أن السكر لم يزل محرما باطل لا أصل له، وقد قال الله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فإن مقتضاه وجود السكر حتى يصل إلى الحد المذكور، ونهوا عن الصلاة في تلك الحالة لا في غيرها، فدل على أن ذلك كان واقعا. ويؤيده قصة حمزة والشارفين كما تقدم تقريره في مكانه. وعلى هذا فهل كانت مباحة بالأصل أو بالشرع ثم نسخت؟ فيه قولان للعلماء، والراجح الأول، واستدل به على أن المتخذ من غير العنب يسمى خمرا، وسيأتي البحث في ذلك قريبا في "باب ما جاء أن الخمر ما خامر العقل" وعلى أن السكر المتخذ من غير العنب يحرم شرب قليله كما يحرم شرب القليل من المتخذ من العنب إذا أسكر كثيره، لأن الصحابة فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم ما يتخذ للسكر من جميع الأنواع، ولم يستفصلوا. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين. وخالف في ذلك الحنفية ومن قال بقولهم من الكوفيين فقالوا: يحرم المتخذ من العنب قليلا كان أو كثيرا إلا إذا طبخ على تفصيل سيأتي بيانه في باب مفرد، فإنه يحل. وقد انعقد الإجماع على أن القليل من الخمر المتخذ من العنب يحرم قليله وكثيره، وعلى أن العلة في تحريم قليله كونه يدعو إلى تناول كثيره، فيلزم ذلك من فرق في الحكم بين المتخذ من العنب وبين المتخذ من غيرها فقال في المتخذ من العنب: يحرم القليل منه والكثير إلا إذا طبخ كما سيأتي بيانه، وفي المتخذ من غيرها لا يحرم منه إلا القدر الذي يسكر وما دونه لا يحرم، ففرقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم مع اتحاد العلة فيهما، فإن كل قدر في المتخذ من العنب يقدر في المتخذ من غيرها، قال القرطبي: وهذا من أرفع أنواع القياس لمساواة الفرع فيه للأصل في جميع أوصافه، مع موافقته فيه لظواهر النصوص الصحيحة، والله أعلم. قال الشافعي: قال لي بعض الناس الخمر حرام، والسكر من كل شراب حرام، ولا يحرم المسكر منه حتى يسكر، ولا يحد شاربها. فقلت: كيف خالفت ما جاء به عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن عمر ثم عن علي ولم يقل أحد من الصحابة خلافه؟ قال: وروينا عن عمر، قلت: في سنده مجهول عنده فلا حجة فيه. قال البيهقي: أشار إلى رواية سعيد بن ذي لعوة أنه شرب من سطيحة لعمر فكسر فجلده عمر، قال: إنما شربت من سطيحتك. قال: أضربك على السكر. وسعيد قال البخاري وغيره: لا يعرف. قال: وقال بعضهم سعيد بن ذي حدان، وهو غلط. ثم ذكر البيهقي الأحاديث التي جاءت في كسر النبيذ بالماء، منها حديث همام بن الحارث عن عمر "أنه كان في سفر، فأتي بنبيذ فشرب منه فقطب، ثم قال: إن نبيذ الطائفة له عرام - بضم المهملة وتخفيف الراء - ثم دعا بماء فصبه عليه ثم شرب" وسنده قوي، وهو أصح شيء ورد في ذلك، وليس نصا في أنه بلغ حد الإسكار، فلو كان بلغ حد الإسكار لم يكن صب الماء عليه مزيلا لتحريمه، وقد اعترف الطحاوي بذلك فقال: لو كان بلغ التحريم لكان لا يخل، ولو ذهبت شدته بصب الماء، فثبت أنه قبل أن يصب عليه الماء كان غير حرام. قلت: وإذا لم يبلغ حد الإسكار فلا خلاف في إباحة شرب قليله وكثيره،

(10/40)


فدل على أن تقطيبه لأمر غير الإسكار. قال البيهقي: حمل هذه الأشربة على أنهم خشوا أن تتغير فتشتد، فجوزوا صب الماء فيها ليمتنع الاشتداد، أولى من حملها على أنها كانت بلغت حد الإسكار، فكان صب الماء عليها لذلك. لأن مزجها بالماء لا يمنع إسكارها إذا كانت قد بلغت حد الإسكار. ويحتمل أن يكون سبب صب الماء كون ذلك الشراب كان حمض، ولهذا قطب عمر لما شربه، فقد قال نافع: والله ما قطب عمر وجهه لأجل الإسكار حين ذاقه، ولكنه كان تخلل. وعن عتبة بن فرقد قال: كان النبيذ الذي شربه عمر قد تخلل، قلت: وهذا الثاني أخرجه النسائي بسند صحيح، وروى الأثرم عن الأوزاعي وعن العمري أن عمر إنما كسره بالماء لشدة حلاوته. قلت: ويمكن الحمل على حالتين: هذه لما لم يقطب حين ذاقه وأما عندما قطب فكان لحموضته. واحتج الطحاوي لمذهبهم أيضا بما أخرجه من طريق النخعي عن علقمة عن ابن مسعود في قوله: "كل مسكر حرام" قال: هي الشربة التي تسكر. وتعقب بأنه ضعيف لأنه تفرد به حجاج بن أرطاة عن حماد بن أبي سليمان عن النخعي وحجاج هو ضعيف ومدلس أيضا. قال البيهقي: ذكر هذا لعبد الله بن المبارك فقال: هذا باطل. وروى بسند له صحيح عن النخعي قال: إذا سكر من شراب لم يحل له أن يعود فيه أبدا. قلت: وهذا أيضا عند النسائي بسند صحيح ثم روى النسائي عن ابن المبارك قال: ما وجدت الرخصة فيه من وجه صحيح إلا عن النخعي من قوله. وأخرج النسائي والأثرم من طريق خالد بن سعد عن أبي مسعود قال: عطش النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف فأتي بنبيذ من السقاية فقطب، فقيل: أحرام هو؟ قال لا: علي بذنوب من ماء زمزم، فصب عليه وشرب" قال الأثرم: احتج به الكوفيون لمذهبهم، ولا حجة فيه، لأنهم متفقون على أن النبيذ إذا اشتد بغير طبخ لا يحل شربه، فإن زعموا أن الذي شربه النبي صلى الله عليه وسلم كان من هذا القبيل فقد نسبوا إليه أنه شرب المسكر، ومعاذ الله من ذلك. وإن زعموا أنه قطب من حموضته لم يكن لهم فيه حجة، لأن النقيع ما لم يشتد فكثيره وقليله حلال بالاتفاق. قلت: وقد ضعف حديث أبي مسعود المذكور النسائي وأحمد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم، لتفرد يحيى بن يمان برفعه وهو ضعيف. ثم روى النسائي عن ابن المبارك قال: ما وجدت الرخصة فيه من وجه صحيح إلا عن النخعي من قوله.

(10/41)


4 - باب الْخَمْرُ مِنْ الْعَسَلِ وَهُوَ الْبِتْعُ
وَقَالَ مَعْنٌ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ الْفُقَّاعِ. فَقَالَ: إِذَا لَمْ يُسْكِرْ فَلاَ بَأْسَ. وَقَالَ ابْنُ الدَّرَاوَرْدِيِّ: سَأَلْنَا عَنْهُ، فَقَالُوا: لاَ يُسْكِرُ، لاَ بَأْسَ بِهِ.
5585- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: "سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" .
5586- حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها قالت: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع؟ وهو نبيذ العسل. وكان أهل اليمن يشربونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شراب أسكر فهو حرام" .
5587- وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: "حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لاَ تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَلاَ فِي الْمُزَفَّتِ" . وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهَا الْحَنْتَمَ وَالنَّقِيرَ".

(10/41)


قوله: "باب الخمر من العسل" وهو البتع بكسر الموحدة وسكون الشاة وقد تفتح وهي لغة يمانية. قوله: "وقال معن" ابن عيسى "سألت مالك بن أنس عن الفقاع" بضم الفاء وتشديد القاف معروف قد يصنع من العسل وأكثر ما يصنع من الزبيب وحكمه حكم سائر الأنبذة ما دام طريا يجوز شربه ما لم يشتد. قوله: "فقال: إذا لم يسكر فلا بأس به" أي وإذا أسكر حرم كثيره وقليله. قوله: "وقال ابن الدراوردي" هو عبد العزيز بن محمد، وهذا من رواية معن بن عيسى عنه أيضا. قوله: "فقالوا: لا يسكر لا بأس به" لم أعرف الذين سألهم الدراوردي عن ذلك لكن الظاهر أنهم فقهاء أهل المدينة في زمانه وهو قد شارك مالكا في لقاء أكثر مشايخه المدنيين. والحكم في الفقاع ما أجابوه به لأنه لا يسمى فقاعا إلا إذا لم يشتد. وهذا الأثر ذكره معن بن عيسى القزاز في الموطأ رواية عن مالك وقد وقع لنا بالإجازة وغفل بعض الشراح فقال أن معن بن عيسى من شيوخ البخاري فيكون له حكم الاتصال كذا قال والبخاري لم يلق معن بن عيسى لأنه مات بالمدينة والبخاري حينئذ ببخارى وعمره حينئذ أربع سنين وكأن البخاري أراد بذكر هذا الأثر في الترجمة أن المراد بتحريم قليل ما أسكر كثيره أن يكون الكثير في تلك الحالة مسكرا فلو كان الكثير في تلك الحالة لا يسكر لم يحرم قليله ولا كثيرة كما لو عصر العنب وشربه في الحال وسيأتي مزيد في بيان ذلك في "باب البازق" إن شاء الله تعالى. قوله: "سئل عن البتع" زاد شعيب عن الزهري وهو ثاني أحاديث الباب: "وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه" ومثله لأبي داود من طريق الزبيدي عن الزهري، وظاهره أن التفسير من كلام عائشة، ويحتمل أن يكون من كلام من دونها، ووقع في رواية معمر عن الزهري عند أحمد مثل رواية مالك، لكن قال في آخره: "والبتع نبيذ العسل" وهو أظهر في احتمال الإدراج. لأنه أكثر ما يقع في آخر الحديث. وقد أخرجه مسلم من طريق معمر لكن لم يسق لفظه، ولم أقف على اسم السائل في حديث عائشة صريحا، لكنني أظنه أبا موسى الأشعري، فقد تقدم في المغازي من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه "عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال: ما هي؟ قال: البتع والمزر، فقال: كل مسكر حرام. قلت لأبي بردة: ما البتع؟ قال: نبيذ العسل" وهو عند مسلم من وجه آخر عن سعيد بن أبي بردة بلفظ: "فقلت يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر من الشعير والذرة ينبذ حتى يشتد، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم وخواتمه، فقال: أنهى عن كل مسكر" وفي رواية أبي داود التصريح بأن تفسير البتع مرفوع ولفظه: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب من العسل، فقال: ذاك البتع، قلت: ومن الشعير والذرة، قال: ذاك المزر. ثم قال: أخبر قومك أن كل مسكر حرام" وقد سأل أبو وهب الجيشاني عن شيء ما سأله أبو موسى، فعند الشافعي وأبي داود من حديثه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المزر فأجاب بقوله: "كل مسكر حرام" وهذه الرواية تفسير المراد بقوله في حديث الباب: "كل شراب أسكر" وأنه لم يرد تخصيص التحريم بحالة الإسكار، بل المراد أنه إذا كانت فيه صلاحية الإسكار حرم تناوله ولو لم يسكر المتناول بالقدر الذي تناوله منه. ويؤخذ من لفظ السؤال أنه وقع عن حكم جنس البتع لا عن القدر المسكر منه، لأنه لو أراد السائل ذلك لقال: أخبرني عما يحل منه وما يحرم، وهذا هو المعهود من لسان العرب إذا سألوا عن الجنس قالوا: هل هذا نافع أو ضار؟ مثلا. وإذا سألوا عن القدر قالوا: كم يؤخذ منه؟ وفي الحديث أن المفتي يجيب السائل بزيادة عما سأل عنه إذا كان ذلك مما

(10/42)


يحتاج إليه السائل. وفيه تحريم كل مسكر سواء كان متخذا من عصير العنب أو من غيره، قال المازري: أجمعوا على أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال، وعلى أنه إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد حرم قليله وكثيره، ثم لو حصل له تخلل بنفسه حل بالإجماع أيضا، فوقع النظر في تبدل هذه الأحكام عند هذه المتخذات فأشعر ذلك بارتباط بعضها ببعض، ودل على أن علة التحريم الإسكار فاقتضى ذلك أن كل شراب وجد فيه الإسكار حرم تناول قليله وكثيره انتهى. وما ذكره استنباطا ثبت التصريح به في بعض طرق الخبر، فعند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث جابر قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أسكر كثيره فقليله حرام" وللنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله، وسنده إلى عمرو صحيح. ولأبي داود من حديث عائشة مرفوعا "كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" ولابن حبان والطحاوي من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره" وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث، لكن قال: اختلفوا في تأويل الحديث، فقال بعضهم: أراد به جنس ما يسكر. وقال بعضهم أراد به ما يقع السكر عنده، ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلا حتى يقتل، قال: ويدل له حديث ابن عباس رفعه: "حرمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب" . قلت: وهو حديث أخرجه النسائي ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في وصله وانقطاعه وفي رفعه ووقفه، وعلى تقدير صحته فقد رجح الإمام أحمد وغيره أن الرواية فيه بلفظ: "والمسكر" بضم الميم وسكون السين لا "السكر" بضم ثم سكون أو بفتحتين، وعلى تقدير ثبوتها فهو حديث فرد ولفظه محتمل، فكيف يعارض عموم تلك الأحاديث مع صحتها وكثرتها؟ وجاء أيضا عن علي عند الدار قطني وعن ابن عمر عند ابن إسحاق والطبراني وعن خوات بن جبير عند الدار قطني والحاكم والطبراني وعن زيد بن ثابت عند الطبراني وفي أسانيدها مقال، لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوة وشهرة. قال أبو المظفر بن السمعاني - وكان حنفيا فتحول شافعيا -: ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر، ثم ساق كثيرا منها ثم قال: والأخبار في ذلك كثيرة ولا مساغ لأحد في العدول عنها والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع. قال: وقد زل الكوفيون في هذا الباب ورووا أخبارا معلولة لا تعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب مسكرا فقد دخل في أمر عظيم وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه كان حلوا ولم يكن مسكرا. وقد روى ثمامة بن حزن القشيري أنه "سأل عائشة عن النبيذ فدعت جارية حبشية فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاء من الليل وأوكؤه وأعلقه فإذا أصبح شرب منه" أخرجه مسلم. وروى الحسن البصري عن أمه عن عائشة نحوه ثم قال: فقياس النبيذ على الخمر بعلة الإسكار والاضطراب من أجل الأقيسة وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النبيذ، ومن ذلك أن علة الإسكار في الخمر لكون قليله يدعو إلى كثيره موجودة في النبيذ، لأن السكر مطلوب على العموم، والنبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام الخمر لأن حصول الفرح والطرب موجود في كل منهما، وإن كان في النبيذ غلظ وكدرة وفي الخمر رقة وصفاء لكن الطبع يحتمل ذلك في النبيذ لحصول السكر كما تحتمل المرارة في الخمر لطلب السكر، قال: وعلى الجملة فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر قل أو كثر مغنية عن القياس والله أعلم. وقد قال عبد الله بن المبارك: لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء ولا عن التابعين، إلا عن إبراهيم النخعي، قال: وقد ثبت حديث عائشة "كل شراب أسكر فهو حرام" وأما ما أخرج

(10/43)


ابن أبي شيبة من طريق أبي وائل: كنا ندخل على ابن مسعود فيسقينا نبيذا شديدا، ومن طريق علقمة: أكلت مع ابن مسعود فأتينا بنبيذ شديد نبذته سيرين فشربوا منه، فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: لو حمل على ظاهره لم يكن معارضا للأحاديث الثابتة في تحريم كل مسكر. ثانيها: أنه ثبت عن ابن مسعود تحريم المسكر قليله وكثيره، فإذا اختلف القليل عنه كان الموافق لقول إخوانه من الصحابة مع موافقة الحديث المرفوع أولى. ثالثها: يحتمل أن يكون المراد بالشدة شدة الحلاوة أو شدة الحموضة فلا يكون فيه حجة أصلا. وأسند أبو جعفر النحاس عن يحيى بن معين أن حديث عائشة "كل شراب أسكر فهو حرام" أصح شيء في الباب، وفي هذا تعقب على من نقل عن ابن معين أنه قال: لا أصل له. وقد ذكر الزيلعي في "تخريج أحاديث الهداية" وهو من أكثرهم إطلاعا أنه لم يثبت في شيء من كتب الحديث نفل هذا عن ابن معين اهـ. وكيف يتأتى القول بتضعيفه مع وجود مخارجه الصحيحة ثم مع كثرة طرقه، حتى قال الإمام أحمد: إنها جاءت عن عشرين صحابيا، فأورد كثيرا منها في "كتاب الأشربة" المفرد، فمنها ما تقدم ومنها حديث ابن عمر المتقدم ذكره أول الباب، وحديث عمر بلفظ: "كل مسكر حرام" عند أبي يعلى وفيه الإفريقي، وحديث علي بلفظ: "اجتنبوا ما أسكر" عند أحمد وهو حسن، وحديث ابن مسعود عند ابن ماجه من طريق لين بلفظ عمر، وأخرجه أحمد من وجه آخر لين أيضا بلفظ علي، وحديث أنس أخرجه أحمد بسند صحيح بلفظ: "ما أسكر فهو حرام " وحديث أبي سعيد أخرجه البزار بسند صحيح بلفظ عمر، وحديث الأشج العصري أخرجه أبو يعلى كذلك بسند جيد وصححه ابن حبان، وحديث ديلم الحميري أخرجه أبو داود بسند حسن في حديث فيه: "قال هل يسكر؟ قال: نعم، قال: فاجتنبوه" وحديث ميمونة أخرجه أحمد بسند حسن بلفظ: "وكل شراب أسكر فهو حرام" وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود من طريق جيد بلفظ عمر، والبزار من طريق لين بلفظ: " واجتنبوا كل مسكر " وحديث قيس بن سعد أخرجه الطبراني بلفظ حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد من وجه آخر بلفظ حديث عمر، وحديث النعمان بن بشير أخرجه أبو داود بسند حسن بلفظ: "وإني أنهاكم عن كل مسكر" وحديث معاوية أخرجه ابن ماجه بسند حسن بلفظ عمر، وحديث وائل بن حجر أخرجه ابن أبي عاصم، وحديث قرة بن إياس المزني أخرجه البزار بلفظ عمر بسند لين، وحديث عبد الله بن مغفل أخرجه أحمد بلفظ: "اجتنبوا المسكر " وحديث أم سلمة أخرجه أبو داود بسند حسن بلفظ: "نهي عن كل مسكر ومفتر " وحديث بريدة أخرجه مسلم في أثناء حديث ولفظه مثل لفظ عمر، وحديث أبي هريرة أخرجه النسائي بسند حسن كذلك، ذكر أحاديث هؤلاء الترمذي في الباب، وفيه أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند النسائي بلفظ عمر، وعن زيد بن الخطاب أخرجه الطبراني بلفظ علي "اجتنبوا كل مسكر" وعن الرسيم أخرجه أحمد بلفظ: "اشربوا فيما شئتم ولا تشربوا مسكرا" وعن أبي بردة بن نيار أخرجه ابن أبي شيبة بنحو هذا اللفظ، وعن طلق بن علي رواه ابن أبي شيبة بلفظ: "يا أيها السائل عن المسكر لا تشربه ولا تسقه أحدا من المسلمين" وعن صحار العبدي أخرجه الطبراني بنحو هذا، وعن أم حبيبة عند أحمد في "كتاب الأشربة" وعن الضحاك بن النعمان عند ابن أبي عاصم في الأشربة وكذا عنده عن خوات بن جبير، فإذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث ابن عمر وأبي موسى وعائشة زادت عن ثلاثين صحابيا، وأكثر الأحاديث عنهم جياد ومضمونها أن المسكر لا يحل تناوله بل يجب اجتنابه والله أعلم. وقد رد أنس الاحتمال الذي جنح إليه الطحاوي فقال أحمد: "حدثنا عبد الله بن إدريس سمعت

(10/44)


المختار بن فلفل يقول: سألت أنسا فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزفت وقال: كل مسكر حرام. قال فقلت له: صدقت المسكر حرام، فالشربة والشربتان على الطعام؟ فقال: ما أسكر كثيره فقليله حرام" وهذا سند صحيح على شرط مسلم والصحابي أعرف بالمراد ممن تأخر بعده، ولهذا قال عبد الله بن المبارك ما قال، واستدل بمطلق قوله: "كل مسكر حرام " على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابا، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها، وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مخدرة، وهو مكابرة لأنها تحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من الطرب والنشأة والمداومة عليها والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة فقد ثبت في أبي داود النهي عن كل مسكر ومفتر وهو بالفاء، والله أعلم. قوله: "وعن الزهري" هو من رواية شعيب أيضا عن الزهري، وهو موصول بالإسناد المذكور. وقد أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" وأفرده عن أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان شيخ البخاري به، وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن الطبراني. قوله: "وكان أبو هريرة يلحق معهما الحنتم والنقير" القائل هذا هو الزهري، وقع ذلك عند شعيب عنه مرسلا، وأخرجه مسلم والنسائي من طريق ابن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "لا تنبذوا في الدباء ولا في المزفت" ثم يقول أبو هريرة "واجتنبوا الحناتم" ورفعه كله من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: "نهي عن المزفت والحنتم والنقير" ومثله لابن سعد من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة وزاد فيه: "والدباء" وقد تقدم ضبط هذه الأشياء في شرح حديث وفد عبد القيس في أوائل الصحيح من كتاب الإيمان. وأخرج مسلم من طريق زاذان قال: "سألت ابن عمر عن الأوعية فقلت: أخبرناه بلغتكم وفسره لنا بلغتنا، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحنتمة وهي الجرة، وعن الدباء وهي القرعة، وعن النقير وهي أصل النخلة تنقر نقرا، وعن المزفت وهو المقير". وأخرج أبو داود الطيالسي وابن أبي عاصم والطبراني من حديث أبي بكر قال: "نهينا عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت، فأما الدباء فإنا معشر ثقيف بالطائف كنا نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها ثم نتركها حتى تهدر ثم تموت، وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة فيشدخون فيه الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت، وأما الحنتم فجرار جاءت تحمل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت فهي هذه الأوعية التي فيها هذا الزفت". وسيأتي بيان نسخ النهي عن الأوعية بعد ثلاثة أبواب إن شاء الله تعالى. "تنبيه": قال المهلب: وجه إدخال حديث أنس في النهي في الانتباذ في الأوعية المذكورة في ترجمة الخمر من العسل أن العسل لا يكون مسكرا إلا بعد الانتباذ، والعسل قبل الانتباذ مباح، فأشار إلى اجتناب بعض ما ينتبذ فيه لكونه يسرع إليه الإسكار.

(10/45)


5 - باب مَا جَاءَ فِي أَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ مِنْ الشَّرَابِ
5588- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ وَثَلاَثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْداً الْجَدُّ وَالْكَلاَلَةُ وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا عَمْرٍو فَشَيْءٌ يُصْنَعُ

(10/45)


بِالسِّنْدِ مِنْ الأُرْزِ قَالَ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ".
وَقَالَ حَجَّاجٌ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي حَيَّانَ: مَكَانَ "الْعِنَبِ": "الزَّبِيبَ".
5589- حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي عن بن عمر عن عمر قال: "الخمر يصنع من خمسة: من الزبيب والتمر والحنطة والشعير والعسل".
قوله: "باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب" كذا قيده بالشراب، وهو متفق عليه، ولا يرد عليه أن غير الشراب ما يسكر لأن الكلام إنما هو في أنه هل يسمى خمرا أم لا. قوله: "حدثني أحمد بن أبي رجاء" هو أبو الوليد الهروي واسم أبيه عبد الله بن أيوب، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وأبو حيان هو يحيى بن سعيد التيمي. قوله: "عن الشعبي" في رواية ابن علية عن أبي حيان "حدثنا الشعبي" أخرجه النسائي. قوله: "خطب عمر" في رواية ابن إدريس عن أبي حيان بسنده "سمعت عمر يخطب" وقد تقدمت في التفسير وزاد فيه: "أيها الناس". قوله: "فقال إنه قد نزل" زاد مسدد فيه عن القطان فيه: "أما بعد" وقد تقدمت في أول الأشربة، وعند البيهقي من وجه آخر عن مسدد "فحمد الله وأثنى عليه". قوله: "نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة" الجملة حالية أي نزل تحريم الخمر في حال كونها تصنع من خمسة، ويجوز أن تكون استئنافية أو معطوفة على ما قبلها، والمراد أن الخمر تصنع من هذه الأشياء لا أن ذلك يختص بوقت نزولها، والأول أظهر لأنه وقع في رواية مسلم بلفظ: "ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء" نعم وقع في آخر الباب من وجه آخر "وإن الخمر تصنع من خمسة". قوله: "من العنب الخ" هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد والأبواب في الأحاديث المرفوعة لأن له عندهم حكم الرفع لأنه خبر صحابي شهد التنزيل أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر الآية المذكورة في أول كتاب الأشربة وهي آية المائدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى آخرها. فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصا بالمتخذ من العنب بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس الماضي فإنه يدل على أن الصحابة فهموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر سواء كان من العنب أم من غيرها، وقد جاء هذا الذي قاله عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحا: فأخرج أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حبان من وجهين عن الشعبي "إن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر" لفظ أبي داود، وكذا ابن حبان، وزاد فيه أن النعمان خطب الناس بالكوفة.
ولأبي داود من وجه آخر عن الشعبي عن النعمان بلفظ: " إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا" ، ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب السنن، والتي قبلها فيها الزبيب دون العسل، ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: " الخمر من العنب والتمر والعسل " ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: " الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة " ، أخرجه أبو يعلى من هذا الوجه بلفظ: "حرمت الخمر يوم حرمت وهي" فذكرها وزاد الذرة. وأخرج الخلعي في فوائده من طريق خلاد بن

(10/46)


السائب عن أبيه رفعه مثل الرواية الثانية، ولكن ذكر الزبيب بدل الشعير، وسنده لا بأس به، ويوافق ذلك ما تقدم في التفسير من حديث ابن عمر: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب. قوله: "الذرة" بضم المعجمة وتخفيف الراء من الحبوب معروفة، وقد تقدم ذكرها في حديث أبي موسى في الباب قبله. قوله: "والخمر ما خامر العقل" أي غطاه أو خالطه فلم يتركه على حاله وهو من مجاز التشبيه، والعقل هو آلة التمييز فلذلك حرم ما غطاه أو غيره، لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده ليقوموا بحقوقه. قال الكرماني: هذا تعريف بحسب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة، كذا قال، وفيه نظر لأن عمر ليس في مقام تعريف اللغة بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعي، فكأنه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع هو ما خامر العقل. على أن عند أهل اللغة اختلافا في ذلك كما قدمته، ولو سلم أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب فالاعتبار بالحقيقة الشرعية وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب يسمى خمرا، والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة" قال البيهقي. ليس المراد الحصر فيهما لأنه ثبت أن الخمر تتخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعا لا تختص بالمتخذ من العنب، قلت: وجعل الطحاوي هذه الأحاديث متعارضة، وهي حديث أبي هريرة في أن الخمر من شيئين مع حديث عمر ومن وافقه أن الخمر تتخذ من غيرهما، وكذا حديث ابن عمر "لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء" وحديث أنس يعني المتقدم ذكره وبيان اختلاف ألفاظه منها: "إن الخمر حرمت وشرابهم الفضيخ" وفي لفظ له "إنا نعدها يومئذ خمرا" وفي لفظ له "إن الخمر يوم حرمت البسر والتمر" قال فلما اختلف الصحابة في ذلك ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر وأن مستحله كافر دل على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة، إذ لو عملوا به لكفروا مستحل نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر غير المتخذ من عصير العنب اهـ. ولا يلزم من كونهم لم يكفروا مستحل نبيذ التمر أن يمنعوا تسميته خمرا فقد يشترك الشيئان في التسمية ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أنه هو يوافق على أن حكم المسكر من نبيذ التمر حكم قليل العنب في التحريم، فلم تبق المشاححة إلا في التسمية. والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره بحمل حديث أبي هريرة على الغالب؛ أي أكثر ما يتخذ الخمر من العنب والتمر، ويحمل حديث عمر ومن وافقه على إرادة استيعاب ذكر ما عهد حينئذ أنه يتخذ منه الخمر، وأما قول ابن عمر فعلى إرادة تثبيت أن الخمر يطلق على ما لا يتخذ من العنب، لأن نزول تحريم الخمر لم يصادف عند من خوطب بالتحريم حينئذ إلا ما يتخذ من غير العنب أو على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة وإن كانت موجودة فيها بقلة، فإن تلك القلة بالنسبة لكثرة المتخذ مما عداها كالعدم. وقد قال الراغب في "مفردات القرآن" سمي الخمر لكونه خامرا للعقل أي ساترا له، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر وعند بعضهم للمتخذ من العنب خاصة، وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، فرجح أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرا حقيقة، وكذا قال أبو نصر بن القشيري في تفسيره: سميت الخمر خمرا لسترها العقل أو لاختمارها. وكذا قال غير واحد من أهل اللغة منهم أبو حنيفة الدينوري وأبو نصر الجوهري، ونقل عن ابن الأعرابي قال: سميت الخمر لأنها تركت حتى اختمرت، واختمارها تغير رائحتها. وقيل: سميت بذلك لمخامرتها العقل. نعم جزم ابن سيده في

(10/47)


"المحكم" بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب، وغيرها من المسكرات يسمى خمرا مجازا. وقال صاحب "الفائق" في حديث: "إياكم والغبيراء فإنها خمر العالم" هي نبيذ الحبشة متخذة من الذرة سميت الغبيراء لما فيها من الغبرة. وقوله: "خمر العالم" أي هي مثل خمر العالم لا فرق بينها وبينها. قلت: وليس تأويله هذا بأولى من تأويل من قال: أراد أنها معظم خمر العالم. وقال صاحب "الهداية" من الحنفية الخمر عندنا ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم، قال: وقيل: هو اسم لكل مسكر لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر" وقوله: "الخمر من هاتين الشجرتين" ولأنه من مخامرة العقل وذلك موجود في كل مسكر، قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولأن تحريم الخمر قطعي وتحريم ما عدا المتخذ من العنب ظني، قال: وإنما سمي الخمر خمرا لتخمره لا لمخامرة العقل، قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصا فيه، كما في النجم فإنه مشتق من الظهور ثم هو خاص بالثريا اهـ. والجواب عن الحجة الأولى ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمرا. وقال الخطابي: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا، عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحا لما أطلقوه. وقال ابن عبد البر: قال الكوفيون إن الخمر من العنب لقوله تعالى: {أَعْصِرُ خَمْراً} قال: فدل على أن الخمر هو ما يعتصر لا ما ينتبذ، قال: ولا دليل فيه على الحصر. وقال أهل المدينة وسائر الحجازيين وأهل الحديث كلهم: كل مسكر خمر وحكمه حكم ما اتخذ من العنب، ومن الحجة لهم أن القرآن لما نزل بتحريم الخمر فهم الصحابة وهم أهل اللسان أن كل شيء يسمى خمرا يدخل في النهي فأراقوا المتخذ من التمر والرطب ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب. وعلى تقدير التسليم فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرا من الشرع كان حقيقة شرعية وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية. وعن الثانية ما تقدم من أن اختلاف مشتركين في الحكم في الغلظ لا يلزم منه افتراقهما في التسمية، كالزنا مثلا فإنه يصدق على من وطئ أجنبية وعلى من وطئ امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطئ محرما له وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة، وأيضا فالأحكام الفرعية لا يشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره، أن لا يكون حراما بل يحكم بتحريمه إذا ثبت بطريق ظني تحريمه، وكذا تسميته خمرا والله أعلم. وعن الثالثة ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو، وكيف يستجيز أن يقول لا لمخامرة العقل مع قول عمر بمحضر الصحابة "الخمر ما خامر العقل" كأن مستنده ما ادعاه من اتفاق أهل اللغة فيحمل قول عمر على المجاز، لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرا. فقال أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه، قال: ومنه قولهم خامره الداء أي خالطه، وقيل: لأنها تخمر العقل أي تستره، ومنه الحديث الآتي قريبا "خمروا آنيتكم" ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية. وقيل: سميت خمرا لأنها تخمر حتى تدرك كما يقال خمرت العجين فتخمر أي تركته حتى أدرك، ومنه خمرت الرأي أي تركته حتى ظهر وتحرر، وقيل: سميت خمرا لأنها تغطى حتى تغلي، ومنه حديث المختار بن فلفل "قلت لأنس: الخمر من العنب أو من غيرها؟ قال: ما خمرت من ذلك فهو الخمر" أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان. قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة لأنها تركت

(10/48)


حتى أدركت وسكنت، فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه. وقال القرطبي: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره - على صحتها وكثرتها - تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة وللصحابة، لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه ولم يتوقفوا ولا استفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحققوا التحريم لما كان تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا ذلك وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فهموا التحريم نصا، فصار القائل بالتفريق سالكا غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر بما يوافق ذلك، وهو ممن جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وسمعه الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك. وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمرا لزم تحريم قليله وكثيره. وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك. ثم ذكرها قال: وأما الأحاديث عن الصحابة التي تمسك بها المخالف فلا يصح منها شيء على ما قال عبد الله بن المبارك وأحمد وغيرهم، وعلى تقدير ثبوت شيء منها فهو محمول على نقيع الزبيب أو التمر من قبل أن يدخل حد الإسكار جمعا بين الأحاديث. قلت: ويؤيده ثبوت مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في باب نقيع التمر، ولا فرق في الحل بينه وبين عصير العنب أول ما يعصر، وإنما الخلاف فيما اشتد منهما هل يفترق الحكم فيه أو لا؟ وقد ذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين في دعواهم أن اسم الخمر خاص بما يتخذ من العنب مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم وقولهم بتحريم قليل ما أسكر كثيره من كل شراب، فقال الرافعي: ذهب أكثر الشافعية إلى أن الخمر حقيقة فيما يتخذ من العنب مجاز في غيره، وخالفه ابن الرفعة فنقل عن المزني وابن أبي هريرة وأكثر الأصحاب أن الجميع يسمى خمرا حقيقة. قال: وممن نقله عن أكثر الأصحاب القاضيان أبو الطيب والروياني، وأشار ابن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعي للأكثر لم يجد نقله عن الأكثر إلا في كلام الرافعي، ولم يتعقبه النووي في "الروضة"، لكن كلامه في "شرح مسلم" يوافقه وفي "تهذيب الأسماء" يخالفه، وقد نقل ابن المنذر عن الشافعي ما يوافق ما نقلوا عن المزني فقال: قال إن الخمر من العنب ومن غير العنب عمر وعلي وسعيد وابن عمر وأبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وعائشة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وعروة والحسن وسعيد بن جبير وآخرون، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المتخذ من العنب حقيقة يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية. وقد أجاب بهذا ابن عبد البر وقال: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي والله أعلم. وقد قدمت في "باب نزول تحريم الخمر، وهو من البسر" إلزام من قال بقول أهل الكوفة إن الخمر حقيقة في ماء العنب مجاز في غيره أنه يلزمهم أن يجوزوا إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه، لأن الصحابة لما بلغهم تحريم الخمر أراقوا كل ما كان يطلق عليه لفظ الخمر حقيقة ومجازا، وإذا لم يجوزوا ذلك صح أن الكل خمر حقيقة ولا انفكاك عن ذلك، وعلى تقدير إرخاء العنان والتسليم أن الخمر حقيقة في ماء العنب خاصة فإنما ذلك من حيث الحقيقة اللغوية، فأما من حيث الحقيقة الشرعية فالكل خمر حقيقة لحديث: "كل مسكر خمر" فكل ما اشتد

(10/49)


كان خمرا، وكل خمر يحرم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم وبالله التوفيق. قوله: "وثلاث" هي صفة موصوف أي أمور أو أحكام. قوله: "وددت" أي تمنيت، وإنما تمنى ذلك لأنه أبعد من محذور الاجتهاد وهو الخطأ فيه، فثبت على تقدير وقوعه، ولو كان مأجورا عليه فإنه يفوته بذلك الأجر الثاني، والعمل بالنص إصابة محضة. قوله: "لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا" في رواية مسلم: "عهدا ينتهي إليه"، وهذا يدل على أنه لم يكن عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم نص فيها، ويشعر بأنه كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن الخمر ما لم يحتج معه إلى شيء غيره حتى خطب بذلك جازما به. قوله: "الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا" أما الجد فالمراد قدر ما يرث لأن الصحابة اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا، فسيأتي في كتاب الفرائض عن عمر أنه قضى فيه بقضايا مختلفة. وأما الكلالة بفتح الكاف وتخفيف اللام فسيأتي بيانها أيضا في كتاب الفرائض. وأما أبواب الربا فلعله يشير إلى ربا الفضل لأن ربا النسيئة متفق عليه بين الصحابة، وسياق عمر يدل على أنه كان عنده نص في بعض من أبواب الربا دون بعض، فلهذا تمنى معرفة البقية. قوله: "قلت يا أبا عمرو" القائل هو أبو حيان التيمي، وأبو عمرو هي كنية الشعبي. قوله: "فشيء يصنع بالسند من الأرز" زاد الإسماعيلي في روايته: "يقال له السادية، يدعى الجاهل فيشرب منها شربة فتصرعه". قلت: وهذا الاسم لم يذكره صاحب "النهاية" لا في السين المهملة ولا في الشين المعجمة، ولا رأيته في "صحاح الجوهري" وما عرفت ضبطه إلى الآن، ولعله فارسي، فإن كان عربيا فلعله الشاذبة بشين وذال معجمتين ثم موحدة، قال في "الصحاح": الشاذب المتنحي عن وطنه، فلعل الشاذبة تأنيثه، وسميت الخمر بذلك لكونها إذا خالطت العقل تنحت به عن وطنه. قوله: "ذاك لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم" أي اتخاذ الخمر من الأرز لم يكن على العهد النبوي. وفي رواية الإسماعيلي: "لم يكن هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان لنهى عنه، ألا ترى أنه قد عم الأشربة كلها فقال: الخمر ما خامر العقل" قال الإسماعيلي: هذا الكلام الأخير فيه دلالة على أن قوله: "الخمر ما خامر العقل" من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقال الخطابي: إنما عد عمر الخمسة المذكورة لاشتهار أسمائها في زمانه، ولم تكن كلها توجد بالمدينة الوجود العام، فإن الحنطة كانت بها عزيزة، وكذا العسل بل كان أعز، فعد عمر ما عرف فيها، وجعل ما في معناها مما يتخذ من الأرز وغيره خمرا إن كان مما يخامر العقل، وفي ذلك دليل على جواز إحداث الاسم بالقياس وأخذه من طريق الاشتقاق، كذا قال، ورد بذلك ابن العربي في جواب من زعم أن قوله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر" معناه مثل الخمر، لأن حذف مثل ذلك مسموع شائع، قال: بل الأصل عدم التقدير، ولا يصار إلى التقدير إلا إلى الحاجة، فإن قيل احتجنا إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث لبيان الأسماء قلنا: بل بيان الأسماء من جملة الأحكام لمن لا يعلمها. ولا سيما ليقطع تعلق القصد بها. قال: وأيضا لو لم يكن الفضيخ خمرا ونادى المنادي حرمت الخمر لم يبادروا إلى إراقتها ولم يفهموا أنها داخلة في مسمى الخمر، وهم الفصح اللسن. فإن قيل: هذا إثبات اسم بقياس، قلنا: إنما هو إثبات اللغة عن أهلها، فإن الصحابة عرب فصحاء فهموا من الشرع ما فهموه من اللغة ومن اللغة ما فهموه من الشرع.
وذكر ابن حزم أن بعض الكوفيين احتج بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عمر بسند جيد قال: "أما الخمر فحرام لا سبيل إليها، وأما ما عداها من الأشربة فكل مسكر حرام" قال وجوابه أنه ثبت عن ابن عمر أنه قال: "كل مسكر خمر" فلا يلزم من تسمية المتخذ من العنب خمرا انحصار اسم الخمر فيه، وكذا احتجوا بحديث ابن عمر أيضا: "حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء" مراده المتخذ من العنب، ولم يرد أن غيرها لا يسمى خمرا، بدليل حديثه

(10/50)


الآخر "نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة خمسة أشربة كلها تدعى الخمر ما فيها خمر العنب". وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم ذكر الأحكام على المنبر لتشتهر بين السامعين، وذكر أما بعد فيها، والتنبيه بالنداء، والتنبيه على شرف العقل وفضله، وتمني الخير، وتمني البيان للأحكام، وعدم الاستثناء. قوله: "وقال حجاج" هو ابن منهال، وحماد هو ابن سلمة. قوله: "عن أبي حيان مكان العنب الزبيب" يعني أن حماد بن سلمة روى هذا الحديث عن أبي حيان بهذا السند والمتن فذكر الزبيب بدل العنب، وهذا التعليق وصله علي بن عبد العزيز البغوي في مسنده عن حجاج بن منهال كذلك وليس فيه سؤال أبي حيان الأخير وجواب الشعبي، وكذلك أخرجه ابن أبي خيثمة عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة، ووقع عند مسلم أيضا من رواية علي بن مسهر ومن رواية عيسى بن يونس كلاهما عن أبي حيان الزبيب بدل العنب كما قال حماد بن سلمة، قال البيهقي: وكذلك قال الثوري عن أبي حيان. قلت: وكذلك أخرجه النسائي من طريق محمد بن قيس عن الشعبي، والله أعلم.

(10/51)


6 - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ
5590- وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلاَبِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَداً فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" .
قوله: "باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه" قال الكرماني: ذكره باعتبار الشراب، وإلا فالخمر مؤنث سماعي. قلت: بل فيه لغة بالتذكير. قال الكرماني: وفي بعض الروايات تسميتها بغير اسمها. وذكر ابن التين عن الداودي قال: كأنه يريد بالأمة من يتسمى بهم ويستحل ما لا يحل لهم، فهو كافر إن أظهر ذلك، ومنافق إن أسره، أو من يرتكب المحارم مجاهرة واستخفافا فهو يقارب الكفر وإن تسمى بالإسلام، لأن الله لا يخسف بمن تعود عليه رحمته في المعاد. كذا قال؛ وفيه نظر يأتي توجيهه. وقال ابن المنير: الترجمة مطابقة للحديث إلا في قوله: "ويسميه بغير اسمه" فكأنه قنع بالاستدلال له بقوله في الحديث: "من أمتي" لأن من كان من الأمة المحمدية يبعد أن يستحل الخمر بغير تأويل، إذ لو كان عنادا ومكابرة لكان خارجا عن الأمة، لأن تحريم الخمر قد علم بالضرورة قال: وقد ورد في غير هذا الحديث التصريح بمقتضى الترجمة، لكن لم يوافق شرطه فاقتنع بما في الرواية التي ساقها من الإشارة. قلت: الرواية التي أشار إليها أخرجها أبو داود من طريق مالك بن أبي مريم عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ليشربن ناس الخمر يسمونها بغير اسمها" وصححه ابن حبان، وله شواهد كثيرة: منها لابن ماجه من حديث ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة بن الصامت رفعه: "يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" ورواه أحمد بلفظ: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر" وسنده جيد، ولكن أخرجه النسائي من وجه آخر عن ابن محيريز فقال: "عن رجل من الصحابة" ولابن ماجه أيضا من حديث خالد بن معدان عن أبي أمامة رفعه: "لا تذهب الأيام والليالي

(10/51)


حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" وللدارمي بسند لين من طريق القاسم عن عائشة "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما يكفأ الإسلام كما يكفأ الإناء كفء الخمر، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: يسمونها بغير اسمها فيستحلونها" وأخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن عائشة، ولابن وهب من طريق سعيد بن أبي هلال عن محمد بن عبد الله "أن أبا مسلم الخولاني حج فدخل على عائشة فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها فقال: يا أم المؤمنين إنهم يشربون شرابا لهم يقال له الطلاء، فقالت: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ حتى سمعته يقول: إن ناسا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها" وأخرجه البيهقي. قال أبو عبيد: جاءت في الخمر آثار كثيرة بأسماء مختلفة فذكر منها السكر بفتحتين قال: وهو نقيع التمر إذا غلى بغير طبخ، والجعة بكسر الجيم وتخفيف العين نبيذ الشعير، والسكركة خمر الحبشة من الذرة - إلى أن قال - وهذه الأشربة المسماة كلها عندي كناية عن الخمر، وهي داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم: "يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها" ، ويؤيد ذلك قول عمر: "الخمر ما خامر العقل". قوله: "وقال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد" هكذا في جميع النسخ من الصحيح من جميع الروايات مع تنوعها عن الفربري، وكذا من رواية النسفي وحماد بن شاكر، وذهل الزركشي في توضيحه فقال: معظم الرواة يذكرون هذا الحديث في البخاري معلقا، وقد أسنده أبو ذر عن شيوخه فقال: "قال البخاري: حدثنا الحسين بن إدريس حدثنا هشام بن عمار" قال: فعلى هذا يكون الحديث صحيحا على شرط البخاري. وبذلك يرد على ابن حزم دعواه الانقطاع اهـ. وهذا الذي قاله خطأ نشأ عن عدم تأمل، وذلك أن القائل "حدثنا الحسين بن إدريس" هو العباس بن الفضل شيخ أبي ذر لا البخاري، ثم هو الحسين بضم أوله وزيادة التحتانية الساكنة وهو الهروي لقبه خرم بضم المعجمة وتشديد الراء، وهو من المكثرين، وإنما الذي وقع في رواية أبي ذر من الفائدة أنه استخرج هذا الحديث من رواية نفسه من غير طريق البخاري إلى هشام، على عادة الحفاظ إذا وقع لهم الحديث عاليا عن الطريق التي في الكتاب المروي لهم يوردونها عالية عقب الرواية النازلة، وكذلك إذا وقع في بعض أسانيد الكتاب المروي خلل ما من انقطاع أو غيره وكان عندهم من وجه آخر سالما أوردوه، فجرى أبو ذر على هذه الطريقة، فروى الحديث عن شيوخه الثلاثة عن الفربري عن البخاري قال: "وقال هشام بن عمار" ولما فرغ من سياقه قال أبو ذر: "حدثنا أبو منصور الفضل بن العباس النضروي حدثنا الحسين بن إدريس حدثنا هشام بن عمار به" وأما دعوى ابن حزم التي أشار إليها فقد سبقه إليها ابن الصلاح في "علوم الحديث" فقال: التعليق في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها، وصورته صورة الانقطاع وليس حكمه ولا خارجا - ما وجد ذلك فيه من قبيل الصحيح - إلى قبيل الضعيف، ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر وأبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف" الحديث من جهة أن البخاري أورده قائلا "قال هشام بن عمار" وساقه بإسناده، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام وجعله جوابا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندا متصلا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع اهـ. ولفظ ابن حزم في "المحلى": ولم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد. وحكى ابن الصلاح في موضع آخر أن الذي يقول البخاري فيه قال فلان ويسمى

(10/52)


شيخا من شيوخه يكون من قبيل الإسناد المعنعن، وحكي عن بعض الحفاظ أنه يفعل ذلك فيما يتحمله عن شيخه مذاكرة، وعن بعضهم أنه فيما يرويه مناولة. وقد تعقب شيخنا الحافظ أبو الفضل كلام ابن الصلاح بأنه وجد في الصحيح عدة أحاديث يرويها البخاري عن بعض شيوخه قائلا قال فلان ويوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ. قلت: الذي يورده البخاري من ذلك على أنحاء: منها ما يصرح فيه بالسماع عن ذلك الشيخ بعينه إما في نفس الصحيح وإما خارجه، والسبب في الأول إما أن يكون أعاده في عدة أبواب وضاق عليه مخرجه فتصرف فيه حتى لا يعيده على صورة واحدة في مكانين، وفي الثاني أن لا يكون على شرطه إما لقصور في بعض رواته وإما لكونه موقوفا، ومنها ما يورده بواسطة عن ذلك الشيخ والسبب فيه كالأول، لكنه في غالب هذا لا يكون مكثرا عن ذلك الشيخ، ومنها ما لا يورده في مكان آخر من الصحيح مثل حديث الباب، فهذا مما كان أشكل أمره علي، والذي يظهر لي الآن أنه لقصور في سياقه، وهو هنا تردد هشام في اسم الصحابي، وسيأتي من كلامه ما يشير إلى ذلك حيث يقول: إن المحفوظ أنه عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك، وساقه في "التاريخ" من رواية مالك بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن غنم كذلك، وقد أشار المهلب إلى شيء من ذلك. وأما كونه سمعه من هشام بلا واسطة وبواسطة فلا أثر له، لأنه لا يجزم إلا بما يصلح للقبول، ولا سيما حيث يسوقه مساق الاحتجاج. وأما قول ابن الصلاح أن الذي يورده بصيغة " قال: "حكمه حكم الإسناد المعنعن، والعنعنة من غير المدلس محمولة على الاتصال، وليس البخاري مدلسا، فيكون متصلا، فهو بحث وافقه عليه ابن منده والتزمه فقال: "أخرج البخاري" قال: "وهو تدليس"، وتعقبه شيخنا بأن أحدا لم يصف البخاري بالتدليس، والذي يظهر لي أن مراد ابن منده أن صورته صورة التدليس لأنه يورده بالصيغة المحتملة ويوجد بينه وبينه واسطة وهذا هو التدليس بعينه، لكن الشأن في تسليم أن هذه الصيغة من غير المدلس لها حكم العنعنة فقد قال الخطيب: وهو المرجوع إليه في الفن أن "قال" لا تحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه يأتي بها في موضع السماع، مثل حجاج بن محمد الأعور، فعلى هذا ففارقت العنعنة فلا تعطى حكمها ولا يترتب عليه أثرها من التدليس ولا سيما ممن عرف من عادته أن يوردها لغرض غير التدليس، وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحا إلى من علق عنه ولو لم يكن من شيوخه، لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولا إلى من علقه بشرط الصحة أزال الإشكال، ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع وصنفت كتاب "تعليق التعليق". وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار جاء عنه موصولا في "مستخرج الإسماعيلي" قال حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هشام بن عمار، وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" فقال حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد حدثنا هشام بن عمار، قال وأخرجه أبو داود في سننه فقال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بسنده انتهى. وننبه فيه على موضعين: أحدهما: أن الطبراني أخرج الحديث في معجمه الكبير عن موسى بن سهل الجويني وعن جعفر بن محمد الفريابي كلاهما عن هشام، والمعجم الكبير أشهر من مسند الشاميين فعزوه إليه أولى، وأيضا فقد أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على البخاري من رواية عبدان بن محمد المروزي ومن رواية أبي بكر الباغندي كلاهما عن هشام، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن الحسين بن عبد الله القطان عن هشام. ثانيهما: قوله: إن أبا داود أخرجه يوهم أنه عند أبي داود

(10/53)


باللفظ الذي وقع فيه النزاع وهو المعازف، وليس كذلك بل لم يذكر فيه الخمر الذي وقعت ترجمة البخاري لأجله فإن لفظه عند أبي داود بالسند المذكور إلى عبد الرحمن بن يزيد "حدثنا عطية بن قيس سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري يقول حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني أنه سمع رسول الله يقول: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر - وذكر كلاما قال - يمسخ منهم قردة وخنازير إلى يوم القيامة" نعم ساق الإسماعيلي الحديث من هذا الوجه من رواية دحيم عن بشر بن بكر بهذا الإسناد فقال: "يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" الحديث. قوله: "حدثنا صدقة بن خالد" هو الدمشقي من موالي آل أبي سفيان، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وآخر تقدم في مناقب أبي بكر، وهو من رواية هشام بن عمار عنه أيضا عن زيد بن واقد وصدقة هذا ثقة عند الجميع، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه، ثقة ابن ثقة ليس به بأس، أثبت من الوليد بن مسلم. وذهل شيخنا ابن الملقن تبعا لغيره فقال: ليته - يعني ابن حزم - أعل الحديث بصدقة فإن ابن الجنيد روى عن يحيى بن معين: ليس بشيء، وروى المروزي عن أحمد: ذلك ليس بمستقيم ولم يرضه. وهذا الذي قاله الشيخ خطأ، وإنما قال يحيى وأحمد ذلك في صدقة بن عبد الله السمين وهو أقدم من صدقة بن خالد، وقد شاركه في كونه دمشقيا، وفي الرواية عن بعض شيوخه كزيد بن واقد، وأما صدقة بن خالد فقد قدمت قول أحمد فيه، وأما ابن معين فالمنقول عنه أنه قال: كان صدقة بن خالد أحب إلى أبي مسهر من الوليد بن مسلم، قال وهو أحب إلي من يحيى بن حمزة. ونقل معاوية بن صالح عن ابن معين أن صدقة بن خالد ثقة، ثم إن صدقة لم ينفرد به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بل تابعه على أصله بشر بن بكر كما تقدم. قوله: "حدثنا عطية بن قيس" هو شامي تابعي قواه أبو حاتم وغيره ومات سنة عشر ومائة وقيل: بعد ذلك، ليس له في البخاري ولا لشيخه إلا هذا الحديث، والإسناد كله شاميون. قوله: "عبد الرحمن بن غنم" بفتح المعجمة وسكون النون ابن كريب بن هانئ مختلف في صحبته، قال ابن سعد: كان أبوه ممن قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة أبي موسى، وذكر ابن يونس أن عبد الرحمن كان مع أبيه حين وفد، وأما أبو زرعة الدمشقي وغيره من حفاظ الشام فقالوا: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه، وقدمه دحيم على الصنابحي. وقال ابن سعد أيضا: بعثه عمر يفقه أهل الشام، ووثقه العجلي وآخرون. ومات سنة ثمان وسبعين. ووقع عند الإسماعيلي من الزيادة عن عطية بن قيس قال: "قام ربيعة الجرشي في الناس - فذكر حديثا فيه طول - فإذا عبد الرحمن بن غنم فقال: يمينا حلفت عليها حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، والله يمينا أخرى حدثني أنه سمع" وفي رواية مالك بن أبي مريم "كنا عند عبد الرحمن بن غنم معنا ربيعة الجرشي فذكروا الشراب" فذكر الحديث. قوله: "حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري" هكذا رواه أكثر الحفاظ عن هشام بن عمار بالشك، وكذا وقع عند الإسماعيلي من رواية بشر بن بكر، لكن وقع عند أبي داود من رواية بشر بن بكر "حدثني أبو مالك" بغير شك، ووقع عند ابن حبان عن الحسين بن عبد الله عن هشام بهذا السند إلى عبد الرحمن بن غنم، "أنه سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعريين يقولان" فذكر الحديث، كذا قال، وعلى تقدير أن يكون المحفوظ هو الشك فالشك في اسم الصحابي لا يضر، وقد أعله ابن حزم وهو مردود، وأعجب منه أن ابن بطال حكى عن المهلب أن سبب كون البخاري لم يقل فيه: "حدثنا هشام بن عمار" وجود الشك في اسم الصحابي، وهو شيء لم يوافق عليه، والمحفوظ رواية الجماعة. وقد أخرجه البخاري في "التاريخ" من طريق إبراهيم بن عبد الحميد عمن

(10/54)


أخبره "عن أبي مالك أو أبي عامر" على الشك أيضا وقال: إنما يعرف هذا عن أبي مالك الأشعري انتهى. وقد أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في "التاريخ" من طريق مالك بن أبي مريم "عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها تغدو عليهم القيان وتروح عليهم المعازف" الحديث. فظهر بهذا أن الشك فيه من عطية بن قيس لأن مالك بن أبي مريم - وهو رفيقه فيه عن شيخهما - لم يشك في أبي مالك، على أن التردد في اسم الصحابي لا يضر كما تقرر في علوم الحديث فلا التفات إلى من أعل الحديث بسبب التردد، وقد ترجح أنه عن أبي مالك الأشعري وهو صحابي مشهور. قوله: "والله ما كذبني" هذا يؤيد رواية الجماعة أنه عن غير واحد لا عن اثنين. قوله: "يستحلون الحر" ضبطه ابن ناصر بالحاء المهملة المكسورة والراء الخفيفة وهو الفرج، وكذا هو في معظم الروايات من صحيح البخاري، ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره. وأغرب ابن التين فقال: إنه عند البخاري بالمعجمتين. وقال ابن العربي: هو بالمعجمتين تصحيف، وإنما رويناه بالمهملتين وهو الفرج والمعنى يستحلون الزنا. قال ابن التين: يريد ارتكاب الفرج بغير حله، وإن كان أهل اللغة لم يذكروا هذه اللفظة بهذا المعنى ولكن العامة تستعمله بكسر المهملة كما في هذه الرواية. وحكى عياض فيه تشديد الراء، والتخفيف هو الصواب. وقيل: أصله بالياء بعد الراء فحذفت. وذكره أبو موسى في "ذيل الغريب" في "ح ر" وقال هو بتخفيف الراء وأصله حرح بكسر أوله وتخفيف الراء بعدها مهملة أيضا وجمعه أحراح قال: ومنهم من يشدد الراء وليس بجيد. وترجم أبو داود للحديث في كتاب اللباس "باب ما جاء في الحر" ووقع في روايته بمعجمتين والتشديد والراجح بالمهملتين، ويؤيده ما وقع في "الزهد لابن المبارك" من حديث علي بلفظ: " يوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير" ووقع عند الداودي بالمعجمتين ثم تعقبه بأنه ليس بمحفوظ، لأن كثيرا من الصحابة لبسوه. وقال ابن الأثير: المشهور في رواية هذا الحديث بالإعجام وهو ضرب من الإبريسم، كذا قال، وقد عرف أن المشهور في رواية البخاري بالمهملتين. وقال ابن العربي: الخز بالمعجمتين والتشديد مختلف فيه، والأقوى حله، وليس فيه وعيد ولا عقوبة بإجماع. "تنبيه": لم تقع هذه اللفظة عند الإسماعيلي ولا أبي نعيم من طريق هشام، بل في روايتهما: "يستحلون الحرير والخمر والمعازف " وقوله: "يستحلون" قال ابن العربي: يحتمل أن يكون المعنى يعتقدون ذلك حلالا، ويحتمل أن يكون ذلك مجازا على الاسترسال أي يسترسلون في شربها كالاسترسال في الحلال، وقد سمعنا ورأينا من يفعل ذلك. قوله: "والمعازف" بالعين المهملة والزاي بعدها فاء جمع معزفة بفتح الزاي وهي آلات الملاهي. ونقل القرطبي عن الجوهري أن المعازف الغناء، والذي في صحاحه أنها آلات اللهو، وقيل: أصوات الملاهي. وفي حواشي الدمياطي: المعازف الدفوف وغيرها مما يضرب به، ويطلق على الغناء عزف، وعلى كل لعب عزف، ووقع في رواية مالك بن أبي مريم " تغدو عليهم القيان وتروح عليهم المعازف" . قوله: "ولينزلن أقوام إلى جنب علم" بفتحتين والجمع أعلام وهو الجبل العالي وقيل: رأس الجبل. قوله: "يروح عليهم" كذا فيه بحذف الفاعل، وهو الراعي بقرينة المقام، إذ السارحة لا بد لها من حافظ. قوله: "بسارحة " بمهملتين الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها. ووقع في رواية الإسماعيلي: "سارحة" بغير موحدة في أوله ولا حذف فيها. قوله: "يأتيهم لحاجة" كذا فيه بحذف الفاعل أيضا. قال الكرماني: التقدير الآتي أو الراعي أو المحتاج أو الرجل. قلت: وقع عند الإسماعيلي: "يأتيهم طالب حاجة "

(10/55)


فتعين بعض المقدرات. قوله: "فيبيتهم الله" أي يهلكهم ليلا، والبيات هجوم العدو ليلا. قوله: "ويضع العلم" أي يوقعه عليهم. وقال ابن بطال: إن كان العلم جبلا فيدكدكه وإن كان بناء فيهدمه ونحو ذلك. وأغرب ابن العربي فشرحه على أنه بكسر العين وسكون اللام فقال: وضع العلم إما بذهاب أهله كما سيأتي في حديث عبد الله بن عمرو، وإما بإهانة أهله بتسليط الفجرة عليهم. قوله: "ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة " يريد ممن لم يهلك في البيات المذكور، أو من قوم آخرين غير هؤلاء الذين "بيتوا"، ويؤيد الأول أن في رواية الإسماعيلي: "ويمسخ منهم آخرين" قال ابن العربي: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم. قلت: والأول أليق بالسياق. وفي هذا الحديث وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه، وأن الحكم يدور مع العلة. والعلة في تحريم الخمر الإسكار، فمهما وجد الإسكار وجد التحريم ولو لم يستمر الاسم. قال ابن العربي: هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها، ردا على من حمله على اللفظ.

(10/56)


7 - باب الِانْتِبَاذِ فِي الأَوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ
5591- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ: "أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْسِهِ فَكَانَتْ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْقَعْتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ".
قوله: "باب الانتباذ في الأوعية والتور" هو من عطف الخاص على العام، لأن التور من جملة الأوعية، وهو بفتح المثناة إناء من حجارة أو من نحاس أو من خشب، ويقال: لا يقال له تور إلا إذا كان صغيرا، وقيل هو قدح كبير كالقدر، وقيل مثل الطست، وقيل كالإجانة، وهي بكسر الهمزة وتشديد الجيم وبعد الألف نون: وعاء. قوله: "أتى أبو أسيد الساعدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرسه" تقدم في الوليمة من هذا الوجه بلفظ: "دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعرسه" ومن وجه آخر عن أبي حازم "دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه". قوله: "قال أتدرون" القائل هو سهل و"ما سقت" بفتح القاف وسكون المثناة. وفي رواية الكشميهني: "قالت وسقيت" بسكون التحتانية بعد القاف وفي آخره مثناة، وكذا الخلاف في أنقعت ونقعت وأنقع بالهمزة لغة، وفيه لغة أخرى نقعت بغير ألف، وتقدم في الوليمة بلفظ: "بلت تمرات". قوله: "في تور" زاد في الوليمة "من حجارة" وإنما قيده لأنه قد يكون من غيرها كما تقدم. وفي رواية أشعث عن أبي الزبير عن جابر "كان النبي صلى الله عليه وسلم ينبذ له في سقاء، فإذا لم يكن سقاء ينبذ له في تور" قال أشعث: والتور من لحاء الشجر، أخرجه ابن أبي شيبة. وعبر المصنف في الترجمة بالانتباذ إشارة إلى أن النقيع يسمى نبيذا، فيحمل ما ورد في الأخبار بلفظ النبيذ على النقيع، وقد ترجم له بعد قليل "باب نقيع التمر ما لم يسكر" قال المهلب: النقيع حلال ما لم يشتد فإذا اشتد وغلى حرم. وشرط الحنفية أن يقذف بالزبد، قال: وإذا نقع من الليل وشرب النهار أو بالعكس لم يشتد، وفيه حديث عائشة، يشير إلى ما أخرجه مسلم عن عائشة "كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء توكي أعلاه فيشربه عشاء، وتنبذه عشاء فيشربه غدوة" وعند أبي داود من وجه آخر عن عائشة أنها "كانت تنبذ للنبي صلى الله عليه وسلم غدوة، فإذا كان من العشي تعشى فشرب على عشائه، فإن فضل شيء صبته ثم تنبذ له بالليل، فإذا أصبح وتغدى شرب على غدائه، قالت نغسل السقاء غدوة وعشية" وفي حديث عبد الله

(10/56)


ابن الديلمي عن أبيه "قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نصنع بالزبيب؟ قال: انبذوه على عشائكم، واشربوه على غدائكم" أخرجه أبو داود والنسائي. فهذه الأحاديث فيها التقييد باليوم والليلة. وأما ما أخرج مسلم من حديث ابن عباس "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبذ له الزبيب من الليل في السقاء، فإذا أصبح شربه يومه وليلته ومن الغد، فإذا كان مساء شربه أو سقاه الخدم، فإن فضل شيء أراقه" وقال ابن المنذر: الشراب في المدة التي ذكرتها عائشة يشرب حلوا، وأما الصفة التي ذكرها ابن عباس فقد ينتهي إلى الشدة والغليان، لكن يحمل ما ورد من أمر الخدم بشربه على أنه لم يبلغ ذلك ولكن قرب منه، لأنه لو بلغ ذلك لأسكر ولو أسكر لحرم تناوله مطلقا انتهى. وقد تمسك بهذا الحديث من قال بجواز شرب قليل ما أسكر كثيره، ولا حجة فيه لأنه ثبت أنه بدا فيه بعض تغير في طعمه من حمض أو نحوه فسقاه الخدم، وإلى هذا أشار أبو داود فقال بعد أن أخرجه: قوله: "سقاه الخدم" يريد أنه تبادر به الفساد. انتهى، ويحتمل أن يكون "أو" في الخبر للتنويع لأنه قال: "سقاه الخدم أو أمر به فأهرق" أي إن كان بدا في طعمه بعض التغير ولم يشتد سقاه الخدم، وإن كان اشتد أمر بإهراقه، وبهذا جزم النووي فقال: هو اختلاف على حالين إن ظهر فيه شدة صبه وإن لم تظهر شدة سقاه الخدم لئلا تكون فيه إضاعة مال، وإنما يتركه هو تنزها. وجمع بين حديث ابن عباس وعائشة بأن شرب النقيع في يومه لا يمنع شرب النقيع في أكثر من يوم، ويحتمل أن يكون باختلاف حال أو زمان يحمل الذي يشرب في يومه على ما إذا كان قليلا وذاك على ما إذا كان كثيرا فيفضل منه ما يشربه فيما بعد، وإما بأن يكون في شدة الحر مثلا فيسارع إليه الفساد، وذاك في شدة برد فلا يتسارع إليه.

(10/57)


8 - باب تَرْخِيصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ بَعْدَ النَّهْيِ
5592- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الظُّرُوفِ فَقَالَتْ الأَنْصَارُ إِنَّهُ لاَ بُدَّ لَنَا مِنْهَا قَالَ فَلاَ إِذاً" . وَقَالَ خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ بِهَذَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا وَقَالَ فِيهِ: "لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الأَوْعِيَةِ".
5593- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الأَحْوَلِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الأَسْقِيَةِ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سِقَاءً فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ" .
5594- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ" .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ بِهَذَا.

(10/57)


5595- حَدَّثَنِي عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: "قُلْتُ لِلأَسْوَدِ هَلْ سَأَلْتَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّا يُكْرَهُ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ فَقَالَ نَعَمْ قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ قَالَتْ نَهَانَا فِي ذَلِكَ أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْ نَنْتَبِذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ قُلْتُ أَمَا ذَكَرَتْ الْجَرَّ وَالْحَنْتَمَ قَالَ إِنَّمَا أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ أَفَأُحَدِّثُ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟".
5596- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَرِّ الأَخْضَرِ قُلْتُ أَنَشْرَبُ فِي الأَبْيَضِ قَالَ: لاَ".
قوله: "باب ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في الأوعية والظروف بعد النهي" ذكر فيه خمسة أحاديث. أولها: حديث جابر وهو عام في الرخصة، ثانيها: حديث عبد الله بن عمرو وفيه استثناء المزفت، ثالثها: حديث علي في النهي عن الدباء والمزفت، رابعها: حديث عائشة مثله، خامسها: حديث عبد الله بن أبي أوفى في النهي عن الجر الأخضر. وظاهر صنيعه أنه يرى أن عموم الرخصة مخصوص بما ذكر في الأحاديث الأخرى، وهي مسألة خلاف: فذهب مالك إلى ما دل عليه صنيع البخاري. وقال الشافعي والثوري وابن حبيب من المالكية: يكره ذلك ولا يحرم وقال سائر الكوفيين: يباح، وعن أحمد روايتان. وقد أسند الطبري عن عمر ما يؤيد قول مالك وهو قوله: "لأن أشرب من قمقم محمي فيحرق ما أحرق ويبقي ما أبقى أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجر" وعن ابن عباس "لا يشرب نبيذ الجر ولو كان أحلى من العسل" وأسند النهي عن جماعة من الصحابة. وقال ابن بطال: النهي عن الأوعية إنما كان قطعا للذريعة. فلما قالوا لا نجد بدا من الانتباذ في الأوعية قال: " انتبذوا. وكل مسكر حرام" وهكذا الحكم في كل شيء نهي عنه بمعنى النظر إلى غيره فإنه يسقط للضرورة، كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا لا بد لنا منها قال: "فأعطوا الطريق حقها" . وقال الخطابي: ذهب الجمهور إلى أن النهي إنما كان أولا ثم نسخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باق، منهم ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق كذا أطلق، قال: والأول أصح، والمعنى في النهي أن العهد بإباحة الخمر كان قريبا، فلما اشتهر التحريم أبيح الانتباذ في كل وعاء بشرط ترك شرب المسكر، وكان من ذهب إلى استمرار النهي لم يبلغه الناسخ. وقال الحازمي: لمن نصر قول مالك أن يقول ورد النهي عن الظروف كلها ثم نسخ منها ظروف الأدم والجرار غير المزفتة، واستمر ما عداها على المنع، ثم تعقب ذلك بما ورد من التصريح في حديث بريدة عند مسلم ولفظه: "نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا" قال وطريق الجمع أن يقال: لما وقع النهي عاما شكوا إليه الحاجة فرخص لهم في ظروف الأدم، ثم شكوا إليه أن كلهم لا يجد ذلك فرخص لهم الظروف كلها. قوله: "سفيان" هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر. قوله: "عن سالم" وقع مفسرا في الطريق التي بعدها أنه ابن أبي الجعد. والظروف بظاء مشالة معجمة جمع ظرف بفتح أوله وهو الوعاء. قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظروف" في رواية مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر "نهى عن الدباء والمزفت" وكأن هذه الطريق لما لم تكن على شرط البخاري أورد عقب حديث جابر أحاديث

(10/58)


عبد الله بن عمرو وعلي وعائشة الدالة على ذلك. قوله: "لا بد لنا منها" في رواية الحفري عن الثوري عند الإسماعيلي: "ليس لنا وعاء" وفي رواية لأحمد في قصة وفد عبد القيس "فقال رجل من القوم: يا رسول الله إن الناس لا ظروف لهم، فقال: اشربوه إذا طاب، فإذا خبث فذروه" وأخرج أبو يعلى وصححه ابن حبان من حديث الأشج العصري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: " ما لي أرى وجوهكم قد تغيرت؟ قالوا: نحن بأرض وخمة، وكنا نتخذ من هذه الأنبذة ما يقطع اللحمان في بطوننا، فلما نهيتنا عن الظروف فذلك الذي ترى في وجوهنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الظروف لا تحل ولا تحرم، ولكن كل مسكر حرام" . قوله: " فلا إذا " جواب وجزاء، أي إذا كان كذلك لا بد لكم منها فلا تدعوها. وحاصله أن النهي كان ورد على تقدير عدم الاحتياج، أو وقع وحي في الحال بسرعة أو كان الحكم في تلك المسألة مفوضا لرأيه صلى الله عليه وسلم، وهذه احتمالات يرد على من جزم بأن الحديث حجة في أنه كان يحكم بالاجتهاد. قوله: "وقال لي خليفة" هو ابن خياط بمعجمة ثم تحتانية ثقيلة وهو من شيوخ البخاري، ويحيى بن سعيد هو القطان. قوله: "حدثني عبد الله بن محمد" هو الجعفي، وليس هو أبا بكر بن أبي شيبة وإن كان هو أيضا عبد الله بن محمد. لأن قول البخاري بهذا يشعر بأن سياقه مثل سياق علي بن المديني إلا في اللفظة التي اختلفا فيها، وسياق ابن أبي شيبة لا يشبه سياق علي. قوله: "بهذا" أي بهذا الإسناد إلى علي والمتن، وقد أخرجه الإسماعيلي عن عمران بن موسى عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن الأعمش فقال: بإسناده مثله، قوله: "عن الأوعية" فيه حذف تقديره: نهى عن الانتباذ في الأوعية، وقد بين ذلك في رواية زياد بن فياض عن أبي عياض أخرجه أبو داود بلفظ: "لا تنبذوا في الدباء والحنتم والنقير" والفرق بين الأسقية من الأدم وبين غيرها أن الأسقية يتخللها الهواء من مسامها فلا يسرع إليها الفساد مثل ما يسرع إلى غيرها من الجرار ونحوها مما نهى عن الانتباذ فيه. وأيضا فالسقاء إذا نبذ فيه ثم ربط أمنت مفسدة الإسكار بما يشرب منه لأنه متى تغير وصار مسكرا شق الجلد، فلما لم يشقه فهو غير مسكر، بخلاف الأوعية لأنها قد تصير النبيذ فيها مسكرا ولا يعلم به، وأما الرخصة في بعض الأوعية دون بعض فمن جهة المحافظة على صيانة المال لثبوت النهي عن إضاعته، لأن التي نهي عنها يسرع التغير إلى ما ينبذ فيها، بخلاف ما أذن فيه فإنه لا يسرع إليه التغير، ولكن حديث بريدة ظاهر في تعميم الإذن في الجميع، يفيد أن لا تشربوا المسكر، فكأن الأمن حصل بالإشارة إلى ترك الشرب من الوعاء ابتداء حتى يختبر حاله هل تغير أو لا، فإنه لا يتعين الاختبار بالشرب بل يقع بغير الشرب، مثل أن يصير شديد الغليان أو يقذف بالزبد ونحو ذلك. قوله: "فقالوا لا بد لنا" في رواية زياد بن فياض أن قائل ذلك أعرابي. قوله: "علي" هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة. قوله: "عن سليمان" في رواية الحميدي عن سفيان "حدثنا سليمان الأحول" وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من رواية الحميدي كذلك. قوله: "عن أبي عياض العنسي" بالنون، وعياض بكسر المهملة وتخفيف التحتانية وبعد الألف ضاد معجمة واسمه عمرو بن الأسود، وقيل قيس بن ثعلبة وبذلك جزم أبو نصر الكلاباذي في رجال البخاري، وكأنه تبع ما نقله البخاري عن علي بن المديني. وقال النسائي في "الكنى" أبو عياض عمرو بن الأسود العنسي، ثم ساق من طريق شرحبيل بن عمرو بن مسلم عن عمرو بن الأسود الحمصي أبي عياض. ثم روى عن معاوية بن صالح عن يحيى بن معين قال عمرو بن الأسود العنسي يكنى أبا عياض. ومن طريق البخاري قال لي علي - يعني ابن المديني - إن لم يكن اسم أبي عياض قيس بن ثعلبة فلا أدري قال البخاري وقال غيره عمرو بن الأسود. قال النسائي: ويقال كنية عمرو بن الأسود أبو عبد الرحمن. قال: أورد الحاكم أبو أحمد في "الكنى" محصل ما أورده النسائي إلا قول يحيى بن معين، وذكر أنه سمع عمر ومعاوية، وأنه روى عنه مجاهد وخالد بن معدان وأرطاة بن المنذر وغيرهم، وذكر في رواية شرحبيل بن مسلم عن عمرو بن الأسود أنه مر على مجلس فسلم فقالوا: لو جلست إلينا أبا عياض. ومن طريق موسى بن كثير عن مجاهد حدثنا أبو عياض في خلافة معاوية. وروى أحمد في الزهد أن عمر أثنى على أبي عياض. وذكره أبو موسى في "ذيل الصحابة" وعزاه لابن أبي عاصم، وأظنه ذكره لإدراكه ولكن لا تثبت له صحبة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات. وإذا تقرر ذلك فالراجع في أبي عياض الذي يروي عنه مجاهد أنه عمرو بن الأسود وأنه شامي، وأما قيس بن ثعلبة فهو أبو عياض آخر وهو كوفي، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال: إنه يروي عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم، روى عنه أهل الكوفة. وإنما بسطت ترجمته لأن المزي لم يستوعبها، وخلط ترجمة بترجمة، وأنه صغر اسمه فقال: عمير بن الأسود الشامي العنسي صاحب عبادة بن الصامت، والذي يظهر لي أنه غيره؛ فإن كان كذلك فما له في البخاري سوى هذا الحديث، وإن كان كما قال المزي فإن له عند البخاري حديثا تقدم ذكره في الجهاد من رواية خالد بن معدان عن عمير بن الأسود عن أم حرام بنت ملحان، وكأن عمدته في ذلك أن خالد بن معدان روى عن عمرو بن الأسود أيضا، وقد فرق ابن حبان في الثقات بين عمير بن الأسود الذي يكنى أبا عياض وبين عمير بن الأسود الذي يروي

(10/59)


عن عبادة بن الصامت وقال كل منهما عمير بالتصغير، فإن كان ضبطه فلعل أبا عياض كان يقال له عمرو وعمير، ولكنه آخر غير صاحب عبادة. والله أعلم. قوله: "عن عبد الله بن عمرو" أي ابن العاص، كذا في جميع نسخ البخاري، ووقع في بعض نسخ مسلم عبد الله بن عمر بضم العين، وهو تصحيف نبه عليه أبو علي الجياني. قوله: "لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأسقية" كذا وقع في هذه الرواية. وقد تفطن البخاري لما فيها فقال بعد سياق الحديث: "حدثني عبد الله بن محمد حدثنا سفيان بهذا وقال عن الأوعية" وهذا هو الراجح، وهو الذي رواه أكثر أصحاب ابن عيينة عنه كأحمد والحميدي في مسنديهما وأبي بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر عند مسلم وأحمد بن عبدة عند الإسماعيلي وغيرهم. وقال عياض: ذكر "الأسقية" وهم من الراوي، وإنما هو عن "الأوعية" لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينه قط عن الأسقية وإنما نهى عن الظروف وأباح الانتباذ في الأسقية، فقيل له ليس كل الناس يجد سقاء فاستثنى ما يسكر؛ وكذا قال لوفد عبد القيس لما نهاهم عن الانتباذ في الدباء وغيرها، قالوا: ففيم نشرب؟ قال: في أسقية الأدم. قال ويحتمل أن تكون الرواية في الأصل كانت لما نهى عن النبيذ إلا في الأسقية، فسقط من الرواية شيء انتهى. وسبقه إلى هذا الحميدي فقال في "الجمع": لعله نقص من لفظ المتن، وكان في الأصل لما نهى عن النبيذ إلا في الأسقية. وقال ابن التين: معناه لما نهى عن الظروف إلا الأسقية وهو عجيب، والذي قاله الحميدي أقرب، وإلا فحذف أداة الاستثناء مع المستثنى منه وإثبات المستثنى غير جائز إلا إن ادعى ما قال الحميدي أنه سقط على الراوي. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون لما نهى في مسألة الأنبذة عن الجرار بسبب الأسقية قال: ومجيء "عن" سببية شائع، مثل يسمنون عن الأكل أي بسبب الأكل، ومنه "فأزلهما الشيطان عنها" أي بسببها. قلت: ولا يخفى ما فيه. ويظهر لي أن لا غلط ولا سقط، وإطلاق السقاء على كل ما يسقى منه جائز، فقوله: "نهى عن الأسقية" بمعنى الأوعية، لأن المراد بالأوعية، الأوعية التي يستقى منها، واختصاص اسم الأسقية بما يتخذ من الأدم إنما هو بالعرف. وقال ابن السكيت: السقاء يكون للبن والماء والوطب بالواو للبن خاصة، والنحي بكسر النون وسكون المهملة للسمن والقربة للماء، وإلا فمن يجيز القياس في اللغة لا يمنع ما صنع سفيان، فكأنه كان يرى استواء اللفظين، فحدث به مرة هكذا ومرارا هكذا، ومن ثم لم يعدها البخاري وهما. قوله: "فرخص لهم في الجر غير المزفت" في رواية ابن أبي عمر "فأرخص" وهي لغة، يقال أرخص ورخص. وفي رواية ابن أبي شيبة: "فأذن لهم في شيء منه" وفي هذا دلالة على أن الرخصة لم تقع دفعة واحدة، بل وقع النهي عن الانتباذ إلا في سقاء فلما شكوا رخص لهم في بعض الأوعية دون بعض؛ ثم وقعت الرخصة بعد ذلك عامة، لكن يفتقر من قال إن الرخصة وقعت بعد ذلك إلى أن يثبت أن حديث بريدة الدال على ذلك كان متأخرا عن حديث عبد الله بن عمرو هذا. قاله: "حدثني عبد الله بن محمد" هو الجعفي، وليس هو أبا بكر بن أبي شيبة وإن كان هو أيضا عبد الله بن محمد. لأن قول البخاري بهذا يشعر بأن سياقه مثل سياق علي بن المديني إلا في اللفظة التي اختلفا فيها، وسياق ابن أبي شيبة لا يشبه سياق علي. قوله: "بهذا" أي بهذا الإسناد إلى علي والمتن، وقد أخرجه الإسماعيلي عن عمران بن موسى عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن الأعمش فقال: بإسناده مثله، قوله: "عن الأوعية" فيه حذف تقديره: نهى عن الانتباذ في الأوعية، وقد بين ذلك في رواية زياد بن فياض عن أبي عياض أخرجه أبو داود بلفظ: " لا تنبذوا في الدباء والحنتم والنقير " والفرق بين الأسقية من الأدم

(10/60)


وبين غيرها أن الأسقية يتخللها الهواء من مسامها فلا يسرع إليها الفساد مثل ما يسرع إلى غيرها من الجرار ونحوها مما نهى عن الانتباذ فيه. وأيضا فالسقاء إذا نبذ فيه ثم ربط أمنت مفسدة الإسكار بما يشرب منه لأنه متى تغير وصار مسكرا شق الجلد، فلما لم يشقه فهو غير مسكر، بخلاف الأوعية لأنها قد تصير النبيذ فيها مسكرا ولا يعلم به، وأما الرخصة في بعض الأوعية دون بعض فمن جهة المحافظة على صيانة المال لثبوت النهي عن إضاعته، لأن التي نهي عنها يسرع التغير إلى ما ينبذ فيها، بخلاف ما أذن فيه فإنه لا يسرع إليه التغير، ولكن حديث بريدة ظاهر في تعميم الإذن في الجميع، يفيد أن لا تشربوا المسكر، فكأن الأمن حصل بالإشارة إلى ترك الشرب من الوعاء ابتداء حتى يختبر حاله هل تغير أو لا، فإنه لا يتعين الاختبار بالشرب بل يقع بغير الشرب، مثل أن يصير شديد الغليان أو يقذف بالزبد ونحو ذلك. قوله: "فقالوا لا بد لنا" في رواية زياد بن فياض أن قائل ذلك أعرابي. قوله: "حدثني سليمان" هو الأعمش، وإبراهيم التيمي هو ابن يزيد بن شريك. قوله: "عن الدباء والمزفت" زاد في رواية مالك بن عمير عن علي عند أبي داود "والحنتم والنقير". قوله: "حدثني عثمان" هو ابن أبي شيبة، وجرير هو ابن عبد الحميد. قوله: "عن إبراهيم" هو النخعي "قلت للأسود" هو ابن يزيد النخعي وهو خال إبراهيم الراوي عنه. قوله: "عم نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتبذ فيه" أي أخبرني عما نهى، و"عما" أصلها "عن ما" فأدغمت ولا تشبع الميم غالبا، ووقع في رواية الإسماعيلي: "ما نهى" بحذف "عن". قوله: "أهل البيت" بالفتح على الاختصاص، أو على البدل من الضمير. قوله: "أما ذكرت" القائل هو إبراهيم، وقوله: "قال" أي الأسود، وقوله: "أفنحدث" كذا للأكثر بالنون، وللكشميهني: "أفأحدث" بالإفراد وهو استفهام إنكار. وفي رواية الإسماعيلي: "أفأحدثك ما لم أسمع" وإنما استفهم إبراهيم عن الجر والحنتم لاشتهار الحديث بالنهي عن الانتباذ في الأربعة، ولعل هذا هو السر في التقييد بأهل البيت، فإن الدباء والمزفت كان عندهم متيسرا، فلذلك خص نهيهم عنهما. قوله: "حدثنا عبد الواحد" هو ابن زياد، والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن فيروز، ووقع في رواية الإسماعيلي: "حدثني سليمان الشيباني". قوله: "عن الجر الأخضر" في رواية الإسماعيلي: "عن نبيذ الجر الأخضر". قوله: "قلت" القائل هو الشيباني. قوله: "قال لا" يعني أن حكمه حكم الأخضر، فدل على أن الوصف بالخضرة لا مفهوم له، وكأن الجرار الخضر حينئذ كانت شائعة بينهم فكان ذكر الأخضر لبيان الواقع لا للاحتراز. وقال ابن عبد البر: هذا عندي كلام خرج على جواب سؤال، كأنه قيل الجر الأخضر، فقال: لا تنبذوا فيه، فسمعه الراوي فقال: نهى عن الجر الأخضر. وقد روى ابن عباس "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن نبيذ الجر" قال: والجر كل ما يصنع من مدر قلت: وقد أخرج الشافعي عن سفيان عن أبي إسحاق عن ابن أبي أوفى "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نبيذ الجر الأخضر والأبيض والأحمر" فإن كان محفوظا ففي الأول اختصار، والحديث الذي ذكره ابن عبد البر أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما، قال الخطابي: لم يعلق الحكم في ذلك بالخضرة والبياض، وإنما علق بالإسكار، وذلك أن الجرار تسرع التغير لما ينبذ فيها، فقد يتغير من قبل أن يشعر به، فنهوا عنها. ثم لما وقعت الرخصة أذن لهم في الانتباذ في الأوعية بشرط أن لا يشربوا مسكرا. وقد أخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن أبي أوفى أنه كان يشرب نبيذ الجر الأخضر وأخرج أيضا بسند صحيح عن ابن مسعود "أنه كان ينبذ له في الجر الأخضر" ومن طريق معقل بن يسار وجماعة من الصحابة نحوه، وقد خص جماعة النهي عن الجر بالجرار الخضر كما رواه مسلم عن أبي

(10/61)


هريرة، قال النووي: وبه قال الأكثر - أو الكثير - من أهل اللغة والغريب والمحدثين والفقهاء، وهو أصح الأقوال وأقواها، وقيل إنها جرار مقيرة الأجواف يؤتى بها من مصر أخرجه ابن أبي شيبة عن أنس، وقيل مثله عن عائشة بزيادة: أعناقها في جنوبها، وعن ابن أبي ليلى: جرار أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف وكانوا ينبذون فيها يضاهون بها الخمر. وعن عطاء: جرار تعمل من طين ودم وشعر. ووقع عند مسلم عن ابن عباس أنه فسر الجر بكل شيء من مدر، وكذا فسر ابن عمر الجر بالحرة وأطلق، ومثله عن سعيد بن جبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن.

(10/62)


باب نقيع التمر مالم يسكر
...
9 - باب نَقِيعِ التَّمْرِ مَا لَمْ يُسْكِرْ
5597- حدثنا يحيى بن بكير حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي "أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعرسه فكانت امرأته خادمهم يومئذ وهي العروس. فقالت: هل تدرون ما أنقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أنقعت له تمرات من الليل في تور".
قوله: "باب نقيع التمر ما لم يسكر" أورد فيه حديث سهل بن سعد في قصة امرأة أبي أسيد وفيه: "أنقعت له تمرات" وقد تقدم التنبيه عليه قريبا، وتقدم بسنده ومتنه في أبواب الوليمة، وأشار بالترجمة إلى أن الذي أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن معقل وغيره من كراهة نقيع الزبيب محمول على ما تغير وكاد يبلغ حد الإسكار، أو أراد قائله حسم المادة كما سيأتي عن عبيدة السلماني أنه قال: "أحدث الناس أشربة لا أدري ما فيها، فما لي شراب إلا الماء واللبن" الحديث، وتقييده في الترجمة بما لم يسكر مع أن الحديث لا تعرض فيه للسكر لا إثباتا ولا نفيا، إما من جهة أن المدة التي ذكرها سهل وهو من أول الليل إلى أثناء نهاره لا يحصل فيها التغير جملة، وإما خصه بما لا يسكر من جهة المقام، والله أعلم.

(10/62)


باب لباذق، ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة
...
10 - باب الْبَاذَقِ وَمَنْ نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ مِنْ الأَشْرِبَةِ
وَرَأَى عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٌ شُرْبَ الطِّلاَءِ عَلَى الثُّلُثِ. وَشَرِبَ الْبَرَاءُ وَأَبُو جُحَيْفَةَ عَلَى النِّصْفِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ اشْرَبْ الْعَصِيرَ مَا دَامَ طَرِيّاً.
وَقَالَ عُمَرُ: "وَجَدْتُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرَابٍ وَأَنَا سَائِلٌ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ".
5598- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْبَاذَقِ فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَاذَقَ فَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ قَالَ الشَّرَابُ الْحَلاَلُ الطَّيِّبُ قَالَ لَيْسَ بَعْدَ الْحَلاَلِ الطَّيِّبِ إِلاَّ الْحَرَامُ الْخَبِيثُ".
5599- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ".

(10/62)


11 - باب مَنْ رَأَى أَنْ لاَ يَخْلِطَ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ إِذَا كَانَ مُسْكِراً وَأَنْ لاَ يَجْعَلَ إِدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ
5600- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "إِنِّي لاَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ

(10/66)


وَأَبَا دُجَانَةَ وَسُهَيْلَ بْنَ الْبَيْضَاءِ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ إِذْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فَقَذَفْتُهَا وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ وَإِنَّا نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ الْخَمْرَ". وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعَ أَنَساً.
5601- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ" .
5602- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ" .
قوله: "باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا" قال ابن بطال: قوله: "إذا كان مسكرا" خطأ، لأن النهي عن الخليطين عام وإن لم يسكر كثيرهما، لسرعة سريان الإسكار إليهما من حيث لا يشعر صاحبه به، فليس النهي عن الخليطين لأنهما يسكران حالا، بل لأنهما يسكران مآلا فإنهما إذا كانا مسكرين في الحال لا خلاف في النهي عنهما. قال الكرماني: فعلى هذا فليس هو خطأ بل يكون على سبيل المجاز، وهو استعمال مشهور. وأجاب ابن المنير بأن ذلك لا يرد على البخاري، إما لأنه يرى جواز الخليطين قبل الإسكار، وإما لأنه ترجم على ما يطابق الحديث الأول وهو حديث أنس، فإنه لا شك أن الذي كان يسقيه القوم حينئذ كان مسكرا، ولهذا دخل عندهم في عموم النهي عن الخمر، حتى قال أنس "وإنا لنعدها يومئذ الخمر" فدل على أنه كان مسكرا. قال: وأما قوله: "وأن لا يجعل إدامين في إدام" فيطابق حديث جابر وأبي قتادة، ويكون النهي معللا بعلل مستقلة، إما تحقيق إسكار الكثير وإما توقع الإسكار بالخلط سريعا وإما الإسراف والشره، والتعليل بالإسراف مبين في حديث النهي عن قران التمر. قلت: والذي يظهر لي أن مراد البخاري بهذه الترجمة الرد على من أول النهي عن الخليطين بأحد تأويلين: أحدهما حمل الخليط على المخلوط، وهو أن يكون نبيذ تمر وحده مثلا قد اشتد، ونبيذ زبيب وحده مثلا قد اشتد، فيخلطان ليصيرا خلا، فيكون النهي من أجل تعمد التخليل، وهذا مطابق للترجمة من غير تكلف. ثانيهما أن يكون علة النهي عن الخلط الإسراف، فيكون كالنهي عن الجمع بين إدامين. ويؤيد الثاني قوله في الترجمة "وأن لا يجعل إدامين في إدام" وقد حكى أبو بكر الأثرم عن قوم أنهم حملوا النهي عن الخليطين على الثاني، وجعلوه نظير النهي عن القران بن التمر كما تقدم في الأطعمة، قالوا: فإذا ورد النهي عن القران بين التمرين وهما من نوع واحد فكيف إذا وقع القران بين نوعين؟ ولهذا عبر المصنف بقوله: "من رأى" ولم يجزم بالحكم. وقد نصر الطحاوي من حمل النهي عن الخليطين على منع السرف فقال: كان ذلك لما كانوا فيه من ضيق العيش. وساق حديث ابن عمر في النهي عن القران بين التمرتين، وتعقب بأن ابن عمر أحد من روى النهي عن الخليطين وكان ينبذ البسر، فإذا نظر إلى بسرة في بعضها ترطيب قطعه كراهة أن يقع في النهي، وهذا على قاعدتهم يعتمد عليه، لأنه لو فهم أن النهي عن الخليطين كالنهي عن القران لما خالفه فدل على أنه عنده على غيره. أورد المصنف حديث أنس الذي تقدم شرحه في أول الباب، وفيه أنه سقاه خليط بسر وتمر، فدل على: أن المراد بالنهي عن الخليطين ما كانوا يصنعونه قبل ذلك من خلط البسر بالتمر ونحو ذلك، لأن ذلك عادة يقتضي إسراع الإسكار

(10/67)


بخلاف المنفردين، ولا يمكن حمل حديث أنس هذا في الخليطين على ما ادعاه صاحب التأويل الأول، وحمل علة النهي لخوف الإسراع أظهر من حملها على الإسراف، لأنه لا فرق بين نصف رطل من تمر ونصف رطل من بسر إذا خلطا مثلا، وبين رطل من زبيب صرف، بل هو أولى لقلة الزبيب عندهم إذ ذاك بالنسبة إلى التمر والرطب، وقد وقع الإذن بأن ينبذ كل واحد على حدة، ولم يفرق بين قليل وكثير، فلو كانت العلة الإسراف لما أطلق ذلك. وحكى الطحاوي في "اختلاف العلماء" عن الليث قال: لا أرى بأسا أن يخلط نبيذ التمر ونبيذ الزبيب ثم يشربان جميعا، وإنما جاء النهي أن ينبذا جميعا ثم يشربان لأن أحدهما يشتد به صاحبه. قوله: "وقال عمرو بن الحارث حدثنا قتادة سمع أنسا" أراد بهذا التعليق بيان سماع قتادة، لأنه وقع في الرواية التي ساقها قبل معنعنا، وقد أخرجه مسلم من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث ولفظه: "نهى أن يخلط التمر والزهو ثم يشرب، وأن ذلك كان عامة خمرهم يومئذ"، وهذا السياق أظهر في المراد الذي حملت عليه لفظ الترجمة والله أعلم. وقوله في الإسناد الأول "حدثنا مسلم" وقع في رواية النسفي "حدثنا مسلم بن إبراهيم" وهشام هو الدستوائي. حديث جابر أورده بلفظ: "نهى عن الزبيب والتمر والبسر والرطب" وليس صريحا في النهي عن الخليط، وقد بينه مسلم في روايته من طريق عبد الرزاق ويحيى القطان جميعا عن ابن جريج بلفظ: "لا تجمعوا بين الرطب وبين البسر وبين الزبيب والتمر نبيذا" وأخرج أيضا من طريق الليث عن عطاء "نهي أن ينبذ التمر جميعا والرطب والبسر جميعا". قوله: "حدثنا مسلم" هو ابن إبراهيم أيضا، وهشام هو الدستوائي أيضا. قوله: "عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه" هو الأنصاري المشهور. قوله: "نهى" في رواية مسلم من طريق إسماعيل ابن علية عن هشام بهذا الإسناد "لا تنبذوا الزهو والرطب جميعا" الحديث. قوله: "ولينبذ كل واحد منهما" أي من كل اثنين منهما، فيكون الجمع بين أكثر بطريق الأولى. قوله: "على حدة" بكسر المهملة وفتح الدال بعدها هاء تأنيث أي وحده، ووقع في رواية الكشميهني: "على حدته" وهذا مما يؤيد رد التأويل المذكور أولا كما بينته، ولمسلم من حديث أبي سعيد "ومن شرب منكم النبيذ فليشربه زبيبا فردا أو تمرا فردا أو بسرا فردا" وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي سبب النهي من طريق الحراني عن ابن عمر قال: "أتي النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فضربه ثم سأله عن شرابه فقال شربت نبيذ تمر وزبيب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخلطوهما، فإن كل واحد منهما يكفي وحده". قال النووي: وذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي عن الخليط أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الإسكار، ويكون قد بلغه. قال: ومذهب الجمهور أن النهي، في ذلك للتنزيه. وإنما يمتنع إذا صار مسكرا، ولا تخفى علامته. وقال بعض المالكية: هو للتحريم. واختلف في خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم يشتد عند الشرب هل يمتنع أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ؟ فقال الجمهور: لا فرق. وقال الليث: لا بأس بذلك عند الشرب. ونقل ابن التين عن الداودي أن سبب النهي أن النبيذ يكون حلوا، فإذا أضيف إليه الآخر أسرعت إليه الشدة. وهذه صورة أخرى، كأنه يخص النهي بما إذا نبذ أحدهما ثم أضيف إليه الآخر، لا ما إذا نبذا معا. واختلف في الخليطين من الأشربة غير النبيذ، فحكى ابن التين عن بعض الفقهاء أنه كره أن يخلط للمريض شرابين، ورده بأنهما لا يسرع إليهما الإسكار اجتماعا وانفرادا، وتعقب باحتمال أن يكون قائل ذلك يرى أن العلة الإسراف كما تقدم، لكن لا يقيد هذا في مسألة المريض بما إذا كان المفرد كافيا في دواء ذلك

(10/68)


المرض، وإلا فلا مانع حينئذ من التركيب. وقال ابن العربي: ثبت تحريم الخمر لما يحدث عنها من السكر، وجواز النبيذ الحلو الذي لا يحدث عنه سكر، وثبت النهي عن الانتباذ في الأوعية ثم نسخ، وعن الخليطين فاختلف العلماء: فقال أحمد وإسحاق وأكثر الشافعية بالتحريم ولو لم يسكر. وقال الكوفيون بالحل. قال: واتفق علماؤنا على الكراهة، لكن اختلقوا هل هو للتحريم أو للتنزيه؟ واختلف في علة المنع: فقيل لأن أحدهما يشد الآخر، وقيل لأن الإسكار يسرع إليهما. قال ولا خلاف أن العسل باللبن ليس بخليطين، لأن اللبن لا ينبذ، لكن قال ابن عبد الحكم: لا يجوز خلط شرابي سكر كالورد والجلاب وهو ضعيف. قال: واختلفوا في الخليطين لأجل التخليل، ثم قال: ويتحصل لنا أربع صور: أن يكون الخليطان منصوصين فهو حرام، أو منصوص ومسكوت عنه فإن كان كل منهما لو انفرد أسكر فهو حرام قياسا على المنصوص، أو مسكوت عنهما وكل منهما لو انفرد لم يسكر جاز. قال: وهنا مرتبة رابعة وهي ما لو خلط شيئين وأضاف إليهما دواء يمنع الإسكار فيجوز في المسكوت عنه ويكره في المنصوص. وما نقله عن أكثر الشافعية وجد نص الشافعي بما يوافقه فقال: ثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الخليطين، فلا يجوز بحال. وعن مالك قال: أدركت على ذلك أهل العلم ببلدنا. وقال الخطابي: ذهب إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب منهما مسكرا جماعة عملا بظاهر الحديث، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وظاهر مذهب الشافعي. وقالوا: من شرب الخليطين أثم من جهة واحدة، فإن كان بعد الشدة أثم من جهتين، وخص الليث النهي بما إذا نبذ معا اهـ. وجرى ابن حزم على عادته في الجمود فخص النهي عن الخليطين بخلط واحد من خمسة أشياء وهي: التمر والرطب والزهو والبسر والزبيب في أحدها أو في غيرها، فأما لو خلط واحد من غيرها في واحد من غيرها لم يمتنع كاللبن والعسل مثلا، ويرد عليه ما أخرجه أحمد في الأشربة من طريق المختار بن فلفل عن أنس قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين شيئين نبيذا مما يبغي أحدهما على صاحبه" وقال القرطبي: النهي عن الخليطين ظاهر في التحريم، وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، وعن مالك يكره فقط، وشذ من قال لا بأس به لأن كلا منهما يحل منفردا فلا يكره مجتمعا، قال: وهذه مخالفة للنص، وقياس مع وجود الفارق، فهو فاسد من وجهين. ثم هو منتقض بجواز كل واحدة من الأختين منفردة وتحريمهما مجتمعتين، قال: وأعجب من ذلك تأويل من قال منهم إن النهي إنما هو من باب السرف، قال: وهدا تبديل لا تأويل، ويشهد ببطلانه الأحاديث الصحيحة. وقال: وتسمية الشراب إداما قول من ذهل عن الشرع واللغة والعرف، قال: والذي يفهم من الأحاديث التعليل بخوف إسراع الشدة بالخلط، وعلى هذا يقتصر في النهي عن الخلط على ما يؤثر فيه الإسراع، قال: وأفرط بعض أصحابنا فمنع الخلط وإن لم توجد العلة المذكورة، ويلزمه أن يمنع من خلط العسل واللبن والخل والعسل، قلت: حكاه ابن العربي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وقال: إنه حمل النهي عن الخليطين من الأشربة على عمومه، واستغربه.

(10/69)


باب شرب اللبن، وقول الله عز وجل: {يخرج من بين فرث ودم لبنا حالصا سائغا للشاربين}
...
12 - باب شُرْبِ اللَّبَنِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ}
5603- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَقَدَحِ خَمْرٍ".
5604- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ سَمِعَ سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَيْراً مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ يُحَدِّثُ

(10/69)


عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ قَالَتْ شَكَّ النَّاسُ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِإِنَاءٍ فِيهِ لَبَنٌ فَشَرِبَ فَكَانَ سُفْيَانُ رُبَّمَا قَالَ شَكَّ النَّاسُ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الْفَضْلِ" فَإِذَا وُقِّفَ عَلَيْهِ قَالَ: هُوَ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ.
5605- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ مِنْ النَّقِيعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ خَمَّرْتَهُ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُوداً" .
[الحديث 5605 – طرفه في: 5606]
5606- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَذْكُرُ أُرَاهُ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ مِنْ النَّقِيعِ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ خَمَّرْتَهُ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُوداً" . وَحَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا
5607- حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَرَرْنَا بِرَاعٍ وَقَدْ عَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَلَبْتُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ فِي قَدَحٍ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ وَأَتَانَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ فَدَعَا عَلَيْهِ فَطَلَبَ إِلَيْهِ سُرَاقَةُ أَنْ لاَ يَدْعُوَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَرْجِعَ فَفَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
5608- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِآخَرَ" .
5609- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَناً فَمَضْمَضَ وَقَالَ إِنَّ لَهُ دَسَماً" .
5610- وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رُفِعْتُ إِلَى السِّدْرَةِ فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهَرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهَرَانِ بَاطِنَانِ فَأَمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ وَأَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهَرَانِ فِي الْجَنَّةِ فَأُتِيتُ بِثَلاَثَةِ أَقْدَاحٍ: قَدَحٌ فِيهِ لَبَنٌ وَقَدَحٌ فِيهِ عَسَلٌ وَقَدَحٌ فِيهِ خَمْرٌ فَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ اللَّبَنُ فَشَرِبْتُ فَقِيلَ لِي أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ" . قَالَ هِشَامٌ وَسَعِيدٌ وَهَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الأَنْهَارِ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا ثَلاَثَةَ أَقْدَاحٍ.

(10/70)


قوله: "باب شرب اللبن" قال ابن المنير: أطال التفنن في هذه الترجمة ليرد قول من زعم أن اللبن يسكر كثيره فرد ذلك بالنصوص، وهو قول غير مستقيم لأن اللبن لا يسكر بمجرده وإنما يتفق فيه ذلك نادرا بصفة تحدث. وقال غيره: قد زعم بعضهم أن اللبن إذا طال العهد به وتغير صار يسكر، وهذا ربما يقع نادرا إن ثبت وقوعه، ولا يلزم منه تأثيم شاربه إلا إن علم أن عقله يذهب به فشربه لذلك. نعم قد يقع السكر باللبن إذا جعل فيه ما يصير باختلاطه معه مسكرا فيحرم. قلت: أخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن سيرين أنه سمع أن عمر يسأل عن الأشربة فقال: إن أهل كذا يتخذون من كذا وكذا خمرا حتى عد خمسة أشربة لم أحفظ منها إلا العسل والشعير واللبن، قال فكنت أهاب أن أحدث باللبن حتى أنبئت أنه بأرمينية يصنع شراب من اللبن لا يلبث صاحبه أن يصرع واستدل بالآية المذكورة أول الباب على أن الماء إذا تغير ثم طال مكثه حتى زال التغير بنفسه ورجع إلى ما كان عليه أنه يطهر بذلك، وهذا في الكثير، وبغير النجاسة من القليل متفق عليه، وأما القليل المتغير بالنجاسة ففيما إذا زال تغيره بنفسه خلاف: هل يطهر؟ والمشهور عند المالكية يطهر، وظاهر الاستدلال يقوي القول بالتطهير، لكن في الاستدلال به لذلك نظر، وقريب منه في البعد استدلال من استدل به على طهارة المني، وتقريره أن اللبن خالط الفرث والدم ثم استحال فخرج خالصا طاهرا، وكذلك المني ينقصر من الدم فيكون على غير صفة الدم فلا يكون نجسا. قوله: "وقول الله عز وجل: يخرج {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} ، زاد غير أبي ذر "لبنا خالصا" وزاد غيره وغير النسفي بقية الآية، ووقع بلفظ: "يخرج" في أوله في معظم النسخ، والذي في القرآن {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} وأما لفظ: "يخرج" فهو في الآية الأخرى من السورة {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} ووقع في بعض النسخ وعليه جرى الإسماعيلي وابن بطال وغيرهما بحذف "يخرج" من أوله وأول الباب عندهم: وقول الله {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} فكأن زيادة لفظ: "يخرج" ممن دون البخاري وهذه الآية صريحة في إحلال شرب لبن الأنعام بجميع أنواعه، لوقوع الامتنان به، فيعم جميع ألبان الأنعام في حال حياتها. والفرث بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مثلثة هو ما يجتمع في الكرش. وقال القزاز: هو ما ألقي من الكرش، تقول فرثت الشيء إذا أخرجته من وعائه فشربته، فأما بعد خروجه فإنما يقال له سرجين وزبل. وأخرج القزاز عن ابن عباس أن الدابة إذا أكلت العلف واستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما، والكبد مسلطة عليه فتقسم الدم وتجريه في العروق وتجري اللبن في الضرع ويبقى الفرث في الكرش وحده، وقوله تعالى: {لَبَناً خَالِصاً} أي من حمرة الدم وقذارة الفرث، وقوله: {سَائِغاً} أي لذيذا هنيئا لا يغص به شاربه. قوله: "بقدح لبن وقدح خمر" تقدم البحث فيه قريبا، والحكمة في التخيير بين الخمر مع كونه حراما واللبن مع كونه حلالا إما لأن الخمر حينئذ لم تكن حرمت. أو لأنها من الجنة وخمر الجنة ليست حراما. وقوله في الحديث: "ليلة أسري به" حكي فيه تنوين ليلة. والذي أعرفه في الرواية الإضافة. حديث أم الفضل في شرب اللبن بعرفة. وقد تقدم شرحه في الصيام. وقوله في آخره: "وكان سفيان ربما قال: شك الناس في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه أم الفضل، فإذا وقف عليه قال: هو عن أم الفضل" يعني أن سفيان كان ربما أرسل الحديث فلم يقل في الإسناد عن أم الفضل. فإذا سئل عنه هل هو موصول أو مرسل قال: هو عن أم الفضل. وهو في قوة قوله هو موصول. وهذا معنى قوله وقف عليه. وهو

(10/71)


بضم أوله وكسر القاف. ووقع في رواية أبي ذر "ووقف" بزيادة واو ساكنة بعد الواو المضمومة، والقائل "وكان سفيان" هو الراوي عنه وهو الحميدي، وقد تقدم في الحج عن علي بن عبد الله عن سفيان بدون هذه الزيادة. وأغرب الداودي فقال: لا مخالفة بين الروايتين، لأنه يجوز أن تقول أم الفضل عن نفسها "فأرسلت أم الفضل" أي على سبيل التجريد، كذا قال. قوله: "عن أبي صالح وأبي سفيان" كذا رواه أكثر أصحاب الأعمش عنه عن جابر، ورواه أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح وحده أخرجه مسلم، وقد أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، وعن أبي صالح عن أبي هريرة، وهو شاذ والمحفوظ عن جابر. قوله: "من النقيع" بالنون، قيل هو الموضع الذي حمي لرعي النعم وقيل: غيره، وقد تقدم في كتاب الجمعة ذكر نقيع الخضمات فدل على التعدد؛ وكان واديا يجتمع فيه الماء، والماء الناقع هو المجتمع، وقيل: كانت تعمل فيه الآنية، وقيل: هو الباع حكاه الخطابي، وعن الخليل: الوادي يكون فيه الشجر. وقال ابن التين: رواه أبو الحسن يعني القابسي بالموحدة، وكذا نقله عياض عن أبي بحر بن العاص، وهو تصحيف، فإن البقيع مقبرة بالمدينة. وقال القرطبي: الأكثر على النون وهو من ناحية العقيق على عشرين فرسخا من المدينة. قوله: "ألا" بفتح الهمزة والتشديد بمعنى هلا. وقوله: "خمرته" بخاء معجمة وتشديد الميم أي غطيته، ومنه خمار المرأة لأنه يسترها. قوله: "تعرض" بفتح أوله وضم الراء قاله الأصمعي، وهو رواية الجمهور، وأجاز أبو عبيد كسر الراء وهو مأخوذ من العرض أي تجعل العود عليه بالعرض، والمعنى أنه إن لم يغطه فلا أقل من أن يعرض عليه شيئا. وأظن السر في الاكتفاء بعرض العود أن تعاطي التغطية أو العرض يقترن بالتسمية فيكون العرض علامة على التسمية فتمتنع الشياطين من الدنو منه، وسيأتي شيء من الكلام على هذا الحكم في "باب في تغطية الإناء" بعد أبواب. "تنبيه": وقع لمسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح وحده عن جابر "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستسقى، فقال رجل: يا رسول الله ألا نسقيك نبيذا؟ قال: بلى، فخرج الرجل يسعى فجاء بقدح فيه نبيذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا خمرته" الحديث. ولمسلم أيضا من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: "أخبرني أبو حميد الساعدي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن من النقيع ليس مخمرا" الحديث. والذي يظهر أن قصة اللبن كانت لأبي حميد وأن جابرا أحضرها، وأن قصة النبيذ حملها جابر عن أبي حميد وأبهم أبو حميد صاحبها، ويحتمل أن يكون هو أبا حميد راويها أبهم نفسه، ويحتمل أن يكون غيره، وهو الذي يظهر لي والله أعلم. حديث البراء "قدم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وأبو بكر معه" كذا أورده مختصرا فقال البراء(1) أن هذا القدر هو الذي رواه شعبة عن أبي إسحاق قال: ورواه إسرائيل وغيره عن أبي إسحاق مطولا. قلت: وقد تقدم في الهجرة وأوله "أن عازبا باع رحلا لأبي بكر وسأله عن قصته مع النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة" وقوله: "فحلبت" وتقدم هناك "فأمرت الراعي فحلب" فتكون نسبة الحلب لنفسه هنا مجازية. وقوله: "كثبة" بضم أوله وسكون المثلثة بعدها موحدة قال الخليل: كل قليل جمعته هو كثبة. وقال ابن فارس: هي القطعة من اللبن أو التمر. وقال أبو زيد: هي من اللبن ملء القدح، وقيل: قدر حلبة ناقة. ومحمود شيخ البخاري فيه هو ابن غيلان والنضر هو ابن شميل. وأحسن الأجوبة في شرب النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن مع كون الراعي أخبرهم أن الغنم لغيره أنه كان في عرفهم التسامح بذلك، أو كان صاحبها أذن للراعي أن يسقي من يمر به إذا التمس ذلك منه. وقيل فيه احتمالات
ـــــــ
(1) كذا في الأصل

(10/72)


أخرى تقدمت. الحديث الخامس: حديث أبي هريرة "نعم الصدقة اللقحة" بكسر اللام ويجوز فتحها وسكون القاف بعدها مهملة. وهي التي قرب عهدها بالولادة - والصفي - بمهملة وفاء وزن فعيل - هي الكثيرة اللبن وهي بمعنى مفعول أي مصطفاة مختارة. وفي قوله: "تغدو وتروح" إشارة إلى أن المستعير لا يستأصل لبنها. وقد تقدم بيان ذلك مستوفى في كتاب العارية. الحديث السادس: حديث ابن عباس في المضمضة من اللبن أي بسبب شرب اللبن، تقدم شرحه في الطهارة. وقد أخرجه أبو جعفر الطبري من طريق عقيل عن ابن شهاب بصيغة الأمر "تمضمضوا من اللبن" . حديث أنس في الأقداح. قوله: "وقال إبراهيم بن طهمان الخ" وصله أبو عوانة والإسماعيلي والطبراني في الصغير من طريقه، ووقع لنا بعلو في "غرائب شعبة لابن منده" قال الطبراني: لم يروه عن شعبة إلا إبراهيم بن طهمان، تفرد به حفص بن عبد الله النيسابوري عنه. قوله: "رفعت إلى سدرة المنتهى" كذا للأكثر بضم الراء وكسر الفاء وفتح المهملة وسكون المثناة على البناء للمجهول، والسدرة مرفوعة. وللمستملي: "دفعت" بدال بدل الراء وسكون العين وضم المثناة بنسبة الفعل إلى المتكلم، وإلى بالسكون حرف جر. قوله: "وقال هشام" يعني الدستوائي، وهمام يعني ابن يحيى، وسعيد يعني ابن أبي عروبة، يعني أنهم اجتمعوا على رواية الحديث عن قتادة فزادوا هم في الإسناد بعد أنس بن مالك "مالك بن صعصعة" ولم يذكره شعبة. وقوله: "في الأنهار نحوه" يريد أنهم توافقوا من المتن على ذكر الأنهار وزادوا هم قصة الإسراء بطولها وليست في رواية شعبة هذه، ووقع في روايتهم هنا بعد قوله سدرة المنتهى " فإذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنها آذان الفيلة، في أصلها أربعة أنهار" واقتصر شعبة على "فإذا أربعة أنهار" . قوله: "ولم يذكروا ثلاثة أقداح" في رواية الكشميهني: "ولم يذكر" بالإفراد، وظاهر هذا النفي أنه لم يقع ذكر الأقداح في رواية الثلاثة، وهو معترض بما تقدم في بدء الخلق عن هدبة عن همام بلفظ: "ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل" فيحتمل أن يكون المراد بالنفي نفي ذكر الأقداح بخصوصها، ويحتمل أن تكون رواية الكشميهني التي بالإفراد هي المحفوظة، والفاعل هشام الدستوائي فإنه تقدم في بدء الخلق من طريق يزيد بن زريع عن سعيد وهشام جميعا عن قتادة بطوله وليس فيه ذكر الآنية أصلا، لكن أخرجه مسلم من رواية عبد الأعلى عن هشام وفيه: " ثم أتيت بإناءين أحدهما خمر والآخر لبن، فعرضا علي" ثم أخرجه من طريق معاذ بن هشام عن أبيه نحوه ولم يسق لفظه، وقد ساقه النسائي من رواية يحيى القطان عن هشام وليس فيه ذكر الآنية أصلا، فوضح من هذا أن رواية همام فيها ذكر ثلاثة، وإن كان لم يصرح بذكر العدد ولا وصف الظرف، ورواية سعيد فيها ذكر إناءين فقط، ورواية هشام ليس فيها ذكر شيء من ذلك أصلا، وقد رجح الإسماعيلي رواية إناءين فقال عقب حديث شعبة هنا: هذا حديث شعبة، وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة المذكور أول الباب أصح إسنادا من هذا، وأولى من هذا. كذا قال، مع أنه أخرج حديث همام عن جماعة عن هدبة عنه كما أخرجه البخاري سواء، والزيادة من الحافظ مقبولة، وقد توبع، وذكر إناءين لا ينفي الثالث، مع أنني قدمت في الكلام على حديث الإسراء أن عرض الآنية على النبي صلى الله عليه وسلم وقع مرتين: قبل المعراج وهو في بيت المقدس، وبعده وهو عند سدرة المنتهى، وبهذا يرتفع الإشكال جملة. قال ابن المنير: لم يذكر السر في عدوله عن العسل إلى اللبن كما ذكر السر في عدوله عن الخمر، ولعل السر في ذلك كون اللبن أنفع، وبه يشتد العظم وينبت اللحم، وهو بمجرده قوت، ولا يدخل في السرف بوجه، وهو أقرب إلى الزهد، ولا

(10/73)


منافاة بينه وبين الورع بوجه. والعسل وإن كان حلالا لكنه من المستلذات التي قد يخشى على صاحبها أن يندرج في قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} . قلت: ويحتمل أن يكون السر فيه ما وقع في بعض طرق الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم عطش - كما تقدم في بعض طرقه مبينا هناك - فأتي بالأقداح، فآثر اللبن دون غيره لما فيه من حصول حاجته دون الخمر والعسل، فهذا هو السبب الأصلي في إيثار اللبن، وصادف مع ذلك رجحانه عليهما من عدة جهات. وقد تقدم شيء من هذا في شرح حديث الإسراء. قال ابن المنير: ولا يعكر على ما ذكرته ما سيأتي قريبا أنه كان يحب الحلوى والعسل، لأنه إنما كان يحبه مقتصدا في تناوله لا في جعله ديدنا ولا تنطعا. ويؤخذ من قول جبريل في الخمر "غوت أمتك" أن الخمر ينشأ عنها الغي، ولا يختص ذلك بقدر معين. ويؤخذ من عرض الآنية عليه صلى الله عليه وسلم إرادة إظهار التيسير عليه، وإشارة إلى تفويض الأمور إليه.

(10/74)


13 - باب اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا نَزَلَتْ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ أَوْ رَايِحٌ شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ".
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى "رَايِحٌ".
قوله: "باب استعذاب الماء" بالذال المعجمة أي طلب الماء العذب، والمراد به الحلو. حديث أنس في صدقة أبي طلحة لقوله فيه: "ويشرب من ماء فيها طيب" وقد ورد في خصوص هذا اللفظ - وهو استعذاب الماء - حديث عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله يستعذب له الماء من بيوت السقيا" والسقيا بضم المهملة وبالقاف بعدها تحتانية قال قتيبة: هي عين بينها وبين المدينة يومان، هكذا أخرجه أبو داود عنه بعد سياق الحديث بسند جيد وصححه الحاكم، وفي قصة أبي الهيثم بن التيهان أن امرأته قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءهم يسأل عن أبي الهيثم "ذهب يستعذب لنا من الماء" وهو عند مسلم كما سأبينه بعد، وذكر الواقدي من حديث سلمى امرأة أبي رافع "كان أبو أيوب حين نزل عنده النبي صلى الله عليه وسلم يستعذب له الماء من بئر مالك بن النضر والد أنس" ثم كان أنس وهند وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السقيا، وكان رباح الأسود عبده يستقي له من بئر عرس مرة ومن بيوت السقيا مرة. قال ابن بطال: استعذاب الماء لا ينافي الزهد ولا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه فقد كرهه مالك لما فيه من السرف، وأما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح، فقد فعله

(10/74)


الصالحون. وليس في شرب الماء الملح فضيلة، قال: وفيه دلالة على أن استطابة الأطعمة جائزة وأن ذلك من فعل أهل الخير، وقد ثبت أن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} نزل في الذين أرادوا الامتناع من لذائذ المطاعم، قال: ولو كانت مما لا يريد الله تناوله ما امتن بها على عباده، بل نهيه عن تحريمها يدل على أنه أراد منهم تناولها ليقابلوا نعمته بها عليهم بالشكر لها، وإن كانت نعمه لا يكافئها شكرهم. وقال ابن المنير: أما أن استعذاب الماء لا ينافي الزهد والورع فواضح، وأما الاستدلال بذلك على لذيذ الأطعمة فبعيد. وقال ابن التين: هذا الحديث أصل في جواز شرب الماء من البستان بغير ثمن. قلت: المأذون له في الدخول فيه لا شك فيه، وأما غيره فلما اقتضاه العرف من المسامحة بذلك، وثبوت ذلك بالفعل المذكور فيه نظر. قوله: "ذلك مال رايح أو رابح" الأول بتحتانية والثاني بموحدة والحاء مهملة فيهما، فالأول معناه أن أجره يروح إلى صاحبه أي يصل إليه ولا ينقطع عنه، والثاني: معناه كثير الربح، وأطلق عليه صفة صاحبه المتصدق به. وقوله: "شك عبد الله بن مسلمة" هو القعنبي، وقوله: "قال إسماعيل" هو ابن أبي أويس ويحيى هو ابن يحيى، ورايح في روايتهما بالتحتانية وقد تقدمت رواية إسماعيل مصرحا فيها بالتحديث في تفسير آل عمران، ورواية يحيى بن يحيى كذلك في الوكالة، وتقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الوكالة.

(10/75)


14 - باب شُربِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ
5612- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ "رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَناً وَأَتَى دَارَهُ فَحَلَبْتُ شَاةً فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبِئْرِ فَتَنَاوَلَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ ثُمَّ قَالَ: الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ".
5613- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ وَإِلاَ كَرَعْنَا" قَالَ وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي مَاءٌ بَائِتٌ فَانْطَلِقْ إِلَى الْعَرِيشِ قَالَ فَانْطَلَقَ بِهِمَا فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ لَهُ قَالَ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ".
[الحديث 5613 – طرفه في: 5621]
قوله: "باب شرب اللبن بالماء" أي ممزوجا، وإنما قيده بالشرب للاحتراز عن الخلط عند البيع فإنه غش. ووقع في رواية الكشميهني بالواو بدل الراء، والشوب الخلط، قال ابن المنير: مقصوده أن ذلك لا يدخل في النهي عن الخليطين، وهو يؤيد ما تقدم من فائدة تقييده الخليطين بالمسكر، أي إنما ينهى عن الخليطين إذا كان كل واحد

(10/75)


منهما من جنس ما يسكر، وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء لأن اللبن عند الحليب يكون حارا وتلك البلاد في الغالب حارة، فكانوا يكسرون حر اللبن بالماء البارد. قوله: "حدثنا عبدان" هو عبد الله بن عثمان، وعبد الله هو ابن المبارك، ويونس هو ابن يزيد. قوله: "أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا وأتى داره" أي دار أنس، وهي جملة حالية أي رآه حين أتى داره، وقد تقدم في الهبة من طريق أبي طوالة عن أنس بلفظ أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارنا هذه فاستسقى، فحلبنا شاة لنا. قوله: "فحلبت" عين في هذه الرواية أنه هو الذي باشر الحلب، وقوله: "فشبت" كذا للأكثر من الشوب بلفظ المتكلم، ووقع في رواية الأصيلي بكسر المعجمة بعدها تحتانية على البناء للمجهول. قوله: "وأبو بكر عن يساره" زاد في رواية أبي طوالة وعمر تجاهه، وقد تقدم ضبطها في الهبة، وتقدم في الشرب من طريق شعيب عن الزهري في هذا الحديث: "فقال عمر وخاف أن يعطيه الأعرابي: أعط أبا بكر" وفي رواية أبي طوالة "فقال عمر هذا أبو بكر" قال الخطابي وغيره: كانت العادة جارية لملوك الجاهلية ورؤسائهم بتقديم الأيمن في الشرب، حتى قال عمرو بن كلثوم في قصيدة له: "وكان الكأس مجراها اليمينا" فخشي عمر لذلك أن يقدم الأعرابي على أبي بكر في الشرب فنبه عليه لأنه احتمل عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤثر تقديم أبي بكر على تلك العادة فتصير السنة تقديم الأفضل في الشرب على الأيمن، فبين النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وقوله أن تلك العادة لم تغيرها السنة، وأنها مستمرة، وأن الأيمن يقدم على الأفضل في ذلك. ولا يلزم من ذلك حط رتبة الأفضل، وكان ذلك لفضل اليمين على اليسار. قوله: "فأعطى الأعرابي فضله" أي اللبن الذي فضل منه بعد شربه، وقد تقدم في الهبة ذكر من زعم أن اسم هذا الأعرابي خالد بن الوليد وأنه وهم، ووقع عند الطبراني من حديث عبد الله بن أبي حبيبة قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء، فجئت فجلست عن يمينه وجلس أبو بكر عن يساره، ثم دعا بشراب فشرب وناولني عن يمينه" وأخرجه أحمد لكن لم يسم الصحابي، ولا يمكن تفسير المبهم في حديث أنس به أيضا لأن هذه القصة كانت بقباء وتلك في دار أنس أيضا فهو أنصاري ولا يقال له أعرابي كما استبعد ذلك في حق خالد بن الوليد. قوله: "ثم قال: الأيمن فالأيمن" في رواية الكشميهني: "وقال" بالواو بدل "ثم" وفي رواية أبي طوالة "الأيمنون فالأيمنون" وفيه حذف تقديره الأيمنون مقدمون أو أحق أو يقدم الأيمنون. وأما رواية الباب فيجوز الرفع على ما سبق، والنصب على تقدير قدموا أو أعطوا. ووقع في الهبة بلفظ: "ألا فيمنوا" والكلام عليها. واستنبط بعضهم من تكرار الأيمن أن السنة إعطاء من على اليمين ثم الذي يليه وهلم جرا، ويلزم منه أن يكون عمر في الصورة التي وردت في هذا الحديث شرب بعد الأعرابي ثم شرب أبو بكر بعده. لكن الظاهر عن عمر إيثاره أبا بكر بتقديمه عليه. والله أعلم. وفي الحديث من الفوائد غير ما ذكر أن من سبق إلى مجلس علم أو مجلس رئيس لا ينحى منه لمجيء من هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور، بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس، لكن إن آثره السابق جاز، وأن من استحق شيئا لما يدفع عنه إلا بإذنه كبيرا كان أو صغيرا إذا كان ممن يجوز إذنه. وفيه أن الجلساء شركاء فيما يقرب إليهم على سبيل الفضل لا اللزوم، للإجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب قاله ابن عبد البر، ومحله ما إذا لم يكن فيهم الإمام أو من يقوم مقامه، فإن كان فالتصرف في ذلك له. وفيه دخول الكبير بيت خادمه وصاحبه ولو كان صغير السن وتناوله مما عندهم من طعام وشراب من غير بحث. وسيأتي بقية فوائده بعد ثلاثة أبواب إن شاء الله تعالى. قوله: "حدثنا عبد الله بن محمد" هو الجعفي، وأبو

(10/76)


عامر هو العقدي، وسعيد بن الحارث هو الأنصاري. قوله: "دخل على رجل من الأنصار" كنت ذكرت في المقدمة أنه أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري، ثم وقفت عن ذلك لما أخرجه أحمد عن إسحاق بن عيسى عن فليح في أول حديثي الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى قوما من الأنصار يعود مريضا لهم، وقصة أبي الهيثم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، واستوعب ابن مردويه في تفسير التكاثر طرقه فزاد عن ابن عباس وأبي عسيب وأبي سعيد ولم يذكر في شيء من طرقه عبادة، فالذي يظهر أنها قصة أخرى، ثم وقفت على المستند في ذلك وهو ما ذكره الواقدي من حديث الهيثم بن نصر الأسلمي قال: "خدمت النبي صلى الله عليه وسلم ولزمت بابه، فكنت آتيه بالماء من بئر جاشم - وهي بئر أبي الهيثم بن التيهان وكان ماؤها طيبا - ولقد دخل يوما صائفا ومعه أبو بكر على أبي الهيثم فقال: هل من ماء بارد؟ فأتاه بشجب فيه ماء كأنه الثلج فصبه على لبن عنز له وسقاه، ثم قال له: إن لنا عريشا باردا فقل فيه يا رسول الله عندنا، فدخله وأبو بكر، وأتى أبو الهيثم بألوان من الرطب" الحديث. والشجب بفتح المعجمة وسكون الجيم ثم موحدة يتخذ من شنة تقطع ويخرز رأسها. قوله: "ومعه صاحبه" هو أبو بكر الصديق كما ترى. قوله: "فقال له" زاد في رواية الإسماعيلي من قبل هذا "وإلى جانبه ماء في ركي" وهو بفتح الراء وكسر الكاف وبعدها شدة البئر المطوية، وزاد في رواية ستأتي بعد خمسة أبواب "فسلم النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه فرد الرجل - أي عليهما - السلام". قوله: "إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة" بفتح المعجمة وتشديد النون وهي القربة الخلقة. وقال الداودي: هي التي زال شعرها من البلى. قال المهلب: الحكمة في طلب الماء البائت أنه يكون أبرد وأصفى، وأما مزج اللبن بالماء فلعل ذلك كان في يوم حار كما وقع في قصة أبي بكر مع الراعي. قلت: لكن القصتان مختلفتان، فصنيع أبي بكر ذلك باللبن لشدة الحر، وصنيع الأنصاري لأنه أراد أن لا يسقي النبي صلى الله عليه وسلم ماء صرفا فأراد أن يضيف إليه اللبن فأحضر له ما طلب منه وزاد عليه من جنس جرت عادته بالرغبة فيه. ويؤيد هذا ما في رواية الهيثم بن نصر قبل أن الماء كان مثل الثلج. قوله: "وإلا كرعنا" فيه حذف تقديره: فاسقنا، وإن لم يكن عندك كرعنا. ووقع في رواية ابن ماجه التصريح بطلب السقي. والكرع بالراء تناول الماء بالفم من غير إناء ولا كف. وقال ابن التين حكى أبو عبد الملك أنه الشرب باليدين معا، قال: وأهل اللغة على خلافه. قلت: ويرده ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر قال: "مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا بها" الحديث ولكن في سنده ضعف، فإن كان محفوظا فالنهي فيه للتنزيه، والفعل لبيان الجواز، أو قصة جابر قبل النهي، أو النهي في غير حال الضرورة، وهذا الفعل كان لضرورة شرب الماء الذي ليس ببارد فيشرب بالكرع لضرورة العطش لئلا تكرهه نفسه إذا تكررت الجرع، فقد لا يبلغ الغرض من الري، أشار إلى هذا الأخير ابن بطال، وإنما قيل للشرب بالفم كرع لأنه فعل البهائم لشربها بأفواهها والغالب أنها تدخل أكارعها حينئذ في الماء، ووقع عند ابن ماجه من وجه آخر عن ابن عمر فقال: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا" وهو الكرع، وسنده أيضا ضعيف، فهذا إن ثبت احتمل أن يكون النهي خاصا بهذه الصورة، وهي أن يكون الشارب منبطحا على بطنه، ويحمل حديث جابر على الشرب بالفم من مكان عال لا يحتاج إلى الانبطاح. ووقع في رواية أحمد "وإلا تجرعنا" بمثناة وجيم وتشديد الراء أي شربنا جرعة جرعة، وهذا قد يعكر على الاحتمال المذكور. والله أعلم. قوله: "والرجل يحول الماء في حائطه" أي ينقل الماء من مكان إلى مكان آخر من البستان ليعم

(10/77)


أشجاره بالسقي، وسيأتي بعد خمسة أبواب من وجه آخر بلفظ: "وهو يحول في حائط له" يعني الماء، وفي لفظ له "يحول الماء في الحائط" فيحتمل أن يكون وقع منه تحويل الماء من البئر مثلا إلى أعلاها ثم حوله من مكان إلى مكان. قوله: "إلى العريش" هو خيمة من خشب وثمام بضم المثلثة مخففا، وهو نبات ضعيف له خواص، وقد يجعل من الجريد كالقبة أو من العيدان ويظلل عليها. قوله: "فسكب في قدح" في رواية أحمد: فسكب ماء في قدح. قوله: "ثم حلب عليه من داجن له" في رواية أحمد وابن ماجه فحلب له شاة ثم صب عليه ماء بات في شن، والداجن بجيم ونون: الشاة التي تألف البيوت. قوله: "ثم شرب الرجل" في رواية أحمد "وشرب النبي صلى الله عليه وسلم وسقى صاحبه" وظاهره أن الرجل شرب فضلة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في رواية لأحمد أيضا وابن ماجه: "ثم سقاه ثم صنع لصاحبه مثل ذلك" أي حلب له أيضا وسكب عليه الماء البائت، هذا هو الظاهر، ويحتمل أن تكون المثلية في مطلق الشرب. قال المهلب: في الحديث أنه لا بأس بشرب الماء البارد في اليوم الحار، وهو من جملة النعم التي امتن الله بها على عباده، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة رفعه: " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة: ألم أصح جسمك، وأرويك من الماء البارد؟"

(10/78)


15 - باب شَرَابِ الْحَلْوَاءِ وَالْعَسَلِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لاَ يَحِلُّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ لِأَنَّهُ رِجْسٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ} . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي السَّكَرِ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.
5614- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ".
قوله: "باب شراب الحلواء والعسل" في رواية المستملي: "الحلواء" بالمد ولغيره بالقصر، وهما لغتان، قال الخطابي: هي ما يعقد من العسل ونحوه. وقال ابن التين عن الداودي: هي النقيع الحلو، وعليه يدل تبويب البخاري "شراب الحلواء" كذا قال، وإنما هو نوع منها، والذي قاله الخطابي هو مقتضى العرف. وقال ابن بطال: الحلوى كل شيء حلو، وهو كما قال، لكن استقر العرف على تسمية ما لا يشرب من أنواع الحلو حلوى ولأنواع ما يشرب مشروب ونقيع أو نحو ذلك، ولا يلزم مما قال اختصاص الحلوى بالمشروب. قوله: "وقال الزهري: لا يحل شرب بول الناس لشدة تنزل لأنه رجس، قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} وصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ووجهه ابن التين أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى البول رجسا. وقال الله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} والرجس من جملة الخبائث، ويرد على استدلال الزهري جواز أكل الميتة عند الشدة وهي رجس أيضا، ولهذا قال ابن بطال: الفقهاء على خلاف قول الزهري، وأشد حال البول أن يكون في النجاسة والتحريم مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، ولم يختلفوا في جواز تناولها عند الضرورة. وأجاب بعض العلماء عن الزهري باحتمال أنه كان يرى أن القياس لا يدخل الرخص، والرخصة في الميتة لا في البول. قلت: وليس هذا بعيدا من مذهب الزهري، فقد أخرج البيهقي في "الشعب" من رواية ابن أخي الزهري قال: كان الزهري يصوم يوم عاشوراء في السفر، فقيل له أنت تفطر في

(10/78)


رمضان إذا كنت مسافرا، فقال: إن الله تعالى قال في رمضان {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وليس ذلك لعاشوراء. قال ابن التين: وقد يقال إن الميتة لسد الرمق، والبول لا يدفع العطش، فإن صح هذا صح ما قال الزهري إذ لا فائدة فيه. قلت: وسيأتي نظيره في الأثر الذي بعده. قوله: "وقال ابن مسعود في السكر: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". قال ابن التين: اختلف في السكر بفتحتين: فقيل هو الخمر، وقيل: ما يجوز شربه كنقيع التمر قبل أن يشتد وكالخل، وقيل: هو نبيذ التمر إذا اشتد. قلت: وتقدم في تفسير النحل عن أكثر أهل العلم أن السكر في قوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} وهو ما حرم منها، والرزق الحسن ما أحل. وأخرج الطبري من طريق أبي رزين أحد كبار التابعين قال: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر. ومن طريق النخعي نحوه. ومن طريق الحسن البصري بمعناه. ثم أخرج من طريق الشعبي قال: السكر نقيع الزبيب يعني قبل أن يشتد والخل، واختار الطبري هذا القول وانتصر له لأنه لا يستلزم منه دعوى نسخ، ويستمر الامتنان بما تضمنته الآية على ظاهره، بخلاف القول الأول فإنه يستلزم النسخ والأصل عدمه. قلت: وهذا في الآية محتمل، لكنه في هذا الأثر محمول على المسكر، وقد أخرج النسائي بأسانيد صحيحة عن النخعي والشعبي وسعيد بن جبير أنهم قالوا: السكر خمر، ويمكن الجمع بأن السكر بلغة العجم الخمر وبلغة العرب النقيع قبل أن يشتد، ويؤيده ما أخرجه الطبراني من طريق قتادة قال: السكر خمور الأعاجم، وعلى هذا ينطبق قول ابن مسعود "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" ونقل ابن التين عن الشيخ أبي الحسن يعني ابن القصار: إن كان أراد مسكر الأشربة فلعله سقط من الكلام ذكر السؤال، وإن كان أراد السكر بالضم وسكون الكاف قال: فأحسبه هذا أراد، لأنني أظن أن عند بعض المفسرين سئل ابن مسعود عن التداوي بشيء من المحرمات فأجاب بذلك.
والله أعلم بمراد البخاري. قلت: قد رويت الأثر المذكور في "فوائد علي بن حرب الطائي" عن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال: اشتكى رجل منا يقال له خثيم بن العداء داء ببطنه يقال له الصفر فنعت له السكر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله، فذكره. وأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور وسنده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه أحمد في كتاب الأشربة والطبراني في الكبير من طريق أبي وائل نحوه، وروينا في "نسخة داود بن نصير الطائي" بسند صحيح عن مسروق قال: "قال عبد الله هو ابن مسعود: لا تسقوا أولادكم الخمر فإنهم ولدوا على الفطرة، وإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن مسعود كذلك، وهذا يؤيد ما قلناه أولا في تفسير السكر. وأخرج إبراهيم الحربي في غريب الحديث، من هذا الوجه قال: أتينا عبد الله في مجدرين أو محصبين نعت لهم السكر فذكر مثله. ولجواب ابن مسعود شاهد آخر أخرجه أبو يعلى وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة قالت: اشتكت بنت لي فنبذت لها في كوز، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي فقال: ما هذا؟ فأخبرته، فقال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" . ثم حكى ابن التين عن الداودي قال: قول ابن مسعود حق لأن الله حرم الخمر لم يذكر فيها ضرورة وأباح الميتة وأخواتها في الضرورة. قال: ففهم الداودي أن ابن مسعود تكلم على استعمال الخمر عند الضرورة وليس كذلك، وإنما تكلم على التداوي بها فمنعه، لأن الإنسان يجد مندوحة عن التداوي بها ولا يقطع بنفعه، بخلاف الميتة في سد الرمق. وكذا قال النووي في الفرق بين جواز إساغة اللقمة لمن شرق بها بالجرعة من الخمر فيجوز وبين التداوي بها فلا يجوز لأن الإساغة تتحقق بها بخلاف الشفاء فإنه لا يتحقق. ونقل الطحاوي عن الشافعي أنه

(10/79)


قال: لا يجوز سد الرمق من الجوع ولا من العطش بالخمر لأنها لا تزيده إلا جوعا وعطشا، ولأنها تذهب بالعقل. وتعقبه بأنه إن كانت لا تسد من الجوع ولا تروي من العطش لم يرد السؤال أصلا، وأما إذهابها العقل فليس البحث فيه بل هو فيما يسد به الرمق وقد لا يبلغ إلى حد إذهاب العقل. قلت: والذي يظهر أن الشافعي أراد أن يردد الأمر بأن التناول منها إن كان يسيرا فهو لا يغني من الجوع ولا يروي من العطش، وإن كانت كثيرا فهو يذهب العقل، ولا يمكن القول بجواز التداوي بما يذهب العقل لأنه يستلزم أن يتداوى من شيء فيقع في أشد منه. وقد اختلف في جواز شرب الخمر للتداوي وللعطش، قال مالك لا يشربها لأنها لا تزيده إلا عطشا، وهذا هو الأصح عند الشافعية، لكن التعليل يقتضي قصر المنع على المتخذ من شيء يكون بطبعه حارا كالعنب والزبيب، أما المتخذ من شيء بارد كالشعير فلا. وأما التداوي فإن بعضهم قال إن المنافع التي كانت فيها قبل التحريم سلبت بعد التحريم بدليل الحديث المتقدم ذكره، وأيضا فتحريمها مجزوم به، وكونها دواء مشكوك بل يترجح أنها ليست بدواء بإطلاق الحديث. ثم الخلاف إنما هو فيما لا يسكر منها. أما ما يسكر منها فإنه لا يجوز تعاطيه في التداوي إلا في صورة واحدة وهو من اضطر إلى إزالة عقله لقطع عضو من الأكلة والعياذ بالله، فقد أطلق الرافعي تخريجه على الخلاف في التداوي، وصحح النووي هنا الجواز، وينبغي أن يكون محله فيما إذا تعين ذاك طريقا إلى سلامة بقية الأعضاء ولم يجد مرقدا غيرها، وقد صرح من أجاز التداوي بالثاني، وأجازه الحنفية مطلقا لأن الضرورة تبيح الميتة وهي لا يمكن أن تنقلب إلى حالة تحل فيها، فالخمر التي من شأنها أن تنقلب خلا فتصير حلالا أولى، وعن بعض المالكية إن دعته إليها ضرورة يغلب على ظنه أنه يتخلص بشربها جاز كما لو غص بلقمة، والأصح عند الشافعية في الغص الجواز. وهذا ليس من التداوي المحض، وسيأتي في أواخر الطب ما يدل على النهي عن التداوي بالخمر وهو يؤيد المذهب الصحيح. حديث عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الحلواء والعسل" قال ابن المنير: ترجم على شيء وأعقبه بضده وبضدها تتبين الأشياء، ثم عاد إلى ما يطابق الترجمة نصا، ويحتمل أن يكون مراده بقول الزهري الإشارة لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} إلى أن الحلواء والعسل من الطيبات فهو حلال، وبقول ابن مسعود الإشارة إلى قوله تعالى: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} فدل الامتنان، به على حله، فلم يجعل الله الشفاء فيما حرم، قال ابن المنير: ونبه بقوله شراب الحلواء على أنها ليست الحلوى المعهودة التي يتعاطاها المترفون اليوم، وإنما هي حلو يشرب إما عسل بماء أو غير ذلك مما يشاكله انتهى. ومحتمل أن تكون الحلوى كانت تطلق لما هو أعم مما يعقد أو يؤكل أو يشرب، كما أن العسل قد يؤكل إذا كان جامدا وقد يشرب إذا كان مائعا وقد يخلط فيه الماء ويذاب ثم يشرب، وقد تقدم في كتاب الطلاق من طريق علي بن مسهر عن هشام بن عروة في حديث الباب زيادة "وإن امرأة من قوم حفصة أهدت لها عكة عسل فشرب النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة" الحديث في ذكر المغافير. فقوله: "سقته شربة من عسل" محتمل لأن يكون صرفا حيث يكون مائعا، ويحتمل أن يكون ممزوجا. وقال النووي: المراد بالحلوى في هذا الحديث كل شيء حلو، وذكر العسل بعدها للتنبيه على شرفه ومزيته، وهو من الخاص بعد العام، وفيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق، وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة، لا سيما إن حصل اتفاقا. وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي سليمان الداراني قال: قول عائشة "كان يعجبه الحلوى" ليس على معنى كثرة التشهي لها وشدة نزاع النفس إليها وتأنق الصنعة في اتخاذها كفعل أهل الترفه والشره. وإنما كان إذا قدمت إليه ينال منها نيلا جيدا فيعلم بذلك أنه

(10/80)


يعجبه طعمها، وفيه دليل على اتخاذ الحلاوات والأطعمة من أخلاط شتى.

(10/81)


16 - باب الشُّرْبِ قَائِماً
5615- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ النَّزَّالِ قَالَ: "أَتَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ فَشَرِبَ قَائِماً فَقَالَ إِنَّ نَاساً يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قَائِمٌ وَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ".
[الحديث 5615 – طرفه في: 5616]
5616- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ قَالَ إِنَّ نَاساً يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قِيَاماً وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ".
5617- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "شَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِماً مِنْ زَمْزَمَ".
قوله: "باب الشرب قائما" قال ابن بطال: أشار بهذه الترجمة إلى أنه لم يصح عنده الأحاديث الواردة في كراهة الشرب قائما. كذا قال، وليس بجيد، بل الذي يشبه صنيعه أنه إذا تعارضت عنده الأحاديث لا يثبت الحكم. قوله: "عن النزال" بفتح النون وتشديد الزاي وآخره لام، في الرواية الثانية "سمعت النزال بن سبرة" وهو بفتح المهملة وسكون الموحدة، تقدمت له رواية عن ابن مسعود في فضائل القرآن وغيره، وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين. وقد روى مسعر هذا الحديث عن عبد الملك بن ميسرة مختصرا، ورواه عنه شعبة مطولا، وساقه المصنف في هذا الباب، ووافق الأعمش شعبة على سياقه مطولا. ومسعر وشيخه وشيخ شيخه هلاليون كوفيون، وأبو نعيم أيضا كوفي، وعلي نزل الكوفة ومات بها، فالإسناد الأول كله كوفيون. قوله: "أتى علي" وقوله في الرواية التي تليها "عن علي" وقع عند النسائي: "رأيت عليا" أخرجه من طريق بهز بن أسد عن شعبة. قوله: "على باب الرحبة" زاد في رواية شعبة أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، والرحبة بفتح الراء والمهملة والموحدة المكان المتسع، والرحب بسكون المهملة المتسع أيضا، قال الجوهري: ومنه أرض رحبة بالسكون أي متسعة، ورحبة المسجد بالتحريك وهي ساحته، قال ابن التين: فعلى هذا يقرأ الحديث بالسكون، ويحتمل أنها صارت رحبة الكوفة بمنزلة رحبة المسجد فيقرأ بالتحريك، وهذا هو الصحيح. قوله: "حوائج" هو جمع حاجة على غير القياس، وذكر الأصمعي أنه مولد، والجمع حاجات وحاج وقال ابن ولاد: الحوجاء الحاجة وجمعها حواجي بالتشديد، ويجوز التخفيف، قال: فلعل حوائج مقلوبة من حواجي مثل سوائع من سواعي. وقال أبو عبيد الهروي: قيل: الأصل حائجة فيصح الجمع على حوائج. قوله: "ثم أتي بماء" في

(10/81)


رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة عند الإسماعيلي: "فدعا بوضوء" وللترمذي من طريق الأعمش عن عبد الملك بن ميسرة "ثم أتي علي بكوز من ماء" ومثله من رواية بهز بن أسد عن شعبة عند النسائي، وكذا لأبي داود الطيالسي في مسنده عن شعبة. قوله: "فشرب وغسل وجهه ويديه، وذكر رأسه ورجليه" كذا هنا. وفي رواية بهز "فأخذ منه كفا فمسح وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه". وكذلك عند الطيالسي "فغسل وجهه ويديه ومسح على رأسه ورجليه" ومثله في رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيلي، ويؤخذ منه أنه في الأصل "ومسح على رأسه ورجليه" وأن آدم توقف في سياقه فعبر بقوله: "وذكر رأسه ورجليه" ووقع في رواية الأعمش "فغسل يديه ومضمض واستنشق ومسح بوجهه وذراعيه ورأسه" وفي رواية علي بن الجعد عن شعبة عند الإسماعيلي: "فمسح بوجهه ورأسه ورجليه" ومن رواية أبي الوليد عن شعبة ذكر الغسل والتثليث في الجميع، وهي شاذة مخالفة لرواية أكثر أصحاب شعبة، والظاهر أن الوهم فيها من الراوي عند أحمد بن إبراهيم الواسطي شيخ الإسماعيلي فيها فقد ضعفه الدار قطني، والصفة التي ذكرها هي صفة إسباغ الوضوء الكامل، وقد ثبت في آخر الحديث قول علي: هذا وضوء من لم يحدث كما سيأتي بيانه. قوله: "ثم قام فشرب فضله" هذا هو المحفوظ في الروايات كلها، والذي وقع هنا من ذكر الشرب مرة قبل الوضوء ومرة بعد الفراغ منه لم أره في غير رواية آدم، والمراد بقوله: "فضله" بقية الماء الذي توضأ منه. قوله: "ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما" كذا للأكثر، وكأن المعنى إن ناسا يكرهون أن يشرب كل منهم قائما، ووقع في رواية الكشميهني: "قياما" وهي واضحة، وللطيالسي "أن يشربوا قياما". قوله: "صنع كما صنعت" أي من الشرب قائما، وصرح به الإسماعيلي في روايته فقال: "شرب فضلة وضوئه قائما كما شربت" ولأحمد ورأيته من طريقين آخرين "عن علي أنه شرب قائما، فرأى الناس كأنهم أنكروه فقال: ما تنظرون أن أشرب قائما؟ فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما، وإن شربت قاعدا فقد رأيته يشرب قاعدا" ووقع في رواية النسائي والإسماعيلي زيادة في آخر الحديث من طرق عن شعبة "وهذا وضوء من لم يحدث" وهي على شرط الصحيح، وكذا ثبت في رواية الأعمش عند الترمذي. واستدل بهذا الحديث على جواز الشرب للقائم، وقد عارض ذلك أحاديث صريحة في النهي عنه. ومنها عند مسلم عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما" ومثله عنده عن أبي سعيد بلفظ: "نهى" ومثله للترمذي وحسنه من حديث الجارود، ولمسلم من طريق أبي غطفان عن أبي هريرة بلفظ: "لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسي فليستقيء" ، وأخرجه أحمد من وجه آخر وصححه ابن حبان من طريق أبي صالح عنه بلفظ: " لو يعلم الذي يشرب وهو قائم لاستقاء" ولأحمد من وجه آخر عن أبي هريرة "أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يشرب قائما فقال: قه، قال: لمه؟ قال: أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا. قال قد شرب معك من هو شر منه، الشيطان " وهو من رواية شعبة عن أبي زياد الطحان مولى الحسن بن علي عنه، وأبو زياد لا يعرف اسمه، وقد وثقه يحيى بن معين. وأخرج مسلم من طريق قتادة عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب الرجل قائما، قال قتادة فقلنا لأنس: فالأكل؟ قال ذاك أشر وأخبث" قيل: وإنما جعل الأكل أشر لطول زمنه بالنسبة لزمن الشرب. فهذا ما ورد في المنع من ذلك. قال المازري: اختلف الناس في هذا، فذهب الجمهور إلى الجواز، وكرهه قوم، فقال بعض شيوخنا: لعل النهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائما قبلهم استبدادا به وخروجا عن كون ساقي القوم آخرهم شربا. قال: وأيضا فإن الأمر في حديث أبي هريرة بالاستقاء لا خلاف بين أهل العلم

(10/82)


في أنه ليس على أحد أن يستقيء. قال: وقال بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبي هريرة. قال: وتضمن حديث أنس الأكل أيضا، ولا خلاف في جواز الأكل قائما. قال: والذي يظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدل على الجواز، وأحاديث النهي تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل. أو لأن في الشرب قائما ضررا فأنكره من أجله وفعله هو لأمنه، قال: وعلى هذا الثاني يحمل قوله: "فمن نسي فليستقيء" على أن ذلك يحرك خلطا يكون القيء دواءه. ويؤيده قول النخعي: إنما نهى عن ذلك لداء البطن. انتهى ملخصا. وقال عياض: لم يخرج مالك ولا البخاري أحاديث النهي، وأخرجها مسلم من رواية قتادة عن أنس ومن روايته عن أبي عيسى عن أبي سعيد وهو معنعن، وكان شعبة يتقي من حديث قتادة ما لا يصرح فيه بالتحديث، وأبو عيسى غير مشهور، واضطراب قتادة فيه مما يعله مع مخالفة الأحاديث الأخرى والأئمة له. وأما حديث أبي هريرة ففي سنده عمر بن حمزة ولا يحتمل منه مثل هذا لمخالفة غيره له، والصحيح أنه موقوف. انتهى ملخصا. ووقع للنووي ما ملخصه: هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال فيها أقوالا باطلة، وزاد حتى تجاسر ورام أن يضعف بعضها، ولا وجه لإشاعة الغلطات، بل يذكر الصواب ويشار إلى التحذير عن الغلط، وليس في الأحاديث إشكال ولا فيها ضعيف، بل الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه، وشربه قائما لبيان الجواز، وأما من زعم نسخا أو غيره فقد غلط، فإن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع لو ثبت التاريخ، وفعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز لا يكون في حقه مكروها أصلا، فإنه كان يفعل الشيء للبيان مرة أو مرات، ويواظب على الأفضل، والأمر بالاستقاءة محمول على الاستحباب، فيستحب لمن شرب قائما أن يستقيء لهذا الحديث الصحيح الصريح، فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حمل على الاستحباب. وأما قول عياض: لا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائما ليس عليه أن يتقيأ، وأشار به إلى تضعيف الحديث، فلا يلتفت إلى إشارته، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع من استحبابه، فمن ادعى منع الاستحباب بالإجماع فهو مجازف، وكيف تترك السنة الصحيحة بالتوهمات، والدعاوى والترهات؟ اهـ وليس في كلام عياض التعرض للاستحباب أصلا، بل ونقل الاتفاق المذكور إنما هو كلام المازري كما مضى، وأما تضعيف عياض للأحاديث فلم يتشاغل النووي بالجواب عنه. وطريق الإنصاف أن لا تدفع حجة العالم بالصدر، فأما إشارته إلى تضعيف حديث أنس بكون قتادة مدلسا وقد عنعنه فيجاب عنه بأنه صرح في نفس السند بما يقتضي سماعه له من أنس، فإن فيه: "قلنا لأنس: فالأكل" وأما تضعيفه حديث أبي سعيد بأن أبا عيسى غير مشهور فهو قول سبق إليه ابن المديني لأنه لم يرو عنه إلا قتادة، لكن وثقه الطبري وابن حبان، ومثل هذا يخرج في الشواهد، ودعواه اضطرابه مردودة لأن لقتادة فيه إسنادين وهو حافظ، وأما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه ومثله يخرج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة كما أشرت إليه عند أحمد وابن حبان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح والله أعلم. قال النووي وتبعه شيخنا في "شرح الترمذي" إن قوله: "فمن نسي" لا مفهوم له، بل يستحب ذلك للعامد أيضا بطريق الأولى، وإنما خص الناسي بالذكر لكون المؤمن لا يقع ذلك منه بعد النهي غالبا إلا نسيانا. قلت: وقد يطلق النسيان ويراد به الترك فيشمل السهو والعمد، فكأنه قيل من ترك امتثال الأمر وشرب قائما فليستقيء. وقال القرطبي في "المفهم": لم يصر أحد إلى أن النهي فيه للتحريم وإن كان جاريا على أصول الظاهرية والقول به، وتعقب بأن ابن حزم منهم جزم بالتحريم، وتمسك من

(10/83)


لم يقل بالتحريم بحديث علي المذكور في الباب، وصحح الترمذي من حديث ابن عمر "كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام" وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص أخرجه الترمذي أيضا وعن عبد الله بن أنيس أخرجه الطبراني وعن أنس أخرجه البزار والأثرم وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه الترمذي وحسنه وعن عائشة أخرجه البزار وأبو علي الطوسي في "الأحكام" وعن أم سليم نحوه أخرجه ابن شاهين وعن عبد الله بن السائب عن خباب عن أبيه عن جده أخرجه ابن أبي حاتم، وعن كبشة قالت: "دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فشرب من قربة معلقة" أخرجه الترمذي وصححه، وعن كلثم نحوه أخرجه أبو موسى بسند حسن. وثبت الشرب قائما عن عمر أخرجه الطبري، وفي "الموطأ" أن عمر وعثمان وعليا كانوا يشربون قياما وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأسا، وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين. وسلك العلماء في ذلك مسالك: أحدها: الترجيح وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم فقال: حديث أنس - يعني في النهي - جيد الإسناد ولكن قد جاء عنه خلافه، يعني في الجواز، قال: ولا يلزم من كون الطريق إليه في النهي أثبت من الطريق إليه في الجواز أن لا يكون الذي يقابله أقوى لأن الثبت قد يروي من هو دونه الشيء فيرجح عليه، فقد رجح نافع على سالم في بعض الأحاديث عن ابن عمر وسالم مقدم على نافع في الثبت، وقدم شريك على الثوري في حديثين وسفيان مقدم عليه في جملة أحاديث. ثم أسند عن أبي هريرة قال: "لا بأس بالشرب قائما" قال الأثرم: فدل على أن الرواية عنه في النهي ليست ثابتة، وإلا لما قال لا بأس به، قال: ويدل على وهاء أحاديث النهي أيضا اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد شرب قائما أن يستقيء. المسلك الثاني: دعوى النسخ، وإليها جنح الأثرم وابن شاهين فقررا على أن أحاديث النهي - على تقدير ثبوتها - منسوخة بأحاديث الجواز بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومنظم الصحابة والتابعين بالجواز، وقد عكس ذلك ابن حزم فادعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي متمسكا بأن الجواز على وفق الأصل وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع. فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وأجاب بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة لما وقع منه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كما سيأتي ذكره في هذا الباب من حديث ابن عباس، وإذا كان ذلك الأخير من فعله صلى الله عليه وسلم دل على الجواز، ويتأيد بفعل الخلفاء الراشدين بعده. المسلك الثالث: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل، فقال أبو الفرج الثقفي في نصره الصحاح: والمراد بالقيام هنا المشي، يقال قام في الأمر إذا مشى فيه، وقمت في حاجتي إذا سعيت فيها وقضيتها، ومنه قوله تعالى: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً} أي مواظبا بالمشي عليه. وجنح الطحاوي إلى تأويل آخر وهو حمل النهي على من لم يسم عند شربه، وهذا إن سلم له في بعض ألفاظ الأحاديث لم يسلم له في بقيتها. وسلك آخرون في الجمع حمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين، وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيرا فقال: إن ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد والتأديب لا على التحريم، وبذلك جزم الطبري وأيده بأنه لو كان جائزا ثم حرمه أو كان حراما ثم جوزه لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بيانا واضحا، فلما تعارضت الأخبار بذلك جمعنا بينها بهذا. وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطب مخافة وقوع ضرر به، فإن الشرب قاعدا أمكن وأبعد من الشرق وحصول الوجع في الكبد أو الحلق، وكل ذلك قد لا يأمن منه من شرب قائما. وفي حديث علي من الفوائد أن على العالم إذا رأى الناس اجتنبوا شيئا وهو

(10/84)


يعلم جوازه أن يوضح لهم وجه الصواب فيه خشية أن يطول الأمر فيظن تحريمه، وأنه متى خشي ذلك فعليه أن يبادر للإعلام بالحكم ولو لم يسأل، فإن سئل تأكد الأمر به، وأنه إذا كره من أحد شيئا لا يشهر باسمه لغير غرض بل يكنى عنه كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل في مثل ذلك. قوله: "حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عاصم الأحول" قال الكرماني ذكر الكلاباذي أن أبا نعيم سمع من سفيان الثوري ومن سفيان بن عيينة وأن كلا منهما روى عن عاصم الأحول فيحتمل أن يكون أحدهما. قلت: ليس الاحتمالان فيهما هنا على السواء، فإن أبا نعيم مشهور بالرواية عن الثوري معروف بملازمته، وروايته عن ابن عيينة قليلة، وإذا أطلق اسم شيخه حمل على من هو أشهر بصحبته وروايته عنه أكثر، ولهذا جزم المزي في "الأطراف" أن سفيان هذا هو الثوري، وهذه قاعدة مطردة عند المحدثين في مثل هذا، وللخطيب فيه تصنيف سماه "المكمل لبيان المهمل"، وقد روى هذا الحديث بعينه سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول أخرجه أحمد عنه، وكذا هو عند مسلم رواية ابن عيينة، وأخرجه أحمد أيضا من وجه آخر عن سفيان الثوري عن عاصم الأحول، لكن خصوص رواية أبي نعيم فيه إنما هي عن الثوري كما تقدم. قوله: "شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائما من زمزم" في رواية ابن ماجه من وجه آخر عن عاصم في هذا الحديث: "قال - أي عاصم - فذكرت ذلك لعكرمة فحلف أنه ما كان حينئذ إلا راكبا" وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الحج، وعند أبي داود من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره ثم أناخه بعد طوافه فصلى ركعتين" فلعله حينئذ شرب من زمزم قبل أن يعود إلى بعيره ويخرج إلى الصفا، بل هذا هو الذي يتعين المصير إليه، لأن عمدة عكرمة في إنكار كونه شرب قائما إنما هو ما ثبت عنده أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره وخرج إلى الصفا على بعيره وسعى كذلك، لكن لا بد من تخلل ركعتي الطواف بين ذلك وقد ثبت أنه صلاهما على الأرض فما المانع من كونه شرب حينئذ من سقاية زمزم قائما كما حفظه الشعبي عن ابن عباس؟

(10/85)


باب من شرب واقف وهو على بعيره
...
17 - باب مَنْ شَرِبَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ
5618- حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ "أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَشَرِبَهُ" زَادَ مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ "عَلَى بَعِيرِهِ".
قوله: "باب من شرب وهو واقف على بعيره" قال ابن العربي: لا حجة في هذا على الشرب قائما، لأن الراكب على البعير قاعد غير قائم، كذا قال، والذي يظهر لي أن البخاري أراد حكم هذه الحالة وهل تدخل تحت النهي أو لا وإيراده الحديث من فعله صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز فلا يدخل في الصورة المنهي عنها، وكأنه لمح بما قال عكرمة أن مراد ابن عباس بقوله في الرواية التي جاءت عن الشعبي في الذي قبله أنه شرب قائما إنما أراد وهو راكب والراكب يشبه القائم من حيث كونه سائرا؛ ويشبه القاعد من حيث كونه مستقرا على الدابة. قوله: "حدثنا مالك بن إسماعيل" هو أبو غسان النهدي الكوفي من كبار شيوخ البخاري، وقوله: بعد ذلك "زاد مالك الخ" هو ابن أنس والمراد أن مالكا تابع عبد العزيز بن أبي سلمة على روايته هذا الحديث عن أبي النضر وقال في روايته: "شرب وهو واقف على

(10/85)


بعيره" وقد تقدمت هذه الرواية تامة في كتاب الصيام مع بقية شرح الحديث.

(10/86)


باب الأيمن في الأيمن في الشرب
...
18 - باب الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ فِي الشُّرْبِ
5619- حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن بن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن شماله أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن" .
قوله: "باب الأيمن فالأيمن في الشرب" ذكر فيه حديث أنس الماضي قريبا في "باب شرب اللبن" وتقدمت مباحثه هناك. وإسماعيل هو ابن أبي أويس. وكذا في حديث الباب الذي بعده. وقوله: "الأيمن فالأيمن" أي يقدم من على يمين الشارب في الشرب ثم الذي عن يمين الثاني وهلم جرا، وهذا مستحب عند الجمهور. وقال ابن حزم: يجب. وقوله في الترجمة: "في الشرب" يعم الماء وغيره من المشروبات، ونقل عن مالك وحده أنه خصه بالماء. قال ابن عبد البر: لا يصح عن مالك. وقال عياض: يشبه أن يكون مراده أن السنة ثبتت نصا في الماء خاصة، وتقديم الأيمن في غير شرب الماء يكون بالقياس. وقال ابن العربي: كأن اختصاص الماء بذلك لكونه قد قيل إنه لا يملك، بخلاف سائر المشروبات. ومن ثم اختلف هل يجري الربا فيه، وهل يقطع في سرقته؟ وظاهر قوله: "في الشرب" أن ذلك لا يجري في الأكل، لكن وقع في حديث أنس خلافه كما سيأتي.

(10/86)


باب هل يستأذن الرجل من على يمينه في الشرب ليعطي الأكبر
...
19 - باب هَلْ يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ فِي الشُّرْبِ لِيُعْطِيَ الأَكْبَرَ
5620- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلاَمِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ فَقَالَ الْغُلاَمُ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ" .
قوله: "باب هل يستأذن الرجل من عن يمينه في الشرب ليعطي الأكبر؟" كأنه لم يجزم بالحكم لكونها واقعة عين فيتطرق إليها احتمال الاختصاص، فلا يطرد الحكم فيها لكل جليسين. حديث سهل بن سعد في ذلك وقد تقدم في أوائل الشرب، وفيه تسمية الغلام وبعض الأشياخ. وقوله: "أتأذن لي" لم يقع في حديث أنس أنه استأذن الأعرابي الذي عن يمينه، فأجاب النووي وغيره بأن السبب فيه أن الغلام كان ابن عمه فكان له عليه إدلال وكان من على اليسار أقارب الغلام أيضا، وطيب نفسه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحكم وأن السنة تقديم الأيمن ولو كان مفضولا بالنسبة إلى من على اليسار، وقد وقع في حديث ابن عباس في هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم تلطف به حيث قال له "الشربة لك، وإن شئت آثرت بها خالدا" كذا في السنن، وفي لفظ لأحمد "وإن شئت آثرت به عمك" وإنما أطلق عليه عمه لكونه أسن منه، ولعل سنه كان قريبا من سن العباس، وإن كان من جهة أخرى من أقرانه لكونه ابن خالته، وكان خالد مع رياسته في الجاهلية وشرفه في قومه قد تأخر إسلامه فلذلك استأذن له، بخلاف

(10/86)


20 - باب الْكَرْعِ فِي الْحَوْضِ
5621- حدثنا يحيى بن صالح حدثنا فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه فرد الرجل فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي وهي ساعة حارة وهو يحول له يعني الماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان عندك ماء بات في شنة وإلا كرعنا والرجل يحول الماء فقال الرجل: يا رسول الله عندي ماء بات في شنة فانطلق إلى العريش فسكب في قدح ماء ثم حلب عليه من داجن له فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أعاد فشرب الرجل الذي جاء معه".
قوله: "باب الكرع في الحوض" ذكر فيه حديث جابر، وقد تقدم شرحه قبل خمسة أبواب مستوفى، وإنما قيد في الترجمة بالحوض لما بينته هناك أن جابرا أعاد قوله: "وهو يحول الماء" في أثناء مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم الرجل مرتين، وأن الظاهر أنه كان ينقله من أسفل البئر إلى أعلاه، فكأنه كان هناك حوض يجمعه فيه ثم يحوله من جانب إلى جانب.

(10/88)


21 - باب خِدْمَةِ الصِّغَارِ الْكِبَارَ
5622- حدثنا مسدد حدثنا الفاء عن أبيه قال سمعت أنسا رضي الله عنه قال: "كنت قائما على الحي أسقيهم عمومتي - وأنا أصغرهم - الفضيخ فقيل: حرمت الخمر فقال: أكفئها فكفأنا. قلت لأنس: ما شرابهم؟ قال: رطب وبسر. فقال أبو بكر بن أنس: وكانت خمرهم فلم ينكر أنس".
وحدثني بعض أصحابي أنه سمع أنسا يقول: "كانت خمرهم يومئذ".
قوله: "باب خدمة الصغار الكبار" ذكر فيه حديث أنس "كنت قائما على الحي أسقيهم وأنا أصغرهم" وهو ظاهر فيما ترجم به، وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في أوائل الأشربة.

(10/88)


22 - باب تَغْطِيَةِ الإِنَاءِ
5623- حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا روح بن عبادة أخبرنا بن جريج قال أخبرني عطاء أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من الليل فحلوهم فأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئا وأطفئوا مصابيحكم" .

(10/88)


23 - باب اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ
5625- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ يَعْنِي أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُهَا فَيُشْرَبَ مِنْهَا" .
[الحديث 5625 – طرفه في: 5626]
5626- حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري قال حدثني عبيد الله بن عبد الله أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن اختناث الأسقية". قال عبد الله: قال معمر أو غيره: "هو الشرب من أفواهها".
قوله: "باب اختناث الأسقية" افتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة، وهو الانطواء والتكسر والانثناء. والأسقية جمع السقاء والمراد به المتخذ من الأدم صغيرا كان أو كبيرا. وقيل: القربة قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة، والسقاء لا يكون إلا صغيرا. قوله: "عن عبيد الله" بالتصغير "ابن عبد الله" بالتكبير "ابن عتبة" بضم المهملة وسكون المثناة بعدها موحدة أي ابن مسعود، وصرح في الرواية التي تليها بتحديث عبيد الله للزهري. قوله: "عن أبي سعيد" صرح بالسماع في التي تليها أيضا. قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم" في التي بعدها "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى". قوله: "يعني أن تكسر أفواهها فيشرب منها" المراد بكسرها ثنيها لا كسرها حقيقة ولا إبانتها، والقائل "يعني" لم يصرح به في هذه الطريق، ووقع عند أحمد عن أبي النضر عن ابن أبي ذئب بحذف لفظ: "يعني" فسار التفسير مدرجا في الخبر، ووقع في الرواية الثانية "قال عبد الله" هو ابن المبارك "قالا معمر" هو ابن راشد "أو غيره هو الشرب من أفواهها" وعبد الله بن المبارك روى المرفوع عن يونس عن الزهري، وروى التفسير عن معمر مع التردد، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق ابن وهب يونس وابن أبي ذئب معا مدرجا ولفظه: "ينهى عن اختناث الأسقية أو الشرب أن يشرب من أفواهها" كذا فيه بحرف التردد، وهو عند مسلم من طريق ابن وهب عن يونس وحده بلفظ: "عن اختناث الأسقية أن يشرب من أفواهها" وهذا

(10/89)


أشبه، وهو أنه تفسير الاختناث لا أنه شك من الراوي في أي اللفظين وقع في الحديث، لكن ظاهره أن التفسير في نفس الخبر، وأخرجه مسلم أيضا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ولم يسق لفظه لكن قال: "مثله" قال: "غير أنه قال: واختناثها أن يقلب رأسها ثم يشرب" وهو مدرج أيضا، وقد جزم الخطابي أن تفسير الاختناث من كلام الزهري، ويحمل التفسير المطلق وهو الشرب من أفواهها على المقيد بكسر فمها أو قلب رأسها، ووقع في مسند أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب في أول هذا الحديث: "شرب رجل من سقاء فانساب في بطنه جنان، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم" فذكره، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق أبي بكر وعثمان بن أبي شيبة فرقهما عن يزيد به. قوله: "أفواهها" جمع فم، وهو على سبيل الرد إلى الأصل في الفم أنه فوه نقصت منه الهاء لاستثقال هاءين عند الضمير لو قال فوهه، فلما لم يحتمل حذف الواو بعد حذف الهاء الإعراب لسكونها عوضت ميما فقيل فم، وهذا إذا أفرد، ويجوز أن يقتصر على الفاء إذا أضيفت لكن تزاد حركة مشبعة يختلف إعرابها بالحروف، فإن أضيف إلى مضمر كفت الحركات ولا يضاف مع الميم إلا في ضرورة شعر كقول الشاعر "يصبح عطشان وفي البحر فمه" فإذا أرادوا الجمع أو التصغير ردوه إلى الأصل فقالوا فويه وأفواه، ولم يقولوا فميم ولا أفمام.

(10/90)


24 - باب الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ
5627- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ قَالَ لَنَا عِكْرِمَةُ أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَشْيَاءَ قِصَارٍ حَدَّثَنَا بِهَا أَبُو هُرَيْرَةَ "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ أَوْ السِّقَاءِ وَأَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي دَارِهِ" .
5628- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ" .
5629- حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد عن عكرمة عن بن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب من في السقاء" .
قوله: "باب الشرب من فم السقاء" الفم بتخفيف الميم ويجوز تشديدها، ووقع في رواية: "من في السقاء" وقد تقدم توجيهها. قال ابن المنير: لم يقنع بالترجمة التي قبلها لئلا يظن أن النهي خاص بصورة الاختناث، فبين أن النهي يعم ما يمكن اختناثه وما لا يمكن كالفخار مثلا. قوله: "حدثنا أيوب قال: قال لنا عكرمة" في رواية الحميدي عن سفيان "حدثنا أيوب السختياني أخبرنا عكرمة" وأخرجه أبو نعيم من طريقه. قوله: "ألا أخبركم بأشياء قصار حدثنا بها أبو هريرة" في الكلام حذف تقديره مثلا: فقلنا نعم، أو فقلنا حدثنا أو نحو ذلك فقال: حدثنا أبو هريرة. ووقع في رواية ابن أبي عمر عن سفيان بهذا الإسناد "سمعت أبا هريرة" أخرجه الإسماعيلي من طريقه. قوله: "من فم القربة أو السقاء" هو شك من الراوي، وكأنه من سفيان، قد وقع في رواية عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عند الإسماعيلي: "من في السقاء" وفي رواية ابن أبي عمر عنده من فم القربة. قوله: "وأن

(10/90)


يمنع جاره الخ" تقدم شرحه في أوائل كتاب المظالم. قال الكرماني، "قال ألا أخبركم بأشياء" ولم يذكر إلا شيئين فلعله أخبر بأكثر فاختصره بعض الرواة أو أقل الجمع عنده اثنان. قلت: واختصاره يجوز أن يكون عمدا ويجوز أن يكون نسيانا، وقد أخرج أحمد الحديث المذكور من رواية حماد بن زيد عن أيوب فذكر بهذا الإسناد الشيئين المذكورين وزاد النهي عن الشرب قائما، وفي مسند الحميدي أيضا ما يدل على أنه ذكر ثلاثة أشياء، فإنه ذكر النهي عن الشرب من في السقاء أو القربة وقال هذا آخرها، والله أعلم. "حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل" هو المعروف بابن علية. قوله: "أن يشرب من في السقاء" زاد أحمد عن إسماعيل بهذا الإسناد والمتن "قال أيوب فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية" وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية عباد بن موسى عن إسماعيل ووهم الحاكم فأخرج الحديث في "المستدرك" بزيادته والزيادة المذكورة ليست على شرط الصحيح لأن راويها لم يسم وليست موصولة، ولكن أخرجها ابن ماجه من رواية سلمة بن وهرام عن عكرمة بنحو المرفوع، وفي آخره: "وإن رجلا قام من الليل بعد النهي إلى سقاء فاختنثه فخرجت عليه منه حية" وهذا صريح في أن ذلك وقع بعد النهي، بخلاف ما تقدم من رواية ابن أبي ذئب في أن ذلك كان سبب النهي، ويمكن الجمع بأن يكون ذلك وقع قبل النهي فكان من أسباب النهي، ثم وقع بعد النهي تأكيدا. وقال النووي: اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه لا للتحريم، كذا قال، وفي نقل الاتفاق نظر لما سأذكره، فقد نقل ابن التين وغيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب وقال: لم يبلغني فيه نهي، وبالغ ابن بطال في رد هذا القول، واعتذر عنه ابن المنير باحتمال أنه كان لا يحمل النهي فيه على التحريم، كذا قال مع النقل عن مالك أنه لم يبلغه فيه نهي، فالاعتذار عنه بهذا القول أولى، والحجة قائمة على من بلغه النهي، قال النووي: ويؤيد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة في ذلك. قلت: لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدل على الجواز إلا من فعله صلى الله عليه وسلم، وأحاديث النهي كلها من قوله. فهي أرجح إذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك، فإن جميع ما ذكره العلماء في ذلك يقتضي أنه مأمون منه صلى الله عليه وسلم، أما أولا فلعصمته ولطيب نكهته، وأما ثانيا فلرفقه في صب الماء وبيان ذلك بسياق ما ورد في علة النهي، فمنها ما تقدم من أنه لا يؤمن دخول شيء من الهوام مع الماء في جوف السقاء فيدخل فم الشارب وهو لا يشعر، وهذا يقتضي أنه لو ملأ السقاء وهو يشاهد الماء يدخل فيه ثم ربطه ربطا محكما ثم لما أراد أن يشرب حله فشربه منه لا يتناوله النهي، ومنها ما أخرجه الحاكم من حديث عائشة بسند قوي بلفظ: "نهى أن يشرب من في السقاء لأن ذلك ينتنه" وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصا بمن يشرب فيتنفس داخل الإناء أو باشر بفمه باطن السقاء، أما من صب من القربة داخل فمه من غير مماسة فلا، ومنها أن الذي يشرب من فم السقاء قد يغلبه الماء فينصب منه أكثر من حاجته فلا يأمن أن يشرق به أو تبتل ثيابه، قال ابن العربي: وواحدة من الثلاثة تكفي في ثبوت الكراهة، وبمجموعها تقوى الكراهة جدا. وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة ما ملخصه: اختلف في علة النهي فقيل: يخشى أن يكون في الوعاء حيوان أو ينصب بقوة فيشرق به أو يقطع العروق الضعيفة التي بإزاء القلب فربما كان سبب الهلاك أو بما يتعلق بفم السقاء من بخار النفس أو بما يخالط الماء من ريق الشارب فيتقذره غيره أو لأن الوعاء يفسد بذلك في العادة فيكون من إضاعة المال، قال: والذي يقتضيه الفقه أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه الأمور وفيها ما يقتضي الكراهة وفيها ما يقتضي التحريم، والقاعدة في مثل ذلك ترجيح القول بالتحريم، وقد جزم ابن حزم بالتحريم لثبوت النهي

(10/91)


وحمل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة، وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة لأنهم كانوا أولا يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء فنسخ الجواز. قلت: ومن الأحاديث الواردة في الجواز ما أخرجه الترمذي وصححه من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة" وفي الباب عن عبد الله بن أنيس عند أبي داود والترمذي وعن أم سلمة في "الشمائل" وفي مسند أحمد والطبراني والمعاني للطحاوي، قال شيخنا في شرح الترمذي: لو فرق بين ما يكون لعذر كأن تكون القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسرا ولم يتمكن من التناول بكفه فلا كراهة حينئذ وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر فتحمل عليه أحاديث النهي. قلت: ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة، ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقا بل على تلك الصورة وحدها، وحملها على حال الضرورة جمعا بين الخبرين أولى من حملها على النسخ والله أعلم. وقد سبق ابن العربي إلى نحو ما أشار إليه شيخنا فقال: يحتمل أن يكون شربه صلى الله عليه وسلم في حال ضرورة، إما عند الحرب وإما عند عدم الإناء أو مع وجوده لكن لم يتمكن لشغله من التفريغ من السقاء في الإناء، ثم قال: ويحتمل أن يكون شرب من إداوة، والنهي محمول على ما إذا كانت القربة كبيرة لأنها مظنة وجود الهوام، كذا قال، والقربة الصغيرة لا يمتنع وجود شيء من الهوام فيها، والضرر يحصل به ولو كان حقيرا، والله أعلم.

(10/92)


25 - باب النَّهْيِ عَنْ التَّنَفُّسِ فِي الإِنَاءِ
5630- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ وَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ" .
قوله: "باب النهي عن التنفس في الإناء" ذكر فيه حديث أبي قتادة. وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة. قوله: "فلا يتنفس في الإناء" زاد ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه النهي عن النفخ في الإناء، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء، وأن ينفخ فيه" وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث، وكذا النهي عن التنفس في الإناء لأنه ربما حصل له تغير من النفس إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلا، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة، والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس.

(10/92)


باب الشرب بنفس أو نفسين
...
26 - باب الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ
5631- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالاَ حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كَانَ أَنَسٌ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلاَثاً".

(10/92)


27 - باب الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ
5632- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: "كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَايِنِ فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِقَدَحِ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَالَ إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلاَّ أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا عَنْ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَقَالَ هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ ".
قوله: "باب الشرب في آنية الذهب" كذا أطلق الترجمة، وكأنه استغنى عن ذكر الحكم بما صرح به بعد في كتاب الأحكام أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم على التحريم حتى يقوم دليل الإباحة. وقد وقع التصريح في حديث الباب بالنهي والإشارة إلى الوعيد على ذلك، ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة أحد التابعين فكأنه لم يبلغه النهي، وعن الشافعي في القديم ونقل عن نصه في حرملة أن النهي فيه للتنزيه لأن علته ما فيه من التشبه بالأعاجم، ونص في الجديد على التحريم، ومن أصحابه من قطع به عنه، وهذا اللائق به لثبوت الوعيد عليه بالنار كما سيأتي في الذي يليه. وإذا ثبت ما نقل عنه فلعله كان قبل أن يبلغه الحديث المذكور،

(10/94)


ويؤيد وهم النقل أيضا عن نصه في حرملة أن صاحب "التقريب" نقل في كتاب الزكاة عن نصه في حرملة تحريم اتخاذ الإناء من الذهب أو الفضة، وإذا حرم الاتخاذ فتحريم الاستعمال أولى، والعلة المشار إليها ليست متفقا عليها، بل ذكروا للنهي عدة علل: منها ما فيه من كسر قلوب الفقراء، أو من الخيلاء والسرف، ومن تضييق النقدين. قوله: "عن ابن أبي ليلى" هو عبد الرحمن. وفي رواية غندر عن شعبة عن الحكم "سمعت ابن أبي ليلى" أخرجه مسلم والترمذي. قوله: "كان حذيفة بالمدائن"، عند أحمد من طريق يزيد عن ابن أبي ليلى "كنت مع حذيفة بالمدائن" والمدائن اسم بلفظ جمع مدينة، وهو بلد عظيم على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ كانت مسكن ملوك الفرس، وبها إيوان كسرى المشهور، وكان فتحها على يد سعد بن أبي وقاص في خلافة عمر سنة ست عشرة وقيل: قبل ذلك، وكان حذيفة عاملا عليها في خلافة عمر ثم عثمان إلى أن مات بعد قتل عثمان. قوله: "فاستسقى فأتاه دهقان" بكسر الدال المهملة ويجوز ضمها بعدها هاء ساكنة ثم قاف، هو كبير القرية بالفارسية، ووقع في رواية أحمد عن وكيع عن شعبة "استسقى حذيفة من دهقان أو علج" وتقدم في الأطعمة من طريق سيف عن مجاهد عن ابن أبي ليلى "أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسي" ولم أقف على اسمه بعد البحث. قوله: "بقدح فضة" في رواية أبي داود عن حفص شيخ البخاري فيه: "بإناء من فضة" ولمسلم من طريق عبد الله بن عكيم "كنا عند حذيفة فجاءه دهقان بشراب في إناء من فضة" ويأتي في اللباس عن سليمان بن حرب عن شعبة بلفظ: "بماء في إناء". قوله: "فرماه به" في رواية وكيع "فحذفه به" ويأتي في الذي يليه بلفظ: "فرمى به في وجهه" ولأحمد من رواية يزيد عن ابن أبي ليلى "ما يألو أن يصيب به وجهه" زاد في رواية الإسماعيلي وأصله عند مسلم: فرماه به فكسره. قوله: "فقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته" في رواية الإسماعيلي المذكورة "لم أكسره إلا أني نهيته فلم يقبل" وفي رواية وكيع "ثم أقبل على القوم فاعتذر" وفي رواية يزيد "لولا أني تقدمت إليه مرة أو مرتين لم أفعل به هذا" وفي رواية عبد الله بن عكيم "إني أمرته أن لا يسقيني فيه" ويأتي في الذي بعده مزيد فيه. قوله: "وإن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج" سيأتي في اللباس التصريح ببيان النهي عن لبسهما، وفيه بيان الديباج ما هو. قوله: "والشرب في آنية الذهب والفضة" وقع في الذي يليه بلفظ: "لا تشربوا ولا تلبسوا" وكذا عند أحمد من وجه آخر عن الحكم، كذا وقع في معظم الروايات عن حذيفة الاقتصار على الشرب ووقع عند أحمد من طريق مجاهد عن ابن أبي ليلى بلفظ: "نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة، وأن يؤكل فيها" ويأتي نحوه في حديث أم سلمة في الباب الذي يليه. قوله: "وقال: هن لهم في الدنيا، وهن لكم في الآخرة" كذا فيه بلفظ: "هن" بضم الهاء وتشديد النون في الموضعين. وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ: "هي" بكسر الهاء ثم التحتانية، وكذا في رواية غندر عن شعبة، ووقع عند الإسماعيلي وأصله في مسلم: "هو" أي جميع ما ذكر. قال الإسماعيلي: ليس المراد بقوله: "في الدنيا" إباحة استعمالهم إياه وإنما المعنى بقوله: "لهم" أي هم الذين يستعملونه مخالفة لزي المسلمين. وكذا قوله "ولكم في الآخرة" أي تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا، ويمنعه أولئك جزاء لهم على معصيتهم باستعماله. قلت: ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة كما تقدم في شرب الخمر، ويأتي مثله في لباس الحرير، بل وقع في هذا بخصوصه ما سأبينه في الذي قبله.

(10/95)


28 - باب آنِيَةِ الْفِضَّةِ
5633- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ خَرَجْنَا مَعَ حُذَيْفَةَ وَذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلاَ تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ" .
5634- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ" .
5635- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ وَعَنْ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ أَوْ قَالَ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَعَنْ الْمَيَاثِرِ وَالْقَسِّيِّ وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالإِسْتَبْرَقِ" .
قوله: "باب آنية الفضة" ذكر فيه ثلاثة أحاديث: الأول: حديث حذيفة. قوله: "خرجنا مع حذيفة وذكر النبي صلى الله عليه وسلم" كذا ذكره مختصرا، وقد أخرجه أحمد عن ابن أبي عدي الذي أخرجه البخاري من طريقه، وأخرجه الإسماعيلي وأصله في مسلم من طريق معاذ بن معاذ وكلاهما عن عبد الله بن عون بلفظ: "خرجت مع حذيفة إلى بعض هذا السواد، فاستسقى، فأتاه الدهقان بإناء من فضة، فرمى به في وجهه، قال فقلنا: اسكتوا، فإنا إن سألناه لم يحدثنا، قال فسكتنا. فلما كان بعد ذلك قال: أتدرون لم رميت بهذا في وجهه؟ قلنا: لا. قال: ذلك أني كنت نهيته. قال فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة" قال أحمد: وفي رواية معاذ "ولا في الفضة". قوله: "إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "عن زيد بن عبد الله بن عمر" هو تابعي ثقة، تقدمت روايته عن أبيه في إسلام عمر، وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين. وهذا الإسناد كله مدنيون، وقد تابع مالكا عن نافع عليه موسى بن عقبة وأيوب وغيرهما وذلك عند مسلم، وخالفهم إسماعيل بن أمية عن نافع فلم يذكر زيدا في إسناده، جعله عن نافع عن عبد الله بن عبد الرحمن، أخرجه النسائي، والحكم لمن زاد من الثقات، ولا سيما وهم حفاظ وقد اجتمعوا وانفرد إسماعيل. وقال محمد بن إسحاق عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة، ووافقه سعد بن إبراهيم عن نافع في صفية لكن خالفه فقال عن عائشة بدل أم سلمة، وقول محمد بن إسحاق أقرب، فإن كان محفوظا فلعل لنافع فيه إسنادين، وشذ عبد العزيز بن أبي رواد فقال: "عن نافع عن أبي هريرة" وسلك برد بن سنان وهشام بن الغاز الجادة فقالا عن نافع عن ابن عمر أخرج الجميع النسائي وقال:

(10/96)


الصواب من ذلك كله رواية أيوب ومن تابعه. قوله: "عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق" هو ابن أخت أم سلمة التي روى عنها هذا الحديث، أمه قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، وهو ثقة ما له في البخاري غير هذا الحديث. قوله: "الذي يشرب في آنية الفضة" في رواية مسلم من طريق عثمان بن مرة عن عبد الله بن عبد الرحمن "من شرب من إناء ذهب أو فضة" وله من رواية علي بن مسهر عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع "إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة" وأشار مسلم إلى تفرد علي بن مسهر بهذه اللفظة، أعني الأكل. قوله: "إنما يجرجر" بضم التحتانية وفتح الجيم وسكون الراء ثم جيم مكسورة ثم راء من الجرجرة وهو صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج نحو صوت اللجام في فك الفرس، قال النووي: اتفقوا على كسر الجيم الثانية من يجرجر، وتعقب بأن الموفق بن حمزة في كلامه على المذهب حكى فتحها، وحكى ابن الفركاح عن والده أنه قال: روي يجرجر على البناء للفاعل والمفعول، وكذا جوزه ابن مالك في "شواهد التوضيح" نعم رد ذلك ابن أبي الفتح تلميذه فقال في جزء جمعه في الكلام على هذا المتن: لقد كثر بحثي على أن أرى أحدا رواه مبنيا للمفعول فلم أجده عند أحد من حفاظ الحديث، وإنما سمعناه من الفقهاء الذين ليست لهم عناية بالرواية، وسألت أبا الحسين اليونيني فقال: ما قرأته على والدي ولا على شيخنا المنذر إلا مبنيا للفاعل. قال: ويبعد اتفاق الحفاظ قديما وحديثا على ترك رواية ثابتة. قال: وأيضا فإسناده إلى الفاعل هو الأصل وإسناده إلى المفعول فرع فلا يصار إليه بغير حاجة، وأيضا فإن علماء العربية قالوا: يحذف الفاعل إما للعلم به أو للجهل به، أو إذا تخوف منه أو عليه، أو لشرفه أو لحقارته، أو لإقامة وزن، وليس هنا شيء من ذلك. قوله: "في بطنه نار جهنم" وقع للأكثر بنصب نار على أن الجرجرة بمعنى الصب أو التجرع فيكون "نار" نصب على المفعولية والفاعل الشارب أي يصب أو يتجرع، وجاء الرفع على أن الجرجرة هي التي تصوت في البطن، قال النووي: النصب أشهر، ويؤيده رواية عثمان بن مرة عند مسلم بلفظ: "فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم" وأجاز الأزهري النصب على أن الفعل عدي إليه، وابن السيد الرفع على أنه خبر إن وما موصولة، قال: ومن نصب جعل "ما" زائدة كافة لأن عن العمل، وهو نحو {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} فقرئ بنصب كيد ورفعه، ويدفعه أنه لم يقع في شيء من النسخ بفصل ما من إن. وقوله: إن النار تصوت في بطنه كما يصوت البعير بالجرجرة مجاز تشبيه، لأن النار لا صوت لها، كذا قيل. وفي النفي نظر لا يخفى. حديث البراء "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع". قوله: "وعن الشرب في الفضة أو قال في آنية الفضة" شك من الراوي. زاد مسلم من طريق أخرى عن البراء "فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة" ومثله في حديث أبي هريرة رفعه: "من شرب في آنية الفضة والذهب في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة، وآنية أهل الجنة الذهب والفضة" أخرجه النسائي بسند قوي، وسيأتي شرح حديث البراء مستوفى في كتاب الأدب، ويأتي ما يتعلق باللباس منه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى. وفي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء لأنه ليس من التزين الذي أبيح لها في شيء، قال القرطبي وغيره: في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب لأنه لم يقف على الزيادة في

(10/97)


الأكل، قال: واختلف في علة المنع فقيل: إن ذلك يرجع إلى عينهما، ويؤيده قوله هي لهم وإنها لهم، وقيل: لكونهما الأثمان وقيم المتلفات، فلو أبيح استعمالها لجاز اتخاذ الآلات منهما فيفضي إلى قلتهما بأيدي الناس فيجحف بهم، ومثله الغزالي بالحكام الذين وظيفتهم التصرف لإظهار العدل بين الناس، فلو منعوا التصرف لأخل ذلك بالعدل، فكذا في اتخاذ الأواني من النقدين حبس لهما عن التصرف الذي ينتفع به الناس. ويرد على هذا جواز الحلي للنساء من النقدين، ويمكن الانفصال عنه. وهذه العلة هي الراجحة عند الشافعية، وبه صرح أبو علي السنجي وأبو محمد الجويني. وقيل: علة التحريم السرف والخيلاء، أو كسر قلوب الفقراء. ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة وعاليها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شذ. وقد نقل ابن الصباغ في "الشامل" الإجماع على الجواز، وتبعه الرافعي ومن بعده. لكن في "زوائد العمراني" عن صاحب "الفروع" نقل وجهين. وقيل: العلة في المنع التشبه بالأعاجم، وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك. واختلف في اتخاذ الأواني دون استعمالها كما تقدم، والأشهر المنع وهو قول الجمهور، ورخصت فيه طائفة، وهو مبني على العلة في منع الاستعمال، ويتفرع على ذلك غرامة أرش ما أفسد منها وجواز الاستئجار عليها.

(10/98)


29 - باب الشُّرْبِ فِي الأَقْدَاحِ
5636- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ "أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَهُ".
قوله: "باب الشرب في الأقداح" أي هل يباح أو يمنع لكونه من شعار الفسقة؟ ولعله أشار إلى أن الشرب فيها وإن كان من شعار الفسقة لكن ذلك بالنظر إلى المشروب وإلى الهيئة الخاصة بهم فيكره التشبه بهم، ولا يلزم من ذلك كراهة الشرب في القدح إذا سلم من ذلك. قوله: "حدثنا عمرو بن عباس" بمهملتين وموحدة، وشيخه عبد الرحمن هو ابن مهدي، وقد تقدم التنبيه على حديث أم الفضل المذكور قريبا، وتقدم أنه مر مشروحا في كتاب الصيام.

(10/98)


30 - باب الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآنِيَتِهِ
وَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: أَلاَ أَسْقِيكَ فِي قَدَحٍ شَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ
5637- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي فَقَالُوا لَهَا أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا قَالَتْ لاَ قَالُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ لِيَخْطُبَكِ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى

(10/98)


31 - باب شُرْبِ الْبَرَكَةِ وَالْمَاءِ الْمُبَارَكِ
5639- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: " قَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ حَضَرَتْ الْعَصْرُ وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ الْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا فَجَعَلْتُ لاَ آلُوا مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ قُلْتُ لِجَابِرٍ كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ أَلْفاً وَأَرْبَعَ مِائَةٍ" . تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ.
وَقَالَ حُصَيْنٌ وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ "خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً" وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ جَابِرٍ

(10/101)


قوله: "باب شرب البركة، والماء المبارك" قال المهلب: سمي الماء بركة لأن الشيء إذا كان مباركا فيه يسمى بركة. قوله: "عن جابر بن عبد الله" في رواية حصين "عن سالم بن أبي الجعد سمعت جابرا" وقد تقدمت في المغازي. قوله: "قد رأيتني" بضم التاء، وفيه نوع تجريد. قوله: "وحضرت العصر" أي وقت صلاتها، والجملة حالية. قوله: "ثم قال: حي على أهل الوضوء" كذا وقع للأكثر. وفي رواية النسفي "حي على الوضوء" بإسقاط لفظ: "أهل" وهي أصوب، وقد وجهت على تقدير ثبوتها بأن يكون أهل بالنصب على النداء بحذف حرف النداء كأنه قال: حي على الوضوء المبارك يا أهل الوضوء، كذا قال عياض، وتعقب بأن المجرور بعلى غير مذكور. وقال غيره: الصواب حي هلا على الوضوء المبارك، فتحرف لفظ: "هلا" فصارت "أهل" وحولت عن مكانها، و"حي" اسم فعل للأمر بالإسراع، وتفتح لسكون ما قبلها مثل ليت وهلا بتخفيف اللام والتنوين كلمة استعجال. قوله: "فجعلت لا آلو" بالمد وتخفيف اللام المضمومة أي لا أقصر، والمراد أنه جعل يستكثر من شربه من ذلك الماء لأجل البركة. قال ابن بطال: يؤخذ منه أنه لا سرف ولا شره في الطعام أو الشراب الذي تظهر فيه البركة بالمعجزة، بل يستحب الاستكثار منه. وقال ابن المنير: في ترجمة البخاري إشارة إلى أنه يغتفر في الشرب منه الإكثار دون المعتاد الذي ورد باستحباب جعل الثلث له، ولئلا يظن أن الشرب من غير عطش ممنوع، فإن فعل جابر ما ذكر دال على أن الحاجة إلى البركة أكثر من الحاجة إلى الري، والظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولو كان ممنوعا لنهاه. قوله: "فقلت لجابر" القائل هو سالم بن أبي الجعد راويه عنه. قوله: "كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف وأربعمائة" كذا لهم بالرفع، والتقدير نحن يومئذ ألف وأربعمائة، ويجوز النصب على خبر كان، وقد تقدم بيان الاختلاف على جابر في عددهم يوم الحديبية في "باب غزوة الحديبية" من المغازي، وبينت هناك أن هذه القصة كانت هناك، وتقدم شيء من شرح المتن في علامات النبوة. قوله: "تابعه عمرو بن دينار عن جابر" وصله المؤلف في تفسير سورة الفتح مختصرا "كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة" وهذا القدر هو مقصوده بالمتابعة المذكورة لا جميع سياق الحديث. قوله: "وقال حصين وعمرو بن مرة عن سالم" هو ابن أبي الجعد "خمس عشرة مائة" أما رواية حصين فوصلها المؤلف في المغازي، وأما رواية عمرو بن مرة فوصلها مسلم وأحمد بلفظ ألف وخمسمائة، والجمع بين هذا الاختلاف عن جابر أنهم كانوا زيادة على ألف وأربعمائة، فمن اقتصر عليها ألغى الكسر، ومن قال ألف وخمسمائة جبره. وقد تقدم بسط ذلك في كتاب المغازي، وبيان توجيه من قال ألف وثلاثمائة، ولله الحمد.
" خاتمة " اشتمل كتاب الأشربة من الأحاديث المرفوعة على أحد وتسعين حديثا، المعلق منها تسعة عشر طريقا والباقي موصول، المكرر منها فيه وفيما مضى سبعون طريقا والباقي خالص، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي مالك وأبي عامر في المعازف، وحديث ابن أبي أوفى في الجر الأخضر، وحديث أنس في الأقداح ليلة الإسراء وهو معلق، وحديث جابر في الكرع، وحديث علي في الشرب قائما، وحديث أبي هريرة في النهي عن الشرب من فم السقاء، وحديث أبي طلحة في قدح النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم أربعة عشر أثرا، والله أعلم.

(10/102)