Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب اللباس
باب قول الله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده}
...
بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ
77 - كتاب اللباس
1 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ}
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ" .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ.
5783- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ يُخْبِرُونَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ" .
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب اللباس" وقول الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} كذا للأكثر، وزاد ابن نعيم "{وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} ". وللنسفي "قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} الآية"

(10/252)


وكأنه أشار إلى سبب نزول الآية، وقد أخرجه الطبري من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "كانت قريش تطوف بالبيت عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} الآية" وسنده صحيح. وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد جياد عن أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء وغيرهما نحوه، وكذا عن إبراهيم النخعي والسدي والزهري وقتادة وغيرهم أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت وهم عراة. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كثير عن طاوس في هذه الآية قال: "لم يأمرهم بالحرير والديباج ولكن كانوا إذا طاف أحدهم وعليه ثيابه ضرب وانتزعت منه" يعني فنزلت. وأخرج مسلم وأبو داود من حديث المسور بن مخرمة "سقط عني ثوبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذ عليك ثوبك، ولا تمشوا عراة" . قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة" ثبت هذا التعليق للمستملي والسرخسي فقط وسقط للباقين. وهذا الحديث من الأحاديث التي لا توجد في البخاري إلا معلقة. ولم يصله في مكان آخر، وقد وصله أبو داود الطيالسي والحارث بن أبي أسامة في مسنديهما من طريق همام بن يحيى عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولم يقع الاستثناء في رواية الطيالسي، وذكره الحارث ولم يقع في روايته: "وتصدقوا" وزاد في آخره: "فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عباده" ، ووقع لنا موصولا أيضا في "كتاب الشكر" لأبن أبي الدنيا بتمامه. وأخرج الترمذي في الفصل الأخير منه - وهي الزيادة المشار إليها - من طريق قتادة بهذا الإسناد، وهذا مصير من البخاري إلى تقوية شيخه عمرو بن شعيب، ولم أر في الصحيح إشارة إليها إلا في هذا الموضع. وقد قلب هذا الإسناد بعض الرواة فصحف والد عمرو بن شعيب، وقوله: "عن أبيه" ذكر ابن أبي حاتم في "العلل" أنه سأل أباه عن حديث رواه أبو عبيدة الحداد عن همام عن قتادة عن عمرو بن سعيد عن أنس فذكر هذا الحديث فقال: هذا خطأ، والصواب عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ومناسبة ذكر هذا الحديث والأثر الذي بعده للآية ظاهرة، لأن في التي قبلها {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} والإسراف مجاوزة الحد في كل فعل أو قول، وهو في الإنفاق أشهر، وقد قال الله تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} وقال تعالى: {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} والمخيلة بوزن عظيمة وهي بمعنى الخيلاء وهو التكبر. وقال ابن التين هي بوزن مفعلة من اختال إذا تكبر قال والخيلاء بضم أوله وقد يكسر ممدودا التكبر. وقال الراغب: الخيلاء التكبر ينشأ عن فضيلة يتراءاها الإنسان من نفسه، والتخيل تصوير خيال الشيء في النفس، ووجه الحصر في الإسراف والمخيلة أن الممنوع من تناوله أكلا ولبسا وغيرهما إما لمعنى فيه وهو مجاوزة الحد وهو الإسراف. وإما للتعبد كالحرير إن لم تثبت علة النهي عنه وهو الراجح، ومجاوزة الحد تتناول مخالفة ما ورد به الشرع فيدخل الحرام، وقد يستلزم الإسراف الكبر وهو المخيلة قال الموفق عبد اللطيف البغدادي: هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة، فإن السرف في كل شيء يضر بالحسد ويضر بالمعيشة فيؤدي إلى الإتلاف ويضر بالنفس إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها العجب وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس. قوله: "وقال ابن عباس: كل ما شئت واشرب ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة" وصله ابن أبي شيبة في مصنفه والدينوري في "المجالسة" من رواية ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس. أما ابن أبي شيبة فذكره بلفظه. وأما الدينوري فلم يذكر السرف. وأخرجه عبد الرزاق

(10/253)


عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه بلفظ: "أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرف أو مخيلة" وكذا أخرجه الطبري من رواية محمد بن ثور عن معمر به. وقوله: "ما أخطأتك" كذا للجميع بإثبات الهمزة بعد الطاء، وأورده ابن التين بحذفها قال: والصواب إثباتها. قال صاحب "الصحاح" أخطأت ولا تقل أخطيت. وبعضهم يقوله: ومعنى قوله ما أخطأتك أي تناول ما شئت من المباحات ما دامت كل خصلة من هاتين تجاوزك. قال الكرماني: ويحتمل أن تكون "ما" نافية أي لم يوقعك في الخطأ اثنتان. قلت: وفيه بعد، ورواية معمر ترده حيث قال: "ما لم تكن سرف أو مخيلة" وقوله: "أو" قال الكرماني أتى بأو موضع الواو كقوله تعالى: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} على تقدير النفي، أي أن انتفاء الأمرين لازم فيه. وحاصله أن اشتراط منع كل واحد منهما يستلزم اشتراط منعهما مجتمعين بطريق الأولى، قال ابن مالك: هو جائز عند أمن اللبس كما قال الشاعر:
فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل
قوله: "إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم" في "الموطأ" عن نافع وعن عبد الله بن دينار وعن زيد بن أسلم بتكرير "عن" وعند الترمذي من رواية معن عن مالك "سمع كلهم يحدث" هكذا جمع مالك رواية الثلاثة، وقد روى داود بن قيس رواية زيد بن أسلم عنه بزيادة قصة قال: "أرسلني أبي إلى ابن عمر قلت: أدخل؟ فعرف صوتي فقال: أي بني إذا جئت إلى قوم فقل: السلام عليكم، فإن ردوا عليك فقل أدخل؟" قال: "ثم رأى ابنه وقد انجر إزاره فقال: ارفع إزارك فقد سمعت" فذكر الحديث. وأخرجه أحمد والحميدي جميعا عن سفيان بن عيينة عن زيد نحوه، ساقه الحميدي، واختصره أحمد، وسميا الابن عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر. وأخرجه أحمد أيضا من طريق معمر عن زيد بن أسلم "سمعت ابن عمر" فذكره بدون هذه القصة، وزاد قصة أبي بكر المذكورة في الباب الذي بعده، وقصة أخرى لابن عمر تأتي الإشارة إليها بعد بابين، وحديث نافع أخرجه مسلم من رواية أيوب والليث وأسامة بن زيد كلهم عن نافع قال مثل حديث مالك وزادوا فيه: "يوم القيامة". وقلت: وهذه الزيادة ثابتة عند رواة "الموطأ" عن مالك أيضا، وأخرجها أبو نعيم في "المستخرج" من طريق القعنبي. وأخرج الترمذي والنسائي الحديث من طريق أيوب عن نافع وفيه زيادة تتعلق بذيول النساء، وحديث عبد الله بن دينار أخرجه أحمد من طريق عبد العزيز بن مسلم عنه وفيه: "يوم القيامة" وكذا في رواية سالم وغير واحد عن ابن عمر كما سيأتي في الباب الذي بعده.

(10/254)


2 - باب مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ مِنْ غَيْرِ خُيَلاَءَ
5784- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلاَّ أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ؟ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلاَءَ" .
5785- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(10/254)


"خَسَفَتْ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجِلاً حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ وَثَابَ النَّاسُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَجُلِّيَ عَنْهَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا وَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئاً فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يَكْشِفَهَا" .
قوله: "باب من جر إزاره من غير خيلاء" أي فهو مستثنى من الوعيد المذكور، لكن إن كان لعذر فلا حرج عليه، وإن كان لغير عذر فيأتي البحث فيه. وقد سقطت هذه الترجمة لابن بطال. قوله: "زهير بن معاوية" هو أبو خيثمة الجعفي. قوله: "من جر ثوبه" سيأتي شرحه بعد ثلاثة أبواب. قوله: "فقال أبو بكر" هو الصديق "إن أحد شقي إزاري" كذا بالتثنية للنسفي والكشميهني، ولغيرهما: "شق" بالإفراد، والشق بكسر المعجمة الجانب ويطلق أيضا على النصف. قوله: "يسترخي" بالخاء المعجمة، وكان سبب استرخائه نحافة جسم أبي بكر. قوله: "إلا أن أتعاهد ذلك منه" أي يسترخي إذا غفلت عنه، ووقع في رواية معمر عن زيد بن أسلم عند أحمد "إن إزاري يسترخي أحيانا" فكأن شده كان ينحل إذا تحرك بمشي أو غيره بغير اختياره، فإذا كان محافظا عليه لا يسترخي لأنه كلما كاد يسترخي شده. وأخرج ابن سعد من طريق طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عائشة قالت: "كان أبو بكر أحنى لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه" ومن طريق قيس بن أبي حازم قال: "دخلت على أبي بكر وكان رجلا نحيفا". قوله: "لست ممن يصنعه خيلاء" في رواية زيد بن أسلم "لست منهم" وفيه أنه لا حرج على من انجر إزاره بغير قصده مطلقا، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يكره جر الإزار على كل حال فقال ابن بطال هو من تشديداته، وإلا فقد روى هو حديث الباب فلم يخف عليه الحكم. قلت: بل كراهة ابن عمر محمولة على من قصد ذلك سواء كان عن مخيلة أم لا، وهو المطابق لروايته المذكورة، ولا يظن بابن عمر أنه يؤاخذ من لم يقصد شيئا وإنما يريد بالكراهة من انجر إزاره بغير اختياره ثم تمادى على ذلك ولم يتداركه وهذا متفق عليه، وإن اختلفوا هل الكراهة فيه للتحريم أو للتنزيه. وفي الحديث اعتبار أحوال الأشخاص في الأحكام باختلافها، وهو أصل مطرد غالبا. قوله: "حدثني محمد" لم أره منسوبا لأحد من الرواة، وأغفلت التنبيه على هذا الموضع بخصوصه في المقدمة، وقد صرح ابن السكن في موضعين غير هذا بأن محمدا الراوي عن عبد الأعلى هو ابن سلام، فيحمل هذا أيضا على ذلك. وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية محمد بن المثنى عن عبد الأعلى فيحتمل أن يكون هو المراد هنا والله أعلم. وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى السامي بالمهملة البصري بالموحدة، ويونس هو ابن عبيد، والحسن هو البصري، وقد تقدم الحديث في صلاة الكسوف مع شرحه، والغرض منه هنا قوله: "فقام يجر ثوبه مستعجلا" فإن فيه أن الجر إذا كان بسبب الإسراع لا يدخل في النهي، فيشعر بأن النهي يختص بما كان للخيلاء، لكن لا حجة فيه لمن قصر النهي على ما كان للخيلاء حتى أجاز لبس القميص الذي ينجر على الأرض لطوله كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقوله: "وثاب الناس" بمثلثة ثم موحدة أي رجعوا إلى المسجد بعد أن كانوا خرجوا منه.

(10/255)


3 - باب التَّشمُّرِ فِي الثِّيَابِ
5786- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ أَخْبَرَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: "... فَرَأَيْتُ بِلاَلاً جَاءَ بِعَنَزَةٍ فَرَكَزَهَا ثُمَّ أَقَامَ الصَّلاَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي حُلَّةٍ مُشَمِّراً فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِلَى الْعَنَزَةِ وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ وَرَاءِ الْعَنَزَةِ".
قوله: "باب التشمر في الثياب" هو بالشين المعجمة وتشديد الميم: رفع أسفل الثوب. قوله: "حدثني إسحاق" هو ابن راهويه جزم بذلك أبو نعيم في "المستخرج" وابن شميل هو النضر، وعمر بن أبي زائدة هو الهمداني بسكون الميم الكوفي أخو زكريا، واسم أبي زائدة خالد ويقال هبيرة، ولعمر في البخاري أحاديث يسيرة. قوله: "قال فرأيت" كذا للأكثر هو معطوف على جمل من الحديث، فإن أوله "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء من أدم" الحديث، وفيه: "ثم رأيت بلالا الخ " هكذا أخرجه المصنف في أوائل الصلاة عن محمد بن عرعرة عن عمر بن أبي زائدة، فلما اختصره أشار إلى أن المذكور ليس أول الحديث. ووقع للكشميهني في أوله "رأيت" وكذا في رواية النسفي، وكذا أخرجه أبو نعيم من مسند إسحاق بن راهويه عن النضر، وأخرجه من وجه آخر عن إسحاق قال: أخبرنا أبو عامر العقدي حدثنا عمر بن أبي زائدة. وذكر أن رواية إسحاق عن النضر لم يقع فيها قوله: "مشمرا" ووقع في روايته عن أبي عامر، وقد وقعت في الباب عن إسحاق عن النضر فيحتمل أن يكون إسحاق هو ابن منصور، ولم يقع لفظ: "مشمرا" للإسماعيلي فإنه أخرجه من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن عمه عمر بلفظ: "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى وبيص ساقيه" ثم قال: ورواه الثوري عن عون بن أبي جحيفة فقال في حديثه "كأني أنظر إلى بريق ساقيه" قال الإسماعيلي: وهذا هو التشمير ويؤخذ منه أن النهي عن كف الثياب في الصلاة محله في غير ذيل الإزار، ويحتمل أن تكون هذه الصورة وقعت اتفاقا، فإنها كانت في حالة السفر وهو محل التشمير.

(10/256)


4 - باب مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ
5787- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ" .
قوله: "باب" بالتنوين "ما أسفل من الكعبين فهو في النار" كذا أطلق في الترجمة لم يقيده بالإزار كما في الخبر إشارة إلى التعميم في الإزار والقميص وغيرهما، وكأنه أشار إلى لفظ حديث أبي سعيد، وقد أخرجه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه أبو عوانة وابن حبان كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي سعيد ورجاله رجال مسلم، وكأنه أعرض عنه لاختلاف فيه وقع على العلاء وعلى أبيه فرواه أكثر أصحاب العلاء عنه هكذا، وخالفهم زيد بن أبي أنيسة فقال: "عن العلاء عن نعيم المجمر عن أبي عمر" أخرجه الطبراني، ورواه محمد بن عمرو ومحمد بن إبراهيم التيمي جميعا عن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي هريرة أخرجه النسائي، وصحح الطريقين النسائي ورجح الدار قطني الأول. وأخرج أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث أبي جري بالجيم والراء مصغر واسمه جابر بن سليم رفعه قال في أثناء حديث مرفوع "وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، إياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة" وأخرج النسائي وصحح الحاكم

(10/256)


أيضا من حديث حذيفة بلفظ: "الإزار إلى أنصاف الساقين، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فمن وراء الساقين، ولا حق للكعبين في الإزار". قوله: "عن أبي هريرة" في رواية الإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة "سمعت سعيدا المقبري سمعت أبا هريرة". قوله: "ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار" "ما" موصولة وبعض الصلة محذوف وهو كان، وأسفل خبره، وهو منصوب ويجوز الرفع، أي ما هو أسفل وهو أفعل تفضيل، ويحتمل أن يكون فعلا ماضيا، ويجوز أن تكون "ما" نكرة موصوفة بأسفل، قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكنى بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب عقوبة، وحاصله أنه من تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حل فيه، وتكون "من" بيانية، ويحتمل أن تكون سببية، ويكون المراد الشخص نفسه، أو المعنى ما أسفل من الكعبين من الذي يسامت الإزار في النار، أو التقدير لابس ما أسفل من الكعبين الخ، أو التقدير أن فعل ذلك محسوب في أفعال أهل النار. أو فيه فقديم وتأخير أي ما أسفل من الإزار من الكعبين في النار، وكل هذا استبعاد ممن قاله لوقوع الإزار حقيقة في النار، وأصله ما أخرج عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد "أن نافعا سئل عن ذلك فقال: وما ذنب الثياب؟ بل هو من القدمين" اهـ. لكن أخرج الطبراني من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر قال: "رآني النبي صلى الله عليه وسلم أسبلت إزاري فقال: يا ابن عمر، كل شيء يمس الأرض من الثياب في النار" وأخرج الطبراني بسند حسن عن ابن مسعود أنه "رأى أعرابيا يصلي قد أسبل فقال: المسبل في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام" ومثل هذا لا يقال بالرأي، فعلى هذا لا مانع من حمل الحديث على ظاهره، ويكون من وادي {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} ، أو يكون في الوعيد لما وقعت به المعصية إشارة إلى أن الذي يتعاطى المعصية أحق بذلك. قوله: "في النار" في رواية النسائي من طريق أبي يعقوب وهو عبد الرحمن بن يعقوب "سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار" بزيادة فاء، وكأنها دخلت لتضمين ما معنى الشرط أي ما دون الكعبين من قدم صاحب الإزار المسبل فهو في النار عقوبة له على فعله، وللطبراني من حديث ابن عباس رفعه: "كل شيء جاوز الكعبين من الإزار في النار" وله من حديث عبد الله بن مغفل رفعه: "أزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين، وليس عليه حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من ذلك ففي النار" وهذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الذي ورد فيه الوعيد بالاتفاق، وأما مجرد الإسبال فسيأتي البحث فيه في الباب الذي يليه، ويستثنى من إسبال الإزار مطلقا ما أسبله لضرورة كمن يكون بكعبيه جرح مثلا يؤذيه الذباب مثلا إن لم يستره بإزاره حيث لا يجد غيره، نبه على ذلك شيخنا في "شرح الترمذي" واستدل على ذلك بإذنه صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف في لبس القميص الحرير من أجل الحكة. والجامع بينهما جواز تعاطي ما نهي عنه من أجل الضرورة، كما يجوز كشف العورة للتداوي، ويستثنى أيضا من الوعيد في ذلك النساء كما سيأتي البحث فيه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.

(10/257)


5 - باب مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلاَءِ
5788- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ

(10/257)


اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَراً" .
5789- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم أَوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" .
5790- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "بَيْنَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ إِذْ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلَّلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" تَابَعَهُ يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَرْفَعْهُ شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ عَمِّهِ جَرِيرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَقَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... نَحْوَهُ".
5791- حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ لَقِيتُ مُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَأْتِي مَكَانَهُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنِي فَقَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مَخِيلَةً لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" فَقُلْتُ لِمُحَارِبٍ أَذَكَرَ إِزَارَهُ قَالَ مَا خَصَّ إِزَاراً وَلاَ قَمِيصاً تَابَعَهُ جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَزَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ وَتَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَقُدَامَةُ بْنُ مُوسَى عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خيلاء" .
قوله: "باب من جر ثوبه من الخيلاء" أي بسبب الخيلاء. حديث أبي هريرة بلفظ: "لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا" ومثله لأبي داود والنسائي في حديث أبي سعيد المذكور قريبا. والبطر بموحدة ومهملة مفتوحتين قال عياض: جاء في الرواية: "بطرا" بفتح الطاء على المصدر وبكسرها على الحال من فاعل جر أي جره تكبرا وطغيانا، وأصل البطر الطغيان عند النعمة، واستعمل بمعنى التكبر. وقال الراغب: أصل البطر دهش يعتري المرء عند هجوم النعمة عن القيام بحقها. قوله: "لا ينظر الله" أي لا يرحمه، فالنظر إذا أضيف إلى الله كان مجازا، وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية، ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة. وقال شيخنا في "شرح الترمذي" عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر. وقال الكرماني: نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية، لأن من اعتد بالشخص التفت إليه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر وهو تقليب الحدقة والله منزه عن ذلك، فهو بمنعى الإحسان مجاز عما وقع في حق غيره كناية، وقوله:

(10/258)


"يوم القيامة" إشارة إلى أنه محل الرحمة المستمرة، بخلاف رحمة الدنيا فإنها قد تنقطع بما يتجدد من الحوادث. ويؤيد ما ذكر من حمل النظر على الرحمة أو المقت ما أخرجه الطبراني وأصله في أبي داود من حديث أبي جري "إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردة فتبختر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض فأخذته" الحديث. قوله: "من" يتناول الرجال والنساء في الوعيد المذكور على هذا الفعل المخصوص، وقد فهمت ذلك أم سلمة رضي الله عنها فأخرج النسائي والترمذي وصححه من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر متصلا بحديثه المذكور في الباب الأول "فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: يرخين شبرا، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن؛ قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه" لفظ الترمذي. وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم فوهم، فإنها ليست عنده، وكأن مسلما أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق عبيد الله بن عمر عن سليمان بن يسار عن أم سلمة، وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع والنسائي من طريق أيوب بن موسى ومحمد بن إسحاق ثلاثتهم عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة، وأخرجه النسائي من رواية يحيى بن أبي كثير عن نافع عن أم سلمة نفسها وفيه اختلافات أخرى، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أبو داود من رواية أبي الصديق عن ابن عمر قال: "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين شبرا، ثم استزدنه فزادهن شبرا، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعا" وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة، ويستفاد من هذا الفهم التعقب على من قال: إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء، قال النووي: ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء يقتضي أن التحريم مختص بالخيلاء، ووجه التعقب أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقا سواء كان عن مخيلة أم لا، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة، لأن جميع قدمها عورة، فبين لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى فقط وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، ومراده منع الإسبال لتقريره صلى الله عليه وسلم أم سلمة على فهمها. إلا أنه بين لها أنه عام مخصوص لتفرقته في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال، وتبيينه القدر الذي يمنع ما بعده في حقهن كما بين ذلك في حق الرجال. والحاصل أن للرجال حالين: حال استحباب، وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق وحال جواز وهو إلى الكعبين. وكذلك للنساء حالان حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر وحال جواز بقدر ذراع. ويؤيد هذا التفصيل في حق النساء ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" من طريق معتمر عن حميد عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة من عقبها شبرا وقال: هذا ذيل المرأة" وأخرجه أبو يعلى بلفظ: "شبر من ذيلها شبرا أو شبرين وقال لا تزدن على هذا" ولم يسم فاطمة. قال الطبراني: تفرد به معتمر عن حميد. قلت: و"أو" شك من الراوي، والذي جزم بالشبر هو المعتمد، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أم سلمة "أن النبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة شبرا" ويستنبط من سياق الأحاديث أن التقييد بالجر خرج للغالب، وأن البطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه، والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه مستحضرا لها شاكرا عليها غير محتقر لمن ليس له مثله لا يضره ما لبس من المباحات، ولو كان في غاية النفاسة. ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة

(10/259)


من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس" . وقوله: "وغمط" بفتح المعجمة وسكون الميم ثم مهملة: الاحتقار. وأما ما أخرجه الطبري من حديث علي "إن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك صاحبه" فيدخل في قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ} الآية فقد جمع الطبري بينه وبين حديث ابن مسعود بأن حديث علي محمول على من أحب ذلك ليتعظم به على صاحبه، لا من أحب ذلك ابتهاجا بنعمة الله عليه، فقد أخرج الترمذي وحسنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" وله شاهد عند أبي يعلى من حديث أبي سعيد. وأخرج النسائي وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك الجشمي عن أبيه "إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ورآه رث الثياب: إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك" أي بأن يلبس ثيابا تليق بحاله من النفاسة والنظافة ليعرفه المحتاجون للطلب منه، مع مراعاة القصد وترك الإسراف جمعا بين الأدلة. "تكمله": الرجل الذي أبهم في حديث ابن مسعود هو سواد بن عمرو الأنصاري، وأخرجه الطبري من طريقه، ووقع ذلك لجماعة غيره. قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم" شك من آدم شيخ البخاري، وقد أخرجه مسلم من رواية غندر وغيره عن شعبة "فقالوا: عن النبي صلى الله عليه وسلم". وكذا أخرجه من رواية الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد. قوله: "بينما رجل" زاد مسلم من طريق أبي رافع عن أبي هريرة "ممن كان قبلكم" ومن ثم أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل كما مضى، وخفي هذا على بعض الشراح، وقد أخرجه أحمد من حديث أبي سعيد وأبو يعلى من حديث أنس وفي روايتهما أيضا: "ممن كان قبلكم" وبذلك جزم النووي، وأما ما أخرجه أبو يعلى من طريق كريب قال: "كنت أقود ابن عباس فقال: حدثني العباس قال: بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل يتبختر بين ثوبين" الحديث فهو ظاهر في أنه وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فسنده ضعيف، والأول صحيح، ويحتمل التعدد، أو الجمع بأن المراد من كان قبل المخاطبين بذلك كأبي هريرة، فقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة وأبو يعلى وأصله عند أحمد ومسلم: "أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة في حلة يتبختر فيها فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث، فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئا؟ فقال: والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه ما حدثتكم بشيء، سمعت" فذكر الحديث وقال في آخره: "فوالله ما أدري لعله كان من قومك" وذكر السهيلي في "مبهمات القرآن" في سورة والصافات عن الطبري أن اسم الرجل المذكور الهيزن وأنه من أعراب فارس. قلت: وهذا أخرجه الطبري في التاريخ من طريق ابن جريج عن شعيب الجياني وجزم الكلاباذي في "معاني الأخبار" بأنه قارون، وكذا ذكر الجوهري في "الصحاح" وكأن المستند في ذلك ما أخرجه الحارث بن أبي أسامة من حديث أبي هريرة وابن عباس بسند ضعيف جدا قالا "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" فذكر الحديث الطويل وفيه: "ومن لبس ثوبا فاختال فيه خسف به من شفير جهنم فيتجلجل فيها" لأن قارون لبس حلة فاختال فيها فخسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وروى الطبري في التاريخ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: "ذكر لنا أنه يخسف بقارون كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة". قوله: "يمشي في حلة" الحلة ثوبان أحدهما فوق الآخر، وقيل: إزار ورداء وهو الأشهر، ووقع في رواية الأعرج وهمام جميعا عن أبي هريرة عند مسلم: "بينما رجل يتبختر في برديه". قوله:

(10/260)


"تعجبه نفسه" في رواية الربيع بن مسلم: "فأعجبته جمته وبرداه" ومثله لأحمد في رواية أبي رافع، وفي حديث ابن عمر "بينا رجل يجر إزاره" هكذا هنا، وتقدم في أواخر ذكر بني إسرائيل بزيادة "من الخيلاء" والاقتصار على الإزار لا يدفع وجود الرداء، وإنما خص الإزار بالذكر لأنه هو الذي يظهر به الخيلاء غالبا. ووقع في حديث أبي سعيد عند أحمد وأنس عند أبي يعلى "خرج في بردين يختال فيهما" قال القرطبي: إعجاب المرء بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال مع نسيان نعمة الله، فإن احتقر غيره مع ذلك فهو الكبر المذموم. قوله: "مرجل" بتشديد الجيم "جمته" بضم الجيم وتشديد الميم هي مجتمع الشعر إذا تدلى من الرأس إلى المنكبين وإلى أكثر من ذلك، وأما الذي لا يتجاوز الأذنين فهو الوفرة، وترجيل الشعر تسريحه ودهنه. قوله: "إذ خسف الله به" في رواية الأعرج "فخسف الله به الأرض" والأول أظهر في سرعة وقوع ذلك به. قوله: "فهو يتجلجل إلى يوم القيامة" في حديث ابن عمر "فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" وفي رواية الربيع بن مسلم عند مسلم: "فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة" ومثله في رواية أبي رافع، ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد "حتى يوم القيامة" والتجلجل بجيمين التحرك، وقيل: الجلجلة الحركة مع صوت. وقال ابن دريد: كل شيء خلطت بعضه ببعض فقد جلجلته. وقال ابن فارس: التجلجل أن يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد ويندفع من شق إلى شق، فالمعنى يتجلجل في الأرض أي ينزل فيها مضطربا متدافعا. وحكى عياض أنه روي "يتجلل" بجيم واحدة ولام ثقيلة وهو بمعنى يتغطى، أي تغطيه الأرض. وحكى عن بعض الروايات أيضا: "يتخلخل" بخاءين معجمتين واستبعدها إلا أن يكون من قولهم خلخلت العظم إذا أخذت ما عليه من اللحم، وجاء في غير الصحيحين "يتخلخل" بحاءين مهملتين. قلت: والكل تصحيف إلا الأول، ومقتضى هذا الحديث أن الأرض لا تأكل جسد هذا الرجل فيمكن أن يلغز به فيقال: كافر لا يبلى جسده بعد الموت. قوله: "فهو يتجلجل إلى يوم القيامة" في حديث ابن عمر "فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" وفي رواية الربيع بن مسلم عند مسلم: "فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة" ومثله في رواية أبي رافع، ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد "حتى يوم القيامة" والتجلجل بجيمين التحرك، وقيل: الجلجلة الحركة مع صوت. وقال ابن دريد: كل شيء خلطت بعضه ببعض فقد جلجلته. وقال ابن فارس: التجلجل أن يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد ويندفع من شق إلى شق، فالمعنى يتجلجل في الأرض أي ينزل فيها مضطربا متدافعا. وحكى عياض أنه روي "يتجلل" بجيم واحدة ولام ثقيلة وهو بمعنى يتغطى، أي تغطيه الأرض. وحكى عن بعض الروايات أيضا: "يتخلخل" بخاءين معجمتين واستبعدها إلا أن يكون من قولهم خلخلت العظم إذا أخذت ما عليه من اللحم، وجاء في غير الصحيحين "يتخلخل" بحاءين مهملتين. قلت: والكل تصحيف إلا الأول، ومقتضى هذا الحديث أن الأرض لا تأكل جسد هذا الرجل فيمكن أن يلغز به فيقال: كافر لا يبلى جسده بعد الموت. قوله: "تابعه يونس" يعني ابن يزيد "عن الزهري" وروايته تقدمت موصولة في أواخر ذكر بني إسرائيل. قوله: "ولم يرفعه شعيب عن الزهري" وصله الإسماعيلي من طريق أبي اليمان عنه بتمامه ولفظه: "جر إزاره مسبلا من الخيلاء". قوله: "وهب بن جرير حدثنا أبي" هو جرير بن أبي حازم بن زيد الأزدي. قوله: "عن عمه جرير بن زيد" هو أبو سلمة البصري قاله أبو حاتم الرازي، وليس لجرير بن زيد في البخاري سوى هذا الحديث، وقد خالف فيه الزهري فقال عن سالم عن أبي هريرة والزهري يقول: "عن سالم عن أبيه" لكن قوى عند البخاري أنه عن سالم عن أبيه وعن أبي هريرة معا لشدة إتقان الزهري ومعرفته بحديث سالم ولقول جرير بن زيد في روايته: "كنت مع سالم على باب داره فقال: سمعت أبا هريرة" فإنها قرينة في أنه حفظ ذلك عنه. ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج" من طريق علي بن سعيد عن وهب بن جرير "فمر به شاب من قريش يجر إزاره فقال: حدثنا أبو هريرة" وهذا أيضا مما يقوي أن جرير بن زيد ضبطه، لأن مثل هذه القصة لأبي هريرة قد رواها أبو رافع عنه كما قدمت أن مسلما أخرجها كذلك، وقد أخرجه النسائي في الزينة من "السنن" من رواية علي بن المديني عن وهب بن جرير بهذا السند فقال في روايته: "عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة" وأورده ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن عمر عن أبي هريرة، وهو وهم نبه عليه المزي، وكأنه وقع في نسخته تصحيف "ابن عبد الله" فصارت عن عبد الله بن عمر. قوله: "سمع النبي صلى الله عليه وسلم نحوه" في رواية أبي نعيم المذكورة "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينما رجل يتبختر في حلة تعجبه نفسه خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم

(10/261)


القيامة". ذكر طرق أخرى للحديث الثاني. قوله: "محارب" بالمهملة والموحدة وزن مقاتل، ودثار بكسر المهملة وتخفيف المثلثة. قوله: "مكانه الذي يقضي فيه" كان محارب قد ولي قضاء الكوفة، قال عبد الله بن إدريس الأودي عن أبيه "رأيت الحكم وحمادا في مجلس قضائه" وقال سماك بن حرب "كان أهل الجاهلية إذا كان في الرجل ست خصال سودوه: الحلم والعقل والسخاء والشجاعة والبيان والتواضع، ولا يكملن في الإسلام إلا بالعفاف، وقد اجتمعن في هذا الرجل" يعني محارب بن دثار. وقال الداودي: لعل ركوبه الفرس كان ليغيظ به الكفار ويرهب به العدو. وتعقبه ابن التين بأن ركوب الخيل جائز فلا معنى للاعتذار عنه. قلت: لكن المشي أقرب إلى التواضع، ويحتمل أن منزله كان بعيدا عن منزل حكمه. قوله: "فقلت لمحارب: أذكر إزاره؟ قال: ما خص إزارا ولا قميصا" كان سبب سؤال شعبة عن الإزار أن أكثر الطرق جاءت بلفظ الإزار، وجواب محارب حاصله أن التعبير بالثوب يشمل الإزار وغيره، وقد جاء التصريح بما اقتضاه ذلك، فأخرج أصحاب السنن إلا الترمذي واستغربه ابن أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن أبي داود عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر منها شيئا خيلاء" الحديث كحديث الباب. وعبد العزيز فيه مقال. وقد أخرج أبو داود من رواية يزيد بن أبي سمية عن ابن عمر قال: "ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الإزار فهو في القميص" وقال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس القميص والدراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي. قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب، فإنه يشمل جميع ذلك، وفي تصوير جر العمامة نظر، إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إرخاء العذبات، فمهما زاد على العادة في ذلك كان من الإسبال. وقد أخرج النسائي من حديث جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه قال: "كأني أنظر الساعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة قد أرخى طرفها بين كتفيه" وهل يدخل في الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه؟ محل نظر، والذي يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة كما يفعله بعض الحجازيين دخل في ذلك. قال شيخنا في "شرح الترمذي" ما مس الأرض منها خيلاء لا شك في تحريمه. قال: ولو قيل بتحريم ما زاد على المعتاد لم يكن بعيدا، ولكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع. ونقل عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة. قلت: وسأذكر البحث فيه قريبا. قوله: "تابعه جبلة" بفتح الجيم والموحدة "ابن سحيم" بمهملتين مصغر، وقد وصل روايته النسائي من طريق شعبة عنه عن ابن عمر بلفظ: "من جر ثوبا من ثيابه من مخيلة فإن الله لا ينظر إليه" وأخرجه مسلم من طريق شعبة عن محارب بن دثار وجبلة بن سحيم جميعا عن ابن عمر ولم يسق لفظه. قوله: "وزيد بن أسلم" تقدم الكلام عليه في أول اللباس. قوله: "وزيد بن عبد الله" أي ابن عمر يعني تابعوا محارب بن دثار في روايته عن ابن عمر بلفظ: "الثوب" لا بلفظ الإزار، جزم بذلك الإسماعيلي، ولم تقع لي رواية زيد موصولة بعد. وقد أخرج أبو عوانة هذا الحديث من رواية ابن وهب عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله عن أبيه بلفظ: "إن الذي يجر ثيابه من الخيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة" وسيأتي لمسلم مقرونا بسالم ونافع. وأخرج البخاري من رواية ابن وهب عن عمر بن محمد بن زيد عن جده حديثا آخر. فلعل مراده

(10/262)


بقوله هنا عن أبيه جده والله أعلم. قوله: "وقال الليث عن نافع يعني عن ابن عمر مثله" وصله مسلم عن قتيبة عنه، ولم يسق لفظه بل قال مثل حديث مالك، وأخرجه النسائي عن قتيبة فذكره بلفظ الثوب، وكذا أخرجه من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع. قوله: "وتابعه موسى بن عقبة وعمر بن محمد وقدامة بن موسى عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه خيلاء" أما رواية موسى بن عقبة فتقدمت في أول الباب الثاني من كتاب اللباس، وأما رواية عمر بن محمد وهو ابن زيد بن عبد الله بن عمر فوصلها مسلم من طريق ابن وهب "أخبرني عمر بن محمد عن أبيه وسالم ونافع عن ابن عمر" بلفظ: "الذي يجر ثيابه من المخيلة" الحديث. وأما رواية قدامة بن موسى وهو ابن عمر بن قدامة بن مظعون الجمحي وهو مدني تابعي صغير وكان إمام المسجد النبوي وليس له في البخاري سوى هذا الموضع فوصلها أبو عوانة في صحيحه، ووقعت لنا بعلو في "الثقفيات" بلفظ حديث مالك المذكور أول كتاب اللباس. قلت: وكذا أخرجه مسلم من رواية حنظلة بن أبي سفيان عن سالم، وقد رواه جماعة عن ابن عمر بلفظ: "من جر إزاره" منهم مسلم بن يناق بفتح التحتانية وتشديد النون وآخره قاف ومحمد بن عباد بن جعفر كلاهما عند مسلم وعطية العوفي عند ابن ماجه، ورواه آخرون بلفظ: "الإزار" والرواية بلفظ: "الثوب" أشمل والله أعلم. وفي هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضا، لكن استدل بالتقييد في هذه الأحاديث بالخيلاء على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد هنا، فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء. قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد، إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال. وقال النووي: الإسبال تحت الكعبين للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه، وهكذا نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء، قال: والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، وما نزل عن الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء وإلا فمنع تنزيه، لأن الأحاديث الواردة في الزجر عن الإسبال مطلقة فيجب تقييدها بالإسبال للخيلاء انتهى. والنص الذي أشار إليه ذكره البويطي في مختصره عن الشافعي قال: لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، اهـ، وقوله: "خفيف" ليس صريحا في نفي التحريم بل هو محمول على أن ذلك بالنسبة للجر خيلاء، فأما لغير الخيلاء فيختلف الحال، فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله فهذا لا يظهر فيه تحريم، ولا سيما إن كان عن غير قصد كالذي وقع لأبي بكر، وإن كان الثوب زائدا على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم، وقد يتجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء وهو أمكن فيه من الأول، وقد صحح الحاكم من حديث أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الرجل يلبس لبسة المرأة" وقد يتجه المنع فيه من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق النجاسة به، وإلى ذلك يشير الحديث الذي أخرجه الترمذي في "الشمائل" والنسائي من طريق أشعث بن أبي الشعثاء - واسم أبيه سليم - المحاربي عن عمته واسمها رهم بضم الراء وسكون الهاء وهي بنت الأسود بن حنظلة عن عمها واسمه عبيد بن خالد قال: "كنت أمشي وعلي برد أجره، فقال لي رجل: ارفع ثوبك فإنه أنقى وأبقى، فنظرت فإذا هو النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: إنما هي بردة ملحاء، فقال: أما لك في أسوة؟ قال: فنظرت فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه" وسنده قبلها جيد، وقوله: "ملحاء" بفتح الميم وبمهملة قبلها سكون ممدودة أي فيها خطوط سود وبيض، وفي قصة قتل عمر أنه قال للشاب الذي دخل عليه "ارفع ثوبك فإنه

(10/263)


أنقى لثوبك وأتقى لربك" وقد تقدم في المناقب، ويتجه المنع أيضا في الإسبال من جهة أخرى وهي كونه مظنة الخيلاء، قال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول لا أجره خيلاء، لأن النهي قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكما أن يقول لا أمتثله لأن تلك العلة ليست في، فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبره. اهـ ملخصا. وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: "وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة" وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة "بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول: عبدك وابن عبدك وأمتك، حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله إني حمش الساقين، فقال: يا عمرو إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو إن الله لا يحب المسبل" الحديث. وأخرجه أحمد من حديث عمرو نفسه لكن قال في روايته: "عن عمرو بن فلان" وأخرجه الطبراني أيضا فقال: "عن عمرو بن زرارة" وفيه: "وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع أصابع تحت ركبة عمرو فقال: يا عمرو هذا موضع الإزار، ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال: يا عمرو هذا موضع الإزار" الحديث ورجاله ثقات وظاهره أن عمرا المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء، وقد منعه من ذلك لكونه مظنة. وأخرج الطبراني من حديث الشريد الثقفي قال: "أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا قد أسبل إزاره فقال: ارفع إزارك، فقال: إني أحنف تصطك ركبتاي، قال: ارفع إزارك، فكل خلق الله حسن" وأخرجه مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة من طرق عن رجل من ثقيف لم يسم، وفي آخره: "ذاك أقبح مما بساقك" وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بسند جيد "أنه كان يسبل إزاره، فقيل له في ذلك فقال: إني حمش الساقين" فهو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يظن به أنه جاوز به الكعبين والتعليل يرشد إليه، ومع ذلك فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة والله أعلم. وأخرج النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان من حديث المغيرة بن شعبة "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ برداء سفيان بن سهيل وهو يقول: يا سفيان لا تسبل، فإن الله لا يحب المسبلين".

(10/264)


6 - باب الإِزَارِ الْمُهَدَّبِ
وَيُذْكَرُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَحَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُمْ لَبِسُوا ثِيَاباً مُهَدَّبَةً
5792- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جَالِسَةٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ تَحْتَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاَقِي فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ جِلْبَابِهَا فَسَمِعَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قَوْلَهَا وَهُوَ بِالْبَابِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ قَالَتْ فَقَالَ خَالِدٌ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلاَ تَنْهَى هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ وَاللَّهِ مَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّبَسُّمِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ، حَتَّى

(10/264)


يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ فَصَارَ سُنَّةً بَعْده".
قوله: "باب الإزار المهدب" بدال مهملة ثقيلة مفتوحة، أي الذي له هدب؛ وهي أطراف من سدي بغير لحمة ربما قصد بها التجمل، وقد تفتل صيانة لها من الفساد. وقال الداودي: هي ما يبقى من الخيوط من أطراف الأردية. قوله: "ويذكر عن الزهري وأبي بكر بن محمد وحمزة بن أبي أسيد ومعاوية بن عبد الله بن جعفر أنهم لبسوا ثيابا مهدبة" قال ابن التين: قيل يريد أنها غير مكفوفة الأسفل، وهذه الآثار لم يقع لي أكثرها موصولا. أما الزهري فهو ابن شهاب الإمام المعروف، وأما أبو بكر بن محمد فهو ابن عمرو بن حزم الأنصاري قاضي المدينة، وأما حمزة بن أبي أسيد وهو بالتصغير الأنصاري الساعدي فوصله ابن سعد قال: "أخبرنا معن بن عيسى حدثنا سلمة بن ميمون مولى أبي أسيد قال: رأيت حمزة بن أبي أسيد الساعدي عليه ثوب مفتول الهدب". وسلمة هذا لم يزد للبخاري في ترجمته على ما في هذا السند. وذكره ابن حبان في " الثقات". وأما معاوية بن عبد الله بن جعفر أي ابن أبي طالب فهو مدني تابعي ما له في البخاري سوى هذا الموضع. حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة، والغرض منه قولها: "ما معه إلا مثل الهدبة" وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الطلاق، والمراد بالهدبة الخصلة من الهدب ووقع في هذا الباب حديث مرفوع أخرجه أبو داود من حديث أبي جري جابر بن سليم قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب بشملة، وقد وقع هدبها على قدميه" وقوله في آخر هذه الطريق: "فصار سنة بعده" في رواية الكشميهني: "بعد" بغير ضمير، وهو من قول الزهري فيما أحسب.

(10/265)


7 - باب الأَرْدِيَةِ
وَقَالَ أَنَسٌ: جَبَذَ أَعْرَابِيٌّ رِدَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5793- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيّاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "... فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُمْ ...".
قوله: "باب الأردية" جمع رداء بالمد وهو ما يوضع على العاتق أو بين الكتفين من الثياب على أي صفة كان. قوله: "وقال أنس جبذ أعرابي رداء النبي صلى الله عليه وسلم" بجيم وموحدة ومعجمة. وهذا طرف من حديث وصله المؤلف بعد أبواب في "باب البرود والحبرة" ذكر طرفا من حديث علي قال: "فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتدى" وهو طرف من حديثه في قصة حمزة والشارفين، وقد تقدم بتمامه في فرض الخمس، وقوله: "فدعا" عطف على ما ذكر في أول الحديث وهو قول علي "كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر" الحديث بطوله وقوله هنا: "فاستأذن فأذنوا لهم" كذا للأكثر بصيغة الجمع والمراد حمزة ومن معه. وفي رواية المستملي: "فأذن" بالإفراد والمراد حمزة لكونه كان كبير القوم.

(10/265)


8 - باب لُبْسِ الْقَمِيصِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً}

(10/265)


9 - باب جَيْبِ الْقَمِيصِ مِنْ عِنْدِ الصَّدْرِ وَغَيْرِهِ
5797- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تَغْشَى أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَوَسَّعُ". تَابَعَهُ ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ فِي الْجُبَّتَيْنِ. وَقَالَ حَنْظَلَةُ: سَمِعْتُ طَاوُساً سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: "جُبَّتَانِ". وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ الأَعْرَجِ: "جُبَّتَانِ".
قوله: "باب جيب القميص من عند الصدر وغيره" الجيب بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها موحدة هو ما يقطع من الثوب ليخرج منه الرأس أو اليد أو غير ذلك، واعترضه الإسماعيلي فقال: الجيب الذي يحيط بالعنق، جيب الثوب أي جعل فيه ثقب، وأورده البخاري على أنه ما يجعل في الصدر ليوضع فيه الشيء، وبذلك فسره أبو عبيد، لكن ليس هو المراد هنا، وإنما الجيب الذي أشار إليه في الحديث هو الأول، كذا قال، وكأنه يعني ما وقع في الحديث من قوله: "ويقول بإصبعه هكذا في جيبه" فإن الظاهر أنه كان لابس قميص، وكان في طوقه فتحة إلى صدره، ولا مانع من حمله على المعنى الآخر، بل استدل به ابن بطال على أن الجيب في ثياب السلف كان عند الصدر، قال: وهو الذي تصنعه النساء بالأندلس.
وموضع الدلالة منه أن البخيل إذا أراد إخراج يده أمسكت في الموضع الذي ضاق عليها وهو الثدي والتراقي، وذلك في الصدر، قال: فبان أن جيبه كان في صدره، لأنه لو كان في يده لم تضطر يداه إلى ثدييه وتراقيه. قلت: وفي حديث قرة بن إياس الذي أخرجه أبو داود والترمذي وصححه هو وابن حبان لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم: "قال فأدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم" ما يقتضي أن جيب قميصه كان في صدره لأن في أول الحديث أنه رآه مطلق القميص أي غير مزرور. حديث أبي هريرة مثل البخيل والمتصدق، وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب الزكاة، وقوله في هذه الرواية: "مادت" بتخفيف الدال أي مالت، ولبعض الرواة "مارت" بالراء بدل الدال أي سالت وقوله: "ثديهما" بضم المثلثة على الجمع وبفتحها على التثنية،

(10/267)


وقوله: "يغشى" بضم أوله والتشديد ويجوز فتح أول وسكون ثانيه بمعنى، وعبد الله بن محمد هو الجعفي وأبو عامر هو القعدي والحسن هو ابن مسلم بن يناق وقد تقدم ضبط اسم جده قريبا. قوله: "وتراقيهما" جمع ترقوة بفتح المثناة وضم القاف هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. وقال ثابت بن قاسم في "الدلائل" الترقوتان العظمان المشرفان في أعلى الصدر إلى طرف ثغرة النحر. قوله: "فلو رأيته" جوابه محذوف وتقديره لتعجبت منه، أو هو للتمني. والأول أوضح. قوله: "يقول بإصبعه هكذا في جيبه" كذا للأكثر بفتح الجيم وهو الموافق للترجمة، وكذا في رواية مسلم وعليه اقتصر الحميدي، وللكشميهني وحده بضم الجيم وتشديد الموحدة بعدها مثناة ثم ضمير، والأول أولى لدلالته على الموضع بخصوصه بخلاف الثاني. والله أعلم. قوله: "تابعه ابن طاوس" يعني عبد الله "عن أبيه" يعني عن أبي هريرة، وقد تقدم موصولا في الزكاة، ولم يسقه بتمامه فيه بل ساقه في الجهاد. قوله: "وأبو الزناد عن الأعرج" يعني عن أبي هريرة. قوله: "في الجبتين" يعني بالموحدة وقد بينت اختلاف الرواة في ذلك هل هو بالموحدة أو النون في كتاب الزكاة، ورواية أبي الزناد وصلها المؤلف في الزكاة. قوله: "وقال حنظلة" هو ابن أبي سفيان، وقد سبق القول فيه أيضا في الزكاة. قوله: "وقال جعفر بن ربيعة" كذا للأكثر وهو الصواب، ووقع في رواية أبي ذر: وقال جعفر بن حبان وكذا وقع عند ابن بطال وهو خطأ، وقد ذكرها في الزكاة أيضا تعليقا بزيادة فقال: "وقال الليث حدثني جعفر" وبينت هناك أن لليث فيه إسنادا آخر من رواية عيسى بن حماد عنه عن محمد بن عجلان عن أبي الزناد.

(10/268)


10 - باب مَنْ لَبِسَ جُبَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ فِي السَّفَرِ
5798- حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الضُّحَى قَالَ حَدَّثَنِي مَسْرُوقٌ قَالَ حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: "انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَلَقَّيْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ".
قوله: "باب من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر" ترجم له في الصلاة "في الجبة الشامية" وفي الجهاد "الجبة في السفر والحرب" وكأنه يشير إلى أن لبس النبي صلى الله عليه وسلم الجبة الضيقة إنما كان لحال السفر لاحتياج المسافر إلى ذلك وأن السفر يغتفر فيه لبس غير المعتاد في الحضر، وقد تواردت الأحاديث عمن وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وليس في شيء منها أن كميه ضاقا عن إخراج يديه منهما، أشار إلى ذلك ابن بطال. حديث المغيرة في مسح الخفين، تقدم شرحه في الطهارة وفيه القصة المذكورة، وفيه: "وعليه جبة شامية" وهي بتشديد الياء ويجوز تخفيفها، وعبد الواحد المذكور في سنده هو ابن زياد، وقوله فيه: "فأخرج يديه من تحت بدنه" بفتح الموحدة والمهملة بعدها نون أي جبته، ووقع كذلك في رواية أبي علي بن السكن، والبدن درع ضيقة الكمين.

(10/268)


11 - باب لُبْسِ جُبَّةِ الصُّوفِ فِي الْغَزْوِ
5799- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(10/268)


باب القباء وفروج حرير وهو القباء ، ويقال الذي له شق من خلفه
...
12 - باب الْقَبَاءِ وَفَرُّوجِ حَرِيرٍ وَهُوَ الْقَبَاءُ وَيُقَالُ هُوَ الَّذِي لَهُ شَقٌّ مِنْ خَلْفِهِ
5800- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئاً فَقَالَ مَخْرَمَةُ يَا بُنَيِّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي قَالَ فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا فَقَالَ: خَبَأْتُ هَذَا لَكَ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ".
5801- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعاً شَدِيداً كَالْكَارِهِ لَهُ ثُمَّ قَالَ لاَ يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ" .
تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ عَنْ اللَّيْثِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: "فَرُّوجٌ حَرِيرٌ".
قوله: "باب القباء" بفتح القاف وبالموحدة ممدود فارسي معرب، وقيل: عربي واشتقاقه من القبو وهو الضم. قوله: "وفروج حرير" بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وآخره جيم. قوله: "وهو القباء" قلت ووقع كذلك مفسرا في بعض طرق الحديث كما سأبينه. قوله: "ويقال هو الذي له شق من خلفه" أي فهو قباء مخصوص، وبهذا جزم أبو عبيد ومن تبعه من أصحاب الغريب نظرا لاشتقاقه. وقال ابن فارس: هو قميص الصبي الصغير. وقال القرطبي: القباء والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين والوسط مشقوق من خلف يلبس في السفر والحرب لأنه أعون على الحركة. قوله: "عن ابن أبي مليكة" في رواية أحمد عن أبي النضر هاشم عن الليث حدثني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة وسيأتي كذلك في "باب المزرور بالذهب" معلقا. قوله: "عن المسور بن مخرمة" هكذا أسنده الليث، وتابعه حاتم بن وردان عن أيوب عن ابن أبي مليكة على وصله كما تقدم في الشهادات، وأرسله حماد بن زيد كما تقدم في الخمس، وإسماعيل بن علية كما سيأتي في الأدب، كلاهما عن أيوب، وقد تقدم الكلام على ذلك في "باب قسمة الإمام ما يقدم عليه" من كتاب الخمس. قوله: "قسم النبي صلى الله عليه وسلم أقبية" في

(10/269)


رواية حاتم قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أقبية وفي رواية حماد "أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم أقبية من ديباج مزرورة بالذهب فقسمها في ناس من أصحابه". قوله: "ولم يعط مخرمة شيئا" أي في حال تلك القسمة. وإلا فقد وقع في رواية حماد بن زيد متصلا بقوله من أصحابه "وعزل منها واحدا لمخرمة" ومخرمة هو والد المسور، وهو ابن نوفل الزهري، كان من رؤساء قريش ومن العارفين بالنسب وأنصاب الحرم، وتأخر إسلامه إلى الفتح، وشهد حنينا وأعطي من تلك الغنيمة مع المؤلفة، ومات سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وخمس عشرة سنة ذكره ابن سعد. قوله: "انطلق بنا" في رواية حاتم "عسى أن يعطينا منها شيئا". قوله: "ادخل فادعه لي" في رواية حاتم "فقام أبي على الباب فتكلم فعرف النبي صلى الله عليه وسلم صوته" قال ابن التين: لعل خروج النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع صوت مخرمة صادف دخول المسور إليه. قوله: "فخرج إليه وعليه قباء منها" ظاهره استعمال الحرير، قيل: ويجوز أن يكون قبل النهي، ويحتمل أن يكون المراد أنه نشره على أكتافه ليراه مخرمة كله ولم يقصد لبسه. قلت: ولا يتعين كونه على أكتافه بل يكفي أن يكون منشورا على يديه فيكون قوله عليه من إطلاق الكل على البعض، وقد وقع في رواية حاتم "فخرج ومعه قباء وهو يريه محاسنه" وفي رواية حماد "فتلقاه به واستقبله بأزراره". قوله: "خبأت هذا لك" في رواية حاتم تكرار ذلك، زاد في رواية حماد "يا أبا المسور" هكذا دعاه أبا المسور وكأنه على سبيل التأنيس له بذكر ولده الذي جاء صحبته، وإلا فكنيته في الأصل أبو صفوان وهو أكبر أولاده، ذكر ذلك ابن سعد. قوله: "فنظر إليه فقال رضي مخرمة" زاد في رواية هاشم "فأعطاه إياه"، وجزم الداودي أن قوله: "رضي مخرمة" من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رجحت في الهبة أنه من كلام مخرمة، زاد حماد في آخر الحديث: "وكان في خلقه شدة" قال ابن بطال: يستفاد منه استئلاف أهل اللسن ومن في معناهم بالعطية والكلام الطيب، وفيه الاكتفاء في الهبة بالقبض، وقد تقدم البحث فيه هناك، وتقدم في كتاب الشهادات الاستدلال به على جواز شهادة الأعمى لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرف صوت مخرمة فاعتمد على معرفته به، وخرج إليه ومعه القباء الذي خبأه له، واستنبط بعض المالكية منه جواز الشهادة على الخط، وتعقب بأن الخطوط تشتبه أكثر مما تشتبه الأصوات، وقد تقدم بقية ما يتعلق بذلك في الشهادات، وفيه رد على من زعم أن المسور لا صحبة له. قوله: "عن يزيد بن أبي حبيب" في رواية أحمد عن حجاج هو ابن محمد، وهاشم هو ابن القاسم عن الليث "حدثني يزيد بن أبي حبيب". قوله: "عن أبي الخير" هو مرثد بن عبد الله اليزني وثبت كذلك في رواية أحمد المذكورة. قوله: "عن عقبة بن عامر" هو الجهني وصرح به في رواية عبد الحميد بن جعفر ومحمد بن إسحاق كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب عند أحمد. قوله: "فروج حرير" في رواية ابن إسحاق عند أحمد فروج من حرير. قوله: "ثم صلى فيه" زاد في رواية ابن إسحاق وعبد الحميد عند أحمد "ثم صلى فيه المغرب". قوله: "ثم انصرف" في رواية ابن إسحاق "فلما قضى صلاته" وفي رواية عبد الحميد "فلما سلم من صلاته" وهو المراد بالانصراف في رواية الليث. قوله: "فنزعه نزعا شديدا" زاد أحمد في روايته عن حجاج وهاشم "عنيفا" أي بقوة ومبادرة لذلك على خلاف عادته في الرفق والتأني، وهو مما يؤكد أن التحريم وقع حينئذ. قوله: "كالكاره له" زاد أحمد في رواية عبد الحميد بن جعفر "ثم ألقاه، فقلنا يا رسول الله قد لبسته وصليت فيه". قوله: "ثم قال لا ينبغي هذا" يحتمل أن تكون الإشارة للبس، ويحتمل أن تكون للحرير فيتناول غير اللبس من الاستعمال كالافتراش. قوله: "للمتقين" قال ابن بطال: يمكن أن يكون نزعه لكونه كان حريرا صرفا، ويمكن أن يكون نزعه لأنه من جنس لباس الأعاجم، وقد ورد حديث ابن

(10/270)


عمر رفعه: "من تشبه بقوم فهو منهم" قلت: أخرجه أبو داود بسند حسن. وهذا التردد مبني على تفسير المراد بالمتقين، فإن كان المراد به مطلق المؤمن حمل على الأول وإن كان المراد به قدرا زائدا على ذلك حمل على الثاني والله أعلم. قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: اسم التقوى يعم جميع المؤمنين، لكن الناس فيه على درجات، قال الله {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية، فكل من دخل في الإسلام فقد اتقى، أي وقى نفسه من الخلود في النار، وهذا مقام العموم، وأما مقام الخصوص فهو مقام الإحسان كما قال صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه" انتهى. وقد رجح عياض أن المنع فيه لكونه حريرا، واستدل لذلك بحديث جابر الذي أخرجه مسلم في الباب من حديث عقبة، وقد قدمت ذكره في كتاب الصلاة، وبينت هناك أن هذه القصة كانت مبتدأ تحريم لبس الحرير. وقال القرطبي في "المفهم": المراد بالمتقين المؤمنون، لأنهم الذين خافوا الله تعالى واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له. وقال غيره: لعل هذا من باب التهييج للمكلف على الأخذ بذلك، لأن من سمع أن من فعل ذلك كان غير متق فهم منه أنه لا يفعله إلا المستخف فيأنف من فعل ذلك لئلا يوصف بأنه غير متق، واستدل به على تحريم الحرير على الرجال دون النساء لأن اللفظ لا يتناولهن على الراجح، ودخولهن بطريق التغليب مجاز يمنع منه ورود الأدلة الصريحة على إباحته لهن، وسيأتي في باب مفرد بعد قريب من عشرين بابا، وعلى أن الصبيان لا يحرم عليهم لبسه لأنهم لا يوصفون بالتقوى. وقد قال الجمهور بجواز إلباسهم ذلك في نحو العيد، وأما في غيره فكذلك في الأصح عند الشافعية، وعكسه عند الحنابلة، وفي وجه ثالث يمنع بعد التمييز. وفي الحديث أن لا كراهة في لبس الثياب الضيقة والمفرجة لمن اعتادها أو احتاج إليها، وقد أشرت إلى ذلك قريبا في "باب لبس الجبة الضيقة". قوله: "تابعه عبد الله بن يوسف عن الليث. وقال غيره" يعني بسنده "فروج حرير". أما رواية عبد الله بن يوسف فوصلها المؤلف رحمه الله في أوائل الصلاة، وأما رواية غيره فوصلها أحمد عن حجاج بن محمد وهاشم وهو أبو النضر ومسلم والنسائي عن قتيبة والحارث عن يونس بن محمد المؤدب كلهم عن الليث. وقد اختلف في المغايرة بين الروايتين على خمسة أوجه: أحدها التنوين والإضافة كما يقال ثوب خز بالإضافة وثوب خز بتنوين ثوب قاله ابن التين احتمالا. ثانيها: ضم أوله وفتحه حكاه ابن التين رواية، قال: والفتح أوجه لأن فعولا لم يرد إلا في سبوح وقدوس وفروخ يعني الفرخ صن الدجاج انتهى، وقد قدمت في كتاب الصلاة حكاية جواز الضم عن أبي العلاء المعري. وقال القرطبي في "المفهم" حكي الضم والفتح والضم هو المعروف. ثالثها: تشديد الراء وتخفيفها حكاه عياض ومن تبعه. رابعها: هل هو بجيم آخره أو خاء معجمة حكاه عياض أيضا. خامسها: حكاه الكرماني قال: الأول فروج من حرير بزيادة من والثاني بحذفها. قلت: وزيادة "من" ليست في الصحيحين، وقد ذكرناها عن رواية لأحمد.

(10/271)


13 - باب الْبَرَانِسِ
5802- وَقَالَ لِي مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: "رَأَيْتُ عَلَى أَنَسٍ بُرْنُساً أَصْفَرَ مِنْ خَزٍّ".
5803- حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجلا قال: " يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا

(10/271)


البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس" .
قوله: "باب البرانس" جمع برنس بضم الموحدة والنون بينهما راء ساكنة وآخره مهملة، تقدم تفسيره في كتاب الحج وكذا شرح حديث ابن عمر المذكور فيه. قوله: "وقال لي مسدد حدثنا معتمر" يعني ابن التيمي وقوله: "من خز" بفتح المعجمة وتشديد الزاي هو ما غلظ من الديباج وأصله من وبر الأرنب، ويقال لذكر الأرنب خزز بوزن عمر، وسيأتي شرحه وحكمه في "باب ليس القسي" بعد أربعة عشر بابا. وهذا الأثر موصول لتصريح المصنف بقوله: "قال لي" لكن لم يقع في رواية النسفي لفظ لي فهو تعليق، وقد رويناه موصولا في مسند مسدد رواية معاذ بن المثنى عن مسدد، وكذا وصله ابن أبي شيبة عن ابن علية عن يحيى بن أبي إسحاق قال: "رأيت على أنس" فذكر مثله. وقد كره بعض السلف لبس البرنس لأنه كان من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به. قيل: فإنه من لبوس النصارى. قال: كان يلبس هاهنا. وقال عبد الله بن أبي بكر: ما كان أحد من القراء إلا له برنس. وأخرج الطبراني من حديث أبي قرصافة قال: "كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم برنسا فقال: البسه" وفي سنده من لا يعرف. ولعل من كرهه أخذ بعموم حديث علي رفعه: "إياكم ولبوس الرهبان، فإنه من تزيا بهم أو تشبه فليس مني" أخرجه الطبراني في "الأوسط" بسند لا بأس به.

(10/272)


14 - باب السَّرَاوِيلِ
5804- حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عمرو عن جابر بن زيد عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يجد إزارا فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين" .
5805- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله قال قام رجل فقال: "يا رسول الله ما تأمرنا أن نلبس إذا أحرمنا؟ قال: لا تلبسوا القميص والسراويل والعمائم والبرانس والخفاف إلا أن يكون رجل ليس له نعلان فليلبس الخفين أسفل من الكعبين ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه زعفران ولا ورس" .
قوله: "باب السراويل" ذكر فيه حديث ابن عباس رفعه: "من لم يجد إزارا فليلبس سراويل" وحديث ابن عمر فيما لا يلبس المحرم من الثياب وقد تقدما وشرحهما في كتاب الحج، ولم يرد فيه حديث على شرطه. وقد أخرج حديث الدعاء للمتسرولات البزار من حديث علي بسند ضعيف، وصح أنه صلى الله عليه وسلم اشترى رجل سراويل من سويد بن قيس أخرجه الأربعة وأحمد وصححه ابن حبان من حديثه، وأخرجه أحمد أيضا من حديث مالك بن عميرة الأسدي قال: "قدمت قبل مهاجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشترى مني سراويل فأرجح لي" وما كان ليشتريه عبثا وإن كان غالب لبسه الإزار. وأخرج أبو يعلى والطبراني في "الأوسط" من حديث أبي هريرة "دخلت يوما السوق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إلى البزاز فاشترى سراويل بأربعة دراهم" الحديث وفيه: "قلت يا رسول الله

(10/272)


وإنك لتلبس السراويل؟ قال: أجل، في السفر والحضر والليل والنهار، فإني أمرت بالتستر" وفيه يونس بن زياد البصري وهو ضعيف. قال ابن القيم في "الهدى": اشترى صلى الله عليه وسلم السراويل، والظاهر أنه إنما اشتراه ليلبسه ثم قال: وروي في حديث أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسونه في زمانه وبإذنه. قلت: وتؤخذ أدلة ذلك كله مما ذكرته. ووقع في الإحياء للغزالي أن الثمن ثلاثة دراهم والذي تقدم أنه أربعة دراهم أولى.

(10/273)


3 - باب فِي الْعَمَائِمِ
5806- حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري قال أخبرني سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرنس ولا ثوبا مسه زعفران ولا ورس ولا الخفين إلا لمن لم يجد النعلين فإن لم يجدهما فليقطعهما أسفل من الكعبين" .
قوله: "باب العمائم" ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور قبله من وجه آخر، وقد سبق في الحج، وكأنه لم يثبت عنده على شرطه في العمامة شيء، وقد ورد فيها الحديث الماضي في آخر "باب من جر ثوبه من الخيلاء" من حديث عمرو بن حريث أنه قال: "كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه" أخرجه مسلم، وعن أبي المليح بن أسامة عن أبيه رفعه: "اعتموا تزدادوا حلما" أخرجه الطبراني والترمذي في "العلل المفرد" وضعفه البخاري؛ وقد صححه الحاكم فلم يصب، وله شاهد عند البزار عن ابن عباس ضعيف أيضا، وعن ركانة رفعه: "فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم" أخرجه أبو داود والترمذي، وعن ابن عمر "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه" أخرجه الترمذي، وفيه أن ابن عمر كان يفعله والقاسم وسالم، وأما مالك فقال: إنه لم ير أحدا يفعله إلا عامر بن عبد الله بن الزبير. والله أعلم.

(10/273)


16 - باب التَّقَنُّعِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ".
وَقَالَ أَنَسٌ: "عَصَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ".
5807- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ هَاجَرَ نَاسٌ إِلَى الْحَبَشَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِراً. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَوَ تَرْجُوهُ بِأَبِي أَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصُحْبَتِهِ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْماً جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَقَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلاً مُتَقَنِّعاً فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِداً لَكَ أَبِي وَأُمِّي وَاللَّهِ إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلاَّ لِأَمْرٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ حِينَ دَخَلَ لِأَبِي بَكْرٍ أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ قَالَ إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ قَالَ فَالصُّحْبَةُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَخُذْ بِأَبِي

(10/273)


17 - باب الْمِغْفَرِ
5808- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ".
قوله: "باب المغفر" بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء بعدها راء. تقدم الكلام على حديث أنس الذي في الباب في كتاب المغازي مستوفى، وذكر ابن بطال هنا أن بعض المتعسفين أنكر على مالك قوله في هذا الحديث: "وعلى رأسه المغفر" وأنه تفرد به قال: والمحفوظ أنه دخل مكة وعليه عمامة سوداء، ثم أجاب عن دعوى التفرد أنه وجد في "كتاب حديث الزهري" تصنيف النسائي هذا الحديث من رواية الأوزاعي عن الزهري مثل ما رواه مالك، وعن الحديث الآخر بأنه "دخل وعلى رأسه المغفر وكانت العمامة السوداء فوق المغفر". قلت: وقد ذكرت في شرح الحديث أن بضعة عشر نفسا رووه عن الزهري غير مالك، وبينت مخارجها وعللها بما أغني عن إعادته والحمد لله.

(10/275)


باب البرود والحبر والشملة
...
18 - باب الْبُرُودِ وَالْحِبَرَةِ وَالشَّمْلَةِ
وَقَالَ خَبَّابٌ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ
5809- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ".
5810- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: "جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ قَالَ سَهْلٌ هَلْ تَدْرِي مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ هِيَ الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجاً إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا لاَزَارُهُ فَجَسَّهَا رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْسُنِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي

(10/275)


19 - باب الأَكْسِيَةِ وَالْخَمَائِصِ
5815، 5816- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالاَ: "لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا ".
5817- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَمِيصَةٍ لَهُ لَهَا أَعْلاَمٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفاً عَنْ صَلاَتِي وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ".
5818- حَدَّثَني مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: "أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً وَإِزَاراً غَلِيظاً فَقَالَتْ قُبِضَ رُوحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَيْنِ".
قوله: "باب الأكسية والخمائص" جمع خميصة بالخاء المعجمة والصاد المهملة، وهي كساء من صوف أسود أو خز مربعة لها أعلام، ولا يسمى الكساء خميصة إلا إن كان لها علم. عن عائشة وابن عباس قالا "لما نزل" بضم أوله على البناء للمجهول والمراد نزول الموت، وقوله: "طفق يطرح خميصة له على وجهه" أي يجعلها على وجهه من الحمى "فإذا اغتم كشفها" وذكر الحديث في التحذير من اتخاذ القبور مساجد، وقد تقدم شرحه في كتاب الجنائز.
" تنبيه ": ذكر أبو علي الجياني أنه وقع في رواية أبي محمد الأصيلي عن أبي أحمد الجرجاني في هذا الإسناد عن الزهري "عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عائشة وابن عباس قال" وقوله: "عن أبيه" وهم وهي زيادة لا حاجة إليها. حديث أبي بردة وهو ابن أبي موسى الأشعري قال: "أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت: قبض روح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين" تقدم هذا الحديث في أوائل الخمس،

(10/277)


وذكر له طريقا أخرى تعليقا زاد فيها وصف الإزار والكساء إزارا غليظا مما يصنع باليمن وكساء من هذه التي تدعونها الملبدة، والملبدة اسم مفعول من التلبيد. وقال ثعلب: يقال للرقعة التي يرقع بها القميص لبدة. وقال غيره هي التي ضرب بعضها في بعض حتى تتراكب وتجتمع. وقال الداودي: هو الثوب الضيق ولم يوافق. الرابع: حديث عائشة "في خميصة لها أعلام" وفي آخر "وائتوني بانبجانية أبي جهم بن حذيفة بن غانم من بني عدي بن كعب" انتهى آخر الحديث عند قوله: "بانبجانية أبي جهم" وبقية نسبه مدرج في الخبر من كلام ابن شهاب، وقد تقدم شرحه مستوفى في أوائل كتاب الصلاة.

(10/278)


20 - باب اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ
5819- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَعَنْ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ وَأَنْ يَحْتَبِيَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ" .
5820- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ نَهَى عَنْ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْمُلاَمَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلاَ يُقَلِّبُهُ إِلاَّ بِذَلِكَ وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَ الْآخَرُ ثَوْبَهُ وَيَكُونَ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا عَنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلاَ تَرَاضٍ وَاللِّبْسَتَيْنِ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَالصَّمَّاءُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاللِّبْسَةُ الأُخْرَى احْتِبَاؤُهُ بِثَوْبِهِ وَهُوَ جَالِسٌ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" .
قوله: "باب اشتمال الصماء" تقدم ضبطه وتفسيره وشرح حديث أبي سعيد في هذا الباب فيما يتعلق بالاشتمال والاحتباء في "باب ما يستر من العورة" من كتاب الصلاة، وقيل في اشتمال الصماء أن يرمي بطرفي الثوب على شقه الأيسر فيصير جانبه الأيسر مكشوفا ليس عليه من الغطاء شيء فتنكشف عورته إذا لم يكن عليه ثوب آخر، فإذا خالف بين طرفي الثوب الذي اشتمل به لم يكن صماء، وتقدم الكلام أيضا على اختلاف الرواة عن الزهري في شيخه فيه وعلى الليث أيضا، وأما شرح البيعتين فتقدم أيضا في البيوع، وأما النهي عن الصلاة بعد العصر والصبح فتقدم في أواخر أبواب المواقيت من كتاب الصلاة. قوله: "عبد الوهاب" هو ابن عبد المجيد الثقفي جزم به المزي في "الأطراف" وقال في "التهذيب" وقع في بعض النسخ "عبد الوهاب بن عطاء" وفيه نظر لأن ابن عطاء لا تعرف له رواية عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري، ولم يذكر أحد في رجال البخاري عبد الوهاب بن عطاء، وقد أخرج أبو نعيم في "المستخرج" هذا الحديث من رواية ابن خزيمة حدثنا بندار وهو محمد بن بشار شيخ البخاري فيه: "حدثنا عبد الوهاب به" ولم ينسبه أيضا. وأخرجه عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب به ولم ينسبه أيضا وهو الثقفي بلا ريب، وسيأتي بعد قليل نظير هذا، وجزم الإسماعيلي بأنه الثقفي. وقوله فيه: "أن يجعل ثوبه على أحد

(10/278)


عاتقيه فيبدو أحد شقيه" أي يظهر.

(10/279)


باب الإحتباء في الثوب الواحد
...
21 - باب الِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ
5821- حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء وأن يشتمل بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه وعن الملامسة والمنابذة".
5822- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنِي مَخْلَدٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نَهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" .
قوله: "باب الاحتباء في ثوب واحد" ذكر فيه حديثين تقدم شرحهما أيضا في الباب المشار إليه من كتاب الصلاة. قوله في أول الإسناد "حدثنا محمد" غير منسوب هو ابن سلام، وشيخه مخلد بسكون المعجمة هو ابن يزيد.

(10/279)


22 - باب الْخَمِيصَةِ السَّوْدَاءِ
5823- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ فُلاَنٍ هُوَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ "أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ فَقَالَ: مَنْ تَرَوْنَ أَنْ نَكْسُوَ هَذِهِ فَسَكَتَ الْقَوْمُ قَالَ ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا وَقَالَ أَبْلِي وَأَخْلِقِي وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ فَقَالَ يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَاهْ وَسَنَاهْ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنٌ".
5824- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِي يَا أَنَسُ انْظُرْ هَذَا الْغُلاَمَ فَلاَ يُصِيبَنَّ شَيْئاً حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَنِّكُهُ فَغَدَوْتُ بِهِ فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ حُرَيْثِيَّةٌ وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ".
قوله: "باب الخميصة السوداء" تقدم تفسير الخميصة في أوائل كتاب الصلاة، قال الأصمعي: الخمائص ثياب خز أو صوف معلمة وهي سود كانت من لباس الناس. وقال أبو عبيد هو كساء مربع له علمان، وقيل: هي كساء رقيق من أي لون كان، وقيل: لا تسمى خميصة حتى تكون سوداء معلمة. قوله: "عن أبيه سعيد ابن فلان ابن سعيد بن العاص" كذا قال البخاري عن أبي نعيم عن إسحاق بن سعيد عن أبيه فأبهم والد سعيد، وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق أبي خيثمة زهير بن حرب عن الفضل بن دكين وهو أبو نعيم "حدثنا إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد عن العاص عن أبيه" وسيأتي بعد أبواب في "باب ما يدعى لمن لبس ثوبا

(10/279)


باب الثياب الخضر
...
23 - باب ثِيَابِ الْخُضْرِ
5825- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ "أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ الْقُرَظِيُّ قَالَتْ عَائِشَةُ وَعَلَيْهَا خِمَارٌ أَخْضَرُ فَشَكَتْ إِلَيْهَا وَأَرَتْهَا خُضْرَةً بِجِلْدِهَا فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنِّسَاءُ يَنْصُرُ بَعْضُهُنَّ بَعْضاً - قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا يَلْقَى الْمُؤْمِنَاتُ لَجِلْدُهَا أَشَدُّ خُضْرَةً مِنْ ثَوْبِهَا قَالَ وَسَمِعَ أَنَّهَا قَدْ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ إِلاَّ أَنَّ مَا مَعَهُ لَيْسَ بِأَغْنَى عَنِّي مِنْ هَذِهِ - وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ ثَوْبِهَا – فَقَالَ: كَذَبَتْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لاَنْفُضُهَا نَفْضَ الأَدِيمِ وَلَكِنَّهَا نَاشِزٌ تُرِيدُ رِفَاعَةَ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَإِنْ

(10/281)


كَانَ ذَلِكِ لَمْ تَحِلِّي لَهُ أَوْ لَمْ تَصْلُحِي لَهُ حَتَّى يَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ" قَالَ وَأَبْصَرَ مَعَهُ ابْنَيْنِ لَهُ فَقَالَ بَنُوكَ هَؤُلاَءِ قَالَ نَعَمْ قَالَ هَذَا الَّذِي تَزْعُمِينَ مَا تَزْعُمِينَ فَوَاللَّهِ لَهُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ" .
قوله: "باب الثياب الخضر" كذا للكشمهيني، وللمستملي والسرخسي "ثياب الخضر" كقولهم مسجد الجامع. قال ابن بطال: الثياب الخضر من لباس الجنة، وكفى بذلك شرفا لها. قلت وأخرج أبو داود من حديث أبي رمثة بكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة أنه "رأى على النبي صلى الله عليه وسلم بردين أخضرين". قوله: "حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب" هو الثقفي وصرح به الإسماعيلي. قوله: "عن عكرمة" في رواية أبي يعلى "حدثنا سويد بن سعيد حدثنا عبد الوهاب الثقفي" بسنده وزاد فيه: "عن ابن عباس". قوله: "أن رفاعة طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر فشكت إليها" أي إلى عائشة وفيه التفات وتجريد. وفي قوله: "قالت عائشة" ما يبين وهم رواية سويد وأن الحديث من رواة عكرمة عن عائشة. قوله: "والنساء ينصر بعضهن بعضا" جملة معترضة، وهي من كلام عكرمة، وقد صرح وهيب بن خالد في روايته عن أيوب بذلك فقال بعد قوله: لجلدها أشد خضرة من خمارها "قال عكرمة: والنساء ينصر بعضهن بعضا" رويناه في "فوائد أبي عمرو بن السماك" من طريق عفان عن وهيب. قال الكرماني: خضرة جلدها يحتمل أن تكون لهزالها أو من ضرب زوجها لها. قلت: وسياق القصة رجح الثاني. قوله: "قال وسمع أنها قد أتت" في رواية وهيب "قال: فسمع بذلك زوجها". قوله: "ومعه ابنان" لم أقف على تسميتهما، ووقع في رواية وهيب بنون له.
قوله: "لم تحلي أو لم تصلحي له" كذا بالشك، وهو من الراوي. وفي رواية الكشميهني: "لا تحلين له ولا تصلحين له" وذكر الكرماني أنه وقع في بعض الروايات "لم تحلين" ثم أخذ في توجيهه، وعرف بهذا الجواب وجه الجمع بين قولها "ما معه إلا مثل الهدبة" وبين صلى الله عليه وسلم: "حتى تذوقي عسيلته" وحاصله أنه رد عليها دعواها، أما أولا فعلى طريق صدق زوجها فيما زعم أنه ينفضها نفض الأديم، وأما ثانيا فللاستدلال على صدقه بولديه اللذين كانا معه. قوله: "وأبصر معه ابنين له فقال: بنوك هؤلاء" فيه جواز إطلاق اللفظ الدال على الجمع على الاثنين، لكن وقع في رواية وهيب بصيغة الجمع فقال: "بنون له". قوله: "تزعمين ما تزعمين" في رواية وهيب "هذا الذي تزعمين أنه كذا وكذا" وهو كناية عما ادعت عليه من العنة، وقد تقدمت مباحث قصة رفاعة وامرأته في كتاب الطلاق، وقوله لأنفضها نفض الأديم كناية بليغة في الغاية من ذلك لأنها أوقع في النفس من التصريح، لأن الذي ينفض الأديم يحتاج إلى قوة ساعد وملازمة طويلة، قال الداودي: يحتمل تشبيهها بالهدية انكساره وأنه لا يتحرك وأن شدته لا تشتد، ويحتمل أنها كنت بذلك عن نحافته، أو وصفته بذلك بالنسبة للأول، قال: ولهذا يستحب نكاح البكر لأنها تظن الرجال سواء، بخلاف الثيب.

(10/282)


24 - باب الثِّيَابِ الْبِيضِ
5826- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: "رَأَيْتُ بِشِمَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَمِينِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يَوْمَ أُحُدٍ مَا رَأَيْتُهُمَا

(10/282)


قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ".
5827- حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر حدثه أن أبا الأسود الديلي حدثه أن أبا ذر رضي الله عنه حدثه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال: " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر" وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال وإن رغم أنف أبي ذر. قال أبو عبد الله هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال لا إله إلا الله غفر له".
قوله: "باب الثياب البيض" كأنه لم يثبت عنده على شرطه فيها شيء صريح، فاكتفى بما وقع في الحديثين اللذين ذكرهما، وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث سمرة رفعه: "عليكم بالثياب البيض فالبسوها فإنها أطيب وأطهر، وكفنوا فيها موتاكم" وأخرج أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وصححه الترمذي وابن حبان من حديث ابن عباس بمعناه وفيه: "فإنها من خير ثيابكم". حديث سعد وهو ابن أبي وقاص، تقدم في غزوة أحد وفيه تسمية الرجلين وأنهما جبريل وميكائيل، ولم يصب من زعم أن أحدهما إسرافيل. والحديث الثاني عنه. قوله: "عن الحسين" هو بن ذكوان المعلم البصري. قوله: "عن عبد الله بن بريدة" أي بن الحصيب الأسلمي وهو تابعي وشيخه تابعي أيضا إلا أنه أكبر منه وأبو الأسود أيضا تابعي كبير كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم رجلا. قوله: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض" في هذا القدر الغرض المطلوب من هذا الحديث وبقيته تتعلق بكتاب الرقاق. وقد أورده فيه من وجه آخر مطولا ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى، وفائدة وصفه الثوب. وقوله: "أتيته وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ" الإشارة إلى استحضاره القصة بما فيها ليدل ذلك على إتقانه لها. وقوله: "وإن رغم أنف أبي ذر" يجوز في الغين المعجمة الفتح والكسر أي ذل كأنه لصق بالرغام وهو التراب. وقوله: "قال أبو عبد الله" هو البخاري. وقوله: "هذا عند الموت أو قبله إذا تاب" أي من الكفر وندم يريد شرح قوله: "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" وحاصل ما أشار إليه أن الحديث محمول على من وحد ربه ومات على ذلك تائبا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء، وهذا في حقوق الله باتفاق أهل السنة. وأما حقوق العباد فيشترط ردها عند الأكثر، وقيل: بل هو كالأول ويثيب الله صاحب الحق بما شاء. وأما من تلبس بالذنوب المذكورة ومات توبة فظاهر الحديث أنه أيضا داخل في ذلك لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت الماضي في كتاب الإيمان فإن فيه: "ومن أتى شيئا من ذلك فلم يعاقب به فأمره إلى الله تعالى أن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه" وهذا المفسر مقدم على المبهم وكل منهما يرد على المبتدعة من الخوارج ومن المعتزلة

(10/283)


الذين يدعون وجوب خلود من مات من مرتكبي الكبائر من غير توبة في النار أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه. ونقل ابن التين عن الداودي أن كلام البخاري خلاف ظاهر الحديث فإنه لو كانت التوبة مشترطة لم يقل وإن زنى وإن سرق. قال: وإنما المراد أنه يدخل الجنة إما ابتداء وإما بعد ذلك. والله أعلم.

(10/284)


باب لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز
...
25 - باب لُبْسِ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشِهِ لِلرِّجَالِ وَقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ
5828- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ بِأَذْرَبِيجَانَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْحَرِيرِ إِلاَّ هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الإِبْهَامَ قَالَ فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الأَعْلاَمَ" .
[الحديث 5828 – أطرافه في: 5829، 5830، 5834، 5835]
5829- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلاَّ هَكَذَا وَصَفَّ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِصْبَعَيْهِ وَرَفَعَ زُهَيْرٌ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ" .
5830- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ يُلْبَسُ الْحَرِيرُ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ لَمْ يُلْبَسْ منه شيءٌ فِي الْآخِرَةِ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ وَأَشَارَ أَبُو عُثْمَانَ بِإِصْبَعَيْهِ: الْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى".
5831- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: "كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَايِنِ فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ وَقَالَ إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلاَّ أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ" .
5832- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ شُعْبَةُ فَقُلْتُ أَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ شَدِيداً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا فَلَنْ يَلْبَسَهُ فِي الْآخِرَةِ" .
5833- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ يَقُولُ قَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ" .
5834- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي ذِبْيَانَ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ" وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ يَزِيدَ قَالَتْ مُعَاذَةُ أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ عُمَرَ سَمِعَ

(10/284)


النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... نَحْوَهُ".
5835- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ الْحَرِيرِ فَقَالَتْ ائْتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ قَالَ: فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ سَلْ ابْنَ عُمَرَ قَالَ فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ" فَقُلْتُ صَدَقَ وَمَا كَذَبَ أَبُو حَفْصٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنِي عِمْرَانُ وَقَصَّ الْحَدِيثَ.
قوله: "باب لبس الحرير للرجال، وقدر ما يجوز منه" أي في بعض الثياب. ووقع في "شرح ابن بطال" و"مستخرج أبي نعيم" زيادة افتراشه في الترجمة، والأولى ما عند الجمهور، وقد ترجم للافتراش مستقلا كما سيأتي بعد أبواب. والحرير معروف، وهو عربي سمي بذلك لخلوصه يقال لكل خالص محرر، وحررت الشيء خلصته من الاختلاط بغيره. وقيل: هو فارسي معرب، والتقييد بالرجال يخرج النساء، وسيأتي في ترجمة مستقلة. قال ابن بطال: اختلف في الحرير فقال قوم: يحرم لبسه في كل الأحوال حتى على النساء، نقل ذلك عن علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين. وقال قوم يجوز لبسه مطلقا وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه على من لبسه خيلاء أو على التنزيه. قلت: وهذا الثاني ساقط لثبوت الوعيد على لبسه. وأما قول عياض: حمل بعضهم النهي العام في ذلك على الكراهة لا على التحريم، فقد تعقبه ابن دقيق العيد فقال: قد قال القاضي عياض "إن الإجماع انعقد بعد ابن الزبير ومن وافقه على تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء"، ذكر ذلك في الكلام على قول ابن الزبير في الطريق التي أخرجها مسلم: "ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر" فذكر الحديث الآتي في الباب، قال: فإثبات قول بالكراهة دون التحريم إما أن ينقض ما نقله من الإجماع وإما أن يثبت أن الحكم العام قبل التحريم على الرجال كان هو الكراهة ثم انعقد الإجماع على التحريم على الرجال والإباحة للنساء، ومقتضاه نسخ الكراهة السابقة، وهو بعيد جدا. وأما ما أخرج عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس قال: "لقي عمر عبد الرحمن بن عوف فنهاه عن لبس الحرير فقال: لو أطعتنا للبسته معنا، وهو يضحك" فهو محمول على أن عبد الرحمن فهم من إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في لبس الحرير نسخ التحريم ولم ير تقييد الإباحة بالحاجة كما سيأتي، واختلف في علة تحريم الحرير عل رأيين مشهورين: أحدهما الفخر والخيلاء، والثاني: لكونه ثوب رفاهية فيليق بزي النساء دون شهامة الرجال. ويحتمل علة ثالثة وهي التشبه بالمشركين. قال ابن دقيق العيد: وهذا قد يرجع إلى الأول لأنه من سمة المشركين، وقد يكون المعنيان معتبرين إلا أن المعنى الثاني لا يقتضي التحريم لأن الشافعي قال في "الأم": ولا أكره لباس اللؤلؤ إلا للأدب فإنه زي النساء. واستشكل بثبوت اللعن للمتشبهين من الرجال بالنساء فإنه يقتضي منع ما كان مخصوصا بالنساء في جنسه وهيئته. وذكر بعضهم علة أخرى وهي السرف والله أعلم. قوله: "سمعت أبا عثمان النهدي قال: أتانا كتاب عمر" كذا قال أكثر أصحاب قتادة وشذ عمر بن

(10/285)


عامر فقال عن قتادة عن أبي عثمان عن عثمان فذكر المرفوع، وأخرجه البزار وأشار إلى تفرده به، فلو كان ضابطا لقلنا سمعه أبو عثمان من كتاب عمر ثم سمعه من عثمان بن عفان، لكن طرق الحديث تدل على أنه عن عمر لا عن عثمان، وقد ذكره أصحاب الأطراف في ترجمة أبي عثمان عن عمر، وفيه نظر لأن المقصود بالكتابة إليه هو عتبة بن فرقد، وأبو عثمان سمع الكتاب يقرأ، فإما أن تكون روايته له عن عمر بطريق الوجادة وإما أن يكون بواسطة المكتوب إليه وهو عتبة بن فرقد، ولم يذكروه في رواية أبي عثمان عن عتبة، وقد نبه الدار قطني على أن هدا الحديث أصل في جواز الرواية بالكتابة عند الشيخين، قال ذلك بعد أن استدركه عليهما، وفي ذلك رجوع منه عن الاستدراك عليه، والله أعلم. قوله: "ونحن مع عتبة بن فرقد" صحابي مشهور سمي أبوه باسم النجم، واسم جده يربوع من بن حبيب بن مالك السلمي، ويقال إن يربوع هو فرقد وأنه لقب له، وكان عتبة أميرا لعمر في فتوح بلاد الجزيرة. قوله: "بأذربيجان" تقدم ضبطها في أوائل كتاب فضائل القرآن، وذكر المعافي في "تاريخ الموصل" أن عتبة هو الذي افتتحها سنة ثماني عشرة. وروى شعبة عن حصين بن عبد الرحمن السلمي عن أم عاصم امرأة عتبة "أن عتبة غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوتين" وأما قول المعافي إنه شهد خيبر وقسم له رسوله الله صلى الله عليه وسلم منها فلم يوافق على ذلك، وإنما أول مشاهده حنين روينا في "المعجم الصغير للطبراني" من طريق أم عاصم امرأة عتبة عن عتبة قال: "أخذني الشرى على عهد رسول الله، فأمرني فتجردت فوضع يده على بطني وظهري فعبق بي الطيب من يومئذ" قالت أم عاصم: كنا عنده أربع نسوة فكنا نجتهد في الطيب وما كان هو يمسه وإنه كان لأطيبنا ريحا. قوله: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم" زاد الإسماعيلي فيه من طريق علي بن الجعد عن شعبة بعد قوله مع عتبة بن فرقد "أما بعد فاتزروا وارتدوا وانتعلوا وألقوا الخفاف والسراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم وزي العجم، وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب، وتمعددوا واخشوشنوا واخلولقوا واقطعوا الركب وانزوا نزوا وارموا الأغراض، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم" الحديث. قوله: "نهى عن الحرير" أي عن لبس الحرير كما في الرواية التي تلي هذه. قوله: "إلا هكذا" زاد الإسماعيلي في روايته من هذا الوجه: وهكذا. قوله: "وأشار بإصبعيه اللتين تليان الإبهام" المشير بذلك يأتي في رواية عاصم ما يقتضي أنه النبي صلى الله عليه وسلم كما سأبينه. قوله: "اللتين تليان الإبهام" يعني السبابة والوسطى، وصرح بذلك في رواية عاصم. قوله: "فيما علمنا أنه يعني الأعلام" بفتح الهمزة جمع علم بالتحريك أي الذي حصل في علمنا أن المراد بالمستثنى الأعلام وهو ما يكون في الثياب من تطريف وتطريز ونحوهما. ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي: "فما" بفتح الفاء بعدها حرف نفي "عتمنا" بمثناة بدل اللام أي ما أبطأنا "في معرفة ذلك لما سمعناه" قال أبو عبيد العاتم البطيء، يقال عتم الرجل القرى إذا أخره. قوله: "حدثنا أحمد بن يونس" هو ابن عبد الله بن يونس نسب لجده وهو بذلك أشهر، وشيخه زهير بن معاوية أبو خيثمة الجعفي، وعاصم هو ابن سليمان الأحول، وقد أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس هذا فبين جميع ذلك في سياقه. قوله: "كتب إلينا عمر" كذا للأكثر وكذا لمسلم، وللكشميهني: "كتب إليه" أي إلى عتبة بن فرقد، وكلتا الروايتين صواب فإنه كتب إلى الأمير لأنه هو الذي يخاطبه وكتب إليهم كلهم بالحكم. قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم" زاد فيه مسلم قبل هذا "يا عتبة بن فرقد؛ إنه ليس من كدك ولا كد أبيك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبس الحرير فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى" فذكر

(10/286)


الحديث، وبين أبو عوانة في صحيحه من وجه آخر سبب قول عمر ذلك فعنده في أوله "أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر مع غلام له بسلال فيها خبيص عليها اللبود فلما رآه عمر قال: أيشبع المسلمون في رحالهم من هذا؟ قال: لا. فقال عمر: لا أريده. وكتب إلى عتبة: إنه ليس من كدك" الحديث. قوله: "ورفع زهير الوسطى والسبابة" زاد مسلم في روايته: "وضمهما". قوله: "يحيى" هو ابن سعيد القطان. قوله: "عن التيمي" هو سليمان بن طرخان. قوله: "عن أبي عثمان قال: كنا مع عتبة فكتب إليه عمر" في رواية مسلم من طريق جرير عن سليمان التيمي "فجاءنا كتاب عمر" وكذا عند الإسماعيلي من طريق معتمر بن سليمان. قوله: "لا يلبس الحرير في الدنيا إلا لم يلبس منه شيء في الآخرة" كذا للمستملي والسرخسي "يلبس" بضم أوله في الموضعين، وكذا للنسفي وقال: "في الآخرة منه" وللكشميهني: "لا يلبس الحرير في الدنيا إلا لم يلبس منه شيئا في الآخرة" بفتح أوله على البناء للفاعل، والمراد به الرجل المكلف، وأورده الكرماني بلفظ: "إلا من لم يلبسه" قال وفي أخرى "إلا من ليس يلبس منه" اهـ. وفي رواية مسلم المذكورة "لا يلبس الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة". قوله: "وأشار أبو عثمان بإصبعيه المسبحة والوسطى" وقع هذا في رواية المستملي وحده، وهو لا يخالفه ما في رواية عاصم، فيجمع بأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار أولا ثم نقله عنه عمر فبين بعد ذلك بعض رواته صفة الإشارة. قوله: "حدثنا الحسن بن عمر" أي ابن شقيق الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء أبو علي البلخي، كذا جزم به الكلاباذي وآخرون، وشذ ابن عدي فقال: هو ابن عمر بن إبراهيم العبدي. قلت: ولم أقف لهذا العبدي على ترجمة، إلا أن ابن حبان قال في الطبقة الرابعة من الثقات الحسن بن عمر بن إبراهيم روى عن شعبة، فلعله هذا. وقد جزم صاحب "المزهر" أنه يكنى أبا بصير وأنه من شيوخ البخاري وأنه أخرج له حديثين وأنه أخرج للحسن بن عمر بن شبة وأكثر من ذلك. قلت ولم أر في جميع البخاري بهذه الصورة إلا أربعة أحاديث أحدها في "باب الطواف بعد العصر" من كتاب الحج قال فيه: "حدثنا الحسن بن عمر البصري حدثنا يزيد بن زريع" وهذا وآخر مثل هذا في الاستئذان، والرابع في كتاب الأحكام فساقه كما في سياق الحج سواء فتعين أنه هو. وأما هذا والذي في الاستئذان فعلى الاحتمال والأقرب أنه كما قال الأكثر. قوله: "معتمر" هو ابن سليمان التيمي. قوله: "وأشار أبو عثمان بإصبعيه المسبحة والوسطى" يريد أن معتمر بن سليمان رواه عن أبيه عن أبي عثمان عن كتاب عمر وزاد هذه الزيادة، وهذا مما يؤيد أن رواية الأكثر في الطريق التي قبلها التي خلت عن هذه الزيادة أولى من رواية المستملي التي أوردها فيه، فإن هذا القدر زاد معتمر بن سليمان في روايته عن أبيه، ثم ظهر لي أن الذي زاده معتمر تفسير الإصبعين، فإن الإسماعيلي أخرجه من روايته ومن رواية يحيى القطان جميعا عن سليمان التيمي وقال في سياقه "كنا مع عتبة بن فرقد فكتب إليه عمر يحدثه بأشياء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وفيما كتبه إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا لا يلبس الحرير في الدنيا من له في الآخرة منه شيء، إلا، وأشار بإصبعيه" فعرف أن زيادة معتمر تسمية الإصبعين. وقد أخرجه مسلم والإسماعيلي أيضا من طريق جرير عن سليمان وقال فيه: "بإصبعيه اللتين تليان الإبهام فرأيناها أزرار الطيالسة حين رأينا الطيالسة" قال القرطبي: الأزرار جمع زر بتقديم الزاي: ما يزرر به الثوب بعضه على بعض، والمراد به هنا أطراف الطيالسة، والطيالسة جمع طيلسان وهو الثوب الذي له علم وقد يكون كساء، وكان للطيالسة التي رآها أعلام حرير في أطرافها. قلت: وقد أغفل صاحب "المشارق" و"النهاية" في مادة ط ل س ذكر الطيالسة

(10/287)


وكأنهما تركا ذلك لشهرته، لكن المعهود الآن ليس على الصفة المذكورة هنا، وقد قال عياض في "شرح مسلم" المراد بأزرار الطيالسة أطرافها. ووقع في حديث أسماء بنت أبي بكر عند مسلم أنها "أخرجت جبة طيالسة كسروانية فقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم" وهذا يدل على أن المراد بالطيالسة في هذا الحديث ما يلبس فيشمل الجسد، لا المعهود الآن. ولم يقع في رواية أبي عثمان في الصحيحين في استثناء ما يجوز من لبس الحرير إلا ذكر الإصبعين، لكن وقع عند أبي داود من طريق حماد بن سلمة عن عاصم الأحول في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا إصبعين وثلاثة وأربعة" ولمسلم من طريق سويد بن غفلة بفتح المعجمة والفاء واللام الخفيفتين "أن عمر خطب فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع" و"أو" هنا للتنويع والتخيير، وقد أخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ: "إن الحرير لا يصلح منه إلا هكذا وهكذا وهكذا يعني أصبعين وثلاثا وأربعا" وجنح الحليمي إلى أن المراد بما وقع في رواية مسلم أن يكون في كل قدر إصبعين، وهو تأويل بعيد من سياق الحديث، وقد وقع عند النسائي في رواية سويد "لم يرخص في الديباج إلا في موضع أربعة أصابع". قوله: "الحكم" هو ابن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغر؛ وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن، ووقع في رواية القابسي عن أبي ليلى وهو غلط لكن كتب في الهامش: الصواب ابن أبي ليلى. قوله: "كان حذيفة" هو ابن اليمان وقد مضى شرح حديثه هذا في كتاب الأشربة. قوله: "الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" تمسك به من منع استعمال النساء للحرير والديباج، لأن حذيفة استدل به على تحريم الشرب في إناء الفضة وهو حرام على النساء والرجال جميعا فيكون الحرير كذلك. والجواب أن الخطاب بلفظ لكم للمذكر، ودخول المؤنث فيه قد اختلف فيه؛ والراجح عند الأصوليين عدم دخولهن. وأيضا فقد ثبت إباحة الحرير والذهب للنساء كما سيأتي التنبيه عليه في "باب الحرير للنساء" قريبا، وأيضا فإن هذا اللفظ مختصر وقد تقدم بلفظ: " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة" والخطاب في ذلك للذكور، وحكم النساء في الافتراش سيأتي في باب افتراش الحرير قريبا، وقوله: "هي لهم في الدنيا" تمسك به من قال إن الكافر ليس مخاطبا بالفروع. وأجيب بأن المزاد هي شعارهم وزيهم في الدنيا، ولا يدل ذلك على الإذن لهم في ذلك شرعا. قوله: "قال شعبة: فقلت أعن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: شديدا عن النبي صلى الله عليه وسلم" وقع في رواية علي بن الجعد عن شعبة "سألت عبد العزيز بن صهيب عن الحرير فقال: سمعت أنسا. فقلت: عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: شديدا " وهذا الجواب يحتمل أن يكون تقريرا لكونه مرفوعا إنما حفظه حفظا شديدا، ويحتمل أن يكون إنكارا أي جزمي برفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم يقع شديدا علي، وأبعد من قال: المراد أنه رفع صوته رفعا شديدا. وقال الكرماني: لفظة "شديدا" صفة لفعل محذوف وهو الغضب أي غضب عبد العزيز من سؤال شعبة غضبا شديدا، كذا قال ووجهه غير وجيه، والاحتمال الأول عندي أوجه، ولكنه يؤيد الثاني أن أحمد أخرجه عن محمد بن جعفر عن شعبة فقال فيه: "سمعت أنسا يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم" وأخرجه أيضا عن إسماعيل بن علية عن عبد العزيز عن أنس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" وأخرجه مسلم أيضا من طريق إسماعيل هذا. قوله: "عن ثابت" هو البناني. قوله: "سمعت ابن الزبير يخطب" زاد النسائي: "وهو على المنبر" أخرجه عن قتيبة عن حماد بن زيد به. وأخرجه أحمد عن عفان عن حماد بلفظ: "يخطبنا". قوله: "قال محمد صلى الله عليه وسلم"

(10/288)


هذا من مرسل ابن الزبير، ومراسيل الصحابة محتج بها عند جمهور من لا يحتج بالمراسيل، لأنهم إما أن يكون عند الواحد منهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي آخر، واحتمال كونها عن تابعي لوجود رواية بعض الصحابة عن بعض التابعين نادر، لكن تبين من الروايتين اللتين بعد هذه أن ابن الزبير إنما حمله عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة عمر، ومع ذلك فلم أقف في شيء من الطرق المتفقة عن عمر أنه رواه بلفظ: "لن" بل الحديث عنه في جميع الطرق بلفظ: "لم" والله أعلم. وابن الزبير قد حفظ من النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث، منها حديثه "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح الصلاة فرفع يديه" أخرجه أحمد. ومنها حديثه "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو هكذا وعقد ابن الزبير" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. ومنها حديثه أنه "سمع النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن نبيذ الجر" أخرجه أحمد أيضا. قوله: "لن يلبسه في الآخرة" كذا في جميع الطرق عن ثابت، وهو أوضح في النفي. قوله: "عن أبي ذبيان" - بكسر المعجمة ويجوز ضمها بعدها موحدة ساكنة ثم تحتانية - هو التميمي البصري، ما له في البخاري سوى هذا الموضع، وقد وثقه النسائي. ووقع في رواية أبي علي بن السكن عن الفربري "عن أبي ظبيان" بظاء مشالة بدل الذال وهو خطأ، وأشد خطأ منه ما وقع قي رواية أبي زيد المروزي عن الفربري "عن أبي دينار" بمهملة مكسورة بعدها تحتانية ساكنة ونون ثم راء، نبه على ذلك أبو محمد الأصيلي. قوله: "سمعت ابن الزبير يقول سمعت عمر يقول" وقع في رواية النضر بن شميل عن شعبة "حدثنا خليفة بن كعب سمعت عبد الله بن الزبير يقول: لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر" أخرجه النسائي. وقد أخرجه النسائي أيضا من طريق جعفر بن ميمون عن خليفة بن كعب فلم يذكر عمر في إسناده، وشعبة أحفظ من جعفر بن ميمون. قوله: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" في رواية الكشميهني: "لن يلبسه" والمحفوظ من هذا الوجه "لم" وكذا أخرجه مسلم والنسائي، وزاد النسائي في رواية جعفر بن ميمون في آخره: "ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة قال الله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} " وهذه الزيادة مدرجة في الخبر، وهي موقوفة على ابن الزبير، بين ذلك النسائي أيضا من طريق شعبة فذكر مثل سند حيث الباب وفي آخره: "قال ابن الزبير" فذكر الزيادة، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق علي بن الجعد عن شعبة ولفظه: "فقال ابن الزبير من رأيه: ومن لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة، وذلك لقوله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} " وقد جاء مثل ذلك عن ابن عمر أيضا أخرجه النسائي من طريق حفصة بنت سيرين عن خليفة بن كعب قال: "خطبنا ابن الزبير" فذكر الحديث المرفوع وزاد: "فقال قال ابن عمر إذا والله لا يدخل الجنة، قال الله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} " وأخرج أحمد والنسائي وصححه الحاكم من طريق داود السراج عن أبي سعيد فذكر الحديث المرفوع مثل حديث عمر هذا في الباب وزاد: "وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" وهذا يحتمل أن يكون أيضا مدرجا، وعلى تقدير أن يكون الرفع محفوظا فهو من العام المخصوص بالمكلفين من الرجال للأدلة الأخرى بجوازه للنساء، وستأتي الإشارة إلى معنى الوعيد فيه قريبا من طريق أخرى لرواية ابن الزبير عن عمر. قوله: "وقال أبو معمر" هو عبد الله بن معمر بن عمرو بن الحجاج، وقد أكثر عنه البخاري، ولم يصرح ف هذا الموضع عنه بالتحديث، وقد أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما من طريق يعقوب بن سفيان، زاد الإسماعيلي ويحيى بن معلى الرازي "قالا حدثنا أبو معمر". قوله: "حدثنا عبد الوارث" هو ابن سعيد ويزيد هو الضبعي المعروف بالرشك بكسر الراء وسكون المعجمة، ومعاذة هي العدوية، والإسناد من مبتدئه إلى معاذة بصريون. قوله: "أخبرتني أم عمرو بنت

(10/289)


عبد الله" جزم أبو نصر الكلاباذي ومن تبعه بأنها بنت عبد الله بن الزبير، ولم أرها منسوبة فيما وقفت عليه من طرق هذا الحديث. قوله: "سمعت عبد الله بن الزبير سمع عمر" في رواية الإسماعيلي: "سمعت من عبد الله بن الزبير يقول في خطبته أنه سمع من عمر بن الخطاب". قوله: "نحوه" ساقه الإسماعيلي بلفظ: "فإنه لا يكساه في الآخرة" وله من طريق شيبان بن فروخ عن عبد الوارث "فلا كساه الله في الآخرة" طريق أخرى لحديث عمر. قوله: "حدثنا محمد بن بشار" هو بندار، وعثمان هو ابن عمر بن فارس، والسند كله إلى عمران بن حطان بصريون، وعمران هو السدوسي كان أحد الخوارج من العقدية بل هو رئيسهم وشاعرهم، وهو الذي مدح ابن ملجم قاتل علي بالأبيات المشهورة، وأبوه حطان بكسر المهملة بعدها طاء مهملة ثقيلة، وإنما أخرج له البخاري على قاعدته في تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صامد اللهجة متدينا؛ وقد قيل إن عمران تاب من بدعته وهو بعيد، وقيل: إن يحيى بن أبي كثير حمله عنه قبل أن يبتدع، فإنه كان تزوج امرأة من أقاربه تعتقد رأي الخوارج لينقلها عن معتقدها فنقلته هي إلى معتقدها، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وهو متابعة، وآخر في "باب نقض الصور". قوله: "سألت عائشة عن الحرير فقالت: ائت ابن عباس فسله، قال فسألته فقال: سل ابن عمر" كذا في هذه الطريق. وفي رواية حرب بن شداد التي تذكر عقب هذه بالعكس أنه سأل ابن عباس فقال: سل عائشة، فسألها فقالت: سل أبو عمر. قوله: "أخبرني أبو حفص يعني عمر بن الخطاب" كذا في الأصل. قوله: "فقلت صدق وما كذب أبو حفص" هو قول عمران بن حطان. قوله: "وقال عبد الله بن رجاء" هو الغداني بضم المعجمة وتخفيف المهملة، وهو من شيوخ البخاري أيضا لكن لم يصرح في هذا بتحديثه. قوله: "حدثنا حرب" هو ابن شداد، وزعم الكرماني أنه ابن ميمون، ونسبه لصاحب الكاشف وهو عجيب فإن صاحب الكاشف لم يرقم لحرب بن ميمون علامة البخاري، وإنما قال في ترجمة عبد الله بن رجاء روى عن حرب بن ميمون، ولا يلزم من كون عبد الله بن رجاء روى عنه أن لا يروي عن حرب بن شداد، يل روايته عن حرب بن شداد موجودة في غير هذا ويحيى هو ابن أبي كثير، وأراد البخاري بهذه الرواية تصريح يحيى بتحديث عمران له بهذا الحديث. قوله: "وقص الحديث" ساقه النسائي موصولا عن عمرو بن منصور عن عبد الله بن رجاء عن حرب بن شداد بلفظ: "من لبس الحرير في الدنيا فلا خلاق له في الآخرة" وقد ذكر الدار قطني أن هذا اللفظ في حديث عمر خطأ، ولعل البخاري لم يسق اللفظ لهذا المعنى. وفي هذه الأحاديث بيان واضح لمن قال يحرم على الرجال لبس الحرير للوعيد المذكور، وقد تقدم شرح معناه في كتاب الأشربة في شرح أول حديث منه، فإن الحكم فيها واحد وهو نفي اللبس ونفي الشرب في الآخرة وفي الجنة. وحاصل أعدل الأقوال أن الفعل المذكور مقتض للعقوبة المذكورة، وقد يتخلف ذلك لمانع كالتوبة والحسنات التي توازن والمصائب التي تكفر، وكدعاء الولد بشرائط، وكذا شفاعة من يؤذن له في الشفاعة، وأعم من ذلك كله عفو أرحم الراحمين. وفيه حجة لمن أجاز لبس العلم من الحرير إذا كان في الثوب، وخصه بالقدر المذكور وهو أربع أصابع، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وفيه حجة على من أجاز العلم في الثوب مطلقا ولو زاد على أربعة أصابع، وهو منقول عن بعض المالكية، وفيه حجة على من منع العلم في الثوب مطلقا، وهو ثابت عن الحسن وابن سيرين وغيرهما، لكن يحتمل أن يكونوا منعوه ورعا وإلا فالحديث حجة عليهم فلعلهم لم يبلغهم، قال النووي وقد نقل مثل ذلك عن مالك وهو مذهب مردود، وكذا مذهب من أجاز بغير تقدير والله أعلم. واستدل به على جواز لبس الثوب المطرز بالحرير، وهو ما جعل عليه طراز حرير مركب،

(10/290)


وكذلك المطرف وهو ما سجفت أطرافه بسجف من حرير بالتقدير المذكور، وقد يكون التطريز في نفس الثوب بعد النسج، وفيه احتمال ستأتي الإشارة إليه. واستدل به أيضا على جواز لبس الثوب الذي يخالطه من الحرير مقدار العلم سواء كان ذلك القدر مجموعا أو مفرقا وهو قوي، وسيأتي البحث في ذلك في "باب القسي" بعد بابين.

(10/291)


26 - باب مَسِّ الْحَرِيرِ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ
وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5836- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبُ حَرِيرٍ فَجَعَلْنَا نَلْمُسُهُ وَنَتَعَجَّبُ مِنْهُ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا قُلْنَا نَعَمْ قَالَ مَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا" .
قوله: "باب من مس الحرير من غير لبس، ويروى فيه عن الزبيدي عن الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم" ذكر المزي في "الأطراف" أنه أراد بهذا التعليق ما أخرجه أبو داود والنسائي من رواية بقية عن الزبيدي بهذا الإسناد إلى أنس أنه "رأى على أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم بردا سيراء" كذا قال، وليس هذا مراد البخاري، والرؤية لا يقال لها مس، وأيضا فلو كان هذا الحديث مراده لجزم به لأنه صحيح عنده على شرطه، وقد أخرجه في "باب الحرير للنساء" من رواية شعيب عن الزهري كما سيأتي قريبا، وإنما أراد البخاري ما رويناه في "المعجم الكبير" للطبراني وفي "فوائد تمام" من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عن الزبيدي عن الزهري عن أنس قال: "أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم حلة من استبرق، فجعل ناس يلمسونها بأيديهم ويتعجبون منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعجبكم هذه؟ فوالله لمناديل سعد في الجنة أحسن منها" قال الدار قطني في "الأفراد" لم يروه عن الزبيدي إلا عبد الله بن سالم. ومما يؤكد ما قلته أن البخاري لما أخرج في المناقب حديث البراء بن عازب في قصة سعد بن معاذ في هذا المعنى موصولا قال بعده: "رواه الزهري عن أنس" ولما صدر بحديث الزهري عن أنس - المعلق هنا - عقبه بحديث البراء الموصول بعينه والله أعلم. قوله في حديث البراء "فجعلنا نلمسه" جزم في "المحكم" بأنه بضم الميم في المضارع، وقوله: "مناديل سعد" قيل: خص المناديل بالذكر لكونها تمتهن فيكون ما فوقها أعلى منها بطريق الأولى، قال ابن بطال: النهي عن لبس الحرير ليس من أجل نجاسة عينه بل من أجل أنه ليس من لباس المتقين، وعينه مع ذلك طاهرة فيجوز مسه وبيعه والانتفاع بثمنه، وقد تقدم شيء مما يتعلق بالحديث المذكور في كتاب الهبة.

(10/291)


27 - باب افْتِرَاشِ الْحَرِيرِ وَقَالَ عَبِيدَةُ: هُوَ كَلُبْسِهِ
5837- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "نَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ" .
قوله: "باب افتراش الحرير" أي حكمه في الحل والحرمة. قوله: "وقال عبيدة" هو ابن عمرو السلماني بسكون

(10/291)


28 - باب لُبْسِ الْقَسِّيِّ
وَقَالَ عَاصِمٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ قُلْتُ لِعَلِيٍّ مَا الْقَسِّيَّةُ قَالَ ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنْ الشَّأْمِ أَوْ مِنْ مِصْرَ مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ وَفِيهَا أَمْثَالُ الأُتْرُنْجِ وَالْمِيثَرَةُ كَانَتْ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ مِثْلَ الْقَطَائِفِ يُصَفِّرْنَهَا وَقَالَ جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ الْقَسِّيَّةُ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُجَاءُ بِهَا مِنْ مِصْرَ فِيهَا الْحَرِيرُ وَالْمِيثَرَةُ جُلُودُ السِّبَاعِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ عَاصِمٌ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ فِي الْمِيثَرَةِ
5838- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: " نَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ وَالْقَسِّيِّ" .
قوله: "باب لبس القسي" بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ياء نسبة، وذكر أبو عبيد في "غريب الحديث" أن أهل الحديث يقولونه بكسر القاف وأهل مصر يفتحونها، وهي نسبة إلى بلد يقال لها القس رأيتها ولم يعرفها الأصمعي، وكذا قال الأكثر هي نسبة للقس بمصر منهم الطبري وابن سيده. وقال الحازمي: هي من بلاد الساحل وقال المهلب هي على ساحل مصر وهي حصن بالقرب من الفرما من جهة الشام، وكذا وقع في حديث ابن وهب أنها تلي الفرما والفرما بالفاء وراء مفتوحة. وقال النووي: هي بقرب تنيس وهو متقارب، وحكى أبو عبيد

(10/292)


29 - باب مَا يُرَخَّصُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْحَرِيرِ لِلْحِكَّةِ
5839- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا" .
قوله: "باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكة" بكسر المهملة وتشديد الكاف: نوع من الجرب أعاذنا الله تعالى منه، وذكر الحكة مثالا لا قيدا، وقد ترحم له في الجهاد "الحرير للجرب" وتقدم أن الراجح أنه بالمهملة وسكون الراء. قوله: "حدثني محمد" كذا للأكثر غير منسوب ووقع في رواية أبي علي بن السكن "حدثنا محمد بن سلام" وبه جزم المزي في الأطراف. قوله: "عن أنس" وقع في رواية يحيى القطان عن شعبة عن قتادة "سمعت أنسا" وقد تقدمت في الجهاد. قوله: "للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما" أي لأجل الحكة. وفي رواية سعيد عن قتادة "من حكة كانت بهما" وفي رواية همام عن قتادة أنهما شكيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم القمل، وقد تقدمنا في الجهاد، وكأن الحكة نشأت من أثر القمل، وتقدمت مباحثه في كتاب الجهاد، قال الطبري: فيه دلالة على أن النهي عن لبس الحرير لا يدخل فيه من كانت به علة يخففها لبس الحرير انتهى. ويلتحق بذلك ما يقي من الحر أو البرد حيث لا يوجد غيره، وقد تقدم في الجهاد أن بعض الشافعية خص الجواز بالسفر دون الحضر، واختاره ابن

(10/295)


الصلاح، وخصه النووي في "الروضة" مع ذلك بالحكة ونقله الرافعي في القمل أيضا.
" تنبيه ": وقع في "الوسيط للغزالي" أن الذي رخص له في لبس الحرير حمزة بن عبد المطلب، وغلطوه. وفي وجه للشافعية أن الرخصة خاصة بالزبير وعبد الرحمن، وقد تقدم في الجهاد عن عمر ما يوافقه.

(10/296)


30 - باب الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ
5840- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كَسَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَخَرَجْتُ فِيهَا فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي".
5841- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ تُبَاعُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ ابْتَعْتَهَا تَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ إِذَا أَتَوْكَ وَالْجُمُعَةِ قَالَ: "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ" وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ حُلَّةَ سِيَرَاءَ حَرِيرٍ كَسَاهَا إِيَّاهُ فَقَالَ عُمَرُ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَقُولُ فِيهَا مَا قُلْتَ فَقَالَ: " إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوَهَا" .
5842- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ "رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ عَلَيْهَا السَّلاَم بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ".
قوله: "باب الحرير للنساء" كأنه لم يثبت عنده الحديثان المشهوران في تخصيص النهي بالرجال صريحا فاكتفى بما يدل على ذلك. وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم من حديث علي "أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا وذهبا فقال: هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثهم" وأخرج أبو داود والنسائي وصححه الترمذي والحاكم من حديث موسى وأعله ابن حبان وغيره بالانقطاع وأن رواية سعيد بن أبي هند لم تسمع من أبي موسى. وأخرج أحمد والطحاوي وصححه من حديث مسلمة بن مخلد أنه قال لعقبة بن عامر: قم فحدث بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "سمعته يقول: الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم" قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: إن قلنا إن تخصيص النهي للرجال لحكمة فالذي يظهر أنه سبحانه وتعالى علم قلة صبرهن عن التزين فلطف بهن في إباحته، ولأن تزيينهن غالبا إنما هو للأزواج، وقد ورد أن "حسن التبعل من الإيمان" قال، ويستنبط من هذا أن الفحل لا يصلح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات لكون ذلك من صفات الإناث. قوله: "عن عبد الملك بن ميسرة" بفتح الميم وتحتانية ساكنة ثم مهملة هو الهلالي أبو زيد الزراد بزاي ثم راء ثقيلة، وقد تقدم في النفقات من وجه آخر عن شعبة أخبرني عبد الملك، ولشعبة فيه إسناد آخر أخرجه مسلم من رواية معاذ عنه عن أبي عون الثقفي عن أبي صالح الحنفي عن علي. قوله: "عن زيد بن وهب" كذا للأكثر، وتقدم كذلك في الهبة والنفقات. وكذا عند مسلم، ووقع في رواية علي بن السكن هنا وحده عن النزال بن سبرة بدل زيد بن وهب وهو وهم، كأنه انتقل من حديث إلى حديث لأن رواية عبد الملك عن النزال عن علي

(10/296)


إنما هي في الشرب قائما كما تقدم في الأشربة، وقد وافق الجماعة في الموضعين الآخرين، وزيد بن وهب هو الجهني الثقة المشهور من كبار التابعين، وما له في البخاري عن علي سوى هذا الحديث، وتقدم في الهبة بلفظ: "سمعت زيد بن وهب". قوله: "أهدى" بفتح أوله. قوله: "إلي" بتشديد الياء(1) ووقع في رواية أبي صالح المذكورة "أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة فبعث بها إلي" ولمسلم أيضا من وجه آخر عن أبي صالح عن علي "أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب حرير فأعطاه عليا" وفي رواية للطحاوي "أهدى أمير أذربيجان إلى النبي صلى الله عليه وسلم حلة مسيرة بحرير" وسنده ضعيف. قوله: "حلة سيراء" قال أبو عبيد الحلل برود اليمن، والحلة إزار ورداء، ونقله ابن الأثير وزاد إذا كان من جنس واحد. وقال ابن سيده في المحكم الحلة برد أو غيره، وحكى عياض أن أصل تسمية الثوبين حلة أنهما يكونان جديدين كما حل طيهما، وقيل: لا يكون الثوبان حلة حتى يلبس أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه فقد حل عليه والأول أشهر، والسيراء بكسر المهملة وفتح التحتانية والراء مع المد، قال الخليل: ليس في الكلام فعلاء بكسر أوله مع المد سوى سيراء، وحولاء وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد، وعنباء لغة في العنب، قال مالك: هو الوشي من الحرير، كذا قال، والوشي بفتح الواو وسكون المعجمة بعدها تحتانية. وقال الأصمعي ثياب فيها خطوط من حرير أو قز، وإنما قيل لها سيراء لتسيير الخطوط فيها. وقال الخليل: ثوب مضلع بالحرير وقيل: مختلف الألوان فيه خطوط ممتدة كأنها السيور. ووقع عند أبي داود في حديث أنس "أنه رأى على أم كلثوم حلة سيراء" والسيراء المضلع بالقز، وقد جزم ابن بطال كما سيأتي في ثالث أحاديث الباب أنه من تفسير الزهري. وقال ابن سيده: هو ضرب من البرود، وقيل ثوب مسير فيه خطوط يعمل من القز، وقيل: ثياب من اليمن. وقال الجوهري: برد فيه خطوط صفر، ونقل عياض عن سيبويه قال لم يأت فعلاء صفة لكن اسما، وهو الحرير الصافي واختلف في قوله: "حلة سيراء" هل هو بالإضافة أو لا، فوقع عند الأكثر بتنوين حلة على أن سيراء عطف بيان أو نعت، وجزم القرطبي بأنه الرواية. وقال الخطابي: قالوا حلة سيراء كما قالوا ناقة عشراء، ونقل عياض عن أبي مروان بن السراج أنه بالإضافة، قال عياض: وكذا ضبطناه عن متقني شيوخنا. وقال النووي إنه قول المحققين ومتقني العربية وإنه من إضافة الشيء لصفته كما قالوا ثوب خز. قوله: "فخرجت فيها" في رواية أبي صالح عن علي "فلبستها". قوله: "فرأيت الغضب في وجهه" زاد مسلم في رواية أبي صالح "فقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين النساء" وله في أخرى "شققها خمرا بين الفواطم". قوله: "فشققتها بين نسائي" أي قطعتها ففرقتها عليهن خمرا، والخمر بضم المعجمة والميم جمع خمار بكسر أوله والتخفيف: ما تغطي به المرأة رأسها، والمراد بقوله: "نسائي" ما فسره في رواية أي صالح حيث قال: "بين الفواطم" ووقع في رواية النسائي حيث قال: "فرجعت إلى فاطمة فشققتها، فقالت: ماذا جئت به؟ قلت نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبسها فالبسيها واكسي نساءك" وفي هذه الرواية أن عليا إنما شققها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو محمد بن قتيبة: المراد بالفواطم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة بنت أسد بن هاشم والدة علي ولا أعرف الثالثة. وذكر أبو منصور الأزهري أنها فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب. وقد أخرج الطحاوي وابن أبي الدنيا في "كتاب الهدايا" وعبد الغني بن سعيد في "المبهمات" وابن عبد البر كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن أبي فاختة عن هبيرة بن
ـــــــ
(1) عبارة المتن هنا "كساني النبي الخ".

(10/297)


يريم - بتحتانية أوله ثم راء وزن عظيم - عن علي في نحو هذه القصة قال: "فشققت منها أربعة أخمرة" فذكر الثلاث المذكورات، قال: ونسي يزيد الرابعة. وفي رواية الطحاوي "خمارا لفاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي، وخمارا لفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وخمارا لفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب، وخمارا لفاطمة أخرى قد نسيتها" فقال عياض لعلها فاطمة امرأة عقيل بن أبي طالب وهي بنت شيبة بن ربيعة، وقيل: بنت عتبة بن ربيعة، وقيل: بنت الوليد بن عتبة. وامرأة عقيل هذه هي التي لما تخاصمت مع عقيل بعث عثمان معاوية وابن عباس حكمين بينهما ذكره مالك في "المدونة" وغيره، واستدل بهذا الحديث على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل الحلة إلى علي فبنى علي على ظاهر الإرسال فانتفع بها في أشهر ما صنعت له وهو اللبس، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يبح له لبسها وإنما بعث بها إليه ليكسوها غيره ممن تباح له، وهذا كله إن كانت القصة وقعت بعد النهي عن لبس الرجال الحرير، وسيأتي مزيد لهذا في الحديث الذي بعده. قوله: "جويرية" بالجيم والراء مصغر وبعد الراء تحتانية مفتوحة. قوله: "عن عبد الله" هو ابن عمر. قوله: "أن عمر رأى حلة سيراء" هكذا رواه أكثر أصحاب نافع، وأخرجه النسائي من رواية عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه "رأى حلة" فجعله في مسند عمر. قال الدار قطني: المحفوظ أنه من مسند ابن عمر. وسيراء تقدم ضبطها وتفسيرها في الحديث الذي قبله. ووقع في رواية مالك عن نافع كما تقدم في كتاب الجمعة أن ذلك كان على باب المسجد. وفي رواية ابن إسحاق عن نافع عند النسائي: "أن عمر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في السوق فرأى الحلة" ولا تخالفه بين الروايتين، لأن طرف السوق كان يصل إلى قرب باب المسجد. قوله: "تباع" في رواية جرير بن حازم عن نافع عند مسلم: "رأى عمر عطاردا التميمي يقيم حلة بالسوق، وكان رجلا يغشى الملوك ويصيب منهم" وأخرج الطبراني من طريق أبي مجلز عن حفصة بنت عمر "أن عطارد بن حاجب جاء بثوب من ديباج كساه إياه كسرى، فقال عمر: ألا أشتريه لك يا رسول الله؟" ومن طريق عبد الرحمن بن عمرو بن معاذ عن عطارد نفسه أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب ديباج كساه إياه كسرى، والجمع بينهما أن عطاردا لما أقامه في السوق ليباع لم يتفق له بيعه فأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم. وعطارد هذا هو ابن حاجب بن زرارة بن عدس بمهملات الدارمي يكنى أبا عكرشة بشين معجمة، كان من جملة وفد بني تميم أصحاب الحجرات، وقد أسلم وحسن إسلامه واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه، وكان أبوه من رؤساء بني تميم في الجاهلية، وقصته مع كسرى في رهنه قوسه عوضا عن جمع كثير من العرب عند كسرى مشهورة حتى ضرب المثل بقوس حاجب. قوله: "لو ابتعتها فلبستها" في رواية سالم عن ابن عمر كما تقدم في العيدين "ابتع هذه فتجمل بها" وكان عمر أشار بشرائها وتمناه. قوله: "للوفد إذا أتوك" في رواية جرير بن حازم "لوفود العرب" وكأنه خصه بالعرب لأنهم كانوا إذ ذاك الوقود في الغالب، لأن مكة لما فتحت بادر العرب بإسلامهم فكانت كل قبيلة ترسل كبراءها ليسلموا ويتعلموا ويرجعوا إلى قومهم فيدعوهم إلى الإسلام ويعلموهم. قوله: "والجمعة" في رواه سالم "العيد" بدل "الجمعة" وجمع ابن إسحاق عن نافع ما تضمنته الروايتان، أخرجه النسائي بلفظ: "فتجمل بها لوفود العرب إذا أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد وغيره". قوله: "إنما يلبس هذه" في رواية جرير بن حازم "إنما يلبس الحرير". قوله: "من لا خلاق له" زاد مالك في روايته: "في الآخرة". والخلاق النصيب وقيل: الحظ وهو المراد هنا، ويطلق أيضا على الحرمة وعلى الدين، ويحتمل أن يراد من لا نصيب له في الآخرة أي من لبس الحرير قاله الطيبي، وقد تقدم في حديث أبي عثمان عن عمر في أول حديث من

(10/298)


"باب لبس الحرير" ما يؤيده ولفظه: "لا يلبس الحرير إلا من ليس له في الآخرة منه شيء". قوله: "وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعد ذلك إلى عمر حلة سيراء" زاد الإسماعيلي من هذا الوجه، "بحلة سيراء من حرير" ومن بيانية وهو يقتضي أن السيراء قد تكون من غير حرير. قوله: "كساها إياه" كذا أطلق، وهي باعتبار ما فهم عمر من ذلك، وإلا فقد ظهر من بقية الحديث أنه لم يبعث إليه بها ليلبسها، أو المراد بقوله كساه أعطاه ما يصلح أن يكون كسوة. وفي رواية مالك الماضية في الجمعة "ثم جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حلل فأعطى عمر حلة" وفي رواية جرير بن حازم "فلما كان بعد ذلك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحلة وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة وأعطى علي بن أبي طالب حلة" وعرف بهذا جهة الحلة المذكورة في حديث علي المذكور أولا. قوله: "فقال عمر كسوتنيها وقد سمعتك تقول فيها ما قلت" في رواية جرير بن حازم "فجاء عمر بحلته يحملها فقال: بعثت إلي بهذه وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت" والمراد بالأمس هنا يحتمل الليلة الماضية أو ما قبلها بحسب ما اتفق من وصول الحلل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد قصة حلة عطارد. وفي رواية محمد بن إسحاق "فخرجت فزعا فقلت: يا رسول الله ترسل بها إلي وقد قلت فيها ما قلت". قوله: "إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو تكسوها" في رواية جرير "لتصيب بها" وفي رواية الزهري عن سالم كما مضى في العيدين "تبيعها وتصيب بها حاجتك" وفي رواية يحيي بن إسحاق عن سالم كما سيأتي في الأدب "لتصيب بها مالا" وزاد مالك في آخر الحديث: "فكساها عمر أخا له بمكة مشركا" زاد في رواية عبيد الله بن عمر العمري عند النسائي: "أخا له من أمه" وتقدم في البيوع من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر "فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم" قال النووي هذا يشعر بأنه أسلم بعد ذلك. قلت: ولم أقف على تسمية هذا الأخ إلا فيما ذكره ابن بشكوال في "المبهمات" نقلا عن ابن الحذاء في رجال الموطأ فقال: اسمه عثمان بن حكيم، قال الدمياطي: هو السلمي أخو خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه. فمن أطلق عليه أنه أخو عمر لأمه لم يصب. قلت: بل له وجه بطريق المجاز. ويحتمل أن يكون عمر ارتضع من أم أخيه زيد فيكون عثمان أخا عمر لأمه من الرضاع وأخا زيد لأمه من النسب. وأفاد ابن سعد أن والدة سعيد بن المسيب هي أم سعيد بن عثمان بن الحكم، ولم أقف على ذكره في الصحابة، فإن كان أسلم فقد فاتهم، فليستدرك، وإن كان مات كافرا وكان قوله: "قبل أن يسلم" لا مفهوم له، بل المراد أن البعث إليه كان في حال كفره مع قطع النظر عما وراء ذلك، فلتعد بنته في الصحابة. وفي حديث جابر الذي أوله "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في قباء حرير ثم نزعه فقال نهاني عنه جبريل" كما تقدم التنبيه عليه في أوائل كتاب الصلاة زيادة عند النسائي وهي "فأعطاه لعمر، فقال: لم أعطكه لتلبسه بل لتبيعه، فباعه عمر" وسنده قوي وأصله في مسلم، فإن كان محفوظا أمكن أن يكون عمر باعه بإذن أخيه بعد أن أهداه له، والله أعلم.
"تنبيه": وجه إدخال هذا الحديث في "باب الحرير للنساء" يؤخذ من قوله لعمر "لتبيعها أو تكسوها" لأن الحرير إذا كان لبسه محرما على الرجال فلا فرق بين عمر وغيره من الرجال في ذلك فينحصر الإذن في النساء، وأما كون عمر كساها أخاه فلا يشكل على ذلك عند من يرى أن الكافر مخاطب بالفروع ويكون أهدى عمر الحلة لأخيه ليبيعها أو يكسوها امرأة، ويمكن من يرى أن الكافر غير مخاطب أن ينفصل عن هذا الإشكال بالتمسك بدخول النساء في عموم قوله أو يكسوها أي إما للمرأة أو للكافر بقرينة قوله: "إنما يلبس هذا من لا خلاق له" أي من الرجال. ثم ظهر لي وجه آخر وهو أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث المذكورة

(10/299)


فقد أخرج الحديث المذكور الطحاوي من رواية أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر قال: "أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عطارد حلة فكرهها له ثم أنه كساها عمر مثله" الحديث، وفيه: "إني لم أكسكها لتلبسها إنما أعطيتكها لتلبسها النساء " واستدل به على جواز لبس المرأة الحرير الصرف بناء على أن الحلة السيراء هي التي تكون من حرير صرف، قال ابن عبد البر: هذا قول أهل العلم، وأما أهل اللغة فيقولون: هي التي يخالطها الحرير، قال: والأول هو المعتمد. ثم ساق من طريق محمد بن سيرين عن ابن عمر نحو حديث الباب وفيه: "حلة من حرير" وقال ابن بطال: دلت طرق الحديث على أن الحلة المذكورة كانت من حرير محض، ثم ذكر من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر "أن عمر قال: يا رسول الله، إني مررت بعطارد يعرض حلة حرير للبيع" الحديث أخرجه أبو عوانة والطبري بهذا اللفظ. قلت: وتقدم في البيوع من طريق أبي بكر بن حفص عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه "حلة حرير أو سيراء"، وفي العيدين من طريق الزهري عن سالم "حلة من استبرق" وقد فسر الإستبرق في طريق أخرى بأنه ما غلظ من الديباج، أخرجه المصنف في الأدب من طريق يحيى بن إسحاق قال: "سألني سالم عن الإستبرق فقلت: ما غلظ من الديباج، فقال: سمعت عبد الله بن عمر" فذكر الحديث. ووقع عند مسلم من حديث أنس في نحو هذه القصة "حلة من سندس" قال النووي: هذه الألفاظ تبين أن الحلة كانت حريرا محضا قلت: الذي يتبين أن السيراء قد تكون حريرا صرفا وقد تكون غير محض، فالتي في قصة عمر جاء التصريح بأنها كانت من حرير محض ولهذا وقع في حديثه " إنما يلبس هذه من لا خلاق له"، والتي في قصة على لم تكن حريرا صرفا لما روى ابن أبي شيبة من طريق أبي فاختة عن هبيرة بن يريم عن علي قال: "أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة مسيرة بحرير إما سداها أو لحمتها. فأرسل بها إلي فقلت: ما أصنع بها، ألبسها؟ قال: لا أرضى لك إلا ما أرضى لنفسي، ولكن اجعلها خمرا بين الفواطم" وقد أخرجه أحمد وابن ماجه من طريق ابن إسحاق عن هبيرة فقال فيه: "حلة من حرير" وهو محمول على رواية أبي فاختة وهو بفاء ومعجمة ثم مثناة اسمه سعيد بن علاقة بكسر المهملة وتخفيف اللام ثم قاف، ثقة، ولم يقع في قصة علي وعيد على لبسها كما وقع في قصة عمر، بل فيه: "لا أرضى لك إلا ما أرضى لنفسي" ولا ريب أن ترك لبس ما خالطه الحرير أولى من لبسه عند من يقول بجوازه والله أعلم. حديث أنس أنه "رأى على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم برد حرير سيراء" هكذا وقع في رواية شعيب عن الزهري ووافقه الزبيدي كما تقدمت الإشارة إليه في "باب مس الحرير من غير لبس" وأخرجه النسائي من رواية ابن جريج عن الزهري كالأول، ومن طريق معمر عن الزهري نحوه لكن قال زينب بدل أم كلثوم، والمحفوظ ما قال الأكثر، وقد غفل الطحاوي فقال: إن كان أنس رأى ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيعارض حديث عقبة، يعني الذي أخرجه النسائي وصححه ابن حبان: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمنع أهله الحرير والحلة" وإن كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم كان دليلا على نسخ حديث عقبة، كذا قال، وخفي عليه أن أم كلثوم ماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك زينب فبطل التردد، وأما دعوى المعارضة فمردودة، وكذا النسخ. والجمع بينهما واضح بحمل النهي في حديث عقبة على التنزيه وإقرار أم كلثوم على ذلك إما لبيان الجواز وإما لكونها كانت إذ ذاك صغيرة، وعلى هذا التقدير فلا إشكال في رواية أنس لها، وعلى تقدير أن تكون كانت كبيرة فيحمل على أن ذلك كان قبل الحجاب أو بعده، لكن لا يلزم من رؤية الثوب على اللابس رؤية اللابس فلعله رأى ذيل القميص مثلا، ويحتمل أيضا أن

(10/300)


السيراء التي كانت على أم كلثوم كانت من غير الحرير الصرف كما تقدم في حلة علي، والله أعلم. واستدل بأحاديث الباب على جواز لبس الحرير للنساء سواء كان الثوب حريرا كله أو بعضه، وفي الأول عرض المفضول على الفاضل والتابع على المتبوع ما يحتاج إليه من مصالحه ممن يظن أنه لم يطلع عليه، وفيه إباحة الطعن لمن يستحقه، وفيه جواز البيع والشراء على باب المسجد، وفيه مباشرة الصالحين والفضلاء البيع والشراء. وقال ابن بطال فيه ترك النبي صلى الله عليه وسلم لباس الحرير وهذا في الدنيا. وإرادة تأخير الطيبات إلى الآخرة التي لا انقضاء لها، إذ تعجيل الطيبات في الدنيا ليس من الحزم، فزهد في الدنيا للآخرة، وأمر بذلك، ونهى عن كل سرف وحرمه. وتعقبه ابن المنير بأن تركه صلى الله عليه وسلم لبس الحرير إنما هو لاجتناب المعصية، وأما الزهد فإنما هو في خالص الحلال وما لا عقوبة فيه، فالتقلل منه وتركه مع الإمكان هو الذي تتفاضل فيه درجات الزهاد. قلت: ولعل مراد ابن بطال بيان سبب التحريم فيستقيم ما قاله. وفيه جواز بيع الرجال الثياب الحرير وتصرفهم فيها بالهبة والهدية لا اللبس. وفيه جواز صلة القريب الكافر والإحسان إليه بالهدية. وقال ابن عبد البر: فيه جواز الهدية للكافر ولو كان حربيا. وتعقب بأن عطاردا إنما وفد سنة تسع ولم يبق بمكة بعد الفتح مشرك. وأجيب بأنه لا يلزم من كون وفادة عطارد سنة تسع أن تكون قصة الحلة كانت حينئذ بل جاز أن تكون قبل ذلك. وما زال المشركون يقدمون المدينة ويعاملون المسلمين بالبيع وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك سنة الوفود فيحتمل أن يكون في المدة التي كانت بين الفتح وحج أبي بكر، فإن منع المشركين من مكة إنما كان من حجة أبي بكر سنة تسع ففيها وقع النهي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، واستدل به على أن الكافر ليس مخاطبا بالفروع لأن عمر لما منع من لبس الحلة أهداها لأخيه المشرك ولم ينكر عليه، وتعقب بأنه لم يأمر أخاه بلبسها فيحتمل أن يكون وقع الحكم في حقه كما وقع في حق عمر فينتفع بها بالبيع أو كسوة النساء ولا يلبس هو. وأجيب بأن المسلم عنده من الوازع الشرعي ما يحمله بعد العلم بالنهي عن الكف، بخلاف الكافر فإن كفره يحمله على عدم الكف عن تعاطي المحرم، فلولا أنه مباح له لبسه لما أهدى له لما في تمكينه من الإعانة على المعصية، ومن ثم يحرم بيع العصير ممن جرت عادته أن يتخذه خمرا وأن احتمل أنه قد يشربه عصيرا، وكذا بيع الغلام الجميل ممن يشتهر بالمعصية لكن يحتمل أن يكون ذلك على أصل الإباحة، وتكون مشروعية خطاب الكافر بالفروع تراخت عن هذه الواقعة، والله أعلم.

(10/301)


31 - باب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَوَّزُ مِنْ اللِّبَاسِ وَالْبُسْطِ
5843- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "لَبِثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلْتُ أَهَابُهُ فَنَزَلَ يَوْماً مَنْزِلاً فَدَخَلَ الأَرَاكَ فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُهُ فَقَالَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ثُمَّ قَالَ: "كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لاَ نَعُدُّ النِّسَاءَ شَيْئاً فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ وَذَكَرَهُنَّ اللَّهُ رَأَيْنَا لَهُنَّ بِذَلِكَ عَلَيْنَا حَقّاً مِنْ غَيْرِ أَنْ نُدْخِلَهُنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِنَا وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي كَلاَمٌ فَأَغْلَظَتْ لِي فَقُلْتُ لَهَا وَإِنَّكِ لَهُنَاكِ قَالَتْ تَقُولُ هَذَا لِي وَابْنَتُكَ تُؤْذِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُ حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا إِنِّي أُحَذِّرُكِ أَنْ تَعْصِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهَا فِي أَذَاهُ فَأَتَيْتُ

(10/301)


أُمَّ سَلَمَةَ فَقُلْتُ لَهَا فَقَالَتْ أَعْجَبُ مِنْكَ يَا عُمَرُ قَدْ دَخَلْتَ فِي أُمُورِنَا فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجِهِ فَرَدَّدَتْ وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ إِذَا غَابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدْتُهُ أَتَيْتُهُ بِمَا يَكُونُ وَإِذَا غِبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدَ أَتَانِي بِمَا يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مَنْ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اسْتَقَامَ لَهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَلِكُ غَسَّانَ بِالشَّأْمِ كُنَّا نَخَافُ أَنْ يَأْتِيَنَا فَمَا شَعَرْتُ إِلاَّ بِالأَنْصَارِيِّ وَهُوَ يَقُولُ إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قُلْتُ لَهُ وَمَا هُوَ أَجَاءَ الْغَسَّانِيُّ قَالَ أَعْظَمُ مِنْ ذَاكَ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ فَجِئْتُ فَإِذَا الْبُكَاءُ مِنْ حُجَرِهِنَّ كُلِّهَا وَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَعِدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ وَعَلَى بَابِ الْمَشْرُبَةِ وَصِيفٌ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ لِي فَأَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ وَتَحْتَ رَأْسِهِ مِرْفَقَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَإِذَا أُهُبٌ مُعَلَّقَةٌ وَقَرَظٌ فَذَكَرْتُ الَّذِي قُلْتُ لِحَفْصَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَالَّذِي رَدَّتْ عَلَيَّ أُمُّ سَلَمَةَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَبِثَ تِسْعاً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ".
5844- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ يَقُولُ: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ الزُّهْرِيُّ وَكَانَتْ هِنْدٌ لَهَا أَزْرَارٌ فِي كُمَّيْهَا بَيْنَ أَصَابِعِهَا".
قوله: "باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجوز من اللباس والبسط" معنى قوله: "يتجوز" يتوسع فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه، أو لا يضيق بطلب النفيس والغالي، بل يستعمل ما تيسر، ووقع في رواية الكشميهني: "يتجزى" بجيم وزاي أيضا لكنها ثقيلة مفتوحة بعدها ألف وهي أوضح، والبسط بفتح الموحدة ما يبسط ويجلس عليه. حديث ابن عباس في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا، وقد تقدم شرحه في الطلاق مستوفى والغرض منه نومه صلى الله عليه وسلم على حصير وتحت رأسه مرفقة حشوها ليف، وقوله في هذه الرواية: "مرفقة" بكسر أوله وسكون الراء وفتح الفاء بعدها قاف ما يرتفق به، وقد تقدم في الرواية الأخرى بلفظ: "وسادة" وقوله: "فما شعرت بالأنصاري وهو يقول قد حدث أمر" في رواية الكشميهني: "فما شعرت إلا بالأنصاري وهو يقول" وفي نسخة عنه "فما شعرت بالأنصاري إلا وهو يقول" قال الكرماني: سقط حرف الاستثناء من جل النسخ بل من كلها، وهو مقدر والقرينة تدل عليه، أو "ما" زائدة والتقدير شعرت بالأنصاري وهو يقول، أو ما مصدرية وتكون هي المبتدأ وبالأنصاري الخبر أي شعوري متلبس بالأنصاري قائلا. قلت: ويحتمل أن تكون ما نافية على حالها بغير احتياج لحرف الاستثناء، والمراد المبالغة في نفي شعوره بكلام الأنصاري من شدة ما دهمه من الخبر الذي أخبر به، ويكون قد استثبته فيه مرة أخرى، ولذلك نقله عنه، لكن رواية الكشميهني ترجح الاحتمال الأول وتوضح أن قول

(10/302)


الكرماني بل كلها ليس كذلك، وقوله: "وعلى باب المشربة وصيف" بمهملة وفاء وزن عظيم هو الغلام دون البلوغ وقد يطلق على من بلغ الخدمة، يقال وصف الغلام بالضم وصافة. وقول عمر: "فتقدمت إليها في أذاه" أي أنذرتها من أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقع من العقوبة بسبب أذاه. قوله: " كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة" قال ابن بطال قرن النبي صلى الله عليه وسلم نزول الخزائن بالفتنة إشارة إلى أنها تسبب عنها، وإلى أن القصد في الأمر خير من الإكثار وأسلم من الفتنة، ومطابقة حديث أم سلمة هذا للترجمة من جهة أنه صلى الله عليه وسلم حذر من لباس الرقيق من الثياب الواصفة لأجسامهن لئلا يعرين في الآخرة، وفيما حكاه الزهري عن هند ما يؤيد ذلك قال: وفيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلبس الثياب الشفافة لأنه إذا حذر من لبسها من ظهور العورة كان أولى بصفة الكمال من غيره. اهـ. وهو مبني على أحد الأقوال في تفسير المراد بقوله: "كاسية عارية" كما سيأتي بيانه في كتاب الفتن، ويحتمل أن يكون الحديثان دالين على الترجمة بالتوزيع. فحديث عمر مطابق للبسط وحديث أم سلمة مطابق للباس، والمراد بقوله يتجزى أي فيما يتعلق بنفسه وبأهله. قوله: "قال الزهري: وكانت هند لها أزرار في كميها بين أصابعها" هو موصول بالإسناد المذكور إلى الزهري، وقوله: "أزرار" وقع للأكثر وفي رواية أبي أحمد الجرجاني "إزار" براء واحدة وهو غلط، والمعنى أنها كانت تخشى أن يبدو من جسدها شيء بسبب سعة كميها فكانت تزرر ذلك لئلا يبدو منه شيء فتدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "كاسية عارية".

(10/303)


32 - باب مَا يُدْعَى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً
5845- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَتْنِي أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدٍ قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ قَالَ: " مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ قَالَ ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ فَأُتِيَ بِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ وَقَالَ أَبْلِي وَأَخْلِقِي مَرَّتَيْنِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا وَيَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا" وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشِيَّةِ الْحَسَنُ قَالَ إِسْحَاقُ حَدَّثَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِي أَنَّهَا رَأَتْهُ عَلَى أُمِّ خَالِدٍ".
قوله: "باب ما يدعى لمن لبس ثوبا جديدا" كأنه لم يثبت عنده حديث ابن عمر قال: "رأى النبي صلى الله عليه وسلم على عمر ثوبا فقال: البس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا" أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان، وأعله النسائي. وجاء أيضا فيما يدعو به من لبس الثوب الجديد أحاديث: منها ما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي سعيد "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له أعوذ بك من شره وشر ما صنع له" وأخرج الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث عمر رفعه: "من لبس جديدا فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي - ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به - كان في حفظ الله وفي كنف الله حيا وميتا" وأخرج أحمد والترمذي وحسنه من حديث معاذ بن أنس رفعه: "من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه". وحديث أم خالد بنت سعيد المذكور في هذا

(10/303)


الباب تقدم شرحه في "باب الخميصة السوداء" قريبا، وتقدم بيان الاختلاف في قوله صلى الله عليه وسلم لها: "أبلي وأخلقي" هل بالقاف أو الفاء، وقوله فيه: "خميصة سوداء" لا ينافي ما وقع في كتاب الجهاد أنه كان عليها قميص أصفر، لأن القميص كان عليها لما جيء بها، والخميصة هي التي كسيتها. وقوله في آخره: "قال إسحاق" هو ابن سعيد راوي الحديث عن أبيه، وهو موصول بالسند المذكور، وقوله: "حدثتني امرأة من أهلي" لم أقف على اسمها، وقوله إنها رأته على أم خالد أي الثوب، ويستفاد من ذلك أنه بقي زمانا طويلا، وقد تقدم ما يدل على ذلك صريحا في "باب الخميصة".

(10/304)


33 - باب النَّهْيِ عَنْ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ
5846- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ" .
قوله: "باب النهي عن التزعفر للرجال" أي في الجسد، لأنه ترجم بعده "باب الثوب المزعفر" وقيده بالرجل ليخرج المرأة. قوله: "عن عبد العزيز" هو ابن صهيب. قوله: "أن يتزعفر الرجل" كذا رواه عبد الوارث وهو ابن سعيد مقيدا، ووافقه إسماعيل بن علية وحماد بن زيد عند مسلم وأصحاب السنن، ووقع في رواية حماد بن زيد "نهى عن التزعفر للرجال" ورواه شعبة عن ابن علية عند النسائي مطلقا فقال: "نهى عن التزعفر" وكأنه اختصره وإلا فقد رواه عن إسماعيل فوق العشرة من الحفاظ مقيدا بالرجل، ويحتمل أن يكون إسماعيل أختصره لما حدث به شعبة والمطلق محمول على المقيد، ورواية شعبة عن إسماعيل من رواية الأكابر عن الأصاغر. واختلف في النهي عن التزعفر هل هو لرائحته لكونه من طيب النساء ولهذا جاء الزجر عن الخلوق؟ أو للونه فيلتحق به كل صفرة؟ وقد نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله. قال: وأرخص في المعصفر لأنني لم أجد أحدا يحكي عنه إلا ما قال علي "نهاني ولا أقول أنهاكم" قال البيهقي: قد ورد ذلك عن غير علي، وساق حديث عبد الله بن عمرو قال: "رأى علي النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما" أخرجه مسلما، وفي لفظ له "فقلت أغسلهما؟ قال لا بل أحرقهما" قال البيهقي فلو بلغ ذلك الشافعي لقال به اتباعا للسنة كعادته. وقد كره المعصفر جماعة من السلف ورخص فيه جماعة، وممن قال بكراهته من أصحابنا الحليمي، واتباع السنة هو الأولى. اهـ. وقال النووي في "شرح مسلم": أتقن البيهقي المسألة والله أعلم، ورخص مالك في المعصفر والمزعفر في البيوت وكرهه في المحافل، وسيأتي قريبا حديث ابن عمر في الصفرة، وتقدم في النكاح حديث أنس في قصة عبد الرحمن بن عوف حين تزوج وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرة، وتقدم الجواب عن ذلك بأن الخلوق كان في ثوبه علق به من المرأة ولم يكن في جسده، والكراهة لمن تزعفر في بدنه أشد من الكراهة لمن تزعفر في ثوبه. وقد أخرج أبو داود والترمذي في "الشمائل" والنسائي في "الكبرى" من طريق سلم العلوي عن أنس "دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرة، فكره ذلك، وقلما كان يواجه أحدا بشيء يكرهه، فلما قام قال: لو أمرتم هذا أن يترك هذه الصفرة" وسلم بفتح المهملة وسكون اللام فيه لين، ولأبي داود من حديث عمار رفعه: "لا تحضر الملائكة جنازة كافر ولا مضمخ بالزعفران" وأخرج أيضا من حديث عمار قال: "قدمت على أهلي ليلا وقد تشققت يداي، فخلقوني بزعفران، فسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرحب بي وقال: اذهب

(10/304)


فاغسل عنك هذا".

(10/305)


34 - باب الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ
5847- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْباً مَصْبُوغاً بِوَرْسٍ أَوْ بِزَعْفَرَانٍ" .
قوله: "باب الثوب المزعفر" ذكر فيه حديث ابن عمر "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يلبس المحرم ثوبا مصبوغا بورس أو زعفران". حديث ابن عمر "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يلبس المحرم ثوبا مصبوغا بورس أو زعفران" كذا أورده مختصرا، وقد تقدم مطولا مشروحا في كتاب الحج، وقد أخذ من التقييد بالمحرم جواز لبس الثوب المزعفر للحلال، قال ابن بطال: أجاز مالك وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمحرم خاصة، وحمله الشافعي والكوفيون على المحرم وغير المحرم، وحديث ابن عمر الآتي في "باب النعال السبتية" يدل على الجواز، فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبغ بالصفرة. وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن جعفر قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران" وفي سنده عبد الله بن مصعب الزبيري وفيه ضعف. وأخرج الطبراني من حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صبغ إزاره ورداءه بزعفران، وفيه راو مجهول، ومن المستغرب قول ابن العربي. لم يرد في الثوب الأصفر حديث، وقد ورد فيه عدة أحاديث كما ترى، قال المهلب: الصفرة أبهج الألوان إلى النفس، وقد أشار إلى ذلك ابن عباس في قوله تعالى: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} .

(10/305)


35 - باب الثَّوْبِ الأَحْمَرِ
5848- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعَ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْبُوعاً وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْهُ".
قوله: "باب الثوب الأحمر" ذكر فيه حديث البراء "كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعا، ورأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئا أحسن منه" وقد تقدم في صفة النبي صلى الله عليه وسلم أتم سياقا من هذا. قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "سمع البراء" هو ابن عازب، كذا قال أكثر أصحاب أبي إسحاق، وخالفهما أشعث فقال: "عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة" أخرجه النسائي وأعله الترمذي وحسنه، ونقل عن البخاري أنه قال: حديث أبي إسحاق عن البراء وعن جابر بن سمرة صحيحان وصححه الحاكم، وقد تقدم حديث أبي جحيفة قريبا، ويأتي وفيه: "حلة حمراء" أيضا. ولأبي داود من حديث هلال بن عامر عن أبيه "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بمنى على بعير وعليه برد أحمر" وإسناده حسن، وللطبراني بسند حسن عن طارق المحاربي نحوه لكن قال: "بسوق ذي المجاز" وتقدم في "باب التزعفر" ما يتعلق بالمعصفر، فإن غالب ما يصبغ بالعصفر يكون أحمر، وقد تلخص لنا من أقوال السلف في لبس الثوب الأحمر سبعة أقوال: الأول: الجواز مطلقا جاء عن علي وطلحة وعبد الله ابن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وأبي وائل وطائفة من التابعين. القول الثاني: المنع مطلقا لما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو وما نقله البيهقي وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عمر "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفدم" وهو بالفاء وتشديد الدال وهو المشبع بالعصفر فسره في الحديث، وعن عمر أنه كان إذا رأى على الرجل ثوبا معصفرا جذبه وقال: "دعوا هذا

(10/305)


36 - باب الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ
5849- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالْقَسِّيِّ وَالإِسْتَبْرَقِ وَالْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ
قوله: "باب الميثرة الحمراء" ذكر فيه حديث سفيان وهو الثوري عن أشعث وهو ابن أبي الشعثاء عن معاوية بن سويد عن البراء قال: "أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع" الحديث وفي آخره: "وعن لبس الحرير والديباج والإستبرق والمياثر الحمر" فالحرير قد سبق القول فيه، والديباج والإستبرق صنفان نفيسان منه، وأما المياثر فهي جمع ميثرة تقدم ضبطها في "باب لبس القسي". وقد أخرج أحمد والنسائي وأصله عند أبي داود بسند صحيح عن علي قال: "نهي عن المياثر الأرجوان" هكذا عندهم بلفظ: "نهي" على البناء للمجهول، وهو محمول على الرفع، وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان من طريق هبيرة بن يريم بتحتانية أوله وزن عظيم عن علي قال: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب، وعن لبس القسي، والميثرة الحمراء" قال أبو عبيد: المياثر الحمر التي جاء النهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير. وقال الطبري هي وعاء يوضع على سرج الفرس أو رحل البعير من الأرجوان وحكى في "المشارق" قولا أنها سروج من ديباج، وقولا أنها أغشية للسروج من حرير، وقولا أنها تشبه المخدة تحشى بقطن أو ريش يجعلها الراكب تحته، وهذا يوافق تفسير الطبري، والأقوال الثلاثة يحتمل أن لا تكون متخالفة بل الميثرة تطلق على كل منها، وتفسير أبي عبيد يحتمل الثاني والثالث، وعلى كل تقدير فالميثرة وإن كانت من حرير فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير، وقد تقدم القول فيه، ولكن تقييدها بالأحمر أخص من مطلق الحرير فيمتنع إن كانت حريرا، ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير حرير فالنهي فيها للزجر عن التشبه بالأعاجم، قال ابن بطال: كلام الطبري يقتضي التسوية في المنع من الركوب عليه سواء كانت من حرير أم من غيره، فكان النهي عنها إذا لم يكن من حرير للتشبه أو للسرف أو التزين، وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه، وأما تقييدها بالحمرة فمن يحمل المطلق على المقيد - وهم الأكثر - يخص المنع بما كان أحمر، والأرجوان المذكور في الرواية التي أشرت إليها بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو خفيفة، وحكى عياض ثم القرطبي فتح الهمزة وأنكره النووي وصوب أن الضم هو المعروف في كتب الحديث واللغة والغريب، واختلفوا في المراد به فقيل هو صبغ أحمر شديد الحمرة وهو نور شجر من أحسن الألوان، وقيل: الصوف الأحمر، وقيل: كل شيء أحمر فهو أرجوان. ويقال ثوب أرجوان وقطيفة أرجوان، وحكى السيرافي أحمر أرجوان فكأنه وصف للمبالغة في الحمرة كما يقال أبيض يقق وأصفر فاقع، واختلفوا هل الكلمة عربية أو معربة؟ فإن قلنا باختصاص النهي بالأحمر من المياثر فالمعني في النهي عنها ما في غيرها كما تقدم في الباب قبله، وإن قلنا لا يختص بالأحمر فالمعني بالنهي عنها ما فيه من الترفه، وقد يعتادها الشخص فتعوزه فيشق عليه تركها فيكون النهي نهي إرشاد لمصلحة دنيوية، وإن قلنا النهي عنها من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار ثم لما لم يصر الآن يختصر بشعارهم زال ذلك المعنى فتزول الكراهة، والله أعلم.

(10/307)


37 - باب النِّعَالِ السِّبْتِيَّةِ وَغَيْرِهَا
5850- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدٍ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ: "سَأَلْتُ أَنَساً أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ".
5851- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعاً لَمْ أَرَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا قَالَ مَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ رَأَيْتُكَ لاَ تَمَسُّ مِنْ الأَرْكَانِ إِلاَّ الْيَمَانِيَيْنِ وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلاَلَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَمَّا الأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّ إِلاَّ الْيَمَانِيَيْنِ وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا وَأَمَّا الإِهْلاَلُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ".
5852- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْباً مَصْبُوغاً بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ وَقَالَ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ" .
5853- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِزَارٌ فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَعْلاَنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ" .
قوله: "باب النعال" جمع نعل وهي مؤنثة، قال ابن الأثير: هي التي تسمى الآن تاسومة. وقال ابن العربي: النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يطلق النعل على كل ما يقي القدم. قال صاحب المحكم: النعل والنعلة ما وقيت به القدم. قوله: "السبتية" بكسر المهملة وسكون الموحدة بعدها مثناة منسوبة إلى السبت. قال أبو عبيد: هي المدبوغة، ونقل عن الأصمعي وعن أبي عمرو الشيباني، زاد الشيباني بالقرظ، قال: وزعم بعض الناس أنها التي حلق عنها الشعر. قلت: أشار بذلك إلى مالك نقله ابن وهب عنه ووافقه، وكأنه مأخوذ من لفظ السبت لأن معناه القطع فالحلق بمعناه، وأيد ذلك جواب ابن عمر المذكور في الباب، وقد وافق الأصمعي الخليل وقالوا: قيل لها سبتية لأنها تسبتت بالدباغ أي لانت، قال أبو عبيد. كانوا في الجاهلية لا يلبس النعال المدبوغة إلا أهل السعة، واستشهد لذلك بشعر. حديث أنس في الصلاة في النعلين وقد تقدم شرحه في الصلاة. حديث ابن عمر من رواية سعيد المقبري عن عبيد بن جريج وهما تابعيان مدنيان. قوله: "رأيتك تصنع أربعا" فذكرها، فأما الاقتصار على مس الركنين اليمانيين فتقدم

(10/308)


شرحه في كتاب الحج، وكذلك الإهلال يوم التروية، وأما الصبغ بالصفرة فتقدم في باب التزعفر، ووقع في رواية ابن إسحاق عن عبيد بن جريج "تصفر بالورس" وأما لبس النعال السبتية فهو المقصود بالذكر هنا، وقول ابن عمر "يلبس النعال التي ليس فيها شعر" يؤيد تفسير مالك المذكور. وقال الخطابي: السبتية التي دبغت بالقرظ وهي التي سبت ما عليها من شعر أي حلق، قال وقد يتمسك بهذا من يدعي أن الشعر ينجس بالموت، وأنه لا يؤثر فيه الدباغ، ولا دلالة فيه لذلك، واستدل بحديث ابن عمر في لباس النبي صلى الله عليه وسلم النعال السبتية ومحبته لذلك على جواز لبسها على كل حال. وقال أحمد: يكره لبسها في المقابر لحديث بشير بن الخصاصية قال: "بينما أنا أمشي في المقابر علي نعلان إذا رجل ينادي من خلفي: يا صاحب السبتيتين إذا كنت في هذا الموضع فاخلع نعليك" أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم واحتج به على ما ذكر، وتعقبه الطحاوي بأنه يجوز أن يكون الأمر بخلعهما لأذى فيهما، وقد ثبت في الحديث أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا عنه مدبرين، وهو دال على جواز لبس النعال في المقابر، قال وثبت حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في نعليه، قال: فإذا جاز دخول المسجد بالنعل فالمقبرة أولى. قلت: ويحتمل أن يكون النهي لإكرام الميت كما ورد النهي عن الجلوس على القبر، وليس ذكر السبتيتين للتخصيص بل اتفق ذلك والنهي إنما هو للمشي على القبور بالنعال. حديث ابن عمر وابن عباس فيما لا يلبس المحرم، وفيه ذكر النعلين، قد تقدم شرحه في كتاب الحج. وفي هذه الأحاديث استحباب لبس النعل، وقد أخرج مسلم من حديث جابر رفعه: "استكثروا من النعال فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل". أي أنه شبيه بالراكب في خفة المشقة وقلة التعب وسلامة الرجل من أذى الطريق، قاله النووي وقال القرطبي: هذا كلام بليغ ولفظ فصيح بحيث لا ينسج على منواله ولا يؤتى بمثاله، وهو إرشاد إلى المصلحة وتنبيه على ما يخفف المشقة، فإن الحافي المديم للمشي يلقى من الآلام والمشقة بالعثار وغيره ما يقطعه عن المشي ويمنعه من الوصول إلى مقصوده كالراكب فلذلك شبه به.

(10/309)


38 - باب يَبْدَأُ بِالنَّعْلِ الْيُمْنَى
5854- حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة قال أخبرني أشعث بن سليم سمعت أبي يحدث عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في طهوره وترجله وتنعله".
قوله: "باب يبدأ بالنعل اليمنى" ذكر فيه حديث عائشة "كان يحب التيمن في طهوره وتنعله" وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة، وهو ظاهر فيما ترجم له. والله أعلم.

(10/309)


39 - باب لاَ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ
5855- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً" .
قوله: "باب لا يمشي في نعل واحدة" ذكر فيه حديث أبي هريرة من رواية الأعرج عنه، قال الخطابي: الحكمة في النهي أن النعل شرعت لوقاية الرجل عما يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين

(10/309)


40 - باب يَنْزِعُ نَعْلَهُ الْيُسْرَى
5856- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ لِيَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ" .
قوله: "باب ينزع نعله اليسرى" وقع ذكر هذه الترجمة قبل التي قبلها عند الجميع إلا أبا ذر، ولكل منهما وجه. قوله: "إذا انتعل" أي لبس النعل. قوله: "باليمين" في رواية الكشميهني باليمنى. قوله: "وإذا انتزع" في رواية مسلم: "وإذا خلع". قوله: "لتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع" زعم ابن وضاح فيما حكاه ابن التين أن هذا القدر مدرج وأن المرفوع انتهى عند قوله: "بالشمال" وضبط قوله أولهما وآخرهما بالنصب على أنه خبر كان أو على الحال والخبر تنعل وتنزع، وضبطا بمثناتين فوقانيتين وتحتانيتين مذكرين باعتبار النعل والخلع، قال ابن العربي: البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة لفضل اليمين حسا في القوة وشرعا في الندب إلى تقديمها. وقال النووي:

(10/311)


يستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم أو الزينة، والبداءة باليسار في ضد ذلك كالدخول إلى الخلاء ونزع النعل والخف والخروج من المسجد والاستنجاء وغيره من جميع المستقذرات، وقد مر كثير من هذا في كتاب الطهارة في شرح حديث عائشة: كان يعجبه التيمن. وقال الحليمي وجه الابتداء بالشمال عند الخلع أن اللبس كرامة لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمنى أكرم من اليسرى بدئ بها في اللبس وأخرت في الخلع لتكون الكرامة لها أدوم وحظها منها أكثر، قال ابن عبد البر: من بدأ بالانتعال في اليسرى أساء لمخالفة السنة، ولكن لا يحرم عليه لبس نعله. وقال غيره: ينبغي له أن ينزع النعل من اليسرى ثم يبدأ باليمنى، ويمكن أن يكون مراد ابن عبد البر ما إذا لبسهما معا فبدأ باليسرى فإنه لا يشرع له أن ينزعهما ثم يلبسهما على الترتيب المأمور به إذ قد فات محله. ونقل عياض وغيره الإجماع على أن الأمر فيه للاستحباب، والله أعلم.

(10/312)


41 - باب قِبَالاَنِ فِي نَعْلٍ وَمَنْ رَأَى قِبَالاً وَاحِداً وَاسِعاً
5857- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهَا قِبَالاَنِ".
5858- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ: "خَرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ بِنَعْلَيْنِ لَهُمَا قِبَالاَنِ فَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ هَذِهِ نَعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
قوله: "باب قبالان في نعل" أي في كل فردة "ومن رأى قبالا واحدا واسعا" أي جائز. القبال بكسر القاف وتخفيف الموحدة وآخره لام هو الزمام وهو السير الذي يعقد فيه الشسع الذي يكون بين إصبعي الرجل. قوله: "همام" وقع في رواية ابن السكن على الفربري هشام بدل همام؛ والذي عند الجماعة أولى.
قوله: "أن نعلي النبي صلى الله عليه وسلم" وقع في رواية عند الكشميهني بالإفراد وكذا في قوله: "لهما". قوله: "قبالان" زاد ابن سعد عن عفان عن همام "من سبت ليس عليهما شعر" وقد أخرجه أحمد عن عفان بدون هذه الزيادة، وقوله: "سبت" بكسر المهملة وسكون الموحدة بعدها مثناة وقد فسره في الحديث. قوله: "حدثنا محمد" هو ابن مقاتل، وعبد الله هو ابن المبارك. قوله: "عيسى بن طهمان قال: أخرج إلينا أنس بن مالك بنعلين لهما قبالان، فقال ثابت البناني: هذه نعل النبي صلى الله عليه وسلم" هذا مرسل قاله الإسماعيلي. قلت: صورته الإرسال لأن ثابتا لم يصرح بأن أنسا أخبره بذلك، فإن كان ثابت قاله بحضرة أنس وأقره أنس على ذلك فيكون أخذ عيسى بن طهمان له عن أنس عرضا، لكن قد تقدم هذا الحديث في الخمس من طريق ابن أحمد الزبيري عن عيسى بن طهمان بما ينفي هذا الاحتمال، ولفظه: "أخرج إلينا أنس نعلين جرداوتين لهما قبالان، فحدثني ثابت البناني بعد عن أنس أنهما نعلا النبي صلى الله عليه وسلم" فظهر بهذا أن رواية عيسى عن أنس إخراجه النعلين فقط وأن إضافتهما للنبي صلى الله عليه وسلم من رواية عيسى عن ثابت عن أنس، وقد أشار الإسماعيلي إلى أن إخراج طريق أبي أحمد أولى، وكأنه لم يستحضر أنها تقدمت هناك، والبخاري على عادته إذا صحت الطريق موصولة لا يمتنع من إيراد ما ظاهره الإرسال اعتمادا على الموصول، وقد أخرج الترمذي في "الشمائل" وابن ماجه بسند قوي من حديث ابن عباس "كانت لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان مثنى شراكهما" قال الكرماني: دلالة الحديث

(10/312)


على الترجمة من جهة أن النعل صادقة على مجموع ما يلبس في الرجلين، وأما الركن الثاني من الترجمة فمن جهة أن مقابلة الشيء بالشيء يفيد التوزيع، فلكل واحد من نعل كل رجل قبال واحد. قلت: بل أشار البخاري إلى ما ورد عن بعض السلف، فقد أخرج البزار والطبراني في "الصغير" من حديث أبي هريرة مثل حديث أنس هذا وزاد: "وكذا لأبي بكر ولعمر، وأول من عقد عقدة واحدة عثمان بن عفان" لفظ الطبراني وسياق البزار مختصر، ورجال سنده ثقات، وله شاهد أخرجه النسائي من رواية محمد بن سيرين عن عمرو بن أوس مثله دون ذكر عثمان.

(10/313)


باب القبة الحمرا من أدم
...
42 - باب الْقُبَّةِ الْحَمْرَاءِ مِنْ أَدَمٍ
5859- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ وَرَأَيْتُ بِلاَلاً أَخَذَ وَضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ يَبْتَدِرُونَ الْوَضُوءَ فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئاً تَمَسَّحَ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئاً أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ".
5860- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الأَنْصَارِ وَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ".
قوله: "باب القبة الحمراء من أدم" بفتح الهمزة والمهملة هو الجلد المدبوغ، وكأنه صبغ بحمره قبل أن يجعل قبة. ذكر فيه طرفا من حديث أبي جحيفة، وقد تقدم في أوائل الصلاة بتمامه مشروحا، وساقه فيه بهذا الإسناد بعينه، والغرض منه هنا قوله: "وهو في قبة حمراء من أدم" فهو مطابق لما ترجم له، وتقدم شرح الحلة الحمراء قريبا في "باب الثوب الأحمر" ولعله أراد الإشارة إلى تضعيف حديث رافع المقدم ذكره هناك. ذكر حديث أنس قال: "أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم" وهو أيضا طرف من حديث أورده بتمامه في كتاب الخمس عن أبي اليمان بهذا الإسناد بعينه. قال الكرماني: هذا لا يدل على أن القبة حمراء، لكن يكفي أنه يدل على بعض الترجمة، وكثيرا ما يفعل البخاري ذلك. قلت: ويمكن أن يقال: لعله حمل المطلق على المقيد وذلك لقرب العهد، فإن القصة التي ذكرها أنس كانت في غزوة حنين، والتي ذكرها أبو جحيفة كانت في حجة الوداع، وبينهما نحو سنتين، فالظاهر أنها هي تلك القبة لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتأنق في مثل ذلك حتى يستبدل، وإذا وصفها أبو جحيفة بأنها حمراء في الوقت الثاني فلأن تكون حمرتها موجودة في الوقت الأول أولى. قوله: "وقال الليث حدثني يونس عن ابن شهاب" هو الزهري المذكور في السند الذي قبله، وقد اقتطع هذه الجملة من الحديث فساقها على لفظ الليث، وأول حديث شعيب عنده في فرض الخمس "إن ناسا من الأنصار قالوا: حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء - فذكر القصة قال - فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم" الحديث بطوله، وقد تقدم شرحه في غزوة حنين. وقد وصل الإسماعيلي رواية الليث من طريق الرمادي: "حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني يونس" ومن طريق حرملة عن ابن وهب "أخبرني يونس" وساقه بلفظ: "فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم" هكذا اقتطعه. وقد أخرجه مسلم عن حرملة، وأوله

(10/313)


عنده "إن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله" فذكر الحديث بطوله.

(10/314)


43 - باب الْجُلُوسِ عَلَى الْحَصِيرِ وَنَحْوِهِ
5861- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيراً بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ حَتَّى كَثُرُوا فَأَقْبَلَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنْ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ" .
قوله: "باب الجلوس على الحصير ونحوه" أما الحصير فمعروف يتخذ من السعف وما أشبهه، وأما قوله: "ونحوه" فيريد من الأشياء التي تبسط وليس لها قدر رفيع. حديث عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتجر حصيرا بالليل ويصلي عليه" ومعتمر في إسناده هو ابن سليمان التيمي، وعبيد الله هو ابن عمر العمري، وسعيد هو المقبري وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق أولهم أبو سلمة وهم مدنيون، وفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شريح بن هانئ أنه: "سأل عائشة: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير والله يقول: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} ؟ فقالت: لم يكن يصلي على الحصير" ويمكن الجمع بحمل النفي على المداومة، لكن يخدش فيه ما ذكره شريح من الآية، وقد تقدم شرح حديث عائشة في كتاب الصلاة، وترجم المصنف في أوائل الصلاة "باب الصلاة على الحصير" وأورد فيه حديث أنس "فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس" الحديث، وسبق ما يتعلق به، قوله في حديث عائشة يحتجر بحاء مهملة ثم جيم ثم راء مهملة للأكثر أي يتخذ حجرة لنفسه؛ يقال: حجرت الأرض واحتجرتها إذا جعلت عليها علامة تمنعها عن غيرك. ووقع في رواية الكشميهني بزاي في آخره. قوله: "يثوبون" بمثلثة ثم موحدة أي يرجعون، وقوله فيه: "فإن الله لا يمل حتى تملوا" تقدم شرحه أيضا في كتاب الإيمان، وأن الملال كناية عن القبول أو الترك، أو أطلق على سبيل المشاكلة. وقوله: "وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام" أي ما استمر في حياة العامل، وليس المراد حقيقة الدوام التي هي شمول جميع الأزمنة. ووقع في رواية الكشميهني: "ما داوم" أي ما داوم عليه العامل.

(10/314)


44 - باب الْمُزَرَّرِ بِالذَّهَبِ
5862- وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَخْرَمَةَ قَالَ لَهُ يَا بُنَيِّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَتْ عَلَيْهِ أَقْبِيَةٌ فَهُوَ يَقْسِمُهَا فَاذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ فَذَهَبْنَا فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ لِي يَا بُنَيِّ ادْعُ لِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْظَمْتُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَدْعُو لَكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا بُنَيِّ إِنَّهُ لَيْسَ بِجَبَّارٍ فَدَعَوْتُهُ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ فَقَالَ: يَا مَخْرَمَةُ هَذَا خَبَأْنَاهُ لَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ" .

(10/314)


باب خواتم الذهب
...
45 - باب خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ
5863- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "نَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبْعٍ نَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ أَوْ قَالَ حَلْقَةِ الذَّهَبِ وَعَنْ الْحَرِيرِ وَالإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ وَالْقَسِّيِّ وَآنِيَةِ الْفِضَّةِ وَأَمَرَنَا بِسَبْعٍ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّ السَّلاَمِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ" .
5864- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّهُ نَهَى عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ" وَقَالَ عَمْرٌو أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعَ النَّضْرَ سَمِعَ بَشِيراً ... مِثْلَهُ.
5865- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ فَرَمَى بِهِ وَاتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ أَوْ فِضَّةٍ".
[الحديث 5865 – أطرافه في: 5866، 5867، 5873، 5876، 6651، 7298]
قوله: "باب خواتيم الذهب" جمع خاتم، ويجمع أيضا على خواتم بلا ياء، وعلى خياتيم بياء بدل الواو، وبلا ياء أيضا، وفي الخاتم ثمان لغات: فتح التاء وكسرها وهما واضحتان، وبتقديمها على الألف مع كسر الخاء ختام، وبفتحها وسكون التحتانية وضم المثناة بعدها واو خيتوم، وبحذف الياء والواو مع سكون المثناة ختم، وبألف بعد الخاء وأخرى بعد التاء خاتام، وبزيادة تحتانية بعد المثناة المكسورة خاتيام، وبحذف الأولى وتقديم التحتانية خيتام، وقد جمعتها في بيت وهو:

(10/315)


خاتام خاتم ختم خاتم وختا ... م خاتيام وخيتوم وخيتام
وقبله:
خذ نظم عد لغات الخاتم انتظمت ... ثمانيا ما حواها قبل نظام
ثم زدت ثالثا:
وهمز مفتوح تاء تاسع وإذا ... ساغ القياس أتم العشر خاتام
أما الأول: فذكر أبو البقاء في إعراب الشواذ في الكلام على من قرأ العالمين بالهمز قال: ومثله الخأتم بالهمز. وأما الثاني: فهو على الاحتمال، واقتصر كثيرون منهم النووي على أربعة، والحق أن الختم والختام مختص بما يختم به فتكمل الثمان فيه. وأما ما يتزين به فليس فيه إلا ستة، وأنشدوا في الخاتيام وهو أغربها:
أخذت من سعداك خاتياما ... لموعد تكتسب الآثاما
ذكر فيه ثلاثة أحاديث: الأول: حديث البراء قال: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبع: نهانا عن خاتم الذهب" أو قال: "حلقة الذهب" كذا في هذه الطريق من رواية آدم عن شعبة عن أشعث بن سليم وهو ابن الشعثاء "سمعت معاوية بن سويد بن مقرن قال سمعت البراء" فذكره بتقديم النواهي على الأوامر، وتقدم في أوائل الجنائز عن أبي الوليد عن شعبة بقديم الأوامر على النواهي، لكن سقط من النواهي ذكر المياثر وقال فيه: "خاتم الذهب" ولم يشك. وأورده في المظالم عن سعيد بن الربيع عن شعبة لكن لم يسق فيه المنهيات جملة، وأورده في الطب عن حفص بن عمر عن شعبة لكن سقط من النواهي آنية الفضة، وذكر من الأوامر ثلاثة فقط: اتباع الجنائز وعيادة المريض وإفشاء السلام، واختصر الباقي. وقال فيه أيضا: "خاتم الذهب" وأورده في أواخر الأدب عن سليمان بن حرب عن شعبة كذلك، لكن لم يذكر القسي ولا آنية الفضة. وقال بدل الإستبرق السندس. وأخرجه في الأيمان والنذور من طريق غندر عن شعبة مقتصرا على إبرار القسم حسب، فهذا ما عنده من تغاير السياق في رواية شعبة فقط، وأما من رواية غيره عن أشعث عنده أيضا فإنه أخرجه في الأشربة فقط من رواية أبي عوانة عن الأشعث فقدم الأوامر على النواهي وساقه تاما وقال فيه: "ونهانا عن خواتيم الذهب" وهكذا أخرجه من طريق أبي الأحوص عن أشعث مثله سواء وهو المطابق للترجمة هنا، وأخرجه في أوائل الاستئذان من طريق جرير عن أشعث كذلك لكن قال: "ونهى عن تختم الذهب" وقد تقدم قريبا في اللباس من رواية سفيان الثوري في آخر "باب القسي" مختصرا جدا "نهانا عن المياثر الحمر وعن القسي" وفي "باب الميثرة الحمراء" من روايته: "أمرنا بسبع" فذكر منها العيادة واتباع الجنائز وتشميت العاطس "ونهانا عن سبع" فلم يذكر منها خاتم الذهب ولا آنية الفضة، فهذه جميع طرق هذا الحديث عنده، فأما المنهيات فقد شرحت في أماكنها ومعظمها في هذا الكتاب كتاب اللباس، وتقدم الكلام على آنية الفضة في كتاب الأشربة، وأما الأوامر فنذكر كل واحدة منها في بابها، ويأتي بسطها في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى. قوله: "عن بشير بن نهيك" بفتح الموحدة وكسر المعجمة، ونهيك بالنون وزنه سواء. قوله: "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن خاتم الذهب" في الكلام حذف تقديره. نهى عن لبس خاتم الذهب. قوله: "وقال عمرو" هو ابن مرزوق "أنبأنا شعبة" ساق هذا الإسناد لما فيه من بيان سماع قتادة من النضر وهو ابن أنس بن مالك المذكور في السند الذي قبله، وسماع النضر من بشير بن نهيك وقد وصله أبو عوانة في صحيحه عن أبي قلابة الرقاشي وقاسم بن أصبغ في مصنفه عن محمد بن غالب

(10/316)


ابن حرب كلاهما عن عمرو بن مرزوق به، ووقع التصريح بسماع قتادة من النضر بهذا الحديث أيضا في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة وأخرجه الإسماعيلي كذلك، قال ابن دقيق العيد: إخبار الصحابي عن الأمر والنهي على ثلاث مراتب: الأولى أن يأتي بالصيغة كقوله: افعلوا أو لا تفعلوا، الثانية قوله أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ونهانا عن كذا وهو كالمرتبة الأولى في العمل به أمرا ونهيا، وإنما نزل عنها لاحتمال أن يكون ظن ما ليس بأمر أمرا، إلا أن هذا الاحتمال مرجوح للعلم بعدالته ومعرفته بمدلولات الألفاظ لغة. المرتبة الثالثة أمرنا ونهينا على البناء للمجهول وهي كالثانية، وإنما نزلت عنها لاحتمال أن يكون الآمر غير النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا تقرر هذا فالنهي عن خاتم الذهب أو التختم به مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء. قلت: وقد أخرج ابن أبي شيبة من حديث عائشة "أن النجاشي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حلية فيها خاتم من ذهب، فأخذوه وإنه لمعرض عنه، ثم دعا أمامة بنت ابنته فقال: تحلي به" قال ابن دقيق العيد: وظاهر النهي التحريم، وهو قول الأئمة واستقر الأمر عليه، قال عياض: وما نقل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من تختمه بالذهب فشذوذ، والأشبه أنه لم تبلغه السنة فيه فالناس بعده مجمعون على خلافه، وكذا ما روي فيه عن خباب وقد قال له ابن مسعود "أما آن لهذا الخاتم أن يلقى؟ فقال: إنك لن تراه علي بعد اليوم" فكأنه ما كان بلغه النهي فلما بلغه رجع. قال: وقد ذهب بعضهم إلى أن لبسه للرجال مكروه كراهة تنزيه لا تحريم كما قال ذلك في الحرير، قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي إثبات الخلاف في التحريم، وهو يناقض القول بالإجماع على التحريم، ولا بد من اعتبار وصف كونه خاتما. قلت: التوفيق بين الكلامين ممكن بأن يكون القائل بكراهة التنزيه انقرض واستقر الإجماع بعده على التحريم، وقد جاء عن جماعة من الصحابة لبس خاتم الذهب، من ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن أبي إسماعيل أنه رأى ذلك على سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وصهيب وذكر ستة أو سبعة. وأخرج ابن أبي شيبة أيضا عن حذيفة وعن جابر بن سمرة وعن عبيد الله بن يزيد الخطمي نحوه، ومن طريق حمزة بن أبي أسيد "نزعنا من يدي أسيد خاتما من ذهب" وأغرب ما ورد من ذلك ما جاء عن البراء الذي روى النهي، فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي السفر قال: "رأيت على البراء خاتما من ذهب" وعن شعبة عن أبي إسحاق نحوه أخرجه البغوي في "الجعديات" وأخرج أحمد من طريق محمد بن مالك قال: "رأيت على البراء خاتما من ذهب فقال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فألبسنيه فقال: البس ما كساك الله ورسوله" قال الحازمي: إسناده ليس بذاك، ولو صح فهو منسوخ. قلت: لو ثبت النسخ عند البراء ما لبسه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي حديث النهي المتفق على صحته عنه، فالجمع بين روايته وفعله إما بأن يكون حمله على التنزيه أو فهم الخصوصية له من قوله البس ما كساك الله ورسوله، وهذا أولى من قول الحازمي: لعل البراء لم يبلغه النهي. ويؤيده الاحتمال الثاني أنه وقع في رواية أحمد "كان الناس يقولون للبراء لم تتختم بالذهب وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم" فيذكر لهم الحديث ثم يقول: كيف تأمرونني أن أضع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البس ما كساك الله ورسوله" ومن أدلة النهي أيضا ما رواه يونس عن الزهري عن أبي إدريس عن رجل له صحبة قال: "جلس رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده خاتم من ذهب فقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده بقضيب فقال: ألق هذا" وعموم الأحاديث المقدم ذكرها في "باب لبس الحرير" حيث قال في الذهب والحرير " هذان حرامان على رجال أمتي حل لإناثها " وحديث عبد الله بن عمرو رفعه: " من مات من أمتي وهو

(10/317)


يلبس الذهب حرم الله عليه ذهب الجنة" الحديث أخرجه أحمد والطبراني، وفي حديث ابن عمر ثالث أحاديث الباب ما يستدل به على نسخ جواز لبس الخاتم إذا كان من ذهب، واستدل به على تحريم الذهب على الرجال قليله وكثيره للنهي عن التختم وهو قليل، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التحريم يتناول ما هو في قدر الخاتم وما فوقه كالدملج والمعضد وغيرهما، فأما ما هو دونه فلا دلالة من الحديث عليه، وتناول النهي جميع الأحوال فلا يجوز لبس خاتم الذهب لمن فاجأه الحرب لأنه لا تعلق له بالحرب، بخلاف ما تقدم في الحرير من الرخصة في لبسه بسبب الحرب، وبخلاف ما على السيف أو الترس أو المنطقة من حلية الذهب فإنه لو فجأه الحرب جاز له الضرب بذلك السيف فإذا انقضت الحرب فلينتقض لأنه كله من متعلقات الحرب بخلاف الخاتم. حديث ابن عمر سيأتي شرحه في الباب الذي يليه، وقوله فيه: "فاتخذه الناس" أي اتخذوا مثله كما بينه بعد، وقوله: "من ورق أو فضة" شك من الراوي وجزم في الذي يليه بقوله: "من فضة" وفي الذي يليه بأنه "من ورق" والورق بفتح الواو وكسر الراء ويجوز إسكانها، وحكى الصغاني(1) وحكى كسر أوله مع السكون فتلك أربع لغات، وفيها لغة خامسة الرقة والراء بدل الواو كالوعد والعدة، وقيل الورق يختص بالمصكوك والرقة أعم.
ـــــــ
(1) بياض بأصله. قال مصحح طبعة بولاق: ولعل موضعه لفظ "فتحها" أي الراء، بدليل قوله بعده "فتلك أربع لغات".

(10/318)


46 - باب خَاتَمِ الْفِضَّةِ
5866- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَاتَّخَذَ النَّاسُ مِثْلَهُ فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ اتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ وَقَالَ لاَ أَلْبَسُهُ أَبَداً ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الْفِضَّةِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسَ".

(10/318)


47 - باب
5867- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ فَقَالَ: "لاَ أَلْبَسُهُ أَبَداً" فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ".
5868- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ يَوْماً وَاحِداً ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الْخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمَهُ فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ".
تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَزِيَادٌ وَشُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ ابْنُ مُسَافِرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَرَى خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ.

(10/318)


48 - باب فَصِّ الْخَاتَمِ
5869- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: "سُئِلَ أَنَسٌ هَلْ اتَّخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَماً قَالَ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلاَةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا" .

(10/321)


5870- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ حُمَيْداً يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ". وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَساً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: "باب فص الخاتم" قال الجوهري: الفص بفتح الفاء والعامة تكسرها وأثبتها غيره لغة وزاد بعضهم الضم وعليه جرى ابن مالك في المثلث. حديث حميد "سئل أنس: هل اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما؟ قال: أخر ليلة صلاة العشاء" الحديث. وقد تقدم شرحه في المواقيت من كتاب الصلاة. وقوله: "وبيص" بموحدة وآخره مهملة هو البريق وزنا ومعنى، وسيأتي من رواية عبد العزيز بن صهيب بلفظ: "بريقه" ومن رواية قتادة عن أنس بلفظ: "بياضه" ووقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس في آخره: "ورفع أنس يده اليسرى" أخرجه مسلم والنسائي، وله في أخرى "وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى". قوله في الطريق الثانية: "كان خاتمه من فضة" في رواية أبي داود من طريق زهير بن معاوية عن حميد "من فضة كله" فهذا نص في أنه كله من فضة، وأما ما أخرجه أبو داود والنسائي من طريق إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده قال: "كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملويا عليه فضة، فربما كان في يدي، قال: وكان معيقيب على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم" يعني كان أمينا عليه فيحمل على التعدد، وقد أخرج له ابن سعد شاهدا مرسلا عن مكحول "أن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من حديد ملويا عليه فضة، غير أن فصه باد" وآخر مرسلا عن إبراهيم النخعي مثله دون ما في آخره. وثالثا من رواية سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص "أن خالد بن سعيد - يعني ابن العاص - أتى وفي يده خاتم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا؟ أطرحه، فطرحه فإذا خاتم من حديد ملوي عليه فضة. قال: فما نقشه؟ قال: محمد رسول الله، قال: فأخذه فلبسه" ومن وجه آخر عن سعيد بن عمرو المذكور أن ذلك جرى لعمرو بن سعيد أخي خالد بن سعيد، وسأذكر لفظه في "باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر؟". قوله: "وكان فصه منه" لا يعارضه ما أخرجه مسلم وأصحاب السنن من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أنس "كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من ورق وكان فصه حبشيا" لأنه إما أن يحمل على التعدد وحينئذ فمعنى قوله حبشي أي كان حجرا من بلاد الحبشة، أو على لون الحبشة، أو كان جزعا أو عقيقا لأن ذلك قد يؤتى به من بلاد الحبشة، ويحتمل أن يكون هو الذي فصه منه ونسب إلى الحبشة لصفة فيه إما الصياغة وإما النقش. قوله: "وقال يحيى بن أيوب الخ" أراد بهذا التعليق بيان سماع حميد له من أنس، وقد تقدم في المواقيت معلقا أيضا، وذكرت من وصله ولله الحمد. وقد اعترضه الإسماعيلي فقال: ليس هذا الحديث من الباب الذي ترجمه في شيء، وأجيب بأنه أشار إلى أنه لا يسمى خاتما إلا إذا كان له فص، فإن كان بلا فص فهو حلقة. قلت: لكن في الطريق الثانية في الباب أن فص الخاتم كان منه، فلعله أراد الرد على من زعم أنه لا يقال له خاتم إلا إذا كان له فص من غيره، ويؤيده أن في رواية خالد بن قيس عن قتادة عن أنس عند مسلم: "فصاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما حلقة من فضة" والذي يظهر لي أنه أشار إلى أن الإجمال في الرواية الأولى محمول على التبيين في الرواية الثانية.

(10/322)


49 - باب خَاتَمِ الْحَدِيدِ
5871- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلاً يَقُولُ:

(10/322)


جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ جِئْتُ أَهَبُ نَفْسِي فَقَامَتْ طَوِيلاً فَنَظَرَ وَصَوَّبَ فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهَا فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ قَالَ: " عِنْدَكَ شَيْءٌ تُصْدِقُهَا قَالَ لاَ قَالَ انْظُرْ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنْ وَجَدْتُ شَيْئاً قَالَ اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ قَالَ لاَ وَاللَّهِ وَلاَ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ مَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ فَقَالَ أُصْدِقُهَا إِزَارِي. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِزَارُكَ إِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَلَسَ فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّياً فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَقَالَ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ سُورَةُ كَذَا وَكَذَا لِسُوَرٍ عَدَّدَهَا قَالَ قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ" .
قوله: "باب خاتم الحديد" قد ذكرت ما ورد فيه في الباب الذي قبله، كأنه لم يثبت عنده شيء من ذلك على شرطه، وفيه دلالة على جواز لبس ما كان على صفته. وأما ما أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان من رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام؟ فطرحه. ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟ فطرحه. فقال: يا رسول الله من أي شيء أتخذه؟ قال: اتخذه من ورق، ولا تتمه مثقالا" وفي سنده أبو طيبة بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة اسمه عبد الله بن مسلم المروزي، قال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان في الثقات: يخطئ ويخالف، فإن كان محفوظا حمل المنع على ما كان حديدا صرفا. وقد قال التيفاشي في "كتاب الأحجار" خاتم الفولاذ مطردة للشيطان إذا لوي عليه فضة، فهذا يؤيد المغايرة في الحكم. حديث سهل بن سعد في قصة الواهبة وقوله فيه: "اذهب فالتمس ولو خاتما من حديد" استدل به على جواز لبس خاتم الحديد، ولا حجة فيه لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس، فيحتمل أنه أراد وجوده لتنتفع المرأة بقيمته. وقوله: "ولو خاتما" محذوف الجواب لدلالة السياق عليه، فإنه لما أمره بالتماس مهما وجد كأنه خشي أن يتوهم خروج خاتم الحديد لحقارته فأكد دخوله بالجملة المشعرة بدخول ما بعدها فيما قبلها، وقوله في الجواب "فقال لا والله، ولا خاتما من حديد" انتصب على تقدير لم أجد، وقد صرح به في الطريق الأخرى.

(10/323)


50 - باب نَقْشِ الْخَاتَمِ
5872- حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى رَهْطٍ أَوْ أُنَاسٍ مِنْ الأَعَاجِمِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لاَ يَقْبَلُونَ كِتَاباً إِلاَّ عَلَيْهِ خَاتَمٌ فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَكَأَنِّي بِوَبِيصِ أَوْ بِبَصِيصِ الْخَاتَمِ فِي إِصْبَعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ فِي كَفِّهِ".
5873- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ

(10/323)


عَنْهُمَا قَالَ اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ وَكَانَ فِي يَدِهِ ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُمَرَ ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُثْمَانَ حَتَّى وَقَعَ بَعْدُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ".
قوله: "باب نقش الخاتم" ذكر فيه حديثين: أحدهما عن أنس. قوله: "حدثنا عبد الأعلى" هو ابن حماد وسعيد هو ابن أبي عروبة. قوله: "أراد أن يكتب إلى رهط أو أناس" هو شك من الراوي. قوله: "من الأعاجم" في رواية شعبة عن قتادة كما يأتي بعد باب "إلى الروم". قوله: "فقيل له" في مرسل طاوس عند ابن سعد أن قريشا هم الذين قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قوله: "نقشه محمد رسول الله" زاد ابن سعد من مرسل ابن سيرين "بسم الله محمد رسول الله" ولم يتابع على هذه الزيادة، وقد أورده من مرسل طاوس والحسن البصري وإبراهيم النخعي وسالم بن أبي الجعد وغيرهم ليس فيه الزيادة، وكذا وقع في الباب من حديث ابن عمر، وأما ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه أخرج لهما خاتما فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسه فيه تمثال أسد قال معمر: فغسله بعض أصحابنا فشربه، ففيه مع إرساله ضعف، لأن ابن عقيل مختلف في الاحتجاج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، وعلى تقدير ثبوته فلعله لبسه مرة قبل النهي. قوله: "في إصبع النبي صلى الله عليه وسلم أو في كفه" شك من الراوي، ووقع في رواية شعبة "في يده" وسيأتي من وجه آخر عن أنس في الباب الذي بعده "في خنصره". حديث ابن عمر، وقد تقدم شرحه في "باب خاتم الفضة".

(10/324)


51 - باب الْخَاتَمِ فِي الْخِنْصَرِ
5874- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَماً قَالَ: "إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَماً وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشاً فَلاَ يَنْقُشَنَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ" قَالَ فَإِنِّي لاَرَى بَرِيقَهُ فِي خِنْصَرِهِ".
قوله: "باب الخاتم في الخنصر" أي دون غيرها من الأصابع، وكأنه أشار إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق أبي بردة بن أبي موسى عن علي قال: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ألبس خاتمي في هذه وفي هذه" يعني السبابة والوسطى، وسيأتي بيان أي الخنصرين اليمنى أو اليسرى كان يلبس الخاتم فيه بعد باب. قوله: "فلا ينقش عليه أحد" في رواية الكشميهني وحده "ينقشن" بالنون المؤكدة، وإنما نهى أن ينقش أحد على نقشه لأن فيه اسمه وصفته، وإنما صنع فيه ذلك ليختم به فيكون علامة تختص به وتتميز عن غيره، فلو جاز أن ينقش أحد نظير نقشه لفات المقصود.

(10/324)


52 - باب اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ لِيُخْتَمَ بِهِ الشَّيْءُ أَوْ لِيُكْتَبَ بِهِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ
5875- حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لن يقرأوا كتابك إذا لم يكن مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقشه محمد رسول الله فكأنما أنظر إلى بياضه في يده".

(10/324)


53 - باب مَنْ جَعَلَ فَصَّ الْخَاتَمِ فِي بَطْنِ كَفِّهِ
5876- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْطَنَعَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ وَإِنِّي لاَ أَلْبَسُهُ فَنَبَذَهُ فَنَبَذَ النَّاسُ" .
قَالَ جُوَيْرِيَةُ: وَلاَ أَحْسِبُهُ إِلاَّ قَالَ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى
قوله: "باب من جعل فص الخاتم في بطن كفه" سقط لفظ: "باب" من رواية أبي ذر، قال ابن بطال. قيل لمالك يجعل الفص في باطن الكف؟ قال: لا. قال ابن بطال: ليس في كون فص الخاتم في بطن الكف ولا ظهرها

(10/325)


أمر ولا نهي. وقال غيره: السر في ذلك أن جعله في بطن الكف أبعد من أن يظن أنه فعله للتزين به، وقد أخرج أبو داود من حديث ابن عباس جعله في ظاهر الكف كما سأذكره قريبا. قوله: "حدثنا جويرية" هو ابن أسماء، وعبد الله هو ابن عمر. قوله: "اصطنع خاتما من ذهب وجعل" كذا للأكثر، وللمستملي والسرخسي "ويجعل" وقد تقدم شرح الحديث في "باب خاتم الفضة". قوله: "قال جويرية ولا أحسبه إلا قال في يده اليمنى" هو موصول بالإسناد المذكور؛ قال أبو ذر في روايته: لم يقع في البخاري موضع الخاتم من أي اليدين إلا في هذا. وقال الداودي: لم يجزم به جويرية، وتواطؤ الروايات على خلافه يدل على أنه لم يحفظه، وعمل الناس على لبس الخاتم في اليسار يدل على أنه المحفوظ. قلت: وكلامه متعقب فإن الظن فيه من موسى شيخ البخاري، وقد أخرجه ابن سعد عن مسلم بن إبراهيم، وأخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن عبد الله بن محمد بن أسماء كلاهما عن جويرية وجزما بأنه لبسه في يده اليمنى، وهكذا أخرج مسلم من طريق عقبة بن خالد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر في قصة اتخاذ الخاتم من ذهب وفيه: "وجعله في يده اليمنى" وأخرجه الترمذي وابن سعد من طريق موسى بن عقبة عن نافع بلفظ: "صنع النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب فتختم به في يمينه، ثم جلس على المنبر فقال: إني كنت اتخذت هذا الخاتم في يميني. ثم نبذه" الحديث. وهذا صريح من لفظه صلى الله عليه وسلم رافع للبس. وموسى بن عقبة أحد الثقات الأثبات، وأما ما أخرجه ابن عدي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو داود من طريق عبد العزيز بن أبي رواد كلاهما عن نافع عن ابن عمر "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يساره" فقد قال أبو داود بعده: ورواه ابن إسحاق وأسامة بن زيد عن نافع "في يمينه" انتهى. ورواية ابن إسحاق قد أخرجها أبو الشيخ في "كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" من طريقه، وكذا رواية أسامة. وأخرجها محمد بن سعد أيضا. فظهر أن رواية اليسار في حديث نافع شاذة، ومن رواها أيضا أقل عددا وألين ممن روى اليمين، وقد أخرج الطبراني في "الأوسط" بسند حسن عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه" وأخرج أبو الشيخ في "كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" من رواية خالد بن أبي بكر عن سالم عن ابن عمر نحوه، فرجحت رواية اليمين في حديث ابن عمر أيضا. وقد ورد التختم في اليمين أيضا في أحاديث أخرى: منها عند مسلم من حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس خاتما من فضة في يمينه فصه حبشي" وأخرج أبو داود أيضا من طريق ابن إسحاق قال: "رأيت على الصلت بن عبد الله خاتما في خنصره اليمين، فسألته فقال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا وجعل فصه على ظهرها، ولا إخال ابن عباس إلا ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم" وأورده الترمذي من هذا الوجه مختصرا "رأيت ابن عباس يتختم في يمينه ولا إخاله إلا قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه" وللطبراني من وجه آخر عن ابن عباس "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه" وفي سنده لين. وأخرج الترمذي أيضا من طريق حماد بن سلمة "رأيت ابن أبي رافع يتختم في يمينه وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه" ثم نقل عن البخاري أنه أصح شيء روي في هذا الباب. وأخرج أبو داود والنسائي والترمذي في "الشمائل" وصححه ابن حبان من طريق إبراهيم بن عبد الله ابن حنين عن أبيه عن علي "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه" وفي الباب عن جابر في "الشمائل" بسند لين، وعائشة عند البزار بسند لين، وعند أبي الشيخ بسند حسن، وعن أبي أمامه عند الطبراني بسند ضعيف، وعن أبي هريرة عند الدار قطني في "غرائب مالك" بسند ساقط. وورد التختم في اليسار من حديث ابن عمر كما تقدم، ومن حديث أنس أيضا أخرجه

(10/326)


مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: "كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه، وأشار إلى الخنصر اليسرى". وأخرجه أبو الشيخ والبيهقي في "الشعب" من طريق قتادة عن أنس، ولأبي الشيخ من حديث أبي سعيد بلفظ: "كان يلبس خاتمه في يساره" وفي سنده لين، وأخرجه ابن سعد أيضا. وأخرج البيهقي في الأدب من طريق أبي جعفر الباقر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعلي والحسن والحسين يتختمون في اليسار" وأخرجه الترمذي موقوفا على الحسن والحسين فحسب، وأما دعوى الداودي أن العمل على التختم في اليسار فكأنه توهمه من استحباب مالك للتختم وهو يرجح عمل أهل المدينة فظن أنه عمل أهل المدينة، وفيه نظر، فإنه جاء عن أبي بكر وعمر وجمع جم من الصحابة والتابعين بعدهم من أهل المدينة وغيرهم التختم في اليمنى. وقال البيهقي في الأدب: يجمع بين هذه الأحاديث بأن الذي لبسه في يمينه هو خاتم الذهب كما صرح به في حديث ابن عمر. والذي لبسه في يساره هو خاتم الفضة، وأما رواية الزهري عن أنس التي فيها التصريح بأنه كان فضة ولبسه في يمينه فكأنها خطأ، فقد تقدم أن الزهري وقع له وهم في الخاتم الذي طرحه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه وقع في روايته أنه الذي كان من فضة، وأن الذي في رواية غيره أنه الذي كان من ذهب، فعلى هذا فالذي كان لبسه في يمينه هو الذهب اهـ ملخصا. وجمع غيره بأنه لبس الخاتم أولا في يمينه ثم حوله إلى يساره، واستدل له بما أخرجه أبو الشيخ وابن عدي من رواية عبد الله بن عطاء عن نافع عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم تختم في يمينه، ثم أنه حوله في يساره" فلو صح هذا لكان قاطعا للنزاع، ولكن سنده ضعيف. وأخرج ابن سعد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال: "طرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه الذهب ثم تختم خاتما من ورق فجعله في يساره" وهذا مرسل أو معضل، وقد جمع البغوي في "شرح السنة" بذلك وأنه تختم أولا في يمينه ثم تختم في يساره وكان ذلك آخر الأمرين. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك فقال: لا يثبت هذا ولا هذا، ولكن في يمينه أكثر، وقد تقدم قول البخاري أن حديث عبد الله بن جعفر أصح شيء ورد فيه وصرح فيه بالتختم في اليمين، وفي المسألة عند الشافعية اختلاف والأصح اليمين. قلت: ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أولى لأنه كالمودع فيها، ويحصل يناوله منها باليمين وكذا وضعه فيها، ويترجح التختم قي اليمين مطلقا لأن اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة، ويترجح التختم في اليسار بما أشرت إليه من التناول. وجنحت طائفة إلى استواء الأمرين وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث، وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم "باب التختم في اليمين واليسار" ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح، ونقل النووي وغيره الإجماع على الجواز ثم قال: ولا كراهة فيه - يعني عند الشافعية - وإنما الاختلاف في الأفضل. وقال البغوي: كان آخر الأمرين التختم في اليسار. وتعقبه الطبري بأن ظاهره النسخ، وليس ذلك مراده بل الإخبار بالواقع اتفاقا، والذي يظهر أن الحكمة فيه ما تقدم، والله أعلم.

(10/327)


54 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَنْقُشُ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِهِ
5877- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ: إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ

(10/327)


وَنَقَشْتُ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَلاَ يَنْقُشَنَّ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ" .
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ينقش" بضم أوله "على نقش خاتمه" ذكر فيه حديث أنس من رواية عبد العزيز بن صهيب عنه في اتخاذ الخاتم من فضة وفيه: "فلا ينقش أحد على نقشه". حديث أنس من رواية عبد العزيز بن صهيب عنه في اتخاذ الخاتم من فضة وفيه: "فلا ينقش أحد على نقشه" وقوله فيه: "إنا اتخذنا" بصيغة الجمع وهي للتعظيم هنا، والمراد أني اتخذت. وأخرج الترمذي من طريق معمر عن ثابت عن أنس نحوه وقال فيه: "ثم قال لا تنقشوا عليه" وأخرج الدار قطني في "الأفراد" من طريق سلمة بن وهرام عن عكرمة عن يعلى بن أمية قال: "أنا صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم خاتما لم يشركني فيه أحد، نقش فيه محمد رسول الله" فيستفاد منه اسم الذي صاغ خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ونقشه. وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن ينقش أحد على نقشه أي مثل نقشه فقد تقدمت الإشارة إلى الحكمة فيه في "باب خاتم الفضة" وقد أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" عن ابن عمر أنه نقش على خاتمه عبد الله بن عمر، وكذا أخرج عن سالم عن عبد الله بن عمر أنه نقش اسمه على خاتمه، وكذا القاسم بن محمد، قال ابن بطال: وكان مالك يقول: من شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم في خواتمهم. وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة وأبي عبيدة أنه كان نقش خاتم كل واحد منهما "الحمد لله" وعن علي "الله الملك" وعن إبراهيم النخعي "بالله" وعن مسروق "بسم الله" وعن أبي جعفر الباقر "العزة لله" وعن الحسن والحسين لا بأس بنقش ذكر الله على الخاتم، قال النووي: وهو قول الجمهور، ونقل عن ابن سيرين وبعض أهل العلم كراهته. انتهى. وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن سيرين أنه لم يكن يرى بأسا أن يكتب الرجل في خاتمه "حسبي الله" ونحوها، فهذا يدل على أن الكراهة عنه لم تثبت، ويمكن الجمع بأن الكراهة حيث يخاف عليه حمله للجنب والحائض والاستنجاء بالكف التي هو فيها، والجواز حيث حصل الأمن من ذلك، فلا تكون الكراهة لذلك بل من جهة ما يعرض لذلك، والله أعلم.

(10/328)


55 - باب هَلْ يُجْعَلُ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلاَثَةَ أَسْطُرٍ
5878- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا اسْتُخْلِفَ كَتَبَ لَهُ وَكَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلاَثَةَ أَسْطُرٍ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ وَرَسُولُ سَطْرٌ وَاللَّهِ سَطْرٌ".
5879- قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَزَادَنِي أَحْمَدُ حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ وَفِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ وَفِي يَدِ عُمَرَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ قَالَ فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ قَالَ فَاخْتَلَفْنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ فَنَزَحَ الْبِئْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ".
قوله: "باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر" قال ابن بطال: ليس كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر أو سطرين أفضل من كونه سطرا واحدا، كذا قال. قلت: قد يظهر أثر الخلاف من أنه إذا كان سطرا واحدا يكون الفص مستطيلا لضرورة كثرة الأحرف، فإذا تعددت الأسطر أمكن كونه مربعا أو مستديرا، وكل منهما أولى من المستطيل. قوله: "حدثني أبي" هو عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس. قوله: "عن ثمامة" هو ابن عبد الله بن أنس عم عبد الله بن المثنى الراوي، والسند كله بصريون من آل أنس. قوله: "عن أنس" في رواية الإسماعيلي من

(10/328)


طريق علي بن المديني عن محمد بن عبد الله الأنصاري "حدثني أبي حدثنا ثمامة حدثني أنس". قوله: "أن أبا بكر رضي الله عنه لما استخلف كتب له" لم يذكر المكتوب وقد تقدمت الإشارة إليه في كتاب الزكاة وأنه كتب له مقادير الزكاة. قوله: "وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر" هذا ظاهره أنه لم يكن فيه زيادة على ذلك، لكن أخرج أبو الشيخ قي "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" من رواية عرعرة بن البرند بكسر الموحدة والراء بعدها نون ساكنة ثم دال عن عزرة بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها راء ابن ثابت عن ثمامة عن أنس قال: "كان فص خاتم النبي صلى الله عليه وسلم حبشيا مكتوبا عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله" وعرعرة ضعفه ابن المديني، وزيادته هذه شاذة، وظاهره أيضا أنه كان على هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على السياق العادي فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به يقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا. وأما قول بعض الشيوخ أن كتابته كانت من أسفل إلى فوق يعني أن الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة ومحمد في أسفلها فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلي يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال فيها "محمد سطر والسطر الثاني رسول والسطر الثالث الله" ولك أن تقرأ محمد بالتنوين وعدمه والله بالرفع وبالجر. قوله: "وزادني أحمد حدثنا الأنصاري إلى آخره" هذه الزيادة موصولة، وأحمد المذكور جزم المزي في "الأطراف" أنه أحمد بن حنبل، لكن لم أر هذا الحديث في "مسند أحمد" من هذا الوجه أصلا. قوله: "وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس" وقع في رواية ابن سعد عن الأنصاري "ثم كان في يد عثمان ست سنين، فلما كان في الست الباقية كنا معه على بئر أريس". قوله: "فجعل يعبث به" في رواية ابن سعد "فجعل يحوله في يده". قوله: "فسقط" في رواية ابن سعد "فوقع في البئر". قوله: "فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فنزح البئر فلم نجده" أي في الذهاب والرجوع والنزول إلى البئر والطلوع منها، ووقع في رواية ابن سعد "فطلبناه مع عثمان ثلاثة أيام فلم نقدر عليه" قال بعض العلماء: كان في خاتمه صلى الله عليه وسلم من السر شيء مما كان في خاتم سليمان عليه السلام، لأن سليمان لما فقد خاتمه ذهب ملكه، وعثمان لما فقد خاتم النبي صلى الله عليه وسلم انتقض عليه الأمر وخرج عليه الخارجون وكان ذلك مبدأ الفتنة التي أفضت إلى قتله واتصلت إلى آخر الزمان. قال ابن بطال: يؤخذ من الحديث أن يسير المال إذا ضاع يجب البحث في طلبه والاجتهاد في تفتيشه، وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك لما ضاع عقد عائشة وحبس الجيش على طلبه حتى وجد، كذا قال، وفيه نظر، فأما عقد عائشة فقد ظهر أثر ذلك بالفائدة العظيمة التي نشأت عنه وهي رخصة التيمم فكيف يقاس عليه غيره؟ وأما فعل عثمان فلا ينهض الاحتجاج به أصلا لما ذكر، لأن الذي يظهر أنه إنما بالغ في التفتيش عليه لكونه أثر النبي صلى الله عليه وسلم قد لبسه واستعمله وختم به، ومثل ذلك يساوي في العادة قدرا عظيما من المال، وإلا لو كان غير خاتم النبي صلى الله عليه وسلم لاكتفي بطلبه بدون ذلك، وبالضرورة يعلم أن قدر المؤنة التي حصلت في الأيام الثلاثة تزيد على قيمة الخاتم لكن اقتضت صفته عظيم قدره فلا يقاس عليه كل ما ضاع من يسير المال، قال: وفيه أن من فعل الصالحين العبث بخواتيمهم وما يكون بأيديهم وليس ذلك بعائب لهم، قلت: وإنما كان كذلك لأن من مثلهم إنما ينشأ عن فكر، وفكرتهم إنما هي في الخير. قال الكرماني: معني قوله: "يعبث به" يحركه أو يخرجه من إصبعه ثم يدخله فيها وذلك صورة العبث، وإنما يفعل الشخص ذلك عند تفكره في الأمور. قال ابن بطال: وفيه أن من طلب شيئا ولم ينجح فيه بعد ثلاثة أيام أن له أن يتركه، ولا يكون بعد الثلاث مضيعا، وأن الثلاث حد يقع بها العذر في

(10/329)


تعذر المطلوبات. وفيه استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على جهة التبرك والتيمن بها.

(10/330)


باب الخاتم للنساء وكان على عائشة خواتيم الذهب
...
56 - باب الْخَاتَمِ لِلنِّسَاءِ. وَكَانَ عَلَى عَائِشَةَ خَوَاتِيمُ ذَهَبٍ
5880- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ". قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَزَادَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ "فَأَتَى النِّسَاءَ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ".
قوله: "باب الخاتم للنساء" قال ابن بطال: الخاتم للنساء من جملة الحلي الذي أبيح لهن. قوله: "وكان على عائشة خواتيم الذهب" وصله ابن سعد من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب قال: "سألت القاسم بن محمد فقال: لقد رأيت والله عائشة تلبس المعصفر وتلبس خواتيم الذهب". قوله: "طاوس عن ابن عباس شهدت العيد من النبي صلى الله عليه وسلم فصلى قبل الخطبة" سقط لفظ: "فصلى" من رواية المستملي والسرخسي. وهي مرادة ثابتة في أصل الحديث؛ فإنه طرف من حديث تقدم في صلاة العيد من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج بسنده هنا. قوله: "وزاد ابن وهب عن ابن جريج" يعني بهذا السند إلى ابن عباس، وقد تقدم بالزيادة موصولا في تفسير سورة الممتحنة من رواية هارون بن معروف عن ابن وهب. قوله: "فأتى النساء فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم" الفتخ بفتح الفاء ومثناة فوق بعدها خاء معجمة جمع فتخة وهي الخواتيم التي تلبسها النساء في أصابع الرجلين قاله ابن السكيت وغيره، وقيل الخواتيم التي لا فصوص لها، وقيل الخواتم الكبار كما تقدم ذلك من تفسير عبد الرزاق في كتاب العيدين مع بسط ذلك.

(10/330)


57 - باب الْقَلاَئِدِ وَالسِّخَابِ لِلنِّسَاءِ يَعْنِي قِلاَدَةً مِنْ طِيبٍ وَسُكٍّ
5881- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تَصَدَّقُ بِخُرْصِهَا وَسِخَابِهَا".
قوله: "باب القلائد والسخاب للنساء" السخاب بكسر المهملة وتخفيف الخاء المعجمة وبعد الألف موحدة. قوله: "يعني قلادة من طيب وسك" بضم المهملة وتشديد الكاف. وفي رواية الكشميهني: "ومسك" بكسر الميم وسكون المهملة وكاف خفيفة، والسخاب جمع سخب بضمتين، وقد تقدم بيان ما فسره به غيره في "باب ما ذكر في الأسواق" من كتاب البيوع. حديث ابن عباس من رواية سعيد بن جبير عنه قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم - وفيه - فجعلت المرأة تلقي سخابها وخرصها" بضم الخاء المعجمة وسكون الراء ثم صاد مهملة، هي الحلقة الصغيرة من ذهب أو فضة، وقد تقدم تفسيره في "باب الخطبة بعد العيد" من كتاب العيدين.

(10/330)


58 - باب اسْتِعَارَةِ الْقَلاَئِدِ
5882- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ

(10/330)


59 - باب الْقُرْطِ لِلنِّسَاءِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ
5883- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيٌّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيداً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي قُرْطَهَا".
قوله: "باب القرط للنساء" بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة: ما يحلى به الأذن ذهبا كان أو فضة صرفا أو مع لؤلؤ وغيره ويعلق غالبا على شحمتها. قوله: "وقال ابن عباس: أمرهن النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن" هذا طرف من حديث وصله المؤلف رحمه الله في العيدين وفي الاعتصام وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن عابس عن ابن عباس، فأما في الاعتصام فقال في رواية: "فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن" وقال في العيدين "فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال" أخرجه قبيل كتاب الجمعة من هذا الوجه بلفظ: "فجعلت المرأة تهوي بيدها إلى حلقها تلقي في ثوب بلال" ومعنى الإهواء الإيماء باليد إلى الشيء ليؤخذ، وقد ظهر أنه في الآذان إشارة إلى الحلق، وأما في الحلوق فالذي يظهر أن المراد القلائد فإنها توضع في العنق وإن كان محلها إذا تدلت الصدر، واستدل به على جواز ثقب أذن المرأة لتجعل فيها القرط وغيره مما يجوز لهن التزين به، وفيه نظر لأنه لم يتعين وضع القرط في ثقبة الأذن، بل يجوز أن يشبك في الرأس بسلسلة لطيفة حتى تحاذي الأذن وتنزل عنها، سلمنا لكن إنما يؤخذ من ترك إنكاره عليهن، ويجوز أن تكون آذانهن ثقبت قبل مجيء الشرع فيغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، ونحوه قول أم زرع "أناس من حلي أذني" ولا حجة فيه لما ذكرنا. وقال ابن القيم: كره الجمهور ثقب أذن الصبي ورخص بعضهم في الأنثى. قلت: وجاء الجواز في الأنثى عن أحمد للزينة، والكراهة للصبي. قال الغزالي في "الإحياء" يحرم ثقب أذن المرأة ويحرم الاستئجار عليه إلا إن ثبت فيه شيء من جهة الشرع. قلت: جاء عن ابن عباس فيما أخرجه الطبراني في "الأوسط": سبعة في الصبي من السنة فذكر السابع منها وثقب أذنه، وهو يستدرك على قول بعض الشارحين: لا مستند لأصحابنا في قولهم إنه سنة. قوله: "أخبرني

(10/331)


عدي" هو ابن ثابت، وقد تقدم قبل بابين من طريق شعبة أيضا بهذا الإسناد بلفظ: "خرصها" بدل قرطها.

(10/332)


60 - باب السِّخَابِ لِلصِّبْيَانِ
5884- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ فَانْصَرَفَ فَانْصَرَفْتُ فَقَالَ: أَيْنَ لُكَعُ ثَلاَثاً ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي وَفِي عُنُقِهِ السِّخَابُ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بِيَدِهِ هَكَذَا فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَالْتَزَمَهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ مَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ.
قوله: "باب السخاب للصبيان" تقدم بيان السخاب. حديث أبي هريرة تقدم شرحه في "باب ما ذكر في الأسواق" من كتاب البيوع مستوفى، وقوله فيه: "أين لكع؟" في رواية المستملي والسرخسي "أي لكع" بصيغة النداء.

(10/332)


61 - باب الْمُتَشَبِّهُونَ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتُ بِالرِّجَالِ
5885- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ" تَابَعَهُ عَمْرٌو أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ.
[الحديث 5885 – طرفاه في: 5886، 6534]
قوله: "باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال" أي ذم الفريقين، ويدل على ذلك اللعن المذكور في الخبر. قوله: "حدثنا محمد بن جعفر" كذا لأبي ذر، ولغيره: "حدثنا غندر" وهو هو. قوله: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين" قال الطبري: المعنى: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس. قلت: وكذا في الكلام والمشي، فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد، فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس، لكن يمتاز النساء باحتجاب والاستتار، وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به، وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين. وأما إطلاق من أطلق كالنووي وأن المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى كان ترك ذلك ممكنا ولو بالتدريج فتركه بغير عذر لحقه اللوم، واستدل لذلك الطبري بكونه صلى الله عليه وسلم لم يمنع المخنث من الدخول على النساء حتى سمع منه التدقيق في وصف المرأة كما في

(10/332)


62 - باب إِخْرَاجِ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الْبُيُوتِ
5886- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلاَتِ مِنْ النِّسَاءِ وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ. قَالَ: فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلاَناً، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلاَناً".
5887- حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ "أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَهَا وَفِي الْبَيْتِ مُخَنَّثٌ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ لَكُمْ غَداً الطَّائِفَ فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلاَنَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَدْخُلَنَّ هَؤُلاَءِ عَلَيْكُنَّ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ يَعْنِي أَرْبَعَ عُكَنِ بَطْنِهَا فَهِيَ تُقْبِلُ بِهِنَّ وَقَوْلُهُ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ يَعْنِي أَطْرَافَ هَذِهِ الْعُكَنِ الأَرْبَعِ لِأَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالْجَنْبَيْنِ حَتَّى لَحِقَتْ وَإِنَّمَا قَالَ بِثَمَانٍ وَلَمْ يَقُلْ بِثَمَانِيَةٍ وَوَاحِدُ الأَطْرَافِ وَهُوَ ذَكَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ثَمَانِيَةَ أَطْرَافٍ".
قوله: "باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت" كذا للأكثر، وللنسفي "باب إخراجهم" وكذا عند الإسماعيلي وأبي نعيم. قوله: "حدثنا هشام" هو الدستوائي "عن يحيى" هو ابن أبي كثير، وأخرجه أبو داود

(10/333)


الطيالسي في مسنده عن شعبة وهشام جميعا عن قتادة عن عكرمة، وكأن أبا داود حمل رواية هشام على رواية شعبة فإن رواية شعبة عن قتادة هي باللفظ المذكور في الباب الذي قبله، ورواية هشام عن يحيى هي بهذا اللفظ الذي في هذا الباب، وقد أخرجه المصنف وأبو داود في "السنن" كلاهما عن مسلم بن إبراهيم، وأخرجه أحمد عن إسماعيل بن علية ويحيى القطان ويزيد بن هارون كلهم عن هشام عن يحيى بن أبي كثير. قوله: "المخنثين من الرجال" تأتي الإشارة إلى ضبطه عقب هذا. قوله: "والمترجلات من النساء" زاد أبو داود من طريق يزيد بن أبي زياد عن عكرمة "فقلت له ما المترجلات من النساء؟ قال: المتشبهات بالرجال". قوله: "فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلانا وأخرج عمر فلانة" كذا في رواية أبي ذر "فلانة" بالتأنيث وكذا وقع في "شرح ابن بطال" وللباقين "فلانا" بالتذكير، وكذا عند أحمد. وقد أخرج الطبراني وتمام الرازي في فوائده من حديث واثلة مثل حديث ابن عباس هذا بتمامه وقال فيه: "وأخرج النبي صلى الله عليه وسلم أنجشة. وأخرج عمر فلانا" وأنجشة هو العبد الأسود الذي كان يحدو بالنساء، وسيأتي خبره في ذلك في كتاب الأدب، وقد تقدم ذكر أسامي من كان في العهد النبوي من المخنثين، ولم أقف في شيء من الروايات على تسمية الذي أخرجه عمر، إلى أن ظفرت بكتاب لأبي الحسن المدايني سماه "كتاب المغربين" بمعجمة وراء مفتوحة ثقيلة، فوجدت فيه عدة قصص لمن غربهم عمر عن المدينة، وسأذكر ذلك في كتاب أواخر الحدود إن شاء الله تعالى. قوله: "حدثنا زهير" هو ابن معاوية: الجعفي. قوله: "وفي البيت مخنث" تقدم ضبطه وتسميته في أواخر كتاب النكاح، وشرح الحديث مستوفى، وبيان ما وقع هنا من كلام البخاري من شرح قوله: "تقبل بأربع وتدبر بثمان" وقوله في آخر الحديث: "لا يدخلن" بضم أوله وتشديد النون "هؤلاء عليكن" كذا للأكثر وهو الوجه. وفي رواية المستملي والسرخسي "عليكم" بصيغة جمع المذكر، ويوجه بأنه جمع مع النساء المخاطبات بذلك من يلوذ بهن من صبي ووصيف، فجاء التغليب. وقد تفتح التحتانية أوله مخففا ومثقلا. وفي هذه الأحاديث مشروعية إخراج كل من يحصل به التأذي للناس عن مكانه إلى أن يرجع عن ذلك أو يتوب.

(10/334)


63 - باب قَصِّ الشَّارِبِ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْفِي شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى بَيَاضِ الْجِلْدِ وَيَأْخُذُ هَذَيْنِ يَعْنِي بَيْنَ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ
5888- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ نَافِعٍ ح قَالَ أَصْحَابُنَا عَنْ الْمَكِّيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ" .
[الحديث 5888 – طرفه في: 5890]
5889- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً " الْفِطْرَةُ خَمْسٌ أَوْ خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ" .
[الحديث 5889 – طرفاه في: 5891، 6297]
قوله: "باب قص الشارب" هذه الترجمة وما بعدها إلى آخر كتاب اللباس لها تعلق باللباس من جهة الاشتراك في الزينة، فذكر أولا التراجم المتعلقة بالشعور وما شاكلها، وثانيا المتعلقة بالتطيب، وثالثا المتعلقة بتحسين الصورة

(10/334)


ورابعا المتعلقة بالتصاوير لأنها قد تكون في الثياب، وختم بما يتعلق بالارتداف وتعلقه به خفي وتعلقه بكتاب الأدب الذي يليه ظاهر والله أعلم. وأصل القص تتبع الأثر، وقيده ابن سيده في "المحكم" بالليل، والقص أيضا إيراد الخبر تاما على من لم يحضره، ويطلق أيضا على قطع شيء من شيء بآلة مخصوصة، والمراد به هنا الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال، وكذا قص الظفر أخذ أعلاه من غير استئصال. قوله: "وكان ابن عمر" كذا لأبي ذر والنسفي وهو المعتمد، ووقع للباقين "وكان عمر" - قلت: وهو خطأ فإن المعروف عن عمر أنه كان يوفر شاربه. قوله: "يحفي شاربه" بالحاء المهملة والفاء ثلاثيا ورباعيا من الإحفاء أو الحفو والمراد الإزالة. قوله: "حتى يرى بياض الجلد" وصله أبو بكر الأثرم من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: "رأيت ابن عمر يحفي شاربه حتى لا يترك منه شيئا". وأخرج الطبري من طريق عبد الله بن أبي عثمان "رأيت ابن عمر يأخذ من شاربه أعلاه وأسفله" وهذا يرد تأويل من تأول في أثر ابن عمر أن المراد به إزالة ما على طرف الشفة فقط. قوله: "ويأخذ هذين يعني بين الشارب واللحية" كذا وقع في التفسير في الأصل، وقد ذكره رزين في جامعه من طريق نافع عن ابن عمر جازما بالتفسير المذكور. وأخرج البيهقي نحوه، وقوله: "بين" كذا للجميع إلا أن عياضا ذكر أن محمد بن أبي صفرة رواه بلفظ: "من" التي للتبعيض، والأول هو المعتمد. قوله: "حدثنا المكي بن إبراهيم عن حنظلة عن نافع. قال أصحابنا عن المكي: عن ابن عمر" كذا للجميع، والمعنى أن شيخه مكي بن إبراهيم حدثه به عن حنظلة وهو ابن أبي سفيان الجمحي عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا لم يذكر ابن عمر في السند، وحدث به غير البخاري عن مكي موصولا بذكر ابن عمر فيه وهو المراد بقول البخاري "قال أصحابنا" هذا هو المعتمد وبهذا جزم شيخنا ابن الملقن رحمه الله لكن قال: ظهر لي أنه موقوف على نافع في هذه الطريق، وتلقى ذلك من الحميدي فإنه جزم بذلك في "الجمع" وهو محتمل وأما الكرماني فزعم أن الرواية الثانية منقطعة لم يذكر فيها بين مكي وابن عمر أحدا فقال: المعنى أن البخاري قال: روى أصحابنا الحديث منقطعا فقالوا حدثنا مكي عن ابن عمر فطرحوا ذكر الراوي الذي بينهما، كذا قال، وهو وإن كان ظاهر ما أورد البخاري لكن تبين من كلام الأئمة أنه موصول بين مكي وابن عمر. وقال الزركشي: هذا الموضع مما يجب أن يعتني به الناظر، وهو ماذا الذي أراد بقوله: "قال أصحابنا عن المكي عن ابن عمر" فيحتمل أنه رواه مرة عن شيخه مكي عن نافع مرسلا ومرة عن أصحابه مرفوعا عن ابن عمر، ويحتمل أن بعضهم نسب الراوي عن ابن عمر إلى أنه المكي اهـ. وهذا الثاني هو الذي جزم به الكرماني، وهو مردود، ثم قال الزركشي: ويشهد للأول أن البخاري ربما روى عن المكي بالواسطة كما تقدم في البيوع، ووقع له في كتابه نظائر لذلك، منها ما سيأتي قريبا في "باب الجعد" حيث قال: "حدثنا مالك بن إسماعيل" فذكر حديثا ثم قال في آخره: "قال بعض أصحابي عن مالك بن إسماعيل" فذكر زيادة في المتن، ونظيره في الاستئذان في "باب قوله قوموا إلى سيدكم". قلت: وهو قوله: "حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة" فذكر حديثا وقال في آخره: "أفهمني بعض أصحابي عن أبي الوليد" فذكر كلمة في المتن. وقريب منه ما سبق في المناقب في ذكر أسامة بن زيد حيث قال: "حدثنا سليمان بن عبد الرحمن" فذكر حديثا وقال في آخره: "حدثني بعض أصحابنا عن سليمان" فذكر زيادة في المتن أيضا. قلت: والفرق بين هذه المواضع وبين حديث الباب أن الاختلاف في الباب وقع في الوصل والإرسال، والاختلاف في غيره وقع بالزيادة في المتن، لكن اشترك الجميع في مطلق الاختلاف، والله أعلم. وقد أورد البخاري الحديث

(10/335)


المذكور في الباب الذي يليه من طريق إسحاق بن سليمان عن حنظلة موصولا مرفوعا، لكنه نزل فيه درجة، وطريق مكي وقعت لنا في "مسند ابن عمر" لأبي أمية الطرسوسي قال: "حدثنا مكي بن إبراهيم" فذكره موصولا مرفوعا وزاد فيه بعد قوله قص الشارب والظفر "وحلق العانة"، وكذا أخرجه البيهقي في "الشعب" من وجه آخر عن مكي. قلت: وهذا الحديث أغفله المزي في "الأطراف" فلم يذكره في ترجمة حنظلة عن نافع عن ابن عمر لا من طريق مكي ولا من طريق إسحاق بن سليمان، ثم بعد أن كتب هذا ذكر لي محدث حلب الشيخ برهان الدين الحلبي أن شيخنا البلقيني قال له: القائل "قال أصحابنا" هو البخاري، والمراد بالمكي حنظلة بن أبي سفيان الجمحي فإنه مكي، قال: والسندان متصلان، وموضع الاختلاف بيان أن مكي بن إبراهيم لما حدث به البخاري سمي حنظلة، وأما أصحاب البخاري فلما رووه له عن حنظلة لم يسموه بل قالوا: "عن المكي" قال فالسند الأول مكي عن حنظلة عن نافع عن ابن عمر، والثاني أصحابنا عن المكي عن نافع عن ابن عمر، ثم قال: وفي فهم ذلك صعوبة، وكأنه كان يتبجح بذلك، ولقد صدق فيما ذكر من الصعوبة ومقتضاه أن يكون عند البخاري جماعة لقوا حنظلة وليس كذلك، فإن الذي سمع من حنظلة هذا الحديث لا يحدث البخاري عنه إلا بواسطة وهو إسحاق بن سليمان الرازي، وكانت وفاته قبل طلب البخاري الحديث، قال ابن سعد مات سنة تسع وتسعين ومائة. وقال ابن نافع وابن حبان مات سنة مائتين، وقد أفصح أبو مسعود في "الأطراف" بالمراد فقال في ترجمة حنظلة عن نافع عن ابن عمر حديث: "من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب" خ في اللباس "عن أحمد بن أبي رجاء عن إسحاق بن سليمان عن حنظلة عن نافع عن ابن عمر، وعن مكي بن إبراهيم عن حنظلة عن نافع" قال: "وقال أصحابنا عن مكي عن حنظلة عن نافع عن ابن عمر " فصرح بأن مراد البخاري بقوله عن المكي المكي بن إبراهيم وأن مراده بقوله عن ابن عمر بالسند المذكور وهو عن حنظلة عن نافع عنه. والحاصل أنه كما قدمته أن مكي بن إبراهيم لما حدث به البخاري أرسله، ولما حدث به غير البخاري وصله، فحكى البخاري ذلك ثم ساقه موصولا من طريق إسحاق بن سليمان. قوله: "حدثنا علي" هو ابن المديني وبذلك جزم المزي. قوله: "الزهري حدثنا" هو من تقديم الراوي على الصيغة وهو سائغ، وقد رواه الحميدي عن سفيان قال: سمعت الزهري أخرجه أبو عوانة وأبو نعيم في مستخرجيهما من طريقه، ورواه أحمد عن سفيان عن الزهري بالعنعنة، وكذا أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغير واحد، وأبو داود عن مسدد كلهم عن سفيان. قوله: "عن أبي هريرة رواية" هي كناية عن قول الراوي: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو نحوها"، وقد وقع في رواية مسدد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين أحمد في روايته أن سفيان كان تارة يكني وتارة يصرح، وقد تقرر في علوم الحديث أن قول الراوي رواية أو يرويه أو يبلغ به ونحو ذلك محمول على الرفع، وسيأتي في الباب الذي يليه من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم" ووقع في رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري زيادة أبي سلمة مع سعيد بن المسيب في السند أخرجه أبو الشيخ. قوله: "الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة" كذا وقع هنا، ولمسلم وأبي داود بالشك وهو من سفيان. ووقع في رواية أحمد "خمس من الفطرة" ولم يشك، وكذا وقع هنا في رواية معمر عن الزهري عند الترمذي والنسائي، ووقع في رواية إبراهيم بن سعد بالعكس كما في الباب الذي يليه بلفظ: "الفطرة خمس" وكذا في رواية يونس بن يزيد عن الزهري عند مسلم والنسائي، وهي محمولة على الأولى، قال ابن دقيق العيد:

(10/336)


دلالة "من" على التبعيض فيه أظهر من دلالة هذه الرواية على الحصر، وقد ثبت في أحاديث أخرى زيادة على ذلك فدل على أن الحصر فيها غير مراد. واختلف في النكتة في الإتيان بهذه الصيغة، فقيل برفع الدلالة وأن مفهوم العدد ليس بحجة، وقيل بل كان أعلم أولا بالخمس ثم أعلم بالزيادة، وقيل بل الاختلاف في ذلك بحسب المقام فذكر في كل موضع اللائق بالمخاطبين، وقيل أريد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة كما حمل عليه قوله: "الدين النصيحة" و"الحج عرفة" ونحو ذلك. ويدل على التأكيد ما أخرجه الترمذي والنسائي من حديث زيد بن أرقم مرفوعا: "من لم يؤخذ شاربه فليس منا" وسنده قوي. وأخرج أحمد من طريق يزيد ابن عمرو المعافري نحوه وزاد فيه: حلق العانة وتقليم الأظافر، وسيأتي في الكلام على الختان دليل من قال بوجوبه. وذكر ابن العربي أن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة، فإذا أراد خصوص ما ورد لفظ الفطرة فليس كذلك، وإن أراد أعم من ذلك فلا تنحصر في الثلاثين بل تزيد كثيرا، وأقل ما ورد في خصال الفطرة حديث ابن عمر المذكور قبل فإنه لم يذكر فيه إلا ثلاثا، وسيأتي في الباب الذي يليه أنه ورد بلفظ الفطرة وبلفظ: "من الفطرة" وأخرج الإسماعيلي في رواية له بلفظ: "ثلاث من الفطرة" وأخرجه في رواية أخرى بلفظ: "من الفطرة" فذكر الثلاث وزاد الختان؛ ولمسلم من حديث عائشة "عشر من الفطرة" فذكر الخمسة التي في حديث أبي هريرة إلا الختان وزاد: إعفاء اللحية والسواك والمضمضة والاستنشاق وغسل البراجم والاستنجاء، أخرجه من رواية مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير عنها، لكن قال في آخره إن الراوي نسي العاشرة إلا أن تكون المضمضة، وقد أخرجه أبو عوانة في مستخرجه بلفظ: "عشرة من السنة" وذكر الاستنثار بدل الاستنشاق. وأخرج النسائي من طريق سليمان التيمي قال: "سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرة من الفطرة" فذكر مثله إلا أنه قال: "وشككت في المضمضة" وأخرجه أيضا من طريق أبي بشر عن طلق قال: "من السنة عشر" فذكر مثله إلا أنه ذكر الختان بدل غسل البراجم، ورجح النسائي الرواية المقطوعة على الموصولة المرفوعة. والذي يظهر لي أنها ليست بعلة قادحة، فإن راويها مصعب بن شيبة وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما ولينه أحمد وأبو حاتم وغيرهما فحديثه حسن، وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ، وقول سليمان التيمي "سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرا من الفطرة" يحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها من قبل نفسه على ظاهر ما فهمه النسائي، ويحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها وسندها فحذف سليمان السند. وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عمار بن ياسر مرفوعا نحو حديث عائشة قال: "من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسواك وغسل البراجم والانتضاح" وذكر الخمس التي في حديث أبي هريرة ساقه ابن ماجه. وأما أبو داود فأحال به على حديث عائشة ثم قال: "وروي نحوه عن ابن عباس" وقال: خمس في الرأس وذكر منها الفرق ولم يذكر إعفاء اللحية. قلت: كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره والطبري من طريقه بسند صحيح عن طاوس عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد. قلت: فذكر مثل حديث عائشة كما في الرواية التي قدمتها عن أبي عوانة سواء ولم يشك في المضمضة، وذكر أيضا الفرق بدل إعفاء اللحية وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس فذكر غسل الجمعة بدل الاستنجاء؛ فصار مجموع الخصال التي وردت في هذه الأحاديث خمس عشرة خصلة اقتصر أبو شامة في "كتاب السواك وما أشبه ذلك" منها على اثني عشر، وزاد النووي واحدة في "شرح مسلم" وقد رأيت قبل

(10/337)


الخوض في شرح الخمس الواردة في الحديث المتفق عليه أن أشير إلى شرح العشر الزائدة عليها: فأما الوضوء والاستنشاق والاستنثار والاستنجاء والسواك وغسل الجمعة فتقدم شرحها في كتاب الطهارة، وأما إعفاء اللحية فيأتي في الباب الذي يليه، وأما الفرق فيأتي بعد أبواب، وأما غسل البراجم فهو بالموحدة والجيم جمع برجمة بضمتين وهي عقد الأصابع التي في ظهر الكف، قال الخطابي: هي المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ ولا سيما ممن لا يكون طري البدن. وقال الغزالي: كانت العرب لا تغسل اليد عقب الطعام فيجتمع في تلك العضون وسخ، فأمر بغسلها. قال النووي: وهي سنة مستقلة ليست مختصة بالوضوء، يعني أنها يحتاج إلى غسلها في الوضوء والغسل والتنظيف، وقد ألحق بها إزالة ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ فإن في بقائه إضرارا بالسمع، وقد أخرجه ابن عدي من حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعاهد البراجم عند الوضوء لأن الوسخ إليها سريع" وللترمذي الحكيم من حديث عبد الله بن بشر رفعه: "قصوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم" وفي سنده راو مجهول. ولأحمد من حديث ابن عباس "أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ولم لا يبطئ عني وأنتم لا تستنون - أي لا تستاكون - ولا تقصون شواربكم ولا تنقون رواجبكم" والرواجب جمع راجبة بجيم وموحدة قال أبو عبيد: البراجم والرواجب مفاصل الأصابع كلها. وقال ابن سيده: البرجمة المفصل الباطن عند بعضهم، والرواجب بواطن مفاصل أصول الأصابع، وقيل قصب الأصابع، وقيل هي ظهور السلاميات، وقيل ما بين البراجم من السلاميات. وقال ابن الأعرابي: الراجبة البقعة الملساء التي بين البراجم، والبراجم المسبحات من مفاصل الأصابع، وفي كل إصبع ثلاث برجمات إلا الإبهام فلها برجمتان. وقال الجوهري: الرواجب مفاصل الأصابع اللاتي تلي الأنامل، ثم البراجم، ثم الأشاجع اللاتي على الكف. وقال أيضا: الرواجب رءوس السلاميات من ظهر الكف، إذا قبض القابض كفه نشزت وارتفعت، والأشاجع أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، واحدها أشجع. وقيل هي عروق ظاهر الكف. وأما الانتضاح فقال أبو عبيد الهروي. هو أن يأخذ قليلا من الماء فينضح به مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس. وقال الخطابي: انتضاح الماء الاستنجاء به، وأصله من النضح وهو الماء القليل، فعلى هذا هو والاستنجاء خصلة واحدة، وعلى الأول فهو غيره، ويشهد له ما أخرجه أصحاب السنن من رواية الحكم بن سفيان الثقفي أو سفيان بن الحكم عن أبيه أنه "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، توضأ ثم أخذ حفنة من ماء فانتضح بها" وأخرج البيهقي من طريق سعيد بن جبير: أن رجلا أتى ابن عباس فقال إني أجد بللا إذا قمت أصلي، فقال له ابن عباس: انضح بماء، فإذا وجدت من ذلك شيئا فقل هو منه. وأما الخصال الواردة في المعنى لكن لما يرد التصريح فيها بلفظ الفطرة فكثيرة، منها ما أخرجه الترمذي من حديث أبي أيوب رفعه: "أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح" واختلف في ضبط الحياء فقيل بفتح المهملة والتحتانية الخفيفة، وقد ثبت في الصحيحين أن " الحياء من الإيمان" وقيل هي بكسر المهملة وتشديد النون، فعلى الأول هي خصلة معنوية تتعلق: بتحسين الخلق، وعلى الثاني هي خصلة حسية تتعلق بتحسين البدن. وأخرج البزار والبغوي في "معجم الصحابة" والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" من طريق فليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده رفعه: "خمس من سنن المرسلين" فذكر الأربعة المذكورة إلا النكاح وزاد الحلم والحجامة والحلم بكسر المهملة وسكون اللام، وهو مما يقوي الضبط الأول في حديث أبي أيوب، وإذا تتبع ذلك من الأحاديث

(10/338)


كثر العدد كما أشرت إليه والله أعلم. ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب، لأن الإنسان إذا بدأ في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه، فيقيل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس. وأما شرح الفطرة فقال الخطابي: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالفطرة هنا السنة، وكذا قاله غيره، قالوا والمعنى أنها من سنن الأنبياء. وقالت طائفة: المعنى بالفطرة الدين وبه جزم أبو نعيم في المستخرج. وقال النووي في "شرح المهذب" جزم الماوردي والشيخ أبو إسحاق بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث الدين، واستشكل ابن الصلاح ما ذكره الخطابي وقال: معنى الفطرة بعيد من معنى السنة، لكن لعل المراد أنه على حذف مضاف أي سنة الفطرة. وتعقبه النووي بأن الذي نقله الخطابي هو الصواب. فإن في صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من السنة قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار" قال: وأصح ما فسر الحديث بما جاء في رواية أخرى لا سيما في البخاري اهـ. وقد تبعه شيخنا ابن الملقن على هذا، ولم أر الذي قاله في شيء من نسخ البخاري، بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ: "الفطرة" وكذا من حديث أبي هريرة. نعم وقع التعبير بالسنة موضع الفطرة في حديث عائشة عند أبي عوانة في رواية، وفي أخرى بلفظ الفطرة كما في رواية مسلم والنسائي وغيرهما. وقال الراغب أصل الفطر بفتح الفاء الشق طولا. ويطلق على الوهي وعلى الاختراع وعلى الإيجاد، والفطرة الإيجاد على غير مثال. وقال أبو شامة، أصل الفطرة الخلقة المبتدأة، ومنه فاطر السماوات والأرض أي المبتدئ خلقهن، وقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة" أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} والمعنى أن كل أحد لو ترك من وقت ولادته وما يؤديه إليه نظره لأداه إلى الدين الحق وهو التوحيد، ويؤيده قوله تعالى قبلها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ} وإليه يشير في بقية الحديث حيث عقبه بقوله: "فأبواه يهودانه وينصرانه" والمراد بالفطرة في حديث الباب أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة اهـ. وقد رد القاضي البيضاوي الفطرة في حديث الباب إلى مجموع ما ورد في معناها وهو الاختراع والجبلة والدين والسنة فقال: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع، وكأنها أمر جبلي فطروا عليها انتهى. وسوغ الابتداء بالنكرة في قوله: "خمس من الفطرة" أن قوله: "خمس" صفة موصوف محذوف والتقدير خصال خمس ثم فسرها، أو على الإضافة أي خمس خصال. ويجوز أن تكون الجملة خبر مبتدأ محذوف والتقدير الذي شرع لكم خمس من الفطرة، والتعبير في بعض روايات الحديث بالسنة بدل الفطرة يراد بها الطريقة لا التي تقابل الواجب، وقد جزم بذلك الشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهما وقالوا: هو كالحديث الآخر "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" وأغرب القاضي أبو بكر بن العربي فقال: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف

(10/339)


من جملة المسلمين، كذا قال في "شرح الموطأ" وتعقبه أبو شامة بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق وهي النظافة لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها اكتفاء بدواعي الأنفس، فمجرد الندب إليها كاف. ونقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنه قال: دل الخبر على أن الفطرة بمعنى الدين، والأصل فيما أضيف إلى الشيء أنه منه أن يكون من أركانه لا من زوائده حتى يقوم دليل على خلافه، وقد ورد الأمر باتباع إبراهيم عليه السلام، وثبت أن هذه الخصال أمر بها إبراهيم عليه السلام، وكل شيء أمر الله باتباعه فهو على الوجوب لمن أمر به. وتعقب بأن وجوب الاتباع لا يقتضى وجوب كل متبوع فيه بل يتم الاتباع بالامتثال، فإن كان واجبا على المتبوع كان واجبا على التابع أو ندبا فندب، فيتوقف ثبوت وجوب هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها كانت واجبة على الخليل عليه السلام. قوله: "الختان" بكسر المعجمة وتخفيف المثناة مصدر ختن أي قطع، والختن بفتح ثم سكون قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص. ووقع في رواية يونس عند مسلم: "الاختتان" والختان اسم لفعل الخاتن ولموضع الختان أيضا كما في حديث عائشة إذا التقى الختانان والأول المراد هنا قال الماوردي: ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة، وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشى به شيء من الحشفة. وقال إمام الحرمين: المستحق في الرجال قطع القلفة، وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء متدل. وقال ابن الصباغ: حتى تنكشف جميع الحشفة. وقال ابن كج فيما نقله الرافعي: يتأدى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها. قال النووي: وهو شاذ، والأول هو المعتمد. قال الإمام: والمستحق من ختان المرأة ما ينطلق عليه الاسم. قال الماوردي: ختانها قطع جلدة تكون أعلى فرجها فوق مدخل الذكر كالنواة أو كعرف الديك، والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون استئصاله. وقد أخرج أبو داود من حديث أم عطية أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة" وقال: أنه ليس بالقوي. قلت: وله شاهدان من حديث أنس ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي، قال النووي: ويسمى ختان الرجل إعذارا بذال معجمة، وختان المرأة خفضا بخاء وضاد معجمتين. وقال أبو شامة: كلام أهل اللغة يقتضي تسمية الكل إعذارا والخفض يختص بالأنثى. قال أبو عبيدة: عذرت الجارية والغلام وأعذرتهما ختنتهما وأختنتهما وزنا ومعنى قال الجوهري: والأكثر خفضت الجارية، قال: وتزعم العرب أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت قلفته أي اتسعت فصار كالمختون، وقد استحب العلماء من الشافعية فيمن ولد مختونا أن يمر بالموسى على موضع الختان من غير قطع قال أبو شامة: وغالب من يولد كذلك لا يكون ختانه تاما بل يظهر طرف الحشفة فإن كان كذلك وجب تكميله. وأفاد الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في "المدخل" أنه اختلف في النساء هل يخفضن عموما أو يفرق بين نساء المشرق فيخفضن ونساء المغرب فلا يخفضن لعدم الفضلة المشروع قطعها منهن، بخلاف نساء المشرق، قال: فمن قال إن من ولد مختونا استحب إمرار الموسى عل الموضع امتثالا للأمر قال في حق المرأة كذلك ومن لا فلا. وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخصال الخمس المذكورة في الباب الشافعي وجمهور أصحابه. وقال به من القدماء عطاء حتى قال: لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختن. وعن أحمد وبعض المالكية: يجب. وعن أبي حنيفة واجب وليس بفرض. وعنه سنة يأثم بتركه. وفي وجه للشافعية لا يجب في حق النساء وهو الذي أورده صاحب "المغني"

(10/340)


عن أحمد. وذهب أكثر العلماء وبعض الشافعية إلى أنه ليس بواجب، ومن حجتهم حديث شداد بن أوس رفعه: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء" وهذا لا حجة فيه لما تقرر أن لفظ السنة إذا ورد في الحديث لا يراد به التي تقابل الواجب، لكن لما وقعت التفرقة بين الرجال والنساء في ذلك دل على أن المراد افتراق الحكم. وتعقب بأنه لم ينحصر في الوجوب فقد يكون في حق الذكور آكد منه في حق النساء أو يكون في حق الرجال للندب وفي حق النساء للإباحة، على أن الحديث لا يثبت لأنه من رواية حجاج بن أرطاة ولا يحتج به أخرجه أحمد والبيهقي. لكن له شاهد أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" من طريق سعيد بن بشر عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، وسعيد مختلف فيه. وأخرجه أبو الشيخ والبيهقي من وجه آخر عن ابن عباس، وأخرجه البيهقي أيضا من حديث أبي أيوب، واحتجوا أيضا بأن الخصال المنتظمة مع الختان ليست واجبة إلا عند بعض من شذ فلا يكون الختان واجبا، وأجيب بأنه لا مانع أن يراد بالفطرة وبالسنة في الحديث القدر المشترك الذي يجمع الوجوب والندب وهو الطلب المؤكد، فلا يدل ذلك على عدم الوجوب ولا ثبوته فيطلب الدليل من غيره. وأيضا فلا مانع من جمع المختلفي الحكم بلفظ أمر واحد كما في قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} فإيتاء الحق واجب، والأكل مباح. هكذا تمسك به جماعة، وتعقبه الفاكهاني في "شرح العمدة" فقال الفرق بين الآية والحديث أن الحديث تضمن لفظة واحدة استعملت في الجميع، فتعين أن يحمل على أحد الأمرين الوجوب أو الندب، بخلاف الآية فإن صيغة الأمر تكررت فيها، والظاهر الوجوب، فصرف في أحد الأمرين بدليل وبقي الآخر على الأصل. وهذا التعقب إنما يتم على طريقة من يمنع استعمال اللفظ الواحد في معنيين، وأما من يجيزه كالشافعية فلا يرد عليهم. واستدل من أوجب الاختتان بأدلة: الأول أن القلفة تحبس النجاسة فتمنع صحة الصلاة كمن أمسك نجاسة بفمه، وتعقب بأن الفم في حكم الظاهر، بدليل أن وضع المأكول فيه لا يفطر به الصائم، بخلاف داخل القلفة فإنه في حكم الباطن، وقد صرح أبو الطيب الطبري بأن هذا القدر عندنا مغتفر. الثاني ما أخرجه أبو داود من حديث كليب جد عثيم بن كثير "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ألق عنك شعار الكفر واختتن" مع ما تقرر أن خطابه للواحد يشمل غيره حتى يقوم دليل الخصوصية. وتعقب بأن سند الحديث ضعيف وقد قال ابن المنذر: لا يثبت فيه شيء، 5 الثالث جوار كشف العور من المختون، وسيأتي أنه إنما يشرع لمن بلغ أو شارف البلوغ وجواز نظر الخاتن إليها وكلاهما حرام، فلو لم يجب لما أبيح ذلك، وأقدم من نقل عنه الاحتجاج بهذا أبو العباس بن سريج نقله عنه الخطابي وغيره، وذكر النووي أنه رآه في "كتاب الودائع" المنسوب لابن سريج قال: ولا أظنه يثبت عنه، قاله أبو شامة: وقد عبر عنه جماعة من المصنفين بعده بعبارات مختلفة كالشيخ أبي حامد والقاضي الحسين وأبي الفرج السرخسي والشيخ في "المهذب". وتعقبه عياض بأن كشف النور مباح لمصلحة الجسم والنظر إليها يباح للمداواة، وليس ذلك واجبا إجماعا، وإذا جاز في المصلحة الدنيوية كان في المصلحة الدينية أولى. وقد استشعر القاضي حسين هذا فقال: فإن قيل قد يترك الواجب كثرك الإنصات للخطبة بالتشاغل بركعتي التحية، وكترك القيام في الصلاة لسجود التلاوة، وكشف العورة للمداواة مثلا. وأجاب عن الأولين ولم يجب عن الثالث. وأجاب النووي بأن كشف العورة لا يجوز لكل مداواة فلا يتم المراد. وقوى أبو شامة الإيراد بأنهم جوزوا الغاسل الميت أن يحلق عانة الميت، ولا يتأتى ذلك للغاسل إلا بالنظر واللمس وهما حرامان، وقد أجيزا لأمر

(10/341)


مستحب. الرابع: احتج أبو حامد وأتباعه كالماوردي بأنه قطع عضو لا يستخلف من الجسد تعبدا فيكون واجبا كقطع اليد في السرقة، وتعقب بأن قطع اليد إنما أبيح في مقابلة جرم عظيم. فلم يتم القياس. الخامس: قال الماوردي: في الختان إدخال ألم عظيم على النفس وهو لا يشرع إلا في إحدى ثلاث خصال: لمصلحة، أو عقوبة، أو وجوب. وقد انتفى الأولان فثبت الثالث. وتعقبه أبو شامة بأن في الختان عدة مصالح كمزيد الطهارة والنظافة فإن القلفة من المستقذرات عند العرب، وقد كثر ذم الأقلف في أشعارهم، وكان للختان عندهم قدر، وله وليمة خاصة به، وأقر الإسلام ذلك. السادس: قال الخطابي محتجا بأن الختان واجب بأنه من شعار الدين، وبه يعرف المسلم من الكافر، حتى لو وجد مختون بين جماعة قتلى غير مختونين صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين. وتعقبه أبو شامة بأن شعار الدين ليست كلها واجبة، وما ادعاء في المقتول مردود لأن اليهود وكثيرا من النصارى يختنون فليقيد ما ذكر بالقرينة. قلت: قد بطل دليله. السابع: قال البيهقي: أحسن الحجج أن يحتج بحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين مرفوعا: "اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم" وقد قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} وصح عن ابن عباس أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فأتمهن هي خصال الفطرة ومنهن الختان، والابتلاء غالبا إنما يقع بما يكون واجبا، وتعقب بأنه لا يلزم ما ذكر إلا إن كان إبراهيم عليه السلام فعله على سبيل الوجوب، فإنه من الجائز أن يكون فعله على سبيل الندب فيحصل امتثال الأمر باتباعه على وفق ما فعل، وقد قال الله تعالى في حق نبيه محمد {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} وقد تقرر في الأصول أن أفعاله بمجردها لا تدل على الوجوب، وأيضا فباقي الكلمات العشر ليست واجبة. وقال الماوردي: إن إبراهيم عليه السلام لا يفعل ذلك في مثل سنة إلا عن أمر من الله اهـ، وما قاله بحثا قد جاء منقولا، فأخرج أبو الشيخ في العقيقة من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه: أن إبراهيم عليه السلام أمر أن يختتن وهو حينئذ ابن ثمانين سنة فعجل واختتن بالقدوم فاشتد عليه الوجع فدعا ربه فأوحى الله إليه إنك عجلت قبل أن نأمرك بآلته، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك. قال الماوردي: القدوم جاء مخففا ومشددا وهو الفأس الذي اختتن به، وذهب غيره إلى أن المراد به مكان يسمى القدوم.
وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين: يقال هو كان مقيله، وقيل اسم قرية بالشام. وقال أبو شامة: هو موضع بالقرب من القرية التي فيها قبره، وقيل بقرب حلب؛ وجزم غير واحد أن الآلة بالتخفيف، وصرح ابن السكيت بأنه لا يشدد وأثبت بعضهم الوجهين في كل منهما، وقد تقدم بعض هذا في شرح الحديث المذكور في ذكر إبراهيم عليه السلام من أحاديث الأنبياء، ووقع عند أبي الشيخ من طريق أخرى أن إبراهيم لما اختتن كان ابن مائة وعشرين سنة وأنه عاش بعد ذلك إلى أن أكمل مائتي سنة، والأول أشهر، وهو أنه اختتن وهو ابن ثمانين وعاش بعدها أربعين، والغرض أن الاستدلال بذلك متوقف كما تقدم على أنه كان في حق إبراهيم عليه السلام واجبا، فإن ثبت ذلك استقام الاستدلال به وإلا فالنظر باق. واختلف في الوقت الذي يشرع فيه الختان، قال الماوردي: له وقتان وقت وجوب ووقت استحباب، فوقت الوجوب البلوغ ووقت الاستحباب قبله، والاختيار في اليوم السابع من بعد الولادة، وقيل من يوم الولادة، فإن أخر ففي الأربعين يوما، فإن أخر ففي السنة السابعة، فإن بلغ وكان نضوا نحيفا يعلم من حاله أنه إذا اختتن تلف سقط الوجوب. ويستحب أن لا يؤخر عن وقت الاستحباب إلا لعذر، وذكر القاضي حسين أنه لا يجوز أن يختتن الصبي حتى يصير ابن عشر سنين لأنه حينئذ يوم ضربه على ترك الصلاة، وألم الختان فوق ألم

(10/342)


الضرب فيكون أولى بالتأخير، وزيفه النووي في "شرح المهذب" وقال إمام الحرمين: لا يجب قبل البلوغ لأن الصبي ليس من أهل العبادة المتعلقة بالبدن فكيف مع الألم، قال: ولا يرد وجوب العدة على الصبية لأنه لا يتعلق به تعب بل هو مضي زمان محض. وقال أبو الفرج السرخسي: في ختان الصبي وهو صغير مصلحة من جهة أن الجلد بعد التمييز يغلظ ويخشن فمن ثم جوز الأئمة الختان قبل ذلك، ونقل ابن المنذر عن الحسن ومالك كراهة الختان يوم السابع لأنه فعل اليهود. وقال مالك: يحسن إذا أثغر أي ألقى ثغره وهو مقدم أسنانه، وذلك يكون في السبع سنين وما حولها، وعن الليث يستحب ما بين سبع سنين إلى عشر سنين، وعن أحمد لم أسمع فيه شيئا. وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس قال: "سبع من السنة في الصبي يسمى في السابع ويختن" الحديث وقد قدمت ذكره في كتاب العقيقة وأنه ضعيف. وأخرج أبو الشيخ من طريق الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن ابن المنكدر أو غيره عن جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم ختن حسنا وحسينا لسبعة أيام" قال الوليد فسألت مالكا عنه فقال: لا أدري، ولكن الختان طهرة فكلما قدمها كان أحب إلي. وأخرج البيهقي حديث جابر. وأخرج أيضا من طريق موسى بن علي عن أبيه: أن إبراهيم عليه السلام ختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام. وقد ذكرت في أبواب الوليمة من كتاب النكاح مشروعية الدعوة في الختان، وما أخرجه أحمد من طريق الحسن عن عثمان بن أبي العاص أنه دعي إلى ختان فقال: "ما كنا نأتي الختان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ندعى له" وأخرجه أبو الشيخ من رواية فبين أنه كان ختان جارية. وقد نقل الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في "المدخل" أن السنة إظهار ختان الذكر وإخفاء ختان الأنثى. والله أعلم. قوله: "والاستحداد" بالحاء المهملة استفعال من الحديد والمراد به استعمال الموسى في حلق الشعر من مكان مخصوص من الجسد، قيل وفي التعبير بهذه اللفظة مشروعية الكناية عما يستحي منه إذا حصل الإفهام بها وأغنى عن التصريح، والذي يظهر أن ذلك من تصرف الرواة. وقد وقع في رواية النسائي في حديث أبي هريرة هذا التعبير بحلق العانة، وكذا في حديث عائشة وأنس المشار إليهما من قبل عند مسلم، قال النووي: المراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذا الشعر الذي حوالي فرج المرأة. ونقل عن أبي العباس بن سريج أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر فتحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما؛ قال وذكر الحلق لكونه هو الأغلب وإلا فيجوز الإزالة بالنورة والنتف وغيرهما. وقال أبو شامة: العانة الشعر النابت على الركب بفتح الراء والكاف وهو ما انحدر من البطن فكان تحت الثنية وفوق الفرج، وقيل لكل فخذ ركب، وقيل ظاهر الفرج وقيل الفرج بنفسه سواء كان من رجل أو امرأة، قال: ويستحب إماطة الشعر عن القبل والدبر بل هو من الدبر أولى خوفا من أن يعلق شيء من الغائط فلا يزيله المستنجي إلا بالماء ولا يتمكن من إزالته بالاستجمار، قال ويقوم التنور مكان الحلق وكذلك النتف والقص، وقد سئل أحمد عن أخذ العانة بالمقراض فقال أرجو أن يجزئ، قيل فالنتف؟ قال: وهل يقوى على هذا أحد؟ وقال ابن دقيق العيد قال أهل اللغة: العانة الشعر النابت على الفرج، وقيل هو منبت الشعر، قال وهو المراد في الخبر. وقال أبو بكر بن العربي: شعر العانة أولى الشعور بالإزالة لأنه يكثف ويتلبد فيه الوسخ، بخلاف شعر الإبط. قال: وأما حلق ما حول الدبر فلا يشرع، وكذا قال الفاكهي في "شرح العمدة" أنه لا يجوز، كذا قال ولم يذكر للمنع مستندا، والذي استند إليه أبو شامة قوي، بل ربما تصور الوجوب في حق من تعين ذلك في حقه، كمن لم يجد من الماء إلا القليل وأمكنه أن لو حلق الشعر أن لا يعلق به شيء من الغائط

(10/343)


يحتاج معه إلى غسله وليس معه ماء زائد على قدر الاستنجاء. وقال ابن دقيق العيد: كأن الذي ذهب إلى استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس، قال: والأولى في إزالة الشعر هنا الحلق اتباعا، ويجوز النتف، بخلاف الإبط فإنه بالعكس لأنه تحتبس تحته الأبخرة بخلاف العانة، والشعر من الإبط بالنتف يضعف وبالحلق يقوى فجاء الحكم في كل من الموضعين بالمناسب. وقال النووي وغيره: السنة في إزالة شعر العانة الحلق بالموسى في حق الرجل والمرأة معا، وقد ثبت الحديث الصحيح عن جابر في النهي عن طروق النساء ليلا حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة، وقد تقدم شرحه في النكاح، لكن يتأدى أصل السنة بالإزالة بكل مزيل. وقال النووي أيضا: والأولى في حق الرجل الحلق وفي حق المرأة النتف. واستشكل بأن فيه ضررا على المرأة بالألم وعلى الزوج باسترخاء المحل فإن النتف يرخي المحل باتفاق الأطباء، ومن ثم قال ابن دقيق للعيد: إن بعضهم مال إلى ترجيح الحلق في حق المرأة لأن النتف يرخي المحل، لكن قال ابن العربي: إن كانت شابة فالنتف في حقها أولى لأنه يربو مكان النتف، وإن كانت كهلة فالأولى في حقها الحلق لأن النتف يرخى المحل، ولو قيل الأولى في حقها التنور مطلقا لما كان بعيدا. وحكى النووي في وجوب الإزالة عليها إذا طلب ذلك منها وجهين أصحهما الوجوب، ويفترق الحكم في نتف الإبط وحلق العانة أيضا بأن نتفت الإبط وحلقه يجوز أن يتعاطاه الأجنبي، بخلاف حلق العانة فيحرم إلا في حق من يباح له المس والنظر كالزوج والزوجة. وأما التنور فسئل عنه أحمد فأجازه، وذكر أنه يفعله، وفيه حديث عن أم سلمة أخرجه ابن ماجه والبيهقي ورجاله ثقات، ولكنه أعله بالإرسال، وأنكر أحمد صحته ولفظه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلى ولي عانته بيده" ومقابله حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنور، وكان إذا كثر شعره حلقه" ولكن سنده ضعيف جدا. قوله: "ونتف الإبط" في رواية الكشميهني: "الآباط" بصيغة الجمع، والإبط بكسر الهمزة والموحدة وسكونها وهو المشهور وصوبه الجواليقي، وهو يذكر ويؤنث، وتأبط الشيء وضعه تحت إبطه. والمستحب البداءة فيه باليمنى، ويتأدى أصل السنة بالحلق ولا سيما من يؤلمه النتف. وقد أخرج ابن أبي حاتم في "مناقب الشافعي" عن يونس بن عبد الأعلى قال دخلت على الشافعي ورجل يحلق إبطه فقال: إني علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع. قال الغزالي: هو في الابتداء موجع ولكن يسهل على من اعتاده، قال: والحلق كاف لأن المقصود النظافة. وتعقب بأن الحكمة في نتفه أنه محل للرائحة الكريهة، وإنما ينشأ ذلك من الوسخ الذي يجتمع بالعرق فيه فيتلبد ويهيج، فشرع فيه النتف الذي يضعفه فتخف الرائحة به، بخلاف الحلق فإنه يقوي الشعر ويهبجه فتكثر الرائحة لذلك. وقال ابن دقيق العيد: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل، لكن بين أن النتف مقصود من جهة المعنى فذكر نحو ما تقدم، قال: وهو معنى ظاهر لا يهمل فإن مورد النص إذا احتمل معنى مناسبا يحتمل أن يكون مقصودا في الحكم لا يترك والذي يقوم مقام النتف في ذلك التنور لكنه يرق الجلد فقد يتأذى صاحبه به ولا سيما إن كان جلده رقيقا وتستحب البداءة في إزالته باليد اليمنى، ويزيل ما في اليمنى بأصابع اليسرى وكذا اليسرى إن أمكن وإلا فباليمنى. قوله: "وتقليم الأظفار" وهو تفعيل من القلم وهو القطع. ووقع في حديث ابن عمر "قص الأظفار" كما في حديث الباب، ووقع في حديثه في الباب الذي يليه بلفظ: "تقليم" وفي حديث عائشة وأنس "قص الأظفار" والتقليم أعم، والأظفار جمع ظفر بضم الظاء والفاء وبسكونها، وحكى أبو زيد كسر أوله، وأنكره ابن سيده، وقد قيل إنها قراءة الحسن، وعن أبي السماك أنه

(10/344)


قرئ بكسر أوله وثانيه، والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر، لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة، وقد حكى أصحاب الشافعي فيه وجهين: فقطع المتولي بأن الوضوء حينئذ لا يصح، وقطع الغزالي في "الإحياء" بأنه يعفى عن مثل ذلك، واحتج بأن غالب الأعراب لا يتعاهدون ذلك، ومع ذلك لم يرد في شيء من الآثار أمرهم بإعادة الصلاة وهو ظاهر، لكن قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بالماء ولم يمعن غسله فيكون إذا صلى حاملا للنجاسة، وقد أخرج البيهقي في "الشعب" من طريق قيس بن أبي حازم قال: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة فأوهم فيها، فسئل فقال: ما لي لا أوهم ورفع أحدكم بين ظفره وأنملته" رجاله ثقات مع إرساله، وقد وصله الطبراني من وجه آخر. والرفغ بضم الراء وبفتحها وسكون الفاء بعدها غين معجمة يجمع على أرفاغ وهي مغابن الجسد كالإبط وما بين الأنثيين والفخذين وكل موضع يجتمع فيه الوسخ، فهو من تسمية الشيء باسم ما جاوره، والتقدير وسخ رفغ أحدكم، والمعنى أنكم لا تقلمون أظفاركم ثم تحكون بها أرفاغكم فيتعلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة، قال أبو عبيد: أنكر عليهم طول الأظفار وترك قصها. قلت: وفيه إشارة إلى الندب إلى تنظيف المغابن كلها، ويستحب الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل منه ضرر على الأصبع، واستحب أحمد للمسافر أن يبقي شيئا لحاجته إلى الاستعانة لذلك غالبا. ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث، لكن جزم النووي في "شرح مسلم" بأنه يستحب البداءة بمسبحة اليمنى ثم بالوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام، وفي اليسرى بالبداعة بخنصرها ثم بالبنصر إلى الإبهام ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ولم يذكر للاستحباب مستندا. وقال في "شرح المهذب" بعد أن نقل عن الغزالي وأن المازري اشتد إنكاره عليه فيه: لا بأس بما قاله الغزالي إلا في تأخير إبهام اليد اليمنى فالأولى أن تقدم اليمنى بكمالها على اليسرى، قال: وأما الحديث الذي ذكره الغزالي فلا أصل له. اهـ. وقال ابن دقيق العيد: يحتاج من ادعى استحباب تقديم اليد في القص على الرجل إلى دليل، فإن الإطلاق يأبى ذلك. قلت: يمكن أن يؤخذ بالقياس على الوضوء والجامع التنظيف، وتوجيه البداءة باليمنى لحديث عائشة الذي مر في الطهارة "كان يعجبه التيمن في طهوره وترجله وفي شأنه كله" والبداءة بالمسبحة منها لكونها أشرف الأصابع لأنها آلة التشهد، وأما اتباعها بالوسطى فلأن غالب من يقلم أظفاره يقلمها قبل ظهر الكف فتكون الوسطى جهة يمينه فيستمر إلى أن يختم بالخنصر ثم يكمل اليد بقص الإبهام، وأما اليسرى فإذا بدأ بالخنصر لزم أن يستمر على جهة اليمين إلى الإبهام، قال شيخنا في "شرح الترمذي" وكان ينبغي أن لو أخر إبهام اليمنى ليختم بها ويكون قد استمر على الانتقال إلى جهة اليمنى، ولعل الأول لحظ فصل كل يد عن الأخرى، وهذا التوجيه في اليمين يعكر على ما نقله في الرجلين إلا أن يقال غالب من يقلم أظفار رجليه يقلمها من جهة باطن القدمين فيستمر التوجيه. وقد قال صاحب "الإقليد" قضية الأخذ في ذلك بالتيامن أن يبدأ بخنصر اليمنى إلى أن ينتهي إلى خنصر اليسرى في اليدين والرجلين معا، وكأنه لحظ أن القص يقع من باطن الكفين أيضا، وذكر الدمياطي أنه تلقى عن بعض المشايخ أن من قص أظفاره مخالفا لم يصبه رمد وأنه جرب ذلك مدة طويلة. وقد نص أحمد على استحباب قصها مخالفا، وبين ذلك أبو عبد الله بن بطة من أصحابهم فقال: يبدأ بخنصره اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبابة، ويبدأ بإبهام اليسرى على العكس من اليمنى، وقد أنكر ابن دقيق العيد الهيئة التي ذكرها الغزالي ومن تبعه وقال: كل ذلك لا أصل له وإحداث استحباب

(10/345)


لا دليل عليه، وهو قبيح عندي بالعالم، ولو تخيل متخيل أن البداءة بمسبحة اليمنى من أجل شرفها فبقية الهيئة لا يتخيل فيه ذلك. نعم البداءة بيمنى اليدين ويمنى الرجلين له أصل وهو كان يعجبه التيامن اهـ. ولم يثبت أيضا في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث، وقد أخرجه جعفر المستغفري بسند مجهول، ورويناه في "مسلسلات التيمي" من طريقه، وأقرب ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة" وله شاهد موصول عن أبي هريرة، لكن سنده ضعيف أخرجه البيهقي أيضا في "الشعب"، وسئل أحمد عنه فقال: يسن في يوم الجمعة قبل الزوال، وعنه يوم الخميس، وعنه يتخير، وهذا هو المعتمد أنه يستحب كيف ما احتاج إليه؛ وأما ما أخرج مسلم من حديث أنس "وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا يترك أكثر من أربعين يوما" كذا وقت فيه على البناء للمجهول، وأخرجه أصحاب السنن بلفظ: "وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" وأشار العقيلي إلى أن جعفر بن سليمان الضبعي تفرد به، وفي حفظه شيء، وصرح ابن عبد البر بذلك فقال: لم يروه غيره، وليس بحجة وتعقب بأن أبا داود والترمذي أخرجاه من رواية صدقة بن موسى عن ثابت، وصدقة بن موسى وإن كان فيه مقال لكن تبين أن جعفرا لم ينفرد به وقد أخرج ابن ماجه نحوه من طريق علي بن جدعان عن أنس، وفي علي أيضا ضعف. وأخرجه ابن عدي من وجه ثالث من جهة عبد الله بن عمران شيخ مصري عن ثابت عن أنس، لكن أتى فيه بألفاظ مستغربة قال: أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان: وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة. وعبد الله والراوي عنه مجهولان. قال القرطبي في "المفهم" ذكر الأربعين تحديد لأكثر المدة، ولا يمنع تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، والضابط في ذلك الاحتياج. وكذا قال النووي: المختار أن ذلك كله يضبط بالحاجة. وقال في "شرح المهذب" ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة في هذا وفي جميع الخصال المذكورة. قلت: لكن لا يمنع من التفقد يوم الجمعة، فإن المبالغة في التنظف فيه مشروع والله أعلم. وفي "سؤالات مهنا" عن أحمد قلت له: "يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه. قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يدفنه" وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن الشعر والأظفار وقال: لا يتلعب به سحرة بني آدم. قلت: وهذا الحديث أخرجه البيهقي من حديث وائل بن حجر نحوه. وقد استحب أصحابنا دفنها لكونها أجزاء من الآدمي والله أعلم. "فرع": لو استحق قص أظفاره فقص بعضا أبدى فيه ابن دقيق العيد احتمالا من منع لبس إحدى النعلين وترك الأخرى كما تقدم في بابه قريبا. قوله: "وقص الشارب" تقدم القول في القص أول الباب، وأما الشارب فهو الشعر النابت على الشفة العليا. واختلف في جانبيه وهما السبالان فقيل: هما من الشارب ويشرع قصهما معه، وقيل هما من جملة شعر اللحية وأما القص فهو الذي في أكثر الأحاديث كما هنا، وفي حديث عائشة وحديث أنس كذلك كلاهما عند مسلم، وكذا حديث حنظلة عن ابن عمر في أول الباب، وورد الخبر بلفظ: "الحلق" وهي رواية النسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بن عيينة بسند هذا الباب، ورواه جمهور أصحاب ابن عيينة بلفظ: "القص" وكذا سائر الروايات عن شيخه الزهري. ووقع عند النسائي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: "تقصير الشارب" نعم وقع الأمر بما يشعر بأن رواية الحلق محفوظ كحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ: "جزوا

(10/346)


الشوارب" وحديث ابن عمر المذكور في الباب الذي يليه بلفظ: "أحفوا الشوارب " وفي الباب الذي يليه بلفظ: "انهكوا الشوارب" فكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة، لأن الجز وهو بالجيم والزاي الثقيلة قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد، والإحفاء بالمهملة والفاء الاستقصاء ومنه "حتى أحفوه بالمسألة" قال أبو عبيد الهروي معناه ألزقوا الجز بالبشرة. وقال الخطابي: هو بمعنى الاستقصاء، والنهك بالنون والكاف المبالغة في الإزالة، ومنه ما تقدم في الكلام على الختان قوله صلى الله عليه وسلم للخافضة "أشمي ولا تنهكي" أي لا تبالغي في ختان المرأة وجرى على ذلك أهل اللغة. وقال ابن بطال: النهك التأثير في الشيء وهو غير الاستئصال، قال النووي: المختار في قص الشارب أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله، وأما رواية: "أحفوا" فمعناها أزيلوا ما طال على الشفتين، قال ابن دقيق العيد: ما أدري هل نقله عن المذهب أو قاله اختيارا منه لمذهب مالك. قلت: صرح "في شرح المهذب" بأن هذا مذهبنا. وقال الطحاوي لم أر عن الشافعي في ذلك شيئا منصوصا، وأصحابه الذين رأيناهم كالمزني والربيع كانوا يحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلا عنه وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإحفاء أفضل من التقصير. وقال ابن القاسم عن مالك: إحفاء الشارب عندي مثلة، والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفتين وقال أشهب: سألت مالكا عمن يحفي شاربه فقال: أرى أن يوجع ضربا. وقال لمن يحلق شاربه: هذه بدعة ظهرت في الناس. اهـ. وأغرب ابن العربي فنقل عن الشافعي أنه يستحب حلق الشارب، وليس ذلك معروفا عند أصحابه، قال الطحاوي: الحلق هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد اهـ. وقال الأثرم: كان أحمد يحفي شاربه إحفاء شديدا، ونص على أنه أولى من القص. وقال القرطبي: وقص الشارب أن يأخذ ما طال على الشفة بحيث لا يؤذي الأكل ولا يجتمع فيه الوسخ. قال: والجز والإحفاء هو القص المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك. قال: وذهب الكوفيون إلى أنه الاستئصال، وبعض العلماء إلى التخيير في ذلك. قلت: هو الطبري، فإنه حكى قول مالك وقول الكوفيين ونقل عن أهل اللغة أن الإحفاء الاستئصال ثم قال: دلت السنة على الأمرين، ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض والإحفاء يدل على أخذ الكل وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء. وقال ابن عبد البر: الإحفاء محتمل لأخذ الكل، والقص مفسر للمراد، والمفسر مقدم على المجمل اهـ. ويرجح قول الطبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث المرفوعة، فأما الاقتصار على القص ففي حديث المغيرة بن شعبة "ضفت النبي صلى الله عليه وسلم وكان شاربي وفي فقصه على سواك" أخرجه أبو داود. واختلف في المراد بقوله: "على سواك" فالراجح أنه وضع سواكا عند الشفة تحت الشعر وأخذ الشعر بالمقص، وقيل المعنى قصه على أثر سواك، أي بعدما تسوك. ويؤيد الأول ما أخرجه البيهقي في هذا الحديث قال فيه: "فوضع السواك تحت الشارب وقص عليه" وأخرج البزار من حديث عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا وشاربه طويل فقال: ائتوني بمقص وسواك، فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه" وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس وحسنه "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص شاربه" وأخرج البيهقي والطبراني من طريق شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: "رأيت خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصون شواربهم: أبو أمامة الباهلي، والمقدام بن معدي كرب الكندي، وعتبة بن عوف السلمي والحجاج بن عامر الثمالي، وعبد الله بن بسر. وأما الإحفاء ففي رواية ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر قال: "ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم المجوس فقال: إنهم يوفون سبالهم، ويحلقون لحالهم فخالفوهم" قال: فكان ابن عمر يستقرض سبلته فيجزها كما يجز

(10/347)


الشاة أو البعير" أخرجه الطبري والبيهقي، وأخرجا من طريق عبد الله بن رافع قال: "رأيت أبا سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وابن عمر ورافع بن خديج وأبا أسيد الأنصاري وسلمة بن الأكوع وأبا رافع ينهكون شواربهم كالحلق" لفظ الطبري. وفي رواية البيهقي "يقصون شواربهم مع طرف الشفة" وأخرج الطبري من طرق عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم. وقد تقدم في أول الباب أثر ابن عمر أنه كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد، لكن كل ذلك محتمل لأن يراد استئصال جميع الشعر النابت على الشفة العليا، ومحتمل لأن يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها ولا يستوعب بقيتها، نظرا إلى المعنى في مشروعية ذلك وهو مخالفة المجوس والأمن من التشويش على الأكل وبقاء زهومة المأكول فيه، وكل ذلك يحصل بما ذكرنا، وهو الذي يجمع مفترق الأخبار الواردة في ذلك، وبذلك جزم الداودي في شرح أثر ابن عمر المذكور، وهو مقتضى تصرف البخاري لأنه أورد أثر ابن عمر وأورد بعده حديثه وحديث أبي هريرة في قص الشارب، فكأنه أشار إلى أن ذلك هو المراد من الحديث. وعن الشعبي أنه كان يقص شاربه حتى يظهر حرف الشفة العلياء وما قاربه من أعلاه ويأخذ ما يزيد مما فوق ذلك وينزع ما قارب الشفة من جانبي الفم ولا يزيد على ذلك، وهذا أعدل ما وقفت عليه من الآثار. وقد أبدى ابن العربي لتخفيف شعر الشارب معنى لطيفا فقال: إن الماء النازل من الأنف يتلبد به الشعر لما فيه من اللزوجة ويعسر تنقيته عند غسله، وهو بإزاء حاسة شريفة وهي الشم، فشرع تخفيفه ليتم الجمال والمنفعة به. قلت: وذلك يحصل بتخفيفه ولا يستلزم إحفافه وإن كان أبلغ، وقد رجح الطحاوي الحلق على القص بتفضيله صلى الله عليه وسلم الحلق على التقصير في النسك، ووهى ابن التين الحلق بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من حلق" وكلاهما احتجاج بالخبر في غير ما ورد فيه ولا سيما الثاني، ويؤخذ مما أشار إليه ابن العربي مشروعية تنظيف داخل الأنف وأخذ شعره إذا طال، والله أعلم. وقد روى مالك عن زيد بن أسلم "أن عمر كان إذا غضب فتل شاربه" فدل على أنه كان يوفره. وحكى ابن دقيق العيد عن بعض الحنفية أنه قال: لا بأس بإبقاء الشوارب في الحرب إرهابا للعدو، وزيفه. "فصل": في فوائد تتعلق بهذا الحديث: الأولى - قال النووي: يستحب أن يبدأ في قص الشارب باليمين. الثانية يتخير بين أن يقص ذلك بنفسه أو يولي ذلك غيره لحصول المقصود من غير هتك مروءة بخلاف الإبط، ولا ارتكاب حرمة بخلاف العانة. قلت: محل ذلك حيث لا ضرورة، وأما من لا يحسن الحلق فقد يباح له إن لم تكن له زوجة تحسن الحلق أن يستعين بغيره بقدر الحاجة، لكن محل هذا إذا لم يجد ما يتنور به فإنه يغني عن الحلق ويحصل به المقصود وكذا من لا يقوى على النتف ولا يتمكن من الحلق إذا استعان بغيره في الحلق لم تهتك المروءة من أجل الضرورة كما تقدم عن الشافعي، وهذا لمن لم يقو على التنور من أجل أن النورة تؤذي الجلد الرقيق كجلد الإبط، وقد يقال مثل ذلك في حلق العانة من جهة المغابن التي بين الفخذ والأنثيين، وأما الأخذ من الشارب فينبغي فيه التفصيل بين من يحسن أخذه بنفسه بحيث لا يتشوه وبين من لا يحسن فيستعين بغيره، ويلتحق به من لا يجد مرآة ينظر وجهه فيها عند أخذه. الثالثة: قال النووي: يتأدى أصل السنة بأخذ الشارب بالمقص وبغيره. وتوقف ابن دقيق العيد في قرضه بالسن ثم قال: من نظر إلى اللفظ منع ومن نظر إلى المعنى أجاز. الرابعة: قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدا قال بوجوب قص الشارب من حيث هو هو، واحترز بذلك من وجوبه بعارض حيث يتعين

(10/348)


كما تقدمت الإشارة إليه من كلام ابن العربي، وكأنه لم يقف على كلام ابن حزم في ذلك فإنه قد صرح بالوجوب في ذلك وفي إعفاء اللحية.

(10/349)


باب تقيلم الأظافر
...
64 - باب تَقْلِيمِ الأَظْفَارِ
5890- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ حَنْظَلَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مِنْ الْفِطْرَةِ حَلْقُ الْعَانَةِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ" .
5891- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْآبَاطِ" .
5892- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ".
[الحديث 5892 – طرفه في: 5893]
قوله: "باب تقليم الأظفار" تقدم بيان ذلك في الذي قبله، وقد ذكر فيه ثلاثة أحاديث، الثالث منها لا تعلق له بالظفر وإنما هو مختص بالشارب واللحية فيمكن أن يكون مراده في هذه الترجمة والتي قبلها تقليم الأظفار وما ذكر معها وقص الشارب وما ذكر معه، ويحتمل أن يكون أشار إلى أن حديث ابن عمر في الأول وحديثه في الثالث واحد، منهم من طوله ومنهم من اختصره. قوله: "حدثنا أحمد بن أبي رجاء" هو أحمد بن عبد الله بن أيوب الهروي، وإسحاق بن سليمان هو الرازي، وحنظلة هو ابن سفيان الجمحي. قوله: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" كذا للجميع، وزعم أبو مسعود في "الأطراف" أن البخاري ذكره من هذا الوجه موقوفا ثم تعقبه بأن أبا سعيد الأشج رواه عن إسحاق بن سليمان مرفوعا، وتعقب الحميدي كلام أبي مسعود فأجاد. قوله: "من الفطرة" كذا للجميع، وقد تقدم نقل النووي أنه وقع فيه بلفظ: "من السنة". قوله: "وقص الشارب" في رواية الإسماعيلي: "وأخذ الشارب" وفي أخرى له "وقص الشوارب" قال: "وقال مرة الشارب" قال الجياني: وقع في كلامهم أنه لعظم الشوارب وهو من الواحد الذي فرق وسمى كل جزء منه باسمه فقالوا لكل جانب منه شاربا ثم جمع شوارب وحكى ابن سيده عن بعضهم: من قال الشاربان أخطأ؛ وإنما الشاربان ما طال من ناحية السبلة، قال: وبعضهم يسمي السبلة كلها شاربا، ويؤيده أثر عمر الذي أخرجه مالك أنه "كان إذا غضب فتل شاربه" والذي يمكن فتله من شعر الشارب السبال وقد سماه شاربا. حديث أبي هريرة قد تقدم شرحه مستوفى. قوله: "عمر بن محمد بن زيد" أي ابن عبد الله بن عمر. قوله: "خالفوا المشركين" في حديث أبي هريرة عند مسلم: "خالفوا المجوس" وهو المراد في حديث ابن عمر فإنهم كانوا يقصون لحاهم ومنهم من كان يحلقها. قوله: "أحفوا

(10/349)


الشوارب" بهمزة قطع من الإحفاء للأكثر، وحكى ابن دريد حفى شاربه حفوا إذا استأصل أخذ شعره، فعلى هذا فهي همزة وصل. قوله: "ووفروا اللحى" أما قوله: "وفروا" فهو بتشديد الفاء من التوفير وهو الإبقاء أي اتركوها وافرة وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع في الباب الذي يليه "أعفوا" وسيأتي تحريره، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم "أرجئوا" وضبطت بالجيم والهمزة أي أخروها، وبالخاء المعجمة بلا همز أي أطيلوها، وله في رواية أخرى "أوفوا" أي اتركوها وافية، قال النووي: وكل هذه الروايات بمعنى واحد، واللحى بكسر اللام وحكي ضمها وبالقصر والمد جمع لحية بالكسر فقط وهي اسم لما نبت على الخدين والذقن. قوله: "وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه" هو موصول بالسند المذكور إلى نافع، وقد أخرجه مالك في "الموطأ" عن نافع بلفظ: "كان ابن عمر إذا حلق رأسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه" وفي حديث الباب مقدار المأخوذ، وقوله: "فضل" بفتح الفاء والضاد المعجمة ويجوز كسر الضاد كعلم والأشهر الفتح قاله ابن التين. وقال الكرماني: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} وخص ذلك من عموم قوله: "وفروا اللحى" فحمله على حالة غير حالة النسك. قلت: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه، فقد قال الطبري: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها. وقال قوم إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنه فعل ذلك، وإلى عمر أنه فعل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله. وأخرج أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال: "كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة" وقوله: "نعفي" بضم أوله وتشديد الفاء أي نتركه وافرا وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر، فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبلة بفتحتين وهي ما طال من شعر اللحية، فأشار جابر إلى أنهم يقصرون منها في النسك. ثم حكى الطبري اختلافا فيما يؤخذ من اللحية هل له حد أم لا؟ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف، وعن الحسن البصري أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه قال: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها، قال: وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة وأسنده عن جماعة، واختار قول عطاء. وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به، واستدل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها" وهذا أخرجه الترمذي ونقل عن البخاري أنه قال في رواية عمر بن هارون. لا أعلم له حديثا منكرا إلا هذا اهـ. وقد ضعف عمر بن هارون مطلقا جماعة. وقال عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها، وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن، بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها، كذا قال، وتعقبه النووي بأنه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها؛ قال: والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره، وكأن مراده بذلك في غير النسك لأن الشافعي نص على استحبابه فيه، وذكر النووي عن الغزالي - وهو في ذلك تابع لأبي طالب المكي في "القوت" - قال: يكره في اللحية عشر خصال: خضبها بالسواد لغير الجهاد، وبغير السواد إيهاما للصلاح لا لقصد الاتباع، وتبييضها استعجالا للشيخوخة لقصد التعاظم على الأقران، ونتفها إبقاء للمرودة وكذا تحذيفها ونتف

(10/350)


الشيب. ورجح النووي تحريمه لثبوت الزجر عنه كما سيأتي قريبا، وتصفيفها طاقة طاقة تصنعا ومخيلة، وكذا ترجيلها والتعرض لها طولا وعرضا على ما فيه من اختلاف، وتركها شعثة إيهاما للزهد، والنظر إليها إعجابا، وزاد النووي: وعقدها، لحديث رويفع رفعه: "من عقد لحيته فإن محمدا منه بريء" الحديث أخرجه أبو داود، قال الخطابي: قيل المراد عقدها في الحرب وهو من زي الأعاجم، وقيل المراد معالجة الشعر لينعقد، وذلك من فعل أهل التأنيث.
" تنبيه ": أنكر ابن التين ظاهر ما نقل عن ابن عمر فقال: ليس المراد أنه كان يقتصر على قدر القبضة من لحيته، بل كان يمسك عليها فيزيل ما شذ منها، فيمسك من أسفل ذقنه بأصابعه الأربعة ملتصقة فيأخذ ما سفل عن ذلك ليتساوى طول لحيته. قال أبو شامة: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها. وقال النووي: يستثنى من الأمر بإعفاء اللحى ما لو نبتت للمرأة لحية فإنه يستحب لها حلقها، وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة، وسيأتي البحث فيه في "باب المتنمصات".

(10/351)


65 - باب إِعْفَاءِ اللِّحَى. وعَفَوْا: كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ
5893- حدثني محمد أخبرنا عبدة أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انهكوا الشوارب وأعفوا اللحى" .
قوله: "باب إعفاء اللحى" كذا استعمله من الرباعي، وهو بمعنى الترك. ثم قال: عفوا كثروا وكثرت أموالهم وأراد تفسير قوله في الأعراف {حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} فقد تقدم هناك بيان من فسر قوله عفوا يكثروا، فإما أن يكون أشار بذلك إلى أصل المادة، أو إلى أن لفظ الحديث وهو "أعفوا اللحى" جاء بالمعنيين، فعلى الأول يكون بهمزة قطع وعلى الثاني بهمزة وصل، وقد حكى ذلك جماعة من الشراح منهم ابن التين قال: وبهمزة قطع أكثر. وقال ابن دقيق العيد: تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبب، لأن حقيقة الإعفاء الترك، وترك التعرض للحية يستلزم تكثيرها. وأغرب ابن السيد فقال: حمل بعضهم قوله: "أعفوا اللحى" على الأخذ منها بإصلاح ما شذ منها طولا وعرضا، واستشهد بقول زهير "على آثار من ذهب العفاء". وذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وفروا أو كثروا، وهو الصواب. قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدا فهم من الأمر في قوله: "أعفوا اللحى" تجويز معالجتها بما يغزرها كما يفعله بعض الناس، قال: وكأن الصارف عن ذلك قرينة السياق في قوله في بقية الخبر "وأحفوا الشوارب" انتهى. ويمكن أن يؤخذ من بقية طرق ألفاظ الحديث الدالة على مجرد الترك، والله أعلم.
" تنبيه ": في قوله أعفوا وأحفوا ثلاثة أنواع من البديع: الجناس والمطابقة والموازنة.

(10/351)


3 - باب مَا يُذْكَرُ فِي الشَّيْبِ
5894- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: "سَأَلْتُ أَنَساً أَخَضَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْ الشَّيْبَ إِلاَّ قَلِيلاً".
5895- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: "سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ

(10/351)


3 - باب الْخِضَابِ
5899- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لاَ يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ" .
قوله: "باب الخضاب" أي تغيير لون شيب الرأس واللحية. قوله: "عن أبي سلمة وسليمان بن يسار" كذا جمع بينهما، وتابعه الأوزاعي عن الزهري أخرجه النسائي، ورواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري عن أبي سلمة وحده، وقد مضت رواية صالح في أحاديث الأنبياء، ورواية الآخرين عند النسائي عن أبي هريرة في رواية إسحاق بن راهويه عن سفيان بسنده أنهما سمعا أبا هريرة أخرجه النسائي. قوله: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم" هكذا أطلق، ولأحمد بسند حسن عن أبي أمامة قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب" وأخرج الطبراني في "الأوسط" نحوه من حديث أنس، وفي "الكبير" من حديث عتبة بن عبد "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتغيير الشعر مخالفة للأعاجم" وقد تمسك به من أجاز الخضاب بالسواد وقد تقدمت في باب ذكر بني إسرائيل من أحاديث الأنبياء مسألة استثناء الخضب بالسواد لحديثي جابر وابن عباس، وأن من العلماء من رخص فيه في الجهاد ومنهم من رخص فيه مطلقا وأن الأولى كراهته، وجنح النووي إلى أنه كراهة تحريم، وقد رخص فيه طائفة من السلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد واختاره ابن أبي عاصم في "كتاب الخضاب" له وأجاب عن حديث ابن عباس رفعه: "يكون قوم يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة" بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم، وعن حديث جابر "جنبوه السواد" بأنه

(10/354)


في حق من صار شيب رأسه مستشبعا ولا يطرد ذلك في حق كل أحد انتهى. وما قاله خلاف ما يتبادر من سياق الحديثين. نعم يشهد له ما أخرجه هو عن ابن شهاب قال: "كنا نخضب بالسواد إذ كان الوجه جديدا، فلا نغص الوجه والأسنان تركناه" وقد أخرج الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي الدرداء رفعه: "من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة" وسنده لين، ومنهم من فرق في ذلك بين الرجل والمرأة فأجازه لها دون الرجل، واختاره الحليمي، وأما خضب اليدين والرجلين فلا يجوز للرجال إلا في التداوي. وقوله: "فخالفوهم" في رواية مسلم: "فخالفوا عليهم واصبغوا" وللنسائي من حديث ابن عمر رفعه: "غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود" ورجاله ثقات، لكن اختلف على هشام بن عروة فيه كما بينه النسائي وقال إنه غير محفوظ، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" من حديث عائشة وزاد: "والنصارى" ولأصحاب السنن وصححه الترمذي من حديث أبي ذر رفعه: "إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم" وهذا يحتمل أن يكون على التعاقب ويحتمل الجمع، وقد أخرج مسلم من حديث أنس قال: "اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بحتا" وقوله بحتا بموحدة مفتوحة ومهملة ساكنة بعدها مثناة أي صرفا، وهذا يشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائما. والكتم نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر فالصبغ بهما معا يخرج بين السواد والحمرة. واستنبط ابن أبي عاصم من قوله صلى الله عليه وسلم: "جنبوه السواد" أن الخضاب بالسواد كان من عادتهم، وذكر ابن الكلبي أن أول من اختضب بالسواد من العرب عبد المطلب، وأما مطلقا ففرعون، وقد اختلف في الخضب وتركه فخضب أبو بكر وعمر وغيرهما كما تقدم، وترك الخضاب علي وأبي بن كعب وسلمة بن الأكوع وأنس وجماعة، وجمع الطبري بأن من صبغ منهم كان اللائق به كمن يستشنع شيبه، ومن ترك كان اللائق به كمن لا يستشنع شيبه، وعلى ذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر الذي أخرجه مسلم في قصة أبي قحافة حيث قال صلى الله عليه وسلم لما رأى رأسه كأنها الثغامة بياضا " غيروا هذا وجنبوه السواد" ومثله حديث أنس الذي تقدمت الإشارة إليه أول "باب ما يذكر في الشيب" زاد الطبري وابن أبي عاصم من وجه آخر عن جابر "فذهبوا به فحمروه" والثغامة بضم المثلثة وتخفيف المعجمة نبات شديد البياض زهره وثمره، قال: فمن كان في مثل حال أبي قحافة استحب له الخضاب لأنه لا يحصل به الغرور لأحد، ومن كان بخلافه فلا يستحب في حقه، ولكن الخضاب مطلقا أولى لأنه فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب، وفيه صيانة الشعر عن تعلق الغبار وغيره به، إلا إن كان من عادة أهل البلد ترك الصبغ وأن الذي ينفرد بدونهم بذلك يصير في مقام الشهرة فالترك في حقه أولى. ونقل الطبري بعد أن أورد حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه بلفظ: "من شاب شيبة فهي له نور إلى أن ينتفها أو يخضبها" وحديث ابن مسعود "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره خصالا" فذكر منها تغيير الشيب، إذ بعضهم ذهب إلى أن هذه الكراهة تستحب بحديث الباب. ثم ذكر الجمع وقال: دعوى النسخ لا دليل عليها. قلت: وجنح إلى النسخ الطحاوي وتمسك بالحديث الآتي قريبا أنه "كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، ثم صار يخالفهم ويحث على مخالفتهم" كما سيأتي تقريره في "باب الفرق" إن شاء الله تعالى. وحديث عمرو بن شعيب المشار إليه أخرجه الترمذي وحسنه ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور فالله أعلم. قال ابن العربي: وإنما نهى عن النتف دون الخضب لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها، بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه والله أعلم. وقد نقل عن أحمد أنه يجب، وعنه يجب ولو مرة، وعنه لا أحب

(10/355)


لأحد ترك الخضب ويتشبه بأهل الكتاب، وفي السواد عنه كالشافعية روايتان المشهورة يكره وقيل محرم، ويتأكد المنع لمن دلس به.

(10/356)


68 - باب الْجَعْدِ
5900- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلاَ بِالْقَصِيرِ وَلَيْسَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ وَلَيْسَ بِالْآدَمِ وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلاَ بِالسَّبْطِ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ".
5901- حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: "مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَعْضُ أَصْحَابِي عَنْ مَالِكٍ إِنَّ جُمَّتَهُ لَتَضْرِبُ قَرِيباً مِنْ مَنْكِبَيْهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مَا حَدَّثَ بِهِ قَطُّ إِلاَّ ضَحِكَ قَالَ شُعْبَةُ شَعَرُهُ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ".
5902- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئاً عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ" .
5903- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حِبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَضْرِبُ شَعَرُهُ مَنْكِبَيْهِ".
[الحديث 5903 – طرفه في: 5904]
5904- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ "كَانَ يَضْرِبُ شَعَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْكِبَيْهِ".
5905- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ شَعَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجِلاً لَيْسَ بِالسَّبِطِ وَلاَ الْجَعْدِ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ".
[الحديث 5905 – طرفه في: 5906]

(10/356)


5906- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَخْمَ الْيَدَيْنِ لَمْ أَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَكَانَ شَعَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجِلاً لاَ جَعْدَ وَلاَ سَبِطَ".
5907- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَخْمَ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ حَسَنَ الْوَجْهِ لَمْ أَرَ بَعْدَهُ وَلاَ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَكَانَ بَسِطَ الْكَفَّيْنِ".
[الحديث 5907 – أطرافه في: 5908، 5910، 5911]
5908، 5909- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَوْ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَخْمَ الْقَدَمَيْنِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، لَمْ أَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ".
5910- وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَثْنَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ".
5911، 5912- وَقَالَ أَبُو هِلاَلٍ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَوْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَخْمَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لَمْ أَرَ بَعْدَهُ شَبَهاً لَهُ".
5913- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: "كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ فَقَالَ إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي" .
قوله: "باب الجعد" هو صفة الشعر، يقال شعر جعد بفتح الجيم وسكون المهملة وبكسرها. حديث أنس في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم شرحه في المناقب، والمقصود منه هنا قوله: "وليس بالجعد القطط ولا بالسبط" أي أن شعره كان بين الجعودة والسبوطة، وقد تقدم بيان ذلك في المناقب، وأن الشعر الجعد هو الذي يتجعد كشعور السودان، وأن البسط هو الذي يسترسل فلا يتكسر منه شيء كشعور الهنود، والقطط - بفتح الطاء - البالغ في الجعودة بحيث يتفلفل، وقوله: "وليس في لحيته عشرون شعرة بيضاء" تقدم في المناقب بيان الاختلاف في تعيين العدد المذكور ومما لم يتقدم هناك أن في حديث الهيثم بن دهر عند الطبراني ثلاثون شعرة عددا وسنده ضعيف، والمعتمد ما تقدم أنهن دون العشرين. قوله: "حدثنا مالك بن إسماعيل" هو أبو غسان النهدي. قوله: "قال بعض أصحابي عن مالك" هو ابن إسماعيل المذكور. قوله: "أن جمته" بضم الجيم وتشديد الميم أي شعر رأسه إذا نزل إلى قرب المنكبين قال الجوهري في حرف الواو: والوفرة العشر إلى شحمة الأذن، ثم الجمة ثم اللمة إذا ألمت بالمنكبين. وقد خالف هذا في حرف الجيم فقال: إذا بلغت المنكبين فهي جمة، واللمة إذا جاوزت شحم الأذن. وتقدم نظيره في ترجمة عيسى من أحاديث الأنبياء في شرح

(10/357)


حديث ابن عمر. قال شيخنا في "شرح الترمذي": كلام الجوهري الثاني هو الموافق لكلام أهل اللغة. وجمع ابن بطال بين اللفظين المختلفين في الحديث بأن ذلك إخبار عن وقتين، فكان إذا غفل عن تقصيره بلغ قريب المنكبين وإذا قصه لم يجاوز الأذنين وجمع غيره بأن الثاني كان إذا اعتمر يقصر والأول في غير تلك الحالة وفيه بعد. ثم هذا الجمع إنما يصلح لو اختلفت الأحاديث، وأما هنا فاللفظان وردا في حديث واحد متحدا المخرج، وهما من رواية أبي إسحاق عن البراء، فالأولى في الجمع بينهما الحمل على المقاربة؛ وقد وقع في حديث أنس الآتي قريبا كما وقع في حديث البراء. قوله: "لتضرب قريبا من منكبيه" في رواية شعبة المعلقة عقب هذا "شعره يبلغ شحمة أذنيه" وقد تقدم في المناقب أن في رواية يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق ما يجمع بين الروايتين ولفظه: "له شعر يبلغ شحمة أذنيه إلى منكبيه" وحاصله أن الطويل منه يصل إلى المنكبين وغيره إلى شحمة الأذن، والمراد ببعض أصحابه الذي أبهمه يعقوب بن سفيان، فإنه كذلك أخرجه عن مالك بن إسماعيل بهذا السند وفيه الزيادة. قوله: "قال شعبة: شعره يبلغ شحمة أذنيه" كذا لأبي ذر والنسفي ولغيرهما، تابعه شعبة "شعره الخ" وقد وصله المؤلف رحمه الله في "باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم" من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن البراء، وشرحه الكرماني على رواية الأكثر وأشار إلى أن البخاري لم يذكر شيخ شعبة قال: فيحتمل أنه أبو إسحاق لأنه شيخه. حديث ابن عمر في صفة عيسى ابن مريم وفيه: "له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم" وفي صفة الدجال "وأنه جعد قطط" وقد تقدم شرحه في أحاديث الأنبياء، وغلط من استدل بهذا الحديث على أن الدجال يدخل المدينة أو مكة، إذ لا يلزم من كون النبي صلى الله عليه وسلم رآه في المنام بمكة أنه دخلها حقيقة، ولو سلم أنه رآه في زمانه صلى الله عليه وسلم بمكة فلا يلزم أن يدخلها بعد ذلك إذا خرج في آخر الزمان، وقد استدل على ابن صياد أنه ما هو الدجال بكونه سكن المدينة، ومع ذلك فكان عمر وجابر يحلفان على أنه هو الدجال كما سيأتي في آخر الفتن. حديث أنس أورده من عدة طرق عن قتادة عنه ووقع في الرواية الأولى "يضرب شعره منكبيه" وفي الثانية "كان شعره بين أذنيه وعاتقه" والجواب عنه كالجواب في حديث البراء سواء. وقد أخرج مسلم وأبو داود من رواية إسماعيل بن علية عن حميد عن أنس "كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه" ووقع عند داود وابن ماجه وصححه الترمذي من طريق أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة "كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة" لفظه أبي داود، ولفظ ابن ماجه بنحوه، ولفظ الترمذي عكسه "فوق الجمة ودون الوفرة" وجمع بينهما شيخنا في "شرح الترمذي" بأن المراد بقوله فوق ودون بالنسبة إلى المحل، وتارة بالنسبة إلى الكثرة والقلة، فقوله: "فوق الجمة" أي أرفع في المحل، وقوله: "دون الجمة" أي في القدر وكذا بالعكس، وهو جمع جيد لولا أن مخرج الحديث متحد، وإسحاق في السند الأول هو ابن راهويه وحبان بفتح المهملة وتشديد الموحدة هو ابن هلال. قوله: "كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا" بفتح الراء وكسر الجيم، وقد تضم وتفتح، أي فيه تكسير يسير، يقال رجل شعره إذا مشطه فكان بين السبوطة والجعودة، وقد فسره الراوي كذلك في بقبة الحديث. ثم أورد من طريق أخرى عن جرير وهو ابن حازم أيضا زاد فيها "كان ضخم اليدين" وفي ثالثة "كان ضخم الرأس والقدمين" ولم يذكر ما في الروايتين الأوليين من صفة الشعر، وزاد: "لم أر قبله ولا بعده مثله" قال: "وكان سبط الكفين" ثم أورده من طريق معاذ بن هانئ عن همام بسند نحوه لكن قال: "عن قتادة عن أنس، أو عن رجل عن أبي هريرة" وهذه الزيادة لا

(10/358)


تأثير لها في صحة الحديث، لأن الذين جزموا بكون الحديث عن قتادة عن أنس أضبط وأتقن من معاذ بن هانئ، وهم حبان بن هلال وموسى بن إسماعيل كما هنا، وكذا جرير بن حازم كما مضى ومعمر كما سيأتي حيث جزما به عن قتادة عن أنس، ويحتمل أن يكون عند قتادة من الوجهين؛ والرجل المبهم يحتمل أن يكون هو سعيد بن المسيب فقد أخرج ابن سعد من روايته عن أبي هريرة نحوه، وقتادة معروف بالرواية عن سعيد بن المسيب، وجوز الكرماني أن يكون الحديث من مسند أبي هريرة، وإنما وقع التردد في الراوي هل هو أنس أو رجل مبهم ثم رجح كون التردد في كونه من مسند أنس أو من مسند أبي هريرة بأن أنسا خادم النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعرف بوصفه من غيره فبعد أن يروي عن رجل عن صحابي آخر هو أقل ملازمة له منه ا ه، وكلامه الأخير لا يحتمله السياق أصلا، وإنما الاحتمال البعيد ما ذكره أولا، والحق أن التردد فيه من معاذ بن هانئ هل حدثه به همام عن قتادة عن أنس أو عن قتادة عن رجل عن أبي هريرة، وبهذا جزم أبو مسعود والحميدي والمزي وغيرهم من الحفاظ. قوله: "وقال هشام" هو ابن يوسف "عن معمر عن قتادة عن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم شثن الكفين والقدمين" هذا التعليق وصله الإسماعيلي من طريق علي بن بحر عن هشام بن يوسف به سواء، وكذا أخرجه يعقوب بن سفيان عن مهدي بن أبي مهدي عن هشام بن يوسف، وقوله: "شثن" بفتح المعجمة وسكون المثلثة وبكسرها بعدها نون أي غليظ الأصابع والراحة، قال ابن بطال: كانت كفه صلى الله عليه وسلم ممتلئة لحما، غير أنها مع ضخامتها كانت لينة كما تقدم في حديث أنس يعني الذي مضى في المناقب "ما مسست حريرا ألين من كفه صلى الله عليه وسلم" قال: وأما قول الأصمعي الشثن غلظ الكف مع خشونتها فلم يوافق على تفسيره بالخشونة، والذي فسره به الخليل وأبو عبيدة أولى، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى "ضخم الكفين والقدمين" قال ابن بطال: وعلى تقدير تسليم ما فسر الأصمعي به الشثن يحتمل أن يكون أنس وصف حالتي كف النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا عمل بكفه في الجهاد أو في مهنة أهله صار كفه خشنا للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجع كفه إلى أصل جبلته من النعومة والله أعلم. وقال عياض: فسر أبو عبيد الشثن بالغلظ مع القصر، وتعقب بأنه ثبت في وصفه صلى الله عليه وسلم أنه كان سابل الأطراف. قلت: ويؤيده قوله في رواية أبي النعمان في الباب: "كان بسط الكفين" ووقع هنا في رواية الكشميهني: "سبط الكفين" بتقديم المهملة على الموحدة، وهو موافق لوصفها باللين. قال العياض: وفي رواية المروزي "سبط أو بسط" بالشك والتحقيق في الشثن أنه الغلظ من غير قيد قصر ولا خشونة، وقد نقل ابن خالويه أن الأصمعي لما فسر الشثن بما مضى قيل له إنه ورد في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فآلى على نفسه أنه لا يفسر شيئا في الحديث اهـ - ومجيء شثن الكفين بدل سبط الكفين أو بسط الكفين قال دال على أن المراد وصف الخلقة وأما من فسره ببسط العطاء فإنه وإن كان الواقع كذلك لكن ليس مرادا هنا. قوله: "وقال أبو هلال أنبأنا قتادة عن أنس أو جابر كان النبي صلى الله عليه وسلم ضخم الكفين والقدمين لم أر بعده شبيها له" هذا التعليق وصله البيهقي في "الدلائل" ووقع لنا بعلو في "فوائد العيسوي" كلاهما من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي حدثنا أبو هلال به، وأبو هلال اسمه محمد بن سليم الراسبي بكسر المهملة والموحدة بصري صدوق وقد ضعفه من قبل حفظه فلا تأثير لشكه أيضا، وقد بينت إحدى روايات جرير بن حازم صحة الحديث بتصريح قتادة بسماعه له من أنس، وكأن المصنف أراد بسياق هذه الطرق بيان الاختلاف فيه على قتادة وأنه لا تأثير له ولا يقدح في صحة الحديث، وخفي مراده على بعض الناس فقال: هذه الروايات الواردة في صفة الكفين والقدمين لا تعلق لها بالترجمة، وجوابه

(10/359)


أنها كلها حديث واحد اختلفت رواته بالزيادة فيه والنقص، والمراد منه بالأصالة صفة الشعر وما عدا ذلك فهو تبع والله أعلم. وما دل عليه الحديث من كون شعره صلى الله عليه وسلم كان إلى قرب منكبيه كان غالب أحواله، وكان ربما طال حتى يصير ذؤابة ويتخذ منه عقائص وضفائر كما أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن من حديث أم هانئ قالت: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وله أربع غدائر" وفي لفظ: "أربع ضفائر" وفي رواية ابن ماجه: "أربع غدائر يعني ضفائر" والغدائر بالغين المعجمة جمع غديرة بوزن عظيمة، والضفائر بوزنه. فالغدائر هي الذوائب والضفائر هي العقائص، فحاصل الخبر أن شعره طال حتى صار ذوائب فضفره أربع عقائص، وهذا محمول على الحال التي يبعد عهده بتعهده شعره فيها وهي حالة الشغل بالسفر ونحوه والله أعلم. وقد أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه من رواية عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ولي شعر طويل فقال: "ذناب ذباب، فرجعت فجززته، ثم أتيت من الغد فقال: "إني لم أعنك " وهذا أحسن. حديث أبو هريرة وجابر ذكرا تبعا لحديث أنس كما تقدم. حديث ابن عباس في ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام وقد تقدم شرحه في أحاديث الأنبياء. والغرض منه قوله: " وأما موسى فرجل آدم - بالمد - جعد" الحديث، والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "صاحبكم" نفسه صلى الله عليه وسلم.

(10/360)


69 - باب التَّلْبِيدِ
5914- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: "سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ مَنْ ضَفَّرَ فَلْيَحْلِقْ وَلاَ تَشَبَّهُوا بِالتَّلْبِيدِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلَبِّداً".
5915- حَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ مُوسَى وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالاَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ مُلَبِّداً يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لاَ يَزِيدُ عَلَى هَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ".
5916- حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلاَ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ" .
قوله: "باب التلبيد" هو جمع الشعر في الرأس بما يلزق بعضه ببعض كالخطمي والصمغ لئلا يتشعث ويقمل في الإحرام، وقد تقدم بسطه في الحج. قوله: "سمعت عمر يقول من ضفر" بفتح المعجمة والفاء مخففا ومثقلا. قوله: "فليحلق ولا تشبهوا بالتلبيد" يعني في الحج "وكان ابن عمر يقول: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ملبدا" كذا في هذه الرواية، وتقدم في أوائل الحج بلفظ: "سمعت رسول الله يهل ملبدا" كما في الرواية التي تلي هذه في الباب، وأما قول عمر فحمله ابن بطال على أن المراد إن أراد الإحرام فضفر شعره ليمنعه من الشعث لم يجز له أن يقصر،

(10/360)


لأنه فعل ما يشبه التلبيد الذي أوجب الشارع فيه الحلق، وكان عمر يرى أن من لبد رأسه في الإحرام تعين عليه الحلق والنسك ولا يجزئه التقصير، فشبه من ضفر رأسه بمن لبده. فلذلك أمر من ضفران يحلق. ويحتمل أن يكون عمر أراد الأمر بالحلق عند الإحرام حتى لا يحتاج إلى التلبيد ولا إلى الضفر، أي من أراد أن يضفر أو يلبد فليحلق فهو أولى من أن يضفر أو يلبد، ثم إذا أراد بعد ذلك التقصير لم يصل إلى الأخذ من سائر النواحي كما هي السنة، وأما قوله: "تشبهوا" فحكى ابن بطال أنه بفتح أوله والأصل لا تتشبهوا فحذفت إحدى التاءين، قال: ويجوز ضم أوله وكسر الموحدة، والأول أظهر. وأما قول ابن عمر فظاهره أنه فهم عن أبيه أنه كان يرى أن ترك التلبيد أولى، فأخبر هو أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وتقدم شرح التلبيد وحكمه في كتاب الحج. تقدم شرح التلبيد وحكمه في كتاب الحج. حديث حفصة "إني لبدت رأسي وقلدت هديي" الحديث تقدم شرحه في كتاب الحج.

(10/361)


70 - باب الْفَرْقِ
5917- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ فَسَدَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ".
5918- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالاَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم".
قوله: "باب الفرق" بفتح الفاء وسكون الراء بعدها قاف، أي فرق شعر الرأس، وهو قسمته في المفرق وهو وسط الرأس، يقال فرق شعره فرقا بالسكون، وأصله من الفرق بين الشيئين، والمفرق مكان انقسام الشعر من الجبين إلى دارة وسط الرأس، وهو بفتح الميم وبكسرها، وكذلك الراء تكسر وتفتح. قوله: "عن ابن عباس" كذا وصله إبراهيم بن سعد ويونس، وقد تقدم في الهجرة وغيرها، واختلف على معمر في وصله وإرساله، قال عبد الرزاق في مصنفه "أنبأنا معمر عن الزهري عن عبيد الله لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة" فذكره مرسلا، وكذا أرسله مالك حيث أخرجه في "الموطأ" عن زياد بن سعد عن الزهري ولم يذكر من فوقه. قوله: "كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه" في رواية معمر " وكان إذا شك في أمر لم يؤمر فيه بشيء صنع ما يصنع أهل الكتاب". قوله: "وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم" بسكون السين وكسر الدال المهملتين أي يرسلونها. قوله: "وكان المشركون يفرقون" هو بسكون الفاء وضم الراء وقد شددها بعضهم حكاه عياض قال: والتخفيف أشهر، وكذا في قوله: "ثم فرق" الأشهر فيه التخفيف، وكأن السر في ذلك أن أهل الأوثان أبعد عن الإيمان من أهل الكتاب، ولأن أهل الكتاب يتمسكون بشريعة في الجملة فكان يحب موافقتهم ليتألفهم ولو أدت موافقتهم إلى مخالفة أهل الأوثان، فلما أسلم أهل الأوثان الذين معه والذين حوله واستمر أهل الكتاب على

(10/361)


كفرهم تمحضت المخالفة لأهل الكتاب. قوله: "ثم فرق بعد" في رواية معمر "ثم أمر بالفرق ففرق" وكان الفرق آخر الأمرين، ومما يشبه الفرق والسدل صبغ الشعر وتركه كما تقدم، ومنها صوم عاشوراء، ثم أمر بنوع مخالفة لهم فيه بصوم يوم قبله أو بعده، ومنها استقبال القبلة، ومخالفتهم في مخالطة الحائض حتى قال: "اصنعوا كل شيء إلا الجماع" فقالوا: ما يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، وقد تقدم بيانه في كتاب الحيض، وهذا الذي استقر عليه الأمر. ومنها ما يظهر إلى النهي عن صوم يوم السبت، وقد جاء ذلك من طرق متعددة في النسائي وغيره، وصرح أبو داود بأنه منسوخ وناسخه حديث أم سلمة "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم السبت والأحد يتحرى ذلك ويقول إنهما يوما عبد الكفار وأنا أحب أن أخالفهم" وفي لفظ: "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صيامه السبت والأحد" أخرجه أحمد والنسائي، وأشار بقوله: "يوما عيد" إلى أن يوم السبت عيد عند اليهود والأحد عيد عند النصارى وأيام العيد لا تصام فخالفهم بصيامها، ويستفاد من هذا أن الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيدا بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد فالأول أن يصاما معا وفرادى امتثالا لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب، قال عياض: سدل الشعر إرساله، يقال سدل شعره وأسدله إذا أرسله ولم يضم جوانبه، وكذا الثوب، والفرق تفريق الشعر بعضه من بعض وكشفه عن الجبين، قال والفرق سنة لأنه الذي استقر عليه الحال. والذي يظهر أن ذلك وقع بوحي، لقول الراوي في أول الحديث إنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فالظاهر أنه فرق بأمر من الله حتى ادعى بعضهم فيه النسخ ومنع السدل واتخاذ الناصية. وحكي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وتعقبه القرطبي بأن الظاهر أن الذي كان صلى الله عليه وسلم يفعله إنما هو لأجل استئلافهم، فلما لم ينجع فيهم أحب مخالفتهم فكانت مستحبة لا واجبة عليه. وقول الراوي "فيما لم يؤمر فيه بشيء" أي لم يطلب منه والطلب يشمل الوجوب والندب وأما توهم النسخ في هذا فليس بشيء لإمكان الجمع، بل يحتمل أن لا يكون الموافقة والمخالفة حكما شرعيا إلا من جهة المصلحة، قال: ولو كان السدل منسوخا لصار إليه الصحابة أو أكثرهم، والمنقول عنهم أن منهم من كان يفرق ومنهم من كان يسدل ولم يعب بعضهم على بعض، وقد صح أنه كانت له صلى الله عليه وسلم لمة، فإن انفرقت فرقها وإلا تركها، فالصحيح أن الفرق مستحب لا واجب، وهو قول مالك والجمهور. قلت: وقد جزم الحازمي بأن السدل نسخ بالفرق، واستدل برواية معمر التي أشرت إليها قبل وهو ظاهر. وقال النووي: الصحيح جواز السدل والفرق. قال: واختلفوا في معنى قوله: "يحب موافقة أهل الكتاب" فقيل للاستئناف كما تقدم، وقيل المراد أنه كان مأمورا باتباع شرائعهم فيما لم يوح إليه بشيء وما علم أنهم لم يبدلوه. واستدل به بعضهم على أن شرع من قبلنا شرع لنا حتى يرد في شرعنا ما يخالفه، وعكس بعضهم فاستدل به على أنه ليس بشرع لنا لأنه لو كان كذلك لم يقل "يحب" بل كان يتحتم الاتباع. والحق أن لا دليل في هذا على المسألة، لأن القائل به يقصره على ما ورد في شرعنا أنه شرع لهم لا ما يؤخذ عنهم هم إذ لا وثوق بنقلهم، والذي جزم به القرطبي أنه كان يوافقهم لمصلحة التأليف محتمل، ويحتمل أيضا - وهو أقرب - أن الحالة التي تدور بين الأمرين لا ثالث لهما إذا لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيء كان يعمل فيه بموافقة أهل الكتاب لأنهم أصحاب شرع بخلاف عبدة الأوثان فإنهم ليسرا على شريعة، فلما أسلم المشركون انحصرت المخالفة في أهل الكتاب فأمر بمخالفتهم، وقد جمعت المسائل التي وردت الأحاديث فيها بمخالفة

(10/362)


أهل الكتاب فزادت على الثلاثين حكما، وقد أودعتها كتابي الذي سميته "القول الثبت في الصوم يوم السبت" ويؤخذ من قول ابن عباس في الحديث: "كان يحب موافقة أهل الكتاب" وقوله: "ثم فرق" بعد نسخ حكم تلك الموافقة كما قررته ولله الحمد، ويؤخذ منه أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ. حديث عائشة قالت: "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم" وقد تقدم شرحه في الحج، وقوله: "عبد الله" هو ابن رجاء الذي أخرج الحديث عنه مقرونا بأبي الوليد وهو الطيالسي، وأراد أن أبا الوليد رواه بلفظ الجمع فقال: "مفارق" وعبد الله بن رجاء رواه بلفظ الإفراد فقال: "مفرق" وقد وافق عبد الله بن رجاء آدم عند المصنف في الطهارة ومحمد بن كثير عند الإسماعيلي وكذا عند مسلم من رواية الحسن بن عبيد الله وعند أحمد من رواية منصور وحماد وعطاء بن السائب كلهم عن إبراهيم عنه، ووافق أبا الوليد محمد بن جعفر غندر عند مسلم والأعمش عند أحمد والنسائي وعبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عند مسلم، وكأن الجمع وقع باعتبار تعدد انقسام الشعر، والله أعلم.

(10/363)


71 - باب الذَّوَائِبِ
5919- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عَنْبَسَةَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ خَالَتِي وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ فَأَخَذَ بِذُؤَابَتِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ بِهَذَا وَقَالَ بِذُؤَابَتِي أَوْ بِرَأْسِي".
قوله: "باب الذوائب" جمع ذؤابة، والأصل ذآئب فأبدلت الهمزة واوا، والذؤابة ما يتدلى من شعر الرأس. ذكر فيه حديث ابن عباس في صلاته خلف النبي صلى الله عليه وسلم بالليل، وقد مضى شرحه في الصلاة، والغرض منه هنا قوله: "فأخذ بذؤابتي" فإن فيه تقريره صلى الله عليه وسلم على اتخاذ الذؤابة، وفيه دفع لرواية من فسر القزع بالذؤابة كما سأذكره في الباب الذي يليه. أورد المصنف الحديث من رواية الفضل بن عنبسة عن هشيم، ثم أردفها بروايته عاليا عن قتيبة عن هشيم، وإنما أورده نازلا من أجل تصريح هشيم فيها بالإخبار، ثم أردفه بروايته عاليا أيضا عن عمرو بن محمد الناقد عن هشيم مصرحا أيضا، وكأنه استظهر بذلك لأن في الفضل بن عنبسة مقالا لكنه غير قادح، وليس له في البخاري إلا هذا الموضع.

(10/363)


72 - باب الْقَزَعِ
5920- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنِي مَخْلَدٌ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَفْصٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ نَافِعٍ أَخْبَرَهُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ الْقَزَعِ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: قُلْتُ: وَمَا الْقَزَعُ؟ فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: إِذَا حَلَقَ الصَّبِيَّ وَتَرَكَ هَا هُنَا شَعَرَةً

(10/363)


باب تطييب المرأة زوجها بيدها
...
3 - باب تَطْيِيبِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا بِيَدَيْهَا
5922- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "طَيَّبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي لِحُرْمِهِ وَطَيَّبْتُهُ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ".
قوله: "باب تطيب المرأة زوجها بيديها" كأن فقه هذه الترجمة من جهة الإشارة إلى الحديث الوارد في الفرق بين طيب الرجل والمرأة، وأن طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه والمرأة بالعكس، فلو كان ذلك ثابتا لامتنعت المرأة من تطيب زوجها لما يعلق بيديها وبدنها منه حالة تطييبها له، وكان يكفيه أن يطيب نفسه، فاستدل المصنف بحديث عائشة المطابق للترجمة، وقد تقدم مشروحا في الحج، وهو ظاهر فيما ترجم له، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي وصححه الحاكم من حديث عمران بن حصين وله شاهد عن أبي موسى الأشعري عند الطبراني في "الأوسط" ووجه التفرقة أن المرأة مأمورة بالاستتار حالة بروزها من منزلها، والطيب الذي له رائحة لو شرع لها كانت فيه زيادة في الفتنة بها، وإذا كان الخبر ثابتا فالجمع بينه وبين حديث الباب أن لها مندوحة أن تغسل أثره إذا أرادت الخروج، لأن منعها خاص بحالة الخروج والله أعلم. وألحق بعض العلماء بذلك لبسها النعل الصرارة وغير ذلك مما يلفت النظر إليها. وأحمد بن محمد شيخ البخاري فيه هو المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك ويحيى هو ابن سعد الأنصاري. قوله: "طيبته بيدي لحرمه، وطيبته بيدي بمنى قبل أن يفيض" سيأتي بعد أبواب من وجه آخر عنها أنها طيبته بذريرة.

(10/366)


74 - باب الطِّيبِ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ
5923- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ".
قوله: "باب الطيب في الرأس واللحية" إن كان باب بالتنوين فيكون ظاهر الترجمة الحصر في ذلك، وإن كان بالإضافة فالتقدير باب حكم الطيب أو مشروعية الطيب. قوله: "حدثني إسحاق بن نصر" هو ابن إبراهيم بن نصر نسبه إلى جده، وإسرائيل هو ابن يونس، وأبو إسحاق هو السبيعي. قوله: "بأطيب ما أجد" يؤيد ما ذكرته في الباب الذي قبله، ولعله أشار بالترجمة إلى الحديث المذكور في التفرقة بين طيب الرجال والنساء. وقال ابن بطال: يؤخذ منه أن طيب الرجال لا يجعل في الوجه بخلاف طيب النساء، لأنهن يطيبن وجوههن ويتزين بذلك بخلاف الرجال، فإن تطييب الرجل في وجهه لا يشرع لمنعه من التشبه بالنساء.

(10/366)


75 - باب الِامْتِشَاطِ
5924- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ "أَنَّ رَجُلاً

(10/366)


76 - باب تَرْجِيلِ الْحَائِضِ زَوْجَهَا
5920- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا حَائِضٌ".
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ... مِثْلَهُ
قوله: "باب ترجيل الحائض زوجها" أي تسريحها شعره. حديث مالك عن ابن شهاب وهشام بن عروة فرقهما كلاهما عن عروة عن عائشة، وقد تقدم في الطهارة عن عبد الله بن يوسف الذي أخرجه عنه هنا عن مالك عن الزهري فقط، والحديث في الموطأ هكذا مفرقا عند أكثر الرواة، ورواه خالد بن مخلد وابن وهب ومعن بن عيسى وعبد الله بن نافع وأبو حذافة عن مالك عن ابن شهاب وهشام بن عروة جميعا عن عروة أخرجها الدار قطني في "الموطآت". قوله: "كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض" كذا عند جميع الرواة عن مالك، ورواه أبو حذافة عنه عن هشام بلفظ: "أنها كانت تغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مجاور في المسجد وهي حائض يخرجه إليها" أخرجه الدار قطني أيضا.

(10/368)


77 - باب التَّرْجِيلِ وَالتَّيَمُّنِ
5926- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ مَا اسْتَطَاعَ فِي تَرَجُّلِهِ وَوُضُوئِهِ".
قوله: "باب الترجيل والتيمن فيه" ذكر فيه حديث عائشة "كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله" وقد تقدم شرحه في الطهارة. والتيمن في الترجل أن يبدأ بالجانب الأيمن وأن يفعله باليمنى، قال ابن بطال: الترجيل تسريح شعر الرأس واللحية ودهنه، وهو من النظافة وقد ندب الشرع إليها. وقال الله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وأما حديث النهي عن الترجل إلا غبا يعني الحديث الذي أشرت إليه قريبا فالمراد به ترك المبالغة في الترفه وقد روى أبو أمامة بن ثعلبة رفعه: "البذاذة من الإيمان" اهـ. وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود، والبذاذة بموحدة ومعجمتين رثاثة الهيئة، والمراد بها هنا ترك الترفه والتنطع في اللباس والتواضع فيه مع القدرة لا بسبب جحد نعمة الله تعالى. وأخرج النسائي من طريق عبد الله بن بريدة "أن رجلا من الصحابة يقال له عبيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن كثير من الإرفاه" قال ابن بريدة الإرفاه الترجل. قلت: الإرفاه بكسر الهمزة وبفاء وآخره هاء التنعم والراحة، ومنه الرفه بفتحتين وقيده في الحديث بالكثير إشارة إلى أن الوسط المعتدل منه لا يذم، وبذلك يجمع بين الأخبار. وقد أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي هريرة رفعه: "من كان له شعر فليكرمه" وله شاهد من حديث عائشة في "الغيلانيات" وسنده حسن أيضا.

(10/368)


78 - باب مَا يُذْكَرُ فِي الْمِسْكِ
5927- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ"
قوله: "باب ما يذكر في المسك" قد تقدم التعريف به في كتاب الذبائح حيث ترجم له "باب المسك". حديث أبي هريرة رفعه: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم" الحديث من أجل قوله: "أطيب عند الله من ريح المسك" وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الصيام، وقوله هنا: "فإنه لي وأنا أجزي به" ظاهر سياقه أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك وإنما هو من كلام الله عز وجل. وهو من رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل، كذلك أخرجه المصنف في التوحيد من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يرويه عن ربكم عز وجل، قال: لكل عمل كفارة فالصوم لي وأنا أجزي به" الحديث. وأخرجه الشيخان من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله غز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" ولمسلم من طريق ضرار بن مرة عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعد قالا: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يقول: "إن الصوم لي وأنا أجزي به" وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الصيام مع الإشارة إلى ما بينت هنا، وذكرت أقوال العلماء في معنى إضافته سبحانه وتعالى الصيام إليه بقوله: "فإنه في" ونقلت عن أبي الخير الطالقاني أنه أجاب عنه بأجوبة كثيرة نحو الخمسين، وأنني لم أقف عليه، وقد يسر الله تعالى الوقوف على كلامه، وتتبعت ما ذكره متأملا فلم أجد فيه زيادة على الأجوبة العشرة التي حررتها هناك إلا إشارات صوفية وأشياء تكررت معنى وإن تغايرت لفظا وغالبها يمكن ردها إلى ما ذكرته، فمن ذلك قوله لأنه عبادة خالية عن السعي، وإنما هي ترك محض. وقوله: يقول هو لي فلا يشغلك ما هو لك عما هو في. وقوله: من شغله ما لي عني أعرضت عنه وإلا كنت له عوضا عن الكل. وقوله لا يقطعك ما لي عني. وقوله: لا يشغلك الملك عن المالك. وقوله: فلا تطلب غيري. وقوله: فلا يفسد ما لي عليك بك. وقوله: فاشكرني على أن جعلتك محلا للقيام بما هو لي. وقوله: فلا تجعل لنفسك فيه حكما. وقوله فمن ضيع حرمة ما لي ضيعت حرمة ما له لأن فيه جبر الفرائض والحدود. وقوله فمن أداه بما لي وهو نفسه صح البيع. وقوله فكن حيث تصلح أن تؤدي ما لي. وقوله أضافه إلى نفسه لأن به يتذكر العبد نعمة الله عليه في الشبع. وقوله لأن فيه تقديم رضا الله على هوى النفس. وقوله لأن فيه التمييز بين الصائم المطيع وبين الآكل العاصي. وقوله: لأنه كان محل نزول القرآن. وقوله لأن ابتداءه على المشاهدة وانتهاءه على المشاهدة لحديث: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" وقوله: لأن فيه رياضة النفس بترك المألوفات. وقوله: لأن فيه حفظ الجوارح عن المخالفات. وقوله: لأن فيه قطع الشهوات. وقوله لأن فيه مخالفة النفس بترك محبوبها وفي مخالفة النفس موافقة الحق. وقوله: لأن فيه فرحة اللقاء. وقوله لأن فيه مشاهدة الآمر به. وقوله لأن فيه مجمع العبادات لأن مدارها على الصبر والشكر وهما حاصلان فيه. وقوله معناه الصائم لي لأن الصوم صفة الصائم وقوله معنى الإضافة الإشارة إلى الحماية لئلا يطمع الشيطان في إفساده. وقوله لأنه عبادة استوى فيها الحر والعبد والذكر والأنثى، وهذا عنوان ما ذكره مع إسهاب في العبارة، ولم أستوعب ذلك لأنه ليس على شرطي في هذا

(10/369)


الكتاب، وإنما كنت أجد النفس متشوقة إلى الوقوف على تلك الأجوبة، وغالب من نقل عنه من شيوخنا لا يسوقها وإنما يقتصر على أن الطالقاني أجاب عنه بنحو من خمسين أو ستين جوابا ولا يذكر منه شيئا، فلا أدري أتركوه إعراضا أو مللا، أو اكتفى الذي وقف عليه أولا بالإشارة ولم يقف عليه من جاء من بعده، والله أعلم.

(10/370)


3 - باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الطِّيبِ
5928- حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ".
قوله: "باب ما يستحب من الطيب" كأنه يشير إلى أنه يندب استعمال أطيب ما يوجد من الطيب، ولا يعدل إلى الأدنى مع وجود الأعلى، ويحتمل أن يشير إلى التفرقة بين الرجال والنساء في التطيب كما تقدمت الإشارة إليه قريبا. قوله: "حدثنا موسى" هو ابن إسماعيل ووهيب هو ابن خالد وهشام هو ابن عروة. قوله: "عن عثمان بن عروة" هكذا أدخل هشام بينه وبين أبيه عروة في هذا الحديث أخاه عثمان، وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة أن عثمان قال له: ما يروي هشام هذا الحديث إلا عني اهـ. وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه أن الليث وداود العطار وأبا أسامة وافقوا وهيب بن خالد عن هشام في ذكر عثمان، وأن أيوب وابن المبارك وابن نمير وغيرهم رووه عن هشام عن أبيه بدون ذكر عثمان. قلت: ورواية الليث عند النسائي والدارمي، ورواية داود العطار عند أبي عوانة. ورواية أبي أسامة وصلها مسلم. ورواية أيوب عند النسائي. وذكر الدار قطني أن إبراهيم بن طهمان وابن إسحاق وحماد بن سلمة في آخرين رووه أيضا عن هشام بدون ذكر عثمان، قال: ورواه ابن عيينة عن هشام عن عثمان قال: ثم لقيت عثمان فحدثني به وقال لي: لم يروه هشام إلا عني. قال الدار قطني: لم يسمعه هشام عن أبيه وإنما سمعه من أخيه عن أبيه. وأخرج الإسماعيلي عن سفيان قال: لا أعلم عند عثمان إلا هذا الحديث اهـ. وقد أورد له أحمد في مسنده حديثا آخر في فضل الصف الأول وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. قوله: "عند إحرامه بأطيب ما أجد" في رواية أبي أسامة بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم ثم يحرم. وفي رواية أحمد عن ابن عيينة "حدثنا عثمان أنه سمع أباه يقول: سألت عائشة بأي شيء طيبت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: بأطيب الطيب" وكذا أخرجه مسلم، وله من طريق عمرة عن عائشة "لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت" ومن طريق الأسود عن عائشة "كان إذا أراد أن يحرم بتطيب بأطيب ما يجد" وله من وجه آخر عن الأسود عنها "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم" ومن طريق القاسم عن عائشة "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بطيب فيه مسك" وقد تقدم بسط هذا الموضع والبحث في أحكامه في كتاب الحج، والغرض منه هنا أن المراد بأطيب الطيب المسك، وقد ورد ذلك صريحا أخرجه مالك من حديث أبي سعيد رفعه قال: "المسك أطيب الطيب" وهو عند مسلم أيضا.

(10/370)


80 - باب مَنْ لَمْ يَرُدَّ الطِّيبَ
5929- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ

(10/370)


81 - باب الذَّرِيرَةِ
5930- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَوْ مُحَمَّدٌ عَنْهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ سَمِعَ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمَ يُخْبِرَانِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالإِحْرَامِ".
قوله: "باب الذريرة" بمعجمة وراءين بوزن عظيمة، وهي نوع من الطيب مركب، قال الداودي تجمع مفرداته ثم تسحق وتنخل ثم تذر في الشعر والطوق فلذلك سميت ذريرة، كذا قال، وعلى هذا فكل طيب مركب ذريرة، لكن الذريرة نوع من الطيب مخصوص يعرفه أهل الحجاز وغيرهم، وجزم غير واحد منهم النووي بأنه فتاب قصب طيب يجاء به من الهند. قوله: "حدثنا عثمان بن الهيثم أو محمد عنه" أما محمد فهو ابن يحيى الذهلي، وأما عثمان فهو من شيوخ البخاري، وقد أخرج عنه عدة أحاديث بلا واسطة منها في أواخر الحج، وفي النكاح. وأخرج عنه في الأيمان والنذور كما سيأتي حديثا آخر بمثل هذا التردد. قوله: "أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة" أي ابن الزبير وهو مدني ثقة قليل الحديث ما له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد، وقد ذكر ابن حبان في أتباع التابعين من الثقات. قوله: "سمع عروة" هو جده والقاسم هو ابن محمد بن أبي بكر. قوله: "بذريرة" كأن الذريرة كان فيها مسك بدليل الرواية الماضية. قوله: "للحل والإحرام" كذا وقع مختصرا هنا وكذا لمسلم، وأخرجه

(10/371)


الإسماعيلي من رواية روح بن عبادة عن ابن جريج بلفظ: "حين أحرم وحين رمى الجمرة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت".

(10/372)


82 - باب الْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ
5931- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى مَالِي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}
قوله: "باب المتفلجات للحسن" أي لأجل الحسن، والمتفلجات جمع متفلجة وهي التي تطلب الفلج أو تصنعه، والفلج بالفاء واللام والجيم انفراج ما بين الثنيتين، والتفلج أن يفرج بين المتلاصقين بالمبرد ونحوه، وهو مختص عادة بالثنايا والرباعيات، ويستحسن من المرأة فربما صنعته المرأة التي تكون أسنانها متلاصقة لتصير متفلجة، وقد تفعله الكبيرة توهم أنها صغيرة، لأن الصغيرة غالبا تكون مفلجة جديدة السن، ويذهب ذلك في الكبر، وتحديد الأسنان يسمى الوشر بالراء، وقد ثبت النهي عنه أيضا في بعض طرق حديث ابن مسعود ومن حديث غيره في السنن وغيرها، وستأتي الإشارة إليه في آخر "باب الموصولة" فورد النهي عن ذلك لما فيه من تغيير الخلقة الأصلية. قوله: "حدثنا عثمان" هو ابن أبي شيبة، وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر وإبراهيم هو النخعي، وعلقمة هو ابن قيس، والإسناد كله كوفيون. وقال الدار قطني: تابع منصور الأعمش. ومن أصحاب الأعمش من لم يذكر عنه علقمة في السند. وقال إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي عن أم يعقوب عن ابن مسعود، والمحفوظ قول منصور. قوله: "لعن الله الواشمات" جمع واشمة بالشين المعجمة وهي التي تشم "والمستوشمات" جمع مستوشمة وهي التي تطلب الوشم، ونقل ابن التيم عن الداودي أنه قال: الواشمة التي يفعل بها الوشم والمستوشمة التي تفعله، ورد عليه ذلك. وسيأتي بعد بابين من وجه آخر عن منصور بلفظ: "المستوشمات" وهو بكسر الشين التي تفعل ذلك وبفتحها التي تطلب ذلك، ولمسلم من طريق مفضل بن مهلهل عن منصور "والموشومات" وهي من يفعل بها الوشم. قال أهل اللغة: الوشم بفتح ثم سكون أن يغرز في العضو إبرة أو نحوها حتى يسيل الدم ثم يحشى بنورة أو غيرها فيخضر. وقال أبو داود في السنن. الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة المعمول بها انتهى. وذكر الوجه للغالب وأكثر ما يكون في الشفة وسيأتي عن نافع في آخر الباب الذي يليه أنه يكون في اللثة، فذكر الوجه ليس قيدا، وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد، وقد يفعل ذلك نقشا، وقد يجعل دوائر، وقد يكتب اسم المحبوب، وتعاطيه حرام بدلالة اللعن كما في حديث الباب، ويصير الموضع الموشوم نجسا لأن الدم انحبس فيه فتجب إزالته إن أمكنت ولو بالجرح إلا إن خاف منه تلفا أو شينا أو فوات منفعة عضو فيجوز إبقاؤه، وتكفي التوبة في سقوط الإثم، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة. قوله: "والمتنمصات" يأتي شرحه في باب مفرد يلي الباب الذي يليه، ووقع عند أبي داود عن محمد بن عيسى عن جرير "الواصلات" بدل المتنمصات هنا. قوله: "والمتفلجات للحسن" يفهم منه أن المذمومة من فعلت ذلك لأجل الحسن

(10/372)


فلو احتاجت إلى ذلك لمداواة مثلا جاز. قوله: "المغيرات خلق الله" هي صفة لازمة لمن يصنع الوشم والنمص والفلج وكذا الوصل على إحدى الروايات. قوله: "ما لي لا ألعن" كذا هنا باختصار، ويأتي بعد باب عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير بزيادة ولفظه: "فقالت أم يعقوب ما هذا" وأخرجه مسلم عن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم شيخي البخاري فيه أتم سياقا منه فقال: "بلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات الخ؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن؟" وذكر مسلم أن السياق لإسحاق. وقد أخرجه أبو داود عن عثمان وسياقه موافق لسياق إسحاق إلا في أحرف يسيرة لا تغير المعنى وسبق في تفسير سورة الحشر للمصنف من طريق الثوري عن منصور بتمامه، لكن لم يقل فيه: "وكانت تقرأ القرآن" وما في قول ابن مسعود "ما لي لا ألعن" استفهامية، وجوز الكرماني أن تكون نافية وهو بعيد. قوله: "وهو في كتاب الله" { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ} كذا أورده مختصرا، زاد في رواية إسحاق "فقالت والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته" وفي رواية مسلم عن عثمان "ما بين لوحي المصحف" والمراد به ما يجعل المصحف فيه، وكانوا يكتبون المصحف في الرق ويجعلون له دفتين من خشب، وقد يطلق على الكرسي الذي يوضع عليه المصحف اسم لوحين، قوله: "فقالت والله لقد قرأت" في رواية مسلم: "لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه" كذا فيه بإثبات الياء في الموضعين وهي لغة، والأفصح حذفها في خطاب المؤنث في الماضي. قوله: "وما آتاكم الرسول - إلى - فانتهوا" في رواية مسلم: "قال الله عز وجل وما آتاكم الخ" وزاد: "فقالت المرأة إني أرى شيئا من هذا على امرأتك" وقد تقدم ذلك في تفسير الحشر، وقد أخرجه الطبراني من طريق مسروق عن عبد الله وزاد في آخره: "فقال عبد الله ما حفظت وصية شعيب إذا" يعني قوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} وفي إطلاق ابن مسعود نسبة لعن من فعل ذلك إلى كتاب الله وفهم أم يعقوب منه أنه أراد بكتاب الله القرآن وتقريره لها على هذا الفهم ومعارضتها له بأنه ليس في القرآن وجوابه بما أجاب دلالة على جواز نسبة ما يدل عليه الاستنباط إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم نسبة قولية، فكما جاز نسبة لعن الواشمة إلى كونه في القرآن لعموم قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} مع ثبوت لعنه صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك يجوز نسبة من فعل أمرا يندرج في عموم خبير نبوي ما يدل على منعه إلى القرآن، فيقول القائل مثلا: لعن الله من غير منار الأرض في القرآن، ويستند في ذلك إلى أنه صلى الله عليه وسلم لعن من فعل ذلك. " تنبيه ": أم يعقوب المذكورة في هذا الحديث لا يعرف اسمها وهي من بني أسد بن خزيمة، ولم أقف لها على ترجمة، ومراجعتها ابن مسعود تدل على أن لها إدراكا، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(10/373)


باب وصل الشعر
...
83 - باب الْوَصْلِ فِي الشَّعَرِ
5932- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ "أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ بِيَدِ حَرَسِيٍّ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ: إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ".

(10/373)


5933- وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ" .
5934- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ جَارِيَةً مِنْ الأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ شَعَرُهَا فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ" .
تَابَعَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ.
5935- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنِّي أَنْكَحْتُ ابْنَتِي ثُمَّ أَصَابَهَا شَكْوَى فَتَمَرَّقَ رَأْسُهَا وَزَوْجُهَا يَسْتَحِثُّنِي بِهَا أَفَأَصِلُ رَأْسَهَا فَسَبَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ".
[الحديث 5935 – طرفاه في: 5936، 5941]
5936- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: "لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ" .
5937- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ" . وَقَالَ نَافِعٌ: الْوَشْمُ فِي اللِّثَةِ.
[الحديث 5937 – أطرافه في: 5940، 5942، 5947]
5938- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: "قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ قَالَ مَا كُنْتُ أَرَى أَحَداً يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ الْيَهُودِ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ الزُّورَ يَعْنِي الْوَاصِلَةَ فِي الشَّعَرِ".
قوله: "باب وصل الشعر" أي الزيادة فيه من غيره. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "عن حميد بن عبد الرحمن" في رواية معمر عن الزهري "حدثني حميد بن عبد الرحمن" أخرجه أحمد. وفي رواية يونس عن الزهري أنبأنا حميد أخرجه الترمذي. وقد أخرج مسلم روايتي معمر ويونس، لكن أحال بهما على رواية مالك. وأخرجه الطبراني من طريق النعمان بن راشد عن الزهري فقال: "عن السائب بن يزيد" بدل حميد بن عبد الرحمن، وحميد هو المحفوظ. قوله: "عام حج" تقدم في ذكر بني إسرائيل من طريق سعيد بن المسيب عن معاوية تعيين العام المذكور. قوله: "وتناول قصة من شعر

(10/374)


كانت بيد حرسي" القصة بضم القاف وتشديد المهملة الخصلة من الشعر. وفي رواية سعيد بن المسيب "كبة" ولمسلم من وجه آخر عن سعيد بن المسيب "أن معاوية قال: إنكم أخذتم زي سوء؛ وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة" والحرسي بفتح الحاء والراء وبالسين المهملات نسبة إلى الحرس وهم خدم الأمير الذين يحرسونه، ويقال للواحد حرسي لأنه اسم جنس، وعند الطبراني من طريق عروة عن معاوية من الزيادة "قال: وجدت هذه عند أهلي وزعموا أن النساء يزدنه في شعورهن" وهذا يدل على أنه لم يكن يعرف ذلك في النساء قبل ذلك. وفي رواية سعيد بن المسيب "ما كنت أرى يفعل ذلك إلا اليهود". قوله: "أين علماؤكم؟" تقدم في ذكر بني إسرائيل أن فيه إشارة إلى قلة العلماء يومئذ بالمدينة، ويحتمل أنه أراد بذلك إحضارهم ليستعين بهم على ما أراد من إنكار ذلك أو لينكر عليهم سكوتهم عن إنكارهم هذا الفعل قبل ذلك. قوله: "إنما هلكت بنو إسرائيل" في رواية معمر عند مسلم إنما عذب بنو إسرائيل، ووقع في رواية سعيد بن المسيب المذكورة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه فسماه الزور" وفي رواية قتادة عن سعيد عند مسلم: "نهى عن الزور" وفي آخره: "ألا وهذا الزور" قال قتادة: يعني ما تكثر به النساء أشعارهن من الخرق. وهذا الحديث حجة للجمهور في منع وصل الشعر بشيء آخر سواء كان شعرا أم لا، ويؤيده حديث جابر "زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة بشعرها شيئا" أخرجه مسلم. وذهب الليث ونقله أبو عبيدة عن كثير من الفقهاء أن الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر، وأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة وغيرها فلا يدخل في النهي. وأخرج أبو داود بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: لا بأس بالقرامل؛ وبه قال أحمد والقرامل جمع قرمل بفتح القاف وسكون الراء نبات طويل الفروع لين، والمراد به هنا خيوط من حرير أو صوف يعمل ضفائر تصل به المرأة شعرها، وفصل بعضهم بين ما إذا كان ما وصل به الشعر من غير الشعر مستورا بعد عقده مع الشعر بحيث يظن أنه من الشعر، وبين ما إذا كان ظاهرا، فمنع قوم الأول فقط لما فيه من التدليس وهو قوي، ومنهم من أجاز الوصل مطلقا سواء كان بشعر آخر أو بغير شعر إذا كان بعلم الزوج وبإذنه، وأحاديث الباب حجة عليه. ويستفاد من الزيادة في رواية قتادة منع تكثير شعر الرأس بالخرق كما لو كانت المرأة مثلا قد تمزق شعرها فتضع عوضه خرقا توهم أنها شعر. وقد أخرج مسلم عقب حديث معاوية هذا حديث أبي هريرة وفيه: "ونساء كاسيات عاريات رءوسهن كأسنمة البخت"، قال النووي: يعني يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوها، قال: وفي الحديث ذم ذلك. وقال القرطبي: البخت بضم الموحدة وسكون المعجمة ثم مثناة جمع بختية وهي ضرب من الإبل عظام الأسنمة والأسنمة بالنون جمع سنام وهو أعلى ما في ظهر الجمل شبه رءوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رءوسهن تزيينا وتصنعا، وقد يفعلن ذلك بما يكثرن به شعورهن. "تنبيه": كما يحرم على المرأة الزيادة في شعر رأسها يحرم عليها حلق شعر رأسها بغير ضرورة، وقد أخرج الطبري من طريق أم عثمان بنت سفيان عن ابن عباس قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها" وهو عند أبي داود من هذا الوجه بلفظ: "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير" والله أعلم. حديث أبي هريرة. قوله: "وقال ابن أبي شيبة" هو أبو بكر كذا أخرجه في مسنده ومصنفه بهذا الإسناد، ووصله أبو نعيم في "المستخرج" من طريقه، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة عن يونس بن محمد كذلك، فيحتمل أن يكون هو المراد لأن أبا بكر وعثمان كلاهما من شيوخ البخاري، ويونس هو المؤدب، وفليح هو ابن سليمان. قوله: "لعن الله

(10/375)


الواصلة" أي التي تصل الشعر سواء كان لنفسها أم لغيرها "والمستوصلة" أي التي تطلب فعل ذلك ويفعل بها، وكذا القول في الواشمة والمستوشمة، وتقدم تفسيره. وهذا صريح في حكاية ذلك عن الله تعالى إن كان خبرا فيستغنى عن استنباط ابن مسعود، ويحتمل أن يكون دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على من فعلت ذلك. قوله: "الحسن بن مسلم بن يناق" بفتح التحتانية وتشديد النون وآخره قاف كأنه اسم عجمي، ويحتمل أن يكون اسم فعال من الأنيق وهو الشيء الحسن المعجب فسهلت همزته ياء، والحسن المذكور تابعي صغير من أهل مكة ثقة عندهم وكان كثير الرواية عن طاوس ومات قبله. قوله: "أن جارية من الأنصار تزوجت" تقدم ما يتعلق بتسميتها وتسمية الزوج في كتاب النكاح. قوله: "فتمعط" بالعين والطاء المهملتين أي خرج من أصله، وأصل المعط المد كأنه مد إلى أن تقطع، ويطلق أيضا على من سقط شعره. قوله: "فأرادوا أن يصلوها" أي يصلوا شعرها، وقوله: "فسألوا" تقدم هناك أن السائل أمها، وهو في حديث أسماء بنت أبي بكر الذي يلي هذا. قوله: "تابعه ابن إسحاق عن أبان بن صالح عن الحسن" هو ابن مسلم، وهذه المتابعة رويناها موصولة في "أمالي المحاملي" من رواية الأصبهانيين عنه، ثم من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق "حدثني أبان بن صالح" فذكره وصرح بالتحديث في جميع السند وأول الحديث عنده "أن امرأة سألت عائشة - وهي عندها - عن وصل المرأة رأسها بالشعر" فذكر الحديث وقال فيه: "فتمرق" بالراء والقاف. وقال فيه: "أفأضع على رأسها شيئا" والباقي مثله. وفائدة هذه المتابعة أن يعلم أن الحديث عند صفية بنت شيبة عن عائشة وعن أسماء بنت أبي بكر جميعا، ولأبان بن صالح في هذا المعنى حديث آخر أخرجه أبو داود من رواية أسامة بن زيد عنه عن مجاهد عن ابن عباس فذكر الحديث المرفوع دون القصة وزاد فيه النامصة والمتنمصة وقال في آخره: "والمستوشمة من غير داء" وسنده حسن، ويستفاد منه أن من صنعت الوشم عن غير قصد له بل تداوت مثلا فنشأ عنه الوشم أن لا تدخل في الزجر. قوله: "منصور بن عبد الرحمن" هو الحجبي وأمه هي صفية بنت شيبة، وفضيل بن سليمان راويه عن منصور وإن كان في حفظه شيء، لكن قد تابعه وهيب بن خالد عن منصور عند مسلم، وأبو معشر البراء عند الطبراني. قوله: "فتمزق" بالزاي أي تقطع، كذا للكشميهني والحموي وهي رواية مسلم، وبالراء للباقين أي مرق من أصله وهو أبلغ، ويحتمل أن يكون من المرق وهو نتف الصوف، وللطبراني من طريق محمد بن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر "فأصابتها الحصبة أو الجدري فسقط شعرها، وقد صحت وزوجها يستحثنا وليس على رأسها شعر، أفنجعل على رأسها شيئا نجملها به؟" الحديث. وقوله: "أفأصل رأسها؟" في رواية الكشميهني: "شعرها" وهو المراد بالرواية الأخرى. قوله: "فسب" بالمهملة والموحدة أي لعن كما صرح به في الرواية الأخرى. قوله: "عن امرأته فاطمة" هي بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي بنت عم هشام بن عروة الراوي عنها، وأسماء بنت أبي بكر هي جدتهما معا لأنها أم المنذر وأم عروة، وهذه الطريق تؤكد رواية منصور بن عبد الرحمن عن أمه، وأن للحديث عن أسماء بنت أبي بكر أصلا ولو كان مختصرا. قوله: "الواصلة والمستوصلة" هذا القدر الذي وجدته من حديث أسماء فكأنها ما سمعت الزيادة التي في حديث أبي هريرة وفي حديث ابن عمر في الواشمة والمستوشمة فأخرج الطبري بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم قال: "دخلت مع أبي على أبي بكر الصديق فرأيت يد أسماء موشومة" قال الطبري: كأنها كانت صنعته قبل النهي فاستمر في يدها، قال:

(10/376)


ولا يظن بها أنها فعلته بعد النهي لثبوت النهي عن ذلك. قلت: فيحتمل أنها لم تسمعه، أو كانت بيدها جراحة فداوتها فبقي الأثر مثل الوشم في يدها. قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك، وعبيد الله بالتصغير هو ابن عمر العمري. قوله: "قال نافع: الوشم في اللثة" بكسر اللام وتخفيف المثلثة وهي ما على الأسنان من اللحم وقال الداودي: هو أن يعمل على الأسنان صفرة أو غيرها، كذا قال، ولم يرد نافع الحصر في كون الوشم في اللثة بل مراده أنه قد يقع فيها. وفي هذه الأحاديث حجة لمن قال يحرم الوصل في الشعر والوشم والنمص على الفاعل والمفعول به، وهي حجة على من حمل النهي فيه على التنزيه، لأن دلالة اللعن على التحريم من أقوى الدلالات، بل عند بعضهم أنه من علامات الكبيرة. وفي حديث عائشة دلالة على بطلان ما روي عنها أنها رخصت في وصل الشعر بالشعر وقالت: إن المراد بالواصل المرأة تفجر في شبابها ثم تصل ذلك بالقيادة، وقد رد ذلك الطبري وأبطله بما جاء عن عائشة في قصة المرأة المذكورة في الباب. حديث معاوية وفيه طهارة شعر الآدمي لعدم الاستفصال، وإيقاع المنع على فعل الوصل لا على كون الشعر نجسا، وفيه نظر، وفيه جواز إبقاء الشعر وعدم وجوب دفنه، وفيه قيام الإمام بالنهي على المنبر ولا سيما إذا رآه فاشيا فيفشي إنكاره تأكيدا ليحذر منه، وفيه إنذار من عمل المعصية بوقوع الهلاك بمن فعلها قبله كما قال تعالى: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} وفيه جواز تناول الشيء في الخطبة ليراه من لم يكن رآه للمصلحة الدينية وفيه إباحة الحديث عن بني إسرائيل وكذا غيرهم من الأمم للتحذير مما عصوا فيه.

(10/377)


84 - باب الْمُتَنَمِّصَاتِ
5939- حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: "لعن عبد الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله وفي كتاب الله قالت والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته قال والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} . قوله: "باب المتنمصات" جمع متنمصة وحكى ابن الجوزي منتمصة بتقديم الميم على النون وهو مقلوب، والمتنمصة التي تطلب النماص، والنامصة التي تفعله، والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى المنقاش منماصا لذلك، ويقال إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما. قال أبو داود في السنن: النامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه. ذكر فيه حديث ابن مسعود الماضي في "باب المتفلجات" قال الطبري: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماس الحسن لا للزوج ولا لغيره كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه، ومن تكون لها سن زائدة فتقلعها أو طويلة فتقطع منها أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف، ومن يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوله أو تغزره بشعر غيرها، فكل ذلك داخل في النهي. وهو من تغيير خلق الله تعالى. قال: ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيقها في الأكل أو إصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك، والرجل في هذا الأخير

(10/377)


كالمرأة. وقال النووي: يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب. قلت: وإطلاقه مقيد بإذن الزوج وعلمه، وإلا فمتى خلا عن ذلك منع للتدليس. وقال بعض الحنابلة: إن كان النمص أشهر شعارا للفواجر امتنع وإلا فيكون تنزيها. وفي رواية يجوز بإذن الزوج إلا إن وقع به تدليس فيحرم، قالوا ويجوز الحف والتحمير والنقش والتطريف إذا كان بإذن الزوج لأنه من الزينة. وقد أخرج الطبري من طريق أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة وكانت شابة يعجبها الجمال فقالت: المرأة تحف. جبينها لزوجها فقالت: أميطي عنك الأذى ما استطعت. وقال النووي: يجوز التزين بما ذكر، إلا الحف فإنه من جملة النماص.

(10/378)


85 - باب الْمَوْصُولَةِ
5940- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ" .
5941- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَنَّهُ سَمِعَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ تَقُولُ سَمِعْتُ أَسْمَاءَ قَالَتْ: "سَأَلَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ فَامَّرَقَ شَعَرُهَا وَإِنِّي زَوَّجْتُهَا أَفَأَصِلُ فِيهِ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ" .
5942- حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْوَاشِمَةُ وَالْمُوتَشِمَةُ وَالْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ يَعْنِي لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
5943- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ مَا لِي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ".
قوله: "باب الموصولة" تقدمت مباحثه قبل بباب. قوله: "عبدة" هو ابن سليمان، وعبيد الله هو ابن عمر العمري. قوله: "المستوصلة" هي التي تطلب وصل شعرها. قوله: "أصابتها" في رواية الكشميهني: "أصابها" بالتذكير على إرادة الحب، والحصبة بفتح الحاء المهملة وسكون الصاد المهملة ويجوز فتحها وكسرها بعدها موحدة: بثرات حمر تخرج في الجلد متفرقة، وهي نوع من الجدري. قوله: "امرق" بتشديد الميم بعدها راء وأصله انمرق بنون فذهبت في الإدغام، ووقع في رواية الحموي والكشميهني بالزاي بدل الراء كما تقدم. قوله: "حدثني يوسف بن موسى حدثنا الفضل بن دكين" كذا للأكثر وهو كذلك في رواية النسفي. وفي رواية المستملي: "الفضل بن زهير" ولبعض رواة الفربري أيضا: "الفضل بن زهير أو الفضل بن دكين" وجزم مرة أخرى بالفضل بن زهير، قال أبو علي الغساني: هو الفضل بن دكين بن

(10/378)


حماد بن زهير فنسب مرة إلى جد أبيه وهو أبو نعيم شيخ البخاري، وقد حدث عنه بالكثير بغير واسطة، وحدث هنا وفي مواضع أخرى قليلة بواسطة. قوله: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أو قال قال النبي صلى الله عليه وسلم" شك من الراوي وقد أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من وجه آخر عن صخر بن جويرية بلفظ: "قال النبي صلى الله عليه وسلم". قوله: "لعن الله - ثم قال في آخره - يعني لعن النبي صلى الله عليه وسلم" لم يتجه لي هذا التفسير إلا إن كان المراد لعن الله على لسان نبيه أو لعن النبي صلى الله عليه وسلم للعن الله، وقد سقط الكلام الأخير من بعض الروايات وسقط من بعضها لفظ: "لعن الله" من أوله. وقد أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن صخر بن جويرية بلفظ: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم" وكذا في أول الباب، ويأتي كذلك بعد باب، وقد تقدم في آخر "باب وصل الشعر" بلفظ: "لعن الله" وكلها من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع. قوله: "والمستوصلة" في رواية النسائي من طريق محمد بن بشر عن عبيد الله بن عمر "الموتصلة" وهي بمعناها وكذا في حديث أسماء "الموصولة". قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك، وسفيان هو الثوري. ولم يقع في هذه الرواية للواصلة ولا للموصولة ذكر، وإنما أشار به إلى ما ورد في بعض طرقه وقد تقدم بيانه في "باب المتفلجات" وأنه صرح بذكر الواصلة فيه في التفسير، وعند أحمد والنسائي من طريق الحسن العوفي عن يحيى بن الخراز عن مسروق "أن المرأة جاءت إلى ابن مسعود فقالت: أنبئت أنك تنهى عن الواصلة؟ قال: نعم" القصة بطولها، وفي آخره: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النامصة والواشرة والواصلة والواشمة إلا من أذى".

(10/379)


86 - باب الْوَاشِمَةِ
5944- حَدَّثَنِي يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ الْوَشْمِ" .
حَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ ذَكَرْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ حَدِيثَ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ سَمِعْتُهُ مِنْ أُمِّ يَعْقُوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ... مِثْلَ حَدِيثِ مَنْصُورٍ.
5945- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي فَقَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ" .
قوله: "باب الواشمة" تقدم شرحه قريبا. حديث أبي هريرة "العين حق، ونهى عن الوشم" وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب الطب، ويأتي في الباب الذي يليه عن أبي هريرة بلفظ آخر في الوشم. حديث ابن مسعود أورده مختصرا من وجهين وقد تقدم بيانه في "باب المتفلجات". قوله: "رأيت أبي فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى" كذا أورده مختصرا وساقه في البيوع تاما ولفظه: "رأيت أبي اشترى حجاما فكسر محاجمه. فسألته عن ذلك" فذكر الحديث كالذي هنا وزاد: "وعن كسب الأمة" وسيأتي بأتم من سياقه في "باب من لعن المصور".

(10/379)


87 – بَاب الْمُسْتَوْشِمَةِ
5946- حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أُتِيَ عُمَرُ بِامْرَأَةٍ تَشِمُ فَقَامَ فَقَالَ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ مَنْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَشْمِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُمْتُ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا سَمِعْتُ قَالَ مَا سَمِعْتَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لاَ تَشِمْنَ وَلاَ تَسْتَوْشِمْنَ" .
5947- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ" .
5948- حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله".
قوله: "عن عمارة" هو ابن القعقاع بن شبرمة، وأبو زرعة هو ابن عمرو بن جرير. قوله: "أتي عمر بامرأة تشم" قلت لم تسم هذه المرأة. قوله: "أنشدكم بالله" يحتمل أن يكون عمر سمع الزجر عن ذلك فأراد أن يستثبت فيه، أو كان نسيه فأراد أن يتذكره، أو بلغه ممن لم يصرح بسماعه فأراد أن يسمعه ممن سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "فقال أبو هريرة" هو موصول بالسند المذكور. قوله: "لا تشمن" بفتح أوله وكسر المعجمة وسكون الميم ثم نون خطاب جمع المؤنث بالنهي، وكذا "ولا تستوشمن" أي لا تطلبن ذلك، وهذا يفسر قوله في الباب الذي قبله "نهى عن الوشم" وفائدة ذكر أبي هريرة قصة عمر إظهار ضبطه وأن عمر كان يستثبته في الأحاديث مع تشدد عمر، ولو أنكر عليه عمر ذلك لنقل. الحديث الثاني والحديث الثالث عن ابن عمر وعن ابن مسعود وقد تقدما. قال الخطابي: إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء لما فيها من الغش والخداع، ولو رخص في شيء منها لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش، ولما فيها من تغيير الخلقة، وإلى ذلك الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله: "المغيرات خلق الله" والله أعلم.

(10/380)


88 - باب التَّصَاوِيرِ
5949- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ تَصَاوِيرُ" وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: "باب التصاوير" جمع تصوير بمعنى الصورة والمراد بيان حكمها من جهة مباشرة صنعتها، ثم من جهة

(10/380)


استعمالها واتخاذها. قوله: "عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة" أي ابن مسعود. قوله: "عن أبي طلحة" هو زيد بن سهل الأنصاري زوج أم سليم والدة أنس. قوله: "وقال الليث حدثني يونس الخ" وصله أبو نعيم في "المستخرج" من طريق أبي صالح كاتب الليث حدثنا الليث، وفائدة هذا التعليق تصريح الزهري بن شهاب وتصريح شيخه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وكذا من فوقهما بالتحديث في جميع الإسناد، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عبد الله بن وهب عن يونس وفيه التصريح أيضا، ووقع في رواية الأوزاعي عن الزهري عن عبيد الله عن أبي طلحة لم يذكر ابن عباس بينهما، ورجح الدار قطني رواية من أثبته، وقد أخرجه مالك في الموطأ عن أبي النضر عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه دخل على أبي طلحة يعوده فذكر قصة وفيها المتن المذكور وزاد فيه استثناء الرقم في الثوب كما سيأتي البحث فيه، فلعل عبيد الله سمعه من ابن عباس عن أبي طلحة ثم لقي أبا طلحة لما دخل يعوده فسمعه منه، ويؤيد ذلك زيادة القصة في رواية أبي النضر لكن قال ابن عبد البر: الحديث لعبيد الله عن ابن عباس عن أبي طلحة، فإن عبيد الله لم يدرك أبا طلحة ولا سهل بن حنيف، كذا قال وكأن مستنده في ذلك أن سهل بن حنيف مات في خلافة علي وعبيد الله لم يدرك عليا بل قال علي بن المديني إنه لم يدرك زيد بن ثابت ولا رآه، وزيد مات بعد سهل بن حنيف بمدة، ولكن روى الحديث المذكور محمد بن إسحاق عن أبي النضر فذكر القصة لعثمان بن حنيف لا لسهل أخرجه الطبراني، وعثمان تأخر بعد سهل بمدة وكذلك أبو طلحة، فلا يبعد أن يكون عبيد الله أدركهما. قوله: "لا تدخل الملائكة" ظاهره العموم، وقيل: يستثنى من ذلك الحفظة فإنهم لا يفارقون الشخص في كل حالة، وبذلك جزم ابن وضاح والخطابي وآخرون، لكن قال القرطبي: كذا قال بعض علمائنا، والظاهر العموم، والمخصص يعني الدال على كون الحفظة لا يمتنعون من الدخول ليس نصا. قلت: ويؤيده أنه ليس من الجائز أن يطلعهم الله تعالى على عمل العبد ويسمعهم قوله وهم بباب الدار التي هو فيها مثلا، ويقابل القول بالتعميم القول بتخصيص الملائكة بملائكة الوحي، وهو قول من ادعى أن ذلك كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم كما سأذكره وهو شاذ. قوله: "بيتا فيه كلب" المراد بالبيت المكان الذي يستقر فيه الشخص سواء كان بناء أو خيمة أم غير ذلك، والظاهر العموم في كل كلب لأنه نكرة في سياق النفي، وذهب الخطابي وطائفة إلى استثناء الكلاب التي أذن في اتخاذها وهي كلاب الصيد والماشية والزرع، وجنح القرطبي إلى ترجيح العموم، وكذا قال النووي، واستدل لذلك بقصة الجرو التي تأتي الإشارة إليها في حديث ابن عمر بعد ستة أبواب، قال فامتنع جبريل من دخول البيت الذي كان فيه مع ظهور العذر فيه، قال فلو كان العذر لا يمنعهم من الدخول لم يمتنع جبريل من الدخول اهـ. ويحتمل أن يقال: لا يلزم من التسوية بين ما علم به أو لم يعلم فيما لم يؤمر باتخاذه أن يكون الحكم كذلك فيما أذن في اتخاذه قال القرطبي. واختلف في المعنى الذي في الكلب حتى منع الملائكة من دخول البيت الذي هو فيه، فقيل: لكونها نجسة العين، ويتأيد ذلك بما ورد في بعض طرق الحديث عن عائشة عند مسلم: "فأمر بنضح موضع الكلب" وقيل: لكونها من الشياطين، وقيل: لأجل النجاسة التي تتعلق بها فإنها تكثر أكل النجاسة وتتلطخ بها فينجس ما تعلقت به، وعلى هذا يحمل من لا يقول إن الكلب نجس العين نضح موضعه احتياطا لأن النضح مشروع لتطهير المشكوك فيه، واختلف في المراد بالملائكة فقيل: هو على العموم وأيده النووي بقصة جبريل الآتي ذكرها فقيل: يستثنى الحفظة، وأجاب الأول بجواز أن لا يدخلوا مع استمرار الكناية بأن يكونوا على باب البيت، وقيل: المراد من

(10/381)


نزل منهم بالرحمة، وقيل: من نزل بالوحي خاصة كجبريل، وهذا نقل عن ابن وضاح والداودي وغيرهما ويلزم منه اختصاص النهي بعهد النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الوحي انقطع بعده وبانقطاعه انقطع نزولهم. وقيل: التخصيص في الصفة أي لا يدخله الملائكة دخولهم بيت من لا كلب فيه. قوله: "ولا تصاوير" في رواية معمر الماضية في بدء الخلق عن الزهري "ولا صورة" بالإفراد، وكذا في معظم الروايات وفائدة إعادة حرف النفي الاحتراز من توهم القصر في عدم الدخول على اجتماع الصنفين، فلا يمتنع الدخول مع وجود أحدهما، فلما أعيد حرف النفي صار التقدير ولا تدخل بيتا فيه صورة، قال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن على ما سيأتي تقريره في "باب ما وطئ من التصاوير" بعد بابين، وتأتي الإشارة إلى تقوية ما ذهب إليه الخطابي في "باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة" وأغرب ابن حبان فادعى أن هذا الحكم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: وهو نظير الحديث الآخر "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس " قال فإنه محمول على رفقة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ محال أن يخرج الحاج والمعتمر لقصد بيت الله عز وجل على رواحل لا تصحبها الملائكة وهم وفد الله انتهى وهو تأويل بعيد جدا لم أره لغيره، ويزيل شبهته أن كونهم وفد الله لا يمنع أن يؤاخذوا بما يرتكبونه من خطيئة فيجوز أن يحرموا بركة الملائكة بعد مخالطتهم لهم إذا ارتكبوا النهي واستصحبوا الجرس، وكذا القول فيمن يقتني الصورة والكلب. والله أعلم. وقد استشكل كون الملائكة لا تدخل المكان الذي فيه التصاوير مع قوله سبحانه وتعالى عند ذكر سليمان عليه السلام {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} وقد قال مجاهد: كانت صورا من نحاس أخرجه الطبري. وقال قتادة: كانت من خشب ومن زجاج أخرجه عبد الرزاق. والجواب أن ذلك كان جائزا في تلك الشريعة وكانوا يعملون أشكال الأنبياء والصالحين منهم على هيئتهم في العبادة ليتعبدوا كعبادتهم، وقد قال أبو العالية: لم يكن ذلك في شريعتهم حراما ثم جاء شرعنا بالنهي عنه، ويحتمل أن يقال إن التماثيل كانت على صورة النقوش لغير ذوات الأرواح، وإذا كان اللفظ محتملا لم يتعين الحمل على المعنى المشكل، وقد ثبت في الصحيحين حديث عائشة في قصة الكنيسة التي كانت بأرض الحبشة وما فيها من التصاوير، وأنه صلى الله عليه وسلم قال: "كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله" فإن ذلك يشعر بأنه لو كان ذلك جائزا في ذلك الشرع ما أطلق عليه صلى الله عليه وسلم أن الذي فعله شر الخلق، فدل على أن فعل صور الحيوان فعل محدث أحدثه عباد الصور، والله أعلم.

(10/382)


89 - باب عَذَابِ الْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
5950- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ: "كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ فِي دَارِ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ فَرَأَى فِي صُفَّتِهِ تَمَاثِيلَ فَقَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ" .
5951- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ

(10/382)


رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ" .
[الحديث 5951 – طرفه في: 7558]
قوله: "باب عذاب المصورين يوم القيامة" أي الذين يصنعون الصور. قوله: "عن مسلم" هو ابن صبيح أبو الضحى وهو بكنيته أشهر، وجوز الكرماني أن يكون مسلم بن عمران البطين ثم قال إنه الظاهر، وهو مردود فقد وقع في رواية مسلم في هذا الحديث من طريق وكيع عن الأعمش عن أبي الضحى. قوله: "كنا مع مسروق" هو ابن الأجدع. قوله: "في دار يسار بن نمير" هو بتحتانية ومهملة خفيفة، وأبوه بنون مصغر؛ ويسار مدني سكن الكوفة وكان مولى عمر وخازنه، وله رواية عن عمر وعن غيره. وروى عنه أبو وائل وهو من أقرانه، وأبو بردة بن أبي موسى وأبو إسحاق السبيعي، وهو موثق ولم أر له في البخاري إلا هذا الموضع. قوله: "فرأى في صفته" بضم المهملة وتشديد الفاء في رواية منصور عن أبي الضحى عند مسلم: "كنت مع مسروق في بيت فيه تماثيل فقال لي مسروق هذه تماثيل كسرى، فقلت: لا هذه تماثيل مريم" كأن مسروقا ظن أن التصوير كان من مجوسي، وكانوا يصورون صورة ملوكهم حتى في الأواني، فظهر أن التصوير كان من نصراني لأنهم يصورون صورة مريم والمسيح وغيرهما ويعبدونها. قوله: "سمعت عبد الله" هو ابن مسعود وفي رواية منصور فقال: "أما إني سمعت عبد الله بن مسعود". قوله: "إن أشد الناس عذابا عند الله المصورون" وقع في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان "يوم القيامة" بدل قوله: "عند الله" وكذا هو في مسند ابن أبي عمر عن سفيان، وأخرجه عن الإسماعيلي من طريقه، فلعل الحميدي حدث به على الوجهين بدليل ما وقع في الترجمة، أو لما حدث به البخاري حدث به بلفظ: "عند الله" والترجمة مطابقة للفظ الذي في حديث ابن عمر ثاني حديثي الباب، والمراد بقوله: "عند الله" حكم الله. ووقع عند مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش أن "من أشد الناس" واختلف نسخه ففي بعضها "المصورين" وهي للأكثر وفي بعضها "المصورون" وهي لأحمد عن أبي معاوية أيضا، ووجهت بأن "من" زائدة واسم إن أشد، ووجهها ابن مالك على حذف ضمير الشأن والتقدير أنه من أشد الناس الخ. وقد استشكل كون المصور أشد الناس عذابا مع قوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابا من آل فرعون، وأجاب الطبري بأن المراد هنا من يصور ما يعبد من دون الله وهو عارف بذلك قاصدا له فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون وأما من لا يقصد ذلك فإنه يكون عاصيا بتصويره فقط. وأجاب غيره بأن الرواية بإثبات "من" ثابتة وبحذفها محمولة عليها، وإذا كان من يفعل التصوير من أشد الناس عذابا كان مشتركا مع غيره، وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب بل هم في العذاب الأشد، فكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشد، وقوى الطحاوي ذلك بما أخرجه من وجه آخر عن ابن مسعود رفعه: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين" وكذا أخرجه أحمد. وقد وقع بعض هذه الزيادة في رواية ابن أبي عمر التي أشرت إليها فاقتصر على المصور وعلى من قتله نبي. وأخرج الطحاوي أيضا من حديث عائشة مرفوعا: "أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل هجا رجلا فهجا القبيلة بأسرها" قال الطحاوي: فكل

(10/383)


واحد من هؤلاء يشترك مع الآخر في شدة العذاب. وقال أبو الوليد بن رشد في "مختصر مشكل الطحاوي" ما حاصله. إن الوعيد بهذه الصيغة إن ورد في حق كافر فلا إشكال فيه لأنه يكون مشتركا في ذلك مع آل فرعون ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور، وإن ورد في حق عاص فيكون أشد عذابا من غيره من العصاة ويكون ذلك دالا على عظم المعصية المذكورة. وأجاب القرطبي في "المفهم" بأن الناس الذين أضيف إليهم "أشد" لا يراد بهم كل الناس بل بعضهم وهم من يشارك في المعنى المتوعد عليه بالعذاب، ففرعون أشد الناس الذين ادعوا الإلهية عذابا، ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد عذابا ممن يقتدي به في ضلالة فسقه، ومن صور صورة ذات روح للعبادة أشد عذابا ممن يصورها لا للعبادة. واستشكل ظاهر الحديث أيضا بإبليس وبابن آدم الذي سن القتل، وأجيب بأنه في إبليس واضح، ويجاب بأن المراد بالناس من ينسب إلى آدم، وأما في ابن آدم فأجيب بأن الثابت في حقه أن عليه مثل أوزار من يقتل ظلما، ولا يمتنع أن يشاركه في مثل تعذيبه من ابتدأ الزنا مثلا فإن عليه مثل أوزار من يزني بعده لأنه أول من سن ذلك، ولعل عدد الزناة أكثر من القاتلين. قال النووي قال العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد، وسواء صنعه لما يمتهن أم لغيره فصنعه حرام بكل حال، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، فأما تصوير ما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام. قلت: ويؤيد التعميم فيما له ظل وفيما لا ظل له ما أخرجه أحمد من حديث علي "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها أي طمسها" الحديث، وفيه: "من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد" وقال الخطابي: إنما عظمت عقوبة المصور لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن، وبعض النفوس إليها تميل. قال: والمراد بالصور هنا التماثيل التي لها روح وقيل: يفرق بين العذاب والعقاب، فالعذاب يطلق على ما يؤلم من قول أو فعل كالعتب والإنكار، والعقاب يختصن بالفعل فلا يلزم من كون المصور أشد الناس عذابا أن يكون أشد الناس عقوبة. هكذا ذكره الشريف المرتضى في "الغرر" وتعقب بالآية المشار إليها وعليها انبنى الإشكال، ولم يكن هو عرج عليها، فلهذا ارتضى التفرقة، والله أعلم. واستدل به أبو علي الفارسي في "التذكرة" على تكفير المشبهة فحمل الحديث عليهم وأنهم المراد بقوله المصورون أي الذين يعتقدون أن لله صورة. وتعقب بالحديث الذي بعده في الباب بلفظ: "إن الذين يصنعون هذه الصورة يعذبون" وبحديث عائشة الآتي بعد بابين بلفظ: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون" وغير ذلك، ولو سلم له استدلاله لم يرد عليه الإشكال المقدم ذكره. وخص بعضهم الوعيد الشديد بمن صور قاصدا أن يضاهي، فإنه يصير بذلك القصد كافرا، وسيأتي في "باب ما وطئ من التصاوير" بلفظ: "أشد الناس عذابا الذين يضاهون بخلق الله تعالى" وأما من عداه فيحرم عليه ويأثم. لكن إثمه دون إثم المضاهي. قلت: وأشد منه من يصور ما يعبد من دون الله كما تقدم. وذكر القرطبي أن أهل الجاهلية كانوا يعملون الأصنام من كل شيء حتى أن بعضهم عمل صنمه من عجوة ثم جاع فأكله. قوله: "عن عبيد الله" هو ابن عمر العمري. قوله: "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم" هو أمر تعجيز، ويستفاد منه صفة تعذيب المصور، وهو أن يكلف نفخ الروح في الصورة التي صورها، وهو لا يقدر على ذلك، فيستمر تعذيبه كما سيأتي تقريره في "باب من صور صورة" بعد أبواب.

(10/384)


90 - باب نَقْضِ الصُّوَرِ
5952- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَدَّثَتْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئاً فِيهِ تَصَالِيبُ إِلاَّ نَقَضَهُ".
5953- حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: "دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ دَاراً بِالْمَدِينَةِ فَرَأَى أَعْلاَهَا مُصَوِّراً يُصَوِّرُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً" ثُمَّ دَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إِبْطَهُ فَقُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مُنْتَهَى الْحِلْيَةِ".
[الحديث 5953 – طرفه في: 7559]
قوله: "باب نقض الصور" بفتح النون وسكون القاف بعدها معجمة، والصور بضم المهملة وفتح الواو جمع صورة، وحكي سكون الواو في الجمع أيضا. قوله: "هشام" هو ابن أبي عبد الله الدستوائي. قوله: "عن يحيى" هو ابن أبي كثير، وعمران بن حطان تقدم ذكره في أوائل كتاب اللباس. وفي قوله: "أن عائشة حدثته" رد على ابن عبد البر في قوله إن عمران لم يسمع من عائشة، وقد أخرج أبو داود الطيالسي في مسنده من رواية صالح بن سرح عن عمران "سمعت عائشة" فذكر حديثا آخر. وفي الطبري الصغير بسند قوي من وجه آخر عن عمران "قالت لي عائشة" وتقدم في أوائل اللباس له حديث آخر فيه التصريح بسؤاله عائشة. قوله: "لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب" جمع صليب كأنهم سموا ما كانت فيه صورة الصليب تصليبا تسمية بالمصدر، ووقع في رواية الإسماعيلي: "شيئا فيه تصليب" وفي رواية الكشميهني: "تصاوير" يدل تصاليب، ورواية الجماعة أثبت، فقد أخرجه النسائي من وجه آخر عن هشام فقال: "تصاليب" وكذا أخرجه أبو داود من رواية أبان العطار عن يحيى بن أبي كثير، وعلى هذا فيحتاج إلى مطابقة الحديث للترجمة، والذي يظهر أنه استنبط من نقض الصليب نقض الصورة التي تشترك مع الصليب في المعنى وهو عبادتهما من دون الله. فيكون المراد بالصور في الترجمة خصوص ما يكون من ذوات الأرواح، بل أخص من ذلك. قوله: "إلا نقضه" كذا للأكثر، ووقع في رواية أبان إلا قضبه، بتقديم القاف ثم المعجمة ثم الموحدة، وكذا وقع في رواية عند ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن هشام ورجحها بعض شراح "المصابيح" وعكسه الطيبي فقال: رواية البخاري أضبط والاعتماد عليهم أولى. قلت: ويترجح من حيث المعنى أن النقض يزيل الصورة مع بقاء الثوب على حاله، والقضب وهو القطع يزيل صورة الثوب، قال ابن بطال: في هذا الحديث دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينقض الصورة سواء كانت مما له ظل أم لا، وسواء كانت مما توطأ أم لا، سواء في الثياب وفي الحيطان وفي الفرش والأوراق وغيرها. قلت: وهذا مبني على ثبوت الرواية بلفظ: "تصاوير" وأما بلفظ: "تصاليب" فلا لأن في التصاليب معنى زائدا على مطلق الصور، لأن الصليب مما عبد من دون الله بخلاف الصور فليس جميعها مما عبد، فلا يكون فيه حجة على من فرق في الصور بين ما له روح فمنعه وما لا روح فيه فلم يمنعه كما سيأتي تفصيله. فإذا كان المراد بالنقض الإزالة دخل طمسها فيما لو كانت نقشا في

(10/385)


الحائط أو حكها أو لطخها بما يغيب هيئتها. قوله: "عبد الواحد" هو ابن زياد، وعمارة هو ابن القعقاع. قوله: "حدثنا أبو زرعة" هو ابن عمرو بن جرير. قوله: "دخلت مع أبي هريرة" جاء عن أبي زرعة المذكور حديث آخر بسند آخر أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من طريق علي بن مدرك عن عبد الله بن نجي بنون وجيم مصغر عن أبيه عن علي رفعه: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة" . قوله: "دارا بالمدينة" هي لمروان بن الحكم، وقع ذلك في رواية محمد بن فضيل عن عمارة بن القعقاع عند مسلم من هذا الوجه، وعند مسلم أيضا والإسماعيلي من طريق جرير عن عمارة "دارا تبنى لسعيد أو لمروان" بالشك، وسعيد هو ابن العاص بن سعيد الأموي، وكان هو ومروان بن الحكم يتعاقبان إمرة المدينة لمعاوية، والرواية الجازمة أولى. قوله: "مصورا يصور" لم أقف على اسمه، وقوله: "يصور" بصيغة المضارعة للجميع، وضبطه الكرماني بوجهين أحدهما هذا والآخر بكسر الموحدة وضم الصاد المهملة وفتح الواو ثم راء منونة، وهو بعيد. قوله: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" هكذا في البخاري، وقد وقع نحو ذلك في حديث آخر لأبي هريرة تقدم قريبا في "باب ما يذكر في المسك" وفيه حذف بينه ما وقع في رواية جرير المذكورة "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} الخ، ونحوه في رواية ابن فضيل، وقوله: "ذهب" أي قصد وقوله: "كخلقي" التشبيه في فعل الصورة وحدها لا من كل الوجوه، قال ابن بطال: فهم أبو هريرة أن التصوير يتناول ما له ظل وما ليس له ظل، فلهذا أنكر ما ينقش في الحيطان. قلت: هو ظاهر من عموم اللفظ، ويحتمل أن يقصر على ما له ظل من جهة قوله: "كخلقي" فإن خلقه الذي اخترعه ليس صورة في حائط بل هو خلق تام، لكن بقية الحديث تقتضي تعميم الزجر عن تصوير كل شيء وهي قوله: "فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة" وهي بفتح المعجمة وتشديد الراء، ويجاب عن ذلك بأن المراد إيجاد حبة على الحقيقة لا تصويرها. ووقع لابن فضيل من الزيادة "وليخلقوا شعرة" والمراد بالحبة حبة القمح بقرينة ذكر الشعير، أو الحبة أعم، والمراد بالذرة النملة، والغرض تعجيزهم تارة بتكليفهم خلق حيوان وهو أشد وأخرى بتكليفهم خلق جماد وهو أهون، ومع ذلك لا قدرة لهم على ذلك. قوله: "ثم دعا بتور" أي طلب تورا، وهو بمثناة إناء كالطست تقدم بيانه في كتاب الطهارة. قوله: "من ماء" أي فيه ماء. قوله: "فغسل يديه حتى بلغ إبطه" في هذه الرواية اختصار وبيانه في رواية جرير بلفظ: "فتوضأ أبو هريرة فغسل يده حتى بلغ إبطه وغسل رجليه حتى بلغ ركبتيه" أخرجها الإسماعيلي، وقدم قصة الوضوء على قصة المصور، ولم يذكر مسلم قصة الوضوء هنا. قوله: "منتهى الحلية" في رواية جرير "إنه منتهى الحلية" كأنه يشير إلى الحديث المتقدم في الطهارة في فصل الغرة والتحجيل في الوضوء، ويؤيده حديثه الآخر "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" وقد تقدم شرحه، والبحث في ذلك مستوفى هناك. وليس بين ما دل عليه الخبر من الزجر عن التصوير وبين ما ذكر من وضوء أبي هريرة مناسبة، وإنما أخبر أبو زرعة بما شاهد وسمع من ذلك.

(10/386)


باب ما وطىء من التصاوير
...
91 - باب مَا وُطِئَ مِنْ التَّصَاوِيرِ
5954- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ وَمَا بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ مِنْهُ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبِي قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْتُ

(10/386)


بِقِرَامٍ لِي عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَتَكَهُ وَقَالَ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ قَالَتْ فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ ".
5955- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَفَرٍ وَعَلَّقْتُ دُرْنُوكاً فِيهِ تَمَاثِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ فَنَزَعْتُهُ".
5956- "وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ".
قوله: "باب ما وطئ من التصاوير" أي هل يرخص فيه؟ ووطئ بضم الواو مبني للمجهول، أي صار يداس عليه ويمتهن. قوله: "القاسم" هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق. قوله: "من سفر" في رواية البيهقي أنها غزوة تبوك، وفي أخرى لأبي داود والنسائي غزوة تبوك أو خيبر على الشك. قوله: "بقرام" بكسر القاف وتخفيف الراء: هو ستر فيه رقم ونقش، وقيل: ثوب من صوف ملون يفرش في الهودج أو يغطى به. قوله: "على سهوة" بفتح المهملة وسكون الهاء هي صفة من جانب البيت، وقيل: الكوة، وقيل: الرف، وقيل: أربعة أعواد أو ثلاثة يعارض بعضها ببعض يوضع عليها شيء من الأمتعة، وقيل: أن يبنى من حائط البيت حائط صغير ويجعل السقف على الجميع فما كان وسط البيت فهو السهوة وما كان داخله فهو المخدع، وقيل: دخلة في ناحية البيت، وقيل: بيت صغير يشبه المخدع، وقيل: بيت صغير منحدر في الأرض وسمكه مرتفع من الأرض كالخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع، ورجح هذا الأخير أبو عبيد، ولا مخالفة بينه وبين الذي قبله. قلت: وقد وقع في حديث عائشة أيضا في ثاني حديثي الباب أنها علقته على بابها، وكذا في رواية زيد بن خالد الجهني عن عائشة عند مسلم، فتعين أن السهوة بيت صغير علقت الستر على بابه. قوله: "فيه تماثيل" بمثناة ثم مثلثة جمع تمثال وهو الشيء المصور، أعم من أن يكون شاخصا أو يكون نقشا أو دهانا أو نسجا في ثوب. وفي رواية بكير بن الأشج عن عبد الرحمن بن القاسم عند مسلم أنها نصبت سترا فيه تصاوير. قوله: "هتكه" أي نزعه، وقد وقع في الرواية التي بعدها "فأمرني أن أنزعه فنزعته". قوله: "أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" أي يشبهون ما يصنعونه بما يصنعه الله، ووقع في رواية الزهري عن: القاسم عند مسلم: "الذين يشبهون بخلق الله" وقد تقدم الكلام على قوله: "أشد" قبل بباب. قوله: "فجعلناه وسادة أو وسادتين" تقدم هذا الحديث في المظالم من طريق عبيد الله العمري عن عبد الرحمن بن القاسم بهذا السند قالت: "فاتخذت منه نمرقتين فكانتا في البيت يجلس عليهما" وهو عند مسلم من وجه آخر عن عبيد الله بلفظ: "فأخذته فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت" والنمرقة يأتي ضبطها في الباب الذي يليه. ولمسلم من طريق بكير بن الأشج "فقطعته وسادتين فقال رجل في المجلس يقال له ربيعة بن عطاء: أفما سمعت أبا محمد، يريد القاسم بن محمد، يذكر أن عائشة قالت: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتفق عليهما؟ قال ابن القاسم يعني عبد الرحمن: لا. قال: لكني قد سمعته". قوله: "عبد الله بن داود" هو الخريبي بمعجمة وراء وموحدة مصغر، وهشام هو ابن عروة. قوله: "درنوكا" زاد مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام "على بابي" والدرنوك بضم الدال المهملة وسكون الراء بعدها نون مضمومة ثم كاف ويقال فيه درموك بالميم بدل النون، قال الخطابي: هو ثوب غليظ له خمل إذا فرش فهو بساط، وإذا علق

(10/387)


فهو ستر. قوله: "فيه تماثيل" زاد في رواية أبي أسامة عند مسلم: "فيه الخيل ذوات الأجنحة". واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ الصور إذا كانت لا ظل لها، وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس أو يمتهن بالاستعمال كالمخاد والوسائد، قال النووي: وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة والشافعي، ولا فرق في ذلك بين ما له ظل وما لا ظل له، فإن كان معلقا على حائط أو ملبوسا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام. قلت: وفيما نقله مؤاخذات: منها أن ابن العربي من المالكية نقل أن الصورة إذا كان لها ظل حرم بالإجماع سواء كانت مما يمتهن أم لا، وهذا الإجماع محله في غير لعب البنات كما سأذكره في "باب من صور صورة" وحكى القرطبي في "المفهم" في الصور التي لا تتخذ للإبقاء كالفخار قولين أظهرهما المنع. قلت: وهل يلتحق ما يصنع من الحلوى بالفخار، أو بلعب البنات؟ محل تأمل. وصحح ابن العربي أن الصورة التي لا ظل لها إذا بقيت على هيئتها حرمت سواء كانت مما يمتهن أم لا، وإن قطع رأسها أو فرقت هيئتها جاز، وهذا المذهب منقول عن الزهري وقواه النووي، وقد يشهد له حديث النمرقة - يعني المذكور في الباب الذي بعده - وسيأتي ما فيه. ومنها أن إمام الحرمين نقل وجها أن الذي يرخص فيه مما لا ظل له ما كان على ستر أو وسادة، وأما ما على الجدار والسقف فيمنع، والمعنى فيه أنه بذلك يصير مرتفعا فيخرج عن هيئة الامتهان بخلاف الثوب فإنه بصدد أن يمتهن، وتساعده عبارة "مختصر المزني" صورة ذات روح إن كانت منصوبة.
ونقل الرافعي عن الجمهور أن الصورة إذا قطع رأسها ارتفع المانع. وقال المتولي في "التتمة" لا فرق. ومنها أن مذهب الحنابلة جواز الصورة في الثوب ولو كان معلقا على ما في خبر أبي طلحة، لكن إن ستر به الجدار منع عندهم، قال النووي: وذهب بعض السلف إلى أن الممنوع ما كان له ظل وأما ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه مطلقا، وهو مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم كانت الصورة فيه بلا ظل بغير شك، ومع ذلك فأمر بنزعه. قلت: المذهب المذكور نقله ابن أبي شيبة عن القاسم بن محمد بسند صحيح ولفظه عن ابن عون "قال دخلت على القاسم وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بيته حجلة فيها تصاوير القندس والعنقاء" ففي إطلاق كونه مذهبا باطلا نظر، إذ يحتمل أنه تمسك في ذلك بعموم قوله: "إلا رقما في ثوب" فإنه أعم من أن يكون معلقا أو مفروشا، وكأنه جعل إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة تعليق الستر المذكور مركبا من كونه مصورا ومن كونه ساترا للجدار، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه عند مسلم. فأخرج من طريق سعيد بن يسار عن زيد بن خالد الجهني قال: "دخلت على عائشة" فذكر نحو حديث الباب لكن قال: "فجذبه حتى هتكه وقال: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين. قال فقطعنا منه وسادتين" الحديث؛ فهذا يدل على أنه كره ستر الجدار بالثوب المصور، فلا يساويه الثوب الممتهن ولو كانت فيه صورة، وكذلك الثوب الذي لا يستر به الجدار. والقاسم بن محمد أحد فقهاء المدينة، وكان من أفضل أهل زمانه، وهو الذي روى حديث النمرقة، فلولا أنه فهم الرخصة في مثل الحجلة ما استجاز استعمالها، لكن الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك يدل على أنه مذهب مرجوح، وأن الذي رخص فيه من ذلك ما يمتهن، لا ما كان منصوبا. وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق أيوب عن عكرمة قال: كانوا يقولون في التصاوير في البسط والوسائد التي توطأ ذل لها. ومن طريق عاصم عن عكرمة قال: كانوا يكرهون ما نصب من التماثيل نصبا، ولا يرون بأسا بما وطئته الأقدام. ومن طريق ابن سيرين وسالم بن عبد الله وعكرمة بن خالد وسعيد بن جبير فرقهم أنهم قالوا: لا بأس

(10/388)


بالصورة إذا كانت توطأ. ومن طريق عروة أنه كان يتكئ على المرافق فيها التماثيل الطير والرجال. قوله في آخر الحديث: "وكنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد" كذا أورده عقب حديث التصوير، وهو حديث آخر مستقل قد أفرده في كتاب الطهارة من وجه آخر عن الزهري عن عروة، وأخرجه عقب حديث عائشة في صفة الغسل من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام بن عروة به، وتقدم شرحه هناك، وكأن البخاري سمع الحديث على هذه الصورة فأورده كما هو واغتفر ذلك لكون المتن قصيرا مع أن كثرة عادته التصرف في المتن بالاختصار والاقتصار. وقال الكرماني: يحتمل أن الدرموك كان في باب المغتسل، أو اقتضى الحال ذكر الاغتسال إما بحسب سؤال وإما بغيره.

(10/389)


92 - باب مَنْ كَرِهَ الْقُعُودَ عَلَى الصُّورَةِ
5957- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ الْقَاسِمِ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ فَقُلْتُ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ قَالَ: مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ؟ قُلْتُ: لِتَجْلِسَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا. قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ الصُّورَةُ" .
5958- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ الصُّورَةُ" قَالَ بُسْرٌ ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ فَعُدْنَاهُ فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ فَقُلْتُ لعبيد الله رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنْ الصُّوَرِ يَوْمَ الأَوَّلِ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ إِلاَّ رَقْماً فِي ثَوْبٍ". وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ بُكَيْرٌ حَدَّثَهُ بُسْرٌ حَدَّثَهُ زَيْدٌ حَدَّثَهُ أَبُو طَلْحَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: "باب من كره القعود على الصور" أي ولو كانت مما توطأ. قوله: "جويرية" بالجيم والراء مصغر. قوله: "عن عائشة" في رواية مالك عن نافع عن القاسم "عن عائشة أنها أخبرته" وسيأتي بعد بابين. قوله: "نمرقة" بفتح النون وسكون الميم وضم الراء بعدها قاف كذا ضبطها القزاز وغيره، وضبطها ابن السكيت بضم النون أيضا وبكسرها وكسر الراء، وقيل: في النون الحركات الثلاث والراء مضمومة جزما والجمع نمارق، وهي الوسائد التي يصف بعضها إلى بعض، وقيل: النمرقة الوسادة التي يجلس عليها.
قوله: "فلم يدخل" زاد مالك في روايته فعرفت الكراهية في وجهه. قوله: "أتوب إلى الله وإلى رسوله ماذا أذنبت" يستفاد منه جواز التوبة من الذنوب كلها إجمالا وإن لم يستحضر التائب خصوص الذنب الذي حصلت به مؤاخذته. قوله: "ما هذه النمرقة" في رواية مالك "ما بال هذه". قوله: "قلت لتجلس عليها" في رواية مالك "اشتريتها لتقعد عليها". قوله: "وتوسدها" بفتح أوله وبتشديد السين المهملة أصله تتوسدها. قوله: "إن أصحاب هذه الصور الخ" وفيه: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصور" والجملة الثانية هي المطابقة لامتناعه من الدخول، وإنما قدم الجملة الأولى عليها

(10/389)


اهتماما بالزجر عن اتخاذ الصور، لأن الوعيد إذا حصل لصانعها فهو حاصل لمستعملها، لأنها لا تصنع إلا لتستعمل فالصانع متسبب والمستعمل مباشر فيكون أولى بالوعيد، ويستفاد منه أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، ولا ببن أن تكون مدهونة أو منقوشة أو منقورة أو منسوجة، خلافا لمن استثنى النسج وادعى أنه ليس بتصوير، وظاهر حديثي عائشة هذا والذي قبله يدل على أنه صلى الله عليه وسلم استعمل الستر الذي فيه الصورة بعد أن قطع وعملت منه الوسادة، وهذا يدل على أنه لم يستعمله أصلا، وقد أشار المصنف إلى الجمع بينهما بأنه لا يلزم من جواز اتخاذ ما يوطأ من الصور جواز القعود على الصورة فيجوز أن يكون استعمل من الوسادة ما لا صورة فيه، ويجوز أن يكون رأى التفرقة بين القعود والاتكاء وهو بعيد، ويحتمل أيضا أن يجمع بين الحديثين بأنها لما قطعت الستر وقع القطع في وسط الصورة مثلا فخرجت عن هيئتها فلهذا صار يرتفق بها، ويؤيد هذا الجمع الحديث الذي في الباب قبله في نقض الصور وما سيأتي في حديث أبي هريرة المخرج في السنن، وسأذكره في الباب بعده. وسلك الداودي في الجمع مسلكا آخر فادعى أن حديث الباب ناسخ لجميع الأحاديث الدالة على الرخصة، واحتج بأنه خبر والخبر لا يدخله النسخ فيكون هو الناسخ. قلت: والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد أمكن الجمع فلا يلتفت لدعوى النسخ، وأما ما احتج به فرده ابن التين بأن الخبر إذا قارنه الأمر جاز دخول النسخ فيه. قوله: "عن بكير" بالموحدة مصغر، في رواية النسائي عن عيسى بن حماد عن الليث "حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج" وكذا عند أحمد عن حجاج بن محمد وهاشم بن القاسم عن الليث. قوله: "عن بسر" بضم الموحدة وسكون المهملة، في رواية عمرو بن الحارث عن بكير "أن بسر بن سعيد حدثه" وقد مضت في بدء الخلق. قوله: "عن زيد بن خالد" هو الجهني الصحابي، في رواية عمرو أيضا: "أن زيد بن خالد الجهني حدثه ومع بسر بن سعيد عبيد الله الخولاني الذي كان في حجر ميمونة". قوله: "أبي طلحة" هو زيد بن سهل الأنصاري الصحابي المشهور، وفي الإسناد تابعيان في نسق وصحابيان في نسق، وعلى رواية بسر عن عبيد الله الخولاني للزيادة الآتي ذكرها يكون فيه ثلاثة من التابعين في نسق وكلهم مدنيون. ووقع في رواية عمرو بن الحارث أن أبا طلحة حدثه. قوله: "فيه صورة" كذا لكريمة وغيرها. وفي رواية أبي ذر عن مشايخه إلا المستملي: "صور" بصيغة الجمع، وكذا في قوله: "فإذا على بابه ستر فيه صورة" ووقع في رواية عمرو بن الحارث "فإذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير" وهي تقوي رواية أبي ذر. قوله: "فقلت لعبيد الله الخولاني" أي الذي كان معه كما بينته رواية عمرو بن الحارث، وعبيد الله هو ابن الأسود ويقال ابن أسد، ويقال له ربيب ميمونة لأنها كانت ربته وكان من مواليها ولم يكن ابن زوجها، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في الصلاة من روايته عن عثمان. قوله: "يوم الأول" في رواية الكشميهني: "يوم أول". قوله: "فقال عبيد الله ألم تسمعه حين قال: إلا رقما في ثوب" في رواية عمرو بن الحارث "فقال إنه قال إلا رقما في ثوب، ألا سمعته؟ قلت: لا. قال: بلى قد ذكره". قوله: "وقال ابن وهب أخبرني عمرو هو ابن الحارث" تقدم أنه وصله في بدء الخلق، وقد بينت ما في روايته من فائدة زائدة، ووقع عند النسائي من وجه آخر عن بسر بن سعيد عن عبيدة بن سفيان قال: "دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن على زيد بن خالد نعوده فوجدنا عنده نمرقتين فيهما تصاوير. وقال أبو سلمة: أليس حدثتنا" فذكر الحديث، فقال زيد: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إلا رقما في ثوب" قال النووي: يجمع بين الأحاديث بأن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت

(10/390)


الصورة فيه من غير ذوات الأرواح كصورة الشجر ونحوها اهـ. ويحتمل أن يكون ذلك قبل النهي كما يدل عليه حديث أبي هريرة الذي أخرجه أصحاب السنن وسأذكره في الباب الذي يليه. وقال ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقما فأربعة أقوال: الأول: يجوز مطلقا على ظاهر قوله في حديث الباب إلا رقما في ثوب، الثاني: المنع مطلقا حتى الرقم، الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز، قال وهذا هو الأصح، الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقا لم يجز.

(10/391)


93 - باب كَرَاهِيَةِ الصَّلاَةِ فِي التَّصَاوِيرِ
5959- حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمِيطِي عَنِّي فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلاَتِي
قوله: "باب كراهية الصلاة في التصاوير" أي في الثياب المصورة. قوله: "عبد الوارث" هو ابن سعيد، والإسناد كله بصريون. قوله: "كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها" تقدم ضبط القرام قريبا. قوله: "أميطي" أي أزيلي وزنه ومعناه. قوله: "تعرض" بفتح أوله وكسر الراء أي أنظر إليها فتشغلني، ووقع في حديث عائشة عند مسلم أنها كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة وكان النبي صلى الله عليه وسلم: يصلي إليه، فقال: أخريه عني. ووجه انتزاع الترجمة من الحديث أن الصور إذا كانت تلهي المصلي وهي مقابله فكذا تلهيه وهو لابسها بل حالة اللبس أشد، ويحتمل أن تكون "في" بمعنى "إلى" فتحصل المطابقة وهو اللائق بمراده، فإن في المسألة خلافا، فنقل عن الحنفية أنه لا تكره الصلاة إلى جهة فيها صورة إذا كانت صغيرة أو مقطوعة الرأس، وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث وبين حديث عائشة أيضا في النمرقة لأنه يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل البيت الذي كان فيه الستر المصور أصلا حتى نزعه وهذا يدل على أنه أقره وصلى وهو منصوب إلى أن أمر بنزعه من أجل ما ذكر من رؤيته الصورة حالة الصلاة، ولم يتعرض لخصوص كونها صورة. ويمكن الجمع بأن الأول كانت تصاويره من ذوات الأرواح وهذا كانت تصاويره من غير الحيوان كما تقدم تقريره في حديث زيد بن خالد.

(10/391)


باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة
...
الصور في بيوتهم ويعظمونها فكرهت الملائكة ذلك فلم تدخل بيته هجرا له لذلك. قوله: "عمر بن محمد" أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر، وسالم شيخه هو عم أبيه وهو ابن عبد الله بن عمر. قوله: "وعد جبريل النبي صلى الله عليه وسلم" زادت عائشة "في ساعة يأتيه فيها" أخرجه مسلم. قوله: "فراث عليه" بالمثلثة أي أبطأ، وفي حديث عائشة "فجاءت تلك الساعة ولم يأته". قوله: "حتى اشتد على النبي صلى الله عليه وسلم" في حديث عائشة "وفي يده عصا فألقاها من يده وقال: ما يخلف الله وعده ولا رسله " وفي حديث ميمونة عند مسلم نحو حديث عائشة وفيه: "أنه أصبح واجما" بالجيم أي منقبضا. قوله: "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه فشكا إليه ما وجد" أي من إبطائه "فقال له: إنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب " في هذا الحديث اختصار، وحديث عائشة أتم ففيه: "ثم التفت فإذا جر وكلب تحت سريره فقال: يا عائشة متى دخل هذا الكلب؟ فقالت: وايم الله ما دريت. ثم أمر به فأخرج، فجاء جبريل، فقال: واعدتني فجلست لك فلم تأت. فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك" وفي حديث ميمونة "فظل يومه على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل" وزاد فيه الأمر بقتل الكلاب. وحديث أبي هريرة في السنن وصححه الترمذي وابن حبان أتم سياقا منه ولفظه: "أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية النسائي: "إما أن تقطع رءوسها أو تجعل بسطا توطأ" وفي هذا الحديث ترجيح قول من ذهب إلى أن الصورة التي تمتنع الملائكة من دخول المكان التي تكون فيه باقية على هيئتها مرتفعة غير ممتهنة، فأما لو كانت ممتهنة أو غير ممتهنة لكنها غيرت من هيئتها إما بقطعها من نصفها أو بقطع رأسها فلا امتناع. وقال القرطبي: ظاهر حديث زيد بن خالد عن أبي طلحة الماضي قيل إن الملائكة لا تمتنع من دخول البيت الذي فيه صورة إن كانت رقما في الثوب، وظاهر حديث عائشة المنع ويجمع بينهما بأن يحمل حديث عائشة على الكراهة وحديث أبي طلحة على مطلق الجواز وهو لا ينافي الكراهة. قلت: وهو جمع حسن، لكن الجمع الذي دل عليه حديث أبي هريرة أولى منه، والله تعالى أعلم.

(10/292)


95 - باب مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ
5961- حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل فعرفت في وجهه الكراهية قالت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ماذا أذنبت؟ قال: ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم وقال إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة" .
قوله: "باب من لم يدخل بيتا فيه صورة" ذكر فيه حديث عائشة في النمرقة وقد تقدم بيانه في "باب من كره

(10/392)


القعود على التصاوير" قال الرافعي: وفي دخول البيت الذي فيه الصورة وجهان: قال الأكثر: يكره. وقال أبو محمد: يحرم، فلو كانت الصورة في ممر الدار لا داخل الدار كما في ظاهر الحمام أو دهليزها لا يمتنع الدخول، قال وكان السبب فيه أن الصورة في الممر ممتهنة وفي المجلس مكرمة. قلت: وقصة إطلاق نص المختصر وكلام الماوردي وابن الصباغ وغيرهما لا فرق.

(10/393)


96 - باب مَنْ لَعَنَ الْمُصَوِّرَ
حدثنا محمد بن المثنى قال حدثني محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه "أنه اشترى غلاما حجاما فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور" .
قوله: "باب من لعن المصور" ذكر فيه حديث أبي جحيفة وقد تقدم بيانه في "باب الواشمة".

(10/393)


97 - باب مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ
5963- حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ قَتَادَةَ قَالَ: "كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُمْ يَسْأَلُونَهُ وَلاَ يَذْكُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سُئِلَ فَقَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ" .
قوله: "باب من صور صورة الخ" كذا ترجم بلفظ الحديث، ووقع عند النسفي "باب" بغير ترجمة، وثبتت الترجمة عند الأكثر، وسقط الباب والترجمة من رواية الإسماعيلي، وعلى ذلك جرى ابن بطال، ونقل عن المهلب توجيه إدخال حديث الباب في الباب الذي قبله فقال: اللعن في اللغة الإبعاد من رحمة الله تعالى، ومن كلف أن ينفخ الروح وليس بنافخ فقد أبعد من الرحمة. قوله: "حدثنا عياش" هو بالتحتانية وبالشين المعجمة، وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى، وسعيد هو ابن أبي عروبة، والسند كله بصريون. قوله: "سمعت النضر بن أنس بن مالك يحدث قتادة" كان سعيد بن أبي عروبة كثير الملازمة لقتادة فاتفق أن قتادة والنضر بن أنس اجتمعا، فحدث النضر قتادة فسمعه سعيد وهو معه، ووقع في رواية المستملي وغيره: "يحدثه قتادة" والضمير للحديث، وقتادة بالنصب على المفعولية والفاعل النضر، وضبطه بعضهم بالرفع على أن الضمير للنضر وفاعل يحدث قتادة، وهو خطأ لأنه لا يلائم قوله: "سمعت النضر" ولأن قتادة لم يسمع من ابن عباس ولا حضر عنده، وقد تقدم تصريح البخاري بأن سعيدا سمع من النضر هذا الحديث الواحد، ووقع في رواية خالد بن الحارث عن سعيد عن قتادة عن النضر بن أنس أخرجها الإسماعيلي، وقوله: "عن قتادة" من المزيد في متصل الأسانيد فإن كان خالد حفظه احتمل أن يكون سعيد كان سمعه من قتادة عن النضر ثم لقي النضر فسمعه منه فكان يحدثه به على الوجهين، وقد حدث به قتادة عن النضر من غير طريق سعيد أخرجها الإسماعيلي من رواية هشام الدستوائي عن قتادة. قوله: "وهم يسألونه ولا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم" أي يجيبهم عما يسألونه بالفتوى من غير أن يذكر الدليل من السنة، وقد وقع بيان ذلك عند الإسماعيلي من رواية

(10/393)


98 - باب الارْتِدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ
5964- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ".
قوله: "باب الارتداف على الدابة" أي إركاب راكب الدابة خلفه غيره، وقد كنت استشكلت إدخال هذه التراجم في كتاب اللباس، ثم ظهر لي أن وجهه أن الذي يرتدف لا يأمن من السقوط فينكشف فأشار إلى أن احتمال السقوط لا يمنع من الارتداف إذ الأصل عدمه فيتحفظ المرتدف إذا ارتدف من السقوط، وإذا سقط فليبادر إلى الستر، وتلقيت فهم ذلك من حديث أنس في قصة صفية الآتي في "باب إرداف المرأة خلف الرجل" وقال الكرماني الغرض الجلوس على لباس الدابة وإن تعدد أشخاص الراكبين عليها، والتصريح بلفظ القطيفة في الحديث الثامن مشعر بذلك. قوله: "أبو صفوان" هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأموي. قوله: "ركب على حمار" هو طرف من حديث طويل تقدم أصله في العلم، ويأتي بهذا السند في الاستئذان ثم في الرقاق، وهو ظاهر في مشروعية الارتداف.

(10/395)


99 - باب الثَّلاَثَةِ عَلَى الدَّابَّةِ
5965- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَحَمَلَ وَاحِداً بَيْنَ يَدَيْهِ وَالآخَرَ خَلْفَهُ".
قوله: "باب الثلاثة على الدابة" كأنه يشير إلى الزيادة التي في حديث الباب الذي بعده، والأصل في ذلك ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن جابر "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب ثلاثة على دابة" وسنده ضعيف. وأخرج

(10/395)


100 - باب حَمْلِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ غَيْرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَحَقُّ بِصَدْرِ الدَّابَّةِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ
5966- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ذُكِرَ شَرُّ الثَّلاَثَةِ عِنْدَ عِكْرِمَةَ فَقَالَ "قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ حَمَلَ قُثَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْفَضْلَ خَلْفَهُ أَوْ قُثَمَ خَلْفَهُ وَالْفَضْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَيُّهُمْ شَرٌّ أَوْ أَيُّهُمْ خَيْرٌ".
قوله: "باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه. وقال بعضهم: صاحب الدابة أحق بصدر الدابة إلا أن يأذن له" ثبت هذا التعليق عند النسفي، وهو لأبي ذر عن المستملي وحده، والبعض المبهم هو الشعبي أخرجه ابن أبي

(10/396)


شيبة عنه، وقد جاء ذلك مرفوعا أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وصححه ابن حبان والحاكم من طريق حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إذ جاءه رجل ومعه حمار فقال: يا رسول الله اركب، وتأخر الرجل، فقال: لأنت أحق بصدر دابتك إلا أن تجعله لي، قال: قد جعلته لك. فركب" وهذا الرجل هو معاذ بن جبل بينه حبيب بن الشهيد في روايته عن عبد الله بن بريدة لكنه أرسله، أخرجه ابن أبي شيبة من طريقه. قال ابن بطال: كأن البخاري لم يرتض إسناده يعني حديث بريدة فأدخل حديث ابن عباس ليدل على معناه. قلت: ليس هو على شرطه، فلذلك اقتصر على الإشارة إليه، وقد وجدت له شاهدا من حديث النعمان بن بشير أخرجه الطبراني وفيه زيادة الاستثناء. وأخرج أحمد من حديث قيس بن سعد بدون هذه الزيادة. وفي الباب عدة أحاديث مرفوعة وموقوفة بمعنى ذلك، قال ابن العربي: إنما كان الرجل أحق بصدر دابته لأنه شرف والشرف حق المالك، ولأنه يصرفها في المشي حيث شاء وعلى أي وجه أراد من إسراع أو بطء ومن طول أو قصر، بخلاف غير المالك. وقوله في حديث بريدة "إلا أن تجعله لي " يريد الركوب على مقدم الدابة، وفيه نظر لأن الرجل قد تأخر وقال له: يا رسول الله اركب، أي في المقدم، فدل على أنه جعله له، ويمكن أن يجاب بأن المراد أنه طلب منه أن يجعله له صريحا، أو الضمير للتصرف في الدابة بعد الركوب كيف أراد كما أشار إليه ابن العربي في حق صاحب الدابة، فكأنه قال اجعل حقك لي كله من الركوب على مقدم الدابة وما يترتب على ذلك. قوله: "ذكر شر الثلاثة عند عكرمة" كذا للمستملي وفي رواية الكشميهني: "أشر" بزيادة ألف أوله. وفي رواية الحموي "الأشر" فأما أشر بزيادة ألف فهي لغة تقدم تقريرها في شرح حديث عبد الله بن سلام، ففيه: "قالوا أخيرنا وابن أخيرنا" وجاء في المثل "صغراها أشرها" وقالوا أيضا: "نعوذ بالله من نفس حرى، وعين شرى" أي ملأى من الشر، وهو مثل أصغر وصغرى. وأما الرواية بزيادة اللام فهو مثل قولهم: الحسن الوجه والواهب المائة، والمراد بلفظ الأشر الشر لأن أفعل التفضيل لا يستعمل على هذه الصور إلا نادرا. قوله: "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم" بفتح الهمزة من أتى ورسول الله بالرفع أي جاء، وقد حمل قثم بين يديه والفضل خلفه وهما ولدا العباس بن عبد المطلب وأخوا عبد الله بن عباس راوي الحديث. قوله: "أو قثم خلفه" شك من الراوي، وقثم بقاف ومثلثة وزن عمر، ليس له في البخاري رواية، وهو صحابي، وذكره الحافظ عبد الغني مع غير الصحابة فوهم. قوله: "فأيهم شر أو أيهم خير" ؟ هذا كلام عكرمة يرد به على من ذكر له شر الثلاثة وقال الداودي: إن ثبت الخبر في ذلك قدم على هذا ويكون ناسخا له، لأن الفعل يدخله النسخ والخبر لا يدخله النسخ، كذا، قال. ودعوى النسخ هنا في غاية البعد، والجمع الذي أشار إليه الطبري أولا أولى.

(10/397)


101 - باب إِرْدَافِ الرَّجُلِ خَلْفَ الرَّجُلِ
5967- حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة حدثنا أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "بينا أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل فقال: يا معاذ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك قال: هل تدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق

(10/397)


الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك رسول الله وسعديك فقال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق العباد على الله أن لا يعذبهم" .
قوله: "باب إرداف الرجل خلف الرجل" ذكر فيه حديث معاذ بن جبل وقد تقدم في الجهاد، وأحيل بشرحه على هذا المكان واللائق به كتاب الرقاق فقد ذكره فيه بهذا السند والمتن تاما فليشرح هناك، والمقصود منه هنا من الإرداف واضح. ووقع في شرح ابن بطال "باب" بلا ترجمة. وقال: كان ينبغي له أن يورده مع حديث أسامة في "باب الارتداف" وقد عرف جوابه، وقوله: "كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم: "الردف والرديف الراكب خلف الراكب بإذنه، وردف كل شيء هو مؤخره، وأصله من الركوب على الردف وهو العجز، ولهذا قيل للراكب الأصلي ركب صدر الدابة، وردفت الرجل إذا ركبت وراءه وأردفته إذا أركبته وراءك. وقد أفرد ابن منده أسماء من أردفه النبي صلى الله عليه وسلم خلفه فبلغوا ثلاثين نفسا.

(10/398)


3 - باب إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ خَلْفَ الرَّجُلِ
5968- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَيْبَرَ وَإِنِّي لَرَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ وَهُوَ يَسِيرُ وَبَعْضُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَثَرَتْ النَّاقَةُ فَقُلْتُ الْمَرْأَةَ فَنَزَلْتُ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهَا أُمُّكُمْ" فَشَدَدْتُ الرَّحْلَ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا دَنَا أَوْ رَأَى الْمَدِينَةَ قَالَ: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ" .
قوله: "باب إرداف المرأة خلف الرجل ذا محرم" كذا للأكثر، والنصب على الحال ولبعضهم ذي محرم على الصفة. واقتصر النسفي على "خلف الرجل" فلم يذكر ما بعده. قوله: "أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، وإني لرديف أبي طلحة وهو يسير وبعض نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عثرت الناقة فقلت المرأة فنزلت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها أمكم، فشددت الرحل" كذا في هذه الرواية وظاهره أن الذي قال ذلك وفعله هو أنس، وقد تقدم في أواخر الجهاد من وجه آخر عن يحيي بن أبي إسحاق وفيه أن الذي فعل ذلك أبو طلحة وأن الذي قال: "المرأة" رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظه أنه "أقبل هو وأبو طلحة ومع النبي صلى الله عليه وسلم صفية يردفها على راحلته، فلما كان ببعض الطريق عثرت الدابة فصرع النبي صلى الله عليه وسلم والمرأة، وأن أبا طلحة أحسبه قال اقتحم عن بعيره فقال: " يا نبي الله هل أصابك من شيء؟ قال: لا، ولكن عليك المرأة" . فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه فقصد قصدها فألقى ثوبه عليها، فقامت المرأة فشد لهما على راحلتهما فركبا" الحديث. وفي أخرى عن يحيى بن أبي إسحاق أيضا: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وقد أردف صفية بنت حيي، فعثرت ناقته" فساقه نحوه. فيستفاد من هاتين الطريقتين تسمية المرأة، وأن الذي تولى شد الرحل وغير ذلك مما ذكر هو أبو طلحة لا أنس، والاختلاف فيه على يحيى بن

(10/398)


أبي إسحاق رواية عن أنس، فقال شعبة عنه ما في هذا الباب. وقال عبد الوارث وبشر بن المفضل كلاهما عنه ما أشرت إليه في الجهاد، وهو المعتمد فإن القصة واحدة ومخرج الحديث واحد واتفاق اثنين أولى من انفراد واحد، ولا سيما أن أنسا كان إذا ذاك يصغر عن تعاطي ذلك الأمر، وإن كان لا يمتنع أن يساعد عمه أبا طلحة على شيء من ذلك، والله أعلم. فقد يرتفع الإشكال بهذا. وفي الحديث أنه لا بأس للرجل أن يتدارك المرأة الأجنبية إذا سقطت أو كادت تسقط فيعينها على التخلص مما يخشى عليها.

(10/399)


103 - باب الإسْتِلْقَاءِ وَوَضْعِ الرِّجْلِ عَلَى الأُخْرَى
5969- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ "أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْطَجِعُ فِي الْمَسْجِدِ رَافِعاً إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى".
قوله: "باب الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى" وجه دخول هذه الترجمة في كتاب اللباس من جهة أن الذي يفعل ذلك لا يأمن من الانكشاف، ولا سيما الاستلقاء يستدعي النوم، والنائم لا يتحفظ، فكأنه أشار إلى أن من فعل ذلك ينبغي له أن يتحفظ لئلا ينكشف. حديث عباد بن تميم عن عمه وهو عبد الله بن زيد، وفيه ثبوت ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وزاد عند الإسماعيلي في روايته في آخر الحديث: "وإن أبا بكر كان يفعل ذلك وعمر وعثمان" وكأنه لم يثبت عنده النهي عن ذلك، وهو فيما أخرجه مسلم من حديث جابر رفعه: " لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى " أو ثبت لكنه رآه منسوخا، وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى.
" خاتمة ": اشتمل كتاب اللباس من الأحاديث المرفوعة على مائتي حديث واثنين وعشرين حديثا، المعلق منها وما أشبهه ستة وأربعون حديثا، والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى مائة واثنان وثمانون حديثا، والخالص أربعون، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة " ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار" وحديث الزبير في لبس الحرير، وحديث أم سلمة في شعر النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث أنس "كان لا يرد الطيب"، وحديث أبي هريرة في لعن الواصلة، وحديثه "لا تشمن"، وحديث عائشة في نقض الصور، وحديث ابن عمر في وعد جبريل ومنه "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة" وقد أخرجه مسلم من حديث عائشة، وحديث: "صاحب الدابة أحق بصدرها " على أنه لم يصرح برفعه وهو مرفوع على ما بينته. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم تسعة عشر أثرا والله أعلم.

(10/399)