Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الدعوات
مدخل
...
80 - كِتَاب الدَّعَوَاتِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الدعوات" بفتح المهملتين جمع دعوة بفتح أوله وهي المسألة الواحدة، والدعاء الطلب، والدعاء إلى الشيء الحث على فعله ودعوت فلانا سألته ودعوته استغثته ويطلق أيضا على رفعة القدر كقوله تعالى: {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الْآخِرَةِ} كذا قال الراغب، ويمكن رده إلى الذي قبله، ويطلق الدعاء أيضا على العبادة، والدعوى بالقصر الدعاء كقوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} والادعاء كقوله تعالى: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا} وقال الراغب: الدعاء على التسمية كقوله تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} وقال الراغب: الدعاء والنداء واحد، لكن قد يتجرد النداء عن الاسم والدعاء لا يكاد يتجرد. وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في "شرح الأسماء الحسنى" ما ملخصه: جاء الدعاء في القرآن على وجوه: منها العبادة "ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك" ومنها الاستغاثة "وادعوا شهداءكم"، ومنها السؤال "ادعوني أستجب لكم"، ومنها القول "دعواهم فيها سبحانك اللهم" والنداء "يوم يدعوكم"، والثناء "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن". قوله: "وقول الله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} الآية" كذا لأبي ذر، وساق غيره الآية إلى قوله: "داخرين" وهذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض.وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن الآية بأن آخرها دل على أن المراد بالدعاء العبادة لقوله: "إن الذين يستكبرون عن عبادتي" واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} الآية أخرجه الأربعة وصححه الترمذي والحاكم. وشذت طائفة فقالوا: المراد بالدعاء في الآية ترك الذنوب، وأجاب الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادة فهو كالحديث الآخر "الحج عرفه" أي معظم الحج وركنه الأكبر، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه: "الدعاء مخ العبادة" وقد تواردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالترغيب في الدعاء والحث عليه كحديث أبي هريرة رفعه: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه ابن حبان

(11/94)


والحاكم وحديثه رفعه: "من لم يسأل الله يغضب عليه" أخرجه أحمد والبخاري في "الأدب المفرد" والترمذي وابن ماجه والبزار والحاكم كلهم من رواية أبي صالح الخوزي بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي عنه، وهذا الخوزي مختلف فيه ضعفه ابن معين وقواه أبو زرعة، وظن الحافظ ابن كثير أنه أبو صالح السمان فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه، وليس كما قال فقد جزم شيخه المزي في "الأطراف" بما قلته. ووقع في رواية البزار والحاكم عن أبي صالح الخوزي "سمعت أبا هريرة" قال الطيبي: معنى الحديث أن من لم يسأل الله يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه والله يحب أن يسأل انتهى. ويؤيده حديث ابن مسعود رفعه: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل" أخرجه الترمذي، وله من حديث ابن عمر رفعه: "إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء" وفي سنده لين، وقد صححه مع ذلك الحاكم. وأخرج الطبراني في الدعاء بسند رجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة بقية عن عائشة مرفوعا: "إن الله يحب الملحين في الدعاء" وقال الشيخ تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره، وأما قوله بعد ذلك "عن عبادتي" فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارا ومن فعل ذلك كفر، وأما من تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة في الحث عليه. قلت: وقد دلت الآية الآتية قريبا في السورة المذكورة أن الإجابة مشترطة بالإخلاص، وهو قوله تعالى: {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وقال الطيبي: معنى حديث النعمان أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي، إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له، وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه، ولهذا ختم الآية بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} حيث عبر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان. وحكى القشيري في "الرسالة" الخلاف في المسألة فقال: اختلف أي الأمرين أولى: الدعاء أو السكوت والرضا؟ فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة، لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار. وقيل السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل. قلت: وشبهتهم أن الداعي لا يعرف ما قدر له فدعاؤه إن كان على وفق المقدور فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاندة. والجواب عن الأول أن الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار، وعن الثاني أنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدر الله تعالى كان إذعانا لا معاندة، وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفا على الدعاء لأن الله خالق الأسباب ومسبباتها، قال وقالت طائفة: ينبغي أن يكون داعيا بلسانه راضيا بقلبه، قال: والأولى أن يقال إذا وجد في قلبه إشارة الدعاء فالدعاء أفضل وبالعكس. قلت: القول الأول أعلى المقامات أن يدعو بلسانه ويرضى بقلبه، والثاني لا يتأتى من كل أحد بل ينبغي أن يختص به الكمل. قال القشيري: ويصح أن يقال ما كان لله أو للمسلمين فيه نصيب فالدعاء أفضل، وما كان للنفس فيه حظ فالسكوت أفضل، وعبر ابن بطال ن هذا القول لما حكاه بقوله: يستحب أن يدعو لغيره ويترك لنفسه، وعمدة من أول الدعاء في الآية بالعبادة أو غيرها قوله تعالى: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} وإن كثيرا من الناس يدعو فلا يستجاب له، فلو كانت على ظاهرها لم يتخلف. والجواب عن ذلك أن كل داع يستجاب له، لكن تتنوع

(11/95)


الإجابة: فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارة بعوضه. وقد ورد في ذلك حديث صحيح أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبادة ابن الصامت رفعه: "ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها" ولأحمد من حديث أبي هريرة "إما أن يعجلها له، وإما أن يدخرها له" وله في حديث أبي سعيد رفعه: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" وصححه الحاكم. وهذا شرط ثان للإجابة، ولها شروط أخرى منها أن يكون طيب المطعم والملبس لحديث: "فأنى يستجاب لذلك" وسيأتي بعد عشرين بابا من حديث أبي هريرة، ومنها ألا يكون يستعجل لحديث: "يستجاب لأحدكم ما لم يقل دعوت فلم يستجب لي" أخرجه مالك.

(11/96)


1 - باب لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ
6304- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ"
[الحديث 6304- طرفه في: 7474]
6305- وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ قَالَ مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِي "عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤْلًا أَوْ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
قوله: "باب لكل نبي دعوة مستجابة" كذا لأبي ذر وسقط لفظ: "باب" لغيره فصار من جملة الترجمة الأولى. ومناسبتها للآية الإشارة إلى أن بعض الدعاء لا يستجاب عينا. قوله: "إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "مستجابة" كذا لأبي ذر ولم أرها عند الباقين ولا في شيء من نسخ الموطأ. قوله: "يدعو بها" زاد في رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة "فيعجل كل نبي دعوته" وفي حديث أنس ثاني حديثي الباب: "فاستجيب له". قوله: "وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة" وفي رواية أبي سلمة عن أبي هريرة الآتية في التوحيد "فأريد إن شاء الله أن أختبئ" وزيادة "إن شاء الله" في هذا للتبرك. ولمسلم: من رواية أبي صالح عن أبي هريرة "وإني اختبأت" وفي حديث أنس "فجعلت دعوتي" وزاد: "يوم القيامة" وزاد أبو صالح "فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا" وقوله: "من مات" في محل نصب على المفعولية و "لا يشرك بالله" في محل نصب على الحال، والتقدير شفاعتي نائلة من مات غير مشرك، وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يؤخرها ثم عزم ففعل ورجا وقوع ذلك فأعلمه الله به فجزم به، وسيأتي تتمة الكلام على الشفاعة وأنواعها في أول كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا صلى الله عليه وسلم، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط، والجواب أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة. وقيل معنى قوله: "لكل نبي دعوة" أي أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة فمنها

(11/96)


ما يستجاب ومنها ما لا يستجاب، وقيل لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه كقول نوح "لا تذر على الأرض" وقول زكريا "فهب لي من لدنك وليا يرثني" وقول سليمان "وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي" حكاه ابن التين. وقال بعض شراح "المصابيح" ما لفظه: اعلم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة، والمراد بهذا الحديث أن كل نبي دعا على أمته بالإهلاك إلا أنا فلم أدع فأعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك للصبر على أذاهم، والمراد بالأمة أمة الدعوة لا أمة الإجابة. وتعقبه الطيبي1 بأنه صلى الله عليه وسلم دعا على أحياء من العرب ودعا على أناس من قريش بأسمائهم ودعا على رعل وذكوان ودعا على مضر، قال: والأولى أن يقال إن الله جعل لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته فنالها كل منهم في الدنيا، وأما نبينا فإنه لما دعا على بعض أمته نزل عليه {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} فبقي تلك الدعوة المستجابة مدخرة للآخرة، وغالب من دعا عليهم لم يرد إهلاكهم وإنما أراد ردعهم ليتوبوا. وأما جزمه أولا بأن جميع أدعيتهم مستجابة ففيه غفلة عن الحديث الصحيح "سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة" الحديث: قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره ممن تقدم. وقال ابن الجوزي: هذا من حسن تصرفه صلى الله عليه وسلم لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي، ومن كثرة كرمه لأنه آثر أمته على نفسه، ومن صحة نظره لأنه جعلها للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين. وقال النووي: فيه كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم، فجعل دعوته في أهم أوقات حاجتهم. وأما قوله: "فهي نائلة" ففيه دليل لأهل السنة أن من مات غير مشرك لا يخلد في النار، ولو مات مصرا على الكبائر. قوله: "وقال معتمر" هو ابن سليمان التيمي، كذا للأكثر وبه جزم الإسماعيلي والحميدي، لكن عند الأصيلي وكريمة في أوله "قال لي خليفة حدثنا معتمر" فعلى هذا هو متصل، وقد وصله أيضا مسلم عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر. قوله: "لكل نبي سأل سؤلا أو قال لكل نبي دعوة" هكذا وقع بالشك، ولم يسق مسلم لفظه بل أحال به على طريق قتادة عن أنس، وقد أخرجه ابن منده في كتاب الإيمان من طريق محمد بن عبد الأعلى به، ومن طريق الحسن بن الربيع ومسدد وغيرهما عن معتمر بالشك، ولفظه: "كل نبي قد سأل سؤلا أو قال لكل نبي دعوة قد دعا بها" الحديث ولفظ قتادة عند مسلم: "لكل نبي دعوة لأمته" فذكره ولم يشك.

(11/97)


2 - باب أَفْضَلِ الِاسْتِغْفَارِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
6306- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ الْعَدَوِيُّ "قَالَ حَدَّثَنِي شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يقُولَ اللَّهُمَّ

(11/97)


أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ قَالَ وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"
[الحديث 6306- طرفه في 6323]
قوله: "باب أفضل الاستغفار" سقط لفظ: "باب" لأبي ذر. ووقع في شرح ابن بطال بلفظ: "فضل الاستغفار" وكأنه لما رأى الآيتين في أول الترجمة وهما دالتان على الحث على الاستغفار ظن أن الترجمة لبيان فضيلة الاستغفار، ولكن حديث الباب يؤيد ما وقع عند الأكثر، وكأن المصنف أراد إثبات مشروعية الحث على الاستغفار بذكر الآيتين. ثم بين بالحديث أولى ما يستعمل من ألفاظه، وترجم بالأفضلية. ووقع الحديث بلفظ السيادة وكأنه أشار إلى أن المراد بالسيادة الأفضلية ومعناها الأكثر نفعا لمستعمله، ومن أوضح ما وقع في فضل الاستغفار ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث يسار وغيره مرفوعا: "من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان فر من الزحف" قال أبو نعيم الأصبهاني: هذا يدل على أن بعض الكبائر تغفر ببعض العمل الصالح، وضابطه الذنوب التي لا توجب على مرتكبها حكما في نفس ولا مال، ووجه الدلالة منه أنه مثل بالفرار من الزحف وهو من الكبائر، فدل على أن ما كان مثله أو دونه يغفر إذا كان مثل الفرار من الزحف، فإنه لا يوجب على مرتكبه حكما في نفس ولا مال. قوله: "وقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً الآية } كذا رأيت في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر، وسقطت الواو من رواية غيره وهو الصواب. فإن التلاوة {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} وساق غير أبي ذر الآية إلى قوله تعالى: {أنهارا} وكأن المصنف لمح بذكر هذه الآية إلى أثر الحسن البصري: إن رجلا شكى إليه الجدب فقال استغفر الله، وشكى إليه آخر فقال استغفر الله، وشكى إليه آخر جفاف بستانه فقال استغفر الله، وشكى إليه آخر عدم الولد فقال استغفر الله، ثم تلا عليهم هذه الآية. وفي الآية حث على الاستغفار وإشارة إلى وقوع المغفرة لمن استغفر وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من جود كفيك ما علمتني الطلبا
قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الآية" كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} واختلف في معنى قوله: {ذَكَرُوا اللَّهَ} فقيل إن قوله: {فَاسْتَغْفَرُوا} تفسير للمراد بالذكر، وقيل هو على حذف تقديره ذكروا عقاب الله، والمعنى تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم فاستغفروا لذنوبهم أي لأجل ذنوبهم وقد ورد في حديث حسن صفة الاستغفار المشار إليه في الآية أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان من حديث علي بن أبي طالب قال: "حدثني أبو بكر الصديق رضي الله عنهما وصدق أبو بكر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر فيحسن الطهور ثم يستغفر الله عز وجل إلا غفر له" ثم تلا: {وَالَّذِينَ إِذَا

(11/98)


فَعَلُوا فَاحِشَةً} الآية. وقوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} فيه إشارة إلى أن من شرط قبول الاستغفار أن يقلع المستغفر عن الذنب، وإلا فالاستغفار باللسان مع التلبس بالذنب كالتلاعب. وورد في فضل الاستغفار والحث عليه آيات كثيرة، وأحاديث كثيرة منها حديث أبي سعيد رفعه: "قال إبليس: يا رب لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله تعالى: وعزتي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" أخرجه أحمد، وحديث أبي بكر الصديق رفعه: "ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة" أخرجه أبو داود والترمذي وذكر السبعين للمبالغة، وإلا ففي حديث أبي هريرة الآتي في التوحيد مرفوعا: "أن عبدا أذنب ذنبا فقال رب إني أذنبت ذنبا فاغفر لي فغفر له" الحديث وفي آخره: "علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، اعمل ما شئت فقد غفرت لك". قوله: "حدثنا الحسين" هو ابن ذكوان المعلم، ووقع عند النسائي من رواية غندر حدثنا الحسين المعلم، وكذا عند الإسماعيلي من طريق يحيى القطان عن حسين المعلم.قوله: "حدثنا عبد الله بن بريدة" أي ابن الحصيب الأسلمي. قوله: "حدثنا بشير" بالموحدة ثم المعجمة مصغر، وقد تابع حسينا على ذلك ثابت البناني وأبو العوام عن بريدة ولكنهما لم يذكرا بشير بن كعب بل قالا عن ابن بريدة عن شداد أخرجه النسائي، وخالفهم الوليد بن ثعلبة فقال: عن ابن بريدة عن أبيه أخرجه الأربعة إلا الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم لكن لم يقع في رواية الوليد أول الحديث، قال النسائي حسين المعلم أثبت من الوليد بن ثعلبة وأعلم بعبد الله بن بريدة وحديثه أولى بالصواب. قلت: كأن الوليد سلك الجادة، لأن جل رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه، وكأن من صححه جوز أن يكون عن عبد الله بن بريدة على الوجهين، والله أعلم. قوله: "حدثني شداد بن أوس" أي ابن ثابت بن المنذر بن حرام بمهملتين الأنصاري ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر، وشداد صحابي جليل نزل الشام وكنيته أبو يعلى. واختلف في صحبة أبيه وليس لشداد في البخاري إلا هذا الحديث الواحد. قوله: "سيد الاستغفار" قال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور. قوله: "أن يقول" أي العبد، وثبت في رواية أحمد والنسائي: "إن سيد الاستغفار أن يقول العبد" وللترمذي من رواية عثمان بن ربيعة عن شداد "ألا أدلك على سيد الاستغفار" وفي حديث جابر عند النسائي: "تعلموا سيد الاستغفار". قوله: "لا إله إلا أنت خلقتني" كذا في نسخة معتمدة بتكرير أنت، وسقطت الثانية من معظم الروايات، ووقع عند الطبراني من حديث أبي أمامة "من قال حين يصبح: اللهم لك الحمد لا إله إلا أنت" والباقي نحو حديث شداد وزاد فيه: "آمنت لك مخلصا لك ديني".قوله: "وأنا عبدك" قال الطيبي: يجوز أن تكون مؤكدة، ويجوز أن تكون مقدرة، أي أنا عابد لك، ويؤيده عطف قوله: "وأنا على عهدك". قوله: "وأنا على عهدك" سقطت الواو في رواية النسائي، قال الخطابي: يريد أنا على ما عهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك وإخلاص الطاعة لك ما استطعت من ذلك. ويحتمل أن يريد أنا مقيم على ما عهدت إلى من أمرك ومتمسك به ومنتجز وعدك في المثوبة والأجر. واشتراط الاستطاعة في ذلك معناه الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى. وقال ابن بطال: قوله: "وأنا على عهدك ووعدك" يريد العهد الذي أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم فأقروا له بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية. وبالوعد ما قال على لسان نبيه

(11/99)


"أن من مات لا يشرك بالله شيئا وأدى ما افترض عليه أن يدخله الجنة" . قلت: وقوله وأدى ما افترض علي زيادة ليست بشرط في هذا المقام لأنه جعل المراد بالعهد الميثاق المأخوذ في عالم الذر وهو التوحيد خاصة، فالوعد هو إدخال من مات على ذلك الجنة. قال وفي قوله: "ما استطعت" إعلام لأمته أن أحدا لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله. ولا الوفاء بكمال الطاعات والشكر على النعم، فرفق الله بعباده فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم. وقال الطيبي: يحتمل أن يراد بالعهد والوعد ما في الآية المذكورة، كذا قال: والتفريق بين العهد والوعد أوضح. قوله: "أبوء لك بنعمتك علي" سقط لفظ لك من رواية النسائي، وأبوء بالموحدة والهمز ممدود معناه أعترف. ووقع في رواية عثمان بن ربيعة عن شداد "وأعترف بذنوبي" وأصله البواء ومعناه اللزوم، ومنه بوأه الله منزلا إذا أسكنه فكأنه ألزمه به. قوله: "وأبوء لك بذنبي" أي أعترف أيضا، وقيل معناه أحمله برغمي لا أستطيع صرفه عني. وقال الطيبي: اعترف أولا بأنه أنعم عليه، ولم يقيده لأنه يشمل أنواع الإنعام، ثم اعترف بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها، ثم بالغ فعده ذنبا مبالغة في التقصير وهضم النفس. قلت: ويحتمل أن يكون قوله: "أبوء لك بذنبي" أعترف بوقوع الذنب مطلقا ليصح الاستغفار منه، لا أنه عد ما قصر فيه من أداء شكر النعم ذنبا. قوله: "فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" يؤخذ منه أن من اعترف بذنبه غفر له، وقد وقع صريحا في حديث الإفك الطويل وفيه: "العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه". قوله: "من قالها موقنا بها" أي مخلصا من قلبه مصدقا بثوابها. وقال الداودي يحتمل أن يكون هذا من قوله إن الحسنات يذهبن السيئات ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء وغيره، لأنه بشر بالثواب ثم بشر بأفضل منه فثبت الأول وما زيد عليه، وليس يبشر بالشيء ثم يبشر بأقل منه مع ارتفاع الأول، ويحتمل أن يكون ذلك ناسخا وأن يكون هذا فيمن قالها ومات قبل أن يفعل ما يغفر له به ذنوبه، أو يكون ما فعله من الوضوء وغيره لم ينتقل منه بوجه ما، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء. كذا حكاه ابن التين عنه، وبعضه يحتاج إلى تأمل. قوله: "ومن قالها من النهار" في رواية النسائي: "فإن قالها حين يصبح" وفي رواية عثمان بن ربيعة "لا يقولها أحدكم حين يمسي فيأتي عليه قدر قبل أن يصبح، أو حين يصبح فيأتي عليه قدر قبل أن يمسي". قوله: "فهو من أهل الجنة" في رواية النسائي: "دخل الجنة" وفي رواية عثمان بن ربيعة "إلا وجبت له الجنة" قال ابن أبي جمرة: جمع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أنه يسمى سيد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو، وفي كل ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة، فإن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان في ذلك عون من الله تعالى. وهذا القدر الذي يكني عنه بالحقيقة. فلو اتفق أن العبد خالف حتى يجري عليه ما قدر عليه وقامت الحجة عليه ببيان المخالفة لم يبق إلا أحد أمرين: إما العقوبة بمقتضى العدل أو العفو بمقتضى الفضل، انتهى ملخصا. أيضا: من شروط الاستغفار صحة النية، والتوجه والأدب، فلو أن أحدا حصل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد لكن أخل بالشروط هل يستويان؟ فالجواب أن الذي يظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط المذكورة، والله أعلم

(11/100)


3 - باب اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ
6307- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ "قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "وَاللَّهِ إِنِّي لاَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً"
قوله: "باب استغفار النبي صلى الله عليه وسلم" أي وقوع الاستغفار منه.أو التقدير مقدار استغفاره في كل يوم، ولا يحمل على الكيفية لتقدم بيان الأفضل وهو لا يترك الأفضل.قوله: "قال: قال أبو هريرة" في رواية يونس بن يزيد عن الزهري "أخبرني أبو سلمة أنه سمع أبا هريرة" أخرجه النسائي. قوله: "والله إني لأستغفر الله" فيه القسم على الشيء تأكيدا له وإن لم يكن عند السامع فيه شك. قوله: "لأستغفر الله وأتوب إليه" ظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة" ويحتمل أن يكون المراد يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة" وله من رواية محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور، مائة مرة" . قوله: "أكثر من سبعين مرة" وقع في حديث أنس "إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة"، فيحتمل أن يريد المبالغة ويحتمل أن يريد العدد بعينه. وقوله: "أكثر" مبهم فيحتمل أن يفسر بحديث ابن عمر المذكور وأنه يبلغ المائة. وقد وقع في طريق أخرى عن أبي هريرة من رواية معمر عن الزهري بلفظ: "إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" لكن خالف أصحاب الزهري في ذلك. نعم أخرج النسائي أيضا من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة بلفظ: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة" وأخرج النسائي أيضا من طريق عطاء عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة" وله في حديث الأغر المزني رفعه مثله، وهو عنده وعند مسلم بلفظ: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة" قال عياض: المراد بالغين فترات عن الذكر الذي شأنه أن يداوم عليه، فإذا فتر عنه لأمر ما عد ذلك ذنبا فاستغفر عنه. وقيل هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس، وقيل هو السكينة التي تغشى قلبه والاستغفار لإظهار العبودية لله والشكر لما أولاه، وقيل هي حالة خشية وإعظام والاستغفار شكرها، ومن ثم قال المحاسبي: خوف المتقربين خوف إجلال وإعظام.وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي: لا يعتقد أن الغين في حالة نقص، بل هو كمال أو تتمة كمال. ثم مثل ذلك بجفن العين حين يسبل ليدفع القذى عن العين مثلا فإنه يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال. هذا محصل كلامه بعبارة طويلة، قال: فهكذا بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم متعرضة للأغيرة الثائرة من أنفاس الأغيار فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته صيانة لها ووقاية عن ذلك انتهى. وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية. وأجيب بعدة أجوبة: منها ما تقدم في تفسير الغين، ومنها قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عصموا من الكبائر فلم يعصموا من الصغائر. كذا قال، وهو مفرع على خلاف المختار، والراجح عصمتهم من الصغائر أيضا. ومنها قول ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادا في العبادة لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة,

(11/101)


فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير انتهى. ومحصل جوابه أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة، أو لمخاطبة الناس والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله والتضرع إليه ومشاهدته ومراقبته، فيرى ذلك ذنبا بالنسبة إلى المقام العلى وهو الحضور في حظيرة القدس. ومنها أن استغفاره تشريع لأمته، أو من ذنوب الأمة فهو كالشفاعة لهم. وقال الغزالي في "الإحياء" كان صلى الله عليه وسلم دائم الترقي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها دونها فاستغفر من الحالة السابقة، وهذا مفرع على أن العدد المذكور في استغفاره كان مفرقا بحسب تعدد الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك. وقال الشيخ السهروردي: لما كان روح النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل في الترقي إلى مقامات القرب يستتبع القلب، والقلب يستتبع النفس، ولا ريب أن حركة الروح والقلب أسرع من نهضة النفس فكانت خطأ النفس تقصر عن مداهما في العروج، فاقتضت الحكمة إبطاء حركة القلب لئلا تنقطع علاقة النفس عنه فيبقى العباد محرومين، فكان صلى الله عليه وسلم يفزع إلى الاستغفار لقصور النفس عن شأو ترقي القلب، والله أعلم.

(11/102)


4 - باب التَّوْبَةِ
قَالَ قَتَادَةُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا الصَّادِقَةُ: النَّاصِحَةُ
6308- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ ثُمَّ قَالَ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ" تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَجَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ سَمِعْتُ الْحَارِثَ وَقَالَ شُعْبَةُ وَأَبُو مُسْلِمٍ اسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ كُوفِيٌّ قَائِدُ الأَعْمَشِ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ"
6309- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح و حَدَّثَنَا هُدْبَةُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاَةٍ"
قوله: "باب التوبة" أشار المصنف بإيراد هذين البابين -وهما الاستغفار ثم التوبة- في أوائل كتاب الدعاء إلى أن الإجابة تسرع إلى من لم يكن متلبسا بالمعصية، فإذا قدم التوبة والاستغفار قبل الدعاء كان أمكن لإجابته.

(11/102)


وما ألطف قول ابن الجوزي، إذ سئل أأسبح أو أستغفر؟ فقال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور. والاستغفار استفعال من الغفران وأصله الغفر وهو إلباس الشيء ما يصونه عما يدنسه، وتدنيس كل شيء يحسبه والغفران من الله للعبد أن يصونه عن العذاب، والتوبة ترك الذنب على أحد الأوجه.وفي الشرع ترك الذنب لقبحه، والندم على فعله، والعزم على عدم العود، ورد المظلمة إن كانت أو طلب البراءة من صاحبها، وهي أبلغ ضروب الاعتذار، لأن المعتذر إما أن يقول لا أفعل فلا يقع الموقع عند من اعتذر له لقيام احتمال أنه فعل، لا سيما إن ثبت ذلك عنده عنه، أو يقول فعلت لأجل كذا ويذكر شيئا يقيم عذره وهو فوق الأول، أو يقول فعلت ولكن أسأت وقد أقلعت وهذا أعلاه انتهى من كلام الراغب ملخصا.وقال: القرطبي في "المفهم": اختلفت عبارات المشايخ فيها، فقائل يقول إنها الندم، وآخر يقول إنها العزم على أن لا يعود، وآخر يقول الإقلاع عن الذنب، ومنهم من يجمع بين الأمور الثلاثة وهو أكملها غير أنه مع ما فيه غير مانع ولا جامع. أما أولا فلأنه قد يجمع الثلاثة ولا يكون تائبا شرعا، إذ قد يفعل ذلك شحا على ماله أو لئلا يعيره الناس به؛ ولا تصح التوبة الشرعية إلا بالإخلاص، ومن ترك الذنب لغير الله لا يكون تائبا اتفاقا. وأما ثانيا فلأنه يخرج منه من زنى مثلا ثم جب ذكره فإنه لا يتأتى منه غير الندم على ما مضى، وأما العزم على عدم العود فلا يتصور منه، قال: وبهذا اغتر من قال إن الندم يكفي في حد التوبة، وليس كما قال لأنه لو ندم ولم يقلع وعزم على العود لم يكن تائبا اتفاقا، قال: وقال بعض المحققين هي اختيار ترك ذنب سبق حقيقة أو تقديرا لأجل الله، قال: وهذا أسد العبارات وأجمعها، لأن التائب لا يكون تاركا للذنب الذي فرغ لأنه غير متمكن من عينه لا تركا ولا فعلا، وإنما هو متمكن من مثله حقيقة، وكذا من لم يقع منه ذنب إنما يصح منه اتقاء ما يمكن أن يقع لا ترك مثل ما وقع فيكون متقيا لا تائبا، قال: والباعث على هذا تنبيه إلهي لمن أراد سعادته لقبح الذنب وضرره، لأنه سم مهلك يفوت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، ويحجبه عن معرفة الله تعالى في الدنيا وعن تقريبه في الآخرة. قال: ومن تفقد نفسه وجدها مشحونة بهذا السم، فإذا وفق انبعث منه خوف هجوم الهلاك عليه فيبادر بطلب ما يدفع به عن نفسه ضرر ذلك، فحينئذ ينبعث منه الندم على ما سبق والعزم على ترك العود عليه، قال: ثم اعلم أن التوبة إما من الكفر وإما من الذنب، فتوبة الكافر مقبولة قطعا، وتوبة العاصي مقبولة بالوعد الصادق، ومعنى القبول الخلاص من ضرر الذنوب حتى يرجع كمن لم يعمل. ثم توبة العاصي إما من حق الله وإما من حق غيره، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك فقط بل أضاف إليه القضاء أو الكفارة، وحق غير الله يحتاج إلى إيصالها لمستحقها وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، لكن من لم يقدر على الإيصال بعد بذله الوسع في ذلك فعفو الله مأمول، فإنه يضمن التبعات ويبدل السيئات حسنات، والله أعلم. قلت: حكى غيره عن عبد الله بن المبارك في شروط التوبة زيادة فقال: الندم، والعزم على عدم العود؛ ورد المظلمة، وأداء ما ضيع من الفرائض، وأن يعمد إلى البدن الذي رباه بالسحت فيذيبه بالهم والحزن حتى ينشأ له لحم طيب، وأن يذيق نفسه ألم الطاعة كما أذاقها لذة المعصية. قلت: وبعض هذه الأشياء مكملات. وقد تمسك من فسر التوبة بالندم بما أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث ابن مسعود رفعه: "الندم توبة" ولا حجة فيه لأن المعنى الحض عليه وأنه الركن الأعظم في التوبة لا أنه التوبة نفسها، وما يؤيد

(11/103)


اشتراط كونها لله تعالى وجود الندم على الفعل ولا يستلزم الإقلاع عن أصل تلك المعصية، كمن قتل ولده مثلا وندم لكونه ولده، وكمن بذل مالا في معصية ثم ندم على نقص ذلك المال مما عنده. واحتج من شرط في صحة التوبة من حقوق العباد أن يرد تلك المظلمة بأن من غصب أمة فزنى بها لا تصح توبته إلا بردها لمالكها، وأن من قتل نفسا عمدا لا تصح توبته إلا بتمكين نفسه من ولي الدم ليقتص أو يعفو. قلت: وهذا من جهة التوبة من الغصب ومن حق المقتول واضح، ولكن يمكن أن تصح التوبة من العود إلى الزنا وإن استمرت الأمة في يده، ومن العود إلى القتل وإن لم يمكن من نفسه. وزاد بعض من أدركناه في شروط التوبة أمورا أخرى: منها أن يفارق موضع المعصية، وأن لا يصل في آخر عمره إلى الغرغرة، وأن لا تطلع الشمس من مغربها، وأن لا يعود إلى ذلك الذنب، فإن عاد إليه بان أن توبته باطلة. قلت: والأول مستحب، والثاني والثالث داخلان في حد التكليف والرابع الأخير عزى للقاضي أبي بكر الباقلاني. ويرده الحديث الآتي بعد عشرين بابا وقد أشرت إليه في "باب فضل الاستغفار" وقد قال الحليمي في تفسير التواب في الأسماء الحسنى: أنه العائد على عبده بفضل رحمته، كلما رجع لطاعته وندم على معصيته فلا يحبط عنه ما قدمه من خير ولا يحرمه ما وعد به الطائع من الإحسان. وقال الخطابي: التواب الذي يعود إلى القبول كلما عاد العبد إلى الذنب وتاب. قوله: "وقال قتادة توبة نصوحا: الصادقة الناصحة" وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة مثله، وقيل سميت ناصحة لأن العبد ينصح نفسه فيها، فذكرت بلفظ المبالغة. وقرأ عاصم "نصوحا" بضم النون أي ذات نصح. وقال الراغب: النصح تحرى قول أو فعل فيه صلاح، تقول: نصحت لك الود أي أخلصته، ونصحت الجلد أي خطته، والناصح الخياط، والنصاح الخيط، فيحتمل أن يكون قوله: "توبة نصوحا" مأخوذا من الإخلاص أو من الإحكام، وحكى القرطبي المفسر أنه اجتمع له من أقوال العلماء في تفسير التوبة النصوح ثلاثة وعشرون قولا: الأول قول عمر "أن يذنب الذنب ثم لا يرجع" وفي لفظ "ثم لا يعود فيه" أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن مسعود مثله، وأخرجه أحمد مرفوعا. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زر بن حبيش عن أبي بن كعب أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أن يندم إذا أذنب فيستغفر ثم لا يعود إليه" وسنده ضعيف جدا. الثاني: أن يبغض الذنب ويستغفر منه كلما ذكره، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن البصري. الثالث قول قتادة المذكور قبل. الرابع أن يخلص فيها. الخامس أن يصير من عدم قبولها على وجل. السادس أن لا يحتاج معها إلى توبة أخرى. السابع أن يشتمل على خوف ورجاء ويدمن الطاعة. الثامن مثله وزاد: وأن يهاجر من أعانه عليه. التاسع أن يكون ذنبه بين عينيه. العاشر أن يكون وجها بلا قفا كما كان في المعصية قفا بلا وجه. ثم سرد بقية الأقوال من كلام الصوفية بعبارات مختلفة ومعان مجتمعة ترجع إلى ما تقدم، وجميع ذلك من المكملات لا من شرائط الصحة، والله أعلم. قوله: "حدثنا أحمد بن يونس" هو ابن عبد الله بن يونس نسب إلى جده واشتهر بذلك، وأبو شهاب شيخه اسمه عبد ربه بن نافع الحناط بالمهملة والنون وهو أبو شهاب الحناط الصغير، وأما أبو شهاب الحناط الكبير فهو في طبقة شيوخ هذا واسمه موسى بن نافع، وليسا أخوين وهما كوفيان، وكذا بقية رجال هذا السند. قوله: "عن عمارة بن عمير" فذكر المصنف تصريح الأعمش بالتحديث وتصريح شيخه عمارة. وفي رواية أبي أسامة المعلقة بعد هذا، وعمارة تيمي من بني تيم اللات ابن ثعلبة كوفي من طبقة الأعمش، وشيخه الحارث ابن سويد تيمي أيضا، وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق

(11/104)


أولهم الأعمش وهو من صغار التابعين، وعمارة من أوساطهم، والحارث من كبارهم. قوله: "حديثين أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه قال إن المؤمن" فذكره إلى قوله: "فوق أنفه" ثم قال: "لله أفرح بتوبة عبده" هكذا وقع في هذه الرواية غير مصرح برفع أحد الحديثين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال النووي: قالوا المرفوع "لله أفرح إلخ" والأول قول ابن مسعود، وكذا جزم ابن بطال بأن الأول هو الموقوف والثاني هو المرفوع وهو كذلك، ولم يقف ابن التين على تحقيق ذلك فقال: أحد الحديثين عن ابن مسعود والآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزد في الشرح على الأصل شيئا، وأغرب الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في مختصره فأفرد أحد الحديثين من الأخر وعبر في كل منهما بقوله: "عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم" وليس ذلك في شيء من نسخ البخاري، ولا التصريح برفع الحديث الأول إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من نسخ كتب الحديث إلا ما قرأت في شرح مغلطاي أنه روى مرفوعا من طريق وهاها أبو أحمد الجرجاني يعني ابن عدي، وقد وقع بيان ذلك في الرواية المعلقة، وكذا وقع البيان في رواية مسلم مع كونه لم يسق حديث ابن مسعود الموقوف ولفظه من طريق جرير عن الأعمش عن عمارة عن الحارث قال: "دخلت على ابن مسعود أعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين: حديثا عن نفسه، وحديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لله أشد فرحا" الحديث. قوله: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه" قال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب المؤمن منور، فإذا رأي من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه، والحكمة في التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة. وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الإيمان فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح ويخشى من صغير عمله السيئ. قوله: "وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب" في رواية أبي الربيع الزهراني عن أبي شهاب عند الإسماعيلي: "يرى ذنوبه كأنها ذباب مر على أنفه" أي ذنبه سهل عنده لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما أن ضرر الذباب عنده سهل، وكذا دفعه عنه. والذباب بضم المعجمة وموحدتين الأولى خفيفة بينهما ألف جمع ذبابة وهي الطير المعروف. قوله: "فقال به هكذا" أي نحاه بيده أو دفعه، هو من إطلاق القول على الفعل قالوا وهو أبلغ. قوله: "قال أبو شهاب" هو موصول بالسند المذكور. قوله: "بيده على أنفه" هو تفسير منه لقوله: "فقال به" قال المحب الطبري: إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته، لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة بالله فلذلك قل خوفه واستهان بالمعصية. وقال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلم فوقوع الذنب خفيف عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وعظ يقول هذا سهل، قال: ويستفاد من الحديث أن قلة خوف المؤمن ذنوبه وخفته عليه يدل على فجوره، قال: والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب أخف الطير وأحقره؛ وهو مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء، قال: وفي ذكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده. لأن الذباب قلما ينزل على الأنف وإنما يقصد غالبا العين، قال: وفي إشارته بيده تأكيد للخفة أيضا لأنه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره، قال: وفي الحديث ضرب المثل بما يمكن، وإرشاد إلى الحض على محاسبة النفس، واعتبار العلامات الدالة على بقاء نعمة الإيمان، وفيه أن الفجور أمر قلبي كالإيمان، وفيه دليل لأهل السنة لأنهم لا يكفرون بالذنوب، ورد على الخوارج وغيرهم ممن يكفر بالذنوب.

(11/105)


وقال ابن بطال: يؤخذ منه أنه ينبغي أن يكون المؤمن عظيم الخوف من الله تعالى من كل ذنب صغيرا كان أو كبيرا، لأن الله تعالى قد يعذب على القليل فإنه لا يسأل عما يفعل سبحانه وتعالى. قوله: "ثم قال: لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلا" في رواية أبي الربيع المذكورة "بتوبة عبده المؤمن" وعند مسلم من رواية جرير، ومن رواية أبي أسامة "لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن" وكذا عنده من حديث أبي هريرة، وإطلاق الفرح في حق الله مجاز عن رضاه، قال الخطابي: معنى الحديث أن الله أرضى بالتوبة وأقبل لها، والفرح الذي يتعارفه الناس بينهم غير جائز على الله، وهو كقوله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي راضون. وقال ابن فورك: الفرح في اللغة السرور. ويطلق على البطر، ومنه "إن الله لا يحب الفرحين" وعلى الرضا، فإن كل من يسر بشيء ويرضى به يقال في حقه فرح به. قال ابن العربي: كل صفة تقتضي التغير لا يجوز أن يوصف الله بحقيقتها، فإن ورد شيء من ذلك حمل على معنى يليق به، وقد يعبر عن الشيء بسببه أو ثمرته الحاصلة عنه، فإن من فرح بشيء جاد لفاعله بما سأل وبذل له ما طلب، فعبر عن عطاء الباري وواسع كرمه بالفرح. وقال ابن أبي جمرة: كنى عن إحسان الله للتائب وتجاوزه عنه بالفرح لأن عادة الملك إذا فرح بفعل أحد أن يبالغ في الإحسان إليه. وقال القرطبي في "المفهم": هذا مثل قصد به بيان سرعة قبول الله توبة عبده التائب، وأنه يقبل عليه بمغفرته ويعامله معاملة من يفرح بعمله، ووجه هذا المثل أن العاصي حصل بسبب معصيته في قبضة الشيطان وأسره وقد أشرف على الهلاك، فإذا لطف الله به ووفقه للتوبة خرج من شؤم تلك المعصية وتخلص من أسر الشيطان ومن المهلكة التي أشرف عليها فأقبل الله عليه بمغفرته وبرحمته، وإلا فالفرح الذي هو من صفات المخلوقين محال على الله تعالى لأنه اهتزاز وطرب يجده الشخص من نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به نقصانه ويسد به خلته، أو يدفع به عن نفسه ضررا أو نقصا، وكل ذلك محال على الله تعالى فإنه الكامل بذاته الغني بوجوده الذي لا يلحقه نقص ولا قصور، لكن هذا الفرح له عندنا ثمرة وفائدة وهو الإقبال على الشيء المفروح به وإحلاله المحل الأعلى، وهذا هو الذي يصح في حقه تعالى، فعبر عن ثمرة الفرح بالفرح على طريقة العرب في تسمية الشيء باسم ما جاوره أو كان منه بسبب، وهذا القانون جار في جميع ما أطلقه الله تعالى على صفة من الصفات التي لا تليق به، وكذا ما ثبت بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: "وبه مهلكة" كذا في الروايات التي وقفت عليها من صحيح البخاري بواو مفتوحة ثم موحدة خفيفة مكسورة ثم هاء ضمير، ووقع عند الإسماعيلي في رواية أبي الربيع عن أبي شهاب بسند البخاري فيه: "بدوية" بموحدة مكسورة ودال مفتوحة ثم واو ثقيلة مكسورة ثم تحتانية مفتوحة ثم هاء تأنيث، وكذا في جميع الروايات خارج البخاري عند مسلم وأصحاب السنن والمسانيد وغيرهم. وفي رواية لمسلم: "في أرض دوية مهلكة" وحكى الكرماني أنه وقع في نسخة من البخاري "وبيئة" وزن فعيلة من الوباء ولم أقف أنا على ذلك في كلام غيره، ويلزم عليه أن يكون وصف المذكر وهو المنزل بصفة المؤنث في قوله: "وبيئة مهلكة" وهو جائز على إرادة البقعة، والدوية هي القفر والمفازة، وهي الداوية بإشباع الدال، ووقع كذلك في رواية لمسلم وجمعها داوي قال الشاعر "أروع خراج من الداوي". قوله: "مهلكة" بفتح الميم واللام بينهما هاء ساكنة يهلك من حصل بها، وفي بعض النسخ بضم الميم وكسر اللام من الرباعي أي تهلك هي من يحصل بها. قوله: "عليها طعامه وشرابه" زاد أبو معاوية عن الأعمش "وما يصلحه" أخرجه الترمذي وغيره. قوله: "وقد ذهبت

(11/106)


راحلته" في رواية أبي معاوية "فأضلها فخرج في طلبها" وفي رواية جرير عن الأعمش عند مسلم: "فطلبها". قوله: "حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله" شك من أبي شهاب، واقتصر جرير على ذكر العطش، ووقع في رواية أبي معاوية "حتى إذا أدركه الموت".قوله: "قال أرجع" بهمزة قطع بلفظ المتكلم.قوله: "إلى مكاني فرجع فنام" في رواية جرير "أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت" وفي رواية أبي معاوية "أرجع إلى مكاني الذي أضللنها فيه فأموت فيه، فرجع إلى مكانه فغلبته عينه". قوله: "فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده" في رواية جرير "فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده طعامه وشرابه" وزاد أبو معاوية في روايته: "وما يصلحه". قوله: "تابعه أبو عوانة" هو الوضاح، وجرير هو ابن عبد الحميد "عن الأعمش" فأما متابعة أبي عوانة فوصلها الإسماعيلي من طريق يحيى بن حماد عنه، وأما متابعة جرير فوصلها مسلم وقد ذكرت اختلاف لفظها. قوله: "وقال أبو أسامة" هو حماد بن أسامة "حدثنا الأعمش حدثنا عمارة حدثنا الحارث" يعني عن ابن مسعود بالحديثين، ومراده أن هؤلاء الثلاثة وافقوا أبا شهاب في إسناد هذا الحديث، إلا أن الأولين عنعناه، وصرح فيه أبو أسامة، ورواية أبي أسامة وصلها مسلم أيضا وقال مثل حديث جرير.قوله: "وقال شعبة وأبو مسلم" زاد المستملي في روايته عن الفربري "اسمه عبيد الله" أي بالتصغير كوفي قائد الأعمش. قلت: واسم أبيه سعيد بن مسلم كوفي ضعفه جماعة، لكن لما وافقه شعبة ترخص البخاري في ذكره، وقد ذكره في تاريخه وقال: في حديثه نظر وقال العقيلي: يكتب حديثه وينظر فيه، ومراده أن شعبة وأبا مسلم خالفا أبا شهاب ومن تبعه في تسمية شيخ الأعمش فقال الأولون عمارة. وقال هذان إبراهيم التيمي، وقد ذكر الإسماعيلي أن محمد بن فضيل وشجاع بن الوليد وقطبة بن عبد العزيز وافقوا أبا شهاب على قوله عمارة عن الحارث، ثم ساق رواياتهم، وطريق قطبة عند مسلم أيضا. قوله: "وقال أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عمارة عن الأسود عن عبد الله وعن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله" يعني أن أبا معاوية خالف الجميع فجعل الحديث عند الأعمش عن عمارة بن عمير وإبراهيم التيمي جميعا، لكنه عند عمارة عن الأسود وهو ابن يزيد النخعي، وعند إبراهيم التيمي عن الحارث ابن سويد، وأبو شهاب ومن تبعه جعلوه عند عمارة عن الحارث بن سويد، ورواية أبي معاوية لم أقف عليها في شيء من السنن والمسانيد على هذين الوجهين، فقد أخرجه الترمذي عن هناد بن السري والنسائي عن محمد بن عبيد والإسماعيلي من طريق أبي همام ومن طريق أبي كريب ومن طريق محمد بن طريف كلهم عن أبي معاوية كما قال أبو شهاب ومن تبعه، وأخرجه النسائي عن أحمد بن حرب الموصلي عن أبي معاوية فجمع بين الأسود والحارث بن سويد. وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق أبي كريب، ولم أره من رواية أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي، وإنما وجدته عند النسائي من رواية علي بن مسهر عن الأعمش كذلك، وفي الجملة فقد اختلف فيه على عمارة في شيخه هل هو الحارث بن سويد أو الأسود، وتبين مما ذكرته أنه عنده عنهما جميعا، واختلف على الأعمش في شيخه هل هو عمارة أو إبراهيم التيمي، وتبين أيضا أنه عنده عنهما جميعا، والراجح من الاختلاف كله ما قال أبو شهاب ومن تبعه، ولذلك اقتصر عليه مسلم، وصدر به البخاري كلامه فأخرجه موصولا، وذكر الاختلاف معلقا كعادته في الإشارة إلى أن مثل هذا الخلاف ليس بقادح، والله أعلم. "تنبيه": ذكر مسلم من حديث البراء لهذا الحديث المرفوع سببا وأوله "كيف تقولون في رجل انفلتت منه راحلته بأرض

(11/107)


قفر ليس بها طعام ولا شراب وعليها له طعام وشراب فطلبها حتى شق عليه" فذكر معناه. وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة مختصرا "ذكروا الفرح عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجل يجد ضالته فقال: لله أشد فرحا" الحديث. قوله: "حدثني إسحاق" قال أبو علي الجياني: يحتمل أن يكون ابن منصور، فإن مسلما أخرج عن إسحاق ابن منصور عن حبان بن هلال حديثا غير هذا. قلت: وتقدم في البيوع في "باب البيعان بالخيار" في رواية أبي علي بن شبوية "حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا حبان بن هلال" فذكر حديثا غير هذا، وهذا مما يقوى ظن أبي علي، والله أعلم. وحبان بفتح المهملة ثم الموحدة الثقيلة، وهمام هو ابن يحيى، وقد نزل البخاري في حديثه في السند الأول ثم علاه بدرجة في السند الثاني، والسبب في ذلك أنه وقع في السند النازل تصرخ قتادة بتحديث أنس له، ووقع في السند العالي بالعنعنة. قوله: "سقط على بعيره" أي صادفه وعثر عليه من غير قصد فظفر به، ومنه قولهم "على الخبير سقطت" وحكى الكرماني أن في رواية: "سقط إلى بعيره" أي انتهى إليه والأول أولى. قوله: "وقد أضله" أي ذهب منه بغير قصده، قال ابن السكيت: أضللت بعيري أي ذهب مني، وضللت بعيري أي لم أعرف موضعه. قوله: "بفلاة" أي مفازة. إلى هنا انتهت رواية قتادة: وزاد إسحاق بن أبي طلحة عن أنس فيه عند مسلم: "فانفلت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، فبينا هو كذلك إذا بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح" قال عياض: فيه أن ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به، وكذا حكايته عنه على طريق علمي وفائدة شرعية لا على الهزل والمحاكاة والعبث، ويدل على ذلك حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولو كان منكرا ما حكاه والله أعلم. قال ابن أبي حمزة: وفي حديث ابن مسعود من الفوائد جواز سفر المرء وحده لأنه لا يضرب الشارع المثل إلا بما يجوز، ويحمل حديث النهي على الكراهة جمعا، ويظهر من هذا الحديث حكمة النهي. قلت: والحصر الأول مردود، وهذه القصة تؤكد النهي. قال: وفيه تسمية المفازة التي ليس فيها ما يؤكل ولا يشرب مهلكة. وفيه أن من ركن إلى ما سوى الله يقطع به أحوج ما يكون إليه، لأن الرجل ما نام في الفلاة وحده إلا ركونا إلى ما معه من الزاد، فلما اعتمد على ذلك خانه، لولا أن الله لطف به وأعاد عليه ضالته قال بعضهم:
من سره أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا
قال: وفيه أن فرح البشر وغمهم إنما هو على ما جرى به أثر الحكمة من العوائد، يؤخذ من ذلك أن حزن المذكور إنما كان على ذهاب راحلته لخوف الموت من أجل فقد زاده، وفرحه بها إنما كان من أجل وجدانه ما فقد مما تنسب الحياة إليه في العادة، وفيه بركة الاستسلام لأمر الله، لأن المذكور لما أيس من وجدان راحلته استسلم للموت فمن الله عليه برد ضالته. وفيه ضرب المثل بما يصل إلى الأفهام من الأمور المحسوسة، والإرشاد إلى الحض على محاسبة النفس، واعتبار العلامات الدالة على بقاء نعمة الإيمان.

(11/108)


5 - باب الضَّجْعِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ
6310- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ

(11/108)


عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَجِيءَ الْمُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ"
قوله: "باب الضجع على الشق الأيمن" الضجع بفتح أوله وسكون الجيم مصدر؛ يقال ضجع الرجل يضجع ضجعا وضجوعا فهو ضاجع والمعنى وضع جنبه بالأرض. وفي رواية باب الضجعة وهو بكسر أوله لأن المراد الهيئة ويجوز الفتح أي المرة.حديث عائشة في اضطجاعه صلى الله عليه وسلم بعد ركعتي الفجر، وقد مضى شرحه في كتاب الصلاة، وترجم له "باب الضجع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر" قال ابن التين: أصل اضطجع اضتجع بمثناة فأبدلوها طاء، ومنهم من أبقاها ولم يدغموا الضاد فيها، وحكى المازني الضجع بلام ساكنة قبل الضاد كراهة للجمع بين الضاد والطاء في النطق لثقله فجعل بدلها اللام.وذكر المصنف هذا الباب والذي بعده توطئة لما يذكر بعدهما من القول عند النوم.

(11/109)


6 - باب إِذَا بَاتَ طَاهِرًا
6311- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ مَنْصُورًا عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ "حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ وَقُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ فَقُلْتُ أَسْتَذْكِرُهُنَّ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ قَالَ لاَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ"
قوله: "باب إذا بات طاهرا" زاد أبو ذر في روايته: "وفضله" وقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث ليست على شرطه، منها حديث معاذ رفعه: "ما من مسلم يبيت على ذكر وطهارة فيتعار من الليل فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة نحوه وأخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر رفعه: "من بات طاهرا بات في شعاره ملك فلا يستيقظ إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك فلان" وأخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عباس نحوه بسند جيد. قوله: "معتمر" هو ابن سليمان التيمي، ومنصور هو ابن المعتمر.قوله: "عن سعد بن عبيدة" كذا قال الأكثر، وخالفهم إبراهيم بن طهمان فقال: "عن منصور عن الحكم عن سعد بن عبيدة" زاد في الإسناد الحكم أخرجه النسائي، وقد سأل ابن أبي حاتم عنه أباه فقال: هذا خطأ ليس فيه الحكم. قلت: فهو من المزيد في متصل الأسانيد. قوله: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم" كذا لأبي ذر وأبي زيد المروزي، وسقط لفظ: "لي" من رواية الباقين. وفي رواية أبي إسحاق في الباب الذي يليه "أمر رجلا" وفي أخرى له "أوصى رجلا" وفي رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق الآتية كتاب التوحيد عن البراء "قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فلان إذا أويت إلى فراشك" الحديث

(11/109)


وأخرجه الترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن البراء "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ألا أعلمك كلمات تقول إذ أويت إلى فراشك" . قوله: "إذا أتيت مضجعك" أي إذا أردت أن تضطجع، ووقع صريحا كذلك في رواية أبي إسحاق المذكورة، ووقع في رواية فطر بن خليفة عن سعد بن عبيدة عند أبي داود والنسائي: "إذا أويت إلى فراشك وأنت طاهر فتوسد يمينك" الحديث نحو حديث الباب وسنده جيد، ولكن ثبت ذلك في أثناء حديث آخر سأشير إليه في شرح حديث حذيفة الأتي في الباب بعده، وللنسائي من طريق الربيع بن البراء بن عازب قال قال البراء فذكر الحديث بلفظ: "من تكلم بهؤلاء الكلمات حين يأخذ جنبه من مضجعه بعد صلاة العشاء" فذكر نحو حديث الباب. قوله: "فتوضأ وضوءك للصلاة" الأمر فيه للندب.وله فوائد: منها أن يبيت على طهارة لئلا يبغته الموت فيكون على هيئة كاملة، ويؤخذ منه الندب إلى الاستعداد للموت بطهارة القلب لأنه أولى من طهارة البدن. وقد أخرج عبد الرزاق من طريق مجاهد قال: "قال لي ابن عباس: لا تبيتن إلا على وضوء، فإن الأرواح نبعث على ما قبضت عليه" ورجاله ثقات إلا أبا يحيى القتات هو صدوق فيه كلام. ومن طريق أبي مراية العجلي قال "من أوى إلى فراشه طاهرا ونام ذاكرا كان فراشه مسجدا وكان في صلاة وذكر حتى يستيقظ" ومن طريق طاوس نحوه.ويتأكد ذلك في حق المحدث ولا سيما الجنب وهو أنشط للعود، وقد يكون منشطا للغسل فيبيت على طهارة كاملة. ومنها أن يكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به.قال الترمذي: ليس في الأحاديث ذكر الوضوء عند النوم إلا في هذا الحديث. قوله: "ثم اضطجع على شقك" بكسر المعجمة وتشديد القاف أي الجانب، وخص الأيمن لفوائد: منها أنه أسرع إلى الانتباه، ومنها أن القلب متعلق إلى جهة اليمين فلا يثقل بالنوم، ومنها قال ابن الجوزي: هذه الهيئة نص الأطباء على أنها أصلح للبدن، قالوا يبدأ بالاضطجاع على الجانب الأيمن ساعة ثم ينقلب إلى الأيسر لأن الأول سبب لانحدار الطعام، والنوم على اليسار يهضم لاشتمال الكبد على المعدة. "تنبيه": هكذا وقع في رواية سعد بن عبيدة وأبي إسحاق عن البراء، ووقع في رواية العلاء بن المسيب عن أبيه عن البراء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه كما سيأتي قريبا "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن" ثم قال: الحديث فيستفاد مشروعية هذا الذكر من قوله صلى الله عليه وسلم ومن فعله، ووقع عند النسائي من رواية حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عن البراء وزاد في أوله "ثم قال: بسم الله اللهم أسلمت نفسي إليك" ووقع عند الخرائطي في "مكارم الأخلاق" من وجه آخر عن البراء بلفظ: "كان إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم أنت ربي ومليكي وإلهي لا إله إلا أنت، إليك وجهت وجهي" الحديث. قوله: "وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك" كذا لأبي ذر وأبي زيد ولغيرهما: "أسلمت نفسي" قيل الوجه والنفس هنا بمعنى الذات والشخص، أي أسلمت ذاتي وشخصي لك، وفيه نظر للجمع بينهما في رواية أبي إسحاق عن البراء الآتية بعد باب ولفظه "أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك" وجمع بينهما أيضا في رواية العلاء بن المسيب وزاد خصلة رابعة ولفظه: "أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري وألجأت ظهري إليك" فعلى هذا فالمراد بالنفس هنا الذات وبالوجه القصد، وأبدى القرطبي هذا احتمالا بعد جزمه بالأول. قوله: "أسلمت" أي استسلمت وانقدت، والمعنى جعلت نفسي منقادة لك تابعة لحكمك إذ لا قدرة لي على تدبيرها ولا على جلب ما ينفعها إليها ولا دفع ما يضرها عنها، وقوله: "وفوضت أمري إليك" أي توكلت عليك في أمري كله؛ وقوله: "وألجأت" أي اعتمدت في أموري عليك لتعينني على ما ينفعني، لأن من

(11/110)


استند إلى شيء تقوى به واستعان به، وخصه بالظهر لأن العادة جرت أن الإنسان يعتمد بظهره إلى ما يستند إليه، وقوله: "رغبة ورهبة إليك" أي رغبة في رفدك وثوابك "ورهبة" أي خوفا من غضبك ومن عقابك. قال ابن الجوزي: أسقط "من" مع ذكر الرهبة وأعمل "إلى" مع ذكر الرغبة وهو على طريق الاكتفاء كقول الشاعر "وزججن الحواجب والعيونا" والعيون لا تزجج، لكن لما جمعهما في نظم حمل أحدهما على الآخر في اللفظ، وكذا قال الطيبي، ومثل بقوله: "متقلدا سيفا ورمحا". قلت: ولكن ورد في بعض طرقه بإثبات "من" ولفظه: "رهبة منك ورغبة إليك" أخرجه النسائي وأحمد من طريق حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة. قوله: "لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك" أصل ملجأ بالهمز ومنجا بغير همز ولكن لما جمعا جاز أن يهمزا للازدواج، وأن يترك الهمز فيهما، وأن يهمز المهموز ويترك الآخر، فهذه ثلاثة أوجه، ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة. قال الكرماني: هذان اللفظان إن كانا مصدرين يتنازعان في "منك" وإن كانا ظرفين فلا، إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجا منك إلا إليك. وقال الطيبي: في نظم هذا الذكر عجائب لا يعرفها إلا المتقن من أهل البيان، فأشار بقوله: "أسلمت نفسي" إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه، وبقوله: "وجهت وجهي" إلى أن ذاته مخلصة له بريئة من النفاق، وبقوله: "فوضت أمري" إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه لا مدبر لها غيره، وبقوله: "ألجأت ظهري" إلى أنه بعد التفويض يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب كلها. قال: وقوله رغبة ورهبة منصوبان على المفعول له على طريق اللف والنشر، أي فوضت أموري إليك رغبة وألجأت ظهري إليك رهبة. قوله: "آمنت بكتابك الذي أنزلت" يحتمل أن يريد به القرآن، ويحتمل أن يريد اسم الجنس فيشمل كل كتاب أنزل. قوله: "ونبيك الذي أرسلت" وقع في رواية أبي زيد المروزي "أرسلته وأنزلته" في الأول بزيادة الضمير فيهما. قوله: "فإن مت مت على الفطرة" في رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق الآتية في التوحيد "من ليلتك" وفي رواية المسيب بن رافع "من قالهن ثم مات تحت ليلته" قال الطيبي: فيه إشارة إلى وقوع ذلك قبل أن ينسلخ النهار من الليل وهو تحته، أو المعنى بالتحت أي مت تحت نازل ينزل عليك في ليلتك، وكذا معنى "من" في الرواية الأخرى أي من أجل ما يحدث ليلتك، وقوله: "على الفطرة" أي على الدين القويم ملة إبراهيم، فإنه عليه السلام أسلم واستسلم، قال الله تعالى عنه "جاء ربه بقلب سليم" وقال عنه "أسلمت لرب العالمين" وقال: "فلما أسلما" وقال ابن بطال وجماعة: المراد بالفطرة هنا دين الإسلام، وهو بمعنى الحديث الآخر "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" قال القرطبي في "المفهم": كذا قال الشيوخ وفيه نظر، لأنه إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرت من التوحيد والتسليم والرضا إلى أن يموت كمن يقول لا إله إلا الله ممن لم يخطر له شيء من هذه الأمور فأين فائدة هذه الكلمات العظيمة وتلك المقامات الشريفة؟ ويمكن أن يكون الجواب أن كلا منهما وإن مات على الفطرة فبين الفطرتين ما بين الحالتين، ففطرة الأول فطرة المقربين وفطرة الثاني فطرة أصحاب اليمين. قلت: وقع في رواية حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة في آخره عند أحمد بدل قوله: مات على الفطرة "بنى له بيت في الجنة" وهو يؤيد ما ذكره القرطبي، ووقع في آخر الحديث في التوحيد من طريق أبي إسحاق عن البراء "وإن أصبحت أصبت خيرا" وكذا لمسلم

(11/111)


والترمذي من طريق ابن عيينة عن أبي إسحاق "فإن أصبحت أصبحت وقد أصبت خيرا" وهو عند مسلم من طريق حصين عن سعد بن عبيدة ولفظه: "وإن أصبح أصاب خيرا" أي صلاحا في المال وزيادة في الأعمال.قوله: "فقلت" كذا لأبي ذر وأبي زيد المروزي، ولغيرهما: "فجعلت أستذكرهن" أي أتحفظهن. ووقع في رواية الثوري عن منصور الماضية في آخر كتاب الوضوء "فرددتها" أي رددت تلك الكلمات لأحفظهن. ولمسلم من رواية جرير عن منصور "فرددتهن لأستذكرهن". قوله: "وبرسولك الذي أرسلت، قال: لا. وبنبيك الذي أرسلت" في رواية جرير عن منصور "فقال قل وبنبيك" قال القرطبي تبعا لغيره: هذا حجة لمن لم يجز نقل الحديث بالمعنى، وهو الصحيح من مذهب مالك، فإن لفظ النبوة والرسالة مختلفان في أصل الوضع، فإن النبوة من النبأ وهو الخبر فالنبي في العرف هو المنبأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفا، وأن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول، وإلا فهو نبي غير رسول، وعلى هذا فكل نبي رسول بلا عكس، فإن النبي والرسول اشتركا في أمر عام وهو النبأ وافترقا في الرسالة، فإذا قلت: فلان رسول تضمن أنه نبي رسول، وإذا قلت: فلان نبي لم يستلزم أنه رسول، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يجمع بينهما في اللفظ لاجتماعهما فيه حتى يفهم من كل واحد منهما من حيث النطق ما وضع له وليخرج عما يكون شبه التكرار في اللفظ من غير فائدة، فإنه إذا قال: "ورسولك" فقد فهم منه أنه أرسله، فإذا قال: "الذي أرسلت" صار كالحشو الذي لا فائدة فيه، بخلاف قوله: "ونبيك الذي أرسلت" فلا تكرار فيه لا متحققا ولا متوهما، انتهى كلامه. وقوله صار كالحشو متعقب لثبوته في أفصح الكلام كقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ - أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى} ومن غير هذا اللفظ "يوم ينادي المنادي" إلى غير ذلك، فالأولى حذف هذا الكلام الأخير والاقتصار على قوله: "ونبيك الذي أرسلت" في هذا المقام أفيد من قوله ورسولك الذي أرسلت لما ذكر، والذي ذكره في الفرق بين الرسول والنبي مقيد بالرسول البشري، وإلا فإطلاق الرسول كما في اللفظ هنا يتناول الملك كجبريل مثلا فيظهر لذلك فائدة أخرى وهي تعين البشري دون الملك فيخلص الكلام من اللبس. وأما الاستدلال به على منع الرواية بالمعنى ففيه نظر، لأن شرط الرواية بالمعنى أن يتفق اللفظان في المعنى المذكور، وقد تقرر أن النبي والرسول متغايران لفظا ومعنى فلا يتم الاحتجاج بذلك. قيل وفي الاستدلال بهذا الحديث لمنع الرواية بالمعنى مطلقا نظر، وخصوصا إبدال الرسول بالنبي وعكسه إذا وقع في الرواية، لأن الذات المحدث عنها واحدة، فالمراد يفهم بأي صفة وصف بها الموصوف إذا ثبتت الصفة له، وهذا بناء على أن السبب في منع الرواية بالمعنى أن الذي يتسجيز ذلك قد يظن يوفى بمعنى اللفظ الآخر ولا يكون كذلك في نفس الأمر كما عهد في كثير من الأحاديث، فالاحتياط الإتيان باللفظ، فعلى هذا إذا تحقق بالقطع أن المعنى فيهما متحد لم يضر، بخلاف ما إذا اقتصر على الظن ولو كان غالبا. وأولى ما قيل في الحكمة في رده صلى الله عليه وسلم على من قال الرسول بدل النبي أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه. وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحى إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها. وقال النووي: في الحديث ثلاث سنن إحداها الوضوء عند النوم، وإن كان متوضئا كفاه لأن المقصود النوم على طهارة. ثانيها النوم على اليمين. ثالثها الختم بذكر الله. وقال الكرماني: هذا الحديث يشتمل على الإيمان

(11/112)


بكل ما يجب الإيمان به إجمالا من الكتب والرسل من الإلهيات والنبويات، وعلى إسناد الكل إلى الله من الذوات والصفات والأفعال، لذكر الوجه والنفس والأمر وإسناد الظهر مع ما فيه من التوكل على الله والرضا بقضائه، وهذا كله بحسب المعاش، وعلى الاعتراف بالثواب والعقاب خيرا وشرا وهذا بحسب المعاد. "تنبيه": وقع عند النسائي في رواية عمرو بن مرة عن سعد بن عبيدة في أصل الحديث: "آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت" وكأنه لم يسمع من سعد بن عبيدة الزيادة التي في آخره فروي بالمعنى، وقد وقع في رواية أبي إسحاق عن البراء نظير ما في رواية منصور عن سعد بن عبيدة أخرجه الترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق، وفي آخره: "قال البراء: فقلت وبرسولك الذي أرسلت، فطعن بيده في صدري ثم قال: ونبيك الذي أرسلت". وكذا أخرج النسائي من طريق فطر بن خليفة عن أبي إسحاق ولفظه: "فوضع يده في صدري" نعم أخرج الترمذي من حديث رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اضطجع أحدكم على يمينه ثم قال" فذكر نحو الحديث، وفي آخره: "أؤمن بكتابك الذي أنزلت وبرسلك الذي أرسلت" هكذا فيه بصيغة الجمع. وقال: حسن غريب. فإن كان محفوظا فالسر فيه حصول التعميم الذي دلت عليه صيغة الجمع صريحا فدخل فيه جميع الرسل من الملائكة والبشر فأمن اللبس، ومنه قوله تعالى: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} والله أعلم.

(11/113)


باب مايقول إذا نام
...
7 - باب مَا يَقُولُ إِذَا نَامَ
6312- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ "عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا وَإِذَا قَامَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"
6313- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالاَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ "سَمِعت الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا ح" و حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ "عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى رَجُلًا فَقَالَ إِذَا أَرَدْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لاَ مَلْجَا وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ"
قوله: "باب ما يقول إذا نام" سقطت هذه الترجمة لبعضهم وثبتت للأكثر. قوله: "سفيان" هو الثوري، وعبد الملك هو ابن عمير، وثبت في رواية أبي ذر وأبي زيد المروزي عن عبد الملك بن عمير. قوله: "إذا أوى إلى فراشه" أي دخل فيه، وفي الطريق الآتية قريبا "إذا أخذ مضجعه" وأوى بالقصر. وأما قوله: "الحمد لله الذي آوانا" فهو بالمد ويجوز فيه القصر، والضابط في هذه اللفظة أنها مع اللزوم تمد في الأفصح ويجوز القصر، وفي التعدي بالعكس. قوله: "باسمك أموت وأحيا" أي بذكر اسمك أحيا ما حييت وعليه أموت. وقال القرطبي:

(11/113)


قوله: "باسمك أموت" يدل على أن الاسم هو المسمى، وهو كقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أي سبح ربك، هكذا قال جل الشارحين، قال: واستفدت من بعض المشايخ معنى آخر وهو أن الله تعالى سمي نفسه بالأسماء الحسنى ومعانيها ثابتة له فكل ما صدر في الوجود فهو صادر عن تلك المقتضيات، فكأنه قال باسمك المحيي أحيا وباسمك المميت أموت انتهى ملخصا. والمعنى الذي صدرت به أليق، وعليه فلا يدل ذلك على أن الاسم غير المسمى ولا عينه، ويحتمل أن يكون لفظ الاسم هنا زائدا كما في قول الشاعر:
"إلى الحول ثم اسم السلام عليكما". قوله: "وإذا قام قال الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا" قال أبو إسحاق الزجاج: النفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز، والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة وهي التي يزول معها التنفس، وسمي النوم موتا لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلا وتشبيها قاله في النهاية، ويحتمل أن يكون المراد بالموت هنا السكون كما قالوا ماتت الريح أي سكنت، فيحتمل أن يكون أطلق الموت على النائم بمعنى إرادة سكون حركته لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} قاله الطيبي: قال: وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة كالفقر والذل والسؤال والهرم والمعصية والجهل.
وقال القرطبي في "المفهم": "النوم والموت يجمعهما انقطاع تعلق الروح بالبدن" وذلك قد يكون ظاهرا وهو النوم ولذا قيل النوم أخو الموت، وباطنا وهو الموت، فإطلاق الموت على النوم يكون مجازا لاشتراكهما في انقطاع تعلق الروح بالبدن. وقال الطيبي: الحكمة في إطلاق الموت على النوم أن انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو لتحري رضا الله عنه وقصد طاعته واجتناب سخطه وعقابه، فمن نام زال عنه هذا الانتفاع فكان كالميت فحمد الله تعالى على هذه النعمة وزوال ذلك المانع، قال: وهذا التأويل موافق للحديث الآخر الذي فيه: "وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" وينتظم معه قوله: "وإليه النشور" أي وإليه المرجع في نيل الثواب بما يكتسب في الحياة. قلت: والحديث الذي أشار إليه سيأتي مع شرحه قريبا. قوله: "وإليه النشور" أي البعث يوم القيامة والإحياء بعد الإماتة، يقال نشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا. قوله: "تنشرها تخرجها" كذا ثبت هذا في رواية السرخسي وحده، وقد أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بذلك وذكرها بالزاي من أنشره إذا رفعه بتدريج وهي قراءة الكوفيين وابن عامر. وأخرج من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ننشرها أي نحييها، وذكرها بالراء من أنشرها أي أحياها ومنه {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} وهي قراءة أهل الحجاز وأبي عمرو قال: والقراءتان متقاربتان في المعنى؛ وقرئ في الشاذ بفتح أوله بالراء وبالزاي أيضا وبضم التحتانية معهما أيضا. قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "سمعت البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا ح. وحدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن البراء بن عازب" كذا للأكثر. وفي رواية السرخسي "عن أبي إسحاق سمعت البراء" والأول أصوب وإلا لكان موافقا للرواية الأولى من كل جهة، ولأحمد عن عفان عن شعبة "أمر رجلا من الأنصار" وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفي في الباب قبله. "تنبيهان": الأول لشعبة في هذا الحديث شيخ آخر أخرجه النسائي من طريق غندر عنه عن مهاجر أبي الحسن عن البراء، وغندر من أثبت الناس في شعبة ولكن لا يقدح ذلك في رواية الجماعة عن شعبة، فكأن لشعبة فيه شيخين الثاني وقع في رواية شعبة عن أبي إسحاق في هذا الحديث عن البراء "لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك" وهذا القدر من الحديث مدرج لم يسمعه

(11/114)


أبو إسحاق من البراء وإن كان ثابتا في غير رواية أبي إسحاق عن البراء، وقد بين ذلك إسرائيل عن جده أبي إسحاق، وهو من أثبت الناس فيه، أخرجه النسائي من طريقه فساق الحديث بتمامه ثم قال. كان أبو إسحاق يقول: "لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك" لم أسمع هذا من البراء سمعتهم يذكرونه عنه، وقد أخرجه النسائي أيضا من وجه آخر عن أبي إسحاق عن هلال بن يساف عن البراء.

(11/115)


باب وضع ليد تحت الخد اليمنى
...
8 - باب وَضْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى تَحْتَ الْخَدِّ الأَيْمَنِ
6314- حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ "عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"
حديث حذيفة المذكور في الباب الذي قبله وفيه: "وضع يده تحت خده" قال الإسماعيلي: ليس فيه ذكر اليمنى وإنما ذلك وقع في رواية شريك ومحمد بن جابر عن عبد الملك بن عمير. قلت: جرى البخاري على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث وطريق شريك هذه أخرجها أحمد من طريقه، وفي الباب عن البراء أخرجه النسائي من طريق أبي خيثمة والثوري عن أبي إسحاق عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن وقال: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك" وسنده صحيح.وأخرجه أيضا بسند صحيح عن حفصة وزاد: "يقول ذلك ثلاثا".

(11/115)


9 - باب النَّوْمِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ
6315- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا الْعَلاَءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي "عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ وَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ"
قوله: "باب النوم على الشق الأيمن" تقدمت فوائد هذه الترجمة قريبا، وبين النوم والضجع عموم وخصوص وجهي. قوله: "العلاء بن المسيب عن أبيه" هو ابن رافع الكاهلي ويقال الثعلبي بمثلثة ثم مهملة يكنى أبا العلاء، وكان من ثقات الكوفيين، وما لولده العلاء في البخاري إلا هذا الحديث وآخر تقدم في غزوة الحديبية وهو ثقة، قال الحاكم: له أوهام. "تنبيه": وقع في "مستخرج أبي نعيم" في هذا الموضع ما نصه "لتسترهبوهم من الرهبة. ملكوت ملك مثل رهبوت ورحموت، تقول: ترهب خير من أن ترحم" انتهى ولم أره لغيره هنا. وقد تقدم قوله: "استرهبوهم من الرهبة" في تفسير سورة الأعراف وباقيه تقدم في تفسير الأنعام، وتكلمت عليه هناك

(11/115)


10 - باب الدُّعَاءِ إِذَا انْتَبَهَ بِاللَّيْلِ
6316- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ كُرَيْبٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى حَاجَتَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَأَتَى الْقِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ فَصَلَّى فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَتَّقِيهِ فَتَوَضَّأْتُ فَقَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَتَتَامَّتْ صَلاَتُهُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ فَآذَنَهُ بِلاَلٌ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا قَالَ كُرَيْبٌ وَسَبْعٌ فِي التَّابُوتِ فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ فَذَكَرَ عَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ"
6317- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ حَقٌّ وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ"
قوله: "باب الدعاء إذا انتبه من الليل" رواية الكشميهني: "بالليل" ووقع عندهم في أول التهجد في أواخر كتاب الصلاة بالعكس. ذكر فيه حديثين عن ابن عباس. قوله: "عن سفيان" هو الثوري، وسلمة هو ابن كهيل. قوله: "بت عند ميمونة" تقدم شرحه مضموما إلى ما في ثاني حديثي الباب في أول أبواب الوتر دون ما في آخره من الدعاء فأحلت به على ما هنا. وقوله فيه: "فغسل وجهه" كذا لأبي ذر، ولغيره: "غسل" بغير فاء. وقوله: "شناقها" بكسر المعجمة وتخفيف النون ثم قاف هو رباط القربة يشد عنقها فشبه بما يشنق به، وقيل هو ما تعلق به، ورجح أبو عبيد الأول. قوله: "وضوءا بين وضوءين" قد فسره بقوله: "لم يكثر وقد أبلغ" وهو يحتمل أن يكون قلل من الماء مع التثليث أو اقتصر على دون الثلاث، ووقع في رواية شعبة عن سلمة عند مسلم: "وضوءا حسنا" ووقع عند الطبراني من طريق منصور بن معتمر عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه في هذه القصة "وإلى جانبه مخضب من برام مطبق عليه سواك فاستن به ثم توضأ". قوله: "أتقيه" بمثناة ثقيلة وقاف

(11/116)


مكسورة كذا للنسفي وطائفة، قال الخطابي: أي ارتقبه. وفي رواية بتخفيف النون وتشديد القاف ثم موحدة من التنقيب وهو التفتيش. وفي رواية القابسي "أبغيه" بسكون الموحدة بعدها معجمة مكسورة ثم تحتانية أي أطلبه، وللأكثر "أرقبه" وهي أوجه. قوله: "فتتامت" بمثناتين أي تكاملت، وهي رواية شعبة عن سلمة عند مسلم. قوله: "فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ" في رواية مسلم ثم نام حتى نفخ وكنا نعرفه إذا نام بنفخه". قوله: "وكان يقول في دعائه" فيه إشارة إلى أن دعاءه حينئذ كان كثيرا، وكان هذا من جملته، وقد ذكر في ثاني حديثي الباب قوله: "اللهم أنت نور السماوات والأرض إلخ" ووقع في رواية شعبة عن سلمة "فكان يقول في صلاته وسجوده" وسأذكر أن في رواية الترمذي زيادة في هذا الدعاء طويلة، ووقع عند مسلم أيضا في رواية علي ابن عبد الله بن عباس عن أبيه أنه قال الذكر الآتي في الحديث الثاني أول ما قام قبل أن يدخل في الصلاة. وقال هذا الدعاء المذكور في الحديث الأول وهو ذاهب إلى صلاة الصبح، فأفاد أن الحديثين في قصة واحدة وأن تفريقهما صنيع الرواة.وفي رواية الترمذي التي سيأتي التنبيه عليها أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك حين فرغ من صلاته، ووقع عند البخاري في "الأدب المفرد" من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يصلي فقضى صلاته يثنى على الله بما هو أهله، ثم يكون آخر كلامه اللهم اجعل في قلبي نورا الحديث". ويجمع بأنه كان يقول ذلك عند القرب من فراغه. قوله: "اللهم اجعل في قلبي نورا إلخ" قال الكرماني: التنوين فيها للتعظيم أي نورا عظيما كذا قال، وقد اقتصر في هذه الرواية على ذكر القلب والسمع والبصر والجهات الست وقال في آخره: "واجعل لي نورا". ولمسلم عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن بن مهدي بسند حديث الباب: "وعظم لي نورا" بتشديد الظاء المعجمة. ولأبى يعلى عن أبى خيثمة عن عبد الرحمن "وأعظم لي نورا" أخرجه الإسماعيلي، وأخرجه أيضا من رواية بندار عن عبد الرحمن. وكذا لأبي عوانة من رواية أبي حذيفة عن سفيان ولمسلم في رواية شعبة عن سلمة "واجعل لي نورا" أو قال: "واجعلني نورا" هذه رواية غندر عن شعبة. وفي رواية النضر عن شعبة "واجعلني" ولم يشك. وللطبراني في الدعاء من طريق المنهال بن عمرو عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه في آخره: "واجعل لي يوم القيامة نورا".قوله: "قال كريب: وسبع في التابوت" قلت: حاصل ما في هذه الرواية عشرة، وقد أخرجه مسلم من طريق عقيل عن سلمة بن كهيل "فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسع عشرة كلمة حدثنيها كريب فحفظت منها ثنتي عشرة ونسيت ما بقي" فذكر ما في رواية الثوري هذه وزاد: "وفي لساني نورا" بعد قوله: "في قلبي" وقال في آخره: "واجعل لي في نفسي نورا وأعظم لي نورا" وهاتان ثنتان من السبع التي ذكر كريب أنها في التابوت مما حدثه بعض ولد العباس. وقد اختلف في مراده بقوله التابوت فجزم الدمياطي في حاشيته بأن المراد به الصدر الذي هو وعاء القلب، وسبق ابن بطال والداودي إلى أن المراد بالتابوت الصدر، وزاد ابن بطال: كما يقال لمن يحفظ العلم: علمه في التابوت مستودع. وقال النووي تبعا لغيره: المراد بالتابوت الأضلاع وما تحويه من القلب وغيره تشبيها بالتابوت الذي يحرز فيه المتاع، يعني سبع كلمات في قلبي ولكن نسيتها، قال: وقيل المراد سبعة أنوار كانت مكتوبة في التابوت الذي كان لبني إسرائيل فيه السكينة. وقال ابن الجوزي يريد بالتابوت الصندوق أي سبع مكتوبة في صندوق عنده لم يحفظها في ذلك الوقت. قلت: ويؤيده ما وقع عند أبي عوانة من طريق أبي حذيفة عن الثوري بسند حديث الباب: "قال كريب وستة

(11/117)


عندي مكتوبات في التابوت" وجزم القرطبي في "المفهم" وغير واحد بأن المراد بالتابوت الجسد أي أن السبع المذكورة تتعلق بجسد الإنسان بخلاف أكثر ما تقدم فإنه يتعلق بالمعاني كالجهات الست وإن كان السمع والبصر من الجسد، وحكى ابن التين عن الداودي أن معنى قوله: "في التابوت" أي في صحيفة في تابوت عند بعض ولد العباس، قال: والخصلتان العظم والمخ. وقال الكرماني: لعلهما الشحم والعظم، كذا قالا وفيه نظر، سأوضحه. قوله: "فلقيت رجلا من ولد العباس" قال ابن بطال: ليس كريب هو القائل "فلقيت رجلا من ولد العباس" وإنما قاله سلمة بن كهيل الراوي عن كريب. قلت: هو محتمل، وظاهر رواية أبي حذيفة أن القائل هو كريب، قال ابن بطال: وقد وجدت الحديث من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال فذكر الحديث مطولا، وظهرت منه معرفة الخصلتين اللتين نسيهما فإن فيه: "اللهم اجعل في عظامي نورا وفي قبري نورا ". قلت: بل الأظهر أن المراد بهما اللسان والنفس وهما اللذان زادهما عقيل في روايته عند مسلم وهما من جملة الجسد، وينطبق عليه التأويل الأخير للتابوت، وبذلك جزم القرطبي في "المفهم" ولا ينافيه ما عداه، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي من طريق داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده "سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلة حين فرغ من صلاته يقول: اللهم إني أسألك رحمة من عندك" فساق الدعاء بطوله وفيه: "اللهم اجعل لي نورا في قبري" ثم ذكر القلب ثم الجهات الست والسمع والبصر ثم الشعر والبشر ثم اللحم والدم والعظام ثم قال في آخره: "اللهم عظم لي نورا وأعطني نورا واجعلني نورا" قال الترمذي غريب. وقد روى شعبة وسفيان عن سلمة عن كريب بعض هذا الحديث ولم يذكروه بطوله انتهى. وأخرج الطبري من وجه آخر عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه في آخره: "وزدني نورا. قالها ثلاثا" وعند ابن أبي عاصم في كتاب الدعاء من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن عن كريب في آخر الحديث: "وهب لي نورا على نور" ويجتمع من اختلاف الروايات كما قال ابن العربي خمس وعشرون خصلة. قوله: "فذكر عصبي" بفتح المهملتين وبعدهما موحدة قال ابن التين هي أطناب المفاضل، وقوله: "وبشري" بفتح الموحدة والمعجمة: ظاهر الجسد. قوله: "وذكر خصلتين" أي تكملة السبعة، قال القرطبي: هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن حملها على ظاهرها فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضائه نورا يستضيء به يوم القيامة في تلك الظلم هو ومن تبعه أو من شاء الله منهم، قال والأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم والهداية كما قال تعالى: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} ثم قال: والتحقيق في معناه أن النور مظهر ما نسب إليه، وهو يختلف بحسبه: فنور السمع مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات. قال الطيبي: معنى طلب النور للأعضاء عضوا عضوا أن يتحلى بأنوار المعرفة والطاعات ويتعرى عما عداهما، فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوساوس فكان التخلص منها بالأنوار السادة لتلك الجهات. قال: وكل هذه الأمور راجعة إلى الهداية والبيان وضياء الحق، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ - إلى قوله تعالى- نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} انتهى ملخصا. وكان في بعض ألفاظه ما لا يليق بالمقام فحذفته. وقال الطيبي أيضا: خص السمع والبصر والقلب بلفظ: "لي" لأن القلب مقر الفكرة في آلاء الله، والسمع والبصر مسارح آيات الله المصونة، قال: وخص اليمين والشمال بعن إيذانا بتجاوز الأنوار عن قلبه وسمعه وبصره إلى من عن يمينه

(11/118)


وشماله من أتباعه، وعبر عن بقية الجهات بمن يشمل استنارته وإنارته من الله والخلق. وقوله في آخره: "واجعل لي نورا" هي فذلكة لذلك وتأكيد له. قوله: "سفيان" هو ابن عيينة. قوله: "كان إذا قام من الليل يتهجد" تقدم شرحه مستوفي في أوائل التهجد، وقوله في آخره: "لا إله إلا أنت أو لا إله غيرك" شك من الراوي. ووقع في رواية للطبراني في آخره: "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

(11/119)


11 - باب التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ عِنْدَ الْمَنَامِ
6318- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى "عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهِمَا السَّلاَم شَكَتْ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَلَمْ تَجِدْهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ قَالَ فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ أَقُومُ فَقَالَ مَكَانَكِ فَجَلَسَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ أَلاَ أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا أَوْ أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ وَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ وَاحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ فَهَذَا خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ التَّسْبِيحُ أَرْبَعٌ وَثَلاَثُونَ"
قوله: "باب التكبير والتسبيح عند المنام" أي والتحميد. قوله: "عن الحكم" هو ابن عتيبة بمثناة وموحدة مصغر فقيه الكوفة. وقوله: "عن ابن أبي ليلى" هو عبد الرحمن. وقوله: "عن علي" قد وقع في النفقات "عن بدل بن المحبر عن شعبة أخبرني الحكم سمعت عبد الرحمن ابن أبي ليلى أنبأنا علي". قوله: "إن فاطمة شكت ما تلقى في يدها من الرحى" زاد بدل في روايته: "مما تطحن" وفي رواية القاسم مولى معاوية عن علي عند الطبراني "وأرته أثرا في يدها من الرحى" وفي زوائد عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وصححه ابن حبان من طريق محمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو عن علي "اشتكت فاطمة مجل يدها" وهو بفتح الميم وسكون الجيم بعدها لام معناه التقطيع. وقال الطبري: المراد به غلظ اليد، وكل من عمل عملا بكفه فغلظ جلدها قيل مجلت كفه. وعند أحمد من رواية هبيرة بن يريم عن علي "قلت لفاطمة لو أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألتيه خادما، فقد أجهدك الطحن والعمل" وعنده وعند ابن سعد من رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن علي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوجه فاطمة" فذكر الحديث وفيه: "فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي "وقوله: "سنوت" بفتح المهملة والنون أي استقيت من البئر فكنت مكان السانية وهي الناقة، وعند أبي داود من طريق أبي الورد بن ثمامة عن علي بن أعبد عن علي قال: "كانت عندي فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فجرت بالرحى حتى أثرت بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في عنقها، وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها "وفي رواية له "وخبزت حتى تغير وجهها". قوله: "فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما" أي جارية تخدمها، ويطلق أيضا على الذكر. وفي رواية السائب "وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي إليه فاستخدميه" أي اسأليه خادما. وزاد في رواية يحيى القطان عن شعبة كما تقدم في النفقات "وبلغها أنه جاءه رقيق" وفي رواية بدل "وبلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسبي". قوله: "فلم

(11/119)


تجده" في رواية القطان "فلم تصادفه" وفي رواية بدل فلم توافقه وهي بمعنى تصادفه. وفي رواية أبي الورد "فأتته فوجدت عنده حداثا" بضم المهملة وتشديد الدال وبعد الألف مثلثة أي جماعة يتحدثون "فاستحيت فرجعت" فيحمل على أن المراد أنها لم تجده في المنزل بل في مكان آخر كالمسجد وعنده من يتحدث معه. قوله: "فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته" في رواية القطان" أخبرته عائشة" زاد غندر عن شعبة في المناقب "بمجيء فاطمة "وفي رواية بدل" فذكرت ذلك عائشة له" وفي رواية مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عند جعفر الفريابي في "الذكر" والدار قطني في "العلل" وأصله في مسلم: "حتى أتت منزل النبي صلى الله عليه وسلم فلم توافقه، فذكرت ذلك له أم سلمة بعد أن رجعت فاطمة" ويجمع بأن فاطمة التمسته في بيتي أم المؤمنين، وقد وردت القصة من حديث أم سلمة نفسها أخرجها الطبري في تهذيبه من طريق شهر بن حوشب عنها قالت: "جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الخدمة" فذكرت الحديث مختصرا. وفي رواية السائب "فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما جاء بك يا بنية؟ قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت، فقلت: ما فعلت؟ قالت: استحييت". قلت: وهذا مخالف لما في الصحيح، ويمكن الجمع بأن تكون لم تذكر حاجتها أولا على ما في هذه الرواية، ثم ذكرتها ثانيا لعائشة لما لم تجده، ثم جاءت هي وعلي على ما في رواية السائب فذكر بعض الرواة ما لم يذكر بعض. وقد اختصره بعضهم، ففي رواية مجاهد الماضية في النفقات "أن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما فقال: ألا أخبرك ما هو خير لك منه" وفي رواية هبيرة "فقالت انطلق معي، فانطلقت معها فسألناه فقال: ألا أدلكما" الحديث. ووقع عند مسلم من حديث أبي هريرة "أن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما وشكت العمل فقال: ما ألفيته عندنا" وهو بالفاء أي ما وجدته، ويحمل على أن المراد ما وجدته عندنا فاضلا عن حاجتنا إليه لما ذكر من إنفاق أثمان السبي على أهل الصفة. قوله: "فجاءنا وقد أخذنا مضاجعا" زاد في رواية السائب "فأتيناه جميعا، فقلت بأبي يا رسول الله، والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري. وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم" وقد أشار المصنف إلى هذه الزيادة في فرض الخمس وتكلمت على شرحها هناك. ووقع في رواية عبيدة بن عمرو عن علي عند ابن حبان من الزيادة "فأتانا وعلينا قطيفة إذا لبسناها طولا خرجت منها جنوبنا وإذا لبسناها عرضا خرجت منها رءوسنا وأقدامنا" وفي رواية السائب "فرجعا فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفة لهما إذا غطيا رءوسهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رءوسهما". قوله: "فذهبت أقوم" وافقه غندر. وفي رواية القطان "فذهبنا نقوم" وفي رواية بدل "لنقوم" وفي رواية السائب "فقاما". قوله: "فقال مكانك" وفي رواية غندر "مكانكما" وهو بالنصب أي الزما مكانكما. وفي رواية القطان وبدل "فقال على مكانكما" أي استمرا على ما أنتما عليه. قوله: "فجلس بيننا" في رواية غندر "فقعد" بدل جلس. وفي رواية القطان "فقعد بيني وبينها" وفي رواية عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى عند النسائي، "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضع قدمه بيني وبين فاطمة". قوله: "حتى وجدت برد قدميه" هكذا هنا بالتثنية وكذا في رواية غندر وعند مسلم أيضا. وفي رواية القطان بالإفراد. وفي رواية بدل كذلك بالإفراد للكشميهني. وفي رواية للطبري "فسخنتهما" وفي رواية عطاء عن مجاهد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عند جعفر في الذكر وأصله في مسلم من الزيادة "فخرج حتى أتى منزل فاطمة وقد دخلت هي وعلي في اللحاف

(11/120)


فلما استأذن هما أن يلبسا فقال: كما أنتما، إني أخبرت أنك جئت تطلبين، فما حاجتك؟ قالت: بلغني أنه قدم عليك خدم، فأحببت أن تعطيني خادما يكفيني الخبز والعجن فإنه قد شق علي، قال: فما جئت تطلبين أحب إليك أو ما هو خير منه؟ قال علي: فغمزتها فقلت قولي ما هو خير منه أحب إلي، قال: فإذا كنتما على مثل حالكما الذي أنتما عليه فذكر التسبيح. وفي رواية علي بن أعبد "فجلس عند رأسها فأدخلت رأسها في اللفاع حياء من أبيها" ويحمل على أنه فعل ذلك أولا، فلما تآنست به دخل معهما في الفراش مبالغة منه في التأنيس، وزاد في رواية علي بن أعبد "فقال ما كان حاجتك أمس؟ فسكتت مرتين، فقلت: أنا والله أحدثك يا رسول الله فذكرته له" ويجمع بين الروايتين بأنها أولا استحيت فتكلم علي عنها، فأنشطت للكلام فأكملت القصة. واتفق غالب الرواة على أنه صلى الله عليه وسلم جاء إليهما. ووقع في رواية شبث وهو بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة ابن ربعي عن علي عند أبي داود وجعفر في الذكر والسياق له "قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فانطلق علي وفاطمة حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أتى بكما، قال علي: شق علينا العمل. فقال: ألا أدلكما" وفي لفظ جعفر "فقال علي لفاطمة: ائت أباك فاسأليه أن يخدمك، فأتت أباها حين أمست فقال: ما جاء بك يا بنية؟ قالت: جئت أسلم عليك. واستحيت. حتى إذا كانت القابلة قال: ائت أباك" فذكر مثله "حتى إذا كانت الليلة الثالثة قال لها علي: امشي فخرجا معا" الحديث، وفيه: "ألا أدلكما على خير لكما من حمر النعم" وفي مرسل علي بن الحسين عند جعفر أيضا: "إن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما وبيدها أثر الطحن من قطب الرحى، فقال: إذا أويت إلى فراشك" الحديث. فيحتمل أن تكون قصة أخرى. فقد أخرج أبو داود من طريق أم الحكم أو ضباعة بنت الزبير أي ابن عبد المطلب قالت: "أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيا، فذهبت أنا وأختي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم نشكو إليه ما نحن فيه، وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السبي فقال: سبقكن يتامى بدر" فذكر قصة التسبيح إثر كل صلاة ولم يذكر قصة التسبيح عند النوم، فلعله علم فاطمة في كل مرة أحد الذكرين. وقد وقع في تهذيب الطبري من طريق أبي أمامة عن علي في قصة فاطمة من الزيادة "فقال اصبري يا فاطمة، إن خير النساء التي نفعت أهلها". قوله: "فقال ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم" في رواية بدل "خير مما سألتماه" وفي رواية غندر "مما سألتماني" وللقطان نحوه. وفي رواية السائب "ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ فقالا: بلى. فقال: كلمات علمنيهن جبريل". قوله: "إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما" هذا شك من سليمان بن حرب، وكذا في رواية القطان، وجزم بدل وغندر بقوله: "إذا أخذتما مضاجعكما" ولمسلم من رواية معاذ عن شعبة "إذا أخذتما مضاجعكما من الليل" وجزم في رواية السائب بقوله: "إذا أويتما إلى فراشكما" وزاد في رواية: "تسبحان دبر كل صلاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا "وهذه الزيادة ثابتة في رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أصحاب السنن الأربعة في حديث أوله "خصلتان لا يحصيهما عبد إلا دخل الجنة" وصححه الترمذي وابن حبان، وفيه ذكر ما يقال عند النوم أيضا. ويحتمل إن كان حديث السائب عن علي محفوظا أن يكون على ذكر القصتين اللتين أشرت إليهما قريبا معا. ثم وجدت الحديث في "تهذيب الآثار" للطبري فساقه من رواية حماد بن سلمة عن عطاء كما ذكرت، ثم ساقه من طريق شعبة عن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا وفاطمة إذا أخذا مضاجعهما بالتسبيح والتحميد والتكبير" فساق الحديث فظهر أن الحديث في قصة علي وفاطمة، وأن من لم يذكرهما من الرواة

(11/121)


اختصر الحديث، وأن رواية السائب إنما هي عن عبد الله بن عمرو، وأن قول من قال فيه عن علي لم يرد الرواية عن علي وإنما معناه عن قصة علي وفاطمة كما في نظائره. قوله: "فكبرا أربعا وثلاثين وسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين" كذا هنا بصيغة الأمر والجزم بأربع في التكبير. وفي رواية بدل مثله ولفظه: "فكبرا الله" ومثله للقطان لكن قدم التسبيح وأخر التكبير ولم يذكر الجلالة. وفي رواية عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى وفي رواية السائب كلاهما مثله، وكذا في رواية هبيرة عن علي وزاد في آخره: "فتلك مائة باللسان وألف في الميزان" وهذه الزيادة ثبتت أيضا في رواية هبيرة وعمارة بن عبد معا عن علي عند الطبراني. وفي رواية السائب كما مضى، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم كالأول لكن قال تسبحين بصيغة المضارع. وفي رواية عبيدة بن عمرو "فأمرنا عند منامنا بثلاث وثلاثين وثلاث وثلاثين وأربع وثلاثين من تسبيح وتحميد وتكبير" وفي رواية غندر للكشميهني مثل الأول، وعن غير الكشميهني: "تكبران" بصيغة المضارع وثبوت النون، وحذفت في نسخة وهي إما على أن إذا تعمل عمل الشرط وإما حذفت تخفيفا. وفي رواية مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في النفقات بلفظ: "تسبحين الله عند منامك" وقال في الجميع "ثلاثا وثلاثين" ثم قال في آخره قال سفيان رواية إحداهن أربع" وفي رواية النسائي عن قتيبة عن سفيان "لا أدري أيها أربع وثلاثون" وفي رواية الطبري من طريق أبي أمامة الباهلي عن علي في الجميع "ثلاثا وثلاثين. واختماها بلا إله إلا الله" وله من طريق محمد بن الحنفية عن علي "وكبراه وهللاه أربعا وثلاثين" وله من طريق أبي مريم عن علي "احمدا أربعا وثلاثين" وكذا له في حديث أم سلمة، وله من طريق هبيرة أن التهليل أربع وثلاثون ولم يذكر التحميد، وقد أخرجه أحمد من طريق هبيرة كالجماعة وما عدا ذلك شاذ. وفي رواية عطاء عن مجاهد عند جعفر وأصله عند مسلم: "أشك أيها أربع وثلاثون غير أني أظنه التكبير" وزاد في آخره: "قال علي فما تركتها بعد فقالوا له: ولا ليلة صفين؟ فقال: ولا ليلة صفين" وفي رواية القاسم مولى معاوية عن علي "فقيل لي" وفي رواية عمرو ابن مرة "فقال له رجل" وكذا في رواية هبيرة، ولمسلم في رواية من طريق مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى "قلت ولا ليلة صفين" وفي رواية جعفر الفريابي في الذكر من هذا الوجه "قال عبد الرحمن: قلت ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين" وكذا أخرجه مطين في مسند علي من هذا الوجه، وأخرجه أيضا من رواية زهير ابن معاوية عن أبي إسحاق "حدثني هبيرة وهانئ بن هانئ وعمارة بن عبد أنهم سمعوا عليا يقول" فذكر الحديث وفي آخره: "فقال له رجل قال زهير أراه الأشعث بن قيس: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين" وفي رواية السائب فقال له ابن الكواء: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق. نعم: ولا ليلة صفين، وللبزار من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب "فقال له عبد الله بن الكواء" والكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد وكان من أصحاب علي لكنه كان كثير التعنت في السؤال. وقد وقع في رواية زيد بن أبي أنيسة عن الحكم بسند حديث الباب: "فقال ابن الكواء: ولا ليلة صفين؟ فقال: ويحك ما أكثر ما تعنتني، لقد أدركتها من السحر" وفي رواية علي بن أعبد "ما تركتهن منذ سمعتهن إلا ليلة صفين فإني ذكرتها من آخر الليل فقلتها" وفي رواية له وهي عند جعفر أيضا في الذكر "إلا ليلة صفين فإني أنسيتها حتى ذكرتها من آخر الليل" وفي رواية شبث بن ربعي مثله وزاد: "فقلتها" ولا اختلاف فإنه نفى أن يكون قالها أول الليل وأثبت أنه قالها في آخره، وأما الاختلاف في تسمية السائل فلا يؤثر لأنه محمول على التعدد بدليل قوله

(11/122)


في الرواية الأخرى "فقالوا" وفي هذا تعقب على الكرماني حيث فهم من قول علي "ولا ليلة صفين" أنه قالها من الليل فقال: مراده أنه لم يشتغل مع ما كان فيه من الشغل بالحرب عن قول الذكر المشار إليه، فإن في قول علي "فأنسيتها" التصريح بأنه نسيها أول الليل وقالها في آخره. والمراد بليلة صفين الحرب التي كانت بين علي ومعاوية بصفين، وهي بلد معروف بين العراق والشام، وأقام الفريقان بها عدة أشهر، وكانت بينهم وقعات كثيرة، لكن لم يقاتلوا في الليل إلا مرة واحدة وهي ليلة الهرير بوزن عظيم، سميت بذلك لكثرة ما كان الفرسان يهرون فيها، وقتل بين الفريقين تلك الليلة عدة آلاف، وأصبحوا وقد أشرف علي وأصحابه على النصر فرفع معاوية وأصحابه المصاحف، فكان ما كان من الاتفاق على التحكيم وانصراف كل منهم إلى بلاده. واستفدنا من هذه الزيادة أن تحديث علي بذلك كان بعد وقعة صفين بمدة، وكانت صفين سنة سبع وثلاثين، وخرج الخوارج على علي عقب التحكيم في أول سنة ثمان وثلاثين وقتلهم بالنهروان، وكل ذلك مشهور مبسوط في تاريخ الطبري وغيره "فائدة": زاد أبو هريرة في هذه القصة مع الذكر المأثور دعاء آخر ولفظه عند الطبري في تهذيبه من طريق الأعمش عن أبي صالح عنه "جاءت فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما فقال: ألا أدلك على ما هو خير من خادم؟ تسبحين" فذكره وزاد: "وتقولين: "اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر" وقد أخرجه مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه لكن فرقه حديثين. وأخرجه الترمذي من طريق الأعمش لكن اقتصر على الذكر الثاني ولم يذكر التسبيح وما معه. قوله: "وعن شعبة عن خالد" هو الحذاء" عن ابن سيرين" هو محمد "قال التسبيح أربع وثلاثون" هذا موقوف على ابن سيرين، وهو موصول بسند حديث الباب. وظن بعضهم أنه من رواية ابن سيرين بسنده إلى علي وأنه ليس من كلامه، وذلك أن الترمذي والنسائي وابن حبان أخرجوا الحديث المذكور من طريق ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة بن عمرو عن علي، لكن الذي ظهر لي أنه من قول ابن سيرين موقوف عليه، إذ لم يتعرض المصنف لطريق ابن سيرين عن عبيدة، وأيضا فإنه ليس في روايته عن عبيدة تعيين عدد التسبيح وقد أخرجه القاضي يوسف في كتاب الذكر عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه بسنده هذا إلى ابن سيرين من قوله فثبت ما قلته ولله الحمد. ووقع في مرسل عروة عند جعفر أن التحميد أربع، واتفاق الرواة على أن الأربع للتكبير أرجح، قال ابن بطال: هذا نوع من الذكر عند النوم، ويمكن أن يكون صلى الله عليه وسلم كان يقول جميع ذلك عند النوم وأشار لأمته بالاكتفاء ببعضها إعلاما منه أن معناه الحض والندب لا الوجوب. وقال عياض: جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أذكار عند النوم مختلفة بحسب الأحوال والأشخاص والأوقات، وفي كل فضل، قال ابن بطال: وفي هذا الحديث حجة لمن فضل الفقر على الغنى لقوله: "ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم" فعلمهما الذكر، فلو كان الغني أفضل من الفقر لأعطاهما الخادم وعلمهما الذكر فلما منعهما الخادم وقصرهما على الذكر علم أنه إنما اختار لهما الأفضل عند الله. قلت: وهذا إنما يتم أن لو كان عنده صلى الله عليه وسلم من الخدام فضلة، وقد صرح في الخبر أنه كان محتاجا إلى بيع ذلك الرقيق لنفقته على أهل الصفة، ومن ثم قال عياض: لا وجه لمن استدل به على أن الفقير أفضل من الغني، وقد اختلف في معنى الخيرية في الخبر فقال

(11/123)


عياض: ظاهره أنه أراد أن يعلمهما أن عمل الآخرة أفضل من أمور الدنيا على كل حال، وإنما اقتصر على ذلك لما لم يمكنه إعطاء الخادم، ثم علمهما إذ فاتهما ما طلباه ذكرا يحصل لهما أجرا أفضل مما سألاه. وقال القرطبي: إنما أحالهما على الذكر ليكون عوضا عن الدعاء عند الحاجة، أو لكونه أحب لابنته ما أحب لنفسه من إيثار الفقر وتحمل شدته بالصبر عليه تعظيما لأجرها. وقال المهلب: علم صلى الله عليه وسلم ابنته من الذكر ما هو أكثر نفعا لها في الآخرة، وآثر أهل الصفة لأنهم كانوا وقفوا أنفسهم لسماع العلم وضبط السنة على شبع بطونهم لا يرغبون في كسب مال ولا في عيال، ولكنهم اشتروا أنفسهم من الله بالقوت. ويؤخذ منه تقديم طلبة العلم على غيرهم في الخمس. وفيه ما كان عليه السلف الصالح من شظف العيش وقلة الشيء وشدة الحال. وأن الله حماهم الدنيا مع إمكان ذلك صيانة لهم من تبعاتها، وتلك سنة أكثر الأنبياء والأولياء. وقال إسماعيل القاضي: في هذا الحديث أن للإمام أن يقسم الخمس حيث رأى، لأن السبي لا يكون إلا من الخمس، وأما الأربعة أخماس فهو حق الغانمين انتهى. وهو قول مالك وجماعة، وذهب الشافعي وجماعة إلى أن لآل البيت سهما من الخمس، وقد تقدم بسط ذلك في فرض الخمس في أواخر الجهاد. ثم وجدت في تهذيب الطبري من وجه آخر ما لعله يعكر على ذلك، فساق من طريق أبي أمامة الباهلي عن علي قال: "أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق، أهداهم له بعض ملوك الأعاجم، فقلت لفاطمة: ائت أباك فاستخدميه" فلو صح هذا لأزال الإشكال من أصله، لأنه حينئذ لا يكون للغانمين فيه شيء. وإنما هو من مال المصالح يصرفه الإمام حيث يراه. وقال المهلب: فيه حمل الإنسان أهله على ما يحمل عليه نفسه من إيثار الآخرة على الدنيا إذا كانت لهم قدرة على ذلك. قال: وفيه جواز دخول الرجل على ابنته وزوجها بغير استئذان وجلوسه بينهما في فراشهما، ومباشرة قدميه بعض جسدهما. قلت: وفي قوله بغير استئذان نظر، لأنه ثبت في بعض طرقه أنه استأذن كما قدمته من رواية عطاء عن مجاهد في الذكر لجعفر، وأصله عند مسلم، وهو في "العلل" للدار قطني أيضا بطوله. وأخرج الطبري في تهذيبه من طريق أبي مريم "سمعت عليا يقول: إن فاطمة كانت تدق الدرمك بين حجرين حتى مجلت يداها" فذكر الحديث، وفيه: "فأتانا وقد دخلنا فراشنا فلما استأذن علينا تخششنا لنلبس علينا ثيابنا، فلما سمع ذلك قال: كما أنتما في لحافكما". ودفع بعضهم الاستدلال المذكور لعصمته صلى الله عليه وسلم فلا يلحق به غيره ممن ليس بمعصوم. وفي الحديث منقبة ظاهرة لعلي وفاطمة عليهما السلام. وفيه بيان إظهار غاية التعطف والشفقة على البنت والصهر ونهاية الاتحاد برفع الحشمة والحجاب حيث لم يزعجهما عن مكانهما فتركهما على حالة اضطجاعهما، وبالغ حتى أدخل رجله بينهما ومكث بينهما حتى علمهما ما هو الأولى بحالهما من الذكر عوضا عما طلباه من الخادم، فهو من باب تلقي المخاطب بغير ما يطلب إيذانا بأن الأهم من المطلوب هو التزود للمعاد والصبر على مشاق الدنيا والتجافي عن دار الغرور. وقال الطيبي: فيه دلالة على مكانة أم المؤمنين من النبي صلى الله عليه وسلم حيث خصتها فاطمة بالسفارة بينها وبين أبيها دون سائر الأزواج. قلت: ويحتمل أنها لم ترد التخصيص بل الظاهر أنها قصدت أباها في يوم عائشة في بيتها فلما لم تجده ذكرت حاجتها لعائشة، ولو اتفق أنه كان يوم غيرها من الأزواج لذكرت لها ذلك، وقد تقدم أن في بعض طرقه أن أم سلمة ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك أيضا، فيحتمل أن فاطمة لما لم تجده في بيت عائشة مرت على بيت أم سلمة فذكرت لها ذلك، ويحتمل أن يكون تخصيص هاتين من الأزواج لكون باقيهن كن حزبين كل حزب يتبع واحدة من هاتين كما تقدم صريحا في كتاب الهبة. وفيه أن من واظب

(11/124)


على هذا الذكر عند النوم لم يصبه إعياء لأن فاطمة شكت التعب من العمل فأحالها صلى الله عليه وسلم على ذلك، كذا أفاده ابن تيمية، وفيه نظر ولا يتعين رفع التعب بل يحتمل أن يكون من واظب عليه لا يتضرر بكثرة العمل ولا يشق عليه ولو حصل له التعب، والله أعلم.

(11/125)


12 - باب التَّعَوُّذِ وَالْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمَنَامِ
6319- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ فِي يَدَيْهِ وَقَرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَمَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ"
قوله: "باب التعوذ والقراءة عند النوم" ذكر فيه حديث عائشة في قراءة المعوذات. حديث عائشة في قراءة المعوذات، وقد تقدم شرحه في كتاب الطب، وبينت اختلاف الرواة في أنه كان يقول ذلك دائما أو بقيد الشكوى، وأنه ثبت عن عائشة أنه يفيد الأمران معا لما في رواية عقيل عن الزهري بلفظ: "كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة" وبينت فيه أن المراد بالمعوذات الإخلاص والفلق والناس، وأن ذلك وقع صريحا في رواية عقيل المذكورة وأنها تعين أحد الاحتمالات الماضي ذكرها ثمة، وفيها كيفية مسح جسده بيديه، وقد ورد في القراءة عند النوم عدة أحاديث صحيحة: منها حديث أبي هريرة في قراءة آية الكرسي وقد تقدم في الوكالة وغيرها، وحديث ابن مسعود الآيتان من آخر سورة البقرة وقد تقدم في فضائل القرآن، وحديث فروة بن نوفل عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنوفل اقرأ قل يا أيها الكافرون في كل ليلة ونم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك" أخرجه أصحاب السنن الثلاثة وابن حبان والحاكم، وحديث العرباض بن سارية "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ المسبحات قبل أن يرقد ويقول فيهن آية خير من ألف آية" أخرجه الثلاثة، وحديث جابر رفعه: "كان لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل وتبارك" أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" وحديث شداد بن أوس رفعه: "ما من امرئ مسلم يأخذ مضجعه فيقرأ سورة من كتاب الله إلا بعث الله ملكا يحفظه من كل شيء يؤذيه حتى يهب" أخرجه أحمد والترمذي، وورد في التعوذ أيضا عدة أحاديث: منها حديث أبي صالح عن رجل من أسلم رفعه: "لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم يضرك شيء" وفيه قصة. ومنهم من قال عن أبي صالح عن أبي هريرة أخرجه أبو داود وصححه الحاكم. وحديث أبي هريرة "كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: اللهم رب السماوات ورب الأرض" الحديث، وفي لفظ: "اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان الرجيم وشركه" أخرجه أبو داود والترمذي، وحديث على رفعه: "كان يقول عند مضجعه: اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته" أخرجه أبو داود والنسائي، قال ابن بطال: في حديث عائشة رد على من منع استعمال العوذ والرقي إلا بعد وقوع المرض انتهى، وقد تقدم تقرير ذلك والبحث فيه في كتاب الطب

(11/125)


باب حدثنا أحمد بن يونس
...
13 – باب 6320- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي

(11/125)


14 - باب الدُّعَاءِ نِصْفَ اللَّيْلِ
6321- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ وَأَبِي سَلَمَةَ

(11/128)


ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ"
قوله: "باب الدعاء نصف الليل" أي بيان فضل الدعاء في ذلك الوقت على غيره إلى طلوع الفجر، قال ابن بطال: هو وقت شريف، خصه الله بالتنزيل فيه، فيتفضل على عباده بإجابة دعائهم، وإعطاء سؤلهم، وغفران ذنوبهم، وهو وقت غفلة وخلوة واستغراق في النوم واستلذاذ له، ومفارقة اللذة والدعة صعب، لا سيما أهل الرفاهية وفي زمن البرد. وكذا أهل التعب ولا سيما في قصر الليل، فمن آثر القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه مع ذلك دل على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه، فلذلك نبه الله عباده على الدعاء في هذا الوقت الذي تخلو فيه النفس من خواطر الدنيا وعلقها، ليستشعر العبد الجد والإخلاص لربه. قوله: "يتنزل ربنا" كذا للأكثر هنا بوزن يتفعل مشددا، وللنسفي والكشميهني: "ينزل" بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر الزاي. قوله: "حين يبقى ثلث الليل" قال ابن بطال: ترجم بنصف الليل وساق في الحديث أن التنزل يقع ثلث الليل، لكن المصنف عول على ما في الآية وهي قوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ} فأخذ الترجمة من دليل القرآن، وذكر النصف فيه يدل على تأكيد المحافظة على وقت التنزل قبل دخوله ليأتي وقت الإجابة والعبد مرتقب له مستعد للقائه. وقال الكرماني: لفظ الخبر "حين يبقى ثلث الليل" وذلك يقع في النصف الثاني انتهى. والذي يظهر لي أن البخاري جرى على عادته فأشار إلى الرواية التي وردت بلفظ النصف، فقد أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمر، وعن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "ينزل الله إلى السماء الدنيا نصف الليل الأخير أو ثلث الليل الآخر" وأخرجه الدار قطني في كتاب الرؤيا من رواية عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة نحوه، ومن طريق حبيب بن أبي ثابت عن الأغر عن أبي هريرة بلفظ: "شطر الليل" من غير تردد، وسأستوعب ألفاظه في التوحيد إن شاء الله تعالى. وقال أيضا: النزول محال على الله لأن حقيقته الحركة من جهة العلو إلى السفل، وقد دلت البراهين القاطعة على تنزيهه على ذلك فليتأول ذلك بأن المراد نزول ملك الرحمة ونحوه أو يفوض مع اعتقاد التنزيه، وقد تقدم شرح الحديث في الصلاة في "باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل" من أبواب التهجد؛ ويأتي ما بقي منه في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى.

(11/129)


15 - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الْخَلاَءِ
6322- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ"
قوله: "باب الدعاء عند الخلاء" أي عند إرادة الدخول. حديث أنس وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة، وفيه ذكر من رواه بلفظ: "إذا أراد أن يدخل".

(11/129)


16 - باب مَا يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ:
6323- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ "عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ إِذَا قَالَ حِينَ يُمْسِي فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِذَا قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ مِثْلَهُ"
6324- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ "عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَالَ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا وَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"
6325- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ "عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"
[6225- طرفه في: 7395]
قوله: "باب ما يقول إذا أصبح" ذكر فيه ثلاثة أحاديث. وقد ورد فيما يقال عند الصباح عدة أحاديث: منها حديث أنس رفعه: "من قال حين يصبح: "اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، أعتق الله ربعه من النار، ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار" الحديث رواه الثلاثة وحسنه الترمذي. وحديث أبي سلام عمن خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعه: "من قال إذا أصبح وإذا أمسى: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا إلا كان حقا على الله أن يرضيه" أخرجه أبو داود وسنده قوي. وهو عند الترمذي بنحوه من حديث ثوبان

(11/130)


بسند ضعيف، وحديث عبد الله بن غنام البياضي رفعه: "من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه" الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان، وحديث أنس "قال النبي صلى الله عليه وسلم: لفاطمة: ما منعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح في شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين" أخرجه النسائي والبزار.

(11/131)


17 - بَاب الدُّعَاءِ فِي الصَّلاَةِ
6326- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو "عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي قَالَ " قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ إِنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
6327- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} أُنْزِلَتْ فِي الدُّعَاءِ"
6328- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلاَةِ السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إِلَى قَوْلِهِ الصَّالِحِينَ فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ صَالِحٍ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الثَّنَاءِ مَا شَاءَ"
قوله "باب الدعاء في الصلاة" ذكر فيه ثلاثة أحاديث وهي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص "عن أبي بكر الصديق أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم علمني دعاء أدعو به في صلاتي" وقد تقدم الكلام عليه في "باب الدعاء قبيل السلام" في أواخر صفة الصلاة قبيل كتاب الجمعة بما فيه كفاية. قوله: "وقال عمرو" هو ابن الحارث "عن يزيد" هو ابن أبي حبيب وهو المذكور في السند الأول، وأبو الخير هو مرثد بفتح الميم والمثلثة بينهما راء مهملة. قوله: "قال أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم" وصله في التوحيد من رواية عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث ولفظه:" أن أبا بكر قال: يا رسول الله" وقد بينت ذلك في شرحه. قال الطبري: في حديث أبي بكر دلالة على رد قول من زعم أنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من لا خطيئة له ولا ذنب، لأن الصديق من أكبر أهل الإيمان. وقد علمه النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت" . وقال الكرماني: هذا الدعاء من الجوامع، لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال

(11/131)


الخيرات، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار وفي الثاني طلب إدخال الجنة وهذا هو الفوز العظيم. وقال ابن أبي حمزة ما ملخصه: في الحديث مشروعية الدعاء في الصلاة، وفضل الدعاء المذكور على غيره، وطلب التعليم من الأعلى وإن كان الطالب يعرف ذلك النوع، وخص الدعاء بالصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وفيه أن المرء ينظر في عبادته إلى الأرفع فيتسبب في تحصيله. وفي تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر هذا الدعاء إشارة إلى إيثار أمر الآخرة على أمر الدنيا، ولعله فهم ذلك من حال أبي بكر وإيثاره أمر الآخرة قال: وفي قوله: "ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت" أي ليس لي حيلة في دفعه فهي حالة افتقار، فأشبه حال المضطر الموعود بالإجابة، وفيه هضم النفس والاعتراف بالتقصير، وتقدمت بقية فوائده هناك. حديث عائشة في قوله تعالى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ} قال: أنزلت في الدعاء، وقد تقدم شرحه في تفسير سبحان، وعلي شيخه هو ابن سلمة كما أشرت إليه في تفسير المائدة. حديث عبد الله وهو ابن مسعود في التشهد، وقد تقدم شرحه في أواخر صفة الصلاة، وأخذ الترجمة من هذه الأحاديث إلا أن الأول نص في المطلوب، والثاني يستفاد منه صفة من صفات الداعي وهي عدم الجهر والمخافتة فيسمع نفسه ولا يسمع غيره، وقيل للدعاء صلاة لأنها لا تكون إلا بدعاء فهو من تسمية بعض الشيء باسم كله. والثالث فيه الأمر بالدعاء في التشهد وهو من جملة الصلاة، والمراد بالثناء الدعاء، فقد تقدم في باب التشهد بلفظ: "فليتخير من الدعاء ما شاء". وقد ورد الأمر بالدعاء في السجود في حديث أبي هريرة رفعه: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء" وورد الأمر أيضا بالدعاء في التشهد في حديث أبي هريرة وفي حديث فضالة بن عبيد عند أبي داود والترمذي وصححه، وفيه أنه أمر رجلا بعد التشهد أن يثنى على الله بما هو أهله ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء، ومحصل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من المواضع التي كان يدعو فيها داخل الصلاة ستة مواطن: الأول عقب تكبيرة الإحرام ففيه حديث أبي هريرة في الصحيحين "اللهم باعد بيني وبين خطاياي" الحديث الثاني في الاعتدال ففيه حديث ابن أبي أوفى عند مسلم أنه كان يقول بعد قوله من شيء بعد "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد". الثالث في الركوع وفيه حديث عائشة "كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" أخرجاه. الرابع في السجود وهو أكثر ما كان يدعو فيه وقد أمر به فيه. الخامس بين السجدتين "اللهم اغفر لي" السادس في التشهد وسيأتي، وكان أيضا يدعو في القنوت وفي حال القراءة إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب استعاذ.

(11/132)


18 - باب الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلاَةِ
6329- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ قَالَ "كَيْفَ ذَاكَ قَالُوا صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ قَالَ أَفَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَتَسْبِقُونَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ وَلاَ يَأْتِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتُمْ بِهِ إِلاَّ مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ عَشْرًا

(11/132)


وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ سُمَيٍّ وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلاَنَ عَنْ سُمَيٍّ وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
6330- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ "كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ إِذَا سَلَّمَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ سَمِعْتُ الْمُسَيَّبَ"
قوله: "باب الدعاء بعد الصلاة" أي المكتوبة، وفي هذه الترجمة رد على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع، متمسكا بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سلم لا يثبت إلا قدر ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" . والجواب أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسا على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر، فقد ثبت أنه "كان إذا صلى أقبل على أصحابه" فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل بوجهه على أصحابه. قال ابن القيم في "الهدي النبوي": وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة سواء الإمام والمنفرد والمأموم فلم يكن ذلك من هدى النبي صلى الله عليه وسلم أصلا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وخص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء بعده ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضا من السنة بعدهما، قال: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها، قال، وهذا اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه مناجيه، فإذا سلم منها انقطعت المناجاة وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه وهو مقبل عليه ثم يسأل إذا انصرف عنه؟ ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن يفرغ منها ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية وهي الذكر لا لكونه دبر المكتوبة. قلت: وما ادعاه من النفي مطلقا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له "يا معاذ إني والله لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم، وحديث أبي بكرة في قول "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر، كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهن دبر كل صلاة" أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم، وحديث سعد الآتي في "باب التعوذ من البخل" قريبا، فإن في بعض طرقه المطلوب. وحديث زيد بن أرقم "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء" الحديث أخرجه أبو داود والنسائي، وحديث صهيب رفعه: "كان يقول إذا انصرف من الصلاة: اللهم أصلح لي ديني" الحديث أخرجه النسائي وصححه ابن حبان وغير ذلك. فإن قيل: المراد بدبر كل صلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلنا قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه.

(11/133)


وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة "قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات" وقال حسن. وأخرج الطبري من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: "الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة" وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا، وليس كذلك فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة وإيراده بعد السلام، وأما إذا انتقل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. ثم ذكر المصنف حديث أبي هريرة في التسبيح بعد الصلاة، وحديث المغيرة في قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وقد ترجم في أواخر الصلاة "باب الذكر بعد التشهد" وأورد فيه هذين الحديثين، وتقدم شرحهما هناك مستوفى، ومناسبة هذه الترجمة لهما أن الذاكر يحصل له ما يحصل للداعي إذا شغله الذكر عن الطلب كما في حديث ابن عمر رفعه: "يقول الله تعالى من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين" أخرجه الطبراني بسند لين، وحديث أبي سعيد بلفظ: "من شغله القرآن وذكرى عن مسألتي" الحديث أخرجه الترمذي وحسنه. وقوله: "حدثنا إسحاق" هو ابن راهويه أو ابن منصور، ويزيد هو ابن هارون، وورقاء هو ابن عمر اليشكري، وسمي هو مولى أبي صالح. قوله: "تابعه عبيد الله بن عمر" هو العمري "عن سمي" يعني في إسناده، وفي أصل الحديث لا في العدد المذكور، وقد بينت هناك عند شرحه أن ورقاء خالف غيره في قوله عشرا وإن الكل قالوا "ثلاثا وثلاثين" وأن منهم من قال المجموع هذا القدر. قلت: قد ورد بالذكر العشر في حديث عبد الله بن عمرو وجماعة، وحديث عبيد الله بن عمر تقدم موصولا هناك، وأغرب الكرماني فقال لما جاء هناك بلفظ الدرجات فقيدها بالعلا وقيد أيضا زيادة في الأعمال من الصوم والحج والعمرة زاد في عدة الأذكار، يعني ولما خلت هذه الرواية من ذلك نقص العدد، ثم قال: على أن مفهوم العدد لا اعتبار به انتهى. وكلا الجوابين متعقب: أما الأول فمخرج الحديثين واحد وهو من رواية سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة، وإنما اختلف الرواة عنه في العدد المذكور في الزيادة والنقص، فإن أمكن الجمع وإلا فيؤخذ بالراجح. فإن استووا فالذي حفظ الزيادة مقدم. وأظن سبب الوهم أنه وقع في رواية ابن عجلان "يسبحون ويكبرون ويحمدون في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة" فحمله بعضهم على أن العدد المذكور مقسوم على الأذكار الثلاثة فروى الحديث بلفظ إحدى عشرة، وألغى بعضهم الكسر فقال عشر والله أعلم. وأما الثاني فمرتب على الأول، وهو لائق بما إذا اختلف مخارج الحديث أما إذا اتحد المخرج فهو من تصرف الرواة، فإذا أمكن الجمع وإلا فالترجيح.قوله: "ورواه ابن عجلان عن سمي ورجاء بن حيوة" وصله مسلم قال: "حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن عجلان" فذكره مقرونا برواية عبيد الله بن عمر كلاهما عن سمي عن أبي صالح به وفي آخره: "قال ابن عجلان: فحدثت به رجاء بن حيوة فحدثني بمثله عن أبي صالح عن أبي هريرة" ووصله الطبراني من طريق حيوة بن شريح عن محمد بن عجلان عن رجاء بن حيوة وسمي كلاهما عن أبي صالح به وفيه: "تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمدونه ثلاثا وثلاثين وتكبرونه أربعا وثلاثين" وقال في "الأوسط" لم يروه عن رجاء إلا ابن عجلان. قوله: "ورواه جرير" يعني ابن عبد الحميد "عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي الدرداء" وصله أبو يعلى في مسنده والإسماعيلي عنه عن أبي خيثمة عن جرير، ووصله النسائي من حديث جرير بهذا وفيه مثل ما في رواية ابن عجلان من تربيع التكبير،

(11/134)


وفي سماع أبي صالح من أبي الدرداء نظر، وقد بين النسائي الاختلاف فيه على عبد العزيز بن رفيع فأخرجه من رواية الثوري عنه عن أبي عمر الضبي عن أبي الدرداء، وكذا رواه شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي عمر لكن زاد أم الدرداء بين أبي الدرداء وبين أبي عمر أخرجه النسائي أيضا، ولم يوافق شريك على هذه الزيادة فقد أخرجه النسائي أيضا من رواية شعبة عن الحكم عن أبي عمر عن أبي الدرداء، ومن رواية زيد بن أبي أنيسة عن الحكم لكن قال: "عن عمر الضبي" فإن كان اسم أبي عمر عمر اتفقت الروايتان، لكن جزم الدار قطني بأنه لا يعرف اسمه فكأنه تحرف على الراوي والله أعلم. قوله: "ورواه سهيل عن أبيه عن أبي هريرة" وصله مسلم من رواية روح بن القاسم عن سهيل فساق الحديث بطوله لكن قال فيه: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، قال سهيل: إحدى عشرة وإحدى عشرة وإحدى عشرة فذلك كله ثلاث وثلاثون" وأخرجه النسائي من رواية الليث عن ابن عجلان عن سهيل بهذا السند بغير قصة، ولفظ آخر قال فيه: "من قال خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين تكبيرة وثلاثا وثلاثين تسبيحة وثلاثا وثلاثين تحميدة ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعني تمام المائة غفرت له خطاياه" أخرجه النسائي، وأخرجه أيضا من وجه آخر عن الليث عن ابن عجلان عن سهيل عن عطاء بن يزيد عن بعض الصحابة، ومن طريق زيد بن أبي أنيسة عن سهيل عن أبي عبيد عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة، وهذا اختلاف شديد على سهيل، والمعتمد في ذلك رواية سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة والله أعلم. ورواية أبي عبيد عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة أخرجها مالك في الموطأ لكن لم يرفعه، وأوردها مسلم من طريق خالد بن عبد الله وإسماعيل بن زكريا كلاهما عن سهيل عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك. قوله في حديث المغيرة "جرير" هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر. قوله: "في دبر كل صلاة" في رواية الحموي والمستملي: "في دبر صلاته". قوله: "وقال شعبة عن منصور قال سمعت المسيب" يعني ابن رافع بالسند المذكور وصله أحمد عن محمد ابن جعفر حدثنا شعبة به ولفظه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له" الحديث قال ابن بطال: في هذه الأحاديث الحض على الذكر في أدبار الصلوات" وأن ذلك يوازي إنفاق المال في طاعة الله لقوله: "تدركون به من سبقكم" وسئل الأوزاعي هل الذكر بعد الصلاة أفضل أم تلاوة القرآن؟ فقال: ليس شيء يعدل القرآن، ولكن كان هدى السلف الذكر. وفيها أن الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة ولا يؤخر إلى أن يصلي الراتبة لما تقدم، والله أعلم.

(11/135)


باب قول الله تبارك وتعالى (وصل عليهم)
...
19- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} وَمَنْ خَصَّ أَخَاهُ بِالدُّعَاءِ دُونَ نَفْسِهِ
وَقَالَ أَبُو مُوسَى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ
6331- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ "حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَيَا عَامِرُ لَوْ أَسْمَعْتَنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ فَنَزَلَ يَحْدُو بِهِمْ يُذَكِّرُ "تَاللَّهِ لَوْلاَ اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا" وَذَكَرَ شِعْرًا غَيْرَ هَذَا وَلَكِنِّي لَمْ أَحْفَظْهُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ هَذَا السَّائِقُ قَالُوا عَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ قَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْلاَ مَتَّعْتَنَا

(11/135)


بِهِ فَلَمَّا صَافَّ الْقَوْمَ قَاتَلُوهُمْ فَأُصِيبَ عَامِرٌ بِقَائِمَةِ سَيْفِ نَفْسِهِ فَمَاتَ فَلَمَّا أَمْسَوْا أَوْقَدُوا نَارًا كَثِيرَةً
فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا هَذِهِ النَّارُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ قَالُوا عَلَى حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ فَقَالَ أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَكَسِّرُوهَا قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا قَالَ أَوْ ذَاكَ"
6332- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ "سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلاَنٍ فَأَتَاهُ أَبِي فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى"
6333- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ "قَالَ سَمِعْتُ جَرِيرًا قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ وَهُوَ نُصُبٌ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ يُسَمَّى الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ لاَ أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَصَكَّ فِي صَدْرِي فَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا قَالَ فَخَرَجْتُ فِي خَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَحْمَسَ مِنْ قَوْمِي وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ فَانْطَلَقْتُ فِي عُصْبَةٍ مِنْ قَوْمِي فَأَتَيْتُهَا فَأَحْرَقْتُهَا ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا مِثْلَ الْجَمَلِ الأَجْرَبِ فَدَعَا لِأَحْمَسَ وَخَيْلِهَا"
6334- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ "قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَسٌ خَادِمُكَ قَالَ اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ"
6335- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا فِي سُورَةِ كَذَا وَكَذَا"
6336- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ"
قوله: "باب قول الله تبارك وتعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} كذا للجمهور، ووقع في بعض النسخ زيادة: إن صلواتك سكن لهم، واتفقوا على أن المراد بالصلاة هنا الدعاء، وثالث أحاديث الباب يفسر ذلك، وتقدم في السورة قريبا من هذه الآية قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ

(11/136)


وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} وفسرت الصلوات هنا أيضا بالدعوات لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو لمن يتصدق.قوله: "ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه" في هذه الترجمة إشارة إلى رد ما جاء عن ابن عمر: أخرج ابن أبي شيبة والطبري من طريق سعيد بن يسار قال: ذكرت رجلا عند ابن عمر فترحمت عليه فلهز في صدري وقال لي: ابدأ بنفسك. وعن إبراهيم النخعي: كان يقال إذا دعوت فابدأ بنفسك، فإنك لا تدري في أي دعاء يستجاب لك. وأحاديث الباب ترد على ذلك، ويؤيدها ما أخرجه مسلم وأبو داود من طريق طلحة بن عبد الله ابن كريز عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رفعه: "ما من مسلم يدعو لأخيه ظهر الغيب إلا قال، الملك: ولك مثل ذلك" وأخرج الطبري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رفعه: "خمس دعوات مستجابات" وذكر فيها "ودعوة الأخ لأخيه" وأخرجه أيضا، هكذا استدل بهما ابن بطال، وفيه نظر لأن الدعاء لظهر الغيب ودعاء الأخ لأخيه أعم من أن يكون الداعي خصه أو ذكر نفسه معه، وأعم من أن يكون بدأ به أو بدأ بنفسه وأما ما أخرجه الترمذي من حديث أبي بن كعب رفعه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه" وهو عند مسلم في أول قصة موسى والخضر ولفظه: "وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه" ويؤيد هذا القيد أنه صلى الله عليه وسلم دعا لغير نبي فلم يبدأ بنفسه كقوله في قصة هاجر الماضية في المناقب "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عينا معينا" وقد تقدم حديث أبي هريرة "اللهم أيده بروح القدس" يريد حسان بن ثابت وحديث ابن عباس "اللهم فقهه في الدين" وغير ذلك من الأمثلة، مع أن الذي جاء في حديث أبي لم يطرد فقد ثبت أنه دعا لبعض الأنبياء فلم يبدأ بنفسه كما مر في المناقب من حديث أبي هريرة "يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد" وقد أشار المصنف إلى الأول بسادس أحاديث الباب، وإلى الثاني بالذي بعده. وذكر المصنف فيه سبعة أحاديث: قوله: "وقال أبو موسى قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه" هذا طرف من حديث لأبي موسى تقدم بطوله موصولا في غزوة أوطاس من المغازي، وفيه قصة قتل أبي عامر وهو عم أبي موسى الأشعري، وفيه قول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: "أن أبا عامر قال له: قل للنبي صلى الله عليه وسلم استغفر لي، قال فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر" وفيه: "فقلت: ولي فاستغفر، فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما" . قوله: "يحيى" هو ابن سعيد القطان. قوله: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فقال رجل من القوم" هو عمر بن الخطاب، وعامر هو ابن الأكوع عم سلمة راوي الحديث، وقد تقدم بيان ذلك كله في غزوة خيبر من كتاب المغازي، وسبب قول عمر "لولا متعتنا به" وأن ذلك ورد مصرحا به في صحيح مسلم، وأما ابن عبد البر فأورده مورد الاستقراء فقال: "كانوا عرفوا أنه ما استرحم لإنسان قط في غزاة تخصه إلا استشهد، فلذا قال عمر لولا أمتعتنا بعامر" قوله: "وذكر شعرا غير هذا ولكني لم أحفظه" تقدم بيانه في المكان المذكور من طريق حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد، ويعرف منه أن القائل "وذكر شعرا" هو يحيى بن سعيد راويه، وأن الذاكر هو يزيد بن أبي عبيد. وقوله: "من هناتك" بفتح الهاء والنون جمع هنة، ويروى "هنيهاتك، وهنياتك" والمراد الأراجيز القصار، وتقدم شرح الحديث مستوفى هناك. قوله: "فلما أمسوا أوقدوا نارا كثيرة" الحديث في قصة الحمر الأهلية في رواية حاتم بن إسماعيل "فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم فيه" يعني خيبر وذكر الحديث بطوله

(11/137)


وقد تقدم شرحه. قوله: "حدثنا مسلم" هو ابن إبراهيم، وعمرو شيخ شعبة فيه هو ابن مرة، وابن أبي أوفى هو عبد الله.قوله: "صل على آل أبي أوفى" أي عليه نفسه وقيل عليه وعلى أتباعه، وسيأتي الكلام في الصلاة على غير الأنبياء بعد ثلاثة عشر بابا. قوله في حديث جرير وهو ابن عبد الله البجلي "وهو نصب" بضم النون وبصاد مهملة ثم موحدة هو الصنم، وقد تقدم بيان ذلك في تفسير سورة سأل، وقوله يسمى "الكعبة اليمانية" في رواية الكشميهني: "كعبة اليمانية" وهي لغة وقوله: "فخرجت في خمسين من قومي" في رواية الكشميهني: "فارسا" والقائل "وربما قال سفيان" هو علي بن عبد الله شيخ البخاري فيه، وسفيان هو ابن عيينة، وقد تقدم شرح هذا الحديث في أواخر المغازي. في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأنس أن يكثر ماله وولده، وسيأتي شرحه قريبا بعد ثمانية وعشرين بابا، وقد بين مسلم - في رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس - أن ذلك كان في آخر دعائه لأنس ولفظه: "فقالت أمي يا رسول الله خويدمك ادع الله له، فدعا لي بكل خير، وكان في دعائه أن قال" فذكره. قال الداودي هذا يدل على بطلان الحديث الذي ورد "اللهم من آمن بي وصدق ما جئت به فأقلل له من المال والولد" الحديث قال: وكيف يصح ذلك وهو صلى الله عليه وسلم يخص على النكاح والتماس الولد. قلت: لا منافاة بينهما لاحتمال أن يكون ورد في حصول الأمرين معا، لكن يعكر عليه حديث الباب فيقال: كيف دعا لأنس وهو خادمه بما كرهه لغيره، ويحتمل أن يكون مع دعائه له بذلك قرنه بأن لا يناله من قبل ذلك ضرر، لأن المعنى في كراهية اجتماع كثرة المال والولد إنما هو لما يخشى من ذلك من الفتنة بهما، والفتنة لا يؤمن معها الهلكة. قوله: "عبدة" هو ابن سليمان. قوله: "رجلا يقرأ في المسجد" هو عباد بن بشر كما تقدم في الشهادات، وتقدم شرح المتن في فضائل القرآن. وقوله فيه: "لقد أذكرني كذا وكذا آية" قال الجمهور: يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينسى شيئا من القرآن بعد التبليغ لكنه لا يقر عليه، وكذا يجوز أن ينسى ما لا يتعلق بالإبلاغ، ويدل عليه قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} . قوله: "سليمان" هو ابن مهران الأعمش. قوله: "عن أبي وائل" هو شقيق بن سلمة وقد تقدم في الأدب من طريق حفص بن غياث عن الأعمش "سمعت شقيقا". قوله: "فقال رجل" هو معتب بمهملة ثم مثناة ثقيلة ثم موحدة، أو حرقوص كما تقدم بيانه في غزوة حنين هناك، والمراد منه هنا قوله: "يرحم الله موسى" فخصه بالدعاء فهو مطابق لأحد ركني الترجمة، وقوله: "وجه الله" أي الإخلاص له.

(11/138)


20 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ السَّجْعِ فِي الدُّعَاءِ
6337- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ أَبُو حَبِيبٍ حَدَّثَنَا هَارُونُ الْمُقْرِئُ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ حَدِّثْ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلاَثَ مِرَارٍ وَلاَ تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ وَلاَ أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ وَلَكِنْ أَنْصِتْ فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ فَانْظُرْ السَّجْعَ مِنْ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لاَ يَفْعَلُونَ إِلاَّ ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ"

(11/138)


قوله: "باب ما يكره من السجع في الدعاء" السجع بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها عين مهملة هو موالاة الكلام على روي واحد، ومنه سجعت الحمامة إذا رددت صوتها، قاله ابن دريد. وقال الأزهري: هو الكلام المقفى من غير مراعاة وزن. قوله: "هارون المقرئ" هو ابن موسى النحوي. قوله: "حدثنا الزبير بن الخريت" بكسر المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها تحتانية ساكنة ثم مثناة. قوله: "حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين" هذا إرشاد وقد بين حكمته. قوله: "ولا تمل الناس هذا القرآن" هو بضم أول تمل من الرباعي، والملل والسآمة بمعنى، وهذا القرآن منصوب على المفعولية، وقد تقدم في كتاب العلم حديث ابن مسعود "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة كراهة السامة علينا". قوله: "فلا ألفينك" بضم الهمزة وبالفاء أي لا أجدنك، والنون مثقلة للتأكيد، وهذا النهي بحسب الظاهر للمتكلم، وهو في الحقيقة للمخاطب وهو كقولهم لا أرينك هاهنا. وفيه كراهة التحديث عند من لا يقبل عليه؛ والنهي عن قطع حديث غيره، وأنه لا ينبغي نشر العلم عند من لا يحرص عليه ويحدث من يشتهي بسماعه لأنه أجدر أن ينتفع به. قوله: "فتملهم" يجوز في محله الرفع والنصب. قوله: "وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه" أي لا تقصد إليه ولا تشغل فكرك به لما فيه من التكلف المانع للخشوع المطلوب في الدعاء. وقال ابن التين: المراد بالنهي المستكره منه. وقال الداودي الاستكثار منه. قوله: "لا يفعلون إلا ذلك" أي ترك السجع. ووقع عند الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن يحيى بن محمد شيخ البخاري بسنده فيه: "لا يفعلون ذلك" بإسقاط إلا، وهو واضح، وكذا أخرجه البزار في مسنده عن يحيى والطبراني عن البزار، ولا يرد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة لأن ذلك كان يصدر من غير قصد إليه ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام كقوله صلى الله عليه وسلم في الجهاد "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب" وكقوله صلى الله عليه وسلم: "صدق وعده، وأعز جنده" الحديث وكقوله: "أعوذ بك من عين لا تدمع، ونفس لا تشبع، وقلب لا يخشع" وكلها صحيحة. قال الغزالي: المكروه من السجع هو المتكلف لأنه لا يلائم الضراعة والذلة، وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية لكنها غير متكلفة، قال الأزهري: وإنما كرهه صلى الله عليه وسلم لمشاكلته كلام الكهنة كما في قصة المرأة من هذيل. وقال أبو زيد وغيره: أصل السجع القصد المستوى، سواء كان في الكلام أم غيره.

(11/139)


باب ليعزم المسألة فإنه لامكره له
...
21 - باب لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لاَ مُكْرِهَ لَهُ
6338- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ وَلاَ يَقُولَنَّ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي فَإِنَّهُ لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ"
[الحديث 6338- طرفه في: 7464]
6339- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لاَ مُستكْرِهَ لَهُ"
[الحديث 6339- طرفه في: 7477]

(11/139)


قوله: "باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له" المراد بالمسألة الدعاء، والضميران لله تعالى، أو الأول ضمير الشأن والثاني لله تعالى جزما.ومكره بضم أوله وكسر ثالثه. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو المعروف بابن علية، وعبد العزيز هو ابن صهيب، ونسب في رواية أبي زيد المروزي وغيره. قوله: "فليعزم المسألة" في رواية أحمد عن إسماعيل المذكور "الدعاء" ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأمورا في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى. وقيل: معنى العزم أن يحسن الظن بالله في الإجابة. قوله: "ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني" في حديث أبي هريرة المذكور بعده "اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت" وزاد في رواية همام عن أبي هريرة الآتية في التوحيد "اللهم ارزقني إن شئت" وهذه كلها أمثلة، ورواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم تتناول جميع ما يدعى به. ولمسلم من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة "ليعزم في الدعاء" وله من رواية العلاء "ليعزم وليعظم الرغبة" ومعنى قوله ليعظم الرغبة أي يبالغ في ذلك بتكرار الدعاء والإلحاح فيه، ويحتمل أن يراد به الأمر بطلب الشيء العظيم الكثير، ويؤيده ما في آخر هذه الرواية: "فإن الله لا يتعاظمه شيء" . قوله: "فإنه لا مستكره له" في حديث أبي هريرة "فإنه لا مكره له" وهما بمعنى، والمراد أن الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ما إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه ويعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما الله سبحانه فهو منزه عن ذلك فليس للتعليق فائدة. وقيل: المعنى أن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه، والأول أولى. وقد وقع في رواية عطاء بن ميناء "فإن الله صانع ما شاء" وفي رواية العلاء "فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه" قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول اللهم أعطني إن شئت وغير ذلك من أمور الدين والدنيا لأنه كلام مستحيل لا وجه له لأنه لا يفعل إلا ما شاءه، وظاهره أنه حمل النهي على التحريم، وهو الظاهر، وحمل النووي النهي في ذلك على كراهة التنزيه وهو أولى، ويؤيده ما سيأتي في حديث الاستخارة. قال ابن بطال: في الحديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريما. وقد قال ابن عيينة: لا يمنعن أحدا الدعاء ما يعلم في نفسه -يعني من التقصير- فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} وقال الداودي: معنى قوله: "ليعزم المسألة" أن يجتهد ويلح ولا يقل إن شئت كالمستثنى، ولكن دعاء البائس الفقير. قلت: وكأنه أشار بقوله كالمستثنى إلى أنه إذا قالها على سبيل التبرك لا يكره وهو جيد.

(11/140)


22 - باب يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَعْجَلْ
6340- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي"
قوله: "باب يستجاب للعبد" أي إذا دعا "ما لم يعجل" والتعبير بالعبد وقع في رواية أبي إدريس كما سأنبه عليه. قوله: "عن أبي عبيد" هو سعد بن عبيد. قوله: "مولى ابن أزهر" اسمه عبد الرحمن. قوله: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل" أي يجاب دعاؤه. وقد تقدم بيان ذلك في التفسير في قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ} . قوله: "يقول دعوت فلم يستجب لي" في رواية غير أبي ذر "فيقول: "بزيادة فاء واللام منصوبة، قال ابن بطال: المعنى أنه يسأم

(11/140)


فيترك الدعاء فيكون كالمان بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء. وقد وقع في رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة عند مسلم والترمذي "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، وما لم يستعجل. قيل: وما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء" ومعنى قوله يستحسر وهو بمهملات ينقطع. وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أنه يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف لأنا أشد خشية أن أحرم الدعاء من أن أحرم الإجابة، وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه: "من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة" الحديث أخرجه الترمذي بسند لين وصححه الحاكم فوهم، قال الداودي: يخشى على من خالف وقال قد دعوت فلم يستجب لي أن يحرم الإجابة وما قام مقامها من الادخار والتكفير انتهى. وقد قدمت في أول كتاب الدعاء الأحاديث الدالة على أن دعوة المؤمن لا ترد، وأنها إما أن تعجل له الإجابة، وإما أن تدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له في الآخرة خير مما سأل. فأشار الداودي إلى ذلك، وإلى ذلك أشار ابن الجوزي بقوله: أعلم أن دعاء المؤمن لا يرد، غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة أو يعوض بما هو أولى له عاجلا أو آجلا، فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض. ومن جملة آداب الدعاء تحرى الأوقات الفاضلة كالسجود، وعند الأذان، ومنها تقديم الوضوء والصلاة، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وتقديم التوبة، والاعتراف بالذنب، والإخلاص، وافتتاحه بالحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسؤال بالأسماء الحسنى، وأدلة ذلك ذكرت في هذا الكتاب. وقال الكرماني ما ملخصه: الذي يتصور في الإجابة وعدمها أربع صور: الأولى عدم العجلة وعدم القول المذكور، الثانية وجودهما، الثالثة والرابعة عدم أحدهما ووجود الآخر، فدل الخير على أن الإجابة تختص بالصورة الأولى دون ثلاث، قال: ودل الحديث على أن مطلق قوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} مقيد بما دل عليه الحديث. قلت: وقد أول الحديث المشار إليه قبل على أن المراد بالإجابة ما هو أعم من تحصيل المطلوب بعينه أو ما يقوم مقامه ويزيد عليه، والله أعلم.

(11/141)


23 - باب رَفْعِ الأَيْدِي فِي الدُّعَاءِ
وَقَالَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَقَالَ " اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَشَرِيكٍ "سَمِعَا أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ"
قوله: "باب رفع الأيدي في الدعاء" أي على صفة خاصة، وسقط لفظ: "باب" لأبي ذر. قوله: "وقال أبو موسى" هو الأشعري "دعا النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه" هذا طرف من حديثه الطويل في قصة قتل عمه أبي عامر الأشعري، وقد تقدم موصولا في المغازي في غزوة حنين، وأشرت إليه قبل بثلاثة أبواب في "باب قول الله تعالى وصل عليهم". قوله: "وقال ابن عمر رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما"

(11/141)


صنع خالد" وهذا طرف من قصة غزوة بني جذيمة بجيم ومعجمة وزن عظيمة، وقد تقدم موصولا مع شرحه في المغازي بعد غزوة الفتح، وخالد المذكور هو ابن الوليد. قوله: "وقال الأويسي" هو عبد العزيز بن عبد الله، ومحمد بن جعفر أي ابن أبي كثير، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري. وهذا طرف أيضا من حديث أنس في الاستسقاء وقد تقدم هناك بهذا السند معلقا، ووصله أبو نعيم من رواية أبي زرعة الرازي قال حدثنا الأويسي به، وأورد البخاري قصة الاستسقاء مطولة من رواية شريك بن أبي نمر وحده عن أنس من طرق في بعضها "ورفع يديه" وليس في شيء منها "حتى رأيت بياض إبطيه" إلا هذا. وفي الحديث الأول رد من قال لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه وفي الذي بعده رد على من قال لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلا، وتمسك بحديث أنس "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء" وهو صحيح، لكن جمع بينه وبين أحاديث الباب وما في معناها بأن المنفي صفة خاصة لا أصل الرفع وقد أشرت إلى ذلك في أبواب الاستسقاء، وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلا وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت في كل منهما "حتى يرى بياض إبطيه" بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء، قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح. قلت: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء سرد منها النووي في "الأذكار" وفي "شرح المهذب" حملة. وعقد لها البخاري أيضا في "الأدب المفرد" بابا ذكر فيه حديث أبي هريرة "قدم الطفيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن دوسا عصت فادع الله عليها، فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم اهد دوسا" وهو في الصحيحين دون قوله: "ورفع يديه" وحديث جابر "أن الطفيل بن عمرو هاجر" فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه وفيه: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم وليديه فاغفر ورفع يديه" وسنده صحيح، وأخرجه مسلم. وحديث عائشة أنها "رأت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو رافعا يديه يقول: اللهم إنما أنا بشر" الحديث وهو صحيح الإسناد.ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه المصنف في "جزء رفع اليدين": "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان" ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف "فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو رافع يديه يدعو" وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضا: "ثم رفع يديه يدعو" وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع "فرفع يديه ثلاث مرات" الحديث. ومن حديث أبي هريرة الطويل في فتح مكة "فرفع يديه وجعل يدعو" وفي الصحيحين من حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية "ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه يقول: اللهم هل بلغت" ومن حديث عبد الله بن عمرو "أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قول إبراهيم وعيسى فرفع يديه وقال: اللهم أمتي" وفي حديث عمر "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فأنزل الله عليه يوما، ثم سرى عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه ودعا" الحديث أخرجه الترمذي واللفظ له والنسائي والحاكم، وفي حديث أسامة "كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها، فتناوله بيده وهو رافع اليد الأخرى" أخرجه النسائي بسند جيد، وفي حديث قيس بن سعد عند أبي داود "ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول: اللهم صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة" الحديث وسنده جيد. والأحاديث في ذلك كثيرة: وأما ما أخرجه مسلم من حديث عمارة بن

(11/142)


رويبة براء وموحدة مصغر أنه "رأى بشر بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك وقال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يزيد على هذا يشير بالسبابة" فقد حكى الطبري عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، ورده بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها، وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه وغيرهما من حديث سلمان رفعه: "إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا" بكسر المهملة وسكون الفاء أي خالية وسنده جيد، قال الطبري: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر وجبير بن مطعم، ورأى شريح رجلا يرفع يديه داعيا فقال: من تتناول بهما لا أم لك؟ وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم. وذكر ابن التين عن عبد الله بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في "المدونة" ويختص الرفع بالاستسقاء ويجعل بطونهما إلى الأرض. وأما ما نقله الطبري عن ابن عمر فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبري عنه أيضا. وعن ابن عباس أن هذه صفة الدعاء. وأخرج أبو داود والحاكم عنه من وجه آخر قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعا. وأخرج الطبري من وجه آخر عنه قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وقد صح عن ابن عمر خلاف ما تقدم أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" من طريق القاسم بن محمد "رأيت ابن عمر يدعو عند القاص يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه وظاهرهما مما يلي وجهه".

(11/143)


24 - باب الدُّعَاءِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ
6342- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا فَتَغَيَّمَتْ السَّمَاءُ وَمُطِرْنَا حَتَّى مَا كَادَ الرَّجُلُ يَصِلُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ تَزَلْ تُمْطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا فَقَدْ غَرِقْنَا فَقَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَقَطَّعُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَلاَ يُمْطِرُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ"
قوله: "باب الدعاء غير مستقبل القبلة" ذكر فيه حديث قتادة عن أنس "بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقام رجل فقال: يا رسول الله ادع الله أن يسقينا" الحديث. وفيه: "فقام ذلك الرجل أو غيره فقال: ادع الله أن يصرف عنا فقد غرقنا، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا" الحديث، وقد تقدم شرحه في الاستسقاء، وفي بعض طرقه في الأول "فقال: اللهم اسقنا" ووجه أخذه من الترجمة من جهة أن الخطيب من شأنه أن يستدبر القبلة، وأنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا في المرتين استدار، وقد تقدم في الاستسقاء من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن أنس في هذه القصة في آخره: "ولم يذكر أنه حول رداءه، ولا استقبل القبلة".

(11/143)


25 - باب الدُّعَاءِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ
6343- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذَا الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي فَدَعَا وَاسْتَسْقَى ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ"
قوله: "باب الدعاء مستقبل القبلة" ذكر فيه حديث عبد الله بن زيد قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يستسقى فدعا واستسقى، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه". قال الإسماعيلي هذا الحديث مطابق للترجمة التي قبل هذا، يريد أنه قدم الدعاء قبل الاستسقاء، ثم قال: لكن لعل البخاري أراد أنه لما تحول وقلب رداءه دعا حينئذ أيضا، قلت: وهو كذلك، فأشار كعادته إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وقد مضى في الاستسقاء من هذا الوجه بلفظ: "وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه" وترجم له "استقبال القبلة في الدعاء" والجمع بينه وبين حديث أنس أن القصة التي في حديث أنس كانت في خطبة الجمعة بالمسجد، والقصة التي في حديث عبد الله بن زيد كانت بالمصلى، وقد سقطت هذه الترجمة من رواية أبي زيد المروزي فصار حديثها من جملة الباب الذي قبله، ويسقط بذلك اعتراض الإسماعيلي من أصله. وقد ورد في استقبال القبلة في الدعاء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث: منها حديث عمر عند الترمذي وقد قدمته في "باب رفع اليدين في الدعاء" ولمسلم والترمذي من حديث ابن عباس عن عمر "لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه" الحديث، وفي حديث ابن مسعود "استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة فدعا على نفر من قريش" الحديث متفق عليه، وفي حديث عبد الرحمن بن طارق عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جاز مكانا من دار يعلى استقبل القبلة فدعا" أخرجه أبو داود والنسائي واللفظ له، وفي حديث ابن مسعود "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبر عبد الله ذي النجادين" الحديث وفيه: "فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعا يديه" أخرجه أبو عوانة في صحيحه.

(11/144)


26 - باب دَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَادِمِهِ بِطُولِ الْعُمُرِ وَبِكَثْرَةِ مَالِهِ
6344- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَتْ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ خَادِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ قَالَ اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ"
قوله: "باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله" ذكر فيه حديث أنس "قالت أمي يا رسول الله خادمك أدع الله له، قال: اللهم أكثر ماله وولده"
حديث أنس "قالت أمي يا رسول الله خادمك أدع الله له، قال: اللهم أكثر ماله وولده" الحديث. وقد مضى قريبا، وذكره في عدة أبواب. وليس في شيء منها ذكر العمر، فقال بعض الشراح: مطابقة الحديث للترجمة أن الدعاء بكثرة الولد يستلزم حصول طول العمر، وتعقب بأنه لا ملازمة بينهما إلا بنوع من المجاز بأن يراد أن كثرة الولد في العادة تستدعي بقاء ذكر الولد ما بقي أولاده، فكأنه حي. والأولى في الجواب أنه أشار كعادته إلى ما ورد في بعض طرقه، فأخرج في

(11/144)


"الأدب المفرد" من وجه آخر عن أنس قال: "قالت أم سليم - وهي أم أنس - خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: اللهم أكثر ماله وولده وأطل حياته واغفر له" فأما كثرة ولد أنس وماله فوقع عند مسلم في آخر هذا الحديث من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس "قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم"، وتقدم في حديث: "الطاعون شهادة لكل مسلم" في كتاب الطب قول أنس" أخبرتني ابنتي أمينة أنه دفن من صلبي إلى يوم مقدم الحجاج البصرة مائة وعشرون "وقال النووي في ترجمته: كان أكثر الصحابة أولادا. وقد قال ابن قتيبة في "المعارف": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة وأنس وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعا وهو المهلب بن أبي صفرة. وأخرج الترمذي عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يأتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك، ورجاله ثقات. وأما طول عمر أنس فقد ثبت في الصحيح أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل وقيل سنة ثلاث وله مائة وثلاث سنين قاله خليفة وهو المعتمد، وأكثر ما قيل في سنه أنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه تسعا وتسعين سنة.

(11/145)


27 - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الْكَرْبِ
6345- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ"
[الحديث 6345- أطرافه في 6346، 7421، 7431]
6346- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وَقَالَ وَهْبٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ"
قوله: "باب الدعاء عند الكرب" بفتح الكاف وسكون الراء بعدها موحدة، هو ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه. قوله: "هشام" وفي الطريق الثانية "هشام بن أبي عبد الله" وهو الدستوائي، وأبو العالية هو الرياحي بتحتانية ثم مهملة واسمه رفيع، وقد رواه قتادة عنه بالعنعنة وهو مدلس، وقد ذكر أبو داود في السنن في كتاب الطهارة عقب حديث أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية قال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة. وحديث ابن عباس شهد عندي رجال مرضيون، وروى ابن أبي حاتم في "المراسيل" بسنده عن يحيى القطان عن شعبة قال: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث فذكرها بنحوه ولم يذكر حديث ابن عمر، وكأن البخاري لم يعتبر

(11/145)


بهذا الحصر لأن شعبة ما كان يحدث عن أحد من المدلسين إلا بما يكون ذلك المدلس قد سمعه من شيخه، وقد حدث شعبة بهذا الحديث عن قتادة، وهذا هو السر في إيراده له معلقا في آخر الترجمة من رواية شعبة. وأخرج مسلم الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أبا العالية حدثه، وهذا صريح في سماعه له منه. وأخرج البخاري أيضا من رواية قتادة عن أبي العالية غير هذا، وهو حديث رؤية موسى وغيره ليلة أسرى به. وأخرج مسلم أيضا. وقوله في هذا المعلق "وقال وهب" كذا للأكثر، وللمستملي وحده "وهيب" بالتصغير.وقال أبو ذر: الصواب الأول. قلت: ووقع في رواية أبي زيد المروزي "وهب بن جرير" أي ابن حازم فأزال الإشكال، ويؤيده أن البخاري أخرج الحديث المذكور في التوحيد من طريق وهيب بالتصغير وهو ابن خالد فقال: سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. فظهر أنه عند وهيب بالتصغير عن سعيد بالمهملة والدال، وعند وهب بسكون الهاء عن شعبة بالمعجمة والموحدة. قوله: "كان يدعو عند الكرب" أي عند حلول الكرب، وعند مسلم من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة "كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب" وله من رواية يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أبي الحارث عن أبي العالية "كان إذا حزبه أمر" وهو بفتح المهملة والزاي وبالموحدة أي هجم عليه أو غلبه، وفي حديث على عند النسائي وصححه الحاكم "لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات وأمرني إن نزل بي كرب أو شدة أن أقولها". قوله: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم" ووقع في الرواية التي بعدها بلفظ: "ورب الأرض ورب العرش الكريم" وقال في أوله "رب العرش الكريم" بدل "العظيم الحليم" ووقع جميع ما تضمنته هاتان الروايتان في رواية وهيب بن خالد التي أشرت إليها، لكن قال: "العليم الحليم" باللام بدل الظاء المعجمة، وكذا هو لمسلم من طريق معاذ بن هشام وقال: "العظيم" بدل "العليم". قوله: "رب العرش العظيم" نقل ابن التين عن الداودي أنه رواه برفع العظيم، وكذا برفع الكريم في قوله: "رب العرش الكريم" على أنهما نعتان للرب، والذي ثبت في رواية الجمهور بالجر على أنه نعت للعرش، وكذا قرأ الجمهور في قوله تعالى: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} و {رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} بالرفع، وقرأ ابن محيصن بالجر فيهما، وجاء ذلك أيضا عن ابن كثير وعن أبي جعفر المدني، وأعرب بوجهين أحدهما ما تقدم والثاني أن يكون مع الرفع نعتا للعرش على أنه خبر لمبتدأ محذوف قطع عما قبله للمدح، ورجح لحصول توافق القراءتين، ورجح أبو بكر الأصم الأول لأن وصف الرب بالعظيم أولى من وصف العرش، وفيه نطر لأن وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى في تعظيم العظيم، فقد نعت الهدهد عرش بلقيس بأنه عرش عظيم ولم ينكر عليه سليمان، قال العلماء: الحليم الذي يؤخر العقوبة مع القدرة، والعظيم الذي لا شيء يعظم عليه، والكريم المعطى فضلا، وسيأتي لذلك مزيد في شرح الأسماء الحسنى قريبا. وقال الطيبي: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب، لأنه مقتضى التربية، وفيه التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة التي تدل على تمام القدرة، والحلم الذي يدل على العلم، إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية. ووقع في حديث على الذي أشرت إليه "لا إله إلا الله الكريم العظيم، سبحان الله تبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين" وفي لفظ: "الحليم الكريم" في الأول وفي لفظ: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم، لا

(11/146)


إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم" وفي لفظ: "لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحانه تبارك وتعالى رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين" أخرجها كلها النسائي. قال الطبري: معنى قول ابن عباس "يدعو" وإنما هو تهليل وتعظيم يحتمل أمرين: أحدهما أن المراد تقديم ذلك قبيل الدعاء كما ورد من طريق يوسف ابن عبد الله بن الحارث المذكورة وفي آخره: "ثم يدعو". قلت: وكذا هو عند أبي عوانة في مستخرجه من هذا الوجه، وعند عبد بن حميد من هذا الوجه "كان إذا حزبه أمر قال" فذكر الذكر المأثور وزاد: "ثم دعا" وفي "الأدب المفرد" من طريق عبد الله بن الحارث "سمعت ابن عباس" فذكره وزاد في آخره: "اللهم اصرف عني شره" قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب؛ وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء. كان على الرجاء. ثانيهما ما أجاب به ابن عيينة فيما حدثنا حسين بن حسن المروزي قال: "سألت ابن عيينة عن الحديث الذي فيه أكثر ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له" الحديث فقال سفيان: هو ذكر، وليس فيه دعاء، ولكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عن ربه عز وجل. من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين" قال وقال أمية ابن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضك الثناء
قال سفيان: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخالق؟ قلت: ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص رفعه: "دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالى له" أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم، وفي لفظ للحام "فقال رجل: أكانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول صلى الله عليه وسلم: ألا تسمع إلى قول الله تعالى: {كَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} . وقال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي قال كنت بأصبهان عند أبي نعيم أكتب الحديث، وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن علي عليه مدار الفتيا فسعى به عند السلطان فسجن، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي صلى الله عليه وسلم: قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه. قال فأصبحت فأخبرته فدعا به فلم يكن إلا قليلا حتى أخرج انتهى. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "الفرج بعد الشدة" له من طريق عبد الملك بن عمير قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان أنظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة جلدة وأوقفه للناس، قال فبعث إليه فجيء به فقام إليه علي بن الحسين فقال: يا ابن عم تكلم بكلمات الفرج يفرج الله عنك، فذكر حديث علي باللفظ الثاني، فقالها، فرفع إليه عثمان رأسه فقال: أرى وجه رجل كذب عليه، خلوا سبيله، فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق. وأخرج النسائي والطبري من طريق الحسن بن الحسن بن علي قال: لما زوج عبد الله بن جعفر ابنته قال لها إن نزل بك أمر فاستقبليه بأن تقولي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين. قال الحسن: فأرسل إلي الحجاج فقلتهن فقال: والله لقد أرسلت إليك وأنا أريد أن أقتلك، فلأنت اليوم أحب إلي من كذا وكذا. وزاد في لفظ: فسل حاجتك. ومما ورد من

(11/147)


28 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ
6347- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي سُمَيٌّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ" قَالَ سُفْيَانُ الْحَدِيثُ ثَلاَثٌ زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً لاَ أَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ.
[الحديث 6347- طرفه في 6616]
قوله: "باب التعوذ من جهد البلاء" الجهد بفتح الجيم وبضمها المشقة، وتقدم ما فيه في حديث بدء الوحي أول الكتاب، والبلاء بالفتح مع المد ويجوز الكسر مع القصر. قوله: "سمي" بالمهملة مصغر هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي. قوله: "كان يتعوذ" كذا للأكثر، ورواه مسدد عن سفيان بسنده هذا بلفظ الأمر "تعوذوا" وسيأتي في كتاب القدر، وكذا وقع في رواية الحسن بن علي الواسطي عن سفيان عند الإسماعيلي وأبي نعيم. قوله: "ودرك الشقاء" بفتح الدال والراء المهملتين ويجوز سكون الراء وهو الإدراك واللحاق، والشقاء بمعجمة ثم قاف هو الهلاك، ويطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك. قوله: "قال سفيان" هو ابن عيينة راوي الحديث المذكور، وهو موصول بالسند المذكور. قوله: "الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن" أي الحديث المرفوع المروي يشتمل على ثلاث جمل من الجمل الأربع؛ والرابعة زادها سفيان من قبل نفسه ثم خفي عليه تعيينها، ووقع عند الحميدي في مسنده عن سفيان "الحديث ثلاث من هذه الأربع" وأخرجه أبو عوانة والإسماعيلي وأبو نعيم من طريق الحميدي ولم يفصل ذلك بعض الرواة عن سفيان، وفي ذلك تعقب على الكرماني حيث اعتذر عن سفيان في جواب من استشكل جواز زيادته الجملة المذكورة في الحديث مع أنه لا يجوز الإدراج في الحديث فقال: يجاب عنه بأنه كان يميزها إذا حدث، كذا قال وفيه نظر، فسيأتي في القدر عن مسدد وأخرجه مسلم عن أبي خيثمة وعمرو الناقد والنسائي عن قتيبة والإسماعيلي من رواية العباس بن الوليد وأبو عوانة من رواية عبد الجبار بن العلاء وأبو نعيم من طريق سفيان بن وكيع كلهم عن سفيان بالخصال الأربعة بغير تمييز، إلا أن مسلما قال عن عمرو الناقد: قال سفيان أشك أني زدت واحدة منها. وأخرجه الجوزقي من طريق عبد الله بن هاشم عن سفيان فاقتصر على ثلاثة ثم قال: قال سفيان وشماتة الأعداء. وأخرجه الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان، وبين أن الخصلة المزيدة هي شماتة الأعداء، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق شجاع بن مخلد عن سفيان مقتصرا على الثلاثة دونها، وعرف من ذلك تعيين الخصلة المزيدة، ويجاب عن النظر بأن سفيان كان إذا حدث ميزها ثم طال الأمر فطرقه السهو عن تعيينها فحفظ بعض من سمع تعيينها منه قبل أن يطرقه السهو؛ ثم كان بعد أن خفي عليه

(11/148)


تعيينها يذكر كونها مزيدة مع إبهامها، ثم بعد ذلك إما أن يحمل الحال حيث لم يقع تمييزها لا تعيينا ولا إبهاما أن يكون ذهل عن ذلك أو عين أو ميز فذهل عنه بعض من سمع، ويترجح كون الخصلة المذكورة هي المزيدة بأنها تدخل في عموم كل واحدة من الثلاثة ثم كل واحدة من الثلاثة مستقلة، فإن كل أمر يكره يلاحظ فيه جهة المبدأ وهو سوء القضاء وجهة المعاد وهو درك الشقاء لأن شقاء الآخرة هو الشقاء الحقيقي وجهة المعاش وهو جهد البلاء وأما شماتة الأعداء فتقع لكل من وقع له كل من الخصال الثلاثة. وقال ابن بطال وغيره: جهد البلاء كل ما أصاب المرء من شدة مشقة وما لا طاقة له بحمله ولا يقدر على دفعه. وقيل المراد بجهد البلاء قلة المال وكثرة العيال كذا جاء عن ابن عمر. والحق أن ذلك فرد من أفراد جهد البلاء. وقيل هو ما يختار الموت عليه، قال: ودرك الشقاء يكون في أمور الدنيا وفي أمور الآخرة، وكذلك سوء القضاء عام في النفس والمال والأهل والولد والخاتمة والمعاد، قال: والمراد بالقضاء هنا المقضي، لأن حكم الله كله حسن لا سوء فيه. وقال غيره: القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل، قال ابن بطال: وشماتة الأعداء ما ينكأ القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ، وإنما تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تعليما لأمته، فإن الله تعالى كان آمنه من جميع ذلك، وبذلك جزم عياض. قلت: ولا يتعين ذلك، بل يحتمل أن يكون استعاذ بربه من وقوع ذلك بأمته، ويؤيده رواية مسدد المذكورة بصيغة الأمر كما قدمته. وقال النووي: شماتة الأعداء فرحهم ببلية تنزل بالمعادي، قال: وفي الحديث دلالة لاستحباب الاستعاذة من الأشياء المذكورة، وأجمع على ذلك العلماء في جميع الأعصار والأمصار، وشذت طائفة من الزهاد. قلت: وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل كتاب الدعوات. وفي الحديث أن الكلام المسجوع لا يكره إذا صدر عن غير قصد إليه ولا تكلف، قاله ابن الجوزي، قال: وفيه مشروعية الاستعاذة، ولا يعارض ذلك كون ما سبق في القدر لا يرد لاحتمال أن يكون مما قضى، فقد يقضي على المرء مثلا بالبلاء ويقضي أنه إن دعا كشف، فالقضاء محتمل للدافع والمدفوع، وفائدة الاستعاذة والدعاء إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه، وقد تقدم ذلك مبسوطا في أوائل كتاب الدعوات.

(11/149)


29 - باب دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى
6348- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ " أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ لَنْ يُقْبَضَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى قُلْتُ إِذًا لاَ يَخْتَارُنَا وَعَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَتْ فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى"
قوله: "باب" كذا للأكثر بغير ترجمة، ذكر فيه حديث عائشة في الوفاة النبوية، وفيه قوله صلى الله عليه

(11/149)


وسلم: "الرفيق الأعلى" وقد تقدم شرحه في أواخر المغازي، وتعلقه بما قبله من جهة أن فيه إشارة إلى حديث عائشة أنه كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، وقضية سياقها هنا أنه لم يتعوذ في مرض موته بذلك، بل تقدم في الوفاة النبوية من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة "فذهبت أعوده فرفع رأسه إلى السماء وقال: في الرفيق الأعلى". قوله: "أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم أن عائشة رضي الله عنها قالت" لم أقف على تعيين أحد منهم صريحا، وقد روى أصل الحديث المذكور عن عائشة ابن أبي مليكة وذكوان مولى عائشة وأبو سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد، فيمكن أن يكون الزهري عناهم أو بعضهم.

(11/150)


30 - باب الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ
6349- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ" أَتَيْتُ خَبَّابًا وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعًا قَالَ لَوْلاَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ"
6350- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ قَالَ "أَتَيْتُ خَبَّابًا وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعًا فِي بَطْنِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَوْلاَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ"
6351- حَدَّثَنَا ابْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي"
قوله: "باب الدعاء بالموت والحياة" في رواية أبي زيد المروزي وبالحياة وهو أوضح. حديث خباب، ويحيى في سنده هو ابن سعيد القطان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم، وإنما أعاده عن محمد بن المثنى بعد أن أورده عن مسدد وكلاهما يرويه عن يحيى القطان لما في رواية محمد بن المثنى من الزيادة وهي قوله: "في بطنه فسمعته يقول" وباقي سياقهما سواء، ووقعت الزيادة المذكورة عند الكشميهني وحده في رواية مسدد وهي غلط، وقد تقدم شرح الحديث مستوفي في كتاب عيادة المرضى. حديث أنس "لا يتمنين أحدكم الموت" في رواية الكشميهني: "أحد منكم" وقد تقدم شرحه أيضا هناك.

(11/150)


باب الدعاء للصبيان بالبركة ومسح وءوسهم
...
31 - باب الدُّعَاءِ لِلصِّبْيَانِ بِالْبَرَكَةِ وَمَسْحِ رُءُوسِهِمْ
وَقَالَ أَبُو مُوسَى وُلِدَ لِي غُلاَمٌ وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ
6352- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ الْجَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ "سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ"

(11/150)


32 - باب الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
6357- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ "لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلاَ أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ فَقُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"
6358- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا السَّلاَمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ"
قوله: "باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم" هذا الإطلاق يحتمل حكمها وفضلها وصفتها ومحلها، والاقتصار على ما أورده في الباب يدل على إرادة الثالث، وقد يؤخذ منه الثاني، أما حكمها فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب: أولها قول ابن جرير الطبري إنها من المستحبات وادعى الإجماع على ذلك. ثانيها مقابله وهو نقل ابن القصار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير حصر لكن أقل ما يحصل به الإجزاء مرة. ثالثها تجب في العمر في صلاة أو في غيرها وهي مثل كلمة التوحيد قاله أبو بكر الرازي من الحنفية

(11/152)


وابن حزم وغيرهما. وقال القرطبي المفسر: لا خلاف في وجوبها في العمر مرة وأنها واجبة في كل حين وجوب السنن المؤكدة، وسبقه ابن عطية. رابعها تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل قاله الشافعي ومن تبعه. خامسها تجب في التشهد وهو قول الشعبي وإسحاق بن راهويه. سادسها تجب في الصلاة من غير تعيين من نقل ذلك عن أبي جعفر الباقر. سابعها يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد قاله أبو بكر بن بكير من المالكية: ثامنها كلما ذكر قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية والحليمي وجماعة من الشافعية. وقال ابن العربي من المالكية إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشري. تاسعها في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارا حكاه الزمخشري. عاشرها في كل دعاء حكاه أيضا. وأما محلها فيؤخذ مما أوردته من بيان الآراء في حكمها، وسأذكر ما ورد فيه عند الكلام على فضلها، وأما صفتها فهي أصل ما يعول عليه في حديثي الباب. قوله: "حدثنا الحكم" لم أقف عليه في جميع الطرق عن شعبة إلا هكذا غير منسوب، وهو فقيه الكوفة في عصره وهو ابن عتيبة بمثناة وموحدة مصغر، ووقع عن الترمذي والطبراني وغيرهما من رواية مالك بن مغول وغيره منسوبا قالوا "عن الحكم بن عتيبة" وعبد الرحمن بن أبي ليلى تابعي كبير وهو والد ابن أبي ليلى فقيه الكوفة محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى ينسب إلى جده. قوله: "لقيني كعب بن عجرة" في رواية فطر بن خليفة عن ابن أبي ليلى "لقيني كعب بن عجرة الأنصاري" أخرجه الطبراني، ونقل ابن سعد عن الواقدي أنه أنصاري من أنفسهم، وتعقبه فقال: لم أجده في نسب الأنصار، والمشهور أنه بلوى، والجمع بين القولين أنه بلوى حالف الأنصار، وعين المحاربي عن مالك بن مغول عن الحكم المكان الذي التقيا به، فأخرجه الطبري من طريقه بلفظ أن كعبا قال له وهو يطوف بالبيت. قوله: "ألا أهدي لك هدية" زاد عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جده كما تقدم في أحاديث للأنبياء "سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم". قوله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا" يجوز في أن الفتح والكسر؛ وقال الفاكهاني في "شرح العمدة": في هذا السياق إضمار تقديره فقال عبد الرحمن نعم فقال كعب إن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وقع ذلك صريحا في رواية شبابة وعفان عن شعبة بلفظ: "قلت بلى قال" أخرجه الخلعي في فوائده. وفي رواية عبد الله بن عيسى المذكورة ولفظه: "فقلت بلى فاهدها لي، فقال". قوله: "فقلنا يا رسول الله" كذا في معظم الروايات عن كعب بن عجرة "قلنا" بصيغة الجمع، وكذا وقع في حديث أبي سعيد في الباب، ومثله في حديث أبي بريدة عند أحمد وفي حديث طلحة عند النسائي وفي حديث أبي هريرة عند الطبري، ووقع عند أبي داود عن حفص بن عمر عن شعبة بسند حديث الباب: "قلنا أو قالوا يا رسول الله" بالشك والمراد الصحابة أو من حضر منهم، ووقع عند السراج والطبراني من رواية قيس بن سعد عن الحكم به "أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا" وقال الفاكهاني: الظاهر أن السؤال صدر من بعضهم لا من جميعهم ففيه التعبير عن البعض بالكل. ثم قال: ويبعد جدا أن يكون كعب هو الذي باشر السؤال منفردا فأتى بالنون التي للتعظيم، بل لا يجوز ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بقوله: "قولوا فلو كان السائل واحدا لقال له قل ولم يقل قولوا" انتهى، ولم يظهر لي وجه نفي الجواز وما المانع أن يسأل الصحابي الواحد عن الحكم فيجيب صلى الله عليه وسلم بصيغة الجمع إشارة إلى اشتراك الكل في الحكم، ويؤكده أن في نفس السؤال "قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي" كلها بصيغة الجمع فدل على أنه سأل لنفسه ولغيره فحسن الجواب بصيغة الجمع، لكن الإتيان بنون العظمة في

(11/153)


خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يظن بالصحابي، فإن ثبت أن السائل كان متعددا فواضح، وإن ثبت أنه كان واحدا فالحكمة في الإتيان بصيغة الجمع الإشارة إلى أن السؤال لا يختص به بل يريد نفسه ومن يوافقه على ذلك، فحمله على ظاهره من الجمع هو المعتمد، على أن الذي نفاه الفاكهاني قد ورد في بعض الطرق، فعند الطبري من طريق الأجلح، عن الحكم بلفظ: "قمت إليه فقلت: السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال قل اللهم صل على محمد الحديث" وقد وقفت من تعيين من باشر السؤال على جماعة: وهم كعب بن عجزة وبشير بن سعد والد النعمان وزيد بن خارجة الأنصاري وطلحة بن عبيد الله وأبو هريرة وعبد الرحمن بن بشير، أما كعب فوقع عند الطبراني من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بهذا السند بلفظ: "قلت يا رسول الله قد علمنا" وأما بشير ففي حديث أبي مسعود عند مالك ومسلم وغيرهما أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد "أمرنا الله أن نصلي عليك" الحديث، وأما زيد بن خارجة فأخرج النسائي من حديثه قال: "أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صلوا علي واجتهدوا في الدعاء وقولوا: اللهم صل على محمد" الحديث. وأخرج الطبري من حديث طلحة قال: "قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليك" ومخرج حديثهما واحد، وأما حديث أبي هريرة فأخرج الشافعي من حديثه أنه قال: "يا رسول الله كيف نصلي عليك" وأما حديث عبد الرحمن بن بشير فأخرجه إسماعيل القاضي في كتاب "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم" قال: "قلت أو قيل للنبي صلى الله عليه وسلم" هكذا عنده على الشك، وأبهم أبو عوانة في صحيحه من رواية الأجلح وحمزة الزيات عن الحكم السائل ولفظه: "جاء رجل فقال: يا رسول الله قد علمنا" ووقع لهذا السؤال سبب أخرجه البيهقي والخلعي من طريق الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني" حدثنا إسماعيل بن زكريا عن الأعمش ومسعر ومالك بن مغول عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الآية قلنا: يا رسول الله، قد علمنا" الحديث. وقد أخرج مسلم هذا الحديث عن محمد بن بكار عن إسماعيل ابن زكريا ولم يسق لفظه بل أحال به على ما قبله فهو على شرطه، وأخرجه السراج من طريق مالك بن مغول وحده كذلك. وأخرج أحمد والبيهقي وإسماعيل القاضي من طريق يزيد بن أبي زياد والطبراني من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والطبري من طريق الأجلح والسراج من طريق سفيان وزائدة فرقهما وأبو عوانة في صحيحه من طريق الأجلح وحمزة الزيات كلهم عن الحكم مثله. وأخرج أبو عوانة أيضا من طريق مجاهد عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى مثله، وفي حديث طلحة عند الطبري "أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت الله يقول: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ} الآية فكيف الصلاة عليك". قوله: "قد علمنا" المشهور في الرواية بفتح أوله وكسر اللام مخففا، وجوز بعضهم ضم أوله والتشديد على البناء للمجهول، ووقع في رواية ابن عيينة عن يزيد بن أبي زياد وبالشك ولفظه: "قلنا قد علمناه أو علمنا" رويناه في "الخليعات" وكذا أخرج السراج من طريق مالك بن مغول عن الحكم بلفظ: "علمنا" أو علمناه ووقع في رواية حفص بن عمر المذكورة "أمرتنا أن نصلي عليك، وأن نسلم عليك، فأما السلام فقد عرفناه" وفي ضبط عرفناه ما تقدم في علمناه وأراد بقوله: "أمرتنا" أي بلغتنا عن الله تعالى أنه أمر بذلك، ووقع في حديث أبي مسعود "أمرنا الله" وفي رواية عبد الله بن عيسى المذكورة "كيف الصلاة عليكم أهل البيت فإن الله قد علمنا كيف نسلم" أي علمنا الله كيفية السلام عليك على لسانك وبواسطة بيانك. وأما إتيانه بصيغة الجمع في قوله: "عليكم" فقد بين مراده بقوله، أهل

(11/154)


البيت، لأنه لو اقتصر عليها لاحتمل أن يريد بها التعظيم، وبها تحصل مطابقة الجواب للسؤال حيث قال: "على محمد وعلى آل محمد" وبهذا يستغنى عن قول من قال: في الجواب زيادة على السؤال لأن السؤال وقع عن كيفية الصلاة عليه فوقع الجواب عن ذلك بزيادة كيفية الصلاة على آله. قوله: "كيف نسلم عليك" قال البيهقي: فيه إشارة إلى السلام الذي في التشهد وهو قول "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فيكون المراد بقولهم "فكيف نصلي عليك" أي بعد التشهد. انتهى. وتفسير السلام بذلك هو الظاهر. وحكى ابن عبد البر فيه احتمالا، وهو أن المراد به السلام الذي يتحلل به من الصلاة وقال: إن الأول أظهر، وكذا ذكر عياض وغيره، ورد بعضهم الاحتمال المذكور بأن سلام التحلل لا يتقيد به اتفاقا، كذا قيل، وفي نقل الاتفاق نظر، فقد جزم جماعة من المالكية بأنه يستحب للمصلي أن يقول عند سلام التحلل، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليكم، ذكره عياض وقبله ابن أبي زيد وغيره. قوله: "فكيف نصلي عليك" زاد أبو مسعود في حديثه، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله وإنما تمنوا ذلك خشية أن يكون لم يعجبه السؤال المذكور لما تقرر عندهم من النهي عن ذلك، فقد تقدم في تفسير قوله تعالى: {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ} من سورة المائدة بيان ذلك، ووقع عند الطبري من وجه آخر في هذا الحديث، فسكت حتى جاءه الوحي فقال: "تقولون" واختلف في المراد بقولهم "كيف" فقيل المراد السؤال عن معنى الصلاة المأمور بها بأي لفظ يؤدى، وقيل عن صفتها، قال عياض: لما كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ} يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم سألوا بأي لفظ تؤدى؟ هكذا قال بعض المشايخ، ورجح الباجي أن السؤال إنما وقع عن صفتها لا عن جنسها، وهو أظهر لأن لفظ: "كيف" ظاهر في الصفة، وأما الجنس فيسأل عنه بلفظ: "ما" وبه جزم القرطبي فقال: هذا سؤال من أشكلت عليه كيفية ما فهم أصله، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة فسألوا عن الصفة التي تليق بها ليستعملوها انتهى. والحامل لهم على ذلك أن السلام لما تقدم بلفظ مخصوص وهو "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فهموا منه أن الصلاة أيضا تقع بلفظ مخصوص، وعدلوا عن القياس لإمكان الوقوف على النص ولا سيما في ألفاظ الأذكار فإنها تجيء خارجة عن القياس غالبا، فوقع الأمر كما فهموا فإنه لم يقل لهم قولوا الصلاة عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ولا قولوا الصلاة والسلام عليك إلخ بل علمهم صيغة أخرى. قوله: "قال قولوا اللهم" هذه كلمة كثر استعمالها في الدعاء وهو بمعنى يا الله، والميم عوض عن حرف النداء فلا يقال اللهم غفور رحيم مثلا وإنما يقال اللهم اغفر لي وارحمني، ولا يدخلها حرف النداء إلا في نادر كقول الراجز. إني إذا ما حادث ألما أقول يا اللهم يا اللهما واختص هذا الاسم بقطع الهمزة عند النداء ووجوب تفخيم لامه وبدخول حرف النداء عليه مع التعريف، وذهب الفراء ومن تبعه من الكوفيين إلى أن أصله يا الله وحذف حرف النداء تخفيفا والميم مأخوذ من جملة محذوفة مثل أمنا بخير، وقيل بل زائدة كما في زرقم للشديد الزرقة، وزيدت في الاسم العظيم تفخيما، وقيل بل هو كالواو الدالة على الجمع كأن الداعي قال: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى، ولذلك شددت الميم لتكون عوضا عن علامة الجمع، وقد جاء عن الحسن البصري: اللهم مجتمع الدعاء، وعن النضر بن شميل: من قال اللهم فقد سأل الله بجميع أسمائه. قوله: "صل" تقدم في أواخر تفسير الأحزاب عن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له. وعند ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان قال: صلاة

(11/155)


الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار. وعن ابن عباس أن معنى صلاة الرب الرحمة وصلاة الملائكة الاستغفار. وقال الضحاك بن مزاحم: صلاة الله رحمته. وفي رواية عنه مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء أخرجهما إسماعيل القاضي عنه، وكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ونحوها. وقال المبرد: الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة. وتعقب بأن الله غاير بين الصلاة والرحمة في قوله {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} وكذلك فهم الصحابة المغايرة من قوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} حتى سألوا عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم قد علمتم ذلك في السلام، وجوز الحليمي أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، وفيه نظر وحديث الباب يرد على ذلك، وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من الله تعالى والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة، وقيل صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء. ونقل عياض عن بكر القشيري قال: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الله تشريف وزيادة تكرمة وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} وقال قبل ذلك في السورة المذكورة {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والتنويه به ما ليس في غيرها. وقال الحليمي في الشعب معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه، فمعنى قولنا اللهم صل على محمد عظم محمدا. والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ} ادعوا ربكم بالصلاة عليه انتهى. ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه فإنه لا يمتنع أن يدعى لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به، وما تقدم عن أبي العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله وإلى ملائكته وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا خلاف في جواز الترحم على غير الأنبياء، واختلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا اللهم صلى على محمد اللهم ارحم محمدا أو ترحم على محمد لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة وكذا الرحمة لسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق التعبد فلا بد من الإتيان به ولو سبق الإتيان بما يدل عليه. قوله: "على محمد وعلى آل محمد" كذا وقع في الموضعين في قوله صل وفي قوله وبارك، ولكن وقع في الثاني وبارك على آل إبراهيم، ووقع عند البيهقي من وجه آخر عن آدم شيخ البخاري فيه على إبراهيم ولم يقل على آل إبراهيم، وأخذ البيضاوي من هذا أن ذكر الآل في رواية الأصل مقحم كقوله على آل أبي أوفى. قلت: والحق أن ذكر محمد وإبراهيم وذكر آل محمد وآل إبراهيم ثابت في أصل الخير. وإنما حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، وسأبين من ساقه تاما بعد قليل. وشرح الطيبي على ما وقع في رواية البخاري هنا فقال: هذا اللفظ يساعد قول من قال إن معنى قول الصحابي "علمنا كيف السلام عليك" أي في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

(11/156)


صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} فكيف نصلي عليك أي على أهل بيتك، لأن الصلاة عليه قد عرفت مع السلام من الآية، قال: فكان السؤال عن الصلاة على الآل تشريفا لهم. وقد ذكر محمد في الجواب لقوله تعالى: {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وفائدته الدلالة على الاختصاص، قال: وإنما ترك ذكر إبراهيم لينبه على هذه النكتة، ولو ذكر لم يفهم أن ذكر محمد على سبيل التمهيد انتهى. ولا يخفى ضعف ما قال. ووقع في حديث أبي مسعود عند أبي داود والنسائي: "على محمد النبي الأمي" وفي حديث أبي سعيد في الباب: "على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم" ولم يذكر آل محمد ولا آل إبراهيم، وهذا إن لم يحمل على ما قلته أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر والأظهر فساد ما بحثه الطيبي. وفي حديث أبي حميد في الباب بعده" على محمد وأزواجه وذريته" ولم يذكر الآل في الصحيح، ووقعت في رواية ابن ماجه وعند أبي داود من حديث أبي هريرة "اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته" وأخرجه النسائي من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود ولكن وقع في السند اختلاف بين موسى بن إسماعيل شيخ أبو داود فيه وبين عمرو بن عاصم شيخ شيخ النسائي فيه فروياه معا عن حبان بن يسار وهو بكسر المهملة وتشديد الموحدة وأبوه بمثناة ومهملة خفيفة فوقع في رواية موسى عنه عن عبيد الله بن طلحة عن محمد بن علي عن نعيم المجمر عن أبي هريرة. وفي رواية عمرو بن عاصم عنه عن عبد الرحمن بن طلحة عن محمد بن علي عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي بن أبي طالب، ورواية موسى أرجح، ويحتمل أن يكون لحبان فيه سندان. ووقع في حديث أبي مسعود وحده في آخره: "في العالمين إنك حميد مجيد" ومثله في رواية داود بن قيس عن نعيم المجمر عن أبي هريرة عند السراج، قال النووي في "شرح المهذب": ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول: "اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك" مثله وزاد في آخره: "في العالمين" وقال في "الأذكار" مثله وزاد عبدك ورسولك بعد قوله محمد في محل ولم يزدها في بارك. وقال في "التحقيق" و "الفتاوى" مثله إلا أنه أسقط النبي الأمي في وبارك، وفاته أشياء لعلها توازي قدر ما زاده أو تزيد عليه، منها قوله: "أمهات المؤمنين" بعد قوله أزواجه ومنها "وأهل بيت" بعد قوله وذريته، وقد وردت حديث ابن مسعود عند الدار قطني، ومنها "ورسولك" في وبارك، ومنها "في العالمين" في الأول، ومنها "إنك حميد مجيد" قبل وبارك، ومنها "اللهم" قبل وبارك فإنهما ثبتا معا في رواية للنسائي، ومنها "وترحم على محمد إلخ" وسيأتي البحث فيها بعد، ومنها في آخر التشهد "وعلينا معهم" وهي عند الترمذي من طريق أبي أسامة عن زائدة عن الأعمش عن الحكم نحو حديث الباب، قال في آخره: قال عبد الرحمن ونحن نقول، وعلينا معهم، وكذا أخرجها السراج من طريق زائدة، وتعقب ابن العربي هذه الزيادة قال: هذا شيء انفرد به زائدة فلا يعول عليه، فإن الناس اختلفوا في معنى الآل اختلافا كثيرا ومن جملته أنهم أمته فلا يبقى للتكرار فائدة، واختلفوا أيضا في جواز الصلاة على غير الأنبياء فلا نرى أن نشرك في هذه الخصوصية مع محمد وآله أحدا. وتعقبه شيخنا في "شرح الترمذي" بأن زائدة من الإثبات فانفراده لو انفرد لا يضر مع كونه لم ينفرد، فقد أخرجها إسماعيل القاضي كتاب فضل الصلاة من طريقين عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ويزيد استشهد به مسلم، وعند البيهقي في "الشعب" من حديث جابر نحو حديث الباب وفي آخره: "وعلينا معهم" وأما الإيراد الأول فإنه يختص بمن يرى أن معنى الآل كل الأمة، ومع ذلك فلا يمتنع

(11/157)


أن يعطف الخاص على العام ولا سيما في الدعاء، وأما الإيراد الثاني فلا نعلم من منع ذلك تبعا، وإنما الخلاف في الصلاة على غير الأنبياء استقلالا، وقد شرع الدعاء للآحاد بما دعاه به النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه في حديث: "اللهم إني أسالك من خير ما سألك منه محمد" وهو حديث صحيح أخرجه مسلم انتهى ملخصا. وحديث جابر ضعيف. ورواية يزيد أخرجها أحمد أيضا عن محمد بن فضيل عنه وزاد في آخره: قال يزيد فلا أدري أشيء زاده عبد الرحمن من قبل نفسه أو رواه عن كعب، وكذا أخرجه الطبري من رواية محمد ابن فضيل، ووردت هذه الزيادة من وجهين آخرين مرفوعين أحدهما عند الطبراني من طريق فطر بن خليفة عن الحكم بلفظ: يقولون اللهم صل على محمد إلى قوله وآل إبراهيم وصل علينا معهم، وبارك على محمد مثله، وفي آخره وبارك علينا معهم، ورواته موثقون لكنه فيما أحسب مدرج لما بينه زائدة عن الأعمش. ثانيهما عند الدار قطني من وجه آخر عن ابن مسعود مثله لكن قال اللهم بدل الواو في وصل وفي وبارك، وفيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو ضعيف، وقد تعقب الإسنوي ما قاله النووي فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع اختلاف كلامه. وقال الأذرعي: لم يسبق إلى ما قال. والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات ويقول كل ما ثبت هذا مرة وهذا مرة، وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد انتهى. وكأنه أخذه من كلام ابن القيم فإنه قال: إن هذه الكيفية لم ترد مجموعة في طريق من الطرق، والأولى أن يستعمل كل لفظ ثبت على حدة فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد بخلاف ما إذا قال الجميع دفعة واحدة فإن الغالب على الظن أنه صلى الله عليه وسلم لم يقله كذلك. وقال الإسنوي أيضا: كان يلزم الشيخ أن يجمع الألفاظ الواردة في التشهد. وأجيب بأنه لا يلزم من كونه لم يصرح بذلك أن لا يلتزمه. وقال ابن القيم أيضا: قد نص الشافعي على أن الاختلاف في ألفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف في القراءات، ولم يقل أحد من الأئمة باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد من القرآن وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرين انتهى. والذي يظهر أن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر سواء كما في أزواجه وأمهات المؤمنين فالأولى الاقتصار في كل مرة على أحدهما وإن كان اللفظ يستقل بزيادة معنى ليس في اللفظ الآخر البتة، فالأولى الإتيان به، ويحتمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر كما تقدم، وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئا ما فلا بأس بالإتيان به احتياطا. وقالت طائفة منهم الطبري: إن ذلك الاختلاف المباح، فأي لفظ ذكره المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله وأبلغه. واستدل على ذلك باختلاف النقل عن الصحابة فذكر ما نقل عن علي، وهو حديث موقوف طويل أخرجه سعيد بن منصور والطبري والطبراني وابن فارس وأوله "اللهم داحي المدحوات" إلى أن قال: "اجعل شرائف صلواتك وتوامي بركاتك ورأفة تحيتك على محمد عبدك ورسولك" الحديث. وعن ابن مسعود بلفظ: "اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين إمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك" الحديث أخرجه ابن ماجه والطبري، وادعى ابن القيم أن أكثر الأحاديث بل كلها مصرحة بذكر محمد وآل محمد وبذكر آل إبراهيم فقط أو بذكر إبراهيم فقط قال: ولم يجيء في حديث صحيح بلفظ إبراهيم وآل إبراهيم معا إنما أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن السباق عن رجل من بني الحارث عن ابن مسعود، ويحيى مجهول وشيخه مبهم فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قوي لكنه موقوف على ابن مسعود، وأخرجه النسائي والدار قطني من حديث

(11/158)


طلحة. قلت: وغفل عما وقع في صحيح البخاري كما تقدم في أحاديث الأنبياء في ترجمة إبراهيم عليه السلام من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بلفظ: "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" وكذا في قوله: "كما باركت" وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدري من رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن محمد ابن عبد الله بن زيد عنه أخرجه الطبري، بل أخرجه الطبري أيضا في رواية الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه من طريق عمرو بن قيس عن الحكم بن عتيبة فذكره بلفظ: "على محمد وآل محمد إنك حميد مجيد" وبلفظ: "على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد" وأخرجه أيضا من طريق الأجلح عن الحكم مثله سواء. وأخرج أيضا من طريق حنظلة ابن علي عن أبي هريرة ما سأذكره، وأخرجه أبو العباس السراج من طريق داود بن قيس عن نعيم المجمر عن أبي هريرة "أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد" ومن حديث بريدة رفعه: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" وأصله عند أحمد، ووقع في حديث ابن مسعود المشار إليه زيادة أخرى وهي "وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم" الحديث، وأخرجه الحاكم في صحيحه من حديث ابن مسعود فاغتر بتصحيحه قوم فوهموا، فإنه من رواية يحيى بن السباق وهو مجهول، عن رجل مبهم. نعم أخرج ابن ماجه ذلك عن ابن مسعود من قوله: "قال قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد عبدك ورسولك" الحديث وبالغ ابن العربي في إنكار ذلك فقال: حذار مما ذكره ابن أبي زيد من زيادة "وترحم" فإنه قريب من البدعة لأنه صلى الله عليه وسلم علمهم كيفية الصلاة عليه بالوحي ففي الزيادة على ذلك استدراك عليه انتهى. وابن أبي زيد ذكر ذلك في صفة التشهد في "الرسالة" لما ذكر ما يستحب في التشهد ومنه "اللهم صل على محمد وآل محمد" فزاد: "وترحم على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد إلخ" فإن كان إنكاره لكونه لم يصح فمسلم، وإلا فدعوى من ادعى أنه لا يقال ارحم محمدا مردودة لثبوت ذلك في عدة أحاديث أصحها في التشهد "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" ثم وجدت لابن أبي زيد مستندا، فأخرج الطبري في تهذيبه من طريق حنظلة بن علي عن أبي هريرة رفعه: "من قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم شهدت له يوم القيامة وشفعت له" ورجال سنده رجال الصحيح إلا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاص الراوي له عن حنظلة بن علي فإنه مجهول. "تنبيه": هذا كله فيما يقال مضموما إلى السلام أو الصلاة، وقد وافق ابن العربي الصيدلاني من الشافعية على المنع. وقال أبو القاسم الأنصاري شارح "الإرشاد" يجوز ذلك مضافا إلى الصلاة ولا يجوز مفردا، ونقل عياض عن الجمهور الجواز مطلقا. وقال القرطبي في "المفهم" إنه الصحيح لورود الأحاديث به، وخالفه غيره: ففي "الذخيرة" من كتب الحنفية عن محمد يكره ذلك لإيهامه النقص لأن الرحمة غالبا إنما تكون عن فعل ما يلام عليه، وجزم ابن عبد البر بمنعه فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول رحمه الله لأنه قال من صلى علي، ولم يقل من ترحم علي ولا من دعا لي، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكنه خص هذا اللفظ تعظيما له فلا يعدل عنه إلى غيره، ويؤيده

(11/159)


قوله تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} انتهى. وهو بحث حسن لكن في التعليل الأول نظر، والمعتمد الثاني، والله أعلم. قوله: "وعلى آل محمد" قيل أصل "آل" أهل قلبت الهاء همزة ثم سهلت ولهذا إذا صغر رد إلى الأصل فقالوا أهيل، وقيل بل أصله أول من آل إذا رجع، سمي بذلك من يئول إلى الشخص ويضاف إليه، ويقويه أنه لا يضاف إلا إلى معظم فيقال آل القاضي ولا يقال آل الحجام بخلاف أهل، ولا يضاف آل أيضا غالبا إلى غير العاقل ولا إلى المضمر عند الأكثر، وجوره بعضهم بقلة، وقد ثبت في شعر عبد المطلب في قوله في قصة أصحاب الفيل من أبيات "وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك". وقد يطلق آل فلان على نفسه وعليه وعلى من يضاف إليه جميعا وضابطه أنه إذا قيل فعل آل فلان كذا دخل هو فيهم إلا بقرينة، ومن شواهده قوله صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي، إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، وإن ذكرا معا فلا، وهو كالفقير والمسكين، وكذا الإيمان والإسلام والفسوق والعصيان، ولما اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معا وفي إفراد أحدهما كان أولى المحامل أن يحمل على أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك كله، ويكون بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، وأما التعدد فبعيد لأن غالب الطرق تصرح بأنه وقع جوابا عن قولهم "كيف نصلي عليك" ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم رواه بالمعنى بناء على دخول إبراهيم في قوله آل إبراهيم كما تقدم. واختلف في المراد بآل محمد في هذا الحديث، فالراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، وقد تقدم بيان الاختلاف في ذلك واضحا في كتاب الزكاة، وهذا نص عليه الشافعي واختاره الجمهور، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" وقد تقدم في البيوع من حديث أبي هريرة، ولمسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة في أثناء حديث مرفوع "إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" وقال أحمد: المراد بآل محمد في حديث التشهد أهل بيته، وعلى هذا فهل يجوز أن يقال أهل عوض آل؟ روايتان عندهم. وقيل المراد بآل محمد أزواجه وذريته لأن أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ: "وآل محمد" وجاء في حديث أبي حميد موضعه "وأزواجه وذريته" فدل على أن المراد بالآل الأزواج والذرية، وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة، فيحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره فالمراد بالآل في التشهد الأزواج ومن حرمت عليهم الصدقة ويدخل فيهم الذرية، فبذلك يجمع بين الأحاديث. وقد أطلق على أزواجه صلى الله عليه وسلم آل محمد في حديث عائشة "ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثا" وقد تقدم ويأتي في الرقاق، وفيه أيضا من حديث أبي هريرة "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" وكأن الأزواج أفردوا بالذكر تنويها بهم وكذا الذرية، وقيل المراد بالآل ذرية فاطمة خاصة حكاه النووي في "شرح المهذب". وقيل هم جميع قريش حكاه ابن الرفعة في "الكفاية". وقيل المراد بالآل جميع الأمة أمة الإجابة. وقال ابن العربي: مال إلى ذلك مالك واختاره الأزهري وحكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية ورجحه النووي في شرح مسلم، وقيده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أوليائي منكم المتقون" وفي "نوادر أبي العيناء" إنه غض من بعض الهاشميين فقال له أتغض مني وأنت تصلي علي في كل صلاة في قولك اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فقال: إني أريد الطيبين الطاهرين ولست منهم. ويمكن أن يحمل كلام من أطلق على أن المراد بالصلاة الرحمة المطلقة فلا تحتاج إلى تقييد، وقد

(11/160)


استدل لهم بحديث أنس رفعه: "آل محمد كل تقي" أخرجه الطبراني ولكن سنده واه جدا.وأخرج البيهقي عن جابر نحوه من قوله بسند ضعيف. قوله: "كما صليت على آل إبراهيم" اشتهر السؤال عن موقع التشبيه مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه لأن محمدا صلى الله عليه وسلم وحده أفضل من آل إبراهيم ومن إبراهيم ولا سيما قد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره، وأجيب عن ذلك بأجوبة: الأول أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم، وقد أخرج مسلم من حديث أنس "أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا خير البرية، قال: ذاك إبراهيم" أشار إليه ابن العربي وأيده بأنه سأل لنفسه التسوية مع إبراهيم وأمر أمته أن يسألوا له ذلك فزاده الله تعالى بغير سؤال أن فضله على إبراهيم. وتعقب بأنه لو كان كذلك لغير صفة الصلاة عليه بعد أن علم أنه أفضل. الثاني أنه قال ذلك تواضعا وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك الفضيلة. الثالث أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر فهو كقوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وهو كقول القائل أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} ورجح هذا الجواب القرطبي في "المفهم". الرابع أن الكاف للتعليل كما في قوله: "كما أرسلنا فيكم رسولا منكم" وفي قوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} . وقال بعضهم: الكاف على بابها من التشبيه ثم عدل عنه للإعلام بخصوصية المطلوب. الخامس أن المراد أن يجعله خليلا كما جعل إبراهيم، وأن يجعل له لسان صدق كما جعل لإبراهيم مضافا إلى ما حصل له من المحبة، ويرد عليه ما ورد على الأول، وقربه بعضهم بأنه مثل رجلين يملك أحدهما ألفا ويملك الآخر ألفين فسأل صاحب الألفين أن يعطي ألفا أخرى نظير الذي أعطيها الأول فيصير المجموع للثاني أضعاف ما للأول. السادس أن قوله: "اللهم صل على محمد" مقطوع عن التشبيه فسيكون التشبيه متعلقا بقوله: "وعلى آل محمد" وتعقب بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء فكيف تطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله؟ ويمكن الجواب عن ذلك بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم لا جميع الصفات التي كانت سببا للثواب، وقد نقل العمراني في "البيان" عن الشيخ أبي حامد أنه نقل هذا الجواب عن نص الشافعي، واستبعد ابن القيم صحة ذلك عن الشافعي لأنه مع فصاحته ومعرفته بلسان العرب لا يقول هذا الكلام الذي يستلزم هذا التركيب الركيك المعيب من كلام العرب، كذا قال، وليس التركيب المذكور بركيك بل التقدير اللهم صل على محمد وصل على آل محمد كما صليت إلى آخره فلا يمتنع تعلق التشبيه بالجملة الثانية. السابع أن التشبيه إنما هو للمجموع بالمجموع فإن في الأنبياء من آل إبراهيم كثرة، فإذا قوبلت تلك الذوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصفات الكثيرة التي لمحمد أمكن انتفاء التفاضل. قلت: ويعكر على هذا الجواب أنه وقع في حديث أبي سعيد ثاني حديثي الباب مقابلة الاسم فقط بالاسم فقط ولفظه: "اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم". الثامن أن التشبيه بالنظر إلى ما يحصل لمحمد وآل محمد من صلاة كل فرد فرد، فيحصل من مجموع صلاة المصلين من أول التعليم إلى آخر الزمان أضعاف ما كان لآل إبراهيم، وعبر ابن العربي عن هذا بقوله: المراد دوام ذلك واستمراره. التاسع أن التشبيه راجع إلى المصلي فيما يحصل له من الثواب لا بالنسبة إلى ما يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ضعيف لأنه يصير كأنه قال اللهم أعطني ثوابا على صلاتي على النبي صلى الله عليه وسلم

(11/161)


كما صليت على آل إبراهيم، ويمكن أن يجاب بأن المراد مثل ثواب المصلي على آل إبراهيم. العاشر دفع المقدمة المذكورة أولا وهي أن المشبه به يكون أرفع من المشبه، وأن ذلك ليس مطردا، بل قد يكون التشبيه بالمثل بل وبالدون كما في قوله تعالى {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون شيئا ظاهرا واضحا للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا هنا لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهورا واضحا عند جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم، ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله: "في العالمين" أي كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، ولهذا لم يقع قوله في العالمين إلا في ذكر آل إبراهيم دون ذكر آل محمد على ما وقع في الحديث الذي ورد فيه وهو حديث أبي مسعود فيما أخرجه مالك ومسلم وغيرهما، وعبر الطيبي عن ذلك بقوله: ليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكامل بل من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر. وقال الحليمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم "رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد" وقد علم أن محمدا وآل محمد من أهل بيت إبراهيم فكأنه قال: أجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك محمد وآل محمد كما أجبتها عندما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذ، ولذلك ختم بما ختمت به الآية وهو قوله: "إنك حميد مجيد". وقال النووي بعد أن ذكر بعض هذه الأجوبة: أحسنها ما نسب إلى الشافعي والتشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة أو للمجموع بالمجموع. وقال ابن القيم بعد أن زيف أكثر الأجوبة إلا تشبيه المجموع بالمجموع: وأحسن منه أن يقال هو صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، وقد ثبت ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} قال: محمد من آل إبراهيم فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموما فيحصل لآله ما يليق بهم ويبقى الباقي كله له، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم قطعا، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ. ووجدت في مصنف لشيخنا مجد الدين الشيرازي اللغوي جوابا آخر نقله عن بعض أهل الكشف حاصله أن التشبيه لغير اللفظ المشبه به لا لعينه، وذلك أن المراد بقولنا "اللهم صل على محمد" اجعل من أتباعه من يبلغ النهاية في أمر الدين كالعلماء بشرعه بتقريرهم أمر الشريعة "كما صليت على إبراهيم" بأن جعلت في أتباعه أنبياء يقررون الشريعة، والمراد بقوله: "وعلى آل محمد" اجعل من أتباعه ناسا محدثين بالفتح يخبرون بالمغيبات كما صليت على إبراهيم بأن جعلت فيهم أنبياء يخبرون بالمغيبات، والمطلوب حصول صفات الأنبياء لآل محمد وهم أتباعه في الدين كما كانت حاصلة بسؤال إبراهيم، وهذا محصل ما ذكره، وهو جيد إن سلم أن المراد بالصلاة هنا ما ادعاه، والله أعلم. وفي نحو هذه الدعوى جواب آخر: المراد اللهم استجب دعاء محمد في أمته كما استجبت دعاء إبراهيم في بنيه، ويعكر على هذا عطف الآل في الموضعين. قوله: "على آل إبراهيم" هم ذريته من إسماعيل وإسحاق كما جزم به جماعة من الشراح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون لا محالة. ثم إن المراد المسلمون منهم بل المتقون، فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم، وفيه ما تقدم في آل محمد. قوله: "وبارك" المراد بالبركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل المراد التطهير من العيوب والتزكية، وقيل المراد إثبات ذلك واستمراره من قولهم بركت الإبل أي ثبتت على

(11/162)


الأرض، وبه سميت بركة الماء بكسر أوله وسكون ثانية لإقامة الماء فيها. والحاصل أن المطلوب أن يعطوا من الخير أوفاه، وأن يثبت ذلك ويستمر دائما. والمراد بالعالمين فيما رواه أبو مسعود في حديثه أصناف الخلق، وفيه أقوال أخرى: قيل ما حواه بطن الفلك، وقيل كل محدث، وقيل ما فيه روح، وقيل بقيد العقلاء، وقيل الإنس والجن فقط. قوله: "إنك حميد مجيد" أما الحميد فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود، وأبلغ منه وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها، وقيل هو بمعنى الحامد أي يحمد أفعال عباده. وأما المجيد فهو من المجد وهو صفة من كمل في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام، ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه وثناؤه عليه والتنويه به وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له، والمعنى إنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك. واستدل بهذا الحديث على إيجاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل صلاة لما وقع في هذا الحديث من الزيادة في بعض الطرق عن أبي مسعود، وهو ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن محمد ابن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد عنه بلفظ: "فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا" وقد أشرت إلى شيء من ذلك في تفسير سورة الأحزاب. وقال الدار قطني: إسناده حسن متصل. وقال البيهقي: إسناده حسن صحيح. وتعقبه ابن التركماني بأنه قال في "باب تحريم قتل ماله روح" بعد ذكر حديث فيه ابن إسحاق: الحفاظ يتوقون ما ينفرد به. قلت: وهو اعتراض متجه لأن هذه الزيادة تفرد بها ابن إسحاق، لكن ما ينفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرح بالتحديث وهو هنا كذلك، وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحا وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه، وقد احتج بهذه الزيادة جماعة من الشافعية كابن خزيمة والبيهقي لإيجاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد بعد التشهد وقبل السلام، وتعقب بأنه لا دلالة فيه على ذلك، بل إنما يفيد إيجاب الإتيان بهذه الألفاظ على من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد، وعلى تقدير أن يدل على إيجاب أصل الصلاة فلا يدل على هذا المحل المخصوص، ولكن قرب البيهقي ذلك بما تقدم أن الآية لما نزلت وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد علمهم كيفية السلام عليه في التشهد والتشهد داخل الصلاة فسألوا عن كيفية الصلاة فعلمهم، فدل على أن المراد بذلك إيقاع الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدم تعليمه لهم، وأما احتمال أن يكون ذلك خارج الصلاة فهو بعيد كما قال عياض وغيره. وقال ابن دقيق العيد: ليس فيه تنصيص على أن الأمر به مخصوص بالصلاة، وقد كثر الاستدلال به على وجوب الصلاة، وقرر بعضهم الاستدلال بأن الصلاة عليه واجبة بالإجماع وليست الصلاة عليه خارج الصلاة واجبة بالإجماع فتعين أن تجب في الصلاة، قال: وهذا ضعيف، لأن قوله لا تجب في غير الصلاة بالإجماع إن أراد به عينا فهو صحيح لكن لا يفيد المطلوب لأنه يفيد أن تجب في أحد الموضعين لا بعينه، وزعم القرافي في "الذخيرة" أن الشافعي هو المستدل بذلك، ورده بنحو ما رد به ابن دقيق العيد، ولم يصب في نسبة ذلك للشافعي، والذي قاله الشافعي في "الأم": فرض الله الصلاة على رسوله بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة، ووجدنا الدلالة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك: أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثني صفوان بن سليم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن

(11/163)


عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله كيف نصلي عليك -يعني في الصلاة- قال: تقولون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم" الحديث، أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثني سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "كان يقول في الصلاة: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم" الحديث، قال الشافعي: فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم التشهد في الصلاة، وروي عنه أنه علمهم كيف يصلون عليه في الصلاة، لم يجز أن نقول التشهد في الصلاة واجب والصلاة عليه فيه غير واجبة. وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه: أحدها ضعف إبراهيم بن أبي يحيى والكلام فيه مشهور، الثاني على تقدير صحته فقوله في الأول "يعني في الصلاة" لم يصرح بالقائل "يعني" الثالث قوله في الثاني "إنه كان يقول في الصلاة" وإن كان ظاهره أن الصلاة المكتوبة لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله في الصلاة أي في صفة الصلاة عليه، وهو احتمال قوي، لأن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة كما قدم تدل على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة لا عن محلها، الرابع ليس في الحديث ما يدل على تعين ذلك في التشهد خصوصا بينه وبين السلام من الصلاة، وقد أطنب قوم في نسبة الشافعي في ذلك إلى الشذوذ، منهم أبو جعفر الطبري وأبو جعفر الطحاوي وأبو بكر بن المنذر والخطابي، وأورد عياض في "الشفاء" مقالاتهم وعاب عليه ذلك غير واحد لأن موضوع كتابه يقتضي تصويب ما ذهب إليه الشافعي لأنه من جملة تعظيم المصطفى، وقد استحسن هو القول بطهارة فضلاته مع أن الأكثر على خلافه لكنه استجاده لما فيه من الزيادة في تعظيمه، وانتصر جماعة للشافعي فذكروا أدلة نقلية ونظرية، ودفعوا دعوى الشذوذ فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأصح ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين ما أخرجه الحاكم بسند قوي عن ابن مسعود قال: "يتشهد الرجل ثم يصلي على النبي ثم يدعو لنفسه" وهذا أقوى شيء يحتج به للشافعي، فإن ابن مسعود ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد في الصلاة وأنه قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء" فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء دل على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعي مثل ما ذكر عياض قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه له النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه ذكر الصلاة عليه، وكذا قول الخطابي أن في آخر حديث ابن مسعود "إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك" لكن رد عليه بأن هذه الزيادة مدرجة، وعلى تقدير ثبوتها فتحمل على أن مشروعية الصلاة عليه وردت بعد تعليم التشهد، ويتقوى ذلك بما أخرجه الترمذي عن عمر موقوفا "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم" قال ابن العربي: ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي فيكون له حكم الرفع انتهى. وورد له شاهد مرفوع في "جزء الحسن بن عرفة" وأخرج العمري في "عمل يوم وليلة" عن ابن عمر بسند جيد قال: "لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة علي" فخرج البيهقي في "الخلافيات" بسند قوي عن الشعبي وهو من كبار التابعين قال: "من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد فليعد صلاته" وأخرج الطبري بسند صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين قال: "كنا نعلم التشهد فإذا قال وأشهد أن محمدا عبده ورسوله يحمد ربه ويثنى عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل حاجته" وأما فقهاء الأمصار فلم يتفقوا على مخالفة الشافعي في ذلك بل جاء عن أحمد روايتان، وعن إسحاق الجزم به في العمد فقال: إذا تركها يعيد والخلاف أيضا عند المالكية ذكرها ابن الحاجب في سنن الصلاة ثم قال: على الصحيح، فقال شارحه ابن

(11/164)


عبد السلام: يريد أن في وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام ابن المواز منهم. وأما الحنفية فألزم بعض شيوخنا من قال بوجوب الصلاة عليه كما ذكر كالطحاوي ونقله السروجي في "شرح الهداية" عن أصحاب "المحيط" و "العقد" و "التحفة" و "المغيث" من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التشهد لتقدم ذكره في آخر التشهد، لكن لهم أن يلتزموا ذلك لكن لا يجعلونه شرطا في صحة الصلاة. وروى الطحاوي أن حرملة انفرد عن الشافعي بإيجاب ذلك بعد التشهد وقبل سلام التحلل قال: لكن أصحابه قبلوا ذلك وانتصروا له وناظروا عليه انتهى. واستدل له ابن خزيمة ومن تبعه بما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، وكذا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، من حديث فضالة بن عبيد قال: "سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي فقال: عجل هذا، ثم دعاه فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء" وهذا مما يدل على أن قول ابن مسعود المذكور قريبا مرفوع فإنه بلفظه، وقد طعن ابن عبد البر في الاستدلال بحديث فضالة للوجوب فقال: لو كان كذلك لأمر المصلي بالإعادة كما أمر المسيء بإعادة صلاته، وكذا أشار إليه ابن حزم. وأجيب باحتمال أن يكون الوجوب وقع عند فراغه. ويكفي التمسك بالأمر في دعوى الوجوب. وقال جماعة منهم الجرجاني من الحنفية: لو كانت فرضا للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه علمهم التشهد وقال: "فيتخير من الدعاء ما شاء" ولم يذكر الصلاة عليه. وأجيب باحتمال أن لا تكون فرضت حينئذ. وقال شيخنا في "شرح الترمذي": قد ورد هذا في الصحيح بلفظ: "ثم ليتخير" و "ثم" للتراخي فدل على أنه كان هناك شيء بين التشهد والدعاء. واستدل بعضهم بما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رفعه: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع" . الحديث وعلى هذا عول ابن جزم في إيجاب هذه الاستعاذة في التشهد وفي كون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مستحبة عقب التشهد لا واجبة، وفيه ما فيه، والله أعلم. وقد انتصر ابن القيم للشافعي فقال: أجمعوا على مشروعية الصلاة عليه في التشهد، وإنما اختلفوا في الوجوب والاستحباب، وفي تمسك من لم يوجبه بعمل السلف الصالح نظر لأن عملهم كان بوفاقه، إلا إن كان يريد بالعمل الاعتقاد فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأن ذلك ليس بواجب وأنى يوجد ذلك؟ قال: وأما قول عياض أن الناس شنعوا على الشافعي فلا معنى له، فأي شناعة في ذلك لأنه لم يخالف نصا ولا إجماعا ولا قياسا ولا مصلحة راجحة؟ بل القول بذلك من محاسن مذهبه. وأما نقله للإجماع فقد تقدم رده، وأما دعواه أن الشافعي اختار تشهد ابن مسعود فيدل على عدم معرفة باختيارات الشافعي فإنه إنما اختار تشهد ابن عباس وأما ما احتج به جماعة من الشافعية من الأحاديث المرفوعة الصريحة في ذلك فإنها ضعيفة كحديث سهل بن سعد وعائشة وأبي مسعود وبريدة وغيرهم، وقد استوعبها البيهقي في "الخلافيات" ولا بأس بذكرها للتقوية لا أنها تنهض بالحجة. قلت: ولم أر عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب إلا ما نقل عن إبراهيم النخعي، ومع ذلك فلفظ المنقول عنه كما تقدم يشعر بأن غيره كان قائلا بالوجوب فإنه عبر بالأجزاء. قوله في ثاني حديثي الباب "ابن أبي حازم والدراوردي" اسم كل منهما عبد العزيز، وابن أبي حازم ممن يحتج به البخاري، والدراوردي إنما يخرج له في المتابعات أو مقرونا بآخر، ويزيد شيخهما هو ابن عبد الله بن الهاد، وعبد الله بن خباب بمعجمة وموحدتين الأولى ثقيلة. قوله: "هذا السلام عليك" أي عرفناه كما وقع تقريره في الحديث الأول وتقدمت بقية فوائده في الذي قبله، واستدل بهذا الحديث على تعين هذا اللفظ الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم

(11/165)


لأصحابه في امتثال الأمر سواء قلنا بالوجوب مطلقا أو مقيدا بالصلاة، وأما تعينه في الصلاة فعن أحمد في رواية، والأصح عند أتباعه لا تجب، واختلف في الأفضل: فعن أحمد أكمل ما ورد، وعنه يتخير، وأما الشافعية فقالوا يكفي أن يقول: "اللهم صل على محمد" واختلفوا هل يكفي الإتيان بما يدل على ذلك كأن يقوله بلفظ الخبر فيقول: صل الله على محمد مثلا، والأصح إجزاؤه. وذلك أن الدعاء بلفظ الخبر آكد فيكون جائزا بطريق الأولى. ومن منع وقف عند التعبد. وهو الذي رجحه ابن العربي. بل كلامه يدل على أن الثواب الوارد لمن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم إنما يحصل لمن صلى عليه بالكيفية المذكورة. واتفق أصحابنا على أنه لا يجزئ أن يقتصر على الخبر كأن يقول الصلاة على محمد، إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله تعالى، واختلفوا في تعين لفظ محمد، لكن جوزوا الاكتفاء بالوصف دون الاسم كالنبي ورسول الله لأن لفظ محمد وقع التعبد به فلا يجزئ عنه إلا ما كان أعلى منه، ولهذا قالوا لا يجزئ الإتيان بالضمير ولا بأحمد مثلا في الأصح فيهما مع تقدم ذكره في التشهد بقوله النبي وبقوله محمد، وذهب الجمهور إلى الاجتزاء بكل لفظ أدى المراد بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم حتى قال بعضهم: ولو قال في أثناء التشهد الصلاة والسلام عليك أيها النبي أجزأ، وكذا لو قال أشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، بخلاف ما إذا قدم عبده ورسوله، وهذا ينبغي أن ينبني على أن ترتيب ألفاظ التشهد لا يشترط وهو الأصح، ولكن دليل مقابله قوي لقولهم "كما يعلمنا السورة" وقول ابن مسعود "عدهن في يدي" ورأيت لبعض المتأخرين فيه تصنيفا، وعمدة الجمهور في الاكتفاء بما ذكر أن الوجوب ثبت بنص القرآن بقوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} فلما سأل الصحابة عن الكيفية وعلمها لهم النبي صلى الله عليه وسلم واختلف النقل لتلك الألفاظ اقتصر على ما اتفقت عليه الروايات وترك ما زاد على ذلك كما في التشهد، إذ لو كان المتروك واجبا لما سكت عنه انتهى. وقد استشكل ذلك ابن الفركاح في "الإقليد" فقال: جعلهم هذا هو الأقل يحتاج إلى دليل على الاكتفاء بمسمى الصلاة، فإن الأحاديث الصحيحة ليس فيها الاقتصار، والأحاديث التي فيها الأمر بمطلق الصلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب من ذلك في الصلاة، وأقل ما وقع في الروايات "اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم" ومن ثم حكى الفوراني عن صاحب الفروع في إيجاب ذكر إبراهيم وجهين، واحتج لمن لم يوجبه بأنه ورد بدون ذكره في حديث زيد بن خارجة عند النسائي بسند قوي ولفظه: "صلوا علي وقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" وفيه نظر لأنه من اختصار بعض الرواة فإن النسائي أخرجه من هذا الوجه بتمامه، وكذا الطحاوي واختلف في إيجاب الصلاة على الآل ففي تعينها أيضا عند الشافعية والحنابلة روايتان، والمشهور عندهم لا، وهو قول الجمهور وادعى كثير منهم فيه الإجماع وأكثر من أثبت الوجوب من الشافعية نسبوه إلى الترنجي، ونقل البيهقي في "الشعب" عن أبي إسحاق المروزي وهو من كبار الشافعية قال: أنا أعتقد وجوبها، قال البيهقي: وفي الأحاديث الثابتة دلالة على صحة ما قال. قلت: وفي كلام الطحاوي في مشكلة ما يدل على أن حرملة نقله عن الشافعي واستدل به على مشروعية الصلاة على النبي وآله في التشهد الأول والمصحح عند الشافعية استحباب الصلاة عليه فقط لأنه مبني على التخفيف وأما الأول فبناه الأصحاب على حكم ذلك في التشهد الأخير إن قلنا بالوجوب. قلت: واستدل بتعليمه صلى الله عليه وسلم لأصحابه الكيفية بعد سؤالهم عنها بأنها أفضل كيفيات الصلاة عليه، لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل؛ ويترتب على ذلك لو حلف أن يصلي عليه أفضل الصلاة فطريق البر أن يأتي بذلك هكذا صوبه النووي في "الروضة" بعد

(11/166)


ذكر حكاية الرافعي عن إبراهيم المروزي أنه قال: يبر إذا قال: كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عن ذكره الغافلون. قال النووي وكأنه أخذ ذلك من كون الشافعي ذكر هذه الكيفية. قلت: وهي في خطبة الرسالة، لكن بلفظ غفل بدل سها. وقال الأذرعي: إبراهيم المذكور كثير النقل من تعليقة القاضي حسين، ومع ذلك فالقاضي قال: في طريق البر يقول اللهم صل على محمد كما هو أهله ومستحقه، وكذا نقله البغوي في تعليقه. قلت: ولو جمع بينها فقال ما في الحديث وأضاف إليه أثر الشافعي وما قاله القاضي لكان أشمل، ويحتمل أن يقال: يعمد إلى جميع ما اشتملت عليه الروايات الثابتة فيستعمل منها ذكرا يحصل به البر، وذكر شيخنا مجد الدين الشيرازي في جزء له في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض العلماء أنه قال: أفضل الكيفيات أن يقول: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك. وعن آخر نحوه لكن قال: عدد الشفع والوتر وعدد كلماتك التامة. ولم يسم قائلها. والذي يرشد إليه الدليل أن البر يحصل بما في حديث أبي هريرة لقوله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا فليقل اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم" الحديث والله أعلم. "تنبيه": إن كان مستند المروزي ما قاله الشافعي فظاهر كلام الشافعي أن الضمير لله تعالى، فإن لفظه: "وصلى الله على نبيه كلما ذكره الذاكرون" فكان حق من غير عبارته أن يقول: اللهم صل على محمد كلما ذكرك الذاكرون إلخ، واستدل به على جواز الصلاة على غير الأنبياء، وسيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده، واستدل به على أن الواو لا تقتضي الترتيب لأن صيغة الأمر وردت بالصلاة والتسليم بالواو في قوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} وقدم تعليم السلام قبل الصلاة كما قالوا "علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك" واستدل به على رد قول النخعي: يجزئ في امتثال الأمر بالصلاة قوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته في التشهد، لأنه لو كان كما قال لأرشد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى ذلك ولما عدل إلى تعليمهم كيفية أخرى، واستدل به على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره وكذا العكس، لأن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة كما تقدم فأفرد التسليم مدة في التشهد قبل الصلاة عليه، وقد صرح النووي بالكراهة، واستدل بورود الأمر بهما معا في الآية، وفيه نظر. نعم يكره أن يفرد الصلاة ولا يسلم أصلا أما لو صلى في وقت وسلم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلا، واستدل به على فضيلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من جهة ورود الأمر بها واعتناء الصحابة بالسؤال عن كيفيتها، وقد ورد في التصريح بفضلها أحاديث قوية لم يخرج البخاري منها شيئا، منها ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رفعه: "من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا" وله شاهد عن أنس عند أحمد والنسائي وصححه ابن حبان، وعن أبي بردة بن نيار وأبي طلحة كلاهما عند النسائي ورواتهما ثقات، ولفظ أبي بردة ولفظ أبي طلحة عنده نحوه وصححه ابن حبان "من صلى علي من أمتي صلاة مخلصا من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات ورفعه بها عشر درجات وكتب له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات" ، ومنها حديث ابن مسعود رفعه: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم على صلاة" وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وله شاهد عند البيهقي عن أبي أمامة بلفظ: "صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة" ولا بأس بسنده، وورد الأمر بإكثار الصلاة عليه يوم الجمعة من حديث أوس بن أوس وهو عند أحمد وأبي داود وصححه ابن حبان والحاكم، ومنها حديث: "البخيل

(11/167)


من ذكرت عنده فلم يصل علي" أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وإسماعيل القاضي وأطنب في تخريج طرقه وبيان الاختلاف فيه من حديث على ومن حديث ابنه الحسين ولا يقصر عن درجة الحسن، ومنها حديث: "من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة" أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس والبيهقي في "الشعب" من حديث أبي هريرة وابن أبي حاتم من حديث جابر والطبراني من حديث حسين بن علي، وهذه الطرق يشد بعضها بعضا وحديث: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي" أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ: "من ذكرت عنده ولم يصل على فمات فدخل النار فأبعده الله" وله شاهد عنده، وصححه الحاكم، وله شاهد من حديث أبي ذر في الطبراني وآخر عن أنس عند ابن أبي شيبة وآخر مرسل عن الحسن عند سعيد بن منصور، وأخرجه ابن حبان من حديث أبي هريرة ومن حديث مالك بن الحويرث ومن حديث عبد الله بن عباس عند الطبراني ومن حديث عبد الله بن جعفر عند الفريابي وعند الحاكم من حديث كعب بن عجرة بلفظ: "بعد من ذكرت عنده فلم يصل علي" وعند الطبراني من حديث جابر رفعه: "شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل علي" وعند عبد الرزاق من مرسل قتادة "من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلي علي" ومنها حديث أبي بن كعب "أن رجلا قال يا رسول الله إني أكثر الصلاة فما أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت. قال الثلث؟ قال ما شئت، وإن زدت فهو خير" إلى أن قال: "أجعل لك كل صلاتي؟ قال: إذا تكفى همك" الحديث أخرجه أحمد وغيره بسند حسن، فهذا الجيد من الأحاديث الواردة في ذلك، وفي الباب أحاديث كثيرة ضعيفة وواهية، وأما ما وضعه القصاص في ذلك فلا يحصى كثرة وفي الأحاديث القوية غنية عن ذلك. قال الحليمي: المقصود بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التقرب إلى الله بامتثال أمره وقضاء حق النبي صلى الله عليه وسلم علينا. وتبعه ابن عبد السلام فقال: ليست صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه. وقال ابن العربي: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه لدلالة ذلك على نصوع العقيدة وخلوص النية وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة والاحترام للواسطة الكريمة صلى الله عليه وسلم، وقد تمسك الأحاديث المذكورة من أوجب الصلاة عليه كلما ذكر، لأن الدعاء بالرغم والإبعاد والشقاء والوصف بالبخل والجفاء يقتضي الوعيد والوعيد على الترك من علامات الوجوب، ومن حيث المعنى أن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه وإحسانه مستمر فيتأكد إذا ذكر وتمسكوا أيضا بقوله: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} فلو كان إذا ذكر لا يصلي عليه لكان كآحاد الناس. ويتأكد ذلك إذا كان المعنى بقوله: {دُعَاءَ الرَّسُولِ} الدعاء المتعلق بالرسول. وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة: منها أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين فهو قول مخترع، ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن وكذا سامعه وللزم القارئ إذا مر ذكره في القرآن وللزم الداخل في الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين ولكان في ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه، ولكان الثناء على الله كلما ذكر أحق بالوجوب ولم يقولوا به. وقد أطلق القدوري وغيره من الحنفية أن القول بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله، لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله صلى الله عليك، ولأنه لو كان كذلك لم يتفرغ السامع لعبادة أخرى، وأجابوا عن الأحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه وفي حق

(11/168)


من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا. وفي الجملة لا دلالة على وجوب تكرر ذلك بتكرر ذكره صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد واحتج الطبري لعدم الوجوب أصلا مع ورود صيغة الأمر بذلك بالاتفاق من جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن ذلك غير لازم فرضا حتى يكون تاركه عاصيا، قال: فدل ذلك على أن الأمر فيه للندب ويحصل الامتثال لمن قاله ولو كان خارج الصلاة. وما ادعاه من الإجماع معارض بدعوى غيره الإجماع على مشروعية ذلك في الصلاة إما بطريق الوجوب وإما بطريق الندب، ولا يعرف عن السلف لذلك مخالف إلا ما أخرجه ابن أبي شيبة والطبري عن إبراهيم أنه كان يرى أن قول المصلي في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته يجزئ عن الصلاة، ومع ذلك لم يخالف في أصل المشروعية وإنما ادعى إجزاء السلام عن الصلاة، والله أعلم. ومن المواطن التي اختلف في وجوب الصلاة عليه فيها التشهد الأول وخطبة الجمعة وغيرها من الخطب وصلاة الجنازة، ومما يتأكد ووردت فيه أخبار خاصة أكثرها بأسانيد جيدة عقب إجابة المؤذن وأول الدعاء وأوسطه وآخره وفي أوله آكد وفي آخر القنوت وفي أثناء تكبيرات العيد وعند دخول المسجد والخروج منه وعند الاجتماع والتفرق وعند السفر والقدوم وعند القيام لصلاة الليل وعند ختم القرآن وعند الهم والكرب وعند التوبة من الذنب وعند قراءة الحديث تبليغ العلم والذكر وعند نسيان الشيء، وورد ذلك أيضا في أحاديث ضعيفة وعند استلام الحجر وعند طنين الأذن وعند التلبية وعقب الوضوء وعند الذبح والعطاس، وورد المنع منها عندهما أيضا، وورد الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة في حديث صحيح كما تقدم.

(11/169)


باب هل يصلي على غير النبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)
...
33 - باب هَلْ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}
6359- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ "عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ كَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَدَقَتِهِ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى"
6360- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ "أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"
قوله: "باب هل يصلى على غير النبي صلى الله عليه وسلم" أي استقلالا أو تبعا، ويدخل في الغير الأنبياء والملائكة والمؤمنون، فأما مسألة الأنبياء فورد فيها أحاديث حديث علي في الدعاء بحفظ القرآن ففيه: "وصل علي وعلى سائر النبيين" أخرجه الترمذي والحاكم، وحديث بريدة رفعه: "لا تتركن في التشهد الصلاة علي وعلى أنبياء الله" الحديث أخرجه البيهقي بسند واه، وحديث أبي هريرة رفعه: "صلوا على أنبياء الله " الحديث أخرجه إسماعيل القاضي بسند ضعيف، وحديث ابن عباس رفعه: "إذا صليتم علي فصلوا على أنبياء الله، فإن الله بعثهم كما بعثني" أخرجه الطبراني ورويناه في "فوائد العيسوي" وسنده ضعيف أيضا، وقد ثبت عن ابن عباس اختصاص ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عثمان بن حكيم عن عكرمة عنه قال: "ما أعلم الصلاة

(11/169)


تنبغي على أحد من أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم" وهذا سند صحيح، وحكي القول به عن مالك وقال: ما تعبدنا به وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وعن مالك يكره. وقال عياض: عامة أهل العلم على الجواز. وقال سفيان يكره أن يصلي إلا على نبي، ووجدت بخط بعض شيوخي مذهب مالك لا يجوز أن يصلي إلا على محمد، وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال أكره الصلاة على غير الأنبياء وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به. وخالفه يحيى بن يحيى فقال: لا بأس به، واحتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة فلا يمنع إلا بنص أو إجماع، قال عياض: والذي أميل إليه قول مالك وسفيان وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء قالوا: يذكر غير الأنبياء بالرضا والغفران والصلاة على غير الأنبياء يعني استقلالا لم تكن من الأمر المعروف وإنما أحدثت في دولة بني هاشم، وأما الملائكة فلا أعرف فيه حديثا نصا، وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله إن ثبت، لأن الله تعالى سماهم رسلا، وأما المؤمنون فاختلف فيه فقيل: لا تجوز إلا على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وحكي عن مالك كما تقدم. وقالت طائفة لا تجوز مطلقا استقلالا وتجوز تبعا فيما ورد به النص أو ألحق به لقوله تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} ولأنه لما علمهم السلام قال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ولما علمهم الصلاة قصر ذلك عليه وعلى أهل بيته، وهذا القول اختاره القرطبي في "المفهم" وأبو المعالي من الحنابلة، وقد تقدم تقريره في تفسير سورة الأحزاب، هو اختيار ابن تيمية من المتأخرين. وقالت طائفة: تجوز تبعا مطلقا ولا تجوز استقلالا، وهذا قول أبي حنيفة وجماعة. وقالت طائفة تكره استقلالا لا تبعا وهي رواية عن أحمد. وقال النووي: هو خلاف الأولى وقالت طائفة: تجوز مطلقا، وهو مقتضى صنيع البخاري فإنه صدر بالآية وهي قوله: "وصل عليهم" ثم علق الحديث الدال على الجواز مطلقا وعقبه بالحديث الدال على الجواز تبعا، فأما الأول وهو حديث عبد الله بن أبي أوفى فتقدم شرحه في كتاب الزكاة، ووقع مثله عن قيس بن سعد بن عبادة "أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه وهو يقول: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة" أخرجه أبو داود والنسائي وسنده جيد، وفي حديث جابر "إن امرأته قالت للنبي صلى الله عليه وسلم صل علي وعلى زوجي ففعل" أخرجه أحمد مطولا ومختصرا وصححه ابن حبان، وهذا القول جاء عن الحسن ومجاهد ونص عليه أحمد في رواية أبي داود وبه قال إسحاق وأبو ثور وداود والطبري، واحتجوا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا: "إن الملائكة تقول لروح المؤمن صلى الله عليك وعلى جسدك" وأجاب المانعون عن ذلك كله بأن ذلك صدر من الله ورسوله ولهما أن يخصا من شاءا بما شاءا وليس ذلك لأحد غيرهما. وقال البيهقي: يحمل قول ابن عباس بالمنع إذا كان على وجه التعظيم لا ما إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة. وقال ابن القيم: المختار أن يصلي على الأنبياء والملائكة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وآله وذريته وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، وتكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعارا ولا سيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه كما يفعله الرافضة، فلو اتفق وقوع ذلك مفردا في بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعارا لم يكن به بأس، ولهذا لم يرد في حق غير من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقول ذلك لهم وهم من أدى زكاته إلا نادرا كما في قصة زوجة جابر وآل سعد بن عبادة. "تنبيه": اختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي فقيل: يشرع مطلقا، وقيل بل تبعا، ولا يفرد لواحد لكونه صار شعارا للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني. قوله في ثاني حديثي الباب

(11/170)


"عبد الله بن أبي بكر عن أبيه" هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، مختلف في اسمه وقيل كنيته اسمه، وروايته عن عمرو بن سليم من الأقران، وولده من صغار التابعين، ففي السند ثلاثة من التابعين في نسق، والسند كله مدنيون. قوله: "وذريته" بضم المعجمة وحكى كسرها هي النسل، وقد يختص بالنساء والأطفال، وقد يطلق على الأصل، وهي من ذرأ بالهمز أي خلق، إلا أن الهمزة سهلت لكثرة الاستعمال، وقيل بل هي من الذر أي خلقوا أمثال الذر وعليه فليس مهموز الأصل، والله أعلم. واستدل به على أن المراد بآل محمد أزواجه وذريته كما تقدم البحث فيه في الكلام على آل محمد في الباب الذي قبله، واستدل به على أن الصلاة على الآل لا تجب لسقوطها في هذا الحديث، وهو ضعيف لأنه لا يخلو أن يكون المراد بالآل غير أزواجه وذريته أو أزواجه وذريته، وعلى تقدير كل منهما لا ينهض الاستدلال على عدم الوجوب، أما على الأول فلثبوت الأمر بذلك في غير هذا الحديث، وليس في هذا الحديث المنع منه بل أخرج عبد الرزاق من طريق ابن طاوس عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن رجل من الصحابة الحديث المذكور بلفظ: "صل على محمد وأهل بيته وأزواجه وذريته" وأما على الثاني فواضح، واستدل به البيهقي على أن الأزواج من أهل البيت وأيده بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ}

(11/171)


34 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ آذَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً"
6361- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة" كذا ترجم بهذا اللفظ، وأورده بلفظ: "اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة" أورده من طريق يونس وهو ابن يزيد عن ابن شهاب، وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه مثله، وظاهر سياقه أنه حذف منه شيء من أوله، وقد بينه مسلم من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه بهذا الإسناد بلفظ: "اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة" ومن طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعله له زكاة ورحمة" ومن طريق الأعرج عن أبي هريرة مثل رواية ابن أخي ابن شهاب لكن قال: "فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة" ومن طريق سالم عن أبي هريرة بلفظ: "اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدا" الحديث وفيه: "فأيما مؤمن آذيته" والباقي بمعناه بلفظ: "أو" وأخرج من حديث عائشة بيان سبب هذا الحديث قالت: "دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فسبهما ولعنهما، فلما خرجا قلت له، فقال: أما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا " وأخرجه من حديث جابر نحوه، وأخرجه من حديث أنس وفيه

(11/171)


تقييد المدعو عليه بأن يكون ليس لذلك بأهل ولفظه: "إنما أنا بشر أرضى كما يرضي البشر وأغضب كما يغضب البشر؛ فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة" وفيه قصة لأم سليم. قوله: "اللهم فأيما مؤمن" الفاء جواب الشرط المحذوف لدلالة السياق عليه، قال المازري: إن قيل كيف يدعو صلى الله عليه وسلم بدعوة على من ليس لها بأهل؟ قيل: المراد بقوله: "ليس لها بأهل" عندك في باطن أمره لا على ما يظهر مما يقتضيه حاله وجنايته حين دعائي عليه، فكأنه يقول: من كان باطن أمره عندك أنه ممن ترضي عنه فاجعل دعوتي عليه التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى حاله حينئذ طهورا وزكاة، قال: وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه، لأنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بالظواهر، وحساب الناس في البواطن على الله انتهى. وهذا مبني على قول من قال: إنه كان يجتهد في الأحكام ويحكم بما أدى إليه اجتهاده، وأما من قال: كان لا يحكم إلا بالوحي فلا يأتي منه هذا الجواب. ثم قال المازري: فإن قيل فما معنى قوله وأغضب كما يغضب البشر؟ فإن هذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب، لا أنها على مقتضى الشرع، فيعود السؤال، فالجواب أنه يحتمل أنه أراد أن دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خير بين فعله له عقوبة للجاني أو تركه والزجر له بما سوى ذلك، فيكون الغضب لله تعالى بعثه على لعنه أو جلده، ولا يكون ذلك خارجا عن شرعه. قال: ويحتمل أن يكون ذلك خرج مخرج الإشفاق وتعليم أمته الخوف من تعدى حدود الله، فكأنه أظهر الإشفاق من أن يكون الغضب يحمله على زيادة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما وقعت، أو إشفاقا من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما زادت، ويكون من الصغائر على قول من يجوزها، أو يكون الزجر يحصل بدونها. ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه فلا يكون في ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله وطلبا للاستجابة. وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال الأخير فقال: يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا منوي، ولكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد للعتب لا على نية وقوع ذلك، كقولهم عقري حلقي وتربت يمينك، فأشفق من موافقة أمثالها القدر، فعاهد ربه ورغب إليه أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة انتهى. وهذا الاحتمال حسن إلا أنه يرد عليه قوله: "جلدته" فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه، إذ لا يقع الجلد عن غير قصد، وقد ساق الجميع مساقا واحدا إلا إن حمل على الجلدة الواحدة فيتجه. ثم أبدى القاضي احتمالا آخر فقال: كان لا يقول ولا يفعل صلى الله عليه وسلم في حال غضبه إلا الحق، لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفه وترك الإغضاء والصفح، ويؤيده حديث عائشة "ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله" وهو في الصحيح. قلت: فعلى هذا فمعنى قوله: "ليس لها بأهل" أي من جهة تعين التعجيل. وفي الحديث كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته وجميل خلقه وكرم ذاته حيث قصد مقابلة ما وقع منه بالجبر والتكريم، وهذا كله في حق معين في زمنه واضح، وأما ما وقع منه بطريق التعميم لغير معين حتى يتناول من لم يدرك زمنه صلى الله عليه وسلم فما أظنه يشمله، والله أعلم.

(11/172)


35 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ الْفِتَنِ
6362- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ

(11/172)


صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ الْمَسْأَلَةَ فَغَضِبَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ لاَ تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لاَفٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لاَحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي قَالَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الْحَائِطِ" وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْآيَةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}
قوله: "باب التعوذ من الفتن" ستأتي هذه الترجمة وحديثها في كتاب الفتن. سيأتي في كتاب الفتن، وتقدم شيء من شرحه يتعلق بسبب نزول الآية المذكورة في آخر الحديث في تفسير سورة المائدة، وقوله: "أحفوه" بحاء مهملة ساكنة وفاء مفتوحة أي ألحوا عليه، يقال أحفيته إذا حملته على أن يبحث عن الخبر، وقوله: "لاف" بالرفع ويجوز النصب على الحال، وقوله: "إذا لاحى" بمهملة خفيفة أي خاصم، وفي الحديث أن غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع من حكمه فإنه لا يقول إلا الحق في الغضب والرضا، وفيه فهم عمر وفضل علمه.

(11/173)


36 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ
6363- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ "أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِأَبِي طَلْحَةَ الْتَمِسْ لَنَا غُلاَمًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ كِسَاءٍ ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ"
قوله: "باب التعوذ من غلبة الرجال" ذكر فيه حديث أنس في قصة خيبر، وذكر صفية بنت حيى، وتقدم شرح ذلك في المغازي وغيرها، وسيأتي منه التعوذ مفردا بعد أبواب. قوله: "فكنت أسمعه يكثر أن يقول" استدل به على أن هذه الصيغة لا تدل على الدوام ولا الإكثار، وإلا لما كان لقوله: "يكثر" فائدة، وتعقب بأن

(11/173)


المراد بالدوام أعم من الفعل والقوة، ويظهر لي أن الحاصل أنه لم يعرف لذلك مزيلا، ويفيد قوله: "يكثر" وقوع ذلك من فعله كثيرا. قوله: "من الهم والحزن إلى قوله والجبن" يأتي شرحه قريبا. قوله: "وضلع الدين" أصل الضلع وهو بفتح المعجمة واللام الاعوجاج، يقال ضلع بفتح اللام يضلع أي مال، والمراد به هنا ثقل الدين وشدته وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء ولا سيما مع المطالبة. وقال بعض السلف ما دخل هم الدين قلبا إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه. قوله: "وغلبة الرجال" أي شدة تسلطهم كاستيلاء الرعاع هرجا ومرجا. قال الكرماني: هذا الدعاء من جوامع الكلم، لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسانية وبدنية وخارجية، فالأولى بحسب القوى التي للإنسان وهي ثلاثة: العقلية والغضبية والشهوانية، فالهم والحزن يتعلق بالعقلية، والجبن بالغضبية، والبخل بالشهوانية. والعجز والكسل بالبدنية. والثاني يكون عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات والقوى، والأول عند نقصان عضو ونحوه، والضلع والغلبة بالخارجية فالأول مالي والثاني جاهي، والدعاء مشتمل على جميع ذلك.

(11/174)


37 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
6364- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ "سَمِعْتُ أُمَّ خَالِدٍ بِنْتَ خَالِدٍ قَالَ وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ"
قوله: "باب التعوذ من عذاب القبر" تقدم الكلام عليه في أواخر كتاب الجنائز. قوله: "سفيان" هو ابن عيينة، وأم خالد بنت خالد اسمها أمة بتخفيف الميم بنت خالد بن سعيد بن العاص، تقدم ذكرها في اللباس وأنها ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبواها إليها، ثم قدموا المدينة وكانت صغيرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد حفظت عنه.
6365- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ مُصْعَبٍ "كَانَ سَعْدٌ يَأْمُرُ بِخَمْسٍ وَيَذْكُرُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِنَّ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا يَعْنِي فِتْنَةَ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ"
6366- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا لِي إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلاَةٍ إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ"
قوله: "باب التعوذ من البخل" كذا وقعت هذه الترجمة هنا للمستملي وحده، وهي غلط من وجهين: أحدهما أن الحديث الأول في الباب وإن كان فيه ذكر البخل لكن قد ترجم لهذه الترجمة بعينها بعد أربعة أبواب وذكر فيه الحديث المذكور بعينه، ثانيهما أن الحديث الثاني مختص بعذاب القبر لا ذكر للبخل فيه أصلا فهو بقية من الباب الذي قبله وهو اللائق به، وقوله: "عن عبد الملك" هو ابن عمير كما سيأتي منسوبا في الباب المشار إليه. قوله: "عن

(11/174)


مصعب" هو ابن سعد بن أبي وقاص، وسيأتي قريبا من رواية غندر عن شعبة عن عبد الملك عن مصعب بن سعد، ولعبد الملك بن عمير فيه شيخ آخر، فقد تقدم في كتاب الجهاد من طريق أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن عمرو بن ميمون عن سعد وقال في آخره: "قال عبد الملك: فحدثت به مصعبا فصدقه" وأورده الإسماعيلي من طريق زائدة عن عبد الملك عن مصعب وقال في آخره: "فحدثت به عمرو بن ميمون فقال وأنا حدثني بهن سعد" وقد أورده الترمذي من طريق عبيد الله بن عمرو الرقى عن عبد الملك عن مصعب بن سعد وعمرو بن ميمون جميعا عن سعد وساقه على لفظ مصعب، وكذا أخرجه النسائي من طريق زائدة عن عبد الملك عنهما، وأخرجه البخاري من طريق زائدة عن عبد الملك عن مصعب وحده، وفي سياق عمرو أنه كان يقول ذلك دبر الصلاة، وليس ذلك في رواية مصعب. وفي رواية مصعب ذكر البخل وليس في رواية عمرو، وقد رواه أبو إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود هذه رواية زكريا عنه. وقال إسرائيل عنه عن عمرو عن عمر بن الخطاب، ونقل الترمذي عن الدارمي أنه قال: كان أبو إسحاق يضطرب فيه. قلت: لعل عمرو بن ميمون سمعه من جماعة، فقد أخرجه النسائي من رواية زهير عن أبي إسحاق عن عمرو عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمى منهم ثلاثة كما ترى، وقوله إنه "كان سعد يأمر" في رواية الكشميهني: "يأمرنا" بصيغة الجمع، وجرير المذكور في الحديث الثاني هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر من صغار التابعين، وأبو وائل هو شقيق بن سلمة وهو ومسروق شيخه من كبار التابعين، ورجال الإسناد كلهم كوفيون إلى عائشة، ورواية أبي وائل عن مسروق من الأقران، وقد ذكر أبو علي الجياني أنه وقع في رواية أبي إسحاق المستملي عن الفربري في هذا الحديث: "منصور عن أبي وائل ومسروق عن عائشة" بواو بدل عن قال: والصواب الأول، ولا يحفظ لأبي وائل عن عائشة رواية. قلت أما كونه الصواب فصواب لاتفاق الرواة في البخاري على أنه من رواية أبي وائل عن مسروق، وكذا أخرجه مسلم وغيره من رواية منصور، وأما النفي فمردود فقد أخرج الترمذي من رواية أبي وائل عن عائشة حديثين أحدهما "ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم" وهذا أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه من رواية أبي وائل عن مسروق عن عائشة، والثاني "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها" الحديث أخرجه أيضا من رواية عمرو بن مرة "سمعت أبا وائل عن عائشة" وهذا أخرجه الشيخان أيضا من رواية منصور والأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة، وهذا جميع ما في الكتب الستة لأبي وائل عن عائشة.
وأخرج ابن حبان في صحيحه من رواية شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي وائل عن عائشة حديث: "ما من مسلم يشاك شوكة فما دونها إلا رفعه الله بها درجة" الحديث، وفي بعض هذا ما يرد إطلاق أبي علي.
قوله: "دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة" عجز بضم العين المهملة والجيم بعدها زاي جمع عجوز مثل عمود وعمد، ويجمع أيضا على عجائز، وهذه رواية الإسماعيلي عن عمران بن موسى عن عثمان بن أبي شيبة شيخ البخاري فيه، قال ابن السكيت: ولا يقال عجوزة. وقال غيره: هي لغة رديئة. وقوله: "ولم أنعم" هو رباعي من أنعم والمراد أنها لم تصدقهما أولا. قوله: "فقلت يا رسول الله إن عجوزين وذكرت له فقال صدقتا" قال الكرماني حذف خبر "إن" للعلم به والتقدير دخلنا. قلت: ظهر لي أن البخاري هو الذي اختصره، فقد أخرجه الإسماعيلي عن عمران بن موسى عن عثمان بن أبي شيبة شيخ البخاري فيه فساقه ولفظه: "فقلت

(11/175)


له: يا رسول الله إن عجوزين من عجائز يهود المدينة دخلتا علي فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: صدقتا "وكذا أخرجه مسلم من وجه آخر عن جرير شيخ عثمان فيه، فعلى هذا فيضبط "وذكرت" له بضم التاء وسكون الراء أي ذكرت له ما قالتا، وقوله: "تسمعه البهائم" تقدم شرحه مستوفى، وبينت طريق الجمع بين جزمه صلى الله عليه وسلم هنا بتصديق اليهوديتين في إثبات عذاب القبر وقوله في الرواية: "عائذا بالله من ذلك" وكلا الحديثين عن عائشة، وحاصله أنه لم يكن أوحى إليه أن المؤمنين يفتنون في القبور فقال: "إنما يفتن يهود" جري على ما كان عنده من علم ذلك، ثم لما علم بأن ذلك يقع لغير اليهود استعاذ منه وعلمه وأمر بإيقاعه في الصلاة ليكون أنجح في الإجابة، والله أعلم

(11/176)


38 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ
6367- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ "سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ"
قوله: "باب التعوذ من فتنة المحيا" أي زمن الحياة "الممات" أي من الموت من أول النزع وهلم جرا. حديث أنس وفيه ذكر العجز والكسل والجبن، وقد تقدم الكلام عليه في الجهاد والبخل، وسيأتي بعد بابين، والهرم والمراد به الزيادة في كبر السن، وعذاب القبر وقد مضى في الجنائز. وأما فتنة المحيا والممات فقال ابن بطال هذه كلمة جامعة لمعان كثيرة، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جميع ما ذكر دفعا عن أمته وتشريعا لهم ليبين لهم صفة المهم من الأدعية. قلت: وقد تقدم شرح المراد بفتنة المحيا وفتنة الممات في "باب الدعاء قبل السلام" في أواخر صفة الصلاة قبيل كتاب الجمعة، وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره، ويقال فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته، وفي الغفلة عن المطلوب كقوله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} وتستعمل في الإكراه على الرجوع عن الدين كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} . قلت: واستعملت أيضا في الضلال والإثم والكفر والعذاب والفضيحة، ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن.

(11/176)


39 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ
6368- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ"

(11/176)


40 - باب الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْجُبْنِ وَالْكَسَلِ كُسَالَى وَكَسَالَى وَاحِدٌ
6369- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو "قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ"
قوله: "باب الاستعاذة من الجبن والكسل" تقدم شرحهما في كتاب الجهاد. قوله: "كسالى وكسالى واحد" بفتح الكاف وضمها، قلت: وما قراءتان قرأ الجمهور بالضم وقرأ الأعرج بالفتح، وهي لغة بني تميم، وقرأ ابن السميفع بالفتح أيضا لكن أسقط الألف وسكن السين ووصفهم بما يوصف به المؤنث المفرد لملاحظة معنى الجماعة، وهو كما قرئ {وَتَرَى النَّاسَ سكرَى} والكسل الفتور والتواني وهو ضد النشاط. قوله: "حدثنا سليمان" هو ابن بلال، ووقع التصريح به في رواية أبي زيد المروزي.قوله: "عمرو بن أبي عمرو" هو مولى المطلب الماضي ذكره في "باب التعوذ من غلبة الرجال". قوله: "فكنت أسمعه يكثر أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم إلى قوله والجبن" تقدم شرح هذه الأمور الستة، ومحصله إن الهم لما يتصوره العقل من المكروه في الحال، والحزن لما وقع في الماضي، والعجز ضد الاقتدار، والكسل ضد النشاط، والبخل ضد الكرم، والجبن ضد الشجاعة. وقوله: "وضلع الدين" تقدم ضبطه وتفسيره قبل ثلاث أبواب، وقوله: "وغلبة الرجال" هي إضافة للفاعل، استعاذ من أن يغلبه الرجال لما في ذلك من الوهن في النفس والمعاش.

(11/178)


41 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ الْبُخْلِ الْبُخْلُ وَالْبَخَلُ وَاحِدٌ مِثْلُ الْحُزْنِ وَالْحَزَنِ
6370- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ "عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهَؤُلاَءِ الْخَمْسِ وَيُحَدِّثُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ"
قوله: "باب التعوذ من البخل" تقدم الكلام عليه قبل. قوله: "البخل والبخل واحد" يعني بضم أوله وسكون ثانيه وبفتحهما. قوله: "مثل الحزن والحزن" يعني في وزنهما. قوله: "وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر" في

(11/178)


42 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ أَرَاذِلُنَا سُقَّاطنا
6371- حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب "عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ يقول اللهم إني أعوذ بك من الكسل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من الهرم وأعوذ بك من البخل "
قوله: "باب التعوذ من أرذل العمر أراذلنا سقاطنا" بضم المهملة وتشديد القاف جمع ساقط وهو اللئيم في حسبه ونسبه، وهذا قد تقدم القول فيه في أوائل تفسير سورة هود، وأورد فيه حديث أنس وليس فيه لفظ الترجمة لكنه أشار بذلك إلى أن المراد بأرذل العمر في حديث سعد بن أبي وقاص الذي قبله الهرم الذي في حديث أنس لمجيئها موضع الأخرى من الحديث المذكور.

(11/179)


43 - باب الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الْوَبَاءِ وَالْوَجَعِ
6372- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا وَصَاعِنَا"
6373- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ " عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ شَكْوَى أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَ بِي مَا تَرَى مِنْ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لاَ قُلْتُ فَبِشَطْرِهِ قَالَ الثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّكَ

(11/179)


44 - باب الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَفِتْنَةِ النَّارِ
6374- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ "تَعَوَّذُوا بِكَلِمَاتٍ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ"
6375- حدثنا يحيى بن موسى حدثنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن أبيه "عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمغرم والمأثم اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار وفتنة القبر وعذاب القبر وشر فتنة فلهذا وشر فتنة الفقر ومن شر فتنة المسيح الدجال اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ونق قلبي من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب"
قوله: "باب الاستعاذة من أرذل العمر ومن فتنة الدنيا ومن فتنة النار" في رواية الكشميهني: "ومن عذاب النار" بدل فتنة النار. قوله: "أنبأنا الحسين" هو ابن علي الجعفي الزاهد المشهور، وإسحاق الراوي عنه هو ابن راهويه، وشيخه زائدة، هو ابن قدامة، وعبد الملك هو ابن عمير، وقد تقدم شرح الحديث مستوفى قبل قليل و كذا حديث عائشة ثاني حديثي الباب.

(11/181)


45 - باب الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى
6376- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا سلام بن أبي مطيع عن هشام عن أبيه "عن خالته ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار ومن عذاب النار وأعوذ بك من فتنة القبر وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة الغني وأعوذ بك من فتنة الفقر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال"
قوله: "باب الاستعاذة من فتنة الغنى" ذكر فيه حديث عائشة المذكور مختصرا من رواية وكيع عن هشام بن عروة، وقد تقدم شرحه.

(11/181)


46 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ
6377- حدثنا محمد أخبرنا أبو معاوية أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه "عن عائشة رضي الله عنها

(11/181)


47 - باب الدُّعَاءِ بِكَثْرَةِ الْمَالِ مَعَ الْبَرَكَةِ
6378-6379- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسٌ خَادِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ قَالَ اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ وَعَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ مِثْلَهُ"
قوله: "باب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة" سقط هذا الباب والترجمة من رواية السرخسي والصواب إثباته. قوله: "شعبة قال سمعت قتادة عن أنس عن أم سليم أنها قالت يا رسول الله أنس خادمك ادع الله له. الحديث" وفي آخره "وعن هشام بن زيد سمعت أنس بن مالك مثله" قلت هكذا قال غندر عن شعبة جعل الحديث من مسند أم سليم، وكذا أخرجه الترمذي عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه عن محمد بن جعفر وهو غندر هذا فذكر مثله، ولكنه لم يذكر رواية هشام بن زيد التي في آخره. وقال: حسن صحيح، وأخرجه الإسماعيلي من رواية حجاج بن محمد عن شعبة فقال فيه: "عن أم سليم" كما قال غندر، وكذا أخرجه أحمد عن حجاج بن محمد وعن محمد بن جعفر كلاهما عن شعبة، وأخرجه في "باب من خص أخاه بالدعاء" من رواية سعيد بن الربيع عن شعبة عن قتادة قال: "سمعت أنسا قال قالت أم سليم" وظاهره أنه من مسند أنس وهو في الباب الذي يلي هذا كذلك، وكذا تقدم في "باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر" من طريق حرمي بن عمارة عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: "قالت أمي" وكذا أخرجه مسلم من رواية أبي داود الطيالسي والإسماعيلي من رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة. وهذا الاختلاف لا يضر فإن أنسا حضر ذلك بدليل ما أخرجه مسلم من رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس قال: "جاءت بي أمي أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هذا ابني أنس يخدمك، فادع الله له، فقال: اللهم أكثر ماله وولده" وأما رواية هشام بن زيد المعطوفة هنا فإنها معطوفة على رواية قتادة، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية حجاج بن محمد عن شعبة عن قتادة وهشام بن زيد جميعا عن أنس، وكذا صنيع مسلم حيث أخرجه من رواية أبي داود عن شعبة. "تنبيه": ذكر الكرماني أنه وقع هنا "وعن هشام بن عروة قال" والأول هو الصحيح. قوله: "أنها قالت يا رسول الله أنس

(11/182)


خادمك ادع الله له" تقدم لهذا الحديث مبدأ من رواية حميد عن أنس في كتاب الصيام في "باب من زار قوما فلم يفطر عندهم" وقد بسطت شرحه هناك بما يغني عن إعادته، وذكرت طرفا منه قريبا في "باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر".

(11/183)


باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة
6380-6381- حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع حدثنا شعبة عن قتادة "قال سمعت أنسا رضي الله عنه قال قالت أم سليم: أنس خادمك ادع الله له قال اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته"
قوله: "باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة" تقدم شرحه في الذي قبله، وتقدم الحديث سندا ومتنا في باب قول الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} ومن خص أخاه بالدعاء

(11/183)


48- باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الِاسْتِخَارَةِ
6382- حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُصْعَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ "عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَالسُّورَةِ مِنْ الْقُرْآنِ إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَمُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ"
قوله: "باب الدعاء عند الاستخارة" هي استفعال من الخير أو من الخيرة بكسر أوله وفتح ثانيه بوزن العنبة، اسم من قولك خار الله له، واستخار الله طلب منه الخيرة، وخار الله له أعطاه ما هو خير له، والمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما. قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال" بفتح الميم وتخفيف الواو جمع مولى، واسمه زيد، ويقال زيد جد عبد الرحمن وأبوه لا يعرف اسمه، وعبد الرحمن من ثقات المدنيين، وكان ينسب إلى ولاء آل علي بن أبي طالب، وخرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن في زمن المنصور، فلما قتل محمد حبس عبد الرحمن المذكور بعد أن ضرب. وقد وثقه ابن المعين وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، وذكره ابن عدي في "الكامل" في الضعفاء، وأسند عن أحمد بن حنبل أنه قال: كان محبوسا في المطبق حين هزم هؤلاء يعني بني حسن، قال: وروي عن محمد بن المنكدر حديث الاستخارة وليس أحد يرويه غيره، وهو منكر، وأهل المدينة إذا كان حديث غلطا يقولون: ابن المنكدر عن جابر، كما أن أهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس يحملون

(11/183)


49 - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الْوُضُوءِ
6383- حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله عن أبي بردة "عن أبي موسى قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه فقال اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس"
قوله: "باب الدعاء عند الوضوء" ذكر فيه حديث أبي موسى قال: "دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ به، ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر" الحديث، ذكره مختصرا، وقد تقدم بطوله في المغازي في "باب غزوة أوطاس".

(11/187)


50 - باب الدُّعَاءِ إِذَا عَلاَ عَقَبَةً
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ "عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا
فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ أَوْ قَالَ أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ"

(11/187)


51 - باب الدُّعَاءِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًا. فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ رضي الله عنه
قوله: "باب الدعاء إذا هبط واديا فيه حديث جابر" كذا ثبت عند المستملي والكشميهني وسقط لغيرهما، والمراد بحديث جابر ما تقدم في الجهاد وفي "باب التسبيح إذا هبط واديا" من حديثه بلفظ: "كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا".وقال بعده "باب التكبير إذا علا شرفا" وأورد فيه حديث جابر أيضا لكن بلفظ: "وإذا تصوبنا" بدل "نزلنا" والتصويب الانحدار وقد ورد بلفظ: "هبطنا" في هذا الحديث عند النسائي وابن خزيمة وأشرت إلى شرحه هناك، ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء، فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء فيكبره ليشكر له ذلك فيزيده من فضله، ومناسبة التسبيح عند الهبوط لكون المكان المنخفض محل ضيق فيشرع فيه التسبيح لأنه من أسباب الفرج، كما وقع في قصة يونس عليه السلام حين سبح في الظلمات فنجى من الغم

(11/188)


52 - باب الدُّعَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ رَجَعَ. فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ
6385- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الأَرْضِ ثَلاَثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ"

(11/188)


53 - باب الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ
6386- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ مَهْيَمْ أَوْ مَهْ قَالَ قَالَ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ"
6387- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو "عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ ثَيِّبًا قَالَ هَلاَ جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ أَوْ تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ قُلْتُ هَلَكَ أَبِي فَتَرَكَ سَبْعَ أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ فَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقُلْ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرٍو بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ"
قوله: "باب الدعاء للمتزوج" فيه حديث أنس في تزويج عبد الرحمن بن عوف وحديث جابر في تزويجه الثيب. حديث أنس في تزويج عبد الرحمن بن عوف، وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب النكاح، والمراد هنا قوله: "بارك الله لك" وقوله: "فقال مهيم أو مه" شك من الراوي، والمعتمد ما في الرواية المتقدمة وهو الجزم بالأول ومعناه ما حالك، ومه في هذه الرواية استفهامية انقلبت الألف هاء. حديث جابر في تزويجه الثيب وفيه: "هلا جارية تلاعبها" وقد تقدم شرحه في النكاح، والمراد منه قوله فيه: "بارك الله عليك" وقوله فيه: "تزوجت يا جابر قلت نعم، قال بكرا أم ثيبا" انتصب على حذف فعل تقديره أتزوجت، وقوله في الجواب "قلت ثيب" بالرفع على أن التقدير مثلا التي تزوجتها ثيب، قيل وكان الأحسن النصب على نسق الأول أي تزوجت ثيبا. قلت: ولا يمتنع أن يكون منصوبا فكتب بغير ألف على تلك اللغة، وقوله فيه: "أو

(11/190)


تضاحكها" شك من الراوي "وهو يعين أحد الاحتمالين في تلاعبها هل من اللعب أو من اللعاب "وقد تقدم بيانه عند شرحه. قوله: "لم يقل ابن عيينة ومحمد بن مسلم عن عمرو بارك الله عليك" أما رواية سفيان بن عيينة فتقدمت موصولة في المغازي وفي النفقات من طريقه، وأما رواية محمد بن مسلم وهو الطائفي فتقدم الكلام عليها في المغازي، ومناسبة قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن "بارك الله لك" ولجابر "بارك الله عليك" أن المراد بالأول اختصاصه بالبركة في زوجته وبالثاني شمول البركة له في جودة عقله حيث قدم مصلحة أخواته على حظ نفسه فعدل لأجلهن عن تزوج البكر مع كونها أرفع رتبة للمتزوج الشاب من الثيب غالبا.

(11/191)


54- - باب مَا يَقُولُ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ
6388- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا"
قوله: "باب ما يقول إذا أتى أهله" ذكر فيه حديث ابن عباس، وفي لفظه ما يقتضي أن القول المذكور يشرع عند إرادة الجماع فيرفع احتمال ظاهر الحديث أنه يشرع عند الشروع في الجماع. حديث ابن عباس، وفي لفظه ما يقتضي أن القول المذكور يشرع عند إرادة الجماع فيرفع احتمال ظاهر الحديث أنه يشرع عند الشروع في الجماع، وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب النكاح. وقوله: "لم يضره شيطان أبدا" أي لم يضر الولد المذكور بحيث يتمكن من إضراره في دينه أو بدنه، وليس المراد رفع الوسوسة من أصلها.

(11/191)


55 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً
6389- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ "عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ربنا آتنا في الدنيا حسنة" كذا ذكره بلفظ الآية. الحديث من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس بلفظ: "كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم آتنا إلى آخر الآية" وقد أورده في تفسير البقرة عن أبي معمر عن عبد الوارث بسنده هذا ولكن لفظه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول" وللباقي مثله وأخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن علية عن عبد العزيز قال: "سأل قتادة أنسا أي دعوة كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم أكثر؟ قال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة إلى آخره. قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها" وهذا الحديث سمعه شعبة من إسماعيل بن علية عن عبد العزيز عن أنس مختصرا رواه عنه يحيى بن أبي بكير قال فلقيت إسماعيل فحدثني به فذكره كما عند مسلم، وأورده مسلم من طريق شعبة عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} الآية. وهذا مطابق للترجمة. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي نعيم حدثنا عبد السلام أبو طالوت "كنت عند أنس فقال له ثابت: إن إخوانك يسألونك أن تدعو لهم، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فذكر القصة وفيها: إذا آتاكم الله ذلك فقد آتاكم الخير كله" قال

(11/191)


56 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا
6390- حدثنا فروة بن أبي المغراء حدثنا عبيدة بن حميد عن عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص "عن أبيه رضي الله عنه قال ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تعلم الكتابة اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن نرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر"
قوله: "باب التعوذ من فتنة الدنيا" تقدمت هذه الترجمة ضمن ترجمة وذلك قبل اثنى عشر بابا، وتقدم شرح الحديث أيضا.

(11/192)


57 - باب تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ
6391- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْذِرٍ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ

(11/192)


58 - باب الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلاَةِ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ}
6392- حَدَّثَنَا ابْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ "سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الأَحْزَابِ فَقَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الأَحْزَابَ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ"
6393- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلاَةِ الْعِشَاءِ قَنَتَ اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي

(11/193)


رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ"
6394- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ عَاصِمٍ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ فَأُصِيبُوا فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ عَلَى شَيْءٍ مَا وَجَدَ عَلَيْهِمْ فَقَنَتَ شَهْرًا فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ وَيَقُولُ إِنَّ عُصَيَّةَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ"
6395- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ الْيَهُودُ يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ السَّامُ عَلَيْكَ فَفَطِنَتْ عَائِشَةُ إِلَى قَوْلِهِمْ فَقَالَتْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا يَقُولُونَ قَالَ أَوَلَمْ تَسْمَعِي أَنِّي أَرُدُّ ذَلِكِ عَلَيْهِمْ فَأَقُولُ وَعَلَيْكُمْ"
6396- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ مَلاَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَهِيَ صَلاَةُ الْعَصْرِ"
قوله: "باب الدعاء على المشركين" كذا أطلق هنا، وقيده في الجهاد بالهزيمة والزلزلة وذكر فيه أحاديث: الأول قوله: "وقال ابن مسعود: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" وهذا طرف من حديث تقدم موصولا في كتاب الاستسقاء وتقدم شرحه هناك. الثاني قوله: "وقال: اللهم عليك بأبي جهل" أي بإهلاكه، وسقط هذا التعليق من رواية أبي زيد، وهو طرف من حديث لابن مسعود أيضا في قصة سلي الجزور التي ألقاها أشقى القوم على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم موصولا في الطهارة، وهو رابع الأحاديث المذكورة في الترجمة التي أشرت إليها آنفا في كتاب الجهاد. الثالث قوله: "وقال ابن عمر: دعا النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وقال: اللهم العن فلانا وفلانا، حتى أنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} هذا أيضا طرف من حديث تقدم موصولا في غزوة أحد وفي تفسير آل عمران وتقدم شرحه وتسمية من أبهم من المدعو عليهم. قوله: "حدثنا ابن سلام" هو محمد بن أبي خالد اسمه إسماعيل وابن أبي أوفى هو عبد الله. قوله: "على الأحزاب" تقدم المراد به قريبا، وسريع الحساب أي سريع فيه أو المعنى أن مجيء الحساب سريع، وتقدم شرح الحديث مستوفى في "باب لا تتمنوا لقاء العدو" من كتاب الجهاد. حديث أبي هريرة في الدعاء في القنوت للمستضعفين من المسلمين، وفيه: "اللهم اشدد وطأتك على مضر" أي خذهم بشدة، وأصلها من الوطء بالقدم والمراد الإهلاك، لأن من يطأ على الشيء برجله فقد استقصى في هلاكه والمراد بمضر القبيلة المشهورة التي منها جميع بطون قيس وقريش وغيرهم، وهو على حذف مضاف أي كفار مضر، وقد تقدم في الجهاد أنه يشرح في المغازي فلم يتهيأ ذلك فشرح في تفسير سورة النساء، وقوله فيه: "اللهم أنج

(11/194)


سلمة ابن هشام" نقل ابن التين عن الداودي أنه قال: هو عم أبي جهل، قال: فعلى هذا فاسم أبي جهل هشام واسم جده هشام. قلت: وهو خطأ من عدة أوجه فإن اسم أبي جهل عمرو واسم أبيه هشام، وسلمة أخوه بلا خلاف بين أهل الإخبار في ذلك، فلعله كان فيه: "قاسم أبي أبي جهل" فيستقيم، لكن قوله وسلمة عم أبي جهل خطأ فيرجع الخطأ. حديث أنس "بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية يقال لهم القراء" الحديث، وقد تقدم شرحه في غزوة بئر معونة من كتاب المغازي، وقوله: "وجد" من الوجد بفتح ثم سكون أي حزن. حديث عائشة "كانت اليهود يسلمون"، وقد تقدم شرحه في كتاب الاستئذان. حديث علي "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق" الحديث وفيه: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا" وقد تقدم شرحه في تفسير سورة البقرة، وأشرت إلى اختلاف العلماء في الصلاة الوسطى وبلغته إلى عشرين قولا. وقد تعسف أبو الحسن بن القصار في تأويله فقال: إنما تسمية العصر وسطى يختص بذلك اليوم لأنهم شغلوا عن الظهر والعصر والمغرب فكانت العصر بالنسبة إلى الثلاثة التي شغلوا عنها وسطى، لا أن المراد بالوسطى تفسير ما وقع في سورة البقرة. قلت: وقوله في هذه الرواية: "وهي صلاة العصر" جزم الكرماني بأنه مدرج في الخير من قول بعض رواته، وفيه نظر، فقد تقدم في الجهاد من رواية عيسى بن يونس وفي المغازي من رواية روح بن عبادة وفي التفسير من رواية يزيد بن هارون ومن رواية يحيى بن سعيد كلهم عن هشام ولم يقع عنده ذكر صلاة العصر عن أحد منهم، إلا أنه وقع في المغازي "إلى أن غابت الشمس" وهو مشعر بأنها العصر، وأخرجه مسلم من رواية أبي أسامة ومن رواية المعتمر بن سليمان ومن رواية يحيى بن سعيد ثلاثتهم عن هشام كذلك ولكن بلفظ: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" وكذا أخرجه من طريق شتير بن شكل عن علي ومن طريق مرة عن عبد الله بن مسعود مثله سواء، وأصرح من ذلك ما أخرجه من حديث حذيفة مرفوعا: "شغلونا عن صلاة العصر" وهو ظاهر في أنه من نفس الحديث، وقوله في السند "حدثنا الأنصاري" يريد محمد بن عبد الله بن المثنى القاضي وهو من شيوخ البخاري، ولكن ربما أخرج عنه بواسطة كالذي هنا، وقوله: "حدثنا هشام بن حسنان" يرجح قول من قال في الرواية التي مضت في الجهاد من طريق عيسى بن يونس "حدثنا هشام" أنه ابن حسان، وقد كنت ظننت أنه الدستوائي ورددت على الأصيلي حيث جزم بأنه ابن حسان ثم نقل تضعيف هشام بن حسان يروم رد الحديث فتعقبته هناك، ثم وقفت على هذه الرواية فرجعت عما ظننته، لكن أجيب الآن عن تضعيفه لهشام بأن هشام بن حسان وإن تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه لكن لم يضعفه بذلك أحد مطلقا بل بقيد بعض شيوخه، واتفقوا على أنه ثبت في الشيخ الذي حدث عنه بحديث الباب وهو محمد بن سيرين، قال سعيد بن أبي عروبة: ما كان أحد أحفظ عن ابن سيرين من هشام. وقال يحيى القطان: هشام بن حسان ثقة في محمد بن سيرين. وقال أيضا: هو أحب إلي في ابن سيرين من عاصم الأحوال وخالد الحذاء. وقال علي بن المديني: كان يحيى القطان يضعف حديث هشام بن حسان عن عطاء وكان أصحابنا يثبتونه، قال: وأما حديثه عن محمد بن سيرين فصحيح. وقال يحيى بن معين: كان ينفي حديثه عن عطاء وعن عكرمة وعن الحسن. قلت: قد قال أحمد ما يكاد ينكر عليه شيء إلا ووجدت غيره قد حدث به، إما أيوب وإما عوف. وقال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة، ولم أر فيها شيئا منكرا انتهى. وليس له في الصحيحين عن عطاء شيء، وله في

(11/195)


البخاري شيء يسير عن عكرمة وتوبع عليه، والله أعلم.

(11/196)


59 - باب الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ
6397- حدثنا علي حدثنا سفيان حدثنا أبو الزناد عن الأعرج "عن أبي هريرة رضي الله عنه ثم قدم الطفيل بن عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليها فظن الناس أنه يدعو عليهم فقال اللهم اهد دوسا وأت بهم"
قوله: "باب الدعاء للمشركين" تقدمت هذه الترجمة وحديث أبي هريرة فيها في كتاب الجهاد، لكن زاد: "بالهدي ليتألفهم" وقد تقدم شرحه هناك، وذكرت وجه الجمع بين الترجمتين: والدعاء على المشركين والدعاء للمشركين وأنه باعتبارين، وحكى ابن بطال أن الدعاء للمشركين ناسخ للدعاء على المشركين ودليله قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} قال: والأكثر على أن لا نسخ، وأن الدعاء على المشركين جائز، وإنما النهي عن ذلك في حق من يرجى تألفهم ودخولهم في الإسلام، ويحتمل في التوفيق بينهما أن الجواز حيث يكون في الدعاء ما يقتضي زجرهم عن تماديهم على الكفر، والمنع حيث يقع الدعاء عليهم بالهلاك على كفرهم، والتقييد بالهداية يرشد إلى أن المراد بالمغفرة في قوله في الحديث الآخر "اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" العفو عما جنوه عليه في نفسه لا محو ذنوبهم كلها لأن ذنب الكفر لا يمحى، أو المراد بقوله: "اغفر لهم" اهدهم إلى الإسلام الذي تصح معه المغفرة، أو المعنى اغفر لهم إن أسلموا، والله أعلم.

(11/196)


60 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ
6398- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى "عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ وَحَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ"
[الحديث 6398- طرفه في: 6399]
6399- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى وَأَبِي بُرْدَةَ أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ "عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وَخَطَايَايَ

(11/196)


61 - باب الدُّعَاءِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ
6400- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلاَّ أَعْطَاهُ وَقَالَ بِيَدِهِ قُلْنَا يُقَلِّلُهَا يُزَهِّدُهَا"
قوله: "باب الدعاء في الساعة التي في يوم الجمعة" أي التي ترجى فيها إجابة الدعاء.وقد ترجم في كتاب الجمعة "باب الساعة التي في يوم الجمعة" ولم يذكر في البابين شيئا يشعر بتعيينها. وقد اختلف في ذلك كثيرا، واقتصر الخطابي منها على وجهين: أحدهما أنها ساعة الصلاة، والآخر أنها ساعة من النهار عند دنو الشمس للغروب، وتقدم سياق الحديث في كتاب الجمعة من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها" وقد ذكرت شرحه هناك، واستوعبت الخلاف الوارد في الساعة المذكورة فزاد على الأربعين قولا، واتفق لي نظير ذلك ليلة القدر. وقد ظفرت بحديث يظهر منه وجه المناسبة بينهما في العدد المذكور، وهو ما أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة من طريق سعيد بن الحارث عن أبي سلمة قال: "قلت يا أبا سعيد إن أبا هريرة حدثنا عن الساعة التي في الجمعة فقال: سألت عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني كنت أعلمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر". وفي هذا الحديث إشارة إلى أن كل رواية جاء فيها تعيين وقت الساعة المذكورة مرفوعا وهم، والله أعلم. قوله: "يسأل الله خيرا" يقيد قوله في رواية الأعرج "شيئا" وأن الفضل المذكور لمن يسأل الخير، فيخرج الشر مثل الدعاء بالإثم وقطيعة الرحم ونحو ذلك. وقوله: "وقال بيده" فيه إطلاق القول على الفعل، وقد وقع في رواية الأعرج "وأشار بيده". قوله: "قلنا يقللها يزهدها" يحتمل أن يكون قوله يزهدها وقع تأكيدا لقوله يقللها، وإلى ذلك أشار الخطابي. ويحتمل أن يكون قال أحد اللفظين فجمعهما الراوي. ثم وجدته عند الإسماعيلي من رواية أبي خيثمة زهير بن حرب "يقللها ويزهدها" فجمع بينهما، وهو عطف تأكيد. وقد أخرجه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل شيخ مسدد فيه فلم يقع عنده "قلنا" ولفظه:" وقال بيده يقللها يزهدها" وأخرجه أبو عوانة عن الزعفراني عن إسماعيل بلفظ:" وقال بيده هكذا فقلنا يزهدها أو يقللها" وهذه أوضح الروايات والله أعلم.

(11/199)


62 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْتَجَابُ لَنَا فِي الْيَهُودِ وَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا
6401- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ "عَنْ عَائِشَةَ

(11/199)


63 - باب التَّأْمِينِ
6402- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"
قوله: "باب التأمين" يعني قول "آمين" عقب الدعاء.حديث أبي هريرة "إذا أمن القارئ فأمنوا" وقد تقدم شرحه في كتاب الصلاة، والمراد بالقارئ هنا الإمام إذا قرأ في الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد بالقارئ أعم من ذلك. وورد في التأمين مطلقا أحاديث منها حديث عائشة مرفوعا: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين" رواه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة، وأخرجه ابن ماجه أيضا من حديث ابن عباس بلفظ: "ما حسدتكم على آمين، فأكثروا من قول آمين" وأخرج الحاكم "عن حبيب بن مسلمة الفهري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم إلا أجابهم الله تعالى" ولأبي داود من حديث أبي زهير النميري قال: "وقف النبي صلى الله عليه وسلم على رجل قد ألح في الدعاء فقال: أوجب إن ختم، فقال: بأي شيء؟ قال بآمين. فأتاه الرجل فقال: يا فلان اختم بآمين وأبشر" وكان أبو زهير يقول: آمين مثل الطابع على الصحيفة. وقد ذكرت في "باب جهر الإمام بالتأمين" في كتاب الصلاة. ما في آمين من اللغات واختلاف في معناها فأغنى عن الإعادة.

(11/200)


64 - باب فَضْلِ التَّهْلِيلِ

(11/200)


65 - باب فَضْلِ التَّسْبِيحِ
6405- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ"
6406- حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ"
[الحديث 6406- طرفاه في 6682، 7563]
قوله: "باب فضل التسبيح" يعني قول سبحان الله، ومعناه تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل. ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به صلاة النافلة. وأما صلاة التسبيح فسميت بذلك لكثرة التسبيح فيها. وسبحان اسم منصوب على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف تقديره سبحت الله سبحانا، كسبحت الله تسبيحة ولا يستعمل غالبا إلا مضافا، وهو مضاف إلى المفعول أي سبحت الله، ويجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل أي نزه الله نفسه والمشهور الأول، وقد جاء غير مضاف في الشعر كقوله: سبحانه ثم سبحانا أنزهه. قوله: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" زاد في رواية سهيل بن أبي صالح عن سمي عن أبي صالح "من قال حين يمسي وحين يصبح" ويأتي في ذلك ما ذكره النووي من أن الأفضل أن يقول ذلك متواليا في أول النهار وفي أول الليل، والمراد بقوله: "وإن كانت مثل زبد البحر" الكناية عن المبالغة في الكثرة، قال عياض قوله: "حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" مع قوله في التهليل "محيت عنه مائة سيئة" قد يشعر بأفضلية التسبيح على التهليل، يعني لأن عدد زبد البحر أضعاف

(11/206)


أضعاف المائة، لكن تقدم في التهليل "ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به" فيحتمل أن يجمع بينهما بأن يكون التهليل أفضل وأنه بما زيد من رفع الدرجات وكتب الحسنات ثم ما جعل مع ذلك من فضل عتق الرقاب قد يزيد على فضل التسبيح وتكفيره جميع الخطايا لأنه قد جاء "من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار" فحصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا عموما بعد حصر ما عدد منها خصوصا مع زيادة مائة درجة وما زاده عتق الرقاب الزيادة على الواحدة، ويؤيده الحديث الآخر "أفضل الذكر التهليل" وأنه أفضل ما قاله والنبيون من قبله وهو كلمة التوحيد والإخلاص، وقيل إنه اسم الله الأعظم، وقد مضى شرح التسبيح وإنه التنزيه عما لا يليق بالله تعالى وجميع ذلك داخل في ضمن "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" انتهى ملخصا. قلت: وحديث: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" أخرجه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث جابر، ويعارضه في الظاهر حديث أبي ذر "قلت يا رسول الله أخبرني بأحب الكلام إلى الله، قال: إن أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده" أخرجه مسلم. وفي رواية: "سئل أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفاه الله لملائكته: سبحان الله وبحمده" وقال الطيبي في الكلام على حديث أبي ذر: فيه تلميح بقوله تعالى حكاية عن الملائكة {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} ويمكن أن يكون قوله: "سبحان الله وبحمده" مختصرا من الكلمات الأربع وهي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لأن "سبحان الله" تنزيه له عما لا يليق بجلاله وتقديس لصفاته من النقائص. فيندرج فيه معنى لا إله إلا الله، وقوله: "وبحمده" صريح في معنى والحمد لله لأن الإضافة فيه بمعنى اللام في الحمد، ويستلزم ذلك معنى الله أكبر لأنه إذا كان كل الفضل والأفضال لله ومن الله وليس من غيره شيء من ذلك فلا يكون أحد أكبر منه، ومع ذلك كله فلا يلزم أن يكون التسبيح أفضل من التهليل لأن التهليل صريح في التوحيد والتسبيح متضمن له، ولأن نفي الآلهة في قول "لا إله" نفي لمضمنها من فعل الخلق والرزق والإثابة والعقوبة، وقول "إلا الله" إثبات لذلك، ويلزم منه نفي ما يضاده ويخالفه من النقائص، فمنطوق سبحان الله تنزيه ومفهومه توحيد ومنطوق لا إله إلا الله توحيد ومفهومه تنزيه، يعني فيكون لا إله إلا الله أفضل لأن التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه والله أعلم. وقد جمع القرطبي بما حاصله: إن هذه الأذكار إذا أطلق على بعضها أنه أفضل الكلام أو أحبه إلى الله فالمراد إذا انضمت إلى أخواتها، بدليل حديث سمرة عند مسلم: "أحب الكلام إلى الله أربع لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" ويحتمل أن يكتفي في ذلك بالمعنى فيكون من اقتصر على بعضها كفى، لأن حاصلها التعظيم والتنزيه، ومن نزهه فقد عظمه ومن عظمه فقد نزهه، انتهى. وقال النووي: هذا الإطلاق في الأفضلية محمول على كلام الآدمي، وإلا فالقرآن أفضل الذكر. وقال البيضاوي: الظاهر أن المراد من الكلام كلام البشر، فإن للثلاث الأول وإن وجدت في القرآن لكن الرابعة لم توجد فيه، ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه. قلت ويحتمل أن يجمع بأن تكون "من" مضمرة في قوله: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وفي قوله: "أحب الكلام" بناء على أن لفظ أفضل وأحب متساويان في المعنى، لكن يظهر مع ذلك تفضيل لا إله إلا الله لأنها ذكرت بالتنصيص عليها بالأفضلية الصريحة وذكرت مع أخواتها بالأحبية فحصل لها التفضيل تنصيصا وانضماما والله أعلم. وأخرج الطبري من رواية عبد الله بن باباة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "إن الرجل إذا قال لا إله إلا الله فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله عملا حتى يقولها،

(11/207)


وإذا قال الحمد لله فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد حتى يقولها" ومن طريق الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: "من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين". "تكميل": أخرج النسائي بسند صحيح عن أبي سعيد "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال موسى يا رب علمني شيئا أذكرك به، قال: قل لا إله إلا الله" الحديث وفيه: "لو أن السماوات السبع وعامرهن والأرضين السبع جعلن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله" فيؤخذ منه أن الذكر بلا إله إلا الله أرجح من الذكر بالحمد لله، ولا يعارضه حديث أبي مالك الأشعري رفعه: "والحمد لله تملأ الميزان" فإن الملء يدل على المساواة والرجحان صريح في الزيادة فيكون أولى، ومعنى "ملء الميزان" أن ذاكرها يمتلئ ميزانه ثوابا. وذكر ابن بطال عن بعض العلماء أن الفضل الوارد في حديث الباب وما شابهه إنما هو لأهل الفضل في الدين والطهارة من الجرائم العظام، وليس من أصر على شهواته وانتهك دين الله وحرماته بلا حق بالأفاضل المطهرين في ذلك.ويشهد له قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} .قوله: "حدثنا ابن فضيل" هو محمد، وأبوه بالفاء والمعجمة مصغر، وعمارة هو ابن القعقاع بن شبرمة، وأبو زرعة هو ابن عمرو بن جرير، ورجال الإسناد ما بين زهير بن حرب وأبي هريرة كوفيون. قوله: "خفيفتان على اللسان إلخ" قال الطيبي الخفة مستعارة للسهولة، شبه سهولة جريان هذا الكلام على اللسان بما يخف على الحامل من بعض المحمولات فلا يشق عليه، فذكر المشبه وأراد المشبه به، وأما الثقل فعلى حقيقته لأن الأعمال تتجسم عند الميزان، والخفة والسهولة من الأمور النسبية. وفي الحديث حث على المواظبة على هذا الذكر وتحريض على ملازمته، لأن جميع التكاليف شاقة على النفس. وهذا سهل ومع ذلك يثقل في الميزان كما تثقل الأفعال الشاقة فلا ينبغي التفريط فيه. وقوله: "حبيبتان إلى الرحمن" ثنية حبيبة وهي المحبوبة، والمراد أن قائلها محبوب لله، ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير له والتكريم، وخص الرحمن من الأسماء الحسنى للتنبيه على سعة رحمة الله، حيث يجازى على العمل القليل بالثواب الجزيل، ولما فيها من التنزيه والتحميد والتعظيم، وفي الحديث جواز السجع في الدعاء إذا وقع بغير كلفة، وسيأتي بقية شرح هذا الحديث في آخر الصحيح حيث ختم به المصنف إن شاء الله تعالى

(11/208)


66 - باب فَضْلِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
6407- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ "عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ"
6408- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ

(11/208)


فَيَقُولُونَ لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ فِيهِمْ فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "باب فصل ذكر الله عز وجل" ذكر فيه حديثي أبي موسى وأبي هريرة وهما ظاهران فيما ترجم له، والمراد بالذكر هنا الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات وهي "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، ويطلق ذكر الله أيضا ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة، ثم الذكر يقع تارة باللسان ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضاره لمعناه ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه، وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالا، فإن وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالا، فإن صحيح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال. وقال الفخر الرازي: المراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكر بالقلب التفكر في أدلة الذات والصفات وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتى يطلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله. والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة في الطاعات، ومن ثم سمى الله الصلاة ذكرا فقال: "فاسعوا إلى ذكر الله" ونقل عن بعض العارفين قال: الذكر على سبعة أنحاء: فذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم والرضاء. وورد في فضل الذكر أحاديث أخرى منها ما أخرجه المصنف في أواخر كتاب التوحيد عن أبي هريرة "قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" الحديث. ومنها ما أخرجه في صلاة الليل من حديث أبي هريرة أيضا رفعه: "يعقد الشيطان" الحديث وفيه: "فإن قام فذكر الله انحلت عقدة" ومنها ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعا: "لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة" الحديث. ومن حديث أبي ذر رفعه: "أحب الكلام إلى الله ما اصطفى لملائكته: سبحان ربي وبحمده" الحديث. ومن حديث معاوية رفعه أنه قال لجماعة جلسوا يذكرون الله تعالى "أتاني جبريل فأخبرني

(11/209)


أن الله يباهي بكم الملائكة". ومن حديث سمرة رفعه: "أحب الكلام إلى الله أربع: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله لا يضرك بأيهن بدأت" ومن حديث أبي هريرة رفعه: "لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" وأخرج الترمذي والنسائي وصححه الحاكم عن الحارث بن الحارث الأشعري حديث طويل وفيه: "فآمركم أن تذكروا الله، وإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين أحرز نفسه منهم، فكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى" . وعن عبد الله بن بسر "أن رجلا قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي. فأخبرني بشيء أتشبث به. قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله" أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم. وأخرج ابن حبان نحوه أيضا من حديث معاذ بن جبل وفيه أنه السائل عن ذلك. وأخرج الترمذي من حديث أنس رفعه: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر" وأخرج الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعا: "ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله عز وجل" وقد أشرت إليه مستشكلا في أوائل الجهاد مع ما ورد في فضل المجاهد أنه كالصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر وغير ذلك مما يدل على أفضليته على غيره من الأعمال الصالحة، وطريق الجمع - والله أعلم - أن المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء الذكر الكامل وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلا من غير استحضار لذلك. وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له أنه جمع ذلك كمن يذكر الله بلسانه وقلبه واستحضاره، وكل ذلك حال صلاته أو في صيامه أو تصدقه. أو قتاله الكفار مثلا فهو الذي بلغ الغاية القصوى، والعلم عند الله تعالى. وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي بأنه ما من عمل صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه، فمن لم يذكر الله بقلبه عند صدقته أو صيامه مثلا فليس عمله كاملا، فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية. ويشير إلى ذلك حديث: "نية المؤمن أبلغ من عمله". قوله: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت" سقط لفظ: "ربه" الثانية من رواية غير أبي ذر، هكذا وقع في جميع نسخ البخاري، وقد أخرجه مسلم عن أبي كريب وهو محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه بسنده المذكور بلفظ: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت "وكذا أخرجه الإسماعيلي وابن حبان صحيحه جميعا عن أبي يعلى عن أبي كريب، وكذا أخرجه أبو عوانة عن أحمد بن عبد الحميد والإسماعيلي أيضا عن الحسن بن سفيان عن عبد الله بن براد، وعن القاسم ابن زكريا عن يوسف بن موسى وإبراهيم بن سعيد الجوهري وموسى بن عبد الرحمن المسروقي والقاسم بن دينار كلهم عن أبي أسامة، فتوارد هؤلاء على هذا اللفظ يدل على أنه هو الذي حدث به بريد بن عبد الله شيخ أبي أسامة، وانفراد البخاري باللفظ المذكور دون بقية أصحاب أبي كريب وأصحاب أبي أسامة يشعر بأنه رواه من حفظه أو تجوز في روايته بالمعنى الذي وقع له وهو أن الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا السكن وإن إطلاق الحي والميت في وصف البيت إنما يراد به ساكن البيت فشبه الذاكر بالحي الذي ظاهره متزين بنور الحياة وباطنه بنور المعرفة

(11/210)


وغير الذاكر بالبيت الذي ظاهره عاطل وباطنه باطل؛ وقيل موقع التشبيه بالحي والميت لما في الحي من النفع لمن يواليه والضر لمن يعاديه وليس ذلك في الميت. قوله: "حدثنا قتيبة" هو ابن سعيد، وصرح بذلك في غير رواية أبي ذر. قوله: "جرير" هو ابن عبد الحميد. قوله: "عن أبي صالح" لم أره من حديث الأعمش إلا بالعنعنة لكن اعتمد البخاري على وصله لكون شعبة رواه عن الأعمش كما سأذكره. فإن شعبة كان لا يحدث عن شيوخه المنسوبين للتدليس إلا بما تحقق أنهم سمعوه. قوله: "عن أبي هريرة" كذا قال جرير، وتابعه الفضيل بن عياض عند ابن حبان وأبو بكر بن عياش عند الإسماعيلي كلاهما عن الأعمش، وأخرجه الترمذي عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش فقال: "عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد" هكذا بالشك للأكثر، وفي نسخة "وعن أبي سعيد" بواو العطف، والأول هو المعتمد، فقد أخرجه أحمد عن أبي معاوية بالشك وقال: شك الأعمش، وكذا قال ابن أبي الدنيا عن إسحاق، بن إسماعيل عن أبي معاوية، وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد وقال شك سليمان يعني الأعمش، قال الترمذي: حسن صحيح، وقد روى عن أبي هريرة من غير هذا الوجه يعني كما تقدم بغير تردد.قوله بعد سياق المتن "رواه شعبة عن الأعمش" يعني بسنده المذكور. قوله: "ولم يرفعه" هكذا وصله أحمد قال حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال بنحوه ولم يرفعه، وهكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية بشر بن خالد عن محمد بن جعفر موقوفا. قوله: "ورواه سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" وصله مسلم وأحمد من طريقه، وسأذكر ما في روايته من فائدة. قوله: "إن لله ملائكة" زاد الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة وابن حبان من طريق إسحاق بن راهويه كلاهما عن جرير "فضلا" وكذا لابن حبان من طريق فضيل بن عياض، وكذا لمسلم من رواية سهيل، قال عياض في "المشارق" ما نصه: في روايتنا عن أكثرهم بسكون الضاد المعجمة وهو الصواب، ورواه العذري والهوزني "فضل" بالضم وبعضهم بضم الضاد، ومعناه زيادة على كتاب الناس هكذا جاء مفسرا في البخاري، قال: وكان هذا الحرف في كتاب ابن عيسى "فضلاء" بضم أوله وفتح الضاد والمد وهو وهم هنا وإن كانت هذه صفتهم عليهم السلام. وقال في "الإكمال" الرواية فيه عند جمهور شيوخنا في مسلم والبخاري بفتح الفاء وسكون الضاد فذكر نحو ما تقدم وزاد: هكذا جاء مفسرا في البخاري في رواية أبي معاوية الضرير. وقال ابن الأثير في "النهاية" فضلا أي زيادة عن الملائكة المرتبين مع الخلائق، ويروي بسكون الضاد وبضمها قال بعضهم والسكون أكثر وأصوب. وقال النووي: ضبطوا فضلا على أوجه أرجحها بضم الفاء والضاد والثاني بضم الفاء وسكون الضاد ورجحه بعضهم وادعى أنها أكثر وأصوب، والثالث بفتح الفاء وسكون الضاد، قال القاضي عياض: هكذا الرواية عند جمهور شيوخنا في البخاري ومسلم، والرابع بضم الفاء والضاد كالأول لكن برفع اللام يعني على أنه خبر إن، والخامس فضلاء بالمد جمع فاضل قال العلماء ومعناه على جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق لا وظيفة لهم إلا حلق الذكر. وقال الطيبي فضلا بضم الفاء وسكون الضاد جمع فاضل كنزل ونازل انتهى، ونسبة عياض هذه اللفظة للبخاري وهم فإنها ليست في صحيح البخاري هنا في جميع الروايات إلا أن تكون خارج الصحيح، ولم يخرج البخاري الحديث المذكور عن أبي معاوية أصلا وإنما أخرجه من طريقه الترمذي، وزاد ابن أبي الدنيا والطبراني رواية جرير فضلا عن كتاب

(11/211)


الناس، ومثله لابن حبان من رواية فضيل ابن عياض وزاد: "سياحين في الأرض" وكذا هو في رواية أبي معاوية عند الترمذي والإسماعيلي عن كتاب الأيدي، ولمسلم من رواية سهيل عن أبيه "سيارة فضلا". قوله: "يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر" في رواية سهيل "يتبعون مجالس الذكر". وفي حديث جابر بن أبي يعلى "إن لله سرايا من الملائكة تقف وتحل بمجالس الذكر في الأرض". قوله: "فإذا وجدوا قوما" في رواية فضيل بن عياض "فإذا رأوا قوما" وفي رواية سهيل "فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر". قوله: "تنادوا" في رواية الإسماعيلي: "يتنادون". قوله: "هلموا إلى حاجتكم" في رواية أبي معاوية "بغيتكم" وقوله: "هلموا" على لغة أهل نجد، وأما أهل الحجاز فيقولون للواحد والاثنين والجمع هلم بلفظ الإفراد، وقد تقدم تقرير ذلك في التفسير.واختلف في أصل هذه الكلمة فقيل هل لك في الأكل أم، أي اقصد، وقيل أصله لم بضم اللام وتشديد الميم وها للتنبيه حذفت ألفها تخفيفا. قوله: "فيحفونهم بأجنحتهم" أي يدنون بأجنحتهم حول الذاكرين، والباء للتعدية وقيل للاستعانة. قوله: "إلى السماء الدنيا" في رواية الكشميهني: "إلى سماء الدنيا" وفي رواية سهيل "قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين سماء الدنيا". قوله: "قال فيسألهم ربهم عز وجل وهو أعلم منهم" في رواية الكشميهني: "بهم" كذا للإسماعيلي، وهي جملة معترضة وردت لرفع التوهم، زاد في رواية سهيل "من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض" وفي رواية الترمذي "فيقول الله: أي شيء تركتم عبادي يصنعون". قوله: "ما يقول عبادي؟ قال: تقول يسبحونك" كذا لأبي ذر بالإفراد فيهما، ولغيره: "قالوا يقولون" ولابن أبي الدنيا "قال يقولون" وزاد سهيل في روايته: "فإذا تفرقوا" أي أهل المجلس "عرجوا" أي الملائكة "وصعدوا إلى السماء". قوله: "يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك" زاد إسحاق وعثمان عن جرير "ويمجدونك" وكذا لابن أبي الدنيا. وفي رواية أبي معاوية "فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك" وفي رواية الإسماعيلي: "قالوا ربنا مررنا بهم وهم يذكرونك إلخ" وفي رواية سهيل "جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك" وفي حديث أنس عند البزار "ويعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم ودنياهم" ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر وأنها التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما وعلى تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وفي دخول قراءة الحديث النبوي ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر، والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما والتلاوة حسب، وإن كانت قراءة الحديث ومدارسة العلم والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى. قوله: "قال فيقول هل رأوني؟ قال فيقولون لا والله ما رأوك" كذا ثبت لفظ الجلالة في جميع نسخ البخاري وكذا في بقية المواضع، وسقط لغيره. قوله: "كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا" زاد أبو ذر في روايته: "وتحميدا" وكذا لابن أبي الدنيا، وزاد في رواية الإسماعيلي: "وأشد لك ذكرا" وفي رواية ابن أبي الدنيا "وأكثر لك تسبيحا".قوله: "قال يقول" في رواية أبي ذر "فيقول". قوله: "فما يسألوني" في رواية أبي معاوية "فأي شيء يطلبون". قوله: "يسألونك الجنة" في رواية سهيل "يسألونك جنتك". قوله: "كانوا أشد عليها حرصا" زاد أبو معاوية في روايته: "عليها" وفي رواية ابن أبي الدنيا "كانوا أشد حرصا

(11/212)


وأشد طلبة وأعظم لها رغبة". قوله: "قال فمم يتعوذون؟ قال يقولون من النار" في رواية أبي معاوية "فمن أي شيء يتعوذون؟ فيقولون من النار" وفي رواية سهيل "قالوا ويستجيرونك. وقال ومم يستجيرونني؟ قالوا من نارك". قوله: "كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة" في رواية أبي معاوية "كانوا أشد منها هربا وأشد منها تعوذا وخوفا" وزاد سهيل في روايته: "قالوا ويستغفرونك" قال فيقول: قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا" وفي حديث أنس "فيقول غشوهم رحمتي".قوله: "يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة" في رواية أبي معاوية "فيقولون إن فيهم فلانا الخطاء لم يردهم إنما جاء لحاجة" وفي رواية سهيل "قال يقولون: رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم" وزاد في روايته: "قال وله قد غفرت". قوله: "هم الجلساء" في رواية أبي معاوية وكذا في رواية سهيل "هم القوم" وفي اللام إشعار بالكمال أي هم القوم كل القوم. قوله: "لا يشقى جليسهم" كذا لأبي ذر، ولغيره: "لا يشقى بهم جليسهم" وللترمذي "لا يشقى لهم جليس" وهذه الجملة مستأنفة لبيان المقتضى لكونهم أهل الكمال، وقد أخرج جعفر في الذكر من طريق أبي الأشهب عن الحسن البصري قال: "بينما قوم يذكرون الله إذ أتاهم رجل فقعد إليهم، قال فنزلت الرحمة ثم ارتفعت، فقالوا ربنا فيهم عبدك فلان، قال غشوهم رحمتي، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين، فلو قيل لسعد بهم جليسهم لكان ذلك في غاية الفضل، لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود. "تنبيه": اختصر أبو زيد المروزي في روايته عن الفربري متن هذا الحديث فساق منه إلى قوله: "هلموا إلى حاجتكم" ثم قال: فذكر الحديث. وفي الحديث فضل مجالس الذكر والذاكرين؛ وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله تعالى به عليهم إكراما لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر. وفيه محبة الملائكة بني آدم واعتناؤهم بهم، وفيه أن السؤال قد يصدر من السائل وهو أعلم بالمسئول عنه من المسئول لإظهار العناية بالمسئول عنه والتنوية بقدره والإعلان بشرف منزلته. وقيل إن في خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر الإشارة إلى قولهم {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فكأنه قيل لهم: انظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح والتقديس مع ما سلط عليهم من الشهوات ووساوس الشيطان، وكيف عالجوا ذلك وضاهوكم في التسبيح والتقديس، وقيل إنه يؤخذ من هذا الحديث أن الذكر الحاصل من بني آدم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة لحصول ذكر الآدميين مع كثرة الشواغل ووجود الصوارف وصدوره في عالم الغيب، بخلاف الملائكة في ذلك كله. وفيه بيان كذب من ادعى من الزنادقة أنه يرى الله تعالى جهرا في دار الدنيا، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رفعه: "واعلموا أنكم لم تروا ربكم حتى تموتوا" . وفيه جواز القسم في الأمر المحقق تأكيدا له وتنويها به. وفيه أن الذي اشتملت عليه الجنة من أنواع الخيرات والنار من أنواع المكروهات فوق ما وصفتا به، وإن الرغبة والطلب من الله والمبالغة في ذلك من أسباب الحصول.

(11/213)


67 - باب قَوْلِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ
6409- حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن أخبرنا عبد الله أخبرنا سليمان التيمي عن أبي عثمان "عن

(11/213)


أبي موسى الأشعري قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في عقبة أو قال في ثنية قال فلما علا عليها رجل نادى فرفع صوته لا إله إلا الله والله أكبر قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته قال فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ثم قال يا أبا موسى أو يا عبد الله ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة قلت بلى قال لا حول ولا قوة إلا بالله"
قوله: "باب قول لا حول ولا قوة إلا بالله" ذكر فيه حديث أبي موسى، وقد تقدم قريبا في "باب الدعاء إذا علا عقبة" ووعدت بشرحه في كتاب القدر، وسيأتي إن شاء الله تعالى.

(11/214)


68 - باب لِلَّهِ مِائَةُ اسْمٍ غَيْرَ وَاحِدٍ
6409- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً " قَالَ لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلاَّ وَاحِدًا لاَ يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ"
قوله: "باب لله مائة اسم غير واحدة" كذا لأبي ذر، ولغيره: "مائة غير واحد" بالتذكير، وكذا اختلف الرواة في هذا في لفظ المتن. قوله: "حفظناه من أبي الزناد" في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان "حدثنا أبو الزناد" وكذا أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريقه. قوله: "رواية" في رواية الحميدي "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولمسلم عن عمرو بن محمد الناقد عن سفيان بهذا السند عن النبي صلى الله عليه وسلم وللمصنف في التوحيد من رواية شعيب "عن أبي الزناد بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" ووقع عند الدار قطني في "غرائب مالك" من رواية عبد الملك بن يحيى ابن بكير عن أبيه عن ابن وهب عن مالك بالسند المذكور "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل: لي تسعة وتسعون اسما". قلت: وهذا الحديث رواه عن الأعرج أيضا موسى بن عقبة عند ابن ماجه من رواية زهير بن محمد عنه وسرد الأسماء، ورواه عن أبي الزناد أيضا شعيب بن أبي حمزة كما مضى في الشروط، ويأتي في التوحيد، وأخرجه الترمذي من رواية الوليد بن مسلم عن شعيب وسرد الأسماء، ومحمد بن عجلان عند أبي عوانة، ومالك عند ابن خزيمة والنسائي، والدار قطني في "غرائب مالك" وقال: صحيح عن مالك وليس في الموطأ قدر ما عند أبي نعيم في طرق الأسماء الحسنى، وعبد الرحمن بن أبي الزناد عند الدار قطني، وأبو عوانة ومحمد ابن إسحاق عند أحمد وابن ماجه، وموسى بن عقبة عند أبي نعيم من رواية حفص بن ميسرة عنه. ورواه عن أبي هريرة أيضا همام بن منبه عند مسلم وأحمد، ومحمد بن سيرين عند مسلم والترمذي والطبراني في الدعاء وجعفر الفريابي في الذكر، وأبو رافع عند الترمذي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن عند أحمد، وابن ماجه وعطاء بن يسار وسعيد المقبري وسعيد بن المسيب وعبد الله بن شقيق ومحمد بن جبير بن مطعم والحسن البصري أخرجها أبو نعيم بأسانيد عنهم كلها ضعيفة، وعراك بن مالك عند البزار لكن شك فيه، ورويناها في "جزء المعالي" وفي "أمالي الجرفي" من طريقه بغير شك، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي هريرة سلمان الفارسي وابن عباس وابن عمر وعلي وكلها عند أبي نعيم أيضا بأسانيد ضعيفة، وحديث علي في "طبقات الصوفية" لأبي

(11/214)


عبد الرحمن السلمي، وحديث ابن عباس وابن عمر معا في الجزء الثالث عشر من "أمالي أبي القاسم بن بشران" وفي "فوائد أبي عمر بن حيوية" انتقاء الدار قطني، هذا جميع ما وقفت عليه من طرقه. وقد أطلق ابن عطية في تفسيره أنه تواتر عن أبي هريرة فقال: في سرد الأسماء نظر، فإن بعضها ليس في القرآن ولا في الحديث الصحيح، ولم يتواتر الحديث من أصله وإن خرج في الصحيح، ولكنه تواتر عن أبي هريرة، كذا قال ولم يتواتر عن أبي هريرة أيضا بل غاية أمره أن يكون مشهورا، ولم يقع في شيء من طرقه سرد الأسماء إلا في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي. وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجه، وهذان الطريقان يرجعان إلى رواية الأعرج، وفيهما اختلاف شديد في سرد الأسماء والزيادة والنقص على ما سأشير إليه. ووقع سرد الأسماء أيضا في طريق ثالثة أخرجها الحاكم في "المستدرك" وجعفر الفريابي في الذكر من طريق عبد العزيز بن الحصين عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة، فمشى كثير منهم على الأول واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم، لأن كثيرا من هذه الأسماء كذلك. وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه. ونقله عبد العزيز النخشبي عن كثير من العلماء، قال الحاكم بعد تخريج الحديث من طريق صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بسياق الأسماء الحسنى، والعلة فيه عندهما تفرد الوليد بن مسلم، قال ولا أعلم خلافا عند أهل الحديث أن الوليد أوثق وأحفظ وأجل وأعلم من بشر بن شعيب وعلي بن عياش وغيرهما من أصحاب شعيب، يشير إلى أن بشرا وعليا وأبا اليمان رووه عن شعيب بدون سياق الأسماء فرواية أبي اليمان عند المصنف، ورواية علي عند النسائي، ورواية بشر عند البيهقي، وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط بل الاختلاف فيه والاضطراب وتدليسه واحتمال الإدراج، قال البيهقي: يحتمل أن يكون التعيين وقع من بعض الرواة في الطريقين معا، ولهذا وقع الاختلاف الشديد بينهما، ولهذا الاحتمال ترك الشيخان تخريج التعيين. وقال الترمذي بعد أن أخرجه من طريق الوليد: هذا حديث غريب حدثنا به غير واحد عن صفوان ولا نعرفه إلا من حديث صفوان وهو ثقة، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا نعلم في شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذه الطريق وقد روي بإسناد أخر عن أبي هريرة فيه ذكر الأسماء وليس له إسناد صحيح انتهى. ولم ينفرد به صفوان فقد أخرجه البيهقي من طريق موسى بن أيوب النصيبي وهو ثقة عن الوليد أيضا، وقد اختلف في سنده على الوليد فأخرجه عثمان الدارمي في "النقض على المريسي" عن هشام بن عمار عن الوليد فقال: عن خليد بن دعلج عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فذكره بدون التعيين، قال الوليد وحدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال: كلها في القرآن "هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" وسرد الأسماء وأخرجه أبو الشيخ ابن حبان من رواية أبي عامر القرشي عن الوليد بن مسلم بسند آخر فقال: حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة، قال زهير: فبلغنا أن غير واحد من أهل العلم قال إن أولها أن تفتتح بلا إله إلا الله وسرد الأسماء وهذه الطريق أخرجها ابن ماجه وابن أبي عاصم والحاكم من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد لكن سرد الأسماء أولا فقال بعد قوله من حفظها دخل الجنة: الله الواحد الصمد إلخ ثم قال بعد أن انتهى العد: قال زهير فبلغنا عن غير واحد من أهل العلم أن أولها يفتتح بلا إله إلا الله

(11/215)


له الأسماء الحسنى. قلت: والوليد بن مسلم أوثق من عبد الملك بن محمد الصنعاني، ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج، وقد تكرر في رواية الوليد عن زهير ثلاثة أسماء وهي "الأحد الصمد الهادي" ووقع بدلها في رواية عبد الملك "المقسط القادر الوالي" وعند الوليد أيضا: "الوالي الرشيد" وعند عبد الملك "الوالي الراشد" وعند الوليد "العادل المنير" وعند عبد الملك "الفاطر القاهر" واتفقا في البقية. وأما رواية الوليد عن شعيب وهي أقرب الطرق إلى الصحة وعليها عول غالب من شرح الأسماء الحسنى فسياقها عند الترمذي، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرءوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور". وقد أخرجه الطبراني عن أبي زرعة الدمشقي عن صفوان بن صالح فخالف في عدة أسماء فقال: "القائم الدائم" بدل "القابض الباسط" و "الشديد" بدل "الرشيد" و "الأعلى المحيط مالك يوم الدين" بدل "الودود المجيد الحكيم" ووقع عند ابن حبان عن الحسن بن سفيان عن صفوان "الرافع" بدل المانع ووقع في صحيح ابن خزيمة في رواية صفوان أيضا مخالفة في بعض الأسماء، قال: "الحاكم" بدل "الحكيم" و "القريب" بدل" الرقيب" و "المولى" بدل "الوالي" و "الأحد" بدل "المغني" ووقع في رواية البيهقي وابن منده من طريق موسى بن أيوب عن الوليد "المغيث" بالمعجمة والمثلثة بدل "المقيت" بالقاف والمثناة، ووقع بين رواية زهير وصفوان المخالفة في ثلاثة وعشرين اسما، فليس في رواية زهير "الفتاح القهار الحكم العدل الحسيب الجليل المحصي المقتدر المقدم المؤخر البر المنتقم المغني النافع الصبور البديع الغفار الحفيظ الكبير الواسع الأحد مالك الملك ذو الجلال والإكرام" وذكر بدلها "الرب الفرد الكافي القاهر المبين بالموحدة الصادق الجميل البادي بالدال القديم البار بتشديد الراء الوفي البرهان الشديد الواقي بالقاف القدير الحافظ العادل المعطي العالم الأحد الأبد الوتر ذو القوة" ووقع في رواية عبد العزيز بن الحصين اختلاف أخر فسقط فيها مما في رواية صفوان من "القهار" إلى تمام خمسة عشر اسما على الولاء، وسقط منها أيضا: "القوي الحليم الماجد القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل المقسط الجامع الضار النافع الوالي الرب" فوقع فيها مما في رواية موسى بن عقبة المذكورة آنفا ثمانية عشر اسما على الولاء، وفيها أيضا: "الحنان المنان الجليل الكفيل المحيط القادر الرفيع الشاكر الأكرم الفاطر الخلاق الفاتح المثيب بالمثلثة ثم الموحدة العلام المولى النصير ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل الإله المدبر بتشديد الموحدة" قال الحاكم: إنما أخرجت رواية عبد العزيز بن الحصين شاهدا لرواية الوليد عن شعبة لأن الأسماء التي زادها على الوليد كلها في القرآن، كذا قال، وليس كذلك، وإنما تؤخذ من القرآن بضرب من التكلف لا أن جميعها ورد فيه بصورة الأسماء. وقد قال الغزالي في "شرح الأسماء" له: لا أعرف أحدا من العلماء عني بطلب أسماء وجمعها سوى رجل من حفاظ المغرب يقال له علي بن حزم فإنه قال: صح عندي قريب من ثمانين اسما يشتمل عليها

(11/216)


كتاب الله والصحاح من الأخبار، فلتطلب البقية من الأخبار الصحيحة.قال الغزالي: وأظنه لم يبلغه الحديث يعني الذي أخرجه الترمذي أو بلغه فاستضعف إسناده، قلت: الثاني هو مراده، فإنه ذكر نحو ذلك في "المحلى" ثم قال: والأحاديث الواردة في سرد الأسماء ضعيفة لا يصح شيء منها أصلا، وجميع ما تتبعته من القرآن ثمانية وستون اسما. فإنه اقتصر على ما ورد فيه بصورة الاسم لا ما يؤخذ من الاشتقاق كالباقي من قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ولا ما ورد مضافا كالبديع من قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وسأبين الأسماء التي اقتصر عليها قريبا. وقد استضعف الحديث أيضا جماعة فقال الداودي: لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عين الأسماء المذكورة. وقال ابن العربي يحتمل أن تكون الأسماء تكملة الحديث المرفوع، ويحتمل أن تكون من جمع بعض الرواة وهو الأظهر عندي. وقال أبو الحسن القابسي: أسماء الله وصفاته لا تعلم إلا بالتوقيف من الكتاب أو السنة أو الإجماع، ولا يدخل فيها القياس ولم يقع في الكتاب ذكر عدد معين، وثبت في السنة أنها تسعة وتسعون، فأخرج بعض الناس من الكتاب تسعة وتسعين اسما، والله أعلم بما أخرج من ذلك، لأن بعضها ليست أسماء يعني صريحة. ونقل الفخر الرازي عن أبي زيد البلخي أنه طعن في حديث الباب فقال: أما الرواية التي لم يسرد فيها الأسماء وهي التي اتفقوا على أنها أقوى من الرواية التي سردت فيها الأسماء فضعيفة من جهة أن الشارع ذكر هذا العدد الخاص ويقول إن من أحصاه دخل الجنة ثم لا يسأله السامعون عن تفصيلها، وقد علمت شدة رغبة الخلق في تحصيل هذا المقصود، فيمتنع أن لا يطالبوه بذلك، ولو طالبوه لبينها لهم ولو بينها لما أغفلوه ولنقل ذلك عنهم. وأما الرواية التي سردت فيها الأسماء فيدل على ضعفها عدم تناسبها في السياق ولا في التوقيف ولا في الاشتقاق، لأنه إن كان المراد الأسماء فقط فغالبها صفات، وإن كان المراد الصفات فالصفات غير متناهية. وأجاب الفخر الرازي عن الأول بجواز أن يكون المراد من عدم تفسيرها أن يستمروا على المواظبة بالدعاء بجميع ما ورد من الأسماء رجاء أن يقعوا على تلك الأسماء المخصوصة، كما أبهمت ساعة الجمعة وليلة القدر والصلاة الوسطى. وعن الثاني بأن سردها إنما وقع بحسب التتبع والاستقراء على الراجح فلم يحصل الاعتناء بالتناسب، وبأن المراد من أحصى هذه الأسماء دخل الجنة بحسب ما وقع الاختلاف في تفسير المراد بالإحصاء فلم يكن القصد حصر الأسماء انتهى. وإذا تقرر رجحان أن سرد الأسماء ليس مرفوعا فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن من غير تقييد بعدد، فروينا في "كتاب المائتين" لأبي عثمان الصابوني بسنده إلى محمد بن يحيى الذهلي أنه استخرج الأسماء من القرآن، وكذا أخرج أبو نعيم عن الطبراني عن أحمد بن عمرو الخلال عن ابن أبي عمرو "حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين سألت أبا جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء الحسنى فقال: هي في القرآن. وروينا في "فوائد تمام" من طريق أبي الطاهر بن السرح عن حبان بن نافع عن سفيان بن عيينة الحديث، يعني حديث: "إن لله تسعة وتسعين اسما" قال فوعدنا سفيان أن يخرجها لنا من القرآن فأبطأ، فأتينا أبا زيد فأخرجها لنا فعرضناها على سفيان فنظر فيها أربع مرات وقال: نعم هي هذه، وهذا سياق ما ذكره جعفر. وأبو زيد قالا: ففي الفاتحة خمسة "الله رب الرحمن الرحيم مالك" وفي البقرة "محيط قدير عليم حكيم علي عظيم تواب بصير ولي واسع كاف رءوف بديع شاكر واحد سميع قابض باسط حي قيوم غني حميد غفور حليم" وزاد جعفر "إله قريب مجيب عزيز نصير قوي شديد سريع خبير" قالا: وفي آل عمران "وهاب قائم" زاد

(11/217)


جعفر الصادق "باعث منعم متفضل "وفي النساء" رقيب حسيب شهيد مقيت وكيل "زاد جعفر"علي كبير" وزاد سفيان "عفو" وفي الأنعام "فاطر قاهر" وزاد جعفر "مميت غفور برهان" وزاد سفيان "لطيف خبير قادر" وفي الأعراف "محيي مميت" وفي الأنفال "نعم المولى ونعم النصير" وفي هود "حفيظ مجيد ودود فعال لما يريد" زاد سفيان "قريب مجيب" وفي الرعد "كبير متعال" وفي إبراهيم "منان" زاد جعفر "صادق وارث" وفي الحجر "خلاق" وفي مريم "صادق وارث" زاد جعفر "فرد" وفي طه عند جعفر وحده "غفار" وفي المؤمنين "كريم" وفي النور "حق مبين" زاد سفيان "نور" وفي الفرقان "هاد" وفي سبأ "فتاح" وفي الزمر "عالم" عند جعفر وحده، وفي المؤمن "غافر قابل ذو الطول" زاد سفيان "شديد" وزاد جعفر "رفيع" وفي الذاريات "رزاق ذو القوة المتين" بالتاء وفي الطور "بر" وفي اقتربت "مقتدر" زاد جعفر "مليك" وفي الرحمن "ذو الجلال والإكرام" زاد جعفر "رب المشرقين ورب المغربين باقي معين" وفي الحديد "أول آخر ظاهر باطن" وفي الحشر "قدوس سلام مؤمن مهيمن عزيز جبار متكبر خالق بارئ مصور" زاد جعفر "ملك" وفي البروج "مبدئ معيد" وفي الفجر "وتر" عند جعفر وحده، وفي الإخلاص "أحد صمد" هذا آخر ما رويناه عن جعفر وأبي زيد وتقرير سفيان من تتبع الأسماء من القرآن، وفيها اختلاف شديد وتكرار وعدة أسماء لم ترد بلفظ الاسم وهي "صادق منعم متفضل منان مبدئ معيد باعث قابض باسط برهان معين مميت باقي "ووقفت في كتاب "المقصد الأسنى" لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الزاهد أنه تتبع الأسماء من القرآن فتأملته فوجدته كرر أسماء وذكر مما لم أره فيه بصيغة الاسم "الصادق والكاشف والعلام" وذكر من المضاف "الفالق" من قوله: "فالق الحب والنوى" وكان يلزمه أن يذكر القابل من قوله: "قابل التوب" وقد تتبعت ما بقي من الأسماء مما ورد في القرآن بصيغة الاسم مما لم يذكر في رواية الترمذي وهي "الرب الإله المحيط القدير الكافي الشاكر الشديد القائم الحاكم الفاطر الغافر القاهر المولى النصير الغالب الخالق الرفيع المليك الكفيل الخلاق الأكرم الأعلى المبين بالموحدة الحفي بالحاء المهملة والفاء القريب الأحد الحافظ "فهذه سبعة وعشرون اسما إذا انضمت إلى الأسماء التي وقعت في رواية الترمذي مما وقعت في القرآن بصيغة الاسم تكمل بها التسعة والتسعون وكلها في القرآن، لكن بعضها بإضافة كالشديد من {شَدِيدُ الْعِقَابِ} والرفيع من {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} والقائم من قوله: {قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} والفاطر من {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ} والقاهر من {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} والمولى والنصير من {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} والعالم من {عَالِمُ الْغَيْبِ} والخالق من قوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} والغافر من {غَافِرِ الذَّنْبِ} والغالب من {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} والرفيع من {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} والحافظ من قوله: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً} ومن قوله: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وقد وقع نحو ذلك من الأسماء التي في رواية الترمذي وهي المحيي من قوله: {لَمُحْيِي الْمَوْتَى} والمالك من قوله: {مَالِكَ الْمُلْكِ} والنور من قوله: {نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} والبديع من قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} والجامع من قوله: {جَامِعُ النَّاسِ} والحكم من قوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} والوارث من قوله: {وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} والأسماء التي تقابل هذه مما وقع في رواية الترمذي مما لم تقع في القرآن بصيغة الاسم وهي سبعة وعشرون اسما "القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل العدل الجليل الباعث المحصي المبدئ المعيد المميت الواجد الماجد المقدم المؤخر الوالي ذو الجلال والإكرام المقسط المغني

(11/218)


المانع الضار النافع الباقي الرشيد الصبور" فإذا اقتصر من رواية الترمذي على ما عدا هذه الأسماء وأبدلت بالسبعة والعشرين التي ذكرتها خرج من ذلك تسعة وتسعون اسما كلها في القرآن واردة بصيغة الاسم ومواضعها كلها ظاهرة من القرآن إلا قوله الحفي فإنه في سورة مريم في قول إبراهيم {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} وقل من نبه على ذلك، ولا يبقى بعد ذلك إلا النظر في الأسماء المشتقة من صفة واحدة مثل "القدير والمقتدر والقادر والغفور والغفار والغافر والعلي والأعلى والمتعال والملك والمليك والمالك والكريم والأكرم والقاهر والقهار والخالق والخلاق والشاكر والشكور والعالم والعليم" فأما أن يقال لا يمنع ذلك من عدها فإن فيها التغاير في الجملة فإن بعضها يزيد بخصوصية على الآخر ليست فيه،وقد وقع الاتفاق على أن الرحمن الرحيم اسمان مع كونهما مشتقين من صفة واحدة ولو منع من عد ذلك للزم أن لا يعد ما يشترك الاسمان فيه مثلا من حيث المعنى مثل الخالق البارئ المصور لكنها عدت لأنها ولو اشتركت في معنى الإيجاد والاختراع فهي مغايرة من جهة أخرى وهي أن الخالق يفيد القدرة على الإيجاد والبارئ يفيد الموجد لجوهر المخلوق والمصور يفيد خالق الصورة في تلك الذات المخلوقة وإذا كان ذلك لا يمنع المغايرة لم يمتنع عدها أسماء مع ورودها والعلم عند الله تعالى. وهذا سردها لتحفظ ولو كان في ذلك إعادة لكنه يغتفر لهذا القصد "الله الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار التواب الوهاب الخلاق الرزاق الفتاح العليم الحليم العظيم الواسع الحكيم الحي القيوم السميع البصير اللطيف الخبير العلي الكبير المحيط القدير المولى النصير الكريم الرقيب القريب المجيب الوكيل الحسيب الحفيظ المقيت الودود المجيد الوارث الشهيد الولي الحميد الحق المبين القوي المتين الغني المالك الشديد القادر المقتدر القاهر الكافي الشاكر المستعان الفاطر البديع الغافر الأول الآخر الظاهر الباطن الكفيل الغالب الحكم العالم الرفيع الحافظ المنتقم القائم المحيي الجامع المليك المتعالي النور الهادي الغفور الشكور العفو الرءوف الأكرم الأعلى البر الحفي الرب الإله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد". قوله: "لله تسعة وتسعون" في رواية الحميدي "إن لله تسعة وتسعين" وكذا في رواية شعيب. قوله: "اسما" كذا في معظم الروايات بالنصب على التمييز، وحكى السهيلي أنه روى بالجر وخرجه على لغة من يجعل الإعراب في النون ويلزم الجمع الياء فيقول كم سنينك برفع النون وعددت سنينك بالنصب وكم مر من سنينك بكسر النون ومنه قول الشاعر "وقد جاوزت حد الأربعين "بكسر النون فعلامة النصب في الرواية فتح النون وحذف التنوين لأجل الإضافة، وقوله مائة بالرفع والنصب على البدل في الروايتين. قوله: "إلا واحدة" قال ابن بطال كذا وقع هنا ولا يجوز في العربية، قال: ووقع في رواية شعيب في الاعتصام "إلا واحدا" بالتذكير وهو الصواب كذا قال، وليست الرواية المذكورة في الاعتصام بل في التوحيد، وليست الرواية التي هنا خطأ بل وجهوها. وقد وقع في رواية الحميدي هنا "مائة غير واحد" بالتذكير أيضا، وخرج التأنيث على إرادة التسمية. وقال السهيلي بل أنث الاسم لأنه كلمة، واحتج بقول سيبويه: الكلمة اسم أو فعل أو حرف، فسمي الاسم كلمة وقال ابن مالك: أنث باعتبار معنى التسمية أو الصفة أو الكلمة. وقال جماعة من العلماء: الحكمة في قوله: "مائة غير واحد" بعد قوله: "تسعة وتسعون" أن يتقرر ذلك في نفس السامع جمعا بين جهتي الإجمالي والتفصيل أو دفعا للتصحيف الخطي والسمعي، واستدل به على صحة استثناء القليل من الكثير وهو متفق عليه، وأبعد من استدل

(11/219)


به على جواز الاستثناء مطلقا حتى يدخل استثناء الكثير حتى لا يبقى إلا القليل. وأغرب الداودي فيما حكاه عنه ابن التين فنقل الاتفاق على الجواز، وأن من أقر ثم استثنى عمل باستثنائه حتى لو قال له على ألف إلا تسعمائة وتسعة وتسعين أنه لا يلزمه إلا واحد. وتعقبه ابن التين فقال: ذهب إلى هذا في الإقرار جماعة، وأما نقل الاتفاق فمردود فالخلاف ثابت حتى في مذهب مالك، وقد قال أبو الحسن اللخمي منهم: لو قال أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين وقع عليه ثلاث، ونقل عبد الوهاب وغيره عن عبد الملك وغيره أنه لا يصح استثناء الكثير من القليل. ومن لطيف أدلتهم أن من قال صمت الشهر إلا تسعا وعشرين يوما يستهجن لأنه لم يصم إلا يوما واليوم لا يسمى شهرا، وكذا من قال لقيت القوم جميعا إلا بعضهم ويكون ما لقي إلا وحدا. قلت: والمسألة مشهورة فلا يحتاج إلى الإطالة فيها. وقد اختلف في هذا العدد هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذه العدة أو أنها أكثر من ذلك ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟ فذهب الجمهور إلى الثاني، ونقل النووي اتفاق العلماء عليه فقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد وصححه ابن حبان: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" وعند مالك عن كعب الأحبار في دعاء "وأسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم" وأورد الطبري عن قتادة نحوه، ومن حديث عائشة أنها دعت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك. وسيأتي في الكلام على الاسم الأعظم. وقال الخطابي: في هذا الحديث إثبات هذه الأسماء المخصوصة بهذا العدد وليس فيه منع ما عداها من الزيادة، وإنما للتخصيص لكونها أكثر الأسماء وأبينها معاني، وخبر المبتدأ في الحديث هو قوله: "من أحصاها" لا قوله: "لله" وهو كقولك لزيد ألف درهم أعدها للصدقة أو لعمرو مائة ثوب من زاره ألبسه إياها. وقال القرطبي في "المفهم" نحو ذلك ونقل ابن بطال عن القاضي أبي بكر بن الطيب قال ليس في الحديث دليل على أنه ليس لله من الأسماء إلا هذه العدة وإنما معنى الحديث أن من أحصاها دخل الجنة، ويدل على عدم الحصر أن أكثرها صفات وصفات الله لا تتناهى. وقيل إن المراد الدعاء بهذه الأسماء لأن الحديث مبني على قوله: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} " فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تسعة وتسعون فيدعي بها ولا يدعي بغيرها حكاه ابن بطال عن المهلب، وفيه نظر لأنه ثبت في أخبار صحيحة الدعاء بكثير من الأسماء التي لم ترد في القرآن كما في حديث ابن عباس في قيام الليل "أنت المقدم وأنت المؤخر" وغير ذلك. وقال الفخر الرازي: لما كانت الأسماء من الصفات وهي إما ثبوتية حقيقية كالحي أو إضافية كالعظيم وإما سلبية كالقدوس وإما من حقيقية وإضافية كالقدير أو من سلبية إضافية كالأول والآخر وإما من حقيقة وإضافية سلبية كالملك، والسلوب غير متناهية لأنه عالم بلا نهاية قادر على ما لا نهاية له فلا يمتنع أن يكون له من ذلك اسم فيلزم أن لا نهاية لأسمائه. وحكى القاضي أبو بكر ابن العربي عن بعضهم أن لله ألف اسم، قال ابن العربي وهذا قليل فيها، ونقل الفخر الرازي عن بعضهم أن لله أربعة آلاف اسم استأثر بعلم ألف منها وأعلم الملائكة بالبقية والأنبياء بألفين منها وسائر الناس بألف، وهذه دعوى تحتاج إلى دليل. واستدل بعضهم لهذا القول بأنه ثبت في نفس حديث الباب أنه وتر يحب الوتر، والرواية التي سردت فيها

(11/220)


الأسماء لم يعد فيها الوتر فدل على أن له اسما آخر غير التسعة والتسعين. وتعقبه من ذهب إلى الحصر في التسعة والتسعين كابن حزم بأن الخبر الوارد لم يثبت رفعه وإنما هو مدرج كما تقدمت الإشارة إليه، واستدل أيضا على عدم الحصر بأنه مفهوم عدد وهو ضعيف، وابن حزم ممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور، وهو لا يقول بالمفهوم أصلا ولكنه احتج بالتأكيد في قوله صلى الله عليه وسلم: "مائة إلا واحدا" قال لأنه لو جاز أن يكون له اسم زائد على العدد المذكور لزم أن يكون له مائة اسم فيبطل قوله مائة إلا واحدا، وهذا الذي قاله ليس بحجة على ما تقدم، لأن الحصر المذكور عندهم باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، فمن ادعى على أن الوعد وقع لمن أحصى زائدا على ذلك أخطأ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد، واحتج بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} وقد قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة، وقد ذكر منها في آخر سورة الحشر عدة، وختم ذلك بأن قال له الأسماء الحسنى، قال: وما يتخيل من الزيادة في العدة المذكور لعله مكرر معنى وإن تغاير لفظا كالغافر والغفار والغفور مثلا فيكون المعدود من ذلك واحدا فقط، فإذا اعتبر ذلك وجمعت الأسماء الواردة نصا في القرآن وفي الصحيح من الحديث لم تزد على العدد المذكور. وقال غيره: المراد بالأسماء الحسنى في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} ما جاء في الحديث: "إن لله تسعة وتسعين اسما" فإن ثبت الخبر الوارد في تعيينها وجب المصير إليه وإلا فليتتبع من الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، فإن التعريف في الأسماء للعهد فلا بد من المعهود فإنه أمر بالدعاء بها ونهى عن الدعاء بغيرها فلا بد من وجود المأمور به قلت: والحوالة على الكتاب العزيز أقرب، وقد حصل بحمد الله تتبعها كما قدمته وبقي أن يعمد إلى ما تكرر لفظا ومعنى من القرآن فيقتصر عليه ويتتبع من الأحاديث الصحيحة تكملة العدة المذكورة فهو نمط آخر من التتبع عسى الله أن يعين عليه بحوله وقوته آمين.
"فصل" وأما الحكمة في القصر على العدد المخصوص فذكر الفخر الرازي عن الأكثر أنه تعبد لا يعقل معناه كما قيل في عدد الصلوات وغيرها، ونقل عن أبي خلف محمد بن عبد الملك الطبري السلمي قال: إنما خص هذا العدد إشارة إلى أن الأسماء لا تؤخذ قياسا. وقيل الحكمة فيه أن معاني الأسماء ولو كانت كثيرة جدا موجودة في التسعة والتسعين المذكورة، وقيل الحكمة فيه أن العدد زوج وفرد، والفرد أفضل من الزوج، ومنتهى الأفراد من غير تكرار تسعة وتسعون لأن مائة وواحدا يتكرر فيه الواحد. وإنما كان الفرد أفضل من الزوج لأن الوتر أفضل من الشفع لأن الوتر من صفة الخالق والشفع من صفة المخلوق، والشفع يحتاج للوتر من غير عكس. وقيل الكمال في العدد حاصل في المائة لأن الأعداد ثلاثة أجناس: آحاد وعشرات ومئات، والألف مبتدأ لآحاد أخر، فأسماء الله مائة استأثر الله منها بواحد وهو الاسم الأعظم فلم يطلع عليه أحد فكأنه قيل مائة لكن واحد منها عند الله وقال غيره: ليس الاسم الذي يكمل المائة مخفيا بل هو الجلالة، وممن جزم بذلك السهيلي فقال: الأسماء الحسنى مائة على عدد درجات الجنة والذي يكمل المائة، الله، ويؤيده قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} فالتسعة والتسعون لله فهي زائدة عليه وبه تكمل المائة. واستدل بهذا الحديث على أن الاسم هو المسمى حكاه أبو القاسم القشيري في شرح أسماء الله الحسنى فقال: في هذا الحديث دليل على أن الاسم هو المسمى، إذ لو كان غيره كانت الأسماء غيره لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} ثم قال: والمخلص من ذلك أن المراد بالاسم

(11/221)


هنا التسمية.وقال الفخر الرازي: المشهور من قول أصحابنا أن الاسم نفس المسمى وغير التسمية، وعند المعتزلة الاسم نفس التسمية وغير المسمى، واختار الغزالي أن الثلاثة أمور متباينة. وهو الحق عندي، لأن الاسم إن كان عبارة عن اللفظ الدال على الشيء بالوضع وكان المسمى عبارة عن نفس ذلك الشيء المسمى فالعلم الضروري حاصل بأن الاسم غير المسمى وهذا مما لا يمكن وقوع النزاع فيه. وقال أبو العباس القرطبي في "المفهم": الاسم في العرف العام هو الكلمة الدالة على شيء مفرد، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل والحرف إذ كل واحد منها يصدق عليه ذلك، وإنما التفرقة بينها باصطلاح النحاة وليس ذلك من غرض المبحث هنا، وإذا تقرر هذا عرف غلط من قال إن الاسم هو المسمى حقيقة كما زعم بعض الجهلة فألزم أن من قال نار احترق، فلم يقدر على التخلص من ذلك. وأما النحاة فمرادهم بأن الاسم هو المسمى أنه من حيث إنه لا يدل إلا عليه ولا يقصد إلا هو، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالة على ذات المسمى دل عليها من غير مزيد أمر آخر، وإن كان من الأسماء الدالة على معنى زائد دل على أن تلك الذات منسوبة إلى ذلك الزائد خاصة دون غيره، وبيان ذلك أنك إذا قلت زيد مثلا فهو يدل على ذات متشخصة في الوجود من غير زيادة ولا نقصان، فإن قلت العالم دل على أن تلك الذات منسوبة للعلم، ومن هذا صح عقلا أن تتكثر الأسماء المختلفة على ذات واحدة ولا توجب تعددا فيها ولا تكثيرا قال: وقد خفي هذا على بعضهم ففر منه هربا من لزوم تعدد في ذات الله تعالى فقال: إن المراد بالاسم التسمية، ورأى أن هذا يخلصه من التكثر، وهذا فرار من غير مفر إلى مفر.وذلك أن التسمية إنما هي وضع الاسم وذكر الاسم فهي نسبة الاسم إلى مسماه؛ فإذا قلنا لفلان تسميتان اقتضى أن له اسمين ننسبهما إليه، فبقي الإلزام على حاله من ارتكاب التعسف. ثم قال القرطبي: وقد يقال الاسم هو المسمى على إرادة أن هذه الكلمة التي هي الاسم تطلق ويراد بها المسمى، كما قيل ذلك في قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أي سبح ربك فأريد بالاسم المسمى. وقال غيره: التحقيق في ذلك أنك إذا سميت شيئا باسم فالنظر في ثلاثة أشياء: ذلك الاسم وهو اللفظ، ومعناه قبل التسمية، ومعناه بعدها وهو الذات التي أطلق عليها اللفظ، والذات واللفظ متغايران قطعا، والنحاة إنما يطلقونه على اللفظ لأنهم إنما يتكلمون في الألفاظ، وهو غير مسمى قطعا والذات هي المسمى قطعا وليست هي الاسم قطعا، والخلاف في الأمر الثالث وهو معنى اللفظ قبل التلقيب، فالمتكلمون يطلقون الاسم عليه ثم يختلفون في أنه الثالث أو لا، فالخلاف حينئذ إنما هو في الاسم المعنوي هل هو المسمى أو لا، لا في الاسم اللفظي، والنحوي لا يطلق الاسم على غير اللفظ لأنه محط صناعته، والمتكلم لا ينازعه في ذلك ولا يمنع إطلاق اسم المدلول على الدال. وإنما يزيد عليه شيئا آخر دعاه إلى تحقيقه ذكر الأسماء والصفات وإطلاقها على الله تعالى، قال: ومثال ذلك أنك إذا قلت جعفر لقبه أنف الناقة فالنحوي يريد باللقب لفظ أنف الناقة، والمتكلم يريد معناه وهو ما يفهم منه من مدح أو ذم، ولا يمنع ذلك قول النحوي اللقب لفظ يشعر بضعة أو رفعة، لأن اللفظ يشعر بذلك لدلالته على المعنى والمعنى في الحقيقة هو المقتضي للضعة والرفعة، وذات جعفر هي الملقبة عند الفريقين، وبهذا يظهر أن الخلاف في أن الاسم هو المسمى أو غير المسمى خاص بأسماء الأعلام المشتقة. ثم قال القرطبي: فأسماء الله وإن تعددت فلا تعدد في ذاته ولا تركيب، لا محسوسا كالجسميات ولا عقليا كالمحدودات، وإنما تعددت الأسماء بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات، ثم هي من جهة دلالتها على أربعة

(11/222)


ضرب: الأول ما يدل على الذات مجردة كالجلالة فإنه يدل عليه دلالة مطلقة غير مقيدة وبه يعرف جميع أسمائه فيقال الرحمن مثلا من أسماء الله ولا يقال الله من أسماء الرحمن، ولهذا كان الأصح أنه اسم علم غير مشتق وليس بصفة. الثاني ما يدل على الصفات الثابتة للذات كالعليم والقدير والسميع والبصير. الثالث ما يدل على إضافة أمر ما إليه كالخالق والرازق. الرابع ما يدل على سلب شيء عنه كالعلي والقدوس. وهذه الأقسام الأربعة منحصرة في النفي والإثبات. واختلف في الأسماء الحسنى هل هي توقيفية بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يشتق من الأفعال الثابتة لله أسماء، إلا إذا ورد نص إما في الكتاب أو السنة، فقال الفخر: المشهور عن أصحابنا أبها توقيفية. وقالت المعتزلة والكرامية: إذا دل العقل على أن معنى اللفظ ثابت في حق الله جاز إطلاقه على الله. وقال القاضي أبو بكر والغزالي: الأسماء توقيفية دون الصفات، قال: وهذا هو المختار. واحتج الغزالي بالاتفاق على أنه لا يجوز لنا أن نسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم لم يسمه به أبوه ولا سمى به نفسه وكذا كل كبير من الخلق، قال: فإذا امتنع ذلك في حق المخلوقين فامتناعه في حق الله أولى. واتفقوا على أنه لا يجوز أن يطلق عليه اسم ولا صفة توهم نقصا ولو ورد ذلك نصا، فلا يقال ماهد ولا زارع ولا فالق ولا نحو ذلك وإن ثبت في قوله: {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} ، {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} ، {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} " ونحوها، ولا يقال له ماكر ولا بناء وإن ورد {وَمَكَرَ اللَّهُ} {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا} وقال أبو القاسم القشيري: الأسماء تؤخذ توقيفا من الكتاب والسنة والإجماع، فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه في وصفه، وما لم يرد لا يجوز ولو صح معناه. وقال أبو إسحاق الزجاج: لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف به نفسه، والضابط أن كل ما أذن الشرع أن يدعى به سواء كان مشتقا أو غير مشتق فهو من أسمائه، وكل ما جاز أن ينسب إليه سواء كان مما يدخله التأويل أو لا فهو من صفاته ويطلق عليه اسما أيضا. قال الحليمي: الأسماء الحسنى تنقسم إلى العقائد الخمس: الأولى إثبات الباري ردا على المعطلين وهي الحي والباقي والوارث وما في معناها. والثانية توحيده ردا على المشركين وهي الكافي والعلي والقادر ونحوها، والثالثة تنزيهه ردا على المشبهة وهي القدوس والمجيد والمحيط وغيرها. والرابعة اعتقاد أن كل موجود من اختراعه ردا على القول بالعلة والمعلول وهي الخالق والبارئ والمصور والقوي وما يلحق بها. والخامسة أنه مدبر لما اخترع ومصرفه على ما شاء وهو القيوم والعليم والحكيم وشبهها. وقال أبو العباس بن معد: من الأسماء ما يدل على الذات عينا وهو الله، وعلى الذات مع سلب كالقدوس والسلام، ومع إضافة كالعلي العظيم، ومع سلب وإضافة كالملك والعزيز ومنها ما يرجع إلى صفة كالعليم والقدير، ومع إضافة كالحليم والخبير، أو إلى القدرة مع إضافة كالقهار، وإلى الإرادة مع فعل وإضافة كالرحمن الرحيم. وما يرجع إلى صفة فعل كالخالق والبارئ، ومع دلالة على الفعل كالكريم واللطيف. قال: فالأسماء كلها لا تخرج عن هذه العشرة، وليس فيها شيء مترادف إذ لكل اسم خصوصية ما وإن اتفق بعضها مع بعض في أصل المعنى انتهى كلامه. ثم وقفت عليه منتزعا من كلام الفخر الرازي في شرح الأسماء الحسنى. وقال الفخر أيضا: الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة: ثابتة في حق الله قطعا، وممتنعة قطعا، وثابتة لكن مقرونة بكيفية، فالقسم الأول منه ما يجوز ذكره مفردا ومضافا وهو كثير جدا كالقادر والقاهر، ومنه ما يجوز مفردا ولا يجوز مضافا إلا بشرط كالخالق فيجوز خالق ويجوز خالق كل شيء مثلا ولا يجوز خالق القردة، ومنه عكسه يجوز مضافا ولا يجوز مفردا كالمنشئ يجوز منشئ الخلق ولا يجوز منشئ فقط. والقسم الثاني إن ورد السمع بشيء منه أطلق وحمل على

(11/223)


ما يليق به.والقسم الثالث إن ورد السمع بشيء منه أطلق ما ورد منه ولا يقاس عليه ولا يتصرف فيه بالاشتقاق كقوله تعالى: {وَمَكَرَ اللَّهُ} و {يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} فلا يجوز ماكر ومستهزئ. "تكميل": وإذ قد جرى ذكر الاسم الأعظم في هذه المباحث فليقع الإمام بشيء من الكلام عليه، وقد أنكره قوم كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وجماعة بعدهما كأبي حاتم بن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني فقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، ونسب ذلك بعضهم لمالك لكراهيته أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها من السور لئلا يظن أن بعض القرآن أفضل من بعض فيؤذن ذلك باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، وحملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم العظيم وأن أسماء الله كلها عظيمة، وعبارة أبي جعفر الطبري: اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع إلى معنى عظيم كما تقدم. وقال ابن حبان الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك كما أطلق ذلك في القرآن والمراد به. مزيد ثواب القارئ وقيل المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به مستغرقا بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله تعالى فإن من تأتى له ذلك استجيب له. ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق وعن الجنيد وعن غيرهما. وقال آخرون: استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، وأثبته آخرون معينا واضطربوا في ذلك وجملة ما وقفت عليه من ذلك أربعة عشر قولا: الأول الاسم الأعظم "هو" نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف، واحتج له بأن من أراد أن يعبر عن كلام معظم حضرته لم يقل له: أنت قلت كذا، وإنما يقول هو يقول تأدبا معه. الثاني "الله" لأنه اسم لم يطلق على غيره، ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى ومن ثم أضيفت إليه. الثالث "الله الرحمن الرحيم" ولعل مستنده ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة أنها "سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمها الاسم الأعظم فلم يفعل، فصلت ودعت: اللهم إني أدعوك الله وأدعوك الرحمن وأدعوك الرحيم وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم" الحديث وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال لها "إنه لفي الأسماء التي دعوت بها" . قلت: وسنده ضعيف وفي الاستدلال به نظر لا يخفى. الرابع "الرحمن الرحيم الحي القيوم" لما أخرج الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين" {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وفاتحة سورة آل عمران {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي وحسنه الترمذي وفي نسخة صحيحة: وفيه نظر لأنه من رواية شهر بن حوشب. الخامس "الحي القيوم" أخرج ابن ماجه من حديث أبي أمامة "الاسم الأعظم في ثلاث سور: البقرة وآل عمران وطه" قال القاسم الراوي عن أبي أمامة: التمسته منها فعرفت أنه الحي القيوم، وقواه الفخر الرازي واحتج بأنهما يدلان من صفات العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما. السادس "الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام الحي القيوم" ورد ذلك مجموعا في حديث أنس عند أحمد والحاكم وأصله عند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان. السابع "بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام" أخرجه أبو يعلى من طريق السدي ابن يحيى عن رجل من طيئ وأثنى عليه قال: "كنت أسأل الله أن يريني الاسم الأعظم فأريته مكتوبا في الكواكب في السماء".الثامن. "ذو الجلال والإكرام" أخرج الترمذي من حديث معاذ بن جبل قال: "سمع

(11/224)


النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال، قد استجيب لك فسل" واحتج له الفخر بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة في الإلهية، لأن في الجلال إشارة إلى جميع السلوب، وفي الإكرام إشارة إلى جميع الإضافات.التاسع "الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث بريدة، وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك. العاشر "رب رب" أخرجه الحاكم من حديث أبي الدرداء وابن عباس بلفظ: "اسم الله الأكبر رب رب" وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة "إذا قال العبد يا رب يا رب، قال الله تعالى: لبيك عبدي سل تعط" رواه مرفوعا وموقوفا.الحادي عشر "دعوة ذي النون" أخرج النسائي والحاكم عن فضالة بن عبيد رفعه: "دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له". الثاني عشر نقل الفخر الرازي عن زين العابدين أنه سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم فرأى في النوم "هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم". الثالث عشر هو مخفي في الأسماء الحسنى، ويؤيده حديث عائشة المتقدم "لما دعت ببعض الأسماء وبالأسماء الحسنى. فقال لها صلى الله عليه وسلم: إنه لفي الأسماء التي دعوت بها". الرابع عشر "كلمة التوحيد" نقله عياض تقدم قبل هذا. واستدل بحديث الباب على انعقاد اليمين بكل اسم ورد في القرآن أو الحديث الثابت وهو وجه غريب حكاه ابن كج من الشافعية؛ ومنع الأكثر لقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان حالفا فليحلف بالله" وأجيب بأن المراد الذات لا خصوص هذا اللفظ، وإلى هذا الإطلاق ذهب الحنفية والمالكية وابن حزم وحكاه ابن كج أيضا، والمعروف عند الشافعية والحنابلة وغيرهم من العلماء أن الأسماء ثلاثة أقسام: أحدها ما يختص بالله كالجلالة والرحمن ورب العالمين فهذا ينعقد به اليمين إذا أطلق ولو نوى به غير الله. ثانيها ما يطلق عليه وعلى غيره لكن الغالب إطلاقه عليه وأنه يقيد في حق غيره بضرب من التقييد كالجبار والحق والرب ونحوها فالحلف به يمين، فإن نوى به غير الله فليس بيمين. ثالثها ما يطلق في حق الله وفي حق غيره على حد سواء كالحي والمؤمن، فإن نوى به غير الله أو أطلق فليس بيمين، وإن نوى الله تعالى فوجهان صحح النووي أنه يمين وكذا في المحرر. وخالف في الشرحين فصحح أنه ليس بيمين. واختلف الحنابلة فقال القاضي أبو يعلى ليس بيمين وقال المجد ابن تيمية في المحرر إنها يمين. قوله: "من حفظها" هكذا رواه علي بن المديني ووافقه الحميدي وكذا عمرو الناقد عند مسلم. وقال ابن أبي عمر عن سفيان "من أحصاها" أخرجه مسلم والإسماعيلي من طريقه، وكذا قال شعبة عن أبي الزناد كما تقدم في الشروط ويأتي في التوحيد، قال الخطابي: الإحصاء في مثل هذا يحتمل وجوها: أحدها أن يعدها حتى يستوفيها يريد أنه لا يقتصر على بعضها لكن يدعو الله بها كلها ويثني عليه بجميعها فيستوجب الموعود عليها من الثواب. ثانيها المراد بالإحصاء الإطاقة كقوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} ومنه حديث: "استقيموا ولن تحصوا" أي لن تبلغوا كنه الاستقامة، والمعنى من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها وهو أن يعتبر معانيها فيلزم نفسه بواجبها فإذا قال: "الرزاق" وثق بالرزق وكذا سائر الأسماء. ثالثها المراد بالإحصاء الإحاطة بمعانيها من قول العرب فلان ذو حصاة أي ذو عقل ومعرفة انتهى ملخصا. وقال القرطبي: المرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة، وهذه المراتب الثلاثة للسابقين والصديقين وأصحاب اليمين. وقال غيره: معنى أحصاها عرفها، لأن العارف بها

(11/225)


لا يكون إلا مؤمنا والمؤمن يدخل الجنة.وقيل معناه عدها معتقدا، لأن الدهري لا يعترف بالخالق. والفلسفي لا يعترف بالقادر وقيل أحصاها يريد بها وجه الله وإعظامه. وقيل معنى أحصاها عمل بها، فإذا قال: "الحكيم" مثلا سلم جميع أوامره لأن جميعها على مقتضى الحكمة وإذا قال: "القدوس" استحضر كونه منزها عن جميع النقائص، وهذا اختيار أبي الوفا بن عقيل. وقال ابن بطال: طريق العمل بها أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده، فليمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها، وما كان يختص بالله تعالى كالجبار والعظيم فيجب على العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد نقف منه عند الخشية والرهبة، فهذا معنى أحصاها وحفظها، ويؤيده أن من حفظها عدا وأحصاها سردا ولم يعمل بها يكون كمن حفظ القرآن ولم يعمل بما فيه، وقد ثبت الخبر في الخوارج أنهم يقرءون القرآن ولا يجاوز حناجرهم. قلت: والذي ذكره مقام الكمال، ولا يلزم من ذلك أن لا يرد الثواب لمن حفظها وتعبد بتلاوتها والدعاء بها وإن كان متلبسا بالمعاصي كما يقع مثل ذلك في قارئ القرآن سواء، فإن ا القارئ ولو كان متلبسا بمعصية غير ما يتعلق بالقراءة يثاب على تلاوته عند أهل السنة، فليس ما بحثه ابن بطال بدافع لقول من قال إن المراد حفظها سردا والله أعلم. وقال النووي قال البخاري وغيره من المحققين: معناه حفظها، وهذا هو الأظهر لثبوته نصا في الخبر. وقال في "الأذكار" هو قول الأكثرين. وقال ابن الجوزي: لما ثبت في بعض طرق الحديث: "من حفظها" بدل "أحصاها" اخترنا أن المراد العد أي من عدها ليستوفيها حفظا. قلت: وفيه نظر، لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ حفظها تعين السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل الحفظ المعنوي. وقيل المراد بالحفظ حفظ القرآن لكونه مستوفيا لها، فمن تلاه ودعا بما فيه من الأسماء حصل المقصود. قال النووي: وهذا ضعيف، وقيل المراد من تتبعها من القرآن. وقال ابن عطية: معنى أحصاها عدها وحفظها، ويتضمن ذلك الإيمان بها والتعظيم لها والرغبة فيها والاعتبار بمعانيها. وقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها. وقال أبو نعيم الأصبهاني: الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو التعداد، وإنما هو العمل والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها. وقال أبو عمر الطلمنكي من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمن من الفوائد وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالم لمعاني الأسماء ولا مستفيدا بذكرها ما تدل عليه من المعاني. وقال أبو العباس بن معد: يحتمل الإحصاء معنيين أحدهما أن المراد تتبعها من الكتاب والسنة حتى يحصل عليها، والثاني أن المراد أن يحفظها بعد أن يجدها محصاة. قال: ويؤيده أنه ورد في بعض طرقه: "من حفظها" قال: ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أطلق أولا قوله: "من أحصاها دخل الجنة" ووكل العلماء إلى البحث عنها ثم يسر على الأمة الأمر فألقاها إليهم محصاة وقال: "من حفظها دخل الجنة" قلت: وهذا الاحتمال بعيد جدا لأنه يتوقف على أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث بهذا الحديث مرتين إحداهما قبل الأخرى، ومن أين يثبت ذاك ومخرج اللفظين واحد؟ وهو عن أبي هريرة، والاختلاف عن بعض للرواة عنه في أي اللفظين قاله. قال: وللإحصاء معان أخرى، منها الإحصاء الفقهي وهو العلم بمعانيها من اللغة وتنزيهها على الوجوه التي تحملها الشريعة ومنها الإحصاء النظري وهو أن يعلم معنى كل اسم بالنظر في الصيغة ويستدل عليه بأثره الساري

(11/226)


في الوجود فلا تمر على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني الأسماء وتعرف خواص بعضها وموقع القيد ومقتضى اسم، قال: وهذا أرفع مراتب الإحصاء، قال: وتمام ذلك أن يتوجه إلى الله تعالى من العمل الظاهر والباطن بما يقتضيه كل اسم، من الأسماء فيعبد الله بما يستحقه من الصفات المقدسة التي وجبت لذاته، قال فمن حصلت له جميع مراتب الإحصاء حصل على الغاية، ومن منح منحي من مناحيها فثوابه بقدر ما نال والله أعلم. "تنبيه": وقع في تفسير ابن مردويه وعند أبي نعيم من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة بدل قوله من أحصاها دخل الجنة "من دعا بها دخل الجنة" وفي سنده حصين بن مخارق وهو ضعيف، وزاد خليد بن دعلج في روايته التي تقدمت الإشارة إليها "وكلها في القرآن" وكذا وقع من قول سعيد بن عبد العزيز، وكذا وقع في حديث ابن عباس وابن عمر معا بلفظ: "من أحصاها دخل الجنة وهي في القرآن "وسيأتي في كتاب التوحيد شرح معاني كثير من الأسماء حيث ذكرها المصنف في تراجمه إن شاء الله تعالى. وقوله: "دخل الجنة" عبر بالماضي تحقيقا لوقوعه وتنبيها على أنه وإن لم يقع فهو في حكم الواقع لأنه كائن لا محالة. قوله: "وهو وتر يحب الوتر" في رواية مسلم: "والله وتر يحب الوتر" وفي رواية شعيب بن أبي حمزة "أنه وتر يحب الوتر" ويجوز فتح الواو وكسرها، والوتر الفرد ومعناه في حق الله أنه الواحد الذي لا نظير له في ذاته ولا انقسام، وقوله: "يحب الوتر" قال عياض معناه أن الوتر في العدد فضلا على الشفع في أسمائه لكونه دالا على الوحدانية في صفاته، وتعقب بأنه لو كان المراد به الدلالة على الوحدانية لما تعددت الأسماء، بل المراد أن الله يحب الوتر من كل شيء وأن تعدد ما فيه الوتر، وقيل هو منصرف إلى من يعبد الله بالوحدانية والتفرد على سبيل الإخلاص، وقيل لأنه أمر بالوتر في كثير من الأعمال والطاعات كما في الصلوات الخمس ووتر الليل وإعداد الطهارة وتكفين الميت وفي كثير من المخلوقات كالسماوات والأرض انتهى ملخصا. وقال القرطبي: الظاهر أن الوتر هنا للجنس، إذ لا معهود جرى ذكره حتى يحمل عليه فيكون معناه أنه وتر يحب كل وتر شرعه، ومعنى محبته له أنه أمر به وأثاب عليه، ويصلح ذلك العموم ما خلقه وترا من مخلوقاته أو معنى محبته له أنه خصصه بذلك لحكمة يعلمها، ويحتمل أن يريد بذلك وترا بعينه وإن لم يجر له ذكر. ثم اختلف هؤلاء فقيل: المراد صلاة الوتر، وقيل صلاة الجمعة، وقيل يوم الجمعة، وقيل يوم عرفة، وقيل آدم، وقيل غير ذلك. قال: والأشبه ما تقدم من حمله على العموم. قال: ويظهر لي وجه آخر وهو أن الوتر يراد به التوحيد فيكون المعنى أن الله في ذاته وكماله وأفعاله واحد ويحب التوحيد، أي أن يوحد ويعتقد انفراده بالألوهية دون خلقه فيلتئم أول الحديث وآخره. والله أعلم. قلت: لعل من حمله على صلاة الوتر استند إلى حديث علي "أن الوتر ليس بحتم كالمكتوبة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر ثم قال أوتروا يا أهل القرآن فإن الله وتر يحب الوتر" أخرجوه في السنن الأربعة وصححه ابن خزيمة واللفظ له، فعلى هذا التأويل تكون اللام في هذا الخبر للعهد لتقدم ذكر الوتر المأمور به، لكن لا يلزم أن يحمل الحديث الأخر على هذا بل العموم فيه أظهر، كما أن العموم في حديث على محتمل أيضا. وقد طعن حفظ ألفاظ تعد في أيسر مدة؟ وتعقب بأن الشرط المذكور ليس مطردا ولا حصر فيه، بل قد تحصل الجنة بغير ذلك كما ورد في كثير من الأعمال غير الجهاد أن فاعله يدخله الجنة. وأما دعوى أن حفظها يحصل في أيسر مدة فإنما يرد على من حمل الحفظ والإحصاء على معنى أن يسردها عن ظهر

(11/227)


قلب، فأما من أوله على بعض الوجوه المتقدمة فإنه يكون في غاية المشقة، ويمكن الجواب عن الأول بأن الفضل واسع.

(11/228)


69 - باب الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ
6411- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ "قَالَ كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقُلْنَا أَلاَ تَجْلِسُ قَالَ لاَ وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ وَإِلاَ جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَمَا إِنِّي أَخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا"
قوله: "باب الموعظة ساعة بعد ساعة" مناسبة هذا الباب لكتاب الدعوات أن الموعظة يخالطها غالبا التذكير بالله، وقد تقدم أن الذكر من جملة الدعاء، وختم به أبواب الدعوات التي عقبها بكتاب الرقاق لأخذه من كل منهما شوبا. قوله: "حدثني شقيق" هو أبو وائل، ووقع كذلك في كتاب العلم من طريق الثوري عن الأعمش، وقد ذكرت هناك ما يتعلق بسماع الأعمش له من أبي وائل. قوله: "كنا ننتظر عبد الله" يعني ابن مسعود. قوله: "إذ جاء يزيد بن معاوية" في رواية مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق "كنا جلوسا عند باب عبد الله ننتظره فمر بنا يزيد بن معاوية النخعي". قلت: وهو كوفي تابعي ثقة عابد، ذكر العجلي أنه من طبقة الربيع بن خثيم، وذكر البخاري في تاريخه أنه قتل غازيا بفارس كأنه في خلافة عثمان، وليس له في الصحيحين ذكر إلا في هذا الموضع، ولا أحفظ له رواية، وهو نخعي كما وقع عند مسلم، وفيه رد على ابن التين في حكايته أنه عبسي بالموحدة. قوله: "قلت ألا تجلس؟ قال: لا، ولكن أدخل فأخرج إليكم صاحبكم" في رواية أبي معاوية "فقلنا أعلمه بمكاننا فدخل عليه". قوله: "أما إني" بتخفيف الميم "أخبر" بضم أوله وفتح الموحدة على البناء للمجهول، وقد تقدم في العلم أن هذا الكلام قاله ابن مسعود جواب قولهم وددنا أنك لو ذكرتنا كل يوم، وأنه كان يذكرهم كل خميس، وزاد فيه أن ابن مسعود قال: إني أكره أن أملكم. قوله: "كان يتخولنا بالموعظة" تقدم البحث فيه وبيان معناه وقول من حدث به بالنون بدل اللام من "يتخولنا". قال الخطابي: المراد أنه كان يراعي الأوقات في تعليمهم ووعظهم ولا يفعله كل يوم خشية الملل، والتخول التعهد، وقيل إن بعضهم رواه بالحاء المهملة وفسره بأن المراد يتفقد أحوالهم التي يحصل لهم فيها النشاط للموعظة فيعظهم فيها ولا يكثر عليهم لئلا يملوا، حكى ذلك الطيبي ثم قال: ولكن الرواية في الصحاح بالخاء المعجمة. قوله: "في الأيام" يعني فيذكرهم أياما ويتركهم أياما، فقد ترجم له في كتاب العلم "باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة".قوله: "كراهية السآمة علينا" أي أن تقع منا السامة، وقد تقدم توجيه "علينا" في كتاب العلم وأن السآمة ضمنت معنى المشقة فعديت بعلي.وفيه رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه وحسن التوصل إلى تعليمهم وتفهيمهم ليأخذوا عنه بنشاط لا عن ضجر ولا ملل، ويقتدى به في ذلك، فإن التعليم بالتدريج أخف مؤنة وأدعى إلى الثبات من أخذه بالكد والمغالبة. وفيه منقبة لابن مسعود لمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم في القول والعمل ومحافظته على ذلك.

(11/228)


"خاتمة": اشتمل كتاب الدعوات من الأحاديث المرفوعة على مائة وخمسة وأربعين حديثا، منها أحد وأربعون معلقة والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى مائة وأحد وعشرون حديثا والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث شداد في سيد الاستغفار وحديث أبي هريرة في عدد الاستغفار كل يوم وحديث حذيفة في القول عند النوم وحديث أبي ذر في ذلك وحديث أبي الدرداء في من شهد أن لا إله إلا الله وحديث ابن عباس في اجتناب السجع في الدعاء وحديث جابر في الاستخارة وحديث أبي أيوب في التهليل، وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين تسعة آثار. والله أعلم.

(11/229)