Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الرقاق
باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
81- كِتَاب الرِّقَاقِ
1 – بَاب ما جاء في الرقاق وأن لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الْآخِرَةِ
6412- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ"
قَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِيهِ "سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ"
6413- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ "عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الْآخِرَهْ فَأَصْلِحْ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ"
6414- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ "حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَحْفِرُ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ وَيَمُرُّ بِنَا فَقَالَ اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ تَابَعَهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ"
قوله "بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الرقاق الصحة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة" كذا لأبي ذر عن السرخسي وسقط عنده عن المستملي والكشميهني: "الصحة والفراغ" ومثله للنسفي، وكذا للإسماعيلي لكن قال: "وأن لا عيش" كذا لأبي الوقت لكن قال: "باب لا عيش" وفي رواية كريمة عن الكشميهني: "ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش، الآخرة" قال مغلطاي: عبر جماعة من العلماء في كتبهم بالرقائق. قلت: منهم ابن المبارك والنسائي في "الكبرى" وروايته كذلك في نسخة معتمدة من رواية النسفي عن البخاري والمعنى واحد والرقاق والرقائق جمع رقيقة وسميت هذه الأحاديث بذلك لأن في كل منها ما يحدث في القلب رقة. قال أهل اللغة: الرقة الرحمة وضد الغلظ، ويقال للكثير الحياء رق وجهه استحياء. وقال الراغب: متى كانت الرقة في جسم فضدها

(11/229)


الصفاقة كثوب رقيق وثوب صفيق، ومتى كانت في نفس فضدها القسوة كرقيق القلب وقاسي القلب. وقال الجوهري: وترقيق الكلام تحسينه. قوله: "أخبرنا المكي" كذا للأكثر بالألف واللام في أوله، وهو اسم بلفظ النسب، وهو من الطبقة العليا من شيوخ البخاري، وقد أخرج أحمد عنه هذا الحديث بعينه. قوله: "هو ابن أبي هند" الضمير لسعيد لا لعبد الله، وهو من تفسير المصنف، ووقع في رواية أحمد عن مكي ووكيع جميعا "حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند" وعبد الله المذكور من صغار التابعين لأنه لقي بعض صغار الصحابة وهو أبو أمامة بن سهل. قوله: "عن أبيه" في رواية يحيى القطان عن عبد الله بن سعيد" حدثني أبي "أ خرجه الإسماعيلي قوله: "عن ابن عباس" في الرواية التي بعدها "سمعت ابن عباس". قوله: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" كذا لسائر الرواة، لكن عند أحمد "الفراغ والصحة" وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق إسماعيل بن جعفر وابن المبارك ووكيع كلهم عن عبد الله ابن سعيد بسنده "الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس" ولم يبين لمن اللفظ، وأخرجه الدارمي عن مكي بن إبراهيم شيخ البخاري فيه كذلك بزيادة ولفظه: "إن الصحة والفراغ نعمتان من نعم الله" والباقي سواء، وهذه الزيادة وهي قوله: "من نعم الله" وقعت في رواية ابن عدي المشار إليها، وقوله: "نعمتان" تثنية نعمة وهي الحالة الحسنة، وقيل هي المنفعة المفعولة على جهة الإحسان للغير، والغبن بالسكون وبالتحريك. وقال الجوهري: هو في البيع بالسكون وفي الرأي بالتحريك، وعلى هذا فيصح كل منهما في هذا الخبر فإن من لا يستعملهما فيما ينبغي فقد غبن لكونه باعهما ببخس ولم يحمد رأيه في ذلك قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغا حتى يكون مكفيا صحيح البدن فمن حصل له ذبك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك فهو المغبون. وأشار بقوله: "كثير من الناس" إلى أن الذي يوفق لذلك قليل. وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيا ولا يكون صحيحا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم كما قيل:
يسر الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
يرد الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقال الطيبي: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم للمكلف مثلا بالتاجر الذي له رأس مال، فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله ويلزم الصدق والحذق لئلا يغبن، فالصحة والفراغ رأس المال، وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان، ومجاهدة النفس وعدو الدين، ليربح خيري الدنيا والآخرة وقريب منه قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} الآيات. وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس ومعاملة الشيطان لئلا يضيع رأس ماله مع الربح. وقوله في الحديث: "مغبون فيهما كثير من الناس" كقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في الآية. وقال القاضي وأبو بكر بن العربي: اختلف

(11/230)


في أول نعمة الله على العبد فقيل الإيمان، وقيل الحياة، وقيل الصحة، والأول أولى فإنه نعمة مطلقة، وأما الحياة والصحة فإنهما نعمة دنيوية، ولا تكون نعمة حقيقة إلا إذا صاحبت الإيمان وحينئذ يغبن فيها كثير من الناس أي يذهب ربحهم أو ينقص، فمن استرسل مع نفسه الأمارة بالسوء الخالدة إلى الراحة فترك المحافظة على الحدود والمواظبة على الطاعة فقد غبن، وكذلك إذا كان فارغا فإن المشغول قد يكون له معذرة بخلاف الفارغ فإنه يرتفع عنه المعذرة وتقوم عليه الحجة. قوله: "وقال عباس العنبري" هو بالمهملة والموحدة ابن عبد العظيم أحد الحفاظ، بصري من أوساط شيوخ البخاري، وقد أخرجه ابن ماجه عن العباس المذكور فقال في كتاب الزهد من السنن في "باب الحكمة منه": حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري فذكره سواء، قال الحاكم: هذا الحديث صدر به ابن المبارك كتابه فأخرجه عن عبد الله بن سعيد بهذا الإسناد. قلت: وأخرجه الترمذي والنسائي من طريقه قال الترمذي رواه غير واحد عن عبد الله بن سعيد فرفعوه، ووقفه بعضهم على ابن عباس وفي الباب عن أنس انتهى وأخرجه الإسماعيلي من طرق عن ابن المبارك، ثم من وجهين عن إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن سعيد، ثم من طريق بندار عن يحيى بن سعيد القطان عن عبد الله به ثم قال: قال بندار ربما حدث به يحيى بن سعيد ولم يرفعه. وأخرجه ابن عدي من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا. قوله: "عن معاوية بن قرة" أي ابن إياس المزني، ولقرة صحبة، ووقع في رواية آدم في فضائل الأنصار عن شعبة "حدثنا أبو إياس معاوية بن قرة" وإياس هو القاضي المشهور بالذكاء. قوله: "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" في رواية المستملي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال". قوله: "فأصلح الأنصار والمهاجرة" تقدم في فضل الأنصار بيان الاختلاف على شعبة في لفظه وأنه عطف عليه رواية شعبة عن قتادة عن أنس وزيادة من زاد فيه أن ذلك كان يوم الخندق فطابق حديث سهل بن سعد المذكور في الذي بعده وزيادة من زاد فيه أنهم كانوا يقولون "نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا فأجابهم بذلك" وتقدم في غزوة الخندق من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس أتم من ذلك كله، وفيه من طريق حميد عن أنس أن ذلك كان في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم. فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال ذلك. قوله: "الفضيل بن سليمان" هو بالتصغير وهو النميري، صدوق في حفظه شيء. قوله: "وهو يحفر ونحن ننقل التراب" تقدم في فضل الأنصار من رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل "خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم يحفرون الخندق" الحديث، ويجمع بأن منهم من كان يحفر مع النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من كان ينقل التراب. قوله: "وبصر بنا" بفتح أوله وضم الصاد المهملة. وفي رواية الكشميهني: "ويمر بنا" من المرور. قوله: "فاغفر" تقدم في غزوة الخندق بلفظ: "فاغفر للمهاجرين والأنصار" وأن الألفاظ المنقولة في ذلك بعضها موزون أكثرها غير موزون، ويمكن رده إلى الوزن بضرب من الزحاف، وهو غير مقصود إليه بالوزن فلا يدخل هو في الشعر. وفي هذين الحديثين إشارة إلى تحقير عيش الدنيا لما يعرض له من التكدير وسرعة الفناء. قال ابن المنير مناسبة إيراد حديث أنس وسهل مع حديث ابن عباس الذي تضمنته الترجمة أن الناس قد غبن كثير منهم في الصحة والفراغ لإيثارهم لعيش الدنيا على عيش الآخرة، فأراد الإشارة إلى أن العيش الذي اشتغلوا به ليس بشيء بل العيش الذي شغلوا عنه هو المطلوب، ومن فاته فهو المغبون.

(11/231)


2 - باب مَثَلِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى "أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ

(11/231)


وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}
6415- حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه "عن سهل قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها, ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها"
قوله:" باب مثل الدنيا في الآخرة" هذه الترجمة بعض لفظ حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طريق قيس بن أبي حازم عن المستورد بن شداد رفعه: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع" وسنده إلى التابعي على شرط البخاري لأنه لم يخرج للمستورد، واقتصر على ذكر حديث سهل ابن سعد "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" فإن قدر السوط من الجنة إذا كان خيرا من الدنيا فيكون الذي يساويها مما في الجنة دون قدر السوط فيوافق ما دل عليه حديث المستورد، وقد تقدم شرح قوله: "غدوة في سبيل الله" في كتاب الجهاد. قال القرطبي: هذا نحو قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} وهذا بالنسبة إلى ذاتها وأما بالنسبة إلى الآخرة فلا قدر لها ولا خطر، وإنما أورد ذلك على سبيل التمثيل والتقريب وإلا فلا نسبة بين المتناهي وبين ما لا يتناهى، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "فلينظر بم يرجع" ووجهه أن القدر الذي يتعلق بالإصبع من ماء البحر لا قدر له ولا خطر وكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة والحاصل أن الدنيا كالماء الذي يعلق، في الأصبع من البحر والآخرة كسائر البحر. "تنبيه": اختلف في ياء "يرجع" فذكر الرامهرمزي أن أهل الكوفة رووه بالمثناة قال فجعلوا الفعل للإصبع وهي مؤنثة، ورواه أهل البصرة بالتحتانية قال فجعلوا الفعل لليم. قلت: أو للواضع. قوله: "وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ ولهو - إلى قوله: مَتَاعُ الْغُرُورِ} كذا في رواية أبي ذر، وساق في رواية كريمة الآية كلها، وعلى هذا فتفتح الهمزة في أنما محافظة على لفظ التلاوة، فإن أول الآية {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} إلخ" ولولا ما وقع من سياق بقية الآية لجوزت أن يكون المصنف أراد الآية التي في القتال وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} الآية. قال ابن عطية: المراد بالحياة الدنيا في هذه الآية ما يختص بدار الدنيا من تصرف، وأما ما كان فيها من الطاعة وما لا بد منه مما يقيم الأود ويعين على الطاعة فليس مرادا هنا، والزينة ما يتزين به مما هو خارج عن ذات الشيء مما يحسن به الشيء، والتفاخر يقع بالنسب غالبا كعادة العرب، والتكاثر ذكر متعلقه في الآية، وصورة هذا المثال أن المرء يولد فينشأ فيقوى فيكسب المال والولد ويرأس، ثم يأخذ بعد ذلك في الانحطاط فيشيب ويضعف ويسقم وتصيبه النوائب من مرض ونقص في مال وعز، ثم يموت فيضمحل أمره ويصير ماله لغيره وتغير رسومه، فحاله كحال أرض أصابها مطر فنبت عليها العشب نباتا معجبا أنيقا ثم هاج أي يبس وأصفر ثم تحطم وتفرق إلى أن اضمحل، قال: واختلف في المراد بالكفار، فقيل: جمع كافر بالله لأنهما أشد تعظيما للدنيا وإعجابا بمحاسنها. وقيل: المراد بهم الزراع مأخوذ من كفر الحب في الأرض أي ستره بها، وخصهم بالذكر لأنهم أهل البصر

(11/232)


بالنبات فلا يعجبهم إلا المعجب حقيقة، انتهى ملخصا. وقوله في آخر الآية {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} قال الفراء: لا يوقف على شديد لأن تقدير الكلام أنها إما عذاب شديد وإما مغفرة من الله ورضوان. واستحسن غيره الوقف على شديد لما فيه من المبالغة في التنفير من الدنيا والتقدير للكافرين، ويبتدئ {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} أي للمؤمنين. وقيل: إن قوله: "وفي الآخرة" قسيم لقوله: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} والأول صفة الدنيا وهي اللعب وسائر ما ذكر، والثاني صفة الآخرة وهي عذاب شديد لمن عصى ومغفرة ورضوان لمن أطاع. وأما قوله: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} إلخ" فهو تأكيد لما سبق أي تغر من كن إليها، وأما التقى فهي له بلاغ إلى الآخرة. ولما أورد الغزالي حديث المستورد في الإحياء عقبه بأن قال ما ملخصه: أعلم أن مثل أهل الدنيا في غفلتهم كمثل قوم ركبوا سفينة فانتهوا إلى جزيرة معشبة فخرجوا لقضاء الحاجة فحذرهم الملاح من التأخر فيها وأمرهم أن يقيموا بقدر حاجتهم وحذرهم أن يقلع بالسفينة ويتركهم، فبادر فرجع سريعا فصادف أحسن الأمكنة وأوسعها فاستقر فيه، وانقسم الباقون فرقا الأولى استغرقت في النظر إلى أزهارها المونقة وأنهارها المطردة وثمارها الطيبة وجواهرها ومعادنها، ثم استيقظ فبادر إلى السفينة فلقي مكانا دون الأول فنجا في الجملة، الثانية كالأولى لكنهما أكبت على تلك الجواهر والثمار والأزهار ولم تسمح نفسه لتركها فحمل منها ما قدر عليه فتشاغل بجمعه وحمله فوصل إلى السفينة فوجد مكانا أضيق من الأول ولم تسمح نفسه برمي ما استصحبه فصار مثقلا به، ثم لم يلبث أن ذبلت الأزهار ويبست الثمار وهاجت الرياح فلم يجد بدا من إلقاء ما استصحبه حتى نجا بحشاشة نفسه، الثالثة تولجت في الغياض غفلت عن وصية الملاح ثم سمعوا نداءه بالرحيل فمرت فوجدت السفينة سارت فبقيت بما استصحبت في البر حتى هلكت، والرابعة اشتدت بها الغفلة عن سماع النداء وسارت السفينة فتقسموا فرقا منهم من افترسته السباع ومنهم من تاه على وجهه حتى هلك ومنهم من مات جوعا ومنهم من نهشته الحيات، قال: فهذا مثل أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة وغفلتهم عن عاقبة أمرهم. ثم ختم بأن قال: وما أقبح من يزعم أنه بصير عاقل أن يغتر بالأحجار من الذهب والفضة والهشيم من الأزهار والثمار وهو لا يصحبه شيء من ذلك بعد الموت. والله المستعان.

(11/233)


3 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ
6416- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو المُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: كن في الدنيا كأنك غريب" هكذا ترجم ببعض الخبر إشارة إلى ثبوت رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن من رواه موقوفا قصر فيه. قوله: "عن الأعمش حدثني مجاهد" أنكر العقيلي هذه اللفظة وهي "حدثني مجاهد" وقال: إنما رواه الأعمش بصيغة "عن مجاهد" كذلك رواه أصحاب الأعمش عنه وكذا

(11/233)


أصحاب الطفاوي عنه، وتفرد ابن المديني بالتصريح قال ولم يسمعه الأعمش عن مجاهد وإنما من ليث بن أبي سليم عنه فدلسه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق الحسن بن قزعة "حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن الأعمش عن مجاهد" بالعنعنة وقال: قال الحسن بن قزعة ما سألني يحيى بن معين إلا عن هذا الحديث، وأخرجه ابن حبان في "روضة العقلاء" من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي عن الطفاوي بالعنعنة أيضا وقال: مكثت مدة أظن أن الأعمش دلسه عن مجاهد وإنما من ليث حتى رأيت علي بن المديني رواه عن الطفاوي فصرح بالتحديث، يشير إلى رواية البخاري التي في الباب. قلت: وقد أخرجه أحمد والترمذي من رواية سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وأخرجه ابن عدي في الكامل من طريق حماد بن شعيب عن أبي يحيى القتات عن مجاهد، وليث وأبو يحيى ضعيفان والعمدة على طريق الأعمش، وللحديث طريق أخرى أخرجه النسائي من رواية عبدة بن أبي لبابة عن ابن عمر مرفوعا، وهذا مما يقوي الحديث المذكور لأن رواته من رجال الصحيح، وإن كان اختلف في سماع عبدة من ابن عمر. قوله: "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي" فيه تعين ما أبهم في رواية ليث عند الترمذي "أخذ ببعض جسدي" والمنكب بكسر الكاف مجمع العضد والكتف، وضبط في بعض الأصول بالتثنية. قوله: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" قال الطيبي: ليست أو للشك بل للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى بل، فشبه الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن يأويه ولا مسكن يسكنه، ثم ترقى وأضرب عنه إلى عابر السبيل لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع وبينهما أودية مردية ومفاوز مهلكة وقطاع طريق فإن من شأنه أن لا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة، ومن ثم عقبه بقوله: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح إلخ" وبقوله: "وعد نفسك في أهل القبور" والمعنى استمر سائرا ولا تفتر، فإنك إن قصرت انقطعت وهلكت في تلك الأودية، وهذا معنى المشبه به، وأما المشبه فهو قوله: "وخذ من صحتك لمرضك" أي أن العمر لا يخلو عن صحة ومرض، فإذا كنت صحيحا فسر سير القصد وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة بحيث تكون ما بك من تلك الزيادة قائما مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف، زاد عبدة في روايته عن ابن عمر "اعبد الله كأنك تراه وكن في الدنيا" الحديث، وزاد ليث في روايته: "وعد نفسك في أهل القبور" وفي رواية سعيد بن منصور "وكأنك عابر سبيل" وقال ابن بطال: لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس بل هو مستوحش منهم إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه مستأنس به فهو دليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته عليه وتخفيفه من الأثقال غير مثبت بما يمنعه من قطع سفره معه زاده وراحلته يبلغانه إلى بغيته من قصده شبهه بهما، وفي ذلك إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل. وقال غيره: هذا الحديث أصل في الحث على الفراغ عن الدنيا والزهد فيها والاحتقار لها والقناعة فيها بالبلغة. وقال النووي: معنى الحديث لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه. وقال غيره: عابر السبيل هو المار على الطريق طالبا وطنه، فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده، فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسل فيه ثم يعود إلى وطنه ولا يتعلق بشيء غير ما هو فيه وقال غيره: المراد أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا منزلة الغريب فلا يعلق قلبه بشيء، من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع

(11/234)


إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى وطنه، وهذا شأن الغريب. أو يكون كالمسافر لا يستقر في مكان بعينه بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة. واستشكل عطف عابر السبيل على الغريب وقد تقدم جواب الطيبي، وأجاب الكرماني بأنه من عطف العام على الخاص، وفيه نوع من الترقي لأن تعلقاته أقل من تعلقات الغريب المقيم. قوله: "وكان ابن عمر يقول" في رواية ليث "وقال لي ابن عمر إذا أصبحت" الحديث. قوله: "وخذ من صحتك" أي زمن صحتك "لمرضك" في رواية ليث "لسقمك" والمعنى اشتغل في الصحة بالطاعة بحيث لو حصل تقصير في المرض لا يجبر بذلك. قوله: "ومن حياتك لموتك" في رواية ليث "قبل موتك" وزاد: "فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدا" أي هل يقال له شقي أو سعيد، ولم يرد اسمه الخاص به فإنه لا يتغير. وقيل المراد هل هو حي أو ميت. وهذا القدر الموقوف من هذا تقدم محصل معناه في حديث ابن عباس أول كتاب الرقاق، وجاء معناه من حديث ابن عباس أيضا مرفوعا أخرجه الحاكم "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه: اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" وأخرجه ابن المبارك في الزهد بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون، قال بعض العلماء: كلام ابن عمر منتزع من الحديث المرفوع، وهو متضمن لنهاية قصر الأمل، وأن العاقل ينبغي له إذا أمسى لا ينتظر الصباح وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظن أن أجله مدركه قبل ذلك. قال: وقوله: "خذ من صحتك إلخ" أي اعمل ما تلقى نفعه بعد موتك، وبادر أيام صحتك بالعمل الصالح فإن المرض قد يطرأ فيمتنع من العمل فيخشى على من فرط في ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد. ولا يعارض ذلك الحديث الماضي في الصحيح "إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحا مقيما" لأنه ورد في حق من يعمل، والتحذير الذي في حديث ابن عمر في حق من لم يعمل شيئا، فإنه إذا مرض ندم على تركه العمل، وعجز لمرضه عن العمل فلا يفيده الندم. وفي الحديث مس المعلم أعضاء المتعلم عند التعليم والموعوظ عند الموعظة وذلك للتأنيس والتنبيه، ولا يفعل ذلك غالبا إلا بمن يميل إليه، وفيه مخاطبة الواحد وإرادة الجمع، وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على إيصال الخير لأمته، والحض على ترك الدنيا والاقتصار على ما لا بد منه

(11/235)


4 - باب فِي الأَمَلِ وَطُولِهِ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ارْتَحَلَتْ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتْ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلاَ عَمَلٌ" بِمُزَحْزِحِهِ بِمُبَاعِدِهِ
6417- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُنْذِرٍ عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقَالَ هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ

(11/235)


بِهِ أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا"
6418- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطُوطًا فَقَالَ هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُ"
قوله: "باب في الأمل وطوله" الأمل بفتحتين رجاء ما تحبه النفس من طول عمر وزيادة غنى، وهو قريب المعنى من التمني. وقيل الفرق بينهما أن الأمل ما تقدم له سبب والتمني بخلافه. وقيل لا ينفك الإنسان من أمل، فإن فاته ما أمله عول على التمني. ويقال الأمل إرادة الشخص تحصيل شيء يمكن حصوله فإذا فاته تمناه. قوله: "وقوله تعالى {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} الآية" كذا للنسفي وساق في رواية كريمة وغيرها إلى الغرور، وقع في رواية أبي ذر إلى قوله: "فقد فاز" والمطلوب هنا ما سقط من روايته وهو الإشارة إلى أن متعلق الأمل ليس بشيء لأنه متاع الغرور، شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغره حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، والشيطان هو المدلس وهو الغرور بالفتح الناشئ عنه الغرور بالضم، وقد قرئ في الشاذ هنا بفتح الغين أي متاع الشيطان، ويجوز أن يكون بمعنى المفعول وهو المخدوع فتتفق القراءتان. قوله: "بمزحزحه: بمباعده" وقع هذا في رواية النسفي وكذا لأبي ذر عن المستملي والكشميهني، والمراد أن معنى قوله: "زحزح" في هذه الآية فمن زحزح بوعد، وأصل الزحزحة الإزالة، ومن أزيل عن الشيء فقد بوعد منه وقال للكرماني: مناسبة هذه الآية للترجمة أن في أول الآية "كل نفس ذائقة الموت" وفي آخرها {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أو أن قوله: {فَمَنْ زُحْزِحَ} مناسب لقوله: "وما هو بمزحزحه" وفي تلك الآية {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} قوله: "وقوله {ذرهم يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا} الآية" كذا لأبي ذر، وساق في رواية كريمة وغيرها إلى {يَعْلَمُونَ} وسقط قوله: "وقوله" للنسفي، قال الجمهور هي عامة. وقال جماعة هي في الكفار خاصة والأمر فيه للتهديد، وفيه زجر عن الانهماك في ملاذ الدنيا. قوله: "وقال علي بن أبي طالب ارتحلت الدنيا مدبرة إلخ" هذه قطعة من أثر لعلي جاء عنه موقوفا ومرفوعا، وفي أوله شيء مطابق للترجمة صريحا، فعند ابن أبي خشيبة في "المصنف" وابن المبارك في "الزهد" من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد وزبيد الأيامي عن رجل من بني عامر، وسمي في رواية لابن أبي شيبة مهاجر العامري، وكذا في "الحلية" من طريق أبي مريم عن زبيد عن مهاجر بن عمير قال: قال علي "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسى الآخرة. ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة" الحديث كالذي في الأصل سواء، ومهاجر المذكور هو العامري المبهم قبله وما عرفت حاله، وقد جاء مرفوعا أخرجه ابن أبي الدنيا في "كتاب قصر الأمل" من رواية اليمان بن حذيفة عن علي بن أبي حفصة مولى علي "عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أشد ما أتخوف عليكم خصلتين" فذكر معناه واليمان وشيخه لا يعرفان، وجاء من حديث جابر أخرجه أبو عبد الله بن منده من طريق المنكدر بن محمد ابن المنكدر عن أبيه عن جابر مرفوعا، والمنكدر ضعيف، وتابعه علي بن أبي علي اللهبي عن

(11/236)


ابن المنكدر بتمامه وهو ضعيف أيضا وفي بعض طرق هذا الحديث: "فاتباع الهوى يصرف بقلوبكم عن الحق، وطول الأمل يصرف هممكم إلى الدنيا". ومن كلام علي أخذ بعض الحكماء قوله: "الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة فعجب لمن يقبل على المدبرة ويدبر على المقبلة" وورد في ذم الاسترسال مع الأمل حديث أنس رفعه: "أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا" أخرجه البزار: وعن عبد الله بن عمرو رفعه: "صلاح أول هذه الأمة بالزهادة واليقين، وهلاك آخرها بالبخل والأمل" أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا، وقيل إن قصر الأمل حقيقة الزهد، وليس كذلك بل هو سبب، لأن من قصر أمله زهد، ويتولد من طول الأمل الكسل عن الطاعة، والتسويف بالتوبة، والرغبة في الدنيا، والنسيان للآخرة، والقسوة في القلب، لأن رقته وصفاءه إنما يقع بتذكير الموت والقبر والثواب والعقاب وأهوال القيامة كما قال تعالى: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} وقيل: من قصر أمله قل همه وتنور قلبه، لأنه إذا استحضر الموت اجتهد في الطاعة، وقل همه، ورضي بالقليل. وقال ابن الجوزي: الأمل مذموم للناس إلا للعلماء، فلولا أملهم لما صنفوا ولا ألفوا. وقال غيره: الأمل مطبوع في جميع بني آدم كما سيأتي في الحديث الذي في الباب بعده "لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين حب الدنيا وطول الأمل" وفي الأمل سر لطيف لأنه لولا الأمل ما تهنى أحد بعيش ولا طابت نفسه أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا، وإنما المذموم منه الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة، فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته. له في أثر علي "فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل" جعل اليوم نفس العمل والمحاسبة مبالغة وهو كقولهم نهاره صائم، والتقدير في الموضعين ولا حساب فيه ولا عمل فيه، وقوله: "ولا حساب" بالفتح بغير تنوين ويجوز الرفع منونا، وكذا قوله ولا عمل قوله: "يحيى بن سعيد" هو القطان، وسفيان هو الثوري، وأبوه سعيد بن مسروق، ومنذر هو ابن يعلى الثوري ووقع في رواية الإسماعيلي: "أبو يعلى" فقط، والربيع بن خثيم بمعجمة ومثلثة مصغر، وعبد الله هو ابن مسعود ومن الثوري فصاعدا كوفيون. قوله: "خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا" الخط الرسم والشكل، والمربع المستوى الزوايا قوله: "وخط خطا في الوسط خارجا منه وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط" قيل هذه صفة الخط:

(11/237)


والأول المعتمد، وسياق الحديث يتنزل عليه، فالإشارة بقوله: "هذا الإنسان" إلى النقطة الداخلة، وبقوله: "وهذا أجله محيط به" إلى المربع، وبقوله: "وهذا الذي هو خارج أمله" إلى الخط المستطيل المنفرد، وبقوله: "وهذه إلى الخطوط" وهي مذكورة على سبيل المثال لا أن المراد انحصارها في عدد معين، ويؤيده قوله في حديث أنس بعده "إذ جاءه الخط الأقرب" فإنه أشار به إلى الخط المحيط به، ولا شك أن الذي يحيط به أقرب إليه من الخارج عنه، وقوله: "خططا" بضم المعجمة والطاء الأولى للأكثر ويجوز فتح الطاء، وقوله: "هذا إنسان" مبتدأ وخبر أي هذا الخط هو الإنسان على التمثيل. قوله: "وهذه الخطط" بالضم فيهما أيضا. وفي رواية المستملي والسرخسي "وهذه الخطوط". قوله: "الأعراض" جمع عرض بفتحتين وهو ما ينتفع به له الدنيا في الخير وفي الشر، والعرض بالسكون ضد الطويل، ويطلق على ما يقابل النقدين والمراد هنا الأول. قوله: "نهشه" بالنون والشين المعجمة أي أصابه. واستشكلت هذه الإشارات الأربع مع أن الخطوط ثلاثة فقط وأجاب الكرماني بأن للخط الداخل اعتبارين: فالمقدار الداخل منه هر الإنسان والخارج أمله، والمراد بالأعراض الآفات العارضة له فإن سلم من هذا لم يسلم من هذا وإن سلم من الجميع ولم تصبه آفة من مرض أو فقد مال أو غير ذلك بغته الأجل. والحاصل أن من لم يمت بالسيب مات بالأجل. وفي الحديث إشارة إلى الحض على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل. وعبر بالنهش وهو لدغ ذات السم مبالغة في الإصابة والإهلاك. قوله:" حدثنا مسلم" هو ابن إبراهيم، وثبت كذلك في رواية الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن عبد العزيز بن سلام عنه. قوله: "همام" هو ابن يحيى وثبت كذلك في رواية الإسماعيلي. قوله: "عن إسحاق" في رواية الإسماعيلي: "حدثنا إسحاق" وهو ابن أخي أنس لأمه. قوله: "خطوطا" قد فسرت في حديث ابن مسعود. قوله: "فبينما هو كذلك" في رواية الإسماعيلي: "يأمل" وعند البيهقي في الزهد من وجه عن إسحاق سياق المتن أتمم منه ولفظه: "خط خطوطا وخط خطا ناحية ثم قال هل تدرون ما هذا؟ هذا مثل ابن آدم ومثل التمني، وذلك الخط الأمل، بينما يأمل إذ جاءه الموت" وإنما جمع الخطوط ثم اقتصر في التفصيل على اثنين اختصارا، والثالث الإنسان، والرابع الآفات. وقد أخرج الترمذي حديث أنس من رواية حماد بن سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر ابن أنس عن أنس بلفظ: "هذا ابن آدم وهذا أجله، ووضع يده عند قفاه ثم بسطها فقال: وثم أمله، وثم أجله إن أجله أقرب إليه من أمله". قال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد. قلت: أخرجه أحمد من رواية علي بن علي عن أبي المتوكل عنه ولفظه: "إن النبي صلى الله عليه وسلم غرز عودا بين يديه ثم غرز إلى جنبه آخر ثم غرز الثالث فأبعده ثم قال: هذا الإنسان وهذا أجله وهذا أمله"، والأحاديث متوافقة على أن الأجل أقرب من الأمل

(11/238)


5 - باب مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ
لِقَوْلِهِ تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ}
6419- حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ مُطَهَّرٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً"
تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُ عَجْلاَنَ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ"

(11/238)


6420- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لاَ يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ قَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ"
6421- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ حُبُّ الْمَالِ وَطُولُ الْعُمُرِ" رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ
قوله: "باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، لقوله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} كذا للأكثر، وسقط قوله: "لقوله تعالى" وفي رواية النسفي "يعني الشيب" وثبت قوله يعني الشيب في رواية أبي ذر وحده، وقد اختلف أهل التفسير فيه فالأكثر على أن المراد به الشيب لأنه يأتي في سن الكهولة فما بعدها، وهو علامة لمفارقة سن الصبي الذي هو مظنة اللهو. وقال علي: المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفوا أيضا في المراد بالتعمير في الآية على أقوال: أحدها أنه أربعون سنة، نقله الطبري عن مسروق وغيره، وكأنه أخذه من قوله: "بلغ أشده وبلغ أربعين سنة". والثاني ست وأربعون سنة أخرجه ابن مردويه من طريق مجاهد عن ابن عباس وتلا الآية، ورواته رجال الصحيح، إلا ابن خثيم فهو صدوق وفيه ضعف. والثالث سبعون سنة أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء عن ابن عباس {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} فقال نزلت تعييرا لأبناء السبعين، وفي إسناده يحيى بن ميمون وهو ضعيف الرابع ستون، وتمسك قائله بحديث الباب وورد في بعض طرقه التصريح بالمراد، فأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق سعيد بن سليمان عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة بلفظ: "العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم ستون سنة: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} وأخرجه ابن مردويه من طريق حماد بن زيد عن أبي حازم عن سهل بن سعد مثله. الخامس التردد بين الستين والسبعين أخرجه ابن مردويه من طريق أبي معشر عن سعيد عن أبي هريرة بلفظ: "من عمر ستين أو سبعين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر" وأخرجه أيضا من طريق معتمر بن سليمان عن معمر عن رجل من غفار يقال له محمد عن سعيد عن أبي هريرة بلفظ: "من بلغ الستين والسبعين" ومحمد الغفاري هو ابن معن الذي أخرجه البخاري من طريقه اختلف عليه في لفظه، كما اختلف على سعيد المقبري في لفظه، وأصح الأقوال في ذلك ما ثبت في حديث الباب ويدخله في هذا حديث: "معترك المنايا ما بين ستين وسبعين" أخرجه أبو يعلى من طريق إبراهيم بن الفضل عن سعيد عن أبي هريرة، وإبراهيم ضعيف.قوله: "حدثنا عبد السلام بن مطهر" بضم أوله وفتح المهملة وتشديد الهاء المفتوحة وشيخه عمر بن علي هو المقدمي، وقد تقدم بهذا الإسناد إلى أبي هريرة حديث آخر وذكرت أن عمر مدلس وأنه أورده بالعنعنة وبينت عذر البخاري في ذلك أنه وجد من وجه آخر مصرح فيه بالسماع، وأما هذا الحديث فقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن رجل من بني غفار عن سعيد المقبري بنحوه، وهذا الرجل المبهم هو معن بن محمد الغفاري، فهي متابعة قوية لعمر بن علي

(11/239)


أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن معمر، ووقع لشيخه فيه وهم ليس هذا موضع بيانه. قوله: "أعذر الله" الإعذار إزالة العذر، والمعنى أنه لم يبق له اعتذار كأن يقول لو مد لي في الأجل لفعلت ما أمرت به، يقال أعذر إليه إذا بلغه أقصى الغاية في العذر ومكنه منه. وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية، ونسبة الإعذار إلى الله مجازية والمعنى أن الله لم يترك للعبد سببا في الاعتذار يتمسك به. والحاصل أنه لا يعاقب إلا بعد حجه. قوله: "أخر أجله" يعني أطاله "حتى بلغه ستين سنة" وفي رواية معمر "لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى يبلغ ستين سنة أو سبعين سنة، لقد أعذر الله إليه، لقد أعذر الله إليه". قوله: "تابعه أبو حازم وابن عجلان عن المقبري" أما متابعة أبي حازم وهو سلمة بن دينار فأخرجها الإسماعيلي من طريق عبد العزيز بن أبي حازم "حدثني أبي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة "كذا أخرجه الحفاظ عن عبد العزيز بن أبي حازم وخالفهم هارون بن معروف فرواه عن ابن أبي حازم عن أبيه عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أخرجه الإسماعيلي، وإدخاله بين سعيد وأبي هريرة فيه رجلا من المزيد في متصل الأسانيد، وقد أخرجه أحمد والنسائي من رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سعيد المقبري عن أبي هريرة بغير واسطة. وأما طريق محمد بن عجلان فأخرجه أحمد من رواية سعيد بن أبي أيوب عن محمد بن عجلان عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: "من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله إليه في العمر" قال ابن بطال: إنما كانت الستون حدا لهذا لأنها قريبة من المعترك وهي سن الإنابة والخشوع وترقب المنية فهذا إعذار بعد إعذار لطفا من الله بعباده حتى نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجج الواضحة وإن كانوا فطروا على حب الدنيا وطول الأمل لكنهم أمروا بمجاهدة النفس في ذلك ليتمثلوا ما أمروا به من الطاعة وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية. وفي الحديث إشارة إلى أن استكمال الستين مظنة لانقضاء الأجل. وأصرح من ذلك ما أخرجه الترمذي بسند حسن إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رفعه: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك". قال بعض الحكماء الأسنان أربعة سن الطفولية، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون ما بين الستين والسبعين فحينئذ يظهر ضعف القوة بالنقص والانحطاط، فينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة. وقد استنبط منه بعض الشافعية أن من استكمل ستين فلم يحج مع القدرة فإنه يكون مقصرا: ويأثم إن مات قبل أن يحج، بخلاف ما دون ذلك. قوله: "يونس" هو ابن يزيد الأيلي. قوله: "لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل" المراد بالأمل هنا محبة طول العمر، فسره حديث أنس الذي بعده في آخر الباب، وسماه شابا إشارة إلى قوة استحكام حبه للمال، أو هو من باب المشاكلة والمطابقة. قوله: "قال ليث عن يونس، وابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب أخبرني سعيد" هو ابن المسيب "وأبو سلمة" يعني كلاهما عن أبي هريرة. أما رواية ليث وهو ابن سعد فوصلها الإسماعيلي من طريق أبي صالح كاتب الليث "حدثنا الليث حدثني يونس هو ابن يزيد عن ابن شهاب أخبرني سعيد وأبو سلمة عن أبي هريرة بلفظه إلا أنه قال: "المال" بدل الدنيا. وأما رواية ابن وهب فوصلها مسلم عن حرملة عنه بلفظ: "قلب الشيخ شاب على حب اثنتين طول الحياة وحب المال" وأخرجه الإسماعيلي من طريق أيوب بن سويد عن يونس

(11/240)


مثل رواية ابن وهب سواء، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن أبي هريرة بزيادة في أوله قال: "إن ابن آدم يضعف جسمه وينحل لحمه من الكبر وقلبه شاب" . قوله: "حدثنا مسلم" كذا لأبي ذر غير منسوب ولغيره: "حدثنا مسلم بن إبراهيم" وهشام هو الدستوائي. قوله: "يكبر" بفتح الموحدة أي يطعن في السن. قوله: "ويكبر معه" بضم الموحدة أي يعظم، ويجوز الفتح، ويجوز الضم في الأول تعبيرا عن الكثرة وهي كثرة عدد السنين بالعظم. قوله: "اثنتان حب المال وطول العمر" في رواية أبي عوانة عن قتادة عند مسلم: "يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان الحرص على المال، والحرص على العمر" ثم أخرجه من طريق معاذ بن هشام عن أبيه قاله بمثله. قوله: "رواه شعبة عن قتادة" وصله مسلم من رواية محمد بن جعفر عن شعبة ولفظه: "سمعت قتادة يحدث عن أنس، بنحوه" وأخرجه أحمد عن محمد بن جعفر بلفظ: "يهرم ابن آدم ويشب منه اثنتان" وفائدة هذا التعليق دفع توهم الانقطاع فيه لكون قتادة مدلسا وقد عنعنه، لكن شعبة لا يحدث عن المدلسين إلا بما علم أنه داخل في سماعهم فيستوي في ذلك التصريح والعنعنة بخلاف غيره. قال النووي هذا مجاز واستعارة ومعناه: أن قلب الشيخ كامل الحب للمال متحكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب في شبابه، هذا صوابه، وقيل في تفسيره غير هذا مما لا يرتضى، وكأنه أشار إلى قول عياض: هذا الحديث فيه من المطابقة وبديع الكلام الغاية، وذلك أن الشيخ من شأنه أن تكون آماله وحرصه على الدنيا قد بليت على بلاء جسمه إذا انقضى عمره ولم يبق له إلا انتظار الموت، فلما كان الأمر بضده ذم. قال: والتعبير بالشاب إشارة إلى كثرة الحرص وبعد الأمل الذي هو في الشباب أكثر وبهم أليق لكثرة الرجاء عادة عندهم في طول أعمارهم ودوام استمتاعهم ولذاتهم في الدنيا. قال القرطبي: في هذا الحديث كراهة الحرص على طول العمر وكثرة المال وأن ذلك ليس بمحمود. وقال غيره: الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه، فهو راغب في بقائها فأحب لذلك طول العمر، وأحب المال لأنه من أعظم الأسباب في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبا طول العمر، فكلما أحس بقرب نفاد ذلك أشتد حبه له ورغبته في دوامه. واستدل به على أن الإرداة في القلب خلافا لمن قال إنها في الرأس، قاله المازري. "تنبيه": قال الكرماني كان ينبغي له أن يذكر هذا الحديث في الباب السابق يعني "باب في الأمل وطوله". قلت: ومناسبته للباب الذي ذكره فيه ليست ببعيدة ولا خفية.

(11/241)


6 - باب الْعَمَلِ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ. فِيهِ سَعْدٌ
6422- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ وَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ
6423- قَالَ "سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصارِيَّ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ قَالَ غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَنْ يُوَافِيَ عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ"
6423- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ

(11/241)


رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلاَّ الْجَنَّةُ"
قوله: "باب العمل الذي يبتغي به وجه الله تعالى" ثبتت هذه الترجمة للجميع، وسقطت من شرح ابن بطال فأضاف حديثها عن عتبان الذي قبله، ثم أخذ في بيان المناسبة لترجمة من بلغ ستين سنة فقال: خشي المصنف أن يظن أن من بلغ الستين وهو مواظب على المعصية أن ينفذ عليه الوعيد، فأورد هذا الحديث المشتمل على أن كلمة الإخلاص تنفع قائلها، إشارة إلى أنها لا تخص أهل عمر دون عمر ولا أهل عمل دون عمل، قال: ويستفاد منه أن التوبة مقبولة ما لم يصل إلى الحد الذي ثبت النقل فيه أنها لا تقبل معه وهو الوصول إلى الغرغرة. وتبعه ابن المنير فقال: يستفاد منه أن الأعذار لا تقطع التوبة بعد ذلك وإنما تقطع الحجة التي جعلها الله للعبد بفضله، ومع ذلك فالرجاء باق بدليل حديث عتبان وما ذكر معه. قلت: وعلى ما وقع في الأصول فهذه مناسبة تعقيب الباب الماضي بهذا الباب. قوله: "فيه سعد" كذا للجميع، وسقط للنسفي وللإسماعيلي وغيرهما، وسعد فيما يظهر لي هو ابن أبي وقاص، وحديثه المشار إليه ما تقدم في المغازي وغيرها من رواية عامر بن سعد عن أبيه في قصة الوصية وفيه: "الثلث والثلث كثير" وفيه قوله: "فقلت يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة" الحديث، وقد تقدم هذا اللفظ في كتاب الهجرة إلى المدينة. قوله: "حدثنا معاذ بن أسد" هو المروزي، وشيخه عبد الله هو ابن المبارك. قوله: "غدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لن يوافي" هكذا أورده مختصرا، وليس هذا القول معقبا بالغدو بل بينهما أمور كثيرة من دخول النبي صلى الله عليه وسلم منزله وصلاته فيه وسؤالهم أن يتأخر عندهم حتى يطعموه وسؤاله عن مالك بن الدخشم وكلام من وقع في حقه والمراجعة في ذلك، وفي آخره ذلك القول المذكور هنا، وقد أورده في "باب المساجد في البيوت" في أوائل الصلاة وأورده أيضا مطولا من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري في أبواب صلاة التطوع، فخرج منه أيضا في أوائل الصلاة في "باب إذا زار قوما فصلى عندهم" عن معاذ بن أسد بالسند المذكور في حديث الباب من المتن طرفا غير المذكور هنا، وقوله في هذه الرواية: "حرم الله عليه النار" وقع في الرواية الماضية "حرمه الله على النار" قال الكرماني ما ملخصه: والمعنى واحد لوجود التلازم بين الأمرين، واللفظ الأول هو الحقيقة لأن النار تأكل ما يلقى فيها، والتحريم يناسب الفاعل فيكون اللفظ الثاني مجازا. قوله: "يعقوب بن عبد الرحمن" هو الإسكندراني. قوله: "عن عمرو" هو ابن أبي عمرو مولى المطلب. قوله: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء" أي ثواب ولم أر لفظ جزاء في رواية الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان، ولأبي نعيم من طريق السراج كلاهما عن قتيبة. قوله: "إذا قبضت صفيه" بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد التحتانية وهو الحبيب المصافي كالولد والأخ وكل من يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت. قوله: "ثم احتسبه إلا الجنة" قال الجوهري احتسب ولده إذا مات كبيرا. فإن مات صغيرا قيل أفرطه، وليس هذا التفصيل مرادا هنا بل المراد باحتسبه صبر على فقده راجيا الأجر من الله على ذلك، وأصل الحسبة بالكسر الأجرة، والاحتساب طلب الأجر من الله تعالى

(11/242)


خالصا. واستدل به ابن بطال على أن من مات له ولد واحد يلتحق بمن مات له ثلاثة وكذا اثنان، وأن قول الصحابي كما مضى في "باب فضل من مات له ولد" من كتاب الجنائز "ولم نسأله عن الواحد" لا يمنع من حصول الفضل لمن مات له واحد، فلعله صلى الله عليه وسلم سئل بعد ذلك عن الواحد فأخبر بذلك، أو أنه أعلم بأن حكم الواحد حكم ما زاد عليه فأخبر به. قلت: وقد تقدم في الجنائز تسمية من سأل عن ذلك، والرواية التي فيها "ثم لم نسأله عن الواحد" ولم يقع لي إذ ذاك وقوع السائل عن الواحد. وقد وجدت من حديث جابر ما أخرجه أحمد من طريق محمود ابن أسد عن جابر وفيه: "قلنا يا رسول الله واثنان؟ قال: واثنان. قال محمود فقلت لجابر أراكم لو قلتم واحدا لقال واحد، قال وأنا والله أظن ذاك" ورجاله موثقون. وعند أحمد والطبراني من حديث معاذ رفعه: "أوجب ذو الثلاثة. فقال له معاذ: وذو الاثنين؟ قال: وذو الاثنين" زاد في رواية الطبراني قال: "أو واحد" وفي سنده ضعف. وله في الكبير والأوسط من حديث جابر بن سمرة رفعه: "من دفن له ثلاثة فصبر" الحديث وفيه: "فقالت أم أيمن: وواحد؟ فسكت ثم قال: يا أم أيمن من دفن واحدا فصبر عليه واحتسبه وجبت له الجنة" وفي سندهما ناصح بن عبد الله وهو ضعيف جدا. ووجه الدلالة من حديث الباب أن الصفي أعم من أن يكون ولدا أم غيره وقد أفرد وتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه، ويدخل هذا ما أخرجه أحمد والنسائي من حديث قرة بن إياس "أن رجلا كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له، فقال: أتحبه؟ قال: نعم. ففقده فقال ما فعل فلان؟ قالوا: يا رسول الله مات ابنه، فقال: ألا تحب أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة، إلا وجدته ينتظرك. فقال رجل: يا رسول الله أله خاصة أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم" وسنده على شرط الصحيح وقد صححه ابن حبان والحاكم.

(11/243)


7 - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهَرَةِ الدُّنْيَا وَالتَّنَافُسِ فِيهَا
6425- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ "أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ كَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتْ الأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَتْهُ صَلاَةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ"
6426- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ "عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ

(11/243)


فَقَالَ إِنِّي فَرَطُكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا"
6427- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ قِيلَ وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِ قَالَ زَهْرَةُ الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ هَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَصَمَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ قَالَ أَنَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ لَقَدْ حَمِدْنَاهُ حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ قَالَ لاَ يَأْتِي الْخَيْرُ إِلاَّ بِالْخَيْرِ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضِرَةِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ فَاجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ"
6428- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا محمد بن جعفر حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ قَالَ "سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ فَمَا أَدْرِي قال النبي صلى الله عليه وسلم: بَعْدَ قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلاَ يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ"
6429- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ"
6430- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ "قَالَ سَمِعْتُ خَبَّابًا وَقَدْ اكْتَوَى يَوْمَئِذٍ سَبْعًا فِي بَطْنِهِ وَقَالَ لَوْلاَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِالْمَوْتِ إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمْ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا لاَ نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلاَّ التُّرَابَ"
6431- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ "قَالَ أَتَيْتُ خَبَّابًا وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ فَقَالَ إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ مَضَوْا لَمْ تَنْقُصْهُمْ الدُّنْيَا شَيْئًا وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ شَيْئًا لاَ نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلاَّ في التُّرَابَ"

(11/244)


6432- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ خَبَّابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.."
قوله: "باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها" المراد بزهرة الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها والتنافس يأتي بيانه في الباب. قوله: "إسماعيل بن عبد الله" هو ابن أبي أويس. قوله: "عن موسى بن عقبة" هو عم إسماعيل الراوي عنه. قوله: "قال: قال ابن شهاب" هو الزهري قوله: "أن عمرو بن عوف" تقدم بيان نسبه في الجزية. وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق وهم موسى وابن شهاب وعروة وصحابيان وهما المسور وعمرو، كلهم مدنيون وكذا بقية رجال الإسناد من إسماعيل فصاعدا. قوله: "إلى البحرين" سقط "إلى" من رواية الأكثر وثبتت للكشميهني. قوله: "فواقفت" في رواية المستملي والكشميهني: "فوافقت". قوله: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم" بنصب الفقر أي ما أخشى عليكم الفقر، ويجوز الرفع بتقدير ضمير أي ما الفقر أخشاه عليكم، والأول هو الراجح، وخص بعضهم جواز ذلك بالشعر، وهذه الخشية يحتمل أن يكون سببها علمه أن الدنيا ستفتح عليهم ويحصل لهم الغنى بالمال، وقد ذكر ذلك في أعلام النبوة مما أخبر صلى الله عليه وسلم بوقوعه قبل أن يقع فوقع. وقال الطيبي: فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمام بشأن الفقر، فإن الوالد المشفق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال، فأعلم صلى الله عليه وسلم أصحابه أنه وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب لكن حاله في أمر المال يخالف حال الوالد، وأنه لا يخشى عليهم الفقر كما يخشاه الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغني الذي هو مطلوب الوالد لولده. والمراد بالفقر العهدي وهو ما كان عليه الصحابة من قلة الشيء ويحتمل الجنس والأول أولى، ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى أن مضرة الفقر دون مضرة الغنى، لأن مضرة الفقر دنيوية غالبا ومضرة الغنى دينية غالبا. قوله: "فتنافسوها" بفتح المثناة فيها، والأصل فتنافسوا فحذفت إحدى التاءين، والتنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء ومحبة الانفراد به والمغالبة عليه، وأصلها من الشيء النفيس في نوعه، يقال نافست في الشيء منافسة ونفاسة ونفاسا، ونفس الشيء بالضم نفاسة صار مرغوبا فيه، ونفست به بالكسر بخلت، ونفست عليه لم أره أهلا لذلك. قوله: "فتهلككم" أي لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه فتمنع منه فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك. قال ابن بطال: فيه أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها، فلا يطمئن إلى زخرفها ولا ينافس غيره فيها، ويستدل به على أن الفقر أفضل من الغنى لأن فتنة الدنيا مقرونة بالغنى والغنى مظنة الوقوع في الفتنة التي قد تجر إلى هلاك النفس غالبا والفقير آمن من ذلك. حديث عقبة بن عامر في صلاته صلى الله عليه وسلم على شهداء أحد بعد ثمان سنين، وقد تقدم شرحه مستوفى في أواخر كتاب الجنائز وعلامات النبوة، وقوله: "أنا فرطكم" بفتح الفاء والراء أي السابق إليه. حديث أبي سعيد. قوله: "إسماعيل" هو ابن أبي أويس، وقد وافقه في رواية هذا الحديث عن مالك بتمامه ابن وهب وإسحاق بن محمد وأبو قرة، ورواه معن بن عيسى والوليد بن مسلم عن مالك مختصرا منهما طرفا، وليس هو في الموطأ قاله الدار قطني في "الغرائب". قوله: "عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أكثر ما أخاف عليكم" في رواية هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار

(11/245)


الماضية في كتاب الزكاة في أوله "إنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم" وفي رواية السرخسي "إني مما أخاف" وما في قوله ما يفتح في موضع نصب لأنها اسم أن، و "مما" في قوله: "إن مما" في موضع رفع لأنها الخبر. قوله: "زهرة الدنيا" زاد هلال "وزينتها" وهو عطف تفسير، وزهرة الدنيا بفتح الزاي وسكون الهاء. وقد قرئ في الشاذ عن الحسن وغيره بفتح الهاء فقيل هما بمعنى مثل جهرة وجهرة، وقيل بالتحريك جمع زاهر كفاجر وفجرة، والمراد بالزهرة الزينة والبهجة كما في الحديث، والزهرة مأخوذة من زهرة الشجر وهو نورها بفتح النون، والمراد ما فيها من أنواع المتاع والعين والثياب والزروع وغيرها مما يفتخر الناس بحسنه مع قلة البقاء. قوله: "فقال رجل" لم أقف على اسمه. قوله: "هل يأتي" في رواية هلال "أو يأتي" وهي بفتح الواو والهمزة للاستفهام والواو عاطفة على شيء مقدر أي تصير النعمة عقوبة؟ لأن زهرة الدنيا نعمة من الله فهل تعود هذه النعمة نقمة؟ وهو استفهام استرشاد لا إنكار، والباء في قوله: "بالشر" صلة ليأتي، أى هل يستجلب الخير الشر؟. قوله: "ظننت" في رواية الكشميهني: "ظننا" وفي رواية هلال "فرئينا" بضم الراء وكسر الهمزة وفي رواية الكشميهني: "فأرينا" بضم الهمزة. قوله: "ينزل عليه" أي الوحي، وكأنهم فهموا ذلك بالقرينة من الكيفية التي جرت عادته بها عندما يوحى إليه. قوله: "ثم جعل يمسح عن جبينه" في رواية الدار قطني "العرق" وفي رواية هلال "فيمسح عنه الرحضاء" بضم الراء وفتح المهملة ثم المعجمة والمد هو "العرق" وقيل الكثير، وقيل عرق الحمى، وأصل الرخص بفتح ثم سكون الغسيل، ولهذا فسره الخطابي أنه عرق يرخص الجلد لكثرته. قوله: "قال أبو سعيد لقد حمدناه حين طلع لذلك" في رواية المستملي: "حين طلع ذلك" وفي رواية هلال "وكأنه حمده". والحاصل أنهم لاموه أولا حيث رأوا سكوت النبي صلى الله عليه وسلم فظنوا أنه أغضبه، ثم حمدوه آخرا لما رأوا مسألته سببا لاستفادة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم. وأما قوله:" وكأنه حمده "فأخذوه من قرينة الحال. قوله: "لا يأتي الخير إلا بالخير" زاد في رواية الدار قطني تكرار ذلك ثلاث مرات. وفي رواية هلال "إنه لا يأتي الخير بالشر" ويؤخذ منه أن الرزق ولو كثر فهو من جملة الخير، إنما يعرض له الشر بعارض البخل به عمن يستحقه والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيرا فلا يكون شرا وبالعكس، ولكن يخشى على من رزق الخير أن يعرض له في تصرفه فيه ما يجلب له الشر. ووقع في مرسل سعيد المقبري عند سعيد بن منصور "أو خير هو؟ ثلاث مرات" وهو استفهام إنكار، أي أن المال ليس خيرا حقيقيا وإن سمي خيرا لأن الخير الحقيقي هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق، كما أن الشر الحقيقي فيه ما يعرض له من الإمساك عن الحق والإخراج في الباطل، وما ذكر في الحديث بعد ذلك من قوله: "إن هذا المال خضرة حلوة" كضرب المثل بهذه الجملة. قوله: "إن هذا المال" في رواية الدار قطني "ولكن هذا المال إلخ" ومعناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة، والعرب تسمى كل شيء مشرق ناضر أخضر. وقال ابن الأنباري: قوله: "المال خضرة حلوة" ليس هو صفة المال وإنما هو للتشبيه. كأنه قال: المال كالبقلة الخضراء الحلوة، أو التاء في قوله خضرة وحلوة باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا، أو على معنى فائدة المال أي أن الحياة به أو العيشة، أو أن المراد بالمال هنا الدنيا لأنه من زينتها، قال الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وقد وقع في حديث أبي سعيد أيضا المخرج في السنن "الدنيا خضرة حلوة" فيتوافق الحديثان، ويحتمل

(11/246)


أن تكون التاء فيهما للمبالغة. قوله: "وإن كل ما أنبت الربيع" أي الجدول، وإسناد الإثبات إليه مجازي والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى. وفي رواية هلال "وأن مما ينبت" ومما في قوله مما ينبت للتكثير وليست من للتبعيض لتوافق رواية: "كل ما أنبت" وهذا الكلام كله وقع كالمثل للدنيا، وقد وقع التصريح بذلك في مرسل سعيد المقبري. قوله: "يقتل حبطا أو يلم" أما حبطا فبفتح المهملة والموحدة والطاء مهملة أيضا، والحبط انتفاخ البطن من كثرة الأكل يقال حبطت الدابة تحبط حبطا إذا أصابت مرعى طيبا فأمعنت في الأكل حتى تنتفخ فتموت، وروي بالخاء المعجمة من التخبط وهو الاضطراب والأول المعتمد، وقوله: "يلم" بضم أوله أي يقرب من الهلاك.قوله: "إلا" بالتشديد على الاستثناء، وروي بفتح الهمزة وتخفيف اللام للاستفتاح. قوله: "آكلة" بالمد وكسر الكاف، "الخضر" بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين للأكثر وهو ضرب من الكلأ يعجب الماشية وواحدة خضرة وفي رواية الكشميهني بضم الخاء وسكون الضاد وزيادة الهاء في آخره. وفي رواية السرخسي "الخضراء" بفتح أوله وسكون ثانيه وبالمد، ولغيرهم بضم أوله وفتح ثانيه جمع خضرة. قوله: "امتلأت خاصرتاها" تثنية خاصرة بخاء معجمة وصاد مهملة وهما جانبا البطن من الحيوان. وفي رواية الكشميهني: "خاصرتها" بالإفراد. قوله: "أتت" بمثناة أي جاءت وفي رواية هلال "استقبلت". قوله: "اجترت" بالجيم أي استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف فأعادت مضغه. قوله: "وثلطت" بمثلثة ولام مفتوحتين ثم طاء مهملة وضبطها ابن التين بكسر اللام أي ألقت ما في بطنها رقيقا، زاد الدار قطني "ثم عادت فأكلت" والمعنى أنها إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت تحيلت في دفعه بأن تجتر فيزداد نعومة، ثم تستقبل الشمس فتحمي بها فيسهل خروجه؛ فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت، وهذا بخلاف من لم تتمكن من ذلك فإن الانتفاخ يقتلها سريعا، قال الأزهري: هذا الحديث إذا فرق لم يكد يظهر معناه، وفيه مثلان أحدهما للمفرط في جميع الدنيا المانع من إخراجها في وجهها وهو ما تقدم أي الذي يقتل حبطا. والثاني المقتصد في جمعها وفي الانتفاع بها وهو آكلة الخضر فإن الخضر ليس من أحرار البقول التي ينبتها الربيع ولكنها الحبة والحبة ما فوق البقل ودون الشجر التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها ولا منعها من مستحقها، فهو ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر، وأكثر ما تحبط الماشية إذا انحبس رجيعها في بطنها. وقال الزين بن المنير: آكلة الخضر هي بهيمة الأنعام التي ألف المخاطبون أحوالها في سومها ورعيها وما يعرض لها من البشم وغيره، والخضر والنبات الأخضر وقيل حرار العشب التي تستلذ الماشية أكله فتستكثر منه، وقيل هو ما ينبت بعد إدراك العشب وهياجه فإن الماشية تقتطف منه مثلا شيئا فشيئا ولا يصيبنها منه ألم، وهذا الأخير فيه نظر فإن سياق الحديث يقتضى وجود الحبط للجميع إلا لمن وقعت منه المداومة حتى اندفع عنه ما يضره، وليس المراد أن آكلة الخضر لا يحصل لها من أكله ضرر البتة، والمستنى آكلة الخضر بالوصف المذكور لا كل من اتصف بأنه آكلة الخضر، ولعل قائله وقعت له رواية فيها "يقتل أو يلم إلا آكلة الخضر" ولم يذكر ما بعده فشرحه على ظاهر هذا الاختصار. قوله: "فنعم المعونة" هو في رواية هلال "فنعم صاحب المسلم هو". قوله: "وإن أخذه بغير حقه" في رواية هلال "وأنه من يأخذه بغير حقه". قوله:" كالذي يأكل ولا يشبع" زاد هلال "ويكون شهيدا عليه يوم القيامة" يحتمل أن يشهد عليه حقيقة بأن ينطقه الله تعالى، ويجوز أن يكون

(11/247)


مجازا، والمراد شهادة الملك الموكل به. ويؤخذ من الحديث التمثيل لثلاثة أصناف، لأن الماشية إذا رعت الخضر للتغذية إما أن تقتصر منه على الكفاية، وإما أن تستكثر، الأول الزهاد والثاني إما أن يحتال على إخراج ما لو بقي لضر فإذا أخرجه زال الضر واستمر النفع، وإما أن يهمل ذلك، الأول العاملون في جميع الدنيا بما يجب من إمساك وبذل، والثاني العاملون في ذلك بخلاف ذلك. وقال الطيبي: يؤخذ منه أربعة أصناف: فمن أكل منه أكل مستلذ مفرط منهمك حتى تنتفخ أضلاعه ولا يقلع فيسرع إليه الهلاك، ومن أكل كذلك لكنه أخذ في الاحتيال لدفع الداء بعد أن استحكم فغلبه فأهلكه، ومن أكل كذلك لكنه بادر إلى إزالة ما يضره ويحيل في دفعه حتى انهضم فيسلم، ومن أكل غير مفرط ولا منهمك وإنما اقتصر على ما يسد جوعته ويمسك رمقه، فالأول مثال الكافر والثاني مثال العاصي الغافل عن الإقلاع والتوبة إلا عند فوتها والثالث مثال للمخلط المبادر للتوبة حيث تكون مقبولة والرابع مثال الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، وبعضها لم يصرح به في الحديث وأخذه منه محتمل، وقوله: "فنعم المعونة" كالتذييل للكلام المتقدم، وفيه حذف تقديره إن عمل فيه بالحق. وفيه إشارة إلى عكسه، وهو بئس الرفيق هو لمن عمل فيه بغير الحق، وقوله: "كالذي يأكل ولا يشبع" ذكر في مقابلة "فنعم المعونة هو" وقوله: "ويكون شهيدا عليه" أي حجة يشهد عليه بحرصه وإسرافه وإنفاقه فيما لا يرضى الله. وقال الزين بن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة: أولها تشبيه المال ونموه بالنبات وظهوره، ثانيها تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب، وثالثها تشبيه الاستكثار منه والادخار له بالشره في الأكل والامتلاء منه، ورابعها تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النفوس حتى أدى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السلح ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعا، وخامسها تشبيه المتقاعد عن جمعه وضمه بالشاه إذا استراحت وحطت جانبها مستقبلة عين الشمس فإنها من أحسن حالاتها سكونا وسكينة وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها، وسادسها تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها، وسابعها تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوا، فإن المال من شأنه أن يحرز ويشد وثاقه حبا له وذلك يقتضي منعه من مستحقه فيكون سببا لعقاب مقتنيه، وثامنها تشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع. وقال الغزالي: مثل المال مثل الحية التي فيها ترياق نافع وسم ناقع، فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرها ويعرف استخراج ترياقها كان نعمة، وإن أصابها الغبي فقد لقي البلاء المهلك. وفي الحديث جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة في غير خطبة الجمعة ونحوها. وفيه جلوس الناس حوله والتحذير من المنافسة في الدنيا. وفيه استفهام العالم عما يشكل وطلب الدليل لدفع المعارضة. وفيه تسمية المال خيرا، ويؤيده قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} وفي قوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْراً} . وفيه ضرب المثل بالحكمة وإن وقع في اللفظ ذكر ما يستهجن كالبول فإن ذلك يغتفر لما يترتب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام. وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي عند إرادة الجواب عما يسأل عنه، وهذا على ما ظنه الصحابة، ويجوز أن يكون سكوته ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة. وقد عد ابن دريد هذا الحديث وهو قوله: "إن مما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم" من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يسبق صلى الله عليه وسلم إلى معناه، وكل من وقع شيء منه في كلامه فإنما أخذه منه. ويستفاد منه ترك العجلة في الجواب إذا كان يحتاج إلى التأمل. وفيه لوم من ظن به تعنت في السؤال وحمد من أجاد فيه،

(11/248)


ويؤيد أنه من الوحي قوله يمسح العرق فإنها كانت عادته عند نزول الوحي كما تقدم في بدء الوحي "وإن جبينه ليتفصد عرقا" وفيه تفضيل الغني على الفقير، ولا حجة فيه لأنه يمكن التمسك به لمن لم يرجح أحدهما على الآخر. والعجب أن النووي قال: فيه حجة لمن رجح الغني على الفقير، وكان قبل ذلك شرح قوله: "لا يأتي الخير إلا بالخير" على أن المراد أن الخير الحقيقي لا يأتي إلا بالخير، لكن هذه الزهرة ليست خيرا حقيقيا لما فيها من الفتنة والمنافسة والاشتغال عن كمال الإقبال على الآخرة. قلت: فعلى هذا يكون حجة لمن يفضل الفقر على الغنى والتحقيق أن لا حجة فيه لأحد القولين. وفيه الحض على إعطاء المسكين واليتيم وابن السبيل. وفيه أن المكتسب للمال من غير حله لا يبارك له فيه لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع. وفيه ذم الإسراف وكثرة الأكل والنهم فيه، وأن اكتساب المال من غير حله وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه فيصير عير مبارك كما قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} . حديث عمران بن حصين. قوله: "سمعت أبا جمرة" هو بالجيم والراء وهو الضبعي نصر بن عمران، وقد روى شعبة عن أبي حمزة بالمهملة والزاي حديثا لكنه عند مسلم دون البخاري، وليس لشعبة في البخاري عن أبي جمرة بهذه الصورة إلا عن نصر بن عمران. وزهدم بالزاي وزن جعفر ومضرب بالضاد المعجمة ثم الموحدة والتشديد باسم الفاعل، وقد تقدم شرح هذا الحديث في الشهادات وفي أول فضائل الصحابة، وكذا الحديث الذي بعده. قوله: "عن أبي حمزة" بالمهملة والزاي هو محمد بن ميمون السكري، وإبراهيم هو النخعي، وعبيدة بفتح أوله هو ابن عمرو. حديث خباب أورده من طريقين في الأولى زيادة على ما في الثانية، وهو حديث واحد ذكر فيه بعض الرواة ما لم يذكر بعض وأبهم شيئا قاله شعبة، وقد تقدمت روايته له عن إسماعيل بن أبي خالد في أواخر كتاب المرضي قبل كتاب الطب وشرح هناك وزاد أحمد عن وكيع بهذا السند في هذا المتن فقال في أوله "دخلنا على خباب نعوده وهو يبني حائطا له فقال: إن المسلم يؤجر في كل شيء إلا ما يجعله في هذا التراب "وقد تقدم شرح هذه الزيادة هناك. وإسماعيل في الطريقين هر ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم ورجال الإسناد من وكيع فصاعدا كوفيون، ويحيى في السند الثاني هو ابن سعيد القطان وهو بصري. انظر الحديث السابق حديث خباب أيضا، ورجاله من شيخ البخاري فصاعدا كوفيون، وسفيان هو الثوري. قوله: "عن شقيق أبي وائل عن خباب" تقدم في الهجرة من طريق يحيى بن سعيد القطان عن الأعمش "سمعت أبا وائل حدثنا خباب". قوله: "هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قصه" كذا لأبي ذر، وهو بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ضمير، والمراد أن الراوي قص الحديث وأشار به إلى ما أخرجه بتمامه في أول الهجرة إلى المدينة عن محمد بن كثير بالسند المذكور هنا وقرنه برواية يحيى القطان عن الأعمش وساقه بتمامه وقال بعد المذكور هنا "فوقع أجرنا على الله تعالى، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير" الحديث، وقد تقدم ذكره في الجنائز وأحلت شرحه على ما هنا، وذكر في الهجرة في موضعين وفي غزوة أحد في موضعين وأحلت به في الهجرة على المغازي، ولم يتيسر في المغازي التعرض لشرحه ذهولا والله المستعان. وسيأتي بعد ثمانية أبواب في "باب فضل الفقر" إن شاء الله تعالى.

(11/249)


باب قول الله تعالى ياأيها الناس (إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا)
...
8- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ

(11/249)


يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} جَمْعُهُ سُعُرٌ قَالَ مُجَاهِدٌ الْغَرُورُ الشَّيْطَانُ
6433- حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِطَهُورٍ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَهُوَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَغْتَرُّوا"
قوله: "باب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ الآية إلى قوله: { السَّعِيرِ } كذا لأبي ذر، وساق في رواية كريمة الآيتين. قوله: "جمعه سعر" بضمتين يعني السعير، وهو فعيل بمعنى مفعول من السعر بفتح أوله وسكون ثانيه وهو الشهاب من النار. قوله: "وقال مجاهد: الغرور الشيطان" ثبت هذا الأثر هنا في رواية الكشميهني وحده، ووصله الفريابي في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهو تفسير قوله تعالى: {وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} وهو فعول بمعنى فاعل تقول غررت فلانا أصبت غرته ونلت ما أردت منه "والغرة" بالكسر غفلة في اليقظة والغرور كل ما يغر الإنسان، وإنما فسر بالشيطان لأنه رأس في ذلك. قوله: "شيبان" هو ابن عبد الرحمن، و "يحيى" هو ابن كثير، و "محمد بن إبراهيم" هو التيمي واسم جده الحارث بن خالد وكانت له صحبة. قوله: "أخبرني معاذ بن عبد الرحمن" أي ابن عثمان بن عبيد الله التيمي، وعثمان جده هو أخو طلحة بن عبيد الله، ووالده عبد الرحمن صحابي أخرج له مسلم، وكان يلقب شارب الذهب، وقتل مع ابن الزبير. ووقع في رواية الأوزاعي عن يحيى عن محمد بن إبراهيم عن شقيق بن سلمة. هذه رواية الوليد بن مسلم عند النسائي وابن ماجه. وفي رواية عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي بسنده "عن عيسى بن طلحة" بدل شقيق بن سلمة. قال المزي في "الأطراف": رواية الوليد أصوب. قلت: ورواية شيبان أرجح من رواية الأوزاعي لأن نافع بن جبير وعبد الله بن أبي سلمة وافقا محمد بن إبراهيم التيمي في روايته له عن معاذ بن عبد الرحمن، ويحتمل أن يكون الطريقان محفوظين لأن محمد بن إبراهيم صاحب حديث فلعله سمعه من معاذ ومن عيسى بن طلحة وكل منهما من رهطه ومن بلده المدينة النبوية، وأما شقيق بن سلمة فليس من رهطه ولا من بلده. والله أعلم. قوله: "أن ابن أبان أخبره" قال عياض وقع لأبي ذر والنسفي والكافة "أن ابن أبان أخبره" ووقع لابن السكن "أن حمران بن أبان" ووقع للجرجاني وحده "أن أبان أخبره" وهو خطأ. قلت: ووقع في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر "أن ابن أبان" وقد أخرجه أحمد عن الحسن بن موسى عن شيبان بسند البخاري فيه ووقع عنده "أن حمران بن أبان أخبره". قوله: "فأحسن الوضوء" في رواية نافع بن جبير عن حمران "فأسبغ الوضوء" وتقدم في الطهارة من وجه آخر عن حمران بيان صفة الإسباغ المذكور والتثليث فيه وقول عروة "إن هذا أسبغ الوضوء". قوله: "ثم قال من توضأ مثل هذا الوضوء" تقدم هناك توجيهه وتعقب من نفي ورود الرواية بلفظ: "مثل" وأن الحكمة في ورودها بلفظ: "نحو" التعذر على كل أحد أن يأتي بمثل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "ثم أتى المسجد فركع ركعتين ثم جلس" هكذا

(11/250)


أطلق صلاة ركعتين، وهو نحو رواية ابن شهاب. الماضية في كتاب الطهارة، وقيده مسلم في روايته من طريق نافع بن جبير عن حمران بلفظ: "ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو في المسجد" وكذا وقع في رواية هشام بن عروة عن أبيه عن حمران عنده "فيصلي صلاة" وفي أخرى له عنه "فيصلي الصلاة المكتوبة" وزاد: "إلا غفر الله له ما بينها وبين الصلاة التي تليها" أي التي سبقتها، وفيه تقييد لما أطلق قوله في الرواية الأخرى "غفر الله له ما تقدم من ذنبه" وإن التقدم خاص بالزمان الذي بين الصلاتين، وأصرح منه في رواية أبي صخرة عن حمران عند مسلم أيضا: "ما من مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب عليه فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينهن"، وتقدم من طريق عروة عن حمران "إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها" وله من طريق عمرو بن سعيد بن العاص عن عثمان بنحوه، وفيه تقييده بمن لم يغش الكبيرة، وقد بينت توجيه ذلك في كتاب الطهارة واضحا، والحاصل أن لحمران عن عثمان حديثين في هذا: أحدهما مقيد بترك حديث النفس وذلك في صلاة ركعتين مطلقا غير مقيد بالمكتوبة، والآخر في الصلاة المكتوبة في الجماعة أو في المسجد من غير تقييد بترك حديث النفس. قوله: "قال وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تغتروا" قدمت شرحه في الطهارة وحاصله لا تحملوا الغفران على عمومه في جميع الذنوب فتسترسلوا في الذنوب اتكالا على غفرانها بالصلاة، فإن الصلاة التي تكفر الذنوب هي المقبولة ولا اطلاع لأحد عليه. ظهر لي جواب آخر وهو أن المكفر بالصلاة هي الصغائر فلا تغتروا فتعملوا الكبيرة بناء على تكفير الذنوب بالصلاة فإنه خاص بالصغائر، أو لا تستكثروا من الصغائر فإنها بالإصرار تعطي حكم الكبيرة فلا يكفرها ما يكفر الصغيرة، أو أن ذلك خاص بأهل الطاعة فلا يناله من هو مرتبك في المعصية. والله أعلم.

(11/251)


9 - باب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ وَيُقَالُ الذِّهَابُ الْمَطَرُ
6434- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ بَيَانٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ لاَ يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ يُقَالُ حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ"
قوله: "باب ذهاب الصالحين" أي موتهم. قوله: "ويقال الذهاب المطر" ثبت هذا في رواية السرخسي وحده ومراده أن لفظ الذهاب مشترك على المضي وعلى المطر. وقال بعض أهل اللغة: الذهاب الأمطار اللينة، وهو جمع ذهبة بكسر أوله وسكون ثانيه. قوله: "حدثني يحيى بن حماد" هو من قدماء مشايخه، وقد أخرج عنه بواسطة في كتاب الحيض. قوله: "عن بيان" بموحدة ثم تحتانية خفيفة وهو ابن بشر، وقيس هو ابن أبي حازم، ومرداس الأسلمي هو ابن مالك، زاد الإسماعيلي: رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عنده في رواية محمد بن فضيل عن بيان، وتقدم من وجه آخر في غزوة الحديبية من كتاب المغازي أنه كان من أصحاب الشجرة أي الذين بايعوا بيعة الرضوان، وذكر مسلم في الوحدان وتبعه جماعة ممن صنف فيها أنه لم يرو عنه إلا قيس بن أبي حازم، ووقع في "التهذيب للمزي" في ترجمة مرداس هذا أنه روى عنه زياد بن علاقة أيضا، وتعقب بأنه مرداس آخر أفرده أبو

(11/251)


علي بن السكن في الصحابة عن مرداس بن مالك وقال: إنه مرداس بن غروة. وممن فرق بينهما البخاري والرازي والبستي ورجحه ابن السكن. قوله: "يذهب الصالحون الأول فالأول" في رواية عبد الواحد بن غياث عن أبي عوانة عند الإسماعيلي: "يقبض" بدل يذهب والمراد قبض أرواحهم، وعنده من رواية خالد الطحان عن بيان "يذهب الصالحون أسلافا وقبض الصالحون الأول فالأول" والثانية تفسير للأولى.قوله: "ويبقى حثالة أو حفالة" هو شك هل هي بالثاء المثلثة أو بالفاء والحاء المهملة في الحالين ووقع في رواية عبد الواحد "حثالة" بالمثلثة جزما.قوله: "كحثالة الشعير أو التمر" يحتمل الشك ويحتمل التنويع، وقع في رواية عبد الواحد "كحثالة الشعير" فقط. وفي رواية: "حتى لا يبقى إلا مثل حثالة التمر والشعير" زاد غير أبي ذر من رواة البخاري: قال أبو عبد الله وهو البخاري حثالة وحفالة يعني أنهما بمعنى واحد.وقال الخطابي: الحثالة بالفاء وبالمثلثة الرديء من كل شيء، وقيل آخر ما يبقى من الشعير والتمر وأردأه. وقال ابن التين: الحثالة سقط الناس، وأصلها ما يتساقط من قشور التمر والشعير وغيرهما.وقال الداودي: ما يسقط من الشعير عند الغربلة ويبقى من التمر بعد الأكل.ووجدت لهذا الحديث شاهدا من رواية الفزارية امرأة عمر بلفظ: "تذهبون الخير فالخير حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر ينزو بعضهم على بعض نزو المعز" أخرجه أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر" وليس فيه تصريح برفعه لكن له حكم المرفوع. قوله: "لا يباليهم الله بالة" قال الخطابي: أي لا يرفع لهم قدرا ولا يقيم لهم وزنا، يقال باليت بفلان وما باليت به مبالاة وبالية وبالة.وقال غيره: أصل بالة بالية فحذفت الياء تخفيفا. وتعقب قول الخطابي بأن بالية ليس مصدرا لباليت وإنما هو اسم مصدره. وقال أبو الحسن القابسي: سمعته في الوقف بالة، ولا أدري كيف هو في الدرج، والأصل باليته بالاة فكأن الألف حذفت في الوقف. كذا قال، وتعقبه ابن التين بأنه لم يسمع في مصدره بالاة. قال: ولو علم القابسي ما نقله الخطابي أن بالة مصدر مصادر لما احتاج إلى هذا التكلف. قلت: تقدم في المغازي من رواية عيسى بن يونس عن بيان بلفظ:" لا يعبأ الله بهم شيئا "وفي رواية عبد الواحد" لا يبالي الله عنهم" وكذا في رواية خالد الطحان، و "عن" هنا بمعنى الباء يقال ما باليت به وما باليت عنه، وقول يعبأ بالمهملة الساكنة والموحدة مهموز أي لا يبالي، وأصله من العبء بالكسر ثم الموحدة مهموز وهو الثقل فكأن معنى لا يعبأ به أنه لا وزن له عنده. ووقع في آخر حديث الفزارية المذكور آنفا" على أولئك تقوم الساعة "قال ابن بطال: في الحديث أن موت الصالحين من أشراط الساعة.وفيه الندب إلى الاقتداء بأهل الخير، والتحذير من مخالفتهم خشية أن يصير من خالفهم ممن لا يعبأ الله به.وفيه أنه يجوز انقراض أهل الخير في آخر الزمان حتى لا يبقى إلا أهل الشر، واستدل به على جواز خلو الأرض من عالم حتى لا يبقى إلا أهل الجهل صرفا. ويؤيده الحديث الآتي في الفتن "حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا" وسيأتي بسط القول في هذه المسألة هناك إن شاء الله تعالى.
"تنبيه": وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد الله حفالة وحثالة أي أنها رويت بالفاء وبالمثلثة، وهما بمعنى واحد.

(11/252)


باب ما يتقى من فتنة المال وقوله تعالى (إنما أموالكم وأولادكم فتنة)
...
10- باب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ, وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}

(11/252)


6435- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ"
6436- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ "سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا وَلاَ يَمْلاَ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ"
[الحديث 6436- طرفه في: 6437]
6437- حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ "سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالًا لاَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ وَلاَ يَمْلاَ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلاَ أَدْرِي مِنْ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لاَ قَالَ وَسَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ"
6438- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ "سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًا ملآن مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا وَلاَ يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ"
6439- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ "قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ وَلَنْ يَمْلاَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ
6440- وَقَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ "عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُبَيٍّ قَالَ كُنَّا نَرَى هَذَا مِنْ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ {أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ}
قوله: "باب ما يتقى" بضم أوله وبالمثناة والقاف. قوله: "من فتنة المال" أي الالتهاء به. قوله: "وقول الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} أي تشغل البال عن القيام بالطاعة، وكأنه أشار بذلك إلى ما أخرجه الترمذي وابن حيان والحاكم وصححوه من حديث كعب بن عياض "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال" وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور عن جبير بن نفير مثله وزاد: "ولو سيل لابن آدم

(11/253)


واديان من مال لتمنى إليه ثالثا" الحديث وبها تظهر المناسبة جدا؛ وقوله سيل بكسر المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام على البناء للمجهول يقال سال الوادي إذا جرى ماؤه، وأما الفتنة بالولد فورد فيه ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن صححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث بريدة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران فنزل عن المنبر فحملها فوضعهما بين يديه ثم قال: صدق الله ورسوله، إنما أموالكم وأولاكم فتنة" الحديث وظاهر الحديث أن قطع الخطبة والنزول لهما فتنة دعا إليها محبة الولد فيكون مرجوحا، والجواب أن ذلك إنما هو في حق غيره، وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فهو لبيان الجواز فيكون في حقه راجحا، ولا يلزم من فعل الشيء لبيان الجواز أن لا يكون الأولى ترك فعله ففيه تنبيه على أن الفتنة بالولد مراتب، وإن هذا من أدناها، وقد يجر إلى ما فوقه فيحذر.قوله: "حدثني يحيى بن يوسف" هو الزمي بكسر الزاي وتشديد الميم ويقال له ابن أبي كريمة فقيل هي كنية أبيه وقيل.هو جده واسمه كنيته، أخرج عنه البخاري بغير واسطة في الصحيح وأخرج عنه خارج الصحيح بواسطة. قوله: "أخبرني أبو بكر بن عياش" بمهملة تحتانية ثقيلة ثم معجمة، ووقع في رواية غير أبي ذر "حدثنا". قوله: "عن أبي حصين" بمهملتين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم. وفي رواية غير أبي ذر أيضا: "حدثنا". قوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية الإسماعيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الإسماعيلي وافق أبا بكر على رفعه شريك القاضي، وقيس بن الربيع عن أبي حصين، وخالفهم إسرائيل فرواه عن أبي حصين موقوفا. قلت: إسرائيل أثبت منهم، ولكن اجتماع الجماعة يقاوم ذلك، وحينئذ تتم المعارضة بين الرفع والوقف فيكون الحكم للرفع والله أعلم. وقد تقدم هذا الحديث سندا ومتنا في باب الحراسة في الغزو من كتاب الجهاد، وهو من نوادر ما وقع في هذا الجامع الصحيح. قوله: "تعس" بكسر العين المهملة ويجوز الفتح أي سقط والمراد هنا هلك. وقال ابن الأنباري: التعس الشر، قال تعالى: {فَتَعْساً لَهُمْ} أراد ألزمهم الشر، وقيل التعس البعد أي بعدا لهم.وقال غيره قولهم تعسا لفلان نقيض قولهم لعا له، فتعسا دعاء عليه بالعثرة ولعا دعاء له بالانتقاش.قوله: "عبد الدينار" أي طالبه الحريص على جمعه القائم على حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده. قال الطيبي: قيل خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا يجد خلاصا، ولم يقل مالك الدينار ولا جامع الدينار لأن المذموم من الملك والجمع الزيادة على قدر الحاجة. وقوله: "إن أعطى إلخ "يؤذن بشدة الحرص على ذلك. وقال غيره: جعله عبدا لهما لشغفه وحرصه، فمن كان عبدا لهواه لم يصدق في حقه "إياك نعبد" فلا يكون من اتصف بذلك صديقا. قوله: "والقطيفة" هي الثوب الذي له خمل "والخميصة الكساء المربع" وقد تقدم الحديث، في كتاب الجهاد من رواية عبد الله بن دينار عن أبي صالح بلفظ: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" وقوله وانتكس أي عاوده المرض فعلى ما تقدم من تفسير التعس بالسقوط يكون المراد أنه إذا قام من سقطته عاوده السقوط، ويحتمل أن يكون المعنى بانتكس بعد تعس انقلب على رأسه بعد أن سقط. ثم وجدته في شرح الطيبي، قال في قوله: "تعس وانتكس" فيه الترقي في الدعاء عليه لأنه إذا تعس انكب على وجهه فإذا انتكس انقلب على رأسه، وقيل التعس الخر على الوجه والنكس الخر على الرأس. وقوله في الرواية المذكورة "وإذا شيك" بكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم كاف أي إذا

(11/254)


دخلت فيه شوكة لم يجد من يخرجها بالمنقاش وهو معنى قوله فلا انتقش، ويحتمل أن يريد لم يقدر الطبيب أن يخرجها.وفيه إشارة إلى الدعاء عليه بما يثبطه عن السعي والحركة، وسوغ الدعاء عليه كونه قصر عمله على جمع الدنيا واشتغل بها عن الذي أمر به من التشاغل بالواجبات والمندوبات.قال الطيبي: وإنما خص انتقاش الشوكة بالذكر لأنه أسهل ما يتصور من المعاونة، فإذا انتفى ذلك الأسهل انتفى ما فوقه بطريق الأولى.قوله: "إن أعطي" بضم أوله. قوله: "وإن لم يعط لم يرض" وقع من وجه آخر عن أبي بكر بن عياش عند ابن ماجه والإسماعيلي بلفظ الوفاء عوض الرضا وأحدهما ملزوم للآخر غالبا. قوله: "عن عطاء" هو ابن أبي رباح، وصرح في الرواية الثانية بسماع ابن جريج له من عطاء، وهذا هو الحكمة في إيراد الإسناد النازل عقب العالي إذ بينه وبين ابن جريح في الأول واحد وفي الثاني اثنان، وفي السند الثاني أيضا فائدة أخرى وهي الزيادة في آخره، ومحمد في الثاني هو ابن سلام وقد نسب في رواية أبي زيد المروزي كذلك، ومخلد بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة. قوله: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم" هذا من الأحاديث التي صرح فيها ابن عباس بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قليلة بالنسبة لمرويه عنه، فإنه أحد المكثرين، ومع ذلك فتحمله كان أكثره عن كبار الصحابة. قوله: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا" في الرواية الثانية "لو أن لابن آدم واديا مالا لأحب أن له إليه مثله" ونحوه في حديث أنس في الباب وجمع بين الأمرين في الباب أيضا، ومثله في مرسل جبير بن نفير الذي قدمته وفي حديث أبي الذي سأذكره، وقوله: "من مال" فسره في حديث ابن الزبير بقوله: "من ذهب" ومثله في حديث أنس في الباب وفي حديث زيد بن أرقم عند أحمد وزاد: "وفضة" وأوله مثل لفظ رواية ابن عباس الأولى، ولفظه عند أبي عبيدة في فضائل القرآن "كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى الثالث" وله من حديث جابر بلفظ: "لو كان لابن آدم وادي نخل" وقوله: "لابتغى" بالغين المعجمة وهو افتعل بمعنى الطلب، ومثله في حديث زيد بن أرقم، وفي الرواية الثانية "أحب" وكذا في حديث أنس. وقال في حديث أنس "لتمنى مثله ثم تمنى مثله حتى يتمنى أودية". قوله: "ولا يملأ جوف ابن آدم" في رواية حجاج بن محمد عن ابن جريح عند الإسماعيلي: "نفس" بدل "جوف" وفي حديث جابر كالأول، وفي مرسل حبير بن نفير "ولا يشبع" بضم أوله "جوف" وفي حديث ابن الزبير "ولا يسد جوف" وفي الرواية الثانية في الباب: "ولا يملأ عين" وفي حديث أنس فيه: "ولا يملأ فاه" ومثله في حديث أبي واقد عند أحمد، وله في حديث زيد بن أرقم "ولا يملأ بطن" قال الكرماني: ليس المراد الحقيقة في عضو بعينه بقرينة عدم الانحصار في التراب إذ غيره يملؤه أيضا، بل هو كناية عن الموت لأنه مستلزم للامتلاء، فكأنه قال لا يشبع من الدنيا حتى يموت، فالغرض من العبارات كلها واحد وهي من التفنن في العبارة. قلت: وهذا يحسن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث، وأما إذا اتحدت فهو من تصرف الرواة، ثم نسبة الامتلاء للجوف واضحة، والبطن بمعناه، وأما النفس فعبر بها عن الذات وأطلق الذات وأراد البطن من إطلاق الكل وإرادة البعض، وأما بالنسبة إلى الفم فلكونه الطريق إلى الوصول للجوف، ويحتمل أن يكون المراد بالنفس العين، وأما العين فلأنها الأصل في الطلب لأنه يرى ما يعجبه فيطلبه ليحوزه إليه، وخص البطن في أكثر الروايات لأن أكثر ما يطلب المال لتحصيل المستلذات أكثرها يكون للأكل والشرب. وقال الطيبي: وقع قوله: "ولا يملأ إلخ" موقع التذييل والتقرير للكلام السابق كأنه قيل ولا يشبع من خلق من

(11/255)


التراب إلا بالتراب.ويحتمل أن تكون الحكمة في ذكر التراب، دون غيره أن المرء لا ينقضي طمعه حتى يموت، فإذا مات كان من شأنه أن يدفن فإذا دفن صب عليه التراب فملأ حوفه وفاه وعينيه ولم يبق منه موضع يحتاج إلى تراب غيره.وأما النسبة إلى الفم فلكونه الطريق إلى للوصول للجوف.قوله: "ويتوب الله على من تاب" أي أن الله يقبل التوبة من الحريص كما يقبلها من غيره، قيل وفيه إشارة إلى ذم الاستكثار من جمع المال وتمني ذلك والحرص عليه، للإشارة إلى أن الذي يترك ذلك يطلق عليه أنه تاب، ويحتمل أن يكون تاب بالمعنى اللغوي وهو مطلق الرجوع أي رجع عن ذلك الفعل والتمني. وقال الطيبي: يمكن أن يكون معناه أن الآدمي مجبول على حب المال وأنه لا يشبع من جمعه إلا من حفظه الله تعالى ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه وقليل ما هم، فوضع "ويتوب" موضعه إشعارا بأن هذه الجبلة مذمومة جارية مجرى الذنب، وأن إزالتها ممكنة بتوفيق الله وتسديده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ففي إضافة الشح إلى النفس دلالة على أنه غريزة فيها. وفي قوله: "ومن يوق" إشارة إلى إمكان إزالة ذلك، ثم رتب الفلاح على ذلك قال: وتؤخذ المناسبة أيضا من ذكر التراب، فإن فيه إشارة إلى أن الآدمي خلق من التراب ومن طبعه القبض واليبس، وأن إزالته ممكنة بأن يمطر الله عليه ما يصلحه حتى يثمر الخلال الزكية والخصال المرضية، قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً} فوقع قوله: "ويتوب الله إلخ" موقع الاستدراك، أي أن ذلك العسر الصعب يمكن أن يكون يسيرا على من يسره الله تعالى عليه. قوله: "قال ابن عباس: فلا أدري من القرآن هو أم لا" يعني الحديث المذكور، وسيأتي بيان ذلك في الكلام على حديث أبي. قوله: "قال وسمعت ابن الزبير" القائل هو عطاء، وهو متصل بالسند المذكور. وقوله: "على المنبر" بين في الرواية التي بعدها أنه منبر مكة، وقوله: "ذلك" إشارة إلى الحديث، وظاهره أنه باللفظ المذكور بدون زيادة ابن عباس. قوله: "عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل" أي غسيل الملائكة وهو حنظلة بن أبي عامر الأوسي، وهو جد سليمان المذكور لأنه ابن عبد الله بن حنظلة، ولعبد الله صحبة وهو من صغار الصحابة وقتل يوم الحرة وكان الأمير على طائفة الأنصار يومئذ، وأبوه استشهد بأحد وهو من كبار الصحابة وأبوه أبو عامر يعرف بالراهب وهو الذي بني مسجد الضرار بسببه ونزل فيه القرآن. وعبد الرحمن معدود في صغار التابعين لأنه لقي بعض صغار الصحابة، وهذا الإسناد من أعلى ما في صحيح البخاري لأنه في حكم الثلاثيات وإن كان رباعيا، وعباس بن سهل بن سعد هو ولد الصحابي المشهور. قوله: "عبد العزيز" هو الأويسي، وصالح هو ابن كيسان، وابن شهاب هو الزهري. قوله: "أحب أن يكون" كذا وقع بغير لام وهو جائز، وقد تقدم من رواية ابن عباس بلفظ: "لأحب" قوله: "وقال لنا أبو الوليد" هو الطيالسي هشام بن عبد الملك، وشيخه حماد بن سلمة لم يعدوه فيمن خرج له البخاري موصولا، بل علم المزي على هذا السند في" الأطراف" علامة التعليق، وكذا رقم لحماد بن سلمة في التهذيب علامة التعليق ولم ينبه على هذا الموضع، وهو مصير منه إلى استواء قال فلان وقال لنا فلان، وليس بجيد لأن قوله قال لنا ظاهر في الوصل وإن كان بعضهم قال إنها للإجازة أو للمناولة أو للمذاكرة فكل ذلك في حكم الموصول، وإن كان التصريح بالتحديث أشد اتصالا، والذي ظهر لي بالاستقراء من صنيع البخاري أنه لا يأتي بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه، كأن يكون

(11/256)


ظاهره الوقف، أو في السند من ليس على شرطه في الاحتجاج، فمن أمثلة الأول قوله في كتاب النكاح في "باب ما يحل من النساء وما يحرم": "قال لنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد هو القطان" فذكر عن ابن عباس قال: "حرم من النسب سبع ومن الصهر سبع" الحديث، فهذا من كلام ابن عباس فهو موقوف، وإن كان يمكن أن يتلمح له ما يلحقه بالمرفوع. ومن أمثلة الثاني قوله في المزارعة "قال لنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان العطار" فذكر حديث أنس "لا يغرس مسلم غرسا" الحديث، فأبان ليس على شرطه كحماد بن سلمة، وعبر في التخريج لكل منهما بهذه الصيغة لذلك، وقد علق عنهما أشياء بخلاف الواسطة التي بينه وبينه وذلك تعليق ظاهر؛ وهو أظهر في كونه لم يسقه مساق الاحتجاج من هذه الصيغة المذكورة هنا، لكن السر فيه ما ذكرت وأمثلة ذلك في الكتاب كثيرة تظهر لمن تتبعها. قوله: "عن ثابت" هو البناني ويقال إن حماد بن سلمة كان أثبت الناس في ثابت، وقد أكثر مسلم من تخريج ذلك محتجا به ولم يكثر من الاحتجاج بحماد بن سلمة كإكثاره في احتجاجه بهذه النسخة. قوله: "عن أبي" هو ابن كعب، وهذا من رواية صحابي عن صحابي وإن كان أبي أكبر من أنس. قوله: "كنا نرى" بضم النون أوله أي نظن، ويجوز فتحها من الرأي أي نعتقد. قوله: "هذا" لم يبين ما أشار إليه بقوله هذا، وقد بينه الإسماعيلي من طريق موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة ولفظه: "كنا نرى هذا الحديث من القرآن: لو أن لابن آدم واديين من مال لتمني واديا ثالثا "الحديث دون قوله: "ويتوب الله إلخ". قوله: "حتى نزلت {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} " زاد في رواية موسى بن إسماعيل "إلى آخر السورة" وللإسماعيلي أيضا من طريق عفان ومن طريق أحمد بن إسحاق، الحضرمي قالا "حدثنا حماد بن سلمة" فذكر مثله وأوله "كنا نرى أن هذا من القرآن إلخ". "تنبيه": هكذا وقع حديث أبي بن كعب من رواية ثابت عن أنس عنه مقدما على رواية ابن شهاب عن أنس في هذا الباب عند أبي ذر، وعكس ذلك غيره وهو الأنسب، قال ابن بطال وغيره: قوله: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} خرج على لفظ الخطاب لأن الله فطر الناس على حب المال والولد فلهم رغبة في الاستكثار من ذلك، ومن لازم ذلك الغفلة عن القيام بما أمروا به حتى يفجأهم الموت. وفي أحاديث الباب ذم الحرص والشره ومن ثم آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة باليسير والرضا بالكفاف، ووجه ظنهم أن الحديث المذكور من القرآن ما تضمنه من ذم الحرص على الاستكثار من جمع المال والتقريع بالموت الذي يقطع ذلك ولا بد لكل أحد منه، فلما نزلت هذه السورة وتضمنت معنى ذلك مع الزيادة عليه علموا أن الأول من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شرحه بعضهم على أنه كان قرآنا ونسخت تلاوته لما نزلت: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} فاستمرت تلاوتها فكانت ناسخة لتلاوة ذلك. وأما الحكم فيه والمعنى فلم ينسخ إذ نسخ التلاوة لا يستلزم المعارضة بين الناسخ والمنسوخ كنسخ الحكم، والأول أولى، وليس ذلك من النسخ في شيء. قلت: يؤيد ما رده ما أخرجه الترمذي من طريق زر بن حبيش "عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ عليه {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} قال وقرأ فيها: إن الدين عند الله الحنيفية السمحة" الحديث، وفيه: "وقرأ عليه: لو أن لابن آدم واديا من مال" الحديث وفيه: "ويتوب الله على من تاب" وسنده جيد، والجمع بينه وبين حديث أنس عن أبي المذكور آنفا أنه يحتمل أن يكون أبي لما قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم "لم يكن" وكان هذا الكلام في آخر ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم احتمل عنده أن يكون بقية السورة واحتمل أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتهيأ له أن يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك حتى

(11/257)


نزلت: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} فلم ينتف الاحتمال. ومنه ما وقع عند أحمد وأبي عبيد في "فضائل القرآن" من حديث أبي واقد الليثي قال: "كنا نأتي النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه فيحدثنا، فقال لنا ذات يوم: إن الله قال إنما أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان" الحديث بتمامه، وهذا يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر به عن الله تعالى على أنه من القرآن، ويحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية، والله أعلم وعلى الأول فهو مما نسخت تلاوته جزما وإن كان حكمه مستمرا. ويؤيد هذا الاحتمال ما أخرج أبو عبيد في "فضائل القرآن" من حديث أبي موسى قال: "قرأت سورة نحو براءة فغبت وحفظت منها: ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا" الحديث، ومن حديث جابر "كنا نقرأ لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب إليه مثله"

(11/258)


11 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ" , وقوله تَعَالَى {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قَالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ إِلاَّ أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ
6441- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ هَذَا الْمَالُ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ قَالَ لِي يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا المال خضرة حلوة" تقدم شرحه قريبا في "باب ما يحذر من زهرة الدنيا" في شرح حديث أبي سعيد الخدري.قوله: "وقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} الآية" كذا لأبي ذر، ولأبي زيد المروزي {حُبُّ الشَّهَوَاتِ} الآية" وللإسماعيلي مثل أبي ذر وزاد:" إلى قوله: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وساق ذلك في رواية كريمة. وقوله: "زين" قيل الحكمة في ترك الإفصاح بالذي زين أن يتناول اللفظ جميع من تصح نسبة التزيين إليه، وإن كان العلم أحاط بأنه سبحانه وتعالى هو الفاعل بالحقيقة، فهو الذي أوجد الدنيا وما فيها وهيأها للانتفاع وجعل القلوب مائلة إليها، وإلى ذلك الإشارة بالتزيين ليدخل فيه حديث النفس ووسوسة الشيطان، ونسبة ذلك إلى الله تعالى باعتبار الخلق والتقدير والتهيئة، ونسبة ذلك للشيطان باعتبار ما أقدره الله عليه من التسلط على الآدمي بالوسوسة الناشئ عنها حديث النفس. وقال ابن التين بدأ في الآية بالنساء لأنهن أشد الأشياء فتنة للرجال، ومنه حديث: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" قال: ومعنى تزيينها إعجاب الرجل بها وطواعيته لها. والقناطير جمع قنطار، واختلف في تقديره فقيل سبعون ألف دينار وقيل سبعة آلاف دينار وقيل مائة وعشرون رطلا وقيل مائة رطل وقيل ألف مثقال وقيل ألف ومائتا أوقية،

(11/258)


وقيل معناه الشيء الكثير مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه. وقال ابن عطية: القول الأخير قيل هذا أصح الأقوال لكن يختلف القنطار في البلاد باختلافها في قدر الوقية. قوله: "وقال عمر: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرج بما زينته لنا، اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه" سقط هذا التعليق في رواية أبي زيد المروز، وفي هذا الأثر إشارة إلى أن فاعل التزيين المذكور في الآية هو الله، وأن تزيين ذلك بمعنى تحسينه في قلوب بني آدم وأنهم جبلوا على ذلك، لكن منهم من استمر على ما طبع عليه من ذلك وانهمك فيه وهو المذموم، ومنهم من راعى فيه الأمر والنهي ووقف عند ما حد له من ذلك وذلك بمجاهدة نفسه بتوفيق الله تعالى له فهذا لم يتناوله الذم، ومنهم من ارتقى عن ذلك فزهد فيه بعد أن قدر عليه وأعرض عنه مع إقباله عليه وتمكنه منه، فهذا هو المقام المحمود، وإلى ذلك الإشارة بقول عمر "اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه" وأثره هذا وصله الدار قطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري "أن عمر بن الخطاب أتى بمال من المشرق يقال له نفل كسرى، فأمر به فصب وغطى، ثم دعا الناس فاجتمعوا ثم أمر به فكشف عنه، فإذا حلى كثير وجوهر ومتاع، فبكى عمر وحمد الله عز وجل فقالوا له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ هذه غنائم غنمها الله لنا ونزعها من أهلها، فقال: ما فتح من هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم واستحلوا حرمتهم. قال فحدثني زيد بن أسلم أنه بقى من ذلك المال مناطق وخواتم فرفع، فقال له عبد الله بن أرقم: حتى متى تحبسه لا تقسمه؟ قال: بلى إذا رأيتني فارغا فآذني به، فلما رآه فارغا بسط شيئا في حش نخلة ثم جاء به في مكتل فصبه. فكأنه استكثره ثم قال: اللهم أنت قلت {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} ، فتلا الآية حتى فرغ منها ثم قال: لا نستطيع إلا أن نحب ما زينت لنا، فقني شره وارزقني أن أنفقه في حقك، فما قام حتى ما بقي منه شيء" وأخرجه أيضا من طريق عبد العزيز بن يحيى المدني عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه نحوه، وهذا موصول لكن في سنده إلى عبد العزيز ضعف. وقال بعد قوله واستحلوا حرمتهم وقطعوا أرحامهم: فما رام حتى قسمه، وبقيت منه قطع. وقال بعد قوله لا نستطيع إلا أن يتزين لنا ما زينت لنا. والباقي نحوه، وزاد في آخره قصة أخرى. قوله: "سفيان" هو ابن عيينة. قوله: "ثم قال: إن هذا المال، ربما قال سفيان: قال لي يا حكيم إن هذا المال" فاعل قال أولا هو النبي صلى الله عليه وسلم والقائل "ربما" هو علي بن المدايني راويه عن سفيان، والقائل قال لي هو حكيم بن حزام صحابي الحديث المذكور، وحكيم بالرفع بغير تنوين منادى مفرد حذف منه حرف النداء، وظاهر السياق إن حكيما قال لسفيان وليس كذلك لأنه لم يدركه لأن بين وفاة حكيم ومولد سفيان نحو الخمسين سنة ولهذا لا يقرأ حكيم بالتنوين وإنما المراد أن سفيان رواه مرة بلفظ: "ثم قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا المال" ومرة بلفظ: "ثم قال لي يا حكيم إن هذا المال إلخ" وقد وقع بإثبات حرف النداء في معظم الروايات، وإنما سقط من رواية أبي زيد المروزي، وتقدم شرح قوله: "فمن أخذه بطيب نفس إلخ" في باب "الاستعفاف عن المسألة" من كتاب الزكاة، وتقدم شرح قوله في آخره: "واليد العليا خير من اليد السفلى" في "باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى" من كتاب الزكاة أيضا، وقوله: "بورك له فيه" زاد الإسماعيلي من رواية إبراهيم بن يسار عن سفيان بسنده ومتنه، وإبراهيم كان أحد الحفاظ وفيه مقال.

(11/259)


6442- حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ "قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ قَالَ فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ"
قوله: "باب ما قدم من ماله فهو له" الضمير للإنسان المكلف، وحذفه للعلم به وإن لم يجر له ذكر.قوله: "عمر بن حفص" أي ابن غياث. وعبد الله هو ابن مسعود، ورجال السند كلهم كوفيون. قوله: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله" أي أن الذي يخلفه الإنسان من المال وإن كان هو في الحال منسوبا إليه فإنه باعتبار انتقاله إلى وارثه يكون منسوبا للوارث، فنسبته للمالك في حياته حقيقية ونسبته للوارث في حياة المورث مجازية ومن بعد موته حقيقية. قوله: "فإن ماله ما قدم" أي هو الذي يضاف إليه في الحياة وبعد الموت بخلاف المال الذي يخلفه، وقد أخرجه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن الأعمش به سندا ومتنا وزاد في آخره: "ما تعدون الصرعة فيكم" الحديث وزاد فيه أيضا: "ما تعدون الرقوب فيكم" قال ابن بطال وغيره: فيه التحريض على تقديم ما يمكن تقديمه من المال في وجوه القربة والبر لينتفع به في الآخرة، فإن كل شيء يخلفه المورث يصير ملكا للوارث فإن عمل فيه بطاعة الله اختص بثواب ذلك وكان ذلك الذي تعب في جمعه ومنعه، وإن عمل فيه بمعصية الله فذاك أبعد لمالكه الأول من الانتفاع به إن سلم من تبعته. ولا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم لسعد "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة" لأن حديث سعد محمول على من تصدق بماله كله أو معظمه في مرضه، وحديث ابن مسعود في حق من يتصدق في صحته وشحه.

(11/260)


باب المكثرزن هم المقلون
...
13 - باب الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْمُقِلُّونَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
6443- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ "عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ مَنْ هَذَا قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لِي اجْلِسْ هَا هُنَا قَالَ فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ قَالَ فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لاَ أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ وَإِنْ

(11/260)


سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ" قَالَ النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالأَعْمَشُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لاَ يَصِحُّ إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ مُرْسَلٌ أَيْضًا لاَ يَصِحُّ وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا إِذَا مَاتَ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ"
قوله: "باب المكثرون هم المقلون" كذا للأكثر، وللكشميهني: "الأقلون" وقد ورد الحديث باللفظين، ووقع في رواية المعرور عن أبي ذر "الأخسرون" بدل "المقلون" وهو بمعناه بناء على أن المراد بالقلة في الحديث قلة الثواب وكل من قل ثوابه فهو خاسر بالنسبة لمن كثر ثوابه.قوله: "وقوله {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} الآيتين" كذا لأبي ذر. وفي رواية أبي زيد بعد قوله وزينتها {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} ومثله للإسماعيلي لكن قال: "إلى قوله: {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ولم يقل الآية. وساق الآيتين في رواية الأصيلي وكريمة. واختلف في الآية فقيل: هي على عمومها في الكفار وفيمن يرائي بعمله من المسلمين، وقد استشهد بها معاوية لصحة الحديث الذي حدث به أبو هريرة مرفوعا في المجاهد والقارئ والمتصدق "لقوله تعالى لكل منهم: إنما عملت ليقال فقد قيل فبكى معاوية لما سمع هذا الحديث ثم تلا هذه الآية" أخرجه الترمذي مطولا وأصله عند مسلم، وقيل بل هي في حق الكفار خاصة بدليل الحصر في قوله في الآية التي تليها {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ} والمؤمن في الجملة مآله إلى الجنة بالشفاعة أو مطلق العفو، والوعيد في الآية بالنار وإحباط العمل وبطلانه إنما هو للكافر.وأجيب عن ذلك بأن الوعيد بالنسبة إلى ذلك العمل الذي وقع الرياء فيه فقط فيجازي فاعله بذلك إلا أن يعفو الله عنه، وليس المراد إحباط جميع أعماله الصالحة التي لم يقع فيها رياء. والحاصل أن من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له وجوزي في الآخرة بالعذاب لتجريده قصده إلى الدنيا وإعراضه على الآخرة، وقيل نزلت في المجاهدين خاصة وهو ضعيف؛ وعلى تقديره ثبوته فعمومها شامل لكل مراء، وعموم قوله: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} أي في الدنيا مخصوص بمن لم يقدر الله له ذلك لقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} فعلى هذا التقييد يحمل ذلك المطلق، وكذا يقيد مطلق قوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} وبهذا يندفع إشكال من قال قد يوجد بعض الكفار مقترا عليه في الدنيا غير موسع عليه من المال أو من الصحة أو من طول العمر، بل قد يوجد من هو منحوس الحظ من جميع ذلك كمن قيل في حقه {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} ومناسبة ذكر

(11/261)


الآية في الباب لحديثه أن في الحديث إشارة إلى أن الوعيد الذي فيها محمول على التأقيت في حق من وقع له ذلك من المسلمين لا على التأييد لدلالة الحديث على أن مرتكب جنس الكبيرة من المسلمين يدخل الجنة، وليس فيه ما ينفي أنه قد يعذب قبل ذلك، كما أنه ليس في الآية ما ينفي أنه قد يدخل الجنة بعد التعذيب على معصية الرياء. قوله: "حدثنا جرير" هو ابن عبد الحميد، وقد روى جرير بن حازم هذا الحديث لكن عن الأعمش عن زيد ابن وهب كما سيأتي بيانه، لكن قتيبة لم يدركه ابن حازم، وعبد العزيز بن رفيع بفاء ومهملة مصغر مكي سكن الكوفة وهو من صغار التابعين لقي بعض الصحابة كأنس. قوله: "عن أبي ذر" في رواية الأعمش الماضية في الاستئذان عن زيد بن وهب "حدثنا والله أبو ذر بالربذة" بفتح الراء والموحدة بعدها معجمة مكان معروف من عمل المدينة النبوية وبينهما ثلاث مراحل من طريق العراق، سكنه أبو ذر بأمر عثمان ومات به في خلافته، وقد تقدم بيان سبب ذلك في كتاب الزكاة. قوله: "خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده ليس معه إنسان" هو تأكيد لقوله: "وحده" ويحتمل أن يكون لرفع توهم أن يكون معه أحد من غير جنس الإنسان من ملك أو جني. وفي رواية الأعمش عن زيد بن وهب عنه "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء" فأفادت تعيين الزمان والمكان، والحرة مكان معروف بالمدينة من الجانب الشمالي منها وكانت به الوقعة المشهورة في زمن يزيد بن معاوية. وقيل الحرة الأرض التي حجارتها سود، وهو يشمل جميع جهات المدينة التي لا عمارة فيها، وهذا يدل على أن قوله في رواية المعرور بن سويد عن أبي ذر "انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ظل الكعبة وهو يقول هم الأخسرون ورب الكعبة" فذكر قصة المكثرون وهي قصة أخرى مختلفة الزمان والمكان والسياق. قوله: "فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد فجعلت أمشي في ظل القمر" أي في المكان الذي ليس للقمر فيه ضوء ليخفي شخصه، وإنما استمر يمشي لاحتمال أن يطرأ للنبي صلى الله عليه وسلم حاجة فيكون قريبا منه. قوله: "فالتقت فرآني فقال: من هذا" كأنه رأى شخصه ولم يتميز له. قوله: "فقلت أبو ذر" أي أنا أبو ذر. قوله: "جعلني الله فداءك" في رواية أبي الأحوص في الباب بعده عن الأعمش وكذا لأبي معاوية عن الأعمش عند أحمد "فقلت لبيك يا رسول الله" وفي رواية حفص عن الأعمش كما مضى في الاستئذان "فقلت لبيك وسعديك". قوله: "فقال أبا ذر تعال" في رواية الكشميهني: "تعاله" بهاء السكت؛ قال الداودي: فائدة الوقوف على هاء السكت أن لا يقف على ساكنين نقله ابن التين، وتعقب بأن ذلك غير مطرد، وقد اختصر أبو زيد المروزي في روايته سياق الحديث في هذا الباب فقال بعد قوله: "ليس معه أحد" فذكر الحديث وقال فيه: "إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة": هكذا عنده وساق الباقون الحديث بتمامه، ويأتي شرحه مستوفي في الباب الذي بعده. قوله: "وقال النضر بن شميل أنبأنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت والأعمش وعبد العزيز بن رفيع قالوا حدثنا زيد بن وهب بهذا" الغرض بهذا التعليق تصريح الشيوخ الثلاثة المذكورين بأن زيد بن وهب حدثهم، والأولان نسبا إلى التدليس مع أنه لو ورد من رواية شعبة بغير تصريح لأمن فيه التدليس لأنه كان لا يحدث عن شيوخه إلا بما لا تدليس فيه، وقد ظهرت فائدة ذلك في رواية جرير بن حازم عن الأعمش فإنه زاد فيه بين الأعمش وزيد بن وهب رجلا مبهما، ذكر ذلك الدار قطني في "العلل" فأفادت هذه الرواية المصرحة أنه من المزيد في متصل الأسانيد. وقد اعترض الإسماعيلي على قول البخاري في هذا السند "بهذا" فأشار إلى رواية عبد العزيز ابن رفيع، واقتضى ذلك أن رواية

(11/262)


شعبة هذه نظير روايته فقال: ليس في حديث قصة المقلين والمكثرين، إنما فيه قصة من مات لا يشرك بالله شيئا قال: والعجب من البخاري كيف أطلق ذلك ثم ساقه موصولا من طريق حميد ابن زنجويه حدثنا النضر بن شميل عن شعبة ولفظه: "أن جبريل بشرني أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق". قيل لسليمان يعني الأعمش إنما روى هذا الحديث عن أبي الدرداء، فقال: إنما سمعته عن أبي ذر.ثم أخرجه من طريق معاذ حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت وبلال والأعمش وعبد العزيز بن رفيع سمعوا زيد بن وهب عن أبي ذر زاد فيه راويا وهو بلال وهو ابن مرداس الفزاري، شيخ كوفي أخرج له أبو داود، وهو صدوق لا بأس به. وقد أخرجه أبو داود الطيالسي عن شعبة كرواية النضر ليس فيه بلال، وقد تبع الإسماعيلي على اعتراضه المذكور جماعة منهم مغلطاي ومن بعده، والجواب عن البخاري واضح على طريقة أهل الحديث لأن مراده أصل الحديث، فإن الحديث المذكور في الأصل قد اشتمل على ثلاثة أشياء فيجوز إطلاق الحديث على كل واحد من الثلاثة إذا أريد بقول البخاري "بهذا" أي بأصل الحديث لا خصوص اللفظ المساق، فالأول من الثلاثة "ما يسرني أن لي أحدا ذهبا" وقد رواه عن أبي ذر أيضا بنحوه الأحنف بن قيس وتقدم في الزكاة، والنعمان الغفاري وسالم بن أبي الجعد وسويد بن الحارث كلهم عن أبي ذر، وروياتهم عند أحمد، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أبو هريرة وهو في آخر الباب من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنه، وسيأتي في كتاب التمني من طريق همام، وأخرجه مسلم من طريق محمد بن زياد وهو عند أحمد من طريق سليمان بن يسار كلهم عن أبي هريرة كما سأبينه. الثاني حديث المكثرين والمقلين، وقد رواه عن أبي ذر أيضا المعرور بن سويد كما تقدمت الإشارة إليه والنعمان الغفاري وهو عند أحمد أيضا. الثالث حديث: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" وفي بعض طرقه: "وإن زنى وإن سرق" وقد رواه عن أبي ذر أيضا أبو الأسود الدؤلي وقد تقدم في اللباس، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أبو هريرة كما سيأتي بيانه لكن ليس فيه بيان "وإن زنى وإن سرق" وأبو الدرداء كما تقدمت الإشارة إليه من رواية الإسماعيلي، وفيه أيضا فائدة أخرى وهو أن بعض الرواة قال عن زيد بن وهب عن أبي الدرداء، فلذلك قال الأعمش لزيد ما تقدم في رواية حفص بن غياث عنه: قلت لزيد بلغني أنه أبو الدرداء، فأفادت رواية شعبة أن حبيبا وعبد العزيز وافقا الأعمش على أنه عن زيد بن وهب عن أبي ذر لا عن أبي الدرداء، وممن رواه عن زيد بن وهب عن أبي الدرداء محمد بن إسحاق فقال عن عيسى بن مالك عن زيد بن وهب عن أبي الدرداء أخرجه النسائي، والحسن بن عبيد الله النخعي أخرجه الطبراني من طرقه عن زيد بن وهب عن أبي الدرداء بلفظ: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" فقال أبو الدرداء "وإن زنى وإن سرق" قال: "وإن زنى وإن سرق" فكررها ثلاثا وفي الثالثة "وإن رغم أنف أبي الدرداء" وسأذكر بقية طرقه عن أبي الدرداء في آخر الباب الذي يليه. وذكره الدار قطني في "العلل" فقال يشبه أن يكون القولان صحيحين. قلت: وفي حديث كل منهما في بعض الطرق ما ليس في الأخر.

(11/263)


باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أحب أن يكون لي مثل أحد ذهبا
...
14 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا
6444- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ "قَالَ أَبُو

(11/263)


ذَرٍّ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلاَّ شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ إِلاَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ثُمَّ مَشَى فَقَالَ إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمْ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ثُمَّ قَالَ لِي مَكَانَكَ لاَ تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدْ ارْتَفَعَ فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي لاَ تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ وَهَلْ سَمِعْتَهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَقَالَ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ"
6445- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ "قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لاَ تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاَثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا" لم أر لفظ هذا في رواية الأكثر، لكنه ثابت في لفظ الخبر الأول. قوله: "حدثنا الحسن بن الربيع" هو أبو علي البوراني بالموحدة والراء وبعد الألف نون، وأبو الأحوص هو سلام بالتشديد ابن سليم. قوله: "فاستقبلنا أحد" في رواية عبد العزيز بن رفيع "فالتفت فرآني" كما تقدم وتقدم قصة المكثيرين والمقلين، وقوله: "فاستقبلنا أحد" هو بفتح اللام، وأحد بالرفع على الفاعلية. وفي رواية حفص بن غياث "فاستقبلنا أحدا" بسكون اللام وأحدا بالنصب على المفعولية. قوله: "فقال يا أبا ذر، فقلت: لبيك يا رسول الله" زاد في رواية سالم بن أبي الجعد ومنصور عن زيد بن وهب عند أحمد "فقال: يا أبا ذر أي جبل هذا؟ قلت: أحد" وفي رواية الأحنف الماضية في الزكاة "يا أبا ذر أتبصر أحدا؟ قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار، وأنا أرى أن يرسلني في حاجة له فقلت: نعم". قوله: "ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار" في رواية حفص بن غياث "ما أحب أن لي أحدا ذهبا يأتي علي يوم وليلة أو ثلاث عندي منه دينار" وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش عن أحمد "ما أحب أن لي أحدا ذاك ذهبا" وفي رواية أبي شهاب عن الأعمش في الاستئذان "فلما أبصر أحدا قال: ما أحب أنه تحول لي ذهبا يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث" قال ابن مالك تضمن هذا الحديث استعمال حول بمعنى صير وأعمالها عملها، وهو استعمال صحيح خفي على أكثر النحاة، وقد جاءت هذه الرواية مبينة لما لم يسم فاعله فرفعت أول المفعولين وهو ضمير عائد على أحد ونصب ثانيهما وهو قوله:

(11/264)


"ذهبا" فصارت ببنائها لما لم يسم فاعله جارية مجرى صار في رفع المبتدأ ونصب الخبر. انتهى كلامه. وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث، وهو متحد المخرج فهو من تصرف الرواة فلا يكون حجة في اللغة، ويمكن الجمع بين قوله: "مثل أحد" وبين قوله: "تحول لي أحد" يحمل المثلية على شيء يكون وزنه من الذهب وزن أحد، والتحويل على أنه إذا انقلب ذهبا كان قدر وزنه أيضا. وقد اختلفت ألفاظ رواته عن أبي ذر أيضا: ففي رواية سالم ومنصور عن زيد بن وهب بعد قوله قلت أحد قال: "والذي نفسي بيده ما يسرني أنه ذهب قطعا أنفقه في سبيل الله أدع منه قيراطا" وفي رواية سويد بن الحارث عن أبي ذر "ما يسرني أن لي أحدا ذهبا أموت يوم أموت وعندي منه دينار أو نصف دينار". واختلفت ألفاظ الرواة أيضا في حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب كما سأذكره. قوله: "تمضي علي ثالثة" أي ليلة ثالثة، قيل وإنما قيد بالثلاثة لأنه لا يتهيأ تفريق قدر أحد من الذهب في أقل منها غالبا، ويعكر عليه رواية: "يوم وليلة" فالأولى أن يقال الثلاثة أقصى ما يحتاج إليه في تفرقة مثل ذلك، والواحدة أقل ما يمكن. قوله: "إلا شيئا أرصده لدين" أي أعداه أو أحفظه. وهذا الإرصاد أعم من أن يكون لصاحب دين غائب حتى يحضر فيأخذه، أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفى. ووقع في رواية حفص وأبي شهاب جميعا عن الأعمش "إلا دينار" بالرفع، والنصب والرفع جائزان لأن المستثنى منه مطلق عام والمستثنى مقيد خاص فاتجه للنصب، وتوجيه الرفع أن المستثنى منه في سياق النفي وجواب لو هنا في تقدير النفي، ويجوز أن يحمل النفي الصريح في أن لا يمر على حمل إلا على الصفة، وقد فسر الشيء في هذه الرواية بالدينار، ووقع في رواية سويد بن الحارث عن أبي ذر "وعندي منه دينار أو نصف دينار" وفي رواية سالم ومنصور "أدع منه قيراطا. قال قلت: قنطارا؟ قال: قيراطا" وفيه:" ثم قال يا أبا ذر إنما أقول الذي هو أقل" ووقع في رواية الأحنف "ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير" فظاهره نفي محبة حصول المال ولو مع الإنفاق وليس مرادا، وإنما المعنى نفي إنفاق البعض مقتصرا عليه، فهو يحب إنفاق الكل إلا ما استثنى، وسائر الطرق تدل على ذلك، ويؤيده أن في رواية سليمان بن يسار عن أبي هريرة عند أحمد "ما يسرني أن أحدكم هذا ذهبا أنفق منه كل يوم في سبيل الله فيمر بي ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين" ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد بالكراهة الإنفاق في خاصة نفسه لا في سبيل الله فهو محبوب. قوله: "إلا أن أقول به في عباد الله" هو استثناء بعد استثناء فيفيد الإثبات، فيؤخذ منه أن نفي محبة المال مقيدة بعدم الإنفاق فيلزم محبة وجوده مع الإنفاق، فمادام الإنفاق مستمرا لا يكره وجود المال، وإذا انتفى الإنفاق ثبتت كراهية وجود المال، ولا يلزم من ذلك كراهية حصول شيء آخر ولو كان قدر أحد أو أكثر مع استمرار الإنفاق. قوله: "هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه" هكذا اقتصر على ثلاث، وحمل على المبالغة لأن العطية لمن بين يديه هي الأصل، والذي يظهر لي أن ذلك من تصرفات الرواة، وأن أصل الحديث مشتمل على الجهات الأربع، ثم وجدته في الجزء الثالث من "البشرانيات" من رواية أحمد بن ملاعب عن عمر ابن حفص بن غياث عن أبيه بلفظ: "إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا وهكذا، وأرانا بيده" كذا فيه بإثبات الأربع، وقد أخرجه المصنف في الاستئذان عن عمر بن حفص مثله، لكن اقتصر من الأربع على ثلاث، وأخرجه أبو نعيم من طريق سهل بن بحر عن عمر بن حفص فاقتصر على ثنتين. قوله: "ثم مشى ثم قال: ألا إن الأكثرين هم المقلون يوم

(11/265)


القيامة" في رواية أبي شهاب في الاستقراض ورواية حفص في الاستئذان "هم الأقلون" بالميم في الموضعين. وفي رواية عبد العزيز بن رفيع الماضية في الباب قبله "إن المكثرين هم المقلون" بالميم في الموضعين، ولأحمد من رواية النعمان الغفاري عن أبي ذر "إن المكثرين الأقلون" والمراد الإكثار من المال والإقلال من ثواب الآخرة وهذا في حق من كان مكثرا ولم يتصف بما دل عليه الاستثناء بعده من الإنفاق. قوله: "إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه" في رواية أبي شهاب "إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، وأشار أبو شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله" وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش عند أحمد "إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره" فاشتملت هذه الروايات على الجهات الأربع وإن كان كل منها اقتصر على ثلاث، وقد جمعها عبد العزيز بن رفيع في روايته ولفظه: "إلا من أعطاه الله خيرا - أي مالا - فنفح بنون وفاء ومهملة أي أعطى كثيرا بغير تكلف يمينا وشمالا وبين يديه ووراءه" وبقي من الجهات فوق وأسفل، والإعطاء من قبل كل منهما ممكن، لكن حذف لندوره. وقد فسر بعضهم الإنفاق من وراء بالوصية، وليس قيدا فيه بل قد يقصد الصحيح الإخفاء فيدفع لمن وراءه مالا يعطى به من هو أمامه. وقوله: "هكذا" صفة لمصدر محذوف أي أشار إشارة مثل هذه الإشارة، وقوله: "من خلفه" بيان للإشارة وخص عن اليمين والشمال لأن الغالب في الإعطاء صدوره باليدين، وزاد في رواية عبد العزيز بن رفيع "وعمل فيه خيرا" أي حسنة وفي سياقه جناس تام في قوله أعطاه الله خيرا. وفي قوله وعمل فيه خيرا، فمعنى الخير الأول المال والثاني الحسنة. قوله: "وقليل ما هم" ما زائدة مؤكدة للقلة، ويحتمل أن تكون موصوفة، ولفظ قليل هو الخبر وهم هو المبتدأ والتقدير وهم قليل، وقدم الخبر للمبالغة في الاختصاص. قوله: "ثم قال لي: مكانك" بالنصب أي الزم مكانك، وقوله: "لا تبرح" تأكيد لذلك، ورفع لتوهم أن الأمر بلزوم المكان ليس عاما في الأزمنة، وقوله: "حتى آتيك" غاية للزوم المكان المذكور. وفي رواية حفص "لا تبرح يا أبا ذر حتى أرجع" ووقع في رواية عبد العزيز بن رفيع "فمشيت معه ساعة، فقال لي اجلس هاهنا، فأجلسني في قاع" أي أرض سهلة مطمئنة. قوله: "ثم انطلق في سواد الليل" فيه إشعار بأن القمر كان قد غاب. قوله: "حتى توارى" أي غاب شخصه، زاد أبو معاوية "عني" وفي رواية حفص "حتى غاب عني" وفي رواية عبد العزيز "فأطلق في الحرة - أي دخل فيها - حتى لا أراه "وفي رواية أبي شهاب"فتقدم غير بعيد" زاد في رواية عبد العزيز "فأطال اللبث". قوله: "فسمعت صوتا قد ارتفع" في رواية أبي معاوية "فسمعت لغطا وصوتا". قوله: "فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي صلى الله عليه وسلم" أي تعرض له بسوء. ووقع في رواية عبد العزيز "فتخوفت أن يكون عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم:" وهو بضم أول عرض على البناء للمجهول. قوله: "فأردت أن آتيه" أي أتوجه إليه، ووقع في رواية عبد العزيز "فأردت أن أذهب" أي إليه ولم يرد أن يتوجه إلى حال سبيله بدليل رواية الأعمش في الباب. قوله: "فذكرت قوله لا تبرح فلم أبرح حتى أتاني" في رواية أبي معاوية عن الأعمش "فانتظرته حتى جاء". قوله: "قلت يا رسول الله لقد سمعت صوتا تخوفت فذكرت له" في رواية أبي معاوية "فذكرت له الذي سمعت" وفي رواية أبي شهاب "فقلت يا رسول الله الذي سمعت لو قال الصوت الذي سمعت" كذا فيه بالشك وفي رواية عبد العزيز "ثم إني سمعته وهو يقول وإن سرق وإن زنى، فقلت يا رسول الله من تكلم في جانب الحرة ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا". قوله: "فقال وهل سمعته؟ قلت نعم. قال ذاك

(11/266)


جبريل" أي الذي كنت أخاطبه، أو ذلك صوت جبريل. قوله: "أتاني" زاد في رواية حفص" فأخبرني". ووقع في رواية عبد العزيز "عرض لي - أي ظهر - فقال: بشر أمتك" ولم أر لفظ التبشير في رواية الأعمش. قوله: "من مات لا يشرك بالله شيئا" زاد الأعمش "من أمتك". قوله: "دخل الجنة" هو جواب الشرط. رتب دخول الجنة على الموت بغير إشراك بالله، وقد ثبت الوعيد بدخول النار لمن عمل بعض الكبائر، وبعدم دخول الجنة لمن عملها فلذلك وقع الاستفهام. قوله: "قلت وإن زنى وإن سرق" قال ابن مالك: حرف الاستفهام في أول هذا الكلام مقدر ولا بد من تقديره. وقال غيره التقدير أو إن زنى أو إن سرق دخل الجنة. وقال الطيبي: أدخل الجنة وإن زنى وإن سرق. والشرط حال، ولا يذكر الجواب مبالغة، وتتميما لمعنى الإنكار قال وإن زنى وإن سرق. ووقع في رواية عبد العزيز ابن رفيع "قلت يا جبريل وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم". وكررها مرتين للأكثر وثلاثا للمستملي وزاد في آخر الثالثة "وإن شرب الخمر" وكذا وقع التكرار ثلاثا في رواية أبي الأسود عن أبي ذر في اللباس، لكن بتقديم الزنا على السرقة كما في رواية الأعمش، ولم يقل "وإن شرب الخمر" ولا وقعت في رواية الأعمش، وزاد أبو الأسود "على رغم أنف أبي ذر" قال وكان أبو ذر إذا حدث بهذا الحديث يقول: "وإن رغم أنف أبي ذر" وزاد حفص ابن غياث في روايته عن الأعمش: قال الأعمش قلت لزيد بن وهب إنه بلغني أنه أبو الدرداء قال أشهد لحدثنيه أبو ذر بالربذة. قال الأعمش: وحدثني أبو صالح عن أبي الدرداء نحوه. وأخرجه أحمد عن أبي نمير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي الدرداء بلفظ: " إنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" نحوه، وفيه: "وإن رغم أنف أبي الدرداء"، قال البخاري في بعض النسخ عقب رواية حفص: حديث أبي الدرداء مرسل لا يصح إنما أردنا للمعرفة أي إنما أردنا أن نذكره للمعرفة بحاله. قال: والصحيح حديث أبي ذر قيل له: فحديث عطاء ابن يسار عن أبي للدرداء؟ فقال: مرسل أيضا لا يصح. ثم قال: اضربوا على حديث أبي الدرداء. قلت: فلهذا هو ساقط من معظم النسخ، وثبت في نسخة الصغاني، وأوله قال أبو عبد الله حديث أبي صالح عن أبي الدرداء مرسل، فساقه إلخ. ورواية عطاء بن يسار التي أشار إليها أخرجها النسائي من رواية محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار عن أبي الدرداء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم هو يقص على المنبر يقول: "ولمن خاف مقام ربه جنتان" فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال: وإن زنى وإن سرق، فأعدت فأعاد فقال في الثالثة قال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء "وقد وقع التصريح بسماع عطاء بن يسار له من أبي الدرداء في رواية ابن أبي حاتم في "التفسير" والطبراني في "المعجم" والبيهقي في "الشعب" قال البيهقي: حديث أبي الدرداء هذا غير حديث أبي ذر وإن كان فيه بعض معناه. قلت: وهما قصتان متغايرتان، وإن اشتركتا في المعنى الأخير وهو سؤال الصحابي بقوله وإن زنى وإن سرق، واشتركا أيضا في قوله وإن رغم، ومن المغايرة بينهما أيضا وقوع المراجعة المذكورة بين النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل في رواية أبي ذر دون أبي الدرداء، وله عن أبي الدرداء طرق أخرى منها للنسائي من رواية محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبي الدرداء نحو رواية عطاء بن يسار، ومنها للطبراني من طريق أم الدرداء عن أبي الدرداء رفعه بلفظ: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء" ومن طريق أبي مريم عن أبي الدرداء نحوه، ومن طريق كعب بن ذهل "سمعت أبا الدرداء رفعه. أتاني آت من ربي

(11/267)


فقال من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما، فقلت: يا رسول الله وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم ثم ثلثت فقال على رغم أنف عويمر فرددها، قال فأنا رأيت أبا الدرداء يضرب أنفه بإصبعه" ومنها لأحمد من طريق واهب بن عبد الله المغافري "عن أبي الدرداء رفعه: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي الدرداء. قال فخرجت لأنادي بها في الناس، فلقيني عمر فقال: ارجع، فإن الناس إن يعلموا بهذا اتكلوا عليها، فرجعت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدق عمر" قلت: وقد وقعت هذه الزيادة الأخيرة لأبي هريرة، ويأتي بسط ذلك في "باب من جاهد في طاعة الله تعالى" قريبا. قوله: "حدثنا أحمد بن شبيب" بفتح المعجمة وموحدتين مثل حبيب، وهو الحبطي بفتح المهملة والموحدة ثم الطاء المهملة نسبة إلى الحبطات من بني تميم، وهو بصري صدوق ضعفه ابن عبد البر تبعا لأبي الفتح الأزدي والأزدي غير مرضى فلا يتبع في ذلك، وأبوه يكنى أبا سعيد، روى عنه ابن وهب وهو من أقرانه، ووثقه ابن المديني. قوله: "وقال الليث حدثني يونس" هذا التعليق وصله الذهلي في "الزهريات" عن عبد الله بن صالح عن الليث، وأراد البخاري بإيراده تقوية رواية أحمد بن شبيب، ويونس هو ابن يزيد. قوله: "لو كان لي" زاد في رواية الأعوج عن أبي هريرة عند أحمد في أوله "والذي نفسي بيده" وعنده في رواية همام عن أبي هريرة "والذي نفس محمد بيده". قوله: "مثل أحد ذهبا" في رواية الأعرج "لو أن أحدكم عندي ذهبا". قوله: "ما يسرني أن لا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئا أرصده لدين" في رواية الأعرج "إلا أن يكون شيء أرصده في دين علي" وفي رواية همام "وعندي منه دينار أجد من يقبله ليس شيئا أرصده في دين علي" قال ابن مالك: في هذا الحديث وقوع التمني بعد مثل، وجواب لو مضارعا منفيا بما، وحق جوابها أن يكون ماضيا مثبتا نحو لو قام لقمت، أو بلم نحو لو قام لم أقم. والجواب من وجهين: أحدهما أن يكون وضع المضارع موضع الماضي الواقع جوابا كما وقع موضعه وهو شرط في قوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} ، ثانيهما أن يكون الأصل ما كان يسرني فحذف كان وهو جواب وفيه ضمير وهو الاسم ويسرني خبر، وحذف كان مع اسمها وبقاء خبرها كثير نظما ونثرا ومنه "المرء مجزي بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر" قال وأشبه شيء بحذف كان قبل يسرني حذف جعل قبل يجادلنا في قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا} أي جعل يجادلنا، والوجه الأول أولى. وفيه أيضا وقوع لا بين أن وتمر وهي زائدة والمعنى ما يسرني أن تمر. وقال الطيبي: قوله: "ما يسرني" هو جواب "لو" الامتناعية فيفيد أنه لم يسره المذكور بعده لأنه لم يكن عنده مثل أحد ذهبا، وفيه نوع مبالغة لأنه إذا لم يسره كثرة ما ينفقه فكيف ما لا ينفقه قال: وفي التقييد بالثلاثة تتميم ومبالغة في سرعة الإنفاق، فلا تكون لا زائدة كما قال ابن مالك بل النفي فيها على حاله. قلت: ويؤيد قول ابن مالك الرواية الماضية قبل في حديث أبي ذر بلفظ: "ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا تمضي على ثالثة". وفي حديث الباب من الفوائد أدب أبي ذر مع النبي صلى الله عليه وسلم وترقبه أحواله وشفقته عليه حتى لا يدخل عليه أدنى شيء مما يتأذى به. وفيه حسن الأدب مع الأكابر وأن الصغير إذا رأى الكبير منفردا لا يتسور عليه ولا يجلس معه ولا يلازمه إلا بإذن منه. وهذا بخلاف ما إذا كان في مجمع كالمسجد والسوق فيكون جلوسه معه

(11/268)


بحسب ما يليق به. وفيه جواز تكنية المرء نفسه لغرض صحيح كأن يكون أشهر من اسمه، ولا سيما إن كان الله مشتركا بغيره وكنيته فردة. وفيه جواز تفدية الصغير الكبير بنفسه وبغيرها، والجواب بمثل لبيك وسعديك زيادة في الأدب. وفيه الانفراد عند قضاء الحاجة. وفيه أن امتثال أمر الكبير والوقوف عنده أولى من ارتكاب ما يخالفه بالرأي ولو كان فيما يقتضيه الرأي توهم دفع مفسدة حتى يتحقق ذلك فيكون دفع المفسدة أولى. وفيه استفهام التابع من متبوعه على ما يحصل له فائدة دينية أو علمية أو غير ذلك. وفيه الأخذ بالقرائن لأن أبا ذر لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم، "أتبصر أحدا" فهم منه أنه يريد أن يرسله في حاجة فنظر إلى ما على أحد من الشمس ليعلم هل يبقى من النهار قدر يسعها. وفيه أن محل الأخذ بالقرينة إن كان في اللفظ ما يخصص ذلك، فإن الأمر وقع على خلاف ما فهمه أبو ذر من القرينة، فيؤخذ منه أن بعض القرائن لا يكون دالا على المراد وذلك لضعفه. وفيه المراجعة في العلم بما تقرر عند الطالب في مقابلة ما يسمعه مما يخالف ذلك، لأنه تقرر عند أبي ذر من الآيات والآثار الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار وبالعذاب، فلما سمع أن من مات لا يشرك دخل الجنة استفهم عن ذلك بقوله: "وإن زنى وإن سرق" واقتصر على هاتين الكبيرتين لأنهما كالمثالين فيما يتعلق بحق الله وحق العباد، وأما قوله في الرواية الأخرى "وإن شرب الخمر" فاللإشارة إلى فحش تلك الكبيرة لأنها تؤدي إلى خلل العقل الذي شرف به الإنسان على البهائم، وبوقوع الخلل فيه قد يزول التوقي الذي يحجز عن ارتكاب بقية الكبائر. وفيه أن الطالب إذا ألح في المراجعة يزجر بما من يليق به أخذا من قوله: "وإن رغم أنف أبي ذر" وقد حمله البخاري كما مضى في اللباس على من تاب عند الموت، وحمله غيره على أن المراد بدخول الجنة أعم من أن يكون ابتداء أو بعد المجازاة على المعصية، والأول هو وفق ما فهمه أبو ذر، والثاني أولى للجمع بين الأدلة، ففي الحديث حجة لأهل السنة ورد على من زعم من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة إذا مات عن غير توبة يخلد في النار، لكن في الاستدلال به لذلك نظر، لما مر من سياق كعب بن ذهل عن أبي الدرداء أن ذلك في حق من عمل سوءا أو ظلم نفسه ثم استغفر، وسنده جيد عند الطبراني. وحمله بعضهم على ظاهره وخص به هذه الأمة لقوله فيه: "بشر أمتك" وإن من مات من أمتي، وتعقب بالأخبار الصحيحة الواردة في أن بعض عصاة هذه الأمة يعذبون، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة "المفلس من أمتي" الحديث. وفيه تعقب على من تأول في الأحاديث الواردة في أن "من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة" وفي بعضها "حرم على النار" أن ذلك كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، وهو مروي عن سعيد بن المسيب والزهري، ووجه التعقب ذكر الزنا والسرقة فيه فذكر على خلاف هذا التأويل، وحمله الحسن البصري على من قال الكلمة وأدى حقها بأداء ما وجب واجتناب ما نهى، ورجحه الطيبي إلا أن هذا الحديث يخدش فيه، وأشكل الأحاديث وأصعبها قوله: "لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" وفي آخره وإن زنى وإن سرق" وقيل أشكلها حديث أبي هريرة عند مسلم بلفظ: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرمه الله على النار" لأنه أتى فيه بأداة الحصر ومن الاستغراقية وصرح بتحريم النار، بخلاف قوله: "دخل الجنة" فإنه لا ينفي دخول النار أولا، قال الطيبي: لكن الأول يترجح بقوله: "وإن زنى وإن سرق" لأنه شرط لمجرد التأكيد، ولا سيما وقد كرره ثلاثا مبالغة وختم بقوله: "وإن رغم أنف أبي ذر" تتميما للمبالغة، والحديث الآخر مطلق يقبل التقييد فلا يقاوم قوله: "وإن زنى وإن

(11/269)


سرق" وقال النووي بعد أن ذكر المتون في ذلك والاختلاف في هذا الحكم: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة، وأن من مات موقنا بالشهادتين يدخل الجنة، فإن كان دينا أو سليما من المعاصي دخل الجنة برحمة الله وحرم على النار، وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها وارتكاب النواهي أو بعضها ومات عن غير توبة فهو في خطر المشيئة، وهو بصدد أن يمضي عليه الوعيد إلا أن يشاء الله أن يعفو عنه، فإن شاء أن يعذبه فمصيره إلى الجنة بالشفاعة، انتهى. وعلى هذا فتقييد اللفظ الأول تقديره وإن زنى وإن سرق دخل الجنة، لكنه قبل ذلك إن مات مصرا على المعصية في مشيئة الله، وتقدير الثاني حرمه الله على النار إلا أن يشاء الله أو حرمه على نار الخلود والله أعلم. قال الطيبي: قال بعض المحققين قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث المبطلة ذريعة إلى طرح التكاليف وإبطال العمل ظنا أن ترك الشرك كاف، وهذا يستلزم طي بساط الشريعة وإبطال الحدود، وأن الترغيب في الطاعة والتحذير عن المعصية لا تأثير له بل يقتضي الانخلاع عن الدين والانحلال عن قيد الشريعة والخروج عن الضبط والولوج في الخبط وترك الناس سدى مهملين وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد أن يفضي إلى خراب الأخرى، مع أن قوله في بعض طرق الحديث: "أن يعبدوه" يتضمن جميع أنواع التكاليف الشرعية وقوله: "ولا يشركوا به شيئا" يشمل مسمى الشرك الجلي والخفي، فلا راحة للتمسك به في ترك العمل لأن الأحاديث إذا ثبتت وجب ضم بعضها إلى بعض فإنها في حكم الحديث الواحد، فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها وبالله التوفيق. وفيه جواز الحلف بغير تحليف، ويستحب إذا كان لمصلحة كتأكيد أمر مهم وتحقيقه ونفي المجاز عنه. وفي قوله في بعض طرقه والذي نفس محمد بيده تعبير الإنسان عن نفسه باسمه دون ضميره، وقد ثبت بالضمير في الطريق الأخرى "والذي نفسي بيده" وفي الأول نوع تجريد، وفي الحلف بذلك زيادة في التأكيد لأن الإنسان إذا استحضر أن نفسه وهي أعز الأشياء عليه بيد الله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء استشعر الخوف منه فارتدع عن الحلف على ما لا يتحققه، ومن ثم شرع تغليظ الأيمان بذكر الصفات الإلهية ولا سيما صفات الجلال. وفيه الحث على الإنفاق في وجوه الخير، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا بحيث إنه لا يحب أن يبقى بيده شيء من الدنيا إلا لإنفاقه فيمن يستحقه، وإما لإرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل ذلك منه لتقييده في رواية همام عن أبي هريرة الآتية في كتاب التمني بقوله: "أجد من يقبله" ومنه يؤخذ جواز تأخير الزكاة الواجبة عن الإعطاء إذا لم يوجد من يستحق أخذها، وينبغي لمن وقع له ذلك أن يعزل القدر الواجب من ماله ويجتهد في حصول من يأخذه، فإن لم يجد فلا حرج عليه ولا ينسب إلى تقصير في حبسه. وفيه تقديم وفاء الدين على صدقة التطوع. وفيه جواز الاستقراض وقيده ابن بطال باليسير أخذا من قوله: "إلا دينارا" قال ولو كان عليه أكثر من ذلك لم يرصد لأدائه دينارا واحدا لأنه كان أحسن الناس قضاء. قال ويؤخذ من هذا أنه لا ينبغي الاستغراق في الدين بحيث لا يجد له وفاء فيعجز عن أدائه، وتعقب بأن الذي فهمه من لفظ الدينار من الوحدة ليس كما فهم، بل إنما المراد به الجنس، وأما قوله في الرواية الأخرى "ثلاثة دنانير" فليست الثلاثة فيه للتقليل بل للمثال أو لضرورة الواقع، وقد قيل إن المراد بالثلاثة أنها كانت كفايته فيما يحتاج إلى إخراجه في ذلك اليوم، وقيل بل هي دينار الدين كما في الرواية الأخرى ودينار للإنفاق على الأهل ودينار للإنفاق على الضيف، ثم المراد بدينار الدين الجنس ويؤيده تعبيره في أكثر الطرق بالشيء على الإبهام فيتناول القليل

(11/270)


والكثير. وفي الحديث أيضا الحث على وفاء الديون وأداء الأمانات وجواز استعمال "لو" عند تمني الخير وتخصيص الحديث الوارد عن استعمال "لو" على ما يكون في أمر غير محمود شرعا. وادعى المهلب أن قوله في رواية الأحنف عن أبي ذر "أتبصر أحدا؟ قال فنظرت ما عليه من الشمس" الحديث أنه ذكر للتمثيل في تعجيل إخراج الزكاة وأن المراد ما أحب أن أحبس ما أوجب الله على إخراجه بقدر ما بقي من النهار، وتعقبه عياض فقال: هو بعيد في التأويل، وإنما السياق بين في أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن ينبه على عظم أحد ليضرب به المثل في أنه لو كان قدره ذهبا ما أحب أن يؤخر عنده إلا لما ذكر من الإنفاق والإرصاد، فظن أبو ذر يريد أن يبعثه في حاجة ولم يكن ذاك مرادا إذ ذاك كما تقدم. وقال القرطبي: إنما استفهمه عن رؤيته ليستحضر قدره حتى يشبه له ما أراد بقوله: "إن لي مثله ذهبا". وقال عياض: قد يحتج به من يفضل للفقر على الغنى، وقد يحتج به من يفضل الغنى على الفقر، ومأخذ كل منهما واضح من سياق الخبر. وفيه الحض على إنفاق المال في الحياة وفي الصحة وترجيحه على إنفاقه عند الموت، وقد مضى فيه حديث:" أن تصدق وأنت صحيح شحيح" وذلك أن كثيرا من الأغنياء يشح بإخراج ما عنده ما دام في عافية فيأمل البقاء ويخشى الفقر، فمن خالف شيطانه وقهر نفسه إيثارا لثواب الآخرة فاز، ومن بخل بذلك لم يأمن الجور في الوصية، وإن سلم لم يأمن تأخير تنجيز ما أوصى به أو تركه أو غير ذلك من الآفات ولا سيما إن خلف وارثا غير موفق فيبذره في أسرع وقت ويبقى وباله على الذي جمعه، والله المستعان.

(11/271)


15 - باب الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ .
وَقال اللَّه تَعَالَى {أَيَحْسِبُونَ أَنَّ مَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ -إلى قوله تَعالى- مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يَعْمَلُوهَا لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا
6446- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ"
قوله: "باب" بالتنوين "الغنى غنى النفس" أي سواء كان المتصف بذلك قليل المال أو كثيره، والغنى بكسر أوله مقصور وقد مد في ضرورة الشعر، وبفتح أوله مع المد هو الكفاية. قوله: "وقال الله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ - إلى قوله: هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} في رواية أبي ذر "إلى {عَامِلُونَ} وهذه رأس الآية التاسعة من ابتداء الآية المبدأ بها هنا، والآيات التي بين الأولى والثانية وبين الأخيرة والتي قبلها اعترضت في وصف المؤمنين، والضمير قوله: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} للمذكورين في قوله: "نمدهم" والمراد به من ذكر قبل ذلك في قوله: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} والمعنى: أيظنون أن المال الذي نرزقهم إياه لكرامتهم علينا؟ إن ظنوا ذلك اخطئوا، بل هو استدراج كما قال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً} والإشارة في قوله: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} أي من الاستدراج المذكور. وأما قوله: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} فالمراد به ما يستقبلون من الأعمال من كفر أو إيمان، وإلى ذلك أشار ابن عيينة في تفسيره بقوله: لم يعملوها لا بد أن يعلموها، وقد سبقه إلى مثل ذلك أيضا السدي وجماعة فقالوا: المعنى كتبت عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لتحق عليهم كلمة العذاب. ثم مناسبة الآية

(11/271)


للحديث أن خيرية المال ليست لذاته بل بحسب ما يتعلق به وإن كان يسمى خيرا في الجملة، وكذلك صاحب المال الكثير ليس غنيا لذاته بل بحسب تصرفه فيه. فإن كان في نفسه غنيا لم يتوقف في صرفه في الواجبات والمستحبات من وجوه البر والقربات، وإن كان في نفسه فقيرا أمسكه وامتنع من بذله فيما أمر به خشية من نفاده، فهو في الحقيقة فقير صورة ومعنى وإن كان المال تحت يده، لكونه لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الأخرى، بل ربما كان وبالا عليه. قوله: "حدثنا أبو بكر" هو ابن عياش بمهملة وتحتانية ثم معجمة، وهو القارئ المشهور.وأبو حصين بفتح أوله اسمه عثمان. والإسناد كله كوفيون إلى أبي هريرة. قوله: "عن كثرة العرض" بفتح المهملة والراء ثم ضاد معجمة، أما عن فهي سببية، وأما العرض فهو ما ينتفع به من متاع الدنيا، ويطلق بالاشتراك على ما يقابل الجوهر وعلى كل ما يعرض للشخص من مرض ونحوه. وقال أبو عبد الملك البوني فيما نقله ابن التين عنه قال: اتصل بي عن شيخ من شيوخ القيروان أنه قال: العرض بتحريك الراء الواحد من العروض التي يتجر فيها، قال: وهو خطأ، فقد قال الله تعالى: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} ولا خلاف بين أهل اللغة في أنه ما يعرض فيه، وليس هو أحد العروض التي يتجر فيها بل واحدها عرض بالإسكان وهو ما سوى النقدين. وقال أبو عبيد: العروض الأمتعة وهي ما سوى الحيوان والعقار وما لا يدخله كيل ولا وزن، وهكذا حكاه عياض وغيره. وقال ابن فارس: العرض بالسكون كل ما كان من المال غير نقد وجمعه عروض، وأما بالفتح فما يصيبه الإنسان من حظه في الدنيا، قال تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} وقال: {وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} . قوله: "إنما الغنى غنى النفس" في رواية الأعرج عن أبي هريرة عند أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما: "إنما الغنى في النفس" وأصله في مسلم، ولابن حبان من حديث أبي ذر "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم. قال: وترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب" قال ابن بطال معنى الحديث ليس حقيقة الغنى كثرة المال لأن كثيرا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي فهو يجتهد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا ألح في الطلب، فكأنه غني. وقال القرطبي: معنى الحديث إن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس، وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع فعزت وعظمت وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله، ويكثر من يذمه من الناس ويصغر قدره عندهم فيكون أحقر من كل حقير وأذل من كل ذليل. والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعا بما رزقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة ولا يلح في الطلب ولا يحلف في السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واجد أبدا، والمتصف بفقر النفس على الضد منه لكونه لا يقنع بما أعطى بل هو أبدا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه، ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف، فكأنه فقير من المال لأنه لم يستغن بما أعطى، فكأنه ليس بغنى، ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعال والتسليم لأمره علما بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو معرض عن الحرض والطلب، وما أحسن قول القائل:
غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا

(11/272)


وقال الطيبي: يمكن أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العلمية والعملية، وإلى ذلك أشار القائل:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
أي ينبغي أن ينفق أوقاته في الغنى الحقيقي وهو تحصيل الكمالات، لا في جمع المال فإنه لا يزداد بذلك إلا فقرا انتهى. وهذا وإن كان يمكن أن يراد لكن الذي تقدم أظهر في المراد، وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره فيتحقق أنه المعطي المانع فيرضى بقضائه ويشكره على نعمائه ويفزع إليه في كشف ضرائه، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غيره وبه تعالى، والغنى الوارد في قوله: "ووجدك عائلا فأغنى" يتنزل على غنى النفس، فإن الآية مكية ولا يخفى ما كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تفتح عليه خيبر وغيرها من قلة المال. والله أعلم.

(11/273)


16 - باب فَضْلِ الْفَقْرِ
6447- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا"
6448- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ "عُدْنَا خَبَّابًا فَقَالَ هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً فَإِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الإِذْخِرِ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا"
6449- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ "عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ" تَابَعَهُ أَيُّوبُ وَعَوْفٌ وَقَالَ صَخْرٌ وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
6450- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمْ يَأْكُلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ"

(11/273)


6451- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ
قوله: "باب فضل الفقر" قيل أشار بهذه الترجمة عقب التي قبلها إلى تحقيق محل الخلاف في تفضيل الفقر على الغنى أو عكسه، لأن المستفاد من قوله: "الغنى غنى النفس" الحصر في ذلك، فيحمل كل ما ورد في فضل الغنى على ذلك، فمن لم يكن غني النفس لم يكن ممدوحا بل يكون مذموما فكيف يفضل، وكذا ما ورد من فضل الفقر لأن من لم يكن غني النفس فهو فقير النفس، وهو الذي تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم منه.والفقر الذي وقع فيه النزاع عدم المال والتقلل منه، وأما الفقر في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} فالمراد به احتياج المخلوق إلى الخالق، فالفقر للمخلوقين أمر ذاتي لا ينفكون عنه، والله هو الغني ليس بمحتاج لأحد. ويطلق الفقر أيضا على شيء اصطلح عليه الصوفية وتفاوتت فيه عباراتهم وحاصله كما قال أبو إسماعيل الأنصاري نفض اليد من الدنيا ضبطا وطلبا، مدحا وذما. وقالوا: إن المراد بذلك أن لا يكون ذلك في قلبه سواء حصل في يده أم لا، وهذا يرجع إلى ما تضمنه الحديث الماضي في الباب قبله أن الغنى غنى النفس على ما تقدم تحقيقه، والمراد بالفقر هنا الفقر من المال. وقد تكلم ابن بطال هنا على مسألة التفضيل بين الغنى والفقر فقال: طال نزاع الناس في ذلك، فمنهم من فضل الفقر واحتج بأحاديث الباب وغيرها من الصحيح والواهي، واحتج من فضل الغنى بما تقدم قبل هذا بباب في قوله: "إن المكثرين هم الأقلون إلا من قال بالمال هكذا" وحديث سعد الماضي في الوصايا "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة" وحديث كعب ابن مالك حيث استشار في الخروج من ماله كله فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" وحديث: "ذهب أهل الدثور بالأجور" وفي آخره: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" وحديث عمرو بن العاص "نعم المال الصالح للرجل الصالح" أخرجه مسلم وغير ذلك قال: وأحسن ما رأيت في هذا قول أحمد بن نصر الداودي: الفقر والغنى محنتان من الله يختبر بهما عباده في الشكر والصبر كما قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وقال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} ، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم: "كان يستعيذ من شر فتنة الفقر ومن شر فتنة الغنى" ثم ذكر كلاما طويلا حاصله أن الفقير والغنى متقابلان لما يعرض لكل منهما في فقره وغناه من العوارض فيمدح أو يذم والفضل كله في الكفاف لقوله تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" وسيأتي قريبا، وعليه يحمل قوله: "أسالك غناي وغنى هؤلاء". وأما الحديث الذي أخرجه الترمذي "اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا" الحديث فهو ضعيف وعلى تقدير ثبوته فالمراد به أن لا يجاوز به الكفاف. انتهى ملخصا. وممن جنح إلى تفضيل الكفاف القرطبي في "المفهم" فقال: جمع الله سبحانه وتعالى لنبيه الحالات الثلاث: الفقر والغنى والكفاف، فكان الأول أول حالاته فقام بواجب ذلك من مجاهدة النفس، ثم فتحت عليه الفتوح فصار بذلك في حد الأغنياء فقام بواجب ذلك من بذله لمستحقه والمواساة به والإيثار مع اقتصاره منه على ما يسد ضرورة عياله، وهي صورة الكفاف التي

(11/274)


مات عليها. قال: وهي حالة سليمة من الغنى المطغي والفقر المؤلم، وأيضا فصاحبها معدود في الفقراء لأنه لا يترفه في طيبات الدنيا؛ بل يجاهد نفسه في الصبر عن القدر الزائد على الكفاف، فلم يفته من حال الفقر إلا السلامة من قهر الحاجة وذل المسألة انتهى. ويؤيده ما تقدم من الترغيب في غنى النفس، وما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رفعه: "وارض بما قسم لك تكن أغنى الناس" وأصح ما ورد في ذلك ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو رفعه: "قد أفلح من هدي إلى الإسلام، ورزق الكفاف وقنع" وله شاهد عن فضالة بن عبيد نحوه عند الترمذي وابن حبان وصححاه قال النووي: فيه فضيلة هذه الأوصاف، والكفاف الكفاية بلا زيادة ولا نقصان. وقال القرطبي: هو ما يكف عن الحاجات ويدفع للضرورات ولا يلحق بأهل الترفهات، ومعنى الحديث أن من اتصف بتلك الصفات حصل على مطلوبه وظفر بمرغوبه في الدنيا والآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" أي اكفهم من القوت بما لا يرهقهم إلى ذل المسألة، ولا يكون فيه فضول تبعث على الترفه والتبسط في الدنيا. وفيه حجة لمن فضل الكفاف لأنه إنما يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال، وقد قال: "خير الأمور أوساطها" انتهى. ويؤيده ما أخرجه ابن المبارك في "الزهد" بسند صحيح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن ابن عباس أنه سئل عن رجل قليل العمل قليل الذنوب أفضل، أو رجل كثير العمل كثير الذنوب؟ فقال: "لا أعدل بالسلامة شيئا" فمن حصل له ما يكفيه واقتنع به أمن من آفات الغنى وآفات الفقر، وقد ورد حديث لو صح لكان نصا في المسألة وهو ما أخرجه ابن ماجه من طريق نفيع - وهو ضعيف - عن أنس رفعه: "ما من غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا" قلت: وهذا كله صحيح، لكن لا يدفع أصل السؤال عن أيهما أفضل: الغنى أو الفقر؟ لأن النزاع إنما ورد في حق من اتصف بأحد الوصفين أيهما في حقه أفضل؟ ولهذا قال الداودي في آخر كلامه المذكور أولا: إن السؤال أيهما أفضل لا يستقيم، لاحتمال أن يكون لأحدهما من العمل الصالح ما ليس للآخر، فيكون أفضل، وإنما يقع السؤال عنهما إذا استويا بحيث يكون لكل منهما من العمل ما يقاوم به عمل الآخر، قال: فعلم أيهما أفضل عند الله انتهى.وكذا قال ابن تيمية، لكن قال: إذا استويا في التقوى فهما في الفضل سواء.وقد تقدم كلام ابن دقيق العيد في الكلام على حديث أهل الدثور قبيل كتاب الجمعة، ومحصل كلامه أن الحديث يدل على تفضيل الغنى على الفقر لما تضمنه من زيادة الثواب بالقرب المالية. إلا إن فسر الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي حصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف فيترجح الفقر، ولهذا المعنى ذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها، وذلك مع الفقر أكثر منه في الغنى انتهى. وقال ابن الجوزي: صورة الاختلاف في فقير ليس بحريص وغني ليس بممسك إذ لا يخفى أن الفقير القانع أفضل من الغني البخيل، وأن الغني المنفق أفضل من الفقير الحريص، قال: وكل ما يراد لغيره ولا يراد لعينه ينبغي أن يضاف إلى مقصوده فبه يظهر فضله. فالمال ليس محذورا لعينه بل لكونه قد يعوق عن الله وكذا العكس، فكم من غني لم يشغله غناه عن الله، وكم من فقير شغله فقره عن الله. إلى أن قال: وإن أخذت بالأكثر فالفقير عن الخطر أبعد لأن فتنة الغنى أشد من فتنة الفقر، ومن العصمة أن لا تجد، انتهى. وصرح كثير من الشافعية بأن الغنى الشاكر أفضل، وأما قول أبي علي الدقاق شيخ أبي القاسم القشيري: الغني أفضل من الفقير، لأن الغنى صفة الخالق والفقر صفة

(11/275)


المخلوق وصفة الحق أفضل من صفة الخلق فقد استحسنه جماعة من الكبار، وفيه نظر لما قدمته أول الباب، ويظهر منه أن هذا لا يدخل في أصل النزاع إذ ليس هو في ذات الصفتين وإنما هو في عوارضهما. وبين بعض من فضل الغني على الفقير كالطبري جهته بطريق أخرى فقال: لا شك أن محنة الصابر أشد من محنة الشاكر غير أني أقول كما قال مطرف بن عبد الله: لأن أعافي فأشكر أحب إلي من أن أبتلي فأصبر. قلت: وكأن السبب فيه ما جبل عليه طبع الآدمي من قلة الصبر، ولهذا يوجد من يقوم بحسب الاستطاعة بحق الصبر أقل ممن يقوم بحق الشكر بحسب الاستطاعة. وقال بعض المتأخرين فيما وجد بخط أبي عبد الله بن مرزوق: كلام الناس في أصل المسألة مختلف، فمنهم من فضل الفقر ومنهم من فضل الغنى ومنهم من فضل الكفاف وكل ذلك خارج عن محل الخلاف وهو أي الحالين أفضل عند الله للعبد حتى يتكسب ذلك ويتخلق به؟ هل التقلل من المال أفضل ليتفرغ قلبه من الشواغل وينال لذة المناجاة ولا ينهمك في الاكتساب ليستريح من طول الحساب، أو التشاغل باكتساب المال أفضل ليستكثر به من التقرب بالبر والصلة والصدقة لما في ذلك من النفع المتعدي؟ قال: وإذا كان الأمر كذلك فالأفضل ما اختاره النبي صلى الله عليه وسلم وجمهور أصحابه من التقلل في الدنيا والبعد عن زهراتها، ويبقى النظر فيمن حصل له شيء من الدنيا بغير تكسب منه كالميراث وسهم الغنيمة هل الأفضل أن يبادر إلى إخراجه في وجوه البر حتى لا يبقى منه شيء، أو يتشاغل بتثميره ليستكثر من نفعه المتعدي؟ قال: وهو على القسمين الأولين. قلت: ومقتضى ذلك أن يبذل إلى أن يبقى في حال الكفاف ولا يضره ما يتجدد من ذلك إذا سلك هذه الطريقة. ودعوى أن جمهور الصحابة كانوا على التقلل والزهد ممنوعة بالمشهور من أحوالهم، فإنهم كانوا على قسمين بعد أن فتحت عليهم الفتوح، فمنهم من أبقى ما بيده مع التقرب إلى ربه بالبر والصلة والمواساة مع الاتصاف بغنى النفس، ومنهم من استمر على ما كان عليه قبل ذلك فكان لا يبقى شيئا مما فتح عليه به وهم قليل بالنسبة للطائفة الأخرى، ومن تبحر في سير السلف علم صحة ذلك، فأخبارهم في ذلك لا تحصى كثرة، وحديث خباب في الباب شاهد لذلك. والأدلة الواردة في فضل كل من الطائفتين كثيرة: فمن الشق الأول بعض أحاديث الباب وغيرها، ومن الشق الثاني حديث سعد بن أبي وقاص رفعه: "إن الله يحب الغني التقي الخفي" أخرجه مسلم، وهو دال لما قلته سواء حملنا الغني فيه على المال أو على غنى النفس، فإنه على الأول ظاهر وعلى الثاني يتناول القسمين فيحصل المطلوب. والمراد بالتقي وهو بالمثناة من يترك المعاصي امتثالا للمأمور به واجتنابا للمنهي عنه، والخفي ذكر للتتميم إشارة إلى ترك الرياء والله أعلم. ومن المواضع التي وقع فيها التردد من لا شيء له فالأولى في حقه أن يتكسب للصون عن ذل السؤال، أو يترك وينتظر ما يفتح عليه بغير مسألة، فصح عن أحمد مع ما اشتهر من زهده وورعه أنه قال لمن سأله عن ذلك: الزم السوق. وقال لآخر: استغن عن الناس، فلم أر مثل الغنى عنهم. وقال: ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله وأن يعودوا أنفسهم التكسب، ومن قال بترك التكسب فهو أحمق يريد تعطيل الدنيا. نقله عنه أبو بكر المروزي. وقال: أجرة التعليم والتعلم أحب إلي من الجلوس لانتظار ما في أيدي الناس. وقال أيضا: من جلس ولم يحترف دعته نفسه إلى ما في أيدي الناس. وأسند عن عمر "كسب فيه بعض الشيء خير من الحاجة إلى الناس" وأسند عن سعيد بن المسيب أنه قال عند موته وترك مالا "اللهم إنك تعلم أني لم أجمعه إلا لأصون به ديني" وعن سفيان الثوري وأبي سليمان الداراني ونحوهما من السلف نحوه، بل نقله البربهاري عن الصحابة والتابعين وأنه

(11/276)


لا يحفظ عن أحد منهم أنه ترك تعاطي الرزق مقتصرا على ما يفتح عليه. واحتج من فضل الغنى بآية الأمر في قوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} الآية قال: وذلك لا يتم إلا بالمال. وأجاب من فضل الفقر بأنه لا مانع أن يكون الغنى في جانب أفضل من الفقر في حالة مخصوصة، ولا يستلزم أن يكون أفضل مطلقا وذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس كما صرح به أبو نعيم، وأبو حازم هو سلمة بن دينار. قوله: "مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده: ما رأيك في هذا"؟ تقدم في "باب الأكفاء في الدين" من أوائل النكاح عن إبراهيم بن حمزة عن أبي حازم "فقال ما تقولون في هذا" وهو خطاب لجماعة. ووقع في رواية جبير بن نفير عن أبي ذر عند أحمد وأبي يعلى وابن حبان بلفظ: "قال لي النبي صلى الله عليه وسلم انظر إلى أرفع رجل في المسجد في عينيك، قال فنظرت إلى رجل في حلة" الحديث، فعرف منه أن المسئول هو أبو ذر، ويجمع بينه وبين حديث سهل أن الخطاب وقع لجماعة منهم أبو ذر ووجه إليه فأجاب ولذلك نسبه لنفسه، وأما المار فلم أقف على اسمه، ووقع في رواية أخرى لابن حبان: "سألني رسول صلى الله عليه وسلم عن رجل من قريش فقال: هل تعرف فلانا؟ قلت: نعم" الحديث ووقع في المغازي لابن إسحاق ما قد يؤخذ منه أنه عيينة بن حصن الفزاري أو الأقرع بن حابس التميمي كما سأذكره. قوله: "فقال" أي المسئول. قوله: "رجل من أشراف الناس" أي هذا رجل من أشراف الناس، ووقع كذلك عند ابن ماجه عن محمد ابن الصباح عن أبي حازم. قوله: "هذا والله حري" بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وتشديد آخره، أي جدير وحقيق وزنا ومعنى، ووقع في رواية إبراهيم بن حمزة "قالوا حرى". قوله: "إن خطب أن ينكح" بضم أوله وفتح ثالثه أي تجاب خطبته "وإن شفع أن يشفع" بتشديد الفاء أي تقبل شفاعته، وزاد إبراهيم بن حمزة في روايته: "وإن قال أن يستمع" وفي رواية ابن حبان: "إذا سأل أعطى وإذا حضر أدخل". قوله: "ثم مر رجل" زاد إبراهيم "من فقراء المسلمين" وفي رواية ابن حبان: "مسكين من أهل الصفة". قوله: "هذا خير من ملء" بكسر الميم وسكون اللام مهموز. قوله: "مثل" بكسر اللام ويجوز فتحها، قال الطيبي: وقع التفضيل بينهما باعتبار مميزه وهو قوله بعد هذا لأن البيان والمبين شيء واحد، زاد أحمد وابن حبان: "عند الله يوم القيامة" وفي رواية ابن حبان الأخرى "خير من طلاع الأرض من الآخر" وطلاع بكسر المهملة وتخفيف اللام وآخره مهملة أي ما طلعت عليه الشمس من الأرض كذا قال عياض. وقال غيره: المراد ما فوق الأرض، وزاد في آخر هذه الرواية: "فقلت يا رسول الله أفلا يعطي هذا كما يعطي الآخر؟ قال: إذا أعطى خيرا فهو أهله وإذا صرف عنه فقد أعطى حسنة" وفي رواية أبي سالم الجيشاني عن أبي ذر فيما أخرجه محمد بن هارون الروياني في مسنده وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" ومحمد ابن الربيع الجيزي في "مسند الصحابة الذين نزلوا مصر" ما يؤخذ منه تسمية المار الثاني ولفظه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له كيف ترى جعيلا؟ قلت: مسكينا كشكله من الناس، قال: فكيف ترى فلانا؟ قلت: سيدا من السادات، قال: فيجعل خير من ملء الأرض مثل هذا. قال فقلت يا رسول الله ففلان هكذا وتصنع به ما تصنع؟ قال: إنه رأس قومه فأتألفهم" . وذكر ابن إسحاق في المغازي عن محمد بن إبراهيم التيمي مرسلا أو معضلا قال: "قيل يا رسول الله أعطيت عيينة والأقرع مائة مائة وتركت جعيلا. قال: والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض مثل عيينة والأقرع، ولكني أتألفهما وأكل جعيلا إلى إيمانه" ولجعيل المذكور ذكر في حديث أخيه عوف

(11/277)


بن سراقة في غزوة بني قريظة وفي حديث العرباض بن سارية في غزوة تبوك، وقيل فيه جعال بكسر أوله وتخفيف ثانيه ولعله صغر وقيل بل هما أخوان. وفي الحديث بيان فضل جعيل المذكور وأن السيادة بمجرد الدنيا لا أثر لها، وإنما الاعتبار في ذلك بالآخرة كما تقدم "أن العيش عيش الآخرة" وأن الذي يفوته الحظ من الدنيا يعاض عنه بحسنة الآخرة ففيه فضيلة للفقر كما ترجم به، لكن لا حجة فيه لتفضيل الفقير على الغني قال ابن بطال لأنه إن كان فضل عليه لفقره فكان ينبغي أن يقول: خير من ملء الأرض مثله لا فقير فيهم، وإن كان لفضله فلا حجة فيه. قلت يمكنهم أن يلتزموا الأول والحيثية مرعية، لكن تبين من سياق طرق القصة أن جهة تفضيله إنما هي لفضله بالتقوى وليست المسألة مفروضة في فقير متق وغني غير متق بل لا بد من استوائهما أولا في التقوى، وأيضا فما في الترجمة تصريح بتفضيل الفقر على الغنى، إذ لا يلزم من ثبوت فضيلة الفقر أفضليته، وكذلك لا يلزم من ثبوت أفضلية فقير على غني أفضلية كل فقير على كل غني. حديث خباب بن الأرت، وقد تقدم بعض شرحه في الجنائز فيما يتعلق بالكفر ونحو ذلك، وذكر في موضعين من الهجرة، وأحلت بشرحه على المغازي فلم يتفق ذلك ذهولا. قوله: "حدثنا الحميدي حدثنا سفيان" هو ابن عيينة "عن الأعمش" وقع في أوائل الهجرة بهذا السند سواء "حدثنا الأعمش". قوله: "عدنا" بضم المهملة من العيادة. قوله: "هاجرنا مع وسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة" أي بأمره وإذنه، أو المراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة إذ لم يكن معه حسا إلا الصديق وعامر بن فهيرة. قوله: "نبتغي وجه الله" أي جهة ما عنده من الثواب لا جهة الدنيا. قوله: "فوقع" في رواية الثوري كما مضى في الهجرة عن الأعمش "فوجب" وإطلاق الوجوب على الله بمعنى إيجابه على نفسه بوعده الصادق وإلا فلا يجب على الله شيء. قوله: "أجرنا على الله" أي إثابتنا وجزاؤنا. قوله: "لم يأكل من أجره شيئا" أي من عرض الدنيا، وهذا مشكل على ما تقدم من تفسير ابتغاء وجه الله، ويجمع بأن إطلاق الأجر على المال في الدنيا بطريق المجاز بالنسبة لثواب الآخرة؛ وذلك أن القصد الأول هو ما تقدم لكن منهم من مات قبل الفتوح كمصعب بن عمير ومنهم من عاش إلى أن فتح عليهم، ثم انقسموا فمنهم من أعرض عنه وواسى به المحاويج أولا فأولا بحيث بقي على تلك الحالة الأولى وهم قليل منهم أبو ذر، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول، ومنهم من تبسط في بعض المباح فيما يتعلق بكثرة النساء والسراري أو الخدم والملابس ونحو ذلك ولم يستكثر وهم كثير ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة وهم كثير أيضا منهم عبد الرحمن بن عوف، وإلى هذين القسمين أشار خباب، فالقسم الأول وما التحلق به توفر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخبر أنه يحسب عليهم ما وصل إليهم من مال الدنيا من ثوابهم في الآخرة، ويؤيده ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه: "ما من غازية تغزو فتغنم وتسلم إلا تعجلوا ثلثي أجرهم" الحديث، ومن ثم آثر كثير من السلف قلة المال وقنعوا به إما ليتوفر لهم ثوابهم في الآخرة وإما ليكون أقل لحسابهم عليه. قوله: "منهم مصعب بن عمير" بصيغة التصغير هو ابن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي، وكان يكنى أبا عبد الله، من السابقين إلى الإسلام وإلى هجرة المدينة. قال البراء: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان القرآن أخرجه المصنف في أوائل الهجرة، وذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله مع أهل العقبة الأولى يقرئهم ويعلمهم، وكان مصعب وهو

(11/278)


بمكة في ثروة ونعمة فلما هاجر صار في قلة، فأخرج الترمذي من طريق محمد بن كعب حدثني من سمع عليا يقول: "بينما نحن في المسجد إذ دخل علينا مصعب بن عمير وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفروة، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رآه للذي كان فيه من النعم والذي هو فيه اليوم". قوله: "قتل يوم أحد" أي شهيدا، وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثبت ذلك في مرسل عبيد بن عمير بسند صحيح عند ابن المبارك في كتاب الجهاد.قوله: "وترك نمرة" بفتح النون وكسر الميم ثم راء هي إزار من صوف مخطط أو بردة. قوله: "أينعت" بفتح الهمزة وسكون التحتانية وفتح النون والمهملة أي انتهت واستحقت القطف، وفي بعض الروايات ينعت بغير ألف وهي لغة، قال القزاز وأينعت أكثر. قوله: "فهو يهدبها" بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر المهملة ويجوز ضمها بعدها موحدة أي يقطفها. قال ابن بطال: في الحديث ما كان عليه السلف من الصدق في وصف أحوالهم. وفيه أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار. وفيه أن الكفن يكون ساترا لجميع البدن وأن الميت يصير كله عورة، ويحتمل أن يكون ذلك بطريق الكمال، وقد تقدم سائر ما يتعلق بذلك في كتاب الجنائز. ثم قال ابن بطال: ليس في حديث خباب تفضيل الفقير على الغني، وإنما فيه أن هجرتهم لم تكن لدنيا يصيبونها ولا نعمة يتعجلونها وإنما كانت لله خالصة ليثيبهم عليها في الآخرة فمن مات منهم قبل فتح البلاد توفر له ثوابه، ومن بقي حتى نال من طيبات الدنيا خشي أن يكون عجل لهم أجر طاعتهم، وكانوا على نعيم الآخرة أحرص. قوله: "سلم" بفتح المهملة وسكون اللام "ابن زرير" بزاي ثم راء وزن عظيم، وأبو رجاء هو العطاردي، وقد تقدم بهذا السند والمتن في صفة الجنة من بدء الخلق، ويأتي شرحه في صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق هذا. قوله: "تابعه أيوب وعوف. وقال حماد بن نجيح وصخر عن أبي رجاء عن ابن عباس" أما متابعة أيوب فوصلها النسائي وتقدم بيان ذلك واضحا في كتاب النكاح. وأما متابعة عوف فوصلها المؤلف في كتاب النكاح. وأما متابعة حماد بن نجيح -وهو الإسكاف- البصري فوصلها النسائي من طريق عثمان بن عمر بن فارس عنه، وليس له في الكتابين سوى هذا الحديث الواحد، وقد وثقه وكيع وابن معين وغيرهما. وأما متابعة صخر -وهو ابن جويرية- فوصلها النسائي أيضا من طريق المعافي بن عمران عنه وابن منده في كتاب التوحيد من طريق مسلم بن إبراهيم حدثنا صخر بن جويرية وحماد بن نجيح قالا حدثنا أبو رجاء، وقد وقعت لنا بعلو في "الجعديات" من رواية على بن الجعد عن صخر قال سمعت أبا رجاء حدثنا ابن عباس به، قال الترمذي بعد أن أخرجه من طريق عوف: وقال أيوب عن أبي رجاء عن ابن عباس، وكلا الإسنادين ليس فيه مقال، ويحتمل أن يكون عن أبي رجاء عند كل منهما. وقال الخطيب في "المدرج": روى هذا الحديث أبو داود الطيالسي عن أبي الأشهب وجرير بن حازم وسلم بن زرير وحماد بن نجيح وصخر بن جويرية عن أبي رجاء عن عمران وابن عباس به، ولا نعلم أحدا جمع بين: هؤلاء فإن الجماعة رووه عن أبي رجاء عن ابن عباس، وسلم إنما رواه عن أبي رجاء عن عمران، ولعل جريرا كذلك، وقد جاءت الرواية عن أيوب عن أبي رجاء بالوجهين، ورواه سعيد بن أبي عروبة عن فطر عن أبي رجاء عن عمران، فالحديث عن أبي رجاء عنهما والله أعلم. قال ابن بطال: ليس قوله: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" يوجب فضل الفقير على الغني، وإنما معناه أن الفقراء في الدنيا أكثر من الأغنياء فأخبر عن ذلك كما تقول أكثر أهل الدنيا الفقراء إخبارا عن الحال، وليس

(11/279)


الفقر أدخلهم الجنة وإنما دخلوا بصلاحهم مع الفقر، فإن الفقير إذ لم يكن صالحا لا يفضل. قلت: ظاهر الحديث التحريض على ترك التوسع من الدنيا كما أن فيه تحريض النساء على المحافظة على أمر الدين لئلا يدخلن النار كما تقدم تقرير ذلك في كتاب الإيمان في حديث: "تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، قيل: بم؟ قال: بكفرهن، قيل يكفرن بالله؟ قال: يكفرون بالإحسان". قوله: "حدثنا أبو معمر" هو عبد الله بن محمد بن عمرو بن الحجاج. قوله: "عن أنس" في رواية همام عن قتادة "كنا نأتي أنس بن مالك" وسيأتي في الباب الذي بعده. قوله: "على خوان" بكسر المعجمة وتخفيف الواو وتقدم شرحه في كتاب الأطعمة. قوله: "وما أكل خبزا مرققا حتى مات" قال ابن بطال: تركه عليه الصلاة والسلام الأكل على الخوان وأكل المرقق إنما هو لدفع طيبات الدنيا اختيارا لطيبات الحياة الدائمة، والمال إنما يرغب فيه ليستعان به على الآخرة فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المال من هذا الوجه. وحاصله أن الخبر لا يدل على تفضيل الفقر على الغنى بل يدل على فضل القناعة والكفاف وعدم التبسط في ملاذ الدنيا، ويؤيده حديث ابن عمر "لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته، وإن كان عند الله كريما" أخرجه ابن أبي الدنيا قال المنذري وسنده جيد والله أعلم. قوله: "حدثنا عبد الله بن أبي شيبة" هو أبو بكر وأبو شيبة جده لأبيه وهو ابن محمد بن أبي شيبة واسمه إبراهيم، أصله من واسط وسكن الكوفة وهو أحد الحفاظ الكبار، وقد أكبر عنه المصنف وكذا مسلم لكن مسلم يكنيه دائما والبخاري يسميه وقل أن كناه. قوله: "وما في بيتي شيء إلخ" لا يخالف ما تقدم في الوصايا من حديث عمرو بن الحارث المصطلقي "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته دينارا ولا درهما ولا شيئا" لأن مراده بالشيء المنفى ما تخلف عنه مما كان يختص به، وأما الذي أشارت إليه عائشة فكان بقية نفقتها التي تختص بها فلم يتحد الموردان. قوله: "يأكله ذو كبد" شمل جميع الحيوان وانتفى جميع المأكولات. قوله: "إلا شطر شعير" المراد بالشطر هنا البعض، والشطر يطلق على النصف وعلى ما قاربه وعلى الجهة وليست مرادة هنا، ويقال أرادت نصف وسق. قوله: "في رف لي" قال الجوهري الرف شبه الطاق في الحائط. وقال عياض: الرف خشب يرتفع عن الأرض في البيت يوضع فيه ما يراد حفظه. قلت: والأول أقرب للمراد. قوله: "فأكلت منه حتى طال علي، فكلته" بكسر الكاف "ففني" أي فرغ. قال ابن بطال حديث عائشة هذا في معنى حديث أنس في الأخذ من العيش بالاقتصاد وما يسد الجوعة. قلت: إنما يكون كذلك لو وقع بالقصد إليه، والذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤثر بما عنده، فقد ثبت في الصحيحين أنه كان إذا جاءه ما فتح الله عليه من خيبر وغيرها من تمر وغيره يدخر قوت أهله سنة ثم يجعل ما بقي عنده عدة في سبيل الله تعالى، ثم كان مع ذلك إذا طرأ عليه طارئ أو نزل به ضيف يشير على أهله بإيثارهم فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عندهم أو معظمه، وقد روى البيهقي من وجه أخر عن عائشة قالت: "ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعنا، ولكنه كان يؤثر على نفسه" ، وأما قولها "فكلته ففني" قال ابن بطال: فيه أن الطعام المكيل يكون فناؤه معلوما للعلم بكيله، وأن الطعام غير المكيل فيه البركة لأنه غير معلوم مقداره. قلت: في تعميم كل الطعام بذلك نظر، والذي يظهر أنه كان من الخصوصية لعائشة ببركة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقع مثل ذلك في حديث جابر الذي أذكره آخر الباب، ووقع مثل ذلك في مزود أبي هريرة الذي أخرجه الترمذي وحسنه والبيهقي في "الدلائل" من طريق أبي العالية عن أبي هريرة "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرات فقلت: ادع لي فيهن

(11/280)


بالبركة، قال فقبض ثم دعا ثم قال: خذهن فاجعلهن في مزود فإذا أردت أن تأخذ منهن فأدخل يدك فخذ ولا تنثر بهن نثرا، فحملت من ذلك كذا وكذا وسقا في سبيل الله، وكنا نأكل ونطعم وكان المزود معلقا بحقوي لا يفارقه، فلما قتل عثمان انقطع" وأخرجه البيهقي أيضا من طريق سهل ابن زياد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة مطولا وفيه: "فأدخل يدك فخذ ولا تكفئ فيكفأ عليك" ومن طريق يزيد بن أبي منصور عن أبيه عن أبي هريرة نحوه، ونحوه ما وقع في عكة المرأة وهو ما أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر "أن أم مالك كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمنا فيأتيها بنوها فيسألون الأدم فتعمد إلى العكة فتجد فيها سمنا فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو تركتها ما زال قائما" وقد استشكل هذا النهي مع الأمر بكيل الطعام وترتيب البركة على ذلك كما تقدم في البيوع من حديث المقدام بن معد يكرب بلفظ: "كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه" ، وأجيب بأن الكيل عند المبايعة مطلوب من أجل تعلق حق المتبايعين فلهذا القصد يندب، وأما الكيل عند الإنفاق فقد يبعث عليه الشح فلذلك كره، ويؤيده ما أخرجه مسلم من طريق معقل بن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر "أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم" قال القرطبي: سبب رفع النماء من ذلك عند العصر والكيل -والله أعلم- الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله ومواهب كراماته كثرة بركاته، والغفلة عن الشكر عليها والثقة بالذي وهبها والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة. ويستفاد منه أن من رزق شيئا أو أكرم بكرامة أو لطف به في أمر ما فالمتعين عليه موالاة الشكر ورؤية المنة لله تعالى، ولا يحدث في تلك الحالة تغييرا والله أعلم.

(11/281)


باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم تعن الدنيا
...
17 - باب كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَتَخَلِّيهِمْ عنْ الدُّنْيَا
6452- حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ أَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنْ كُنْتُ لاَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْجُوعِ وَإِنْ كُنْتُ لاَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنْ الْجُوعِ وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمْ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا هِرٍّ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْحَقْ وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ قَالُوا أَهْدَاهُ لَكَ فُلاَنٌ أَوْ فُلاَنَةُ قَالَ أَبَا هِرٍّ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي قَالَ وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلاَمِ لاَ يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلاَ مَالٍ وَلاَ عَلَى أَحَدٍ إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا فَسَاءَنِي ذَلِكَ فَقُلْتُ وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً

(11/281)


أَتَقَوَّى بِهَا فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُدٌّ فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنْ الْبَيْتِ قَالَ يَا أَبَا هِرٍّ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ خُذْ فَأَعْطِهِمْ قَالَ فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ أَبَا هِرٍّ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ قُلْتُ صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اقْعُدْ فَاشْرَبْ فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ فَقَالَ اشْرَبْ فَشَرِبْتُ فَمَا زَالَ يَقُولُ اشْرَبْ حَتَّى قُلْتُ لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا قَالَ فَأَرِنِي فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ"
6453- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ "سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ إِنِّي لاَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلاَمِ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي"
6454- حَدَّثَنِي عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلاَثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ"
6455- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ الأَزْرَقُ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ هِلاَلٍ الْوَزَّانِ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلاَّ إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ"
6456- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَدَمٍ وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ"
6457- حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ "كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ وَقَالَ كُلُوا فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ وَلاَ رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ"
6458- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنِي أَبِي "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلاَّ أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ"

(11/282)


6459- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلاَلِ ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ فَقُلْتُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ فَيَسْقِينَاهُ"
6460- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا"
قوله: "باب" بالتنوين "كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه"؟ أي في حياته "وتخليهم عن الدنيا" أي عن ملاذها والتبسط فيها. قوله: "حدثنا أبو نعيم بنحو من نصف هذا الحديث" قال الكرماني: يستلزم أن يكون الحديث بغير إسناد يعني غير موصول، لأن النصف المذكور مبهم لا يدري أهو الأول أو الثاني. قلت: يحتمل أيضا أن يكون قدر النصف الذي حدثه به أبو نعيم ملفقا من الحديث المذكور، والذي يتبادر من الإطلاق أنه النصف الأول، وقد جزم مغلطاي وبعض شيوخنا، أن القدر المسموع له منه هو الذي ذكره في "باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن" من كتاب الاستئذان حيث قال: "حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر ح، وأخبرنا محمد بن مقاتل أنبأنا عبد الله هو ابن المبارك أنبأنا عمر بن ذر أنبأنا مجاهد عن أبي هريرة قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد لبنا في قدح فقال: أبا هر الحق أهل الصفة فادعهم إلي.قال فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا" قال مغلطاي: فهذا هو القدر الذي سمعه البخاري من أبي نعيم، واعترضه الكرماني فقال ليس هذا ثلث الحديث ولا ربعه فضلا عن نصفه. قلت: وفيه نظر من وجهين آخرين: أحدهما احتمال أن يكون هذا السياق لابن المبارك فإنه لا يتعين كونه لفظ أبي نعيم، ثانيهما أنه منتزع من أثناء الحديث فإنه ليس فيه القصة الأولى المتعلقة بأبي هريرة ولا ما في آخره من حصول البركة في اللبن إلخ. نعم، المحرر قول شيخنا في "النكت على ابن الصلاح" ما نصه: القدر المذكور في الاستئذان بعض الحديث المذكور في الرقاق، قلت: فهو مما حدثه به أبو نعيم سواء كان بلفظه أم بمعناه، وأما باقيه الذي لم يسمعه منه فقال الكرماني إنه يصير بغير إسناد فيعود المحذور، كذا قال. وكأن مراده أنه لا يكون متصلا لعدم تصريحه بأن أبا نعيم حدثه به، لكن لا يلزم من ذلك محذور بل يحتمل كما قال شيخنا أن يكون البخاري حدث به عن أبي نعيم بطريق الوجادة أو الإجازة أو حمله عن شيخ آخر غير أبي نعيم، قلت: أو سمع بقية الحديث من شيخ سمعه من أبي نعيم، ولهذين الاحتمالين الأخيرين أوردته في "تعليق التعليق" فأخرجته من طريق علي بن عبد العزيز عن أبي نعيم تاما ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" والبيهقي في "الدلائل" وأخرجه النسائي في "السنن الكبرى" عن أحمد بن يحيى الصوفي عن أبي نعيم بتمامه، واجتمع لي ممن سمعه من عمر بن ذر شيخ أبي نعيم أيضا جماعة: منهم روح بن عبادة أخرجه أحمد عنه وعلي بن مسهر ومن طريقه أخرجه الإسماعيلي وابن حبان في صحيحه ويونس بن بكير ومن طريقه أخرجه الترمذي والإسماعيلي والحاكم في المستدرك والبيهقي. وسأذكر ما في رواياتهم من فائدة زائدة. ثم قال

(11/283)


الكرماني مجيبا عن المحذور الذي ادعاه ما نصه: اعتمد البخاري على ما ذكره في الأطعمة عن يوسف بن عيسى فإنه قريب من نصف هذا الحديث. فلعله أراد بالنصف هنا ما لم يذكره ثمة فيصير الكل مسندا بعضه عن يوسف وبعضه عن أبي نعيم قلت: سند طريق يوسف مغاير لطريق أبي نعيم إلى أبي هريرة فيعود المحذور بالنسبة إلى خصوص طريق أبي نعيم فإنه قال في أول كتاب الأطعمة "حدثنا يوسف بن عيسى حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال أصابني جهد" فذكر سؤاله عمر عن الآية وذكر مرور رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وفيه: "فانطلق بي إلى رحله فأمر لي بعس من لبن فشربت منه ثم قال عد" فذكره ولم يذكر قصة أصحاب الصفة ولا ما يتعلق بالبركة التي وقعت في اللبن، وزاد في آخره ما دار بين أبي هريرة وعمر وندم عمر على كونه ما استتبعه، فظهر بذلك المغايرة بين الحديثين في السندين، وأما المتن ففي أحد الطريقين ما ليس في الآخر لكن ليس في طريق أبي حازم من الزيادة كبير أمر، والله أعلم. قوله: "عمر بن ذر" بفتح المعجمة وتشديد الراء. قوله: "أن أبا هريرة كان يقول" في رواية روح ويونس بن بكير وغيرهما: "حدثنا مجاهد عن أبي هريرة". قوله: "الله الذي لا إله إلا هو" كذا للأكثر بحذف حرف الجر من القسم، وهو في روايتنا بالخفض، وحكى بعضهم جواز النصب. وقال ابن التين رويناه بالنصب.وقال ابن جني: إذا حذف حرف القسم نصب الاسم بعده بتقدير الفعل، ومن العرب من يجر اسم الله وحده مع حذف حرف الجر فيقول: الله لأقومن، وذلك لكثرة ما يستعملونه. قلت: وثبت في رواية روح ويونس بن بكير وغيرهما بالواو في أوله فتعين الجر فيه. قوله: "إن كنت" بسكون النون مخففة من الثقيلة، وقوله: "لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع" أي ألصق بطني بالأرض، وكأنه كان يستفيد بذلك ما يستفيده من شد الحجر على بطنه، أو هو كناية عن سقوطه إلى الأرض مغشيا عليه كما وقع في رواية أبي حازم في أول الأطعمة "فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آية" فذكره، قال: "فمشيت غير بعيد فخررت على وجهي من الجهد والجوع، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي" الحديث. وفي حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة الآتي في كتاب الاعتصام "لقد رأيتني وإني لأخر ما بين المنبر والحجرة من الجوع مغشيا علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي يرى أن بي الجنون وما بي إلا الجوع" وعند ابن سعد من طريق الوليد بن رباح عن أبي هريرة "كنت من أهل الصفة، وإن كان ليغشى علي فيما بين بيت عائشة وأم سلمة من الجوع" ومضى أيضا في مناقب جعفر من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة "وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطني" وفيه: "كنت ألصق بطني بالحصى من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني" وزاد فيه الترمذي "وكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله" قوله: "وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع" عند أحمد في طريق عبد الله بن شقيق "أقمت مع أبي هريرة سنة فقال: لو رأيتنا وإنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاما يقيم به صلبه، حتى إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشد به على أخمص بطنه ثم يشده بثوبه ليقيم به صلبه" قال العلماء فائدة شد الحجر المساعدة على الاعتدال والانتصاب، أو المنع من كثرة التحلل من الغذاء الذي في البطن لكون الحجر بقدر البطن فيكون الضعف أقل، أو لتقليل حرارة الجوع ببرد الحجر، أو لأن فيه الإشارة إلى كسر النفس. وقال الخطابي أشكل الأمر في شد الحجر على البطن من الجوع على قوم فتوهموا أنه تصحيف، وزعموا أنه الحجز بضم أوله وفتح الجيم بعدها زاي جمع الحجزة التي يشد بها الوسط، قال: ومن أقام بالحجاز وعرف

(11/284)


عادتهم عرف أن الحجر واحد الحجارة.وذلك أن المجاعة تعتريهم كثيرا فإذا خوى بطنه لم يمكن معه الانتصاب فيعمد حينئذ إلى صفائح رقاق في طول الكف أو أكبر فيربطها على بطن وتشد بعصابة فوقها فتعتدل قامته بعض الاعتدال، والاعتماد بالكبد على الأرض مما يقارب ذلك. قلت: سبقه إلى الإنكار المذكور أبو حاتم بن حبان في صحيحه، فلعله أشار إلى الرد عليه، وقد ذكرت كلامه وتعقبه في "باب التنكيل لمن أراد الوصال" من كتاب الصيام. قوله: "ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه" الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه ممن كان طريق منازلهم إلى المسجد متحدة. قوله: "فمر أبو بكر فسألته عن آية ما سألته إلا ليشبعني" بالمعجمة والموحدة من الشبع، ووقع في رواية الكشميهني: "ليستتبعني" بمهملة ومثناتين وموحدة أي يطلب مني أن أتبعه ليطعمني، وثبت كذلك في رواية روح وأكثر الرواة. قوله: "فمر ولم يفعل" أي الإشباع أو الاستتباع. قوله: "حتى مر بي عمر" يشير إلى أنه استمر في مكانه بعد ذهاب أبي بكر إلى أن مر عمر، ووقع في قصة عمر من الاختلاف في قوله: "ليشبعني" نظير ما وقع في التي قبلها، وزاد في رواية أبي حازم "فدخل داره وفتحها علي" أي قرأ الذي استفهمته عنه، ولعل العذر لكل من أبي بكر وعمر حمل سؤال أبي هريرة على ظاهره أو فهما ما أراده ولكن لم يكن عندهما إذ ذاك ما يطعمانه، لكن وقع في رواية أبي حازم من الزيادة أن عمر تأسف على عدم إدخاله أبا هريرة داره ولفظه: "فلقيت عمر فذكرت له وقلت له ولي الله ذلك من كان أحق به منك يا عمر" وفيه: "قال عمر والله لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم" فإن فيه إشعارا بأنه كان عنده ما يطعمه إذ ذلك فيرجح الاحتمال الأول، ولم يعرج على ما رمزه أبو هريرة من كنايته بذلك عن طلب ما يؤكل. وقد استنكر بعض مشايخنا ثبوت هذا عن أبي هريرة لاستبعاد مواجهة أبي هريرة لعمر بذلك، وهو استبعاد مستبعد. قوله: "ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي" استدل أبو هريرة بتبسمه صلى الله عليه وسلم على أنه عرف ما به، لأن التبسم تارة يكون لما يعجب وتارة يكون لإيناس من تبسم إليه ولم تكن تلك الحال معجبة فقوى الحمل على الثاني. قوله: "وما في وجهي" كأنه عرف من حال وجهه ما في نفسه من احتياجه إلى ما يسد رمقه. ووقع في رواية علي بن مسهر وروح "وعرف ما في وجهي أو نفسي" بالشك. قوله: "ثم قال لي يا أبا هريرة" في رواية علي بن مسهر "فقال أبو هر" وفي رواية روح "فقال أبا هر" فأما النصب فواضح، وأما الرفع فهو على لغة من لا يعرف لفظ الكنية، أو هو للاستفهام أي أنت أبو هر؟ وأما قوله: "هر" فهو بتشديد الراء وهو من رد الاسم المؤنث إلى المذكر والمصغر إلى المكبر، فإن كنيته في الأصل أبو هريرة تصغير هرة مؤنثا وأبو هر مذكر مكبر، وذكر بعضهم أنه يجوز فيه تخفيف الراء مطلقا فعلى هذا يسكن، ووقع في رواية يونس بن بكير "فقال أبو هريرة، أي أنت أبو هريرة، وقد ذكرت توجيهه قبل. قوله: "قلت لبيك رسول الله" كذا فيه بحذف حرف النداء، ووقع في رواية علي بن مسهر "فقلت لبيك يا رسول الله وسعديك". قوله: "الحق" بهمزة وصل وفتح المهملة أي اتبع.قوله: "ومضى فاتبعته" زاد في رواية علي بن مسهر فلحقته. قوله: "فدخل" زاد علي بن مسهر إلى أهله. قوله: "فأستأذن" بهمزة بعد الفاء والنون مضمومة فعل متكلم وعبر عنه بذلك مبالغة في التحقق.ووقع في رواية علي بن مسهر ويونس وغيرهما: "فاستأذنت". قوله: "فأذن لي فدخل" كذا فيه وهو إما تكرار لهذه اللفظة لوجود الفصل أو التفات، ووقع في رواية علي ابن مسهر "فدخلت" وهي واضحة. قوله:

(11/285)


"فوجد لبنا في قدح" في رواية علي بن مسهر "فإذا هو بلبن في قدح" وفي رواية يونس "فوجد قدحا من اللبن".قوله: "فقال: من أين هذا اللبن؟" زاد روح "لكم" وفي رواية ابن مسهر "فقال لأهله: من أين لكم هذا". قوله: "قالوا أهداه لك فلان أو فلانة" كذا بالشك، ولم أقف على اسم من أهداه. وفي رواية روح "أهداه لنا فلان أو آل فلان" وفي رواية يونس "أهداه لنا فلان". قوله: "الحق إلى أهل الصفة" كذا عدى الحق بإلى وكأنه ضمنها معنى انطلق، ووقع في رواية روح بلفظ: "انطلق". قوله: "قال وأهل الصفة من أضياف الإسلام" سقط لفظ: "قال" من رواية روح ولا بد منها فإنه كلام أبي هريرة قاله شارحا لحال أهل الصفة وللسبب في استدعائهم فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخصهم بما يأتيه من الصدقة ويشركهم فيما يأتيه من الهدية، وقد وقع في رواية يونس بن بكير هذا القدر في أول الحديث ولفظه عن أبي هريرة "قال كان أهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال والله الذي لا إله إلا هو إلخ" وفيه إشعار بأن أبا هريرة كان منهم. قوله: "لا يأوون على أهل ولا مال" في رواية روح والأكثر "إلى" بدل على. قوله: "ولا على أحد" تعميم بعد تخصيص فشمل الأقارب والأصدقاء وغيرهم. وقد وقع في حديث طلحة ابن عمرو عند أحمد وابن حبان والحاكم "كان الرجل إذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وكان له بالمدينة عريف نزل عليه، فإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة" وفي مرسل يزيد بن عبد الله بن قسيط عند ابن سعد "كان أهل الصفة ناسا فقراء لا منازل لهم، فكانوا ينامون في المسجد لا مأوى لهم غيره" وله من طريق نعيم المجمر عن أبي هريرة "كنت من أهل الصفة" وكنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل أو أكثر فيبقى من بقي عشرة أو أقل أو أكثر فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه فنتعشى معه فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد"، وتقدم في "باب علامات النبوة" وغيره حديث عبد الرحمن بن أبي بكر "أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث" الحديث، ولأبي نعيم في "الحلية" من مرسل محمد بن سيرين "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قسم ناسا من أصحاب الصفة بين ناس من أصحابه فيذهب الرجل بالرجل والرجل بالرجلين حتى ذكر عشرة" الحديث، وله من حديث معاوية بن الحكم "بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفة فجعل يوجه الرجل مع الرجل من الأنصار والرجلين والثلاثة حتى بقيت في أربعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم خامسنا فقال: انطلقوا بنا، فقال: يا عائشة عشينا" الحديث. قوله: "إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا" أي لنفسه. وفي رواية روح "ولم يصب منها شيئا" وزاد: "ولم يشركهم فيها" قوله: "وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها" في رواية علي بن مسهر "وشركهم" بالتشديد وقال: "فيها أو منها" بالشك ووقع عند يونس "الصدقة والهدية" بالتعريف فيهما، وقد تقدم في الزكاة وغيرها بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وتقدم في الهبة من حديث أبي هريرة مختصرا من رواية محمد بن زياد عنه "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه فإن قيل صدقة قال لأصحابه كلوا، ولم يأكل. وإن قيل هدية ضرب بيده فأكل معهم" ولأحمد وابن حبان من هذا الوجه "إذا أتي بطعام من غير أهله" ويجمع بين هذا وبين ما وقع في حديث الباب بأن ذلك كان قبل أن تبنى الصفة، فكان يقسم الصدقة فيمن يستحقها ويأكل من الهدية مع من حضر من أصحابه، وقد أخرج أبو نعيم في "الحلية" من مرسل الحسن قال: "بنيت صفة في المسجد لضعفاء المسلمين" ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف حالين: فيحمل حديث الباب على ما إذا لم يحضره أحد فإنه

(11/286)


يرسل ببعض الهدية إلى أهل الصفة أو يدعوهم إليه كما في قصة الباب، وإن حضره أحد يشركه في الهدية فإن كان هناك فضل أرسله إلى أهل الصفة أو دعاهم. ووقع في حديث طلحة بن عمرو الذي ذكرته آنفا "وكنت فيمن نزل الصفة فوافقت رجلا فكان يجري علينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم مد من تمر بين كل رجلين" وفي رواية أحمد "فنزلت في الصفة مع رجل فكان بيني وبينه كل يوم مد من تمر" وهو محمول أيضا على اختلاف الأحوال: فكان أولا يرسل إلى أهل الصفة بما حضره أو يدعوهم أو يفرقهم على من حضر إن لم يحضره ما يكفيهم، فلما فتحت فدك وغيرها صار يجري عليهم من التمر في كل يوم ما ذكر؟ وقد اعتنى بجمع أسماء أهل الصفة أبو سعيد بن الأعرابي وتبعه أبو عبد الرحمن السلمي فزاد أسماء، وجمع بينهما أبو نعيم في أوائل "الحلية" فسرد جميع ذلك. ووقع في حديث أبي هريرة الماضي في علامات النبوة أنهم كانوا سبعين، وليس المراد حصرهم في هذا العدد وإنما هي عدة من كان موجودا حين القصة المذكورة، وإلا فمجموعهم أضعاف ذلك كما بينا من اختلاف أحوالهم. قوله: "فساءني ذلك" زاد في رواية علي بن مسهر "والله" والإشارة إلى ما تقدم من قوله: "ادعهم لي" وقد بين ذلك ب قوله: "فقلت" أي في نفسي "وما هذا اللبن"؟ أي ما قدره "في أهل الصفة"؟ والواو عاطفة على شيء محذوف، ووقع في رواية يونس بحذف الواو زاد في روايته: "وأنا رسوله إليهم" وفي رواية علي بن مسهر، "وأين يقع هذا اللبن من أهل الصفة وأنا ورسول الله"؟ وهو بالجر عطفا على أهل الصفة ويجوز الرفع والتقدير وأنا ورسول الله معهم. قوله: "وكنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها" زاد في رواية روح يومي وليلتي. قوله: "فإذا جاء" كذا فيه بالإفراد أي من أمرني بطلبه، وللأكثر "فإذا جاءوا" بصيغة الجمع. قوله: "أمرني" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فكنت أنا أعطيهم" وكأنه عرف بالعادة ذلك لأنه كان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم ويخدمه، وقد تقدم في مناقب جعفر من حديث طلحة بن عبيد الله "كان أبو هريرة مسكينا لا أهل له ولا مال، وكان يدور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثما دار" أخرجه البخاري في تاريخه، وتقدم في البيوع وغيره من وجه آخر عن أبي هريرة "كنت امرءا مسكينا ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطني" ووقع في رواية يونس بن بكير "فسيأمرني أن أديره عليهم فما عسى أن يصيبني منه، وقد كنت أرجو أن أصيب منه ما يغنيني" أي عن جوع ذلك اليوم. قوله: "وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن" أي يصل إلي بعد أن يكتفوا منه. وقال الكرماني لفظ: "عسى" زائد. قوله: "ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد" يشير إلى قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} . قوله: "فأتيتهم فدعوتهم" قال الكرماني: ظاهره أن الإتيان والدعوة وقع بعد الإعطاء، وليس كذلك، ثم أجاب بأن معنى قوله: "فكنت أنا أعطيهم" عطف على جواب "فإذا جاءوا" فهو بمعنى الاستقبال، قلت: وهو ظاهر من السياق. قوله: "فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت" أي فقعد كل منهم في المجلس الذي يليق به، ولم أقف على عددهم إذ ذاك، وقد تقدم في أبواب المساجد في أوائل كتاب الصلاة من طريق أبي حازم عن أبي هريرة "رأيت سبعين من أصحاب الصفة" الحديث وفيه إشعار بأنهم كانوا أكثر من ذلك، وذكرت هناك أن أبا عبد الرحمن السلمي وأبا سعيد بن الأعرابي والحاكم اعتنوا بجمع أسمائهم فذكر كل منهم من لم يذكر الآخر، وجمع الجميع أبو نعيم في "الحلية" وعدتهم تقرب من المائة لكن الكثير من ذلك لا يثبت، وقد بين كثيرا من ذلك أبو نعيم، وقد قال أبو نعيم: كان عدد أهل الصفة يختلف بحسب اختلاف الحال فربما اجتمعوا فكثروا وربما

(11/287)


18 - باب الْقَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ
6461- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَشْعَثَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ سَمِعْتُ مَسْرُوقًا "قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ الدَّائِمُ قَالَ قُلْتُ فَأَيَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ قَالَتْ كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ"
6462- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ"
6463- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ قَالُوا وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا"
6464- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ
[الحديث 6464- طرفه في 6467]
6465- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ وَقَالَ اكْلَفُوا مِنْ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ"
6466- حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ "سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنْ الأَيَّامِ قَالَتْ لاَ كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَطِيعُ"
6467- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لاَ يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ" قَالَ أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ

(11/294)


النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا قَالَ مُجَاهِدٌ قَوْلًا سَدِيدًا وَسَدَادًا صِدْقًا"
6468- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِيٍّ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلاَةَ ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ قَدْ أُرِيتُ الْآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمْ الصَّلاَةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قُبُلِ هَذَا الْجِدَارِ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ"
قوله: "باب القصد" بفتح القاف وسكون المهملة، هو سلوك الطريق المعتدلة، أي استحباب ذلك؛ وسيأتي أنهم فسروا السداد بالقصد وبه تظهر المناسبة. قوله: "والمداومة على العمل" أي الصالح. ذكر فيه ثمانية أحاديث أكثرها مكرر وفي بعضها زيادة على بعض، ومحصل ما اشتملت عليه الحث على مداومة العمل الصالح وإن قل، وأن الجنة لا يدخلها أحد بعمله بل برحمة الله، وقصة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والنار في صلاته، والأول هو المقصود بالترجمة والثاني ذكر استطرادا وله تعلق بالترجمة أيضا والثالث يتعلق بها أيضا بطريق خفي. قوله: "حدثنا عبدان" هو عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد، وأشعث هو ابن سليم بن الأسود وأبوه يكنى أبا الشعثاء بمعجمة ثم مهملة ثم مثلثة وهو بها أشهر، وقد تقدم هذا الحديث بهذا الإسناد في "باب من نام عند السحر" من كتاب التهجد، وتقدم شرحه هناك. والمراد بالصارخ الديك. وقوله هنا "قلت في أي حين كان يقوم" وقع في رواية الكشميهني: "فأي حين" وقد تقدم هناك بلفظ: "قلت متى كان يقوم" وأعقبه برواية أبي الأحوص عن أشعث بلفظ: "إذا سمع الصارخ قام فصلى" اختصره، وأخرجه مسلم من هذا الوجه بتمامه وقال فيه: "قلت أي حين كان يصلي" فذكره. حديث عائشة أيضا من طريق عروة عنها أنها قالت: "كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدوم عليه صاحبه" وهذا يفسر الذي قبله، وقد ثبت هذا من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي يلي الذي بعده. حديث أبي هريرة من رواية سعيد المقبري عنه. قوله: "لن ينجي أحدا منكم عمله" في رواية أبي داود الطيالسي عن ابن أبي ذئب "ما منكم من أحد ينجيه عمله" وأخرجه أبو نعيم من طريقه، وتقدم في كفارة المرض من طريق أبي عبيد عن أبي هريرة بلفظ: "لم يدخل أحدا عمله الجنة" وأخرجه مسلم أيضا وهو كلفظ عائشة في الحديث الرابع هنا، ولمسلم من طريق ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة "ليس أحد منكم ينجيه عمله" ومن طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه "لن ينجو أحد منكم بعمله" وله من حديث جابر "لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار" ومعنى قوله ينجي أي يخلص والنجاة من الشيء التخلص منه، قال ابن بطال في الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ما محصله أن تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها. ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: {سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فصرح بأن دخول الجنة أيضا بالأعمال، وأجاب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث، والتقدير ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول. ثم قال:

(11/295)


ويجوز أن يكون الحديث مفسرا للآية، والتقدير ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم، لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضل عليهم ابتداء بإيجادهم ثم برزقهم ثم بتعليمهم. وقال عياض طريق الجمع أن الحديث فسر ما أجمل في الآية، فذكر نحوا من كلام ابن بطال الأخير وأن من رحمة الله توفيقه للعمل وهدايته للطاعة كل ذلك لم يستحقه العامل بعمله. وإنما هو بفضل الله وبرحمته. وقال ابن الجوزي: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة: الأول أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة. الثاني أن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله. الثالث جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله، واقتسام الدرجات بالأعمال. الرابع أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفد فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال. وقال الكرماني الباء في قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ليس للسببية بل للإلصاق أو المصاحبة، أي أورثتموها ملابسة أو مصاحبة، أو للمقابلة نحو أعطيت الشاة بالدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين بن هشام في "المغني" فسبق إليه فقال: ترد الباء للمقابلة وهي الداخلة على الأعواض كاشتريته بألف، ومنه {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وإنما لم تقدر هنا للسببية كما قالت المعتزلة وكما قال الجميع في "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" لأن المعطي بعوض قد يعطى مجانا بخلاف المسبب فلا يوجد بدون السبب، قال: وعلى ذلك ينتفي التعارض بين الآية والحديث. قلت: سبقه إلى ذلك ابن القيم فقال في كتاب "مفتاح دار السعادة": الباء المقتضية للدخول غير الباء الماضية، فالأولى السببية الدالة على أن الأعمال سبب الدخول المقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، والثانية بالمعاوضة نحو اشتريت منه بكذا فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا رحمة الله لعبده لما أدخله الجنة لأن العمل بمجرده ولو تناهي لا يوجب بمجرده دخول الجنة ولا أن يكون عوضا لها، لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها وهو لم يوفها حق شكرها، فلو عذبه في هذه الحالة لعذبة وهو غير ظالم، وإذا رحمه في هذه الحالة كانت رحمته خيرا من عمله كما في حديث أبي بن كعب الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه في ذكر القدر ففيه: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم" الحديث، قال وهذا فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأعمال سببا في دخول الجنة من كل وجه، والقدرية الذين زعموا أن الجنة عوض العمل وأنها ثمنه وأن دخولها بمحض الأعمال، والحديث يبطل دعوى الطائفتين والله أعلم. قلت: وجوز الكرماني أيضا أن يكون المراد أن الدخول ليس بالعمل، والإدخال المستفاد من الإرث بالعمل، وهذا إن مشى في الجواب عن قوله تعالى: {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} لم يمش في قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولا. وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله: "ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون" أي تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أن تكون

(11/296)


الباء للمصاحبة أو للإلصاق أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية. ثم رأيت النووي جزم بأن ظاهر الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، والجمع بينها وبين الحديث أن التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها إنما هو برحمة الله وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنه دخل بسبب العمل وهو من رحمة الله تعالى. ورد الكرماني الأخير بأنه خلاف صريح الحديث. وقال المازري: ذهب أهل السنة إلى أن إثابة الله تعالى من أطاعه بفضل منه، وكذلك انتقامه ممن عصاه بعدل منه، ولا يثبت واحد منهما إلا بالسمع، وله سبحانه وتعالى أن يعذب الطائع وينعم العاصي، ولكنه أخبر أنه لا يفعل ذلك وخبره صدق لا خلف فيه. وهذا الحديث يقوي مقالتهم ويرد على المعتزلة حيث أثبتوا بعقولهم أعواض الأعمال، ولهم في ذلك خبط كثير وتفصيل طويل. قوله: "قالوا ولا أنت يا رسول الله"؟ وقع في رواية بشر بن سعيد عن أبي هريرة عند مسلم: "فقال رجل" ولم أقف على تعيين القائل قال الكرماني: إذا كان كل الناس لا يدخلون الجنة إلا برحمة الله فوجه تخصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر أنه إذا كان مقطوعا له بأنه يدخل الجنة ثم لا يدخلها إلا برحمة الله فغيره يكون في ذلك بطريق الأولى. قلت: وسبق إلى تقرير هذا المعنى الرافعي في أماليه فقال: لما كان أجر النبي صلى الله عليه وسلم في الطاعة أعظم وعمله في العبادة أقوم قيل له "ولا أنت" أي لا ينجيك عملك مع عظم قدره، فقال: "لا إلا برحمة الله" وقد ورد جواب هذا السؤال بعينه من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم من حديث جابر بلفظ: "لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار، ولا أنا إلا برحمة من الله تعالى". قوله: "إلا أن يتغمدني الله" في رواية سهيل "إلا أن يتداركني". قوله: "برحمة" في رواية أبي عبيد "بفضل ورحمة" وفي رواية الكشميهني من طريقه "بفضل رحمته" وفي رواية الأعمش "برحمة وفضل" وفي رواية بشر بن سعيد "منه برحمة" وفي رواية ابن عون "بمغفرة ورحمة". وقال ابن عون بيده هكذا "وأشار على رأسه" وكأنه أراد تفسير معنى "يتغمدني" قال أبو عبيد: المراد بالتغمد الستر، وما أظنه إلا مأخوذا من غمد السيف لأنك إذا أغمدت السيف فقد ألبسته الغمد وسترته به. قال الرافعي: في الحديث أن العامل لا ينبغي أن يتكل على عمله في طلب النجاة ونيل الدرجات لأنه إنما عمل بتوفيق الله، وإنما ترك المعصية بعصمة الله، فكل ذلك بفضله ورحمته. قوله: "سددوا" في رواية بشر بن سعيد عن أبي هريرة عند مسلم: "ولكن سددوا" ومعناه اقصدوا السداد أي الصواب، ومعنى هذا الاستدراك أنه قد يفهم من النفي المذكور نفي فائدة العمل، فكأنه قيل بل له فائدة وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخل العامل الجنة فاعملوا واقصدوا بعملكم الصواب أي اتباع السنة من الإخلاص وغيره ليقبل عملكم فينزل عليكم الرحمة. قوله: "وقاربوا" أي لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فتفرطوا، وقد أخرج البزار من طريق محمد بن سوقة عن ابن المنكدر عن جابر ولكن صوب إرساله، وله شاهد في الزهد لابن المبارك من حديث عبد الله بن عمرو موقوف "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" والمنبت بنون ثم موحدة ثم مثناة ثقيلة أي الذي عطب مركوبه من شدة السير، مأخوذ من البت وهو القطع أي صار منقطعا لم يصل إلى مقصوده وفقد مركوبه. الذي كان يوصله لو رفق به. وقوله: "أوغلوا" بكسر المعجمة من الوغول وهو الدخول في الشيء. قوله: "واغدوا وروحوا وشيئا من الدلجة" في رواية الطيالسي عن ابن أبي ذئب "وخطا من الدلجة" والمراد بالغدو

(11/297)


السير من أول النهار، وبالرواح السير من أول النصف الثاني من النهار، والدلجة بضم المهملة وسكون اللام ويجوز فتحها وبعد اللام جيم سير الليل يقال سار دلجة من الليل أي ساعة فلذلك قال شيئا من الدلجة لعسر سير جميع الليل، فكأن فيه إشارة إلى صيام جميع النهار وقيام بعض الليل وإلى أعم من ذلك من سائر أوجه العبادة، وفيه إشارة إلى الحث على الرفق في العبادة وهو الموافق للترجمة، وعبر بما يدل على السير لأن العابد كالسائر إلى محل إقامته وهو الجنة، وشيئا منصوب بفعل محذوف أي افعلوا، وقد تقدم بأبسط من هذا في كتاب الإيمان في "باب الدين يسر". قوله: "والقصد القصد" بالنصب على الإغراء أي الزموا الطريق الوسط المعتدل، ومنه قوله في حديث جابر ابن سمرة عند مسلم: "كانت خطبته قصدا" أي لا طويلة ولا قصيرة، واللفظ الثاني للتأكيد، ووقفت على سبب لهذا الحديث: فأخرج ابن ماجه من حديث جابر قال: "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يصلي على صخرة فأتى ناحية فمكث ثم انصرف فوجده على حاله فقام فجمع يديه ثم قال: أيها الناس عليكم القصد، عليكم القصد". الحديث: قوله: "حدثنا عبد العزيز بن عبد الله" هو الأويسي، وسليمان هو ابن بلال. قوله: "عن موسى بن عقبة" قال الإسماعيلي بعد أن أخرجه من طريق محمد بن الحسين المخزومي عن سليمان ابن بلال عن عبد العزيز بن المطلب عن موسى بن عقبة: لم أر في كتاب البخاري "عن عبد العزيز بن المطلب" 0 بين سليمان وموسى. قلت: وهو المحفوظ، والذي زاده غير معتمد لأنه متفق على ضعفه وهو المعروف بابن زبالة بفتح الزاي وتخفيف الموحدة المدني، وهذا من الأمثلة لما تعقبته على ابن الصلاح في جزمه بأن الزيادات التي تقع في المستخرجات تحكم بصحتها لأنها خارجة مخرج الصحيح، ووجه التعقب أن الذين استخرجوا لم يصرحوا بالتزام ذلك، سلمنا أنهم التزموا ذلك لكن لم يفوا به، وهذا من أمثلة ذلك فإن ابن زبالة ليس من شرط الصحيح. قوله: "عن أبي سلمة بن عبد الرحمن" سيأتي ما يتعلق باتصاله بعد حديثين، وقد تقدم شرح المتن في الذي قبله. قوله: "وإن أحب الأعمال إلخ" خرج هذا جواب سؤال سيأتي بيانه في الذي بعده. قوله: "عن سعد بن إبراهيم" أي ابن عبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة شيخه هو عمه. قوله: "عن عائشة" وقع عند النسائي من طريق ابن إسحاق وهو السبيعي عن أبي سلمة عن أم سلمة فذكر معنى حديث عائشة، ورواية سعد بن إبراهيم أقوى لكون أبي سلمة بلديه وقريبه، بخلاف ابن إسحاق في الأمرين؛ ويحتمل أن يكون عند أبي سلمة عن أمي المؤمنين لاختلاف السياقين، فإن لفظه عن أم سلمة بعد زيادة في أوله "وكان أحب الأعمال إليه الذي يدوم عليه العبد وإن كان يسيرا" وقد تقدم من طريق القاسم بن محمد عن عائشة نحو سياق أبي سلمة عن عائشة. قوله: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أحب إلى الله" لم أقف على تعيين السائل عن ذلك، لكن1 قوله: "قال أدومها وإن قل" فيه سؤال وهو أن المسئول عنه أحب الأعمال، وظاهره السؤال عن ذات العمل فلم يتطابقا، ويمكن أن يقال إن هذا السؤال وقع بعد قوله في الحديث الماضي في الصلاة وفي الحج وفي بر الوالدين حيث أجاب بالصلاة ثم بالبر إلخ ثم ختم ذلك بأن المداومة على عمل من أعمال البر ولو كان مفضولا أحب إلى الله من عمل يكون أعظم أجرا لكن ليس فيه مداومة. قوله: "وقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم، هو موصول بالسند المذكور. قوله: "اكلفوا" بفتح اللام وبضمها أيضا، قال ابن التين
ـــــــ
1 بياض بأصله.

(11/298)


هو في اللغة بالفتح ورويناه بالضم، والمراد به الإبلاغ بالشيء إلى غايته، يقال كلفت بالشيء إذا أولعت به، ونقل بعض الشراح أنه روى بفتح الهمزة وكسر اللام من الرباعي، ورد بأنه لم يسمع أكلف بالشيء، قال المحب الطبري: الكلف بالشيء التولع به فاستعير للعمل للالتزام والملابسة، وألفه ألف وصل، والحكمة في ذلك أن المديم للعمل يلازم الخدمة فيكثر التردد إلى باب الطاعة كل وقت ليجازي بالبر لكثرة تردده، فليس هو كمن لازم الخدمة مثلا ثم انقطع. وأيضا فالعامل إذا ترك العمل صار كالمعرض بعد الوصل فيتعرض للذم والجفاء، ومن ثم ورد الوعيد في حق من حفظ القرآن ثم نسيه، والمراد بالعمل هنا الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات. قوله: "ما تطيقون" أي قدر طاقتكم. والحاصل أنه أمر بالجد في العبادة والإبلاغ بها إلى حد النهاية، لكن بقيد ما لا تقع معه المشقة المفضية إلى السآمة والملال. قوله: "جرير" هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو النخعي، وعلقمة هو ابن قيس وهو خال إبراهيم، والسند كله إلى عائشة كوفيون. قوله: "هل كان يخص شيئا من الأيام" أي بعبادة مخصوصة لا يفعل مثلها في غيره "قالت لا"، وقد استشكل ذلك بما ثبت عنها أن أكثر صيامه كان في شعبان كما تقدم تقريره في كتاب الصيام، وبأنه كان يصوم أيام البيض كما ثبت في السنن وتقدم بيانه أيضا. وأجيب بأن مرادها تخصيص عبادة معينة في وقت خاص، وإكثاره الصيام في شعبان إنما كان لأنه كان يعتريه الوعك كثيرا وكان يكثر السفر في الغزو فيفطر بعض الأيام التي كان يريد أن يصومها فيتفق أن لا يتمكن من قضاء ذلك إلا في شعبان فيصير صيامه في شعبان بحسب الصورة أكثر من صيامه في غيره. وأما أيام البيض فلم يكن يواظب على صيامها في أيام بعينها. بل كان ربما صام من أول الشهر وربما صام من وسطه وربما صام من آخره، ولهذا قال أنس "ما كنت تشاء أن تراه صائما من النهار إلا رأيته، ولا قائما من الليل إلا رأيته". وقد تقدم هذا كله بأبسط من هذا في كتاب الصيام أيضا. قوله: "كان عمله ديمة" بكسر الدال المهملة وسكون التحتانية أي دائما، والديمة في الأصل المطر المستمر مع سكون بلا رعد ولا برق، ثم استعمل في غيره، وأصلها الواو فانقلبت بالكسرة قبلها ياء. قوله: "وأيكم يستطيع إلخ" أي في العبادة كمية كانت أو كيفية من خشوع وخضوع وإخبات وإخلاص والله أعلم. قوله: "محمد بن الزبرقان" بكسر الزاي والراء بينهما باء موحدة وبالقاف هو أبو همام الأهوازي، وثقه علي بن المديني والدار قطني وغيرهما وقال أبو حاتم الرازي: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ؛ وما له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد وقد توبع فيه. قوله: "قال أظنه عن أبي النضر" هو سالم بن أبي أمية المدني التيمي، وفاعل أظنه هو علي بن المديني شيخ البخاري فيه، وكأنه جوز أن يكون موسى بن عقبة لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة بن عبد الرحمن وأن بينهما فيه واسطة وهو أبو النضر، لكن قد ظهر من وجه آخر أن لا واسطة لتصريح وهيب وهو ابن خالد عن موسى بن عقبة بقوله: "سمعت أبا سلمة" وهذا هو النكتة في إيراد الرواية المعلقة بعدها عن عفان عن وهيب، وطريق عفان هذه وصلها أحمد في مسنده قال: "حدثنا عفان بسنده" وأخرجها البيهقي في "الشعب" من طريق إبراهيم الحربي عن عفان. وأخرج مسلم الحديث المذكور من طريق بهز بن أسد عن وهيب. قوله: "سددوا وأبشروا" هكذا اقتصر على طرف المتن، لأن غرضه منه بيان اتصال السند فاكتفى، وقد ساقه أحمد بتمامه عن عفان مثل رواية أبي همام سواء لكن قدم وأخر في بعض ألفاظه، وكذا لمسلم في رواية بهز وزاد

(11/299)


في آخره: "واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل" ومضى لنحو هذا الحديث في كتاب اللباس سبب وهو من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة "عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتجر حصيرا بالليل فيصلي عليه ويبسطه في النهار فيجلس عليه، فجعل الناس يصلون عليه بصلاته حتى كثروا، فأقبل عليهم فقال: يا أيها الناس عليكم من الأعمال بما تطيقون" ووقفت له على سبب آخر وهو عند ابن حبان من حديث أبي هريرة قال: "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه وهم يضحكون فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقول لك لا تقنط عبادي، فرجع إليهم فقال: سددوا وقاربوا" ، قال ابن حزم في كلامه على مواضع من البخاري: معنى الأمر بالسداد والمقاربة أنه صلى الله عليه وسلم أشار بذلك إلى أنه بعث ميسرا مسهلا، فأمر أمته بأن يقتصدوا في الأمور لأن ذلك يقتضي الاستدامة عادة. قوله: "وقال مجاهد: سديدا سدادا صدقا" كذا ثبت للأكثر، والذي ثبت عن مجاهد عند الفريابي والطبري وغيرهما من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {قَوْلاً سَدِيداً} قال: سدادا والسداد بفتح أوله العدل المعتدل الكافي وبالكسر ما يسد الخلل. والذي وقع في الرواية بالفتح. وزعم مغلطاي وتبعه شيخنا ابن الملقن أن الطبري وصل تفسير مجاهد عن موسى بن هارون بن عمرو بن طلحة عن أسباط عن السدي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهذا وهم فاحش، فما للسدي من ابن أبي نجيح رواية، ولا أخرجه الطبري من هذا الوجه، وإنما أخرج من وجه آخر عن السدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: "قولا سديدا" قال: القول السديد أن يقول لمن حضره الموت: قدم لنفسك واترك لولدك. وأخرج أثر مجاهد من رواية ورقاء عن ابن أبي نجيح. وأخرج أيضا من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال في قوله تعالى: {قَوْلاً سَدِيداً} قال: عدلا يعني في منطقة. وفي عمله. قال والسداد الصدق. وكذا أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن البصري في قوله: "قولا سديدا" قال: صدقا. وأخرج الطبري من طريق الكلبي مثله، والذي أظنه أنه سقط من الأصل لفظة والتقدير قال مجاهد: سدادا. وقال غيره صدقا. أو الساقط منه لفظة أي كأن المصنف أراد تفسير ما فسر به مجاهد السديد. قوله: "فليح" هو ابن سليمان، والإسناد كله مدنيون. قوله: "صلى لنا يوما الصلاة" وقع في رواية الزهري عن أنس أنها الظهر. قوله: "ثم رقي" بفتح أوله وكسر القاف من الارتقاء أي صعد وزنا ومعنى. قوله: "من قبل" أي من جهة وزنا ومعنى. قوله: "أريت" بضم الهمزة وكسر الراء وفي بعضها "رأيت" بفتحتين. قوله: "ممثلتين" أي مصورتين وزنا ومعنى، يقال مثله إذا صوره كأنه ينظر إليه. قوله: "في قبل" بضم القاف والموحدة، والمراد بالجدار جدار المسجد. قوله: "فلم أر كاليوم في الخير والشر" وقع هنا مكررا تأكيدا، وقد تقدم شرح هذا اللفظ في "باب وقت الظهر" من أبواب المواقيت، ويأتي شرح الحديث مستوفى في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى. وفي الحديث إشارة إلى الحث على مداومة العمل، لأن من مثل الجنة والنار بين عينيه كان ذلك باعثا له على المواظبة على الطاعة والانكفاف عن المعصية. وبهذا التقريب تظهر مناسبة الحديث للترجمة

(11/300)


19 - باب الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ
وَقَالَ سُفْيَانُ مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}

(11/300)


6469- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنْ الْجَنَّةِ وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ النَّارِ"
قوله: "باب الرجاء مع الخوف" أي استحباب ذلك، فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف ولا في الخوف عن الرجاء لئلا يفضي في الأول إلى المكر وفي الثاني إلى القنوط وكل منهما مذموم، والمقصود من الرجاء أن من وقع منه تقصير فليحسن ظنه بالله ويرجو أن يمحو عنه ذنبه، وكذا من وقع منه طاعة يرجو قبولها، وأما من انهمك على المعصية راجيا عدم المؤاخذة بغير ندم ولا إقلاع فهذا في غرور، وما أحسن قول أبي عثمان الجيزي: من علامة السعادة أن تطيع، وتخاف أن لا تقبل. ومن علامة الشقاء أن تعصى، وترجو أن تنجو. وقد أخرج ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه "عن عائشة قلت: يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أهو الذي يسرق ويزني؟ قال: لا، ولكنه الذي يصوم ويتصدق ويصلي ويخاف أن لا يقبله منه" وهذا كله متفق على استحبابه في حالة الصحة، وقيل الأول أن يكون الخوف في الصحة أكثر وفي المرض عكسه، وأما عند الإشراف على الموت فاستحب قوم الاقتصار على الرجاء لما يتضمن من الافتقار إلى الله تعالى، ولأن المحذور من ترك الخوف قد تعذر فيتعين حسن الظن بالله برجاء عفوه ومغفرته، ويؤيده حديث: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" ، وسيأتي الكلام عليه في كتاب التوحيد. وقال آخرون: لا يهمل جانب الخوف أصلا بحيث يجزم بأنه آمن، ويؤيده ما أخرج الترمذي عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال له: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف" ولعل البخاري أشار إليه في الترجمة، ولما لم يوافق شرطه أورد ما يؤخذ منه، وإن لم يكن مساويا له في التصريح بالمقصود. قوله: "وقال سفيان" هو ابن عيينة "ما في القرآن آية أشد علي" من قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} وقد تقدم الكلام على هذا الأثر وبيانه والبحث فيه في تفسير المائدة ومناسبته للترجمة من جهة أن الآية تدل على أن من لم يعمل بما تضمنه الكتاب الذي أنزل عليه لم تحصل له النجاة، لكن يحتمل أن يكون ذلك من الإصر الذي كان كتب على من قبل هذه الأمة، فيحصل الرجاء بهذه الطريق مع الخوف. قوله: "حدثنا قتيبة" هو ابن سعيد، وثبت كذلك لغير أبي ذر، وعمرو هو ابن أبي عمرو مولى المطلب وهو تابعي صغير، وشيخه تابعي وسط، وما مدنيان. قوله: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة" قال ابن الجوزي: رحمة الله صفة من صفات ذاته، وليس هي بمعنى الرقة التي في صفات الآدميين، بل ضرب ذلك مثلا لما يعقل من ذكر الأجزاء ورحمة المخلوقين والمراد أنه أرحم الراحمين. قلت: المراد بالرحمة هنا ما يقع من صفات الفعل كما سأقرره فلا حاجة للتأويل، وقد تقدم في أوائل الأدب جواب آخر مع مباحث حسنة وهو في "باب جعل الله الرحمة مائة جزء"

(11/301)


(11/302)


20 - باب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

(11/302)


باب (ومن يتوكل على اللخ فهو حسبه)
...
21 - باب {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ
6472- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ هُمْ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"
قوله: "باب ومن يتوكل على الله فهو حسبه" استعمل لفظ الآية ترجمة لتضمنها الترغيب في التوكل، وكأنه أشار إلى تقييد ما أطلق في حديث الباب قبله، وأن كلا من الاستغناء والتصبر والتعفف إذا كان مقرونا بالتوكل على الله فهو الذي ينفع وينجع. وأصل التوكل الوكول، يقال وكلت أمري إلى فلان أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه، ووكل فلان فلانا استكفاه أمره ثقة بكفايته. والمراد بالتوكل اعتقاد ما دلت عليه هذه الآية {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} وليس المراد به ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين، لأن ذلك قد يجر إلى ضد ما يراه من التوكل. وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال لا أعمل شيئا

(11/305)


حتى يأتيني رزقي فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي" وقال: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا" فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق قال: وكان الصحابة يتجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم. انتهى. والحديث الأول سبق الكلام عليه في الجهاد، والثاني أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه. قوله: "وقال الربيع بن خثيم" بمعجمة ومثلثة مصغر. قوله: "من كل ما ضاق على الناس" وصله الطبراني وابن أبي حاتم من طريق الربيع بن منذر الثوري عن أبيه عن الربيع بن خثيم قال في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} الآية قال: من كل شيء ضاق على الناس. والربيع المذكور من كبار التابعين، صحب ابن مسعود، وكان يقول له: لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك. أورد ذلك أحمد في "الزهد" بسند جيد، وحديثه مخرج في الصحيحين وغيرهما، والربيع بن منذر لم يخرجوا عنه، لكن ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا، وذكره ابن حبان في الثقات، وأبوه متفق على توثيقه والتخريج عنه. قوله: "حدثني إسحاق" هو ابن منصور كما أوضحته في المقدمة، وغلط من قال إنه ابن إبراهيم وسيأتي شرح الحديث مستوفي في "باب يدخل الجنة سبعون ألفا" بعد ثمانية وعشرين بابا إن شاء الله تعالى

(11/306)


باب ما يكره من قبل وقال
...
22 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ
6473- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ وَفُلاَنٌ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ "أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ أَنْ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ الصَّلاَةِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ قَالَ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وَمَنْعٍ وَهَاتِ وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ وَوَأْدِ الْبَنَاتِ وَعَنْ هُشَيْمٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ وَرَّادًا يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "باب ما يكره من قيل وقال" ذكر فيه حديث المغيرة بن شعبة في ذلك، قال أبو عبيد: جعل القال مصدرا كأنه قال نهى عن قيل وقول تقول قلت قولا وقيلا وقالا، والمراد أنه نهى عن الإكثار بما لا فائدة فيه من الكلام، وهذا على أن الرواية فيه بالتنوين. وقال غيره اسمان يقال كثير القيل والقال، وفي حرف ابن مسعود "ذلك عيسى بن مريم قال الحق" بضم اللام. وقال ابن دقيق العيد: الأشهر منه فتح اللام فيهما على سبيل الحكاية وهو الذي يقتضيه المعنى، لأن القيل والقال إذا كانا اسمين كانا بمعنى واحد كالقول فلا يكون في عطف أحدهما على الآخر كبير فائدة، بخلاف ما إذا كانا فعلين. وقال المحب الطبري: إذا كانا اسمين يكون الثاني تأكيدا. والحكمة في النهي عن ذلك أن الكثرة من ذلك لا يؤمن معها وقوع الخطأ، قلت: وفي الترجمة إشارة إلى أن جميع ذلك لا يكره لأن من عمومه ما يكون في الخبر المحض فلا يكره والله أعلم. وذهب بعضهم إلى أن المراد حكاية أقاويل الناس

(11/306)


والبحث عنها كما يقال قال فلان كذا وقيل عنه كذا مما يكره حكايته عنه، وقيل هو أن يذكر للحادثة عن العلماء أقوالا كثيرة ثم يعمل بأحدها بغير مرجح أو يطلقها من غير تثبت ولا احتياط لبيان الراجح، والنهي عن كثرة السؤال يتناول الإلحاف في الطلب والسؤال عما لا يعني السائل. وقيل المراد بالنهي المسائل التي نزل فيها "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" وقيل يتناول الإكثار من تفريع المسائل، ونقل عن مالك أنه قال: والله إني لأخشى أن يكون هذا الذي أنتم فيه من تفريع المسائل. ومن ثم كره جماعة من السلف السؤال عما لم يقع لما يتضمن من التكلف في الدين والتنطع والرجم بالظن من غير ضرورة. وقد تقدم كثير من هذه المباحث عند شرح الحديث في كتاب الصلاة، وأن المراد بالنهي عن كثرة السؤال في المال. ورجحه بعضهم لمناسبته لقوله: "وإضاعة المال" وتقدم شيء من هذا في كتاب الزكاة. وأما من فسره بكثرة سؤال الناس عن أحوالهم وما في أيديهم أو عن أحداث الزمان وما لا يعني السائل فإنه بعيد، لأنه داخل في قوله: "نهى عن قيل وقال" والله أعلم. قوله: "حدثنا علي بن مسلم" كذا للأكثر ووقع للكشميهني وحده "وقال علي بن مسلم" جزم أبو نعيم في "المستخرج" بما عليه الجمهور. قوله:" أنبأنا غير واحد منهم مغيرة" هو ابن مقسم الضبي وفلان ورجل ثالث، المراد بفلان مجالد بن سعيد فقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن زياد بن أيوب ويعقوب بن إبراهيم الدورقي قالا "حدثنا هشيم أنبأنا غير واحد منهم مغيرة ومجالد" وكذا أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق أبي خثيمة عن هشيم، وكذا أخرجه أحمد عن هشيم، وأخرجه النسائي عن يعقوب الدورقي لكن قال في روايته: "عن غير واحد منهم مغيرة" ولم يسم مجالدا. وأخرجه أيضا عن الحسن بن إسماعيل عن هشيم أنبأنا مغيرة وذكر آخر ولم يسمه وكأنه مجالد، وأخرجه أبو يعلى عن زكريا بن يحيى عن هشيم عن مغيرة عن الشعبي ولم يذكر مع مغيرة أحدا وأما الرجل الثالث فيحتمل أنه داود بن أبي هند، فقد أخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق يحيى بن أبي بكير الكرماني عن هشيم قال أنبأنا داود بن أبي هند وغيره عن الشعبي به، ويحتمل أن يكون زكريا بن أبي زائدة أو إسماعيل بن أبي خالد فقد أخرجه الطبراني من طريق الحسن بن علي بن راشد الواسطي عن هشيم عن مغيرة وزكريا بن أبي زائدة ومجالد وإسماعيل بن أبي خالد كلهم عن الشعبي، والحسن المذكور ثقة من شيوخ أبي داود تكلم فيه عبدان بما لا يقدح فيه. وقال ابن عدي: لم أر حديثا منكرا. قوله: "فكتب إليه المغيرة" ظاهره أن المغيرة باشر الكتابة، وليس كذلك، فقد أخرجه ابن حبان من طريق عاصم الأحول عن الشعبي "إن معاوية كتب إلى المغيرة اكتب إلي بحديث سمعته، فدعا غلامه ورادا فقال: اكتب" فذكره. وقوله لا إله إلا الله - إلى قوله: وهو على كل شيء قدير زاد في نسخة الصغاني هنا "ثلاث مرات" وأخرجه الطبراني من طريق عبد الملك بن عمير عن وراد "كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فكتبت إليه بخطي" ولم أقف على تسمية من كتب لمعاوية صريحا إلا أن المغيرة كان معاوية أمره على الكوفة في سنة إحدى وأربعين إلى أن مات سنة خمسين أو في التي بعدها وكان كاتب معاوية إذ ذاك عبيد بن أوس الغساني. وفي الحديث حجة على من لم يعمل في الرواية بالمكاتبة، واعتل بعضهم بأن العمدة حينئذ على الذي بلغ الكتاب كأن يكون الذي أرسله أمره أن يوصل الكتاب وأن يبلغ ما فيه مشافهة، وتعقب بأن هذا يحتاج إلى نقل، وعلى تقدير وجوده فتكون الرواية عن مجهول ولو فرض أنه ثقة عند من أرسله ومن أرسل إليه، فتجيء فيه مسألة التعديل على الإبهام والمرجح عدم الاعتداد به. قوله:

(11/307)


"وعن هشيم أنبأنا عبد الملك بن عمير" هو موصول بالطريق التي قبله، وقد وصله الإسماعيلي من رواية يعقوب الدورقي وزياد بن أيوب قالا "حدثنا هشيم عن عبد الملك به". قوله: "عن النبي صلى الله عليه وسلم" كذا أطلق، وظاهره أن الرواية كالتي قبلها، وهو كذلك عند الإسماعيلي، وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي الربيع الزهراني عن هشيم فقال في سياقه "كتب معاوية إلى المغيرة أن اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم" فذكره

(11/308)


باب حفظ اللسان ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت
...
23 - باب حِفْظِ اللِّسَانِ وَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}
6474- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ "عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ"
6475- حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ"
6475- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ "عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ سَمِعَ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ جَائِزَتُهُ قِيلَ مَا جَائِزَتُهُ قَالَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ"
6477- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ"
[الحديث 6477- طرفه في 6478]
6478- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْني ابْنَ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ"
قوله: "باب حفظ اللسان" أي عن النطق بما لا يسوغ شرعا مما لا حاجة للمتكلم به. وقد أخرج أبو الشيخ

(11/308)


في "كتاب الثواب" والبيهقي في "الشعب" من حديث أبي جحيفة رفعه: "أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان". قوله: "ومن كان يؤمن بالله إلخ" وقع عند أبي ذر "وقول النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان يؤمن بالله إلخ" وقد أورده موصولا في الباب بلفظه. قوله: "وقول الله تعالى {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} كذا لأبي ذر، وللأكثر "وقوله ما يلفظ إلخ" ولابن بطال "وقد أنزل الله تعالى ما يلفظ الآية" وقد تقدم ما يتعلق بتفسيرها في تفسير سورة ق. وقال ابن بطال جاء عن الحسن أنهما يكتبان كل شيء، وعن عكرمة يكتبان الخير والشر فقط، ويقوى الأول تفسير أبي صالح في قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} قال: تكتب الملائكة كل ما يتلفظ به الإنسان ثم يثبت الله من ذلك ما له وما عليه ويمحو ما عدا ذلك. قلت: هذا لو ثبت كان نصا في ذلك، ولكنه من رواية الكلبي وهو ضعيف جدا، والرقيب هو الحافظ والعتيد هو الحاضر وورد في فضل الصمت عدة أحاديث منها حديث سفيان بن عبد الله الثقفي "قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: هذا، وأخذ بلسانه" أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح، وتقدم في الإيمان حديث: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأحمد وصححه ابن حبان من حديث البراء "وكف لسانك إلا من خير "وعن عقبة بن عامر "قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك" الحديث أخرجه الترمذي وحسنه، وفي حديث معاذ مرفوعا: "ألا أخبرك بملاك الأمر كله، كف هذا، وأشار إلى لسانه. قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" أخرجه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه كلهم من طريق أبي وائل عن معاذ مطولا، وأخرجه أحمد أيضا من وجه آخر عن معاذ، وزاد الطبراني في رواية مختصرة "ثم إنك لن تزال سالما ما سكت، فإذا تكلمت كتب عليك أو لك" وفي حديث أبي ذر مرفوعا: "عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان" أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان والحاكم وصححاه، وعن ابن عمر رفعه: "من صمت نجا" أخرجه الترمذي ورواته ثقات، وعن أبي هريرة رفعه: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" أخرجه الترمذي وحسنه. قوله: "حدثني" كذا لأبي ذر وللباقين "حدثنا" وكذا للجميع في هذا السند بعينه في المحاربين، وعمر بن علي المقدمي بفتح القاف وتشديد الدال هو عم محمد بن أبي بكر الراوي عنه، وقد تقدم أن عمر مدلس لكنه صرح هنا بالسماع. قوله: "عن سهل بن سعد" هو الساعدي. قوله: "من يضمن" بفتح أوله وسكون الضاد المعجمة والجزم من الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية فأطلق الضمان وأراد لازمه وهو أداء الحق الذي عليه، فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه أو الصمت عما لا يعنيه وأدى الحق الذي على فرجه من وضعه في الحلال وكفه عن الحرام، وسيأتي في المحاربين عن خليفة بن خياط عن عمر بن علي بلفظ: "من توكل" وأخرجه الترمذي عن محمد بن عبد الأعلى عن عمر بن علي بلفظ: "من تكفل" وأخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان قال: "حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي وعمر ابن علي هو الفلاس وغيرهما قالوا: حدثنا عمر بن علي" بلفظ: "من حفظ" عند أحمد وأبي يعلى من حديث أبي موسى بسند حسن، وعند الطبراني من حديث أبي رافع بسند جيد لكن قال: "فقميه" بدل "لحييه" وهو بمعناه، والفقم بفتح الفاء وسكون القاف. قوله: "لحييه" بفتح اللام وسكون المهملة والتثنية هما العظمان في جانبي الفم والمراد بما بينهما اللسان وما يتأتى به النطق، وبما بين الرجلين الفرج. وقال الداودي المراد بما بين اللحيين الفم، قال: فيتناول

(11/309)


الأقوال والأكل والشرب وسائر ما يتأتى بالفم من الفعل، قال: ومن تحفظ من ذلك أمن من الشر كله لأنه لم يبق إلا السمع والبصر، كذا قال وخفي عليه أنه بقي البطش باليدين، وإنما محمل الحديث على أن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب فإذا لم ينطق به إلا في خير سلم. وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقى شرهما وقى أعظم الشر. قوله: "أضمن له" بالجزم جواب الشرط. وفي رواية خليفة "توكلت له بالجنة" ووقع في رواية الحسن "تكفلت له" قال الترمذي: حديث سهل بن سعد حسن صحيح، وأشار إلى أن أبا حازم تفرد به عن سهل فأخرجه من طريق محمد بن عجلان عن أبي حازم عن أبي هريرة بلفظ: "من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة" وحسنه، ونبه على أن أبا حازم الراوي عن سهل غير أبي حازم الراوي عن أبي هريرة. قلت: وهما مدنيان تابعيان، لكن الراوي عن أبي هريرة اسمه سلمان وهو أكبر من الراوي عن سهل واسمه سلمة؛ ولهذا اللفظ شاهد من مرسل عطاء بن يسار في الموطأ. حديث أبي هريرة تقدم شرحه في أوائل كتاب الأدب، وفيه الحث على إكرام الضيف ومنع أذى الجار، وفيه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" حديث أبي شريح، وقد تقدم شرحه أيضا هناك، وفيه: "فليقل خيرا أو ليسكت" وفيه إكرام الضيف أيضا، وتوقيت الضيافة بثلاثة أيام، وقوله: "الضيافة ثلاثة أيام جائزته، قيل وما جائزته؟ قال: يوم وليلة" وقد تقدم في الأدب بلفظ: "فليكرم ضيفه جائزته، قال: وما جائزته؟ قال: يوم وليلة" وعلى ما هنا فالمعنى أعطوه جائزته، فإن الرواية بالنصب، وإن جاءت بالرفع فالمعنى تتوجه عليكم جائزته، وقد تقدم بيان الاختلاف في توجيهه، ووقع قوله: "يوم وليلة" خبرا عن الجائزة وفيه حذف تقديره زمان جائزته أو تضييف يوم وليلة. حديث أبي هريرة أورده من طريقين. قوله: "حدثنا" كذا لأبي ذر ولغيره: "حدثني" بالإفراد في الموضعين. قوله: "ابن أبي حازم" هو عبد العزيز بن دينار، ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج" من طريق إسماعيل القاضي عن إبراهيم بن حمزة شيخ البخاري فيه: "أن عبد العزيز بن أبي حازم وعبد العزيز بن محمد الدراوردي حدثاه عن يزد" فيحتمل أن يكون إبراهيم لما حدث به البخاري اقتصر على ابن أبي حازم، ويحتمل أن يكون حدث عنهما فحذف البخاري ذكر عبد العزيز الدراوردي، وعلى الأول لا إشكال، وعلى الثاني يتوقف الجواز على أن اللفظ للاثنين سواء وإن المذكور ليس هو لفظ المحذوف، أو أن المعنى عليهما متحد تفريعا على جواز الرواية بالمعنى، ويؤيد الاحتمال الأول أن البخاري أخرج بهذا الإسناد بعينه إلى محمد بن إبراهيم حديثا جمع فيه بين ابن أبي حازم والدراوردي وهو في "باب فضل الصلاة" في أوائل كتاب الصلاة. قوله: "عن يزيد" هو ابن عبد الله المعروف بابن الهاد، ووقع منسوبا في رواية إسماعيل المذكورة، ومحمد بن إبراهيم هو التيمي، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق، وعيسى بن طلحة هو ابن عبيد الله التيمي، وثبت كذلك في رواية أبي ذر، وطلحة هو أحد العشرة. قوله: "إن العبد ليتكلم" كذا للأكثر، ولأبي ذر "يتكلم" بحذف اللام. قوله: "بالكلمة" أي الكلام المشتمل على ما يفهم الخير أو الشر سواء طال أم قصر، كما يقال كلمة الشهادة، وكما يقال للقصيدة كلمة فلان. قوله: "ما يتبين فيها" أي لا يتطلب معناها، أي لا يثبتها بفكره ولا يتأملها حتى يتثبت فيها فلا يقولها إلا إن ظهرت المصلحة في القول. وقال بعض الشراح: المعنى أنه لا يبينها بعبارة واضحة، وهذا يلزم منه أن يكون بين وتبين بمعنى واحد. ووقع في رواية الدراوردي عن يزيد بن

(11/310)


الهاد عند مسلم: "ما يتبين ما فيها" وهذه أوضح، و "ما" الأولى نافية و "ما" الثانية موصولة أو موصوفة ووقع في رواية الكشميهني: "ما يتقي بها" ومعناها يؤول لما تقدم. قوله: "يزل بها" بفتح أوله وكسر الزاي بعدها لام أي يسقط. قوله: "أبعد ما بين المشرق" كذا في جميع النسخ التي وقعت لنا في البخاري، وكذا في رواية إسماعيل القاضي عن إبراهيم بن حمزة شيخ البخاري فيه عند أبي نعيم، وأخرجه مسلم والإسماعيلي من رواية بكر بن مضر عن يزيد بن الهاد بلفظ: "أبعد ما بين المشرق والمغرب" وكذا وقع عند ابن بطال وشرحه الكرماني على ما وقع عند البخاري فقال: قوله: "ما بين المشرق" لفظ بين يقتضي دخوله على المتعدد والمشرق متعدد معنى إذ مشرق الصيف غير مشرق الشتاء وبينهما بعد كبير، ويحتمل أن يكون اكتفى بأحد المتقابلين عن الآخر مثل "سرابيل تقيكم الحر" قال: وقد ثبت في بعضها بلفظ: "بين المشرق والمغرب" قال ابن عبد البر: الكلمة التي يهوى صاحبها بسببها في النار هي التي يقولها عند السلطان الجائر، وزاد ابن بطال: بالبغي أو بالسعي على المسلم فتكون سببا لهلاكه وإن لم يرد القائل ذلك لكنها ربما أدت إلى ذلك فيكتب على القائل إثمها، والكلمة التي ترفع بها الدرجات ويكتب بها الرضوان هي التي يدفع بها عن المسلم مظلمة أو يفرج بها عنه كربة أو ينصر بها مظلوما. وقال غيره في الأولى: هي الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله، قال ابن التين: هذا هو الغالب، وربما كانت عند غير ذي السلطان ممن يأتي منه ذلك. ونقل عن ابن وهب أن المراد بها التلفظ بالسوء والفحش ما لم يرد بذلك الجحد لأمر الله في الدين. وقال القاضي عياض: يحتمل أن تكون تلك الكلمة من الخنى والرفث، وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة أو بمجون، أو استخفاف بحق النبوة والشريعة وإن لم يعتقد ذلك. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: هي الكلمة التي لا يعرف القائل حسنها من قبحها، قال: فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه. قلت: وهذا الذي يجري على قاعدة مقدمة الواجب. وقال النووي: في هذا الحديث حث على حفظ اللسان، فينبغي لمن أراد أن ينطق أن يتدبر ما يقول قبل أن ينطق، فإن ظهرت فيه مصلحة تكلم وإلا أمسك. قلت: وهو صريح الحديث الثاني والثالث. "تنبيه": وقع في رواية أبي ذر تأخير طريق عيسى بن طلحة عن الطريق الأخرى، ولغيره بالعكس، وسقط طريق عيسى بن طلحة عند النسفي أصلا. والله أعلم. قوله في الطريق الثانية "سمع أبا النضر" هو هاشم بن القاسم، والتقدير أنه سمع، ويحذف لفظ أنه في الكتابة غالبا. قوله: "عن أبي صالح" هو ذكوان، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق. قوله: "لا يلقي لها بالا" بالقاف في جميع الروايات أي لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر في عاقبتها ولا يظن أنها تؤثر شيئا، وهو من نحو قوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} وقد وقع في حديث بلال بن الحارث المزني الذي أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم بلفظ: "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة " وقال في السخط مثل ذلك. قوله: "يرفع الله بها درجات" كذا في رواية المستملي والسرخسي، وللنسفي والأكثر يرفع الله له بها درجات" وفي رواية الكشميهني: "يرفعه الله بها درجات". قوله: "يهوى" بفتح أوله وسكون الهاء وكسر الواو، قال عياض: المعنى ينزل فيها ساقطا. وقد جاء بلفظ: "ينزل بها في النار" لأن درجات النار إلى أسفل، فهو نزول سقوط. وقيل أهوى من قريب وهوى

(11/311)


من بعيد. وأخرج الترمذي هذا الحديث من طريق محمد بن إسحاق قال: "حدثني محمد بن إبراهيم التيمي" بلفظ: "لا يرى بها بأسا يهوى بها في النار سبعين خريفا"

(11/312)


24 - باب الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عز وجل
6479-حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم "عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله في ظله: رجل ذكر الله ففاضت عيناه"
قوله: "باب البكاء من خشية الله عز وجل" ذكر فيه طرفا من حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، ولفظه: "رجل ذكر الله ففاضت عيناه" كذا اقتصر عليه، وتقدم بتمامه في أبواب المساجد مع شرحه وفيه: "ذكر الله خاليا" وورد هنا بدونها، وثبتت في رواية ابن خزيمة عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه أخرجه الإسماعيلي عنه مختصرا كما هنا، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وعبيد الله هو ابن عمر العمري، وخبيب بمعجمة وموحدتين مصغر، ووقع هنا "في ظله" وبينت هناك من رواه بلفظ: "في ظل عرشه" وظل كل شيء بحسبه ويطلق أيضا بمعنى النعيم ومنه {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} وبمعنى الجانب ومنه "يسير الراكب في ظلها مائة عام" وبمعنى الستر والكنف والخاصة ومنه: أنا في ظلك، وبمعنى العز ومنه: أسبغ الله ظلك. وقد ورد في البكاء من خشية الله على وفق لفظ الترجمة حديث أبي ريحانة رفعه: "حرمت النار على عين بكت من خشية الله" الحديث أخرجه أحمد والنسائي وصححه الحاكم، والترمذي نحوه عن ابن عباس ولفظه: "لا تمسها النار" وقال حسن غريب، وعن أنس نحوه عن أبي يعلى، وعن أبي هريرة بلفظ: "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله" الحديث وصححه الترمذي والحاكم

(11/312)


25 - باب الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ
6480- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيٍّ "عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ فَقَالَ لِأَهْلِهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَفَعَلُوا بِهِ فَجَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ قَالَ مَا حَمَلَنِي إِلاَّ مَخَافَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ"
6481- حدثنا موسى حدثنا معتمر سمعت أبي حدثنا قتادة عن عقبة بن عبد الغافر "عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا فيمن كان سلف أو قبلكم آتاه الله مالا وولدا يعني أعطاه قال فلما حضر قال لبنيه: أي أب كنت لكم؟ قالوا خير أب قال فإنه لم يبتئر عند الله خيرا فسرها قتادة لم يدخر وإن يقدم على الله يعذبه فانظروا فإذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحما فاسحقوني أو قال فاسهكوني ثم إذا كان ريح عاصف فاذروني فيها فأخذ مواثيقهم على ذلك وربي

(11/312)


باب الانتهاء من المعاصي
...
26 - باب الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي
6482- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ "عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَالنَّجَا النَّجَاءَ فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ"
[الحديث 6482- طرفه في 7283]
6483- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ "سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا"
6484- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ"
قوله: "باب الانتهاء عن المعاصي" أي تركها أصلا ورأسا والإعراض عنها بعد الوقوع فيها. قوله: "بريد" بموحدة وراء مهملة مصغر. قوله: "مثلي" بفتح الميم والمثلثة، والمثل الصفة العجيبة الشأن يوردها البليغ على سبيل التشبيه لإرادة التقريب والتفهيم. قوله: "ما بعثني الله" العائد محذوف والتقدير بعثني الله به إليكم. قوله: "أتى قوما" التنكير فيه للشيوع. قوله: "رأيت الجيش" بالجيم والشين المعجمة واللام فيه للعهد. قوله: "بعيني" بالإفراد، وللكشميهني بالتثنية بفتح النون والتشديد، قيل ذكر العينين إرشادا إلى أنه تحقق عنده جميع ما أخبر عنه تحقق من رأى شيئا بعينه لا يعتريه وهم ولا يخالطه شك. قوله: "وإني أنا النذير العريان" قال ابن بطال النذير العريان رجل من خثعم حمل عليه رجل يوم ذي الخلصة فقطع يده ويد امرأته فانصرف إلى قومه فحذرهم فضرب به المثل في تحقيق الخبر. قلت: وسبق إلى ذلك يعقوب ابن السكيت وغيره، وسمي الذي حمل عليه عوف بن عامر اليشكري، وأن المرأة كانت من بني كنانة. وتعقب باستبعاد تنزيل هذه القصة على لفظ الحديث، لأنه ليس فيها أنه كان عريانا. وزعم ابن الكلبي أن النذير العريان امرأة من بني عامر بن

(11/316)


كعب لما قتل المنذر بن ماء السماء أولاد أبي داود وكان جار المنذر خشيت على قومها فركبت جملا ولحقت بهم وقالت: أنا النذير العريان. ويقال أول من قاله أبرهة الحبشي لما أصابته الرمية بتهامة ورجع إلى اليمن، وقد سقط لحمه وذكر أبو بشر الآمدي أن زنبرا بزاي ونون ساكنة ثم موحدة ابن عمرو الخثعمي كان ناكحا في آل زبيد، فأرادوا أن يغروا قومه وخشوا أن ينذر بهم فحرسه أربعة نفر، فصادف منهم غرة فقذف ثيابه وعدا وكان من أشد الناس عدوا فأنذر قومه. وقال غيره: الأصل فيه أن رجلا لقي جيشا فسلبوه وأسروه فانفلت إلى قومه فقال: إني رأيت الجيش فسلبوني، فرأوه عريانا فتحققوا صدقه، لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة ولا جرت عادته بالتعري، فقطعوا بصدقه لهذه القرائن، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه ولما جاء به مثلا بذلك لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على القطع بصدقه تقريبا لأفهام المخاطيين بما يألفونه ويعرفونه. قلت: ويؤيده ما أخرجه الرامهرمزي في "الأمثال" وهو عند أحمد أيضا بسند جيد من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فنادى ثلاث مرات: أيها الناس مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا أن يأتيهم فبعثوا رجلا يترايا لهم، فبينما هم كذلك إذ أبصر العدو فأقبل لينذر قومه فخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه أيها الناس أتيتم ثلاث مرات". وأحسن ما فسر به الحديث من الحديث، وهذا كله يدل على أن العريان من التعري وهو المعروف في الرواية، وحكى الخطابي أن محمد بن خالد رواه بالموحدة قال: فإن كان محفوظا فمعناه الفصيح بالإنذار لا يكنى ولا يورى، يقال رجل عريان أي فصيح اللسان. قوله: "فالنجاء النجاء" بالمد فيهما وبمد الأولى وقصر الثانية وبالقصر فيهما تخفيفا. وهو منصوب على الإغراء، أي اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب، إشارة إلى أنهم لا يطيقون مقاومة ذلك الجيش. قال الطيبي: في كلامه أنواع من التأكيدات أحدها "بعيني" ثانيها قوله: "وإني أنا" ثالثها قوله: "العريان" لأنه الغاية في قرب العدو، ولأنه الذي يختص في إنذاره بالصدق. قوله: "فأطاعه طائفة" كذا فيه بالتذكير لأن المراد بعض القوم. قوله: "فأدلجوا" بهمزة قطع ثم سكون أي ساروا أول الليل أو ساروا الليل كله على الاختلاف في مدلول هذه اللفظة، وإما بالوصل والتشديد على أن المراد به سير آخر الليل فلا يناسب هذا المقام. قوله: "على مهلهم" بفتحتين والمراد به الهينة والسكون، وبفتح أوله وسكون ثانيه الإمهال وليس مرادا هنا. وفي رواية مسلم: "على مهلتهم" بزيادة تاء تأنيث، وضبطه النووي بضم الميم وسكون الهاء وفتح اللام. قوله: "وكذبته طائفة" قال الطيبي: عبر في الفرقة الأولى بالطاعة وفي الثانية بالتكذيب ليؤذن بأن الطاعة مسبوقة بالتصديق وبشعر بأن التكذيب مستتبع للعصيان. قوله: "فصبحهم الجيش" أي أتاهم صباحا، هذا أصله ثم كثر استعماله حتى استعمل فيمن طرق بغتة في أي وقت كان. قوله: "فاجتاحهم" بجيم ثم حاء مهملة أي استأصلهم من جحت الشيء أجرحه إذا استأصلته، والاسم الجائحة وهي الهلاك، وأطلقت على الآفة لأنها مهلكة، قال الطيبي: شبه صلى الله عليه وسلم نفسه بالرجل وإنذاره بالعذاب القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه بمن كذب الرجل في إنذاره ومن صدقه. حديث أبي هريرة، جزم المزي في الأطراف، بأن البخاري ذكره في أحاديث الأنبياء ولم يذكر أنه أورده في الرقاق، فوجدته في أحاديث الأنبياء في ترجمة سليمان عليه السلام لكنه لم يذكر إلا طرفا منه ولم أستحضره إذ ذاك في الرقاق فشرحته هناك، ثم ظفرت به هنا فأذكر الآن من شرحه ما لم يتقدم. قوله: "استوقد" بمعنى أوقد وهو أبلغ، والإضاءة

(11/317)


فرط الإنارة. قوله: "فلما أضاءت ما حوله" اختصرها المؤلف هناك ونسبتها أنا لتخريج أحمد ومسلم من طريق همام وهي في رواية شعيب كما ترى، وكأنه تبرك بلفظ الآية. ووقع في رواية مسلم: "ما حولها" والضمير للنار: والأول للذي أوقد النار، وحول الشيء جانبه الذي يمكن أن ينتقل إليه، وسمي بذلك إشارة إلى الدوران، ومنه قيل للعام حول. قوله: "الفراش" جزم المازري بأنها الجنادب، وتعقبه عياض فقال الجندب هو الصرار، قلت والحق أن الفراش اسم لنوع من الطير مستقل له أجنحة أكبر من جثته، وأنواعه مختلفة في الكبر والصغر وكذا أجنحته وعطف الدواب على الفراش يشعر بأنها غير الجنادب والجراد، وأغرب ابن قتيبة فقال: الفراش ما تهافت في النار من البعوض، ومقتضاه أن بعض البعوض هو الذي يقع في النار ويسمى حينئذ الفراش. وقال الخليل الفراش كالبعوض وإنما شبهه به لكونه يلقى نفسه في النار لا أنه يشارك البعوض في القرص. قوله: "وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها" القول فيه كالقول في الذي قبله، اختصره هناك فنسبته لتخريج أبي نعيم وهو في رواية شعيب كما ترى، ويدخل فيما يقع في النار البعوض والبرغش، ووقع في كلام بعض الشراح البق والمراد به البعوض. قوله: "فجعل" في رواية الكشميهني: "وجعل" ومن هذه الكلمة إلى آخر الحديث لم يذكره المصنف هناك. قوله: "فجعل الرجل يزعهن" بفتح التحتانية والزاي وضم العين المهملة أي يدفعهن. وفي رواية ينزعهن بزيادة نون، وعند مسلم من طريق همام عن أبي هريرة "وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها". قوله: "فيقتحمن فيها" أي يدخلن، وأصله القحم وهو الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت، ويطلق على رمي الشيء بغتة، واقتحم الدار هجم عليها. قوله: "فأنا آخذ" قال النووي: روى باسم الفاعل، ويروي بصيغة المضارعة من المتكلم. قلت: هذا في رواية مسلم، والأول هو الذي وقع في البخاري. وقال الطيبي: الفاء فيه فصيحة، كأنه لما قال: "مثلي ومثل الناس"إلخ أتي بما هو أهم وهو قوله: "فأنا آخذ بحجزكم" ومن هذه الدقيقة التفت من الغيبة في قوله: "مثل الناس" إلى الخطاب في قوله: "بحجزكم" كما أن من أخذ في حديث من له بشأنه عناية وهو مشتغل في شيء يورطه في الهلاك يجد لشدة حرصه على نجاته أنه حاضر عنده، وفيه إشارة إلى أن الإنسان إلى النذير أحوج منه إلى البشير، لأن جبلته مائلة إلى الحظ العاجل دون الحظ الآجل. وفي الحديث ما كان فيه صلى الله عليه وسلم من الرأفة والرحمة والحرص على نجاة الأمة، كما قال تعالى {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} . قوله: "بحجزكم" بضم المهملة وفتح الجيم بعدها زاي جمع حجزة وهي معقد الإزار، ومن السراويل موضع التكة، ويجوز ضم الجيم في الجمع. قوله: "عن النار" وضع المسبب موضع السبب لأن المراد أنه يمنعهم من الوقوع في المعاصي التي تكون سببا لولوج النار. قوله: "وأنتم" في رواية الكشميهني: "وهم" وعليها شرح الكرماني فقال: كان القياس أن يقول وأنتم، ولكنه قال وهم وفيه التفات، وفيه إشارة إلى أن من أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجزته لا اقتحام له فيها، قال: وفيه أيضا احتراز عن مواجهتهم بذلك. قلت والرواية بلفظ: "وأنتم" ثابتة تدفع هذا. ووقع في رواية مسلم: "وأنتم تفلتون" بفتح أوله والفاء واللام الثقيلة وأصله تتفلتون، وبضم أوله وسكون الفاء وفتح اللام ضبطوه بالوجهين وكلاهما صحيح، تقول تفلت مني وأفلت مني لمن كان بيدك فعالج الهرب منك حتى هرب، وقد تقدم بيان هذا التمثيل، وحاصله أنه شبه تهافت أصحاب الشهوات في المعاصي التي تكون سببا في الوقوع في النار بتهافت الفراش بالوقوع في النار اتباعا لشهواتها، وشبه ذبه العصاة عن المعاصي بما حذرهم به وأنذرهم بذب صاحب النار الفراش عنها. وقال عياض: شبه

(11/318)


تساقط أهل المعاصي في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا. قوله: "تقحمون فيها" في رواية همام عند مسلم: "فيغلبوني" النون مثقلة لأن أصله فيغلبونني، والفاء سببية، والتقدير أنا آخذ بحجزكم لأخلصكم من النار فجعلتم الغلبة مسببة عن الأخذ.قوله: "تقحمون" بفتح المثناة والقاف والمهملة المشددة والأصل تتقحمون فحذفت إحدى التاءين، قال الطيبي: تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وذلك أن حدود الله محارمه ونواهيه كما في الحديث الصحيح "ألا إن حمى الله محارمه "ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها واستيفاء لذتها وشهواتها، فشبه صلى الله عليه وسلم إظهار تلك الحدود ببياناته الشافية الكافية من الكتاب والسنة باستنقاذ الرجال من النار، وشبه فشو ذلك في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد. وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف، وتعديهم حدود الله وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات ومنعه إياهم عن ذلك بأخذ حجزهم بالفراش التي تقتحمن في النار وتغلبن المستوقد على دفعهن عن الاقتحام، كما أن المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاستضاءة والاستدفاء وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سببا لهلاكها، فكذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واجتنابها ما هو سبب هلاكهم وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها مقتضية لترديهم. وفي قوله: "آخذ بحجزكم" استعارة مثل حالة منعه الأمة عن الهلاك بحالة رجل أخذ بحجزة صاحبه الذي يكاد يهوي في مهواة مهلكة. قوله: "زكريا" هو ابن أبي زائدة وعامر هو الشعبي. قوله: "المسلم" تقدم شرحه في أوائل كتاب الإيمان. قوله: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" قيل خص المهاجر بالذكر تطييبا لقلب من لم يهاجر من المسلمين لفوات ذلك بفتح مكة، فأعلمهم أن من هجر ما نهى الله عنه كان هو المهاجر الكامل، ويحتمل أن يكون ذلك تنبيها للمهاجرين أن لا يتكلوا على الهجرة فيقصروا في العمل. وهذا الحديث من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.

(11/319)


27 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"
6485- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"
[الحديث 6485- طرفه في 6637]
6486- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو تعلمون ما أعلم إلخ" ذكر فيه حديث أبي هريرة بلفظ الترجمة. قوله: "عن سعيد بن المسيب" في رواية حجاج بن محمد عن الليث بسنده "أخبرني سعيد"، والمراد بالعلم هنا ما يتعلق بعظمة الله وانتقامه ممن يعصيه والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة، ومناسبة كثرة البكاء وقلة الضحك في هذا المقام واضحة، والمراد به التخويف. وقد جاء لهذا الحديث سبب أخرجه سنيد في تفسيره

(11/319)


بسند واهٍ والطبراني عن ابن عمر "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا بقوم يتحدثون ويضحكون، فقال: والذي نفسي بيده" فذكر هذا الحديث. وعن الحسن البصري "من علم أن الموت مورده، والقيامة موعده، والوقوف بين يدي الله تعالى مشهده، فحقه أن يطول في الدنيا حزنه" قال الكرماني: في هذا الحديث من صناعة البديع مقابلة الضحك بالبكاء والقلة بالكثرة ومطابقة كل منهما

(11/320)


28- باب حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ
6487- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ"
قوله: "باب حجبت النار بالشهوات" كذا للجميع، ووقع عند أبي نعيم "حفت" بدل "حجبت" أي غطيت بها فكانت الشهوات سببا للوقوع في النار. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "حدثني مالك" هذا الحديث ليس في الموطأ، وقد ضاق على الإسماعيلي مخرجه فأخرجه عن الهيثم بن خلف عن البخاري، وأخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن إسماعيل، وأخرجه الدار قطني "الغرائب" من رواية إسماعيل، ومن طريق سعيد بن داود وإسحاق بن محمد الفروي أيضا عن مالك، وأخرجه أيضا من رواية عبد الله ابن وهب عن مالك به لكن وقفه. قوله: "عن أبي الزناد" في رواية سعيد بن داود "أخبرنا أبو الزناد". قوله: "عن الأعرج عن أبي هريرة" في رواية سعيد بن داود "أن عبد الرحمن بن هرمز أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول". قوله: "حجبت" كذا للجميع في الموضعين إلا الفروي فقال: "حفت" في الموضعين، وكذا هو عند مسلم من رواية ورقاء بن عمر عن أبي الزناد، وكذا أخرجه مسلم والترمذي من حديث أنس. وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وبديع بلاغته في ذم الشهوات وإن مالت إليها النفوس، والحض على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشق عليها. وقد ورد إيضاح ذلك من وجه آخر عن أبي هريرة، فأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها، قال فرجع إليه فقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فرجع فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد. قال: اذهب إلى النار فانظر إليها، فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات فقال: ارجع إليها، فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد" فهذا يفسر رواية الأعرج، فإن المراد بالمكاره هنا ما أمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلا وتركا كالإتيان بالعبادات على وجهها والمحافظة عليها واجتناب المنهيات قولا وفعلا، وأطلق عليها المكاره لمشقتها على العامل وصعوبتها عليه ومن جملتها الصبر على المصيبة والتسليم لأمر الله فيها؛ والمراد بالشهوات ما يستلذ من أمور الدنيا مما منع الشرع من تعاطيه إما بالأصالة وإما لكون فعله يستلزم ترك شيء من المأمورات، ويلتحق بذلك الشبهات والإكثار مما أبيح خشية أن يوقع في المحرم، فكأنه قال: لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المشقات المعبر عنها بالمكروهات، ولا إلى النار إلا بتعاطي الشهوات، وما محجوبتان فمن هتك الحجاب اقتحم. ويحتمل أن يكون هذا الخبر وإن كان بلفظ الخبر فالمراد به النهي. وقوله: "حفت "بالمهملة والفاء من الحفاف وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا

(11/320)


بتخطيه فالجنة لا يتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا ينجي منها إلا بترك الشهوات.وقال ابن العربي: معنى الحديث أن الشهوات جعلت على حفافي النار وهي جوانبها، وتوهم بعضهم أنها ضرب بها المثل فجعلها في جوانبها من خارج، ولو كان ذلك كان مثلا صحيحا، وإنما هي من داخل، وهذه صورتها:
المكاره ... الشهوات
فمن اطلع الحجاب فقد واقع ما وراءه؛ وكل من تصورها من خارج فقد ضل عن معنى الحديث. ثم قال: فإن قيل فقد جاء في البخاري "حجبت النار بالشهوات" فالجواب أن المعنى واحد، لأن الأعمى عن التقوى الذي قد أخذت الشهوات سمعه وبصره يراها ولا يرى النار التي هي فيها، وذلك لاستيلاء الجهالة والغفلة على قلبه، فهو كالطائر يرى الحبة في داخل الفخ وهي محجوبة به ولا يرى الفخ لغلبة شهوة الحبة على قلبه وتعلق باله بها. قلت: بالغ كعادته في تضليل من حمل الحديث على ظاهره، وليس ما قاله غيره ببعيد، وأن الشهوات على جانب النار من خارج فمن واقعها وخرق الحجاب دخل النار، كما أن الذي قاله القاضي محتمل والله أعلم. "تنبيه": أدخل ابن بطال في هذا الباب حديثي الباب الذي بعده وحذف الترجمة التي تليه وهي ثابتة في جميع الأصول، وفيها الحديثان وليس في الذي قبلها إلا حديث أبي هريرة.

(11/321)


29 - باب الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ
6488- حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ"
6489- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلُ"
قوله: "باب الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله" هذه الترجمة حذفها ابن بطال، وذكر الحديثين اللذين فيها في الباب الذي قبلها، والمناسبة ظاهرة لكن الذي ثبت في الأصول التفرقة. قوله: "حدثنا موسى بن مسعود" هو أبو حذيفة النهدي وهو بكنيته أشهر، وسفيان شيخه هو الثوري، وعبد الله هو ابن مسعود، والسند كله كوفيون. قوله: "شراك" تقدم ضبطه وبيانه في أواخر كتاب اللباس وأنه السير الذي يدخل فيه إصبع الرجل، ويطلق أيضا على كل سير وقي به القدم. قال ابن بطال: فيه أن الطاعة موصلة إلى الجنة وإن المعصية مقربة إلى النار، وإن الطاعة والمعصية قد تكون في أيسر الأشياء. وتقدم في هذا المعنى قريبا حديث: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة "الحديث، فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه، فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها. وقال ابن الجوزي: معنى الحديث أن تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنار كذلك بموافقة الهوى وفعل المعصية. حديث أبي هريرة،

(11/321)


هذا الحديث عند مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد، وكذا ثبت لمالك الذي أخرجه البخاري من طريقه عند الدار قطني من رواية سعيد بن داود عنه بسند صحيح، وزاد مسلم من طريق أبي صالح المذكورة "فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" أي هو حقيق بعدم الازدراء وهو افتعال من زريت عليه وأزريت به إذا تنقصته، وفي معناه ما أخرجه الحاكم من حديث عبد الله ابن الشخير رفعه: "أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله" قال ابن بطال: هذا الحديث جامع لمعاني الخير لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهدا فيها إلا وجد من هو فوقه، فمتى طلبت نفسه اللحاق به استقصر حاله فيكون أبدا في زيادة تقربه من ربه، ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخس حالا منه. فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك من غير أمر أوجبه، فيلزم نفسه الشكر، فيعظم اغتباطه بذلك في معاده. وقال غيره: في هذا الحديث دواء الداء لأن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن أن يؤثر ذلك فيه حسدا، ودواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون ذلك داعيا إلى الشكر. وقد وقع في نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه قال: "خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا: من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به" . وأما من نظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته فإنه لا يكتب شاكرا ولا صابرا.

(11/322)


باب لينظر إلى من هو أسفل منه ولا يظر إلى من هو فوقه
...
31 - باب مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ
6491- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا جَعْدُ بْنُ دِينَارٍ أَبُو عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً"
قوله: "باب من هم بحسنة أو بسيئة" الهم ترجيح قصد الفعل، تقول هممت بكذا أي قصدته بهمتي، وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب. قوله: "حدثنا أبو معمر" هو عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، وعبد الوارث هو ابن سعيد، والسند كله بصريون، وجعد بن دينار تابعي صغير وهو الجعد أبو عثمان الراوي عن أنس في أواخر النفقات وفي غيرها. قوله: "عن ابن عباس" في رواية الحسن بن ذكوان عن أبي رجاء "حدثني ابن عباس" أخرجه أحمد. قوله: "عن النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية مسدد عند الإسماعيلي: "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولم أر في شيء من الطرق التصريح بسماع ابن عباس له من النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "فيما يروى عن ربه" هذا من الأحاديث الإلهية، ثم هو محتمل أن يكون مما تلقاه صلى الله عليه وسلم عن ربه بلا واسطة ويحتمل أن يكون مما تلقاه بواسطة الملك وهو الراجح. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية ويحتمل أن يكون للبيان لما فيه من الإسناد

(11/322)


وقد تقدم في أوائل السيرة النبوية وفي الأدب. قوله: "أصدق بيت" أطلق البيت على بعضه مجازا، فإن الذي ذكره نصفه وهو المصراع الأول المسمى عروض البيت، وأما نصفه الثاني وهو المسمى بالضرب فهو "وكل نعيم لا محالة زائل". ويحتمل أن يكون على سبيل الاكتفاء فأشار بأول البيت إلى بقيته والمراد كله، وعكسه ما مضى في "باب ما يجوز من الشعر" في كتاب الأدب بلفظ: "أصدق كلمة" فإن المراد بها القصيدة وقد أطلقها وأراد البيت، وتقدم شرح هذا الحديث في أيام الجاهلية، وأورده فيها أيضا بلفظ: "أصدق كلمة" وهو المشهور. وذكرت هناك أن في رواية شريك عند مسلم بلفظ: "أشعر كلمة تكلمت بها العرب" وبحث السهيلي في ذلك، وذكرت أيضا ما أورده ابن إسحاق في السيرة فيما جرى لعثمان بن مظعون مع لبيد بن ربيعة ناظم هذا البيت حيث قال له لما أنشد المصراع الأول: صدقت، ولما أنشد المصراع الثاني: كذبت، ثم قال له: نعيم الجنة لا يزول. وذكرت توجيه كل من الأمرين، وأن كل من صدق بأن ما خلا الله باطل فقد صدق ببطلان ما سواه، فيدخل نعيم الجنة، بما حاصله أن المراد بالباطل هنا الهالك، وكل شيء سوى الله جائز عليه الفناء وإن خلق فيه البقاء بعد ذلك كنعيم الجنة، والله أعلم. وقال ابن بطال هنا: قوله: "ما خلا الله باطل "لفظ عام أريد به الخصوص، والمراد أن كل ما قرب من الله فليس بباطل. وأما أمور الدنيا التي لا تئول إلى طاعة الله فهي الباطل انتهى. ولعل الأول أولى. "تنبيه": مناسبة هذا الحديث الثاني للترجمة خفية، وكأن الترجمة لما تضمنت ما في الحديث الأول من التحريض على الطاعة ولو قلت والزجر عن المعصية ولو قلت فيفهم أن من خالف ذلك إنما يخالفه لرغبة في أمر من أمور الدنيا، وكل ما في الدنيا باطل كما صرح به الحديث الثاني، فلا ينبغي للعاقل أن يؤثر الفاني على الباقي.

(11/323)


باب من هم بحسنة أو بسيئة
...
30 - باب لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ وَلاَ يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ
6490- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ ممن فضِّل عليه"
قوله: "باب لينظر إلى من هو أسفل منه، ولا ينظر إلى من هو فوقه" هذا لفظ حديث أخرجه مسلم بنحوه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم". قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "عن أبي الزناد" في رواية ابن وهب عن مالك "حدثني أبو الزناد" أخرجه الدار قطني في "الغرائب". قوله: "عن الأعرج" في رواية سعيد بن داود عن مالك "حدثني أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز أخبره أنه سمع أبا هريرة" أخرجه الدار قطني أيضا، وضاق مخرجه على أبي نعيم فأخرجه من طريق القاسم بن زكريا عن البخاري، وأخرجه الإسماعيلي من طريق حميد بن قتيبة عن إسماعيل والدار قطني من وجهين عن إسماعيل. قوله: "إذا نظر أحدكم إلى من فضل" بالفاء والمعجمة على البناء للمجهول. قوله: "في المال والخلق" بفتح الخاء أي الصورة، ويحتمل أن يدخل في ذلك الأولاد والأتباع وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا، ورأيته في نسخة معتمدة من "الغرائب" للدار قطني "والخلق" بضم الخاء واللام. قوله: "فلينظر إلى من هو أسفل منه" في رواية عبد العزيز بن يحيى عن مالك "فلينظر إلى من تحته" أخرجه الدار قطني أيضا. ويجوز في أسفل الرفع والنصب والمراد بذلك ما يتعلق بالدنيا. قوله: "ممن فضل عليه" كذا ثبت في آخر

(11/323)


الصريح إلى الله حيث قال: "إن الله كتب" ويحتمل أن يكون لبيان الواقع وليس فيه أن غيره ليس كذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، بل فيه أن غيره كذلك إذ قال: "فيما يرويه" أي في جملة ما يرويه انتهى ملخصا. والثاني لا ينافي الأول وهو المعتمد، فقد أخرجه مسلم من طريق جعفر بن سليمان عن الجعد ولم يسق لفظه، وأخرجه أبو عوانة من طريق عفان، وأبو نعيم من طريق قتيبة كلاهما عن جعفر بلفظ: "فيما يروي عن ربه قال: إن ربكم رحيم، من هم بحسنة" وسيأتي في التوحيد من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل إذا أراد عبدي أن يعمل" وأخرجه مسلم بنحوه من هذا الوجه ومن طرق أخرى منها عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل إذا هم عبدي". قوله: "إن الله عز وجل كتب الحسنات والسيئات" يحتمل أن يكون هذا من قول الله تعالى فيكون التقدير قال الله إن الله كتب، ويحتمل أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم يحكيه عن فعل الله تعالى وفاعل "ثم بين ذلك" هو الله تعالى، وقوله: "فمن هم" شرح ذلك. قوله: "ثم بين ذلك" أي فصله بقوله: "فمن هم" والمجمل قوله: "كتب الحسنات والسيئات" وقوله كتب قال الطوفي أي أمر الحفظة أن تكتب، أو المراد قدر ذلك في علمه على وفق الواقع منها. وقال غيره المراد قدر ذلك وعرف الكتبة من الملائكة ذلك التقدير، فلا يحتاج إلى الاستفسار في كل وقت عن كيفية الكتابة لكونه أمرا مفروغا منه انتهى. وقد يعكر على ذلك ما أخرجه مسلم من طريق همام عن أبي هريرة رفعه قال: "قالت الملائكة: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة، وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها" فهذا ظاهره وقوع المراجعة لكن ذلك مخصوص بإرادة عمل السيئة، ويحتمل أن يكون ذلك وقع في ابتداء الأمر فلما حصل الجواب استقر ذلك فلا يحتاج إلى المراجعة بعده. وقد وجدت عن الشافعي ما يوافق ظاهر الخبر، وأن المؤاخذة إنما تقع لمن هم على الشيء فشرع فيه. لا من هم به ولم يتصل به العمل، فقال في صلاة الخوف لما ذكر العمل الذي يبطلها ما حاصله: إن من أحرم بالصلاة وقصد القتال فشرع فيه بطلت صلاته، ومن تحرم وقصد إلى العدو لو دهمه دفعه بالقتال لم تبطل. قوله: "فمن هم" كذا في رواية ابن سيرين عن أبي هريرة عند مسلم. وفي رواية الأعرج في التوحيد "إذا أراد" وأخرجه مسلم من هذا الوجه بلفظ: "إذا هم" كذا عنده من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة فهما بمعنى واحد، ووقع لمسلم أيضا من رواية همام عن أبي هريرة بلفظ: "إذا تحدث" وهو محمول على حديث النفس لتوافق الروايات الأخرى، ويحتمل أن يكون على ظاهره ولكن ليس قيدا في كتابة الحسنة بل بمجرد الإرادة تكتب الحسنة، نعم ورد ما يدل على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي، فعند أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث خريم بن فاتك رفعه: "ومن هم بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه وحرص عليها" وقد تمسك به ابن حبان فقال بعد إيراد حديث الباب في صحيحه: المراد بالهم هنا العزم. ثم قال: ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم بها وإن لم يعزم عليها زيادة في الفضل. قوله: "فلم يعملها" يتناول نفى عمل الجوارح، وأما عمل القلب فيحتمل نفيه أيضا إن كانت الحسنة تكتب بمجرد الهم كما في معظم الأحاديث، لا أن قيدت بالتصميم كما في حديث خريم، ويؤيد الأول حديث أبي ذر عند مسلم أن الكف عن الشر صدقة. قوله: "كتبها الله له" أي للذي هم بالحسنة "عنده" أي عند الله "حسنة كاملة" كذا ثبت في حديث ابن عباس دون حديث أبي هريرة وغيره وصف الحسنة بكونها كاملة، وكذا قوله: "عنده" وفيهما نوعان من التأكيد:

(11/324)


فأما العندية فإشارة إلى الشرف، وأما الكمال فإشارة إلى رفع توهم نقصها لكونها نشأت عن الهم المجرد. فكأنه قيل بل هي كاملة لا نقص فيها. قال النووي: أشار بقوله: "عنده" إلى مزيد الاعتناء به، وبقوله: "كاملة" إلى تعظيم الحسنة وتأكيد أمرها، وعكس ذلك في السيئة فلم يصفها بكاملة بل أكدها بقوله: "واحدة" إشارة إلى تخفيفها مبالغة في الفضل والإحسان. ومعنى قوله: "كتبها الله" أمر الحفظة بكتابتها بدليل حديث أبي هريرة الآتي في التوحيد بلفظ: "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها" وفيه دليل على أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي إما بإطلاع الله إياه أو بأن يخلق له علما يدرك به ذلك، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني قال: "ينادي الملك اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول يا رب إنه لم يعمله، فيقول إنه نواه" وقيل بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة خبيثة وبالحسنة رائحة طيبة. وأخرج ذلك الطبري عن أبي معشر المدني، وجاء مثله عن سفيان بن عيينة ورأيت لا شرح مغلطاي أنه ورد مرفوعا، قال الطوفي إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة لأن إرادة الخير سبب إلى العمل وإرادة الخير خير لأن إرادة الخير من عمل القلب، واستشكل بأنه إذا كان كذلك فكيف لا تضاعف لعموم قوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} وأجيب بحمل الآية على عمل الجوارح والحديث على الهم المجرد واستشكل أيضا بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة فكيف لم يعتبر في حصول السيئة؟ وأجيب بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهم بها يكفرها لأنه قد نسخ قصده السيئة وخالف هواه، ثم إن ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع فإن كان خارجيا مع بقاء قصد الذي هم بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر، ولا سيما إن قارنها ندم على تفويتها واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك من الذي هم من قبل نفسه فهي دون ذلك إلا إن قارنها قصد الإعراض عنها جملة والرغبة عن فعلها، ولا سيما إن وقع العمل في عكسها كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلا فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير أن لا تكتب له حسنة أصلا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال. واستدل بقوله حسنة كاملة على أنها تكتب حسنة مضاعفة لأن ذلك هو الكمال لكنه مشكل يلزم منه مساواة من نوى الخير بمن فعله في أن كلا منهما يكتب له حسنة.وأجيب بأن التضعيف في الآية يقتضي اختصاصه بالعامل لقوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} والمجيء بها هو العمل وأما المناوي فإنما ورد أنه يكتب له حسنة ومعناه يكتب له مثل ثواب الحسنة، والتضعيف قدر زائد على أصل الحسنة، والعلم عند الله تعالى. قوله: "فإن هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات" يؤخذ منه رفع توهم أن حسنة الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف فتكون الجملة إحدى عشرة على ما هو ظاهر رواية جعفر بن سليمان عند مسلم ولفظه: "فإن عملها كتبت له عشر أمثالها" وكذا في حديث أبي هريرة وفي بعض طرقه احتمال، ورواية عبد الوارث في الباب ظاهرة فيما قلته وهو المعتمد، قال ابن عبد السلام في أماليه: معنى الحديث إذا هم بحسنة فإن كتبت له حسنة عملها كملت له عشرة لأنا نأخذ بقيد كونها قد هم بها، وكذا السيئة إذا عملها لا تكتب واحدة للهم وأخرى للعمل بل تكتب واحدة فقط. قلت: الثاني صريح في حديث هذا الباب، وهو مقتضى كونها في جميع الطرق لا تكتب بمجرد الهم، وأما حسنة الهم بالحسنة فالاحتمال قائم، وقوله بقيد كونها قد هم بها يعكر عليه من عمل حسنة بغتة من غير أن يسبق له أنه هم بها فإن قضية كلامه أنه يكتب له تسعة وهو خلاف ظاهر الآية {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} فإنه يتناول من هم بها ومن لم يهم،

(11/325)


والتحقيق أن حسنة من هم بها تندرج في العمل في عشرة لعمل لكن تكون حسنة من هم بها أعظم قدرا ممن لم يهم بها، والعلم عند الله تعالى. قوله: "إلى سبعمائة ضعف" الضعف في اللغة المثل، والتحقيق أنه اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر، فإذا قيل ضعف العشرة فهم أن المراد عشرون، ومن ذلك لو أقر بأن له عندي ضعف درهم لزمه درهمان أو ضعفي درهم لزمه ثلاثة. قوله: "إلى أضعاف كثيرة" لم يقع في شيء من طرق حديث أبي هريرة "إلى أضعاف كثيرة" إلا في حديثه الماضي في الصيام فإن في بعض طرقه عند مسلم: "إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله" وله من حديث أبي ذر رفعه: "يقول الله من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد" وهو بفتح الهمزة وكسر الزاي، وهذا يدل على أن تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزوم به وما زاد عليها جائز وقوعه بحسب الزيادة في الإخلاص وصدق العزم وحضور القلب وتعدي النفع كالصدقة الجارية والعلم النافع والسنة الحسنة وشرف العمل ونحو ذلك، وقد قيل إن العمل الذي يضاعف إلى سبعمائة خاص بالنفقة في سبيل الله، وتمسك قائله بما في حديث خريم بن فاتك المشار إليه قريبا رفعه: "من هم بحسنة فلم يعملها" فذكر الحديث وفيه: "ومن عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له بسبعمائة ضعف" وتعقب بأنه صريح في أن النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة وليس فيه نفي ذلك عن غيرها صريحا، ويدل على التعميم حديث أبي هريرة الماضي في الصيام "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف" الحديث واختلف في قوله تعالى {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} هل المراد المضاعفة إلى سبعمائة فقط أو زيادة على ذلك؟ فالأول هو المحقق من سياق الآية والثاني محتمل، ويؤيد الجواز سعة الفضل.قوله: "ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة" المراد بالكمال عظم القدر كما تقدم لا التضعيف إلى العشرة، ولم يقع التقييد بكاملة في طرق حديث أبي هريرة، وظاهر الإطلاق كتابة الحسنة بمجرد الترك، لكنه قيده في حديث الأعرج عن أبي هريرة كما سيأتي في كتاب التوحيد ولفظه: "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئه فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة" وأخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن لم يقع عنده "من أجلي" ووقع عنده من طريق همام عن أبي هريرة "وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جَرَّاي" بفتح الجيم وتشديد الراء بعد الألف ياء المتكلم وهي بمعنى من أجلي، ونقل عياض عن بعض العلماء أنه حمل حديث ابن عباس على عمومه، ثم صوب حمل مطلقه على ما قيد في حديث أبي هريرة. قلت: ويحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر لما تقدم أن ترك المعصية كف عن الشر والكف عن الشر خير، ويحتمل أيضا أن يكتب لمن هم بالمعصية ثم تركها حسنة مجردة، فإن تركها من مخافة ربه سبحانه كتبت حسنة مضاعفة. وقال الخطابي: محل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه، لأن الإنسان لا يسمى تاركا إلا مع القدرة، ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلا فيجد الباب مغلقا ويتعسر فتحه، ومثله من تمكن من الزنا مثلا فلم ينتشر أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلا. ووقع في حديث أبي كبشة الأنماري ما قد يعارض ظاهر حديث الباب، وهو ما أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه بلفظ: "إنما الدنيا لأربعة" فذكر الحديث وفيه: "وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يعمل في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يرى لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل. ورجل لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن

(11/326)


لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء" فقيل الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين، فتحمل الحالة الأولى على من هم بالمعصية هما مجردا من غير تصميم، والحالة الثانية على من صمم على ذلك وأصر عليه. وهو موافق لما ذهب إليه الباقلاني وغيره؛ قال المازري: ذهب ابن الباقلاني يعني ومن تبعه إلى أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن عليها نفسه أنه يأثم، وجمل الأحاديث الواردة في العفو عمن هم بسيئة ولم يعملها على الخاطر الذي يمر بالقلب ولا يستقر. قال المازري: وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ونقل ذلك عن نص الشافعي، ويؤيده قوله في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلم من طريق همام عنه بلفظ: "فأنا أغفرها له ما لم يعملها" فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم به. وتعقبه عياض بأن عامة السلف وأهل العلم على ما قال ابن الباقلاني لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة لا السيئة التي هم أن يعملها، كمن يأمر بتحصيل معصية ثم لا يفعلها بعد حصولها فإنه يأثم بالأمر المذكور لا بالمعصية ومما يدل على ذلك حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالمقابل والمقتول في النار، قيل هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه" وسيأتي سياقه وشرحه في كتاب الفتن، والذي يظهر أنه من هذا الجنس وهو أنه يعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقه ولا عاقب عقاب من باشر القتل خسا. وهنا قسم آخر وهو من فعل المعصية ولم يتب منها ثم هم أن يعود إليها فإنه يعاقب على الإصرار كما جزم به ابن المبارك وغيره في تفسير قوله تعالى {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} ويؤيده أن الإصرار معصية اتفاقا، فمن عزم على المعصية وصمم عليها كتبت عليه سيئة، فإذا عملها كتبت عليه معصية ثانية. قال النووي: وهذا ظاهر حسن لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر كقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} الآية، وقوله {اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ} وغير ذلك وقال ابن الجوزي: إذا حدث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ فإن عزم وصمم زاد على حديث النفس وهو من عمل القلب. قال: والدليل على التفريق بين الهم والعزم أن من كان في الصلاة فوقع في خاطره أن يقطعها لم تنقطع، فإن صمم على قطعها بطلت. وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة إذا لم يعمل المقصود، للفرق بين ما هو بالقصد وما هو بالوسيلة. وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقساما يظهر منها الجواب عن الثاني، أضعفها أن يخطر له ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة وهو معفو عنه وهو دون التردد، وفوقه أن يتردد فيه فيهم به ثم ينفر عنه فيتركه ثم يهم به ثم يترك كذلك ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد فيعفى عنه أيضا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر عنه لكن لا يصمم على فعله وهذا هو الهم فيعفى عنه أيضا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه بل يصمم على فعله فهذا هو العزم وهو منتهى الهم، وهو على قسمين: القسم الأول أن يكون من أعمال القلوب صرفا كالشك في الوحدانية أو النبوة أو البعث فهذا كفر ويعاقب عليه جزما، ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر كمن يحب ما يبغض - الله ويبغض ما يحبه الله ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك فهذا يأثم، ويلتحق به الكبر والعجب والبغي والمكر والحسد، وفي بعض هذا خلاف. فعن الحسن البصري أن سوء الظن بالمسلم وحسده معفو عنه وحملوه على ما يقع في النفس مما لا يقدر على دفعه. لكن من يقع له ذلك مأمور بمجاهدته النفس على تركه والقسم الثاني أن يكون من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة فهو الذي وقع فيه النزاع، فذهبت

(11/327)


طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلا، ونقل عن نص الشافعي، ويؤيده ما وقع في حديث خريم بن فاتك المنبه عليه قبل فإنه حيث ذكر الهم بالحسنة قال: علم الله أنه أشعرها قلبه وحرص عليها، وحيث ذكر الهم بالسيئة لم يقيد بشيء بل قال فيه: ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، والمقام مقام الفضل فلا يليق التحجير فيه. وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بما يهم به؟ قال: إذا جزم بذلك. واستدل كثير منهم بقوله تعالى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} وحملوا حديث أبي هريرة الصحيح المرفوع "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم" على الخطرات كما تقدم. ثم افترق هؤلاء فقالت طائفة: يعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهم والغم. وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة لكن بالعتاب لا بالعذاب، وهذا قول ابن جريج والربيع بن أنس وطائفة ونسب ذلك إلى ابن عباس أيضا، واستدلوا بحديث النجوى الماضي شرحه في "باب ستر المؤمن على نفسه" من كتاب الأدب، واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية ما يقع في الحرم المكي ولو لم يصمم لقوله تعالى {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ذكره السدي في تفسيره عن مرة عن ابن مسعود، وأخرجه أحمد من طريقه مرفوعا، ومنهم من رجحه موقوفا، ويؤيد ذلك أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه فمن هم بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمته، وتعقب هذا البحث بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم ومع ذلك فمن هم بمعصيته لا يؤاخذه فكيف يؤاخذا بما دونه؟ ويمكن أن يجاب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة الله لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى، نعم من هم بالمعصية قاصدا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن هم بمعصية الله قاصدا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه من هم بمعصية ذاهلا عن قصد الاستخفاف، وهذا تفصيل جيد ينبغي أن يستحضر عند شرح حديث: "لا يزني الزاني وهو مؤمن" . وقال السبكي الكبير: الهاجس لا يؤاخذ به إجماعا، والخاطر وهو جريان ذلك الهاجس وحديث النفس لا يؤاخذ بهما للحديث المشار إليه، والهم وهو قصد فعل المعصية مع التردد لا يؤاخذ به الحديث الباب، والعزم - وهو قوة ذلك القصد أو الجزم به ورفع التردد - قال المحققون يؤاخذ به. وقال بعضهم لا واحتج بقول أهل اللغة: هم بالشيء عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلة الأول حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما" الحديث، وفيه أنه كان حريصا على قتل صاحبه فعلل بالحرص، واحتج بعضهم بأعمال القلوب ولا حجة معه لأنها على قسمين: أحدهما لا يتعلق بفعل خارجي وليس البحث فيه، والثاني بتعلق بالملتقيين عزم كل منهما على قتل صاحبه واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه وهو شهر السلاح وإشارته به إلى الآخر فهذا الفعل يؤاخذ به سواء حصل القتل أم لا. انتهى. ولا يلزم من قوله: "فالقاتل والمقتول في النار" أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق. قوله: "فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة" في رواية الأعرج "فاكتبوها له بمثلها" وزاد مسلم في حديث أبي ذر "فجزاؤه بمثلها أو أغفر" وله في آخر حديث ابن عباس أو "يمحوها" والمعنى أن الله يمحوها بالفضل أو بالتوبة أو بالاستغفار أو بعمل الحسنة التي تكفر السيئة، والأول أشبه لظاهر حديث أبي ذر، وفيه رد لقول من ادعى أن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة، ويستفاد من التأكيد بقوله: "واحدة" أن السيئة لا تضاعف كما تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى {فَلا يُجْزَى إِلَّا

(11/328)


مِثْلَهَا} قال ابن عبد السلام في أماليه: فائدة التأكيد دفع توهم من يظن الله إذا عمل السيئة كتبت عليه سيئة العمل وأضيفت إليها سيئة الهم، وليس كذلك إنما يكتب عليه سيئة واحدة. وقد استثنى بعض العلماء وقوع المعصية في الحرم المكي. قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد هل ورد في شيء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من واحدة؟ قال: لا، ما سمعت إلا بمكة لتعظيم البلد. والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة لكن قد يتفاوت بالعظم، ولا يرد على ذلك قوله تعالى {مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} لأن ذلك ورد تعظيما لحق النبي صلى الله عليه وسلم لأن وقوع ذلك من نسائه يقتضي أمرا زائدا على الفاحشة وهو أذى النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد مسلم بعد قوله: "أو يمحوها": "ولا يهلك على الله إلا هالك" أي من أصر على التجري على السيئة عزما وقولا وفعلا وأعرض عن الحسنات هما وقولا وفعلا، قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل الله العظيم على هذه الأمة لأنه لولا ذلك كاد لا يدخل أحد الجنة، لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم الحسنات؛ ويؤيد ما دل عليه حديث الباب من الإثابة على الهم بالحسنة وعدم المؤاخذة على الهم بالسيئة قوله تعالى {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} إذ ذكر في السوء الافتعال الذي يدل على المعالجة والتكلف فيه بخلاف الحسنة، وفيه ما يترتب للعبد على هجران لذته وترك شهوته من أجل ربه رغبة في ثوابه ورهبة من عقابه، واستدل به على أن الحفظة لا تكتب المباح للتقييد بالحسنات والسيئات، وأجاب بعض الشراح بأن بعض الأئمة عد المباح من الحسن، وتعقب بأن الكلام فيما يترتب على فعله حسنة وليس المباح ولو سمي حسنا كذلك، نعم قد يكتب حسنة بالنية وليس البحث فيه، وقد تقدم في "باب حفظ اللسان "قريبا شيء من ذلك، وفيه أن الله سبحانه وتعالى بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة والفضل في الحسنة فضاعف الحسنة ولم يضاعف السيئة بل أضاف فيها إلى العدل الفضل فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله: "كتبت له واحدة أو يمحوها" وبقوله: "فجزاؤه بمثلها أو أغفر" وفي هذا الحديث رد على الكعبي في زعمه أن ليس في الشرع مباح بل الفاعل إما عاص وإما مثاب، فمن اشتغل عن المعصية بشيء فهو مثاب، وتعقبوه بما تقدم أن الذي يثاب على ترك المعصية هو الذي يقصد بتركها رضا الله كما تقدمت الإشارة إليه، وحكى ابن التين أنه يلزمه أن الزاني مثلا مثاب لاشتغاله بالزنا عن معصية أخرى ولا يخفى ما فيه.

(11/329)


32 - باب مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ
6492- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ غَيْلاَنَ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ"
قوله: "باب ما يتقى من محقرات الذنوب" التعبير بالمحقرات وقع في حديث سهل بن سعد رفعه: "إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه" أخرجه أحمد بسند حسن، ونحوه عند أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود، وعند النسائي وابن ماجه عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا " وصححه ابن حبان. قوله: "مهدي" هو ابن ميمون، وغيلان بمعجمة ثم تحتانية وزن عجلان

(11/329)


هو ابن جرير والسند كله بصريون.قوله: "هي أدق" أفعل تفضيل من الدقة بكسر الدال إشارة إلى تحقيرها وتهوينها، وتستعمل في تدقيق النظر في العمل والإمعان فيه أي تعملون أعمالا تحسبونها هينة وهي عظيمة أو تؤول إلى العظم. قوله: "إن كنا لنعدها" كذا للأكثر بلام التأكيد. وفي رواية أبي ذر عن السرخسي والمستملي بحذفها وبحذف الضمير أيضا ولفظهما "إن كنا نعد" وله عن الكشميهني: "إن كنا نعدها" وإن مخففة من الثقيلة وهي للتأكيد. قوله: "من الموبقات" بموحدة وقاف، وسقط لفظ: "من" للسرخسي والمستملي أيضا. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف "يعني بذلك المهلكات" أي الموبقة هي المهلكة، ووقع للإسماعيلي من طريق إبراهيم بن الحجاج عن مهدي "كنا نعدها ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر" وكأنه ذكره بالمعنى. وقال ابن بطال: المحقرات إذا كثرت صارت كبارا مع الإصرار، وقد أخرج أسد بن موسى في الزهد عن أبي أيوب الأنصاري قال: "إن الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها وينسى المحقرات فيلقى الله وقد أحاطت به، وإن الرجل ليعمل السيئة فلا يزال منها مشفقا حتى يلقى الله آمنا" .

(11/330)


33 - باب الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ وَمَا يُخَافُ مِنْهَا
6493- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ الأَلْهَانِيُّ الْحِمْصِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ "عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ نَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْهُمْ فَقَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَقَالَ بِذُبَابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْه,ِ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا"
قوله: "باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها" ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة الذي قتل نفسه وفي آخره: "وإنما الأعمال بالخواتيم" وتقدم شرح القصة في غزوة خيبر من كتاب المغازى، ويأتي شرح آخره في كتاب القدر إن شاء الله تعالى حديث سهل بن سعد في قصة الذي قتل نفسه وفي آخره: "وإنما الأعمال بالخواتيم" وتقدم شرح القصة في غزوة خيبر من كتاب المغازى، ويأتي شرح آخره في كتاب القدر إن شاء الله تعالى وقوله: "غناء" بفتح المعجمة بعدها نون ممدود أي كفاية، وأغنى فلان عن فلان ناب عنه وجرى مجراه. وذبابة السيف حده وطرفه. قال ابن بطال: في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف، لأنه لو علم وكان ناجيا أعجب وكسل وإن كان هالكا ازداد عتوا فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء، وقد روى الطبري عن حفص بن حميد قال: قلت لابن المبارك رأيت رجلا قتل رجلا ظلما فقلت في نفسي أنا أفضل من هذا، فقال: أمنك على نفسك أشد من ذنبه. قال الطبري: لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر لعل القاتل يتوب فتقبل توبته، ولعل الذي أنكر عليه يختم له بخاتمة السوء.

(11/330)


باب العزلة واحة من خلاط السوء
...
34 - باب الْعُزْلَةُ رَاحَةٌ مِنْ خُلاَّطِ السُّوءِ
6494- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ قَالَ

(11/330)


باب رفع الأمانة
باب الرياء والسمعة
...
36 - باب الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ
6499- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ح و حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ

(11/335)


عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ "قال النبي صلى الله عليه وسلم: وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم غَيْرَهُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ"
[الحديث 6499- طرفه في: 7152]
قوله: "باب الرياء والسمعة" الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها، والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع، والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر. وقال الغزالي: المعنى طلب المنزلة في قلوب الناس بأن يريهم الخصال المحمودة، والمرائي هو العامل. وقال ابن عبد السلام: الرياء أن يعمل لغير الله والسمعة أن يخفى عمله الله ثم يحدث به الناس. قوله: "يحيى" هو ابن سعيد القطان. وسفيان في الطريقين هو الثوري، والسند الثاني أعلى من الأول، ولم يكتف به مع علوه لأن في الرواية الأولى مزايا وهي جلالة القطان وما وقع في سياقه من تصريح سفيان بالتحديث ونسبة سلمة شيخ الثوري وهو سلمة بن كهيل بالتصغير ابن حصين الحضرمي، والسند الثاني كله كوفيون. قوله: "ولم أسمع أحدا يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم غيره" وثبت كذلك عند مسلم في رواية، وقائل ذلك هو سلمة بن كهيل "ومراده أنه لم يسمع من أحد من الصحابة حديثا مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا من جندب وهو ابن عبد الله البجلي الصحابي المشهور وهو من صغار الصحابة وقال الكرماني: مراده لم يبق من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ غيره في ذلك المكان. قلت: احترز بقوله: "في ذلك المكان" عمن كان من الصحابة موجودا إذ ذاك بغير المكان الذي كان فيه جندب، وليس كذلك فإن جندبا كان بالكوفة إلى أن مات وكان بها في حياة جندب أبو جحيفة السوائي وكانت وفاته بعد جندب بست سنين، وعبد الله بن أبي أوفى وكانت وفاته بعد جندب بعشرين سنة، وقد روى سلمة عن كل منهما فتعين أن يكون مراده أنه لم يسمع منهما ولا من أحدهما ولا من غيرهما ممن كان موجودا من الصحابة بغير الكوفة بعد أن سمع من جندب الحديث المذكور عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا. قوله: "من سمع" بفتح المهملة والميم الثقيلة والثانية مثلها، وقوله: "ومن يرائي" بضم التحتية والمد وكسر الهمزة والثانية مثلها وقد ثبتت الياء في آخر كل منهما أما الأولى فللإشباع وأما الثانية فكذلك، أو التقدير فإنه يرائي به الله. ووقع في رواية وكيع عن سفيان عند مسلم: "من يسمع يسمع الله به ومن يرائي يرائي الله به" ولابن المبارك في الزهد من حديث ابن مسعود "من سمع سمع الله به، ومن رائى رائى الله به، ومن تطاول تعاظما خفضه الله، ومن تواضع تخشعا رفعه الله" وفي حديث ابن عباس عند1 "من سمع سمع الله به ومن رائى رائى الله به" ووقع عند الطبراني من طريق محمد بن جحادة عن سلمة بن كهيل عن جابر في آخر هذا الحديث: "ومن كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة" قال الخطابي: معناه من عمل عملا على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه وقيل من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الآخرة، ومعنى يرائي يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه، ومنه قوله
ـــــــ
1 بياض بالأصل، وهو عند مسلم في كتاب الزهد والرقاق 53 الحديث 47 ( الرقم العام 2986)

(11/336)


تعالى {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا - إلى قوله: مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقيل: المراد من قصد بعمله أن يسمعه الناس ويروه ليعظموه وتعلو منزلته عندهم حصل له ما قصد، وكان ذلك جزاءه على عمله؛ ولا يثاب عليه في الآخرة. وقيل المعنى، من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه وسمعه المكروه. وقيل المعنى من نسب إلى نفسه عملا صالحا لم يفعله وادعى خيرا لم يصنعه فإن الله يفضحه ويظهر كذبه، وقيل المعنى من يرائي الناس بعمله أراه الله ثواب ذلك العمل وحرمه إياه. قيل معنى سمع الله به شهره أو ملأ أسماع الناس بسوء الثناء عليه في الدنيا أو في القيامة بما ينطوي عليه من خبث السريرة، قلت: ورد في عدة أحاديث التصريح بوقوع ذلك في الآخرة، فهو المعتمد: فعند أحمد والدارمي من حديث أبي هند الداري رفعه: "من قام مقام رياء وسمعة رائى الله به يوم القيامة وسمع به"، وللطبراني من حديث عوف بن مالك نحوه، وله من حديث معاذ مرفوعا: "ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء إلا سمع الله به على رءوس الخلائق يوم القيامة" وفي الحديث استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة. قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليقتدى به أو لينتفع به ككتابة العلم، ومنه حديث سهل الماضي في الجمعة "لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" قال الطبري كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدى بهم، قال: فمن كان إماما يستن بعمله عالما بما لله عليه قاهرا لشيطانه استوى ما ظهر من عمله وما خفي لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السلف. فمن الأول حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: "سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ ويرفع صوته بالذكر فقال إنه أواب قال فإذا هو المقداد بن الأسود" أخرجه الطبري. ومن الثاني حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: "قام رجل يصلي فجهر بالقراءة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسمعني وأسمع ربك" أخرجه أحمد وابن أبي خيثمة وسنده حسن.

(11/337)


37 - باب مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ
6500- حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ "عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلاَّ آخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ"
قوله: "باب من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل" يعني بيان فضل من جاهد، والمراد بالمجاهدة كف النفس

(11/337)


عن إرادتها من الشغل بغير العبادة، وبهذا تظهر مناسبة الترجمة لحديث الباب. وقال ابن بطال: جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل، قال الله تعالى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} الآية. ويقع بمنع النفس عن المعاصي، وبمنعها من الشبهات، وبمنعها من الإكثار من الشهوات المباحة لتتوفر لها في الآخرة. قلت: ولئلا يعتاد الإكثار فيألفه فيجره إلى الشبهات فلا يأمن أن يقع في الحرام. ونقل القشيري عن شيخه أبي على الدقاق: من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذا الطريق شمة. وعن أبي عمرو بن بجيد: من كرم عليه دينه هانت عليه نفسه. قال القشيري: أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات وحملها على غير هواها. وللنفس صفتان: انهماك في الشهوات، وامتناع عن الطاعات، فالمجاهدة تقع بحسب ذلك. قال بعض الأئمة: جهاد النفس داخل في جهاد العدو، فإن الأعداء ثلاثة: رأسهم الشيطان، ثم النفس لأنها تدعو إلى اللذات المفضية بصاحبها إلى الوقوع في الحرام الذي يسخط الرب، والشيطان هو المعين لها على ذلك ويزينه لها. فمن خالف هوى نفسه قمع شيطانه، فمجاهدته نفسه حملها على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، وإذا قوى العبد على ذلك سهل عليه جهاد أعداء الدين، فالأول الجهاد الباطن والثاني الجهاد الظاهر. وجهاد النفس أربع مراتب: حملها على تعلم أمور الدين، ثم حملها على العمل بذلك، ثم حملها على تعليم من لا يعلم، ثم الدعاء إلى توحيد الله وقتال من خالف دينه وجحد نعمه. وأقوى المعين على جهاد النفس جهاد الشيطان بدفع ما يلقى إليه من الشبهة والشك، ثم تحسين ما نهى عنه من المحرمات، ثم ما يفضي الإكثار منه إلى الوقوع في الشبهات، وتمام ذلك من المجاهدة أن يكون متيقظا لنفسه في جميع أحواله، فإنه متى غفل عن ذلك استهواه شيطانه ونفسه إلى الوقوع في المنهيات وبالله التوفيق. قوله: "همام" هو ابن يحيى. قوله: "أنس عن معاذ بن جبل" هكذا رواه همام عن قتادة، ومقتضاه التصريح بأنه من مسند معاذ، وخالفه هشام الدستوائي عن قتادة فقال: "عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -ومعاذ رديفه على الرجل- يا معاذ" وقد تقدم في أواخر كتاب العلم ومقتضاه أنه من مسند أنس والمعتمد الأول، ويؤيده أن المصنف أتبع رواية هشام رواية سليمان التيمي عن أنس قال: "ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ" فدل على أن أنسا لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم واحتمل قوله: "ذكر" على البناء للمجهول أن يكون أنس حمله عن معاذ بواسطة أو بغير واسطة، وقد أشرت في شرحه في العلم إلى احتمال أن يكون أنس حمله عن عمرو بن ميمون الأودي عن معاذ، أو من عبد الرحمن بن سمرة عن معاذ، وهذا كله بناء على أنه حديث واحد، وقد رجح لي أنهما حديثان وإن اتحد مخرجهما عن قتادة عن أنس ومتنهما في كون معاذ ردف النبي صلى الله عليه وسلم للاختلاف فيما وردا فيه، وهو أن حديث الباب في حق الله على العباد وحق العباد على الله، والماضي فيمن لقي الله لا يشرك به شيئا، وكذا رواية أبي عثمان النهدي وأبي رزين وأبي العوام كلهم عن معاذ عند أحمد، ورواية عمرو بن ميمون موافقة لرواية حديث الباب، ونحوها رواية عبد الرحمن بن سمرة عن معاذ عند النسائي، والرواية الأخرى موافقة لرواية هشام التي في العلم، وقد أشرت إلى شيء من ذلك في "باب اسم الفرس والحمار" من كتاب الجهاد، وقد جاء عن أنس عن معاذ نحو حديث الباب أخرجه أحمد من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن أنس قال: "أتينا معاذا فقلنا: حدثنا من غرائب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فذكر مثل حديث همام عن قتادة. قوله: "بينا أنا رديف" تقدم بيانه في أواخر كتاب اللباس قبل الأدب ببابين. قوله: "ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل" بفتح الراء وسكون الحاء المهملة هو للبعير كالسرج للفرس،

(11/338)


وآخره بالمد وكسر المعجمة بعدها راء هي العود الذي يجعل خلف الراكب يستند إليه، وفائدة ذكره المبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعه أنه ضبط ما رواه. ووقع في رواية مسلم عن هداب بن خالد وهو هدبة شيخ البخاري فيه بسنده هذا "مؤخرة" بدل "آخرة" وهي بضم الميم وسكون الهمزة وفتح الخاء، ووقع في رواية عمرو بن ميمون عن معاذ "كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير" وقد تقدم ضبطه في الجهاد، ووقع عند أحمد من رواية عبد الرحمن بن غنم عن معاذ "أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار يقال له يعفور رسنه من ليف" ويمكن الجمع بأن المراد بآخرة الرحل موضع آخرة الرحل للتصريح هنا بكونه كان على حمار، وإلى ذلك أشار النووي ومشى ابن الصلاح على أنهما قضيتان، وكأن مستنده أنه وقع في رواية أبي العوام عند أحمد "على جمل أحمر" ولكن سنده ضعيف. قوله: "فقال يا معاذ: قلت لبيك" تقدم بيان ذلك في كتاب الحج. قوله: "رسول الله" بالنصب على النداء وحرف النداء محذوف، ووقع في العلم بإثباته. قوله: "ثم سار ساعة" فيه بيان أن الذي وقع في العلم "قال لبيك يا رسول الله وسعديك، قال يا معاذ" لم يقع النداء الثاني على الفور بل بعد ساعة. قوله: "فقال" في رواية الكشميهني: "ثم قال". قوله: "يا معاذ بن جبل" تقدم ضبطه في العلم. قوله: "قال هل تدري" وقع في رواية مسلم المشار إليها بعد قوله: "وسعديك" الثانية "ثم سار ساعة ثم قال هل تدري" وفي رواية موسى بن إسماعيل عن همام الماضية في الاستئذان بعد المرة الأولى "ثم قال مثله ثلاثا" أي النداء والإجابة وقد تقدم نحوه في العلم، وهو لتأكيد الاهتمام بما يخبره به ويبالغ في تفهمه وضبطه. قوله: "هل تدري ما حق الله على عباده" الحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة، ويقال للكلام الصدق حق لأن وقوعه متحقق لا تردد فيه، وكذا الحق المستحق على الغير إذا كان لا تردد فيه، والمراد هنا ما يستحقه الله على عباده مما جعله محتما عليهم قاله ابن التيمي في التحرير. وقال القرطبي: حق الله على العباد هو ما وعدهم به من الثواب وألزمهم إياه بخطابه. قوله: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي وعطف عليها عدم الشرك لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى فاشترط نفي ذلك، وتقدم أن الجملة حالية والتقدير يعبدونه في حال عدم الإشراك به. قال ابن حبان: عبادة الله إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ولهذا قال في الجواب "فما حق العباد إذا فعلوا ذلك" فعبر بالفعل ولم يعبر بالقول. قوله: "هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه"؟ الضمير لما تقدم من قوله: "يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" في رواية مسلم: "إذا فعلوا ذلك". قوله: "حق العباد على الله أن لا يعذبهم" في رواية ابن حبان من طريق عمرو بن ميمون "أن يغفر لهم ولا يعذبهم" وفي رواية أبي عثمان "يدخلهم الجنة" وفي رواية أبي العوام مثله وزاد: "ويغفر لهم" وفي رواية عبد الرحمن بن غنم "أن يدخلهم الجنة" قال القرطبي: حق العباد على الله ما وعدهم به من الثواب والجزاء، فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق، وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر ولا الخلف في الوعد، فالله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بحكم الأمر إذ لا آمر فوقه ولا حكم للعقل لأنه كاشف لا موجب انتهى. وتمسك بعض المعتزلة بظاهره. ولا متمسك لهم فيه مع قيام الاحتمال. وقد تقدم في العلم عدة أجوبة غير هذه، ومنها أن المراد بالحق هنا المتحقق الثابت أو الجدير، لأن إحسان الرب لمن لم يتخذ ربا سواه جدير في الحكمة أن لا يعذبه، أو المراد أنه كالواجب في تحققه وتأكده،

(11/339)


أو ذكر على سبيل المقابلة. قال: وفي الحديث جواز ركوب اثنين على حمار، وفيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، وفضل معاذ وحسن أدبه في القول وفي العلم برده لما لم يحط بحقيقته إلى علم الله ورسوله، وقرب منزلته من النبي صلى الله عليه وسلم وفيه تكرار الكلام لتأكيده وتفهيمه، واستفسار الشيخ تلميذه عن الحكم ليختبر ما عنده ويبين له ما يشكل عليه منه. وقال ابن رجب في شرحه لأوائل البخاري: قال العلماء يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس لئلا يتكلوا أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ فلم يزدد إلا اجتهادا في العمل وخشية لله عز وجل، فأما من لم يبلغ منزلته فلا يؤمن أن يقصر اتكالا على ظاهر هذا الخبر، وقد عارضه ما تواتر من نصوص الكتاب والسنة أن بعض عصاة الموحدين يدخلون النار، فعلى هذا فيحب الجمع بين الأمرين، وقد سلكوا في ذلك مسالك: أحدها قول الزهري إن هذه الرخصة كانت قبل نزول الفرائض والحدود، وسيأتي ذلك عنه في حديث عثمان في الوضوء، واستبعده غيره من أن النسخ لا يدخل الخبر، وبأن سماع معاذ لهذه كان متأخرا عن أكثر نزول الفرائض. وقيل لا نسخ بل هو على عمومه، ولكنه مقيد بشرائط كما ترتب الأحكام على أسبابها المقتضية المتوقفة على انتفاء الموانع، فإذا تكامل ذلك عمل المقتضي عمله، وإلى ذلك أشار وهب بن منبه بقوله المتقدم في كتاب الجنائز في شرح "أن لا إله إلا الله مفتاح الجنة": ليس من مفتاح إلا وله أسنان، وقيل المراد ترك دخول نار الشرك، وقيل ترك تعذيب جميع بدن الموحدين لأن النار لا تحرق مواضع السجود، وقيل ليس ذلك لكل من وحد وعبد بل يختص بمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناها، ولا يتصور حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية لامتلاء القلب بمحبة الله تعالى وخشيته فتنبعث الجوارح إلى الطاعة وتنكف عن المعصية. انتهى ملخصا. وفي آخر حديث أنس عن معاذ في نحو هذا الحديث: "فقلت ألا أخبر الناس؟ قال: لا لئلا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما. وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب العلم. "تنبيه" هذا من الأحاديث التي أخرجها البخاري في ثلاثة مواضع عن شيخ واحد بسند واحد، وهي قليلة في كتابه جدا، ولكنه أضاف إليه في الاستئذان موسى بن إسماعيل، وقد تتبع بعض من لقيناه ما أخرجه في موضعين بسند فبلغ عدتها زيادة على العشرين، وفي بعضها يتصرف في المتن بالاختصار منه.

(11/340)


ماله أو ولده بأنه سلم من انتقام الله، فقد تكون مصيبته في غير ذلك مما هو أشد عليه كالمصيبة في الدين مثلا. قال: ويدخل في قوله: "افترضت عليه" الفرائض الظاهرة فعلا كالصلاة والزكاة وغيرهما من العبادات، وتركا كالزنا والقتل وغيرهما من المحرمات، والباطنة كالعلم بالله والحب له والتوكل عليه والخوف منه وغير ذلك. وهي تنقسم أيضا إلى أفعال وتروك. قال: وفيه دلالة على جواز اطلاع الولي على المغيبات بإطلاع الله تعالى له، ولا يمنع من ذلك ظاهر قوله تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} فإنه لا يمنع دخول بعض أتباعه معه بالتبعية لصدق قولنا ما دخل على الملك اليوم إلا الوزير، ومن المعلوم أنه دخل معه بعض خدمه. قلت الوصف المستثنى للرسول هنا إن كان فيما يتعلق بخصوص كونه رسولا فلا مشاركة لأحد من أتباعه فيه إلا منه، وإلا فيحتمل ما قال، والعلم عند الله تعالى. "تنبيه": أشكل وجه دخول هذا الحديث في باب التواضع حتى قال الداودي: ليس هذا الحديث من التواضع في شيء. وقال بعضهم: المناسب إدخاله في الباب الذي قبله وهو مجاهدة المرء نفسه في طاعة الله تعالى، وبذلك ترجم البيهقي في "الزهد" فقال: فصل في الاجتهاد في الطاعة وملازمة العبودية. والجواب عن البخاري من أوجه: أحدها أن التقرب إلى الله بالنوافل لا يكون إلا بغاية التواضع لله والتوكيل عليه، ذكره الكرماني، ثانيها ذكره أيضا فقال: قيل الترجمة مستفادة مما قال: "كنت سمعه "ومن التردد. قلت: ويخرج منه جواب ثالث، ويظهر لي رابع، وهو أنها تستفاد من لازم قوله: "من عادى لي وليا" لأنه يقتضي الزجر عن معاداة الأولياء المستلزم لموالاتهم، وموالاة جميع الأولياء لا تتأتى إلا بغاية التواضع، إذ منهم الأشعث الأغبر الذي لا يؤبه له وقد ورد في الحث على التواضع عدة أحاديث صحيحة لكن ليس شيء منها على شرطه فاستغنى عنها بحديثي الباب، منها حديث عياض بن حمار رفعه : "إن الله تعالى أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد" أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما، ومنها حديث أبي هريرة رفعه: "وما تواضع أحد لله تعالى إلا رفعه" أخرجه مسلم أيضا والترمذي، ومنها حديث أبي سعيد رفعه: "من تواضع لله رفعه الله حتى يجعله في أعلى عليين" الحديث أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان

(11/147)


39 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْن"
{وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
6503- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ "عَنْ سَهْلٍ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ هَكَذَا وَيُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّ هِمَا"
6504- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي التَّيَّاحِ "عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ"
6505- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ يَعْنِي إِصْبَعَيْنِ تَابَعَهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ"

(11/347)


قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين" قال أبو البقاء العكبري في إعراب المسند: الساعة بالنصب والواو فيه بمعنى "مع" قال: ولو قرئ بالرفع لفسد المعنى لأنه لا يقال بعثت الساعة، ولا هو في موضع المرفوع لأنها لم توجد بعد، وأجاز غيره الوجهين، بل جزم عياض بأن الرفع أحسن وهو عطف على ضمير المجهول في بعثت، قال: ويجوز النصب، وذكر نحو توجيه أبي البقاء وزاد: أو على ضمير يدل عليه الحال نحو فانتظروا، كما قدر في نحو جاء البرد والطيالسة فاستعدوا. قلت: والجواب عن الذي اعتل به أبو البقاء أولا أن يضمن بعثت معنى يجمع إرسال الرسول ومجيء الساعة نحو جئت، وعن الثاني بأنها نزلت منزلة الموجود مبالغة في تحقق مجيئها، ويرجح النصب ما وقع في تفسير سورة والنازعات من هذا الصحيح من طريق فضيل بن سليمان عن أبي حازم بلفظ: "بعثت والساعة" فإنه ظاهر في أن الواو للمعية. قوله: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} الآية" كذا لأبي ذر. وفي رواية الأكثر {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} كذا للجميع معطوفا على الحديث بغير فصل، وهو يوهم أن تكون بقيته، وليس كذلك بل التقدير "وقول الله عز وجل" وقد ثبت ذلك في بعض النسخ. ولما أراد البخاري إدخال أشراط الساعة وصفة القيامة في كتاب الرقاق استطرد من حديث الباب الذي قبله المشتمل على ذكر الموت الدال على فناء كل شيء إلى ذكر ما يدل على قرب القيامة، وهو من لطيف ترتيبه. ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث عن سهل وأنس وأبي هريرة بلفظ واحد، وفي حديث سهل وأبي هريرة زيادة الإشارة. قوله: "عن سهل" في رواية سفيان عن أبي حازم سمعت من سهل بن سعد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في كتاب اللعان. قوله: "بعثت أنا والساعة" المراد بالساعة هنا يوم القيامة، والأصل فيها قطعة من الزمان، وفي عرف أهل الميقات جزء من أربعة وعشرين جزءا من اليوم والليلة، وثبت مثله في حديث جابر رفعه: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة" وقد بينت حاله في كتاب الجمعة، وأطلقت في الحديث على انخرام قرن الصحابة ففي صحيح مسلم عن عائشة "كان الأعراب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم" وعنده من حديث أنس نحوه، وأطلقت أيضا على موت الإنسان الواحد. قوله: "كهاتين" كذا وقع عند الكشميهني في حديث سهل، ولغيره: "كهاتين هكذا" وكذا وقع في رواية سفيان لكن بلفظ: "كهذه من هذه، أو كهاتين" وفي رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عند مسلم: "بعثت أنا والساعة هكذا" وفي رواية فضيل بن سليمان "قال بأصبعيه هكذا". قوله: "ويشير بإصبعيه فيمدهما" في رواية سفيان "وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى" وفي رواية فضيل بن سليمان ويعقوب "بالوسطي والتي تلي الإبهام" وللإسماعيلي من رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه "وجمع بين إصبعيه وفرق بينهما شيئا" وفي رواية أبي ضمرة عن أبي حازم عند ابن جرير "وضم بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام وقال: وما مثلي الساعة إلا كفرسي رهان" ونحوه في حديث بريدة بلفظ: "بعثت أنا والساعة، إن كادت لتسبقني" أخرجه أحمد والطبري وسنده حسن، وفي حديث المستورد بن شداد "بعثت في نفس الساعة سبقها كما سبقت هذه لهذه، لإصبعيه السبابة والوسطى" أخرجه الترمذي والطبري. وقوله: "في نفس" بفتح الفاء وهو كناية عن القرب أي بعثت عند تنفسها، ومثله في حديث أبي جبيرة - بفتح الجيم كسر الموحدة: الأنصاري عن أشياخ من الأنصار أخرجه الطبري، وأخرجه أيضا عن أبي جبيرة مرفوعا بغير واسطة بلفظ أخر سأنبه

(11/348)


عليه. قوله في حديث أنس "وأبي التياح" بفتح المثناة وتشديد التحتانية وآخره مهملة اسمه يزيد بن حميد، ووقع عند مسلم في رواية خالد بن الحارث عن شعبة "سمعت قتادة وأبا التياح يحدثان أنهما سمعا أنسا" فذكره وزاد في آخره: "هكذا وقرن شعبة المسبحة والوسطى" وأخرجه من طريق ابن عدي عن شعبة عن حمزة الضبي وأبي التياح مثله، وليس هذا اختلافا على شعبة بل كان سمعه من ثلاثة فكان يحدث به تارة عن الجميع وتارة عن البعض، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن شعبة فجمع الثلاثة، ووقع لمسلم من طريق غندر عن شعبة عن قتادة "حدثنا أنس" كراوية البخاري وزاد: "قال شعبة وسمعت قتادة يقول في قصصه كفضل إحداهما على الأخرى" فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة أي من قبل نفسه، وأخرجه الطبري من هذا الوجه بلفظ: "فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله هو" وزاد في رواية عاصم بن على "هكذا وأشار بأصبعيه الوسطى والسبابة قال" وكان يقول يغني قتادة كفضل إحداهما على الأخرى". قلت: ولم أرها في شيء من الطرق عن أنس، وقد أخرجه مسلم من طريق معبد وهو ابن هلال والطبري من طريق إسماعيل بن عبيد الله كلاهما عن أنس وليس ذلك فيه، نعم وجدت هذه الزيادة مرفوعة في حديث أبي جبيرة بن الضحاك عند الطبري. قوله في حديث أبي هريرة "حدثني يحيى بن يوسف" في رواية أبي ذر "حدثنا". قوله: "حدثنا أبو بكر" في رواية غير أبي ذر "أخبرنا أبو بكر وهو ابن عياش". قوله: "عن أبي حصين" في رواية ابن ماجه: "حدثنا أبو حصين" بفتح المهملة أوله، وأبو صالح هو ذكوان، والإسناد كله كوفيون. قوله: "كهاتين يعني أصبعين" كذا في الأصل، ووقع عند ابن ماجه عن هناد بن السري عن أبي بكر بن عياش "وجمع بين أصبعيه" وأخرجه الطبري عن هناد بلفظ: "وأشار بالسبابة والوسطى" بدل قوله: "يعني أصبعين" وقد أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن هناد "بلفظ كهذه من هذه يعني أصبعيه"، وله من رواية أبي طالب عن الدوري "وأشار أبو بكر بأصبعيه السبابة والتي تليها" وهذا يدل على أن في رواية الطبري إدراجا، وهذه الزيادة ثابتة في المرفوع لكن من حديث أبي هريرة كما تقدم، وقد أخرجه الطبري من حديث جابر ابن سمرة "كأني أنظر إلى أصبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار بالمسبحة والتي تليها وهو يقول: بعثت أنا والساعة كهذه من هذه "وجمع رواية له عنه" وجمع بين أصبعيه السبابة والوسطى، والمراد بالسبابة وهي بفتح المهملة وتشديد الموحدة الأصبع التي بين الإبهام والوسطى وهي المراد بالمسبحة سميت مسبحة لأنها يشار بها عند التسبيح وتحرك في التشهد عند التهليل إشارة إلى التوحيد، وسميت سبابة لأنهم كانوا إذا تسابوا أشاروا بها. قوله: "تابعه إسرائيل" يعني ابن يونس بن أبي إسحاق "عن أبي حصين" يعني بالسند والمتن، وقد وصله الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بسنده قال مثل رواية هناد عن أبي بكر بن عياش، قال الإسماعيلي: وقد تابعهما قيس بن الربيع عن أبي حصين، قال عياض وغيره: أشار بهذا الحديث على اختلاف ألفاظه إلى قلة المدة بينه وبين الساعة، والتفاوت إما في المجاورة وإما في قدر ما بينهما، ويعضده قوله: "كفضل أحدهما على الأخرى" وقال بعضهم: هذا الذي يتجه أن يقال، ولو كان المراد الأول لقامت الساعة لاتصال إحدى الأصبعين بالأخرى قال ابن التين: اختلف في معنى قوله: "كهاتين" فقيل كما بين السبابة والوسطى في الطول، وقيل المعنى ليس بينه وبينها نبي. وقال القرطبي في "المفهم" حاصل الحديث تقريب أمر الساعة وسرعة مجيئها، قال وعلى رواية النصب يكون التشبيه وقع بالانضمام، وعلى الرفع وقع بالتفاوت. وقال البيضاوي: معناه أن نسبة تقدم البعثة

(11/349)


النبوية على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الأصبعين على الأخرى، وقيل المراد استمرار دعوته لا تفترق إحداهما عن الأخرى، كما أن الأصبعين لا تفترق إحداهما عن الأخرى. ورجح الطيبي قول البيضاوي بزيادة المستورد فيه. وقال القرطبي في "التذكرة": معنى هذا الحديث تقريب أمر الساعة. ولا منافاة بينه وبين قوله في الحديث الآخر "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" فإن المراد بحديث الباب أنه ليس بينه وبين الساعة نبي كما ليس بين السبابة والوسطى أصبع أخرى، ولا يلزم من ذلك علم وقتها بعينه لكن سياقه يفيد قربها وأن أشراطها متتابعة كما قال تعالى {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} قال الضحاك: أول أشراطها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. والحكمة في تقدم الأشراط إيقاظ الغافلين وحثهم على التوبة والاستعداد. وقال الكرماني: قيل معناه الإشارة إلى قرب المجاورة، وقيل إلى تفاوت ما بينهما طولا، وعلى هذا فالنظر في القول الأول إلى العرض، وقيل المراد ليس بينهما واسطة، ولا معارضة بين هذا وبين قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} ونحو ذلك لأن علم قربها لا يستلزم علم وقت مجيئها معينا، وقيل معنى الحديث أنه ليس بيني وبين القيامة شيء، هي التي تليني كما تلي السبابة الوسطى، وعلى هذا فلا تنافي بين ما دل عليه الحديث وبين قوله تعالى عن الساعة {لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} وقال عياض: حاول بعضهم في تأويله أن نسبة ما بين الأصبعين كنسبة ما بقي من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى وأن جملتها سبعة آلاف سنة، واستند إلى أخبار لا تصح. وذكر ما أخرجه أبو داود في تأخير هذه الأمة نصف يوم وفسره بخمسمائة سنة، فيؤخذ من ذلك أن الذي يقي نصف سبع وهو قريب مما بين السبابة والوسطى في الطول، قال: وقد ظهر عدم صحة ذلك لوقوع خلافه ومجاوزة هذا المقدار ولو كان ذلك ثابتا لم يقع خلافه. قلت: وقد انضاف إلى ذلك منذ عهد عياض إلى هذا الحين ثلاثمائة سنة. وقال ابن العربي: قيل الوسطى تزيد على السبابة نصف سبعها، وكذلك الباقي الدنيا من البعثة إلى قيام الساعة. قال: وهذا بعيد ولا يعلم مقدار الدنيا فكيف يتحصل لنا نصف سبع أمد مجهول، فالصواب الإعراض عن ذلك قلت: السابق إلى ذلك أبو جعفر بن جرير الطبري فإنه أورد في مقدمة تاريخه عن ابن عباس قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، وقد مضى ستة آلاف ومائة سنة، وأورده من طريق يحيى بن يعقوب عن حماد بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عنه. ويحيى هو أبو طالب القاص الأنصاري، قال البخاري: منكر الحديث، وشيخه هو فقيه الكوفة وفيه مقال. ثم أورد الطبري عن كعب الأحبار قال: الدنيا ستة آلاف سنة. وعن وهب بن منبه مثله وزاد أن الذي مضى منها خمسة آلاف وستمائة سنة، ثم زيفهما ورجح ما جاء عن ابن عباس. ثم أورد حديث ابن عمر الذي في الصحيحين مرفوعا: "ما أجلكم في أجل من كان قبلكم إلا من صلاة العصر إلى مغرب الشمس" ومن طريق مغيرة بن حكيم عن ابن عمر بلفظ: "ما بقي لأمتي من الدنيا إلا كمقدار إذا صليت العصر "ومن طريق مجاهد عن ابن عمر "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم والشمس على قعيقعان مرتفعة بعد العصر فقال: ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من هذا النهار فيما مضى منه" وهو عند أحمد أيضا بسند حسن. ثم أورد حديث أنس "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وقد كادت الشمس تغيب" فذكر نحو الحديث الأول عن ابن عمر، ومن حديث أبي سعيد بمعناه قال عند غروب الشمس "إن مثل ما بقي من الدنيا فيما مضى منها كبقية يومكم هذا فيما مضى منه" وحديث أبي سعيد أخرجه أيضا وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وحديث أنس أخرجه أيضا وفيه موسى بن خلف، ثم جمع بينهما بما حاصله أنه حمل قوله: "بعد صلاة العصر" على ما إذا صليت في

(11/350)


وسط من وقتها. قلت: وهو بعيد من لفظ أنس وأبي سعيد، وحديث ابن عمر صحيح متفق عليه فالصواب الاعتماد عليه، وله محملان أحدهما أن المراد بالتشبيه التقريب ولا يراد حقيقة المقدار فيه يجتمع مع حديث أنس وأبي سعيد على تقدير ثبوتهما، والثاني أن يحمل على ظاهره فيقدم حديث ابن عمر لصحته ويكون فيه دلالة على أن مدة هذه الأمة قدر خمس النهار تقريبا. ثم أيد الطبري كلامه بحديث الباب وبحديث أبي ثعلبه الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم ولفظه: "والله لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم" ورواته ثقات ولكن رجح البخاري وقفه، وعند أبي داود أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: "إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم، قيل لسعد: كم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة" ورواته موثقون إلا أن فيها انقطاعا. قال الطبري: ونصف اليوم خمسمائة سنة أخذا من قوله تعالى {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ} فإذا انضم إلى قول ابن عباس إن الدنيا سبعة آلاف سنة توافقت الأخبار، فيكون الماضي إلى وقت الحديث المذكور ستة آلاف سنة وخمسمائة سنة تقريبا. وقد أورد السهيلي كلام الطبري وأيده بما وقع عنده في حديث المستورد، وأكده بحديث زمل رفعه: "الدنيا سبعة آلاف سنة بعثت في آخرها". قلت وهذا الحديث إنما هو عن ابن زمل وسنده ضعيف جدا أخرجه ابن السكن في "الصحابة" وقال إسناده مجهول، وليس بمعروف في الصحابة، وابن قتيبة في "غريب الحديث" وذكره في الصحابة أيضا ابن منده وغيره وسماه بعضهم عبد الله وبعضهم الضحاك، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات. وقال ابن الأثير: ألفاظه مصنوعة. ثم بين السهيلي أنه ليس في حديث نصف يوم ما ينفي الزيادة على الخمسمائة، قال: وقد جاء بيان ذلك فيما رواه جعفر بن عبد الواحد بلفظ: "إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم" قال وليس في قوله: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ما يقطع به على صحة التأويل الماضي، بل قد قيل في تأويله إنه ليس بينه وبين الساعة نبي مع التقريب لمجيئها. ثم جوز أن يكون في عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر ما يوافق حديث ابن زمل، وذكر أن عدتها تسعمائة وثلاثة. قلت: وهو مبني على طريقة المغاربة في عد الحروف، وأما المشارقة فينقص العدد عندهم مائتين وعشرة فإن السين عند المغاربة بثلاثمائة والصاد بستين وأما المشارقة فالسين عندهم ستون والصاد تسعون فيكون المقدار عندهم ستمائة وثلاثة وتسعين، وقد مضت وزيادة عليها مائة وخمس وأربعون سنة، فالحمل على ذلك من هذه الحيثية باطل، وقد ثبت عن ابن عباس الزجر عن عد أبي جاد والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد فإنه لا أصل له في الشريعة. وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي وهو من مشايخ السهيلي في فوائد رحلته ما نصه: ومن الباطل الحروف المقطعة في أوائل السور، وقد تحصل لي فيها عشرون قولا وأزيد ولا أعرف أحدا يحكم عليها بعلم ولا يصل فيها إلى فهم إلا أني أقول. فذكر ما ملخصه أنه لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولا متداولا بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، بل تلا عليهم "ص" وحم وفصلت وغيرهما فلم ينكروا ذلك بل صرحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم على زلة، فدل على أنه كان أمرا معروفا بينهم لا إنكار فيه. قلت: وأما عد الحروف بخصوصه فإنما جاء عن بعض اليهود كما حكاه ابن إسحاق في السيرة النبوية عن أبي ياسر ابن أخطب وغيره أنهم حملوا الحروف التي في أوائل السور على هذا الحساب واستقصروا المدة أول ما نزل الم والر، فلما نزل بعد ذلك المص وطسم وغير ذلك قالوا ألبست علينا الأمر. وعلى تقدير أن يكون

(11/351)


ذلك مرادا فليحمل على جميع الحروف الواردة ولا يحذف المكرر، فإنه ما من حرف منها إلا وله سر يخصه، أو يقتصر على حذف المكرر من أسماء السور ولو تكررت الحروف فيها، فإن السور التي ابتدئت بذلك تسع وعشرون سورة وعدد حروف الجميع ثمانية وسبعون حرفا وهي الم ستة حم ستة الر خمسة طسم ثنتان المص المر كهيعص حمعسق طه طس يس ص ق ن، فإذا حذف ما كرر من السور وهي خمس من ألم وخمس من حم وأربع من الر وواحدة من طسم بقي أربع عشرة سورة عدد حروفها ثمانية وثلاثون حرفا فإذا حسب عددها بالجمل المغربي بلغت ألفين وستمائة وأربعة وعشرين وأما بالجمل المشرقي فتبلغ ألفا وسبعمائة وأربعة وخمسين ولم أذكر ذلك ليعتمد عليه إلا لأبين أن الذي جنح إليه السهيلي لا ينبغي الاعتماد عليه لشدة التخالف فيه، وفي الجملة فأقوى ما يعتمد في ذلك عليه حديث ابن عمر الذي أشرت إليه قبل، وقد أخرج معمر في الجامع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال معمر: وبلغني عن عكرمة في قوله تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: الدنيا من أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة لا يدري كم مضى ولا كم بقي إلا الله تعالى، وقد حمل بعض شراح "المصابيح" حديث: "لن تعجز هذه الأمة أن يؤخرها نصف يوم" على حال يوم القيامة وزيفه الطيبي فأصاب، وأما زيادة جعفر فهي موضوعة لأنها لا تعرف إلا من جهته وهو مشهور بوضع الحديث وقد كذبه الأئمة مع أنه لم يسق سنده بذلك، فالعجب من السهيلي كيف سكت عنه مع معرفته بحاله. والله المستعان.

(11/352)


من مغربها وخروج الدابة والنار التي تحشر الناس وحديث الباب يؤذن بذلك لأنه جعل في طلوعها من المغرب غاية لعدم قيام الساعة فيقتضي أنها إذا طلعت كذلك انتفى عدم القيام فثبت القيام.قوله: "فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون" وقع في رواية أبي زرعة عن أبي هريرة في التفسير "فإذا رآها الناس آمن من عليها" أي على الأرض من الناس. قوله: "فذاك" في رواية الكشميهني: "فذلك" وكذا هو في رواية أبي زرعة ووقع في رواية همام عن أبي هريرة في التفسير أيضا: "وذلك" بالواو. قوله: "حين لا ينفع نفسا إيمانها الآية" كذا هنا وفي رواية أبي زرعة "إيمانها لم تكن آمنت من قبل" وفي رواية همام "إيمانها ثم قرأ الآية" قال الطبري: معنى الآية لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع إيمان بعد الطلوع ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة وذلك لا يفيد شيئا كما قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} وكما ثبت في الحديث الصحيح "تقبل توبة العبد ما لم يبلغ الغرغرة" وقال ابن عطية: في هذا الحديث دليل على أن المراد بالبعض في قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} طلوع الشمس من المغرب وإلى ذلك ذهب الجمهور وأسند الطبري عن ابن مسعود أن المراد بالبعض إحدى ثلاث هذه أو خروج الدابة أو الدجال قال: وفيه نظر لأن نزول عيسى بن مريم يعقب خروج الدجال وعيسى لا يقبل إلا الإيمان فانتفى أن يكون بخروج الدجال لا يقبل الإيمان ولا التوبة. قلت: ثبت في صحيح مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رفعه: "ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض" قيل فلعل حصول ذلك يكون متتابعا بحيث تبقى النسبة إلى الأول منها مجازية وهذا بعيد لأن مدة لبث الدجال إلى أن يقتله عيسى ثم لبس عيسى وخروج يأجوج ومأجوج كل ذلك سابق على طلوع الشمس من المغرب فالذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي وينتهي ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب. وقد أخرج مسلم أيضا من طريق أبي زرعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: "أول الآيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى فأيهما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريب" وفي الحديث قصة لمروان بن الحكم وأنه كان يقول: أول الآيات خروج الدجال فأنكر عليه عبد الله بن عمرو. قلت: ولكلام مروان محمل يعرف مما ذكرته. قال الحاكم أبو عبد الله: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه. قلت: والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلا للمقصود من إغلاق باب التوبة وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس كما تقدم في حديث أنس في بدء الخلق في مسائل عبد الله بن سلام ففيه: "وأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" وسيأتي فيه زيادة في "باب كيف الحشر" قال ابن عطية وغيره ما حاصله: معنى الآية أن الكافر لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من المغرب وكذلك العاصي لا تنفعه توبته ومن لم يعمل صالحا من قبل ولو كان مؤمنا لا ينفعه العمل بعد طلوعها من المغرب. وقال القاضي عياض: المعنى لا تنفع توبة بعد ذلك بل يختم على عمل كل أحد بالحالة التي هو عليها

(11/353)


والحكمة في ذلك أن هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوي فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة وارتفع الإيمان بالغيب فهو كالإيمان عند الغرغرة وهو لا ينفع فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله. وقال القرطبي في "التذكرة" بعد أن ذكر هذا: فعلى هذا فتوبة من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة فلو امتدت أيام الدنيا بعد ذلك إلى أن ينسى هذا الأمر أو ينقطع تواتره ويصير الخبر عنه آحادا فمن أسلم حينئذ أو تاب قبل منه. وأيد ذلك بأنه روى أن الشمس والقمر يكسيان الضوء بعد ذلك ويطلعان ويغربان من المشرق كما كانا قبل ذلك. قال وذكر أبو الليث السمرقندي في تفسيره عن عمران بن حصين قال: إنما لا يقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع لأنه يكون حينئذ صيحة فيهلك بها كثير من الناس فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت لم تقبل توبته ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته. قال وذكر الميانشي عن عبد الله بن عمرو رفعه قال: تبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة. قلت: رفع هذا لا يثبت. وقد أخرجه عبد ابن حميد في تفسيره بسند جيد عن عبد الله بن عمرو موقوفا وقد ورد عنه ما يعارضه فأخرج أحمد ونعيم بن حماد من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو رفعه: الآيات خرزات منظومات في سلك إذا انقطع السلك تبع بعضها بعضا. وأخرج الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو رفعه: إذا طلع الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي إلهي مرني أن أسجد لمن شئت الحديث. وأخرج نعيم نحوه عن أبي هريرة والحسن وقتادة بأسانيد مختلفة. وعند ابن عساكر من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رفعه: بين يدي الساعة عشر آيات كالنظم في الخيط إذا سقط منها واحده توالت. وعن أبي العالية بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر يتتابعن كتتابع الخرزات في النظام. ويمكن الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو بأن المدة ولو كانت كما قال عشرين ومائة سنة لكنها تمر مرورا سريعا كمقدار مرور عشرين ومائة شهر من قبل ذلك أو دون ذلك كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رفعه: "لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر" الحديث وفيه: "واليوم كاحتراق السعفة" وأما حديث عمران فلا أصل له وقد سبقه إلى هذا الاحتمال البيهقي في "البعث والنشور" فقال في "باب خروج يأجوج ومأجوج" فصل ذكر الحليمي أن أول الآيات الدجال ثم نزول عيسى لأن طلوع الشمس من المغرب لو كان قبل نزول عيسى لم ينفع الكفار إيمانهم في زمانه ولكنه ينفعهم إذ لو لم ينفعهم لما صار الدين واحدا بإسلام من أسلم منهم. قال البيهقي: وهو كلام صحيح لو لم يعارض الحديث الصحيح المذكور أن "أول الآيات طلوع الشمس من المغرب" وفي حديث عبد الله بن عمرو طلوع الشمس أو خروج الدابة وفي حديث أبي حازم عن أبي هريرة الجزم بهما وبالدجال في عدم نفع الإيمان. قال البيهقي: إن كان في علم الله أن طلوع الشمس سابق احتمل أن يكون المراد نفي النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك فإذا انقرضوا وتطاول الزمان وعاد بعضهم إلى الكفر عاد تكليفه الإيمان بالغيب وكذا في قصة الدجال لا ينفع إيمان من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال وينفعه بعد انقراضه. وإن كان في علم الله طلوع الشمس بعد نزول عيسى احتمل أن يكون المراد بالآيات في حديث عبد الله بن عمرو آيات أخرى غير الدجال ونزول عيسى إذ ليس في الخبر نص على أنه يتقدم عيسى. قلت: وهذا الثاني هو المعتمد والأخبار الصحيحة تخالفه ففي صحيح مسلم من رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" فمفهومه أن من تاب بعد ذلك لم تقبل. ولأبي داود والنسائي من حديث معاوية رفعه: "لا تزال تقبل التوبة حتى

(11/354)


يطلع الشمس من مغربها" وسنده جيد. وللطبراني عن عبد الله بن سلام نحوه. وأخرج أحمد والطبري والطبراني من طريق مالك بن يخامر بضم التحتانية بعدها خاء معجمة وبكسر الميم وعن معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو رفعوه "لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع الله على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل" وأخرج أحمد والدارمي وعبد بن حميد في تفسيره كلهم من طريق أبي هند عن معاوية رفعه: "لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" وأخرج الطبري بسند جيد من طريق أبي الشعثاء عن ابن مسعود موقوفا "التوبة مفروضة ما لم تطلع الشمس من مغربها" وفي حديث صفوان بن عسال "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه" أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وأخرجه أيضا النسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وفي حديث ابن عباس نحوه عند ابن مردويه وفيه: "فإذا طلعت الشمس من مغربها رد المصراعان فليتئم ما بينهما فإذا أغلق ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة ولا تنفع حسنة إلا من كان يعمل الخير قبل ذلك فإنه يجري لهم ما كان قبل ذلك" وفيه: "فقال أبي بن كعب: فكيف بالشمس والناس بعد ذلك؟ قال: تكسي الشمس الضوء وتطلع كما كانت تطلع وتقبل الناس على الدنيا فلو نتج رجل مهرا لم يركبه حتى تقوم الساعة" وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند نعيم ابن حماد في كتاب الفتن وعبد الرزاق في تفسيره عن وهب بن جابر الخيواني بالخاء المعجمة قال: "كنا عند عبد الله بن عمرو فذكر قصة قال ثم أنشأ يحدثنا قال: إن الشمس إذا غربت سلمت وسجدت واستأذنت في الطلوع فيؤذن لها حتى إذا كان ذات ليلة فلا يؤذن لها وتحبس ما شاء الله تعالى ثم يقال لها: اطلعي من حيث غربت قال فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق كذلك ومن طريق أخرى وزاد فيها قصة المتهجدين وأنهم هم الذين يستنكرون بطء طلوع الشمس. وأخرج أيضا من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: "تأتي ليلة قدر ثلاث ليال لا يعرفها إلا المتهجدون يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فيقرأ ثم ينام ثم يقوم فعندها يموج الناس بعضهم في بعض حتى إذا صلوا الفجر وجلسوا فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها فيضج الناس ضجة واحدة حتى إذا توسطت السماء رجعت" وعند البيهقي في "البعث والنشور" من حديث ابن مسعود نحوه "فينادي الرجل جاره يا فلان ما شأن الليلة لقد نمت حتى شبعت وصليت حتى أعييت" وعند نعيم بن حماد من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو قال: "لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج إلا قليلا حتى تطلع الشمس من مغربها فيناديهم مناد: يا أيها الذين آمنوا قد قبل منكم ويا أيها الذين كفروا قد أغلق عنكم باب التوبة وجفت الأقلام وطويت الصحف" ومن طريق يزيد بن شريح وكثير بن مرة "إذا طلعت الشمس من المغرب يطبع على القلوب بما فيها وترتفع الحفظة وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا" وأخرج عبد بن حميد والطبري بسند صحيح من طريق عامر الشعبي عن عائشة "إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام وطويت الصحف وخلصت الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال" وهو وإن كان موقوفا فحكمه الرفع. ومن طريق العوفي عن ابن عباس نحوه ومن طريق ابن مسعود قال: "الآية التي يختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها" فهذه آثار يشد بعضها بعضا متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة ولم يفتح بعد ذلك وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع بل يمتد إلى يوم القيامة ويؤخذ منها أن طلوع الشمس من مغربها أول الإنذار بقيام الساعة وفي ذلك رد

(11/355)


على أصحاب الهيئة ومن وافقهم أن الشمس وغيرها من الفلكيات بسيطة لا يختلف مقتضياتها ولا يتطرق إليها تغيير ما هي عليه قال الكرماني: وقواعدهم منقوضة ومقدماتهم ممنوعة وعلى تقدير تسليمها فلا امتناع من انطباق منطقة البروج التي هي معدل النهار بحيث يصير المشرق مغربا وبالعكس. واستدل صاحب "الكشاف" بهذه الآية للمعتزلة فقال: قوله: "لم تكن آمنت من قبل" صفة لقوله: "نفسا" وقوله: "أو كسبت في إيمانها خيرا" عطف على "آمنت" المعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة للإيمان ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع الإيمان حينئذ من غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات أو مقدمة إيمانها من غير تقديم عمل صالح فلم يفرق كما ترى بين النفس. الكافرة وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكتسب خيرا ليعلم أن قوله: "الذين آمنوا عملوا الصالحات" جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى حتى يفوز صاحبها ويسعد وإلا فالشقوة والهلاك. قال الشهاب السمين: قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية أنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفسا كافرة إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك ولا ينفع نفسا سبق إيمانها ولم تكسب فيه خيرا فقد علق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين: إما نفي سبق الإيمان فقط وإما سبقه مع نفي كسب الخير ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده وكذا السابق ومعه الخير ومفهوم الصفة قوي فيستدل بالآية لمذهب أهل السنة ويكون فيه قلب دليل المعتزلة دليلا عليهم. وأجاب ابن المنير في "الانتصاف" فقال: هذا الكلام من البلاغة يلقب اللف وأصله يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل ما تكتسبه من الخير بعد فلف الكلامين فجعلهما كلاما واحدا إيجازا وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل الحق فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدل له. وقال ابن الحاجب في أماليه: الإيمان قبل مجيء الآية نافع ولو لم يكن عمل صالح غيره ومعنى الآية لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح لم يكن الإيمان قبل الآية أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها فاختصر للعلم ونقل الطيبي كلام الأئمة في ذلك ثم قال: المعتمد ما قال ابن المنير وابن الحاجب وبسطه أن الله تعالى لما خاطب المعاندين يقوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} الآية علل الإنزال بقوله: "أن تقولوا إنما أنزل الكتاب" إلخ إزالة للعذر وإلزاما للحجة وعقبه بقوله: "فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة" تبكيتا لهم وتقريرا لما سبق من طلب الاتباع ثم قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ} الآية. أي أنه أنزل هذا الكتاب المنير كاشفا لكل ريب وهاديا إلى الطريق المستقيم ورحمة من الله للخلق ليجعلوه زادا لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان والعمل الصالح فجعلوا شكر النعمة أن كذبوا بها ومنعوا من الانتفاع بها ثم قال: "هل ينظرون" الآية أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا بنزول الملائكة بالعقاب الذي يستأصل شأفتهم كما جرى لمن مضى من الأمم قبلهم أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها فحينئذ تفوت تلك الفرصة السابقة فلا ينفعهم شيء مما كان ينفعهم من قبل من الإيمان وكذا العمل الصالح مع الإيمان فكأنه قيل يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ إذا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا من قبل ففي الآية لف لكن حذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر ونظيره قوله تعالى: {وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً} قال: فهذا: الذي عناه ابن المنير بقوله إن هذا الكلام في البلاغة يقال له اللف والمعنى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع

(11/356)


نفسا لم تكن مؤمنة من قبل ذلك إيمانها من بعد ذلك ولا ينفع نفسها كانت مؤمنة لكن لم تعمل في إيمانها عملا صالحا قبل ذلك ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك قال: وبهذا التقرير يظهر مذهب أهل السنة فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير أي لإغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة وإن كان ما سبق قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع صاحبه في الجملة. ثم قال الطيبي: وقد ظفرت بفضل الله بعد هدا التقرير على آية أخرى تشبه هذه الآية وتناسب هذا التقرير معنى ولفظا من غير إفراط ولا تفريط وهي قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} الآية فإنهآ يظهر منه أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلا والله أعلم. انتهى ملخصا. قوله: "ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته" بكسر اللام وسكون القاف بعدها مهملة هي ذات الدر من النوق. قوله: "يليط حوضه" بضم أوله ويقال ألاط حوضه إذا مدره أي جمع حجارة فصيرها كالحوض ثم سد ما بينها من الفرج بالمدر ونحوه لينحبس الماء؛ هذا أصله وقد يكون للحوض خروق فيسدها بالمدر قبل أن يملأه وفي كل ذلك إشارة إلى أن القيامة تقوم بغتة كما قال تعالى: {لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} .

(11/357)


41 - باب مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ
6507- حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ "عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ"
اخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَمْرٌو عَنْ شُعْبَةَ وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْدٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
6508- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ "عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ"
6509- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ "أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ

(11/357)


سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى" قُلْتُ إِذًا لاَ يَخْتَارُنَا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ قَالَتْ فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى"
قوله: "باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" هكذا ترجم بالشق الأول من الحديث الأول إشارة إلى بقيته على طريق الاكتفاء قال العلماء: محبة الله لعبده إرادته الخير له وهدايته إليه وإنعامه عليه وكراهته له على الضد من ذلك. قوله: "حدثنا حجاج" هو ابن المنهال البصري وهو من كبار شيوخ البخاري وقد روي عن همام أيضا حجاج بن محمد المصيصي لكن لم يدركه البخاري. قوله: "عن قتادة" لهمام فيه إسناد آخر أخرجه أحمد عن عفان عن همام عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى "حدثني فلان ابن فلان أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم" فذكر الحديث بطوله بمعناه وسنده قوي وإبهام الصحابي لا يضر وليس ذلك اختلافا على همام فقد أخرجه أحمد عن عفان عن همام عن قتادة. قوله: "عن أنس" في رواية شعبة عن قتادة "سمعت أنسا" وسيأتي بيانه في الرواية المعلقة. قوله: "عن عبادة بن الصامت" قد رواه حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير واسطة أخرجه أحمد والنسائي والبزار من طريقه. وذكر البزار أنه تفرد به فإن أراد مطلقا وردت عليه رواية قتادة وإن أرد بقيد كونه جعله من مسند أنس سلم. قوله: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" قال الكرماني: ليس الشرط سببا للجزاء بل الأمر بالعكس ولكنه على تأويل الخبر أي من أحب لقاء الله أخبره بأن أحب لقاءه وكذا الكراهة وقال غيره فيما نقله ابن عبد البر وغيره: "من" هنا خبرية وليست شرطية فليس معناه أن سبب حب الله لقاء العبد حب العبد لقاءه ولا الكراهة ولكنه صفة حال الطائفتين في أنفسهم عند ربهم والتقدير من أحب لقاء الله فهو الذي أحب الله لقاءه وكذا الكراهة. قلت: ولا حاجة إلى دعوى نفي الشرطية فسيأتي في التوحيد من حديث أبي هريرة رفعه: "قال الله عز وجل إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه" الحديث فيعين أن "من" في حديث الباب شرطية وتأويلها ما سبق وفي قوله: "أحب الله لقاءه" العدول عن الضمير إلى الظاهر تفخيما وتعظيما ودفعا لتوهم عود الضمير على الموصول لئلا يتحد في الصورة المبتدأ والخبر ففيه إصلاح اللفظ لتصحيح المعنى وأيضا فعود الضمير على المصاف إليه قليل. وقرأت بخط ابن الصائغ في "شرح المشارق" يحتمل أن يكون لقاء الله مضافا للمفعول فأقامه مقام الفاعل ولقاءه إما مضاف للمفعول أو للفاعل الضمير أو للموصول لأن الجواب إذا كان شرطا فالأولى أن يكون فيه ضمير نعم هو موجود هنا ولكن تقديرا. قوله: "ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" قال المازري: من قضى الله بموته لا بد أن يموت وإن كان كارها للقاء الله ولو كره الله موته لما مات فيحمل الحديث على كراهته سبحانه وتعالى الغفران له وإرادته لإبعاده من رحمته. قلت: ولا اختصاص لهذا البحث بهذا الشق فإنه يأتي مثله في الشق الأول كأن يقال مثلا من قضى الله بامتداد حياته لا يموت ولو كان محبا للموت إلخ. قوله: "قالت عائشة أو بعض أزواجه" كذا في هذه الرواية بالشك وجزم سعد بن هشام في روايته عن عائشة بأنها هي التي قالت ذلك ولم يتردد وهذه الزيادة في هذا الحديث لا تظهر صريحا هل هي من كلام عبادة والمعنى أنه سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وسمع مراجعة عائشة أو من كلام أنس بأن يكون حضر ذلك فقد وقع في رواية حميد التي أشرت إليها بلفظ: "فقلنا يا رسول الله" فيكون أسند القول إلى جماعة وإن كان المباشر له واحدا وهي عائشة

(11/358)


وكذا وقع في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى التي أشرت إليها وفيها "فأكب القوم يبكون وقالوا: إنا نكره الموت قال: ليس ذلك" ولابن أبي شيبة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة نحو حديث الباب وفيه: "قيل يا رسول الله ما منا من أحد إلا وهو يكره الموت فقال: إذا كان ذلك كشف له" ويحتمل أيضا أن يكون من كلام قتادة أرسله في رواية همام ووصله في رواية سعيد بن أبي عروبة عنه عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة فيكون في رواية همام إدراج وهذا أرجح في نظري فقد أخرجه مسلم عن هداب بن خالد عن همام مقتصرا على أصل الحديث دون قوله: "فقالت عائشة إلخ" ثم أخرجه من رواية سعيد بن أبي عروبة موصولا تاما وكذا أخرجه هو وأحمد من رواية شعبة والنسائي من رواية سليمان التيمي كلاهما عن قتادة وكذا جاء عن أبي هريرة وغير واحد من الصحابة بدون المراجعة وقد أخرجه الحسن بن سفيان وأبو يعلى جميعا عن هدبة بن خالد عن همام تاما كما أخرجه البخاري عن حجاج عن همام وهدبة هو هداب شيخ مسلم فكأن مسلما حذف الزيادة عمدا لكونها مرسلة من هذا الوجه واكتفى بإيرادها موصولة من طريق سعيد بن أبي عروبة وقد رمز البخاري إلى ذلك حيث علق رواية شعبة بقوله اختصره إلخ وكذا أشار إلى رواية سعيد تعليقا وهذا من العلل الخفية جدا. قوله: "إنا لنكره الموت" في رواية سعد بن هشام "فقالت يا نبي الله أكراهة الموت؟ فكلنا نكره الموت". قوله: "بشر برضوان الله وكرامته" في رواية سعد بن هشام "بشر برحمة الله ورضوانه وجنته" وفي حديث حميد عن أنس "ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله وليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه" وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى "ولكنه إذا حضر فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله والله للقائه أحب". قوله: "فليس شيء أحب إليه مما أمامه" بفتح الهمزة أي ما يستقبله بعد الموت وقد وقعت هذه المراجعة من عائشة لبعض التابعين فأخرج مسلم والنسائي من طريق شريح بن هانئ قال سمعت أبا هريرة فذكر أصل الحديث قال: "فأتيت عائشة فقلت سمعت حديثا إن كان كذلك فقد هلكنا" فذكره قال: "وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت فقالت: ليس بالذي تذهب إليه ولكن إذا شخص البصر - بفتح الشين والخاء المعجمتين وآخره مهملة أي فتح المحتضر عينيه إلى فوق فلم يطرف - وحشرج الصدر - بحاء مهملة مفتوحة بعدها معجمة وآخره جيم أي ترددت الروح في الصدر - واقشعر الجلد وتشنجت" بالشين المعجمة والنون الثقيلة والجيم أي تقبضت وهذه الأمور هي حالة المحتضر وكأن عائشة أخذته من معنى الخبر الذي رواه عنها سعد بن هشام مرفوعا وأخرجه مسلم والنسائي أيضا عن شريح بن هانئ عن عائشة مثل روايته عن أبي هريرة وزاد في آخره: "والموت دون لقاء الله" وهذه الزيادة من كلام عائشة فيما يظهر لي ذكرتها استنباطا مما تقدم وعند عبد بن حميد من وجه آخر عن عائشة مرفوعا: "إذا أراد الله بعبد خيرا قيض له قبل موته بعام ملكا يسده ويوفقه حتى يقال مات بخير ما كان فإذا حضر ورأى ثوابه اشتاقت نفسه فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإذا أراد الله بعبد شرا قيض له قبل موته بعام شيطانا فأضله وفتنه حتى يقال مات بشر ما كان عليه. فإذا حضر ورأى ما أعد له من العذاب جزعت نفسه فذلك حين كره لقاء الله وكره الله لقاءه" قال الخطابي: تضمن حديث الباب من التفسير ما فيه غنية عن غيره واللقاء يقع على أوجه: منها المعاينة ومنها البعث كقوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} ومنها الموت كقوله: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ

(11/359)


لَآتٍ} وقوله: "قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم" وقال ابن الأثير في النهاية: المراد بلقاء الله هنا المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس الغرض به الموت لأن كلا يكرهه فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله لأنه إنما يصل إليه بالموت. وقول عائشة والموت دون لقاء الله يبين أن الموت غير اللقاء ولكنه معترض دون الغرض المطلوب فيجب أن يصبر عليه ويحتمل مشاقه حتى يصل إلى الفوز باللقاء. قال الطيبي: يريد أن قول عائشة إنا لنكره الموت يوهم أن المراد بلقاء الله في الحديث الموت وليس كذلك لأن لقاء الله غير الموت بدليل قوله في الرواية الأخرى "والموت دون لقاء الله" لكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله عبر عنه بلقاء الله وقد سبق ابن الأثير إلى تأويل لقاء الله بغير الموت الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام فقال: ليس وجهه عندي كراهة الموت وشدته لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة. قال: ومما يبين ذلك أن الله تعالى عاب قوما بحب الحياة فقال: "إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها" وقال الخطابي: معنى محبة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا فلا يحب استمرار الإقامة فيها بل يستعد للارتحال عنها والكراهة بضد ذلك وقال النووي: معنى الحديث أن المحبة والكراهة التي تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة حيث يكشف الحال للمحتضر ويظهر له ما هو صائر إليه. قوله: "بشر بعذاب الله وعقوبته" في رواية سعد بن هشام "بشر بعذاب الله وسخطه" وفي رواية حميد عن أنس "وإن الكافر أو الفاجر إذا جاءه ما هو صائر إليه من السوء أو ما يلقى من الشر إلخ" وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى نحو ما مضى. قوله: "اختصره أبو داود وعمرو عن شعبة" يعني عن قتادة عن أنس عن عبادة ومعنى اختصاره أنه اقتصر على أصل الحديث دون قوله: "فقالت عائشة إلخ" فأما رواية أبي داود وهو الطيالسي فوصلها الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبي داود وكذا وقع لنا بعلو في مسند أبي داود الطيالسي وأما رواية عمرو وهو ابن مرزوق فوصلها الطبراني في "المعجم الكبير" عن أبي مسلم الكجي ويوسف بن يعقوب القاضي كلاهما عن عمرو بن مرزوق وكذا أخرجه أحمد عن محمد بن جعفر عن شعبة وهو عند مسلم من رواية محمد بن جعفر وهو غندر. قوله: "وقال سعيد عن قتادة إلخ" وصله مسلم من طريق خالد بن الحارث ومحمد بن بكر كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة كما تقدم بيانه وكذا أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه من رواية سعيد بن أبي عروبة ووقع لنا بعلو في "كتاب البعث" لابن أبي داود.وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم البداءة بأهل الخير في الذكر لشرفهم وإن كان هل الشر أكثر وفيه أن المجازاة من جنس العمل فإنه قابل المحبة بالمحبة والكراهة بالكراهة وفيه أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة وفيه نظر فإن اللقاء أعم من الرؤية ويحتمل على بعد أن يكون في قوله: "لقاء الله" حذف تقديره لقاء ثواب الله ونحو ذلك ووجه البعد فيه الإتيان بمقابله لأن أحدا من العقلاء لا يكره لقاء ثواب الله بل كل من يكره الموت إنما يكرهه خشية أن لا يلقى ثواب الله إما لإبطائه عن دخول الجنة بالشغل بالتبعات وإما لعدم دخولها أصلا كالكافر. وفيه أن المحتضر إذا ظهرت عليه علامات السرور كان ذلك دليلا على أنه بشر بالخير وكذا بالعكس. وفيه أن محبة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمني الموت لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت كأن تكون المحبة حاصلة لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخره وأن النهي عن تمني الموت محمول على حالة الحياة المستمرة

(11/360)


وأما عند الاحتضار والمعاينة فلا تدخل تحت النهي بل هي مستحبة. وفيه أن في كراهة الموت في حال الصحة تفصيلا فمن كرهه إيثارا للحياة على ما بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذموما ومن كرهه خشية أن يفضي إلى المؤاخذة كأن يكون مقصرا في العمل لم يستعد له بالأهبة بأن يتخلص من التبعات ويقوم بأمر الله كما يجب فهو معذور لكن ينبغي لمن وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة حتى إذا حضره الموت لا يكرهه بل يحبه لما يرجو بعده من لقاء الله تعالى. وفيه أن الله تعالى لا يراه في الدنيا أحد من الأحياء وإنما يقع ذلك للمؤمنين بعد الموت أخذا من قوله: "والموت دون لقاء الله" وقد تقدم أن اللقاء أعم من الرؤية فإذا انتفى اللقاء انتفت الرؤية وقد ورد بأصرح من هذا في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعا في حديث طويل وفيه: "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". حديث أبي موسى مثل حديث عبادة دون قوله: "فقالت عائشة إلخ "وكأنه أورده استظهارا لصحة الحديث وقد أخرجه مسلم أيضا وبريد بموحدة ثم مهملة هو ابن عبد الله بن أبي بردة. قوله: "أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم" كذا في رواية عقيل ومضى في الوفاة النبوية من طريق شعيب عن الزهري "أخبرني عروة" ولم يذكر معه أحدا ومن طريق يونس عن الزهري "أخبرني سعيد بن المسيب في رجال من أهل العلم" ولم يذكر عروة وقد ذكرت في كتاب الدعوات تسمية بعض من أبهم في هذه الرواية من شيوخ الزهري وتقدم شرح الحديث مستوفي في الوفاة النبوية ومناسبته للترجمة من جهة اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للقاء الله بعد أن خير بين الموت والحياة فاختار الموت فينبغي الاستنان به في ذلك. وقد ذكر بعض الشراح أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت لما أتاه ليقبض روحه: هل رأيت خليلا يميت خليله؟ فأوحى الله تعالى إليه قل له هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله؟ فقال يا ملك الموت الآن فاقبض. ووجدت في "المبتدأ" لأبي حذيفة إسحاق بن بشر البخاري أحد الضعفاء بسند له عن ابن عمر قال: "قال ملك الموت يا رب إن عبدك إبراهيم جزع من الموت فقال: قل له الخليل إذا طال به العهد من خليله اشتاق إليه. فبلغه فقال: نعم يا رب قد اشتقت إلى لقائك فأعطاه ريحانة فشمها فقبض فيها".

(11/361)


42 - باب سَكَرَاتِ الْمَوْتِ
6510- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ "أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ يَشُكُّ عُمَرُ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ" ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الْعُلْبَةُ مِنْ الْخَشَبِ وَالرَّكْوَةُ مِنْ الأَدَمِ"
6511- حَدَّثَنِي صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الأَعْرَابِ جُفَاةً يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ مَتَى السَّاعَةُ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ إِنْ يَعِشْ هَذَا لاَ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ

(11/361)


حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ قَالَ هِشَامٌ يَعْنِي مَوْتَهُمْ"
6512- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ "عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ قَالَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ"
[الحديث 6512- طرفه في 6513]
6513- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ "عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ"
6514- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاَثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ"
6515- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ غُدْوَةً وَعَشِيًّا إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الْجَنَّةُ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ إِلَيْهِ"
6516- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا"
قوله: "باب سكرات الموت" بفتح المهملة والكاف جمع سكرة قال الراغب وغيره: السكر حالة تعرض بين المرء وعقله وأكثر ما تستعمل في الشراب المسكر ويطلق في الغضب والعشق والألم والنعاس والغشي الناشىء عن الألم وهو المراد هنا. قوله: "عن عمر بن سعيد" أي ابن أبي حسين المكي. قوله: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين يديه ركوة أو علبة" بضم المهملة وسكون اللام بعدها موحدة. قوله: "شك عمر" هو ابن سعيد بن أبي حسين راويه وتقدم في الوفاة النبوية بلفظ: "يشك عمر" وفي رواية الإسماعيلي: "شك ابن أبي حسين". قوله: "فجعل يدخل يده" عند الكشميهني: "يديه" بالتثنية وكذا تقدم لهم في الوفاة النبوية بهذا الإسناد في أثناء حديث أوله قصة السواك فاختصره المؤلف هنا. قوله: "فيمسح بها" في رواية الكشميهني: "بهما" بالتثنية وكذا لهم في الوفاة. قوله: "إن للموت سكرات" وقع في رواية القاسم عن عائشة عند أصحاب السنن سوى أبي داود بسند حسن بلفظ: "ثم يقول اللهم أعني على سكرات الموت" وقد تقدم شرح الحديث مستوفى

(11/362)


هناك. وتقدم هناك أيضا من رواية القاسم بن محمد عن عائشة "مات النبي صلى الله عليه وسلم وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي. فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد النبي صلى الله عليه وسلم" وأخرجه الترمذي عنها بلفظ: "ما أغبط أحدا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "قال أبو عبد الله" هو البخاري. قوله: "العلبة من الخشب والركوة من الأدم" ثبت هذا في رواية المستملي وحده وهو المشهور في تفسيرهما ووقع في "المحكم": الركوة شبه تور من أدم قال المطرزي: دلو صغير: وقال غيره: كالقصعة تتخذ من جلد ولها طوق خشب. وأما العلبة فقال العسكري: هي قدح الأعراب تتخذ من جلد. وقال ابن فارس: قدح ضخم من خشب وقد يتخذ من جلد وقيل أسفله جلد وأعلاه خشب مدور. وفي الحديث أن شدة الموت لا تدل على نقص في المرتبة بل هي للمؤمن إما زيادة في حسناته وإما تكفير لسيئاته. وبهذا التقرير تظهر مناسبة أحاديث الباب للترجمة. قوله: "صدقة" هو ابن الفضل المروزي وعبدة هو ابن سليمان. وهشام هو ابن عروة. قوله: "كان رجال من الأعراب" لم أقف على أسمائهم. قوله: "جفاة" في رواية الأكثر بالجيم وفي رواية بعضهم بالمهملة وإنما وصفهم بذلك أما على رواية الجيم فلأن سكان البوادي يغلب عليهم الشظف وخشونة العيش فتجفو أخلاقهم غالبا. وأما على رواية الحاء فلقلة اعتنائهم بالملابس. قوله: "متى الساعة"؟ في رواية مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام "كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة متى الساعة؟ وكان ذلك لما طرق أسماعهم من تكرار اقترابها في القرآن فأرادوا أن يعرفوا تعيين وقتها. قوله: "فينظر إلى أصغرهم" في رواية مسلم: "فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال" ورواية عبدة ظاهرها تكرير ذلك ويؤيد سياق مسلم حديث أنس عنده "إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تقوم الساعة" ولم أقف على اسم هذا بعينه لكنه يحتمل أن يفسر بذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وسأل متى تقوم الساعة وقال اللهم ارحمني ومحمدا ولكن جوابه عن السؤال عن الساعة مغاير لجواب هذا. قوله: "إن يعش هذا لا يدركه الهرم" في حديث أنس عند مسلم: "وعنده غلام من الأنصار يقال له محمد" وله في رواية أخرى "وعنده غلام من أزد شنوءة" بفتح المعجمة وضم النون ومد وبعد الواو همزة ثم هاء تأنيث وفي أخرى له "غلام للمغيرة بن شعبة وكان من أقراني" ولا مغايرة بينهما وطريق الجمع أنه كان من أزد شنوءة وكان حليفا للأنصار وكان يخدم المغيرة وقول أنس "وكان من أقراني" وفي رواية له "من أترابي" يزيد في السن وكان سن أنس حينئذ نحو سبع عشرة سنة. قوله: "حتى تقوم عليكم ساعتكم" قال هشام هو ابن عروة راويه "يعني موتهم" وهو موصول بالسند المذكور وفي حديث أنس "حتى تقوم الساعة" قال عياض: حديث عائشة هذا يفسر حديث أنس وأن المراد ساعة المخاطبين وهو نظير قوله: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها الآن أحد" وقد تقدم بيانه في كتاب العلم وأن المراد انقراض ذلك القرن وأن من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إذا مضت مائة سنة من وقت تلك المقالة لا يبقى منهم أحد ووقع الأمر كذلك فإن آخر من بقي ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبو الطفيل عامر بن واثلة كما جزم به مسلم وغيره وكانت وفاته سنة عشر ومائة من الهجرة وذلك عند رأس مائة سنة من وقت تلك المقالة وقيل كانت وفاته قبل ذلك فإن كان كذلك فيحتمل أن يكون تأخر بعده بعض من أدرك ذلك الزمان وإن لم يثبت أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وبه احتج جماعة من المحققين على كذب من ادعى الصحبة أو الرؤية ممن تأخر عن ذلك الوقت. وقال الراغب: الساعة جزء من الزمان

(11/363)


ويعبر بها عن القيامة تشبيها بذلك لسرعة الحساب قال الله تعالى: {وَهُوَأَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} أو لما نبه عليه بقوله: {أَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} وأطلقت الساعة على ثلاثة أشياء: الساعة الكبرى وهي بعث الناس للمحاسبة والوسطى وهي موت أهل القرن الواحد نحو ما روى أنه رأى عبد الله بن أنيس فقال: إن يطل عمر هذا الغلام لم يمت حتى تقوم الساعة فقيل أنه آخر من مات من الصحابة. والصغرى موت الإنسان فساعة كل إنسان موته ومنه قوله صلى الله عليه وسلم عند هبوب الريح: تخوفت الساعة يعني موته انتهى. وما ذكره عن عبد الله بن أنيس لم أقف عليه ولا هو آخر من مات من الصحابة جزما قال الداودي: هذا الجواب من معاريض الكلام فإنه لو قال لهم لا أدري ابتداء مع ما هم فيه من الجفاء وقبل تمكن الإيمان في قلوبهم لارتابوا فعدل إلى إعلامهم بالوقت الذي ينقرضون هم فيه ولو كان تمكن الإيمان في قلوبهم لأفصح لهم بالمراد. وقال ابن الجوزي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بأشياء على سبيل القياس وهو دليل معمول به فكأنه لما نزلت عليه الآيات في تقريب الساعة كقوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} وقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} حمل ذلك على أنها لا تزيد على مضى قرن واحد ومن ثم قال في الدجال "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه" فجوز خروج الدجال في حياته قال: وفيه وجه آخر فذكر نحو ما تقدم. قلت: والاحتمال الذي أبداه بعيد جدا. والذي قبله هو المعتمد والفرق بين الخبر عن الساعة وعن الدجال تعيين المدة في الساعة دونه والله أعلم. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى حدث بها خواص أصحابه تدل على أن بين يدي الساعة أمورا عظاما كما سيأتي بعضها صريحا وإشارة ومضى بعضها في علامات النبوة. وقال الكرماني: هذا الجواب من الأسلوب الحكيم أي دعوا السؤال عن وقت القيامة الكبرى فإنها لا يعلمها إلا الله واسألوا عن الوقت الذي يقع فيه انقراض عصركم فهو أولى لكم لأن معرفتكم به تبعثكم على ملازمة العمل الصالح قبل فوته لأن أحدكم لا يدري من الذي يسبق الآخر. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس وحلحلة بمهملتين مفتوحتين ولامين الأولى ساكنة والثانية مفتوحة وقد صرح بسماعه من ابن كعب في الرواية الثانية والسند كله مدنيون ولم يختلف الرواة في الموطأ عن مالك فيه. قوله: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر" بضم الميم على البناء للمجهول ولم أقف على اسم المار ولا الممرور بجنازته. قوله: "عليه" أي على النبي صلى الله عليه وسلم. ووقع في "الموطآت" للدار قطني من طريق إسحاق بن عيسى عن مالك بلفظ: "مر برسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة" والباء على هذا بمعنى على وذكر الجنازة باعتبار الميت. قوله: "قال مستريح" كذا هنا ووقع في رواية: "فقال" بزيادة الفاء في أوله وكذا في رواية المحابي المذكورة وكذا للنسائي من رواية وهب بن كيسان عن معبد بن مالك وقال في روايته: "كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلعت جنازة" قوله: "مستريح ومستراح منه" الواو فيه بمعنى أو وهي للتقسيم على ما صرح بمقتضاه في جواب سؤالهم. قوله: "قالوا" أي الصحابة ولم أقف على اسم السائل منهم بعينه إلا أن في رواية إبراهيم الحربي عند أبي نعيم "قلنا" فيدخل فيهم أبو قتادة فيحتمل أن يكون هو السائل. قوله: "ما المستريح والمستراح منه" في رواية الدار قطني "وما المستراح منه" بإعادة ما. قوله: "من نصب الدنيا وأذاها" زاد النسائي رواية وهب بن كيسان "من أوصاب الدنيا" والأوصاب جمع وصب بفتح الواو والمهملة ثم موحدة وهو دوام الوجع ويطلق أيضا على فتور البدن والنصب بوزنه لكن أوله نون هو التعب وزنه ومعناه والأذى من عطف العام على الخاص: قال ابن التين

(11/364)


يحتمل أن يريد بالمؤمن التقى خاصة ويحتمل كل مؤمن. والفاجر يحتمل أن يريد به الكافر ويحتمل أن يدخل فيه العاصي. وقال الداودي: أما استراحة العباد فلما يأتي به من المنكر فإن أنكروا عليه آذاهم وإن تركوه أثموا واستراحة البلاد مما يأتي به من المعاصي فإن ذلك مما يحصل به الجدب فيقتضي هلاك الحرث والنسل. وتعقب الباجي أول كلامه بأن من ناله أذاه لا يأثم بتركه لأنه بعد أن ينكر بقلبه أو ينكر بوجه لا يناله به أذى ويحتمل أن يكون المراد براحة العباد منه لما يقع لهم من ظلمه وراحة الأرض منه لما يقع عليها من غصبها ومنعها من حقها وصرفه في غير وجهه وراحة الدواب مما لا يجوز من إتعابها والله أعلم. قوله: "يحيى" هو القطان وعبد ربه بن سعيد كذا وقع هنا لأبي ذر عن شيوخه الثلاثة وكذا في رواية أبي زيد المروزي ووقع عند مسلم عن محمد بن المثنى "عن يحيى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند" وكذا أخرجه أبو يعلى من طريق يحيى القطان عن عبد الله بن سعيد لكن لم يذكر جده وكذا عنده وعند مسلم من طريق عبد الرزاق وعند الإسماعيلي أيضا من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال كل منهما "حدثنا عبد الله بن سعيد" وكذا أخرجه ابن السكن من طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند وكذا أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طرق إبراهيم الحربي عن مسدد شيخ البخاري فيه مثله سواء قال أبو علي الجياني: هذا هو الصواب وكذا رواه ابن السكن عن الفربري فقال في روايته: "عن عبد الله بن سعيد هو ابن أبي هند" والحديث محفوظ له لا لعبد ربه. قلت: وجزم المزي في "الأطراف" أن البخاري أخرجه لعبد الله بن سعيد بن أبي هند بهذا السند وعطف عليه رواية مسلم ولكن التصريح بابن أبي هند لم يقع في شيء من نسخ البخاري. قوله: "مستريح ومستراح منه المؤمن يستريح" كذا أورده بدون السؤال والجواب مقتصرا على بعضه وأورده الإسماعيلي من طريق بندار وأبي موسى عن يحيى القطان ومن طريق عبد الرزاق قال: "حدثنا عبد الله بن سعيد" تاما ولفظه: "مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة" فذكر مثل سياق مالك لكن قال: "فقيل يا رسول الله ما مستريح إلخ". "تنبيه": مناسبة دخول هذا الحديث في الترجمة أن الميت لا يعدو أحد القسمين إما مستريح وإما مستراح منه وكل منهما يجوز أن يشدد النبي عند الموت وأن يخفف والأول هو الذي يحصل له سكرات الموت ولا يتعلق ذلك بتقواه ولا بفجوره بل إن كان من أهل التقوى ازداد ثوابا وإلا فيكفر عنه بقدر ذلك ثم يستريح من أذى الدنيا الذي هذا خاتمته ويؤيد ذلك ما تقدم من كلام عائشة في الحديث الأول وقد قال عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن يهون على سكرات الموت إنه لآخر ما يكفر به عن المؤمن. ومع ذلك فالذي يحصل للمؤمن من البشرى ومسرة الملائكة بلقائه ورفقهم به وفرحه بلقاء ربه يهون عليه كل ما يحصل له من ألم الموت حتى يصير كأنه لا يحس بشيء من ذلك. قوله: "سفيان" هو ابن عيينة وليس لشيخه عبد الله بن أبي بكر في الصحيح عن أنس إلا هذا الحديث. قوله: "يتبع الميت" كذا للسرخسي والأكثر وفي رواية المستملي: "المرء" وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: "المؤمن" والأول المعتمد فهو المحفوظ من حديث ابن عيينة وهو كذلك عند مسلم. قوله: "يتبعه أهله وماله وعمله" هذا يقع في الأغلب ورب ميت لا يتبعه إلا عمله فقط والمراد من يتبع جنازته من أهله ورفقته ودوابه على ما جرت به عادة العرب وإذا انقضى أمر الحزن عليه رجعوا سواء أقاموا بعد الدفن أم لا ومعنى بقاء عمله أنه يدخل معه القبر وقد وقع في حديث البراء بن عازب الطويل في صفة المسألة في القبر عند أحمد

(11/365)


وغيره ففيه: "ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب حسن الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح" وقال في حق الكافر "ويأتيه رجل قبيح الوجه" الحديث وفيه: "بالذي يسوؤك وفيه عملك الخبيث" قال الكرماني: التبعية في حديث أنس بعضها حقيقة وبعضها مجاز فيستفاد منه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه. قلت: هو في الأصل حقيقة في الحس ويطرقه المجاز في البعض وكذا المال وأما العمل فعلى الحقيقة في الجميع وهو مجاز بالنسبة إلى التبعية في الحس. قوله: "أبو النعمان" هو محمد بن الفضل والسند إلى نافع بصريون. قوله: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده" كذا للأكثر. وفي رواية المستملي والسرخسي "على مقعده" وهذا العرض يقع على الروح حقيقة وعلى ما يتصل به من البدن الاتصال الذي يمكن به إدراك التنعيم أو التعذيب على ما تقدم تقريره وأبدى القرطبي في ذلك احتمالين: هل هو على الروح فقط أو عليها وعلى جزء من البدن؟ وحكى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن المراد بالعرض هنا الإخبار بأن هذا موضع جزائكم على أعمالكم عند الله وأريد بالتكرير تذكارهم بذلك واحتج بأن الأجساد تفنى والعرض لا يقع على شيء فإن قال: فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح خاصة وتعقب بأن حمل العرض على الإخبار عدول عن الظاهر بغير مقتض لذلك ولا يجوز العدول إلا بصارف يصرفه عن الظاهر قلت: ويؤيد الحمل على الظاهر أن الخبر ورد على العموم في المؤمن والكافر فلو اختص بالروح لم يكن للشهيد في ذلك كبير فائدة لأن روحه منعمة جزما كما في الأحاديث الصحيحة وكذا روح الكافر معذبة في النار جزما فإذا حمل على الروح التي لها اتصال بالبدن ظهرت فائدة ذلك في حق الشهيد وفي حق الكافر أيضا. قوله: "غدوة وعشية" أي أول النهار وآخره بالنسبة إلى أهل الدنيا. قوله: "إما النار وإما الجنة" تقدم في الجنائز من رواية مالك بلفظ: "إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة" وتقدم توجيهه في أواخر كتاب الجنائز؛ وتقدم هناك بحث القرطبي في "المفهم". ثم إن هذا العرض للمؤمن المتقي والكافر ظاهر وأما المؤمن المخلط فيحتمل أيضا أن يعرض عليه مقعده من الجنة التي سيصير إليها. قلت: والانفصال عن هذا الإشكال يظهر من الحديث الذي أخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة في قصة السؤال في القبر وفيه: "ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له: هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له: هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها لو عصيته فيزداد غبطة وسرورا" الحديث وفيه في حق الكافر "ثم يفتح له باب من أبواب النار" وفيه: "فيزداد حسرة وثبورا" في الموضعين وفيه: "لو أطعته" وأخرج الطبراني عن ابن مسعود "ما من نفس إلا وتنظر في بيت في الجنة وبيت في النار فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو عملتم ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار فيقال لولا أن من الله عليكم" ولأحمد عن عائشة ما يؤخذ منه أن رؤية ذلك للنجاة أو العذاب في الآخرة فعلى هذا يحتمل في المذنب الذي قدر عليه أن يعذب قبل أن يدخل الجنة أن يقال له مثلا بعد عرض مقعده من الجنة: هذا مقعدك من أول وهلة لو لم تذنب وهذا مقعدك من أول وهلة لعصيانك نسأل الله العفو والعافية من كل بلية في الحياة وبعد الموت إنه ذو الفضل العظيم. قوله: "فيقال هذا مقعدك حتى تبعث إليه" في رواية الكشميهني: "عليه" وفي طريق مالك "حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة" وقد بينت الإشارة إليه بعد خمسة أبواب. حديث عائشة في النهي عن سب الأموات تقدم شرحه

(11/366)


مستوفى في أواخر كتاب الجنائز.

(11/367)


43 - باب نَفْخِ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ الصُّورُ كَهَيْئَةِ الْبُوقِ زَجْرَةٌ صَيْحَةٌ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ النَّاقُورِ الصُّورِ الرَّاجِفَةُ النَّفْخَةُ الأُولَى وَ الرَّادِفَةُ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ
6517- حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ "اسْتَبَّ رَجُلاَنِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ قَالَ فَغَضِبَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ فِي أَوَّلِ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ مُوسَى فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ عز وجل"
6518- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَصْعَقُ النَّاسُ حِينَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ قَامَ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ فَمَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "باب نفخ الصور" تكرر ذكره في القرآن في الأنعام والمؤمنين والنمل والزمر وق وغيرها وهو بضم المهملة وسكون الواو وثبت كذلك في القراءات المشهورة والأحاديث وذكر عن الحسن البصري أنه قرأها بفتح الواو جمع صورة وتأوله على أن المراد النفخ في الأجساد لتعاد إليها الأرواح وقال أبي عبيدة في "المجاز": يقال الصور يعني بسكون الواو جمع صورة كما يقال سور المدينة جمع سورة قال الشاعر "لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة" فيستوي معنى القراءتين. وحكى مثله الطبري عن قوم وزاد: كالصوف جمع صوفة قالوا والمراد النفخ في الصور وهي الأجساد لتعاد فها الأرواح كما قال تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} وتعقب قوله: "جمع" بأن هذه أسماء أجناس لا جموع وبالغ النحاس وغيره في الرد على التأويل وقال الأزهري: إنه خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة. قلت: وقد أخرج أبو الشيخ في "كتاب العظمة" من طريق وهب بن منبه من قوله قال: خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة ثم قال للعرش: خذ الصور فتعلق به. ثم قال: كن فكان إسرافيل فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة. فذكر الحديث وفيه ثم تجمع الأرواح كلها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ فيه فتدخل كل روح في جسدها فعلى هذا فالنفخ يقع في الصور أولا ليصل النفخ بالروح إلى الصور وهي الأجساد فإضافة النفخ إلى الصور الذي هو القرن حقيقة وإلى الصور التي هي الأجساد مجاز. قوله: "قال مجاهد الصور كهيئة البوق" وصله

(11/367)


الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} قال كهيئة البوق. وقال صاحب الصحاح. البوق الذي يزمر به وهو معروف ويقال للباطل يعني يطلق ذلك عليه مجازا لكونه من جنس الباطل. تنبيه: لا يلزم من كون الشيء مذموما أن لا يشبه به الممدوح فقد وقع تشبيه صوت الوحي بصلصلة الجرس مع النهي عن استصحاب الجرس كما تقدم تقريره في بدء الوحي والصور إنما هو قرن كما جاء في الأحاديث المرفوعة وقد وقع في قصة بدء الأذان بلفظ البوق والقرن في الآلة التي يستعملها اليهود للأذان ويقال إن الصور اسم القرن بلغة أهل اليمن وشاهده قول الشاعر:
نحن نفخناهم غداة النقعين ... نطحا شديدا لا كنطح الصورين
وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه" والترمذي أيضا وحسنه من حديث أبي سعيد مرفوعا: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ" وأخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم وابن مردويه من حديث أبي هريرة ولأحمد والبيهقي من حديث ابن عباس وفيه: "جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وهو صاحب الصور يعني إسرافيل" وفي أسانيد كل منهما مقال. وللحاكم بسند حسن عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رفعه: "إن طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان". قوله: "زجرة: صيحة" هو من تفسير مجاهد أيضا. وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح مجاهد في قوله تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ} قال: صيحة. وفي قوله تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} قال: صيحة. قلت: وهي عبارة عن نفخ الصور النفخة الثانية كما عبر بها عن النفخة الأولى في قوله تعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ} الآية. قوله: "قال ابن عباس: الناقور الصور" وصله الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} قال: الصور ومعنى نقر: نفخ قاله في الأساس. وأخرج البيهقي من طريق أخرى عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن" الحديث. "تنبيه" اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل عليه السلام ونقل فيه الحليمي الإجماع ووقع التصريح به في حديث وهب بن منبه المذكور وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه وكذا في حديث الصور الطويل الذي أخرجه عبد بن حميد والطبري وأبو يعلى في الكبير والطبراني في الطوالات وعلي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية والبيهقي في البعث من حديث أبي هريرة ومداره على إسماعيل بن رافع واضطرب في سنده مع ضعفه فرواه عن محمد بن كعب القرظي تارة بلا واسطة وتارة بواسطة رجل مبهم ومحمد عن أبي هريرة تارة بلا واسطة وتارة بواسطة رجل من الأنصار مبهم أيضا وأخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشامي أحد الضعفاء أيضا في تفسيره عن محمد بن عجلان عن محمد بن كعب القرظي واعترض مغلطاي على عبد الحق في تضعيفه الحديث بإسماعيل بن رافع وخفي عليه أن الشامي أضعف منه ولعله سرقه منه فألصقه بابن عجلان وقد قال الدار قطني: إنه متروك يضع الحديث وقال الخليلي: شيخ ضعيف شحن

(11/368)


تفسيره بما لا يتابع عليه. وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير في حديث الصور: جمعه إسماعيل ابن رافع من عدة آثار وأصله عنده عن أبي هريرة فساقه كله مساقا واحدا. وقد صحح الحديث من طريق إسماعيل بن رافع القاضي أبو بكر بن العربي في سراجه وتبعه القرطبي في التذكرة وقول عبد الحق في تضعيفه أولى وضعفه قبله البيهقي فوقع في هذا الحديث عند علي بن معبد "إن الله خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش" الحديث وقد ذكرت ما جاء عن وهب بن منبه في ذلك فلعله أصله وجاء أن الذي ينفخ في الصور غيره ففي الطبراني الأوسط عن عبد الله بن الحارث "كنا عند عائشة فقالت يا كعب أخبرني عن إسرافيل" فذكر الحديث وفيه: "وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى يلتقم الصور محنيا ظهره شاخصا ببصره إلى إسرافيل وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور فقالت عائشة سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم" ورجاله ثقات إلا على بن زيد بن جدعان ففيه ضعف فإن ثبت حمل على أنهما جميعا ينفخان ويؤيده ما أخرجه هناد بن السري في كتاب الزهد بسند صحيح لكنه موقوف علي عبد الرحمن بن أبي عمرة قال: "ما من صباح إلا وملكان موكلان بالصور" ومن طريق عبد الله بن ضمرة مثله وزاد: "ينتظران متى ينفخان" ونحوه عند أحمد من طريق سليمان التيمي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "النافخان في السماء الثانية رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب - أو قال بالعكس - ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا" ورجاله ثقات وأخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بغير شك ولابن ماجه والبزار من حديث أبي سعيد رفعه: "إن صاحبي الصور بأيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران" وعلى هذا فقوله في حديث عائشة "إنه إذا رأى إسرافيل ضم جناحيه نفخ أنه ينفخ النفخة الأولى وهي نفخة الصعق ثم ينفخ إسرافيل النفخة الثانية وهي نفخة البعث". قوله: "الراجفة النفخة الأولى والرادفة النفخة الثانية" هو من تفسير ابن عباس أيضا وصله الطبري أيضا وابن أبي حاتم بالسند المذكور وقد تقدم بيانه في تفسير سورة والنازعات وبه جزم الفراء وغيره في "معاني القرآن" وعن مجاهد قال: الراجفة الزلزلة والرادفة الدكدكة أخرجه الفريابي والطبري وغيرهما عنه ونحوه في حديث الصور الطويل قال في رواية علي بن معبد: ثم ترتج الأرض وهي الراجفة فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج. ويمكن الجمع بأن الزلزلة تنشأ عن نفخة الصعق. حديث أبي هريرة "إن الناس يصعقون" وقد تقدم شرحه في قصة موسى عليه السلام من أحاديث الأنبياء وذكرت فيه ما نقل عن ابن حزم أن النفخ في الصور يقع أربع مرات وتعقب كلامه في ذلك ثم رأيت في كلام ابن العربي أنها ثلاث: نفخة الفزع كما في النمل. ونفخة الصعق كما في الزمر ونفخة البعث وهي المذكورة في الزمر أيضا. قال القرطبي: والصحيح أنهما نفختان فقط لثبوت الاستثناء بقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} في من الآيتين ولا يلزم من مغايرة الصعق للفزع أن لا يحصلا معا من النفخة الأولى ثم وجدت مستند ابن العربي في حديث الصور الطويل فقال فيه: "ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام لرب العالمين" أخرجه الطبري هكذا مختصرا وقد ذكرت أن سنده ضعيف ومضطرب وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنهما نفختان ولفظه في أثناء حديث مرفوع "ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا ثم يرسل الله مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون" وأخرج البيهقي بسند

(11/369)


قوي عن ابن مسعود موقوفا "ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه والصور قرن فلا يبقى لله خلق في السماوات ولا في الأرض إلا مات إلا من شاء ربك ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون" وفي حديث أوس بن أوس الثقفي رفعه: "إن أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه الصعقة وفيه النفخة" الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقد تقدم في تفسير سورة الزمر من حديث أبي هريرة "بين النفختين أربعون" وفي كل ذلك دلالة على أنهما نفختان فقط وقد تقدم شرحه هناك وفيه شرح قول أبي هريرة لما قيل له أربعون سنة "أبيت" بالموحدة ومعناه امتنعت من تبيينه لأني لا أعلمه فلا أخوص فيه بالرأي وقال القرطبي في "التذكرة": يحتمل قوله امتنعت أن يكون عنده علم منه ولكنه لم يفسره لأنه لم تدع الحاجة إلى بيانه ويحتمل أن يريد امتنعت أن أسأل عن تفسيره فعلى الثاني لا يكون عنده علم منه قال: وقد جاء أن بين النفختين أربعين عاما قلت: وقع كذلك في طريق ضعيف عن أبي هريرة في تفسير ابن مردويه وأخرج ابن المبارك في "الرقائق" من مرسل الحسن "بين النفختين أربعون سنة: الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيى الله بها كل ميت" ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس وهو ضعيف أيضا وعنده أيضا ما يدل على أن أبا هريرة لم يكن عنده علم بالتعيين فأخرج عنه بسند جيد أنه لما قالوا "أربعون ماذا" قال: "هكذا سمعت" وأخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة فذكر حديث أبي هريرة منقطعا ثم قال: "قال أصحابه: ما سألناه عن ذلك ولا زادنا عليه غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة" وفي هذا تعقب على قول الحليمي: اتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين سنة. قلت وجاء فيما يصنع بالموتى بين النفختين ما وقع في حديث الصور الطويل أن جميع الأحياء إذا ماتوا بعد النفخة الأولى ولم يبق إلا الله قال سبحانه: أنا الجبار لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد فيقول: لله الواحد القهار. وأخرج النحاس من طريق أبي وائل عن عبد الله أن ذلك يقع بعد الحشر ورجحه. ورجح القرطبي الأول. ويمكن الجمع بأن ذلك يقع مرتين وهو أولى. وأخرج البيهقي من طريق أبي الزعراء: كنا عند عبد الله بن مسعود فذكر الدجال إلى أن قال: "ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون فليس في بني آدم خلق إلا في الأرض منه شيء قال فيرسل الله ماء من تحت العرش فتنبت جسمانهم ولحماتهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الري" ورواته ثقات. إلا أنه موقوف." تنبيه": إذا تقرر أن النفخة للخروج من القبور فكيف تسمعها الموتى؟ والجواب: يجوز أن تكون نفخة البعث تطول إلى أن يتكامل إحياؤهم شيئا بعد شيء وتقدم الإلمام في قصة موسى بشيء مما ورد في تعيين من استثنى الله تعالى في قوله تعالى: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} وحاصل ما جاء في ذلك عشرة أقوال: الأول أنهم الموتى كلهم لكونهم لا إحساس لهم فلا يصعقون وإلى هذا جنح القرطبي في "المفهم" وفيه ما فيه ومستنده أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح وتعقبه صاحبه القرطبي في "التذكرة"1 فقال فد صح فيه حديث أبي هريرة؛ وفي الزهد لهناد بن السري عن سعيد بن جبير موقوفا هم الشهداء وسنده إلى سعيد صحيح. وسأذكر حديث أبي هريرة في الذي بعده وهذا هو قول الثاني. الثالث الأنبياء وإلى ذلك جنح البيهقي في تأويل الحديث في تجويزه أن يكون موسى ممن استثنى الله قال: ووجهه
ـــــــ
1 القرطبي صاحب "التذكرة" تلميذ القرطبي صاحب "المفهم شرح مسلم"

(11/370)


عندي أنهم أحياء عند ربهم كالشهداء فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا ثم لا يكون ذلك موتا في جميع معانيه إلا في ذهاب الاستشعار. وقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون موسى ممن استثنى الله فإن كان منهم فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة بسبب ما وقع له في صعقة الطور. ثم ذكر أثر سعيد بن جبير في الشهداء وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عن هذه الآية من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم شهداء الله عز وجل صححه الحاكم ورواته ثقات ورجحه الطبري. الرابع قال يحيى بن سلام في تفسيره: بلغني أن آخر من يبقى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يموت الثلاثة ثم يقول الله لملك الموت مت فيموت. قلت: وجاء نحو هذا مسندا في حديث أنس أخرجه البيهقي وابن مردويه بلفظ: "فكان ممن استثنى الله ثلاثة جبريل وميكائيل وملك الموت" الحديث وسنده ضعيف وله طريق أخرى عن أنس ضعيفة أيضا عند الطبري وابن مردويه وسياقه أتم وأخرج الطبري بسند صحيح عن إسماعيل السدي ووصله إسماعيل بن أبي زياد الشامي في تفسيره عن ابن عباس مثل يحيى بن سلام ونحوه عن سعيد بن المسيب أخرجه الطبري وزاد: "ليس فيهم حملة العرش لأنهم فوق السماوات" الخامس يمكن أن يأخذ مما في الرابع. السادس الأربعة المذكورون وحملة العرش وقع ذلك في حديث أبي هريرة الطويل المعروف بحديث الصور وقد تقدمت الإشارة إليه وأن سنده ضعيف مضطرب وعن كعب الأحبار نحوه وقال: هم اثنا عشر أخرجه ابن أبي حاتم وأخرجه البيهقي من طريق زيد بن أسلم مقطوعا ورجاله ثقات. وجمع في حديث الصور بين هذا القول وبين القول أنهم الشهداء ففيه: "فقال أبو هريرة يا رسول الله فمن استثنى حين الفزع؟ قال: الشهداء" ثم ذكر نفخة الصعق على ما تقدم. السابع موسى وحده أخرجه الطبري بسند ضعيف عن أنس وعن قتادة وذكره الثعلبي عن جابر. الثامن الولدان الذين في الجنة والحور العين. التاسع هم وخزان الجنة والنار وما فيها من الحيات والعقارب حكاهما الثعلبي عن الضحاك بن مزاحم. العاشر الملائكة كلهم جزم به أبو محمد بن حزم في "الملل والنحل" فقال: الملائكة أرواح لا أرواح فيها فلا يموتون أصلا. وأما ما وقع عند الطبري بسند صحيح عن قتادة قال قال الحسن يستثنى الله وما يدع أحدا إلا أذاقه الموت فيمكن أن يعد قولا آخر. قال البيهقي استضعف بعض أهل النظر أكثر هذه الأقوال لأن الاستثناء وقع من سكان السماوات والأرض وهؤلاء ليسوا من سكانها لأن العرش فوق السماوات فحملته ليسوا من سكانها وجبريل وميكائيل من الصافين حول العرش ولأن الجنة فوق السماوات والجنة والنار عالمان بانفرادهما خلقتا للبقاء ويدل على أن المستثنى غير الملائكة ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وصححه الحاكم من حديث لقيط ابن عامر مطولا وفيه: "يلبثون ما لبثهم ثم تبعث الصائحة فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من أحد إلا مات حتى الملائكة الذين مع ربك" . قوله في رواية أبي الزناد عن الأعرج "فما أدري أكان فيمن صعق" كذا أورده مختصرا وبقيته "أم لا" أورده الإسماعيلي من طريق محمد بن يحيى عن شيخ البخاري فيه. قوله: "رواه أبو سعيد" يعني الخدري "عن النبي صلى الله عليه وسلم" يعني أصل الحديث وقد تقدم موصولا في كتاب الأشخاص وفي قصة موسى من أحاديث الأنبياء وذكرت شرحه في قصة موسى أيضا.

(11/371)


44 - باب يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(11/371)


6519- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ"
6520- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَلاَ أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ بَلَى قَالَ تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً كَمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ أَلاَ أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ قَالَ إِدَامُهُمْ بَالاَمٌ وَنُونٌ قَالُوا وَمَا هَذَا قَالَ ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا"
6521- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ "سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ"
قوله: "باب يقبض الله الأرض يوم القيامة" لما ذكر ترجمة نفخ الصور أشار إلى ما وقع في سورة الزمر قبل آية النفخ {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الآية وفي قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} ما قد يتمسك به أن قبض السماوات والأرض يقع بعد النفخ في الصور أو معه وسيأتي. قوله: "رواه نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم" سقط هذا التعليق هنا في رواية بعض شيوخ أبي ذر وقد وصله في كتاب التوحيد ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك ويونس هو ابن يزيد. قوله: "عن أبي سلمة" كذا قال يونس وخالفه عبد الرحمن بن خالد فقال: "عن الزهري عن سعيد بن المسيب" كما تقدم في تفسير سورة الزمر وهذا الاختلاف لم يتعرض له الدار قطني في "العلل". وقد أخرج ابن خزيمة في كتاب التوحيد الطريقين وقال: هما محفوظان عن الزهري وسأشبع القول فيه إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد مع شرح الحديث إن شاء الله تعالى وأقتصر هنا على ما يتعلق بتبديل الأرض لمناسبة الحال. قوله: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه" زاد في رواية ابن وهب عن يونس "يوم القيامة" قال عياض: هذا الحديث جاء في الصحيح على ثلاثة ألفاظ. القبض والطي والأخذ. وكلها بمعنى الجمع فإن السماوات مبسوطة والأرض مدحوة ممدودة ثم رجع ذلك إلى معنى الرفع والإزالة والتبديل فعاد ذلك إلى ضم بعضها إلى بعض وإبادتها فهو تمثيل لصفة قبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها وتفرقها دلالة على المقبوض

(11/372)


والمبسوط لا على البسط والقبض قد يحتمل أن يكون إشارة إلى الاستيعاب انتهى. وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. وقد اختلف في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} هل المراد ذات الأرض وصفتها أو تبديل صفتها فقط وسيأتي بيانه في شرح ثالث أحاديث هذا الباب إن شاء الله تعالى. قوله: "عن خالد" هو ابن يزيد وفي رواية شعيب بن الليث عن أبيه "حدثني خالد بن يزيد" والسند كله بصريون إلى سعيد ومنه إلى منتهاه مدنيون. قوله: "تكون الأرض يوم القيامة" يعني أرض الدنيا "خبزة" بضم الحاء المعجمة وسكون الموحدة وفتح الزاي قال الخطابي: الخبزة الطلمة بضم المهملة وسكون اللام وهو عجين يوضع في الحفرة بعد إيقاد النار فيها قال والناس يسمونها الملة بفتح الميم وتشديد اللام وإنما الملة الحفرة نفسها. قوله: "يتكفؤها الجبار" بفتح المثناة والكاف وتشديد الفاء المفتوحة بعدها همزة أي يميلها من كفأت الإناء إذا قلبته وفي رواية مسلم: "يكفؤها" بسكون الكاف. قوله: "كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر" قال الخطابي: يعني خبز الملة الذي يصنعه المسافر فإنها لا تدحى كما تدحى الرقاقة وإنما تقلب على الأيدي حتى تستوي وهذا على أن السفر بفتح المهملة والفاء ورواه بعضهم بضم أوله جمع سفرة وهو الطعام الذي يتخذ للمسافر ومنه سميت السفرة. قوله: "نزلا لأهل الجنة" النزل بضم النون وبالزاي وقد تسكن. ما يقدم للضيف وللعسكر يطلق على الرزق وعلى الفضل ويقال أصلح للقوم نزلهم أي ما يصلح أن ينزلوا عليه من الغذاء وعلى ما يعجل للضيف قبل الطعام وهو اللائق هنا قال الداودي: المراد الله أنه يأكل منها من سيصير إلى الجنة من أهل المحشر لا أنهم لا يأكلونها حتى يدخلوا الجنة. قلت: وظاهر الخبر يخالفه وكأنه بنى على ما أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير قال: تكون الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. ومن طريق أبي معشر عن محمد بن كعب أو محمد ابن قيس نحوه وللبيهقي بسند ضعيف عن عكرمة تبدل الأرض مثل الخبزة يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب. وعن أبي جعفر الباقر نحوه. وسأذكر بقية ما يتعلق بذلك في الحديث الذي بعده. ونقل الطيبي عن البيضاوي أن هذا الحديث مشكل جدا لا من جهة إنكار صنع الله وقدرته على ما يشاء بل لعدم التوقيف على قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول مع ما ثبت في الآثار أن هذه الأرض تصير يوم القيامة نارا وتنضم إلى جهنم فلعل الوجه فيه أن معنى قوله خبزة واحدة أي كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا وهو نظير ما في حديث سهل يعني المذكور بعده كقرصة النقى فضرب المثل بها لاستدارتها وبياضها فضرب المثل في هذا الحديث بخبزة تشبه الأرض في معنيين: أحدهما بيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومئذ والآخر بيان الخبزة التي يهيئها الله تعالى نزلا لأهل الجنة وبيان عظم مقدارها ابتداعا واختراعا. قال الطيبي: وإنما دخل عليه الإشكال لأنه رأى الحديثين في باب الحشر فظن أنهما لشيء واحد. وليس كذلك وإنما هذا الحديث من باب وحديث سهل من باب وأيضا فالتشبيه لا يستلزم المشاركة بين المشبه والمشبه به في جميع الأوصاف بل يكفي حصوله في البعض وتقريره أنه شبه أرض الحشر بالخبزة في الاستواء والبياض وشبه أرض الجنة في كونها نزلا لأهلها ومهيأة لهم تكرمة بعجالة الراكب زاده يقنع به في سفره. قلت: آخر كلامه يقرر ما قال القاضي أن كون أرض الدنيا تصير نارا محمول على حقيقته وأن كونها تصير خبزة يأكل منها أهل الموقف محمول على المجاز والآثار التي أوردتها عن سعيد بن جبير وغيره ترد عليه والأولى الحمل على الحقيقة مهما أمكن

(11/373)


وقدرة الله تعالى صالحة لذلك بل اعتقاد كونه حقيقة أبلغ وكون أهل الدنيا1 ويستفاد منه أن المؤمنين لا يعاقبون بالجوع في طول زمان الموقف بل يقلب الله لهم بقدرته طبع الأرض حتى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ما شاء الله بغير علاج ولا كلفة ويكون معنى قوله: "نزلا لأهل الجنة" أي الذين يصيرون إلى الجنة أعم من كون ذلك يقع بعد الدخول إليها أو قبله والله أعلم. قوله: "فأتى رجل" في رواية الكشميهني: "فأتاه". قوله: "من اليهود" لم أقف على اسمه. قوله: "فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك" يريد أنه أعجبه إخبار اليهودي عن كتابهم بنظير ما أخبر به من جهة الوحي وكان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فكيف بموافقتهم فيما أنزل عليه. قوله: "حتى بدت نواجذه" بالنون والجيم والذال المعجمة جمع ناجذ وهو آخر الأضراس ولكل إنسان أربع نواجذ. وتطلق النواجذ أيضا على الأنياب والأضراس. قوله: "ثم قال" في رواية الكشميهني: "فقال". قوله: "ألا أخبرك" في رواية مسلم: "ألا أخبركم". قوله: "بإدامهم" أي ما يؤكل به الخبز. قوله: "بالام" بفتح الموحدة بغير همز و قوله: "ونون" أي بلفظ أول السورة. قوله: "قالوا" أي الصحابة وفي رواية مسلم: "فقالوا" قوله: "ما هذا" في رواية الكشميهني: "وما هذا" بزيادة واو. قوله: "قال ثور ونون" قال الخطابي هكذا رووه لنا وتأملت النسخ المسموعة من البخاري من طريق حماد ابن شاكر وإبراهيم بن معقل والفربري فإذا كلها على نحو واحد. قلت: وكذا عند مسلم وكذا أخرجه الإسماعيلي وغيره قال الخطابي: فأما نون فهو الحوت على ما فسر في الحديث وأما بالام فدل التفسير من اليهودي على أنه اسم للثور وهو لفظ مبهم لم ينتظم ولا يصح أن يكون على التفرقة اسما لشيء فيشبه أن يكون اليهودي أراد أن يعمى الاسم فقطع الهجاء وقدم أحد الحرفين وإنما هو في حق الهجاء لام ياء هجاء لأي بوزن لعى وهو الثور الوحشي وجمعه آلاء بثلاث همزات وزن أحبال فصحفوه فقالوا بالام بالموحدة وإنما هو بالياء آخر الحروف وكتبوه بالهجاء فأشكل الأمر. هذا أقرب ما يقع لي فيه إلا أن يكون إنما عبر عنه بلسانه ويكون ذلك بلسانهم وأكثر العبرانية فيما يقوله أهل المعرفة مقلوب على لسان العرب بتقديم في الحروف وتأخير والله أعلم بصحته. وقال عياض: أورد الحميدي في اختصاره يعني الجمع بين الصحيحين هذا الحديث بلفظ باللأي بكسر الموحدة وألف وصل ولام ثقيلة بعدها همزة مفتوحة خفيفة بوزن الرحى واللأي الثور الوحشي قال: ولم أر أحدا رواه كذلك فلعله من إصلاحه وإذا كان هكذا بقيت الميم زائدة إلا أن يدعي أنها حرفت عن الياء المقصورة قال: وكل هذا غير مسلم لما فيه من التكلف والتعسف قال: وأولى ما يقال في هذا أن تبقى الكلمة على ما وقع لي الرواية ويحمل على أنها عبرانية ولذلك سأل الصحابة اليهودي عن تفسيرها ولو كان اللأي لعرفوها لأنها من لسانهم. وجزم النووي بهذا فقال: هي لفظة عبرانية معناها ثور. قوله: "يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا" قال عياض زيادة الكبد وزائدتها هي القطعة المنفردة المتعلقة بها وهي أطيبه ولهذا خص بأكلها السبعون ألفا ولعلهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب فضلوا بأطيب النزل ويحتمل أن يكون عبر بالسبعين عن العدد الكثير ولم يرد الحصر فيها وقد تقدم في أبواب الهجرة قبيل المغازي في مسائل عبد الله بن سلام أن أول طعام يأكله أهل الجنة له زيادة كبد الحوت وأن عند مسلم في حديث ثوبان "تحفة أهل الجنة زيادة
ـــــــ
1 بياض بالأصل.

(11/374)


كبد النون" وفيه: "غذاؤهم على أثرها أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" وفيه: "وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلا" وأخرج ابن المبارك في "الزهد" بسند حسن عن كعب الأحبار: أن الله تعالى يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جزورا وإني أجزركم اليوم حوتا وثورا فيجزر لأهل الجنة". قوله: "محمد بن جعفر" أي ابن أبي كثير وأبو حازم هو سلمة بن دينار. قوله: "يحشر الناس" بضم أوله. فوله "أرض عفراء" قال الخطابي العفر بياض ليس بالناصع وقال عياض: العفر بياض يضرب إلى حمرة قليلا ومنه سمي عفر الأرض وهو وجهها. وقال ابن فارس: معنى عفراء خالصة البياض. وقال الداودي: شديدة البياض. كذا قال والأول هو المعتمد. قوله: "كقرصة النقي" بفتح النون كسر القاف أي الدقيق النقي من الغش والنخال قاله الخطابي. قوله: "قال سهل أو غيره ليس فيها معلم لأحد" هو موصول بالسند المذكور وسهل هو راوي الخبر وأو للشك والغير المبهم لم أقف على تسميته. ووقع هذا الكلام الأخير لمسلم من طريق خالد بن مخلد عن محمد ابن جعفر مدرجا بالحديث ولفظه: "ليس فيها علم لأحد" ومثله لسعيد بن منصور عن ابن أبي حازم عن أبيه والعلم والمعلم بمعنى واحد قال الخطابي: يريد أنها مستوية. والمعلم بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة هو الشيء الذي يستدل به على الطريق. وقال عياض: المراد أنها ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدي بها في الطرقات كالجبل والصخرة البارزة. وفيه تعريض بأرض الدنيا وأنها ذهبت وانقطعت العلاقة منها. وقال الداودي: المراد أنه لا يحوز أحد منها شيئا إلا ما أدرك منها. وقال أبو محمد بن أبي جمرة: فيه دليل على عظيم القدرة والإعلام بجزئيات يوم القيامة ليكون السامع على بصيرة فيخلص نفسه من ذلك الهول لأن في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضة النفس وحملها على ما فيه خلاصها بخلاف مجيء الأمر بغتة وفيه إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدا والحكمة في الصفة المذكورة أن ذلك اليوم يوم عدل وظهور حق فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرا عن عمل المعصية والظلم وليكون تجليه سبحانه على عباده المؤمنين على أرض تليق بعظمته ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده فناسب أن يكون المحل خالصا له وحده. انتهى ملخصا. وفيه إشارة إلى أن أرض الدنيا اضمحلت وأعدمت وأن أرض الموقف تجددت. وقد وقع للسلف في ذلك خلاف في المراد بقوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} هل معنى تبديلها تغيير ذاتها وصفاتها أو تغيير صفاتها فقط وحديث الباب يؤيد الأول. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبري في تفاسيرهم والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} الآية قال: تبدل الأرض أرضا كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة ورجاله رجال الصحيح وهو موقوف؛ وأخرجه البيهقي من وجه آخر مرفوعا وقال: الموقوف أصح وأخرجه الطبري والحاكم من طريق عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود بلفظ: أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة ورجاله موثقون أيضا ولأحمد من حديث أبي أيوب: أرض كالفضة البيضاء قيل فأين الخلق يومئذ؟ قال: هم أضياف الله لن يعجزهم ما لديه. وللطبري من طريق سنان بن سعد عن أنس مرفوعا: يبدلها الله بأرض من فضة لم يعمل عليها الخطايا. وعن علي موقوفا نحوه. ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: أرض كأنها فضة والسماوات كذلك. وعن علي والسماوات من ذهب. وعند عبد من طريق الحكم بن أبان عن

(11/375)


عكرمة قال: بلغنا أن هذه الأرض يعني أرض الدنيا تطوى وإلى جنبها أخرى يحشر الناس منها إليها. وفي حديث الصور الطويل: تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فيبسطها ويسطحها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه الأرض المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى ما كان في بطنها كان في بطنها وما كان على ظهرها كان عليها انتهى. وهذا يؤخذ منه أن ذلك يقع عقب نفخة الصعق بعد الحشر الأول ويؤيده قوله تعالى: {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} . وأما من ذهب إلى أن التغيير إنما يقع في صفات الأرض دون ذاتها فمستنده ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الخلائق. ومن حديث جابر رفعه تمد الأرض مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على الزهري في صحابيه. ووقع في تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} قال: يزاد فيها وينقص منها ويذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وتمد مد الأديم العكاظي وعزاه الثعلبي في تفسيره لرواية أبي هريرة وحكاه البيهقي عن أبي منصور الأزهري وهذا وإن كان ظاهره يخالف القول الأول فيمكن الجمع بأن ذلك كله يقع لأرض الدنيا لكن أرض الموقف غيرها ويؤيده ما وقع في الحديث الذي قبله أن أرض الدنيا تصير خبزة والحكمة في ذلك ما تقدم أنها تعد لأكل المؤمنين منها في زمان الموقف ثم تصير نزلا لأهل الجنة وأما ما أخرجه الطبري من طريق المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود قال: الأرض كلها تأتي يوم القيامة فالذي قبله عن ابن مسعود أصح سندا ولعل المراد بالأرض في هذه الرواية أرض البحر فقد أخرج الطبري أيضا من طريق كعب الأحبار قال: يصير مكان البحر نارا وفي تفسير للربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب: تصير السماوات جفانا ويصير مكان البحر نارا وأخرج البيهقي في "البعث" من هذا الوجه في قوله تعالى: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} قال: يصيران غبرة في وجوه الكفار. قلت: ويمكن الجمع بأن بعضها يصير نارا وبعضها غبارا وبعضها يصير خبزة وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة أنها "سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} أين يكون الناس حينئذ؟ قال: "على الصراط" وفي رواية الترمذي "على جسر جهنم" ولأحمد من طريق ابن عباس عن عائشة "على متن جهنم" وأخرج مسلم أيضا من حديث ثوبان مرفوعا: "يكونون في الظلمة دون الجسر" فقد جمع بينها البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط كما سيأتي بيانه في ترجمة مستقلة وأن في قوله على الصراط مجازا لكونهم يجاوزونه لأن في حديث ثوبان زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها وكان ذلك عند الزجرة التي تقع عند نقلهم من أرض الدنيا إلى أرض الموقف ويشير إلى ذلك قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} واختلف في السماوات أيضا فتقدم قول من قال إنها تصير جفانا وقيل إنها إذا طويت تكور شمسها وقمرها وسائر نجومها وتصير تارة كالمهل وتارة كالدهان وأخرج البيهقي في "البعث" من طريق السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: السماء تكون ألوانا كالمهل وكالدهان وواهية وتشقق فتكون حالا بعد حال وجمع بعضهم بأنها تنشق أولا فتصير كالوردة وكالدهان وواهية وكالمهل وتكور الشمس والقمر وسائر النجوم ثم تطوى السماوات وتضاف إلى الجنان ونقل القرطبي في "التذكرة" عن أبي الحسن بن حيدرة صاحب "الإفصاح" أنه جمع بين هذه الأخبار بأن تبديل السماوات والأرض يقع مرتين إحداهما تبدل

(11/376)


صفاتهما فقط وذلك عند النفخة الأولى فتنثر الكواكب وتخسف الشمس والقمر وتصير السماء كالمهمل وتكشط عن الرءوس وتسير الجبال وتموج الأرض وتنشق إلى أن تصير الهيئة غير الهيئة ثم بين النفختين تطوى السماء والأرض وتبدل السماء والأرض إلى آخر كلامه في ذلك والعلم عند الله تعالى.

(11/377)


باب الحشر
...
بعض "وللنسائي والحاكم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة "قلت: يا رسول الله فكيف بالعورات؟ قال: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} وللترمذي والحاكم من طريق عثمان بن عبد الرحمن القرظي "قرأت عائشة {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فقالت: واسوأتاه الرجال والنساء يحشرون جميعا ينطر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال: لكل امرئ الآية وزاد: لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض" ولابن أبي الدنيا من حديث أنس قال: "سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم كيف يحشر الناس؟ قال: "حفاة عراة" . قالت: واسوأتاه قال قد نزلت على آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا: لكل امرئ الآية" وفي حديث سودة عند البيهقي والطبراني نحوه أخرجاه من طريق أبي أويس عن محمد بن أبي عياش عن عطاه بن يسار عنها وأخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط من رواية عبد الجبار بن سليمان عن محمد بهذا الإسناد فقال: "عن أم سلمة" بدل سودة. قوله: "حدثنا غندر" هو محمد بن جعفر وقع كذلك في رواية مسلم عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار شيخ البخاري فيه كلاهما عنه. قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن عمرو بن ميمون" صرح يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق بسماعه من عمرو بن ميمون وسيأتي في الأيمان والنذور. قوله: "عن عبد الله" هو ابن مسعود ووقع في رواية يوسف المذكورة "حدثني عبد الله بن مسعود". قوله: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم" زاد مسلم عن محمد بن المثنى "نحوا من أربعين رجلا" وفي رواية يوسف المذكورة "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مضيف ظهره إلى قبة من آدم يماني" ولمسلم من رواية مالك ابن مغول عن أبي إسحاق "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسند ظهره إلى قبة من أدم" وللإسماعيلي من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق "أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره بمنى إلى قبة من أدم". قوله: "أترضون" في رواية يوسف "إذ قال لأصحابه ألا ترضون" وفي رواية إسرائيل "أليس ترضون" وفي رواية مالك بن مغول "أتحبون" قال ابن التين: ذكره بلفظ الاستفهام لإرادة تقرير البشارة بذلك وذكره بالتدريج ليكون أعظم لسرورهم. قوله: "قلنا نعم" في رواية يوسف "قالوا بلى" ولمسلم من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق "فكبرنا في الموضعين" ومثله في حديث أبي سعيد الآتي في الباب الذي يليه وزاد: "فحمدنا" وفي حديث ابن عباس "ففرحوا" وفي ذلك كله دلالة على أنهم استبشروا بما بشرهم به فحمدوا الله على نعمته العظمى وكبروه استعظاما لنعمته بعد استعظامهم لنقمته. قوله: "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" في رواية أبي الأحوص وإسرائيل "فقال والذي نفس محمد بيده" وقال: "نصف" بدل "شطر" وفي حديث أبي سعيد "إني لأطمع" بدل "لأرجو" ووقع لهذا الحديث سبب يأتي التنبيه عليه عند شرح حديث أبي سعيد وزاد الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في نحو حديث أبي سعيد "وإني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة" ولا تصح هذه الزيادة لأن الكلبي واه ولكن أخرج أحمد وابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة قال: "لما نزلت {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} شق ذلك على الصحابة فنزلت {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل ثلث أهل الجنة بل أنتم نصف أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف الثاني" وأخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: "أنتم ربع أهل الجنة أنتم ثلث أهل الجنة أنتم نصف أهل الجنة أنتم ثلثا أهل الجنة" وأخرج الخطيب في "المبهمات" من مرسل مجاهد نحو حديث الكلبي وفيه مع إرساله أبو حذيفة إسحاق بن بشر أحد

(11/287)


باب قوله عزوجل { إن زلزلة الساعة شيء عظيم }
...
46 - باب قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} أَزِفَتْ الْآزِفَةُ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ
6530- حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَقُولُ اللَّهُ يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ قَالَ يَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ قَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لاَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لاَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ"
قوله: "باب إن زلزلة الساعة شيء عظيم" أشار بهذه الترجمة إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الأول أنه صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية عند ذكر الحديث والزلزلة الاضطراب وأصله من الزلل وفي تكرير الزاي فيه تنبيه على ذلك.

(11/388)


والساعة في الأصل جزء من الزمان واستعيرت ليوم القيامة كما تقدم في "باب سكرات الموت" وقال الزجاج: معنى الساعة الوقت الذي تقوم فيه القيامة إشارة إلى أنها ساعة خفيفة يقع فيها أمر عظيم وقيل سميت ساعة لوقوعها بغتة أو لطولها أو لسرعة الحساب فيها أو لأنها عند الله خفيفة مع طولها على الناس. قوله: "أزفت الآزفة: اقتربت الساعة" هو من الأزف بفتح الزاي وهو القرب يقال أزف كذا أي قرب وسميت الساعة آزفة لقربها أو لضيق وقتها واتفق المفسرون على أن معنى أزفت اقتربت أو دنت. قوله: "جرير" هو ابن عبد الحميد. قوله: "عن الأعمش عن أبي صالح" في رواية أبي أسامة في بدء الخلق وحفص بن غياث في تفسير سورة الحج كلاهما "عن الأعمش حدثنا أبو صالح" وهو ذكوان وأبو سعيد هو الخدري. قوله: "يقول الله" كذا وقع للأكثر غير مرفوع وبه جزم أبو نعيم في "المستخرج" وفي رواية كريمه بإثبات قوله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" وكذا وقع لمسلم عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير بسند البخاري فيه ونحوه في رواية أبي أسامة وحفص وقد ظهر من حديث أبي هريرة الذي قبله أن خطاب آدم بذلك أول شيء يقع يوم القيامة ولفظه: "أول من يدعي يوم القيامة آدم عليه السلام فتراءى ذريته" بمثناة واحدة ومد ثم همزة مفتوحة ممالة وأصله فتتراءى فحذفت إحدى التاءين وتراءى الشخصان تقابلا بحيث صار كل منهما يتمكن من رؤية الآخر ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق الدراوردي عن ثور "فتتراءى له ذريته" على الأصل وفي حديث أبي هريرة "فيقال هذا أبوكم" وفي رواية الدراوردي "فيقولون هذا أبوكم". قوله: "فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك" في الاقتصار على الخير نوع تعطيف ورعاية للأدب وإلا فالشر أيضا بتقدير الله كالخير. قوله: "أخرج بعث النار" في حديث أبي هريرة "بعث جهنم من ذريتك" وفي رواية أحمد "نصيب" بدل "بعث" والبعث بمعنى المبعوث وأصلها في السرايا التي يبعثها الأمير إلى جهة من الجهات للحرب وغيرها ومعناها هنا ميز أهل النار من غيرهم وإنما خص بذلك آدم لكونه والد الجميع ولكونه كان قد عرف أهل السعادة من أهل الشقاء فقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وعن يمينه أسودة وعن شماله أسودة الحديث كما تقدم في حديث الإسراء وقد أخرج ابن أبي الدنيا من مرسل الحسن قال: "يقول الله لآدم: يا آدم أنت اليوم عدل بيني وبين ذريتك قم فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم". قوله: "قال وما بعث النار" الواو عاطفة على شيء محذوف تقديره سمعت وأطعت وما بعث النار أي وما مقدار مبعوث النار وفي حديث أبي هريرة "فيقول يا رب كم أخرج". قوله: "من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين" في حديث أبي هريرة "من كل مائة تسعة وتسعين" قال الإسماعيلي: في حديث أبي سعيد "من كل ألف واحد" وكذا في حديث غيره ويشبه أن يكون حديث ثور يعني راويه عن أبي الغيث عن أبي هريرة وهما. قلت: ولعله يريد بقوله غيره ما أخرجه الترمذي من وجهين عن الحسن البصري عن عمران بن حصين نحوه وفي أوله زيادة قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فرفع صوته بهاتين الآيتين: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم - إلى شديد فحث أصحابه المطي فقال: هل تدرون أي يوم ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " ذاك يوم ينادي الله آدم" فذكر نحو حديث أبي سعيد وصححه وكذا الحاكم وهذا سياق قتادة عن الحسن من رواية هشام الدستوائي عنه ورواه معمر عن قتادة فقال عن أنس أخرجه الحاكم أيضا ونقل عن الذهلي أن الرواية الأولى هي المحفوظة وأخرجه البزار والحاكم أيضا من طريق هلال بن خباب بمعجمة وموحدتين الأولى ثقيلة عن عكرمة

(11/389)


عن ابن عباس قال: "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ثم قال: هل تدرون" فذكر نحوه وكذا وقع في حديث عبد الله بن عمر وعند مسلم رفعه: "يخرج الدجال - إلى أن قال - ثم ينفخ في الصور أخرى فإذا هم قيام ينظرون ثم يقال: أخرجوا بعث النار" وفيه: " فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. فذاك يوم يجعل الولدان شيبا" وكذا رأيت هذا الحديث في مسند أبي الدرداء بمثل العدد المذكور رويناه في "فوائد طلحة بن الصقر" وأخرجه ابن مردويه من حديث أبي موسى نحوه فاتفق هؤلاء على هذا العدد ولم يستحضر الإسماعيلي لحديث أبي هريرة متابعا وقد ظفرت به في مسند أحمد فإنه أخرج من طريق أبي إسحاق الهجري وفيه مقال عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود نحوه. وأجاب الكرماني بأن مفهوم العدد لا اعتبار له فالتخصيص بعدد لا يدل على نفي الزائد والمقصود من العددين واحد وهو تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين. قلت: ومقتضى كلامه الأول تقديم حديث أبي هريرة على حديث أبي سعيد فإنه يشتمل على زيادة فإن حديث أبي سعيد يدل على أن نصيب أهل الجنة من كل ألف واحد وحديث أبي هريرة يدل على عشرة فالحكم للزائد ومقتضى كلامه الأخير أن لا ينظر إلى العدد أصلا بل القدر المشترك بينهما ما ذكره من تقليل العدد وقد فتح الله تعالى في ذلك بأجوبة أخر وهو حمل حديث أبي سعيد ومن وافقه على جميع ذرية آدم فيكون من كل ألف واحد حمل حديث أبي هريرة ومن وافقه على من عدا يأجوج ومأجوج فيكون من كل ألف عشرة ويقرب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة ويحتمل أن يكون الأول يتعلق بالخلق أجمعين والثاني بخصوص هذه الأمة ويقربه قوله في حديث أبي هريرة "إذا أخذ منا" لكن في حديث ابن عباس "وإنما أمتي جزء من ألف جزء" ويحتمل أن تقع القسمة مرتين مرة من جميع الأمم قبل هذه الأمة فيكون من كل ألف واحد ومرة من هذه الأمة فقط فيكون من كل ألف عشرة ويحتمل أن يكون المراد ببعث النار الكفار ومن يدخلها من العصاة فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كافرا ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصيا والعلم عند الله تعالى. قوله: "فذاك حين يشيب الصغير وتضع وساق إلى قوله شديد" ظاهره أن ذلك يقع في الموقف وقد استشكل بأن ذلك الوقت لا حمل فيه ولا وضع ولا شيب ومن ثم قال بعض المفسرين إن ذلك قبل يوم القيامة لكن الحديث يرد عليه وأجاب الكرماني بأن ذلك وقع على سبيل التمثيل والتهويل وسبق إلى ذلك النووي فقال: فيه وجهان للعلماء فذكرهما وقال: التقدير أن الحال ينتهي أنه لو كانت النساء حينئذ حوامل لوضعت كما تقول العرب "أصابنا أمر يشيب منه الوليد" وأقول يحتمل أن يحمل على حقيقته فإن كل أحد يبعث على ما مات عليه فنبعث الحامل حاملا والمرضع مرضعة والطفل طفلا فإذا وقعت زلزلة الساعة وقيل ذلك لآدم ورأى الناس آدم وسمعوا ما قيل له وقع بهم من الوجل ما يسقط معه الحمل ويشيب له الطفل وتذهل به المرضعة ويحتمل أن يكون ذلك بعد النفخة الأولى وقبل النفخة الثانية ويكون خاصا بالموجودين حينئذ وتكون الإشارة بقوله: "فذاك" إلى يوم القيامة وهو صريح في الآية ولا يمنع من هذا الحمل ما يتخيل من طول المسافة بين قيام الساعة واستقرار الناس في الموقف ونداء آدم لتمييز أهل الموقف لأنه قد ثبت أن ذلك يقع متقاربا كما قال الله تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} يعني أرض الموقف وقال تعالى: {يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} والحاصل أن يوم القيامة يطلق على ما بعد نفخة البعث من أهوال وزلزلة وغير ذلك إلى آخر الاستقرار في الجنة أو النار وقريب

(11/390)


منه ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو في أشراط الساعة إلى أن ذكر النفخ في الصور إلى أن قال: "ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال أخرجوا بعث النار" فذكره قال: "فذاك يوم يجعل الولدان شيبا" ووقع في حديث الصور الطويل عند علي بن معبد وغيره ما يؤيد الاحتمال الثاني وقد تقدم بيانه في "باب النفخ في الصور" وفيه بعد قوله وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتتطاير الشياطين "فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض فيأخذهم لذلك الكرب والهول. ثم تلا الآيتين من أول الحج" الحديث. قال القرطبي في "التذكرة": هذا الحديث صححه ابن العربي فقال: يوم الزلزلة يكون عند النفخة الأولى وفيه ما يكون فيه من الأهوال العظيمة ومن جملتها ما يقال لآدم ولا يلزم من ذلك أن يكون ذلك متصلا بالنفخة الأول بل له محملان. أحدهما أن يكون آخر الكلام منوطا بأوله والتقدير يقال لآدم ذلك في أثناء اليوم الذي يشيب فيه الولدان وغير ذلك وثانيهما أن يكون شيب الولدان عند النفخة الأولى حقيقة والقول لآدم يكون وصفه بذلك إخبارا عن شدته وإن لم يوجد عين ذلك الشيء. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون المعنى أن ذلك حين يقع لا يهم كل أحد إلا نفسه حتى إن الحامل تسقط من مثله والمرضعة إلخ. ونقل عن الحسن البصري في هذه الآية: المعنى أن لو كان هناك مرضعة لذهلت. وذكر الحليمي واستحسنه القرطبي أنه يحتمل أن يحيى الله حينئذ حمل كان قد تم خلقه ونفخت فيه الروح فتذهل الأم حينئذ عنه لأنها لا تقدر على إرضاعه إذ لا غذاء هنا ولا لبن، وأما الحمل الذي لم ينفخ فيه الروح فإنه إذا سقط لم يحيى لأن ذلك يوم الإعادة، فمن لم يمت في الدنيا لم يحيى في الآخرة. قوله: "فاشتد ذلك عليهم" في حديث ابن عباس "فشق ذلك على القوم ووقعت عليهم الكآبة والحزن" وفي حديث عمران عند الترمذي من رواية ابن جدعان عن الحسن "فأنشأ المؤمنون يبكون" ومن رواية قتادة عن الحسن "فنبس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة" ونبس بضم النون وكسر الموحدة بعدها مهملة معناه تكلم فأسرع، وأكثر ما يستعمل في النفي. وفي رواية شيبان عن قتادة عند ابن مردويه" أبلسوا" وكذا له نحوه من رواية ثابت عن الحسن. قوله:" وأينا ذلك الرجل" قال الطيبي: يحتمل أن يكون الاستفهام على حقيقته، فكان حق الجواب أن ذلك الواحد فلان أو من يتصف بالصفة الفلانية، ويحتمل أن يكون استعظاما لذلك الأمر واستشعارا للخوف منه، فلذلك وقع الجواب بقوله: "أبشروا" ووقع في حديث أبي هريرة "فقالوا يا رسول الله إذا أخذ منا من كل مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى" وفي حديث أبي الدرداء "فبكى أصحابه". قوله: "فقال أبشروا" في حديث ابن عباس اعملوا وأبشروا، وفي حديث عمران مثله، وللترمذي من طريق ابن جدعان "قاربوا وسددوا" ونحوه في حديث أنس. قوله: "فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل" ظاهره زيادة واحد عما ذكر من تفصيل الألف فيحتمل أن يكون من جبر الكسر، والمراد أن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين أو ألفا إلا واحدا، وأما قوله: "ومنكم رجل" تقديره والمخرج منكم أو ومنكم رجل مخرج، ووقع في بعض الشروح أن لبعض الرواة "فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألفا" بالنصب فيهما على المفعول بإخراج المذكور في أول الحديث، أي فإنه يخرج كذا، وروى بالرفع على خبر إن واسمها مضمر قبل المجرور، أي فإن المخرج منكم رجل، قلت: والنصب أيضا على اسم إن صريحا في الأول وبتقدير في الثاني، وهو أولى من الذي قاله فإن فيه تكلفا، ووقع في رواية الأصيلي بالرف في ألف وحده وبالنصب في رجلا ولأبي ذر بالعكس. وفي رواية مسلم بالرفع فيهما، قال النووي: هكذا

(11/391)


في جميع الروايات والتقدير فإنه فحذف الهاء وهي ضمير الشأن وذلك مستعمل كثيرا، ووقع في حديث ابن عباس "وإنما أمتي جزء من ألف جزء" قال الطيبي: فيه إشارة إلى أن يأجوج ومأجوج داخلون في العدد المذكور والوعيد كما يدل قوله: "ربع أهل الجنة" على أن في غير هذه الأمة أيضا من أهل الجنة. وقال القرطبي: قوله: "من يأجوج ومأجوج ألف" أي منهم وممن كان على الشرك مثلهم، وقوله: "ومنكم رجل" يعني من أصحابه ومن كان مؤمنا مثلهم. قلت: وحاصله أن الإشارة بقوله: "منكم" إلى المسلمين من جميع الأمم، وقد أشار إلى ذلك في حديث ابن مسعود بقوله: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة". قوله: "ثم قال والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة" تقدم في الباب قبله من حديث ابن مسعود "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة" وكذا في حديث ابن عباس، وهو محمول على تعدد القصة، فقد تقدم أن القصة التي في حديث ابن مسعود وقعت وهو صلى الله عليه وسلم في قبته بمنى، والقصة التي في حديث أبي سعيد وقعت وهو صلى الله عليه وسلم سائر على راحلته، ووقع في رواية ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره في غزوة بني المصطلق" ومثله في مرسل مجاهد عند الخطيب في "المبهمات" كما سيأتي التنبيه عليه في "باب من يدخل الجنة بغير حساب". ثم ظهر لي أن القصة واحدة وأن بعض الرواة حفظ فيه ما لم يحفظ الآخر، إلا أن قول من قال كان ذلك في غزوة بني المصطلق واه والصحيح ما في حديث ابن مسعود وأن ذلك كان بمنى، وأما ما وقع في حديثه أنه قال ذلك وهو في قبته فيجمع بينه وبين حديث عمران بأن تلاوته الآية وجوابه عنها اتفق أنه كان وهو سائر، ثم قوله: "إني لأطمع إلخ" وقع بعد أن نزل وقعد بالقبة، وأما زيادة الربع قبل الثلث فحفظها أبو سعيد وبعضهم لم يحفظ الربع، وقد تقدمت سائر مباحثه في الحديث الخامس من الباب الذي قبله.

(11/392)


47 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ} قَالَ الْوُصُلاَتُ فِي الدُّنْيَا
6531- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ "يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ"
6532- حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ"
قوله: "باب قول الله تعالى ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين" كأنه أشار بهذه الآية إلى ما أخرجه هناد بن السري في الزهد من طريق عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن عمرو قال: "قال له رجل: إن أهل المدينة ليوفون الكيل، فقال: وما يمنعهم وقد قال الله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} إلى قوله: يوم

(11/392)


يقوم الناس لرب العالمين، قال: إن العرق ليبلغ أنصاف آذانهم من هول يوم القيامة" وهذا لما لم يكن على شرطه أشار إليه، وأورد حديث ابن عمر المرفوع في معناه، وأصل البعث إثارة الشيء عن جفاء وتحريكه عن سكون، والمراد به هنا إحياء الأموات وخروجهم من قبورهم ونحوها إلى حكم يوم القيامة.قوله: "قال ابن عباس: وتقطعت بهم الأسباب قال: الوصلات في الدنيا" بضم الواو والصاد المهملة. وقال ابن التين: ضبطناه يفتح الصاد وبضمها وبسكونها. وقال أبو عبيدة: الأسباب هي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا واحدتها وصلة، وهذا الأثر لم أظفر به عن ابن عباس بهذا اللفظ، وقد وصله عبد بن حميد والطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عباس قال: المودة، وهو بالمعنى. وكذا أخرجه عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وللطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: تقطعت بهم المنازل، ومن طريق الربيع بن أنس مثله، وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن الربيع عن أبي العالية قال يعني أسباب الندامة، وللطبري من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: الأسباب الأرحام، وهذا منقطع. ولابن أبي حاتم من طريق الضحاك قال: تقطعت بهم الأرحام وتفرقت بهم المنازل في النار. وورد بلفظ التواصل والمواصلة أخرجه الثلاثة المذكرون أيضا من طريق عبيد المكتب عن مجاهد قال: تواصلهم في الدنيا. وللطبري من طريق جريج عن مجاهد قال: تواصل كان بينهم بالمودة في الدنيا. وله من طريق سعيد ولعبد من طريق شيبان كلاهما عن قتادة قال: الأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها ويتحابون فصارت عداوة يوم القيامة. وللطبري من طريق معمر عن قتادة قال: هو الوصل الذي كان بينهم في الدنيا. ولعبد من طريق السدي عن أبي صالح قال: الأعمال. وهو عند الطبري عن السدي من قوله، قال الطبري: الأسباب جمع سبب وهو كل ما يتسبب به إلى طلبة وحاجة، فيقال للحبل سبب لأنه يتوصل به إلى الحاجة التي يتعلق به إليها، وللطريق سبب للتسبب بركوبه إلى ما لا يدرك إلا بقطعه، وللمصاهرة سبب للحرمة وللوسيلة سبب للوصول بها إلى الحاجة. وقال الراغب: السبب: الحبل، وسمي كل ما يتوصل به إلى شيء سببا، ومنه {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} أي أصل إلى الأسباب الحادثة في السماء فأتوصل بها إلى معرفة ما يدعيه موسى، ويسمى العمامة والخمار والثوب الطويل سببا تشبيها بالحبل وكذا منهج الطريق لشبهه بالحبل، وبالثوب الممدود أيضا. حديث ابن عمر "عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم يقوم الناس لرب العالمين قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" في رواية صالح بن كيسان عن نافع عند مسلم حتى يغيب أحدهم، وكذا تقدم في تفسير {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} من طريق مالك عن نافع، والرشح بفتح الراء وسكون الشين المعجمة بعدهما مهملة هو العرق شبه برشح الإناء لكونه يخرج من البدن شيئا فشيئا، وهذا ظاهر في أن العرق يحصل لكل شخص من نفسه، وفيه تعقب على من جوز أن يكون من عرقه فقط أو من عرقه وعرق غيره. وقال عياض: يحتمل أن يريد عرق الإنسان نفسه بقدر خوفه مما يشاهده من الأهوال، ويحتمل أن يريد عرقه وعرق غيره فيشدد على بعض ويخفف على بعض وهذا كله بتزاحم الناس وانضمام بعضهم إلى بعض حتى صار العرق يجري سائحا في وجه الأرض كالماء في الوادي بعد أن شربت منه الأرض وغاص فيها سبعين ذراعا. قلت: واستشكل بأن الجماعة إذا وقفوا في الماء الذي على أرض معتدلة كانت تغطية الماء لهم على السواء، لكنهم إذا اختلفوا في الطول والقصر تفاوتوا فكيف يكون الكل إلى الأذن؟ والجواب أن ذلك من الخوارق الواقعة يوم القيامة، والأولى أن تكون

(11/393)


الإشارة بمن يصل الماء إلى أذنيه إلى غاية ما يصل الماء، ولا ينفي أن يصل الماء لبعضهم إلى دون ذلك، فقد أخرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر رفعه: "تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، فمنهم من يبلغ عرقه عقبه ومنهم من يبلغ نصف ساقه ومنهم من يبلغ ركبته ومنهم من يبلغ فخذه ومنهم من يبلغ خاصرته ومنهم من يبلغ منكبه ومنهم من يبلغ فاه وأشار بيده فألجمها فاه ومنهم من يغطيه عرقه وضرب بيده على رأسه" وله شاهد عند مسلم من حديث المقداد بن الأسود وليس بتمامه وفيه: "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل فتكون الناس على مقدار أعمالهم في العرق" الحديث فإنه ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم ويتفاوتون في حصوله فيهم. وأخرج أبو يعلى وصححه ابن حبان عن أبي هرة رضي الله عنه "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يوم يقوم الناس لرب العالمين قال: مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى أن تغرب" وأخرجه أحمد وابن حبان نحوه من حديث أبي سعيد والبيهقي في البعث من طريق عبد الله بن الحارث عن أبي هريرة "يحشر الناس قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء فيلجمهم العرق من شدة الكرب". قوله: "حدثني سليمان" هو ابن بلال والسند كل مدنيون. قوله: "يعرق الناس" بفتح الراء وهي مكسورة في الماضي. قوله: "يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم العرق حتى يبلغ آذانهم" في رواية الإسماعيلي من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلان "سبعين باعا" وفي رواية مسلم من طريق الدراوردي عن ثور "وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم شك ثور" وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الذي يلجمه العرق الكافر أخرجه البيهقي في البعث بسند حسن عنه قال: "يشتد كرب ذلك اليوم حتى يلجم الكافر العرق، قيل له: فأين المؤمنون؟ قال علي الكراسي من ذهب ويظلل عليهم الغمام" وبسند قوي عن أبي موسى قال: "الشمس فوق رءوس الناس يوم القيامة وأعمالهم تظلهم" وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة في المصنف واللفظ له بسند جيد عن سلمان قال: "تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس حتى تكون قاب قوسين فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة ثم ترتفع حتى يغرغر الرجل" زاد ابن المبارك في روايته: "ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة" قال القرطبي: المراد من يكون كامل الإيمان لما يدل عليه حديث المقداد وغيره أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم، وفي حديث ابن مسعود عند الطبراني والبيهقي "إن الرجل ليفيض عرقا حتى يسيح في الأرض قامة، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه" وفي رواية عنه عند أبي يعلى وصححها ابن حبان: "إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار" وللحاكم والبزار من حديث جابر نحوه، وهو كالصريح في إن ذلك كله في الموقف، وقد ورد أن التفصيل الذي في حديث عقبة والمقداد يقع مثله لمن يدخل النار، فأخرج مسلم أيضا من حديث سمرة رفعه: "أن منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته وفي رواية إلى حقويه ومنهم من تأخذه إلى عنقه" وهذا يحتمل أن يكون النار فيه مجازا عن شدة الكرب الناشئ عن العرق فيتحد الموردان، ويمكن أن يكون ورد في حق من يدخل النار من الموحدين. فإن أحوالهم في التعذيب تختلف بحسب أعمالهم، وأما الكفار فإنهم في الغمرات. قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر الحديث تعميم الناس بذلك، ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء الله، فأشدهم في العرق الكفار ثم أصحاب الكبائر ثم من بعدهم والمسلمون منهم قليل

(11/394)


بالنسبة إلى الكفار كما تقدم تقريره في حديث بعث النار، قال: والظاهر أن المراد بالذراع في الحديث المتعارف، وقيل هو الذراع الملكي، ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها، وذلك أن النار تحف بأرض الموقف وتدنى الشمس من الرءوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض وماذا يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعا مع أن كل واحد لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فبه، إن هذا لمما يبهر العقول ويدل على عظيم القدوة ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة أن ليس للعقل فيها مجال، ولا يعترض عليها بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه. وفائدة الإخبار بذلك أن يتنبه السامع فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بمنه وكرمه.

(11/395)


48 - باب الْقِصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ الْحَاقَّةُ لِأَنَّ فِيهَا الثَّوَابَ وَحَوَاقَّ الأُمُورِ الْحَقَّةُ وَ الْحَاقَّةُ وَاحِدٌ وَ الْقَارِعَةُ وَالْغَاشِيَةُ وَ الصَّاخَّةُ وَالتَّغَابُنُ غَبْنُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ
6533- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ "سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ"
[الحديث 6533- طرفه في: 6864]
6534- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ"
6535- حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ "أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا"
قوله: "باب القصاص يوم القيامة" القصاص بكسر القاف وبمهملتين مأخوذ من القص وهو القطع، أو من اقتصاص الأثر وهو تتبعه، لأن المقتص يتتبع جناية الجاني ليأخذ مثلها، يقال اقتص من غريمه واقتص الحاكم لفلان من فلان. قوله: "وهي الحاقة" الضمير للقيامة. قوله: "لأن فيها الثواب؛ وحواق الأمور الحقة والحاقة واحد" هذا أخذه من كلام الفراء، قال في "معاني القرآن". الحاقة القيامة، سميت بذلك لأن فيها

(11/395)


الثواب وحواق الأمور، ثم قال: والحقة والحاقة كلاهما بمعنى واحد، قال الطبري: سميت الحاقة لأن الأمور تحق فيها، وهو كقولهم ليل قائم. وقال غيره: سميت الحاقة لأنها أحقت لقوم الجنة ولقوم النار، وقيل لأنها تحاقق الكفار الذين خالفوا الأنبياء، يقال حاققته فحققته أي خاصمته فخصمته، وقيل لأنها حق لا شك فيه. قوله: "والقارعة" هو معطوف على الحاقة، والمراد أنها من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها. قوله: "والغاشية" سميت بذلك لأنها تغشى الناس بأفزاعها أي تعمهم بذلك. قوله: "والصاخة" قال الطبري: أظنه من صخ فلان فلانا إذا أصمه، وسميت بذلك لأن صيحة القيامة مسمعة لأمور الآخرة ومصمة عن أمور الدنيا، وتطلق الصاخة أيضا على الداهية. قوله: "التغابن غبن أهل الجنة أهل النار" غبن بفتح المعجمة والموحدة بعدها نون، والسبب في ذلك أن أهل الجنة ينزلون منازل الأشقياء التي كانت أعدت لهم لو كانوا سعداء، فعلى هذا فالتغابن من طرف واحد، ولكنه ذكر بهذه الصيغة للمبالغة، وقد اقتصر المصنف من أسماء يوم القيامة على هذا القدر، وجمعها الغزالي ثم القرطبي فبلغت نحو الثمانين اسما، فمنها يوم الجمع ويوم الفزع الأكبر ويوم التناد ويوم الوعيد ويوم الحسرة ويوم التلاق ويوم المآب ويوم الفصل ويوم العرض على الله ويوم الخروج ويوم الخلود، ومنها يوم عظيم ويوم عسير ويوم مشهود ويوم عبوس قمطرير، ومنها يوم تبلى السرائر، ومنها يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ويوم يدعون إلى نار جهنم ويوم تشخص فيه الأبصار ويوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ويوم لا ينطقون ويوم لا ينفع مال ولا بنون ويوم لا يكتمون الله حديثا ويوم لا مرد له من الله ويوم لا بيع فيه ولا خلال ويوم لا ريب فيه، فإذا ضمت هذه إلى ما ذكر في الأصل كانت أكثر من ثلاثين اسما معظمها ورد في القرآن بلفظه، وسائر الأسماء المشار إليها أخذت بطريق الاشتقاق بما ورد منصوصا كيوم الصدر من قوله: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً} ويوم الجدال من قوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} ولو تتبع مثل هذا من القرآن زاد على ما ذكر والله أعلم. وذكر في الباب ثلاثة أحاديث. حديث ابن مسعود والسند إليه كوفيون، وشقيق هو ابن سلمة أبو وائل مشهور بكنيته أكثر من اسمه. قوله: "أول ما يقضى بين الناس بالدماء" في رواية الكشميهني:" الدماء" وسيأتي كالأول في الديات من وجه آخر عن الأعمش، ولمسلم والإسماعيلي من طريق أخرى عن الأعمش "بين الناس يوم القيامة في الدماء" أي التي وقعت بين الناس في الدنيا، والمعنى أول القضايا القضاء في الدماء، ويحتمل أن يكون التقدير أول ما يقضى فيه الأمر الكائن في الدماء، ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رفعه: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته" الحديث أخرجه أصحاب السنن لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق، وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين ولفظه: "أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء" وتقدم في تفسير سورة الحج ذكر هذه الأولية بأخص مما في حديث الباب وهو عن على قال: "أنا أول من يحثو للخصومة يوم القيامة" يعني هو ورفيقاه حمزة وعبيدة وخصومهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة الذين بارزوا يوم بدر، قال أبو ذر: فهم نزلت: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} الآية وتقدم شرحه هناك، وفي حديث الصور الطويل عن أبي هريرة رفعه: "أول ما يقضى بين الناس في الدماء، ويأتي كل قتيل قد حمل رأسه فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني" الحديث، وفي حديث نافع بن جبير عن ابن عباس رفعه: "يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى

(11/396)


يديه ملببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يقفا بين يدي الله" الحديث، ونحوه عند ابن المبارك عن عبد الله بن مسعود موقوفا. وأما كيفية القصاص فيما عدا ذلك فيعلم من الحديث الثاني. وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس رفعه: "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يوم القيامة" وفي الحديث عظم أمر الدم، فإن البداءة إنما تكون بالأهم، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك. وقد ورد في التغليظ في أمر القتل آيات كثيرة وآثار شهيرة يأتي بعضها في أول الديات. قوله: "مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري" في رواية ابن وهب عن مالك "حدثني سعيد بن أبي سعيد". قوله: "من كانت عنده مظلمة لأخيه" في رواية الكشميهني: "من أخيه". قوله: "ليس ثم دينار ولا درهم" في حدث ابن عمر رفعه: "من مات وعليه دينار أو درهم قضى من حسناته" أخرجه ابن ماجه، وقد مضى شرحه في كتاب المظالم، والمراد بالحسنات الثواب عليها وبالسيئات العقاب عليها، وقد استشكل إعطاء الثواب وهو لا يتناهى في مقابلة العقاب وهو متناه، وأجيب بأنه محمول على أن الذي يعطاه صاحب الحق من أصل الثواب ما يوازي العقوبة عن السيئة وأما ما زاد على ذلك بفضل الله فإنه يبقى لصاحبه، قال البيهقي سيئات المؤمن على أصول أهل السنة متناهية الجزاء وحسناته غير متناهية الجزاء لأن من ثوابها الخلود في الجنة، فوجه الحديث عندي والله أعلم أنه يعطى خصماء المؤمن المسيء من أجر حسناته ما يوازي عقوبة سيئاته فإن فنيت حسناته أخذ من خطايا خصومه فطرحت عليه ثم يعذب إن لم يعف عنه، فإذا انتهت عقوبة تلك الخطايا أدخل الجنة بما كتب له من الخلود فيها بإيمانه ولا يعطى خصماؤه ما زاد من أجر حسناته على ما قابل عقوبة سيئاته يعني من المضاعفة، لأن ذلك من فضل الله يختص به من وافى يوم القيامة مؤمنا والله أعلم. قال الحميدي في "كتاب الموازنة: الناس ثلاثة" من رجحت حسناته على سيئاته أو بالعكس أو من تساوت حسناته وسيئاته، فالأول فائز بنص القرآن والثاني يقتضى منه بما فضل من معاصيه على حسناته من النفخة إلى آخر من يخرج من النار بمقدار قلة شره وكثرته والقسم الثالث أصحاب الأعراف، وتعقبه أبو طالب عقيل بن عطية في كتابه الذي رد عليه فيه بأن حق العبارة فيه أن يقيد بمن شاء الله أن يعذبه منهم وإلا فالمكلف في المشيئة وصوب الثالث على أحد الأقوال أهل الأعراف قال: وهو أرجح الأقوال فيهم. قلت: قد قال الحميدي أيضا: والحق أن من رجحت سيئاته على حسناته على قسمين من يعذب ثم يخرج من النار بالشفاعة ومن يعفى عنه فلا يعذب أصلا. وعند أبي نعيم من حديث ابن مسعود يؤخذ بيد العبد فينصب على رءوس الناس وينادي مناد: هذا فلان ابن فلان فمن كان له حق فليأت، فيأتون فيقول الرب: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته، فإن كان ناجيا وفضل من حسناته مثقال حبة من خردل ضاعفها الله حتى يدخله بها الجنة. وعند ابن أبي الدنيا عن حذيفة قال: صاحب الميزان يوم القيامة جبريل، يرد بعضهم على بعض، ولا ذهب يومئذ ولا فضة، فيؤخذ من حسنات الظالم فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فردت على الظالم. أخرج أحمد والحاكم من حديث جابر عن عبد الله بن أنيس رفعه: "لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده مظلمة حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قلنا يا رسول الله كيف وإنما نحشر حفاة عراة؟ قال: بالسيئات والحسنات" وعلق البخاري طرفا منه التوحيد كما سيأتي، وفي حديث أبي أمامة في نحو حديث

(11/397)


أبي سعيد "إن الله يقول لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم" وفيه دلالة على موازنة الأعمال يوم القيامة. وقد صنف فيه الحميدي صاحب "الجمع" كتابا لطيفا وتعقب أبو طالب عقيل بن عطية أكثره في كتاب سماه "تحرير المقال في موازنة الأعمال" وفي حديث الباب وما بعده دلالة على ضعف الحديث الذي أخرجه مسلم من رواية غيلان بن جرير عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه رفعه: "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى" فقد ضعفه البيهقي وقال: تفرد به شداد أبو طلحة، والكافر لا يعاقب بذنب غيره لقوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وقد أخرج أصل الحديث مسلم من وجه آخر عن أبي بردة بلفظ: "إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فداؤك من النار" قال البيهقي: ومع ذلك فضعفه البخاري وقال: الحديث في الشفاعة أصح. قال البيهقي: ويحتمل أن يكون الفداء في قوم كانت ذنوبهم كفرت عنهم في حياتهم، وحديث الشفاعة في قوم لم تكفر ذنوبهم، ويحتمل أن يكون هذا القول لهم في الفداء بعد خروجهم من النار بالشفاعة. وقال غيره: يحتمل أن يكون الفداء مجازا عما يدل عليه حديث أبي هريرة الآتي في أواخر "باب صفة الجنة والنار" قريبا بلفظ: "لا يدخل الجنة أحد إلا أرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا" الحديث وفيه في مقابله "ليكون عليه حسرة" فيكون المراد بالفداء إنزال المؤمن في مقعد الكافر من الجنة الذي كان أعد له وإنزال الكافر في مقعد المؤمن الذي كان أعد له، وقد يلاحظ في ذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا} وبذلك أجاب النووي تبعا لغيره. وأما رواية غيلان بن جرير فأولها النووي أيضا تبعا لغيره بأن الله يغفر تلك الذنوب للمسلمين، فإذا سقطت عنهم وضعت على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم فيعاقبون بذنوبهم لا بذنوب المسلمين ويكون قوله: "ويضعها" أي يضع مثلها لأنه لما أسقط عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار سيئاتهم صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين لكونهم انفردوا بحمل الإثم الباقي وهو إثمهم، ويحتمل أن يكون المراد آثاما كانت الكفار سببا فيها بأن سنوها فلما غفرت سيئات المؤمنين بقيت سيئات الذي سن تلك السنة السيئة باقية لكون الكافر لا يغفر له، فيكون الوضع كناية عن إبقاء الذنب الذي لحق الكافر بما سنه من عمله السيئ، ووضعه عن المؤمن الذي فعله بما من الله به عليه من العفو والشفاعة سواء كان ذلك قبل دخول النار أو بعد دخولها والخروج منها بالشفاعة وهذا الثاني أقوى والله أعلم. قوله: "حدثنا الصلت بن محمد" بفتح الصاد المهملة وسكون اللام بعدها تاء مثناة من فوق وهو الخاركي بخاء معجمة وكاف. قوله:" حدثنا بن زريع" {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} قال حدثنا سعيد" أي قرأ يزيد هذه الآية وفسرها بالحديث المذكور، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع بهذا السند إلى أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} قال: "يخلص المؤمنون" الحديث وظاهره أن تلاوة الآية مرفوع فإن كان محفوظا احتمل أن يكون كل من رواته تلا الآية عند إيراد الحديث فاختصر ذلك في رواية الصلت ممن فوق يزيد بن زريع، وقد أخرجه الطبري من رواية عفان عن يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة في هذه الآية فذكرها قال حدثنا قتادة فذكره، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شعيب بن إسحاق عن سعيد، ورواه عبد الوهاب بن عطاء وروح بن عبادة عن سعيد فلم يذكر الآية أخرجه ابن مردويه، وأبو المتوكل الناجي بالنون اسمه علي بن داود، ورجال السند كلهم بصريون،

(11/398)


وصرح قتادة بالتحديث في هذا الحديث في رواية مضت في المظالم، وكذا الرواية المعلقة ليونس بن محمد عن شيبان عن قتادة ووصلها ابن منده، وكذا أخرجها عبد بن حميد في تفسيره عن يونس بن محمد، وكذا في رواية شعيب بن إسحاق عن سعيد ورواية بشر بن خالد وعفان عن يزيد بن زريع. قوله: "إذا خلص المؤمنون من النار" أي نجوا من السقوط فيها بعدما جازوا على الصراط، ووقع في رواية هشام عن قتادة عند المصنف في المظالم "إذا خلص المؤمنون من جسر جهنم" وسيأتي في حديث الشفاعة كيفية مرورهم على الصراط، قال القرطبي: هؤلاء المؤمنون هم الذين علم الله أن القصاص لا يستنفد حسناتهم. قلت: ولعل أصحاب الأعراف منهم على القول المرجح آنفا، وخرج من هذا صنفان من المؤمنين: من دخل الجنة بغير حساب؛ ومن أوبقه عمله. قوله: "فيحبسون على قنطرة الجنة والنار" سيأتي أن الصراط جسر موضوع على متن جهنم وأن الجنة وراء ذلك فيمر عليه الناس بحسب أعمالهم، فمنهم الناجي وهو من زادت حسناته على سيئاته أو استويا أو تجاوز الله عنه، ومنهم الساقط وهو من رجحت سيئاته على حسناته إلا من تجاوز الله عنه، فالساقط من الموحدين يعذب ما شاء الله ثم يخرج بالشفاعة وغيرها، والناجي قد يكون عليه تبعات وله حسنات توازيها أو تزيد عليها فيؤخذ من حسناته ما يعدل تبعاته فيخلص منها. واختلف في القنطرة المذكورة فقيل هي من تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة، وقيل إنهما صراطان، وبهذا الثاني جزم القرطبي، وسيأتي صفة الصراط في الكلام على الحديث الذي في "باب الصراط حسر جهنم" في أواخر كتاب الرقاق. قوله: "فيقتص لبعضهم من بعض" بضم أوله على البناء للمجهول للأكثر. وفي رواية الكشميهني بفتح أوله فتكون اللام على هذه الرواية زائدة، أو الفاعل محذوف وهو الله أو من أقامه في ذلك. وفي رواية شيبان "فيقتص بعضهم من بعض". قوله: "حتى إذا هذبوا ونقوا" بضم الهاء وبضم النون وهما بمعنى التمييز والتخليص من التبعات. قوله: "أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده" هذا ظاهره أنه مرفوع كله وكذا في سائر الروايات إلا في رواية عفان عند الطبري أبي فإنه جعل هذا من كلام قتادة فقال بعد قوله: "في دخول الجنة" قال: وقال قتادة "والذي نفسي بيده لأحدهم أهدي إلخ" وفي رواية شعيب بن إسحاق بعد قوله: "في دخول الجنة" قال: فوالذي نفسي بيده إلخ فأبهم القائل، فعلى رواية عفان يكون هو قتادة وعلى رواية غيره يكون هو النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد محمد بن المنهال عند الإسماعيلي. قال قتادة: كان يقال ما يشبه بهم إلا أهل الجمعة إذا انصرفوا من جمعتهم. وهكذا عند عبد الوهاب وروح وفي رواية بشر بن خالد وعفان جميعا عند الطبري قال: "وقال بعضهم" فذكره وكذا في رواية شعيب بن إسحاق ويونس بن محمد، والقائل "وقال بعضهم" هو قتادة ولم أقف على تسمية القائل. قوله: "لأحدهم أهدي بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا" قال الطيبي "أهدي" لا يتعدى بالباء بل باللام أو إلى، فكأنه ضمن معنى اللصوق بمنزله هاديا إليه، ونحوه قوله تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} الآية فإن المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم إلى طريق الجنة، فأقام {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} إلى آخرها بيانا وتفسيرا، لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها. قلت: ولأصل الحديث شاهد من مرسل الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عنه قال: "بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا ويدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل" قال القرطبي: وقع في حديث عبد الله بن سلام أن الملائكة تدلهم على طريق الجنة يمينا وشمالا، وهو محمول على من لم يحبس

(11/399)


بالقنطرة أو على الجميع، والمراد أن الملائكة تقول ذلك لهم قبل دخول الجنة، فمن دخل كانت معرفته بمنزله فيها كمعرفته بمنزله في الدنيا. قلت: ويحتمل أن يكون القول بعد الدخول مبالغة في التبشير والتكريم، وحديث عبد الله بن سلام المذكور أخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد وصححه الحاكم.

(11/400)


49 - باب مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ
6536- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ "عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ" قَالَتْ قُلْتُ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} قَالَ ذَلِكِ الْعَرْضُ. حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.."
وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ وَأَيُّوبُ وَصَالِحُ بْنُ رُسْتُمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
6537- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ "حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ عُذِّبَ"
6538- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ "حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ يُجَاءُ بِالْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ"
6539- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي خَيْثَمَةُ "عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ثُمَّ يَنْظُرُ فَلاَ يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"
6540- قَالَ الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عَمْرٌو عَنْ خَيْثَمَةَ "عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا النَّارَ" ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثُمَّ قَالَ "اتَّقُوا النَّارَ" ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثَلاَثًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ"

(11/400)


قوله: "باب من نوقش الحساب عذب" هو من النقش وهو استخراج الشوكة وتقدم بيانه في الجهاد؛ والمراد بالمناقشة الاستقصاء في المحاسبة والمطالبة بالجليل والحقير وترك المسامحة، يقال انتقشت منه حقي أي استقصيته. قوله: "عن ابن أبي مليكة عن عائشة" قال الدار قطني: رواه حاتم بن أبي صغيرة عن عبد الله ابن أبي مليكة فقال: "حدثني القاسم بن محمد حدثتني عائشة" وقوله أصح لأنه زاد، وهو حافظ متقن. وتعقبه النووي وغيره بأنه محمول على أنه سمع من عائشة وسمعه من القاسم عن عائشة فحدث به على الوجهين. قلت: وهذا مجرد احتمال، وقد وقع التصريح بسماع ابن أبي مليكة له عن عائشة في بعض طرقه كما في السند الثاني من هذا الباب فانتفى التعليل بإسقاط رجل من السند، وتعين الحمل على أنه سمع من القاسم عن عائشة ثم سمعه من عائشة بغير واسطة أو بالعكس، والسر فيه أن في روايته بالواسطة ما ليس في روايته بغير واسطة وإن كان مؤداهما واحدا، وهذا هو المعتمد بحمد الله. قوله: "عن النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية عبد بن حميد عن عبد الله بن موسى شيخ البخاري فيه: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم". قوله: "قالت قلت أليس يقول الله تعالى فسوف يحاسب" في رواية عبد "قلت يا رسول الله إن الله يقول: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - إلى قوله: حِسَاباً يَسِيراً} " ولأحمد من وجه آخر عن عائشة "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حسابا يسيرا، فلما انصرف قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه؛ إن من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك" قوله في السند الثاني "مثله" تقدم في تفسير سورة انشقت بهذا السند ولم يسق لفظه أيضا، وأورده الإسماعيلي من رواية أبكر بن خلاد عن يحيى بن سعيد فقال مثل حديث عبيد الله بن موسى سواء. قوله: "تابعه ابن جريح ومحمد بن سليم وأيوب وصالح بن رستم عن ابن أبي مليكة عن عائشة" قلت متابعة ابن جريح ومحمد بن سليم وصلهما أبو عوانة في صحيحه من طريق أبي عاصم عن ابن جريج وعثمان بن الأسود ومحمد بن سليم كلهم عن ابن أبي مليكة عن عائشة به. "تنبيهان": أحدهما اختلف على ابن جريح في سند هذا الحديث، فأخرجه ابن مردويه من طريق أخرى عن ابن جريج عن عطاء عن عائشة مختصرا ولفظه: "من حوسب يوم القيامة عذب". ثانيهما محمد بن سليم هذا جزم أبو علي الجياني بأنه أبو عثمان المكي وقال: استشهد به البخاري في الرقاق، وفرق بينه وبين محمد بن سليم البصري وهو أبو هلال الراسبي استشهد به البخاري في التعبير، وأما المزي فلم يذكر أبا عثمان في التهذيب بل اقتصر على ذكر أبي هلال وعلم علامة التعليق على اسمه في ترجمة ابن أبي مليكة وهو الذي هنا وعلى محمد بن سيرين وهو الذي في التعبير، والذي يظهر تصويب أبي علي. ومحمد بن سليم أبو عثمان المذكور ذكره البخاري في التاريخ فقال: يروى عن ابن أبي مليكة وروى عنه وكيع. وقال ابن أبي حاتم روى عنه أبو عاصم ونقل عن إسحاق ابن منصور عن يحيى بن معين قال هو ثقة. وقال أبو حاتم صالح، وذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة من الثقات. وأما متابعة أيوب فوصلها المؤلف في التفسير من رواية حماد بن زيد عن أيوب ولم يسق لفظه، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه عن إسماعيل القاضي عن سليمان شيخ البخاري فيه ولفظه: "من حوسب عذب. قالت عائشة: فقلت يا رسول الله فأين قول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} قال: ذاك العرض، ولكنه من نوقش الحساب عذب" وأخرجه من طريق همام عن أيوب بلفظ: "من نوقش عذب فقالت كأنها تخاصمه فذكر نحوه وزاد في آخره: قالها ثلاث مرات" وأخرجه ابن

(11/401)


مردويه من وجه آخر عن حماد بلفظ: "ذاكم العرض" بزيادة ميم الجماعة. وأما متابعة صالح بن رستم بضم الراء وسكون المهملة وضم المثناة وهو أبو عامر الحزاز بمعجمات مشهور بكنيته أكثر من اسمه فوصلها إسحاق بن راهويه في مسنده، عن النضر بن شميل عن أبي عامر الخزاز، ووقعت لنا بعلو في "المحامليات" وفي لفظه زيادة "قال عن عائشة قالت قلت إني لأعلم أي آية في القرآن أشد، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: وما هي؟ قلت من يعمل سوءا يجز به" فقال: إن المؤمن يجازى بأسوأ عمله في الدنيا يصيبه المرض حتى النكبة، ولكن من نوقش الحساب يعذبه. قالت قلت: أليس قال الله تعالى "فذكر مثل حديث إسماعيل بن إسحاق. وأخرجه الطبري وأبو عوانة وابن مردويه من عدة طرق عن أبي عامر الخزاز نحوه. قوله: "حاتم بن أبي صغيرة" بفتح المهملة كسر الغين المعجمة وكنية حاتم أبو يونس واسم أبي صغيرة مسلم وقد قيل إنه زوج أم أبي يونس وقيل جده لأمه. قوله: "ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، ثم قال أخيرا: وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب" وكلاهما يرجعان إلى معنى واحد لأن المراد بالمحاسبة تحرير الحساب فيستلزم المناقشة ومن عذب فقد هلك. وقال القرطبي في "المفهم" قوله: "حوسب" أي حساب استقصاء وقوله: "عذب" أي في النار جزاء على السيئات التي أظهرها حسابه، وقوله: "هلك" أي بالعذاب في النار. قال: وتمسكت عائشة بظاهر لفظ الحساب لأنه يتناول القليل والكثير. قوله: "يناقش الحساب" بالنصب على نزع الخافض والتقدير يناقش في الحساب. قوله: "أليس قد قال الله تعالى" تقدم في تفسير سورة انشقت من رواية يحيى القطان عن أبي يونس بلفظ: "فقلت يا رسول الله جعلني الله فداءك أليس يقول الله تعالى". قوله: "إنما ذلك العرض" في رواية القطان "قال ذاك العرض تعرضون ومن نوقش الحساب هلك" وأخرج الترمذي لهذا الحديث شاهدا من رواية همام عن قتادة عن أنس رفعه: "من حوسب عذب" وقاله غريب. قلت: والراوي له عن همام على بن أبي بكر صدوق وربما أخطأ، قال القرطبي: معنى قوله: "إنما ذلك العرض" أن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منة الله عليه في سترها عليه في الدنيا وفي عفوه عنها في الآخرة كما في حديث ابن عمر في النجوى، قال عياض: قوله: "عذب" له معنيان أحدهما أن نفس مناقشه الحساب وعرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف والتوبيخ تعذيب، والثاني أنه يفضي إلى استحقاق العذاب إذ لا حسنة للعبد إلا من عند الله لإقداره عليها وتفضيله عليه بها وهدايته لها ولأن الخالص لوجهه قليل، ويؤيد هذا الثاني قوله في الرواية الأخرى "هلك" وقال النووي: التأويل الثاني هو الصحيح لأن التقصير غالب على الناس، فمن استقصى عليه ولم يسامح هلك. وقال غيره: وجه المعارضة أن لفظ الحديث عام في تعذيب كل من حوسب ولفظ الآية دال على أن بعضهم لا يعذب؛ وطريق الجمع أن المراد بالحساب في الآية العرض وهو إبراز الأعمال وإظهارها فيعرف صاحبها بذنوبه ثم يتجاوز عنه، ويؤيده ما وقع عند البزار والطبري من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير "سمعت عائشة تقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحساب اليسير قال: "الرجل تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها" وفي حديث أبي ذر عند مسلم: "يؤتي بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه" الحديث وفي حديث جابر عند ابن أبي حاتم والحاكم "من زادت حسناته على سيئاته فذاك الذي يدخل الجنة بغير حساب. ومن استوت حسناته وسيئاته فذاك الذي يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته فذاك الذي أوبق نفسه وإنما الشفاعة في مثله" ويدخل في هذا حديث ابن عمر في النجوى وقد أخرجه المصنف في كتاب المظالم وفي تفسير سورة

(11/402)


هود وفي التوحيد وفيه: "ويدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم فيقرره. ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" وجاء في كيفية العرض ما أخرجه الترمذي من رواية على بن على الرفاعي عن الحسن عن أبي هريرة رفعه: "تعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان فجدال ومعاذير وعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" قال الترمذي: لا يصح لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وقد رواه بعضهم عن على بن على الرفاعي عن الحسن عن أبي موسى انتهى، وهو عند ابن ماجه وأحمد من هذا الوجه مرفوعا، وأخرجه البيهقي في البعث بسند حسن عن عبد الله بن مسعود موقوفا، قال الترمذي الحكيم: الجدال للكفار يجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوا نجوا، والمعاذير اعتذار الله لآدم وأنبيائه بإقامته الحجة على أعدائه، والثالثة للمؤمنين وهو العرض الأكبر. "تنبيه": وقع في رواية لابن مردويه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا: "لا يحاسب رجل يوم القيامة إلا دخل الجنة" وظاهره يعارض حديثها المذكور في الباب، وطريق الجمع بينهما أن الحديثين معا في حق المؤمن، ولا منافاة بين التعذيب ودخول الجنة لأن الموحد وإن قضى عليه بالتعذيب فإنه لا بد أن يخرج من النار بالشفاعة أو بعموم الرحمة. حديث أنس "يجاء بالكافر" ذكره من رواية هشام الدستوائي ومن رواية سعيد وهو ابن أبي عروبة كلاهما عن قتادة وساقه بلفظ سعيد، وأما لفظ هشام فأخرجه مسلم والإسماعيلي من طرق عن معاذ بن هشام عن أبيه بلفظ: "يقال للكافر" والباقي مثله وهو بضم أول يجاء ويقال، وسيأتي بعد باب في "باب صفة الجنة والنار" من رواية أبي عمران الجوني عن أنس التصريح بأن الله سبحانه هو الذي يقول له ذلك ولفظه: "يقول الله عز وجل لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة: لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدى به؟ فيقول نعم" ورواه مسلم والنسائي من طريق ثابت عن أنس، وظاهر سياقه أن ذلك يقع للكافر بعد أن يدخل النار ولفظه: "يؤتى بالرجل من أهل النار فيقال يا ابن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال له: هل تفتدي بقراب الأرض ذهبا؟ فيقول نعم يا رب، فيقال له كذبت" ويحتمل أن يراد بالمضجع هنا مضجعه في القبر فيلتئم مع الروايات الأخرى. قوله: "فيقال له" زاد مسلم في رواية سعيد كذبت. قوله: "قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك" في رواية أبي عمران فيقول: "أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك شيئا، فأبيت إلا أن تشرك بي" وفي رواية ثابت "قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل فيؤمر به إلى النار" قال عياض: يشير بذلك إلى قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفى به بعد وجوده في الدنيا فهو مؤمن، ومن لم يوف به فهو الكافر، فمراد الحديث أردت منك حين أخذت الميثاق فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك، ويحتمل أن يكون المراد بالإرادة هنا الطلب والمعنى أمرتك فلم تفعل، لأنه سبحانه وتعالى لا يكون في ملكه إلا ما يريد. واعترض بعض المعتزلة بأنه كيف يصح أن يأمر بما لا يريد؟ والجواب أن ذلك ليس بممتنع ولا مستحيل. وقال المازري: مذهب أهل السنة أن الله تعالى أراد إيمان المؤمن وكفر الكافر، ولو أراد من الكافر الإيمان لآمن، يعني لو قدره عليه لوقع. وقال أهل الاعتزال: بل أراد من الجميع الإيمان فأجاب المؤمن وامتنع الكافر، فحملوا الغائب على الشاهد لأنهم رأوا أن مريد الشر شرير والكفر شر فلا يصح أن يريده الباري. وأجاب أهل السنة عن ذلك بأن الشر شر في حق المخلوقين، وأما في حق الخالق فإنه

(11/403)


يفعل ما يشاء، وإنما كانت إرادة الشر شرا لنهي الله عنه، والباري سبحانه ليس فوقه أحد يأمره فلا يصح أن تقاس إرادته على إرادة المخلوقين، وأيضا فالمريد لفعل ما إذا لم يحصل ما أراده آذن ذلك بعجزه وضعفه والباري تعالى لا يوصف بالعجز والضعف فلو أراد الإيمان من الكافر ولم يؤمن لآذن ذلك بعجز وضعف، تعالى الله عن ذلك. وقد تمسك بعضهم بهذا الحديث المتفق على صحته، والجواب عنه ما تقدم، واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} وأجيبوا بأنه من العام المخصوص بمن قضى الله له الإيمان، فعباده على هذا الملائكة ومؤمنو الإنس والجن وقال آخرون: الإرادة معنى الرضا، ومعنى قوله: "ولا يرضى" أي لا يشكره لهم ولا يثيبهم عليه، فعلى هذا فهي صفة فعل. وقيل معنى الرضا أنه لا يرضاه دينا مشروعا لهم، وقيل الرضا صفة وراء الإرادة، وقيل الإرادة تطلق بإزاء شيئين إرادة تقدير وإرادة رضا، والثانية أخص من الأولى والله أعلم. وقيل: الرضا من الله إرادة الخير كما أن السخط إرادة الشر. وقال النووي: قوله: "فيقال له كذبت" معناه لو رددناك إلى الدنيا لما افتديت لأنك سئلت أيسر من ذلك فأبيت، ويكون من معنى قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} وبهذا يجتمع معنى هذا الحديث مع قوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ}. قال: وفي الحديث من الفوائد جواز قول الإنسان يقول الله خلافا لمن كره ذلك. وقال: إنما يجوز قال الله تعالى وهو قول شاذ مخالف لأقوال العلماء من السلف والخلف، وقد تظاهرت به الأحاديث. وقال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}. قوله: "حدثني خيثمة" بفتح المعجمة وسكون التحتانية بعدها مثلثة هو ابن عبد الرحمن الجعفي. قوله: "عن عدي بن حاتم" هو الطائي. قوله: "ما منكم من أحد" ظاهر الخطاب للصحابة، ويلتحق بهم المؤمنون كلهم سابقهم ومقصرهم أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة. قوله: "إلا سيكلمه الله" في رواية وكيع عن الأعمش عنه ابن ماجه: "سيكلمه ربه". قوله: "ليس بينه وبينه ترجمان" لم يذكر في هذه الرواية ما يقول وبينه في رواية محل بن خليفة عن عدي بن حاتم في الزكاة بلفظ: "ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له. ثم ليقولن له: ألم أوتك مالا؟ فيقول: بلى" الحديث والترجمان تقدم ضبطه في بدء الوحي في شرح قصه هرقل. قوله: "ثم ينظر فلا يرى قدامه" بضم القاف وتشديد الدال أي أمامه ووقع في رواية عيسى بن يونس عن الأعمش في التوحيد وعند مسلم بلفظ: "فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدمه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم" وأخرجه الترمذي من رواية أبي معاوية بلفظ: "فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه" وفي رواية محل بن خليفة "فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، وينظر عن شماله فلا يرى إلا النار" وهذه الرواية مختصرة ورواية خيثمة مفسرة فهي المعتمدة في ذلك، وقوله أيمن وأشأم بالنصب فيهما على الظرفية والمراد بهما اليمين والشمال، قال ابن هبيرة: نظر اليمين والشمال هنا كالمثل لأن الإنسان من شأنه إذا دهمه أمر أن يلتفت يمينا وشمالا يطلب الغوث. قلت: ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أنه يترجى أن يجد طريقا يذهب فيها ليحصل له النجاة من النار فلا يرى إلا ما يفضي به إلى النار كما وقع في رواية محل بن خليفة. قوله: "ثم ينظر بين يديه فتسقبله النار" في رواية عيسى "وينظر بين يده فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه" وفي رواية أبي معاوية "ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار" قال ابن هبيرة: والسبب في ذلك أن النار تكون في ممره فلا يمكنه أن يجيد عنها إذ لا بد له من المرور على الصراط. قوله: "فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق

(11/404)


تمرة" زاد وكيع في روايته: "فليفعل" وفي رواية أبي معاوية "أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل" وفي رواية عيسى "فاتقوا النار ولو بشق تمرة" أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقة وعمل البر ولو بشيء يسير. قوله: "قال الأعمش" هو موصول بالسند المذكور، وقد أخرجه مسلم من رواية معاوية عن الأعمش كذلك، وبين عيسى بن يونس في روايته أن القدر الذي زاده عمرو بن مرة للأعمش في حديثه عن خيثمة قوله في آخره: "فمن لم يجد فبكلمة طيبة" وقد مضى الحديث بأتم سياقا من هذا في رواية محل بن خليفة في الزكاة. قوله: "حدثني عمرو" هو ابن مرة وصرح به رواية عيسى بن يونس. قوله: "اتقوا النار ثم أعرض وأشاح" بشين معجمة وحاء مهملة أي أظهر الحذر منها، وقال الخليلي: أشاح بوجهه عن الشيء نحاه عنه. وقال الفراء المشيح الحذر والجاد في الأمر والمقبل في خطابه، فيصح أحد هذه المعاني أو كلها أي حذر النار كأنه ينظر إليها أو جد على الوصية باتقائها أو أقبل على أصحابه في خطابه بعد أن أعرض عن النار لما ذكرها، وحكى ابن التين أن معنى أشاح صد وانكمش، وقيل صرف وجهه كالخائف أن تناله. قلت: والأول أوجه لأنه قد حصل من قوله أعرض، ووقع في رواية أبي معاوية في أوله "ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النار فأعرض وأشاح ثم قال اتقوا النار". قوله: "ثلاثا" في رواية أبي معاوية "ثم قال اتقوا النار، وأعرض وأشاح حتى ظننا أنه كان ينظر إليها" وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية جرير عن الأعمش، قال ابن هبيرة وابن أبي جمرة في حديث إن الله يكلم عباده المؤمنين في الدار الآخرة بغير واسطة: وفيه الحث على الصدقة. قال ابن أبي جمرة: وفيه دليل على قبول الصدقة ولو قلت، وقد قيدت في الحديث بالكسب الطيب. وفيه إشارة إلى ترك احتقار القليل من الصدقة وغيرها. وفيه حجة لأهل الزهد حيث قالوا الملتفت هالك يؤخذ من أن نظر المذكور عن يمينه وعن شماله فيه صورة الالتفات فلذا لما نظر أمامه استقبلته النار، وفيه دليل على قرب النار من أهل الموقف، وقد أخرج البيهقي في البعث من مرسل عبد الله بن باباه بسند رجاله ثقات رفعه: "كأني أراكم بالكوم جثى من دون جهنم" وقوله: "جثى" بضم الجيم بعدها مثلثة مقصور جمع جاث، والكوم بفتح الكاف الواو الساكنة المكان العالي الذي تكون عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما ثبت في حديث كعب بن مالك عند مسلم أنهم يكونون يوم القيامة على تل عال، وفيه أن احتجاب الله عن عباده ليس بحائل حسي بل بأمر معنوي يتعلق بقدرته، يؤخذ من قوله ثم ينظر فلا يرى قدامه شيئا. وقال ابن هبيرة المراد بالكلمة الطيبة هنا يدل على هدى أو يرد عن ردى أو يصلح بين اثنين أو يفصل بين متنازعين أول يحل مشكلا أو يكشف غامضا أو يدفع ثائرا أو يسكن غضبا، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(11/405)


50 - باب يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ
6541- حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ح قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ و حَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ "حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ هَؤُلاَءِ أُمَّتِي قَالَ لاَ وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا

(11/405)


سَوَادٌ كَثِيرٌ قَالَ هَؤُلاَءِ أُمَّتُكَ وَهَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلاَ عَذَابَ قُلْتُ وَلِمَ قَالَ كَانُوا لاَ يَكْتَوُونَ وَلاَ يَسْتَرْقُونَ وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ"
6542- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ"
6543- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ "عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ شَكَّ فِي أَحَدِهِمَا مُتَمَاسِكِينَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ الْجَنَّةَ وَوُجُوهُهُمْ عَلَى ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ"
6544- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنَا نَافِعٌ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ يَا أَهْلَ النَّارِ لاَ مَوْتَ وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لاَ مَوْتَ خُلُودٌ"
[الحديث 6544- طرفه في: 6548]
6545- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ "يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لاَ مَوْتَ وَلِأَهْلِ النَّارِ يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لاَ مَوْتَ"
قوله: "باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب" فيه إشارة إلى أن وراء التقسيم الذي تضمنته الآية المشار إليها في الباب الذي قبله أمرا آخر، وأن من المكلفين من لا يحاسب أصلا، ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، ومنهم من ناقش الحساب. قوله: "حدثنا ابن الفضيل" هو محمد، وحصين هو ابن عبد الرحمن الواسطي. قوله: "قال أبو عبد الله" هو البخاري. قوله: "وحدثني أسيد" بفتح الهمزة كسر المهملة هو ابن زيد الجمال بالجيم كوفي حدث ببغداد، قال أبو حاتم: كانوا يتكلمون فيه وضعفه جماعة، وأفحش ابن معين فيه القول. وليس له عند البخاري سوى هذا الموضع وقد قرنه فيه يغيره، ولعله كان عنده ثقة قاله أبو مسعود، ويحتمل أن لا يكون خبر أمره كما ينبغي وإنما سمع منه هذا الحديث الواحد، وقد

(11/406)


وافقه عليه جماعة منهم شريح بن النعمان عند أحمد وسعيد بن منصور عند مسلم وغيرهما، وإنما احتاج إليه فرارا من تكرير الإسناد بعينه فإنه أخرج السند الأول في الطب في "باب من اكتوى" ثم أعاده هنا فأضاف إليه طريق هشيم، وتقدم له في الطب أيضا في باب من لم يرق من طريق حصين بن بهز عن حصين بن عبد الرحمن، وتقدم باختصار قريبا من طريق شعبة عن حصين بن عبد الرحمن. قوله: "كنت عند سعيد بن جبير فقال حدثني ابن عباس" زاد ابن فضيل في رواية عن حصين عن عامر وهو الشعبي عن عمران بن حصين "لا رقية إلا من عين" الحديث، وقد بينت الاختلاف في رفع حديث عمران هذا والاختلاف في سنده أيضا في كتاب الطب، وأن في رواية هشم زيادة قصة وقعت لحصين بن عبد الرحمن مع سعيد بن جبير فيما يتعلق بالرقية وذكره حكم الرقية هناك. قوله: "عرضت" بضم أوله على البناء للمجهول. قوله: "علي" بالتشديد "الأمم" بالرفع، وقد بين عبثر بن القاسم بموحدة ثم مثلثة وزن جعفر في روايته عن حصين بن عبد الرحمن عند الترمذي والنسائي أن ذلك كان ليلة الإسراء ولفظه: "لما أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم جعل يمر بالنبي ومعه الواحد" الحديث فإن كان ذلك محفوظا كانت فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء وأنه وقع بالمدينة أيضا غير الذي وقع بمكة، فقد وقع عند أحمد والبزار بسند صحيح قال: "أكربنا الحديث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عدنا إليه فقال: عرضت على الأنبياء الليلة بأممها، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة والنبي يمر ومعه العصابة" فذكر الحديث. وفي حديث جابر عند البزار "أبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العشاء حتى نام بعض من كان في المسجد" الحديث والذي يتحرر من هذه المسألة أن الإسراء الذي وقع بالمدينة ليس فيه ما وقع بمكة من استفتاح أبواب السماوات بابا بابا ولا من التقاء الأنبياء كل واحد في سماء ولا المراجعة معهم ولا المراجعة مع موسى فيما يتعلق بفرض الصلوات ولا في طلب تخفيفها وسائر ما يتعلق بذلك وإنما تكررت قضايا كثيرة سوى ذلك رآها النبي صلى الله عليه وسلم، فمنها بمكة البعض ومنها بالمدينة بعد الهجرة البعض ومعظمها في المنام، والله أعلم. قوله: "فأجد" بكسر الجيم بلفظ المتكلم بالفعل المضارع، وفيه مبالغة لتحقق صورة الحال. وفي رواية الكشميهني: "فأخذ" بفتح الخاء والذال المعجمتين بلفظ الفعل الماضي. قوله: "النبي" بالنصب وفي رواية الكشميهني بالرفع على أنه الفاعل. قوله: "يمر معه الأمة" أي العدد الكثير. قوله: "والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشر" بفتح المهملة وسكون المعجمة وفي رواية المستملى بكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم راء، ووقع في رواية ابن فضيل "فجعل النبي والنبيان يمرون ومعهم الرهط" زاد عبثر في روايته: "والشيء" وفي رواية حصين بن نمير نحوه لكن بتقديم وتأخير. وفي رواية سعيد بن منصور التي أشرت إليها آنفا "فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد والنبي معه الخمسة" والرهط تقدم بيانه في شرح حديث أبي سفيان في قصة هرقل أول الكتاب، وفي حديث ابن مسعود "فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي يمر ومعه العصابة، والنبي يمر وليس معه أحد". والحاصل من هذه الروايات أن الأنبياء يتفاوتون في عدد أتباعهم. قوله: "فنظرت فإذا سواد كثير" في رواية حصين بن نمير فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، والسواد ضد البياض هو الشخص الذي يرى من بعيد، وصفه بالكثير إشارة إلى أن المراد بلفظ الجنس لا الواحد، ووقع في رواية ابن فضيل "ملأ الأفق" الأفق الناحية، والمراد به هنا ناحية السماء. قوله: "قلت يا جبريل هؤلاء أمتي؟ قال: لا" في رواية حصين بن نمير "فرجوت أن تكون أمتي فقيل هذا موسى في قومه". وفي حديث ابن مسعود عند أحمد "حتى

(11/407)


مر على موسى في كبكبة من بني إسرائيل فأعجبني، فقلت من هؤلاء؟ فقيل: هذا أخوك موسى معه بنو وإسرائيل" والكبكبة بفتح الكاف ويجوز ضمها بعدها موحدة هي الجماعة من الناس إذا انضم بعضهم إلى بعض. قوله: "ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير" في رواية سعيد بن منصور "عظيم" وزاد: "فقيل لي انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر" مثله. وفي رواية ابن فضيل "فإذا سواد قد ملأ الأفق، فقيل لي: انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السماء" وفي حديث ابن مسعود "فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال" وفي لفظ لأحمد "فرأيت أمتي قد ملؤوا السهل والجبل، فأعجبني كثرتهم وهيئتهم، فقيل أرضيت يا محمد؟ قلت: نعم أي رب" وقد استشكل الإسماعيلي كونه صلى الله عليه وسلم لم يعرف أمته حتى ظن أنهم أمة موسى، وقد ثبت من حديث أبي هريرة كما تقدم في الطهارة "كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ فقال: إنهم غر محجلون من أثر الوضوء" وفي لفظ: "سيما ليست لأحد غيرهم" وأجاب بأن الأشخاص التي رآها في الأفق لا يدرك منها إلا الكثرة من غير تمييز لأعيانهم، وأما ما في حديث أبي هريرة فمحمول على ما إذا قربوا منه، وهذا كما يرى الشخص شخصا على بعد فيكلمه ولا يعرف أنه أخوه، فإذا صار بحيث يتميز عن غيره عرفه. ويؤيده أن ذلك يقع عند ورودهم عليه الحوض. قوله: "هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب" في رواية سعيد بن منصور "معهم" بدل قدامهم وفي رواية حصين بن نمير "ومع هؤلاء" وكذا في حديث ابن مسعود، والمراد بالمعية المعنوية فإن السبعين ألفا المذكورين من جملة أمته، لكن لم يكونوا في الذين عرضوا إذ ذاك فأريد الزيادة في تكثير أمته بإضافة السبعين ألفا إليهم، وقد وقع في رواية ابن فضيل "ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفا بغير حساب" وفي رواية عبثر بن القاسم "هؤلاء أمتك، ومن هؤلاء من أمتك سبعون ألفا" والإشارة بهؤلاء إلى الأمة لا إلى خصوص من عرض، ويحتمل أن تكون مع بمعنى من فتأتلف الروايات. قوله: "قلت ولم" بكسر اللام وفتح الميم ويجوز إسكانها، يستفهم بها عن السبب، وقع في رواية سعيد بن منصور وشريح عن هشيم "ثم نهض - أي النبي صلى الله عليه وسلم - فدخل منزله، فحاص الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال: هم الذين" وفي رواية عبثر "فدخل ولم يسألوه ولم يفسر لهم" والباقي نحوه. وفي رواية ابن فضيل "فأفاض القوم فقالوا: نحن الذين آمنا بالله واتبعنا الرسول، فنحن هم، أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام فإنا ولدنا في الجاهلية، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فخرج فقال" وفي رواية حصين بن نمير "فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك ولكنا آمنا بالله وبرسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا" وفي حديث جابر "وقال بعضنا: هم الشهداء" وفي رواية له "من رق قلبه للإسلام". قوله: "كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" اتفق على ذكر هذه الأربع معظم الروايات في حديث ابن عباس وإن كان عند البعض تقدم وتأخير، وكذا في حديث عمران بن حصين عند مسلم، وفي لفظ له سقط "ولا يتطيرون" هكذا في حديث ابن مسعود وفي حديث جابر اللذين أشرت إليهما بنحو الأربع، ووقع في رواية سعيد بن منصور عند مسلم: "ولا يرقون" بدل "ولا يكتوون" وقد أنكر الشيخ تقي الدين بن تيمية هذه الرواية وزعم أنها غلط من راويها، واعتل بأن الراقي يحسن إلى الذي يرقينه فكيف يكون ذلك مطلوب الترك؟ وأيضا فقد رقي جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ورقي النبي أصحابه وأذن لهم في الرقي وقال:

(11/408)


"من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" والنفع مطلوب. قال: وأما المسترقي فإنه يسأل غيره ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك. قال: وإنما المراد وصف السبعين بتمام التوكيل فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم ولا يتطيرون من شيء. وأجاب غيره بأن الزيادة من الثقة مقبولة وسعيد بن منصور حافظ وقد اعتمده البخاري ومسلم واعتمد مسلم على روايته هذه وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه. والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المسترقي لأنه اعتل بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تام التوكيل فكذا يقال له والذي يفعل غيره به ذلك ينبغي أن لا يمكنه منه لأجل تمام التوكيل، وليس في وقوع ذلك من جبريل دلالة على المدعي ولا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم له أيضا دلالة لأنه في مقام التشريع وتبين الأحكام، ويمكن أن يقال إنما ترك المذكورون الرقي والاسترقاء حسما للمادة لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل نفسه إليه وإلا فالرقية في ذاتها ليست ممنوعة وإنما منع منها ما كان شركا أو احتمله ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: "اعرضوا علي رقاكم، ولا بأس بالرقي ما لم يكن شرك" ففيه إشارة إلى علة النهي كما تقدم تقرير ذلك واضحا في كتاب الطب، وقد نقل القرطبي عن غيره أن استعمال الرقي والكي قادح في التوكيل بخلاف سائر أنواع الطب، وفرق بين القسمين بأن البرء فيهما أمر موهوم وما عداهما محقق عادة كالأكل والشرب فلا يقدح، قال القرطبي وهذا فاسد من وجهين: أحدهما أن أكثر أبواب الطب موهوم، والثاني أن الرقي بأسماء الله تعالى تقتضي التوكل عليه والالتجاء إليه والرغبة فيما عنده والتبرك بأسمائه، فلو كان ذلك قادحا في التوكل لقدح الدعاء إذ لا فرق بين الذكر والدعاء، وقد رقي النبي صلى الله عليه وسلم ورقي وفعله السلف والخلف، فلو كان مانعا من اللحاق بالسبعين أو قادحا في التوكل لم يقع من هؤلاء وفيهم من هو أعلم وأفضل ممن عداهم. وتعقب بأنه بني كلامه على أن السبعين المذكورين أرفع رتبة من غيرهم مطلقا، وليس كذلك لما سأبينه، وجوز أبو طالب بن عطية في "موازنة الأعمال" أن السبعين المذكورين هم المراد بقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} فإن أراد أنهم من جملة السابقين فمسلم وإلا فلا، وقد أخرج أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث رفاعة الجهني قال: "أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا وفيه: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوؤوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة" فهذا يدل على أن مزية السبعين بالدخول بغير حساب لا يستلزم أنهم أفضل من غيرهم، بل فيمن يحاسب في الجملة من يكون أفضل منهم وفيمن يتأخر عن الدخول ممن تحققت نجاته وعرف مقامه من الجنة يشفع في غيره من هو أفضل منهم، وسأذكر بعد قليل من حديث أم قيس بنت محصن أن السبعين ألفا ممن يحشر من مقبرة البقيع بالمدينة وهي خصوصية أخرى. قوله: "ولا يتطيرون" تقدم بيان الطيرة في كتاب الطب، والمراد أنهم لا يتشاءمون كما كانوا يفعلون في الجاهلية. قوله: "وعلى ربهم يتوكلون" يحتمل أن تكون هذه الجملة مفسرة لما تقدم من ترك الاسترقاء والاكتواء والطيرة، ويحتمل أن تكون من العام بعد الخاص لأن صفة واحدة منها صفة خاصة من التوكل وهو أعم من ذلك، وقد مضى القول في التوكيل في "باب ومن يتوكل على الله فهو حسبه" قريبا. وقال القرطبي وغيره: قالت طائفة من الصوفية لا يستحق، اسم التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله تعالى، حتى لو هجم عليه الأسد لا ينزعج، وحتى لا يسعى في طلب الرزق لكون الله ضمنه له. وأبي هذا الجمهور وقالوا: يحصل التوكل بأن يثق بوعد الله ويوقن بأن قضاءه واقع، ولا يترك اتباع السنة في ابتغاء الرزق مما لا بد

(11/409)


له منه من مطعم ومشرب وتحرز من عدو بإعداد السلاح وإغلاق الباب ونحو ذلك، ومع ذلك فلا يطمئن إلى الأسباب بقلبه بل يعتقد أنها لا تجلب بذاتها نفعا ولا تدفع ضرا، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى والكل بمشيئته، فإذا وقع من المرء ركون إلى السبب قدح في توكله، وهم مع ذلك فيه على قسمين: واصل وسالك، فالأول صفة الواصل وهو الذي لا يلتفت إلى الأسباب ولو تعاطاها، وأما السالك فيقع له الالتفات إلى السبب أحيانا إلا أنه قد يدفع ذلك عن نفسه بالطرق العلمية والأذواق الحالية إلى أن يرتقي إلى مقام الواصل. وقال أبو القاسم القشيري: التوكل محله القلب، وأما الحركة الظاهرة فلا تنافيه إذا تحقق العبد أن الكل من قبل الله، فإن تيسر شيء فبتيسره وإن تعسر فبتقديره. ومن الأدلة على مشروعية الاكتساب ما تقدم في البيوع من حديث أبي هريرة رفعه: "أفضل ما أكل الرجل من كسبه، وكان داود يأكل من كسبه" فقد قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} وقال تعالى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ}. وأما قول القائل كيف تطلب ما لا تعرف مكانه فجوابه أنه يفعل السبب المأمور به ويتوكل على الله فيما يخرج عن قدرته فيشق الأرض مثلا ويلقي الحب وتوكل على الله في إنباته وإنزال الغيث له، ويحصل السلعة مثلا ونقلها ويتوكل على الله في إلقاء الرغبة في قلب من يطلبها منه، بل ربما كان التكسب واجبا كقادر على الكسب يحتاج عياله للنفقة فمتى ترك ذلك كان عاصيا. وسلك الكرماني في الصفات المذكورة مسلك التأويل فقال: قوله: "لا يكتوون" معناه إلا عند الضرورة مع اعتقاد أن الشفاء من الله لا من مجرد الكي، وقوله: "ويسترقون" معناه بالرقي التي ليست في القرآن والحديث الصحيح كرقي الجاهلية وما لا يؤمن أن يكون فيه شرك، وقوله: "ولا يتطيرون" أي لا يتشاءمون بشيء فكأن المراد أنهم الذين يتركون أعمال الجاهلية في عقائدهم. قال: فإن قيل إن المتصف بهذا أكثر من العدد المذكور فما وجه الحصر فيه؟ وأجاب باحتمال أن يكون المراد به التكثير لا خصوص العدد. قلت: الظاهر أن العدد المذكور على ظاهره، فقد وقع في حديث أبي هريرة ثاني أحاديث الباب وصفهم بأنهم "تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" ومضى في بدء الخلق من طريق عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة رفعه: "أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب درى في السماء إضاءة" وأخرجه مسلم من طرق عن أبي هريرة: منها رواية أبي يونس وهمام عن أبي هريرة "على صورة القمر" وله من حديث جابر "فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون" وقد وقع في أحاديث أخرى أن مع السبعين ألفا زيادة عليهم، ففي حدث أبي هريرة عند أحمد والبيهقي في البعث من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سألت ربي فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي" فذكر الحديث نحو سياق حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ثاني أحاديث الباب وزاد: "فاستزدت فزادني مع كل ألف سبعين ألفا" وسنده جيد، وفي الباب عن أبي أيوب عند الطبراني وعن حذيفة عند أحمد وعن أنس عند البزار وعن ثوبان عند ابن أبي عاصم، فهذه طرق يقوي بعضها بعضا وجاء في أحاديث أخرى من ذلك: فأخرج الترمذي وحسنه والطبراني وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة رفعه: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا مع كل ألف سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي" وفي صحيح ابن حبان أيضا والطبراني بسند جيد من حديث عتبة بن عبد نحوه بلفظ: "ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفا، ثم يحثى ربي ثلاث حثيات بكفيه" وفيه:

(11/410)


"فكبر عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن السبعين ألفا يشفعهم الله في آبائهم وأمهاتهم وعشائرهم وإني لأرجو أن يكون أدنى أمتي الحثيات" وأخرجه الحافظ الضياء وقال: لا أعلم له علة. قلت: علته الاختلاف في سنده، فإن الطبراني أخرجه من رواية أبي سلام حدثني عامر بن زيد أنه سمع عتبة، ثم أخرجه من طريق أبي سلام أيضا فقال: "حدثني عبد الله بن عامر أن قيس بن الحارث حدثه أن أبا سعيد الأنماري حدثه" فذكره وزاد: "قال قيس فقلت لأبي سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: وقال رسول صلى الله عليه وسلم: وذلك يستوعب مهاجري أمتي ويوفي الله بقيتهم من أعرابنا" وفي رواية لابن أبي عاصم قال أبو سعيد "فحسبنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ أربعة آلاف ألف وتسعمائة ألف" يعني من عدا الحثيات وقد وقع عند أحمد والطبراني من حديث أبي أيوب نحو حديث عتبة بن عبد وزاد: "والخبيئة - بمعجمة ثم موحدة وهمزة وزن عظيمة - عند ربي" وورد من وجه آخر ما يزيد على العدد الذي حسبه أبو سعيد الأنماري، فعند أحمد وأبي يعلى من حديث أبي بكر الصديق نحوه بلفظ: "أعطاني مع كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا" وفي سنده راويان أحدهما ضعيف الحفظ والآخر لم يسم. وأخرج البيهقي في البعث من حديث عمرو بن حزم مثله وفيه راو ضعيف أيضا، واختلف في سنده وفي سياق متنه. وعند البزار من حديث أنس بسند ضعيف نحوه، وعند الكلاباذي في "معاني الأخبار" بسند واه من حديث عائشة "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فاتبعته فإذا هو في مشربة يصلي، فرأيت على رأسه ثلاثة أنوار، فلما قضى صلاته قال: رأيت الأنوار؟ قلت: نعم. قال: إن آتيا أتاني من ربي فبشرني أن الله يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب، ثم أتاني فبشرني أن الله يدخل من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب، ثم أتاني فبشرني أن الله يدخل من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا المضاعفة سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب، فقلت يا رب لا يبلغ هذا أمتي قال أكملهم لك من الأعراب ممن لا يصوم ولا يصلي" قال الكلاباذي: المراد بالأمة أولا أمة الإجابة، وبقوله آخرا أمتي أمة الاتباع، فإن أمته صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام: أحدها أخص من الآخر أمة الاتباع ثم أمة الإجابة ثم أمة الدعوة، فالأولى أهل العمل الصالح والثانية مطلق المسلمين والثالثة من عداهم ممن بعث إليهم، ويمكن الجمع بأن القدر الزائد على الذي قبله هو مقدار الحثيات، فقد وقع عند أحمد من رواية قتادة عن النضر بن أنس أو غيره عن أنس رفعه: "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف، فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله، فقال: هكذا وجمع كفيه، فقال: زدنا. فقال وهكذا. فقال عمر حسبك أن الله إن شاء أدخل خلقه الجنة بكف واحدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق عمر" وسنده جيد لكن اختلف على قتادة في سنده اختلافا كثيرا. قوله: "فقام إليه عكاشة" بضم المهملة وتشديد الكاف ويجوز تخفيفها يقال عكش الشعر ويعكش إذا التوى حكاه القرطبي، وحكى السهيلي أنه من عكش القوم إذا حمل عليهم وقيل العكاشة بالتخفيف العنكبوت، ويقال أيضا لبيت النمل. ومحصن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ثم نون آخره هو ابن حرثان بضم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة من بني أسد بن خزيمة ومن حلفاء بني أمية. كان عكاشة من السابقين إلى الإسلام وكان من أجمل الرجال وكنيته أبو محصن وهاجر وشهد بدرا وقاتل فيها، قال ابن إسحاق بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير فارس في العرب عكاشة" وقال أيضا: قاتل يوم بدر قتالا شديدا حتى انقطع سيفه في يده فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جزلا من حطب فقال "قاتل بهذا" فقاتل به فصار في يده سيفا طويلا شديد المتن أبيض فقاتل به حتى فتح الله

(11/411)


فكان ذلك السيف عنده حتى استشهد في قتال الردة مع خالد ابن الوليد سنة اثنتي عشرة. قوله: "فقال ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "اللهم اجعله منهم" في حديث أبي هريرة ثاني أحاديث الباب مثله، وعند البيهقي من طريق محمد بن زياد عنه - وساق مسلم سنده - قال: "فدعا" ووقع في رواية حصين ابن نمير ومحمد بن فضيل "قال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال له نعم" ويجمع بأنه سأل الدعاء أولا فدعا له ثم استفهم قيل أجبت. قوله: "ثم قام إليه رجل آخر" وقع فيه من الاختلاف هل قال: "ادع لي" أو قال: "أمنهم أنا" كما وقع في الذي قبله. ووقع في حديث أبي هريرة الذي بعده "رجل من الأنصار" وجاء من طريق واهية أنه سعد بن عبادة أخرجه الخطيب في "المبهمات" من طريق أبي حذيفة إسحاق بن بشر البخاري أحد الضعفاء من طريقين له عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من غزاة بني المصطلق، فساق قصة طويلة وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف؛ ثمانون صفا منها أمتي وأربعون صفا سائر الأمم، ولي مع هؤلاء سبعون ألفا مدخلون الجنة بغير حساب، قيل من هم" فذكر الحديث، وفيه: "فقال: "اللهم اجعل عكاشة" منهم، قال فاستشهد بعد ذلك. ثم قام سعد بن عبادة الأنصاري فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم" الحديث، وهذا مع ضعفه وإرساله يستبعد من جهة جلالة سعد بن عبادة، فإن كان محفوظا فلعله آخر باسم سيد الخزرج واسم أبيه ونسبته، فإن في الصحابة كذلك آخر له في مسند بقي بن مخل حديث، وفي الصحابة سعد بن عمارة الأنصاري فلعل اسم أبيه تحرف. قوله: "سبقك بها عكاشة" اتفق جمهور الرواة على ذلك إلا ما وقع عند ابن أبي شيبة والبزار وأبي يعلى من حديث أبي سعيد فزاد: فقام رجل آخر فقال ادع الله أن يجعلني منهم وقال في آخره: سبقك بها عكاشة وصاحبه، أما لو قلتم لقلت ولو قلت لوجبت" وفي سنده عطية وهو ضعيف. وقد اختلقت أجوبة العلماء في الحكمة قوله: "سبقك بها عكاشة" فأخرج ابن الجوزي في "كشف المشكل" من طريق أبي عمر الزاهد أنه سأل أبا العباس أحمد بن يحيى المعروف بالثعالبي عن ذلك فقال: كان منافقا، وكذا نقله الدار قطني عن القاضي أبي العباس البرتي بكسر الموحدة وسكون الراء بعدها مثناة فقال: كان الثاني منافقا، وكان صلى الله عليه وسلم لا يسأل في شيء إلا أعطاه، فأجابه بذلك. ونقل ابن عبد البر عن بعض أهل العلم نحو قول ثعلب. وقال اب