Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب القدر
باب
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
82 – كِتَاب الْقَدَرِ
1 - بَاب فِي الْقَدَرِ
6594- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنِي سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ بِرِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا قَالَ آدَمُ إِلاَّ ذِرَاعٌ"
6595- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا قَالَ أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ فَمَا الأَجَلُ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ"
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم كتاب القدر" زاد أبو ذر عن المستملي باب في القدر وكذا للأكثر دون قوله: "كتاب القدر". والقدر بفتح القاف والمهملة قال الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} قال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويتضمن الإرادة عقلا والقول نقلا، وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال بوفق العلم والإرادة والقول، وقدر الله الشيء بالتشديد قضاه ويجوز بالتخفيف. وقال ابن القطاع قدر الله الشيء جعله بقدر والرزق صنعه وعلى الشيء ملكه. ومضى في "باب التعوذ من جهد البلاء" في كتاب الدعوات ما قال ابن بطال في التفرقة بين القضاء والقدر. وقال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله. وقالوا -أي العلماء- القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله. وقال أبو المظفر بن السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاره في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء العين ولا ما يطمئن به القلب، لأن القدر سر من أسرار الله تعالى اختص العليم الخبير به وضرب دونه الأستار وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، وقيل إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف لهم قبل دخولها. انتهى وقد أخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود رفعه: "إذا ذكر القدر فأمسكوا" وأخرج مسلم من طريق طاووس: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل شيء بقدر، وسمعت عبد الله بن عمر يقول:

(11/477)


"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس". قلت: والكيس بفتح الكاف ضد العجز ومعناه الحذق في الأمور، ويتناول أمور الدنيا والآخرة، ومعناه أن كل شيء لا يقع في الوجود إلا وقد سبق به علم الله ومشيئته، وإنما جعلهما في الحديث غاية لذلك للإشارة إلى أن أفعالنا وإن كانت معلومة لنا ومرادة منا فلا تقع مع ذلك منا إلا بمشيئة الله، وهذا الذي ذكره طاوس مرفوعا وموقوفا مطابق لقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} فإن هذه الآية نص في أن الله خالق كل شيء ومقدره وهو أنص من قوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} واشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية. وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة "جاء مشركو قريش يخاصمون النبي صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت". وقد تقدم في الكلام على سؤال جبريل في كتاب الإيمان شيء من هذا وأن الإيمان بالقدر من أركان الأيمان، وذكر هناك بيان مقالة القدرية بما أغنى عن إعادته. ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} . قوله: "أبو الوليد" هو الطيالسي. قوله: "أنبأني سليمان الأعمش" سيأتي في التوحيد من رواية آدم عن شعبة بلفظ: "حدثنا الأعمش" ويؤخذ منه أن التحديث والإنباء عند شعبة بمعنى واحد، ويظهر به غلط من نقل عن شعبة أنه يستعمل الإنباء في الإجازة لكونه صرح بالتحديث، ولثبوت النقل عنه أنه لا يعتبر الإجازة ولا يروى بها. قوله: "عن عبد الله" هو ابن مسعود، ووقع في رواية آدم "سمعت عبد الله بن مسعود". قوله: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق" قال الطيبي: يحتمل أن تكون الجملة حالية ويحتمل أن تكون اعتراضية وهو أولى لتعم الأحوال كلها وأن ذلك من دأبه وعادته، والصادق معناه المخبر بالقول الحق، ويطلق على الفعل يقال صدق القتال وهو صادق فيه، والمصدوق معناه الذي يصدق له في القول يقال: صدقته الحديث إذا أخبرته به إخبارا جازما، أو معناه الذي صدقه الله تعالى وعده. وقال الكرماني: لما كان مضمون الخبر أمرا مخالفا لما عليه الأطباء أشار بذلك إلى بطلان ما ادعوه، ويحتمل أنه قال ذلك تلذذا به وتبركا وافتخارا، ويؤيده وقوع هذا اللفظ بعينه في حديث أنس ليس فيه إشارة إلى بطلان شيء يخالف ما ذكر، وهو ما أخرجه أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة "سمعت الصادق المصدوق يقول: لا تنزع الرحمة إلا من شقي" ومضى في علامات النبوة من حديث أبي هريرة "سمعت الصادق المصدوق يقول هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش" وهذا الحديث اشتهر عن الأعمش بالسند المذكور هنا، قال علي بن المديني في "كتاب العلل": كنا نظن أن الأعمش تفرد به حتى وجدناه من رواية سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب. قلت: وروايته عند أحمد والنسائي، ورواه حبيب بن حسان عن زيد بن وهب أيضا وقع لنا في "الحلية"، ولم ينفرد به زيد عن ابن مسعود بل رواه عنه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عند أحمد، وعلقمة عند أبي يعلى، وأبو وائل في فوائد تمام، ومخارق بن سليم وأبو عبد الرحمن السلمي كلاهما عند الفريابي في كتاب القدر، وأخرجه أيضا من رواية طارق ومن رواية أبي الأحوص الجشمي كلاهما عن عبد الله مختصرا، وكذا لأبي الطفيل عند مسلم، وناجية بن كعب في "فوائد العيسوي" وخيثمة بن عبد الرحمن عند الخطابي وابن أبي حاتم، ولم يرفعه بعض هؤلاء عن ابن مسعود؛ ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن مسعود جماعة من الصحابة مطولا ومختصرا، منهم أنس وقد ذكر عقب هذا، وحذيفة بن أسيد عند مسلم، وعبد الله بن عمر في القدر لابن

(11/478)


وهب، وفي أفراد الدار قطني، وفي مسند البزار من وجه آخر ضعيف، والفريابي بسند قوي، وسهل بن سعد وسيأتي في هذا الكتاب، وأبو هريرة عند مسلم، وعائشة عند أحمد بسند صحيح، وأبو ذر عند الفريابي، ومالك بن الحويرث عند أبي نعيم في الطب والطبراني، ورباح اللخمي عند ابن مردويه في التفسير، وابن عباس في فوائد المخلص من وجه ضعيف، وعلى في الأوسط للطبراني من وجه ضعيف، وعبد الله بن عمرو في الكبير بسند حسن، والعرس بن عميرة عند البزار بسند جيد، وأكثم بن أبي الجون عند الطبراني، وابن منده بسند حسن، وجابر عند الفريابي، وقد أشار الترمذي في الترجمة إلى أبي هريرة وأنس فقط، وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحه عن بضع وعشرين نفسا من أصحاب الأعمش منهم من أقرانه سليمان التيمي وجرير بن حازم وخالد الحداء، ومن طبقة شعبة الثوري وزائدة وعمار بن زريق وأبو خيثمة، ومما لم يقع لأبي عوانة رواية شريك عن الأعمش وقد أخرجها النسائي في التفسير، ورواية ورقاء بن عمر ويزيد بن عطاء وداود بن عيسى أخرجها تمام، وكنت خرجته في جزء من طرق نحو الأربعين نفسا عن الأعمش فغاب عني الآن، ولو أمعنت التتبع لزادوا على ذلك. قوله: "إن أحدكم" قال أبو البقاء في إعراب المسند: لا يجوز في أن إلا الفتح لأنه مفعول حدثنا فلو كسر لكان منقطعا عن قوله حدثنا، وجزم النووي في شرح مسلم بأنه بالكسر على الحكاية وجوز الفتح، وحجة أبي البقاء أن الكسر على خلاف الظاهر ولا يجوز العدول عنه إلا لمانع، ولو جاز من غير أن يثبت به النقل لجاز في مثل قوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ} وقد اتفق القراء على أنها بالفتح. وتعقبه الخوبي بأن الرواية جاءت بالفتح وبالكسر فلا معنى للرد. قلت: وقد جزم ابن الجوزي بأنه في الرواية بالكسر فقط، قال الخوبي: ولو لم تجيء به الرواية لما امتنع جوازا على طريق الرواية بالمعنى، وأجاب عن الآية بأن الوعد مضمون الجملة وليس بخصوص لفظها فلذلك اتفقوا على الفتح، فأما هنا فالتحديث يجوز أن يكون بلفظه وبمعناه. قوله: "يجمع في بطن أمه" كذا لأبي ذر عن شيخيه، وله عن الكشميهني: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه" وهي روية آدم في التوحيد وكذا للأكثر عن الأعمش. وفي رواية أبي الأحوص عنه "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه" وكذا لأبي معاوية ووكيع وابن نمير. وفي رواية ابن فضيل ومحمد بن عبيد عند ابن ماجه: "إنه يجمع خلق أحدكم في بطن أمه" وفي رواية شريك مثل آدم لكن قال: "ابن آدم" يدل "أحدكم" والمراد بالجمع ضم بعضه إلى بعض بعد الانتشار. وفي قوله: "خلق" تعبير بالمصدر عن الجثة وحمل على أنه بمعنى المفعول كقولهم: هذا درهم ضرب الأمير أي مضروبه، أو على حذف مضاف أي ما يقوم به خلق أحدكم، أو أطلق مبالغة كقوله: "وإنما هي إقبال وإدبار" جعلها نفس الإقبال والإدبار لكثرة وقوع ذلك منها، قال القرطبي في "المفهم": المراد أن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثا متفرقا فيجمعه الله في محل الولادة من الرحم. قوله: "أربعين يوما" زاد في رواية آدم "أو أربعين ليله" وكذا لأكثر الرواة عن شعبة بالشك. وفي رواية يحيى القطان ووكيع وجرير وعيسى بن يونس "أربعين يوما" بغير شك. وفي رواية سلمة بن كهيل "أربعين ليلة" بغير شك، ويجمع بأن المراد يوم بليلته أو ليلة بيومها، ووقع عند أبي عوانة من رواية وهب بن جرير عن شعبة مثل رواية آدم لكن زاد: "نطفة" بين قوله: "أحدكم" وبين قوله: "أربعين" فبين أن الذي يجمع هو النطفة، والمراد بالنطفة المني وأصله الماء الصافي القليل، والأصل في ذلك أن ماء الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع وأراد الله أن

(11/479)


يخلق من ذلك جنينا هيأ أسباب ذلك، لأن في رحم المرأة قوتين: قوة انبساط عند ورود مني الرجل حتى ينتشر في جسد المرأة، وقوة انقباض بحيث لا يسيل من فرجها مع كونه منكوسا ومع كون المني ثقيلا بطبعه، وفي مني الرجل قوة الفعل وفي مني المرأة قوة الانفعال، فعند الامتزاج يصير مني الرجل كالأنفحة للبن، وقيل في كل منهما قوة فعل وانفعال لكن الأول في الرجل أكثر وبالعكس في المرأة، وزعم كثير من أهل التشريح أن مني الرجل لا أثر له في الولد إلا في عقده وأنه إنما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب تبطل ذلك، وما ذكر أولا أقرب إلى موافقة الحديث والله أعلم. قال ابن الأثير في النهاية: يجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم، أي تمكس النطفة أربعين يوما تخمر فيه حتى تتهيأ للتصوير ثم تخلق بعد ذلك، وقيل إن ابن مسعود فسره بأن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشرا طارت في جسد المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يوما ثم تنزل دما في الرحم فذلك جمعها. قلت: هذا التفسير ذكره الخطابي، وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير من رواية الأعمش أيضا عن خيثمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، وقوله: "فذلك جمعها" كلام الخطابي أو تفسير بعض رواة حديث الباب وأظنه الأعمش، فظن ابن الأثير أن تتمة كلام ابن مسعود فأدرجه فيه، ولم يتقدم عن ابن مسعود في رواية خيثمة ذكر الجمع حتى يفسره، وقد رجح الطيبي هذا التفسير فقال: الصحابي أعلم بتفسير ما سمع وأحق بتأويله وأولى بقبول ما يتحدث به وأكثر احتياطا في ذلك من غيره فليس لمن بعده أن يتعقب كلامه. قلت: وقد وقع في حديث مالك بن الحويرث رفعه ما ظاهره يخالف التفسير المذكور ولفظه: "إذا أراد الله خلق عبد فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في عرق وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله ثم أحضره كل عرق له دون آدم {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} وفي لفظ: "ثم تلا: {أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} وله شاهد من حديث رباح اللخمي لكن ليس فيه ذكر يوم السابع. وحاصله أن في هذا زيادة تدل على أن الشبه يحصل في اليوم السابع، وأن فيه ابتداء جمع المني، وظاهر الروايات الأخرى أن ابتداء جمعه من ابتداء الأربعين. وقد وقع في رواية عبد الله بن ربيعة عن ابن مسعود أن النطفة التي تقضي منها النفس إذا وقعت في الرحم كانت في الجسد أربعين يوما ثم تحادرت دما فكانت علقة. وفي حديث جابر أن النطفة إذا استقرت في الرحم أربعين يوما أو ليلة أذن الله في خلقها. ونحوه في حديث عبد الله بن عمرو، وفي حديث حذيفة بن أسيد من رواية عكرمة بن خالد عن أبي الطفيل عنه أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك. وكذا في رواية يوسف المكي عن أبي الطفيل عند الفريابي. وعنده وعند مسلم من رواية عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل "إذا مر بالنطفة ثلاث وأربعون" وفي نسخة "ثنتان وأربعون ليلة" وفي رواية ابن جريج عن أبي الزبير عند أبي عوانة "ثنتان وأربعون" وهي عند مسلم لكن لم يسق لفظها قال مثل عمرو بن الحارث. وفي رواية ربيعة بن كلثوم عن أبي الطفيل عند مسلم أيضا: "إذا أراد الله أن يخلق شيئا يأذن له لبضع وأربعين ليلة". وفي رواية عمرو بن دينار عن أبي الطفيل "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين" وهكذا رواه ابن عيينة عن عمرو عند مسلم، ورواه الفريابي من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو فقال: "خمسة وأربعين ليلة فجزم بذلك" فحاصل الاختلاف أن حديث ابن مسعود لم يختلف في ذكر الأربعين، وكذا في كثير من الأحاديث وغالبها كحديث أنس ثاني حديثي الباب لا تحديد فيه، وحديث حذيفة بن أسيد اختلفت ألفاظ نقلته: فبعضهم

(11/480)


جزم بالأربعين كما في حديث ابن مسعود، وبعضهم زاد ثنتين أو ثلاثا أو خمسا أو بضعا، ثم منهم من جزم ومنهم من تردد، وقد جمع بينها القاضي عياض بأنه ليس في رواية ابن مسعود بأن ذلك يقع عند انتهاء الأربعين الأولى وابتداء الأربعين الثانية بل أطلق الأربعين، فاحتمل أن يرد أن ذلك يقع في أوائل الأربعين الثانية، ويحتمل أن يجمع الاختلاف في العدد الزائد على أنه بحسب اختلاف الأجنة، وهو جيد لو كانت مخارج الحديث مختلفة، لكنها متحدة وراجعة إلى أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد، فدل على أنه لم يضبط القدر الزائد على الأربعين والخطب فيه سهل، وكل ذلك لا يدفع الزيادة التي في حديث مالك بن الحويرث في إحضار الشبه في اليوم السابع، وأن فيه يبتدئ الجمع بعد الانتشار، وقد قال ابن منده إنه حديث متصل على شرط الترمذي والنسائي، واختلاف الألفاظ بكونه في البطن وبكونه في الرحم لا تأثير له لأنه في الرحم حقيقة والرحم في البطن، وقد فسروا قوله تعالى: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ} بأن المراد ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة البطن، فالمشيمة في الرحم والرحم في البطن. قوله: "ثم علقة مثل ذلك" في رواية آدم "ثم تكون علقة مثل ذلك" وفي رواية مسلم: "ثم تكون في ذلك علقة" مثل ذلك و"تكون" هنا بمعنى "تصير" ومعناه أنها تكون بتلك الصفة مدة الأربعين ثم تنقلب إلى الصفة التي تليها، ويحتمل أن يكون المراد تصيرها شيئا فشيئا، فيخالط الدم النطفة في الأربعين الأولى بعد انعقادها وامتدادها، وتجري في أجزائها شيئا فشيئا حتى تتكامل علقة في أثناء الأربعين، ثم يخالطها اللحم شيئا فشيئا إلى أن تشتد فتصير مضغة ولا تسمى علقة قبل ذلك ما دامت نطفة، وكذا ما بعد ذلك من زمان العلقة والمضغة. وأما ما أخرجه أحمد من طريق أبي عبيده قال قال عبد الله رفعه: "إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما على حالها لا تتغير" ففي سنده ضعف وانقطاع، فإن كان ثابتا حمل نفي التغير على تمامه، أي لا تنتقل إلى وصف العلقة إلا بعد تمام الأربعين، ولا ينفي أن المني يستحيل في الأربعين الأولى دما إلى أن يصير علقة انتهى. وقد نقل الفاضل على بن المهذب الحموي الطبيب اتفاق الأطباء على أن خلق الجنين في الرحم يكون في نحو الأربعين، وفيها تتميز أعضاء الذكر دون الأنثى لحرارة مزاجه وقواه وأعبد إلى قوام المني الذي تتكون أعضاؤه منه ونضجه فيكون أقبل للشكل والتصوير، ثم يكون علقة مثل ذلك، والعلقة قطعة دم جامد، قالوا: وتكون حركة الجنين في ضعف المدة التي يخلق فيها، ثم يكون مضغة مثل ذلك أي لحمة صغيرة وهي الأربعون الثالثة فتتحرك، قال: واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر. وذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم أن داخل الرحم خشن كالسفنج، وجعل فيه قبولا للمني كطلب الأرض العطشى للماء فجعله طالبا مشتاقا إليه بالطبع، فلذلك يمسكه ويشتمل عليه ولا يزلقه بل ينضم عليه لئلا يفسده الهواء، فيأذن الله لملك الرحم في عقده وطبخه أربعين يوما وفي تلك الأربعين يجمع خلقه. قالوا: إن المني إذا اشتمل عليه الرحم ولم يقذفه استدار على نفسه واشتد إلى تمام ستة أيام فينقط فيه ثلاث نقط في مواضع القلب والدماغ والكبد، ثم يظهر فيما بين تلك النقط خطوط خمسة إلى تمام ثلاثة أيام، ثم تنفذ الدموية فيه إلى تمام خمسة عشر فتتميز الأعضاء الثلاثة، ثم تمتد رطوبة النخاع إلى تمام اثني عشر يوما ثم ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع والبطن عن الجنين في تسعة أيام، ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس في أربعة أيام فيكمل أربعين يوما، فهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "يجمع خلقه في أربعين يوما" وفيه تفصيل ما أجمل فيه، ولا ينافي ذلك قوله: "ثم تكون علقة مثل ذلك" فإن العلقة وإن كانت قطعة دم لكنها في هذه

(11/481)


الأربعين الثانية تنتقل عن صورة المني ويظهر التخطيط فيها ظهورا خفيا على التدريج، ثم يتصلب في الأربعين يوما بتزايد ذلك التخليق شيئا فشيئا حتى يصير مضغة مخلقة ويظهر للحس ظهورا لا خفاء به. وعند تمام الأربعين الثالثة والطعن في الأربعين الرابعة ينفخ فيه الروح كما وقع في هذا الحديث الصحيح، وهو ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي، حتى قال كثير من فضلاء الأطباء وحذاق الفلاسفة إنما يعرف ذلك بالتوهم والظن البعيد، واختلفوا في النقطة الأولى أيها أسبق والأكثر نقط القلب. وقال قوم: أول ما يخلق منه السرة لأن حاجته من الغذاء أشد من حاجته إلى آلات قواه، فإن من السرة ينبعث الغذاء، والحجب التي على الجنين في السرة كأنها مربوط بعضها ببعض والسرة في وسطها ومنها يتنفس الجنين ويتربى وينجذب غذاؤه منها. قوله: "ثم يكون مضغة مثل ذلك" في رواية آدم "مثله" وفي رواية مسلم كما قال في العلقة، والمراد مثل مدة الزمان المذكور في الاستحالة، والعلقة الدم الجامد الغليظ سمى بذلك للرطوبة التي فيه وتعلقه بما مر به، والمضغة قطعة اللحم سميت بذلك لأنها قدر ما يمضغ الماضغ. قوله: "ثم يبعث الله ملكا" في رواية الكشميهني: "ثم يبعث إليه ملك" وفي رواية آدم كالكشميهني لكن قال: "الملك" ومثله لمسلم بلفظ: "ثم يرسل الله" واللام فيه للعهد، والمراد به عهد مخصوص وهو جنس الملائكة الموكلين بالأرحام، كما ثبت في رواية حذيفة بن أسيد من رواية ربيعة بن كلثوم "أن ملكا موكلا بالرحم" ومن رواية عكرمة بن خالد "ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها"، وهو بتشديد اللام. وفي رواية أبي الزبير عند الفريابي "أتى ملك الأرحام" وأصله عند مسلم لكن بلفظ: "بعث الله ملكا" وفي حديث ابن عمر "إذا أراد الله أن يخلق النطفة قال ملك الأرحام" وفي ثاني حديثي الباب عن أنس "وكل الله بالرحم ملكا" وقال الكرماني: إذا ثبت أن المراد بالملك من جعل إليه أمر تلك الرحم فكيف يبعث أو يرسل؟ وأجاب بأن المراد أن الذي يبعث بالكلمات غير الملك الموكل بالرحم الذي يقول يا رب نطفة إلخ، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بالبعث أنه يؤمر بذلك. قلت: وهو الذي ينبغي أن يعول عليه، وبه جزم القاضي عياض وغيره. وقد وقع في رواية يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة عن الأعمش "إذا استقرت النطفة في الرحم أخذها الملك بكفه فقال: أي رب أذكر أو أنثى"؟ الحديث وفيه: "فيقال انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد ذلك" فينبغي أن يفسر الإرسال المذكور بذلك. واختلف في أول ما يتشكل من أعضاء الجنين فقيل قلبه لأنه الأساس وهو معدن الحركة الغريزية، وقيل الدماغ لأنه مجمع الحواس ومنه ينبعث، وقيل الكبد لأن فيه النمو والاغتذاء الذي هو قوام البدن، ورجحه بعضهم بأنه مقتضى النظام الطبيعي، لأن النمو هو المطلوب أولا ولا حاجة له حينئذ إلى حس ولا حركة إرادية لأنه حينئذ بمنزلة النبات، وإنما يكون له قوة الحس والإرادة عند تعلق النفس به فيقدم الكبد ثم القلب ثم الدماغ. قوله: "فيؤمر بأربعة" في رواية الكشميهني: "بأربع" والمعدود إنما أبهم جاز تذكيره وتأنيثه، والمعنى أنه يؤمر بكتب أربعة أشياء من أحوال الجنين. وفي رواية آدم "فيؤمر بأربع كلمات" وكذا للأكثر، والمراد بالكلمات القضايا المقدرة، وكل قضية تسمى كلمة. قوله: "برزقه وأجله وشقي أو سعيد" كذا وقع في هذه الرواية ونقص منها ذكر العمل وبه تتم الأربع، وثبت قوله: "وعمله" في رواية آدم. وفي رواية أبي الأحوص عن الأعمش "فيؤمر بأربع كلمات ويقال له اكتب" فذكر الأربع، وكذا لمسلم والأكثر. وفي رواية لمسلم أيضا: "فيؤمر بأربع كلمات ويقال رزقه إلخ" وضبط بكتب بوجهين أحدهما بموحدة مكسورة وكاف مفتوحة

(11/482)


ومثناة ساكنة ثم موحدة على البدل، والآخر بتحتانية مفتوحة بصيغة الفعل المضارع، وهو أوجه لأنه وقع في رواية آدم "فيؤذن بأربع كلمات فيكتب" وكذا في رواية أبي داود وغيره، وقوله: "سقي أو سعيد" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، وتكلف الخوبي في قوله إنه يؤمر بأربع كلمات فيكتب منها ثلاثا والحق أن ذلك من تصرف الرواة، والمراد أنه يكتب لكل أحد إما السعادة وإما الشقاء، ولا يكتبهما لواحد معا، وإن أمكن وجودهما منه لأن الحكم إذا اجتمعا للأغلب وإذا ترتبا فللخاتمة فلذلك اقتصر على أربع وإلا لقال خمس، والمراد من كتابة الرزق تقديره قليلا أو كثيرا وصفته حراما أو حلالا، وبالأجل هل هو طويل أو قصير، وبالعمل هو صالح أو فاسد. ووقع لأبي داود من رواية شعبة والثوري جميعا عن الأعمش "ثم يكتب شقيا أو سعيدا" ومعنى قوله شقي أو سعيد أن الملك يكتب إحدى الكلمتين كأن يكتب مثلا أجل هذا الجنين كذا ورزقه كذا وعمله كذا وهو شقي باعتبار ما يختم له وسعيد باعتبار ما يختم له كما دل عليه بقية الخبر، وكان ظاهر السياق أن يقول ويكتب شقاوته وسعادته لكن عدل عن ذلك لأن الكلام مسوق إليهما والتفصيل وارد عليهما، أشار إلى ذلك الطيبي. ووقع في حديث أنس ثاني حديثي الباب: "إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول: أي رب أذكر أو أنثى" وفي حديث عبد الله بن عمرو "إذا مكثت النطفة في الرحم أربعين ليلة جاءها ملك فقال: اخلق يا أحسن الخالقين، فيقضي الله ما شاء ثم يدفع إلى الملك فيقول: يا رب أسقط أم تام؟ فيبين له، ثم يقول: أواحد أم توأم؟ فيبين له، فيقول أذكر أم أنثى؟ فيبين له، ثم يقول: أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له، ثم يقول: أشقى أم سعيد؟ فيبين له. ثم يقطع له رزقه مع خلقه فيهبط بهما، ووقع في غير هذه الرواية أيضا زيادة على الأربع، ففي رواية عبد الله بن ربيعة عن ابن مسعود "فيقول اكتب رزقه وأثره وخلقه وشقي أو سعيد" وفي رواية خصيف عن أبي الزبير عن جابر من الزيادة "أي رب مصيبته، فيقول كذا وكذا" وفي حديث أبي الدرداء عند أحمد والفريابي "فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه" وأما صفة الكتابة فظاهر الحديث أنها الكتابة المعهودة في صحيفته، ووقع ذلك صريحا في رواية لمسلم في حديث حذيفة بن أسيد "ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص" وفي رواية الفريابي "ثم تطوى تلك الصحيفة إلى يوم القيامة" ووقع في حديث أبي ذر "فيقضي الله ما هو قاض فيكتب ما هو لاق بين عينيه. وتلا أبو ذر خمس آيات من فاتحة سورة التغابن" ونحوه في حديث ابن عمر في صحيح ابن حبان دون تلاوة الآية وزاد: "حتى النكبة ينكبها" وأخرجه أبو داود في "كتاب القدر المفرد" قال ابن أبي جمرة في الحديث في رواية أبي الأحوص: يحتمل أن يكون المأمور بكتابته الأربع المأمور بها ويحتمل غيرها، والأول أظهر لما بينته بقية الروايات، وحديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يوما في ثلاثة أطوار كل طور منها في أربعين ثم بعد تكملتها ينفخ فيه الروح، وقد ذكر الله تعالى هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد بمدة في عدة سور، منها في الحج وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في كتاب الحيض في "باب مخلقة وغير مخلقة" ودلت الآية المذكور على أن التخليق يكون للمضغة، وبين الحديث أن ذلك يكون فيها إذا تكاملت الأربعين وهي المدة التي إذا انتهت سميت مضغه، وذكر الله النطفة ثم العلقة ثم المضغة في سور أخرى وزاد في سورة قد أفلح بعد المضغة "فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما" الآية، ويؤخذ منها ومن حديث الباب أن تصير المضغة عظاما بعد نفخ الروح، ووقع في آخر رواية أبي عبيدة المتقدم ذكرها قريبا بعد

(11/483)


ذكر المضغة "ثم تكون عظاما أربعين ليلة ثم يكسوا الله العظام لحما" وقد رتب الأطوار في الآية بالفاء لأن المراد أنه لا يتخلل بين الطورين طور آخر، ورتبها في الحديث بثم إشارة إلى المدة التي تتخلل بين الطورين ليتكامل فيها الطور، وإنما أتى بثم بين النطفة والعلقة لان النطفة قد لا تتكون إنسانا، وأتى بثم في آخر الآية عند قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} ليدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه. وأما الإتيان بثم في أول القصة بين السلالة والنطفة فللإشارة إلى ما تخلل بين خلق آدم وخلق ولده، ووقع له حديث حذيفة بن أسيد عند مسلم ما ظاهره يخالف حديث ابن مسعود ولفظه: "إذا مر بالنطفة ثلاث وأربعون -وفي نسخة ثنتان وأربعون- ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله" الحديث. هذه رواية عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد في مسلم، ونسبها عياض في ثلاثة مواضع من شرح هذا الحديث إلى رواية ابن مسعود وهو وهم، وإنما لابن مسعود في أول الرواية ذكر في قوله: "الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره" فقط وبقية الحديث إنما هو لحذيفة بن أسيد، وقد أخرجه جعفر الفريابي من طريق يوسف المكي عن أبي الطفيل عنه بلفظ: "إذا وقعت النطفة في الرحم ثم استقرت أربعين ليلة قال فيجيء ملك الرحم فيدخل فيصور له عظمه ولحمه وشعره وبشره وسمعه وبصره ثم يقول: أي رب أذكر أو أنثى" الحديث. قال القاضي عياض: وحمل هذا على ظاهره لا يصح لأن التصوير بأثر النطفة وأول العلقة في أول الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود، وإنما يقع التصوير في آخر الأربعين الثالثة كما قال تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً} الآية قال: فيكون معنى قوله: "فصورها إلخ "أي كتب ذلك ثم يفعله بعد ذلك بدليل قوله بعد "أذكر أو أنثى" قال: وخلقه جميع الأعضاء والذكورية والأنوثية يقع في وقت متفق وهو مشاهد فيما يوجد من أجنة الحيوان وهو الذي تقتضيه الخلقة واستواء الصورة، ثم يكون للملك فيه تصور آخر وهو وقت نفخ الروح فيه حين يكمل له أربعة أشهر، كما اتفق عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر. انتهى ملخصا. وقد بسطه ابن الصلاح في فتاويه فقال ما ملخصه: أعرض البخاري عن حديث حذيفة بن أسيد إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه وإما لكونه لم يره ملتئما مع حديث ابن مسعود وحديث ابن مسعود لا شك في صحته، وأما مسلم فأخرجهما معا فاحتجنا إلى وجه الجمع بينهما بأن يحمل إرسال الملك على التعدد، فمرة في ابتداء الأربعين الثانية وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح، وأما قوله في حديث حذيفة في ابتداء الأربعين الثانية "فصورها" فإن ظاهر حديث ابن مسعود أن التصوير إنما يقع بعد أن تصير مضغة فيحمل الأول على أن المراد أنه يصورها لفظا وكتبا لا فعلا، أي يذكر كيفية تصويرها ويكتبها، بدليل أن جعلها ذكرا أو أنثى إنما يكون عند المضغة. قلت: وقد نوزع في أن التصوير حقيقة إنما يقع في الأربعين الثالثة بأنه شوهد في كثير من الأجنة التصوير في الأربعين الثانية وتمييز الذكر على الأنثى، فعلى هذا فيحتمل أن يقال أول ما يبتدئ به الملك تصوير ذلك لفظا وكتبا ثم يشرع فيه فعلا عند استكمال العلقة، ففي بعض الأجنة يتقدم ذلك وفي بعضها يتأخر، ولكن بقي في حديث حذيفة بن أسيد أنه ذكر العظم واللحم وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقة فيقوى ما قال عياض ومن تبعه. قلت: وقال بعضهم يحتمل أن يكون الملك عند انتهاء الأربعين الأولى يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى

(11/484)


أجزاء بحسب الأعضاء أو يقسم بعضها إلى جلد وبعضها إلى لحم وبعضها إلى عظم فيقدر ذلك كله قبل وجوده ثم يتهيأ ذلك في آخر الأربعين الثانية ويتكامل في الأربعين الثالثة. وقال بعضهم معنى حديث ابن مسعود أن النطفة يغلب عليها وصف المنى في الأربعين الأولى ووصف العلقة في الأربعين الثانية ووصف المضغة في الأربعين الثالثة ولا ينافي ذلك أن يتقدم تصويره. والراجح أن التصوير إنما يقع في الأربعين الثالثة. وقد أخرج الطبري من طريق السدي في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} قال عن مرة الهمداني عن ابن مسعود -وذكر أسانيد أخرى- قالوا: إذا وقعت النطفة في الرحم طارت في الجسد أربعين يوما ثم تكون علقة أربعين يوما ثم تكون مضغة أربعين يوما، فإذا أراد الله أن يخلقها بعث ملكا فصورها كما يؤمر، ويؤيده حديث أنس ثاني حديثي الباب حيث قال بعد ذكر النطفة ثم العلقة ثم المضغة "فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب أذكر أم أنثى" الحديث. ومال بعض الشراح المتأخرون إلى الأخذ بما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد من أن التصوير والتخليق يقع في أواخر الأربعين الثانية حقيقة. قال: وليس في حديث ابن مسعود ما يدفعه. واستند إلى قول بعض الأطباء أن المني إذا حصل في الرحم حصل له زبدية ورغوة في ستة أيام أو سبعة من غير استمداد من الرحم ثم يستمد من الرحم ويبتدئ فيه الخطوط بعد ثلاثة أيام أو نحوها ثم في الخامس عشر ينفذ الدم إلى الجميع فيصير علقة ثم تتميز الأعضاء وتمتد رطوبة النخاع وينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الأصابع تمييزا يظهر في بعض ويخفى في بعض وينتهي ذلك إلى ثلاثين يوما في الأقل وخمسة وأربعين في الأكثر لكن لا يوجد سقط ذكر قبل ثلاثين ولا أنثى قبل خمسة وأربعين، قال: فيكون قوله: "فيكتب" معطوفا على قوله: "يجمع" وأما قوله: "ثم يكون علقة مثل ذلك" فهو من تمام الكلام الأول وليس المراد أن الكتابة لا تقع إلا عند انتهاء الأطوار الثلاثة، فيحمل على أنه من ترتيب الأخبار لا من ترتيب المخبر به، ويحتمل أن يكون ذلك من تصرف الرواة برواياتهم بالمعنى في الذي يفهمونه. كذا قال، والحمل على ظاهر الأخبار أولى، وغالب ما نقل عن هؤلاء دعاوي لا دلالة عليها. قال ابن العربي: الحكمة في كون الملك يكتب ذلك كونه قابلا للنسخ والمحو والإثبات، بخلاف ما كتبه الله تعالى فإنه لا يتغير. قوله: "ثم ينفخ فيه الروح" كذا ثبت في رواية آدم عن شعبة في التوحيد؛ وسقط في هذه الرواية، ووقع في رواية مسلم من طريق أبي معاوية وغيره: "ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات" وظاهره قبل الكتابة، ويجمع بأن رواية آدم صريحة في تأخير النفخ للتعبير بقوله ثم، والرواية الأخرى محتملة فترد إلى الصريحة لأن الواو لا ترتب فيجوز أن تكون معطوفة على الجملة التي تليها وأن تكون معطوفة على جملة الكلام المتقدم، أي يجمع خلقه في هذه الأطوار ويؤمر الملك بالكتب، وتوسط قوله: "ينفخ فيه الروح" بين الجمل فيكون من ترتيب الخبر على الخبر لا من ترتيب الأفعال المخبر عنها. ونقل ابن الزملكاني عن ابن الحاجب في الجواب عن ذلك أن العرب إذا عبرت عن أمر بعده أمور متعددة ولبعضها تعلق بالأول حسن تقديمه لفظا على البقية وإن كان بعضها متقدما عليه وجودا، وحسن هنا لأن القصد ترتيب الخلق الذي سبق الكلام لأجله. وقال عياض: اختلفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع، ولم يختلف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوما وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع وغير ذلك بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل إنه الحكمة في عدة المرأة من

(11/485)


الوفاة بأربعة أشهر وعشر وهو الدخول في الخامس، وزيادة حذيفة بن أسيد مشعرة بأن الملك لا يأتي لرأس الأربعين بل بعدها فيكون مجموع ذلك أربعة أشهر وعشرا، وهو مصرح به في حديث ابن عباس "إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرا، ثم ينفخ فيها الروح" وما أشار إليه من عدة الوفاة جاء صريحا عن سعيد بن المسيب: فأخرج الطبري عنه أنه سئل عن عدة الوفاة فقيل له: ما بال العشرة بعد الأربعة أشهر؟ فقال: ينفخ فيها الروح. وقد تمسك به من قال كالأوزاعي وإسحاق.إن عدة أم الولد مثل عدة الحرة، وهو قوى لأن الغرس استبراء الرحم فلا فرق فيه بين الحرة والأمة، فيكون معنى قوله: "ثم يرسل إليه الملك" أي لتصويره وتخليقه وكتابة ما يتعلق به، فينفخ فيه الروح إثر ذلك كما دلت عليه رواية البخاري وغيره. ووقع في حديث علي بن عبد الله عند ابن أبي حاتم" إذا تمت للنطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكا فينفخ فيها الروح فذلك قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} وسنده منقطع، وهذا لا ينافي التقييد بالعشرة الزائدة. ومعنى في إسناد النفخ للملك أنه يفعله بأمر الله، والنفخ في الأصل إخراج ريح من جوف النافخ ليدخل في المنفوخ فيه، والمراد بإسناده إلى الله تعالى أن يقول له كن فيكون. وجمع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين: فالكتابة الأولى في السماء والثانية في بطن المرأة، ويحتمل أن تكون إحداهما في صحيفة والأخرى على جبين المولود، وقيل يختلف باختلاف الأجنة فبعضها كذا وبعضها كذا والأول أولى. قوله: "فوالله إن أحدكم" في رواية آدم "فإن أحدكم" ومثله لأبي داود عن شعبة وسفيان جميعا. وفي رواية أبي الأحوص "فإن الرجل منكم ليعمل" ومثله في رواية حفص دون قوله: "منكم" وفي رواية ابن ماجه: "فوالذي نفسي بيده" وفي رواية مسلم والترمذي وغيرهما: "فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل" لكن وقع عند أبي عوانة وأبي نعيم في مستخرجيهما من طريق يحيى القطان عن الأعمش قال: "فوالذي لا إله غيره" وهذه محتملة لأن يكون القائل النبي صلى الله عليه وسلم فيكون الخبر كله مرفوعا، ويحتمل أن يكون بعض رواته، ووقع في رواية وهب بن جرير عن شعبة بلفظ: "حتى إن أحدكم ليعمل" ووقع في رواية زيد بن وهب ما يقتضي أنه مدرج في الخبر من كلام ابن مسعود، لكن الإدراج لا يثبت بالاحتمال، أكثر الروايات يقتضي الرفع إلا رواية وهب بن جرير فبعيدة من الإدراج، فأخرج أحمد والنسائي من طريق سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن ابن مسعود نحو حديث الباب وقال بعد قوله واكتبه شقيا أو سعيدا "ثم قال: والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليعمل" كذا وقع مفصلا في رواية جماعة عن الأعمش منهم المسعودي وزائدة وزهير بن معاوية وعبد الله بن إدريس وآخرون فيما ذكره الخطيب. وقد روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أصل الحديث بدون هذه الزيادة، وكذا أبو وائل وعلقمة وغيرهما عن ابن مسعود، وكذا اقتصر حبيب بن حسان عن زيد بن وهب، وكذا وقع في معظم الأحاديث الواردة عن الصحابة كأنس في ثاني حديثي الباب وحذيفة بن أسيد وابن عمر، وكذا اقتصر عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي عن الأعمش على هذا القدر. نعم وقعت هذه الزيادة مرفوعة في حديث سهل بن سعد الآتي بعد أبواب وفي حديث أبي هريرة عند مسلم وفي حديث عائشة عند أحمد وفي حديث ابن عمر والعرس ابن عميرة في البزار وفي حديث عمرو بن العاص وأكثم بن أبي الجون في الطبراني، لكن وقعت في حديث أنس من وجه آخر قوى مفردة من رواية حميد عن الحسن البصري عنه، ومن الرواة من حذف الحسن بين حميد وأنس، فكأنه كان تاما عند أنس فحدث به مفرقا فحفظ بعض أصحابه ما لم يحفظ الآخر عنه، فيقوى على

(11/486)


هذا أن الجميع مرفوع وبذلك جزم المحب الطبري، وحينئذ تحمل رواية سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب على أن عبد الله ابن مسعود لتحقق الخبر في نفسه أقسم عليه ويكون الإدراج في القسم لا في المقسم عليه، وهذا غاية التحقيق في هذا الموضع. ويؤيد الرفع أيضا أنه مما لا مجال للرأي فيه فيكون له حكم الرفع. وقد اشتملت هذه الجملة على أنواع من التأكيد بالقسم ووصف المقسم به وبأن وباللام، والأصل في التأكيد أنه يكون لمخاطبة المنكر أو المستبعد أو من يتوهم فيه شيء من ذلك؛ وهنا لما كان الحكم مستبعدا وهو دخول من عمل الطاعة طول عمره النار وبالعكس حسن المبالغة في تأكيد الخبر بذلك والله أعلم. قوله: "أحدكم أو الرجل ليعمل" وقع في رواية آدم "فإن أحدكم" بغير شك وقدم ذكر الجنة على النار، وكذا وقع للأكثر وهو كذا عند مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه. وفي رواية حفص "فإن الرجل" وأخر ذكر النار، وعكس أبو الأحوص ولفظه: "فإن الرجل منكم". قوله: "بعمل أهل النار" الباء زائدة والأصل يعمل عمل أهل النار لأن قوله عمل إما مفعول مطلق وإما مفعول به وكلاهما مستغن عن الحرف فكان زيادة الباء للتأكيد أو ضمن "يعمل" معنى يتلبس في عمله بعمل أهل النار، وظاهره أنه يعمل بذلك حقيقة ويختم له بعكسه، وسيأتي في حديث سهل بلفظ: "ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس" وهو محمول على المنافق والمرائي بخلاف حديث الباب فإنه يتعلق بسوء الخاتمة. قوله: "غير ذراع أو باع" في رواية الكشميهني: "غير باع أو ذراع" وفي رواية أبي الأحوص "إلا ذراع" ولم يشك وقد علقها المصنف لآدم في آخر هذا الحديث ووصل الحديث كله في التوحيد عنه، ومثله في رواية أبي الأحوص والتعبير بالذراع تمثيل بقرب حاله من الموت فيحال من بينه وبين المكان المقصود بمقدار ذراع أو باع من المسافة، وضابط ذلك الحسي الغرغرة التي جعلت علامة لعدم قبول التوبة. وقد ذكر في هذا الحديث أهل الخير صرفا وأهل الشر صرفا إلى الموت ولا ذكر للذين خلطوا وماتوا على الإسلام لأنه لم يقصد في الحديث تعميم أحوال المكلفين وإنما سيق لبيان أن الاعتبار بالخاتمة، قوله: "بعمل أهل الجنة" يعني من الطاعات الاعتقادية والقولية والفعلية، ثم يحتمل أن الحفظة تكتب ذلك ويقبل بعضها ويرد بعضها، ويحتمل أن تقع الكتابة ثم تمحي وأما القبول فيتوقف على الخاتمة. قوله: "حتى ما يكون" قال الطيبي "حتى" هنا الناصبة و "ما" نافية ولم تكف يكون عن العمل فهي منصوبة بحتى، وأجاز غيره أن تكون "حتى" ابتدائية فتكون على هذا بالرفع وهو مستقيم أيضا. قوله: "فيسبق عليه الكتاب" في رواية أبي الأحوص "كتابة" والفاء في قوله: "فيسبق" إشارة إلى تعقيب ذلك بلا مهلة، وضمن يسبق معنى يغلب قاله الطيبي، وقوله: "عليه" في موضع نصب على الحال أي يسبق المكتوب واقعا عليه. وفي رواية سلمة بن كهيل "ثم يدركه الشقاء" وقال: "ثم تدركه السعادة" والمراد يسبق الكتاب سبق ما تضمنه على حذف مضاف أو المراد المكتوب والمعنى في أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة والمكتوب في اقتضاء الشقاوة فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبر عن ذلك بالسبق لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق ولأنه لو تمثل العمل والكتاب شخصين ساعيين لظفر شخص الكتاب وغلب شخص العمل، ووقع في حديث أبي هريرة عند مسلم: "وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له بعمل أهل الجنة" زاد أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة "سبعين سنة" وفي حديث أنس عند أحمد وصححه ابن حبان: "لا عليكم أن لا تعجبوا بعمل أحد حتى تنظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زمانا من عمره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملا

(11/487)


سيئا" الحديث، وفي حديث عائشة عند أحمد مرفوعا: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وهو مكتوب في الكتاب الأول من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحول فعمل عمل أهل النار فمات فدخلها" الحديث، ولأحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان" الحديث وفيه: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم" ثم أجمل على أخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا. "فقال أصحابه: ففيم العمل؟ فقال: سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل" الحديث، وفي حديث على عند الطبراني نحوه وزاد: "صاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل" وقد يسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة حتى قال: "ما أشبههم بهم بل هم منهم، وتدركهم السعادة فتستنقذهم" الحديث، ونحوه للبزار من حديث ابن عمر، وسيأتي حديث سهل بن سعد بعد أبواب وفي آخره: "إنما الأعمال بالخواتيم" ومثله في حديث عائشة عند ابن حبان ومن حديث معاوية نحوه وفي آخر حديث على المشار إليه قبل "الأعمال بخواتيمها". وفي الحديث أن خلق السمع والبصر يقع والجنين داخل بطن أمه، وقد زعم بعضهم أنه يعطى ذلك بعد خروجه من بطن أمه لقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} وتعقب بأن الواو لا ترتب، والتحقيق أن خلق السمع والبصر وهو في بطن أمه محمول جزما على الأعضاء ثم القوة الباصرة والسامعة لأنها مودعة فيها، وأما الإدراك بالفعل فهو موضع النزاع، والذي يترجح أنه يتوقف على زوال الحجاب المانع. وفيه أن الأعمال حسنه وسيئها أمارات وليست بموجبات، وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر في الابتداء قاله الخطابي. وفيه القسم على الخبر الصدق تأكيدا في نفس السامع، وفيه إشارة إلى علم المبدأ والمعاد وما يتعلق ببدن الإنسان وحاله في الشقاء والسعادة. وفيه عدة أحكام تتعلق بالأصول والفروع والحكمة وغير ذلك. وفيه أن السعيد قد يشقى وأن الشقي قد يسعد لكن بالنسبة إلى الأعمال الظاهرة وأما ما في علم الله تعالى فلا يتغير. وفيه أن الاعتبار بالخاتمة. قال ابن أبي جمرة نفع الله به: هذه التي قطعت أعناق الرجال مع ما هم فيه من حسن الحال لأنهم لا يدرون بماذا يختم لهم. وفيه أن عموم مثل قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ} الآية مخصوص بمن مات على ذلك وأن من عمل السعادة وختم له بالشقاء فهو في طول عمره عند الله شقي وبالعكس وما ورد مما يخالفه يؤول إلى أن يؤول إلى هذا، وقد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية وتمسك الأشاعرة بمثل هذا الحديث وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} وأكثر كل من الفريقين الاحتجاج لقوله، والحق أن النزاع لفظي، وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي فيقع فيه المحو والإثبات كالزيادة في العمر والنقص وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات والعلم عند الله. وفيه التنبيه على صدق البعث بعد الموت لأن من قدر على خلق الشخص من ماء مهين ثم نقله إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم ينفخ الروح فيه قادر على نفخ الروح بعد أن يصير ترابا ويجمع أجزاءه بعد أن يفرقها، ولقد كان قادرا على أن يخلقه دفعة واحدة ولكن اقتضت الحكمة بنقله في الأطوار رفقا بالأم لأنها لم تكن معتادة فكانت المشقة تعظم عليها فهيأه في بطنها بالتدريج إلى أن تكامل، ومن تأمل أصل خلقه من نطفة وتنقله في

(11/488)


تلك الأطوار إلى أن صار إنسانا جميل الصورة مفضلا بالعقل والفهم والنطق كان حقا عليه أن يشكر من أنشأه وهيأه ويعبده حق عبادته ويطيعه ولا يعصيه. وفيه أن في تقدير الأعمال ما هو سابق ولاحق، فالسابق ما في علم الله تعالى واللاحق ما يقدر على الجنين في بطن أمه كما وقع في الحديث، وهذا هو الذي يقبل النسخ، وأما ما وقع في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" فهو محمول على كتابة ذلك في اللوح المحفوظ على وفق ما في علم الله سبحانه وتعالى، واستدل به على أن السقط بعد الأربعة أشهر يصلي عليه لأنه وقت نفخ الروح فيه، وهو منقول عن القديم للشافعي والمشهور عن أحمد وإسحاق، وعن أحمد إذا بلغ أربعة أشهر وعشرا ففي تلك العشر ينفخ فيه الروح ويصلي عليه، والراجح عند الشافعية أنه لا بد من وجود الروح وهو الجديد، وقد قالوا فإذا بكي أو اختلج أو تنفس ثم بطل ذلك صلى عليه وإلا فلا، والأصل في ذلك من أخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم عن جابر رفعه: "إذا استهل الصبي ورث وصلى عليه" وقد ضعفه النووي في شرح المهذب والصواب أنه صحيح الإسناد لكن المرجح عند الحفاظ وقفه، وعلى طريق الفقهاء لا أثر للتعليل بذلك لأن الحكم للرفع لزيادته، قالوا وإذا بلغ مائة وعشرين يوما غسل كفن ودفن بغير صلاة وما قبل ذلك لا يشرع له غسل ولا غيره، واستدل به على أن التخليق لا يكون إلا في الأربعين الثالثة فأقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يوما وهي ابتداء الأربعين الثالثة وقد لا يتبين إلا في آخرها، ويترتب على ذلك أنه لا تنقضي العدة، بالوضع إلا ببلوغها وفيه خلاف، ولا يثبت للأمة أمية الولد إلا بعد دخول الأربعين الثالثة وهذا قول الشافعية والحنابلة وتوسع المالكية في ذلك فأداروا الحكم في ذلك على كل سقط ومنهم من قيده بالتخطيط ولو كان خفيا وفي ذلك رواية عن أحمد وحجتهم ما تقدم في بعض طرقه أن النطفة إذا لم يقدر تخليقها لا تصير علقة وإذا قدر أنها تتخلق تصير علقة ثم مضغة إلخ فمتى وضعت علقة عرف أن النطفة خرجت عن كونها نطفة واستحالت إلى أول أحوال الولد. وفيه أن كلا من السعادة والشقاء قد يقع بلا عمل ولا عمر وعليه ينطبق قوله صلى الله عليه وسلم: "الله أعلم بما كانوا عاملين" وسيأتي الإلمام بشيء من ذلك بعد أبواب. وفيه الحث القوي على القناعة، والزجر الشديد عن الحرص، لأن الرزق إذا كان قد سبق تقديره لم يغن التعني في طلبه وإنما شرع الاكتساب لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا. وفيه أن الأعمال سبب دخول الجنة أو النار ولا يعارض ذلك حديث: "لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله" لما تقدم من الجمع بينهما في شرحه في "باب القصد والمداومة على العمل" من كتاب الرقاق. وفيه أن من كتب شقيا لا يعلم حاله في الدنيا وكذا عكسه، واحتج من أثبت ذلك بما سيأتي قريبا من حديث على "أما من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل أهل السعادة" الحديث، والتحقيق أن يقال إن أريد أنه لا يعلم أصلا ورأسا فمردود وإن أريد أنه يعلم بطريق العلامة المثبتة للظن الغالب فنعم، ويقوى ذلك في حق من اشتهر له لسان صدق بالخير والصلاح ومات على ذلك لقوله في الحديث الصحيح الماضي في الجنائز "أنتم شهداء الله في الأرض" وإن أريد أنه يعلم قطعا لمن شاء الله أن يطلعه على ذلك فهو من جملة الغيب الذي استأثر الله بعلمه وأطلع من شاء ممن ارتضى من رسله عليه. وفيه الحث على الاستعاذة بالله تعالى من سوء الخاتمة، وقد عمل به جمع جم من السلف وأئمة الخلف، وأما ما قال عبد الحق في "كتاب العاقبة" أن سوء الخاتمة لا يقع لمن استقام باطنه وصلح ظاهره وإنما يقع لمن في طويته فساد أو ارتياب ويكثر وقوعه للمصر على الكبائر والمجترئ على العظائم فيهجم عليه الموت بغتة فيصطلمه

(11/489)


الشيطان عند تلك الصدمة، فقد يكون ذلك سببا لسوء الخاتمة نسأل الله السلامة، فهو محمول على الأكثر الأغلب. وفيه أن قدرة الله تعالى لا يوجبها شيء من الأسباب إلا بمشيئته، فإنه لم يجعل الجماع علة للولد لأن الجماع قد يحصل ولا يكون الولد حتى يشاء الله ذلك. وفيه أن الشيء الكثيف يحتاج إلى طول الزمان بخلاف اللطيف، ولذلك طالت المدة في أطوار الجنين حتى حصل تخليقه بخلاف نفخ الروح، ولذلك لما خلق الله الأرض أولا عمد إلى السماء فسواها وترك الأرض لكثافتها بغير فتق ثم فتقتا معا، ولما خلق آدم فصوره من الماء والطين تركه مدة ثم نفخ فيه الروح. واستدل الداودي بقوله: "فتدخل النار" على أن الخبر خاص بالكفار، واحتج بأن الإيمان لا يحبطه إلا الكفر، وتعقب بأنه ليس في الحديث تعرض للإحباط وحمله على المعنى الأعم أولى فيتناول المؤمن حتى يختم له بعمل الكافر مثلا فيرتد فيموت على ذلك فتستعيذ بالله من ذلك، ويتناول المطيع حتى يختم له بعمل العاصي فيموت على ذلك، ولا يلزم من إطلاق دخول النار أنه يخلد فيها أبدا بل مجرد الدخول صادق على الطائفتين، واستدل له على أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح خلاقا لمن قال به من المعتزلة لأن فيه أن بعض الناس يذهب جميع عمره في طاعة الله ثم يختم له بالكفر والعياذ بالله فيموت على ذلك فيدخل النار، فلو كان يجب عليه رعاية الأصلح لم يحبط جميع عمله الصالح بكلمة الكفر التي مات عليها ولا سيما إن طال عمره وقرب موته من كفره. واستدل به بعض المعتزلة على أن من عمل عمل أهل النار وجب أن يدخلها لترتب دخولها في الخبر على العمل، وترتب الحكم على الشيء يشعر بعليته، وأجيب بأنه علامة لا علة والعلامة قد تتخلف، سلمنا أنه علة لكنه في حق الكفار وأما العصاة فخرجوا بدليل {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فمن لم يشرك فهو داخل في المشيئة. واستدل به الأشعري في تجويزه تكليف ما لا يطاق لأنه دل على أن الله كلف العباد كلهم بالإيمان مع أنه قدر على بعضهم أنه يموت على الكفر، وقد قيل إن هذه المسألة لم يثبت وقوعها إلا في الإيمان خاصة وما عداه لا توجد دلالة قطعية على وقوعه وأما مطلق، الجواز فحاصل. وفيه أن الله يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات لتصريح الخبر بأنه يأمر بكتابة أحوال الشخص مفصلة، وفيه أنه سبحانه مريد لجميع الكائنات بمعنى أنه خالقها ومقدرها لا أنه يحبها ويرضاها. وفيه أن جميع الخير والشر بتقدير الله تعالى وإيجاده، وخالف في ذلك القدرية والجبرية فذهبت القدرية إلى أن فعل العبد من قبل نفسه، ومنهم من فرق بين الخير والشر فنسب إلى الله الخير ونفي عنه خلق الشر، وقيل إنه لا يعرف قائله وإن كان قد اشتهر ذلك وإنما هذا رأي المجوس، وذهبت الجبرية إلى أن الكل فعل الله وليس للمخلوق فيه تأثير أصلا، وتوسط أهل السنة فمنهم من قال أصل الفعل خلقه الله وللعبد قدرة غير مؤثرة في المقدور، وأثبت بعضهم أن لها تأثيرا لكنه يسمى كسبا وبسط أدلتهم يطول، وقد أخرج أحمد وأبو يعلى من طريق أيوب بن زياد عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض فقلت أوصني؟ فقال: إنك لن تطعم طعم الإيمان ولن تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره وهو أن تعلم أن ما أخطاك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك الحديث وفيه: "وإن مت ولست على ذلك دخلت النار". وأخرجه الطبراني من وجه آخر بسند حسن عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء مرفوعا مقتصرا على قوله. إن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ وسيأتي الإلمام بشيء منه في كتاب التوحيد في الكلام على خلق أفعال العباد إن شاء الله تعالى. وفي الحديث أن

(11/490)


الأقدار غالبة والعاقبة غائبة فلا ينبغي لأحد أن يغتر بظاهر الحال، ومن ثم شرع الدعاء بالثبات على الدين وبحسن الخاتمة، وسيأتي في حديث على الآتي بعد بابين سؤال الصحابة عن فائدة العمل مع تقدم التقدير والجواب عنه "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" وظاهره قد يعارض حديث ابن مسعود المذكور في هذا الباب، والجمع بينهما حمل حديث علي على الأكثر الأغلب وحمل حديث الباب على الأقل، ولكنه لما كان جائزا تعين طلب الثبات. وحكى ابن التين أن عمر بن عبد العزيز لما سمع هذا الحديث أنكره وقال: كيف يصح أن يعمل العبد عمره الطاعة ثم لا يدخل الجنة انتهى. وتوقف شيخنا ابن الملقن في صحة ذلك عن عمر، وظهر لي أنه إن ثبت عنه حمل على أن راويه حذف منه قوله في آخره: "فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" أو أكمل الراوي لكن استبعد عمر وقوعه وإن كان جائزا ويكون إيراده على سبيل التخويف من سوء الخاتمة. حديث أنس، قوله: "حماد" هو ابن زيد، وعبيد الله بن أبي بكر أي ابن أنس بن مالك. قوله: "وكل الله بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة إلخ" أي يقول كل كلمة من ذلك في الوقت الذي تصير فيه كذلك كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله وقد مضى شرحه مستوفي فيه، وتقدم شيء منه في كتاب الحيض، ويجوز في قوله نطفة النصب على إضمار فعل والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وفائدة ذلك أنه يستفهم هل يتكون منها أو لا؟ وقوله: "أن يقضي خلقها" أي بإذن فيه.

(11/491)


2 - باب جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ وقوله: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ "قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَهَا سَابِقُونَ سَبَقَتْ لَهُمْ السَّعَادَةُ
6596- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ قَالَ سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ "عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ "نَعَمْ" قَالَ فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ "كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَوْ لِمَا يُسِّرَ لَهُ"
[الحديث 6596- طرفه في 7551]
قوله: "باب" بالتنوين "جف القلم" أي فرعت الكتابة إشارة إلى أن الذي كتب في اللوح المحفوظ لا يتغير حكمه، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة لأن الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها وكذلك القلم فإذا انتهت الكتابة جفت الكتابة والقلم. وقال الطيبي هو من إطلاق اللازم على الملزوم، لأن الفراغ من الكتابة يستلزم جفاف القلم عند مداده. قلت: وفيه إشارة إلى أن كتابة ذلك انقضت من أمد بعيد. وقال عياض: معنى جف القلم أي لم يكتب بعد ذلك شيئا. وكتاب الله ولوحه وقلمه من غيبه ومن علمه الذي يلزمنا الإيمان به، ولا يلزمنا معرفة صفته، وإنما خوطبنا بما عهدنا فيما فرغنا من كتابته أن القلم يصير جافا للاستغناء عنه. قوله: "على علم الله" أي على حكمه لأن معلومه لا بد أن يقع، فعلمه بمعلوم يستلزم الحكم بوقوعه، وهذا لفظ حديث أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من طريق عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل، فلذلك

(11/491)


أقول جف القلم على علم الله"، وأخرجه أحمد وابن حبان من طريق أخرى عن أبي الديلمي نحوه وفي آخره أن القائل "فلذلك أقول"، هو عبد الله بن عمرو ولفظه: "قلت لعبد الله بن عمرو: بلغني أنك تقول إن القلم قد جف -فذكر الحديث وقال في آخره- فلذلك أقول جف القلم بما هو كائن". ويقال إن عبد الله بن طاهر أمير خراسان للمأمون سأل الحسين بن الفضل عن قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} مع هذا الحديث، فأجاب: هي شئون يبديها لا شئون يبتديها؛ فقام إليه وقبل رأسه. قوله: "وقال أبو هريرة قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: جف القلم بما أنت لاق" هو طرف من حديث ذكر أصله المصنف من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: "قلت يا رسول الله إني رجل شاب وإني أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء، فسكت عني" الحديث وفيه: "يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر" أخرجه في أوائل النكاح فقال: قال أصبغ -يعني ابن الفرج- أخبرني ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب، ووصله الإسماعيلي والجوزقي والفريابي في كتاب القدر كلهم من طريق أصبغ به وقالوا كلهم بعد قوله العنت "فأذن لي أن أختصي" ووقع لفظ: "جف القلم" أيضا في حديث جابر عند مسلم: "قال سراقة يا رسول الله فيم العمل أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير" الحديث، وفي آخر حديث ابن عباس الذي فيه: "احفظ الله يحفظك" ففي بعض طرقه: "جفت الأقلام وطويت الصحف" وفي حديث عبد الله بن جعفر عند الطبراني في حديث: "واعلم أن القلم قد جف بما هو كائن" وفي حديث الحسن بن على عند الفريابي "رفع الكتاب وجف القلم". قوله: "وقال ابن عباس لها سابقون: سبقت لهم السعادة" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} قال: سبقت لهم السعادة، والمعنى أنهم سارعوا إلى الخيرات بما سبق لهم من السعادة بتقدير الله، ونقل عن الحسن أن اللام في "لها" بمعنى الباء فقال: معناه سابقون بها، فقال الطبراني: وتأولها بعضهم -أي اللام- بأنها بمعنى "إلى" وبعضهم أن المعنى: وهم من أجلها، ونقل عبد الرحمن بن زيد أن الضمير للخيرات، وأجاز غيره أن للسعادة، والذي يجمع بين تفسير ابن عباس وظاهر الآية أن السعادة سابقة وأن أهلها سبقوا إليها لا أنهم سبقوها. قوله: "حدثنا يزيد الرشك" بكسر الراء وسكون المعجمة بعدها كاف كنيته أبو الأزهر، وحكى الكلاباذي أن اسم والده سنان بكسر المهملة ونونين، وهو بصري تابعي ثقة، قيل كان كبير اللحية فلقب الرشك وهو بالفارسية كما زعم أبو على الغساني وجزم به ابن الجوزي الكبير اللحية. وقال أبو حاتم الرازي: كان غيورا فقيل له إرشك بالفارسية فمضى عليه الرشك. وقال الكرماني بل الرشك بالفارسية القمل الصغير الملتصق، بأصول شعر اللحية، وذكر الكلاباذي أن الرشك القسام. قلت: بل كان يزيد يتعانى مساحة الأرض فقيل له القسام وكان يلقب الرشك لا أن مدلول الرشك القسام بل هما لقب ونسبة إلى صنعة، والمعتمد في أمره ما قال أبو حاتم، وما ليزيد في البخاري إلا هذا الحديث أورده هنا وفي كتاب الاعتصام. قوله: "قال رجل" هو عمران بن حصين راوي الخبر، بينه عبد الوارث بن سعيد عن يزيد الرشك عن عمران بن حصين قال: "قلت يا رسول الله" فذكره، وسيأتي موصولا في أواخر كتاب التوحيد، وسأل عن ذلك آخرون، وسيأتي مزيد بسط فيه في شرح حديث علي قريبا. قوله: "أيعرف أهل الجنة من أهل النار" في رواية حماد بن زيد عن يزيد عند مسلم بلفظ: "أعلم" بضم العين، والمراد بالسؤال معرفة الملائكة أو من أطلعه الله على ذلك؛ وأما معرفة العامل

(11/492)


أو من شاهده فإنما يعرف بالعمل. قوله: "فلم يعمل العاملون" في روايات حماد "ففيم"؟ وهو استفهام والمعنى إذا سبق القلم بذلك فلا يحتاج العامل إلى العمل لأنه سيصير إلى ما قدر له. قوله: "قال: كل يعمل لما خلق له أو لما ييسر له" وفي رواية الكشميهني: "يسر" بضم أوله وكسر المهملة الثقيلة. وفي رواية حماد المشار إليها "قال كل ميسر لما خلق له" وقد جاء هذا الكلام الأخير عن جماعة من الصحابة بهذا اللفظ يزيدون على العشرة سأشير إليها في آخر الباب الذي يلي الذي يليه، منها حديث أبي الدرداء عند أحمد بسند حسن بلفظ: "كل امرئ مهيأ لما خلق له" وفي الحديث إشارة إلى أن المآل محجوب عن المكلف فعليه أن يجتهد في عمل ما أمر به فإن عمله أمارة إلى ما يؤول إليه أمره غالبا وإن كان بعضهم قد يختم له بغير ذلك كما ثبت في حديث ابن مسعود وغيره لكن لا اطلاع له على ذلك فعليه أن يبذل جهده ويجاهد نفسه في عمل الطاعة لا يترك وكولا إلى ما يؤول إليه أمره فيلام على ترك المأمور ويستحق العقوبة، وقد ترجم ابن حبان بحديث الباب: "ما يجب على المرء من التشمير في الطاعات وإن جرى قبلها ما يكره الله من المحظورات" ولمسلم من طريق أبي الأسود عن عمران أنه قال له: أرأيت ما يعمل الناس اليوم أشيء قضي عليهم ومضي فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيء قضى عليهم ومضى فهيم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} وفيه قصة لأبي الأسود الدؤلي مع عمران وفيه قوله له: أيكون ذلك ظلما؟ فقال: لا كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل. قال عياض: أورد عمران على أبي الأسود شبهة القدرية من تحكمهم على الله ودخولهم بآرائهم في حكمه، فلما أجابه بما دل على ثباته في الدين قواه بذكر الآية وهي حد لأهل السنة، وقوله كل خلق الله وملكه يشير إلى أن المالك الأعلى الخالق الآمر لا يعترض عليه إذا تصرف في ملكه بما يشاء، وإنما يعترض على المخلوق المأمور.

(11/493)


3 - باب اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
6597- حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير "عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
6598- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ "سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"
6599- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا"
6600- "قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"
قوله: "باب الله أعلم بما كانوا عاملين" الضمير لأولاد المشركين كما صرح به في السؤال، وذكره من حديث

(11/493)


ابن عباس مختصرا ومن حديث أبي هريرة كذلك، وتقدم في أواخر الجنائز "باب ما قيل في أولاد المسلمين" وبعده "باب ما قيل في أولاد المشركين" وذكر في الثاني الحديثين المذكورين هنا من مخرجيهما وذكر الثالث أيضا من وجه آخر عن أبي هريرة، وقد تقدم شرح ذلك مستوفي في الباب المذكور. قوله في الرواية الثانية عن ابن شهاب "قال وأخبرني عطاء بن يزيد" الواو عاطفة على شيء محذوف، كأنه حدث قبل ذلك بشيء ثم حديث بحديث عطاء، ووقع في رواية مسلم من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد وعند أبي عوانة في صحيحه من طريق شعيب عن الزهري "حدثني عطاء بن يزيد الليثي". قوله: "أخبرنا إسحاق بن إبراهيم" هو ابن راهويه كما بينته في المقدمة

(11/494)


4 - باب وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا
6601- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِحْ فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا"
6602- حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ "عَنْ أُسَامَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ وَعِنْدَهُ سَعْدٌ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذٌ أَنَّ ابْنَهَا يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهَا "لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى كُلٌّ بِأَجَلٍ فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ"
6603- حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ الجُمَحِيُّ "أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا وَنُحِبُّ الْمَالَ كَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ لاَ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلاَّ هِيَ كَائِنَةٌ"
6604- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلاَّ ذَكَرَهُ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ إِنْ كُنْتُ لاَرَى الشَّيْءَ قَدْ نَسِيتُ فَأَعْرِفُ مَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ"
6605- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ "عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ وَقَالَ "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَنَّةِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَلاَ نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لاَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ثُمَّ قَرَأَ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الْآيَةَ"

(11/494)


قوله: "باب "وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً" أي حكما مقطوعا بوقوعه، والمراد بالأمر واحد الأمور المقدرة ويحتمل أن يكون واحد الأوامر، لأن كل موجود بكن. حديث أبي هريرة "لا تسأل المرأة طلاق أختها -إلى قوله في آخره- فإن لها ما قدر لها" وقد مضى شرحه في "باب الشروط التي لا تحل في النكاح" من كتاب النكاح قال ابن العربي: في هذا الحديث من أصول الدين السلوك في مجاري القدر، وذلك لا يناقض العمل في الطاعات ولا يمنع التحرف في الاكتساب والنظر لقوت غد وإن كان لا يتحقق أنه يبلغه. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث من أحسن أحاديث القدر عند أهل العلم لما دل عليه من أن الزوج لو أجابها وطلق من تظن أنها تزاحمها في رزقها فإنه لا يحصل لها من ذلك إلا ما كتب الله لها سواء أجابها أو لم يجبها، وهو كقول الله تعالى في الآية الأخرى {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} حديث أسامة وهو ابن زيد، قوله: "عاصم" هو الأحول، وأبو عثمان هو النهدي. قوله: "وعنده سعد" هو ابن عبادة، ومعاذ هو ابن جبل، وقد تقدم شرحه مستوفي في كتاب الجنائز وما قيل في تسمية الابن المذكور وبيان الجمع بين هذه الرواية والرواية التي فيها "أن ابنتها". حديث أبي سعيد، قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك، ويونس هو ابن يزيد. قوله: "جاء رجل من الأنصار" تقدم في غزوة المريسيع وفي عشرة النساء من كتاب النكاح عن أبي سعيد قال: "سألنا" وأخرجه النسائي من طريق ابن محيريز أن أبا سعيد وأبا صرمة أخبراه أنهم أصابوا سبايا، قال: "فتراجعنا في العزل، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم" فلعل أبا سعيد باشر السؤال وإن كان الذين تراجعوا في ذلك جماعة، وقد وقع عند البخاري في تاريخه وابن السكن وغيره في الصحابة من حديث مجدي الضمري قال: "غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة المريسيع فأصبنا سبيا، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل" الحديث، وأبو صرمة مختلف في صحبته، وقد وقع في صحيح مسلم من طريق ابن محيريز "دخلت أنا وأبو صرمة على أبي سعيد فقال: يا أبا سعيد هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في العزل" الحديث، والثابت أن أبا صرمة وهو بكسر المهملة وسكون الراء إنما سأل أبا سعيد، وقد تقدم شرح الحديث مستوفي في النكاح، والغرض منه هنا قوله في آخره: "وليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي كائنة" . قوله: "حدثنا موسى بن مسعود" هو أبو حذيفة النهدي، وسفيان هو الثوري، قوله: "لقد خطبنا" في رواية جرير عن الأعمش عند مسلم: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما". قوله: "إلا ذكره" في رواية جرير "إلا حدث به". قوله: "علمه من علمه وجهله من جهله" في رواية جرير "حفظه من حفظه ونسيه من نسيه" وزاد: "قد علمه أصحابي هؤلاء" أي علموا وقوع ذلك المقام وما وقع فيه من الكلام، وقد سميت في أول بدء الخلق من روى نحو حديث حذيفة هذا من الصحابة كعمر وأبي زيد بن أخطب وأبي سعيد قال وغيرهم فلعل حذيفة أشار إليهم أو إلى بعضهم، وقد أخرج مسلم من طريق أبي إدريس الخولاني عن حذيفة "والله إني لأعلم كل فتنة كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى شيئا لم يكن يحدث به غيري" وقال في آخره: "فذهب أولئك الرهط غيري" وهذا لا يناقض الأول بل يجمع بأن يحمل على مجلسين، أو المراد بالأول أعم من المراد بالثاني. قوله: "إن كنت لأرى الشيء قد نسيت" كذا للأكثر بحذف المفعول. وفي رواية الكشميهني بإثباته ولفظه: "نسيته". قوله: "فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه" في رواية محمد بن يوسف عن سفيان عند الإسماعيلي: "كما يعرف الرجل" بحذف المفعول. وفي رواية الكشميهني:

(11/495)


"الرجل وجه الرجل غاب عنه ثم رآه فعرفه" قال عياض: في هذا الكلام تلفيق، وكذا في رواية جرير "وأنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه" قال والصواب كما ينسي الرجل وجه الرجل -أو كما لا يذكر الرجل وجه الرجل- إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه. قلت: والذي يظهر لي أن الرواية في الأصلين مستقيمة، وتقدير ما في حديث سفيان أنه يرى الشيء الذي كان نسيه فإذا رآه عرفه وقوله: "كما يعرف الرجل الرجل غاب عنه" أي الذي كان غاب عنه فنسى صورته ثم إذا رآه عرفه، وأخرجه الإسماعيلي من رواية ابن المبارك عن سفيان بلفظ: "إني لأرى الشيء نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل إلخ". "تنبيه": أخرج هذا الحديث القاضي عياض في "الشفاء" من طريق أبي داود بسنده إلى قوله: "ثم إذا رآه عرفه" ثم قال حذيفة "ما أدري أنسى أصحابي أم تناسوه" والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة إلا قد سماه لنا" قلت: ولم أر هذه الزيادة في كتاب أبي داود، وإنما أخرجه أبو داود بسند آخر مستقل من وجه آخر عن حذيفة. حديث على، قوله: "عن أبي حمزة" بمهملة وزاي هو محمد بن ميمون السكري. قوله: "عن سعد بن عبيدة" بضم العين هو السلمي الكوفي يكني أبا حمزة وكان صهر أبي عبد الرحمن شيخه في هذا الحديث، ووقع في تفسير {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} من طريق شعبة عن الأعمش "سمعت سعد بن عبيدة" وأبو عبد الرحمن السلمي اسمه عبد الله بن حبيب وهو من كبار التابعين، ووقع مسمى في رواية معتمر ابن سليمان عن منصور عن سعد بن عبيدة عند الفريابي. قوله: "عن علي" في رواية مسلم البطين عن أبي عبد الرحمن السلمي" أخذ بيدي علي فانطلقنا نمشي حتى جلسنا على شاطئ الفرات، فقال على: قال رسول صلى الله عليه وسلم" فذكر الحديث مختصرا. قوله: "كنا جلوسا" في رواية عبد الواحد عن الأعمش "كنا قعودا" وزاد في رواية سفيان الثوري عن الأعمش "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد -بفتح الغين المعجمة والقاف بينهما راء ساكنة- في جنازة" فظاهره أنهم كانوا جميعا شهدوا الجنازة، لكن أخرجه في الجنائز من طريق منصور عن سعد بن عبيدة فبين أنهم سبقوا بالجنازة وأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ولفظه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله". قوله: "ومعه عود ينكت به في الأرض" في رواية شعبة "وبيده عود فجعل ينكت به في الأرض" وفي رواية منصور "ومعه مخصرة" بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الصاد المهملة هي عصا أو قضيب يمسكه الرئيس ليتوكأ عليه ويدفع به عنه ويشير به لما يريد، وسميت بذلك لأنها تحمل تحت الخصر غالبا للاتكاء عليها، وفي اللغة اختصر الرجل إذا أمسك المخصرة. قوله: "فنكس" بتشديد الكاف أي أطرق. قوله: "فقال ما منكم من أحد" زاد في رواية منصور "ما من نفس منفوسة" أي مصنوعة مخلوقة، واقتصر في رواية أبي حمزة والثوري على الأول. قوله: "إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة" أو للتنويع، ووقع في رواية سفيان ما قد يشعر بأنها بمعنى في الواو ولفظه: "إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار" وكأنه يشير إلى ما تقدم من حديث ابن عمر الدال على أن لكل أحد مقعدين. وفي رواية منصور "إلا كتب مكانها من الجنة والنار" وزاد فيها "وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة" وإعادة "إلا" يحتمل أن يكون "ما من نفس" بدل "ما منكم" "وإلا" الثانية بدلا من الأولى وأن يكون من باب اللف والنشر فيكون فيه تعميم بعد تخصيص والثاني في كل منهما أعم من الأول أشار إليه الكرماني. قوله: "فقال رجل من القوم" في رواية سفيان وشعبة "فقالوا

(11/496)


يا رسول الله" وهذا الرجل وقع في حديث جابر عند مسلم أنه سراقة بن مالك بن جعشم ولفظه: "جاء سراقة فقال يا رسول الله أنعمل اليوم فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أو فيما يستقبل؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. فقال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له" وأخرجه الطبراني وابن مردويه نحوه وزاد: وقرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى -إلى قوله- العسرى} وأخرجه ابن ماجه من حديث سراقة نفسه لكن دون تلاوة الآية. ووقع هذا السؤال وجوابه سوى تلاوة الآية لشريح بن عامر الكلابي أخرجه أحمد والطبراني ولفظه: "قال: ففيم العمل إذا؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له" وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر قال: "قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو أمر قد فرغ منه؟ قال: فيما قد فرغ منه" فذكر نحوه. وأخرج البزار والفريابي من حديث أبي هريرة "إن عمر قال: يا رسول الله" فذكره. وأخرجه أحمد والبزار والطبراني من حديث أبي بكر الصديق "قلت يا رسول الله نعمل على ما فرغ منه" الحديث نحوه، ووقع في حديث سعد بن أبي وقاص "فقال رجل من الأنصار" والجمع بينها تعدد السائلين عن ذلك، فقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو أن السائل عن ذلك جماعة ولفظه: "فقال أصحابه: ففيم العمل إن كان قد فرغ منه؟ فقال: سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل" الحديث أخرجه الفريابي. قوله: "ألا نتكل يا رسول الله" في رواية سفيان "أفلا" والفاء معقبة لشيء محذوف تقديره أفإذا كان كذلك أفلا نتكل، وزاد في رواية منصور وكذا في رواية شعبة "أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل" أي نعتمد على ما قدر علينا، وزاد في رواية منصور "فمن كان منا من أهل السعادة فيصير إلى عمل السعادة ومن كان منا من أهل الشقاوة" مثله. قوله: "اعملوا فكل ميسر" زاد شعبة "لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل السعادة" الحديث. وفي رواية منصور قال: "أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة" الحديث. وحاصل السؤال: ألا نترك مشقة العمل فإنا سنصير إلى ما قدر علينا، وحاصل الجواب: لا مشقة لأن كل أحد ميسر لما خلق له، وهو يسير على من يسره الله. قال الطيبي: الجواب من الأسلوب الحكيم، منعهم عن ترك العمل وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية، وزجرهم عن التصرف في الأمور المغيبة فلا يجعلوا العبادة وتركها سببا مستقلا لدخول الجنة والنار بل هي علامات فقط. قوله: "ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الآية" وساق في رواية سفيان ووكيع الآيات إلى قوله: {لِلْعُسْرَى} ووقع في حديث ابن عباس عند الطبراني نحو حديث عمر وفي آخره: "قال اعمل فكل ميسر" وفي آخره عند البزار "فقال القوم بعضهم لبعض: فالجد إذا" وأخرجه الطبراني في آخر حديث سراقة ولفظه: "فقال يا رسول الله ففيم العمل؟ قال كل ميسر لعمله، قال: الآن الجد الآن الجد" وفي آخر حديث عمر عند الفريابي "فقال عمر ففيم العمل إذا؟ قال: كل لا ينال إلا بالعمل، قال عمر: إذا نجتهد" وأخرج الفريابي بسند صحيح إلى بشير بن كعب أحد كبار التابعين قال: "سأل غلامان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيم العمل: فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم شيء نستأنفه؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام، قالا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما هو عامل، قالا: فالجد الآن" وفي الحديث جواز القعود عند القبور والتحدث عندها بالعلم والموعظة. وقال المهلب: نكته الأرض بالمخصرة أصل في تحريك الأصبع في التشهد نقله ابن بطال، وهو بعيد، وإنما هي عادة لمن يتفكر في شيء يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكرا منه صلى الله عليه وسلم في أمر الآخرة بقرينة حضور الجنازة، ويحتمل أن يكون فيما

(11/497)


أبداه بعد ذلك لأصحابه من الحكم المذكورة، ومناسبته للقصة أن فيه إشارة إلى التسلية عن الميت بأنه مات بفراغ أجله. وهذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاء بتقدير الله القديم، وفيه رد على الجبرية لأن التيسير ضد الجبر لأن الجبر لا يكون إلا عن كره ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا وهو غير كاره له. واستدل به على إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدنيا كمن اشتهر له لسان صدق وعكسه لأن العمل أمارة على الجزاء على ظاهر هذا الخبر، ورد بما تقدم في حديث ابن مسعود، وأن هذا العمل الظاهر قد ينقلب لعكسه على وفق ما قدر، والحق أن العمل علامة وأمارة، فيحكم بظاهر الأمر وأمر الباطن إلى الله تعالى. قال الخطابي: لما أخبر صلى الله عليه وسلم عن سبق الكائنات رام من تمسك بالقدر أن يتخذه حجة في ترك العمل فأعلمهم أن هنا أمرين لا يبطل أحدهما بالآخر: باطن وهو العلة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر وهو العلامة اللازمة في حق العبودية، وإنما هي أمارة مخيلة في مطالعة علم العواقب غير مفيدة حقيقة، فبين لهم أن كلا ميسر لما خلق له، وأن عمله في العاجل دليل على مصيره في الآجل، ولذلك مثل بالآيات. ونظير ذلك الرزق مع الأمر بالكسب، والأجل مع الإذن في المعالجة. وقال في موضع آخر: هذا الحديث إذا تأملته وجدت فيه الشفاء مما يتخالج في الضمير من أمر القدر، وذلك أن القائل "أفلا نتكل وندع العمل" لم يدع شيئا مما يدخل في أبواب المطالبات والأسئلة إلا وقد طالب به وسأل عنه، فأعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القياس في هذا الباب متروك والمطالبة ساقطة، وأنه لا يشبه الأمور التي عقلت معانيها وجرت معاملة البشر فيما بينهم عليها، بل طوى الله علم الغيب عن خلقه وحجبهم عن دركه كما أخفى عنهم أمر الساعة فلا يعلم أحد متى حين قيامها انتهى. وقد تقدم كلام ابن السمعاني في نحو ذلك في أول كتاب القدر. وقال غيره: وجه الانفصال عن شبهة القدرية أن الله أمرنا بالعمل فوجب علينا الامتثال، وغيب عنا المقادير لقيام الحجة، ونصب الأعمال علامة على ما سبق مشيئته. فمن عدل عنه ضل وتاه لأن القدر سر من أسرار الله لا يطلع عليه إلا هو، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة كشف لهم عنه حينئذ. وفي أحاديث هذا الباب أن أفعال العباد وإن صدرت عنهم لكنها قد سبق علم الله بوقوعها بتقديره، ففيها بطلان قول القدرية صريحا، والله أعلم.

(11/498)


5 - باب الْعَمَلُ بِالْخَوَاتِيمِ
6606- حدثنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام ثم هذا من أهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح فأثبتته فجاء رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت الذي تحدثت أنه من أهل النار قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به الجراح فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أما إنه من أهل النار فكاد بعض المسلمين يرتاب فبينما هو على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع منها سهما فانتحر بها فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله صدق الله حديثك قد

(11/498)


انتحر فلان فقتل نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"
6607- حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو غسان حدثني أبو حازم "عن سهل بن سعد أن رجلا من أعظم المسلمين غناء عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فقال من أحب أن ينظر إلى الرجل من أهل النار فلينظر إلى هذا فأتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه فأقبل الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسرعا فقال أشهد أنك رسول الله فقال وما ذاك قال قلت لفلان من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين فعرفت أنه لا يموت على ذلك فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار, وإنما الأعمال بالخواتيم"
قوله: "باب العمل بالخواتيم" لما كان ظاهر حديث على يقتضي اعتبار العمل الظاهر أردفه بهذه الترجمة الدالة على أن الاعتبار بالخاتمة، وذكر فيه قصة الذي نحر نفسه في القتال من حديث أبي هريرة ومن حديث سهل ابن سعد، وقد تقدم شرحهما في غزوة خيبر من كتاب المغازي، وذكرت هناك الاختلاف في اسم المذكور، وهل القصتان متغايرتان في موطنين لرجلين أو هما قصة واحدة، وقوله في آخر حديث أبي هريرة "وإنما الأعمال بالخواتيم" وقع في حديث أنس عند الترمذي وصححه "إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله، قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه" وأخرجه أحمد من هذا الوجه مطولا وأوله "لا تعجبوا لعمل عامل حتى تنظروا بم يختم له" فذكر نحو حديث ابن مسعود وأخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة مختصرا. وأخرج البزار من حديث ابن عمر حديثا فيه ذكر الكتابين وفي آخره: "العمل بخواتيمه العمل بخواتيمه".

(11/499)


باب القاء العهد النذر إلى القدر
...
6 - باب إِلْقَاءِ الْعَبْدَ النَّذْر إِلَى الْقَدَرِ
6234- حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن منصور عن عبد الله بن مرة "عن ابن عمر رضي الله عنهما قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر قال إنه "لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل"
[الحديث 6608- طرفاه في: 6692، 6693]
6235- حدثنا بشر بن محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن همام بن منبه "عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يأتي بن آدم النذر بشيء لم يكن قد قدرته ولكن يلقيه القدر وقد قدرته له أستخرج به من البخيل"
[الحديث 6609- طرفه في: 6694]

(11/499)


قوله: "باب إلقاء العبد النذر إلى القدر" في رواية الكشميهني: "إلقاء النذر العبد" وفي الأول النذر بالرفع وهو الفاعل والإلقاء مضاف إلى المفعول وهو العبد وفي الثانية العبد بالنصب وهو المفعول والإلقاء مضاف إلى الفاعل وهو النذر، وسيأتي في "باب الوفاء بالنذر" من وجه آخر عن أبي هريرة على وفق رواية الكشميهني وذكر فيه حديث ابن عمر وأبي هريرة في ذلك وسيأتيان في "باب الوفاء بالنذر" من كتاب الأيمان والنذور مع شرحهما، فأما حديث أبي هريرة فهو صريح في الترجمة لكن لفظه: "ولكن يلقيه القدر" كذا للأكثر وللكشميهني: "يلقيه النذر" بنون ثم ذال معجمة. وقد اعترض بعض شيوخنا على البخاري فقال: ليس في واحد من اللفظين المرويين عنه في الترجمة مطابقة للحديث، والمطابق، أن يقول إلقاء القدر العبد إلى النذر بتقديم القدر بالقاف على النذر بالنون، لأن لفظ الخبر "يلقيه القدر" بالقاف، كذا قال، وكأنه لم يشعر برواية الكشميهني في متن الحديث، ثم ادعى أن الترجمة مع عدم مطابقتها للخبر ليس المعنى فيها صحيحا انتهى. وما نفاه مردود، بل المعنى بين لمن له أدنى تأمل، وكأنه استبعد نسبة الإلقاء إلى النذر، وجوابه أن النسبة مجازية، وسوغ ذلك كونه سببا إلى الإلقاء فنسب الإلقاء إليه، وأيضا فهما متلازمان. قال الكرماني الظاهر أن الترجمة مقلوبة إذ القدر هو الذي يلقى إلى النذر لقوله في الخبر "يلقيه القدر" والجواب أنهما صادقان إذ الذي يلقى في الحقيقة هو القدر وهو الموصل وبالظاهر هو النذر، قال وكان الأولى أن يقول: يلقيه القدر إلى النذر ليطابق الحديث، إلا أن يقال إنهما متلازمان، وكأنه أيضا ما نظر إلى رواية الكشميهني، وأيضا فقد جرت عادة البخاري أنه يترجم بما ورد في بعض طرق الحديث وإن لم يسق ذلك اللفظ بعينه ليبعث ذلك الناظر في كتابه على تتبع الطرق وليقدح الفكر في التطبيق ولغير ذلك من المقاصد التي فاق بها غيره من المصنفين كما تقرر غير مرة. وأما حديث ابن عمر فهو بلفظ: "أنه -أي النذر- لا يرد شيئا" وهو يعطي معنى الرواية الأخرى، وقوله هنا "منصور" هو ابن المعتمر عن عبد الله بن مرة يأتي في الباب المذكور بلفظ: "أخبرنا عبد الله بن مرة" وهو الهمداني بسكون الميم الخارفي بمعجمة وراء مكسورة ثم فاء تابعي كبير، ولهم كوفي شيخ آخر في طبقته يقال له عبد الله بن مرة الزوفي بزاي وواو ساكنة ثم فاء مصري، ويقال له عبد الله بن أبي مرة وهو بها أشهر.

(11/500)


باب لاحول ولا قوة إلا بالله
...
7 - باب لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ
6610- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ "عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَجَعَلْنَا لاَ نَصْعَدُ شَرَفًا وَلاَ نَعْلُو شَرَفًا وَلاَ نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلاَّ رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ قَالَ فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ"
قوله: "باب" بالتنوين "لا حول ولا قوة إلا بالله" ترجم في أواخر الدعوات "باب قول لا حول" بالإضافة واقتصر هنا على لفظ الخبر واستغنى به لظهوره في أبواب القدر، لأن معنى لا حول لا تحويل للعبد عن معصية الله

(11/500)


إلا بعصمة الله ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله، وقيل معنى لا حول لا حيلة. وقال النووي: هي كلمة استسلام وتفويض وأن العبد لا يملك من أمره شيئا وليس له حيلة في دفع شر ولا قوة في جلب خير إلا بإرادة الله تعالى. حديث أبي موسى وقد تقدم في الدعوات بهذا الإسناد بعينه لكن فيه سليمان التيمي بدل خالد الحذاء المذكور هنا، وهو محمول على أن لعبد الله وهو ابن المبارك فيه شيخين، وقد أخرجه النسائي من رواية سويد ابن نصر عن ابن المبارك عن خالد الحذاء. قوله: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة" تقدم في غزوة خيبر من كتاب المغازي بيان أنها غزوة خيبر. قوله: "إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير" في رواية سليمان التيمي المذكورة "فلما علا عليها رجل نادى فرفع صوته لا إله إلا الله والله أكبر" لم أقف على اسم هذا الرجل، ويجمع بأن الكل كبروا وزاد هذا عليهم بالتهليل، وتقدم في رواية عبد الواحد ما يدل على أن المراد بالتكبير قول لا إله إلا الله والله أكبر. قوله: "اربعوا" بفتح الموحدة أي ارفقوا، وقد تقدم بيانه في أوائل الدعاء، قال يعقوب بن السكيت: ربع الرجل يربع إذا رفق وكف، وكذا بقية ألفاظه. قال ابن بطال: كان عليه السلام معلما لأمته فلا يراهم على حالة من الخير إلا أحب لهم الزيادة، فأحب للذين رفعوا أصواتهم بكلمة الإخلاص والتكبير أن يضيفوا إليها التبري من الحول والقوة فيجمعوا بين التوحيد والإيمان بالقدر، وقد جاء في الحديث: "إذا قال العبد لا حول ولا قوة إلا بالله قال الله أسلم عبدي واستسلم". قلت: أخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة بسند قوى. وفي رواية له "قال لي يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: تقول لا حول ولا قوة إلا بالله. فيقول الله أسلم عبدي واستسلم" وزاد في رواية له "ولا منجا ولا ملجأ من الله إلا إليه" قوله: "من كنوز الجنة" تقدم القول فيه، وحاصله أن المراد أنها من ذخائر الجنة أو محصلات نفائس الجنة، قال النووي: المعنى أن قولها يحصل ثوابا نفيسا يدخر لصاحبه في الجنة. وأخرج أحمد والترمذي وصححه ابن حبان عن أيوب "أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به مر على إبراهيم على نبينا و عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد مر أمتك أن يكثروا من غراس الجنة، قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله". قوله: "لا تدعون" كذا أطلق على التكبير ونحوه دعاء من جهة أنه بمعنى النداء لكون الذاكر يريد إسماع من ذكره والشهادة له.

(11/501)


8 - باب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ عَاصِمٌ مَانِعٌ
قَالَ مُجَاهِدٌ سَدًّا عَنْ الْحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلاَلَةِ دَسَّاهَا أَغْوَاهَا
6611- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلاَّ لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ"
[الحديث 6611- طرفه في: 7198]
قوله: "باب" بالتنوين "المعصوم من عصم الله" أي من عصمه الله بأن حماه من الوقوع في الهلاك أو ما يجر إليه يقال عصمه الله من المكروه وقاه وحفظه واعتصمت بالله لجأت إليه وعصمة الأنبياء على نبينا وعليهم

(11/501)


الصلاة والسلام حفظهم من النقائص وتخصيصهم بالكمالات النفيسة والنصرة والثبات في الأمور وإنزال السكينة، والفرق بينهم وبين غيرهم أن العصمة في حقهم بطريق الوجوب وفي حق غيرهم بطريق الجواز. قوله: "عاصم مانع" يريد تفسير قوله تعالى في قصة نوح وابنه {قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} وبذلك فسره عكرمة فيما أخرجه الطبري من طريق الحكم بن أبان عنه. وقال الراغب المعنى بقوله: {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ} أي لا شيء يعصم منه، وفسره بعضهم بمعصوم، ولم يرد أن العاصم بمعنى المعصوم وإنما نبه على أنهما متلازمان فأيهما حصل حصل الآخر.قوله: "قال مجاهد سدا عن الحق يترددون في الضلالة" كذا للأكثر سدا بتشديد الدال بعدها ألف، وصله ابن أبي حاتم من طريق ورقاء عن ابن نجيح عنه في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} قال عن الحق، ووصله عبد بن حميد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {سَدّاً} قال: عن الحق وقد يترددون، ورأيته في بعض نسخ البخاري "سدى" بتخفيف الدال مقصورة وعليها شرح الكرماني فزعم أنه وقع هنا {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} أي مهملا مترددا في الضلالة، ولم أر في شيء من نسخ البخاري إلا اللفظ الذي أوردته "قال مجاهد {سَدّاً} إلخ" ولم أر في شيء من التفاسير التي تساق بالأسانيد لمجاهد في قوله: {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} كلاما، ولم أر قوله: {فِي الضَّلالَةِ} في شيء من النقول بالسند عن مجاهد، ووقع في رواية النسفي لضلالة بدل قوله في الضلالة. قوله: {دَسَّاهَا بِطَغْوَاهَا} قال الفريابي: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} قال: من أغواها. وأخرج الطبري بسند صحيح عن حبيب بن أبي ثابت عن مجاهد وسعيد بن جبير في قوله: " {دَسَّاهَا} قال: قال أحدهما أغواها وقال الآخر أضلها. وقال أبو عبيدة دساها أصله دسست، لكن العرب تقلب الحرف المضاعف إلى الياء مثل تظننت من الظن فتقول تظنيت بالتحتانية بعد النون. ومناسبة هذا التفسير للترجمة تؤخذ من المراد بفاعل دساها فقال قوم: هو الله أي قد أفلح صاحب النفس التي زكاها الله وخاب صاحب النفس التي أغواها الله. وقال آخرون: هو صاحب النفس إذا فعل الطاعات فقد زكاها وإذا فعل المعاصي فقد أغواها، والأول هو المناسب للترجمة. وقال الكرماني: مناسبة التفسيرين للترجمة أن من لم يعصمه الله كان سدي وكان مغوي. حديث أبي سعيد الخدري "ما استخلف من خليفة إلا وله بطانتان" الحديث وفيه: "والمعصوم من عصم الله" وسيأتي شرحه في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى. والبطانة بكسر الموحدة اسم جنس يشمل الواحد والجماعة، والمراد من يطلع على باطن حال الكبير من أتباعه.

(11/502)


باب { وحرم على قرية أهلكناها أنهم لايرجعون أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ، ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا }
...
9 - باب {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}
{أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} {وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا}
وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ وَجَبَ
6612- حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ

(11/502)


مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ" وَقَالَ شَبَابَةُ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "باب وحِرْم على قرية أهلكناها" كذا لأبي ذر وفي رواية غيره "وحرام" بفتح أوله وزيادة الألف وزادوا بقية الآية والقراءتان مشهورتان: قرأ أهل الكوفة بكسر أوله وسكون ثانيه وقرأ أهل الحجاز والبصرة والشام بفتحتين وألف وهما بمعنى كالحلال والحل، وجاء في الشواذ عن ابن عباس قراءات أخرى بفتح أوله وتثليث الراء وبالضم أشهر وبضم أوله وتشديد الراء المكسورة، قال الراغب: في قوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} هو تحريم تسخير، وحمل بعضهم عليه قوله: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ}. قوله: {لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} {وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً} كذا جمع بين بعض كل من الآيتين وهما من سورتين إشارة إلى ما ورد في تفسير ذلك، وقد أخرج الطبري من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ما قال نوح {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً -إلى قوله: كَفَّارًا} إلا بعد أن نزل عليه {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} . قلت: ودخول ذلك في أبواب القدر ظاهر، فإنه يقتضي سبق علم الله بما يقع من عبيده. قوله: "وقال منصور بن النعمان" هو اليشكري بفتح التحتانية وسكون المعجمة وضم الكاف بصري سكن مرو ثم بخاري، وما له في البخاري سوى هذا الموضع، وقد زعم بعض المتأخرين أن الصواب منصور بن المعتمر والعلم عند الله. قوله: "عن عكرمة عن ابن عباس: وحرم بالحبشية وجب" لم أقف على هذا التعليق موصولا، وقرأت بخط مغلطاي وتبعه شيخنا ابن الملقن وغيره فقالوا: أخرجه أبو جعفر عن ابن قهزاد عن أبي عوانة عنه. قلت: ولم أقف على ذلك في تفسير أبي جعفر الطبري وإنما فيه وفي تفسير عبد بن حميد وابن أبي حاتم جميعا من طريق داود ابن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} قال: وجب، ومن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: حرم عزم، ومن طريق عطاء عن عكرمة: وحرم وجب بالحبشية، وبالسند الأول قال: وقوله: {أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} أي لا يتوب منهم تائب، قال الطبري معناه أنهم أهلكوا بالطبع على قلوبهم فهم لا يرجعون عن الكفر، وقيل معناه يمتنع على الكفرة الهالكين أنهم لا يرجعون إلى عذاب الله، وقيل فيه أقوال أخر ليس هذا موضع استيعابها، والأول أقوى وهو مراد المصنف بالترجمة والمطابق لما ذكر معه من الآثار والحديث. قوله: "معمر عن ابن طاوس" هو عبد الله. قوله: "عن ابن عباس: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة" فذكر الحديث ثم قال: وقال شبابة "حدثنا ورقاء هو ابن عمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" فكأن طاوسا سمع القصة من ابن عباس عن أبي هريرة وكان سمع الحديث المرفوع من أبي هريرة أو سمعه من أبي هريرة بعد أن سمعه من ابن عباس، وقد أشرت إلى ذلك في أوائل كتاب الاستئذان وبينت الاختلاف في رفع الحديث ووقفه، ولم أقف على رواية شبابة هذه موصولة، وكنت قرأت بخط مغلطاي وتبعه شيخنا ابن الملقن أن الطبراني وصلها في المعجم الأوسط عن عمرو بن عثمان عن ابن المنادي عنه وقلدتهما في ذلك في تعليق التعليق ثم راجعت المعجم الأوسط فلم أجدها. قوله: "باللمم" بفتح اللام والميم هو ما يلم به الشخص من شهوات النفس، وقيل هو مقارفة الذنوب الصغار. وقال الراغب:

(11/503)


اللمم مقارفة المعصية ويعبر به عن الصغيرة، ومحصل كلام ابن عباس تخصيصه ببعضها، ويحتمل أن يكون أراد أن ذلك من جملة اللمم أو في حكم اللمم. قوله: "إن الله كتب على ابن آدم" أي قدر ذلك عليه أو أمر الملك بكتابته كما تقدم بيانه في شرح حديث ابن مسعود الماضي قريبا. قوله: "أدرك ذلك لا محالة" بفتح الميم أي لا بد له من عمل ما قدر عليه أنه يعمله، وبهذا تظهر مطابقة الحديث للترجمة. قال ابن بطال كل ما كتبه الله على الآدمي فهو قد سبق في علم الله وإلا فلا بد أن يدركه المكتوب عليه، وإن الإنسان لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه إلا أنه يلام إذا واقع ما نهى عنه بحجب ذلك عنه وتمكينه من التمسك بالطاعة، فبذلك يندفع قول القدرية والمجبرة. ويؤيده قوله: "والنفس تمني وتشتهي" لأن المشتهي بخلاف الملجأ. قوله: "حظه من الزنا" إطلاق الزنا على اللمس والنظر وغيرهما بطريق المجاز لأن كل ذلك من مقدماته. قوله: "فزنا العين النظر" أي إلى ما لا يحل للناظر "وزنا اللسان المنطق" في رواية الكشميهني: "النطق" بضم النون بغير ميم في أوله. قوله: "والنفس تمنى" بفتح أوله على حذف إحدى التاءين والأصل تتمنى. قوله: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" يشير إلى أن التصديق هو الحكم بمطابقة الخبر للواقع والتكذيب عكسه، فكان الفرج هو الموقع أو الواقع فيكون تشبيها، ويحتمل أن يريد أن الإيقاع يستلزم الحكم بها عادة فيكون كناية. قال الخطابي: المراد باللمم ما ذكره الله في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} وهو المعفو عنه. وقال في الآية الأخرى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} فيؤخذ من الآيتين أن اللمم من الصغائر وأنه يكفر باجتناب الكبائر، وقد تقدم بيان ذلك في الكلام على حديث: "من هم بحسنة ومن هم بسيئة" في وسط كتاب الرقاق. وقال ابن بطال: تفضل الله على عباده بغفران اللمم إذا لم يكن للفرج تصديق بها فإذا صدقها الفرج كان ذلك كبيرة. ونقل الفراء أن بعضهم زعم أن "إلا" في قوله: "إلا اللمم" بمعنى الواو، وأنكره وقال: إلا صغائر الذنوب فإنها تكفر باجتناب كبارها، إنما أطلق عليها زنا لأنها من دواعيه، فهو من إطلاق اسم المسبب على السبب مجازا. وفي قوله: "والنفس تشتهي والفرج يصدق أو يكذب" ما يستدل به على أن العبد لا يخلق فعل نفسه لأنه قد يريد الزنا مثلا ويشتهيه فلا يطاوعه العضو الذي يريد أن يزني به ويعجزه الحيلة فيه ولا يدري لذلك سببا، ولو كان خالقا لفعله لما عجز عن فعل ما يريده مع وجود الطواعية واستحكام الشهوة فدل على أن ذلك فعل مقدر يقدرها إذا شاء ويعطلها إذا شاء.

(11/504)


باب { وماجعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس }
...
10 - باب وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ
6613- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ قَالَ هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ"
قوله: "باب وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس" ذكر فيه حديث ابن عباس حديث ابن عباس قد تقدم في تفسير سورة سبحان مستوفي، ووجه دخوله في أبواب القدر من ذكر الفتنة، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي جعلها وقد قال موسى عليه السلام {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ} وأصل الفتنة الاختيار،

(11/504)


ثم استعملت فيما أخرجه الاختيار إلى المكروه، ثم استعملت في المكروه: فتارة في الكفر كقوله: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} وتارة في الإثم كقوله: {أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} وتارة في الإحراق كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ} وتارة في الإزالة عن الشيء كقوله: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} وتارة في غير ذلك، والمراد بها في هذا الموضع الاختبار على بابها الأصلي والله أعلم. قال ابن التين: وجه دخول هذا الحديث في كتاب القدر الإشارة إلى أن الله قدر على المشركين التكذيب لرؤيا نبيه الصادق فكان ذلك زيادة في طغيانهم حيث قالوا: كيف يسير إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ثم يرجع فيها؟ وكذلك جعل الشجرة الملعونة زيادة في طغيانهم حيث قالوا كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر؟ وفيه خلق الله الكفر ودواعي الكفر من الفتنة، وسيأتي زيادة في تقرير ذلك في الكلام على خلق أفعال العباد في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. والجواب عن شبهتهم أن الله خلق الشجرة المذكورة من جوهر لا تأكله النار ومنها سلاسل أهل النار، وأغلالهم وخزنة النار من الملائكة وحياتها وعقاربها، وليس ذلك من جنس ما في الدنيا، وأكثر ما وقع الغلط لمن قاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، والله تعالى الموفق. قال سفيان: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

(11/505)


11- باب تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ
6614- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ "سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ لَهُ مُوسَى يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ لَهُ آدَمُ يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلاَمِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلاَثًا"
قَالَ سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. مِثْلَهُ
قوله: "باب تحاج آدم وموسى عند الله" أما "تحاج" فهو بفتح أوله وتشديد آخره وأصله تحاجج بجيمين، لفظ قوله: "عند الله" فزعم ببعض شيوخنا أنه أراد أن ذلك يقع منهما يوم القيامة، ثم رده بما وقع في بعض طرقه وذلك فيما أخرجه أبو داود من حديث عمر قال: "قال موسى يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم فقال: أنت أبونا" الحديث، قال: وهذا ظاهره أنه وقع في الدنيا، انتهى. وفيه نظر فليس قول البخاري "عند الله" صريحا في أن ذلك يقع يوم القيامة فإن العندية عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان، فيحتمل وقوع ذلك في كل من الدارين، وقد وردت العندية في القيامة بقوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} وفي الدنيا بقوله صلى الله عليه وسلم: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" وقد بينت في كتاب الصيام أنه بهذا اللفظ في مسند أحمد بسند في صحيح مسلم لكن لم يسق لفظ المتن. والذي ظهر لي أن البخاري لمح في الترجمة بما وقع في بعض طرق الحديث وهو ما أخرجه أحمد من طريق يزيد بن هرمز عن أبي هريرة بلفظ: "احتج آدم وموسى عند ربهما" قوله: "سفيان" هو ابن عيينة. قوله: "حفظناه من عمرو" يعني ابن دينار، ووقع في مسند

(11/505)


الحميدي عن سفيان "حدثنا عمرو بن دينار" وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق الحميدي. قوله: "عن طاوس" في رواية أحمد عن سفيان عن عمرو سمع طاوسا، وعند الإسماعيلي من طريق محمد بن منصور الخراز عن سفيان عن عمرو بن دينار "سمعت طاوسا" قوله في آخره "وقال سفيان حدثنا أبو الزناد" هو موصول عطفا على قوله: "حفظناه من عمرو" ووقع في رواية الحميدي "قال وحدثنا أبو الزناد" بإثبات الواو وهي أظهر في المراد، وأخطأ من زعم أن هذه الطريق معلقة، وقد أخرجها الإسماعيلي منفردة بعد أن ساق طريق طاوس عن جماعة عن سفيان فقال: "أخبرنيه القاسم -يعني ابن زكريا- حدثنا إسحاق بن حاتم العلاف حدثنا سفيان عن عمرو مثله سواء وزاد: قال وحدثني سفيان عن أبي الزناد به" قال ابن عبد البر: هذا الحديث ثابت بالاتفاق رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخرى من رواية الأئمة الثقات الإثبات. قلت: وقع لنا من طريق عشرة عن أبي هريرة: منهم طاوس في الصحيحين والأعرج كما ذكرته وهو عند مسلم من رواية الحارث بن أبي الذباب وعند النسائي عن عمرو بن أبي عمرو كلاهما عن الأعرج وأبو صالح السمان عند الترمذي والنسائي وابن خزيمة كلهم من طريق الأعمش عنه والنسائي أيضا من طريق القعقاع بن حكيم عنه، ومنهم أبو سلمة بن عبد الرحمن عند أحمد وأبي عوانة من رواية الزهري عنه وقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب وقيل عنه عن حميد بن عبد الرحمن ومن رواية أيوب بن النجار عن أبي سلمة في الصحيحين أيضا وقد تقدم في تفسير سورة طه ومن رواية محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عند ابن خزيمة وأبي عوانة وجعفر الفريابي في القدر ومن رواية يحيى بن أبي كثير عنه عند أبي عوانة، ومنهم حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة كما تقدم في قصة موسى من أحاديث الأنبياء ويأتي في التوحيد وأخرجه مسلم، ومنهم محمد بن سيرين كما مضى في تفسير طه وأخرجه مسلم، ومنهم الشعبي أخرجه أبو عوانة والنسائي، ومنهم همام بن منبه أخرجه مسلم، ومنهم عمار بن أبي عمار أخرجه أحمد، ومن رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عمر عند أبي داود وأبي عوانة وجندب بن عبد الله عند النسائي وأبو سعيد عند البزار وأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والحارث من وجه آخر عنه، وقد أشار إلى هذه الثلاثة الترمذي. قوله: "احتج آدم وموسى" في رواية همام ومالك "تحاج" كما في الترجمة وهي أوضح. وفي رواية أيوب ابن النجار ويحيى بن كثير "حج آدم وموسى" وعليها شرح الطيبي فقال: معنى قوله حج آدم وموسى غلبه بالحجة وقوله بعد ذلك "قال موسى أنت آدم إلخ" توضيح لذلك وتفسير لما أجمل، وقوله في آخره: "فحج آدم موسى" تقرير لما سبق وتأكيد له. وفي رواية يزيد بن هرمز كما تقدمت الإشارة إليه "عند ربهما" وفي رواية محمد بن سيرين "التقى آدم وموسى" وفي رواية عمار والشعبي "لقي آدم موسى" وفي حديث عمر "لقي موسى آدم" كذا عند أبي عوانة، وأما أبو داود فلفظه كما تقدم "قال موسى يا رب أرني آدم" وقد اختلف العلماء في وقت هذا اللفظ فقيل يحتمل أنه في زمان موسى فأحيا الله له آدم معجزة له فكلمه أو كشف له عن قبره فتحدثا أو أراه الله روحه كما أرى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج أرواح الأنبياء أو أراه الله له في المنام ورؤيا الأنبياء وحي ولو كان يقع في بعضها ما يقبل التعبير كما في قصة الذبيح، أو كان ذلك بعد وفاة موسى فالتقيا في البرزخ أول ما مات موسى فالتقت أرواحهما في السماء، وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي، وقد وقع في حديث عمر لما قال موسى أنت آدم قال له من أنت قال أنا موسى وأن ذلك لم يقع بعد وإنما يقع في الآخرة: والتعبير عنه في الحديث بلفظ الماضي لتحقق

(11/506)


وقوعه. وذكر ابن الجوزي احتمال التقائهما في البرزخ واحتمال أن يكون ذلك ضرب مثل والمعنى لو اجتمعا لقالا ذلك، وخص موسى بالذكر لكونه أول نبي بعث بالتكاليف الشديدة، قال: وهذا وإن احتمل لكن الأول أولى، قال: وهذا مما يجب الإيمان به لثبوته عن خبر الصادق وإن لم يطلع على كيفية الحال، وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به وإن لم نقف على حقيقة معناه كعذاب القبر ونعيمه، ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات لم يبق إلا التسليم. وقال ابن عبد البر مثل هذا عندي يجب فيه التسليم ولا يوقف فيه على التحقيق لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلا. قوله: "أنت أبونا" في رواية يحيى بن أبي كثير "أنت الناس" وكذا في حديث عمر. وفي رواية الشعبي "أنت آدم أبو البشر" قوله: "خيبتنا وأخرجتنا من الجنة" في رواية حميد بن عبد الرحمن "أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة" هكذا في أحاديث الأنبياء عنه، وفي التوحيد "أخرجت ذريتك" وفي رواية مالك "أنت الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة" ومثله في رواية همام وكذا في رواية أبي صالح. وفي رواية محمد بن سيرين "أشقيت" بدل "أغويت" ومعنى أغويت كنت سببا لغواية من غوى منهم، وهو سبب بعيد إذ لو لم يقع الأكل من الشجرة لم يقع الإخراج من الجنة ولو لم يقع الإخراج ما تسلط عليهم الشهوات والشيطان المسبب عنهما الإغواء، والغي ضد الرشد وهو الانهماك في غير الطاعة، يطلق أيضا على مجرد الخطأ يقال غوى أي أخطا صواب ما أمر به. وفي تفسير طه من رواية أبي سلمة "أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك" وعند أحمد من طريقه "أنت الذي أدخلت ذريتك النار" والقول فيه كالقول في أغويت، وزاد همام "إلى الأرض" وكذا في رواية يزيد بن هرمز "فأهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض" وأوله عنده "أنت الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته" ومثله في رواية أبي صالح لكن قال: "ونفخ فيك من روحه" ولم يقل "وأسجد لك ملائكته" ومثله في رواية محمد بن عمرو وزاد: "وأسكنك جنته" ومثله في رواية محمد بن سيرين وزاد: "ثم صنعت ما صنعت" وفي رواية عمرو بن أبي عمرو عن الأعرج "يا آدم خلقك الله بيده ثم نفخ فيك من روحه ثم قال لك كن فكنت ثم أمر الملائكة فسجدوا لك ثم قال لك {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} فنهاك عن شجرة واحدة فعصيت" وزاد الفريابي "وأكلت منها" وفي رواية عكرمة بن عمار عن أبي سلمة "أنت آدم الذي خلقك الله بيده" فأعاد الضمير في قوله خلقك إلى قوله أنت والأكثر عوده إلى الموصول، فكأنه يقول خلقه الله، ونحو ذلك ما وقع في رواية الأكثر "أنت الذي أخرجتك خطيئتك" وفي حديث عمر بعد قوله أنت آدم "قال نعم، قال أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها، أمر الملائكة فسجدوا لك، قال نعم، قال فلم أخرجتنا ونفسك من الجنة" وفي لفظ لأبي عوانة "فوالله لو لا ما فعلت ما دخل أحد من ذريتك النار" ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن أبي شيبة: "فأهلكتنا وأغويتنا" وذكر ما شاء الله أن يذكر، من هذا وهذا يشعر بأن جميع ما ذكر في هذه الروايات محفوظ وأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، وقوله: "أنت آدم" استفهام تقرير، وإضافة الله خلق آدم إلى يده في الآية إضافة تشريف وكذا إضافة روحه إلى الله، ومن في قوله من روحه زائدة على رأي، والنفخ بمعنى الخلق أي خلق فيك الروح، ومعنى قوله أخرجتنا كنت سببا لإخراجنا كما تقدم تقريره، وقوله أغويتنا وأهلكتنا من إطلاق الكل على البعض بخلاف أخرجتنا فهو على عمومه، ومعنى قوله أخطأت وعصيت ونحوهما

(11/507)


فعلت خلاف ما أمرت به، وأما قوله خيبتنا بالخاء المعجمة ثم الموحدة من الخيبة فالمراد به الحرمان، وقيل هي كأغويتنا من إطلاق الكل على البعض، والمراد من يجوز منه وقوع المعصية، ولا مانع من حمله على عمومه والمعنى أنه لو استمر على ترك الأكل من الشجرة لم يخرج منها ولو استمر فيها لولد له فيها وكان ولده سكان الجنة على الدوام، فلما وقع الإخراج فات أهل الطاعة من ولده استمرار الدوام في الجنة وإن كانوا إليها ينتقلون، وفات أهل المعصية تأخر الكون في الجنة مدة الدنيا وما شاء الله من مدة العذاب في الآخرة إما مؤقتا في حق الموحدين وإما مستمرا في حق الكفار فهو حرمان نسبي. قوله: "فقال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده" في رواية الأعرج "أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل شيء واصطفاك على الناس برسالته" وفي رواية همام نحوه لكن بلفظ:" اصطفاك وأعطاه" وزاد في رواية يزيد بن هرمز "وقربك نجيا وأعطاك الألواح فيها بيان كل شيء" وفي رواية ابن سيرين "اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة" وفي رواية أبي سلمة "اصطفاك الله برسالته وكلامه" ووقع في رواية الشعبي "فقال نعم" وفي حديث عمر "قال أنا موسى، قال نبي بني إسرائيل؟ قال نعم، قال أنت الذي كلمك الله من وراء حجاب ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال نعم". قوله: "أتلومني على أمر قدر الله علي" كذا للسرخسي والمستملي بحذف المفعول وللباقين "قدره الله على". قوله: "قبل أن يخلقني بأربعين سنة" في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة "فكيف تلومني على أمر كتبه الله أو قدره الله على" ولم يذكر المدة وثبت ذكرها في رواية طاوس. وفي رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة ولفظه: "فكم تجد في التوراة أنه كتب على العمل الذي عملته قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين سنة. قال: فكيف تلومني عليه" وفي رواية يزيد بن هرمز نحوه وزاد: "فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى؟ قال نعم" وكلام ابن عبد البر قد يوهم تفرد ابن عيينة عن أبي الزناد بزيادتها لكنه بالنسبة لأبي الزناد وإلا فقد ذكر التقييد بالأربعين غير ابن عيينة كما ترى. وفي رواية الزهري عن أبي سلمة عند أحمد "فهل وجدت فيها -يعني الألواح أو التوراة- أني أهبط" وفي رواية الشعبي أفليس تجد فيما أنزل الله عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلنيها؟ قال بلى" وفي رواية عمار ابن أبي عمار "أنا أقدم أم الذكر؟ قال بل الذكر" وفي رواية عمرو بن أبي عمرو عن الأعرج "ألم تعلم أن الله قدر هذا على قبل أن يخلقني" وفي رواية ابن سيرين "فوجدته كتب على قبل أن يخلقني؟ قال نعم" وفي رواية أبي صالح "فتلومني في شيء كتبه الله على قبل خلقي" وفي حديث عمر قال: "فلم تلومني على شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء" ووقع في حديث أبي سعيد الخدري "أتلومني على أمر قدره على قبل أن يخلق السماوات والأرض" والجمع بينه وبين الرواية المقيدة بأربعين سنة حملها على ما يتعلق بالكتابة وحمل الأخرى على ما يتعلق بالعلم. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة ما بين قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} إلى نفخ الروح في آدم، وأجاب غيره أن ابتداء المدة وقت الكتابة في الألواح وآخرها ابتداء خلق آدم. وقال ابن الجوزي: المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها، ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة، وقد ثبت في الصحيح يعني صحيح مسلم: "أن الله قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" فيجوز أن تكون قصة آدم بخصوصها كتبت قبل خلقه بأربعين سنة، ويجوز أن يكون ذلك القدر مدة لبثه طينا إلى أن نفخت فيه الروح، فقد ثبت في صحيح مسلم أن بين تصويره طينا ونفخ الروح فيه كان مدة أربعين سنة، ولا يخالف ذلك كتابة المقادير

(11/508)


عموما قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وقال المازري: الأظهر أن المراد أنه كتبه قبل خلق آدم بأربعين عاما، ويحتمل أن يكون المراد أظهره للملائكة أو فعل فعلا ما أضاف إليه هذا التاريخ وإلا فمشيئة الله وتقديره قديم، والأشبه أنه أراد بقوله: "قدره الله على قبل أن أخلق" أي كتبه في التوراة لقوله في الرواية المشار إليها قبل "فكم وجدته كتب في التوراة قبل أن أخلق" وقال النووي: المراد بتقديرها كتبه في اللوح المحفوظ أو في التوراة أو في الألواح، ولا يجوز أن يراد أصل القدر لأنه أزلي ولم يزل الله سبحانه تعالى مريدا لما يقع من خلقه. وكان بعض شيوخنا يزعم أن المراد إظهار ذلك عند تصوير آدم طينا فإن آدم أقام في طينته أربعين سنة، والمراد على هذا بخلقه نفخ الروح فيه. قلت: وقد يعكر على هذا رواية الأعمش عن أبي صالح "كتبه الله على قبل أن يخلق السماوات والأرض" لكنه يحمل قوله فيه: "كتبه الله على" قدره أو على تعدد الكتابة لتعدد المكتوب، والعلم عند الله تعالى. قوله: "فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ثلاثا" كذا في هذه الطرق ولم يكرر في أكثر الطرق عن أبي هريرة، ففي رواية أيوب بن النجار كالذي هنا لكن بدون قوله: "ثلاثا" وكذا لمسلم من رواية ابن سيرين، كذا في حديث جندب عند أبي عوانة، وثبت في حديث عمر بلفظ: "فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، قالها ثلاث مرات" وفي رواية عمرو بن أبي عمرو عن الأعرج "لقد حج آدم موسى، لقد حج آدم موسى، لقد حج آدم موسى" وفي حديث أبي سعيد عند الحارث "فحج آدم موسى ثلاثا" وفي رواية الشعبي عند النسائي: "فخصم آدم موسى، فخصم آدم موسى واتفق الرواة والنقلة والشراح على أن آدم بالرفع وهو الفاعل، وشذ بعض الناس فقرأه بالنصب على أنه المفعول وموسى في محل الرفع على أنه الفاعل نقله الحافظ أبو بكر بن الخاصية عن مسعود ابن ناصر السجزي الحافظ قال: سمعته يقرأ: "فحج آدم" بالنصب، قال وكان قدريا. قلت: هو محجوج بالاتفاق قبله على أن آدم بالرفع على أنه الفاعل، وقد أخرجه أحمد من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "فحجه آدم" وهذا يرفع الإشكال فإن رواته أئمة حفاظ، والزهري من كبار الفقهاء الحفاظ فروايته هي المعتمدة في ذلك، ومعني حجه غلبه بالحجة، يقال حاججت فلانا فحججته مثل خاصمته فخصمته، قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصل جسيم لأهل الحق في إثبات القدر وأن الله قضى أعمال العباد فكل أحد يصير لما قدر له بما سبق في علم الله، قال: وليس فيه حجة للجبرية وإن كان في بادئ الرأي يساعدهم. وقال الخطابي في "معالم السنن": يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر يستلزم الجبر وقهر العبد ويتوهم أن غلبة آدم كانت من هذا الوجه، وليس كذلك وإنما معناه الأخبار عن إثبات علم الله بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن تقدير سابق منه، فإن القدر اسم لما صدر عن فعل القادر، وإذا كان كذلك فقد نفي عنهم من وراء علم الله أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور عن قصد وتعمد واختيار، فالحجة إنما نلزمهم بها واللائمة إنما تتوجه عليها، وجماع القول في ذلك أنهما أمران لا يبدل أحدهما عن الآخر: أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء ونقضه وإنما جهة حجه آدم أن الله علم منهم أنه يتناول من الشجرة فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه، وإنما خلق للأرض وأنه لا يترك في الجنة بل ينقل منها إلى الأرض فكان تناوله من الشجرة سببا لإهباطه واستخلافه في الأرض كما قال تعالى قبل خلقه {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} قال فلما لامه موسى عن نفسه قال له: أتلومني على أمر قدره الله على؟ فاللوم عليه من قبلك ساقط عني إذ ليس لأحد أن يعير أحدا بذنب كان منه، لأنه الخلق كلهم تحت العبودية

(11/509)


سواء، وإنما يتجه اللوم من قبل الله سبحانه وتعالى إذ كان نهاه فباشر ما نهاه عنه، قال: وقول موسى وإن كان في النفس منه شبهة وفي ظاهره تعلق لاحتجاجه بالسب لكن تعلق آدم بالقدر أرجح فلهذا غلبه. والغلبة تقع مع المعارضة كما تقع مع البرهان انتهى ملخصا. وقال في أعلام الحديث نحوه ملخصا وزاد: ومعنى قوله: "فحج آدم موسى" دفع حجته التي ألزمه اللوم بها. قال: ولم يقع من آدم إنكار لما صدر منه بل عارضه بأمر دفع به عنه اللوم. قلت: ولم يتلخص من كلامه مع تطويله في الموضعين دفع للشبهة إلا في دعواه أنه ليس للآدمي أن يلوم آخر مثله على فعل ما قدره الله عليه، وإنما يكون ذلك لله تعالى لأنه هو الذي أمره ونهاه. وللمعترض أن يقول: وما المانع إذا كان ذلك لله أن يباشره من تلقى عن الله من رسوله ومن تلقى عن رسله ممن أمر بالتبليغ عنهم؟ وقال القرطبي: إنما غلبه بالحجة لأنه علم من التوراة أن الله تاب عليه فكان لومه له على ذلك نوع جفاء كما يقال ذكر الجفاء بعث حصول الصفاء جفاء، ولأن أثر المخالفة بعد الصفح ينمحي حتى كأنه لم يكن فلا يصادف اللوم من اللائم حينئذ محلا انتهى. وهو محصل ما أجاب به المازري وغيره من المحققين، وهو المعتمد. وقد أنكر القدرية هذا الحديث لأنه صريح في إثبات القدر السابق وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لآدم على الاحتجاج به وشهادته بأنه غلب موسى فقالوا: لا يصح لأن موسى لا يلوم على أمر قد تاب منه صاحبه، وقد قتل هو نفسا لم يؤمر بقتلها، ثم قال: رب اغفر لي، فغفر له، فكيف يلوم آدم على أمر قد غفر له؟ ثانيها لو ساغ اللوم على الذنب بالقدر الذي فرغ من كتابته على العبد لا يصح هذا لكان من عوتب على معصية قد ارتكبها فيحتج بالقدر السابق ولو ساغ ذلك لانسد باب القصاص والحدود ولاحتج به كل أحد على ما يرتكبه من الفواحش، وهذا يفضي إلى لوازم قطعية، فدل ذلك على أن هذا الحديث لا أصل له. والجواب من أوجه: أحدها أن آدم إنما احتج بالقدر على المعصية لا المخالفة، فإن محصل لوم موسى إنما هو على الإخراج فكأنه قال أنا لم أخرجكم وإنما أخرجكم الذي رتب الإخراج على الأكل من الشجر والذي رتب ذلك قدره قبل أن أخلق فكيف تلومني على أمر ليس لي فيه نسبة إلا الأكل من الشجرة والإخراج المرتب عليها ليس من فعلي. قلت: وهذا الجواب لا يدفع شبهة الجبرية. ثانيها إنما حكم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم بالحجة في معنى خاص وذلك لأنه لو كانت في المعنى العام لما تقدم من الله تعالى لومه بقوله: "ألم أنهكما عن تلكما الشجرة" ولا أخذه بذلك حتى أخرجه من الجنة وأهبطه إلى الأرض، ولكن لما أخذ موسى في لومه وقدم قوله له أنت الذي خلقك الله بيده وأنت وأنت لم فعلت كذا؟ عارضه آدم بقوله أنت الذي اصطفاك الله وأنت وأنت. وحاصل جوابه إذا كنت بهذه المنزلة كيف يخفى عليك أنه لا محيد من القدر، وإنما وقعت الغلبة لآدم من وجهين: أحدهما أنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقا في وقوع ما قدر عليه إلا بإذن من الله تعالى فيكون الشارع هو اللائم، فلما أخذ موسى في لومه من غير أن يؤذن له في ذلك عارضه بالقدر فأسكته. والثاني أن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب، والتوبة تمحو أثر الكسب، وقد كان الله تاب عليه فلم يبق إلا القدر، والقدر لا يتوجه عليه لوم لأنه فعل الله ولا يسأل عما يفعل. ثالثها قال ابن عبد البر: هذا عندي مخصوص بآدم لأن المناظرة بينهما وقعت بعد أن تاب الله على آدم قطعا كما قال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} فحسن منه أن ينكر على موسى لومه على الأكل من الشجرة لأنه كان قد تيب عليه من ذلك وإلا فلا يجوز لأحد أن يقول لمن لامه على ارتكاب معصية كما لو قتل أو زنا أو سرق: هذا سبق في علم الله وقدره علي قبل أن يخلقني فليس لك أن تلومني عليه، فإن

(11/510)


الأمة أجمعت على جواز لوم من وقع منه ذلك بل على استحباب ذلك كما أجمعوا على استحباب محمدة من واظب على الطاعة. قال: وقد حكى ابن وهب في كتاب القدر عن مالك عن يحيى بن سعيد أن ذلك كان من آدم بعد أن تيب عليه. رابعها إنما توجهت الحجة لآدم لأن موسى لامه بعد أن مات واللوم إنما يتوجه على المكلف ما دام في دار التكليف، فإن الأحكام حينئذ جارية عليهم، فيلام العاصي ويقام عليه الحد والقصاص وغير ذلك، وأما بعد أن يموت فقد ثبت النهي عن سب الأموات "ولا تذكروا موتاكم إلا بخير" لأن مرجع أمرهم إلى الله، وقد ثبت أنه لا يثني العقوبة على من أقيم عليه الحد، بل ورد النهي عن التثريب على الأمة إذا زنت وأقيم عليها الحد، وإذا كان كذلك فلوم موسى لآدم إنما وقع بعد انتقاله عن دار التكليف، وثبت أن الله تاب عليه فسقط عنه اللوم، فلذلك عدل إلى الاحتجاج بالقدر السابق وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه غلب موسى بالحجة. قال المازري: لما تاب الله على آدم صار ذكر ما صدر منه إنما هو كالبحث عن السبب الذي دعاه إلى ذلك، فأخبر هو أن الأصل في ذلك القضاء السابق فلذلك غلب بالحجة. قال الداودي فيما نقله ابن التين: إنما قامت حجة آدم لأن الله خلقه ليجعله في الأرض خليفة، فلم يحتج آدم في أكله من الشجرة بسابق العلم لأنه كان عن اختيار منه، وإنما احتج بالقدر لخروجه لأنه لم يكن بد من ذلك. وقيل إن آدم أب وموسى ابن وليس للابن أن يلوم أباه، حكاه القرطبي وغيره، ومنهم من عبر عنه بأن آدم أكبر منه، وتعقبه بأنه بعيد من معنى الحديث، ثم هو ليس على عمومه بل يجوز للابن أن يلوم أباه في عدة مواطن، وقيل إنما غلبه لأنهما شريعتين متغايرتين، وتعقب بأنها دعوى لا دليل عليها، ومن أين يعلم أنه كان في شريعة آدم أن المخالف يحتج بسابق القدر وفي شريعة موسى أنه لا يحتج أو أنه يتوجه له اللوم على المخالف، وفي الجملة فأصح الأجوبة الثاني والثالث، ولا تنافي بينهما فيمكن أن يمتزج منهما جواب واحد وهو أن التائب لا يلام على ما يتب عليه منه ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف. وقد سلك النووي هذا المسلك فقال: معنى كلام آدم أنك يا موسى تعلم أن هذا كتب على قبل أن أخلق فلا بد من وقوعه، ولو حرصت أنا والخلق أجمعون على رد مثقال ذر منه لم نقدر فلا تلمني فإن اللوم على المخالفة شرعي لا عقلي، وإذا تاب الله علي وغفر لي زال اللوم فمن لامني كان محجوجا بالشرع. فإن قيل فالعاصي اليوم لو قال هذه المعصية قدرت على فينبغي أن يسقط عني اللوم قلنا الفرق أن هذا العاصي باق في دار التكليف جارية عليه الأحكام من العقوبة واللوم وفي ذلك له ولغيره زجر وعظة، فأما آدم فميت خارج عن دار التكليف مستغن عن الزجر فلم يكن للومه فائدة بل فيه إيذاء وتخجيل فلذلك كان الغلبة له. وقال التوربشتي: ليس معنى قوله كتبه الله علي ألزمني به وإنما معناه أثبته في أم الكتاب قبل أن يخلق آدم وحكم أن ذلك كائن. ثم إن هذه المحاججة إنما وقعت في العالم العلوي عند ملتقى الأرواح ولم تقع في عالم الأسباب، والفرق بينهما أن عالم الأسباب لا يجوز قطع النظر فيه عن الوسائط والاكتساب، بخلاف العالم العلوي بعد انقطاع موجب الكسب وارتفاع الأحكام التكليفية، فلذلك احتج آدم بالقدر السابق. قلت: وهو محصل بعض الأجوبة المتقدم ذكرها، وفيه استعمال التعريض بصيغة المدح يؤخذ ذلك من قول آدم لموسى "أنت الذي اصطفاك الله برسالته" إلى آخر ما خاطبه به، وذلك أنه أشار بذلك إلى أنه اطلع على عذره وعرفه بالوحي فلو استحضر ذلك ما لامه مع وضوح عذره، وأيضا ففيه إشارة إلى شيء آخر أعم من ذلك وإن كان لموسى فيه اختصاص فكأنه قال: لو لم يقع إخراجي الذي رتب على أكلي من الشجرة ما حصلت لك هذه المناقب لأني لو بقيت في الجنة واستمر نسلي فيها

(11/511)


ما وجد من تجاهر بالكفر الشنيع بما جاهر به فرعون حتى أرسلت أنت إليه وأعطيت ما أعطيت، فإذا كنت أنا السبب في حصول هذه الفضائل لك فكيف يسوغ لك أن تلومني. قال الطيبي مذهب الجبرية إثبات القدرة لله ونفيها عن العبد أصلا، ومذهب المعتزلة بخلافه، وكلاهما من الإفراط والتفريط على شفا جرف هار، والطريق المستقيم القصد، فلما كان سياق كلام موسى يؤول إلى الثاني بأن صدر الجملة بحرف الإنكار والتعجب وصرح باسم آدم ووصفه بالصفات التي كل واحدة منها مستقلة في علية عدم ارتكابه المخالفة ثم أسند الإهباط إليه ونفس الإهباط منزلة دون فكأنه قال: ما أبعد هذا الانحطاط من تلك المناصب العالية، فأجاب آدم بما يقابلها بل أبلغ فصدر الجملة بهمزة الإنكار أيضا وصرح باسم موسى ووصفه بصفات كل واحدة مستقلة في علية عدم الإنكار عليه، ثم رتب العلم الأزلي على ذلك، ثم أتى بهمزة الإنكار بدل كلمة الاستبعاد فكأنه قال: تجد في التوراة هذا ثم تلومني قال: وفي هذا التقرير تنبيه على تحري قصد الأمور. قال وختم النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بقوله: "فحج آدم موسى" تنبيها على أن بعض أمته كالمعتزلة ينكرون القدر فاهتم لذلك وبالغ في الإرشاد. قلت: ويقرب من هذا ما تقدم في كتاب الإيمان في الرد على المرجئة بحديث ابن مسعود رفعه: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" فلما كان المقام مقام الرد على المرجئة اكتفى به معرضا عما يقتضيه ظاهره من تقوية مذهب الخوارج المكفرين بالذنب اعتمادا على ما تقرر من دفعه في مكانه، فكذلك هنا لما كان المراد به الرد على القدرية الذين ينكرون سبق القدر اكتفى به معرضا عما يوهمه ظاهر من تقوية مذهب الجبرية لما تقرر من دفعه في مكانه والله أعلم. وفي هذا الحديث عدة من الفوائد غير ما تقدم: قال القاضي عياض ففيه حجة لأهل السنة في أن الجنة التي أخرج منها آدم هي جنة الخلد التي وعد المتقون ويدخلونها في الآخرة، خلافا لمن قال من المعتزلة وغيرهم إنها جنة أخرى، ومنهم من زاد على ذلك فزعم أنها كانت في الأرض، وقد سبق الكلام على ذلك في أواخر كتاب الرقاق. وفيه إطلاق العموم وإرادة الخصوص في قوله: "أعطاك علم كل شيء" والمراد به كتابه المنزل عليه وكل شيء يتعلق به؛ وليس المراد عمومه لأنه قد أقر الخضر على قوله: "وإني على علم من علم الله لا تعلمه أنت" وقد مضى واضحا في تفسير سورة الكهف. وفيه مشروعية الحجج في المناظرة لإظهار طلب الحق وإباحة التوبيخ والتعريض في أثناء الحجاج ليتوصل إلى ظهور الحجة وأن اللوم على من أيقن وعلم اشد من اللوم على من لم يحصل له ذلك. وفيه مناظرة العالم من هو أكبر منه والابن أباه ومحل مشروعية ذلك إذا كان لإظهار الحق أو الازدياد من العلم والوقوف على حقائق الأمور. وفيه حجة لأهل السنة في إثبات القدر وخلق أفعال العباد. وفيه أنه يغتفر للشخص في بعض الأحوال ما لا يغتفر في بعض كحالة الغضب والأسف وخصوصا ممن طبع على حدة الخلق وشدة الغضب، فإن موسى عليه السلام لما غلبت عليه حالة الإنكار في المناظرة خاطب آدم مع كونه والده باسمه مجردا وخاطبه بأشياء لم يكن ليخاطب بها في غير تلك الحالة، ومع ذلك فأقره على ذلك وعدل إلى معارضته فيما أبداه من الحجة في دفع شبهته.

(11/512)


باب لامانع لما أعطى
...
12 - باب لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ "كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلاَةِ فَأَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ قَالَ:

(11/512)


سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلاَةِ "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَد ّ"ُ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بِهَذَا ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ"
قوله: "باب لا مانع لما أعطى الله" هذا اللفظ منتزع من معنى الحديث الذي أورده. وأما لفظه فهو طرف من حديث معاوية أخرجه مالك. ولمح المصنف بذلك إلى أنه بعض حديث الباب كما قدمته عند شرحه في آخر صفة الصلاة، وأن معاوية استثبت المغيرة في ذلك، وقد تقدم شرح الحديث مستوفي هناك. وقوله: "ولا معطي لما منعت" زاد فيه مسعر عن عبد الملك بن عمير عن وراد "ولا راد لما قضيت" أخرجه الطبراني بسند صحيح عنه، وذكرت لهذه الزيادة طريقا أخرى هناك، وكذا رويناها في "فوائد أبي سعد الكنجرودي". قوله: "وقال ابن جريج" وصله أحمد ومسلم من طريق ابن جريج، والغرض التصريح بأن ورادا أخبر به عبدة لأنه وقع في الرواية الأولى بالعنعنة.

(11/513)


13 - باب مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}
6616- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ"
قوله: "باب من تعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء" تقدم شرح ذلك في أوائل الدعوات. قوله: "وقوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} يشير بذكر الآية إلى الرد على من زعم أن العبد يخلق فعل نفسه، لأنه لو كان السوء المأمور بالاستعاذة بالله منه مخترعا لفاعله لما كان للاستعاذة بالله منه معنى، لأنه لا يصح التعوذ إلا بمن قدر على إزالة ما استعيذ به منه. حديث أبي هريرة وهو يتضمن أن الله تعالى فاعل جميع ما ذكر، والمراد بسوء القضاء سوء المقضي كما تقدم تقريره مع شرح الحديث مستوفي في أوائل الدعوات.

(11/513)


14 - باب يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
قوله: "باب يحول بين المرء وقلبه" كأنه أشار إلى تفسير الحيلولة التي في الآية بالتقلب الذي في الخبر أشار إلى ذلك الراغب وقال: المراد أنه يلقي في قلب الإنسان ما يصرفه عن مراده لحكمة تقتضي ذلك، وورد في تفسير الآية ما أخرجه ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا: "يحول بين المؤمن وبين الكفر ويحول بين الكافر وبين الهدي"
6617- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَثِيرًا مِمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْلِفُ " لاَ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ"
[الحديث 6617- طرفاه في: 6628، 7391]
6618- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالاَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: لِابْنِ صَيَّادٍ "خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئَا قَالَ الدُّخُّ قَالَ اخْسَأْ

(11/513)


باب { قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا }
...
15 - باب {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} قَضَى
قَالَ مُجَاهِدٌ بِفَاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ إِلاَّ مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ
{قَدَّرَ فَهَدَى} قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ وَهَدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا
6619- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ "أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ "كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ لاَ يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ"
قوله: "باب قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، قضى" فسر كتب بقضى وهو أحد معانيها، وبه جزم الطبري في تفسيرها. وقال الراغب: ويعبر بالكتابة عن القضاء الممضى كقوله: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} أي فيما قدره، ومنه {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} وقوله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} يعني ما قدره وقضاه،

(11/514)


قال: وعبر بقوله لنا ولم يعبر بقوله علينا تنبيها على أن الذي يصيبنا نعده نعمة لا نقمة، قلت: ويؤيد هذا الآية التي تليها حيث قال: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} وقد تقدم في تفسيره أن المراد الفتح أو الشهادة وكل منهما نعمة. قال ابن بطال: وقد قيل إن هذه الآية وردت فيما أصاب العباد من أفعال الله التي اختص بها دون خلقه ولم يقدرهم على كسبها دون ما أصابوه مكتسبين له مختارين. قلت: والصواب التعميم وأن ما يصيبهم باكتسابهم واختيارهم هو مقدور لله تعالى وعن إرادته وقع، والله أعلم. قوله: "قال مجاهد {بفاتنين} بمضلين، إلا من كتب الله أنه يصلى الجحيم" وصله عبد بن حميد بمعناه من طريق إسرائيل عن منصور في قوله تعالى: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} قال لا يفتنون إلا من كتب عليه الضلالة، ووصله أيضا من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظه، وأخرجه الطبري من تفسير ابن عبا من رواية علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: "لا تضلون أنتم ولا أضل منكم إلا من قضيت عليه أنه صال الجحيم" ومن طريق حميد "سألت الحسن فقال: ما أنتم عليه بمضلين إلا من كان في علم الله أنه سيصلى الجحيم" ومن طريق عمر بن عبد العزيز قال في تفسير هذه الآية "إنكم والآلهة التي تعبدونها لستم بالذي تفتنون عليها إلا من قضيت أنه من سيصلى الجحيم". قوله: "قدر فهدى قدر الشقاء والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها" وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} قدر للإنسان الشقوة والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها، وتفسير مجاهد هذا للمعنى لا للفظ وهو كقوله تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} قال الراغب: هداية الله للخلق على أربعة أضرب: الأول العامة لكل أحد بحسب احتماله وإليها أشار بقوله: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} والثاني الدعاء على ألسنة الأنبياء وإليها أشار بقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} والثالث التوفيق الذي يختص به من اهتدى وإليها أشار بقوله: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} وقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً} والرابع الهدايات في الآخرة إلى الجنة وإليها أشار بقوله: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} قال: وهذه الهدايات الأربع مرتبة فإنه من لا يحصل له الأولى لا تحصل له الثانية ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة ولا تحصل الرابعة إلا لمن حصلت له الثالثة ولا تحصل الثالثة إلا لمن حصلت له اللتان قبلها، وقد تحصل الأولى دون الثانية والثانية دون الثالثة، والإنسان لا يهدي أحدا إلا بالدعاء وتعريف الطرق دون بقية الأنواع المذكورة، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وإلى بقية الهدايات أشار بقوله: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} . حديث عائشة في الطاعون وقد تقدم شرحه مستوفي في كتاب الطب، والغرض من قوله فيه: يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له. "تنبيه": سند حديث عائشة هذا من ابتدائه إلى يحيى بن يعمر مراوزة، وقد سكن يحيى المذكور مرو مدة فلم يبق من رجال السند من ليس مروزيا إلا طرفاه البخاري وعائشة.

(11/515)


باب { وماكنا لنهتدي لولا أن هدنا الله - لو أن الله هاني لكنت من المتقين }
...
16 - باب {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ}
6620- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ "عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ وَهُوَ يَقُولُ

(11/515)


وَاللَّهِ لَوْلاَ اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلاَ صُمْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا ... فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَثَبِّتْ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا ... وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
قوله: "باب {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} كذا ذكر بعض كل من الآيتين، والهداية المذكورة أولا هي الرابعة على ما ذكر الراغب، والمذكورة ثانيا هي الثالثة. حديث البراء في قوله: "والله لولا الله ما اهتدينا" الأبيات وقد تقدم شرحها في غزوه الخندق، وقوله هنا "ولا صمنا ولا صلينا" كذا وقع مزحوفا، وتقدم هناك من طريق شعبة عن أبي إسحاق بلفظ: "ولا تصدقنا" بدل "ولا صمنا" وبه يحصل الوزن وهو المحفوظ، والله أعلم.
"خاتمة": اشتمل كتاب القدر من الأحاديث المرفوعة على تسعة وعشرين حديثا، المعلق منها ثلاثة والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى اثنان وعشرون والخالص سبعة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي سعيد "ما استخلف من خليفة" وحديث ابن عمر "لا ومقلب القلوب". وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين خمسة آثار. والله أعلم.

(11/516)