Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
باب قول الله تعالى: { فكفارته إطعام عشرة مساكين }
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
84 - كِتَاب كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
1- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}
وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَعْبًا فِي الْفِدْيَةِ
6708- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى "عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ أَتَيْتُهُ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ادْنُ فَدَنَوْتُ فَقَالَ أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟

(11/593)


قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ"
وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَوْنٍ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَالنُّسُكُ شَاةٌ وَالْمَسَاكِينُ سِتَّةٌ"
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم كتاب كفارات الأيمان" في رواية غير أبي ذر "باب" وله عن المستملي: "كتاب الكفارات" وسميت كفارة لأنها تكفر الذنب أي تستره، ومنه قيل للزارع كافر لأنه يغطي البذر. وقال الراغب: الكفارة ما يعطي الحانث في اليمين، واستعمل في كفارة القتل والظهار، وهو من التكفير وهو ستر الفعل وتغطيته فيصير بمنزلة ما لم يعمل، قال ويصح أن يكون أصله إزالة الكفر نحو التمريض في إزالة المرض، وقد قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي أزلناها، وأصل الكفر الستر يقال كفرت الشمس النجوم سترتها، ويسمى السحاب الذي يستر الشمس كافرا، ويسمى الليل كافرا لأنه يستر الأشياء عن العيون، وتكفر الرجل بالسلاح إذا تستر به. قوله: "وقول الله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} يريد إلى آخر الآية، وقد تمسك به من قال بتعين العدد المذكور وهو قول الجمهور خلافا لمن قال لو أعطى ما يجب للعشرة واحدا كفى، وهو مروي عن الحسن أخرجه ابن أبي شيبة، ولمن قال كذلك لكن قال عشرة أيام متوالية، وهو مروي عن الأوزاعي حكاه ابن المنذر، وعن الثوري مثله لكن قال: إن لم يجد العشرة. قوله: "وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" يشير إلى حديث كعب بن عجرة الموصول في الباب.قوله: "وقد خير النبي صلى الله عليه وسلم كعبا في الفدية" يعني كعب بن عجرة كما ذكره في الباب. قوله: "ويذكر عن ابن عباس وعطاء وعكرمة: ما كان في القرآن "أو أو" فصاحبه بالخيار" أما أثر ابن عباس فوصله سفيان الثوري في تفسيره عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن أو نحو قوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} فهو فيه مخير، وما كان "فمن لم يجد" فهو على الولاء أي على الترتيب. وليث ضعيف ولذلك لم يجزم به المصنف، وقد جاء عن مجاهد من قوله بسند صحيح عند الطبري وغيره، وأما أثر عطاء فوصله الطبري من طريق ابن جريج قال قال عطاء: ما كان في القرآن "أو أو" فلصاحبه أن يختار أيه شاء. قال ابن جريج وقال لي عمرو بن دينار نحوه وسنده صحيح. وقد أخرجه ابن عيينة في تفسيره عن ابن جريج عن عطاء بلفظ الأصل وسنده صحيح أيضا. وأما أثر عكرمة فوصله الطبري من طريق داود بن أبي هند عنه قال: كل شيء في القرآن "أو أو" فليتخير أي الكفارات شاء، فإذا كان "فمن لم يجد" فالأول الأول قال ابن بطال: هذا متفق عليه بين العلماء، وإنما اختلفوا في قدر الإطعام فقال الجمهور لكل إنسان مد من طعام بمد الشارع صلى الله عليه وسلم وفرق مالك في جنس الطعام بين أهل المدينة فاعتبر ذلك في حقهم لأنه وسط من عيشهم بخلاف سائر الأمصار فالمعتبر في حق كل منهم ما هو وسط من عيشه وخالفه ابن القاسم فوافق الجمهور. وذهب الكوفيون إلى أن الواجب إطعام نصف صاع، والحجة للأول أنه صلى الله عليه وسلم أمر في كفارة المواقع في رمضان بإطعام مد لكل مسكين، قال وإنما ذكر البخاري حديث كعب هنا من أجل آية التخيير فإنها وردت في كفارة اليمين كما وردت في كفارة الأذى. وتعقبه ابن المنير فقال يحتمل أن يكون البخاري وافق الكوفيين في هذه المسألة فأورد حديث كعب بن عجرة لأنه وقع التنصيص في خبر كعب على نصف صاع ولم يثبت في قدر طعام الكفارة فحمل المطلق على المقيد. قلت:

(11/594)


ويؤيده أن كفارة المواقع ككفارة الظهار وكفارة الظهار ورد النص فيها بالترتيب بخلاف كفارة الأذى فإن النص ورد فيها بالتخيير، وأيضا فإنهما متفقان في قدر الصيام بخلاف الظهار فكان حمل كفارة اليمين عليها لموافقتها لها في التخيير أولى من حملها على كفارة المواقع مع مخالفتها، وإلى هذا أشار ابن المنير. وقد يستدل لذلك بما أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس قال: "كفر النبي صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس بذلك، فمن لم يجد فنصف صاع من بر" وهذا لو ثبت لم يكن حجة لأنه لا قائل به، وهو من رواية عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة وهو ضعيف جدا. والذي يظهر لي أن البخاري أراد الرد على من أجاز في كفارة اليمين أن تبعض الخصلة من الثلاثة المخير فيها كمن أطعم خمسة وكساهم أو كسا خمسة غيرهم أو أعتق نصف رقبة وأطعم خمسة أو كساهم، وقد نقل ذلك عن بعض الحنفية والمالكية، وقد احتج من ألحقها بكفارة الظهار بأن شرط حمل المطلق على المقيد أن لا يعارضه مقيد آخر، فلما عارضه هنا والأصل براءة الذمة أخذ بالأقل، وأيده الماوردي من حيث النظر بأنه في كفارة اليمين وصف بالأوسط وهو محمول على الجنس وأوسط ما يشبع الشخص رطلان من الخبز والمد رطل وثلث من الحب فإذا خبز كان قدر رطلين. وأيضا فكفارة اليمين وإن وافقت كفارة الأذى في التخيير لكنها زادت عليها بأن فيها ترتيبا، لأن التخيير وقع بين الإطعام والكسوة والعتق، والترتيب وقع بين الثلاثة وصيام ثلاثة أيام وكفارة الأذى وقع التخيير فيها بين الصيام والإطعام والذبح حسب، قال ابن الصباغ: ليس في الكفارات ما فيه تخيير وترتيب إلا كفارة اليمين وما ألحق بها. قوله: "أحمد بن يونس" هو ابن عبد الله بن يونس نسب لجده، وأبو شهاب هو الأصغر واسمه عبد ربه ابن نافع، وابن عون هو عبد الله. قوله: "أتيته يعني النبي صلى الله عليه وسلم" كذا في الأصل، وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق بشر بن المفضل عن ابن عون بهذا السند عن كعب بن عجرة قال: "في نزلت هذه الآية، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم" فذكره. وفي رواية معتمر بن سليمان عن ابن عون عند الإسماعيلي: "نزلت في هذه الآية {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال فرآني النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادن". قوله: "قال وأخبرني ابن عون" هو مقول أبي شهاب وهو موصول بالأول، وقد أخرجه النسائي والإسماعيلي من طريق أزهر بن سعد عن ابن عون به وقال في آخره: فسره لي مجاهد فلم أحفظه، فسألت أيوب فقال: الصيام ثلاثة أيام والصدقة على ستة مساكين والنسك ما استيسر من الهدي. قلت: وقد تقدم في الحج وفي التفسير من طرق أخرى عن مجاهد وفي الطب والمغازي من طريق أيوب عن مجاهد به وسياقها أتم، وتقدم شرحه مستوفى في كتاب الحج.

(11/595)


2 - باب قَوْلِهِ تَعَالَى {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}
مَتَى تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ؟
6709- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُهُ مِنْ فِيهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَلَكْتُ قَالَ "وَمَا شَأْنُكَ" قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ "قَالَ تَسْتَطِيعُ تُعْتِقُ رَقَبَةً" قَالَ لاَ قَالَ "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ" قَالَ لاَ قَالَ "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا" قَالَ لاَ قَالَ اجْلِسْ فَجَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَالْعَرَقُ

(11/595)


الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ قَالَ "خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ" قَالَ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ "أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ"
قوله: "باب متى تجب الكفارة على الغني والفقير؟ وقول الله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} إلى قوله: الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} كذا لأبي ذر، ولغيره: "باب قول الله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ} وساقوا الآية وبعدها "متى تجب الكفارة على الغني والفقير"؟ وسقط لبعضهم ذكر الآية؛ وأشار الكرماني إلى تصويبه فقال: قوله تحلة أيمانكم أي تحليلها بالكفارة، والمناسب أن يذكر هذه الآية في الباب الذي قبله. حديث أبي هريرة في قصة المجامع في نهار رمضان، وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الصيام، وقوله فيه: "سفيان عن الزهري" وقع في رواية الحميدي "عن سفيان حدثنا الزهري" وتقدم أيضا بيان الاختلاف فيمن لا يجد ما يكفر به ولا يقدر على الصيام هل يسقط عنه أو يبقى في ذمته؟ قال ابن المنير: مقصوده أن ينبه على أن الكفارة إنما تجب بالحنث كما أن كفارة المواقع إنما تجب باقتحام الذنب، وأشار إلى أن الفقير لا يسقط عنه إيجاب الكفارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم فقره وأعطاه مع ذلك ما يكفر به كما لو أعطى الفقير ما يقضي به دينه، قال: ولعله كما نبه على احتجاج الكوفيين بالفدية نبه هنا على ما احتج به من خالفهم من إلحاقها بكفارة المواقع وأنه مد لكل مسكين.

(11/596)


3 - باب مَنْ أَعَانَ الْمُعْسِرَ فِي الْكَفَّارَةِ
6710- حدثنا محمد بن محبوب حدثنا عبد الواحد حدثنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت فقال: " وما ذاك؟" قال: وقعت بأهلي في رمضان قال: "تجد رقبة" قال: لا قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين" قال لا قال "فتستطيع أن تطعم ستين مسكينا" قال لا قال: فجاء رجل من الأنصار بعرق والعرق المكتل فيه تمر فقال اذهب بهذا فتصدق به قال: أعلى أحوج منا يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا ثم قال: "اذهب فأطعمه أهلك"
قوله: "باب من أعان المعسر في الكفارة" ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور قبل وهو ظاهر فيما ترجم له، فكما جاز إعانة المعسر بالكفارة عن وقاعه في رمضان كذلك تجوز إعانة المعسر بالكفارة عن يمينه إذا حنث فيه.

(11/596)


4 - باب يُعْطِي فِي الْكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا
6711- حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سفيان عن الزهري عن حميد "عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ثم هلكت قال وما شأنك قال وقعت على امرأتي في رمضان فقال " هل تجد ما قوما رقبة" قال لا قال " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين" قال لا قال "فهل تستطيع أن

(11/596)


5 - باب صَاعِ الْمَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَرَكَتِهِ وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ
6712- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ الْيَوْمَ فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ"
6713- حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجَارُودِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ وَهْوَ سَلْمٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُدِّ الأَوَّلِ وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ لَنَا مَالِكٌ مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ وَلاَ نَرَى الْفَضْلَ إِلاَّ فِي مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لِي مَالِكٌ لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ فَضَرَبَ مُدًّا أَصْغَرَ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُعْطُونَ قُلْتُ كُنَّا نُعْطِي بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَفَلاَ تَرَى أَنَّ الأَمْرَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
6714- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ"
قوله: "باب صاع المدينة ومد النبي صلى الله عليه وسلم وبركته" أشار في الترجمة إلى وجوب الإخراج في الواجبات بصاع

(11/597)


أهل المدينة لأن التشريع وقع على ذلك أولا وأكد ذلك بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالبركة في ذلك. قوله: "وما توارث أهل المدينة من ذلك قرنا بعد قرن" أشار بذلك إلى أن مقدار المد والصاع في المدينة لم يتغير لتواتره عندهم إلى زمنه، وبهذا احتج مالك على أبي يوسف في القصة المشهورة بينهما فرجع أبو يوسف عن قول الكوفيين في قدر الصاع إلى قول أهل المدينة. قوله: "كان الصاع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مدا وثلثا بمدكم اليوم، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز" قال ابن بطال: هذا يدل على أن مدهم حين حدث به السائب كان أربعة أرطال فإذا زيد عليه ثلثه وهو رطل وثلث قام منه خمسة أرطال وثلث وهو الصاع بدليل أن مده صلى الله عليه وسلم رطل وثلث وصاعه أربعة أمداد، ثم قال مقدار ما زيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز لا نعلمه، وإنما الحديث يدل على أن مدهم ثلاثة أمداد بمده انتهى، ومن لازم ما قال أن يكون صاعهم ستة عشر رطلا لكن لعله لم يعلم مقدار الرطل عندهم إذ ذاك، وقد تقدم في "باب الوضوء بالمد" من كتاب الطهارة بيان الاختلاف في مقدار المد والصاع، ومن فرق بين الماء وغيره من المكيلات فخص صاع الماء بكونه ثمانية أرطال ومده برطلين فقصر الخلاف على غير الماء من المكيلات. قوله: "حدثنا أبو قتيبة وهو سلم" بفتح المهملة وسكون اللام. وفي رواية الدار قطني من وجه آخر عن المنذر "حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة". قلت: وهو الشعيري بفتح الشين المعجمة وكسر المهملة بصري أصله من خراسان أدركه البخاري بالسن ومات قبل أن يلقاه، وهو غير سلم بن قتيبة الباهلي ولد أمير خراسان قتيبة بن مسلم وقد ولي هو إمرة البصرة وهو أكبر من الشعيري ومات قبله بأكثر من خمسين سنة. قوله: "المد الأول" هو نعت مد النبي صلى الله عليه وسلم وهي صفة لازمة له، وأراد نافع بذلك أنه كان لا يعطي بالمد الذي أحدثه هشام، قال ابن بطال: وهو أكبر من مد النبي صلى الله عليه وسلم بثلثي رطل وهو كما قال فإن المد الهشامي رطلان والصاع منه ثمانية أرطال. قوله: "قال لنا مالك" هو مقول أبي قتيبة وهو موصول. قوله: "مدنا أعظم من مدكم" يعني في البركة أي مد المدينة وإن كان دون مد هشام في القدر لكن مد المدينة مخصوص بالبركة الحاصلة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها فهو أعظم من مد هشام، ثم فسر مالك مراده بقوله: ولا ترى الفضل إلا في مد النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "وقال لي مالك لو جاءكم أمير إلخ" أراد مالك بذلك إلزام مخالفه إذ لا فرق بين الزيادة والنقصان في مطلق المخالفة، فلو احتج الذي تمسك بالمد الهشامي في إخراج زكاة الفطر وغيرها مما شرع إخراجه بالمد كإطعام المساكين في كفارة اليمين بأن الأخذ بالزائد أولى، قيل: كفى باتباع ما قدره الشارع بركة، فلو جازت المخالفة بالزيادة لجازت مخالفته بالنقص، فلما امتنع المخالف من الأخذ بالناقص قال له أفلا ترى أن الأمر إنما يرجع إلى مد النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا تعارضت الأمداد الثلاثة الأول والحادث وهو الهشامي وهو زائد عليه والثالث المفروض وقوعه وإن لم يقع وهو دون الأول كان الرجوع إلى الأول أولى لأنه الذي تحققت شرعيته. قال ابن بطال: والحجة فيه نقل أهل المدينة له قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، قال: وقد رجع أبو يوسف بمثل هذا في تقدير المد والصاع إلى مالك وأخذ بقوله. "تنبيه": هذا الحديث غريب لم يروه عن مالك إلا أبو قتيبة ولا عنه إلا المنذر، وقد ضاق مخرجه على الإسماعيلي وعلى أبي نعيم فلم يستخرجاه بل ذكراه من طريق البخاري، وقد أخرجه الدار قطني في "غرائب مالك" من طريق البخاري وأخرجه أيضا عن ابن عقدة عن الحسين بن القاسم البجلي عن المنذر به دون كلام مالك وقال: صحيح أخرجه البخاري عن المنذر به. حديث أنس في

(11/598)


دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لهم في مكيالهم وصاعهم ومدهم" وقد تقدم في البيوع عن القعنبي عن مالك وزاد في آخره: "يعني أهل المدينة" وكذا عند رواة الموطأ عن - مالك قال ابن المنير: يحتمل أن تختص هذه الدعوة بالمد الذي كان حينئذ حتى لا يدخل المد الحادث بعده ويحتمل أن تعم كل مكيال لأهل المدينة إلى الأبد، قال والظاهر الثاني، كذا قال، وكلام مالك المذكور في الذي قبله يجنح إلى الأول وهو المعتمد. وقد تغيرت المكاييل في المدينة بعد عصر مالك وإلى هذا الزمان، وقد وجد مصداق الدعوة بأن بورك في مدهم وصاعهم بحيث اعتبر قدرهما أكثر فقهاء الأمصار ومقلدوهم إلى اليوم في غالب الكفارات، وإلى هذا أشار المهلب والله أعلم.

(11/599)


باب قول الله تعالى: { أو تحرير } وأي الرقاب أزكى؟
...
6 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى؟
6715- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ"
قوله: "باب قول الله عز وجل: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يشير إلى أن الرقبة في آية كفارة اليمين مطلقة بخلاف آية كفارة القتل فإنها قيدت بالإيمان، قال ابن بطال: حمل الجمهور ومنهم الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق المطلق على المقيد كما حملوا المطلق في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} على المقيد في قوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وخالف الكوفيون فقالوا: يجوز إعتاق الكافر، ووافقهم أبو ثور وابن المنذر، واحتج له في كتابه الكبير بأن كفارة القتل مغلظة بخلاف كفارة اليمين، ومن ثم اشترط التتابع في صيام القتل دون اليمين. قوله: "وأي الرقاب أزكى"؟ يشير إلى الحديث الماضي في أوائل العتق عن أبي ذر وفيه: "قلت فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها" وقد تقدم شرحه مستوفى هناك، وكأن البخاري رمز بذلك إلى موافقة الكوفيين لأن أفعل التفضيل يقتضي الاشتراك في أصل الحكم. وقال ابن المنير: لم يبت البخاري الحكم في ذلك ولكنه ذكر الفضل في عتق المؤمنة لينبه على مجال النظر، فلقائل أن يقول: إذا وجب عتق الرقبة في كفارة اليمين كان الأخذ بالأفضل أحوط، وإلا كان المكفر بغير المؤمنة على شك في براءة الذمة. قال: وهذا أقوى من الاستشهاد بحمل المطلق على المقيد لظهور الفرق بينهما. حديث أبي هريرة "من أعتق رقبة مسلمة" وقد تقدم أيضا في أوائل العتق من وجه آخر عن سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة، وذكر فيه قصة لسعيد ابن مرجانة مع علي بن حسين أي ابن علي بن أبي طالب الملقب زين العابدين وهو المذكور هنا أيضا، وكأنه بعد أن سمعه من سعيد بن مرجانة وعمل به حدث به عن سعيد فسمعه منه زيد بن أسلم. وفي رواية الباب زيادة في آخره وهي قوله: "حتى فرجه بفرجه" وحتى هنا عاطفة لوجود شرائط العطف فيها فيكون فرجه بالنصب، وقد تقدمت فوائد هذا الحديث وبيان ما ورد فيه من الزيادة هناك. وأخرج مسلم حديث الباب عن داود بن رشيد شيخ شيخ البخاري فيه، وقد نزل البخاري في هذا الإسناد درجتين فإن بينه وبين أبي غسان محمد بن مطرف في عدة أحاديث في كتابه راويا واحدا كسعيد بن أبي مريم في الصيام والنكاح والأشربة وغيرها وكعلي بن عياش في البيوع

(11/599)


والأدب، ومحمد بن عبد الرحيم شيخه فيه هو المعروف بصاعقة وهو من أقرانه، وداود بن رشيد بشين ومعجمة مصغر من طبقة شيوخه الوسطى، وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق زيد وعلي وسعيد والثلاثة مدنيون وزيد وعلي قرينان.

(11/600)


7 - باب عِتْقِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ فِي الْكَفَّارَةِ وَعِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا
وَقَالَ طَاوُسٌ يُجْزِئُ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ
6716- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو "عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي" فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ"
قوله: "باب عتق المدبر وأم الولد والمكاتب في الكفارة وعتق ولد الزنا" ذكر فيه حديث جابر في عتق المدبر، وعمرو في السند هو ابن دينار، وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب العتق وبيان الاختلاف فيه والاحتجاج لمن قال بصحة بيعه، وقضية ذلك صحة عتقه في الكفارة لأن صحة بيعه فرع بقاء الملك فيه فيصح تنجيز عتقه، وأما أم الولد فحكمها حكم الرقيق في أكثر الأحكام كالجناية والحدود واستمتاع السيد، وذهب كثير من العلماء إلى جواز بيعها، ولكن استقر الأمر على عدم صحته، وأجمعوا على جواز تنجيز عتقها فتجزئ في الكفارة، وأما عتق المكاتب فأجازه مالك والشافعي والثوري كذا حكاه ابن المنذر، وعن مالك أيضا لا يجزئ أصلا. وقال أصحاب الرأي إن كان أدى بعض الكتابة لم يجزئ لأنه يكون أعتق بعض الرقبة وبه قال الأوزاعي والليث، وعن أحمد وإسحاق إن أدى الثلث فصاعدا لم يجزئ. قوله: "وقال طاوس يجزئ المدبر وأم الولد" وصله ابن أبي شيبة من طريقه بلفظ يجزئ عتق المدبر في الكفارة وأم الولد في الظهار، وقد اختلف السلف فوافق طاوسا الحسن في المدبر والنخعي في أم الولد وخالفه فيهما الزهري والشعبي. وقال مالك والأوزاعي لا يجزئ في الكفارة مدبر ولا أم ولد ولا معلق عتقه وهو قول الكوفيين. وقال الشافعي يجزئ عتق المدبر. وقال أبو ثور يجزئ عتق المكاتب ما دام عليه شيء من كتابته، واحتج لمالك بأن هؤلاء ثبت لهم عقد الحرية لا سبيل إلى رفعها والواجب في الكفارة تحرير رقبة، وأجاب الشافعي بأنه لو كانت في المدبر شعبة من حرية ما جاز بيعه، وأما عتق ولد الزنا فقال ابن المنير لا أعلم مناسبة بين عتق ولد الزنا وبين ما أدخله في الباب إلا أن يكون المخالف في عتقه خالف في عتق ما تقدم ذكره، فاستدل عليه بأنه لا قائل بالفرق ثم قال: ويظهر أنه لما جوز عتق المدبر استدل له ولم يأت في أم الولد إلا بقول طاوس ولا في ولد الزنا بشيء أشار إلى أنه قد تقدم الحث على عتق الرقبة المؤمنة فيدخل ما ذكر بعده في العموم بل في الخصوص لأن ولد الزنا مع إيمانه أفضل من الكافر. قلت: جاء المنع من ذلك في الحديث الذي أخرجه البيهقي بسند صحيح عن الزهري أخبرني أبو حسن مولى عبد الله بن الحارث وكان من أهل العلم والصلاح أنه سمع امرأة تقول لعبد الله بن نوفل تستفتيه في غلام لها ابن زنية تعتقه في رقبة كانت عليها فقال: لا أراه يجزئك، سمعت عمر يقول لأن أحمل على نعلين في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ابن زنية، وصح عن

(11/600)


أبي هريرة قال: لأن أتبع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد زنية، أخرجه ابن أبي شيبة. نعم في الموطأ عن أبي هريرة أنه أفتى بعتق ولد الزنا، وعن ابن عمر أنه أعتق ابن زنا، وأخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي بسند صحيح عنه وزاد: قد أمرنا الله أن نمن على من هو شر منه، قال الله تعالى: {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} وقال الجمهور: يجزئ عتقه، وكرهه علي وابن عباس وابن عمرو بن العاص أخرجه ابن أبي شيبة عنهم بأسانيد لينة، ومنع الشعبي والنخعي والأوزاعي. وأخرج ابن أبي شيبة ذلك بسند صحيح عن الأولين، والحجة للجمهور قوله تعالى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وقد صح ملك الحالف له فيصح إعتاقه له، وقد أخرج ابن المنذر بسند صحيح عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أنه سئل عن ذلك فمنع، قال أبو الخير: فسألنا فضالة بن عبيد فقال: يغفر الله لعقبة، وهل هو إلا نسمة من النسم؟ وذكر المصنف حديث جابر في بيع المدبر فأشار في الترجمة إلى أنه إذا جاز بيعه جاز ما ذكر معه بطريق الأولى.

(11/601)


باب إذا أعتق عبداً بينه وبين آخر
قوله "باب إذا أعتق عبدا بينه وبين آخر" أي في الكفارة، ثبتت هذه الترجمة المستملي وحده بغير حديث فكأن المصنف أراد أن يثبت فيها حديث الباب الذي بعده من وجه آخر فلم يتفق، أو تردد في الترجمتين فاقتصر الأكثر على الترجمة التي تلي هذه وكتب المستملي الترجمتين احتيطا، والحديث في الباب الذي يليه صالح لهما بضرب من التأويل، وجمع أبو نعيم الترجمتين في باب واحد

(11/601)


8 - باب إِذَا أَعْتَقَ فِي الْكَفَّارَةِ لِمَنْ يَكُونُ وَلاَؤُهُ
6717- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ "عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهَا الْوَلاَءَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"
قوله: "باب إذا أعتق في الكفارة لمن يكون ولاؤه" أي العتيق. حديث عائشة في قصة بريرة مختصرا وفي آخره: "فإنما الولاء لمن أعتق" وقضيته أن كل من أعتق فصح عتقه كان الولاء له، فيدخل في ذلك ما لو أعتق العبد المشترك فإنه إن كان موسرا صح وضمن لشريكه حصته، ولا فرق بين أن يعتقه مجانا أو عن الكفارة وهذا قول الجمهور ومنهم صاحبا أبي حنيفة، وعن أبي حنيفة لا يجزئه عتق العبد المشترك عن الكفارة لأنه يكون أعتق بعض عبد لا جميعه، لأن الشريك عنده يخير بين أن يقوم عليه نصيبه وبين أن يعتقه هو وبين أن يستسعي العبد في نصيب الشريك.

(11/601)


9 - باب الِاسْتِثْنَاءِ فِي الأَيْمَانِ
6718- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ غَيْلاَنَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى "عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ وَاللَّهِ لاَ أَحْمِلُكُمْ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ فَأُتِيَ بِإِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا بِثَلاَثَةِ ذَوْدٍ فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ لاَ يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا أَتَيْنَا رَسُولَ

(11/601)


10 - باب الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ
6721- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ الْقَاسِمِ الْتَّمِيمِيِّ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ "كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ وَمَعْرُوفٌ قَالَ فَقُدِّمَ طَعَامٌ قَالَ وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ قَالَ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى قَالَ فَلَمْ يَدْنُ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى ادْنُ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهُ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا قَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أَنْ لاَ أَطْعَمَهُ أَبَدًا فَقَالَ ادْنُ أُخْبِرْكَ عَنْ ذَلِكَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ قَالَ أَيُّوبُ أَحْسِبُهُ قَالَ وَهُوَ غَضْبَانُ قَالَ "وَاللَّهِ لاَ أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ" قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَقِيلَ أَيْنَ هَؤُلاَءِ الأَشْعَرِيُّونَ فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى قَالَ فَانْدَفَعْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَحْمِلَنَا ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْنَا فَحَمَلَنَا نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ وَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ لاَ نُفْلِحُ أَبَدًا ارْجِعُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْنُذَكِّرْهُ يَمِينَهُ فَرَجَعْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ فَحَلَفْتَ أَنْ لاَ تَحْمِلَنَا ثُمَّ حَمَلْتَنَا فَظَنَنَّا أَوْ فَعَرَفْنَا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ قَالَ "انْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّهُ إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا".
تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيِّ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا.
6722- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ الْحَسَنِ "عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَسْأَلْ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ"
تَابَعَهُ أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ.
وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ وَحُمَيْدٌ وَقَتَادَةُ وَمَنْصُورٌ وَهِشَامٌ وَالرَّبِيعُ.

(11/608)


قوله: "باب الكفارة قبل الحنث وبعده" ذكر فيه حديث أبي موسى في قصة سؤالهم الحملان وفيه: "إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" وقد مضى في الباب الذي قبله بلفظ: "إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" وحديث عبد الرحمن بن سمرة في النهي عن سؤال الإمارة وفيه: "وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" قال ابن المنذر رأى ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفارة تجزئ قبل الحنث. إلا أن الشافعية استثنى الصيام فقال لا يجزئ إلا بعد الحنث وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث. قلت: ونقل الباجي عن مالك وغيره روايتين، واستثنى بعضهم عن مالك الصدقة والعتق، ووافق الحنفية أشهب من المالكية وداود الظاهري وخالفه ابن حزم، واحتج لهم الطحاوي بقوله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} فإذا المراد إذا حلفتم فحنثتم، ورده مخالفوه فقالوا: بل التقدير فأردتم الحنث، وأولى من ذلك أن يقال: التقدير أعم من ذلك، فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر. واحتجوا أيضا بأن ظاهر الآية أن الكفارة وجبت بنفس اليمين، ورده من أجاز بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقا. واحتجوا أيضا بأن الكفارة بعد الحنث فرض وإخراجها قبله تطوع، فلا يقوم التطوع مقام الفرض. وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث وإلا فلا يجزئ كما في تقديم الزكاة. وقال عياض: اتفقوا على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري تأخيرها بعد الحنث، قال عياض: ومنع بعض المالكية تقديم كفارة حنث المعصية لأن فيه إعانة على المعصية، ورده الجمهور. قال ابن المنذر: واحتج للجمهور بأن اختلاف ألفاظ حديثي أبو موسى وعبد الرحمن لا يدل على تعيين أحد الأمرين، وإنما أمر الحالف بأمرين فإذا أتى بهما جميعا فقد فعل ما أمر به وإذا لم يدل الخبر على المنع فلم يبق إلا طريق النظر، فاحتج للجمهور بأن عقد اليمين لما كان يحله الاستثناء وهو كلام فلأن تحله الكفارة وهو فعل مالي أو بدني أولي، ويرجح قولهم أيضا بالكثرة، وذكر أبو الحسن بن القصار وتبعه عياض وجماعة أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشر صحابيا وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة، مع أنه قال فيمن أخرج ظبية من الحرم إلى الحل فولدت أولادا ثم ماتت في يده هي وأولادها أن عليه جزاءها وجزاء أولادها، لكن إن كان حين إخراجها أدى جزاءها لم يكن عليه في أولادها شيء مع أن الجزاء الذي أخرجه عنها كان قبل أن تلد أولادها فيحتاج إلى الفرق، بل الجواز في كفارة اليمين أولى. وقال ابن حزم: أجاز الحنفية تعجيل الزكاة قبل الحول وتقديم زكاة الزرع، وأجازوا تقديم كفارة القتل قبل موت المجني عليه، واحتج للشافعي بأن الصيام من حقوق الأبدان ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة والصيام، بخلاف العتق والكسوة والإطعام فإنها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزكاة، ولفظ الشافعي في "الأم" إن كفر بالإطعام قبل الحنث رجوت أن يجزئ عنه، وأما الصوم فلا لأن حقوق المال يجوز تقديمها بخلاف العبادات فإنها لا تقدم على وقتها كالصلاة والصوم، وكذا لو حج الصغير والعبد لا يجزئ عنهما إذا بلغ أو عتق. وقال في موضع آخر: من حلف فأراد أن يحنث فأحب إلي أن لا يكفر حتى يحنث فإن كفر قبل الحنث أجزأ، وساق نحوه مبسوطا. وادعى الطحاوي أن إلحاق الكفارة بالكفارة أولى من إلحاق الإطعام بالزكاة وأجيب بالمنع. وأيضا فالفرق الذي أشار إليه الشافعي بين حق المال وحق البدن ظاهر جدا، وإنما خص منه الشافعي الصيام بالدليل المذكور

(11/609)


ويؤخذ من نص الشافعي أن الأولى تقديم الحنث على الكفارة، وفي مذهبه وجه اختلف فيه الترجيح أن كفارة المعصية يستحب تقديمها. قال القاضي عياض: الخلاف في جواز تقديم الكفارة مبني على أن الكفارة رخصة لحل اليمين أو لتكفير مأثمها بالحنث، فعند الجمهور أنها رخصة شرعها الله لحل ما عقد من اليمين فلذلك تجزئ قبل وبعد. قال المازري: للكفارة ثلاث حالات أحدها قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقا. ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزئ اتفاقا. ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف. وقد اختلف لفظ الحديث فقدم الكفارة مرة وأخرها أخرى لكن بحرف الواو الذي لا يوجب رتبة، ومن منع رأى أنها لم تجز فصارت كالتطوع والتطوع لا يجزئ عن الواجب. وقال الباجي وابن التين وجماعة: الروايتان دالتان على الجواز لأن الواو لا ترتب. قال ابن التين: فلو كان تقديم الكفارة لا يجزئ لأبانه ولقال: فليأت ثم ليكفر، لأن تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز، فلما تركهم على مقتضى اللسان دل على الجواز. قال: وأما الفاء في قوله: "فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" فهي كالفاء الذي في قوله: "فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير" ولو لم تأت الثانية لما دلت الفاء على الترتيب لأنها أبانت ما يفعله بعد الحلف وهما شيئان كفارة وحنث ولا ترتيب فيهما، وهو كمن قال: إذا دخلت الدار فكل واشرب. قلت: قد ورد في بعض الطرق بلفظ: "ثم" التي تقتضي الترتيب عند أبي داود والنسائي في حديث الباب، ولفظ أبي داود من طريق سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن به "كفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير" وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه لكن أحال بلفظ المتن على ما قبله، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق سعيد كأبي داود، وأخرجه النسائي من رواية جرير بن حازم عن الحسن مثله، لكن أخرجه البخاري ومسلم من رواية جرير بالواو، وهو في حديث عائشة عند الحاكم أيضا بلفظ: "ثم" وفي حديث أم سلمة عند الطبراني نحوه ولفظه: "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير". قوله: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم" هو المعروف بابن علية، وأيوب هو السختياني، والقاسم التميمي هو ابن عاصم، وقد تقدم في "باب اليمين فيما لا يملك" من طريق عبد الوارث عن أيوب عن القاسم وحده أيضا، واقتصر على بعضه، ومضى في "باب لا تحلفوا بآبائكم" من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة والقاسم التميمي جميعا عن زهدم، وتقدم في المغازي من طريق عبد السلام بن حرب عن أيوب عن أبي قلابة وحده، وقد تقدم في فرض الخمس عن عبد الله بن عبد الوهاب عن حماد وهو ابن زيد، وكذا أخرجه مسلم عن أبي الربيع العتكي عن حماد قال: "وحدثني القاسم بن عاصم الكليبي" بموحدة مصغر نسبة إلى بني كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وهو القاسم التميمي المذكور قبل، قال وأنا لحديث القاسم أحفظ عن زهدم. وفي رواية العتكي وعن القاسم بن عاصم كلاهما عن زهدم، قال أيوب: وأنا لحديث القاسم أحفظ. قوله: "كنا عند أبي موسى" أي الأشعري، ونسب كذلك في رواية عبد الوارث. قوله: "وكان بيننا وبين هذا الحي من جرم إخاء ومعروف" في رواية الكشميهني: "وكان بيننا وبينهم هذا الحي إلخ" وهو كالأول لكن زاد الضمير وقدمه على ما يعود عليه. قال الكرماني: كان حق العبارة أن يقول بيننا وبينه أي أبي موسى يعني لأن زهدما من جرم فلو كان من الأشعريين لاستقام الكلام، قال: وقد تقدم على الصواب في "باب لا تحلفوا بآبائكم" حيث قال: "كان بين هذا الحي من جرم وبين الأشعريين" ثم حمل ما وقع هنا على أنه جعل نفسه من قوم أبي موسى لكونه من أتباعه فصار كواحد من الأشعريين فأراد

(11/610)


بقوله بيننا أبا موسى وأتباعه وأن بينهم وبين الجرميين ما ذكر من الإخاء وغيره، وتقدم بيان ذلك أيضا في كتاب الذبائح. قلت: وقد تقدم في رواية عبد الوارث في الذبائح بلفظ هذا الباب إلى قوله: "إخاء" وقد أخرجه أحمد وإسحاق في مسنديهما عن إسماعيل بن علية الذي أخرجه البخاري من طريقه ولم يذكر هذا الكلام بل اقتصر على قوله: "كنا عند أبي موسى فقدم طعامه" نعم أخرجه النسائي عن علي بن حجر شيخ البخاري فيه بقصة الدجاج وقول الرجل ولم يسق بقيته، وقوله: "إخاء" بكسر أوله وبالخاء المعجمة والمد أي صداقة، وقوله: "ومعروف" أي إحسان. ووقع في رواية عبد الوهاب الثقفي الماضية قريبا "ود وإخاء" وقد ذكر بيان سبب ذلك في "باب قدوم الأشعريين" من أواخر المغازي من طريق، عبد السلام بن حرب عن أيوب، وأول الحديث عنده "لما قدم أبو موسى الكوفة أكرم هذا الحي من جرم" وذكرت هناك نسب جرم إلى قضاعة. قوله: "فقدم طعامه" أي وضع بين يديه، في رواية الكشميهني: "طعام" بغير ضمير، ومضى في "باب قدوم الأشعريين" بلفظ: "وهو يتغذى لحم دجاج" ويستفاد من الحديث جواز أكل الطيبات على الموائد واستخدام الكبير من يباشر له نقل طعامه ووضعه بين يديه، قال القرطبي: ولا يناقض ذلك الزهد ولا ينقصه خلافا لبعض المتقشفة. قلت: والجواز ظاهر، وأما كونه لا ينقص الزهد ففيه وقفة. قوله: "وقدم في طعامه لحم دجاج" ذكر ضبطه في "باب لحم الدجاج" من كتاب الذبائح وأنه اسم جنس، وكلام الحربي في ذلك، ووقع في فرض الخمس بلفظ: "دجاجة" وزعم الداودي أنه يقال للذكر والأنثى واستغربه ابن التين. قوله: "وفي القوم رجل من بني تيم الله" هو اسم قبيلة يقال لهم أيضا تيم اللات وهم من قضاعة، وقد تقدم الكلام على ما قيل في تسمية هذا الرجل مستوفى في كتاب الذبائح. قوله: "أحمر كأنه مولى" تقدم في فرض الخمس "كأنه من الموالي" قال الداودي: يعني أنه من سبي الروم، كذا قال فإن كان اطلع على نقل في ذلك وإلا فلا اختصاص لذلك بالروم دون الفرس أو النبط أو الديلم. قوله: "فلم يدن" أي لم يقرب من الطعام فيأكل منه، زاد عبد الوارث في روايته في الذبائح "فلم يدن من طعامه". قوله: "ادن" بصيغة فعل الأمر. وفي رواية عبد السلام "هلم" في الموضعين، وهو يرجع إلى معنى ادن، كذا في رواية حماد عن أيوب، ولمسلم من هذا الوجه "فقال له هلم فتلكأ" بمثناة ولام مفتوحتين وتشديد أي تمنع وتوقف وزنه ومعناه. قوله: "يأكل شيئا قذرته" بكسر الذال المعجمة وقد تقدم بيان ذلك وحكم أكل لحم الجلالة والخلاف فيه في كتاب الذبائح مستوفى. قوله: "أخبرك عن ذلك" أي عن الطريق في حل اليمين، فقص قصة طلبهم الحملان والمراد منه ما في آخره من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" ومعنى تحللتها فعلت ما ينقل المنع الذي يقتضيه إلى الإذن فيصير حلالا، وإنما يحصل ذلك بالكفارة، وأما ما زعم بعضهم أن اليمين تتحلل بأحد أمرين إما الاستثناء وإما الكفارة فهو بالنسبة إلى مطلق اليمين لكن الاستثناء إنما يعتبر في أثناء اليمين قبل كمالها وانعقادها والكفارة تحصل بعد ذلك، ويؤيد أن المراد بقوله تحللتها كفرت عن يميني وقوع التصريح به في رواية حماد بن زيد وعبد السلام وعبد الوارث وغيرهم. قوله: "أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين" ووقع في رواية عبد السلام بن حرب عن أيوب بلفظ: "إنا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم نفر من الأشعريين" فاستدل به ابن مالك لصحة قول الأخفش يجوز أن يبدل من ضمير الحاضر بدل كل من كل وحمل عليه قوله تعالى: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} قال ابن مالك: واحترزت بقولي بدل كل من كل عن البعض والاشتمال فذلك جائز

(11/611)


اتفاقا، ولما حكاه الطيبي أقره وقال: هو عند علماء البديع يسمى التجريد. قلت: وهذا لا يحسن الاستشهاد به إلا لو اتفقت الرواة، والواقع أنه بهذا اللفظ انفرد به عبد السلام، وقد أخرجه البخاري في مواضع أخرى بإثبات "في" فقال في معظمها "في رهط" كما هي رواية ابن علية عن أيوب هنا، وفي بعضها "في نفر" كما هي رواية حماد عن أيوب في فرض الخمس. قوله: "يستحمله" أي يطلب منه ما يركبه، ووقع عند مسلم من طريق أبي السليل بفتح المهملة ولامين الأولى مكسورة عن زهدم عن أبي موسى "كنا مشاة فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله" وكان ذلك في غزوة تبوك كما تقدم في أواخر المغازي. قوله: "وهو يقسم نعما" بفتح النون والمهملة. قوله: "قال أيوب أحسبه قال وهو غضبان" هو موصول بالسند المذكور، ووقع في رواية عبد الوارث عن أيوب "فوافقته وهو غضبان وهو يقسم نعما من نعم الصدقة" وفي رواية وهيب عن أيوب عن أبي عوانة في صحيحه "وهو يقسم ذودا من إبل الصدقة" وفي رواية بريد بن أبي بردة الماضية قريبا في "باب اليمين فيما لا يملك" عن أبي موسى "أرسلني أصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان فقال: لا أحملكم على شيء فوافقته وهو غضبان" ويجمع بأن أبا موسى حضر هو والرهط فباشر الكلام بنفسه عنهم. قوله: "والله لا أحملكم" قال القرطبي: فيه جواز اليمين عند المنع ورد السائل الملحف عند تعذر الإسعاف وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول. قوله: "فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل" بفتح النون وسكون الهاء بعدها موحدة أي غنيمة، وأصله ما يؤخذ اختطافا بحسب السبق إليه على غير تسوية بين الآخذين، وتقدم في الباب الذي قبله من طريق غيلان بن جرير عن أبي بردة عن موسى بلفظ: "فأتى بإبل" وفي رواية: "شائل" وتقدم الكلام عليها. وفي رواية بريد عن أبي بردة أنه صلى الله عليه وسلم ابتاع الإبل التي حمل عليها الأشعريين من سعد، وفي الجمع بينها وبين رواية الباب عسر، لكن يحتمل أن تكون الغنيمة لما حصلت حصل لسعد منها القدر المذكور فابتاع النبي صلى الله عليه وسلم منه نصيبه فحملهم عليه. قوله: "فقيل: أين هؤلاء الأشعريون؟ فأتينا فأمر لنا" في رواية عبد السلام عن أيوب "ثم لم نلبث أن أتى النبي صلى الله عليه وسلم بنهب إبل فأمر لنا" وفي رواية حماد "وأتى بنهب إبل فسأل عنا فقال: أين النفر الأشعريون؟ فأمر لنا" ومثله في رواية عبد الوهاب الثقفي. وفي رواية غيلان بن جرير عن أبي بردة "ثم لبثنا ما شاء الله فأتى" وفي رواية يزيد "فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي: أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلما أتيته قال خذ". قوله: "فأمر لنا بخمس ذود" تقدم بيان الاختلاف في الباب الذي قبله وطريق الجمع بين مختلف الروايات في ذلك. قوله: "فاندفعنا" أي سرنا مسرعين والدفع السير بسرعة. وفي رواية عبد الوارث "فلبثنا غير بعيد" وفي رواية عبد الوهاب "ثم انطلقنا". قوله: "فقلت لأصحابي" في رواية حماد وعبد الوهاب "قلنا ما صنعنا" وفي رواية غيلان عن أبي بردة "فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض" وقد عرف من رواية الباب البادئ بالمقالة المذكورة. قوله: "نسي رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه، والله لئن تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه لا نفلح أبدا" في رواية عبد السلام "فلما قبضناها قلنا تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه لا نفلح أبدا" ونحوه في رواية عبد الوهاب ومعنى "تغفلنا" أخذنا منه ما أعطانا في حال غفلته عن يمينه من غير أن نذكره بها ولذلك خشوا. وفي رواية حماد "فلما انطلقنا قلنا: ما صنعنا؟ لا يبارك لنا" ولم يذكر النسيان أيضا. وفي رواية غيلان "لا يبارك الله لنا" وخلت رواية يزيد عن هذه الزيادة كما خلت عما بعدها إلى آخر الحديث، ووقع في روايته من الزيادة قول أبي موسى لأصحابه "لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم

(11/612)


إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم" يعني في منعهم أولا وإعطائهم ثانيا إلى آخر القصة المذكورة ولم يذكر حديث: "لا أحلف على يمين إلخ"، قال القرطبي: فيه استدراك جبر خاطر السائل الذي يؤدب على الحاجة بمطلوبه إذا تيسر، وأن من أخذ شيئا يعلم أن المعطى لم يكن راضيا بإعطائه لا يبارك له فيه. قوله: "فظننا أو فعرفنا أنك نسيت يمينك، قال: "انطلقوا فإنما حملكم الله" في رواية حماد "فنسيت. قال لست أنا أحملكم ولكن الله حملكم" وفي رواية عبد السلام "فأتيته فقلت: يا رسول الله إنك حلفت أن لا تحملنا وقد حملتنا، قال: أجل" ولم يذكر "ما أنا حملتكم" إلخ. وفي رواية غيلان "ما أنا حملتكم بل الله حملكم" ولأبي يعلى من طريق فطر عن زهدم "فكرهنا أن نمسكها، فقال: إني والله ما نسيتها" وأخرجه مسلم عن الشيخ الذي أخرجه عنه أبو يعلى ولم يسق منه إلا قوله: "قال والله ما نسيتها". قوله: "إني والله إن شاء الله إلخ" تقدم بيانه في الباب الذي قبله. قوله: "لا أحلف على يمين" أي محلوف يمين، فأطلق عليه لفظ يمين للملابسة والمراد ما شأنه أن يكون محلوفا عليه؛ فهو من مجاز الاستعارة، ويجوز أن يكون فيه تضمين فقد وقع في رواية لمسلم: "على أمر"، ويحتمل أن يكون "على" بمعنى الباء، فقد وقع في رواية النسائي: "إذا حلفت بيمين" ورجح الأول بقوله: "فرأيت غيرها خيرا منها" لأن الضمير في غيرها لا يصح عوده على اليمين، وأجيب بأنه يعود على معناها المجازي للملابسة أيضا. وقال ابن الأثير في النهاية: الحلف هو اليمين فقوله أحلف أي أعقد شيئا بالعزم والنية، وقوله: "على يمين" تأكيد لعقده وإعلام بأنه ليست لغوا. قال الطيبي: ويؤيده رواية النسائي بلفظ: "ما على الأرض يمين أحلف عليها" الحديث، قال: فقوله أحلف عليها صفة مؤكدة لليمين، قال: والمعنى لا أحلف يمينا جزما لا لغو فيها ثم يظهر لي أمر آخر يكون فعله أفضل من المضي في اليمين المذكورة إلا فعلته وكفرت عن يميني، قال: فعلى هذا يكون قوله: "على يمين" مصدرا مؤكدا لقوله أحلف. تكملة: اختلف هل كفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه المذكور كما اختلف هل كفر في قصة حلفه على شرب العسل أو على غشيان مارية، فروي عن الحسن البصري أنه قال: لم يكفر أصلا لأنه مغفور له، وإنما نزلت كفارة اليمين تعليما للأمة، وتعقب بما أخرجه الترمذي من حديث عمر في قصة حلفه على العسل أو مارية، فعاتبه الله وجعل له كفارة يمين، وهذا ظاهر في أنه كفر وإن كان ليس نصا في رد ما ادعاه الحسن، وظاهر أيضا في حديث الباب: "وكفرت عن يميني" أنه لا يترك ذلك، ودعوى أن ذلك كله للتشريع بعيد. قوله: "وتحللتها" كذا في رواية حماد وعبد الوارث وعبد الوهاب كلهم عن أيوب، ولم يذكر في رواية عبد السلام "وتحللتها" وكذا لم يذكرها أبو السليل عن زهدم عند مسلم، ووقع في رواية غيلان عن أبي بردة "إلا كفرت عن يميني" بدل "وتحللتها" وهو يرجح أحد احتمالين أبداهما ابن دقيق العيد ثانيهما إتيان ما يقتضي الحنث فإن التحلل يقتضي سبق العقد والعقد هو ما دلت عليه اليمين من موافقة مقتضاها، فيكون التحلل الإتيان بخلاف مقتضاها، لكن يلزم على هذا أن يكون فيه تكرار لوجود قوله: "أتيت الذي هو خير" فإن إتيان الذي هو خير تحصل به مخالفة اليمين والتحلل منها، لكن يمكن أن تكون فائدته التصريح بالتحلل، وذكره بلفظ يناسب الجواز صريحا ليكون أبلغ مما لو ذكره بالاستلزام، وقد يقال إن الثاني أقوى لأن التأسيس أولى من التأكيد، وقيل معنى "تحللتها" خرجت من حرمتها إلى ما يحل منها وذلك يكون بالكفارة، وقد يكون بالاستثناء بشرطه السابق، لكن لا يتجه في هذه القصة إلا إن كان وقع منه استثناء لم يشعروا به كأن يكون قال إن شاء الله مثلا أو قال والله لا أحملكم إلا إن حصل

(11/613)


شيء ولذلك قال: "وما عندي ما أحملكم" قال العلماء في قوله: "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم" المعنى بذلك إزالة المنة عنهم وإضافة النعمة لمالكها الأصلي، ولم يرد أنه لا صنع له أصلا في حملهم لأنه لو أراد ذلك ما قال بعد ذلك "لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت" وقال المازري: معنى قوله: "إن الله حملكم" إن الله أعطاني ما حملتكم عليه ولولا ذلك لم يكن عندي ما حملتكم عليه، وقيل يحتمل أنه كان نسي يمينه والناسي لا يضاف إليه الفعل، ويرده التصريح بقوله: "والله ما نسيتها" وهي عند مسلم كما بينته، وقيل المراد بالنفي عنه والإثبات لله الإشارة إلى ما تفضل الله به من الغنيمة المذكورة لأنها لم تكن بتسبب من النبي صلى الله عليه وسلم ولا كان متطلعا إليها ولا منتظرا لها، فكان المعنى ما أنا حملتكم لعدم ذلك أولا ولكن الله حملكم بما ساقه إلينا من هذه الغنيمة. قوله: "تابعه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة والقاسم بن عاصم الكليبي" قال الكرماني: إنما أتى بلفظ تابعه أولا وبحدثنا ثانيا وثالثا إشارة إلى أن الأخيرين حدثاه بالاستقلال والأول مع غيره، قال: والأول يحتمل التعليق بخلافهما. قلت: لم يظهر لي معنى قوله: "مع غيره" وقوله: "يحتمل التعليق" يستلزم أنه يحتمل عدم التعليق، وليس كذلك بل هو في حكم التعليق لأن البخاري لم يدرك حمادا، وقد وصل المصنف متابعة حماد بن زيد في فرض الخمس، ثم إن هذه المتابعة وقعت في الرواية عن القاسم فقط ولكن زاد حماد ذكر أبي قلابة مضموما إلى القاسم. قوله: "حدثنا قتيبة حدثنا عبد الوهاب" هو ابن عبد المجيد الثقفي. قوله: "بهذا" أي بجميع الحديث، وقد أشرت إلى أن رواية حماد وعبد الوهاب متفقتان في السياق، وقد ساق رواية قتيبة هذه في "باب لا تحلفوا بآبائكم" تامة، وقد ساقها أيضا في أواخر كتاب التوحيد عن عبد الله ابن عبد الوهاب الحجبي عن الثقفي وليس بعد الباب الذي ساقها فيه من البخاري سوى بابين فقط. قوله: "حدثنا أبو معمر" تقدم سياق روايته في كتاب الذبائح، وقد بينت ما في هذه الروايات من التخالف مفصلا. وفي الحديث غير ما تقدم ترجيح الحنث في اليمين إذا كان خيرا من التمادي، وأن تعمد الحنث في مثل ذلك يكون طاعة لا معصية، وجواز الحلف من غير استحلاف لتأكيد الخبر ولو كان مستقبلا وهو يقتضي المبالغة في ترجيح الحنث بشرطه المذكور، وفيه تطييب قلوب الأتباع، وفيه الاستثناء بإن شاء الله تبركا، فإن قصد بها حل اليمين صح بشرطه المتقدم. قوله: "حدثنا محمد بن عبد الله" هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي الحافظ المشهور فيما جزم به المزي وقال: نسبه إلى جده. وقال أبو علي الجياني: لم أره منسوبا في شيء من الروايات. قلت: وقد روى البخاري في بدء الخلق عن محمد بن عبد الله المخرمي عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج وهما من هذه الطبقة، وروى أيضا في عدة مواضع عن محمد بن عبد الله بن حوشب ومحمد بن عبد الله بن نمير ومحمد بن عبد الله الرقاشي وهم أعلى من طبقة المخرمي ومن معه، وروي أيضا بواسطة تارة وبغير واسطة أخرى عن محمد بن عبد الله الأنصاري وهو أعلى من طبقة ابن نمير ومن ذكر معه، فقد ثبت هذا الحديث بعينه من روايته عن ابن عون شيخ عثمان بن عمر شيخ محمد بن عبد الله المذكور في هذا الباب، فعلى هذا لم يتعين من هو شيخ البخاري في هذا الحديث، وابن عون هو عبد الله البصري المشهور، وقوله في آخر الحديث: "تابعه أشهل" بالمعجمة وزن أحمر "عن ابن عون" وقعت روايته موصولة عند أبي عوانة والحاكم والبيهقي من طريق أبي قلابة الرقاشي "حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري وأشهل بن حاتم قالا أنبأنا ابن عون به". قوله: "وتابعه يونس وسماك بن عطية وسماك بن حرب وحميد

(11/614)


وقتادة ومنصور وهشام والربيع" يريد أن الثمانية تابعوا ابن عون فرووه عن الحسن، فالضمير في قوله أولا "تابعه أشهل" لعثمان بن عمر، والضمير في قوله ثانيا "وتابعه يونس" وما بعده لعبد الله بن عون شيخ عثمان بن عمر، ووقع في نسخة من رواية أبي ذر "وحميد عن قتادة" وهو خطأ والصواب "وحميد وقتادة" بالواو وكذا وقع في رواية النسفي عن البخاري وكذا في رواية من وصل هذه المتابعات، فأما رواية يونس وهو ابن عبيد فستأتي موصولة في كتاب الأحكام، وأما متابعة سماك بن عطية فوصلها مسلم من طريق حماد بن زيد عنه وعن يونس جميعا عن الحسن. وقال البزار: ما رواه عن سماك بن عطية إلا حماد، ولا روى سماك هذا عن الحسن إلا هذا. وأما متابعة سماك بن حرب فوصلها عبد الله بن أحمد في زياداته والطبراني في الكبير من طريق حماد بن زيد عنه عن الحسن، وأما متابعة حميد وهو الطويل ومنصور هو ابن زاذان فوصلها مسلم من طريق هشيم عنهما، قال البزار وتبعه الطبراني في الأوسط: لم يروه عن منصور بن زاذان إلا هشيم، ولا روى منصور هذا عن الحسن إلا هذا الحديث. قلت: ويحتمل أن يكون مراد البخاري بمنصور منصور بن المعتمر، وقد أخرجه النسائي من طريقه من رواية جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن الحسن، قال البزار أيضا: لم يرو منصور بن المعتمر عن الحسن إلا هذا. وأما متابعة قتادة فوصلها مسلم وأبو داود والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. وأما رواية هشام وهو ابن حسان فأخرجها أبو نعيم في "المستخرج على مسلم" من طريق حماد بن زيد عن هشام عن الحسن ووقع لنا في "الغيلانيات" من وجه آخر عن هشام ومطر الوراق جميعا عن الحسن وهو عند أبي عوانة في صحيحه من هذا الوجه. وأما حديث الربيع فقد جزم الدمياطي في حاشيته بأنه ابن مسلم، والذي يغلب على ظني أنه ابن صبيح، فقد وقع لنا في "الشرانيات" من رواية شبابة عن الربيع بن صبيح بوزن عظيم عن الحسن، وأخرجه أبو عوانة من طريق الأسود بن عامر عن الربيع بن صبيح، وأخرجه الطبراني من رواية مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة بن خالد والمبارك بن فضالة والربيع بن صبيح قالوا حدثنا الحسن به، ووقع لنا من رواية الربيع غير منسوب عن الحسن أخرجه الحافظ يوسف بن خليل في الجزء الذي جمع فيه طرق هذا الحديث من طريق وكيع عن الربيع عن الحسن. وهذا يحتمل أن يكون هو الربيع ابن صبيح المذكور ويحتمل أن يكون الربيع بن مسلم. وقد روي هذا الحديث عن الحسن غير من ذكر جرير بن حازم وتقدمت روايته في أول كتاب الأيمان والنذور، وأخرجه مسلم من رواية معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه عن الحسن. ولما أخرج طريق سماك بن عطية قرنها بيونس بن عبيد وهشام بن حسان وقال: في آخرين. وأخرجه أبو عوانة من طريق علي بن زيد بن جدعان ومن طريق إسماعيل بن مسلم ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد كلهم عن الحسن، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن نحو الأربعين من أصحاب الحسن منهم من لم يتقدم ذكره يزيد بن إبراهيم وأبو الأشهب واسمه جعفر بن حيان وثابت البناني وحبيب بن الشهيد وخليد بن دعلج وأبو عمرو ابن العلاء ومحمد بن نوح وعبد الرحمن السراج وعرفطة والمعلى بن زياد وصفوان بن سليم ومعاوية بن عبد الكريم وزياد مولى مصعب وسهل السراج وشبيب بن شيبة وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء ومحمد بن عقبة والأشعث ابن سوار والأشعث بن عبد الملك والحسن بن دينار والحسن بن ذكوان وسفيان بن حسين والسري بن يحيى وأبو عقيل الدورقي وعباد بن راشد وعباد بن كثير، فهؤلاء الأربعة وأربعون نفسا. وقد خرج طرقه الحافظ عبد القادر الرهاوي في الأربعين

(11/615)


البلدانية له عن سبعة وعشرين نفسا من الرواة عن الحسن، فيهم ممن لم يتقدم ذكره يحيى بن أبي كثير وجرير بن حازم وإسرائيل أبو موسى ووائل بن داود وعبد الله بن عون وقرة بن خالد وأبو خالد الجزار وأبو عبيدة الباجي وخالد الحذاء وعوف الأعرابي وحماد بن نجيح ويونس بن يزيد ومطر الوراق وعلي بن رفاعة ومسلم بن أبي الذيال والعوام بن جويرية وعقيل بن صبيح وكثير بن زياد وسودة بن أبي العالية ثم قال: رواه عن الحسن العدد الكثير من أهل مكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام ولعلهم يزيدون على الخمسين، ثم خرج طرقه الحافظ يوسف ابن خليل عن أكثر من ستين نفسا عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة، وسرد الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله بن منده في تذكرته أسماء من رواه عن الحسن فبلغوا مائة وثمانين نفسا وزيادة ثم قال: رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن سمرة عبد الله بن عمرو وأبو موسى وأبو الدرداء وأبو هريرة وأنس وعدي بن حاتم وعائشة وأم سلمة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري وعمران بن حصين انتهى. ولما أخرج الترمذي حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: "وفي الباب" فذكر الثمانية المذكورين أولا وأهمل خمسة، واستدركهم شيخنا في شرح الترمذي إلا ابن مسعود وابن عمر وزاد معاوية بن الحكم وعوف بن مالك الجشمي والد أبي الأحوص وأذينة والد عبد الرحمن فكملوا ستة عشر نفسا. قلت: أحاديث المذكورين كلها فيما يتعلق باليمين، وليس في حديث أحد منهم "لا تسأل الإمارة" لكن سأذكر من روى معنى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى. ولم يذكر ابن منده أن أحدا رواه عن عبد الرحمن بن سمرة غير الحسين، لكن ذكر عبد القادر أن محمد بن سيرين رواه عن عبد الرحمن، ثم أسند من طريق أبي عامر الخراز عن الحسن وابن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأل الإمارة" الحديث. وقال: غريب ما كتبته إلا من هذا الوجه، والمحفوظ رواية الحسن عن عبد الرحمن انتهى. وهذا مع ما في سنده من ضعف ليس فيه التصريح برواية ابن سيرين عن عبد الرحمن، وأخرجه يوسف بن خليل الحافظ من رواية عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الرحمن بن سمرة أورده من المعجم الأوسط للطبراني وهو في ترجمة محمد بن علي المروزي بسنده إلى عكرمة قال: كان اسم عبد الرحمن بن سمرة عبد كلوب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن فمر به وهو يتوضأ فقال: "تعال يا عبد الرحمن لا تطلب الإمارة" الحديث، وهذا لم يصرح فيه عكرمة بأنه حمله عن عبد الرحمن لكنه محتمل، قال الطبراني: لم يروه عن عكرمة إلا عبد الرحمن بن كيسان ولا عنه إلا ابنه إسحاق تفرد به أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب. قلت: عبد الله بن كيسان ضعفه أبو حاتم الرازي، وابنه إسحاق لينه أبو أحمد الحاكم. قوله: "عن عبد الرحمن بن سمرة" في رواية إبراهيم بن صدقة عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عبد الرحمن ابن سمرة وكان غزا معه كإبل شنؤة أو شنؤتين أخرجه أبو عوانة في صحيحه، وكذا للطبراني من طريق أبي حمزة إسحاق بن الربيع عن الحسن لكن بلفظ: "غزونا مع عبد الرحمن بن سمرة" وأخرجه أيضا من طريق علي بن زيد عن الحسن "حدثني عبد الرحمن بن سمرة" ومن طريق المبارك بن فضالة عن الحسن "حدثنا عبد الرحمن". قوله: "لا تسأل الإمارة" سيأتي شرحه في الأحكام إن شاء الله تعالى. قوله: "وإذا حلفت على يمين" تقدم توجيهه في الكلام على حديث أبي موسى قريبا في قوله: "لا أحلف على يمين" وقد اختلف فيما تضمنه حديث عبد الرحمن بن سمرة هل لأحد الحكمين تعلق بالآخر أو لا؟ فقيل: له به تعلق، وذلك أن أحد الشقين

(11/616)


أن يعطى الإمارة من غير مسألة فقد لا يكون له فيها أرب فيمتنع فيلزم فيحلف فأمر أن ينظر ثم يفعل الذي هو أولى فإن كان في الجانب الذي حلف على تركه فيحنث ويكفر، ويأتي مثله في الشق الآخر. قوله: "فرأيت غيرها" أي غير المحلوف عليه، وظاهر الكلام عود الضمير على اليمين، ولا يصح عوده على اليمين بمعناها الحقيقي بل بمعناها المجازي كما تقدم، والمراد بالرؤية هنا الاعتقادية لا البصرية، قال عياض: معناه إذا ظهر له أن الفعل أو الترك خير له في دنياه أو آخرته أو أوفق لمراده وشهوته ما لم يكن إثما. قلت: وقد وقع عند مسلم في حديث عدي بن حاتم "فرأى غيرها أتقى لله فليأت التقوى" وهو يشعر بقصر ذلك على ما فيه طاعة. وينقسم المأمور به أربعة أقسام إن كان المحلوف عليه فعلا فكان الترك أولى، أو كان محلوف عليه تركا فكان الفعل أولى، أو كان كل منهما فعلا وتركا لكن يدخل القسمان الأخيران في القسمين الأولين لأن من لازم فعل أحد الشيئين أو تركه ترك الآخر أو فعله. قوله: "فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" هكذا وقع للأكثر، وللكثير منهم "فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير" وقد ذكر قبل من رواه بلفظ: "ثم ائت الذي هو خير" ووقع في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود "فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذي هو خير فإن كفارتها تركها" فأشار أبو داود إلى ضعفه وقال: الأحاديث كلها "فليكفر عن يمينه" إلا شيئا لا يعبأ به كأنه يشير إلى حديث يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: "من حلف فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير فهو كفارته" ويحيى ضعيف جدا، وقد وقع في حديث عدي بن حاتم عند مسلم ما يوهم ذلك وأنه أخرجه بلفظ: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه" هكذا أخرجه من وجهين ولم يذكر الكفارة، ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ: "فرأى خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير" ومداره في الطرق كلها على عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طريفة عن عدي، والذي زاد ذلك حافظ فهو المعتمد، قال الشافعي: في الأمر بالكفارة مع تعمد الحنث دلالة على مشروعية الكفارة في اليمين الغموس لأنها يمين حانثة. واستدل به على أن الحالف يجب عليه فعل أي الأمرين كان أولى من المضي في حلفه أو الحنث والكفارة، وانفصل عنه من قال إن الأمر فيه للندب بما مضى في قصة الأعرابي الذي قال: "والله لا أزيد على هذا ولا أنقص" فقال: "أفلح إن صدق" فلم يأمره بالحنث والكفارة مع أن حلفه على ترك الزيادة مرجوح بالنسبة إلى فعلها.
"خاتمة": اشتمل كتاب الأيمان والنذور والكفارة والملحقة به من الأحاديث المرفوعة على مائة وسبعة وعشرين حديثا، المعلق منها فيه وفيما مضى ستة وعشرون والبقية موصولة، والمكرر منها فيه وفيما مضى مائة وخمسة عشر والخالص اثنا عشر، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة عن أبي بكر، وحديثها "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، وحديث ابن عباس في قصة أبي إسرائيل، وحديثه "أعوذ بعزتك" وحديث عبد الله بن عمرو في اليمين الغموس، وحديث ابن عمر في نذر وافق يوم عيد. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم عشرة آثار. والله المستعان.

(11/617)