Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المجلد الثاني عشر
فتح الباري - كتاب الفرائض
باب قول الله تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ...} الآية
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
85- كِتَاب الْفَرَائِضِ
1- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}
6723- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "مَرِضْتُ فَعَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَبَّ عَلَيَّ وَضُوءَهُ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ"
قوله: "كتاب الفرائض" جمع فريضة كحديقة وحدائق، والفريضة فعيلة بمعنى مفروضة مأخوذة من الفرض. وهو القطع، يقال فرضت لفلان كذا أي قطعت له شيئا من المال قاله الخطابي، وقيل هو من فرض القوس وهو الحز الذي في طرفيه حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه ولا يزول، وقيل الثاني خاص بفرائض الله وهي ما ألزم به عباده. وقال الراغب: الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى :{نَصِيباً مَفْرُوضاً} أي مقدرا أو معلوما أو مقطوعا عن غيرهم. قوله: "وقول الله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} أفاد السهيلي أن الحكمة في التعبير بلفظ الفعل المضارع لا بلفظ الفعل الماضي كما في قوله تعالى:{ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ}و{سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} الإشارة إلى أن هذه الآية ناسخة للوصية المكتوبة عليهم كما سيأتي بيانه قريبا في " باب ميراث الزوج: قال: وأضاف الفعل إلى اسم المظهر تنويها بالحكم وتعظيما له وقال: {فِي أَوْلادِكُمْ} ولم يقل بأولادكم إشارة إلى الأمر بالعدل فيهم، ولذلك لم يخص الوصية بالميراث بل أتى باللفظ عاما وهو كقوله:

(12/3)


"لا أشهد على جور" وأضاف الأولاد إليهم مع أنه الذي أوصى بهم إشارة إلى أنه أرحم بهم من آبائهم. قوله: "إلى قوله: {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}" كذا لأبي ذر، وأما غيره فساق الآية الأولى وقال بعد قوله عليما حكيما إلى قوله :{وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} وذكر فيه حديث جابر "مرضت فعادني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي "فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث" هكذا وقع في رواية قتيبة، وقد تقدم في تفسير سورة النساء أن مسلما أخرجه عن عمرو الناقد عن سفيان وهو ابن عيينة شيخ قتيبة فيه وزاد في آخره {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} وبينت هناك أن هذه الزيادة مدرجة وأن الصواب ما أخرجه الترمذي من طريق يحيى بن آدم عن ابن عيينة "حتى نزلت يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ" وأما قول البخاري في الترجمة "إلى والله عليم حليم" فأشار به إلى أن مراد جابر من آية الميراث قوله: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ} وقد سبق في آخر تفسير النساء ما أخرجه النسائي من وجه آخر عن جابر أن "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة" نزلت فيه، وقد أشكل ذلك قديما قال ابن العربي بعد أن ذكر الروايتين في إحداهما فنزلت يستفتونك وفي أخرى آية المواريث: هذا تعارض لم يتفق بيانه إلى الآن ثم أشار إلى ترجيح آية المواريث وتوهيم يستفتونك، ويظهر أن يقال أن كلا من الآيتين لما كان فيها ذكر الكلالة نزلت في ذلك، لكن الآية الأولى لما كانت الكلالة فيها خاصة بميراث الإخوة من الأم كما كان ابن مسعود يقرأ: "وله أخ أو أخت من أم" وكذا قرأ سعد بن أبي وقاص أخرجه البيهقي بسند صحيح استفتوا عن ميراث غيرهم من الإخوة فنزلت الأخيرة، فيصح أن كلا من الآيتين نزل في قصة جابر، لكن المتعلق به من الآية الأولى ما يتعلق بالكلالة، وأما سبب نزول أولها فورد من حديث جابر أيضا في قصة ابنتي سعد بن الربيع ومنع عمهما أن يرثا من أبيهما فنزلت يوصيكم الله الآية فقال للعم أعط ابنتي سعد الثلثين، وقد بينت سياقه من وجه آخر هناك وبالله التوفيق. قد وقع في بعض طرق حديث جابر المذكور في الصحيحين "فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة" وقوله: "فلم يجبني بشيء" استدل به على أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يجتهد، ورد بأنه لا يلزم من انتظاره الوحي في هذه القصة الخاصة عموم ذلك في كل قصة ولا سيما وهي في مسألة المواريث التي غالبها لا مجال للرأي فيه، سلمنا أنه كان يمكنه أن يجتهد فيها لكن لعله كان ينتظر الوحي أولا فإن لم ينزل اجتهد، فلا يدل على نفي الاجتهاد مطلقا.

(12/4)


2- باب تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ تَعَلَّمُوا قَبْلَ الظَّانِّينَ يَعْنِي الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ
6724- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا"
قوله: "باب تعليم الفرائض، وقال عقبة بن عامر: تعلموا قبل الظانين، يعني الذين يتكلمون بالظن" هذا الأثر لم أظفر به موصولا، وقوله: "قبل الظانين" فيه إشعار بأن أهل ذلك العصر كانوا يقفون عند النصوص ولا يتجاوزونها، وإن نقل عن بعضهم الفتوى بالرأي فهو قليل بالنسبة، وفيه إنذار بوقوع ما حصل من كثرة القائلين بالرأي. وقيل مراده قبل اندراس العلم وحدوث من يتكلم بمقتضى ظنه غير مستند إلى علم. قال ابن المنير: وإنما خص البخاري قول عقبة بالفرائض لأنها أدخل فيه من غيرها، لأن الفرائض الغالب عليها التعبد

(12/4)


وانحسام وجوه الرأي والخوض فيها بالظن لا انضباط له، بخلاف غيرها من أبواب العلم فإن للرأي فيها مجالا والانضباط فيها ممكن غالبا. ويؤخذ من هذا التقرير مناسبة الحديث المرفوع للترجمة. وقيل وجه المناسبة أن فيه إشارة إلى أن النهي عن العمل بالظن يتضمن الحث على العمل بالعلم وذلك فرع تعلمه، وعلم الفرائض يؤخذ غالبا بطريق العلم كما تقدم تقريره. وقال الكرماني: يحتمل أن يقال لما كان في الحديث: "وكونوا عباد الله إخوانا " يؤخذ منه تعلم الفرائض ليعلم الأخ الوارث من غيره، وقد ورد في الحث على تعلم الفرائض حديث ليس على شرط المصنف أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم من حديث ابن مسعود رفعه: "تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما " ورواته موثقون، إلا أنه اختلف فيه على عوف الأعرابي اختلافا كثيرا، فقال الترمذي: إنه مضطرب والاختلاف عليه أنه جاء عنه من طريق أبي مسعود، وجاء عنه من طريق أبي هريرة، وفي أسانيدها عنه أيضا اختلاف، ولفظه عند الترمذي من حديث أبي هريرة " تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم، وإنه أول ما ينزع من أمتي " وفي الباب عن أبي بكرة أخرجه الطبراني في " الأوسط " من طريق راشد الحماني عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه رفعه: "تعلموا القرآن والفرائض وعلموها الناس، أوشك أن يأتي على الناس زمان يختصم الرجلان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما " وراشد مقبول لكن الراوي عنه مجهول. وعن أبي سعيد الخدري بلفظ "تعلموا الفرائض وعلموها الناس " أخرجه الدار قطني من طريق عطية وهو ضعيف، وأخرج الدارمي عن عمر موقوفا " تعلموا الفرائض كما تعلمون القرآن " وفي لفظ عنه " تعلموا الفرائض فإنها من دينكم " وعن ابن مسعود موقوفا أيضا: "من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض " ورجالها ثقات إلا أن في أسانيدها انقطاعا، قال ابن الصلاح: لفظ النصف في هذا الحديث بمعنى أحد القسمين وإن لم يتساويا، وقد قال ابن عيينة إذ سئل عن ذلك: إنه يبتلى به كل الناس. وقال غيره: لأن لهم حالتين حالة حياة وحالة موت والفرائض تتعلق بأحكام الموت، وقيل لأن الأحكام تتلقى من النصوص ومن القياس والفرائض لا تتلقى إلا من النصوص كما تقدم. ثم ذكر حديث أبي هريرة "إياكم والظن" الحديث وقد تقدم من وجه آخر عن أبي هريرة في " باب ما ينهي عن التحاسد " في أوائل كتاب الأدب، وتقدم شرحه مستوفى وفيه بيان المراد بالظن هنا وأنه الذي لا يستند إلى أصل، ويدخل فيه ظن السوء بالمسلم، وابن طاوس المذكور في السند هو عبد الله.
وانحسام وجوه الرأي والخوض فيها بالظن لا انضباط له، بخلاف غيرها من أبواب العلم فإن للرأي فيها مجالا والانضباط فيها ممكن غالبا. ويؤخذ من هذا التقرير مناسبة الحديث المرفوع للترجمة. وقيل وجه المناسبة أن فيه إشارة إلى أن النهي عن العمل بالظن يتضمن الحث على العمل بالعلم وذلك فرع تعلمه، وعلم الفرائض يؤخذ غالبا بطريق العلم كما تقدم تقريره. وقال الكرماني: يحتمل أن يقال لما كان في الحديث: "وكونوا عباد الله إخوانا " يؤخذ منه تعلم الفرائض ليعلم الأخ الوارث من غيره، وقد ورد في الحث على تعلم الفرائض حديث ليس على شرط المصنف أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم من حديث ابن مسعود رفعه: "تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما " ورواته موثقون، إلا أنه اختلف فيه على عوف الأعرابي اختلافا كثيرا، فقال الترمذي: إنه مضطرب والاختلاف عليه أنه جاء عنه من طريق أبي مسعود، وجاء عنه من طريق أبي هريرة، وفي أسانيدها عنه أيضا اختلاف، ولفظه عند الترمذي من حديث أبي هريرة " تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم، وإنه أول ما ينزع من أمتي " وفي الباب عن أبي بكرة أخرجه الطبراني في " الأوسط " من طريق راشد الحماني عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه رفعه: "تعلموا القرآن والفرائض وعلموها الناس، أوشك أن يأتي على الناس زمان يختصم الرجلان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما " وراشد مقبول لكن الراوي عنه مجهول. وعن أبي سعيد الخدري بلفظ "تعلموا الفرائض وعلموها الناس " أخرجه الدار قطني من طريق عطية وهو ضعيف، وأخرج الدارمي عن عمر موقوفا " تعلموا الفرائض كما تعلمون القرآن " وفي لفظ عنه " تعلموا الفرائض فإنها من دينكم " وعن ابن مسعود موقوفا أيضا: "من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض " ورجالها ثقات إلا أن في أسانيدها انقطاعا، قال ابن الصلاح: لفظ النصف في هذا الحديث بمعنى أحد القسمين وإن لم يتساويا، وقد قال ابن عيينة إذ سئل عن ذلك: إنه يبتلى به كل الناس. وقال غيره: لأن لهم حالتين حالة حياة وحالة موت والفرائض تتعلق بأحكام الموت، وقيل لأن الأحكام تتلقى من النصوص ومن القياس والفرائض لا تتلقى إلا من النصوص كما تقدم. ثم ذكر حديث أبي هريرة "إياكم والظن" الحديث وقد تقدم من وجه آخر عن أبي هريرة في " باب ما ينهي عن التحاسد " في أوائل كتاب الأدب، وتقدم شرحه مستوفى وفيه بيان المراد بالظن هنا وأنه الذي لا يستند إلى أصل، ويدخل فيه ظن السوء بالمسلم، وابن طاوس المذكور في السند هو عبد الله.

(12/5)


باب قول النبي صلى الله عليه و سلم لا نورث ، ما تركنا صدقة
...
3 -باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ
6725- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ عَلَيْهِمَا السَّلاَم أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَيْهِمَا مِنْ فَدَكَ وَسَهْمَهُمَا مِنْ خَيْبَرَ
6726- فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ لاَ أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهِ إِلاَّ صَنَعْتُهُ، قَالَ فَهَجَرَتْهُ

(12/5)


فَاطِمَةُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ
6727- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ".
6728- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ فَأَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ قَالَ نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ عَبَّاسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا قَالَ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ فَقَالَ الرَّهْطُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "ذَلِكَ قَالاَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ إِلَى قَوْلِهِ قَدِيرٌ فَكَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلاَ اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيَاتَهُ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ قَالُوا نَعَمْ ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ قَالاَ نَعَمْ فَتَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَضَهَا فَعَمِلَ بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ وَلِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا مَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ وَأَتَانِي هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا فَقُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُمَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا.
6729- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ".

(12/6)


6730- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَلَيْسَ قَدْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" ؟
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا نورث ما تركنا صدقة" هو بالرفع أي المتروك عنا صدقة وادعى الشيعة أنه بالنصب على أن ما نافية ورد عليهم بأن الرواية ثابتة بالرفع، وعلى التنزل فيجوز النصب على تقدير حذف تقديره ما تركنا مبذول صدقة قاله ابن مالك، وينبغي الإضراب عنه والوقوف مع ما ثبتت به الرواية. وذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها حديث أبي بكر في ذلك وقصته مع فاطمة، قد مضى في فرض الخمس مشروحا وسياقه أتم مما هنا، وقوله فيه: "إنما يأكل آل محمد من هذا المال " كذا وقع وظاهره الحصر وأيهم لا يأكلون إلا من هذا المال، وليس ذلك مرادا وإنما المراد العكس وتوجيهه أن من للتبعيض والتقدير إنما يأكل آل محمد بعض هذا المال يعني بقدر حاجتهم وبقيته للمصالح. ثانيها حديث عائشة بلفظ الترجمة، وأورده آخر الباب بزيادة فيه. ثالثها حديث عمر في قصة علي والعباس مع عمر في منازعتهما في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه قول عمر لعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بي أبي وقاص والزبير بن العوام: هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث ما تركنا صدقة " يريد نفسه؟ فقالوا: قد قال ذلك. وفيه أنه قال مثله لعلي وللعباس فقالا كذلك الحديث بطوله، وقد مضى مطولا في فرض الخمس وذكر شرحه هناك. "تنبيهات": الراء من قوله: "لا نورث " بالفتح في الرواية، ولو روي بالكسر لصح المعنى أيضا، وقوله: فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة، وقوله: لقد أعطاكموه " أي المال في رواية الكشميهني: أعطاكموها أي الخالصة له، وقوله: "فوالله الذي بإذنه" في رواية الكشميهني بحذف الجلالة. رابعها حديث أبي هريرة وإسماعيل شيخه هو ابن أبي أويس المدني ابن أخت مالك وقد أكثر عنه، وأما إسماعيل بن أبان شيخه في الحديث الذي قبله بحديث فلا رواية له عن مالك. قوله: "لا يقتسم" كذا لأبي ذر عن غير الكشميهني وللباقين "لا يقسم" بحذف التاء الثانية، قال ابن التين: الرواية في الموطأ وكذا قرأته في البخاري برفع الميم على أنه خبر والمعنى ليس يقسم، ورواه بعضهم بالجزم كأنه نهاهم إن خلف شيئا لا يقسم بعده، فلا تعارض بين هذا وما تقدم في الوصايا من حديث عمرو بن الحارث الخزاعي "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما" ويحتمل أن يكون الخبر بمعنى النهي فيتحد معنى الروايتين، ويستفاد من رواية الرفع أنه أخبر أنه لا يخلف شيئا مما جرت العادة بقسمته كالذهب والفضة وأن الذي يخلفه من غيرهما لا يقسم أيضا بطريق الإرث بل تقسم منافعه لمن ذكر. قوله: "ورثتي" أي بالقوة لو كنت ممن يورث، أو المراد لا يقسم مال تركه لجهة الإرث فأتى بلفظ: "ورثتي " ليكون الحكم معللا بما به الاشتقاق وهو الإرث، فالمنفي اقتسامهم بالإرث عنه قاله السبكي الكبير. قوله: "ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة" تقدم الكلام على المراد بقوله: "عاملي" في أوائل فرض الخمس مع شرح الحديث وحكيت فيه ثلاثة أقوال، ثم وجدت في "الخصائص لابن دحية " حكاية قول رابع أن المراد خادمه وعبر عن العامل على الصدقة بالعامل على النخل وزاد أيضا وقيل الأجير،

(12/7)


ويتحصل من المجموع خمسة أقوال: الخليفة والصانع والناظر والخادم وحافر قبره عليه الصلاة والسلام، وهذا إن كان المراد بالخادم الجنس، وإلا فإن كان الضمير للنخل فيتحد مع الصانع أو الناظر، وقد ترجم المصنف عليه في أواخر الوصايا " باب نفقة قيم الوقف " وفيه إشارة إلى ترجيح حمل العامل على الناظر. ومما يسأل عنه تخصيص النساء بالنفقة والمؤنة بالعامل وهل بينهما مغايرة؟ وقد أجاب عنه السبكي الكبير بأن المؤنة في اللغة القيام بالكفاية والإنفاق بذل القوت، قال: وهذا يقتضي أن النفقة دون المؤنة، والسر في التخصيص المذكور الإشارة إلى أن أزواجه صلى الله عليه وسلم لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كان لا بد لهن من القوت فاقتصر على ما يدل عليه، والعامل لما كان في صورة الأجير فيحتاج إلى ما يكفيه اقتصر على ما يدل عليه انتهى ملخصا، ويؤيده قول أبي بكر الصديق " إن حرفتي كانت تكفي عائلتي فاشتغلت عن ذلك بأمر المسلمين " فجعلوا له قدر كفايته. ثم قال السبكي: لا يعترض بأن عمر كان فضل عائشة في العطاء لأنه علل ذلك بمزيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها. قلت: وهذا ليس مما بدأ به لأن قسمة عمر كانت من الفتوح، وأما ما يتعلق بحديث الباب ففيما يتعلق بما خلفه النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يبدأ منه بما ذكر، وأفاد رحمه الله أنه يدخل في لفظ: "نفقة نسائي " كسوتهن وسائر اللوازم وهو كما قال، ومن ثم استمرت المساكن التي كن فيها قبل وفاته صلى الله عليه وسلم كل واحدة باسم التي كانت فيه، وقد تقدم تقرير ذلك في أول فرض الخمس، وإذا انضم قوله: "إن الذي تخلفه صدقة" إلى أن آله تحرم عليهم الصدقة تحقق قوله: "لا نورث" وفي قول عمر "يريد نفسه" إشارة إلى أن النون في قوله: "نورث" للمتكلم خاصة لا للجمع، وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ: "نحن " لكن أخرجه النسائي من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد بلفظ: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" الحديث أخرجه عن محمد ابن منصور عن ابن عيينة عنه، وهو كذلك في مسند الحميدي عن ابن عيينة وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه. وأورده الهيثم بن كليب في مسنده من حديث أبي بكر الصديق باللفظ المذكور، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" بنحو اللفظ المذكور، وأخرجه الدار قطني في "العلل" من رواية أم هانئ عن فاطمة عليها السلام عن أبي بكر الصديق بلفظ: "إن الأنبياء لا يورثون" قال ابن بطال وغيره: ووجه ذلك والله أعلم أن الله بعثهم مبلغين رسالته وأمرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجرا كما قال: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} وقال نوح وهود وغيرهما نحو ذلك، فكانت الحكمة في أن لا يورثوا لئلا يظن أنهم جمعوا المال لوارثهم، قال: وقوله تعالى :{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} حمله أهل العلم بالتأويل على العلم والحكمة، وكذا قول زكريا {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي} وقد حكى ابن عبد البر أن للعلماء في ذلك قولين وأن الأكثر على أن الأنبياء لا يورثون، وذكر أن ممن قال بذلك من الفقهاء إبراهيم بن إسماعيل بن علية، ونقله عن الحسن البصري عياض في" شرح مسلم: "وأخرج الطبري من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله تعالى حكاية عن زكريا {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ} قال: العصبة. ومن قوله: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي} قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، ومن طريق قتادة عن الحسن نحوه لكن لم يذكر المال، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن رفعه مرسلا " رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من يرث ماله". قلت: وعلى تقدير تسليم القود المذكور فلا معارض من القرآن لقول نبينا عليه الصلاة والسلام "لا نورث ما تركنا صدقة" فيكون ذلك من

(12/8)


خصائصه التي أكرم بها، بل قول عمر "يريد نفسه" يؤيد اختصاصه بذلك، وأما عموم قوله تعالى :{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} إلخ فأجيب عنها بأنها عامة فيمن ترك شيئا كان يملكه، وإذا ثبت أنه وقفه قبل موته فلم يخلف ما يورث عنه فلم يورث، وعلى تقدير أنه خلف شيئا مما كان يملكه فدخوله في الخطاب قابل للتخصيص لما عرف من كثرة خصائصه، وقد اشتهر عنه أنه لا يورث فظهر تخصيصه بذلك دون الناس. وقيل الحكمة في كونه لا يورث حسم المادة في تمني الوارث موت المورث من أجل المال، وقيل لكون النبي كالأب لأمته فيكون ميراثه للجميع، وهذا معنى الصدقة العامة. وقال ابن المنير في الحاشية: يستفاد من الحديث أن من قال داري صدقة لا تورث أنها تكون حبسا ولا يحتاج إلى التصريح بالوقف أو الحبس، وهو حسن لكن هل يكون ذلك صريحا أو كناية؟ يحتاج إلى نية، وفي حديث أبي هريرة دلالة على صحة وقف المنقولات وأن الوقف لا يختص بالعقار لعموم قوله: "ما تركت بعد نفقة نسائي " إلخ. ذكر حديث عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركنا صدقة" أورده من رواية مالك عن ابن شهاب عن عروة، وهذا الحديث في الموطأ ووقع في رواية ابن وهب عن مالك حدثني ابن شهاب، وفي الموطأ للدار قطني من طريق القعنبي "يسألنه ثمنهن" وكذا أخرجه من طريق جويرية بن أسماء عن مالك. وفي الموطأ أيضا أرسلن عثمان بن عفان إلى أبي بكر الصديق، وفيه فقالت لهن عائشة وفيه: "ما تركنا فهو صدقة" وظاهر سياقه أنه من مسند عائشة، وقد رواه إسحاق بن محمد الفروي عن مالك بهذا السند عن عائشة عن أبي بكر الصديق أورده الدار قطني في الغرائب وأشار إلى أنه تفرد بزيادة أبي بكر في مسنده، وهذا يوافق رواية معمر عن ابن شهاب المذكورة في أول هذا الباب فإن فيه عن عائشة أن أبا بكر قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "فذكره، فيحتمل أن تكون عائشة سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه أبوها ويحتمل أن تكون إنما سمعته من أبيها عن النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلته عن النبي صلى الله عليه وسلم لما طالب الأزواج ذلك والله أعلم.

(12/9)


باب قول النبي صلى الله عليه و سلم (( من ترك مالا فلأهله ))
...
4 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ"
6731- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ".
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: من ترك مالا فلأهله" هذه الترجمة لفظ الحديث المذكور في الباب من طريق أخرى عن أبي سلمة، وأخرجه الترمذي في أول كتاب الفرائض من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة بهذا اللفظ، وبعده "ومن ترك ضياعا فإلي" وقال بعده: رواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أطول من هذا. قوله في السند "عبد الله" هو ابن المبارك ويونس هو ابن يزيد، وقد بينت في الكفالة الاختلاف على الزهري في صحابية وأن معمرا انفرد عنه بقوله: "عن جابر" بدل "أبي هريرة". قوله: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم" هكذا أورد، مختصرا، وتقدم في الكفالة من طريق عقيل عن ابن شهاب بذكر سببه في أوله ولفظه:

(12/9)


إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتي بالرجل المتوفى عليه الدين فيقول: "هل ترك لدينه قضاء؟ فإن قيل نعم صلى عليه، وإلا قال: صلوا على صاحبكم. فلما فتح الله عليه الفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم" الحديث، وتقدم في الفرض وفي تفسير الأحزاب من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة بلفظ: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} " الحديث وفي حديث جابر عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه" وقوله هنا "فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه" يخص ما أطلق في رواية عقيل بلفظ: "فمن توفي من المؤمنين وترك دينا فعلي قضاؤه " وكذا قوله في الرواية الأخرى في تفسير الأحزاب " فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه أو وليه " فعرف أنه مخصوص بمن لم يترك وفاء، وقوله: "فليأتني " أي من يقوم مقامه في السعي في وفاء دينه، أو المراد صاحب الدين، وأما الضمير في قوله: "مولاه " فهو للميت المذكور، وسيأتي بعد قليل من رواية أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "فأنا وليه فلا دعي له " وقد تقدم شرح ما يتعلق بهذا الشق في الكفالة وبيان الحكمة في ترك الصلاة على من مات وعليه دين بلا وفاء وأنه كان إذا وجد من يتكفل بوفائه صلى عليه وأن ذلك كان قبل أن يفتح الفتوح كما في رواية عقيل، وهل كان ذلك من خصائصه أو يجب على ولاة الأمر بعده؟ والراجح الاستمرار، لكن وجوب الوفاء. إنما هو من مال المصالح. ونقل ابن بطال وغيره أنه كان صلى الله عليه وسلم يتبرع بذلك، وعلى هذا لا يجب على من بعده، وعلى الأول قال ابن بطال: فإن لم يعط الإمام عنه من بيت المال لم يحبس عن دخول الجنة لأنه يستحق القدر الذي عليه في بيت المال ما لم يكن دينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال مثلا. قلت: والذي يظهر أن ذلك يدخل في المقاصة، وهو كمن له حق وعليه حق، وقد مضى أنهم إذا خلصوا من الصراط حبسوا عند قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون المظالم حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فيحمل قوله لا يحبس أي معذبا مثلا والله أعلم. قوله: "ومن ترك مالا فلورثته" أي فهو لورثته وثبتت كذلك هنا في رواية الكشميهني وكذا لمسلم. وفي رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة " فليرثه عصبته من كانوا " ولمسلم من طريق الأعرج عن أبي هريرة " فإلى العصبة من كان " وسيأتي بعد قليل من رواية عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "فما له لموالي العصبة " أي أولياء العصبة، قال الداودي: المراد بالعصبة هنا الورثة لا من يرث بالتعصيب، لأن العاصب في الاصطلاح من له سهم مقدر من المجمع على توريثهم ويرث كل المال إذا انفرد ويرث ما فضل بعد الفروض بالتعصيب، وقيل المراد بالعصبة هنا قرابة الرجل وهم من يلتقي مع الميت في أب ولو علا، سموا بذلك لأنهم يحيطون به يقال عصب الرجل بفلان أحاط به ومن ثم قيل تعصب لفلان أي أحاط به. وقال الكرماني: المراد العصبة بعد أصحاب الفروض، قال: ويؤخذ حكم أصحاب الفروض من ذكر العصبة بطريق الأولى، ويشير إلى ذلك قوله: "من كانوا " فإنه يتناول أنواع المنتسبين إليه بالنفس أو بالغير، قال ويحتمل أن تكون من شرطية.

(12/10)


باب ميراث الولد من أبيه و أمه
...
5- باب مِيرَاثِ الْوَلَدِ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِذَا تَرَكَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ بِنْتًا فَلَهَا النِّصْفُ وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ بُدِئَ بِمَنْ شَرِكَهُمْ فَيُؤْتَى فَرِيضَتَهُ فَمَا بَقِيَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ

(12/10)


6732- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"
[الحديث 6732- أطرافه في: 6735 ، 6737 ، 6746]
قوله: "باب ميراث الولد من أبيه وأمه" لفظ الولد أعم من الذكر والأنثى ويطلق على الولد للصلب وعلى ولد الولد وإن سفل، قال ابن عبد البر: أصل ما بنى عليه مالك والشافعي وأهل الحجاز ومن وافقهم في الفرائض قول زيد بن ثابت، وأصل ما بنى عليه أهل العراق ومن وافقهم فيها قول علي بن أبي طالب، وكل من الفريقين لا يخالف قول صاحبه إلا في اليسير النادر إذا ظهر له مما يجب عليه الانقياد إليه. قوله: "وقال زيد بن ثابت إلخ" وصله سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة ابن زيد بن ثابت عن أبيه فذكر مثله سواء إلا أنه قال بعد قوله وإن كان معهن ذكر فلا فريضة لأحد منهن ويبدأ بمن شركهم فيعطى فريضته فما بقي بعد ذلك فللذكر مثل حظ الأنثيين، قال ابن بطال: قوله: "وإن كان معهن قال شركهم ولم يقل شركهن فيعطى الأب مثلا فرضه ويقسم ما بقي بين الابن والبنات للذكر مثل حظ الأنثيين، قال: وهذا تأويل حديث الباب وهو قوله ألحقوا الفرائض بأهلها. قوله: "ابن طاوس" هو عبد الله. قوله: "عن ابن عباس" قيل تفرد وهيب بوصله، ورواه الثوري عن ابن طاوس لم يذكر ابن عباس بل أرسله أخرجه النسائي والطحاوي وأشار النسائي إلى ترجيح الإرسال ورجح عند صاحبي " صحيح الموصول " لمتابعة روح بن القاسم وهيبا عندهما ويحيى بن أيوب عند مسلم وزياد بن سعد وصالح عند الدار قطني، واختلف على معمر فرواه عبد الرزاق عنه موصولا أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه ورواه عبد الله بن المبارك عن معمر والثوري جميعا مرسلا أخرجه الطحاوي، ويحتمل أن يكون حمل رواية معمر على رواية الثوري وإنما صححاه لأن الثوري وإن كان أحفظ منهم لكن العدد الكثير يقاومه، وإذا تعارض الوصل والإرسال ولم يرجح أحد الطريقين قدم الوصل والله أعلم. قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها" المراد بالفرائض هنا الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى وهي النصف ونصفه ونصف نصفه والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما والمراد بأهلها من يستحقها بنص القرآن، ووقع في رواية روح ابن القاسم عن ابن طاوس " اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله " أي على وفق ما أنزل في كتابه. قوله: "فما بقي" في رواية روح بن القاسم فما تركت أي أبقت. قوله: "فهو لأولى" في رواية الكشميهني: "فلأولى " بفتح الهمزة واللام بينهما واو ساكنة أفعل تفضيل من الولي بسكون اللام وهو القرب، أي لمن يكون أقرب في النسب إلى المورث، وليس المراد هنا الأحق، وقد حكى عياض أن في رواية ابن الحذاء عن ابن ماهان في مسلم: "فهو لأدنى " بدال ونون وهي بمعنى الأقرب، قال الخطابي: المعنى أقرب رجل من العصبة. وقال ابن بطال: المراد بأولى رجل أن الرجال من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو أبعد فإن استووا اشتركوا، قال: ولم يقصد في هذا الحديث من يدلي بالآباء والأمهات مثلا لأنه ليس فيهم من هو أولى من غيره إذا استووا في المنزلة، كذا قال ابن المنير. وقال ابن التين إنما المراد به العمة مع العم وبنت الأخ مع ابن الأخ وبنت العم مع

(12/11)


ابن العم وخرج من ذلك الأخ والأخت لأبوين أو لأب فإنهم يرثون بنص قوله تعالى :{وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} ويستثنى من ذلك من يحجب كالأخ للأب مع البنت والأخت الشقيقة وكذا يخرج الأخ والأخت لأم لقوله تعالى :{فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} وقد نقل الإجماع على أن المراد بها الأخوة من الأم، وسيأتي مزيد في هذا في. "باب ابني عم أحدهما أخ لأم والآخر زوج". قوله: "رجل ذكر" هكذا في جميع الروايات، ووقع في كتب الفقهاء كصاحب النهاية وتلميذه الغزالي " فلأولى عصبة ذكر " قال ابن الجوزي والمنذري: هذه اللفظة ليست محفوظة، وقال ابن الصلاح: فيها بعد عن الصحة من حيث اللغة فضلا عن الرواية فإن العصبة في اللغة اسم للجمع لا للواحد، كذا قال والذي يظهر أنه اسم جنس، ويدل عليه ما وقع في بعض طرق حديث أبي هريرة الذي في الباب قبله " فليرثه عصبته من كانوا " قال ابن دقيق العيد: قد استشكل بأن الأخوات عصبات البنات والحديث يقتضي اشتراط الذكورة في العصبة المستحق للباقي بعد الفروض، والجواب أنه من طريق المفهوم، وقد اختلف هل له عموم؟ وعلى التنزل فيخص بالخبر الدال على أن الأخوات عصبات البنات، وقد استشكل التعبير بذكر بعد التعبير برجل فقال الخطابي: إنما كرر للبيان في نعته بالذكورة ليعلم أن العصبة إذا كان عما أو ابن عم مثلا وكان معه أخت له أن الأخت لا ترث ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وتعقب بأن هذا ظاهر من التعبير بقوله: "رجل " والإشكال باق إلا أن كلامه ينحل إلى أنه للتأكيد، وبه جزم غيره كابن التين قال: ومثله ابن لبون ذكر، وزيفه القرطبي فقال: قيل إنه للتأكيد اللفظي، ورد بأن العرب إنما تؤكد حيث يفيد فائدة إما تعين المعنى في النفس وإما رفع توهم المجاز وليس ذلك موجوداً هنا. وقال غيره: هذا التوكيد لمتعلق الحكم وهو الذكورة، لأن الرجل قد يراد به معنى النجدة والقوة في الأمر، فقد حكى سيبويه مررت برجل رجل أبوه فلهذا احتاج الكلام إلى زيادة التوكيد بذكر حتى لا يظن أن المراد به خصوص البالغ، وقيل خشية أن يظن بلفظ رجل الشخص وهو أعم من الذكر والأنثى. وقال ابن العربي: في قوله ذكر الإحاطة بالميراث إنما تكون للذكر دون الأنثى، ولا: يرد قول من قال إن البنت تأخذ جميع المال لأنها إنما تأخذه بسببين متغايرين والإحاطة مختصة بالسبب الواحد وليس إلا الذكر فلهذا نبه عليه بذكر الذكورية، قال: وهذا لا يتفطن له كل مدع. وقيل إنه احتراز عن الخنثى في الموضعين فلا تؤخذ الخنثى في الزكاة ولا يحرز الخنثى المال إذا انفرد، وقيل للاعتناء بالجنس، وقيل للإشارة إلى الكمال في ذلك كما يقال امرأة أنثى، وقيل لنفي توهم اشتراك الأنثى معه لئلا يحمل على التغليب، وقيل ذكر تنبيها على سبب الاستحقاق بالعصوبة وسبب الترجيح في الإرث ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين وحكمته أن الرجال تلحقهم المؤن كالقيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين ومواساة السائلين وتحمل الغرامات وغير ذلك، هكذا قال النووي، وسبقه القاضي عياض فقال: قيل هو على معنى اختصاص الرجال بالتعصيب بالذكورية التي بها القيام على الإناث، وأصله للمازري فإنه قال بعد أن ذكر استشكال ما ورد في هذا وهو رجل ذكر وفي الزكاة ابن لبون ذكر قال والذي يظهر لي أن قاعدة الشرع في الزكاة الانتقال من سن إلى أعلى منها ومن عدد إلى أكثر منه وقد جعل في خمسة وعشرين بنت مخاض وسنا أعلى منها وهو ابن لبون فقد يتخيل أنه على خلاف القاعدة وأن السنين كالسن الواحد لأن ابن اللبون أعلى سنا لكنه أدنى قدرا فنبه بقوله ذكر على أن الذكورية تبخسه حتى يصير مساويا لبنت مخاض مع كونها أصغر سنا منه، وأما في الفرائض

(12/12)


فلما علم أن الرجال هم القائمون بالأمور وفيهم معنى التعصيب وترى لهم العرب ما لا ترى للنساء فعبر بلفظ ذكر إشارة إلى العلة التي لأجلها اختص بذلك، فهما وإن اشتركا في أن السبب في وصف كل منهما بذكر التنبيه على ذلك لكن متعلق التنبيه فيهما مختلف، فإنه في ابن اللبون إشارة إلى النقص وفي الرجل إشارة إلى الفضل، وهذا قد لخصه القرطبي وارتضاه. وقيل إنه وصف لأولى لا لرجل قاله السهيلي وأطال في تقريره وتبجح به فقال: هذا الحديث أصل في الفرائض وفيه إشكال وقد تلقاه الناس أو أكثرهم على وجه لا تصح إضافته إلى من أوتى جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا فقالوا: هو نعت لرجل، وهذا لا يصح لعدم الفائدة لأنه لا يتصور أن يكون الرجل إلا ذكرا وكلامه أجل من أن يشتمل على حشو لا فائدة فيه ولا يتعلق به حكم، ولو كان كما زعموا لنقص فقه الحديث لأنه لا يكون فيه بيان حكم الطفل الذي لم يبلغ سن الرجولية، وقد اتفقوا على أن الميراث يجب له ولو كان ابن ساعة فلا فائدة في تخصيصه بالبالغ دون الصغير، قال: والحديث إنما سبق لبيان من يستحق الميراث من القرابة بعد أصحاب السهام، ولو كان كما زعموا لم يكن فيه تفرقة بين قرابة الأب وقرابة الأم، قال فإذا ثبت هذا فقوله: "أولى رجل ذكر " يريد القريب في النسب الذي قرابته من قبل رجل وصلب لا من قبل بطن ورحم، فالأولى هنا هو ولي الميت فهو مضاف إليه في المعنى دون اللفظ وهو في اللفظ مضاف إلى النسب وهو الصلب فعبر عن الصلب بقوله: "أولى رجل" لأن الصلب لا يكون إلا رجلا فأفاد بقوله: "لأولى رجل" نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قبل الأم كالخال، وأفاد بقوله: "ذكر" نفي الميراث عن النساء وإن كن من المدلين إلى الميت من قبل صلب لأنهن إناث، قال: وسبب الإشكال من وجهين أحدهما أنه لما كان مخفوضا ظن نعتا لرجل ولو كان مرفوعا لم يشكل كأن يقال فوارثه أولى رجل ذكر، والثاني أنه جاء بلفظ أفعل وهذا الوزن إذا أريد به التفضيل كان بعض ما يضاف إليه كفلان أعلم إنسان فمعناه أعلم الناس فتوهم أن المراد بقوله: "أولى رجل" أولى الرجال وليس كذلك وإنما هو أولى الميت بإضافته النسب وأولى صلب بإضافته كما تقول هو أخوك أخو الرخاء لا أخو البلاء، قال: فالأولى في الحديث كالولي. فإن قيل كيف يضاف للواحد وليس بجزء منه؟ فالجواب إذا كان معناه الأقرب في النسب جازت إضافته وإن لم يكن جزءا منه كقوله صلى الله عليه وسلم في البر "بر أمك ثم أباك ثم أدناك " قال وعلى هذا فيكون في هذا الكلام الموجز من المتانة وكثرة المعاني ما ليس في غيره، فالحمد لله الذي وفق وأعان انتهى كلامه. ولا يخلو من استغلاق. وقد لخصه الكرماني فقال: ذكر صفة لأولى لا لرجل، والأولى بمعنى القريب الأقرب فكأنه قال: فهو لقريب الميت ذكر من جهة رجل وصلب لا من جهة بطن ورحم، فالأولى من حيث المعنى مضاف إلى الميت، وأشير بذكر الرجل إلى الأولوية فأفاد بذلك نفي الميراث عن الأولى الذي من جهة الأم كالخال، وبقوله ذكر نفيه عن النساء بالعصوبة وإن كن من المدلين للميت من جهة الصلب انتهى. وقد أوردته كما وجدته ولم أحذف منه إلا أمثلة أطال بها وكلمات طويلة تبجح بها بسبب ما ظهر له من ذلك، والعلم عند الله تعالى. قال النووي: أجمعوا على أن الذي يبقى بعد الفروض للعصبة يقدم الأقرب فالأقرب فلا يرث عاصب بعيد مع عاصب قريب، والعصبة كل ذكر يدلي بنفسه بالقرابة ليس بينه وبين الميت أنثى، فمتى انفرد أخذ جميع المال، وإن كان مع ذوي فروض غير مستغرقين أخذ ما بقي وإن كان مع مستغرقين فلا شيء له. قال القرطبي: وأما تسمية الفقهاء الأخت مع البنت عصبة فعلى سبيل التجوز لأنها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت

(12/13)


العاصب، قلت: وقد ترجم البخاري بذلك كما سيأتي قريبا. قال الطحاوي: استدل قوم - يعني ابن عباس ومن تبعه - بحديث ابن عباس على أن من خلف بنتا وأخا شقيقا وأختا شقيقة كان لابنته النصف وما بقي لأخيه ولا شيء لأخته ولو كانت شقيقة، وطردوا ذلك فيما لو كان مع الأخت الشقيقة عصبة فقالوا لا شيء لها مع البنت بل الذي يبقى بعد البنت للعصبة ولو بعدوا، واحتجوا أيضا بقوله تعالى:{ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} قالوا: فمن أعطى الأخت مع البنت خالف ظاهر القرآن. قال: واستدل عليهم بالاتفاق على أن من ترك بنتا وابن ابن وبنت ابن متساويين أن للبنت النصف وما بقي بين ابن الابن وبنت الابن ولم يخصوا ابن الابن بما بقي لكونه ذكرا بل ورثوا معه شقيقته وهي أنثى، قال فعلم بذلك أن حديث ابن عباس ليس على عمومه بل هو في شيء خاص وهو ما إذا ترك بنتا وعما وعمة فإن للبنت النصف وما بقي للعم دون العمة إجماعا قال: فاقتضى النظر ترجيح إلحاق الأخت مع الأخ بالابن والبنت لا بالعم والعمة، لأن الميت لو لم يترك إلا أخا وأختا شقيقتين فالمال بينهما، فكذلك لو ترك ابن ابن وبنت ابن، بخلاف ما لو ترك عما وعمة فإن المال كله للعم دون العمة باتفاقهم، قال: وأما الجواب عما احتجوا به من الآية فهو أنهم أجمعوا على أن الميت لو ترك بنتا وأخا لأب كان للبنت النصف وما بقي للأخ، وأن معنى قوله تعالى :{لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} إنما هو ولد يحوز المال كله لا الولد الذي لا يحوز، وأقرب العصبات البنون ثم بنوهم وإن سفلوا ثم الأب ثم الجد والأخ إذا انفرد واحد منهما، فإن اجتمعا فسيأتي حكمه، ثم بنو الإخوة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا ومن أدلى بأبوين يقدم على من أدلى بأب لكن يقدم الأخ من الأب على ابن الأخ من الأبوين ويقدم ابن أخ لأب على عم لأبوين ويقدم عم لأب على ابن عم لأبوين، واستدل به البخاري على أن ابن الابن يحوز المال إذا لم يكن دونه ابن وعلى أن الجد يرث جميع المال. إذا لم يكن دونه أب وعلى أن الأخ من الأم إذا كان ابن عم يرث بالفرض والتعصيب، وسيأتي جميع ذلك والبحث فيه.

(12/14)


6- باب مِيرَاثِ الْبَنَاتِ
6733- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرِضْتُ بِمَكَّةَ مَرَضًا فَأَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَأَتَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَتِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ "قَالَ: لاَ"، قَالَ: قُلْتُ فَالشَّطْرُ، "قَالَ: لاَ" قُلْتُ: الثُّلُثُ قَالَ: "الثُّلُثُ كَبِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَ وَلَدَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ" فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ آأُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي فَقَالَ: "لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً وَلَعَلَّ أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ" قَالَ سُفْيَانُ: وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ

(12/14)


6734- حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ شَيْبَانُ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: "أَتَانَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ مُعَلِّمًا وَأَمِيرًا فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ فَأَعْطَى الِابْنَةَ النِّصْفَ وَالأُخْتَ النِّصْفَ"
[الحديث 6734- طرفه في: 6741]
قوله: "باب ميراث البنات" الأصل فيه كما تقدم في أول كتاب الفرائض قوله تعالى :{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} وقد تقدمت الإشارة إليه وإلى سبب نزولها وأن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون البنات كما حكاه أبو جعفر بن حبيب في "كتاب المحبر" وحكى أن بعض عقلاء الجاهلية ورث البنت لكن سوى بينها وبين الذكر وهو عامر بن جشم بضم الجيم وفتح المعجمة، وقد تمسك بالسبب المذكور من أجاب عن السؤال المشهور في قوله تعالى :{فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} حيث قيل ذكر في الآية حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن دون الانفراد وذكر حكم البنت الواحدة في الحالين وكذا حكم ما زاد على البنتين، وقد انفرد ابن عباس بان حكمهما حكم الواحدة وأبى ذلك الجمهور، واختلف في مأخذهم فقيل حكمهما حكم الثلاث فما زاد، ودليله بيان السنة فإن الآية لما كانت محتملة بينت السنة أن حكمهما حكم ما زاد عليهما، وذلك واضح في سبب النزول فإن العم لما منع البنتين من الإرث وشكت ذلك أمهما قال صلى الله عليه وسلم لها " يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل إلى العم فقال: "أعط بنتي سعد الثلثين " فلا يرد على ذلك أنه يلزم منه نسخ الكتاب بالسنة فإنه بيان لا نسخ، وقيل بالقياس على الأختين وهما أولى لما يختص بهما من أنهما أمس رحما بالميت من أختيه فلا يقصر بهما عنهما، وقيل إن لفظ: "فوق" في الآية مقحم وهو غلط، وقال المبرد: يؤخذ من جهة أن أقل عدد يجتمع فيه الصنفان ذكر وأنثى فإن كان للواحدة الثلث كان للبنتين الثلثان، وقال إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن": يؤخذ ذلك من قوله تعالى :{لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} لأنه يقتضي أنه إذا كان ذكر وأنثى فللذكر الثلثان وللأنثى الثلث، فإذا استحقت الثلث مع الذكر فاستحقاقها الثلث مع أنثى مثلها بطريق الأولى. وقال السهيلي: يؤخذ ذلك من المجيء بلام التعريف التي للجنس في قوله: "حظ الأنثيين، فإنه يدل على أنهما استحقا الثلثين وأن الواحدة لها مع الذكر الثلث، وكان ظاهر ذلك أنهن لو كن ثلاثا لاستوعبن المال فلذلك ذكر حكم الثلاث فما زاد واستغنى عن إعادة حكم الأنثيين لأنه قد تقدم بدلالة اللفظ. وقال صاحب "الكشاف": وجهه أن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة فالثنتان كذلك يحوزان الثلثين، فلما ذكر ما دل على حكم الثنتين ذكر بعده حكم ما فوق الثنتين وهو منتزع من كلام القاضي، وقرر الطيبي فقال: اعتبر القاضي الفاء في قوله تعالى :{فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً} لأن مفهوم ترتيب الفاء ومفهوم الوصف في قوله: {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} مشعران بذلك، فكأنه لما قال: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} علم بحسب الظاهر من عبارة النص حكم الذكر مع الأنثى إذا اجتمعا، وفهم منه بحسب إشارة النص حكم الثنتين لأن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة فالثنتان يحوزان الثلثين، ثم أراد أن يعلم حكم ما زاد على الثنتين فقال: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} فمن نظر إلى عبارة النص قال أريد حالة الاجتماع دون الانفراد، ومن نظر إلى إشارة النص قال إن حكم الثنتين حكم الذكر مطلقا. واعترض على هذا التقرير بأنه ثبت بما ذكر أن لهما الثلثين في صورة

(12/15)


ما، وليست هي صورة الاجتماع دائما إذ ليس للبنتين مع الابن الثلثان، والجواب عنه عسر إلا إن انضم إليه أن الحديث بين ذلك، ويعتذر عن ابن عباس بأنه لم يبلغه فوقف مع ظاهر الآية وفهم أن قوله: {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} لانتفاء الزيادة على الثلثين لا لإثبات ذلك للثنتين، وكذا يرد على جواب السهيلي أن الاثنتين لا يستمر الثلثان حظهما في كل صورة والله أعلم. ذكر المصنف في الباب حديث سعد بن أبي وقاص في الوصية بالثلث، وقد مضى شرحه مستوفى في الوصايا، والغرض منه قوله: "وليس يرثني إلا ابنتي " وقد تقدم أن الذي نفاه سعد أولاده وإلا فقد كان له من العصبات من يرثه، وحديث معاذ في توريث البنت والأخت سيأتي شرحه قريبا في " باب ميراث الأخوات مع البنات " من وجه آخر عن الأسود، وأبو النضر المذكور في سنده هو هشام بن هارون في القاسم وشيبان هو ابن عبد الرحمن والأشعث هو ابن أبي الشعثاء سليم المحاربي، وقد أخرجه يزيد بن هارون في "كتاب الفرائض" له عن سفيان الثوري عن أشعث بن أبي الشعثاء عن الأسود بن يزيد قال قضى ابن الزبير في ابنة وأخت فأعطى الابنة النصف وأعطى العصبة بقية المال، فقلت له إن معاذا قضى فيها باليمن فذكره قال فقال له أنت رسولي إلى عبد الله بن عتبة وكان قاضي الكوفة فحدثه بهذا الحديث، وأخرجه الدارمي والطحاوي من طريق الثوري نحوه.

(12/16)


7-باب مِيرَاثِ ابْنِ الِابْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ابْنٌ، وَقَالَ زَيْدٌ وَلَدُ الأَبْنَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُمْ وَلَدٌ ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ كَأُنْثَاهُمْ يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ وَيَحْجُبُونَ كَمَا يَحْجُبُونَ وَلاَ يَرِثُ وَلَدُ الِابْنِ مَعَ الِابْنِ
6735- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"
قوله: "ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن" أي للميت لصلبه سواء كان أباه أو عمه. قوله: "وقال زيد بن ثابت إلخ" وصله سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة ابن زيد عن أبيه، وقوله: "بمنزلة الولد" أي للصلب وقوله: "إذا لم يكن دونهم" أي بينهم وبين الميت، وقوله: "ولد ذكر" احترز به عن الأنثى، وسقط لفظ ذكر من رواية الأكثر وثبت للكشميهني وهي في رواية سعيد بن منصور المذكورة، وقوله: "يرثون كما يرثون ويحجبون كما يحجبون " أي يرثون جميع المال إذا انفردوا ويحجبون من دونهم في الطبقة ممن بينه وبين الميت مثلا اثنان فصاعدا ولم يرد تشبيههم بهم من كل جهة، وقوله في آخره: "ولا يرث ولد الابن مع الابن" تأكيد لما تقدم، فإن حجب أولاد الابن بالابن إنما يؤخذ من قوله إذا لم يكن دونهم إلى آخره بطريق المفهوم. ثم ذكر حديث ابن عباس "ألحقوا الفرائض بأهلها" قد مضى شرحه قريبا، قال ابن بطال قال أكثر الفقهاء فيمن خلفت زوجا وأبا وبنتا وابن ابن وبنت ابن: تقدم الفروض فللزوج الربع وللأب السدس وللبنت النصف وما بقي بين ولدي الابن للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كانت البنت أسفل من الابن فالباقي له دونها، وقيل الباقي له مطلقا لقوله فما بقي فلأولى رجل ذكر، وتمسك زيد بن ثابت والجمهور بقوله تعالى :{فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} وقد أجمعوا أن بني البنين ذكورا وإناثا كالبنين عند فقد البنين إذا استووا في التعدد، فعلى هذا تخص هذه الصورة من عموم "فلأولى رجل ذكر".

(12/16)


8- باب مِيرَاثِ ابْنَةِ ابْنِ مَعَ ابنة
6736- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو قَيْسٍ "سَمِعْتُ هُزَيْلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ قَالَ: "سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بِنْتٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ، فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ: ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ لاَ تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ"
[الحديث 6736- طرفه في: 6742]
قوله: "باب ميراث ابنة ابن مع ابنة" في رواية الكشميهني: "مع بنت". قوله: "حدثنا أبو قيس" هو عبد الرحمن بن ثروان بفتح المثلثة وسكون الراء، وهزيل بالزاي مصغر ووقع في كتب كثير من الفقهاء هذيل بالذال المعجمة وهو تحريف هو ابن شرحبيل وهو والراوي عنه كوفيان أوديان، ووقع في رواية النسائي من طريق وكيع عن سفيان "عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن". قوله: "سئل أبو موسى" في رواية غندر عن شعبة عند النسائي: "جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وهو الأمير وإلى سلمان بن ربيعة الباهلي فسألهما " وكذا أخرجه أبو داود من طريق الأعمش عن أبي قيس لكن لم يقل وهو الأمير، وكذا للترمذي وابن ماجه والطحاوي والدارمي من طرق عن سفيان الثوري بزيادة سلمان بن ربيعة مع أبي موسى، وقد ذكروا أن سلمان المذكور كان على قضاء الكوفة. قوله: "وائت ابن مسعود فسيتابعني" في رواية الأعمش والثوري المشار إليهما "فقال له أبو موسى وسلمان ابن ربيعة" وفيها أيضا: "فسيتابعنا" وهذا قاله أبو موسى على سبيل الظن لأنه اجتهد في المسألة ووافقه سلمان فظن أن ابن مسعود يوافقهما، ويحتمل أن يكون سبب قوله: "ائت ابن مسعود" الاستثبات. قوله: "فقال لقد ضللت إذا" قاله جوابا عن قول أبي موسى أنه سيتابعه، وأشار إلى أنه لو تابعه لخالف صريح السنة عنده وأنه لو خالفها عامدا لضل. قوله: "أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية الدار قطني من طريق حجاج بن أرطاة عن عبد الرحمن بن مروان " فقال ابن مسعود كيف أقول " يعني مثل قول أبي موسى، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره. "فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود" فيه إشارة إلى أن هزيلا الراوي توجه مع السائل إلى ابن مسعود فسمع جوابه فعاد إلى أبي موسى معهم فأخبروه. قوله: "لا تسألوني ما دام هذا الحبر" بفتح المهملة وبكسرها أيضا وسكون الموحدة حكاه الجوهري ورجح الكسر وجزم الفراء بأنه بالكسر وقال سمي باسم الحبر الذي يكتب به، وقال أبو عبيد الهروي هو العالم بتحبير الكلام وتحسينه وهو بالفتح في رواية جميع المحدثين وأنكر أبو الهيثم الكسر، وقال الراغب سمي العالم حبرا لما يبقى من أثر علومه، وكانت هذه القصة في زمن عثمان هو الذي أمر أبا موسى على الكوفة وكان ابن مسعود قبل ذلك أميرها ثم عزل قبل ولاية أبي موسى عليها بمدة، قال ابن بطال: فيه أن العالم يجتهد إذا ظن أن لا نص في المسألة ولا يتولى الجواب إلى أن يبحث عن ذلك، وفيه أن الحجة عند التنازع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيجب الرجوع إليها، وفيه ما كانوا عليه من الإنصاف

(12/17)


والاعتراف بالحق والرجوع إليه، وشهادة بعضهم لبعض بالعلم والفضل، وكثرة اطلاع ابن مسعود على السنة، وتثبت أبي موسى في الفتيا حيث دل على من ظن أنه أعلم منه، قال: ولا خلاف بين الفقهاء فيما رواه ابن مسعود، وفي جواب أبي موسى إشعار بأنه رجع عما قاله. وقال ابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي وقد رجع أبو موسى عن ذلك، ولعل سلمان أيضا رجع كأبي موسى، وسلمان المذكور مختلف في صحبته وله أثر في فتوح العراق أيام عمر وعثمان واستشهد في زمن عثمان وكان يقال له سلمان الخيل لمعرفته بها، واستدل الطحاوي بحديث ابن مسعود هذا على أن المراد بحديث ابن عباس "فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر" من يكون أقرب العصبات إلى الميت، فلو كان هناك عصبة أقرب إلى الميت ولو كانت أنثى كان المال الباقي لها، ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الأخوات من قبل الأب مع البنت عصبة فصرن مع البنات في حكم الذكور من قبل الإرث، وقال غيره: وجه كون الولد المذكور في قوله تعالى :{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} ذكرا أنه الذي يسبق إلى الوهم من قول القائل قال ولد فلان كذا، فأول ما يقع في نفس السامع أن المراد الذكر وإن كان الإناث أيضا أولادا بالحقيقة ولكن هو أمر شائع وقد قال الله تعالى :{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} وقال: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ} وقال حكاية عن الكافر الذي قال: {لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} والمراد بالأولاد والولد في هذه الآي الذكور دون الإناث لأن العرب ما كانت تتكاثر بالبنات فإذا حمل قوله تعالى :{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} على الولد الذكر لم يمنع الأخت الميراث مع البنت، وعلى تقدير أن يكون الولد في الآية أعم فإنه محتمل لأن يراد به العموم على ظاهره وأن يراد به خصوص الذكر فبينت السنة الصحيحة أن المراد به الذكور دون الإناث، قال ابن العربي: يؤخذ من قصة أبي موسى وابن مسعود جواز العمل بالقياس قبل معرفة الخبر، والرجوع إلى الخبر بعد معرفته، ونقض الحكم إذا خالف النص. قلت: ويؤخذ من صنيع أبي موسى أنه كان يرى العمل بالاجتهاد قبل البحث عن النص وهو لائق بمن يعمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وقد نقل ابن الحاجب الإجماع على منع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص، وتعقب بأن أبوي إسحاق الإسفرايني والشيرازي حكيا الخلاف، وقال أبو بكر الصيرفي وطائفة: وهو المشهور؛ وعن الحنفية يجب الانقياد للعموم في الحال، وقال ابن شريح وابن خيران والقفال: يجب البحث، قال أبو حامد: وكذا الخلاف في الأمر والنهي المطلق.

(12/18)


باب ميراث الجد مع الأب و الإخوة
...
9- باب مِيرَاثِ الْجَدِّ مَعَ الأَبِ وَالإِخْوَةِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ الْجَدُّ أَبٌ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ {يَا بَنِي آدَمَ - وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَحَدًا خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ فِي زَمَانِهِ وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرِثُنِي ابْنُ ابْنِي دُونَ إِخْوَتِي وَلاَ أَرِثُ أَنَا ابْنَ ابْنِي وَيُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ أَقَاوِيلُ مُخْتَلِفَةٌ
6737- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"

(12/18)


6738- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَمَّا الَّذِي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلًا لاَتَّخَذْتُهُ وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ" - أَوْ قَالَ - خَيْرٌ فَإِنَّهُ أَنْزَلَهُ أَبًا أَوْ قَالَ قَضَاهُ – أَبًا
قوله: "باب ميراث الجد مع الأب والإخوة" المراد بالجد هنا من يكون من قبل الأب والمراد بالإخوة الأشقاء ومن الأب، وقد انعقد الإجماع على أن الجد لا يرث مع وجود الأب. قوله: "وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير الجد أب" أي هو أب حقيقة لكن تتفاوت مراتبه بحسب القرب والبعد، وقيل المعنى أنه ينزل منزلة الأب في الحرمة ووجوه البر، والمعروف عن المذكورين الأول، قال يزيد بن هارون في كتاب الفرائض له أخبرنا محمد بن سالم عن الشعبي أن أبا بكر وابن عباس وابن الزبير كانوا يجعلون الجد أبا يرث ما يرث ويحجب ما يحجب، ومحمد بن سالم ضعيف والشعبي عن أبي بكر منقطع، وقد جاء من طريق أخرى، وإذا حمل ما نقله الشعبي على العموم لزم منه خلاف ما أجمعوا عليه في صورة وهي أم الأب إذا علت تسقط بالأب ولا تسقط بالجد، واختلف في صورتين إحداهما أن بني العلات والأعيان يسقطون بالأب ولا يسقطون بالجد إلا عند أبي حنيفة ومن تابعه، والأم مع الأب وأحد الزوجين تأخذ ثلث ما بقي ومع الجد تأخذ ثلث الجميع إلا عند أبي يوسف فقال هو كالأب، وفي الإرث بالولاء صورة ثالثة فيها اختلاف أيضا، فأما قول أبي بكر وهو الصديق فوصله الدارمي بسند على شرط مسلم عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر الصديق جعل الجد أبا، وبسند صحيح إلى أبي موسى أن أبا بكر مثله، وبسند صحيح أيضا إلى عثمان بن عفان أن أبا بكر كان يجعل الجد أبا، وفي لفظ له أنه جعل الجد أبا إذا لم يكن دونه أب وبسند صحيح عن ابن عباس أن أبا بكر كان يجعل الجد أبا، وقد أسند المصنف في آخر الباب عن ابن عباس أن أبا بكر أنزله أبا، وكذا مضى في المناقب موصولا عن ابن الزبير أن أبا بكر أنزله أبا، وأما قول ابن عباس فأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الفرائض من طريق عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: الجد أب، وأخرج الدارمي بسند صحيح عن طاوس عنه أنه جعل الجد أبا. وأخرج يزيد بن هارون من طريق ليث عن طاوس أن عثمان وابن عباس كانا يجعلان الجد أبا. وأما قول ابن الزبير فتقدم في المناقب موصولا من طريق ابن أبي مليكة قال: كتب أهل الكوفة إلى ابن الزبير في الجد فقال: إن أبا بكر أنزله أبا، وفيه دلالة على أنه أفتاهم بمثل قول أبي بكر وأخرج يزيد بن هارون من طريق سعيد بن جبير قال: كنت كاتبا لعبد الله بن عتبة فأتاه كتب ابن الزبير أن أبا بكر جعل الجد أبا. قوله: "وقرأ ابن عباس: {يَا بَنِي آدَمَ - وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أما احتجاج ابن عباس بقوله تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ} فوصله محمد بن نصر من طريق عبد الرحمن بن معقل قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له كيف تقول في الجد؟ قال: أي أب لك أكبر؟ فسكت، وكأنه عيي عن جوابه، فقلت أنا: آدم، فقال أفلا تسمع إلى قوله تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ} أخرجه الدارمي من هذا الوجه. وأما احتجاجه بقوله تعالى :{وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي} فوصله سعيد بن منصور من طريق عطاء عن ابن عباس قال: الجد أب وقرأ: { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي} الآية، واحتج بعض من قال بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "أنا ابن عبد المطلب " وإنما هو ابن ابنه. قوله: "ولم يذكر" هو بضم أوله على البناء للمجهول

(12/19)


قوله: "إن أحدا خالف أبا بكر في زمانه وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرون" كأنه يريد بذلك تقوية حجة القول المذكور فإن الإجماع السكوتي حجة وهو حاصل في هذا، وممن جاء عنه التصريح بأن الجد يرث ما كان يرث الأب عند عدم الأب غير من سماه المصنف معاذ وأبو الدرداء وأبو موسى وأبي بن كعب وعائشة وأبو هريرة، ونقل ذلك أيضا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود على اختلاف عنهم كما سيأتي، ومن التابعين عطاء وطاوس وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو الشعثاء وشريح والشعبي، ومن فقهاء الأنصار عثمان التيمي وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه وداود وأبو ثور والمزني وابن سريح، وذهب عمر وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الإخوة مع الجد لكن اختلفوا في كيفية ذلك كما سيأتي بيانه. قوله: "وقال ابن عباس يرثني ابن ابني دون أخوتي ولا أرث أنا ابن ابني" وصله سعيد بن منصور من طريق عطاء عنه قال فذكره. قال ابن عبد البر: وجه قياس ابن عباس أن ابن الابن لما كان كالابن عند عدم الابن كان أبو الأب عند عدم الأب كالأب، وقد ذكر من وافق ابن عباس في هذا توجيه قياسه المذكور من جهة أنهم أجمعوا على أنه كالأب في الشهادة له وفي العتق عليه وأنه لا يقتص منه وأنه ذو فرض أو عاصب وعلى أن من ترك ابنا وأبا أن للأب السدس والباقي للابن وكذا لو ترك جدة لأبيه وابنا وعلى أن الجد يضرب مع أصحاب الفروض بالسدس كما يضرب الأب سواء قيل بالعول أم لا، واتفقوا على أن ابن الابن بمنزلة الابن في حجب الزوج عن النصف والمرأة عن الربع والأم عن الثلث كالابن سواء، فلو أن رجلا ترك أبويه وابن ابنه كان لكل من أبويه السدس وأن من ترك أبا جده وعمه أن المال لأبي جده دون عمه فينبغي أن يكون لوالد أبيه دون إخوته فيكون الجد أولى من أولاد أبيه كما أن أباه أولى من أولاد أبيه، وعلى أن الإخوة من الأم لا يرثون مع الجد كما لا يرثون مع الأب فحجبهم الجد كما حجبهم الأب فينبغي أن يكون الجد كالأب في حجب الإخوة وكذا القول في بني الإخوة ولو كانوا أشقاء؛ وقال السهيلي: لم ير زيد بن ثابت لاحتجاج ابن عباس بقوله تعالى :{يَا بَنِي آدَمَ} ونحوها مما ذكر عنه حجة لأن ذلك ذكر في مقام النسبة والتعريف فعبر بالبنوة ولو عبر بالولادة لكان فيه متعلق، ولكن بين التعبير بالولد والابن فرق، ولذلك قال تعالى :{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} ولم يقل في أبنائكم، ولفظ الولد يقع على الذكر والأنثى والواحد والجمع بخلاف الابن، وأيضا فلفظ الولد يليق بالميراث بخلاف الابن تقول ابن فلان من الرضاعة ولا تقول ولده، وكذا كان من يتبنى ولد غيره قال له ابني وتبناه ولا يقول ولدي ولا ولده ومن ثم قال في آية التحريم {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} إذ لو قال وحلائل أولادكم لم يحتج إلى أن يقول من أصلابكم لأن الولد لا يكون إلا من صلب أو بطن. قوله: "ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد أقاويل مختلفة" سقط ذكر زيد من شرح ابن بطال فلعله من النسخة، وقد أخذ بقوله جمهور العلماء وتمسكوا بحديث: "أفرضكم زيد" وهو حديث حسن أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من رواية أبي قلابة عن أنس وأعله بالإرسال، ورجحه الدار قطني والخطيب وغيرهما، وله متابعات وشواهد ذكرتها في تخريج أحاديث الرافعي، فأما عمر فأخرج الدارمي بسند صحيح عن الشعبي قال: "أول جد ورث في الإسلام عمر فأخذ ماله، فأتاه علي وزيد - يعني ابن ثابت - فقالا ليس لك ذلك إنما أنت كأحد الأخوين" وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن غنم مثله دون قوله: "فأتاه إلخ" لكن قال: "فأراد عمر أن يحتاز المال فقلت له: يا أمير المؤمنين إنهم شجرة دونك، يعني بني أبيه، وأخرج الدار قطني

(12/20)


بسند قوي عن زيد بن ثابت أن عمر أتاه فذكر قصة فيها "أن مثل الجد كمثل شجرة نبتت على ساق واحد فخرج منها غصن ثم خرج من الغصن غصن فإن قطعت الغصن رجع الماء إلى الساق وإن قطعت الثاني رجع الماء إلى الأول، فخطب عمر الناس فقال إن زيدا قال في الجد قولا وقد أمضيته" وأخرج الدارمي من طريق إسماعيل بن أبي خالد قال: "قال عمر خذ من الجد ما اجتمع عليه الناس" وهذا منقطع، وأخرج الدارمي من طريق عيسى الخياط عن الشعبي قال: "كان عمر يقاسم الجد مع الأخ والأخوين فإذا زادوا أعطاه الثلث وكان يعطيه مع الولد السدس" وأخرج البيهقي بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري " حدثني سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وقبيصة بن ذؤيب أن عمر قضى أن الجد يقاسم الإخوة للأب والأم والإخوة للأب ما كانت المقاسمة خيرا له من الثلث، فإن كثر الإخوة أعطى الجد الثلث " وأخرج يزيد ابن هارون في كتاب الفرائض عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو قال: "إني لأحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضا " وروينا في الجزء الحادي عشر من "فوائد أبي جعفر الرازي" بسند صحيح إلى ابن عون عن محمد بن سيرين " سألت عبيدة عن الجد فقال: قد حفظت عن عمر في الجد مائة قضية مختلفة " وقد استبعد بعضهم هذا عن عمر، وتأول البزار صاحب المسند قوله: "قضايا مختلفة" على اختلاف حال من يرث مع الجد كأن يكون أخ واحد أو أكثر أو أخت واحدة أو أكثر، ويدفع هذا التأويل ما تقدم من قول عبيدة بن عمرو " ينقض بعضها بعضا " وسيأتي عن عمر أقوال أخرى. وأما علي فأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر بسند صحيح عن الشعبي " كتب ابن عباس إلى علي يسأله عن ستة إخوة وجد، فكتب إليه أن اجعله كأحدهم وامح كتابي " وأخرج الدارمي بسند قوي عن الشعبي قال: "كتب ابن عباس إلى علي - وابن عباس بالبصرة - إني أتيت بجد وستة إخوة، فكتب إليه على أن أعط الجد سبعا ولا تعطه أحدا بعده " وبسند صحيح إلى عبد الله بن سلمة أن عليا كان يجعل الجد أخا حتى يكون سادسا، ومن طريق الحسن البصري أن عليا كان يشرك الجد مع الإخوة إلى السدس، ومن طريق إبراهيم النخعي عن علي نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن الشعبي عن علي أنه أتى في جد وستة إخوة فأعطى الجد السدس، وأخرج يزيد بن هارون في الفرائض له عن محمد بن سالم عن الشعبي عن علي نحوه، ومحمد بن سالم هذا فيه ضعف، وسيأتي عن علي أقوال أخرى، وأخرج الطحاوي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: حدثت أن عليا كان ينزل بني الإخوة مع الجد منزلة آبائهم ولم يكن أحد من الصحابة يفعله غيره، ومن طريق السري بن يحيى عن الشعبي عن علي كقول الجماعة، وأما عبد الله بن مسعود فأخرج الدارمي بسند صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي قال: دخلت على شريح وعنده عامر - يعني الشعبي - وعبد الرحمن بن عبد الله - أي ابن مسعود - في فريضة امرأة منا تسمى العالية تركت زوجها وأمها وأخاها لأبيها وجدها، فذكر قصة فيها فأتيت عبيدة بن عمرو - وكان يقال ليس بالكوفة أعلم بفريضة من عبيدة والحارث الأعور - فسألته فقال: إن شئتم نبأتكم بفريضة عبد الله بن مسعود في هذا فجعل للزوج ثلاثة أسهم النصف وللأم ثلث ما بقي وهو السدس من رأس المال وللأخ سهم وللجد سهم، وروينا في كتاب الفرائض لسفيان الثوري من طريق النخعي قال: كان عمر وعبد الله يكرهان أن يفضلا أما على جد، وأخرج سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة بسند واحد صحيح إلى عبيد بن نضلة قال: كان عمر وابن مسعود يقاسمان الجد مع

(12/21)


الإخوة ما بينه وبين أن يكون السدس خيرا له من مقاسمة الإخوة، وأخرجه محمد بن نصر مثله سواء وزاد: ثم إن عمر كتب إلى عبد الله ما أرانا إلا قد أجحفنا بالجد، فإذا جاءك كتابي هذا فقاسم به مع الإخوة ما بينه وبين أن يكون الثلث خيرا له من مقاسمتهم، فأخذ بذلك عبد الله. وأخرج محمد بن نصر بسند صحيح إلى عبيدة بن عمرو قال: كان يعطى الجد مع الإخوة الثلث، وكان عمر يعطيه السدس، ثم كتب عمر إلى عبد الله: إنا نخاف أن نكون قد أجحفنا بالجد فأعطه الثلث، ثم قدم علي هاهنا - يعني الكوفة - فأعطاه السدس، قال عبيدة فرأيهما في الجماعة أحب إلي من رأى أحدهما في الفرقة. ومن طريق عبيد بن نضلة أن عليا كان يعطي الجد الثلث ثم تحول إلى السدس وأن عبد الله كان يعطيه السدس ثم تحول إلى الثلث. وأما زيد بن ثابت فأخرج الدارمي من طريق الحسن البصري قال: كان زيد يشرك الجد مع الإخوة إلى الثلث، وأخرج البيهقي من طريق ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: أخذ أبو الزناد هذه الرسالة من خارجة بن زيد بن ثابت ومن كبراء آل زيد بن ثابت فذكر قصة فيها: قال زيد بن ثابت وكان رأيي أن الإخوة أولى بميراث أخيهم من الجد، وكان عمر يرى أن الجد أولى بميراث ابن ابنه من إخوته، وأخرجه ابن حزم من طريق إسماعيل القاضي عن إسماعيل بن أبي أويس عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: كان رأيي أن الإخوة أحق بميراث أخيهم من الجد وكان أمير المؤمنين - يعني عمر - يعطيهم بالوجه الذي يراه على قدر كثرة الإخوة وقلتهم. قلت: فاختلف النقل عن زيد. وأخرج عبد الرزاق من طريق إبراهيم قال: كان زيد بن ثابت يشرك الجد مع الإخوة إلى الثلث فإذا بلغ الثلث أعطاه إياه والإخوة ما بقي ويقاسم الأخ للأب ثم يرد على أخيه ويقاسم بالإخوة من الأب مع الإخوة الأشقاء ولا يورث الإخوة للأب شيئا ولا يعطي أخا لأم مع الجد شيئا. قال ابن عبد البر: تفرد زيد من بين الصحابة في معادلته الجد بالإخوة بالأب مع الإخوة الأشقاء وخالفه كثير من الفقهاء القائلين بقوله في الفرائض في ذلك لأن الإخوة من الأب لا يرثون مع الأشقاء فلا معنى لإدخالهم معهم لأنه حيف على الجد في المقاسمة، وقد سأل ابن عباس زيدا عن ذلك فقال: إنما أقول في ذلك برأيي كما تقول أنت برأيك. وقال الطحاوي: ذهب مالك والشافعي وأبو يوسف إلى قول زيد بن ثابت في الجد إن كان معه إخوة أشقاء قاسمهم ما دامت المقاسمة خيرا له من الثلث وإن كان الثلث خيرا له أعطاه إياه ولا ترث الإخوة من الأب مع الجد شيئا ولا بنو الإخوة ولو كانوا أشقاء، وإذا كان مع الجد والإخوة أحد من أصحاب الفروض بدأ بهم ثم أعطى الجد خير الثلاثة من المقاسمة ومن ثلث ما بقي ومن السدس ولا ينقصه من السدس إلا في الأكدرية. قال: وروى هشام عن محمد بن الحسن أنه وقف في الجد، قال أبو يوسف وكان ابن أبي ليلى يأخذ في الجد بقول علي، ومذهب أحمد أنه كواحد الإخوة فإن كان الثلث أحظ له أخذه وله مع ذي فرض بعده الأحظ من مقاسمة كأخ أو ثلث الباقي أو سدس الجميع. والأكدرية المشار إليها تسمى مربعة الجماعة لأنهم أجمعوا على أنها أربعة ولكن اختلفوا في قسمها وهي زوج وأم وأخت وجد فللزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس وللأخت النصف، وتصح من سبعة وعشرين للزوج تسعة وللأم ستة وللأخت أربعة وللجد ثمانية، وقد نظمها بعضهم:
ما فرض أربعة يوزع بينهم ... ميراث ميتهم بفرض واقع
فلواحد ثلث الجميع وثلث ما ... يبقى لثانيهم بحكم جامع

(12/22)


ولثالث من بعد ذا ثلث الذي ... يبقى وما يبقى نصيب الرابع
ذكر المصنف حديث ابن عباس "ألحقوا الفرائض" وقد تقدم شرحه، ووجه تعلقه بالمسألة أنه دل على أن الذي يبقى بعد الفرض يصرف لأقرب الناس للميت فكان الجد أقرب فيقدم، قال ابن بطال: وقد احتج به من شرك بين الجد والأخ فإنه أقرب إلى الميت بدليل أنه ينفرد بالولاء ولأنه يقوم مقام الولد في حجب الأم من الثلث إلى السدس ولأن الجد إنما يدلي بالميت وهو ولد ابنه والأخ يدلي بالميت وهو ولد أبيه والابن أقوى من الأب لأن الابن ينفرد بالمال ويرد الأب إلى السدس ولا كذلك الأب فتعصيب الأخ تعصيب بنوة وتعصيب الجد تعصيب أبوة والبنوة أقوى من الأبوة في الإرث، ولأن الأخت فرضها النصف إذا انفردت فلم يسقطها الجد كالبنت، ولأن الأخ يعصب أخته بخلاف الجد فامتنع من قوة تعصيبه عليه أن يسقط به. وقال السهيلي: الجد أصل ولكن الأخ في الميراث أقوى سببا منه لأنه يدلي بولاية الأب فالولادة أقوى الأسباب في الميراث فإن قال الجد وأنا أيضا ولدت الميت قيل له إنما ولدت والده وأبوه ولد الإخوة فصار سببهم قويا وولد الولد ليس ولدا إلا بواسطة وإن شاركه في مطلق الولدية. ثم ذكر حديث ابن عباس أيضا في فضل أبي بكر وقد تقدم شرحه مستوفى في المناقب، وقوله: "أفضل أو قال خير" شك من الراوي وكذا قوله: "أنزله أبا أو قال قضاه أبا".

(12/23)


باب ميراث الزوج مع الولد و غيره
...
10- باب مِيرَاثِ الزَّوْجِ مَعَ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ
6739- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ وَرْقَاءَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ"
قوله: "باب ميراث الزوج مع الولد وغيره" أي من الوارثين فلا يسقط الزوج بحال وإنما يحطه الولد عن النصف إلى الربع. ذكر فيه حديث ابن عباس "كان المال - أي المخلف عن الميت - للولد والوصية للوالدين" الحديث، قد تقدم في الوصايا وذكرت شرحه هناك مستوفى سندا ومتنا ولله الحمد. قال ابن المنير: استشهاد البخاري بحديث ابن عباس هذا مع أن الدليل من الآية واضح إشارة منه إلى تقرير سبب نزول الآية وأنها على ظاهرها غير مؤولة ولا منسوخة، وأفاد السهيلي أن في الآية التي نسختها وهي {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} إشارة إلى استمرارها؛ فلذلك عبر بالفعل الدال على الدوام بخلاف غيرها من الآيات حيث قال في الآية المنسوخة الحكم {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً} الآية. قوله: وجعل للأبوين {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} أفاد السهيلي أن الحكمة في إعطاء الوالدين ذلك والتسوية بينهما ليستمرا فيه فلا يجحف بهما إن كثرت الأولاد مثلا، وسوى بينهما في ذلك مع وجود الولد أو الإخوة لما يستحقه كل منهما على الميت من التربية ونحوها، وفضل الأب على الأم عند عدم الولد والإخوة لما للأب من الامتياز بالإنفاق والنصرة ونحو ذلك، وعوضت الأم عن ذلك بأمر الولد بتفضيلها على الأب في البر في حال حياة الولد. انتهى ملخصا. وأخرج عبد بن حميد من طريق قتادة عن بعض أهل العلم أن الأب حجب الإخوة وأخذ سهامهم لأنه يتولى إنكاحهم والإنفاق عليهم دون الأم.

(12/23)


باب ميراث المرأة و الزوج مع الولد و غيره
...
11- باب مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ وَالزَّوْجِ مَعَ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ
6740- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا"
قوله: "باب ميراث المرأة والزوج مع الوالد وغيره" أي من الوارثين فلا يسقط إرث واحد منهما بحال، بل يحط الولد الزوج من النصف إلى الربع، ويحط المرأة من الربع إلى الثمن. ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة المرأة التي ضربت الأخرى فأسقطت جنينا ثم ماتت الضاربة فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة وأن العقل على عصبة القاتلة وأن ميراث الضاربة لبنيها وزوجها، وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الديات إن شاء الله تعالى. ووجه الدلالة منه على الترجمة ظاهرة، لأن ميراث الضاربة لبنيها وزوجها لا لعصبتها الذين عقلوا عنها فورث الزوج مع ولده، وكذا لو كان الأب هو الميت لورثت الأم مع الأولاد، أشار إلى ذلك ابن التين. وكذا لو كان هناك عصبة بغير ولد.

(12/24)


12- باب مِيرَاثُ الأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةٌ
6741- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ قَالَ "قَضَى فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :النِّصْفُ لِلْابْنَةِ، وَالنِّصْفُ لِلْأُخْتِ، ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ: قَضَى فِينَا وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
6742- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ هُزَيْلٍ قَالَ "قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لاَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "للْابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ"
قوله: "باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة" قال ابن بطال: أجمعوا على أن الأخوات عصبة البنات فيرثن ما فضل عن البنات، فمن لم يخلف إلا بنتا وأختا فللبنت النصف وللأخت النصف الباقي على ما في حديث معاذ وإن خلف بنتين وأختا فلهما الثلثان وللأخت ما بقي، وإن خلف بنتا وأختا وبنت ابن فللبنت النصف ولبنت الابن تكملة الثلثين وللأخت ما بقي على ما في حديث ابن مسعود، لأن البنات لا يرثن أكثر من الثلثين، ولم يخالف في شيء من ذلك إلا ابن عباس فإنه كان يقول: للبنت النصف وما بقي للعصبة وليس للأخت شيء، وكذا للبنتين الثلثان وللبنت وبنت الابن كما مضى والباقي للعصبة، فإذا لم تكن عصبة رد الفضل على البنت أو البنات. وقد تقدم البحث في ذلك. قال: ولم يوافق ابن عباس على ذلك أحد إلا أهل الظاهر. قال: وحجة الجماعة من جهة النظر أن عدم الولد في قوله تعالى :{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} إنما جعل شرطا في فرضها الذي تقاسم به الورثة لا في توريثها مطلقا، فإذا عدم الشرط سقط الفرض، ولم يمنع ذلك أن ترث بمعنى

(12/24)


آخر كما شرط في ميراث الأخ من أخته عند عدم الولد، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد وقد أجمعوا على أنه يرثها مع البنت، وهو كما جعل النصف في ميراث الزوج شرطا إذا لم يكن ولد ولم يمنع ذلك أن يأخذ النصف مع البنت فبأخذ نصف النصف بالفرض والنصف الآخر بالتعصيب إن كان ابن عم مثلا، فكذلك الأخت والله أعلم. قوله: "عن سليمان" هو الأعمش وإبراهيم هو النخعي والأسود هو ابن يزيد وهو خال إبراهيم الراوي عنه. قوله: "ثم قال سليمان قضى فينا ولم يذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" القائل ذلك هو شعبة وسليمان هو الأعمش وهو موصول بالسند المذكور، وحاصله أن الأعمش روى الحديث أولا بإثبات قوله: "على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" فيكون مرفوعا على الراجح في المسألة ومرة بدونها فيكون موقوفا، وقد أخرجه الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن بشر بن خالد شيخ البخاري فيه مثله لكن قال: قال سليمان بعد قال القاسم وحدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد بسنده بلفظ: "قضى بذلك معاذ فينا". قلت وقد مضى في "باب ميراث البنات" من وجه آخر عن الأسود بن يزيد قال: "أتانا معاذ بن جبل باليمن معلما وأميرا، فسألناه عن رجل فذكره" وسياقه مشعر بأن ذلك كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره على اليمن كما مضى صريحا في كتاب الزكاة وغيره، وأخرجه أبو داود والدار قطني من وجه ثالث عن الأسود "أن معاذا ورث فذكره" وزاد: "هو باليمن ونبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حي" وللدار قطني من وجه آخر عن الأسود "قدم علينا معاذ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فذكره باختصار. وهذا أصرح ما وجدت في ذلك. قوله: "عبد الرحمن" هو ابن مهدي وسفيان هو الثوري وأبو قيس هو عبد الرحمن، وقد مضى ذكره وشرح حديثه قبل هذا بأربعة أبواب من طريق شعبة عن أبي قيس وفيه قصة أبي موسى وجزم فيه بقوله: "لأقضين فيها بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم: "وأما قوله هنا " أو قال قال النبي صلى الله عليه وسلم" فهو شك من بعض رواته، وأكثر الرواة أثبتوا الزيادة، ففي رواية وكيع وغيره عن سفيان عند النسائي وغيره: "سأقضي فيها بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومراده بالقضاء بالنسبة إليه الفتيا فإن ابن مسعود يومئذ لم يكن قاضيا ولا أميرا.

(12/25)


باب ميراث الأخوات و الإخوة
...
13- باب مِيرَاثِ الأَخَوَاتِ وَالإِخْوَةِ
6743- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ "سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَرِيضٌ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ نَضَحَ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا لِي أَخَوَاتٌ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ"
قوله: "باب ميراث الأخوات والإخوة" ذكر فيه حديث جابر المذكور في أول كتاب الفرائض، والغرض منه قوله: "إنما لي أخوات" فإنه يقتضي أنه لم يكن له ولد، واستنبط المصنف الإخوة بطريق الأولى، وقدم الأخوات في الذكر للتصريح بهن في الحديث، وعبد الله المذكور في السند هو بن المبارك قال بن بطال: أجمعوا على أن الإخوة الأشقاء أو من الأب لا يرثون مع الابن وان سفل ولا مع الأب، وأختلفوا فيهم مع الجد على ما مضت الإشارة اليه، وما عدا ذلك فللواحدة من الأخوات النصف وللبنتين فصاعدا الثلثان وللأخ الجميع فما زاد فبالقسمة السوية وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين كما نص عليه القرآن ولم يقع

(12/25)


في كل ذلك اختلاف إلا في زوج وأم وأختين لأم وأخ شقيق فقال الجمهور: يشرك بينهم، وكان علي وأبي وأبو موسى لايشركون الإخوة ولو كانوا أشقاء مع الإخوة للأم لأنهم عصبة وقد استغرقت الفرائض المال وبذلك قال جمع من الكوفيين

(12/26)


باب { يستفتونك ، قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد و له أخت فلها نصف ما ترك ، و هو يرثها إن لم يكن لها ولد ، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } الآية
...
14- باب {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
6744- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ}
قوله: باب {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} ذكر فيه حديث البراء من طريق أبي إسحاق عنه "آخر آية نزلت خاتمة سورة النساء: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة" وأراد بذلك ما فيها من التنصيص على ميراث الإخوة، وقد أخرج أبو داود في "المراسيل" من وجه آخر عن أبي إسحاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن " جاء رجل، فقال: يا رسول الله ما الكلالة؟ قال: من لم يترك ولدا ولا والدا فورثته كلالة". ووقع في صحيح مسلم عن عمر أنه خطب ثم قال: "إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة، وما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما راجعته في الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري فقال: ألا يكفيك آية النصف التي في آخر سورة النساء". وقد اختلف في تفسير الكلالة، والجمهور على أنه من لا ولد له ولا والد، واختلف في بنت وأخت هل ترث الأخت مع البنت؟ وكذا في الجد هل يتنزل منزلة الأب فلا ترث معه الإخوة؟ قال السهيلي: الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس لأن الكلالة وراثة تكللت العصبة أي أحاطت بالميت من الطرفين، وهي مصدر كالقرابة، وسمي أقرباء الميت كلالة بالمصدر كما يقال هم قرابة أي ذوو قرابة، وإن عنيت المصدر قلت ورثوه عن كلالة، وتطلق الكلالة على الورثة مجازا. قال: ولا يصح قول من قال الكلالة المال ولا الميت إلا على إرادة تفسيره معنى من غير نظر إلى حقيقة اللفظ. ثم قال: ومن العجب أن الكلالة في الآية الأولى من النساء لا يرث فيها الإخوة مع البنت مع أنه لم يقع فيها التقييد بقوله ليس له ولد، وقيد به في الآية الثانية مع أن الأخت فيها ورثت مع البنت، والحكمة فيها أن الأولى عبر فيها بقوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ} فإن مقتضاه الإحاطة بجميع المال فأغنى لفظ يورث عن القيد، ومثله قوله تعالى:{وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} أي يحيط بميراثها. وأما الآية الثانية: فالمراد بالولد فيها الذكر كما تقدم تقريره، ولم يعبر فيها بلفظ يورث فلذلك ورثت الأخت مع البنت. وقال ابن المنير: الاستدلال بآية الكلالة على أن الأخوات عصبة لطيف جدا، وهو أن العرف في آيات الفرائض قد اطرد على أن الشرط المذكور فيما هو لمقدار الفرض لا لأصل الميراث، فيفهم أنه إذا لم يوجد الشرط أن يتغير قدر الميراث، فمن ذلك قوله: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} فتغير القدر ولم يتغير أصل الميراث، وكذا في الزوج وفي الزوجة، فقياس ذلك أن يطرد في الأخت فلها النصف إن لم

(12/26)


يكن ولد، فإن كان ولد تغير القدر ولم يتغير أصل الإرث، وليس هناك قدر يتغير إليه إلا التعصيب، ولا يلزم من ذلك أن ترث الأخت مع الابن لأنه خرج بالإجماع فيبقى ما عداه على الأصل والله أعلم. وقد تقدم الكلام في آخر ما نزل من القرآن في آخر تفسير سورة البقرة، وقال الكرماني: اختلف في تعيين آخر ما نزل فقال البراء هنا: خاتمة سورة النساء. وقال ابن عباس كما تقدم في آخر سورة البقرة: آية الربا، وهذا اختلاف بين الصحابيين ولم ينقل واحد منهما ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحمل على أن كلا منهما قال يظنه، وتعقب بأن الجمع أولى كما تقدم بيانه هناك.

(12/27)


باب ابني عم أحدهما أخ للأم و الآخر زوج
...
15- باب ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلْأُمِّ وَالْآخَرُ زَوْجٌ وَقَالَ عَلِيٌّ: "لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأَخِ مِنْ الأُمِّ السُّدُسُ وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ"
6745- حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَالُهُ لِمَوَالِي الْعَصَبَةِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ ضَيَاعًا فَأَنَا وَلِيُّهُ، فَلِأُدْعَى لَهُ". الْكَلُّ: الْعِيَالُ
6746- حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا تَرَكَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"
قوله: "باب ابني عم أحدهما أخ للأم والآخر زوج" صورتها أن رجلا تزوج امرأة فأتت منه بابن ثم تزوج أخرى فأتت منه بآخر ثم فارق الثانية فتزوجها أخوه فأتت منه ببنت فهي أخت الثاني لأمه وابنة عمه، فتزوجت هذه البنت الابن الأول وهو ابن عمها ثم ماتت عن ابني عمها. قوله: "وقال علي للزوج النصف وللأخ من الأم السدس وما بقي بينهما نصفان" وحاصله أن الزوج يعطى النصف لكونه زوجا ويعطى الآخر السدس لكونه أخا من أم فيبقى الثلث فيقسم بينهما بطريق العصوبة فيصح للأول الثلثان بالفرض والتعصيب وللآخر الثلث بالفرض والتعصيب، وهذا الأثر وصله عن علي رضي الله عنه سعيد بن منصور من طريق حكيم بن غفال قال: أتى شريح في امرأة تركت ابني عمها أحدهما زوجها والآخر أخوها لأمها فجعل للزوج النصف والباقي للأخ من الأم، فأتوا عليا فذكروا له ذلك فأرسل إلى شريح فقال: ما قضيت أبكتاب الله أو بسنة من رسول الله؟ فقال: بكتاب الله قال: أين؟ قال: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} قال: فهل قال للزوج النصف وللأخ ما بقي ثم أعطى الزوج النصف وللأخ من الأم السدس ثم قسم ما بقي بينهما. وأخرج يزيد بن هارون والدارمي من طريق الحارث قال: أتى علي في ابني عم أحدهما أخ لأم فقيل له إن عبد الله كان يعطي الأخ للأم المال كله، فقال: يرحمه الله إن كان لفقيها ولو كنت أنا لأعطيت الأخ من الأم السدس ثم قسمت ما بقي بينهما. قال ابن بطال: وافق عليا زيد بن ثابت والجمهور. وقال عمر وابن مسعود: جميع المال - يعني الذي يبقى بعد نصيب الزوج - الذي جمع القرابتين فله السدس بالفرض والثلث الباقي بالتعصيب، وهو قول الحسن وأبي ثور وأهل الظاهر، واحتجوا

(12/27)


بالإجماع في أخوين أحدهما شقيق والآخر لأب أن الشقيق يستوعب المال لكونه أقرب بأم، وحجة الجمهور ما أشار إليه البخاري في حديث أبي هريرة الذي أورده في الباب بلفظ: "فمن مات وترك مالا فماله لموالي العصبة" والمراد بموالي العصبة بنو العم، فسوى بينهم ولم يفضل أحدا على أحد، وكذا قال أهل التفسير في قوله: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي} أي بني العم. فإن احتجوا بالحديث الآخر المذكور في الباب أيضا من حديث ابن عباس " فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر " فالجواب أنهما من جهة التعصيب سواء، والتقدير ألحقوا الفرائض بأهلها أي أعطوا أصحاب الفروض حقهم فإن بقي شيء فهو للأقرب، فلما أخذ الزوج فرضه والأخ من الأم فرضه صار ما بقي موروثا بالتعصيب وهما في ذلك سواء، وقد أجمعوا في ثلاثة إخوة للأم أحدهم ابن عم أن للثلاثة الثلث والباقي لابن العم. قال المازري: مراتب التعصيب البنوة ثم الأبوة ثم الجدودة، فالابن أولى من الأب وإن فرض له معه السدس، وهو أولى من الإخوة وبنيهم لأنهم ينتسبون بالمشاركة في الأبوة والجدودة، والأب أولى من الإخوة ومن الجد لأنهم به ينتسبون فيسقطون مع وجوده، والجد أولى من بني الإخوة لأنه كالأب معهم، ومن العمومة لأنهم به ينتسبون، والإخوة وبنوهم أولى من العمومة وبنيهم لأن تعصيب الإخوة بالأبوة والعمومة بالجدودة، هذا ترتيبهم وهم يختلفون في القرب، فالأقرب أولى كالإخوة مع بنيهم والعمومة مع بنيهم فإن تساووا في الطبقة والقرب ولأحدهما زيادة كالشقيق مع الأخ لأب قدم، وكذا الحال في بنيهم وفي العمومة وبنيهم، فإن كانت زيادة الترجيح بمعنى غير ما هما فيه كابني عم أحدهما أخ لأم فقيل يستمر الترجيح فيأخذ ابن العم الذي هو أخ لأم جميع ما بقي بعد فرض الزوج وهو قول عمر وابن مسعود وشريح والحسن وابن سيرين والنخعي وأبي ثور والطبري وداود ونقل عن أشهب، وأبى ذلك الجمهور فقالوا: بل يأخذ الأخ من الأم فرضه ويقسم الباقي بينهما، والفرق بين هذه الصورة وبين تقدم الشقيق على الأخ لأب طريق الترجيح لأن الشرط فيها أن يكون فيه معنى مناسب لجهة التعصيب لأن الشقيق شارك شقيقه في جهة القرب المتعلقة بالتعصيب بخلاف الصورة المذكورة والله أعلم. قوله: "حدثنا محمود" هو ابن غيلان وعبيد الله شيخه هو ابن موسى وقد حدث البخاري عنه كثيرا بغير واسطة وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق وأبو حصين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم وأبو صالح هو ذكوان السمان. قوله: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم" زاد في رواية الأصيلي هنا "أزواجه أمهاتهم" قال عياض: وهي زيادة في الحديث لا معنى لها هنا. قول "فلأدعى له" قال ابن بطال: هي لام الأمر أصلها الكسر وقد تسكن مع الفاء والواو غالبا فيهما وإثبات الألف بعد العين جائز كقوله: "ألم يأتيك والأخبار تنمى" والأصل عدم الإشباع للجزم، والمعنى فادعوني له أقوم بكله وضياعه. قوله: "والكل العيال" ثبت هذا التفسير في آخر الحديث في رواية المستملي والكشميهني، وأصل الكل الثقل ثم استعمل في كل أمر يصعب والعيال فرد من أفراده، وقال صاحب الأساس: كل بصره فهو كليل وكل عن الأمر لم تنبعث نفسه له وكل كلالة أي قصر عن بلوغ القرابة، قد مضى شرح حديث ابن عباس في أوائل الفرائض، وروح شيخ يزيد بن زريع فيه هو ابن القاسم المنبري.

(12/28)


16- باب ذَوِي الأَرْحَامِ

(12/28)


6747- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ حَدَّثَكُمْ إِدْرِيسُ حَدَّثَنَا طَلْحَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ - وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قَالَ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الأَنْصَارِيُّ الْمُهَاجِرِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قَالَ نَسَخَتْهَا {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}
قوله: "باب ذوي الأرحام" أي بيان حكمهم هل يرثون أو لا؟ وهم عشرة أصناف: الخال والخالة والجد للأم وولد البنت وولد الأخت وبنت الأخ وبنت العم والعمة والعم للأم وابن الأخ للأم ومن أدلى بأحد منهم، فمن ورثهم، قال أولاهم أولاد البنت ثم أولاد الأخت وبنات الأخ ثم العم والعمة والخال والخالة، وإذا استوى اثنان قدم الأقرب إلى صاحب فرض أو عصبة. قوله: "إسحاق بن إبراهيم" هو الإمام المعروف بابن راهويه. قوله: "قلت لأبي أسامة حدثكم إدريس" أي ابن يزيد بن عبد الرحمن الأودي والد عبد الله، وطلحة شيخه هو ابن مصرف، وقد نسبه المصنف في التفسير من رواية الصلت بن محمد عن أبي أسامة وقال في آخره: "سمع إدريس من طلحة وأبو أسامة من إدريس " وقد صرح هنا بالثاني. ووقع في رواية أبي داود عن هارون ابن عبد الله عن أبي أسامة " حدثني إدريس بن يزيد حدثنا طلحة بن مصرف " وكذا أخرجه الإسماعيلي عن الهنجاني عن أبي كريب عن أبي أسامة، وكذا عند الطبري عن أبي كريب. قوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ - وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}. قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قال: نسختها {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال ابن بطال: كذا وقع في جميع النسخ نسختها {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} والصواب أن المنسوخة {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} والناسخة {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قال ووقع في رواية الطبري بيان ذلك ولفظه: "فلما نزلت هذه الآية {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخت". قلت: وقد تقدم في الكفالة التفسير من رواية الصلت بن محمد عن أبي أسامة مثل ما عزاه للطبري فكان عزوه إلى ما في البخاري أولى، مع أن في سياقه فائدة أخرى وهو أنه قال: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} ورثة، فأفاد تفسير الموالي بالورثة، وأشار إلى أن قوله: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} ابتداء شيء يريد أن يفسره أيضا، ويؤيده أنه وقع في رواية الصلت " ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} وبقي قوله نسختها مشكلا كما قال ابن بطال " وقد أجاب ابن المنير في الحاشية فقال: الضمير في نسختها عائد على المؤاخاة لا على الآية والضمير في نسختها وهو الفاعل المستتر يعود على قوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} وقوله: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} بدل من الضمير، وأصل الكلام لما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخت {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} وقال الكرماني: فاعل نسختها آية جعلنا والذين عاقدت منصوب بإضمار أعني. قلت: ووقع في سياقه هنا أيضا موضع آخر وهو أنه عبر بقوله: "يرث الأنصاري المهاجري " وتقدم في رواية الصلت بالعكس، وأجاب عنه الكرماني بأن المقصود إثبات الوراثة بينهما في الجملة. قلت: والأولى أن يقرأ الأنصاري بالنصب على أنه مفعول مقدم فتتحد الروايتان، ووقع في رواية الصلت موضع ثالث مشكل وهو قوله: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} من النصر إلخ، وظاهر الكلام أن قوله من النصر يتعلق بعاقدت أيمانكم وليس كذلك وإنما يتعلق بقوله: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} وقد بين ذلك أبو كريب في روايته،

(12/29)


وكذلك أخرجه أبو داود عن هارون بن عبد الله عن أبي أسامة، وقد تقدم في تفسير النساء عدة طرق لذلك مع إعراب الآية، والكلام على حكم المعاقدة المذكورة ونسخها بما يغني عن إعادته، والمراد بإيراد الحديث هنا أن قوله تعالى :{وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخ حكم الميراث الذي دل عليه {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال ابن بطال: أكثر المفسرين على أن الناسخ لقوله تعالى :{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قوله تعالى في الأنفال: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} وبذلك جزم أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ". قلت: كذا أخرجه أبو داود بسند حسن عن ابن عباس " قال ابن الجوزي: كان جماعة من المحدثين يرون الحديث من حفظهم فتقصر عباراتهم خصوصا العجم فلا يبين للكلام رونق مثل هذه الألفاظ في هذا الحديث، وبيان ذلك أن مراد الحديث المذكور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخى بين المهاجرين والأنصار فكانوا يتوارثون بتلك الأخوة ويرونها داخلة في قوله تعالى :{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} فلما نزل قوله تعالى :{وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} نسخ الميراث بين المتعاقدين وبقي النصر والرفادة وجواز الوصية لهم، وقد وقع في رواية العوفي عن ابن عباس بيان السبب في إرثهم قال: كان الرجل في الجاهلية يلحق به الرجل فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأقاربه الميراث وبقي تابعه ليس له شيء، فنزلت: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} فكانوا يعطونه من ميراثه، ثم نزلت: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} فنسخ ذلك. قلت: والعوفي ضعيف، والذي في البخاري هو الصحيح المعتمد، وتصحيح السياق قد ظهر من نفس الرواية وأن بعض الرواة قدم بعض الألفاظ على بعض وحذف منها شيئا وأن بعضهم ساقها على الاستقامة وذلك هو المعتمد. قال ابن بطال: اختلف الفقهاء في توريث ذوي الأرحام وهم من لا سهم له وليس بعصبة، فذهب أهل الحجاز والشام إلى منعهم الميراث، وذهب الكوفيون وأحمد وإسحاق إلى توريثهم، واحتجوا بقوله تعالى :{وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} واحتج الآخرون بأن المراد بها من له سهم في كتاب الله لأن آية الأنفال مجملة وآية المواريث مفسرة وبقوله صلى الله عليه وسلم: "من ترك مالا فلعصبته " وأنهم أجمعوا على ترك القول بظاهرها فجعلوا ما يخلفه المعتوق إرثا لعصبته دون مواليه فإن فقدوا فلمواليه دون ذوي رحمه، واختلفوا في توريثهم فقال أبو عبيد: رأى أهل العراق رد ما بقي من ذوي الفروض إذا لم تكن عصبة على ذوي الفروض وإلا فعليهم وعلى العصبة، فإن فقدوا أعطوا ذوي الأرحام، وكان ابن مسعود ينزل كل ذي رحم منزلة من يجر إليه، وأخرج بسند صحيح عن ابن مسعود أنه جعل العمة كالأب والخالة كالأم فقسم المال بينهما أثلاثا، وعن علي أنه كان لا يرد على البنت دون الأم، ومن أدلتهم حديث: "الخال وارث من لا وارث له" وهو حديث حسن أخرجه الترمذي وغيره، وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يراد به إذا كان عصبة ويحتمل أن يريد بالحديث المذكور السلب كقولهم "الصبر حيلة من لا حيلة له" ويحتمل أن يكون المراد به السلطان لأنه خال المسلمين، حكى هذه الاحتمالات ابن العربي.

(12/30)


17- باب مِيرَاثِ الْمُلاَعَنَةِ
6748- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا لاَعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ"

(12/30)


قوله: "باب ميراث الملاعنة" بفتح العين المهملة ويجوز كسرها والمراد بيان ما ترثه من ولدها الذي لاعنت عليه، ذكر فيه حديث ابن عمر المختصر في الملاعنة وقد مضى شرحه في كتاب اللعان ومن وجه آخر مطول عن ابن عمر ومن حديث سهل بن سعد، والغرض منه هنا قوله: "وألحق الولد بالمرأة" وقد اختلف السلف في معنى إلحاقه بأمه مع اتفاقهم على أنه لا ميراث بينه وبين الذي نفاه، فجاء عن علي وابن مسعود أنهما قالا في ابن الملاعنة: "عصبته عصبة أمه يرثهم ويرثونه " أخرجه ابن أبي شيبة وبه قال النخعي والشعبي، وجاء عن علي وابن مسعود أنهما كانا يجعلان أمه عصبة وحدها فتعطى المال كله، فإن ماتت أمه قبله فماله لعصبتها، وبه قال جماعة منهم الحسن وابن سيرين ومكحول والثوري وأحمد في رواية، وجاء عن علي أن ابن الملاعنة ترثه أمه وإخوته منها فإن فضل شيء فهو لبيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الأمصار، قال مالك: وعلى هذا أدركت أهل العلم. وأخرج عن الشعبي قال: بعث أهل الكوفة إلى الحجاز في زمن عثمان يسألوني عن ميراث ابن الملاعنة فأخبروهم أنه لأمه وعصبتها، وجاء عن ابن عباس عن علي أنه أعطى الملاعنة الميراث وجعلها عصبة، قال ابن عبد البر: الرواية الأولى أشهر عند أهل الفرائض، قال ابن بطال: هذا الخلاف إنما نشأ من حديث الباب حيث جاء فيه: "وألحق الولد بالمرأة " لأنه لما ألحق بها قطع نسب أبيه فصار كمن لا أب له من أولاد البغي، وتمسك الآخرون بأن معناه إقامتها مقام أبيه فجعلوا عصبة أمه عصبة أبيه. قلت: وقد جاء في المرفوع ما يقوي القول الأول، فأخرج أبو داود من رواية مكحول مرسلا ومن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "جعل النبي صلى الله عليه وسلم ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها " ولأصحاب السنن الأربعة عن واثلة رفعه: "تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه " قال البيهقي: ليس بثابت. قلت: وحسنه الترمذي وصححه الحاكم وليس فيه سوى عمر بن رؤية بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة مختلف فيه، قال البخاري: فيه نظر، ووثقه جماعة، وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن المنذر ومن طريق داود بن أبي هند عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن رجل من أهل الشام " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به لأمة هي بمنزلة أبيه وأمه " وفي رواية أن عبد الله بن عبيد كتب إلى صديق له من أهل المدينة يسأله عن ولد الملاعنة فكتب إليه " إني سألت فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به لأمه " وهذه طرق يقوى بعضها ببعض، قال ابن بطال: تمسك بعضهم بالحديث الذي جاء أن الملاعنة بمنزلة أبيه وأمه، وليس فيه حجة لأن المراد أنها بمنزلة أبيه وأمه في تربيته وتأديبه وغير ذلك مما يتولاه أبوه، فأما الميراث فقد أجمعوا أن ابن الملاعنة لو لم تلاعن أمه وترك أمه وأباه كان لأمه السدس، فلو كانت بمنزلة أبيه وأمه لورثت سدسين فقط سدس بالأمومة وسدس بالأبوة، كذا قال وفيه نظر تصويرا واستدلالا وحجة الجمهور ما تقدم في اللعان أن في رواية فليح عن الزهري عن سهل في آخره: "فكانت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض لها " أخرجه أبو داود، وحديث ابن عباس " فهو لأولى رجل ذكر " فإنه جعل ما فضل عن أهل الفرائض لعصبة الميت دون عصبة أمه، وإذا لم يكن لولد الملاعنة عصبة من قبل أبيه فالمسلمون عصبته، وقد تقدم من حديث أبي هريرة "ومن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا".

(12/31)


18- باب الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً

(12/31)


6749- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ عُتْبَةُ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ ابْنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: احْتَجِبِي مِنْهُ، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ"
6750- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ" سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ"
[الحديث 6750- طرفه في: 6818]
قوله: "باب الولد للفراش حرة كانت" أي المستفرشة "أو أمة". قوله: "عن عروة" في رواية شعيب عن الزهري في العتق " حدثني عروة " وكذا وقع في رواية عبد الله ابن مسلمة عن مالك في المغازي لكن أخرجه في الوصايا بلفظ عن عروة. قوله: "كان عتبة عهد إلى أخيه" في رواية يحيى بن قزعة عن مالك في أوائل البيوع ابن أبي وقاص في الموضوعين وكذا في رواية شعيب والليث وغيرهما عن الزهري وفي رواية ابن عيينة عن الزهري الماضية في الأشخاص: أوصاني أخي إذا قدمت يعني مكة أن أقبض إليك ابن أمة زمعة فإنه ابني. قوله: "أن ابن وليدة زمعة" في رواية ابن عيينة عن ابن شهاب الماضية في المظالم ابن أمة زمعة، والوليدة في الأصل المولودة وتطلق على الأمة وهذه الوليدة لم أقف على اسمها لكن ذكر مصعب الزبيري وابن أخيه الزبير في "نسب قريش" أنها كانت أمة يمانية، والوليدة فعيلة من الولادة بمعنى مفعولة، قال الجوهري: هي الصبية والأمة والجمع ولائد، وقيل إنها اسم لغير أم الولد. وزمعة بفتح الزاي وسكون الميم وقد تحرك، قال النووي: التسكين أشهر. وقال أبو الوليد الوقشي: التحريك هو الصواب. قلت: والجاري على ألسنة المحدثين التسكين في الاسم والتحريك في النسبة، وهو ابن قيس بن عبد شمس القرشي العامري والد سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وعبد بن زمعة بغير إضافة، ووقع في "مختصر ابن الحاجب" عبد الله وهو غلط، نعم عبد الله بن زمعة آخر، وفي بعض الطرق من غير رواية عائشة عند الطحاوي في هذا الحديث عبد الله بن زمعة ونبه على أنه غلط وأن عبد الله بن زمعة هو ابن الأسود ابن المطلب بن أسد بن عبد العزي آخر. قلت: وهو الذي مضى حديثه في تفسير {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وقد وقع لابن منده خبط في ترجمة عبد الرحمن بن زمعة فإنه زعم أن عبد الرحمن وعبد الله وعبدا إخوة ثلاثة أولاد زمعة بن الأسود، وليس كذلك بل عبد بغير إضافة وعبد الرحمن أخوان عامريان من قريش، وعبد الله ابن زمعة قرشي أسدي من قريش أيضا، وقد أوضحت ذلك في "الإصابة في تمييز الصحابة" والابن المذكور اسمه عبد الرحمن وذكره ابن عبد البر في الصحابة وغيره، وقد أعقب بالمدينة. وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد مختلف

(12/32)


في صحبته فذكره في الصحابة العسكري وذكر ما نقله الزبير بن بكار في النسب أنه كان أصاب دما بمكة في قريش فانتقل إلى المدينة ولما مات أوصى إلى سعد، وذكره ابن منده في الصحابة ولم يذكر مستندا إلا قول سعد "عهد إلى أخي أنه ولده" واستنكر أبو نعيم ذلك وذكر أنه الذي شج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، قال وما علمت له إسلاما، بل قد روى عبد الرزاق من طريق عثمان الجزري عن مقسم " أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بأن لا يحول على عتبة الحول حتى يموت كافرا فمات قبل الحول " وهذا مرسل، وأخرجه من وجه آخر عن سعيد بن المسيب بنحوه، وأخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق صفوان بن سليم عن أنس أنه سمع حاطب بن أبي بلتعة يقول: "إن عتبة لما فعل بالنبي صلى الله عليه وسلم ما فعل تبعته فقتلته"، كذا قال وجزم ابن التين والدمياطي بأنه مات كافرا. قلت: وأم عتبة هند بنت وهب بن الحارث بن زهرة، وأم أخيه سعد حمنة بنت سفيان بن أمية. قوله: "فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال ابن أخي" في رواية يونس عن الزهري في المغازي " فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح". وفي رواية معمر عن الزهري عند أحمد وهي لمسلم لكن لم يسق لفظها " فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه فاحتضنه وقال ابن أخي ورب الكعبة " وفي رواية الليث " فقال سعد يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أنه ابنه " وعتبة بالجر بدل من لفظ أخي أو عطف بيان، والضمير في أخي لسعد لا لعتبة. قوله: "فقام عبد بن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه" في رواية معمر "فجاء عبد بن زمعة فقال بل هو أخي ولد على فراش أبي من جاريته" وفي رواية يونس "يا رسول الله هذا أخي هذا ابن زمعة ولد على فراشه" زاد في رواية الليث " انظر إلى شبهه يا رسول الله " وفي رواية يونس " فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص " وفي رواية الليث " فرأى شبها بينا بعتبة " وكذا لابن عيينة عند أبي داود وغيره، قال الخطابي وتبعه عياض والقرطبي وغيرهما: كان أهل الجاهلية يقتنون الولائد ويقررون عليهن الضرائب فيكتسبن بالفجور، وكانوا يلحقون النسب بالزناة إذا ادعوا الولد كما في النكاح، وكانت لزمعة أمة وكان يلم بها فظهر بها حمل زعم عتبة بن أبي وقاص أنه منه وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه، فخاصم فيه عبد بن زمعة، فقال لي سعد: هو ابن أخي على ما كان عليه الأمر في الجاهلية. وقال عبد: هو أخي على ما استقر عليه الأمر في الإسلام، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم حكم الجاهلية وألحقه بزمعة، وأبدل عياض قوله إذا ادعوا الولد بقوله إذا اعترفت به الأم، وبنى عليهما القرطبي فقال: ولم يكن حصل إلحاقه بعتبة في الجاهلية إما لعدم الدعوى وإما لكون الأم لم تعترف به لعتبة. قلت: وقد مضى في النكاح من حديث عائشة ما يؤيد أنهم كانوا يعتبرون استلحاق الأم في صورة وإلحاق القائف في صورة ولفظها "إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء" الحديث وفيه: "يجتمع الرهط ما دون العشر فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومضت ليال أرسلت إليهم فاجتمعوا عندها فقالت: قد ولدت فهو ابنك يا فلان، فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع " إلى أن قالت: "ونكاح البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن فوضعت جمعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرى القائف لا يمتنع من ذلك" انتهي. واللائق بقصة أمة زمعة الأخير، فلعل جمع القافة لهذا الولد تعذر بوجه من الوجوه، أو أنها لم تكن بصفة البغايا بل أصابها عتبة سرا من زنا وهما كافران فحملت وولدت ولدا يشبهه فغلب على ظنه أنه منه فبغته الموت قبل استلحاقه فأوصى أخاه أن يستلحقه، فعمل سعد بعد ذلك تمسكا بالبراءة الأصلية

(12/33)


قال القرطبي: وكان عبد بن زمعة سمع أن الشرع ورد بأن الولد للفراش وإلا فلم يكن عادتهم الإلحاق به، كذا قاله، وما أدري من أين له هذا الجزم بالنفي، وكأنه بناه على ما قال الخطابي أمة زمعة كانت من البغايا اللاتي عليهن من الضرائب، فكان الإلحاق مختصا باستلحاقها على ما ذكر، أو بإلحاق القائف على ما في حديث عائشة، لكن لم يذكر الخطابي مستندا لذلك، والذي يظهر من سياق القصة ما قدمته أنها كانت أمة مستفرشة لزمعة فاتفق أن عتبة زنى بها كما تقدم، وكانت طريقة الجاهلية في مثل ذلك أن السيد إن استلحقه لحقه وإن نفاه انتفى عنه وإذا ادعاه غيره كان مرد ذلك إلى السيد أو القافة، وقد وقع في حديث ابن الزبير الذي أسوقه بعد هذا ما يؤيد ما قلته، وأما قوله: إن عبد بن زمعة سمع أن الشرع إلخ ففيه نظر، لأنه يبعد أن يسمع ذلك عبد بن زمعة وهو بمكة لم يسلم بعد ولا يسمعه سعد بن أبي وقاص وهو من السابقين الأولين الملازمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حين إسلامه إلى حين فتح مكة نحو العشرين سنة، حتى ولو قلنا إن الشرع لم يرد بذلك إلا في زمن الفتح فبلوغه لعبد قبل سعد بعيد أيضا، والذي يظهر لي أن شرعية ذلك إنما عرفت من قوله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة " الولد للفراش " وإلا فما كان سعد لو سبق علمه بذلك ليدعيه، بل الذي يظهر أن كلا من سعد وعتبة بني على البراءة الأصلية، وأن مثل هذا الولد يقبل النزاع، وقد أخرج أبو داود تلو حديث الباب بسند حسن إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قام رجل فقال: يا رسول الله إن فلانا ابني عاهرت بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الحجر " وقد وقع في بعض طرقه أن ذلك وقع في زمن الفتح وهو يؤيد ما قلته، واستدل بهذه القصة على أن الاستلحاق لا يختص بالأب بل للأخ أن يستلحق وهو قول الشافعية وجماعة بشرط أن يكون الأخ حائزا أو يوافقه باقي الورثة وإمكان كونه من المذكور وأن يوافق على ذلك إن كان بالغا عاقلا وأن لا يكون معروف الأب، وتعقب بأن زمعة كان له ورثة غير عبد، وأجيب بأنه لم يخلف وارثا غيره إلا سودة، فإن كان زمعة مات كافرا فلم يرثه إلا عبد وحده، وعلى تقدير أن يكون أسلم وورثته سودة فيحتمل أن تكون وكلت أخاها في ذلك أو ادعت أيضا، وخص مالك وطائفة الاستلحاق بالأب، وأجابوا بأن الإلحاق لم ينحصر في استلحاق عبد لاحتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك بوجه من الوجوه كاعتراف زمعة بالوطء، ولأنه إنما حكم بالفراش لأنه قال بعد قوله هو لك "الولد للفراش" لأنه لما أبطل الشرع إلحاق هذا الولد بالزاني لم يبق صاحب الفراش. وجرى المزني على القول بأن الإلحاق يختص بالأب فقال: أجمعوا على أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره، والذي عندي في قصة عبد بن زمعة أنه صلى الله عليه وسلم أجاب عن المسألة فأعلمهم أن الحكم كذا بشرط أن يدعي صاحب الفراش لا أنه قبل دعوى سعد عن أخيه عتبة ولا دعوى عبد بن زمعة عن زمعة بل عرفهم أن الحكم في مثلها يكون كذلك. قال ولذلك قال: "احتجبي منه يا سودة" وتعقب بأن قوله لعبد بن زمعة " هو أخوك " يدفع هذا التأويل، واستدل به على أن الوصي يجوز له أن يستلحق ولد موصيه إذا أوصى إليه بأن يستلحقه ويكون كالوكيل عنه في ذلك، وقد مضى التبويب بذلك في كتاب الأشخاص وعلى أن الأمة تصير فراشا بالوطء، فإذا اعترف السيد بوطء أمته أو ثبت ذلك بأي طريق كان ثم أتت بولد لمدة الإمكان بعد الوطء لحقه من غير استلحاق كما في الزوجة، لكن الزوجة تصير فراشا بمجرد العقد فلا يشترط في الاستلحاق إلا الإمكان لأنها تراد الموطء فجعل العقد عليها كالوطء. بخلاف الأمة فإنها تراد لمنافع أخرى فاشترط في حقها الوطء

(12/34)


ومن ثم يجوز الجمع بين الأختين بالملك دون الوطء وهذا قول الجمهور، وعن الحنفية لا تصير الأمة فراشا إلا إذا ولدت من السيد ولدا ولحق به فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه، وعن الحنابلة من اعترف بالوطء فأتت منه لمدة الإمكان لحقه وإن ولدت منه أولا فاستلحقه لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح عندهم، وترجيح المذهب الأول ظاهر لأنه لم ينقل أنه كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر، والكل متفقون على أنها لا تصير فراشا إلا بالوطء، قال النووي: وطء زمعة أمته المذكورة علم إما ببينة وإما باطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. قلت: وفي حديث ابن الزبير ما يشعر بأن ذلك كان أمرا مشهورا وسأذكر لفظه قريبا، واستدل به على أن السبب لا يخرج ولو قلنا إن العبرة بعموم اللفظ. ونقل الغزالي تبعا لشيخه والآمدي ومن تبعه عن الشافعي قولا بخصوص السبب تمسكا بما نقل عن الشافعي أنه ناظر بعض الحنفية لما قال إن أبا حنيفة خص الفراش بالزوجة وأخرج الأمة من عموم " الولد للفراش " فرد عليه الشافعي بأن هذا ورد على سبب خاص، ورد ذلك الفخر الرازي على من قاله بأن مراد الشافعي أن خصوص السبب لا يخرج، والخبر إنما ورد في حق الأمة فلا يجوز إخراجه، ثم رفع الاتفاق على تعميمه في الزوجات لكن شرط الشافعي والجمهور الإمكان زمانا ومكانا، وعن الحنفية يكفي مجرد العقد فتصير فراشا ويلحق الزوج الولد، وحجتهم عموم قوله: "الولد للفراش" لأنه لا يحتاج إلى تقدير وهو الولد لصاحب الفراش لأن المراد بالفراش الموطوءة، ورده القرطبي بأن الفراش كناية عن الموطوءة لكون الواطئ يستفرشها أي يصيرها بوطئه لها فراشا له يعني فلا بد من اعتبار الوطء حتى تسمى فراشا وألحق به إمكان الوطء فمع عدم إمكان الوطء لا تسمى فراشا. وفهم بعض الشراح عن القرطبي خلاف مراده فقال: كلامه يقتضي حصول مقصود الجمهور بمجرد كون الفراش هو الموطوءة وليس هو المراد فعلم أنه لا بد من تقدير محذوف لأنه قال إن الفراش هو الموطوءة والمراد به أن الولد لا يلحق بالواطئ، قال المعترض: وهذا لا يستقيم إلا مع تقدير الحذف. قلت: وقد بينت وجه استقامته بحمد الله، ويؤيد ذلك أيضا أن ابن الأعرابي اللغوي نقل أن الفراش عند العرب يعبر به عن الزوج وعن المرأة والأكثر إطلاقه على المرأة، ومما ورد في التعبير به عن الرجل قول جرير فيمن تزوجت بعد قتل زوجها أو سيدها:
باتت تعانقه وبات فراشها ... خلق العباءة بالبلاء ثقيلا
وقد يعبر به عن حالة الافتراش ويمكن حمل الخبر عليها فلا يتعين الحذف، نعم لا يمكن حمل الخبر على كل واطئ بل المراد من له الاختصاص بالوطء كالزوج والسيد، ومن ثم قال ابن دقيق العيد: معنى "الولد للفراش" تابع للفراش أو محكوم به للفراش أو ما يقارب هذا، وقد شنع بعضهم على الحنفية بأن من لازم مذهبهم إخراج السبب مع المبالغة في العمل بالعموم في الأحوال، وأجاب بعضهم بأنه خصص الظاهر القوي بالقياس، وقد عرف من قاعدته تقديم القياس في مواضع على خبر الواحد وهذا منها، واستدل به على أن القائف إنما يعتمد في الشبه إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه لأن الشارع لم يلتفت هنا إلى الشبه والتفت إليه في قصة زيد بن حارثة، وكذا لم يحكم بالشبه في قصة الملاعنة لأنه عارضه حكم أقوى منه وهو مشروعية اللعان، وفيه تخصيص عموم "الولد للفراش" وقد تمسك بالعموم الشعبي وبعض المالكية وهو شاذ، ونقل عن الشافعي أنه قال: لقوله: "الولد للفراش" معنيان أحدهما هو له ما لم ينفه فإذا نفاه بما شرع له كاللعان انتفى عنه، والثاني إذا تنازع رب الفراش

(12/35)


والعاهر فالولد لرب الفراش. قلت: والثاني منطبق على خصوص الواقعة والأول أعم. قوله: "فتساوقا" أي تلازما في الذهاب بحيث أن كلا منهما كان كالذي يسوق الآخر. قوله: "هو لك يا عبد بن زمعة" كذا للأكثر، وقد تقدم ضبط عبد وأنه يجوز فيه الضم والفتح، وأما ابن فهو منصوب على الحالين، ووقع في رواية للنسائي: "هو لك عبد بن زمعة" بحذف حرف النداء، وقرأه بعض المخالفين بالتنوين وهو مردود فقد وقع في رواية يونس المعلقة في المغازي "هو لك، هو أخوك يا عبد" ووقع لمسدد عن ابن عيينة عند أبي داود "هو أخوك يا عبد" قال ابن عبد البر: تثبت الأمة فراشا عند أهل الحجاز إن أقر سيدها أنه كان يلم بها، وعند أهل العراق إن أقر سيدها بالولد، وقال المازري: يتعلق بهذا الحديث استلحاق الأخ لأخيه، وهو صحيح عند الشافعي إذا لم يكن له وارث سواه، وقد تعلق أصحابه بهذا الحديث لأنه لم يرد أن زمعة ادعاه ولدا ولا اعترف بوطء أمه فكان المعول في هذه القصة على استلحاق عبد بن زمعة، قال: وعندنا لا يصح استلحاق الأخ، ولا حجة في هذا الحديث لأنه يمكن أن يكون ثبت عند النبي صلى الله عليه وسلم أن زمعة كان يطأ أمته فألحق الولد به لأن من ثبت وطؤه لا يحتاج إلى الاعتراف بالوطء، وإنما يصعب هذا على العراقيين ويعسر عليهم الانفصال عما قاله الشافعي لما قررناه أنه لم يكن لزمعة ولد من الأمة المذكورة سابق، ومجرد الوطء لا عبرة به عندهم فيلزمهم تسليم ما قال الشافعي، قال: ولما ضاق عليهم الأمر قالوا الرواية في هذا الحديث: "هو لك عبد بن زمعة" وحذف حرف النداء بين عبد وابن زمعة والأصل يا ابن زمعة، قالوا والمراد أن الولد لا يلحق بزمعة بل هو عبد لولده لأنه وارثه ولذلك أمر سودة بالاحتجاب منه لأنها لم ترث زمعة لأنه مات كافرا وهي مسلمة، قال وهذه الرواية التي ذكروها غير صحيحة ولو وردت لرددناها إلى الرواية المشهورة وقلنا بل المحذوف حرف النداء بين لك وعبد كقوله تعالى حكاية عن صاحب يوسف حيث قال: "يوسف أعرض عن هذا" انتهى. وقد سلك الطحاوي فيه مسلكا آخر فقال: معنى قوله: "هو لك" أي يدك عليه لا أنك تملكه ولكن تمنع غيرك منه إلى أن يتبين أمره كما قال لصاحب اللقطة "هي لك" وقال له "إذا جاء صاحبها فأدها إليه" قال ولما كانت سودة شريكة لعبد في ذلك لكن لم يعلم منها تصديق ذلك ولا الدعوى به ألزم عبدا بما أقر به على نفسه ولم يجعل ذلك حجة عليها فأمرها بالاحتجاب، وكلامه كله متعقب بالرواية الثانية المصرح فيها بقوله: "هو أخوك " فإنها رفعت الإشكال وكأنه لم يقف عليها ولا على حديث ابن الزبير وسودة الدال على أن سودة وافقت أخاها عبدا في الدعوى بذلك. قوله: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" تقدم في غزوة الفتح تعليقا من رواية يونس عن ابن شهاب " قالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد إلخ " وهذا منقطع، وقد وصله غيره عن ابن شهاب، ووقع في رواية يونس أيضا، قال ابن شهاب: وكان أبو هريرة يصيح بذلك، وقد قدمت هناك أن مسلما أخرجه موصولا من رواية ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة وأبي هريرة، وقوله: "وللعاهر الحجر" أي للزاني الخيبة والحرمان، والعهر بفتحتين الزنا، وقيل يختص بالليل، ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدعيه، وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب "له الحجر وبفيه الحجر والتراب" ونحو ذلك، وقيل المراد بالحجر هنا أنه يرجم، قال النووي: وهو ضعيف لأن الرجم مختص بالمحصن، ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد، والخبر إنما سيق لنفي الولد. وقال السبكي: والأول أشبه بمساق الحديث لتعم الخيبة كل زان، ودليل الرجم، مأخوذ من موضع آخر فلا حاجة للتخصيص من غير دليل. قلت: ويؤيد

(12/36)


الأول أيضا ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه " الولد للفراش وفي فم العاهر الحجر " وفي حديث ابن عمر عند ابن حبان: "الولد للفراش وبفي العاهر الأثلب " بمثلثة ثم موحدة بينهما لام وبفتح أوله وثالثه ويكسران قيل هو الحجر وقيل دقاقه وقيل التراب. قوله: "ثم قال لسودة احتجبي منه" في رواية الليث " واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة". قوله: "فما رآها حتى لقي الله" في رواية معمر " قالت عائشة فوالله ما رآها حتى ماتت " وفي رواية الليث " فلم تره سودة قط " يعني في المدة التي بين هذا القول وبين موت أحدهما، وكذا لمسلم من طريقه. وفي رواية ابن جريج في صحيح أبي عوانة مثله، وفي رواية الكشميهني الآتية في حديث الليث أيضا: "فلم تره سودة بعد " وهذه إذا ضمت إلى رواية مالك ومعمر استفيد منها أنها امتثلت الأمر وبالغت في الاحتجاب منه حتى إنها لم تره فضلا عن أن يراها، لأنه ليس في الأمر المذكور دلالة على منعها من رؤيته. وقد استدل به الحنفية على أنه لم يلحقه بزمعة لأنه لو ألحقه به لكان أخا سودة والأخ لا يؤمر بالاحتجاب منه، وأجاب الجمهور بأن الأمر بذلك كان للاحتياط لأنه وإن حكم بأنه أخوها لقوله في الطرق الصحيحة "هو أخوك يا عبد" وإذا ثبت أنه أخو عبد لأبيه فهو أخو سودة لأبيها، لكن لما رأى الشبه بينا بعتبة أمرها بالاحتجاب منه احتياطا، وأشار الخطابي إلى أن في ذلك مزية لأمهات المؤمنين لأن لهن في ذلك ما ليس لغيرهن، قال: والشبه يعتبر في بعض المواطن لكن لا يقضي به إذا وجد ما هو أقوى منه، وهو كما يحكم في الحادثة بالقياس ثم يوجد فيها نص فيترك القياس، قال: وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث وليس بالثابت " احتجبي منه يا سودة فإنه ليس لك بأخ " وتبعه النووي فقال: هذه الزيادة باطلة مردودة، وتعقب بأنها وقعت في حديث عبد الله بن الزبير عند النسائي بسند حسن ولفظه: كانت لزمعة جارية يطؤها وكان يظن بآخر أنه يقع عليها فجاءت بولد يشبه الذي كان يظن به فمات زمعة، فذكرت ذلك سودة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ " ورجال سنده رجال الصحيح إلا شيخ مجاهد وهو يوسف مولى آل الزبير. وقد طعن البيهقي في سنده فقال: فيه جرير وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف وهو غير معروف، وعلى تقدير ثبوته فلا يعارض حديث عائشة المتفق على صحته، وتعقب بأن جريرا هذا لم ينسب إلى سوء حفظ وكأنه اشتبه عليه بجرير بن حازم، وبأن الجمع بينهما ممكن فلا ترجيح، وبأن يوسف معروف في موالي آل الزبير، وعلى هذا فيتعين تأويله، وإذا ثبتت هذه الزيادة تعين تأويل نفي الأخوة عن سودة على نحو ما تقدم من أمرها بالاحتجاب منه، ونقل ابن العربي في "القوانين" عن الشافعي نحو ما تقدم وزاد، ولو كان أخاها بنسب محقق لما منعها كما أمر عائشة أن لا تحتجب من عمها من الرضاعة. وقال البيهقي: معنى قوله: "ليس لك بأخ " إن ثبت ليس لك بأخ شبها فلا يخالف قوله لعبد "هو أخوك". قلت: أو معنى قوله: "ليس لك بأخ" بالنسبة للميراث من زمعة لأن زمعة مات كافرا وخلف عبد بن زمعة والولد المذكور وسودة فلا حق لسودة في إرثه بل حازه عبد قبل الاستلحاق فإذا استلحق الابن المذكور شاركه في الإرث دون سودة فلهذا قال لعبد "هو أخوك" وقل لسودة "ليس لك بأخ" وقال القرطبي بعد أن قرر أن أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط وتوقي الشبهات: ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق أمهات المؤمنين كما قال: "أفعمياوان أنتما " فنهاهما عن رؤية الأعمى مع قوله لفاطمة بنت قيس "اعتدى عند ابن أم مكتوم فإنه أعمى" فغلظ الحجاب في حقهن دون غيرهن، وقد

(12/37)


تقدم في تفسير الحجاب قول من قال: إنه كان يحرم عليهن بعد الحجاب إبراز أشخاصهن ولو كن مستترات إلا لضرورة بخلاف غيرهن فلا يشترط، وأيضا فإن للزوج أن يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها فلعل المراد بالاحتجاب عدم الاجتماع به في الخلوة، وقال ابن حزم: لا يجب على المرأة أن يراها أخوها بل الواجب عليها صلة رحمها، ورد على من زعم أن معنى قوله: "هو لك" أي عبد، بأنه لو قضى بأنه عبد لما أمر سودة بالاحتجاب منه إما لأن لها فيه حصة وإما لأن من في الرق لا يحتجب منه على القول بذلك، وقد تقدم جواب المزني عن ذلك قريبا، واستدل به بعض المالكية على مشروعية الحكم بين حكمين وهو أن يأخذ الفرع شبها من أكثر من أصل فيعطى أحكاما بعدد ذلك، وذلك أن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة في النسب والشبه يقتضي إلحاقه بعتبة فأعطى الفرع حكما بين حكمين فروعي الفراش في النسب والشبه البين في الاحتجاب، قال: وإلحاقه بهما ولو كان من وجه أولى من إلغاء أحدهما من كل وجه. قال ابن دقيق العيد: ويعترض على هذا بأن صورة المسألة ما إذا دار الفرع بين أصلين شرعيين وهنا الإلحاق شرعي للتصريح بقوله: "الولد للفراش" فبقي الأمر بالاحتجاب مشكلا لأنه يناقض الإلحاق فتعين أنه للاحتياط لا لوجوب حكم شرعي وليس فيه إلا ترك مباح مع ثبوت المحرمية. واستدل به على أن حكم الحاكم لا يحل الأمر في الباطن كما لو حكم بشهادة فظهر أنها زور لأنه حكم بأنه أخو عبد وأمر سودة بالاحتجاب بسبب الشبه بعتبة، فلو كان الحكم يحل الأمر في الباطن لما أمرها بالاحتجاب، واستدل به على أن لوطء الزنا حكم وطء الحلال في حرمة المصاهرة وهو قول الجمهور، ووجه الدلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنه أخوها لأجل الشبه بالزاني. وقال مالك في المشهور عنه والشافعي: لا أثر لوطء الزنا بل للزاني أن يتزوج أم التي زنى بها وبنتها، وزاد الشافعي ووافقه ابن الماجشون: والبنت التي تلدها المزني بها ولو عرفت أنها منه، قال النووي: وهذا احتجاج باطل لأنه على تقدير أن يكون من الزنا فهو أجنبي من سودة لا يحل لها أن تظهر له سواء ألحق بالزاني أم لا فلا تعلق له بمسألة البنت المخلوقة من الزنا، كذا قال وهو رد للفرع برد الأصل، وإلا فالبناء الذي بنوه صحيح، وقد أجاب الشافعية عنه بما تقدم أن الأمر بالاحتجاب للاحتياط ويحمل الأمر في ذلك إما على الندب وإما على تخصيص أمهات المؤمنين بذلك، فعلى تقدير الندب فالشافعي قائل به في المخلوقة من الزنا وعلى التخصيص فلا إشكال والله أعلم. ويلزم من قال بالوجوب أن يقول به في تزويج البنت المخلوقة من ماء الزنا فيجيز عند فقد الشبه ويمنع عند وجوده، واستدل به على صحة ملك الكافر الوثني الأمة الكافرة وإن حكمها بعد أن تلد من سيدها حكم القن لأن عبدا وسعدا أطلقا عليها أمة ووليدة ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، كذا أشار إليه البخاري في كتاب العتق عقب هذا الحديث بعد أن ترجم له "أم الولد" ولكنه ليس في أكثر النسخ، وأجيب بأن عتق أم الولد بموت السيد ثبت بأدلة أخرى، وقيل إن غرض البخاري بإيراده أن بعض الحنفية لما ألزم أن أم الولد المتنازع فيه كانت حرة رد ذلك وقال بل كانت عتقت، وكأنه قد ورد في بعض طرقه أنها أمة فمن ادعى أنها عتقت فعليه البيان. قوله: "عن يحيى" هو ابن سعيد القطان ومحمد بن زياد هو الجمحي. قوله: "الولد لصاحب الفراش" كذا في هذه الرواية، وزاد آدم عن شعبة "وللعاهر الحجر" وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة، ولهذا الحديث سبب غير قصة ابن زمعة فقد أخرجه أبو داود وغيره من رواية حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قام رجل فقال لما فتحت مكة: إن فلانا ابني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا دعوة في

(12/38)


الإسلام ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الأثلب. قيل: ما الأثلب؟ قال: الحجر". "تكملة" حديث: "الولد للفراش" قال ابن عبد البر هو من أصح ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عن بضعة وعشرين نفسا من الصحابة فذكره البخاري في هذا الباب عن أبي هريرة وعائشة. وقال الترمذي عقب حديث أبي هريرة: وفي الباب عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو وأبي أمامة وعمرو بن خارجة والبراء وزيد بن أرقم، وزاد شيخنا عليه معاوية وابن عمر، وزاد أبو القاسم بن منده في تذكرته معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والحسين ابن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقاص وسودة بنت زمعة، ووقع لي من حديث ابن عباس وأبي مسعود البدري وواثلة بن الأسقع وزينب بنت جحش، وقد رقمت عليها علامات من أخرجها من الأئمة فطب علامة الطبراني في الكبير وطس علامته في الأوسط وبز علامة البزار وص علامة أبي يعلى الموصلي وتم علامة تمام في فوائده وجميع هؤلاء وقع عندهم "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ومنهم من اقتصر على الجملة الأولى وفي حديث عثمان قصة وكذا علي وفي حديث معاوية قصة أخرى له مع نصر بن حجاج وعبد الرحمن ابن خالد بن الوليد فقال له نصر: فأين قضاؤك في زياد؟ فقال: قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من قضاء معاوية. وفي حديث أبي أمامة وابن مسعود وعبادة أحكام أخرى، وفي حديث عبد الله بن حذافة قصة له في سؤاله عن اسم أبيه، وفي حديث ابن الزبير قصة نحو قصة عائشة باختصار وقد أشرت إليه، وفي حديث سودة نحوه ولم تسم في رواية أحمد بل قال: "عن بنت زمعة" وفي حديث زينب قصة ولم يسم أبوها بل فيه: "عن زينب الأسدية" وبالله التوفيق. وجاء من مرسل عبيد بن عمير وهو أحد كبار التابعين أخرجه ابن عبد البر بسند صحيح إليه.

(12/39)


باب الولاء لمن أعتق ، و ميراث اللقيط
...
19- باب: الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ. وَقَالَ عُمَرُ: اللَّقِيطُ حُرٌّ
6751- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اشْتَرِيهَا فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ " وَأُهْدِيَ لَهَا شَاةٌ، فَقَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ. قَالَ الْحَكَمُ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، وَقَوْلُ الْحَكَمِ مُرْسَلٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا
6752- حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إنما الولاء لمن أعتق"
قوله: "باب إنما الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، وقال عمر: اللقيط حر" هذه الترجمة معقودة لميراث اللقيط فأشار إلى ترجيح قول الجمهور أن اللقيط حر وولاؤه في بيت المال، وإلى ما جاء عن النخعي أن ولاءه للذي التقطه واحتج بقول عمر لأبي جميلة في الذي التقطه "اذهب فهو حر وعلينا نفقته ولك ولاؤه" وتقدم هذا الأثر معلقا بتمامه في أوائل الشهادات وذكرت هناك من وصله، وأجبت عنه بأن معنى قول عمر "لك ولاؤه" أي أنت الذي تتولى تربيته والقيام بأمره فهي ولاية الإسلام لا ولاية العتق، والحجة لذلك صريح الحديث المرفوع "إنما الولاء لمن أعتق" فاقتضى أن من لم يعتق لا ولاء له لأن العتق يستدعي سبق ملك واللقيط من دار الإسلام لا يملكه الملتقط

(12/39)


لأن الأصل في الناس الحرية إذ لا يخلو المنبوذ أن يكون ابن حرة فلا يسترق أو ابن أمة قوم فميراثه لهم فإذا جهل وضع في بيت المال ولا رق عليه للذي التقطه، وجاء عن علي أن اللقيط مولى من شاء وبه قال الحنفية إلى أن يعقل عنه فلا ينتقل بعد ذلك عمن عقل عنه، وقد خفي كل هذا على الإسماعيلي فقال: "ذكر ميراث اللقيط" في ترجمة الباب وليس له في الحديث ذكر ولا عليه دلالة، يريد أن حديث عائشة وابن عمر مطابق لترجمة "إنما الولاء لمن أعتق" وليس في حديثهما ذكر ميراث اللقيط، وقد جرى الكرماني على ذلك فقال: فإذ قلت فأين ذكر ميراث اللقيط؟ قلت: هو ما ترجم به ولم يتفق له إيراد الحديث فيه. قلت: وهذا كله إنما هو بحسب الظاهر، وأما بحسب تدقيق النظر ومناسبة إيراده في أبواب المواريث فبيانه ما قدمت والله أعلم. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن اللقيط حر إلا رواية عن النخعي، وعنه كالجماعة، وعنه كالمنقول عن الحنفية، وقد جاء عن شريح نحو الأول وبه قال إسحاق بن راهويه. قوله: "الحكم" هو ابن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغر، وإبراهيم هو النخعي، والأسود هو ابن يزيد والثلاثة تابعيون كوفيون. قوله: "قال الحكم وكان زوجها حرا" هو موصول إلى الحكم بالإسناد المذكور، ووقع في رواية الإسماعيلي من رواية أبي الوليد عن شعبة مدرجا في الحديث، ولم يقل ذلك الحكم من قبل نفسه فسيأتي في الباب الذي يليه من طريق منصور عن إبراهيم أن الأسود قاله أيضا فهو سلف الحكم فيه. قوله: "وقول الحكم مرسل" أي ليس بمسند إلى عائشة راوية الخبر فيكون في حكم المتصل المرفوع. قوله: "وقال ابن عباس رأيته عبدا" زاد في الباب الذي يليه "وقول الأسود منقطع" أي لم يصله بذكر عائشة فيه وقول ابن عباس أصح لأنه ذكر أنه رآه، وقد صح أنه حضر القصة وشاهدها فيترجح قوله على قول من لم يشهدها، فإن الأسود لم يدخل المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الحكم فولد بعد ذلك بدهر طويل، ويستفاد من تعبير البخاري قول الأسود منقطع جواز إطلاق المنقطع في موضع المرسل خلافا لما اشتهر في الاستعمال من تخصيص المنقطع بما يسقط منه من أثناء السند واحد إلا في صورة سقوط الصحابي بين التابعي والنبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك يسمى عندهم المرسل، ومنهم من خصه بالتابعي الكبير فيستفاد من قول البخاري أيضا: "وقول الحكم مرسل" أنه يستعمل في التابعي الصغير أيضا لأن الحكم من صغار التابعين، واستدل به لإحدى الروايتين عن أحمد أن من أعتق عن غيره فالولاء للمعتق والأجر للمعتق عنه، وسيأتي البحث فيه في " باب ما يرث النساء من الولاء".

(12/40)


20- باب: مِيرَاثِ السَّائِبَةِ
6753- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ هُزَيْلٍ عَنْ "عَبْدِ اللَّهِ قَالَ إِنَّ أَهْلَ الإِسْلاَمِ لاَ يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ"
6754- حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ "أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ لِتُعْتِقَهَا وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلاَءَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ لِأُعْتِقَهَا وَإِنَّ أَهْلَهَا يَشْتَرِطُونَ وَلاَءَهَا فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، أَوْ قَالَ: "أَعْطَى الثَّمَنَ" قَالَ: فَاشْتَرَتْهَا فَأَعْتَقَتْهَا قَالَ: وَخُيِّرَتْ"

(12/40)


فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَقَالَتْ: لَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ مَعَهُ" قَالَ الأَسْوَدُ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا" قَوْلُ الأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ "رَأَيْتُهُ عَبْدًا أَصَحُّ"
قوله: "باب ميراث السائبة" بمهملة وموحدة بوزن فاعلة وتقدم بيانها في تفسير المائدة، والمراد بها في الترجمة العبد الذي يقول له سيده لا ولاء لأحد عليك أو أنت سائبة يريد بذلك عتقه وأن لا ولاء لأحد عليه، وقد يقول له أعتقتك سائبة أو أنت حر سائبة، ففي الصيغتين الأوليين يفتقر في عتقه إلى نية وفي الأخريين يعتق، واختلف في الشرط فالجمهور على كراهيته وشذ من قال بإباحته، واختلف في ولائه، وسأبينه في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى. قوله: "عن هزيل" في رواية يزيد بن أبي حكيم العدني عن سفيان عند الإسماعيلي: "حدثني هزيل بن شرحبيل" وهو بالزاي مصغر، ووهم من قاله بالذال المعجمة وقد تقدم ذلك قريبا، وأن سفيان في السند هو الثوري وأن أبا قيس هو عبد الرحمن. قوله: "عن عبد الله" هو ابن مسعود. قوله: "إن أهل الإسلام لا يسبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسبون" هذا طرف من حديث أخرجه الإسماعيلي بتمامه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بسنده هذا إلى هزيل قال: "جاء رجل إلى عبد الله فقال إني أعتقت عبدا لي سائبة فمات فترك مالا ولم يدع وارثا، فقال عبد الله " فذكر حديث الباب وزاد: "وأنت ولي نعمته فلك ميراثه، فإن تأثمت أو تحرجت في شيء فنحن نقبله ونجعله في بيت المال" وفي رواية العدني "فإن تحرجت" ولم يشك وقال: "فأرنا (1) نجعله في بيت المال " ومعنى " تأثمت " بالمثلثة قبل الميم خشيت أن تقع في الإثم، وتحرجت بالحاء المهملة ثم الجيم بمعناه، وبهذا الحكم في السائبة قال الحسن البصري وابن سيرين والشافعي وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن سيرين " أن سالما مولى أبي حذيفة الصحابي المشهور أعتقته امرأة من الأنصار سائبة وقالت له وال من شئت، فوالى أبا حذيفة، فلما استشهد باليمامة دفع ميراثه للأنصارية أو لابنها " وأخرج ابن المنذر من طريق بكر بن عبد الله المزني " أن ابن عمر أتى بمال مولى به مات فقال إنا كنا أعتقناه سائبة فأمر أن يشتري بثمنه رقابا فتعتق " وهذا يحتمل أن يكون فعله على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب، وقد أخذ بظاهره عطاء فقال: إذا لم يخلف السائبة وارثا دعي الذي أعتقه فإن قبل ماله وإلا ابتيعت به رقاب فأعتقت، وفيه مذهب آخر أن ولاءه للمسلمين يرثونه ويعقلون عنه، قاله عمر ابن عبد العزيز والزهري، وهو قول مالك، وعن الشعبي والنخعي والكوفيين: لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته، قال ابن المنذر: واتباع ظاهر قوله: "الولاء لمن أعتق" أولى. قلت: وإلى ذلك أشار البخاري بإيراد حديث عائشة في قصة بريرة وفيه: "فإنما الولاء لمن أعتق، وفيه قول الأسود إن زوج بريرة كان حرا، وقد تقدم الكلام على ذلك في الباب الذي قبله.
ـــــــ
(1) كذا في النسخ بالراء، ولعله محرف من "فآذنا"

(12/41)


21- باب: إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ
6755- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ "قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ: فَأَخْرَجَهَا فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ

(12/41)


وَأَسْنَانِ الإِبِلِ قَالَ: وَفِيهَا" الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ. وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ"
6756- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ"
قوله: "باب إثم من تبرأ من مواليه" هذه الترجمة لفظ حديث. أخرجه أحمد والطبراني من طريق سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لله عبادا لا يكلمهم الله تعالى " الحديث وفيه: "ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم " وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه عند أحمد " كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق " وله شاهد عن أبي بكر الصديق، وأما حديث الباب فلفظه: "من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " ومثله لأحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان عن ابن عباس، ولأبي داود من حديث أنس " فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة " وقد مضى شرح حديث الباب في فضل المدينة وفي الجزية ويأتي في الديات، وفي معنى حديث علي في هذا حديث عائشة مرفوعا: "من تولى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار " صححه ابن حبان، ووالد إبراهيم التيمي الراوي له عن علي اسمه يزيد بن شريك، وقد رواه عن علي جماعة منهم أبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي ومضى في كتاب العلم، وذكرت هناك وفي فضائل المدينة اختلاف الرواة عن علي فيما في الصحيفة وأن جميع ما رووه من ذلك كان فيها، وكان فيها أيضا ما مضى في الخمس من حديث محمد بن الحنفية أن أباه علي بن أبي طالب أرسله إلى عثمان بصحيفة فيها فرائض الصدقة، فإن رواية طارق بن شهاب عن علي في نحو حديث الباب عند أحمد أنه كان في صحيفته فرائض الصدقة، وذكرت في العلم سبب تحديث علي بن أبي طالب بهذا الحديث وإعراب قوله: "إلا كتاب الله" وتفسير الصحيفة وتفسير العقل، ومما وقع فيه في العلم " لا يقتل مسلم بكافر " وأحلت بشرحه على كتاب الديات، والذي تضمنه حديث الباب مما في الصحيفة المذكورة أربعة أشياء: أحدها الجراحات وأسنان الإبل، وسيأتي شرحه في الديات، وهل المراد بأسنان الإبل المتعلقة بالخراج أو المتعلقة بالزكاة أو أعم من ذلك. ثانيها "المدينة حرم" وقد مضى شرحه مستوفى في مكانه في فضل المدينة في أواخر الحج، وذكرت فيه ما يتعلق بالسند، وبيان الاختلاف في تفسير الصرف والعدل. ثالثها "ومن والي قوما" هو المقصود هنا وقوله فيه: "بغير إذن مواليه " قد تقدم هناك أن الخطابي زعم أن له مفهوما وهو أنه إذا استأذن مواليه منعوه، ثم راجعت كلام الخطابي وهو ليس إذن الموالي شرطا في ادعاء نسب وولاء ليس هو منه وإليه، وإنما ذكر تأكيدا للتحريم ولأنه إذا استأذنهم منعوه وحالوا بينه وبين ما يفعل من ذلك انتهى، وهذا لا يطرد لأنهم قد يتواطئون معه على ذلك لغرض ما، والأولى ما قال

(12/42)


غيره إن التعبير بالإذن ليس لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه وإنما ورد الكلام بذلك على أنه الغالب انتهى. ويحتمل أن يكون قول "من تولى" شاملا للمعنى الأعم من الموالاة وأن منها مطلق النصرة والإعانة والإرث، ويكون قوله: "بغير إذن مواليه" يتعلق بمفهومه بما عدا الميراث، ودليل إخراجه حديث: "إنما الولاء لمن أعتق " والعلم عند الله تعالى. وكأن البخاري لحظ هذا فعقب الحديث بحديث ابن عمر في النهي عن بيع الولاء وعن هبته، فإنه يؤخذ منه عدم اعتبار الإذن في ذلك بطريق الأولى، لأنه إذا منع السيد من بيع الولاء مع ما تحصل له من العوض ومن هبته مع ما يحصل له من المانة بذلك فمنعه من الإذن بغير عرض ولا مانة أولى، وهو مندرج في الهبة. وفي الحديث أن انتماء المولى من أسفل إلى غير مولاه من فوق حرام لما فيه من كفر النعمة وتضييع حق الإرث بالولاء والعقل وغير ذلك، وبه استدل مالك على ما ذكره عنه ابن وهب في موطئه قال: سئل عن عبد يبتاع نفسه من سيده على أنه يوالي من شاء فقال لا يجوز ذلك واحتج بحديث ابن عمر ثم قال: فتلك الهبة المنهي عنها، وقد شذ عطاء ابن أبي رباح بالأخذ بمفهوم هذا الحديث فقال فيما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عنه: إن أذن الرجل لمولاه أن يوالي من شاء جاز، واستدل بهذا الحديث، قال ابن بطال: وجماعة الفقهاء على خلاف ما قال عطاء، قال: ويحمل حديث علي على أنه جرى على الغالب مثل قوله تعالى :{وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} وقد أجمعوا على أن قتل الولد حرام سواء خشي الإملاق أم لا، وهو منسوخ بحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته. قلت: قد سبق عطاء إلى القول بذلك عثمان، فروى ابن المنذر أن عثمان اختصموا إليه في نحو ذلك فقال للعتيق: وال من شئت، وأن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس وولده، والحديث الصحيح مقدم على جميع ذلك فلعله لم يبلغ هؤلاء أو بلغهم وتأولوه وانعقد الإجماع على خلاف قولهم. قال ابن بطال، وفي الحديث لأنه لا يجوز للعتيق أن يكتب فلان ابن فلان ويسمي نفسه ومولاه الذي أعتقه، بل يقول فلان مولى فلان، ولكن يجوز له أن ينتسب إلى نسبه كالقرشي وغيره، قال والأولى أن يفصح بذلك أيضا كأن يقول: القرشي بالولاء أو مولاهم. قال: وفيه أن من علم ذلك وفعله سقطت شهادته لما ترتب عليه من الوعيد ويجب عليه التوبة والاستغفار. وفيه جواز لعن أهل الفسق عموما ولو كانوا مسلمين. رابعها "وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الجزية، وأما حديث الباب الثاني فقد مضى في كتاب العتق وأحلت بشرحه على ما هنا. قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري. قوله: "عن عبد الله بن دينار" هكذا قال الحفاظ من أصحاب سفيان الثوري عنه، منهم عبد الرحمن بن مهدي ووكيع وعبد الله بن نمير وغيرهم. قوله: "عن ابن عمر" في رواية الإسماعيلي من طريق أحمد بن سنان عن عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة وسفيان عن ابن دينار " سمعت ابن عمر " وقد اشتهر هذا الحديث عن عبد الله بن دينار حتى قال مسلم لما أخرجه في صحيحه: الناس في هذا الحديث عيال عليه. وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار رواه عنه سعيد وسفيان ومالك، ويروى عن شعبة أنه قال وددت أن عبد الله ابن دينار لما حدث بهذا الحديث أذن لي حتى كنت أقوم إليه فأقبل رأسه. قال الترمذي: وروى يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار. قلت: وصل رواية يحيى بن سليم ابن ماجه، ولم ينفرد به يحيى بن سليم فقد تابعه أبو ضمرة أنس بن عياض ويحيى بن سعيد الأموي كلاهما عن عبيد الله بن عمر أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريقهما لكن قرن كل منهما نافعا بعبد الله بن دينار،

(12/43)


وأخرجه ابن حبان في الثقات في ترجمة أحمد بن أبي أوفى وساقه من طريقه عن شعبة عن عبد الله بن دينار وعمرو بن دينار جميعا عن ابن عمر وقال عمرو بن دينار غريب، وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار فأورده عن خمسة وثلاثين نفسا ممن حدث به عن عبد الله ابن دينار منهم من الأكابر يحيى بن سعيد الأنصاري وموسى بن عقبة ويزيد بن الهاد وعبيد الله العمري وهؤلاء من صغار التابعين وممن دونهم مسعر والحسن بن صالح بن حي وورقاء وأيوب بن موسى وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. وعبد العزيز بن مسلم وأبو أويس، وممن لم يقع له ابن جريج وهو عند أبي عوانة وسليمان ابن بلال وهو عند مسلم وأحمد بن حازم المغافري في جزء الهروي من طريق الطبراني. قوله: "عن ابن عمر" في رواية أبي داود الحفري عن سفيان عند الإسماعيلي: "سمعت ابن عمر" وكذا مضى في العتق من رواية شعبة وفي مسند الطيالسي عن شعبة " قلت لعبد الله بن دينار أنت سمعت هذا من ابن عمر؟ قال: نعم، سأله ابنه عنه، وذكره أبو عوانة عن بهز بن أسيد عن شعبة " قلت لابن دينار أنت سمعته من ابن عمر؟ قال: نعم وسأله ابنه حمزة عنه، وكذا وقع في رواية عفان عن شعبة عند أبي نعيم، وأخرجه من وجه آخر أن شعبة قال: "قلت لابن دينار: والله لقد سمعت ابن عمر يقول هذا؟ فيحلف له " وقيل لابن عيينة إن شعبة يستحلف عبد الله بن دينار، قال لكنا لم نستحلفه سمعته منه مرارا رويناه في مسند الحميدي عن سفيان، وأخرجه الدار قطني في " غرائب مالك " من طريق الحسن بن زياد اللؤلؤي عن مالك عن ابن دينار عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سأل أباه عن شراء الولاء فذكر الحديث، فهذا ظاهره أن ابن دينار لم يسمعه من ابن عمر وليس كذلك، وقال ابن العربي في "شرح الترمذي": تفرد بهذا الحديث عبد الله بن دينار وهو من الدرجة الثانية من الخبر لأنه لم يذكر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه نقل معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الولاء لمن أعتق " قلت: ويؤيده أن ابن عمر روى هذا الحديث عن عائشة في قصة بريرة كما مضى في العتق، لكن جاءت عنه صيغة الحديث من وجه آخر أخرجه النسائي وأبو عوانة من طريق الليث عن يحيى بن أيوب عن مالك ولفظه: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهي عن بيع الولاء وعن هبته " ووقع في رواية محمد بن أبي سليمان التي أشرت إليها بلفظ: "الولاء لا يباع ولا يوهب " وفي رواية عتبان بن عبيد عن شعبة مثله ذكره أبو نعيم، وزاد محمد بن سليمان الخراز في السند عن ابن عمر "عن عمر" فوهم أخرجه الدار قطني أيضا وضعفه، واتفق جميع من ذكرنا على هذا اللفظ وخالفهم أبو يوسف القاضي فرواه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظ: "الولاء لحمة كلحمة النسب" أخرجه الشافعي ومن طريقه الحاكم ثم البيهقي، وأدخل بشر بن الوليد بين أبي يوسف وبين ابن دينار عبيد الله بن عمر أخرجه أبو يعلى في مسنده عنه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، وأخرجه أبو نعيم من طريق عبد الله بن جعفر بن أعين عن بشر فزاد في المتن "لا يباع ولا يوهب" ومن طريق عبد الله بن نافع عن عبد الله بن دينار " إنما الولاء نسب لا يصح بيعه ولا هبته " والمحفوظ في هذا ما أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن داود بن أبي هند عن سعيد ابن المسيب موقوفا عليه " الولاء لحمة كلحمة النسب " وكذا ما أخرجه البزار والطبراني من طريق سليمان ابن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده رفعه: "الولاء ليس بمنتقل ولا متحول " وفي سنده المغيرة بن جميل وهو مجهول، نعم عن ابن عباس من قوله الولاء لمن أعتق لا يجوز بيعه ولا هبته. وقال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز تحويل النسب فإذا كان حكم الولاء حكم النسب فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء، وكانوا في

(12/44)


الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى الشرع عن ذلك، وقال ابن عبد البر: اتفق الجماعة على العمل بهذا الحديث إلا ما روي عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء. قلت: وقد تقدم البحث فيه في الباب الذي قبله. وقال ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء وكذا عن عروة، وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء وكذا عن ابن عباس ولعلهم لم يبلغهم الحديث، قلت: قد أنكر ذلك ابن مسعود في زمن عثمان فأخرج عبد الرزاق عنه أنه كان يقول: أيبيع أحدكم نسبه؟ ومن طريق علي: الولاء شعبة من النسب، ومن طريق جابر أنه أنكر بيع الولاء وهبته، ومن طريق عطاء أن ابن عمر كان ينكره، ومن طريق عطاء عن ابن عباس لا يجوز وسنده صحيح ومن ثم فصلوا في النقل عن ابن عباس بين البيع والهبة، وقال ابن العربي: معنى "الولاء لحمة كلحمة النسب" أن الله أخرجه بالحرمة إلى النسب حكما كما أن الأب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حسا لأن العبد كان كالمعدوم في حق الأحكام لا يقضي ولا يلي ولا يشهد، فأخرجه سيده بالحرية إلى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلما شابه حكم النسب أنيط بالمعتق فلذلك جاء " إنما الولاء لمن أعتق " وألحق برتبة النسب فنهى عن بيعه وهبته، وقال القرطبي استدل للجمهور بحديث الباب، ووجه الدلالة أنه أمر وجودي لا يتأتى الانفكاك عنه كالنسب، فكما لا تنتقل الأبوة والجدودة فكذلك لا ينتقل الولاء، إلا أنه يصح في الولاء جرما يترتب عليه من الميراث كما لو تزوج عبد معتقة آخر فولد له منها ولد فإنه ينعقد حرا لحرية أمه فيكون ولاؤه لمواليها لو مات في تلك الحالة، ولو أعتق السيد أباه قبل موت الولد فإن ولاءه ينتقل إذا مات لمعتق أبيه اتفاقا انتهى. وهذا لا يقدح في الأصل المذكور أن "الولاء لحمة كلحمة النسب" لأن التشبيه لا يستلزم التسوية من كل وجه، واختلف فيمن اشترى نفسه من سيده كالمكاتب فالجمهور على أن ولاءه لسيده وقيل لا ولاء عليه، وفي ولاء من أعتق سائبة وقد تقدم قريبا.

(12/45)


22- باب إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ، وَكَانَ الْحَسَنُ لاَ يَرَى لَهُ وِلاَيَةً وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" وَيُذْكَرُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ
6757- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلاَءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "لاَ يَمْنَعُكِ ذَلِكِ فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"
6758- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلاَءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ". قَالَتْ فَأَعْتَقْتُهَا، قَالَتْ: "فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا" فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا بِتُّ عِنْدَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا".
قوله: "باب إذا أسلم على يديه" كذا للنسفي، وزاد الفربري والأكثر "رجل" ووقع في رواية الكشميهني:

(12/45)


"الرجل" وبالتنكر أولى. قوله: "وكان الحسن لا يرى له ولاية" كذا للأكثر، وفي رواية الكشميهني: "ولاء" بالهمز بدل الياء، من الولاء وهو المراد بالولاية، وأثر الحسن هذا وهر البصري وصله سفيان الثوري في جامعه عن مطرف عن الشعبي وعن وهو ابن عبيد عن الحسن قالا في الرجل يوالي الرجل قالا: هو بين المسلمين وقال سفيان: وبذلك أقول. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان، وكذا رواه الدارمي عن أبي نعيم عن سفيان، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا من طريق يونس عن الحسن: لا يرثه، إلا إن شاء أوصى له بماله. قوله: "ويذكر عن تميم الداري رفعه: هو أولى الناس بمحياه ومماته" هذا الحديث أغفله من صنف في الأطراف وكذا من صنف في رجال البخاري، لم يذكروا تميما الداري فيمن أخرج له، وهو ثابت في جميع النسخ هنا. وذكر البخاري من روايته حديثا في الإيمان لكن جعله ترجمة باب وهو "الدين النصيحة" وقد أخرجه مسلم من حديثه وليس له عنده غيره، وقد تكلمت عليه هناك، وذكرته من حديث أبي هريرة وغيره أيضا فلم تعين المراد في تميم، وهو ابن أوس بن خارجة بن سواد اللخمي ثم الداري نسب إلى بنى الدار بن لخم، وكان من أهل الشام ويتعاطى التجارة في الجاهلية، وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم فيقبل منه، وكان إسلامه سنة تسع من الهجرة، وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وهو على المنبر عن تميم بقصة الجساسة والدجال وعد ذلك في مناقبه، وفي رواية الأكابر عن الأصاغر، وقد وجدت رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن غير تميم، وذلك فيما أخرجه أبو عبد الله بن منده في "معرفة الصحابة" في ترجمة زرعة بن سيف بن ذي يزن فساق بسنده إلى زرعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه كتابا وفيه: "وأن مالك بن مزرد الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت وقاتلت المشركين فأبشر بخير، الحديث. وكان تميم الداري من أفاضل الصحابة وله مناقب، وهو أول من أسرج المساجد وأول من قضى على الناس أخرجهما الطبراني، وسكن تميم بيت المقدس وكان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطعه عيون وغيرها إذا فتحت ففعل فتسلمها بذلك لما فتحت في زمن عمر، ذكر ذلك ابن سعد وغيره، ومات تميم سنة أربعين. وقوله: "رفعه: "هو في معنى قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ونحوها، وقد وصله البخاري في تاريخه وأبو داود. وابن أبي عاصم والطبراني والباغندي في "مسند عمر بن عبد العزيز" بالعنعنة كلهم من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: "سمعت عبيد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري قال: قلت يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي رجل من المسلمين؟ قال: هو أولى الناس بمحياه ومماته " قال البخاري قال بعضهم عن ابن موهب سمع تميما ولا يصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولاء لمن أعتق " وقال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن موهب، وابن موهب ليس بالمعروف ولا نعلمه لقي تميما ومثل هذا لا يثبت، وقال الخطابي: ضعف أحمد هذا الحديث. وأخرجه أحمد والدارمي والترمذي والنسائي من رواية وكيع وغيره عن عبد العزيز عن ابن موهب عن تميم. وصرح بعضهم بسماع ابن موهب من تميم. وأما الترمذي فقال: ليس إسناده بمتصل. قال: وأدخل بعضهم بين ابن موهب وبين تميم قبيصة رواه يحيى بن حمزة. قلت: ومن طريقه أخرجه من بدأت بذكره، وقال بعضهم إنه تفرد فيه بذكر قبيصة، وقد رواه أبو إسحاق السبيعي عن ابن موهب بدون ذكر تميم أخرجه النسائي أيضا، وقال ابن المنذر: هذا الحديث مضطرب: هل هو عن ابن موهب عن تميم أو بينهما قبيصة؟ وقال بعض الرواة فيه عن عبد الله بن موهب وبعضهم ابن موهب وعبد العزيز راويه ليس بالحافظ. قلت: هو من رجال البخاري كما تقدم

(12/46)


في الأشربة ولكنه ليس بالمكثر، وأما ابن موهب فلم يدرك تميما، وقد أشار النسائي إلى أن الرواية التي وقع التصريح فيها بسماعه من تميم خطأ ولكن وثقه بعضهم، وكان عمر بن عبد العزيز ولاه القضاء، ونقل أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسند له صحيح عن الأوزاعي أنه كان يدفع هذا الحديث ولا يرى له وجها، وصحح هذا الحديث أبو زرعة الدمشقي وقال: "هو حديث حسن الخرج متصل " وإلى ذلك أشار البخاري بقوله واختلفوا في صحة هذا الخبر، وجزم في " التاريخ " بأنه لا يصح لمعارضته حديث: "إنما الولاء لمن أعتق " ويؤخذ منه أنه لو صح سنده لما قاوم هذا الحديث، وعلى التنزل فتردد في الجمع هل يخص عموم الحديث المتفق على صحته بهذا فيستثنى منه من أسلم أو تؤول الأولوية في قوله: "أولى الناس " بمعنى النصرة والمعاونة وما أشبه ذلك لا بالميراث ويبقى الحديث المتفق على صحته على عمومه؟ جنح الجمهور إلى الثاني ورجحانه ظاهر، وبه جزم ابن القصار فيما حكاه ابن بطال فقال: لو صح الحديث لكان تأويله أنه أحق بموالاته في النصر والإعانة والصلاة عليه إذا مات ونحو ذلك، ولو جاء الحديث بلفظ أحق بميراثه لوجب تخصيص الأول والله أعلم. قال ابن المنذر: قال الجمهور بقول الحسن في ذلك، وقال حماد وأبو حنيفة وأصحابه وروي عن النخعي أنه يستمر إن عقل عنه، وإن لم يعقل عنه فله أن يتحول لغيره واستحق الثاني وهلم جرا، وعن النخعي قول آخر: ليس له أن يتحول، وعنه إن استمر إلى أن مات تحول عنه وبه قال إسحاق وعمر بن عبد العزيز، ووقع ذلك في طريق الباغندي التي أسلفتها، وفي غيرها أنه أعطى رجلا أسلم على يديه رجل فمات وترك مالا وبنتا نصف المال الذي بقي بعد نصيب البنت. ثم ذكر المصنف حديث ابن عمر في قصة بريرة من أجل قوله فيه: "فإن الولاء لمن أعتق، لأن اللام فيه للاختصاص أي الولاء مختص بمن أعتق، وقد تقدم توجيهه. وقوله فيه: "لا يمنعك" وقع في رواية الكشميهني: "لا يمنعك" بالتأكيد. ثم ذكر حديث عائشة في ذلك مختصرا وقال في آخره: "قال وكان زوجها حرا" وقد تقدم قبل باب من وجه آخر عن منصور أن قائل ذلك هو الأسود راويه عن عائشة، وفي الباب الذي قبله من طريق الحكم عن إبراهيم أنه الحكم، ومضى الكلام على ذلك مستوفى بحمد الله تعالى، ومحمد المذكور في أول السند الثاني قال أبو علي العساني هو ابن سلام إن شاء الله، وجرير هو ابن عبد الحميد. قلت: وقد وقع في الاستقراض "حدثنا محمد حدثنا جرير" كذا عند الأكثر غير منسوب ووقع في رواية أبي علي بن شبوية عن الفربري "محمد بن سلام" وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: "محمد بن يوسف " يعني البيكندي، وليس في الكتاب محمد عن جرير سوى هذين الموضعين والمرجح أنه ابن سلام، وقد أغرب أبو نعيم فأخرج الحديث من طريق عثمان ابن أبي شيبة عن جرير ثم قال: أخرجه البخاري عن عثمان، كذا وجدته وما أظنه إلا ذهولا.

(12/47)


23- باب: مَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلاَءِ
6759- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ الْوَلاَءَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"
6760- حَدَّثَنَا ابْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ وَوَلِيَ النِّعْمَةَ"

(12/47)


قوله: "باب ما يرث النساء من الولاء" ذكر في حديث ابن عمر المذكور في الباب قبله من وجه آخر عن نافع وحديث عائشة من وجه آخر عن منصور مقتصرا على قوله: "الولاء لمن أعطى الورق وولي النعمة " وهذا اللفظ لوكيع عن سفيان الثوري عن منصور، وقد أخرجه الترمذي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بملفظ: "أنها أرادت أن تشتري بريرة فاشترطوا الولاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فذكره. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق وكيع أيضا ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي جميعا عن سفيان تاما وقال: لفظهما واحد، فعرف أن وكيعا كان ربما اختصره، وعرف أنه في قصة بريرة، وقد ذكره أصحاب منصور كأبي عوانة بلفظ: "إنما الولاء لمن أعتق" وكذلك ذكره أصحاب إبراهيم كالحاكم والأعمش وأصحاب الأسود وأصحاب عائشة وكلها في الكتب الستة، وتفرد الثوري وتابعه جرير عن منصور بهذا اللفظ، فيحتمل أن يكون منصور رواه لهما بالمعنى، وقد تفرد الثوري بزيادة قوله: "وولي النعمة" ومعنى قوله أعطى الورق أي الثمن، وإنما عبر بالورق لأنه الغالب، ومعنى قوله: "وولي النعمة" أعتق، ومطابقته لقوله: "الولاء لمن أعتق" أن صحة العتق تستدعي سبق ملك والملك يستدعي ثبوت العوض، قال ابن بطال: هذا الحديث يقتضي أن الولاء لكل معتق ذكرا كان أو أنثى وهو مجمع عليه، وأما جر الولاء فقال الأبهري: ليس بين الفقهاء اختلاف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أولاد من أعتقن، إلا ما جاء عن مسروق أنه قال: لا يختص الذكور بولاء من أعتق آباؤهم بل الذكور والإناث فيه سواء كالميراث، ونقل ابن المنذر عن طاوس مثله، وعليه اقتصر سحنون فيما نقله ابن التين، وتعقب الحصر الذي ذكره الأبهري تبعا لسحنون وغيره بأنه يرد عليه ولد الإناث من ولد من أعتقن، قال: والعبارة السالمة أن يقال إلا ما أعتقن أو جره إليهن من أعتقن بولادة أو عتق، احترازا ممن لها ولد من زنا أو كانت ملاعنة أو كان زوجها عبدا فإن ولاء ولد هؤلاء كلهن لمعتق الأم، والحجة للجمهور اتفاق الصحابة، ومن حيث النظر أن المرأة لا تستوعب المال بالفرض الذي هو آكد من التعصيب، فاختص بالولاء من يستوعب المال وهو الذكر وإنما ورثن من عتقن لأنه عن مباشرة لا عن جر الإرث، واستدل بقوله: "الولاء لمن أعطى الورق " على من قال فيمن أعتق عن غيره بوصية من المعتق عنه أن الولاء للمعتق عملا بعموم قوله: "الولاء لمن أعتق " وموضع الدلالة منه قوله: "الولاء لمن أعطى الورق" فدل على أن المراد بقوله: "لمن أعتق " لمن كان من عتق في ملكه حين العتق لا لمن باشر العتق فقط.

(12/48)


باب مولى القوم من أنفسهم ، و ابن الأخت منهم
...
24- باب مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَابْنُ الأُخْتِ مِنْهُمْ
6761- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وَقَتَادَةُ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ" أَوْ كَمَا قَالَ
6763- حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن قتادة "عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم"
قوله: "باب" بالتنوين "مولى القوم من أنفسهم" أي عتيقهم ينسب نسبتهم ويرثونه. قوله: "وابن الأخت منهم" أي لأنه ينتسب إلى بعضهم وهي أمه. قوله: "حدثنا شعبة حدثنا معاوية بن قرة وقتادة عن أنس" هكذا

(12/48)


وقع في رواية آدم عن شعبة مقرونا، وأكثر الرواة قالوا "عن شعبة عن قتادة وحده عن أنس" وقد تقدم بيان ذلك في مناقب قريش وأورده مختصرا، ومن وجه آخر عن شعبة عن قتادة مطولا في غزوة حنين وتقدمت فوائده هناك وفي كتاب الجزية، وأخرجه الإسماعيلي من طرق عن شعبة عن قتادة وقال: المعروف عن شعبة في "مولى القوم منهم أو من أنفسهم" روايته عن قتادة وعن معاوية بن قرة، والمعروف عنه في "ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم" روايته عن قتادة وحده، وانفرد علي بن الجعد عن شعبة به عن معاوية بن قرة أيضا. قلت: وليس كما قال، بل تابعه أبو النصر عن شعبة عن معاوية بن قرة أيضا أخرجه أحمد في مسنده عنه وأفاد فيه أن المعنى بذلك النعمان بن مقرن المزني وكانت أمه أنصارية والله أعلم. واستدل بقوله: "ابن أخت القوم منهم" من قال بأن ذوي الأرحام يرثون كما ورث العصبات، وحمله من لم يقل بذلك على ما تقدم، وكأن البخاري رمز إلى الجواب بإيراد هذا الحديث، لأنه لو صح الاستدلال بقوله: "ابن أخت القوم منهم" على إرادة الميراث لصح الاستدلال له على أن العتيق يرث ممن أعتقه لورود مثله في حقه، فدل على أن المراد بقوله: "من أنفسهم " وكذا " منهم " في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك لا في الميراث. وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في ذكر ذلك إبطال ما كانوا علية في الجاهلية من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلا عن أولاد الأخوات حتى قال قائلهم:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فأراد بهذا الكلام التحريض كل الألفة بين الأقارب. قلت: وأما القول في الموالي فالحكمة فيه ما تقدم ذكره من جواز نسبة العبد إلى مولاه لا بلفظ البنوة لما سيأتي قريبا من الوعيد الثابت لمن انتسب إلى غير أبيه وجواز نسبته إلى نسب مولاه بلفظ النسبة، وفي ذلك جمع بين الأدلة، وبالله التوفيق.

(12/49)


25- باب: مِيرَاثِ الأَسِيرِ
قَالَ وَكَانَ شُرَيْحٌ يُوَرِّثُ الأَسِيرَ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ وَيَقُولُ: "هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "أَجِزْ وَصِيَّةَ الأَسِيرِ وَعَتَاقَهُ وَمَا صَنَعَ فِي مَالِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ دِينِهِ فَإِنَّمَا هُوَ مَالُهُ يَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشَاءُ"
6763- حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن عدي عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا فإلينا".
قوله: "باب ميراث الأسير" أي سواء عرف خبره أم جهل. قوله: "وكان شريح" بمعجمة أوله ومهملة آخره وهو ابن الحارث القاضي الكندي الكوفي المشهور. قوله: "يورث الأسير في أيدي العدو ويقول هو أحوج إليه" وصله ابن أبي شيبة والدارمي من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن شريح قال: "يورث الأسير إذا كان في أرض العدو " وزاد ابن أبي شيبة: قال شريح أحوج ما يكون إلى ميراثه وهو أسير. قوله: "وقال عمر بن عبد العزيز: أجز وصية الأسير وعتاقته وما صنع في ماله ما لم يتغير عن دينه، فإنما هو ماله يصنع فيه ما يشاء" في رواية الكشميهني: "ما شاء" وهذا وصله عبد الرزاق عن معمر عن إسحاق بن راشد أن عمر كتب إليه أن أجز وصية الأسير، وأخرجه الدارمي من طريق ابن المبارك عن معمر عن إسحاق بن راشد عن عمر بن عبد

(12/49)


العزيز في الأسير يوصي قال: أجز لي وصيته ما دام على الإسلام لم يتغير عن دينه. قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أن الأسير إذا وجب له ميراث أنه يوقف له، وعن سعيد بن المسيب أنه لم يورث الأسير في أيدي العدو، قال: وقول الجماعة أولى، لأنه إذا كان مسلما دخل تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "من ترك مالا فلورثته " وإلى هذا أشار البخاري بإيراد حديث أبي هريرة، وقد تقدم شرحه قريبا. وأيضا فهو مسلم تجري عليه أحكام المسلمين فلا يخرج عن ذلك إلا بحجة كما أشار إليه عمر بن عبد العزيز، ولا يكفي أن يثبت أنه ارتد حتى يثبت أن ذلك وقع منه طوعا فلا يحكم بخروج ماله عنه حتى يثبت أنه ارتد طائعا لا مكرها، وما ذكره ابن بطال عن سعيد بن المسيب أخرجه ابن أبي شيبة، وأخرج عنه أيضا رواية أخرى أنه يرث، وعن الزهري روايتين أيضا، وعن النخعي لا يرث. "تنبيه" تقدم في أواخر النكاح في " باب حكم المفقود في أهله وماله " أشياء تتعلق بالأسير في حكم زوجته وماله وأن زوجته لا تتزوج وماله لا يقسم ما تحققت حياته وعلم مكانه، فإذا انقطع خبره فهو مفقود، وتقدم بيان الاختلاف في حكمه هناك.

(12/50)


باب لا يرث المسلم الكافر و لا الكافر المسلم ، و إذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له
...
26- باب: لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ فَلاَ مِيرَاثَ لَهُ
6764- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ "عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ"
قوله: "باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" هكذا ترجم بلفظ الحديث ثم قال: "وإذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له " فأشار إلى أن عمومه يتناول هذه الصورة، فمن قيد عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دليل، وحجة الجماعة أن الميراث يستحق بالموت، فإذا انتقل عن ملك الميت بموته لم ينتظر قسمته لأنه استحق الذي انتقل عنه ولو لم يقسم المال. قال ابن المنير: صورة المسألة إذا مات مسلم وله ولدان مثلا مسلم وكافر فأسلم الكافر قبل قسمة المال قال ابن المنذر: ذهب الجمهور إلى الأخذ بما دل عليه عموم حديث أسامة يعني المذكور في هذا الباب إلا ما جاء عن معاذ قال: يرث المسلم من الكافر من غير عكس، واحتج بأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الإسلام يزيد ولا ينقص، وهو حديث أخرجه أبو داود وصححه الحاكم من طريق يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي عنه قال الحاكم صحيح الإسناد، وتعقب بالانقطاع بين أبي الأسود ومعاذ ولكن سماعه منه ممكن، وقد زعم الجوزقاني أنه باطل وهي مجازفة. وقال القرطبي في "المفهم": هو كلام محكي ولا يروى كذا قال، وقد رواه من قدمت ذكره فكأنه ما وقف على ذلك. وأخرج أحمد بن منيع بسند قوي عن معاذ أنه كان يورث المسلم من الكافر بغير عكس وأخرج مسدد عنه أن أخوين اختصما إليه: مسلم ويهودي مات أبوهما يهوديا فحاز ابنه اليهودي ماله فنازعه المسلم فورث معاذ المسلم، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن معقل قال: ما رأيت قضاء أحسن من قضاء قضى به معاوية: نرث أهل الكتاب ولا يرثونا، كما يحل النكاح فيهم ولا يحل لهم، وبه قال مسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وإسحاق، وحجة الجمهور أنه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع وجوده، وأما الحديث فليس نصا في المراد بل هو محمول على أنه يفضل غيره من الأديان ولا تعلق له بالإرث، وقد عارضه قياس آخر وهو أن التوارث يتعلق بالولاية ولا ولاية بين المسلم والكافر لقوله

(12/50)


تعالى :{لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وبأن الذمي يتزوج الحربية ولا يرثها، وأيضا فإن الدليل ينقلب فيما لو قال الذمي أرث المسلم لأنه يتزوج إلينا، وفيه قول ثالث وهو الاعتبار بقسمة الميراث جاء ذلك عن عمر وعثمان وعن عكرمة والحسن وجابر بن زيد وهو رواية عن أحمد. قلت: ثبت عن عمر خلافه كما مضى في " باب توريث دور مكة " من كتاب الحج فإن فيه بعد ذكر حديث الباب مطولا في ذكر عقيل ابن أبي طالب فكان عمر يقول فذكر المتن المذكور هنا سواء. قوله: "عن ابن شهاب" هو الزهري، وكذا وقع في رواية للإسماعيلي من وجه آخر عن أبي عاصم. قوله: "عن علي بن حسين" هو المعروف بزين العابدين وعمرو بن عثمان أي ابن عفان، وقد تقدم في الحج من هذا الشرح بيان من رواه عن الزهري مصرحا بالإخبار بينه وبين علي وكذا بين علي وعمرو، واتفق الرواة عن الزهري أن عمرو بن عثمان بفتح أوله وسكون الميم إلا أن مالكا وحده قال: "عمر" بضم أوله وفتح الميم، وشذت روايات عن غير مالك على وفقه وروايات عن مالك على وفق الجمهور وقد بين ذلك ابن عبد البر وغيره، ولم يخرج البخاري رواية مالك وقد عد ذلك ابن الصلاح في " علوم الحديث: "له في أمثلة المنكر وفيه نظر أوضحه شيخنا في "النكت" وزدت عليه في "الإفصاح". قوله: "لا يرث المسلم الكافر إلخ" تقدم في المغازي بلفظ: "المؤمن" في الموضعين وأخرجه النسائي كل من رواية هشيم (1) عن الزهري بلفظ: "لا يتوارث أهل ملتين " وجاءت رواية شاذة عن ابن عيينة عن الزهري مثلها، وله شاهد عند الترمذي من حديث جابر وآخر من حديث عائشة عند أبي يعلى وثالث من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في السنن الأربعة وسند أبي داود فيه إلى عمرو صحيح، وتمسك بها من قال لا يرث أهل ملة كافرة من أهل ملة أخرى كافرة، وحملها الجمهور على أن المراد بإحدى الملتين الإسلام وبالأخرى الكفر فيكون مساويا للرواية التي بلفظ حديث الباب، وهو أولى من حملها على ظاهر عمومها حتى يمتنع على اليهودي مثلا أن يرث من النصراني، والأصح عند الشافعية أن الكافر يرث الكافر وهو قول الحنفية والأكثر ومقابله عن مالك وأحمد، وعنه التفرقة بين الذمي والحربي وكذا عند الشافعية وعن أبي حنيفة لا يتوارث حربي من ذمي فإن كانا حربيين شرط أن يكونا من دار واحدة، وعند الشافعية لا فرق، وعندهم وجه كالحنفية، وعن الثوري وربيعة وطائفة الكفر ثلاث ملل يهودية ونصرانية وغيرهم فلا ترث ملة من هذه من ملة من الملتين، وعن طائفة من أهل المدينة والبصرة كل فريق من الكفار ملة فلم يورثوا مجوسيا من وثني ولا يهوديا من نصراني وهو قول الأوزاعي، وبالغ فقال ولا يرث أهل نحلة من دين واحد أهل نحلة أخرى منه كاليعقوبية والملكية من النصارى، واختلف في المرتد فقال الشافعي وأحمد يصير ماله إذا مات فيئا للمسلمين. وقال مالك يكون فيئا إلا إن قصد بردته أن يحرم ورثته المسلمين فيكون لهم، وكذا قال في الزنديق، وعن أبي يوسف ومحمد لورثته المسلمين، وعن أبي حنيفة ما كسبه قبل الردة لورثته المسلمين وبعد الردة لبيت المال، وعن بعض التابعين كعلقمة يستحقه أهل الدين الذي انتقل إليه، وعن داود يختص بورثته من أهل الدين الذي انتقل إليه ولم يفصل، فالحاصل من ذلك ستة مذاهب حررها الماوردي، واحتج القرطبي في "المفهم" لمذهبه بقوله تعالى :{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} فهي ملل متعددة وشرائع مختلفة، قال: وأما ما احتجوا به في قوله تعالى :{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} فوحد الملة فلا حجة فيه لأن الوحدة في اللفظ
ـــــــ
(1) كذا في نسخة، وفي أخرى "من رواية إبراهيم"

(12/51)


وفي المعنى الكثرة لأنه أضافه إلى مفيد الكثرة كقول القائل: أخذ عن علماء الدين علمهم يريد علم كل منهم، قال: واحتجوا بقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} إلى آخرها، والجواب أن الخطاب بذلك وقع لكفار قريش وهم أهل وثن، وأما ما أجابوا به عن حديث: "لا يتوارث أهل ملتين " بأن المراد ملة الكفر وملة الإسلام فالجواب عنه بأنه إذا صح في حديث أسامة فمردود في حديث غيره، واستدل بقوله: "لا يرث الكافر المسلم: "على جواز تخصيص عموم الكتاب بالآحاد لأن قوله تعالى :{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} عام في الأولاد فخص منه الولد الكافر فلا يرث من المسلم بالحديث المذكور، وأجيب بأن المنع حصل بالإجماع، وخبر الواحد إذا حصل الإجماع على وفقه كان التخصيص بالإجماع لا بالخبر فقط. قلت: لكن يحتاج من احتج في الشق الثاني به إلى جواب، وقد قال بعض الحذاق: طريق العام هنا قطعي ودلالته على كل فرد ظنية وطريق الخاص هنا ظنية ودلالته عليه قطعية فيتعادلان، ثم يترجح الخاص بأن العمل به يستلزم الجمع بين الدليلين المذكورين بخلاف عكسه.

(12/52)


باب ميراث العبد النصراني و المكاتب النصراني و إثم من انتفى من ولده - باب من ادعى أخا أو ابن أخ
...
27- باب: مِيرَاثِ الْعَبْدِ النَّصْرَانِيِّ وَالْمُكَاتَبِ النَّصْرَانِيِّ وَإِثْمِ مَنْ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهِ
28- بَاب مَنْ ادَّعَى أَخًا أَوْ ابْنَ أَخٍ
6765- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلاَمٍ، فَقَالَ سَعْدٌ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ، قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ بعد"
قوله: "باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني" كذا للأكثر بغير حديث، ولأبي ذر عن المستملى والكشميهني: "باب من ادعى أخا أو ابن أخ " ولم يذكر فيه حديثا، ثم قال عن الثلاثة " باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني، ولم يذكر أيضا فيه حديثا، ثم قال عنهم " باب إثم من انتفى من ولده " وذكر قصة سعد وعبد بن زمعة فجرى ابن بطال وابن التين على حذف " باب من انتفي من ولده " وجعل قصة ابن زمعة لباب من ادعى أخا ولم يذكروا في " باب ميراث العبد " حديثا على ما وقع عند الأكثر، وأما الإسماعيلي فلم يقع عنده " باب ميراث العبد النصراني " بل وقع عنده " باب إثم من انتفى من ولده " وقال: ذكره بلا حديث، ثم قال: "باب من ادعى أخا أو ابن أخ " وذكر قصة عبد بن زمعة، ووقع عند أبي نعيم " باب ميراث النصراني ومن انتفى من ولده ومن ادعى أخا أو ابن أخ " وهذا كله راجع إلى رواية الفربري عن البخاري، وأما النسفي فوقع عنده " باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني " وقال: لم يكتب فيه حديثا، وفي عقبه " باب من انتفى من ولده ومن ادعى أخا أو ابن أخ " وذكر فيه قصة ابن زمعة، فتلخص لنا من هذا كله أن الأكثر جعلوا قصة ابن زمعة

(12/52)


لترجمة من ادعى أخا أو ابن أخ ولا إشكال فيه، وأما الترجمتان فسقطت إحداهما عند بعض وثبتت عند بعض، قال ابن بطال: لم يدخل البخاري تحت هذا الرسم حديثا، ومذهب العلماء أن العبد النصراني إذا مات فماله لسيده بالرق لأن ملك العبد غير صحيح ولا مستقر فهو مال السيد يستحقه لا بطريق الميراث وإنما يستحق بطريق الميراث ما يكون ملكا مستقرا لمن يورث عنه. وعن ابن سيرين ماله لبيت المال وليس للسيد فيه شيء لاختلاف دينهما، وأما المكاتب فإن مات قبل أداء كتابته وكان في ماله وفاء لباقي كتابته أخذ ذلك في كتابته فما فضل فهو لبيت المال. قلت: وفي مسألة المكاتب خلاف ينشأ من الخلاف فيمن أدى بعض كتابته هل يعتق منه بقدر ما أدى أو يستمر على الرق ما بقي عليه شيء؟ وقد مضى الكلام على ذلك في كتاب العتق. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون البخاري أراد أن يدرج هذه الترجمة تحت الحديث الذي قبلها لأن النظر فيه محتمل كأن يقال يأخذ المال لأن العبد ملكه وله انتزاعه منه حيا فكيف لا يأخذه ميتا؟ ويحتمل أن يقال لا يأخذه لعموم "لا يرث المسلم الكافر" والأول أوجه. قلت: وتوجيهه ما تقدم، وجرى الكرماني عل ما وقع عند أبي نعيم فقال: هاهنا ثلاث تراجم متوالية والحديث ظاهر للثالثة وهب من ادعى أخا أو ابن أخ، قال: وهذا يؤيد ما ذكروا أن البخاري ترجم لأبواب وأراد أن يلحق بها الأحاديث فلم يتفق له إتمام ذلك، وكان أخلى بين كل ترجمتين بياضا فضم النقلة بعض ذلك إلى بعض. قلت: ويحتمل أن يكون في الأصل ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني كان مضموما إلى "لا يرث المسلم الكافر إلخ" وليس بعد ذلك ما يشكل إلا ترجمة من انتفى من ولده ولا سيما على سياق أبي ذر وسأذكره في الباب الذي يليه. "تكميل": لم يذكر البخاري ميراث النصراني إذا أعتقه المسلم، وقد حكى فيه ابن التين ثمانية أقوال فقال عمر بن عبد العزيز والليث والشافعي: هو كالمولى المسلم إذا كانت له ورثة وإلا فماله لسيده، وقيل يرثه الولد خاصة، وقيل الولد والوالد خاصة، وقيل هما والإخوة، وقيل هم والعصبة، وقيل ميراثه لذوي رحمه وقيل لبيت المال فيئا، وقيل يوقف فمن ادعاه من النصارى كان له. انتهى ملخصا. وما نقله عن الشافعي لا يعرفه أصحابه، واختلف في عكسه فالجمهور أن الكافر إذا أعتق مسلما لا يرثه بالولاء، وعن أحمد رواية لأنه يرثه، ونقل مثله عن علي، وأما ما أخرج النسائي والحاكم من طريق أبي الزبير عن جابر مرفوعا: "لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته " وأعله ابن حزم بتدليس أبي الزبير، وهو مردود فقد أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابرا، فلا حجة فيه لكل من المسألتين لأنه ظاهر في الموقوف.
قوله: "باب إثم من انتفى من ولده" أورد فيه حديث عائشة في قصة مخاصمة سعد بن أبي وقاص وعبد ابن زمعة، وقد مضى شرحه مستوفى في "باب الولد للفراش" وقد خفي توجيه هذه الترجمة لهذا الحديث، ويحتمل أن يخرج على أن عتبة بن أبي وقاص مات مسلما وأن الذي حمله على أن يوصي أخاه بأخذ ولد وليدة زمعة خشية أن يكون سكوته عن ذلك مع اعتقاده أنه ولده يتنزل منزلة النفي، وكان سمع ما ورد في حق من انتفى من ولده من الوعيد فعهد إلى أخيه أنه ابنه وأمره باستلحاقه، وعلى تقدير أن يكون عتبة مات كافرا فيحتمل أن يكون ذلك هو الحامل لسعد على استلحاق ابن أخيه ويلحق انتفاء ولد الأخ بالانتفاء من الولد لأنه قد يرث من عمه كما يرث من أبيه؛ وقد ورد الوعيد في حق من انتفى من ولده من رواية مجاهد عن ابن عمر رفعه: "من انتفى من ولده

(12/53)


ليفضحه في الدنيا فضحه الله يوم القيامة" الحديث، وفي سنده الجراح والد وكيع مختلف فيه، وله طريق أخرى عن ابن عمر أخرجه ابن عدي بلفظ: "من انتفى من ولده فليتبوأ مقعده من النار" وفي سنده محمد بن أبي الزعيزعة راوية عن نافع قال أبو حاتم منكر الحديث، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم بلفظ: "وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه" الحديث، وفي سنده عبيد الله بن يوسف حجازي ما روى عنه سوى يزيد بن الهاد.

(12/54)


29- باب: مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ
6766- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالِدٌ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ - حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ "عَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ"
6767- فَذَكَرْتُهُ لِأَبِي بَكْرَةَ فَقَالَ "وَأَنَا سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
6768- حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ"
قوله: "باب من ادعى إلى غير أبيه" لعل المراد إثم من ادعى كما صرح به في الذي قبله، أو أطلق لوقوع الوعيد فيه بالكفر وبتحريم الجنة فوكل ذلك إلى نظر من يسعى في تأويله. قوله: "خالد هو ابن عبد الله" يعني الواسطي الطحان، وخالد شيخه هو ابن مهران الحذاء، وأبو عثمان هو النهدي، وسعد هو ابن أبي وقاص، والسند إلى سعد كله بصريون، والقائل "فذكرته لأبي بكرة" هو أبو عثمان، وقد وقع في رواية هشيم عن خالد الحذاء عند مسلم في أوله قصة، ولفظه عن أبي عثمان قال: "لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: "فذكر الحديث مرفوعا: "فقال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والمراد بزياد الذي ادعى زياد بن سمية وهي أمه كانت أمة للحارث بن كلدة زوجها لمولى عبيد فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف، فلما كان في خلافة عمر سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد عند عمر وكان بليغا فأعجبه فقال: إني لأعرف من وضعه في أمه ولو شئت لسميته ولكن أخاف من عمر، فلما ولي معاوية الخلافة كان زياد على فارس من قبل علي فأراد مداراته فأطمعه في أنه يلحقه بأبي سفيان فأصغى زياد إلى ذلك فجرت في ذلك خطوب إلى أن ادعاه معاوية وأمره على البصرة ثم على الكوفة وأكرمه، وسار زياد سيرته المشهورة وسياسته المذكورة، فكان كثير من أصحابه والتابعين ينكرون ذلك على معاوية محتجين بحديث: "الولد للفراش " وقد مضى قريبا شيء من ذلك، وإنما خص أبو عثمان أبا بكرة بالإنكار لأن زيادا كان أخاه من أمه، ولأبي بكرة مع زياد قصة تقدمت الإشارة إليها في كتاب الشهادات، وقد تقدم الحديث في غزوة حنين من رواية عاصم الأحول عن أبي عثمان قال: "سمعت سعدا وأبا بكرة" وتقدم هناك ما يتعلق بأبي بكرة. قوله: "من ادعي إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام" وفي رواية عاصم المشار إليها عند مسلم: "من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه" والثاني مثله وقد تقدم شرحه في مناقب قريش في الكلام على حديث أبى ذر وفيه:

(12/54)


"ومن ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر" ووقع هناك "إلا كفر بالله" وتقدم القول فيه، وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق "كفر بالله انتفى من نسب وإن دق" أخرجه الطبراني. قوله: "أخبرني عمرو" هو ابن الحارث وعراك بكسر المهملة وتخفيف الراء وآخره كاف هو ابن مالك. قوله: "عن أبي هريرة" في رواية مسلم عن هارون بن سعيد عن ابن وهب بسنده إلى عراك أنه سمع أبا هريرة. قوله: "لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر" كذا للأكثر وكذا لمسلم، ووقع للكشميهني: "فقد كفر" وسيأتي في " باب رجم الحبلى من الزنا " في حديث عمر الطويل " لا ترغبوا عن آبائهم فهو كفر بربكم " قال ابن بطال: ليس معنى هذين الحديثين أن من اشتهر بالنسبة إلى غير أبيه أن يدخل في الوعيد كالمقداد بن الأسود، وإنما المراد به من تحول عن نسبته لأبيه إلى غير أبيه عالما عامدا مختارا، وكانوا في الجاهلية لا يستنكرون أن يتبنى الرجل ولد غيره ويصير الولد ينسب إلى الذي تبناه حتى نزل قوله تعالى :{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} وقوله سبحانه وتعالى :{وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} فنسب كل واحد إلى أبيه الحقيقي وترك الانتساب إلى من تبناه لكن بقي بعضهم مشهورا بمن تبناه فيذكر به لقصد التعريف لا لقصد النسب الحقيقي كالمقداد بن الأسود، وليس الأسود أباه، وإنما كان تبناه واسم أبيه الحقيقي عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهراني، وكان أبوه حليف كندة فقيل له الكندي، ثم حالف هو الأسود بن عبد يغوث الزهري فتبنى المقداد فقيل له ابن الأسود. انتهى ملخصا موضحا. قال: وليس المراد بالكفر حقيقة الكفر التي يخلد صاحبها في النار، وبسط القول في ذلك، وقد تقدم توجيهه في مناقب قريش وفي كتاب الأيمان في أوائل الكتاب. وقال بعض الشراح: سبب إطلاق الكفر هنا أنه كذب على الله كأنه يقول خلقني الله من ماء فلان، وليس كذلك لأنه إنما خلقه من غيره، واستدل به على أن قوله في الحديث الماضي قريبا "ابن أخت القوم من أنفسهم" و "مولى القوم من أنفسهم" ليس على عمومه إذ لو كان على عمومه لجاز أن ينسب إلى خاله مثلا وكان معارضا لحديث الباب المصرح بالوعيد الشديد لمن فعل ذلك، فعرف أنه خاص، والمراد به أنه منهم في الشفقة والبر والمعاونة ونحو ذلك.

(12/55)


30- باب: إِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ ابْنًا
6769-حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "كَانَتْ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ وَقَالَتْ الأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَم فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَم، فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتْ الصُّغْرَى لاَ تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى"
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلاَّ الْمُدْيَةَ"
قوله: "باب إذا ادعت المرأة ابنا" ذكر قصة المرأتين اللتين كان مع كل منهما ابن فأخذ، الذئب أحدهما

(12/55)


فاختلفتا في أيهما الذاهب، فتحاكمتا إلى داود، وفيه حكم سليمان، وقد مضى شرحه مستوفى في ترجمة سليمان من أحاديث الأنبياء. قال ابن بطال: أجمعوا على أن الأم لا تستلحق بالزوج ما ينكره، فإن أقامت البينة قبلت حيث تكون في عصمته، فلو لم تكن ذات زوج وقالت لمن لا يعرف له أب: هذا ابني ولم ينازعها فيه أحد فإنه يعمل بقولها وترثه ويرثها ويرثه وإخوته لأمه، ونازعه ابن التين فحكى عن ابن القاسم: لا يقبل قولها إذا ادعت اللقيط، وقد استنبط النسائي في "السنن الكبرى" من هذا الحديث أشياء نفيسة فترجم " نقض الحاكم ما حكم به غيره ممن هو مثله أو أجل إذا اقتضى الأمر ذلك " ثم ساق الحديث من طريق علي بن عياش عن شعيب بسنده المذكور هنا، وصرح فيه بالتحديث بين أبي الزناد وبين الأعرج وأبي هريرة، وساق الحديث نحو أبي اليمان، وترجم أيضا الحاكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به، وساق الحديث من طريق مسكين بن بكير عن شعيب وفيه: "فقال اقطعوه نصفين لهذه نصف ولهذه نصف، فقالت الكبرى نعم اقطعوه، فقالت الصغرى لا تقطعوه هو ولدها فقضى به للتي أبت أن يقطعه " فأشار إلى قول الصغرى هو ولدها ولم بعمل سليمان بهذا الإقرار بل قضى به لها مع إقرارها بأنه لصاحبتها، وترجم له " التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله افعل ليستبين له الحق " وساقه من طريق محمد بن عجلان عن أبي الزناد وفيه: "فقال ائتوني بالسكين أشق الغلام بينهما، فقالت الصغرى أتشقه؟ فقال: نعم، فقالت: لا تفعل، حظي منه لها " وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزناد ولم يسق لفظه بل أحال به على رواية ورقاء عن أبي الزناد، وقد ذكرت ما فيها في ترجمة سليمان. ثم ترجم "الفهم في القضاء والتدبر فيه والحكم بالاستدلال" ثم ساقه من طريق بشر بن نهيك عن أبي هريرة وذكر الحديث مختصرا وقال في آخره: "فقال سليمان - يعني للكبرى - لو كان ابنك لم ترضي أن يقطع".

(12/56)


31- باب الْقَائِفِ
6770- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"
6771- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"
قوله: "باب القائف" هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر، سمي بذلك لأنه يقفو الأشياء أي يتبعها فكأنه مقلوب من القافي، تقل الأصمعي: هو الذي يقفو الأثر ويقتافه قفوا وقيافة والجمع القافة، كذا وقع في الغريبين والنهاية. قوله في الطريق الثانية "عن الزهري" في رواية الحميدي عن سفيان "حدثنا الزهري" أخرجه أبو نعيم. قوله: "دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه" تقدم شرحه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "فقال ألم ترى إلى مجزز"

(12/56)


في الرواية التي بعدها "ألم ترى أن مجززا" والمراد من الرؤية هنا الإخبار أو العلم، ومضى في مناقب زيد من طريق ابن عيينة عن الزهري "ألم تسمعي ما قال المدلجي" ومضى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم من طريق إبراهيم بن محمد عن الزهري بلفظ: "دخل على قائف" الحديث وفيه فسر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأعجبه وأخبر به عائشة، ولمسلم من طريق معمر وابن جريج عن الزهري " وكان مجزز قائفا " ومجزز بضم الميم وكسر الزاي الثقيلة وحكى فتحها وبعدها زاي أخرى هذا هو المشهور، ومنهم من قال بسكون الحاء المهملة وكسر الراء ثم زاي وهو ابن الأعور بن جعدة المدلجي نسبة إلى مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة، وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد، والعرب تعترف لهم بذلك، وليس ذلك خاصا بهم على الصحيح، وقد أخرج يزيد بن هارون في الفرائض بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب أن عمر كان قائفا أورده في قصته، وعمر قرشي ليس مدلجيا ولا أسديا لا أسد قريش ولا أسد خزيمة، ومجزز المذكور هو والد علقمة بن مجزز الماضي ذكره في "باب سرية عبد الله بن حذافة" من المغازي، وذكر مصعب الزبيري والواقدي أنه سمي مجززا لأنه كان إذا أخذ أسيرا في الجاهلية جز ناصيته وأطلقه، وهذا يدفع فتح الزاي الأولى من اسمه، وعلى هذا فكان له اسم غير مجزز. لكني لم أر من ذكره. وكان مجزز عارفا بالقيافة، وذكره ابن يونس فيمن شهد فتح مصر وقال: لا أعلم له رواية. قوله: "نظر آنفا" بالمد ويجوز القصر أي قريبا أو أقرب وقت. قوله: "إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد" في الرواية التي بعدها " دخل علي فرأى أسامة بن زيد وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامها " وفي رواية إبراهيم بن سعد "وأسامة وزيد مضطجعان" وفي هذه الزيادة دفع توهم من يقول: لعله حاباهما بذلك لما عرف من كونهم كانوا يطعنون في أسامة. قوله: "بعضها من بعض" في رواية الكشميهني: "لمن بعض" قال أبو داود: نقل أحمد بن صالح عن أهل النسب أنهم كانوا في الجاهلية يقدحون في نسب أسامة لأنه كان أسود شديد السواد وكان أبوه زيد أبيض من القطن، فلما قال القائف ما قال مع اختلاف اللون سر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لكونه كافا لهم عن الطعن فيه لاعتقادهم ذلك، وقد أخرج عبد الرزاق من طريق ابن سيرين، أن أم أسامة - وهي أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم - كانت سوداء فلهذا جاء أسامة أسود، وقد وقع في الصحيح عن ابن شهاب أن أم أيمن كانت حبشية وصيفة لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال كانت من سبي الحبشة الذين قدموا زمن الفيل، فصارت لعبد المطلب فوهبها لعبد الله، وتزوجت قبل زيد عبيد الحبشي فولدت له أيمن فكنيت به واشتهرت بذلك، وكان يقال لها أم الظباء، وقد تقدم لها ذكر في أواخر الهبة. قال عياض: لو صح أن أم أيمن كانت سوداء لم ينكروا سواد ابنها أسامة لأن السوداء قد تلد من الأبيض أسود. قتلت: يحتمل أنها كانت صافية فجاء أسامة شديد السواد فوقع الإنكار لذلك، وفي الحديث جواز الشهادة على المنتقبة والاكتفاء بمعرفتها من غير رؤية الوجه، وجواز اضطجاع الرجل مع ولده في شعار واحد، وقبول شهادة من يشهد قبل أن يستشهد عند عدم التهمة، وسرور الحاكم لظهور الحق لأحد الخصمين عند السلامة من الهوى، وتقدم في "باب إذا عرض بنفي الولد" من كتاب اللعان حدث أبي هريرة في قصة الذي قال: "إن امرأتي ولدت غلاما أسود، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لعله نزعه عرق " ومضى شرحه هناك وبالله التوفيق "تنبيه": وجه إدخال هذا الحديث في كتاب الفرائض الرد على من زعم أن القائف لا يعتبر قوله، فإن من اعتبر قوله فعمل به لزم منه حصول التوارث بين الملحق والملحق به.

(12/57)


"خاتمة": اشتمل كتاب الفرائض من الأحاديث المرفوعة على ثلاثة وأربعين حديثا، المعلق منها حديث تميم الداري فيمن أسلم على يديه رجل والبقية موصولة، والمكرر منها فيه وفيما مضى سبعة وثلاثون حديثا والبقية خالصة لم يخرج مسلم منها سوى حديث أبي هريرة " في الجنين غرة " وحديث ابن عباس " ألحقوا الفرائض بأهلها " وأما حديث معاذ في توريث الأخت والبنت وحديث ابن مسعود في توريث بنت الابن وحديثه في السائبة وحديث تميم الداري المعلق فانفرد البخاري بتخريجها. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم أربعة وعشرون أثرا، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(12/58)