Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الديات
باب قول الله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم }
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
87- كِتَاب الدِّيَاتِ
1- باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ}
6861- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ "قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قَالَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقَهَا {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً}
6862- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا"
[الحديث 6862- طرفه في: 6863]
6863- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ"
6864- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ"
6865- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٍّ حَدَّثَهُ "أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ - حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ - حَدَّثَهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لاَذَ بِشَجَرَةٍ وَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقْتُلْهُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا آقْتُلُهُ؟ قَالَ: لاَ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ"
6866- وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ سَعِيدٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم "لِلْمِقْدَادِ: إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ، فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ"
قوله: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الديات" بتخفيف التحتانية جمع دية مثل عدات وعدة، وأصلها ودية بفتح الواو وسكون الدال تقول: ودي القتل يديه إذا أعطى وليه ديته، وهي ما جعل في مقابلة النفس، وسمى دية تسمية بالمصدر وفاؤها محذوفة والهاء عوض وفي الأمرد القتيل بدال مكسورة حسب فإن وقفت قلت ده، وأورد البخاري تحت هذه الترجمة ما يتعلق بالقصاص لأن كل ما يجب فيه القصاص يجوز العفو عنه على مال فتكون الدية أشمل، وترجم غيره: "كتاب القصاص" وأدخل تحته الديات، بناء على أن القصاص هو الأصل في

(12/187)


العمد. قوله: وقول الله تعالى :{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} كذا للجميع، لكن سقطت الواو الأولى لأبي ذر والنسفي، وفي هذه الآية وعيد شديد لمن قتل مؤمنا متعمدا بغير حق، وقد تقدم النقل في تفسير سورة الفرقان عن ابن عباس وغيره في ذلك وبيان الاختلاف هل للقاتل توبة بما يغني عن إعادته. وأخرج إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" بسند حسن أن هذه الآية لما نزلت قال المهاجرون والأنصار وجبت، حتى نزل {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}. قلت: وعلى ذلك عول أهل السنة في أن القاتل في مشيئة الله، ويؤيده حديث عبادة المتفق عليه بعد أن ذكر القتل والزنا وغيرهما: "ومن أصاب من ذلك شيئا فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه " ويؤيده قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ثم قتل المكمل مائة وقد مضى في ذكر بني إسرائيل من أحادث الأنبياء. ثم ذكر فيه خمسة أحاديث مرفوعة، الحديث الأول حديث ابن مسعود "أي الذنب أكبر" وقد تقدم شرحه مستوفي في "باب إثم الزناة" وقوله: "أن تقتل ولدك" قال الكرماني لا مفهوم له لأن القتل مطلقا أعظم. قلت: لا يمتنع أن يكون الذنب أعظم من غيره وبعض أفراده أعظم من بعض، ثم قال الكرماني وجه كونه أعظم أنه جمع مع القتل ضعف الاعتقاد في أن الله هو الرزاق. الحديث الثاني حدث ابن عمر. قوله: "حدثنا علي" كذا للجميع غير منسوب ولم يذكره أبو علي الجياني في تقييده ولا نبه عليه الكلاباذي، وقد ذكرت في المقدمة أنه على بن الجعد لأن علي بن المديني لم يدرك إسحاق بن سعيد. قوله: "لا" في رواية الكشميهني: "لن". قوله: "في فسحة" بضم الفاء وسكون المهملة وبحاء مهملة أي سعة. قوله: "من دينه" كذا للأكثر بكسر المهملة من الدين وفي رواية الكشميهني: "من ذنبه " فمفهوم الأول أن يضيق عليه دينه ففيه إشعار بالوعيد على قتل المؤمن متعمدا بما يتوعد به الكافر، ومفهوم الثاني أنه يصير في ضيق بسبب ذنبه ففيه إشارة إلى استبعاد العفو عنه لاستمراره في الضيق المذكور. وقال ابن العربي: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقتا لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول، وحاصله أنه فسره على رأي ابن عمر في عدم قبول توبة القاتل. قوله: "ما لم يصب دما حراما" في رواية إسماعيل القاضي من هذا الوجه " ما لم يتند بدم حرام " وهو بمثناة ثم نون ثم دال ثقيلة ومعناه الإصابة وهو كناية عن شدة المخالطة ولو قلت، وقد أخرج الطبراني في " المعجم الكبير " عن ابن مسعود بسند رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا مثل حديث ابن عمر موقوفا أيضا وزاد في آخره: "فإذا أصاب دما حراما نزع من الحياء" ثم أورد عن أحمد بن يعقوب وهو المسعودي الكوفي عن إسحاق بن سعيد وهو المذكور في السند الذي قبله بالسند المذكور إلى ابن عمر. قوله: "إن من ورطات" بفتح الواو والراء، وحكى ابن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها. قوله: "سفك الدم" أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان، لكن لما كان الأصل إراقة الدم عبر به. قوله: "بغير حله" في رواية أبي نعيم "بغير حقه" وهو موافق للفظ الآية، وهل الموقوف على ابن عمر منتزع من المرفوع فكأن ابن عمر فهم من كون القاتل لا يكون في فسحه أنه ورط نفسه فأهلكها، لكن التعبير بقوله: "من ورطات الأمور" يقتضي المشاركة بخلاف اللفظ الأول فهو أشد في الوعيد، وزعم الإسماعيلي أن هذه الرواية الثانية غلط ولم يبين وجه الغلط،

(12/188)


وأظنه من جهة انفراد أحمد بن يعقوب بها فقد رواه عن إسحاق بن سعيد أبو النضر هاشم بن القاسم ومحمد بن كناسة وغيرهما باللفظ الأول، وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال لمن قتل عامدا بغير حق " تزود من الماء البارد فإنك لا تدخل الجنة " وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر " زوال الدنيا كلها أهون على الله من قتل رجل مسلم: " قال الترمذي حديث حسن. قلت: وأخرجه النسائي بلفظ: "لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " قال ابن العربي: ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق والوعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدمي، فكيف بالتقي الصالح. الحديث الثالث قوله: "حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش" هذا السند يلتحق بالثلاثيات وهي أعلى ما عند البخاري من حيث العدد، وهذا في حكمه من جهة أن الأعمش تابعي وإن كان روى هذا عن تابعي آخر فإن ذلك التابعي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم تحصل له صحبة. قوله: "عن أبي وائل عن عبد الله" تقدم في "باب القصاص يوم القيامة" في أواخر الرقاق من رواية حفص بن غياث عن الأعمش حدثني شقيق وهو أبو وائل المذكور قال: "سمعت عبد الله" وهو ابن مسعود. قوله: "أول ما يقضي بين الناس في الدماء" زاد مسلم من طريق آخر عن الأعمش " يوم القيامة " وقد ذكرت شرحه في الباب المذكور وطريق الجمع بينه وبين حديث أبي هريرة " أول ما يحاسب به المرء صلاته " وننبه هنا على أن النسائي أخرجهما في حديث واحد من طريق أبي وائل عن ابن مسعود رفعه: "أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يقضي بين الناس في الدماء " " وما " في هذا الحديث موصولة وهو موصول حرفي ويتعلق الجار بمحذوف أي أول القضاء يوم القيامة القضاء في الدماء أي في الأمر المتعلق بالدماء، وفيه عظم أمر القتل لأن الابتداء إنما يقع بالأهم، وقد استدل به على أن القضاء يختص بالناس ولا مدخل فيه للبهائم، وهو غلط لأن مفاده حصر الأولية في القضاء بين الناس وليس فيه نفي القضاء بين البهائم بعد القضاء بين الناس. الحديث الرابع قوله: "حدثنا عبدان" هو عبد الله بن عثمان وعبد الله هو ابن المبارك، ويونس هو ابن يزيد، وعطاء بن يزيد هو الليثي، وعبيد الله بالتصغير هو ابن عدي أي ابن الخيار بكسر المعجمة وتخفيف التحتانية النوفلي له إدراك، وقد تقدم بيانه في مناقب عثمان، والمقداد بن عمر وهو المعروف ابن الأسود. قول "إن لقيت" كذا للأكثر بصيغة الشرط، وفي رواية أبي ذر "إني لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب يدي فقطعها" وظاهر سياقه أن ذلك وقع، والذي في نفس الأمر بخلافه، وإنما سأل المقداد عن الحكم في ذلك لو وقع، وقد تقدم في غزوة بدر بلفظ: "أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار" الحديث وهو يؤيد رواية الأكثر. قوله: "ثم لاذ بشجرة" أي التجأ إليها، وفي رواية الكشميهني ثم لاذ مني بشجرة والشجرة مثال. قوله: "وقال أسلمت لله" أي دخلت في الإسلام. قوله: "فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله" قال الكرماني: القتل ليس سببا لكون كل منهما بمنزلة الآخر لكن عند النحاة مؤول بالإخبار أي هو سبب لإخباري لك بذلك، وعند البيانيين المراد لازمه كقوله يباح دمك إن عصيت. قوله: "وأنت بمنزلته قبل أن يقول" قال الخطابي: معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم، فإذا أسلم صار مصان الدم كالمسلم، فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحا بحق القصاص كالكافر بحق الدين، وليس المراد إلحاقه في الكفر كما تقوله الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة، وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ، فالأول أنه مثلك في صون الدم، والثاني أنك مثله في الهدر. ونقل ابن التين عن الداودي قال: معناه إنك صرت قاتلا كما كان هو قاتلا، قال: وهذا من المعاريض، لأنه

(12/189)


أراد الإغلاظ بظاهر اللفظ دون باطنه، وإنما أراد أن كلا منهما قاتل، ولم يرد أنه صار كافرا بقتله إياه. ونقل ابن بطال عن المهلب معناه فقال: أي أنك بقصدك لقتله عمدا آثم كما كان هو بقصده لقتلك آثما، فأنتما في حالة واحدة من العصيان. وقيل المعنى أنت عنده حلال الدم قبل أن تسلم وكنت مثله في الكفر كما كان عندك حلال الدم قبل ذلك، وقيل معناه إنه مغفور له بشهادة التوحيد كما أنك مغفور لك بشهود بدر. ونقل ابن بطال عن ابن القصار أن معنى قوله: "وأنت بمنزلته" أي في إباحة الدم، وإنما قصد بذلك ردعه وزجره عن قتله لا أن الكافر إذا قال أسلمت حرم قتله، وتعقب بأن الكافر مباح الدم والمسلم الذي قتله إن لم يتعمد قتله ولم يكن عرف أنه مسلم وإنما قتله متأولا فلا يكون بمنزلته في إباحته. وقال القاضي عياض: معناه أنه مثله في مخالفة الحق وارتكاب الإثم وإن اختلف النوع في كون أحدهما كفرا والآخر معصية. وقيل المراد إن قتلته مستحلا لقتله فأنت مثله في الكفر، وقيل المراد بالمثلية أنه مغفور له بشهادة التوحيد وأنت مغفور لك بشهود بدر، ونقل ابن التين أيضا عن الداودي أنه أوله على وجه آخر فقال: يفسره حديث ابن عباس الذي في آخر الباب ومعناه أنه يجاز أن يكون اللائذ بالشجرة القاطع لليد مؤمنا يكتم إيمانه مع قوم كفار غلبوه على نفسه، فإن قتلته فأنت شاك في قتلك إياه أني ينزله الله من العمد والخطأ كما كان هو مشكوكا في إيمانه لجواز أن يكون يكتم إيمانه، ثم قال: فإن قيل كيف قطع يد المؤمن وهو ممن يكتم إيمانه؟ فالجواب أنه دفع عن نفسه من يريد قتله فجاز له ذلك كما جاز للمؤمن أن يدفع عن نفسه من يريد قتله ولو أفضى إلى قتل من يريد قتله فإن دمه يكون هدرا، فلذلك لم يقد النبي صلى الله عليه وسلم من يد المقداد لأنه قطعها متأولا. قلت: وعليه مؤاخذات: منها الجمع بين القصتين بهذا التكلف مع ظهور اختلافهما، وإنما الذي ينطبق على حديث ابن عباس قصة أسامة الآتية في الباب الذي يليه حيث حمل على رجل أراد قتله فقال إني مسلم فقتله ظنا أنه قال ذلك متعوذا من القتل، وكان الرجل في الأصل مسلما، فالذي وقع للمقداد نحو ذلك كما سأبينه وأما قصة قطع اليد فإنما قالها مستفتيا على تقدير أن لو وقعت كما تقدم تقريره، وإنما تضمن الجواب النهي عن قتله لكونه أظهر الإسلام فحقن دمه وصار ما وقع منه قبل الإسلام عفوا. ومنها أن في جوابه عن الاستشكال نظرا لأنه كان يمكنه أن يدفع بالقول بأن يقول له عند إرادة المسلم قتله إني مسلم فيكف عنه، وليس له أن يبادر لقطع يده مع القدرة على القول المذكور ونحوه، واستدل به على صحة إسلام من قال أسلمت لله ولم يزد على ذلك، وفيه نظر لأن ذلك كاف في الكف، على أنه ورد في بعض طرقه أنه قال لا إله إلا الله، وهو رواية معمر عن الزهري عند مسلم في هذا الحديث، واستدل به على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها بناء على ما تقدم ترجيحه، وأما ما نقل عن بعض السلف من كراهة ذلك فهو محمول على ما يندر وقوعه، وأما ما يمكن وقوعه عادة فيشرع السؤال عنه ليعلم. الحديث الخامس قوله: "وقال حبيب بن أبي عمرة" هو القصاب الكوفي لا يعرف اسم أبيه، وهذا التعليق وصله البزار والدار قطني في " الأفراد " والطبراني في " الكبير " من رواية أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم والد محمد بن أبي بكر المقدمي عن حبيب وفي أوله " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد، فلما أتوهم وجدوهم تفرقوا وفيهم رجل له مال كثير لم يبرح فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله " الحديث، وفيه: "فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا مقداد قتلت رجلا قال لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله، فأنزل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "للمقداد: كان رجلا مؤمنا يخفي إيمانه" إلخ قال

(12/190)


الدار قطني: تفرد به حبيب وتفرد به أبو بكر عنه. قلت: قد تابع أبا بكر سفيان الثوري لكنه أرسله، أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عنه، وأخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق الفزاري عن الثوري كذلك، ولفظ وكيع بسنده عن سعيد بن جبير "خرج المقداد بن الأسود في سرية" فذكر الحديث مختصرا إلى قوله: "فنزلت": ولم يذكر الخبر المعلق، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه القصة في تفسير سورة النساء، وبينت الاختلاف في سبب نزول الآية المذكورة، وطريق الجمع، ولله الحمد.

(12/191)


2- باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَنْ أَحْيَاهَا...} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ "مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلاَّ بِحَقٍّ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا"
6867- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا"
6868- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ "سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"
6869- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ "عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتْ النَّاسَ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
6870- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - أَوْ قَالَ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ، شَكَّ شُعْبَةُ - وَقَالَ مُعَاذٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - أَوْ قَالَ: وَقَتْلُ النَّفْسِ"
6871- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ "سَمِعَ أَنَساً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْكَبَائِرُ .." وحَدَّثَنَا عَمْرٌ وحَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ وَشَهَادَةُ الزُّورِ"
6872- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ "قَالَ سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُحَدِّثُ قَالَ: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَالَ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ. قَالَ: وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، قَالَ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، قَالَ فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ. قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فَقَالَ لِي: يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟

(12/191)


قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ"
6873- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ "عَنْ عُبَادَةَ ابْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "إِنِّي مِنْ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لاَ نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ نَسْرِقَ، وَلاَ نَزْنِيَ، وَلاَ نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَلاَ نَنْتَهِبَ، وَلاَ نَعْصِيَ بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ"
6874- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا" رَوَاهُ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[الحديث 6874- طرفه في: 7070]
6875- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ "عَنْ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ"
قوله: "باب ومن أحياها" في رواية غير أبي ذر "باب قوله تعالى ومن أحياها" وذاد المستملي والأصيلي {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}. قوله: "قال ابن عباس: من حرم قتلها إلا بحق فكأنما أحيا الناس جميعا" وصله ابن أبي حاتم، ومضى بيانه في تفسر سورة المائدة. وذكره مغلطاي من طريق وكيع عن سفيان عن خصيف عن مجاهد عن ابن عباس، واعترض بأن خصيفا ضعيف، وهو اعتراض ساقط لوجوده من غير رواية خصيف، والمراد من هذه الآية صدرها وهو قوله تعالى:{ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} وعليه ينطبق أول أحادث الباب وهو قوله: "إلا كان علي ابن آدم الأول كفل منها " وسائرها في تعظيم أمر القتل وهي اثنا عشر حديثا قال ابن بطال: فيها تغليظ أمر القتل والمبالغة في الزجر عنه، قال: واختلف السلف في المراد بقوله: "قتل الناس جميعا وأحيا الناس جميعا" فقالت طائفة: معناه تغليظ الوزر والتعظيم في قتل المؤمن أخرجه الطبري عن الحسن ومجاهد وقتادة، ولفظ الحسن أن قاتل النفس الواحدة يصير إلى النار كما لو قتل الناس جميعا، وقتل معناه أن الناس خصماؤه جمعيا، وقيل يجب عليه من القود بقتله المؤمن مثل ما يجب عليه لو قتل الناس جميعا، لأنه لا يكون عليه غير قتلة واحدة لجميعهم، أخرجه الطبري عن زيد بن أسلم، واختار الطبري أن المراد بذلك تعظيم العقوبة وشدة الوعيد من حيث أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استيجاب غضب الله وعذابه وفي مقابله أن من لم يقتل أحدا فقد حيى الناس منه جميعا لسلامتهم منه وحكى ابن التين أن معناه أن من وجب له قصاص فعفا عنه أعطى من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعا، وقتل وجب شكره على الناس جميعا وكأنما من عليهم جميعا. قال ابن بطال: وإنما اختار هذا لأنه لا توجد نفس يقوم قتلها في عاجل الضر مقام قتل جميع النفوس، ولا

(12/192)


إحياؤها في عاجل النفع مقام إحياء جميع النفوس. قلت: واختار بعض المتأخرين تخصيص الشق الأول بابن آدم الأول لكونه سن القتل وهتك حرمة الدماء وجرا الناس على ذلك، وهو ضعيف لأن الإشارة بقوله في أول الآية "من أجل ذلك" لقصة ابني آدم فدل على أن المذكور بعد ذلك متعلق بغيرهما، فالحمل على ظاهر العموم أولى والله أعلم. الحديث الأول قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري، ويحتمل أن يكون ابن عيينة فسيأتي في الاعتصام من رواية الحميدي عنه حدثنا الأعمش. قوله: "الأعمش" هو سليمان بن مهران. قوله: "عن عبد الله بن مرة" في رواية حفص بن غياث عن الأعمش "حدثني عبد الله بن مرة" وهو الخارتي بمعجمة وراء مكسورة وفاء كوفي، وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق كوفيون. قوله: "لا تقتل نفس" زاد حفص د روايته: "ظلما" وفي الاعتصام "لهس من نفس تقتل ظلما". قوله: "على ابن آدم الأول" هو قابيل عن الأكثر، وعكس القاضي جمال الدين بن واصل في تاريخه فقال: اسم المقتول قابيل اشتق من قبول قربانه، وقيل اسمه قابن بنون بدل اللام بغير ياء، وقيل قبن مثله بغير ألف، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في " باب خلق آدم من بدء الخلق " وأخرج الطبري عن ابن عباس: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، إنما كان القربان يقربه الرجل فمهما قبل تنزل النار فتأكله وإلا فلا، وعن الحسن: لم يكونا ولدي آدم لصلبه وإنما كانا من بني إسرائيل أخرجه الطبري، ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانا ولدي آدم لصلبه وهذا هو المشهور، ويؤيده حديث الباب لوصفه ابن بأنه الأول أي أول ما ولد لآدم، ويقال إنه لم يولد في الجنة لآدم غيره وغير توأمته، ومن ثم فخر على أخيه هابيل فقال: نحن من أولاد الجنة وأنتما من أولاد الأرض، ذكر ذلك ابن إسحاق في "المبتدأ" وعن الحسن: ذكر لي أن هابيل قتل وله عشرون سنة ولأخيه القاتل خمس وعشرون سنة، وتفسير هابيل هبة الله، ولما قتل هابيل وحزن عليه آدم ولد له بعد ذلك شيث ومعناه عطية الله ومنه انتشرت ذرية آدم. وقال الثعلبي: ذكر أهل العلم بالقرآن أن حواء ولدت لآدم أربعين نفسا في عشرين بطنا أولهم قابيل وأخته إقليما وآخرهم عبد المغيث وأمة المغيث ثم لم يمت حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا وهلكوا كلهم فلم يبق بعد الطوفان إلا ذرية نوح وهو من نسل شيث، قال الله تعالى :{وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} وكان معه في السفينة ثمانون نفسا وهو المشار إليهم بقوله تعالى :{وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} ومع ذلك فما بقي إلا نسل نوح فتوالدوا حتى ملؤوا الأرض، وقد تقدم شيء من ذلك ترجمة نوح من أحاديث الأنبياء. قوله: "كفل منها" زاد في الاعتصام: وربما قال سفيان من دمها، وزاد في آخره: لأنه من سن القتل، وهذا مثل لفظ حفص بن غياث الماضي في خلق آدم، والكفل بكسر أوله وسكون الفاء النصيب، وأكثر ما يطلق على الأجر والضعف على الإثم، ومنه قوله تعالى :{كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} ووقع على الإثم في قوله تعالى :{وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} وقوله: "لأنه أول من سن القتل" فيه أن من سن شيئا كتب له أو عليه، وهو أصل في أن المعونة على ما لا يحل حرام، وقد أخرج مسلم من حديث جرير " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " وهو محمول على من لم يتب من ذلك الذنب. وعن السدي: شدخ قابيل رأس أخيه بحجر فمات. وعن ابن جريح: تمثل له إبليس فأخذ بحجر فشدخ به رأس طير ففعل ذلك قابيل وكان ذلك على جبل ثور، وقيل على عقبة حراء، وقيل بالهند، وقيل بموضع المسجد الأعظم

(12/193)


بالبصرة، وكان من شأنه في دفنه ما قصه الله في كتابه. الحديث الثاني قوله: "واقد بن عبد الله أخبرني" هو من تقديم الاسم على الصيغة، وواقد هذا قال أبو ذر في روايته كذا وقع هنا واقد بن عبد الله واقد بن عبد الله والصواب واقد بن محمد. قلت: وهو كذلك لكن لقوله واقد ابن عبد الله توجيه وهو أن يكون الراوي نسبه لجده الأعلى عبد الله بن عمر فإنه واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله ابن عمر، والذي نسبه كذلك أبو الوليد شيخ البخاري فيه، فقد أخرجه أبو داود في السنن عن أبي الوليد كذلك، وتقدم للمصنف في الأدب من رواية خالد بن الحارث عن شعبة على الحقيقة فقال: "عن واقد بن محمد" ويأتي في الفتن عن حجاج بن منهال عن شعبة كذلك وكذا لمسلم والنسائي من رواية غندر عن شعبة، ثم وجدته في الأول من فوائد أبي عمرو بن السماك كل من طريق عفان عن شعبة كما قال أبو الوليد، فلعل نسبته كذلك من شعبة، لكن أخرجه أحمد كل عن عفان وغيره عن شعبة كالجادة، وفي الجملة فقوله: "عن أبيه" لا ينصرف لعبد الله بل لمحمد بن زيد جزما،. فمن ترجم لعبد الله والد واقد في رجال البخاري أخطأ، نعم في هذا النسب واقد عبد الله بن عمر تابعي معروف، وهو أقدم من هذا فإنه عم والد واقد المذكور هنا، وله والد اسمه عبد الله بن واقد وقد أخرج له مسلم. قوله: "لا ترجعوا بعدي كفارا" جملة ما فيه من الأقوال ثمانية: أحدها قول الخوارج إنه على ظاهره، ثانيها هو في المستحلين، ثالثها المعنى كفارا بحرمة الدماء وحرمة المسلمين وحقوق الدين، رابعها تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم بعضا، خامسها لابسين السلاح يقال كفر درعه إذا لبس فوقها ثوبا، سادسها كفارا بنعمة الله، سابعها المراد الزجر عن الفعل وليس ظاهره مرادا، ثامنها لا يكفر بعضكم بعضا كأن يقول أحد الفريقين للآخر يا كافر فيكفر أحدهما، ثم وجدت تاسعا وعاشرا ذكرتهما في كتاب الفتن، وسيأتي شرح الحديث مستوفي في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. الحديث الثالث حديث جرير وهو ابن عبد الله البجلي، قوله: "استنصت الناس" أي اطلب منهم الإنصات ليسمعوا الخطبة، وقد تقدم أتم سياقا من هذا في كتاب الحج، ويأتي شرحه في الفتن أيضا. الحديث الرابع والخامس، قوله: "رواه أبو بكرة وابن عباس" يريد قوله لا ترجعوا بعدي كفارا، وحديث أبي بكرة وصله المؤلف مطولا في الحج وشرح هناك، ويأتي في الفتن أيضا، وكذلك حديث ابن عباس. الحديث السادس حديث عبد الله بن عمرو في الكبائر تقدم شرحه في كتاب الأدب، قوله: "وعقوق الوالدين أو قال اليمين الغموس شك شعبة" قلت تقدم في الأيمان والنذور من طريق النضر بن شميل عن شعبة بالواو بغير شك وزاد مع الثلاثة "وقتل النفس" وهو المراد في هذا الباب. قوله: "معاذ" هر ابن معاذ العنبري، وهو من تعاليق البخاري، وجوز الكرماني أن يكون مقول محمد بن بشار فيكون موصولا، وقد وصله الإسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ عن أبيه ولفظه: "والكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين أو قال قتل النفس واليمين الغموس " وهذا مطابق لتعليق البخاري إلا أن فيه تأخير اليمين الغموس، والغرض منه إنما هو إثبات قتل النفس، وحاصل الاختلاف على شعبة أنه تارة ذكرها وتارة لم يذكرها وأخرى ذكرها مع الشك. الحديث السابع حديث أنس في الكبائر أيضا تقدم شرحه في كتاب الأدب، الحديث الثامن حديث أسامة، قوله: "حدثنا عمرو بن زرارة حدثنا هشيم" تقدم في المغازي عن عمرو بن محمد عن هشيم وكلاهما من شيوخ البخاري. قوله: "حدثنا هشيم" في رواية الكشميهني: "أنبأنا". قوله: "حدثنا حصين" في رواية أبي ذر والأصيلي: "أنبأنا حصين " وهو ابن عبد الرحمن الواسطي من صغار التابعين، وأبو

(12/194)


ظبيان بظاء معجمة مفتوحة ثم موحدة ساكنة ثم ياء آخر الحروف واسمه أيضا حصين وهو ابن جندب من كبار التابعين. قوله: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة" بضم المهملة وبالراء ثم قاف وهم بطن من جهينة تقدم نسبتهم إليهم في غزوة الفتح، قال ابن الكلبي: سموا بذلك لوقعة كانت بينهم وبين بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان فأحرقوهم بالسهام لكثرة من قتلوا منهم، وهذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبيد الله الليثي وكانت في رمضان سنة سبع فيما ذكره ابن سعد عن شيخه، وكذا ذكره ابن إسحاق في المغازي " حدثني شيخ من أسلم عن رجال من قومه قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبيد الله الكلبي ثم الليثي إلى أرض بني مرة وبها مرداس بن نهيك حليف لهم من بنى الحرقة فقتله أسامة " فهذا يبين السبب في قول أسامة " بعثنا إلى الحرقات من جهينة " والذي يظهر أن قصة الذي قتل ثم مات فدفن ولفظته الأرض غير قصة أسامة، لأن أسامة عاش بعد ذلك دهرا طويلا، وترجم البخاري في المغازي " بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة " فجرى الداودي في شرحه على ظاهره فقال فيه: "تأمير من لم يبلغ " وتعقب من وجهين: أحدهما أنه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الأمير إذ يحتمل أن يكون جعل الترجمة باسمه لكونه وقعت له تلك الواقعة لا لكونه كان الأمير، والثاني أن كانت إن كانت سنة سبع أو ثمان فما كان أسامة يومئذ إلا بالغا لأنهم ذكروا أنه كان له لما مات النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر عاما. قوله: "فصبحنا القوم" أي هجموا عليهم صباحا قبل أن يشعروا بهم، يقال صبحته أتيتيه صباحا بغتة، ومنه قوله: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ}. قوله: "ولحقت أنا ورجل من الأنصار" لم اقف على اسم الأنصاري المذكور في هذه القصة قوله: "رجلا منهم" قال ابن عبد البر اسمه مرداس بن عمرو الفدكي ويقال، مرداس بن نهيك الفزاري وهو قول ابن الكلبي قتله أسامة وساق القصة، وذكر ابن منده أن أبا سعيد الخدري قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها أسامة إلى بني ضمرة " فذكر قتل أسامة الرجل، وقال ابن أبي عاصم في الديات " حدثنا يعقوب بن حميد حدثنا يحيى بن سليم عن هشام بن حسان عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا إلى فدك فأغاروا عليهم، وكان مرداس الفدكي قد خرج من الليل وقال لأصحابه أني لاحق بمحمد وأصحابه فبصر به رجل فحمل عليه فقال إني مؤمن فقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا شققت عن قلبه: قال فقال أنس: إن قاتل مرداس مات فدفنوه فأصبح فوق القبر فأعادوه فأصبح فوق القبر مرارا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن يطرح في واد بين جبلين ثم قال: إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله وعظكم". قلت: إن ثبت هذا فهو مرداس آخر، وقتيل أسامة لا يسمى مرداسا، وقد وقع مثل هذا عند الطبري في قتل محلم بن جثامة عامر بن الأضبط وأن محلهما لما مات ودفن لفظته الأرضي فذكر نحوه. قوله: "غشيناه" بفتح أوله وكسر ثانيه معجمتين أي لحقنا به حتى تغطي بنا، وفي رواية الأعمش عن أبي ظبيان عند مسلم: "فأدركت رجلا فطعنته برمحي حتى قتلته " ووقع في حديث جندب عند مسلم: "فلما رفع عليه السيف قال لا إله إلا الله فقتله " ويجمع بأنه رفع عليه السيف أولا فلما لم يتمكن من ضربه بالسيف طعنه بالرمح. قوله: "فلما قدمنا" أي المدينة "بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية الأعمش " فوقع في نفسي من ذلك شيء فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم: "ولا منافاة بينهما لأنه يحمل على أن ذلك بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من أسامة لا من غيره، فتقديره الأول بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم مني. قوله: "أقتلته بعد ما قال" في رواية الكشميهني: "بعد أن قال: "قال ابن التين: في هذا اللوم تعليم وإبلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحد على قتل من تلفظ بالتوحيد. وقال القرطبي: في

(12/195)


تكريره ذلك والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك". قوله: "إنما كان متعوذا" في رواية الأعمش " قالها خوفا من السلاح " وفي رواية ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أسامة " إنما فعل ذلك ليحرز دمه". قوله: "قال قلت يا رسول الله والله إنما كان متعوذا" كذا أعاد الاعتذار وأعيد عليه الإنكار، وفي رواية الأعمش " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا " قال النووي الفاعل في قوله: "أقالها " هو القلب، ومعناه أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان وأما القلب فليس لك طريق إلى ما فيه، فأنكر عليه ترك العمل بما ظهر من اللسان فقال: "أفلا شققت عن قلبه " لتنظر هل كانت فيه حين قالها واعتقدها أو لا، والمعنى أنك إذا كنت لست قادرا على ذلك فاكتف منه باللسان. وقال القرطبي: فيه حجة لمن أثبت الكلام النفسي، وفيه دليل عل ترتب الأحكام على الأسباب الظاهرة دون الباطنة. قوله: "حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" أي أن إسلامي كان ذلك اليوم لأن الإسلام يجب ما قبله، فتمنى أن يكون ذلك الوقت أول دخوله في الإسلام ليأمن من جريرة تلك الفعلة، ولم يرد أنه تمنى أن لا يكون مسلما قبل ذلك. قال القرطبي: وفيه إشعار بأنه كان استصغر ما سبق له قبل ذلك من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمع من الإنكار الشديد، وإنما أورد ذلك على سبيل المبالغة، ويبين ذلك أن في بعض طرقه في رواية الأعمش " حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ " ووقع عند مسلم من حديث جندب بن عبد الله في هذه القصة زيادات ولفظه: "بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين فالتقوا فأوجع رجل من المشركين فيهم فأبلغ، فقصد رجل من المسلمين غيلته - كنا نتحدث إنه أسامة بن زيد - فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله فقتله " الحديث. وفيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : فكيف تصنع بلا إلى إله إلا الله إذا أتتك يوم القيامة؟ قال: يا رسول الله استغفر لي، قال: كيف تصنع بلا إله إلا الله؟ فجعل لا يزيده على ذلك " وقال الخطابي: لعل أسامة تأول قوله تعالى :{فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} ولذلك عذره النبي صلى الله عليه وسلم فلم يلزمه دية ولا غيرها. قلت: كأنه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعا مقيدا بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالصا من قلبه أو خشية من القتل، وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة وهو المراد من الآية، وأما كونه لم يلزمه دية ولا كفارة فيتوقف فيه الداودي وقال: لعله سكت عنه لعلم السامع أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة، وقال القرطبي: لا يلزم من السكوت عنه عدم الوقوع، لكن فيه بعد لأن العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع، قال: فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء لأنه كان مأذونا له في أصل القتل فلا يضمن ما أتلف من نفس ولا مال كالخاتن والطبيب، أو لأن المقتول كان من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته، قال: وهذا يتمشى على بعض الآراء، أو لأن أسامة أقر بذلك ولم تقم بذلك بينة فلم تلزم العاقلة الدية وفيه نظر. قال ابن بطال: كانت هذه القصة سبب حلف أسامة أن لا يقاتل مسلما بعد ذلك، ومن ثم تخلف عن علي في الجمل وصفين كما سيأتي بيانه في كتاب الفتن. قلت: وكذا وقع في رواية الأعمش المذكورة " أن سعد بن أبي وقاص كان يقول لا أقاتل مسلما حتى يقاتله أسامة " واستدل به النووي على رد الفرع الذي ذكره الرافعي فيمن رأى كافرا أسلم فأكرم إكراما كثرا فقال ليتني كنت كافرا فأسلمت لأكرم، فقال الرافعي: يكفر بذلك، ورده النووي بأنه لا يكفر لأنه جازم الإسلام في الحال

(12/196)


والاستقبال، وإنما تمنى ذلك في الحال الماضي مقيدا له بالإيمان ليتم له الإكرام، واستدل بقصة أسامة ثم قال: ويمكن الفرق. الحديث التاسع حديث عبادة، قوله: "حدثني يزيد" هو ابن أبي كل حبيب المصري. وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله، والصنابحي عبد الرحمن بن عسيلة بمهملتين مصغر. قوله: "إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم" يعني ليلة العقبة. قوله: "بايعناه على أن لا نشرك" ظاهره أن هذه البيعة على هذه الكيفية كانت ليلة العقبة، وليس كذلك كما بينته في كتاب الإيمان في أوائل الصحيح، وإنما كانت البيعة ليلة العقبة " على المنشط والمكره في العسر واليسر إلى آخره: "وأما البيعة المذكورة هنا وهي التي تسمى بيعة النساء فكانت بعد ذلك بمدة، فإن آية النساء التي فيها البيعة المذكورة نزلت بعد عمرة الحديبية في زمن الهدنة وقبل فتح مكة، وكانت البيعة التي وقعت للرجال على وفقها كانت عام الفتح، وقد أوضحت ذلك والسبب في الحمل عليه في كتاب الإيمان، ومضى شرح الحديث هناك. الحديث العاشر حديث ابن عمر، قوله: "جويرية" بالجيم تصغير جارية وهر ابن أسماء سمع من نافع مولى ابن عمر وحدث عنه بواسطة مالك أيضا. قوله: "من حمل علينا السلاح فليس منا" المراد من حمل عليهم السلاح لقتالهم لما فيه من إدخال الرعب عليهم، لا من حمله لحراستهم مثلا فإنه يحمله لهم لا عليهم، وقوله فليس منا أي على طريقتنا، وأطلق اللفظ مع احتمال إرادة أنه ليس على الملة للمبالغة في الزجر والتخويف، وسيأتي بسط ذلك في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. الحديث الحادي عشر، قوله: "رواه أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم" قلت: سيأتي موصولا مع شرحه في كتاب الفتن ومعه حديث أبي هريرة بمعناه، وهو عند مسلم من حديث سلمة بلفظ: "من حمل علينا السيف". الحديث الثاني عشر، قوله: "حدثنا أيوب" هو السختياني، ويونس هو ابن عبيد البصري، والحسن البصري. قوله: "عن الأحنف" هو ابن قيس. قوله: "لأنصر هذا الرجل" هو علي بن أبي طالب وكان الأحنف تخلف عنه في وقعة الجمل. قوله: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما" بالتثنية، وفي رواية الكشميهني بالإفراد. قوله: "في النار" أي إن أنفذ الله عليهما ذلك لأنهما فعلا فعلا يستحقان أن يعذبا من أجله، وقوله: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه " احتج به الباقلاني ومن تبعه على أن من عزم على المعصية يأثم ولو لم يفعلها، وأجاب من خالفه بأن هذا شرع في الفعل والاختلاف فيمن هم مجردا ثم صمم ولم يفعل شيئا هل يأثم، وقد تقدم شرحه مستوفى في شرح حديث: "من هم بحسنة ومن هم بسيئة " في كتاب الرقاق. وقال الخطابي: هذا الوعيد لمن قاتل على عداوة دنيوية أو طلب ملك مثلا، فأما من قاتل أهل البغي أو دفع الصائل فقتل فلا يدخل في هذا الوعيد لأنه مأذون له في القتال شرعا، وسيأتي شرح هذا الحديث في كتاب الفتن أيضا إن شاء الله تعالى.

(12/197)


باب قول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر و العبد بالعبد} الآية
...
3- باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
قوله: "باب قول الله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} الآية" كذا لأبي ذر. وفي

(12/197)


رواية الأصيلي والنسفي وابن عساكر {الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ - إلى قوله - عَذَابٌ أَلِيمٌ} وللإسماعيلي {الْقَتْلَى - إلى قوله – أَلِيمٌ} وساق في رواية كريمة الآية كلها.

(12/198)


باب سؤال القابل حتى يقر و الاقرار في الحدود
...
4- باب: سُؤَالِ الْقَاتِلِ حَتَّى يُقِرَّ وَالإِقْرَارِ فِي الْحُدُودِ
6876- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلاَنٌ أَوْ فُلاَنٌ - حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ، بِهِ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ"
قوله: "باب سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في الحدود" كذا للأكثر، وبعده حديث أنس في قصة اليهودي والجارية. ووقع عند النسفي وكريمة وأبي نعيم في "المستخرج" بحذف "باب" وقالوا بعد قوله عذاب أليم " وإذا لم يزل يسأل القاتل حتى أقر " والإقرار في الحدود، وصنيع الأكثر أشبه، وقد صرح الإسماعيلي بأن الترجمة الأولى بلا حديث. قلت: والآية المذكورة أصل في اشتراط التكافؤ في القصاص وهو قول الجمهور، وخالفهم الكوفيون فقالوا يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر الذمي، وتمسكوا بقوله تعالى:{ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} قال إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن": الجمع بين الآيتين أولى، فتحمل النفس على المكافئة، ويؤيده اتفاقهم على أن الحر لو قذف عبدا لم يجب عليه حد القذف، قال ويؤخذ الحكم من الآية نفسها فإن في آخرها {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} والكافر لا يسمى متصدقا ولا مكفرا عنه، وكذلك العبد لا يتصدق بجرحه لأن الحق لسيده. وقال أبو ثور: لما اتفقوا على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس كانت النفس أولى بذلك. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن العبد يقتل بالحر وأن الأنثى تقتل بالذكر ويقتل بها إلا أنه ورد عن بعض الصحابة كعلي والتابعين كالحسن البصري أن الذكر إذا قتل الأنثى فشاء أولياؤها قتله وجب عليهم نصف الدية وإلا فلهم الدية كاملة قال: ولا يثبت عن علي لكن هو قول عثمان البتي أحد فقهاء البصرة، ويدل على التكافؤ بين الذكر والأنثى أنهم اتفقوا على أن مقطوع اليد والأعور لو قتله الصحيح عمدا لوجب عليه القصاص ولم يجب له بسبب عينه أو يده دية. قوله في الترجمة "سؤال القاتل حتى يقر" أي من اتهم بالقتل ولم تقم عليه البينة. قوله: "حدثنا همام" هو ابن يحيى. قوله: "عن أنس" في رواية حبان بفتح المهملة وتشديد الموحدة عن همام الآتية بعد سبعة أبواب "حدثنا أنس". قوله: "أن يهوديا" لم أقف على اسمه. قوله: "رض رأس جارية" الرض بالضاد المعجمة والرضخ بمعنى، والجارية يحتمل أن تكون أمة ويحتمل أن تكون حرة لكن دون البلوغ وقد وقع في رواية هشام بن زيد عن أنس في الباب الذي يليه " خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة فرماها يهودي بحجر " وتقدم من هذا الوجه في الطلاق بلفظ: "عدا يهودي على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها " وفيه: "فأتى أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق " وهذا لا يعين كونها حرة لاحتمال أن يراد بأهلها مواليها رقيقة كانت أو عتيقة، ولم أقف على اسمها لكن في بعض طرقه أنها من الأنصار، ولا تنافي بين قوله: "رض رأسها بين حجرين" وبين قوله: "رماها بحجر" وبين قوله: "رضخ رأسها" لأنه يجمع بينها بأنه رماها

(12/198)


بحجر فأصاب رأسها فسقطت على حجر آخر، وأما قوله: "على أوضاح" فمعناه بسبب أوضاح، وهي بالضاد المعجمة والحاء المهملة جمع وضح، قال أبو عبيد هي حلي الفضة، ونقل عياض أنها حلي من حجارة، ولعله أراد حجارة الفضة احترازا من الفضة المضروبة أو المنقوشة. قوله: "فقيل لها من فعل بك هذا أفلان أو فلان" ؟ في رواية الكشميهني: "فلان أو فلان" بحذف الهمزة، وقد تقدم في الأشخاص من وجه آخر عن همام " أفلان أفلان " بالتكرار بغير واو عطف، وجاء بيان الذي خاطبها بذلك في الرواية التي تلي هذه بلفظ: "فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلان قتلك " وبين في رواية أبي قلابة عن أنس عند مسلم وأبي داود " فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها من قتلك". قوله: "حتى سمي اليهودي" زاد في الروايتين اللتين في الأشخاص والوصايا " فأومأت برأسها " ووقع في رواية هشام بن زيد في الرواية التي تلي هذا بيان الإيماء المذكور وأنه كان تارة دالا على النفي وتارة دالا على الإثبات بلفظ: "فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فأعاد فقال: فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: فلان قتلك؟ فخفضت رأسها " وهو مشعر بأن فلانا الثاني غير الأول، ووقع التصريح بذلك في الرواية التي في الطلاق وكذا الآتية بعد بابين " فأشارت برأسها أن لا، قال: ففلان؟ لرجل آخر يعني عن - رجل آخر - فأشارت أن لا، قال: ففلان قاتلها فأشارت أن نعم". قوله: "فلم يزل به حتى أقر" في الوصايا " فجيء به يعترف فلم يزل به حتى اعترف " قال أبو مسعود: لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث: فاعترف ولا فأقر إلا همام بن يحيى، قال المهلب: فيه أنه ينبغي للحاكم أن يستدل على أهل الجنايات ثم يتلطف بهم حتى يقروا ليؤخذوا بإقرارهم، وهذا بخلاف ما إذا جاءوا تائبين فإنه يعرض عمن لم يصرح بالجناية فإنه يجب إقامة الحد عليه إذا أقر، وسياق القصة يقتضي أن اليهودي لم تقم عليه بينة وإنما أخذ بإقراره، وفيه أنه تجب المطالبة بالدم بمجرد الشكوى وبالإشارة، قال: وفيه دليل على جواز وصية غير البالغ ودعواه بالدين والدم. قلت: في هذا نظر لأنه لم يتعين كون الجارية دون البلوغ، وقال المازري فيه الرد على من أنكر القصاص بغير السيف، وقتل الرجل بالمرأة. قلت: وسيأتي البحث فيهما في بابين مفردين قال: واستدل به بعضهم على التدمية لأنها لو لم تعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة، قال: ولا يصح اعتباره مجردا لأنه خلاف الإجماع فلم يبق إلا إنه يفيد القسامة. وقال النووي: ذهب مالك إلى ثبوت قتل المتهم بمجرد قول المجروح، واستدل بهذا الحديث، ولا دلالة فيه بل هو قول باطل لأن اليهودي اعترف كما وقع التصريح به في بعض طرقه، ونازعه بعض المالكية فقال: لم يقل مالك ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وإنما قالوا إن قول المحتضر عند موته فلان قتلني لوث يوجب القسامة فيقسم اثنان فصاعدا من عصبته بشرط الذكورية، وقد وافق بعض المالكية الجمهور، واحتج من قال بالتدمية أن دعوى من وصل إلى تلك الحالة وهي وقت إخلاصه وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا يدل على أنه لا يقول إلا حقا، قالوا وهي أقوى من قول الشافعية أن الولي يقسم إذا وجد قرب وليه المقتول رجلا معه سكين لجواز أن يكون القاتل غير من معه السكين. قوله: "فرض رأسه بالحجارة" أي دق، وفي رواية الأشخاص "فرضخ رأسه بين حجرين" ويأتي في رواية حبان أن هماما قال كلا من اللفظين، وفي رواية هشام التي تليها " فقتله بين حجرين " ومضى في الطلاق بلفظ الرواية التي في الأشخاص، وفي رواية أبي قلابة عند مسلم: "فأمر به فرجم حتى مات" لكن في رواية أبي داود من هذا الوجه "فقتل بين حجرين" قال عياض: رضخه بين حجرين ورميه بالحجارة ورجمه بها بمعنى، والجامع أنه

(12/199)


رمى بحجر أو أكثر ورأسه على آخر. وقال ابن التين: أجاب بعض الحنفية بأن هذا الحديث لا دلالة فيه على المماثلة في القصاص، لأن المرأة كانت حية والقود لا يكون في حي، وتعقبه بأن إنما أمر بقتله بعد موتها لأن في الحديث: "أفلان قتلك " فدل على أنها ماتت حينئذ لأنها كانت تجود بنفسها، فلما ماتت اقتص منه وادعى ابن المرابط من المالكية أن هذا الحكم كان في أول الإسلام وهو قبول قول القتيل، وأما ما جاء أنه اعترف فهو في رواية قتادة ولم يقله غيره وهذا مما عد عليه انتهى. ولا يخفى فساد هذه الدعوى فقتادة حافظ زيادته مقبولة لأن غيره لم يتعرض لنفيها فلم يتعارضا، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. واستدل به على وجوب القصاص على الذمي، وتعقب بأنه ليس فيه تصريح بكونه ذميا فيحتمل أن يكون معاهدا أو مستأمنا، والله أعلم.

(12/200)


5- باب: إِذَا قَتَلَ بِحَجَرٍ أَوْ بِعَصًا
6877- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ "عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ. قَالَ فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَا رَمَقٌ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فُلاَنٌ قَتَلَكِ؟ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا، فَأَعَادَ عَلَيْهَا قَالَ: فُلاَنٌ قَتَلَكِ؟ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا. فَقَالَ لَهَا فِي الثَّالِثَةِ: فُلاَنٌ قَتَلَكِ: فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا. فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ"
قوله: "باب إذا قتل بحجر أو بعصا" كذا أطلق ولم يبت الحكم إشارة إلى الاختلاف في ذلك، ولكن إيراده الحديث يشير إلى ترجيح قول الجمهور، وذكر فيه حديث أنس في اليهودي والجارية، وهو حجة للجمهور أن القاتل يقتل بما قتل به، وتمسكوا بقوله تعالى :{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وبقوله تعالى:{ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وخالف الكوفيون فاحتجوا بحديث لا قود إلا بالسيف، وهو ضعيف أخرجه البزار وابن عدي من حديث أبي بكرة، وذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده. وقال ابن عدي: طرقه كلها ضعيفة، وعلى تقدير ثبوته فإنه على خلاف قاعدتهم في أن السنة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه، وبالنهي عن المثلة وهو صحيح لكنه محمول عند الجمهور على غير المماثلة في القصاص جمعا بين الدليلين، قال ابن المنذر: قال الأكثر إذا قتله بشيء يقتل مثله غالبا فهو عمد، وقال ابن أبي ليلى: إن قتل بالحجر أو العصا نظر إن كرر ذلك فهو عمد وإلا فلا، وقال عطاء وطاوس: شرط العمد أن يكون بسلاح وقال الحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وأبو حنيفة ومن تبعهم: شرطه أن يكون بحديدة. واختلف فيمن قتل بعصا فأقيد بالضرب بالعصا فلم يمت هل يكرر عليه؟ فقيل: لم يكرر، وقيل إن لم يمت قتل بالسيف وكذا فيمن قتل بالتجويع. وقال ابن العربي يستثنى من المماثلة ما كان فيه معصية كالخمر واللواط والتحريق، وفي الثالثة خلاف عند الشافعية، والأولان بالاتفاق، لكن قال بعضهم يقتل بما يقوم مقام ذلك انتهى. ومن أدلة المانعين حديث المرأة التي رمت ضرتها بعمود الفسطاط فقتلتها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فيها الدية، وسيأتي البحث فيه في "باب جنين المرأة" وهو بعد باب القسامة. ومحمد في أول السند جزم الكلاباذي بأنه ابن عبد الله بن نمير. وقال أبو علي بن السكن: هو ابن سلام.

(12/200)


باب قول الله تعالى { أن النفس بالنفس و العين بالعين و الانف بالأنف } الآية
...
6- باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
6878- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَفارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ"
قوله: "باب قول الله تعالى :{أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} كذا لأبي ذر والأصيلي، وعند النسفي بعده الآية إلى قوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وساق في رواية كريمة إلى قوله: {الظَّالِمُونَ} والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في أهل الكتاب لكن الحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الإسلام، فهو أصل في القصاص في قتل العمد. قوله: "عن عبد الله" هو ابن مسعود. قوله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل" وقع في رواية سفيان الثوري عن الأعمش عند مسلم والنسائي زيادة في أوله وهي " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي لا إله غيره لا يحل " وظاهر قوله: "لا يحل" إثبات إباحة قتل من استثنى، وهو كذلك بالنسبة لتحريم قتل غيرهم وإن كان قتل من أبيح قتله منهم واجبا في الحكم. قوله: "دم امرئ مسلم" في رواية الثوري " دم رجل " والمراد لا يحل إراقة دمه أي كله وهو كناية عن قتله ولو لم يرق دمه. قوله: "يشهد أن لا إله إلا الله" هي صفة ثانية ذكرت لبيان أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين، أو هي حال مقيدة للموصوف إشعارا بأن الشهادة هي العمدة في حقن الدم، وهذا رجحه الطيبي واستشهد بحديث أسامة "كيف تصنع بلا إله إلا الله". قوله: "إلا بإحدى ثلاث" أي خصال ثلاث، ووقع في رواية الثوري " إلا ثلاثة نفر". قوله: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} أي من قتل عمدا بغير حق قتل بشرطه، ووقع في حديث عثمان المذكور " قتل عمدا فعليه القود " وفي حديث جابر عند البزار " ومن قتل نفسا ظلما". قوله: "والثيب الزاني" أي فيحل قتله بالرجم، وقد وقع في حديث عثمان عند النسائي بلفظ: "رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم " قال النووي: الزاني يجوز فيه إثبات الياء وحذفها وإثباتها أشهر. قوله: "والمفارق لدينه التارك للجماعة" كذا في رواية أبي ذر عن الكشميهني، وللباقين " والمارق من الدين " لكن عند النسفي والسرخسي والمستملي: "والمارق لدينه " قال الطيبي المارق لدينه هو التارك له، من المروق وهو الخروج وفي رواية مسلم: "والتارك لدينه المفارق للجماعة " وله في رواية الثوري "المفارق للجماعة" وزاد: قال الأعمش فحدثت بهما إبراهيم يعني النخعي فحدثني عن الأسود يعني ابن يزيد عن عائشة بمثله. قلت: وهذه الطريق أغفل المزي في الأطراف ذكرها في مسند عائشة وأغفل التنبيه عليها في ترجمة عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود، وقد أخرجه مسلم أيضا بعده من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن الأعمش ولم يسق لفظه لكن قال: "بالإسنادين جميعا " ولم يقل " والذي لا إله غيره: "وأفرده أبو عوانة في صحيحه من طريق شيبان باللفظ المذكور سواء، والمراد بالجماعة جماعة المسلمين أي فارقهم أو تركهم بالارتداد، فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة

(12/201)


مستقلة وإلا لكانت الخصال أربعا، وهو كقوله قبل ذلك " مسلم يشهد أن لا إله إلا الله " فإنها صفة مفسرة لقوله: "مسلم: "وليست قيدا فيه إذ لا يكون مسلما إلا بذلك. ويؤيد ما قلته أنه وقع في حديث عثمان " أو يكفر بعد إسلامه " أخرجه النسائي بسند صحيح، وفي لفظ له صحيح أيضا: "ارتد بعد إسلامه " وله من طريق عمرو بن غالب عن عائشة " أو كفر بعد ما أسلم " وفي حديث ابن عباس عند النسائي (1) "مرتد بعد إيمان" قال ابن دقيق العيد: الردة سبب لإباحة دم المسلم بالإجماع في الرجل، وأما المرأة ففيها خلاف. وقد استدل بهذا الحديث للجمهور في أن حكمها حكم الرجل لاستواء حكمهما في الزنا، وتعقب بأنها دلالة اقتران وهي ضعيفة، وقال البيضاوي: التارك لدينه صفة مؤكدة للمارق أي الذي ترك جماعة المسلمين وخرج من جملتهم، قال: وفي الحديث دليل لمن زعم أنه لا يقتل أحد دخل في الإسلام بشيء غير الذي عدد كترك الصلاة ولم ينفصل عن ذلك، وتبعه الطيبي، وقال ابن دقيق العيد: قد يؤخذ من قوله: "المفارق للجماعة " أن المراد المخالف لأهل الإجماع فيكون متمسكا لمن يقول مخالف الإجماع كافر، وقد نسب ذلك إلى بعض الناس، وليس ذلك بالهين فإن المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلا وتارة لا يصحبها التواتر، فالأول يكفر جاحده لمخالفة التواتر لا لمخالفة الإجماع، والثاني لا يكفر به. قال شيخنا في شرح الترمذي: الصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس، ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر ومنه القول بحدوث العالم، وقد حكى عياض وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم، وقال ابن دقيق العيد: وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر لأنه من قبيل مخالفة الإجماع، وتمسك بقولنا إن منكر الإجماع لا يكفر على الإطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا عن صاحب الشرع، قال وهو تمسك ساقط إما عن عمى في البصيرة أو تعام لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل. وقال النووي: قوله: "التارك لدينه" عام في كل من ارتد بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام، وقوله: "المفارق للجماعة " يتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة أو نفي إجماع كالروافض والخوارج وغيرهم، كذا قال، وسيأتي البحث فيه. وقال القرطبي في "المفهم" ظاهر قوله: "المفارق للجماعة" أنه نعت للتارك لدينه، لأنه إذا ارتد فارق، جماعة المسلمين، غير أنه يلتحق به كل من خرج عن جماعة المسلمين وإن لم يرتد كمن يمتنع من إقامة الحد عليه إذا وجب ويقاتل على ذلك كأهل البغي وقطاع الطريق والمحاربين من الخوارج وغيرهم، قال: فيتناولهم لفظ المفارق للجماعة بطريق العموم، ولو لم يكن كذلك لم يصح الحصر لأنه يلزم أن ينفي من ذكر ودمه حلال فلا يصح الحصر، وكلام الشارع منزه عن ذلك، فدل على أن وصف المفارقة للجماعة يعم جميع هؤلاء. قال: وتحقيقه أن كل من فارق الجماعة ترك دينه، غير أن المرتد ترك كله والمفارق بغير ردة ترك بعضه انتهى. وفيه مناقشة لأن أصل الخصلة الثالثة الارتداد فلا بد من وجوده، والمفارق بغير ردة لا يسمى مرتدا فيلزم الخلف في الحصر، والتحقيق في جواب ذلك أن الحصر فيمن يجب قتله عينا، وأما من ذكرهم فإن قتل الواحد منهم إنما يباح إذا وقع حال المحاربة والمقاتلة، بدليل أنه لو أسر لم يجز قتله صبرا اتفاقا في غير المحاربين، وعلى الراجح في المحاربين أيضا، لكن يرد على ذلك قتل تارك الصلاة، وقد تعرض له ابن دقيق العيد فقال: استدل بهذا الحديث أن تارك
ـــــــ
(1) في نسخة "عند الطبراني"

(12/202)


الصلاة لا يقتل بتركها لكونه ليس من الأمور الثلاثة، وبذلك استدل شيخ والدي الحافظ أبو الحسن بن المفضل المقدسي في أبياته المشهورة، ثم ساقها ومنها وهو كاف في تحصيل المقصود هنا:
والرأي عندي أن يعزره الإما ... م بكل تعزير يراه صوابا
فالأصل عصمته إلى أن يمتطى ... إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا
قال: فهذا من المالكية اختار خلاف مذهبه، وكذا استشكله إمام الحرمين من الشافعية. قلت: تارك الصلاة اختلف فيه، فذهب أحمد وإسحاق وبعض المالكية ومن الشافعية ابن خزيمة وأبو الطيب بن سلمة وأبو عبيد بن جويرية (1) ومنصور الفقيه وأبو جعفر الترمذي إلى أنه يكفر بذلك ولو لم يجحد وجوبها، وذهب الجمهور إلى أنه يقتل حدا، وذهب الحنفية ووافقهم المزني إلى أنه لا يكفر ولا يقتل. ومن أقوى ما يستدل به على عدم كفره حديث عبادة رفعه: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد" الحديث وفيه: "ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة " أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه ابن حبان وابن السكن وغيرهما، وتمسك أحمد ومن وافقه بظواهر أحاديث وردت بتكفيره وحملها من خالفهم على المستحل جمعا بين الأخبار والله أعلم. وقال ابن دقيق العيد: وأراد بعض من أدركنا زمانه أن يزيل الإشكال فاستدل بحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " ووجه الدليل منه أنه وقف العصمة على المجموع، والمرتب على أشياء لا تحصل إلا بحصول مجموعها وينتفي بانتفاء بعضها، قال: وهذا إن قصد الاستدلال بمنطوقه وهو " أقاتل الناس إلخ " فإنه يقتضي الأمر بالقتال إلى هذه الغاية، فقد ذهل للفرق بين المقاتلة على الشيء والقتل عليه، فإن المقاتلة مفاعلة تقتضي الحصول من الجانبين فلا يلزم من إباحة المقاتلة على الصلاة إباحة قتل الممتنع من فعلها إذا لم يقاتل، وليس النزاع في أن قوما لو تركوا الصلاة ونصبوا القتال أنه يجب قتالهم، وإنما النظر فيما إذا تركها إنسان من غير نصب قتال هل يقتل أو لا، والفرق بين المقاتلة على الشيء والقتل عليه ظاهر، وإن كان أخذه من آخر الحديث وهو ترتب العصمة على فعل ذلك فإن مفهومه يدل على أنها لا تترتب على فعل بعضه هان الأمر لأنها دلالة مفهوم، ومخالفه في هذه المسألة لا يقول بالمفهوم، وأما من يقول به فله أن يدفع حجته بأنه عارضته دلالة المنطوق في حديث الباب وهي أرجح من دلالة المفهوم فيقدم عليها، واستدل به بعض الشافعية لقتل تارك الصلاة لأنه تارك للدين الذي هو العمل، وإنما لم يقولوا بقتل تارك الزكاة لإمكان انتزاعها منه قهرا، ولا يقتل تارك الصيام لإمكان منعه المفطرات فيحتاج هو أن ينوي الصيام لأنه يعتقد وجوبه، واستدل به على أن الحر لا يقتل بالعبد لأن العبد لا يرجم إذا زنى ولو كان ثيبا حكاه ابن التين قال: وليس لأحد أن يفرق ما جمعه الله إلا بدليل من كتاب أو سنة، قال: وهذا بخلاف الخصلة الثالثة فإن الإجماع انعقد على أن العبد والحر في الردة سواء، فكأنه جعل أن الأصل العمل بدلالة الاقتران ما لم يأت دليل يخالفه. وقال شيخنا في شرح الترمذي: استثنى بعضهم من الثلاثة قتل الصائل فإنه يجوز قتله للدفع، وأشار بذلك إلى قول النووي يخص من عموم الثلاثة الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع، وقد يجاب بأنه داخل في المفارق للجماعة أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله بمعنى أنه لا يحل قتله إلا مدافعة بخلاف الثلاثة، واستحسنه الطيبي وقال: هو أولى من تقرير البيضاوي لأنه فسر قوله:
ـــــــ
(1) في نسخة "حروبيه"

(12/203)


{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} يحل قتل النفس قصاصا للنفس التي قتلها عدوانا فاقتضى خروج الصائل ولو لم يقصد الدافع قتله. قلت: والجواب الثاني هو المعتمد، وأما الأول فتقدم الجواب عنه، وحكى ابن التين عن الداودي أن هذا الحديث منسوخ بآية المحاربة {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ} قال: فأباح القتل بمجرد الفساد في الأرض قال وقد ورد في القتل بغير الثلاث أشياء: منها قوله تعالى :{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} وحديث: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه " وحديث: "من أتى بهيمة فاقتلوه " وحديث: "من خرج وأمر الناس جمع يريد تفرقهم فاقتلوه " وقول عمر " تغرة أن يقتلا " وقول جماعة من الأئمة: إن تاب أهل القدر وإلا قتلوا، وقل جماعة من الأئمة: يضرب المبتدع حتى يرجع أو يموت، وقول جماعة من الأئمة يقتل تارك الصلاة قال: وهذا كله زائد على الثلاث. قلت: وزاد غيره قتل من طلب أخذ مال إنسان أو حريمه بغير حق، ومانع الزكاة المفروضة، ومن ارتد ولم يفارق الجماعة، ومن خالف الإجماع وأظهر الشقاق والخلاف، والزنديق إذا تاب على رأي، والساحر. والجواب عن ذلك كله أن الأكثر في المحاربة أنه إن قتل قتل، وبأن حكم الآية في الباغي أن يقاتل لا أن يقصد إلى قتله، وبأن الخبرين في اللوط وإتيان البهيمة لم يصحا وعلى تقدير الصحة فهما داخلان في الزنا، وحديث الخارج عن المسلمين تقدم تأويله بأن المراد بقتله حبسه ومنعه من الخروج، وأثر عمر من هذا القبيل، والقول في القدرية وسائر المبتدعة مفرع على القول بتكفيرهم، وبأن قتل تارك الصلاة عند من لا يكفره مختلف فيه كما تقدم إيضاحه، وأما من طلب المال أو الحريم فمن حكم دفع الصائل، ومانع الزكاة تقدم جوابه، ومخالف الإجماع داخل في مفارق الجماعة، وقتل الزنديق لاستصحاب حكم كفره، وكذا الساحر، والعلم عند الله تعالى. وقد حكى ابن العربي عن بعض أشياخه أن أسباب القتل عشرة، قال ابن العربي: ولا تخرج عن هذه الثلاثة بحال، فإن من سحر أو سب نبي الله كفر فهو داخل في التارك لدينه والله أعلم. واستدل بقوله: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} على تساوي النفوس في القتل العمد فيقاد لكل مقتول من قاتله سواء كان حرا أو عبدا، وتمسك به الحنفية وادعوا أن آية المائدة المذكورة في الترجمة ناسخة لآية البقرة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} ومنهم من فرق بين عبد الجاني وعبد غيره فأقاد من عبد غيره دون عبد نفسه، وقال الجمهور: آية البقرة مفسرة لآية المائدة فيقتل العبد بالحر ولا يقتل الحر بالعبد لنقصه، وقال الشافعي: ليس بين العبد والحر قصاص إلا أن يشاء الحر، واحتج للجمهور بأن العبد سلعة فلا يجب فيه إلا القيمة لو قتل خطأ، وسيأتي مزيد لذلك بعد باب. واستدل بعمومه على جواز قتل المسلم بالكافر المستأمن والمعاهد، وقد مضى في الباب قبله شرح حديث علي "لا يقتل مؤمن بكافر" وفي الحديث جواز وصف الشخص بما كان عليه ولو انتقل عنه لاستثنائه المرتد من المسلمين، وهو باعتبار ما كان.

(12/204)


7- باب مَنْ أَقَادَ بِالْحَجَرِ
6879- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَا رَمَقٌ فَقَالَ: أَقَتَلَكِ فُلاَنٌ؟

(12/204)


فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لاَ، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لاَ، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ، فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجَرَيْنِ"
قوله: "باب من أقاد بالحجر" أي حكم بالقود بفتحتين وهو المماثلة في القصاص، ذكر فيه حديث أنس في قصة اليهودي والجارية وقد تقدم شرحه مستوفى قريبا، وقوله: "فأشارت برأسها أي نعم" في رواية الكشميهني: "أن نعم" بالنون بدل التحتانية وكلاهما يجيء لتفسير ما يتقدمه، والمراد أنها أشارت إشارة مفهمة يستفاد منها ما يستفاد منها لو نطقت فقالت نعم.

(12/205)


8- باب مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ
6880- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا.." وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا حَرْبٌ عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ "حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ. أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلاَ وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ: لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلاَّ مُنْشِدٌ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أن يُودَى وَإِمَّا أن يُقَادُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ . ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِلاَّ الإِذْخِرَ". وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ. قَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: الْقَتْلَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ
6881- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُجَاهِدٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قِصَاصٌ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ..} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، قَالَ {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} أَنْ يَطْلُبَ بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ"
قوله: "باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين" ترجم بلفظ الخبر، وظاهره حجة لمن قال إن الاختيار في أخذ الدية أو الاقتصاص راجع إلى أولياء المقتول ولا يشترط في ذلك رضا القاتل. وهذا القدر مقصود الترجمة ومن ثم عقب حديث أبي هريرة بحديث ابن عباس الذي فيه تفسير قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أي ترك له دمه ورضي منه بالدية {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} أي في المطالبة بالدية. وقد فسر ابن عباس العفو بقبول الدية في العمد، وقبول الدية راجع إلى الأولياء الذين لهم طلب القصاص، وأيضا فإنما لزمت القاتل الدية بغير

(12/205)


رضاه لأنه مأمور بإحياء نفسه لعموم قوله تعالى :{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} فإذا رضي أولياء المقتول بأخذ الدية له لم يكن للقاتل أن يمتنع من ذلك، قال ابن بطال: معنى قوله تعالى :{ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ} إشارة إلى أن أخذ الدية لم يكن في بني إسرائيل بل كان القصاص متحتما، فخفف الله عن هذه الأمة بمشروعية أخذ الدية إذا رضي أولياء المقتول. ثم ذكر في الباب حديثين، الأول: قوله: "عن أبي هريرة" كذا للأكثر ممن رواه عن يحيى بن أبي كثير في الصحيحين وغيرهما، ووقع في رواية النسائي مرسلا، وهو من رواية يحيى بن حميد عن الأوزاعي وهي شاذة. قوله: "أن خزاعة قتلوا رجلا، وقال عبد الله بن رجاء" كذا تحول إلى طريق حرب بن شداد عن يحيى وهو ابن أبي كثير في الطريقين، وساق الحديث هنا على لفظ حرب، وقد تقدم لفظ شيبان وهو ابن عبد الرحمن في كتاب العلم، وطريق عبد الله بن رجاء هذه وصلها البيهقي من طريق هشام بن علي السيرافي عنه، وتقدم في اللقطة من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة مصرحا بالتحديث في جميع السند. قوله: "أنه عام فتح مكة" الهاء في أنه ضمير الشأن. قوله: "قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية" وقع في رواية ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حرم مكة " فذكر الحديث وفيه: "ثم إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، وإني عاقله " وقع نحو ذلك في رواية ابن إسحاق عن المقبري كما أوردته في " باب لا يعضد شجر الحرم " من أبواب جزاء الصيد من كتاب الحج، فأما خزاعة فتقدم نسبهم في أول مناقب قريش وأما بنو ليث فقبيلة مشهورة ينسبون إلى ليث بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وأما هذيل فقبيلة كبيرة ينسبون إلى هذيل وهم بنو مدركة بن إلياس بن مضر، وكانت هذيل وبكر من سكان مكة وكانوا في ظواهرها خارجين من الحرم، وأما خزاعة فكانوا غلبوا على مكة وحكموا فيها ثم أخرجوا منها فصاروا في ظاهرها، وكانت بينهم وبين بني بكر عداوة ظاهرة في الجاهلية، وكانت خزاعة حلفاء بني هاشم بن عبد مناف إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بنو بكر حلفاء قريش كما تقدم بيانه في أول فتح مكة من كتاب المغازي، وقد ذكرت في كتاب العلم أن اسم القاتل من خزاعة خراش بمعجمتين ابن أمية الخزاعي، وأن المقتول منهم في الجاهلية كان اسمه أحمر وأن المقتول من بني ليث لم يسم وكذا القاتل، ثم رأيت في السيرة النبوية لابن إسحاق أن الخزاعي المقتول اسمه منبه، قال ابن إسحاق في المغازي " حدثني سعيد بن أبي سندر الأسلمي عن رجل من قومه قال: كان معنا رجل يقال له أحمر كان شجاعا وكان إذا نام غط فإذا طرقهم شيء صاحوا به فيثور مثل الأسد، فغزاهم قوم من هذيل في الجاهلية فقال لهم ابن الأثوع وهو بالثاء المثلثة والعين المهملة: لا تعجلوا حتى أنظر فإن كان أحمر فيهم فلا سبيل إليهم، فاستمع فإذا غطيط أحمر فمشى إليه حتى وضع السيف في صدره فقتله وأغاروا على الحي، فلما كان عام الفتح وكان الغد من يوم الفتح أتى ابن الأثوع الهذلي حتى دخل مكة وهو على شركه، فرأته خزاعة فعرفوه فأقبل خراش بن أمية فقال أفرجوا عن الرجل فطعنه بالسيف في بطنه فوقع قتيلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، ولقد قتلتم قتيلا لأدينه" قال ابن إسحاق "وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي عن سعيد بن المسيب قال: لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية قال: إن خراشا لقتال" يعيبه بذلك. ثم ذكر حديث أبي شريح الخزاعي كما تقدم، فهذا قصة الهذلي، وأما قصة المقتول من بني ليث فكأنها أخرى، وقد ذكر ابن هشام أن المقتول من بني ليث اسمه جندب بن الأدلع، وقال بلغني أن أول قتيل وداه

(12/206)


رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جندب بن الأدلع قتله بنو كعب فوداه بمائة ناقة، لكن ذكر الواقدي أن اسمه جندب بن الأدلع، فرآه جندب بن الأعجب الأسلمي فخرج يستجيش عليه فجاء خراش فقتله، فظهر أن القصة واحدة فلعله كان هذليا حالف بني ليث أو بالعكس، ورأيت في آخر الجزء الثالث من " فوائد أبي علي بن خزيمة: "أن اسم الخزاعي القاتل هلال بن أمية، فإن ثبت فلعل هلالا لقب خراش والله أعلم. قوله: "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية سفيان المشار إليها في العلم " فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فركب راحلته فخطب". قوله: "إن الله حبس عن مكة الفيل" بالفاء اسم الحيوان المشهور، وأشار بحبسه عن مكة إلى قصة الحبشة وهي مشهورة ساقها ابن إسحاق مبسوطة، وحاصل ما ساقه أن أبرهة الحبشي لما غلب على اليمن وكان نصرانيا بنى كنيسة وألزم الناس بالحج إليها، فعمد بعض العرب فاستغفل الحجبة وتغوط فهرب، فغضب أبرهة وعزم على تخريب الكعبة، فتجهز في جيش كثيف واستصحب معه فيلا عظيما، فلما قرب من مكة خرج إليه عبد المطلب فأعظمه وكان جميل الهيئة، فطلب منه أن يرد عليه إبلا له نهبت فاستقصر همته وقال: لقد ظننت أنك لا تسألني إلا في الأمر الذي جئت فيه، فقال إن لهذا البيت ربا سيحميه، فأعاد إليه إبله، وتقدم أبرهة بجيوشه فقدموا الفيل فبرك وعجزوا فيه، وأرسل الله عليهم طيرا مع كل واحد ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجر في منقاره فألقوها عليهم فلم يبق منهم أحد إلا أصيب، وأخرج ابن مردويه بسند حسن عن عكرمة عن ابن عباس قال: "جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح " وهو بكسر المهملة ثم فاء ثم مهملة موضع خارج مكة من جهة طريق اليمن، فأتاهم عبد المطلب فقال: إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحدا، قالوا لا نرجع حتى نهدمه، فكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر، فدعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداء فلما حاذتهم رمتهم، فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك أحد منهم جلده إلا تساقط لحمه قال ابن إسحاق " حدثني يعقوب بن عتبة قال: حدثت أن أول ما وقعت الحصباء والجدري بأرض العرب من يومئذ " وعند الطبري بسند صحيح عن عكرمة أنها كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رءوس كرءوس السباع. ولابن أبي حاتم من طريق عبيد بن عمير بسند قوي: بعث الله عليهم طيرا أنشأها من البحر كأمثال الخطاطيف. فذكر نحو ما تقدم. قوله: "وإنها لم تحل لأحد قبلي إلخ" تقدم بيانه مفصلا في "باب تحريم القتال بمكة" من أبواب جزاء الصيد وفيما قبله في "باب لا يعضد شجر الحرم". قوله: "ولا يلتقط" بضم أوله على البناء للمجهور وفي آخره "إلا لمنشد" ووقع للكشميهني هنا بفتح أوله وفي آخره: "إلا منشد" وهو واضح. قوله: "ومن قتل له قتيل" أي من قتل له قريب كان حيا فصار قتيلا بذلك القتل. قوله: "فهو بخير النظرين" تقدم في العلم بلفظ: "ومن قتل فهو بخير النظرين: وهو مختصر ولا يمكن حمله على ظاهره لأن المقتول لا اختيار له وإنما الاختيار لوليه وقد أشار إلى نحو ذلك الخطابي، ووقع في رواية الترمذي من طريق الأوزاعي " فإما أن يعفو وإما أن يقتل " والمراد العفو على الدية جمعا بين الروايتين، ويؤيده أن عنده في حديث أبي شريح " فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين: إما أن يقتلوا أو يأخذوا الدية " ولأبي داود وابن ماجه وعلقه الترمذي من وجه آخر عن أبي شريح بلفظ: "فإنه يختار إحدى ثلاث إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه" أي إن أراد زيادة على القصاص أو الدية، وسأذكر الاختلاف فيمن يستحق الخيار هل هو القاتل أو ولي المقتول في شرح الحديث الذي بعده. وفي الحديث، أن ولي الدم يخير بين القصاص والدية،

(12/207)


واختلف إذا اختار الدية هل يجب على القاتل إجابته؟ فذهب الأكثر إلى ذلك، وعن مالك لا يجب إلا برضا القاتل، واستدل بقوله: "ومن قتل له" بأن الحق يتعلق بورثة المقتول، فلو كان بعضهم غائبا أو طفلا لم يكن للباقين القصاص حتى يبلغ الطفل ويقدم الغائب. قوله: "إما أن يودي" بسكون الواو أي يعطي القاتل أو أولياؤه لأولياء المقتول الدية "وإما أن يقاد" أي يقتل به، ووقع في العلم بلفظ: "إما أن يعقل " بدل " إما أن يودي " وهو بمعناه، والعقل الدية. وفي رواية الأوزاعي في اللقطة " أما أن يفدي " بالفاء بدل الواو، وفي نسخة " وإما أن يعطي " أي الدية. ونقل ابن التين عن الداودي أن في رواية أخرى " إما أن يودي أو يفادي " وتعقبه بأنه غير صحيح لأنه لو كان بالفاء لم يكن له فائدة لتقدم ذكر الدية. ولو كان بالقاف واحتمل أن يكون للمقتول وليان لذكرا بالتثنية أي يقادا بقتيلهما والأصل عدم التعدد، قال وصحيح الرواية: "إما أن يودي أو يقاد " وإنما يصح يقادي إن تقدمه أن يقتص. وفي الحديث جواز إيقاع القصاص بالحرم لأنه صلى الله عليه وسلم خطب بذلك بمكة ولم يقيده بغير الحرم، وتمسك بعمومه من قال يقتل المسلم بالذمي وقد سبق ما فيه. قوله: "فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه" تقدم ضبطه مع شرحه في العلم، وحكى السلفي أن بعضهم نطق بها بتاء في آخره وغلطه وقال هو فارسي من فرسان الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن. قوله: "ثم قام رجل من قريش فقال: يا رسول الله إلا الإذخر" تقدم بيان اسمه وأنه العباس بن عبد المطلب وشرح بقية الحديث المتعلق بتحريم مكة وبالإذخر في الأبواب المذكورة من كتاب الحج. قوله: "وتابعه عبيد الله" يعني ابن موسى. قوله: "عن شيبان في الفيل" أي تابع حرب بن شداد عن يحيى في الفيل بالفاء، ورواية عبيد الله المذكورة موصولة في صحيح مسلم من طريقه. قوله: "وقال بعضهم عن أبي نعيم القتل" هو محمد بن يحيى الذهلي جزم عن أبي نعيم في روايته عنه بهذا الحديث بلفظ: "القتل " وأما البخاري فرواه عنه بالشك كما تقدم في كتاب العلم. قوله: "وقال عبيد الله إما أن يقاد أهل القتيل" أي يؤخذ لهم بثأرهم، وعبيد الله هو ابن موسى المذكور، وروايته إياه عن شيبان بن عبد الرحمن بالسند المذكور، وروايته عنه موصولة في صحيح مسلم كما بينته ولفظه: "إما أن يعطي الدية وإما أن يقاد أهل القتيل " وهو بيان لقوله: "إما أن يقاد". الحديث الثاني، قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار. قوله: "عن مجاهد" وقد تقدم في تفسير البقرة عن الحميدي " عن سفيان حدثنا عمرو سمعت مجاهدا". قوله: "عن ابن عباس رضي الله عنهما" في رواية الحميدي " سمعت ابن عباس " هكذا وصله ابن عيينة عن عمرو بن دينار وهو من أثبت الناس في عمرو، ورواه ورقاء بن عمر عن عمرو فلم يذكر فيه ابن عباس أخرجه النسائي. قوله: "كانت في بني إسرائيل القصاص" كذا هنا من رواية قتيبة عن سفيان بن عيينة، وفي رواية الحميدي عن سفيان "كان في بني إسرائيل القصاص" كما تقدم في التفسير وهو أوجه، وكأنه أنث باعتبار معنى القصاص وهو المماثلة والمساواة. قوله: "فقال الله لهذه الأمة كتب عليكم القصاص في القتلى إلى هذه الآية فمن عفي له من أخيه شيء" قلت: كذا وقع في رواية قتيبة، ووقع هنا عند أبي ذر والأكثر. ووقع هنا في رواية النسفي والقابسي "إلى قوله :{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ووقع في رواية ابن أبي عمر في مسنده ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج "إلى قوله في هذه الآية" وبهذا يظهر المراد، وإلا فالأول يوهم أن قوله: {فَمَنْ عُفِيَ} في آية تلي الآية المبدأ بها وليس كذلك، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية أبي كريب وغيره عن سفيان فقال بعد قوله في القتلى "فقرأ إلى والأنثى بالأنثى فمن عفي له" ووقع في رواية

(12/208)


الحميدي المذكورة ما حذف هنا من الآية وزاد في آخره تفسير قوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ} وزاد فيه أيضا تفسير قوله: {فَمَنِ اعْتَدَى} أي قتل بعد قبول الدية. وقد اختلف في تفسير العذاب في هذه الآية فقيل: يتعلق بالآخرة وأما في الدنيا فهو لمن قتل ابتداء وهذا قول الجمهور، وعن عكرمة وقتادة والسدي يتحتم القتل ولا يتمكن الولي من أخذ الدية. وفيه حديث جابر رفعه: "لا أعفو عمن قتل بعد أخذ الدية" أخرجه أبو داود وفي سنده انقطاع، قال أبو عبيد: ذهب ابن عباس إلى أن هذه الآية ليست منسوخه بآية المائدة {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} بل هما محكمتان، وكأنه رأى أن آية المائدة مفسرة لآية البقرة وأن المراد بالنفس نفس الأحرار ذكورهم وإناثهم دون الأرقاء فإن أنفسهم متساوية دون الأحرار. وقال إسماعيل المراد في النفس بالنفس المكافئة للأخرى في الحدود لأن الحر لو قذف عبدا لم يجلد اتفاقا والقتل قصاصا من جملة الحدود، قال وبينه قوله في الآية {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} فمن هنا يخرج العبد والكافر لأن العبد ليس له أن يتصدق بدمه ولا بجرحه، ولأن الكافر لا يسمى متصدقا ولا مكفرا عنه. قلت: محصل كلام ابن عباس يدل على أن قوله تعالى :{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} أي على بني إسرائيل في التوراة {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} مطلقا فخفف عن هذه الأمة بمشروعية الدية بدلا عن القتل لمن عفا من الأولياء عن القصاص وبتخصيصه بالحر في الحر، فحينئذ لا حجة في آية المائدة لمن تمسك بها في قتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر، لأن شرع من قبلنا إنما يتمسك منه بما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وقد قيل إن شريعة عيسى لم يكن فيها قصاص وإنه كان فيها الدية فقط، فإن ثبت ذلك امتازت شريعة الإسلام بأنها جمعت الأمرين فكانت وسطى لا إفراط ولا تفريط، واستدل به على أن المخير في القود أو أخذ الدية هو الولي وهو قول الجمهور، وقرره الخطابي بأن العفو في الآية يحتاج إلى بيان، لأن ظاهر القصاص أن لا تبعة لأحدهما على الآخر، لكن المعنى أن من عفي عنه من القصاص إلى الدية فعلى مستحق الدية الاتباع بالمعروف وهو المطالبة وعلى القاتل الأداء وهو دفع الدية بإحسان. وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى أن الخيار في القصاص أو الدية للقاتل، قال الطحاوي: والحجة لهم حديث أنس في قصة الربيع عمته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كتاب الله القصاص" فإنه حكم بالقصاص ولم يخير، ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما، فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله: "فهو بخير النظرين " أي ولي المقتول مخير بشرط أن يرضني الجاني أن يغرم الدية. وتعقب بأن قوله صلى الله عليه وسلم: "كتاب الله القصاص " إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود فأعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني عليه إذا طلب القود أجيب إليه وليس فيه ما ادعاه من تأخير البيان، واحتج الطحاوي أيضا بأنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقاتل رضيت أن تعطيني كذا على أن لا أقتلك أن القاتل لا يجبر عل ذلك ولا يؤخذ منه كرها وإن كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه. وقال المهلب وغيره: يستفاد من قوله: "فهو بخير النظرين " أن الولي إذا سئل في العفو على مال إن شاء قبل ذلك وإن شاء اقتص وعلى الولي اتباع الأولى في ذلك، وليس فيه ما يدل على إكراه القاتل على بذل الدية، واستدل بالآية على أن الواجب في قتل العمد القود والدية بدل منه، وقيل الواجب الخيار، وهما قولان للعلماء، وكذا في مذهب الشافعي أصحهما الأول، واختلف في سبب نزول الآية فقيل نزلت في حيين من العرب كان لأحدهما طول على الآخر في الشرف فكانوا يتزوجون من نسائهم بغير مهر وإذا قتل منهم

(12/209)


عبد قتلوا به حرا أو امرأة قتلوا بها رجلا أخرجه الطبري عن الشعبي، وأخرج أبو داود من طريق علي بن صالح بن حي عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة يودي بمائة وسق من التمر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا ادفعوه لنا نقتله، فقالوا بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم، فأتوه فنزلت: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} واستدل به الجمهور على جواز أخذ الدية في قتل العمد ولو كان غيلة وهو أن يخدع شخصا حتى يصير به إلى موضع خفي فيقتله، خلافا للمالكية، وألحقه مالك بالمحارب فإن الأمر فيه إلى السلطان وليس للأولياء العفو عنه، وهذا على أصله في أن حد المحارب القتل إذا رآه الإمام وأن "أو" في الآية للتخيير لا للتنويع، وفيه أن من قتل متأولا كان حكمه حكم من قتل خطأ في وجوب الدية لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإني عاقله" واستدل به بعض المالكية على قتل من التجأ إلى الحرم بعد أن يقتل عمدا خلافا لمن قال لا يقتل في الحرم بل يلجأ إلى الخروج منه، ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم قاله في قصة قتيل خزاعة المقتول في الحرم، وأن القود مشروع فيمن قتل عمدا، ولا يعارضه ما ذكر من حرمة الحرم فإن المراد به تعظيمه بتحريم ما حرم الله، وإقامة الحد على الجاني به من جملة تعظيم حرمات الله، وقد تقدم شيء من هذا في الموضع الذي أشرت إليه آنفا من كتاب الحج.

(12/210)


9- باب: مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ
6882- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلاَثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ"
قوله: "باب من طلب دم امرئ بغير حق" أي بيان حكمه. قوله: "عن عبد الله بن أبي حسين" هو عبد الله بن عبد الرحمن نسب إلى جده، وثبت ذكر أبيه في هذا السند عند الطبراني في نسخة شعيب بن أبي حمزة وكذا في مستخرج أبي نعيم، ونافع بن جبير أي ابن مطعم. قوله: "أبغض" هو أفعل من البغض، قال وهو شاذ ومثله أعدم من العدم إذا افتقر، قال وإنما يقال أفعل من كذا للمفاضلة في الفعل الثلاثي، قال المهلب وغيره: المراد بهؤلاء الثلاثة أنهم أبغض أهل المعاصي إلى الله، فهو كقوله: "أكبر الكبائر" وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي. قوله: "ملحد في الحرم" أصل الملحد هو المائل عن الحق، والإلحاد العدول عن القصد، واستشكل بأن مرتكب الصغيرة مائل عن الحق، والجواب أن هذه الصيغة في العرف مستعملة للخارج عن الدين فإذا وصف به من ارتكب معصية كان في ذلك إشارة إلى عظمها، وقيل إيراده بالجملة الاسمية مشعر بثبوت الصفة، ثم التنكير للتعظيم فيكون ذلك إشارة إلى عظم الذنب، وقد تقدم قريبا في عد الكبائر مستحل البيت الحرام، وأخرج الثوري في تفسيره عن السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: "ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، إلا أن رجلا لو هم بعدن أبين أن يقتل رجلا بالبيت الحرام إلا أذاقه الله من عذاب أليم" وهذا سند صحيح، وقد ذكر شعبة أن السدي رفعه لهم، وكان شعبة يرويه عنه موقوفا أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن شعبة،

(12/210)


وأخرجه الطبري من طريق أسباط بن نصر عن السدي موقوفا، وظاهر سياق الحديث أن فعل الصغيرة في الحرم أشد من فعل الكبيرة في غيره، وهو مشكل فيتعين أن المراد بالإلحاد فعل الكبيرة، وقد يؤخذ ذلك من سياق الآية فإن الإتيان بالجملة الاسمية في قوله: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} الآية يفيد ثبوت الإلحاد ودوامه، والتنوين للتعظيم أي من يكون إلحاده عظيما والله أعلم. قوله: "ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية" أي يكون له الحق عند شخص فيطلبه من غيره ممن لا يكون له فيه مشاركة كوالده أو ولده أو قريبه، وقيل المراد من يريد بقاء سيرة الجاهلية أو إشاعتها أو تنفيذها. وسنة الجاهلية اسم جنس يعم جميع ما كان أهل الجاهلية يعتمدونه من أخذ الجار بجاره والحليف بحليفه ونحو ذلك، ويلتحق بذلك ما كانوا يعتقدونه، والمراد منه ما جاء الإسلام بتركه كالطيرة والكهانة وغير ذلك، وقد أخرج الطبراني والدار قطني من حديث أبي شريح رفعه: "إن أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله، أو طلب بدم الجاهلية في الإسلام " فيمكن أن يفسر به سنة الجاهلية في هذا الحديث. قوله: "ومطلب" بالتشديد مفتعل من الطلب فأبدلت التاء طاء وأدغمت والمراد من يبالغ في الطلب. وقال الكرماني: المعنى المتكلف للطب، والمراد الطلب المترتب عليه المطلوب لا مجرد الطلب، أو ذكر الطلب ليلزم الزجر في الفعل بطريق الأولى. وقوله: "بغير حق" احتراز عمن يقع له مثل ذلك لكن بحق كطلب القصاص مثلا. وقوله: "ليهريق" بفتح الهاء ويجوز إسكانها، وقد تمسك به من قال إن العزم المصمم يؤاخذ به، وتقدم البحث في ذلك في الكلام على حديث: "من هم بحسنة" في كتاب الرقاق. "تنبيه": وقفت لهذا الحديث على سبب فقرأت في "كتاب مكة لعمر بن شبة" من طريق عمرو بن دينار عن الزهري عن عطاء بن يزيد قال: قتل رجل بالمزدلفة يعني في غزوة الفتح، فذكر القصة وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وما أعلم أحدا أعتى على الله من ثلاثة: رجل قتل في الحرم أو قتل غير قاتله أو قتل بذحل في الجاهلية" ومن طريق مسعر عن عمرو بن مرة عن الزهري ولفظه: "إن أجرأ الناس على الله" فذكر نحوه وقال فيه: "وطلب بذحول الجاهلية".

(12/211)


10- باب: الْعَفْوِ فِي الْخَطَإِ بَعْدَ الْمَوْتِ
6883- حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ.." وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا - يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ - عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ: يَا عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولاَهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي، فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ"
قوله: "باب العفو في الخطأ بعد الموت" أي عفو الولي لا عفو المقتول لأنه محال، ويحتمل أن يدخل، وإنما قيده بما بعد الموت لأنه لا يظهر أثره إلا فيه، إذ لو عفا المقتول ثم مات لم يظهر لعفوه أثر، لأنه لو عاش تبين أن لا شيء له يعفو عنه، وقال ابن بطال: أجمعوا على أن عفو الولي إنما يكون بعد موت المقتول، وأما قبل ذلك فالعفو للقتيل، خلافا لأهل الظاهر فإنهم أبطلوا عفو القتيل. وحجة الجمهور أن الولي لما قام مقام المقتول في طلب

(12/211)


ما يستحقه فإذا جعل له العفو كان ذلك للأصيل أولى، وقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة من مرسل قتادة أن عروة بن مسعود لما دعا قومه إلى الإسلام فرمي بسهم فقتل عفا عن قاتله قبل أن يموت فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم عفوه. قوله: "حدثنا فروة" بفاء هو ابن أبي المغراء. قوله: "عن أبيه عن عائشة هزم المشركون يوم أحد" سقط هذا القدر لأبي ذر وتحول إلى السند الآخر فصار ظاهره أن الروايتين سواء وليس كذلك، ويحيى بن أبي زكريا في السند الثاني هو يحيى بن يحيى الغساني، وساق المتن هنا على لفظه، وأما لفظ علي بن مسهر فتقدم في " باب من حنث ناسيا " من كتاب الأيمان والنذور، وقد بينت ذلك في الكلام عليه في غزوة أحد. قوله: "فقال حذيفة غفر الله لكم" استدل به من قال إن ديته وجبت على من حضر، لأن معنى قوله: "غفر الله لكم" عفوت عنكم، وهو لا يعفو إلا عن شيء استحق له أن يطالب به. وقد أخرج أبو إسحاق الفزاري في السنن عن الأوزاعي عن الزهري قال: "أخطأ المسلمون بأبي حذيفة يوم أحد حتى قتلوه، فقال حذيفة يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فبلغت النبي صلى الله عليه وسلم فزاده عنده خيرا ووداه من عنده " وهذه الزيادة ترد قول من حمل قوله: "فلم يزل في حذيفة منها بقية خير " على الحزن على أبيه، وقد أوضحت الرد عليه في " باب من حنث ناسيا " ويؤخذ منها أيضا التعقب على المحب الطبري حيث قال: حمل البخاري قول حذيفة " غفر الله لكم " على العفو عن الضمان وليس بصريح، فيجاب بأن البخاري أشار بهذا الذي هو غير صريح إلى ما ورد صريحا وإن كان ليس على شرطه فإنه يؤيد ما ذهب إليه.

(12/212)


11- باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}
قوله: "باب: قول الله تعالى :{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً} كذا لأبي ذر وابن عساكر، وساق الباقون الآية إلى {عَلِيماً حَكِيماً} ولم يذكر معظمهم في هذا الباب حديثا. قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً} ذكر ابن إسحاق في السيرة سبب نزولها عن عبد الرحمن ابن الحارث بن عبد الله بن عياش بتحتانية وشين معجمة أي ابن ربيعة المخزومي قال: "قال القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: نزلت هذه الآية في جدك عياش بن أبي ربيعة والحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي وكان يؤذيهم بمكة وهو كافر، فلما هاجر المسلمون أسلم الحارث وأقبل مهاجرا حتى إذا كان بظاهر الحرة لقيه عياش بن أبي ربيعة فظنه على شركه فعلاه بالسيف حتى قتله، فنزلت" روى هذه القصة أبو يعلى من طريق حماد بن سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه فذكرها مرسلة أيضا وزاد في السند عبد الرحمن بن القاسم، وأخرج ابن أبي حاتم في التفسير من طريق سعيد بن جبير أن عياش بن أبي ربيعة حلف ليقتلن الحارث بن يزيد إن ظفر به فذكر نحوه ومن طريق مجاهد نحوه لكن لم يسم الحارث، وفي سياقه ما يدل عل أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلم ثم خرج فقتله عياش بن أبي ربيعة، وقيل في سبب نزولها غير ذلك مما لا يثبت. قوله: "إلا خطأ" هو استثناء منقطع عند الجمهور إن أريد بالنفي معناه فإنه لو قدر متصلا لكان مفهومه فله قتله، وانفصل من قال إنه متصل بأن المراد بالنفي

(12/212)


التحريم، ومعنى إلا خطأ بأن عرفه بالكفر فقتله ثم ظهر أنه كان مؤمنا، وقيل نصب على أنه مفعول له أي لا يقتله لشيء أصلا إلا للخطأ، أو حال أي إلا في حال الخطأ، أو هو نعت مصدر محذوف أي إلا قتلا خطأ، وقيل "إلا" هنا بمعنى الواو وجوزه جماعة، وقيده الفراء بشرط مفقود هنا فلذلك لم يجزه هنا. واستدل بهذه الآية على أن القصاص من المسلم مختص بقتله المسلم فلو قتل كافرا لم يجب عليه شيء سواء كان حربيا أم غير حربي لأن الآيات بينت أحكام المقتولين عمدا ثم خطأ فقال في الحربي {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ثم قال فيمن لهم ميثاق {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} وقال فيمن عاود المحاربة {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} وقال في الخطأ {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً} فكان مفهومها أن له أن يقتل الكافر عمدا فخرج الذمي بما ذكر قبلها، وجعل في قتل المؤمن خطأ الدية والكفارة ولم يذكر ذلك في قتل الكافر، فتمسك به من قال لا يجب في قتل الكافر ولو كان ذميا لشيء، وأيده بقوله: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} وإسحاق في أول السند قال أبو علي الجياني: لم أجده منسوبا ويشبه أن يكون ابن منصور. قلت: ولا يبعد أن يكون ابن راهويه فإنه كثير الرواية عن حبان بن هلال شيخ إسحاق هنا.

(12/213)


12- باب: إِذَا أَقَرَّ بِالْقَتْلِ مَرَّةً قُتِلَ بِهِ
6884- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ "حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ "أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلاَنٌ أَفُلاَنٌ، حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. وَقَدْ قَالَ هَمَّامٌ: بِحَجَرَيْنِ"
قوله: "باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به" كذا لهم، وأما النسفي فعطف بدون "باب" فقال بعد قوله خطأ "الآية، وإذا أقر إلخ " وذكروا كلهم حديث أنس في قصة اليهودي والجارية ويحتاج إلى مناسبته للآية فإنه لا يظهر أصلا فالصواب صنيع الجماعة، قال ابن المنذر: حكم الله في المؤمن يقتل المؤمن خطأ بالدية، وأجمع أهل العلم على ذلك ثم اختلفوا في قوله: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} فقيل المراد كافر ولعاقلته الدية من أجل العهد وهذا قول ابن عباس والشعبي والنخعي والزهري، وقيل مؤمن جاء ذلك عن النخعي وأبي الشعثاء، قال الطبري: والأول أولى لأن الله أطلق الميثاق ولم يقل في المقتول وهو مؤمن كما قال في الذي قبله، ويترجح أيضا حيث ذكر المؤمن ذكر الدية والكفارة معا وحيث ذكر الكافر ذكر الكفارة فقط وهنا ذكر الدية والكفارة معا. قوله: "فجيء باليهودي فاعترف" في رواية هدبة عن همام " فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل به حتى أقر " أخرجه الإسماعيلي، وفي حديث أنس في قصة اليهودي حجة للجمهور في أنه لا يشترط في الإقرار بالقتل أن يتكرر، وهو مأخوذ من إطلاق قوله: "فأخذ اليهودي فاعترف " فإنه لم يذكر فيه عددا والأصل عدمه، وذهب الكوفيون إلى اشتراط تكرار الإقرار بالقتل مرتين قياسا على اشتراط تكرار الإقرار بالزنا أربعا تبعا لعدد الشهود في الموضعين.

(12/213)


13- باب: قَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ
6885- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ

(12/213)


باب القصاص بين الرجال و النساء في الجراحات
...
14- باب: الْقِصَاصِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْجِرَاحَاتِ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ. وَيُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ: "تُقَادُ الْمَرْأَةُ مِنْ الرَّجُلِ فِي كُلِّ عَمْدٍ يَبْلُغُ نَفْسَهُ فَمَا دُونَهَا مِنْ الْجِرَاحِ. وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو الزِّنَادِ عَنْ أَصْحَابِهِ. وَجَرَحَتْ أُخْتُ الرُّبَيِّعِ إِنْسَانًا فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْقِصَاصُ"
6886- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "لَدَدْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: "لاَ تُلِدُّونِي"، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "لاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلاَّ لُدَّ، غَيْرَ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ"
قوله: "باب: القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات" قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الرجل يقتل بالمرأة والمرأة بالرجل إلا رواية عن علي وعن الحسن وعطاء، وخالف الحنفية فيما دون النفس، واحتج بعضهم بأن اليد الصحيحة لا تقطع باليد الشلاء بخلاف النفس فإن النفس الصحيحة تقاد بالمريضة اتفاقا، وأجاب ابن القصار بأن اليد الشلاء في حكم الميتة والحي لا يقاد بالميت، وقال ابن المنذر: لما أجمعوا على القصاص في النفس واختلفوا فيما دونها وجب رد المختلف إلى المتفق. قوله: "وقال أهل العلم يقتل الرجل بالمرأة" المراد الجمهور، أو أطلق إشارة إلى وهي الطريق إلى على. أو إلى أنه من ندرة المخالف. قوله: "ويذكر عن عمر تقاد المرأة من الرجل في كل عمد يبلغ نفسه فما دونها من الجراح" وصله سعيد بن منصور من طريق النخعي قال: "كان فيما جاء به عروة البارقي إلى شريح من عند عمر قال جرح الرجال والنساء سواء " وسنده صحيح إن كان النخعي سمعه من شريح، وقد أخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر فقال: "عن إبراهيم عن شريح، قال أتاني عروة، فذكره، ومعنى قوله: "تقاد " يقتص منها إذا قتلت الرجل ويقطع عضوها الذي تقطعه منه وبالعكس. قوله: "وبه قال عمر بن عبد العزيز وإبراهيم وأبو الزناد عن أصحابه" أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الثوري عن جعفر بن برقان عن عمر بن عبد العزيز وعن مغيرة عن إبراهيم النخعي قالوا: القصاص بين الرجل والمرأة في العمد سواء، وأخرج الأثرم من هذا الوجه عن عمر بن عبد العزيز قال: القصاص فيما بين المرأة والرجل حتى في النفس، وأخرج البيهقي من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كل من أدركت من فقهائنا - وذكر السبعة في مشيخة سواهم أهل فقه وفضل ودين - وقال وربما اختلفوا في الشيء فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيا أنهم كانوا يقولون المرأة تقاد من الرجل عينا بعين وأذنا بأذن وكل شيء من الجراح على ذلك وإن من قتلها قتل بها. قوله: "وجرحت أخت الربيع إنسانا فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" القصاص" كذا لهم، ووقع للنسفي "كتاب الله القصاص" والمعتمد ما عند الجماعة وهو بالنصب على الإغراء، قال أبو ذر: كذا وقع هنا والصواب "الربيع بنت النضر عمة أنس" وقال الكرماني: قيل إن

(12/214)


الصواب "وجرحت الربيع" بحذف لفظة أخت فإنه الموافق لما تقدم في البقرة من وجه آخر "عن أنس أن الربيع بنت النضر عمته كسرت ثنية جارية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كتاب الله القصاص، قال: إلا أن يقال إن هذه امرأة أخرى، لكنه لم ينقل عن أحد، كذا قال، وقد ذكر جماعة أنهما قصتان، والمذكور هنا طرف من حديث أخرجه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس " أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: القصاص القصاص، فقالت أم الربيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة والله لا يقتص منها، فقال: سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله فما زالت حتى قبلوا الدية فقال: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " والحدث المشار إليه في سورة البقرة مختصر من حديث طويل ساقه البخاري في الصلح بتمامه من طريق حميد عن أنس وفيه، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع يا رسول الله؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، قال يا أنس كتاب الله القصاص، فرضي القوم وعفوا فقال: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " وسيأتي بعد أربعة أبواب أيضا باختصار، قال النووي قال العلماء: المعروف رواية البخاري، ويحتمل أن يكونا قصتين. قلت: وجزم ابن حزم بأنهما قصتان صحيحتان وقعتا لامرأة واحدة إحداهما أنها جرحت إنسانا فقضى عليها بالضمان والأخرى أنها كسرت ثنية جارية فقضى عليها بالقصاص وحلفت أمها في الأولى وأخوها في الثانية. وقال البيهقي بعد أن أورد الروايتين: ظاهر الخبرين يدل على أنهما قصتان، فإن قبل هذا الجمع وإلا فثابت أحفظ من حميد. قلت: في القصتين مغايرات: منها هل الجانية الربيع أو أختها، وهل الجناية كسر الثنية أو الجراحة، وهل الحالف أم الربيع أو أخوها أنس بن النضر؟ وأما ما وقع في أول الجنايات عند البيهقي من وجه آخر عن حميد عن أنس قال: "لطمت الربيع بنت معوذ جارية فكسرت ثنيتها " فهو غلط في ذكر أبيها والمحفوظ أنها بنت النضر عمة أنس كما وقع التصريح به في صحيح البخاري، وفي الحديث أن كل من وجب له القصاص في النفس أو دونها فعفا على مال فرضوا به جاز. قوله: "يحيى" هو القطان وسفيان هو الثوري. قوله: "لددنا النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال لا تلدوني" تقدم شرحه في الوفاة النبوية، والمراد منه هنا " لا يبقى أحد منكم إلا لد " فإن فيه إشارة إلى مشروعية الاقتصاص من المرأة بما جنته على الرجل، لأن الذين لدوه كانوا رجالا ونساء، وقد ورد التصريح في بعض طرقه بأنهم لدوا ميمونة وهي صائمة من أجل عموم الأمر كما مضى في الوفاة النبوية من وجهين. قوله: "غير العباس فإنه لم يشهدكم" تقدم بيانه أيضا في الوفاة النبوية قبل. وفي الحديث أن صاحب الحق يستثنى من غرمائه من شاء فيعفو عنه ويقتص من الباقين، وفيه نظر لقوله: "لم يشهدكم " وفيه أخذ الجماعة بالواحد، قال الخطابي: وفيه حجة لمن رأى القصاص في اللطمة ونحوها، واعتل من لم ير ذلك بأن اللطم يتعذر ضبطه وتقديره بحيث لا يزيد ولا ينقص وأما اللدود فاحتمل أن يكون قصاصا واحتمل أن يكون معاقبة على مخالفة أمره فعوقبوا من جنس جنايتهم. وفيه أن الشركاء في الجناية يقتص من كل واحد منهم إذا كانت أفعالهم لا تتميز، بخلاف الجناية في المال لأنها تتبعض، إذ لو اشترك جماعة في سرقة ربع دينار لم يقطعوا اتفاقا، وسيأتي بيان ذلك بعد ستة أبواب

(12/215)


15- باب: مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ أَوْ اقْتَصَّ دُونَ السُّلْطَانِ
6887- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ "سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ

(12/215)


إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
6888- وَبِإِسْنَادِهِ "لَوْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ خَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ"
[الحديث 6888- طرفه في: 6902]
6889- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ "أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَدَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا" فَقُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
قوله: "باب من أخذ حقه" أي من جهة غريمه بغير حكم حاكم "أو اقتص" أي إذا وجب له على أحد قصاص في نفس أو طرف هل يشترط أن يرفع أمره إلى الحاكم أو يجوز أن يستوفيه دون الحاكم وهو المراد بالسلطان في الترجمة. قال ابن بطال: اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من حقه دون السلطان، قال: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده كما تقدم تفصيله. قال: وأما أخذ الحق فإنه يجوز عندهم أن يأخذ حقه من المال خاصة إذا جحده إياه ولا بينة عليه كما سيأتي تقريره قريبا. ثم أجاب عن حديث الباب بأنه خرج على التغليظ والزجر عن الاطلاع على عورات الناس انتهى. قلت: فأما من نقل الاتفاق فكأنه استند فيه إلى ما أخرجه إسماعيل القاضي في " نسخة أبي الزناد " عن الفقهاء الذين ينتهي إلى قولهم ومنه: لا ينبغي لأحد أن يقيم شيئا من الحدود دون السلطان، إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده، وهذا إنما هو اتفاق أهل المدينة في زمن أبي الزناد. وأما الجواب فإن أراد أنه لا يعمل بظاهر الخبر فهو محل النزاع. قوله: "أنه سمع أبا هريرة يقول إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" كذا لأبي ذر وسقط "يوم القيامة" للباقين. قوله: "وبإسناده لو اطلع إلخ" هو المراد في هذه الترجمة، والأول ذكره لكونه أول حديث في نسخة شعيب عن أبي الزناد، ومن ثم لم يسق الحديث بتمامه هنا بل اقتصر على أوله إشارة إلى ذلك، وساقه بتمامه في كتاب الجمعة، ولم يطرد للبخاري صنيع في ذلك واطرد صنيع مسلم في " نسخة همام " بأن يسوق السند ثم يقول فذكر أحاديث منها ثم يذكر الحديث الذي يريده وقد أشرت إلى ذلك في كتاب الرقاق، وجوز الكرماني أن الراوي سمع الحديثين في نسق واحد فجمعهما فاستمر من بعده على ذلك. قلت: وهذا يحتاج إلى تكملة، وهو أن البخاري اختصر الأول لأنه لا يحتاج إليه هنا. قوله: "لو اطلع" الفاعل مؤخر وهو "أحد". قوله: "ولم تأذن له" احتراز ممن اطلع بإذن. قوله: "حذفته بحصاة" كذا هنا بغير فاء، وأخرجه الطبراني عن أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه بلفظ: "فحذفته " وهو الأولى والأول جائز، وسيأتي بعد سبعة أبواب من رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بلفظ: "لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فحذفته " وقوله حذفته بالحاء المهملة عند أبي ذر والقابسي وعند غيرهما بالخاء المعجمة وهو أوجه لأن الرمي بحصاة أو نواة ونحوهما إما بين الإبهام والسبابة وإما بين السبابتين وجزم النووي بأنه في مسلم بالمعجمة، وسيأتي في رواية سفيان المشار إليها بالمهملة، وقال القرطبي: الرواية بالمهملة خطأ لأن في نفس الخبر أنه الرمي بالحصى وهو بالمعجمة جزما. قلت: ولا مانع من استعمال المهملة في ذلك مجازا. قوله: "ففقأت عينه" بقاف ثم همزة ساكنة أي شققت عينه، قال ابن القطاع: فقأ عينه أطفأ ضوءها.

(12/216)


قوله: "جناح" أي إثم أو مؤاخذة. قوله: "يحيى" هو القطان وحميد هو الطويل. قوله: "إن رجلا" هذا ظاهره الإرسال لأن حميدا لم يدرك القصة، لكن بين في آخر الحديث أنه موصول. وسيأتي بعد سبعة أبواب من وجه آخر عن أنس ويذكر فيه ما قيل في تسمية الرجل المذكور. قوله: "فسدد إليه" بدالين مهملتين الأولى ثقيلة قبلها سين مهملة أي صوب وزنه ومعناه، والتصويب توجيه السهم إلى مرماه وكذلك التسديد ومنه البيت المشهور:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
وقد حكي فيه الإعجام ويترجح كونه بالمهملة بإسناده إلى التعليم لأنه الذي في قدرة المعلم بخلاف الشدة بمعنى القوة فإنه لا قدرة للمعلم عل اجتلابها، ووقع في رواية أبي ذر عن السرخسي وفي رواية كريمة عن الكشميهني بالشين المعجمة والأول أولى فقد أخرجه أحمد عن محمد بن أبي عدي عن حميد بلفظ: "فأهوى إليه " أي أمال إليه. قوله: "مشقصا" تقدم ضبطه وتفسيره في كتاب الاستئذان في الكلام على رواية عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس وسياقه أتم، ووقع هنا في رواية حميد مختصرا أيضا، وقد أخرجه أحمد عن يحيى القطان شيخ شيخ البخاري فيه فزاد في آخره حتى أخر رأسه بتشديد الخاء المعجمة أي أخرجها من المكان الذي اطلع فيه وفاعل أخر هو الرجل، ويحتمل أن يكون المشقص وأسند الفعل إليه مجازا، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لكونه السبب في ذلك والأول أظهر، فقد أخرجه أحمد أيضا عن سهل بن يوسف عن حميد بلفظ: "فأخرج الرجل رأسه " وعنده في رواية ابن أبي عدي التي أشرت إليها: فتأخر الرجل. قوله: "فقلت من حدثك" القائل هو يحيى القطان والمقول له هو حميد وجوابه بقوله أنس بن مالك يقتضي أنه سمعه منه بغير واسطة، وهذا من المتون التي سمعها حميد من أنس وقد قيل إنه لم يسمع منه سوى خمسة أحاديث والبقية سمعها من أصحابه عنه كثابت وقتادة فكان يدلسها فيرويها عن أنس بلا واسطة، والحق أنه سمع منه أضعاف ذلك، وقد أكثر البخاري من تخريج حديث حميد عن أنس، بخلاف مسلم فلم يخرج منها إلا القليل لهذه العلة، لكن البخاري لا يخرج من حديثه إلا ما صرح فيه بالتحديث أو ما قام مقام التصريح ولو باللزوم كما لو كان من رواية شعبة عنه فإن شعبة لا يحمل عن شيوخه إلا ما عرف أنهم سمعوه من شيوخهم، وقد أوضحت ذلك في ترجمة حميد في مقدمة هذا الشرح ولله الحمد.

(12/217)


16- باب: إِذَا مَاتَ فِي الزِّحَامِ أَوْ قُتِلَ
6890- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ، أُخْرَاكُمْ. فَرَجَعَتْ أُولاَهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ، أَبِي أَبِي. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ، قَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ"
قوله: "باب إذا مات في الزحام أو قتل به" كذا لابن بطال وسقط "به" من رواية الأكثر، أورد البخاري الترجمة مورد الاستفهام ولم يجزم بالحكم كما جزم به في الذي بعده لوجود الاختلاف في هذا الحكم وذكر فيه

(12/217)


حديث عائشة في قصة قتل اليمان والد حذيفة وقد تقدم الكلام عليه قريبا. قال ابن بطال: اختلف علي وعمر هل تجب ديته في بيت المال أو لا؟ وبه قال إسحاق أي بالوجوب، وتوجيهه أنه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين فوجبت ديته في بيت مال المسلمين. قلت: ولعل حجته ما ورد في بعض طرق قصة حذيفة، وهو ما أخرجه أبو العباس السراج في تاريخه من طريق عكرمة أن والد حذيفة قتل يوم أحد قتله بعض المسلمين وهو يظن أنه من المشركين فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجاله ثقات مع إرساله، وقد تقدم له شاهد مرسل أيضا في " باب العفو عن الخطأ " وروى مسدد في مسنده من طريق يزيد بن مذكور أن رجلا زحم يوم الجمعة فمات فوداه علي من بيت المال، وفي المسألة مذاهب أخرى منها قول الحسن البصري إن ديته تجب على جميع من حضر وهو أخص من الذي قبله، وتوجهه أنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم. ومنها قول الشافعي ومن تبعه أنه يقال لوليه ادع على من شئت واحلف فإن حلفت استحقيت الدية وإن نكلت حلف المدعى عليه على النفي وسقطت المطالبة، وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب. ومنها قول مالك دمه هدر، وتوجهه أنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد، وقد تقدمت الإشارة إلى الراجح من هذه المذاهب في "باب العفو عن الخطأ". قوله: "قال هشام أخبرنا" من تقديم اسم الراوي على الصيغة وهو جائز، وهشام المذكور هو ابن عروة ابن الزبير. قوله: "فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان" تقدم شرح قصته في غزوة أحد، وقوله: "قال عروة " هو موصول بالسند المذكور، وقوله: "فما زالت في حذيفة منه " أي من ذلك الفعل وهو العفو، و "من" سببية وتقدم القول فيه أيضا.

(12/218)


باب إذا قتل نفسه فلا دية له
...
17- بَاب: إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً فَلاَ دِيَةَ لَهُ
6891- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ "عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيْهَاتِكَ، فَحَدَا بِهِمْ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ السَّائِقُ؟ قَالُوا: عَامِرٌ فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلاَ أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟ فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ. فَلَمَّا رَجَعْتُ - وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ - فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لاَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ"
قوله "إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له" قال الإسماعيلي قلت ولا إذا قتلها عمدا، يعني أنه لا مفهوم لقوله خطا والذي يظهر أن البخاري انما قيد بالخطأ لأنه محل الخلاف، قال بن بطال قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تجب ديته على عاقلته، فان عاش فهي له عليهم وإن مات فهي لورثته. وقال الجمهور لا يجب في ذلك شيء، وقصة عامر هذه حجة لهم إذ لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في هذه القصة له شيئا، ولو وجب لبينها إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أجمعوا على أنه لو قطع طرفا من أطرافه عمدا أو خطأ لا يجب فيه شيئ. قوله: "عن سلمة" هو ابن الأكوع. قوله: "من هنياتك" بضم أوله وتشديد التحتانية بعد النون، ووقع في رواية المستملي بحذف التحتانية وقد تقدم ضبطه في كتاب المغازي، وعامر هو ابن الأكوع فهو أخو سلمة وقيل عمه، قال ابن بطال:

(12/218)


لم يذكر في هذه الطريق صفة قتل عامر نفسه، وقد تقدم بيانه في كتاب الأدب ففيه: "وكان سيف عامر قصيرا فتناول به يهوديا ليضربه فرجع ذبابه فأصاب ركبته " قلت: ونقل بعض الشراح عن الإسماعيلي أنه قال ليس في رواية مكي شيخ البخاري أنه ارتد عليه سيفه فقتله، والباب مترجم بمن قتل نفسه، وظن أن الإسماعيلي تعقب ذلك على البخاري وليس كما ظن وإنما ساق الحديث بلفظ: "فارتد عليه سيفه" ثم نبه على أن هذه اللفظة لم تقع في رواية البخاري هنا فأشار إلى أنه عدل هنا عن رواية مكي بن إبراهيم لهذه النكتة فيكون أولى لوضوحه، ويجاب بأن البخاري يعتمد هذه الطريق كثيرا فيترجم بالحكم ويكون قد أورد ما يدل عليه صريحا في مكان آخر فلا يجب أن يعيده فيورده من طريق أخرى ليس فيها دلالة أصلا أو فيها دلالة خفية كل ذلك للفرار من التكرار لغير فائدة وليبعث الناظر فيه على تتبع الطرق والاستكثار منها ليتمكن من الاستنباط ومن الجزم بأحد المحتملين مثلا، وقد عرف ذلك بالاستقراء من صنيع البخاري فلا معنى للاعتراض به عليه، وقد ذكرت ذلك مرارا، وإنما أنبه على ذلك إذا بعد العهد به، وقد تقدم في الدعوات من وجه آخر عن يزيد بن أبي عبيد شيخ مكي بلفظ فيه: "فلما تصاف القوم أصيب عامر بقائمة سيفه فمات " وقد اعترض عليه الكرماني فقال: قوله في الترجمة " فلا دية له " لا وجه له هنا، وإنما موضعه اللائق به الترجمة السابقة إذا مات في الزحام فلا دية له على المزاحمين لظهور أن قاتل نفسه لا دية له، قال: ولعله من تصرف النقلة بالتقديم والتأخير عن نسخة الأصل. ثم قال: وقال الظاهرية دية من قتل نفسه على عاقلته، فلعل البخاري أراد رد هذا القول. قلت: نعم أراد البخاري رد هذا القول لكن على قائله قبل الظاهرية وهو الأوزاعي كما قدمته، وما أظن مذهب الظاهرية اشتهر عند تصنيف البخاري كتابه فإنه صنف كتابه في حدود العشرين ومائتين وكان داود بن علي الأصبهاني رأسهم في ذلك الوقت طالبا وكان سنه يومئذ دون العشرين وأما قول الكرماني بأن قول البخاري " فلا دية له " يليق بترجمة من مات في الزحام فهو صحيح لكنه في ترجمة من قتل نفسه أليق لأن الخلاف فيمن مات في الزحام قوي فمن ثم لم يجزم في الترجمة بنفي الدية، بخلاف من قتل نفسه فإن الخلاف فيه ضعيف فجزم فيه بالنفي، وهو من محاسن تصرف البخاري، فظهر أن النقلة لم يخالفوا تصرفه وبالله التوفيق. قوله: "وأي قتل يزيده عليه" في رواية المستملي وكذا في رواية النسفي "وأي قتيل" وصوبها ابن بطال وكذا عياض، وليست الرواية الأخرى خطأ محضا بل يمكن ردها إلى معنى الأخرى والله أعلم.

(12/219)


18- باب: إِذَا عَضَّ رَجُلًا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ
6892- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى "عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" فَقَالَ: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ، لاَ دِيَةَ لَه"
6893- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى "عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ، فَعَضَّ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
قوله: "باب: إذا عض يد رجل فوقعت ثناياه" أي هل يلزمه فيه شيء أو لا؟ ذكر فيه حديثين: الأول،

(12/219)


قوله: "عن زرارة" بضم الزاي المعجمة ثم مهملتين الأولى خفيفة بينهما ألف بغير همز وهو العامري، ووقع عند الإسماعيلي في رواية علي بن الجعد عن شعبة " أخبرني قتادة أنه سمع زرارة". قوله: "أن رجلا عض يد رجل" في رواية محمد بن جعفر عن شعبة عند مسلم بهذا السند عن عمران قال: "قاتل يعلى بن أمية رجلا فعض أحدهما صاحبه " الحديث قال شعبة وعن قتادة عن عطاء هو ابن أبي رباح عن أبي يعلى يعني صفوان عن يعلى بن أمية قال مثله، وكذا أخرجه النسائي من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة بهذا السند فقال في روايته بمثل الذي قبله يعني حديث عمران بن حصين. قلت: ولشعبة فيه سند آخر إلى يعلى أخرجه النسائي من طريق ابن أبي عدي وعبيد بن عقيل كلاهما عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن يعلى، ووقع في رواية عبيد بن عقيل " أن رجلا من بني تميم قاتل رجلا فعض يده " ويستفاد من هذه الرواية تعيين أحد الرجلين المبهمين وأنه يعلى بن أمية، وقد روى يعلى هذه القصة وهي الحديث الثاني في الباب فبين في بعض طرقه أن أحدهما كان أجيرا له، ولفظه في الجهاد " غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذكر الحديث وفيه: "فاستأجرت أجيرا فقاتل رجلا فعض أحدهما الآخر فعرف أن الرجلين المبهمين يعلى وأجيره وأن يعلى أبهم نفسه لكن عينه عمران بن حصين، ولم أقف على تسمية أجيره. وأما تمييز العاض من المعضوض فوقع بيانه في غزوة تبوك من المغازي من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج في حديث يعلى قال عطاء: فلقد أخبرني صفوان بن يعلى أيهما عض الآخر فنسيته فظن أنه مستمر على الإبهام، ولكن وقع عند مسلم والنسائي من طريق بديل بن ميسرة عن عطاء بلفظ: "إن أجيرا ليعلى عض رجل ذراعه " وأخرجه النسائي أيضا عن إسحاق بن إبراهيم عن سفيان بلفظ: "فقاتل أجيري رجلا فعضه الآخر " ويؤيده ما أخرجه النسائي من طريق سفيان بن عبد الله عن عميه سلمة بن أمية ويعلى بن أمية قالا " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ومعنا صاحب لنا فقاتلا رجلا من المسلمين فعض الرجل ذراعه " ويؤيده أيضا رواية عبيد بن عقيل التي ذكرتها من عند النسائي بلفظ: "أن رجلا من بني تميم عض " فإن يعلى تميمي وأما أجيره فإنه لم يقع التصريح بأنه تميمي، وأخرج النسائي أيضا من رواية محمد بن مسلم الزهري عن صفوان بن يعلى عن أبيه نحو رواية سلمة ولفظه: "فقاتل رجلا فعض الرجل ذراعه فأوجعه " وعرف بهذا أن العاض هو يعلى بن أمية، ولعل هذا هو السر في إبهامه نفسه. وقد أنكر القرطبي أن يكون يعلى هو العاض فقال: يظهر من هذه الرواية أن يعلى هو الذي قاتل الأجير، وفي الرواية الأخرى "أن أجيرا ليعلى عض يد رجل" وهذا هو الأولى والأليق إذ لا يليق ذلك الفعل بيعلى مع جلالته وفضله. قلت: لم يقع في شيء من الطرق أن الأجير هو العاض وإنما التبس عليه أن في بعض طرقه عند مسلم كما بينته " أن أجيرا ليعلى عض رجل ذراعه " فجوز أن يكون العاض غير يعلى، وأما استبعاده أن يقع ذلك من يعلى مع جلالته فلا معنى له مع ثبوت التصريح به في الخبر الصحيح، فيحتمل أن يكون ذلك صدر منه في أوائل إسلامه فلا استبعاد. وقال النووي: وأما قوله يعني في الرواية الأولى "أن يعلى هو المعضوض" وفي الرواية الثانية والثالثة المعضوض هو أجير يعلى لا يعلى فقال الحفاظ الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى لا يعلى. قال: ويحتمل أنهما قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين، وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأنه ليس في رواية مسلم ولا رواية غيره في الكتب الستة ولا غيرها أن يعلى هو المعضوض لا صريحا ولا إشارة، وقال شيخنا: فيتعين على هذا أن يعلى هو العاض والله أعلم. قلت وإنما تردد

(12/220)


عياض وغيره في العاض هل هو يعلى أو آخر أجنبي كما قدمته من كلام القرطبي والله أعلم. قوله: "فنزع يده من فيه" وكذا في حديث يعلى الماضي في الجهاد في رواية الكشميهني: "من فمه" وفي رواية هشام عن عروة عند مسلم: "عض ذراع رجل فجذبه " وفي حديث يعلى الماضي في الإجارة " فعض إصبع صاحبه فانتزع إصبعه " وفي الجمع بين الذراع والأصبع عسر، ويبعد الحمل على تعدد القصة لاتحاد المخرج لأن مدارها على عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه، فوقع في رواية إسماعيل بن علية عن ابن جريج عنه " إصبعه " وهذه في البخاري ولم يسق مسلم لفظها. وفي رواية بن ميسرة عن عطاء عند مسلم وكذا في رواية الزهري عن صفوان عند النسائي: "ذراعه" ووافقه سفيان بن عيينة من ابن جريج في رواية إسحاق بن راهويه عنه، فالذي يترجح الذراع، وقد وقع أيضا في حديث سلمة بن أمية عند النسائي مثل ذلك، وانفراد ابن علية عن ابن جريج بلفظ الأصبع لا يقاوم هذه الروايات المتعاضدة على الذراع والله أعلم. قوله: "فوقعت ثنيتاه" كذا للأكثر بالتثنية وللكشميهني: "ثناياه" بصيغة الجمع. وفي رواية هشام المذكورة "فسقطت ثنيته" بالإفراد وكذا له في رواية ابن سيرين عن عمران، وكذا في رواية سلمة بن أمية بلفظ: "فجذب صاحبه يده فطرح ثنيته" وقد تترجح رواية التثنية لأنه يمكن حمل الرواية التي بصيغة الجمع عليها على رأي من يجيز في الاثنين صيغة الجمع ورد الرواية التي بالإفراد إليها على إرادة الجنس، لكن وقع في رواية محمد بن بكر " فانتزع إحدى ثنيتيه " فهذه أصرح في الوحدة، وقول من يقول في هذا بالحمل على التعدد بعيد أيضا لاتحاد المخرج، ووقع في رواية الإسماعيلي: "فندرت ثنيته". قوله: "فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم" كذا في هذا الموضوع والمراد يعلى وأجيره ومن انضم إليهما ممن يلوذ بهما أو بأحدهما، وفي رواية هشام فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية ابن سيرين "فاستعدى عليه" وفي حديث يعلى "فانطلق" هذه رواية ابن علية وفي رواية سفيان " فأتى " وفي رواية محمد بن بكر عن ابن جريج في المغازي " فأتيا". قوله: "فقال يعض" بفتح أوله والعين المهملة بعدها ضاد معجمة ثقيلة وفي رواية مسلم: "يعمد أحدكم إلى أخيه فيعضه " وأصل عض عضض بكسر الأولى يعضض بفتحها فأدغمت. قوله: "كما يعض الفحل" وفي حدث سلمة " كعضاض الفحل " أي الذكر من الإبل ويطلق على غيره من ذكور الدواب ووقع في الرواية التي في الجهاد وكذا في حديث هشام " ويقضمها " بسكون القاف وفتح الضاد المعجمة على الأفصح "كما يقضم الفحل" من القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان والخضم بالخاء المعجمة بدل القاف الأكل بأقصاها وبأدنى الأضراس ويطلق على الدق والكسر ولا يكون إلا في الشيء الصلب حكاه صاحب الراعي في اللغة. قوله: "لا دية له" في رواية الكشميهني: "لا دية لك " ووقع في رواية هشام " فأبطله وقال أردت أن تأكل لحمه " وفي حديث سلمة " ثم تأتي تلتمس العقل لا عقل لها فأبطلها " وفي رواية ابن سيرين " فقال ما تأمرني؟ أتأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل ادفع يدك حتى يقضمها ثم انزعها " كذا لمسلم وعند أبي نعيم في المستخرج من الوجه الذي أخرجه مسلم: "إن شئت أمرناه فعض يدك ثم انتزعها أنت " وفي حديث يعلى بن أمية " فأهدرها " وفي هذا الباب: "فأبطلها" وهي رواية الإسماعيلي. الحديث الثاني قوله: "حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج" كذا وقع هنا بعلو درجة، وتقدم له في الإجارة والجهاد والمغازي من طريق ابن جريج بنزول لكن سياقه فيها أتم مما هنا. قوله: "عن عطاء" هو ابن أبي رباح "عن صفوان بن يعلى" وفي رواية ابن علية في الإجارة " أخبرني عطاء " وفي رواية محمد بن أبي بكر في المغازي " سمعت عطاء أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية " وكذا المسلم من طريق أبي

(12/221)


أسامة عن ابن جريج. قوله: "عن أبيه" في رواية ابن علية " عن يعلى بن أمية " وفي رواية حجاج بن محمد عند أبي نعيم في المستخرج " أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية أنه سمع يعلى " وأخرجه مسلم من طريق شعبة عن قتادة عن عطاء عن ابن يعلى عن أبيه، ومن طريق همام عن عطاء كذلك وهي عند البخاري في الحج مختصرة مضمومة إلى حديث الذي سأل عن العمرة، ومن طريق هشام الدستوائي عن قتادة وفيها مخالفة لرواية شعبة من وجهين أحدهما أنه أدخل بين قتادة وعطاء بديل بن ميسرة والآخر أنه أرسله، ولفظه عن صفوان بن يعلى " أن أجيرا ليعلى بن أمية عض رجل ذراعه " وقد اعترض الدار قطني على مسلم في تخريجه هذه الطريق وتخريجه طريق محمد بن سيرين عن عمران وهو لم يسمع منه، وأجاب النووي بما حاصله: أن المتابعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في الأصول، وهو كما قال، ومنية التي نسب إليها يعلى هنا هي أمه وقيل جدته والأول المعتمد، وأبوه كما تقدم في الروايات أمية بن أبي عبيد بن همام بن الحارث التميمي الحنظلي، أسلم يوم الفتح وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ما بعدها كحنين والطائف وتبوك ومنية أمه بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية هي بنت جابر عمة عتبة بن غزوان وقيل أخته، وذكر عياض أن بعض رواة مسلم صحفها وقال منبه بفتح النون وتشديد الموحدة وهو تصحيف، وأغرب ابن وضاح فقال منبه بسكون النون أمه وبفتحها ثم موحدة أبوه ولم يوافقه أحد على ذلك. قوله: "خرجت في غزوة" في رواية الكشميهني: "في غزاة" وثبت في رواية سفيان أنها غزوة تبوك، ومثله في رواية ابن علية بلفظ: "جيش العسرة " وبه جزم غير واحد من الشراح، وتعقبه بعض من لقيناه بأن في " باب من أحرم جاهلا وعليه قميص " من كتاب الحج في البخاري من حديث يعلى " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل عليه جبة بها أثر صفرة " فذكر الحديث وفيه: "فقال اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك . وعض رجل يد رجل فانتزع ثنيته فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم: "فهذا يقتضي أن يكون ذلك في سفر كان فيه الإحرام بالعمرة. قلت: وليس ذلك صريحا في هذا الحديث، بل هو محمول على أن الراوي سمع الحديثين فأوردهما معا عاطفا لأحدهما على الآخر بالواو التي لا تقتضي الترتيب، وعجيب ممن يتكلم عن الحديث فيرد ما فيه صريحا بالأمر المحتمل، وما سبب ذلك إلا إيثار الراحة بترك تتبع طرق الحديث فإنها طريق توصل إلى الوقوف على المراد غالبا. قوله: "فعض رجل فانتزع ثنيته" كذا وقع عنده هنا بهذا الاختصار المجحف، وقد بينه الإسماعيلي من طريق يحيى القطان عن ابن جريج ولفظه: "قاتل رجل آخر فعض يده فانتزع يده فانتدرت ثنيته " وقد بينت اختلاف طرقه في الذي قبله، وقد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور فقالوا لا يلزم المعضوض قصاص ولا دية لأنه في حكم الصائل، واحتجوا أيضا بالإجماع بأن من شهر على آخر سلاحا ليقتله فدفع عن نفسه فقتل الشاهر أنه لا شيء عليه، فكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها، قالوا ولو جرحه المعضوض في موضع آخر لم يلزمه شيء، وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب في شدقيه أو فك لحيته ليرسلها، ومهما أمكن التخليص بدون ذلك فعدل عنه إلى الأثقل لم يهدر وعند الشافعية وجه أنه يهدر على الإطلاق، ووجه أنه لو دفعه في ذلك ضمن، وعن مالك روايتان أشهرهما يجب الضمان، وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أن يكون سبب الإنذار شدة العض لا النزع فيكون سقوط ثنية العاض بفعله لا بفعل المعضوض، إذ لو كان من فعل صاحب اليد لأمكنه أن يخلص يده من غير قلع، ولا يجوز الدفع بالأثقل مع إمكان الأخف. وقال بعض المالكية: العاض قصد العضو نفسه والذي

(12/222)


استحق في إتلاف ذلك العضو غير ما فعل به فوجب أن يكون كل منهما ضامنا ما جناه على الآخر، كمن قلع عين رجل فقطع الآخر يده. وتعقب بأنه قياس في مقابل النص فهو فاسد. وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت تتحرك فسقطت عقب النزع، وسياق هذا الحديث يدفع هذا الاحتمال، وتمسك بعضهم بأنها واقعة عين ولا عموم لها، وتعقب بأن البخاري أخرج في الإجارة عقب حديث يعلى هذا من طريق أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبي صلى الله عليه وسلم وقضى فيه بمثله، وما تقدم من التقييد ليس في الحديث وإنما أخذ من القواعد الكلية، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم به فإن النص إنما ورد في صورة مخصوصة، نبه على ذلك ابن دقيق العيد. وقد قال يحيى بن عمر: لو بلغ مالكا هذا الحديث لما خالفه، وكذا قال ابن بطال: لم يقع هذا الحديث لمالك وإلا لما خالفه، وقال الداودي: لم يروه مالك لأنه من رواية أهل العراق. وقال أبو عبد الملك كأنه لم يصح الحديث عنده لأنه أتى من قبل المشرق. قلت: وهو مسلم في حديث عمران، وأما طريق يعلى ابن أمية فرواها أهل الحجاز وحملها عنهم أهل العراق، واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان، ونقل القرطبي عن بعض أصحابهم إسقاط الضمان قال وضمنه الشافعي وهو مشهور مذهب مالك، وتعقب بأن المعروف عن الشافعي أنه لا ضمان، وكأنه انعكس على القرطبي. "تنبيه": لم يتكلم النووي على ما وقع في رواية ابن سيرين عن عمران، فإن مقتضاها إجراء القصاص في العضة، وسيأتي البحث فيه مع القصاص في اللطمة بعد بابين. وقد يقال إن العض هنا إنما أذن فيه للتوصل إلى القصاص في قلع السن، لكن الجواب السديد في هذا أنه استفهمه استفهام إنكار لا تقرير شرع، هذا الذي يظهر لي والله أعلم. وفي هذه القصة من الفوائد التحذير من الغضب، وأن من وقع له ينبغي له أن يكظمه ما استطاع لأنه أدى إلى سقوط ثنية الغضبان، لأن يعلى غضب من أجيره فضربه فدفع الأجير عن نفسه فعضه يعلى فنزع يده فسقطت ثنية العاض، ولولا الاسترسال مع الغضب لسلم من ذلك. وفيه استئجار الحر للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو لا ليقاتل عنه كما تقدم تقريره في الجهاد. وفيه رفع الجناية إلى الحاكم من أجل الفصل، وأن المرء لا يقتص لنفسه، وأن المتعدي بالجناية يسقط ما ثبت له قبلها من جناية إذا ترتبت الثانية على الأولى. وفيه جواز تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة إذا وقع في مقام التنفير عن مثل ذلك الفعل، وقد حكى الكرماني أنه رأى من صحف قوله: "كما يقضم الفجل " بالجيم بدل الحاء المهملة وحمله على البقل المعروف، وهو تصحيف قبيح. وفيه دفع الصائل وأنه إذا لم يمكن الخلاص منه إلا بجناية على نفسه أو على بعض أعضائه ففعل به ذلك كان هدرا، وللعلماء في ذلك اختلاف وتفصيل معروف. وفيه أن من وقع له أمر يأنفه أو يحتشم من نسبته إليه إذا حكاه كنى عن نفسه بأن يقول فعل رجل أو إنسان أو نحو ذلك كذا وكذا كما وقع ليعلى في هذه القصة، وكما وقع لعائشة حيث قالت: "قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، فقال لها عروة: هل هي إلا أنت؟ فتبسمت".

(12/223)


19- باب: السِّنَّ بِالسِّنِّ
6894- حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ"

(12/223)


قوله: "باب السن بالسن" قال ابن بطال: أجمعوا على قلع السن بالسن في العمد، واختلفوا في سائر عظام الجسد فقال مالك فيها القود إلا ما كان مجوفا أو كان كالمأمومة والمنقلة والهاشمة ففيها الدية واحتج بالآية، ووجه الدلالة منها أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد على لسان نبينا بغير إنكار، وقد دل قوله: "السن بالسن " على إجراء القصاص في العظم لأن السن عظم إلا ما أجمعوا على أن لا قصاص فيه إما لخوف ذهاب النفس وإما لعدم الاقتدار على المماثلة فيه. وقال الشافعي والليث والحنفية: لا قصاص في العظم غير السن لأن دون العظم حائلا من جلد ولحم وعصب يتعذر معه المماثلة، فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص، ولكنه لا يصل إلى العظم حتى ينال ما دونه مما لا يعرف قدره. وقال الطحاوي اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس فليلتحق بها سائر العظام، وتعقب بأنه قياس مع وجود النص فإن في حديث الباب أنها كسرت الثنية فأمرت بالقصاص مع أن الكسر لا تطرد فيه المماثلة. قوله: "حدثنا الأنصاري" هو محمد بن عبد الله وسماه البخاري في روايته عنه هذا الحديث في تفسير سورة البقرة. قوله: "عن حميد عن أنس" في رواية التفسير " حدثنا حميد أن أنسا حدثه". قوله: "أن ابنة النضر" تقدم في التفسير بهذا السند عن أنس أن الربيع بضم أوله والتشديد عمته، وفي تفسير المائدة من رواية الفزاري عن حميد عن أنس " كسرت الربيع عمة أنس " ولأبي داود من طريق معتمر عن حميد عن أنس " كسرت الربيع أخت أنس بن النضر". قوله: "لطمت جارية فكسرت ثنيتها" وفي رواية الفزاري " جارية من الأنصار " وفي رواية معتمر " امرأة " بدل جارية، وهو يوضح أن المراد بالجارية المرأة الشابة لا الأمة الرقيقة. قوله: "فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم" زاد في الصلح ومثله لابن ماجه والنسائي من وجه آخر عن أنس " فطلبوا إليهم العفو فأبوا، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا " أي طالب أهل الربيع إلى أهل التي كسرت ثنيتها أن يعفوا عن الكسر المذكور مجانا أو على مال فامتنعوا، زاد في الصلح " فأبوا إلا القصاص " وفي رواية الفزاري " فطلب القوم القصاص فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم". قوله: "فأمر بالقصاص" زاد في الصلح " فقال أنس بن النضر " إلى آخر ما حكيته قريبا في " باب القصاص بين الرجال والنساء " وقوله فيه: "فرضي القوم وعفوا " وقع في رواية الفزاري " فرضي القوم فقبلوا الأرش " وفي رواية معتمر " فرضوا بأرش أخذوه " وفي رواية مروان بن معاوية عن حميد عند الإسماعيلي: "فرضي أهل المرأة بأرش أخذوه فعفوا " فعرف أن قوله: "فعفوا " أي على الدية، زاد معتمر " فعجب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " أي لأبر قسمه. ووقع في رواية خالد الطحان عن حميد عن أنس في هذا الحديث عند ابن أبي عاصم " كم من رجل لو أقسم على الله لأبره " ووجه تعجبه أن أنس بن النضر أقسم على نفي فعل غيره مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل فكان قضية ذلك في العادة أن يحنث في يمينه، فألهم الله الغير العفو فبر قسم أنس، وأشار بقوله: "إن من عباد الله " إلى أن هذا الاتفاق إنما وقع إكراما من الله لأنس ليبر يمينه، وأنه من جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم ويعطيهم أربهم. واختلف في ضبط قوله صلى الله عليه وسلم: "كتاب الله القصاص" فالمشهور أنهما مرفوعان على أنهما مبتدأ وخبر، وقيل منصوبان على أنه مما وضع فيه المصدر موضع الفعل أي كتب الله القصاص، أو على الإغراء والقصاص بدل منه فينصب، أو ينصب بفعل محذوف، ويجوز رفعه بأن يكون خبر مبتدأ محذوف. واختلف أيضا في المعنى فقيل: المراد حكم كتاب الله القصاص فهو على تقدير حذف مضاف، وقيل المراد بالكتاب الحكم أي حكم الله القصاص، وقيل أشار إلى قوله: {وَالْجُرُوحَ

(12/224)


قِصَاصٌ ، فَعَاقِبُوا} وقيل إلى قوله: {فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وقيل إلى قوله: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} في قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يرفعه. وقد استشكل إنكار أنس بن النضر كسر سن الربيع مع سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالقصاص ثم قال: "أتكسر سن الربيع "؟ ثم أقسم أنها لا تكسر، وأجيب بأنه أشار بذلك إلى التأكيد على النبي صلى الله عليه وسلم في طلب الشفاعة إليهم أن يعفوا عنهما، وقيل كان حلفه قبل أن يعلم أن القصاص حتم فظن أنه على التخيير بينه وبين الدية أو العفو، وقيل لم يرد الإنكار المحض والرد بل قاله توقعا ورجاء من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش، وبهذا جزم الطيبي فقال: لم يقله ردا للحكم بل نفى وقوعه لما كان له عند الله من اللطف به في أموره والثقة بفضله أن لا يخيبه فيما حلف به ولا يخيب ظنه فيما أراده بأن يلهمهم العفو، وقد وقع الأمر على ما أراد. وفيه جواز الحلف فيما يظن وقوعه والثناء على من وقع له ذلك عند أمن الفتنة بذلك عليه، واستحباب العفو عن القصاص، والشفاعة في العفو، وأن الخيرة في القصاص أو الدية للمستحق على المستحق عليه، وإثبات القصاص بين النساء في الجراحات وفي الأسنان. وفيه الصلح على الدية، وجريان القصاص في كسر السن، ومحله فيما إذا أمكن التماثل بأن لكون المكسور مضبوطا فيبرد من سن الجاني ما يقابله بالمبرد مثلا، قال أبو داود في السنن: قلت للأحمد كيف؟ فقال: يبرد. ومنهم من حمل الكسر في هذا الحديث على القلع وهو بعيد من هذا السياق.

(12/225)


20- باب: دِيَةِ الأَصَابِعِ
6895- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ، يَعْنِي الْخِنْصَرَ وَالإِبْهَامَ"
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ"
قوله: "باب دية الأصابع" أي هل مستوية أو مختلفة؟ قوله: "عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام" في رواية النسائي من طريق يزيد بن زريع عن شعبة " الإبهام والخنصر " وحذف لفظة " يعني " وزاد في رواية عنه " عشر عشر " ولعلي بن الجعد عن شعبة عن الإسماعيلي: "وأشار إلى الخنصر والإبهام " وللإسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن شعبة " ديتهما سواء " ولأبي داود من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة " الأصابع والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء " ولأبي داود والترمذي من طريق يزيد النحوي عن عكرمة بلفظ: "الأسنان و الأصابع سواء " وفي لفظ: "أصابع اليدين والرجلين سواء " وأخرج ابن أبي عاصم من رواية يحيى القطان عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال بعثه مروان إلى ابن عباس يسأله عن الأصابع فقال: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم في اليد خمسين وكل أصبع عشر " وكذا في كتاب عمرو بن حزم عند مالك " في الأصابع عشر عشر " وسأذكر سنده، ولابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "الأصابع سواء كلهن فيه عشر عشر من الإبل، وفرقه أبو داود حديثين وسنده جيد. قوله: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم نحوه" نزل المصنف في هذا السند درجة من أجل وقوع

(12/225)


التصريح فيه بالسماع. وأما قوله: "نحوه" فقد أخرجه ابن ماجه والإسماعيلي من رواية ابن أبي عدي المذكورة بلفظ: "الأصابع سواء" وأخرجاه من رواية ابن أبي عدي أيضا لكن مقرونا به غندر والقطان بلفظ الرواية الأولى ولكن بتقديم الإبهام على الخنصر، قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قلت: وبه قال جميع فقهاء الأمصار، وكان فيه خلاف قديم فأخرج ابن أبي شيبة من رواية سعيد بن المسيب عن عمر " في الإبهام خمسة عشر وفي السبابة والوسطى عشر عشر وفي البنصر تسع وفي الخنصر ست " ومثله عن مجاهد، وفي " جامع الثوري " عن عمر نحوه وزاد: "قال سعيد بن المسيب: حتى وجد عمر في كتاب الديات لعمرو بن حزم في كل إصبع عشر فرجع إليه". قلت: وكتاب عمرو بن حزم أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه " أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم في العقول أن في العشر مائة من الإبل " وفيه: "وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل " ووصله أبو داود في "المراسيل" والنسائي من وجه آخر عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده مطولا، وصححه ابن حبان، وأعله أبو داود والنسائي، وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه " في الإبهام والتي تليها نصف دية اليد، وفي كل واحدة عشر " وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد نحو أثر عمر إلا أنه قال: "في البنصر ثمان وفي الخنصر سبع" ومن طريق الشعبي " كنت عند شريح فجاءه رجل فسأله فقال: في كل إصبع عشر، فقال: سبحان الله هذه وهذه سواء الإبهام والخنصر، قال: ويحك أن السنة منعت القياس اتبع ولا تبتدع" وأخرجه ابن المنذر وسنده صحيح، وأخرج مالك في الموطأ " أن مروان بعث أبا غطفان المزني إلى ابن عباس: ماذا في الضرس؟ فقال: خمس من الإبل، قال: فردني إليه: أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس؟ فقال: لو لم تعتبر ذلك إلا في الأصابع عقلها سواء" وهذا يقتضي أن لا خلاف عند ابن عباس ومروان في الأصابع وإلا لكان في القياس المذكور نظر. قال الخطابي: هذا أصل في كل جناية لا تضبط كميتها، فإذا فاق ضبطها من جهة المعنى اعتبرت من حيث الاسم فتتساوى ديتها وإن اختلف حالها ومنفعتها ومبلغ فعلها، فإن للإبهام من قوة ما ليس للخنصر ومع ذلك فديتهما سواء، ومثله في الجنين غرة سواء كان ذكرا أو أنثى، وهكذا القول في الواضح ديتها سواء ولو اختلف في المساحة، وكذلك الأسنان نفع بعضها أقوى من بعض وديتها سواء نظرا للاسم فقط. وما أخرجه مالك في الموطأ عن ربيعة " سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، قال: يا ابن أخي هي السنة، فإنما قال ذلك لأن دية المرأة نصف دية الرجل لكنها عنده تساويه فيما كان قدر ثلث الدية فما دونه فإذا زاد على ذلك رجعت إلى حكم النصف.

(12/226)


21- باب: إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ؟
وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ "فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ عَلِيٌّ ثُمَّ جَاءَا بِآخَرَ وَقَالاَ أَخْطَأْنَا فَأَبْطَلَ شَهَادَتَهُمَا وَأُخِذَا بِدِيَةِ الأَوَّلِ وَقَالَ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا"

(12/226)


6896- وَقَالَ لِي ابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ غُلاَمًا قُتِلَ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ لَوْ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ" وَقَالَ مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ "إِنَّ أَرْبَعَةً قَتَلُوا صَبِيًّا فَقَالَ عُمَرُ.. مِثْلَهُ". وَأَقَادَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلِيٌّ وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ مِنْ لَطْمَةٍ. وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ. وَأَقَادَ عَلِيٌّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَسْوَاطٍ. وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ
6897- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ "قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا لاَ تَلُدُّونِي، قَالَ فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ بِالدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي"! قَالَ قُلْنَا كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ، إِلاَّ الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ"
قوله: "باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب؟" كذا للأكثر، وفي رواية: "يعاقبون" بصيغة الجمع، وفي أخرى بحذف النون وهي لغة ضعيفة. وقوله: "أو يقتص منهم كلهم " أي إذا قتل أو جرح جماعة شخصا واحدا هل يجب القصاص على الجميع أو يتعين واحدا ليقتص منه ويؤخذ من الباقين الدية، فالمراد بالمعاقبة هنا المكافأة، وكأن المصنف أشار إلى قول ابن سيرين فيمن قتله اثنان يقتل أحدهما ويؤخذ من الآخر الدية، فإن كانوا أكثر وزعت عليهم بقية الدية كما لم قتله عشرة فقتل واحد أخذ من التسعة تسع الدية، وعن الشعبي يقتل الولي من شاء منهما أو منهم إن كانوا أكثر من واحد ويعفو عمن بقي، وعن بعض السلف يسقط القود ويتعين الدية حكي عن ربيعة وأهل الظاهر، وقال ابن بطال: جاء عن معاوية وابن الزبير والزهري مثل قول ابن سيرين وحجة الجمهور أن النفس لا تتبعض فلا يكون زهوقها بفعل بعض دون بعض وكان كل منهم قاتلا، ومثله لو اشتركوا في رفع حجر على رجل فقتله كان كل واحد منهم رفع، بخلاف ما لو اشتركوا في أكل رغيف فإن الرغيف يتبعض حسا ومعنى. قوله: "وقال مطرف عن الشعبي في رجلين شهدا على رجل إلخ" وصله الشافعي عن سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف عن الشعبي " أن رجلين أتيا عليا فشهدا على رجل أنه سرق فقطع يده، ثم أتياه بآخر فقالا: هذا الذي سرق وأخطأنا على الأول، فلم يجز شهادتهما على الآخر وأغرمهما دية الأول وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما " ولم أقف على الشاهدين ولا على اسم المشهود عليهما، وعرف بقوله: "ولم يجز شهادتيهما على الآخر " المراد بقوله في رواية البخاري " فأبطل شهادتهما " ففيه تعقب على من حمل الإبطال على شهادتهما معا الأولى لإقرارهما فيها بالخطأ والثانية لكونهما صارا متهمين، ووجه التعقب أن اللفظ وإن كان محتملا لكن الرواية الأخرى عينت أحد الاحتمالين. قوله: "وقال لي ابن بشار" هو محمد المعروف ببندار ويحيى هو القطان وعبيد الله هو ابن عمر العمري. قوله: "أن غلاما قتله غيلة" بكسر الغين المعجمة أي سرا "فقال عمر لو اشترك فيها" في رواية الكشميهني: "فيه: "وهو أوجه، والتأنيث على إرادة النفس، وهذا الأثر موصول إلى عمر بأصح إسناد، وقد أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن يحيى القطان من وجه آخر عن نافع ولفظه: "أن عمر قتل

(12/227)


سبعة من أهل صنعاء برجل إلخ " وأخرجه الموطأ بسند آخر قال: "عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر قتل خمسة أو ستة برجل قتلوه غيلة وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا " ورواية نافع أوصل وأوضح، وقوله تمالأ بهمزة مفتوحة بعد اللام ومعناه توافق، والأثر مع ذلك مختصر من الذي بعده. قول "وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه إلخ" هو مختصر من الأثر الذي وصله ابن وهب ومن طريقه قاسم بن أصبغ والطحاوي والبيهقي، قال ابن وهب حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حكيم الصنعاني حدثه عن أبيه أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها وترك في حجرها ابنا له من غيرها غلاما يقال له أصيل، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلا فقالت له أن هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى، فامتنعت منه، فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه ثم قطعوه أعضاء وجعلوه في عيبة - بفتح المهملة وسكون التحتانية ثم موحدة مفتوحة هي وعاء من أدم - فطرحوه في ركية - بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتانية هي البئر التي لم تطو - في ناحية القرية ليس فيها ماء فذكر القصة وفيه: "فأخذ خليلها فاعترف ثم اعترف الباقون فكتب يعلى وهو يومئذ أمر بشأنهم إلى عمر فكتب إليه عمر بقتلهم جميعا وقال: والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين " وأخرجه أبو الشيخ في " كتاب الترهيب " من وجه آخر عن جرير بن حازم وفيه: "فكتب يعلى بن أمية عامل عمر على اليمن إلى عمر فكتب إليه نحوه " وفي أثر ابن عمر هذا تعقب على ابن عبد البر في قوله لم يقل فيه أنه قتل غيلة إلا مالك " وروينا نحو هذه القصة من وجه آخر عند الدار قطني وفي فوائد أبي الحسن بن زنجويه بسند جيد إلى أبي المهاجر عبد الله بن عميرة من بني قيس ابن ثعلبة قال: "كان رجل يسابق الناس كل سنة بأيام، فلما قدم وجد مع وليدته سبعة رجال يشربون فأخذوه فقتلوه " فذكر القصة في اعترافهم وكتاب الأمير إلى عمر وفي جوابه أن " أضرب أعناقهم واقتلها معهم فلو أن أهل صنعاء اشتركوا في دمه لقتلتهم " وهذه القصة غير الأولى وسنده جيد، فقد تكرر ذلك من عمر، ولم أقف على اسم واحد ممن ذكر فيها إلا على اسم الغلام في رواية ابن وهب، وحكيم والد المغيرة صنعاني لا أعرف حاله ولا اسم والده وقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. قوله: "وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي وسويد بن مقرن من لطمة، وأقاد عمر من ضربة بالدرة، وأقاد علي من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخموش" أما أثر أبي بكر وهو الصديق فوصله ابن أبي شيبة من طريق يحيى في الحصين سمعت طارق بن شهاب يقول: "لطم أبو بكر يوما رجلا لطمة فقيل ما رأينا كاليوم قط هنعه ولطمه، فقال أبو بكر: إن هذا أتاني ليستحملني فحملته فإذا هو يتبعهم، فحلفت أن لا أحمله ثلاث مرات، ثم قال له: اقتص، فعفا الرجل " وأما أثر ابن الزبير فوصله ابن أبي شيبة ومسدد جميعا عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار " أن ابن الزبير أقاد من لطمة " وأما أثر على الأول فأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ناجية أبي الحسن عن أبيه " أن عليا أتى في رجل لطم رجلا فقال للملطوم اقتص " وأما أثر سويد بن مقرن فوصله ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه، وأما أثر عمر فأخرجه في الموطأ عن عاصم بن عبيد الله عن عمر منقطعا، ووصله عبد الرزاق عن مالك عن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "كنت مع عمر بطريق مكة فبال تحت شجرة، فناداه رجل فضربه بالدرة فقال: عجلت علي، فأعطاه المخفقة وقال: اقتص، فأبى، فقال لتفعلن، قال: فإني أغفرها " وأما أثر على الثاني فأخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق فضيل بن عمرو عن عبد الله بن معقل بكسر القاف قال: "كنت عند علي فجاءه رجل فساره

(12/228)


فقال: يا قنبر اخرج فاجلد هذا، فجاء المجلود فقال: إنه زاد علي ثلاثة أسواط فقال صدق قال: خذ السوط فاجلده ثلاثة أسواط ثم قال: يا قنبر إذا جلدت فلا تتعد الحدود " وأما أثر شريح فوصله ابن سعد وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي قال: "جاء رجل إلى شريح فقال: أقدني من جلوازك، فسأله فقال: ازدحموا عليك فضربته سوطا. فأقاده منه". ومن طريق ابن سرين قال: اختصم إليه يعني شريحا عبد جرح حرا فقال: إن شاء اقتص منه. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة. ومن وجه آخر عن أبي إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة وخموش، والخموش بضم المعجمة الخدوش وزنه ومعناه، والخماشة ما ليس له أرش معلوم من الجراحة. والجلواز بكسر الجيم وسكون اللام وآخره زاي هو الشرطي سمي بذلك لأن من شأنه حمل الجلاز بكسر الجيم وباللام الخفيفة وهو السير الذي يشد في السوط، وعادة الشرطي أن يربطه في وسطه. قال ابن بطال: جاء عن عثمان وخالد بن الوليد نحو قول أبي بكر. وهو قول الشعبي وطائفة من أهل الحديث. وقال الليث وابن القاسم: يقاد من الضرب بالسوط وغيره إلا اللطمة في العين ففيها العقوبة خشية على العين. والمشهور عن مالك وهو قول الأكثر لا قود في اللطمة إلا إن جرحت ففيها حكومة، والسبب فيه تعذر المماثلة لافتراق لطمتي القوي والضعيف فيجب التعزير بما يليق باللاطم. وقال ابن القيم: بالغ بعض المتأخرين فنقل الإجماع على عدم القود في اللطمة والضربة وإنما يجب التعزير، وذهل في ذلك، فإن القول بجريان القود في ذلك ثابت عن الخلفاء الراشدين، فهو أولى بأن يكون إجماعا، وهو مقتضى إطلاق الكتاب والسنة. ذكر المصنف حديث عائشة في اللدود، وقد مضى القول فيه في " باب القصاص بين الرجال والنساء " وأنه ليس بظاهر في القصاص، لكن قوله في آخره إلا العباس فإنه لم يشهدكم فقد تمسك به من قال إنه فعله قصاصا لا تأديبا. قال ابن بطال: هو حجة لمن قال يقاد من اللطمة والسوط، يعني ومناسبة ذكر ذلك في ترجمة القصاص من الجماعة للواحد ليست ظاهرة. وأجاب ابن المنير بأن ذلك مستفاد من إجراء القصاص في الأمور الحقيرة ولا يعدل فيها عن القصاص إلى التأديب، فكذا ينبغي أن يجري القصاص على المشتركين في الجناية سواء قلوا أم كثروا فإن نصيب كل منهم عظيم معدود من الكبائر فكيف لا يجري فيه القصاص. والعلم عند الله تعالى.

(12/229)


22- باب: الْقَسَامَةِ. وَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: لَمْ يُقِدْ بِهَا مُعَاوِيَةُ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ - وَكَانَ أَمَّرَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ - فِي قَتِيلٍ وُجِدَ عِنْدَ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ السَّمَّانِينَ: إِنْ وَجَدَ أَصْحَابُهُ بَيِّنَةً وَإِلاَ فَلاَ تَظْلِمْ النَّاسَ، فَإِنَّ هَذَا لاَ يُقْضَى فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
6898- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ "زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ: قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، قَالُوا: مَا قَتَلْنَا وَلاَ عَلِمْنَا قَاتِلًا، فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا، فَقَالَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ. فَقَالَ لَهُمْ: تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالُوا: مَا لَنَا

(12/229)


بَيِّنَةٌ. قَالَ: فَيَحْلِفُونَ. قَالُوا: لاَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ" فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ"
6899- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأَسَدِيُّ حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ - مِنْ آلِ أَبِي قِلاَبَةَ - "حَدَّثَنِي أَبُو قِلاَبَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْمًا لِلنَّاسِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟ قَالَوا: نَقُولُ الْقَسَامَةُ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ وَقَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ. قَالَ لِي مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلاَبَةَ؟ وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدَكَ رُءُوسُ الأَجْنَادِ وَأَشْرَافُ الْعَرَبِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُحْصَنٍ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَدْ زَنَى لَمْ يَرَوْهُ أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِحِمْصَ أَنَّهُ سَرَقَ أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ وَلَمْ يَرَوْهُ؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَوَاللَّهِ مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: رَجُلٌ قَتَلَ بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِلَ، أَوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ رَجُلٌ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَارْتَدَّ عَنْ الإِسْلاَمِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: أَوَلَيْسَ قَدْ حَدَّثَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي السَّرَقِ وَسَمَرَ الأَعْيُنَ ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ فَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَفَلاَ تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا؟ قَالُوا: بَلَى، فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَصَحُّوا فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَطْرَدُوا النَّعَمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمْ فَأُدْرِكُوا، فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا. قُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ؟ ارْتَدُّوا عَنْ الإِسْلاَمِ وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا. فَقَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ فَقُلْتُ: أَتَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي يَا عَنْبَسَةُ؟ قَالَ: لاَ، وَلَكِنْ جِئْتَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ، وَاللَّهِ لاَ يَزَالُ هَذَا الْجُنْدُ بِخَيْرٍ مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَقُتِلَ، فَخَرَجُوا بَعْدَهُ فَإِذَا هُمْ بِصَاحِبِهِمْ يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَاحِبُنَا كَانَ تَحَدَّثَ مَعَنَا فَخَرَجَ بَيْنَ أَيْدِينَا فَإِذَا نَحْنُ بِهِ يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: بِمَنْ تَظُنُّونَ - أَوْ تَرَوْنَ – قَتَلَهُ؟ قَالُوا: نَرَى أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلَتْهُ. فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِ فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: آنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لاَ. قَالَ: أَتَرْضَوْنَ نَفَلَ خَمْسِينَ مِنْ الْيَهُودِ مَا قَتَلُوهُ؟ فَقَالُوا:

(12/230)


مَا يُبَالُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا أَجْمَعِينَ ثُمَّ يَنْتَفِلُونَ. قَالَ: أَفَتَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ. فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْلٌ خَلَعُوا خَلِيعًا لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَطَرَقَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ الْيَمَنِ بِالْبَطْحَاءِ فَانْتَبَهَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَحَذَفَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَتْ هُذَيْلٌ فَأَخَذُوا الْيَمَانِيَّ فَرَفَعُوهُ إِلَى عُمَرَ بِالْمَوْسِمِ وَقَالُوا: قَتَلَ صَاحِبَنَا. فَقَالَ: إِنَّهُمْ قَدْ خَلَعُوهُ فَقَالَ: يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْ هُذَيْلٍ مَا خَلَعُوهُ. قَالَ فَأَقْسَمَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ الشَّأْمِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقْسِمَ، فَافْتَدَى يَمِينَهُ مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَدْخَلُوا مَكَانَهُ رَجُلًا آخَرَ فَدَفَعَهُ إِلَى أَخِي الْمَقْتُولِ فَقُرِنَتْ يَدُهُ بِيَدِهِ، قَالُوا: فَانْطَلَقَا وَالْخَمْسُونَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِنَخْلَةَ أَخَذَتْهُمْ السَّمَاءُ، فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي الْجَبَلِ فَانْهَجَمَ الْغَارُ عَلَى الْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا، فَمَاتُوا جَمِيعًا وَأَفْلَتَ الْقَرِينَانِ وَاتَّبَعَهُمَا حَجَرٌ فَكَسَرَ رِجْلَ أَخِي الْمَقْتُولِ، فَعَاشَ حَوْلًا ثُمَّ مَاتَ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَقَادَ رَجُلًا بِالْقَسَامَةِ ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَ مَا صَنَعَ فَأَمَرَ بِالْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا فَمُحُوا مِنْ الدِّيوَانِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّأْمِ"
قوله: "باب القسامة" بفتح القاف وتخفيف المهملة هي مصدر أقسم قسما وقسامة، وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم أو على المدعى عليهم الدم، وخص القسم على الدم بلفظ القسامة. وقال إمام الحرمين: القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون، وعند الفقهاء اسم للأيمان. وقال في المحكم: القسامة الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون به. ويمين القسامة منسوب إليهم ثم أطلقت على الأيمان نفسها. قوله: "وقال الأشعث بن قيس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "شاهداك أو يمينه" هو طرف من حديث تقدم موصولا تاما في كتاب الشهادات ثم في كتاب الأيمان والنذور مع شرحه، وأشار المصنف بذكره هنا إلى ترجيح رواية سعيد بن عبيد في حديث. الباب أن الذي يبدأ في يمين القسامة المدعى عليهم كما سيأتي البحث فيه. قوله: "وقال ابن أبي مليكة لم يقد" بضم أوله والقاف من أقاد إذا اقتص، وقد وصله حماد بن سلمة في مصنفه ومن طريقه ابن المنذر، قال حماد عن ابن أبي مليكة " سألني عمر بن عبد العزيز عن القسامة فأخبرته أن عبد الله بن الزبير أقاد بها وأن معاوية يعني ابن أبي سفيان لم يقد بها " وهذا سند صحيح، وقد توقف ابن بطال في ثبوته فقال: قد صح عن معاوية أنه أقاد بها ذكر ذلك عنه أبو الزناد في احتجاجه على أهل العراق. قلت: هو في صحيفة عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ومن طريقه أخرجه البيهقي قال: "حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال قتل رجل من الأنصار رجلا من بني العجلان ولم يكن على ذلك بينة ولا لطخ، فأجمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه، فركبت إلى معاوية في ذلك فكتب إلى سعيد بن العاص: إن كان ما ذكره حقا فافعل ما ذكروه، فدفعت الكتاب إلى سعيد فأحلفنا خمسين يمينا ثم أسلمه إلينا". قلت: ويمكن الجمع بأن معاوية لم يقد بها لما وقعت له وكان الحكم في ذلك، ولما وقعت لغيره وكل الأمر في ذلك إليه ونسب إليه أنه أقاد بها لكونه أذن في ذلك. وقد تمسك مالك بقول خارجة المذكور فأطلق أن القود بها إجماع، ويحتمل أن يكون معاوية كان يرى القود بها ثم رجع عن ذلك أو

(12/231)


بالعكس. وقد أخرج الكرابيسي في "أدب القضاء" بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب قصة أخرى قضى فيها معاوية بالقسامة لكن لم يصرح فيها بالقتل، وقصة أخرى لمروان قضى فيها بالقتل، وقضى عبد الملك بن مروان بمثل قضاء أبيه. قوله: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلخ" وصله سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا حميد الطويل قال: "كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز في قتيل وجد في سوق البصرة، فكتب إليه عمر رحمه الله أن من القضايا ما لا يقضى فيه إلى يوم القيامة وأن هذه القضية لمنهن " وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن حميد قال وجد قتيل بين قشير وعائش فكتب فيه عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز فذكر نحوه، وهذا أثر صحيح، وعدي بن أرطاة بفتح الهمزة وسكون الراء بعدها مهملة وهو فزاري من أهل دمشق. قوله في الأثر المعلق "وكان أمره" بالتشديد "على البصرة". قلت: كانت ولاية عمر بن عبد العزيز لعدي على إمرة البصرة سنة تسع وتسعين، وذكر خليفة أنه قتل سنة ثنتين ومائة. وقوله: "من بيوت السمانين " بتشديد الميم أي الذين يبيعون السمن، وقد اختلف على عمر بن عبد العزيز في القود بالقسامة كما اختلف على معاوية، فذكر ابن بطال أن في " مصنف حماد بن سلمة " عن ابن أبي مليكة أن عمر بن عبد العزيز أقاد بالقسامة في إمرته على المدينة. قلت: ويجمع بأنه كان يرى بذلك لما كان أميرا على المدينة ثم رجع لما ولي الخلافة، ولعل سبب ذلك ما سيأتي في آخر الباب من قصة أبي قلابة حيث احتج على عدم القود بها، فكأنه وافقه على ذلك. وأخرج ابن المنذر من طريق الزهري قال "قال لي عمر بن عبد العزيز إني أريد أن أدع القسامة يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا فيحلفون على ما لا يرون، فقلت إنك إن تتركها يوشك أن الرجل يقتل عند بابك فيبطل دمه، وإن للناس في القسامة لحياة " وسبق عمر بن عبد العزيز إلى إنكار القسامة سالم بن عبد الله بن عمر فأخرج ابن المنذر عنه أنه كان يقول: "بالقوم يحلفون على أمر لم يروه ولم يحضروه، ولو كان لي أمر لعاقبتهم ولجعلتهم نكالا ولم أقبل لهم شهادة " وهذا يقدح في نقل إجماع أهل المدينة على القود بالقسامة فإن سالما من أجل فقهاء المدينة. وأخرج ابن المنذر أيضا عن ابن عباس أن القسامة لا يقاد بها. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال: القود بالقسامة جور. ومن طريق الحكم بن عتيبة أنه كان لا يرى القسامة شيئا. ومحصل الاختلاف في القسامة هل يعمل بها أو لا؟ وعلى الأول فهل توجب القود أو الدية، وهل يبدأ بالمدعين أو المدعى عليهم؟ واختلفوا أيضا في شرطها. قوله: "سعيد بن عبيد" هو الطائي الكوفي يكنى أبا هذيل روى عنه الثوري وغيره من الأكابر، وأبو نعيم الراوي عنه هنا هو آخر من روى عنه وثقه أحمد وابن معين وآخرون، وقال الآجري عن أبي داود كان شعبة يتمنى لقاءه، وفي طبقته سعيد بن عبيد الهنائي بضم الهاء وتخفيف النون وهمز ومد بصري صدوق أخرج له الترمذي والنسائي. قوله: "عن بشير" بالموحدة والمعجمة مصغر ابن يسار بتحتانية ثم مهملة خفيفة لا أعرف اسم جده، وفي رواية مسلم من طريق ابن نمير عن سعيد بن عبيد " حدثنا بشير بن يسار الأنصاري". قلت: وهو من موالي بني حارثة من الأنصار، قال ابن إسحاق: كان شيخا كبيرا فقيها أدرك عامة الصحابة ووثقه يحيى بن معين والنسائي وكناه محمد بن إسحاق في روايته أبا كيسان. قوله: "زعم أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة" بفتح المهملة وسكون المثلثة، ولم يقع في رواية ابن نمير زعم بل عنده عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري أنه أخبره، وكذا لأبي نعيم في المستخرج من وجه آخر عن أبي نعيم شيخ البخاري، واسم أبي حثمة عامر بن ساعدة بن عامر ويقال

(12/232)


اسم أبيه عبد الله فاشتهر هو بالنسبة إلى جده وهو من بني حارثة بطن من الأوس. قوله: "أن نفرا من قومه" سمي يحيى بن سعيد الأنصاري في روايته عن بشير بن يسار منهم اثنين، فتقدم في الجزية من طريق بشر بن المفضل عن يحيى بهذا السند " انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد " وفي الأدب من رواية حماد بن زيد عن يحيى عن بشير " عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أنهما حدثا أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود انطلقا " وعند مسلم من رواية الليث عن يحيى عن بشير عن سهل " قال يحيى وحسبت أنه قال ورافع بن خديج أنهما قالا خرج عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد " ونحوه عنده من رواية هشيم عن يحيى لكن لم يذكر رافعا ولفظه عن بشير بن يسار " أن رجلا من الأنصار من بني حارثة يقال له عبد الله بن سهل بن زيد انطلق هو وابن عم له يقال له محيصة بن مسعود بن زيد " وأسنده في آخره عن سهل بن أبي حثمة به، وثبت ذكر رافع بن خديج في هذا الحديث غير مسمى عند أبي داود من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل " عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجل من كبراء قومه " وعند ابن أبي عاصم من طريق إسماعيل بن عياش عن يحيى عن بشير " عن سهل ورافع وسويد بن النعمان أن القسامة كانت فيهم في بني حارثة فذكر بشر عنهم أن عبد الله بن سهل خرج " فذكر الحديث، ومحيصة بضم الميم وفتح المهملة وتشديد التحتانية مكسورة بعدها صاد مهملة وكذا ضبط أخيه حويصة وحكي التخفيف في الاسمين معا ورجحه طائفة. قوله: "انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها" في رواية يحيى بن سعيد "انطلقا إلى خيبر فتفرقا" وتحمل رواية الباب على أنه كان معهما تابع لهما، وقد وقع في رواية عبد بن إسحاق عن بشر بن يسار عن ابن أبي عاصم " خرج عبد الله بن سهل في أصحاب له يمتارون تمرا " زاد سليمان بن بلال عند مسلم في روايته عن يحيى بن سعيد " في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي يومئذ صلح وأهلها يهود، وقد تقدم بيان ذلك في المغازي، والمراد أن ذلك وقع بعد فتحها، فإنها لما فتحت أقر النبي صلى الله عليه وسلم أهلها فيها على أن يعملوا في المزارع بالشطر مما يخرج منها كما تقدم بيانه. وفي رواية أبي ليلى بن عبد الله "خرج إلى خيبر". قوله: "فوجدوا أحدهم قتيلا" في رواية بشر بن المفضل " فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا " أي يضطرب فيتمرغ في دمه فدفنه، وفي رواية الليث " فإذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلا فدفنه" وفي رواية سليمان بن بلال "فوجد عبد الله بن سهل مقتولا في سربه فدفنه صاحبه" وفي رواية أبي ليلى " فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في فقير " بفاء مفتوحة ثم قاف مكسورة أي حفيرة. قوله: "فقالوا للذين وجد فيهم قد قتلتم صاحبنا، قالوا ما قتلنا ولا علمنا قاتلا" في رواية أبي ليلى " فأتى محيصة يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا والله ما قتلناه". قوله: "فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية حماد بن زيد " فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلموا في أمر صاحبهم " وفي رواية سليمان بن بلال " فأتى أخو المقتول عبد الرحمن ومحيصة وحويصة فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأن عبد الله حيث قتل " وفي رواية الليث " ثم أقبل محيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو وحويصة وعبد الرحمن بن سهل " زاد أبو ليلى في روايته: "وهو - أي حويصة - أكبر منه، أي من محيصة. قوله: "فقال الكبر الكبر" بضم الكاف وسكون الموحدة وبالنصب فيهما على الإغراء، زاد في رواية يحيى بن سعيد " فبدأ عبد الرحمن يتكلم وكان أصغر القوم " زاد حماد بن زيد عن يحيى عند مسلم: "في أمر أخيه " وفي رواية بشر " وهو أحدث القوم " وفي رواية الليث "فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال كبر الكبر" الأولى أمر والأخرى

(12/233)


كالأول، ومثله في رواية حماد بن زيد وزاد: "أو قال يبدأ الأكبر " وفي رواية بشر بن المفضل " كبر كبر " بتكرار الأمر، وكذا في رواية أبي ليلى وزاد: "يريد السن " وفي رواية الليث " فسكت وتكلم صاحباه " وفي رواية بشر "وتكلما". قوله: "تأتون بالبينة على من قتله، قالوا: ما لنا بينة" كذا في رواية سعيد بن عبيد، ولم يقع في رواية يحيى بن سعيد الأنصاري ولا في رواية أبي قلابة الآتية في الحديث الذي بعده للبينة ذكر وإنما قال يحيى في رواية: "أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم " هذه رواية بشر بن المفضل عنه وفي رواية حماد عنه " أتستحقون قاتلكم أو صاحبكم بأيمان خمسين منكم " وفي رواية عند مسلم: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته " وفي رواية سليمان بن بلال " تحلفون خمسين يمينا وتستحقون " وفي رواية ابن عيينة عن يحيى عند أبي داود " تبرئكم يهود بخمسين يمينا تحلفون، فبدأ بالمدعى عليهم لكن قال أبو داود إنه وهم، كذا جزم بذلك، وقد قال الشافعي: كان ابن عيينة لا يثبت أقدم النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار في الأيمان أو اليهود، فيقال له إن في هذا الحديث إنه قدم الأنصار فيقول هو ذاك وربما حدث به كذلك ولم يشك، وفي رواية أبي ليلى "فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا لا " وفي رواية أبي قلابة "فأرسل إلى اليهود فدعاهم فقال أنتم قتلتم هذا؟ فقالوا: لا. فقال أترضون نقل خمسين من اليهود ما قتلوه " ونفل بفتح النون وسكون الفاء يأتي شرحه، وزاد يحيى بن سعيد " كيف نحلف ولم نشهد ولم نر " وفي رواية حماد عنه " أمر لم نره " وفي رواية سليمان "ما شهدنا ولا حضرنا". قوله: "قال فيحلفون، قالوا لا لم نرضى بأيمان اليهود" وفي رواية أبي ليلى " فقالوا ليسوا بمسلمين " وفي رواية يحيى بن سعيد " فتبرئكم يهود بخمسين يمينا " أي يخلصونكم من الأيمان بأن يحلفوهم فإذا حلفوا انتهت الخصومة فلم يجب عليهم شيء وخلصتم أنتم من الأيمان، " قالوا كيف نأخذ بأيمان قوم كفار " وفي رواية الليث " نقبل " بدل " نأخذ " وفي رواية أبي قلابة " ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون " كذا في رواية سعيد بن عبيد لم يذكر عرض الأيمان على المدعين كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البينة أولا، وطريق الجمع أن يقال حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة أولا فلم تكن لهم بينة، فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا. وأما قول بعضهم إن ذكر البينة وهم لأنه صلى الله عليه وسلم قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين فدعوى نفي العلم مردودة فإنه وإن سلم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين لكن في نفس القصة أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهدا من وجه آخر أخرجه النسائي من طريق عبد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليك برمته، قال: يا رسول الله إني أصيب شاهدين وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم؟ قال فتحلف خمسين قسامة، قال فكيف أحلف على ما لا أعلم، قال تستحلف خمسين منهم، قال كيف وهم يهود" وهذا السند صحيح حسن وهو نص في الحمل الذي ذكرته فتعين المصير إليه. وقد أخرج أبو داود أيضا من طريق عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال: "أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولا، فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم، قال: لم يكن ثم أحد من المسلمين وإنما هم اليهود وقد يجترئون على أعظم من هذا". قوله: "فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل" بضم أوله وفتح الطاء وتشديد

(12/234)


اللام أي يهدر. قوله: "فوداه مائة" في رواية الكشميهني: "بمائة " ووقع في رواية أبي ليلى " فوداه من عنده " وفي رواية يحيى بن سعيد " فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده " أي أعطى ديته، وفي رواية حماد بن زيد " من قبله " بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته وفي رواية الليث عنه " فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عقله". قوله: "من إبل الصدقة" زعم بعضهم أنه غلط من سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد بقوله: "من عنده " وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده، أو المراد بقوله: "من عنده " أي بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانا لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين، وقد حمله بعضهم على ظاهره فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة واستدل بهذا الحديث وغيره. قلت: وتقدم شيء من ذلك في كتاب الزكاة في الكلام على حديث أبي لاس قال: "حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من إبل الصدقة في الحج " وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها تحت أمره وحكمه، وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم، قال القرطبي في " المفهم " فعل صلى الله عليه وسلم ذلك على مقتضى كرمه وحسن سياسته وجلبا للمصلحة ودرءا للمفسدة على سبيل التأليف، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق، ورواية من قال: "من عنده " أصح من رواية من قال: "من إبل الصدقة " وقد قيل إنها غلط والأولى أن لا يغلط الراوي ما أمكن، فيحتمل أوجها منها فذكر ما تقدم وزاد: أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء، أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم، أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة استئلافا لهم واستجلابا لليهود انتهى. وزاد أبو ليلى في روايته: "قال سهل فركضتني ناقة " وفي رواية حماد بن زيد عن يحيى " أدركته ناقة من تلك الإبل فدخلت مربدا لهم فركضتني برجلها " وفي رواية شيبان بن بلال " لقد ركضتني ناقة من تلك الفرائض بالمربد " وفي رواية محمد بن إسحاق " فوالله ما أنسى ناقة بكرة منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها " وفي حديث الباب من الفوائد مشروعية القسامة. قال القاضي عياض: هذا الحديث أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأنصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين وإن اختلفوا في صورة الأخذ به، وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكما، وهذا مذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم ابن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإبراهيم بن علية وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر ابن عبد العزيز باختلاف عنه. قلت: وهذا ينافي ما صدر به كلامه أن كافة الأئمة أخذوا بها، وقد تقدم النقل عمن لم يقل بمشروعيتها في أول الباب، وفيهم من لم يذكره القاضي، قال: واختلف قول مالك في مشروعية القسامة في قتل الخطأ، واختلف القائلون بها في العمد هل يجب بها القود أو الدية؟ فمذهب معظم الحجازيين إيجاب القود إذا كملت شروطها، وهو قول الزهري وربيعة وأبي الزناد ومالك والليث والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود، وروي ذلك عن بعض الصحابة كابن الزبير، واختلف عن عمر بن عبد العزيز. وقال أبو الزناد: قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان. قلت: إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى عشرين من الصحابة فضلا عن ألف. ثم

(12/235)


قال القاضي: وحجتهم حديث الباب: يعني من رواية يحيى بن سعيد التي أشرت إليها، قال: فإن مجيئه من طرق صحاح لا يدفع، وفيه تبرئة المدعين ثم ردها حين أبوا على المدعى عليهم واحتجوا بحديث أبي هريرة " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إلا القسامة"، ويقول مالك: أجمعت الأئمة في القديم والحديث على أن المدعين يبدءون في القسامة، ولأن جنبة المدعي إذا قويت بشهادة أو شبهة صارت اليمين له. وهاهنا الشبهة قوية، وقالوا هذه سنة بحيالها وأصل قائم برأسه لحياة الناس وردع المعتدين، وخالفت الدعاوى في الأموال فهي على ما ورد فيها، وكل أصل يتبع ويستعمل ولا تطرح سنة لسنة، وأجابوا عن رواية سعيد ابن عبيد يعني المذكورة في حديث هذا الباب بقول أهل الحديث إنه وهم من رواية أسقط من السياق تبرئة المدعين باليمين لكونه لم يذكر فيه رد اليمين، واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها وهي تقضي على من لم يعرفها. قلت: وسيأتي مزيد بيان لذلك. قال القرطبي: الأصل في الدعاوى أن اليمين على المدعى عليه، وحكم القسامة أصل بنفسه لتعذر إقامة البينة على القتل فيها غالبا، فإن القاصد للقتل يقصد الخلوة ويترصد الغفلة، وتأيدت بذلك الرواية الصحيحة المتفق عليها وبقي ما عدا القسامة على الأصل، ثم ليس ذلك خروجا عن الأصل بالكلية بل لأن المدعى عليه إنما كان القول قوله لقوة جانبه بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادعى عليه، وهو موجود في القسامة في جانب المدعي لقوة جانبه باللوث الذي يقوي دعواه، قال عياض: وذهب من قال بالدية إلى تقديم المدعى عليهم في اليمين، إلا الشافعي وأحمد فقالا بقول الجمهور: يبدأ بأيمان المدعين وردها إن أبوا على المدعى عليهم. وقال بعكسه أهل الكوفة وكثير من أهل البصرة وبعض أهل المدينة والأوزاعي فقال يستحلف من أهل القرية خمسين رجلا خمسين يمينا ما قتلناه ولا علمناه من قتله. فإن حلفوا برءوا وإن نقصت قسامتهم عن عدد أو نكلوا حلف المدعون على رجل واحد واستحقوا، فإن نقصت قسامتهم قاده دية، وقال عثمان البتي من فقهاء البصرة: ثم يبدأ بالمدعى عليهم بالأيمان فإن حلفوا فلا شيء عليهم. وقال الكوفيون: إذا حلفوا وجبت عليهم الدية، وجاء ذلك عن عمر، قال واتفقوا كلهم على أنها لا تجب بمجرد دعوى الأولياء حتى يقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها، واختلفوا في تصوير الشبهة على سبعة أوجه فذكرها، وملخصها: الأول أن يقول المريض دمي عند فلان أو ما أشبه ذلك، ولو لم يكن به أثر أو جرح فإن ذك يوجب القسامة عند مالك والليث لم يقل به غيرهما، واشترط بعض المالكية الأثر أو الجرح، واحتج لمالك بقصة بقرة بني إسرائيل، قال: ووجه الدلالة منها أن الرجل حي فأخبر بقاتله، وتعقب بخفاء الدلالة منها، وقد بالغ ابن حزم في رد ذلك، واحتجوا بأن القاتل يتطلب حالة غفلة الناس فتتعذر البينة، فلو لم يعمل بقول المضروب لأدى ذلك إلى إهدار دمه لأنها حالة يتحرى فيها اجتناب الكذب ويتزود فيها من البر والتقوى، وهذا إنما يأتي في حالة المحتضر. الثانية أن يشهد من لا يكمل النصاب بشهادته كالواحد أو جماعة غير عدول قال بها المذكوران ووافقهما الشافعي ومن تبعه. الثالثة أن يشهد عدلان بالضرب ثم يعيش بعده أياما ثم يموت منه من غير تخلل إفاقة، فقال المذكوران: تجب فيه القسامة. وقال الشافعي: بل يجب القصاص بتلك الشهادة. الرابعة أن يوجد مقتول وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل وعليه أثر الدم مثلا ولا يوجد غيره فتشرع فيه القسامة عند مالك والشافعي، ويلتحق به أن تفترق به جماعة عن قتيل: الخامسة أن يقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل ففيه القسامة عند الجمهور، وفي رواية عن مالك تختص القسامة بالطائفة التي ليس هو منها إلا إن كان

(12/236)


من غيرهما فعلى الطائفتين. السادسة المقتول في الزحمة، وقد تقدم بيان الاختلاف فيه في باب مفرد. السابعة أن يوجد قتيل في محلة أو قبيلة، فهذا يوجب القسامة عند الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأتباعهم، ولا يوجب القسامة عندهم سوى هذه الصورة، وشرطها عندهم إلا الحنفية أن يوجد بالقتيل أثر، وقال داود لا تجرى القسامة إلا في العمد على أهل مدينة أو قرية كبيرة وهم أعداء للمقتول، وذهب الجمهور إلى أنه لا قسامة فيه بل هو هدر لأنه قد يقتل ويلقى في المحلة ليتهموا، وبه قال الشافعي، وهو رواية عن أحمد، إلا أن يكون في مثل القصة التي في حديث الباب فيتجه فيها القسامة لوجود العداوة. ولم تر الحنفية ومن وافقهم لوثا يوجب القسامة إلا هذه الصورة، وحجة الجمهور القياس على هذه الواقعة، والجامع أن يقترن بالدعوى شيء يدل على صدق المدعي فيقسم معه ويستحق، وقال ابن قدامة: ذهب الحنفية إلى أن القتيل إذا وجد في محل فادعى وليه على خمسين نفسا من موضع قتله فحلفوا خمسين يمينا ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا فإن لم يجد خمسين كرر الأيمان على من وجد وتجب الدية على بقية أهل الخطة، ومن لم يحلف من المدعى عليهم حبس حتى يحلف أو يقر، واستدلوا بأثر عمر أنه أحلف خمسين نفسا خمسين يمينا وقضى بالدية عليهم، وتعقب باحتمال أن يكونوا أقروا بالخطأ وأنكروا العمد وبأن الحنفية لا يعملون بخبر الواحد إذا خالف الأصول ولو كان مرفوعا فكيف احتجوا بما خالف الأصول بخبر واحد موقوف وأوجبوا اليمين على غير المدعى عليه، واستدل به على القود في القسامة لقوله: "فتستحقون قاتلكم " وفي الرواية الأخرى " دم صاحبكم " قال ابن دقيق العيد: الاستدلال بالرواية التي فيها " فيدفع برمته " أقوى من الاستدلال بقوله: "دم صاحبكم " لأن قوله: "يدفع برمته " لفظ مستعمل في دفع القاتل للأولياء للقتل، ولو أن الواجب الدية لبعد استعمال هذا اللفظ وهو في استعماله في تسليم القاتل أظهر، والاستدلال بقوله: "دم صاحبكم " أظهر من الاستدلال بقوله: "قاتلكم " أو " صاحبكم " لأن هذا اللفظ لا بد فيه من إضمار، فيحتمل أن يضمر دية صاحبكم احتمالا ظاهرا، وأما بعد التصريح بالدية فيحتاج إلى تأويل اللفظ بإضمار بدل دم صاحبكم والإضمار على خلاف الأصل ولو احتيج إلى إضمار لكان حمله على ما يقتضي إراقة الدم أقرب، وأما من قال يحتمل أن يكون قوله: "دم صاحبكم " هو القتيل لا القاتل فيرده قوله: "دم صاحبكم أو قاتلكم " وتعقب بأن القصة واحدة اختلفت ألفاظ الرواة فيها على ما تقدم بيانه فلا يستقيم الاستدلال بلفظ منها لعدم تحقق أنه اللفظ الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم، واستدل من قال بالقود أيضا بما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الزهري عن سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القسامة كانت في الجاهلية وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانت عليه من الجاهلية وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر، وهذا يتوقف على ثبوت أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون في القسامة، وعند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن بجيد بموحدة وجيم مصغر قال: إن سهلا يعني ابن أبي حثمة وهم في الحديث أن رسول الله كتب إلى يهود " إنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه " فكتبوا يحلفون ما قتلناه ولا علمنا قاتلا، قال فوداه من عنده، وهذا رده الشافعي بأنه مرسل، ويعارض ذلك ما أخرجه ابن منده في "الصحابة" من طريق مكحول حدثني عمرو بن أبي خزاعة أنه قتل فيهم قتيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل القسامة على خزاعة بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا فحلف كل منهم عن نفسه وغرم الدية، وعمرو مختلف في صحبته، وأخرج ابن أبي شيبة بسند جيد إلى إبراهيم النخعي قال: كانت القسامة في الجاهلية إذا وجد القتيل بين

(12/237)


ظهري قوم أقسم منهم خمسون خمسين يمينا، ما قتلنا ولا علمنا، فإن عجزت الأيمان ردت عليهم ثم عقلوا، وتمسك من قال لا يجب فيها إلا الدية بما أخرجه الثوري في جامعه وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور بسند صحيح إلى الشعبي قال: وجد قتيل بين حيين من العرب فقال عمر: قيسوا ما بينهما فأيهما وجدتموه إليه أقرب فأحلفوهم خمسين يمينا وأغرموهم الدية، وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن منصور عن الشعبي أن عمر كتب في قتيل وجد بين خيران ووادعة أن يقاس ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسون رجلا حتى يوافوه مكة فأدخلهم الحجر فأحلفهم ثم قضى عليهم الدية فقال: حقنت أيمانكم دماءكم ولا يطل دم رجل مسلم، قال الشافعي: إنما أخذه الشعبي عن الحارث الأعور والحارث غير مقبول انتهى. وله شاهد مرفوع من حديث أبي سعيد عند أحمد أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاس إلى أيهما أقرب، فألقى ديته على الأقرب، ولكن سنده ضعيف. وقال عبد الرزاق في مصنفه: قلت لعبيد الله بن عمر العمري أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت فعمر؟ قال: لا، قلت فلم تجترئون عليها؟ فسكت. وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن أن عمر قال: القسامة توجب العقل ولا تسقط الدم، واستدل به الحنفية على جواز سماع الدعوى في القتل على غير معين لأن الأنصار ادعوا على اليهود أنهم قتلوا صاحبهم وسمع النبي صلى الله عليه وسلم دعواهم، ورد بأن الذي ذكره الأنصار أولا ليس على صورة الدعوى بين الخصمين لأن من شرطها إذا لم يحضر المدعى عليه أن يتعذر حضوره، سلمنا ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين لهم أن الدعوى إنما تكون على واحد لقوله: "تقسمون على رجل منهم فيدفع إليكم برمته " واستدل بقوله: "على رجل منهم " على أن القسامة إنما تكون على رجل واحد وهو قول أحمد ومشهور قول مالك، وقال الجمهور: يشترط أن تكون على معين سواء كان واحدا أو أكثر واختلفوا هل يختص القتل بواحد أو يقتل الكل؟ وقد تقدم البحث فيه، وقال أشهب: لهم أن يحلفوا على جماعة ويختاروا واحدا للقتل ويسجن الباقون عاما ويضربون مائة مائة، وهو قول لم يسبق إليه. وفيه أن الحلف في القسامة لا يكون إلا مع الجزم بالقاتل، والطريق إلى ذلك المشاهدة وإخبار من يوثق به مع القرينة الدالة على ذلك، وفيه أن من توجهت عليه اليمين فنكل عنها لا يقضى عليه حتى يرد اليمين على الآخر وهو المشهور عند الجمهور، وعند أحمد والحنفية يقضى عليه دون رد اليمين. وفيه أن أيمان القسامة خمسون يمينا واختلف في عدد الحالفين فقال الشافعي لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يمينا سواء قلوا أم كثروا فلو كان بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يمينا وإن كانوا أقل أو نكل بعضهم ردت الأيمان على الباقين فإن لم يمكن إلا واحد حلف خمسين يمينا واستحق حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب أو بالنسب والولاء حلف واستحق، وقال مالك: إن كان ولي الدم واحدا ضم إليه آخر من العصبة ولا يستعان بغيرهم وإن كان الأولياء أكثر حلف منهم خمسون وقال الليث: لم أسمع أحدا يقول أنها تنزل عن ثلاثة أنفس، وقال الزهري عن سعيد بن المسيب: أول من نقص القسامة عن خمسين معاوية. قال الزهري: وقضى به عبد الملك ثم رده عمر بن عبد العزيز إلى الأمر الأول. واستدل به على تقديم الأسن في الأمر المهم إذا كانت فيه أهلية ذلك لا ما إذا كان عريا عن ذلك، وعلى ذلك يحمل الأمر بتقديم الأكبر في حديث الباب إما لأن ولي الدم لم يكن متأهلا فأقام الحاكم قريبه مقامه في الدعوى وإما لغير ذلك. وفيه التأنيس والتسلية لأولياء المقتول لا أنه حكم على الغائبين لأنه لم يتقدم صورة دعوى على غائب وإنما وقع الإخبار بما وقع فذكر لهم قصة الحكم على التقديرين

(12/238)


ومن ثم كتب إلى اليهود بعد أن دار بينهم الكلام المذكور، ويؤخذ منه أن مجرد الدعوى لا توجب إحضار المدعى عليه، لأن في إحضاره مشغلة عن إشغاله وتضييعا لماله من غير موجب ثابت لذلك، أما لو ظهر ما يقوي الدعوى من شبهة ظاهرة فهل يسوغ استحضار الخصم أو لا؟ محل نظر، والراجح أن ذلك يختلف بالقرب والبعد وشدة الضرر وخفته. وفيه الاكتفاء بالمكاتبة وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة. وفيه أن اليمين قبل توجيهها من الحاكم لا أثر لها لقول اليهود في جوابهم والله ما قتلنا وفي قولهم لا نرضى بأيمان اليهود استبعاد لصدقهم لما عرفوه من إقدامهم على الكذب وجراءتهم على الأيمان الفاجرة، واستدل به على أن الدعوى في القسامة لا بد فيها من عداوة أو لوث، واختلف في سماع هذه الدعوى ولو لم توجب القسامة: فعن أحمد روايتان، وبسماعها قال الشافعي لعموم حديث: "اليمين على المدعى عليه " بعد قوله: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم " ولأنها دعوى في حق آدمي فتسمع ويستحلف وقد يقر فيثبت الحق في قتله ولا يقبل رجوعه عنه، فلو نكل ردت على المدعي واستحق القود في العمد والدية في الخطأ، وعن الحنفية لا ترد اليمين، وهي رواية عن أحمد، واستدل به على أن المدعين والمدعى عليهم إذا نكلوا عن اليمين وجبت الدية في بيت المال وقد تقدم ما فيه قريبا، واستدل به على أن من يحلف في القسامة لا يشترط أن يكون رجلا ولا بالغا لإطلاق قوله: "خمسين منكم" وبه قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي وأحمد، وقال مالك لا مدخل للنساء في القسامة لأن المطلوب في القسامة القتل ولا يسمع من النساء. وقال الشافعي: لا يحلف في القسامة إلا الوارث البالغ لأنها يمين في دعوى حكمية فكانت كسائر الأيمان ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، واختلف في القسامة هل هي معقولة المعنى فيقاس عليها أو لا والتحقيق أنها معقولة المعنى لكنه خفي ومع ذلك فلا يقاس عليها لأنها لا نظير لها في الأحكام، وإذا قلنا إن المبدأ فيها يمين المدعي فقد خرجت عن سنن القياس، وشرط القياس أن لا يكون معدولا به عن سنن القياس كشهادة خزيمة. "تنبيه": نبه ابن المنير في الحاشية على النكتة في كون البخاري لم يورد في هذا الباب الطريق الدالة على تحليف المدعي، وهي مما خالفت فيه القسامة بقية الحقوق فقال: مذهب البخاري تضعيف القسامة، فلهذا صدر الباب بالأحاديث الدالة على أن اليمين في جانب المدعى عليه، وأورد طريق سعيد بن عبيد وهو جار على القواعد، وإلزام المدعي البينة ليس من خصوصية القسامة في شيء. ثم ذكر حديث القسامة الدال على خروجها عن القواعد بطريق العرض في كتاب الموادعة والجزية فرارا من أن يذكرها هنا فيغلط المستدل بها على اعتقاد البخاري، قال وهذا الإخفاء مع صحة القصد ليس من قبيل كتمان العلم. قلت: الذي يظهر لي أن البخاري لا يضعف القسامة من حيث هي، بل يوافق الشافعي في أنه لا قود فيها، ويخالفه في أن الذي يحلف فيها هو المدعي، بل يرى أن الروايات اختلفت في ذلك في قصة الأنصار ويهود خيبر فيرد المختلف إلى المتفق عليه من أن اليمين على المدعى عليه فمن ثم أورد رواية سعيد بن عبيد في " باب القسامة " وطريق يحيى بن سعيد في باب آخر، وليس في شيء من ذلك تضعيف أصل القسامة والله أعلم. وادعى بعضهم أن قوله: "تحلفون وتستحقون" استفهام إنكار واستعظام للجمع بين الأمرين، وتعقب بأنهم لم يبدءوا بطلب اليمين حتى يصح الإنكار عليهم، وإنما هو استفهام تقرير وتشريع. قوله: "أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي" بفتح السين المهملة المعروف بابن علية واسم جده مقسم وهو الثقة المشهور، وهو منسوب إلى بني أسد بن خزيمة لأن أصله من مواليهم، والحجاج بن أبي عثمان هو

(12/239)


المعروف بالصواف، واسم أبي عثمان ميسرة وقيل سالم، وكنية الحجاج أبو الصلت ويقال غير ذلك وهو بصري أيضا وهو مولى بني كندة، وأبو رجاء اسمه سليمان وهو مولى أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، ووقع هنا " من آل أبي قلابة " وفيه تجوز فإنه منهم باعتبار الولاء لا بالأصالة، وقد أخرجه أحمد فقال: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا حجاج عن أبي رجاء مولى أبي قلابة " وكذا عند مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، وكذا عند الإسماعيلي من رواية أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة كلهم عن إسماعيل. قوله: "أن عمر بن عبد العزيز" يعني الخليفة المشهور "أبرز سريره" أي أظهره. وكان ذلك في زمن خلافته وهو بالشام، والمراد بالسرير ما جرت عادة الخلفاء الاختصاص بالجلوس عليه، والمراد أنه أخرجه إلى ظاهر الدار لا إلى الشارع، ولذلك قال: "أذن للناس" ووقع عند مسلم من طريق عبد الله بن عون عن أبي رجاء عن أبي قلابة "كنت خلف عمر بن عبد العزيز". قوله: "ما تقولون في القسامة" زاد أحمد بن حرب عن إسماعيل بن علية عند أبي نعيم في المستخرج فأضب الناس أي سكتوا مطرقين يقال أضبوا إذا سكتوا وأضبوا إذا تكلموا، وأصل أضب أضمر ما في قلبه ويقال أضب على الشيء لزمه والاسم الضب كالحيوان المشهور، ويحتمل أن يكون المراد أنهم علموا رأي عمر بن عبد العزيز في إنكار القسامة فلما سألهم سكتوا مضمرين مخالفته، ثم تكلم بعضهم بما عنده في ذلك كما وقع في هذه الرواية: "قالوا نقول القسامة القود بها حق وقد أقادت بها الخلفاء " وأرادوا بذلك ما تقدم نقله عن معاوية وعن عبد الله بن الزبير وكذا جاء عن عبد الملك بن مروان، لكن عبد الملك أقاد بها ثم ندم كما ذكره أبو قلابة بعد ذلك في رواية حماد بن زيد عن أيوب وحجاج الصواف عن أبي رجاء " أن عمر بن عبد العزيز استشار الناس في القسامة فقال قوم: هي حق، قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضى بها الخلفاء، أخرجه أبو عوانة في صحيحه وأصله عند الشيخين من طريقه. قوله: "قال لي ما تقول" في رواية أحمد بن حرب " فقال لي يا أبا قلابة ما تقول". قوله: "ونصبني للناس" أي أبرزني لمناظرتهم، أو لكونه كان خلف السرير فأمره أن يظهر، وفي رواية أبي عوانة " وأبو قلابة خلف السرير قاعدا فالتفت إليه فقال: ما تقول يا أبا قلابة". قوله: "عندك رءوس الأجناد" بفتح الهمزة وسكون الجيم بعدها نون جمع جند وهي في الأصل الأنصار والأعوان ثم اشتهر في المقاتلة، وكان عمر قسم الشام بعد موت أبي عبيدة ومعاذ على أربعة أمراء مع كل أمير جند، فكان كل من فلسطين ودمشق وحمص وقنسرين يسمى جندا باسم الجند الذي نزلوها " وقيل كان الرابع الأردن وإنما أفردت قنسرين بعد ذلك"، وقد تقدم شيء من هذا في الطب في شرح حديث الطاعون " لما خرج عمر إلى الشام فلقيه أمراء الأجناد " ولابن ماجه وصححه ابن خزيمة من طريق أبي صالح الأشعري عن أبي عبد الله الأشعري في غسل الأعقاب " قال أبو صالح فقلت لأبي عبد الله من حدثك؟ قال: أمراء الأجناد خالد بن الوليد ويذيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص". قوله: "وأشراف العرب" في رواية أحمد بن حرب " وأشراف الناس". قوله: "أرأيت لو أن خمسين إلخ" وقع في رواية حماد " شهد عندك أربعة من أهل حمص على رجل من أهل دمشق". وزاد بعد قوله أكنت تقطعه " قال لا. قال يا أمير المؤمنين هذا أعظم من ذلك". قوله: "فوالله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قط" في رواية حماد " لا والله لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل أحدا من أهل الصلاة " وهو موافق لحديث ابن مسعود الماضي مرفوعا في أول الديات " لا يحل دم امرئ مسلم". قوله: "إلا في إحدى" في رواية أحمد بن حرب "إلا بإحدى". قوله: "بجريرة نفسه" أي بجنايتها.

(12/240)


قوله: "فقال القوم أوليس قد حدث أنس" عند مسلم من طريق ابن عون " فقال عنبسة قد حدثنا أنس بكذا " وفي رواية حماد المذكورة " فقال عنبسة بن سعيد: فأين حديث أنس بن مالك في العكليين " كذا في هذه الرواية، وتقدم في الطهارة وغيرها بلفظ: "العرنيين " وأوضحت أن بعضهم كان من عكل وبعضهم كان من عرينة، وثبت كذلك في كثير من الطرق. وعنبسة المذكور بفتح المهملة وسكون النون وفتح الموحدة بعدها سين مهملة هو الأموي أخو عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق، واسم جده العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، وكان عنبسة من خيار أهل بيته، وكان عبد الملك بن مروان بعد أن قتل أخاه عمرو بن سعيد يكرمه، وله رواية وأخبار مع الحجاج بن يوسف، ووثقه ابن معين وغيره. قوله: "أنا أحدثكم حديث أنس حدثني أنس" في رواية أحمد بن حرب "فإياي حديث أنس". قوله: "فبايعوا" في رواية أحمد بن حرب " فبايعوه". قوله: "أجسامهم" في رواية أحمد بن حرب " أجسادهم". قوله: "من ألبانها وأبوالها" في رواية أحمد بن حرب " من رسلها " وهو بكسر الراء وسكون المهملة اللبن وبفتحتين المال من الإبل والغنم، وقيل بل الإبل خاصة إذا أرسلت إلى الماء تسمى رسلا. قوله: "ثم نبذهم" بنون وموحدة مفتوحتين ثم ذال معجمة أي طرحهم. قوله: "قلت وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء؟ ارتدوا عن الإسلام وقتلوا وسرقوا" في رواية حماد " قال أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله". قوله: "قال عنبسة" هو المذكور قبل. قوله: "إن سمعت كاليوم قط" إن بالتخفيف وكسر الهمزة بمعنى ما النافية وحذف مفعول سمعت والتقدير ما سمعت قبل اليوم مثل ما سمعت منك اليوم. وفي رواية حماد "فقال عنبسة يا قوم ما رأيت كاليوم قط" ووقع في رواية ابن عون " قال أبو قلابة فلما فرغت قال عنبسة سبحان الله". قوله: "أترد على حديثي يا عنبسة" في رواية ابن عون " فقلت أتتهمني يا عنبسة " وكذا في رواية حماد كأن أبا قلابة فهم من كلام عنبسة إنكار ما حدث به. قوله: "لا ولكن جئت بالحديث على وجهه" في رواية ابن عون " قال لا هكذا حدثنا أنس " وهذا دال على أن عنبسة كان سمع حديث العكليين من أنس. وفيه إشعار بأنه كان غير ضابط له على ما حدث به أنس فكان يظن أن فيه دلالة على جواز القتل في المعصية ولو لم يقع الكفر، فلما ساق أبو قلابة الحديث تذكر أنه هو الذي حدثهم به أنس فاعترف لأبي قلابة بضبطه ثم أثنى عليه. قوله: "والله لا يزال هذا الجند بخير ما كان هذا الشيخ بين أظهرهم" المراد بالجند أهل الشام، ووقع في رواية ابن عوان " يا أهل الشام لا تزالون بخير ما دام فيكم هذا أو مثل هذا" وفي رواية حماد "والله لا يزال هذا الجند بخير ما أبقاك الله بين أظهرهم". قوله: "وقد كان في هذا سنة - إلى قوله - دخل عليه نفر من الأنصار" كذا أورد أبو قلابة هذه القصة مرسلة، ويغلب على الظن أنها قصة عبد الله بن سهل ومحيصة، فإن كان كذلك فلعل عبد الله بن سهل ورفقته تحدثوا عند النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوجهوا إلى خيبر ثم توجهوا فقتل عبد الله بن سهل كما تقدم وهو المراد بقوله هنا " فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل". قوله: "فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم" لعله صلى الله عليه وسلم لما جاءوه كان داخل بيته أو المسجد فكلموه فخرج إليهم فأجابهم. قوله: "فقال بمن تظنون أو ترون" بضم أوله وهما بمعنى. قوله: "قالوا: نرى أن اليهود قتله" كذا للأكثر بلفظ الفعل الماضي بالإفراد وفي رواية المستملي: "قتلته" بصيغة المسند إلى الجمع المستفاد من لفظ اليهود لأن المراد قتلوه، وقد قدمت بيان ما اختلف فيه من ألفاظ هذه القصة في شرح الحديث الذي قبله. قوله: "قلت وقد كانت هذيل" أي القبيلة المشهورة، وهم ينتسبون إلى هذيل بن مدركة

(12/241)


ابن إلياس بن مضر، وهذا من قول أبي قلابة، وهي قصة موصولة بالسند المذكور إلى أبي قلابة، لكنها مرسلة لأن أبا قلابة لم يدرك عمر. قوله: "خلعوا خليعا" في رواية الكشميهني حليفا بحاء مهملة وفاء بدل العين، والخليع فعيل بمعنى مفعول يقال تخالع القوم إذا نقضوا الحلف، فإذا فعلوا ذلك لم يطالبوا بجنايته فكأنهم خلعوا اليمين التي كانوا لبسوها معه، ومنه سمي الأمير إذا عزل خليعا ومخلوعا، وقال أبو موسى في المعين خلعه قومه أي حكموا بأنه مفسد فتبرءوا منه: ولم يكن ذلك في باب الجاهلية يختص بالحليف بل كانوا ربما خلعوا الواحد من القبيلة ولو كان من صميمها إذا صدرت منه جناية تقتضي ذلك، وهذا مما أبطله الإسلام من حكم الجاهلية، ومن ثم قيده في الخبر بقوله: "في الجاهلية " ولم أقف على اسم الخليع المذكور ولا على اسم أحد ممن ذكر في القصة. قوله: "فطرق أهل بيت" بضم الطاء المهملة أي هجم عليهم ليلا في خفية ليسرق منهم، وحاصل القصة أن القاتل ادعى أن المقتول لص وأن قومه خلعوه فأنكروا هم ذلك وحلفوا كاذبين فأهلكهم الله بحنث القسامة وخلص المظلوم وحده. قوله: "ما خلعوا" في رواية أحمد بن حرب " ما خلعوه". قوله: "حتى إذا كانوا بنخلة" بلفظ واحدة النخيل، وهو موضع على ليلة من مكة. قوله: "فانهجم عليهم الغار" أي سقط عليهم بغتة. قوله: "وأفلت" بضم أوله وسكون الفاء أي تخلص، والقرينان هما أخو المقتول والذي أكمل الخمسين. قوله: "واتبعهما حجر" أي بتشديد التاء وقع عليهما بعد أن خرجا من الغار. قوله: "وقد كان عبد الملك بن مروان" هو مقول أبي قلابة بالسند أيضا وهي موصولة لأن أبا قلابة أدركها. قوله: "أقاد رجلا" لم أقف على اسمه. قوله: "ثم ندم بعد" بضم الدال. قوله: "ما صنع" كأنه ضمن ندم معنى كره ووقع في رواية أحمد بن حرب " على الذي صنع". قوله: "فأمر بالخمسين" أي الذين حلفوا، ووقع في رواية أحمد بن حرب الذين أقسموا. قوله: "وسيرهم إلى الشام" أي نفاهم، وفي رواية أحمد بن حرب " من الشام " وهذه أولى لأن إقامة عبد الملك كانت بالشام ويحتمل أن يكون ذلك وقع لما كان عبد الملك بالعراق عند محاربته مصعب بن الزبير ويكونوا من أهل العراق فنفاهم إلى الشام، قال المهلب فيما حكاه ابن بطال: الذي اعترض به أبو قلابة من قصة العرنيين لا يفيد مراده من ترك القسامة لجواز قيام البينة والدلائل التي لا تدفع على تحقيق الجناية في حق العرنيين، فليس قصتهم من طريق القسامة في شيء لأنها إنما تكون في الاختفاء بالقتل حيث لا بينة ولا دليل، وأما العرنيون فإنهم كشفوا وجوههم لقطع السبيل والخروج على المسلمين فكان أمرهم غير أمر من ادعى القتل حيث لا بينة هناك، قال: وما ذكره هنا من انهدام الغار عليهم يعارضه ما تقدم من السنة، قال: وليس رأي أبي قلابة حجة ولا ترد به السنن، وكذا محو عبد الملك أسماء الذين أقسموا من الديوان قلت: والذي يظهر لي أن مراد أبي قلابة بقصة العرنيين خلاف ما فهمه عنه المهلب أن قصتهم كان يمكن فيها القسامة فلم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أراد الاستدلال بها لما ادعاه من الحصر الذي ذكره في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل أحدا إلا في إحدى ثلاث فعورض بقصة العرنيين وحاول المعترض إثبات قسم رابع فرد عليه أبو قلابة بما حاصله أنهم إنما استوجبوا القتل بقتلهم الراعي وبارتدادهم عن الدين وهذا بين لا خفاء فيه، وإنما استدل على ترك القود بالقسامة بقصة القتيل عند اليهود فليس فيها للقود بالقسامة ذكر، بل ولا في أصل القصة التي هي عمدة الباب تصريح بالقود كما سأبينه، ثم رأيت في آخر الحاشية لابن المنير نحو ما أجبت به، وحاصله توهم المهلب أن أبا قلابة عارض حديث القسامة بحديث العرنيين فأنكر عليه فوهم. وإنما اعترض أبو قلابة على القسامة بالحديث الدال على حصر

(12/242)


القتل في ثلاثة أشياء، فإن الذي عارضه ظن أن في قصة العرنيين حجة في جواز قتل من لم يذكر في الحديث المذكور كأن يتمسك الحجاج في قتل من لم يثبت عليه واحدة من الثلاثة، وكأن عنبسة تلقف ذلك عنه فإنه كان صديقه، فبين أبو قلابة أنه ثبت عليهم قتل الراعي بغير حق والارتداد عن الإسلام. وهو جواب ظاهر فلم يورد أبو قلابة قصة العرنيين مستدلا بها على ترك القسامة بل رد على من تمسك بها للقود بالقسامة، وأما قصة الغار فأشار بها إلى أن العادة جرت بهلاك من حلف في القسامة من غير علم كما وقع في حديث ابن عباس في قصة القتيل الذي وقعت القسامة بسببه قبل البعثة وقد مضى في كتاب المبعث وفيه: "فما حال الحول ومن الثمانية والأربعين الذين حلفوا عين تطرف " وجاء عن ابن عباس حديث آخر في ذلك أخرجه الطبراني من طريق أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله عنه قال: "كانت القسامة في الجاهلية حجازا بين الناس، فكان من حلف على إثم أري عقوبة من الله ينكل بها عن الجراءة على الحرام، فكانوا يتورعون عن أيمان الصبر ويهابونها، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان المسلمون لها أهيب " ثم إنه ليس في سياق قصة الهذليين تصريح بما صنع عمر هل أقاد بالقسامة أو حكم بالدية، فقول المهلب ما تقدم من السنة إن كان أشار به إلى صنيع عمر فليس بواضح، وأما قوله إن رأى أبي قلابة ومحو عبد الملك من الديوان لا ترد به السنن فمقبول، لكن ما هي السنة التي وردت بذلك؟ نعم لم يظهر لي وجه استدلال أبي قلابة بأن القتل لا يشرع إلا في الثلاثة لرد القود بالقسامة مع أن القود قتل نفس بنفس وهو أحد الثلاثة، وإنما وقع النزاع في الطريق إلى ثبوت ذلك.

(12/243)


باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه
...
23- باب: مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلاَ دِيَةَ لَهُ
6900- حَدَّثَنَا أَبُو اليمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ - أَوْ مَشَاقِصَ - وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ"
6901- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ "أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ - فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْكَ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ قِبَلِ الْبَصَرِ"
6902- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِعَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ"
قوله: "باب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينيه فلا دية له" كذا جزم بنفي الدية، وليس في الخبر الذي ساقه تصريح بذلك لكنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه على عادته. قوله: "أن رجلا اطلع" أي نظر من علو، وهذا الرجل لم أعرف اسمه صريحا لكن نقل ابن بشكوال عن أبي الحسن بن الغيث أنه الحكم بن أبي العاص بن أمية والد مروان ولم يذكر مستندا لذلك، ووجدت في "كتاب مكة للفاكهي" من طريق أبي سفيان عن

(12/243)


الزهري وعطاء الخراساني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه وهو يلعن الحكم بن أبي العاص وهو يقول اطلع علي وأنا مع زوجتي فلانة فكلح في وجهي، وهذا ليس صريحا في المقصود هنا، ووقع في سنن أبي داود من طريق هذيل بن شرحبيل قال: "جاء سعد فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم فقام يستأذن على الباب فقال: هكذا عنك فإنما الاستئذان من أجل البصر " وهذا أقرب إلى أن يفسر به المبهم الذي في ثاني أحاديث الباب، ولم ينسب سعد هذا في رواية أبي داود، ووقع في رواية الطبراني أنه سعد بن عبادة والله أعلم. قوله: "من حجر في بعض حجر" تقدم ضبط اللفظ في كتاب الاستئذان. قوله: "بمشقص أو مشاقص" هو شك من الراوي وتقدم بيانه وأنه النصل العريض، وقوله في الخبر الذي بعده " مدرى " قد يخالفه فيحمل على تعدد القصة، ويحتمل أن رأس المدرى كان محددا فأشبه النصل، وتقدم ضبط المدرى في " باب الامتشاط " من كتاب اللباس وأن مما قيل في تفسيره حديدة كالخلال لها رأس محدد وقيل لها سنان من حديد. قوله: "وجعل يختله" بفتح أوله وسكون الخاء المعجمة بعدها مثناة مكسورة ثم لام من الختل بفتح أوله وسكون ثانيه وهو الإصابة على غفلة. قوله: "ليطعنه" بضم العين المهملة بناء على المشهور أن الطعن بالفعل بضم العين وبالقول بفتحها وقد قيل هما سواء، زاد أبو الربيع الزهراني عن حماد عند مسلم: "فذهب أو لحقه فأخطأ " وفي رواية عاصم بن علي عن حماد عند أبي نعيم " فما أدري أذهب أو كيف صنع". الحديث الثاني، قوله: "حدثنا ليث" هو ابن سعد. قوله: "أن رجلا اطلع في حجر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية الكشميهني: "من" في الموضعين. قوله: "أنك" رواية الكشميهني أن خفيفة. قوله: "في عينيك" كذا للمستملي والسرخسي وللباقين "في عينك" بالإفراد، وهذا مما يقوي تعدد القصة لأنه في حديث أنس جزم بأنه اطلع وأراد أن يطعنه، وفي حديث سهل علق طعنه على نظره. قوله: "إنما جعل الإذن من قبل" بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة. قوله: "البصر" في رواية الكشميهني: "النظر" وقد تقدم في الاستئذان من وجه آخر عن الزهري بلفظ آخر. الحديث الثالث، قوله: "حدثنا علي" هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة. قوله: "قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم" في رواية مسلم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أخرجه عن ابن أبي عمر عن سفيان. قوله: "لو أن امرأ" تقدم ضبطه قبل ستة أبواب. قوله: "لم يكن عليك جناح" عند مسلم من هذا الوجه " ما كان عليك من جناح " والمراد بالجناح هنا الحرج، وقد أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن ابن عيينة بلفظ: "ما كان عليك من حرج " ومن طريق ابن عجلان عن أبيه عن الزهري عن أبي هريرة " ما كان عليك من ذلك من شيء " ووقع عند مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه " أخرجه من رواية أبي صالح عنه، وفيه رد على من حمل الجناح هنا على الإثم، ورتب على ذلك وجوب الدية إذ لا يلزم من رفع الإثم رفعها لأن وجوب الدية من خطاب الوضع، ووجه الدلالة أن إثبات الحل يمنع ثبوت القصاص والدية، وورد من وجه آخر عن أبي هريرة أصرح من هذا عند أحمد وابن أبي عاصم والنسائي وصححه ابن حبان والبيهقي كلهم من رواية بشير بن نهيك عنه بلفظ: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية ولا قصاص " وفي رواية من هذا الوجه " فهو هدر " وفي هذه الأحاديث من الفوائد إبقاء شعر الرأس وتربيته واتخاذ آلة يزيل بها عنه الهوام ويحك بها لدفع الوسخ أو القمل. وفيه مشروعية الاستئذان على من يكون في بيت مغلق الباب ومنع التطلع عليه من خلل الباب، وفيه مشروعية الامتشاط. وقد

(12/244)


تقدم كثير من هذا كله في "باب الاستئذان" وأن الاستئذان لا يختص بغير المحارم بل يشرع على من كان منكشفا ولو كان أما أو أختا واستدل به على جواز رمي من يتجسس ولو لم يندفع بالشيء الخفيف جاز بالثقيل، وأنه إن أصيبت نفسه أو بعضه فهو هدر، وذهب المالكية إلى القصاص وأنه لا يجوز قصد العين ولا غيرها، واعتلوا بأن المعصية لا تدفع بالمعصية، وأجاب الجمهور بأن المأذون فيه إذا ثبت الإذن لا يسمى معصية وإن كان الفعل لو تجرد عن هذا السبب يعد معصية، وقد اتفقوا على جواز دفع الصائل ولو أتى على نفس المدفوع، وهو بغير السبب المذكور معصية فهذا ملحق به مع ثبوت النص فيه، وأجابوا عن الحديث بأنه ورد على سبيل التغليظ والإرهاب، ووافق الجمهور منهم ابن نافع، وقال يحيى بن عمر منهم لعل مالكا لم يبلغه الخبر، وقال القرطبي في "المفهم" ما كان عليه الصلاة والسلام بالذي يهم أن يفعل ما لا يجوز أو يؤدي إلى ما لا يجوز، والحمل على رفع الإثم لا يتم مع وجود النص برفع الحرج وليس مع النص قياس، واعتل بعض المالكية أيضا بالإجماع على أن من قصد النظر إلى عورة الآخر ظاهر أن ذلك لا يبيح فقء عينه ولا سقوط ضمانها عمن فقأها فكذا إذا كان المنظور في بيته وتجسس الناظر إلى ذلك، ونازع القرطبي في ثبوت هذا الإجماع وقال: إن الخبر يتناول كل مطلع، قال: وإذا تناول المطلع في البيت مع المظنة فتناوله المحقق أولى. قلت: وفيه نظر لأن التطلع إلى ما في داخل البيت لم ينحصر في النظر إلى شيء معين كعورة الرجل مثلا بل يشمل استكشاف الحريم وما يقصد صاحب البيت ستره من الأمور التي لا يجب اطلاع كل أحد عليها، ومن ثم ثبت النهي عن التجسيس والوعيد عليه حسما لمواد ذلك، فلو ثبت الإجماع المدعي لم يستلزم رد هذا الحكم الخاص، ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك وكذا في حال ملاعبته أهله أشد مما رأى الأجنبي ذكره منكشفا، والذي ألزمه القرطبي صحيح في حق من يروم النظر فيدفعه المنظور إليه، وفي وجه للشافعية لا يشرع في هذه الصورة، وهل يشترط الإنذار قبل الرمي؟ وجهان، قيل يشترط كدفع الصائل، وأصحهما لا لقوله في الحديث: "يختله بذلك" وفي حكم المتطلع من خلل الباب الناظر من كوة من الدار وكذا من وقف في الشارع فنظر إلى حريم غيره أو إلى شيء في دار غيره، وقيل المنع مختص بمن كان في ملك المنظور إليه، وهل يلحق الاستماع بالنظر؟ وجهان، الأصح لا، لأن النظر إلى العورة أشد من استماع ذكرها، وشرط القياس المساواة أو أولوية المقيس وهنا بالعكس. واستدل به على اعتبار قدر ما يرمي به بحصى الخذف المقدم بيانها في كتاب الحج لقوله في حديث الباب: "فخذفته" فلو رماه بحجر يقتل أو سهم تعلق به القصاص، وفي وجه لا ضمان مطلقا ولو لم يندفع إلا بذلك جاز، ويستثنى من ذلك من له في تلك الدار زوج أو محرم أو متاع فأراد الاطلاع عليه فيمتنع رميه للشبهة، وقيل لا فرق، وقيل: يجوز إن لم يكن في الدار غير حريمه فإن كان فيها غيرهم أنذر فإن انتهى وإلا جاز، ولو لم يكن في الدار إلا رجل واحد هو مالكها أو ساكنها لم يجز الرمي قبل الإنذار إلا إن كان مكشوف العورة، وقيل يجوز مطلقا لأن من الأحوال ما يكره الاطلاع عليه كما تقدم. ولو قصر صاحب الدار بأن ترك الباب مفتوحا وكان الناظر مجتازا فنظر غير قاصد لم يجز، فإن تعمد النظر فوجهان أصحهما لا، ويلتحق بهذا من نظر من سطح بيته ففيه الخلاف. وقد توسع أصحاب الفروع في نظائر ذلك، فإن ابن دقيق العيد: وبعض تصرفاتهم مأخوذة من إطلاق الخبر الوارد في ذلك، وبعضها من مقتضى فهم المقصود، وبعضها بالقياس على ذلك، والله أعلم.

(12/245)


24- باب: الْعَاقِلَةِ
6903- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ "سَأَلْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَقَالَ مَرَّةً مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ فَقَالَ وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلاَّ مَا فِي الْقُرْآنِ - إِلاَّ فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ - وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الأَسِيرِ وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ"
قوله: "باب العاقلة" بكسر القاف جمع عاقل وهو دافع الدية، وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إبلا، وعاقلة الرجل قراباته من قبل الأب وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول. وتحمل العاقلة الدية ثابت بالسنة، وأجمع أهل العلم على ذلك، وهو مخالف لظاهر قوله: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} لكنه خص من عمومها ذلك لما فيه من المصلحة، لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله، لأن تتابع الخطأ منه لا يؤمن ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول. قلت: ويحتمل أن يكون السر فيه أنه لو أفرد بالتغريم حتى يفتقر لآل الأمر إلى الإهدار بعد الافتقار، فجعل على عاقلته لأن احتمال فقر الواحد أكثر من احتمال فقر الجماعة، ولأنه إذا تكرر ذلك منه كان تحذيره من العود إلى مثل ذلك من جماعة أدعى إلى القبول من تحذيره نفسه والعلم عند الله تعالى. وعاقلة الرجل عشيرته، فيبدأ بفخذه الأدنى فإن عجزوا ضم إليهم الأقرب إليهم وهي على الرجال الأحرار البالغين أولى اليسار منهم. قوله: "قال مطرف" كذا لأبي ذر، وللباقين "حدثنا مطرف" ويؤيده أنه سيأتي بعد ستة أبواب بهذا السند بعينه ولفظه: "حدثنا مطرف " وكذا هو في رواية الحميدي عن ابن عيينة، ومطرف هو ابن طريف بطاء مهملة ثم فاء في اسمه واسم أبيه، وهو كوفي ثقة معروف، ووقع مذكورا باسم أبيه في رواية النسائي عن محمد ابن منصور عن ابن عيينة. قوله: "هل عندكم شيء ما ليس في القرآن" أي مما كتبتموه عن النبي صلى الله عليه وسلم سواء حفظتموه أم لا، وليس المراد تعميم كل مكتوب ومحفوظ لكثرة الثابت عن علي من مرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ليس في الصحيفة المذكورة والمراد ما يفهم من فحوى لفظ القرآن ويستدل به من باطن معانيه، ومراد على أن الذي عنده زائدا على القرآن مما كتب عنه الصحيفة المذكورة وما استنبط من القرآن كأنه كان يكتب ما يقع له من ذلك لئلا ينساه، بخلاف ما حفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام فإنه يتعاهدها بالفعل والإفتاء بها فلم يخش عليها من النسيان، وقوله: "إلا فهما يعطى رجل في كتابه " في رواية الحميدي المذكورة " إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه " وكذا في رواية النسائي، وقد تقدم في كتاب الجهاد من وجه آخر عن مطرف بلفظ: "إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن".

(12/246)


25- باب: جَنِينِ الْمَرْأَةِ
6904- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ

(12/246)


عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ"
6905- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي إِمْلاَصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ"
[الحديث 6905- أطرافه في: 6907 ، 6908 م ، 7317]
6906- قال ائت من يشهد معك"فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِهِ"
[الحديث 6906- طرفه في: 6908 ، 7318]
6907- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ عُمَرَ نَشَدَ النَّاسَ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي السِّقْطِ؟ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ"
6908- "قَالَ: ائْتِ مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ عَلَى هَذَا فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَا أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا"
6908 م- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّهُ سَمِعَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي إِمْلاَصِ الْمَرْأَةِ.. مِثْلَهُ"
قوله: "باب جنين المرأة" الجنين بجيم ونونين وزن عظيم حمل المرأة ما دام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيا فهو ولد أو ميتا فهو سقط، وقد يطلق عليه جنين، قال الباجي في " شرح رجال الموطأ " الجنين ما ألقته المرأة مما يعرف أنه ولد سواء كان ذكرا أو أنثى ما لم يستهل صارخا كذا قال. قوله: "حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك وحدثنا إسماعيل" يعني ابن أبي أويس "حدثنا مالك" كذا للأكثر، وسقط رواية إسماعيل هنا لأبي ذر. قوله: "عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن" كذا قال عبد الله بن يوسف عن مالك وقال كما في الباب الذي يليه عن الليث " عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب " وكلا القولين صواب إلا أن مالكا كان يرويه عن ابن شهاب عن سعيد مرسلا وعن أبي سلمة موصولا، وقد مضى في الطب عن قتيبة عن مالك بالوجهين وهو عند الليث من رواية أبي سلمة أيضا لكن بواسطة، كما تقدم في الطب أيضا عن سعيد بن عفير عن الليث عن عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب، ورواه يونس بن يزيد عن ابن شهاب عنهما جميعا كما في الباب الذي يليه أيضا، ورواه معمر عن الزهري عن أبي سلمة وحده أخرجه مسلم، وأخرجه أبو داود والترمذي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة. وذكر فيه حديثين: الحديث الأول، قوله: "أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى" وفي رواية يونس "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت" وفي رواية حمل التي سأنبه عليها إحداهما لحيانية قلت: ولحيان بطن من هذيل، وهاتان المرأتان كانتا ضرتين وكانتا تحت حمل بن النابغة الهذلي فأخرج أبو داود من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس "عن عمر أنه سأل عن قضية النبي صلى الله عليه وسلم فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى" هكذا رواه موصولا، وأخرجه

(12/247)


الشافعي عن سفيان ابن عيينة عن عمر فلم يذكر ابن عباس في السند ولفظه: "أن عمر قال: أذكر الله امرأ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئا " وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن عمر استشار، وأخرج الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة بن عمير الهذلي عن أبيه قال: "كان فينا رجل يقال له حمل بن مالك له امرأتان إحداهما هذلية والأخرى عامرية فضربت الهذلية بطن العامرية " وأخرجه الحارث من طريق أبي المليح فأرسله لم يقل عن أبيه ولفظه: "أن حمل بن النابغة كانت له امرأتان مليكة وأم عفيف " وأخرج الطبراني من طريق عون بن عويم قال: "كانت أختي مليكة وامرأة منا يقال لها أم عفيف بنت مسروح تحت حمل بن النابغة فضربت أم عفيف مليكة " ووقع في رواية عكرمة عن ابن عباس في آخر هذه القصة " قال ابن عباس: إحداهما مليكة والأخرى أم عفيف " أخرجه أبو داود، وهذا الذي وقفت عليه منقولا، وبالآخر جزم الخطيب في " المبهمات " وزاد بعض شراح العمدة " وقيل أم مكلف وقيل أم مليكة " وأما قوله: "رمت " فوقع في رواية يونس وعبد الرحمن بن خالد " فرمت إحداهما الأخرى بحجر " زاد عبد الرحمن " فأصاب بطنها وهي حامل " وكذا في رواية أبي المليح عند الحارث لكن قال: "فخذفت " وقال: "فأصاب قبلها " ووقع في رواية أبي داود المذكورة من طريق حمل بن مالك " فضربت إحداهما الأخرى بمسطح " وعند مسلم من طريق عبيد بن نضيلة - بنون وضاد معجمة مصغر - عن المغيرة بن شعبة قال: "ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلتها " وكذا في حديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه " فضربت الهذلية بطن العامرية بعمود فسطاط أو خباء " وفي حديث عويم " ضربتها بمسطح بيتها وهي حامل " وكذا عند أبي داود من حديث حمل بن مالك " بمسطح " ومن حديث بريدة أن امرأة خذفت امرأة أخرى. قوله: "فطرحت جنينها" في رواية عبد الرحمن بن خالد " فقتلت ولدها في بطنها " وفي رواية يونس " فقتلتها وما في بطنها " وفي حديث حمل بن مالك مثله بلفظ: "فقتلتها وجنينها " ونحوه في رواية عويم وكذا في رواية أبي المليح عن أبيه. قوله: "فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة" في رواية عبد الرحمن بن خالد ويونس " فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة " ونحوه في رواية يونس لكن قال: "أو وليدة " وفي رواية معمر من طريق أبي سلمة فقال قائل " كيف يعقل " وفي رواية يونس عند مسلم وأبي داود " وورثها ولدها ومن معهم فقال حمل بن النابغة " وفي رواية عبد الرحمن بن خالد الماضية في الطب " فقال ولي المرأة التي غرمت ثم اتفقا: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هذا من إخوان الكهان " وفي مرسل سعيد بن المسيب عند مالك " قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة " وفي رواية الليث من طريق سعيد الموصولة نحوه عند الترمذي ولكن قال: "إن هذا ليقول بقول شاعر بل فيه غرة " وفيه: "ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها وإن العقل على عصبتها " وفي رواية عكرمة عن ابن عباس " فقال عمها إنها قد أسقطت غلاما قد نبت شعره، فقال أبو القاتلة إنه كاذب، إنه والله ما استهل ولا شرب ولا أكل، فمثله يطل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أسجع كسجع الجاهلية وكهانتها " وفي رواية عبيد بن نضيلة عن المغيرة " فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم من لا أكل - وفي آخره - أسجع كسجع الأعراب؟ وجعل عليهم الدية " وفي حديث عويم عند الطبراني "فقال أخوها العلاء بن مسروح: يا رسول الله أنغرم من لا شرب ولا أكل

(12/248)


ولا نطق ولا استهل، فمثل هذا يطل. فقال: أسجع كسجع الجاهلية " ونحوه عند أبي يعلى من حديث جابر لكن قال: "فقالت عاقلة القاتلة " وعند البيهقي من حديث أسامة بن عميرة " فقال أبوها إنما يعقلها بنوها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الدية على العصبة وفي الجنين غرة، فقال: ما وضع فحل ولا صاح فاستهل، فأبطله فمثله يطل " وبهذا يجمع الاختلاف فيكون كل من أبيها وأخيها وزوجها قالوا ذلك لأنهم كلهم من عصبتها بخلاف المقتولة فإن في حديث أسامة بن عمير أن المقتولة عامرية والقاتلة هذلية، ووقع في رواية أسامة " فقال دعني من أراجيز الأعراب " وفي لفظ: "أسجاعة بك " وفي آخر " أسجع كسجع الجاهلية؟ قيل يا رسول الله إنه شاعر " وفي لفظ: "لسنا من أساجيع الجاهلية في شيء " وفيه: "فقال إن لها ولدا هم سادة الحي وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم، قال بل أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها، فقال ما لي شيء، قال حمل وهو يومئذ على صدقات هذيل وهو زوج المرأة وأبو الجنين أقبض من صدقات هذيل " أخرجه البيهقي، وفي رواية ابن أبي عاصم " ما له عبد ولا أمة قال عشر من الإبل، قالوا ما له من شيء إلا أن تعينه من صدقة بني لحيان فأعانه بها، فسعى حمل عليها حتى استوفاها " وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة " فقضى أن الدية على عاقلة القاتلة وفي الجنين غرة عبد أو أمة وعشر من الإبل أو مائة شاة " ووقع في حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل " وكذا وقع عند عبد الرزاق في رواية ابن طاوس عن أبيه عن عمر مرسلا " فقال حمل بن النابغة قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية في المرأة وفي الجنين غرة عبد أو أمة أو فرس " وأشار البيهقي إلى أن ذكر الفرس في المرفوع وهم وأن ذلك أدرج من بعض رواته على سبيل التفسير للغرة، وذكر أنه في رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس بلفظ: "فقضى أن في الجنين غرة قال طاوس الفرس غرة". قلت: وكذا أخرج الإسماعيلي من طريق حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "الفرس غرة " وكأنهما رأيا أن الفرس أحق بإطلاق لفظ الغرة من الآدمي، ونقل ابن المنذر والخطابي عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير " الغرة عبد أو أمة أو فرس " وتوسع داود ومن تبعه من أهل الظاهر فقالوا: يجزئ كل ما وقع عليه اسم غرة، والغرة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس، وقد استعمل للآدمي في الحديث المتقدم في الوضوء " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا " وتطلق الغرة على الشيء النفيس آدميا كان أو غيره ذكرا كان أو أنثى، وقيل أطلق على الآدمي غرة لأنه أشرف الحيوان، فإن محل الغرة الوجه والوجه أشرف الأعضاء، وقوله في الحديث: "غرة عبد أو أمة " قال الإسماعيلي قرأه العامة بالإضافة وغيرهم بالتنوين، وحكى القاضي عياض الخلاف، وقال: التنوين أوجه لأنه بيان للغرة ما هي، وتوجيه الآخر أن الشيء قد يضاف إلى نفسه لكنه نادر، وقال الباجي: يحتمل أن تكون " أو " شكا من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة، ويحتمل أن تكون للتنويع وهو الأظهر، وقيل المرفوع من الحديث قوله: "بغرة " وأما قوله عبد أو أمة فشك من الراوي في المراد بها، قال وقال مالك: الحمران أولى من السودان في هذا، وعن أبي عمرو بن العلاء قال: الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء، قال فلا يجزئ في دية الجنين سوداء إذ لو لم يكن في الغرة معنى زائد لما ذكرها ولقال عبد أو أمة، ويقال إنه انفرد بذلك وسائر الفقهاء على الإجزاء فيما لو أخرج سوداء، وأجابوا بأن المعنى الزائد كونه نفيسا فلذلك فسره بعبد أو أمة لأن الآدمي أشرف الحيوان، وعلى هذا فالذي وقع في رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة من زيادة ذكر

(12/249)


الفرس في هذا الحديث وهم ولفظه: "غرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل " ويمكن إن كان محفوظا أن الفرس هي الأصل في الغرة كما تقدم، وعلى قول الجمهور فأقل ما يجزئ من العبد والأمة ما سلم من العيوب التي يثبت بها الرد في البيع لأن المعيب ليس من الخيار، واستنبط الشافعي من ذلك أن يكون منتفعا به فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين لأن من لم يبلغها لا يستقل غالبا بنفسه فيحتاج إلى التعهد بالتربية فلا يجبر المستحق على أخذه، وأخذ بعضهم من لفظ الغلام أن لا يزيد على خمس عشرة ولا تزيد الجارية على عشرين، ومنهم من جعل الحد ما بين السبع والعشرين، والراجح كما قال ابن دقيق العيد أنه يجزئ ولو بلغ الستين وأكثر منها ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم والله أعلم. واستدل به على عدم وجوب القصاص في القتل بالمثقل لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بالقود وإنما أمر بالدية، وأجاب من قال به بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر بحيث يقتل بعضه غالبا ولا يقتل بعضه غالبا، وطرد المماثلة في القصاص إنما يشرع فيما إذا وقعت الجناية بما يقتل غالبا، وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر أنه إنما لم يوجب فيه القود لأنها لم يقصد مثلها، وشرط القود العمد وهذا إنما هو شبه العمد فلا حجة فيه للقتل بالمثقل ولا عكسه. الحديث الثاني، قوله: "حدثنا وهيب" هو ابن خالد وصرح أبو داود في روايته عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري به. قوله: "عن هشام" هو ابن عروة، وصرح الإسماعيلي من طريق عفان عن وهيب به. قوله: "عن أبيه عن المغيرة" في رواية الإسماعيلي من طريق ابن جريج " حدثني هشام بن عروة عن أبيه أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة أنه حدثه " قال أبو داود عقب رواية وهيب: رواه حماد بن زيد وحماد بن سلمة عن هشام عن أبيه أن عمر، يعني لم يذكر المغيرة في السند. قلت: وهي رواية عبيد الله بن موسى التي تلي حديث الباب، وساق الإسماعيلي من طريق حماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وعبيدة كلهم عن هشام نحوه، وخالف الجميع وكيع فقال: "عن هشام عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن عمر استشار الناس في إملاص المرأة فقال المغيرة " أخرجه مسلم. قوله: "عن عمر رضي الله عنه أنه استشارهم" في رواية الإسماعيلي من طريق سفيان بن عيينة " عن هشام عن أبيه عن المغيرة أن عمر". قوله: "في إملاص المرأة" في رواية المصنف في الاعتصام من طريق أبي معاوية عن هشام عن أبيه " عن المغيرة سأل عمر بن الخطاب في إملاص المرأة وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينها فقال: أيكم سمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيئا " وهذا التفسير أخص من قول أهل اللغة أن الإملاص أن تزلقه المرأة قبل الولادة أي قبل حين الولادة، هكذا نقله أبو داود في السنن عن أبي عبيد، وهو كذلك في الغريب له، وقال الخليل أملصت المرأة والناقة إذا رمت ولدها، وقال ابن القطاع أملصت الحامل ألقت ولدها، ووقع في بعض الروايات ملاص بغير ألف كأنه اسم فعل الولد فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو اسم لتلك الولادة كالخداج، ووقع عند الإسماعيلي من رواية ابن جريج عن هشام المشار إليها قال هشام الملاص للجنين، وهذا يتخرج أيضا على الحذف. وقال صاحب البارع: الإملاص الإسقاط، وإذا قبضت على شيء فسقط من يدك تقول أملص من يدي إملاصا وملص ملصا ووقع في رواية عبيد الله بن موسى التي تلي حديث الباب: "أن عمر نشد الناس من سمع النبي صلى الله عليه وسلم قضى في السقط". قوله: "قال المغيرة" كذا في رواية عبيد الله بن موسى، وفي رواية ابن عيينة " فقام المغيرة بن شعبة فقال: بلى أنا يا أمير المؤمنين " وفيه تجريد، وكان السياق يقتضي أن يقول فقلت، وقد وقع في رواية أبي معاوية المذكورة " فقلت أنا". قوله: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالغرة عبد أو أمة" كذا

(12/250)


في رواية عفان عن وهيب باللام، وهو يؤيد رواية التنوين وسائر الروايات بغرة ومنها رواية أبي معاوية بلفظ: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيها غرة عبد أو أمة". قوله: "فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم قضى به" كذا في رواية وهيب مختصرا وفي رواية ابن عيينة " فقال عمر من يشهد معك؟ فقام محمد فشهد بذلك " وفي رواية وكيع " فقال ائتني بمن يشهد معك فجاء محمد بن مسلمة فشهد له " وفي رواية أبي معاوية فقال لا تبرح حتى تجيء بالمخرج مما قلت " قال فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد معي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قضى به". قوله: "حدثنا عبيد الله بن موسى عن هشام" هو ابن عروة، وهذا في حكم الثلاثيات لأن هشاما تابعي كما سبق تقريره في رواية عبيد الله بن موسى أيضا عن الأعمش في أول الديات. قوله: "عن أبيه أن عمر" هذا صورته الإرسال لكن تبين من الرواية السابقة واللاحقة أن عروة حمله عن المغيرة وإن لم يصرح به في هذه الرواية، وفي عدول البخاري عن رواية وكيع إشارة إلى ترجيح رواية من قال فيه: "عن عروة عن المغيرة " وهم الأكثر. قوله: "فقال المغيرة" كذا لأبي ذر وهو الأوجه، ولغيره: "وقال المغيرة " بالواو. قوله: "ائت بمن يشهد" كذا للأكثر بصيغة فعل الأمر من الإتيان، وحذفت عند بعضهم الباء من قوله: "بمن " ووقع في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني بألف ممدودة ثم نون ثم مثناة بصيغة استفهام الخاطب على إرادة الاستثبات أي أنت تشهد، ثم استفهمه ثانيا: من يشهد معك؟ قوله: "حدثنا محمد بن عبد الله" هو محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي نسبه إلى جده، وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق ابن خزيمة عن محمد بن يحيى عن محمد بن سابق، وكلام الإسماعيلي يشعر بأن البخاري أخرجه عن محمد بن سابق نفسه بلا واسطة. قوله: "أنه استشارهم في إملاص المرأة مثله" يعني مثل رواية وهيب قال ابن دقيق العيد: الحديث أصل في إثبات دية الجنين وأن الواجب فيه غرة إما عبد وإما أمة، وذلك إذا ألقته ميتا بسبب الجناية، وتصرف الفقهاء بالتقييد في سن الغرة وليس ذلك من مقتضى الحديث كما تقدم، واستشارة عمر في ذلك أصل في سؤال الإمام عن الحكم إذا كان لا يعلمه أو كان عنده شك أو أراد الاستثبات. وفيه أن الوقائع الخاصة قد تخفى على الأكابر ويعلمها من دونهم، وفي ذلك رد على المقلد إذا استدل عليه بخبر يخالفه فيجيب لو كان صحيحا لعلمه فلان مثلا فإن ذلك إذا جاز خفاؤه عن مثل عمر فخفاؤه عمن بعده أجوز، وقد تعلق بقول عمر لتأتين بمن يشهد معك من يرى اعتبار العدد في الرواية ويشترط أنه لا يقبل أقل من اثنين كما في غالب الشهادات، وهو ضعيف كما قال ابن دقيق العيد، فإنه قد ثبت قبول الفرد في عدة مواطن، وطلب العدد في صورة جزئية لا يدل على اعتباره في كل واقعة لجواز المانع الخاص بتلك الصورة أو وجود سبب يقتضي التثبت وزيادة الاستظهار ولا سيما إذا قامت قرينة وقريب من هذا قصة عمر مع أبي موسى في الاستئذان. قلت: وقد تقدم شرحها مستوفى في كتاب الاستئذان وبسط هذه المسألة أيضا هناك، ويأتي أيضا في باب إجازة خبر الواحد من كتاب الأحكام، وقد صرح عمر في قصة أبي موسى بأنه أراد الاستثبات. وقوله: "في إملاص المرأة " أصرح في وجوب بالانفصال ميتا من قوله في حديث أبي هريرة " قضى في الجنين " وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتا بسبب الجناية، فلو انفصل حيا ثم مات وجب فيه القود أو الدية كاملة، ولو ماتت الأم ولم ينفصل الجنين لم يجب شيء عند الشافعية لعدم تيقن وجود الجنين، وعلى هذا هل المعتبر نفس الانفصال أو تحقق حصول الجنين؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني، ويظهر أثره فيما لو قدت نصفين أو شق بطنها فشوهد الجنين، وأما إذا خرج رأس الجنين مثلا بعد ما ضرب

(12/251)


وماتت الأم ولم ينفصل قال ابن دقيق العيد: ويحتاج من قال ذلك إلى تأويل الرواية وحملها على أنه انفصل وإن لم يكن في اللفظ ما يدل عليه. قلت: وقع في حديث ابن عباس عند أبي داود " فأسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا " فهذا صريح في الانفصال، ووقع مجموع ذلك في حديث الزهري، ففي رواية عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الماضية في الطب " فأصاب بطنها وهي حامل فقتل ولدها في بطنها " وفي رواية مالك في هذا الباب: "فطرحت جنينها" واستدل به على أن الحكم المذكور خاص بولد الحرة لأن القصة وردت في ذلك، وقوله: "في إملاص المرأة" وإن كان فيه عموم لكن الراوي ذكر أنه شهد واقعة مخصوصة، وقد تصرف الفقهاء في ذلك فقال الشافعية: الواجب في جنين الأمة عشر قيمة أمه كما أن الواجب في جنين الحرة عشر ديتها، وعلى أن الحكم المذكور خاص بمن يحكم بإسلامه (1) ولم يتعرض لجنين محكوم بتهوده أو تنصره، ومن الفقهاء من قاسه على الجنين المحكوم بإسلامه تبعا وليس هذا من الحديث، وفيه أن القتل المذكور لا يجري مجرى العمد والله أعلم. واستدل به على ذم السجع في الكلام، ومحل الكراهة إذا كان ظاهر التكلف، وكذا لو كان منسجما لكنه في إبطال حق أو تحقيق باطل، فأما لو كان منسجما وهو في حق أو مباح فلا كراهة، بل ربما كان في بعضه ما يستحب مثل أن يكون فيه إذعان مخالف للطاعة كما وقع لمثل القاضي الفاضل في بعض رسائله " أو إقلاع عن معصية كما وقع لمثل أبي الفرج بن الجوزي في بعض مواعظه " وعلى هذا يحمل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا عن غيره من السلف الصالح، والذي يظهر لي أن الذي جاء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عن قصد إلى التسجيع وإنما جاء اتفاقا لعظم بلاغته، وأما من بعده فقد يكون كذلك وقد يكون عن قصد وهو الغالب، ومراتبهم في ذلك متفاوتة جدا. والله أعلم
ـــــــ
(1) كذا في بعض النسخ، وفي بعضها قبل قوله ولم يتعرض "ولا سلامة تبعا" ولعل فيه سقطا وتحريفا

(12/252)


باب جنين المرأة و ان العقل على الوالد
...
26- باب: جَنِينِ الْمَرْأَةِ وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْوَالِدِ وَعَصَبَةِ الْوَالِدِ لاَ عَلَى الْوَلَدِ
6909- حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب "عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو أمة". "ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها"
6910- حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثنا يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها"
قوله: "باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد" ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب الذي قبله من وجهين، قال الإسماعيلي: هكذا ترجم أن العقل على الوالد وعصبة الوالد، وليس في الخبر إيجاب العقل على الوالد، فإن أراد الوالدة التي كانت هي الجانية فقد يكون الحكم عليها فإذا ماتت أو عاشت فالعقل على عصبتها انتهى. والمعتمد ما قال ابن بطال، مراده أن عقل المرأة المقتولة على والد القاتلة وعصبته. قلت:

(12/252)


وأبوها وعصبة أبيها عصبتها فطابق لفظ الخبر الأول في الباب وأن العقل على عصبتها، وبينه لفظ الخبر الثاني في الباب أيضا وقضى أن دية المرأة على عاقلتها وإنما ذكره بلفظ الوالد للإشارة إلى ما ورد في بعض طرق القصة وقوله: "لا على الولد " قال ابن بطال: يريد أن ولد المرأة إذا لم يكن من عصبتها لا يعقل عنها لأن العقل على العصبة دون ذوي الأرحام ولذلك لا يعقل الإخوة من الأم، قال: ومقتضى الخبر أن من يرثها لا يعقل عنها إذا لم يكن من عصبتها، وهو متفق عليه بين العلماء كما قاله ابن المنذر. قلت: وقد ذكرت قبل هذا أن في رواية أسامة بن عمير " فقال أبوها إنما يعقلها بنوها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدية على العصبة".

(12/253)


27- باب مَنْ اسْتَعَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا وَيُذْكَرُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ بَعَثَتْ إِلَى مُعَلِّمِ الْكُتَّابِ: ابْعَثْ إِلَيَّ غِلْمَانًا يَنْفُشُونَ صُوفًا، وَلاَ تَبْعَثْ إِلَيَّ حُرًّا
6911- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ "عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلاَمٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قَالَ فَخَدَمْتُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا، وَلاَ لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا"
قوله: "باب من استعان عبدا أو صبيا" كذا للأكثر بالنون. وللنسفي والإسماعيلي: "استعار" بالراء. قال الكرماني: ومناسبة الباب للكتاب أنه لو هلك وجبت قيمة العبد أو دية الحر. قوله: "ويذكر أن أم سلمة بعثت إلى معلم الكتاب" في رواية النسفي " معلم كتاب " بالتنكير. قوله: "ابعث إلي غلمانا ينفشون" هو بضم الفاء وبالشين المعجمة. قوله: "صوفا ولا تبعث إلي حرا" كذا للجمهور بكسر الهمزة وفتح اللام الخفيفة بعدها ياء ثقيلة وذكره ابن بطال بلفظ: "إلا " بحرف الاستثناء وشرحه على ذلك، وهو عكس معنى رواية الجماعة. وهذا الأثر وصله الثوري في جامعه وعبد الرزاق في مصنفه عنه عن محمد بن المنكدر عن أم سلمة وكأنه منقطع بين ابن المنكدر وأم سلمة لذلك ولم يجزم به، ثم ذكر حديث أنس في خدمته النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر بالتماس أبي طلحة من النبي صلى الله عليه وسلم وإجابته له، وأبو طلحة كان زوج أم أنس وعن رأيها فعل ذلك، وقد بينت ذلك في أول كتاب الوصايا. قال ابن بطال: إنما اشترطت أم سلمة الحر لأن جمهور العلماء يقولون من استعان حرا لم يبلغ أو عبدا بغير إذن مولاه فهلكا من ذلك العمل فهو ضامن لقيمة العبد وأما دية الحر فهي على عاقلته. قلت: وفي الفرق من هذا التعليل نظر، ونقل ابن التين ما قال ابن بطال ثم نقل عن الداودي أنه قال: يحمل فعل أم سلمة على أنها أمهم قال فعلى هذا لا فرق بين حر وعبد، ونقل عن غيره أنها إنما اشترطت أن لا يكون حرا لأنها أم لنا فمالنا كمالها وعبيدنا كعبيدها، وأما أولادنا فاجتبتهم، وقال الكرماني: لعل غرضها من منع بعث الحر إكرام الحر وإيصال العوض لأنه على تقدير هلاكه في ذلك لا تضمنه، بخلاف العبد فإن الضمان عليها لو هلك به. وفيه دليل على جواز استخدام الأحرار وأولاد الجيران فيما لا كبير مشقة فيه ولا يخاف منه التلف كما في حديث الباب، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أواخر الوصايا. قوله: "عن عبد العزيز" هو ابن صهيب، وقد تقدم منسوبا في هذا الحديث بعينه في كتاب الوصايا، ومناسبة أثر أم سلمة لقصة أنس أن في كل منهما استخدام الصغير بإذن وليه،

(12/253)


وهو جار على العرف السائغ في ذلك، وإنما خصت أم سلمة العبيد بذلك لأن العرف جرى برضا السادة باستخدام عبيدهم في الأمر اليسير الذي لا مشقة فيه، بخلاف الأحرار فلم تجر العادة بالتصرف فيهم بالخدمة كما يتصرف في العبيد، وأما قصة أنس فإنه كان في كفالة أمه فرأت له من المصلحة أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم لما في ذلك من تحصيل النفع العاجل والآجل، فأحضرته وكان زوجها معها فنسب الإحضار إليها تارة وإليه أخرى، وهذا صدر من أم سليم أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كما سبق في " باب حسن الخلق " من كتاب الأدب واضحا، وكانت لأبي طلحة في إحضار أنس قصة أخرى وذلك عند إرادة النبي صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر كما أوضحت ذلك هناك أيضا، وتقدم في كتاب المغازي قوله صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة لما أراد الخروج إلى خيبر " التمس لي غلاما يخرج معي فأحضر له أنسا " وقد بينت وجه الجمع المذكور في كتاب الأدب أيضا، قال الكرماني: مناسبة الحديث للترجمة أن الخدمة مستلزمة للإعانة، وقوله في آخر الحديث: "فما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا، ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا " كذا وقع بصيغة واحدة في الإثبات والنفي، وهو في الإثبات واضح وأما النفي فقال ابن التين مراده أنه لم يلمه في الشق الأول على شيء فعله ناقصا عن إرادته تجوزا عنه وحلما ولا لامه في الشق الثاني على ترك شيء لم يفعله خشية من أنس أن يخطئ فيه لو فعله، وإلى ذلك أشار بقوله: "هذا هكذا " لأنه كما صفح عنه فيما فعله ناقصا عن إرادته صفح عنه فيما لم يفعله خشية وقوع الخطأ منه، ولو فعله ناقصا عن إرادته لصفح عنه. انتهى ملخصا، ولا يخفى تكلفه. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل وهو ابن إبراهيم المعروف بابن علية راويه في هذا الباب بلفظ: "ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله " وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر فإن ابن علية مشهور بالرواية عن ابن جريج فروى ابن جريج هنا عن تلميذه.

(12/254)


باب المعدن جبار و البئر جبار
...
28- باب: الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ
6912- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ
قوله: "باب المعدن جبار والبئر جبار" كذا ترجم ببعض الخبر، وأفرد بعضه بعده، وترجم في الزكاة لبقيته وقد تقدم في كتاب الشرب من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بتمامه وبدأ فيه بالمعدن وثنى بالبئر، وأورده هنا من طريق الليث قال: "حدثني ابن شهاب" وهذا مما سمعه الليث عن الزهري وهو كثير الرواية عنه بواسطة وبغير واسطة. قوله: "عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة" كذا جمعهما الليث ووافقه الأكثر، واقتصر بعضهم على أبي سلمة، وتقدم في الزكاة من رواية مالك عن ابن شهاب فقال: "عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن " وهذا قد يظن أنه عن سعيد مرسل وعن أبي سلمة موصول، وقد أخرجه مسلم والنسائي من رواية يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال الدار قطني: المحفوظ عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة، وليس قول يونس بمدفوع. قلت: قد تابعه الأوزاعي عن الزهري في قوله: "عن عبيد الله" لكن قال: "عن ابن عباس" بدل أبي هريرة، وهو وهم من الراوي عنه يوسف بن خالد كما نبه عليه ابن عدي، وقد روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد وحده عن أبي هريرة شيئا منه، وروى بعض الضعفاء عن

(12/254)


عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بعضه ذكره ابن عدي وهو غلط، وأخرج مسلم الحديث بتمامه من رواية الأسود بن العلاء عن أبي سلمة، وقد رواه عن أبي هريرة جماعة غير من ذكر منهم محمد بن زياد كما في الباب الذي بعد وهمام بن منبه أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. قوله: "العجماء" بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد تأنيث أعجم وهي البهيمة، ويقال أيضا لكل حيوان غير الإنسان، ويقال لمن لا يفصح والمراد هنا الأول. قوله: "جبار" بضم الجيم وتخفيف الموحدة هو الهدر الذي لا شيء فيه، كذا أسنده ابن وهب عن ابن شهاب، وعن مالك ما لا دية فيه أخرجه الترمذي، وأصله أن العرب تسمي السيل جبارا أي لا شيء فيه، وقال الترمذي فسر بعض أهل العلم قالوا: العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها فما أصابت من انفلاتها فلا غرم على صاحبها، وقال أبو داود بعد تخرجه: العجماء التي تكون منفلتة لا يكون معها أحد، وقد تكون بالنهار ولا تكون بالليل ووقع عند ابن ماجه في آخر حديث عبادة بن الصامت " والعجماء البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يغرم " كذا وقع التفسير مدرجا وكأنه من رواية موسى بن عقبة. وذكر ابن العربي أن بناء ج ب ر للرفع والإهدار من باب السلب وهو كثير يأتي اسم الفعل والفاعل لسلب معناه كما يأتي لإثبات معناه، وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأنه للرفع على بابه لأن إتلافات الآدمي مضمونة مقهور متلفها على ضمانها، وهذا إتلاف قد ارتفع عن أن يؤخذ به أحد، وسيأتي بقية ما يتعلق بالعجماء في الباب الذي يليه. قوله: "والبئر جبار" في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: "والبئر جرحها جبار " أما البئر فهي بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة مهموزة ويجوز تسهيلها وهي مؤنثة وقد تذكر على معنى القليب والطوى والجمع أبؤر وآبار بالمد والتخفيف وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة، قال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك تكون في البادية فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد، وكذلك لو حفر بئرا في ملكه أو في موات فوقع فيها إنسان أو غيره فتلف فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك ولا تغرير، وكذا لو استأجر إنسانا ليحفر له البئر فانهارت عليه فلا ضمان، وأما من حفر بئرا في طريق المسلمين وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر والكفارة في ماله، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور، والمراد بجرحها وهي بفتح الجيم لا غير كما نقله في النهاية عن الأزهري ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة وليست الجراحة مخصوصة بذلك بل كل الإتلافات ملحقة بها قال عياض وجماعة إنما عبر بالجرح لأنه الأغلب أو هو مثال نبه به على ما عداه والحكم في جميع الإتلافات بها سواء كان على نفس أو مال، ورواية الأكثر تتناول ذلك على بعض الآراء، ولكن الراجح الذي يحتاج لتقدير لا عموم فيه، قال ابن بطال: وخالف الحنفية في ذلك فضمنوا حافر البئر مطلقا قياسا على راكب الدابة، ولا قياس مع النص، قال ابن العربي اتفقت الروايات المشهورة على التلفظ بالبئر، وجاءت رواية شاذة بلفظ: "النار جبار" بنون وألف ساكنة قبل الراء ومعناه عندهم أن من استوقد نارا مما يجوز له فتعدت حتى أتلفت شيئا فلا ضمان عليه، قال وقال بعضهم: صحفها بعضهم لأن أهل اليمن يكتبون النار بالياء لا بالألف فظن بعضهم البئر الموحدة النار بالنون فرواها كذلك، قلت هذا التأويل نقله ابن عبد البر وغيره عن يحيى بن معين وجزم بأن معمرا صحفه حيث رواه عن همام عن أبي هريرة، قال ابن عبد البر: ولم يأت ابن معين على قوله بدليل، وليس بهذا ترد أحاديث الثقات. قلت: ولا يعترض على الحفاظ الثقات بالاحتمالات. ويؤيده

(12/255)


ما قال ابن معين اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر دون النار، وقد ذكر مسلم أن علامة المنكر في حديث المحدث أن يعمد إلى مشهور بكثرة الحديث والأصحاب فيأتي عنه بما ليس عندهم وهذا من ذاك، ويؤيده أيضا أنه وقع عند أحمد من حديث جابر بلفظ: "والجب جبار" بجيم مضمومة وموحدة ثقيلة وهي البئر، وقد اتفق الحفاظ على تغليط سفيان بن حسين حيث روى عن الزهري في حديث الباب: "الرجل جبار" بكسر الراء وسكون الجيم، وما ذاك إلا أن الزهري مكثر من الحديث والأصحاب فتفرد سفيان عنه بهذا اللفظ فعد منكرا، وقال الشافعي: لا يصح هذا. وقال الدار قطني: رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله والأعرج وأبو صالح ومحمد بن زياد ومحمد ابن سيرين فلم يذكروها، وكذلك رواه أصحاب الزهري وهو المعروف: نعم الحكم الذي نقله ابن العربي صحيح ويمكن أن يتلقى من حيث المعنى من الإلحاق بالعجماء ويلتحق به كل جماد، فلو أن شخصا عثر فوقع رأسه في جدار فمات أو انكسر لم يجب على صاحب الجدار شيء. قوله: "والمعدن جبار" وقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: "والمعدن جرحها جبار" والحكم فيه ما تقدم في البئر لكن البئر مؤنثة والمعدن مذكر فكأنه ذكره بالتأنيث للمؤاخاة أو لملاحظة أرض المعدن، فلو حفر معدنا في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدمه هدر، وكذا لو استأجر أجيرا يعمل له فانهار عليه فمات، ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات. قوله: "وفي الركاز الخمس" تقدم شرحه مستوفى في كتاب الزكاة

(12/256)


29- باب: الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا لاَ يُضَمِّنُونَ مِنْ النَّفْحَةِ، وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لاَ تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلاَّ أَنْ يَنْخُسَ إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ وَقَالَ شُرَيْحٌ لاَ تُضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ، وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا لَمْ يَضْمَنْ
6913- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ"
قوله: "باب العجماء جبار" أفردها بترجمة لما فيها من التفاريع الزائدة عن البئر والمعدن، وتقدمت الإشارة إلى ذلك. قوله: "وقال ابن سيرين كانوا لا يضمنون" بالتشديد "من النفحة" بفتح النون وسكون الفاء ثم حاء مهملة أي الضربة بالرجل، يقال نفحت الدابة إذا ضربت برجلها ونفح بالمال رمى به ونفح عن فلان ونافح دفع ودافع. قوله: "ويضمنون من رد العنان" بكسر المهملة ثم نون خفيفة هو ما يوضع في فم الدابة ليصرفها الراكب كما يختار والمعنى أن الدابة إذا كانت مركوبة فلفت الراكب عنانها فأصابت برجلها شيئا ضمنه الراكب، وإذا ضربت برجلها من غير أن يكون له في ذلك تسبب لم يضمن، وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور عن هشيم حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين، وهذا سند صحيح، وأسنده ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن سيرين نحوه. قوله: "وقال حماد لا تضمن النفحة إلا أن ينخس" بنون ومعجمة ثم مهملة أي يطعن. قوله: "إنسان الدابة" هو

(12/256)


أعم من أن يكون صاحبها أو أجنبيا، وهذا الأثر وصل بعضه ابن أبي شيبة من طريق شعبة سألت الحكم عن رجل واقف على دابته فضربت برجلها فقال: يضمن، وقال حماد: لا يضمن. قوله: "وقال شريح" هو ابن الحارث القاضي المشهور. قوله: "لا يضمن ما عاقبت" أي الدابة "أن يضربها فتضرب برجلها" وصله ابن أبي شيبة من طريق محمد بن سيرين عن شريح قال: يضمن السائق والراكب ولا يضمن الدابة إذا عاقبت قلت: وما عاقبت قال إذا ضربها رجل فأصابته. وأخرجه سعيد بن منصور من هذا الوجه وزاد: "أو رأسها إلا أن يضربها رجل فتعاقبه فلا ضمان". قوله: "وقال الحكم" أي ابن عتيبة بمثناة وموحدة مصغر هو الكوفي أحد فقهائهم "وحماد" هو ابن أبي سليمان أحد فقهاء الكوفة أيضا. قوله: "إذا ساق المكاري" بكسر الراء وبفتحها أيضا. قوله: "حمارا عليه امرأة فتخر" بالخاء المعجمة أي تسقط. قوله: "لا شيء عليه" أي لا ضمان. قوله: "وقال الشعبي إذا ساق دابة فأتعبها فهو ضامن لما أصابت وإن كان خلفها مترسلا لم يضمن" وصلها سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن سالم عن عامر وهو الشعبي قال: إذا ساق الرجل الدابة وأتعبها فأصابت إنسانا فهو ضامن، فإن كان خلفها مترسلا أي يمشي على هينته فليس عليه ضمان فيما أصابت. قال ابن بطال: فرق الحنفية فيما أصابت الدابة بيدها أو رجلها فقالوا لا يضمن ما أصابت برجلها وذنبها ولو كانت بسبب، ويضمن ما أصابت بيدها وفمها، فأشار البخاري إلى الرد بما نقله عن أئمة أهل الكوفة مما يخالف ذلك. وقد احتج لهم الطحاوي بأنه لا يمكن التحفظ من الرجل والذنب بخلاف اليد والفم واحتج برواية سفيان بن حسين " الرجل جبار " وقد غلطه الحفاظ، ولو صح فاليد أيضا جبار بالقياس على الرجل. وكل منهما مقيد بما إذا لم يكن لمن هي معه مباشرة ولا تسبب، ويحتمل أن يقال حديث: "الرجل جبار" مختصر من حديث: "العجماء جبار " لأنها فرد من أفراد العجماء، وهم لا يقولون بتخصيص العموم بالمفهوم فلا حجة لهم فيه، وقد وقع في حديث الباب زيادة " والرجل جبار " أخرجه الدار قطني من طريق آدم عن شعبة. وقال تفرد آدم عن شعبة بهذه الزيادة وهي وهم، وعند الحنفية خلاف فقال أكثرهم لا يضمن الراكب والقائد في الرجل والذنب إلا إن أوقفها في الطريق، وأما السائق فقيل ضامن لما أصابت بيدها أو رجلها لأن النفحة بمرأى عينه فيمكنه الاحتراز عنها، والراجح عندهم لا يضمن النفحة وإن كان يراها إذ ليس على رجلها ما يمنعها به فلا يمكنه التحرز عنه، بخلاف الفم فإنه يمنعها باللجام وكذا قال الحنابلة. قوله: "حدثنا مسلم" هو ابن إبراهيم ومحمد بن زيادة هو الجمحي والسند بصريون. قوله: "عن أبي هريرة" في رواية الإسماعيلي من طريق علي بن الجعد عن شعبة عن محمد بن زيادة "سمعت أبا هريرة". قوله: "العجماء عقلها جبار" في رواية حامد البلخي عن أبي زيد عن شعبة "جرح العجماء جبار" أخرجه الإسماعيلي، ووقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: "العجماء جرحها جبار " وكذا في حديث كثير بن عبد الله المزني عند ابن ماجه، وفي حديث عبادة بن الصامت عنده، وقال شيخنا في شرح الترمذي: وليس ذكر الجرح قيدا وإنما المراد به إتلافها بأي وجه كان سواء كان بجرح أو غيره، والمراد بالعقل الدية أي لا دية فيما تتلفه. وقد استدل بهذا الإطلاق من قال: لا ضمان فيما أتلفت البهيمة سواء كانت منفردة أو معها أحد سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها، وهو قول الظاهرية، واستثنوا ما إذا كان الفعل منسوبا إليه بأن حملها على ذلك الفعل إذا كان راكبا كأن يلوي عنانها فتتلف

(12/257)


شيئا برجلها مثلا أو يطعنها أو يزجرها حين يسوقها أو يقودها حتى تتلف ما مرت عليه، وأما ما لا ينسب إليه فلا ضمان فيه. وقال الشافعية إذا كان مع البهيمة إنسان فإنه يضمن ما أتلفته من نفس أو عضو أو مال سواء كان سائقا أو راكبا أو قائدا سواء كان مالكا أو أجيرا أو مستأجرا أو مستعيرا أو غاصبا، وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو ذنبها أو رأسها، وسواء كان ذلك ليلا أو نهارا، والحجة في ذلك أن الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم عليها فهي كالآلة بيده ففعلها منسوب إليه سواء حملها عليه أم لا، سواء علم به أم لا وعن مالك كذلك إلا إن رمحت بغير أن يفعل بها أحد شيئا ترمح بسببه، وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور. وقد وقع في رواية جابر عند أحمد والبزار بلفظ: "السائمة جبار" وفيه إشعار بأن المراد بالعجماء البهيمة التي ترعى لا كل بهيمة، لكن المراد بالسائمة هنا التي ليس معها أحد لأنه الغالب على السائمة، وليس المراد بها التي لا تعلف كما في الزكاة فإنه ليس مقصودا هنا، واستدل به على أنه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع وغيرها في الليل والنهار وهو قول الحنفية والظاهرية، وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارا، وأما بالليل فإن عليه حفظها، فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت، ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعي رضي الله عنه وأبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم من رواية الأوزاعي والنسائي أيضا وابن ماجه من رواية عبد الله بن عيسى والنسائي أيضا من رواية محمد بن ميسرة وإسماعيل بن أمية كلهم عن الزهري عن حرام ابن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب قال كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل " وأخرج ابن ماجه أيضا من رواية الليث عن الزهري عن ابن محيصة أن ناقة للبراء ولم يسم حراما، وأخرج أبو داود من رواية معمر عن الزهري فزاد فيه رجلا قال: "عن حرام بن محيصة عن أبيه " وكذا أخرجه مالك والشافعي عنه عن الزهري "عن حرام بن سعيد بن محيصة أن ناقة " وأخرجه الشافعي في رواية المزني في المختصر عنه عن سفيان عن الزهري فزاد مع حرام سعيد بن المسيب قالا " إن ناقة للبراء " وفيه اختلاف آخر أخرجه البيهقي من رواية ابن جريج عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل فاختلف فيه على الزهري على ألوان والمسند منها طريق حرام عن البراء. وحرام بمهملتين اختلف هل هو ابن محيصة نفسه أو ابن سعد بن محيصة، قال ابن حزم: وهو مع ذلك مجهول لم يرو عنه إلا الزهري ولم يوثقه. قلت: وقد وثقه ابن سعد وابن حبان لكن قال إنه لم يسمع من البراء انتهى وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول من قال فيه عن البراء أي عن قصة ناقة البراء فتجتمع الروايات، ولا يمتنع أن يكون للزهري فيه ثلاثة أشياخ، وقد قال ابن عبد البر: هذا الحديث وإن كان مرسلا فهو مشهور حدث به الثقات وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول، وأما إشارة الطحاوي إلى أنه منسوخ بحديث الباب فقد تعقبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال مع الجهل بالتاريخ، وأقوى من ذلك قول الشافعي: أخذنا بحديث البراء لثبوته ومعرفة رجاله ولا يخالفه حديث: "العجماء جبار " لأنه من العام المراد به الخاص، فلما قال: "العجماء جبار" وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دل ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حال جبار وفي حال غير جبار ثم نقض على الحنفية أنهم لم يستمروا على الأخذ بعمومه في تضمين الراكب متمسكين بحديث: "الرجل جبار " مع ضعف راويه كما تقدم، وتعقب بعضهم على الشافعية قولهم إنه لو جرت عادة قوم إرسال المواشي ليلا وحبسها

(12/258)


نهارا انعكس الحكم على الأصح، وأجابوا بأنهم اتبعوا المعنى في ذلك، ونظيره القسم الواجب للمرأة لو كان يكتسب ليلا ويأوي إلى أهله نهارا لانعكس الحكم في حقه مع أن عماد القسم الليل، نعم لو اضطربت العادة في بعض البلاد فكان بعضهم يرسلها ليلا وبعضهم يرسلها نهارا فالظاهر أنه يقضى بما دل عليه الحديث.

(12/259)


30- باب: إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ
6914- حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا"
قوله: "باب إثم من قتل ذميا بغير جرم" بضم الجيم وسكون الراء، وقد بينت في الجزية حكمة هذا القيد وأنه وإن لم يذكر في الخبر فقد عرف من قاعدة الشرع، ووقع نصا في رواية أبي معاوية عن الحسن بن عمرو عند الإسماعيلي بلفظ: "حق " وللبيهقي من رواية صفوان بن سليم عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ: "من قتل معاهدا له ذمة الله ورسوله " ولأبي داود والنسائي من حديث أبي بكرة " من قتل معاهدا في غير كنهه " والذمي منسوب إلى الذمة وهي العهد ومنه "ذمة المسلمين واحدة". قوله: "عبد الواحد" هو ابن زياد. قوله: "حدثنا الحسن" هو ابن عمرو الفقيمي بفاء ثم قاف مصغر وقد بينت حاله في كتاب الجزية. قوله: "مجاهد عن عبد الله بن عمرو" هكذا في جميع الطرق بالعنعنة وقد وقع في رواية مروان بن معاوية عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن جنادة بن أبي أمية عن عبد الله بن عمرو فزاد فيه رجلا بين مجاهد وعبد الله أخرجه النسائي وابن أبي عاصم من طريقه، وجزم أبو بكر البردنجي في كتابه في بيان المرسل أن مجاهدا لم يسمع من عبد الله بن عمرو. قوله: "من قتل نفسا معاهدا" كذا ترجم بالذمي، وأورد الخبر في المعاهد وترجم في الجزية بلفظ: "من قتل معاهدا" كما هو ظاهر الخبر، والمراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم، وكأنه أشار بالترجمة هنا إلى رواية مروان بن معاوية المذكورة فإن لفظه: "من قتل قتيلا من أهل الذمة " وللترمذي من حديث أبي هريرة " من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله " الحديث وقد ذكرت في الجزية من تابع عبد الواحد على إسقاط جنادة ونقلت ترجيح الدار قطني لرواية مروان لأجل الزيادة وبينت أن مجاهدا ليس مدلسا وسماعه من عبد الله بن عمرو ثابت فترجح رواية عبد الواحد لأنه توبع وانفرد مروان بالزيادة، وقوله: "لم يرح" تقدم شرحه في الجزية، والمراد بهذا النفي وإن كان عاما التخصيص بزمان ما لما تعاضدت الأدلة العقلية والنقلية أن من مات مسلما ولو كان من أهل الكبائر فهو محكوم بإسلامه غير مخلد في النار ومآله إلى الجنة ولو عذب قبل ذلك، قوله: "ليوجد" كذا للأكثر هنا وفي رواية الكشميهني بحذف اللام. قوله: "أربعين عاما" كذا وقع للجميع وخالفهم عمرو بن عبد الغفار عن الحسن بن عمرو عند الإسماعيلي فقال: "سبعين عاما " ومثله في حديث أبي هريرة عند الترمذي من طريق محمد بن عجلان عن أبيه عنه ولفظه: "وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا" ومثله في رواية صفوان بن سليم المشار إليها، ونحوه

(12/259)


لأحمد من طريق هلال بن يساف عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم: "سيكون قوم لهم عهد فمن قتل منهم رجلا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما " وعبد الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ: "من مسيرة مائة عام" وفي الطبراني عن أبي بكرة " خمسمائة عام " ووقع في الموطأ في حديث آخر " إن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام " وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير من حديث أبي هريرة، وفي حديث لجابر ذكره صاحب الفردوس " إن ريح الجنة يدرك من مسيرة ألف عام " وهذا اختلاف شديد، وقد تكلم ابن بطال على ذلك فقال: الأربعون هي الأشد فمن بلغها زاد عمله ويقينه وندمه، فكأنه وجد ريح الجنة التي تبعثه على الطاعة، قال: والسبعون آخر المعترك ويعرض عندها الندم وخشية هجوم الأجل فتزداد الطاعة بتوفيق الله فيجد ريحها من المدة المذكورة، وذكر في الخمسمائة كلاما متكلفا حاصله أنها مدة الفترة التي بين كل نبي ونبي فمن جاء في آخرها وآمن بالنبيين يكون أفضل في غيره فيجد ريح الجنة، وقال الكرماني: يحتمل أن لا يكون العدد بخصوصه مقصودا بل المقصود المبالغة في التكثير، ولهذا خص الأربعين والسبعين لأن الأربعين يشتمل على جميع أنواع العدد لأن فيه الآحاد وآحاده عشرة والمائة عشرات والألف مئات والسبع عدد فوق العدد الكامل وهو ستة إذ أجزاؤه بقدره وهي النصف والثلث والسدس بغير زيادة ولا نقصان، وأما الخمسمائة فهي ما بين السماء والأرض. قلت: والذي يظهر لي في الجمع أن يقال إن الأربعين أقل زمن يدرك به ريح الجنة من في الموقف والسبعين فوق ذلك أو ذكرت للمبالغة، والخمسمائة ثم الألف أكثر من ذلك، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأعمال، فمن أدركه من المسافة البعدى أفضل ممن أدركه من المسافة القربى وبين ذلك، وقد أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي فقال: الجمع بين هذه الروايات أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص بتفاوت منازلهم ودرجاتهم. ثم رأيت نحوه في كلام ابن العربي فقال: ريح الجنة لا يدرك بطبيعة ولا عادة وإنما يدرك بما يخلق الله من إدراكه فتارة يدركه من شاء الله من مسيرة سبعين وتارة من مسيرة خمسمائة. ونقل ابن بطال أن المهلب احتج بهذا الحديث على أن المسلم إذا قتل الذمي أو المعاهد لا يقتل به للاقتصار في أمره على الوعيد الأخروي دون الدنيوي، وسيأتي البحث في هذا الحكم في الباب الذي بعده.

(12/260)


31- باب: لاَ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ
6915- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ "قُلْتُ لِعَلِيٍّ ح حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ: "سَأَلْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ - وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَرَّةً: مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ – فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلاَّ مَا فِي الْقُرْآنِ، إِلاَّ فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ"
قوله: "باب لا يقتل المسلم بالكافر" عقب هذه الترجمة بالتي قبلها للإشارة إلى أنه لا يلزم من الوعيد الشديد على قتل الذمي أن يقتص من المسلم إذا قتله عمدا، وللإشارة إلى أن المسلم إذا كان لا يقتل بالكافر فليس له قتل كل

(12/260)


كافر، بل يحرم عليه قتل الذمي والمعاهد بغير استحقاق. قوله: "حدثنا صدقة بن الفضل" ثبت في بعض النسخ هنا " حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا مطرف أن عامرا حدثهم عن أبي جحيفة ح وحدثنا صدقة بن الفضل إلخ " والصواب ما عند الأكثر، وطريق أحمد بن يونس تقدمت في الجزية. قوله: "مطرف" بمهملة وتشديد الراء هو ابن طريف بوزن عظيم كوفي مشهور. قوله: "سألت عليا" تقدم في كتاب العلم بيان سبب هذا السؤال، وهذا السياق أخصر من سياقه في كتاب العلم من وجه آخر عن مطرف، قال أحمد عن سفيان بن عيينة بهذا السند " هل عندكم شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير القرآن؟ ولم يتردد فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهم يؤتيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة " فذكره، وقد تقدم من وجه آخر عن مطرف في العلم وغيره مع شرح الحديث وبيان اختلاف ألفاظ نقلته عن علي وبيان المراد بالعقل وفكاك الأسير، وأما ترك قتل المسلم بالكافر فأخذ به الجمهور، إلا أنه يلزم من قول مالك في قاطع الطريق ومن في معناه إذا قتل غيلة أن يقتل ولو كان المقتول ذميا استثناء هذه الصورة من منع قتل المسلم بالكافر، وهي لا تستثنى في الحقيقة لأن فيه معنى آخر وهو الفساد في الأرض، وخالف الحنفية فقالوا: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق ولا يقتل بالمستأمن، وعن الشعبي والنخعي يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي، واحتجوا بما وقع عند أبي داود من طريق الحسن عن قيس بن عباد عن علي بلفظ: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده " وأخرجه أيضا من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس والبيهقي عن عائشة ومعقل بن يسار، وطرقه كلها ضعيفة إلا الطريق الأولى والثانية فإن سند كل منهما حسن، وعلى تقدير قبوله فقالوا: وجه الاستدلال منه أن تقديره ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر، قالوا: وهو من عطف الخاص على العام فيقتضي تخصيصه، لأن الكافر الذي يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى، فلا يبقى من يقتل بالمعاهد إلا الحربي فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، قال الطحاوي: ولو كانت فيه دلالة على نفي قتل المسلم بالذمي لكان وجه الكلام أن يقول ولا ذي عهد في عهده وإلا لكان لحنا والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلحن، فلما لم يكن كذلك علمنا أن ذا العهد هو المعنى بالقصاص فصار التقدير لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر، قال: ومثله في القرآن {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} فإن التقدير واللائي يئسن من المحيض واللائي لم يحضن، وتعقب بأن الأصل عدم التقدير، والكلام مستقيم بغيره إذا جعلنا الجملة مستأنفة، ويؤيده اقتصار الحديث الصحيح على الجملة الأولى. ولو سلم أنها للعطف فالمشاركة في أصل النفي لا من كل وجه، وهو كقول القائل مررت بزيد منطلقا وعمرو فإنه لا يوجب أن يكون بعمرو منطلقا أيضا بل المشاركة في أصل المرور، وقال الطحاوي أيضاً: لا يصح حمله على الجملة المستأنفة لأن سياق الحديث فيما يتعلق بالدماء التي يسقط بعضها ببعض، لأن في بعض طرقه: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وتعقب بأن هذا الحصر مردود، فإن في الحديث أحكاما كثيرة غير هذه، وقد أبدى الشافعي له مناسبة فقال: يشبه أن يكون لما أعلمهم أن لا قود بينهم وبين الكفار أعلمهم أن دماء أهل الذمة والعهد محرمة عليهم بغير حق فقال: "لا يقتل مسلم بكافر ولا يقتل ذو عهد في عهده" ومعنى الحديث لا يقتل مسلم بكافر قصاصا ولا يقتل من له عهد ما دام عهده باقيا. وقال ابن السمعاني: وأما حملهم الحديث على المستأمن فلا يصح لأن العبرة بعموم اللفظ حتى يقوم دليل على التخصيص، ومن حيث

(12/261)


المعنى أن الحكم الذي يبنى في الشرع على الإسلام والكفر إنما هو لشرف الإسلام أو لنقص الكفر أو لهما جميعا فإن الإسلام ينبوع الكرامة والكفر ينبوع الهوان، وأيضا إباحة دم الذمي شبهة قائمة لوجود الكفر المبيح للدم والذمة إنما هي عهد عارض منع القتل مع بقاء العلة فمن الوفاء بالعهد أن لا يقتل المسلم ذميا فإن اتفق القتل لم يتجه القول بالقود لأن الشبهة المبيحة لقتله موجودة ومع قيام الشبهة لا يتجه القود. قلت: وذكر أبو عبيد بسند صحيح عن زفر أنه رجع عن قول أصحابه فأسند عن عبد الواحد بن زياد قال: قلت لزفر إنكم تقولون تدرأ الحدود بالشبهات فجئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها المسلم يقتل بالكافر، قال: فاشهد على أني رجعت عن هذا وذكر ابن العربي أن بعض الحنفية سأل الشاشي عن دليل ترك قتل المسلم بالكافر قال وأراد أن يستدل بالعموم فيقول أخصه بالحربي، فعدل الشاشي عن ذلك فقال: وجه دليلي السنة والتعليل، لأن ذكر الصفة في الحكم يقتضي التعليل فمعنى لا يقتل المسلم بالكافر تفضيل المسلم بالإسلام. فأسكته. ومما احتج به الحنفية ما أخرجه الدار قطني من طريق عمار بن مطر عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ربيعة عن ابن البيلماني عن ابن عمر قال: "قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما بكافر وقال: أنا أولى من وفى بذمته " قال الدار قطني: إبراهيم ضعيف ولم يروه موصولا غيره، والمشهور عن ابن البيلماني مرسلا. وقال البيهقي: أخطأ راويه عمار بن مطر على إبراهيم في سنده، وإنما يرويه إبراهيم عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن البيلماني، هذا هو الأصل في هذا الباب، وهو منقطع وراويه غير ثقة، كذلك أخرجه الشافعي وأبو عبيد جميعا عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى. قلت: لم ينفرد به إبراهيم كما يوهمه كلامه، فقد أخرجه أبو داود في المراسيل والطحاوي من طريق سليمان بن بلال عن ربيعة عن ابن البيلماني، وابن البيلماني ضعفه جماعة ووثق فلا يحتج بما ينفرد به إذا وصل، فكيف إذا أرسل، فكيف إذا خالف؟ قاله الدار قطني. وقد ذكر أبو عبيد بعد أن حدث به عن إبراهيم، بلغني أن إبراهيم قال: أنا حدثت به ربيعة عن ابن المنكدر عن ابن البيلماني، فرجع الحديث على هذا إلى إبراهيم، وإبراهيم ضعيف أيضا، قال أبو عبيدة: وبمثل هذا السند لا تسفك دماء المسلمين. قلت: وتبين أن عمار بن مطر خبط في سنده، وذكر الشافعي في "الأم" كلاما حاصله أن في حديث ابن البيلماني أن ذلك كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية، قال فعلى هذا لو ثبت لكان منسوخا لأن حديث: "لا يقتل مسلم بكافر " خطب به النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح كما في رواية عمرو بن شعيب، وقصة عمرو بن أمية متقدمة على ذلك بزمان. قلت: ومن هنا يتجه صحة التأويل الذي تقدم عن الشافعي، فإن خطبة يوم الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتلت خزاعة وكان له عهد، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لو قتلت مؤمنا بكافر لقتلته به " وقال: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهد " فأشار بحكم الأول إلى ترك اقتصاصه من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله. وبالحكم الثاني إلى النهي عن الإقدام على ما فعله القاتل المذكور، والله أعلم. ومن حججهم قطع المسلم بسرقة مال الذمي، قالوا والنفس أعظم حرمة، وأجاب ابن بطال بأنه قياس حسن لولا النص، وأجاب غيره بأن القطع حق لله، ومن ثم لو أعيدت السرقة بعينها لم يسقط الحد ولو عفا، والقتل بخلاف ذلك. وأيضا القصاص يشعر بالمساواة ولا مساواة للكافر والمسلم، والقطع لا تشترط فيه المساواة.

(12/262)


باب إذا لطم المسلم يهوديا عيد الغضب
...
32- باب إِذَا لَطَمَ الْمُسْلِمُ يَهُودِيًّا عِنْدَ الْغَضَبِ، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(12/262)


6916- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ"
6917- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنْ الأَنْصَارِ قَدْ لَطَمَ وَجْهِي. فقَالَ: ادْعُوهُ، فَدَعَوْهُ، فقَالَ: ألَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي مَرَرْتُ بِالْيَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، قَالَ فقُلْتُ: أعَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! قَالَ فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ. قَالَ: لاَ تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ"
قوله: "باب إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب" أي لم يجب عليه قصاص كما لم كان من أهل الذمة، وكأنه رمز بذلك إلى أن المخالف يرى القصاص في اللطمة، فلما لم يقتص النبي صلى الله عليه وسلم للذمي من المسلم دل على أنه لا يجري القصاص، لكن ليس كل الكوفيين يرى القصاص في اللطمة فيختص الإيراد بمن يقول منهم بذلك. قوله: "رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" تقدم موصولا مع شرحه في قصة موسى من أحاديث الأنبياء وفي بعض طرقه كما بينته هناك " فقال اليهودي إن لي ذمة وعهدا". قوله: "حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تخيروا بين الأنبياء وحدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه الحديث" كذا اقتصر في السند الأول على بعض المتن وساقه تاما بالسند الثاني، وكان سفيان وهو الثوري يحدث به تاما ومختصرا، فقد أخرجه الإسماعيلي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بلفظ: "لا تخيروا بين الأنبياء " وزاد: "فإن الله بعثهم كما بعثني " قال الإسماعيلي: لم يزد على ذلك، ورواه يحيى القطان عن سفيان تاما. قلت: وليس فيه: "فإن الله بعثهم كما بعثني". قوله: "جاء رجل" تقدم القول في اسمه وفي اسم الذي لطمه في قصة موسى. قوله: "لطم وجهي" في رواية السرخسي " قد لطم وجهي". قوله: "فقال ألطمت وجهه" كذا للأكثر بهمزة الاستفهام وفي رواية الكشميهني: "لم لطمت". قوله: "أم جوزي" في رواية الكشميهني: "جزي" بغير واو والأول أولى، وفي الحديث استعداء الذمي على المسلم، ورفعه إلى الحاكم، وسماع الحاكم دعواه، وتعلم من لم يعرف الحكم ما خفي عليه منه والاكتفاء بذلك في حق المسلم، وأن الذمي إذا أقدم من القول على ما لا علم له به جاز للمسلم المعروف بالعلم تعزيره على ذلك، وتقدمت سائر فوائده في قصة موسى عليه السلام.
"خاتمة": اشتمل كتاب الديات والقصاص من الأحاديث المرفوعة على أربعة وخمسين حديثا، المعلق منها وما في معناها من المتابعات سبعة أحاديث والباقي موصول، المكرر منها فيه وفيما مضى أربعون والخالص منها أربعة عشر حديثا، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عمر "إن من ورطات الأمور" وحديث ابن عباس

(12/263)


"أبغض الناس إلى الله ثلاث: ملحد في الحرم" الحديث، وحديث أنس "لو اطلع عليك" وحديث ابن عباس "هذه وهذه سواء" وحديث أبي قلابة المرسل "ما قتل أحد قط إلا في إحدى ثلاث" وحديثه المرسل "دخل على نفر من الأنصار" الحديث في القسامة. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ثمانية وعشرون أثرا بعضها موصول وسائرها معلق، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(12/264)