Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
مدخل
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
88- كِتَاب اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم" كذا في رواية الفربري، وسقط لفظ: "كتاب" من رواية المستملي، وأما النسفي فقال: "كتاب المرتدين" ثم بسمل ثم قال: "باب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم وإثم من أشرك إلخ" وقوله: "والمعاندين" كذا للأكثر بالنون، وفي رواية الجرجاني بالهاء بدل النون والأول الصواب.

(12/264)


باب إثم من أشرك بالله و عقوبته
...
1- باب: إِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
6918- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهُ لَيْسَ بِذَلكَ، أَلاَ تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}"
6919- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ ح وحَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ "عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ "ثَلاَثًا" أَوْ قَوْلُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ"
6920- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ. قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ"

(12/264)


باب حكم المرتد و المرتدة و استتابتهم
...
2- باب: حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ وَاسْتِتَابَتِهِمْ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} وَقَالَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} وَقَالَ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} وَقَالَ {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ وَقَالَ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ لاَ جَرَمَ} يَقُولُ حَقًّا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ - إِلَى قوله - {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}، {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
6922- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ "أُتِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"

(12/267)


6923- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ "عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعِي رَجُلاَنِ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِي وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ، فَكِلاَهُمَا سَأَلَ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ - قَالَ قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ. فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فَقَالَ: لَنْ - أَوْلاَ - نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ - إِلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً قَالَ: انْزِلْ، فإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ: اجْلِسْ. قَالَ: لاَ أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ "ثَلاَثَ مَرَّاتٍ"، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي"
قوله: "باب حكم المرتد والمرتدة" أي هل هما سواء أم لا. قوله: "واستتابتهم" كذا لأبي ذر، وفي رواية القابسي " واستتابتهما " وحذف للباقين لكنهم ذكروها كأبي ذر بعد ذكر الآثار عن ابن عمر وغيره. وتوجيه الأولى أنه جمع على إرادة الجنس، قال ابن المنذر: قال الجمهور تقتل المرتدة. وقال علي تسترق وقال عمر بن عبد العزيز تباع بأرض أخرى، وقال الثوري تحبس ولا تقتل وأسنده عن ابن عباس قال وهو قول عطاء. وقال أبو حنيفة: تحبس الحرة ويؤمر مولى الأمة أن يجبرها. قوله: "وقال ابن عمر والزهري وإبراهيم" يعني النخعي: تقتل المرتدة، أما قول ابن عمر فنسبه مغلطاي إلى تخريج ابن أبي شيبة، وأما قول الزهري وإبراهيم فوصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في المرأة تكفر بعد إسلامها قال: تستتاب فإن تابت وإلا قتلت، وعن معمر عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم مثله، وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم. وأخرج سعيد بن منصور عن هشيم عن عبيدة بن مغيث عن إبراهيم قال: إذا ارتد الرجل أو المرأة عن الإسلام استتيبا فإن تابا تركا وإن أبيا قتلا. وأخرج ابن أبي شيبة عن حفص عن عبيدة عن إبراهيم "لا يقتل" والأول أقوى فإن عبيدة ضعيف، وقد اختلف نقله عن إبراهيم، ومقابل قول هؤلاء حديث ابن عباس " لا تقتل النساء إذا هن ارتددن " رواه أبو حنيفة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة والدار قطني، وخالفه جماعة من الحفاظ في لفظ المتن، وأخرج الدار قطني عن ابن المنكدر عن جابر " أن امرأة ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها " وهو يعكر على ما نقله ابن الطلاع في الأحكام أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل مرتدة. قوله: "وقال الله تعالى :{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ - إلى قوله - غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى آخرها كذا لأبي ذر وساق الآية إلى {الظَّالِمُونَ} وفي رواية القابسي بعد قوله: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} وفي رواية النسفي {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ - الآيتين إلى قوله – كَافِرِينَ} كذا عنده، وكأنه وقع عنده خلط هذه بالتي بعدها وساق وفي رواية كريمة والأصيلي ما حذف من الآية لأبي ذر، وقد أخرج النسائي وصححه ابن حبان عن ابن عباس "كان رجل من

(12/268)


الأنصار أسلم ثم ندم وأرسل إلى قومه فقالوا يا رسول الله هل له من توبة؟ فنزلت: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً - إلى قوله - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} فأسلم". قوله: "وقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} قال عكرمة نزلت في شاس بن قيس اليهودي، دس على الأنصار من ذكرهم بالحروب التي كانت بينهم فتمادوا يقتتلون، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فذكرهم فعرفوا أنها من الشيطان فعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا سامعين مطيعين فنزلت، أخرجه إسحاق في تفسيره مطولا. وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس موصولا وفي هذه الآية الإشارة إلى التحذير عن مصادقة أهل الكتاب إذ لا يؤمنون أن يفتنوا من صادقهم عن دينه. قوله: "وقال إن الذين آمنوا ثم كفروا" إلى "سبيلا" كذا لأبي ذر، وللنسفي {ثم كفروا ثم آمنوا ثم ازدادوا كفرا} الآية وساقها كلها في رواية كريمة. وقد استدل بها من قال لا تقبل توبة الزنديق كما سيأتي تقريره. قوله: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وساق في رواية كريمة إلى الكافرين، ووقع في رواية أبي ذر {مَنْ يَرْتَدَّ} بدالين وهي قراءة ابن عامر ونافع، وللباقين من القراء ورواة الصحيح {مَنْ يَرْتَدَّ} بتشديد الدال، ويقال إن الإدغام لغة تميم والإظهار لغة الحجاز، ولهذا قيل إنه وجد في مصحف عثمان بدالين، وقيل بل وافق كل قارئ مصحف بلده، فعلى هذا فهي في مصحفي المدينة والشام بدالين وفي البقية بدال واحدة. قوله: "ولكن من شرح بالكفر صدرا" إلى "وأولئك هم الغافلون" كذا لأبي ذر وساق في رواية كريمة الآيات كلها، وهي حجة لعدم المؤاخذة بما وقع حالة الإكراه كما سيأتي تقريره بعد هذا. قوله: {لا جَرَمَ} يقول حقا {أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ - إلى - لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} والمراد أن معنى لا جرم حقا وهو كلام أبي عبيدة وحذف من رواية النسفي ففيها بعد قوله صدرا الآيتين إلى قوله :{غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وفي الآية وعيد شديد لمن ارتد مختارا لقوله تعالى:{ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} إلى آخره. قوله: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا - إلى قوله - وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} كذا لأبي ذر وساق في رواية كريمة أيضا الآيات كلها، والغرض منها قوله: {إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} إلى آخرها فإنه يقيد مطلق ما في الآية السابقة {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} إلى آخرها قال ابن بطال: اختلف في استتابة المرتد فقيل يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهو قول الجمهور، وقيل يجب قتله في الحال جاء ذلك عن الحسن وطاوس وبه قال أهل الظاهر. قلت: ونقله ابن المنذر عن معاذ وعبيد بن عمير وعليه يدل تصرف البخاري فإنه استظهر بالآيات التي لا ذكر فيها للاستتابة والتي فيها أن التوبة لا تنفع، وبعموم قوله: "من بدل دينه فاقتلوه " وبقصة معاذ التي بعدها ولم يذكر غير ذلك، قال الطحاوي: ذهب هؤلاء إلى أن حكم من ارتد عن الإسلام حكم الحربي الذي بلغته الدعوة فإنه يقاتل من قبل أن يدعى، قالوا: وإنما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة، فأما من خرج عن بصيرة فلا. ثم نقل عن أبي يوسف موافقتهم لكن قال: إن جاء مبادرا بالتوبة خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله تعالى وعن ابن عباس وعطاء: إن كان أصله مسلما لم يستتب وإلا استتيب، واستدل ابن القصار لقول الجمهور بالإجماع يعني السكوتي لأن عمر كتب في أمر المرتد: هلا حبستموه ثلاثة أيام وأطعمتموه في كل يوم رغيفا لعله يتوب فيتوب الله عليه؟ قال: ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة كأنهم فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" أي إن لم يرجع، وقد قال تعالى :{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} واختلف القائلون

(12/269)


بالاستتابة هل يكتفى بالمرة أو لا بد من ثلاث؟ وهل الثلاث في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام؟ وعن علي يستتاب شهرا، وعن النخعي يستتاب أبدا كذا نقل عنه مطلقا، والتحقيق أنه في من تكررت منه الردة وسيأتي مزيد لذلك في الحديث الأول عند ذكر الزنادقة. ثم ذكر حديثين الأول، قوله: "أيوب" هو السختياني وعكرمة هو مولى ابن عباس. قوله: "أتي علي" هو ابن أبي طالب، تقدم في " باب لا يعذب بعذاب الله " من كتاب الجهاد من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب بهذا السند أن عليا حرق قوما، وذكرت هناك أن الحميدي رواه عن سفيان بلفظ: "حرق المرتدين " ومن وجه آخر عند ابن أبي شيبة: "كان أناس يعبدون الأصنام في السر " وعند الطبراني في الأوسط من طريق سويد بن غفلة " أن عليا بلغه أن قوما ارتدوا عن الإسلام فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فاحرقهم ثم قال: صدق الله ورسوله " وزعم أبو المظفر الإسفرايني في " الملل والنحل " أن الذين أحرقهم علي طائفة من الروافض ادعوا فيه الإلهية وهم السبائية وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديا ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة، وهذا يمكن أن يكون أصله ما رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله ابن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعلي إن هنا قوما على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا. فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا، فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال أدخلهم فقالوا كذلك، فلما كان الثالث قال لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك، فقال يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخذ لهم أخدودا بين باب المسجد والقصر وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال:
إني إذا رأيت أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا
وهذا سند حسن، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة " أن عليا أتي بناس من الزط يعبدون وثنا فأحرقهم " فسنده منقطع، فإن ثبت حمل على قصة أخرى، فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضا من طريق أيوب بن النعمان " شهدت عليا في الرحبة، فجاءه رجل فقال إن هنا أهل بيت لهم وثن في دار يعبدونه فقام يمشي إلى الدار فأخرجوا إليه بمثال رجل قال فألهب عليهم على الدار". قوله: "بزنادقة" بزاي ونون وقاف جمع زنديق بكسر أوله وسكون ثانيه، قال أبو حاتم السجستاني وغيره: الزنديق فارسي معرب أصله " زنده كرداي " يقول بدوام الدهر لأن زنده الحياة وكرد العمل، ويطلق على من يكون دقيق النظر في الأمور. وقال ثعلب: ليس في كلام العرب زنديق وإنما قالوا زندقي لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا ملحد ودهري بفتح الدال أي يقول بدوام الدهر، وإذا قالوها بالضم أرادوا كبر السن. وقال الجوهري: الزنديق من الثنوية، كذا قال وفسره بعض الشراح بأنه الذي يدعي أن مع الله إلها آخر، وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك، والتحقيق ما ذكره من صنف في الملل أن أصل الزنادقة أتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك الأول بفتح الدال وسكون المثناة التحتانية بعدها صاد مهملة، والثاني بتشديد النون وقد تخفف والياء خفيفة، والثالث بزاي ساكنة ودال

(12/270)


مهملة مفتوحة ثم كاف، وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النور. وأنه يجب السعي في تخليص النور من الظلمة فيلزم إزهاق كل نفس. وإلى ذلك أشار المتنبي حيث قال في قصيدته المشهورة:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب
وكان بهرام جد كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده وأظهر له أنه قبل مقالته ثم قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك المذكور، وقام الإسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل ومن ثم أطلق الاسم على كل من أسر الكفر وأظهر الإسلام حتى قال مالك الزندقة ما كان عليه المنافقون وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم أن الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، فإن أرادوا اشتراكهم في الحكم فهو كذلك وإلا فأصلهم ما ذكرت، وقد قال النووي في لغات الروضة: الزنديق الذي لا ينتحل دينا، وقال محمد بن معن في " التنقيب على المهذب ": الزنادقة من الثنوية يقولون ببقاء الدهر وبالتناسخ، قال ومن الزنادقة الباطنية وهم قوم زعموا أن الله خلق شيئا ثم خلق منه شيئا آخر فدبر العالم بأسره ويسمونهما العقل والنفس وتارة العقل الأول والعقل الثاني، وهو من قول الثنوية في النور والظلمة إلا أنهم غيروا الاسمين، قال ولهم مقالات سخيفة في النبوات وتحريف الآيات وفرائض العبادات، وقد قيل إن سبب تفسير الفقهاء الزنديق بما يفسر به المنافق قول الشافعي في المختصر: وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يسر من الزندقة وغيرها ثم تاب سقط عنه القتل، وهذا لا يلزم منه اتحاد الزنديق والمنافق بل كل زنديق منافق من غير عكس وكان من أطلق عليه في الكتاب والسنة المنافق يظهر الإسلام ويبطن عبادة الوثن أو اليهودية، وأما الثنوية فلا يحفظ أن أحدا منهم أظهر الإسلام في العهد النبوي والله أعلم. وقد اختلف النقلة في الذين وقع لهم مع علي ما وقع على ما سأبينه، واشتهر في صدر الإسلام الجعد بن درهم فذبحه خالد القسري في يوم عيد الأضحى، ثم كثروا في دولة المنصور وأظهر له بعضهم معتقده فأبادهم بالقتل ثم ابنه المهدي فأكثر في تتبعهم وقتلهم، ثم خرج في أيام المأمون بابك بموحدتين مفتوحتين ثم كاف مخففة الخرمي بضم المعجمة وتشديد الراء فغلب على بلاد الجبل وقتل في المسلمين وهزم الجيوش إلى أن ظفر به المعتصم فصلبه، وله أتباع يقال لهم الخرمية وقصصهم في التواريخ معروفة. قوله: "فبلغ ذلك ابن عباس" لم أقف على اسم من بلغه، وابن عباس كان حينئذ أميرا على البصرة من قبل علي. قوله: "لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعذبوا بعذاب الله" أي لنهيه عن القتل بالنار لقوله لا تعذبوا وهذا يحتمل أن يكون مما سمعه ابن عباس من النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة، وقد تقدم في " باب لا يعذب بعذاب الله " من كتاب الجهاد من حديث أبي هريرة " بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما الحديث وفيه إن النار لا يعذب بها إلا الله " وبينت هناك اسمهما وما يتعلق بشرح الحديث، وعند أبي داود عن ابن مسعود في قصة أخرى " أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار". قوله: "ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية إسماعيل بن علية عند أبي داود في الموضعين " فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال". قوله: "من بدل دينه فاقتلوه" زاد إسماعيل بن علية في روايته: "فبلغ ذلك عليا فقال: ويح أم ابن عباس " كذا عند أبي داود وعند الدار قطني بحذف "أم" وهو محتمل أنه لم يرض بما اعترض به ورأى أن النهي للتنزيه كما تقدم بيان الاختلاف فيه، وسيأتي في الحديث الذي

(12/271)


يليه مذهب معاذ في ذلك وأن الإمام إذا رأى التغليظ بذلك فعله، وهذا بناء على تفسير " ويح " بأنها كلمة رحمة فتوجع له لكونه حمل النهي على ظاهره فاعتقد التحريم مطلقا فأنكر؛ ويحتمل أن يكون قالها رضا بما قال، وأنه حفظ ما نسيه بناء على أحد ما قيل في تفسير ويح أنها تقال بمعنى المدح والتعجب كما حكاه في النهاية، وكأنه أخذه من قول الخليل: هي في موضع رأفة واستملاح كقولك للصبي ويحه ما أحسنه حكاه الأزهري، وقوله من هو عام تخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر فإنه تجري عليه أحكام الظاهر ويستثنى منه من بدل دينه في الظاهر لكن مع الإكراه كما سيأتي في كتاب الإكراه بعد هذا، واستدل به على قتل المرتدة كالمرتد، وخصه الحنفية بالذكر وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء وحمل الجمهور النهي على الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال ولا القتل لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى المرأة مقتولة " ما كانت هذه لتقاتل " ثم نهى عن قتل النساء، واحتجوا أيضا بأن من الشرطية لا تعم المؤنث، وتعقب بأن ابن عباس راوي الخبر قد قال تقتل المرتدة، وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كله ابن المنذر، وأخرج الدار قطني أثر أبي بكر من وجه حسن، وأخرج مثله مرفوعا في قتل المرتدة لكن سنده ضعيف، واحتجوا من حيث النظر بأن الأصلية تسترق فتكون غنيمة للمجاهدين والمرتدة لا تسترق عندهم فلا غنم فيها فلا يترك قتلها. وقد وقع في حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له " أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها " وسنده حسن، وهو نص في موضع النزاع فيجب المصير إليه، ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف، ومن صور الزنا رجم المحصن حتى يموت فاستثني ذلك من النهي عن قتل النساء، فكذلك يستثنى قتل المرتدة، وتمسك به بعض الشافعية في قتل من انتقل من دين كفر إلى دين كفر سواء كان ممن يقر أهله عليه بالجزية أو لا وأجاب بعض الحنفية بأن العموم في الحديث في المبدل لا في التبديل، فأما التبديل فهو مطلق لا عموم فيه، وعلى تقدير التسليم فهو متروك الظاهر اتفاقا في الكافر ولو أسلم فإنه يدخل في عموم الخبر وليس مرادا، واحتجوا أيضا بأن الكفر ملة واحدة فلو تنصر اليهودي لم يخرج عن دين الكفر، وكذا لو تهود الوثني، فوضح أن المراد من بدل دين الإسلام بدين غيره لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام قال الله تعالى :{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} وما عداه فهو بزعم المدعي، وأما قوله تعالى :{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} فقد احتج به بعض الشافعية فقال: يؤخذ منه أنه لا يقر على ذلك، وأجيب بأنه ظاهر في أن من ارتد عن الإسلام لا يقر على ذلك، سلمنا لكن لا يلزم من كونه لا يقبل منه أنه لا يقر بالجزية بل عدم القبول والخسران إنما هو في الآخرة، سلمنا أن عدم القبول يستفاد منه عدم التقرير في الدنيا لكن المستفاد أنه لا يقر عليه، فلو رجع إلى الدين الذي كان عليه وكان مقرا عليه بالجزية فإنه يقتل إن لم يسلم مع إمكان الإمساك بأنا لا نقبل منه ولا نقتله، ويؤيد تخصيصه بالإسلام ما جاء في بعض طرقه: فقد أخرجه الطبراني من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس رفعه: "من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه " واستدل به على قتل الزنديق من غير استتابة وتعقب بأن في بعض طرقه كما تقدم أن عليا استتابهم وقد نص الشافعي كما تقدم على القبول مطلقا وقال يستتاب الزنديق كما يستتاب المرتد، وعن أحمد وأبي حنيفة روايتان إحداهما لا يستتاب والأخرى إن تكرر منه لم

(12/272)


تقبل توبته، وهو قول الليث وإسحاق، وحكى عن أبي إسحاق المروزي من أئمة الشافعية ولا يثبت عنه بل قيل إنه تحريف من إسحاق بن راهويه والأول هو المشهور عند المالكية، وحكى عن مالك إن جاء تائبا يقبل منه وإلا فلا، وبه قال أبو يوسف، واختاره الأستاذان أبو إسحاق الإسفرايني وأبو منصور البغدادي. وعن بقية الشافعية أوجه كالمذاهب المذكورة، وخامس يفصل بين الداعية فلا يقبل منه وتقبل توبة غير الداعية، وأفتى ابن الصلاح بأن الزنديق إذا تاب تقبل توبته ويعزر فإن عاد بادرناه بضرب عنقه ولم يمهل، واستدل من منع بقوله تعالى :{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا} فقال: الزنديق لا يطلع على صلاحه لأن الفساد إنما أتى مما أسره فإذا اطلع عليه وأظهر الإقلاع عنه لم يزد على ما كان عليه، ولقوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} الآية، وأجيب بأن المراد من مات منهم على ذلك كما فسره ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره، واستدل لمالك بأن توبة الزنديق لا تعرف، قال وإنما لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين للتألف ولأنه لو قتلهم لقتلهم بعلمه فلا يؤمن أن يقول قائل إنما قتلهم لمعنى آخر، ومن حجة من استتابهم قوله تعالى :{اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} فدل على أن إظهار الإيمان يحصن من القتل، وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر وقد قال صلى الله عليه وسلم لأسامة " هلا شققت عن قلبه " وقال للذي ساره في قتل رجل " أليس يصلي؟ قال: نعم قال: أولئك الذين نهيت عن قتلهم" وسيأتي قريبا أن في بعض طرق حديث أبي سعيد أن خالد بن الوليد لما استأذن في قتل الذي أنكر القسمة وقال كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال صلى الله عليه وسلم: "إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس " أخرجه مسلم، والأحاديث في ذلك كثيرة. الحديث الثاني حديث أبي موسى الأشعري، وهو مشتمل على أربعة أحكام: الأول السواك وقد تقدم في الطهارة أتم مما هنا، الثاني ذم طلب الإمارة ومنع من حرص عليها وسيأتي بسطه في كتاب الأحكام، الثالث بعث أبي موسى على اليمن وإرسال معاذ أيضا، وقد تقدم بيانه في كتاب المغازي بعد غزوة الطائف بثلاثة أبواب، الرابع قصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد وهو المقصود هنا. قوله: "يحيى" هو ابن سعيد القطان والسند كله بصريون. قوله: "عن أبي موسى" في رواية أحمد عن يحيى القطان بهذا السند " قال أبو موسى الأشعري". قوله: "ومعي رجلان من الأشعريين" هما من قومه ولم أقف على اسمهما، وقد وقع في " الأوسط للطبراني " من طريق عبد الملك عن عمير عن أبي بردة في هذا الحديث أن أحدهما ابن عم أبي موسى، وعند مسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة رجلان من بني عمي. قوله: "فكلاهما سأل" كذا فيه بحذف المسئول، وبينه أحمد في روايته المذكورة فقال فيها "سأل العمل" وسيأتي بيان ذلك في الأحكام من طريق يزيد بن عبد الله ولفظه: "فقال أحدهما أمرنا يا رسول الله، فقال الآخر مثله " ولمسلم من هذا الوجه " أمرنا على بعض ما ولاك الله " ولأحمد والنسائي من وجه آخر عن أبي بردة " فتشهد أحدهما فقال: جئناك لتستعين بنا على عملك فقال الآخر مثله " وعندهما من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه " أتاني ناس من الأشعريين فقالوا انطلق معنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لنا حاجة، فقمت معهم، فقالوا أتستعين بنا في عملك " ويجمع بأنه كان معهما من يتبعهما وأطلق صيغة الجمع على الاثنين. قوله: "فقال يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس" شك من الراوي بأيهما خاطبه، ولم يذكر القول في هذه الرواية، وقد ذكره أبو داود عن أحمد بن حنبل ومسدد كلاهما عن يحيى القطان بسنده فيه فقال: "ما تقول يا أبا موسى" ومثله لمسلم عن محمد بن حاتم عن يحيى. قوله: "قلت والذي بعثك بالحق

(12/273)


ما أطلعاني على ما في أنفسهما" يفسر به رواية أبي العميس " فاعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قالوا وقلت لم أدر ما حاجتهم، فصدقني وعذرني " وفي لفظ: "فقال لم أعلم لماذا جاءا". قوله: "لن أو لا" شك من الراوي، وفي رواية يزيد عند مسلم: "إنا والله". قوله: "لا نستعمل عل عملنا من أراده" في رواية أبي العميس " من سألنا " بفتح اللام وفي رواية يزيد " أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه " وفي أخرى " فقال إن أخونكم عندنا من يطلبه فلم يستعن بهما في شيء حتى مات" أخرجه أحمد من رواية إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن أبي بردة، وأدخل أبو داود بينه وبين أبي بردة رجلا. قوله: "ثم أتبعه" بهمزة ثم مثناة ساكنة. قوله: "معاذ بن جبل" بالنصب أي بعثه بعده. وظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه، ووقع في بعض النسخ واتبعه بهمزة وصل وتشديد، ومعاذ بالرفع لكن تقدم في المغازي بلفظ: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذا إلى اليمن فقال يسرا ولا تعسرا " الحديث ويحمل على أنه أضاف معاذا إلى أبي موسى بعد سبق ولايته لكن قبل توجهه فوصاهما عند التوجه بذلك، ويمكن أن يكون المراد أنه وصى كلا منهما واحدا بعد آخر. قوله: "فلما قدم عليه" تقدم في المغازي أن كلا منهما كان على عمل مستقل، وأن كلا منهما كان إذا سار في أرضه فقرب من صاحبه أحدث به عهدا، وفي أخرى هناك " فجعلا يتزاوران فزار معاذ أبا موسى " وفي أخرى " فضرب فسطاطا " ومعنى " ألقى له وسادة " فرشها له ليجلس عليها، وقد ذكر الباجي والأصيلي فيما نقله عياض عنهما أن المراد بقول ابن عباس " فاضطجعت في عرض الوسادة " الفراش، ورده النووي فقال: هذا ضعيف أو باطل، وإنما المراد بالوسادة ما يجعل تحت رأس النائم، وهو كما قال، قال وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته مبالغة في إكرامه. وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه فألقى له وسادة " كما تقدم في الصيام، وفي حديث ابن عمر " أنه دخل على عبد الله بن مطيع فطرح له وسادة، فقال له ما جئت لأجلس " أخرجه مسلم ولم أر في شيء من كتب اللغة أن الفراش يسمى وسادة. قوله: "قال انزل" أي فاجلس على الوسادة. قوله: "فإذا رجل إلخ" هي جملة حالية بين الأمر والجواب، ولم أقف على اسم الرجل المذكور، وقوله: "كان يهوديا فأسلم ثم تهود " في رواية مسلم وأبي داود ثم راجع دينه دين السوء. ولأحمد من طريق أيوب عن حميد بن هلال عن أبي بردة قال: "قدم معاذ بن جبل على أبي موسى فإذا رجل عنده فقال: ما هذا - فذكر مثله وزاد - ونحن نريده على الإسلام منذ أحسبه شهرين وأخرج الطبراني من وجه آخر عن معاذ وأبي موسى " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهما أن يعلما الناس، فزار معاذ أبا موسى فإذا عنده رجل موثق بالحديد فقال: يا أخي أو بعثت تعذب الناس إنما بعثنا نعلمهم دينهم ونأمرهم بما ينفعهم فقال إنه أسلم ثم كفر، فقال: والذي بعث محمدا بالحق لا أبرح حتى أحرقه بالنار". قوله: "لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله" بالرفع خبر مبتدأ محذوف ويجوز النصب. قوله: "ثلاث مرات" أي كرر هذا الكلام ثلاث مرات وبين أبو داود في روايته أنهما كررا القول أبو موسى يقوك اجلس ومعاذ يقول: لا أجلس، فعلى هذا فقوله ثلاث مرات من كلام الراوي لا تتمة كلام معاذ، ووقع في رواية أيوب بعد قوله قضاء الله ورسوله " إن من رجع عن دينه - أو قال بدل دينه - فاقتلوه". قوله: "فأمر به فقتل" في رواية أيوب " فقال والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضرب عنقه " وفي رواية الطبراني التي أشرت إليها " فأتى بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه فيها " ويمكن الجمع بأنه ضرب عنقه ثم ألقاه في النار. ويؤخذ منه أن معاذا وأبا موسى كانا يريان جواز التعذيب بالنار

(12/274)


وإحراق الميت بالنار مبالغة في إهانته وترهيبا عن الاقتداء به. وأخرج أبو داود من طريق طلحة بن يحيى ويزيد بن عبد الله كلاهما عن أبي بردة عن أبي موسى قال: "قدم على معاذ" فذكر قصة اليهودي وفيه: "فقال لا أنزل عن دابتي حتى يقتل فقتل " قال أحدهما: وكان قد استتيب قبل ذلك. وله من طريق أبي إسحاق الشيباني عن أبي بردة " أتى أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام فدعاه فأبى عشرين ليلة أو قريبا منها، وجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه " قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عمير عن أبي بردة فلم يذكر الاستتابة، وكذا ابن فضيل عن الشيباني، وقال المسعودي عن القاسم يعني ابن عبد الرحمن في هذه القصة: فلم ينزل حتى ضرب عنقه وما استتابه. وهذا يعارضه الرواية المثبتة لأن معاذا استتابه، وهي أقوى من هذه والروايات الساكتة عنها لا تعارضها، وعلى تقدير ترجيح رواية المسعودي فلا حجة فيه لمن قال يقتل المرتد بلا استتابة، لأن معاذا يكون اكتفى بما تقدم من استتابة أبي موسى، وقد ذكرت قريبا أن معاذا روى الأمر باستتابة المرتد والمرتدة. قوله: "ثم تذاكرا قيام الليل" في رواية سعيد بن أبي بردة " فقال كيف تقرأ القرآن " أي في صلاة الليل. قوله: "فقال أحدهما" هو معاذ، ووقع في رواية سعيد بن أبي بردة " فقال أبو موسى أقرؤه قائما وقاعدا وعلى راحلتي وأتفوقه " بفاء وقاف بينهما واو ثقيلة أي ألازم قراءته في جميع الأحوال، وفي أخرى " فقال أبو موسى كيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت حاجتي فأقرأ ما كتب الله لي". قوله: "وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي" " في رواية سعيد " وأحتسب " في الموضعين كما تقدم بيانه في المغازي، وحاصله أنه يرجو الأجر في ترويح نفسه بالنوم ليكون أنشط عند القيام. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: تولية أميرين على البلد الواحد، وقسمة البلد بين أميرين، وفيه كراهة سؤال الإمارة والحرص عليها ومنع الحريص منها كما سيأتي بسطه في كتاب الأحكام، وفيه تزاور الإخوان والأمراء والعلماء، وإكرام الضيف، والمبادرة إلى إنكار المنكر، وإقامة الحد على من وجب عليه، وأن المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة أو تكميلا لشيء منهما.

(12/275)


3- باب: قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْفَرَائِضِ وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ
6924- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ"
6925- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "وَاللَّهِ لاَقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا". قَالَ عُمَرُ: "فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ"
قوله: "باب: قتل من أبى قبول الفرائض" أي جواز قتل من امتنع من التزام الأحكام الواجبة والعمل بها،

(12/275)


قال المهلب: من امتنع من قبول الفرائض نظر فإن أقر بوجوب الزكاة مثلا أخذت منه قهرا ولا يقتل، فإن أضاف إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع، قال مالك في الموطأ: الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقا عليهم جهاده، قال ابن بطال: مراده إذا أقر بوجوبها لا خلاف في ذلك. قوله: "وما نسبوا إلى الردة" أي أطلق عليهم اسم المرتدين، قال الكرماني "ما" في قوله وما نسبوا نافية كذا قال، والذي يظهر لي أنها مصدرية أي ونسبتهم إلى الردة وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي أورده كما سأبينه، قال القاضي عياض وغيره، كان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة الأوثان وصنف تبعوا مسيلمة والأسود العنسي وكان كل منهما ادعى النبوة قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم فصدق مسيلمة أهل اليمامة وجماعة غيرهم وصدق الأسود أهل صنعاء وجماعة غيرهم، فقتل الأسود قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بقليل وبقي بعض من آمن به فقاتلهم عمال النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر، وأما مسيلمة فجهز إليه أبو بكر الجيش وعليهم خالد بن الوليد فقتلوه. وصنف ثالث استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين ناظر عمر أبا بكر في قتالهم كما وقع في حديث الباب، وقال أبو محمد بن حزم في "الملل والنحل": انقسمت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم على أربعة أقسام: طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته وهم الجمهور، وطائفة بقيت على الإسلام أيضا إلا أنهم قالوا نقيم الشرائع إلا الزكاة وهم كثير لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى، والثالثة أعلنت بالكفر والردة كأصحاب طليحة وسجاح وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم إلا أنه كان في كل قبيلة من يقاوم من ارتد، وطائفة توقفت فلم تطع أحدا من الطوائف الثلاثة وتربصوا لمن تكون الغلبة فأخرج أبو بكر إليهم البعوث وكان فيروز ومن معه غلبوا على بلاد الأسود وقتلوه وقتل مسيلمة باليمامة وعاد طليحة إلى الإسلام وكذا سجاح ورجع غالب من كان ارتد إلى الإسلام فلم يحل الحول إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام ولله الحمد. قوله: "أن أبا هريرة قال" في رواية مسلم: "عن أبي هريرة " وهكذا رواه الأكثر عن الزهري بهذا السند على أنه من رواية أبي هريرة عن عمر وعن أبي بكر، وقال يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس " الحديث فساقه على أنه من مسند أبي هريرة ولم يذكر أبا بكر ولا عمر أخرجه مسلم، وهو محمول على أن أبا هريرة سمع أصل الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وحضر مناظرة أبي بكر وعمر فقصها كما هي، ويؤيده أنه جاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة من طرق فأخرجه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه، ومن طريق أبي صالح ذكوان كلاهما عن أبي هريرة، وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي العنبس سعيد بن كثير بن عبيد عن أبيه، وأخرجه أحمد من طريق همام بن منبه، ورواه مالك خارج الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج، وذكره ابن منده في كتاب الإيمان من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة كلهم عن أبي هريرة، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ابن عمر كما تقدم في أوائل الكتاب في كتاب الإيمان وجابر وطارق الأشجعي عند مسلم، وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس وأصله عند البخاري كما تقدم في أوائل الصلاة وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس، وهو عند ابن خزيمة من وجه آخر عنه لكن قال: "عن أنس عن أبي بكر " وأخرجه البزار من حديث النعمان بن بشير، وأخرجه الطبراني من حديث سهل بن سعد وابن عباس وجرير البجلي وفي الأوسط من حديث سمرة، وسأذكر ما في رواياتهم من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى. قوله: "وكفر من

(12/276)


كفر من العرب" في حديث أنس عند ابن خزيمة: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب". قوله: "يا أبا بكر كيف تقاتل الناس" في حديث أنس " أتريد أن تقاتل العرب". قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم: "من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه حرم دمه وماله " وأخرجه الطبراني من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة " ونحوه في حديث أبي العنبس وفي حديث أنس، عند أبي داود " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلوا صلاتنا " وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي وبما جئت به " قال الخطابي: زعم الروافض أن حديث الباب متناقض لأن في أوله أنهم كفروا وفي آخره أنهم ثبتوا على الإسلام إلا أنهم منعوا الزكاة، فإن كانوا مسلمين فكيف استحل قتالهم وسبي ذراريهم، وإن كانوا كفارا فكيف احتج على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة، فإن في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرين بالصلاة. قال: والجواب عن ذلك أن الذين نسبوا إلى الردة كانوا صنفين، صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصنف منعوا الزكاة وتأولوا قوله تعالى:{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} فزعموا أن دفع الزكاة خاص به صلى الله عليه وسلم لأن غيره لا يطهرهم ولا يصلى عليهم فكيف تكون صلاته سكنا لهم، وإنما أراد عمر بقوله: "تقاتل الناس " الصنف الثاني لأنه لا يتردد في جواز قتل الصنف الأول، كما أنه لا يتردد في قتال غيرهم من عباد الأوثان والنيران واليهود والنصارى، قال: وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره، وقد حفظ غيره في الصلاة والزكاة معا، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعم جميع الشريعة حيث قال فيها " ويؤمنوا بي وبما جئت به " فإن مقتضى ذلك أن من جحد شيئا مما جاء به صلى الله عليه وسلم ودعي إليه فامتنع ونصب القتال أنه يجب قتاله وقتله إذا أصر، قال: وإنما عرضت الشبهة لما دخله من الاختصار، وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر واعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث، انتهى ملخصا. قلت وفي هذا الجواب نظر، لأنه لو كان عند عمر في الحديث: "حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " ما استشكل قتالهم للتسوية في كون غاية القتال ترك كل من التلفظ بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، قال عياض: حديث ابن عمر نص في قتال من لم يصل ولم يزك كمن لم يقر بالشهادتين، واحتجاج عمر على أبي بكر وجواب أبي بكر دل على أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة إذ لو سمعه عمر لم يحتج على أبي بكر ولو سمعه أبو بكر لرد به على عمر ولم يحتج إلى الاحتجاج بعموم قوله: "إلا بحقه". قلت: إن كان الضمير في قوله: "بحقه" للإسلام فمهما ثبت أنه من حق الإسلام تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة. قوله: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" يجوز تشديد فرق وتخفيفه، والمراد بالفرق من أقر بالصلاة وأنكر الزكاة جاحدا أو مانعا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حق من جحد حقيقة وفي حق الآخرين مجاز تغليبا، وإنما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال فجهز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصروا قاتلهم. قال المازري: ظاهر السياق أن عمر كان موافقا على قتال من جحد الصلاة فألزمه الصديق بمثله في الزكاة لو رودهما في الكتاب والسنة موردا واجدا. قوله: "فإن الزكاة حق المال" يشير إلى دليل منع

(12/277)


التفرقة التي ذكرها أن حق النفس الصلاة وحق المال الزكاة، فمن صلى عصم نفسه، ومن زكى عصم ماله، فإن لم يصل قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله قهرا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل. وهذا يوضح أنه لو كان سمع في الحديث: "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا الدليل النظري. قوله: "والله لو منعوني عناقا" تقدم ضبطها في " باب أخذ العناق " وفي " الصدقة " من كتاب الزكاة، ووقع في رواية قتيبة عن الليث عند مسلم: "عقالا " وأخرجه البخاري في كتاب الاعتصام عن قتيبة فكنى بهذه اللفظة فقال: "لو منعوني كذا " واختلف في هذه اللفظة فقال قوم هي وهم، وإلى ذلك أشار البخاري بقوله في " الاعتصام " عقب إيراده " قال لي ابن بكير " يعني شيخه فيه هنا، وعبد الله يعني ابن صالح عن الليث " عناقا " وهو أصح، ووقع في رواية ذكرها أبو عبيدة " لو منعوني جديا أذوط، وهو يؤيد أن الرواية: "عناقا " والأذوط الصغير الفك والذقن، قال عياض واحتج بذلك من يجيز أخذ العناق في زكاة الغنم إذا كانت كلها سخالا وهو أحد الأقوال، وقيل: إنما ذكر العناق مبالغة في التقليل لا العناق نفسها، قلت: والعناق بفتح المهملة والنون الأنثى من ولد المعز، قال النووي: المراد أنها كانت صغارا فماتت أمهاتها في بعض الحول فيزكين بحول الأمهات ولو لم يبق من الأمهات شيء على الصحيح، ويتصور فيما إذا ماتت معظم الكبار وحدثت الصغار فحال الحول على الكبار على بقيتها وعلى الصغار. وقال بعض المالكية العناق والجذعة تجزئ في زكاة الإبل القليلة التي تزكى بالغنم، وفي الغنم أيضا إذا كانت جذعة، ويؤيده أن في حديث أبي بردة في الأضحية " فإن عندي عناقا جذعة " وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الزكاة. وقال قوم: الرواية محفوظة ولها معنى متجه. وجرى النووي على طريقته فقال: هو محمول على أنه قالها مرتين مرة عناقا ومرة عقالا. قلت: وهو بعيد مع اتحاد المخرج والقصة، وقيل العقال يطلق على صدقة عام يقال أخذ منه عقال هذا العام يعني صدقته حكاه المازري عن الكسائي واستشهد بقول الشاعر:
سعى عقالا فلم يترك لن سندا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
وعمرو المشار إليه هو ابن عتبة بن أبي سفيان، وكان عمه معاوية يبعثه ساعيا على الصدقات فقيل فيه ذلك. ونقل عياض عن ابن وهب أنه الفريضة من الإبل، ونحوه عن النضر بن شميل، وعن أبي سعيد الضرير: العقال ما يؤخذ في الزكاة من نعام وثمار لأنه عقل عن مالكها. وقال المبرد: العقال ما أخذه العامل من صدقة بعينها فإن تعوض عن شيء منها قيل أخذ نقدا، وعلى هذا فلا إشكال فيه. وذهب الأكثر إلى حمل العقال على حقيقته وأن المراد به الحبل الذي يعقل به البعير، نقله عياض عن الواقدي عن مالك بن أبي ذئب قالا العقال عقال الناقة. قال أبو عبيد العقال اسم لما يعقل به البعير، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم محمد ابن مسلمة على الصدقة فكان يأخذ مع كل فريضة عقالا. وقال النووي: ذهب إلى هذا كثير من المحققين. وقال ابن التيمي في "التحرير": قول من فسر العقال بفريضة العام تعسف، وهو نحو تأويل من حمل البيضة والحبل في حديث لعن السارق على بيضة الحديد وحبل السفينة. قلت: وقد تقدم بيان ذلك في "باب حد السرقة" إلى أن قال: وكل ما كان في هذا السياق أحقر كان أبلغ قال: والصحيح أن المراد بالعقال ما يعقل به البعير، قال: والدليل على أن المراد به المبالغة قوله في الرواية الأخرى "عناقا" وفي الأخرى "جديا" قال: فعلى هذا فالمراد بالعقال قدر قيمته، قال الثوري: وهذا هو الصحيح الذي

(12/278)


لا ينبغي غيره. وقال عياض: احتج به بعضهم على جواز أخذ الزكاة في عروض التجارة، وفيه بعد، والراجح أن العقال لا يؤخذ في الزكاة لوجوبه بعينه وإنما يؤخذ تبعا للفريضة التي تعقل به، أو أنه قال ذلك مبالغة على تقدير أن لو كانوا يؤدونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال النووي: يصح قدر قيمة العقال في زكاة النقد وفي المعدن والركاز والمعشرات وزكاة الفطر، وفيما لو وجبت سن فأخذ الساعي دونه، وفيما إذا كانت الغنم سخالا فمنع واحدة وقيمتها عقال. قال: وقد رأيت كثيرا ممن يتعانى الفقه يظن أنه لا يتصور وإنما هو للمبالغة. وهو غلط منه. وقد قال الخطابي: حمله بعضهم على زكاة العقال إذا كان من عروض التجارة، وعلى الحبل نفسه عند من يجيز أخذ القيم، والشافعي قول إنه يتخير بين العرض والنقد، قال: وأظهر من ذلك كله قول من قال إنه يجب أخذ العقال مع الفريضة كما جاء عن عائشة " كان من عادة المتصدق أن يعمد إلى قرن - بفتح القاف والراء وهو الحبل - فيقرن به بين بعيرين لئلا تشرد الإبل، وهكذا جاء عن الزهري. وقال غيره في قول أبي بكر " لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غنية عن حمله على المبالغة. وحاصله أنهم متى منعوا شيئا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو قل فقد منعوا شيئا واجبا إذ لا فرق في منع الواجب وجحده بين القليل الكثير، قال: وهذا يعني عن جميع التقادير والتأويلات التي لا يسبق الفهم إليها، ولا يظن بالصديق أنه يقصد إلى مثلها. قلت: الحامل لمن حمله على المبالغة أن الذي تمثل به في هذا المقام لا بد وأن يكون من جنس ما يدخل في الحكم المذكور، فلذلك حملوه على المبالغة والله أعلم. قوله: "فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق" أي ظهر له من صحة احتجاجه لا أنه قلده في ذلك: وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم في كتاب الإيمان: الاجتهاد في النوازل، وردها إلى الأصول، والمناظرة على ذلك والرجوع إلى الراجح، والأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخظئة والعدول إلى التلطف، والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر، فلو عاند بعد ظهورها فحينئذ يستحق الإغلاظ بحسب حاله. وفيه الحلف على الشيء لتأكيده. وفيه منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها، وهو كذلك لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلما؟ الراجح لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر، فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء به بقوله: "إلا بحق الإسلام " قال البغوي: الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال لا إله إلا الله حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإسلام ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام، وأما من كان مقرا بالوحدانية منكرا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة فلا بد أن يقول إلى جميع الخلق، فإن كان كفر بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج أن يرجع عما اعتقده، ومقتضى قوله: "يجبر " أنه إذا لم يلتزم تجري عليه أحكام المرتد، وبه صرح القفال واستدل بحديث الباب فادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أو أني رسول الله " كذا قال وهي غفلة عظيمة، فالحديث في صحيحي البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من كل منهما من رواية ابن عمر بلفظ: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ويحتمل أن يكون المراد بقوله لا إله إلا الله هنا التلفظ بالشهادتين لكونها سارت علما على ذلك، ويؤيده ورودهما صريحا في الطرق الأخرى، واستدل بها على أن الزكاة لا تسقط عن المرتد، وتعقب بأن المرتد كافر والكافر لا يطالب بالزكاة وإنما يطالب بالإيمان، وليس في فعل

(12/279)


الصديق حجة لما ذكر وإنما فيه قتال من منع الزكاة، والذين تمسكوا بأصل الإسلام ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجة. وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار أو لا كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول وعمل به وناظره عمر في ذلك كما سيأتي بيانه في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، وذهب إلى الثاني ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقر الإجماع عليه في حق من جحد شيئا من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع فإن نصب القتال قوتل وأقيمت عليه الحجة، فإن رجع وإلا عومل معاملة الكافر حينئذ، ويقال إن أصبغ من المالكية استقر على القول الأول فعد من ندرة المخالف. وقال القاضي عياض: يستفاد من هذه القصة أن الحاكم إذا أداه اجتهاده في أمر لا نص فيه إلى شيء تجب طاعته فيه ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكما وجب عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك، لأن عمر أطاع أبا بكر فيما رأى من حق مانعي الزكاة مع اعتقاده خلافه ثم عمل في خلافته بما أداه إليه اجتهاده ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم، وهذا مما ينبه عليه في الاحتجاج بالإجماع السكوتي، فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار وهذا منها. وقال الخطابي: في الحديث أن من أظهر الإسلام أجريت عليه أحكامه الظاهرة ولو أسر الكفر في نفس الأمر. ومحل الخلاف إنما هو فيمن اطلع على معتقده الفاسد فأظهر الرجوع هل يقبل منه أو لا؟ وأما من جهل أمره فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة عليه.

(12/280)


باب إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي صلى الله عليه و سلم و لم يصرح
...
4- باب: إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُصَرِّحْ، نَحْوَ قَوْلِهِ: السَّامُ عَلَيْكَ
6926- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ "سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَعَلَيْكَ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالَ السَّامُ عَلَيْكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لاَ، إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ"
6927- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ. فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ. قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ"
6928- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالاَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ "قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ سَامٌ عَلَيْكَ، فَقُلْ: عَلَيْكَ"
قوله: "باب: إذا عرض الذمي أو غيره" أي المعاهد ومن يظهر الإسلام. قوله: "بسب النبي صلى الله عليه وسلم" أي

(12/280)


وتنقيصه، وقوله: "ولم يصرح" تأكيد فإن التعريض خلاف التصريح، وقد تقدم بيانه في تفسير قوله تعالى:{ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ}. قوله: "نحو قوله السام عليكم" في رواية الكشميهني: "السام عليكم " بالإفراد، وكذا وقع في حديثي عائشة وابن عمر في الباب، ولم يختلف في حديث أنس في لفظ: "عليك " بالإفراد وتقدمت الأحاديث الثلاثة مع شرحها في كتاب الاستئذان، واعترض بأن هذا اللفظ ليس فيه تعريض بالسب، والجواب أنه أطلق التعريض على ما يخالف التصريح ولم يرد التعريض المصطلح وهو أن يستعمل لفظا في حقيقته يلوح به إلى معنى آخر يقصده. وقال ابن المنير: حديث الباب يطابق الترجمة بطريق الأولى، لأن الجرح أشد من السب، فكأن البخاري يختار مذهب الكوفيين في هذه المسألة انتهى ملخصا، وفيه نظر لأنه لم يبت الحكم ولا يلزم من تركه قتل من قال ذلك لمصلحة التأليف أن لا يجب قتله حيث لا مصلحة في تركه، وقد نقل ابن المنذر الاتفاق علي أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم صريحا وجب قتله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم مما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأن حد قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وخالفه القفال فقال: كفر بالسب فيسقط القتل بالإسلام. وقال الصيدلاني: يزول القتل ويجب حد القذف، وضعفه الإمام، فإن عرض فقال الخطابي: لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما. وقال ابن بطال: اختلف العلماء فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم، فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل إلا أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة. ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه، ومن طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ومالك في المسلم: هي ردة يستتاب منها. وعن الكوفيين إن كان ذميا عزر وإن كان مسلما فهي ردة. وحكى عياض خلافا هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلحة التأليف؟ ونقل عن بعض المالكية أنه إنما لم يقتل اليهود في هذه القصة لأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه، وقيل إنهم لما لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم. وقيل إنه لم يحمل ذلك منهم على السب بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه، ولذلك قال في الرد عليهم " وعليكم " أي الموت نازل علينا وعليكم فلا معنى للدعاء به، أشار إلى ذلك القاضي عياض وتقدمت الإشارة إليه في الاستئذان، وكذا من قال: "السأم " بالهمز بمعنى السآمة هر دعاء بأن يملوا الدين وليس بصريح في السب والله أعلم، وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك من ذمي أو معاهد فترك لمصلحة التأليف هل ينتقض بذلك عهده؟ محل تأمل. واحتج الطحاوي لأصحابهم بحديث الباب وأيده بأن هذا الكلام لو صدر من مسلم لكان ردة، وأما صدوره من اليهود فالذي هم عليه من الكفر أشد منه فذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم. وتعقب بأن دماءهم لم تحقن إلا بالعهد وليس في العهد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم فمن سبه منهم تعد العهد فينتقض فيصير كافرا بلا عهد فيهدر دمه إلا أن يسلم ويؤيده أنه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به لكانوا لو قتلوا مسلما لم يقتلوا لأن من معتقدهم حل دماء المسلمين ومع ذلك لو قتل منهم أحد مسلما قتل، فإن قيل إنما يقتل بالمسلم قصاصا بدليل أنه يقتل به ولو أسلم ولو سب ثم أسلم لم يقتل. قلنا الفرق بينهما أن قتل المسلم يتعلق بحق آدمي فلا يهدر، وأما السب فإن وجوب القتل به يرجع إلى حق الدين فيهدمه الإسلام، والذي يظهر أن ترك قتل اليهود إنما كان لمصلحة التأليف أو لكونهم لم يعلنوا به أولهما جميعا وهو أولى، والله أعلم.

(12/281)


باب احتمال الأذى للأنبياء
...
5- باب : 6929- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ "قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ"
قوله: "باب" كذا للأكثر بغير ترجمة، وحذفه ابن بطال فصار حديث ابن مسعود المذكور فيه من جملة الباب الذي قبله، واعترض بأنه إنما ورد في قوم كفار أهل حرب والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالصبر على الأذى منهم فلذلك امتثل أمر ربه. قلت: فهذا يقتضي ترجيح صنيع الأكثر من جعله في ترجمة مستقلة، لكن تقدم التنبيه على أن مثل ذلك وقع كالفصل من الباب الذي قبله فلا بد له من تعلق به في الجملة، والذي يظهر أنه أشار بإيراده إلى ترجيح القول بأن ترك قتل اليهود لمصلحة التأليف، لأنه إذا لم يؤاخذ الذي ضربه حتى جرحه بالدعاء عليه ليهلك بل صبر على أذاه وزاد فدعا له فلأن يصبر على الأذى بالقول أولى، ويؤخذ منه ترك القتل بالتعريض بطريق الأولى، وقد تقدم شرح حديث ابن مسعود المذكور في غزوة أحد من كتاب المغازي، وحفص المذكور في السند هو ابن غياث، وشقيق هو ابن سلمة أبو وائل، والسند كله كوفيون. وقوله: "قال عبد الله" يعني ابن مسعود، ووقع في رواية مسلم من طريق وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله". قوله: "يحكى نبيا من الأنبياء" تقدم في ذكر بني إسرائيل من أحاديث الأنبياء هذا الحديث بهذا السند وذكرت فيه - من طريق مرسلة وفي سندها من لم يسم - من سمي النبي المذكور نوحا عليه السلام، ثم وقع لي من رواية الأعمش بسند له مضموما إلى روايته بسند حديث الباب أخرجه ابن عساكر في ترجمة نوح عليه السلام من "تاريخ دمشق" من رواية يعقوب بن عبد الله الأشعري عن الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال: "إن كان نوح ليضربه قومه حتى يغمى عليه ثم يفيق فيقول: اهد قومي فإنهم لا يعلمون " وبه عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله فذكر نحو حديث الباب، وتقدم هناك أيضا قول القرطبي: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الحاكي والمحكي عنه، ووجه الرد عليه، وتقدم في غزوة أحد بيان ما وقع له صلى الله عليه وسلم من الجراحة في وجهه يوم أحد وأنه صلى الله عليه وسلم قال أولا " كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم " فإنه قال أيضا: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " وأن عند أحمد من رواية عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال نحو ذلك يوم حنين لما ازدحموا عليه عند قسمة الغنائم". قوله: "فهو يمسح الدم عن وجهه" في رواية عبد الله بن نمير عن الأعمش عند مسلم في هذا الحديث: "عن جبينه" وقد تقدم في غزوة أحد بيان أنه شج صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشرح ما وقع في ذلك مبسوطا ولله الحمد.

(12/282)


باب قتل الخوارج و الملحدين بعد إقامة الحجة عليهم
...
6- باب: قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

(12/282)


6930- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا خَيْثَمَةُ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ "قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا فَوَاللَّهِ لاَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خِدْعَةٌ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
6931- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا "أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَسَأَلاَهُ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لاَ أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّةُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ - وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا - قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ - أَوْ حَنَاجِرَهُمْ - يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنْ الدَّمِ شَيْءٌ"
6932- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَذَكَرَ الْحَرُورِيَّةَ فَقَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ"
قوله: "باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وقول الله تعالى:{ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} أما الخوارج فهم جمع خارجة أي طائفة، وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين، وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعي في الشرح الكبير أنهم خرجوا على علي رضي الله عنه حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان رضي الله عنه ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لرضاه بقتله أو مواطأته إياهم، كذا قال، وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الأخبار فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان بل كانوا ينكرون عليه أشياء ويتبرءون منه، وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان فطعنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك، فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليا فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة فاتفقوا على طلب قتلة عثمان وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك، فبلغ عليا فخرج إليهم، فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة وانتصر علي وقتل طلحة في المعركة وقتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة، فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق، ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك وكان أمير الشام إذ ذاك وكان علي أرسل إليه لأن

(12/283)


يبايع له أهل الشام فاعتل بأن عثمان قتل مظلوما وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، ويلتمس من علي أن يمكنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك، وعلي يقول ادخل فيما دخل فيه الناس وحاكمهم إلى أحكم فيهم بالحق، فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبا قتال أهل الشام فخرج معاوية في أهل الشام قاصدا إلى قتاله، فالتقيا بصفين فدامت الحرب بينهما أشهرا، وكاد أهل الشام أن ينكسروا فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاوية، فترك جمع كثير ممن كان مع علي وخصوصا القراء القتال بسبب ذلك تدينا، واحتجوا بقوله تعالى :{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} الآية، فراسلوا أهل الشام في ذلك فقالوا ابعثوا حكما منكم وحكما منا ويحضر معهما من لم يباشر القتال فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب علي ومن معه إلى ذلك وأنكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارج وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام: هذا ما قضى عليه أمير المؤمنين على معاوية فامتنع أهل الشام من ذلك وقالوا اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب علي إلى ذلك فأنكره عليه الخوارج أيضا. ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق، ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم، فرجع معاوية إلى الشام، ورجع علي إلى الكوفة، ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف وقيل كانوا أكثر من عشرة آلاف وقيل ستة آلاف، ونزلوا مكانا يقال له حروراء بفتح المهملة وراءين الأولى مضمومة، ومن ثم قيل لهم الحرورية وكان كبيرهم عبد الله ابن الكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري، وشبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي فأرسل إليهم علي ابن عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم علي، فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن عليا تاب من الحكومة ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك عليا فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: لكم علينا ثلاثة: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا. وخرجوا شيئا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم في الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب، ثم راسلهم أيضا فأرادوا قتل رسوله، ثم اجتمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم بكفر ويباح دمه وماله وأهله، وانتقلوا إلى الفعل فاستعرضوا الناس فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت وكان واليا لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سرية وهي حامل فقتلوه وبقروا في سريته عن ولد، فبلغ عليا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام. فأوقع بهم بالنهروان، ولم ينج منهم إلا دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة، فهذا ملخص أول أمرهم، ثم انضم إلى من بقي منهم من مال إلى رأيهم فكانوا مختفين في خلافة علي حتى كان منهم عبد الرحمن ابن ملجم الذي قتل عليا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح، ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له النجيلة ثم كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق طول مدة معاوية وولده يزيد، وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراق وولي الخلافة عبد الله بن الزبير وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام ثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع الشام إلى مصر، فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نجدة بن عامر

(12/284)


وزاد نجدة على معتقد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم، وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجم المحصن وقطعوا يد السارق من الإبط وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرا، وإن لم يكن قادرا فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقا وفتكوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقا بغير دعوة منهم، ومنهم من يدعو أولا ثم يفتك، ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على قتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم وتقلل جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب. وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء واسمه لوط بن يحيى كتابا لخصه الطبري في تاريخه وصنف في أخبارهم أيضا الهيثم بن عدي كتابا، ومحمد ابن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح كتابا كبيرا، وجمع أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه "الكامل" لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله، قال القاضي أبو بكر بن العربي: الخوارج صنفان أحدهما يزعم أن عثمان وعليا وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي بالتحكيم كفار، والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدا. وقال غيره: بل الصنف الأول مفرع عن الصنف الثاني لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. وقال ابن حزم: ذهب نجدة بن عامر من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عذب بغير النار، ومن أدمن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في النار، وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد فأنكر الصلوات الخمس وقال: الواجب صلاة بالغداة وصلاة بالعشي، ومنهم من جوز نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن، وأن من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه. وقال أبو منصور البغدادي في المقالات: عدة فرق الخوارج عشرون فرقة. وقال ابن حزم أسوءوهم حالا الغلاة المذكورون وأقربهم إلى قول أهل الحق الأباضية، وقد بقيت منهم بقية بالمغرب وقد وردت بما ذكرته من أصل حال الخوارج أخبار جياد: منها ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر وأخرجه الطبري من طريق يونس كلاهما عن الزهري قال: لما نشر أهل الشام المصاحف بمشورة عمرو بن العاص حين كاد أهل العراق أن يغلبوهم هاب أهل الشام ذلك إلى أن آل الأمر إلى التحكيم، ورجع كل إلى بلده إلى أن اجتمع الحكمان في العام المقبل بدومة الجندل وافترقا عن غير شيء، فلما رجعوا خالفت الحرورية عليا وقالوا لا حكم إلا لله، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي رزين قال: لما وقع الرضا بالتحكيم ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء فبعث لهم علي عبد الله بن عباس فناظرهم، فلما رجعوا جاء رجل إلى علي فقال: إنهم يتحدثون أنك أقررت لهم بالكفر لرضاك بالتحكيم، فخطب وأنكر ذلك فتنادوا من جوانب المسجد لا حكم إلا لله. ومن وجه آخر أن رءوسهم حينئذ الذين اجتمعوا بالنهروان عبد الله بن وهب الراسبي وزيد بن حصن الطائي وحرقوص بن زهير السعدي، فاتفقوا على تأمير عبد الله بن وهب، وسيأتي كثر من أسانيد ما أشرت إليه بعد في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. وقال الغزالي في "الوسيط" تبعا لغيره في حكم الخوارج وجهان: أحدهما أنه كحكم أهل الردة، والثاني أنه كحكم أهل البغي، ورجح الرافعي الأول، وليس الذي قاله مطردا في كل خارجي فإنهم على قسمين: أحدهما من تقدم ذكره، والثاني من خرج في طلب الملك

(12/285)


لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضا: قسم خرجوا غضبا للدين من أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسن بن علي وأهل المدينة في الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط سواء كانت فيهم شبهة أم لا وهم البغاة. وسيأتي بيان حكمهم في كتاب الفتن وبالله التوفيق. قوله: "وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله إلخ" وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعا كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين. قلت: وسنده صحيح، وقد ثبت في الحديث الصحيح المرفوع عند مسلم من حديث أبي ذر في وصف الخوارج " هم شرار الخلق والخليقة " وعند أحمد بسند جيد عن أنس مرفوعا مثله، وعند البزار من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: "ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج فقال: هم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي " وسنده حسن وعند الطبراني من هذا الوجه مرفوعا هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وفي حديث أبي سعيد عند أحمد " هم شر البرية " وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم: "من أبغض خلق الله إليه " وفي حديث عبد الله بن خباب يعني عن أبيه عند الطبراني " شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض " وفي حديث أبي أمامة نحوه، وعند أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي برزة مرفوعا في ذكر الخوارج " شر الخلق والخليقة يقولها ثلاثا " وعند ابن أبي شيبة من طريق عمير بن إسحاق عن أبي هريرة " هم شر الخلق " وهذا مما يؤيد قول من قال بكفرهم. ثم ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث: الحديث الأول حديث علي قوله: "حدثنا خيثمة" بفتح الخاء المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة الجعفي، لأبيه ولجده صحبة، ووقع في رواية سهل ابن بجر عن عمر بن حفص بهذا السند حدثني بالإفراد أخرجه أبو نعيم ولم يصرح بالتحديث فيه إلا حفص بن غياث، فقد أخرجه مسلم من رواية وكيع وعيسى بن يونس والثوري وجرير وأبي معاوية، وتقدم في علامات النبوة وفضائل القرآن من رواية سفيان الثوري، وهو عند أبي داود والنسائي من رواية الثوري أيضا، وعند أبي عوانة من رواية يعلى بن عبيد، وعند الطبري أيضا من رواية يحيى بن عيسى الرملي وعلي بن هشام كلهم عن الأعمش بالعنعنة، وذكر الإسماعيلي أن عيسى بن يونس زاد فيه رجلا فقال عن الأعمش حدثني عمرو بن مرة عن خيثمة. قلت: لم أر في رواية عيسى عند مسلم ذكر عمرو بن مرة وهو من المزيد في متصل الأسانيد، لأن أبا معاوية هو الميزان في حديث الأعمش. قوله: "سويد بن غفلة" بفتح المعجمة والفاء مخضرم من كبار التابعين، وقد قيل إن له صحبة، وتقدم بيان ذلك في أواخر فضائل القرآن. قوله: "قال علي" هو على حذف " قال: "وهو كثير في الخط والأولى أن ينطق به، وقد مضى في آخر فضائل القرآن من رواية الثوري عن الأعمش بهذا السند قال: "قال علي " وعند النسائي من هذا الوجه عن علي، قال الدار قطني: لم يصح لسويد بن غفلة عن علي مرفوع إلا هذا. قلت: وماله في الكتب الستة ولا عند أحمد غيره، وله في المستدرك من طريق الشعبي عنه قال: "خطب علي بنت أبي جهل " أخرجه من طريق أحمد عن يحيى بن أبي زائدة عن زكريا عن الشعبي، وسنده جيد، لكنه مرسل لم يقل فيه: "عن علي". قوله: "إذا حدثتكم" في رواية يحيى بن عيسى سبب لهذا الكلام، فأول الحديث عنده عن سويد بن غفلة قال: "كان علي يمر بالنهر وبالساقية فيقول: صدق الله ورسوله " فقلنا يا أمير المؤمنين ما تزال تقول هذا قال إذا حدثتكم إلخ، وكان علي

(12/286)


في حال المحاربة يقول ذلك، وإذا وقع له أمر يوهم أن عنده في ذلك أثرا، فخشي في هذه الكائنة أن يظنوا أن قصة ذي الثدية من ذلك القبيل فأوضح أن عنده في أمره نصا صريحا، وبين لهم أنه إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكنى ولا يعرض ولا يوري، وإذا لم يحدث عنه فعل ذلك ليخدع بذلك من يحاربه، ولذلك استدل بقوله: "الحرب خدعة". قوله: "فوالله لأن أخر" بكسر الخاء المعجمة أي أسقط. قوله: "من السماء" زاد أبو معاوية والثوري في روايتهما: "إلى الأرض " أخرجه أحمد عنهما، وسقطت للمصنف في علامات النبوة ولم يسق مسلم لفظهما. ووقع في رواية يحيى بن عيسى " أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوى بي الريح في مكان سحيق". قوله: "فيما بيني وبينكم" في رواية يحيى بين عيسى " عن نفسي " وفي رواية الأعمش عن زيد بن وهب عن علي " قام فينا علي عند أصحاب النهر فقال: ما سمعتموني أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثوا به، وما سمعتموني أحدث في غير ذلك " ويستفاد من هذه الرواية معرفة الوقت الذي حدث فيه علي بذلك والسبب أيضا. قوله: "فإن الحرب خدعة" في رواية يحيى بن عيسى " فإنما الحرب خدعة " وقد تقدم في كتاب الجهاد أن هذا أعنى " الحرب خدعة " حديث مرفوع، وتقدم ضبط خدعة هناك ومعناها، قوله: "سيخرج قوم في آخر الزمان" كذا وقع في هذه الرواية وفي حديث أبي برزة عند النسائي: "يخرج في آخر الزمان قوم " وهذا قد يخالف حديث أبي سعيد المذكور في الباب بعده، فإن مقتضاه أنهم خرجوا في خلافة علي، وكذا أكثر الأحاديث الواردة في أمرهم، وأجاب ابن التين بأن المراد زمان الصحابة وفيه نظر، لأن آخر زمان الصحابة كان على رأس المائة وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة، ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة، فإن في حديث سفينة المخرج في السنن وصحيح ابن حبان وغيره مرفوعا: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا " وكانت قصة الخوارج وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة علي سنة ثمان وعشرين بعد النبي صلى الله عليه وسلم بدون الثلاثين بنحو سنتين. قوله: "أحداث" بمهملة ثم مثلثة جمع حدث بفتحتين والحدث هو الصغير السن هكذا في أكثر الروايات، ووقع هنا للمستملي والسرخسي حداث بضم أوله وتشديد الدال، قال في " المطالع " معناه شباب جمع حديث السن أو جمع حدث، قال ابن التين حداث جمع حديث مثل كرام جمع كريم وكبار جمع كبير، والحديث الجديد من كل شيء ويطلق على الصغير بهذا الاعتبار، وتقدم في التفسير حداث مثل هذا اللفظ لكنه هناك جمع على غير قياس، والمراد سمار يتحدثون قاله في النهاية، وتقدم في علامات النبوة بلفظ حدثاء بوزن سفهاء وهو جمع حديث كما تقدم تقريره، والأسنان جمع سن والمراد به العمر، والمراد أنهم شباب. قوله: "سفهاء الأحلام" جمع حلم بكسر أوله والمراد به العقل، والمعنى أن عقولهم رديئة. وقال النووي: يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن وكثرة التجارب وقوة العقل. قلت: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه فإن هذا معلوم بالعادة لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة. قوله: "يقولون من خير قول البرية" تقدم في علامات النبوة وفي آخر فضائل القرآن قول من قال إنه مقلوب وأن المراد من قول خير البرية وهو القرآن. قلت: ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد القول الحسن في الظاهر وباطنه على خلاف ذلك كقولهم "لا حكم إلا لله" في جواب علي كما سيأتي. وقد وقع في رواية طارق بن زياد عند الطبري قال: "خرجنا مع علي - فذكر الحديث وفيه يخرج قوم يتكلمون كلمة الحق لا تجاوز حلوقهم " وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أبي داود والطبراني " يحسنون القول ويسيئون الفعل " ونحوه في حديث عبد الله بن عمر وعند أحمد وفي

(12/287)


حديث مسلم عن علي يقولون الحق لا يجاوز هذا وأشار إلى حلقه. قوله: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم" في رواية الكشميهني: "لا يجوز" والحناجر بالحاء المهملة والنون ثم الجيم جمع حنجرة بوزن قسورة وهي الحلقوم والبلعوم وكله يطلق على مجرى النفس وهو طرف المرئ مما يلي الفم، ووقع في رواية مسلم من رواية زيد بن وهب عن علي " لا تجاوز صلاتهم تراقيهم " فكأنه أطلق الإيمان على الصلاة وله في حديث أبي ذر " لا يجاوز إيمانهم حلاقيمهم " والمراد أنهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم: "يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه " وهذه المجاوزة غير المجاوزة الآتية في حديث أبي سعيد. قوله: "يمرقون من الدين" في رواية أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عند النسائي والطبري " يمرقون من الإسلام " وكذا في حديث ابن عمر في الباب. وفي رواية زيد بن وهب المشار إليها، وحديث أبي بكرة في الطبري وعند النسائي من رواية طارق بن زياد عن علي " يمرقون من الحق " وفيه تعقب على من فسر الدين هنا بالطاعة كما تقدمت الإشارة إليه في علامات النبوة. قوله: "كما يمرق السهم من الرمية" بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية أي الشيء الذي يرمى به ويطلق على الطريدة من الوحش إذا رماها الرامي، وسيأتي في الباب الذي بعده. قوله: "فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة" في رواية زيد بن وهب " لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل " ولمسلم في رواية عبيدة بن عمرو عن علي " لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم: "قال عبيدة قلت لعلي: أنت سمعته؟ قال: أي ورب الكعبة ثلاثا. وله في رواية زيد بن وهب في قصة قتل الخوارج " أن عليا لما قتلهم قال صدق الله وبلغ رسوله، فقام إليه عبيدة فقال: يا أمير المؤمنين الله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أي والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا " قال النووي: إنما استحلفه ليؤكد الأمر عند السامعين ولتظهر معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وأن عليا ومن معه على الحق. قلت: وليطمئن قلب المستحلف لإزالة توهم ما أشار إليه على أن الحرب خدعة فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئا منصوصا، وإلى ذلك يشير قول عائشة لعبد الله بن شداد في روايته المشار إليها حيث قالت له " ما قال علي حينئذ؟ قال سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: رحم الله عليا إنه كان لا يرى شيئا يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدونه"، فمن هذا أراد عبيدة بن عمرو والتثبت في هذه القصة بخصوصها وأن فيها نقلا منصوصا مرفوعا. وأخرج أحمد نحو هذا الحديث عن علي وزاد في آخره: "قتالهم حق على كل مسلم: "ووقع سبب تحديث علي بهذا الحديث في رواية عبيد الله بن أبي رافع فيما أخرجه مسلم من رواية بشر بن سعيد عنه قال: "إن الحرورية لما خرجت وهو مع علي قالوا: لا حكم إلا لله تعالى، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم ولا يجاوز هذا منهم - وأشار بحلقه - من أبغض خلق الله إليه" الحديث. الحديث الثاني حديث أبي سعيد، قوله: "عبد الوهاب" هو ابن عبد المجيد الثقفي، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري، ومحمد بن إبراهيم هو التيمي، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق. وهذا السياق كأنه لفظ عطاء بن يسار وأما لفظ أبي سلمة فتقدم منفردا في أواخر فضائل القرآن، ورواه الزهري عن أبي سلمة كما في الباب الذي بعده بسياق آخر، فلعل اللفظ المذكور هنا على سياق عطاء بن يسار المقرون به، وقد قرن الزهري مع أبي سلمة في

(12/288)


روايته الماضية في الأدب الضحاك المشرقي لكنه أفرده هنا عن أبي سلمة فامتاز لفظه عن لفظ الضحاك. قوله: "فسألاه عن الحرورية أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم" كذا للجميع بحذف المسموع، وقد بينه في رواية مسلم عن محمد بن المثنى شيخ البخاري فيه فقال يذكرها، وفي رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة " قلت لأبي سعيد هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الحرورية " أخرجه ابن ماجه والطبري، وأخرج الطبري من طريق الأسود بن العلاء عن أبي سلمة قال: "جئنا أبا سعيد فقلنا " فذكر مثله ومن طريق أبي إسحاق مولى بني هاشم " أنه سأل أبا سعيد عن الحرورية". قوله: "قال لا أدري ما الحرورية" هذا يغاير قوله في أول حديث الباب الذي يليه " وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه " فإن مقتضى الأول أنه لا يدري هل ورد الحديث الذي ساقه في الحرورية أو لا، ومقتضى الثاني أنه ورد فيهم، ويمكن الجمع بأن مراده بالنفي هنا أنه لم يحفظ فيهم نصا بلفظ الحرورية وإنما سمع قصتهم التي دل وجود علامتهم في الحرورية بأنهم هم. قوله: "يخرج في هذه الأمة ولم يقل منها" لم تختلف الطرق الصحيحة على أبي سعيد في ذلك فعند مسلم من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته " وله من وجه آخر " تمرق عند فرقة مارقة من المسلمين " وله من رواية الضحاك المشرقي عن أبي سعيد نحوه، وأما ما أخرجه الطبري من وجه آخر عن أبي سعيد بلفظ: "من أمتي " فسنده ضعيف، لكن وقع عند مسلم من حديث أبي ذر بلفظ: "سيكون بعدي من أمتي قوم " وله من طريق زيد بن وهب عن علي " يخرج قوم من أمتي " ويجمع بينه وبين حديث أبي سعيد بأن المراد بالأمة في حديث أبي سعيد أمة الإجابة وفي رواية غيره أمة الدعوة، قال النووي: وفيه دلالة على فقه الصحابة وتحريرهم الألفاظ، وفيه إشارة من أبي سعيد إلى تكفير الخوارج وأنهم من غير هذه الأمة. قوله: "تحقرون" بفتح أوله أي تستقلون. قوله: "صلاتكم مع صلاتهم" زاد في رواية الزهري عن أبي سلمة كما في الباب بعده " وصيامكم مع صيامهم " وفي رواية عاصم بن شميخ عن أبي سعيد " تحقرون أعمالكم مع أعمالهم " ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروري بأنهم " يصومون النهار ويقومون الليل ويأخذون الصدقات على السنة " أخرجه الطبري، ومثله عنده من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة. وفي رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنده " يتعبدون يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم " ومثله من رواية أنس عن أبي سعيد، وزاد في رواية الأسود بن العلاء عن أبي سلمة " وأعمالكم مع أعمالهم " وفي رواية سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن علي " ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئا ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئا " أخرجه مسلم والطبري، وعنده من طريق سليمان التيمي عن أنس " ذكر لي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن فيكم قوما يدأبون ويعملون حتى يعجبوا الناس وتعجبهم أنفسهم " ومن طريق حفص بن أخي أنس عن عمه بلفظ: "يتعمقون في الدين " وفي حديث ابن عباس عند الطبراني في قصة مناظرته للخوارج قال: "فأتيتهم فدخلت على قوما لم أر أشد اجتهادا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل، ووجوهم معلمة من آثار السجود " وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه " ذكر عنده الخوارج واجتهادهم في العبادة فقال: ليبسوا أشد اجتهادا من الرهبان". قوله: "يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" بكسر الميم وتشديد التحتانية فعيلة بمعنى مفعولة فأدخلت فيها الهاء وإن كان فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث للإشارة لنقلها من الوصفية إلى الاسمية، وقيل إن شرط استواء المذكر والمؤنث أن يكون الموصوف مذكورا معه، وقيل شرطه سقوط الهاء من مؤنث قبل وقوع الوصف، تقول خذ ذبيحتك أي الشاة التي تريد

(12/289)


ذبحها فإذا ذبحتها قيل لها حينئذ ذبيح. قوله: "فلينظر الرامي إلى سهمه" يأتي بيانه في الباب الذي بعده، وقوله: "إلى نصله " هو بدل من قوله سهمه أي ينظر إليه جملة ثم تفصيلا، وقد وقع في رواية أبي ضمرة عن يحيى بن سعيد عند الطبري " ينظر إلى سهمه فلا يرى شيئا ثم ينظر إلى نصله ثم إلى رصافه " وسيأتي بأبسط من هذا في الباب الذي يليه، وقوله: "فيتمارى " أي يتشكك هل بقي فيها شيء من الدم، والفوقة موضع الوتر من السهم، قال ابن الأنباري الفوق يذكر ويؤنث وقد يقال فوقة بالهاء. الحديث الثالث حديث ابن عمر، قوله: "حدثنا عمر" في رواية غير أبي ذر " حدثني " بالإفراد كذا للجميع عمر غير منسوب، لكن ذكر أبو علي الجياني عن الأصيلي قال قرأه علينا أبو زيد في عرضه ببغداد " عمر بن محمد " ونسبه الإسماعيلي في روايته من طريق أحمد بن عيسى عن ابن وهب " أخبرني عمر بن محمد بن زيد العمري". قلت: وزيد هو ابن عبد الله بن عمر، وقد تقدم في التفسير بهذا السند حديث في تفسير لقمان عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب " حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر " ووقع في حديث الباب منسوبا هكذا إلى عمر بن الخطاب في رواية الطبري عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب. قوله: "عن عبد الله بن عمر وذكر الحرورية" هي جملة حالية، والمراد أنه حدث بالحديث عند ذكر الحرورية، وفي إيراد البخاري له عقب حديث أبي سعيد إشارة إلى أن توقف أبي سعيد المذكور محمول على ما أشرت إليه من أنه لم ينص في الحديث المرفوع على تسميتهم بخصوص هذا الاسم لا أن الحديث لم يرد فيهم.

(12/290)


7- باب: مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الْخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ وَأَنْ لاَ يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ
6933- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ فِي قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى رِصَافِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ. آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ - أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ - مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ. يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِ {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}
6934- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ حَدَّثَنَا يُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ "قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْخَوَارِجِ شَيْئًا؟ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَلَ الْعِرَاقِ: يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ"
قوله: "باب من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس منه" أورد فيه حديث أبي سعيد في ذكر الذي

(12/290)


قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "اعدل. فقال عمر ائذن لي فأضرب عنقه، قال دعه " وليس فيه بيان السبب في الأمر بتركه، ولكنه ورد في بعض طرقه، فأخرج أحمد والطبري من طريق بلال بن بقطر عن أبي بكرة قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمويل فقعد يقسمه، فأتاه رجل وهو على تلك الحال " فذكر الحديث وفيه: "فقال أصحابه: ألا تضرب عنقه؟ فقال: لا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي " ولمسلم من حديث جابر نحو حديث أبي سعيد وفيه: "فقال عمر دعني يا رسول فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه، لكن القصة التي في حديث جابر صرح في حديثه بأنها كانت منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان، وكان الذي قسمه النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ فضة كانت في ثوب بلال وكان يعطي كل من جاء منها، والقصة التي في حديث أبي سعيد صرح في رواية أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بعث علي إلى اليمن وكان ذلك في سنة تسع وكان المقسوم فيها ذهبا وخص به أربعة أنفس، فهما قصتان في وقتين اتفق في كل منهما إنكار القائل، وصرح في حديث أبي سعيد أنه ذو الخويصرة التميمي، ولم يسم القائل في حديث جابر، ووهم من سماه ذا الخويصرة ظانا اتحاد القصين. ووجدت لحديث جابر شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل يوم حنين وهو يقسم شيئا فقال: يا محمد اعدل " ولم يسم الرجل أيضا، وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن عن عبد الله بن عمر، وأخرجه أحمد والطبري أيضا ولفظه: "أتى ذو الخويصرة التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم بحنين فقال: يا محمد " فذكر نحو هذا الحديث المذكور فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين عند قسمة غنائم حنين وعند قسمة الذهب الذي بعثه علي، قال الإسماعيلي: الترجمة في ترك قتال الخوارج والحديث في ترك القتل للمنفرد والجميع إذا أظهروا رأيهم ونصبوا للناس القتال وجب قتالهم، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المذكور لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه، فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورسوخه في القلوب لنفرهم عن الدخول في الإسلام، وأما بعده صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ترك قتالهم إذا هم أظهروا رأيهم وتركوا الجماعة وخالفوا الأئمة مع القدرة على قتالهم. قلت: وليس في الترجمة ما يخالف ذلك، إلا أنه أشار إلى أنه لو اتفقت حالة مثل حالة المذكور فاعتقدت فرقة مذهب الخوارج مثلا ولم ينصبوا حربا أنه يجوز للإمام الإعراض عنهم إذا رأى المصلحة في ذلك كأن يخشى أنه لو تعرض للفرقة المذكورة لأظهر من يخفى مثل اعتقادهم أمره وناضل عنهم فيكون ذلك سببا لخروجهم ونصبهم القتال للمسلمين مع ما عرف من شدة الخوارج في القتال وثباتهم وإقدامهم على الموت. ومن تأمل ما ذكر أهل الأخبار من أمورهم تحقق ذلك، وقد ذكر ابن بطال عن المهلب قال: التألف إنما كان في أول الإسلام إذا كانت الحاجة ماسة لذلك لدفع مضرتهم، فأما إذ أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف إلا أن تنزل بالناس حاجة لذلك فلإمام الوقت ذلك. قلت: وأما ترجمة البخاري القتال والخبر في القتل فلأن ترك القتال يؤخذ من ترك القتل من غير عكس، وذكر فيه حديثين: الأول حديث أبي سعيد، قوله: "حدثنا عبد الله" هو الجعفي المسندي بفتح النون، ووهم من زعم أنه أبو بكر بن أبي شيبة لأنه وإن كان أيضا عبد الله بن محمد لكنه لا رواية له عن هشام المذكور هنا وهو ابن يوسف الصنعاني. قوله: "عن أبي سلمة" في رواية شعيب الماضية في علامات النبوة عن الزهري " أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن" وتقدم في الأدب من طريق الأوزاعي عن الزهري

(12/291)


عن أبي سلمة والضحاك وهو ابن شراحبيل أو ابن شراحيل المشرقي بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الراء بعدها قاف منسوب إلى مشرق بطن من همدان، وتقدم بيان حاله في فضل سورة الإخلاص. وأن البزار حكى أنه الضحاك بن مزاحم وأن ذلك غلط، ثم وقفت على الرواية التي نسب فيها كذلك أخرجها الطبري من طريقي الوليد بن مرثد عن الأوزاعي في هذا الحديث فقال: "حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن والضحاك بن مزاحم عن أبي سعيد " قال الطبري وهذا خطأ وإنما هو الضحاك المشرقي. قلت: وقد أخرجه أحمد عن محمد بن مصعب وأبو عوانة من طريق بشر بن بكير كلاهما عن الأوزاعي فقال فيه: "عن أبي سلمة والضحاك المشرقي " وفي رواية بشر الهمداني كلاهما عن أبي سعيد، واللفظ الذي ساقه البخاري هو لفظ أبي سلمة، وقد أفرد مسلم لفظ الضحاك المشرقي من طريق حبيب بن أبي ثابت عنه وزاد فيه شيئا سأذكره بعد، وقد شذ أفلح بن عبد الله بن المغيرة عن الزهري فروى هذا الحديث عنه فقال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد أخرجه أبو يعلى. قوله: "بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم" بفتح أوله من القسمة كذا هنا بحذف المفعول، ووقع في رواية الأوزاعي بقسم ذات يوم قسما وفي رواية شعيب " بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما " زاد أفلح بن عبد الله في روايته: "يوم حنين " وتقدم في الأدب من طريق عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد أن المقسوم كان تبرا بعثه علي بن أبي طالب من اليمن فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بين أربعة أنفس، وذكرت أسماءهم هناك. قوله: "جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي" في رواية عبد الرزاق عن معمر بلفظ: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي " وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية عبد الرزاق ومحمد بن ثور وأبو سفيان الحميري وعبد الله بن معاذ أربعتهم عن معمر وأخرجه الثعلبي ثم الواحدي في أسباب النزول من طريق محمد بن يحيى الذهلي عن عبد الرزاق فقال ابن ذي الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج وما أدري من الذي قال وهو حرقوص إلخ وقد اعتمد على ذلك ابن الأثير في الصحابة فترجم لذي الخويصرة التميمي في الصحابة وساق هذا الحديث من طريق أبي إسحاق الثعلبي وقال بعد فراغه: فقد جعل في هذه الرواية اسم ذي الخويصرة حرقوصا والله أعلم، وقد جاء أن حرقوصا اسم ذي الثدية كما سيأتي. قلت: وقد ذكر حرقوص بن زهير في الصحابة أبو جعفر الطبري وذكر أنه كان له في فتوح العراق أثر وأنه الذي افتتح سوق الأهواز ثم كان مع علي في حروبه ثم صار مع الخوارج فقتل معهم، وزعم بعضهم أنه ذو الثدية الآتي ذكره، وليس كذلك، وأكثر ما جاء ذكر هذا القائل في الأحاديث مبهما ووصف في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم المشار إليها بأنه مشرف الوجنتين غائر العينين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار، وتقدم تفسير ذلك في " باب بعث علي " من المغازي وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطبري " فأتاه رجل أسود طويل مشمر محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود " وفي رواية أبي الوضي عن أبي برزة عند أحمد والطبري والحاكم " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنانير فكان يقسمها ورجل أسود مطموم الشعر بين عينيه أثر السجود " وفي حديث عبد الله بن عمرو عند البزار والطبري " رجل من أهل البادية حديث عهد بأمر الله". قوله: "فقال: اعدل يا رسول الله" في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم " فقال اتق الله يا محمد " وفي حديث عبد الله بن عمرو فقال: "اعدل يا محمد " وفي لفظ له عند البزار والحاكم " فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما أراك تعدل " وفي رواية مقسم التي أشرت إليها " فقال يا محمد قد رأيت الذي صنعت، قال وكيف رأيت؟ قال لم أراك عدلت " وفي حديث أبي بكرة

(12/292)


"فقال يا محمد والله ما تعدل " وفي لفظ: "ما أراك عدلت في القسمة " ونحوه في حديث أبي برزة. قوله: "فقال ويحك" في رواية الكشميهني: "ويلك " وهي رواية شعيب والأوزاعي كما تقدم الكلام عليها في كتاب الأدب. قوله: "ومن يعدل إذا لم أعدل" في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم. ومن يطع الله إذا لم أطعه ولمسلم من طريقه " أو لست أحق أهل الأرض أن أطيع الله " وفي حديث عبد الله بن عمرو " عند من يلتمس العدل بعدي " وفي رواية مقسم عنه " فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: العدل إذا لم يكن عندي فعند من يكون " وفي حديث أبي بكرة " فغضب حتى احمرت وجنتاه " ومن حديث أبي برزة " قال فغضب غضبا شديدا وقال: والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل عليكم مني". قوله: "قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه" في رواية شعيب ويونس " فقال: "بزيادة فاء وقال: "ائذن لي فيه فأضرب عنقه " وفي رواية الأوزاعي " فلأضرب " بزيادة لام، وفي حديث عبد الله بن عمرو من طريق مقسم عنه " فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم عليه فأضرب عنقه " وقد تقدم في المغازي من رواية عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد في هذا الحديث: "فسأله رجل أظنه خالد بن الوليد قتله " وفي رواية مسلم: "فقال خالد بن الوليد " بالجزم، وقد ذكرت وجه الجمع بينهما في أواخر المغازي وأن كلا منهما سأل، ثم رأيت عند مسلم من طريق جرير عن عمارة بن القعقاع بسنده فيه: "فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا. ثم أدبر فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال: يا رسول الله أضرب عنقه؟ قال: لا " فهذا نص في أن كلا منهما سأل. وقد استشكل سؤال خالد في ذلك لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها، والذهب المقسوم أرسله علي من اليمن كما في صدر حديث ابن أبي نعم عن أبي سعيد، ويجاب بأن عليا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة فأرسل علي الذهب فحضر خالد قسمته، وأما حديث عبد الله بن عمرو فإنه في قصة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين، والسائل في قتله عمر بن الخطاب جزما، وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحد كما مضى قريبا". قوله: "قال دعه" في رواية شعيب " فقال له دعه " كذا لأبي ذر وفي رواية الأوزاعي " فقال لا " وزاد أفلح بن عبد الله في روايته: "فقال ما أنا بالذي أقتل أصحابي". قوله: "فإن له أصحابا" هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابا بالصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم بما واجهه، فيحتمل أن يكون لمصلحة التأليف كما فهمه البخاري لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام، فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرا عن دخول غيرهم في الإسلام، ويؤيده رواية أفلح ولها شواهد، ووقع في رواية أفلح " سيخرج أناس يقولون مثل قوله". قوله: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه" كذا في هذه الرواية بالإفراد، وفي رواية شعيب وغيره: "مع صلاتهم" بصيغة الجمع فيه وفي قوله: "مع صيامهم" وقد تقدم في ثاني أحاديث الباب الذي قبله وزاد في رواية شعيب ويونس " يقرءون القرآن ولا يجاوز تراقيهم " بمثناه وقاف جمع ترقوة بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق، والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، وقيل لا يعلمون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم إلا سرده. وقال النووي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم لا يصل إلى حلوقهم فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب. قلت: وهو مثل قوله فيهم أيضا: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم " أي ينطقون بالشهادتين ولا يعرفونها بقلوبهم، ووقع في رواية لمسلم: "يقرءون القرآن رطبا" قيل المراد الحذق في التلاوة أي

(12/293)


يأتون به على أحسن أحواله، وقيل المراد أنهم يواظبون على تلاوته فلا تزال ألسنتهم رطبه به، وقيل هو كناية عن حسن الصوت به حكاها القرطبي، ويرجح الأول ما وقع في رواية أبي الوداك عن أبي سعيد عند مسدد " يقرءون القرآن كأحسن ما يقرؤه الناس " ويؤيد الآخر قوله في رواية مسلم عن أبي بكرة عن أبيه " قوم أشداء أحداء ذلقة ألسنتهم القرآن " أخرجه الطبري وزاد في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد " يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون " وأرجحها الثالث. قوله: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم" يأتي تفسيره في الحديث الثاني، وفي رواية الأوزاعي كمروق السهم. قوله: "من الرمية" في رواية معبد بن سيرين عن أبي سعيد الآتية في آخر كتاب التوحيد " لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه " والرمية فعلية من الرمي والمراد الغزالة المرمية مثلا. ووقع في حديث عبد الله ابن عمرو من رواية مقسم عنه " فإنه سيكون لهذا شيعة يتعمقون في الدين يمرقون منه " الحديث، أي يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رام قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمى شيء، فإذا التمس الرامي سهمه وجده ولم يجد الذي رماه فينظر في السهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ فإذا لم يره علق فيه شيء من الدم ولا غيره ظن أنه لم يصبه والفرض أنه أصابه، وإلى ذلك أشار بقوله: "سبق الفرث والدم " أي جاوزهما ولم يتعلق فيه منهما شيء بل خرجا بعده، وقد تقدم شرح القذذ في علامات النبوة، ووقع في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد عند مسلم فضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم مثلا الرجل يرمى الرمية الحديث، وفي رواية أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد عند الطبري " مثلهم كمثل رجل رمى رمية فتوخى السهم حيث وقع فأخذه فنظر إلى فوقه فلم ير به دسما ولا دما " لم يتعلق به شيء من السم والدم، كذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام، وعنده في رواية عاصم بن شمخ المعجبة وسكون الميم بعدها معجمة بعد قوله من الرمية " يذهب السهم فينظر في النصل فلا يرى شيئا من الفرث والدم " الحديث، وفيه: "يتركون الإسلام وراء ظهورهم " وجعل يديه وراء ظهره، وفي رواية أبي إسحاق مولى بني هاشم عن أبي سعيد في آخر الحديث: "لا يتعلقون من الدين بشيء كما لا يتعلق بذلك السهم " أخرجه الطبري، وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أحمد وأبي داود والطبري " لا يرجعون إلى الإسلام حتى يرتد السهم إلى فوقه " وجاء عن ابن عباس عند الطبري وأوله في ابن ماجه بسياق أوضح من هذا ولفظه: "سيخرج قوم من الإسلام خروج السهم من الرمية عرضت للرجال فرموها فانمرق سهم أحدهم منها فخرج فأتاه فنظر إليه فإذا هو لم يتعلق بنصله من الدم شيء، ثم نظر إلى القذذ فلم يره تعلق من الدم بشيء، فقال: إن كنت أصبت فإن بالريش والفوق شيئا من الدم، فنظر فلم ير شيئا تعلق بالريش والفوق. قال: كذلك يخرجون من الإسلام " وفي رواية بلال بن بقطر عن أبي بكرة " يأتيهم الشيطان من قبل دينهم " وللحميدي وابن أبي عمر في مسنديهما من طريق أبي بكر مولى الأنصار عن علي " إن ناسا يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه أبدا". قوله: "آيتهم" أي علامتهم، ووقع في رواية ابن أبي مريم عن علي عند الطبري "علامتهم". قوله: "رجل إحدى يديه أو قال ثدييه" هكذا للأكثر بالتثنية فيهما مع الشك هل هي تثنية يد أو ثدي بالمثلثة، وفي رواية المستملي هنا بالمثلثة فيهما فالشك عنده هل هو الثدي بالإفراد أو بالتثنية، ووقع في رواية الأوزاعي "إحدى يديه" تثنية يد ولم يشك، وهذا هو المعتمد، فقد وقع في رواية شعيب ويونس "إحدى عضديه". قوله: "مثل ثدي المرأة أو قال مثل البضعة" بفتح الموحدة

(12/294)


وسكون المعجمة أي القطعة من اللحم. قوله: "تدردر" بفتح أوله ودالين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وآخره راء وهو على حذف إحدى التاءين وأصله تتدردر ومعناه تتحرك وتذهب وتجيء، وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع، وفي رواية عبيدة بن عمرو عن علي عند مسلم: "فيهم رجل مخرج اليد أو مودن اليد أو مثدون اليد " والمخرج بخاء معجمة وجيم والمودن بوزنه والمثدون بفتح الميم وسكون المثلثة وكلها بمعنى وهو الناقص، وله من رواية زيد بن وهب عن علي " وغاية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض " وعند الطبري من وجه آخر " فيهم رجل مجدع اليد كأنها ثدي حبشية " وفي رواية أفلح بن عبد الله " فيها شعرات كأنها سخلة سبع، وفي رواية أبي بكر مولى الأنصار " كثدي المرأة لها حلمة كحلمة المرأة حولها سبع هلبات " وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم: "منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي " فأما الطبي فهو بضم الطاء المهملة وسكون الموحدة وهي الثدي، وعند الطبري من طريق طارق بن زياد عن علي " في يده شعرات سود " والأول أقوى، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم للخوارج علامة أخرى ففي رواية معبد بن سيرين عن أبي سعيد " قيل ما سيماهم، قال: سيماهم التحليق " وفي رواية عاصم ابن شمخ عن أبي سعيد " فقام رجل فقال: يا نبي الله هل في هؤلاء القوم علامة؟ قال: يحلقون رءوسهم فيهم ذو ثدية " وفي حديث أنس عن أبي سعيد " هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قيل: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال التحليق " هكذا أخرجه الطبري، وعند أبي داود بعضه. قوله: "يخرجون على خير فرقة من الناس" كذا للأكثر هنا، وفي علامات النبوة وفي الأدب " حين " بكسر المهملة وآخره نون و " فرقة " بضم الفاء. ووقع في رواية عبد الرزاق عند أحمد وغيره: "حين فترة من الناس " بفتح الفاء وسكون المثناة، ووقع للكشميهني في هذه المواضع " على خير " بفتح المعجمة وآخره راء و " فرقة " بكسر الفاء والأول المعتمد وهو الذي عند مسلم وغيره وإن كان الآخر صحيحا ويؤيد الأول أن عند مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد " تمرق ما رقة عند فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق " وفي لفظ له " يكون في أمتي فرقتان فيخرج من بينهما طائفة مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق " وفي لفظ له " يخرجون في فرقة من الناس يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق " وفيه: "فقال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق " وفي رواية الضحاك المشرقي عن أبي سعيد " يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق " وفي رواية أنس عن أبي سعيد عند أبي داود " من قاتلهم كان أولى بالله منهم". قوله: "قال أبو سعيد" هو متصل بالسند المذكور. قوله: "أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم" كذا هنا باختصار، وفي رواية شعيب ويونس " قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مضى في الباب الذي قبله من وجه آخر عن أبي سعيد " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج في هذه الأمة " وفي رواية أفلح ابن عبد الله " حضرت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "وأشهد أن عليا قتلهم" في رواية شعيب "أن علي بن أبي طالب قاتلهم " وكذا وقع في رواية الأوزاعي ويونس "قاتلهم" ووقع في رواية أفلح بن عبد الله " وحضرت مع علي يوم قتلهم بالنهروان " ونسبة قتلهم لعلي لكونه كان القائم في ذلك، وقد مضى في الباب قبله من رواية سويد بن غفلة عن علي " أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم " ولفظه: "فأينما لقيتموهم فاقتلوهم " وقد ذكرت شواهده، ومنها حديث نصر بن عاصم عن أبي بكرة رفعه: "إن في أمتي أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فإذا لقيتموهم فأنيموهم" أي فاقتلوهم أخرجه الطبري،

(12/295)


وتقدم في أحاديث الأنبياء وغيرها " لئن أدركتهم لأقتلنهم " وأخرج الطبري من رواية مسروق قال: "قالت لي عائشة: من قتل المخرج؟ قلت: علي قالت فأين قتله؟ قلت على نهر يقال لأسفله النهروان. قالت: ائتني على هذا ببينة، فأتيتها بخمسين نفسا شهدوا أن عليا قتله بالنهروان " أخرجه أبو يعلى والطبري، وأخرج الطبراني في " الأوسط " من طريق عامر بن سعد قال: "قال عمار لسعد: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج أقوام من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلهم علي بن أبي طالب؟ قال أي والله " وأما صفة قتالهم وقتلهم فوقعت عند مسلم في رواية زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي حين ساروا إلى الخوارج فقال علي بعد أن حدث بصفتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس، قال فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، قال فشجرهم الناس برماحهم، قال فقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. وأخرج يعقوب بن سفيان من طريق عمران بن جرير عن أبي مجلز قال: كان أهل النهر أربعة آلاف فقتلهم المسلمون ولم يقتل من المسلمين سوى تسعة، فإن شئت فاذهب إلى أبي برزة فاسأله فإنه شهد ذلك. وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل فقلت: أخبرني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي فيم فارقوه وفيم استحل قتالهم؟ قال: لما كنا بصفين استحر القتل في أهل الشام فرفعوا المصاحف فذكر قصة التحكيم، فقال الخوارج ما قالوا ونزلوا حروراء، فأرسل إليهم علي فرجعوا ثم قالوا نكون في ناحيته فإن قبل القضية قاتلناه وإن نقضها قاتلنا معه، ثم افترقت منهم فرقة يقتلون الناس فحدث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأمرهم. وعند أحمد والطبراني والحاكم من طريق عبد الله بن شداد أنه دخل على عائشة مرجعه من العراق ليالي قتل علي فقالت له عائشة تحدثني بأمر هؤلاء القوم الذين قتلهم علي، قال: إن عليا لما كاتب معاوية وحكما الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة وعتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه الله ومن اسم سماك الله به، ثم حكمت الرجال في دين الله ولا حكم إلا لله، فبلغ ذلك عليا فجمع الناس فدعا بمصحف عظيم فجعل يضربه بيده ويقول: أيها المصحف حدث الناس، فقالوا ماذا إنسان؟ إنما هو مداد وورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فقال: كتاب الله بيني وبين هؤلاء، يقول الله في امرأة رجل {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} الآية، وأمة محمد أعظم من امرأة رجل، ونقموا على أن كاتبت معاوية، وقد كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. ثم بعث إليهم ابن عباس فناظرهم فرجع منهم أربعة آلاف فيهم عبد الله بن الكواء، فبعث علي إلى الآخرين أن يرجعوا فأبوا. فأرسل إليهم: كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا أحدا، فإن فعلتم نبذت إليكم الحرب. قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم الحرام الحديث. وأخرج النسائي في الخصائص صفة مناظرة ابن عباس لهم بطولها. وفي الأوسط للطبراني من طريق أبي السائغة عن جندب بن عبد الله البجلي قال: لما فارقت الخوارج عليا خرج في طلبهم فانتهينا إلى عسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن، وإذا فيهم أصحاب البرانس أي الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة، قال فدخلني من ذلك شدة، فنزلت عن فرسي وقمت أصلي فقلت: اللهم إن كان في

(12/296)


قتال هؤلاء القوم لك طاعة فائذن لي فيه. فمر بي علي فقال لما حاذاني تعوذ بالله من الشك يا جندب، فلما جئته أقبل رجل على برذون يقول إن كان لك بالقوم حاجة فإنهم قد قطعوا النهر، قال ما قطعوه ثم جاء آخر كذلك، ثم جاء آخر كذلك قال: لا ما قطعوه ولا يقطعونه وليقتلن من دونه عهد من الله ورسوله، قلت الله أكبر، ثم ركبنا فسايرته فقال لي: سأبعث إليهم رجلا يقرأ المصحف يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيهم فلا يقبل علينا بوجهه حتى يرشقوه بالنبل ولا يقتل منا عشرة ولا ينجو منهم عشرة، قال فانتهينا إلى القوم فأرسل إليهم رجلا فرماه إنسان فأقبل علينا بوجهه فقعد وقال علي: دونكم القوم فما قتل منا عشرة ولا نجا منهم عشرة. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن حميد بن هلال قال حدثنا رجل من عبد القيس قال: لحقت بأهل النهر فإني مع طائفة منهم أسير إذ أتينا على قرية بيننا نهر، فخرج رجل من القرية مروعا فقالوا له لا روع عليك، وقطعوا إليه النهر فقالوا له أنت ابن خباب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قالوا: فحدثنا عن أبيك فحدثهم بحديث يكون فتنة فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فكن، قال فقدموه فضربوا عنقه، ثم دعوا سريته وهي حبلى فبقروا عما في بطنها. ولابن أبي شيبة من طريق أبي مجلز لاحق بن حميد قال قال علي لأصحابه: لا تبدءوهم بقتال حتى يحدثوا حدثا، قال فمر بهم عبد الله بن خباب فذكر قصة قتلهم له وبجاريته وأنهم بقروا بطنها وكانوا مروا على ساقته فأخذ واحد منهم تمرة فوضعها في فيه فقالوا له تمرة معاهد فيم استحللتها؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: أنا أعظم حرمة من هذه التمرة. فأخذوه فذبحوه، فبلغ عليا فأرسل إليهم: أفيدونا بقاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله، فأذن حينئذ في قتالهم. وعند الطبري من طريق أبي مريم قال أخبرني أخي أبو عبد الله أن عليا سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل يناشدهم فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم كلهم. قوله: "جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم" في رواية شعيب " على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته " وفي رواية أفلح " فالتمسه علي فلم يجده ثم وجده بعد ذلك تحت جدار على هذا النعت " وفي رواية زيد بن وهب فقال علي التمسوا فيهم المخرج فالتمسوه فلم يجدوه فقام علي بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض قال أخروهم فوجده مما يلي الأرض فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله. وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع " فلما قتلهم علي قال انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئا، فقال ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه " أخرجها مسلم، وفي رواية للطبري من طريق زيد بن وهب " فقال علي اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه فلم يجدوه فقال: ما كذبت ولا كذبت اطلبوه فطلبوه، فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى، فإذا رجل على يده مثل سبلات السنور، فكبر علي والناس وأعجبه ذلك " ومن طريق عاصم بن كليب حدثنا أبي قال: "بينا نحن قعود عند علي فقام رجل عليه أثر السفر فقال: إني كنت في العمرة فدخلت على عائشة فقالت: ما هؤلاء القوم الذين خرجوا فيكم؟ قلت: قوم خرجوا إلى أرض قريبة منا يقال لها حروراء، فقالت أما إن ابن أبي طالب لو شاء لحدثكم بأمرهم، قال فأهل علي وكبر فقال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عنده غير عائشة فقال: كيف أنت وقوم يخرجون من قبل المشرق وفيهم رجل كان يده ثدي حبشية، نشدتكم الله هل أخبرتكم بأنه فيهم؟ قالوا: نعم، فجئتموني فقلتم ليس فيهم فحلفت لكم أنه فيهم ثم أتيتموني به تسحبونه كما نعت لي. فقالوا: اللهم نعم. قال فأهل علي وكبر" وفي رواية أبي الوضي بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة الخفيفة

(12/297)


والتشديد عن علي "اطلبوا المخرج" فذكر الحديث وفيه: "فاستخرجوه من تحت القتلى في طين " قال أبو الوضي: كأني أنظر إليه حبشي عليه طريطق له إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليها شعيرات مثل شعيرات تكون على ذنب اليربوع " ومن طريق أبي مريم قال: "إن كان وذلك المخرج لمعنا في المسجد وكان فقيرا قد كسوته برنسا لي ورأيته يشهد طعام علي وكان يسمى نافعا ذا الثدية وكان في يده مثل ثدي المرأة على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي عليه شعيرات مثل سبلات السنور " أخرجهما أبو داود، وأخرجه الطبري من طريق أبي مريم مطولا وفيه: "وكان علي يحدثنا قبل ذلك أن قوما يخرجون وعلامتهم رجل مخرج اليد فسمعت ذلك منه مرارا كثيرة وسمعت المخرج حتى رأيته يتكره طعامه من كثرة ما يسمع ذلك منه " وفيه: "ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخرج فالتمسوه فلم يجدوه حتى جاء رجل فبشره فقال وجدناه تحت قتيلين في ساقية، فقال والله ما كذبت ولا كذبت " وفي رواية أفلح " فقال علي أيكم يعرف هذا؟ فقال رجل من القوم: نحن نعرفه، هذا حرقوص وأمه هاهنا، قال فأرسل علي إلى أمه فقالت: كنت أرعى غنما في الجاهلية فغشيني كهيئة الظلة فحملت منه فولدت هذا " وفي رواية عاصم بن شمخ عن أبي سعيد قال حدثني عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن عليا قال: "التمسوا لي العلامة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإني لم أكذب ولا أكذب، فجيء به فحمد الله وأثنى عليه حين عرف العلامة " ووقع في رواية أبي بكر مولى الأنصار عن علي حولها سبع هلبات وهو بضم الهاء وموحدة جمع هلبة، وفيه أن الناس وجدوا في أنفسهم بعد قتل أهل النهر فقال علي: إني لا أراه إلا منهم، فوجدوه على شفير النهر تحت القتلى فقال علي: صدق الله ورسوله، وفرح الناس حين رأوه واستبشروا وذهب عنهم ما كانوا يجدونه". قوله: "قال فنزلت فيه" في رواية السرخي "فيهم". قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} اللمز العيب وقيل الوقوع في الناس وقيل بقيد أن يكون مواجهة، والهمز في الغيبة أي يعيبك في قسم الصدقات، ويؤيد القيل المذكور ما وقع في قصة المذكور حيث واجه بقوله: "هذه قسمة ما أريد بها وجه الله" ولم أقف على الزيادة إلا في رواية معمر، وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر لكن وقعت مقدمة على قوله: "حين فرقة من الناس، قال فنزلت فيهم " وذكر كلام أبي سعيد بعد ذلك، وله شاهد من حديث ابن مسعود قال: "لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلا يقول: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله " قال فنزلت: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} أخرجه ابن مردويه، وقد تقدم في غزوة حنين بدون هذه الزيادة ووقع في رواية عتبة بن وساج عن عبد الله بن عمر ما يؤيد هذه الزيادة " فجعل يقسم بين أصحابه ورجل جالس فلم يعطه شيئا فقال: يا محمد ما أراك تعدل " وفي رواية أبي الوضي عن أبي برزة نحوه، فدل على أن الحامل للقائل على ما قال من الكلام الجافي وأقدم عليه من الخطاب السيئ كونه لم يعط من تلك العطية وأنه لو أعطى لم يقل شيئا من ذلك. وأخرج الطبراني نحو حديث أبي سعيد وزاد في آخره: "فغفل عن الرجل فذهب، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه فطلب فلم يدرك " وسنده جيد. "تنبيه": جاء عن أبي سعيد الخدري قصة أخرى تتعلق بالخوارج فيها ما يخالف هذه الرواية، وذلك فيما أخرجه أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: "جاء أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني مررت بوادي كذا فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه، فقال: اذهب إليه فاقتله. قال فذهب إليه أبو بكر فلما رآه يصلي كره أن يقتله فرجع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعمر: اذهب إليه فاقتله فذهب فرآه على تلك الحالة فرجع، فقال: يا علي اذهب إليه فاقتله فذهب علي فلم يره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا وأصحابه

(12/298)


يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه فاقتلوهم هم شر البرية " وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات، ويمكن الجمع بأن يكون هذا الرجل هو الأول وكانت قصته هذه الثانية متراخية عن الأولى، وأذن صلى الله عليه وسلم في قتله بعد أن منع منه لزوال علة المنع وهي التألف، فكأنه استغنى عنه بعد انتشار الإسلام كما نهى عن الصلاة على من ينسب إلى النفاق بعد أن كان يجري عليهم أحكام الإسلام قبل ذلك وكأن أبا بكر وعمر تمسكا بالنهي الأول عن قتل المصلين وحملا الأمر هنا على قيد أن لا يكون لا يصلي فلذلك عللا عدم القتل بوجود الصلاة أو غلبا جانب النهي. ثم وجدت في " مغازي الأموي " من مرسل الشعبي في نحو أصل القصة " ثم دعا رجالا فأعطاهم، فقام رجل فقال: إنك لتقسم وما نرى عدلا، قال: إذن لا يعدل أحد بعدي. ثم دعا أبا بكر فقال: اذهب فاقتله، فذهب فلم يجده فقال: لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم " فهذا يؤيد الجمع الذي ذكرته لما يدل عليه " ثم " من التراخي والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم منقبة عظيمة لعلي وأنه كان الإمام الحق وأنه كان على الصواب في قتال من قاتله في حروبه في الجمل وصفين وغيرهما، وأن المراد بالحصر في الصحيفة في قوله في كتاب الديات " ما عندنا إلا القرآن والصحيفة " مقيد بالكتابة لا أنه ليس عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء مما أطلعه الله عليه من الأحوال الآتية إلا ما في الصحيفة، فقد اشتملت طرق هذا الحديث على أشياء كثرة كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم علم بها مما يتعلق بقتال الخوارج وغير ذلك مما ذكر، وقد ثبت عنه أنه كان يخبر بأنه سيقتله أشقى القوم فكان ذلك في أشياء كثيرة. ويحتمل أن يكون النفي مقيدا باختصاصه بذلك فلا يرد حديث الباب لأنه شاركه فيه جماعة وإن كان عنده هو زيادة عليهم لأنه كان صاحب القصة فكان أشد عناية بها من غيره. وفيه الكف عن قتل من يعتقد الخروج على الإمام ما لم ينصب لذلك حربا أو يستعد لذلك لقوله: "فإذا خرجوا فاقتلوهم"، وحكى الطبري الإجماع على ذلك في حق من لا يكفر باعتقاده، وأسند عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب في الخوارج بالكف عنهم " ما لم يسفكوا دما حراما أو يأخذوا مالا فإن فعلوا فقاتلوهم ولو كانوا ولدي " ومن طريق ابن جريج " قلت لعطاء ما يحل في قتال الخوارج؟ إذا قطعوا السبيل وأخافوا الأمن " وأسند الطبري عن الحسن أنه " سئل عن رجل كان يرى رأي الخوارج ولم يخرج؟ فقال: العمل أملك بالناس من الرأي " قال الطبري. ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الخوارج بأنهم يقولون الحق بألسنتهم ثم أخبر أن قولهم ذلك وإن كان حقا من جهة القول فإنه قول لا يجاوز حلقومهم، ومنه قوله تعالى :{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أخبر أن العمل الصالح الموافق للقول الطيب هو الذي يرفع القول الطيب، قال وفيه أنه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق والإعذار إليهم، وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة بالآية المذكورة فيها واستدل به لمن قال بتكفير الخوارج. وهو مقتضى صنيع البخاري حيث قرنهم بالملحدين وأفرد عنهم المتأولين بترجمة، وبذلك صرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي فقال: الصحيح أنهم كفار لقوله صلى الله عليه وسلم: "يمرقون من الإسلام " ولقوله: "لأقتلنهم قتل عاد" وفي لفظ: "ثمود" وكل منهما إنما هلك بالكفر وبقوله: "هم شر الخلق" ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولقوله: "إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى" ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار فكانوا هم أحق بالاسم منهم، وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي فقال في فتاويه: احتج من كفر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم

(12/299)


أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في شهادته لهم، بالجنة، قال: وهو عندي احتجاج صحيح، قال: واحتج من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يستدعي تقدم علمهم بالشهادة المذكورة علما قطعيا، وفيه نظر لأنا نعلم تزكية من كفروه علما قطعيا إلى حين موته وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم، ويؤيده حديث: "من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما " وفي لفظ مسلم: "من رمى مسلما بالكفر أو قال عدو الله إلا حاد عليه " قال وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم فيجب أن يحكم بكفرهم بمتقضي خبر الشارع، وهو نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فسروا الكفر بالجحود فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك قلنا وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم ولو لم يعتقدوا تزكية من كفروه علما قطعيا، ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجى الساجد للصنم ذلك. قلت: وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في تهذيبه فقال بعد أن سرد أحاديث الباب: فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما فإنه مبطل لقوله في الحديث: "يقولون الحق ويقرءون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء " ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه. ثم أخرج بسند صحيح عن ابن عباس وذكر عنده الخوارج وما يلقون عند قراءة القرآن فقال: يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه. ويؤيد القول المذكور الأمر بقتلهم مع ما تقدم من حديث ابن مسعود " لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث - وفيه - التارك لدينه، المفارق للجماعة " قال القرطبي في " المفهم ": يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في حديث أبي سعيد، يعني الآتي في الباب الذي يليه، فإن ظاهر مقصوده أنهم خرجوا من الإسلام ولم يتعلقوا منه بشيء كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة راميه بحيث لم يتعلق من الرمية بشيء، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "سبق الفرث والدم " وقال صاحب الشفاء فيه: وكذا نقطع بكفر كل من قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة، وحكاه صاحب " الروضة " في كتاب الردة عنه وأقره. وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشرك. وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام. وقال عياض: كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالا عند المتكلمين من غيرها، حتى سأل الفقيه عبد الحق الإمام أبا المعالي عنها فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين، قال: وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني وقال: لم يصرح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالا تؤدي إلى الكفر. وقال الغزالي في كتاب "التفرقة بين الإيمان والزندقة" والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد. ومما احتج به من لم يكفرهم قوله في ثالث أحاديث الباب بعد وصفهم بالمروق من الدين "كمروق السهم فينظر الرامي إلى سهمه" إلى أن قال: "فيتمارى في الفوقة هل علق بها شيء" قال ابن بطال: ذهب جمهور

(12/300)


العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين لقوله: "يتمارى في الفوق" لأن التماري من الشك، وإذ وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين قال: وقد سئل علي عن أهل النهر هل كفروا؟ فقال: من الكفر فروا. قلت: وهذا إن ثبت عن علي حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كفرهم، وفي احتجاجه بقوله: "يتمارى في الفوق " نظر، فإن في بعض طرق الحديث المذكور كما تقدمت الإشارة إليه وكما سيأتي " لم يعلق منه بشيء " وفي بعضها " سيق الفرث والدم " وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شيء أو لا ثم تحقق أنه لم يعلق بالسهم ولا بشيء منه من الرمي بشيء، ويمكن أن يحمل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويكون في قوله: "يتمارى " إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه من الإسلام شيء، قال القرطبي في " المفهم ": والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال: فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتسبى أموالهم وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب، فأما من استسر منهم ببدعة فإذا ظهر عليه هل يقتل بعد الاستتابة أو لا يقتل بل يجتهد في رد بدعته؟ اختلف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم، قال: وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا، قال وفي الحديث علم من أعلام النبوة حيث أخبر بما وقع قبل أن يقع، وذلك أن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دمائهم وتركوا أهل الذمة فقالوا نفي لهم بعهدهم، وتركوا قتال المشركين واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من آثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم ولم يتمسكوا بحبل وثيق من العلم، وكفى أن رأسهم رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ونسبه إلى الجور نسأل الله السلامة. قال ابن هبيرة: وفي الحديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن في قتالهم حفظ رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظ رأس المال أولى، وفيه الزجر عن الأخذ بظواهر جميع الآيات القابلة للتأويل التي يفضي القول بظواهرها إلى مخالفة إجماع السلف، وفيه التحذير من الغلو في الديانة والتنطع في العبادة بالحمل على النفس فيما لم يأذن فيه الشرع، وقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدة على الكفار وإلى الرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج كما تقدم بيانه. وفيه جواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل، ومن نصب الحرب فقاتل على اعتقاد فاسد، ومن خرج يقطع الطرق ويخيف السبيل ويسعى في الأرض بالفساد، وأما من خرج عن طاعة إمام جائر أراد الغلبة على ماله أو نفسه أو أهله فهو معذور ولا يحل قتاله وله أن يدفع عن نفسه وماله وأهله بقدر طاقته، وسيأتي بيان ذلك في كتاب الفتن، وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث عن رجل من بني نضر عن علي وذكر الخوارج فقال: إن خالفوا إماما عدلا فقاتلوهم، وإن خالفوا إماما جائرا فلا تقاتلوهم فإن لهم مقالا. قلت: وعلى ذلك يحمل ما وقع للحسين بن علي ثم لأهل المدينة في الحرة ثم لعبد الله بن الزبير ثم للقراء الذين خرجوا على الحجاج في قصة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث والله أعلم. وفيه ذم استئصال شعر الرأس، وفيه نظر لاحتمال أن يكون المراد بيان صفتهم الواقعة لا لإرادة ذمها، وترجم أبو عوانة في صحيحه لهذه الأحاديث " بيان أن سبب خروج الخوارج كان بسبب الأثرة في القسمة مع كونها كانت صوابا فخفي عنهم ذلك " وفيه إباحة قتال الخوارج بالشروط المتقدمة وقتلهم في الحرب وثبوت الأجر لمن قتلهم، وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد

(12/301)


الخروج منه ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام، وأن الخوارج شر الفرق المبتدعة من الأمة المحمدية ومن اليهود والنصارى. قلت: والأخير مبني على القول بتكفيرهم مطلقا، وفيه منقبة عظيمة لعمر لشدته في الدين وفيه أنه لا يكتفي في التعديل بظاهر الحال ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع حتى يختبر باطن حاله. الحديث الثاني. قوله: "عبد الواحد" هو ابن زياد، والشيباني هو أبو إسحاق، ويسير بن عمرو بتحتانية أوله بعدها مهملة مصغر ويقال له أيضا أسير، ووقع كذلك في رواية مسلم كحديث الباب، وليس له في البخاري هذا الحديث الواحد، وهو من بني محارب بن ثعلبة نزل الكوفة ويقال إن له صحبة، وذكر أبو نعيم في تاريخه " حدثنا قيس بن عمرو بن يسير بن عمر وأخبرني أبي عن يسير بن عمرو قال توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين " ويقال له أسير بن جابر كذا وقع عند مسلم في رواية أبي نضرة عن أسير بن جابر عن عمير في فضيلة أويس القرني، وقيل هو أسير بن عمرو بن جابر نسب لجده. قوله: "سمعته يقول وأهوى بيده قبل العراق" أي من جهته. وفي رواية علي بن مسهر عن الشيباني عند مسلم: "نحو المشرق". قوله: "يمرقون" قال ابن بطال: المروق الخروج عند أهل اللغة يقال مرق السهم من الغرض إذا أصابه ثم نفذ منه فهو يمرق منه مرقا ومروقا وانمرق منه وأمرقه الرامي إذا فعل ذلك به ومنه قيل للممرق ممرق لأنه يخرج منه ومنه قيل مرق البرق لخروجه بسرعة. قوله: "مروق السهم من الرمية" زاد أبو عوانة في صحيحه من طريق محمد بن فضيل عن الشيباني قال: "قال أسير قلت ما لهم علامة؟ قال سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم لا أزيدك عليه " وفي هذا أن سهل بن حنيف صرح بأن الحرورية هم المراد بالقوم المذكورين في أحاديث هذين البابين فيقوى ما تقدم أن أبا سعيد توقف في الاسم والنسبة لا في كونهم المراد: قال الطبري: وروى هذا الحديث في الخوارج عن علي تاما ومختصرا عبيد الله بن أبي رافع وسويد بن غفلة وعبيدة بن عمرو وزيد بن وهب وكليب الجرمي وطارق بن زياد وأبو مريم. قلت: وأبو وضي وأبو كثير وأبو موسى وأبو وائل في مسند إسحاق بن راهويه والطبراني وأبو جحيفة عند البزار وأبو جعفر الفراء مولى علي أخرجه الطبراني في الأوسط وكثير بن نمير وعاصم بن ضمرة، قال الطبري ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب أو بعضه عبد الله بن مسعود وأبو ذر وابن عباس وعبد الله ابن عمرو بن العاص وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وحذيفة وأبو بكرة وعائشة وجابر وأبو برزة وأبو أمامة وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن حنيف وسلمان الفارسي قلت: ورافع بن عمرو وسعد ابن أبي وقاص وعمار بن ياسر وجندب بن عبد الله البجلي وعبد الرحمن بن عريس وعقبة بن عامر وطلق بن علي وأبو هريرة أخرجه الطبراني في الأوسط بسند جيد من طريق الفرزدق الشاعر أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد وسألهما فقال إني رجل من أهل المشرق وإن قوما يخرجون علينا يقتلون من قال لا إله إلا الله ويؤمنون من سواهم فقالا لي " سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من قتلهم فله أجر شهيد ومن قتلوه فله أجر شهيد " فهؤلاء خمسة وعشرون نفسا من الصحابة والطرق إلى كثرتهم متعددة كعلي وأبي سعيد وعبد الله بن عمر وأبي بكرة وأبي برزة وأبي ذر، فيفيد مجموع خبرهما القطع بصحة ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(12/302)


باب لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان
...
8- باب: قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ"
6935- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(12/302)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة" كذا ترجم بلفظ الخبر، وسيأتي شرحه مستوفي في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. وفي المتن من الزيادة "يكون بينهما مقتلة عظيمة " والمراد بالفئتين جماعة علي وجماعة معاوية، والمراد بالدعوة الإسلام على الراجح، وقيل المراد اعتقاد كل منهما أنه على الحق، وأورده هنا للإشارة إلى ما وقع في بعض طرقه كما عند الطبري من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد نحو حديث الباب وزاد في آخره: "فبينما هم كذلك إذ مرقت مارقة يقتلها أولى الطائفتين بالحق " فبذلك تظهر مناسبته لما قبله، والله أعلم.

(12/303)


9- باب: مَا جَاءَ فِي الْمُتَأَوِّلِينَ
6936- قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ أَخْبَرَاهُ "أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلاَةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ - أَوْ بِرِدَائِي – فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ؟ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ. فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَؤُهَا. فَانْطَلَقْتُ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ له: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، وَأَنْتَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُهَا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَكَذَا أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ"
6937- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}"
6938- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ "سَمِعْتُ عِتْبَانَ ابْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا: ذَلِكَ مُنَافِقٌ

(12/303)


لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ تَقُولُوهُ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ فَإِنَّهُ لاَ يُوَافَى عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ"
6939- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ فُلاَنٍ قَالَ: "تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِحِبَّانَ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا الَّذِي جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ - يَعْنِي عَلِيًّا – قَالَ: مَا هُوَ لاَ أَبَا لَكَ؟ قَالَ شَيْءٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ. قَالَ مَا هُوَ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالزُّبَيْرَ وَأَبَا مَرْثَدٍ - وَكُلُّنَا فَارِسٌ – قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ حَاجٍ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: هَكَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ حَاجٍ - فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأْتُونِي بِهَا. فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، وَقَدْ كَانَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ. فَقُلْنَا أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا. فَقَالَ صَاحِبَايَ مَا نَرَى مَعَهَا كِتَابًا، قَالَ فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ حَلَفَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لاَجَرِّدَنَّكِ. فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا - وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْ الصَّحِيفَةَ، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ". فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا حَاطِبُ مَا حَمَلكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي أَنْ لاَ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يُدْفَعُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلاَّ لَهُ هُنَالِكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. قَالَ: صَدَقَ، لاَ تَقُولُوا لَهُ إِلاَّ خَيْرًا. قَالَ فَعَادَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي فَلِأَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ: أَوَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمْ الْجَنَّةَ: فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ"
قوله: "باب: ما جاء في المتأولين" تقدم في "باب: كل من أكفر أخاه بغير تأويل" من كتاب الأدب وفي الباب الذي يليه كل من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا وبيان المراد بذلك، والحاصل أن من أكفر المسلم نظر فإن كان بغير تأويل استحق الذم وربما كان هو الكافر. وإن كان بتأويل نظر إن كان غير سائغ استحق الذم أيضا ولا يصل إلى الكفر بل يبين له وجه خطئه ويزجر بما يليق به ولا يلتحق بالأول عند الجمهور، وإن كان بتأويل سائغ لم يستحق الذم بل تقام عليه الحجة حتى يرجع إلى الصواب قال العلماء كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذ كان تأويله سائغا في لسان العرب وكان له وجه في العلم. وذكر هنا أربعة أحاديث: الحديث الأول حديث عمر في قصته مع هشام بن حكيم بن حزام حين سمعه يقرأ سورة الفرقان في الصلاة بحروف تخالف ما قرأه هو على

(12/304)


رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم شرحه مستوفي في كتاب فضائل القرآن، ومناسبته للترجمة من جهة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ عمر بتكذيب هشام ولا بكونه لببه بردائه وأراد الإيقاع به، بل صدق هشاما فيما نقله وعذر عمر في إنكاره ولم يزده على بيان الحجة في جواز القراءتين. وقوله في أول السند "وقال الليث إلخ" وصله الإسماعيلي من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه، ويونس شيخ الليث فيه هو ابن يزيد، وقد تقدم في فضائل القرآن وغيره من رواية الليث أيضا موصولا لكن عن عقيل لا عن يونس، ووهم مغلطاي ومن تبعه في أن البخاري وصله عن سعيد بن عفير عن الليث عن يونس، وقوله: "كدت أساوره" بسين مهملة أي أواثبه وزنه ومعناه، وقيل هو من قولهم سار يسور إذا ارتفع ذكره، وقد يكون بمعنى البطش لأن السورة قد تطلق على البطش لأنه ينشأ عنها. الحديث الثاني حديث ابن مسعود في نزول قوله تعالى :{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} وقد تقدم شرحه في أول حديث من كتاب استتابة المرتدين، وسنده هنا كلهم كوفيون، ووجه دخوله في الترجمة من جهة أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ الصحابة بحملهم الظلم في الآية على عمومه حتى يتناول كل معصية بل عذرهم لأنه ظاهر في التأويل ثم بين لهم المراد بما رفع الإشكال. الحديث الثالث حديث عتبان بن مالك في قصة مالك بن الدخشم، وهو بضم المهملة وسكون المعجمة ثم شين معجمة مضمومة ثم ميم أو نون وهو الذي وقع هنا وقد يصغر، وقد تقدم شرحه مستوفي في أبواب المساجد في البيوت من كتاب الصلاة، ومناسبته من جهة أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ القائلين في حق مالك بن الدخشم بما قالوا، بل بين لهم أن إجراء أحكام الإسلام على الظاهر دون ما في الباطن. وقوله هنا "ألا تقولونه يقول لا إله إلا الله " كذا في رواية الكشميهني وفي رواية المستملي والسرخسي "لا تقولوه" بصيغة النهي. وقال ابن التين "ألا تقولوه" جاءت الرواية والصواب "تقولونه" أي تظنونه. قلت: الذي رأيته "لا تقولوه" بغير ألف في أوله وهو موجه، وتفسير القول بالظن فيه نظر، والذي يظهر أنه بمعنى الرؤية أو السماع، وجوز ابن التين أنه خطاب للمفرد وأصله ألا تقوله فأشبع ضمة اللام حتى صارت واوا وأنشد لذلك شاهدا. الحديث الرابع حديث علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة في مكاتبته قريشا ونزول قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} وقد تقدم في "باب الجاسوس" من كتاب الجهاد وما يتعلق به، وفي باب النظر في شعور أهل الذمة ما يتعلق بذلك، والجمع بين قوله حجزتها وعقيصتها وضبط ذلك، وتقدم في "باب فضل من شهد بدرا" من كتاب المغازي الكلام على قوله: "لعل الله اطلع على أهل بدر وفي تفسير الممتحنة بأبسط منه، وفيها الجواب عن اعتراض عمر على حاطب بعد أن قبل النبي صلى الله عليه وسلم عذره، وفي غزوة الفتح الجمع بين قوله: "بعثني أنا والزبير والمقداد " وقوله: "بعثني أنا وأبا مرثد" وفيه قصة المرأة وبيان ما قيل في اسمها وما في الكتاب الذي حملته وأذكر هنا بقية شرحه. قوله: "عن حصين" بالتصغير هو ابن عبد الرحمن الواسطي. قوله: "عن فلان" كذا وقع مبهما وسمي في رواية هشيم في الجهاد، وعبد الله بن إدريس في الاستئذان "سعد بن عبيدة" وكذا وقع في رواية خالد بن عبد الله ومحمد بن فضيل عند مسلم. وأخرجه أحمد عن عفان عن أبي عوانة فسماه ونحوه للإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة عن عفان قالا " حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن حدثني سعد بن عبيدة هو السلمي الكوفي يكنى أبا حمزة وكان زوج بنت أبي عبد الرحمن السلمي شيخه في هذا الحديث: "وقد وقع نسخه الصغاني هنا بعد قوله: "عن فلان" ما نصه هو أبو حمزة سعد بن عبيدة السلمي ختن أبي عبد الرحمن السلمي انتهى، ولعل

(12/305)


القائل "هو إلخ" من دون البخاري، وسعد تابعي روى عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر والبراء. قوله: "تنازع أبو عبد الرحمن" هو السلمي وصرح به في رواية عفان. قوله: "وحبان بن عطية" بكسر المهملة وتشديد الموحدة، وحكى أبو علي الجياني وتبعه صاحب المشارق والمطالع أن بعض رواة أبي ذر ضبطه بفتح أوله، وهو وهم. قلت: وحكى المزي أن ابن ماكولا ذكره بالكسر وأن ابن الفرضي ضبطه بالفتح قال: وتبعه أبو علي الجياني، كذا قال، والذي جزم به أبو علي الجياني توهيم من ضبطه بالفتح كما نقلته وذلك في تقييد المهمل، وصوب أنه بالكسر حيث ذكره مع حبان بن موسى وهو بالكسر إجماعا، وكان حبان بن عطية سلميا أيضا ومؤاخيا لأبي عبد الرحمن السلمي وإن كان مختلفين في تفضيل عثمان وعلي، وقد تقدم في أواخر الجهاد من طريق هشيم عن حصين في هذا الحديث: "وكان أبو عبد الرحمن عثمانيا أي يفضل عثمان على علي وحبان بن عطية علويا أي يفضل عليا على عثمان. قوله: "لقد علمت ما الذي" كذا الكشميهني وكذا في أكثر الطرق، وللحموي والمستملي هنا " من الذي " وعلى الرواية الأولى ففاعل التجرئ هو القول المعبر عنه هنا بقوله: "شيء يقوله: "وعلى الثانية الفاعل هو القائل. قوله: "جرأ" بفتح الجيم وتشديد الراء مع الهمز. قوله: "صاحبك" زاد عفان " يعني عليا". قوله: "على الدماء" أي إراقة دماء المسلمين لأن دماء المشركين مندوب إلى إراقتها اتفاقا. قوله: "لا أبا لك" بفتح الهمزة وهي كلمة تقال عند الحث على الشيء، والأصل فيه أن الإنسان إذا وقع في شدة عاونه أبوه فإذا قيل لا أبا لك فمعناه ليس لك أب، جد في الأمر جد من ليس له معاون، ثم أطلق في الاستعمال في موضع استبعاد ما يصدر من الخاطب من قول أو فعل. قوله: "سمعته يقوله" في رواية المستملي والكشميهني هنا " سمعته يقول: "بحذف الضمير والأول أوجه لقوله قال ما هو. قوله: "قال بعثني" كذا لهم وكأن " قال: "الثانية سقطت على عادتهم في إسقاطها خطأ والأصل قال أي أبو عبد الرحمن قال أي علي. قوله: "والزبير وأبا مرثد" تقدم في غزوة الفتح من طريق عبد الله بن أبي رافع عن علي ذكر المقداد بدل أبي مرثد، وجمع بأن الثلاثة كانوا مع علي، ووقع عند الطبري في "تهذيب الآثار" من طريق أعشى ثقيف عن أبي عبد الرحمن السلمي في هذا الحديث: "ومعي الزبير في العوام ورجل من الأنصار " وليس المقداد ولا أبو مرثد من الأنصار إلا إن كان بالمعنى الأعم، ووقع في " الأسباب " للواحدي أن عمر وعمارا وطلحة كانوا معهم ولم يذكر له مستندا وكأنه من تفسير ابن الكلبي فإني لم أره في سير الواقدي ووجدت ذكر فيه عمر من وجه آخر أخرجه ابن مردويه في تفسيره من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس في قصة المرأة المذكورة فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بخبرها فبعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. قوله: "روضة حاج" بمهملة ثم جيم. قوله: "قال أبو سلمة" هو موسى بن إسماعيل شيخ البخاري فيه. قوله: "هكذا قال أبو عوانة حاج" فيه إشارة إلى أن موسى كان يعرف أن الصواب " خاخ " بمعجمتين ولكن شيخه قالها بالمهملة والجيم وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحه من رواية محمد بن إسماعيل الصائغ عن عفان فذكرها بلفظ: "حاج" بمهملة ثم جيم قال عفان والناس يقولون " خاخ " أي بمعجمتين، قال النووي قال العلماء هو غلط من أبي عوانة وكأنه اشتبه عليه بمكان آخر يقال له "ذات حاج" بمهملة ثم جيم وهو موضع بين المدينة والشام يسلكه الحاج، وأما " روضة خاخ " فإنها بين مكة والمدينة بقرب المدينة. قلت: وذكر الواقدي أنها بالقرب من ذي الحليفة على بريد من المدينة، وأخرج سمويه في فوائده من طريق عبد الرحمن بن حاطب قال:

(12/306)


وكان حاطب من أهل اليمن حليفا للزبير فذكر القصة وفيها أن المكان على قريب من اثنى عشر ميلا من المدينة، وزعم السهيلي أن هشيما كان يقولها أيضا: "حاج " بمهملة ثم جيم وهو وهم أيضا، وسيأتي ذلك في آخر الباب، وقد سبق في أواخر الجهاد من طريق هشيم بلفظ: "حتى تأتوا روضة كذا " فلعل البخاري كنى عنها أو شيخه إشارة إلى أن هشيما كان يصحفها، وعلى هذا فلم ينفرد أبو عوانة بتصحيفها لكن أكثر الرواة عن حصين قالوها على الصواب بمعجمتين. قوله: "فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فائتوني بها" في رواية عبيد الله بن أبي رافع " فإن بها ظعينة معها كتاب " والظعينة بظاء معجمة وزن عظيمة فعيلة بمعنى فاعلة من الظعن وهو الرحيل، وقيل سميت ظعينة لأنها تركب الظعين التي تظعن براكبها، وقال الخطابي: سميت ظعينة لأنها تظعن مع زوجها ولا يقال لها ظعينة إلا إذا كانت في الهودج وقيل إنه اسم الهودج سميت المرأة لركوبها فيه، ثم توسعوا فأطلقوه على المرأة ولو لم تكن في هودج، وقد تقدم في غزوة الفتح بيان الاختلاف في اسمها، وذكر الواقدي أنها من مزينة وأنها من أهل العرج بفتح الراء بعدها جيم يعني قرية بين مكة والمدينة، وذكر الثعلبي ومن تبعه أنها كانت مولاة أبي صيفي ابن عمرو بن هاشم بن عبد مناف، وقيل عمران بدل عمرو، وقيل مولاة بني أسد بن عبد العزى، وقيل كانت من موالى العباس، وفي حديث أنس الذي أشرت إليه عند ابن مروديه أنها مولاة لقريش " وفي تفسير مقاتل بن حبان أن حاطبا أعطاها عشرة دنانير وكساها بردا، وعند الواحدي أنها قدمت المدينة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: جئت مسلمة؟ قالت: لا ولكن احتجت، قال: فأين أنت عن شباب قريش؟ وكانت مغنية، قالت: ما طلب مني بعد وقعة بدر شيء من ذلك، فكساها وحملها فأتاها حاطب فكتب معها كتابا إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزو فخذوا حذركم؟، وفي حديث عبد الرحمن بن حاطب: فكتب حاطب إلى كفار قريش بكتاب ينتصح لهم، وعند أبي يعلى والطبري من طريق الحارث بن علي لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزو مكة أسر إلى ناس من أصحابه ذلك وأفشى في الناس أنه يريد غير مكة، فسمعه حاطب بن أبي بلتعة فكتب حاطب إلى أهل مكة بذلك، وذكر الواقدي أنه كان في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس بالغزو ولا أراه إلا يريدكم، وقد أحببت أن يكون إنذاري لكم بكتابي إليكم، وتقدم بقية ما نقل مما وقع في الكتاب في غزوة الفتح. قوله: "تسير على بعير لها" في رواية محمد بن فضيل عن حصين " تشتد " بشين معجمة ومثناة فوقانية. قوله: "فابتغينا في رحلها" أي طلبنا كأنهما فتشا ما معها ظاهرا وفي رواية محمد بن فضيل " فأنخنا بعيرها فابتغينا " وفي رواية الحارث فوضعنا متاعها وفتشنا فلم نجد". قوله: "لقد علمنا" في رواية الكشميهني: "لقد علمتما " وهي رواية عفان أيضا قوله: "ثم حلف على: والذي يحلف به" أي قال والله وصرح به في حديث أنس، وفي حديث عبد الرحمن بن حاطب. قوله: "لتخرجن الكتاب أو لأجردنك" أي أنزع ثيابك حتى تصيري عريانة، وفي رواية ابن فضيل "أو لأقتلنك" وذكر الإسماعيلي أن في رواية خالد بن عبد الله مثله، وعنده من رواية أبي فضيل لأجزرنك بجيم ثم زاي أي أضيرك مثل الجزور إذا ذبحت. ثم قال الإسماعيلي ترجم البخاري النظر في شعور أهل الذمة يعني الترجمة الماضية في كتاب الجهاد، وهذه الرواية تخالفه أي رواية: "أو لأقتلنك". قلت: رواية: "لأجردنك" أشهر ورواية، "لأجزرنك" كأنها مفسرة منها ورواية: "لأقتلنك" كأنها بالمعنى من لأجردنك، ومع ذلك فلا تنافي الترجمة لأنها إذا قتلت سلبت ثيابها في العادة فيستلزم التجرد الذي ترجم به. ويؤيد الرواية المشهورة ما وقع في رواية

(12/307)


عبيد الله بن أبي رافع بلفظ: "لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب " قال ابن التين: كذا وقع بكسر القاف وفتح الياء التحتانية وتشديد النون قال: والياء زائدة، وقال الكرماني: هو بكسر الياء وبفتحها كذا جاء في الرواية بإثبات الياء والقواعد التصريفية تقتضي حذفها. لكن إذا صحت الرواية فتحمل على أنها وقعت على طريق المشاكلة لتخرجن، وهذا توجيه الكسرة وأما الفتحة فتحمل على خطاب المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، قال: ويجوز فتح القاف على البناء للمجهول وعلى هذا فترفع الثياب، قلت: ويظهر لي أن صواب الرواية: "لتلقين" بالنون بلفظ الجمع وهو ظاهر جدا لا إشكال فيه البتة ولا يفتقر إلى تكلف تخريج، ووقع في حديث أنس " فقالت ليس معي كتاب فقال كذبت فقال قد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معك كتاب والله لتعطيني الكتاب الذي معك أو لا أترك عليك ثوبا إلا التمسنا فيه، قالت أو لستم بناس من مسلمين! حتى إذا ظنت أنهما يلتمسان في كل ثوب معها حلت عقاصها، وفية " فرجع إليها فسلا سيفيهما فقالا: والله لنذيقنك الموت أو لتدفعن إلينا الكتاب، فأنكرت " ويجمع بينهما بأنهما هدداها بالقتل أولا فلما أصرت على الإنكار ولم يكن معهما إذن بقتلها هدداها بتجريد ثيابها فلما تحققت ذلك خشيت أن يقتلاها حقيقة، وزاد في حديث أنس أيضا: "فقالت: أدفعه إليكما على أن ترداني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفي رواية أعشى ثقيف عن عبد الرحمن عند الطبري " فلم يزل علي بها حتى خافته " وقد اختلف هل كانت مسلمة أو على دين قومها فالأكثر على الثاني فقد عدت فيمن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح لأنها كانت تغني بهجائه وهجاء أصحابه، وقد وقع في أول حديث أنس " أمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقتل أربعة " فذكرها فيهم ثم قال: "وأما أمر سارة فذكر قصتها مع حاطب". قوله: "فأتوا بها" أي الصحيفة وفي رواية عبد الله بن أبي رافع " فأتينا به " أي الكتاب، ونحوه في رواية ابن عباس وزاد: "فقرئ عليه فإذا فيه من حاطب إلى ناس من المشركين من أهل مكة " سماهم الواقدي في روايته سهيل بن عمرو العامري وعكرمة بن أبي جهل المخزومي وصفوان بن أمية الجمحي. قوله: "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا حاطب ما حملك على ما صنعت" في رواية عبد الرحمن بن حاطب " فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم. قال: فما حملك على ذلك " وكأن حاطبا لم يكن حاضرا لما جاء الكتاب فاستدعى به لذلك، وقد تبين ذلك في حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب ولفظه: "فأرسل إلى حاطب " فذكر نحو رواية عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح. قوله: "قال: يا رسول الله مالي أن أكون مؤمنا بالله ورسوله" وفي رواية المستملي: "ما بي " بالموحدة بدل اللام وهو أوضح، وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب " أما والله ما ارتبت منذ أسلمت في الله " وفي رواية ابن عباس " قال والله إني لناصح لله ولرسوله". قوله: "ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يد" أي منة أدفع بها عن أهلي ومالي، زاد في رواية أعشى ثقيف " والله ورسوله أحب إلي من أهلي ومالي" وتقدم في تفسير الممتحنة قوله: "كنت ملصقا " وتفسيره وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب " ولكني كنت امرأ غريبا فيكم وكان لي بنون وإخوة بمكة فكتبت لعلي أدفع عنهم". قوله: "وليس من أصحابك أحد إلا له هنا لك" وفي رواية المستملي هناك " من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله " وفي حديث أنس وليس منكم رجل إلا له بمكة من يحفظه في عياله غيري. قوله: "قال: صدق، ولا تقولوا له إلا خيرا" ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم عرف صدقه مما ذكر، ويحتمل أن يكون بوحي. قوله: "فعاد عمر" أي عاد إلى الكلام الأول في حاطب وفيه تصريح بأنه قال ذلك مرتين فأما المرة الأولى

(12/308)


فكان فيها معذورا لأنه لم يتضح له عذره في ذلك، وأما الثانية فكان اتضح عذره وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم فيه ونهى أن يقولوا له إلا خيرا، ففي إعادة عمر الكلام إشكال. وأجيب عنه بأنه ظن أن صدقه في عذره لا يدفع ما وجب عليه من القتل، وتقدم إيضاحه في تفسير الممتحنة. قوله: "فلأضرب عنقه" قال الكرماني هو بكسر اللام ونصب الباء وهو في تأويل مصدر محذوف وهو خبر مبتدأ محذوف أي اتركني لأضرب عنقه فتركك لي من أجل الضرب، ويجوز سكون الباء والفاء زائدة على رأي الأخفش واللام للأمر، ويجوز فتحها على لغة وأمر المتكلم نفسه باللام فصيح قليل الاستعمال، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع " دعني أضرب عنق هذا المنافق " وفي حديث ابن عباس " قال عمر فاخترطت سيفي وقلت: يا رسول الله أمكني منه فإنه قد كفر " وقد أنكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني هذه الرواية وقال ليست بمعروفة قاله في الرد على الجاحظ لأنه احتج بها على تكفير العاصي، وليس لإنكار القاضي معنى لأنها وردت بسند صحيح وذكر البرقاني في مستخرجه أن مسلما أخرجها، ورده الحميدي، والجمع بينهما أن مسلما خرج سندها ولم يسق لفظها، وإذا ثبت فلعله أطلق الكفر وأراد به كفر النعمة كما أطلق النفاق وأراد به نفاق المعصية، وفيه نظر لأنه استأذن في ضرب عنقه فأشعر بأنه ظن أنه نافق نفاق كفر ولذلك أطلق أنه كفر، ولكن مع ذلك لا يلزم منه أن يكون عمر يرى تكفير من ارتكب معصية ولو كبرت كما يقوله المبتدعة ولكنه غلب على ظنه ذلك في حق حاطب، فلما بين له النبي صلى الله عليه وسلم عذر حاطب رجع. قوله: "أو ليس من أهل بدر" في رواية الحارث " أو ليس قد شهد بدرا " وهو استفهام تقرير، وجزم في رواية عبيد الله بن أبي رافع أنه قد شهد بدرا وزاد الحارث " فقال عمر بلى ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك". قوله: "وما يدريك لعل الله اطلع" تقدم في فضل من شهد بدرا رواية من رواه بالجزم والبحث في ذلك وفي معنى قوله: "اعملوا ما شئتم " ومما يؤيد أن المراد أن ذنوبهم تقع مغفورة حتى لو تركوا فرضا مثلا لم يؤاخذوا بذلك ما وقع في حديث سهل بن الحنظلية في قصة الذي حرس ليلة حنين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل نزلت؟ قال: لا، إلا لقضاء حاجة قال لا عليك أن لا تعمل بعدها. وهذا يوافق ما فهمه أبو عبد الرحمن السلمي، ويؤيده قول علي فيمن قتل الحرورية " لو أخبرتكم بما قضى الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قتلهم لنكلتم عن العمل " وقد تقدم بيانه، فهذا فيه إشعار بأن من باشر بعض الأعمال الصالحة يثاب من جزيل الثواب بما يقاوم الآثام الحاصلة من ترك الفرائض الكثيرة، وقد تعقب ابن بطال على أبي عبد الرحمن السلمي فقال: هذا الذي قاله ظنا منه لأن عليا على مكانته من العلم والفضل والدين لا يقتل إلا من وجب عليه القتل، ووجه ابن الجوزي والقرطبي في "المفهم" قول السلمي كما تقدم، وقال الكرماني: يحتمل أن يكون مراده أن عليا استفاد من هذا الحديث الجزم بأنه من أهل الجنة فعرف أنه لو وقع منه خطأ في اجتهاده لم يؤاخذ به قطعا، كذا قال وفيه نظر، لأن المجتهد معفو عنه فيما أخطأ فيه إذا بذل فيه وسعه، وله مع ذلك أجر فإن أصاب فله أجران، والحق أن عليا كان مصيبا في حروبه فله في كل ما اجتهد فيه من ذلك أجران، فظهر أن الذي فهمه السلمي استند فيه إلى ظنه كما قال ابن بطال والله أعلم، ولو كان الذي فهمه السلمي صحيحا لكان علي يتجرأ على غير الدماء كالأموال، والواقع أنه كان في غاية الورع وهو القائل " يا صفراء ويا بيضاء غري غيري " ولم ينقل عنه قط في أمر المال إلا التحري بالمهملة لا التحري بالجيم. قوله: "فقد أوجبت لكم الجنة" في رواية عبيد الله بن أبي رافع "فقد غفرت لكم" وكذا في حديث عمر، ومثله في

(12/309)


مغازي أبي الأسود عن عروة وكذا عند أبي عائد. قوله: "فاغرورقت عيناه" بالغين المعجمة الساكنة والراء المكررة بينهما واو ساكنة ثم قاف أي امتلأت من الدموع حتى كأنها غرقت فهو افعوعلت من الغرق، ووقع في رواية الحارث عن علي " ففاضت عينا عمر " ويجمع على أنها امتلأت ثم فاضت. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف. قوله: "خاخ أصح" يعني بمعجمتين. قوله: "ولكن كذا قال أبو عوانة حاج" أي بمهملة ثم جيم. قوله: "وحاج تصحيف وهو موضع". قلت: تقدم بيانه. قوله: "وهشيم يقول خاخ" وقع للأكثر بالمعجمتين، وقيل بل هو كقول أبي عوانة وبه جزم السهيلي، ويؤيده أن البخاري لما أخرجه من طريقه في الجهاد عبر بقوله: "روضة كذا " كما تقدم فلو كان بالمعجمتين لما كنى عنه، ووقع في السيرة للقطب الحلبي " روضة خاخ " بمعجمتين وكان هشيم يروي الأخيرة منها بالجيم وكذا ذكره البخاري عن أبي عوانة انتهى، وهو يوهم أن المغايرة بينها وبين الرواية المشهورة إنما هو في الخاء الآخرة فقط وليس كذلك بل وقع كذلك في الأولى فعند أبي عوانة أنها بالحاء المهملة جزما وأما هشيم فالرواية عنه محتملة. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم أن المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن يقطع له بالجنة لا يعصم من الوقوع في الذنب لأن حاطبا دخل فيمن أوجب الله لهم الجنة ووقع منه ما وقع، وفيه تعقب على من تأول أن المراد بقوله: "اعملوا ما شئتم " أنهم حفظوا من الوقوع في شيء من الذنوب. وفيه الرد على من كفر المسلم بارتكاب الذنب، وعلى من جزم بتخليده في النار، وعلى من قطع بأنه لا بد وأن يعذب. وفيه أن من وقع منه الخطأ لا ينبغي له أن يجحده بل يعترف ويعتذر لئلا يجمع بين ذنبين. وفيه جواز التشديد في استخلاص الحق والتهديد بما لا يفعله المهدد تخويفا لمن يستخرج منه الحق. وفيه هتك ستر الجاسوس، وقد استدل به من يرى قتله من المالكية لاستئذان عمر في قتله ولم يرده النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلا لكونه من أهل بدر، ومنهم من قيده بأن يتكرر ذلك منه، والمعروف عن مالك يجتهد فيه الإمام، وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه وقال الشافعية والأكثر يعزر، وإن كان من أهل الهيئات يعفى عنه. وكذا قال الأوزاعي وأبو حنيفة يوجع عقوبة ويطال حبسه. وفيه العفو عن زلة ذوي الهيئة. وأجاب الطبري عن قصة حاطب واحتجاج من احتج بأنه إنما صفح عنه لما أطلعه الله عليه من صدقه في اعتذاره فلا يكون غيره كذلك، قال القرطبي وهو ظن خطأ لأن أحكام الله في عباده إنما تجري على ما ظهر منهم، وقد أخبر الله تعالى نبيه عن المنافقين الذين كانوا بحضرته ولم يبح له قتلهم مع ذلك لإظهارهم الإسلام، وكذلك الحكم في كل من أظهر الإسلام تجري عليه أحكام الإسلام. وفيه من أعلام النبوة إطلاع الله نبيه على قصة حاطب مع المرأة كما تقدم بيانه من الروايات في ذلك، وفيه إشارة الكبير على الإمام بما يظهر له من الرأي العائد نفعه على المسلمين ويتخير الإمام في ذلك. وفيه جواز العفو عن العاصي. وفيه أن العاصي لا حرمة له وقد أجمعوا على أن الأجنبية يحرم النظر إليها مؤمنة كانت أو كافرة ولولا أنها لعصيانها سقطت حرمتها ما هددها على بتجريدها قاله ابن بطال. وفيه جواز غفران جميع الذنوب الجائزة الوقوع عمن شاء الله خلافا لمن أبى ذلك من أهل البدع، وقد استشكلت إقامة الحد على مسطح بقذف عائشة رضي الله عنها كما تقدم مع أنه من أهل بدر فلم يسامح بما ارتكبه من الكبيرة وسومح حاطب، وعلل بكونه من أهل بدر، والجواب ما تقدم في "باب فضل من شهد بدرا" أن محل العفو عن البدري في الأمور التي لا حد فيها. وفيه جواز غفران ما تأخر من الذنوب ويدل على ذلك الدعاء به في عدة أخبار، وقد جمعت جزءا في الأحاديث الواردة في بيان

(12/310)


الأعمال الموعود لعاملها بغفران ما تقدم وما تأخر سميته " الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة " وفيها عدة أحاديث بأسانيد جياد، وفيه تأدب عمر، وأنه لا ينبغي إقامة الحد والتأديب بحضرة الإمام إلا بعد استئذانه. وفيه منقبة لعمر ولأهل بدر كلهم، وفيه البكاء عند السرور ويحتمل أن يكون عمر بكى حينئذ لما لحقه من الخشوع والندم على ما قاله في حق حاطب.
"خاتمة" اشتمل كتاب استتابة المرتدين من الأحاديث المرفوعة على أحد وعشرين حديثا فيها واحد معلق والبقية موصولة المكرر منه فيه وفيما مضى سبعة عشر حديثا والأربعة خالصة وافقه مسلم على تخريجها جميعها، وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم سبعة آثار بعضها موصول، والله أعلم.

(12/311)