Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الإكراه
مدخل
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
89- كِتَاب الإِكْرَاهِ
َقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وَقَالَ {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} وَهِيَ تَقِيَّةٌ. وَقَالَ {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ - إِلَى قَوْلِهِ - عَفُوّاً غَفُوراً} وَقَالَ {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} فَعَذَرَ اللَّهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لاَ يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ. وَالْمُكْرَهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُسْتَضْعَفًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ فَيُطَلِّقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَقال النبي صلى الله عليه وسلم : "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ"
6940- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ عَنْ هِلاَلِ بْنِ أُسَامَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاَةِ: اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَالْوَلِيدَ. بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ"
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الإكراه" هو إلزام الغير بما لا يريده. وشروط الإكراه أربعة: الأول أن يكون فاعله قادرا على إيقاع ما يهدد به والمأمور عاجزا عن الدفع لو بالفرار. الثاني أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك. الثالث أن يكون ما هدده به فوريا، فلو قال إن لم تفعل كذا ضربتك غدا لا يعد مكرها ويستثنى ما إذا ذكر زمنا قريبا جدا أو جرت العادة بأنه لا يخلف الرابع أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره كمن أكره على الزنا فأولج وأمكنه أن ينزع ويقول أنزلت فيتمادى حتى ينزل، وكمن قيل له طلق ثلاثا فطلق

(12/311)


واحدة وكذا عكسه، ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور، ويستثنى من الفعل ما هو محرم على التأبيد كقتل النفس بغير حق، واختلف في المكره هل يكلف بترك فعل ما أكره عليه أو لا؟ فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: انعقد الإجماع على أن المكره على القتل مأمور باجتناب القتل والدفع عن نفسه وأنه يأثم إن قتل من أكره على قتله، وذلك يدل أنه مكلف حالة الإكراه، وكذا وقع في كلام الغزالي وغيره، ومقتضى كلامهم تخصيص الخلاف بما إذا وافق داعية الإكراه داعية الشرع كالإكراه على قتل الكافر وإكراهه على الإسلام، أما ما خالف فيه داعية الإكراه داعية الشرع كالإكراه على القتل فلا خلاف في جواز التكليف به، وإنما جرى الخلاف في تكليف الملجأ وهو من لا يجد مندوحة عن الفعل كمن ألقي من شاهق وعلقه ثابت فسقط على شخص فقتل فإن لا مندوحة له عن السقوط ولا اختيار له في عدمه وإنما هو آلة محضة، ولا نزاع في أنه غير مكلف إلا ما أشار إليه الآمدي من التفريع على تكليف ما لا يطاق، وقد جرى الخلاف في تكليف الغافل كالنائم والناسي وهو أبعد من الملجأ لأن لا شعور له أصلا وإنما قال الفقهاء بتكليفه على معنى ثبوت الفعل في ذمته أو من جهة ربط الأحكام بالأسباب. وقال القفال: إنما شرع سجود السهو ووجبت الكفارة على المخطئ لكون الفعل في نفسه متهيئا من حيث هو لا أن الغافل نهى عنه حالة الغفلة إذ لا يمكنه التحفظ عنه، واختلف فيما يهدد به فاتفقوا على القتل وإتلاف العضو والضرب الشديد والحبس الطويل، واختلفوا في يسير الضرب والحبس كيوم أو يومين. قوله: "وقوله الله تعالى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ}" وساق إلى {عَظِيمٌ}. وهو وعيد شديد لمن ارتد مختارا، وأما من أكره على ذلك فهو معذور بالآية، لأن الاستثناء من الإثبات نفي فيقتضي أن لا يدخل الذي أكره على الكفر تحت الوعيد، والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر كما جاء من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: "أخذ المشركون عمارا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان، قال فإن عادوا فعد " وهو مرسل ورجاله ثقات أخرجه الطبري وقبله عبد الرزاق وعنه عبد بن حميد، وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في السند فقال: "عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه " وهو مرسل أيضا. وأخرج الطبري أيضا من طريق عطية العوفي عن ابن عباس نحوه مطولا وفي سنده ضعف. وفيه أن المشركين عذبوا عمارا وأباه وأمه وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما مولى أبي حذيفة، فمات ياسر وامرأته في العذاب وصبر الآخرون. وفي رواية مجاهد عن ابن عباس عند ابن المنذر أن الصحابة لما هاجروا إلى المدينة أخذ المشركون خبابا وبلالا وعمارا، فأطاعهم عمارا وأبى الآخران فعذبوهما، وأخرجه الفاكهي من مرسل زيد بن أسلم وأن ذلك وقع من عمار عند بيعة الأنصار في العقبة وأن الكفار أخذوا عمارا فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم فجحدهم خبره فأرادوا أن يعذبوه فقال هو يكفر بمحمد وبما جاء به فأعجبهم وأطلقوه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، وفي سنده ضعف أيضا. وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن سيرين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عمار بن ياسر وهو يبكي فجعل يمسح الدموع عنه ويقول أخذك المشركون فغطوك في الماء حتى قلت لهم كذا، إن عادوا فعد " ورجاله ثقات مع إرساله أيضا وهذه المراسيل تقوى بعضها ببعض، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مسلم الأعور - وهو ضعيف - عن مجاهد عن ابن عباس قال: "عذب المشركون عمارا حتى قال لهم كلاما تقية فاشتد عليه " الحديث وقد أخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ

(12/312)


وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} قال: "أخبر الله أن من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله، وأما من أكره بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه فلا حرج عليه، إن شاء الله إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم". قلت: وعلى هذا فالاستثناء مقدم من قوله فعليهم غضب كأنه قيل فعليهم غضب من الله إلا من أكره، لأن الكفر يكون بالقول والفعل من غير اعتقاد وقد يكون باعتقاد فاستثنى الأول وهو المكره. قوله: "وقال إلا أن تتقوا منهم تقاة وهي تقية" أخذه من كلام أبي عبيدة قال: تقاة وتقية واحد. قلت: وقد تقدم ذلك في تفسير آل عمران ومعنى الآية: لا يتخذ المؤمن الكافر وليا في الباطن ولا في الظاهر إلا للتقية في الظاهر فيجوز أن يواليه إذا خافه ويعاديه باطنا. قيل الحكمة في العدول عن الخطاب أن موالاة الكفار لما كانت مستقبحة لم يواجه الله المؤمنين بالخطاب. قلت: ويظهر لي أن الحكمة فيه إنه لما تقدم الخطاب في قوله: {لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} كأنهم أخذوا بعمومه حتى أنكروا على من كان له عذر في ذلك فنزلت هذه الآية رخصة في ذلك، وهو كالآيات الصريحة في الزجر عن الكفر بعد الإيمان، ثم رخص فيه لمن أكره على ذلك. قوله: "وقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ - إلى قوله - عَفُوّاً غَفُوراً} - وقال: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} هكذا في رواية أبي ذر وهو صواب، وإنما أوردته بلفظه لتنبيه على ما وقع من الاختلاف عند الشراح، ووقع في رواية كريمة والأصيلي والقابسي أن الذين توفاهم فساق إلى قوله: {فِي الْأَرْضِ} وقال بعدها إلى قوله: {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} وفيه تغيير، ووقع في رواية النسفي {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} الآيات قال: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - إلى قوله – نَصِيراً} وهو صواب وإن كانت الآيات الأولى متراخية في السورة عن الآية الأخيرة فليس فيه شيء من التغيير، وإنما صدر بالآيات المتراخية للإشارة إلى ما روي عن مجاهد أنها نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم من المدينة فإنا لا نراكم منا إلا أن هاجرتم، فخرجوا فأدركهم أهلهم بالطريق ففتنوهم حتى كفروا مكرهين، واقتصر ابن بطال على هذا الأخير وعزاه للمفسرين وقال ابن بطال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} إلى {أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} وقال: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ} إلى {الظَّالِمِ أَهْلُهَا} قلت: وليس فيه تغيير من التلاوة إلا أن فيه تصرفا فيما ساقه المصنف، وقال ابن التين بعد أن تكلم على قصة عمار إلى أن قال: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} أي من فتح صدره لقبوله. وقوله: {الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} إلى قوله: {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} ليس التلاوة كذلك لأن قوله: {اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} قبل هذا قال: ووقع في بعض النسخ إلى قوله: {غَفُوراً رَحِيماً} وفي بعضها {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} وقال: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ} إلى قوله: {مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} وهذا على نسق التنزيل، كذا قال فأخطأ، فالآية التي أخرها نصيرا في أولها {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} بالواو لا بلفظ: "إلا" وما نقله عن بعض النسخ إلى قوله : {غَفُوراً رَحِيماً} محتمل لأن آخر الآية التي أولها {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} قوله: {وَسَاءَتْ مَصِيراً} وآخر التي بعدها {سَبِيلاً} وآخر التي بعدها {عَفُوّاً غَفُوراً} وآخر التي بعدها {غَفُوراً رَحِيماً} فكأنه أراد سياق أربع آيات. قوله: "فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به" يعني إلا إذا غلبوا. قال والمكره لا يكون

(12/313)


إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمره به أي ما يأمره به من له قدرة على إيقاع الشر به، أي لأنه لا يقدر على الامتناع من الترك كما لا يقدر المكره على الامتناع من الفعل فهو في حكم المكره. قوله: "وقال الحسن" أي البصري "التقية إلى يوم القيامة" وصله عبد بن حميد وابن أبي شيبة من رواية عوف الأعرابي " عن الحسن البصري قال التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية " ولفظ عبد بن حميد إلا في قتل النفس التي حرم الله يعني لا يعذر من أكره على قتل غيره لكونه يؤثر نفسه على نفس غيره. قلت: ومعنى التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير، وأصله وقية بوزن حمزة فعلة من الوقاية. وأخرج البيهقي من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: "التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان ولا يبسط يده للقتل". قوله: "وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق ليس بشيء، وبه قال ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن" أما قول ابن عباس فوصله ابن أبي شيبة من طريق عكرمة أنه سئل عن رجل أكرهه اللصوص حتى طلق امرأته فقال: قال ابن عباس: ليس بشيء، أي لا يقع عليه الطلاق. وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئا، وأما قول ابن عمر وابن الزبير فأخرجهما الحميدي في جامعه والبيهقي من طريقه قال: "حدثنا سفيان سمعت عمرا يعني ابن دينار حدثني ثابت الأعرج قال: تزوجت أم ولد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فدعاني ابنه ودعا غلامين له فربطوني وضربوني بالسياط وقال لتطلقها أو لأفعلن وأفعلن فطلقتها، ثم سألت ابن عمر وابن الزبير فلم يرياه شيئا " وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن ثابت الأعرج نحوه. وأما قول الشعبي فوصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه قال: إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق وإن أكرهه السلطان وقع. ونقل عن ابن عيينة توجيهه وهو أن اللص يقدم على قتله والسلطان لا يقتله. وأما قول الحسن فقال سعيد بن منصور "حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئا" وهذا سند صحيح أبي الحسن "قال ابن بطال تبعا لابن المنذر: أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يحكم عليه بالكفر ولا تبين منه زوجته، إلا محمد بن الحسن فقال: إذا أظهر الكفر صار مرتدا وبانت منه امرأته ولو كان في الباطن مسلما. قال: وهذا قول تغني حكايته عن الرد عليه لمخالفته النصوص. وقال قوم: محل الرخصة في القول دون الفعل كأن يسجد للصنم أو يقتل مسلما أو يأكل الخنزير أو يزني، وهو قول الأوزاعي وسحنون، وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح عن الحسن أنه لا يجعل التقية في قتل النفس المحرمة. وقالت طائفة الإكراه في القول والفعل سواء. واختلف في حد الإكراه فأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عمر قال: "ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذب " ومن طريق شريح نحوه وزيادة ولفظه: "أربع كلهن كره: السجن والضرب والوعيد والقيد " وعن ابن مسعود قال: "ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلما به " وهو قول الجمهور، وعند الكوفيين فيه تفصيل، واختلفوا في طلاق المكره فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع، ونقل فيه ابن بطال إجماع الصحابة، وعن الكوفيين يقع ونقل مثله عن الزهري وقتادة وأبي قلابة، وفيه قول ثالث تقدم عن الشعبي. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنية" هذا طرف من حديث وصله المصنف في كتاب الأيمان بفتح الهمزة ولفظه: "الأعمال بالنية " هكذا وقع فيه بدون " إنما " في أوله وإفراد النية، وقد تقدم شرحه مستوفي في أول حديث في الصحيح، ويأتي ما يتعلق بالإكراه في أول ترك الحيل قريبا، وكأن البخاري أشار بإيراده هنا إلى الرد

(12/314)


على من فرق في الإكراه بين القول والفعل لأن العمل فعل، وإذا كان لا يعتبر إلا بالنية كما دل عليه الحديث فالمكره لا نية له بل نيته عدم الفعل الذي أكره عليه. واحتج بعض المالكية بأن التفصيل يشبه ما نزل في القرآن لأن الذين أكرهوا إنما هو على الكلام فيما بينهم وبين ربهم، فلما لم يكونوا معتقدين له جعل كأنه لم يكن ولم يؤثر لا في بدن ولا مال، بخلاف الفعل فإنه يؤثر في البدن والمال، هذا معنى ما حكاه ابن بطال عن إسماعيل القاضي، وتعقبه ابن المنير بأنهم أكرهوا على النطق بالكفر وعلى مخالطة المشركين ومعاونتهم وترك ما يخالف ذلك. والتروك أفعال على الصحيح ولم يؤاخذوا بشيء، من ذلك، واستثنى المعظم قتل النفس فلا يسقط القصاص عن القاتل ولو أكره لأنه آثر نفسه على نفس المقتول ولا يجوز لأحد أن ينجي نفسه من القتل بأن يقتل غيره. ثم ذكر حديث أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة" تقدم في تفسير سورة النساء من وجه آخر عن أبي سلمة بمثل هذا الحديث وزاد أنها صلاة العشاء، وفي كتاب الصلاة من طريق شعيب عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة " أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة " الحديث وفيه: "قال أبو هريرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم " فذكر مثل حديث الباب وزاد: "وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له " وفي الأدب من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: "لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع قال: "فذكره وقد تقدم بيان المستضعفين في سورة النساء والتعريف بالثلاثة المذكورين هنا في تفسر آل عمران وما يتعلق بمشروعية القنوت في النازلة ومحله في كتاب الوتر ولله الحمد. وقوله: "والمستضعفين" هو من ذكر العام بعد الخاص وتعلق الحديث بالإكراه لأنهم كانوا مكرهين على الإقامة مع المشركين لأن المستضعف لا يكون إلا مكرها كما تقدم، ويستفاد منه أن الإكراه على الكفر لو كان كفرا لما دعا لهم وسماهم مؤمنين.

(12/315)


باب من اختار الضرب و القتل و الهوان على الكفر
...
1- باب: مَنْ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْلَ وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ
6941- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ الطَّائِفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ"
6942- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ سَمِعْتُ قَيْسًا سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ مُوثِقِي عَلَى الإِسْلاَمِ. وَلَوْ انْقَضَّ أُحُدٌ مِمَّا فَعَلْتُمْ بِعُثْمَانَ كَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ"
6943- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ "عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ

(12/315)


وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ"
قوله: "باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر" تقدمت الإشارة إلى ذلك في الباب الذي قبله وأن بلالا كان ممن اختار الضرب والهوان على التلفظ بالكفر وكذلك خباب المذكور في هذا الباب ومن ذكر معه وأن والدي عمار ماتا تحت العذاب، ولما لم يكن ذلك على شرط الصحة اكتفى المصنف بما يدل عليه، وذكر فيه ثلاثة أحاديث: الحديث الأول حديث : "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" الحديث وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان في أوائل الصحيح، ووجه أخذ الترجمة منه أنه سوى بين كراهية الكفر وكراهية دخول النار، والقتل والضرب والهوان أسهل عند المؤمن من دخول النار فيكون أسهل من الكفر إن اختار الأخذ بالشدة، ذكره ابن بطال وقال أيضا: فيه حجة لأصحاب مالك، وتعقبه ابن التين بأن العلماء متفقون على اختيار القتل على الكفر، وإنما يكون حجة على من يقول إن التلفظ بالكفر أولى من الصبر على القتل، ونقل عن المهلب أن قوما منعوا من ذلك واحتجوا بقوله تعالى :{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} الآية، ولا حجة فيه لأنه قال تلو الآية المذكورة {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً} فقيده بذلك، وليس من أهلك نفسه في طاعة الله ظالما ولا معتديا. وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد انتهى، وهذا يقدح في نقل ابن التين الاتفاق المذكور وأن ثم من قال بأولوية التلفظ على بذل النفس للقتل، وإن كان قائل ذلك يعمم فليس بشيء، وإن قيده بما لو عرض ما يرجح المفضول كما لو عرض على من إذا تلفظ به نفع متعد ظاهرا فيتجه. الحديث الثاني. قوله: "عباد" هو ابن أبي العوام فيما جزم به أبو مسعود، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم، وسعيد بن زيد أي ابن عمرو بن نفيل وهو ابن ابن عم عمر بن الخطاب بن تفيل وقد تقدم حديثه في " باب إسلام سعيد بن زيد " من السيرة النبوية، وهو ظاهر فيما ترجم له لأن سعيدا وزوجته أخت عمر اختارا الهوان على الكفر، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة. وقال الكرماني: هي مأخوذة من كون عثمان اختار القتل على ما يرضى قاتليه فيكون اختياره القتل على الكفر بطريق الأولى، واسم زوجته فاطمة بنت الخطاب وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة فيما يقال، وقيل سبقتها أم الفضل زوج العباس. الحديث الثالث. قوله: "يحيى" هو القطان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم أيضا، وخباب بفتح الخاء المعجمة وموحدتين الأولى مشددة بينهما ألف وقد تقدم شرحه مستوفي في " باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين بمكة " من السيرة النبوية، ودخوله في الترجمة من جهة أن طلب خباب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على الكفار دال على أنهم كانوا قد اعتدوا عليهم بالأذى ظلما وعدوانا، قال ابن بطال: إنما لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم سؤال خباب ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى :{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وقوله: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} لأنه علم أنه قد سبق القدر بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها كما جرت به عادة الله تعالى في من اتبع الأنبياء فصيروا على الشدة في ذات الله، ثم كانت لهم العاقبة بالنصر وجزيل الأجر، قال: فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة لأنهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم انتهى ملخصا. وليس في الحديث تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدع لهم بل يحتمل أنه دعا، وإنما قال: "قد كان من قبلكم يؤخذ إلخ" تسلية لهم وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي

(12/316)


المدة المقدورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث: "ولكنكم تستعجلون". وقوله في الحديث: "بالمنشار" بنون ساكنة ثم شين معجمة معروف، وفي نسخة بياء مثناة من تحت بغير همزة بدل النون وهي لغة فيه، وقوله: "من دون لحمه وعظمه" وللأكثر "ما" بدل "من" وقوله: "هو الأمر" أي الإسلام، وتقدم المراد بصنعاء في شرح الحديث، قال ابن بطال: أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة، وأما غير الكفر فإن أكره على أكل الخنزير وشرب الخمر مثلا فالفعل أولى، وقال بعض المالكية: بل يأثم إن منع من أكل غيرها فإنه يصير كالمضطر على أكل الميتة إذا خاف على نفسه الموت فلم يأكل.

(12/317)


باب في بيع المكره و نحوه في الحق و غيره
...
2- باب: فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِي الْحَقِّ وَغَيْرِهِ
6944- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ. فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا. فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: ذَلِكَ أُرِيدُ. ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلاَ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ"
قوله: "باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره" قال الخطابي: استدل أبو عبد الله يعني البخاري بحديث أبي هريرة يعني المذكور في الباب على جواز بيع المكره والحديث ببيع المضطر أشبه، فإن المكره على البيع هو الذي يحمل على بيع الشيء شاء أو أبى، واليهود لو لم يبيعوا أرضهم لم يلزموا بذلك ولكنهم شحوا على أموالهم فاختاروا بيعها فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله فيكون جائزا ولو أكره عليه لم يجز. قلت: لم يقتصر البخاري في الترجمة على المكره وإنما قال: "بيع المكره ونحوه في الحق " فيدخل في ترجمته المضطر، وكأنه أشار إلى الرد على من لا يصحح بيع المضطر، وقوله في آخر كلامه " ولو أكره عليه لم يجز " مردود لأنه إكراه بحق، كذا تعقبه الكرماني وتوجيه كلام الخطابي أنه فرص كلامه في المضطر من حيث هو ولم يرد خصوص قصة اليهود. وقال ابن المنير: ترجم بالحق وغيره ولم يذكر إلا الشق الأول، ويجاب بأن مراده بالحق الدين وبغيره ما عداه مما يكون بيعه لازما، لأن اليهود أكرهوا على بيع أموالهم لا لدين عليهم وأجاب الكرماني بأن المراد بالحق الجلاء وبقوله وغيره الجنايات، والمراد بقوله الحق الماليات وبقوله غيره الجلاء. قلت: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "وغيره: "الدين فيكون من الخاص بعد العام، وإذا صح البيع في الصورة المذكورة وهو سبب غير مالي فالبيع في الدين وهو سبب مالي أولى. ثم ذكر حديث أبي هريرة في إخراج اليهود من المدينة، وقد تقدم في الجزية في "باب إخراج اليهود من جزيرة العرب" وبينت فيه أن اليهود المذكورين لم يسموا ولم ينسبوا، وقد أورد مسلم حديث ابن عمر في إجلاء بني النضير ثم عقبه بحديث أبي هريرة فأوهم أن اليهود المذكورين في حديث أبي هريرة هم بنو النضير، وفيه نظر لأن أبا هريرة إنما جاء بعد فتح خيبر وكان

(12/317)


فتحها بعد إجلاء بني النضير وبني قينقاع وقيل بني قريظة، وقد تقدمت قصة بني النضير في المغازي قبل قصة بدر وتقدم قول ابن إسحاق أنها كانت بعد بئر معونة، وعلى الحالين فهي قبل مجيء أبي هريرة، وسياق إخراجهم مخالف لسياق هذه القصة فإنهم لم يكونوا داخل المدينة ولا جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا ليستعين بهم في دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية من حلفائهم فأرادوا الغدر به فرجع إلى المدينة وأرسل إليهم يخيرهم بين الإسلام وبين الخروج فأبوا فحاصرهم فرضوا بالجلاء، وفيهم نزل أول سورة الحشر، فيحتمل أن يكون من ذكر في حديث أبي هريرة بقية منهم أو من بني قريظة كانوا سكانا داخل المدينة فاستمروا فيها على حكم أهل الذمة حتى أجلاهم بعد فتح خيبر، ويحتمل أن يكونوا من أهل خيبر لأنها لما فتحت أقر أهلها على أن يزرعوا فيها ويعملوا فيها ببعض ما يخرج منها فاستمروا بها حتى أجلاهم عمر من خيبر كما تقدم بيانه في المغازي، فيحتمل أن يكون هؤلاء طائفة منهم كانوا يسكنون بالمدينة فأخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى عند موته أن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب ففعل ذلك عمر. قوله: "بيت المدراس" بكسر الميم وآخره مهملة مفعال من الدرس والمراد به كبير اليهود ونسب البيت إليه لأنه هو الذي كان صاحب دراسة كتبهم أي قراءتها، ووقع في بعض الطرق " حتى إذا أتى المدينة المدارس " ففسره في المطالع بالبيت الذي تقرأ فيه التوراة ووجهه الكرماني بأن إضافة البيت إليه من إضافة العام إلى الخاص مثل شجر أراك، وقال في النهاية: مفعال غريب في المكان والمعروف أنه من صيغ المبالغة للرجل. قلت: والصواب أنه على حذف الموصوف والمراد الرجل، وقد وقع في الرواية الماضية في الجزية "حتى جئنا بيت المدارس" بتأخير الراء عن الألف بصيغة المفاعل وهو من يدرس الكتاب ويعلمه غيره، وفي حديث الرجم " فوضع مدارسها الذي يدرسها يده على آية الرجم " وفسر هناك بأنه ابن صوريا، فيحتمل أن يكون هو المراد هنا. قوله: "فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم" في رواية الكشميهني: "فنادى". قوله: "ذلك أريد" أي بقولي أسلموا أي إن اعترفتم أنني بلغتكم سقط عني الحرج. قوله: "اعلموا أن الأرض" في رواية الكشميهني: "إنما الأرض" في الموضعين وقوله لله ورسوله قال الداودي لله افتتاح كلام ولرسوله حقيقة لأنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، كذا قال والظاهر ما قال غيره أن المراد أن الحكم لله في ذلك ولرسوله لكونه المبلغ عنه القائم بتنفيذ أوامره. قوله: "أجليكم" بضم أوله وسكون الجيم أي أخرجكم وزنه ومعناه. قوله: "فمن وجد" كذا هنا بلفظ الفعل الماضي بماله شيئا الباء متعلقة بشيء محذوف أو ضمن وجد معنى نحل فعداه بالباء، أو وجد من الوجدان والباء سببية أي فمن وجد بما له شيئا من المحبة، وقال الكرماني: الباء هنا للمقابلة فجعل وجد من الوجدان.

(12/318)


3- باب: لاَ يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُكْرَهِ {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
6945- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الأَنْصَارِيِّ "عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهَا"

(12/318)


6946- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو - وهُوَ ذَكْوَانُ - "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحْيِي فَتَسْكُتُ، قَالَ سُكَاتُهَا إِذْنُهَا"
قوله: "باب لا يجوز نكاح المكره" المكره بفتح الراء. قول {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ - إلى قوله - غَفُورٌ رَحِيمٌ} كذا لأبي ذر والإسماعيلي وزاد القابسي لفظ: "إكراههن" وعند النسفي "الآية" بدل قوله إلخ، وكذا للجرجاني، وساق في رواية كريمة الآية كلها. والفتيات بفتح الفاء والتاء جمع فتاة والمراد بها الأمة وكذا الخادم ولو كانت حرة، وحكمة التقييد ب قوله: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} أن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن لأن المطيعة لا تسمى مكرهة فالتقدير فتياتكم اللاتي جرت عادتهن بالبغاء وخفي هذا على بعض المفسرين فجعل {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} متعلقا بقوله فيما قبل ذلك {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} وسيأتي بقية الكلام على هذه الآية بعد بابين، وقد استشكل بعضهم مناسبة الآية للترجمة وجوز أنه أشار إلى أنه يستفاد مطلوب الترجمة بطريق الأولى لأنه إذا نهى عن الإكراه فيما لا يحل فالنهي عن الإكراه فيما يحل أولى، قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى بطلان نكاح المكره، وأجازه الكوفيون قالوا فلو أكره رجل على تزويج امرأة بعشرة آلاف وكان صداق مثلها ألفا صح النكاح ولزمته الألف وبطل الزائد، قال: فلما أبطلوا الزائد بالإكراه كان أصل النكاح بالإكراه أيضا باطلا ا هـ، فلو كان راضيا بالنكاح وأكره على المهر كانت المسألة اتفاقية يصح العقد ويلزم المسمى بالدخول، ولو أكره على النكاح والوطء لم يحد ولم يلزمه شيء، وإن وطئ مختارا غير راض بالعقد حد. ثم ذكر في الباب حديثين: أحدهما حديث خنساء بفتح المعجمة وسكون النون بعدها مهملة ومد بنت خدام بكسر المعجمة وتخفيف المهملة وجارية جد الراويين عنها بجيم وياء مثناه من تحت، وقد تقدم شرحه في كتاب النكاح وأنها كانت غير بكر وذكر ما ورد فيه من الاختلاف. ثانيهما قوله: "حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان" الظاهر أنه الفريابي وشيخه الثوري، ويحتمل أن يكون البيكندي وشيخه ابن عيينة فإن كلا من السفيانين معروف بالرواية عن ابن جريج، لكن هذا الحديث إنما هو عن الفريابي كما جزم به أبو نعيم، والفريابي إذا أطلق سفيان أراد الثوري وإذا أراد ابن عيينة نسبه. قوله: "ذكوان" يعني مولى عائشة. قوله: "قلت: يا رسول الله يستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: نعم" في رواية حجاج بن محمد وأبو عاصم عن ابن جرير " سمعت ابن أبي مليكة يقول قال ذكوان: سمعت عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها هل تستأمر أم لا؟ فقال: نعم تستأمر " وفيه تقوية لمضمون الحديث الذي قبله وإرشاد أبي السلامة من إبطال العقد، وقوله: "سكاتها " وهو لغة في السكوت، ووقع الإسماعيلي من رواية الذهلي وأحمد عن يوسف عن الفريابي بلفظ، " سكوتها " وفي رواية حجاج وأبي عاصم "ذلك إذنها إذا سكتت" وتقدم في النكاح من طريق الليث عن ابن أبي مليكة بلفظ: "صمتها" وتقدم شرحه أيضا هناك وبيان الاختلاف في صحة إنكاح الولي المجبر البكر الكبيرة، وأن الصغيرة لا خلاف في صحة إجباره لها.

(12/319)


4- باب: إِذَا أُكْرِهَ حَتَّى وَهَبَ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ

(12/319)


6947- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ "عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ فَسَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ"
قوله: "باب: إذا أكره حتى وهب عبدا أو باعه لم يجز" أي ذلك البيع والهبة، والعبد باق على ملكه. قوله: "وبه قال بعض الناس. قال: فإن نذر المشتري فيه نذرا فهو جائز" أي ماض عليه ويصح البيع الصادر مع الإكراه وكذلك الهبة. قوله: "بزعمه" أي عنده، والزعم يطلق على القول كثيرا. قوله: "وكذلك إن دبره" أي ينعقد التدبير نقل ابن بطال عن محمد بن سحنون قال: وافق الكوفيون الجمهور على أن بيع المكره باطل، وهذا يقتضي أن البيع مع الإكراه غير ناقل للملك، فإن سلموا ذلك بطل قولهم إن نذر المشتري وتدبيره يمنع تصرف الأول فيه، وإن قالوا إنه ناقل فلم خصوا ذلك بالعتق والهبة دون غيرهما من التصرفات؟ قال الكرماني: ذكر المشايخ أن المراد بقول البخاري في هذه الأبواب "بعض الناس" الحنفية وغرضه أنهم تناقضوا، فإن بيع الإكراه إن كان ناقلا للملك إلى المشتري فإنه يصح منه جميع التصرفات فلا يختص بالنذر والتدبير، وإن قالوا ليس بناقل فلا يصح النذر والتدبير أيضا، وحاصله أنهم صححوا النذر والتدبير بدون الملك، وفيه تحكم وتخصيص بغير مخصص. وقال المهلب: أجمع العلماء على أن الإكراه على البيع والهبة لا يجور معه البيع، وذكر عن أبي حنيفة إن أعتقه المشتري أو دبره جاز وكذا الموهوب له، وكأنه قاسه على البيع الفاسد لأنهم قالوا إن تصرف المشتري في البيع الفاسد نافذ ثم ذكر البخاري حديث جابر في بيع المدبر وقد تقدم شرحه مستوفي في العتق، قال ابن بطال: ووجه الرد به على القول المذكور أن الذي دبره لما لم يكن له مال غيره كان تدبيره سفها من فعله فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وإن كان ملكه للعبد كان صحيحا فكان من اشتراه شراء فاسدا ولم يصح له ملكه إذا دبره أو أعتقه أولى أن يرد فعله من أجل أنه لم يصح له ملكه.

(12/320)


باب من الاكراه كرها و كرها و احد
...
5- باب: مِنْ الإِكْرَاهِ كُرْهًا وَ كَرْهًا وَاحِدٌ
6948- حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ فَيْرُوزٍ عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ وَحَدَّثَنِي عَطَاءٌ أَبُو الحَسَنِ السُّوَائِيُّ وَلاَ أَظُنُّهُ إِلاَّ ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً} الْآيَةَ. قَالَ: "كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجْهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ"
قوله: "باب: من الإكراه" أي من جملة ما ورد في كراهية الإكراه ما تضمنته الآية، وهو المذكور فيه عن ابن عباس في نزول قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً} وقد تقدم شرحه في تفسير سورة النساء، فإنه أورده هناك عن محمد بن مقاتل عن أسباط بن محمد وهنا عن حسين بن منصور عن أسباط، وحسين نيسابوري ما له في البخاري إلا هذا الموضع كذا جزم به الكلاباذي، وقد تقدم شرحه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم:

(12/320)


"حدثنا الحسن بن منصور أبو علي حدثنا حجاج بن محمد " فذكر حديثا، وذكر الخطيب أن محمد بن مخلد روى عن أبي علي هذا فسماه حسينا بالتصغير فيحتمل أن يكون هو، وذكر المزي مع حسين بن منصور النيسابوري ثلاثة كل منهم حسين بن منصور وكلهم من طبقة واحدة، وقوله في الترجمة "كرها وكرها واحد" أي بفتح أوله وبضمه بمعنى واحد وهذا قول الأكثر، وقيل بالضم ما أكرهت نفسك عليه وبالفتح ما أكرهك عليه غيرك، ووقع لغير أبي ذر "كره وكره" بالرفع فيهما، وسقط للنسفي أصلا، وقد تقدم في تفسير سورة النساء. وقال ابن بطال عن المهلب: يستفاد منه أن كل من أمسك امرأته طمعا أن تموت فيرثها لا يحل له ذلك بنص القرآن، كذا قال ولا يلزم من النص على أن ذلك لا يحل أن لا يصح ميراثه منها في الحكم الظاهر.

(12/321)


6- باب: إِذَا اسْتُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا
لقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
6949- وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي نَافِعٌ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الإِمَارَةِ وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ مِنْ الْخُمُسِ فَاسْتَكْرَهَهَا حَتَّى اقْتَضَّهَا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ وَنَفَاهُ، وَلَمْ يَجْلِدْ الْوَلِيدَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا". قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الأَمَةِ الْبِكْرِ يَفْتَرِعُهَا الْحُرُّ: يُقِيمُ ذَلِكَ الْحَكَمُ مِنْ الأَمَةِ الْعَذْرَاءِ بِقَدْرِ ثمنها وَيُجْلَدُ، وَلَيْسَ فِي الأَمَةِ الثَّيِّبِ فِي قَضَاءِ الأَئِمَّةِ غُرْمٌ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ
6950- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ - أَوْ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ - فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا فَأَرْسَلَ بِهَا فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ"
قوله: "باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها لقوله تعالى:{ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي لهن: وقد قرئ في الشاذ " فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم " وهي قراءة ابن مسعود وجابر وسعيد بن جبير ونسيت أيضا لابن عباس والمحفوظ عنه تفسيره بذلك وكذا عن جماعة غيره، وجوز بعض المعربين أن يكون التقدير "لهم" أي لمن وقع منه الإكراه لكن إذا تاب، وضعف بكون الأصل عدم التقدير، وأجيب بأنه لا بد من التقدير لأجل الربط، واستشكل تعليق المغفرة لهن لأن التي تكره ليست آثمة، وأجيب باحتمال أن يكون الإكراه المذكور كان دون ما اعتبر شرعا فربما قصرت عن الحد الذي تعذر به فيأثم فناسب تعليق المغفرة. وقال البيضاوي: الإكراه لا ينافي المؤاخذة. قلت: أو ذكر المغفرة والرحمة لا يستلزم تقدم الإثم فهو كقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال الطيبي: يستفاد منه الوعيد الشديد للمكرهين لهن وفي ذكر المغفرة والرحمة وتعريض وتقديره انتهوا أيها المكرهون فإنهن مع كونهن مكرهات قد يؤاخذن لولا رحمة الله ومغفرته فكيف بكم أنتم، ومناسبتها للترجمة أن في الآية دلالة على أن لا إثم

(12/321)


على المكرهة على الزنا فيلزم إذ لا يجب عليها الحد، وفي صحيح مسلم عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيلمة وأخرى يقال لها أميمة وكان يكرههما على الزنا فأنزل الله سبحانه وتعالى :{وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} الآية. قوله: "وقال الليث" هو ابن سعد "حدثني نافع" هو مولى ابن عمر. قوله: "أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته" يعني الثقفية امرأة عبد الله بن عمر. قوله: "أن عبدا من رقيق الإمارة" بكسر الألف أي من مال الخليفة وهو عمر. قوله: "وقع على وليدة من الخمس" أي من مال خمس الغنيمة الذي يتعلق التصرف فيه بالإمام، والمراد زنى بها. قوله: "فاستكرهها حتى اقتضها" بقاف وضاد معجمة مأخوذ من القضة وهي عذرة البكر، وهذا يدل على أنها كانت بكرا. قوله: "فجلده عمر الحد ونفاه" أي جلده خمسين جلدة ونفاه نصف سنة، لأن حده نصف حد الحر، ويستفاد منه أن عمر كان يرى أن الرقيق ينفي كالحر، وقد تقدم البحث فيه في الحدود. وقوله: "لم يجلد الوليدة لأنه استكرهها " لم أقف على اسم واحد منهما. وهذا الأثر وصله أبو القاسم البغوي عن العلاء بن موسى عن الليث بمثله سواء، ووقع لي عاليا جدا بيني وبين صاحب الليث فيه سبعة أنفس بالسماع المتصل في أزيد من ستمائة سنة، قرأته على محمد بن الحسن بن عبد الرحيم الدقاق عن أحمد بن نعمة سماعا أنبأنا أبو المنجا بن عمر أنبأنا أبو الوقت أنبأنا محمد بن عبد العزيز أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنبأنا البغوي فذكره، وعند ابن أبي شيبة فيه حديث مرفوع عن وائل بن حجر قال: "استكرهت امرأة في الزنا فدرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها الحد " وسنده ضعيف. قوله: "وقال الزهري في الأمة البكر يفترعها" بفاء وبعين مهملة أي يقتضها. قوله: "يقيم ذلك" أي الافتراع "الحكم" بفتحتين أي الحاكم. قوله: "بقدر ثمنها" أي على الذي اقتضها ويجلد، والمعنى أن الحاكم يأخذ من المفترع دية الافتراع بنسبة قيمتها أي أرش النقص، وهو التفاوت بين كونها بكرا أو ثيبا، وقوله: "يقيم " بمعنى يقوم وفائدة قوله: "ويجلد " لدفع توهم من يظن أن العقر يغني عن الجلد. قوله: "وليس في الأمة الثيب لي قضاء الأئمة غرم" بضم المعجمة أي غرامة، ولكن عليها الحد. ثم ذكر طرفا من حديث أبي هريرة في شأن إبراهيم وسارة مع الجبار، وقد مضى شرحه مستوفي في أحاديث الأنبياء. قوله هنا "الظالم" تقدم هناك بلفظ: "الكافر" وقوله: "غط " بضم الغين المعجمة أي غم وزنه ومعناه وقيل خنق، ونقل ابن التين أنه روى بالعين المهملة وأخذ من العطعطة وهي حكاية صوت، وتقدم الخلاف في تسمية الجبار، والمراد بالقرية حران وقيل الأردن وقيل مصر، وقولها " إن كنت " ليس للشك فتقديره إن كنت مقبولة الإيمان عندك، وقوله ركض أي حرك، قال ابن المنير: ما كان ينبغي إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة أصلا، وليس لها مناسبة للترجمة إلا سقوط الملامة عنها في الخلوة لكونها كانت مكرهة على ذلك، قال الكرماني تبعا لابن بطال، وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب مع أن سارة عليها السلام كانت معصومة من كل سوء أنها لا ملامة عليها في الخلوة مكرهة فكذا غيرها لو زنى بها مكرهة لا حد عليها. "تكميل": لم يذكروا حكم إكراه الرجل على الزنا، وقد ذهب الجمهور أنه لا حد عليه، وقال مالك وطائفة: عليه الحد لأنه لا ينتشر إلا بلذة، وسواء أكرهه سلطان أم غيره، وعن أبي حنيفة يحد إن أكرهه غير السلطان، وخالفه صاحباه، واحتج المالكية بأن الانتشار لا يحصل إلا بالطمأنينة وسكون النفس، والمكره بخلافه لأنه خائف، وأجيب بالمنع وبأن الوطء يتصور بغير انتشار. والله أعلم.

(12/322)


باب جين الرجل لصاحبه
...
7- باب: يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ إِنَّهُ أَخُوهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ نَحْوَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ يَخَافُ فَإِنَّهُ يَذُبُّ عَنْهُ الْمَظَالِمَ وَيُقَاتِلُ دُونَهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ، فَإِنْ قَاتَلَ دُونَ الْمَظْلُومِ فَلاَ قَوَدَ عَلَيْهِ وَلاَ قِصَاصَ. وَإِنْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَتَبِيعَنَّ عَبْدَكَ أَوْ تُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ هِبَةً وَتَحُلُّ عُقْدَةً أَوْ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ فِي الإِسْلاَمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَسِعَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ". وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَنَقْتُلَنَّ ابْنَكَ أَوْ أَبَاكَ أَوْ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ لَمْ يَسَعْهُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ، ثُمَّ نَاقَضَ فَقَالَ: إِنْ قِيلَ لَهُ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ ابْنَكَ أَوْ لَتَبِيعَنَّ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ تُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ يَلْزَمُهُ فِي الْقِيَاسِ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ وَنَقُولُ: الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَكُلُّ عُقْدَةٍ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ، فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ. وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِامْرَأَتِهِ: هَذِهِ أُخْتِي" وَذَلِكَ فِي اللَّهِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ ظَالِمًا فَنِيَّةُ الْحَالِفِ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَنِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ
6951- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ. وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ"
6952- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ ابْنِ أَنَسٍ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا . فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ"
قوله: "باب: يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه" جواب الشرط يأتي بعده. قوله: "وكذلك كل مكره يخاف فإنه" أي المسلم "يذب" بفتح أوله وضم الذال المعجمة أي يدفع "عنه الظالم ويقاتل دونه" أي عنه "ولا يخذله" قال ابن بطال: ذهب مالك والجمهور إلى أن من أكره على يمين إن لم يحلفها قتل أخوه المسلم أنه لا حنث عليه، وقال الكوفيون يحنث لأنه كان له أن يوري فلما ترك التورية صار قاصدا لليمين فيحنث. وأجاب الجمهور بأنه إذا أكره على اليمين فنيته مخالفة لقوله: "الأعمال بالنيات ". قوله: "فإن قاتل دون المظلوم فلا قود عليه ولا قصاص" قال الداودي: أراد لا قود ولا دية عليه ولا قصاص، قال والدية تسمى أرشا. قلت: والأولى أن قوله: "ولا قصاص " تأكيد، أو أطلق القود على الدية. وقال ابن بطال: اختلفوا فيمن قاتل عن رجل خشي عليه أن يقتل فقتل دونه هل يجب على الآخر قصاص أو دية؟ فقالت طائفة: لا يجب عليه شيء للحديث المذكور ففيه: "ولا يسلمه " وفي الحديث الذي بعده "أنصر أخاك" وبذلك قال عمر، وقالت طائفة: عليه القود وهو قول الكوفيين وهو يشبه قول ابن القاسم وطائفة من المالكية، وأجابوا عن الحديث بأن فيه

(12/323)


الندب إلى النصر وليس فيه الإذن بالقتل، والمتجه قول ابن بطال أن القادر على تخليص المظلوم توجه عليه دفع الظلم بكل ما يمكنه، فإذا دافع عنه لا يقصد قتل الظالم وإنما يقصد دفعه فلو أتى الدفع على الظالم كان دمه هدرا وحينئذ لا فرق بين دفعه عن نفسه أو عن غيره. قوله: "وإن قيل له لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة أو لتبيعن عبدك أو لتقر بدين أو تهب هبة أو تحل عقدة أو لتقتلن أباك أو أخاك في الإسلام وما أشبه ذلك وسعه ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم المسلم أخو المسلم" قال الكرماني: المراد بحل العقدة فسخها وقيد الأخ بالإسلام ليكون أعم من القريب " وسعه ذلك " أي جاز له جميع ذلك ليخلص أباه وأخاه، وقال ابن بطال ما ملخصه: مراد البخاري أن من هدد بقتل والده أو بقتل أخيه في الإسلام إن لم يفعل شيئا من المعاصي أو يقر على نفسه بدين ليس عليه أو يهب شيئا لغيره بغير طيب نفس منه أو يحل عقدا كالطلاق والعتاق بغير اختياره أنه يفعل جميع ما هدد به لينجو أبوه من القتل وكذا أخوه المسلم من الظلم ودليله على ذلك ما ذكره في الباب الذي بعده موصولا ومعلقا، ونبه ابن التين على وهم وقع للداودي الشارح حاصله أن الداودي وهم في إيراد كلام البخاري فجعل قوله: "لتقتلن " بالتاء وجعل قول البخاري وسعه ذلك " لم يسعه ذلك " ثم تعقبه بأنه إن أراد لا يسعه في قتل أبيه أو أخيه فصواب، وأما الإقرار بالدين والهبة والبيع فلا يلزم، واختلف في الشرب والأكل، قال ابن التين: قرأ لتقتلن بتاء الخاطبة وإنما هو بالنون. قوله: "وقال بعض الناس لو قيل له لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة أو لتقتلن ابنك أو أباك أو ذا رحم محرم لم يسعه لأن هذا ليس بمضطر، ثم ناقض فقال: إن قيل له لتقتلن أباك أو لتبيعن هذا العبد أو لتقرن بدين أو بهبة يلزمه في القياس، ولكنا نستحسن ونقول البيع والهبة وكل عقدة في ذلك باطل" قال ابن بطال: معناه أن ظالما لو أراد قتل رجل فقال لولد الرجل مثلا إن لم تشرب الخمر أو تأكل الميتة قتلت أباك، وكذا لو قال له قتلت ابنك أو ذا رحم لك ففعل لم يأثم عند الجمهور، وقال أبو حنيفة يأثم لأنه ليس بمضطر لأن الإكراه إنما يكون فيما يتوجه إلى الإنسان في خاصة نفسه لا في غيره، وليس له أن يعصي الله حتى يدفع عن غيره بل الله سائل الظالم ولا يؤاخذ الابن لأنه لم يقدر على الدفع إلا بارتكاب ما لا يحل له ارتكابه، قال: ونظيره في القياس ما لو قال إن لم تبع عبدك أو تقر بدين أو تهب هبة أن كل ذلك ينعقد، كما لا يجوز له أن يرتكب المعصية في الدفع عن غيره. ثم ناقض هذا المعنى فقال: ولكنا نستحسن ونقول البيع وغيره من العقود كل ذلك باطل، فخالف قياس قوله بالاستحسان الذي ذكره، فلذلك قال البخاري بعده فرقوا بين كل ذي رحم محرم وغيره بغير كتاب ولا سنة " يعني أن مذهب الحنفية في ذي رحم بخلاف مذهبهم في الأجنبي، فلو قيل لرجل: لتقتلن هذا الرجل الأجنبي أو لتبيعن كذا ففعل لينجيه من القتل لزمه البيع، ولو قيل له ذلك في ذي رحمه لم يلزمه ما عقده. والحاصل أن أصل أبي حنيفة اللزوم في الجميع قياسا لكن يستثنى من له منه رحم استحسانا، ورأى البخاري أن لا فرق بين القريب والأجنبي في ذلك لحديث: "المسلم أخو المسلم: "فإن المراد به أخوة الإسلام لا النسب، ولذلك استشهد بقول إبراهيم "هذه أختي" والمراد أخوة الإسلام، وإلا فنكاح الأخت كان حراما في ملة إبراهيم، وهذه الأخوة توجب حماية أخيه المسلم والدفع عنه فلا لزمه ما عقده ولا إثم عليه فيما يأكل ويشرب للدفع عنه، فهو كما لو قيل له لتفعلن كذا أو لنقتلنك يسعه إتيانها ولا يلزمه الحكم ولا يقع عليه الإثم. وقال الكرماني: يحتمل أن يقرر البحث المذكور بأن يقال إنه ليس بمضطر لأنه مخير في أمور متعددة والتخيير ينافي الإكراه، فكما لا إكراه في الصورة الأولى

(12/324)


وهي الأكل والشرب والقتل كذلك لا إكراه في الصورة الثانية وهو البيع والهبة والعتق، فحيث قالوا ببطلان البيع استحسانا فقد ناقضوا إذ يلزم منه القول بالإكراه وقد قالوا بعدم الإكراه. قلت: ولقائل أن يقول بعدم الإكراه أصلا، وإنما أثبتوه بطريق القياس في الجميع لكن استحسنوا في أمر المحرم لمعنى قام به، وقوله في أول التقرير " في أمور متعددة " ليس كذلك بل الذي يظهر أن " أو " فيه للتنويع لا للتخيير وأنها أمثلة لا مثال واحد ثم قال الكرماني: وقوله أي البخاري أن تفريقهم بين المحرم وغيره شيء قالوه لا يدل عليه كتاب ولا سنة أي ليس فيهما ما يدل على الفرق بينهما في باب الإكراه، وهو أيضا كلام استحساني، قال: وأمثال هذه المباحث غير مناسبة لوضع هذا الكتاب إذ هو خارج عن فنه. قلت: وهو عجب منه لأن كتاب البخاري كما تقدم تقريره لم يقصد به إيراد الأحاديث نقلا صرفا بل ظاهر وضعه أنه يجعل كتابا جامعا للأحكام وغيرها، وفقهه في تراجمه، فلذلك يورد فيه كثيرا الاختلاف العالي ويرجح أحيانا ويسكت أحيانا توقفا عن الجزم بالحكم ويورد كثيرا من التفاسير ويشير فيه إلى كثير من العلل وترجيح بعض الطرق عل بعض، فإذا أورد فيه شيئا من المباحث لم تستغرب، وأما رمزه إلى أن طريقة البحث ليست من فنه. فتلك شكاة ظاهر عنك عارها، فللبخاري أسوة بالأئمة الذين سلك طريقهم كالشافعي وأبي ثور والحميدي وأحمد وإسحاق، فهذه طريقتهم في البحث وهي محصلة للمقصود وإن لم يعرجوا على اصطلاح المتأخرين. قوله: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قال إبراهيم لامرأته" في رواية الكشميهني: "لسارة". قوله: "هذه أختي وذلك في الله" هذا طرف من قصة إبراهيم وسارة مع الجبار، وقد وصله في أحاديث الأنبياء وليس فيه: "وذلك في الله " بل تقدم هناك ثنتان منهما في ذات الله قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} ومفهومه أن الثالثة وهي قوله: "هذه أختي " ليست في ذات الله، فعلى هذا فقوله: "وذلك في الله " من كلام البخاري ولا مخالفة بينه وبين مفهوم الحديث المذكور، لأن المراد أنهما من جهة محض الأمر الإلهي بخلاف الثالثة فإن فيها شائبة نفع وحظ له، ولا ينفي أن يكون في الله أي من أجل توصله بذلك إلى السلامة مما أراده الجبار منها أو منه. قوله: "وقال النخعي: إذا كان المستحلف ظالما فنية الحالف، وإن كان مظلوما فنية المستحلف" وصله محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عنه بلفظ: "إذا استحلف الرجل وهو مظلوم فاليمين على ما نوى وعلى ما ورى، وإذا كان ظالما فاليمين على نية من استحلفه، ووصله ابن أبي شيبة من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي بلفظ: "إذا كان الحالف مظلوما فله أن يوري، وإن كان ظالما فليس له أن يوري" قال ابن بطال: قول النخعي يدل على أن النية عنده نية المظلوم أبدا. وإلى مثله ذهب مالك والجمهور، وعند أبي حنيفة النية نية الحالف أبدا. قلت: ومذهب الشافعي أن الحلف إن كان عند الحاكم فالنية نية الحاكم وهي راجعة إلى نية صاحب الحق، وإن كان في غير الحكم فالنية نية الحالف. قال ابن بطال: ويتصور كون المستحلف مظلوما أن يكون له حق في قبل رجل فيجحده ولا بينه له فيستحلفه فتكون النية نيته لا الحالف فلا تنفعه في ذلك التورية. ثم ذكر البخاري حديث ابن عمر مرفوعا: "المسلم أخو المسلم: "قد تقدم من هذا الوجه بأتم من هذا السياق في كتاب المظالم مشروحا. قوله: "حدثني محمد بن عبد الرحيم" هو البزاز بمعجمتين البغدادي الملقب صاعقة وهو من طبقة البخاري في أكثر شيوخه، وسعيد بن سليمان من شيوخ البخاري فقد روى عنه بغير واسطة في مواضع أقربها في "باب من اختار الضرب" وقد أخرج البخاري حديث الباب في كتاب المظالم عن عثمان بن أبي شيبة عن هشيم

(12/325)


فنزل فيه هنا درجتين لأن سياقه هنا أتم ولمغايرة الإسناد. قوله: "فقال رجل" لم أقف على اسمه، ووقع في رواية عثمان " قالوا". قوله: "آنصره مظلوما" بالمد على الاستفهام وهو استفهام تقرير ويجوز ترك المد. قوله: "أفرأيت" أي أخبرني قال الكرماني: في هذه الصيغة مجازان: إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار، والخبر وإرادة الأمر. قوله: "إذا كان ظالما" أي كيف أنصره على ظلمه. قوله: "تحجزه" بمهملة ثم جيم ثم زاي للأكثر، ولبعضهم بالبراء بدل الزاي وكلاهما بمعنى المنع. وفي رواية عثمان تأخذ فوق يده "وهو كناية عن المنع، وتقدم بيان اختلاف ألفاظه هناك، ومنها أن في رواية عائشة " قال إن كان مظلوما فخذ له بحقه، وإن كان ظالما فخذ له من نفسه" أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب أدب الحكماء.
"خاتمة": اشتمل كتاب الإكراه من الأحاديث المرفوعة على خمسة عشر حديثا. المعلق منها ثلاثة وسائرها موصول، وهي مكررة كلها فيما مضى، وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم تسعة آثار. والله أعلم.

(12/326)