Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب التعبير
باب أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
91- كتاب التعبير
1- باب: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ
6982- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْه مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - حَتَّى بَلَغَ - مَا لَمْ يَعْلَمْ} فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ: يَا خَدِيجَةُ مَا لِي؟ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ وَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ لَهُ: كَلاَ، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخُو أَبِيهَا - وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي

(12/351)


الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ فَيَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ الإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالِقُ الإِصْبَاحِ: ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَار،ِ وَضَوْءُ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ
قوله: "باب" بالتنوين "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة" كذا للنسفي والقابسي، ولأبي ذر مثله إلا أنه سقط له عن غير المستملي لفظ: "باب " ولغيرهم " باب التعبير وأولى ما بدئ به " إلى آخره، وللإسماعيلي: "كتاب التعبير" ولم يزد، وثبتت البسملة أولا للجميع، والتعبير خاص بتفسير الرؤيا وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها وقيل النظر في الشيء فيعتبر بعضه ببعض حتى يحصل على فهمه حكاه الأزهري، وبالأول جزم الراغب وقال: أصله من العبر بفتح ثم سكون وهو التجاوز من حال إلى حال، وخصوا تجاوز الماء بسباحة أو في سفينة أو غيرها بلفظ العبور بضمتين، وعبر القوم إذا ماتوا كأنهم جازوا القنطرة من الدنيا إلى الآخرة، قال: والاعتبار والعبرة الحالة التي يتوصل بها من معرفة الشاهد إلى ما ليس بمشاهد، ويقال عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك، وأما الرؤيا فهي ما يراه الشخص في منامه وهي بوزن فعلي وقد تسهل الهمزة، وقال الواحدي: هي في الأصل مصدر كاليسرى، فلما جعلت اسما لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء. قال الراغب: والرؤية بالهاء إدراك المرء بحاسة البصر، وتطلق على ما يدرك بالتخيل نحو أرى أن زيدا مسافر، وعلى التفكر النظري نحو {إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ} وعلى الرأي وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن انتهى. وقال القرطبي في "المفهم": قال بعض العلماء قد تجيء الرؤية بمعنى الرؤيا كقوله تعالى :{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} فزعم أن المراد بها ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من العجائب، وكان الإسراء جميعه في اليقظة. قلت: وعكسه بعضهم فزعم أنه حجة لمن قال إن الإسراء كان مناما والأول المعتمد، وقد تقدم في تفسير الإسراء قول ابن عباس إنها رؤيا عين، ويحتمل أن تكون الحكمة في تسمية ذلك رؤيا لكون أمور الغيب مخالفة لرؤيا الشهادة فأشبهت ما في المنام. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان إما بأسمائها أي حقيقتها وإما بكناها أي بعبارتها وإما تخليط، ونظيرها في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق في قصة وقد تأتي مسترسلة غير محصلة،

(12/352)


هذا حاصل قول الأستاذ أبي إسحاق، قال: وذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى إنها اعتقادات، واحتج بأن الرائي قد يرى نفسه بهيمة أو طائرا مثلا، وليس هذا إدراكا، فوجب أن يكون اعتقادا لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد، قال ابن العربي: والأول أولى، والذي يكون من قبيل ما ذكره ابن الطيب من قبيل المثل، فالإدراك إنما يتعلق به لا بأصل الذات. انتهى ملخصا. وقال المازري، كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت أقوالهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الإخلاط فيقول من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو، وهكذا إلى آخره، وهذا وإن جوزه العقل وجاز أن يجري الله العادة به لكنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط. ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها، قال: وهذا أشد فسادا من الأول لكونه تحكما لا برهان عليه والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض والأعراض لا ينتقش فيها قال والصحيح ما عليه أهل السنة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان فإذا خلقها فكأنه جعلها علما على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله خلق الغيم علامة على المطر وقد يتخلف، وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسر أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضر والعلم عند الله تعالى. وقال القرطبي: سبب تخليط غير الشرعيين إعراضهم عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم، وبيان ذلك أن الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس وقد غيب عنا علم حقيقتها أي النفس، وإذا كان كذلك فالأولى أن لا نعلم علم إدراكاتها، بل كثير مما انكشف لنا من إدراكات السمع والبصر إنما نعلم منه أمورا جملية لا تفصيلة. ونقل القرطبي في "المفهم" عن بعض أهل العلم أن لله تعالى ملكا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم فيمثل له صورة محسوسة، فتارة تكون أمثلة موافقة لما يقع في الوجود وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة، وتكون في الحالين مبشرة ومنذرة، قال: ويحتاج فيما نقله عن الملك إلى توقيف من الشرع وإلا فجائز أن يخلق الله تلك المثالات من غير ملك، قال: وقيل إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله أعلاما على ما كان أو يكون. وقال القاضي عياض: اختلف في النائم المستغرق فقيل لا تصح رؤياه ولا ضرب المثل له لأن هذا لا يدرك شيئا مع استغراق أجزاء قلبه لأن النوم يخرج الحي عن صفات التمييز والظن والتخيل كما يخرجه عن صفة العلم، وقال آخرون: بل يصح للنائم مع استغراق أجزاء قلبه بالنوم أن يكون ظانا ومتخيلا، وأما العلم فلا لأن النوم آفة تمنع حصول الاعتقادات الصحيحة، نعم إن كان بعض أجزاء قلبه لم يحل فيه النوم فيصح وبه يضرب المثل وبه يرى ما يتخيله ولا تكليف عليه حينئذ لأن رؤياه ليست على حقيقة وجود العلم ولا صحة الميز، وإنما بقيت فيه بقية يدرك بها ضرب المثل. وأيده القرطبي بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام عينه ولا ينام قلبه، ومن ثم احترز القائل بقوله: "المدرك" من النائم ولذا قال: "منضبطة في التخيل" لأن الرائي لا يرى في منامه إلا من نوع ما يدركه في اليقظة بحسه، إلا أن التخيلات قد تركب له في النوم تركيبا يحصل به صورة لا عهد له بها يكون علما على أمر نادر كمن رأى رأس إنسان على جسد فرس له جناحان مثلا وأشار

(12/353)


بقوله: "أعلاما" إلى الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها، وأما الحديث الذي أخرجه الحاكم والعقيلي من رواية محمد بن عجلان عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: "لقي عمر عليا فقال: يا أبا الحسن الرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب: قال نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلئ نوما إلا تخرج بروحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب، قال الذهبي في تلخيصه: هذا حديث منكر لم يصححه المؤلف، ولعل الآفة من الراوي عن ابن عجلان. قلت: هو أزهر ابن عبد الله الأزدي الخراساني ذكره العقيلي في ترجمته وقال: إنه غير محفوظ، ثم ذكره من طريق أخرى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ببعضه، وذكر فيه اختلافا في وقفه ورفعه، وذكر ابن القيم حديثا مرفوعا غير معزو "إن رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام " ووجد الحديث المذكور في " نوادر الأصول للترمذي" من حديث عبادة بن الصامت أخرجه في الأصل الثامن والسبعين وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واه وفي سنده جنيد، قال ابن ميمون عن حمزة بن الزبير عن عبادة قال الحكيم: قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى :{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} أي في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي بخلاف غيرهم، فالوحي لا يدخله خلل لأنه محروس بخلاف رؤيا غير الأنبياء فإنها قد يحضرها الشيطان. وقال الحكيم أيضا: وكل الله بالرؤيا ملكا اطلع على أحوال بني آدم كل من اللوح المحفوظ فينسخ منها ويضرب لكل على قصته مثلا، فإذا نام مثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، والآدمي قد تسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما فهو يكيده بكل وجه ويريد إفساد أموره بكل طريق فيلبس عليه رؤياه إما بتغليطه فيها وإما بغفلته عنها، ثم جميع المرائي تنحصر على قسمين: الصادقة وهي رؤيا الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين وقد تقع لغيرهم بندور وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم، والأضغاث وهي لا تنذر بشيء وهي أنواع: الأول تلاعب الشيطان ليحزن الرائي كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه أو رأى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك، الثاني أن يرى أن بعض الملائكة تأمره أن يفعل المحرمات مثلا ونحوه من المحال عقلا، الثالث أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه كما هو في المنام وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة أو ما يغلب على مزاجه ويقع عن المستقبل غالبا وعن الحال كثيرا وعن الماضي قليلا. ثم ساق المصنف حديث عائشة في بدء الوحي وقد ذكره في أول الصحيح وقد شرحته هناك ثم استدركت ما فات من شرحه في تفسير {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وسأذكر هنا ما لم يتقدم ذكره في الموضعين غالبا مما يستفاد من شرحه، ومداره على الزهري عن عروة عن عائشة، وقد ساقه في المواضع الثلاثة عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري ولكنه ساقه على لفظه في أول الكتاب، وقرنه في التفسير بيونس بن يزيد وساقه على لفظه، ثم قرنه هنا بمعمر وساقه على لفظه، وقوله هنا " أنبأنا معمر قال قال الزهري فأخبرني عروة " وقع عند مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق مثله لكن فيه: "وأخبرني" بالواو لا بالفاء وهذه الفاء معقبة لشيء محذوف وكذلك الواو عاطفة عليه، وقد بينه البيهقي في "الدلائل" حيث أخرج الحديث من وجه آخر عن الزهري عن محمد بن النعمان بن بشير مرسلا فذكر قصة بدء الوحي مختصرة ونزول {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} إلى قوله: {خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} وقال محمد بن النعمان: فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. قال الزهري:

(12/354)


فسمعت عروة بن الزبير يقول: "قالت عائشة" فذكر الحديث مطولا. قوله: "الصالحة" في رواية عقيل "الصادقة" وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي كلها صادقة وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص: إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقا. وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري في التعبير القادري: الرؤية الصادقة ما يقع بعينه أو ما يعبر في المنام أو يخبر به ما لا يكذب والصالحة ما يسر. قوله: "إلا جاءته مثل فلق الصبح" في رواية الكشميهني: "جاءت " كرواية عقيل، قال ابن أبي حمزة: إنما شبهها بفلق الصبح دون غيره لأن شمس النبوة كانت الرؤيا مبادي أنوارها فما زال ذلك النور يتسع حتى أشرقت الشمس فمن كان باطنه نوريا كان في التصديق بكريا كأبي بكر ومن كان باطنه مظلما كان في التكذيب خفاشا كأبي جهل، وبقية الناس بين هاتين المنزلتين كل منهم بقدر ما أعطى من النور. قوله: "يأتي حراء" قال ابن أبي حمزة: الحكمة في تخصيصه بالتخلي فيه أن المقيم فيه كان يمكنه رؤية الكعبة فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت. قلت: وكأنه مما بقي عندهم من أمور الشرع على سنن الاعتكاف، وقد تقدم أن الزمن الذي كان يخلو فيه كان شهر رمضان وأن قريشا كانت تفعله كما كانت تصوم عاشوراء، ويزاد هنا أنهم إنما لم ينازعوا النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش وكانوا يعظمونه لجلالته وكبر سنه فتبعه على ذلك من كان يتأله، فكلن صلى الله عليه وسلم يخلو بمكان جده وسلم له ذلك أعمامه لكرامته عليهم، وقد تقدم ضبط حراء وإن كان الأفصح فيه كسر أوله وبالمد وحكي تثليث أوله مع المد والقصر وكسر الراء والصرف وعدمه فيجتمع فيه عدة لغات مع قلة أحرفه، ونظيره قباء لكن الخطابي جزم بأن فتح أوله لحن وكذا ضمه وكذا قصر وكسر الراء، وزاد التميمي ترك الصرف، وقال الكرماني إن كان الذي كسر الراء أراد الإمالة فهو سائغ. قوله: "الليالي ذوات العدد" قال الكرماني: يحتمل الكثرة إذ الكثير يحتاج إلى العدد وهو المناسب للمقام. قلت: أما كونه المناسب فمسلم، وأما الأول فلا لأن عادتهم جرت في الكثير أن يوزن وفي القليل أن يعد، وقد جزم الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة بأن المراد به الكثرة لأن العدد على قسمين فإذا أطلق أريد به مجموع القلة والكثرة فكأنها قالت ليالي كثيرة أي مجموع قسمي العدد. وقال الكرماني اختلف في تعبده صلى الله عليه وسلم بماذا كان يتعبد بناء على أنه هل كان متعبدا بشرع سابق أو لا؟ والثاني قول الجمهور ومستندهم أنه لو وجد لنقل، ولأنه لو وقع لكان فيه تنفير عنه. وبماذا كان يتعبد؟ قيل بما يلقى إليه من أنوار المعرفة، وقيل بما يحصل له من الرؤيا، وقيل بالتفكر، وقيل باجتناب رؤية ما كان يقع من قومه ورجح الآمدي وجماعة الأول ثم اختلفوا في تعيينه على ثمانية أقوال آدم أو نوح أو إبراهيم أو موسى أو عيسى أو أي شريعة أو كل شريعة أو الوقف. قوله: "فتزوده" في رواية الكشميهني بحذف الضمير وقوله: "لمثلها" تقدم في بدء الوحي أن الضمير لليالي، ويحتمل أن يكون للمرة أو الفعلة أو الخلوة أو العبادة، ورجح شيخنا البلقيني أن الضمير للسنة فذكر من رواية ابن إسحاق كان يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه يطعم من جاءه من المساكين قال وظاهره أن التزود لمثلها كان في السنة التي تليها لا لمدة أخرى من تلك السنة، وقد كنت قويت هذا في التفسير ثم ظهر لي بعد ذلك أن مدة الخلوة كانت شهرا كان يتزود لبعض

(12/355)


ليالي الشهر فإذا نفذ ذلك الزاد رجع إلى أهله فتزود قدر ذلك من جهة أنهم لم يكونوا في سعة بالغة من العيش، وكان غالب زادهم اللبن واللحم وذلك لا يدخر منه كفاية الشهور لئلا يسرع إليه الفساد ولا سيما وقد وصف بأنه كان يطعم من يرد عليه. قوله: "حتى فجئه الحق" حتى هنا على بابها من انتهاء الغاية، أي انتهى توجهه لغار حراء بمجيء الملك فترك ذلك، وقوله: "فجئه" بفتح الفاء وكسر الجيم ثم همز أي جاءه الوحي بغتة قاله النووي، قال: فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متوقعا للوحي، وفي إطلاق هذا النفي نظر فإن الوحي كان جاءه في النوم مرارا قاله شيخنا البلقيني وأسنده إلى ما ذكره ابن إسحاق عن عبيد بن عمير أنه وقع له في المنام نظير ما وقع له في اليقظة من الغط والأمر بالقراءة وغير ذلك انتهى، وفي كون ذلك يستلزم وقوعه في اليقظة حتى يتوقعه نظر فالأولى ترك الجزم بأحد الأمرين، وقوله: "الحق " قال الطيبي: أي أمر الحق، وهو الوحي، أو رسول الحق وهو جبريل. وقال شيخنا: أي الأمر البين الظاهر، أو المراد الملك بالحق أي الأمر الذي بعث به. قوله: "فجاءه الملك" تقدم في بدء الوحي الكلام على الفاء التي في قوله: "فجاءه الملك " وأنها التفسيرية، وقال شيخنا البلقيني: يحتمل أن تكون للتعقيب والمعنى بمجيء الحق انكشاف الحال عن أمر وقع في القلب فجاءه الملك عقبه، قال: ويحتمل أن تكون سببية أي حتى قضى بمجيء الوحي فبسبب ذلك جاءه الملك. قلت: وهذا أقرب من الذي قبله، وقوله: "فيه: "يؤخذ منه رفع توهم من يظن أن الملك لم يدخل إليه الغار بل كلمه والنبي صلى الله عليه وسلم داخل الغار والملك على الباب وقد عزوت هذه الزيادة في التفسير لدلائل البيهقي تبعا لشيخنا البلقيني ثم وجدتها هنا فكان العزو إليه أولى فألحقت ذلك هناك، قال شيخنا البلقيني: الملك المذكور هو جبريل كما وقع شاهده في كلام ورقة، وكما مضى في حديث جابر أنه الذي جاءه بحراء، ووقع في شرح القطب الحلبي: الملك هنا هو جبريل قاله السهيلي، فتعجب منه شيخنا وقال: هذا لا خلاف فيه فلا يحسن عزوه للسهيلي وحده، قال: واللام في الملك لتعريف الماهية لا للعهد إلا أن يكون المراد به ما عهده النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك لما كلمه في صباه، أو اللفظ لعائشة وقصدت به ما تعهده من تخاطبه به انتهى. وقد قال الإسماعيلي: هي عبارة عما عرف بعد أنه ملك وإنما الذي في الأصل " فجاءه جاء " وكان ذلك الجائي ملكا فأخبر صلى الله عليه وسلم عنه يوم أخبر بحقيقة جنسه، وكأن الحامل على ذلك أنه لم يتقدم له معرفة به انتهى. وقد جاء التصريح بأنه جبريل فأخرج أبو داود الطيالسي في مسنده من طريق أبي عمران الجوني عن رجل عن عائشة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف هو وخديجة فوافق ذلك رمضان، فخرج يوما فسمع السلام عليكم، قال فظننت أنه من الجن فقال أبشروا فإن السلام خير، ثم رأى يوما آخر جبريل على الشمس له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب قال: فهبت منه، الحديث، وفيه أنه " جاءه فكلمه حتى أنس به " وظاهره أن جميع ما وقع له كان وهو في الغار، لكن وقع في مرسل عبيد بن عمير " فأجلسني على درنوك فيه الياقوت واللؤلؤ " وهو بضم الدال والنون بينهما راء ساكنة نوع من البسط له خمل، وفي مرسل الزهري " فأجلسني على مجلس كريم معجب " وأفاد شيخنا أن سن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه جبريل في حراء كان أربعين سنة على المشهور، ثم حكي أقوالا أخري قيل أربعين ويوما وقيل عشرة أيام وقيل وشهرين وقيل وسنتين وقيل وثلاثا وقيل وخمسا، قال: وكان ذلك يوم الاثنين نهارا، قال: واختلف في الشهر فقيل شهر رمضان في سابع عشره وقيل سابعه وقيل رابع عشرية. قلت: ورمضان هو الراجح لما تقدم من أنه الشهر الذي جاء فيه في حراء فجاءه الملك، وعلى هذا يكون سنه حينئذ أربعين سنة وستة أشهر، وليس ذلك في الأقوال التي

(12/356)


حكاها شيخنا. ثم قال: وسيأتي ما يؤيد ذلك من قول من قال إن وحي المنام كان ستة أشهر، قال شيخنا: وقيل في سابع عشري من شهر رجب، وقيل في أول شهر ربيع الأول وقيل في ثامنه انتهى. ووقع في رواية الطيالسي التي أشرت إليها أن مجيء جبريل كان لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى أهله، فإذا هو بجبريل وميكائيل، فهبط جبريل إلى الأرض وبقي ميكائيل بين السماء والأرض الحديث. فيستفاد من ذلك أن يكون في آخر شهر رمضان، وهو قول آخر يضاف لما تقدم ولعله أرجحها. قوله: "فقال اقرأ" قال شيخنا ظاهره أنه لم يتقدم من جبريل شيء قبل هذه الكلمة ولا السلام، فيحتمل أن يكون سلم وحذف ذكره لأنه معتاد، وقد سلم الملائكة على إبراهيم حين دخلوا عليه، ويحتمل أن يكون لم يسلم لأن المقصود حينئذ تفخيم الأمر وتهويله، وقد تكون مشروعية ابتداء السلام تتعلق بالبشر لا من الملائكة وإن وقع ذلك منهم قي بعض الأحيان. قلت: والحالة التي سلموا فيها على إبراهيم كانوا في صورة البشر فلا ترد هنا، ولا يرد سلامهم على أهل الجنة لأن أمور الآخرة مغايرة لأمور الدنيا غالبا، وقد ذكرت عن رواية الطيالسي أن جبريل سلم أولا ولم ينقل أنه سلم عند الأمر بالقراءة والله أعلم. قوله: "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم" هذا مناسب لسياق الحديث من أوله إلى هنا بلفظ الإخبار بطريق الإرسال، ووقع مثله في التفسير في رواية بدء الوحي اختلاف هل فيه قال ما أنا بقارئ، أو قلت ما أنا بقارئ وجمع بين اللفظين يونس عند مسلم قال: "قلت ما أنا بقارئ " قال شيخنا البلقيني: وظاهره أن عائشة سمعت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون من مرسلات الصحابة. قوله: "فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني" استدل به على أن أفعل ترد لتنبيه ولم يذكروه قاله شيخنا البلقيني، ثم قال: ويحتمل أن تكون على بابها لطلب القراءة على معنى أن الإمكان حاصل. قوله: "فقال اقرأ" قال شيخنا البلقيني رحمه الله: دلت القصة على أن مراد جبريل بهذا أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم نص ما قاله وهو قوله: "اقرأ" وإنما لم يقل اقرأ إلى آخره لئلا يظن أن لفظه: "قل" أيضا من القرآن. قلت: ويحتمل أن يكون السر فيه الابتلاء في أول الأمر حتى يترتب عليه ما وقع، ثم قال شيخنا: ويحتمل أن يكون جبريل أشار بقوله اقرأ إلى ما هو مكتوب في النمط الذي وقع في رواية ابن إسحاق فلذلك قال له "ما أنا بقارئ" أي أمي لا أحسن قراءة الكتب، قال: والأول أظهر وهو أنه أراد بقوله اقرأ التلفظ بها. قلت: ويؤيده أن رواية عبيد بن عمير إنما ذكرها عن منام تقدم، بخلاف حديث عائشة فإنه كان في اليقظة، ثم تكلم شيخنا على ما كان مكتوبا في ذلك النمط فقال اقرأ أي القدر الذي أقرأه إياه وهي الآيات الأولى من {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ويحتمل أن يكون جملة القرآن، على هذا يكون القرآن نزل جملة واحدة باعتبار ونزل منجما كاعتبار آخر، قال: وفي إحضاره له جملة واحدة إشارة إلى أن آخره يكمل باعتبار الجملة ثم تكمل باعتبار التفصيل. قوله: "حتى بلغ مني الجهد" تقدم في بدء الوحي أنه روى بنصب الدال ورفعها وتوجيههما. وقال التوربشتي: لا أرى الذي قاله بالنصب إلا وهم فإنه يصير المعنى أنه غطه حتى استفرغ الملك قوته في ضغطه بحيث لم يبق فيه مزيد، وهو قول غير سديد، فإن البنية البشرية لا تطيق استيفاء القوة الملكية لا سيما في مبتدأ الأمر، وقد صرح الحديث بأنه داخله الرعب من ذلك. قلت: وما المانع أن يكون قواه الله على ذلك ويكون من جملة معجزاته، وقد أجاب الطيبي بأن جبريل لم يكن حينئذ على صورته الملكية فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي جاءه بها حين غطه قال: وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد. قلت: الترجيح

(12/357)


هنا متعين لاتحاد القصة ورواية الرفع لا إشكال فيها وهي التي ثبتت عن الأكثر فترجحت وإن كان للأخرى توجيه، وقد رجح شيخنا البلقيني بأن فاعل بلغ هو الغط والتقدير بلغ مني الغط جهده أي غايته فيرجع الرفع والنصب إلى معنى واحد وهو أولى، قال شيخنا: وكان الذي حصل له عند تلقي الوحي من الجهد مقدمة لما صار يحصل له من الكرب عند نزول القرآن كما في حديث ابن عباس " كان يعالج من التنزيل شدة " وكذا في حديث عائشة وعمر ويعلى بن أمية وغيرهم، وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخي يحصل له عند تلقي الوحي، ولما كان البرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال خص الله نبيه ببرزخ في الحياة يلقى إليه فيه وحيه المشتمل على كثير من الأسرار، وقد يقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم أو غيره اطلاع على كثير من الأسرار، وذلك مستمد من المقام النبوي، ويشهد له حديث: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " كما سيأتي الإلمام به قريبا. قال السهيلي: تأويل الغطات الثلاث على ما في رواية ابن إسحاق أنها كانت في النوم أنه سيقع له ثلاث شدائد يبتلى بها ثم يأتي الفرج، وكذلك كان، فإنه لقي ومن تبعه شدة أولى بالشعب لما حصرتهم قريش، وثانية لما خرجوا وتوعدوهم بالقتل حتى فروا إلى الحبشة، وثالثة لما هموا بما هموا به من المكر به كما قال تعالى :{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} الآية فكانت له العاقبة في الشدائد الثلاث. وقال شيخنا البلقيني ما ملخصه: وهذه المناسبة حسنة ولا يتعين للنوم بل تكون بطريق الإشارة في اليقظة، قال: ويمكن أن تكون المناسبة أن الأمر الذي جاءه به ثقيل من حيث القول والعمل والنية، أو من جهة التوحيد والأحكام والإخبار بالغيب الماضي والآتي، وأشار بالإرسالات الثلاث إلى حصول التيسير والتسهيل والتخفيف في الدنيا والبرزخ والآخرة عليه وعلى أمته. قوله: "فرجع بها" أي رجع مصاحبا للآيات الخمس المذكورة. قوله: "ترجف بوادره" تقدم في بدء الوحي بلفظ فؤاده قال شيخنا: الحكمة في العدول عن القلب إلى الفؤاد أن الفؤاد وعاء القلب على ما قاله بعض أهل اللغة، فإذا حصل للوعاء الرجفان حصل لما فيه فيكون في ذكره من تعظيم الأمر ما ليس في ذكر القلب؟ وأما بوادره فالمراد بها اللحمة التي بين المنكب والعنق، جرت العادة بأنها تضطرب عند الفزع، وعلى ذلك جرى الجوهري أن اللحمة المذكورة سميت بلفظ الجمع، وتعقبه ابن بري فقال: البوادر جمع بادرة وهي ما بين المنكب والعنق، يعني أنه لا يختص بعضو واحد، وهو جيد فيكون إسناد الرجفان إلى القلب لكونه محله وإلى البوادر لأنها مظهره، وأما قول الداودي البوادر والفؤاد واحد فإن أراد أن مفادهما واحد على ما قررناه وإلا فهو مردود. قوله: "قال قد خشيت على" بالتشديد وفي رواية الكشميهني: "على نفسي". قوله: "فقالت له كلا أبشر" قال النووي تبعا لغيره كلا كلمة نفي وإبعاد وقد تأتي بمعنى حقا وبمعنى الاستفتاح، وقال القزاز: هي هنا بمعنى الرد لما خشي على نفسه أي لا خشية عليك، ويؤيده أن في رواية أبي ميسرة "فقالت معاذ الله" ومن اللطائف أن هذه الكلمة التي ابتدأت خديجة النطق بها عقب ما ذكر لها النبي صلى الله عليه وسلم من القصة التي وقعت له هي التي وقعت عقب الآيات الخمس من سورة اقرأ في نسق التلاوة فجرت على لسانها اتفاقا لأنها لم تكن نزلت بعد وإنما نزلت في قصة أبي جهل وهذا هو المشهور عند المفسرين، وقد ذهب بعضهم إلى أنها تتعلق بالإنسان المذكور قيل لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى، وقد أعيد الإنسان هنا كذلك فكان التقدير كلا لا يعلم الإنسان أن الله هو خلقه وعلمه أن الإنسان ليطغى، وأما قولها هنا "أبشر" فلم يقع في حديث عائشة تعيين

(12/358)


المبشر به، ووقع في دلائل البيهقي من طريق أبي ميسرة مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم قص على خديجة ما رأى في المنام فقالت له أبشر فإن الله لن يصنع بك إلا خيرا، ثم أخبرها بما وقع له من شق البطن وإعادته فقالت له أبشر إن هذا والله خير ثم استعلن له جبريل فذكر القصة فقال لها أرأيتك الذي كنت رأيت في المنام فإنه جبريل استعلن لي بأن ربي أرسله إلي، وأخبرها بما جاء به، فقالت: أبشر، فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا، فاقبل الذي جاءك من الله فإنه حق، وأبشر فإنك رسول الله حقا. قلت: هذا أصرح ما ورد في أنها أول الآدميين آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: "لا يخزيك الله أبدا" في رواية الكشميهني: "لا يحزنك" بمهملة ونون. قوله: "وهو ابن عم خديجة أخو أبيها" كذا وقع هنا وأخو صفة للعم فكان حقه أن يذكر مجرورا وكذا وقع في رواية ابن عساكر: "أخي أبيها" وتوجيه رواية الرفع أنه خبر مبتدأ محذوف. قوله: "تنصر" أي دخل في دين النصرانية. قوله: "في الجاهلية" أي قبل البعثة المحمدية، وقد تطلق الجاهلية ويراد بها ما قبل دخول المحكي عنه في الإسلام وله أمثلة كثيرة. قوله: "أو مخرجي هم" ؟ تقدم ضبطه في أول الكتاب وتمامه في التفسير، قال السهيلي: يؤخذ منه شدة مفارقة الوطن على النفس فإنه صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك فلما ذكر له الإخراج تحركت نفسه لذلك لحب الوطن وإلفه فقال: "أو مخرجي هم "؟ قال ويؤيد ذلك إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه فأشعر بأن الاستفهام على سبيل الإنكار أو التفجع، ويؤكد ذلك أن الوطن المشار إليه حرم الله وجوار بيته وبلدة الآباء من عهد إسماعيل عليه السلام. انتهى ملخصا. ويحتمل أن يكون انزعاجه كان من جهة خشية فوات ما أمله من إيمان قومه بالله وإنقاذهم به من وضر الشرك وأدناس الجاهلية ومن عذاب الآخرة وليتم له المراد من إرساله إليهم، ويحتمل أن يكون انزعج من الأمرين معا. قوله: "لم يأت رجل قط بما جئت به" في رواية الكشميهني: "بمثل ما جئت به" وكذا للباقين. قوله: "نصرا مؤزرا" بالهمز للأكثر وتشديد الزاي بعدها راء من التأزير أي التقوية وأصله من الأزر وهو القوة، وقال القزاز: الصواب موزرا بغير همز من وازرته موازرة إذا عاونته، ومنه أخذ وزراء الملك، ويجوز حذف الألف فتقول نصرا موزرا، ويرد عليه قول الجوهري آزرت فلانا عاونته والعامة تقول وازرته. قوله: "وفتر الوحي" تقدم القول في مدة هذه الفترة في أول الكتاب، وقوله هنا " فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا " هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل يونس. وصنيع المؤلف يوهم أنه داخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه فساق الحديث إلى قوله: "وفتر الوحي" ثم قال: انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حيث ذكرنا، وزاد عنه البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري فقال: "وفتر الوحي فترة حتى حزن " فساقه إلى آخره، والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر، فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونها، وأخرجه مقرونا هنا برواية معمر وبين أن اللفظ لمعمر وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر، وأخرجه أحمد ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضا من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث بدونها، ثم إن القائل فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا. وقال الكرماني: هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمد بن كثير عن

(12/359)


معمر بإسقاط قوله: "فيما بلغنا" ولفظه: "فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم منها حزنا غدا منه " إلى آخره، فصار كله مدرجا على رواية الزهري وعن عروة عن عائشة، والأول هو المعتمد، قوله فيها " فإذا طالت عليه فترة الوحي " قد يتمسك به من يصحح مرسل الشعبي في أن مدة الفترة كانت سنتين ونصفا كما نقلته في أول بدء الوحي، ولكن يعارضه ما أخرجه ابن سعد من حديث ابن عباس بنحو هذا البلاغ الذي ذكره الزهري، وقوله: "مكث أياما بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل فحزن حزنا شديدا حتى كاد يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء أخرى يريد أن يلقي نفسه فبينا هو كذلك عامدا لبعض تلك الجبال إذ سمع صوتا فوقف فزعا ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعا يقول يا محمد أنت رسول الله حقا وأنا جبريل، فانصرف وقد أقر الله عينه وانبسط جأشه ثم تتابع الوحي " فيستفاد من هذه الرواية تسمية بعض الجبال التي أبهمت في رواية الزهري وتقليل مدة الفترة والله أعلم، وقد تقدم في تفسير سورة والضحى شيء يتعلق بفترة الوحي. قوله: "فيسكن لذلك جأشه" بجيم وهمزة ساكنة وقد تسهل وبعدها شين معجمة قال الخليل الجأش النفس فعلى هذا فقوله: "وتقر نفسه" تأكيد لفظي. قوله: "عدا" بعين مهملة من العدو وهو الذهاب بسرعة، ومنهم من أعجمها من الذهاب غدوة. قوله: "بذروة جبل" قال ابن التين رويناه بكسر أوله وضمه، وهو في كتب اللغة بالكسر لا غير قلت: بل حكى تثليثه، وهو أعلى الجبل وكذا الجمل. قوله: "تبدى له جبريل" في رواية الكشميهني: "بدا له " وهو بمعنى الظهور. قوله: "فقال له مثل ذلك" زاد في رواية محمد بن كثير " حتى كثر الوحي وتتابع " قال الإسماعيلي: موه بعض الطاعنين على المحدثين فقال كيف يجوز للنبي أن يرتاب في نبوته حتى يرجع إلى ورقة ويشكو لخديجة ما يخشاه، وحتى يوفى بذروة جبل ليلقي منها نفسه على ما جاء في رواية معمر؟ قال: ولئن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه فكيف ينكر على من ارتاب فيما جاءه به مع عدم المعاينة؟ قال: والجواب أن عادة الله جرت بأن الأمر الجليل إذا قضى بإيصاله إلى الخلق أن يقدمه ترشيح وتأسيس، فكان ما يراه النبي صلى الله عليه وسلم من الرؤيا الصادقة ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك، فلما فجئه الملك فجئة بغتة أمر خالف العادة والمألوف فنفر طبعه البشرى منه وهاله ذلك ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال، لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه وينفر طبعه منه حتى إذا تدرج عليه وألفه استمر عليه، فلذلك رجع إلى أهله التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له فهونت عليه خشيته بما عرفته من أخلاقه الكريمة وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة لمعرفتها بصدقه ومعرفته وقراءته الكتب القديمة، فلما سمع كلامه أيقن بالحق واعترف به، ثم كان من مقدمات تأسيس النبوة فترة الوحي ليتدرج فيه ويمرن عليه، فشق عليه فتوره إذ لم يكن خوطب عن الله بعد أنك رسول من الله ومبعوث إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمر بدئ به ثم لم يرد استفهامه فحزن لذلك، حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه فتح الله له من أمره بما فتح قال: ومثال ما وقع له في أول ما خوطب ولم يتحقق الحال على جليتها مثل رجل سمع آخر يقول: "الحمد لله " فلم يتحقق أنه يقرأ حتى إذا وصلها بما بعدها من الآيات تحقق أنه يقرأ، وكذا لو سمع قائلا يقول: "خلت الديار" لم يتحقق أنه ينشد شعرا حتى يقول: "محلها ومقامها" انتهى ملخصا. ثم أشار إلى أن الحكمة في ذكره صلى الله عليه وسلم ما اتفق له في هذه القصة أن يكون سببا في انتشار خبره في بطانته ومن يستمع لقوله ويصغي إليه، وطريقا في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله لينبهوا على محله، قال: وأما إرادته إلقاء نفسه من رءوس

(12/360)


الجبال بعدما نبئ فلضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوة، وخوفا مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعا، كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلا، حتى إذا تفكر فيما فيه صبره على ذلك من العقبى المحمودة صبر واستقرت نفسه. قلت: أما الإرادة المذكورة في الزيادة الأولى ففي صريح الخبر أنها كانت حزنا على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة وأما الإرادة الثانية، بعد أن تبدى له جبريل وقال له إنك رسول الله حقا فيحتمل ما قاله، والذي يظهر لي أنه بمعنى الذي قبله، وأما المعنى الذي ذكره الإسماعيلي فوقع قبل ذلك في ابتداء مجيء جبريل، ويمكن أن يؤخذ مما أخرجه الطبري من طريق النعمان بن راشد عن ابن شهاب فذكر نحو حديث الباب وفيه: "فقال لي يا محمد أنت رسول الله حقا قال فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق جبل " أي من علوه. قوله: "وقال ابن عباس: فالق الإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل" ثبت هذا لأبي ذر عن المستملي والكشميهني وكذا للنسفي ولأبي زيد المروزي عن الفربري، ووصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} يعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل، وتعقب بعضهم هذا على البخاري فقال: إنما فسر ابن عباس الإصباح ولفظ: "فالق" هو المراد هنا لأن البخاري إنما ذكره عقب هذا الحديث من أجل ما وقع في حديث عائشة " فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح " فلإيراد البخاري وجه، وقد تقدم في آخر التفسير قول مجاهد في تفسير قوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} إن الفلق الصبح وأخرج الطبري هنا عنه في قوله: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} قال إضاءة الصبح، وعلى هذا فالمراد بفلق الصبح إضاءته، والفالق اسم فاعل ذلك، وقد أخرج الطبري من طريق الضحاك: الإصباح خالق النور نور النهار، وقال بعض أهل اللغة: الفلق شق الشيء، وقيده الراغب بإبانة بعضه من بعض، ومنه فلق موسى البحر فانفلق، ونقل الفراء أن فطر وخلق وفلق بمعنى واحد، وقد قيل في قوله تعالى :{فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} أن المراد به الشق الذي في الحبة من الحنطة وفي النواة، وهذا يرد على تقييد الراغب، والإصباح في الأصل مصدر أصبح إذا دخل في الصبح سمي به الصبح، قال امرؤ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل

(12/361)


2- باب: رُؤْيَا الصَّالِحِينَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً }
6983- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ"
[الحديث 6983- طرفه في: 6994]
قوله: "باب: رؤيا الصالحين" الإضافة فيه للفاعل لقوله في حديث الباب: "يراها الرجل الصالح" وكأنه جمع إشارة إلى أن المراد بالرجل الجنس. قوله: "وقوله تعالى :{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ - إلى قوله - فَتْحاً قَرِيباً} ساق في رواية كريمة الآية كلها، وأخرج الفريابي وعبد بن حميد

(12/361)


والطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: "أرى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه محلقين، قال فلما نحر الهدي بالحديبية قال أصحابه: أين رؤياك؟ فنزلت: وقوله: {فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} قال: النحر بالحديبية فرجعوا ففتحوا خيبر أي المراد بقوله ذلك النحر والمراد بالفتح فتح خيبر. قال: ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة. وقد أخرج ابن مردويه في التفسير بسند ضعيف عن ابن عباس في هذه الآية قال: تأويل رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء، واختلف في معنى قوله: "إن شاء الله" في الآية فقيل: هي إشارة إلى أنه لا يقع شيء إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل هي حكاية لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في منامه، وقيل هي على سبيل التعليم لمن أراد أن يفعل شيئا مستقبلا كقوله تعالى :{َلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وقيل هي على سبيل الاستثناء من عموم المخاطبين، لأن منهم من مات قبل ذلك أو قتل. قوله: "عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" سيأتي بعد باب من وجه آخر " عن أنس عن عبادة بن الصامت " ويأتي بيانه هناك. قوله: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح" هذا يقيد ما أطلق في غير هذه الرواية كقوله: "رؤيا المؤمن جزء" ولم يقيدها بكونها حسنة ولا بأن رائيها صالح، ووقع في حديث أبي سعيد "الرؤيا الصالحة" وهو تفسير المراد بالحسنة هنا، قال المهلب: المراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يري الأضغاث ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم، قال: فالناس على هذا ثلاث درجات: الأنبياء ورؤياهم كلها صدق وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث وهي ثلاثة أقسام: مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدا ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وستأتي الإشارة إليه في " باب القيد في المنام " إن شاء الله تعالى. وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحبي السجن مع يوسف عليه السلام ورؤيا ملكهما وغير ذلك. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة، ومعنى صلاحها استقامتها وانتظامها، قال: وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد في أجزاء النبوة، وقيل تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلا. وقال القرطبي: المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء وهو الاطلاع على الغيب، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤياهم أحيانا فذاك كما قد يصدق الكذوب وليس كل من حديث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة كالكاهن والمنجم. وقوله: "من الرجل" ذكر للغالب فلا مفهوم له فإن المرأة الصالحة كذلك قاله ابن عبد البر. قوله: "جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" كذا وقع في أكثر الأحاديث، ولمسلم من حديث أبي هريرة " جزء من خمسة وأربعين " أخرجه من طريق أيوب عن محمد بن سيرين عنه، وسيأتي للمصنف من طريق عوف عن محمد بلفظ: "ستة " كالجادة، ووقع عند مسلم أيضا من حديث ابن عمر " جزء من سبعين جزءا " وكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفا، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه مرفوعا، وله من وجه آخر عنه " جزء من ستة وسبعين " وسندها ضعيف، وأخرجه ابن أبي

(12/362)


شيبة أيضا من رواية حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفا كذلك، وأخرجه أحمد مرفوعا، لكن أخرجه مسلم من رواية الأعمش عن أبي صالح كالجادة، ولابن ماجه مثل حديث ابن عمر مرفوعا وسنده لين، وعند أحمد والبزار عن ابن عباس بمثله وسنده جيد. وأخرج ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعا: "جزء من ستة وعشرين" والمحفوظ من هذا الوجه كالجادة، وسيأتي للبخاري قريبا، ومثله لمسلم من رواية شعبة عن ثابت، وأخرج أحمد وأبو يعلى والطبري في " تهذيب الآثار " من طريق الأعرج عن سليمان بن عريب بمهملة وزن عظيم من أبي هريرة كالجادة، قال سليمان: فذكرته لابن عباس فقال: "جزء من خمسين" فقلت له إني سمعت أبا هريرة فقال ابن عباس: فإني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءا من النبوة " وللترمذي والطبري من حديث أبي رزين العقيلي " جزء من أربعين " وأخرج الترمذي من وجه آخر كالجادة، وأخرجه الطبري من وجه آخر عن ابن عباس " أربعين " وللطبري من حديث عبادة " جزء من أربعة وأربعين " والمحفوظ عن عبادة كالجادة كما سيأتي بعد باب وأخرج الطبري وأحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص " جزء من تسعة وأربعين " وذكره القرطبي في " المفهم " بلفظ: "سبعة " بتقديم السين، فحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه أقلها جزء من ستة وعشرين وأكثرها من ستة وسبعين وبين ذلك أربعين وأربعة وأربعين وخمسة وأربعين وستة وأربعين وسبعة وأربعين وتسعة وأربعين وخمسين وسبعين، أصحها مطلقا الأول ويليه السبعين، ووقع في شرح النووي وفي رواية عبادة أربعة وعشرين، وفي رواية ابن عمر ستة وعشرين وهاتان الروايتان لا أعرف من أخرجهما إلا أن بعضهم نسب رواية ابن عمر هذه لتخريج الطبري، ووقع في كلام ابن أبي جمرة أنه ورد بألفاظ مختلفة فذكر بعض ما تقدم وزاد في رواية اثنين وسبعين، وفي أخرى اثنين وأربعين وفي أخرى سبعة وعشرين وفي أخرى خمسة وعشرين فبلغت على هذا خمسة عشر لفظا. وقد استشكل كون الرؤيا جزءا من النبوة مع أن النبوة انقطعت بموت النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل في الجواب إن وقعت الرؤيا من النبي صلى الله عليه وسلم فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز. وقال الخطابي قيل معناه إن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة لا أنها جزء باق من النبوة، وقيل المعنى إنها جزء من علم النبوة لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق، وتعقب بقول مالك فيما حكاه ابن عبد البر أنه سئل: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال أبالنبوة يلعب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة فلا يلعب بالنبوة. والجواب أنه لم يرد أنها نبوة باقية وإنما أراد أنها لما أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم. وقال ابن بطال: كون الرؤيا جزءا من أجزاء النبوة مما يستعظم ولو كانت جزءا من ألف جزء، فيمكن أن يقال إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء وهو الإعلام لغة، فعلى هذا فالمعنى أن الرؤيا خبر صادق من الله لا كذب فيه كما أن معنى النبوة نبأ صادق من الله لا يجوز عليه الكذب فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر. وقال المازري: يحتمل أن يراد بالنبوة في هذا الحديث الخبر بالغيب لا غير وإن كان يتبع ذاك إنذار أو تبشير فالخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة، وهو غير مقصود لذاته لأنه يصح أن يبعث نبي يقرر الشرع ويبين الأحكام وإن لم يخبر في طول عمره بغيب ولا يكون ذلك قادحا في نبوته ولا مبطلا للمقصود منها، والخبر بالغيب من النبي لا يكون إلا صدقا ولا يقع إلا حقا، وأما خصوص العدد فهو مما أطلع الله عليه نبيه لأنه يعلم من حقائق النبوة ما لا يعلمه

(12/363)


غيره، قال: وقد سبق بهذا الجواب جماعة لكنهم لم يكشفوه ولم يحققوه. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي أن يبين أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة لأن فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة. وقال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلا، فقد جعل الله للعالم حدا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلا، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلا، وهذا من هذا القبيل. وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة وأبدى لها مناسبة فنقل ابن بطال عن أبي سعيد السفاقسي أن بعض أهل العلم ذكر أن الله أوحى إلى نبيه في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها من الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءا لأنه عاش بعد النبوة ثلاثا وعشرين سنة على الصحيح، قال ابن بطال: هذا التأويل يفسد من وجهين: أحدهما أنه قد اختلف في قدر المدة التي بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى موته، والثاني أنه يبقى حديث السبعين جزءا بغير معنى. قلت: ويضاف إليه بقية الأعداد الواقعة. وقد سبقه الخطابي إلى إنكار هذه المناسبة فقال: كان بعض أهل العلم يقول في تأويل هذا العدد قولا لا يكاد يتحقق، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أقام بعد الوحي ثلاثا وعشرين سنة وكان يوحى إليه في منامه ستة أشهر وهي نصف سنة فهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، قال الخطابي: وهذا وإن كان وجها تحتمله قسمة الحساب والعدد فأول ما يجب على من قاله أن يثبت بما ادعاه خبرا، ولم يسمع فيه أثر ولا ذكر مدعية في ذلك خبرا، فكأنه قاله على سبيل الظن والظن لا يغني من الحق شيئا، ولئن كانت هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة على ما ذهب إليه فليلحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه فيها في منامه في طول المدة كما ثبت ذلك عنه في أحاديث كثيرة جليلة القدر، والرؤيا في أحد وفي دخول مكة فإنه يتلفق من ذلك مدة أخرى وتزاد في الحساب فتبطل القسمة التي ذكرها، قال: فدل ذلك على ضعف ما تأوله المذكور، وليس كل ما خفي علينا علمه لا يلزمنا حجته كأعداد الركعات وأيام الصيام ورمي الجمار فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها، وهو كقوله في حديث آخر " الهدى الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة " فإن تفصيل هذا العدد وحصر النبوة متعذر وإنما فيه أن هاتين الخصلتين من جملة هدى الأنبياء وسمتهم، فكذلك معنى حديث الباب المراد به تحقيق أمر الرؤيا وأنها مما كان الأنبياء عليه وأنها جزء من أجزاء العلم الذي كان يأتيهم والأنباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم، وقد قبل جماعة من الأئمة المناسبة المذكورة وأجابوا عما أورده الخطابي، أما الدليل على كون الرؤيا كانت ستة أشهر فهو أن ابتداء الوحي كان على رأس الأربعين من عمره صلى الله عليه وسلم كما جزم به ابن إسحاق وغيره وذلك في ربيع الأول ونزول جبريل إليه وهو بغار حراء كان في رمضان وبينهما ستة أشهر، وفي هذا الجواب نظر لأنه على تقدير تسليمه ليس فيه تصريح بالرؤيا، وقد قال النووي: لم يثبت أن زمن الرؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم كان ستة أشهر وأما ما ألزمه به من تلفيق أوقات المرائي وضمها إلى المدة فإن المراد وحي المنام المتتابع، وأما ما وقع منه في غضون وحي اليقظة فهو يسير بالنسبة إلى وحي اليقظة فهو مغمور في جانب وحي اليقظة فلم يعتبر بمدته، وهو نظير ما اعتمدوه في نزول الوحي، وقد أطبقوا على تقسيم النزول إلى مكي ومدني قطعا فالمكي ما نزل قبل الهجرة ولو وقع بغيرها مثلا كالطائف ونخلة والمدني ما نزل بعد الهجرة ولو وقع وهو بغيرها كما في الغزوات وسفر الحج والعمرة حتى مكة. قلت: وهو

(12/364)


اعتذار مقبول، ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد أنه وقع بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كأن يكون لما أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك وذلك وقت الهجرة، ولما أكمل اثنين وعشرين حدث بأربعة وأربعين ثم بعدها بخمسة وأربعين ثم حدث بستة وأربعين في آخر حياته، وأما ما عدا ذلك من الرؤيات بعد الأربعين فضعيف ورواية الخمسين يحتمل أن تكون لجبر الكسر ورواية السبعين للمبالغة وما عدا ذلك لم يثبت، وهذه مناسبة لم أر من تعرض لها، ووقع في بعض الشروح مناسبة للسبعين ظاهرة التكلف وهي أنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره: "أنا بشارة عيسى ودعوة إبراهيم ورأت أمي نورا، فهذه ثلاثة أشياء تضرب في مدة نبوته وهي ثلاثة وعشرون سنة تضاف إلى أصل الرؤيا فتبلغ سبعين. قلت: ويبقى في أصل المناسبة إشكال آخر وهو المتبادر من الحديث إرادة تعظيم رؤيا المؤمن الصالح، والمناسبة المذكورة تقتضي قصر الخبر على صورة ما اتفق لنبينا صلى الله عليه وسلم كأنه قيل كانت المدة التي أوحى الله إلى نبينا فيها في المنام جزءا من ستة وأربعين جزءا من المدة التي أوحى الله إليه فيها في اليقظة، ولا يلزم من ذلك أن كل رؤيا لكل صالح تكون كذلك، ويؤيد إرادة التعميم الحديث الذي ذكره الخطابي في الهدى والسمت فإنه ليس خاصا بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم أصلا، وقد أنكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة التأويل المذكور فقال ليس فيه كبير فائدة ولا ينبغي أن يحمل كلام المؤيد بالفصاحة والبلاغة على هذا المعنى، ولعل قائله أراد أن يجعل بين النبوة والرؤيا نوع مناسبة فقط، ويعكر عليه الاختلاف في عدد الأجزاء. "تنبيه": حديث الهدى الصالح الذي ذكره الخطابي أخرجه الترمذي والطبراني من حديث عبد الله بن سرخس لكن بلفظ أربعة وعشرين جزءا وقد ذكره القرطبي في " المفهم " بلفظ من ستة وعشرين انتهى. وقد أبدى غير الخطابي المناسبة باختلاف الروايات في العدد المذكور، وقد جمع بينها جماعة أولهم الطبري فقال: رواية السبعين عامة في كل رؤيا صادقة من كل مسلم، ورواية الأربعين خاصة بالمؤمن الصادق الصالح، وأما ما بين ذلك فبالنسبة لأحوال المؤمنين. وقال ابن بطال: أما الاختلاف في العدد قلة وكثرة فأصح ما ورد فيها من ستة وأربعين ومن سبعين وما بين ذلك من أحاديث الشيوخ، وقد وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين: جلية ظاهرة كمن رأى في المنام أنه يعطى تمرا فأعطي تمرا مثله في اليقظة فهذا القسم لا إغراب في تأويلها ولا رمز في تفسيرها، ومرموزة بعيدة المرام فهذا القسم لا يقوم به حتى يعبره إلا حاذق لبعد ضرب المثل فيه، فيمكن أن هذا من السبعين والأول من الستة والأربعين لأنه إذا قلت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى الصدق وأسلم من وقوع الغلط في تأويلها، بخلاف ما إذا كثرت. قال: وقد عرضت هذا الجواب على جماعة فحسنوه وزادني بعضهم فيه أن النبوة على مثل هذين الوصفين تلقاها الشارع عن جبريل، فقد أخبر أنه كان يأتيه الوحي مرة فيكلمه بكلام فيعيه بغير كلفة ومرة يلقى إليه جملا وجوامع يشتد عليه حملها حتى تأخذه الرحضاء ويتحدر منه العرق ثم يطلعه الله على بيان ما ألقى عليه منها. ولخصه المازري فقال: قيل إن المنامات دلالات، والدلالات منها ما هو جلي ومنها ما هو خفي، فالأقل في العدد هو الجلي والأكثر في العدد هو الخفي وما بين ذلك. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما حاصله: إن النبوة جاءت بالأمور الواضحة، وفي بعضها ما يكون فيه إجمال مع كونه مبينا في موضع آخر، وكذلك المرائي منها ما هو صريح لا يحتاج إلى تأويل ومنها ما يحتاج فالذي يفهمه العارف من الحق الذي يعرج عليه منها جزء من أجزاء

(12/365)


النبوة، وذلك الجزء يكثر مرة ويقل أخرى بحسب فهمه، فأعلاهم من يكون بينه وبين درجة النبوة أقل ما ورد من العدد، وأدناهم الأكثر من العدد، ومن عداهما ما بين ذلك. وقاك القاضي عياض: ويحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي، إذ منه ما سمع من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة الملك، ومنه ما ألقي في القلب من الإلهام، ومنه ما جاء به الملك وهو على صورته أو على صورة آدمي معروف أو غير معروف، ومنه ما أتاه به في النوم، ومنه ما أتاه به في صلصلة الجرس، ومنه ما يلقيه روح القدس في روعه، إلى غير ذلك مما وقفنا عليه ومما لم نقف عليه، فتكون تلك الحالات إذا عددت انتهت إلى العدد المذكور. قال القرطبي في "المفهم": ولا يخفى ما فيه من التكلف والتساهل، فإن تلك الأعداد إنما هي أجزاء النبوة، وأكثر الذي ذكره إنما هي أحوال لغير النبوة لكونه يعرف الملك أو لا يعرفه أو يأتيه على صورته أو على صورة آدمي ثم مع هذا التكلف لم يبلغ عدد ما ذكر عشرين فضلا عن سبعين. قلت: والذي نحاه القاضي سبقه إليه الحليمي " فقرأت في مختصره للشيخ علاء الدين القونوي بخطه ما نصه: ثم إن الأنبياء يختصون بآيات يؤيدون بها ليتميزوا بها عمن ليس مثلهم، كما تميزوا بالعلم الذي أوتوه " فيكون لهم الخصوص من وجهين: فما هو في حيز التعليم هو النبوة، وما هو في حيز التأبيد هو حجة النبوة، قال: وقد قصد الحليمي في هذا الموضع بيان كون الرؤيا الصالحة جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة فذكر وجوها من الخصائص العلمية للأنبياء تكلف في بعضها حتى أنهاها إلى العدد المذكور، فتكون الرؤيا واحدا من تلك الوجوه، فأعلاها تكليم الله بغير واسطة، ثانيها الإلهام بلا كلام بل يجد علم شيء في نفسه من غير تقدم ما يوصل إليه بحس أو استدلال، ثالثها الوحي على لسان ملك يراه فيكلمه، رابعها نفث الملك في روعه وهو الوحي الذي يخص به القلب دون السمع، قال: وقد ينفث الملك في روع بعض أهل الصلاح لكن بنحو الإطماع في الظفر بالعدو والترغيب في الشيء والترهيب من الشيء فيزول عنه بذلك وسوسة الشيطان بحضور الملك لا بنحو نفي علم الأحكام والوعد والوعيد فإنه من خصائص النبوة، خامسها إكمال عقله فلا يعرض له فيه عارض أصلا، سادسها قوة حفظه حتى يسمع السورة الطويلة فيحفظها من مرة ولا ينسى منها حرفا، سابعها عصمته من الخطأ في اجتهاده، ثامنها ذكاء فهمه حتى يتسع لضروب من الاستنباط، تاسعها ذكاء بصره حتى يكاد يبصر الشيء من أقصى الأرض، عاشرها ذكاء سمعه حتى يسمع من أقصى الأرض ما لا يسمعه غيره، حادي عشرها ذكاء شمه كما وقع ليعقوب في قميص يوسف، ثاني عشرها تقوية جسده حتى سار في ليلة مسيرة ثلاثين ليلة، ثالث عشرها عروجه إلى السماوات، رابع عشرها مجيء الوحي له في مثل صلصلة الجرس، خامس عشرها تكليم الشاة، سادس عشرها إنطاق النبات، سابع عشرها إنطاق الجذع، ثامن عشرها إنطاق الحجر، تاسع عشرها إفهامه عواء الذئب أن يفرض له رزقا، العشرون إفهامه رغاء البعير، الحادي والعشرون أن يسمع الصوت ولا يرى المتكلم، الثانية والعشرون تمكينه من مشاهدة الجن، الثالثة والعشرون تمثيل الأشياء المغيبة له كما مثل له بيت المقدس صبيحة الإسراء، الرابعة والعشرون حدوث أمر يعلم به العاقبة كما قال في الناقة لما بركت في الحديبية "حبسها حابس الفيل" الخامسة والعشرون استدلاله باسم على أمر كما قال لما جاءهم سهيل بن عمرو "قد سهل لكم الأمر"، السادسة والعشرون أن ينظر شيئا علويا فيستدل به على أمر يقع في الأرض كما قال: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب"، السابعة والعشرون رؤيته من ورائه، الثامنة والعشرون اطلاعه على أمر وقع لمن مات قبل أن يموت

(12/366)


كما قال في حنظلة "رأيت الملائكة تغسله" وكان قتل وهو جنب، التاسعة والعشرون أن يظهر له ما يستدل به على فتوح مستقبل كما جاء ذلك يوم الخندق، الثلاثون اطلاعه على الجنة والنار في الدنيا، الحادية والثلاثون الفراسة، الثانية والثلاثون طواعية الشجرة حتى انتقلت بعروقها وغصونها من مكان إلى مكان ثم رجعت، الثالثة والثلاثون قصة الظبية وشكواها له ضرورة خشفها الصغير، الرابعة والثلاثون تأويل الرؤيا بحيث لا تخطئ، الخامسة والثلاثون الحزر في الرطب وهو على النخل أنه يجيء كذا وكذا وسقا من التمر فجاء كما قال، السادسة والثلاثون الهداية إلى الأحكام، السابعة والثلاثون الهداية إلى سياسة الدين والدنيا، الثامنة والثلاثون الهداية إلى هيئة العالم وتركيبه، التاسعة والثلاثون الهداية إلى مصالح البدن بأنواع الطب، الأربعون الهداية إلى وجوه القربات، الحادية والأربعون الهداية إلى الصناعات النافعة، الثانية والأربعون الاطلاع على ما سيكون، الثالثة والأربعون الاطلاع على ما كان مما لم ينقله أحد قبله، الرابعة والأربعون التوقيف على أسرار الناس ومخبآتهم، الخامسة والأربعون تعليم طرق الاستدلال، السادسة والأربعون الاطلاع على طريق التلطف في المعاشرة، قال: فقد بلغت خصائص النبوة فيما مرجعه العلم ستة وأربعين وجها ليس منها وجه إلا وهو يصلح أن يكون مقاربا للرؤيا الصالحة التي أخبر أنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، والكثير منها وإن كان قد يقع لغير النبي لكنه للنبي لا يخطئ أصلا ولغيره قد يقع فيه الخطأ والله أعلم. وقال الغزالي في كتاب الفقر والزهد من "الإحياء"، لما ذكر حديث يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام " وفي رواية بأربعين سنة قال: وهذا يدل على تفاوت درجات الفقراء فكان الفقير الحريص على جزء من خمسة وعشرين جزءا من الفقير الزاهد لأن هذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة، ولا يظن أن تقدير النبي صلى الله عليه وسلم يتجزأ على لسانه كيف ما اتفق بل لا ينطق إلا بحقيقة الحق وهذا كقوله: "الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " فإنه تقدير تحقيق، لكن ليس في قوة غيره أن يعرف علة تلك النسبة إلا بتخمين، لأن النبوة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره، وهو يختص بأنواع من الخواص منها أنه يعرف حقاق الأمور المتعلقة بالله وصفاته وملائكته والدار الآخرة لا كما يعلمه غيره بل عنده من كثرة المعلومات وزيادة اليقين والتحقيق ما ليس عند غيره، وله صفة تتم له بها الأفعال الخارقة للعادات كالصفة التي بها تتم لغيره الحركات الاختيارية، وله صفة يبصر بها الملائكة ويشاهد بها الملكوت كالصفة التي يفارق بها البصير الأعمى، وله صفة بها يدرك ما سيكون في الغيب ويطالع بها ما في اللوح المحفوظ كالصفة التي يفارق بها الذكي البليد، فهذه صفات كمالات ثابتة للنبي يمكن انقسام كل واحد منها إلى أقسام بحيث يمكننا أن نقسمها إلى أربعين وإلى خمسين وإلى أكثر، وكذا يمكننا أن نقسمها إلى ستة وأربعين جزءا بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءا من جملتها لكن لا يرجع إلا إلى ظن وتخمين لا أنه الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة، انتهى ملخصا. وأظنه أشار إلى كلام الحليمي فإنه مع تكلفه ليس على يقين أن الذي ذكره هو المراد والله أعلم. وقال ابن الجوزي: لما كانت النبوة تتضمن اطلاعا على أمور يظهر تحقيقها فيما بعد وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها، وقيل إن جماعة من الأنبياء كانت نبوتهم وحيا في المنام فقط، وأكثرهم ابتدئ بالوحي في المنام ثم رقوا إلى الوحي في اليقظة! فهذا بيان مناسبة تشبيه المنام الصادق بالنبوة، وأما خصوص العدد المذكور فتكلم فيه جماعة فذكر المناسبة الأولى وهي أن مدة وحي المنام إلى نبينا كانت ستة أشهر وقد تقدم ما فيه، ثم ذكر أن الأحاديث اختلفت في العدد المذكور قال: فعلى هذا تكون رؤيا المؤمن مختلفة بأعلاها ستة وأربعون وأدناها سبعون، ثم ذكر المناسبة التي ذكرها الطبري.

(12/367)


وقال القرطبي في "المفهم": يحتمل أن يكون المراد من هذا الحديث أن المنام الصادق خصلة من خصال النبوة كما جاء في الحديث الآخر " التؤدة والاقتصاد وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءا من النبوة " أي النبوة مجموع خصال مبلغ أجزائها ذلك وهذه الثلاثة جزء منها، وعلى مقتضى ذلك يكون كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين انتهت إلى ثمانية وسبعين فيصح لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون قال: ويصح أن يسمى كل اثنين منها جزءا فيكون العدد بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين، ويصح أن يسمى كل أربعة منها جزءا فتكون تسعة عشر جزءا ونصف جزء فيكون اختلاف الروايات في العدد بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، ولا يلزم منه اضطراب. قال وهذا أشبه ما وقع لي في ذلك مع أنه لم ينشرح به الصدر ولا اطمأنت إليه النفس. قلت وتمامه أن يقول في الثمانية والسبعين بالنسبة لرواية السبعين ألغي فيها الكسر وفي التسعة والثلاثين بالنسبة لرواية الأربعين جبر الكسر، ولا تحتاج إلى العدد الأخير لما فيه من ذكر النصف، وما عدا ذلك من الأعداد قد أشار إلى أنه يعتبر بحسب ما يقدر من الخصال، ثم قال: وقد ظهر لي وجه آخر وهو أن النبوة معناها أن الله يطلع من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه إما بالمكالمة وإما بواسطة الملك وإما بإلقاء في القلب بغير واسطة، لكن هذا المعنى المسمى بالنبوة لا يخص الله به إلا من خصه بصفات كمال نوعه من المعارف والعلوم والفضائل والآداب مع تنزهه عن النقائص أطلق على تلك الخصال نبوة كما في حديث: "التؤدة والاقتصاد" أي تلك الخصال من خصال الأنبياء، والأنبياء مع ذلك متفاضلون فيها كما قال تعالى :{وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} ومع ذلك فالصدق أعظم أوصافهم يقظة ومناما، فمن تأسى بهم في الصدق حصل من رؤياه على الصدق ثم لما كانوا في مقاماتهم متفاوتين كان أتباعهم من الصالحين كذلك، وكان أقل خصال الأنبياء ما إذا اعتبر كان ستة وعشرين جزءا وأكثرها ما يبلغ سبعين، وبين العددين مراتب مختلفة بحسب ما اختلفت ألفاظ الروايات، وعلى هذا فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصدقه على رتبة تناسب حال نبي من الأنبياء كانت رؤياه جزءا من نبوة ذلك النبي، ولما كانت كمالاتهم متفاوتة كانت نسبة أجزاء منامات الصادقين متفاوتة على ما فصلناه، قال: وبهذا يندفع الاضطراب إن شاء الله. وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة وجها آخر ملخصه أن النبوة لها وجوه من الفوائد الدنيوية والأخروية خصوصا وعموما، منها ما يعلم ومنها ما لا يعلم، ليس بين النبوة والرؤيا نسبة إلا في كونها حقا فيكون مقام النبوة بالنسبة لمقام الرؤيا بحسب تلك الأعداد راجعة إلى درجات الأنبياء، فنسبتها من أعلاهم وهو من ضم له إلى النبوة الرسالة أكثر ما ورد من العدد، ونسبتها إلى الأنبياء غير المرسلين أقل ما ورد من العدد وما بين ذلك، ومن ثم أطلق في الخبر النبوة ولم يقيدها بنبوة نبي بعينه. ورأيت في بعض الشروح أن معنى الحديث أن للمنام شبها بما حصل للنبي وتميز به عن غيره بجزء من ستة وأربعين جزءا، فهذه عدة مناسبات لم أر من جمعها في موضع واحد، فلله الحمد على ما ألهم وعلم "ولم أقف في شيء من الأخبار على كون الإلهام جزءا من أجزاء النبوة مع أنه من أنواع الوحي إلا أن ابن أبي جمرة تعرض لشيء منه كما سأذكره في "باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم"إن شاء الله تعالى.

(12/368)


3- باب: الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ
6984- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ

(12/368)


"سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنْ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ"
6985- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلاَ يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ"
قوله: "باب" بالتنوين "الرؤيا من الله" أي مطلقا، وإن قيدت في الحديث بالصالحة فهو بالنسبة إلى ما لا دخول للشيطان فيه، وأما ما له فيه دخل فنسبت إليه نسبة مجازية، مع أن الكل بالنسبة إلى الخلق والتقدير من قبل الله، وإضافة الرؤيا إلى الله للتشريف، ويحتمل أن يكون أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما سأبينه، وظاهر قوله: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان " أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها حلم والتي تضاف للشيطان لا يقال لها رؤيا وهو تصرف شرعي، وإلا فكل يسمى رؤيا، وقد جاء في حديث آخر " الرؤيا ثلاث " فأطلق على كل رؤيا، وسيأتي بيانه في " باب القيد في المنام". وذكر فيه حديثين: الحديث الأول حديث أبي قتادة، وزهير في السند هو ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن. قوله: "الرؤيا الصادقة" في رواية الكشميهني: "الصالحة " وهو الذي وقع في معظم الروايات، وسقط الوصف من رواية أحمد بن يحيى الحلواني عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه أخرجه أبو نعيم في المستخرج بلفظ: "الرؤيا من الله" كالترجمة، وكذا في الطب من رواية سليمان بن بلال والإسماعيلي من رواية الثوري وبشر بن المفضل ويحيى القطان كلهم عن يحيى بن سعيد، ولمسلم من رواية الزهري عن أبي سلمة كما سيأتي قريبا مثله، ووقع في رواية عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة كما سيأتي في باب إذا رأى ما يكره " الرؤيا الحسنة من الله " ووقع عند مسلم من هذا الوجه " الصالحة " زاد في هذه الرواية: "فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يخبر به إلا من يحب " ولمسلم في رواية من هذا الوجه " فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب " وقوله فليبشر بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة من البشرى، وقيل بنون بدل الموحدة أي ليحدث بها، وزعم عياض أنها تصحيف، ووقع في بعض النسخ من مسلم: "فليستر " بمهملة ومثناة من الستر، وفي حديث أبي رزين عند الترمذي " ولا يقصها إلا على واد " بتشديد الدال اسم فاعل من الود " أو ذي رأي " وفي أخرى " ولا يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا " وفي أخرى " ولا يقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح " قال القاضي أبو بكر بن العربي: أما العالم فإنه يؤولها له على الخير مهما أمكنه، وأما الناصح فإنه يرشد إلى ما ينفعه ويعينه عليه، وأما اللبيب وهو العارف بتأويلها فإنه يعلمه بما يعول عليه في ذلك أو يسكت، وأما الحبيب فإن عرف خيرا قاله وإن جهل أو شك سكت. قلت: والأولى الجمع بين الروايتين فإن اللبيب عبر به عن العالم والحبيب عبر به من الناصح، ووقع عند مسلم في حديث أبي سعيد في حديثي الباب: "فليحمد الله عليها وليحدث بها". قوله: "والحلم من الشيطان " كذا اختصره، وسيأتي ضبط الحلم ومعناه في "باب الحلم من الشيطان" إن شاء الله تعالى، وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من الطريق المشار إليها فزاد: "فإذا رأى أحدكم

(12/369)


شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاث مرات ويتعوذ بالله من شرها وأذاها فإنها لا تضر " وكذا مضى في الطب من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، وسيأتي للمصنف في " باب الحلم من الشيطان " من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة بلفظ: "فإذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصق عن يساره وليستعذ بالله منه فلن يضره " ولمسلم من هذا الوجه " عن يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات، وسيأتي في " باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم: "من طريق عبيد بن أبي جعفر عن أبي سلمة بلفظ: "فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره" ، ومن رواية عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة الآتية في " باب إذا رأى ما يكره، بلفظ: "وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره " وهذه أتم الروايات عن أبي سلمة لفظا. قال المهلب: سمى الشارع الرؤيا الخالصة من الأضغاث صالحة وصادقة وأضافها إلى الله، وسمى الأضغاث حلما وأضافها إلى الشيطان إذ كانت مخلوقة على شاكلته فأعلم الناس بكيده وأرشدهم إلى دفعه لئلا يبلغوه أربه في تحزينهم والتهويل عليهم، وقال أبو عبد الملك: أضيفت إلى الشيطان لكونها على هواه ومراده. وقال ابن الباقلاني يخلق الله الرؤيا الصالحة بحضرة الملك ويخلق الرؤيا التي تقابلها بحضرة الشيطان، فمن ثم أضيف إليه، وقيل أضيفت إليه لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها في نفس الأمر. الحديث الثاني عن أبي سعيد الخدري، قوله: "حدثني ابن الهاد" هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن عبد الله ابن شداد بن الهاد الليثي، وسيأتي منسوبا في "باب إذا رأى ما يكره". قوله: "فإنما هي من الله" في الرواية المذكورة. "فإنها من الله، فليحمد الله عليها وليتحدث بها، وفي رواية الكشميهني: "فليتحدث" ومثله في الرواية المذكورة. قوله: "وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ" زاد في نسخة "بالله". قوله: "ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره" في رواية الكشميهني في باب إذا رأى ما يكره " فإنها لن تضره" ، فحاصل ما ذكر من أبواب الرؤيا الصالحة ثلاث أشياء: أن يحمد الله عليها، وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، وأن يتفل حين يهب من نومه عن يساره ثلاثا، ولا يذكرها لأحد أصلا. ووقع عند المصنف في "باب القيد في المنام" عن أبي هريرة خامسة وهي الصلاة ولفظه: "فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل " لكن لم يصرح البخاري بوصله وصرح به مسلم كما سيأتي بيانه في بابه، وغفل القاضي أبو بكر بن العربي فقال: زاد الترمذي على الصحيحين بالأمر بالصلاة انتهى، وزاد مسلم سادسة وهي التحول عن جنبه الذي كان عليه فقال: "حدثنا قتيبة حدثنا ليث وحدثنا ابن رمح أنبأنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رفعه إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق على يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه " وقال قبل ذلك " حدثنا قتيبة ومحمد بن رمح عن الليث بن سعد وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير كلهم عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد " يعني عن أبي سلمة عن أبي قتادة مثل حديث سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد وزاد ابن رمح في هذا الحديث: "وليتحول عن جنبه الذي كان عليه " وذكر بعض الحفاظ أن هذه الزيادة إنما هي في حديث الليث عن أبي الزبير كما اتفق عليه قتيبة وابن رمح، وأما طريق يحيى بن سعيد في حديث أبي قتادة فليست فيه ولذلك لم يذكرها قتيبة، وفي الجملة فتكمل الآداب ستة الأربعة الماضية والصلاة والتحول، ورأيت في بعض الشروح.

(12/370)


ذكر سابعة وهي قراءة آية الكرسي ولم يذكر لذلك مستندا فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة ولا يقربنك شيطان فيتجه، وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة، وسيأتي ما يتعلق بآداب العابر، وقد ذكر العلماء حكمة هذه الأمور: فأما الاستعاذة بالله من شرها فواضح وهي مشروعة عند كل أمر يكره، وأما الاستعاذة من الشيطان فلما وقع في بعض طرق الحديث أنها منه وأنه يخيل بها لقصد تحزين الآدمي والتهويل عليه كما تقدم، وأما التفل فقال عياض: أمر به طردا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة تحقيرا له واستقذارا، وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها. قلت: والتثليث للتأكيد. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: فيه إشارة إلى أنه في مقام الرقية ليتقرر عند النفس دفعه عنها وعبر في بعض الروايات بالبصاق إشارة، إلى استقذاره، وقد ورد بثلاثة ألفاظ النفث والتفل والبصق، قال النووي في الكلام على النفث في الرقية تبعا لعياض: اختلف في النفث والتفل فقيل هما بمعنى ولا يكونان إلا بريق. وقال أبو عبيد: يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في النفث، وقيل عكسه، وسئلت عائشة عن النفث في الرقية فقالت: كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد، قال: وقد جاء في حديث أبي سعيد في الرقية بفاتحة الكتاب " فجعل يجمع بزاقه " قال عياض: وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفث للمباشر للرقية المقارن للذكر الحسن كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء. وقال النووي أيضا: أكثر الروايات في الرؤيا "فلينفث" وهو نفخ لطيف بلا ريق فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا. قلت: لكن المطلوب في الموضعين مختلف، لأن المطلوب في الرقية التبرك برطوبة الذكر كما تقدم، والمطلوب هنا طرد الشيطان وإظهار احتقاره واستقذاره كما نقله هو عن عياض كما تقدم، فالذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل فإنه نفخ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى النفخ قيل له نفث وبالنظر إلى الريق قيل له بصاق. قال النووي وأما قوله: "فإنها لا تضره" فمعناه أن الله جعل ما ذكر سببا للسلامة من المكروه المترتب على الرؤيا كما جعل الصدقة وقاية للمال انتهى. وأما الصلاة فلما فيها من التوجه إلى الله واللجأ إليه، ولأن في التحرم بها عصمة من الأسواء وبها تكمل الرغبة وتصح الطلبة لقرب المصلي من ربه عند سجوده، وأما التحول فللتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها. قال النووي: وينبغي أن يجمع بين هذه الروايات كلها ويعمل بجميع ما تضمننه، فإن اقتصر على بعضها أجزاء في دفع ضررها بإذن الله تعالى كما صرحت به الأحاديث. قلت: لم أر في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحدة، نعم أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها وكأنه أخذه من قوله تعالى :{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} فيحتاج مع الاستعاذة إلى صحة التوجه ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان،. وقال القرطبي في "المفهم": الصلاة تجمع ذلك كله، لأنه إذا قام فصلى تحول عن جنبه وبصق ونفث عند المضمضة في الوضوء واستعاذ قبل القراءة ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه فيكفيه الله شرها بمنه وكرمه. وورد في صفة التعوذ من شر الرؤيا أثر صحيح أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي قال: "إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي هذه أن يصيبني فيها ما أكره في ديني ودنياي"، وورد في الاستعاذة من التهويل في المنام ما أخرجه مالك قال: "بلغني أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله إني أروع في المنام فقال صلى الله عليه وسلم: "قل أعوذ بكلمات الله التامات من شر غضبه وعذابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون"

(12/371)


وأخرج النسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كان خالد بن الوليد يفزع في منامه" فذكر نحوه وزاد في أوله "إذا اضطجعت فقل: باسم الله" فذكره، وأصله عند أبي داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه، واستثنى الداودي من عموم قوله: "إذا رأى ما يكره" ما يكون في الرؤيا الصادقة لكونها قد تقع إنذارا كما تقع تبشيرا وفي الإنذار نوع ما يكرهه الرائي فلا يشرع إذا عرف أنها صادقة ما ذكره من الاستعاذة ونحوها، واستند إلى ما ورد من مرائي النبي صلى الله عليه وسلم كالبقر التي تنحر ونحو ذلك، ويمكن أن يقال: لا يلزم من ترك الاستعاذة في الصادقة أن لا يتحول عن جنبه ولا أن لا يصلي، فقد يكون ذلك سببا لدفع مكروه الإنذار مع حصول مقصود الإنذار، وأيضا فالمنذورة قد ترجع إلى معنى المبشرة لأن من أنذر بما سيقع له ولو كان لأيسره أحسن حالا ممن هجم عليه ذلك فإنه ينزعج ما لا ينزعج من كان يعلم بوقوعه فيكون ذلك تخفيفا عنه ورفقا به، قال الحكيم الترمذي: الرؤيا الصادقة أصلها حق تخبر عن الحق وهو بشرى وإنذار ومعاتبة لتكون عونا لما ندب إليه، قال: وقد كان غالب أمور الأولين الرؤيا إلا أنها قلت في هذه الأمة لعظم ما جاء به نبيها من الوحي ولكثرة من في أمته من الصديقين من المحدثين بفتح الدال وأهل اليقين. فاكتفوا بكثرة الإلهام والملهمين عن كثرة الرؤيا التي كانت في المتقدمين. وقال القاضي عياض: يحتمل قوله الرؤيا الحسنة والصالحة أن يرجع إلى حسن ظاهرها أو صدقها، كما أن قوله الرؤيا المكروهة أو السوء يحتمل سوء الظاهر أو سوء التأويل، وأما كتمها مع أنها قد تكون صادقة فخفيت حكمته، ويحتمل أن يكون لمخافة تعجيل اشتغال سر الرائي بمكروه تفسيرها، لأنها قد تبطئ فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعها وتخويفها ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرا حسنا، أو الرجاء في أنها من الأضغاث فيكون ذلك أسكن لنفسه. واستدل بقوله: "ولا يذكرها على أن الرؤيا تقع على ما يعبر به " وسيأتي البحث في ذلك في " باب إذا رأى ما يكره " إن شاء الله تعالى، واستدل به على أن للوهم تأثيرا في النفوس لأن التفل وما ذكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا، فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه، وكذا في النهي عن التحديث بما يكره لمن يكره والأمر بالتحديث بما يحب لمن يحب. قوله في حديث أبي سعيد "وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان" ظاهر الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشتمل على شيء مما يكرهه الرائي، ويؤيده مقابلة رؤيا البشرى بالحلم وإضافة الحلم إلى الشيطان، وعلى هذا ففي قول أهل التعبير ومن تبعهم أن الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى وقد تكون إنذارا نظر، لأن الإنذار غالبا يكون فيما يكره الرائي، ويمكن الجمع بأن الإنذار لا يستلزم وقوع المكروه كما تقدم تقريره، وبأن المراد بما يكره ما هو أعم من ظاهر الرؤيا ومما تعبر به وقال القرطبي في "المفهم": ظاهر الخبر أن هذا النوع من الرؤيا يعني ما كان فيه تهويل أو تخويف أو تحزين هو المأمور بالاستعاذة منه لأنه من تخيلات الشيطان، فإذا استعاذ الرائي منه صادقا في التجائه إلى الله وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة أذهب الله عنه ما به وما يخافه من مكروه ذلك ولم يصبه منه شيء، وقيل بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي بتناول ما يتسبب به الشيطان وما لا تسبب له فيه، وفعل الأمور المذكورة مانع من وقوع المكروه كما جاء أن الدعاء يدفع البلاء والصدقة تدفع ميتة السوء وكل ذلك بقضاء الله وقدره، ولكن الأسباب عادات لا موجودات، وأما ما يرى أحيانا مما يعجب الرائي ولكنه لا يجده في اليقظة ولا ما يدل عليه فإنه يدخل في قسم آخر وهو ما كان الخاطر به مشغولا قبل النوم ثم يحصل النوم فيراه فهذا قسم لا يضر ولا ينفع.

(12/372)


باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة
...
4- باب: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ
6986- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا لَقِيتُهُ بِالْيَمَامَةِ - عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ "عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ"
وَعَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. مِثْلَهُ
6987- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَادَةَ ابْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ"
6988- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ". وَرَوَاهُ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَشُعَيْبٌ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[الحديث 6988- طرفه في: 7017]
6989- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ"
قوله: "باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" هذه الترجمة لفظ آخر أحاديث الباب، فكأنه حمل الرواية الأخرى بلفظ: "رؤيا المؤمن" على هذه المقيدة، وسقطت هذه الترجمة للنسفي وذكر أحاديثها في الباب الذي قبله، وذكر فيه خمسة أحاديث: الحديث الأول. قوله: "حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير وأثنى عليه خيرا لقيته باليمامة" هكذا للأكثر. وفي رواية القابسي بعد قوله خيرا " قال لقيته باليمامة " وفاعل أثنى هو مسدد وهي جملة حالية كأنه قال أثنى عليه خيرا حال تحديثه عنه، وقد أثنى عليه أيضا إسحاق بن أبي إسرائيل فيما أخرجه الإسماعيلي من طريقه قال: "حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير وكان من خيار الناس وأهل الورع والدين". قوله: "عن أبيه" هو عطف على السند الذي قبله، ففي رواية إسحاق بن أبي إسرائيل المذكورة بعد أن ساق طريق أبي سلمة قال: "وحدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه مثل حديث أبي سلمة وتقدم في صفة إبليس من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وحده عن أبي قتادة " وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي خليفة عن مسدد كرواية البخاري عن مسدد، ومن طريق إبراهيم الحربي عن مسدد بهذا السند فقال عن أبي هريرة بدل أبي قتادة، ولعله كان عند أبي سلمة عنهما،

(12/373)


وكان عند مسدد على الوجهين، فقد أخرجه ابن عدي من رواية إسحاق بن أبي إسرائيل بهذا السند إلى أبي سلمة فقال عن أبي قتادة تارة وعن أبي هريرة أخرى، وعن عبيد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة حديث: "رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " أخرجه مسلم. قوله: "الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم" تقدم شرحه في الباب الذي قبله مستوفى، وقد اعترضه الإسماعيلي فقال: ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء، وأخذه الزركشي فقال: إدخاله في هذا الباب لا وجه له بل هو ملحق بالذي قبله، قلت: وقد وقع ذلك في رواية النسفي كما أشرت إليه، ويجاب عن صنيع الأكثر بأن وجه دخوله في هذه الترجمة الإشارة إلى أن الرؤيا الصالحة إنما كانت جزءا من أجزاء النبوة لكونها من الله تعالى بخلاف التي من الشيطان فإنها ليست من أجزاء النبوة، وأشار البخاري مع ذلك إلى ما وقع في بعض الطرق عن أبي سلمة عن أبي قتادة، فقد ذكرت في الباب الذي قبله أنه وقع في رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن أبي قتادة في هذا الحديث من الزيادة " ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" . الحديث الثاني، قوله: "حدثنا غندر" هو محمد بن جعفر. قوله: "عن أنس" في رواية أحمد عن محمد بن جعفر المذكور بسنده المذكور "سمعت أنس بن مالك يحدث عن عبادة، وقد خالف قتادة غيره فلم يذكروا عبادة في السند وهو الحديث الثالث حديث أنس. قوله: "ورواه ثابت وحميد وإسحاق بن عبد الله وشعيب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم" أي بغير واسطة، فأما رواية ثابت فتأتي موصولة بعد خمسة أبواب من طريق عبد العزيز بن المختار عنه تلو حديث أوله " من رآني في المنام فقد رآني " وقال فيه: "ورؤيا المؤمن " ووصلها مسلم من طريق شعبة عن ثابت كذلك، وأخرجها البزار وقال لا نعلم رواه عن ثابت إلا شعبة، ورواية عبد العزيز ترد عليه، ووقع في أطراف المزي أن البخاري أخرجه في التعبير معلقا فقال: رواه شعبة عن ثابت، ولم أر ذلك في البخاري، وأما رواية حميد فوصلها أحمد عن محمد بن أبي عدي عنه ولفظ المتن مثل رواية قتادة وأما رواية إسحاق وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة فتقدمت قريبا وأما رواية شعيب وهو ابن الحبحاب بمهملتين مفتوحتين وموحدتين الأولى ساكنة فرويناها موصولة في " كتاب الروح لأبي عبد الله بن منده " من طريق عبد الوارث بن سعيد وفي الجزء الرابع من فوائد أبي جعفر محمد بن عمرو الرزاز من طريق سعيد بن زيد كلاهما عن شعيب ولفظه مثل حميد وأشار الدار قطني إلى أن الطريقين صحيحان. الحديث الرابع، حديث أبي هريرة من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عنه ولفظه مثل قتادة، وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه فزاد في أوله أن التي للتأكيد، وأخرجه من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ أبي سعيد آخر أحاديث الباب، ومن طريق أبي سلمة ومن طريق همام كلاهما عن أبي هريرة بلفظ: "رؤيا الرجل الصالح" بدل لفظ المؤمن. الحديث الخامس حديث أبي سعيد من رواية ابن أبي حازم والدراوردي واسم كل منهما عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة بن دينار واسم والد الدراوردي محمد بن عبيد ويزيد شيخهما هو المعروف بابن الهاد والسند كله مدنيون ولفظ المتن مثل الترجمة كما تقدم. قوله: "من النبوة" قال بعض الشراح كذا هو في جميع الطرق وليس في شيء منها بلفظ: "من الرسالة" بدل "من النبوة" قال وكأن السر فيه أن الرسالة تزيد على النبوة بتبليغ الأحكام للمكلفين بخلاف النبوة المجردة فإنها اطلاع على بعض المغيبات وقد يقرر بعض الأنبياء شريعة من قبله ولكن لا يأتي بحكم جديد مخالف لمن قبله، فيؤخذ من ذلك ترجيح القول بأن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأمره بحكم يخالف حكم

(12/374)


الشرع المستقر في الظاهر أنه لا يكون مشروعا في حقه ولا في حق غيره حتى يجب عليه تبليغه وسيأتي بسط هذه المسألة في الكلام على حديث: "من رآني في المنام فقد رآني" إن شاء الله تعالى.

(12/375)


5- باب: الْمُبَشِّرَاتِ
6990- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ. قَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ"
قوله: "باب المبشرات" بكسر الشين المعجمة جمع مبشرة وهي البشرى، وقد ورد في قوله تعالى:{ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} هي الرؤيا الصالحة، أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبادة بن الصامت ورواته ثقات إلا أن أبا سلمة لم يسمعه من عبادة، وأخرجه الترمذي أيضا من وجه آخر عن أبي سلمة قال: "نبئت عن عبادة " وأخرجه أيضا هو وأحمد وإسحاق وأبو يعلى من طريق عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن عبادة، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أن هذا الرجل ليس بمعروف، وأخرجه ابن مردويه من حديث ابن مسعود قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذكر مثله، وفي الباب عن جابر عند البزار وعن أبي هريرة عند الطبري وعن عبد الله بن عمرو عند أبي يعلى. قوله: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات" كذا ذكره باللفظ الدال على المضي تحقيقا لوقوعه والمراد الاستقبال أي لا يبقى، وقيل هو على ظاهره لأنه قال ذلك في زمانه واللام في النبوة للعهد والمراد نبوته، والمعنى لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا، وصرح به في حديث عائشة عند أحمد بلفظ: "لم يبق بعدي" وقد جاء في حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك في مرض موته أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن أبيه عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له " الحديث، وللنسائي من رواية زفر بن صعصعة عن أبي هريرة رفعه أنه " ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة " وهذا يؤيد التأويل الأول، وظاهر الاستثناء مع ما تقدم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أن الرؤيا نبوة وليس كذلك لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، رافعا صوته لا يسمى مؤذنا ولا يقال إنه أذن وإن كانت جزءا من الأذان، وكذا لو قرأ شيئا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليا وإن كانت القراءة جزءا من الصلاة، ويؤيده حديث أم كرز بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي الكعبية قالت: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت النبوة وبقيت المبشرات " أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان، ولأحمد عن عائشة مرفوعا: "لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا " وله وللطبراني من حديث حذيفة بن أسيد مرفوعا: "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات " ولأبي يعلى من حديث أنس رفعه: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول بعدي ولكن بقيت المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلمين جزء من أجزاء النبوة " قال المهلب ما حاصله: التعبير بالمبشرات خرج للأغلب، فإن من الرؤيا ما تكون

(12/375)


منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه. وقال ابن التين: معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا، ويرد عليه الإلهام فإن فيه إخبارا بما سيكون، وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا، ويقع لغير الأنبياء كما في الحديث الماضي في مناقب عمر " قد كان فيمن مضى من الأمم محدثون " وفسر المحدث بفتح الدال بالملهم بالفتح أيضا، وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور مغيبة فكانت كما أخبروا، والجواب أن الحصر في المنام لكونه يشمل آحاد المؤمنين بخلاف الإلهام فإنه مختص بالبعض، ومع كونه مختصا فإنه نادر، فإنما ذكر المنام لشموله وكثرة وقوعه، ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن يكن " وكان السر في ندور الإلهام في زمنه وكثرته من بعده غلبة الوحي إليه صلى الله عليه وسلم في اليقظة وإرادة إظهار المعجزات منه، فكان المناسب أن لا يقع لغيره منه في زمانه شيء، فلما انقطع الوحي بموته وقع الإلهام لمن اختصه الله به للأمن من اللبس في ذلك، وفي إنكار وقوع ذلك مع كثرته واشتهاره مكابرة ممن أنكره.

(12/376)


6- باب رُؤْيَا يُوسُفَ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وَقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}. فَاطِرٌ وَالْبَدِيعُ وَالْمُبْدِعُ وَالْبَارِئُ وَالْخَالِقُ وَاحِدٌ. مِنْ الْبَدْوِ: بَادِيَةٍ
قوله: "باب رؤيا يوسف" كذا لهم، ووقع للنسفي "يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن" وقوله عز وجل :{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ} فساق إلى {سَاجِدِينَ} ثم قال: "إلى قوله :{عَلِيمٌ حَكِيمٌ} كذا لأبي ذر والنسفي، وساق في رواية كريمة الآيات كلها. قوله: "وقوله تعالى :{يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً - إلى قوله - وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} كذا لأبي ذر والنسفي أيضا. وساق في رواية كريمة الآيتين، والمراد أن معنى قوله: {تَأْوِيلُ رُؤْيايَ} أي التي تقدم ذكرها وهي رؤية الكواكب والشمس والقمر ساجدين له، فلما وصل أبواه وإخوته إلى مصر ودخلوا عليه وهو في مرتبة الملك وسجدوا له وكان ذلك مباحا في شريعتهم فكان التأويل في الساجدين وكونها حقا في السجود، وقيل التأويل وقع أيضا في السجود ولم يقع منهم السجود حقيقة وإنما هو كناية عن الخضوع، والأول هو المعتمد. وقد أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن قتادة في قوله: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً} قال: "كانت تحية من قبلكم، فأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة" وفي لفظ: "وكانت تحية الناس يومئذ أن يسجد بعضهم لبعض" ومن طريق ابن إسحاق والثوري وابن جريج وغيرهم نحو ذلك، قال الطبري: أرادوا أن ذلك كان بينهم لا على وجه العبادة بل الإكرام، واختلف في المدة التي كانت بين

(12/376)


الرؤيا وتفسيرها، فأخرج الطبري والحاكم والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن سلمان الفارسي قال: "كان بين رؤيا يوسف وعبارتها أربعون عاما " وذكر البيهقي له شاهدا عن عبد الله بن شداد وزاد: "وإليها ينتهي أمد الرؤيا" وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري قال: كانت مدة المفارقة بين يعقوب ويوسف ثمانين سنة وفي لفظ ثلاثا وثمانين سنة، ومن طريق قتادة خمسا وثلاثين سنة، ونقل الثعلبي عن ابن مسعود تسعين سنة، وعن الكلبي اثنتين وعشرين سنة قال وقيل سبعا وسبعين، ونقل ابن إسحاق قولا أنها كانت ثمانية عشر عاما والأول أقوى والعلم عند الله. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف، وسقط هذا وما بعده إلى آخر الباب للنسفي. قوله: "فاطر والبديع والمبدع والبارئ والخالق واحد" كذا لبعضهم البارئ بالراء، ولأبي ذر والأكثر البادئ بالدال بدل الراء والهمز ثابت فيهما، وزعم بعض الشراح أن الصواب بالراء وأن رواية الدال وهم، وليس كما قال فقد وردت في بعض طرق الأسماء الحسنى كما تقدم في الدعوات، وفي الأسماء الحسنى أيضا المبدئ. وقد وقع في العنكبوت ما يشهد لكل منهما في قوله : {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ - ثم قال - فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} فالأول من الرباعي واسم الفاعل منه مبدئ والثاني من الثلاثي واسم الفاعل منه بادئ وهما لغتان مشهورتان، وإنما ذكر البخاري هذا استطرادا من قوله في الآيتين المذكورتين {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فأراد تفسير الفاطر، وزعم بعض الشراح أن دعوى البخاري في ذلك الوحدة ممنوعة عند المحققين، كذا قال، ولم يرد البخاري بذلك أن حقائق معانيها متوحدة وإنما أراد أنها ترجع إلى معنى واحد وهو إيجاد الشيء بعد أن لم يكن، وقد ذكرت قول الفراء أن فطر وخلق وفلق بمعنى واحد قبل "باب رؤيا الصالحين". قوله: "قال أبو عبد الله: من البدء وبادئه" كذا وجدته مضبوطا في الأصل بالهمز في الموضعين وبواو العطف لأبي ذر، فإن كان محفوظا ترجحت رواية الدال من قوله والبادئ، ولغير أبي ذر " من البدو وبادية " بالواو بدل الهمز وبغير همز في بادية وبهاء تأنيث، وهو أولى لأنه يريد تفسير قوله في الآية المذكورة {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} ففسرها بقوله بادية أي جاء بكم من البادية، وذكره الكرماني فقال: قوله من البدو أي قوله: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} أي من البادية، ويحتمل أن يكون مقصوده أن فاطر معناه البادئ من البدء أي الابتداء أي بادئ الخلق، فمعنى فاطر بادئ والله أعلم.

(12/377)


7- باب رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ. عَلَيْهِ السَّلاَم وَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَسْلَمَا سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ. وَتَلَّهُ وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأَرْضِ
قوله: "باب رؤيا إبراهيم عليه السلام" كذا لأبي ذر، وسقط لفظ باب لغيره. قوله: "وقوله عز وجل :{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ - إلى قوله - نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} كذا لأبي ذر وسقط للنسفي، وساق في رواية كريمة الآيات كلها. قيل كان إبراهيم نذر إن رزقه الله من سارة ولدا أن يذبحه قربانا فرأى في المنام أن أوف بنذرك أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي قال: فقال إبراهيم لإسحاق انطلق بنا نقرب قربانا وأخذ حبلا وسكينا ثم انطلق به حتى إذا كان

(12/377)


بين الجبال قال: يا أبت أين قربانك؟ قال: أنت يا بني، إني أرى في المنام أني أذبحك الآيات، فقال: اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي فتراه سارة فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي، ففعل ذلك إبراهيم وهو يبكي وأمر السكين على حلقه فلم تحز وضرب الله على حلقه صفيحة من نحاس فكبه على جبينه وحز في قفاه، فذاك قوله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا} فالتفت فإذا هو بكبش فأخذه وحل عن ابنه، هكذا ذكره السدي ولعله أخذه عن بعض أهل الكتاب، فقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح أيضا عن الزهري عن القاسم قال: اجتمع أبو هريرة وكعب فحدث أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل نبي دعوة مستجابة، فقال كعب: أفلا أخبرك عن إبراهيم؟ لما رأى أنه يذبح ابنه إسحاق قال الشيطان إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدا، فذهب إلى سارة فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: في حاجته، قال: كلا إنه ذهب به ليذبحه يزعم أن ربه أمره بذلك، فقالت: أخشى أن لا يطيع ربه، فجاء إلى إسحاق فأجابه بنحوه، فواجه إبراهيم فلم يلتفت إليه، فأيس أن يطيعوه. وساق نحوه من طريق سعيد عن قتادة وزاد: أنه سد على إبراهيم الطريق إلى المنحر، فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات عند كل جمرة، وكأن قتادة أخذ أوله عن بعض أهل الكتاب وآخره مما جاء عن ابن عباس وهو عند أحمد من طريق أبي الطفيل عنه قال: إن إبراهيم لما رأى المناسك عرض له إبليس عند المسعى فسبقه إبراهيم فذهب به جبريل إلى العقبة فعرض له إبليس فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، وكان على إسماعيل قميص أبيض، وتم تله للجبين فقال: يا أبت إنه ليس لي قميص تكفنني فيه غيره فاخلعه، فنودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فالتفت فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين فذبحه. وأخرج ابن إسحاق في "المبتدأ" عن ابن عباس نحوه وزاد: فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة. وأخرجه أحمد أيضا عن عثمان بن أبي طلحة قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فواريت قرني الكبش حين دخل البيت". وهذه الآثار من أقوى الحجج لمن قال إن الذبيح إسماعيل، وقد نقل ابن أبي حاتم وغيره عن العباس وابن مسعود وعن علي وابن عباس في إحدى الروايتين عنهما وعن الأحنف عن ابن ميسرة وزيد بن أسلم ومسروق وسعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه وعطاء والشعبي وكعب الأحبار أن الذبيح إسحاق، وعن ابن عباس في أشهر الروايتين عنه وعن علي في إحدى الروايتين وعن أبي هريرة ومعاوية وابن عمر وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي في إحدى الروايتين عنهما ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب وأبي جعفر الباقر وأبي صالح والربيع بن أنس وأبي عمرو بن العلاء وعمر بن عبد العزيز وابن إسحاق أن الذبيح إسماعيل، ويؤيده ما تقدم وحديث: "أنا ابن الذبيحين" رويناه في "الخلعيات" من حديث معاوية، ونقله عبد الله بن أحمد عن أبيه وابن أبي حاتم عن أبيه وأطنب ابن القيم في الهدي في الاستدلال لتقويته، وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي أنه استنبط من القرآن دليلا وهو قوله في الصافات {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ - إلى قوله - إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} وقوله في هود {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ - إلى قوله - وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً} قال: ووجه الأخذ منهما أن سياقهما يدل على أنهما قصتان مختلفتان في وقتين الأولى عن طلب من إبراهيم وهو لما هاجر من بلاد قومه في ابتداء أمره فسأل من ربه الولد {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ

(12/378)


8- باب: التَّوَاطُؤِ عَلَى الرُّؤْيَا
6991- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، وَأَنَّ أُنَاسًا أُرُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ"، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ"
قوله: "باب: التواطؤ على الرؤيا" أي توافق جماعة على شيء واحد ولو اختلفت عباراتهم. قوله: "أن أناسا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر أن أناسا" في رواية الكشميهني: "ناسا". قوله: "أروها في العشر الأواخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم؟ التمسوها في السبع الأواخر" كذا وقع في هذه الرواية من طريق سالم بن عبد الله بن

(12/379)


باب رؤيا أهل السجون و الفساد و الشرك
...
9 - باب: رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ وَالْفَسَادِ وَالشِّرْكِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ} وَقَالَ الْفُضَيْلُ لبعض الأتباع يا عبد الله {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلاَ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي

(12/380)


سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ}. "وَادَّكَرَ" افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرَ. "أُمَّةٍ": قَرْنٍ وَتُقْرَأُ "أَمَهٍ": نِسْيَانٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْصِرُونَ الأَعْنَابَ وَالدُّهْنَ. "تُحْصِنُونَ": تَحْرُسُونَ
6992- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن محمد بن أسماء حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لاَجَبْتُهُ"
قوله: "باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك" تقدمت الإشارة إلى أن الرؤيا الصحيحة وإن اختصت غالبا بأهل الصلاح لكن قد تقع لغيرهم، ووقع في رواية أبي ذر بدل الشرك "الشراب" بضم المعجمة والتشديد جمع شارب، أو بفتحتين مخففا أي وأهل الشراب والمراد شربة المحرم، وعطفه على أهل الفساد من عطف الخاص على العام كما أن المسجون أعم من أن يكون مفسدا أو مصلحا، قال أهل العلم بالتعبير: إذا رأى الكافر أو الفاسق الرؤيا الصالحة فإنها تكون بشرى له بهدايته إلى الإيمان مثلا أو التوبة أو إنذار من بقائه على الكفر أو الفسق، وقد تكون لغيره ممن ينسب إليه من أهل الفضل، وقد يرى ما يدل على الرضا بما هو فيه ويكون من جملة الابتلاء والغرور والمكر ونعوذ بالله من ذلك. قوله: "وقوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ - إلى قوله - ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} كذا لأبي ذر، وساق في رواية كريمة الآيات كلها وهي ثلاث عشرة آية، قال السهيلي: اسم أحدهما شرهم والآخر شرهم كل منهما بمعجمة إحداهما مفتوحة والأخرى مضمومة، قال وقال الطبري: الذي رأى أنه يعصر خمرا اسمه نبوء، وذكر اسم الآخر فلم أحفظه. قلت: سماه مخلث بمعجمة ومثلثة وعزاه لابن إسحاق في "المبتدأ" وبه جزم الثعلبي، وذكر أبو عبيد البكري في كتاب "المسالك" إن اسم الخباز واشان والساقي مرطس، وحكوا أن الملك اتهمهما أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فحبسهما إلى أن ظهرت براءة ساحة الساقي دون الخباز، ويقال إنهما لم يريا شيئا وإنما أرادا امتحان يوسف، فأخرج الطبري عن ابن مسعود قال: لم يريا شيئا وإنما تحاكما ليجربا، وفي سنده ضعف. وأخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن مسعود نحوه وزاد: فلما ذكر لهما التأويل قالا إنما كنا نلعب، قال: قضي الأمر الآية. قوله: "وقال الفضيل إلخ" وقع لأبي ذر بعد قوله: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} وعند كريمة عند قوله: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ} وهو الأليق، وعند غيرهما بعد قوله: "الأعناب" والدهن. قوله: "وادكر افتعل من ذكرت" في رواية الكشميهني: "من ذكر" وهو من كلام أبي عبيدة قال: ادكر بعد أمة افتعل من ذكرت فأدغمت التاء في الذال فحولت دالا يعني مهملة ثقيلة. قوله: "بعد أمة قرن" هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير آل عمران، وقال في تفسير يوسف "بعد حين" وأخرجه الطبري بسند جيد عن ابن عباس مثله، ومن طريق سماك عن عكرمة قال: "بعد حقبة من الدهر" وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير "بعد سنين". قوله: "ويقرأ أمه" بفتح أوله وميم بعدها هاء منونة نسيان، أي تذكر بعد أن كان نسي، وهذه القراءة نسبت في الشواذ لابن

(12/381)


عباس وعكرمة والضحاك، يقال رجل مأموه أي ذاهب العقل، قال أبو عبيدة: قرئ بعد أمه أي نسيان، تقول أمهت آمه أمها بسكون الميم قال الشاعر: أمهت وكنت لا أنسى حديثا وقال الطبري: روي عن جماعة أنهم قرءوا "بعد أمه" ثم ساق بسند صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرؤها "بعد أمه" وتفسيرها بعد نسيان، وساق مثله عن عكرمة والضحاك، ومن طريق مجاهد نحوه لكن قالها بسكون الميم. قوله: "وقال ابن عباس يعصرون الأعناب والدهن" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} يقول الأعناب والدهن، وفيه رد على أبي عبيدة في قوله إنه من العصرة وهي النجاة فمعنى قوله يعصرون ينجون، ويؤيد قول ابن عباس قوله في أول القصة {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} وقد اختلف في المراد به فقال الأكثر: أطلق عصر الخمر باعتبار ما يئول إليه وهو كقول الشاعر:
الحمد لله العلي المنان ... صار الثريد في رءوس القضبان
أي السنبل، فسمي القمح ثريدا باعتبار ما يئول إليه، وأخرج الطبري عن الضحاك قال: أهل عمان يسمون العنب خمرا، وقال الأصمعي: سمعت معتمر بن سليمان يقول: لقيت أعرابيا معه سلة عنب فقلت ما معك؟ قال خمر، وقرأ ابن مسعود " إني أراني أعصر عنبا " أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وكأنه أراد التفسير، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة أن الساقي قال ليوسف: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة فنبتت فخرج فيها ثلاث عناقيد فعصرتهن ثم سقيت الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثا ثم تخرج فتسقيه أي على عادتك. قوله: "تحصنون تحرسون" كذا لهم من الحراسة، وعند أبي عبيدة في " المجاز " تحرزون بزاي بدل السين من الإحراز، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس تخزنون بخاء معجمة ثم زاي ونونين من الخزن. قوله: "جويرية" بالضم مصغر وهو ابن إسماعيل الضبعي وروايته عن مالك من الأقران. قوله: "لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته" كذا أورده مختصرا، وقد تقدم ترجمة يوسف من أحاديث الأنبياء من هذا الوجه وزاد فيه قصة لوط، وتقدم شرحه في أحاديث الأنبياء، وأخرجه النسائي في التفسير من هذا الوجه وزاد في أوله " نحن أحق بالشك من إبراهيم " الحديث، وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن قال: مثل حديث يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة بطوله، ومن طريق أبي أويس عن الزهري مثل مالك وأخرجه الدار قطني في " غرائب مالك " من طريق جويرية بطوله أخرجوه كلهم من رواية عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه جويرية بن أسماء، وذكر أن أحمد بن سعيد بن أبي مريم رواه عنه فقال: "عن أبي سلمة " بدل أبي عبيد ووهم فيه فإن المحفوظ عن مالك أبو عبيد لا أبو سلمة، وكذلك أخرجه من طريق سعيد بن داود عن مالك أن ابن شهاب حدثه أن سعيدا وأبا عبيد أخبراه به، وقد وقع في بعض طرقه بأبسط من سياقه، فأخرج عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة رفعه: " لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره حتى سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبت حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول - يعني ليخرج إلى الملك - فقال ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة ولبادرت الباب ولما ابتغيت العذر، وهذا مرسل وقد وصله الطبري من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم

(12/382)


المعجمة والزاي عن عمرو بن دينار بذكر ابن عباس فيه فذكره وزاد: "ولولا الكلمة التي قالها لما لبث في السجن ما لبث " وقد مضى شرح ما يتعلق بذلك في قصة يوسف من أحاديث الأنبياء.

(12/383)


باب من رأى النبي صلى الله عليه و سلم في المنام
...
10 - بَاب: مَنْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ
6993- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ
6994- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يتمثلُ بِي وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ"
6995- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ "عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ. فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلاَثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَرَاءَى بِي"
6996- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ "قَالَ أَبُو قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ". تَابَعَهُ يُونُسُ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ
6997- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَكَوَّنُنِي"
قوله "باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام" ذكر في خمسة أحاديث: الحديث الأول حديث أبي هريرة، قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك ويونس هو ابن يزيد. قوله: "أن أبا هريرة قال" في رواية الإسماعيلي من طريق الزبيدي عن الزهري " أخبرني أبو سلمة سمعت أبا هريرة"، قوله: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" زاد مسلم من هذا الوجه " أو فكأنما رآني في اليقظة، هكذا بالشك ووقع عند الإسماعيلي في الطريق المذكورة "فقد رآني في اليقظة" بدل قوله: "فسيراني" ومثله في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه. وصححه الترمذي وأبو عوانة ووقع عند ابن ماجه من حديث أبي جحيفة " فكأنما رآني في اليقظة " فهذه ثلاثة ألفاظ: فسيراني في اليقظة، فكأنما رآني في اليقظة، فقد رآني في اليقظة وجل أحاديث الباب كالثالثة إلا قوله: "في اليقظة". قوله: "قال أبو عبد الله قال ابن سيرين إذا رآه في صورته" سقط هذا التعليق للنسفي ولأبي ذر وثبت عند غيرهما، وقد رويناه موصولا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب وهو من شيوخ البخاري عن حماد بن زيد عن أيوب

(12/383)


قال: "كان محمد - يعني ابن سيرين - إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره وسنده صحيح. ووجدت له ما يؤيده: فأخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب " حدثني أبي قال: قلت لابن عباس رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قال: صفه لي، قال: ذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال: قد رأيته " وسنده جيد، ويعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رآني في المنام فقد رآني، فإني أرى في كل صورة " وفي سنده صالح مولى التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط، ويمكن الجمع بينهما بما قال القاضي أبو بكر ابن العربي: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة وإدراك الصفات إدراك المثل، قال وشذ بعض القدرية فقال: الرؤيا لا حقيقة لها أصلا وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس حقيقة، وقال بعض المتكلمين: هي مدركة بعينين في القلب قال وقوله: "فسيراني" معناه فسيرى تفسير ما رأى لأنه حق وغيب ألقي فيه، وقيل معناه فسيراني في القيامة، ولا فائدة في هذا التخصيص، وأما قوله: "فكأنما رآني " فهو تشبيه ومعناه أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام فيكون الأول حقا وحقيقة والثاني حقا وتمثيلا، قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة: فإن رآه على خلاف صفته فهي أمثال، فإن رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائي وفيه وعلى العكس فبالعكس. وقال النووي قال عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله فقد رآني أو فقد رأى الحق أن من رآه على صورته في حياته كانت رؤياه حقا، ومن رآه على غير صورته كانت رؤيا تأويل. وتعقبه فقال: هذا ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها انتهى، ولم يظهر لي من كلام القاضي ما ينافي ذلك، بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالين. لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير والثانية مما يحتاج إلى التعبير. قال القرطبي: اختلف في معنى الحديث فقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء، قال وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل وقالت طائفة: معناه أن من رآه رآه على صورته التي كان عليها، ويلزم منه أن من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من الأضغاث، ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به وتقع تلك الرؤيا حقا كما لو رئي ملأ دارا بجسمه مثلا فإنه يدل على امتلاء تلك الدار بالخير، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: "فإن الشيطان لا يتمثل بي " فالأولى أن تنزه رؤياه وكذا رؤيا شيء منه أو مما ينسب إليه عن ذلك، فهو أبلغ في الحرمة وأليق بالعصمة كما عصم من الشيطان في يقظته، قال: والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا بل هي حق في نفسها ولو رئي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله وقال وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره، ويؤيده قوله: "فقد رأى الحق " أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي به فإن كانت على ظاهرها وإلا

(12/384)


سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير أو إنذار من شر إما ليخيف الرائي وإما لينزجر عنه وإما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه. وقال ابن بطال قوله: "فسيراني في اليقظة" يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق، وليس المراد أنه يراه في الآخرة لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة فتراه جميع أمته من رآه في النوم ومن لم يره منهم. وقال ابن التين: المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته قاله القزاز، وقال المازري: إن كان المحفوظ " فكأنما رآني في اليقظة " فمعناه ظاهر وإن كان المحفوظ "فسيراني في اليقظة" احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن يهاجر إليه فإنه إذا رآه في المنام جعل علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة وأوحى الله بذلك إليه صلى الله عليه وسلم. وقال القاضي: وقيل معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها، وقيل معنى الرؤيا في اليقظة أنه سيراه في الآخرة وتعقب بأنه في الآخرة يراه جميع أمته من رآه في المنام ومن لم يره يعني فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية، وأجاب القاضي عياض باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها ووصف عليها موجبة لتكرمته في الآخرة وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه والشفاعة له بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات، قال: ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم مدة. وحمله ابن أبي جمرة على محمل آخر فذكر عن ابن عباس أو غيره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فبقي بعد أن استيقظ متفكرا في هذا الحديث فدخل على بعض أمهات المؤمنين ولعلها خالته ميمونة فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فنظر فيها فرأى صورة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ير صورة نفسه، ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك. قلت: وهذا مشكل جدا ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، ويعكر عليه أن جمعا جما رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف، وقد اشتد إنكار القرطبي على من قال من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ثم يراها كذلك في اليقظة كما تقدم قريبا، وقد تفطن ابن أبي جمرة لهذا فأحال بما قال على كرامات الأولياء فإن يكن كذلك تعين العدول عن العموم في كل راء، ثم ذكر أنه عام في أهل التوفيق وأما غيرهم فعلى الاحتمال، فإن خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الإملاء والإغواء كما يقع للصديق بطريق الكرامة والإكرام، وإنما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة انتهى. والحاصل من الأجوبة ستة: أحدها أنه على التشبيه والتمثيل، ودل عليه قوله في الرواية الأخرى "فكأنما رآني في اليقظة". ثانيها أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير، ثالثها أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه رابعها أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك، وهذا من أبعد المحامل. خامسها أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام. سادسها أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه، وفيه ما تقدم من الإشكال. وقال القرطبي: قد تقرر أن الذي يرى في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفسها، غير أن تلك الأمثلة تارة تقع مطابقة وتارة يقع معناها، فمن الأول رؤياه صلى الله عليه وسلم عائشة وفيه: "فإذا هي أنت" فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه ومن الثاني رؤيا البقر التي تنحر والمقصود بالثاني التنبيه على معاني تلك الأمور ومن فوائد رؤيته صلى الله عليه وسلم تسكين شوق الرائي لكونه صادقا في محبته ليعمل على مشاهدته، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "فسيراني في اليقظة" أي من رآني رؤية معظم

(12/385)


لحرمتي ومشتاق إلى مشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه، قال: ويجوز أن يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته وهو دينه وشريعته، فيعبر بحسب ما يراه الرائي من زيادة ونقصان أو إساءة وإحسان. قلت: وهذا جواب سابغ والذي قبله لم يظهر لي فإن ظهر فهو ثامن. قوله: "ولا يتمثل الشيطان بي" في رواية أنس في الحديث الذي بعده " فإن الشيطان لا يتمثل بي " ومضى في كتاب العلم من حديث أبي هريرة مثله لكن قال: "لا يتمثل في صورتي " وفي حديث جابر عند مسلم وابن ماجه: "إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي " وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي وابن ماجه: "إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي " وفي حديث أبي قتادة الذي يليه " وإن الشيطان لا يتراءى " بالراء بوزن يتعاطى، ومعناه لا يستطيع أن يصير مرئيا بصورتي، وفي رواية غير أبي ذر "يتزايا" بزاي وبعد الألف تحتانية، وفي حديث أبي سعيد في آخر الباب : "فإن الشيطان لا يتكونني" أما قوله: "لا يتمثل بي " فمعناه " لا يتشبه بي " وأما قوله: "في صورتي " فمعناه لا يصير كائنا في مثل صورتي، وأما قوله: "لا يتراءى بي " فرجح بعض الشراح رواية الزاي عليها أي لا يظهر في زيي، وليست الرواية الأخرى ببعيدة من هذا المعنى، وأما قوله: "لا يتكونني " أي لا يتكون كوني فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل، والمعنى لا يتكون في صورتي، فالجميع راجع إلى معنى واحد، وقوله: "لا يستطيع " يشير إلى أن الله تعالى وإن أمكنه من التصور في أي صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها، ومنهم من ضيق الغرض في ذلك حتى قال: لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة، والصواب التعميم في جميع حالاته بشرط أن تكون صورته الحقيقية في وقت ما سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي قال المازري: اختلف المحققون في تأويل هذا الحديث فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن المراد بقوله: "من رآني في المنام فقد رآني " أن رؤياه صحيحة لا تكون أضغاثا ولا من تشبيهات الشيطان، قال: ويعضده قوله في بعض طرقه: "فقد رأى الحق" قال وفي قوله: "فإن الشيطان لا يتمثل بي " إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغاثا. ثم قال المازري: وقال آخرون بل الحديث محمول على ظاهره والمراد أن من رآه فقد أدركه ولا مانع يمنع من ذلك ولا عقل يحيله حتى يحتاج إلى صرف الكلام عن ظاهره، وأما كونه قد يرى على غير صفته أو يرى في مكانين مختلفين معا فإن ذلك غلط في صفته وتخيل لها على غير ما هي عليه، وقد يظن بعض الخيالات مرئيات لكون ما يتخيل مرتبطا بما يرى في العادة فتكون ذاته صلى الله عليه وسلم مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق البصر ولا قرب المسافة ولا كون المرئي ظاهرا على الأرض أو مدفونا، وإنما يشترط كونه موجودا، ولم يقم دليل على فناء جسمه صلى الله عليه وسلم، بل جاء في الخبر الصحيح ما يدل على بقائه وتكون ثمرة اختلاف الصفات اختلاف الدلالات كما قال بعض علماء التعبير إن من رآه شيخا فهو عام سلم أو شابا فهو عام حرب، ويؤخذ من ذلك ما يتعلق بأقواله كما لو رآه أحد يأمره بقتل من لا يحل قتله فإن ذلك يجمل على الصفة المتخيلة لا المرئية. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة لحاله، فإن رئي على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهه ومنها ما يحتاج إلى تأويل. وقال النووي: هذا الذي قاله القاضي ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت

(12/386)


على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري، وهذا الذي رده الشيخ تقدم عن محمد بن سيرين إمام المعبرين اعتباره، والذي قاله القاضي توسط حسن، ويمكن الجمع بينه وبين ما قاله المازري بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة لكن إذا كان على صورته كأن يرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير وإذا كان على غير صورته كان النقص من جهة الرائي لتخيله الصفة على غير ما هي عليه ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير، وعلى ذلك جرى علماء التعبير فقالوا: إذا قال الجاهل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسأل عن صفته فإن وافق الصفة المروية وإلا فلا يقبل منه، وأشاروا إلى ما إذا رآه على هيئة تخالف هيئته مع أن الصورة كما هي، فقال أبو سعد أحمد بن محمد بن نصر: من رأى نبيا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح الرائي وكمال جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابسا مثلا فذاك دال على سوء حال الرائي، ونحا الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة إلى ما اختاره النووي فقال بعد أن حكى الخلاف: ومنهم من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلا فمن رآه في صورة حسنة فذاك حسن في دين الرائي وإن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص فذاك خلل في الرائي من جهة الدين، قال: وهذا هو الحق، وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أو لا، لأنه صلى الله عليه وسلم نوراني مثل المرآة الصقيلة ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها وهي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها ولا شين، وكذلك قال في كلامه صلى الله عليه وسلم في النوم أنه يعرض على سنته فما وافقها فهو حق وما خالفها فالخلل في سمع الرائي، فرؤيا الذات الكريمة حق والخلل إنما هو في سمع الرائي أو بصره، قال: وهذا خير ما سمعته في ذلك. ثم حكى القاضي عياض عن بعضهم قال: خص الله نبيه بعموم رؤياه كلها ومنع الشيطان أن يتصور في صورته لئلا يتذرع بالكذب على لسانه في النوم، ولما خرق الله العادة للأنبياء للدلالة على صحة حالهم في اليقظة واستحال تصور الشيطان على صورته في اليقظة ولا على صفة مضادة لحاله، إذ لو كان ذلك لدخل اللبس بين الحق والباطل ولم يوثق بما جاء من جهة النبوة، حمى الله حماها لذلك من الشيطان وتصوره وإلقائه وكيده، وكذلك حمى رؤياهم أنفسهم ورؤيا غير النبي للنبي عن تمثيل بذلك لتصح رؤياه في الوجهين ويكون طريقا إلى علم صحيح لا ريب فيه، ولم يختلف العلماء في جواز رؤية الله تعالى في المنام وساق الكلام على ذلك. قلت: ويظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به فقد رآه ولو كانت سائر الصفات مخالفة، وعلى ذلك فتتفاوت رؤيا من رآه فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحق الذي لا يحتاج إلى تعبير وعليها يتنزل قوله: "فقد رأى الحق ومهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك، ويصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة كانت من ذلك فقد رآه حقيقة. "تنبيه": جوز أهل التعبير رؤية الباري عز وجل في المنام مطلقا ولم يجروا فيها الخلاف في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، وأجاب بعضهم عن ذلك بأمور قابلة للتأويل في جميع وجوهها فتارة يعبر بالسلطان وتارة بالوالد وتارة بالسيد وتارة بالرئيس في أي فن كان، فلما كان الوقوف على حقيقة ذاته ممتنعا وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصدق والكذب كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائما، بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإذا رئي على صفته المتفق عليها وهو لا يجوز عليه الكذب كانت في هذه الحالة حقا محضا لا يحتاج إلى تعبير. وقال الغزالي: ليس معنى قوله: "رآني" أنه رأى جسمي وبدني وإنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه، وكذلك قوله: "فسيراني في اليقظة" ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني، قال: والآلة تارة تكون حقيقة وتارة

(12/387)


تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق، قال ومثل ذلك من يرى الله سبحانه وتعالى في المنام فإن ذاته منزهة عن الشكل والصورة ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي رأيت الله تعالى في المنام لا يعني أني رأيت ذات الله تعالى كما يقول في حق غيره. وقال أبو قاسم القشيري ما حاصله: إن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو، فإنه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك لا يقدح في رؤيته بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل كما قال الواسطي: من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرائي وغير ذلك. وقال الطيبي: المعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله وهي مبشرة لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب للشيطان فإن الشيطان لا يتمثل بي، وكذا قوله: "فقد رأى الحق" أي رؤية الحق لا الباطل، وكذا قوله: "فقد رآني" فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال، أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء. وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما ملخصه: إنه يؤخذ من قوله: "فإن الشيطان لا يتمثل بي" أن من تمثلت صورته صلى الله عليه وسلم في خاطره من أرباب القلوب وتصورت له في عالم سره أنه يكلمه أن ذلك يكون حقا، بل ذلك أصدق من مرأى غيرهم لما من الله به عليهم من تنوير قلوبهم انتهى. وهذا المقام الذي أشار إليه هو الإلهام، وهو من جملة أصناف الوحي إلى الأنبياء، ولكن لم أر في شيء من الأحاديث وصفه بما وصفت به الرؤيا أنه جزء من النبوة، وقد قيل في الفرق بينهما أن المنام يرجع إلى قواعد مقررة وله تأويلات مختلفة ويقع لكل أحد، بخلاف الإلهام فإنه لا يقع إلا للخواص ولا يرجع إلى قاعدة يميز بها بينه وبين لمة الشيطان، وتعقب بأن أهل المعرفة بذلك ذكروا أن الخاطر الذي يكون من الحق يستقر ولا يضطرب والذي يكون من الشيطان يضطرب ولا يستقر، فهذا إن ثبت كان فارقا واضحا، ومع ذلك فقد صرح الأئمة بأن الأحكام الشرعية لا تثبت بذلك، قال أبو المظفر بن السمعاني في "القواطع" بعد أن حكى عن أبي زيد الدبوسي من أئمة الحنفية أن الإلهام ما حرك القلب لعلم يدعو إلى العمل به من غير استدلال: والذي عليه الجمهور أنه لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب المباح، وعن بعض المبتدعة أنه حجة واحتج بقوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} وبقوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} أي ألهمها حتى عرفت مصالحها، فيؤخذ منه مثل ذلك للآدمي بطريق الأولى، وذكر فيه ظواهر أخرى ومنه الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن" وقوله لوابصة "ما حاك في صدرك فدعه وإن أفتوك" فجعل شهادة قلبه حجة مقدمة على الفتوى، وقوله: "قد كان في الأمم محدثون" فثبت بهذا أن الإلهام حق وأنه وحي باطن، وإنما حرمه العاصي لاستيلاء وحي الشيطان عليه، قال وحجة أهل السنة الآيات الدالة على اعتبار الحجة والحث على التفكر في الآيات والاعتبار والنظر في الأدلة وذم الأماني والهواجس والظنون وهي كثيرة مشهورة، وبأن الخاطر قد يكون من الله وقد يكون من الشيطان وقد يكون من النفس، وكل شيء احتمل أن لا يكون حقا لم يوصف بأنه حق، قال: والجواب عن قوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أن معناه عرفها طريق العلم وهو الحجج، وأما الوحي إلى النحل فنظيره في الآدمي فيما يتعلق بالصنائع وما فيه صلاح المعاش، وأما الفراسة فنسلمها لكن لا نجعل شهادة القلب حجة لأنا لا نتحقق كونها من الله أو من غيره انتهى ملخصا. قال ابن السمعاني: وإنكار الإلهام مردود،

(12/388)


ويجوز أن يفعل الله بعبده ما يكرمه به، ولكن التمييز بين الحق والباطل في ذلك أن كل ما استقام على الشريعة المحمدية ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده فهو مقبول، وإلا فمردود يقع من حديث النفس ووسوسة الشيطان، ثم قال: ونحن لا ننكر أن الله يكرم عبده بزيادة نور منه يزداد به نظره ويقوى به رأيه، وإنما ننكر أن يرجع إلى قلبه بقول لا يعرف أصله، ولا نزعم أنه حجة شرعية وإنما هو نور يختص الله به من يشاء من عباده فإن وافق الشرع كان الشرع هو الحجة انتهى. ويؤخذ من هذا ما تقدم التنبيه عليه أن النائم لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بشيء هل يجب عليه امتثاله ولا بد، أو لا بد أن يعرضه على الشرع الظاهر، فالثاني هو المعتمد كما تقدم. "تنبيه": وقع في المعجم الأوسط للطبراني من حديث أبي سعيد مثل أول حديث في الباب بلفظه لكن زاد فيه: "ولا بالكعبة" وقال: لا تحفظ هذه اللفظة إلا في هذا الحديث. الحديث الثاني حديث أنس قوله: "من رآني في المنام فقد رآني" هذا اللفظ وقع مثله في حديث أبي هريرة كما مضى في كتاب العلم وفي كتاب الأدب، قال الطيبي: اتحد في هذا الخبر الشرط والجزاء فدل على التناهي في المبالغة، أي من رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها بغير شبهة ولا ارتياب فيما رأى بل هي رؤيا كاملة، ويؤيده قوله في حديثي أبي قتادة وأبي سعيد " فقد رأى الحق " أي رؤية الحق لا الباطل وهو يرد ما تقدم من كلام من تكلف في تأويل قوله: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، والذي يظهر لي أن المراد من رآني في المنام على أي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله لا الباطل الذي هو الحلم فإن الشيطان لا يتمثل بي. قوله: "فإن الشيطان لا يتمثل بي" قد تقدم بيانه، وفيه: "ورؤيا المؤمن جزء" الحديث، وقد سبق قبل خمسة أبواب. الحديث الثالث حديث أبي قتادة "الرؤيا الصالحة من الله" وسيأتي شيء من شرحه في " باب الحلم من الشيطان " وفيه: "فإن الشيطان لا يتراءى بي" وقد ذكرت ما فيه. الحديث الرابع حديث أبي قتادة "من رآني فقد رأى الحق" أي المنام الحق أي الصدق، ومثله في الحديث الخامس، قال الطيبي: الحق هنا مصدر مؤكد أي فقد رأى رؤية الحق، وقوله: "فإن الشيطان لا يتمثل بي، لتتميم المعنى والتعليل للحكم. قوله: "تابعه يونس" يعني ابن يزيد "وابن أخي الزهري" هو محمد بن عبد الله بن مسلم، يريد أنهما روياه عن الزهري كما رواه الزبيدي، وقد ذكرت في الحديث الأول أن مسلما وصلهما من طريقهما وساقه على لفظ يونس وأحال برواية ابن أخي الزهري عليه، وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن أبي خيثمة شيخ مسلم فيه ولفظه: "من رآني في المنام فقد رأى الحق" وقال الإسماعيلي: وتابعهما شعيب بن أبي حمزة عن الزهري. قلت: وصله الذهلي في "الزهريات". الحديث الخامس حديث أبي سعيد "من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني" وقد تقدم ما فيه، وابن الهاد في السند هو يزيد بن عبد الله بن أسامة، قال الإسماعيلي: ورواه يحيى بن أيوب عن ابن الهاد قال: ولم أره يعني البخاري ذكر عنه أي عن يحيى بن أيوب حديثا برأسه إلا استدلالا - أي متابعة - إلا في حديث واحد ذكره في النذور من طريق ابن جريج عن يحيى ابن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر في قصة أخته. قلت: والحديث المذكور أخرجه البخاري عن أبي عاصم عن ابن جريج بهذا السند، وسقط في بعض النسخ من الصحيح لكنه أورده في كتاب الحج عن أبي عاصم، وليس كما قال الإسماعيلي إنه أخرجه ليحيى بن أيوب استقلالا فإنه أخرجه من رواية هشام بن يوسف عن ابن جريج عن سعيد بن أبي أيوب فكأن لابن جريج فيه شيخين وكل منهما رواه له عن يزيد بن أبي حبيب فأشار البخاري إلى أن هذا الاختلاف ليس بقادح في صحة الحديث، وظهر بهذا أنه لم يخرجه ليحيى بن أيوب استقلالا بل بمتابعة سعيد بن أبي أيوب.

(12/389)


11- باب: رُؤْيَا اللَّيْلِ رَوَاهُ. سَمُرَةُ
6998- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ. وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ إِذْ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ حَتَّى وُضِعَتْ فِي يَدِي". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ تَنْتَقِلُونَهَا
6999- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ - أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ - يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ"
7000- حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ "أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ..." وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ شُعَيْبٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيِّ "كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". وَكَانَ مَعْمَرٌ لاَ يُسْنِدُهُ حَتَّى كَانَ بَعْدُ
[الحديث 7000- طرفه في: 7046]
قوله: "باب رؤيا الليل" أي رؤيا الشخص في الليل هل تساوي رؤياه بالنهار أو تتفاوتان، وهل بين زمان كل منهما تفاوت؟ وكأنه يشير إلى حديث أبي سعيد "أصدق الرؤيا بالأسحار" أخرجه أحمد مرفوعا وصححه ابن حبان، وذكر نصر بن يعقوب الدينوري أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل وأن أسرعها تأويلا رؤيا السحر ولا سيما عند طلوع الفجر، وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة. وذكر فيه أربعة أحاديث: الأول، قوله: "رواه سمرة" يشير إلى حديثه الطويل الآتي في آخر كتاب التعبير وفيه: "أنه أتاني الليلة آتيان" وسيأتي الكلام عليه هناك. الحديث الثاني قوله: "عن محمد" هو ابن سيرين، وصرح به في رواية أسلم بن سهل عن أحمد بن المقدام شيخ البخاري فيه عند أبي نعيم، والسند كله بصريون. قوله: "أعطيت مفاتيح الكلم، ونصرت بالرعب" كذا في هذه الرواية، وقد أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان وعبد الله بن يس كلاهما عن أحمد بن المقدام شيخ البخاري فيه بلفظ: "أعطيت جوامع الكلم" وأخرجه عن أبي القاسم البغوي عن أحمد بن المقدام باللفظ الذي ذكره البخاري، ووقع في رواية أسلم بن سهل بلفظ

(12/390)


"فواتح الكلم" وسيأتي بعد أبواب من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ: "بعثت بجوامع الكلم " قال البغوي فيما ذكره عنه الإسماعيلي: لا أعلم حدث به عن أيوب غير محمد بن عبد الرحمن. قوله: "وبينما أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض" سيأتي شرحه مستوفى إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام. الحديث الثالث حديث ابن عمر في رؤيته صلى الله عليه وسلم المسيح بن مريم والمسيح الدجال. قوله: "أراني الليلة عند الكعبة" سيأتي في "باب الطواف بالكعبة" من وجه آخر عن ابن عمر بلفظ: "بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة " الحديث، وسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. الحديث الرابع، قوله: "حدثنا يحيى" هو ابن عبد الله بن بكير. قوله: "أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريت الليلة في المنام" وساق الحديث. كذا اقتصر من الحديث على هذا القدر وساقه بعد خمسة وثلاثين بابا عن يحيى بن بكير بهذا السند بتمامه، وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: "وتابعه سليمان بن كثير وابن أخي الزهري وسفيان بن حسين إلخ" أما متابعة سليمان بن كثير فوصلها مسلم من رواية محمد بن كثير عن أخيه، ووقع لنا بعلو في مسند الدارمي، وأما متابعة ابن أخي الزهري فوصلها الذهلي في "الزهريات". وأما متابعة سفيان بن حسين فوصلها أحمد بن يزيد بن هارون عنه. قوله: "وقال الزبيدي عن الزهري" فذكره بالشك في ابن عباس أو أبي هريرة قلت: وصلها مسلم أيضا. قوله: "وقال شعيب وإسحاق بن يحيى عن الزهري كان أبو هريرة يحدث" قلت: وصلهما الذهلي في "الزهريات". قوله: "وكان معمر لا يسنده حتى كان بعد" وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري كرواية يونس ولكن قال: "عن ابن عباس كان أبو هريرة يحدث " قال إسحاق " قال عبد الرزاق كان معمر يحدث به فيقول كان ابن عباس " يعني ولا يذكر عبيد الله بن عبد الله في السند حتى جاءه زمعة بكتاب فيه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس فكان لا يشك فيه بعد، وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع، وأفاد الإسماعيلي فيه اختلافا آخر عن الزهري فساقه من رواية صالح بن كيسان عنه فقال: "عن سليمان ابن يسار عن ابن عباس " والمحفوظ قول من قال: "عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة".

(12/391)


باب رؤيا النهار
...
12- باب: الرُّؤْيَا بِالنَّهَارِ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: رُؤْيَا النَّهَارِ مِثْلُ رُؤْيَا اللَّيْلِ
7001- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ "سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ - وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ.."
7002- "قَالَتْ: فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ - أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ - شَكَّ إِسْحَاقُ – قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ"، فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ" - كَمَا قَالَ فِي الأُولَى - قَالَتْ:

(12/391)


فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "أَنْتِ مِنْ الأَوَّلِينَ". "فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ"
قوله: "باب رؤيا النهار" كذا لأبي ذر، ولغيره: "باب الرؤيا بالنهار". قوله: "وقال ابن عون" هو عبد الله "عن ابن سيرين" هو محمد. قوله: "رؤيا النهار مثل الليل" في رواية السرخسي " مثل رؤيا الليل " وهذا الأثر وصله علي بن أبي طالب القيرواني في كتاب التعبير له من طريق مسعدة بن اليسع عن عبد الله بن عون به ذكر ذلك مغلطاي. قال القيرواني: ولا فرق في حكم العبارة بين رؤيا الليل والنهار وكذا رؤيا النساء والرجال. وقال المهلب نحوه، وقد تقدم نحو ما نقل عن بعضهم في التفاوت، وقد يتفاوتان أيضا في مراتب الصدق. وذكر في الباب حديث أنس في قصة نوم النبي صلى الله عليه وسلم عند أم حرام وفيه: "فدخل عليها يوما فأطعمته وجعلت تفلي رأسه فنام " وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الاستئذان في " باب من رأى قوما فقال عندهم " أي من القائلة، وذكر ابن التين أن بعضهم زعم أن في الحديث دليلا على صحة خلافة معاوية لقوله في الحديث فركبت البحر زمن معاوية، وفيه نظر لأن المراد بزمنه زمن إمارته على الشام في خلافة عثمان، مع أنه لا تعرض في الحديث إلى إثبات الخلافة ولا نفيها بل فيه إخبار بما سيكون فكان كما أخبر ولو وقع ذلك في الوقت الذي كان معاوية خليفة لم يكن في ذلك معارضة لحديث الخلافة بعدي ثلاثون سنة لأن المراد به خلافة النبوة وأما معاوية ومن بعده فكان أكثرهم على طريقة الملوك ولو سموا خلفاء، والله أعلم.

(12/392)


13- باب: رُؤْيَا النِّسَاءِ
7003- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ "أَنَّ أُمَّ الْعَلاَءِ - امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا الْمُهَاجِرِينَ قُرْعَةً، قَالَتْ: فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالت فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا هُوَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لاَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ - مَاذَا يُفْعَلُ بِي. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي بَعْدَهُ أَحَدًا أَبَدًا"
7004- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا وَقَالَ: "مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِهِ. قَالَتْ: وَأَحْزَنَنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "ذَلِكَ عَمَلُهُ"
قوله: "باب: رؤيا النساء" تقدم كلام القيرواني وغيره في ذلك، وذكر أيضا أن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلا فهو لزوجها وكذا حكم العبد لسيده كما أن رؤيا الطفل لأبويه، وذكر ابن بطال الاتفاق على أن رؤيا المؤمنة

(12/392)


14- باب: الْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
7005- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ "أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفُرْسَانِهِ – قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ. فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ الْحُلُمَ يَكْرَهُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَلَنْ يَضُرَّهُ"
قوله: "باب: الحلم من الشيطان، وإذا حلم فليبصق عن يساره وليستعذ بالله" هكذا ترجم لبعض ألفاظ الحديث، وقد تقدم شرحه قريبا، والحلم بضم المهملة وسكون اللام وقد تضم: ما يراه النائم، ولم يحك النووي غير السكون يقال حلم بفتح اللام يحل م بضمها، وأما من الحلم بكسر أوله وسكون ثانيه فيقال حلم بضم اللام وجمع الحلم بالضم والحلم بالكسر أحلام، وذكر فيه حديث أبي قتادة وسيأتي الإلمام بشيء منه في شرح حديث أبي هريرة في " باب القيد في المنام " وإضافة الحلم إلى الشيطان بمعنى أنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك، بخلاف الرؤيا الصادقة فأضيفت إلى الله إضافة تشريف وإن كان الكل بخلق الله وتقديره، كما أن الجميع عباد الله ولو كانوا عصاة كما قال: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} وقوله تعالى :{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}.

(12/393)


15- باب: اللَّبَنِ
7006- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لاَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي يَعْنِي عُمَرَ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمَ"
قوله: "باب اللبن" أي إذا رئي في المنام بماذا يعبر؟ قال المهلب يدل على الفطرة والسنة والقرآن والعلم قلت: وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه: "اللبن في المنام فطرة" وعند الطبراني من حديث أبي بكرة رفعه: "من رأى أنه شرب لبنا فهو الفطرة " ومضى في حديث أبي هريرة في أول الأشربة " أنه صلى الله عليه وسلم لما أخذ قدح اللبن قال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة " وذكر الدينوري أن اللبن المذكور في هذا يختص بالإبل، وإنه لشاربه مال حلال وعلم وحكمة، قال: ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضا، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحش شك في الدين، وألبان السباع غير محمودة، إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذي أمر. قوله: "حدثنا عبدان" كذا للجميع، ووقع في أطراف المزي

(12/393)


باب إذا جرى اللبن في أطرافه و أظافيره
...
16- باب: إِذَا جَرَى اللَّبَنُ فِي أَطْرَافِهِ أَوْ أَظَافِيرِهِ
7007- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي

(12/394)


حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ "سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَطْرَافِي، فَأَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ مَنْ حَوْلَهُ: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمَ"
قوله: "باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافيره" يعني في المنام، وذكر فيه حديث ابن عمر المذكور قبله قد تقدم شرحه فيه.

(12/395)


17- باب: الْقَمِيصِ فِي الْمَنَامِ
7008- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي أَبِي إبراهيم عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ "سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ. وَمَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: مَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الدِّينَ"
قوله: "باب القميص في المنام" في رواية الكشميهني: "القمص " بضمتين بالجمع، وكلاهما في الخبر. قوله: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم" أي ابن سعد بن إبراهيم، وقد مضى في كتاب الإيمان من وجه آخر عن إبراهيم بن سعد أعلى من هذا، وصالح هو ابن كيسان. قوله: "رأيت الناس" هو من الرؤية البصرية، وقوله: "يعرضون، حال ويجوز أن يكون من الرؤيا العلمية، ويعرضون مفعول ثان والناس بالنصب على المفعولية ويجوز فيه الرفع". قوله: "يعرضون" تقدم في الإيمان بلفظ: "يعرضون علي " وفي رواية عقيل الآتية بعد "عرضوا". قوله: "منها ما يبلغ الثدي" بضم المثلثة وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي بفتح ثم سكون والمعنى أن القميص قصير جدا بحيث لا يصل من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها، وقوله: "ومنها ما يبلغ دون ذلك " يحتمل أن يريد دونه من جهة السفل وهو الظاهر فيكون أطول، ويحتمل أن يريد دونه من جهة العلو فيكون أقصر، ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم الترمذي من طريق أخرى عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري في هذا الحديث: "فمنهم من كان قميصه إلى سرته، ومنهم من كان قميصه إلى ركبته، ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه". قوله: "ومر علي عمر بن الخطاب" في رواية عقيل " وعرض علي عمر بن الخطاب". قوله: "قميص يجره" في رواية عقيل "يجتره". قوله: "قالوا ما أولته" في رواية الكشميهني: "أولت " بغير ضمير، وتقدم في الإيمان أول الكتاب بلفظ: "فما أولت ذلك" ووقع عند الترمذي الحكيم في الرواية المذكورة " فقال له أبو بكر على ما تأولت هذا يا رسول الله". قوله: "قال الدين" بالنصب والتقدير أولت، ويجوز الرفع. ووقع في رواية الحكيم المذكورة "قال على الإيمان".

(12/395)


18- باب: جَرِّ الْقَمِيصِ فِي الْمَنَامِ
7009- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ

(12/395)


باب الخضر في المنام و الروضة الخضراء
...
19- باب: الْخُضَرِ فِي الْمَنَامِ وَالرَّوْضَةِ الْخَضْرَاءِ
7010- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ "قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عُمَرَ، فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّمَا عَمُودٌ وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فَنُصِبَ فِيهَا وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ - وَالْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ – فَقِيلَ: ارْقَهْ" فَرَقِيتُهُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ. فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَمُوتُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى"
قوله: "باب: الخضر في المنام والروضة الخضراء" الخضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين جمع أخضر وهو اللون المعروف في الثياب وغيرها، ووقع في رواية النسفي "الخضرة" بسكون الضاد وفي آخرها هاء تأنيث وكذا في رواية أبي أحمد الجرجاني وبعض الشروح، قال القيرواني: الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها، وتعبر أيضا بكل مكان فاضل، وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك. قوله: "حدثنا الحرمي" بمهملتين مفتوحتين هو اسم بلفظ النسب تقدم بيانه. قوله: "عن محمد بن سيرين قال قيس بن عباد" حذف قال الثانية على العادة في حذفها خطأ والتقدير عن محمد بن سيرين أنه قال قال قيس، ووقع في رواية ابن عون كما سيأتي بعد بابين عن محمد وهو ابن سيرين " حدثني قيس بن عباد " وهو بضم أوله وتخفيف الموحدة وآخره دال تقدم ذكره في مناقب عبد الله بن سلام بهذا الحديث، وتقدم له حديث آخر في تفسير سورة الحج وفي غزوة بدر أيضا، وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين، وهو بصري تابعي ثقة كبير له إدراك، قدم المدينة في خلافة عمر، ووهم من عده في الصحابة. قوله: "كنت في حلقة" بفتح أوله وسكون اللام. قوله: "فيها سعد بن مالك" يعني ابن أبي وقاص، وابن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب. قوله: "فمر عبد الله بن سلام" هو الصحابي المشهور الإسرائيلي وأبوه بتخفيف اللام اتفاقا، وقد تقدم بيان نسبه في مناقبه من كتاب مناقب الصحابة، ووقع في رواية ابن عون الماضية في المناقب بلفظ "كنت جالسا في مسجد المدينة فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا هذا رجل من أهل الجنة" زاد مسلم من هذا الوجه "كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع". قوله: "فقالوا هذا رجل من أهل الجنة" في رواية ابن عون المشار إليها عند مسلم: "فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة وكررها ثلاثا" وفي رواية خرشة بفتح الخاء المعجمة

(12/397)


والراء والشين المعجمة ابن الحر بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين الفزاري عند مسلم أيضا: "كنت جالسا في حلقة في مسجد المدينة وفيها شيخ حسن الهيئة وهو عبد الله بن سلام، فجعل يحدثهم حديثا حسنا، فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا " وفي رواية النسائي من هذا الوجه " فجاء شيخ يتوكأ على عصا له " فذكر نحوه، ويجمع بينهما بأنهما قصتان اتفقتا لرجلين، فكأنه كان في مجلس يتحدث كما في رواية خرشة فلما قام ذاهبا مر على الحلقة التي فيها سعد بن أبي وقاص وابن عمر فحضر ذلك قيس بن عباد كما في روايته، وكل من خرشة وقيس اتبع عبد الله بن سلام ودخل عليه منزله وسأله فأجابه، ومن ثم اختلف الجواب بالزيادة والنقص كما سأبينه سواء كان زمن اجتماعهما بعبد الله بن سلام اتحد أم تعدد. قوله: "فقلت له إنهم قالوا كذا وكذا" بين في رواية ابن عون عند مسلم أن قائل ذلك رجل واحد، وفيه عنده زيادة ولفظه ثم خرج فاتبعته فدخل منزله ودخلت فتحدثنا، فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قبل قال رجل كذا وكذا، وكأنه نسب القول للجماعة والناطق به واحد لرضاهم به وسكوتهم عليه، وفي رواية خرشة "فقلت والله لأتبعنه فلأعلمن مكان بيته، فانطلق حتى كان يخرج من المدينة ثم دخل منزله، فاستأذنت عليه فأذن لي فقال: ما حاجتك يا ابن أخي؟ فقلت: سمعت القوم يقولون " فذكر اللفظ الماضي وفيه: "فأعجبني أن أكون معك" وسقطت هذه القصة في رواية النسائي وعنده " فلما قضى صلاته قلت: زعم هؤلاء". قوله: "قال سبحان الله، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم" تقدم بيان المراد من هذا في المناقب مفصلا، ووقع في رواية خرشة " فقال: الله أعلم بأهل الجنة، وسأحدثك مما قالوا ذلك " فذكر المنام، وهذا يقوي احتمال أنه أنكر عليهم الجزم ولم ينكر أصل الإخبار بأنه من أهل الجنة، وهذا شأن المراقب الخائف المتواضع. ووقع في رواية النسائي: "الجنة لله يدخلها من يشاء " زاد ابن ماجه من هذا الوجه "الحمد لله". قوله: "إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء" بين في رواية ابن عون أن العمود كان في وسط الروضة، ولم يصف الروضة في هذه الرواية، وتقدم في المناقب من رواية ابن عون " رأيت كأني في روضة " ذكر من سعتها وخضرتها، قال الكرماني: يحتمل أن يراد بالروضة جميع ما يتعلق بالدين، وبالعمود الأركان الخمسة، وبالعروة الوثقى الإيمان. قوله: "فنصب فيها" بضم النون وكسر المهملة بعدها موحدة، وفي رواية المستملي والكشميهني: "قبضت " بفتح القاف والموحدة بعدها ضاد معجمة ساكنة ثم تاء المتكلم. قوله: "وفي رأسها عروة" في رواية ابن عون: "وفي أعلى العمود عروة " وفي روايته في المناقب " ووسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة " وعرف من هذا أن الضمير في قوله وفي رأسها للعمود والعمود مذكر وكأنه أنث باعتبار الدعامة. قوله: "وفي أسفلها منصف" تقدم ضبطه في المناقب. قوله: "والمنصف الوصيف" هذا مدرج في الخبر، وهو تفسير من ابن سيرين بدليل قوله في رواية مسلم: "فجاءني منصف" قال ابن عون: والمنصف الخادم "فقال بثيابي من خلف" ووصف أنه رفعه من خلفه بيده. قوله: "فرقيت" بكسر القاف على الأفصح "فاستمسكت بالعروة" زاد في رواية المناقب " فرقيت حتى كنت في أعلاها أخذت بالعروة فاستمسكت فاستيقظت وإنها لفي يدي " ووقع في رواية خرشة حتى أتى بي عمودا رأسه في السماء وأسفله في الأرض في أعلاه حلقة فقال لي: اصعد فوق هذا، قال قلت: كيف أصعد؟ فأخذ بيدي فزجل بي " وهو بزاي وجيم أي رفعني "فإذا أنا متعلق بالحلقة، ثم ضرب العمود فخر وبقيت متعلقا بالحلقة حتى أصبحت" وفي رواية خرشة

(12/398)


أيضا زيادة في أول المنام ولفظه: "إني بينما أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي: قم، فأخذ بيدي فانطلقت معه، فإذا أنا بجواد " بجيم ودال مشددة جمع جادة وهي الطريق المسلوكة "عن شمالي. قال فأخذت لآخذ فيها أي أسير فقال: لا تأخذ فيها فإنها طرق أصحاب الشمال " وفي رواية النسائي من طريقه " فبينا أنا أمشي إذ عرض لي طريق عن شمالي فأردت أن أسلكها فقال إنك لست من أهلها". رجع إلى رواية مسلم قال: "وإذا منهج على يميني فقال لي: خذ هاهنا، فأتى بي جبلا فقال لي: اصعد، قال فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت حتى فعلت ذلك مرارا " وفي رواية النسائي وابن ماجه: "جبلا زلقا فأخذ بيدي فزجل بي فإذا أنا في ذروته، فلم أتقار ولم أتماسك، وإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك، فاستمسكت، قال فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة". قوله: "فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى" زاد في رواية ابن عون فقال: "تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى لا تزال مستمسكا بالإسلام حتى تموت " وزاد في رواية خرشة عند النسائي وابن ماجه: "فقال رأيت خيرا، أما المنهج فالمحشر، وأما الطريق " وفي رواية مسلم: "فقال أما الطرق التي عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال، والطرق التي عن يمينك طرق أصحاب اليمين " وفي رواية النسائي: "طرق أهل النار وطرق أهل الجنة " ثم اتفقا " وأما الجبل فهو منزل الشهداء " زاد مسلم: "ولن تناله وأما العمود " إلى آخره، وزاد النسائي وابن ماجه في آخره: "فأنا أرجو أن أكون من أهلها، وفي الحديث منقبة لعبد الله بن سلام وفيه من تعبير الرؤيا معرفة اختلاف الطرق وتأويل للعمود والجبل والروضة الخضراء والعروة وفيه من أعلام النبوة أن عبد الله بن سلام لا يموت شهيدا فوقع كذلك مات على فراشه في أول خلافة معاوية بالمدينة. ونقل ابن التين عن الداودي أن القوم إنما قالوا في عبد الله بن سلام أنه من أهل الجنة لأنه كان من أهل بدر، كذا قال والذي أوردته من طرق القصة يدل على أنهم إنما أخذوا ذلك من قوله لما ذكر طريق الشمال " إنك لست من أهلها " وإنما قال: "ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، على سبيل التواضع كما تقدم، وكراهة أن يشار إليه بالأصابع خشية أن يدخله العجب، ثم إنه ليس من أهل بدر أصلا. والله أعلم.

(12/399)


20- باب: كَشْفِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَنَامِ
7011- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ: إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ"

(12/399)


21- باب: ثِيَابِ الْحَرِيرِ فِي الْمَنَامِ
7012- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ "عَائِشَةَ قَالَتْ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُرِيتُكِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ مَرَّتَيْنِ: رَأَيْتُ الْمَلَكَ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقُلْتُ:

(12/399)


22- باب: الْمَفَاتِيحِ فِي الْيَدِ
7013- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ

(12/400)


"أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ. وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الْكَلِمِ أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الأُمُورَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الْكُتُبِ قَبْلَهُ فِي الأَمْرِ الْوَاحِدِ وَالأَمْرَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ
قوله: "باب المفاتيح في اليد" أي إذا رئيت في المنام، قال أهل التعبير: المفتاح مال وعز وسلطان، فمن رأى أنه فتح باب بمفتاح فإنه يظفر بحاجته بمعونة من له بأس، وإن رأى أن بيده مفاتيح فإنه يصيب سلطانا عظيما. وذكر فيه حديث أبي هريرة الماضي في "باب رؤيا الليل" من وجه آخر عنه بلفظ: "بعثت بجوامع الكلم " وفيه: "وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي" وقد تقدم في الباب المذكور بلفظ: "وبينما أنا نائم البارحة". قوله في آخره "قال أبو عبد الله" كذا لأبي ذر، ووقع في رواية كريمة: "قال محمد " فقال بعض الشراح: لا منافاة لأنه اسمه، والقائل هو البخاري، والذي يظهر لي أن الصواب ما عند كريمة فإن هذا الكلام ثبت عن الزهري واسمه محمد بن مسلم، وقد ساقه البخاري هنا من طريقه فيبعد أن يأخذ كلامه فينسبه لنفسه. وكأن بعضهم لما رأى "وقال محمد" ظن أنه البخاري فأراد تعظيمه فكناه فأخطأ، لأن محمدا هو الزهري وليست كنيته أبا عبد الله بل هو أبو بكر، وسيأتي الكلام على جوامع الكلم، وسيأتي الحديث في الاعتصام إن شاء الله تعالى.

(12/401)


باب التعليق بالعروة و الحلقة
...
23- باب: التَّعْلِيقِ بِالْعُرْوَةِ وَالْحَلْقَةِ
7014- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ ح وحَدَّثَنِي خَلِيفَةُ "حَدَّثَنَا مُعَاذٌ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ قَالَ: "رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ، وَوَسَطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ، فِي أَعْلَى الْعَمُودِ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ، قُلْتُ لاَ أَسْتَطِيعُ، فَأَتَانِي وَصِيفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي فَرَقِيتُ، فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا مُسْتَمْسِكٌ بِهَا. فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "تِلْكَ الرَّوْضَةُ رَوْضَةُ الإِسْلاَمِ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلاَمِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى لاَ تَزَالُ مُسْتَمْسِكًا بِالإِسْلاَمِ حَتَّى تَمُوتَ"
قوله: "باب: التعليق بالعروة والحلقة" ذكر فيه حديث عبد الله بن سلام "رأيت كأني في روضة" وقد تقدم قبل هذا بأربعة أبواب أتم من هذا، وتقدم شرحه هناك. قال: أهل التعبير: الحلقة والعروة المجهولة تدل لمن تمسك بها على قوته في دينه وإخلاصه فيه.

(12/401)


24- باب: عَمُودِ الْفُسْطَاطِ تَحْتَ وِسَادَتِهِ
قوله: "باب عمود الفسطاط" العمود بفتح أوله معروف والجمع أعمدة وعمد بضمتين، وبفتحتين ما ترفع به الأخبية من الخشب ويطلق أيضا على ما يرفع به البيوت من حجارة كالرخام والصوان، ويطلق على ما يعتمد عليه من حديد وغيره، وعمود الصبح ابتداء ضوئه، والفسطاط بضم الفاء وقد تكسر وبالطاء المهملة مكررة وقد تبدل الأخيرة سينا مهملة وقد تبدل التاء طاء مثناة فيهما وفي أحدهما وقد تدغم التاء الأولى في السين وبالسين

(12/401)


باب الاستبرق و دخول الجنة في المنام
...
25- باب: الإِسْتَبْرَقِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ فِي الْمَنَامِ
7015- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي سَرَقَةً مِنْ حَرِيرٍ لاَ أَهْوِي بِهَا إِلَى مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ إِلاَّ طَارَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ"
7016- فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ، أَوْ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ"
قوله: "باب الإستبرق ودخول الجنة في المنام" تقدم في الذي قبله ما يتعلق بشيء منه، وحديث ابن عمر في الباب ذكره هنا من طريق وهيب بن خالد عن أيوب عن نافع بلفظ: "سرقة" وذكره بلفظ: "قطعة من إستبرق" كما في ترجمة الترمذي من طريق إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية عن أيوب فذكره مختصرا كرواية وهيب إلا أنه قال: "كأنما في يدي قطعة إستبرق" فكأن البخاري أشار إلى روايته في الترجمة، وقد أخرجه أيضا في "باب من تعار من الليل" من كتاب التهجد، وهو في أواخر كتاب الصلاة من طريق حماد بن زيد عن أيوب أتم سياقا من رواية وهيب وإسماعيل، وأخرجه النسائي من طريق الحارث بن عمير عن أيوب فجمع بين اللفظتين فقال: "سرقة من إستبرق" وقوله هنا "لا أهوي بها" هو بضم أوله، أهوي إلى الشيء بالفتح يهوي بالضم أي

(12/403)


مال، ووقع في رواية حماد "فكأني لا أريد مكانا من الجنة إلا طارت بي إليه". قوله في رواية وهيب "فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم" الحديث وقع مثله في رواية حماد عند مسلم، ووقع عند المؤلف في روايته بعد قوله: "طارت بي إليه" من الزيادة " ورأيت كأن اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار " الحديث بهذه القصة مختصرا وقال فيه: "فقصت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم إحدى رؤياي " وظاهر رواية وهيب ومن تابعه أن الرؤيا التي أبهمت في رواية حماد هي رؤية السرقة من الحرير، وقد وقع ذلك صريحا في رواية حماد عند مسلم، لكن يعارضه ما مضى في " باب فضل قيام الليل " ويأتي في " باب الأخذ عن اليمين " من كتاب التعبير من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه فذكر الحديث في رؤيته النار وفيه: "فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة"، فهو صريح في أن حفصة قصت رؤياه النار. كما أن رواية حماد صريحة في أن حفصة قصت رؤياه السرقة ولم يتعرض في رواية سالم إلى رؤيا السرقة فيحتمل أن يكون قوله: "إحدى رؤياي " محمولا على أنها قصت رؤيا السرقة أولا ثم قصت رؤيا النار بعد ذلك، وأن التقدير قصت إحدى رؤياي أولا فلا يكون لقوله: "إحدى" مفهوم، وهذا الموضح لم أر من تعرض له من الشراح ولا أزال إشكاله فلله الحمد على ذلك. قوله: "فقال إن أخاك رجل صالح أو إن عبد الله رجل صالح" هو شك من الراوي، ووقع في رواية حماد المذكورة " إن عبد الله رجل صالح " بالجزم، وكذا في رواية صخر بن جويرية عن نافع، زاد الكشميهني في روايته عن الفربري في الموضعين "لو كان يصلي من الليل" وسقطت هذه الزيادة لغيره وهي ثابتة في رواية سالم كما تقدم في قيام الليل وتأتي، ويؤيد ثبوتها قوله في رواية حماد عند الجميع " فقال نافع فلم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة " وقد تقدم في قيام الليل وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عند مسلم: "وقال نعم الفتى - أو قال نعم الرجل - ابن عمر لو كان يصلي من الليل قال ابن عمر وكنت إذا نمت لم أقم حتى أصبح، قال نافع فكان ابن عمر بعد يصلي من الليل، أخرج مسلم إسناده وأصله وأحال بالمتن على رواية سالم، وهو غير جيد لتغايرهما، وأخرجه بلفظه أبو عوانة والجوزقي بهذا، ويأتي في " باب الأمن وذهاب الروع " أيضا من طريق صخر بن جويرية عن نافع وكذا بعده في باب " الأخذ عن اليمين " في رواية سالم، قال الزهري: وكان عبد الله بعد ذلك يكثر الصلاة من الليل، ولعل الزهري سمع ذلك من نافع أو من سالم، ومضى شرحه هناك. ووقع في مسند أبي بكر بن هارون الروياني من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه في نحو هذه القصة من الزيادة "وكان عبد الله كثير الرقاد" وفيه أيضا: "إن الملك الذي قال له لم ترع قال له لا تدع الصلاة، نعم الرجل أنت لولا قلة الصلاة".

(12/404)


26- باب: الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ
7017- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قال سَمِعْتُ عَوْفًا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّهُ "سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تكذب، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يَكْذِبُ" - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ – قَالَ: "وَكَانَ يُقَالُ الرُّؤْيَا ثَلاَثٌ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ، وَبُشْرَى مِنْ اللَّهِ. فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلاَ يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيَقُمْ

(12/404)


فَلْيُصَلِّ". قَالَ: وَكَانَ يُكْرَهُ الْغُلُّ فِي النَّوْمِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ الْقَيْدُ، وَيُقَالُ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ" وَرَوَى قَتَادَةُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ وَأَبُو هِلاَلٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَدْرَجَهُ بَعْضُهُمْ كُلَّهُ فِي الْحَدِيثِ. وَحَدِيثُ عَوْفٍ أَبْيَنُ. وَقَالَ يُونُسُ: لاَ أَحْسِبُهُ إِلاَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَيْدِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: "لاَ تَكُونُ الأَغْلاَلُ إِلاَّ فِي الأَعْنَاقِ"
قوله: "باب: القيد في المنام" أي من رأى في المنام أنه مقيد ما يكون تعبيره؟ وظاهر إطلاق الخبر أنه يعبر بالثبات في الدين في جميع وجوهه، لكن أهل التعبير خصوا ذلك بما إذا لم يكن هناك قرينة أخرى كما لو كان مسافرا أو مريضا فإنه يدل على أن سفره أو مرضه يطول، وكذا لو رأى في القيد صفة زائدة كمن رأى في رجله قيدا من فضة فإنه يدل على أن يتزوج، وإن كان من ذهب فإنه لأمر يكون بسبب مال يتطلبه، وإن كان من صفر فإنه لأمر مكروه أو مال فات، وإن كان من رصاص فإنه لأمر فيه وهن، وإن كان من حبل فلأمر في الدين، وإن كان من خشب فلأمر فيه نفاق، وإن كان من حطب فلتهمة، وإن كان من خرقة أو خيط فلأمر لا يدوم. قوله: "حدثنا عبد الله بن صباح" بفتح المهملة وتشديد الموحدة هو العطار بالبصري، وتقدم في الصلاة في " باب السمر بعد العشاء " حدثنا عبد الله بن الصباح، ولبعضهم عبد الله بن صباح كما هنا، ولأبي نعيم هنا من رواية محمد بن يحيى بن منده حدثنا عبد الله بن الصباح، وفي شيوخ البخاري ابن الصباح ثلاثة: عبد الله هذا ومحمد والحسن، وليس واحد منهم أخا الآخر. قوله: "حدثنا معتمر" هو ابن سليمان التيمي، وعوف هو الأعرابي. قوله: "إذا اقترب الزمان لم يكد رؤيا المؤمن تكذب" كذا للأكثر، ووقع في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني بتقديم تكذب على رؤيا المؤمن، وكذا في رواية محمد بن يحيى، وكذا في رواية عيسى بن يونس عن عوف عند الإسماعيلي، قال الخطابي في " المعالم " في قوله: "إذا اقترب الزمان " قولان: أحدهما أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار وهو وقت استوائهما أيام الربيع وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبا، وكذلك هو في الحديث، والمعبرون يقولون: أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل والنهار وإدراك الثمار، ونقله في " غريب الحديث: "عن أبي داود السجستاني ثم قال: والمعبرون يزعمون أن أصدق الأزمان لوقوع التعبير وقت انفتاق الأزهار وإدراك الثمار وهما الوقتان اللذان يعتدل فيهما الليل والنهار، والقول الآخر إن اقتراب الزمان انتهاء مدته إذا دنا قيام الساعة. قلت: يبعد الأول التقييد بالمؤمن، فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع لا يختص به، وقد جزم ابن بطال بأن الأول هو الصواب، واستند إلى ما أخرجه الترمذي من طريق معمر عن أيوب في هذا الحديث بلفظ: "في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا " قال فعلى هذا فالمعنى إذا اقتربت الساعة وقبض أكثر العلم ودرست معالم الديانة بالهرج والفتنة فكان الناس على مثل الفترة محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا خاتم الأنبياء وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة عوضوا بما منعوا من النبوة بعده بالرؤيا الصادقة التي هي جزء من النبوة الآتية بالتبشير والإنذار انتهى. ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه من طريق الأوزاعي عن محمد ابن سيرين بلفظ: "إذا قرب الزمان" وأخرج البزار من طريق يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين بلفظ: "إذا تقارب الزمان" وسيأتي في كتاب الفتن من وجه

(12/405)


آخر عن أبي هريرة "يتقارب الزمان ويرفع العلم" الحديث، والمراد به اقتراب الساعة قطعا. وقال الداودي: المراد بتقارب الزمان نقص الساعات والأيام والليالي انتهى، ومراده بالنقص سرعة مرورها، وذلك قرب قيام الساعة كما ثبت في الحديث الآخر عند مسلم وغيره: "يتقارب الزمان، حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كاحتراق السعفة " وقيل إن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق، فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه، وأما قوله: "لم تكد إلخ " فيه إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا وإن أمكن أن شيئا منها لا يصدق، والراجح أن المراد نفي الكذب عنها أصلا لأن حرف النفي الداخل على "كاد" ينفي قرب حصوله والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه نفسه ذكره الطيبي. وقال القرطبي في "المفهم": والمراد والله أعلم بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث زمان الطائفة الباقية مع عيسى بن مريم بعد قتله الدجال، فقد ذكر مسلم في حديث عبد الله بن عمر ما نصه " فيبعث الله عيسى بن مريم فيمكث في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضه " الحديث، قال: فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالا بعد الصدر الأول وأصدقهم أقوالا، فكانت رؤياهم لا تكذب، ومن ثم قال عقب هذا " وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا " وإنما كان كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه وقوي إدراكه فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقا وهذا بخلاف الكاذب والمخلط فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطا وأضغاثا، وقد يندر المنام أحيانا فيرى الصادق ما لا يصح ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم والله أعلم. وهذا يؤيد ما تقدم أن الرؤيا لا تكون إلا من أجزاء النبوة إن صدرت من مسلم صادق صالح ثم ومن ثم قيد بذلك في حديث: "رؤيا المسلم جزء" فإنه جاء مطلقا مقتصرا على المسلم فأخرج الكافر، وجاء مقيدا بالصالح تارة وبالصالحة وبالحسنة وبالصادقة كما تقدم بيانه، فيحمل المطلق على المقيد، وهو الذي يناسب حاله حال النبي فيكرم بما أكرم به النبي وهو الاطلاع على شيء من الغيب، فأما الكافر والمنافق والكاذب والمخلط وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات فإنها لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق ما يكون خبره ذلك نبوة، فقد يقول الكاهن كلمة حق وقد يحدث المنجم فيصيب لكن كل ذلك على الندور والقلة والله أعلم. وقال ابن أبي جمرة: معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزمان لا تكاد تكذب أنها تقع غالبا على الوجه الذي لا يحتاج إلى تعبير فلا يدخلها الكذب، بخلاف ما قبل ذلك فإنها قد يخفى تأويلها فيعبرها العابر فلا تقع كما قال فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار، قال: والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبا كما في الحديث: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا" أخرجه مسلم، فيقل أنيس المؤمن ومعينه في ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصادقة. قال: ويمكن أن يؤخذ من هذا سبب اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء النبوة بالنسبة لرؤيا المؤمن فيقال: كلما قرب الأمر وكانت الرؤيا أصدق حمل على أقل عدد ورد، وعكسه وما بين ذلك. قلت: وتنبغي الإشارة إلى هذه المناسبة فيما تقدم من المناسبات وحاصل ما اجتمع من كلامهم في معنى قوله: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب" إذا كان المراد آخر الزمان ثلاثة أقوال: أحدها أن العلم بأمور الديانة لما يذهب غالبه بذهاب غالب أهله وتعذرت النبوة في هذه الأمة

(12/406)


عوضوا بالمرأى الصادقة ليجدد لهم ما قد درس من العلم، والثاني أن المؤمنين لما يقل عددهم ويغلب الكفر والجهل والفسق على الموجودين يؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة إكراما له وتسلية وعلى هذين القولين لا يختص ذلك بزمان معين بل كلما قرب فراغ الدنيا وأخذ أمر الدين في الاضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق، والثالث أن ذلك خاص بزمان عيسى بن مريم، وأولها أولاها، والله أعلم. قوله: "ورؤيا المؤمن جزء" الحديث هو معطوف على جملة الحديث الذي قبله وهو " إذا اقترب الزمان " الحديث فهو مرفوع أيضا، وقد تقدم شرحه مستوفى قريبا وقوله: "وما كان من النبوة فإنه لا يكذب " هذا القدر لم يتقدم في شيء من طريق الحديث المذكور، وظاهر إيراده هنا أنه مرفوع، ولئن كان كذلك فإنه أولى ما فسر به المراد من النبوة في الحديث وهو صفة الصدق، ثم ظهر لي أن قوله بعد هذا " قال محمد: وأنا أقول هذه " الإشارة في قوله: "هذه " للجملة المذكورة، وهذا هو السر في إعادة قوله: "قال: "بعد قوله: "هذا " ثم رأيت في " بغية النقاد لابن المواق " أن عبد الحق أغفل التنبيه على أن هذه الزيادة مدرجة وأنه لا شك في إدراجها، فعلى هذا فهي من قول ابن سيرين وليست مرفوعة. قوله: "وأنا أقول هذه" كذا لأبي ذر وفي جميع الطرق وكذا ذكره الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما، ووقع في شرح ابن بطال "وأنا أقول هذه الأمة وكان يقال إلخ". قلت: وليست هذه اللفظة في شيء من نسخ صحيح البخاري ولا ذكرها عبد الحق في جمعه ولا الحميدي ولا من أخرج حديث عوف من أصحاب الكتب والمسانيد، وقد تقلده عياض فذكره كما ذكره ابن بطال وتبعه في شرحه فقال: خشي ابن سيرين أن يتأول أحد معنى قوله: "وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا " أنه إذا تقارب الزمان لم يصدق إلا رؤيا الرجل الصالح فقال: وأنا أقول هذه الأمة " يعني رؤيا هذه الأمة صادقة كلها صالحها وفاجرها ليكون صدق رؤياهم زاجرا لهم وحجة عليهم لدروس أعلام الدين وطموس آثره بموت العلماء وظهور المنكر انتهى. وهذا مرتب على ثبوت هذه الزيادة وهي لفظة " الأمة " ولم أجدها في شيء من الأصول، وقد قال أبو عوانة الإسفرايني بعد أن أخرجه موصولا مرفوعا من طريق هشام عن ابن سيرين: هذا لا يصح مرفوعا عن ابن سيرين. قلت: وإلى ذلك أشار البخاري في آخره بقوله وحديث عوف أبين أي حيث فصل المرفوع من الموقوف. قوله: "قال وكان يقال الرؤيا ثلاث إلخ" قائل " قال: "هو محمد بن سيرين، وأبهم القائل في هذه الرواية وهو أبو هريرة، وقد رفعه بعض الرواة ووقفه بعضهم، وقد أخرجه أحمد عن هوذة بن خليفة عن عوف بسنده مرفوعا: "الرؤيا ثلاث" الحديث مثله، وأخرجه الترمذي والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرؤيا ثلاث، فرؤيا حق ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان " وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن محمد بن سيرين مرفوعا أيضا بلفظ: "الرؤيا ثلاث، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله " والباقي نحوه. قوله: "حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله" وقع في حديث عوف بن مالك عند ابن ماجه بسند حسن رفعه: "الرؤيا ثلاث منها أهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". قلت: وليس الحصر مرادا من قوله: "ثلاث" لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب وهو حديث النفس، وليس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين سوى ذكر وصف الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة، وبقي نوع خامس وهو تلاعب الشيطان، وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر

(12/407)


قال: "جاء أعرابي فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي قطع فأنا أتبعه " وفي لفظ: "فقد خرج فاشتددت في أثره، فقال: لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام " وفي رواية له " إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يخبر به الناس". ونوع سادس وهو رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة، كمن كانت عادته أن يأكل في وقت فنام فيه فرأى أنه يأكل أو بات طافحا من أكل أو شرب فرأى أنه يتقيأ، وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص. وسابع وهو الأضغاث. قوله: "فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصل" زاد في رواية هوذة " فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها لمن يشاء، وإذا رأى شيئا يكرهه " فذكر مثله. ووقع في رواية أيوب عن محمد بن سيرين " فيصل ولا يحدث بها الناس " وزاد في رواية سعيد بن أبي عروبة عن ابن سيرين عند الترمذي " وكان يقول لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح " وهذا ورد معناه مرفوعا في حديث أبي رزين عند أبي داود والترمذي وابن ماجه: "ولا يقصها إلا على واد أو ذي رأي " وقد تقدم شرح هذه الزيادة في "باب الرؤيا من الله تعالى". قوله: "قال وكان يكره الغل في النوم، ويعجبهم القيد وقال: القيد ثبات في الدين" كذا ثبت هنا بلفظ الجمع في " يعجبهم " والإفراد في " يكره ويقول: "قال الطيبي: ضمير الجمع لأهل التعبير، وكذا قوله: "وكان يقال: "قال المهلب: الغل يعبر بالمكروه لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى :{إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} الآية، وقد يدل على الكفر، وقد يعبر بامرأة تؤذي. وقال ابن العربي: إنما أحبوا القيد لذكر النبي صلى الله عليه وسلم له في قسم المحمود فقال: "قيد الإيمان الفتك". وأما الغل فقد كره شرعا في المفهوم كقوله: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ - إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ - وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ - غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} وإذا جعل القيد ثباتا في الدين لأن المقيد لا يستطيع المشي فضرب مثلا للإيمان الذي يمنع عن المشي إلى الباطل. وقال النووي: قال العلماء إنما أحب القيد لأن محله الرجل وهو كف عن المعاصي والشر والباطل، وأبغض الغل لأن محله العنق وهو صفة أهل النار. وأما أهل التعبير فقالوا إن القيد ثبات في الأمر الذي يراه الرائي بحسب من يرى ذلك له، وقالوا إن انضم الغل إلى القيد دل على زيادة المكروه، وإذا جعل الغل في اليدين حمد لأنه كف لهما عن الشر، وقد يدل على البخل بحسب الحال. وقالوا أيضا: إن رأى أن يديه مغلولتان فهو يخيل، وإن رأى أنه قيد وغل فإنه يقع في سجن أو شدة. قلت: وقد يكون الغل في بعض المرائي محمودا كما وقع لأبي بكر الصديق فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح عن مسروق قال: "مر صهيب بأبي بكر فأعرض عنه، فسأله فقال: رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من الأنصار، فقال أبو بكر: جمع لي ديني إلى يوم الحشر. وقال الكرماني: اختلف في قوله وكان يقال هل هو مرفوع أو لا فقال بعضهم من قوله: "وكان يقال: "إلى قوله: "في الدين " مرفوع كله، وقال بعضهم هو كله كلام ابن سيرين وفاعل " كان يكره " أبو هريرة. قلت: أخذه من كلام الطيبي فإنه قال: يحتمل أن يكون مقولا للراوي عن ابن سيرين فيكون اسم كان ضميرا لابن سيرين وأن يكون مقولا لابن سيرين واسم كان ضمير أبي هريرة أو النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن ابن سيرين وقال في آخره: لا أدري هو في الحديث أو قاله ابن سيرين. قوله: "ورواه قتادة ويونس وهشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" يعني أصل الحديث وأما من قوله: "وكان يقال: "فمنهم من رواه بتمامه مرفوعا ومنهم من اقتصر على بعضه كما سأبينه. قوله: "وأدرجه بعضهم كله في الحديث" يعني جعله كله مرفوعا، والمراد به رواية هشام عن قتادة كما سأبينه. قوله: "وحديث عوف

(12/408)


أبين" أي حيث فصل المرفوع من الموقوف ولا سيما تصريحه بقول ابن سيرين " وأنا أقول هذه " فإنه دال على الاختصاص بخلاف ما قال فيه: "وكان يقال: "فإن فيها الاحتمال بخلاف أول الحديث فإنه صرح برفعه، وقد اقتصر بعض الرواة عن عوف على بعض ما ذكره معتمر بن سليمان عنه كما بينته من رواية هوذة وعيسى بن يونس، قال القرطبي: ظاهر السياق أن الجميع من قول النبي صلى الله عليه وسلم، غير أن أيوب هو الذي روى هذا الحديث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وقد أخبر عن نفسه أنه شك أهو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة فلا يعول على ذلك الظاهر. قلت: وهو حصر مردود، وكأنه تكلم عليه بالنسبة لرواية مسلم خاصة فإن مسلما ما أخرج طريق عوف هذه ولكنه أخرج طريق قتادة عن محمد بن سيرين، فلا يلزم من كون أيوب شك أن لا يعول على رواية من لم يشك وهو قتادة مثلا، لكن لما كان في الرواية المفصلة زيادة فرجحت. قوله: "وقال يونس لا أحسبه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في القيد" يعني أنه شك في رفعه. قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف. قوله: "لا تكون الأغلال إلا في الأعناق" كأنه يشير إلى الرد على من قال: قد يكون الغل في غير العنق كاليد والرجل، والغل بضم المعجمة وتشديد اللام واحد الأغلال، قال: وقد أطلق بعضهم الغل على ما تربط به اليد، وممن ذكره أبو علي القالي وصاحب المحكم وغيرهما قالوا: الغل جامعة تجعل في العنق أو اليد والجمع أغلال، ويد مغلولة جعلت في الغل، ويؤيده قوله تعالى :{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} كذا استشهد به الكرماني، وفيه نظر لأن اليد تغل في العنق وهو عند أهل التعبير عبارة عن كفهما عن الشر، ويؤيده منام صهيب في حق أبي بكر الصديق كما تقدم قريبا، فأما رواية قتادة المعلقة فوصلها مسلم والنسائي من رواية معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن أبيه عن قتادة ولفظ النسائي بالسند المذكور " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول الرؤيا الصالحة بشارة من الله والتحزين من الشيطان، ومن الرؤيا ما يحدث به الرجل نفسه، فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليقم فليصل، وأكره الغل في النوم، ويعجبني القيد فإن القيد ثبات في الدين " وأما مسلم فإنه ساقه بسنده عقب رواية معمر عن أيوب التي فيها " قال أبو هريرة فيعجبني القيد وأكره الغل، القيد ثبات في الدين " قال مسلم فأدرج يعني هشاما عن قتادة في الحديث قوله: "وأكره الغل إلخ " ولم يذكر " الرؤيا جزء " الحديث وكذلك رواه أيوب عن محمد بن سيرين قال: "قال أبو هريرة أحب القيد في النوم وأكره الغل، القيد في النوم ثبات في الدين " أخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية سفيان بن عيينة عنه، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من رواية عبد الوهاب الثقفي عن أيوب فذكر حديث: "إذا اقترب الزمان" الحديث ثم قال: "ورؤيا المسلم جزء من " الحديث ثم قال: "والرؤيا ثلاث " الحديث ثم قال بعده " قال وأحب القيد وأكره الغل، القيد ثبات في الدين " فلا أدري هو في الحديث أو قاله ابن سيرين، هذا لفظ مسلم، ولم يذكر أبو داود ولا الترمذي قوله: "فلا أدري إلخ". وأخرجه الترمذي وأحمد والحاكم من رواية معمر عن أيوب فذكر الحديث الأول ونحو الثاني ثم قال بعدهما: قال أبو هريرة يعجبني القيد إلخ، قال: "وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رؤيا المؤمن جزء إلخ " وقد أخرج الترمذي والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حديث: "الرؤيا ثلاثة " مرفوعا كما أشرت إليه قبل هذا ثم قال بعده " وكان يقول يعجبني القيد " الحديث، وبعده وكان يقول: "من رآني فإني أنا هو " الحديث وبعده " وكان يقول: لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح " وهذا ظاهر في أن الأحاديث كلها مرفوعة، وأما رواية يونس وهو ابن عبيد فأخرجها البزار في مسنده من طريق أبي خلف وهو عبد الله بن

(12/409)


عيسى الخزاز بمعجمات البصري عن يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: "إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأحب القيد وأكره الغل " قال: ولا أعلمه إلا وقد رفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال البزار روي عن محمد من عدة أوجه، وإنما ذكرناه من رواية يونس لعزة ما أسند يونس عن محمد بن سيرين. قلت: وقد أخرج ابن ماجه من طريق أبي بكر الهذلي عن ابن سيرين حديث القيد موصولا مرفوعا ولكن الهذلي ضعيف وأما رواية هشام فقال أحمد " حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام هو ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا اقترب الزمان الحديث، ورؤيا المؤمن الحديث، وأحب القيد في النوم الحديث، والرؤيا ثلاث الحديث، فساق الجميع مرفوعا، وهكذا أخرجه الدارمي من رواية مخلد بن الحسين عن هشام، وأخرجه الخطيب في المدرج من طريق علي بن عاصم عن خالد وهشام عن ابن سيرين مرفوعا، قال الخطيب: والمتن كله مرفوع إلا ذكر القيد والغل فإنه قول أبي هريرة أدرج في الخبر، وبينه معمر عن أيوب، وأخرج أبو عوانة في صحيحه من طريق عبد الله بن بكر عن هشام قصة القيد وقال: الأصح أن هذا من قول ابن سيرين. وقد أخرجه مسلم من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان وأيوب جميعا عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: "إذا اقترب الزمان " قال وساق الحديث ولم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن هشام موقوفا وزاد في آخره: "قال أبو هريرة: اللبن في المنام الفطرة " وأما رواية أبي هلال واسمه محمد بن سليم الراسبي عن محمد بن سيرين فلم أقف عليها موصولة إلى الآن، وأخرج أحمد في الزهد عن عثمان عن حماد بن زيد عن أيوب قال: "رأيت ابن سيرين مقيدا في المنام " وهذا يشعر بأن ابن سيرين كان يعتمد في تعبير القيد على ما في الخبر فأعطي هو ذلك وكان كذلك قال القرطبي: هذا الحديث وإن اختلف في رفعه ووقفه فإن معناه صحيح، لأن القيد في الرجلين تثبيت للمقيد في مكانه فإذا رآه من هو على حالة كان ذلك دليلا على ثبوته على تلك الحالة، وأما كراهة الغل فلأن محله الأعناق نكالا وعقوبة وقهرا وإذلالا، وقد يسحب على وجهه ويخر على قفاه فهو مذموم شرعا وعادة، فرؤيته في العنق دليل على وقوع حال سيئة للرائي تلازمه ولا ينفك عنها، وقد يكون ذلك في دينه كواجبات فرط فيها أو معاص ارتكبها أو حقوق لازمة له لم يوفها أهلها مع قدرته، وقد تكون في دنياه كشدة تعتريه أو تلازمه.

(12/410)


27- باب: الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ فِي الْمَنَامِ
7018- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ "أُمِّ الْعَلاَءِ - وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَتْ: طَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتْ الأَنْصَارُ عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ، فَاشْتَكَى، فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ. قَالَ: وَمَا يُدْرِيكِ؟ قُلْتُ: لاَ أَدْرِي وَاللَّهِ. قَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، إِنِّي لاَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ مِنْ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ - مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ. قَالَتْ أُمُّ الْعَلاَءِ: فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ذَاكِ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ"

(12/410)


قوله: "باب العين الجارية في المنام" قال المهلب: العين الجارية تحتمل وجوها، فإن كان ماؤها صافيا عبرت بالعمل الصالح وإلا فلا. وقال غيره: العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحي أو ميت قد أحدثه أو أجراه. وقال آخرون: عين الماء نعمة وبركة وخير وبلوغ أمنية إن كان صاحبها مستورا، فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة يبكي لها أهل داره. قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك. قوله: "عن أم العلاء وهي امرأة من نسائهم" وتقدم في كتاب الهجرة أنها والدة خارجة بن زيد الراوي عنها هنا وأن هذا الحديث ورد من طريق أبي النضر عن خارجة بن زيد عن أمه، وذكرت نسبها هناك وأن اسمها كنيتها، ومنه يؤخذ أن القائل هنا " وهي امرأة من نسائهم " هو الزهري راويه عن خارجة بن زيد، ووقع في " باب رؤيا النساء " فيما مضى قريبا من طريق عقيل عن ابن شهاب عن خارجة " أن أم العلاء امرأة من الأنصار بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته " وأخرج أحمد وابن سعد بسند فيه علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف من حديث ابن عباس قال: "لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأته هنيئا لك الجنة " فذكر نحو هذه القصة، وقوله: "امرأته" فيه نظر، فلعله كان فيه: "قالت امرأة" بغير ضمير وهي أم العلاء، ويحتمل أنه كان تزوجها قبل زيد بن ثابت، ويحتمل أن يكون القول تعدد منهما. وعند ابن سعد أيضا من مرسل زيد بن أسلم بسند حسن " قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عجوزا تقول في جنازة عثمان بن مظعون وراء جنازته: هنيئا لك الجنة يا أبا السائب " فذكر نحوه وفيه: "بحسبك أن تقولي كان يحب الله ورسوله". قوله: "طار لنا" تقدم بيانه في " باب القرعة في المشكلات " ووقع عند ابن سعد من وجه آخر عن معمر " فتشاحت الأنصار فيهم أن ينزلوهم منازلهم حتى اقترعوا عليهم فطار لنا عثمان بن مظعون " يعني وقع في سهمنا، كذا وقع التفسير في الأصل وأظنه من كلام الزهري أو من دونه. قوله: "حين اقترعت" في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني: "أقرعت" بحذف التاء ووقع في رواية عقيل المذكورة أنهم "اقتسموا المهاجرين قرعة". قوله: "فاشتكى فمرضناه حتى توفي" في الكلام حذف تقديره فأقام عندنا مدة فاشتكى أي مرض فمرضناه أي قمنا بأمره في مرضه، وقد وقع في رواية عقيل " فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا، فرجع وجعه الذي توفي فيه: "قلت: وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث من الهجرة أرخه ابن سعد وغيره، وقد تقدمت سائر فوائده في أول الجنائز والكلام على قوله ما يفعل به والاختلاف فيها، وقوله في آخره: "ذاك عمله يجري له " قيل يحتمل أنه كان لعثمان شيء عمله بقي له ثوابه جاريا كالصدقة، وأنكره مغلطاي وقال: لم يكن لعثمان بن مظعون شيء من الأمور الثلاث التي ذكرها مسلم من حديث أبي هريرة رفعه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث". قلت: وهو نفي مردود فإنه كان له ولد صالح شهد بدرا وما بعدها وهو السائب مات في خلافة أبي بكر فهو أحد الثلاث، وقد كان عثمان من الأغنياء فلا يبعد أن تكون له صدقة استمرت بعد موته، فقد أخرج ابن سعد من مرسل أبي بردة بن أبي موسى قال: "دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فرأين هيئتها فقلن: ما لك؟ فما في قريش أغنى من بعلك، فقالت: أما ليله فقائم " الحديث ويحتمل أن يراد بعمل عثمان بن مظعون مرابطته في جهاد أعداء الله فإنه ممن يجري له عمله كما ثبت في السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد رفعه: "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر " وله شاهد عند مسلم والنسائي والبزار من حديث سلمان رفعه: "رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن

(12/411)


مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأمن الفتان" وله شواهد أخرى، فليحمل حال عثمان ابن مظعون على ذلك ويزول الإشكال من أصله.

(12/412)


28- باب: نَزْعِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ حَتَّى يَرْوَى النَّاسُ، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
7019- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَدَّثَهُ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا إِذْ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ. ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ"
قوله: "باب: نزع الماء من البئر حتى يروى الناس" هو بفتح الواو من الري، والنزع بفتح النون وسكون الزاي إخراج الماء للاستسقاء. قوله: "رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" وصله المصنف من حديثه في الباب الذي بعده. قوله: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير" هو الدورقي وشعيب بن حرب هو المدائني يكنى أبا صالح كان أصله من بغداد فسكن المدائن حتى نسب إليها ثم انتقل إلى مكة فنزلها إلى أن مات بها، وكان صدوقا شديد الورع وقد وثقه يحيى بن معين والنسائي والدار قطني وآخرون وما له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد وقد ذكره في الضعفاء شعيب بن حرب فقال منكر الحديث مجهول، وأظنه آخر وافق اسمه واسم أبيه والعلم عند الله تعالى. قوله: "بينا أنا على بئر أنزع منها" أي أستخرج منها الماء بآلة كالدلو. وفي حديث أبي هريرة في الباب الذي يليه " رأيتني على قليب وعليها دلو فنزعت منها ما شاء الله " وفي رواية همام " رأيت أني على حوض أسقي الناس" والجمع بينهما أن القليب هو البئر المقلوب ترابها قبل الطي، والحوض هو الذي يجعل بجانب البئر لشرب الإبل فلا منافاة. قوله: "إذ جاءني أبو بكر وعمر" في رواية أبي يونس عن أبي هريرة " فجاءني أبو بكر فأخذ أبو بكر الدلو " أي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يملأ بها الماء، ووقع في رواية همام الآتية بعد هذا " فأخذ أبو بكر مني الدلو ليريحني " وفي رواية أبي يونس " ليروحني " وأول حديث سالم عن أبيه في الباب الذي يليه " رأيت الناس اجتمعوا " ولم يذكر قصة النزع ووقع في رواية أبي بكر بن سالم عن أبيه " أريت في النوم أني أنزع على قليب بدلو بكرة " فذكر الحديث نحوه أخرجه أبو عوانة. قوله: "فنزع ذنوبا أو ذنوبين" كذا هنا، ومثله لأكثر الرواة، ووقع في رواية همام المذكورة " ذنوبين " ولم يشك، ومثله في رواية أبي يونس، والذنوب بفتح المعجمة الدلو الممتلئ. قوله: "وفي نزعه ضعف" تقدم شرحه وبيان الاختلاف في تأويله في آخر علامات النبوة في مناقب عمر. قوله: "فغفر الله له" وقع في الروايات المذكورة " والله يغفر له". قوله: "ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر" كذا هنا، ولم يذكر مثله في أخذ أبي بكر الدلو من النبي صلى الله عليه وسلم، ففيه إشارة إلى أن عمر ولي الخلافة بعهد من أبي بكر إليه بخلاف أبي بكر فلم تكن خلافته بعهد صريح من النبي صلى الله عليه وسلم ولكن وقعت عدة إشارات إلى ذلك فيها ما يقرب من الصريح. قوله: "فاستحالت في يده غربا" أي تحولت الدلو غربا، وهي بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة بلفظ مقابل الشرق، قال أهل اللغة: الغرب الدلو العظيمة المتخذة من جلود البقر، فإذا فتحت الراء فهو الماء الذي يسيل بين

(12/412)


البئر والحوض. ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك البوني أن الغرب كل شيء رفيع، وعن الداودي قال: المراد أن الدلو أحالت باطن كفيه حتى صار أحمر من كثرة الاستسقاء، قال ابن التين: وقد أنكر ذلك أهل العلم وردوه على قائله. قوله: "فلم أر عبقريا" تقدم ضبطه وبيانه في مناقب عمر، وكذلك قوله: "يفري فريه" ووقع عند النسائي في رواية ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه: قال حجاج قلت لابن جريج: ما استحال؟ قال: رجع. قلت: ما العبقري؟ قال: الأجير. وتفسير العبقري بالأجير غريب قال أبو عمرو الشيباني: عبقري القوم سيدهم وقويهم وكبيرهم. وقال الفارابي: العبقري من الرجال الذي ليس فوقه شيء. وذكر الأزهري أن عبقر موضع بالبادية، وقيل بلد كان ينسج فيه البسط الموشية فاستعمل في كل شيء جيد وفي كل شيء فائق. ونقل أبو عبيد أنها من أرض الجن، وصار مثلا لكل ما ينسب إلى شيء نفيس. وقال الفراء: العبقري السيد وكل فاخر من حيوان وجوهر، وبساط وضعت عليه وأطلقوه في كل شيء عظيم في نفسه. وقد وقع في رواية عقيل المشار إليه " ينزع نزع ابن الخطاب " وفي رواية أبي يونس " فلم أر نزع رجل قط أقوى منه". قوله: "حتى ضرب الناس بعطن" بفتح المهملتين وآخره نون هو ما يعد للشرب حول البئر من مبارك الإبل، والمراد بقوله: "ضرب" أي ضربت الإبل بعطن بركت، والعطن للإبل كالوطن للناس لكن غلب على مبركها حول الحوض. ووقع في رواية أبي بكر بن سالم عن أبيه عند أبي بكر بن أبي شيبة "حتى روي الناس وضربوا بعطن" ووقع في رواية همام " فلم يزل بنزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر " وفي رواية أبي يونس " ملآن ينفجر" قال القاضي عياض ظاهر هذا الحديث أن المراد خلافة عمر، وقيل هو لخلافتهما معا لأن أبا بكر جمع شمل المسلمين أولا بدفع أهل الردة وابتدأت الفتوح في زمانه، ثم عهد إلى عمر فكثرت في خلافته الفتوح واتسع أمر الإسلام واستقرت قواعده. وقال غيره: معنى عظم الدلو في يد عمر كون الفتوح كثرت في زمانه ومعنى "استحالت" انقلبت عن الصغر إلى الكبر. وقال النووي قالوا هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صاحب الأمر فقام به أكمل قيام وقرر قواعد الدين، ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام في زمنه، فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم وشبه بالمستقي لهم منها وسقيه هو قيامه بمصالحهم، وفي قوله: "ليريحني" إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، لأن في الموت راحة من كدر الدنيا وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم، وأما قوله وفي نزعه ضعف فليس فيه حط من فضيلته وإنما هو إخبار عن حاله في قصر مدة ولايته، وأما ولاية عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين، وأما قوله: "والله يغفر له" فليس فيه نقص له ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب، وإنما هي كلمة كانوا يقولونها يدعمون بها الكلام. وفي الحديث إعلام بخلافتهما وصحة ولايتهما وكثرة الانتفاع بهما، فكان كما قال. وقال ابن العربي: ليس المراد بالدلو التقدير الدال على قصر الحظ، بل المراد التمكن من البئر، وقوله في الرواية المذكورة: بدلو بكرة فيه إشارة إلى صغر الدلو قبل أن يصير غربا. وأخرج أبو ذر الهروي في كتاب الرؤيا من حديث ابن مسعود نحو حديث الباب، لكن قال في آخره: "فعبرها يا أبا بكر، قال: ألي الأمر بعدك ويليله بعدي عمر. قال: كذلك عبرها الملك " وفي سنده أيوب بن جابر وهو ضعيف وهذه الزيادة منكرة، وقد ورد هذا الحديث من وجه آخر بزيادة فيه، فأخرج أحمد وأبو

(12/413)


داود واختار الضياء من طريق أشعث بن عبد الرحمن الجرمي عن أبيه عن سمرة بن جندب " أن رجلا قال: يا رسول الله رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء " وهذا يبين أن المراد بالنزع الضعيف والنزع القوي الفتوح والغنائم، وقوله: "دلي" بضم المهملة وتشديد اللام أي أرسل إلى أسفل، وقوله: "بعراقيها " بكسر المهملة وفتح القاف، والعراقان خشبتان تجعلان على فم الدلو متخالفتان لربط الدلو. وقوله: "تضلع" بالضاد المعجمة أي ملأ أضلاعه كناية عن الشبع، وقوله: "انتشطت" بضم المثناة وكسر المعجمة بعدها طاء مهملة أي نزعت منه فاضطربت وسقط بعض ما فيها أو كله. قال ابن العربي: حديث سمرة يعارض حديث ابن عمر وهما خبران. قلت: الثاني هو المعتمد، فحديث ابن عمر مصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الرائي، وحديث سمرة فيه أن رجلا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى، وقد أخرج أحمد من حديث أبي الطفيل شاهدا لحديث ابن عمر وزاد فيه: "فوردت على غنم سود وغنم عفر " وقال فيه: "فأولت السود العرب والعفر العجم " وفي قصة عمر " فملأ الحوض وأروى الواردة " ومن المغايرة بينهما أيضا أن في حديث ابن عمر " نزع الماء من البئر " وحديث سمرة فيه نزول الماء من السماء، فهما قصتان تشد إحداهما الأخرى، وكأن قصة حديث سمرة سابقة فنزل الماء من السماء وهي خزانته فأسكن في الأرض كما يقتضيه حديث سمرة ثم أخرج منها بالدلو كما دل عليه حديث ابن عمر، وفي حديث سمرة إشارة إلى نزول النصر من السماء على الخلفاء، وفي حديث ابن عمر إشارة إلى استيلائهم على كنوز الأرض بأيديهم، وكلاهما ظاهر من الفتوح التي فتحوها. وفي حديث سمرة زيادة إشارة إلى ما وقع لعلي من الفتن والاختلاف عليه، فإن الناس أجمعوا على خلافته ثم لم يلبث أهل الجمل أن خرجوا عليه وامتنع معاوية في أهل الشام ثم حاربه بصفين ثم غلب بعد قليل على مصر، وخرجت الحرورية على علي فلم يحصل له في أيام خلافته راحة، فضرب المنام المذكور مثلا لأحوالهم رضوان الله عليهم أجمعين.

(12/414)


باب نزع الذنوب الذنوبين من البئر بضعف
...
29- باب: نَزْعِ الذَّنُوبِ وَالذَّنُوبَيْنِ مِنْ الْبِئْرِ بِضَعْفٍ
7020- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا مُوسَى عَنْ سَالِمٍ "عَنْ أَبِيهِ عَنْ رُؤْيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ. ثُمَّ قَامَ ابْنُ الْخَطَّابِ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَمَا رَأَيْتُ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَفْرِي فَرْيَهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ"
7021- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ وَعَلَيْهَا دَلْوٌ فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ مِنْهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ. ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ"
قوله: "باب نزع الذنوب والذنوبين من البئر بضعف" أي مع ضعف نزع. ذكر فيه حديث ابن عمر الذي

(12/414)


قبله وحديث أبي هريرة بمعناه، وزهير في الحديث الأول هو ابن معاوية، وقوله: "عن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم: "كأنه تقدم للتابعي سؤال عن ذلك فأخبره به الصحابي، وقوله: "في أبي بكر وعمر " أي فيما يتعلق بمدة خلافتهما، وقوله: "قال رأيت" القائل هو النبي صلى الله عليه وسلم وحاكى ذلك عنه هو ابن عمر، وقوله: "رأيت الناس اجتمعوا فقام أبو بكر " فيه اختصار يوضحه ما قبله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ أولا فنزع من البئر ثم جاء أبو بكر، وقد تقدمت بقية فوائد حديثي الباب في الباب قبله، وسعيد في الحديث الثاني هو ابن المسيب، وفي الحديثين أنه من رأى أنه يستخرج من بئر ماء أنه يلي ولاية جليلة وتكون مدته بحسب ما استخرج قلة وكثرة، وقد تعبر البئر بالمرأة وما يخرج منها بالأولاد، وهذا الذي اعتمده أهل التعبير ولم يعرجوا على الذي قبله فهو الذي ينبغي أن يعول عليه، لكنه بحسب حال الذي ينزع الماء، والله أعلم.

(12/415)


30- باب: الْاسْتِرَاحَةِ فِي الْمَنَامِ
7022- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ "أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنِّي عَلَى حَوْضٍ أَسْقِي النَّاسَ، فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرِيحَنِي، فَنَزَعَ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ. فَأَتَى ابْنُ الْخَطَّابِ فَأَخَذَ مِنْهُ فَلَمْ يَزَلْ يَنْزِعُ حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالْحَوْضُ يَتَفَجَّرُ"
قوله: "باب الاستراحة في المنام" قال أهل التعبير: إن كان المستريح مستلقيا على قفاه فإنه يقوى أمره وتكون الدنيا تحت يده لأن الأرض أقوى ما يستند إليه، بخلاف ما إذا كان منبطحا فإنه لا يدري ما وراءه. ذكر فيه حديث همام عن أبي هريرة في رؤياه صلى الله عليه وسلم الدلو، وفيه: "فأخذ أبو بكر الدلو ليريحني، وقد تقدمت فوائده في الذي قبله، وقوله فيه "رأيت أني على حوض أسقي الناس"، كذا للأكثر. وفي رواية المستملي والكشميهني: "على حوضي" والأول أولى، وكأنه كان يملأ من البئر فيسكب في الحوض والناس يتناولون الماء لبهائمهم وأنفسهم، وإن كانت رواية المستملي محفوظة احتمل أن يريد حوضا له في الدنيا لا حوضه الذي في القيامة.

(12/415)


31- باب: الْقَصْرِ فِي الْمَنَامِ
7023- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ. قُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ – أَغَارُ"؟
7024- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ "عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟

(12/415)


32- باب: الْوُضُوءِ فِي الْمَنَامِ
7025- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ

(12/416)


"أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا. فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: عَلَيْكَ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ – أَغَارُ"
قوله: "باب الوضوء في المنام" قال أهل التعبير: رؤية الوضوء في المنام وسيلة إلى سلطان أو عمل، فإن أتمه في النوم حصل مراده في اليقظة، وإن تعذر لعجز الماء مثلا أو توضأ بما لا تجوز الصلاة به فلا، والوضوء للخائف أمان ويدل على حصول الثواب وتكفير الخطايا، وذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب الذي قبله، وقد مضى الكلام فيه.

(12/417)


33- باب: الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ
7026- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ، وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ"
قوله: "باب الطواف بالكعبة في المنام" قال أهل التعبير: الطواف يدل على الحج وعلى التزويج وعلى حصول أمر مطلوب من الإمام وعلى بر الوالدين وعلى خدمة عالم والدخول في أمر الإمام فإن كان الرائي رقيقا دل على نصحه لسيده. قوله: "بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة...الحديث" تقدم شرحه مستوفى في ذكر عيسى عليه السلام من أحاديث الأنبياء، ويأتي شيء مما يتعلق بالرجال في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى.

(12/417)


34- باب: إِذَا أَعْطَى فَضْلَهُ غَيْرَهُ فِي النَّوْمِ
7027- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لاَرَى الرِّيَّ يَجْرِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلَهُ عُمَرَ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمُ"
قوله: "باب: إذا أعطى فضله غيره في النوم" ذكر فيه حديث ابن عمر الماضي في "باب اللبن" مشروحا وقوله الري أي ما يتروى به وهو اللبن، أو هو إطلاق على سبيل الاستعارة قاله الكرماني، قال: وإسناد الخروج إليه قرينة، وقيل الري اسم من أسماء اللبن.

(12/417)


35- باب الأَمْنِ وَذَهَابِ الرَّوْعِ فِي الْمَنَامِ
7028- حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَرَوْنَ الرُّؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُصُّونَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَنَا غُلاَمٌ حَدِيثُ السِّنِّ وَبَيْتِي الْمَسْجِدُ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ لَرَأَيْتَ مِثْلَ مَا يَرَى هَؤُلاَءِ. فَلَمَّا اضْطَجَعْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ فِيَّ خَيْرًا فَأَرِنِي رُؤْيَا. فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ جَاءَنِي مَلَكَانِ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ يُقْبِلاَنِ بِي إِلَى جَهَنَّمَ وَأَنَا بَيْنَهُمَا أَدْعُو اللَّهَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهَنَّمَ، ثُمَّ أُرَانِي لَقِيَنِي مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ: لَنْ تُرَاعَ، نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ لَوْ كُنْتَ تُكْثِرُ الصَّلاَةَ. فَانْطَلَقُوا بِي حَتَّى وَقَفُوا بِي عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، لَهُ قُرُونٌ كَقَرْنِ الْبِئْرِ، بَيْنَ كُلِّ قَرْنَيْنِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَأَرَى فِيهَا رِجَالًا مُعَلَّقِينَ بِالسَّلاَسِلِ، رُءُوسُهُمْ أَسْفَلَهُمْ عَرَفْتُ فِيهَا رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَانْصَرَفُوا بِي عَنْ ذَاتِ الْيَمِينِ"
7029- "فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ . فَقَالَ نَافِعٌ: لَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلاَةَ"
قوله: "باب الأمن وذهاب الروع في المنام" الروع بفتح الراء وسكون الواو بعدها عين مهملة الخوف، وأما الروع بضم الراء فهو النفس. قال أهل التعبير: من رأى أنه خائف من شيء أمن منه، ومن رأى أنه قد أمن من شيء فإنه يخاف منه. وذكر فيه حديث ابن عمر في رؤياه من طريق نافع عنه، وقد مضى شرحه قريبا. قوله: "إن رجالا" لم أقف على أسمائهم. قوله: "فيقول فيها" أي يعبرها. قوله: "حديث السن" أي صغيره، وفي رواية الكشميهني: "حدث السن" بفتح الدال. قوله: "وبيتي المسجد" يعني أنه كان يأوي إليه قبل أن يتزوج. قوله: "فاضطجعت ليلة" في رواية الكشميهني: "ذات ليلة". قوله: "إذ جاءني ملكان" لم أقف على تسميتهما. قال ابن بطال: يؤخذ منه الجزم بالشيء وإن كان أصله الاستدلال، لأن ابن عمر استدل على أنهما ملكان بأنهما وقفاه على جهنم ووعظاه بها، والشيطان لا يعظ ولا يذكر الخير. قلت: ويحتمل أن يكونا أخبراه بأنهما ملكان، أو اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم لما قصته عليه حفصة فاعتمد على ذلك. قوله: "مقمعة" بكسر الميم والجمع مقامع وهي كالسياط من حديد رءوسها معوجة، قال الجوهري: المقمعة كالمحجن. وأغرب الداودي فقال: المقمعة والمقرعة واحد. قوله: "لم ترع" أي لم تفزع، في رواية الكشميهني: "لن تراع" فعلى الأول ليس المراد أنه لم يقع له فزع بل لما كان الذي فزع منه لم يستمر فكأنه لم يفزع، وعلى الثانية فالمراد أنك لا روع عليك بعد ذلك. قال ابن بطال: إنما قال له ذلك لما رأى منه من الفزع، ووثق بذلك منه لأن الملك لا يقول إلا حقا انتهى. ووقع عند ابن أبي شيبة من رواية جرير بن حازم عن نافع فلقيه ملك وهو يرعد فقال لم ترع ووقع عند كثير من الرواة "لن ترع"

(12/418)


36- باب: الأَخْذِ عَلَى الْيَمِينِ فِي النَّوْمِ
7030- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ غُلاَمًا شَابًّا عَزَبًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مَنْ رَأَى مَنَامًا قَصَّهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لِي عِنْدكَ خَيْرٌ فَأَرِنِي مَنَامًا يُعَبِّرُهُ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ مَلَكَيْنِ أَتَيَانِي فَانْطَلَقَا بِي فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ: لَنْ تُرَاعَ، إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَانْطَلَقَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُ بَعْضَهُمْ، فَأَخَذَا بِي ذَاتَ الْيَمِينِ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَفْصَةَ"
7031- "فَزَعَمَتْ حَفْصَةُ أَنَّهَا قَصَّتْهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلاَةَ مِنْ اللَّيْلِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلاَةَ مِنْ اللَّيْلِ"

(12/419)


37- باب: الْقَدَحِ فِي النَّوْمِ
7032- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الْعِلْمَ"
قوله: "باب القدح في النوم" قال أهل التعبير: القدح في النوم امرأة أو مال من جهة امرأة، وقدح الزجاج يدل على ظهور الأشياء الخفية، وقدح الذهب والفضة ثناء حسن ذكر فيه حديث ابن عمر المتقدم في "باب اللبن"وقد مضى شرحه هناك

(12/420)


38- باب: إِذَا طَارَ الشَّيْءُ فِي الْمَنَامِ
7033- حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَرْمِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ نَشِيطٍ قَالَ قَالَ: "عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي ذَكَرَ
7034- فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنَّهُ وُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَفُظِعْتُهُمَا وَكَرِهْتُهُمَا، فَأُذِنَ لِي فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّاباْنِ يَخْرُجَانِ". فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: "أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزٌ في الْيَمَنِ، وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ"
قوله: "باب: إذا طار الشيء في المنام" أي الذي من شأنه أن يطير، قال أهل التعبير من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء بغير تعريج ما له ضرر، فإن غاب في السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق من مرضه، وإن كان يطير عرضا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه، فإن كان بجناح فهو مال أو سلطان يسافر في كنفه، وإن كان بغير جناح دل على التغرير فيما يدخل فيه. وقالوا إن الطيران للشرار دليل رديء. قوله "يعقوب بن إبراهيم" أي ابن سعد الزهري، وصالح هو ابن كيسان. قوله: "عن ابن عبيدة" بالتصغير ابن نشيط بنون ومعجمة ثم مهملة وزن عظيم ووقع في رواية الكشميهني: "عن أبي عبيدة" جعلها كنية والصواب "ابن" فقد تقدم هذا الحديث بهذا السند في أواخر المغازي في قصة العنسي وقال فيه: "عن ابن عبيدة" بغير اختلاف، وزاد في موضع آخر "اسمه عبد الله" قلت: وهو الربذي بفتح الراء والموحدة بعدها معجمة أخو موسى بن عبيدة الربذي المحدث المشهور بالضعف،

(12/420)


39- باب: إِذَا رَأَى بَقَرًا تُنْحَرُ
7035- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ "عَنْ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرٌ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ مِنْ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بِهِ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ"
قوله: "باب إذا رأى بقرا تنحر" كذا ترجم بقيد النحر، ولم يقع ذلك في الحديث الذي ذكره عن أبي موسى، وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كما سأبينه، وحديث أبي موسى المذكور في الباب أورده بهذا السند بتمامه في علامات النبوة، وفرق منه في المغازي بهذا السند أيضا، وعلق فيها منه قطعة في الهجرة فقال: "وقال

(12/421)


أبو موسى" وذكر بعضه هنا وبعضه بعد أربعة أبواب ولم يذكر بعضه، وقد تقدم في غزوة أحد شرح ما أورده منه فيها. قوله: "أراه" بضم أوله أي أظنه وقد بينت هناك أن القائل "أراه" هو البخاري وأن مسلما وغيره رووه عن أبي كريب محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه بالسند المذكور بدون هذه اللفظة بل جزموا برفعه. قوله: "فذهب وهلي" قال ابن التين: رويناه "وهلي" بفتح الهاء والذي ذكره أهل اللغة بسكونها تقول وهلت بالفتح أهل وهلا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره مثل وهمت، ووهل يوهل وهلا بالتحريك إذا فزع، قال ولعله وقع في الرواية على مثل ما قالوه في البحر بحر بالتحريك وكذا النهر والنهر والشعر والشعر انتهى. وبهذا جزم أهل اللغة ابن فارس والفارابي والجوهري والقالي وابن القطاع، إلا أنهم لم يقولوا "وأنت تريد غيره" وقد وقع في حديث المائة سنة "فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهلا" بالتحريك، وقال النووي: معناه غلطوا، يقال وهل بفتح الهاء يهل بكسرها وهلا بسكونها مثل ضرب يضرب ضربا أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب، وأما وهلت بكسرها أوهل بالفتح وهلا بالتحريك أيضا كحذرت أحذر حذرا فمعناه فزعت، والوهل بالفتح الفزع وضبطه النووي بالتحريك وقال الوهل بالتحريك معناه الوهم والاعتقاد وأما صاحب النهاية فجزم أنه بالسكون. قوله: "أو الهجر" كذا لأبي ذر هنا بالألف واللام ووافقه الأصيلي، ووقع في رواية كريمة: "أو هجر " بغير ألف ولام، وهي بلد قدمت بيانها في باب الهجرة إلى المدينة. قوله: "ورأيت فيها بقرا والله خير" تقدم ما فيه ووقع في حديث جابر عند أحمد والنسائي والدارمي من رواية حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر وفي رواية لأحمد " حدثنا جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر، فأولت الدرع الحصينة المدينة وأن البقر بقر والله خير " وهذه اللفظة الأخيرة وهي بقر بفتح الموحدة وسكون القاف مصدر بقره يبقره بقرا، ومنهم من ضبطها بفتح النون والفاء ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد أيضا والنسائي والطبراني وصححه الحاكم من طريق أبي الزناد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس في قصة أحد وإشارة النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة. ولبسه اللامة وندامتهم على ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" وفيه: "إني رأيت أني في درع حصينة" الحديث بنحو حديث جابر وأتم منه، وقد تقدمت الإشارة إليه وإلى ما له من شاهد في غزوة أحد، وتقدم هناك قول السهيلي إن البقر تعبر برجال متسلحين يتناطحون في القتال والبحث معه فيه وهو إنما تكلم على رواية ابن إسحاق "إني رأيت والله خيرا رأيت بقرأ". ولكن تقييده في الحديث الذي ذكرته البقر بكونها تنحر هو على ما فسره في الحديث بأنهما من أصيب من المسلمين. وإن كانت الرواية بسكون القاف أو بالنون والفاء وليس من رؤية البقر المتناطحة في شيء، وقد ذكر أهل التعبير للبقر في النوم وجوها أخرى: منها أن البقرة الواحدة تفسر بالزوجة والمرأة والخادم والأرض، والثور يفسر بالثائر لكونه يثير الأرض فيتحرك عاليها وسافلها فكذلك من يثور في ناحية لطلب ملك أو غيره، ومنها أن البقر إذا وصلت إلى بلد فإن كانت بحرية فسرت بالسفن وإلا فبعسكر أو بأهل بادية أو يبس يقع في تلك البلد. قوله: "وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر" المراد بما بعد بدر فتح خيبر ثم مكة، ووقع في رواية: "بعد" بالضم أي بعد أحد ونصب "يوم" أي ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين. قال الكرماني: ويحتمل أن يراد بالخير الغنيمة، وبعد أي بعد الخير، والثواب والخير

(12/422)


حصلا في يوم بدر. قلت: وفي هذا السياق إشعار بأن قوله في الخبر "والله خير" من جملة الرؤيا، والذي يظهر لي أن لفظه لم يتحرر إيراده وأن رواية ابن إسحاق هي المحررة، وأنه رأى بقرا ورأى خيرا فأول البقر على من قتل من الصحابة يوم أحد، وأول الخير على ما حصل لهم من ثواب الصدق في القتال والصبر على الجهاد يوم بدر وما بعده إلى فتح مكة، والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأحد نبه عليه ابن بطال، ويحتمل أن يريد ببدر بدر الموعد لا الوقعة المشهورة السابقة على أحد، فإن بدر الموعد كانت بعد أحد ولم يقع فيها قتال وكان المشركون لما رجعوا من أحد قالوا: موعدكم العام المقبل بدر، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن انتدب معه إلى بدر فلم يحضر المشركون فسميت بدر الموعد، فأشار بالصدق إلى أنهم صدقوا الوعد ولم يخلفوه فأثابهم الله تعالى على ذلك بما فتح عليهم بعد ذلك من قريظة وخيبر وما بعدها والله أعلم.

(12/423)


40- باب: النَّفْخِ فِي الْمَنَامِ
7036- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ "هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ"
7027- "وَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ"
قوله: "باب النفخ في المنام" قال أهل التعبير: النفخ يعبر بالكلام وقال ابن بطال: يعبر بإزالة الشيء المنفوخ بغير تكلف شديد لسهولة النفخ على النافخ، ويدل على الكلام، وقد أهلك الله الكذابين المذكورين بكلامه صلى الله عليه وسلم وأمره بقتلهما. قوله: "حدثني" في رواية أبي ذر "حدثنا". قوله: "إسحاق بن إبراهيم الحنظلي" هو المعروف بابن راهويه. قوله: "هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نحن الآخرون السابقون. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا نائم" قد تقدم التنبيه على هذا الصنيع في أوائل كتاب الأيمان والنذور، وأن نسخة همام عن أبي هريرة كانت عند إسحاق بهذا السند وأول حديث فيها حديث "نحن الآخرون السابقون" الحديث في الجمعة وبقية أحاديث النسخة معطوفة عليه بلفظ: "وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكان إسحاق إذا أراد التحديث بشيء منها بدأ بطرف من الحديث الأول وعطف عليه ما يريد، ولم يطرد هذا الصنيع للبخاري في هذه النسخة، وأما مسلم فأطرد صنيعه في ذلك كما نبهت عليه هناك وبالله التوفيق. وقد تقدم هذا الحديث في "باب وفد بني حنيفة" في أواخر المغازي عن إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق بهذا الإسناد، لكن قال في روايته عن همام "أنه سمع أبا هريرة" ولم يبدأ فيه إسحاق بن نصر بقوله: "نحن الآخرون السابقون" وذلك مما يؤيد ما قررته، ويعكر على من زعم أن هذه الجملة أول حديث الباب وتكلف قوله: "إذ أتيت خزائن الأرض" كذا وجدته في نسخة معتمدة من طريق أبي ذر من الإتيان بمعنى المجيء وبحذف الباء من خزائن وهي مقدرة، وعند غيره: "أوتيت" بزيادة واو من الإيتاء بمعنى الإعطاء، ولا إشكال في حذف الباء على هذه الرواية، ولبعضهم كالأول لكن بإثبات الباء

(12/423)


وهي رواية أحمد وإسحاق بن نصر عن عبد الرزاق. قال الخطابي: المراد بخزائن الأرض ما فتح على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة، قال غيره: بل يحمل على أعم من ذلك. قوله: "فوضع" بفتح أوله وثانيه، وفي رواية إسحاق بن نصر بضم أوله وكسر ثانيه. قوله: "في يدي" في رواية إسحاق بن نصر "في كفي". قوله: "سوارين" في رواية إسحاق بن نصر "سواران" ولا إشكال فيها وشرح ابن التين هنا على لفظ: "وضع" بالضم "وسوارين" بالنصب وتكلف لتخريج ذلك، وقد أخرجه ابن أبي شيبة وابن ماجه من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "رأيت في يدي سوارين من ذهب " وأخرجه سعيد بن منصور من رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة مثله وزاد: "في المنام" والسوار بكسر المهملة ويجوز ضمها وفيه لغة ثالثة أسوار بضم الهمزة أوله. قوله: "فكبر علي" في رواية إسحاق بن نصر "فكبرا" بالتثنية والباء الموحدة مضمومة بمعنى العظم، قال القرطبي: وإنما عظم عليه ذلك لكون الذهب من حلية النساء ومما حرم على الرجال. قوله: "فأوحي إلي" كذا للأكثر على البناء للمجهول، وفي رواية الكشميهني في حديث إسحاق بن نصر " فأوحى الله إلي " وهذا الوحي يحتمل أن يكون من وحي الإلهام أو على لسان الملك قاله القرطبي. قوله: "فنفختهما" زاد إسحاق بن نصر "فذهبا" وفي رواية ابن عباس الماضية قريبا "فطارا" وكذا في رواية المقبري وزاد: "فوقع واحد باليمامة والآخر باليمن " وفي ذلك إشارة إلى حقارة أمرهما لأن شأن الذي ينفخ فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة، ورده ابن العربي بأن أمرهما كان في غاية الشدة ولم ينزل بالمسلمين قبله مثله. قلت: وهو كذلك، لكن الإشارة إنما هي للحقارة المعنوية لا الحسية، وفي طيرانهما إشارة إلى اضمحلال أمرهما كما تقدم. قوله: "فأولتهما الكذابين" قال القاضي عياض: لما كان رؤيا السوارين في اليدين جميعا من الجهتين وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ بينهما فتأول السوارين عليهما لوضعهما في غير موضعهما لأنه ليس من حلية الرجال وكذلك الكذاب يضع الخبر في غير موضعه، وفي كونهما من ذهب إشعار بذهاب أمرهما. وقال ابن العربي: السوار من حلي الملوك الكفار كما قال الله تعالى :{فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ} واليد لها معان منها القوة والسلطان والقهر، قال: ويحتمل أن يكون ضرب المثل بالسوار كناية عن الأسوار وهو من أسامي ملوك الفرس، قال: وكثيرا ما يضرب المثل بحذف بعض الحروف. قلت: وقد ثبت بزيادة الألف في بعض طرقه كما بينته. وقال القرطبي في "المفهم" ما ملخصه: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا أسلموا فكانوا كالساعدين للإسلام فلما ظهر فيهما الكذابان وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك فكان اليدان بمنزلة البلدين والسواران بمنزلة الكذابين، وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفاه والزخرف من أسماء الذهب. قوله: "الذين أنا بينهما" ظاهر في أنهما كانا حين قص الرؤيا موجودين، وهو كذلك، لكن وقع في رواية ابن عباس "يخرجان بعدي" والجمع بينهما أن المراد بخروجهما بعده ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة نقله النووي عن العلماء وفيه نظر لأن ذلك كله ظهر للأسود بصنعاء في حياته صلى الله عليه وسلم فادعى النبوة وعظمت شوكته وحارب المسلمين وفتك فيهم وغلب على البلد وآل أمره إلى أن قتل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما قدمت ذلك واضحا في أواخر المغازي، وأما مسيلمة فكان ادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم تعظم شوكته ولم تقع محاربته إلا في عهد أبي بكر، فإما أن يحمل ذلك على التغليب وإما أن يكون المراد بقوله: "بعدي " أي بعد نبوتي. قال ابن العربي

(12/424)


يحتمل أن يكون ما تأوله النبي صلى الله عليه وسلم في السوارين بوحي، ويحتمل أن يكون تفاءل بذلك عليهما دفعا لحالهما فأخرج المنام المذكور عليهما، لأن الرؤيا إذا عبرت وقعت والله أعلم. "تنبيه": أخرج ابن أبي شيبة من مرسل الحسن رفعه: "رأيت كأن في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما فذهبا كسرى وقيصر" وهذا إن كان الحسن أخذه عن ثبت فظاهره يعارض التفسير بمسيلمة والأسود، فيحتمل أن يكون تعددا والتفسير من قبله بحسب ما ظنه أدرج في الخبر فالمعتمد ما ثبت مرفوعا أنهما مسيلمة والأسود.

(12/425)


باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كوة و اسكنه موضعا آخر
...
41- باب: إِذَا رَأَى أَنَّهُ أَخْرَجَ الشَّيْءَ مِنْ كُورَةٍ فَأَسْكَنَهُ مَوْضِعًا آخَرَ
7038- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رَأَيْتُ كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا"
[الحديث 7038- طرفاه :في 7039 ، 7040]
قوله: "باب: إذا رأى أنه أخرج الشيء من كوة وأسكنه موضعا آخر" واختلف في ضبط "كوة" فوقع في رواية لأبي ذر بضم الكاف وتشديد الواو المفتوحة ووقع للباقين بتخفيف الواو وسكونها بعدها راء، وهو المعتمد. والكورة الناحية، قال الخليل في "العين" الكور الرحل بالحاء المهملة الساكنة، كذا اقتصر عليه ابن بطال " وقال غيره: الرحل بأداته، فإن فتح أوله فهو الرحل بغير أداة، والكور بالضم أيضا موضع الزنابير " وكور الحداد ما يبنى من طين، وأما الزق فهو الكير، والكورة المدينة والناحية قال ابن دريد ولا أحسبها عربية محضة. قوله: "حدثني أخي عبد الحميد" هو ابن أبي أويس واسم أبي أويس عبد الله قوله: "عن سليمان بن بلال" في رواية إبراهيم بن المنذر عن أبي بكر بن أبي أويس وهو عبد الحميد المذكور حدثنا سليمان وهو ابن بلال المذكور وهو مذكور بعد باب. قوله: "عن سالم بن عبد الله عن أبيه" في رواية فضيل بن سليمان في الباب بعده " حدثني سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر". قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت" في رواية فضيل في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم: "في المدينة " وفي رواية الإسماعيلي من طريق ابن جريج ويعقوب بن عبد الرحمن كلاهما عن موسى بن عقبة مثله قال: "في وباء المدينة". قوله: "رأيت" في رواية عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة "لقد رأيت". قوله: "كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس" في رواية ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عند أحمد وأبي نعيم " ثائرة الشعر " والمراد شعر الرأس وزاد: "تفلة" بفتح المثناة وكسر الفاء بعدها لام أي كريهة الرائحة. قوله: "خرجت" كذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية ابن أبي الزناد "أخرجت" بزيادة همزة مضمومة أوله على البناء للمجهول ولفظه: "أخرجت من المدينة فأسكنت بالجحفة" وهو الموافق للترجمة، وظاهر الترجمة أن فاعل الإخراج النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه نسبه إليه لأنه دعا به، فقد تقدم في آخر فضل المدينة في آخر كتاب الحج من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم حبب إلينا المدينة" الحديث، وفيه: "وانقل حماها إلى الجحفة" قالت عائشة "وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله". قوله: "حتى قامت بمهيعة وهي الجحفة" أما مهيعة فبفتح الميم وسكون الهاء بعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ثم عين مهملة وقيل بوزن عظيمة، وأظن قوله وهي الجحفة مدرجا من قول موسى بن

(12/425)


عقبة فإن أكثر الروايات خلا عن هذه الزيادة وثبتت في رواية سليمان وابن جريج، ووقع في رواية ابن جريج عن موسى عند ابن ماجه: "حتى قامت بالمهيعة" قال ابن التين: ظاهر كلام الجوهري أن مهيعة تصرف لأنه أدخل عليها الألف واللام، ثم قال: إلا أن يكون أدخلهما للتعظيم وفيه بعد. قوله: "فأولت أنه وباء المدينة نقل إليها" في رواية ابن جريج "فأولتها وباء المدينة ينقل إلى الجحفة" قال المهلب: هذه الرؤيا من قسم الرؤيا المعبرة وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء السوء والداء فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة، وقيل لأن ثوران الشعر من اقشعرار الجسد ومعنى الاقشعرار الاستيحاش فلذلك يخرج ما تستوحش النفوس منه كالحمى. قلت: وكأن مراده بالاستيحاش أن رؤيته موحشة، وإلا فالاقشعرار في اللغة تجمع الشعر وتقبضه، وكل شيء تغير عن هيئته يقال اقشعر كاقشعرت الأرض بالجدب والنبات من العطش، وقد قال القيراوني المعبر: كل شيء غلبت عليه السوداء في أكثر وجوهها فهو مكروه، وقال غيره: ثوران الرأس يؤول بالحمى لأنها تثير البدن بالاقشعرار وارتفاع الرأس لا سيما من السوداء فإنها أكثر استيحاشا.

(12/426)


42- باب: الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ
7039- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ: "رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ بِمَهْيَعَةَ، فَتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَى مَهْيَعَةَ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ"
قوله: "باب: المرأة السوداء" أي في المنام، ذكر فيه الحديث الذي قبله من الوجه الذي نبهت عليه. قوله فيه: "فتأولتها" وقع في رواية الكشميهني: "فأولتها". قوله: "رأيت" حذف منه قال خطأ والتقدير قال رأيت، وثبت في رواية الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن المقدمي شيخ البخاري فيه ولفظه عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت إلخ".

(12/426)


43- باب: الْمَرْأَةِ الثَّائِرَةِ الرَّأْسِ
7040- حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني أبو بكر بن أبي أويس حدثني سليمان عن موسى. بن عقبة عن سالم "عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة، فأولت أن وباء المدينة ينقل إلى مهيعة، وهي الجحفة"
قوله: "باب المرأة الثائرة الرأس" أي في المنام، ذكر فيه الحديث المشار إليه وقد قدمت ما فيه.

(12/426)


44- باب" إِذَا هَزَّ سَيْفًا فِي الْمَنَامِ
7041- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ

(12/426)


45- باب: مَنْ كَذَبَ فِي حُلُمِهِ
7042- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ. وَمَنْ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ". قَالَ سُفْيَانُ: وَصَلَهُ لَنا أَيُّوبُ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "قَوْلَهُ مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ". وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ "قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً وَمَنْ تَحَلَّمَ وَمَنْ اسْتَمَعَ". حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ اسْتَمَعَ وَمَنْ تَحَلَّمَ وَمَنْ صَوَّرَ.." نَحْوَهُ. تَابَعَهُ هِشَامٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.. قَوْلَهُ
7043- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عينهِ مَا لَمْ تَرَ"
قوله: "باب: من كذب في حلمه" أي فهو مذموم، أو التقدير باب إثم من كذب في حلمه. والحلم بضم المهملة

(12/427)


وسكون اللام ما يراه النائم، وأشار بقوله: "كذب في حلمه" مع أن لفظ الحديث: "تحلم" إلى ما ورد في بعض طرقه وهو ما أخرجه الترمذي من حديث على رفعه: "من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة" وسنده حسن وقد صححه الحاكم، ولكنه من رواية عبد الأعلى بن عامر ضعفه أبو زرعة. وذكر فيه حديثين: الحديث الأول ذكر له طرقا مرفوعة وموقوفة عن ابن عباس. قوله: "حدثنا سفيان" هو ابن عيينة. قوله: "عن أيوب" في رواية الحميدي عن سفيان "حدثنا أيوب" وقد وقع في الأصل ما يدل على ذلك وهو قوله في آخره: "قال سفيان وصله لنا أيوب". قوله: "عن ابن عباس" ذكر المصنف الاختلاف فيه على عكرمة هل هو عن ابن عباس مرفوعا أو موقوفا أو هو عن أبي هريرة موقوفا. قوله: "من تحلم" أي من تكلف الحلم. قوله: "بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل" في رواية عباد بن عباد عن أيوب عند أحمد " عذب حتى يعقد بين شعيرتين وليس عاقدا " وعنده في رواية همام عن قتادة " من تحلم كاذبا دفع إليه شعيرة وعذب حتى يعقد بين طرفيها وليس بعاقد " وهذا مما يدل أن الحديث عند عكرمة عن ابن عباس وعن أبي هريرة معا لاختلاف لفظ الرواية عنه عنهما، والمراد بالتكلف نوع من التعذيب. قوله: "ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه" في رواية عباد بن عباد " وهم يفرون منه" ولم يشك. قوله: "صب في أذنه الآنك يوم القيامة" في رواية عباد " صب في أذنه يوم القيامة عذاب " وفي رواية همام " ومن استمع إلى حديث قوم ولا يعجبهم أن يستمع حديثهم أذيب في أذنه الآنك". قوله: "ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ" في رواية عباد وكذا في رواية همام " ومن صور صورة عذب يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها" وهذا الحديث قد اشتمل على ثلاثة أحكام: أولها الكذب على المنام، ثانيها الاستماع لحديث من لا يريد استماعه، ثالثها التصوير، وقد تقدم في أواخر اللباس من طريق النضر بن أنس عن ابن عباس حديث : "من صور صورة" وتقدم شرحه هناك. وأما الكذب على المنام فقال الطبري: إنما اشتد فيه الوعيد من أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه إذ قد تكون شهادة في قتل أو حد أو أخذ مال، لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره، والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين لقوله تعالى:{ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} الآية، وإنما كان الكذب في المنام كذبا على الله لحديث: "الرؤيا جزء من النبوة" وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى انتهى ملخصا. وقد تقدم في باب قبل " باب ذكر أسلم وغفار، شيء من هذا في الكلام على حديث واثلة الآتي التنبيه عليه في ثاني حديثي الباب. وقال الملهب في قوله: "كلف أن يعقد بين شعيرتين" حجة للأشعرية في تجويزهم تكليف ما لا يطاق، ومثله في قوله تعالى :{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ} وأجاب من منع ذلك بقوله تعالى :{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} أو حملوه على أمور الدنيا وحملوا الآية والحديث المذكورين على أمور الآخرة انتهى ملخصا. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها. والحق أن التكليف المذكور في قوله: "كلف أن يعقد" ليس هو التكليف المصطلح وإنما هو كناية عن التعذيب كما تقدم، وأما التكليف المستفاد من الأمر بالسجود فالأمر فيه على سبيل التعجيز والتوبيخ لكونهم أمروا بالسجود في الدنيا وهم قادرون على ذلك فامتنعوا فأمروا به حيث لا قدرة لهم عليه تعجيزا وتوبيخا وتعذيبا. وأما الاستماع فتقدم التنبيه عليه في الاستئذان في الكلام على حديث: "لا يتناجى اثنان دون ثالث" وقد قيد ذلك في حديث الباب لمن يكون كارها لاستماعه فأخرج

(12/428)


من يكون راضيا، وأما من جهل ذلك فيمتنع حسما للمادة. وأما الوعيد على ذلك بصب الآنك في أذنه فمن الجزاء من جنس العمل. والآنك بالمد وضم النون بعدها كاف الرصاص المذاب، وقيل هو الخالص الرصاص. وقال الداودي: هو القصدير. وقال ابن أبي جمرة إنما سماه حلما ولم يسمه رؤيا لأنه ادعى أنه رأى ولم ير شيئا فكان كاذبا والكذب إنما هو من الشيطان، وقد قال: إن الحلم من الشيطان كما مضى في حديث أبي قتادة، وما كان من الشيطان فهو غير حق فصدق بعض الحديث بعضا. قال: ومعنى العقد بين الشعيرتين أن يقتل إحداهما بالأخرى، وهو مما لا يمكن عادة، قال: ومناسبة الوعيد المذكور للكاذب في منامه المصور أن الرؤيا خلق من خلق الله وهي صورة معنوية فأدخل بكذبه صورة لم تقع كما أدخل المصور في الوجود صورة ليست بحقيقية، لأن الصورة الحقيقية هي التي فيها الروح، فكلف صاحب الصورة اللطيفة أمرا لطيفا وهو الاتصال المعبر عنه بالعقد بين الشعيرتين وكلف صاحب الصورة الكثيفة أمرا شديدا وهو أن يتم ما خلقه بزعمه ينفخ الروح، ووقع وعيد كل منهما بأنه يعذب حتى يفعل ما كلف به وهو ليس بفاعل، فهو كناية عن تعذيب كل منهما على الدوام. قال: والحكمة في هذا الوعيد الشديد أن الأول كذب على جنس النبوة، وأن الثاني نازغ الخالق في قدرته. وقال في مستمع حديث من يكره استماعه: يدخل فيه من دخل منزله وأغلق بابه وتحدث مع غيره فإن قرينة حاله تدل على أنه لا يريد للأجنبي أن يستمع حديثه فمن يستمع إليه يدخل في هذا الوعيد، وهو كمن ينظر إليه من خلل الباب فقد ورد الوعيد فيه ولأنهم لو فقئوا عينه لكانت هدرا قال: ويستثنى من عموم من يكره استماع حديثه من تحدث مع غيره جهرا وهناك من يكره أن يسمعه فلا يدخل المستمع في هذا الوعيد لأن قرينة الحال وهي الجهر تقتضي عدم الكراهة فيسوغ الاستماع. قال: وفي الحديث أن من خرج عن وصف العبودية استحق العقوبة بقدر خروجه، وفيه تنبيه على أن الجاهل في ذلك لا يعذر بجهله وكذا من تأول فيه تأويلا باطلا، إذ لم يفرق في الخبر بين من يعلم تحريم ذلك وبين من لا يعلمه كذا قال. ومن اللطائف ما قال غيره: إن اختصاص الشعير، بذلك لما في المنام من الشعور بما دل عليه فحصلت المناسبة بينهما من جهة الاشتقاق. قوله: "وقال قتيبة إلخ" وقع لنا في نسخة قتيبة عن أبي عوانة رواية النسائي عنه من طريق علي بن محمد الفارسي عن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيويه عن النسائي ولفظه: "عن أبي هريرة قال: من كذب في رؤياه كلف أن يعقد بين طرفي شعيرة، ومن استمع الحديث، ومن صور " الحديث ووصله أبو نعيم في المستخرج من طريق خلف بن هشام عن أبي عوانة بهذا السند كذلك موقوفا، وقد أخرج أحمد والنسائي من طريق همام عن قتادة الحديث بتمامه مرفوعا ولكن اقتصر منه النسائي على قوله: "من صور". قوله: "وقال شعبه عن أبي هاشم الرماني" بضم الراء وتشديد الميم اسمه يحيى بن دينار، ووقع في رواية المستملي والسرخسي عن أبي هشام وهو غلط. قوله: "قال أبو هريرة قوله من صور صورة، ومن تحلم، ومن استمع" كذا في الأصل مختصرا اقتصر على أطراف الأحاديث الثلاثة، وقد وقع لنا موصولا في مستخرج الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن معاذ العنبري عن أبيه عن شعبة عن أبي هاشم بهذا السند فاقتصر على قوله عن أبي هريرة "من تحلم" ومن طريق محمد بن جعفر غندر عن شعبة فذكره كذلك ولفظه: "من تحلم كاذبا كلف أن يعقد شعيرة". قوله: "حدثنا إسحاق" هو ابن شاهين، وخالد شيخه هو ابن عبد الله الطحان، وخالد شيخه هو الحذاء. قوله: "من استمع، ومن تحلم، ومن صور نحوه" قلت كذا اختصره، وقد أخرجه الإسماعيلي

(12/429)


من طريق وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله فذكره بهذا السند إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فرفعه ولفظه: "من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك، ومن تحلم كلف أن يعقد شعيرة يعذب بها وليس بفاعل، ومن صور صورة عذب حتى ينفخ فيها وليس بفاعل" ثم أخرجه الإسماعيلي من طريق وهيب بن خالد ومن طريق عبد الوهاب الثقفي كلاهما عن خالد الحذاء بهذا السند مرفوعا. قوله: "تابعه هشام" يعني ابن حسان "عن عكرمة عن ابن عباس قوله" يعني موقوفا. الحديث الثاني، قوله: "حدثنا علي بن مسلم" هو الطوسي نزيل بغداد مات قبل البخاري بثلاث سنين، وعبد الصمد هو ابن عبد الوارث بن سعيد وقد أدركه البخاري بالسن ومات قبل أن يرحل البخاري، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار مختلف فيه: قال ابن المديني صدوق، وقال يحيى بن معين في حديثه عندي ضعف. وقال الدار قطني خالف فيه البخاري الناس وليس بمتروك، قلت: عمدة البخاري فيه كلام شيخه على، وأما قول ابن معين فلم يفسره ولعله عني حديثا معينا، ومع ذلك فما أخرج له البخاري شيئا إلا وله فيه متابع أو شاهد، فأما المتابع فأخرجه أحمد من طريق حيوة عن أبي عثمان الوليد بن أبي الوليد المدني عن عبد الله بن دينار به وأتم منه ولفظه: "أفرى الفرى من ادعى إلى غير أبيه، وأفرى الفرى من أرى عينه ما لم ير " وذكر ثالثة وسنده صحيح، وأما شاهده فمضى في مناقب قريش من حديث واثلة بن الأسقع بلفظ: "إن من أعظم الفرى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينه ما لم ير " وذكر فيه ثالثة غير الثالثة التي في حديث ابن معمر عند أحمد، وقد تقدم بيان ذلك هناك. قوله: "إن من أفرى الفرى" أفرى أفعل تفضيل أي أعظم الكذبات والفرى بكسر الفاء والقصر جمع فرية، قال ابن بطال: الفرية الكذبة العظيمة التي يتعجب منها، وقال الطيبي: فأرى الرجل عينيه وصفهما بما ليس فيهما " قال: ونسبة الكذبات إلى الكذب للمبالغة نحو قولهم ليل أليل". قوله: "أن يرى" بضم أوله وكسر الراء. قوله: "عينه ما لم تر" كذا فيه بحذف الفاعل وإفراد العين، ووقع في بعض النسخ "ما لم يريا" بالتثنية، ومعنى نسبة الرؤيا إلى عينيه مع أنهما لم يريا شيئا أنه أخبر عنهما بالرؤية وهو كاذب، وقد تقدم بيان كون هذا الكذب أعظم الأكاذيب في شرح. الحديث الذي قبله.

(12/430)


46- باب: إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلاَ يُخْبِرْ بِهَا وَلاَ يَذْكُرْهَا
7044- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: وَأَنَا كُنْتُ لاَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ. وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفِلْ ثَلاَثًا وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ"
7045- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّهَا مِنْ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلاَ يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ"

(12/430)


قوله: "باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها" كذا جمع الترجمة بين لفظي الحديثين، لكن في الترجمة "فلا يخبر" ولفظ الحديث: "فلا يحدث" وهما متقاربان، وذكر فيه حديثين: الأول، قوله: "عن عبد ربه بن سعيد" هو الأنصاري أخو يحيى، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. قوله: "لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني" عند مسلم في رواية سفيان عن الزهري عن أبي سلمة " كنت أرى الرؤيا أعرى منها غير أني لا أزمل " قال النووي: معنى أعرى وهو بضم الهمزة وسكون المهملة وفتح الراء أحم لخوفي من ظاهرها في ظن، يقال عرى بضم أوله وكسر ثانيه مخففا يعرى بفتحتين إذا أصابه عراء بضم ثم فتح ومد وهو نفض الحمى، ومعنى لا أزمل وهو بزاي وميم ثقيلة أتلفف من برد الحمى، ووقع مثله عند عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة ولكن قال: "ألقي منها شدة" بدل "أعرى منها" وفي رواية سفيان عن الزهري " غير أني لا أعاد " وعند مسلم أيضا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي سلمة "إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل". قوله: "حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت أرى الرؤيا" في رواية المستملي: "لأرى " بزيادة اللام، والأولى أولى. قوله: "فلا يحدث بما إلا من يحب" قد تقدم أن الحكمة فيه أنه إذا حدث بالرؤيا الحسنة من لا يحب قد يفسرها له بما لا يحب إما بغضا وإما حسدا فقد تقع عن تلك الصفة، أو يتعجل لنفسه من ذلك حزنا ونكدا، فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك. الحديث الثاني حديث أبي سعيد قوله: "حدثنا ابن أبي حازم والدراوردي" تقدم في "باب الرؤيا من الله" أن اسم كل منهما عبد العزيز. قوله: "حدثنا يزيد بن عبد الله" زاد في رواية المستملي: "ابن أسامة بن الهاد الليثي" وقد تقدم شرح الحديث في الباب المشار إليه.

(12/431)


47- باب: مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ
7046- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يُحَدِّثُ "أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا: فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنْ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ. ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلاَ بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرَهَا، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اعْبُرْهَا". قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالإِسْلاَمُ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنْ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالْقُرْآنُ حَلاَوَتُهُ تَنْطُفُ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ. وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ. ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ. فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ - بِأَبِي أَنْتَ - أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا،" قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ. قَالَ: "لاَ تُقْسِمْ"

(12/431)


قوله: "باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب" كأنه يشير إلى حديث أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذكر حديثا فيه: "والرؤيا لأول عابر" وهو حديث ضعيف فيه يزيد الرقاشي، ولكن له شاهد أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه بسند حسن وصححه الحاكم عن أبي رزين العقيلي رفعه: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت " لفظ أي داود، وفي رواية الترمذي "سقطت" وفي مرسل أبي قلابة عند عبد الرزاق " الرؤيا تقع على ما يعبر، مثل ذلك مثل رجل رفع فهو ينتظر متى يضعها " وأخرجه الحاكم موصولا بذكر أنس، وعند سعيد بن منصور بسند صحيح عن عطاء "كان يقال الرؤيا على ما أولت " وعند الدارمي بسند حسن عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت: "كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف - يعني في التجارة - فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي غائب وتركني حاملا. فرأيت في المنام أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلاما أعور، فقال: خير، يرجع زوجك إن شاء الله صالحا وتلدين غلاما برا " فذكرت ذلك ثلاثا، فجاءت ورسول الله صلى الله عليه وسلم غائب، فسألتها فأخبرتني بالمنام، فقلت: لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلاما فاجرا، فقعدت تبكي، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مه يا عائشة. إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها " وعند سعيد بن منصور من مرسل عطاء بن أبي رباح قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني رأيت كأن جائز بيتي انكسر - وكان زوجها غائبا - فقال، رد الله عليك زوجك، فرجع سالما " الحديث، ولكن فيه أن أبا بكر أو عمر هو الذي عبر لها الرؤيا الأخيرة، وليس فيه الخبر الأخير المرفوع، فأشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان العابر مصيبا في تعبيره، وأخذه من قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في حديث الباب: "أصبت بعضا وأخطأت بعضا" فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو بينه له لكان الذي بينه له هو التعبير الصحيح ولا عبرة بالتعبير الأول. قال أبو عبيد وغيره: معنى قوله: "الرؤيا لأول عابر " إذا كان العابر الأول عالما فعبر فأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير المنام، ليتوصل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإن لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبر بما عنده ويبين ما جهل الأول. قلت: وهذا التأويل لا يساعده حديث أبي رزين " إن الرؤيا إذا عبرت وقعت " إلا أن يدعى تخصيص "عبرت" بأن عابرها يكون عالما مصيبا، فيعكر عليه قوله في الرؤيا المكروهة " ولا يحدث بها أحدا " فقد تقدم في حكمة هذا النهي أنه ربما فسرها تفسيرا مكروها على ظاهرها مع احتمال أن تكون محبوبة في الباطن فتقع على ما فسر، ويمكن الجواب بأن ذلك يتعلق بالرائي، فله إذا قصها على أحد ففسرها له على المكروه أن يبادر فيسأل غيره ممن يصيب فلا يتحتم وقوع الأول بل ويقع تأويل من أصاب فإن قصر الرائي فلم يسأل الثاني وقعت على ما فسر الأول. ومن أدب المعبر ما أخرجه عبد الرزاق " عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: فإذا رأى أحدكم رؤيا فقصها على أخيه فليقل: خير لنا وشر لأعدائنا " ورجاله ثقات. ولكن سنده منقطع. وأخرج الطبراني والبيهقي في "الدلائل" من حديث ابن زمل الجهني بكسر الزاي وسكون الميم بعدها لام ولم يسم في الرواية وسماه أبو عمر في "الاستيعاب" عبد الله قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح قال: هل رأى أحد منكم شيئا؟ قال ابن زمل: فقلت أنا يا رسول الله، قال: خيرا تلقاه وشرا تتوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا والحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك " الحديث وسنده ضعيف جدا، وذكر أئمة التعبير أن

(12/432)


من أدب الرائي أن يكون صادق اللهجة وأن ينام على وضوء على جنبه الأيمن وأن يقرأ عند نومه الشمس والليل والتين وسورة الإخلاص والمعوذتين ويقول: اللهم إني أعوذ بك من سيء الأحلام، وأستجير بك من تلاعب الشيطان في اليقظة والمنام اللهم إني أسألك رؤيا صالحة صادقة نافعة حافظة غير منسية، اللهم أرني في منامي ما أحب ومن أدبه أن لا يقصها على امرأة ولا عدو ولا جاهل. ومن أدب العابر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا عند الزوال ولا في الليل. قوله: "عن يونس" هو ابن يزيد الأيلي، ولم يقع لي من رواية الليث عنه إلا في البخاري. وقد عسر على أصحاب المستخرجات كالإسماعيلي وأبي نعيم وأبي عوانة والبرقاني فأخرجوه من رواية ابن وهب، وأخرجه الإسماعيلي أيضا من رواية عبد الله بن المبارك وسعيد بن يحيى ثلاثتهم عن يونس. قوله: "عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة" في رواية ابن وهب "أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبره". قوله: "أن ابن عباس كان يحدث" كذا لأكثر أصحاب الزهري، وتردد الزبيدي هل هو عن ابن عباس أو أبي هريرة. واختلف على سفيان بن عيينة ومعمر فأخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس أو أبي هريرة، قال عبد الرزاق: كان معمر يقول أحيانا عن أبي هريرة وأحيانا يقول عن ابن عباس وهكذا ثبت في " مصنف عبد الرزاق " رواية إسحاق الديري، وأخرجه أبو داود وابن ماجه عن محمد بن يحيى الذهلي عن عبد الرزاق فقال فيه: "عن ابن عباس قال: كان أبو هريرة يحدث " هكذا أخرجه البزار عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق وقال لا نعلم أحدا قال عن عبيد الله عن ابن عباس عن أبي هريرة إلا عبد الرزاق عن معمر ورواه غير واحد فلم يذكروا أبا هريرة انتهى. وأخرجه الذهلي في "العلل" عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه عن عبد الرزاق فاقتصر على ابن عباس ولم يذكر أبا هريرة وكذا قال أحمد في مسنده " قال إسحاق عن عبد الرزاق كان معمر يتردد فيه حتى جاءه زمعة بكتاب فيه عن الزهري " كما ذكرناه، وكان لا يشك فيه بعد ذلك، وأخرجه مسلم من طريق الزبيدي " أخبرني الزهري عن عبيد الله أن ابن عباس أو أبا هريرة " هكذا بالشك، وأخرجه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة مثل رواية يونس، وذكر الحميدي أن سفيان بن عيينة كان لا يذكر فيه ابن عباس، قال فلما كان صحيحه آخر زمانه أثبت فيه ابن عباس أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق الحميدي هكذا، وقد مضى ذكر الاختلاف فيه على الزهري مستوعبا حيث ذكره المصنف في "باب رؤيا بالليل" وبالله التوفيق. قال الذهلي: المحفوظ رواية الزبيدي، وصنيع البخاري يقتضي ترجيح رواية يونس ومن تابعه، وقد جزم بذلك في الأيمان والنذور حيث قال: "وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأبي بكر. لا تقسم فجزم بأنه عن ابن عباس. قوله: "أن رجلا" لم أقف على اسمه، ووقع عند مسلم زيادة في أوله من طريق سليمان بن كثير عن الزهري ولفظه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له، فجاء رجل فقال: "قال القرطبي معنى قوله: "فليقصها" ليذكر قصتها ويتبع جزئياتها حتى لا يترك منها شيئا، من قصصت الأثر إذا اتبعته، وأعبرها أي أفسرها. ووقع بيان الوقت الذي وقع فيه ذلك في رواية سفيان بن عيينة عند مسلم أيضا ولفظه: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم منصرفه من أحد" وعلى هذا فهو من مراسيل الصحابة سواء كان عن ابن عباس أو عن أبي هريرة أو من رواية ابن عباس عن أبي هريرة لأن كلا منهما لم يكن في ذلك الزمان بالمدينة، أما ابن عباس فكان صغيرا مع أبويه بمكة فإن مولده قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح وأحد كانت في شوال في السنة الثالثة، وأما

(12/433)


أبو هريرة فإنما قدم المدينة زمن خيبر في أوائل سنة سبع. قوله: "إني رأيت" كذا للأكثر، وفي رواية ابن وهب " إني أرى " كأنه لقوة تحققه الرؤيا كانت ممثلة بين عينيه حتى كأنه يراها حينئذ. قوله: "ظلة" بضم الظاء المعجمة أي سحابة لها ظل وكل ما أظل من ثقيفة ونحوها يسمى ظلة فاله الخطابي. وقال ابن فارس: الظلة أول شيء يظل زاد سليمان بن كثير في روايته عند الدارمي وأبي عوانة وكذا في رواية سفيان بن عيينة عند ابن ماجه: "بين السماء والأرض". قوله: "تنطف السمن والعسل" بنون وطاء مكسورة ويجوز ضمها ومعناه تقطر بقاف وطاء مضمومة ويجوز كسرها يقال نطف الماء إذا سال. وقال ابن فارس: ليلة نطوف أمطرت إلى الصبح. قوله: "فأرى الناس يتكففون منها" أي يأخذون بأكفهم، في رواية ابن وهب "بأيديهم" قال الخليل: تكفف بسط كفه ليأخذ، ووقع في رواية الترمذي من طريق معمر " يستقون " بمهملة ومثناة وقاف أي يأخذون في الأسقية، قال القرطبي: يحتمل أن يكون معنى " يتكففون " يأخذون كفايتهم وهو أليق بقوله بعد ذلك "فالمستكثر والمستقل". قلت: وما أدري كيف جوز أخذ كفى من كففه، ولا حجة فيما احتج به لما سيأتي. قوله: "فالمستكثر والمستقل" أي الآخذ كثيرا والآخذ قليلا، ووقع في رواية سليمان بن كثير بغير ألف ولام فيهما، وفي رواية سفيان بن حسين عند أحمد "فمن بين مستكثر ومستقل وبين ذلك". قوله: "وإذا سبب" أي حبل. قوله: "واصل من الأرض إلى السماء" في رواية ابن وهب وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض وفي رواية سليمان بن كثير "ورأيت لها سببا واصلا" وفي رواية سفيان بن حسين "وكأن سببا دلى من السماء". قوله: "فأراك أخذت به فعلوت" في رواية سليمان بن كثير فأعلاك الله. قوله: "ثم أخذ به" كذا للأكثر، ولبعضهم " ثم أخذه " زاد ابن وهب في روايته: "من بعد " وفي رواية ابن عيينة وابن حسين "من بعدك" في الموضعين. قوله: "فعلا به" زاد سليمان بن كثير " فأعلاه الله " وهكذا في رواية سفيان بن حسين في الموضعين. قوله: "ثم أخذ به رجل آخر فانقطع" زاد ابن وهب هنا " به " وفي رواية سفيان بن حسين " ثم جاء رجل من بعدكم فأخذ به فقطع به". قوله: "ثم وصل" في رواية ابن وهب " فوصل له " وفي رواية سليمان " فقطع به ثم وصل له فاتصل " وفي رواية سفيان بن حسين "ثم وصل له". قوله: "بأبي أنت" زاد في رواية معمر "وأمي". قوله: "والله لتدعني" بتشديد النون، وفي رواية سليمان "ائذن لي". قوله: "فأعبرها" في رواية ابن وهب " فلأعبرنها " بزيادة التأكيد باللام والنون، ونحوه في رواية معمر، ومثله في رواية الزبيدي. قوله: "أعبرها" في رواية سفيان عند ابن ماجه: "عبرها" بالتشديد، وفي رواية سفيان بن حسين " فأذن له " زاد سليمان " وكان من أعبر الناس للرؤيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "وأما الظلة فالإسلام" في رواية ابن وهب وكذا لمعمر والزبيدي "فظلة الإسلام" ورواية سفيان كرواية الليث وكذا سليمان بن كثير وهي التي يظهر ترجيحها. قوله: "فالقرآن حلاوته تنطف" في رواية ابن وهب "حلاوته ولينه" وكذا في رواية سفيان ومعمر، وبينه سليمان بن كثير في روايته فقال: "وأما العسل والسمن فالقرآن في حلاوة العسل ولين السمن". قوله: "فالمستكثر من القرآن والمستقل" زاد ابن وهب في روايته قبل هذا " وأما ما يتكفف الناس من ذلك " وفي رواية سفيان " فالآخذ من القرآن كثيرا وقليلا " وفي رواية سليمان بن كثير "فهم حملة القرآن". قوله: "وأما السبب إلخ" في رواية سفيان بن حسين "وأما السبب فما أنت عليه تعلو فيعليك الله". قوله: "ثم يأخذ به رجل" زاد سفيان بن حسين وابن وهب "من بعدك" زاد سفيان

(12/434)


ابن حسين "على مناهجك". قوله: "ثم يأخذ به" في رواية سفيان بن حسين "ثم يكون من بعد كما رجل يأخذ مأخذكما". قوله: "ثم يأخذ به رجل" زاد ابن وهب "آخر". قوله: "فيقطع به ثم يوصل له فيعلو به" زاد سفيان بن حسين "فيعليه الله". قوله: "فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت أصبت أم أخطأت" في رواية سفيان " هل أصبت يا رسول الله أو أخطأت". قوله: "أصبت بعصا وأخطأت بعضا" في رواية سليمان بن كثير وسفيان بن حسين "أصبت وأخطأت". قوله: "قال فوالله" زاد ابن وهب " يا رسول الله " ثم اتفقا " لتحدثني بالذي أخطأت " في رواية ابن وهب " ما الذي أخطأت " وفي رواية سفيان بن عيينة عند ابن ماجه، فقال أبو بكر أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بالذي أصبت من الذي أخطأت وفي رواية معمر مثله لكن قال: "ما الذي أخطأت" ولم يذكر الباقي. قوله: "قال لا تقسم" في رواية ابن ماجه: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقسم يا أبا بكر " ومثله لمعمر لكن دون قوله: "يا أبا بكر " وفي رواية سليمان بن كثير " ما الذي أصبت وما الذي أخطأت، فأبى أن يخبره " قال الداودي: قوله: "لا تقسم " أي لا تكرر يمينك فإني لا أخبرك وقال المهلب: توجيه تعبير أبي بكر أن الظلة نعمة من نعم الله على أهل الجنة وكذلك كانت على بني إسرائيل، وكذلك الإسلام يقي الأذى وينعم به المؤمن في الدنيا والآخرة، وأما العسل فإن الله جعله شفاء للناس وقال تعالى إن القرآن {وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} وقال إنه {شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} وهو حلو على الأسماع كحلاوة العسل في المذاق، وكذلك جاء في الحديث: "أن في السمن شفاء " قال القاضي عياض: وقد يكون عبر الظلة بذلك لما نطفت العسل والسمن اللذين عبرهما بالقرآن، وذلك إنما كان عن الإسلام والشريعة، والسبب في اللغة الحبل والعهد والميثاق، والذين أخذوا به بعد النبي صلى الله عليه وسلم واحدا بعد واحد هم الخلفاء الثلاثة وعثمان هو الذي انقطع به ثم اتصل انتهى ملخصا. قال المهلب: وموضع الخطأ في قوله: "ثم وصل له " لأن في الحديث ثم وصل ولم يذكر "له". قلت: بل هذه اللفظة وهي قوله: "له" وإن سقطت من رواية الليث عند الأصيلي وكريمة فهي ثابتة في رواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة وكذا في رواية النسفي، وهي ثابتة في رواية ابن وهب وغيره كلهم عن يونس عند مسلم وغيره. وفي رواية معمر عند الترمذي، وفي رواية سفيان بن عيينة عند النسائي وابن ماجه، وفي رواية سفيان بن حسين عند أحمد، وفي رواية سليمان بن كثير عند الدارمي وأبي عوانة كلهم عن الزهري، وزاد سليمان بن كثير في روايته: "فوصل له فاتصل" ثم ابن المهلب على ما توهمه فقال: كان ينبغي لأبي بكر أن يقف حيث وقفت الرؤيا ولا يذكر الموصول له فإن المعنى أن عثمان انقطع به الحبل ثم وصل لغيره أي وصلت الخلافة لغيره انتهى. وقد عرفت أن لفظة "له" ثابتة في نفس الخبر، فالمعنى على هذا أن عثمان كان ينقطع عن اللحاق بصاحبيه بسبب ما وقع له من تلك القضايا التي أنكروها فعبر عنها بانقطاع الحبل، ثم وقعت له الشهادة فاتصل بهم فعبر عنه بأن الحبل وصل له فاتصل فالتحق بهم، فلم يتم في تبيين الخطأ في التعبير المذكور ما توهمه المهلب. والعجب من القاضي عياض فإنه قال في "الإكمال" قيل خطؤه في قوله: "فيوصل له" وليس في الرؤيا إلا أنه يوصل وليس فيها "له" ولذلك لم يوصل لعثمان وإنما وصلت الخلافة لعلي، وموضع التعجب سكوته عن تعقب هذا الكلام مع كون هذه اللفظة وهي "له" ثابتة في صحيح مسلم الذي يتكلم عليه، ثم قال: وقيل الخطأ هنا بمعنى الترك أي تركت بعضا لم تفسره. وقال الإسماعيلي: قيل السبب في قوله: "وأخطأت بعضا" أن الرجل لما قص على النبي صلى الله عليه وسلم رؤياه كان النبي صلى الله عليه وسلم أحق

(12/435)


بتعبيرها من غيره، فلما طلب تعبيرها؟ كان ذلك خطأ ففال " أخطأت بعضا " لهذا المعنى والمراد بقوله: "قيل" ابن قتيبة فإنه القائل لذلك فقال: إنما أخطأ في مبادرته بتفسيرها قبل أن يأمره به، ووافقه جماعة على ذلك، وتعقبه النووي تبعا لغيره فقال: هذا فاسد، لأنه صلى الله عليه وسلم قد أذن له في ذلك وقال أعبرها " قلت: مراد ابن قتيبة أنه لم يأذن له ابتداء بل بادر هو فسأل أن يأذن له في تعبيرها فأذن له فقال أخطأت في مبادرتك للسؤال أن تتولى تعبيرها، لا أنه أراد أخطأت في تعبيرك، لكن في إطلاق الخطأ على ذلك نظر لأنه خلاف ما يتبادر للسمع من جواب قوله: "هل أصبت" فإن الظاهر أنه أراد الإصابة والخطأ في تعبيره لا لكونه التمس التعبير، ومن ثم قال ابن التين ومن بعده الأشبه بظاهر الحديث أن الخطأ في تأويل الرؤيا، أي أخطأت في بعض تأويلك، قلت ويؤيده تبويب البخاري حيث قال: "من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب " ونقل ابن التين عن أبي محمد بن أبي زيد وأبي محمد الأصيلي والداودي نحو ما نقله الإسماعيلي ولفظهم: أخطأ في سؤاله أن يعبرها، وفي تعبيره لها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن هبيرة: إنما كان الخطأ لكونه أقسم ليعبرنها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان الخطأ في التعبير لم يقره عليه. وأما قوله: "لا تقسم" فمعناه أنك إذا تفكرت فيما أخطأت به علمته. قال: والذي يظهر أن أبا بكر أراد أن يعبرها فيسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقوله فيعرف أبو بكر بذلك علم نفسه لتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن التين وقيل أخطأ لكون المذكور في الرؤيا شيئين العسل والسمن ففسرهما بشيء واحد، وكان ينبغي أن يفسرهما بالقرآن والسنة، ذكر ذلك عن الطحاوي. قلت: وحكاه الخطيب عن أهل العلم بالتعبير، وجزم به ابن العربي. فقال: قالوا هنا وهم أبو بكر فإنه جعل السمن والعسل معنى واحدا وهما معنيان القرآن والسنة. قال: ويحتمل أن يكون السمن والعسل العلم والعمل، ويحتمل أن يكونا الفهم والحفظ، وأيد ابن الجوزي ما نسب للطحاوي بما أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "رأيت فيما يرى النائم كأن في إحدى إصبعي سمنا وفي الأخرى عسلا فألعقهما، فلما أصبحت ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقرأ الكتابين التوراة والفرقان فكان يقرؤهما". قلت: ففسر العسل بشيء والسمن بشيء، قال النووي: قيل إنما لم يبر النبي صلى الله عليه وسلم قسم أبي بكر لأن إبرار القسم مخصوص بما إذا لم يكن هناك مفسدة ولا مشقة ظاهرة فإن وجد ذلك فلا إبرار، ولعل المفسدة في ذلك ما علمه من سبب انقطاع السبب بعثمان وهو قتله وتلك الحروب والفتن المترتبة عليه فكره ذكرها خوف شيوعها، ويحتمل أن يكون سبب ذلك أنه لو ذكر له السبب للزم منه أن يوبخه بين الناس لمبادرته، ويحتمل أن يكون خطؤه في ترك تعيين الرجال المذكورين، فلو أبر قسمه للزم أن يعينهم ولم يؤمر بذلك إذ لو عينهم لكان نصا على خلافتهم، وقد سبقت مشيئة الله أن الخلافة تكون على هذا الوجه فترك تعيينهم خشية أن يقع في ذلك مفسدة. وقيل هو علم غيب فجاز أن يختص به ويخفيه عن غيره، وقيل المراد بقوله أخطأت وأصبت أن تعبير الرؤيا مرجعه الظن، والظن يخطئ ويصيب، وقيل لما أراد الاستبداد ولم يصبر حتى يفاد جاز منعه ما يستفاد فكان المنع كالتأديب له على ذلك. قلت: وجميع ما تقدم من لفظ الخطأ والتوهم والتأديب وغيرهما إنما أحكيه عن قائله ولست راضيا بإطلاقه في حق الصديق، وقيل الخطأ في خلع عثمان لأنه في المنام رأى أنه آخذ بالسبب فانقطع به وذلك يدل على انخلاعه بنفسه، وتفسير أبي بكر بأنه يأخذ به رجل فينقطع به ثم يوصل له، وعثمان قد قتل قهرا ولم يخلع نفسه فالصواب أن يحمل وصله على ولاية غيره، وقيل يحتمل أن يكون ترك إبرار القسم لما يدخل في النفوس لا سيما من

(12/436)


الذي انقطع في يده السبب وإن كان وصل، رقد اختلف في تفسير قوله: "فقطع" فقيل معناه قتل، وأنكره القاضي أبو بكر بن العربي. فقال: ليس معنى قطع قتل إذ لو كان كذلك لشاركه عمر، لكن قتل عمر لم يكن بسبب العلو بل بجهة عداوة مخصوصة وقتل عثمان كان من الجهة التي علا بها وهي الولاية فلذلك جعل قتله قطعا قال: وقوله: "ثم وصل" يعني بولاية علي فكان الحبل موصولا ولكن لم ير فيه علوا، كذا قال، وقد تقدم البحث في ذلك ووقع في "تنقيح الزركشي" ما نصه: والذي انقطع به ووصل له هو عمر، لأنه لما قتل وصل له بأهل الشورى وبعثمان، كذا قال: وهو مبني على أن المذكور في الخبر من الرجال بعد النبي صلى الله عليه وسلم اثنان فقط، وهو اختصار من بعض الرواة. وإلا فعند الجمهور ثلاثة، وعلى ذلك شرح من تقدم ذكره والله أعلم. قال ابن العربي: وقوله: "أخطأت بعضا" اختلف في تعين الخطأ فقيل: وجه الخطأ تسوره على التعبير من غير استئذان واحتمله النبي صلى الله عليه وسلم لمكانه منه، قلت: تقدم البحث فيه قال: وقيل أخطأ لقسمه عليه، وقيل لجعله السمن والعسل معنى واحدا وهما معنيان وأيدوه بأنه قال أخطأت بعضا وأصبت بعضا ولو كان الخطأ في التقديم في اليسار أو في اليمين لما قال ذلك لأنه ليس من الرؤيا. وقال ابن الجوزي: الإشارة في قوله: "أصبت وأخطأت" لتعبيره الرؤيا. وقال ابن العربي: بل هذا لا يلزم لأنه يصح أن يريد به أخطأت في بعض ما جرى وأصبت في البعض، ثم قال ابن العربي: وأخبرني أبي أنه قيل وجه الخطأ أن الصواب في التعبير أن الرسول هو الظلة والسمن والعسل القرآن والسنة، وقيل: وجه الخطأ أنه جعل السبب الحق عثمان لم ينقطع به الحق، وإنما الحق أن الولاية كانت بالنبوة ثم صارت بالخلافة فاتصلت لأبي بكر ولعمر ثم انقطعت بعثمان لما كان ظن به ثم صحت براءته فأعلاه الله ولحق بأصحابه. قال: وسألت بعض الشيوخ العارفين عن تعيين الوجه الذي أخطأ فيه أبو بكر فقال: من الذي يعرفه " ولئن كان تقدم أبي بكر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم للتعبير خطأ فالتقدم بين يدي أبي بكر لتعيين خطئه أعظم وأعظم، فالذي يقتضيه الدين والحزم الكف عن ذلك. وقال الكرماني: إنما أقدموا علي تبين ذلك مع كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يبينه لأنه كان يلزم من تبيينه مفسدة إذ ذاك فزالت بعده، مع أن جميع ما ذكروه إنما هو بطريق الاحتمال ولا جزم في شيء من ذلك. وفي الحديث من الفوائد أن الرؤيا ليست لأول عابر كما تقدم تقريره، لكن قال إبراهيم بن عبد الله الكرماني: المعبر لا يغير الرؤيا عن وجهها عبارة عابر ولا غيره، وكيف يستطيع مخلوق أن يغير ما كانت نسخته من أم الكتاب، غير أنه يستحب لمن لم يتدرب في علم التأويل أن لا يتعرض لما سبق إليه من لا يشك في أمانته ودينه. قلت: وهذا مبنى على تسليم أن المرائي تنسخ من أم الكتاب على وفق ما يعبرها العارف، وما المانع أنها تنسخ على وفق ما يعبرها أول عابر، وأنه لا يستحب إبرار القسم إذا كان فيه مفسدة. وفيه أن من قال أقسم لا كفارة عليه، لأن أبا بكر لم يزد على قوله: "أقسمت" كذا قاله عياض، ورده النووي بأن الذي في جميع نسخ صحيح مسلم أنه قال: "فوالله يا رسول الله لتحدثني" وهذا صريح يمين. قلت: وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الأيمان والنذور. قال ابن التين: فيه أن الأمر بإبرار القسم خاص بما يجوز الإطلاع عليه، ومن ثم لم يبر قسم أبي بكر لكونه سأل ما لا يجوز الإطلاع عليه لكل أحد. قلت: فيحتمل أن يكون منعه ذلك لما سأله جهارا وأن يكون أعلمه بذلك سرا. وفيه الحث على تعليم علم الرؤيا وعلى تعبيرها وترك إغفال السؤال عنه، وفضيلتها لما تشتمل عليه من الإطلاع على بعض الغيب وأسرار الكائنات قال ابن هبيرة: وفي السؤال من أبي بكر أولا وآخرا وجواب النبي صلى الله عليه وسلم دلالة على

(12/437)


انبساط أبي بكر معه وإدلاله عليه. وفيه أنه لا يعبر الرؤيا إلا عالم ناصح أمين حبيب وفيه أن العابر قد يخطئ وقد يصيب، وأن للعالم بالتعبير أن يسكت عن تعبير الرؤيا أو بعضها عند رجحان الكتمان على الذكر. قال المهلب: ومحله إذا كان في ذلك عموم، فأما لو كانت مخصوصة بواحد مثلا فلا بأس أن يخبره ليعد الصبر ويكون على أهبة من نزول الحادثة. وفيه جواز إظهار العالم ما يحسن من العلم إذا خلصت نيته وأمن العجب، وكلام العالم بالعلم بحضرة من هو أعلم منه إذا أذن له في ذلك صريحا أو ما قام مقامه، ويؤخذ منه جواز مثله في الإفتاء والحكم، وأن للتلميذ أن يقسم على معلمه أن يفيده الحكم.

(12/438)


48- باب: تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ
7047- حَدَّثَنِي مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ "حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ قَالَ فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ. وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي: انْطَلِقْ. وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى. قَالَ قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا هَذَانِ؟ قَالَ قَالاَ لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، قَالَ وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ فَيَشُقُّ. قَالَ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى. قَالَ قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ؟ قَالَ قَالاَ لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ، قَالَ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ. قَالَ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلاَءِ؟ قَالَ قَالاَ لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا. قَالَ قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالَ قَالاَ لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً، وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا.

(12/438)


قَالَ قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ قَالَ قَالاَ لِي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيْ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لاَ أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ. قَالَ قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا، مَا هَؤُلاَءِ؟ قَالَ قَالاَ لِي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ. قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلاَ أَحْسَنَ. قَالَ قَالاَ لِي: ارْقَ، فِيهَا قَالَ فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالَ قَالاَ لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ، قَالَ وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ من الْبَيَاضِ فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. قَالَ قَالاَ لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا، فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ. قَالَ: قَالاَ لِي هَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَ قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا، ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ، قَالاَ: أَمَّا الْآنَ فَلاَ، وَأَنْتَ دَاخِلَهُ. قَالَ قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ قَالاَ لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ: أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ. وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا. وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ. وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ. قَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطْرٌ قَبِيحًا فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ"
قوله: "باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح" فيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض عملائهم قال: لا تقصص رؤياك على امرأة ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس. وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير إن المستحب أن يكون تعبير الرؤيا بعد طلوع الشمس إلى الرابعة ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دال على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة. قال المهلب: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها وقبل ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه

(12/439)


وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤيا فيستبشر بالخير ويحذر من الشر ويتأهب لذلك، فربما كان في الرؤيا تحذير عن معصية فيكف عنها، وربما كانت إنذارا لأمر فيكون له مترقبا، قال: فهذه عدة فوائد لتعبير الرؤيا أول النهار انتهى ملخصا. قوله: "حدثنا" في رواية غير أبي ذر "حدثني". قوله: "مؤمل" بوزن محمد مهموز "ابن هشام أبو هاشم" كذا لأبي ذر عن بعض مشايخه وقال: الصواب أبو هشام وكذا هو عند غير أبي ذر، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وكان صهر إسماعيل شيخه في هذا الحديث على ابنته، ولم يخرج عنه البخاري عن غير إسماعيل، وقد أخرج البخاري عنه هذا الحديث هنا تاما، وأخرج في الصلاة قبل الجمعة وفي أحاديث الأنبياء وفي التفسير عنه بهذا السند أطرافا، وأخرجه أيضا تاما في أواخر كتاب الجنائز عن موسى بن إسماعيل عن جرير بن حازم عن أبي رجاء "وأخرج في الصلاة وفي التهجد وفي البيوع وفي بدء الخلق وفي الجهاد وفي أحاديث الأنبياء وفي الأدب عنه منه بالسند المذكور أطرافا، وأخرج مسلم قطعة من أوله من طريق جرير بن حازم، وأخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن جرير بتمامه، وأخرجه أيضا عن محمد بن جعفر غندر عنه عن عوف بتمامه. قوله: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم" هو الذي يقال له ابن علية، وشيخه عوف هو الأعرابي وأبو رجاء هو العطاردي واسمه عمران، والسند كله بصريون. قوله: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه" كذا لأبي ذر عن الكشميهني، وله عن غيره بإسقاط يعني" وكذا وقع عند الباقين، وفي رواية النسفي وكذا في رواية محمد ابن جعفر " مما يقول لأصحابه " وقد تقدم في بدء الوحي ما نقل ابن مالك أنها بمعنى " مما يكثر " قال الطيبي قوله مما يكثر خبر كان وما موصولة ويكثر صلته والضمير الراجع إلى ما فاعل يقول وأن يقول فاعل يكثر وهل رأى أحد منكم هو المقول أي رسول الله كائنا من النفر الذين كثر منهم هذا القول، فوضع ما موضع من تفخيما وتعظيما لجانبه، وتحريره كان رسول الله يجيد تعبير الرؤيا، وكان له مشارك في ذلك منهم، لأن الإكثار من هذا القول لا يصدر إلا ممن تدرب فيه ووثق بإصابته كقولك كان زيد من العلماء بالنحو ومنه قول صاحبي السجن ليوسف عليه السلام {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} أي من المجيدين في عبارة الرؤيا، وعلماء ذلك مما رأياه منه، هذا من حيث البيان، وأما من حيث النحو فيحتمل أن يكون قوله: "هل رأى أحد منكم رؤيا" مبتدأ والخبر مقدم عليه على تأويل هذا القول مما يكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله، ثم أشار إلى ترجيح الوجه السابق والمتبادر هو الثاني وهو الذي اتفق عليه أكثر الشارحين. قوله: "فيقص" بضم أوله وفتح القاف. قوله: "ما شاء الله" في رواية يزيد "فيقص عليه من شاء الله" وهو بفتح أوله وضم القاف وهي رواية النسفي، و "ما" في الرواية الأولى للمقصوص و "من" في الثانية للقاص، ووقع في رواية جرير بن حازم "فسأل يوما فقال: هل رأى أحد رؤيا؟ قلنا: لا قال: لكن رأيت الليلة" قال الطيبي: وجه الاستدراك أنه يحب أن يعبر لهم الرؤيا، فلما قالوا ما رأينا شيئا كأنه قال: أنتم ما رأيتم شيئا لكني رأيت، وفي رواية أبي خلدة بفتح المعجمة وسكون اللام واسمه خالد بن دينار عن أبي رجاه عن سمرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد يوما فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا فليحدث بها، فلم يحدث أحد بشيء فقال: إني رأيت رؤيا فاسمعوا مني" أخرجه أبو عوانة. قوله: "وإنه قال لنا ذات غداة" لفظ: "ذات" زائد أو هو من إضافة الشيء إلى اسمه، وفي رواية جرير ابن حازم عنه "كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه" وفي رواية يزيد بن هارون عنه "إذا صلى صلاة الغداة" وفي رواية وهب بن جرير عن أبيه عند مسلم: "إذا صلى الصبح"

(12/440)


وبه تظهر مناسبة الترجمة وذكر ابن أبي حاتم من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة الفجر فجلس " الحديث بطوله نحو حديث سمرة، والراوي له عن زيد ضعيف. وأخرج أبو داود والنسائي من حديث الأعرج عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: هل رأى أحد الليلة رؤيا" وأخرج الطبراني بسند جيد عن أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح فقال: "إني رأيت الليلة رؤيا هي حق فاعقلوها " فذكر حديثا فيه أشياء يشبه بعضها ما في حديث سمرة، لكن يظهر من سياقه أنه حديث آخر، فإن في أوله " أتاني رجل فأخذ بيدي فاستتبعني حتى أتى جبلا طويلا وعرا فقال لي: ارقه، فقلت: لا أستطيع، فقال: إني سأسهله لك فجعلت كلما وضعت قدمي وضعتها على درجه حتى استويت على سواء الجبل، ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يقولون ما لا يعلمون" الحديث. قوله: "إنه أتاني الليلة" بالنصب. قوله: "آتيان" في رواية هوذة عن عوف عند ابن أبي شيبة: "اثنان أو آتيان" بالشك وفي رواية جرير "رأيت رجلين أتياني" وفي حديث علي "رأيت ملكين" وسيأتي في آخر الحديث أنهما "جبريل وميكائيل". قوله: "وإنهما ابتعثاني" بموحدة ثم مثناة وبعد العين المهملة مثلثة كذا للأكثر، وفي رواية الكشميهني بنون ثم موحدة ومعنى ابتعثاني أرسلاني، كذا قال في الصحاح بعثه وابتعثه أرسلته، يقال ابتعثه إذا أثاره وأذهبه، وقال ابن هبيرة. معنى ابتعثاني أيقظاني، ويحتمل أن يكون رأى في المنام أنهما أيقظاه فرأى ما رأى في المنام ووصفه بعد أن أفاق على أن منامه كاليقظة، لكن لما رأى مثالا كشفه التعبير دل على أنه كان مناما. قوله: "وإني انطلقت معهما" زاد جرير بن حازم في روايته: "إلى الأرض المقدسة " وعند أحمد إلى أرض فضاء أو أرض مستوية، وفي حديث علي "فانطلقا بي إلى السماء". قوله: "وإنا أتينا على رجل مضطجع" في رواية جرير "مستلق على قفاه". قوله: "وإذا آخر قائم عليه بصخرة" في رواية جرير " بفهر أو صخرة"، وفي حديث على " فمررت على ملك وأمامه آدمي وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الآدمي". قوله: "يهوي" بفتح أوله وكسر الواو أي يسقط، يقال هوى بالفتح يهوى هويا سقط إلى أسفل، وضبطه ابن التين بضم أوله من الرباعي، ويقال أهوى من بعد وهوى بفتح الواو من قرب. قوله: "بالصخرة لرأسه فيثلغ" بفتح أوله وسكون المثلثة وفتح اللام بعدها غين معجمة أي يشدخه، وقد وقع في رواية جرير "فيشدخ" والشدخ كسر الشيء الأجوف. قوله: "فيتدهده الحجر" بفتح المهملتين بينهما هاء ساكنة. وفي رواية الكشميهني فيتدأدأ بهمزتين بدل الهاءين، وفي رواية النسفي وكذا هو في رواية جرير بن حازم "فيتدهدأ" بهاء ثم همزة وكل بمعنى. والمراد أنه دفعه من علو إلى أسفل، وتدهده إذا انحط، والهمزة تبدل من الهاء كثيرا وتدأدأ تدحرج وهو بمعناه. قوله: "هاهنا" أي إلى جهة الضارب. قوله: "فيتبع الحجر" أي الذي رمى به "فيأخذه" في رواية جرير "فإذا ذهب ليأخذه". قوله: "فلا يرجع إليه" أي إلى الذي شدخ رأسه. قوله: "حتى يصح رأسه" في رواية جرير حتى "يلتئم" وعند أحمد " عاد رأسه كما كان " وفي حديث علي فيقع دماغه جانبا وتقع الصخرة جانبا. قوله: "ثم يعود عليه" في رواية جرير "فيعود إليه". قوله: "مثل ما فعل به مرة الأولى" كذا لأبي ذر والنسفي ولغيرهما وكذا في رواية النضر بن شميل عن عوف عند أبي عوانة "المرة الأولى" وهو المراد بالرواية الأخرى وفي رواية جرير "فيصنع مثل ذلك" قال ابن العربي: جعلت العقوبة في رأس هذه النومة عن الصلاة والنوم موضعه الرأس.

(12/441)


قوله: "انطلق انطلق" كذا في المواضع كلها بالتكرير، وسقط في بعضها التكرار لبعضهم، وأما في رواية جرير فليس فيها سبحان الله وفيها "انطلق" مرة واحدة. قوله: "فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد" تقدم في الجنائز ضبط الكلوب وبيان الاختلاف فيه، ووقع في حديث علي " فإذا أنا بملك وأمامه آدمي. وبيد الملك كلوب من حديد فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه " الحديث، قوله: "فيشرشر شدقه إلى قفاه" أي يقطعه شقا، والشدق جانب الفم، وفي رواية جرير "فيدخله في شقه فيشقه حتى يبلغ قفاه". قوله: "ومنخره" كذا بالإفراد وهو المناسب. وفي رواية جرير "ومنخريه" بالتثنية. قوله: "قال وربما قال أبو رجاء فيشق" أي بدل فيشرشر، وهذه الزيادة ليست عند محمد بن جعفر. قوله: "ثم يتحول إلى الجانب الآخر إلخ" اختصره في رواية جرير بن حازم ولفظه: "ثم يخرجه، فيدخله في شقه الآخر ويلتئم هذا الشق فهو يفعل ذلك به " قال ابن العربي: شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية، وعلى هذا تجرى العقوبة في الآخرة بخلاف الدنيا. ووقعت هذه القصة مقدمة في رواية جرير على قصة الذي يشدخ رأسه. قال الكرماني: الواو لا ترتب، والاختلاف في كونه مستلقيا وفي الأخرى مضطجعا والآخر كان جالسا وفي الأخرى قائما يحمل على اختلاف حال كل منهما. قوله: "فأتينا على مثل التنور" في رواية محمد بن جعفر "مثل بناء التنور" زاد جرير "أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نارا" كذا فيه بالنصب ووقع في رواية أحمد "تتوقد تحته نار" بالرفع وهي رواية أبي ذر وعليها اقتصر الحميدي في جمعه وهو واضح. وقال ابن مالك في كلامه على مواضع من البخاري "يوقد تحته نارا" بالنصب على التمييز وأسند يوقد إلى ضمير عائد على النقب كقولك مررت بامرأة يتضوع من أردانها طيبا والتقدير يتضوع طيب من أردانها، فكأنه قال: توقد ناره تحته فيصح نصب نارا على التمييز " قال ويجوز أن يكون فاعل توقد موصولا بتحته فحذف وبقيت صلته دالة عليه لوضوح المعنى، والتقدير يتوقد الذي تحته نارا وهو على التمييز أيضا، وذكر لحذف الموصول في مثل هذا عدة شواهد. قوله: "وأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات" في رواية جرير "ثقب قد بنى بناء التنور وفيه رجال ونساء". قوله: "وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا" بغير همزة للأكثر وحكى الهمز أي رفعوا أصواتهم مختلطة ومنهم من سهل الهمزة، قال في النهاية: الضوضاة أصوات الناس ولغطهم وكذا الضوضى بلا هاء مقصور، وقال الحميدي: المصدر بغير همز، وفي روية جرير " فإذا اقتربت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا" وعند أحمد "فإذا أوقدت" بدل "اقتربت". قوله: "فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم" في رواية جرير بن حازم "على نهر من دم" ولم يقل حسبت. قوله: "سابح يسبح" بفتح أوله وسكون المهملة بعدها موحدة مفتوحة ثم حاء مهملة أي يعوم. قوله: "سبح ما سبح" بفتحتين والموحدة خفيفة. قوله: "ثم يأتي ذلك الذي" فاعل "يأتي" هو السابح. وذلك في موضع نصب على المفعولية، قوله: "فيفغر" بفتح أوله وسكون الفاء وفتح الغين المعجمة بعدها راء أي يفتحه وزنه ومعناه. قوله: "كلما رجع إليه" في رواية المستملي: "كما رجع إليه ففغر له فاه" ووقع في رواية جرير بن حازم "فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه ورده حيث كان" ويجمع بين الروايتين أنه إذا أراد أن يخرج فغر فاه وأنه يلقمه الحجر يرميه إياه. قوله: "كريه المرآة" بفتح الميم وسكون الراء وهمزة ممدودة بعدها هاء تأنيث، قال ابن التين: أصله المرأية تحركت الياء وانفتح ما قبلها

(12/442)


فقلبت ألفا وزنه مفعلة. قوله: "كأكره ما أنت راء رجلا مرآة" بفتح الميم أي قبيح المنظر. قوله: "فإذا عنده نار" في رواية يحيى بن سعيد القطان عن عوف عند الإسماعيلي: "عند نار". قوله: "يحشها" بفتح أوله وبضم الحاء المهملة وتشديد الشين المعجمة من، الثلاثي، وحكى في المطالع ضم أوله من الرباعي، وفي رواية جرير بن حازم "يحششها" بسكون الحاء وضم الشين المعجمة المكررة. قوله: "ويسعى حولها" في رواية جرير "ويوقدها" وهو تفسير يحشها قال الجوهري: حششت النار أحشها حشا أو قدتها، وقال في التهذيب: حششت النار بالحطب ضممت ما تفرق من الحطب إلى النار، وقال ابن العربي: حش ناره حركها. قوله: "فأتينا على روضة معتمة" بضم الميم وسكون المهملة وكسر المثناة وتخفيف الميم بعدها هاء تأنيث، ولبعضهم بفتح المثناة وتشديد الميم يقال أعتم البيت إذا اكتهل ونخلة عتيمة طويلة، وقال الداودي أعتمت الروضة غطاها الخصب، وهذا كله على الرواية بتشديد الميم، قال ابن التين: ولا يظهر: للتخفيف وجه قلت: الذي يظهر أنه من العتمة وهو شدة الظلام فوصفها بشدة الخضرة كقوله تعالى :{مُدْهَامَّتَانِ} وضبط ابن بطال روضة مغنمة بكسر الغين المعجمة وتشديد النون، ثم نقل عن ابن دريد: واد أغن ومغن إذا كثر شجره، وقال الخليل: روضة غناء كثيرة العشب، وفي رواية جرير بن حازم "روضة خضراء وإذا فيها شجرة عظيمة". قوله: "من كل لون الربيع" كذا للأكثر، وفي رواية الكشميهني: "نور" بفتح النون وبراء بدل "لون" وهي رواية النضر بن شميل عند أبي عوانة، والنور بالفتح الزهر. قوله: "وإذا بين ظهري الروضة" بفتح الراء وكسر الياء التحتانية تثنية ظهر، وفي رواية يحيي بن سعيد "بين ظهراني" وهما بمعنى والمراد وسطها. قوله: "رجل طويل" زاد النضر "قائم". قوله: "لا أكاد أرى رأسه طولا" بالنصب على التمييز، قوله: "وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط" قال الطيبي: أصل هذا الكلام وإذا حول الرجل ولدان ما رأيت ولدانا قط أكثر منهم، ونظيره. قوله بعد ذلك "لم أر روضة قط أعظم منها" ولما إن كان هذا التركيب يتضمن معنى النفي جازت زيادة "من وقط" التي تختص بالماضي المنفي وقال ابن مالك جاز استعمال قط في المثبت في هذه الرواية وهو جائز وغفل أكثرهم عن ذلك فخصوه بالماضي المنفي. قلت: والذي وجهه به الطيبي حسن جدا، ووجهه الكرماني بأنه يجوز أن يكون اكتفى بالنفي الذي يلزم من التركيب إذ المعنى: ما رأيتهم أكثر من ذلك، أو النفي مقدر. وسبق نظيره في قوله في صلاة الكسوف "فصلى بأطول قيام رأيته قط". قوله: "فقلت لهما ما هؤلاء" في بعض الطرق "ما هذا" وعليها شرح الطيبي. قوله: "فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال قالا لي: ارق فارتقيت فيها" في رواية أحمد والنسائي وأبي عوانة والإسماعيلي: "إلى دوحة" بدل "روضة" والدوحة الشجرة الكبيرة، وفيه: "فصعدا بي في الشجرة" وهي التي تناسب الرقي والصعود. قوله: "فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة" اللبن بفتح، اللام وكسر الموحدة جمع لبنة وأصلها ما يبني به من طين وفي رواية جرير بن حازم " فأدخلاني دارا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وفتيان. ثم أخرجاني منها فأدخلاني دارا هي أحسن منها". قوله: "فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم" بفتح الخاء وسكون اللام بعدها قاف أي هيئتهم، وقوله شطر مبتدأ وكأحسن الخبر والكاف زائدة والجملة صفة رجال، وهذا الإطلاق يحتمل أن يكون المراد أن نصفهم حسن كله ونصفهم قبيح كله، ويحتمل أن يكون كل واحد منهم نصفه حسن ونصفه قبيح، والثاني هو المراد، ويؤيده قولهم في صفته "هؤلاء قوم خلطوا" أي عمل كل منهم عملا

(12/443)


صالحا وخلطه بعمل سيء. قوله: "فقعوا في ذلك النهر" بصيغة فعل الأمر بالوقوع، والمراد أنهم ينغمسون فيه ليغسل تلك الصفة بهذا الماء الخاص. قوله: "نهر معترض" أي يجرى عرضا. قوله: "كأن ماءه المحض" بفتح الميم وسكون المهملة بعدها ضاد معجمة هو اللبن الخالص عن الماء حلوا كان أو حامضا، وقد بين جهة التشبيه بقوله: "من البياض " وفي رواية النسفي والإسماعيلي: "في البياض" قال الطيبي. كأنهم سموا اللبن بالصفة ثم استعمل في كل صاف قال: ويحتمل أن يراد بالماء المذكور عفو الله عنهم أو التوبة منهم كما في الحديث: "اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد". قوله: "ذهب ذلك السوء عنهم" أي صار القبيح كالشطر الحسن، فذلك قال: وصاروا في أحسن صورة. قوله: "قالا لي هذه جنة عدن" يعني المدينة. قوله: "فسما" بفتح السين المهملة وتخفيف الميم أي نظر إلى فوق، و قوله: "صعدا" بضم المهملتين أي ارتفع كثرا " وضبطه ابن التين بفتح العين واستبعد ضمها". قوله: "مثل الربابة" بفتح الراء وتخفيف الموحدتين المفتوحتين وهي السحابة البيضاء، ويقال لكل سحابة منفردة دون السحاب ولو لم تكن بيضاء، وقال الخطابي: الربابة السحابة التي ركب بعضها على بعض، وفي رواية جرير "فرفعت رأسي فإذا هو في السحاب". قوله: "ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا وأنت داخله" في رواية جرير بن حازم "فقلت دعاني أدخل منزلي، قالا: أنه بقي لك عمر لم تستكمله، ولو استكملته أتيت منزلك". قوله: "فإني قد رأيت منذ الليلة عجبا فما هذا الذي رأيت، قال قالا أما" بتخفيف الميم "إنا سنخبرك" في رواية جرير، فقلت طوفتما بي الليلة " وهي بموحدة ولبعضهم بنون " فأخبراني عما رأيت، قال نعم". قوله: "فيرفضه" بكسر الفاء ويقال بضمها قال ابن هبيرة: رفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس. قوله: "وينام عن الصلاة المكتوبة" هذا أوضح من رواية جرير بن حازم بلفظ: "علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار " فإن ظاهره أنه يعذب على ترك قراءة القرآن بالليل، بخلاف رواية عوف فإنه على تركه الصلاة المكتوبة، ويحتمل أن يكون التعذيب على مجموع الأمرين ترك القراءة وترك العمل. قوله: "يغدو من بيته" أي يخرج منه مبكرا. قوله: "فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق" في رواية جرير بن حازم " فكذوب يحدث بالكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة " وفي رواية موسى بن إسماعيل في أواخر الجنائز " والرجل الذي رأيته يشق شدقه فكذاب " قال ابن مالك: لا بد من جعل الموصوف الذي هنا للمعين كالعام حتى جاز دخول الفاء في خبره، أي المراد هو وأمثاله، كذا نقله الكرماني، ولفظ ابن مالك في هذا شاهد على أن الحكم قد يستحق بجزء العلة، وذلك أن المبتدأ لا يجوز دخول الفاء على خبره إلا إذا كان شبيها بمن الشرطية في العموم واستقبال ما يتم به المعنى، نحو الذي يأتيني فمكرم، لو كان المقصود بالذي معينا زالت مشابهته بمن وامتنع دخول الفاء على الخبر كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدآت المقصود بها التعيين نحو زيد فمكرم لم يجز، فكذا الذي لا يجوز الذي يأتيني إذا قصدت به معينا، لكن الذي يبني عند قصد التعيين شبيه في اللفظ بالذي يأتيني عند قصد العموم فجاز دخول الفاء حملا للشبيه على الشبيه، ونظيره قوله تعالى :{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} فإن مدلول "ما" معين ومدلول "أصابكم" ماض، إلا أنه روعي فيه التشبيه اللفظي لشبه هذه الآية بقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} فأجرى "ما في" مصاحبة الفاء مجرى واحدا انتهى. قال الطيبي: هذا كلام متين،

(12/444)


لكن جواب الملكين تفصيل لتلك الرؤيا المتعددة المبهمة لا بد من ذكر كلمة التفصيل أو تقديرها فالفاء جواب أما ثم قال: والفاء في قوله: "فأولاد الناس" جاز دخولها على الخبر لأن الجملة معطوفة على مدخول "أما" في قوله: "أما الرجل" وقد تحذف الفاء في بعض المحذوفات نظرا إلى أن أما لما حذفت حذف مقتضاها وكلاهما جائز وبالله التوفيق. وقوله تحمل بالتخفيف للأكثر ولبعضهم بالتشديد، وإنما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد وهو فيها مختار غير مكره ولا ملجأ. قال ابن هبيرة: لما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه لسانه على الكذب بترويج باطله وقعت المشاركة بينهم في العقوبة. قوله: "في مثل بناء التنور" في رواية جرير "والذي رأيته في النقب". قوله: "فهم الزناة" مناسبة العرى لهم لاستحقاقهم أن يفضحوا لأن عادتهم أن يستتروا في الخلوة فعوقبوا بالهتك، والحكمة في إتيان العذاب من تحتهم كون جنايتهم من أعضائهم السفلى. قوله: "فإنه آكل الربا" قال ابن هبيرة إنما عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة لأن أصل الربا يجرى في الذهب والذهب أحمر، وأما إلقام الملك له الحجر فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئا وكذلك الربا فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد والله من ورائه محقه. قوله: "الذي عند النار" في رواية الكشميهني: "عنده النار". قوله: "خازن جهنم" إنما كان كريه الرؤية لأن في ذلك زيادة في عذاب أهل النار. قوله: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم" في رواية جرير " والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم " وإنما اختص إبراهيم لأنه أبو المسلمين، قال تعالى :{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} وقال تعالى :{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} الآية "وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة" في رواية النضر بن شميل "ولد على الفطرة" وهي أشبه بقوله في الرواية الأخرى "وأولاد المشركين" وفي رواية جرير "فأولاد الناس" لم أر ذلك إلا في هذه الطريق، ووقع في حديث أبي أمامة الذي نبهت عليه في أول شرح هذا الحديث: "ثم انطلقنا فإذا نحن بجوار وغلمان يلعبون بين نهرين، فقلت ما هؤلاء قال: ذرية المؤمنين". قوله: "فقال بعض المسلمين" لم أقف على اسمه. قوله: "وأولاد المشركين" تقدم البحث فيه مستوفي في أواخر الجنائز وظاهره أنه صلى الله عليه وسلم ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة ولا يعارض قوله: هم من آبائهم لأن ذلك حكم الدنيا. قوله: "وأما القوم الذين كانوا شطرا منهم حسن وشطرا منهم قبيح" كذا في الموضعين بنصب شطرا ولغير أبي ذر " شطر " في الموضعين بالرفع وحسنا وقبيحا بالنصب ولكل وجه، وللنسفي والإسماعيلي بالرفع في الجميع، وعليه اقتصر الحميدي في جمعه و " كان " في هذه الرواية تامة والجملة حالية، وزاد جرير بن حازم في روايته: "والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وهذه الدار دار الشهداء وأنا جبريل وهذا ميكائيل " وفي حديث أبي أمامة " ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء أقبح شيء منظرا وأنتنه ريحا كأنما ريحهم المراحيض، قلت ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزواني والزناة. ثم انطلقنا فإذا نحن بموتى أشد شيء انتفاخا وأنتنه ريحا، قلت: ما هؤلاء قال: هؤلاء موتى الكفار. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال نيام تحت ظلال الشجر، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى المسلمين. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال أحسن شيء وجها وأطيبه ريحا، قلت: ما هؤلاء؟ قال، هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون " الحديث. وفي هذا الحديث من الفوائد أن الإسراء وقع مرارا يقظة ومناما على أنحاء شتى. وفيه أن بعض العصاة يعذبون في البرزخ. وفيه نوع من تلخيص العلم وهو أن يجمع القضايا جملة ثم يفسرها على الولاء ليجتمع تصورها في الذهن، والتحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة، وعن رفض القرآن

(12/445)


لمن يحفظه، وعن الزنا وأكل الربا وتعمد الكذب، وأن الذي له قصر في الجنة لا يقيم فيه وهو في الدنيا بل إذا مات، حتى النبي والشهيد. وفيه الحث على طلب العلم واتباع من يلتمس منه ذلك. وفيه فضل الشهداء وأن منازلهم في الجنة أرفع المنازل، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أرفع درجة من إبراهيم عليه السلام لاحتمال أن إقامته هناك بسبب كفالته الولدان، ومنزله هو في المنزلة التي هي أعلى من منازل الشهداء كما تقدم في الإسراء أنه رأى آدم في السماء الدنيا، وإنما كان كذلك لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير ومن أهل الشر فيضحك ويبكي مع أن منزلته هو في عليين، فإذا كان يوم القيامة استقر كل منهم في منزلته. وفيه أن من استوت حسناته وسيئاته يتجاوز الله عنهم، اللهم تجاوز عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وفيه أن الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها وفضل تعبيرها واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح لأنه الوقت الذي يكون فيه البال مجتمعا. وفيه استقبال الإمام أصحابه بعد الصلاة إذا لم يكن بعدها راتبة وأراد أن يعظهم أو يفتيهم أو يحكم بينهم. وفيه أن ترك استقبال القبلة للإقبال عليهم لا يكره بل يشرع كالخطيب، قال الكرماني: مناسبة العقوبات المذكورة فيه للجنايات ظاهرة إلا الزناة ففيها خفاء، وبيانه أن العرى فضيحة كالزنا، والزاني من شأنه طلب الخلوة فناسب التنور، ثم هو خائف حذر حال الفعل كأن تحته النار. وقال أيضا: الحكمة في الاقتصار على من ذكر من العصاة دون غيرهم أن العقوبة تتعلق بالقول أو الفعل، فالأول على وجود ما لا ينبغي منه أن يقال، والثاني إما بدني وإما مالي فذكر لكل منهم مثال ينبه به على من عداه، كما نبه بمن ذكر من أهل الثواب وأنهم أربع درجات. درجات النبي، ودرجات الأمة أعلاها الشهداء، وثانيها من بلغ، وثالثها من كان دون البلوغ انتهى ملخصا
"خاتمة": اشتمل كتاب التعبير من الأحاديث المرفوعة على تسعة وتسعين حديثا، الموصول منه اثنان وثمانون والبقية ما بين معلق ومتابعة، المكرر منها فيه وفيما مضى خمسة وسبعون طريقا والبقية خالصة، وافقه مسلم على تخريجها إلا حديث أبي سعيد "إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها" وحديث: "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين" وحديث عكرمة عن ابن عباس وهو يشتمل على ثلاثة أحاديث "من تحلم، ومن استمع، ومن صور" وحديث ابن عمر "من أفرى الفرى أن يرى عينيه ما لم ير" وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرة. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
"تم الجزء الثاني عشر ويليه إن شاء الله الجزء الثالث عشر أوله كتاب الفتن"

(12/446)